{"ً":{"ٌ":13281,"ٍ":"منهج الإمام الدارقطني في نقد الحديث في كتاب العلل","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العلل والسؤالات/منهج الإمام الدارقطني في نقد الحديث في كتاب العلل - الداودي - ط المحدثين","files":["126277.pdf"]},"ّ":"الكتاب: مَنْهجُ الإمَامِ الدَّارَقطنِي في نقدِ الحديث في كِتَابِ العِلَّل\nالمؤلف: أبو عبد الرحمن، يوسف بن جودة يس يوسف الداودي\nالناشر: دار المحدثين للبحث العلمي والترجمة والنشر\nالطبعة: الأولى، ٢٠١١ م - ١٤٣٢ م\nعدد الصفحات: ٤٢١\nأصل هذا الكتاب: رسالة ماجستير\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2681,"ٕ":9,"ٖ":1770156048,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"الإهداء","level":1,"page":2},{"title":"مقدمة","level":1,"page":3},{"title":"أهداف البحث","level":2,"page":5},{"title":"منهج البحث","level":2,"page":6},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":7},{"title":"عقبات البحث","level":2,"page":9},{"title":"تمهيد","level":2,"page":12},{"title":"تعريف العلة لغة واصطلاحا","level":3,"page":12},{"title":"العلة في اللغة","level":4,"page":12},{"title":"العلة في الاصطلاح","level":4,"page":14},{"title":"ملخص الخلاف في تعريف العلة في الاصطلاح","level":3,"page":16},{"title":"العلاقة بين المدلول اللغوي والاصطلاحي","level":3,"page":16},{"title":"أهمية بيان علة الأحاديث والأخبار","level":3,"page":21},{"title":"الباب الأول الإمام الدارقطني وكتابه العلل","level":1,"page":27},{"title":"الفصل الأول ترجمة موجزة للإمام الدارقطني ﵀.","level":2,"page":28},{"title":"المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده.","level":3,"page":28},{"title":"المبحث الثاني: نشأته وبداية طلبه للعلم.","level":3,"page":28},{"title":"المبحث الثالث: رحلاته العلمية وشيوخه وتلامذته.","level":3,"page":29},{"title":"شيوخه","level":4,"page":29},{"title":"تلامذته","level":4,"page":31},{"title":"المبحث الرابع: منزلته العلمية.","level":3,"page":32},{"title":"ثناء العلماء عليه","level":4,"page":32},{"title":"المبحث الخامس: وفاته.","level":3,"page":34},{"title":"المبحث السادس: آثاره العلمية.","level":3,"page":35},{"title":"أولا المخطوطات","level":4,"page":35},{"title":"ثانيا المطبوعات","level":4,"page":38},{"title":"المبحث السابع: دراسات علمية حول بعض مؤلفاته.","level":3,"page":39},{"title":"الفصل الثاني التعريف بكتاب العلل للإمام الدارقطني","level":2,"page":41},{"title":"المبحث الأول: اسم الكتاب ومؤلفه","level":3,"page":41},{"title":"اسم الكتاب","level":4,"page":41},{"title":"مؤلف الكتاب","level":4,"page":41},{"title":"المبحث الثاني: قيمة الكتاب العلمية","level":3,"page":43},{"title":"المبحث الثالث: محتوى الكتاب","level":3,"page":45},{"title":"المبحث الرابع: مصادر الإمام الدارقطني في الكلام على العلل والرواة","level":3,"page":49},{"title":"أولا: المصادر التي صرح بها الدارقطني في كتابه","level":4,"page":49},{"title":"ثانيا: المصادر التي لم يصرح بها الدارقطني في كتابه","level":4,"page":51},{"title":"المبحث الخامس: الطريقة التي كان يسلكها الدارقطني في بيان العلل","level":3,"page":57},{"title":"أولا: الطريقة التي كان يسلكها الدارقطني غالبا في بيان العلة","level":4,"page":57},{"title":"ثانيا: الطريقة التي كان الدارقطني أحيانا ما يسلكها في بيان العلة","level":4,"page":63},{"title":"ثالثا: الطريقة التي كان الدارقطني نادرا ما يسلكها في بيان العلة","level":4,"page":67},{"title":"المبحث السادس: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني في العلل على أحد الصحيحين","level":3,"page":69},{"title":"أولا: الأحاديث التي انتقدها في كتاب العلل وقد أخرجها البخاري في أصل صحيحه","level":4,"page":69},{"title":"ثانيا: الأحاديث التي انتقدها في كتاب العلل وقد أخرجها مسلم في أصل صحيحه","level":4,"page":81},{"title":"الباب الثاني العلة وأجناسها عند الإمام الدارقطني","level":1,"page":89},{"title":"الفصل الأول مفهوم العلة عند الإمام الدارقطني","level":2,"page":90},{"title":"المبحث الأول: مفهوم العلة من جهة الإسناد.","level":3,"page":90},{"title":"المبحث الثاني: مفهوم العلة من جهة المتن.","level":3,"page":110},{"title":"أمثلة نقد الدارقطني لمتون الأحاديث","level":4,"page":112},{"title":"نتائج هامة","level":4,"page":118},{"title":"الفصل الثاني أجناس العلل الخفية والظاهرة في الإسناد والمتون","level":2,"page":120},{"title":"المبحث الأول: أجناس العلل التي ذكرها الحاكم وأمثلتها عند الدارقطني","level":3,"page":120},{"title":"الأجناس التي ذكرها الحاكم وأمثلتها عند الدارقطني في كتاب العلل","level":4,"page":121},{"title":"المبحث الثاني: الأجناس التي لم يذكرها الحاكم وأمثلتها عند الدارقطني في كتاب العلل","level":3,"page":152},{"title":"المبحث الثالث: أجناس العلل الخفية في المتون","level":3,"page":180},{"title":"المبحث الرابع: أجناس العلل الظاهرة.","level":3,"page":198},{"title":"الباب الثالث ألفاظ التعليل ومدلولاتها عند الإمام الدارقطني","level":1,"page":211},{"title":"الفصل الأول الألفاظ الدالة على ضعف الخبر أو عدم ثبوته","level":2,"page":213},{"title":"المبحث الأول: ألفاظ التضعيف ومدلولاتها عند الإمام الدارقطني.","level":3,"page":213},{"title":"المطلب الأول: تعريف الضعف لغة واصطلاحا.","level":4,"page":213},{"title":"الضعف لغة","level":5,"page":213},{"title":"الضعيف في الاصطلاح","level":5,"page":214},{"title":"علاقة الحديث الضعيف بالحديث المعلول","level":5,"page":215},{"title":"المطلب الثاني: أهمية كتابة الحديث الضعيف.","level":4,"page":216},{"title":"المطلب الثالث: ألفاظ التضعيف عند الدارقطني في العلل.","level":4,"page":220},{"title":"المبحث الثاني: ألفاظ الوضع والبطلان ومدلولاتهما عند الإمام الدارقطني.","level":3,"page":225},{"title":"المطلب الأول: تعريف الوضع والبطلان لغة واصطلاحا.","level":4,"page":225},{"title":"أولا: تعريف الوضع لغة","level":5,"page":225},{"title":"ثانيا: تعريف الموضوع في الاصطلاح","level":5,"page":225},{"title":"ثالثا: تعريف البطلان لغة","level":5,"page":226},{"title":"رابعا: تعريف الباطل في الاصطلاح","level":5,"page":227},{"title":"المطلب الثاني: ألفاظ الوضع والبطلان عند الإمام الدارقطني.","level":4,"page":227},{"title":"أولا: لفظة: \" كان يضع أو يكذب \".","level":5,"page":227},{"title":"ثانيا: لفظة: \" قال ما لم يقله أحد من أهل العلم \".","level":5,"page":227},{"title":"ثالثا: لفظة: \" ليس هذا بشيء \".","level":5,"page":228},{"title":"رابعا: لفظة: \" وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد \".","level":5,"page":229},{"title":"خامسا: لفظة: \" هذا باطل عن فلان \".","level":5,"page":229},{"title":"سادسا: لفظة: \" وكلها باطلة \".","level":5,"page":230},{"title":"ويتضح مما سبق","level":5,"page":230},{"title":"نستنج أن","level":5,"page":232},{"title":"الفصل الثاني الألفاظ الدالة على الخطأ والوهم والاختلاف","level":2,"page":234},{"title":"المبحث الأول: ألفاظ الخطأ والوهم ومدلولهما عند الإمام الدارقطني.","level":3,"page":234},{"title":"المطلب الأول: تعريف الخطأ والوهم لغة.","level":4,"page":234},{"title":"أولا: تعريف الخطأ لغة.","level":5,"page":234},{"title":"ثانيا: تعريف الوهم لغة.","level":5,"page":235},{"title":"المطلب الثاني: ألفاظ الخطأ والوهم عند الدارقطني في العلل.","level":4,"page":236},{"title":"أولا: لفظتا \" الخطأ والوهم مجتمعة \"","level":5,"page":236},{"title":"ثانيا: لفظة \" الخطأ \"","level":5,"page":237},{"title":"ثالثا: لفظة \" الوهم \"","level":5,"page":241},{"title":"المبحث الثاني: ألفاظ المخالفة والنكارة ومدلولهما عند المحدثين والإمام الدارقطني.","level":3,"page":244},{"title":"المطلب الأول: تعريف المخالفة لغة.","level":4,"page":244},{"title":"المطلب الثاني: مفهوم المخالفة عند المحدثين والإمام الدارقطني.","level":4,"page":245},{"title":"المطلب الثالث: ألفاظ المخالفة التي استعملها الإمام الدارقطني لبيان العلل.","level":4,"page":248},{"title":"أولا: لفظة \" خالفه الثقات الحفاظ في إسناده \"","level":5,"page":248},{"title":"ثانيا: لفظة \" خالفه فأدرج في متن الحديث \"","level":5,"page":249},{"title":"ثالثا: لفظة \" اختلف عنه: ووهم في ذلك إنما أراد كذا، بدل كذا \"","level":5,"page":249},{"title":"رابعا: لفظة \" خالفه فزاد زيادة الثقة \"","level":5,"page":250},{"title":"المطلب الرابع: تعريف النكارة لغة.","level":4,"page":253},{"title":"المطلب الخامس: مفهوم النكارة وألفاظها عند المحدثين والإمام الدارقطني.","level":4,"page":254},{"title":"الفصل الثالث الألفاظ الدالة على الغرابة والتفرد والترجيح","level":2,"page":262},{"title":"المبحث الأول: الغرابة والتفرد ومدلولهما عند النقاد والإمام الدارقطني.","level":3,"page":262},{"title":"المطلب الأول: تعريف الغرابة والتفرد لغة.","level":4,"page":262},{"title":"أولا: تعريف الغرابة لغة.","level":5,"page":262},{"title":"ثانيا: تعريف التفرد لغة.","level":5,"page":263},{"title":"المطلب الثاني: لفظا الغرابة والتفرد عند النقاد والدارقطني في العلل.","level":4,"page":264},{"title":"أولا: لفظة \" تفرد به فلان \".","level":5,"page":266},{"title":"ثانيا: لفظة \" غريب \".","level":5,"page":270},{"title":"المبحث الثاني: ألفاظ الترجيح ومدلولاتها عند النقاد والإمام الدارقطني.","level":3,"page":273},{"title":"المطلب الأول: تعريف الترجيح لغة.","level":4,"page":273},{"title":"المطلب الثاني: ألفاظ الترجيح عند النقاد والدارقطني في العلل.","level":4,"page":273},{"title":"أولا: ألفاظ: \"وهو الصحيح\" أو \"والصحيح من ذلك \" أو\"والصحيح قول فلان\".","level":5,"page":274},{"title":"ثانيا: لفظة \" وهو الصواب \".","level":5,"page":277},{"title":"ثالثا: لفظة \" فلان أثبت من فلان \".","level":5,"page":279},{"title":"رابعا: لفظة \" وهو الأشبه بالصواب \".","level":5,"page":281},{"title":"خامسا: لفظة \" أحسنها إسنادا \".","level":5,"page":283},{"title":"الباب الرابع قرائن التعليل والترجيح عند الإمام الدارقطني","level":1,"page":286},{"title":"الفصل الأول قرائن التعليل عند الإمام الدارقطني","level":2,"page":288},{"title":"تمهيد: أهمية معرفة قرائن التعليل","level":3,"page":288},{"title":"المبحث الأول: دلائل العلة.","level":3,"page":291},{"title":"المطلب الأول: التفرد ودلالته كقرينة عند النقاد والدارقطني.","level":4,"page":291},{"title":"المطلب الثاني: المخالفة ودلالتها كقرينة عند النقاد والدارقطني.","level":4,"page":301},{"title":"المبحث الثاني: قرائن التعليل الإسنادية.","level":3,"page":309},{"title":"المطلب الأول: قرينة ضعف الثقة في بعض شيوخه الثقات.","level":4,"page":309},{"title":"المطلب الثاني: قرينة ضعف الثقة في بعض البلدان.","level":4,"page":313},{"title":"المطلب الثالث: قرينة ضعف الثقة في بعض الأحوال.","level":4,"page":316},{"title":"المبحث الثالث: قرائن التعليل المتنية.","level":3,"page":322},{"title":"المطلب الأول: قرينة مخالفة الحديث للسنة الثابتة المشهورة.","level":4,"page":322},{"title":"المطلب الثاني: قرينة أن الحديث لا يشبه كلام النبوة.","level":4,"page":325},{"title":"المطلب الثالث: قرينة أن الحديث لا يشبه حديث فلان.","level":4,"page":327},{"title":"الفصل الثاني المتابعات والقرائن وأثرهما في الترجيح عند الإمام الدارقطني","level":2,"page":333},{"title":"تمهيد","level":3,"page":333},{"title":"المبحث الأول: المتابعات وأثرها في الترجيح.","level":3,"page":334},{"title":"المطلب الأول: تعريف المتابعات لغة واصطلاحا وحكمها","level":4,"page":334},{"title":"أولا: تعريف المتابعة لغة","level":5,"page":334},{"title":"ثانيا: تعريف المتابعة اصطلاحا وحكمها","level":5,"page":335},{"title":"المطلب الثاني: أثر المتابعات في الترجيح عند النقاد والإمام الدرقطني","level":4,"page":337},{"title":"المبحث الثاني: القرائن وأثرها في الترجيح.","level":3,"page":344},{"title":"المطلب الأول: قرائن الترجيح بالأحفظ","level":4,"page":344},{"title":"المطلب الثاني: قرينة الترجيح بالأقوى والأثبت في الشيوخ","level":4,"page":348},{"title":"المطلب الثالث: قرائن الترجيح بتحديد التاريخ","level":4,"page":355},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":360},{"title":"النتائج الهامة في الدراسة","level":2,"page":360},{"title":"التوصيات والمقترحات الهامة في الدراسة","level":2,"page":362},{"title":"الفهارس العلمية","level":1,"page":363},{"title":"ثبت المصادر والمراجع","level":2,"page":364}],"ٛ":{"1,2":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,31":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,95":89,"1,97":90,"1,98":91,"1,99":92,"1,100":93,"1,101":94,"1,102":95,"1,103":96,"1,104":97,"1,105":98,"1,106":99,"1,107":100,"1,108":101,"1,109":102,"1,110":103,"1,111":104,"1,112":105,"1,113":106,"1,114":107,"1,115":108,"1,116":109,"1,117":110,"1,118":111,"1,119":112,"1,120":113,"1,121":114,"1,122":115,"1,123":116,"1,124":117,"1,125":118,"1,127":119,"1,129":120,"1,130":121,"1,131":122,"1,132":123,"1,133":124,"1,134":125,"1,135":126,"1,136":127,"1,137":128,"1,138":129,"1,139":130,"1,140":131,"1,141":132,"1,142":133,"1,143":134,"1,144":135,"1,145":136,"1,146":137,"1,147":138,"1,148":139,"1,149":140,"1,150":141,"1,151":142,"1,152":143,"1,153":144,"1,154":145,"1,155":146,"1,156":147,"1,157":148,"1,158":149,"1,159":150,"1,160":151,"1,161":152,"1,162":153,"1,163":154,"1,164":155,"1,165":156,"1,166":157,"1,167":158,"1,168":159,"1,169":160,"1,170":161,"1,171":162,"1,172":163,"1,173":164,"1,174":165,"1,175":166,"1,176":167,"1,177":168,"1,178":169,"1,179":170,"1,180":171,"1,181":172,"1,182":173,"1,183":174,"1,184":175,"1,185":176,"1,186":177,"1,187":178,"1,188":179,"1,189":180,"1,190":181,"1,191":182,"1,192":183,"1,193":184,"1,194":185,"1,195":186,"1,196":187,"1,197":188,"1,198":189,"1,199":190,"1,200":191,"1,201":192,"1,202":193,"1,203":194,"1,204":195,"1,205":196,"1,206":197,"1,207":198,"1,208":199,"1,209":200,"1,210":201,"1,211":202,"1,212":203,"1,213":204,"1,214":205,"1,215":206,"1,216":207,"1,217":208,"1,218":209,"1,219":210,"1,221":211,"1,223":212,"1,225":213,"1,226":214,"1,227":215,"1,228":216,"1,229":217,"1,230":218,"1,231":219,"1,232":220,"1,233":221,"1,234":222,"1,235":223,"1,236":224,"1,237":225,"1,238":226,"1,239":227,"1,240":228,"1,241":229,"1,242":230,"1,243":231,"1,244":232,"1,245":233,"1,247":234,"1,248":235,"1,249":236,"1,250":237,"1,251":238,"1,252":239,"1,253":240,"1,254":241,"1,255":242,"1,256":243,"1,257":244,"1,258":245,"1,259":246,"1,260":247,"1,261":248,"1,262":249,"1,263":250,"1,264":251,"1,265":252,"1,266":253,"1,267":254,"1,268":255,"1,269":256,"1,270":257,"1,271":258,"1,272":259,"1,273":260,"1,275":261,"1,277":262,"1,278":263,"1,279":264,"1,280":265,"1,281":266,"1,282":267,"1,283":268,"1,284":269,"1,285":270,"1,286":271,"1,287":272,"1,288":273,"1,289":274,"1,290":275,"1,291":276,"1,292":277,"1,293":278,"1,294":279,"1,295":280,"1,296":281,"1,297":282,"1,298":283,"1,299":284,"1,300":285,"1,301":286,"1,303":287,"1,305":288,"1,306":289,"1,307":290,"1,308":291,"1,309":292,"1,310":293,"1,311":294,"1,312":295,"1,313":296,"1,314":297,"1,315":298,"1,316":299,"1,317":300,"1,318":301,"1,319":302,"1,320":303,"1,321":304,"1,322":305,"1,323":306,"1,324":307,"1,325":308,"1,326":309,"1,327":310,"1,328":311,"1,329":312,"1,330":313,"1,331":314,"1,332":315,"1,333":316,"1,334":317,"1,335":318,"1,336":319,"1,337":320,"1,338":321,"1,339":322,"1,340":323,"1,341":324,"1,342":325,"1,343":326,"1,344":327,"1,345":328,"1,346":329,"1,347":330,"1,348":331,"1,349":332,"1,351":333,"1,352":334,"1,353":335,"1,354":336,"1,355":337,"1,356":338,"1,357":339,"1,358":340,"1,359":341,"1,360":342,"1,361":343,"1,362":344,"1,363":345,"1,364":346,"1,365":347,"1,366":348,"1,367":349,"1,368":350,"1,369":351,"1,370":352,"1,371":353,"1,372":354,"1,373":355,"1,374":356,"1,375":357,"1,376":358,"1,377":359,"1,378":360,"1,379":361,"1,380":362,"1,381":363,"1,407":364,"1,408":365,"1,409":366,"1,410":367,"1,411":368,"1,412":369,"1,413":370,"1,414":371,"1,415":372,"1,416":373,"1,417":374,"1,418":375,"1,419":376,"1,420":377,"1,421":378},"ٜ":{"1":[2,421]},"ٝ":["1,2","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,31","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,95","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,127","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,221","1,223","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,275","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,303","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2],"5":[3],"6":[4],"7":[5],"9":[6],"12":[7,8,9],"14":[10],"16":[11,12],"21":[13],"27":[14],"28":[15,16,17],"29":[18,19],"31":[20],"32":[21,22],"34":[23],"35":[24,25],"38":[26],"39":[27],"41":[28,29,30,31],"43":[32],"45":[33],"49":[34,35],"51":[36],"57":[37,38],"63":[39],"67":[40],"69":[41,42],"81":[43],"89":[44],"90":[45,46],"110":[47],"112":[48],"118":[49],"120":[50,51],"121":[52],"152":[53],"180":[54],"198":[55],"211":[56],"213":[57,58,59,60],"214":[61],"215":[62],"216":[63],"220":[64],"225":[65,66,67,68],"226":[69],"227":[70,71,72,73],"228":[74],"229":[75,76],"230":[77,78],"232":[79],"234":[80,81,82,83],"235":[84],"236":[85,86],"237":[87],"241":[88],"244":[89,90],"245":[91],"248":[92,93],"249":[94,95],"250":[96],"253":[97],"254":[98],"262":[99,100,101,102],"263":[103],"264":[104],"266":[105],"270":[106],"273":[107,108,109],"274":[110],"277":[111],"279":[112],"281":[113],"283":[114],"286":[115],"288":[116,117],"291":[118,119],"301":[120],"309":[121,122],"313":[123],"316":[124],"322":[125,126],"325":[127],"327":[128],"333":[129,130],"334":[131,132,133],"335":[134],"337":[135],"344":[136,137],"348":[138],"355":[139],"360":[140,141],"362":[142],"363":[143],"364":[144]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"مَنْهجُ الإمَامِ الدَّارَقطنِي\nفي نقدِ الحديث في كِتَابِ العِلَّل\n\nتأليف\nأبي عبد الرحمن يوسف بن جودة الدَّاودي","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>الإهداء</span>\nأهدي هذا العمل إلى أغلى من أحب في حياتي، إلى من كانا سببًا في وجودي، وربَّياني، وركبا كل سهل وصعب من أجلي، وسهرا على تعليمي ورعايتي صغيرًا، وأرى بركة دعائهما كبيرًا،\n\nإلى والديَّ الكريمين:\nإلى أبي وأمي رحمهما الله وأدخلهما فسيح جناته، فإنَّه سبحانه ولى ذلك والقادر عليه وهو نعم المولى، ونعم النَّصير.","vol":"1","page":5},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة</span>\nإنَّ الحمد لله نَحْمَدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفِسِنَا وَمِنْ سيئاتِ أعمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِي لَهُ، وَأشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وَحَدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَدًا عبْدهُ ورسولُهُ، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١)، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).\nفالحمدُ للهِ ربِّ العَالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ المرسلين، وإمامِ المتقين، سيدنا محمدٍ وعلى وآله وصحبهِ أجمعين، أحمدُهُ سبحانَهُ علي جميلِ لُطْفِهِ وعظيمِ إكرامِهِ، الموفقُ عبادَهُ لِجَميعِ الخيراتِ في السراءِ والضراءِ، والحمدُ للهِ كَما يَنبغِي لِجَلالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلطَانِهِ القَائلُ سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (٤)، فَهَو سُبحَانَهُ وَحْدَهُ الذي هَدَي وَعَلَّمَ، وَتَفَضَّلَ وَتَكَرَّمَ، وَأَسْبَغَ عَلينَا النِّعَمَ، وَحَفِظَنَا بِرُكْنِهِ الذي لا يُرَامُ، وكَلأنَا بِعزهِ الذي لا يُضَامُ، وأنارَ لنَا السبيلَ وَهَدَانَا إلي الدليلِ.\n\nأما بعد:\nفإنَّهُ من أهمِ العلومِ التي امتاز بها المسلمونَ عن غَيرهِم مِنَ الأممِ، نَقدُ الأخْبارِ وتَقويم التاريخِ، ولقدْ بَرَزَ النُّقادُ والعلماءُ في أولِ عَصرِ تدوين السُنَّةِ الشريفةِ، فَقَامَ جَهابِذَةُ هَذَا العِلْمِ ونقدوا الآثارَ والأخبارَ، وبَذَلُوا في ذلكَ كُلَّ غَالٍ ونفيسٍ، فقاموا ببيانِ مراتبِ الأحاديثِ، والتفريقِ بين الغثِ والثمينِ، وتوضيحِ ما التبسَ منها على النَّاس، وتفنيدِ الباطلِ منها وبيانِ زيفِهِ.\n_________\n(١) سورة آل عمران، آية رقم (١٠٢).\n(٢) سورة النساء، آية رقم (١).\n(٣) سورة الأحزاب، آيات رقم (٧٠، ٧١).\n(٤) سورة الزمر، آية رقم (٢٦).","vol":"1","page":6},{"text":"فَكانَ عِلْمُ عِلَلِ الحديثِ مِنْ أَدَقِّ العُلومِ، وَأعْمَقِهَا ضَربًا، وأَنْفَعِهَا في تَحْقِيقِ المسَائلِ والأحكامِ الشرعيةِ التي عَليهَا مَدَارُ الدِّينِ، وكنتُ منذُ نعومةِ أظفاري أنظُرُ لهؤلاءِ النُّقاد فَأرى جِبَالًا مِنَ العلمِ والفِهْمِ، والحكْمَةِ والنزَاهَةِ في الحكمِ، واستقامةِ المنهجِ، وكنتُ دائمًا أسألُ نفسي كيف وصَلَ هؤلاءِ القومُ لمثلِ هَذَا المستوى الرفيعِ من الإتقانِ والدقةِ والأمانةِ في الأحكامِ والأقوالِ التي قَلَّمَا يتصف بها كثيرٌ مِنَ النَّاسِ، كَما قالَ رسُولُ اللهِ ﷺ: (إِنَّمَا النَّاسُ كَالإبِلِ الْمِائَةِ لا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً) (١).\nوبعد أن مرتْ أعوامٌ عديدة من حُضُورِي لمجالسِ العلمِ وِمُدَارسةِ العلومِ على يد المشايخِ والعلماء المعتَبرينَ، تَبيَّنَ لِي أَنَّ هؤلاءِ القومَ رَضُوا من دُنياهُم بالقليلِ، وبذلوا الْمُهجَ، والجهدَ والوقتَ والمالَ في سبيلِ نصرةِ هذا الدين ورفعتِهِ، فَكانَ الجزاءُ من جنس العمل، فأثَابَهُم اللهُ بذلك سِعةَ الحفظِ، ودِقَّةَ الفهمِ، والتوفيقَ والسدادَ في أقوالهِم وأعمالهِم، فنفع الله بهم العبادَ في مشارقِ الأرضِ ومَغَارِبِهَا، واستنارت بهم العُقولُ، وارتوت مِن فيضِ عُلومِهِم القلوبُ، وأذعنتْ من عُمقِ إخْلاصِهِم الصدور، فسَارَ بِفَضْلِهِم الرُّكبانُ، وتعطرتْ بجميلِ شَذَاهُم الأكوان، واستقامت بعبيرِ فيحهِم الأركان، فكان مَثَلُهُم كالبستانِ الذي ملئ بالزهورِ والورودِ والريحانِ، فلا تفتأُ إلا أنْ تجدَ الفَيْحَ الجميلَ، والثمرَ العليلَ، فلمَّا رأيتُ ذلك تعلَّقَ قلبي بهؤلاءِ القومِ، وبما أفاضُوا بهِ من العلومِ ولاسيما علمُ عللَ الحديثِ، وكان كتابُ العللِ للدارقطنيِّ من أكبرِ المصنفاتِ في علمِ نقدِ الأخبار والآثار، وقد وضع فيه الإمامُ الدارقطنيُّ خُلاصَةَ عِلْمِهِ، وأبان العللَ بأسلوبٍ يُجَلِّي العلةَ ويُبرِزُهَا، ويمتازُ كذلكَ عن بقيةِ الكُتبِ المطبوعةِ في هذا الفنِ، ويزيدُ عليها سعةً وشمولًا واستيعابًا وتنظيمًا، وقد ذكرَه أجلةُ العلماءِ الكبارِ بأجملِ الثناءِ، ثم ما كان من مكانةِ الإمامِ الدارقطنيِّ في نقدِ الحديثِ، فهُو من كبارِ أئمةِ الحديثِ والنَّقدِ وكان مما دفعني كذلكَ للبحثِ في منهجِ الإمامِ الدارقطنيِّ في كتابهِ العلل، قلةُ الأبحاثِ العلميةِ فيه، والدراساتُ التحليليةُ التي اهتمت بمناهجِ أئمَّةِ النَّقدِ في مُصَنَّفَاتِهِم\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الجامع الصحيح، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانةِ، برقم (٦٠١٧).","vol":"1","page":7},{"text":"العللَ، وعلى الرغمِ من مكانةِ الدارقطنيِّ وكتابِهِ العلل، لم يحظَ الدارقطنيُّ بدراسةٍ تحليليةٍ علميةٍ لمنهجهِ في التعليلِ مِنْ قبل، ولخفاءِ عِللِ\nالأحاديثِ على كثيرٍ من النَّاسِ خاصةً أهل العلم، حتى صارَ من أغْمضِ أنواع العلوم وأدقها مسلكًا، ولا يقومُ بِهِ إلا مَنْ منحَهُ اللهُ فَهْمًا وإطلاعًا، وإدراكًا لمراتب الرواة، ومعرفةً ثاقبةً لاختلافِ المرويَّاتِ والرِّجالِ.\n\nفكُلُّ هذهِ الأسبابِ وغَيرِهَا قد حجبت أنوار تلك الكنوز والدُّرر الثمينة، وقللت من الانتفاع بها، فرأيتُ أن أُساهِمَ في تذليلِ تلكَ العقباتِ أمامَ طلابِ العلمِ والباحثينَ لفهِمِ مقاصدِ أئمةِ النَّقدِ ومدلولاتِ ألفَاظِهِم في العللِ والرجالِ، والاستفادةِ بأقوالهِم وأحكَامِهِم لتصحيحِ الأحكامِ، وترجيحِ الأقوالِ، وبالأخصِ لمعرفةِ الطريقةِ التي كان يَسلُكَهَا الدارقطنيُّ ومدلولِ ألفاظِهِ في التعليلِ، ليكونَ الباحثُ على بصيرةٍ مِنهَا، وفتحُ البابِ لدراسةِ بقيةِ مناهجِ أئمةِ النَّقدِ.\n\nولا يَشُكُّ مُشْتَغلٌ بهذا الفنِ فضلًا عن بارعٍ فيهِ، بأنَّ معرفةَ عللَ الحديثِ، وأحوالَ الرجالِ، وفِهْمَ مَقَاصِد وألفاظِ أئمة النَّقدِ، بمثابةِ الرأسِ مِنَ الجسدِ في علمِ الحديثِ، وبالنسبةِ لطلبة العلم والباحثين، تعتبر من أهمِ المباحث التي تساعدهُم في التحققِ من صحة الحديث، وبالتالي صحةِ الاستنباطِ، وصحةِ البرهنةِ على الراجحِ من الأقوالِ، لذا كانت دراسةُ منهج الإمام الدارقطني في كتابه العلل من أنفع المباحث التي دُرِستْ في هذا المضمار بفضل الله ﷿، لإفصاحِها عن غُررٍ عزيزة، وفوائد جليلة لا تكاد تجدها في غيرها، وقد وفِّقتُ بفضل الله تعالى لبيان جانبٍ عظيمٍ من هذه الدرر والفوائد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>أهداف البحث:</span>\nوقد استعرضتُ في هذهِ الدراسةِ جانبًا هامًا من أحكامِ الدارقطنيِّ على الأحاديثِ المعلولةِ مثلُ الاضطرابِ، أو التصحيفِ، أو الإدراج، أو النَّكارةِ أو الشذوذِ وغيرها، فقد يكون الحديث مرويًا بالمعنى الخطأ عن الثقات - الذين عليهم العمدةُ في المرويَّاتِ مما يوهم صِحتَهُ - فيُحكمُ عليهِ بالصحةِ، ويعتبرُ دليلًا لحكمٍ شرعي، وليس هُو بصحيح بل هو ضعيفٌ معلولٌ، وقد ضربت أمثلةً كثيرة في هذه الدراسة تدل على ما ذكرتُ آنفًا.","vol":"1","page":8},{"text":"وما هذا البحثُ إلا محاولةً للكشفِ عَنْ منهجِ الإمامِ الدارقطنيِّ، ومعرفةِ الطريقةِ التي كان يَسْلُكَهَا في نقدِهِ للأحاديثِ والآثارِ، ودراسةِ وجوهِ نقدهِ للأخبارِ وتعليلِهَا أو ترجِيحِهَا عن طريقِ السندِ والمتنِ، دراسةً تحليليةً تطبيقيةً لكيفيةِ نَقْد أهلِ الحديثِ للسندِ والمتنِ بخلافِ طريقةِ الملاحدةِ من المستشرقينَ وغَيرهِم، ثم تحليلُ وشرحُ بعض أوجه تعليله للأحاديثِ في سياقِ فهمِهِ لمعاييرِ النَّقدِ، ودراسةِ مصطلحاتِ وألفاظِ الإمامِ الدارقطنيِّ، وأئمةِ النُّقاد والمقارنة بينهم، وفهمُ مقاصدُ عباراتهِم في نَقْدِ الحديثِ، ومعرفةُ معاييرِ الإمامِ الدارقطنيِّ في التعليلِ، وهَلْ هِي مُطَّرِدَةٌ أم لا؟، ومعرفةُ الاتفاقِ أو الاختلافِ بينَهُ وبين النُّقادِ المتقدمينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>منهج البحث:</span>\nولقد سلكتُ في هذا البحثِ عِدةَ محاورٍ لتكوينِ أصلِ هذهِ الدراسةِ، سأجملها فيما يلي:\n- الأخذُ في الاعتبارِ مجموعةً من أحكامِ وأقوالِ الإمامِ الدارقطنيِّ في العللِ، ودراستِهَا دراسةً تفصيليةً، ومعرفةُ المقاييسِ التي كانَ ينتهجُهَا الإمامُ الدارقطنيِّ.\n- التحققُ من نصوصِهِ وألفاظِهِ في التعليلِ من أصولِ كتبِهِ، أو من النقلِ الموثوقِ بِهِ.\n- شرحُ وتحليلُ ألفاظهِ في التعليلِ والترجيحِ، وذلك تبعًا للمعاييرِ والضوابطِ التي كان يسيرُ عليهَا في الحكمِ على الحديثِ بالتعليلِ أو بالترجيحِ.\n- بيانُ وجْهُ تَعليلِ أو ترجيحِ الدارقطنيِّ للحديثِ، وذِكرُ الأسبابِ التي جعلته يحكمُ بذلكَ، مع التعليقِ أو مناقشةِ ما ذهبَ إليهِ من الأحكامِ.\n- ضَربُ الأمثلةِ من أَوجُهِ انتقاد الدارقطنيِّ للأحاديثِ، واستخراجُ البراهينِ والحججِ التي استندَ عليهَا في التعليلِ أو الترجيحِ.\n- الاستشهادُ بقولِ الإمامِ الدارقطنيِّ في غيرِ كتابِ العللِ مِثلُ السؤالاتِ وغيرِهَا لبيانِ برهانِ أو حجةِ ما ذهب إليه في كتابهِ العللَ.\n- إجراءُ مقارنةٍ بينَهُ وبين غيرِهِ من أئمةِ العللِ لتمييزِ منهجِهِ، واستخراجُ ضوابِطِهِ، وذكرُ معاني ألفاظِ التعليلِ والترجيحِ لمعرفةِ مرادِهِ وما ذَهبَ إليهِ","vol":"1","page":9},{"text":"- بيانُ العلةِ المصرحِ بها أو المشارِ إليهَا عند غموضِ العلةِ، وشرحُ مرادُ الإمامِ الدارقطنيِّ فيها، ومناقشةُ ذلكَ.\n- بيانُ منهجُ الدارقطنيِّ في قرائنِ التعليلِ والترجيحِ بين المرويَّاتِ، والمقارنةُ بينَه وبين من سبقَهَ من أئمةِ نقدِ الحديثِ.\n- لم ألتزمْ تعريفَ كُلِّ الأعلامِ الواردِ ذِكرهُم في البحثِ، حيثُ إنَّ الهدفَ معرفةُ منهجُ الدارقطنيِّ في النقدِ، لذلكَ اقتصرت على التراجمِ التي عليهَا مَدَارِ العللِ في الحديثِ المذكورِ.\n- تخريجُ الأحاديثِ والآثارِ، وبيانُ وجْهُ المعلولِ في المرويَّاتِ، أو الراجح منها للاحتراز من الخلط بين مرويَّات الحديث الواحد فيُعلَّل كله.\n- نقلُ كلامِ أهلِّ النقدِ في الرجالِ توثيقًا وتجريحًا، ومناقشةُ ذلكَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>خطة البحث:</span>\nفجاءتْ الرسالةُ علي مقدمةٍ وتمهيدٍ وأربعةِ أبوابٍ وخاتمةٍ وفهارسٍ علميةٍ.\nفالمقدمةُ: وفيها أهميةُ البحثِ، وأسبابُ اختيارُهُ، ومنهجُ البحثِ والصعوباتُ التي واجهتني فيه.\nوالتمهيد: ويشتمل على: تعريفِ العلةِ لغةً واصطلاحًا، وتعريفِ معنى النقدِ لغةً واصطلاحًا، وبيانِ مشروعيةِ النقدِ والتعليلِ، وأهميةُ بيانُ علة الأحاديث والأخبار.\nالباب الأول: الإمام الدارقطني وكتابه العلل.\nوفيه فصلان.\nالفصل الأول: ترجمة موجزة للإمام الدارقطني ﵀.\nوفيه: سبعة مباحث.","vol":"1","page":10},{"text":"الفصل الثاني: التعريف بكتاب العلل للإمام الدارقطني.\nعلل الدارقطني (العلل الواردة في الأحاديث النبوية).\nوفيه: ستةُ مباحث.\nالباب الثاني: مفهوم العلة وأجناسها وألفاظها عند الإمام الدارقطني:\nوفيه فصلان.\nالفصل الأول: مفهوم العلة عند الإمام الدارقطني.\nوفيه مبحثان.\nالفصل الثاني: أجناس العلل الخفية والظاهرة في الإسناد والمتون.\nوفيه: أربعة مباحث.\nالباب الثالث: ألفاظ التعليل ومدلولاتها عند الإمام الدارقطني.\nوفيه ثلاثة فصول.\nالفصل الأول: الألفاظ الدالة على ضعف الخبر أو عدم ثبوته.\nوفيه مبحثان.\nالفصل الثاني: الألفاظ الدالة على الخطأ والوهم والاختلاف.\nوفيه مبحثان.\nالفصل الثالث: الألفاظ الدالة على الغرابة والتفرد والترجيح.\nوفيه مبحثان.\nالباب الرابع: قرائن التعليل والترجيح عند الإمام الدارقطني.\nوفيه فصلان.\nالفصل الأول: قرائن التعليل عند الإمام الدارقطني.","vol":"1","page":11},{"text":"وفيه ثلاثةُ مباحث.\nالفصل الثاني: المتابعات والقرائن وأثرهما في الترجيح عند الإمام الدارقطني.\nوفيه مبحثان.\nالخاتمة: وفيها أهم نتائج البحث والتوصيات.\nالفهارس العلمية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>عقبات البحث:</span>\nوقد لاقيتُ بعضُ الصعوباتِ في أثناءِ دراستي لهذا البحثِ، وربما راجعتُ من أجل معلومة لا تتجاوز سطرًا أو سطرين عشرات الكتب للتحقق منها، فإنَّه مما لا ريب فيه أن دراسة منهج نقد الأخبار سندًا ومتنًا لعالمٍ، أو ناقدٍ مكثر مثلَ الإمام الدارقطني من الأمور الصعبة بمكان، والتي تحتاج إلى جهدٍ في سبرِ ودراسةِ أقوالِهِ وأحكامِهِ في تعليلِ الأحاديثِ والآثارِ، ودراستِهَا دراسةً تحليليةً لمعرفةِ المعاييرِ التي كان يقيسُ عليهَا أحكَامَهُ، ودراسةِ الأقوالِ التي قَدْ تَخْرُجُ عَنْ نِطَاقِ منهجِهِ، ويمكنُ إجمالُ هذهِ الصِّعَابِ كالآتي:\n- غموض إجابات السؤالات في بعض الأحيان، فإنَّ النُّقاد غالبًا ما يشيرون إلى العلل ولا يصرحون بالقرائن أو بالأسباب التي جعلتهم يحكمون عليها.\n- تحقيق نصوص وألفاظ الأحاديث والآثار التي في السؤالات وكتب العلل، فإنَّ النُّقادَ غالبًا ما يشيرون إلى العلة في الخبر، ولا يأتون بنص الحديث أو الأثر مما يزيد من وقت البحث عن أصول الأخبار، والنقل الموثوق منها.\n- ذَكَرَ الدارقطني في إجابات السؤالات أوجهًا كثيرةً للحديثِ، وغالبها جانب لا يستهان به إما عن طريق شُيوخِهِ، أو من المصادر التي لا توجد أصلًا، مما جعلني اعتمد بعض السؤالات التي يمكن التحقق منها، وترك السؤالات التي بها أوجهًا كثيرةً ليست في دواوين السنة المشتهرة.","vol":"1","page":12},{"text":"- ذَكَرَ الدارقطنيُّ والنُّقادُ في مواضعٍ ليست بقليلةٍ أعلامًا بمجردِ كُنَاهُم، وقد يُسَمَّى بهذه الكُنية عدد لا بأس به من الرواة، مما يجعل الباحث يبذل كثيرًا من التحقيق والتفتيش لتحديد أي الرواة المقصود به في نص الإمام.\n- قد يُوحِي نص الناقد بأنَّ هناك حديث أو أثر يعارض الحديث المذكور في السؤال، ولا يصرح به أو حتى يشير إليه، مما يجعل تحقيق المسألة من الصعوبة بمكان ولكن تُفْتَح بفضل الله ﷿.\n- دراسة الأدلة والبراهين التي جعلت الناقد يحكم بالعلة على الحديث سواء كان ذلك من جهة الإسناد أو المتن، ومعرفة الراجح من المرجوح.\n- ومن أصعب المهمات الترجيح بين الأوجه المعلة في الخبر الواحد عند وجود علة الاضطراب، لكثرة الوجوه المختلف فيها، ومعرفة البراهين التي استند إليها الدارقطني في ترجيحه لوجهٍ على غيره.\n- جمع أقوال أهل النقد ومقارنة أقوالهم بأقوال الدارقطني في انتقاده للأخبار وبيان حجة الدارقطني عند الاختلاف إن وجدت ومناقشة ذلك.\n- الترجيح بين أقوال أئمة النقد في الرجال عند الاختلاف في التوثيق والتجريح وذكر البراهين والحجج التي استندتُ إليها.\nولقد أفدت من بعض الدراسات العلمية التي بُحِثَت حول مصنفات الدارقطني، وكذلك استفدت من بعض كُتب العلماء المعاصرين مثل كُتب العلامة المعلمي اليمني، وكُتب العلامة أحمد محمد شاكر، وكُتب شيخنا العلامة محمد عمرو بن عبداللطيف، وقد استفدت كثيرًا من مقدمة تحقيق الدكتور محفوظ الرحمن زين الله ﵀ لكتاب علل الدارقطني، وغَيرِهِم.\n\nولا يسعني في هذا المقام إلا أن أُقَدِمُ شُكْرِي وَامتِنَانِي إِلِى كُل من قَدَّمَ لِي عَوْنًَا مِنْ الأَسَاتِذَةِ وَالأخْوةِ الكرام فِي إِخْرَاجِ هَذِهِ الدِّرَاسَةِ، وأخص بالذكر: فضيلة الدكتور الشيخ يوسف بن عبدالرحمن المرعشلي - حفظه الله - عضو هيئة التدريس بالجامعة، والمشرف على رسالة الماجستير، فقد نصح فأخلص، وأرشد فأصاب، وأشرف فعلّمَ وأفاد ولم يدخر وسعًا في تقويم","vol":"1","page":13},{"text":"الرسالة وتسديد الأخطاء، فجزاه الله عني خير الجزاء، وإلى الأساتذة الكرام أعضاء لجنة المناقشة على تكرمهم بقبول مناقشة هذا البحث وتقويمه، ... كما أرفع جزيلَ الشكرِ والعرفانِ إلى كلٍّ من: فضيلة الدكتور الشيخ محمد رشيد قباني - حفظه الله - مفتي الجمهورية، ورئيس الجامعة، وفضيلة الدكتور الشيخ أنس طبَّارة - حفظه الله - عميد كلية الشريعة بالجامعة، وفضيلة الدكتور الشيخ علي الطويل - حفظه الله - أمين سر كلية الشريعة بالجامعة، على كل ما قدَّموه لي من مساعدات في اعتماد هذا البحث الجليل، وتذليل الصعاب، اللهم اجعله في موازين حسناتهم، يوم لا ينفع المرء إلا ما قدم من عمل، فهو ولي ذلك والقادر عليه سبحانه.\nكما أتوجه بشكري العميق، وامتناني العظيم لشيوخي الأفاضل الذين كان لهم الفضل علىَّ- بعد الله ﷿- في معرفة علم الحديث وأخص بالذكر: فضيلة الشيخ محمد عمرو بن عبداللطيف - ﵀ وأدخله فسيح جناته -، فإنَّه كان من كبار علماء الحديث في أرض الكنانة، وكذلك فضيلة الشيخ حجازي أبو إسحاق الحويني - حفظه الله -، فقد أفدت كثيرًا من أبحاثهما في علوم الحديث، فجزاهم الله عني خير الجزاء.\nوكما أتوجه بخالص الشكر إلى كُلِّ من قدم لي يد العون والمساعدة من قريب أو بعيد، وجزاهم الله عني كل خير، وجعل ذلك في موازين حسناتهم يوم القيامة، والله ولي التوفيق.\n\nوآخر دعوانَا أنِ الحمد لله ربِّ العَالمين، وصَلَّي اللهُ علي النَّبيِّ الأمِّيِّ الذي علَّمَ البشريةَ صلاةً كلما ذَكَرَهُ الذَّاكِرونَ، وغفلَ عَن ذِكْرهِ الغَافِلُونَ، فإنِّي أسأل الله العلي القدير بأسمائه الحسني، وصفاته العلي، وبأني أشهد أن لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد أن يتقبل مني هذا البحث، وأن ينفع به المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأسأله العفو والمغفرة عن تقصيري وعن زلاَّتي، فإنه هو الغفور الرحيم، وأسأله أن يجعل عملي هذا ابتغاء وجهه سبحانه، وأن يجعله ذُخْرًا لي يوم الدين، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، وإنني سائلٌ أخًا انتفع به أن يدعو الله لي ولوالدي ولمشايخنا ولمن لهم فضلٌ علىَّ، وللمسلمين كافة فهو خير مسئول وبالإجابة جدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>تمهيد</span>\nويشتمل على:<span data-type=\"title\" id=toc-8> تعريف العلة لغةً واصطلاحًا </span>والعلاقة بينهما، وتعريف معنى النقد لغة واصطلاحًا، وبيان مشروعية النقد والتعليل، وأهمية بيان علة الأحاديث.\n\nتعريف العلة لغة واصطلاحًا:\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>العلة في اللغة:</span>\nوالعلة في اللغة المرض قال الجوهري \"لا أعلَّكَ الله \" (١)، أي لا أصابك الله بعلة أو مرض، ويقول أهل الحديث: \" أعلَّه فلان \" وقياسه \"مُعلٌّ\" وهو المشهور، وقال بعضهم معلولٌ، وقد اختلف أهل اللغة فيما هو القياس في تسمية الحديث المعلَّ بعلة: هل هو مُعلٌّ، أم معلول، أم معلَّل؟ فذهب جمعٌ من أئمة اللغة إلى أن القياس أن يقال: \"مُعَلُّ\" لأنه اسم المفعول من الفعل \" أَعَلَّ \" (٢).\nوأما لفظة \" معلول \": فقد اختلف أهل اللغة في جوازه ومنعه فذهب قوم إلى أن أصلها \" عَلَّهُ، يَعُلُّهُ، ويَعِلُّهُ \" أي يسقيه المرة بعد المرة، ويقال عَلَّت الإبل تَعِلُّ وتعُلُّ إذا شربت الشَّربَةَ الثانية، وقال ابن الصلاح: \" ويسميه أهل الحديث المعلول، وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس العلة والمعلول مرذولٌ عند أهل العربية واللغة \" (٣). ... وقال النووي: \" ويسمونه\n_________\n(١) الجوهري: إسماعيل بن حماد، أبو نصر، أصله من فاراب وأقام في نيسابور ومات بها (ت: ٣٩٣ هـ)، الصَّحاح، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٩٩م (ج٣/ ص ٤٩٣)، مادة علل.\n(٢) ابن منظور: محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، أبو الفضل (ت: ٧١١ هـ)، لسان العرب، دار صادر، بيروت، (ج١١/ ص ٤٦٧) مادة علل، والفيروزآبادي: محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم، أبو طاهر، الشيرازي (ت: ٨١٧ هـ)، القاموس المحيط، طبعة دار الجيل بيروت، (ج٤/ ص ٢١).\n(٣) ابن الصلاح: عثمان بن عبدالرحمن بن عثمان الشهرزوري، أبو عمرو بن الصلاح (ت: ٦٤٣ هـ)، علوم الحديث المشهور بمقدمة ابن الصلاح، طبعة دار الفكر، بيروت سنة ١٩٦٩ م (ص ١١٥).","vol":"1","page":15},{"text":"المعلول وهو لحنٌ \" (١) ونظم الحافظ العراقي (٢) كلام ابن الصلاح في ألفيته فقال:\nوَسَمِّ ما بعلَّةٍ مَشْمولُ ... مُعَلّلًا ولا تقل مَعْلُولُ.\nوأما لفظة معلَّل: بمعنى علَّله بالشيء، إذا ألهاه وشغَله به، ومنه تعليل الصبي بالطعام، قال السخاوي: أن استعمال لفظ معلَّل على سبيل الاستعارة (٣).\nقلتُ: والراجح أن كل هذه الألفاظ صحيحة لأن لها أصولًا ثابتة في العربية فقد ذكر ابن فارس إن لكلمة علَّ أصولًا ثلاثة صحيحة: الأول: الضعف، والثاني: التكرار، والثالث: العائق (٤). (٤)\nفأما الأول: فبمعنى المرض والضعف، كما يقال علًّ المريض يَعُلُّ علَّةً، وأعلَّهُ الله تعالى فهو مُعَلٌّ، وأما الثاني: فهو \" العَلَلُ \" والمراد به التكرار، من سقاه الشربة الثانية، وأما الثالث: \" معلَّل \" بلامين فبمعنى العائق من قولك أعاقه وشغله، أي علله بالشيء ألهاه وشغله به، فصحت جميع الألفاظ من جهة اللغة.\nوقال ابن سِيدَه في المحكم والمحيط مؤيدًا قول المحدثين: \" ذهب إليه سيبويه، من قولهم مجنون ومسلول، من أَنَّهُ جاء على جَنَنتُه وسَللْته، وإن لم يستعملا في الكلام، استغنى عنهما بأفْعلْت، قال: \" ولذا قالوا: جُنَّ وسُلَّ، فإنما يقولون: جُعل فيه الجنون والسُّلَّ، كما قالوا:\n_________\n(١) النووي: يحيي بن شَرف، أبو زكريا محيي الدين الشافعي (ت: ٦٧٦ هـ)، التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير، دار الجنان بيروت الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦ هـ، تحقيق: عبدالله عمر البارودي (ص ٣٦).\n(٢) العراقي: عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، أبو الفضل، زين الدين، (ت: ٨٠٦ هـ)، انظر الزركلي: خير الدين الزركلي، الأعلام، طبعة دار العلم للملايين، بيروت (ج٣ / ص ٣٤٤).\n(٣) السخاوي: محمد بن عبد الرحمن بن محمد المصري، شمس الدين أبو الخير (ت: ٩٠٢ هـ) فتح المغيث، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، سنة ١٤٠٣هـ، تحقيق: صلاح محمد عويضة\n(ج ١/ ص ٢٢٥).\n(٤) ابن فارس: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرًّازي، أبو الحسين (ت: ٣٩٥ هـ)، معجم مقاييس اللغة، طبعة اتحاد الكُتًّاب العرب، ١٤٢٣هـ / ٢٠٠٢م، تحقيق عبدالسَّلام محمد هَارُون (ج٤ / ص ٨ - ٩).","vol":"1","page":16},{"text":"حُزِنَ وفُسِل \" (١).\nوقد ورد لفظ \" معلول \" على ألسنة كثير من المحدثين المتقدمين كالبخاري والترمذي والحاكم والدراقطني وابن عدي وابن عبد البر والبيهقي وغيرهم (٢)، واستعمله المتأخرون كذلك مثل الحافظ ابن حجر وسمى كتابًا له: \"الزهر المطلول في الخبر المعلول\" وهو من الكتب المفقودة كما ذكره العلامة أحمد شاكر (٣)، واستعمله السخاوي أيضًا وغيرهم (٤).\nقلتُ: فخلاصة الأمر أن لفظة \" معلول \" صحيحة في اللغة ولاسيما أنَّ لها أصل، ولا شك أن المحدثين كانوا أيضًا مُتَمرِّسين في اللغة، فهم أولى الناس باستعمال الصحيح من اللغة، واستعمالهم هذه اللفظة في الحكم على الحديث الذي طرأت عليه العلة دليل صحة هذا اللفظ عندهم والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>العلة في الاصطلاح:</span>\nقال أبو عبد الله الحاكم النيسابوري: \" وإنِّما يُعلَّلُ الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، إنَّ حديث المجروح ساقط واهٍ، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علةٌ فيخفى عليهم علمه فيصير الحديث معلولًا \" (٥).\nوتابعه على ذلك الحافظ أبو عمرو بن الصلاح في مقدمته فقال: \" فالحديث المعلَّل هو: الحديث الذي أُطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن الظاهر السلامة منها، ويتطرق ذلك\n_________\n(١) ابن سِيدَه: علي بن إسماعيل، المعروف بابن سِيدَه الأندلسي، أبو الحسن (ت: ٤٥٨ هـ)، المحكم والمحيط الأعظم في اللغة، طبع معهد المخطوطات العربية، القاهرة ١٩٩٩م (ج١/ص ٦٤).\n(٢) العراقي، التقيد والإيضاح، طبعة دار الفكر، بيروت، سنة ١٩٦٩ م (ص١١٧ - ١١٨).\n(٣) أحمد بن محمد شاكر، أبو الأشبال (ت: ١٣٧٧ هـ)، الباعث الحثيث، طبع مكتبة السنة سنة ١٤١٥ هـ (ص ٩١).\n(٤) السخاوي: محمد بن عبد الرحمن السخاوي، فتح المغيث (ج١/ ص٢٦٠).\n(٥) ابن البيع النيسابوري: محمد بن عبد الله بن حمدويه بن نعيم النيسابوري، الشهير بالحاكم، ويعرف بابن البيع، أبو عبد الله (ت: ٤٠٥)، معرفة علوم الحديث، دار الكتب العلمية، المدينة المنورة، الطبعة الثانية ١٣٩٧هـ (ص ١١٢).","vol":"1","page":17},{"text":"إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شرط الصحة من حيث الظاهر \" (١).\nوقد انتقد غير واحد تعريف ابن الصلاح، ومنهم الدكتور عبدالله بن محمد دمفو فقال: \" لكن تعريفه هذا لم يُدخل العلل التي قد تطرأ على متن الحديث دون إسناده \" (٢).\n\nقلتُ: وليس هذا بصحيح حيث إن لفظ ابن الصلاح: \" أُطلع فيه على علة \" تشمل علة الإسناد والمتن معًا، وأما قوله: \" ويتطرق ذلك إلى الإسناد \"، فهو توضيح لقوله: \" مع أنَّ الظاهر السلامة منها \"، ولذا لا يوجد في تعريف ابن الصلاح أي ملحظ، فهو في نظري مستقيم.\nوذكر العلامة الشيخ زكريا الأنصاري تعريف العلة عن الحافظ ابن حجر العسقلاني فقال: \" هو خبر ظاهره السلامة أُطلع فيه بعد التفتيش على قادح \" (٣)، وتابعه الحافظ السخاوي على ذلك (٤).\nوقد توسع بعض المحدثين في تعريف العلة في الاصطلاح على غير ذلك فأدخل بعضهم العلل الظاهرة ولم يشترطوا أن تكون العلة خفية، كالانقطاع في الإسناد، والإرسال، والإعضال والتدليس والاضطراب، كل ذلك يُعد عندهم علة كابن وضاح، وابن حزم، وابن العربي، وأبي علي الصدفي وأبي علي الغساني، وأبي محمد الرشاطي، وعبد الحق الإشبيلي، وابن القطان الفاسي وغيرهم (٥).\n_________\n(١) العراقي، التقيد والإيضاح (ص١١٦).\n(٢) عبدالله بن محمد دمفو، مرويات الإمام الزهري المعلة في علل الدارقطني رسالة دكتوراه، مطبوعة بمكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى سنة ١٤١٩ هـ (ج١/ ص٩١).\n(٣) السنيكي: زكريا بن محمد الأنصاري المصري أبو يحيي (ت: ٩٢٦ هـ)، فتح الباقي على ألفية العراقي، دار الكتب العلمية، بيروت، (ج١/ ص ٢٢٨).\n(٤) السخاوي: محمد بن عبد الرحمن، فتح المغيث (ج١/ ص٢٦٠).\n(٥) أبو بكر بن الطيب كافي، منهج الإمام أحمد في التعليل من خلال كتابه العلل، دار ابن حزم بيروت، سنة ١٤٢٦ هـ، (ص ١٥٥ - ١٥٦).","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>ملخص الخلاف في تعريف العلة في الاصطلاح:</span>\nالقول الأول: أنَّ العلة عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة في صحة الحديث، سواء كانت في السند أو في المتن وليس منها ما يقدح في ظاهر الإسناد من جرح في الراوي أو انقطاع في السند أو غيره، وهو قول الحاكم أبي عبدالله النيسابوري وابن الصلاح، والحافظ العراقي ومن تبعهم من أهل المشرق.\nالقول الثاني: أنَّ العلة هي كل ما يقدح في الخبر سواء كان خفيًا غامضًا أو ظاهرًا كالانقطاع أو التدليس أو الجرح في الراوي أو ما شابه ذلك، وهو قول ابن حزم، وعبدالحق الإشبيلي، وأبي علي الغساني وابن العربي المالكي، وعامة المغاربة.\nوالمختار من تعريف العلة في الاصطلاح:\nوهو القول الأول أي: أنها سبب خفي غامض يقدح في الحديث، وإن كان الظاهر السلامة منه، وهو يدل علي وهم الراوي في روايته، سواء كان الوهم يتعلق بالإسناد أو بالمتن، ويُعلم هذا السبب بجمع الطرق، كما قال ابن المديني: \" الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>العلاقة بين المدلول اللغوي والاصطلاحي:</span>\nتكون العلاقة بينهما على ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: وتكون العلة فيه بلفظ \" مُعَلٌّ \" بمعنى الضعف أو المرض، ووجه مناسبته للمعنى الاصطلاحي أن العلة إذا طرأت على الحديث الذي ظاهره الصحة أعلته فصار ضعيفًا أو مريضًا.\n_________\n(١) الخطيب البغدادي: أحمد بن علي بن ثابت، أبو بكر (ت: ٤٦٣هـ)، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، طبعة مكتبة المعارف، الرياض، طبعة سنة ١٤٠٣ هـ، تحقيق: الدكتور محمود الطحان، (ج ٢/ص٢١٢).","vol":"1","page":19},{"text":"الوجه الثاني: وتكون العلة فيه بلفظ \" العَلَلُ \" بزيادة لام، بمعنى التكرار ووجه مناسبته للمعنى الاصطلاحي أن العلة تنشأ من إعادة النظر في الحديث مرة بعد مرة ليتبين علته، على ما ذكره بعضهم من لفظة \" بعد التفتيش \".\nالوجه الثالث: وتكون العلة فيه بلفظ \" عَلَّلهُ \" بمعنى ألهاه وشغله بالشئ ووجه مناسبته للمعنى الاصطلاحي أن الحديث المعلل هو الحديث الذي عاقته العلة وشغلته فلم يعد صالحًا للعمل به.\n\nتعريف معنى النقد لغة واصطلاحًا:\nوالنقد في اللغة أصله تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها، ومنه تسمية النقود، قال صاحب لسان العرب: \" النقْدُ خلافُ النَّسيئة والنقْدُ والتّنْقادُ تمييزُ الدراهِم وإِخراجُ الزَّيْفِ منها، وقد أَنشد سيبويه:\nتَنْفِي يَداها الحَصَى في كلِّ هاجِرةٍ ... نَفْيَ الدَّنانِيرِ تَنْقادُ الصَّيارِيفِ (١).\nوقال الجوهري: \" نَقَدْتُهُ الدراهمَ، ونَقَدْتُ له الدراهمَ، أي أعطيته، فانْتَقَدَها، أي قبضها. ونَقَدْتُ الدراهم وانْتَقَدْتُها، إذا أخرجتَ منها الزَيْفَ. والدرهم نَقْدٌ، أي وازِنٌ جيِّدٌ. وناقَدْتُ فلانًا، إذا ناقشته في الأمر \" (٢).وقال صاحب المحيط في اللغة: \" النَّقْدُ: تَمْيِيزُ الدَّرَاهِم. وأخْذُها الانْتِقادُ \" (٣).\nوقال صاحب تاج العروس: \" النَّقْدُ: الجَيِّدُ الوازِنُ من الدَّراهِمِ. ودِرْهمٌ نَقْدٌ. ونُقُودٌ جِيادٌ من المجاز، النَّقْدُ: اخْتِلاسُ النَّظَرِ نَحْوَ الشيْءِ وقد نَقَدَ الرجُلُ الشيْءَ بنَظَرِه ينْقُده نَقْدًا ونَقْد \" (٤).\n_________\n(١) ابن منظور، لسان العرب (ج٣/ص٤٢٥).\n(٢) الجوهري، الصَّحاح في اللغة (ج٥/ص ١٢٦)، مادة نقد.\n(٣) الصاحب بن عباد: إسماعيل بن عباد بن العباس، أبو القاسم الطالقاني (ت: ٣٨٥ هـ)، المحيط في اللغة، طبعة دار عالم الكتب، بيروت، تحقيق محمد بن حسن آل ياسين، (مادة نقد).\n(٤) الزَّبيدي: محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (ت: ١٢٠٥)، تاج العروس من جواهر القاموس، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت (مادة نقد).","vol":"1","page":20},{"text":"وقال ابن فارس: \" (نقد) النون والقاف والدال أصلٌ صحيح يدلُّ على إبراز شيءٍ وبُروزه ومن الباب نَقْد الدِّرهم، وذلك أن يُكشَف عن حالِهِ في جَودته أو غير ذلك. ودرهمٌ نَقْدٌ: وازِنٌ جيّد، كأنَّه قد كُشِف عن حاله فعُلم \" (١)، فالنقد كما تبين هو إخراج وتمييز الجيد من الرديء لغة، وهو موافق لمصطلح المحدثين: أي تمييز الحديث الصحيح من الضعيف، وتمييز الأخبار من وجهتين: الأولى من جهة رواته توثيقًا وتجريحًا، والثانية من جهة المروي وهو متن الحديث إقرارًا بصلاحيته أو تعليله.\n\nبيان مشروعية النقد والتعليل:\nأخرج البخاري ومسلم عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ رَجُلًا اسْتَاذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ» (٢).\nقال الخطيب البغدادي: \" ففي قول النبي ﷺ للرجل: «بئس رجل العشيرة»، دليل على أن إخبار المخبر بما يكون في الرجل من العيب على ما يوجبه العلم والدين من النصيحة للسائل ليس بغيبة، إذ لو كان ذلك غيبة لما أطلقه النبي ﷺ، وإنما أراد ﵇ بما ذكر فيه، والله\n_________\n(١) ابن فارس: أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة (ج٥/ ص ٣٧٥).\n(٢) البخاري: محمد بن إسماعيل بن المغيرة الجعفي أبو عبد الله البخاري (ت: ٢٥٦ هـ)، الجامع الصحيح (مع الفتح)، طبعة دار الحديث القاهرة ١٤٢٤ هـ، كتاب الأدب، باب لم يكن النَّبي ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا (ج١٠/ ص٥١١)، برقم (٦٠٣٢)، ومسلم: مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري أبو الحسين النيسابوري (٢٦١ هـ) صحيح مسلم (مع شرح النووي)، طبعة دار الحديث القاهرة، ١٤٢٢ هـ، كتاب البر والصلة والآداب، باب مدارة من يتقى فحشه (ج٨/ص ٣٨٨)، برقم (٢٥٩١).","vol":"1","page":21},{"text":"أعلم، أن يبين للناس الحالة المذمومة منه وهي الفحش فيجتنبوها، لا أنه أراد الطعن عليه والثلب له، وكذلك أئمتنا في العلم بهذه الصناعة، إنمَّا أطلقوا الجرح فيمن ليس بعدل لئلا يتغطى أمره على من لا يخبره، فيظنّه من أهل العدالة فيحتج بخبره، والإخبار عن حقيقة الأمر إذا كان على الوجه الذي ذكرناه لا يكون غيبة \" (١).\nوأخرج الإمام مسلم في صحيحه: «عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ فَقَالَ وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ثُمَّ قَالَ تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي قَالَتْ فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَكَرِهْتُهُ ثُمَّ قَالَ انْكِحِي أُسَامَةَ فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ» (٢).\nوقال الخطيب البغدادي: \" في هذا الخبر دلالة على أن إجازة الجرح للضعفاء من جهة النصيحة لتُجتنب الرواية عنهم، وليعدل عن الاحتجاج بأخبارهم، لأنَّ رسول الله ﷺ لما ذكر في أبي جهم: أنه لا يضع عصاه عن عاتقه وأخبر عن معاوية أنَّه صعلوك لا مال له، عند مشورة استشير فيها، لا تتعدى المستشير كان ذكر العيوب الكامنة في بعض نقلة السنن التي يؤدي السكوت عن إظهارها عنهم وكشفها عليهم إلى تحريم الحلال وتحليل الحرام، وإلى الفساد في شريعة الإسلام، أولى بالجواز وأحق بالإظهار وأما الغيبة التي نهى الله تعالى عنها بقوله ﷿: ﴿وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ (٣) (٣) وزجر رسول الله ﷺ عنها بقوله:\n_________\n(١) الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت (ص ٣٩).\n(٢) مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم (مع شرح النووي)، كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، (ج٥/ ص ٣٥١ - ٣٥٢)، برقم (١٤٨٠).\n(٣) سورة الحجرات آية رقم (١٢).","vol":"1","page":22},{"text":"«يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ لاَ تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ» (١)، فهي ذكر الرجل عيوب أخيه يقصد بها الوضع منه والتنقيص له والإزراء به فيما لا يعود إلى حكم النصيحة، وإيجاب الديانة من التحذير عن ائتمان الخائن وقبول خبر الفاسق واستماع شهادة الكاذب \" (٢)\nوقال الإمام مسلم في مقدمة الصحيح كلامًا غاية في الإتقان، وضَّح فيه مشروعية النقد عند علماء الحديث والأثر فقال: \" وأشباه ما ذكرنا من كلام أهل العلم في متهمي رواة الحديث وإخْبارِهم عن معايبهم كثير يطول الكتاب بذكره على استقصائه وفيما ذكرنا كفاية لمن تفهم، وعقل مذهب القوم فيما قالوا من ذلك وبينوا وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار وأفتوا بذلك حين سئلوا لما فيه من عظيم الخطر إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل أو تحريم أو أمر أو نهي أو ترغيب أو ترهيب فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته كان آثما بفعله ذلك غاشا لعوام المسلمين \" (٣).\nوقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: \" وذكر ابن المبارك رجلًا فقال: \" يكذبُ \"، فقال له رجل: يا أبا عبدالرحمن \" تغتاب! \"، قال \" اسكت \"، إذا لم نبين كيف يعرف الحق من الباطل؟ \" (٤).\nوقال أيضًا: \" روي عن ابن عُليَّةَ أنَّه قال في الجرح إن هذا أمانة ليس بغيبة \"، وروى أحمد بن مروان المالكي حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل قال: جاء أبو تراب النخشبي إلي أبي فجعل أبي يقول: \" فلان ضعيف وفلان ثقة \"، فقال أبو تراب: \" يا شيخ لا تغتب العلماء \" قال: فالتفت\n_________\n(١) أبو داود: سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير السجستاني، (ت: ٢٧٥هـ)، السنن كتاب الأدب، باب الغيبة، طبعة دار الفكر، بيروت، تحقيق: محمد محي الدين عبدالحميد، (ج٢/ص٦٨٦)، برقم (٤٨٨٠).\n(٢) الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية (ص ٤٠).\n(٣) مسلم بن الحجاج النيسابوري، مقدمة صحيح مسلم (بشرح النووي) (ج١/ ص١٣٢).\n(٤) ابن رجب: عبدالرحمن بن أحمد بن عبدالرحمن البغدادي الدمشقي الحنبلي، زين الدين وابن رجب هو لقب جده (ت: ٧٩٥ هـ)، شرح علل الترمذي، طبعة دار الكلمة للنشر، سنة ١٤١٨هـ، المنصورة، مصر (ص ٨٧).","vol":"1","page":23},{"text":"أبي إليه قال: \" ويحك! هذا نصيحة، ليس هذا غيبة \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>أهمية بيان علة الأحاديث والأخبار:</span>\nإنَّ علم نقد الأخبار سندًا ومتنًا يعتبر من أهم العلوم التي ساهمت في تقويم تاريخ الإسلام، والبحث في أوجه نقد الأحاديث وتعليلها من أهم المعارف والمباحث التي تُدرس في علم نقد الأخبار والمرويَّات، حيث أنها تكسب الباحث الخبرة والمعرفة، للتمييز بين الصحيح والضعيف، والتي تُؤهِّلهُ للحكم عليها ومدى صلاحيتها للاستشهاد بها في الأقوال والأعمال والأحكام الشرعية، ولخفاء علل الأحاديث على كثير من الناس إلا حذاق هذا الفن، حتى صار من أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله فهما وإطلاعا وإدراكا لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة لاختلاف المرويَّات، لذا قام جهابذة النقاد من المحدثين ببيان علل الأحاديث من اضطراب، أو تصحيف، أو إدارج، أو نكارة أو شذوذ وغيرها، ليسُدُّوا هذه الثغرة عن الأمة، وقد يكون الحديث مرويًا بالمعنى الخطأ عن الثقات - الذين عليهم العمدة في المرويَّات مما يوهم صحته - فيُحكم به، ويعتبر دليلًا لحكم شرعي وليس هو بصحيح بل هو ضعيف معلول.\n\nفعلى سبيل المثال:\nقال عبدالله بن أحمد بن حنبل: \" سألتُ أبي عن حديث عبدالرحمن بن مهدي عن زائدة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبدالله قال: «دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ أَخْبِرِيني بِمَرَضِ رسُول اللهِ صَلَّي اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فوصفت له حتى بلغت أنَّ رسول الله صَلَّي اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ خِفْةً فَخَرَجَ يُهَادَى بَينَ رَجُلَينِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَصَلَّى النَّبي صَلَّي اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ خَلْفَ أَبي بَكْرٍ قَاعِدًَا وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي» فقال أبي: \" أخطأ عبدالرحمن في هذا الموضع، أو يكون زائدة أخطأ لعبدالرحمن، حدثني أبي قال: حدثنا عبدالصمد بن عبدالوارث، ومعاوية بن عمرو وخالفا عبدالرحمن\n_________\n(١) ابن رجب الحنبلي، شرح علل الترمذي (ص ٨٨).","vol":"1","page":24},{"text":"والصواب ما قال عبدالصمد ومعاوية \" (١).\nقلتُ: ووجه ما أشار إليه الإمام أحمد من الخطأ: أن وكيعًا أو زائدة جعل النَّبي صَلَّي اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يصلي خلف أبي بكر والصواب أنه صلى إلى جنبه، وائتمَّ أبو بكر ﵁ بالنَّبي صَلَّي اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، والنَّاس يأتمون بأبي بكر وقد رجح الإمام أحمد رواية عبدالصمد بن عبدالوارث ورواية معاوية بن عمرو على رواية عبدالرحمن بن مهدي عن زائدة. وقد أخرجه على الصواب الإمام البخاري في صحيحه قال: حدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا زائدة عن موسى بن أبي عائشة عن عبدالله بن عتبة قال: «دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَخْبِرِيني بِمَرَضِ رسُول اللهِ صَلَّي اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ... فَأجْلَسَاهُ إِلِي جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ فَجَعَلَ أَبَو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُو يَاتَمُ بِصَلاةِ النَّبي صَلَّي اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَالنَّاس بِصَلاّةِ أَبِي بَكْرٍ وَالنَّبي صَلَّي اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًَا» (٢). وأسند فيها روايتي عبدالصمد بن عبدالوارث ومعاوية بن عمرو، وهو الصحيح الراجح.\nومثال آخر: قال الإمام الترمذي في العلل الكبير: \" حدثنا محمود بن غيلان، ومحمد ابن رافع، قالا: حدثنا عبدالرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ عن السائب بن يزيد عن رافع بن خديج، عن النبي ﷺ قال: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ». سألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: \" هو غير محفوظ، وسألت إسحاق بن منصور عنه فأبى أن يحدث به عن عبدالرزاق، وقال: هو غلط، قلت له: ما علته؟ قال: روى عنه هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبدالله بن قارظ، عن السائب بن يزيد، عن رافع ابن خديج، عن النبَّي ﷺ قال: «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ\n_________\n(١) أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال، أبو عبدالله (ت:٢٤١هـ)، كتاب العلل ومعرفة الرجال طبعة المكتب الإسلامي، بيروت، ودار الخاني، الرياض، سنة ١٤٠٧هـ، تحقيق وتخريج: الدكتور وصي الله بن محمد عباس، (ج٣ /ص٣٠٤).\n(٢) البخاري: محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الأذان، باب إنما جعل الإمام لِيُؤْتَمَّ بِهِ، برقم (٦٨٧)، وبرقم (٥٣٨٤)، وبرقم (٥٣٨٥).","vol":"1","page":25},{"text":"البَغِي خَبِيثٌ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ» (١)\n\nقلتُ: ووجه علة هذا الحديث أنهم اختلفوا على إسناده، فأدخل بعضهم حديث: «كسب الحجام خبيث، ومهر البغي خبيث، وثمن الكلب خبيث» في حديث «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ»، وكان الوهم فيه من معمر بن راشد، وهو ثقة ثبت حيث خالف فيه جمع من الثقات.\nقال الحافظ البيهقي في السنن: \" وخالفهم معمر بن راشد فرواه عن يحيى بن أبي كثير عن إبراهيم بن عبدالله بن قارظ عن السائب بن يزيد عن رافع بن خديج قال: قال رسُول اللهِ ﷺ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» (٢).\nفظهر الوهم في هذا السند إلا أن الحديث ثابت من أوجه وأسانيد أخرى لم تسلم من العلة فقد أعلّوهُ بالإرسال كما أشار إليه الحافظ البيهقي (٣)، حيث رواه بعضهم مرسلًا وبعضهم موصولًا.\n\nومثال آخر: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في النكت: \" ومن الأحاديث التى رواها بعض الرواة بالمعنى الذى وقع له، وحصل من ذلك الغلط لبعض الفقهاء بسببه: ما رواه العلاء بن عبدالرحمن] بن يعقوب الحرقى [، عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: أنَّ النَّبي ﷺ قال: «كُلُّ صَلاَةٍ لاَ يُقْرَأُ فِيهَا بِأمِّ الْكِتَابِ فَهِىَ خِدَاجٌ ...»، ورواه عنه سفيان بن عيينه، وإسماعيل بن جعفر، وروح بن القاسم، وعبدالعزيز الدراوردي، وطائفة من أصحابه، وهكذا رواه عنه شعبة في رواية من حفاظ أصحابه وجمهورهم، وانفرد وهب بن جرير عن شعبة بلفظ: «لا\n_________\n(١) الترمذي: محمد بن عيسى بن سورة بن موسى السلمي، أبو عيسى (ت: ٢٧٩ هـ) علل الترمذي الكبير، رتبه أبي طالب القاضي، طبعة عالم الكتب، بيروت، سنة ١٤٠٩هـ، تحقيق: السيد صبحي البدري السامرائي ومن معه، (ج١/ص ٤٥ - ٤٦).\n(٢) البيهقي: أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، أبو بكر (ت:٤٥٨ هـ)، السنن الكبرى طبعة مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، سنة ١٤١٤ هـ، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، (ج٤/ص٢٦٥).\n(٣) المصدر السابق (ج٤/ ص ٢٦٦ - ٢٦٧).","vol":"1","page":26},{"text":"تُجْزِئُ صَلاَة لاَ يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (١)،\nحتى زعم بعضهم أن الرواية مفسرة للخداج الذي في الحديث وأنه عدم الإجزاء، وهذا لا يتأتًّى إلا لو كان مخرج الحديث مختلفًا، فأما والسند واحد متحد فلا ريب في أنَّه حديث واحد اختلف لفظه، فتكون رواية وهب بن جرير شاذة بالنسبة إلى ألفاظ بقية الرواة، لاتفاقهم دونه على اللفظ الأول ولأنَّه يبعد كلَّ البعد أن يكون أبو هريرة ﵁ سمعه باللفظين، ثم نقل عنه ذلك، فلم يذكره العلاء لأحد من رواته - على كثرتهم - إلا لشعبة، ثمَّ لم يذكره شعبة لأحدٍ من رواته - على كثرتهم - إلا لوهب بن جرير \" (٢).\nقلتُ: ذكر الحافظ البيهقي في السنن الكبري (٣)، وتبعه الحافظ في النكت (٤) ... بلفظ: «كُلُّ صَلاَةٍ لاَ يُقْرَأُ فِيهَا بِأمِّ الْكِتَابِ فَهِىَ خِدَاجٌ»، وعزوا الحديث للإمام مسلم ... في صحيحه، وهو وهم منهما رحمهما الله، ولكن ورد هذا اللفظ عند الإمام أحمد في المسند (٥)، وكذلك في السنن لابن ماجة (٦) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولكن الحديث عند الإمام مسلم بلفظ: «مَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَا فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ»، من حديث سفيان بن عيينة\n_________\n(١) ابن خزيمة: محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري، أبو بكر، (ت:٣١١هـ) صحيح ابن خزيمة، طبعة المكتب الإسلامي، بيروت، سنة ١٣٩٠هـ، كتاب الصلاة، باب ذكر الدليل على أن الخداج الذي أعلم النبي ﷺ في هذا الخبر هو النقص ...، (ج١/ ص٢٤٨) حديث رقم (٤٩٠) ..\n(٢) ابن حجر: أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل، شهاب الدين (ت:٨٥٢ هـ)، النكت على ابن الصلاح، طبعة دار الراية، الرياض، (ج٢/ ص٨٠٦ - ٨٠٨).\n(٣) البيهقي: أحمد بن الحسين بن علي، السنن الكبري (ج٢/ ص٣٨).\n(٤) ابن حجر: أحمد بن علي، الحافظ أبو الفضل العسقلاني، النكت (ج٢/ ص٨٠٦ - ٨٠٨).\n(٥) أحمد بن حنبل، المسند، دارالبشير، عمان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط (ج٢/ ٤٥٧) (برقم٩٩٠٠).\n(٦) ابن ماجه: محمد بن يزيد الربعي القزويني، أبو عبد الله، (ت:٢٧٣هـ)، السنن طبعة دار الفكر، بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها برقم (٨٣٢).","vol":"1","page":27},{"text":"عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة (١)\nومعلوم أن ترجمة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيها كلام من أهل العلم، فقد ذكر خلاصة ذلك العلامة أحمد شاكر كلامًا غاية في التحقيق والإتقان فقال: \" فقد اختلف كثيرًا في الاحتجاج برواية عمرو عن أبيه عن جده أما عمرو فإنه ثقة من غير خلاف، ولكن أعلَّ بعضهم روايته عن أبيه عن جده بأن الظاهر أن المراد جد عمرو وهو محمد بن عبدالله بن عمرو فتكون أحاديثه مرسلة، ولذلك ذهب الدارقطني إلى التفصيل، ففرق بين أن يفصح بجده أنَّه \" عبدالله \" فيحتج به، أو لا يفصح فلا يحتج به، وكذلك إن قال: \" عن أبيه عن جده سمعتُ رسول الله ﷺ \" أو نحو هذا مما يدل على أن المراد الصحابي فيحتج به وإلا فلا \".\nوذهب ابن حبان إلى تفصيل آخر: وهو أنه إن استوعب ذكر آبائه في الرواية احتج به وإن اقتصر على قوله: \" عن أبيه عن جده \" لم يحتج به. وقد أخرج في صحيحه حديثًا واحدًا هكذا: \" عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن محمد بن عبدالله بن عمرو عن أبيه مرفوعًا: «ألاَ أُحَدِثُكُمْ بِأَحَبكُمْ إلىَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًَا يَوْمَ القِيَامَةِ» (٢)، الحديث. قال الحافظ العلائي: \" ما جاء فيه التصريح برواية محمد عن أبيه في السند فهو شاذ نادر، وقال ابن حبان في الاحتجاج لرأيه برد رواية عمرو عن أبيه عن جده: إن أراد جده عبدالله فشعيب لم يلقه، فيكون منقطعًا، وإن أراد محمدًا فلا صحبة له فيكون مرسلًا. ... قال الذهبي في الميزان: \" هذا لا شئ، لأن شعيبًا ثبت سماعه من عبدالله، وهو الذي رباه حتى قيل: إن محمدًا مات في حياة أبيه عبدالله، وكفل شعيبًا جده عبدالله، إذا قال عن أبيه عن جده، فإنما يريد بالضمير فيه \" جده \" إنه عائد إلى شعيب، وصح أيضًا أن شعيب سمع من معاوية وقد مات معاوية قبل عبدالله بن عمرو بسنوات، فلا ينكر له السماع من جده سيما وهو الذي رباه وكفله \"، والتحقيق أن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده من أصح الأسانيد كما قلنا آنفًا، قال البخاري: \" رأيت أحمد بن حنبل\n_________\n(١) مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم (بشرح النووي)، (ج٢/ ص٣٣٦) برقم (٣٩٥) ..\n(٢) الترمذي: محمد بن عيسى بن سورة، السنن، (ج٤/ ص٣٧٠) برقم (٢٠١٨).","vol":"1","page":28},{"text":"وعلي بن المديني وإسحاق بن رَاهَويه وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ما تركه أحدٌ من المسلمين. قال البخاري: \" من الناس بعدهم؟!. وروى الحسن بن سفيان عن إسحاق بن رَاهَويَهْ قال: \" إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ثقة، فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر\".\nقال النَّووي: \" وهذا التشبيه نهاية في الجلالة من مثل إسحاق \" (١).\nمما سبق يتبين لنا أن لنقد الأحاديث أهمية كبرى لمعرفة الغث من الثمين منها، وتمييز الصحيح الراجح من الأحكام الشرعية التي عليها مدار الدين، وإحقاق الحق وإبطال الباطل، وثمة فرق شاسع، وبون عظيم، بين نقد علماء الحديث للأخبار والمرويَّات، وبين أولئك المستشرقين الذين لم يكن لهم هم إلا الطعن في هذه الأخبار والآثار، لتأسيس منهج جديد مخالف لأصول أهل العلم وجهابذة هذا الفن ليكون ذريعة لمن في قلوبهم مرض ليسيروا خلفهم، وينتهجوا مناهجهم، للتشكيك في دين الله، وضرب المصدر الثاني في الإسلام، وفي هذا ما فيه من تنكب الأفهام، والانتكاس عن الجادة، والتسور على الكبار، لكن هيهات هيهات، وشتان بين الثرى والثريا، فإن الله ﷿ حفظ الدين بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢)، والقرآن ذكرٌ قد دلت عليه آيات كثيرة منها قوله: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ (٣) والسنة والأحاديث النبوية الشريفة ذكر كذلك فقد قال الله ﷿: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤)، فحفظ الله القرآن والسنة معًا إلى قيام الساعة، ولن ينال هؤلاء من القُرآنِ ولا من السُّنةِ الشريفةِ أبدًا، والله ﷾ الموفق، فله الحمد والمنَّة.\n_________\n(١) أحمد محمد شاكر من آل أبي العلياء، أبو الأشبال (ت: ١٣٧٧ هـ)، الباعث الحثيث شرح مختصر علوم الحديث، مكتبة السُّنة، القاهرة ١٤١٥ هـ، (ص ٢٨٤).\n(٢) سورة الحجر آية (٩).\n(٣) سورة الأنبياء آية (٥٠).\n(٤) سورة النحل آية (٤٤).","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الباب الأول\nالإمام الدارقطني وكتابه العلل</span>\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: ترجمة موجزة للإمام الدارقطني ﵀.\nوفيه: سبعة مباحث.\nالمبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده.\nالمبحث الثاني: نشأته وبداية طلبه للعلم.\nالمبحث الثالث: رحلاته العلمية وشيوخه وتلامذته.\nالمبحث الرابع: منزلته العلمية.\nالمبحث الخامس: وفاته.\nالمبحث السادس: آثاره العلمية.\nالمبحث السابع: دراسات علمية فيه وبعض مؤلفاته.\nالفصل الثاني: التعريف بكتاب العلل للإمام الدارقطني.\nعلل الدارقطني (العلل الواردة في الأحاديث النبوية).\nوفيه: ستُ مباحث.\nالمبحث الأول: اسم الكتاب ومؤلفه.\nالمبحث الثاني: قيمة الكتاب العلمية.\nالمبحث الثالث: محتوى الكتاب.\nالمبحث الرابع: مصادر الإمام الدارقطني في الكلام على العلل والرواة.\nالمبحث الخامس: الطريقة التي كان يسلكها الدارقطني في بيان العلل.\nالمبحث السادس: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني في العلل على أحد الصحيحين.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الفصل الأول\nترجمة موجزة للإمام الدَّارَقُطْني ﵀ </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده</span>.\nاسمه ونسبه: علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار بن عبدالله، أبو الحسن الدَّارَقُطْني - بفتح الدال وبعد الألف راء مفتوحة، ثم قاف مضمومة وبعدها طاء مهملة ساكنة، ثم نون - الشافعي أمير المؤمنين في الحديث، نُسِبَ لدارقطن كانت محلة كبيرة ببغداد (٢).\nمولده: ولد في خمس من ذي القعدة سنة ست وثلاثمائة (٣٠٦) هجرية في دار قطن ببغداد (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>المبحث الثاني: نشأته وبداية طلبه للعلم</span>.\nطلب العلم منذ نعومة أظفاره، واهتم بالحديث روايةً ودرايةً، فبدأ يتردد على مجالس العلماء والمحدثين وعمره لم يتجاوز العشرة، قال الخطيب البغدادي: \" حكى لنا يوسف القَوَّاس كنا نمر إلى البغوي، والدَّارَقُطْني صبي يمشي خلفنا، بيده رغيف وعليه كامخ (٤)، فدخلنا إلى ابن منيع ومنعناه فقعد على الباب يبكي \" (٥).\n_________\n(١) سبق وأن كتب الدكتور محفوظ الرحمن زين الله السلفي ترجمة للدارقطني في مقدمة تحقيقه لعلل الدارقطني، وكذا الدكتور عبدالله بن محمد دمفو في كتابه مرويات الزهري المعلة وهي رسالة دكتوراه مطبوعة، وقد أفدت منهما وأوجزت، وزدت عليهما أشياء توصلت إليها بالدراسة والاستدراكات والتعقيبات إن وجدت.\n(٢) ابن خلكان: أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر، أبو العباس شمس الدين (ت: ٦٨١ هـ) وفيات الأعيان طبعة دار صادر، بيروت ١٩٩٤م، تحقيق إحسان عباس (ج٣ /ص ٢٩٨ - ٢٩٩).\n(٣) المصدر السابق، (ج٣/ ٢٩٨).\n(٤) الكامَخُ: نوع من الأدْم، لسان العرب مادة كمخ (ج٣ / ص ٤٩).\n(٥) ابن عساكر: علي بن الحسن بن هبة الله، أبو الفضل، تاج الأمناء (ت:٥٧١هـ) تاريخ دمشق طبعة دار الفكر، بيروت ١٤١٩هـ، تحقيق علي شيري (ج٤٣ / ص ٩٨).","vol":"1","page":33},{"text":"حضر في بداية طلبه للعلم مجلس الإمام إسماعيل الصفار، فجلس ينسخ جزءًا كان معه وإسماعيل يملي فقال له بعض الحاضرين: لا يصح سماعك وأنت تنسخ، فقال الدَّارَقُطْني: فهمي للإملاء أحسن من فهمك وأحضر، ثم قال له ذلك الرجل: أتحفظ كم أملى حديثا؟، فقال: إنَّه أملى ثمانية عشر حديثًا إلى الآن، والحديث الأول منها عن فلان، ثم ساقها كلها بأسانيدها وألفاظها لم يخرم منها شيئًا، فتعجب الناس منه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>المبحث الثالث: رحلاته العلمية و<span data-type=\"title\" id=toc-19>شيوخه </span>وتلامذته</span>.\nرحل الإمام الدَّارَقُطْني إلى الكوفة، والبصرة، وواسط، وتَنِّيس، كما ارتحل في كهولته إلى الشام ومصر، وخوزستان، وجاء إلى مكة حاجًا فاستفاد وأفاد، قال الحاكم: دخل الدارقطني الشام ومصر على كبر السن، وحج واستفاد وأفاد (٢).\nشيوخه: (٣)\nسمع أبو الحسن الدَّارَقُطْني من خلق كثير لا يحصون، والمشايخ الذين روى عنهم في كتاب العلل يربو عددهم على مائتين، منهم:\n١ - إبراهيم بن أحمد بن الحسن القرميسيني (ت: ٣٥٨ هـ).\n٢ - إبراهيم بن حماد بن إسحاق، أبو إسحاق الأزدي (ت ٣٢٣ هـ).\n_________\n(١) ابن كثير: إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضو بن درع القرشي الدمشقي، أبو الفداء، عماد الدين (ت: ٧٧٤ هـ)، البداية والنهاية طبعة إحياء التراث العربي، بيروت ١٤٠٨ هـ، تحقيق على شيري (ج١١ / ص٣٦٢)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، (ج٤٣ / ص٩٨).\n(٢) الذهبي: محمد بن أحمد بن عثمان، شمس الدين (ت: ٧٤٨ هـ)، سير أعلام النبلاء طبعة مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤١٣ هـ، (ج١٦ / من ص ٤٩٩ - ٤٥٧)، بتصريف.\n(٣) محفوظ الرحمن زين الله السلفي في مقدمة تحقيق علل الدارقطني طبعة دار طيبة، الرياض ١٤٠٥ هـ، (ج١ / ص ١٣ - ١٤)، والذهبي، تذكرة الحفَّاظ، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت (ج٣/ ٨٢١، ٨٣٢ - ٨٣٣،٨٣٩ - ٨٤٢).","vol":"1","page":34},{"text":"٣ - أحمد بن إسحاق بن البهلول، أبو جعفر القاضي (ت ٣١٨ هـ).\n٤ - أحمد بن العباس بن أحمد، أبو الحسن البغوي (ت: ٣٢٢ هـ).\n٥ - أحمد بن عبد الله بن محمد، أبو بكر وكيل أبي الصخرة (ت: ٣٢٥ هـ).\n٦ - أحمد بن عيسى بن السكن بن فيروز، أبو العباس الشيباني (ت: ٣٢٣ هـ).\n٧ - أحمد بن محمد بن سعيد، أبو العباس، ابن عقدة (ت: ٣٢٣ هـ).\n٨ - أحمد بن محمد بن عبدالله بن زياد، أبو سهل القطان (ت: ٣٥٠ هـ).\n٩ - أحمد بن نصر بن طالب، أبو طالب الحافظ (ت: ٣٢٣ هـ).\n١٠ - إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفار (ت: ٣٤١ هـ).\n١١ - حسين بن إسماعيل، أبو عبدالله القاضي المحاملي (ت: ٣٣٠ هـ).\n١٢ - الحسين بن محمد بن سعيد، أبو عبدالله البزار المعروف بابن المطبقي (ت: ٣٢٨هـ).\n١٣ - دعلج بن أحمد بن دعلج، أبو إسحاق المعدل (ت: ٣٥١ هـ).\n١٤ - عبدالله بن محمد بن زياد، أبو بكر النيسابوري (ت: ٣٢٤ هـ).\n١٥ - عبدالله بن محمد بن سعيد بن زياد، أبو محمد المقري (ت: ٣٢٣ هـ).\n١٦ - عبدالله بن محمد بن عبد العزيز، أبو القاسم البغوي (ت ٣١٧ هـ).\n١٧ - علي بن عبدالله بن مبشر، أبو الحسن الواسطي (ت: ٣٢٤ هـ).\n١٨ - القاسم بن إسماعيل، أبو عبيد المحاملي (ت ٣٢٣ هـ).\n١٩ - محمد بن عبدالله بن إبراهيم، أبو بكر الشافعي (ت: ٣٥٤ هـ).\n٢٠ - محمد بن مخلد بن حفص، أبو عبدالله الدوري العطار (ت: ٣٣١ هـ).\n٢١ - يحيى بن محمد بن صاعد، أبو محمد الهاشمي (ت: ٣١٨ هـ).\n٢٢ - يعقوب بن إبراهيم بن أحمد، أبو بكر البزار (ت: ٣٢٢ هـ).","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>تلامذته: </span>(١)\nسمع من الدَّارَقُطْني عدد كثير من الحفاظ والفقهاء وغيرهم، أكتفي بذكر بعضهم:\n١ - أحمد بن عبدالله بن أحمد، أبو نعيم الأصبهاني (ت: ٤٣٠ هـ).\n٢ - أحمد بن محمد بن غالب، أبو بكر البرقاني (ت: ٤٢٥ هـ).\n٣ - تمام بن محمد بن عبيدالله بن جعفر الرازي (ت: ٤١٤ هـ).\n٤ - حمزة بن محمد بن طاهر بن يونس، أبو طاهر الدقاق (ت: ٤٢٤ هـ).\n٥ - حمزة بن يوسف بن موسى، أبو القاسم السهمي (ت: ٤٢٧ هـ).\n٦ - الحسن بن علي بن محمد بن الحسن بن عبدالله، أبو محمد الجوهري (ت:٤٥٤ هـ).\n٧ - عبدالغني بن سعيد الأزدي الحافظ (ت: ٤٠٩ هـ).\n٨ - عبد بن أحمد بن محمد، أبو ذر الهروي (ت: ٤٣٤ هـ).\n٩ - عبيدالله بن أحمد بن عثمان، أبو القاسم الأزهري (ت: ٤٣٥ هـ).\n١٠ - محمد بن الحسين بن محمد، أبو عبدالرحمن السلمي (ت: ٤١٢ هـ).\n١١ - محمد بن عبدالله بن محمد، أبو عبدالله الحاكم (ت: ٤٠٥ هـ).\n١٢ - محمد بن عبد الملك بن بشران، أبو بكر القرشي (ت: ٤٤٨ هـ).\n_________\n(١) محفوظ الرحمن زين الله السلفي في مقدمة تحقيق علل الدارقطني (ج١ / ص ١٥)، والذهبي، تذكرة الحفَّاظ (ج٣/ ١٠٩٢ - ١٠٩٨، ١٠٥٦ - ١٠٥٨، ١٠٨٩ - ١٠٩١، ١٠٤٧ - ١٠٥٠، ١٠٤٦ - ١٠٤٧).","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المبحث الرابع: منزلته العلمية</span>.\nكان الإمام الدَّارَقُطْني من بحور العلم ومن أئمة الدنيا، اهتم بدراسة علم القراءات، والحديث، واللغة، والفقه، وقد جُمع له الحفظ ومعرفة علل الحديث ورجاله، مع التقدم في القراءات وطرقها، وهو أول من صنف في علم القراءات، وله فهم ثاقب في الفقه، والاختلاف، والمغازي، وأيام الناس، وغير ذلك، ولقد أثنى عليه كثير من العلماء بما لا يدع مجالًا لأحد للثناء عليه بعدهم، وقد أوردت بعض النصوص بإيجاز غير مخل طلبًا للاختصار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>ثناء العلماء عليه:</span>\nقال الحافظ ابن عساكر: \" قال أبو عبدالله الحاكم: الحافظ الدَّارَقُطْني ﵁ صار واحد عصره في الحفظ والفهم والورع وإمامًا في القُرَّاءِ والنحويين، أول ما دخلت بغداد كان يحضر المجالس وسِنَّه دون الناس وكان أحد الحفاظ، ثم صَحِبنا في رحلتي الثانية وقد زاد على ما كنت شاهدته، وحج شيخنا أبو عبدالله بن أبي ذهل سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وانصرف فكان يصف حفظه وتفرده بالتقدم حتى استنكرت وصفه إلى أن حججت سنة سبع وستين، فلما انصرفت إلى بغداد أقمت بها زيادة على أربعة شهر وكثر اجتماعنا بالليالي والنهار، فصادفته فوق ما كان وصفه الشيخ أبو عبدالله وسألته عن العلل والشيوخ ودونت أجوبته عن سؤالاتي وقد سمعها مني أصحابي \" (١). ... .\nفتعقبه الحافظ الذهبي فقال: \" وهم الحاكم، فإن الحاكم إنما دخل بغداد سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة، وسن أبي الحسن خمس وثلاثون سنة \" (٢).\nوقال الحافظ الذهبي: \" صنف التصانيف: وسار ذكره في الدنيا، وهو أول من صنف في القراءات، وعقد لها أبوابًا قبل فرش الحروف، تلا على أبي الحسين أحمد بن بويان، وأبي بكر\n_________\n(١) ابن عساكر، تاريخ دمشق طبعة دار الفكر بيروت ١٤١٩ هـ، (ج ٤٣/ص ٩٧)، والذهبي تذكرة الحفاظ مختصرًا (ج٣/ ٩٩١ - ٩٩٢).\n(٢) الذهبي، سير أعلام النبلاء (ج١٦/ ٤٥٠ - ٤٥٢).","vol":"1","page":37},{"text":"النقاش، وأحمد بن محمد الديباجي، وعلي بن ذؤابة القزاز وغيرهم، وسمع حروف السبعة من أبي بكر بن مجاهد، وتصدر في آخر أيامه للإقراء.\nوقال الخطيب البغدادي: كان الدَّارَقُطْني فريد عصره، وقريع دهره، ونسيج وحده وإمام وقته، انتهى إليه العلو في الأثر والمعرفة بعلل الحديث وأسماء الرجال، مع الصدق والثقة، وصحة الاعتقاد، والاضطلاع من علوم سوى الحديث، منها القراءات، فإنه له فيها كتاب مختصر، جمع الأصول في أبواب في أول الكتاب، وسمعت من يعتني بالقراءات يقول: لم يُسبق أبو الحسن إلى طريقته في هذا وصار القراء بعده يسلكون ذلك، قال: ومنها المعرفة بمذاهب الفقهاء، فإن كتابه \" السنن \" يدل على ذلك، وبلغني أنه درس فقه الشافعي على أبي سعيد الإصطخري، وقيل على غيره ومنها المعرفة بالأدب والشعر\" (١).\nوقال الحافظ ابن كثير: \" قال أبو عبدالله الحاكم: لم ير الدارقطني مثل نفسه \" (٢).\nقال الحافظ الذهبي: \" وقال الخطيب: قال لي أبو القاسم الأزهري: \" كان الدارقطني ذكيًا إذا ذوكر شيئا من العلم - أي نوع كان - وُجِد عنده منه نصيب وافر \" (٣).\nوقال ابن خلكان: \" الدارقطني الحافظ المشهور، كان عالمًا حافظًا فقيهًا على مذهب الإمام الشافعي أخذ الفقه عن أبي سعيد الإصطخري الفقيه الشافعي \". ... .\nوقال أيضا: \" انفرد بالإمامة في علم الحديث في دهره، ولم ينازعه في ذلك أحد من نظرائه، وتصدر في آخر أيامه للإقراء ببغداد، وكان عارفًا باختلاف الفقهاء ويحفظ كثيرًا من دواوين العرب \" (٤).\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) ابن كثير، البداية والنهاية، (ج١١/ ٣٦٢).\n(٣) الذهبي، تذكرة الحفَّاظ (ج٣ / ص ٩٩٣).\n(٤) ابن خلكان، وفيات الأعيان (ج٣ / ص ٢٩٧).","vol":"1","page":38},{"text":"وقال الحافظ الذهبي في السير: \" كان من بحور العلم ومن أئمة الدنيا، انتهى إليه الحفظ ومعرفة علل الحديث ورجاله مع التقدم في القراءات وطرقها وقوة المشاركة في الفقه والاختلاف والمغازي وأيام الناس وغير ذلك \" (١).\nوقال الحافظ ابن كثير: \" الحافظ الكبير، أستاذ هذه الصناعة، وقبله بمدة وبعده إلى زماننا هذا، سمع الكثير وجمع وصنف وألَّف وأجاد وأفاد، وأحسن النظر والتعليل والانتقاد والاعتقاد، وكان فريد عصره، ونسيج وحده، وإمام دهره في أسماء الرجال وصناعة التعليل، والجرح والتعديل، وحسن التصنيف والتأليف، واتساع الرواية والإطلاع التام في الدراية \" (٢). ... . ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>المبحث الخامس: وفاته</span>.\nتوفي الإمام الدارقطني رحمه الله تعالى في شهر ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وقد اختلف في تحديد اليوم والتاريخ، فقيل توفي يوم الأربعاء لثمان خلون من ذي القعدة وقيل ذي الحجة، سنة خمس وثمانين وثلثمائة ببغداد، وصلى عليه أبو حامد الإسفرائيني الفقيه، ودفن في مقبرة باب الدير، قريب من معروف الكرخي رحمهما الله (٣). ... وقال الخطيب في ترجمته: حدثني أبو نصر علي بن هبة الله بن ماكولا، قال: رأيت كأني أسأل عن حال الدارقطني في الآخرة، فقيل لي: ذاك يُدْعى في الجنة الإمام (٤).\nوأما ذكر أولاده: فلم تَذْكُر مصنفات التاريخ، ولا التراجم عن أولادهِ شيئًا فيما أعلم، مع كثرة البحث والتنقيب.\n_________\n(١) الذهبي، سير أعلام النبلاء (ج١٦/ ص ٤٥٠).\n(٢) ابن كثير، البداية والنهاية (ج١١/ ص ٣٦٢).\n(٣) وانظر للتفصيل: ابن خلكان، وفيات الأعيان (ج٣ /ص ٣٩٨)، وفي تذكرة الحفَّاظ، (ج ٣ /ص٩٩٥)، وابن كثير، البداية والنهاية (ج١١/ ص ٣١٧).\n(٤) الذهبي، سير أعلام النبلاء (ج١٦/ ص ٤٥٧).","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>المبحث السادس: آثاره العلمية</span>.\nلقد صنف الإمام الدارقطني في فنون عديدة، منها في الحديث وعلومه وأسماء الرجال والقراءات، والفقه، والعقيدة وكان حسن التصنيف والتأليف، وله مؤلفات قد أحصى الدكتور عبدالله الرحيلي في رسالته: \" الإمام الدارقطني وكتابه السنن \" مصنفاته الموجودة منها والمفقودة، والمطبوع منها والمخطوط فبلغت ثلاثة وخمسين كتابًا (١)، وأحصى الدكتور موفق عبدالقادر في مقدمة تحقيق كتابه المؤتلف والمختلف مصنفات الدارقطني فذكر له اثنين وثمانين مصنفًا (٢).\nوأكتفي هنا بذكر بعضها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>أولًا المخطوطات:</span>\n١. كتاب الأفراد، لا يوجد منه إلا جزءان في دار الكتب الظاهرية، وتوجد صورة منه في قسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية، ومكتبة المسجد النبوي قسم المخطوطات من مجموع برقم حاسب (٨٤٢٣) وعدد أوراقه ١٠، بخط نسخي معتاد، عدد الأسطر ١٧ مقاس ٣٠:٤١، والمخطوط عليه بعض السماعات وعلى الرسالة سماع ليحيى بن منده سنة ٤٦٩هـ، وقد رتب أطرافه ابن طاهر القيسراني على مسانيد الصحابة، قدم مسانيد العشرة المبشرين بالجنة، ثم رتبه على حروف المعجم، توجد في قسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية نسختان مصورتان، إحداهما من دار الكتب المصرية بالقاهرة، وثانيهما من كلية القرويين بفاس، بالمغرب.\n_________\n(١) عبد الله بن ضيف الله الرحيلي، الإمام الدارقطني وكتابه السنن (رسالة دكتوراه غير منشورة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) ص: ١٨٠ - ٢٣٣ من رسالته).\n(٢) موفق عبد القادر، مقدمة المؤتلف والمختلف للدارقطني، طبعة دار الغرب الإسلامي، بيروت سنة ١٩٨٦م (ج١/ ص ٤١ - ٤٢).","vol":"1","page":40},{"text":"٢. رباعيات أبي بكر الشافعي انتقاء أبي الحسن الدارقطني وهي جزء لطيف جمعه الحافظ الدارقطني من الجزء الرابع والثامن من فوائد الإمام محمد بن عبدالله بن إبراهيم بن عبد ربه أبو بكر الشافعي المتوفي سنة ٣٥٤ هـ، من رواية المحاملي عنه، وهي من مخطوطات المكتبة الظاهرية حديث برقم: (٣٥٩)، ولدي مصورة منها، ولها نسخة مصورة بمكتبة المسجد النبوي الشريف برقم (٥٢١٩)، وتقع في ٣٠ ورقة، نسخها سليمان بن حمزة بن أحمد المقدسي سنة ٦٩٠ هـ، نوع الخط نسخ معتاد، وعدد الأسطر (١٤)، مقاس ٢٦: ١٩، وقد ووهم الدكتور عبدالله الرحيلي في رسالته للدكتوراه (١) فذكر المخطوطة باسم رباعيات الإمام محمد بن إدريس الشافعي وليس كذلك فإنَّه الإمام محمد بن عبدالله بن إبراهيم بن عبد ربه أبو بكر الشافعي كما تقدم.\n٣. فوائد أبي علي حامد بن محمد الهروي، انتخاب الدارقطني، وهو من مخطوطات المكتبة الظاهرية تقع في ٢٥ ورقة (٥أ - ٣٠أ) ضمن مجموع رقم (٤٥).\n٤. كتاب الأسخياء والأجواد، الأصل في مكتبة خدابخش بتنه (بانكيبور) الهند، وتوجد مصورة ورقية في مكتبة المخطوطات بمكتبة المسجد النبوي الشريف، حديث، وتقع في ١٦ ورقة ضمن مجموع رقم (٨٢)، عدد الأسطر ١٧ مقاس ٣٠: ٢١، بخط نسخي معتاد، والنسخة بها طمس وسواد كثير لسوء التصوير.\n٥. أمالي المحاملي تصنيف أبي الحسن الدارقطني، وهو من مخطوطات الظاهرية، وله مصور ورقي في مكتبة المخطوطات بمكتبة المسجد النبوي الشريف، حديث ويقع في ٣ أوراق (٨٢أ - ٨٤ب) ضمن مجموع رقم (٨٠)، عدد الأسطر ١٧ مقاس ٤٢: ٣٠ بخط نسخي معتاد.\n_________\n(١) عبدالله بن ضيف الله الرحيلي، الإمام الدارقطني وكتابه السنن (رسالة دكتوراه غير منشورة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) ص:١٨٠ - ٢٣٣ من رسالته).","vol":"1","page":41},{"text":"٦. فضائل الصحابة ومناقبهم، الأصل في المكتبة الظاهرية، وتوجد مصورة منها في مكتبة المخطوطات بمكتبة المسجد النبوي الشريف، حديث، وتقع في ١٣ ورقة (٤٤ - ٥٧) ضمن مجموع رقم ١٨٨، عدد الأسطر (١٨) مقياس ٢٨: ٢١، الناسخ محمد بن حمزة بن عمر، بخط نسخي جيد، وتوجد مصورة منه في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية برقم ٤٥٩٥٠ الحديث وعلومه.\n٧. الأحاديث التي رواها الإمام مالك عن الزهري، وتوجد مصورة منها في مكتبة المخطوطات بمكتبة المسجد النبوي الشريف، حديث، وتقع في ١٦ ورقة (٢٨أ-٤٤ب) ضمن مجموع رقم ٣٤ عدد الأسطر (٢٠) مقياس ٣٠: ٢٠، الناسخ عيسى محمد الجير سنة ٩٩٥هـ بخط نسخي جيد.\n٨. أحاديث الكناني برواية الصيرفي أبي الحسين محمد، الأصل في مكتبة الأسد الوطنية، من مخطوطات القرن السادس الهجري، عدد أوراقه ١٣ق، وتوجد مصورة منه في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية عدد أوراقه ١٣ق حديث.\n٩. جزء فيه من أخبار عمرو بن عبيد بن باب البصري المعتزلي وكلامه في القرآن وإظهار بدعته الأصل في المكتبة الظاهرية عدد أوراقه ٩ ق، توجد مصورة منه في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية برقم (٢٣٤٨٦) عدد أوراقه ٩ق، العقائد.\n١٠. معاني الأخبار المسمى بحر الفوائد، الأصل في مكتبة الغازي خسروبيك، سراييفوا البوسنة والهرسك، وتوجد مصورة منه في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية برقم (٦٥٣٠) الحديث وعلومه.\n١١. جزء في زواج أبي العاص بن الربيع، الأصل في مكتبة الأسد الوطنية عدد أوراقه ٨ ق، توجد مصورة منه في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية بمجموع رقم: (٢٠٢٨٧/ ١٧) عدد أوراقه ٨ ق (٢٨٤ - ٢٩٠)، متون الحديث وشروحها.","vol":"1","page":42},{"text":"١٢. الأربعون حديثا، الأصل في مكتبة تشستربيتي دبلن ايرلندا عدد أوراقه ٣٩ ق، الناسخ: يونس بن حلاج الحسني، وتوجد مصورة في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية بمجموع رقم: (٢٠٤٣٦/ ٣) عدد أوراقه ٣٩ق (١٣٦ - ١٧٤) متون الحديث وشروحها.\n١٣. حديث أبي عمر محمد بن العباس بن حيويه - الجزء (٣، ٥، ٦)، مكتبة الأسد الوطنية، وتوجد مصورة في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية، عدد أوراقه ٦ ق، متون الحديث وشروحها.\n١٤. عشرة أحاديث منتخبة من الجزء (١٣) من الفوائد المنتقاة في الأموال، الأصل في مكتبة الأسد الوطنية عدد أوراقه ٣ ق، وتوجد مصورة في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية.\n١٥. الفوائد المنتخبة العوالي، الأصل في مكتبة تشستربيتي دبلن ايرلندا، هي من مخطوطات القرن السادس الهجري، وتوجد مصورة في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية، عدد أوراقه ٢٨ ق، متون الحديث وشروحها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>ثانيًا المطبوعات:</span>\n١. كتاب العلل الواردة في الأحاديث النبوية مطبوع دار طيبة، الرياض عام ١٤٠٥هـ، وسيأتي ضمن فصل مُنفرد قريبًا، وقد لخصه الإمام شمس الدين محمد السخاوي، وسماه: بلوغ الأمل بتلخيص كتاب الدارقطني في العلل (١).\n٢. التتبع والإلزامات: طبعا بتحقيق الشيخ مقبل هادي الوادعي، الناشر: المكتبة السلفية بالمدينة\n٣. سؤالات أبي عبد الله بن بكير له: مطبوع بدار عمان بالأردن عام ١٤٠٨هـ.\n٤. كتاب الضعفاء والمتروكين: المكتب الإسلامي بيروت، سنة ١٩٩٤م تحقيق محمد الصباغ.\n_________\n(١) إسماعيل بن إبراهيم العظم باشا البغدادي (ت: ١١٤٤هـ)، إيضاح المكنون طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، سنة ١٣١٤هـ (ج١/ص ١٩٥).","vol":"1","page":43},{"text":"٥. المؤتلف والمختلف في أسماء الرجال: دار الغرب بيروت سنة ١٩٨٦م، تحقيق موفق عبدالقادر.\n٦. ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته: طبع دار الفكر بيروت، وطبع مؤسسة الكتب الثقافية بيروت تحقيق كمال الحوت.\n٧. الأحاديث التي خولف فيها الإمام مالك: طبع مكتبة الرشد الرياض سنة ١٩٩٧م، تحقيق: خالد الجزائري.\n٨. رؤية الله - جل وعلا: مكتبة القرآن القاهرة تحقيق مبروك إسماعيل سنة ٢٠٠١م\n٩. الأخوة والأخوات: دار الراية الرياض عام ١٤١٣هـ، تحقيق: د. باسم فيصل.\n١٠. فوائد أبي علي محمد الصواف انتقاء الدارقطني: دارالعاصمة بالرياض ١٤٠٨هـ\n١١. السنن: مطبوع عدة طبعات. منها طبعة دار المحاسن، القاهرة، سنة ١٣٨٦هـ تحقيق السيد عبدالله هاشم يماني المدني.\n١٢. سؤالات الحاكم له: مطبوع عدة طبعات.\n١٣. سؤالات السلمي له: طبع دار العلوم، الرياض، تحقيق: د. سليمان آتش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>المبحث السابع: دراسات علمية حول بعض مؤلفاته</span>.\nقام جمع من العلماء بتلخيص بعض مؤلفات الدارقطني وآخرون قاموا بتقديم أطروحات علمية منها:\n- مرويات الإمام الزهري المعلة في كتاب العلل للدارقطني: رسالة دكتوراه، عبدالله بن حسن دمفو، مطبوعة في مكتبة الرشد، الرياض سنة ١٤١٨ هـ.\n- الأجوبة عما أشكل الشيخ الدارقطني على صحيح مسلم بن الحجاج: لإبراهيم بن محمد أبو مسعود الدمشقي، تحقيق إبراهيم بن علي آل كليب، طبع دار الوراق، الرياض سنة ١٤١٩هـ.","vol":"1","page":44},{"text":"- تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني: لأبي بكر الغساني، تحقيق أشرف بن عبدالمقصود طبع في دار عالم الكتب، الرياض سنة ١٤١١ هـ.\n- أحاديث أبي إسحاق السبيعي التي ذكر الدارقطني فيها اختلافًا في كتابه العلل: رسالة دكتوراه، د. خالد محمد باسمح، كلية أصول الدين جامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلامية سنة ١٤٢٣ هـ.\n- مرويات الإمامين قتادة بن دعامة ويحيي بن أبي كثير المعلة في كتاب العلل: للإمام الدارقطني، رسالة دكتوراه كلية أصول الدين جامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلامية سنة ١٤٢٤ هـ، عادل عبد الشكور الزرقي.\n- أحاديث الصفات: طبع بتحقيق الشيخ عبدالله الغنيمان، نشرته مكتبة الدار ثم طبع بتحقيق الدكتور علي ناصر الفقيهي سنة ١٤٠٣ هجرية.\n- الرؤية: رسالة سليم الأحمدي في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لنيل درجة الدكتوراه.\n- سؤالات البرقاني للدارقطني: رسالة خليل حسن حمادي في جامعة الإمام محمد بن سعود لنيل درجة الماجستير سنة ١٤٠٣ هـ.\n- تعليقات الدارقطني على المجروحين لابن حبان البستي: تحقيق خليل بن محمد العربي، طبع دار الكتاب الإسلامي سنة ١٤١٤هـ.\n- كتاب الضعفاء والمتركون للدارقطني: رسالة ماجستير، جامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية، تحقيق عبد الرحيم محمد القشقري سنة ١٤٠١هـ.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>الفصل الثاني\nالتعريف بكتاب العلل للإمام الدَّارَقُطْني</span>\nعلل الدارقطني (العلل الواردة في الأحاديث النبوية):\nسنتعرض في هذا الفصل لدراسة كتاب العلل للدارقطني من جوانب علمية مختلفة من حيث اسمه، ومؤلفه، وقيمة الكتاب العلمية، ومحتوى الكتاب، ومصادر الإمام الدارقطني في الكلام على العلل والرواة، والطريقة التي كان يسلكها في بيان العلل وغير ذلك مما يعين الباحث على الإفادة منه، والأحاديث التي ذكر الدارقطني إنها معلولة وهي في أحد الصحيحين (البخاري أو مسلم).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>المبحث الأول:<span data-type=\"title\" id=toc-30> اسم الكتاب </span>ومؤلفه:</span>\nاسم الكتاب:\nللكتاب اسمان: العلل للدارقطني، والعلل الواردة في الأحاديث النبوية، ويرجع هذا الاختلاف في الاسم إلى تصرف النُّساخ بالاختصار لاسم الكتاب على طرة بعض مجلداته وهذا مشاهد في كثير من المخطوطات والنسخ القديمة، فعلى سبيل المثال: مسمَّي العلل الواردة في الأحاديث النبوية فهو كما ثبت على بداية نسخ الكتاب المخطوطة، فمنها نسخة دار الكتب المصرية، كُتب على المجلد الأول: \" المجلد الأول من العلل المورودة في الأحاديث النبوية \"، وكُتب على المجلد الرابع منها: العلل الواردة في الأحاديث النبوية وكُتب على المجلد الخامس منها \"المجلد الخامس من العلل في الأحاديث \" وأما تسميته بالعلل فقد سماه كثير من الأئمة كما سنذكر فيما بعد في أهمية الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>مؤلف الكتاب:</span>\nنُسب الكتاب للدارقطني ولكن اشترك الإمامان الكرخي والبرقاني في وضع هذا التصنيف فقد قال الخطيب البغدادي: \" سألت البرقاني قلت له: هل كان أبو الحسن الدارقطني يملى عليك العلل من حفظه فقال: نعم ثم شرح لي قصة جمع العلل فقال: كان أبو","vol":"1","page":46},{"text":"منصور بن الكرخي يريد أن يصنف مسندًا معلَّلًا فكان يدفع أصوله إلى الدارقطني فيعلم له على الأحاديث المعللة ثم يدفعها أبو منصور إلى الوراقين فينقلون كل حديث منها في رقعة فإذا أردتُ تعليق الدارقطني على الأحاديث نظر فيها أبو الحسن ثم أملى علىَّ الكلام من حفظه فيقول: حديث الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله بن مسعود الحديث الفلاني اتفق فلان وفلان على روايته وخالفهما فلان ويذكر جميع ما في ذلك الحديث فأكتب كلامه في رقعة مفردة وكنت أقول له: لم تنظر قبل إملائك الكلام في الأحاديث؟ فقال: أَتَذَكَّرُ ما في حفظي بنظري، ثم مات أبو منصور والعلل في الرقاع فقلت لأبي الحسن بعد سنين من موته: إني قد عزمت أن أنقل الرقاع إلى الأجزاء وأرتبها على المسند فأذن لي في ذلك وقرأتها عليه من كتابي ونقلها الناس من نسختي \". وقال أيضًا: \" قال أبو بكر البرقاني: وكنت أكثر ذكر الدارقطني والثناء عليه بحضرة أبي مسلم بن مهران الحافظ فقال لي أبو مسلم: أراك تفرط في وصفه بالحفظ فتسأله عن حديث الرضراض عن ابن مسعود فجئت إلى أبي الحسن وسألته عنه فقال: ليس هذا من مسائلك وإنما قد وضعت عليه فقلت له: نعم فقال: من الذي وضعك على هذه المسألة؟ فقلت: لا يمكنني أن أسميه فقال: لا أجيبك أو تذكره لي فأخبرته فأملى علىَّ أبو الحسن حديث الرضراض باختلاف وجوهه وذكر خطأ البخاري فيه فألحقته بالعلل ونقلته إليها أو كما قال \" (١).\nوقال الخطبيب البغدادي: \" فنقل البرقاني كلام الدارقطني ورتبه على المسند وقرأه على أبي الحسن وسمعه الناس بقراءته فهو كتاب \"العلل\" الذي دونه الناس عن الدارقطني\" (٢).\n_________\n(١) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، (ج٥ / ص ٢٤٩).\n(٢) نفس المصدر السابق (ج٦ / ص ٥٩).","vol":"1","page":47},{"text":"ويتضح مما سبق عدة أمور:\n١. نسبة كتاب العلل للدارقطني صحيحة، لأنه هو الذي انتقى الأحاديث المعلولة من أصول الكرخي وتكلم عليها كما يظهر من النص السابق.\n٢. كتاب العلل مرتب على المسانيد، وقد رتبه الحافظ البرقاني بموافقة الإمام الدارقطني.\n٣. أحاديث الكتاب جمعت من الأصول التي جمعها الإمام الكرخي، وسؤالات البرقاني.\n٤. جمع الإمام البرقاني للكتاب وأنه هو الذي يصدر السؤال بكلمة \" وسئل \" ثم يقول: \" فقال \"، يقصد بها الدارقطني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>المبحث الثاني: قيمة الكتاب العلمية:</span>\nالكتاب في غاية الإتقان والنَّفاسة، ودرة ثمينة قلما توجد في هذا الفن، وقد وضع فيه الدارقطني خلاصة علمه، وأبان العلل بأسلوبٍ يجلي العلة ويبرزها، ويمتاز كذلك عن بقية الكتب المطبوعة في هذا الفن ويزيد عليها سعة وشمولا واستيعابا وتنظيما، وقد أثنى عليه العلماء بأجمل الثناء:\nفقال محمد بن أبي نصر الحميدي: \" ثلاثة كتب من علوم الحديث يجب التهمم بها: كتاب العلل، وأحسن كتاب وضع فيه كتاب الدارقطني ... الخ \" (١).\nوقال ابن الصلاح عند ذكر كتب علل الحديث: \" ومن أجودها كتاب العلل عن أحمد ابن حنبل، وكتاب العلل عن الدارقطني \" (٢). وقال الذهبي: \" وإذا شئت أن تبين براعة هذا الإمام الفرد فطالع العلل له فإنك تندهش ويطول تعجبك \" (٣).\n_________\n(١) السخاوي، الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، طبعة مكتبة ابن سينا القاهرة (ص ١٦٠).\n(٢) أبو عمرو بن الصلاح، علوم الحديث المشهور بمقدمة ابن الصلاح (ص ٢٥٤).\n(٣) الذهبي، تذكرة الحفاظ (ج ٣ / ص ٩٩٣ - ٩٩٤).","vol":"1","page":48},{"text":"وقال الحافظ ابن كثير: \" وقد جمع أزمِّة ما ذكرناه كله الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتابه في ذلك، وهو من أجل كتاب، بل أجل ما رأيناه وضع في هذا الفن، لم يسبق إلى مثله، وقد أعجز من يريد أن يأتي بعده، فرحمه الله وأكرم مثواه \" (١).\nوقال البلقيني: \" وأجل كتاب في العلل: كتاب الحافظ ابن المديني، وكذلك كتاب ابن أبي حاتم، وكتاب العلل للخلال، وأجمعها كتاب الحافظ الدارقطني \" (٢).\n\nقلتُ: وقد قام الدكتور محفوظ الرحمن بإجراء مقارنة بين علل الدارقطني وكتب\nالأئمة الآخرين، وأثبت أن أجمعها كتاب الإمام الدارقطني فمن أراد التفصيل فليرجع\nإلى كتابه فإنه بحثٌ نفيسٌ غايةٌ، ولم يسبق إليه (٣).\nوقال العراقي في ألفيته: \" وعلل وخيرها لأحمدا ... والدارقطني وتواريخ عدا \" (٤).\nوقال السخاوي: \" هو على المسانيد مع أنه أجمعها \" (٥).\n_________\n(١) أحمد محمد شاكر، الباعث الحثيث (ص ٩١).\n(٢) عمر بن رسلان البلقيني (ت: ٨٠٥ هـ)، محاسن الاصطلاح المطبوع بحاشية مقدمة ابن الصلاح تحقيق د: عائشة عبد الرحمن، دار الكتب المصرية ١٩٧٤ م (ص ٢٠٣).\n(٣) محفوظ الرحمن زين الله السلفي، مقدمة تحقيق العلل (ج١ / ص ١٠٥ - ١٣١).\n(٤) العراقي، ألفية الحديث، مع الفتح المغيث للسخاوي (ج٢ / ص ٣١١).\n(٥) السخاوي، فتح المعيث (ج٢ / ص٣٣٤).","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المبحث الثالث: محتوى الكتاب:</span>\nويحتوي كتاب العلل للدارقطني الذي بين أيدينا الآن على حوالي: \" ١٧٧\"، مسندًا تقريبًا، تضم أكثر من \" ٤١٢٨ \"، سؤالًا (١)، وقد اشتملت السؤالات على جميع أنواع العلل المختلفة الخفية والظاهرة، فكان منها المتفق والمفترق، والمدرج، والمضطرب والْمُصَحَّف، الْمُدَلَّس، وما فيه الإرسال والانقطاع والضعف وغيره، وقد رتب مادة الكتاب الحافظ البرقاني على المسانيد بعد موافقة الدارقطني على ذلك كما سبق ذكره، وأن السؤالات التي صُدَّرت بها نصوص الدارقطني في العلل من وضع الحافظ البرقاني، وقد ضمَّ الكتاب السؤالات عن تراجم الرواة، كما ضمَّ السؤالات عن الأحاديث إلا أن الأحاديث كانت الغالب من أصل السؤالات.\nوكتاب العلل إلى اليوم لم يكتمل بعدُ، حيث إنَّ المصادر التي اعتمد عليها الدكتور محفوظ الرحمن ﵀ تدل على النقص في أصل الكتاب، فقد أفاد د. محفوظ الرحمن زين الله (٢) أنَّه: \" اعتمد على عشرة نسخ خطية لكن معظمها غير كاملة فبعضها ينقص مجلدًا وبعضها ينقص أكثر، وقد يكون المجلد نفسه ناقصًا من أوله أو أثناءه أو آخره، وأكمل هذه الكتب نسخة دار الكتب المصرية التي تقع في خمس مجلدات، ولكنها لم تسلم أيضًا من النقص أو الاضطراب في ترتيبها، فأما المجلدات الأول والثاني والثالث فقد دخلت فيما طبع من الكتاب، وأما المجلد الرابع فقد طبع بعضه، وذكر المحقق أنه اكتفى فيه بالمقابلة على نسختين فقط مما سبق وهما نسخة دار الكتب المصرية، ونسخة \" خدا بخش بتنه \" القديمة، لأن بقية النسخ إما منقولة عنهما أو لأن النقص كان بعد المجلدين الأول والثاني، وأما المجلد الرابع\n_________\n(١) فقد ذكر الدكتور محفوظ الرحمن ﵀، أن كتاب العلل للدارقطني يحتوي - مع نقصه - على \"١٧٠ \" مسندا تضم أكثر من \" ٣٩٨٧ \" سؤال في مقدمة تحقيق العلل (ج١/ ص٥)، وما أثبته هنا، تعقيب عليه بعد التحقيق والدراسة لجميع الكتاب بعد التكملة.\n(٢) الدكتور عبدالله بن محمد بن حسن دمفو، مرويات الإمام الزهري المعلة (ج١ / ص ١٠٧).","vol":"1","page":50},{"text":"من النسخة المصرية فلا يقابله إلا نسخة المكتبة الناصرية \" بلكنو \"، وأما المجلد الخامس فتنفرد به النسخة المصرية \".\nوالكتاب طبع في أحد عشر مجلدًا، وهو القسم الذي طبعه الدكتور محفوظ الرحمن ﵀، ثم قام الشيخ محمد بن صالح الدَّباسي مشكورًا بإتمام بقية التحقيق للمخطوطات المذكورة آنفًا، فخرجت التكملة في خمسة مجلدات مع الفهارس، فيكون إجمالي أجزاء الكتاب ستة عشر جزءًا مع الفهارس.\nوأخيرًا سؤال يطرح نفسه، هل هذا الكتاب الذي بين أيدينا اليوم هو الذي جمعه البرقاني في حياة الدارقطني أم اعتراه النقص!؟\n\nوالجواب: باستقراء النصوص التي وردت في هذه المسألة نجدها تنقسم على قولين:\nالقول الأول:\nذهب إليه ابن القطان ومن تبعه، أن الدارقطني لم يكمل الكتاب أصلًا، فقال: \" فأما كتاب العلل له - يعني الدارقطني - فإنه لم يذكر فيه ابن عباس، وكذلك جماعة من الصحابة، أراه لم يبلغهم عمله \" (١).\nوقال أيضًا: \" وذلك أن الدارقطني لم يجعل في كتاب العلل لابن عباس رسمًا، ولا ذكر من حديثه إلا ما عرض في باب غيره من الصحابة، إما لم يبلغه عمله وإما لم يتحصل عنده ما يضع في الكتاب المذكور (٢).\nواحتج بعضهم بأن كتاب الدارقطني مبني على أصول أبي منصور الكرخي - وهو شيخه\n- الذي مات ولم يتمه كما ذكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٣).\n_________\n(١) الحافظ علي بن محمد بن عبد الملك أبو الحسن، ابن القطان الفاسي (ت: ٦٢٨)، بيان الوهم والإيهام طبعة دار طيبة، الرياض، تحقيق د. الحسين آيت سعيد، (ج١/ ص١٨١).\n(٢) المصدر السابق، (ج١/ ص١٩٢).\n(٣) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (ج٥ / ص٢٤٩).","vol":"1","page":51},{"text":"القول الثاني:\nوهو أنَّ الكتاب قد اعتراه النقص في النسخ المخطوطة التي وصلت إلينا، ولم يكن الكتاب على أصول الكرخي فحسب، وإنما ضم إليه سؤالات البرقاني من أمثلة ذلك ما ورد من حديث الرضراض بن أسعد عن ابن مسعود، كما حكى البرقاني قصة سؤاله للدارقطني عنه كما نقله الخطيب عنه في تاريخه أنه قال: كنت أكثر ذكر الدارقطني والثناء عليه بحضرة أبي مسلم بن مهران الحافظ، فقال لي أبو مسلم: أراك تفرط فى وصفه بالحفظ فتسأله عن حديث الرضراض عن ابن مسعود؟ فجئت الى أبى الحسن وسألته عنه فقال: ليس هذا من مسائلك ... \" (١).\nالقول الراجح:\nوهو القول الثاني: أن الكتاب قد اعتراه النقص في النسخ المخطوطة التي وصلت إلينا، ويرجع ذلك إما لخطأ النساخ أو فقدان أجزاء منه، ومن القرائن والشواهد التي تؤيد ذلك عدة نصوص في كتاب العلل للدارقطني، ومنها على سبيل المثال، لا الحصر:\nالقرينة الأولى:\nورد في حديث «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً» (٢)، سؤال رقم (٣٤٨٥) قول الدارقطني: \" وحديث أبي بن كعب يجئ في مسنده إن شاء الله. \" (٣)، ومعلوم أنَّه ليس هناك مسند لأُبي بن كعب في نسخ الكتاب الذي بين أيدينا، مما يدل على النقصان في النسخة المخطوطة التي وصلت إلينا، وكلام أهل العلم ممن كان له دراسة بهذا المصنف الجليل يدل على ما ذهبنا إليه.\n_________\n(١) المصدر السابق (ج١٥/ ص٢٦٠).\n(٢) البخاري، الجامع الصحيح (ج١٠/ ص٦٠٥)،كتاب الأدب، باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يُكره منه، رقم (٦١٤٥). والترمذي، السنن (ج٥/ص١٣٧)، كتاب، باب ما جاء إنَّ من الشعر حكمة، رقم (٢٨٤٤).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني، علل الدارقطني، تكملة الدَّباسي (ج١٤ / ص١٤٦).","vol":"1","page":52},{"text":"القرينة الثانية:\nورد في حديث «أَلا أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ؟» (١)، سؤال رقم (٤٠٠٩) قول الدارقطني: \" وقد بينا الخلاف في حديث ابن عباس \" (٢)، وليس في النسخ الموجودة لدينا أثر لمسند ابن عباس منفردًا، ولم نحصل على الخلاف المشار إليه في كتاب العلل بعد طول تفتيش، وقال الدكتور محفوظ الرحمن: \" وكما أن مسند ابن عباس لا يوجد في العلل للدارقطني كذلك لا يوجد مسند عبدالله بن عمرو بن العاص مع أنَّه أيضًا من المكثرين، وغاية ما في الأمر أنَّ الدارقطني لم يفرد مسندًا لابن عباس كما عمل لعبدالله بن عمر بن الخطاب وأنس بن مالك وغيرهما، ولكنه يذكر أحاديث ابن عباس في مسانيد أخرى. \" (٣)، وأما قول القائل: ربما كان الخلاف المذكور في حديث ابن عباس مما أُدخل في بعض المسانيد الأخرى، فاحتمال ظاهر البطلان، لأن أحاديث ابن عباس التي وقعت في كتاب العلل الذي بين أيدينا حوالي (١١٦) ستة عشر ومائة حديثٍ تقريبًا، وبعد سبر هذه الأحاديث لم نجد الخلاف المذكور آنفًا في الحديث.\n\nومما سبق يتضح لنا عدة أمور ونتائج:\n١ - أنَّ النسخ المخطوطة الموجودة بين أيدينا الآن من كتاب العلل وقع بها النقص إجمالًا\n٢ - وأنَّ مسانيد أبي بن كعب، وعبد الله بن عمرو بن العاص لا وجود لهما في الكتاب.\n٣ - وأنَّ مسند ابن عباس لا يوجد منفردًا بل ذكر في مسانيد أخري تبعًا لا أصلًا.\n٤ - وأنَّ قول قائل أن الدارقطني لم يكمل الكتاب أصلًا، بعيد من واقع الحجة والبرهان.\n٥ - أنَّ كتاب العلل للدارقطني كتاب حافل كثير الفائدة في بابه.\n_________\n(١) مسلم، صحيح مسلم (مع شرح النووي)،كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ (ج٢ / ص٢٨٨)، رقم (١٠٢).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني، علل الدارقطني، تكملة الدَّباسي (ج١٥/ ص ٢٦٠).\n(٣) محفوظ الرحمن، مقدمة العلل للدارقطني (ج١/ ص ٨٤).","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المبحث الرابع: مصادر الإمام الدارقطني في الكلام على العلل والرواة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>أولًا: المصادر التي صرح بها الدارقطني في كتابه:</span>\nذكر الدكتور محفوظ الرحمن المصادر التي صرح بها الدارقطني في كتابه العلل، فأحببت أن أذكرها إتمامًا للفائدة، وأذكر بعدها بعض التعليقات والاستدراكات تبعًا، فقال ﵀:\n١ - كتاب المناسك لعبد الملك بن عبد العزيز بن جريح (ت: ١٥٠ هـ).\n٢ - مصنفات سعيد بن أبي عروبة (ت: ١٥٦ أو ١٥٧ هـ).\n٣ - الموطأ للإمام مالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ).\n٤ - الموطأ بروايات:\nمحمد بن الحسن الشيباني (ت: ١٨٩ هـ)، عبدالرحمن بن القاسم بن خالد (ت:١٩١ هـ)، عبد الله بن وهب (ت: ١٩٧ هـ)، معن بن عيسى الأشجعي (ت: ١٩٨ هـ) يحيى بن سعيد القطان (ت: ١٩٨ هـ)، محمد بن إدريس الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ)، بشر بن عمر (ت: ٢٠٩ هـ)، عبدالملك بن عبدالعزيز بن الماجشون (ت: ٢١٣ هـ) محمد بن المبارك الصوري (ت: ٢١٥ هـ)، عبدالله بن يوسف التنيسي (ت: ٢١٨ هـ) عبدالله بن مسلمة بن قعنب القعنبي (ت: ٢٢١ هـ)، يحيى بن عبدالله بن بكير ... (ت: ٢٣١ هـ)، يحيى بن يحيى الليثي (ت: ٢٣٤ هـ)، قتيبة بن سعيد (ت: ٢٤٠ هـ)، أحمد بن أبي بكر أبو مصعب الزهري (ت: ٢٤٢ هـ)، أيوب بن صالح.\n٥ - كتاب عبدالوهاب بن عبد المجيد الثقفي (ت: ١٩٤هـ)، عن يحيى بن سعيد الأنصاري (ت: ١٤٤ هـ).\n٦ - كتاب الطهارة لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت: ٢٢٤ هـ).\n٧ - المسند لعلي بن المديني (ت: ٢٣٤ هـ).\n٨ - كتاب أحمد بن منيع (ت: ٢٤٤ هـ).\n٩ - الجامع الصحيح لمحمد بن إسماعيل البخاري (ت: ٢٥٦ هـ).","vol":"1","page":54},{"text":"١٠ - الصحيح لمسلم بن حجاج (ت: ٢٦١ هـ).\n١١ - كتاب الأدب لإبراهيم بن إسحاق الحربي (ت: ٢٨٥ هـ).\n١٢ - كتاب الطهارة لإبراهيم بن إسحاق الحربي (ت: ٢٨٥ هـ).\n١٣ - كتاب أبي بكر محمد بن عبدالله الشافعي (ت: ٣٥٤ هـ) \" (١).\nاستدراك: لم يذكر الدكتور محفوظ الرحمن ﵀، ثمانية وستين مصدرًا تقريبًا، وقد صرح الدارقطني بالاستفادة منها، فمنها على سبيل المثال لا الحصر (٢):\n١ - أصل نهشل بن دارم، وهو بن مالك بن حنظلة، من تميم، من عدنان (ت:؟) (٣)\n٢ - الجنائز ليزيد بن هارون، وهو بن زاذان بن ثابت الواسطي (ت: ٢٠٦هـ) (٤).\n٣ - العين للخليل بن أحمد، وهو ابن عمرو بن تميم الفراهيدي (ت: ١٧٠هـ) (٥)\n٤ - كتاب إبراهيم بن نصر الكنديّ، أبو إسحاق الرازي (ت: ٢٨٠هـ) (٦).\n٥ - كتاب أحمد بن محمد بن عبد الكريم، وهو ابن سهل الكاتب، أبو العباس (ت: ٢٧٠هـ) صاحب كتاب (الخراج) (٧)،قال ابن خلكان: \"لم أعلم من حاله شيئا، وكتابه مشهور، وما ذكرته إلا لأجل كتابه فقد يَتَشَوَّف الواقف عليه إلى معرفة زمانه\" (٨)\n_________\n(١) محفوظ الرحمن زين الله السلفي، مقدمة تحقيق العلل (ج١ / ص ٩٨ - ١٠٠)\n(٢) فهارس العلل للدارقطني (التكملة)،طبعة دار التدمرية ١٤٢٨هـ (ج١٦/ ص ٦٢٨ - ٦٣٢).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج١٠ / ص٣٤١).\n(٤) المصدر السابق (ج١٢/ص٣٢).\n(٥) المصدر السابق (ج٥ / ص٢٣٥).\n(٦) المصدر السابق (ج١٢ /ص٤٠٠).\n(٧) المصدر السابق (ج١٢/ ٣٣٧).\n(٨) ابن خلكان، وفيات الأعيان (ج١/ ص٢٩).","vol":"1","page":55},{"text":"٦ - كتاب أزهر، وهو ابن سعد الباهلي بالولاء، أبو بكر السمان (ت: ٢٠٣هـ) (١)\n٧ - كتاب إسحاق الفروي، ابن محمد بن إسماعيل بن أبي فروة (ت: ٢٢٦هـ) (٢).\n٨ - كتاب الحسن بن أحمد بن صالح السبيعي، الهمداني الحلبي (ت:٣٧١هـ) (٣).\n٩ - كتاب الليث، الإمام ابن سعد الفهمي بالولاء، أبو الحارث (ت: ١٧٥هـ) (٤).\n١٠ - كتاب المفضل بن فضالة، ابن عبيد، أبو معاوية، القتباني المصري (ت:١٨١هـ) (٥).\n١١ - كتاب خلف بن محمد، وهو كردوس (ت: ٢١٦ أو ٢١٧ هـ) (٦).\n١٢ - مسند البزار، هو أحمد بن عمرو بن عبد الخالق أبو بكر (ت: ٢٩٢ هـ) (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>ثانيًا: المصادر التي لم يصرح بها الدارقطني في كتابه:</span>\nذكر الحافظ الذهبي في السير: \" قال أبو بكر البرقاني: كان الدارقطني يملي عليَّ العلل من حفظه. قلت: إن كان كتاب \" العلل \" الموجود، قد أملاه الدارقطني من حفظه، كما دلت عليه هذه الحكاية، فهذا أمر عظيم، يقضى به للدارقطني أنه أحفظ أهل الدنيا وإن كان قد أملى بعضه من حفظه فهذا ممكن، وقد جَمع قبله كتاب \" العلل \" علي بن المديني حافظ زمانه \" (٨).\nوذكر الحافظ البرقاني _عن طريقة إملاء الدارقطني للعلل - قوله: \" فإذا أردتُ تعليق الدارقطني على الأحاديث نظر فيها أبو الحسن، ثم أملى عَلَيَّ الكلام من حفظه فيقول: حديث\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٥/ ص١٨٧).\n(٢) المصدر السابق (ج٨/ ص٢٠٦).\n(٣) المصدر السابق (ج١ / ص٢٠).\n(٤) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (التكملة)، (ج١٢ /ص٩٩).\n(٥) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٤ /ص٢٩٥).\n(٦) المصدر السابق (ج٧ /ص١٤٧).\n(٧) المصدر السابق (ج١٠ /ص٣٧٠).\n(٨) الذهبي، سير أعلام النبلاء (ج١٦ / ص ٤٥٥).","vol":"1","page":56},{"text":"الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود الحديث الفلاني، اتفق فلان وفلان على روايته، وخالفهما فلان، ويذكر جميع ما في الحديث \" (١).\nوقيل للدارقطني: \" حديث ابن مخلد عن أحمد بن منصور، عن النضر هل سمعته منه؟ قال: لا أحفظه الساعة وهو حديث باطل، ذهب عبدالرحمن بن مهدي وأبو داود إلي زياد بن ميمون فأنكر عليه هذا الحديث، فقال: اشهدوا علىّ أني رجعتُ عنه \" (٢).\nقلتُ: ويتضح لنا من النصوص السالفة الذكر أن مصادر الدارقطني في التعليل كالآتي:\nأولًا: أنَّ الدارقطني كان يعتمد على حفظه الأحاديث المعلولة عن مشايخه، وعلى استحضار الطرق في الحديث، فقد كانوا يتعلمون المعلول من الحديث كما يتعلمون الصحيح السالم من العلل، وهذا معلوم ومشاهد بالاستقراء وبالتواتر.\nثانيًا: أنَّ الدارقطني اعتمد على بعض مصنفات أئمة الحديث والتي صرح بها كما سبق، واعتمد على مصادر لم يذكرها ربما استفاد منها، ومثال ذلك: كتاب العلل للإمام ابن أبي حاتم الرازي، وكتاب علل الإمام أحمد بن حنبل، وكتاب الإمام الترمذي وغيرهم ممن كانت لهم كتبٌ مشهورة صنفت في العلل قبل الدارقطني، قفد ذكر ابن أبي شيبة اهتمام السلف بكتب أئمة الفن قبلهم فقال:\" سمعت عليًا - ابن المديني - يقول أبو عوانة باع كتابه، سمعت عليًا يقول: كنت إذا قدمت الى بغداد منذ أربعين سنه كان الذي يذاكر أحمد بن حنبل فربما اختلفنا في الشيء فنسأل أبا زكريا يحيى بن معين فيقوم فيُخرِّجه\" (٣).\nوقال الدكتور محفوظ الرحمن في مقدمة العلل: \" والحقيقة أن الدارقطني استفاد كثيرًا من مشايخه تلقيًا ومشافهة ومن مصنفاتهم منهم: محمد بن مخلد، ويحيى بن صاعد، والمحاملي\n_________\n(١) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (ج١٢ / ص ٣٧).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل، (التكملة)، (ج١٥/ ص٩).\n(٣) ابن أبي شيبة: محمد بن عثمان، أبو جعفر الكوفي (ت: ٢٣٩ هـ)، سؤالات ابن أبي شيبة لعلي بن المديني رواية جعفر بن محمد بن الخواص عنه، دار البشائر، بيروت (ص٨١).","vol":"1","page":57},{"text":"وابن أبي داود، وأبو بكر الشافعي وغيرهم، كما أنه استفاد من مؤلفات المتقدمين - وإن لم يصرح بها - مثل مؤلفات سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وحماد بن سلمة وابن المبارك ووكيع، وأبي داود الطيالسي، وعبد الرزاق، والحميدي، ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وأحمد بن منصور الرمادي، وعمر بن شبَّة، ويعقوب بن شيبة، والترمذي والبزار وغيرهم - ممن يصعب إحصاؤهم - الذين يذكر أسماءهم في الأسانيد التي ساقها في هذا الكتاب، ولا نستطيع أن نحدد، لأنَّه كان يملي العلل من حفظه، فيجوز أن تكون استفادته من مؤلفاتهم، أو مما تلقاه من مشايخه الأفذاذ، والله أعلم \" (١).\nقلتُ: والتحقيق أنَّ الدارقطني صرح بأنَّهُ استفاد من كتب حماد بن سلمة، وكذلك من مسند البزار، فأما حماد بن سلمة فقد قال الدارقطني: \" ولا يثبت هذا الحديث لأنه ليس في كتب حماد بن سلمة المصنفات \" (٢)، وأما البزار فقد قال الدارقطني: \" رواه عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وهو الصواب، وحدث به أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في المسند في حديث مالك عن المقبري \" (٣)، وعلى كل حال يمكن حصر احتمالات المصادر التي استفاد منها الدارقطني من كتب الأولين ولم يصرح بها في ثلاثة احتمالات:\n١ - احتمال أن الدارقطني كان يحفظ الطرق، وعلة الحديث من مشايخه بالاستيعاب الذي ليس فيه شك فيستحضر الطرق والعلة من الذاكرة والحافظة، ولا ينظر إلى مرجع.\n٢ - واحتمال أنَّه كان يحفظ لكنه غير مستوعب للطرق في الحديث فينظر في المصادر التي عنده فيستحضر بقية الطرق في الحديث ثم يملي الطرق والعلة بعد ذلك.\n٣ - واحتمال أنَّه لم يكن يستحضر الطرق والعلة في الحديث، فينظر في المصادر.\n_________\n(١) محفوظ الرحمن زين الله السلفي، مقدمة تحقيق العلل (ج١ / ص ١٠٠ - ١٠١).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني، العلل (ج٥ / ص ٣٤٦).\n(٣) المصدر السابق (ج١٠ / ص ٣٧٠).","vol":"1","page":58},{"text":"ويدل على ذلك على سبيل المثال لا للحصر عدة قرائن، وإلا فهي كثيرة نذكر منها:\n\nالقرينة الأولى:\nأنَّ الدارقطني ذكر حديث \" أبي صالح عن أبي هريرة عن النَّبي ﷺ: «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ كَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ» (١)، فقال الدارقطني: وقال أحمد بن حنبل حدث به ابن جريج عن موسى بن عقبة وفيه وهم والصحيح قول وهيب، وقال وأخشى أن يكون ابن جريج دلسه عن موسى بن عقبة أخذه من بعض الضعفاء عنه، والقول كما قال أحمد \" (٢).\nقلتُ: والمعلوم أن الدارقطني لم يدرك الإمام أحمد، فإنَّ الإمام أحمد توفي سنة ٢٤١ هجرية، وكان مولد الدارقطني سنة ٣٠٦ هجرية فبينهما رجلين على أقل تقدير، وكون أنَّهما من بغداد، فلا شك أنه استفاد من بعض كتبه، فقد نقل الإمام الدارقطني في العلل ما يقارب ثلاثة وعشرين قولًا للإمام أحمد بن حنبل.\nوالقرينة الثانية: قال الإمام البرقاني: \" قلت له فإنَّ البخاري فيما ذكره أبو عيسى عنه حكم بحديث الحسن بن عُبيد الله على حديث الأعمش قال الشيخ - يعني الإمام الدارقطني -: وقول الحسن بن عبيدالله عن قرثع غير مضبوطٍ، لأن الحسن بن عبيدالله ليس بالقوي ولا يقاس بالأعمش وروى هذا الحديث أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله بن مسعود عن أبي بكر وعمر\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في السنن، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا قام من المجلس، (ج٥/ص ٤٩٤)، رقم (٣٤٣٣)، ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني عنعنة ابن جريج وهو مدلس.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٨ / ص ٢٠٤).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٢ / ص ٢٠٤).","vol":"1","page":59},{"text":"قلتُ: وهذا الحديث بعينه في كتاب العلل الكبير للترمذي فقد قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَاهُ مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» (١)، سألت محمدًا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: هذا حديث عبدالواحد، عن الحسن بن عبيدالله، قال محمد - يعني البخاري -: والأعمش يروي هذا عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر، ولا يذكر فيه قرثعا، وعبد الواحد بن زياد يذكر عن الحسن بن عبيد الله هذا الحديث ويزيد فيه: عن قرثع. قال محمد -يعني البخاري-:وحديث عبدالواحد عندي محفوظ \" (٢).\n\nوالقرينة الثالثة: قال الإمام البرقاني: \"وسئل عن حديث محارب بن دثار عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ: «أَبْغَضُ الْحَلاَلِ إِلى اللهِ الطَّلاَقُ» (٣).\nفقال - الدارقطني -: يرويه عبيد بن الوليد الوصَّافي، عن محارب كذلك، ورواه مُعَرَّف ابن واصل، واختلف عنه: فرواه محمد بن خالد الوهبيّ، عن مُعَرَّف، عن محارب، عن ابن عمر، عن النَّبي ﷺ، ورواه أبو نعيم، عن معرف عن محارب مرسلًا، عن النَّبي ﷺ \" (٤).\n\nقلتُ: الحديث ضعيف مُعلٌّ بالإرسال، لكون المرسل أصح، وهو بعينه في علل الإمام ابن أبي حاتم قال: \" وسألت أبي عن حديث رواه محمد بن خالد الوهبيّ، عن الوصافي عن محارب بن دثار، عن عبدالله بن عمر، عن النَّبي ﷺ قال: «أَبْغَضُ الْحَلاَلِ عِندَ اللهِ الطَّلاَقُ»، ورواه أيضًا محمد بن خالد الوهبيّ عن معرف بن واصل عن محارب بن دثار عن عبد الله بن عمر عن النَّبي ﷺ مثله، قال أبي إنَّما هو محارب عن النَّبي ﷺ مرسلًا (٥).\n_________\n(١) أخرجه أحمد بن حنبل: المسند، طبعة دار البشير، عمان، تحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط، مسند العشرة المبشرين بالجنة، (ج١/ ص٧)، حديث رقم (٣٥)، وهو حديث عبدالواحد المحفوظ.\n(٢) الترمذي: محمد بن عيسى الترمذي، أبو عيسى، كتاب العلل الكبير (حديث رقم ٤٢٧).\n(٣) أبو داود: سليمان بن الأشعث السجستاني (ت: ٢٧٥هـ)، السنن، طبعة دار الفكر، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، كتاب الطلاق، باب كراهية الطلاق، (ج١/ ص٦٦١) (برقم ٢١٧٨).\n(٤) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل، (التكملة) (ج١٣ / ص٢٢٥) سؤال رقم (٣١٢٣).\n(٥) ابن أبي حاتم: عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن ادريس الحنظلي الرازي (ت: ٣٢٧ هـ)، كتاب العلل الطبعة الأولى، مطابع الجريسي الرياض سنة ١٤٢٦ هـ (رقم المسألة ١٢٩٧).","vol":"1","page":60},{"text":"والقرينة الرابعة: قال الإمام البرقاني في العلل: \" سئل عن حديث يروى عن مكحول عن أبي أيوب قال رسول الله ﷺ: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوضَأ» (١)، فقال - الدارقطني -: يُروى عن ابن لهيعة، عن إسحاق بن أبي فروة، عن مكحول هكذا، ورواه سعيد بن عبد العزيز والنعمان، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة وهو المحفوظ \" (٢).\nقلتُ: والحديث بعينه عند الترمذي في العلل الكبير قال: \" حدثنا محمد بن سهل بن عسكر البغدادي، حدثنا أبو مسهر، حدثني الهيثم بن حميد، حدثنا العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة، أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوضَأ». وسألتُ محمدًا عن هذا الحديث فقال: مكحول لم يسمع من عنبسة، روى عن رجل، عن عنبسة، عن أم حبيبة: «مَنْ صَلى فِي يَوْمٍ وَلَيلةَ ثِنْتي عَشَرةَ رَكْعَةَ». وسألت أبا زُرعة عن حديث أم حبيبة فاستحسنه، ورأيته كأنه يعده محفوظا \" (٣).\n\nمما سبق يتضح لنا عدة نتائج هامة:\n١ - أنَّ الدارقطني كان واسع الاطلاع والمعرفة، اعتمد على كثير من مصنفات الأولين.\n٢ - أنَّهُ كان يضم إلى حفظه من مشايخه الخلاف والمتون، حفظ مصنفات أهل الحديث.\n٣ - أنَّهُ كان دقيق العبارة، مُلمًّا بطرق الحديث، متوسّعًا في التخريج ومعرفة العلل.\n_________\n(١) أبو داود: سليمان بن الأشعث السجستاني، السنن، كتاب الطهارة، باب باب الوضوء من مس الذكر (ج١/ص٩٥)، برقم (١٨١)، والحديث فيه خلاف مشهور، والراجح فيه ثبوته.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٦ / ص ١٢٤)، سؤال رقم (١٠٢٣).\n(٣) الترمذي: محمد بن عيسى الترمذي، أبو عيسى، كتاب العلل الكبير، حديث رقم (٣٧).","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>المبحث الخامس: الطريقة التي كان يسلكها الدارقطني في بيان العلل:</span>\nلم يكن للدارقطني طريقة واحدة يسير عليها في بيان العلل، بل كان ذلك بحسب ما اتفق له في المجلس، فكان يسلك الطريقة التي يراها مناسبة لبيان علة الحديث الذي يُسأل عنه، ولذا اختلفت الطرق التي كان يسلكها على ثلاث طرق، وسوف أجمل هذه الطرق (٢): (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>أولًا: الطريقة التي كان يسلكها الدارقطني غالبًا في بيان العلة:</span>\n١ - كان الدارقطني يذكر العلل الموجودة في إسناد الحديث من، الوقف والرفع، أو الاتصال والإرسال، أو الانقطاع والاضطراب أو إبدال راوٍ براوٍ وغيرها من العلل، فمثال علة الموقوف والمرفوع، ما قاله لما سئل عن حديث: \" الأغَّر بن سليك عن علي عن النَّبي ﷺ: «وَثَلاَثَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللَّهُ ولا يُحِبُّهُمْ الشَّيْخُ الزَّانِي، وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ» (٢).\nفقال: يرويه سماك بن حرب واختلف عنه فرواه شعبة عن سماك بن حرب، واختلف عن شعبة فرواه روح بن عبادة، عن شعبة عن سماك وعلي ابن الأقمر عن الأغرَّ بن سليك عن علي ورفعه إلى النَّيي ﷺ، وخالفه غندر ومسلم بن إبراهيم وغيرهما، فرووه عن شعبة عن سماك عن الأغرَّ\n_________\n(١) سبق وأن أفرد الدكتور محفوظ الرحمن زين الله مبحثاَ عن منهج الدارقطني في أصل كتابه في مقدمة تحقيقه لعلل الدارقطني، وكذا استدراك الدكتور عبد الله بن محمد دمفو في كتابه مرويات الزهري المعلة عليه، وقد أفدت منهما وأوجزت، وزدت عليهما أشياء توصلت إليها بالدراسة والتحليل والسبر، وأيدتُ ذلك بأمثلة.\n(٢) أخرجه الترمذي في السنن، كتاب صفة الجنة، باب ما في كلام الحور العين (ج٤/ص٦٩٨)، برقم (٢٥٦٨)، أخرجه بتمامه. والنَّسائي: أحمد بن شعيب النسائي (ت: ٣٠٣هـ) في السنن (بشرح السيوطي وحاشية السندي) طبعة دار المعرفة، بيروت، الطبعة الخامسة سنة ١٤٢٠ هـ كتاب الزكاة، باب ثواب من يعطي (ج٥ /ص٨٨)، برقم (٢٥٦٩)، والحديث بهذا الإسناد مُعَلٌّ بالوقف؛ لأن غُنْدَر وهو محمد بن جعفر أثبت من روح بن عباد في شعبة، قال ابن إبي حاتم: \"إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غُنْدَر حكم فيما بينهم\"- شرح العلل لإبن رجب (ص٣٦٨).","vol":"1","page":62},{"text":"عن علي موقوفًا، وكذلك رواه أبو الأحوص، عن سماك، عن الأغرَّ، عن علي موقوفًا وهو أصح، حدثناه الحسين بن إسماعيل المحاملي، حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، ثنا روح ثنا شعبة، ثنا سماك بن حرب، وعلي بن الأقمر أنهما سمعا الأغرَّ بن سليك يقول: سمعت عليًا يقول: قال رسول الله ﷺ: قال أحدهما: ثلاثة لا يحبهم الله، وقال الآخر: ثلاثة يبغضهم الله ولا يحبهم، الشيخ الزاني، والغني الظلوم، والفقير المختال \" (١).\n\nومثال علة الموصول والمرسل، قوله لما سئل عن حديث: \" أسماء بنت عميس عن أبي بكر حين نفست بمحمد بن أبي بكر فقال: رسول الله ﷺ: «مُرْهَا فَلْتَغْتَسِلْ ثَّمَ لِتُهِلْ» (٢). فقال: حديث يرويه القاسم بن محمد بن أبي بكر واختلف عليه فيه فرواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن القاسم بن محمد عن أبيه عن أبي بكر قال ذلك سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد، وخالفه ابن عيينة ويحيى القطان وغيرهما فقالوا عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب مرسلا \" (٣).\nومثال ما وصف بعلةِ الانقطاع، قوله لما سئل عن حديث: \" عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه - ﵃ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «أَقْرَأَهُ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذَّبُ ...﴾» (٤) فقال - الدارقطني -: حدث ابن محمد بن سنان القزاز، عن عثمان بن عمر، عن شعبة عن خالد، عن ابن أبي بكرة، عن أبيه، عن النَّبي ﷺ، ووهم فيه، وإنما رواه أصحاب شعبة، عن شعبة، عن خالد أنه سمع عبد الرحمن بن أبي بكرة فقط لم يتجاوز به ولم يرفعه والمنقطع أصح \" (٥).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٣ / ص ١٣٢)، سؤال رقم (٣١٩).\n(٢) أخرجه النَّسائي: أحمد بن شعيب النسائي في السنن، كتاب مناسك الحج، باب باب الغُسل للإهلال (ج٥/ص١٣٦)، برقم (٢٦٦٢)، والحديث ضعيف مُعَلٌّ بالإرسال، لكون المرسل أصح.\n(٣) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج١ / ص ٢٧٠)، سؤال رقم (٦٢).\n(٤) أبو داود، السنن كتاب الحروف والقراءات، (ج٢/ص٤٣٢)، برقم (٣٩٩٧)، والحديث ضعيف مُعَلٌّ بالوقف لكون المنقطع أصح من المرفوع، وتمام الآية ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ سورة الفجر آية ٢٥، وضبطها بفتح الذال مع الشدة، وهي في قراءة الكسائي الكوفي ويعقوب.\n(٥) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٧ / ص ١٥٩)، سؤال رقم (١٢٧١).","vol":"1","page":63},{"text":"ومثال علة الاضطراب، قوله لما سئل عن حديث: \" سعيد بن المسيب، عن عمر - ﵃ - عن النَّبي ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، مَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَا». فقال - يعني الدارقطني -: هو حديث يرويه أبي حمزة ميمون، عن سعيد بن المسيب، رواه عنه منصور بن المعتمر والثوري، وعمرو بن أبي قيس، وخلاد الصفار وغيرهم، فقال سيف بن محمد: عن منصور والثوري، عن أبي حمزة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر. وقال جرير: عن منصور، عن أبي حمزة، عن سعيد بن المسيب، عن بلال. وقيل عن أبي حمزة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر، عن بلال. وقال عمرو بن أبي قيس وخلاد: عن أبي حمزة عن سعيد بن المسيب، عن عمر الحديث ... والاضطراب في الإسناد من قِبَلهِ \" (١).\nقلتُ: الحديث لم أجده في الكتب الستة من طريق أبي حمزة ميمون، عن سعيد بن المسيب، عن عمر، عن بلال بهذا اللفظ لكن أخرجه الطبراني في الكبير بلفظٍ آخر فقال: \" حَدَّثَنَا عُمَرُ بن حَفْصٍ السَّدُوسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بِلالٍ الأَشْعَرِيُّ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بن الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ ﵁، عَنْ بِلالٍ، قَالَ: «كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدِي تَمْرٌ، فَتَغَيَّرَ، فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى السُّوقِ، فَبِعْتُهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ فَلَمَّا قَرَّبْتُ إِلَيْهِ مِنْهُ، قَالَ: مَا هَذَا يَا بِلالُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: مَهْلا، ارْدُدِ الْبَيْعَ، ثُمَّ بِعْ تَمْرًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حِنْطَةٍ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ تَمْرًا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلا بِمِثْلٍ، وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلا بِمِثْلٍ، وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَلا بَاسَ وَاحِدٌ بِعَشَرَةٍ» \" (٢).\nووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني الاضطراب في رواية الإسناد: عن عمر، عن بلال مرة، ومرة عن عمر وحده، ومرة عن بلال وحده، وقد حكم الدارقطني أنَّ الاضطراب\n_________\n(١) المصدر السابق (ج٢ / ص ١٥٨)، سؤال رقم (١٨٥).\n(٢) أخرجه الطبراني: سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني (ت: ٢٦٠هـ)، المعجم الكبير طبعة مكتبة العلوم والحكم، الموصل سنة ١٤٠٤هـ، تحقيق: حمدي بن عبدالمجيد السلفي (ج١/ص٣٣٩) برقم (١٠١٧)، والحديث ضعيف بهذا اللفظ لاضطرابه كما ذكرنا سالفًا.","vol":"1","page":64},{"text":"من أبي حمزة ميمون (١).\n\nومثال علة إبدال راوٍ براوٍ، قوله لما سئل عن حديث: \" الحسن عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - ﵁ - قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (٢). الحديث، فقال: حدث به أحمد بن عبدالصمد النَّهرواني وهو مشهور لا بأس به عن ابن عيينة، عن أيوب عن الحسن، ووهم فيه وإنَّما رواه ابن عيينة، عن أبي موسى إسرائيل، عن الحسن عن أبي بكرة \" (٣).\nومثال آخر كذلك لما سئل عن حديث: \" ابن جُوشَن عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - ﵁ - قال رَسُولُ الله\nﷺ: «لاَ يَقْضِيَنَّ أَحَدٌ فِي قَضَاءٍ بِقَضَاءَيْنِ وَلاَ يَقْضِي أَحَدٌ بَيْنَ خَصْمَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» (٤). فقال - الدارقطني -: يرويه سفيان بن حسين، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن ابن جُوشَن، وهو عبدالرحمن بن جُوشَن الغطفاني من أصحاب أبي بكرة قاله عيينة بن عبدالرحمن، رواه إبراهيم بن صدقة البصري صاحب سفيان بن حسين عن سفيان بن حسين قيل للشيخ - يعني الدارقطني - فقد قال بعض الناس سفيان بن عيينة بدلًا من سفيان بن حسين، فقال: هذا غلط قبيح \" (٥).\n_________\n(١) وهو حمزة بن أبي حمزة ميمون، الجعفي الجزري من السابعة، كبار أتباع التابعين، متروك، كما في تهذيب التهذيب، طبعة دار الفكر ببيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٤هـ (ج٣ / ص٢٥).\n(٢) أخرجه البخاري بالإسناد الثاني الصحيح في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الصلح، باب قول النَّبي للحسن ...، (ج ٥/ ص٣٤٦)، برقم (٢٧٠٤). وأما الإسناد المعلول الذي من طريق أحمد بن عبدالصمد النَّهرواني عن ابن عيينة، عن أيوب، عن الحسن. فلم أجده بعد طول تفتيش.\n(٣) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٧ / ص ١٦١)، سؤال رقم (١٢٧٥).\n(٤) أخرجه النَّسائي في السنن كتاب آداب القضاء، باب النهي عن أن يقضي في قضاء بقضاءين (ج٨/ص ٦٣٨)، برقم (٥٤٣٦)، والحديث صحيح بهذا الإسناد، وأما الإسناد المبدل فيه ابن عيينة بدلًا من سفيان بن حسين فخطأ، لأن من ذكر ابن عيينة لم يسلك الجادة في هذا الإسناد.\n(٥) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٧ / ص ١٦٧)، سؤال رقم (١٢٨١).","vol":"1","page":65},{"text":"٢ - كان لا يذكر الأحاديث بالسند، بل يكتفي بذكر ما فيها من علة، ثم يبين الخلاف أو سبب العلة الموجودة في السند أو المتن، ومثال ذلك: قوله في حديث \" عبدالله بن سلمة، عن معاذ - ﵁ - عن النَّبيِّ ﷺ: «إنَّ أَخْوفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُم ثَلاثٌ: جِدَالُ مُنَافِقٌ بالقُرْآنِ، وَزَلَّةُ عَالمٍ، وَدُنيا تَقْطَعُ أَعْنَاقَكُمْ» (١)، فقال- الدارقطني -: يرويه عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن معاذ. ورواه الأعمش: عن عمرو بن مرة مرفوعًا، تفرد به عنه معمر بن زائدة وكان قائد الأعمش عنه، ووقفه شعبة وغيره، عن عمرو بن مرة، عن ابن سلمة عن معاذ والموقوف هو الصحيح \" (٢).\n٣ - كان إذا انتهى من ذكر الطرق والاختلاف في الإسناد يحكم على الحديث، ويبيّن العلة فيه، ومثال ذلك: قوله: \" حديث معاذ حيث بعثه النبي ﷺ إلى اليمن فقال له: «كَيْفَ تَقْضِي؟ فَقَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». الحديث ... (٣)،\nفقال - الدارقطني -: يرويه شعبة عن أبي عون عن الحارث بن عمرو عن أصحاب معاذ عن معاذ حدث به، كذلك عن شعبة ويزيد بن هارون ويحيى القطان ووكيع وعفان وعاصم بن علي وغندر، وأرسله عبدالرحمن بن مهدي وأبو الوليد والرصاصي، وعلي بن الجعد، وعمرو بن مرزوق، وقال أبو داود عن شعبة قال مرة عن معاذ وأكثر ما كان يحدثنا عن أصحابنا معاذ أنَّ رسول الله ﷺ ...، وروى عن مسعر عن أبي عون مرسلا والمرسل أصح \" (٤).\n_________\n(١) أخرجه الطبراني: سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الأوسط (ج٨/ص٣٠٧)،برقم (٨٧١٥).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٦ / ص ٨١)، سؤال رقم (٩٩٢).\n(٣) أخرجه الترمذي في السنن، كتاب الأحكام، باب ماجاء في القاضي كيف يقضي (ج٣ / ص٦١٦)، برقم (١٣٢٧)، والحديث بهذا الإسناد ضعيف مُعَلٌّ بالإرسال.\n(٤) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٦ / ص ٨٨ - ٨٩)، سؤال رقم (١٠٠١).","vol":"1","page":66},{"text":"٤ - كان يذكر الراوي الذي يقع اختلاف الإسناد عنه، ثم يذكر أوجه الخلاف فيه، كما في الأحاديث المذكورة سابقًا.\n\n٥ - إذا كان الحديث مداره على بعض المكثرين ذكرهم وذكر الاختلاف في أوجه الرواية عنهم، ومثال ذلك حديث: \" شريح بن هانئ، عن علي بن أبي طالب عن النَّبي ﷺ: «فِي المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ» (١)، والحديث مداره على الأعمش وأبي إسحاق السبيعي، فذكر الخلاف، ثم ذكر أوجه الخلاف عن كلٍ منهما.\n٦ - كان يقتصر في ذكر طبقة رواة الأوجه للرواة المكثرين، أو الطبقة التي دونها إذ العلة لا تخرج عنهما، ومثال ذلك قوله في حديث: \" أبى سلمة، عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ: «في رَجُلٍ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ فَقَالَ الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ» (٢)، فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه، فرواه سلمة بن كلثوم وهو شامي يهم كثيرًا عن الأوزاعي، عن قرة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ووهم فيه والصحيح عن الزهري عن سالم عن أبيه \" (٣).\n٧ - غالبًا لا يذكر من أخرج الحديث من أصحاب السنن أو المسانيد أو الأجزاء، وهو معلوم بالاستقراء، إذ كان يُشير إلى الخلاف في الحديث المعلول، ثم أوجه الاختلاف عن الرواة ولا يذكر المرجع أو المصدر، بل يكتفي بذكر الطرق والخلاف في الحديث، وقد سبق بيان ذلك في الأمثلة السابقة.\n_________\n(١) المصدر السابق (ج٣ / ص ٢٣٠ - ٢٣٧)، سؤال رقم (٣٧٩).\n(٢) أخرجه على الوجه الصحيح البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الإيمان (ج١/ ص٩٣)، برقم (٢٤)، وأما الإسناد المعلول فقد أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، طبعة دار الحرمين سنة ١٤١٥هـ، تحقيق طارق بن عوض، (ج٥/ ص١٥٦)، برقم (٤٩٣٢).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٨ / ص ٢٣ - ٢٤)، سؤال رقم (١٣٨٧).","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>ثانيًا: الطريقة التي كان الدارقطني أحيانًا ما يسلكها في بيان العلة:</span>\nلم يسلك الدارقطني في الإجابة على المسائل طريقة واحدة بل سلك طُرقًا عدة كثيرة التنوع، وسوف أذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر:\n١ - أحيانًا إذا كان الحديث عن أكثر من راوٍ يذكرهم، ثم يذكر الاختلاف عنهم، ومثال ذلك قوله لما سئل عن حديث: \" عبدالله بن زرير الغافقي، عن علي قال: «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَهَبًا بِيَمِينِهِ وَحَرِيرًا بِشِمَالِهِ فَقَالَ هَذَا حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» (١)، فقال - الدارقطني -: يرويه يزيد بن أبي حبيب واختلف عنه رواه الليث ابن سعد، وعبد الحميد بن جعفر، ومحمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبدالعزيز بن أبي الصعبة، عن أبي أفلح الهمداني عن ابن زرير عن علي، واختلف عن ابن إسحاق فقال: ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي أفلح ولم يذكر بينهما عبدالعزيز ابن أبي الصعبة، ورواه زيد بن أبي أنيسة عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن زرير أسقط من الإسناد رجلين بين ابن أبي الصعبة وأبا أفلح، وقال ابن عيينة عن ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن رجل عن آخر لم يسمهما عن علي، ورواه عمر بن حبيب عن ابن إسحاق بإسناد آخر عن سعيد بن أبي هند، عن عبدالله بن شداد عن عبد الله بن مرة عن علي، ووهم في هذا الإسناد عمر بن حبيب وكان سيء الحفظ والصحيح عن ابن إسحاق قول يزيد بن هارون وجرير عنه لمتابعة عبدالحميد بن جعفر والليث إياهما \" (٢)\n٢ - وأحيانًا يقول: حدث به فلان عن فلان ووهم والصواب كذا وكذا، ومثال ذلك ما قاله لما سئل عن حديث: \" عطاء بن يسار عن أبي سعيد قال رسول الله ﷺ: «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ\n_________\n(١) أخرجه النَّسائي في السنن، كتاب الزينة، باب تحريم الذهب على الرجال (ج٨/ ص٥٣٩)، برقم (٥١٥٩)، والحديث صحيح من الوجه الذي أخرجه النَّسائي، فإنه من طريق يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق، وهو ترجيح الدارقطني كما في إجابة السؤال رقم (٣٩٤) التالي.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٣ /ص٢٦٠ - ٢٦٢)، سؤال رقم (٣٩٤).","vol":"1","page":68},{"text":"فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» (١).\nفقال - الدارقطني -: حدث به إسحاق بن إبراهيم الحنيني، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، ووهم فيه على مالك، والصحيح عن مالك عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد، وكذلك رواه أصحاب الموطأ والحفاظ عن مالك، عن الزهري، وكذلك رواه يونس ومعمر، عن الزهري، عن عطاء ابن يزيد عن أبي سعيد، وخالفهم عبد الرحمن بن إسحاق وهو عبَّاد، فرواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ولا يصح فيه سعيد، والصحيح ما ذكرنا \" (٢).\n٣ - وأحيانًا يتكلم في الراوي جرحًا وتعديلًا، ومثال ذلك: \" حديث عطاء بن يزيد عن أبي أيوب ﵁، عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ، وَإِنْ وَجَدَ طِيبًا فَلا عَلَيْهِ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِهَذَا السِّوَاكِ» (٣).\nفقال - الدارقطني -: يرويه معاوية بن يحيى الصدفي، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد عن أبي أيوب قاله إسحاق بن سليمان الرازي عنه، وهو وهم وإنما رواه الزهري عن عبيد ابن السباق مرسلًا عن النَّبي ﷺ، قال ذلك مالك بن أنس وغيره، ومعاوية الصدفي ضعيف\n_________\n(١) أخرجه على الوجه الصحيح من طريق الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدرى: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الأذان، باب ما يقول إذا سمع المنادي (ج٢/ ص١٠٧)، برقم (٦١١)، وكذلك أخرجه مسلم في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الصلاة، باب استحاب القول مثل قول المؤذن (ج٢/ ص٣٢٠)، برقم (٣٨٣)، وأما الوجه الخطأ فأخرجه ابن ماجة في السنن، كتاب الأذان، باب ما يقال إذا أذن المؤذن (ج١/ ص٢٣٨)، برقم (٧١٨)، وأشار الترمذي إليه وقال:\"ورواية مالك أصح\" - السنن (ج١/ ص٤٠٧)،برقم (٢٠٨).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج١١/ ٢٦٣ - ٢٦٥)، سؤال رقم (٢٢٧٥).\n(٣) أخرجه الطبراني: المعجم الكبير (ج٤/ص١٤٩)، برقم (٣٩٧١)، والحديث ضعيف من هذا الوجه لضعف معاوية بن يحيى الصدفي، ذكره الحافظ في التهذيب (ج١٠ / ص١٨٩)، وخلاصة ذلك: أنَّه ضعيف وما حدث بالشام أحسن مما حدث بالرى، والحديث مُعَلٌّ بالإرسال كذلك.","vol":"1","page":69},{"text":"حدثهم بالرَّي بأحاديث من حفظه وهم فيها على الزهري وأما روايته عن الزُّهري فهي من غير طريق إسحاق مستقيمة يشبه أن يكون من كتابه \" (١).\n\nقلتُ: والحديث فيه إعلالٌ بعلةٍ ظاهرة وهي ضعف معاوية الصدفي، وفيه علة خفية كذلك وهي علة الإرسال، وهذا دليل على أنَّ الدارقطني كان يُعِلُّ الحديث ببعض العلل الظاهرة ليشير إلى علة خفية كما كان يفعل المتقدمين من أهل الحديث، وسوف نبين ذلك بالتفصيل.\n٤ - وأحيانا يذكر أن فلانًا لقى فلانًا، ولم يسمع منه شيئًا ومثال ذلك ما قاله لما سئل عن حديث: \" الحسن عن أبي هريرة عن النَّبي ﷺ: «أن الله تعالى يقول انظروا إلى عبدي نام ساجدا وروحه عندي» (٢).\nفقال - الدارقطني -: يرويه عباد بن راشد، عن الحسن عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٦ /ص٩٥)، سؤال رقم (١٠٠٣).\n(٢) أخرجه ابن شاهين: عمر بن أحمد بن عثمان، أبو حفص (ت: ٢٩٧هـ)، في ناسخ الحديث ومنسوخه، طبع مكتبة المنار الزرقاء، ١٤٠٨هـ، فقال: \"حدثنا محمد بن جعفر بن يزيد المطيري قال: حدثنا حماد بن الحسن، قال: حدثنا حجاج بن نصير، قال: حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إذا نام العبد وهو ساجد يقول الله ﷿: انظروا إلى عبدي روحه عندي وبدنه ساجدًا لي\"، (ج١/ص٢٦٥) برقم (٢٠١)، كما ذكره الدارقطني هنا، والحديث رُوي عن أنس كذلك وهو ضعيف، أما قوله: \" الحسن لم يسمع من أبي هريرة \"، قلتُ: فليس هذا على الإطلاق، والخلاف مشهور بين أهل الحديث، والراجح أنه سمع منه قليل، فإن البخاري قد أخرج في صحيحه من حديث الحسن عن أبي هريرة، ومعلوم شرط البخاري في إثبات السماع، وقد أخرج النَّسائي في السنن، كتاب الطلاق، باب ما جاء في الخلع (ج٦/ ٤٨٠)، برقم (٣٤٦١)، وفيه تصريح أن الحسن سمع من أبي هريرة، فقال النَّسائي: \" أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا المخزومي وهو المغيرة بن سلمة قال حدثنا وهيب عن أيوب عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى اللهم عليه وسلم أنه قال: المنتزعات والمختلعات هُنَّ المنافقات قال الحسن: لم أسمعه من غير أبي هريرة \". والحديث ضعيف.","vol":"1","page":70},{"text":"وقال: حزم بن أبي حزم عن الحسن بلغنا أن رسول الله ﷺ، ولا يثبت سماع الحسن من أبي هريرة، وقيل للشيخ أبي الحسن - الدارقطني - فقد قال موسى بن هارون إنَّه سمع منه، فقال: شعبة أعلم قال ولم يسمع الحسن من أبي هريرة، وحكي لنا عن محمد بن يحيى الذهلي أنه قال: لم يسمع منه \" (١).\n\n٥ - وأحيانًا يذكر اسم الراوي أو كنيته وإذا كان فيه خلاف فيبين وجه الصواب، ومثال ذلك ما قاله لما سئل عن حديث: \" عبدالرحمن عن أبي هريرة: «سَجَدَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ في إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ» (٢).\nفقال - الدارقطني -: يرويه الزهري وصفوان بن سليم، فرواه يزيد بن أبي حبيب وعمر بن صبح، عن صفوان بن سليم، عن عبدالرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، وبيَّن نسبه قرة بن عبدالرحمن رواه عن الزهري وصفوان بن سليم، عن عبدالرحمن بن سعد، عن أبي هريرة، ويكنى أبا حميد وليس بعبدالرحمن الأعرج صاحب أبي الزناد؛ لأن ذلك هو عبدالرحمن بن هرمز يكنى أبا داود وهما أعرجان وجميعًا يرويان عن أبي هريرة، وأما عبدالرحمن بن هرمز فإنما يروي هذا الحديث عن أبي هريرة - ﵁ -: «أَنَّ عُمَرَ سَجَدَ فِي إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ»، روى ذلك عنه مالك ومعمر ويونس وغيرهم، عن الزهري حدث به عمر بن شبة، عن أبي عاصم، عن مالك عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة: «أنَّ النَّبي اللهِ ﷺ سَجَدَ فِي إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ»، ووهم فيه عمر بن شبة وهمًا قبيحًا، والصواب عن مالك ما رواه الثقات عنه عن الزهري، عن الأعرج عن أبي هريرة أن عمر سجد ... \" (٣).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٨/ ص ٢٤٨ - ٢٤٩)، سؤال رقم (١٥٥٢).\n(٢) أخرجه على الوجه الصحيح مسلم، الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب سجود التلاوة (ج٣/ص٨١)، برقم (١٠٩).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٨/ ص ٢٢٤ - ٢٢٦)، سؤال رقم (١٥٣٤).","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>ثالثًا: الطريقة التي كان الدارقطني نادرًا ما يسلكها في بيان العلة:</span>\n١ - لا يذكر أسماء الرواة الذين اختلفوا في الحديث، أو سنده بل يقول: من روى هذا الحديث فقد وهم وقال ما لم يَقُلهُ أحد من أهل العلم، ومثال ذلك ما قاله في حديث:\n\" أنس عن عمر أنَّه سأل عن قوله تعالى: ﴿وفاكهة وأبَّا﴾ فما الأبّ؟ ثم قال هذا لعَمْرُ الله التكلف فخذوا أيها النَّاس بما تبين لكم فيه فما عرفتم فخذوا به وما لم تعرفوا فكِلُوا علمه إلى الله تعالى (١).\nقال - الدارقطني -: من روى هذا الحديث فكِلُوه إلى خالقه فقد وهم، وقال ما لم يقله أحد من أهل العلم بالحديث، فإنه لا يعرف فيه إلا قوله فكِلُوه إلى عالمه، أوكِلوا علمه إلى الله ﷿ أو فدعوه \" (٢).\n\n٢ - قد يجمل ذكر بعض الرواة بعبارة من العبارات التي تدل على الإجمال كأن يذكر بعض رواة أحد الأوجه ثم يعقب بقوله: \" وغيرهم \" أو \" آخرين \"، ومثال ذلك ما قاله في حديث: \" عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، عن عثمان أن النَّبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا أُمَّ الْخَبَائِثَ فِإنَّهُ كَانَ رَجُلٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ...» الحديث (٣).\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ\n\nتحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول، (ج٢/ص٢٤٢)، برقم (٢٢٨١)، بلفظ: \" أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقرأ: ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (سورة عبس آيةرقم ٣١)، فكل هذا قد عرفنا فما الأبّ؟ ثم نفض ما كان في يده فقال: هذا لعمر الله التكلف اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب \".\n(٢) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٢/ص١٢٠)، سؤال رقم (١٥٣).\n(٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، (ج٥/ص١٠)، برقم (٥٥٨٦)، من طريق: عمر بن سعيد ابن سريح عن الزهري مرفوعًا، والموقوف أصح لأنَّ كبار الحفاظ عن الزهري قد أوقفه، أمثال: معمر بن راشد، ويونس الأيلي وهما أثبت الناس في الزُّهري، فالحديث بهذا الإسناد مُعَلٌّ بالوقف.","vol":"1","page":72},{"text":"فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث، عن أبيه واختلف عنه فأسنده عمر بن سعيد بن سريح عن الزهري، ووقفه يونس ومعمر وشعيب ابن أبي حمزة وغيرهم، عن الزهري والموقوف هو الصواب، وروى هذا الحديث عن عمرو بن قيس الملائي، عن الحسن بن عمارة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عثمان، عن النَّبي ﷺ \" (١).\n٣ - قد يذكر حديثًا ويسوق الاختلاف الذي حصل في إسناده، والحديث في أساسه لا يعتد به لأن متنه منكر فلا فائدة من معرفة نتيجة الاختلاف الذي حصل في الإسناد، ومثال ذلك: \" حديث ابن المسيب عن أبي هريرة قال: رسول الله ﷺ «الرِّجْلُ جُبَارٌ» (٢).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه من رواية سفيان بن حسين عن الزُّهري عنه، فرواه محمد بن يزيد الواسطي وعباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، ورواه أبو أمية الطرسوسي، عن بشر بن آدم عن عبَّاد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة جمع بينهما وليس أبو سلمة بمحفوظ في هذا الحديث، حدثنا عبدالله بن محمد البغوي، قال: ثنا داود بن رشيد ثنا عبَّاد بن العوام، ثنا سفيان بن حسين، عن الزُّهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: رسول الله ﷺ «الرِّجْلُ جُبَارٌ» \" (٣).\nقلتُ: وأصل العلة في هذا الحديث هي أن سفيان بن حسين (٤) روى هذا الحديث من طريق الزهري وهو ضعيف فيه، ثقة فيما عداه، قال الحافظ ابن حجر في التهذيب (ج٤/ص٩٦): \" قال ابن أبي خيثمة، عن يحيى: ثقة في غير الزُّهري \".\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٣ / ص ٤١)، سؤال رقم (٢٧٤).\n(٢) أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الديات، باب في الدابة تَنْفَحُ بِرِجْلِهَا (ج٢/ ص٦٠٦)، برقم (٤٥٩٢)، والحديث ضعيف للعلة التي أشرنا إليها، والرَّجْلُ: الدابة تَنْفَحُ بِرِجْلِهَا.\n(٣) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٩ / ص ١٢٠ - ١٢١)، سؤال رقم (١٦٧٠).\n(٤) هو سفيان بن حسين بن الحسن، أبو محمد، ويقال: أبو الحسن، الواسطي (ت:١٥٣هـ).","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المبحث السادس: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني في العلل على أحد الصحيحين:</span>\nسنتعرض في هذا المبحث لبعض نماذج الأحاديث التي انتقدها الإمام الدارقطني في كتابه العلل على صحيح البخاري أو مسلم، ودراسة وتحليل ذلك، ثم نسوق رد الحفاظ والأئمة عليها والراجح فيها، وقد انتقد الدارقطني على البخاري إحدى وتسعين حديثًا على التحقيق فيما استوعبه الحافظ ابن حجر في هدي الساري، منها ما وافقه مسلم على تخريجه (١)، وعدة ما اجتمع لنا فيما انتقده الدارقطني على البخاري في كتابه العلل ستةً وثلاثين حديثًا (٢)، رد غالبها الحافظ ابن حجر العسقلاني، وانتقد على مسلم فيما يربو عن مائتي حديث (٣)، رد غالبها الإمام محيي الدين يحيي بن زكريا النووي في شرحه لصحيح مسلم، والإمام أبو مسعود الدمشقي في كتابهِ المفيد \" الأجوبة عما أشكل الشيخ الدارقطني على صحيح مسلم بن الحجاج \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>أولا: الأحاديث التي انتقدها في كتاب العلل وقد أخرجها البخاري في أصل صحيحه:</span>\nالحديث الأول: قال البخاري في كتاب الطهارة: \" حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ، وَلَكِنْ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَاللَّهِ يَقُولُ: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ\n_________\n(١) الحافظ ابن حجر العسقلاني، هدي الساري، طبعة دار الحديث ١٩٩٨م، القاهرة (ص٣٤٧).\n(٢) انظر المسائل في كتاب العلل مع التكملة أرقام:﴾ (٦٨٦)، (٢٠٥٠)، (٢٠٤٥)، (٢٠٤٢) (٣٢٥٩)، (٧١٩)، (٣٣)، (٣٨٢٥)، (٣٩٩٢)، (١٨٤٤)، (٢٠٦٣)، (١١٧٦)، (٥٢٦) (٢٩٩٦)، (٢٠٣١)، (٣٦٥٢)، (٢٨٣١)، (٢٢٧)، (٥٣٨)، (١٢٧٥)، (٢٥٩٩)، (١١١٨)، (٩٢٥)، (٤١٢٨)، (٢٩٧٥)، (٣٠٧١)، (٢٨٦)، (١٤٥)، (١١٩٣)، (١٣٩٤)، (٧٢٧)، (٢٠٤٤)، (٩٥٢)، (٢١٦٤)، (١٧٠٣)، (٢٣٢٢) ﴿.\n(٣) النووي: شرح صحيح مسلم، طبعة دار الحديث سنة ٢٠٠١ م، القاهرة (ج١/ص٤٩).","vol":"1","page":74},{"text":"فَلَمْ أَجِدْهُ فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ هَذَا رِكْسٌ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَبْدُالرَّحْمَنِ» \" (١).\nقال الإمام البرقاني في العلل: \" سئل عن حديث الأسود وعلقمة عن عبدالله في النهي عن الحجر والروثة في الاستنجاء، فقال - الدارقطني -: يرويه علقمة وغيره عن عبدالله فرواه عن علقمة عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن عبدالله، ورواه ليث بن أبي سليم عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه الأسود، عن عبدالله حدَّث به عنه كذلك زائدة وعبدالرحيم بن سليمان، وابن فضيل، وعبدالوارث، وأبو الأشهب جعفر بن الحارث وجرير بن عبدالحميد، ورواه زهير عن ليث، فقال: عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه وعبدالرحمن بن يزيد، ورواه جابر الجعفي، ومحمد بن خالد الضبي، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابن مسعود، ورواه أبو إسحاق السبيعي، عن عبدالرحمن بن الأسود، واختلف على أبي إسحاق، والاختلافُ عنه مذكور فيما بعد ...\nذكر الخلاف على أبي إسحاق في ذلك: روى هذا الحديث أبو إسحاق السبيعي واختلف عنه فيه اختلافا شديدًا، فرواه زهير بن معاوية وأبو حماد الحنفي وأبو مريم، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله، وتابعهما شريك من رواية الحماني عنه وزكريا بن أبي زائدة من رواية ابنه يحيى عنه، واختلف عن يحيى واختلف عن زكريا وشريك، ورواه يزيد بن عطاء، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن ابن الأسود، عن أبيه وعلقمة، عن عبدالله، ورواه عمار بن رزيق، وورقاء بن عمر ومعمر بن راشد، وسليمان بن قرم، وإبراهيم الصائغ، وعبدالكبير بن دينار الصائغ، وأبو شيبة وإبراهيم بن عثمان، ومحمد بن جابر، وصباح بن يحيى المزني، وروح بن مسافر عن أبي إسحاق، عن علقمة عن عبد الله. وكذلك رُوي عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن علقمة عن عبدالله، وكذلك قال عباد بن ثابت\n_________\n(١) البخاري: الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الوضوء، باب لا يُستنجى بروث، (ج١/ص٣٠٩)، برقم ١٥٦.","vol":"1","page":75},{"text":"القطواني، وخالد العبد عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن علقمة عن عبدالله. وكذلك قال إسحاق الأزرق عن شريك، ورواه أبو أحمد الزُّبيري، وعبيد الله بن موسى، وعيسى بن جعفر القاضي الرَّازي، ووكيع بن الجراح، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة عن عبدالله.\nورواه الحميدي عن ابن عيينة، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد، وخالفه زيد بن المبارك الصنعاني، ومحمد بن الصباح الجرجرائي وغيرهما، فرووه عن ابن عيينة عن أبي إسحاق عن عبدالرحمن بن يزيد عن عبدالله لم يذكر فيه إسرائيل.\nوكذلك رواه الفضل بن موسى السناني، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن ابن يزيد عن عبدالله، وخالفه عبدالرحيم بن سليمان، وإسحاق الأزرق، وإسماعيل بن أبان فرووه عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن الأسود عن عبدالله. واختلف عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة في روايته لهذا الحديث عن أبيه، فقال: سهل بن عثمان عن يحيى بن زكريا عن أبيه عن أبي إسحاق عن عبدالرحمن ولم ينسبه، عن الأسود، عن عبدالله. وقال منجاب: عن يحيى بن زكريا، عن أبيه، عن عبدالرحمن ابن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله. وقيل عن منجاب عن يحيى، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبدالله. فلم يذكر بين أبي إسحاق وبين الأسود أحدًا، وروي عن ابني صالح بن حيي، ومالك بن مِغْول، ويوسف بن أبي إسحاق، وحديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن الأسود عن عبد الله. وكذلك منجاب عن شريك، عن أبي إسحاق عن الأسود، وكذلك قال: سلمة بن رجاء عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن الأسود، واختلف عن يونس بن أبي إسحاق في روايته لهذا الحديث عن أبيه فقال هارون بن عمران، عن يونس، عن أبيه، عن أبي عبيدة، عن عبدالله. وقال الحسن ابن قتيبة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه عن أبي عبيدة وأبي الأحوص عن عبدالله.","vol":"1","page":76},{"text":"فأشبه أن يكون القولان عن يونس بن أبي إسحاق صحيحين، ورواه أبو سنان سعيد ابن سنان، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم، عن عبدالله. فأمَّا حديث زهير بن معاوية ومن تابعه ممن رواه عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله.\nفحدثنا القاضي الحسين بن إسماعيل، ويعقوب بن إبراهيم البزار قالا: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا زهير، ثنا أبو إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبدالرحمن بن الأسود عن أبيه أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغائط وأَمَرَني أَنْ آتيه بثَلاثَةِ أَحْجَارٍ فَوجَدتُ حَجَرين وَلم أَجِدُ الثَالثَ فَأخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيتُ بهنَّ النَّبي ﷺ فَأخَذَ الحجَرَين وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذِهِ رِكْسٌ» (١).\nوقال الإمام الدارقطني في الإلزامات والتتبع: \" وأخرج البخاري عن أبي نعيم، عن زهير، عن أبي إسحاق، قال: ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله: «أتيت النَّبي ﷺ بحجرين وروثة»،أحسنها إسنادًا الأول الذي أخرجه البخاري، وفي النفس منه شيء لكثرة الاختلاف عن أبي إسحاق، والله أعلم \" (٢).\nقلتُ: وخلاصة القول أنَّ وجه انتقاد الإمام الدارقطني لهذا الحديث بسبب الاختلاف الشديد على أبي إسحاق السبيعي كما تقدم، فصار الحديث بهذا الاختلاف مضطربًا عنده، ولم يرجح رواية زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق التي رجحها الإمام البخاري في صحيحه، وقد أعل الحديث غيره بذلك أيضًا، فقال الإمام الترمذي في السنن: \" وهذا حديثٌ فيه اضطراب، حدثنا محمد بن بشار العبدي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة، قال: سألت أبا عبيدة بن عبدالله هل تذكر من عبدالله شيئًا؟ قال: لا سألت عبدالله بن عبدالرحمن\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٥ / ص ١٨ - ٣٩)، سؤال رقم (٦٨٦) باختصار شديد، وإلا فإنه ذكر الأوجه والطرق المختلفة في هذا الحديث بما يزيد عن سبعين طريقًا في هذا الحديث، فراجعها إن شئت.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني، الإلزامات والتتبع، طبعة دار الكتب العلمية، تحقيق مقبل بن هادي الوادعي، الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ (ج١/ ص ٢٢٩ - ٢٣٠) باختصار كذلك.","vol":"1","page":77},{"text":"أي الروايات في هذا الحديث عن أبي إسحاق أصح؟ فلم يقض فيه بشيء وسألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا؟ فلم يقض فيه بشيء وكأنَّه رأى حديث زهير عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله أشبه ووضعه في كتاب الجامع \" (١).\nثم قال الإمام الترمذي: \"وأصح شيء في هذا عندي حديث إسرائيل وقيس، عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبدالله؛ لأنَّ إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء وتابعه على ذلك قيس بن الربيع وسمعتُ أبا موسى محمد بن المثنى يقول: سمعت عبدالرحمن ابن مهدي يقول: ما فاتني الذي فاتني من حديث سفيان الثوري، عن أبي إسحاق إلا لما اتكلت به على إسرائيل؛ لأنَّه كان يأتي به أتم، قال أبو عيسى: وزهير في أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأنَّ سماعه منه بآخِرةٍ قال: وسمعت أحمد بن الحسن الترمذي يقول: سمعت أحمد ابن حنبل يقول إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبالي أن لا تسمعه من غيرهما إلا حديث أبي إسحاق، وأبو إسحاق اسمه عمرو بن عبد الله السبيعي الهمذاني، وأبو عبيدة ابن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه ولا يعرف اسمه، قال أبو عيسى: وأصح شيء في هذا عندي حديث إسرائيل وقيس، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة عن عبدالله؛ لأنَّ إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء وتابعه على ذلك قيس بن الربيع\" (٢)\nوالجواب: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في هدي الساري: \" وحكى ابن أبي حاتم، عن أبيه وأبي زرعة أنهما رجحا رواية إسرائيل، وكأنَّ الترمذي تبعهما في ذلك والذي يظهر أنَّ الذي رجحه البخاري هو الأرجح، وبيان ذلك أن مجموع كلام الأئمة مشعر بأنَّ الراجح على الروايات كلها إما طريق إسرائيل وهي عن أبي عبيدة عن أبيه.\nوأبو عبيدة لم يسمع من أبيه فيكون الإسناد منقطعا، أو رواية زهير وهي عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه عن ابن\n_________\n(١) الترمذي: محمد بن عيسى أبو عيسى (ت: ٢٧٩هـ)، سنن الترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء في الاستنجاء بحجرين، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرون، (ج١ / ص ٢٥).\n(٢) الترمذي: سنن الترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء في الاستنجاء بحجرين (ج١/ ص٢٥).","vol":"1","page":78},{"text":"مسعود فيكون متصلا وهو تصرف صحيح؛ لأنَّ الأسانيد فيه إلى زهير وإلى إسرائيل أثبت من بقية الأسانيد، وإذا تقرر ذلك كانت دعوى الاضطراب في هذا الحديث منتفية؛ لأنَّ الاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطربا إلا بشرطين: أحدهما: استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قدم، ولا يعل الصحيح بالمرجوح، ثانيهما: مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب، ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث لذلك وهنا يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه؛ لأنَّ الروايات المختلفة عنه لا يخلو إسناد منها من مقال غير الطريقين المقدم ذكرهما عن زهير وعن إسرائيل، مع أنَّه يمكن رد أكثر الطرق إلى رواية زهير، والذي يظهر بعد ذلك تقديم رواية زهير؛ لأنَّ يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق قد تابع زهيرًا، وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير من رواية يحيى ابن أبي زائدة عن أبيه عن أبي إسحاق كرواية زهير، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه من طريق ليث بن أبي سليم، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه عن ابن مسعود كرواية زهير عن أبي إسحاق وليث، وإن كان ضعيف الحفظ فإنَّه يعتبر به ويستشهد فيعرف أنَّ له من رواية عبدالرحمن بن الأسود عن أبيه أصلًا، ثم إن ظاهر سياق زهير يشعر بأنَّ أبا إسحاق كان يرويه أولا عن أبي عبيدة عن أبيه، ثم رجع عن ذلك وصيره عن عبدالرحمن ابن الأسود عن أبيه، فهذا صريح في أن أبا إسحاق كان مستحضرا للسندين جميعا عند إرادة التحديث، ثم اختار طريق عبدالرحمن وأضرب عن طريق أبي عبيدة، فإمَّا أن يكون تذكر أنه لم يسمعه من أبي عبيدة أو كان سمعه منه وحدث به عنه ثم عَرف أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه فيكون الإسناد\nمنقطعا، فأعلمهم أن عنده فيه إسنادًا متصلًا، أو كان حدث به عن أبي عبيدة مدلسًا له ولم يكن سمعه منه، فإن قيل إذا كان أبو إسحاق مدلسا عندكم فلم تحكمون لطريق عبدالرحمن بن الأسود بالاتصال مع إمكان أن يكون دلسه عنه أيضًا، وقد صرح بذلك أبو أيوب سليمان بن داود الشاذكوني فيما حكاه الحاكم في علوم الحديث عنه قال: في قول أبي إسحاق ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبدالرحمن عن أبيه ولم يقل حدثني عبدالرحمن،","vol":"1","page":79},{"text":"وأوهم أنه سمعه منه تدليس، وما سمعت بتدليس أعجب من هذا انتهى كلامه. فالجواب أنَّ هذا هو السبب الحامل لسياق البخاري للطريق الثانية عن إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق التي قال فيها أبو إسحاق: حدثني عبدالرحمن فانتفت ريبة التدليس عن أبي إسحاق في هذا الحديث، وبين حفيده عنه أنَّهُ صرح عن عبدالرحمن بالتحديث، ويتأيد ذلك بأنَّ الإسماعيلي لما أخرج هذا الحديث في مستخرجه على الصحيح من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن زهير استدل بذلك على أنَّ هذا مما لم يدلس فيه أبو إسحاق قال: لأنَّ يحيى بن سعيد لا يرضى أن يأخذ عن زهير ما ليس بسماع لشيخه، وكأنَّه عرف هذا بالاستقراء من حال يحيى، والله أعلم.\nوإذا تقرر ذلك لم يبق لدعوى التعليل عليه مجال؛ لأن روايتي إسرائيل، وزهير لا تعارض بينهما إلا أن رواية زهير أرجح؛ لأنَّها اقتضت الاضطراب عن رواية إسرائيل، ولم تقتض ذلك رواية إسرائيل فترجحت رواية زهير، وأما متابعة قيس بن الربيع لرواية إسرائيل فإنَّ شريكا القاضي تابع زهيرًا، وشريك أوثق من قيس على أنَّ الذي حررناه لا يرد شيئًا من الطريقين إلا أنَّه يوضح قوة طريق زهير واتصالها وتمكنها من الصحة وبعد إعلالها، وبه يظهر نفوذ رأي البخاري وثقوب ذهنه والله أعلم، وقد أخرج البخاري من حديث أبي هريرة ما يشهد لصحة حديث ابن مسعود فازداد قوة بذلك، فانظر إلى هذا الحديث كيف حَكم عليه بالمرجوحية مثل: أبي حاتم وأبي زرعة وهما إماما التعليل، وتبعهما الترمذي وتوقف الدارمي وحكم عليه بالتدليس الموجب للانقطاع أبو أيوب الشاذكوني ومع ذلك فتبين بالتنقيب والتتبع التام أنَّ الصواب في الحكم له بالراجحية فما ظنك بما يدعيه من هو دون هؤلاء الحفاظ النُّقاد من العلل، هل يسوغ أن يقبل منهم في حق مثل هذا الإمام مُسلمًا؟ كلا والله، والله الموفق \" (١).\nقلتُ: وكلام الحافظ ابن حجر غايةٌ في بابه، وكأنه ذهب خالص، ولؤلؤ مرصوص ومحض توفيق من الباري عليه، ليضع الأمر في موضعه الصحيح، وينتظم مع ما أقره أهل\n_________\n(١) ابن حجر العسقلاني، هدي الساري مقدمة فتح الباري (ص٤٧٢ - ٤٧٣).","vol":"1","page":80},{"text":"العلم، مع أنَّ البخاري كان متقدمًا على أهل زمانه في معرفة العلل، فإنهم كانوا لا يختلفون أن الإمام علي بن المديني، ومحمد بن يحيى الذُّهلي كانا من أعلم الناس بعلل الحديث، وقد أخذ البخاري عنهما، إلى حد قول شيخه ابن المديني لما بلغه أن البخاري يقول: \" ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند ابن المديني\"، قال: \" دعوا قوله فإنَّه ما رأى مثل نفسه \" (١)، ومعلوم أن مجرد الخلاف لا يعني الاضطراب في الحديث وهذا لا خلاف عليه بين المحدثين، فقد قَالَ الحافظ العراقي: \" وإنّما يُسَمَّى مضطربًا إذا تساوتِ الروايتان المختلفتانِ في الصحةِ بحيثُ لم تترجَّحْ إحداهُما على الأخرى، أما إذا ترجحت إحداهما بكون راويها أحفظ، أو أكثر صُحْبَة للمروي عَنْهُ، أو غَيْر ذَلِكَ من وجوه الترجيح؛ فإنَّه لا يطلق عَلَى الوجه الراجح وصف الاضطراب ولا لَهُ حكمه، والحكم حينئذ للوجه الراجح \" (٢).\nالحديث الثاني: قال البخاري في كتاب الجمعة: \" حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُاللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ حَدَّثَنَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ ثُمَّ ادَّهَنَ أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى» \" (٣).\n\nقال الإمام البرقاني في العلل: \" وسئل عن حديث المقبرى عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ اغْتَسَلَ الرَّجُلُ، وَغَسَّلَ رَاسَهُ وَتَطَيبَ وَلَبِسَ مِنْ صَالِح ثِيَابَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلِى الصَّلاَةِ، فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ واسْتَمَعَ مِنَ الإمَامِ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَة ثَلاثَة\n_________\n(١) الذهبي، سير أعلام النبلاء، (ج٢٣/ ٤١٣).\n(٢) الحافظ العراقي، شرح التبصرة والتذكرة، طبعة دار الكتب العلمية سنة ٢٠٠٢ م، تحقيق د. ماهر ياسين الفحل وغيره، (ج١/ص٢٤٠).\n(٣) البخاري: الجامع الصحيح (مع الفتح) كتاب الجمعة، باب لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة، حديث رقم ٩١٠ (ج٢/ص٤٥١).","vol":"1","page":81},{"text":"أَيَّامٍ». فقال - يعني الدارقطني -: اختلف فيه على سعيد المقبري، واختلف عنه، فرواه صالح بن كيسان، عن سعيد المقبرى، عن أبيه عن أبي هريرة، ورواه عبدالله بن سعيد المقبري، واختلف عنه فرواه معارك بن عباد عن عبدالله بن سعيد المقبري، عن أبيه عن جده، عن أبي هريرة، وخالفه زفر بن الهذيل، فرواه: عن عبدالله بن سعيد عن جده وهو أبو سعيد. ورواه ابن جريج عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة وعن عمارة بن عامر الأنصاري، عن النَّبي ﷺ.\nورواه عبيدالله، وعبدالله ابنا عمر، وعمر بن بكر مديني، وأبو أمية بن يعلي الثقفي، كلهم عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وخالفهم محمد بن عجلان، فرواه عن سعيد المقبري عن أبيه، عن عبدالله بن وديعة، عن أبي ذر قاله يحيى القطان وإسماعيل بن عياش عن ابن عجلان، واختلف عن ابن عيينة، فقال الحميدي: عنه عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، أراه عن أبيه، وقال أبو عبيد الله المخزومي، عن ابن عيينة، عن ابن عجلان عن سعيد المقبري، عن ابن وديعة ولم يقل عن أبيه. ورواه ابن أبي ذئب عن المقبري، واختلف عنه، فقال: حماد بن مسعدة، عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن عبد الله ابن وديعة عن سلمان الفارسي، وخالفه عثمان بن عمر، وعبد الله بن نافع وشبابة بن سوار رووه عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن أبيه عن عبد الله بن وديعة، عن سلمان الفارسي.\nوكذلك رواه الضحاك بن عثمان عن سعيد المقبري عن أبيه، وزاد الضحاك في آخر الحديث قال المقبري: فحدث بذلك عمارة بن عمرو بن حزم وأنا معهم. فقال عمارة: أوهم ابن وديعة، سمعته من سلمان يقول: وزيادة ثلاثة أيام. والحديث عندي حديث ابن أبي ذئب، والضحاك بن عثمان لأن للحديث أصلا محفوظا عن سلمان يرويه أهل الكوفة، ووهم ابن جريج في قوله عن المقبري عن أبي هريرة، وعمارة بن عامر، وإنما أراد عمارة بن عمرو بن حزم كما قال الضحاك بن عثمان\" (١).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج١٠ / ص ٣٤٤ - ٣٥٠)، سؤال رقم (٢٠٤٥) باختصار.","vol":"1","page":82},{"text":"وقال الإمام الدارقطني في الإلزامات والتتبع: \" وأخرج البخاري، عَن آدم، عَن ابن أبي ذئب، عَن المقبري، عَن أبيه، عَن ابن وديعة، عَن سلمان، عَن النَّبي ﵌ في غسل الجمعة، قال: وقد اختلف، عَن ابن أبي ذئب فيه أيضًا. وقال ابن عجلان، عَن سعيد، عَن أبيه، عَن ابن وديعة، عَن أبي ذر وقيل، عَن عُبيد الله، عَن سعيد، عَن أبي هريرة، قاله، عبد الله بن رجاء، وروى الدراوردي، عَن عُبيد الله، عَن سعيد، عَن النَّبي ﵌، وقال الضحاك بن عثمان، عَن المقبري، عَن أبي هريرة وقال أبو معشر، عَن المقبري، عَن أبيه، عَن ابن وديعة، عَن النَّبي ﵌ \" (١).\nوالجواب: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في هدي الساري: \" ورواه البخاري أيضا من حديث ابن المبارك عن ابن أبي ذئب به، وقد اختلف فيه على ابن أبي ذئب أيضا، فقال: أبو علي الحنفي فيما رويناه في مسند الدارمي عنه مثل رواية آدم، وكذا رويناه في صحيح ابن حبان من طريق عثمان بن عمر عن ابن أبي ذئب، ورواه أحمد في مسنده عن أبي النضر وحجاج بن محمد جميعا عن ابن أبي ذئب كذلك وقال: أبو داود الطيالسي في مسنده عن ابن أبي ذئب عن سعيد عن أبيه عن عبيد الله بن عدي بن الخيار عن سلمان وهذه رواية شاذة، لأن الجماعة خالفوه؛ ولأنَّ الحديث محفوظ لعبدالله بن وديعة لا لعبيدالله بن عدي، وأما ابن عجلان فلا يقارب ابن أبي ذئب في الحفظ، ولا تعلل رواية ابن أبي ذئب مع إتقانه في الحفظ برواية ابن عجلان مع سوء حفظه، ولو كان ابن عجلان حافظًا لأمكن أن يكون ابن وديعة سمعه من سلمان، ومن أبي ذر فحدث به مرة عن هذا ومرة عن هذا.\nوقد اختار ابن خزيمة في صحيحه هذا الجمع، وأخرج الطريقين معًا: طريق ابن أبي ذئب من مسند سلمان، وطريق ابن عجلان من مسند أبي ذر ﵄، وأما أبو معشر فضعيف لا معنى للتعليل بروايته، وأما رواية عبيدالله بن عمر فهو من الحفاظ إلا أنَّهُ اختلف عليه كما ترى فرواية الدراوردي لا تنافي رواية ابن أبي ذئب؛ لأنَّها قصرت عنها فدل على أنَّه لم يضبط إسناده فأرسله، ورواية عبد الله بن رجاء إن كانت محفوظة، فقد سلك الجادة في أحاديث\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني، الإلزامات والتتبع (ج١ / ص ٢٠٦).","vol":"1","page":83},{"text":"المقبري فقال: عن أبي هريرة فيجوز أن يكون للمقبري فيه إسناد آخر، وقد وجدته في صحيح ابن خزيمة من رواية صالح بن كيسان، عن سعيد المقبري عن أبيه، عن أبي هريرة، وإذا تقرر ذلك عرف أنَّ الرواية التي صححها البخاري أتقن الروايات، والله أعلم\" (١).\n\nالحديث الثالث: قال البخاري في كتاب الجمعة: \" حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ»، تَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَسُهَيْلٌ، وَمَالِكٌ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵃» \" (٢).\n\nقال الإمام البرقاني في العلل: \" وسئل عن حديث سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ: «لاَ تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ».\nفقال - يعني الدارقطني -: يرويه ابن عجلان، وابن أبي ذئب، ومالك بن أنس، واختلف عنهم، فرواه: أبو عاصم النبيل، وابن عيينة، ويحيى القطان، عن ابن عجلان، عن سعيد عن أبي هريرة عن النَّبي ﷺ، وخالفهم خالد بن الحارث، فرواه: عن ابن عجلان موقوفًا، وقال ابن عيينة من بينهم في حديثه: لا تسافر المرأة فوق ثلاث، والباقون لم يقرروا وأطلقوا السفر، وأما ابن أبي ذئب فرواه: عنه يحيى القطان، وموسى بن داود، ووكيع بن الجراح، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة.\nوخالفهم ابن أبي إياس، فرواه: عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة وكذلك قال: علي بن حرب، عن وكيع، عن ابن أبي ذئب، أما مالك فرواه أصحاب الموطأ عنه، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة منهم: القعنبي، وابن وهب، وأبو مصعب، والشافعي، ومعن، وابن المبارك، وخالفهم عبد الله بن نافع الصائغ، وبشر بن عمر الزهراني،\n_________\n(١) الحافظ ابن حجر العسقلاني، هدي الساري مقدمة فتح الباري (ص ٤٧٦).\n(٢) البخاري: الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الطهارة، باب في كم يقصر الصلاة (ج٢/ص٦٥١)، برقم (١٠٨٨).","vol":"1","page":84},{"text":"وإسحاق الفزاري رووه عن مالك، عن سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة، وكذلك روي عن أبي جعفر الثقفي، عن مالك إلا أنه قال فيه: أحسب عن أبيه، وقيل عنه: أحسبه عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ولا يصح هذا القول.\nورواه الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، واختلف عن كثير ابن زيد فرواه أبو علي الحنفي، عن كثير، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، وخالفه أبو أحمد الزبيري فرواه: عن كثير، عن سعيد، عن أبي هريرة، ورواه يونس بن عبيد، واختلف عنه، فرواه ابن علية، وأبو همام محمد بن الزبرقان الأهوازي، عن يونس عن رجل من أهل المدينة لم يسمياه، عن المقبري، عن أبي هريرة.\nوسماه عنبسة بن عبدالواحد، عن يونس فقال: عن محمد رجل من أهل المدينة وقيل عنه: محمد بن زياد ولا يصح، ورواه أبو مروان الغساني، عن يونس فقال: عن محمد بن سعيد، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، ووهم في هذا القول، والصحيح قول ابن علية، عن يونس.\nورواه سهيل بن أبي صالح، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال فيه: «لاَ تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ بَرِيدًا».\nورواه سُهيل بإسنادٍ آخر أيضًا عن أبيه عن أبي هريرة: «لاَ تُسَافِرُ امْرَأَةٌ بَرِيدًا»، فقد وهم على سهيل؛ لأنَّ المحفوظ عن أبي صالح عن أبي هريرة: «لاَ تُسَافِرُ امرأةٌ ثلاثًا».\nكذلك رواه الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أيضًا، واختلف عن الأعمش في الإسناد، فقال: عثام بن علي، ومالك بن سعير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وخالفهما أبو معاوية فقال: عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد ... \" (١).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج١٠/ ص٣٣٣ - ٣٣٩)، سؤال رقم (٢٠٤٢) باختصار","vol":"1","page":85},{"text":"وقال الإمام الدارقطني في الإلزامات والتتبع: \" وأخرجا جميعًا حديث ابن أبي ذئب، عَن سعيد، عَن أبيه، عَن أبي هريرة، عَن النَّبي ﷺ: «لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُسَافُرُ وَلَيسَ مَعَهَا مَحْرَمٍ» الحديث. وزاد مسلم، عَن ليث، عَن سعيد مثله فقال: وقد رواه مالك ويحيى بن أبي كثير وسهيل، عَن سعيد، عَن أبي هريرة \" (١).\n\nقلتُ: وخلاصة العلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني، أن سعيد المقبري رواه مرة عن أبيه عن أبي هريرة، ومرة عن أبي هريرة ولم يدخل أبيه، فأشكل أن سعيدًا لم يحفظ الحديث.\nالجواب: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في هدي الساري: \"لم يهمل البخاري حكاية هذا الاختلاف بل ذكره عقب حديث بن أبي ذئب، والجواب عن هذا الاختلاف كالجواب في الحديث الثاني فإنَّ سعيدًا المقبري سمع من أبيه عن أبي هريرة وسمع من أبي هريرة فلا يكون هذا الاختلاف قادحًا، وقد اختلف فيه على مالك فرواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث بشر بن عمر عنه عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة. وقال بعده: لم يقل أحد من أصحاب مالك في هذا الحديث عن سعيد عن أبيه غير بشر بن عمر انتهى. وقد أخرجه أبو عوانة في صحيحه من حديث بشر بن عمر أيضًا وصحح ابن حبان الطريقين معًا، والله أعلم \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>ثانيًا: الأحاديث التي انتقدها في كتاب العلل وقد أخرجها مسلم في أصل صحيحهٍ:</span>\nالحديث الأول: قال الإمام مسلم في صحيحه كتاب الصيام: \" وحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ يَعْنِي الْجُعْفِيَّ، عَنْ زَائِدَةَ عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: «لاَ تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي وَلاَ تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» \" (٣).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني، الإلزامات والتتبع (ج١/ص١٣٤).\n(٢) الحافظ ابن حجر العسقلاني، هدي الساري مقدمة فتح الباري (ص٤٧٨).\n(٣) مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم مع شرح النووي، كتاب الصيام باب كراهية صيام يوم الجمعة منفردًا حديث رقم (١٤٨) (ج٤/ص ٢٧٤).","vol":"1","page":86},{"text":"قال الإمام البرقاني في العلل: \" وسئل عن حديث ابن سيرين عن أبي هريرة: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُفْرَد يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ».\nفقال - يعني الدارقطني -: يرويه عوفٌ الأعرابي، عن ابن سيرين عن أبي هريرة، قاله هوذة بن خليفة عنه، واختلف عن أيوب السختياني، فرواه الحسن بن عيسى الحربي عن ابن عيينة عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ.\nوخالفه عبد الله بن محمد المسور الزهري، فرواه عن ابن عيينة عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي الدرداء عن النَّبي ﷺ، وخالفه الحميدي، فرواه: عن ابن عيينة عن أيوب، عن ابن سيرين مرسلًا عن النَّبي ﷺ، واختلف عن ابن عون فرواه المسيب بن شريك عن ابن عون عن ابن سيرين عن أبي الدرداء عن النَّبي ﷺ، وغيره يرويه عن ابن عون عن ابن سيرين مرسلًا.\nأخرجه مسلم في صحيحه ولا يصح، والصواب عن ابن سيرين عن أبي الدرداء وسلمان\nوهو مرسل عنهما؛ لأنَّ ابن سيرين لم يسمع من واحد منهما \" (١).\n\nقلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني من جهة الإسناد: أنَّ الإمام مسلم أورد الحديث من طريق هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁، والصحيح ما رواه غيره عن ابن سيرين عن أبي الدرداء وسلمان وهو مرسل عنهما، فصار معلولًا بالإرسال.\nوالجواب: قال أبو مسعود الدمشقي: \" وحسين الجعفي من الأثبات الحفاظ، وقول معاوية عن زائدة، عن هشام، عن محمد، عن بعض أصحاب النبي ﷺ ومما يقوي حديث حسين، وحديث الصوم فله أصل عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ أخرجه مسلم والبخاري من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة.\nوقد أخرجا حديث النبي ﷺ: نهى عن صوم يوم الجمعة من حديث جابر، وهذا ما يبين أن الحديث ثابت عن رسول الله ﷺ، فإن له أصلًا وإنَّما أراد مسلم إخراج حديث هشام عن\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج١٠/ ٤٢ - ٤٣)، سؤال رقم (١٨٤٣).","vol":"1","page":87},{"text":"محمد بن سيرين لتكثر طرق الحديث (١).\n\nالحديث الثاني: قال الإمام مسلم في كتاب الأيمان: \" وحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَخَلَاصُهُ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ وحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالاَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَفِي حَدِيثِ عِيسَى ثُمَّ يُسْتَسْعَى فِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ\" (١). (٢)\nقال الإمام البرقاني في العلل: \" وسُئل - الدارقطني - عن حديث بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال: رسول الله ﷺ: «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًَا لَهُ مِنْ عَبْدٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي ثَمَنٍ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ».\n\nفقال - يعني الدارقطني -: يرويه قتادة، واختلف عنه في إسناده ومتنه، فأما الخلاف في إسناده: فإن سعيد بن أبي عروبة، وحجاج بن حجاج، وجرير بن حازم، وأبان العطار، وهماما، وشعبة رووه: عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، وخالفهم الحجاج بن أرطاة رواه: عن قتادة عن موسى بن أنس مكان النضر بن أنس ووهم. وأما هشام الدستوائي فرواه: عن قتادة عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة ولم يذكر بينهما أحدا، وأما الخلاف في متنه: فإن سعيد بن أبي عروبة، وحجاج ابن حجاج وأبان العطار، وجرير بن\n_________\n(١) أبو مسعود الدمشقي: محمد بن عبيد (ت: ٤٠١هـ)، الأجوبة عما أشكل الشيخ الدارقطني على صحيح مسلم بن الحجاج طبعة دار الوراق، بيروت سنة ١٩٩٨م، تحقيق: إبراهيم بن علي بن محمد آل كليب، الحديث الثالث (ص١٣).\n(٢) مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم مع شرح النووي، كتاب الأيمان باب من أعتق شركًا له في عبد حديث رقم (١٥٠٤) (ج٦/ ص ١٥٣).","vol":"1","page":88},{"text":"حازم، وحجاج بن أرطاة اتفقوا في متنه، وجعلوا الاستسعاء مدرجًا في حديث النبي ﷺ، وأما شعبة وهشام فلم يذكرا فيه الاستسعاء بوجه، وأما همام فتابع شعبة وهشاما على متنه، وجعل الاستسعاء من قول قتادة، وفصل بين كلام النبي ﷺ، ويشبه أن يكون همام قد حفظه قال ذلك أبو عبد الرحمن المقرئ وهو من الثقات عن همام، ورواه محمد بن كثير وعمرو بن عاصم عن همام فتابعه شعبة على إسناده ومتنه، ولم يذكر فيه الاستسعاء بوجه \" (١).\nقلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني من جهة الإسناد: أن الإمام مسلم أورد الحديث من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة، وخالفه هشام الدستوائي فرواه عن قتادة عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة ولم يذكر النضر بن أنس فيه، والجوابُ عن ذلك: فأما ذكرهُ خلاف حجاج بن أرطاة الفقيه فليس بشيء لأنه وصف بقلة الحفظ، والضعف، قال الذهبي في السير: \" كان من بحُورِ العلمِ، تُكُلِّمَ فِيْهِ لِبَاوٍ فِيْهِ، وَلتَدليسِه، ولِنَقصٍ قَلِيلٍ فِي حِفْظِه، ولم يُترك \" (٢). وقال الحافظ ابن حجر \" قال أبو حاتم: إذا قال حدثنا فهو صالح وليس بالقوي \" (٣). وأما مخالفة هشام الدستوائي فمرجوحة لمخالفته سعيد بن أبي عروبة وهو أوثق الناس في قتادة، قال يحيى بن معين: \" سعيد بن أبي عروبة أثبت الناس في قتادة \" (٤)، فتبين أن إخراج مسلم الحديث من طريق سعيد بن أبي عروبة أرجح من غيره وأصوب، فعلم تقدم الإمام مسلم على غيره في معرفة العلل.\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل، (ج١٠/ ص ٣١٣ - ٣١٧)، سؤال رقم (٢٠٣١).\n(٢) الذهبي، سير أعلام النبلاء (ج١٣/ص٨١)، والبَاو: الكبر والتَّعظيم، في النهاية (ج١/ص٩٢).\n(٣) ابن حجر العسقلاني، تعريف اهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، طبعة مكتبة المنار، عمان، تحقيق: د. عاصم بن عبدالله القريوتي (ص٤٩).\n(٤) ابن رجب الحنبلي، شرح علل الترمذي (ص ٣٦١).","vol":"1","page":89},{"text":"وأما من جهة المتن: فقد اعتبر الدارقطني لفظة \" الاستسعاء \" (١) هذه زيادة مدرجة في المتن من قول قتادة، وما قاله هو الصواب، فقد قال الإمام النووي في شرح مسلم: \" قال القاضي عياض: وقال الأصيلى وابن القصار وغيرهما: من أسقط السعاية من الحديث أولى ممن ذكرها، لأنها ليست في الأحاديث الأُخر من رواية ابن عمر وقال ابن عبد البر: الذين لم يذكروا السعاية أثبت ممن ذكروها، وقال غيره: وقد اختلف فيها عن سعيد بن أبى عروبة عن قتاده فتارة ذكرها وتارة لم يذكرها، فدل على أنها ليست عنده من متن الحديث كما قال غيره، وهذا آخر كلام القاضى والله أعلم \" (٢).\nالحديث الثالث: قال الإمام مسلم في صحيحه كتاب الجمعة: \" وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ ح وحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ لِي عَبْدُاللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَسَمِعْتَ أَبَاكَ «يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَانِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ قَالَ قُلْتُ نَعَمْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ» \" (١). (٣)\n\nقال الإمام البرقاني في العلل: \" وسئل - الدارقطني -: عن حديث أبي بردة عن أبي موسى عن النَّبي ﷺ «فِي السَّاعَةِ الَتِي فِي يَومِ الْجُمُعَةِ، وَأَنَّهَا مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإمَامِ إِلِى أَنْ تَنْقَضِي الصَّلاَةَ».\n_________\n(١) قال الإمام النووي قال العلماء: \" ومعنى الاستسعاء فى هذا الحديث أن العبد يكلف الاكتساب والطلب حتى تحصل قيمة نصيب الشريك الآخر، فإذا دفعها إليه عتق، هكذا فسره جمهور القائلين بالاستسعاء، وقال بعضهم: هو أن يخدم سيده الذي لم يعتق بقدر ما له فيه من الرق، فعلى هذا تتفق الأحاديث \".\n(٢) النووي: محيي الدين بن شرف، شرح صحيح مسلم، باب ذكر سعاية العبد (ج٥/ص٣٩٥).\n(٣) مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم مع شرح النووي، كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة (ج٣ /ص٤٠٤).","vol":"1","page":90},{"text":"فقال - الدارقطني -: يرويه مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن أبي بردة، عن أبي موسى عن النَّبي ﷺ تفرد به عبد الله بن وهب عنه، وهو صحيح عنه. ورواه أبو إسحاق السبيعي، عن أبي بردة، واختلف عنه: فرواه إسماعيل بن عمرو، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه، عن النَّبي ﷺ.\nوخالفه النعمان بن عبد السلام فرواه: عن الثوري بهذا الاسناد موقوفا، وخالفهما يحيى القطان، فرواه عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة قوله، وتابعه عمار بن رزيق فرواه: عن أبي إسحاق، عن أبي بردة قوله.\nوكذلك رواه معاوية بن قرة، ومجالد، عن أبي بردة من قوله، وحديث مخرمة بن بكير أخرجه مسلم في الصحيح والمحفوظ من رواية الآخرين عن أبي بردة قوله غير مرفوع حدثنا أحمد بن محمد بن مسعد الفزاري، قال ثنا عبدالله بن محمد بن زكريا، ثنا إسماعيل ابن عمرو ثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «السَّاعَةُ الَتِي يُرْجَى فَيَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَندَ نُزُولِ الإِمَامِ»، حدثنا أحمد بن محمد بن مسعدة قال: ثنا محمد بن عبد الله بن الحسن الأصبهاني، قال حدثنا أبو سفيان صالح بن مهران، ثنا النعمان، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: الساعة التي تذكر في الجمعة ما بين نزول الإمام عن منبره إلى دخوله في الصلاة موقوف\" (١).\n\nالجواب: قال الإمام محي الدين النووي في الشرح: \" قوله عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن أبي بردة، عن أبيه، عن النَّبي ﷺ هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم وقال: لم يسنده غير مخرمة، عن أبيه، عن أبي بردة.\n\nورواه جماعة: عن أبي بردة من قوله، ومنهم من بلغ به أبا موسى ولم يرفعه، قال: والصواب أنَّه من قول أبي بردة كذلك. رواه يحيى القطان، عن الثوري، عن أبي إسحاق عن أبي بردة، وتابعه واصل الأحدب، ومجالد روياه، عن أبي بردة من قوله.\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل، (ج٧/ ٢١٢ - ٢١٣)، سؤال رقم (١٢٩٧).","vol":"1","page":91},{"text":"وقال النعمان بن عبدالسلام، عن الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه موقوفًا، ولا يثبت قوله عن أبيه، وقال أحمد بن حنبل، عن حماد بن خالد قلتُ لمخرمة: سمعت من أبيك شيئا؟ قال: لا، هذا كلام الدارقطني.\nوهذا الذي استدركه بناه على القاعدة المعروفة له ولأكثر المحدثين أنَّه إذا تعارض في رواية الحديث وقف ورفع أو إرسال واتصال حكموا بالوقف والإرسال، وهي قاعدة ضعيفة ممنوعة، والصحيح طريقة الأصوليين والفقهاء والبخاري ومسلم ومحققي المحدثين أنَّه يحكم بالرفع والاتصال لأنها زيادة ثقة، وقد سبق بيان هذه المسألة واضحا في الفصول السابقة في مقدمة الكتاب وسبق التنبيه على مثل هذا في مواضع أخر بعدها، وقد روينا في سنن البيهقي، عن أحمد بن سلمة قال: ذاكرت مسلم بن الحجاج حديث مخرمة هذا فقال مسلم: هو أجود حديث وأصحه في بيان ساعة الجمعة \" (١).\nقلتُ: وما أشار إليه الإمام النووي من أنَّ الدارقطني يتبع القاعدة المعروفة له، ولأكثر المحدثين أنَّه إذا تعارض في رواية الحديث وقف ورفع أو إرسال واتصال حكموا بالوقف والإرسال، ليس ذلك على الإطلاق، وليست هي قاعدة مطردة عنده، وإنَّما كان الدارقطني يتبع قرائن ترجح الموقوف أو المرسل، ويرجح أو يُعل تبعًا للمتابعات والشواهد والقرائن، وسوف نفرد له فصلًا كاملًا إن شاء الله لبيان منهجه في قرائن الترجيح.\n_________\n(١) النووي: محيي الدين بن شرف، شرح صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة (ج٣ /ص ٤٠٤).","vol":"1","page":92},{"text":"وأختم هذا المبحث المبارك إن شاء الله بكلام الحافظ ابن حجر العسقلاني في رده على الأحاديث التي انتقدها الدارقطني فقال: \" ينبغي لكل منصف أن يعلم أن هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يقدح في أصل موضوع الكتاب، فإن جميعها وارد من جهة أخرى وهي ما ادعاه الإمام أبو عمر بن الصلاح وغيره من الإجماع على تلقي هذا الكتاب بالقبول والتسليم لصحة جميع ما فيه فإن هذه المواضع متنازع في صحتها فلم يحصل لها من التلقي ما حصل لمعظم الكتاب، وقد تعرض لذلك ابن الصلاح في قوله إلا مواضع يسيرة انتقدها عليه الدارقطني وغيره، وقال في مقدمة شرح مسلم له مآخذ عليهما يعني على البخاري ومسلم وقدح فيه معتمد من الحفاظ فهو مستثنى مما ذكرناه لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول انتهى وهو احتراز حسن\" (١).\n_________\n(١) الحافظ ابن حجر العسقلاني، هدي الساري مقدمة فتح الباري (ص٤٦٩).","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>الباب الثاني\nالعلة وأجناسها عند الإمام الدارقطني</span>\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: مفهوم العلة عند الإمام الدارقطني.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: مفهوم العلة من جهة الإسناد.\nالمبحث الثاني: مفهوم العلة من جهة المتن.\nالفصل الثاني: أجناس العلل الخفية والظاهرة في الإسناد والمتون.\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: أجناس العلل التي ذكرها الحاكم وأمثلتها عند الدارقطني.\nالمبحث الثاني: أجناس العلل التي لم يذكرها الحاكم وأمثلتها عند الإمام الدارقطني.\nالمبحث الثالث: أجناس العلل الخفية في المتون.\nالمبحث الرابع: أجناس العلل الظاهرة.","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>الفصل الأول\nمفهوم العلة عند الإمام الدارقطني</span>\nسنتعرض في هذا الفصل لمفهوم العلة من جهة الإسناد والمتن عند المحدثين المتقدمين وعلى رأسهم الإمام الدارقطني، ودراسة ومقارنة ذلك بمذهب المتأخرين من المحدثين، فإنَّه مما لا شك فيه أنَّ مفهوم العلَّة عند الإمام الدارقطني لم تختلف كثيرًا عن مفهوم العلَّة عند المتقدمين من أئمة الحديث أمثال: الإمام أحمد بن حنبل، والإمام علي بن المديني، والإمام ابن أبي حاتم الرازي، والإمام أبي زُرْعَة الرَّازي، والإمامين البخاري ومسلم، والإمام الترمذي وغيرهم من المحدثين، فإنَّ مذهبهم في العلة واحد لا يختلف من حكم إمام إلى غيره، بل ينتظم في طريقٍ واحد، وفهمٍ ثاقب للعلل بأنواعها وأجناسها المختلفة التي قد تطرأ على الأحاديث والأخبار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>المبحث الأول: مفهوم العلة من جهة الإسناد</span>.\nمفهوم العلة من جهة الإسناد عند المحدثين المتقدمين يشمل كل ما يطرأ على الإسناد مما يقدح فيه من أسباب الوهم والخطأ، أومن ضعفٍ وجرحٍ في الراوي، مما يدل على عدم حفظ أو ضَبط الراوي لمرويَّاته، وسواء كانت هذه العلة من ثقةٍ معروفٍ بالإتقانِ، أو كانت من ضعيفٍ مجروح بالاتفاقِ، أو كانت هذه العلَّة ظاهرة واضحة جلية، أو كانت خفية غامضة دقيقة، كل ذلك يسمى عندهم علَّة، إلا أن الغالب مما يطلق عليه علَّة عندهم الأسباب الخفية الغامضة، ونرى في كتب أئمة العلل الشيء الكثير مما يدل على ذلك، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\n\nوقد أطلق بعض المحدثين والفقهاء المتأخرين بعض الألفاظ في مفهوم العلة، مما يوهم خلاف ما بيناه في تعريف مفهوم العلة عند المتقدمين فقالوا: \" صحيحٌ معلولٌ \" أو \" علةٌ غير قادحة \"، \" وعلةٌ غير مؤثرة \"، وما شابه ذلك.\nفأما لفظة: \" صحيحٌ معلولٌ \"، فقد ذكر أبو يعلى الخليلي في بيان العلل: \" أنَّ الأحاديث المروية عن رسُولِ الله ﷺ على أقسام كثيرة، صحيح متفق عليه، وصحيح معلول، وصحيح","vol":"1","page":97},{"text":"مختلف فيه، وشواذ وأفراد، وما أخطأ فيه إمام، وما أخطأ فيه سيء الحفظ يُضعَّف من أجله، وموضوع وضعه من لا دين له ...، فأما الحديث الصحيح المعلول فالعلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى لا يمكن حصرها، فمنها أن يروي الثقات حديثا مرسلًا وينفرد به ثقة مسندًا، فالمسند صحيح وحجة، ولا تضره علة الإرسال \" (١)\nقلتُ: ثم ضرب بعض الأمثلة التي تبين مقصده، والخلاصةُ في ذلك: أنًّ الحديث قد يُروى مرسلًا، ويروى موصولًا كذلك، لكنَّ الموصول أصح عند النَّظر في القرائن والأدلة، ولم يقصد ما ذهب إليه بعض المتأخرين من الفقهاء من إطلاق الحكم في أنَّ بعض العلل لا تقدح، بل الناظر في الأمثلة التي ضربها تدل على أن مذهبه مثل المتقدمين في أنَّ العلة كلها تقدح في الحديث بلا ريب، إذا ثبتت العلة، أولم يكن ثَمَّ ترجيح بين الرِّوَايات المختلفة.\nوأما لفظة: \" علةٌ غير قادحة \"، فقصدهم فيها العلة التي تقدح في الإسناد، ولا تقدح في متن الحديث لثبوت المتن من رواية أخري صحيحة، كما مَثَّل لذلك السيوطي فقال: \" وقد يقدح في الإسناد خاصة ويكون المتن صحيحًا، كحديث يعلى بن عبيد عن الثوري عن عمرو بن دينار حديث: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ» (٢)، غلط يعلى إنما هو عبدالله ابن دينار ... هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان كأبي نعيم الفضل بن دُكَين، ومحمد ابن يوسف الفريابي، ومخلد بن يزيد وغيرهم \" (٣).\n_________\n(١) أبو يعلى الخليلي: خليل بن عبدالله بن أحمد بن إبراهيم القزويني (ت: ٤٤٦ هـ)، الإرشاد في معرفة علماء الحديث، طبع مكتبة الرشد، الرياض الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ، تحقيق: د. محمد سعيد عمر إدريس، (ج١/ ١٥٧ - ١٦٣).\n(٢) أخرجه أحمد في المسند، من طريق سفيان عن عبد الله بن دينار (ج٢/ص٩)،برقم (٤٥٦٦).\n(٣) السيوطي: عبدالرحمن بن أبي بكر الخضري (ت: ٩١٠ هـ)، تدريب الراوي في شرح تقريب النووي، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، تحقيق: عبدالوهاب عبداللطيف (ج١/ ص٢٥٤).","vol":"1","page":98},{"text":"فظهر أنَّ العلة قدحت في الإسناد، وإن كان الخطأ هو إبدال ثقة مكان ثقة آخر؛ لأنَّ هذا الخطأ يدل على وهم الراوي وعدم ضبطه لهذا الحديث.\nوقال ابن الصلاح: \" ثم قد تقع العلة في إسناد الحديث وهو الأكثر، وقد تقع في متنه ثم ما يقع في الإسناد قد يقدح في صحة الإسناد والمتن جميعًا، كما في التعليل بالإرسال والوقف، وقد يقدح في صحة الإسناد خاصة من غير قدح في صحة المتن \" (١).\nوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في النكت: \" قوله - يعني ابن الصلاح -: \" ثم قد تقع العلة في الإسناد وهو الأكثر وقد تقع في المتن ... \" إلى آخره قلت: إذا وقعت العلة في الإسناد قد تقدح، وقد لا تقدح، وإذا قدحت فقد تخصصه وقد تستلزم القدح في السند، وكذا القول في المتن سواء، فعلى هذا يكون للعلة ستة أقسام:\n١ - فمثال ما وقعت في الإسناد ولم تَقْدِح مطلقًا: ما يوجد مثلًا من حديث مدلّس بالعنعنة، فإن ذلك عِلَّةٌ تُوجِبُ التوقف عن قبوله، فإذا وجد من طريق أخرى قد صرح فيها بالسماع تبين أن العلة غير قادحة.\nوكذا إذا اختلف في الإسناد على بعض رواته، فإنَّ ظاهر ذلك يوجب التوقف عنه، فإن أمكن الجمع بينها على طريق أهل الحديث بالقرائن التي تحفُّ الإسناد تبين أنَّ تلك العلة غير قادحة.\n\n٢ - ومثال ما وقعت العلة فيه في الإسناد وتقدح فيه دون المتن: ما مثل به المصنف من إبدال راوٍ ثقة براوٍ ثقة وهو بقسم المقلوب أليق، فإن أبدل راوٍ ضعيف براوٍ ثقة وتبين الوهم فيه استلزم القدح في المتن أيضًا، إن لم يكن له طرق أُخرى صحيحة، كما روى يعلى بن عبيد الطَّنَافِسي، عن الثوري، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النَّبِي ﷺ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا»، فغلط يعلى في قوله: عمرو بن دينار إنمَّا هو عبد الله بن دينار، كما رواه الأئمة من أصحاب الثوري، يعني فلا يضر في صحة المتن؛ لأنَّ عبد الله وعَمْرًا كلاهما ثقة.\n_________\n(١) العراقي، التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح (ص ١١٧).","vol":"1","page":99},{"text":"٣ - تقع العلة في الإسناد وتقدح فيه وفي المتن، ومن أغمض ذلك أن يكون الضعيف موافقًا للثقة في نعته.\nومثال ذلك: ما وقع لأبي أسامة حماد بن أسامة الكوفي، أحد الثقات عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، وهو من ثقات الشاميين قدم الكوفة، فكتب عنه أهلها، ولم يسمع منه أبو أسامة، ثم قدم بعد ذلك عبدالرحمن بن يزيد بن تميم، وهو من ضعفاء الشاميين، فسمع منه أبو أسامة، وسأله عن اسمه فقال: عبدالرحمن بن يزيد، فظن أبو أسامة أنَّه ابن جابر فصار يحدِّث عنه وينسبه من قبل نفسه، فيقول: حدثنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر فوقعت المناكير في رواية أبي أسامة عن ابن جابر، وهما ثقتان فلم يفطن لذلك إلا أهل النقد، فميزوا ذلك ونصوا عليه كالبخاري وأبي حاتم وغير واحد.\n\n٤ - ومثال ما وقعت العلة في المتن دون الإسناد ولا تَقْدَح فيهما: ما وقع من اختلاف ألفاظ كثيرة من أحاديث الصحيحين، إذا أمكن ردُّ الجميع إلى معنى واحد، فإن القدح ينتفي عنها.\n\n٥ - ومثال ما وقعت العلة في المتن دون الإسناد: ما يرويه راوٍ بالمعنى الذي ظنَّه يكون خطأ، والمراد بلفظ الحديث غير ذلك، فإنَّ ذلك يستلزم القدح في الراوي، فيعلل الإسناد.\n\n٦ - ومثال ما وقعت العلة فيه في المتن واستلزمت القدح في الإسناد: ما ذكره المصنف من أحد الألفاظ الواردة في حديث أنس ﵁ وهي قوله: «لاَيَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِي أَوَّلِ الْقِرَاءَةِ وَلاَ فِي آخِرِهَا» (١)،فإنَّ أصل الحديث في الصحيحين فلفظ البخاري: «فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾» (٢).\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند: (ج٣/ ٢٢٣)، برقم (١٣٣٦١).\n(٢) ابن حجر العسقلاني، النكت، طبعة دار الرَّاية، الرياض، (دت)، (ص٢٨٨).","vol":"1","page":100},{"text":"وأما لفظة: \" علةٌ غير مؤثرة \"، فالمراد منها أنَّه ثبت أنَّ الراجح فيها صحة الرواية فلم تؤثر هذه العلة على الحديث حيث زالت شبهة أنه معلول، ومثاله قول الإمام الذهبي: \" فإن كانت العلة غير مؤثرة، بأن يرويه الثبت على وجه، ويخالفه واه، فليس بمعلول، وقد ساق الدارقطني كثيرًا من هذا النمط في كتاب العلل، فلم يصب؛ لأنَّ الحكم للثبت فإن كان الثبت أرسله مثلًا، والواهي وصله، فلا عبرة بوصله لأمرين: لضعف راويه؛ ولأنَّه معلول بإرسال الثبت له.\n\nثم اعلم أنَّ أكثر المتكلم فيهم ما ضعفهم الحفاظ إلا لمخالفتهم للأثبات، وإن كان الحديث قد رواه الثبت بإسناد، أو أوقفه، أو أرسله، ورفقاؤه الأثبات يخالفونه، فالعبرة بما اجتمع عليه الثقات، فإنَّ الواحد قد يغلط، وهنا قد ترجح ظهور غلطه فلا تعليل، والعبرة بالجماعة، وإن تساوى العدد، وإن اختلف الحافظان، ولم يترجح الحكم لأحدهما على الآخر، فهذا الضرب يسوق البخاري ومسلم الوجهين منه في كتابيهما، وبالأولى سَوْقُهما لما اختَلَفا في لفظِهِ إذا أمكن.\n\nومن أمثلة اختلاف الحافظين: أن يسمي أحدهما في الإسناد ثقة، ويبدله الآخر بثقة آخر أو يقول أحدهما: عن رجل، ويقول الآخر عن فلان، فيسمي ذلك المبهم، فهذا لا يضر في الصحة، فأمَّا إذا اختلف جماعة فيه، وأتوا به على أقوال عدة، فهذا يوهن الحديث، ويدل على أنَّ راويه لم يتقنه، نعم لو حَدَّثَ به على ثلاثِة أوجهٍ تَرجعُ إلى وجهٍ واحد، فهذا ليس بمُعْتَلّ كأن يقول مالك، عن الزهري، عن ابن المسَّيب، عن ... أبي هريرة ويقول عقيل: عن الزهري، عن أبي سلمة، ويرويه ابن عيينة: عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة معا \" (١).\nقلتُ: فأمَّا قولهُ ﵀: \" وقد ساق الدارقطني كثيرًا من هذا النمط في كتاب العلل، فلم يصب ... \"، فليس بصواب؛ لأنَّ ذكر رواية الضعيف من باب ذكر الأوجه التي وردت\n_________\n(١) الذهبي: الموقظة طبعة دار البشائر الإسلامية، بيروت، طبعة سنة١٤٠٥هـ، (ص٥٢ - ٥٣).","vol":"1","page":101},{"text":"في الحديث لتكون قرائن الترجيح أوسع، فإنَّه مما لا شك فيه عند المحدثين أن الثقة قد يخطئ، كما أن الضعيف قد يصيب، غير أنَّ خطأ الضعيف أكثر من الثقة.\n\nوالمعيار الذي يُبنى عليه الحكم على خطأ الراوي في الرواية، هو مقارنة المرويَّات والقرائن المرجحة، ومعرفة المخالفة والتفرد، ونحن نرى الكثير من أئمة هذا الشأن يصنعون مثل ما صنع الدارقطني في العلل، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل في كتابه العلل، وابن أبي حاتم في العلل وغيرهم من المحدثين المتقدمين، وهذا المسلك أدق، والله أعلم.\n\nولقد وصف الحافظ ابن رجب طريقتهم في الحكم على التفرد فقال: \" وأمَّا أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد -وإن لم يرو الثقات خلافه-: إنَّه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه \". (١)، وهذا مما يدل على دقة منهج المحدثين المتقدمين في مفهوم العلة وتعليلهم وتصحيحهم للأحاديث، وسوف أسوق بيان ذلك بالأمثلة والبراهين الدالة عليه:\n\n١. الدليل على أنهم كانوا يعتبرون مخالفة الثقة لمن هو أوثق في إعْلال المرويَّات:\nالمثال الأول: قال البرقاني في العلل: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث عاصم بن عمر بن الخطاب، عن عمر - ﵃ - عن النَّبِيِّ - ﷺ - في فضل ما يقال عند الأذان.\nفقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه عمارة بن غزية، عن خبيب بن عبدالرحمن، واختلف عن عمارة، فرواه إسماعيل بن جعفر، عن عمارة، عن خُبَيب، عن حفص بن عاصم، عن أبيه، عن عمر - ﵃ -، فوصل إسناده ورفعه إلى النَّبِي - ﷺ -، حدث به عنه كذلك إسحاق بن محمد الفروي، ومحمد بن جهضم، ورواه إسماعيل بن عياش، عن عمارة بن غزية، عن خُبَيب بن\n_________\n(١) ابن رجب: شرح علل الترمذي، طبعة دار الكلمة مصر، سنة ١٤١٨هـ (ص٢٧٢ - ٢٧٣).","vol":"1","page":102},{"text":"عبدالرحمن مرسلًا، عن النَّبِي - ﷺ -. ووقفه يحيى بن أيوب عن عمارة بن غزية، عن خُبَيب، وحديث إسماعيل بن جعفر المتصل قد أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح، وإسماعيل بن جعفر أحفظ من يحيى بن أيوب وإسماعيل بن عياش وقد زاد عليهما وزيادة الثقة مقبولة، والله أعلم \" (١).\n\nقلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ الحديث رواه بعض الثقات متصلًا، ورواه آخرون مرسلًا، والذين رووه متصلًا أوثق ممن أرسلوه.\nوقد رجح الشيخان المتصل فأخرجاه، وأما قوله وزيادة الثقة مقبولة، فسوف يأتي الحديث عنها ضمن الفصل القادم إن شاء الله تعالى.\nالمثال الثاني: قال البرقاني في العلل: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث وهب بن ربيعة، عن ابن مسعود - ﵁ - قال: «إنّي لَمُسْتَتِرٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، إِذْ جَاءَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ ...» الحديث، وفيه فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ ...﴾ (٢) الحديث.\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٢/ ١٨٢ - ١٨٣) سؤال رقم (٢٠٥).\n(٢) أخرجه البخاري على الوجه الصحيح في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب تفسير القرآن، باب وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ... الآية، (ج٨/ ص٦٥٩)، برقم (٤٨١٧)، ومسلم في الجامع الصحيح (بشرح النووي) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، (ج٩ / ص١٣٤ - ١٣٥)، برقم (٢٧٧٥)، والترمذي في السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة حم السجدة، (ج٥ / ص٣٧٥) برقم (٣٢٤٨)، ثلاثتهم من طريق سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود به، وأما الوجه المعلول فقد أخرجه كذلك الترمذي في السنن، كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة حم السجدة، (ج٥ / ص٣٧٥)، برقم (٣٢٤٩)، من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير عن عبدالرحمن بن يزيد قال: قال عبدالله نحوه. قلتُ: وهو الإسناد المعلول الذي أشار إليه الدارقطني، والذي أُدخل فيه عبدالرحمن بن يزيد بدلًا من وهب بن ربيعة.","vol":"1","page":103},{"text":"قال - الدارقطني -: يرويه الأعمش واختُلِف عنه، فرواه الثوري، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن وهب بن ربيعة، عن عبدالله، وتابعه عبدالله بن بشر الرَّقي، عن الأعمش، ورواه أبو معاوية الضرير، وقطبة بن عبد العزيز، عن الأعمش، عن عمارة عن عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله. قال قطبة: قلتُ للأعمش أنَّ سفيان الثوري يقول هو وهب بن ربيعة، قال: فأطرق ثم همهم ساعة، ثم رفع رأسه فقال: صدق سفيان هو وهب بن ربيعة، وخالفهم أبو مريم عبدالغفار فرواه: عن الأعمش، عن عمارة، عن زيد ابن وهب الجهني، عن عبدالله. رواه الحسن بن عمارة والمسعودي، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبدالله. ووهما فيه، ورواه شعبة، عن الأعمش، عن رجل، عن عبدالله والقول قول سفيان الثوري وعبدالله بن بشر، ورواه زيد بن أبي أنيسة، عن الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، عن عبدالله.\nحدثنا محمد بن إبراهيم بن نَيْرُوْزٍ، ... وأبو علي محمد ابن سليمان بن علي المالكي بالبصرة قالا: ثنا أبو موسى محمد بن المثنى، ثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا سفيان الثوري، حدثني الأعمش، عن عمارة بن عمير عن وهب بن ربيعة، عن عبدالله بن مسعود - ﵁ - قال: «كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَجَاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ قُرَشِيٌّ وَخَتَنَاهُ ثَقَفِيَّانِ أَوْ ثَقَفِيٌّ وَخَتَنَاهُ قُرَشِيَّانِ فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أَفْهَمْهُ فَقَالَ أَحَدُهُمْ أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلامَنَا هَذَا فَقَال الْآخَرُ إِنَّا إِذَا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا سَمِعَهُ وَإِذَا لَمْ نَرْفَعْ أَصْوَاتَنَا لَمْ يَسْمَعْهُ فَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ فَقَال عَبْدُاللَّهِ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَنْزَلِ اللَّهُ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ﴾،حَتَى بَلَغَ ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾»] فصلت الآيات: (٢١ - ٢٣) [.\nولفظ ابن نَيْرُوْزٍ: حدثنا محمد بن سليمان المالكي، ومحمد بن إبراهيم بن نَيْرُوْز، قالا: أنبأ أبو موسى محمد بن المثنى، ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبدالله نحوه. تفرد به يحيى القطان، عن سفيان، عن منصور أخرجه البخاري عن عمرو بن علي، عن يحيى. وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن خلاد عن يحيى، حدثنا أبو علي بن الصواف، عن عبدالله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني محمد بن عبدالله ابن نمير، ثنا قبيصة،","vol":"1","page":104},{"text":"عن قطبة، قال: قال رجل للأعمش حين حَدَّثَ بحديث عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله: «كُنْتُ مُسْتَتِرًا» إنِّ سفيان يحدث به عنك عن وهب بن ربيعة، قال: فهمهم الأعمش ساعة، ثم قال: هو كما قال سفيان \" (١).\n\nقلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ الحديث رواه سفيان الثوري، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن وهب بن ربيعة، عن عبدالله. أدخل فيه وهب بن ربيعة بين عمارة بن عمير وعبدالله بن مسعود. وخالفه أبو معاوية الضرير، فرواه: عن الأعمش، عن عمارة، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله، فأدخل عبدالرحمن بن يزيد بدلًا من وهب بن ربيعة، وخالفه كذلك غيره، وخلاصة الأمر أنَّ أصحاب الأعمش على سبعِ طبقات، وسفيان الثوري من الطبقة الأولى وهو على رأسهم، ثم يأتي أبو معاوية في الطبقة الثالثة، لذا كانت رواية سفيان مقدمة على كلِّ من روى هذا الحديث؛ لأنَّه أوثق الناس في الأعمش، قال الحافظ ابن رجب: \" قال ابن أبي حاتم وسمعت أبي يقول: أحفظ أصحاب الأعمش الثوري \". وقال أيضًا: \" قال ابن أبي خيثمة سمعت يحيى بن معين يقول: لم يكن أحد أعلم بحديث الأعمش من سفيان الثوري \" (٢).\nالمثال الثالث: قال البرقاني في العلل: \" وسُئل - الدارقطني - عن حديث أبي الأسود الديلي، عن عمر - ﵁ - عن النبَّي - ﷺ -: «أَيُّمَا رَجُلٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ منْ جِيرَانِهِ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ» (٣).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٥ /ص ٢٧٩ - ٢٨٠) سؤال رقم (٨٨١).\n(٢) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص ٣٧٥).\n(٣) أخرجه على الوجه المحفوظ: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الجنائز، باب ثناء الناس على الميت، (ج٣/ص٢٦١)، برقم (١٣٦٨)، بلفظ \" أَيُّمَا مسلم شهد له \"، وكذا النسائي في السنن، كتاب الجنائز، باب الثناء، (ج٤/ص٣٥٢)، برقم (١٩٣٣)، كلاهما من طريق داود بن أبي الفرات، عن عبدالله بن بريدة، عن أبي الأسود، وأما لفظ \" أَيُّمَا رجل\" فلم أجده.","vol":"1","page":105},{"text":"فقال - الدارقطني -: هو حديث رواه عبدالله بن بريدة واختلف عنه: فرواه داود بن أبي الفرات وهو ثقة عن ابن بريدة، واختُلِف عن داود فقال: يعقوب الحضرمي، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود، ووهم في ذكر يحيى بن يعمر في إسناده لكثرة من خالفه من الثقات الحفاظ عن داود منهم: عفان بن مسلم، وعبدالصمد بن عبدالوارث، وزيد بن الحباب، ويونس بن محمد المؤدب، وأبو عبدالرحمن المقري، وأبو الوليد الطَّيالسي، وشيبان بن فروخ وغيرهم، فإنَّهم رووه عن داود، عن ابن بريدة، عن أبي الأسود لم يذكروا بينهما أحدًا. وكذلك رواه سعيد بن رزين، عن عبدالله بن بريدة، عن أبي الأسود كرواية الجماعة عن داود. ورواه عمر بن الوليد، عن عبدالله بن بريدة مرسلًا، عن عمر لم يذكر بينهما أحدًا. والمحفوظ من ذلك ما رواه عفان ومن تابعه عن داود بن أبي الفرات، وقد أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح مثل ما رواه عفان، عن داود، عن ابن بريدة، عن أبي الأسود، والله أعلم \" (١).\nقلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ يعقوب الحضرمي أدخل في الإسناد يحيى بن يعمر بين عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ وأَبِي الأَسْوَدِ، وهو وهم؛ لأنَّه خالف رواية جماعة من الثقات منهم عفان بن مسلم وغيره، كما أخرجه البخاري فقال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ هُوَ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: «قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ. فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ: فَقُلْتُ وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ. فَقُلْنَا وَثَلاثَةٌ قَالَ: وَثَلاثَةٌ، فَقُلْنَا وَاثْنَانِ قَالَ: وَاثْنَانِ ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ».\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ ص ٢٤٨ - ٢٤٩) سؤال رقم (٢٤٧).","vol":"1","page":106},{"text":"وفيه ترجيح رواية الثقات على رواية الثقة إذا خالفهم في الإسناد، وأما قوله وأخرجه مسلم فوهم من الدارقطني ﵀، فإن مسلم لم يخرج الحديث، وإنَّما أخرجه البخاري في صحيحه، والنَّسائي في السنن كما ذكرنا آنفًا.\n٢. الدليل على أنَّهم كانوا يعتبرون مخالفة الثقة للضعيف في إعْلال المرويَّات:\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني في العلل: \" وسُئل - الدارقطني - عن حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - قالَ رسولُ الله - ﷺ -: «فَضَلُ العَالمِ عَلَىَ العَابِدِ سَبْعُونَ دَرَجَةً مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَةُ حُضَر جُوادٍ مِائَةَ عَامٍ» \" (١).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه فرواه: هشام بن سعد، عن الزهري مرسلًا عن النَّبِيِّ - ﷺ -. وقال مبشر بن إسماعيل، عن عبدالله بن محرر، عن الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبِيِّ ﷺ والمرسل أصح\" (٢).\n\nقلتُ: ووجه ذلك أنَّ الحديث مداره على الزهري، رواه عبدالله بن محرر، عن الزهري مرفوعًا، ورواه هشام بن سعد، عن الزهري مرسلًا. وقد رجَّح الدارقطني حديث هشام بن سعد المرسل على مرفوع عبدالله بن محرر وهو ضعيف، فقد قال ابن معين: ليس بثقة وضعفه (٣)، وقال ابن أبى حاتم: سألت أبا زُرعة عن عبدالله بن محرر؟، فقال ضعيف الحديث، وامتنع من قراءة حديثه، وضَرَبْنَا عليه، وقال أبو حاتم: متروك الحديث منكر الحديث، ضعيف الحديث ترك حديثه عبدالله بن المبارك (٤)، أما هشام بن سعد فمختلف فيه\n_________\n(١) أخرجه ابن عدي: عبدالله بن عدي بن محمد أبو أحمد الجرجاني (ت: ٣٦٥هـ)، الكامل في ضعفاء الرِّجال دار الفكر بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠٩هـ، تحقيق: يحيى مختار غزاوي (ج٣/ص٦٠).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٩/ص٢٦٧)، برقم (١٧٤٩).\n(٣) ابن عدي:، الكامل في ضعفاء الرِّجال، (ج٤ /ص١٣٢).\n(٤) ابن أبي حاتم: عبدالرحمن بن أبي حاتم بن محمد بن إدريس، أبي محمد الرَّازي (ت: ٣٢٧هـ) الجرح والتعديل، دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الهندية الأولى سنة ١٣٧١هـ (ج٥/ ١٧٦).","vol":"1","page":107},{"text":"والخلاصة أنه حسن الحديث، وأخرج له مسلم متابعات في الصحيح.\nالمثال الثاني: قال البرقاني في العلل: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر - ﵁ -، عن النَّبِيِّ - ﷺ -: «إنِّمَا الأَعْمَالُ بِالْنِّياتِ» الحديث ... ... فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص، عن عمر، وهو حديث صحيح عنه.\nوحدث بهذا الحديث شيخ من أهل الجزيرة يقال له: سهل بن صقير، عن الدراوردي وابن عيينة وأنس بن عياض، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر، عن النَّبِيِّ ﷺ.\n\nووهم على هؤلاء الثلاثة فيه وإنَّما رواه هؤلاء الثلاثة وغيرهم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري لا عن محمد بن عمرو، وإنِّمِا رواه عن محمد بن عمرو بن علقمة الربيع بن زياد الهمداني وحده، ولم يتابع عليه إلا من رواية سهل بن صقير عن هؤلاء الثلاثة، وقد وهم عليه فيه، والصحيح حديث يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، وروى عن حجاج بن أرطاة، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر. قال: ذلك زيد بن بكر بن خنيس، عن حجاج.\n\nوروى هذا الحديث مالك بن أنس، واختلف عنه فرواه: عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رواد، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، ولم يتابع عليه، وأمَّا أصحاب مالك الحفاظ عنه فرووه: عن مالك، عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر، وهو الصواب.\nحَدَّثَنَا أبو وهيب يحيى بن موسى، حَدَّثَنَا محمد بن الوليد، قال: ثنا عبد الوهاب قال: سمعت يحيى بن سعيد، يقول: سمعت محمد بن إبراهيم، يقول: سمعت علقمة بن وقاص الليثي، يقول: سمعت عمر بن الخطاب - ﵁ -، يقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ","vol":"1","page":108},{"text":"وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» \" (١).\nقلتُ: انظر كيف ذكر وهم وخطأ سهل بن صقير، وهو أبو الحسن الخلاطي بصري الأصل ضعيف قال فيه الحافظ ابن حجر العسقلاني: \" قال ابن عدي: حدثنا عنه القاسم ابن عبدالرحمن الفارقي بأحاديث فيها بعض الإنكار، وسهل ليس بالمشهور وأرجو أنَّه لا يتعمد الكذب، وإنَّما يغلط أو يشتبه عليه الشيء فيرويه، وقال أبو بكر الخطيب: يضع الحديث، وقال ابن ماكولا: فيه ضعف\" (٢).\n\nالمثال الثالث: قال الإمام ابن أبي حاتم في العلل: \" وَسَأَلْتُ أَبِي، وَأَبَا زُرْعَةَ عَنِ الحَدِيث رَوَاهُ سُفْيَان الثوري، وشريك، عَن الأعمش، عَن الحكم بْن عُتيبة، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن بلال، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فِي المسح عَلَى الخفين. قَالا: وَرَوَاهُ أَيْضًا عِيسَى بْن يُونُسَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وابن نُمير، عَن الأعمش، عَن الحكم عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجرة، عَن بلال، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَرَوَاهُ زائدة، عَن الأعمش، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن البراء، عَن بلال، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قلت لَهما: فأيُّ هَذَا الصَّحِيحُ؟\n\nقَالَ أَبِي: الصحيح من حَدِيث الأعمش، عَن الحكم، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن بلال، بلا كعب، قُلْتُ لأَبِي: فمن غير حَدِيث الأعمش قَالَ: الصحيح ما يَقُولُ شُعْبَة، وأبان ابْن تغلب، وزيد بْن أَبِي أنيسة أَيْضًا، عَن الحكم، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن بلال، بلا كعب، وَقَالَ أَبِي: الثوري، وشعبة أحفظهم.\n\nقُلْتُ لأَبِي: فإن ليث بْن أَبِي سليم يُحدّث فيضطرب، يحدث عَنْهُ يَحْيَى بْن يعلى، عَن الحكم، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَن بلال، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وعن أَبِي بَكْرٍ، وعمر\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ص١٩١ - ١٩٣)، سؤال رقم (٢١٣).\n(٢) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج٤ /ص٢٢٣).","vol":"1","page":109},{"text":"فِي المسح. وَرَوَاهُ معتمر، عَنْ لَيْثٍ، عَن الحكم، وحبيب بْن أَبِي ثابت، عَن شريح بْن هانئ، عَن بلال، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ\nوَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: الصحيح حَدِيث الأعمش، عَن الحكم، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبٍ، عَن بلال، قَالَ أَبِي وأَبُو زُرْعَةَ: ليث لا يُشْتَغَل بِهِ فِي حَدِيث مثل ذي كثير هُوَ مضطرب الحديث.\n\nقُلْتُ لأَبِي زُرْعَةَ: أليس شُعْبَة، وأبان بْن تَغْلِب، وزيد بْن أَبِي أنيسة، يَقُولُونَ عَن الحكم، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن بلال، بلا كعب؟\n\nقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: الأعمش حافظ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وعيسى بْن يُونُسَ، وابن نُمير، وهؤلاء قد حفظوا عَنْهُ، ومن غير حَدِيث الأعمش، والصحيح عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن بلال، بلا كعب، وَرَوَاهُ منصور، وشعبة، وزيد بْن أبي أُنيسة، وغير واحد، إِنَّمَا قلت من حَدِيث الأعمش \" (١).\nقلتُ: والظاهر من كلام ابن أبي حاتم أن رواية ليث بْن أَبِي سليم، معلولة بالاضطراب، على الرغم من أنَّه ضعيف، فقد ذكر الحافظ ابن حجر كلام أهل الحديث فيه، فقال: \" قال معاوية بن صالح عن ابن معين: \"ضعيف\"، إلا أنَّهُ يُكتب حديثه، وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن يحيى بن معين: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه.\n\nوكذا قال عمرو بن علي وابن المثنى وعلي بن المديني، وزاد عن يحيى بن معين: مجالد أحب إلي من ليث وحجاج بن أرطاة، وقال: أبو المعتمر القطيعي كان ابن عيينة يضعف ليث بن أبي سليم \" (٢). ولم يُنظر لكون أنَّه ضعيف، لاحتمال إصابته في الرواية، كما يحتمل خطأ الثقة، ولم يكن أَبُو حَاتِم وأَبُو زُرْعَةَ ليدركا خطأه لمجرد أنَّه ضعيف، بل كان الحكم عليه بعد\n_________\n(١) ابن أبي حاتم: العلل، طبعة الجريسي، الرياض، ١٤٢٧هـ، (ص١٩٣)، برقم (١١).\n(٢) ليث بن أبي سليم بن زنيم القرشي مولاهم أبو بكر، ويقال أبو بكر الكوفي (ت:١٤٨)، أخرج له البخاري في التعاليق ومسلم والأربعة في السنن، كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج٨ /ص٤١٨).","vol":"1","page":110},{"text":"مقارنة مرويَّاته، بغيره ومعرفة الموافقة والمخالفة للثقات الأثبات، ولا يكون ذلك إلا بعد السبر الحثيث لمرويَّات الحديث.\n\nالمثال الرابع: قال الإمام مسلم في التمييز: \" حدثنا زهير بن حرب، ثنا إسحاق بن عيسى، ثنا ابن لهيعة قال: كتب إلي موسى بن عقبة يقول: حدثني بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت - ﵁ -: «أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - احْتَجَمَ فِي الْمَسْجِدِ». قلت لابن لهيعة: مسجد في بيته؟ قال: مسجد الرَّسُول ﷺ.\nقال مسلم: وهذه رواية فاسدة من كل جهة، فاحش خطؤها في المتن والإسناد جميعا وابن لهيعة الْمُصَحِّفُ في متنه الْمُغَفَّل في إسنادهِ. وإنَّما الحديث: «أنَّ النَّبِي - ﷺ - احْتَجَرَ فِي الْمَسْجِدِ بِخُوصَةٍ، أَوْ حَصِيرٍ يُصَلِّي فِيهَا» (١)، وسنذكر صحة الرواية في ذلك إن شاء الله \" (٢).\n\nثم قال أيضًا: \" الرواية الصحيحة في هذا الحديث ما ذكرنا عن وهيب وذكرنا عن عبدالله بن سعيد، عن أبي النضر، وابن لهيعة إنما وقع في الخطأ من هذه الرواية أنه أخذ الحديث من كتاب موسى بن عقبة إليه فيما ذكر، وهي الآفة التي نخشى على من أخذ الحديث من الكتب من غير سماع من المحدث، أو عرض عليه، فإذا كان أحد هذين - السماع أو العرض - فخليق أن لا يأتي صاحبه التصحيف القبيح، وما أشبه ذلك من الخطأ الفاحش إن شاء الله. وأما الخطأ في\n_________\n(١) أخرجه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الأدب، باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله تعالى، (ج١٠/ص٥٨٤)، برقم (٦١١٣)، ومسلم في الجامع الصحيح (بشرح النووي) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد، (ج٣ / ص٣٢٥ - ٣٢٦)، برقم (٧٨١)، أبو داود في السنن، كتاب الصلاة، باب في فضل التطوع في البيت، (ج١ / ص٤٥٨)، برقم (١٤٤٧)، ثلاثتهم من طريق أبي النضر مولى عمر بن عبيدالله، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت به، وغيرهم.\n(٢) مسلم بن الحجاج: التمييز (مع منهج النقد عند المحدثين)، طبعة مكتبة الكوثر، الرياض، (ص ١٨٧)، حديث رقم (٥٥).","vol":"1","page":111},{"text":"إسناد رواية ابن لهيعة فقوله: كتب إلي موسى ابن عقبة يقول: حدثني بسر بن سعيد وموسى، إنِّما سمع هذا الحديث من أبي النضر يرويه عن بسر بن سعيد\" (١)\nقلتُ: ومعلوم أن ابن لهيعة: وهو عبدالله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان بن ربيعة بن ثوبان الحضرمي (ت: ١٧٣ - ١٧٤هـ)، مختلف في توثيقه وتجريحه (٢)، والراجح فيه أنَّه ضعيف مختلط، فمن حدث عنه قبل احتراق كتبه (٣)، فهو صحيح، ومن حدث عنه بعد ذلك فهو ضعيف، والذين حدثوا عنه قبل احتراق كتبه قليل وهم العبادلة عبدالله ابن المبارك، وعبدالله بن وهب، وعبدالله بن يزيد المقرئ، قال الحافظ ابن رجب في شرح علل الترمذي: \" وقد سمع منه قبل احتراق كتبه ابن المبارك والمقرئ، كذا قال الفلاس وغيره، وقاله ابن معين في رواية عنه.\nومنهم من قال: \"حديثه في عمره كله واحد، وهو ضعيف\"، وهو المشهور عن يحيى ابن معين، وأنكر أن تكون كتبه احترقت وقال: \" لا يحتج به \".\n\nوقال أبو زُرعة: \" سماع الأوائل والأواخر منه سواء، إلا أن ابن وهب وابن المبارك كانا يتبعان أصوله، وليس ممن يحتج به \".\nوقال ابن مهدي: \" ما أَعْتَدُ بشيءٍ سمعته من حديث ابن لهيعة، إلا سماع ابن المبارك ونحوه \".\nوروى عن أحمد أنَّه قال: \" سماع العبادلة من ابن لهيعة عندي صالح: عبدالله بن وهب\n_________\n(١) مسلم بن الحجاج: التمييز (مع منهج النقد عند المحدثين)، (ص ١٨٨)، حديث رقم (٥٧).\n(٢) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج٥ /ص٣٢٧).\n(٣) قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (ج٥/ ص ٣٢٩): \" احترقت كتب ابن لهيعة سنة تسع وستين ومات سنة ثلاث أو أربع وسبعين، وقال البخاري: عن يحيى بن بكير احترقت كتب ابن لهيعة سنة سبعين ومائة، وكذا قال يحيى بن عثمان بن صالح السهمي عن أبيه، ولكنه قال: لم تحترق بجميعها إنما احترق بعض ما كان يقرأ عليه، وما كتبت كتاب عمارة بن غزية إلا من أصله وقال أبو داود: قال ابن أبي مريم لم تحترق \".","vol":"1","page":112},{"text":"وعبدالله بن يزيد المقرئ، وعبدالله ابن المبارك \".\nوقال ابن حبان: \" سبرت أخباره فرأيته يدلس على أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي، ما دُفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن من حديثه! فوجب التنكيب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه، لما فيها من الأخبار المدلسة عن المتروكين، ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين بعد احتراق كتبه، لما فيها مما ليس من حديثه \" (١).\n\n٣. الدليل على أنهم كانوا يعتبرون بعض أسباب الجرح الظاهرة في إعْلال المرويَّات:\n\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني في العلل: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث جابر عن أبي بكر - ﵁ -، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قال: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» \" (٢).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه محمد بن إسماعيل الوساوسي، عن زيد بن الحباب عن عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل، عن شرحبيل، عن جابر، عن أبي بكر عن النَّبِيِّ ﷺ، ولم يتابع عليه الوساوسي هذا ضعيف. وغيره يرويه عن شرحبيل ابن سعد مرسلًا ولا يذكر فيه جابرًا ولا أبا بكر\" (٣).\nقلتُ: وهذا الحديث بعينه في كتاب البحر الزخار مسند البزار قال: \" وروى عبدالرحمن بن الغسيل، عن شرحبيل بن سعد، عن جابر، عن أبي بكر - ﵁ -، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»، وهذا الحديث إنَّما حدث به رجل كان بالبصرة، عن زيد بن الحباب وكان\n_________\n(١) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص١٤٠ - ١٤١).\n(٢) أخرجه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الزَّكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة، (ج٣ / ص٣٢٢)، برقم (١٤١٧)، ومسلم في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الزَّكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، (ج٤ / ص١٠٩)، برقم (١٠١٦)، من حديث عدي بن حاتم ﵁، وغيرهما.\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: كتاب العلل (ج١ / ص ٢٢١ - ٢٢٢)، سؤال رقم (٢٧).","vol":"1","page":113},{"text":"متهما فيه، يقال: أن ليس له أصل من هذا الوجه فأمسكنا عن ذكره \" (١).\n\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني في العلل: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث عمر عن أبي بكر - ﵃ - عن النَّبيِّ - ﷺ -: «وإنَّا لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ» (٢) الحديث بطوله.\nفقال - الدارقطني -: رواه مالك بن أنس وأبو أويس وزياد بن سعد، عن الزهري عن مالك بن أوس، عن عمر، عن أبي بكر حدث به عن مالك كذلك جماعة منهم: بشر بن عمر، وعمرو بن مرزوق، وإسحاق بن محمد الفروي، والهيثم بن حبيب غزوان فأسندوا هذه الألفاظ عن عمر، عن أبي بكر. وغيرهم يرويه عن مالك فيسندها عن عمر عن النَّبيِّ ﷺ.\nوروى هذا الحديث: معمر، وابن أبي عتيق، وشعيب بن أبي حمزه، وأسامة بن زيد وغيرهم، فأسندوا هذه الألفاظ عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ، وذكروا في الحديث عن عمر، عن أبي بكر الصديق - ﵃ - أنَّه قال: «أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ الله - ﷺ - أَعْمَلُ كَمَا عَمِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -»، ورواه عبدالملك بن عمير، عن الزهري فأسنده عن مالك بن أوس بن الحدثان عن أبي بكر أن النَّبيَّ ﷺ قال: «لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ»، لم يذكر بينهما عمر بن الخطاب ... حدث به عن عبد الملك بن عمير كذلك تَلِيدُ بن سليمان وحده، ولم يكن بالقوي في الحديث - كان يشتم - عثمان بن عفان وأبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما \" (٣).\n\nقلتُ: وتَلِيدُ بن سليمان هو المحاربى، أبو سليمان، ويقال أبو إدريس، الكوفى، وهذا رافضي خبيث يشتم الخلفاء الرَّاشدين رضوان الله عليهم، قال المزِّي: \" قال أبو داود: رافضى\n_________\n(١) أحمد بن عمرو بن عبد الخالق أبو بكر البزار (ت: ٢٩٢)، مسند البزار (حديث رقم ٦٤).\n(٢) أخرجه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح) في مواضع، منها كتاب المغازي، باب حديث بني النّضير، (ج٧ / ص٣٧٨)، برقم (٤٠٣٤)، ومسلم في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الجهاد والسير، باب قول النَّبي - ﷺ - لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ، منها (ج٦ / ص٣٢٠)، برقم (١٧٥٩)، وغيرهما.\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: كتاب العلل (ج١ / ص ١٦٨ - ١٧١)، سؤال رقم (٦).","vol":"1","page":114},{"text":"خبيث، رجل سوء، يشتم أبا بكر وعمر. قال النَّسائى: ضعيف. ... وقال يعقوب بن سفيان: رافضى خبيث، سمعت عبيد الله بن موسى يقول لابنه محمد: أليس قد قلت لك، لا تكتب حديث تَلِيد هذا. وقال صالح بن محمد الحافظ: كان سيىء الخلق، وكان أصحاب الحديث يسمونه: بَلِيدُ بن سليمان، لا يحتج بحديثه، وليس عنده كبير شىء. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: حدثنا تَلِيدُ بن سليمان، وهو عندي كان يكذب \" (١).\nوالحديث في البحر الزَّخار مسند البزار: \" حدثنا محمد بن المثنى قال: نا أبو الوليد هشام بن عبد الملك قال: نا حماد يعني ابن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن أبي بكر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: \" لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ \".\n\nوحدثناه إبراهيم بن زياد قال: نا عبد الوهاب بن عطاء قال: نا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن أبي بكر، وعمر رحمة الله عليهما نحوه. وهذا الحديث لا نعلم أحدًا، رواه فوصله إلا حماد بن سلمة وعبدالوهاب، وغيرهما يرويه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة مرسلًا \" (٢).\nمما سبق يتضح:\nأنَّ الدارقطني عند ذكره للمرويَّات الضعيفة كشاهد في الترجيح بين المرويَّات المختلفة، كان يتبع في ذلك منهج المتقدمين من المحدثين النقاد في التعليل وهو أوسع وأدق.\nوأنَّ مذهب المتأخّرين في مفهوم العلة من جهة الإسناد يختلف عن المتقدمين في عدة أمور:\n\nأولًا: أنَّ المتأخّرين لا يعتبرون مخالفة الضعيف علة، لاعتبارهم أنَّ العلة أو الشذوذ هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، أو مخالفة الثقة للثقات، دون اعتبار لروايَّات الضعفاء مما ضيق\n_________\n(١) المزِّي: جمال الدين يوسف بن عبدالرحمن، أبو الحجاج (ت: ٧٤٢)، تهذيب الكمال، مؤسسة الرسالة الطبعة الرابعة ١٤٠٦هـ، تحقيق د. بشار عواد معروف (ج٤ / ص ٣٢٢ - ٣٢٣).\n(٢) أحمد بن عمرو أبو بكر البزار: البحر الزَّخار مسند البزار (حديث رقم ١٨).","vol":"1","page":115},{"text":"واسعًا، وهو قول الحاكم وابن الصلاح والذهبي وغيرهم، بخلاف النقاد المتقدمين فأنهم يعتبرون في الترجيح بكل الرِّوايات الواردة في الحديث بما في ذلك الضعيفة.\n\nثانيًا: أنَّ النقاد المتأخّرين يشترطون في العلة أن تكون خفية غامضة، وهو قول ابن الصلاح، والعراقي، والذهبي وغيرهم، بخلاف النقاد المتقدمين فإنهم كانوا يعتبرون بالعلل كلها الغامضة والظاهرة على السواء.\n\nنتائج هامة:\n- أنَّ النّقاد المتقدمين كانوا يعتبرون بخطأ الضعيف في تعليل الرواية، لمعرفة الراجح من الاختلاف بين المرويّات، بخلاف المتأخرين فإنهم لا يعتبرون برواية الضعيف في التعليل.\n- أنَّ طريقة المتقدمين أدق وأوسع من طريقة المتأخرين في الترجيح بين المرويَّات التي طرأت عليها العلة، سواء وقع فيها: الخلاف، أو الخطأ في الرواية أو التفرد.\n- أنَّ منهجهم في معرفة الراجح في الخلاف، أو الاضطراب هو جمع جميع المرويَّات التي رويت في هذا الحديث سواء كانت صحيحة أو ضعيفة من جهة السند.\n- أنَّ الدارقطني مثل غيره من النقاد المتقدمين، كان يعتبر الأسباب الغامضة والظاهرة في بيان العلة التي قد تطرأ على المرويَّات في الحديث.\n- العلة في مفهومِ المتقدمين من جهة الإسناد أعم مِنْها عِنْدَ المتأخرين، وَهُوَ أقرب إلى معناها اللغوي والاصطلاحي عند المحدثين.","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>المبحث الثاني: مفهوم العلة من جهة المتن</span>.\nوأما مفهوم العلة من جهة المتن عند المحدثين المتقدمين، وعلى رأسهم الدارقطني فتشمل كل ما يطرأ على متن أو نص الحديث مما يقدح فيه من أسباب الوهم والخطأ والقلب أو إدخال حديث في حديث، أو اضطراب، أو إدراج وغيره، وكل ذلك داخل في العلة.\n\nولا شك أنَّ النُّقاد المتقدمين كان لهم جهد عظيم في نقد المتن بجانب نقد الإسناد، إلا أنَّ نقد الإسناد كان الأكثر، فأشكل ذلك على المستشرقين ومن تبعهم من المستغربين، أنَّ أهل الحديث: \" مجرد نَقَدَة أسانيد ولا اهتمام لهم بنقد المتون \"، فلعل هذا المبحث يوضح مدى اهتمامهم البالغ بنقد المتون، وبذلهم الجهد الجهيد لتصفية أحاديث رسُول الله - ﷺ - مما شابها من الموضوع والباطل، ومما يُفَنِّد هذا القول وغيره في حق أهل الحديث.\n\nمنهج نقاد أهل الحديث في معرفة علة متن الحديث:\nومن الجدير بالذكر أن نسلط الضوء على طريقة أهل الحديث في معرفة علة متون الأحاديث، بخلاف طريقة أهل الأهواء في زماننا، والذين يضعفون متون الأحاديث لمجرد ظنهم أنها مخالفة للعقل كما زعموا، ولله در المُتَنَبّي (١) حين قال:\nوَمَن يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ ... يَجِد مُرًّا بِهِ الماءَ الزُلالا\nوقال أيضًا:\nوَكَم مِن عائِبٍ قَولًا صَحيحًا ... وَآفَتُهُ مِنَ الفَهمِ السَقيمِ (٢)\n_________\n(١) هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي، أبو الطيب (ت: ٣٥٤ هـ)، الشاعر الحكيم، وله الأمثال السائرة والحكم البالغة المبتكرة، وفيات الأعيان (ج١/ ١٢٠).\n(٢) الواحدي: علي بن أحمد بن محمد بن علي، أبو الحسن (ت:٤٦٨)، شرح ديوان المتنبي، طبعة دار الرائد العربي، بيروت، تحقيق: ياسين الأيوبي (ص١١٣)، وهي من بحر الوافر.","vol":"1","page":117},{"text":"ولا يشك عاقل فضلًا عن مثقفٍ، أنَّ لكل أهل فن أساليبهم وشروطهم الخاصة، لمعرفة ما هو صحيح عندهم أو ضعيف، فمن أراد نقد الأحاديث فعليه بطريقة القوم لا يخرج عنها، ويجب أن يكون ذا تيقظ وفهم، مع الدين والتقوى والإنصاف، وإلا فلا قيمة لما يقول، ولا يُلْتفَت إليه البتة، وقد أتعب نفسه بلا غاية.\nكما قال فيهم الإمام الذهبي ﵀ في تذكرة الحفاظ (١):\nفَدَعْ عَنْكَ الكِتَابَةَ لَسْتَ مِنْها ... وَلَوْ سَوَّدْتَ وَجْهَكَ بِالْمِدَادِ\nولقد أوضح النُّقاد المحدّثون من أين لهم بذلك العلم، في القصة الطويلة التي فيها سؤال الرجل للإمام أبي حاتم: \" من أين علمت هذا؟، أخبرك الراوي بأنَّه غلط أو كذب؟!، فقال أبو حاتم: \"إنا لم نجازف، ولم نقله إلا بفهم\" (٢). وقال أيضًا: \"وإنما قلناه بعلم ومعرفة قد أوتينا\" (٣).\n\nوقال أبو عبدالله الحاكم: \"والحجة عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير\" (٤).\nوقال الخطيب البغدادي: \" السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانتهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط \" (٥).\n\nوقال ابن الصلاح ﵀: \" ويستعان على إدراكها (أي العلة) بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك، تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم لغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه\n_________\n(١) الذهبي: تذكرة الحفاظ، (ج١/ص٤).\n(٢) السخاوي: فتح المغيث شرح ألفية الحديث، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٣ هـ، (ج١ / ص ٢٣٥).\n(٣) ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل، (ج١/ ص٣٥٠).\n(٤) ابن الصلاح: معرفة علوم الحديث، (ص١٣).\n(٥) العراقي: التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، (ص ١١٧).","vol":"1","page":118},{"text":"ذلك، فيحكم به أو يتردد فيتوقف فيه، وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه\" (١).\nقلتُ: ويتضح من النصوص سالفة الذكر مدى اهتمام النُّقاد ببيان الطرق التي أوصلتهم للحكم على الأحاديث بأنها معلولة، ولم يكن مجرد هاجس عقل أو هوى، وقد أفرد النقاد المتقدّمون مصنفات في نقد المتون، منها على سبيل المثال: عَقَدَ الإمامُ مسلم في كتابه التمييز أبوابًا لنقد المتون، وإصلاح غلط المحدثين للإمام الخطابي (ت:٣٨٨هـ) وللخطيب البغدادي (ت:٤٣٦هـ): الفصل للوصل المدرج في النقل وغيرهم، ويتجلى ذلك بضرب بعض الأمثلة في طريقة القوم ومناهجهم، وكيف كانوا يكتشفون الخطأ أو الوهم في الرواية؟، ويمكن تحديد المحاور التي كان يُدندن حولها النقاد كالآتي:\n- معرفة مدى التفرد في الرواية، وترجيح الصحيح منها.\n- معرفة المخالفة في الرواية، وترجيح الثابت منها.\n- سبر المتابعات والشواهد والقرائن التي تؤيد ترجيح رواية على أخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>أمثلة نقد الدارقطني لمتون الأحاديث:</span>\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبيِّ - ﷺ -: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ» (٢).\n_________\n(١) العراقي: التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، (ص١١٦).\n(٢) أخرجه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك من الصلاة ركعة، (ج٢ / ص٦٨)، برقم (٥٨٠)، ومسلم في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ، (ج٣ / ص١١٢)، برقم (٦٠٧)، كلاهما من طريق مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وأخرجه غيرهما من هذا الوجه، وأخرجه على الوجه المعلول النَّسائي في السنن، كتاب الجمعة، باب من أدرك ركعة من صلاة الجمعة (ج٣ / ص١٢٥) برقم (١٤٢٤)، من طريق سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، أي أنَّه نفس مخرج الحديث، وبهذا ظهر تقدم الشيخين على غيرهما من أهل الحديث.","vol":"1","page":119},{"text":"فقال - الدارقطني - اختلف فيه على الزهري، فرواه يحيى بن سعيد الأنصاري، وعبيد الله بن عمر ومالك بن أنس، واختلف عنه: فقال خالد بن خداش عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبيِّ - ﷺ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ العَصْرِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ».\n\nوفي هذا الحديث وهم في المتن والإسناد، فأما الإسناد فإنمَّا رواه خالد بن خداش، عن\nحماد بن زيد، عن مالك بموافقة أصحاب الموطأ، وكذلك رواه ابن عيينة، وابن جُرَيج والوليد بن كثير، وشعيب بن أبي حمزة، وسعيد بن عبد العزيز، وإبراهيم بن أبي عبلة، وثابت بن ثوبان، وأيوب بن عتبة.\nواختلف عن الأوزاعي: فرواه الحفاظ عنه، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصَلاَةِ رَكْعَةً»، وقال محمد بن عبدالله بن ميمون الأسكندراني، عن الوليد عنه: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً» ووهم في هذا القول، وقال أبو المغيرة، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، ووهم في ذكر سعيد.\n\nواختلف عن يونس، فرواه ابن المبارك (١)، وعبدلله بن رجاء، وابن وهب، والليث ابن سعد، وعثمان بن عمر، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة على الصواب. وخالفهم عمر بن حبيب، فقال عن يونس بهذا الاسناد: «مَنْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ»، فقال ذلك محمد بن ميمون الخياط عنه، ووهم في ذلك والصواب، «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاةِ ...».\nورواه بقية بن الوليد، عن يونس، فوهم في إسناده ومتنه، فقال عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً»، والصحيح قول ابن المبارك ومن تابعه.\n_________\n(١) هو عبدالله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي، (ت:١٨١ هـ) أحد الأئمة الأثبات، قال ابن عيينة: نظرت في أمر الصحابة فما رأيت لهم فضلا على ابن المبارك إلا بصحبتهم النبي ﷺ، وغزوهم معه، وقال أبو حاتم: عن إسحاق بن محمد بن ابراهيم المروزي نعى ابن المبارك إلى سفيان بن عيينة، فقال:\" لقد كان فقيها عالمًا عابدًا زاهدًا شيخًا شجاعًا شاعرًا \"، قلتُ: أخرج له أصحاب الكتب الستة، وغيرهم، تهذيب التهذيب (ج٥ / ص٣٤٤ - ٣٣٨).","vol":"1","page":120},{"text":"واختلف عن معمر فرواه ابن المبارك عن جماعة فيهم معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ ...».\nوتابعه عبد الرزاق، عن معمر، وخالفهما وهيب بن خالد في الإسناد دون المتن، فقال عن معمر، عن الزهري، واختلف عن يزيد بن الهاد في إسناده. فرواه: حيوة بن شريح، عن ابن الهاد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ ...».\n\nوتابعه الليث، عن ابن الهاد من رواية يونس المؤدب عنه، وقال ابن بكير، عن الليث عن ابن الهاد، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، ورواه قرة بن عبدالرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - وزاد فيه: «قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الإمَامُ صُلْبَهُ».\n\nورواه ياسين بن معاذ الزيات، واختلف عنه فقيل عن وكيع، عن ياسين، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً»، وقيل عن وكيع أيضًا، عن سعيد أو أبي سلمة بالشك.\n\nوكذلك رواه أسيد بن عاصم، عن بكر بن بكار، وقال الزعفراني، عن بكر، عن ياسين، عن الزهري، عن سعيد وحده بلا شك. وكذلك قال يوسف بن أسباط، عن ياسين وقال الأبيض بن الأغر، عن ياسين، عن الزهري، عن أبي سلمة وحده.\n\nولم يختلف عن ياسين أنه قال من أدرك من الجمعة، وروي عن الزبيدي، وأسامة بن زيد، وصالح بن أبي الأخضر، وعمر بن قيس عن الزهري، عن أبي سلمة وحده، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً ...».\n\nوخالفهم الحجاج بن أرطاة في الإسناد دون المتن، وعبدالرزاق بن عمر، ويحيى بن أبي أنيسة، وسليمان بن أبي داود، فقالوا عن الزهري، عن سعيد وحده، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النَّبي - ﷺ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ ...».","vol":"1","page":121},{"text":"وكذلك قال نوح بن أبي مريم، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، إلا إنَّه أتى بلفظ آخر، فقال: «مَنْ أَدْرَكَ الإمَامَ جَالِسًَا قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ أَدْرَكَ أَي الصَّلاةَ وَفَضْلَهَا»، ونوح متروك، ورواه عمر بن حبيب، عن الزهري، عن سعيد \" الجمعة \".\n\nوالصحيح قول عبيدالله بن عمر، ويحيى الأنصاري، ومالك ومن تابعهم على الإسناد والمتن، وحدث معمر بهذا الحديث أيضا، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الفَجْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَمِنَ العَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» ... \" (١).\n\nقلتُ: والعلة التي في هذا المثال هي: الوهم في السند والمتن معًا، فأما العلة التي في المتن فهي الاضطراب في لفظ الحديث، فقد رواه جماعة بلفظ: \" مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ \"، وآخرون بلفظ \" مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً \"، وآخرون بلفظ \" مَنْ أَدْرَكَ الإمَامَ جَالِسًَا قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ أَدْرَكَ \"، وقد تعذر الجمع بين الألفاظ.\n\nوقد رجح الإمام الدارقطني اللفظ الصحيح المحفوظ من طريق ابن المبارك، وعبدالله بن رجاء، وابن وهب، والليث بن سعد، وعثمان بن عمر، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: \" «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ رَكْعَةً ...»، على الألفاظ الأخرى، وذلك لعدة أدلة وقرائن منها:\nالأول: أنَّ مدار الحديث على الزهري فرواه عبدالله بن المبارك على الوجه المحفوظ، وتابعه جمع من طريق معمر بن راشد عن الزهري، وتابع معمر الإمام مالك بن أنس، وهما من أثبت الناس في الزهري (٢)، كما أخرج الشيخان الحديث من طريق مالك عن الزهري، ثم إنَّ الذين خالفهم، قد اشتهر عنهم الخطأ والوهم في الرواية.\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: كتاب العلل (ج٩ / ص ٢١٣ - ٢٢٢)، سؤال رقم (١٧٣٠).\n(٢) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص ٣٤٦).","vol":"1","page":122},{"text":"الثاني: أنَّ عدد من تابع ابن المبارك من طريق معمر، ومالك، عن الزهري، أكثر ممن خَالَفُهم، فظهر بذلك مدى دقة نقد الدارقطني، وهو يشير إلى علة متن الحديث، ويذكر الأدلة والقرائن بالأسانيد على ما ذهب إليه من الترجيح.\n\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي صالح عن أبي هريرة - ﵁ - قال رسول الله - ﷺ -: «كَانَ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ إبْرَاهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ».\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه أبو حصين واختلف عنه فرواه: سلام بن سليمان، عن\nإسرائيل، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وخالفه أبو بكر بن عياش فرواه: عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس وهو الصحيح.\nوقال أبو حاتم الرازي: عن أبي غسان، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس. ورواه أبو جعفر الرازي: عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - بلفظ آخر، وهو: قال رسول الله - ﷺ -: «لَمَا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيمَ فِي النَّارِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّكَ فِي السَّمَاءِ وَاحِدٌ، وَأَنَا فِي الأَرْضِ وَاحِدٌ أَعْبُدكَ»، والصحيح حديث أبي الضحى، عن ابن عباس (١).\nقلتُ: والذي أشار إليه الإمام الدارقطني في نقد هذا المتن أنَّ الصحيح ما رواه أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس موقوفًا، بلفظ \" «﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَم حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ - ﷺ - حِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾» (٢)، والألفاظ الأخرى مرفوعة، ولكنها معلولة كما هو واضح من النَّص ونرى أن ما ذهب إليه الدارقطني لم يتفرد به، بل\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: كتاب العلل (ج١٠ / ص ٩٨ - ١٠٠)، سؤال رقم (١٨٩٣).\n(٢) أخرجه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب التفسير القرآن باب ﴿الذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ الآية (ج٨ / ص٢٦٤)، برقم (٤٥٦٣).","vol":"1","page":123},{"text":"سبقه إليه البخاري حيث لم يخرج إلا الموقوف وترك المرفوع، على الرغم أن أصل كتابه في المرفوع، والله أعلم.\n\nالمثال الثالث: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث بشير بن نهيك عن أبي هريرة - ﵁ - قال: رسول الله - ﷺ -: \" «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًَا لَهُ مِنْ عَبْدٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي ثَمَنٍ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» (١).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه قتادة، واختلف عنه في إسناده ومتنه.\nفأما الخلاف في إسناده فإنَّ سعيد بن أبي عَرُوبة، وحجاج بن حجاج، وجرير بن حازم وأبان العطار وهماما، وشعبة رووه: عن قتادة عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة - ﵁ -.\n\nوخالفهم الحجاج بن أرطاة، رواه عن قتادة، عن موسى بن أنس مكان النضر بن أنس\nووهم، وأما هشام الدستوائي فرواه: عن قتادة، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، ولم يذكر بينهما أحدا، وأما الخلاف في متنه: فإنَّ سعيد بن أبي عروبة وحجاج بن حجاج وأبان العطار، وجرير بن حازم، وحجاج بن أرطاة اتفقوا في متنه، وجعلوا الاستسعاء مدرجًا في حديث النبي ﷺ، وأما شعبة وهشام فلم يذكرا فيه الاستسعاء بوجه.\nوأما همام فتابع شعبة وهشاما على متنه، وجعل الاستسعاء من قول قتادة، وفصل بين كلام النبي ﷺ.\nويشبه أن يكون همام قد حفظه قال ذلك أبو عبدالرحمن المقرئ، وهو من الثقات عن همام.\nورواه محمد بن كثير وعمرو بن عاصم عن همام فتابعه شعبة على إسناده ومتنه، ولم يذكر فيه الاستسعاء بوجه. \" (٢).\n_________\n(١) أخرجه على الوجه الصحيح: مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم (مع شرح النووي)، كتاب الأيمان باب من أعتق شركًا له في عبد حديث رقم (١٥٠٤) (ج٦/ ص ١٥٣).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: كتاب العلل (ج١٠/ ص٣١٣ - ٣١٧)، سؤال رقم (٢٠٣١).","vol":"1","page":124},{"text":"قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أن لفظة \" الاستسعاء \" مدرجةٌ في الحديث، وليست من لفظ رسول الله ﷺ، وقد فصلت الكلام فيها وبينت العلة في الحديث والراجح في الخلاف، وذلك في المبحث السادس من الباب الأول (ص٨٢) من الدراسة فارجع إليها إن شئت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>نتائج هامة:</span>\n- أنَّ كُتُبَ النُّقاد المتقدمين قد احتوت على الكثير من أمثلة نقد المتون، لا كما ادعى المستشرقون، وإنمَّا أتي ذلك من قبل جهلهم بمصنفات أهل الحديث.\n- أنَّ كثيرًا من المسائل العلمية الخاصة بعلل المتون في مصنفات أهل الحديث لم تدرس دراسة علمية دقيقة تحقق الراجح فيها والمرجوح.\n- أنَّ نسبة ما تكلم فيه الدارقطني من نقد المتون في كتابه العلل لا يقل بحال عن (عشرة في المائة) من مجموع الكتاب.\n- ولقد ظهرت لي بعض المسائل العلمية أثناء بحثي، ولم تكن من أصل دراستي، وأحببت أن أذكرها لعل غيري يقوم بها:\n١ - دراسة وسبر جميع الأحاديث التي تكلم فيها المتقدمون من أهل الحديث في مصنفات العلل فيما يخص نقد المتون وبيان الراجح والمرجوح منها.\n٢ - دراسة وتخريج الأحاديث المعلولة في الكتب الستة والتي تكلم فيها أئمة العلل والراجح فيها.\n٣ - دراسة علاقة إعلال الأئمة متون الحديث بعلل الأسانيد من نفس مخرج الحديث.\n٤ - جمع وسبر أجناس العلل في المتون من مصنفات أهل الحديث في العلل.\n٥ - تحقيق الراجح من الزيادات في المتون التي وردت في أحاديث الكتب الستة.","vol":"1","page":125},{"text":"الفصل الثاني\nأجناس العلل الخفية والظاهرة في الإسناد والمتون\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: أجناس العلل التي ذكرها الحاكم وأمثلتها عند الدارقطني.\nالمبحث الثاني: أجناس العلل التي لم يذكرها الحاكم وأمثلتها عند الإمام الدارقطني.\nالمبحث الثالث: أجناس العلل الخفية في المتون.\nالمبحث الرابع: أجناس العلل الظاهرة.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الفصل الثاني\nأجناس العلل الخفية والظاهرة في الإسناد والمتون</span>\nسنتعرض في هذا الفصل لمختلف أجناس العلل الخفية في الإسناد، والتي لا يمكن أن يتعرف عليها الباحث إلا بعد معرفةٍ ثاقبة في علم الرجال، ومقارنة الأسانيد، وتحديد مَدَى اعتبار المخالفة أو التفرد، وجهد جهيد في جمع وسبر الأدلة والبراهين التي ترجح رواية على أخرى، وسوف نسوق أجناس العلل التي ذكرها الإمام أبو عبدالله الحاكم في مصنفه \" معرفة علوم الحديث \"، ثم أُمثِّل لكل جنس من كتاب العلل للدارقطني، وبعد ذلك نقوم بدراسة وسبر أقوال الإمام الدارقطني في العلل لمعرفة الأنواع التي لم يذكرها الحاكم وهي في كتاب العلل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>المبحث الأول: أجناس العلل التي ذكرها الحاكم وأمثلتها عند الدارقطني:</span>\nفي هذا المبحث سوف يتم دراسة أجناس العلل المختلفة التي كان نُقَّاد الحديث يشيرون إليها في أحكامهم على الأحاديث المعلَّلة، ولقد جمع الإمام أبو عبدالله الحاكم من مصنفات أهل الحديث في العلل والسؤالات وغيرها عشرة أجناس للعلل المذكورة في مصنفات أهل العلم على سبيل المثال وليس الحصر.\nوقد قام جمع من العلماء بعده بذكر هذه العشرة أجناس في مصنفاتهم في علم المصطلح فلم يزيدوا عما ذكره الحاكم من أجناس العلل، فأوهم صنيعهم هذا أنها على سبيل الحصر فمنهم البلقيني في محاسن الاصطلاح (١)، والسيوطي في تدريب الراوي (٢)، والعلامة أحمد شاكر في الباعث الحثيث (٣)، وأصلُ كلام الحاكم يدل على أنَّ هذه الأجناس، هي مجرد أمثلة\n_________\n(١) البلقيني: سراج الدين عمر بن رُسلان، محاسن الاصطلاح (مع المقدمة)، (ص ١٩٨ - ٢٠١).\n(٢) السيوطي: تدريب الراوي، (ج١ / ص ١٣٩ - ١٤٠).\n(٣) أحمد شاكر: الباعث الحثيث، (ص ٩٥ - ١٠٠).","vol":"1","page":129},{"text":"لأنواع العلل عند النُّقاد المحدثين، حيث قال: \" وبقيت أجناس لم نذكرها وإنَّما جعلناها مثالًا لأحاديث معلولة ليهتدي إليها المتبحر في هذا العلم \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>الأجناس التي ذكرها الحاكم وأمثلتها عند الدارقطني في كتاب العلل</span>\nالجنس الأول: أن يَكُون السَّند ظاهر الصِّحة، وفيه من لا يُعرف بالسَّماع ممَّن روى عنه، وقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة أحاديث كثيرة نذكر منها على سبيل المثال:\n\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث روي عن مكحول، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّة ...» (٢).\nفقال - الدارقطني -: يرويه سليمان التيمي واختلف عنه فرواه: معاذ بن معاذ، عن سليمان التيمي، عن مكحول، عن أبي هريرة. وقيل عنه، عن سليمان التيمي، عن رجل، عن أبي هريرة، ومكحول (٣) لم يسمع من أبي هريرة \" (٤).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني على الرغم من أنَّ السند ظاهره الصحة هي: عدم سماع مكحول من أبي هريرة - ﵁ -، وحجة الإمام الدارقطني في ذلك أنَّ مكحول وهو الشامي لم يثبت سماعه من أبي هريرة ﵁ على الصحيح الراجح، وقد صرح بذلك الأئمة النقاد ومنهم الترمذي، حيث قال: \" ومكحول قد سمع من واثلة بن الأسقع وأنس بن مالك وأبي هند الداري، ويقال إنه لم يسمع من أحد من أصحاب النَّبي ﷺ إلا من هؤلاء الثلاثة. ومكحول شامي يكنى أبا عبدالله وكان عبدًا فأُعتق \". (٥)، ولقد أعلَّ النُّقاد المحدثون هذا\n_________\n(١) أبو عبدالله الحاكم النيسابوري: معرفة علوم الحديث، (ص ١١٣ - ١١٩).\n(٢) أخرجه أبو داود: في السنن، كتاب السنة، باب في القدر، (ج٢/ص ٦٣٤)، بإسناد ضعيف.\n(٣) وهو مكحول الشامي أبو عبد الله، ويقال أبو أيوب، ويقال أبو مسلم (ت:١٠٠وبضع عشرة هـ)، ثقة فقيه، كثير الإرسال، أخرج له الستة إلا البخاري، تهذيب التهذيب (ج١٠/ص ٢٥٨).\n(٤) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٨/ص٢٨٩)، سؤال رقم (١٥٧٦).\n(٥) الترمذي: في السنن (ج٤/ص٦٦٢)، بعد حديث رقم (٢٥٠٦).","vol":"1","page":130},{"text":"الحديث بنفس العلة.\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث طاووس، عن معاذ - ﵁ -: «أنَّه أُتِيَ وَهُو بِالْيَمَنِ بِأَوْقَاصِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، فَقَالَ: لَمْ يَامُرْنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِيهِمَا بِشَيْءٍ» (١).\nفقال - الدارقطني -: يرويه عمرو بن دينار وإبراهيم بن ميسرة. فرواه: ابن عيينة والحسن بن أبي جعفر، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن معاذ. وكذلك رواه ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة. واختلف عن الثوري فرواه: ابن وهب، عن الثوري، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس، عن معاذ بن جبل. ورواه وكيع، عن الثوري، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس أنَّ معاذًا لَمَّا أَتَى اليمن قال: لم أُومَرْ فيها بشئ فأرسله، ومن قال عن معاذ فهو أيضا مرسل؛ لأنَّ طاووسًا لم يسمع من معاذ \" (٢).\n\nقلتُ: ووجه العلة في الحديث التي أشار إليها الدارقطني على الرغم من صحة السند في الظاهر هي: عدم سماع طاووس (٣) من معاذ. وحجة الدارقطني في ذلك التاريخ، فبين معاذ وطاووس مفاوز تنقطع بها أعناق الإبل، حيث إنَّ طاووس بن كيسان مات ﵀ سنة ست ومائة هجرية (١٠٦هـ) (٤)، ومات معاذ بن جبل ﵁ على الراجح سنة ثمان عشر من الهجرة (١٨هـ) (٥)، وهو ابن ثلاث أو أربع وثلاثين سنة، فظهر أن طاووس لم يدرك معاذ بن\n_________\n(١) أخرجه على الوجه المعلول: الإمام أحمد في المسند، (ج٥ / ص٢٣٠)، برقم (٢٢٠٦٣)، من طريق حماد بن زيد، ثنا عمرو بن دينار، عن طاووس، عن معاذ بن جبل، بلفظ: \" قال لم يأمرني رسول الله ﷺ في أوقاص البقر شيئا \"، والأوقاص هي ما دون الثلاثين منها.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٦ / ص٦٦)، سؤال رقم (٩٨٤).\n(٣) هو طاووس بن كيسان الفارسي، الفقيه، القدوة، عالم اليمن، أبو عبد الرحمن الفارسي، ثم اليمني، الجندي، الحافظ، كان من أبناء الفُرس الذين جهزهم كسرى لأخذ اليمن له، فقيل: هو مولى بحير بن ريسان الحميري، وقيل: بل ولاؤه لهمدان (ت: ١٠٥ أو ١٠٦هـ) بمكة المكرمة ﵀، أنظر الذهبي: سير أعلام النبلاء، (ج٩ / ص٣٨).\n(٤) الذهبي: سير أعلام النبلاء (ج٩/ص٤٥ - ٤٦)، ترجمة رقم (١٣).\n(٥) المصدر السابق: (ج١ / ص٤٠٩)، ترجمة رقم (٨٦).","vol":"1","page":131},{"text":"جبل، أنظر لدقة الحكم، وسعة العلم.\nالمثال الثالث: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى - ﵁ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» الحديث (١).\nفقال - الدارقطني -: يرويه عبدالله بن سعيد بن أبي هند واختلف عن نافع فرواه: أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى. ورواه سويد بن عبدالعزيز، عن عبيدالله، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي موسى ووهم فيه في موضعين: في قوله سعيد المقبري، وإنَّما هو سعيد بن أبي هند، وفي تركه نافعًا في الإسناد. ورواه عبدالله بن عمر العُمري، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند عن رجل، عن أبي موسى وهو أشبه بالصواب؛ لأنَّ سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى شيئًا، وقال أسامة ابن زيد، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي مرة مولى عقيل، عن أبي موسى في حديث النَّهي عن اللعب بالنرد، وهو الصحيح. وهذا يقوي قول العُمري، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن رجل والله أعلم \" (٢).\nقلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني على الرغم من صحة السند في الظاهر هي: عدم سماع سعيد بن أبي هند (٣) من أبي موسى، وحجة الإمام الدارقطني التاريخ\n_________\n(١) أخرجه على الوجه الصحيح: الإمام أحمد في المسند، (ج٤ / ص٣٩٢)، برقم (١٩٥٢١)، من طريق سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، وبهذا يكون الإسناد ضعيف للجهالة، ولكن الحديث ثابت من أوجه أخري وله شواهد، وأخرجه النَّسائي على الوجه المعلول في السنن، كتاب الزينة، باب تحريم الذهب على الرجال، (ج٨ / ص٥٤٠)، برقم (٥١٦٣)، من طريق نَافِعٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٧ / ص٢٤١ - ٢٤٢)، سؤال رقم (١٣٢٠).\n(٣) هو سعيد بن أبى هند الفزاري مولاهم، مولى سمرة بن جندب (ت:١١٦ هـ)، (وهو والد عبدالله بن سعيد بن أبى هند)، ثقة مشهور بالعلم، أخرج له الستة، وروى البخاري عن رجل عنه وهي من عوالي البخاري، أنظر سير أعلام النبلاء للذهبي (ج٩/ ص٧)، ترجمة رقم (٦).","vol":"1","page":132},{"text":"حيث أنَّ سعيد بن أبي هند مات ﵀ سنة ستة عشر ومائة (١١٦هـ)، أو ما بعدها، وأبو موسى الأشعري وهو عبدالله بن قيس مات ﵁ على الراجح من الأقوال سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ عَلَى الصَّحِيْح (١)، فكيف سمع سعيد بن أبي هندٍ منه وبينهما هذه المفاوز؟، فظهر أنَّ الأئمة لم يكن قولهم مجرد قول، بل كان معهم براهين ساطعة.\n\nالجنس الثاني: أن يَكُونَ الحديث مُرْسلًا من وجه، رواه الثِّقات الحُفَّاظ، ويُسْند من وجهٍ ظاهره الصِّحة.\nوقد أعل الإمام الدارقطني بهذه العلة جملة من الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال:\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي هريرة عن عمر - ﵃ -، عن النَّبيِّ - ﷺ -: «أنَّهُ سَأَلَهُ أَنَعْمَلُ فِي شِئٍ نَاتَنِفُهُ أَمْ فِي شَئٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ، قَالَ بَلْ فِي شَئٍ فُرِغَ مِنْهُ» (٢).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه أبو ضمرة بن عياض، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن عمر، وخالفه يحيى القطان رواه عن الأوزاعي عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أنَّ عمر، لم يذكر أبا هريرة. وكذلك يونس بن يزيد، عن الزهري، ورواه الزبيدي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر. وخالفهم صالح بن أبي الأخضر، رواه عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمر. ورواه عقيل، عن الزهري مرسلًا عن عمر. والمرسل أصح \" (٣).\n_________\n(١) الذهبي: سير أعلام النبلاء، (ج٣ /ص٣٥٠).\n(٢) أخرجه: الإمام أحمد في المسند، (ج٢ / ص٥٢)، برقم (٥١٤٠) (ج٢ / ص٧٧)، برقم (٥٤٨١)، الترمذي في السنن، كتاب القدر، باب ما جاء في الشقاء والسعادة، (ج٤ / ص٤٤٥) كلاهما من طريق عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِاللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِاللَّهِ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ به، ولكن إسناده ضعيف لضعف عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِاللَّهِ، تهذيب التهذيب (ج٥ / ص٤٢).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢ / ص٩١)، سؤال رقم (١٣٤).","vol":"1","page":133},{"text":"قلتُ: وهذا النوع من أنواع العلة يعتمد على مخالفة الثقة الذي أسند الحديث (أي رفعه) جمع من الثقات، أو من هو أوثق منه، وفي هذا المثال نجد أنَّ الدارقطني قد أعل الحديث؛ لأنَّ أبو ضمرة بن عياض وهو من الثقات (١)، رواه فأسند الحديث فقال: \" عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة \"، فأخطأ، وذلك لمخالفته الثقات الذين رووه مرسلًا، منهم يحيى بن سعيد القطان وهو من الحفاظ الأثبات (٢)، وكذلك خالف يونس بن يزيد وهو الأيلي (٣)، عن الزهري، وهو من أثبت الناس في الزهري، فأصبح المرسل أصح من المرفوع، وبهذا صار الحديث معلولًا بالإرسال.\n\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني -: عن حديث عمر بن علي ابن أبي طالب عن علي بن أبي طالب - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ -: «الشَّاهِدُ يَرَى مَا لًا يَرَى الْغَائِبُ» (٤).\nفقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه الثوري، عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، فأرسله يحيى القطان، عن الثوري، عن محمد بن عمر، عن جده علي. وأسنده أبو نعيم، عن الثوري، فقال عن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه عن علي. واختلف عن أبي نعيم، والمرسل أصح \" (٥).\n_________\n(١) وهو الإمام، المحدث، الصدوق المعمر، بقية المشايخ، أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي، المدني (ت: ٢٠٠هـ)، أخرج له الستة، أنظر سير أعلام النبلاء للذهبي، (ج١٧/ ص٨٧).\n(٢) وهو الإمام الكبير، أمير المؤمنين في الحديث، أبو سعيد التميمي مولاهم، البصري، الأحول، القطان، الحافظ (ت: ١٩٨هـ)، وهو من كبار نُقاد الحديث وكان لا يحدث إلا عن ثقة، أنظر سير أعلام النبلاء للذهبي، (ج١٧ / ص١٨٥).\n(٣) وهو الإمام، الثقة، المحدث، أبو يزيد الأيلي، مولى معاوية بن أبي سفيان الأموي، وهو أخو أبي علي، وعم عنبسة بن خالد (ت:١٥٩هـ)، سير أعلام النبلاء للذهبي (ج١١/ص ١٢٦).\n(٤) أخرجه على الوجه الصحيح المرسل: الإمام أحمد في المسند، (ج١ / ص٨٣)، برقم (٦٢٨)، من طريق حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان حدثنا محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن علي ﵁.\n(٥) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٤ / ص٥٨)، سؤال رقم (٤٢٩).","vol":"1","page":134},{"text":"قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هي كالمثال السابق علة الإرسال، حيث أنَّ الحديث أسنده أبو نعيم وهو الفضل بن دكين (١) - وهو من الثقات الأثبات - عن الثوري فأخطأ، فرجح الدارقطني المرسل على المسند، وحجته في ذلك أنَّ محمد بن عمر وهو ابن علي بن أبي طالب لم يدرك جده (٢)، وقد عُلم ذلك بالتصريح وبالتاريخ (٣) ويضاف إلى ذلك مخالفة أبو نعيم ليحي بن سعيد القطان فرواه مرسلًا كذلك، وهو أثبت الناس في سفيان (٤)، فأصبح الحديثُ مُعَلًاّ بالإرسالِ.\nالمثال الثالث: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة - ﵁ -: «أُتِيَ النَّبي - ﷺ - بسارق قد سرق شملة فقالوا: يا رسُول الله إن هذا سرق، فقال: \" اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ ثُمَّ اتوُنِي بِهِ \" فَقَالَ لَهُ: \" تُبْ إِلى اللهِ ﷿ \"، قَالَ: تُبْتُ، قَالَ: \" تَابَ اللهُ عَلَيْكَ \"» (٥).\n_________\n(١) وهو أبو نعيم الفضل بن دكين التيمي الطلحي الحافظ الكبير، شيخ الإسلام، الفضل بن عمرو ابن حماد بن زهير بن درهم، التيمي، الطلحي، القرشي مولاهم، الكوفي (ت:٢١٩هـ)،من الثقات الأثبات وأخرج له الستة، وحدث عنه: البخاري كثيرا، وهو من كبار مشيخته، ويعد ممن أوصل البخاري لأتباع التابعين، بالسند العالي الثلاثي، سير أعلام النبلاء للذهبي (ج١٩/ ص١٢٢).\n(٢) وهو محمد بن عمر بن على بن أبى طالب القرشي الهاشمى، أبو عبد الله المدني (وأمه أم عبدالله أسماء بنت عقيل بن أبى طالب) (ت: ١٣٠هـ)، هو ثقة روى له أصحاب السنن، تهذيب التهذيب (ج٩ / ص٣٢١).\n(٣) المصدر السابق (ج٩ / ص ٣٢٢).\n(٤) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص٣٨١).\n(٥) أخرجه الحاكم في المستدرك على الوجه المعلول موصولًا (ج٤ / ص٤٢٢)، برقم (٨١٥٠)، من طريق عبدالعزيز بن محمد، أخبرني يزيد بن خصيفة، عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة ﵁ به، وقال صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي في التلخيص، قلتُ: لم يخرج مسلم ﵀ بهذه الترجمة شيء في صحيحه، بل قد أخرج لعبدالعزيز ابن محمد وهو الدراوردي، عن غير يزيد بن خصيفة في الصحيح، فلم يكن على النسق، فانتفى أن يكون على شرط مسلم، ويضاف إلى ذلك إعلال أهل العلم له بالإرسال.","vol":"1","page":135},{"text":"فقال - الدارقطني -: يرويه يزيد بن خصيفة، عن ابن ثوبان، عن أبي هريرة، واختلف عن الدراوردي فرواه: عبدالله بن عبدالوهاب الحجبي ويعقوب الدورقي، عن الدراوردي متصلًا، وخالفهما سريج بن يونس وسعيد بن منصور، فروياه عن الدراوردي مرسلًا، لم يذكرا فيه أبا هريرة.\n\nوكذلك رواه ابن عيينة والثوري، وابن جريج وإسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن خصيفة مرسلًا، ورواه سيف بن محمد، عن الثوري متصلًا، والمرسل أصح (١).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هي كالمثال السابق علة الإرسال، فهذا على الرغم من أنَّ الإسناد ظاهره الصحة، إلا أنَّ الدارقطني رجح أنَّه معلول بالإرسال، وحجته في ذلك أنَّ الذين رووه مرسلًا أوثق ممن رواه متصلًا.\nالجنس الثالث: أن يَكُون الحديث محفُوظًا عن صحابي، ويروى عن غيره، لاختلاف بلاد رُواته، كرواية المَدنيين عن الكُوفيين.\nوأصل سبب هذه العلة الخطأ في رواية قومٍ ضُعِّفُوا في رواية قومٍ ليسوا من أهل بلادهم أو لقرائن أو أسباب تقتضي ضعف رواياتهم، مثل رواية إسماعيل بن عياش (٢)، وهو شامي، فإذا روى عن المدنيين أخطأ، وروايته عن أهل بلده صحيحة، وذلك لأسباب وقرائن ذكرها النُّقاد، وقد يكون العكس مثل رواية أهل البصرة عن معمر بن راشد (٣) وهو بصري الأصل ضعيفة، فإنَّهُ كان يخطأ بالبصرة، ولكن رواية أهل اليمن عنه صحيحة، وعلى هذا قد يروون\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١٠ / ص٦٥ - ٦٦)، سؤال رقم (١٨٧١).\n(٢) إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي، أبو عتبة الحمصي (ت: ١٨١هـ)، أخرج له البخاري والأربعة، ثقة في الشاميين، ضعيف فيما عداهم، تهذيب التهذيب (ج١ / ص٢٨٠ - ٢٨٤).\n(٣) وهو معمر بن راشد الأزدي الحداني مولاهم، أبو عروة بن أبي عمرو البصري، سكن اليمن شهد جنازة الحسن البصري (ت:١٥٤هـ)، وأخرج له الستة، ثقة ثبت فاضل، إلا أنَّ في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، تهذيب التهذيب (ج١٠ / ص٢١٨ - ٢٢٠).","vol":"1","page":136},{"text":"حديثًا محفوظًا عن صحابي، فينسبونه لغيره، وقد أعل الإمام الدارقطني بهذه العلة جملة من الأحاديث، نذكر منها على سبيل المثال:\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث نافع، عن بن عمر، عن عمر - ﵃ - أنَّهُ: «خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَرَأَى حُلَّةٌ سِيَرَاءَ تُبَاعُ ...» (١).\nفقال - الدارقطني -: رواه القاسم بن يحيى المقدمي، وعلى بن مسهر، وابن نمير وسعيد بن بشير، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر. وغيرهم يرويه عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ عُمر خرج إلى السوق، فيصير من مسند ابن عمر، وكذلك رواه مالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وأصحاب نافع، عن ابن عمر أنَّ عُمر. وكذلك رواه سالم، وعبدالله بن دينار، عن ابن عمر أنَّ عُمر. وهو الصواب. وروى عن ابن سيرين واختلف عنه، فرواه هشام بن حسان وأيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عمر أنَّ عمر، واختلف عن أيوب فأرسله حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد أنَّ عُمر، لم يذكر ابن عمر. ورواه أبو جميع سالم بن راشد (٢)، عن ابن سيرين عن أبي هريرة أنَّ عمر ووهم في ذكر أبي هريرة، وحديث هشام وأيوب أصح\" (٣)\n_________\n(١) أخرجه على الوجه الصحيح البخاري: في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب اللباس، باب الحرير للنِّساء (ج١٠ / ص٣٣٦)، برقم (٥٨٤١)، من طريق موسى بن إسماعيل قال: حدثني جويرية عن نافع عن عبدالله: أنَّ عُمر ﵃ به، وغيره، وحلةٌ سِيَرَاء: نوع من البرود يخالطه حرير كالسُّيُور، قاله قال ابن منظور في اللسانِ نقلًا عن ابن الأثير \"، (ج٤/ص٣٨٩).\n(٢) وهو سالم بن دينار، ويقال: ابن راشد، التميمي، ويقال الهجيمي، أبو جميع القزاز البصري مولى الحارث بن سليم، (ت:؟) من الطبقة الوسطى من أتباع التابعين، وثقه ابن معين، ولينه أبو زرعة، وخلاصة القول فيه مقبول، كما في تهذيب التهذيب (ج٣ / ص ٣٧٦).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢ / ص١١ - ١٢)، سؤال رقم (٨٥).","vol":"1","page":137},{"text":"قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هنا هي: أنَّ الحديث محفوظ عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب ﵄، ثم أتى أبو جميع سالم بن راشد فرواه عن أبي هريرة وليس هو من مسند أبي هريرة، فكانت هذه الرواية معلولة، وقد رجَّح الدارقطني رواية هشام، وأيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عمر أنَّ عُمر به.\n\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث أنس بن مالك عن أبي طلحة - ﵁ -: «أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًَا فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَجْعَلُهَا خَلاَّ؟ قَالَ: لاَ» (١).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه الثوري وإسرائيل، عن السُّدي، عن أبي هُبَيرة، عن أنس، عن النَّبي ﷺ، وخالفهما قيس فرواه عن السُّدي، عن أبي هبيرة عن أنس، عن أبي طلحة جعله من مسند أبي طلحة، عن النَّبي ﷺ.\n\nوكذلك رواه ليث بن أبي سليم، عن أبي هبيرة يحيى بن عباد، عن أنس عن أبي طلحة والصحيح قول الثوري وإسرائيل (٢).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هنا هي أنَّ الحديث محفوظ عن أنس بن مالك ﵁، وخالفهما قيس وهو ابن ربيع (٣):\nفرواه عن السُّدي، عن أبي هبيرة عن أنس، عن أبي طلحة جعله من مسند أبي طلحة، فأخطأ، ولذا رجَّح الدارقطني من رواه من مسند أنس وهو الصحيح.\n_________\n(١) أخرجه على الوجه الصحيح أبو داود: في السنن، كتاب الأشربة، باب ما جاب في الخمر تُخَلَّل، (ج٢ / ص٣٥١)، برقم (٣٦٧٥).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٦ / ص١٢ - ١٣)، سؤال رقم (٩٤٦).\n(٣) قيس بن الربيع الأسدي أبو محمد الكوفي من ولد قيس بن الحارث ويقال الحارث بن قيس الأسدي من الطبقة السابعة، من كبار أتباع التابعين (ت: ١٦٥ أو١٦٦هـ)، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجه، خلاصة القول فيه: أنه صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به، تهذيب التهذيب (ج٨ / ص٣٥٠ - ٣٥٣).","vol":"1","page":138},{"text":"الجنس الرَّابع: أن يَكُون محفُوظًا عن صحابي، فيُروى عن تابعي، يقع الوهم بالتصريح بما يقتضي صحبتهُ.\n\nوقد أعل الإمام الدارقطني بهذه العلة قليلًا من الأحاديث، نذكر منها على سبيل المثال:\n\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث جابر بن عبدالله عن أبي قتادة - ﵃ -: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - يَبُولُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ» (١).\n\nفقال - الدارقطني -: كذلك رواه ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي قتادة وليس بمحفوظ. والحديث مشهور عن جابر بن عبد الله، عن النبي - ﷺ - يرويه محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد عن جابر - ﵃ -: «نَهَى رسُول اللهِ - ﷺ - أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلَهَا» \" (٢).\n\nقلتُ: وواضحٌ من كلام الدارقطني أن الحديث لم يثبت عن أبي قتادة، وإنِّما هو محفوظ من حديث جابر بن عبدالله، وأعله الترمذي كذلك بنفس العلة كما ذكرنا.\nالمثال الثاني:: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة عن النَّبي ﷺ في حديث طويل فيه فضل من اقتصر على أداء الفرائض دون النوافل.\nفقال - الدارقطني -: هو حديث اختلف فيه على الزهري، فرواه إبراهيم بن سعد عن الزهري، عن أبي الطفيل. وخالفه إبراهيم بن زياد القرشي من أهل الجزيرة، فرواه: عن الزهري، عن أنس بن مالك. وخالفهما معمر وغيره، فرووه: عن الزهري مرسلًا وهو\n_________\n(١) أخرجه على الوجه المعلول الترمذي: في السنن، كتاب الطهارة، باب ما جاء من الرخصة في ذلك، (ج١ / ص١٥)، برقم (١٠). فقال الترمذي: \" وقد روى هذا الحديث ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي قتادة، أنه رأى النبي صلى اللهم عليه وسلم يبول مستقبل القبلة حدثنا بذلك قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، وحديث جابر عن النَّبي ﷺ أصح من حديث ابن لهيعة وابن لهيعة ضعيف عند أهل الحديث ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره من قبل حفظه \".\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٦ / ص١٦٦)، سؤال رقم (١٠٤٧).","vol":"1","page":139},{"text":"المحفوظ. قال - الدارقطني -: أبي الطفيل (١) رأي النَّبي ﷺ وصحبه، فأما السَّماع فالله أعلم \" (٢).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هنا هي عدم ثبوت سماع أبو الطفيل عامر بن واثلة هذا الحديث من النَّبي ﷺ رغم أنه رآه، والحجة في ذلك أنَّ أبا الطفيل ليس له تحديث عن النَّبي ﷺ من غير واسطة إلا أحاديث تعد، وبعد سبر أحاديثه في دواوين السنة المشهورة، لم أجد منها إلا ستة أحاديث صحيحة ولا تزيد على ذلك، والله أعلم.\nوأما الحديث الذي ذكره الإمام الدارقطني فقد أخرجه الإمام أحمد في المسند فقال: \"حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ مُظَفَّرُ بْنُ مُدْرِكٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ: «أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَرَدُّوا عَلَيْهِ السَّلاَمَ فَلَمَّا جَاوَزَهُمْ، قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْغِضُ هَذَا فِي اللَّهِ، فَقَالَ: أَهْلُ الْمَجْلِسِ بِئْسَ وَاللَّهِ مَا قُلْتَ أَمَا وَاللَّهِ لَنُنَبِّئَنَّهُ، قُمْ يَا فُلانُ رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَخْبِرْهُ، قَالَ: فَأَدْرَكَهُ رَسُولُهُمْ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَرَرْتُ بِمَجْلِسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ فُلانٌ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ فَرَدُّوا السَّلاَمَ فَلَمَّا جَاوَزْتُهُمْ، أَدْرَكَنِي رَجُلٌ مِنْهُمْ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فُلانًا قَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْغِضُ هَذَا الرَّجُلَ فِي اللَّهِ فَادْعُهُ فَسَلْهُ عَلَى مَا يُبْغِضُنِي، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: فَسَأَلَهُ عَمَّا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ فَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ وَقَالَ: قَدْ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلِمَ تُبْغِضُهُ؟، قَالَ: أَنَا جَارُهُ وَأَنَا بِهِ خَابِرٌ وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ يُصَلِّي صَلاَةً قَطُّ إِلاَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ الَّتِي يُصَلِّيهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، قَالَ: الرَّجُلُ سَلْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ رَآنِي قَطُّ أَخَّرْتُهَا عَنْ وَقْتِهَا؟، أَوْ أَسَاتُ الْوُضُوءَ لَهَا؟، أَوْ أَسَاتُ الرُّكُوعَ\nوَالسُّجُودَ فِيهَا؟، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لاَ ...» \" الحديث بطوله (٣).\n_________\n(١) هو عَامِرُ بنُ وَاثِلَةَ اللَّيْثِيُّ الكِنَانِيُّ خَاتَمُ مَنْ رَأَى رَسُوْلَ اللهِ ﷺ فِي الدُّنْيَا، أخرج له الستة، (ت: ١١٠هـ)، رأى النَّبي ﷺ، وهو في حجة الوداع وهو يستلم الركن بمحجنه، ثم يقبل المحجن، روي عن أبي الطفيل، قال: أدركت من حياة رسول الله ﷺ ثمان سنين، سير أعلاء النبلاء (ج٥ / ص ٤٦٦ - ٤٦٧).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٧ / ص٤١ - ٤٢)، سؤال رقم (١١٩٧).\n(٣) الإمام أحمد: المسند، (ج٥ / ص٥٠٦)، برقم (٢٣٨٥٤).","vol":"1","page":140},{"text":"وقد أشار الدارقطني أنَّه معلول بعلة عدم سماع أبي الطفيل من النَّبي ﷺ هذا الحديث، ولم يتفرد الدارقطني بهذا الحكم، بل سبقه إليه عبدالله بن الإمام أحمد فقال: \" بلغني أنَّ إبراهيم بن سعد حدث بهذا الحديث من حفظه وقال: عن أبي الطفيل حدث به ابنه يعقوب عن أبيه، فلم يذكر أبا الطفيل فأحسبه وهم، والصحيح رواية يعقوب، والله أعلم \" (١).\n\nالجنس الخامس: أن يكُون رُوِي بالعنعنة، وسقط منه رجل دلَّ عليه طريق أخرى محفوظة.\nوقد أعل الإمام الدارقطني بهذه العلة جملة من الأحاديث، نذكر منها على سبيل المثال:\n\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني -: عن حديث ابن عباس عن عمر - ﵃ -، عن النَّبي - ﷺ - «فِي التَّغْليِظِ فِي الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيْتِ» (٢).\nفقال - الدارقطني -: هو حديث رواه عمرو بن دينار واختلف عنه، فرواه محمد بن مسلم الطائفي وورقاء بن عمر، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، عن عمر قصرًا بإسنادهِ؛ لأنَّ عمرو بن دينار لم يسمعه من ابن عباس، وإِنَّما سمعه من ابن أبي مليكة عنه، كذلك رواه سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، عن عمر، وكذلك رواه أيوب السختياني، وعبد الملك بن جريج، ونافع بن عمر أبو عامر الخزاز، ورباح بن أبي معروف، وعبد الجبار بن الورد، عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس، عن عمر، وهو حديث صحيح من رواية عمرو بن دينار، وأيوب وابن جريج، ونافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة.\n_________\n(١) المصدر السابق، (ج٥ / ص٥٠٦).\n(٢) أخرجاه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الجنائز، باب قول النَّبي - ﷺ - يُعذب الميت ببعض بكاء أهله، (ج٣ / ص١٨٢)، برقم (١٢٨٦)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، (ج٣/ ص٥٠١)، برقم (٩٢٨) كلاهما من طريق ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، عن عمر ﵃.","vol":"1","page":141},{"text":"حدثنا أبو بكر يعقوب بن إبراهيم البزاز حدثنا الحسن بن عرفة، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبدالله بن أبي مليكة، قال: كنَّا في جنازة أم أبان بنت عثمان فبكى النساء، فقال: ابن عمر لا تبكين فإنَّ بكاء الحي على الميت عذاب للميت فقال: ابن عباس سرنا مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فلمَّا كنَّا بالبيداء إذا نحن نزول، فقال: عمر أذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ قال جئت فإذا صهيب مولى ابن جدعان، فقال: مُرْهُ فليلحق بنا، فلمَّا قدمنا المدينة طُعِنَ عمر، فقال: صهيب وأخاه واصاحباه! فقال: عمر مه يا صهيب! إنَّ بكاء الحي على الميت عذاب عليه، فأتيت عائشة فذكرت ذلك لها، فَقَالتْ: رحم الله عمر إنَّما قالَ رسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ الْكَافِرَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ لَقَدْ قَضَى اللهُ ﷿ أن لاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» \" (١)\nقلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني واضحة في عدم ثبوت سماع عمرو بن دينار هذا الحديث من ابن عباس، بل ثبت العكس من وجه صحيح، أنَّه سمعه بواسطة ابن أبي مليكة، فصار معلولًا بهذا الجنس الذي ذكره أبو عبدالله الحاكم، وحجة الدارقطني في ذلك، الرواية التي أوردها عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة به.\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث عبدالرحمن بن يعقوب، عن أبي سعيد - ﵁ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّ لِبُيُوتِكُمْ عُمَّارًا فَحَرِّجُوا عَلَيْهِنَّ ثَلاَثًا فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَاقْتُلُوهُنَّ» (٢).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٢/ص٧٧ - ٧٨)، رقم السؤال (١٢٢).\n(٢) أخرجه على الوجه المعلول الترمذي: في السنن، كتاب الصيد، باب ما جاء في قتل الحيَّات، (ج٤ / ص٧٧)، برقم (١٤٨٤). ثم قال الإمام الترمذي: \" هكذا روى عبيد الله بن عمر هذا الحديث عن صيفي، عن أبي سعيد الخدري وروى مالك بن أنس هذا، عن صيفي، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ وفي الحديث قصة، حدثنا بذلك الأنصاري، حدثنا معن، حدثنا مالك وهذا أصح عن حديث عبيد الله بن عمر. وروى محمد ابن عجلان، عن صيفي نحو رواية مالك \"، فأيد بذلك حكم الدارقطني على الحديث.","vol":"1","page":142},{"text":"فقال - الدارقطني -: حدث به عبيد الله بن عمر، واختلف عنه، فرواه: عبدة بن سليمان، عن عبيدالله بن عمر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي سعيد، حدث به الحسن بن سهل الحناط، عن عبدة هكذا.\nوخالفه عبدالله بن نمير، فرواه: عن عبيدالله بن عمر، عن صيفي (١)، عن أبي سعيد الخدري، وصيفي لم يسمعه من أبي سعيد.\nورواه ابن عيينة عن ابن عجلان فقال: عن صيفي مولى أبي السائب، عن أبي سعيد، وهو وهم، والصواب ما رواه يحيى بن سعيد القطان، والليث بن سعد، عن ابن عجلان عن صيفي، عن أبي السائب، عن أبي سعيد، وكذلك رواه مالك بن أنس، عن صيفي عن أبي السائب، عن أبي سعيد، وهو الصواب \" (٢).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هو الوهم والخطأ الذي وقع فيه عبيدالله بن عمر والحمل فيه عليه كما نبه غير واحد، أنَّه قال: \" عن صيفي، عن أبي سعيد \"، والصحيح أنَّه رواه بواسطة أبي السائب، عن أبي سعيد، وحجة الدارقطني الرواية التي أوردها عن مالك بن أنس، عن صيفي، عن أبي السائب، عن أبي سعيد، وهي أصح من رواية عبيدالله بن عمر.\nالمثال الثالث: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث كميل بن زياد عن أبي هريرة - ﵁ - قَالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَلَكَ الْمُكْثِرُونَ إِلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ حَثَا بِكَفِّهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ثُمَّ مَشَى سَاعَةً فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ ...»، فذكر الحديث، وفيه\n_________\n(١) وهو صيفى بن زياد الأنصارى مولاهم، أبو زياد، ويقال أبو سعيد المدنى (ت:؟)، ثقة من الطبقة الرابعة، التي تلى الوسطى من التابعين، أخرج له (مسلم - أبو داود - الترمذي - النسائي) كما في تهذيب التهذيب (ج٤ / ص٣٨٧).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١١/ ص٢٧٧ - ٢٧٩)، رقم السؤال (٢٢٨٣).","vol":"1","page":143},{"text":"أَتَدْرِي مَا حَقُ اللهِ عَلَى العَبْدِ ... \"الحديث (١)\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه أبو إسحاق السبيعي واختلف عنه فرواه إسرائيل، وأبو الأحوص، وعمار بن رزيق، وأبو بكر بن عياش، وأبو أيوب الأفريقي، عن أبي إسحاق، عن كميل، عن أبي هريرة والأول أصح. وروى هذا الحديث عبدالرحمن بن عابس سمعه من كميل بن زياد (٢)، عن أبي هريرة ويشبه أن يكون أبو إسحاق لم يسمعه من كميل، وإنَّما أخذه عن عبدالرحمن بن عابس عنه \" (٣).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني وهي عدم ثبوت سماع أبي إسحاق وهو السبيعي هذا الحديث من كميل بن زياد مباشرةً، بل أخذه عن عبدالرحمن بن عابس عنه وحجة الدارقطني أنَّ الحديث ثبت من طريق أخرى محفوظة عن عبدالرحمن بن عابس عن كميل بن زياد، وبهذا أعلَّ الحديث.\nوقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة عدة أحاديث أخرى، فمن أراد الرجوع إليها فليرجع من باب الفائدة (٤).\n\nالجنس السَّادس: أن يختلف على رجل بالإسْنَاد وغيره، ويكُون المحفوظ عنه ما قابل الإسناد.\nكذا قال أبو عبدالله الحاكم، وهذا كلامٌ غامضٌ إلا أنَّ المثال الذي ضربه أوضح ما قصده في هذه العلة: أنَّ الحديث قد يُروى مرةً بإسنادٍ يُوهِم الاتصال، والصحيح المحفوظ أنَّهُ\n_________\n(١) أخرجه على الوجه المعلول الإمام أحمد: في المسند، (ج٢ / ص٤٣٥)، برقم (٨٠٧١)، من طريق أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به.\n(٢) وهو كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ بن نهيك بن الهيثم بن سعد بن مالك بن الحارث بن صهبان بن سعد بن مالك بن النخع، (ت: ٨٢هـ)، ثقة أخرج له النَّسائي، تهذيب التهذيب (ج٨ / ص٤٠٢).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٨/ص٢٨٢ - ٢٨٣)، برقم السؤال (١٥٦٩).\n(٤) أبو الحسن الدارقطني: في العلل، أرقام السؤالات:﴾ (١٥٥)، (٢٧٩)، (٣٤٧)، (٤٠٤) (٤٠٧)، (٤٥٦)، (٦٦٢)، (٧٦٦)، (٩٥٨)، (١٠١٢)، (١١٠٥)، (١١١٥)، (١٣٧٣)، (١٩٩٦) ﴿.","vol":"1","page":144},{"text":"منقطعٌ أو معضلٌ أو مرسلٌ، وهو معنى قوله: \" ويكُونُ المحفوظ عنه ما قابل الإسناد \" أي أنَّ الصحيح المحفوظ عند الثقات غير المسند.\n\nوقد أعل الإمام الدارقطني بهذه العلة بعض الأحاديث، نذكر منها على سبيل المثال:\n\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي بكر بن حزم، عن أبي سعيد - ﵁ -: «سَأَلُوا رسُول اللهِ - ﷺ - فَقَالُوا: إنَّا لَنَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا شَيْئًَا لأَنْ يَهْوي أَحَدَنَا مِنَ الرُّبَا أَحَبُ إِلَيهِ أَنْ يَتَكَلَّم بِهِ، فَقَالَ: رسُول اللهِ ﷺ: وَذَلِكَ مَحْضُ الإِيمَانِ» (١).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه الزهري، واختلف عنه، فرواه إبراهيم بن سعد عن الزهري، عن يحيى بن عمارة المازني أنَّه بلغه عن النبي ﷺ، ورواه عنه جماعة من أصحابه.\nورواه أبو داود الطيالسي، عن إبراهيم بن سعد، فزاد فيه رجلا وجعله مسندًا، فقال عن الزهري، عن يحيى بن عمارة بن أبي حسن، عن عمه، عن النَّبي ﷺ وعمه عمرو بن أبي حسن وله صحبة ... \" (٢).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ الحديث اختلف فيه عن الزهري، فرواه عنه إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن يحيى بن عمارة المازني أنَّه بلغه عن النَّبي ﷺ، أي أنَّه غير متصل، وتابعه على هذا الوجه جماعة من أصحاب الزهري، ثم رواه أبو داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد فزاد فيه رجلًا وجعله مسندًا، والمحفوظ خلاف ذلك، وهذا ما رجَّحه الدارقطني لهذا السبب.\n_________\n(١) أخرجه من وجه آخر مجمل مسلم: في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)،كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان، (ج١/ص٤٣٠)، برقم (١٣٣)، من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١١/ ص٣٥٢ - ٣٥٣)، برقم السؤال (٢٣٣٥).","vol":"1","page":145},{"text":"المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث زيد بن أسلم عن أبيه، عن عمر - ﵁ - «أَنَّ النَّبِي - ﷺ - كَنَّى الْمُغِيرَةَ أَبَا عِيسَى» (١).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه خالد بن الحارث عن حبيب بن الشهيد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر مسندًا، وخالفه حماد بن سلمة وغيره فرووه عن زيد بن أسلم مرسلًا عن عمر والأشبه قول من أرسله (٢).\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ الحديث اختلف فيه عن زيد بن أسلم فرواه حبيب بن الشهيد مسندًا، وخالفه حماد بن سلمة فرواه مرسلًا، وتابعه جماعة على المرسل، فرجَّح الدارقطني أنَّ المحفوظ هو المرسل (أي غير المسند).\nالمثال الثالث: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث عبيدة عن علي - ﵁ - قال: كنت عند النَّبيِّ - ﷺ - إذ جيء بهذا الغلام يعني ابن الزبير إلى أبيه وهو عند النَّبيِّ - ﷺ - وفيه: عن النَّبيِّ صَلَّى - ﷺ -: «مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ المِسْلِمِينَ يَمُوتُ بَيْنَهُمَا ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ ...» الحديث (٣).\n_________\n(١) أخرجه على الوجه المعلول ابن أبي عاصم: عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، (ت: ٢٨٧هـ)، في الآحاد والمثاني، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، تحقيق: يحيى مراد، سنة ٢٠٠٣م (ج٢ / ص٣٣٨)، برقم (٦٩٨)، من طريق حبيب بن الشهيد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: دعا عمر ﵁، نحوه.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٢/ص١٤٤)، برقم السؤال (١٦٩).\n(٣) أخرجاه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الجنائز، باب فضل من مات له ولد فاحتسب، (ج٣ / ص١٣٨)، برقم (١٢٤٨)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه، (ج٨ / ص٤٣٠)، برقم (٢٦٣٥)، بألفاظ مختلفة، ليس فيها قصة ابن الزبير.","vol":"1","page":146},{"text":"فقال - الدارقطني -: رواه هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي تفرد به إسحاق بن الضيف (١)، عن أبي عاصم، عن هشام متصلًا مسندًا، وأرسله غيره عن هشام، ورواه يونس بن عبيد من رواية عبدالحكيم بن منصور عنه، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن ابن الزبير، عن النَّبي - ﷺ -، والمرسل هو الصحيح \" (٢).\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ الحديث اختلف فيه عن هشام بن حسان، أسنده إسحاق بن الضيف فأخطأ، والصحيح أنّهُ مرسل.\n\nوالفرق بين هذا الجنس وبين الجنس الثاني هو أنَّه أخص منهُ، فإنَّك ترى الجنس الثاني خاص بالمرسل الصحيح، والجنس السادس أعم، فيخص كل انقطاع في الإسناد، سواء كان بالإعضال أو مجرد انقطاع أو إرسال أو بلاغ أو غير ذلك.\n\nالجنس السَّابع: الاختلاف على رجل في تسمية شيخه، أو تجهيله.\nوهذا النوع عبارة عن قسمين:\n\nالقسم الأول: الاختلاف على رجل في تسمية شيخه: وهذه العلة تنشأ عن خطأ الراوي في تسمية شيخه، وهي كثيرة في كتب العلل، ولا سيما في كتاب العلل للدارقطني، والأمثلة الآتية نصوص من الإجابات سوف توضح نوع هذا القسم:\n\nالمثال الأول: قال الإمام الدارقطني: \" قال ابن بكير: ابن أبي أويس، قال أبو بكر: أخطأ أبو صالح في قوله: ابن أبي أنس، وإنَّما هو ابن أبي أويس، واسمه نافع، عم مالك ابن أنس \" (٣).\n_________\n(١) وهو إسحاق بن الضيف، ويقال إسحاق بن إبراهيم بن الضيف الباهلي، أبو يعقوب العسكري، البصري (نزيل مصر) (ت:؟)، صدوق من الطبقة: الحادية عشر، من أوساط الآخذين عن تبع الأتباع روى له: أبو داود، تهذيب التهذيب (ج١/ص ٢٠٨).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٤ /ص٣٤ - ٣٥)، برقم السؤال (٤٢٠).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١٠ /ص٧٩)، برقم السؤال (٣٥٢).","vol":"1","page":147},{"text":"المثال الثاني: قال الإمام الدارقطني: \" وقال معمر: عن الزهري، عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري، وقال ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ.\nوقيل لسفيان: إنَّ معمرًا يقوله عن عطاء بن يزيد، فقال: أخطأ معمر، قال: ذلك الحميدي عن ابن عيينة.\nورواه عباس البحراني، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد، وهذا خطأ من عباس \" (١).\nالمثال الثالث: قال الإمام الدارقطني: \" واختلف عن هشام فقيل عنه، عن أبي معاوية عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن مسروق، عن أبي بكر، وذكر الشعبي وهم، وإنمَّا هو أبو إسحاق السبيعي، وأما رواية أبي أسامة، عن زكريا ورواية أشعث بن عبدالله عن زكريا فإنهما اتفقا على زكريا، عن أبي إسحاق، عن مسروق بن الأجدع، عن أبي بكر قال ذلك إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن أبي أسامة، عن زكريا \" (٢).\n\nالمثال الرابع: قال الإمام الدارقطني: \" وخالفه سفيان بن عيينة فرواه عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع، عن جبير بن الحويرث، عن أبي بكر. وقول ابن عيينة أصح على أنَّه قد وهم في قوله سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع، وإنما هو عبدالرحمن بن سعيد بن يربوع (٣) \" (٤).\n_________\n(١) المصدر السابق، (ج١١ /ص٢٨٤ - ٢٨٥)، برقم السؤال (٢٢٨٦).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١ /ص١٩٨)، برقم السؤال (١٧).\n(٣) وهو عبدالرحمن بن سعيد بن يربوع بن عنكثة القرشي المخزومي، أبو محمد المدني (أبوه من مسلمة الفتح)، (ت:؟)، ثقة من الطبقة الثالثة، من الوسطى من التابعين، أخرج له أبو داود، تهذيب التهذيب (ج١٢/ ص٢٧٠).\n(٤) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١ /ص٢٧٣)، برقم السؤال (٦٤).","vol":"1","page":148},{"text":"المثال الخامس: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث ابن عباس عن عمر في المتظاهرين، فقال - الدارقطني -: حدَّث به مرزوق بن أبي الهذيل، عن الزهري فقال: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر، ووهم في نسبه، وإنما هو عبيدالله بن عبدالله بن أبي ثور، كذلك رواه الحفاظ عن الزهري ولهذا الحديث طرق كثيرة عن ابن عباس، عن عمر صحاح \" (١).\nقلتُ: وهذا القسم عِلَّته واضحة، وقد وقع في هذه الأخطاء أجِلَّةٌ كبارٌ من الحفاظ والأئمة، ولا ضير فإنَّ جميع البشر بحكم بشريتهم يقع منهم الوهم والخطأ والنسيان، ولكن متى نُضَعِّفُ الضعيف، ونُثْبِت ثقة الثقة؟، لا يكون ذلك إلا بالقرائن والأدلة، ومدى كثرة وقلة المخالفة أو الخطأ أو الوهم أو التفرد عند الراوي، وهذا هو المعيار الذي يدل على ضعف الراوي وعدم حفظه من ثباته وحفظه.\n\nالقسم الثاني: الاختلاف على رجل في تجهيله:\nالاختلاف على رجل في تجهيله: وهذه العلة تنشأ عن رواية الحديث من طريق ثابت وفيه رجل مبهم لم يُسَمَّ، ثم يُروى من طريق أخرى فيسمَّى الرجل، وقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة جملة من الأحاديث نذكر بعضها:\n\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث حذيفة بن اليمان، عن أبي بكر - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ - قال: «الشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ ...» الحديث (٢).\nفقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه ليث بن أبي سليم، واختلف عنه فيه، فرواه ابن جريح، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي محمد شيخ له، عن حذيفة بن اليمان، عن أبي بكر\n_________\n(١) المصدر السابق، (ج٢ /ص٨٣)، برقم السؤال (١٢٦).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد: في المسند، (ج٤ / ص٤٠٣)، برقم (١٩٦٢٢)، من طريق عبدالله بن نمير، ثنا عبدالملك يعنى ابن أبي سليمان العزرمي، عن أبي علي رجل من بنى كاهل، قال خطبنا أبو موسى الأشعري، وهو حديث ضعيف، فيه أبو علي الكاهلي مجهول.","vol":"1","page":149},{"text":"الصديق، خالفه عبد العزيز بن مسلم القسملي، فرواه عن ليث بن أبي سليم، عن أبي محمد، عن معقل بن يسار، عن أبي بكر. وقال عبدالرحمن بن سليمان بن أبي الجون، عن ليث بن أبي سليم، عن عثمان بن رفيع، عن معقل بن يسار، عن أبي بكر. وقال أبو إسحاق الفزاري وأبو جعفر الرازي، عن ليث، عن رجل غير مسمَّى، عن معقل، عن أبي بكر. وقال جرير بن عبدالحميد، عن ليث، عن من حدثه، عن معقل ابن يسار عن أبي بكر. وقيل عنه عن ليث، عن شيخ من غنزة، عن معقل، عن أبي بكر. وقال عبدالوارث بن سعيد، عن ليث، قال: حدثني صاحب لي عن معقل، عن أبي بكر وروى هذا الحديث شيبان بن فروخ، عن يحيى بن كثير أبي النضر، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن أبي بكر الصديق - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ - ولا يصح عن إسماعيل ولا عن الثوري، ويحيى بن كثير هذا متروك الحديث \" (١).\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث قبيصة بن ذؤيب، عن أبي بكر الصديق - ﵁ - قوله للجدة: «مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ، وَسَأَسْألُ النَّاسَ فَقَامَ الْمُغِيرَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ...» الحديث (٢).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه في إسناده: فقال مالك بن أنس عن الزهري، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة (٣)، عن قبيصة بن ذؤيب وتابعه أبو أويس عن\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١ /ص٢٧٣)، برقم السؤال (١٥).\n(٢) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب الفرائض، باب ماجاء من ميراث الجدة، (ج٤ / ص٤٢٠)، برقم (٢١٠١)، وأبو داود: في السنن، كتاب الفرائض، باب في الجدة، (ج٢ / ص١٣٦)، برقم (٢٨٩٤)، وابن ماجة: في السنن، كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة، (ج٢ / ص٩٠٩)، برقم (٢٧٢٤)، ثلاثتهم من طريق مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، عن قبيصة بن ذؤيب به، وهو ضعيف معلول بهذه العلة.\n(٣) وهو عثمان بن إسحاق بن خرشة القرشي العامري المدني، وقيل عثمان بن إسحاق بن عبدالله ابن أبى خرشة، (ت:؟)، وثقه ابن معين وابن حبان، من الطبقة الخامسة من صغار التابعين، أخرج له الأربعة في السنن هذا الحديث فقط، تهذيب التهذيب (ج٧ /ص٩٧).","vol":"1","page":150},{"text":"الزهري، وقال ابن عيينة عن الزهري عن رجل لم يسمِّه، عن قبيصة بن ذؤيب، فقوي هذا القول مالك وأبو أويس، ورواه يونس بن زيد وعقيل بن خالد، ومعمر والأوزاعي وأسامة بن زيد الأشعث، وإبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وشعيب بن أبي حمزة، وصالح بن كيسان، ويزيد بن أبي حبيب، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، لم يذكروا بينهما أحدًا، ويشبه أن يكون الصواب ما قاله مالك وأبو أويس، وأنَّ الزهري لم يسمعه من قبيصة وإنَّما أخذه عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عنه \" (١).\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هنا هي: اضطراب ابن شهاب الزهري في الحديث، فإنّه مرةً يسمي عثمان بن إسحاق بن خرشة، ومرة يرويه عن رجل، ومرة يرويه عن قبيصة بن ذؤيب، ثم رجح الدارقطني رواية مالك وأبي أويس، وأنَّ الزهري لم يسمعه من قبيصة وإنَّما أخذه عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عنه، والله أعلم.\nالمثال الثالث: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث رُوِيَ عن ابن عثمان، عن عثمان - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ - أنَّه قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ يُرِيدُ سَفَرًا أَوْ غَيْرَهُ، فَقَالَ حِينَ يَخْرُجُ بِسْمِ اللَّهِ آمَنْتُ بِاللَّهِ اعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِلاَّ رُزِقَ خَيْرَ ذَلِكَ الْمَخْرَجِ وَصُرِفَ عَنْهُ شَرَّ ذَلِكَ الْمَخْرَجِ» (٢).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه أبو جعفر الرازي، عن عبدالعزيز بن عمر، عن صالح بن كيسان، عن بن عثمان، عن عثمان، قاله بقية، عن أبي جعفر، وخالفه أبو النضر هاشم ابن القاسم، فرواه عن أبي جعفر، عن عبدالعزيز بن عمر، عن صالح بن كيسان عن رجل، عن عثمان، وتابعه على ذلك خلف بن الوليد، عن أبي جعفر الرازي، ويشبه أن يكون هذا أصح \" (٣).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١ /ص٢٤٩)، برقم السؤال (٤٦).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد: في المسند، (ج١ / ص٦٥)، برقم (٤٧١)، من طريق أبو جعفر الرازي عن عبدالعزيز بن عمر، عن صالح بن كيسان، عن رجل، عن عثمان بن عفان به، وهو ضعيف معلول\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٣/ص٦٥ - ٦٦)، برقم السؤال (٢٨٨).","vol":"1","page":151},{"text":"قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هنا أنَّ الحديث رُوِيَ من طريق عن صالح ابن كيسان، عن ابن عثمان، عن عثمان بن عفان، ثم ثبت من طريق أخرى عن صالح ابن كيسان، عن رجل، عن عثمان، وتابعه على ذلك خلف بن الوليد، عن أبي جعفر الرازي، ثم رجح الدارقطني الطريق الثاني، وقد أعلَّ الدارقطني بهذه العلة أحاديث أخرى كثيرة، أحببت أن أشير إلى أرقام سؤالاتها لزيادة النفع بها (١).\nالجنس الثَّامن: أن يكُون الرَّاوي عن شخص أدركهُ وسَمعَ منهُ، لكنَّه لم يسمع منهُ أحاديث مُعينة، فإذا رواها عنه بلا واسطة فعِلَّتها أنَّه لم يسمعها منه.\n\nوهذه العلة تدخل في معنى التدليس إلا أنها أدق منه، وقد سمّاها الحافظ ابن حجر بالمرسل الخفي، وهي رواية معاصر لم يلق، أو أنها نوع خفي من أنواع التدليس، ولقد حصر الدارقطني جملة من أحاديث قوم لم يسمعوها من شيوخهم، ولقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة أحاديث قليلة، وسوف نضرب هنا بعض الأمثلة منها:\nالمثال الأول: قال الإمام الدارقطني: \" وحدثنا النيسابوري، ثنا أبو الأزهر، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، وثنا أحمد بن عيسى بن السكين، ثنا عبدالله بن سعد قال: ثنا عمر، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق (٢)، قال: ذكر محمد بن مسلم بن شهاب، قال: حدثني ابن\n_________\n(١) المصدر السابق، أرقام السؤالات﴾ (٢٤٧)، (٢٤٨)، (٢٥١)، (٢٧٥)، (٢٩٥)، (٣١٣) (٣٢١)، (٣٤٧)، (٣٥٧)، (٣٨٦)، (٣٩٤)، (٤٠١)، (٤٢٥)، (٤٣٠)، (٤٤٢) (٥١٦)، (٥٢١)، (٥٢٢)، (٥٨١)، (٥٩١)، (٦٦١)، (٦٦٢)، (٧١٧)، (٧٢٦)، (٧٥٨)، (٨٠٢)، (٨١٣)، (٨٧٦)، (٨٨١)، (٨٩٧)، (٩٣٠)، (٩٤٨)، (٩٥٨)، (١٠٠٢)، (١٠٠٤)، (١٠١٤)، (١٠٢٤)، (١٠٢٧)، (١٠٣٣)، (١٠٨٠)، (١٠٨١)، (١٠٩٨)، (١١٠٠)، (١١٠٣)، (١١١٣)، (١١١٧)، (١١٢٤)، (١١٦٠)، (١٢٠٥) ﴿.\n(٢) هو محمد بن إسحاق بن يسار المدني، أبو بكر ويقال أبو عبدالله، القرشي المطلبي مولاهم (نزيل العراق، إمام المغازي)، (ت: ١٥٠هـ)، صدوق يُدلس من الطبقة الخامسة، من صغار التابعين، أخرج له الستة، ما عدا البخاري فقد أخرج له تعليقًا، تهذيب التهذيب (ج٩/ص٣٤)","vol":"1","page":152},{"text":"أبي أنس، أنَّه سمع أبا هريرة - ﵁ - يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» (١).\n\nوفي حديث حجاج عن ابن أبي أنس، قال النيسابوري: أصحاب الحديث يقولون: ابن إسحاق لم يسمع هذا الحديث من الزهري \" (٢).\nقلتُ: ومحمد بن إسحاق وهو ابن يسار صاحب السير، سمع من شيخه الزهري أحاديث كثيرة، ولكن لم يسمع هذا الحديث من الزهري، وحجة الدارقطني في ذلك النقل عن أصحاب الحديث كما تقدم، وكون أنَّ ابن إسحاق مدلس، ولم يصرح بالسماع من ابن شهاب الزهري، والله أعلم.\nالمثال الثاني: قال الإمام الدارقطني: \" أخبرنا علي بن الفضل، أخبرنا أبو يحيى البلخي عبدالصمد بن الفضل، أن شداد بن حكيم حدثهم عن زفر بن الهذيل، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي، عن أبيهما محمد بن علي عن علي - ﵁ -، قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ» (٣). قال الشيخ - الدارقطني -: كذا قال\n_________\n(١) أخرجه البخاري من وجه آخر صحيح: في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده (ج٦/ ص٣٧٨)، برقم (٣٢٧٧)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الصيام، باب فضل شهر رمضان، (ج٤ / ص٢٠٠)، برقم (١٠٧٩)، من طريق عُقَيْل بن خالد الأيلي عند البخاري، ويُونُس بن يزيد الأيلي عند مسلم، كلاهما عن ابن شهاب عن ابن أبي أنس أن أباه حدثه أنه سمع أبا هريرة ﵃ به.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١٠/ ص٨٢)، برقم السؤال (١٨٨١).\n(٣) أخرجاه من وجه آخر صحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، (ج٩ / ص٧٤٦)، برقم (٥٥٢٣)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب النكاح، باب نكاح المتعة، (ج٥ / ص١٩٨)، برقم (١٤٠٧)، من طريق يَحْيَى ابْنُ قَزَعَةَ عند البخاري، ويَحْيَى بْنُ يَحْيَى التميمي الحنظلي عند مسلم، كلاهما عن ابن شهاب، عن عبدالله والحسن ابني محمد بن علي، عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب به.","vol":"1","page":153},{"text":"عن يحيى بن سعيد عن الزهري، ويحيى لم يسمع هذا من الزهري، إنَّما سمعه من مالك بن أنس، عن الزهري، قال ذلك عبدالوهاب الثقفي، وإسماعيل بن عياش، وحماد بن زيد \" (١).\n\nقلتُ: ويحيى بن سعيد وهو ابن قيس الأنصاري (٢)، سمع من شيخه الزهري، إلا أنَّه لم يسمع هذا الحديث بعينه من الزهري، ورجح الدارقطني ذلك لقول جمع من أهل\nالحديث، وذلك لثبوت سماعه هذا الحديث من مالك بن أنس عن الزهري، كما أخرجه الإمام النَّسائي في السنن فقال: \" أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالُوا أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَالْحَسَنَ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَخْبَرَاهُ أَنَّ أَبَاهُمَا مُحَمَّدَ ابْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُمَا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ»، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى يَوْمَ حُنَيْنٍ وَقَالَ هَكَذَا حَدَّثَنَا عَبْدُالْوَهَّابِ مِنْ كِتَابِهِ \" (٣) وهذا دليلٌ على أنَّ كلام أهل الحديث لا يكون بمجرد التخرص بل بالأدلة الثابتة التي لهم فيها عند الله برهان.\n\nالجنس التاسع: أن يُروى الحديث بطريقة معروفة مشهورة، ثم يَروي أحد رجالها حديثًا من غير تلك الطريق، فيقع من رواه في الوهم ظنًا منه أنَّها الطريقة المشهورة.\n\nوأصل هذه العلة: أن يكون هناك إسناد معروف مشهور، لا يختلف الرواة الثقات في هذا الإسناد، ثم يأتي راوٍ فيروي حديثًا ما بالإسناد المشهور وهمًا منه أنّه هو الإسناد لهذا الحديث، وليس كذلك بل يكون لهذا الحديث إسناد خاص به مخالف للمشهور أو طريق\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٤/ص١١٧)، برقم السؤال (٤٥٨).\n(٢) هو يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة بن الحارث بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، ويقال يحيى بن سعيد بن قيس بن فَهد ولا يصح، أبو سعيد المدني القاضي الأنصاري النجاري (ت: ١٤٤هـ)، ثقة ثبت أخرج له الستة، من الطبقة الخامسة من صغار التابعين تهذيب التهذيب (ج١١/ص١٩٤).\n(٣) النَّسائي: السنن، كتاب النكاح، باب تحريم المتعة، (ج٦/ص٤٣٦)، برقم (٣٣٦٧).","vol":"1","page":154},{"text":"الجادة أو طريق المجرة، كما يطلق أهل الحديث على الطرق المشهورة للأحاديث، وهو معنى قول الحاكم: \" فيقع من رواه من تلك الطريق بناءً على الجادة في الوهم\"، ولقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة بعض الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال:\nالمثال الأول: لما سُئل الإمام الدارقطني عن حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة عن رسُول الله - ﷺ -: «لاَ تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» (١).\nفقال - الدارقطني -: \"وأما مالك فرواه أصحاب الموطأ عنه عن سعيد المقبري عن أبي هريرة منهم: القعنبي، وابن وهب، وأبو مصعب، والشافعي، ومعن وابن المبارك.\nوخالفهم عبدالله بن نافع الصائغ، وبشر بن عمر الزهراني، وإسحاق الفزاري رووه عن مالك، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ...\nورواه سُهيل بن أبي صالح (٢)، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال فيه: «لاَ تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ بَرِيدًا»، ورواه سُهيل بإسناد آخر أيضًا، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -: «لاَ تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ بَرِيدًا»، فقد وهم على سُهيل؛ لأنَّ المحفوظ عن أبي صالح عن أبي هريرة - ﵁ -: «لاَ تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثَلاَثًَا» \" (٣).\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هنا، ما وقع فيه سُهيل بن أبي صالح من الوهم في إتخاذ الطريق المشهورة (الجادة) على أنها إسناد الحديث، وليس كذلك بل الصحيح\n_________\n(١) أخرجاه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الجمعة، باب في كم يقصر الصلاة، (ج٢/ص٦٥٠)، برقم (١٠٨٦)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الحج باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، (ج٥/ ص١١٢)، برقم (١٣٣٨).\n(٢) سُهيل بن أبى صالح: ذكوان السمان، أبو يزيد المدنى، مولى جويرية بنت الأحمس، (ت: فى خلافة المنصور)، صدوق تغير حفظه بآخرة، من الطبقة السادسة: من الذين عاصروا صغار التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج٤ / ص٢٣١).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١٠ /ص ٣٣٤ - ٣٣٧)، برقم السؤال (٢٠٤٢).","vol":"1","page":155},{"text":"عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وحجة الدارقطني في ذلك أنَّ الحديث رواه الثقات من أصحاب الإمام مالك وغيرهم: عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ثم ذكر الدارقطني أنَّ سبب وقوع سُهيل في هذا أنَّ المعروف من الإسناد المحفوظ عنده عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فأوهم أنه إسناد الحديث، والله الهادي إلى سواء السبيل.\n\nالمثال الثاني: ولما سُئل الإمام الدارقطني عن حديث عكرمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ -: «أَنَّهُ قَالَ لِعَمَّارٍ: تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» (١).\nفقال - الدارقطني -:\"وهم فيه بعض الرواة، والصحيح عن شعبة، وعن غيره، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن أبي سعيد الخدري، وهو المحفوظ عن غندر، وعن غيره (٢).\nقلتُ: والعلة التى أشار إليها الإمام الدارقطني هنا هي: وهم بعض الرواة في جعل إسناد الحديث الطريق المشهورة (الجادة) عكرمة عن أبي هريرة، بدلًا من الإسناد الصحيح: خالد الحذاء، عن عكرمة، عن أبي سعيد الخدري، وحجة الدارقطني في ذلك أنَّ عكرمة وهو مولى ابن عباس (٣)، يروي كثيرًا عن أبي هريرة بخلاف روايته عن أبي سعيد الخدري - واسمه سعد بن مالك بن سنان - فإنها تعد قليلة، فوقع الوهم من بعض الرواة بسبب معرفتهم كثرة رواية عكرمة عن أبي هريرة الطريق المشهورة.\n_________\n(١) أخرجاه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الصلاة، بَاب التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، (ج١/ص٦٣٣)، برقم (٤٤٧)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الفتن وأشراط الساعة، بَاب لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ مَكَانَ الْمَيِّتِ مِنَ الْبَلاءِ، (ج٩/ ص٢٦٦)، برقم (٢٩١٦)، وغيرهما.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١١/ص١٢٧)، برقم السؤال (٢١٦٧).\n(٣) عكرمة القرشي الهاشمي، أبو عبد الله المدني، مولى عبدالله بن عباس (أصله من البربر من أهل المغرب)، (ت: ١٠٤هـ)، ثقة ثبت عالم بالتفسير، من الطبقة الثالثة، الوسطى من التابعين، أخرج له البخاري والأربعة في السنن، وغيرهم، تهذيب التهذيب (ج٧/ص٢٣٤).","vol":"1","page":156},{"text":"الجنس العاشر: أن يُروى الحديث مرفوعًا من وجه، وموقوفًا من وجه.\nوأصل هذه العلة أن: يَروي راوٍ الحديث مسندًا موصولًا، ثم يخالفه غيره فيرويه موقوفًا على الصحابي ويكون هو الراجح بين المرويَّات لهذا الحديث، ويسمى عند أهل الحديث مُعلٌّ بالوقف، وقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة أحاديث كثيرة منها:\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني- عن حديث سلمان الأغر عن أبي سعيد، وأبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -: «إِذَا قَالَ الْعَبْدُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ يَقُولُ اللَّهُ ﷿ صَدَقَ عَبْدِي، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا وَأَنَا أَكْبَرُ، وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ قَالَ صَدَقَ عَبْدِي ...» (١) الحديث.\nفقال - الدارقطني -: يرويه أبو إسحاق السبيعي، واختلف عنه، فرواه زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق، عن الأغر مسندًا، وكذلك قال أبو قتيبة والنضر بن شميل: عن شعبة، عن أبي إسحاق مرفوعًا، وروى سعد بن شعبة، عن أبيه بعض هذا الحديث مرفوعًا لم يذكره بتمامه.\n\nورواه معاذ بن معاذ (٢) عن شعبة موقوفًا، وهو المحفوظ. ورواه عبد الجبار بن العباس وإسحاق بن عبد الله المخولي عن أبي إسحاق مرفوعًا، والموقوف هو الأشبه \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه على الوجه المعلول ابن ماجة: في السنن، كتاب الأدب، باب فضل لا إله إلا الله، (ج٢ / ص١٢٤٦)، برقم (٣٧٩٤)، من طريق أبي إسحاق، عن الأغر أبي مسلم أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد به، مسندًا موصولًا.\n(٢) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان التميمي العنبري، أبو المثنى البصري القاضي (ت: ١٩٦هـ)، ثقة متقن من الطبقة التاسعة، من صغار أتباع التابعين، أخرج له الستة، قال يحي بن سعيد القطان: \" كان شعبة يحلف لا يحدث فيستثنيهما، وقال أيضًا سمعت يحيى يقول: ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز أثبت من معاذ بن معاذ \"، تهذيب التهذيب (ج١٠ / ص١٧٥ - ١٧٦).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١١/ص٣٠٢ - ٣٠٣)، برقم السؤال (٢٢٩٨).","vol":"1","page":157},{"text":"قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هنا، أنَّ الحديث قد رُوي مرفوعًا عن جماعة من طريق شعبة عن أبي إسحاق، ثم رواه معاذ بن معاذ وهو العنبري عن شعبة عن أبي إسحاق، فرجح الدارقطني رواية معاذ بن معاذ على رواية الجماعة بقوله \" وهو المحفوظ \"\nوحجته في ذلك أنَّ معاذ بن معاذ العنبري هو أوثق من هؤلاء الجمع في الإمام شعبة بن الحجاج بن الورد، فقد قال ابن عدي: \" أصحاب شعبة: معاذ بن معاذ، وخالد بن الحارث، ويحيى القطان، وغُندر، وأبو داود خامسهم \" (١)، انظر كيف رجَّح رواية رجلٍ واحدٍ على رواية جماعة خالفوه!، وذلك للأدلة والقرائن سالفة الذكر، فدل ذلك على أنَّ العبرة ليست بعدد من رَوى الحديث ولو كانوا كثرة في جميع الأحوال، بل بقرائن أخرى لها تأثير أقوى في ترجيح المرويَّات، وهي في هذا المثل مدى تَثَبُّتْ ودقة الراوي في شيخه، وهذا المعيار من أدق معايير نقاد الحديث، وبهذا الحكم يكون الحديث قد أُعلَّ بالوقف، لصحة الرواية الموقوفة على المسندة، والله أعلم.\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني -: عن حديث أبي حازم، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ - قال: «إنَّ العَبْدَ الْفَاجِرَ إِذَا وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ، قَالَ: يَا وَيْلِه أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي» (٢).\n_________\n(١) ابن رجب الحنبلي: في شرح علل الترمذي، (ص ٣٦٨).\n(٢) أخرجه بتمامه النَّسائي: في السنن، كتاب الجنائز، باب السرعة بالجنازة، (ج٤/ص ٣٤١)، برقم (١٩٠٧)، من طريق عبدالله بن المبارك، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن عبدالرحمن بن مهران، أنَّ أبا هريرة - ﵁ - قال: «سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول إذا وضع الرجل الصالح على سريره قال: قدموني، قدموني وإذا وضع الرجل يعني السوء على سريره، قال: يا ويلي أين تذهبون بي» وهو حديث حسن، رواته ثقات إلا عبدالرحمن بن مهران فإنَّه صدوق.","vol":"1","page":158},{"text":"فقال - الدارقطني -: يرويه طلحة بن مصرف، عن أبي حازم حدث به ابن عيينة، واختلف عنه، فرفعه أبو يعلى التوزي محمد بن الصلت (١)، عن ابن عيينة، عن مالك ابن مغول، عن طلحة، ووقفه غيره، والموقوف هو المحفوظ.\n\nورواه محمد بن جحادة، وليث بن أبي سليم عن طلحة موقوفًا \" (٢).\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هنا، أنَّ الحديث رواه أبو يعلى التوزي محمد بن الصلت مرفوعًا، ورواه آخرون موقوفًا، ثم رجَّح الدارقطني الموقوف، وحجته في ذلك متابعة محمد بن جحادة وليث بن أبي سليم عن طلحة موقوفًا، ثم أشار إلى أنَّ الوهم في رفعه من أبي يعلى التوزي محمد بن الصلت، لمخالفتة أصحاب طلحة بن مصرف الذين رووه موقوفًا، ولهذا السبب حُكم على هذا الإسناد من هذا المخرج أنَّهُ معلول بالوقف، والله تعالى أعلم.\nالمثال الثالث: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني -: عن حديث عبدالله بن باباه، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النَّبي - ﷺ - قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يَاوِي إِلَى فِرَاشِهِ: لاَ إِلِهَ إِلاَ اللهَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٍ ...» (٣).\n_________\n(١) محمد بن الصلت البصرى، أبو يعلى التوزي، أصله من توز، ويقال: توج أيضًا، وهي بلدة من بلاد فارس (ت: ٢٢٨هـ) على الصحيح قاله البخاري في التاريخ، وهو صدوق يهم من الطبقة العاشرة، أخرج له البخاري في الصحيح، والنَّسائي في السنن، قال أبو حاتم: صدوق كان يملي علينا من حفظه التفسير وغيره وربما وهم، تهذيب التهذيب (ج٩/ ٢٠٧).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١١/ص١٧٧)، برقم السؤال (٢٢٠٣).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة على الوجه الصحيح موقوفًا: في المصنف (ج٧ /ص٤٦)، برقم (١٤)، بلفظ: \"حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن حبيب عن عبد الله بن باباه عن أبي هريرة قال: من قال حين يأوي إلى فراشه \" لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير سبحان الله وبحمده، الحمد الله، لا إله إلا الله والله أكبر \" غفر له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر\".","vol":"1","page":159},{"text":"فقال - الدارقطني -: يرويه حبيب بن أبي ثابت، واختلف عنه، فرواه مسعر عن حبيب، واختلف عن مسعر، فرواه إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الفارسي، عن مسعر عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبدالله بن باباه (١)، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وخالفه خلاد بن يحيى وأبو معاوية الضرير ومصعب بن المقدام، رووه عن مسعر موقوفا، وكذلك رواه الثوري والأعمش عن حبيب، وهو المحفوظ موقوف \" (٢).\n\nقلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني، أنَّ الحديث رواه إسماعيل بن محمد ابن إسماعيل الفارسي (٣)، عن مسعر بن كدام مرفوعًا، وخالفه جمع من الأثبات منهم:\nخلاد بن يحيى، وأبو معاوية الضرير، ومصعب بن المقدام، فرووه موقوفًا، وكذلك تابع مسعر بن كدام الثوري والأعمش عن حبيب بن أبي ثابت على روايته موقوفًا، فلذلك رجَّح الإمام الدارقطني الموقوف على المرفوع، وقد أعل الدارقطني بهذه العلة أحاديث\nكثيرة في كتابه العلل أشير إلى بعض سؤالاتها في العلل لزيادة النفع بها (٤).\n_________\n(١) عبدالله بن باباه، ويقال: بابيه، ويقال: بابي، المكي، مولى آل حجير بن أبى إهاب، (ويقال مولى يعلى بن أمية) (ت:؟)، ثقة من الطبقة الثالثة، الوسطى من التابعين، أخرج له الستة إلا البخاري، تهذيب التهذيب (ج٥/ص١٣٣).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١١/ ص٤٣)، برقم السؤال (٢١١٥).\n(٣) إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن يحيى القرشي الكوفي (ت:؟)، من الطبقة العاشرة كبار الآخذين عن تبع الأتباع، صدوق يهم أخرج ابن ماجة، تهذيب التهذيب (ج١/ص٢٨٦).\n(٤) أبو الحسن الدارقطني: العلل، أرقام السؤالات﴾ (١٩٨)، (٤٧٣)، (٤٩٠)، (٥٨٦)، (٦٤١)، (٦٤٢) (٦٩١)، (٧٠٠)، (٨٥٢)، (٨٥٣)، (٩٢٠)، (١٠٨٥)، (١١٢٣)، (١٥١١)، (١٥١٨)، (١٥٢٥)، (١٨٢٧)، (١٨٩٥)، (٢٠١٩)، (٢٠٣٧)، (٢١١٥)، (٢١٨٩)، (٢١٩٩)، (٢٢٠٣)، (٢٢٨٤)، (٢٢٩٨) ﴿.","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>المبحث الثاني: الأجناس التي لم يذكرها الحاكم وأمثلتها عند الدارقطني في كتاب العلل</span>\nسنتعرض في هذا المبحث لأجناس العلل الأخرى من جهة الإسناد عند الإمام الدارقطني في كتابه العلل، والتي لم يذكرها أبو عبدالله الحاكم، وهذه الأجناس جاءت نتيجة للسبر ولدراسة الأنواع المختلفة التي في إجابات السؤالات في كتاب العلل، ولا أدعي أنَّي قد حصرت جميع الأجناس في العلل، وإنَّما هي محاولة لبيان منهج الدارقطني في هذه الأجناس\n\nالجنس الأول: علة إبدال جزء من الإسناد أو إبدال راوٍ مكان آخر.\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة في القراءة خلف الامام (١).\nفقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه فرواه مالك، ومعمر، ويونس والزبيدي، وابن جريج، وعبد الرحمن بن إسحاق، والليث بن سعد، وابن أبي ذئب، وابن عيينة عن الزهري، عن ابن أكيمة (٢)، عن أبي هريرة، وخالفهم الأوزاعي رواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ووهم فيه، وإنَّما هو عن الزهري قال سمعت ابن أكيمة يحدث عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، كذلك قال: يونس وابن عيينة عن الزهري حديثهما، وكذلك روي عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن سعيد عن أبي هريرة ... \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب الصلاة، بَاب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الْقِرَاءَةِ، (ج١/ص١١٨) برقم (٣١٢)، والنسائي: في السنن، كتاب الافتتاح، تَرْكُ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الإِمَامِ، (ج٢/ ص٤٧٨) برقم (٩١٨)، وأبو داود: في السنن، كتاب الصلاة، بَاب مَنْ كَرِهَ الْقِرَاءَةَ، (ج١/ ص٢٧٨)، برقم (٨٢٦)، ثلاثتهم من طريق عن الزهري، عن ابن أكيمة اللَّيْثِيِّ، عن أبي هريرة ﵁.\n(٢) هو عمارة بن أكيمة الليثى ثم الجندعي، أبو الوليد المدني، وقيل اسمه عمار أو عمرو أو عامر (ت: ١٠١ هـ)، ثقة من الطبقة الثالثة، الوسطي من التابعين، أخرج له الأربعة في السنن، هذا الحديث، وليس له غيره عن الزهري، تهذيب التهذيب (ج٧ / ص٣٥٩).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٩ /ص ٥٥ - ٥٧)، برقم السؤال (١٦٤٠).","vol":"1","page":161},{"text":"قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: خطأ الإمام الأوزاعي في رواية هذا الحديث، فإنَّه خالف يونس وابن عيينة في إبدال راوٍ مكان آخر، فقال: عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ووهم في ذلك؛ لأنَّ الحديث معروف ومشهور من طريقين عن الزهري، عن ابن أكيمة اللَّيْثِيِّ، عن أبي هريرة، وكذلك عن الزهري، عن ابن أكيمة اللَّيْثِيِّ، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عند الثقات، وكلا الطريقين ثابت عند المحدثين، وحجة الإمام الدارقطني أنَّ يونس وابن عيينة قد رَويا الطريقين عن الزهري، وهما من أثبت الناس في الزهري كما بينَّا من قبل، والله الهادي إلى سواء السبيل.\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث الحارث عن علي - ﵁ -: «أُمِرْتُ بِأَرْبَعٍ أَنْ لاَ يَقْرَبَ الْبَيْتَ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، أَنْ لاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ» (١).\n\nفقال - الدارقطني -: هو حديث رواه معمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ورواه الثوري، عن أبي إسحاق، عن بعض أصحابه، عن علي ورواه ابن عيينة وأبو شيبة وغيرهما، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي هو المحفوظ، حدثنا أحمد ابن محمد بن الجراح، ثنا أحمد بن منصور، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن بعض أصحابه، عن علي قال: «لَمَّا بَعَثَنِي رسُولُ اللهِ ﷺ بِبَرَاءَةٍ إِلَى مَكْةَ أَمَرَنِي أَنْ لاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلاَ يَحُجُّ مُشْركٌ بَعَدَ عَامِهِ، وَلاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ فَهُوَ إِلَى مُدَّتِهِ» \" (٢).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي بالوجه الصحيح: في السنن، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة، (ج٥/ص ٢٧٦) برقم (٣٠٩٢)، من طريق عن أبي إسحق عن زيد بن يثيع قال سألنا عليًا نحوه.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٣ / ص١٦٤)، برقم السؤال (٣٢٩).","vol":"1","page":162},{"text":"قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: إبدال الحارث وهو ابن عبدالله الهمداني الخارفي الأعور وهو متهم بالكذب (١)، بدلًا من زيد بن يثيع وهو من الثقات (٢)، وقد رجح الإمام الدارقطني رواية سفيان بن عيينة وغيره، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي، وحجته في ذلك رواية جمع من الثقات الحديث بهذا الإسناد.\n\nالمثال الثالث: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث محمد بن زياد عن أبي هريرة - ﵁ -، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ حَفِظَهُ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَّارِ» (٣).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه عمارة بن زاذان، وقد اختلف عنه.\nفرواه يحيى بن إسحاق السيلحيني عن عمارة بن زاذان عن علي بن الحكم عن محمد بن زياد عن أبي هريرة، ووهم فيه.\nوإنَّما رواه عمارة بن زاذان عن علي بن الحكم عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة.\nوكذلك رواه مالك بن دينار، وليث بن أبي سليم، وسعيد بن راشد، والعلاء بن خالد عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وهو المحفوظ.\n_________\n(١) قال ابن حجر العسقلاني: \" قال الجوزجاني: سألت علي بن المديني عن عاصم والحارث فقال: مثلك يسأل عن هذا الحارث كذاب\"، وذكر عن الشعبي أنه كذبه\" تهذيب التهذيب (ج٢/ص١٢٦).\n(٢) هو زيد بن يثيع، ويقال اثيع الهمداني الكوفي، قال العجلي كوفي تابعي ثقة وقال: ابن سعد كان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، تهذيب التهذيب (ج٣/ص ٣٦٩).\n(٣) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب العلم، باب ما جاء في الاستيصاء بمن طلب العلم (ج٥ /ص٢٩)، برقم (٢٦٤٩)، وأبو داود في السنن، كتاب العلم، باب كراهية منع العلم، (ج٢ /ص ٣٤٥)، برقم (٣٦٥٨)، كلاهما من طريق علي بن الحكم عن عطاء عن أبي هريرة نحوه.","vol":"1","page":163},{"text":"وكذلك رواه حماد بن سلمة عن علي بن الحكم عن عطاء، وهو المحفوظ \" (١).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: إبدال محمد بن زياد (٢)، بدلًا من عطاء بن أبي رباح (٣) في الإسناد، وقد رجح الإمام الدارقطني عن عطاء بن أبي رباح، وحجته مخالفة يحيى بن إسحاق السيلحيني وهو ثقة (٤)، وذلك لرواية جمع من الثقات عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة كما هو واضح في المثال، والله سبحانه الموفق.\n\nالجنس الثاني: علة الخطأ في تسمية الصحابي خلاف الصحيح الثابت:\n\nوهذه العلة تنشأ عن الوهم والخطأ في اسم الصحابي، ولقد اهتم النقاد بهذا النوع كثيرًا وربما يستغرب البعض لماذا كل هذا الاهتمام وجميع الصحابة عدول؟، والجواب: ليس كل التابعين أدرك الصحابة، فإنَّ طاوسًا تابعي جليل، لكنه لم يدرك معاذ بن جبل ﵁ كما ذكرنا من قبل، وكذلك ليس كل من أدرك الصحابة سمع منهم، فمثلًا سماع أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود من أبيه غير صحيح على الرغم من أنَّه أدركه، وكذا سلمة بن دينار لم يسمع من أبي هريرة شيئا، والحسن البصري لم يسمع من أسامة ابن زيد شيئًا، فلهذا السبب كان معرفة الصحابي المقصود في الإسناد على غاية من الأهمية للحكم على صحة الحديث فانظر لدقة نظر هؤلاء القوم، وثاقب فهمهم.\nوقد أعل الدارقطني بهذه العلة جملة من الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال:\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث ربعي بن حراش عن عبدالله - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «قَالَ ثَلاَثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ رَجُلٌ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتْلُو كِتَابَ اللَّهِ،\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١٠/ص٦٧ - ٦٨)، برقم السؤال (١٨٧٢).\n(٢) محمد بن زياد القرشي الجمحي مولاهم، أبو الحارث المدني (ت:؟)، من الطبقة الثالثة الوسطى من التابعين، ثقة ثبت أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج٩/ص١٤٩).\n(٣) عطاء بن أبي رباح، واسمه أسلم القرشي مولاهم أبو محمد المكي (١١٤هـ)، حجة إمام كبير الشأن، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج٧/ ص١٧٩ - ١٨٣).\n(٤) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج١١/ص ١٥٥).","vol":"1","page":164},{"text":"وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ صَدَقَةً بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا مِنْ شِمَالِهِ وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ ...» (١) الحديث\nفقال - الدارقطني -: يرويه أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن منصور عن ربعي عن ابن مسعود، ووقع في وهم، وليس هذا من حديث ابن مسعود وإنَّما هو من حديث أبي ذر - ﵁ - ...، ورواه شعبة عن منصور عن ربعي عن زيد بن ظبيان عن أبي ذر، وقال جرير عن منصور عن ربعي عن زيد بن ظبيان أو غيره عن أبي ذر وهو المحفوظ\" (٢).\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني الوهم الذي وقع من أبي بكر بن عياش (٣)، حيث جعل الحديث من رواية ابن مسعود ﵁، وليس كذلك بل هو من حديث أبي ذر ﵁، وحجة الدارقطني في ذلك رواية شعبة عن منصور عن ربعي عن زيد بن ظبيان عن أبي ذر، والحديث مخرجه واحد، وقد سبق الدارقطني إلى إعلال الحديث الترمذي فقال: \" هذا حديث غريب من هذا الوجه وهو غير محفوظ والصحيح ما روى شعبة وغيره عن منصور عن ربعي بن حراش عن زيد بن ظبيان عن أبي ذر عن النبي ﷺ وأبو بكر بن عياش كثير الغلط \" (٤).\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث عبدالرحمن بن غنم عن أبي ذر - ﵁ -، قالَ رسُولُ الله ﷺ: «يَقُولُ اللهُ: كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ ...» الحديث (٥).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في كلام الحور العين، (ج٤ /ص ٦٩٧) برقم (٢٥٦٧)، من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن منصور عن ربعي بن حراش عن ابن مسعود، وهو من هذا الوجه ضعيف معلول لأنَّ أبي بكر بن عياش ضعيف في الأعمش.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٥/ص٥٠ - ٥١)، برقم السؤال (٦٩٦).\n(٣) أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي المقريء الحناط، اسمه كنيته (ت: ١٩٤هـ)، من الطبقة السابعة كبار أتباع التابعين، ثقة إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح، أخرج له الستة وأخرج مسلم له في المقدمة، تهذيب التهذيب (ج١٢/ص٣١).\n(٤) الترمذي: في السنن، (ج٤ /ص ٦٩٧).\n(٥) أخرجه من وجه آخر صحيح مسلم: في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، (ج٣ / ص١٨٢)، برقم (١٢٨٦)، بلفظٍ مختلف.","vol":"1","page":165},{"text":"فقال - الدارقطني -: يرويه شهر بن حوشب عن عبدالرحمن بن غنم حدَّث به عبدالحميد بن بهرام، وليث بن أبي سليم، وموسى بن المسيب، وسيار وأبو الحكم عن شهر بن حوشب، واختلف عن موسى بن المسيب، فرواه عن منصور بن المعتمر عن شهر بن حوشب، عن ابن غنم عن أبي ذر مسندًا ...، واختلف عن ليث بن أبي سليم فرواه شيبان، عن ليث عن شهر، وخالفه أبو عصمة نوح بن أبي مريم، فرواه عن ليث\nعن موسى بن المسيب عن شهر، عن ابن غنم، عن أبي ذر وأبي الدرداء، عن النَّبي ﷺ.\nوليس ذكر أبي الدرداء بمحفوظ والله أعلم، قيل للشيخ فإنَّ معتمر بن سليمان يرويه عن أبي جعفر، عن شهر، عن ابن غنم عن أبي ذر مسندًا، من أبو جعفر هذا؟ فقال: هو موسى بن المسيب \" (١).\n\nقلتُ: وواضح من المثال أنَّ الدارقطني قد رجح عدم صحة الرواية التي ذكر فيها أبي الدرداء، وذلك أنَّ الحديث قد رواه جمع من الحفاظ بدون ذكر أبي الدرداء، وإن كانت هذه العلة لا تضر فإنَّ عبدالرحمن بن غنم (٢) حدث عن أبي الدرداء بأحاديث قليلة وهو شامي مختلف في صحبته، وكان أبو الدارداء ﵁ يقيم في الشام، فهي علة غير مؤثرة في واقع الأمر لهذه القرائن التي ذكرنا.\nالمثال الثالث: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث عبدالله بن الزبير عن الزبير - ﵃ -، عن النَّبي - ﷺ -: «لاَ تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلًا الْمَصَّتَانِ» (٣).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٦ / ص٢٤٩ - ٢٥٠)، برقم السؤال (١١١٠).\n(٢) عبدالرحمن بن غنم الأشعري الشامي (ت: ٧٨ هـ)، من الطبقة الأولى مختلف في صحبته أخرج له الأربعة والبخاري تعليقًا، من كبار فقهاء الشام، تهذيب التهذيب (ج٦ /ص٢٢٥ - ٢٢٦).\n(٣) أخرجه الترمذي بالوجه الصحيح: في السنن، كتاب الرضاع، باب ما جاء لا تحرم المصة ولا المصتان، (ج٣/ص٤٥٥)، رقم (١١٥٠)، وأبو داود: في السنن، كتاب النكاح، باب هل يحرم ما دون خمس رضعات، (ج١/ص٦٢٩)، رقم (٢٠٦٣)، وابن ماجه: في السنن، كتاب النكاح باب لا تحرم المصة ولا المصتان، (ج١/ص٦٢٤)، رقم (١٩٤١)، ثلاثتهم من طريق ابن أبي مليكة عن عبدالله بن الزبير عن عائشة به.","vol":"1","page":166},{"text":"فقال - الدارقطني -: تفرد به محمد بن دينار الطاحي، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن ابن الزبير، عن الزبير ووهم فيه، وغيره من أصحاب هشام يرويه، عن هشام عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير، عن النَّبي ﷺ، لا يذكرون فيه الزبير ورواه ابن أبي مليكة، عن عبدالله بن الزبير، عن عائشة، عن النبي ﷺ وهو الصحيح لأنَّه زاد وهو المحفوظ عن عائشة \" (١).\n\nقلتُ: وواضح من المثال أنَّ الدارقطني رجَّح الرواية التي فيها عبدالله بن الزبير، عن عائشة، بدون ذكر الزبير، وحجة الدارقطني هي: تفرد محمد بن دينار الطاحي (٢)، وهو ضعيف لا يحتمل تفرده، وغيره من أصحاب هشام يرويه، عن هشام عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير لا يذكرون فيه الزبير، فكان الحمل عليه من محمد بن دينار الطاحي، ولقد أشرنا من قبل إلى مسألة تفرد الراوي برواية الحديث خلاف أقرانه عن شيخه، ويعتبر التفرد من المعايير التي يقيس عليها النقاد المحدثين مدى حفظ الراوي لمرويَّاته من عدمه، وهنا تفرد محمد بن دينار الطاحي بذكر الزبير في الإسناد فأخطأ، وقد أحصى عليه النقاد أخطاء أخرى تدل على عدم حفظه لمروياته فضعفوه، والله أعلم.\nالجنس الثالث: علة نقص راوٍ أو زيادة راوٍ في الإسناد.\nوتنشأ هذه العلة عند رواية بعض الرواة الحديث بإسناد فيه زيادة راوٍ، ثم يرويه البعض الآخر بنقص راوٍ، وهذا الجنس مشهور في كتب العلل، وهو من أخفى أجناس العلل ولا يدركه إلا الجهابذة، وأصل هذه العلة أن يكون للحديث طريقين في أحدهما زيادة راوٍ، والآخر فيه نقص في الإسناد، وقد ترجح الزيادة على النقص أو يرجح النقص على الزيادة وقد يجمع بين الطريقين على أنَّه رواه مرة بواسطة، ومرة من غير واسطة كل ذلك إذا كان للحديث مخرجًا واحدًا، وإلا فلا يمكن الجمع مع اختلاف مخرج الحديث.\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٤/ص٢٢٥ - ٢٢٦)، برقم السؤال (٥٢٥).\n(٢) محمد بن دينار الأزدي ثم الطاحي، أبو بكر بن أبي الفرات البصري، صدوق تغير في آخره، وضعفه الدارقطني، أخرج له أبو داود والترمذي، تهذيب التهذيب (ج٩ /ص١٣٦ - ١٣٨).","vol":"1","page":167},{"text":"ولا يكون الترجيح إلا بالقرائن التي تدل على عدم الوهم أو الخطأ، كمقارنة الزيادة بمرويَّات الثقات الأثبات للحديث، أو عدد من روى الزيادة أو النقص، ولتوضيح هذا النوع سوف نضرب هنا بعض الأمثلة من كتاب العلل:\n\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث علي بن الحسين عن عمر - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَ سَبَبِي وَنَسَبِي» (١).\n\nفقال - الدارقطني -: هو حديث رواه محمد بن إسحاق عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن عمر، وخالف الثوري وابن عيينة ووهيب، وغيرهم فرووه عن جعفر عن أبيه عن عمر ولم يذكروا بينهما جده علي بن الحسين وقولهم هو المحفوظ \" (٢).\nقلتُ: وواضح من المثال أنَّ الإمام الدارقطني رجَّح الإسناد الناقص على الزيادة، وحجته في ذلك أنَّ محمد بن إسحاق خالف الأثبات منهم الثوري وابن عيينة وغيرهم، فأعلَّ الرواية الزائدة والتي فيها \" عن جده وهو علي بن الحسين \" بذلك، وقال: \" عن جعفر عن أبيه عن عمر ولم يذكروا بينهما جده علي بن الحسين وقولهم هو المحفوظ \"، وبهذا يكون الحديث معلٌّ بالانقطاع، لأنَّ جعفر بن محمد لم يلق عمر.\n\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث عاصم يقال عاصم بن أبي المشجر الجحدري بصري عن أبي بكرة - ﵁ -: «أنَّ النَّبِي - ﷺ - قَرَأَ: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَاذِبيِنَ﴾» (٣).\n_________\n(١) أخرجه البيهقي على الوجه المعلول: السنن الكبرى في ثلاث مواضع: (ج٧ /ص٦٣ - ٦٤) برقم (١٣١٧١)، وبرقم (١٣١٧٢)، (ج٧/ ص١١٤) برقم (١٣٤٣٨)، وهو حديث معلول.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٢/ ص١٩٠)، برقم السؤال (٢١١).\n(٣) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد، طبعة دار الفكر، بيروت سنة ١٤١٢هـ، (ج٧/ص٦٨)، برقم (١١٦٠٧)، وقال الهيثمي: \"رواه البزار وفيه عاصم الجحدري وهو قارئ، قال الذهبي قراءته شاذة وفيها ما ينكر، وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم ضعف ولم يسمع عاصم من أبي بكرة.","vol":"1","page":168},{"text":"فقال - الدارقطني-: يرويه عبدالله بن حفص أبو محمد الأرطباني عن عاصم عن عبدالله ابن أبي بكرة عن أبيه وغيره يرويه عنه لا يذكر فيه ابن أبي بكرة وهو المحفوظ \" (١).\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ زيادة ابن أبي بكرة غير محفوظة ممن رووا هذا الحديث، ويعتبر الإسناد الناقص هو المحفوظ، والوهم في الزيادة من عبدالله بن حفص الأرطباني (٢)، والحمل عليه فيه، وبهذا أعلَّ الحديث حيث إنَّ الإسناد منقطع ما بين عاصم وهو الجحدري، وأبي بكرة وهو نفيع بن الحارث بن كلدة، صحابي جليل ﵁، والله أعلم.\n\nالمثال الثالث: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث عبدالرحمن بن عوف، عن أبي بكر الصديق - ﵁ -: «ثَلاَثٌ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلتُ رسُول - ﷺ - عَنْهَا وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُهُ فِيمَنْ هَذَا الأَمْرَ؟،فَلاَ يُنَازِعُهُ أَهْلَّه، وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ سَأَلتُهُ هَلْ للأَنْصَارِ فِي هَذا الأَمْرَ شَيءٌ؟ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ سَأَلتُهُ عَنْ مِيرَاثِ الْعَمَّةِ وَابْنَةَ الأُخْتِ» (٣)\nفقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه شيخ لأهل مصر، يقال له علوان بن داود واختلف عليه فيه، فرواه عنه سعيد بن عفير، عن علوان بن داود عن حميد بن عبدالرحمن ابن عوف عن صالح بن كيسان، عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف، عن أبيه عن أبي بكر الصديق، وخالفه الليث بن سعد، فرواه عن علوان، عن صالح بن كيسان بهذا الإسناد إلا أنَّه لم يذكر بين علوان وبين صالح حميد بن عبدالرحمن، فيشبه أن يكون سعيد بن عفير ضبطه عن علوان؛ لأنَّه زاد فيه رجلا، وكان سعيد بن عفير من الحفاظ الثقات\" (٤).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٧/ص١٦٥)، برقم السؤال (١٢٧٨).\n(٢) عبدالله بن حفص الأرطباني، أبو حفص البصري (ت:؟)، صدوق من الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، أخرج له الترمذي، وذكره ابن حبان في الثقات، تهذيب التهذيب (ج٥/ص١٦٥).\n(٣) أخرجه الحاكم: في المستدرك، (ج٤ /ص٣٨١)، من طريق سعيد بن عفير حدثني علوان بن داود عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف عن أبيه به.\n(٤) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١/ص١٨٢ - ١٨٣)، برقم السؤال (٩).","vol":"1","page":169},{"text":"قلتُ: وواضح من المثال أنَّ الإمام الدارقطني رجح الزيادة في الإسناد، وهي إدخال حميد بن عبدالرحمن بين علوان وصالح، لأنَّ سعيد بن عفير (١) من الحفاظ الثقات.\n\nالمثال الرابع: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث عبيدة عن عبدالله - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ قال: «إِنَّ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَبْوًا ...» (٢). الحديث\nفقال - الدارقطني -: يرويه الأعمش ومنصور، واختلف عن الأعمش، فرواه منصور عن إبراهيم عن عبيدة، عن عبد الله. وكذلك رواه أبو معاوية الضرير، وقتادة بن الفضيل أبو حميد عن الأعمش، ورواه عبدالواحد بن زياد عن الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة وعبيدة عن عبدالله زاد فيه علقمة قاله عفان عنه وأرجو أن يكون محفوظًا \" (٣).\n\nالجنس الرابع: الوهم بإدخال إسناد حديث لمتن حديث آخر بخلاف إسناده.\n\nوأصل هذه العلة أنَّ يكون للحديث إسناد محفوظ، فيقع الوهم من الراوي فيدخل إسناد حديث آخر لمتن آخر بخلاف إسناده المحفوظ، وقد وقع ذلك من بعض الثقات الحفاظ، وهذه علة مشهورة في كتب العلل، وقد أعل الإمام الدارقطني في كتابه جملة منها نذكر منها على سبيل المثال:\n_________\n(١) وهو سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم الأنصاري مولاهم، أبو عثمان المصري (ت:٢٢٦هـ)، وقد ينسب إلى جده، الحافظ الثقة من الطبقة العاشرة، تهذيب التهذيب (ج٤/ص٦٦).\n(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب التوحيد، باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، (ج١٣/ص٥٣٩)، برقم (٧٥١١)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الإيمان، باب آخر أهل النار خروجًا، (ج٢/ ص٤٢) برقم (١٨٦)، كلاهما من طريق منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبدالله بن مسعود نحوًا منه، وهو على الوجه الصحيح غير معلول، والله أعلم.\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٥/ ص١٨٣ - ١٨٤)، برقم السؤال (٨٠٧).","vol":"1","page":170},{"text":"المثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث نهار العبدي عن أبي سعيد - ﵁ -، قال رسول الله ﷺ: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ ...» (١).\n\nفقال - الدارقطني -: رواه مؤمل بن إسماعيل عن حماد، وحماد ووهيب وسفيان عن يحيى بن سعيد، عن عبدالله بن أبي صعصعة، عن نهار العبدي عن أبي سعيد عن النبي ﷺ، ووهم في ذكر نهار العبدي في هذا الحديث، وإنما روى هذا الحديث ابن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد. وحديث نهار إنَّما هو: «أنَّ الله يسأل العبد يوم القيامة: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ أَنْ تُنْكِرَهُ؟» (٢).\nقلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هي: أنَّ مؤمل بن إسماعيل (٣)، وَهِمَ فأدخل حديث نهار العَبْدِي: أنَّه سمعه يحدث عن أبي سعيد - ﵁ - أنَّ النَّبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ ﵎ لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ تُنْكِرُهُ فَإِذَا لَقَّنَ اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ قَالَ يَا رَبِّ وَثِقْتُ بِكَ وَفَرِقْتُ مِنَ النَّاسِ» (٤)، في حديث ابن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد - ﵁ - قال: رَسُّولُ اللهِ ﷺ: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ» الذي رواه البخاري في صحيحه كما بيينَّا من قبل.\n\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة - ﵁ -، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنِ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ أَمْ\n_________\n(١) أخرجه بالوجه الصحيح البخاري: في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الإيمان، باب من الدين الفرار من الفتن، (ج١/ ص٨٦)، برقم (١٩).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١١/ص٣١٧ - ٣١٩)، برقم السؤال (٢٣٠٨).\n(٣) مؤمل بن إسماعيل القرشي العدوي أبو عبد الرحمن البصري، مولى آل عمر بن الخطاب (ت: ٢٠٦هـ)، صدوق سيء الحفظ، من الطبقة التاسعة، تهذيب التهذيب (ج١٠/ص٣٣٩ - ٣٤٠).\n(٤) أخرجه بالوجه الصحيح أحمد بن حنبل: في المسند (ج٣/ص٢٩)، برقم: (١١٢٦٣).","vol":"1","page":171},{"text":"نَسِيتَ؟ ...» (١). الحديث\nفقال - الدارقطني -: حدث به عنه أيوب السختياني، عبدالله بن عون، وحميد الطويل، وقتادة، وحبيب بن الشهيد، وسلمة بن علقمة، ويحيى بن عتيق، وهشام بن حسان، وخالد الحذاء، وأشعث بن عبد الملك، ويزيد بن إبراهيم ...\nوأمَّا ما ذُكر في متنه، فإنَّ كل من رواه عن أيوب وعن غير أيوب عن ابن سيرين قال: إنَّ النَّبي ﷺ قال لأصحابه: «أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْن؟ قَالُوا: نَعَم».\nإلا حماد بن زيد، فإنه رواه عن أيوب، وقال فيه: «فأومئوا نعم».\nثم قال - الدارقطني -: وقال سفيان بن حسين في هذا الحديث: عن ابن سيرين عن أبي هريرة أنَّ النَّبي ﵌ قال في آخره: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا\nتَنْسَوْنَ» (٢)، ووهم في هذا القول، وهذا الكلام ليس من حديث ابن سيرين، ولا من حديث أبي هريرة، وإنَّما رواه علقمة، عن عبدالله \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه بالوجه الصحيح البخاري: في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الأذان، باب هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس، (ج٢/ ص٢٤٠)، وبأرقام: (٧١٤)، (١٢٢٧)، (٧٢٥٠).\n(٢) أخرجه بالوجه الصحيح البخاري: في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، (ج١/ ص٥٩٠)، برقم (٤٠١)، من طريق منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: قال: عبدالله بن مسعود، وهو الحديث الذي أشار إليه الدارقطني أن سفيان بن حسين أدخله في حديث أبي هريرة، وتمام حديث عبدالله بن مسعود: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لاَ أَدْرِي زَادَ أَوْ نَقَصَ فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالُوا صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ لَنَبَّاتُكُمْ بِهِ وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ».\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١٠/ص١٠ - ١٣)، برقم السؤال (١٨١٩).","vol":"1","page":172},{"text":"الجنس الخامس: عدم وجود الحديث في كتب الراوي له.\n\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني -: عن حديث أبي رافع عن ابن مسعود - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «فِي الوضُوءِ بِالْنَبِيذِ».\nفقال - الدارقطني -: يرويه أبو سعيد مولى بنى هاشم عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن ابن مسعود، وتابعه عبد العزيز بن أبي رزمة ولا يثبت هذا الحديث لأنَّه ليس في كتب حماد بن سلمة المصنفات وعلي بن زيد ضعيف وأبو رافع لا يثبت سماعه من ابن مسعود ... \" (١).\n\nقلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هي: أنَّ الحديث لا يثبت؛ لأنَّه من رواية حماد بن سلمة وليس في كتبه المصنفات، فدل ذلك أنَّ الحديث لا أصل له.\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسُئِل - الدارقطني -: عَن حَدِيثِ المَقبُرِيِّ، عَن أَبِي هُرَيرة - ﵁ -، قال رَسُولُ الله ﷺ: مَن كانَت لَهُ عِند أَخِيهِ مَظلِمَةٌ فِي عِرضِهِ أَو مالِهِ فَليَتَحَلَّلهُ قَبل أَن يُؤخَذ مِنهُ لا دِينارٌ ولا دِرهَمٌ، إِن كان لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ أُخِذ مِنهُ بِقَدرِ مَظلِمَتِهِ وإِلاّ أُخِذَت مِن سَيِّئاتِهِ فَجُعِلَت عَلَيهِ».\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه ابن أبي ذئب، وعبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. ورواه مالك بن أنس، واختلف عنه، فرواه إبراهيم بن طهمان وإسماعيل بن عياش، وخالد بن حميد، وصدقة بن عبدالله، وابن وهب، ويحيى القطان ومعنى بن عيسى وابن أبي أويس، وعبد العزيز بن يحيى، عن مالك، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وليس في الموطأ ...\n\nحدثنا علي بن مبشر، ثنا أحمد بن سنان القطان، حدثني يحيى بن سعيد القطان عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «من كانت له مظلمة قبل أخيه في مال أو عرض فليأته فليستحلها منه قبل أن يؤخذ ليس ثم دينار ولا درهم، إن كانت حسنات\n_________\n(١) المصدر السابق، (ج٥/ص ٣٤٥ - ٣٤٧)، برقم السؤال (٩٤٠).","vol":"1","page":173},{"text":"أخذت من حسناته فأعطيها هذا، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات هذا فالقي عليه».\nحدثنا أبو بكر النيسابوري ثنا صالح بن أحمد بن حنبل ثنا علي بن المديني ثنا يحيى عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوه.\nقال علي - يعني المديني -: فذكرته لعبدالرحمن فقال: ليس هو في كتاب مالك ويحيى ابن يحيى، قال علي: فسألت عنه معنىً فقال: هو عند مالك حدثه به ثم تركه \" (١).\n\nقلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هي: أنَّ الحديث لا يثبت لأنَّه من رواية مالك وليس في كتابه \" الموطأ \"، فدل ذلك أنَّ الحديث لا أصل له من رواية مالك.\nالجنس السادس: علة عدم ثبوت صحة السماع المتوهم من العنعنة.\n\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني -: عن حديث علي بن ربيعة الوالبي الأسدي، عن علي - ﵁ - في ركوب الدَّابة، وما يقال عند ذلك؟.\nفقال - الدارقطني -: حدث به أبو إسحاق السبيعي (٢)، عن علي بن ربيعة (٣) رواه، عن أبي إسحاق كذلك منصور بن المعتمر وعمرو بن قيس الملائي، وسفيان الثوري وأبو الأحوص وشريك، وأبو نوفل علي بن سليمان والأجلح بن عبد الله، واختلف عنه فقال مصعب بن سلام، عن الأجلح وأبو يوسف القاضي، عن ليث جميعًا عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ووهما، والصواب ما رواه شيبان، عن الأجلح عن أبي إسحاق عن علي بن\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١٠/ ٣٥٧ - ٣٥٨)، برقم السؤال (٢٠٤٩).\n(٢) هو عمرو بن عبدالله بن عبيد أو على أو ابن أبى شعيرة، الهمداني، أبو إسحاق السبيعي الكوفي (ت:١٢٦هـ أو ١٢٧هـ)، من كبار الحفاظ الثقات المكثرين الذين تدور عليهم الأحاديث، قال أبو حاتم ثقة وهو أحفظ من أبي إسحاق الشيباني وشبه الزهري في كثرة الرواية، وقد وصف بالتدليس، وأخرج حديثه الستة، وخلق كثير، تهذيب التهذيب (ج٨ /ص ٥٦ - ٥٩).\n(٣) هو علي بن ربيعة بن نضلة الوالبي الأسدي ويقال البجلي أبو المغيرة الكوفي، (ت: هـ)، قال ابن المغيرة والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، تهذيب التهذيب (ج٧ /ص٢٨١).","vol":"1","page":174},{"text":"ربيعة، وكذلك قال أصحاب أبي إسحاق عنه.\n\nوأبو إسحاق لم يسمع هذا الحديث من علي بن ربيعة، يُبِّينُ ذلك ما رواه عبدالرحمن ابن مهدي، عن شعبة قال: قلت لأبي إسحاق سمعته من علي بن ربيعة؟ فقال: حدثني يونس بن خباب عن رجل عنه.\nوروى هذا الحديث شعيب بن صفوان، عن يونس بن خباب، عن شقيق بن عقبة، عن علي بن ربيعة، ورواه المنهال بن عمر، وإسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغير، عن علي بن ربيعة، فهو من رواية أبي إسحاق مرسلا، وأحسنها إسنادا حديث المنهال بن عمرو، عن علي بن ربيعة، والله أعلم.\nورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم بن عتيبة، عن علي بن ربيعة حدثنا القاضي حسين بن إسماعيل، قال: حدثنا زكريا بن يحيى الباهلي، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا سفيان، حدثني أبو إسحاق، عن علي بن ربيعة، عن علي بن أبي طالب - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ، قال: «يَتَعَجْبُ الرَّبُ أَوْ رَبُّنَا ﷿ إِذَا قَالَ العَبْدُ: سُبْحَانَكَ الَّلهُمَّ لاَ إِلَهَ إِلاَ أَنْتَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَ أَنْتَ» \" (١).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني على الرغم من أن السند ظاهره الصحة هي: عدم سماع أبي إسحاق هذا الحديث من علي بن ربيعة، وحجة الإمام الدارقطني في ذلك تصريح أبي إسحاق نفسه بهذا، وهو من أصح الأدلة على عدم السماع.\n\nولقد سبق أبو حاتم الدارقطنيَّ في الحكم على هذا الحديث، فذكر في العلل تصريح أبي إسحاق بعدم السماع من رواية أخرى، فقال ابن أبي حاتم: \" سألتُ أبي، عن حديثٍ، رواه الثوري وغيره، عن أبي إسحاق، عن علي ابن ربيعة قال: كنت رِدْف على ... ! فقال: حين ركب الحمد لله ثلاثا، سبحان الذي سخر لنا هذا ...، وذكر الحديث؟\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٤ / ص ٥٩ - ٦٣)، سؤال رقم (٤٣٠).","vol":"1","page":175},{"text":"فقال أبي: حدثني أبو زياد القطان عن يحيى بن سعيد قال كنت أعجب من حديث على بن ربيعة: \" كنت رديف على \"، لأنَّ علىَّ بن ربيعة كان حَدَثًا في عهد على، ومِثْلَهُ أَنكرتُ أن يكونَ رِدْفَ عليَّ، حتى حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة قلت لسفيان سمعه أبو إسحاق من على بن ربيعة؟، فقال: سألتُ أبا إسحاق عنه فقال: حدثنى رجل، عن علي بن ربيعة \" (١).\nوبهذه العلة صار الإسناد معلول بعدم السماع وهي علة غاية في الدقة والإتقان، ولا يفطن إليها إلاَّ جهابذة النُّقاد في علل الحديث.\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني -: عن حديث عبدالله بن نجي عن علي - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «لاَ تَدْخُلُ الْمَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ تِمْثَالٌ» (٢).\n\nفقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه الحارث العكلي (٣)، واختلف عنه فرواه مغيرة بن مقسم وعمارة بن القعقاع واختلف عنهما، عن الحارث العكلي فأما حديث المغيرة فرواه جرير بن عبد الحميد عنه عن الحارث العكلي عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن عبدالله بن نجي، وخالفه أبو بكر بن عياش، فرواه عن المغيرة عن الحارث، عن عبدالله بن نجي لم يذكر بينهما أبا زرعة.\nواختلف عن عمارة بن القعقاع: فرواه عبدالواحد بن زياد عن عمارة، عن الحارث العكلي، عن أبي زرعة عن عبدالله بن نجي حدث به عنه أبو سعيد مولى بني هاشم،\n_________\n(١) ابن أبي حاتم: العلل (ص ٦٦٩)، سؤال رقم (٧٩٩).\n(٢) أخرجه أبو داود: في السنن، كتاب اللباس، باب في الصور، (ج٢/ ص ٤٧١)، برقم (٤١٥٣) من طريق سهيل يعني ابن أبي صالح عن سعيد بن يسار الأنصاري عن زيد بن خالد الجهني عن أبي طلحة الأنصاري، بلفظ: \" لاَ تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلاَ تِمْثَالٌ \".\n(٣) الحارث بن يزيد العكلى التيمى الكوفى (ت:؟)، ثقة فقيه من الطبقة السادسة، من الذين عاصروا صغارالتابعين، أخرج له الشيخان، والنسائي وابن ماجه، تهذيب التهذيب (ج٢/ص١٤٢).","vol":"1","page":176},{"text":"وإسحاق بن عمر بن سليط، وقال مسدد، عن عبدالواحد عن عمارة عن أبي زرعة لم يذكر بينهما الحارث، ورواه زيد بن أبي أنيسة، عن الحارث العكلي عن أبي زرعة، عن عبدالله بن نجي، عن علي وروي، عن أبي إسحاق السبيعي، وجابر الجعفي، عن ابن نجي وهو غريب عنهما، ويقال أن عبدالله بن نجي (١) لم يسمع هذا من علي وإنَّما رواه عن أبيه عن علي، وليس بقوي في الحديث \" (٢).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني على الرغم من أن السند ظاهره الصحة هي: عدم سماع عبدالله بن نجي من علي، وحجة الإمام الدارقطني في ذلك أقوال أهل العلم، قد نقله الحافظ ابن حجر في ترجمة عبدالله بن نجي: \" قال البخاري وأبو أحمد بن عدي فيه نظر وقال النسائي: ثقة ...، قلت: قال ابن معين لم يسمع من علي بينه وبينه أبوه، وقال البزار: سمع هو وأبوه من علي وكناه النَّسائي أبا لقمان \" (٣).\n\nالجنس السابع: قلب جزء من الإسناد أو إبدال رُواة مكان رُواة.\n\nوتنشأ هذه العلة عند حدوث الوهم أو الخطأ من الراوي فيبدل جزءًا من الإسناد ليس من أصل الإسناد، ويبقى بقية الإسناد بنفس السياق، وهذه العلة من العلل الدقيقة التي لا يتفطن إليها إلا كبار وجهابذة النقاد من أهل العلم، وقد وقع الكثير من هذا النوع في كتب العلل، وعلى رأسهم كتاب العلل للإمام الدارقطني، وهذه أمثلة منه:\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل - ﵁ -: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبَّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ\n_________\n(١) عبدالله بن نجى بن سلمة بن حشم بن أسد بن خليبة الحضرمى الكوفى (ت:؟)، صدوق من الطبقة الثالثة، أخرج له الجماعة إلا الترمذي، تهذيب التهذيب (ج٦/ص٥٠).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٣/ص٢٥٧ - ٢٥٨)، سؤال رقم (٣٩٣).\n(٣) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج٦/ص٥٠).","vol":"1","page":177},{"text":"رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى» (١).\nفقال - الدارقطني -: يرويه عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان واختلف عنه: فرواه الوليد ابن مسلم، وكثير بن هشام، ويحيى بن عمرو بن عمارة بن راشد أبو الخطاب الليثي عن ابن ثوبان، عن أبيه عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل وخالفهم زيد بن يحيى (٢):\nفرواه عن ابن ثوبان واختلف عنه فقال سلمة بن شبيب عنه عن ابن ثوبان عن أبيه عن جبير بن نفير، عن مالك بن يخامر، عن معاذ لم يذكر في الإسناد مكحولًا، وكذلك قال كثير بن عبيد عن الوليد، عن ابن ثوبان، وقال عباس الترقفي: عن زيد بن يحيى، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن ابن جبير بن نفير، عن أبيه، عن معاذ. لم يذكر في الإسناد مكحولًا ولا مالك بن يخامر، وزاد فيه عبدالرحمن بن جبير، والصحيح قول من قال عن ابن ثوبان، عن مكحول، عن جبير، عن مالك بن يخامر، عن معاذ \" (٣).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي أنَّ زيد بن يحيى وهو الخزاعي، أبو عبدالله الدمشقي خالف جمعًا من الثقات منهم الوليد بن مسلم، وكثير بن هشام، ويحيى بن عمرو بن\n_________\n(١) أخرجه الطبراني: في المعجم الكبير (ج٢٠/ص٩٣) برقم (١٦٩٣٨)، على الوجه المعلول الذي أشار إليه الدارقطني في المثال من طريق معاوية بن صالح عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن معاذ بن جبل به، وكذلك أخرجه من الوجه الآخر الذي لم يذكر فيه مكحولًا: (ج٢٠/ص١٠٦) برقم (١٦٩٦٥)، من طريق عبدالرحمن الدمشقي ثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن جبير بن نفير أنَّ مالك بن يخامر حدثهم أنَّ معاذ بن جبل قال لهم به، وكذا أخرجه من الوجه الراجح عند الدارقطني: (ج٢٠/ص١٠٧) برقم (١٦٩٦٩)، من طريق عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل به.\n(٢) زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعى، أبو عبد الله الدمشقى (ت: ٢٠٧هـ)، ثقة من الطبقة التاسعة من صغار أتباع التابعين، أخرج له الأربعة في السنن إلا الترمذي، تهذيب التهذيب (ج٣/ص ٣٦٩).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٦/ص٤٨ - ٤٩)، سؤال رقم (٩٦٨).","vol":"1","page":178},{"text":"عمارة بن راشد أبو الخطاب الليثي عن ابن ثوبان، فأبدل جزءًا من الإسناد فقال \"عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه\" بدلًا من \"عن مكحول، عن جبير، عن مالك ابن يخامر\"، ثم رجح الدارقطني طريق عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل ﵁، وذلك لرواية الثقات الحديث بهذا الإسناد وهم أوثق من زيد بن يحيى الخزاعي وأكثر عددًا.\n\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني -: عن حديث عمر بن ثابت عن أبي أيوب الأنصاري - ﵁ - عن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ» (١).\nفقال - الدارقطني -: يرويه جماعة من الثقات الحفاظ عن سعد بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب منهم ابن جريح والثوري وعمرو بن الحارث وابن المبارك وإسماعيل\nابن جعفر وغيرهم، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، واختلف عنه:\nفرواه حفص بن غياث عن يحيى عن أخيه سعد بن سعيد، وخالفه إسماعيل بن إبراهيم الصائغ، وعبد الملك بن أبي بكر الحضرمي فروياه، عن يحيى بن سعيد عن عمر بن ثابت لم يذكر في إسناده سعد بن سعيد.\n\nورواه إسحاق بن أبي فروة (٢)، عن يحيى بن سعيد، عن عدي بن ثابت، عن البراء ووهم فيه وهمًا قبيحًا، والصواب حديث أبي أيوب: حدثنا محمد بن مخلد، قال: ثنا محمد بن علي بن خلف العطار، قال: ثنا عمرو بن عبد الغفار، عن الحسن بن حي وسفيان بن سعيد الثوري،\n_________\n(١) أخرجه بوجه آخر الإمام مسلم: في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الصيام، باب استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعا لرمضان، (ج٤/ ص٣١٢)، برقم (١١٦٤).\n(٢) هو إسحاق بن محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن أبى فروة الفروي، القرشي (ت:٢٢٦هـ)، صدوق من الطبقة العاشرة، من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، أخرج له البخاري والترمذي وابن ماجه كما في تهذيب التهذيب (ج١/ص ٢١٧).","vol":"1","page":179},{"text":"عن سعد بن سعيد أخي يحيى بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبى أيوب الأنصاري، قال: رسول الله ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ» \" (١).\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي أنَّ إسحاق بن أبي فروة وهو الفروي القرشي، أبدل جزءًا من الإسناد من بعد يحيى بن سعيد الأنصاري فقال \"عن عدي بن ثابت، عن البراء\"، بدلًا من \" عمر بن ثابت عن أبى أيوب الأنصاري\"، وقد ذكر الدارقطني فحش هذا الغلط في الإسناد، ثم روي بالإسناد الصحيح الراجح الحديث، وحجته في ذلك الرواية التي ساقها، وكذلك مخالفة إسحاق بن أبي فروة للثقات الحفاظ الذين رووا الحديث عن سعد بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب منهم ابن جريح والثوري وعمرو بن الحارث وابن المبارك وإسماعيل بن جعفر وغيرهم.\nالجنس الثامن: شك الراوي في الحديث أو اضطرابه فيما يرويه.\n\nوتنشأ هذه العلة بسبب شك الراواي في حديثه، واضطرابه فيه فهو يرويه على أوجه مضطربة لا تصح، وهذه الظاهرة تدل على عدم حفظ الراوي لحديثه، فيعل النقاد الحديث بالاضطراب، وقد وقع هذا من بعض الحفاظ الكبار، وقد أعلَّ الدارقطني بهذه العلة بعض الأحاديث منها على سبيل المثال:\n\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي صالح عن أبي سعيد - ﵁ - قال: «قَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُ فُلاَنًا يَقُولُ خَيْرًا ذَكَرَ أَنَّكَ أَعْطَيْتَهُ دِينَارَيْنِ، قَالَ: لَكِنْ فُلَانٌ لاَ يَقُولُ ذَلِكَ وَلاَ يُثْنِي بِهِ، لَقَدْ أَعْطَيْتُهُ مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْمِائَةِ ...» (٢) الحديث.\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٦/ص١٠٧ - ١٠٨)، سؤال رقم (١٠٠٩).\n(٢) أخرجه أحمد بن حنبل بالوجه الأقرب للصواب عنده: في المسند (ج٣/ص١٦)، برقم: (١١١٣٩)، من طريق أبو بكر - بن عياش - عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري، ثم جاء بمتابعة جرير عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد فذكر نحوه.","vol":"1","page":180},{"text":"فقال - الدارقطني -: يرويه الأعمش (١)، واختلف عنه، فرواه أبو بكر بن عياش عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد.\nوخالفه زياد البكائي وجرير بن عبد الحميد، فروياه عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد ورواه حبان بن علي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر.\nوقال أبو كريب: عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وقال عبدالله بن بشر: عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، وليس فيها شئ أقطع على صحته، لأنَّ الأعمش اضطرب فيه، وكل من رواه عنه ثقة إلا حبان \" (٢).\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي اضطراب الأعمش في رواية الحديث فإنَّه يرويه مرة عن أبي سعيد الخدري، ومرة يرويه عن جابر بن عبدالله، ومرة يرويه عن أبي هريرة ﵃ أجمعين، مما أظهر عدم تثبت الأعمش من الحديث، وقد توقف الدارقطني فلم يحكم بصحة أي الأوجه في الحديث، إلا إنَّه يمكن القول أنَّ الأشبه والأقرب للصواب حديث أبي سعيد الخدري، لوجود متابعات لها أكثر من غيرها، وقد أخرج الإمام أحمد بعض المتابعات كما أشرنا إليها من قبل منها: متابعة جرير عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد، والله أعلم.\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني -: عن حديث جابر بن سمرة - ﵁ - قَالَ: «خَطَبَ عُمَرُ - ﵁ - النَّاسَ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي مِثْلِ مَقَامِي هَذَا فَقَالَ أَحْسِنُوا إِلَى أَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبَ» (٣) الحديث.\n_________\n(١) هو سليمان بن مهران الأسدى الكاهلي، أبو محمد الكوفى (ت: ١٤٨هـ)، ثقة حافظ أحد الأعلام من الطبقة الخامسة، من صغار التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج٤/ص ١٩٥).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١١/ص٣٤٣)، سؤال رقم (٢٣٢٦).\n(٣) أخرجه أحمد بن حنبل بالوجه الأقرب للصواب عنده: في المسند (ج١/ص٣٢)، برقم (١٧٧) من طريق جرير عن عبدالملك بن عمير عن جابر بن سمرة وتمامه: «قَالَ خَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِي مِثْلِ مَقَامِي هَذَا فَقَالَ أَحْسِنُوا إِلَى أَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَحْلِفُ أَحَدُهُمْ عَلَى الْيَمِينِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَحْلَفَ عَلَيْهَا وَيَشْهَدُ عَلَى الشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَنَالَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ وَلَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ تَسُرُّهُ حَسَنَتُهُ وَتَسُوءُهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ».","vol":"1","page":181},{"text":"فقال - الدارقطني -: يرويه عبدالملك بن عمير (١)، واختلف عنه في إسناده فقيل عنه فيه عدة أقاويل:\nورواه جرير بن حازم، ومحمد بن شبيب الزهراني، وقرة بن خالد، وجرير بن عبدالحميد، وقيل عن شعبة بن الحجاج فقالوا: عن عبدالملك بن عمير، عن جابر بن\nسمرة، عن عمر، وخالفهم جماعة ثقات منهم: عبدالله بن المختار، ويونس بن أبي إسحاق، وابنه إسرائيل ومعمر، وعبدالحكيم بن منصور، وحبان ومندل ابنا علي، وسفيان الثوري.\nوقيل عن شعبة والمسعودي، وداود بن الزبرقان، والحسين بن واقد، والحصين بن واقد شيخ روى عنه، وأبو بكر بن عياش، وقزعة بن سويد، وأبو عوانة فرووه:\nعن عبدالملك بن عمير، عن عبدالله بن الزبير، عن عمر. ورواه شيبان بن عبدالرحمن وشعيب بن صفوان، وعبيدالله بن عمر الرقى، عن عبدالملك بن عمير عن رجل لم يسم عن عبدالله بن الزبير.\nوقال عبدالحميد بن موسى، عن عبيدالله بن عمرو، عن عبدالملك، عن مجاهد، عن ابن الزبير، عن عمر ولم يصنع شيئا. وقال عمران هو أخو سفيان بن عيينة عن عبدالملك عن ربعي بن حراش عن عمر.\n_________\n(١) هو عبدالملك بن عمير بن سويد الفرسي اللخمي، أبو عمرو الكوفى (ت: ١٣٦هـ)، ثقة الطبقة الرابعة: تلى الوسطى من التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج٦/ص ٣٦٤).","vol":"1","page":182},{"text":"وقال يحيى بن يعلى أبو المحياة، وزهير ومحمد بن ثابت، عن عبدالملك، عن قبيصة بن جابر، عن عمر.\nوقال حماد بن سلمة والمسعودي، وقيس من رواية محمد بن مصعب عنهم، عن عبدالملك عن رجاء بن حيوة، عن عمر.\nوقال ابن عيينة، عن عبدالملك، عن رجل لم يسمه، عن عمر. ويشبه أن يكون الاضطراب في هذا الإسناد من عبدالملك بن عمير لكثرة اختلاف الثقات عنه في الإسناد والله أعلم \" (١).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي كثرة اضطراب الإسناد ولم يرجح الدارقطني وجهًا على وجهٍ، لتساوي الأوجه في القوة والثبات، ثم جزم أنَّ أصل الاضطراب من عبدالملك بن عمير لكثرة اختلاف الثقات عنه في إسناد الحديث.\n\nالجنس التاسع: إنكار المحدث للحديث الذي روي عنه.\nقال الحافظ ابن كثير: \" إذا حدث ثقة عن ثقة بحديث، فأنكر الشيخ سماعه لذلك بالكلية، فاختار ابن الصلاح أنه لا تقبل روايته عنه، بجزمه بإنكاره، ولا يقدح ذلك في عدالة الراوي عنه فيما عداه، بخلاف ما إذا قال: لا أعرف هذا الحديث من سماعي، فإنَّه تقبل روايته عنه. وأما إذا نسيه، فإن الجمهور يقبلونه، ورده بعض الحنفية. كحديث سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة: \" أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل \". قال ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عنه؟ فلم يعرفه \" (٢).\nولم أجد إلا حديثًا واحدًا قد أعلَّه الدارقطني في العلل بهذه العلة مع طول بحث وتفتيش:\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ص١٢٥)، سؤال رقم (١٥٥).\n(٢) ابن كثير: الباعث الحثيث مختصر علوم الحديث، (ص١٤٦).","vol":"1","page":183},{"text":"المثال: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي صالح عن أبي هريرة - ﵁ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» (١).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه سُهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، حدَّث به عنه سليمان بن بلال، واختلف عنه، فرواه القعنبي، وإسماعيل ابن أبي أويس، ويحيى الحماني وزياد بن يونس، وعبدالله بن وهب عن سليمان بن بلال، عن ربيعة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة. وخالفهم أبو بكر بن أبي أويس، وعمران بن أبان، روياه عن سليمان ابن بلال عن سُهيل لم يذكرا فيه ربيعة.\nوالصحيح: عن سليمان بن بلال عن ربيعة، وقد بيَّن ذلك زياد بن يونس في روايته عن سليمان، فقال فيه: قال سليمان: فلقيت سُهيلًا سألته عنه فلم يعرفه، فقلت: حدثني به عنك ربيعة فقال: فحدث به عن ربيعة عني \" (٢).\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي أنَّ سُهيل بن أبي صالح لما سئل عن الحديث الذي رواه لم يعرفه!، ولا شك أنَّ هذا من قبيل النسيان وليس الإنكار، فهو حديث صحيح لا غبار عليه، ولا يعكر صفوه ذكر النُّقاد له في مصنفات العلل، وله شاهد من حديث جابر بن عبدالله أخرجه الترمذي وابن ماجه (٣)، وغيرهما كلاهما من طريق محمد بن بشار حدثنا عبدالوهاب حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ»، فدل على أنه ثابت صحيح، والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه: في السنن، كتاب الأحكام، باب القضاء بالشاهد واليمين (ج٢/ص ٧٩٣) برقم (٢٣٦٨)، من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سُهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١٠/ص ١٣٩)، سؤال رقم (١٩٢٩).\n(٣) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب الأحكام، باب ما جاء في اليمين مع الشاهد (ج٣/ص ٦٢٨)، برقم (١٣٤٤)، وابن ماجه: في السنن، كتاب الأحكام، باب باب القضاء بالشاهد واليمين (ج٢/ص ٧٩٣)، برقم (٢٣٦٩).","vol":"1","page":184},{"text":"الجنس العاشر: علة رواية الحديث عن عدد من الشيوخ بلفظ وسياق واحد.\n\nوتنشأ هذه العلة عندما يروي أحد الرواة حديثًا واحدًا، ثم يأتي به على سياق واحد، ومعلوم أنَّ الرواة يختلفون في السياق، وهذا يعني أنَّه أدخل الأحاديث المختلفة في سياقٍ واحدٍ، وهذه علامة على عدم الحفظ، وهي من أدق أجناس العلل وأصعبها.\n\nوقد أوضح الحافظ ابن رجب هذه الظاهرة فقال: \"وقال أبو يعلى الخليلي في كتابه الإرشاد: \" ذاكرت بعض الحفاظ قلت: لِمَ لَمْ يُدخل البخاري حماد بن سلمة في الصحيح؟.\nقال: لأنَّه يجمع بين جماعة من أصحاب أنس، يقول: أخبرنا قتادة، وثابت، وعبدالعزيز بن صهيب عن أنس، وربما يخالف في بعض ذلك.\nفقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه وهو يجمع بين أسانيد، فيقول: أخبرنا مالك، وعمرو بن الحارث والأوزاعي، ويجمع بين جماعة غيرهم؟!.\nفقال: ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ. ومعنى هذا أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة وساق الحديث سياقة واحدة فالظاهر أن لفظهم لم يتفق، فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديثه يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم، كما كان الزهري بين شيوخ له في حديث الإفك وغيره\" (١).\nوقد أعلَّ الدارقطني بهذه العلة بعض الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال:\n\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث الأحنف بن قيس عن أبي بكرة - ﵁ -: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا ...» (٢). الحديث.\n_________\n(١) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص٤٥٣ - ٤٥٤).\n(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الإيمان، باب (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما)، (ج١/ ص١٠٧)، برقم (٣١)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، (ج٩/ص٢٣٧)، برقم (٢٨٨٨)، كلاهما من طريق حماد بن زيد حدثنا أيوب ويونس عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن أبي بكرة به، على الوجه الصحيح.","vol":"1","page":185},{"text":"فقال - الدارقطني -: يرويه الحسن البصري عن الأحنف واختلف عنه: فرواه أيوب السختياني، ويونس بن عبيد، وهشام بن حسان، ومعلى بن زياد، عن الحسن عن الأحنف. واختلف عن يونس وهشام: فروي عن حماد بن زيد عنهما عن الحسن عن الأحنف، وخالفه أبو خلف عبدالله بن عيسى، ومحبوب بن الحسن، فرواه عن يونس عن الحسن عن أبي بكرة.\nوخالفه أيضًا في روايته عن هشام، وزائدة فروياه عن هشام عن الحسن عن أبي بكرة وكذلك قال أبو الربيع الزهراني عن حماد بن زيد عن هشام، ولعل حماد إنَّما جمع بين أيوب وهشام ويونس في الإسناد على حديثيهما على إسناد حديث أيوب، فذكر فيه الأحنف وهما لا يذكرانه، ورواه قتادة، ومعروف الأعور، وجسر بن فرقد، عن الحسن عن أبي بكرة. ولم يذكروا فيه الأحنف والصحيح حديث أيوب حدث به عنه حماد بن زيد ومعمر\" (١).\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي أنَّ: \"حماد بن زيد جمع بين أيوب وهشام ويونس في الإسناد على حديثيهما على إسناد حديث أيوب، فذكر فيه الأحنف وهما لا يذكرانه \".\nوليس هذا بصحيح فإنَّ البخاري ذكر قرينة جعلت من جمع حماد بن زيد بين أيوب ويونس حديثًا واحدًا، بسياقٍ واحدٍ؛ لأنَّ مجلس التحديث كان واحدًا فذكرا فيه الأحنف بن قيس مما جعل البخاري يرجح هذا الجمع لحماد بن زيد، والقرينة التي ذكرها البخاري هي قوله: \" قال حماد بن زيد فذكرت هذا الحديث لأيوب ويونس بن عبيد وأنا أريد أن يحدثاني به فقالا: إنَّما روى هذا الحديث الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن أبي بكرة. حدثنا سليمان حدثنا حماد بهذا \" (٢).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٧/ص١٦٢ - ١٦٤)، سؤال رقم (١٢٧٦).\n(٢) البخاري: في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الفتن، باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما، (ج١٣/ص٣٨)، رقم (٧٠٨٣)، بلفظ: «إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ»، ثم قال الحافظ ابن حجر في الفتح بعد ذلك: \" يعني أن عمرو بن عبيد أخطأ في حذف الأحنف بين الحسن وأبي بكرة، لكن وافقه قتادة أخرجه النسائي من وجهين عنه عن الحسن عن أبي بكرة، إلا أنه اقتصر على الحديث دون القصة، فكأن الحسن كان يرسله عن أبي بكرة فإذا ذكر القصة أسنده \".","vol":"1","page":186},{"text":"فثبت أنَّ إخراج البخاري ومسلم وغيرهما الإسناد من طريق حماد بن زيد، عن أيوب ويونس، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن أبي بكرة، بهذا الجمع صحيح لا غبار عليه للقرينة التي ذكرها البخاري في صحيحه.\n\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث عمرو بن شرحبيل عن عبدالله - ﵁ -: «قَالَ رَجُلٌ يَا رسُول اللهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ...» (١). الحديث\nفقال - الدارقطني -: يرويه منصور عن أبي وائل عن أبي ميسرة عن عبدالله. ورواه الأعمش، واختلف عنه: فرواه الثوري ومعمر، وجرير وعبدالله بن نمير، عن الأعمش عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبدالله.\nوخالفهم أبو شهاب الحناط وأبو معاوية الضرير وشيبان بن عبدالرحمن فرووه: عن الأعمش، عن أبي وائل عن عبدالله.\nوكذلك رواه واصل الأحدب واختلف عنه فرواه الثوري وشعبة ومهدي بن ميمون عن واصل عن أبي وائل عن عبدالله.\nورواه عبدالرحمن بن مهدي، عن الثوري، عن واصل، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبدالله، ووهم على الثوري ...\nورواه عبدالرحمن بن مهدي، ومحمد بن كثير، فجمعا بين واصل ومنصور والأعمش عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبدالله. فيشبه أن يكون الثوري جمع بين الثلاثة لعبدالرحمن، ولابن كثير فجعل إسنادهم واحدًا، ولم يذكر بينهم خلافًا وحمل حديث واصل\n_________\n(١) متفق عليه: أخرجه البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)،كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى (فلا تجعلوا لله أندادًا)، (ج١٣/ص٥٥٧)، برقم (٧٥٢٠)، ومسلم في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده، (ج١/ ص٣٥٧)، برقم (٨٦)، كلاهما من طريق جرير عن منصور عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبدالله - يعني ابن مسعود - به، على الوجه الصحيح.","vol":"1","page":187},{"text":"على حديث الأعمش ومنصور، وفَصَلَهُ يحيى بن سعيد فجعل حديث واصل عن أبي وائل عن عبدالله وهو الصواب؛ لأنَّ شعبة ومهدي بن ميمون روياه عن واصل عن أبي وائل عن عبدالله كما رواه يحيى عن الثوري عنه، والله أعلم \" (١).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي أنَّ: \" الوهم الذي وقع فيه سفيان الثوري حيث جمع في هذا الحديث بين رواية ثلاثة وهم: واصل ومنصور والأعمش، ولم يذكر الخلاف بينهم، بل جعل حديث واصل (٢) مثل حديث الأعمش، ومنصور، ثم رجَّح الدارقطني التفصيل الذي رواه يحيى بن سعيد، والذي لم يُذكر في حديث واصل \"عمرو ابن شرحبيل\"، وذلك؛ لأنَّ أغلب من رواه من الرواة من طريق واصل، عن أبي وائل، عن عبدالله بغير ذكر عمرو بن شرحبيل، وهو الصحيح الراجح، والله أعلم.\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٥/ص٢٢٣)، سؤال رقم (٨٣٤).\n(٢) هو واصل بن حيان الأحدب الأسدي الكوفي (ت: ١٢٠هـ)، ثقة ثبت من الطبقة السادسة عاصر صغار التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج١١/ص ٩١).","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>المبحث الثالث: أجناس العلل الخفية في المتون:</span>\nسنتعرض في هذا المبحث لأجناس العلل الخفية في المتون عند الإمام الدارقطني في كتابه العلل، وكان كل ما سبق ذكره من قبيل أجناس العلل التي تخص الإسناد دون المتن، وأما في هذا المبحث فسوف نقوم إن شاء الله بدراسة مجموعة من أجناس العلل الخاصة بالمتون ثم نضرب لها أمثلة تُبيّنها وتظهر المقصود من العلة، ومنهج الدارقطني فيها.\n\nالجنس الأول: التصحيف والتحريف في متن الحديث.\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث همام بن منبه عن أبي هريرة - ﵁ - قال: رسول الله ﷺ: «النَّارُ جُبَارٌ» (١).\nفقال - الدارقطني -: يرويه عبدالرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، قال إسحاق بن إبراهيم بن هاني: عن أحمد بن حنبل إنما هو البئر جبار، وأهل صنعاء يكتبون النار بالباء على الإمالة للفظهم، فصحفوا على عبدالرزاق البئر بالنار، والصحيح الْبِئْرُ.\nقال الشيخ: إسحاق هذا له عن أحمد مسائل وكان ألزم لأحمد من أبيه \" (٢).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: التصحيف في متن الحديث حيث صحَّفه أهل صنعاء من البئر إلى النار، والرِّوايات كلها تخالف هذا اللفظ، واستدل الدارقطني بقول الإمام أحمد بن حنبل: على أنَّ الصحيح في هذه اللفظة \" الْبِئْرُ \".\n_________\n(١) وهو جزء من حديث متفق عليه على الوجه الصحيح بتمامه: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)،كتاب الزكاة، باب في الركائز الخمس، (ج٣/ص٤١٤)، برقم (١٤٩٩)، ومسلم في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الحدود، باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، (ج٦/ ص٢٤١)، برقم (١٧١٠)،كلاهما من طريق ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وعن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة مثله.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١١/ص١٦٤ - ١٦٥)، سؤال رقم (٢١٩٧).","vol":"1","page":189},{"text":"الجنس الثاني: ما كان علته أنَّه لا يشبه كلام النَّبي ﷺ.\nوهذه العلة من أغمض العلل وأصعبها، ولا يطلع على حقيقتها إلا أهل الحذق والمعرفة الدقيقة بهذا العلم الشريف، وقد تكلم عليها ابن القيم في المنار المنيف فقال: \" ومنها أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء فضلا عن كلام رسول الله الذي هو وحي يوحى كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١)، أي وما نطقه إلا وحي يوحى، فيكون الحديث مما لا يشبه الوحي، بل لا يشبه كلام الصحابة \" (٢) وسوف نضرب بعض الأمثلة لتوضيح هذه العلة.\n\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي سلمة عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -: «المعِدَةُ حَوْضُ البَدَنِ وَالْعُرُوقُ إِليهَا وَارِدَةٌ» (٣)\n\nفقال - الدارقطني - يرويه يحيى بن عبدالله بن الضحاك البابلتي الحراني، عن إبراهيم بن جريج الرهاوي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nواختلف عنه فرواه أبو فروة الرهاوي عنه، فقال: عن الزهري، عن عروة عن عائشة. وكلاهما وهم لا يصح ولا يعرف هذا من كلام النبي ﷺ إنما هو من كلام عبدالملك بن سعيد بن أبجر، قيل لأبي الحسن الدارقطني هل سمع زيد بن أبي أنيسة من الزهري فقال: نعم ولم يرو هذا مسندا غير إبراهيم بن جريج، وكان طبيبا فجعل له إسنادا ولم يُسْنِد غير هذا الحديث \" (٤).\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني -: \" عن حديث ابن المسيّب عن أبي هريرة - ﵁ -، قال رسُول اللهِ ﷺ: «الإحْصَانُ إِحْصَانَانِ إِحْصَانُ عَفَافٍ، وَإحْصَانُ نِكَاحٍ»، فقال\n_________\n(١) سورة النَّجم: الآيات (٣، ٤).\n(٢) ابن القيم: محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي (ت: ٧٥١هـ)، المنار المنيف في الصحيح والضعيف، طبع مكتبة المطبوعات الإسلامية، بيروت، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، (ص ٦١ - ٦٢).\n(٣) أخرجه الطبراني: في المعجم الأوسط (ج١٠/ص٤٨)، برقم (٤٤٩٤)، وفيه عبدالله بن الضحاك البابلتي (ت: ٢١٨هـ)، ضعيف أخرج له النسائي، تهذيب التهذيب (ج١٢/ص ٢٨٦).\n(٤) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٨/ص٤٢ - ٤٣)، سؤال رقم (١٤٠١).","vol":"1","page":190},{"text":"- الدارقطني -: يرويه مبشر بن عبيد، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة مرفوعا، ومبشر متروك الحديث يشبه أن يكون من كلام الزهري، بل هو محفوظ عن عقيل، ومعمر، عن الزهري قوله ورأيه \" (١).\n\nقلتُ: وواضح من العلة التي أشار إليها الدارقطني في المثالين السابقين أنّ المتن في كليهما لا يشبه كلام رسول الله ﷺ وليس عليه نور الوحي، وحجته في الأول أنَّ هذا الكلام ثابت من كلام عبدالملك بن سعيد بن أبجر، وفي حجته في الثاني أنَّه محفوظ من كلام الزهري كما رواه عنه عقيل، ومعمر أنَّه مجرد رأيه وقوله، والله الهادي.\n\nالجنس الثالث: ما كان فيه كلام مدرج، ليس من كلام النَّبي ﷺ:\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني -: عن حديث جابر بن عبدالله عن عمر ﵁ عن النَّبي ﷺ: «إِنْ عِشْتُ لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» (٢).\nفقال -الدارقطني-: يرويه أبو الزبير ووهب بن منبه عن جابر واختلف عن الزهري فرواه إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن موسى بن عقبة عن الزهري قال: حدثني ابن تدرس وهو أبو الزبير عن جابر عن عمر. وخالفه محمد بن فليح رواه عن موسى بن عقبة عن الزهري قال: قال جابر عن عمر مرسلًا، ورواه أبو أحمد الزبيري عن الثوري عن أبي الزبير عن جابر عن عمر هذا الحديث وألحق به كلاما آخر أدرجه فيه عن النبي ﷺ لأنهين أن يسمى رباحًا ونجيحًا، ووهم في إدراجه هذا الكلام عن عمر\" (٣).\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني في هذا المتن هي إدراج لفظة: \" لأنهين أن يسمى رباحًا ونجيحًا \" في آخر الحديث، ولم تثبت من كلام النَّبي ﷺ، ورجح الدارقطني أنها من قول عمر ﵁، وحجته في ذلك أنَّ الثقات رووه بغير هذه اللفظة، وإنما ثبتت من قول عمر ﵁، والله أعلم.\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٩/ص١٣٣)، سؤال رقم (١٦٧٧).\n(٢) أخرجه أحمد على الوجه الصحيح على شرط مسلم: في المسند، (ج١/ص٢٩)، برقم (٢٠١).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ص٩٥ - ٩٦)، سؤال رقم (١٣٧).","vol":"1","page":191},{"text":"المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني -: عن حديث أبي عبدالرحمن السلمي عن عثمان - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (١).\nفقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه علقمة بن مرثد وسعد بن عبيدة، وعبد الملك ابن عمير وسلمة بن كهيل، وعاصم بن بهدلة، والحسن بن عبيدالله، وعبدالكريم وعطاء ابن السائب، واختلف عنه عن أبي عبد الرحمن السلمي، واختلف عن علقمة بن مرثد: فرواه موسى بن قيس الفراء من رواية أبي نعيم عنه، وعمرو بن قيس الملائي ...\nورواه الجراح بن الضحاك الكندي، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبدالرحمن، عن عثمان، وقد اختلف عن إسحاق بن سليمان (٢) فيه: فقال يعلى بن المنهال، عن إسحاق بن سليمان عن الجراح: \" وفضل كلام الله على سائر خلقه ... \"، أدرجه في كلام النَّبي ﷺ، وإنَّما هُو من كلام أبي عبدالرحمن السُلَمِي، وبين ذلك إسحاق بن راهويه وغيره في روايتهم عن إسحاق بن سليمان \" (٣).\n\nقلتُ: ورجح الدارقطني هنا أنّ لفظة \" وفضل كلام الله على سائر خلقه ... \"، مدرجة على كلام النّبي ﷺ، وإنَّما هي ثابتة من قول أبي عبدالرحمن السُّلَمِي، وحجته ما رواه إسحاق بن راهويه وغيره في روايتهم عن إسحاق بن سليمان، من عدم إدارج هذه اللفظة في الحديث.\n\nالجنس الرابع: ما كانت علته من تغير بزيادة على المتن المحفوظ.\nوتنشأ هذه العلة عند الوهم أو الخطأ في متن الحديث بزيادة تدخل عليه، ليست من أصل الرواية، بخلاف المحفوظ من مرويَّات الثقات، ولا شك أنَّ هذا النوع مختلف عن\n_________\n(١) أخرجه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)،كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه، (ج٩/ص٨٥)، برقم (٥٠٢٧)، بغير اللفظة المدرجة.\n(٢) هو إسحاق بن سليمان الرازى، أبو يحيى العبدى الكوفي، (ت: ٢٠٠ هـ وقيل قبلها)، ثقة فاضل، من الطبقة التاسعة صغار أتباع التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج١٢/ص ٢٨٦).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٣/ص٥٣ - ٥٧)، سؤال رقم (٢٨٣).","vol":"1","page":192},{"text":"النوع الذي قبله وهو المدرج، فإنَّ المدرج قد يكون من أصل الرواية، ولكنه ليس من كلام النَّبي ﷺ، وإنَّما يكون من قول بعض الرواة، وقد أعلَّ الدارقطني بهذه العلة بعض الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال:\n\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني -: عن حديث حُصَيْنٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لاَ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ إِلاَّ الْحَدَثُ لاَ أَسْتَحْيِيكُمْ مِمَّا لاَ يَسْتَحْيِي مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَالْحَدَثُ أَنْ يَفْسُوَ أَوْ يَضْرِطَ» (١).\n\nفقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه أبو سنان ضرار بن مرة (٢)، واختلف عنه فرواه حبان ومندل ابنا علي، عن أبي سنان، عن حصين المزني، عن علي.\nوخالفهما أبو بكر بن عياش فرواه: عن أبي سنان، عن الحكم بن عتيبة، عن شريح بن هانئ، عن علي وفي متن الحديث زيادة: إذا توضأ الرجل فهو في صلاة ما لم يحدث ويشبه أن يكون الصحيح قول مندل وحبان والله أعلم، وقال أبو مسعود أحمد بن الفرات في هذا الحديث عن شيخ له عن أبي بكر بن عياش عن أبي سنان عن الحكم عن القاسم بن مخيمرة عن شريح عن علي ولم يتابع عليه \" (٣).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنّ أبو بكر بن عياش وهم فزاد في المتن لفظة \" إذا توضأ الرجل فهو في صلاة ما لم يحدث \"، وهي زيادة ليست من أصل الحديث ولا\n_________\n(١) أخرجه أحمد: في المسند، (ج١/ص١٣٨)، برقم (١١٦٤) بسندٍ ضعيفٍ لضعف حبان بن علي لكنَّه حسن لغيره لما له من شواهد صحيحة، حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد الخدري غيرهما.\n(٢) هو ضرار بن مرة الكوفى، أبو سنان الشيبانى الأكبر (ت: ١٣٢ هـ)، ثقة ثبت من العباد الثقات، من الطبقة السادسة من الذين عاصروا صغار التابعين، أخرج له مسلم والترمذي والنسائي تهذيب التهذيب (ج٤/ص ٤٠٠ - ٤٠١).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٣/ص١٨٩ - ١٩٠)، سؤال رقم (٣٥٢).","vol":"1","page":193},{"text":"الرِّواية، وإنَّما هي مجرد خطأ وقع من الرَّاوي، وقد رجح الدارقطني أن هذه الزيادة معلولة، وحجة الدارقطني في ذلك مقارنة المرويَّات الأخرى من نفس مخرج الحديث وهو أبو سنان ضرار بن مرة، ثم إنَّ أبا بكر بن عياش لم يُتابع على هذه الزيادة، وهو ثقة فيه كلامٌ يسير (١).\n\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني -: عن حديث مسروق، عن علي - ﵁ -: «وَمَا نُبْعِدُ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ ﵁» (٢).\nفقال - الدارقطني -: يرويه الشعبي واختلف عنه: فرواه يوسف بن أسباط، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن علي. وخالفه عبدالرحمن بن مهدي وغيره ورووه، عن الثوري، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن علي لم يذكروا بينهما أحدا، وكذلك رواه أبو شهاب الحناط وعبيدالله الأشجعي، وعبدالله ابن إدريس وابن عيينة وداود بن الزبرقان، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن علي. ورواه هُريم بن سفيان، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن علي وزاد فيه ألفاظ لم يأت بها غيره، ...\nعن علي - ﵁ - قال: «إنْ كُنَّا لَنَرَى أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلى لِسَانِ عُمَر، وإِنْ كُنَّا لَنَرَى أَنَّ شَيطَانَهُ يَخَافُه أَنْ يَجُرَهُ إِلَى مَعْصِيةِ اللهِ تَعَالَى» \" (٣).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنَّ هُريم بن سفيان (٤) روي الأثر من طريق إسماعيل، عن الشعبي، عن علي ﵁، وزاد زيادة ليست من أصل الرواية ولا تصح عن\n_________\n(١) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: \" ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح \"، تقريب التهذيب، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية سنة ١٤١٥هـ، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، (ج٢/ص ٣٦٦).\n(٢) أخرجه أحمد على الوجه الصحيح: في المسند، (ج١/ص١٠٦)، برقم (٨٣٤)، من طريق يحيى بن أيوب الْبَجَلِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ وَهْبٍ السُّوَائِيِّ قَالَ خَطَبَنَا عَلِيٌّ ﵁، نحوًا منه وبسند صحيح بدون الزيادة المعلولة التي أشار إليها الدارقطني.\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٤/ص١٣٦ - ١٣٩)، سؤال رقم (٤٧١).\n(٤) هو هُريم بن سفيان البجلي، أبو محمد الكوفى (ت:؟)، من الطبقة التاسعة من صغار أتباع التابعين، صدوق ثقة، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج١١/ص ٢٩).","vol":"1","page":194},{"text":"الشعبي، ورجح الدارقطني أنها زيادة معلولة وحجته في ذلك أنَّ هُريم بن سفيان خالف جماعة من الأثبات الثقات بهذه الزيادة، والله سبحانه الموفق.\n\nالجنس الخامس: ما كانت علَّته دخول متن حديث على متنِ حديثٍ آخر:\n\nوهذه العلة تقع عند دخول متن حديث على متن حديث آخر بإسناد معروف عند الثقات ويكون المرجوح في الخلاف هو الحديث المعلول، وهذه علة مشهورة في كتب العلل، وقد أعل الدارقطني أحاديث بهذه العلة نذكر منها مثالًا:\nالمثال: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني - عن حديث عامر الشعبي عن أبي هريرة - ﵁ -: أقبل أبو بكر وعمر - ﵃ - «فقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (١). الحديث\nقال - الدارقطني -: يرويه يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي حدث به عنه أبو قتيبة واختلف عنه في متنه: فرواه إبراهيم بن عبدالله بن بشار الواسطي، عن أبي قتيبة بهذا الإسناد، وهذه الألفاظ.\nوخالفه غير واحد ممن رواه عن أبي قتيبة بهذا الإسناد أنَّ النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى» (٢). وكذلك رواه إسرائيل بن يونس عن أبيه يونس عن الشعبي عن أبي هريرة، وهو أصح من الأول \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه أحمد على الوجه الصحيح: في المسند، (ج١/ص٨٠)، برقم (٦٠٢)، من طريق عبدالله بن عمر اليمامي عن الحسن بن زيد بن حسن حدثني أبي عن أبيه عن على ﵁.\n(٢) أخرجه أحمد: في المسند، في مواضع من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، كلها ضعيفة لا تخلو من مقال، (ج٣/ص٢٦،٢٧،٧٢،٩٣،٩٨)، بأرقام: (١١٢٢٢)، (١١٢٢٩)، (١١٧٠٨)، (١١٩٠٠)، (١١٩٥٨) من طرق عن الأعمش عن عطية بن سعد عن أبي سعيد الخدري بلفظ: «قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى يَرَاهُمْ مَنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ كَمَا يُرَى الْكَوْكَبُ الطَّالِعُ فِي الْأُفُقِ مِنْ آفَاقِ السَّمَاءِ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا».\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١١/ص١١٣ - ١١٤)، سؤال رقم (٢١٥٦).","vol":"1","page":195},{"text":"قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنَّ لفظ الحديث: «إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى» جاء بإسناد معروف عند الثقات وهو: \" عن الشعبي حدث به عنه أبو قتيبة \"، فأدخل إبراهيم بن عبدالله بن بشار الواسطي متنًا آخر على نفس الإسناد فقال: «هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، فأوهم، وقد رجح الدارقطني أنَّ هذا الإسناد متنه هو: «إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى»، واستدل الدارقطني بمتابعة إسرائيل بن يونس عن أبيه يونس عن الشعبي عن أبي هريرة: فذكر نفس المتن، والله أعلم.\n\nالجنس السادس: ما كان علته أنّه لم يثبت في متنه شيء صحيح مرفوع.\n\nوهذه العلة يحكم بها النقاد عند عدم ثبوت صحة متن وإن كثرت رواياته، مثل قولهم: \" أصح شيء في هذا الباب \"، يعني أنَّ كل ما شابه هذا المتن ضعيف لا يثبت منه شيء، أو قولهم: \" لا يثبت فيه شيء \"، وقد أعل الدارقطني بعض الأحاديث نذكر منها أمثلة:\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني - عن حديث مصعب بن سعد عن سعد - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» (١).\nفقال - الدارقطني - يرويه محمد بن جحادة واختلف عنه فرواه: إسماعيل بن عبدالله ابن زرارة، عن داود بن الزبرقان، عن ابن جحادة، عن يونس بن أبي الحصيب، عن مصعب بن سعد، عن سعد، وخالفه الحسن بن عمر بن شقيق رواه، عن داود بن الزبرقان، عن محمد بن جحاد، عن عبدالأعلى، عن مصعب بن سعد، عن سعد، وجميعًا لا يصح \" (٢).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب الصيام، باب ما جاء في كراهية الحجامة للصائم (ح٣/ص ١٤٤)، برقم (٧٧٤)، وقال أبو عيسى الترمذي: \" قال الشافعي: قد روي عن النبي ﷺ أنَّه احتجم وهو صائم وروي عن النبي ﷺ أنَّه قال: أفطر الحاجم والمحجوم، ولا أعلم واحدًا من هذين الحديثين ثابتا، ولو تَوَقَّى رَجُلٌ الْحِجَامَةَ وهو صائم كان أحب إِلَيَّ ولو احتجم صائم لم أَرَ أن ذلك يفطره \".\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٤ /ص٣٢٤)، سؤال رقم (٥٩٥).","vol":"1","page":196},{"text":"قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ هذا المتن لا يصح فيه شيء، وقد ذكر ذلك جمع من أئمة النقاد، منهم الإمام أحمد، قال الترمذي: \" وذكر عن أحمد بن حنبل أنَّه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث رافع بن خديج، وذكر عن علي بن عبدالله - ابن المديني- أنَّه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وشداد بن أوس\" (١).\n\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ قال: «فَضْلُ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ، وَخَيْرُ دِينِكُمْ الْوَرَعُ» (٢).\nفقال - الدارقطني -: يرويه الأعمش، واختلف عنه، فرواه مالك بن وابض عن أبي مطيع البلخي، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة، وخالفه عبدالله بن عبدالقدوس، ورواه عن الأعمش عن مطرف بن عبدالله بن الشخير عن حذيفة.\nوخالفه حمزة الزيات، واختلف عنه:\nفرواه سعيد بن زكريا المدائني، عن حمزة، عن الأعمش، عن مصعب بن سعد، وقال غيره، عن حمزة، عن الأعمش، عن رجل، عن مصعب بن سعد، عن سعد، وقال المسيب بن شريك، عن الأعمش عن سالم بن [أبي] الجعد عن ثوبان، ولا يصح منها شئ.\nثنا عبدالباقي بن قانع قال: ثنا أبو نعيم عبدالرحمن بن قريش ثنا مالك بن وابض ثنا أبو مطيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبيِّ ﷺ: «فَضْلُ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ، وَخَيْرُ دِينِكُمْ الْوَرَعُ»، والصحيح أنَّه من قول مطرف بن عبدالله بن الشخير \" (٣).\n_________\n(١) الترمذي: في السنن، (ح٣/ص ١٤٤)، بعد حديث رقم (٧٧٤).\n(٢) أخرجه الطبراني: في المعجم الأوسط (ج٩/ص١٦٠)، برقم (٤١٠٧)، وقال الطبراني: \" لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا عبدالله بن عبدالقدوس\"، قلتُ: بل قد رواه جمعٌ كما ذكر الدارقطني.\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١٠/ص١٤٥ - ١٤٦)، سؤال رقم (١٩٣٥).","vol":"1","page":197},{"text":"قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنَّ هذا الحديث لا يثبت متنه ولا يصح مرفوع، بل ثبت أنَّهُ من قول مطرف بن عبدالله بن الشخير ﵁، وحُجَة الدارقطني في ذلك ضعف كل رواية مرفوعة في هذا المتن، وثبوتها موقوفة.\n\nالجنس السابع: ما كان علته تغير بنقص في المتن بخلاف المحفوظ.\n\nوتنشأ هذه العلة عندما يقع النقص في الرواية من الراوي بسبب الخطأ أو الوهم، وهي من أدق العلل، ولا يمكن أن يكتشف ذلك النقص إلا بمقارنة المرويَّات المختلفة في الحديث من طرق كثيرة حتى يتمكن الناظر فيها من إدراك النقص الذي حدث في هذه الرواية من عدمه والراجح فيه، وهي علة مشهورة في كتب العلل لا يكاد يخلو منها كتاب، وقد أعل الدارقطني بهذه العلة بعض الأحاديث نذكر بعضها على سبيل المثال:\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني - عن حديث حميد عن أبي هريرة - ﵁ -: «أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ، وَقَالَ: هَلَكْتُ ...» (١). الحديث\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه الزهري، واختلف عنه، فرواه مالك بن أنس، واختلف عنه في متنه:\nفرواه القعنبي، ومعن، وأصحاب الموطأ عن مالك، وقالوا فيه: أنَّ رجلًا أفطر في رمضان مبهمًا. رواه حماد بن مسعدة، والوليد بن مسلم عن مالك فقالا فيه: أفطر بجماع، وكذلك رواه إبراهيم بن طهمان عن مالك، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريج وأبو أويس، وفليح بن سليمان، وعمر بن عثمان المخزومي، وعبدالله بن أبي بكر ويزيد بن عياض، وشبل بن عباد بهذا الإسناد.\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد على الوجه الناقص: في المسند، (ج٢/ص٢٧٣)، برقم (٧٦٧٨)، من طريق عبدالرزاق أنا بن جريج وبن بكر قال أنا بن جريج حدثني بن شهاب عن حميد بن عبدالرحمن أن أبا هريرة حدثه: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»، وهو حديث صحيح على شرط الشيحين.","vol":"1","page":198},{"text":"وقالوا فيه: أن رجلا أفطر في رمضان، كما قال أصحاب الموطأ عن مالك، وكذلك قال عمار بن مطر عن إبراهيم بن سعد، وكذلك قال أشهب بن عبد العزيز: عن الليث ابن سعد، ومالك عن الزهري، وقالوا كلهم في أحاديثهم: إنَّ النبي ﷺ خيره بين العتق، أو الصيام، أو الإطعام ورواه نعيم بن حماد عن ابن عيينة، فتابعهم على أن فطره كان مبهما وخالفهم في التخيير.\nورواه عن الزهري أكثر منهم عددا بهذا الإسناد، وقالوا فيه: أن فطره كان بجماع، وأنَّ النبي ﷺ أمره أن يعتق، فإن لم يجد صام، فإن لم يستطع أطعم \" (١)\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنَّ جماعة من الرواة رووا هذا الحديث بلفظ: \" أنَّ رجلًا أفطر في رمضان \"، بدون بيان سبب الفطر، وهم من الثقات الأثبات\nورواه آخرون بلفظ: \" أنَّ رجلًا أفطر في رمضان بجماع \"، بزيادة سبب الفطر، ثم رجح الدارقطني الرواية التي فيها ذكر سبب الفطر، وحُجَّته في ذلك أنَّ الذين رووا الزيادة أكثر ممن رووا النقص، وهذه العلة لا تؤثر على الحديث الذي حدث به النَّقص، وإنِّما يكون هناك زيادة لم تذكر به، وقد يُرجح النقص على الزيادة وذلك تبعًا للقرائن والأدلة على صحة الزيادة أو النقص، والله أعلم.\n\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني -: عن حديث أبي سلمة عن أبي هريرة - ﵁ -، قال رسول الله ﷺ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلاَ يَدْرِي أَصَلّى أَرْبَعًَا أَمْ ثَلاَثًا فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ يُسَلِّمَ» (٢).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١٠/ص٢٢٣ - ٢٢٥)، سؤال رقم (١٩٨٨).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد على الوجه الناقص: في المسند، (ج٢/ص ٢٤١)، برقم (٧٢٨٤)، من طريق سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ: «يَاتِي أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ فَيَلْبِسُ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ فَلاَ يَدْرِي أَزَادَ أَمْ نَقَصَ فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ»، وهو حديث صحيح على شرط الشيحين.","vol":"1","page":199},{"text":"فقال - الدارقطني -: يرويه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة واختلف في متنه:\nفرواه عمر بن يونس، عن عكرمة بن عمار، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وقال فيه: \" وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمَ \".\nورواه شيبان وعلي بن المبارك وهشام والأوزاعي وغيرهم عن يحيى، ولم يذكروا فيه التسليم قبل ولا بعد، وكذلك قال الزهري، عن أبي سلمة، ورواه محمد بن إسحاق عن سلمة بن صفوان، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقال فيه: \" ثُمَّ يُسَلّمَ \" كما قال عكرمة بن عمار، عن يحيى.\nوهما ثقتان وزيادة الثقة مقبولة، ورواه فليح بن سليمان عن سلمة بن صفوان، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقال فيه: \" وَلِيُسَلِّمَ ثُمَّ لِيَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ \" وهذا خلاف ما رواه ابن إسحاق \" (١).\nالجنس الثامن: ما كان علته تغير في بعض ألفاظه مع بقاء السياق:\n\nوتنشأ هذه العلة عند تغير في بعض ألفاظ الرواية مع بقاء سياق الحديث كما هو، وقد لا تؤثر هذه العلة على الحكم بصحة الحديث، وإنّما يُبَيّن النقاد اللفظة الراجحة من الغير راجحة، فتكون الراجحة لها الحكم بالصحة على غيرها، وهذه العلة تدل على مدى دقة علماء الحديث واهتمامهم بمتون الحديث إلى هذه الدرجة من الإتقان والدقة، ولقد أعل الدارقطني بعض الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال:\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني -: عن حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة - ﵁ -، قال رسُول اللهِ ﷺ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» (٢).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٩/ص٢٧٩ - ٢٨١)، سؤال رقم (١٧٦١).\n(٢) متفق عليه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)،كتاب فضائل القرآن باب من لم يتغن بالقرآن، (ج٩/ص٧٩)، برقم (٥٠٢٣)، ومسلم في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن، (ج٣/ ص٣٣٦)، برقم (٧٩٢)،كلاهما من طريق ابن شهاب أخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة نحوًا منه.","vol":"1","page":200},{"text":"فقال - الدارقطني -: يرويه يحيى بن أبي كثير، والزهري، وعمرو بن دينار، ومحمد ابن إبراهيم، ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nفرواه الأوزاعي واختلف عنه: فقال: هقل بن زياد، والوليد بن مزيد، وأيوب بن خالد ومحمد بن يوسف الفريابي، ومحمد بن شعيب، وابن أبي العشرين، وبشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nوقال: رواه عن الأوزاعي، عن الزهري، وقال ابن أبي العشرين، والوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، ويحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ...\nواختلف عن ابن جريج: فرواه أبو أمية الطرسوسي، عن أبي عاصم، عن ابن جريج عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة: «أَنَّ النَّبي ﷺ قَالَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ»، ووقع في إسناده وهم من ابن أمية، وهو قوله سعيد بن المسيب مع أبي سلمة، وفي متنه وهم يقال إنه من أبي عاصم لكثير من رواه عنه كذلك والمحفوظ عن الزهري بهذا الإسناد ما أذن الله لشيء \" (١).\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنَّ الحديث رواه جماعة من الرواة بلفظ: \" مَا أَذِنَ الله لِلنَّبِيِّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ ... \"، ثم رواه أبي عاصم وهو الضحاك ابن مخلد الشيباني النبيل وهو من الثقات الأثبات (٢)، فأخطأ فيه فقال في أول الحديث: \" لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ \" بدلًا من المحفوظ \" مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ \"، وليس هذا من حديث الزهري، وحجة الدارقطني في ذلك مقارنة مرويَّات الزهري من طرق أخرى للحديث، ومخالفة الثقات له.\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٩/ص٢٣٨ - ٢٤٤)، سؤال رقم (١٧٣٤).\n(٢) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج١٢/ص ١٢٨).","vol":"1","page":201},{"text":"المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني - عن حديث زرارة بن أوفى عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ قال: «لاَ تَصْحَبُ الْمَلاَئِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلاَ جَرَسٌ» (١).\nفقال- الدارقطني -: يرويه قتادة، واختلف عنه، فرواه عمران القطان، عن قتادة، عن زرارة عن أبي هريرة موقوفا.\nوخالفه سعيد بن بشير فرواه، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة عن النَّبي ﷺ.\nواختلف عن سعيد بن بشير في متنه: فقيل عنه: «لاَ تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً [فِيهَا] جِلْدُ نَمِرٍ» قاله الوليد بن المسلم (٢)، ولا يصح القولان \" (٣).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنَّ الحديث رواه جماعة من الرواة بلفظ: \" لاَ تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلَا جَرَسٌ \"، وهم أثبات ثقات، ثم رواه الوليد ابن المسلم فانقلب عليه اللفظ فقال: \" لاَ تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جِلْدُ نَمِرٍ\"، فأخطأ واستدل على خطأه بمخالفة الثقات له، وأنَّ الرواية المحفوظة هي الأولى.\n\nالجنس التاسع: ما كان في متنه قلب في لفظة مما يغير المعنى.\n\nوهذه العلة تنشأ بسبب قلب أحد الرواة كلمة في الحديث فتغير المعنى، ولا تكون هذه اللفظة محفوظةً عند الثقات، وهي من أدق الأسباب التي تؤدي إلى وجود العلة، وقد أعلّ الدارقطني قليلًا من هذا النوع نذكر مثالًا عليه:\n_________\n(١) أخرجه مسلم على الوجه الصحيح في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب اللباس والزينة، باب كراهة الكلب والجرس في السفر، (ج٧/ ص٣٤٦)، برقم (٢١١٣) من طريق بشر يعني ابن مُفَضَّلٍ حدثنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة به.\n(٢) هو الوليد بن مسلم القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي (ت: ١٩٤ أو ١٩٥ هـ)، ثقة لكنَّه كثير التدليس، من الطبقة الثامنة، الوسطى من أتباع التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج١١/ص ١٣٣).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١٠/ص٣٢٨ - ٣٢٩)، سؤال رقم (٢٠٣٩).","vol":"1","page":202},{"text":"المثال: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني-: عن حديث أبي سلمة وأبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة: «أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلاَةٍ، فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ يَقُولُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا. الحديث، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» (١).\nفقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه: فرواه محمد بن أبي عتيق، وشعيب وعبيد الله بن أبي زياد، وإسحاق بن راشد والنعمان بن راشد، والموقري، عن الزهري عن أبي بكر وأبي سلمة، عن أبي هريرة واختلف عن معمر: فرواه عبدالأعلى، عن معمر عن الزهري، عنهما عن أبي هريرة ...\nورواه مالك في الموطأ، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وقال محمد بن مصعب القرقساني (٢)، عن مالك، عن الزهري، عن أبى سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -: «أَنَّ النَّبي ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَهُ إِذَا افْتَتَحَ الْصَلاةَ»، ووهم في هذا القول وإنَّما أراد أنَّ النَّبي ﷺ كان يكبر\" (٣).\nقلتُ: والعلة المشار إليها أنَّ محمد بن مصعب القرقساني أخطأ فانقلب عليه اللفظ، فقال: \" كَانَ يَرْفَعُ يَدَهُ \"، بدلًا من لفظة \" يُكَبر \"، واستدل على خطئه بمخالفة الثقات له في لفظ الحديث، وأنَّ حديث أبي هريرة ليس محفوظ عنهم بهذه اللفظة، والله أعلم.\n\nالجنس العاشر: ما كانت علته الشك في ثبوت المتن عن النبي - ﷺ - أو الاضطراب فيه.\n\nوتقع هذه العلة عند شك الراوي في متن الحديث سواء كان في كل المتن، أو في جزء من\n_________\n(١) أخرجه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)،كتاب الأذان، باب باب يهوي بالتكبير حين يسجد، (ج٢/ص٣٣٦)، برقم (٨٠٣) من نفس الطريق المذكورة.\n(٢) هو محمد بن مصعب بن صدقة القرقساني، أبو عبدالله (ت: ٢٠٨ هـ)، صدوق من الطبقة التاسعة من صغار أتباع التابعين، أخرج له الترمذي وابن ماجه، تهذيب التهذيب (ج٩/ص ٤٠٥).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٩/ص٢٥٧ - ٢٥٩)، سؤال رقم (١٧٤٥).","vol":"1","page":203},{"text":"المتن، مما يدل على عدم تثبت الراوي من الحديث، ونضرب هنا بعض الأمثلة:\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني -: عن حديث محمد بن المنكدر عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيلِ فَلْيُوقِظِ امْرَأَتَهُ فِإنَّ لمَ تَسْتَيْقِظْ فَلْيَنْضَّحْ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ» (١).\nفقال - الدارقطني -: يرويه الثوري واختلف عنه: فرواه أبو عامر العقدي، عن الثوري، عن ابن المنكدر، عن أبي هريرة، وخالفه عبدالرحمن بن مهدي، رواه عن ابن المنكدر، عمَّن سمع أبا هريرة، وكذلك قال وكيع، وعبد الله بن الوليد العدني، وإبراهيم بن خالد الصنعاني، عن الثوري، وكلهم قال عن الثوري إنَّهُ في شك في رفعه بغير شك، حدثنا أحمد بن عيسى بن السكين، قال ثنا إسحاق بن زريق، قال ثنا إبراهيم بن خالد، قال ثنا الثوري، عن محمد بن المنكدر، قال حدثني من سمع أبا هريرة يقول ولا أراه إلا رفعه يقول: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُم مِنَ اللَّيلِ فَلْيُوقِظْ أَهْلَهُ فِإنَّ لَمْ تَسْتَيْقِظْ فَلْيَنْضَّحْ وَجْهَهَا بِالْمَاءِ» (٢).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي الشك في متن الحديث، هل هو مرفوع إلى رسول الله ﷺ، أم أنَّهُ ليس كذلك، وهذه العلة تدل على عدم تثبت الراوي أحيانًا من الحديث، ولم يُخَرج أحدٌ من الكتب الستة، ولا التسعة هذا الحديث، وهذه العلَّة بخلاف علَّة اختلاف المرويَّات في الوقف والرفع والترجيح بينهما كما ذكرنا في المبحث السابق، وإنَّما تَخْتَص بالشك في كون المتن مرفوعًا أم لا؟، والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه عبدالرزاق بن همام بن نافع، أبو بكر الصنعاني (ت: ٢١١هـ): في المصنف طبعة إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، (ج٣/ص٤٨)، برقم (٤٧٣٩)\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٩/ص١٣ - ١٤)، سؤال رقم (١٦١٥).","vol":"1","page":204},{"text":"المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني -: عن حديث عاصم بن ضمرة، عن علي - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ وَالإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْرِّقِ ...» (١)، حديث طويل.\nفقال - الدارقطني -: يرويه أبو إسحاق واختلف عنه: فرفعه أبو أحمد الزبيري عن الثوري، عن أبي إسحاق علي شك منه في رفعه، ووقفه غيره عن الثوري، ورواه عبدالمجيد عن معمر عن أبي إسحاق مرفوعًا، ورواه زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عاصم والحارث، عن علي، وشك زهير في رفعه كذلك، قال الحسن بن موسى الأشيب، عن زهير، ورواه أبو بدر شجاع بن الوليد، عن أبي إسحاق، عن عاصم والحارث، عن علي فرفعه بغير شك إلا أنَّهُ لم يذكر في حديثه إلا زكاة البقر فقط\" (٢)\n\nقلتُ: والعلة المشار إليها هنا هي الشك في متن الحديث، هل هو مرفوع كله أو جزء منه؟، كما رواه زهير وهو ابن معاوية بن حديج الجعفي من الثقات الأثبات (٣)، فمرة شك في رفع كل المتن، ثم رواه بغير شك في رفعه ولكنَّه لم يذكر فيه إلا جزء زكاة البقر فقط، وتعرف هذه العلة بالتصريح بالشك غالبًا كقول الراوي أحسبه عن النَّبي - ﷺ - أو لفظة تدل على الشك أو الاضطراب في ثبوت الحديث مرفوعًا.\n\nويتضح مما سبق:\n\n- أنَّ الدارقطني كان غالبًا ما يذكر الإسناد الراجح عنده، أو الأقرب للصواب في بداية إجابته للسؤال، ثم يذكر بعد ذلك من خالف في هذا الإسناد، ثم يُبّين الصحيح الراجح عنده من المرويّات في الحديث، ويلتزم هذا الترتيب غالبًا.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود: في السنن، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، (ج١/ص ٤٩٢) برقم (١٥٧٢)، من طريق زهير حدثنا أبو إسحق عن عاصم بن ضمرة وعن الحارث الأعور عن علي ﵁، وفيه شك زهير المذكور هنا في العلل بقوله: \" قال زهير أحسبه عن النبي - ﷺ - \".\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٤/ص٧٣ - ٧٤)، سؤال رقم (٤٣٨).\n(٣) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج٣/ص ٣٠٣).","vol":"1","page":205},{"text":"- أنَّ الدارقطني كان يجزم في بعض الأحيان بعلة الحديث، ثم يرجح الصحيح المحفوظ من المرويَّات، وأحيانًا يأتي بالبرهان والحجة، وأحيانًا أخرى لا يذكره.\n\n- أنَّ الدارقطني كان أحيانًا يذكر الخلاف في الحديث المعلول، ثم يذكر احتمال أن تكون أحد المرويَّات أقرب للصواب بقولهِ أنَّ هذا الطريق: \" هو الأشبه \".\n- أنَّه كان أحيانًا يصرح ويحدد مصدر الوهم أو الخطأ، أو من كان سببًا في الوهم ويذكر القرينة على ذلك الوهم أو الخطأ، وترجيح الرواية الصحيحة.\n\n- أنَّه كان أحيانًا يذكر بعض ما حضر له من الشواهد والمتابعات، كبراهين لما ذهب إليه من الترجيح بين المرويَّات المختلف فيها، ويثبت الصحيح منها.\n\n- أنَّه كان يذكر علة المتن مع علة الإسناد إن وجد، وأحيانًا يذكر علة المتون بدون التعليق على الأسانيد وهو قليل.\n\n- أنّه كان أحيانًا يبرهن على صحة ما ذهب إليه من المرويَّات عن طريق سوق ما سمعه من شيوخه بإسناده إلى مصنف الكتاب، أو إسناد الحديث عن شيوخه.\n\n- أنَّه كان يهتم بالعلل التي قد تطرأ على متون الأحاديث، ويرجح الصحيح منها.","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>المبحث الرابع: أجناس العلل الظاهرة</span>.\nسنتعرض في هذا المبحث لأجناس العلل الظاهرة في كتاب العلل للدارقطني، وقد أثبتنا من قبل أنَّ النقاد المتقدمين قد أشاروا في مصنفاتهم إلى العلل الظاهرة كجرح الرواي بالضعف الشديد أو أنَّه متروك أو كذاب، بجانب العلل الخفية إلاَّ أنَّ نسبة الأحاديث التي أعلُّوها بأسباب ظاهرة أقل بكثير من تلك التي أعلَّوها بأسبابٍ خفيةٍ، وقد يكون سبب الإشارة إلى العلة الظاهرة في الحديث للتنبيه على سببٍ خفي لا يطلع عليه إلا أهل الخبرة والمعرفة بالعلل، مثل كون الراوي عن الضعيف من الثقات الأثبات، فقد يُظن أنَّ الضعيف مستقيم الرواية ويخفى حاله، أو كون الراوي الضعيف يشتبه اسمه مع ثقة وغيرها من الأسباب الخفية التي لا يتفطن إليها إلا أهل الخبرة، ولقلة الأحاديث المعلولة بالأسباب الظاهرة ظنَّ قوم أنَّ مفهوم العلّة عند المتقدمين هو ما كان بسبب خفي فحسب وليس كذلك، وسوف نسوق هنا بعض أجناس العلل الظاهرة لإبطال ما ذهبوا إليه.\n\nالجنس الأول: ما كان علته هي الضعف في الراوي.\nوالقصد من الضعف في الراوي الدرجة الأولى في جرح الرواة، أي الضعف الذي لا يصل إلى حد الضعف الشديد أو الترك عند الإمام الدارقطني، كالذي يقال عنه: كثير الغلط أو سيئ الحفظ أو لين الحديث، ولقد أعلَّ الدارقطني بهذه العلة أحاديث كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر:\n\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني -: عن حديث أبي سلمة عن أبي هريرة - ﵁ -، قال رسول الله ﷺ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلاَ تَاكُلُوا بِهِ وَلاَ تَسْتَكْثِرُوا بِهِ وَلاَ تَجْفُوا عَنْهُ وَلاَ تَغْلُوا فِيهِ» (١).\n_________\n(١) أخرجه على الوجه الصحيح أحمد: في المسند (ج٣/ص ٧٦٦)، برقم (١٥٥٧٤)، من طريق هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي راشد عن عبد الرحمن بن شبل به، وهو صحيح.","vol":"1","page":207},{"text":"فقال - الدارقطني -: يرويه يحيى بن أبي كثير واختلف عنه: فرواه الضحاك بن نبراس البصري وهو ضعيف (١)، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة ووهم فيه والصحيح عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي كثير، عن أبي راشد، عن عبدالرحمن بن شبل عن النَّبي ﷺ \" (٢).\nقلتُ: والعلةُ الظاهرة المشار إليها في الحديث هي ضعف الضحاك بن نبراس، فقد ضعفه أهل العلم (٣)، لكن العلة التي قد تخفى على الكثير هي أنَّ الحديث ليس من مسند أبي هريرة إنَّما هو من مسند عبدالرحمن بن شبل ﵃.\nولذا قال الدارقطني ووهم فيه والصحيح عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي كثير، عن أبي راشد، عن عبدالرحمن بن شبل، لِيُنبه على الوهم والخطأ الذي وقع فيه الضحاك بن نبراس بجانب أنَّه ضعيف، وهذا لعمري غاية في دقة النقد، ولا يفهمه إلا أهل التحقيق، والله أعلم.\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني -: عن حديث يزيد الأودي عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبِي ﷺ: «فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَقَامًَا مَحْمُودًَا﴾، قَالَ: الشَفَاعَةُ» (٤).\nفقال - الدارقطني -: يرويه وكيع واختلف عنه: فرواه أبو بكر بن أبي شيبة في \" المسند \" عن وكيع، عن إدريس الأودي، عن أبيه، عن أبي هريرة. وهو غلط، ورواه في موضع آخر،\n_________\n(١) الضحاك بن نبراس الأزدى الجهضمى، أبو الحسن البصري (ت:؟)، لين الحديث من الطبقة السابعة كبار أتباع التابعين، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، تهذيب التهذيب (ج٤/ص ٣٩٩).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٩/ص٢٧٩)، سؤال رقم (١٧٦٠).\n(٣) قال ابن عدي: عبدالله بن عدي بن عبدالله أبو أحمد الجرجاني، في الكامل في ضعفاء الرجال طبعة دار الفكر، بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠٩هـ -١٩٨٨م، تحقيق: يحيى مختار غزاوي (ج٤/ص٩٧): \" قال يحيى - يعني بن معين -: الضحاك بن نبراس ليس بشيء، وقال النسائي: ضحاك بن نبراس متروك الحديث \".\n(٤) أخرجه الترمذي: في السنن كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة بني إسرائيل، (ج٥/ ص ٣٠٣)، برقم (٣١٣٧)، من طريق وكيع عن داود بن يزيد الزعافري عن أبيه عن أبي هريرة. وهو حديث ضعيف لضعف داود بن يزيد الزعافري، الآية في سورة الإسراء رقم (٧٩).","vol":"1","page":208},{"text":"عن وكيع، عن داود الأودي، عن أبي هريرة، والصواب عن داود، وهو داود بن يزيد بن عبدالرحمن الزعافري وهو ضعيف كوفي (١)، وهو الذي روى عن الشعبي عن علي ﵁ أنَّه قال: لا صداق أقل من عشرة دراهم قال الثوري: لقن غياث بن إبراهيم لداود الأودي هذا الحديث فتلقنه فصار حديثًا \" (٢).\n\nقلتُ: والعلةُ الظاهرة المشار إليها في هذا الحديث هي ضعف داود بن يزيد الزعافري فقد ضعفه أهل العلم حتى قال ابن المدينى عن يحيى بن سعيد قال سفيان: شعبة يروى عن داود بن يزيد!! تعجبًا منه (٣)، وهو يتعجب، لأنَّ شعبة وهو ابن الجحاج أبو بسطام كان شديد الاحتراز في الرواية عن الضعفاء، وأما العلة التي قد تخفى على الكثير هي:\n١ - رواية وكيع عنه، وهو ابن الجراح ثقة مشهور، مما قد يوهم أنَّه مستقيم الرواية، فيصحح حديثه.\n٢ - وقع في مسند أبي بكر بن شيبة الحديث من طريق وكيع، عن إدريس الأودي عن أبيه، عن أبي هريرة، فتعقبه الدارقطني فقال: \"وهو غلط ... والصواب عن داود \"، لأنَّ إدريس الأودي وهو أخوه ثقة أخرج له الستة (٤)، وهو يروي عن أبيه كذلك مما قد يبدو أنَّها متابعة لداود فيصحح الحديث من أجلها\n\nوبهذا يعلم فائدة إعلال الحديث بالعلل الظاهرة للتحذير من مثل هذه الأوهام، والتي قد تفسد الاطمئنان إلى الأحاديث الثابتة، وليعلم الغث من السمين.\n_________\n(١) داود بن يزيد بن عبد الرحمن الأودى الزعافرى، أبو يزيد الكوفى الأعرج (ت: ١٥١ هـ)، ضعيف من الطبقة السادسة، الذين عاصروا صغارالتابعين، تهذيب التهذيب (ج٣/ص ١٧٨).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٨/ص٣٢١)، سؤال رقم (١٥٩١).\n(٣) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج٣/ص ١٧٨).\n(٤) المصدر السابق: (ج١/ص ١٧١).","vol":"1","page":209},{"text":"المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني -: عن حديث سالم، عن ابن عمر، عن عمر ﵄، عن النَّبي ﷺ: «مَنْ قَالَ فِي سُوقٍ مِنَ الأَسْوَاقِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ» (١).\n\nفقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه عمرو بن دينار قهرمان (٢) آل الزبير البصري وكنيته أبو يحيى عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن عمر.\nواختلف عن عمرو في إسناده رواه: حماد بن زيد، وعمران بن مسلم المنقري، وسماك ابن عطية، وحماد بن سلمة وغيرهم، عن عمرو بن دينار هكذا، واختلف عن هشام بن حسان فرواه عنه: عبدالله بن بكر السهمي فتابع حماد بن زيد ومن تابعه، ورواه فضيل ابن عياض، عن هشام، عن سالم، عن أبيه ولم يذكر عمر، ورواه سويد بن عبدالعزيز عن هشام، عن عمرو، عن ابن عمر، عن عمر موقوفًا ولم يذكر فيه سالمًا، ويشبه أن يكون الاضطراب فيه من عمرو بن دينار لأنَّه ضعيف قليل الضبط \" (٣).\n\nقلتُ: والعلةُ الظاهرة المشار إليها في هذا الحديث هي ضعف عمرو بن دينار، وهو قهرمان مولى آل الزبير، فقد ضعفه أهل الحديث، والعلة التي قد تخفى على غير أهل الحديث هي:\n١ - رواية حماد بن زيد عنه، وهو مشهور من الثقات الأثبات مما يوهم أنَّه مستقيم ... الرواية، فيصحح حديثه.\n٢ - تشابه اسمه بثقة، وهو عمرو بن دينار الأثرم الجمحي، ولذا نبه عليه حتى يمييز.\nوبهذا يتبين مدى أهمية ذكر العلل الظاهرة.\n_________\n(١) أخرجه على الوجه المعلول أحمد: في المسند (ج١/ص ٤٧)، برقم (٣٢٧)، من طريق حماد بن زيد عن عمرو بن دينار مولى آل الزبير عن سالم عن أبيه عن عمر ﵁ به، وهو ضعيف.\n(٢) عمرو بن دينار البصري، أبو يحيى الأعور، قهرمان آل الزبير، ضعيف من الطبقة السادسة، الذين عاصروا صغارالتابعين، أخرج له الترمذي وابن ماجه، تهذيب التهذيب (ج٨/ص ٢٧).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ص٤٨ - ٥٠)، سؤال رقم (١٠١).","vol":"1","page":210},{"text":"الجنس الثاني: ما كان علته هي الضعف الشديد أو الترك للراوي.\n\nويقصد بالضعف الشديد الذي يوصف صاحبه بأنه متروك الحديث، أو بأنه ذاهب الحديث، أو لا شيء، وغيرها من الألفاظ التي تؤدي إلى ثبوت الضعف الشديد في الراوي، وقد أعل الدارقطني بهذه العلة الظاهرة بعض الأحاديث نذكر منها:\n\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني - عن حديث علقمة عن عبدالله - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ قال: «إِنَّ النَّاسَ يَجْلِسُونَ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ رَوَاحِهِمْ إِلَى الْجُمُعَاتِ الأَوَّلَ وَالثَّانِيَ وَالثَّالِثَ» (١).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رواد، واختلف عنه:\nفرواه الحسن بن البزار، عن عبدالمجيد عن مروان بن سالم، عن الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة، عن عبدالله. وخالفه كثير بن عبيد: فرواه عبدالمجيد، عن معمر، عن الأعمش بهذا الإسناد، وخالفهما عبدالصمد بن الفضل فرواه، عن أبيه، عن عبدالمجيد، عن الثوري، عن الأعمش والأول أشبه بالصواب، ومروان بن سالم متروك الحديث \" (٢).\nقلتُ: والعلةُ الظاهرة المشار إليها في هذا الحديث هي الضعف الشديد في مروان بن سالم وقد تكلم فيه الأئمة فقال الإمام الذهبي: \" أحمد وغيره: ليس بثقة، وقال البخارى ومسلم: منكر الحديث، وقال النسائى: متروك \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه: في السنن كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في التهجير إلى الجمعة، (ج١/ ص ٣٤٨)، برقم (١٠٩٤)، من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز عن معمر عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: خرجت مع عبد الله إلى الجمعة ثم ساق الحديث، والحديث ضعيف، لأنَّ معمر وهو ابن راشد ثقة ثبت، ولكنه ضعيف في الأعمش وهذه من مروياته.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٥/ص١٣٧ - ١٣٩)، سؤال رقم (٧٧٣).\n(٣) الذهبي: ميزان الاعتدال طبعة دار المعرفة، بيروت، تحقيق: محمد البجاوي، (ج٤/ص٩٠).","vol":"1","page":211},{"text":"ولكن قد يخفى أنَّ عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رواد وهو صدوق يخطئ (١)، وقد روى عنه مما يوهم أنّه مستقيم الرواية فيصحح حديثه، والحديث ضعيف جدًا لا يثبت مما يكون سببًا في خفاء علته.\n\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني -: عن حديث علقمة عن عبدالله - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ قال: «سَطَعَ نُورٌ فَي الْجَنَّةِ فَرَفَعُوا رُؤوسَهُمْ فَإذَا هُو مِنْ ثَغْرِ حُورٍ أَضْحَكَتْ فِي وَجْهِ زَوْجِهَا» (٢).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه حلبس بن محمد بن الكلابي وهو متروك الحديث كوفي عن الثوري، واختلف عنه: فرواه ابن الطباع عيسى بن يوسف بن عيسى، عن حلبس عن الثوري، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله. ورواه محمد بن مهاجر عن حلبس، عن الثوري، عن منصور أو مغيرة، عن أبي وائل عن عبدالله \" (٣).\nقلتُ: والعلةُ الظاهرة المشار إليها في هذا الحديث هي الضعف الشديد في حلبس بن محمد، وقد تكلم فيه أهل الحديث، والعلة التي قد تخفى هي رواية هذا الضعيف عن سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث مما يوهم صحة الحديث، هذا معنى قولهم: ... \" منكر الحديث عن الثقات \" في نقد حلبس بن محمد هذا وغيره.\nفهو احتراز من مثل هؤلاء ليعلم حالهم، مما يرى الناظر المنصف قدر أولئك النقاد الجهابذة، ومدى ما بذلوه لتصفية حديث رسول الله ﷺ من المكذوب عليه.\n_________\n(١) ابن حجر العسقلاني: تقريب التهذيب (ج١/ص ٦١٢).\n(٢) أخرجه ابن عدي: في الكامل في الضعفاء (ج٢/ص ٤٥٧)، ترجمة رقم (٥٦٧)، وقال: ... \" حلبس بن محمد الكلابي وأظن أنه حلبس بن غالب يكنى أبا غالب بصري منكر الحديث عن الثقات\" وقال الذهبي في ترجمته: \" حديث باطل \"، ميزان الاعتدال (ج١/ص ٥٨٧).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٥/ص١٦٩)، سؤال رقم (٨٠١).","vol":"1","page":212},{"text":"الجنس الثالث: ما كان علته الانقطاع في سند الحديث.\n\nويقصد بالانقطاع سقوط رواة في الإسناد، ومما لاشك فيه أنَّها علة ظاهرة حيث يظهر الفرق واضحًا بين طبقات الإسناد، وتفاوت كبير بين رجاله، ولكن قد يخفى أحيانًا على من ليس له خبرة بالتاريخ ومعرفة الرجال وأحوالهم وشيوخهم وتلاميذهم، ومن تلاقوا منهم ومن لم يتلاقوا وغيرها من أدوات معرفة الانقطاع في الإسناد، فنبه النقاد على مثل هذه العلة لهذه الأسباب، وقد أعل الدارقطني بعض الأحاديث نذكر منها:\n\nالمثال: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني -: عن حديث مسعود بن الحكم الزرقي، عن علي - ﵁ -: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَامَ فِي الْجَنَازَةِ ثُمَّ قَعَدَ» (١).\nفقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن نافع بن جبير، عن مسعود بن الحكم، عن علي. قال ذلك الليث بن سعد، وعبدالوهاب الثقفي، ويزيد بن هارون، وخالفهم جرير بن عبدالحميد فرواه عن يحيى بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن نافع بن جبير، عن مسعود ابن الحكم ووهم فيه جرير، ورواه الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن نافع بن جبير، عن علي أسقط من الإسناد رجلين ولم يقم إسناده، والصواب قول الليث بن سعد، ومن تابعه عن يحيى، عن واقد بن عمرو \" (٢).\nالجنس الرابع: ما كان علته جهالة الراوي في سند الحديث.\n\nقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: \" ثم الجهالة: وسببها أن الراوي قد تكثر نعوته فيذكر بغير ما اشتهر به لغرض وصنفوا فيه الموضح، وقد يكون مقلا فلا يكثر الأخذ عنه وصنفوا\n_________\n(١) أخرجه مسلم على الوجه الصحيح المتصل في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الجنائز، باب نسخ القيام للجنازة، (ج٤/ ص٣٤)، برقم (٩٦٢) من طريق يحيى بن سعيد عن واقد ابن عمرو بن سعد بن معاذ أنَّه قال: رآني نافع بن جبير ونحن في جنازة قائمًا، وقد جلس ينتظر أن توضع الجنازة فقال: لي ما يقيمك فقلت أنتظر أن توضع الجنازة لما يحدث أبو سعيد الخدري فقال: نافع فإنَّ مسعود بن الحكم حدثني عن علي بن أبي طالب أنه قال: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَعَدَ».\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٤/ص١٢٧ - ١٢٩)، سؤال رقم (٤٦٦).","vol":"1","page":213},{"text":"فيه الوحدان \" (١).\nوقال السيوطي: \" قال الخطيب البغدادي: المجهول عند أهل الحديث من لم يعرفه العلماء ولا يعرف حديثه إلا من جهة واحدة وأقل ما يرفع الجهالة رواية اثنين مشهورين قال ابن الصلاح: ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة \" (٢).\nوقد أعلَّ الدارقطني بهذه جملة من الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال:\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني -: عن حديث المقبري عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: «لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَلْحَقَتْ بِقَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ وأَيُّمَا عَبْدٍ انْتَفَى مِنْ وَلَدَهِ» (٣).\n\nفقال- الدارقطني -: يرويه موسى بن عبدة الربذي، واختلف عنه: فرواه بكار بن عبدالله بن عبيدة الربذي، عن عمه موسى بن عبدة، عن المقبري عن أبي هريرة.\nوخالفه زيد بن الحباب، فرواه عن موسى بن عبيدة وأدخل بينه وبين المقبري رجلًا يقال له: يحيى بن حرب وهو رجل مجهول وقوله: زيد بن الحباب أشبه بالصواب \" (٤).\nقلتُ: والعلةُ الظاهرة التي أشار إليها الدارقطني في هذا الحديث هي جهالة يحيى بن حرب وهو المدني، وقد بيين أهل العلم أنَّه مجهول، قال الذهبي: \" فيه جهالة، ما حدث عنه سوى موسى بن عبيدة \". (٥)، وأما وما قد يخفي على الكثير كون الراوي عنه زيد ابن الحباب\n_________\n(١) ابن حجر العسقلاني: نخبة الفكر (مع نزهة النظر) طبعة مكتبة التراث، القاهرة، (ص٥١).\n(٢) السيوطي: تدريب الراوي (ج١/ص٣١٧).\n(٣) أخرجه ابن ماجه: في السنن كتاب الفرائض، باب من أنكر وَلَدَهُ، (ج٢/ ص ٩١٦)، برقم (٢٧٤٣)، من طريق زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة حدثني يحيى بن حرب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة نحوًا منه. والحديث ضعيف بسبب عدة علل منها جهالة يحيى بن حرب.\n(٤) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١٠/ص٣٧٥)، سؤال رقم (٢٠٦٢).\n(٥) الذهبي: ميزان الاعتدال، (ج٤/ص ٣٦٨).","vol":"1","page":214},{"text":"وهو صدوق (١)، مما يوهم أنَّه معروف وروايته مستقيمة، والله أعلم.\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني -: عن حديث علقمة عن عبدالله - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «مَنْ أَقْرَضَ مَرَّتَينِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ أَحَدِهِمَا لَو تَصَدَّقَ بِهِ» (٢).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه قيس بن رومي كوفي، عن علقمة، عن عبدالله رفعه ورواه سليم بن أذنان، عن علقمة واختلف عنه: فرفعه عطاء بن السائب عنه ووقفه غيره والموقوف أصح، ولا يعرف قيس بن رومي إلا في هذا \" (٣).\n\nقلتُ: والعلةُ الظاهرة التي أشار إليها الدارقطني في هذا الحديث هي جهالة قيس بن رومي فقد قال الذهبي في الميزان: \" لا يكاد يعرف، ما حدث عنه سوى سليمان بن يسير \". (٤)، وقد يخفي أمره لأن جميع رواة الحديث ثقات فنبه عليه حتى لا يصحح حديثه، وقد أعل الدارقطني الحديث بعلتين:\n\n١ - مخالفة الثقات الذين رووه موقوفًا، فأعلَّ الحديث بالوقف.\n٢ - جهالة قيس بن رومي في الإسناد.\nالجنس الخامس: ما كان علته أنَّ راويه متهم بالكذب أو بالوضع.\n\nقال السيوطي: \" الموضوع هو الكذب، المختلق المصنوع وهو شر الضعيف وأقبحه، وتحرم روايته مع العلم به أي بوضعه في أي معنى كان سواء الأحكام والقصص والترغيب وغيرها إلا مبينًا، أي مقرونًا ببيان وضعه لحديث مسلم: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَذَّابَينِ»، وَيُعْرَف الوضع للحديث بإقرار واضعه أنَّه وضعه ... أو معنى إقراره أو قرينة في الراوي أو المروي فقد وضعت أحاديث يشهد بوضعها ركاكة لفظها\n_________\n(١) ابن حجر العسقلاني: تقريب التهذيب، (ج١/ص٣٢٧).\n(٢) أخرجه ابن عدي: في الكامل في الضعفاء (ج٤/ص ١٥٩)، ترجمة رقم (٩٨١).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٥/ص ١٥٧)، سؤال رقم (٧٨٩).\n(٤) الذهبي: ميزان الاعتدال، (ج٣/ص ٣٩٦).","vol":"1","page":215},{"text":"ومعانيها \" (١).\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي رافع، عن ابن مسعود - ﵁ - عن النَّبي - ﷺ -: «فِي الْوضُوءِ بَالنَّبِيذِ» (٢).\n\nفقال - الدارقطني -: روى عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبدالله بن مسعود والراوي له متروك الحديث، وهو الحسين بن عبيد الله العجلي، عن أبي معاوية كان يضع الحديث على الثقات، وهذا كذب على أبي معاوية وعلى الأعمش \" (٣).\n\nقلتُ: والعلةُ الظاهرة التي أشار إليها الدارقطني في هذا الحديث أنَّ الحسين بن عبيدالله العجلي هذا كذاب يضع الحديث، فقد قال ابن عدي: \" والحسين بن عبيدالله العجلي يشبه أن يكون ممن يضع الحديث لأن هذين الحديثين باطلان بأسانيدهما، ولا يبلغ عنهما غيره \" (٤)\nمما قد يخفى أنَّه يكذب على أبي معاوية، وعلى الأعمش وهما ثقتان أثبات مما يوهم صحة الحديث، أو أنَّ له أصلًا، والله أعلم.\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \"وسئل - الدارقطني - عن أحاديث رويت عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - في المسح على الخفين منها: حديث يرويه جرير بن أيوب البجلي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: «إِذَا أَدْخَلَ أَحُدُكُمْ قَدَمَيْهِ طَاهِرَتَينِ فَلْيَمْسَحْ، لِلمُقِيمِ\n_________\n(١) (٢) السيوطي: تدريب الراوي (ج٢/ص٥٤).\n(٢) أخرجه ابن ماجه: في السنن كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء بالنبيذ، (ج١/ ص ١٣٥) برقم (٣٨٤)، من طريق عبدالرزاق عن سفيان عن أبي فزارة العبسي عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن عبد الله بن مسعود نحوًا منه، ولا يصح في هذا الباب شيء، فقد قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في ترجمة أبي زيد المخزومي: \" قال البخاري: لا يصح حديثه وقال الحاكم أبو أحمد: لا يوقف على صحة \"، تهذيب التهذيب (ج١٢/ص ٩١).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٥/ص ٣٤٥)، سؤال رقم (٩٤٠).\n(٤) ابن عدي: في الكامل في الضعفاء (ج٢/ص ٣٦٤)، ترجمة رقم (٤٩٤).","vol":"1","page":216},{"text":"يَومًَا وَلِلمُسَافِرِ ثَلاَثًَا» (١).\n\nفقال - الدارقطني -: هذا باطل عن أبي هريرة، وقد قال أبو نعيم: كان جرير يضع الحديث \" (٢).\n\nقلتُ: والعلةُ الظاهرة التي أشار إليها الدارقطني في هذا الحديث أنَّ جرير بن أيوب البجلي متهم بوضع الحديث (٣)، مما قد يخفى أنَّه يروي عن أبي زرعة، وهو ابن عمرو ابن جرير بن عبدالله البجلى الكوفى، قيل اسمه هرم وقيل عمرو وقيل غير ذلك، وهو أحد الثقات، وأخرج له الستة، ثم إنَّ أخاه يحيى بن أيوب البجلي ثقة (٤)، مما يوهم أنَّ للحديث أصلًا، وليس كذلك بل هو باطل، فوجب التنبيه عليه.\nويتضح مما سبق:\n\n- أنَّ الإمام الدارقطني كان يُعل الأحاديث بالعلل الظاهرة على عدة صور منها:\n١ - التعليل بضعف الرواي في الإسناد.\n٢ - التعليل بكون الراوي للحديث متروكًا أو شديد الضعف.\n٣ - التعليل بالانقطاع في الإسناد.\n٤ - التعليل بكون الراوي للحديث مجهولًا.\n٥ - التعليل بكون الرواي للحديث مُتّهمًا بالكذب أو بالوضع.\n_________\n(١) لم أجد من أخرجه مرفوعًا، وإنما أخرج جزءًا منه موقوفًا من كلام عمر بن الخطاب ﵁، الإمام مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي (ت:١٧٩هـ)، في الموطأ دار القلم، دمشق، الطبعة: الأولى ١٤١٣ هـ تحقيق: د. تقي الدين الندوي، (ج١/ص١٠٤)، رقم (٤٩).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٨/ص٢٧٤ - ٢٧٥)، سؤال رقم (١٥٦٣).\n(٣) قال الذهبي في ميزان الاعتدال (ج١/ص٣٩١): \" روى عباس عن يحيى: ليس بشيء، وقال أبو نعيم: كان يضع الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك \".\n(٤) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج١٢/ص ٩٨).","vol":"1","page":217},{"text":"- أنَّ الدارقطني وغيره من النقاد المتقدمين كانوا يستخدمون العلل الظاهرة للإشارة إلى علل أخرى خفية قد تخفى على من ليس له خبرة ومعرفة بهذا العلم.\n\n- أنَّ الدارقطني أحيانًا يتكلم على العلل الخفية والظاهرة في الحديث أو السؤال الواحد، وأحيانًا أخرى يتكلم على العلل الخفية بمفردها أو الظاهرة بمفردها.\n\nنتائج هامة:\n\n- يعتبر كتاب العلل للدارقطني من أوسع المصنفات التي حوت أجناس العلل التي قد تطرأ على الحديث النبوي الشريف، حيث ضم الكلام على أنواع علل أكثر من بقية مصنفات العلل الأخرى مثل: علل الإمام أحمد، وعلل ابن المديني، وعلل الترمذي وغيرهم.\n\n- يعتبر الإمام الدارقطني من أوسع نقاد الحديث كلامًا على أوجه العلل المختلفة، وذكر القرائن والشواهد والأدلة على ما ذهب إليه.\n\n- أنَّ أجناس العلل التي ذكرها أئمة النقاد في مصنفاتهم، كثيرة ومتنوعة ولم يسبق أن جمعت في مصنف واحد على سبيل الحصر لها، والأمثلة التي توضحها.\n\n- أنَّ كتاب العلل للدارقطني الموجود بين أيدينا وما يشمله من التكملة والتي أشرنا إليها من قبل، يحتاج إلى دراسة علمية لضبط أسماء الرواة في الأسانيد، وكذلك ضبط متون الأحاديث بالرجوع إلى مصادرها الأصلية.\n\n- وجدت أثناء بحثي أنَّ هناك حاجة لدراسة علمية هامة لم تُسبق في كتاب العلل وهي: سبر جميع الأحاديث التي جزم الدارقطني بأنها معلولة، أو كان الراجح عنده أنها معلولة وتنقيح وتحليل ذلك، ومناقشة الدارقطني فيما ذهب إليه.\n\n- أنَّ الدارقطني كان أوسع النقاد الذين تكلموا في علل متون الأحاديث، وأنَّ كتابه قد تضمن الكلام على المتون بجانب الأسانيد، والتحقيق أنَّ الدراسة تبين افتراء المستشرقين على أئمة الحديث، وجبال هذا العلم، بقولهم: \" أنهم نَقَدَة أسانيد وحسب \"، كما زعموا زورًا وبهتانًا.","vol":"1","page":218},{"text":"- أنَّ نسبة العلل الظاهرة في الإسناد التي ذكرها نقاد الحديث المتقدمين في مصنفاتهم تعد أقل بكثير من العلل الخفية في الإسناد والمتون، وعلى رأسهم الدارقطني في كتابه العلل.\n\nوبنهاية هذا المبحث نكون قد أنهينا الباب الثاني من الدراسة بفضل الله ﷿، ونكون قد عرضنا جانبًا كبيرًا من أجناس العلل الظاهرة والخفية في الإسناد والمتون، مصنفة تصنيفًا موضعيًا، ومدعومة بالأمثلة والنماذج من كلام الإمام الدارقطني وبابتكار لم نسبق إليه بحمد الله وتوفيقه سبحانه، ومما نظن أنَّه سيكون نموذجًا يُحتذى به في دراسة مصنفات العلل الأخرى، والله الموفق لا رب سواه.","vol":"1","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>الباب الثالث\nألفاظ التعليل ومدلولاتها عند الإمام الدارقطني</span>\nوفيه ثلاثة فصول:\n\nالفصل الأول: الألفاظ الدالة على ضعف الخبر أو عدم ثبوته.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: ألفاظ التضعيف ومدلولاتها عند الإمام الدارقطني.\nالمبحث الثاني: ألفاظ الوضع والبطلان ومدلولاتهما عند الإمام الدارقطني.\n\nالفصل الثاني: الألفاظ الدالة على الخطأ والوهم والاختلاف.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: ألفاظ الخطأ والوهم ومدلولهما عند الإمام الدارقطني.\nالمبحث الثاني: ألفاظ المخالفة والنَّكارة ومدلولهما عند المحدثين والإمام الدارقطني.\n\nالفصل الثالث: الألفاظ الدالة على الغرابة والتفرد والترجيح.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الغرابة والتفرد ومدلولهما عند النُّقاد والإمام الدارقطني.\nالمبحث الثاني: ألفاظ الترجيح ومدلولاتها عند النُّقاد والإمام الدارقطني.","vol":"1","page":221},{"text":"الفصل الأول\n\nالألفاظ الدالة على ضعف الخبر أو عدم ثبوته\n\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: ألفاظ التضعيف ومدلولاتها عند الإمام الدارقطني.\nالمطلب الأول: تعريف الضعف لغةً واصطلاحًا.\nالمطلب الثاني: أهمية كتابة الحديث الضعيف عند النقاد.\nالمطلب الثالث: ألفاظ التضعيف عند الدارقطني في العلل.\n\nالمبحث الثاني: ألفاظ الوضع والبطلان ومدلولاتهما عند الإمام الدارقطني.\nالمطلب الأول: تعريف الوضع والبطلان لغةً واصطلاحًا.\nالمطلب الثاني: ألفاظ الوضع والبطلان عند الإمام الدارقطني.","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>الفصل الأول\nالألفاظ الدالة على ضعف الخبر أو عدم ثبوته</span>\nسنتعرض في هذا الفصل للألفاظ التي تدل على ضعف الرواية أو الخبر عند الإمام الدارقطني، ولقد تنوعت ألفاظ التضعيف للأحاديث المعلولة التي كان يطلقها الدارقطني\nليشير إلى درجة ضعفها ولأنها ليست في درجة واحدة من الضعف، وإنَّما هي متفاوتة فمثلًا قوله: \" حديث ضعيف غير ثابت \"، بخلاف قوله: \" فلان ليس بقوي \"، بخلاف قوله: \" حديث باطل أو موضوع \"، فإنَّ بينهما فرق واضح فيما يقصده الدارقطني، ولذا سوف نسوق اللفظ ثم نمثل له كي يفهم مراده ومعناه عند الدارقطني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>المبحث الأول: ألفاظ التضعيف ومدلولاتها عند الإمام الدارقطني</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>المطلب الأول: تعريف<span data-type=\"title\" id=toc-60> الضعف لغةً </span>واصطلاحًا</span>.\nالضعف لغةً:\nوالضعف في اللغة ضد القوة وهو الفُتُور، قال ابن منظور في لسان العرب: \" (ضعف) الضَّعْفُ والضُّعْفُ خِلافُ القُوّةِ وقيل الضُّعْفُ بالضم في الجسد والضَّعف بالفتح في الرَّاي والعَقْلِ، وقيل: هما معًا جائزان في كل وجه، وخصّ الأَزهريُّ بذلك أَهل البصرة فقال: هما عند أَهل البصرة سِيَانِ يُسْتعملان معًا في ضعف البدن وضعف الرَّاي، وفي التنزيل: ﴿الله الذي خَلَقَكم من ضُعفٍ ثم جَعَل من بعد ضُعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضُعْفًا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وخُلِق الإنسانُ ضَعِيفًا﴾ (٢)،أَي يَسْتَمِيلُه هَواه\n\nوالضَّعَفُ لغة في الضَّعْفِ عن ابن الأَعرابي وأَنشد:\nومَنْ يَلْقَ خَيرًا يَغْمِزِ الدَّهْر عَظْمَه ... على ضَعَفٍ من حالهِ وفُتُورِ \" (٣).\n_________\n(١) سورة الروم، آية رقم (٥٤).\n(٢) سورة النساء، آية رقم (٢٨).\n(٣) ابن منظور: لسان العرب (ج٩/ص٢٠٣) مادة (ضعف).","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>الضعيف في الاصطلاح:</span>\nوالضعيف في الاصطلاح: هو كل حديث لم تجتمع فيه شروط الصحة المعروفة لدى أهل الحديث، قال السيوطي: \"وهو ما لم يجمع صفة الصحيح أو الحسن جمعهما تبعًا لابن الصلاح، وإن قيل إن الاقتصار على الثاني أولى لأنَّ ما لم يجمع صفة الحسن فهو عن صفات الصحيح أبعد \" (١).\nولاشك أنَّ الضعف مراتب كما أشرنا من قبل، وذلك تبعًا للأسباب التي أدت إلى ضعفه، فمن الضعيف ضعف يسير محتمل، وهو ما لم يترجح فيه جانب الرد، ولا جانب القبول فإذا كانت مرتبة الحديث كذلك، فهو يعتبر به؛ لأنَّه يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ، ومن هنا يُعلم سر كتابة أهل العلم والنقاد للأحاديث الضعيفة في مصنفاتهم للاعتبار بها، فربَّ حديث حَكَمَ عليه النُّقاد بالضعف لتفرد سيِّء الحفظ به مثلًا، ولم يكن له شاهد أو متابع يقويه، أو قرينة تدل على أنه ثابت، ثم ظهر له شاهد أو متابع أو قرينة فارتفع من احتمال الضعف إلى الحسن أو الصحة.\n\nومن الضعيف ما ترجح فيه جانب الرد على جانب القبول، كحديث المتروك والضعيف الذي ثبت خطؤه في الحديث، والأحاديث الموضوعة والمكذوبة، وما شابه ذلك، وهذا النوع لا يعتبر به، ولا يصلح كشاهد أو متابع أو قرينة، وخلاصة الأمر أنَّ الضعيف في مفهومه مغاير للمعلول، فلماذا حَكَمَ النُّقادُ المتقدمون على بعض الأحاديث بالضعف في مصنفات العلل؟، وللإجابة على هذا السؤال سوف نوضح العلاقة بين مفهوم الحديث الضعيف، ومفهوم الحديث المعلول.\n_________\n(١) السيوطي: تدريب الراوي (ج١/ ١٧٩).","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>علاقة الحديث الضعيف بالحديث المعلول:</span>\nوالجدير بالذكر أنَّ هناك علاقة بين الضعيف والمعلول، وقد سبق بيان مفهوم الحديث المعلول من قبل في التمهيد، وتم الإشارة إلى مفهوم الضعيف ضعفًا محتملًا وغيره، فالضعيف إما أن يكون:\n١ - ضعيفًا ضعفًا محتملًا، قد يجبر بمتابعة أو شاهد أو قرينة أخرى.\n٢ - ضعيفًا ضعفًا راجحًا، وقد ثبت بطلانه، فلا يُعتبر به ولا يصلح كقرينة.\nوفي المقابل مفهوم المعلول وهو ما ثبت بالقطع خطأ الراوي فيه، فلا يصلح أن يكون قرينة يتقوي بها حديث آخر، ومن هنا يعلم وجه التغاير بين المفهومين، لكن بين الضعيف والمعلول خيط يربطُهما ببعض، وهو أنَّ الحديث المعلول يعد من أنواع الضعيف الذي رجح فيه جانب الرد على جانب القبول، ولذا يمكن القول أنَّ بينهما عموم وخصوص، فكلُّ حديث معلول ضعيف وليس العكس.\n\nفإنَّ الضعيف قد يكون محتمل الخطأ ومحتمل الصواب، بخلاف المعلول فهو ما ثبت خطأ الراوي فيه، وكلام النقاد يدل على ما ذهبنا إليه، فهذا صنيع شعبة بن الحجاج في حديث الشُّفعة قال ابن عدي في ترجمة عبدالملك بن أبي سليمان العَرْزمي: \" أخبرنا الساجي ومحمد بن أحمد بن الحسين، ثنا عبدالله بن سعيد ثنا، وكيع ثنا شعبة، عن عبدالملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر - ﵁ - أن النَّبيَّ ﷺ قَالَ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ يُنْتَظَرُ وَإِنْ كَانَ غَائِبًَا إِذا كَانَ طَرِيقَهُمَا وَاحِدًا» (١).\n_________\n(١) أخرجه البيهقي: في السنن الكبرى (ج٦/ص١٠٦)، وأصل الضعف في حديث جابر المذكور تفرد عبدالملك بن أبي سليمان العَرْزمي بهذا اللفظ ومخالفته للثقات، ولهذا قال البيهقي: \" قال الشافعي في هذا الحديث: سمعنا بعض أهل العلم بالحديث يقول: نخاف أن لا يكون هذا الحديث محفوظًا، قيل له ومن أين قلت؟، قال إنَّما رواه عن جابر بن عبدالله، وقد روى أبو سلمة بن عبدالرحمن عن جابر مفسرًا: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الشُفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شُفعة»، وأبو سلمة من الحفاظ، وروى أبو الزبير وهو من الحفاظ عن جابر ما يوافق قول أبى سلمة، ويخالف ما روى عبدالملك بن أبى سليمان.","vol":"1","page":227},{"text":"وحديث الشُّفعة الذي أُنكر على عبدالملك هو هذا الحديث، وزاد الساجي، قال وكيع: قال لنا شعبة: \" لو كان شيئًا يُقويه؟! \".\nوقال أمية بن خالد: قلتُ لشعبة إنَّك تحدث عن محمد بن عبيدالله العَرْزمي وتدع عبدالملك بن أبي سليمان العَرْزمي وهو حسن الحديث، قال: من حسنها فَرَرْتُ \" (١).\n\nقلتُ: وواضح من كلام الإمام شعبة بن الحجاج أنَّهُ لم يجد لحديث الشفعة متابعًا لعبدالملك بن أبي سليمان العَرْزمي أو شاهدًا يقويه، فدل على أنَّ النُّقاد المتقدمين كانوا يعتبرون بالضعيف؛ لأنَّه محتمل أن يكون صحيحًا إذا كان له ما يقويه من وجهٍ آخر.\n\nوقال العلامة المعلمي في التنكيل: \" أنَّ أئمة الحديث قد يتبين لهم في حديث من رواية الثقة الثبت المتفق عليه أنَّه ضعيف، وفي حديث من رواية من هو ضعيف عندهم أنَّه صحيح، والواجب على من دونهم التسليم لهم، وأولى من ذلك إذا كان الراوي وسطًا كالنهشلي وابن أبي الزناد \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>المطلب الثاني: أهمية كتابة الحديث الضعيف</span>.\nولقد قام جهابذة هذا الفن بكتابة الحديث الضعيف لأسباب غاية في الأهمية، وقد أجمل أهل العلم في مصنفاتهم هذه الأسباب، وذكروا لنا طريقتهم في ذلك.\nوما أجمل ما ذكره ابن حبان البستي في المجروحين: ورأى أحمد بن حنبل يحيى بن معين في زاوية بصنعاء، وهو يكتب صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، فإذا اطلع عليه إنسان كتمه.\nفقال أحمد بن حنبل له: تكتب صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، وتعلم أنها موضوعة؟!، فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في \" أبان\"، ثم تكتب حديثه على الوجه؟!\n_________\n(١) ابن عدي: الكامل في الضعفاء (ج٥/ص٣٠٢).\n(٢) عبدالرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (ت: ١٣٨٦هـ): التنكيل طبعة المكتب الإسلامي، بيروت (دت)، تحقيق: العلامة ناصر الدين الألباني ﵀، (ج٢/ص٣٦).","vol":"1","page":228},{"text":"قال: رحمك الله يا أبا عبدالله أكتب هذه الصحيفة عن عبدالرزاق، عن معمر، عن أبان عن أنس، وأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء إنسان، فيجعل بدل: \" أبان\": \" ثابتًا \"، ويرويها عن معمر، عن ثابت، عن أنس، فأقول له: كذبت، إنَّما هي: \" أبان \" لا \" ثابت\" (١).\n\nوقال ابن عبدالبر في جامع بيان العلم: \" قال سفيان الثوري: إني أحب أن أكتب الحديث على ثلاثة أوجه، حديث أكتبه أريد أن أتخذه دينًا، وحديث رجل أكتبه فأوقفه لا أطرحه ولا أدين به، وحديث رجل ضعيف أحب أن أعرفه ولا أعبأ به. وقال الأوزاعي: تعلم ما لا يؤخذ به كما تتعلم ما يؤخذ به \" (٢).\n\nوقال النووي في شرح مسلم: \" فقد يقال لِمَ حدث هؤلاء الأئمة عن هؤلاء مع علمهم بأنهم لا يحتج بهم؟!، ويجاب عنه بأجوبة:\n\nأحدها: أنهم رووها؛ ليعرفوها، وليبينوا ضعفها لئلا يلتبس في وقت عليهم، أو على غيرهم أو يتشككوا في صحتها.\nالثاني: أنَّ الضعيف يُكتب حديثه ليعتبر به، أو يستشهد به كما قدمناه في فصل المتابعات ولا يحتج به على انفراده.\nالثالث: أنَّ روايات الراوي الضعيف يكون فيها: الصحيح والضعيف والباطل فيكتبونها، ثم يميز أهل الحديث والإتقان بعض ذلك من بعض وذلك سهل عليهم معروف عندهم وبهذا احتج سفيان الثوري ﵀ حين نهى عن الرواية عن الكلبي، فقيل له: أنت تروي عنه؟!، فقال: أنا أَعْلمُ صدقه من كذبه.\n_________\n(١) ابن حبان: محمد بن حبان بن أحمد أبى حاتم البُستي (٣٥٤هـ)، المجروحين طبعة دار المعرفة، بيروت، تحقيق محمود ابراهيم زايد، (ج١/ص٣١ - ٣٢).\n(٢) ابن عبدالبر: يوسف بن عبدالله بن عبد البر القرطبي (ت:٤٦٣هـ)، جامع بيان العلم وفضله طبعة دار الكتب العلمية، بيروت ٢٠٠٠م، تحقيق: مسعد عبدالحميد السعدني، (ص٧٦).","vol":"1","page":229},{"text":"الرابع: أنهم قد يروون عنهم أحاديث الترغيب والترهيب، وفضائل الأعمال والقصص، وأحاديث الزهد ومكارم الأخلاق، ونحو ذلك مما لا يتعلق بالحلال والحرام، وسائر الأحكام وهذا الضرب من الحديث يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل فيه، ورواية ما سوى الموضوع منه والعمل به.\n\nلأنَّ أصول ذلك صحيحة مقررة في الشرع معروفة عند أهله، وعلى كل حال فإنَّ الأئمة لا يروون عن الضعفاء شيئًا يحتجون به على انفراده في الأحكام، فإنَّ هذا شيء لا يفعله إمام من أئمة المحدثين، ولا محقق من غيرهم من العلماء.\n\nوأمَّا فعل كثيرين من الفقهاء أو أكثرهم ذلك، واعتمادهم عليه فليس بصواب بل قبيح جدًا وذلك لأنَّه إن كان يعرف ضعفه لم يحل له أن يحتج به، فإنهم متفقون على أنَّه لا يحتج بالضعيف في الأحكام، وإن كان لا يعرف ضعفه لم يحل له أن يحجم على الاحتجاج به من غير بحث عليه بالتفتيش عنه إن كان عارفًا، أو بسؤال أهل العلم به إن لم يكن عارفًا، والله أعلم \" (١).\n\nوليس الإمام الدارقطني إلا واحدًا من هؤلاء النقاد فنجده يروي عن الضعفاء في كتابه السنن والعلل وغيرها ويعتبر بها، وهذه قاعدة عامة عنده، وله أحكام خاصة ببعض الرواة الضعفاء لا يحتج بهم، وسوف نضرب بعض الأمثلة التي تبين منهجه في ذلك:\n\n١ - مثل قوله في عمرو بن دينار: \"وهو ضعيف الحديث لا يحتج به \" (٢).\n٢ - وقوله في سعيد بن عبدالملك بن واقد الحراني:\"وسعيد هذا ضعيف لا يحتج به\" (٣).\n_________\n(١) النووي: شرح النووي على صحيح مسلم، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت الطبعة الثانية سنة ١٩٩٢م، (ج١/ص١٢٦).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ص٥٠) سؤال رقم (١٠١).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ص٢٣٧) سؤال رقم (٢٤١).","vol":"1","page":230},{"text":"٣ - وكذلك قوله في: \" أيوب بن جابر من أهل اليمامة ضعيف لا يحتج به \" (١).\n٤ - وكذلك قوله في حجاج بن أرطاة: \" وحجاج لا يحتج به \" (٢).\n٥ - وكذلك قوله في عبدالله بن لهيعة: \" وابن لهيعة لا يحتج به \" (٣).\n\nكما أنَّ له أحكامًا لبعض الرواة عن بعض أنها لا يثبت فيها شيء، نذكر منها:\n١ - حكمه في ترجمة الحسن البصري: \" الحسن عن أبي هريرة، قال: ليس فيها شيء ثابت \" (٤).\n٢ - حكمه في ترجمة عاصم بن أبي النجود عن عطية عن أبي سعيد: \" ولا يصح لعاصم عن عطية شيء \" (٥).\n٣ - حكمه في ترجمة محمد بن المنكدر عن أبي برزة: \" ولا يثبت لابن المنكدر سماع من أبي برزة \" (٦).\n٤ - حكمه في ترجمة أبو رافع عن ابن مسعود: \" وأبو رافع (٧) لا يثبت سماعه من ابن مسعود \" (٨).\n_________\n(١) المصدر السابق: (ج٥/ص١٦٠) سؤال رقم (٧٩٢).\n(٢) المصدر السابق: (ج٥/ص٣٤٧) سؤال رقم (٩٤٠).\n(٣) المصدر السابق: أيضًا (ج٥/ص٣٤٧) سؤال رقم (٩٤٠).\n(٤) المصدر السابق: (ج١١/ص٢٢٣) سؤال رقم (٢٢٤٣)، وقال الترمذي: في السنن (ج٥/ص٦١)، حديث رقم (٢٧٠٣): \" قال أيوب السختياني ويونس بن عبيد وعلي بن زيد إن الحسن لم يسمع من أبي هريرة \".\n(٥) المصدر السابق: (ج١١/ص٢٩٣) سؤال رقم (٢٢٩٠).\n(٦) المصدر السابق: (ج٦/ص٣٠٨) سؤال رقم (١١٥٩).\n(٧) وهو نفيع، أبي رافع الصائغ المدني، مولى ابنة عمر بن الخطاب مشهور بكنيته (ت:؟)، ثقة ثبت من الطبقة الثانية كبار التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج١٠/ص ٤٢٠).\n(٨) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٥/ص٣٤٦) سؤال رقم (٩٤٠).","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>المطلب الثالث: ألفاظ التضعيف عند الدارقطني في العلل</span>.\nلا شك أنَّ النقاد المحدثين كان لهم ألفاظ يستعملونها في الإفصاح عن الضعف الموجود في الرواية، وأنهم كانوا يقصدون به معنىً ما، والجدير بالذكر أنَّ كل إمام كان له ما يخصه من الألفاظ إلا أنهم لا يختلفون في المقصود من مرتبة الضعف المشار إليها في اللفظ.\n\nوقد أطلق الإمام الدارقطني بعض الألفاظ التي تدل على الضعف، نأخذ نماذج منها:\nأولًا: لفظة: \" ضعيف \".\nاستخدم الإمام الدارقطني هذه اللفظة في الحكم على بعض الأحاديث نذكر منها مثالًا:\n\nالمثال: قال البرقاني في العلل: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث مالك بن يخامر، عن معاذ - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «مَا عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللهِ ﷿ إِلا عَظُمَتْ مَؤُنَةُ النَّاسِ عَلَيْهِ فَمَنْ لَمْ يَحْتَمِلْ تِلْكَ الْمَؤُنَةَ فَقَدْ عَرَّضَ تِلْكَ النِّعْمَةَ لِلزَّوَالِ» (١)\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه ثور بن يزيد واختلف عنه: فرواه محمد بن علاثة (٢)، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن مالك بن يخامر، عن معاذ. ورواه أحمد بن معدان العبدي، عن ثور، عن خالد، عن معاذ. لم يذكر فيه مالكا، وهو حديث ضعيف غير ثابت \" (٣).\nقلتُ: والعلة المشار إليها في الحديث أنَّ محمد بن عبدالله بن علاثة أخطأ في إسناد الحديث فأدخل مالك بن يخامر بين خالد بن معدان، ومعاذ، وحجة الدارقطني هي مخالفة أحمد بن معدان العبدي له، فقد ساقه بدون ذكر مالك بن يخامر، فظهر الانقطاع الذي بين خالد بن معدان، ومعاذ بن جبل ﵁ وبينهما مفاوز، وقول الدارقطني هنا ضعيف يعني أنَّ\n_________\n(١) أخرجه البيهقي: في شعب الإيمان طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤١٠ هـ، تحقيق محمد السعيد بسيوني زغلول، (ج٦/ص١١٨) برقم (٧٦٦٤).\n(٢) هو محمد بن عبدالله بن علاثة العقيلي الجزري، أبو اليسير الحراني القاضي (ت: ١٦٨ هـ)، صدوق يخطئ، قال البخاري: فيه نظر، ووثقه ابن معين وغيره، وقال الدارقطني: متروك، ... وقال ابن عدى: أرجو أنه لا بأس به، ميزان الاعتدال (ج٣/ص ٥٩٤).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٦/ص٥٠) سؤال رقم (٩٦٩).","vol":"1","page":232},{"text":"الحديث من جميع الوجوه ضعيف لا يثبت (١)، والله أعلم\n\nثانيًا: لفظة: \" وهذا إسناد غير ثابت \".\nاستخدم الدارقطني هذا اللفظ في الحكم على الحديث لما سئل عن حديث أبي كبشة الأنْمَاري، عن أبي بكر الصديق - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «مَنْ كَذَبَ عَلَي مُتَعَمِّدًَا ...» (٢)، فذكر الخلاف ثم ساق الحديث بإسناده فقال:\n\nحدثنا علي بن مبشر، قال حدثنا إسحاق بن أحمد القاص، قال حدثنا يونس بن عطاء قال ثنا أبو معمر الأصغر، عن أبي معمر الأكبر، عن أبي بكر الصديق عن النَّبي ﷺ. وهذا إسناد غير ثابت \" (٣).\n\nوالضعف المشار إليه أنَّ هذا المتن صحيح، ولكنه لم يثبت له إسناد صحيح من مسند أبي بكر الصديق ﵁، وفرق كبير بين لفظة \"حديث ضعيف لا يثبت \"، وبين لفظة \" إسناد غير ثابت \"؛ لأنَّ الأول يدل على ضعف السند والمتن، والثاني يخص الإسناد بعينه دون المتن، لثبوت المتن من أسانيد صحيحة متواترة عن على وأبي هريرة وغيرهما ﵃، وقد أخرجه الستة في مصنفاتهم.\n\nثالثًا: لفظة: \" وهذا إسناد مقلوب \".\nمثاله: قال البرقاني في العلل: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث شقيق عن عبدالله - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلاَّ ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا والاَهُ وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ» (٤).\n_________\n(١) أخرج الشاهد الطبراني في المعجم الأوسط، (ج٥/ص٢٢٨)، برقم (٥١٦٢) من طريق عبدالله ابن زيد الحمصي قال: حدثنا الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة، عن ابن عمر به. بإسناد ضعيف.\n(٢) أخرجه البزار: في مسنده (البحر الزَّخار)، (ج١/ص٩٨)، برقم (٦٧)، بسند ضعيف.\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١/ص ٢٤٦) سؤال رقم (٤٤).\n(٤) أخرجه الترمذي على الوجه الصحيح: في السنن، كتاب الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله ﷿، (ج٤/ص ٥٦١)، برقم (٢٣٢٢)، وابن ماجه في السنن، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، (ج٢/ص ١٣٧٧)، برقم (٤١١٢)، كلاهما من طريق عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان قال: سمعت عطاء بن قرة قال: سمعت عبدالله بن ضمرة، قال: سمعت أبا هريرة به، قال الترمذي: \" هذا حديث حسن غريب \"، وهو حديث حسن.","vol":"1","page":233},{"text":"فقال - الدارقطني -: يرويه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان واختلف عنه: فرواه أبو المطرف مغيرة بن مطرف، عن ابن ثوبان، عن عبدة بن أبي لبابة، عن شقيق، عن عبدالله. وهذا إسناد مقلوب وإنَّما رواه ابن ثوبان، عن عطاء بن قرة، عن عبدالله بن ضمرة، عن أبي هريرة. وهو الصحيح \" (١).\n\nقلتُ: والعلة المشار إليها في الحديث أنَّ أبا المطرف مغيرة بن مطرف أخطأ فقلب إسناد الحديث عن عبدالرحمن بن ثوبان فجعله من مسند عبدالله بن مسعود بقوله: \" عن عبدة بن أبي لبابة، عن شقيق، عن عبدالله \"، والصحيح أنَّه من مسند أبي هريرة ﵁.\n\nرابعًا: لفظة: \" ليس بقوي \".\nومثاله قال البرقاني في العلل: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث نافع، عن ابن عمر عن عمر - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ -: «فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّينِ»، فساق الدارقطني الخلاف فيه ثم قال: \" ورواه خالد بن أبي بكر بن عبيدالله بن عبدالله بن عمر بن الخطاب - ﵁ - ... عن سالم، عن أبيه، عن عمر. وأغرب فيه بألفاظ لم يأت بها غيره، ذكر فيه المسح وقال فيه: على ظهر الْخُفِّ، وذكر في التوقيت ثلاثا للمسافر ويوما وليلة للمقيم، وخالد بن أبي بكر العمري (٢) هذا ليس بقوي \" (٣).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٥/ص٨٩) سؤال رقم (٧٣٥).\n(٢) هو خالد بن أبى بكر بن عبيدالله بن عبدالله بن عمر بن الخطاب القرشي المدني (ت: ١٦٢ هـ)، فيه لين، من الطبقة السابعة كبار أتباع التابعين، أخرج له الترمذي، قال البخارى: له مناكير، تقريب التهذيب (ج١/ص ٢٥٥)، الذهبي: ميزان الاعتدال (ج١/ص ٦٢٨).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ص٢٢) سؤال رقم (٩٢).","vol":"1","page":234},{"text":"خامسًا: لفظة: \" مجهول \".\nومثاله: قال البرقاني في العلل: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي أمامة الباهلي عن عمر - ﵁ - أنَّ النَّبي ﷺ قال: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا، فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي» (١) الحديث.\nفقال - الدارقطني -: حدث به ياسين الزيات، عن عبيدالله بن زحر، عن القاسم عن أبي أمامة، عن عمر وعبيدالله بن زحر، إنَّما يروي عن علي بن يزيد، عن القاسم ولم يذكره ياسين في الإسناد.\nورواه أبو السائب عن وكيع، عن مسعر، عن عبيدالله بن زحر ولم يتابع عليه، وغيره يرويه عن وكيع عن خلاد الصفار، عن عبيدالله بن زحر وهو الصواب.\nوروى هذا الحديث أصبغ بن زيد عن أبي العلاء عن أبي أمامة، وأبو العلاء هذا مجهول وعبيدالله بن زحر ضعيف والحديث غير ثابت \" (٢).\nسادسًا: لفظة: \" لا يصح أو لا يثبت \".\nالمثال الأول: قال البرقاني في العلل: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث حدَّثَ به محمد بن عبدالواحد، ثنا أبو بكر محمد بن السري التَّمار، ثنا عباس الدوري، ثنا أبو داود الحفري، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن مصعب بن سعد، عن سعد ابن أبي وقاص - ﵁ -، قال رسول الله ﷺ: «مَنْ كَذَبَ عَلَي مُتَعمِّدًا فَلْيَتَبَوأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».\n_________\n(١) أخرجه الترمذي على الوجه الضعيف: في السنن، كتاب الدعوات، بَاب فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ -، (ج٥/ص٥٥٨)، برقم (٣٥٦٠)، وابن ماجه في السنن، كتاب اللباس، باب ما يقول الرجل إذا لبس ثوبا جديدًا، (ج٢/ص ١١٧٨)، برقم (٣٥٥٧)، كلاهما من طريق يزيد بن هارون قال: حدثنا أصبغ بن زيد، حدثنا أبو العلاء، عن أبي أمامة، بسند ضعيف معلول.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ص٢٢) سؤال رقم (١٦٠).","vol":"1","page":235},{"text":"فقال - الدارقطني -: هذا لا يصح عن مصعب بن سعد، ولا عن سلمة بن كهيل ولا عن الثوري، ولعل هذا الشيخ دخل عليه حديث في حديث \" (١).\nالمثال الثاني: قال البرقاني في العلل: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى مَسْجِدٍ أَوْ إِلَى شَجَرَةٍ أَوْ إِلَى بَعِيرٍ فِإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَخُطَّ خَطًّا ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ» (٢).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه الأوزاعي واختلف عنه: فرواه رواد بن الجراح، عن الأوزاعي، عن أيوب بن موسى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقيل عن رواد، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أيوب بن موسى ولا يصح عن الزهري، وقال بقية عن الأوزاعي، عن رجل من أهل المدينة، عن أبي هريرة موقوفا. والحديث لا يثبت \" (٣).\nقلتُ: وكل هذه الألفاظ التي سبقت تدل على ضعف الحديث عند الدارقطني، ولا أدعي أنني قد أستوعبت جميع الألفاظ التي تدل على الضعف عند الدارقطني في كتابه العلل وإنَّما هي غالب الألفاظ التي استعملها في تضعيفه للأحاديث، والله أعلم.\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٤/ص٣٣١) سؤال رقم (٦٠٣).\n(٢) أخرجه أبو داود على الوجه الضعيف: في السنن، كتاب الصلاة، باب الخط إذا لم يجد عصا (ج١/ص ٢٤٠)، برقم (٦٨٩)، وابن ماجه في السنن، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، بَاب ما يستر المصلي، (ج١/ص ٣٠٣)، برقم (٩٤٣)، كلاهما من طريق أبي عمرو بن محمد بن عمرو بن حريث، عن جده حريث بن سليم، عن أبي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَخُطَّ خَطًّا ثُمَّ لا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ»، بإسنادٍ ضعيف لجهالة أبي عمرو بن محمد بن عمرو بن حريث وجده.\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٨/ص٥٠) سؤال رقم (١٤١٠).","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>المبحث الثاني: ألفاظ الوضع والبطلان ومدلولاتهما عند الإمام الدارقطني</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>المطلب الأول: تعريف الوضع والبطلان لغة واصطلاحًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>أولًا: تعريف الوضع لغةً:</span>\nوهو ما وضع باليد، أوكان بمعنى ضد الرفع، قال ابن منظور في لسان العرب: \" ... (وضع) الوَضْعُ ضدُّ الرفع وضَعَه يَضَعُه وَضْعًا ومَوْضُوعًا ...، والمواضِعُ معروفة واحدها مَوْضِعٌ واسم المكان المَوْضِعُ والموضَعُ بالفتح الأَخير نادر ...، والموضَعةُ لغة في الموْضِعِ حكاه اللحياني عن العرب قال يقال: ارْزُنْ في مَوضِعِكَ ومَوْضَعَتِكَ، والوَضْعُ مصدر قولك وَضَعْتُ الشيء من يدي وَضْعًا وموضوعًا، وهو مثل المَعْقُولِ ومَوْضَعًا وإِنه لحَسَنُ الوِضْعةِ أَي الوَضْعِ، والوَضْعُ أَيضًا الموضوعُ \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>ثانيًا: تعريف الموضوع في الاصطلاح:</span>\nوهو ما يغلب على الظن أو يجزم أنَّه حديث كذب مختلق، قال السيوطي: \" الموضوع هو الكذب المختلق المصنوع، وهو شر الضعيف وأقبحه، وتحرم روايته مع العلم به أي بوضعه في أي معنى كان سواء الأحكام والقصص والترغيب وغيرها، إلا مبينا أي مقرونًا ببيان وضعه لحديث مسلم: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» (٢)، ويعرف الوضع للحديث بإقرار واضعه أنه وضعه \" (٣).\nوقال الإمام مسلم عن هذا النوع من الأخبار: \" إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها أو يستعمل بعضها، ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها مع أنَّ\n_________\n(١) ابن منظور: لسان العرب (ج٨/ص٣٩٦)، مادة (وضع).\n(٢) أخرجه مسلم: في الصحيح (مع شرح النووي)، المقدمة، باب وجوب الرواية عن الثقات ترك الكذابين والتحذير من الكذب على رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، (ج١/ص٩٥).\n(٣) السيوطي: تدريب الراوي (ج١/ص٢٧٤).","vol":"1","page":237},{"text":"الأخبار الصحاح من رواية الثقات، وأهل الْقَنَاعَةِ أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة ولا مقنع.\nولا أحسب كثيراَ ممن يعرج من النَّاس على ما وصفنا من هذه الأحاديث الضِعاف والأسانيد المجهولة، ويعتد بروايتها بعد معرفته بما فيها من التوهن والضعف، إلا أنَّ الذي يحمله على روايتها والاعتداد بها إرادة التكثر بذلك عند العوام، ولأن يقال ما أكثر ما جمع فلان من الحديث وألف من العدد، ومن ذهب في العلم هذا المذهب وسلك هذا الطريق فلا نصيب له فيه. وكان بأن يسمى جاهلًا أولى من أن ينسب إلى علمٍ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>ثالثًا: تعريف البطلان لغةً:</span>\nوهو كل شيء فيه خُسران، نقيض الحق، ويعني الكذب والافتراء كذلك، قال ابن منظور في لسان العرب: \" (بطل) بَطَل الشيءُ يَبْطُل بُطْلًا وبُطُولًا، وبُطْلانًا ذهب ضيَاعًا وخُسْرًا فهو باطل وأَبْطَله هو، ويقال ذهب دَمُه بُطْلًا أَي هَدَرًا، وبَطِل في حديثه بَطَالة وأَبطل هَزَل، والاسم البَطل والباطل نقيض الحق والجمع أَباطيل على غير قياس كأَنه جمع إِبْطال أَو إِبْطِيل هذا مذهب سيبويه.\nوفي التهذيب: ويجمع الباطل بواطل، قال أَبو حاتم: واحدة الأَباطيل أُبْطُولة، وقال ابن دريد: واحدتها إِبْطالة ودَعْوى باطِلٌ وبَاطِلة عن الزجاج وأَبْطَل جاء بالباطل والبَطَلة السَّحَرة ماخوذ منه، وقد جاء في الحديث «ولاَ تَسْتَطِيعُهُ البَطَلة» قيل هم السَّحَرة، ورجل بَطَّال ذو باطل، وقَوْلٌ باطِل بَيِّن البُطُول، وتَبَطَّلوا بينهم تداولوا الباطل، عن اللحياني والتَّبَطُّل فعل البَطَالة وهو اتباع اللهو والجَهالة، وقالوا: بينهم أُبْطُولة يَتَبَطَّلون بها أَي يقولونها ويتداولونها، وأَبْطَلت الشيءَ جعلته باطلًا وأَبْطل فلان جاء بكذب وادَّعى باطلًا، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ (٢)، قال: الباطل هنا إِبليس أَراد ذا الباطل أَو صاحب الباطل\n_________\n(١) الإمام مسلم: صحيح مسلم (مع شرح النووي)، المقدمة (ج١/ص١٣٢ - ١٣٣).\n(٢) سورة سَبأ آية رقم (٤٩).","vol":"1","page":238},{"text":"وهو إِبليس \" (١). وبهذا يدور معنى الباطل في اللغة حول الفساد، والسقوط، والخسران، أو المخالفة للحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>رابعًا: تعريف الباطل في الاصطلاح:</span>\nلم أجد تعريفًا في كتب المصطلح يعرف البطلان، ولكن قد أطلقه جمع من النقاد المحدثين في مصنفاتهم للدلالة على الخبر المكذوب، أو ما لا أصل له أو موضوع، وقد يقصدون به كل حديث ساقط لا أصل له، أو أنَّه مغاير لحقيقة الصحة، كاختلاف الألفاظ التي تغير المعنى، وغيرها من العلل التي تطرأ على الحديث فتجعله نقيض الحق، فهو أقرب للمعنى اللغوي للبطلان فهو الخبر الساقط، المخالف للحق والصحة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>المطلب الثاني: ألفاظ الوضع والبطلان عند الإمام الدارقطني</span>.\nوقد أطلق الإمام الدارقطني بعض الألفاظ التي تدل على الوضع والبطلان وهي قليلة، نذكر نماذج منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>أولًا: لفظة: \" كان يضع أو يكذب </span>\".\nأطلق الإمام الدارقطني هذا اللفظ على حديث واحد لما سُئل عن حديث أبي رافع عن ابن مسعود عن النبي ﷺ: «في الوضوء بالنبيذ» (٢)، فقال: \"والراوي له متروك الحديث وهو الحسين بن عبيدالله العجلي عن أبي معاوية كان يضع الحديث على الثقات، وهذا كذب على أبي معاوية وعلى الأعمش \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>ثانيًا: لفظة: \" قال ما لم يقله أحد من أهل العلم </span>\".\nوقد أطلق الإمام الدارقطني هذه اللفظة على حديث واحد لما سُئل عن حديث أنس،\n_________\n(١) ابن منظور: لسان العرب (ج١١/ص٥٦)، مادة (بطل).\n(٢) سبق تخريجه: صفحة ٢٠٤ من هذه الدراسة.\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٥/ص ٣٤٦) سؤال رقم (٩٤٠).","vol":"1","page":239},{"text":"عن عمر - ﵁ -: «أنَّه سَألَ عَنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبَّا﴾ (١)، فَمَا الأبُّ؟ ثُمَّ قَالَ: هَذَا لَعَمْرُ اللهِ التَّكَلّف، فَخُذُوا أَيْهُا النَّاسُ بِمَا تَبَيَّنَ لَكُمْ فِيهِ فَمَا عَرَفْتُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَمَا لَمْ تَعْرِفُوا فَكِلُوا عِلْمَهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى»، فقال - الدارقطني -: \" من روى هذا الحديث فكِلوه إلى خالقه فقد وهم وقال ما لم يقله أحد من أهل العلم بالحديث فإنه لا يعرف فيه إلا قوله فكِلوه إلى عالمه أي كِلُوا عِلْمَهُ إلى الله ﷿ أو فدعوه \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>ثالثًا: لفظة: \" ليس هذا بشيء </span>\".\nوقد ذكر الإمام الدارقطني هذه اللفظة في حديث واحد لما سُئل عن حديث أبي صالح عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: رسول الله ﷺ: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَى تَكَونَ خُصُومَتُهُم فَي رَبِّهِمْ» (٣).\nفقال - الدارقطني -: \"يرويه أبو قلابة (٤)، عن حسين بن حفص، عن الثوري، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، ووهم فيه، وإنَّما روي عن الثوري هذا الحديث من حديث منذر الثوري عن محمد ابن الحنفية من قوله غير مرفوع.\nثنا محمد بن محمود بن محمد بواسط، ثنا أبو قلابة عبدالملك بن محمد، ثنا حسين بن حفص، ثنا سفيان الثوري، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: رسول الله ﷺ: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَى تَكَونَ خُصُومَتُهُم فَي رَبِّهِمْ»، قال أبو قلابة: فذكرت ذلك لعلي بن المديني فقال: ليس هذا بشئ، إنَّما الحديث حديث ابن الحنفية: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَى تَكَونَ خُصُومَتُهُم فَي رَبِّهِمْ» \" (٥).\n_________\n(١) سورة عَبَسَ آية رقم (٣١).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ص ١٢٠)، سؤال رقم (١٥٣).\n(٣) لم يخرجه إلا الدارقطني: في العلل (ج١٠/ص١٦٧)، سؤال رقم (١٩٥٩)، وقد فتشت عنه طويلًا فلم أجده.\n(٤) هو عبدالملك بن محمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالملك الرَّقاشي، أبو قلابة البصري (ت: ٢٧٦ هـ)، صدوق يخطىء تغير حفظه لما سكن بغداد، من الطبقة الحادية عشر، أوساط الآخذين عن تبع الأتباع، أخرج له ابن ماجه، تقريب التهذيب (ج١/ص ٦١٩).\n(٥) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١٠/ص١٦٧)، سؤال رقم (١٩٥٩).","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>رابعًا: لفظة: \" وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد </span>\".\nوقد ذكر الإمام الدارقطني هذه اللفظة في حديث واحد لما سُئل عن حديث يزيد بن شُريكٍ، عن أبي ذر - ﵁ -، قال رسول الله ﷺ: «عَلَى قَسِيمِ النَّارِ يَدْخُلُ أَوْلِيَاؤُهُ الْجَنَّةَ، وَأَعْدَاؤُهُ النَّارَ» (١).\nفقال - الدارقطني -: \" حَدَّثنا الشّافِعِيُّ أَبُو بَكرٍ (٢)، قال: حَدَّثنا مُحَمد بن عُمَر القَبَلِيُّ، قال: حَدَّثنا مُحَمد بن عُمَر القَبَلِيُّ، قال: حَدَّثنا مُحَمد بن هاشِمٍ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثنا عُبَيدالله ذَلِك، قال الشَّيخُ: وهَذا الحَدِيثُ باطِلٌ بِهَذا الإِسنادِ، ومِن دُونِ عُبَيدِالله ضُعَفاءٌ، القَبَلِيُّ ضَعِيفٌ جِدًّا، وإِنَّما رَوَى هَذا الحَدِيث الأَعمَشُ، عَن مُوسَى بنِ طَرِيفٍ عَن عَبايَة، عَن عَلِيٍّ - ﵁ - \" (٣).\n\nقلتُ: والعلة التي في هذا الحديث أنَّه اجتمع فيه ضعيفان محمد بن هاشم الثقفي ... ومحمد بن عمر القبلي، بخلاف نكارة المتن لذا حكم عليه الدارقطني بالبطلان، وقوله: \" بهذا الإسناد \" حكمٌ دقيق، فهناك فرق بين الحكم على الإسناد أو المتن، والحكم على الحديث ككل، فإنَّ الحكم على الإسناد يخص الإسناد فقط، وقد يثبت المتن بإسناد آخر صحيح، وأما الحكم على الحديث بالبطلان يخص الإسناد والمتن معًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>خامسًا: لفظة: \" هذا باطل عن فلان </span>\".\nوقد ذكر الإمام الدارقطني هذه اللفظة في حديث واحد لما سُئل عن أحاديث رويت عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في المسح على الخفين منها: حديث يرويه جرير بن أيوب البجلي، عن\n_________\n(١) لم يخرجه إلا الدارقطني: في العلل (ج٦/ص٢٧٣)، سؤال رقم (١١٣٢)، وقد فتشت عنه طويلًا فلم أجده.\n(٢) هو محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبد ربه (ت٣٥٤هـ)، محدث، ثقة، من أهل جبل (قرب واسط)، وقام برحلة طويلة في طلب الحديث انتهت باستقراره ووفاته في بغداد، وله مُصنّفات جليلة الأعلام للزركلي (ج٦/ص ٢٢٤)، قلت: وقد اشتبه اسمه مع الإمام محمد بن إدريس الشافعي على بعض المحققين، وأمره واضح؛ لأنَّ الدارقطني لم يدرك الإمام الشافعي أصلًا.\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٦/ص٢٧٣)، سؤال رقم (١١٣٢).","vol":"1","page":241},{"text":"أبي زرعة، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي ﷺ «إِذَا أَدْخَلَ أَحُدُكُمْ قَدَمَيْهِ طَاهِرَتَينِ فَلْيَمْسَحْ، لِلمُقِيمِ يَومًا وَلِلمُسَافِرِ ثَلاَثًا» (١).\nفقال - الدارقطني-: هذا باطل عن أبي هريرة، وقد قال أبو نعيم: كان جرير يضع الحديث \" (٢).\n\nقلتُ: والعلة التي في هذا الحديث من جرير بن أيوب البجلى قال الذهبي: \" الكوفي مشهور بالضعف، روى عباس عن يحيى - يعني ابن معين -: \" ليس بشيء \".\nوروى عبدالله بن الدورقى، عن يحيى: \" ليس بذاك \". وقال أبو نعيم: \" كان يضع الحديث \". قال البخاري: \" منكر الحديث \". وقال النسائي: \" متروك \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>سادسًا: لفظة: \" وكلها باطلة </span>\".\nوقد ذكر الإمام الدارقطني هذه اللفظة في حديثٍ واحدٍ لما سُئل عن حديث يرويه أبان ابن عبدالله البجلي وكان ضعيفًا، عن مولى لأبي هريرة - ﵁ - في المسح على الخفين مرفوعًا فقال: \" وأبان ضعيف، وقال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر وكلها باطلة، ولا يصح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ وسلم في المسح \" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>ويتضح مما سبق:</span>\n- أنَّ الإمام الدارقطني كان يستعمل ألفاظًا للدلالة على ضعف الحديث وهي:\n١ - لفظة: \" ضعيف \".\n٢ - لفظة: \" وهذا إسناد غير ثابت \".\n_________\n(١) سبق تخريجه: صفحة رقم (٢٠٨) من هذه الدراسة.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٨/ص٢٧٥)، سؤال رقم (١٥٦٣).\n(٣) الذهبي: ميزان الاعتدال (ج١/ص٣٩١).\n(٤) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٨/ص٢٧٦)، سؤال رقم (١٥٦٣).","vol":"1","page":242},{"text":"٣ - لفظة: \" وهذا إسناد مقلوب \".\n٤ - لفظة: \" ليس بقوي \".\n٥ - لفظة: \" مجهول \".\n٦ - لفظة: \" لا يصح أو لا يثبت \".\n- وأنَّ الدارقطني وغيره من النقاد المتقدمين كانوا يستخدمون بعض هذه الألفاظ للإشارة إلى علة الضعف في الأحاديث والأخبار.\n\n- وأنَّ الدارقطني كان يذكر الضعف في الحديث ويبين السبب الذي من أجله كان ضعيفًا، ونادرًا ما يذكر لفظ الحكم بدون السبب.\n\n- وأنَّ الإمام الدارقطني كان يستعمل ألفاظًا للدلالة على بطلان الأخبار وهي:\n١ - لفظة: \" كان يضع أو يكذب \".\n٢ - لفظة: \" قال ما لم يقله أحد من أهل العلم \".\n٣ - لفظة: \" ليس هذا بشيء \".\n٤ - لفظة: \" وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد \".\n٥ - لفظة: \" هذا باطل عن فلان \".\n٦ - لفظة: \" وكلها باطلة \".","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>نستنج أنَّ:</span>\n- الأحكام التي ذكرها الدارقطني على الأخبار والأحاديث الضعيفة في العلل أكثر من الأحكام على الأحاديث الباطلة والموضوعة.\n- وأنَّ نسبة كلام الدارقطني على الرجال في الأحاديث الضعيفة، والباطلة والموضوعة أكبر من نسبة كلامه في الحكم على الحديث ككل أو الخبر جملة.\n- وأنَّ الدارقطني كان يستعمل الألفاظ التي كان النُّقاد المتقدمون يستعملونها للدلالة على ضعف أو بطلان الحديث أو الخبر.","vol":"1","page":244},{"text":"الفصل الثاني\n\nالألفاظ الدالة على الخطأ والوهم والاختلاف\n\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: ألفاظ الخطأ والوهم ومدلولهما عند الإمام الدارقطني.\nالمطلب الأول: تعريف الخطأ والوهم لغةً.\nالمطلب الثاني: لفظا الخطأ والوهم عند الدارقطني في العلل.\n\nالمبحث الثاني: ألفاظ المخالفة والنَّكارة ومدلولهما عند المحدثين والإمام الدارقطني.\nالمطلب الأول: تعريف المخالفة لغة.\nالمطلب الثاني: مفهوم المخالفة عند المحدثين والإمام الدارقطني.\nالمطلب الثالث: ألفاظ المخالفة التي استعملها الإمام الدارقطني لبيان العلل.\nالمطلب الرابع: تعريف النَّكارة لغة.\nالمطلب الخامس: مفهوم النَّكارة وألفاظها عند المحدثين والإمام الدارقطني.","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الفصل الثاني\nالألفاظ الدالة على الخطأ والوهم والاختلاف</span>\nسنتعرض في هذا الفصل للألفاظ التي تدل على الخطأ والوهم والاختلاف في الرواية أو الخبر عند الإمام الدارقطني، ولقد تنوعت ألفاظ الحكم على الخطأ والوهم والاختلاف، وذلك تباعًا للعلة التي طرأت على الخبر من زيادة أو نقصان، أو تقديم أو تأخير، أو إبدال راوٍ براوٍ، أو كلمة بكلمة، أو إسنادٍ في إسناد، أو تصحيف أو تحريف، أو رواية بالمعنى أفسدت معنى الحديث أو غير ذلك من الأسباب، ولتوضيح ذلك سوف نضرب بعض الأمثلة التي استعملها النُّقاد والدارقطني لهذه الألفاظ للدلالة على الخطأ والوهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>المبحث الأول: ألفاظ الخطأ والوهم ومدلولهما عند الإمام الدارقطني</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>المطلب الأول: تعريف الخطأ والوهم لغةً</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>أولًا: تعريف الخطأ لغةً</span>.\nوهو خلاف الصواب والصحيح، قال ابن منظور في لسان العرب: \" (خطأ) الخَطَأُ والخَطاءُ ضدُّ الصواب، وقد أَخْطَأَ، وفي التنزيل: ﴿وَلَيسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُم بِهِ﴾ (١)، عدَّاه بالباء؛ لأَنَّه في معنى عَثَرْتُم أَو غَلِطْتُم وقول رؤْبة:\nيا رَبِّ إِنْ أَخْطَاتُ أَو نَسِيتُ ... فأَنتَ لا تَنْسَى ولا تمُوتُ\nمعناه أَي إِنْ أَخْطَاتُ أَو نسِيتُ فاعْفُ عني لنَقْصِي وفَضْلِك وقد يُمدُّ الخَطَأُ، وقُرئَ بهما قوله تعالى: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ (٢)، وأَخْطَأَ وتَخَطَّأَ بمعنى، ولا تقل أَخْطَيْتُ وبعضهم يقوله وأَخْطَأَه ...\nوالخَطَأُ ما لم يُتَعَمَّدْ ...، هو ضد العَمْد، وهو أَن تَقْتُلَ إنسانًا بفعلك من غير أَنْ تَقْصِدَ قَتْلَه، أَو لا تَقْصِد ضرْبه بما قَتَلْتَه به، وقد تكرّر ذكر الخَطَإِ والخَطِيئةِ في الحديث.\n_________\n(١) سورة الأحزاب، آية رقم (٥).\n(٢) سورة النساء، آية رقم (٩٢).","vol":"1","page":247},{"text":"وأَخْطَأَ يُخْطِئُ إِذا سَلَكَ سَبيلَ الخَطَإِ عَمْدًا وسَهْوًا ويقال خَطِئَ بمعنى أَخْطَأَ ...، والخاطِئُ من تعمَّد لما لا ينبغي، وتقول لأَن تُخْطِئ في العلم أَيسَرُ من أَن تُخْطِئ في الدِّين ويقال قد خَطِئْتُ إِذا أَثِمْت فأَنا أَخْطَأُ وأَنا خاطِئٌ، قال المُنْذِري: سمعتُ أَبا الهَيْثَم يقول: خَطِئْتُ لما صَنَعه عَمْدًا وهو الذَّنْب، وأَخْطَاتُ لما صَنعه خَطَأً غير عمد، قال: والخَطَأُ مهموز مقصور اسم من أَخْطَاتُ خَطَأً وإِخْطاءً، قال وخَطِئتُ خِطْأً بكسر الخاء مقصور إِذا أَثِمْت وأَنشد: عِبادُك يَخْطَؤنَ وأَنتَ رَبٌّ ... كَرِيمٌ لا تَلِيقُ بِكَ الذُّمُومُ \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>ثانيًا: تعريف الوهم لغةً</span>.\nوهو ما التبس من الأمر فذهل عنه الذهن، فأخطأ فيه المرء وجه الصواب، والخطأ السهو كذلك، وفي حديث عبدالله بن مسعود موقوفًا عند النسائي: «مَنْ أَوْهَمَ فِي صَلاَتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا يَفْرُغُ وَهُوَ جَالِسٌ» (٢).\n\nوقال ابن منظور في لسان العرب: \" (وهم) الوَهْمُ من خَطَراتِ القلب والجمع أَوْهامٌ وللقلب وَهْمٌ وتَوَهَّمَ الشيءَ تخيَّله وتمثَّلَه كان في الوجود أَو لم يكن، وقال تَوهَّمْتُ الشيءَ وتفَرَّسْتُه وتَوسَّمْتُه وتَبَيَّنْتُه بمعنى واحد قال زهير في معنى التوَهُّم:\nفَلايًا عَرَفْتُ الدار بعدَ تَوهُّمِ.\nويقال تَوَهَّمْت فيَّ كذا وكذا، وأَوْهَمْت الشيء إذا أَغفَلْته، ويقال وَهِمْتُ في كذا وكذا أي غلِطْتُ، وأَوْهَمْتُ الشيءَ تركتُه كلَّه أُوهِمُ ...، قال الأَصمعي: أَوْهَمَ إذا أَسقَط وَوَهِمَ إذا غَلِط ...، الأَصلُ أَوْهَمُ بالفتح والواوِ فكُسِرت الهمزةُ لأَنَّ قومًا من العرب يكسِرون مُسْتقبَل فَعِل، فيقولون: اعْلَمُ وتَعْلَم فلمَّا كسر همزة أوْهَمُ انقلبت الواوُ ياءً ووَهَمَ إليه يَهِمُ وَهْمًا ذَهب وهْمُه إليه ووَهَمَ في الصلاة وَهْمًا ووهِمَ كلاهما سَهَا ووَهِمْتُ في الصلاة سَهَوْتُ \" (٣).\n_________\n(١) ابن منظور: لسان العرب (ج١/ص٦٥)، مادة (خطأ) بتصريف يسير.\n(٢) أخرجه النَّسائي: في السنن، كتاب السهو، بَابُ التَّحَرِّي، (ج٣/ص ٣٤)، برقم (١٢٤٤).\n(٣) ابن منظور: لسان العرب (ج١٢/ص٦٤٣)، مادة (وهم)، بتصريف يسير.","vol":"1","page":248},{"text":"ونرى من تعريف الخطأ وتعريف الوهم التقارب بين اللفظين، أو الترادف بينهما وقد استعملهما النُّقاد المحدثين بمعنى واحد، فقد جمع الخطيب البغدادي بينهما فقال: \" باب ترك الاحتجاج بمن كثر غلطه وكان الوهم غالبا على روايته \" (١).\n\nوقال الحافظ ابن حجر في ترجمة إسحاق بن الصباح الكندي: \" ضعفه يحيى والدارقطني وغيرهما، وقال ابن حبان: كان كثير الوهم فاحش الخطأ \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>المطلب الثاني: ألفاظ الخطأ والوهم عند الدارقطني في العلل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>أولًا: لفظتا \" الخطأ والوهم مجتمعة </span>\":\nوقد ذكر الإمام الدارقطني هذين اللفظين في حديثٍ واحدٍ لما سُئل عن حديث نهار العبدي، عن أبي سعيد - ﵁ -، قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ أَنْ تُنْكِرَهُ؟!، فَإِذَا لَقَّنَ اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ قَالَ يَا رَبِّ رَجَوْتُكَ وَفَرِقْتُ مِنَ النَّاسِ» (٣).\nفقال- الدارقطني -: \" يرويه عنه أبو طوالة، عبدالله بن عبدالرحمن بن معمر بن حزم حدث به عنه سليمان بن بلال، وإسماعيل بن جعفر، وهشام بن سعد، وإسماعيل بن عياش وأبو عمير الحارث بن عمير، ويحيى بن سعيد الأنصاري، واختلف عنه: فرواه عبد الوهاب الثقفي، وابن عيينة (عنه)، عن أبي طوالة، عن نهار عن أبي سعيد.\n\nوحدث به الباغندي (٤)، عن عبدالله بن محمد الزهري، عن ابن عيينة، عن يحيى بن\n_________\n(١) الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية، (ص١٤٣).\n(٢) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج١٢/ص٦٤٣).\n(٣) أخرجه على الوجه الصحيح ابن ماجه: في السنن، كتاب الفتن، باب قوله تعالى: ﴿يَأيُّهَا الْذِّينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، (ج٢/ص ١٣٣٢)، رقم (٤٠١٧).\n(٤) هو أبو ذر أحمد بن أبي بكر محمد بن محمد بن سليمان بن الباغندي (ت: ٣٢٦هـ)، ثقة حافظ. قاله الذهبي: في سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٦٩ - ٢٦٨).","vol":"1","page":249},{"text":"سعيد، فقال: عن أبي طوالة، عن أبيه، عن أبي سعيد، ووهم في قوله، والصواب حديث نهار العبدي. وأحسب أنَّ الوهم من الباغندي لا ممن فوقه؛ لأنَّ شيخ الباغندي من الثقات قليل الخطأ \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>ثانيًا: لفظة \" الخطأ </span>\":\nوقد استعمل هذه اللفظة النُّقاد والإمام الدارقطني بكثرة، نذكر منها على سبيل المثال:\nالمثال الأول: قال البرقاني في العلل: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث عروة بن الزبير، عن أبي هريرة - ﵁ - قال رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت - ﵁ -: «أَجِبْ عَنِّي اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» (٢).\nفقال - الدارقطني -: يرويه الزهري، واختلف عنه: فرواه عبدالأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن حسان بن ثابت وأبي هريرة.\nورواه شعيب بن أبي حمزة وصالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وحسان بن ثابت. ورواه ابن عيينة عن الزهري وحسان.\nورواه إسماعيل بن أمية، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وحده، عن النَّبي ﷺ، وفي آخره قال ابن شهاب: وقال حسان لأبي هريرة: أسمعت رسول الله ﷺ يقول: اللهم أيده بروح القدس؟ قال: نعم فصار الزهري، عن أبي هريرة مرسل، وحديث عبدالأعلى (٣)، عن\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١١/ص٣١٧)، سؤال رقم (٢٣٠٧).\n(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، (ج٦/ ص٣٤٥ - ٣٤٦)، برقم (٣٢١٢)، ومسلم في الجامع الصحيح (بشرح النووي) كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت ﵁، (ج٨/ ص٢٨٣)، برقم (٢٤٨٥)، كلاهما من طريق الزهري عن سعيد يعني ابن المسيب عن أبي هريرة نحوًا منه.\n(٣) وهو عبدالأعلى بن عبدالأعلى بن محمد، وقيل ابن شراحيل، القرشي البصري السامي، أبو محمد، (ت: ١٨٩ هـ)، ثقة من الطبقة الثامنة الوسطى من أتباع التابعين، أخرج له الستة، كما في تقريب التهذيب (ج١/ص٥٥١).","vol":"1","page":250},{"text":"معمر خطأ، وهو محفوظ، عن الزهري، عن سعيد، وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة \" (١).\nقلتُ: والعلة المشار إليها هي خطأ عبدالأعلى، وهو أبو همام ابن عبدالأعلى البصري في إسناد الحديث، حيث أدخل في الإسناد عروة بين الزهري، وحسان بن ثابت، وأبي هريرة ﵄، والمحفوظ الصحيح خلاف ذلك، فهو عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة كما رواه الشيخان تمامًا، فظهر أنَّ دلالة لفظة: \" خطأ \" عند الدارقطني يقصد بها ما هو خلاف الصواب، أي أنَّ لها نفس المعني اللغوي عند أهل اللغة كما أوضحنا من قبل في هذا البحث.\n\nالمثال الثاني: قال البرقاني في العلل: \" وسُئل - الدارقطني - عن حديث عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ» (٢).\nفقال - الدارقطني -: يرويه الزهري عنه واختلف عنه: فرواه يونس، وإسحاق بن راشد وصفوان بن سليم، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن أبي سعيد.\nورواه الأوزاعي، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، وعطاء بن يزيد، عن أبي سعيد.\nقال ذلك الوليد بن مزيد، عن الأوزاعي، وقال عمر بن عبدالواحد: عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد مرسلًا. والصحيح حديث عبيدالله بن عبدالله.\nوقال معمر: عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدري، وقال ابن عيينة: عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن أبي سعيد، عن النَّبي ﷺ. وقيل لسفيان: إنَّ معمرًا يقوله عن عطاء بن يزيد، فقال: أخطأ معمر، قال ذلك الحميدي عن ابن عيينة \" (٣).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١١/ص١١١ - ١١٣)، سؤال رقم (٢١٥٥).\n(٢) أخرجه البخاري على الوجه الصحيح في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الأشربة، باب اختناث الأسقية (ج١٠/ ص١٠٢)، برقم (٥٦٢٥)، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: \" اِخْتِنَاث: وَهُوَ الانْطِوَاء وَالتَّكَسُّر وَالانْثِنَاء \". أي كسرها، ومسلم في الجامع الصحيح (بشرح النووي) كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما، (ج٧/ ص٢٠٩)، برقم (٢٠٢٣).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١١/ص٢٨٣ - ٢٨٥)، سؤال رقم (٢٢٨٦).","vol":"1","page":251},{"text":"وقد استعمل النُّقاد غير الدارقطني لفظة الخطأ بكثرة في مصنفات العلل؛ للدلالة على نفس المعنى الذي قصده الدارقطني وسوف نضرب بعض الأمثلة لبعض النُّقاد المحدثين في مصنفاتهم العلل لإثبات ذلك:\n\nالمثال الأول: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: \" سأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ ﵁، عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ عَمْرِو ابْنِ مِحْجَلٍ أَوْ مِحْجَنٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ الصَّعِيدَ كَافِيكَ وَلَوْ لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سَنِينَ، فَإِذَا أَصَبْتَ الْمَاءَ فَأَصِبْهُ بَشَرَتَكَ» (١).\n\nقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: هَذَا خَطَأٌ، أَخْطَأَ فِيهِ قَبِيصَةُ، إِنَّمَا هُوَ أَبُو قِلابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ \" (٢).\nوقد وافق أبو زُرْعَةَ الرَّازي الإمام الدارقطني في حكمه على هذا الحديث، فقال لما سُئِلَ عن حديث عمرو بن بُجْدَانَ، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: «التَّيَمُّمُ طُهُورُ الْمُسْلِمِ وَلَو إِلَى عَشْرِ حِجَجٍ، وَأَمَرَهُ بَالتَّيَمُّمِ عِنْدَ الْجَنَابَةِ» (٣).\n\nفقال - الدارقطني -: \"يرويه أبو قلابة، عن عمرو بن بُجْدَانَ واختلف عنه:\nفرواه خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بُجْدَانَ، عن أبي ذر، ولم يختلف أصحاب خالد عنه. ورواه أبو أيوب السختياني، عن أبي قلابة.\n\nواختلف عنه فرواه: مخلد بن يزيد، عن الثوري، عن أيوب وخالد، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بُجْدَانَ، عن أبي ذر، وأحسبه حمل حديث أيوب على حديث خالد؛ لأنَّ أيوب يرويه\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد: في المسند، (ج٥/ص١٤٦)، برقم (٢١٣٤٢)، من طريق أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر حديث طويل في آخره: \" «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورٌ مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ حِجَجٍ فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّ بَشَرَتَكَ» \"، بإسناد ضعيف، لوجود رجل مبهم.\n(٢) ابن أبي حاتم: كتاب العلل، (ص١٨٥)، مسألة رقم (١).\n(٣) سبق تخريجه فيما سبق، في هامش الصفحة السابقة رقم (٢).","vol":"1","page":252},{"text":"عن أبي قلابة عن رجل لم يسمه عن أبي ذر.\n\nورواه عبدالرزاق، عن الثوري عنهما فضبطه وبين قول كل واحد منهما من صاحبه وأتى بالصواب، وتابعه على ذلك إبراهيم بن خالد، عن الثوري، عن أيوب وخالد وبين قول كل واحد على الصواب، ورواه أبو أحمد الزبيري، وعبدالغفار بن الحسن جميعًا عن الثوري، عن أيوب، عن أبي قلابة عن أبي ذر مرسلًا \" (١).\n\nالمثال الثاني: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: سئل أبي عن حديث الفريابي، عن إسرائيل، عن زيد بن جبير الجشمي قال: حدثني عروة بن جميل، عن أبيه.\nقال أبي: هو خطأ إنما هو جروة بن جميل، وقال وكيع قال: إسرائيل جروة بن جميل قال وكيع: وقال شريك: جروة بن جميل وهو الصحيح (٢).\nالمثال الثالث: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: \" حدثني أبي قال: حدثنا وكيع عن سلمة، عن الضحاك، قال: المكاء التصفيق، والتصدية الصفير.\n\nحدثنا أبي قال: حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا سلمة بن نبيط، عن أبيه، وقد رأى النبي ﷺ، قال: المكاء الصفير. قال أبي أخطأ وكيع وأصاب أبو نعيم \" (٣)\n\nقلتُ: والعلة المشار إليها هي خطأ وكيع، وهو ابن الجراح بن مليح الكوفي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾، فقال: المكاء التصفيق، وخالفه أبو نعيم وهو الفضل بن دُكَين أحد الحفاظ الأعلام (٤)، فقال:\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٦/ ص٢٥٢ - ٢٥٤)، سؤال رقم (١١١٣).\n(٢) الإمام أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال رواية عبدالله بن أحمد، طبعة المكتب الإسلامي، الرياض سنة ١٤٠٨هـ، تحقيق: وصي الله عباس، (ج٣/ ص٥٧)، سؤال رقم (٤١٥٥).\n(٣) الإمام أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، (ج٢/ ص٧٧ - ٧٨)، رقم (١٦٠٢، ١٦٠٣).\n(٤) ابن حجر العسقلاني: تقريب التهذيب، (ج٢/ص١١)، الآية في سورة الأنفال رقم (٣٥).","vol":"1","page":253},{"text":"المكاء الصفير. فظهر مقصود النُّقاد والدارقطني من لفظة الخطأ كما أوضحنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>ثالثًا: لفظة \" الوهم </span>\":\nوقد استعمل النُّقاد والإمام الدارقطني هذه اللفظة، كثيرًا في مصنفاتهم العلل نذكر منها على سبيل المثال:\nالمثال الأول: قال البرقاني في العلل: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث ربعي عن علي - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» (١).\n\nفقال - الدارقطني -: حدث به عبدالرحمن بن أبي حماد المقري، واسم أبي حماد شكيل وهو من كبار أصحاب حمزة، وأبي بكر بن عياش في القراءة، عن شريك عن منصور، ووهم فيه، والصواب عن منصور، عن ربعي، عن أبي مسعود الأنصاري.\nوقال: إبراهيم بن سعد، عن الثوري عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة.\nووهم أيضا وقال: أبو مالك الأشجعي، عن ربعي، عن حذيفة، وحديث أبي مسعود هو الصواب \" (٢).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: الوهم الذي وقع فيه كُلٌّ من عبدالرحمن ابن أبي حماد المقري، وإبراهيم بن سعد، وهو ابن أبي وقاص، الزهري القرشي (٣)، فأما الأول فأدخل في الإسناد شريك، وهو ابن عبدالله بن أبي شريك الكوفي، وأما الثاني فعجل الحديث\n_________\n(١) أخرجه البخاري على الوجه الصحيح في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الأدب، باب إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ، (ج١٠/ ص٥٨٩)، برقم (٦١٢٩).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١١/ص ج٣/ص١٩٨)، سؤال رقم (٣٥٨).\n(٣) وهو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني، (ت: بعد المائة هـ)، ثقة، من الطبقة الثالثة، الوسطى من التابعين، أخرج له الشيخان، والنَّسائي، وابن ماجه، تقريب التهذيب (ج١/ص٥٦).","vol":"1","page":254},{"text":"من مسند حذيفة بن اليمان ﵁، وإنَّما هو من مسند أبي مسعود الأنصاري ﵁، ورجّح الدارقطني أنَّ الصواب ما رواه أبو مالك الأشجعي (١) لأنَّه أثبت من الاثنين، فظهر معنى الوهم عند الدارقطني أنَّه الخطأ، وعدم التثبت من الرواية.\nالمثال الثاني: قال البرقاني في العلل: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي رافع، عن أبي هريرة - ﵁ -: «أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا دَابَّةً وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَأَمَرَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ» (٢).\nفقال - الدارقطني -: يرويه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، واختلف عنه: فروي عن محمد بن عبدالله الرازي، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن قتادة، عن خلاس عن أبي رافع، عن أبي هريرة.\nوخالفهما علي بن المديني، فرواه عن خالد بن الحارث، عن سعيد عن قتادة، وهو الصواب. ورواه إسماعيل بن سعيد الكسائي، عن روح، عن شعبة، عن قتادة، عن خلاس، عن أبي هريرة، لم أر فيه أبا رافع. وهو وهم في موضعين في تركه أبا رافع وفي قوله: شعبة وإنَّما رواه روح، عن سعيد. وكذلك رواه يزيد بن زريع، وعمرو بن محمد بن أبي رزين، وإسحاق الأزرق، وعباد بن وهيب، عن سعيد، وهو الصحيح \" (٣)\n_________\n(١) وهو سعد بن طارق بن أشيم، أبو مالك الأشجعى الكوفى، (ت: ١٤٠ هـ تقريبا)، ثقة، من الطبقة الرابعة، الطبقة التي تلي الوسطي من التابعين، أخرج له الجماعة إلا البخاري تعليقًا، تقريب التهذيب (ج١/ص ٣٤٤).\n(٢) أخرجه أبو داود على الوجه الصحيح: في السنن، كتاب الأقضية، باب الرجلين يَدَّعِيَانِ شيئًا وليست لهما بَيِّنَةٌ (ج٢/ص ٣٣٥)، برقم (٣٦١٨)، وابن ماجه: في السنن، كتاب الأحكام باب الرجلان يَدَّعِيَانِ (ج٢/ص ٧٨٠)، برقم (٢٣٢٩)، كلاهما من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة نحوًا منه.\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ح١١/ص٢٠٦ - ٢٠٧)، سؤال رقم (٢٢٢٥).","vol":"1","page":255},{"text":"وقد استعمل النُّقاد غير الدارقطني لفظة الوهم بكثرة في مصنفاتهم العلل، للدلالة على نفس المعنى الذي قصده الدارقطني وسوف نضرب بعض الأمثلة من مصنفات النُّقاد المحدثين في مصنفاتهم العلل لإثبات ذلك:\nالمثال الأول: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: \" وَسَأَلْتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ حَدِيثٍ، رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَسْتَكْ» \" (١)\n\nفَقَالا - يعني أَبَا حَاتِمٍ وَأَبَا زُرْعَةَ -: هَذَا وَهْمٌ، إِنَّمَا هُوَ الأَعْمَشُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفٌ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ...، قُلْتُ لَهُمَا: فَالْوَهْمُ مِمَّنْ هُوَ؟ قَالا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِهِمَا.\nقُلْتُ - ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ -: يَعْنِيَانِ إِمَّا مِنْ عُثْمَانَ، وَإِمَّا مِنْ شَرِيك \" (٢).\nالمثال الثاني: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: \" سألت أبي عن حديث عمَّار بن محمد بن أخت سفيان، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء - ﵁ - في قوله ﷿: ﴿انظُرُوا إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ (٣)، قال نضجه حين ينضج.\n\nقال أبي: ليس هذا من حديث أبي إسحاق، هذا يأكل! كأنَّه أنكره من حديث عمَّار أنَّه وهم، والحديث حدثنا به إبراهيم الهروي (٤).\nالمثال الثالث: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: سألت أبي عن حديث حدثناه الفضل بن زياد، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر - ﵁ -\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة على الوجه الصحيح موقوفًا: في المصنف، (ج١/ص ١٩٦) برقم (١٨)، من طريق أبو معاوية، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي به.\n(٢) ابن أبي حاتم: كتاب العلل، (ص٢٠٨ - ٢٠٩)، مسألة رقم (٣٢).\n(٣) سورة الأنعام، آية رقم (٩٩).\n(٤) الإمام أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، (ج٣/ ص٣٨٧)، رقم (٥٧٠٤، ٥٧٠٥).","vol":"1","page":256},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لًا يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» (١)\nفقال أبي: هذا باطل أنكره على إسماعيل بن عياش، يعني أنَّه وهم من إسماعيل بن عياش (٢).\nقلتُ: ووجه العلة التي ذكرها الإمام أحمد أنَّ إسماعيل بن عياش قد وهم في هذا الحديث أي أنَّه أخطأ فيه، وذلك بسبب أنَّ إسماعيل بن عياش ضعيف في غير الشاميين، وموسى ابن عقبة مدني، وبقية الإسناد: \"نافع عن ابن عمر\" مدني كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>المبحث الثاني: ألفاظ المخالفة والنَّكارة ومدلولهما عند المحدثين والإمام الدارقطني</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>المطلب الأول: تعريف المخالفة لغة</span>.\nالمخالفة، والخلاف، والاختلاف في اللغة بمعنى واحد وهو المُضادّةُ، ويُخالِفُ كثيرُ الخِلافِ، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٣)، ومنه العصيان ومخالفة الأمر، قال ابن منظور في لسان العرب: \" وخالفه إلى الشيء عَصاه إليه أَو قصَده بعدما نهاه عنه وهو من ذلك، وفي التنزيل العزيز: ﴿ومَا أُريدُ أَن أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (٤)، قال الأَصمعي: خَلَفَ فلان بعَقِبي وذلك إذا ما فارَقَه على أَمْر ثم جاء من ورائه فجعَل شيئًا آخر بعد فِراقِه.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي على الوجه المعلول: في السنن، كتاب الطهارة، باب الجنب والحائض أنهما لا يقرأن القرآن، (ج١/ص ٢٣٦) برقم (١٣١)، وابن ماجه: في السنن، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة، (ج١/ص ١٩٦) برقم (٥٩٦) كلاهما من طريق إسماعيل بن عياش حدثنا موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، وقال الترمذي \" حديث ابن عمر حديث لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش \". قلت: وهو حديث ضعيف معلول؛ لأنَّ إسماعيل بن عياش كما ذكرنا ضعيف في غير الشاميين، والإسناد هنا مدني.\n(٢) الإمام أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، (ج٣/ص٣٨١)، رقم (٥٦٧٥).\n(٣) سورة يونس، آية رقم (١٩).\n(٤) سورة هود، آية رقم (٨٨).","vol":"1","page":257},{"text":"وقال الكسائي: هما خِلْفَتانِ وحكي لها ولَدانِ خِلْفانِ وخِلْفتانِ وله عَبدان خِلْفان إذا كان أَحدهما طويلًا والآخر قصيرًا، أَو كان أَحدهما أَبيضَ والآخر أَسود، وله أَمتان خِلْفان والجمع من كل ذلك أَخْلافٌ وخِلْفةٌ \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>المطلب الثاني: مفهوم المخالفة عند المحدثين والإمام الدارقطني</span>.\nومفهوم المخالفة من أهم مفاهيم النقد عند المحدثين، وقد استعمله النُّقاد بكثرة مما يدل على أهمية اللفظ عندهم، وسوف نحاول في هذا المطلب تقريب هذا المفهوم؛ كي يسهل على الباحثين إدراك وفهم المسائل في مصنفات العلل.\nوالمخالفة عند المحدثين هي التغير الذي يطرأ على الإسناد أو المتن من قبل رواة الحديث، ولها أنواع كثيرة حصرها المحققون من الأئمة، وكل نوع من المخالفة يطرأ على الإسناد أو المتن يختلف به الحكم على الحديث تبعًا لنوع المخالفة التي في الإسناد أو المتن.\nوتنشأ المخالفة عندما يروي راوٍ حديثًا عن شيخه، ثم يرويه راوٍ غيره فيخالفه في الإسناد أو يخالفه في المتن عن شيخه كذلك، فإن كان الراوي الأول أحفظ وأتقن من الثاني لم تضره المخالفة، إن كان ممن لم يبلغ في الحفظ والإتقان هذه المكانة، وكانت المخالفة مما يؤثر في الرواية، ترجح لدى النُّقاد جانب الراوي المخالف، وتصبح المخالفة قادحة في روايته ويحكم عليها بأنها مُعلَّة بهذه المخالفة.\n\nولقد أجمل الحافظ ابن حجر العسقلاني في \"نخبة الفكر\" أنواع المخالفة وبين مفهوم كل نوع فقال: \" ثم المخالفة إن كانت بتغيير السياق: فمدرج الإسناد، أو بدمج موقوف بمرفوع: فمدرج المتن، أو بتقديم أو تأخير: فالمقلوب، أو بزيادة راو: فالمزيد في متصل الأسانيد.\nأو بإبداله ولا مرجح: فالمضطرب - وقد يقع الإبدال عمدا امتحانًا -، أو بتغيير مع بقاء السياق: فالمصحف والمحرف، ولا يجوز تعمد تغيير المتن بالنقص والمرادف إلا لعالم\n_________\n(١) ابن منظور: لسان العرب (ج٩/ص٨٣)، مادة (خلف).","vol":"1","page":258},{"text":"بما يحيل المعاني \" (١).\n\nثم قام بشرح هذه الأنواع شرحًا وافيًا في \" نزهة النظر \" غاية في الدقة والبيان فأحببت أن أثبتها هنا لما لها من فائدة عظيمة، فقال: \" ثمَّ المُخالفَةُ إِنْ كانتْ واقعةً بسببِ تَغْييرِ السِّياقِ أي: سياقِ الإسنادِ فالواقعُ فيهِ ذلك التَّغييرُ هو مُدْرَجُ الإِسْنادِ، وهو أَقسامٌ:\n\nالأوَّلُ: أَنْ يَرْوِيَ جماعةٌ الحديثَ بأَسانيدَ مُختلفةٍ، فيرويهِ عنهُم راوٍ، فيَجْمَعُ الكُلَّ على إِسنادٍ واحِدٍ مِن تلكَ الأسانيدِ، ولا يُبَيِّنُ الاختلافَ.\nوالثَّاني: أَنْ يكونَ المتنُ عندَ راوٍ إِلاَّ طَرفًا منهُ، فإِنَّه عندَه بإِسنادٍ آخَرَ، فيرويهِ راوٍ عنهُ تامًّا بالإِسنادِ الأوَّلِ.\nومنهُ أَنْ يسمَعَ الحديثَ مِن شيخِهِ إِلاَّ طرفًا منهُ فيسمَعَهُ عَن شيخِهِ بواسطةٍ، فيرويهِ راوٍ عنهُ تامًّا بحَذْفِ الواسِطةِ.\nالثَّالِثُ: أَنْ يكونَ عندَ الرَّاوي متْنانِ مُخْتَلِفان بإِسنادينِ مختلفينِ، فيرويهِما راوٍ عنهُ مُقتَصِرًا على أَحدِ الإِسنادينِ، أَو يروي أَحَدَ الحَديثينِ بإِسنادِهِ الخاصِّ بهِ، لكنْ يزيدُ فيهِ مِن المَتْنِ الآخَرِ ما ليسَ في المَتْنِ الأوَّلِ.\nالرَّابعُ: أَنْ يسوقَ الرَّاوي الإِسنادَ، فيَعْرِضُ لهُ عارِضٌ، فيقولُ له كلامًا مِن قِبَلِ نفسِهِ فيظنُّ بعضُ مَن سَمِعَهُ أَنَّ ذلكَ الكلامَ هُو متنُ ذلكَ الإسنادِ، فيَرويهِ عنهُ كذلك. هذهِ أَقسامُ مُدْرَجِ الإِسنادِ.\n\nوأَمَّا مُدْرَجُ المَتْنِ، فهُو أَنْ يَقَعَ في المتنِ كلامٌ ليسَ منهُ، فتارةً يكونُ في أَوَّلِه، وتارةً يكون في أَثنائِه، وتارةً يكون في آخِرِهِ وهو الأكثرُ؛ لأنَّهُ يقعُ بعطفِ جُملةٍ على جُملةٍ، أو بِدَمْجِ مَوْقوفٍ مِن كلامِ الصَّحابةِ أَو مَنْ بعْدَهُم بِمَرْفوعٍ مِن كلامِ النبيِّ ﷺ مِن غيرِ فصلٍ، فهذا هُو مُدْرَجُ المَتْنِ. ويُدْرَكُ الإِدراجُ: بوُرودِ روايةٍ مُفَصِّلةٍ للقَدْرِ المُدْرَجِ مِمَّا أُدْرِجَ فيهِ. أَو بالتَّنصيصِ على ذلك مِن\n_________\n(١) ابن حجر العسقلاني: متن نخبة الفكر (مع نزهة النظر) (ص٧٢).","vol":"1","page":259},{"text":"الرَّاوي، أَو مِن بعضِ الأئمَّةِ المُطَّلعينَ. أو باستحالَةِ كونِ النبيِّ ﷺ يقولُ ذلك.\n\nوقد صنَّفَ الخَطيبُ في المُدْرَجِ كتابًا، ولخَّصْتُهُ وزدتُ عليهِ قدْرَ ما ذكَرَ مرَّتينِ أَو أَكثرَ وللهِ الحمدُ. أَوْ إِنْ كانَتِ المُخالفةُ بِتَقْدِيمٍ أَو تَاخيرٍ؛ أي: في الأسماءِ كَمُرَّةَ بنِ كعبٍ، وكَعبِ بنِ مُرَّةَ؛ لأنَّ اسمَ أَحدِهِما اسمُ أَبي الآخَرِ؛ فهذا هو المَقْلوبُ، وللخطيبِ فيهِ كتابُ يُسمى رافعِ الارْتِيابِ في المقلوب من الأسماء والأنساب.\nوقد يَقَعُ القلبُ في المتنِ أَيضًا؛ ويصير كحديثِ أَبي هُريرةَ رضي الله تعالى عنه عندَ مُسلمٍ في السَّبعةِ الَّذينَ يُظِلُّهُم اللهُ تحتَ ظلِّ عَرْشِهِ، ففيهِ: «رَجلٌ تصدَّقَ بصدَقةٍ أَخْفاها حتَّى لا تَعْلَمَ يمينُهُ ما تُنْفِقُ شِمالُهُ»، فهذا ممَّا انْقَلَبَ على أَحدِ الرُّواةِ، وإِنَّما هو: ... «حتَّى لا تعْلَمَ شِمالُه ما تُنْفِقُ يمينُهُ»؛ كما في الصَّحيحينِ.\n\nأَوْ إِنْ كانتِ المُخالفةُ بِزيادةِ راوٍ في أَثناءِ الإِسنادِ، ومَن لم يَزِدْها أَتقَنُ ممَّن زادَها، فهذا هُو المَزيدُ في مُتَّصِلِ الأَسانِيدِ. وشرطُهُ أَنْ يقعَ التَّصريحُ بالسَّماعِ في مَوْضِعِ الزِّيادةِ وإِلاَّ فمتى كانَ مُعَنْعَنًا - مثلًا - ترجَّحَتِ الزِّيادةُ.\n\nأَوْ إِنْ كانتِ المُخالفةُ بِإِبْدَالِهِ؛ أي: الراوي، ولا مُرَجِّحَ لإِحدى الرِّوايتينِ على الأخرى فهذا هو المُضْطَرِبُ، وهو يقعُ في الإِسنادِ غالبًا، وقد يقعُ في المتْن.\nلكنْ قلَّ أَنْ يَحْكُمَ المحدِّثُ على الحديثِ بالاضطرابِ بالنِّسبةِ إلى الاختلافِ في المَتْنِ دونَ الإِسنادِ.\n\nوقد يَقَعُ الإِبدالُ عَمْدًا لمَن يُرادُ اخْتِبارُ حِفْظِهِ امتحانًا مِن فاعِلِهِ كما وقعَ للبُخاريِّ والعُقَيْليِّ وغيرِهِما، وشَرْطهُ أَنْ لا يُستمرَّ عليهِ، بل ينتهي بانْتهاءِ الحاجةِ.\nفلو وَقَعَ الإِبدالُ عمدًا لا لمصلحةٍ بل للإِغرابِ مثلًا فهو مِن أَقسامِ الموضوعِ، ولو وقعَ غَلَطًا فهُو مِن المقلوبِ أو المُعَلَّلِ.\nأَوْ إِنْ كانتِ المُخالفةُ بتَغْييرِ حرفٍ أَو حُروفٍ مَعَ بَقاءِ صورةِ الخَطِّ في السِّياقِ. فإِنْ كانَ ذلك بالنِّسبةِ إِلى النَّقْطِ فالمُصَحَّفُ. وَإِنْ كانَ بالنِّسبةِ إلى الشَّكْلِ فالمُحَرَّفُ، ومعرفةُ هذا النَّوعِ","vol":"1","page":260},{"text":"مُهمَّةٌ. وقد صنَّف فيهِ: العَسْكَريُّ، والدَّارَقُطنِيُّ، وغيرُهما. وأَكثرُ ما يقعُ في المُتونِ، وقد يقعُ في الأسماءِ الَّتي في الأسانيدِ.\nولا يَجُوزُ تَعَمُّدُ تَغْييرِ صورَةِ المَتْنِ مُطلقًا، ولا الاختصارُ منه بالنَّقْصِ ولا إِبْدالُ اللَّفْظِ المُرادِفِ باللَّفْظِ والمُرادِفِ لهُ إِلاَّ لِعالمٍ بمَدْلولاتِ الألْفاظِ وبِما يُحيلُ المَعاني \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>المطلب الثالث: ألفاظ المخالفة التي استعملها الإمام الدارقطني لبيان العلل</span>.\nسنحاول في هذا المطلب بيان بعض الألفاظ التي كان يطلقها الدارقطني لتحديد أنواع المخالفة التي قد تطرأ على الإسناد أو المتن، وبالتالي الحكم على الحديث بالعلة التي رجحت أنَّه معلول بسبب هذه المخالفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>أولًا: لفظة \" خالفه الثقات الحفاظ في إسناده </span>\":\nالمثال: قال البرقاني في العلل: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي الأسود الديلي عن عمر - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «أَيُّمَا رجُلٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ جِيرَانِه بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ» (٢).\nفقال - الدارقطني -: هو حديث رواه عبدالله بن بريدة واختلف عنه: فرواه داود بن أبي الفرات وهو ثقة، عن ابن بريدة، واختلف عن داود، فقال: يعقوب الحضرمي عنه عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود، ووهم في ذكر يحيى بن يعمر في إسناده لكثرة من خالفه من الثقات الحفاظ، عن داود منهم عفان بن مسلم، وعبدالصمد بن عبدالوارث، وزيد بن الحباب، ويونس بن محمد المؤدب، وأبو عبدالرحمن المقري، وأبو الوليد الطيالسي، وشيبان بن فروخ وغيرهم، فإنَّهم رووه عن داود عن ابن بريدة، عن أبي الأسود لم يذكروا بينهما أحدا. وكذلك رواه سعيد بن رزين، عن عبدالله بن بريدة، عن أبي الأسود، كرواية\n_________\n(١) ابن حجر العسقلاني: نُزْهَةِ النَّظَر في تَوْضِيحِ نُخْبَةِ الفِكَر في مُصْطَلحِ أَهلِ الأثَر، طبعة المكتبة العصرية، بيروت ١٤٢١هـ، تحقيق عبدالكريم الفضيلي (ص٧٢ - ٧٥).\n(٢) سبق تخريجه في صفحة (٩٣) من الدراسة.","vol":"1","page":261},{"text":"الجماعة عن داود، ورواه عمر ابن الوليد الشني، عن عبدالله بن بريدة مرسلًا، عن عمر لم يذكر بينهما أحدا \" (١).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي المخالفة التي من نوع: \" مدرج الإسناد \"، وهو النوع الأول الذي أشار إليه الحافظ ابن حجر العسقلاني في تعريف المخالفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>ثانيًا: لفظة \" خالفه فأدرج في متن الحديث </span>\":\nمثاله: قد ذكره الدارقطني في حديث بشير بن نهيك عن أبي هريرة - ﵁ -، قال رسول الله ﷺ: \" «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًَا لَهُ مِنْ عَبْدٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي ثَمَنٍ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ»، فقال: \" وأما الخلاف في متنه: فإنَّ سعيد بن أبي عروبة، وحجاج بن حجاج، وأبان العطار، وجرير بن حازم، وحجاج بن أرطاة اتفقوا في متنه وجعلوا الاستسعاء مدرجًا في حديث النَّبي ﷺ، وأما شعبة وهشام فلم يذكرا فيه الاستسعاء بوجه.\nوأما همام فتابع شعبة وهشاما على متنه، وجعل الاستسعاء من قول قتادة، وفصل بين كلام النَّبي ﷺ. ويشبه أن يكون همام قد حفظه قال ذلك أبو عبدالرحمن المقرئ، وهو من الثقات عن همام. ورواه محمد بن كثير، وعمرو بن عاصم، عن همام فتابعه شعبة على إسناده ومتنه، ولم يذكر فيه الاستسعاء بوجه. \" (٢).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هنا هي المخالفة التي من نوع: \" مدرج المتن \" وهو النوع الثاني الذي أشار إليه الحافظ ابن حجر العسقلاني في تعريف المخالفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>ثالثًا: لفظة \" اختلف عنه: ووهم في ذلك إنَّما أراد كذا، بدل كذا </span>\":\nومثاله: قد ذكره الدارقطني في حديث أبي سلمة وأبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث ابن هشام، عن أبي هريرة - ﵁ -: «أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلاَةٍ، فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ص٢٤٧ - ٢٤٨)، سؤال رقم (٢٤٧).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١٠/ ص٣١٣ - ٣١٧)، سؤال رقم (٢٠٣١).","vol":"1","page":262},{"text":"يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ يَقُولُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا. الحديث، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» (١).\nفقال - الدارقطني -: \" يرويه الزهري واختلف عنه: فرواه محمد بن أبي عتيق، وشعيب، وعبيدالله بن أبي زياد، وإسحاق بن راشد، والنعمان بن راشد، والموقري، عن الزهري، عن أبي بكر، وأبي سلمة، عن أبي هريرة ...\nورواه مالك في الموطأ، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وقال محمد بن مصعب القرقساني (٢)، عن مالك، عن الزهري، عن أبى سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -: «أَنَّ النَّبي ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَهُ إِذَا افْتَتَحَ الْصَلاةَ»، ووهم في هذا القول وإنَّما أراد أنَّ النَّبي ﷺ كان يكبر\" (٣).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي المخالفة التي من نوع: \" المقلوب \"، وهو النوع الثالث الذي أشار إليه الحافظ ابن حجر العسقلاني في تعريف المخالفة، أي أنَّه انقلب على الراوي اللفظ فقال: \" كَانَ يَرْفَعُ يَدَهُ \"، بدلًا من \" كَانَ يُكَبِّرُ \"، ويسمى هذا مقلوب المتن، وأما التقديم أو التأخير في السند يسمى مقلوب الإسناد، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>رابعًا: لفظة \" خالفه فزاد زيادة الثقة </span>\":\nالمثال: قال البرقاني في العلل: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي الصديق الناجي عن ابن عمر، عن عمر ﵄ قَالَ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الذَّيْلِ شِبْرًا ثُمَّ\n_________\n(١) سبق تخريجه في صفحة (١٩٤) من الدراسة.\n(٢) هو محمد بن مصعب بن صدقة القرقسانى، أبو عبد الله (ت: ٢٠٨ هـ)، صدوق من الطبقة التاسعة من صغار أتباع التابعين، أخرج له الترمذي وابن ماجه، تهذيب التهذيب (ج٩/ص ٤٠٥).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٩/ص٢٥٧ - ٢٥٩)، سؤال رقم (١٧٤٥)، وقد سبق التعليق على السؤال وتخريج الحديث في صفحة (١٨٥ - ١٨٦) من الدراسة.","vol":"1","page":263},{"text":"اسْتَزَدْنَهُ فَزَادَهُنَّ شِبْرًا ...» (١). الحديث\nفقال - الدارقطني -: هو الحديث رواه مسعود بن سعد الجعفي، عن مطرف، عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي، عن ابن عمر، عن عمر.\nوتابعه سابق الرقي، عن مطرف، وخالفهما شريك القاضي فرواه، عن مطرف وأسنده عن ابن عمر، ولم يذكر عمر وتابعه سفيان الثوري فرواه، عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ. ولم يذكر فيه عمر، وكذلك روي عن إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن ابن عمر، عن النَّبي ﷺ.\nومطرف من الاثبات، وقد اتفق عنه رجلان ثقتان فأسنده عن عمر، ولولا أنَّ الثوري خالفه فرواه عن زيد العمي، فلم يذكر فيه عمر، لكان القول قول من أسند عن عمر؛ لأنَّه زاد وزيادة الثقة مقبولة، والله أعلم \" (٢).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي المخالفة التي من نوع: \" المزيد في متصل الأسانيد \"، وهو النوع الرابع الذي أشار إليه الحافظ ابن حجر العسقلاني في تعريف المخالفة.\n\nوقد استعمل النُّقاد المحدِّثون غير الدارقطني لفظة المخالفة في مصنفات العلل؛ للدلالة على نفس المعنى الذي قصده الدارقطني، إلا أنَّ الدارقطني كان يستعملها أكثر، وسوف نضرب بعض الأمثلة لبعض النُّقاد المحدثين في مصنفاتهم العلل لإثبات ذلك:\nالمثال الأول: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: \" وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ حَاتِمُ ابْنُ وَرْدَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود: في السنن، كتاب اللباس، باب في قدر الذيل، (ج ٢/ص ٤٦٣) برقم (٤١١٩)، من طريق سفيان أخبرني زَيْدٌ الْعَمِّيُّ عن أبي الصديق الناجي عن ابن عمر ﵁ بمثله، بإسناد ضعيف لضعف زَيْدَ الْعَمِّيُّ، كما في تهذيب التهذيب (ج٣/ص ٣٥٢).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ص٧٥)، سؤال رقم (١٢٠).","vol":"1","page":264},{"text":"فَلْيُعِدْ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فَذَبَحَهُمَا، وَانْكَفَأَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَتَوَزَّعُوهَا». قَالَ أَبِي: الْكَلامُ الأَوَّلُ تَابَعَهُ عَلَيْهِ ابْنُ عُلَيَّةَ، وَقِصَّةُ ذَبْحِ النَّبِيِّ ﷺ الْكَبْشَيْنِ الأَمْلَحَيْنِ، فَإِنَّ عَبْدَالْوَهَّابِ الثَّقَفَيَّ خَالَفَهُ، فَقَالَ: عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. قُلْتُ: فَأَيُّهُمَا أَشْبَهُ؟\nقَالَ: حَدِيثُ عَبْدِ الْوَهَّابِ أَشْبَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١).\n\nالمثال الثاني: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: \"وَسُئِلَ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ حَدِيثٍ: اخْتُلِفَ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ فِيهِ، فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ عُمَارَةَ ابْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدٍ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَا بَيْنَ مِنْبَرِي وَحُجْرَتِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ».\nوَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدٍ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ».\nقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: حَدِيثُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ أَصَحُّ عِنْدِي \" (٢).\n\nالمثال الثالث: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: \" حدثني أبي قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبدالحميد بن جعفر، قال حدثني: يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس عن معاوية بن حديج، عن أبي ذر - ﵁ -، قال: قال: رسولُ اللهِ ﷺ:\n«إنَّه لَيسَ مِنْ فَرَسٍ عَرَبِي إِلاَ يُؤْذَنُ لَهُ مَعَ كُلِّ فَجْرٍ، يَدْعُو بَدَعْوتَينِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ خَوَّلَتَني مَنْ خَوَّلَتَني مِنْ بَنِي آدَمَ فَاجْعَلْنِي مِنْ أَحَبِ أَهْلِهِ إِلَيهِ أَوْ أَحْبِ أَهْلِهِ وَمَالِهِ إِلَيهِ».\n\nسمعت أبي يقول: خالفه عمرو بن الحارث فقال: عن يزيد، عن عبدالرحمن بن شماسة، قال أبي وقال الليث، عن بن شماسة أيضًا \" (٣).\n_________\n(١) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص١١٢٥ - ١١٢٦)، سؤال رقم (١٦٠٢).\n(٢) المصدر السابق: (ص١٧٥٣)، سؤال رقم (٢٦٩٤).\n(٣) الإمام أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، (ج٣/ص٤٠٤)، مسألة رقم (٥٧٧٧).","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>المطلب الرابع: تعريف النَّكارة لغة</span>.\nوالنَّكارة من النكرة وهي ضد المعرفة، أو أمرٌ خلاف ما هو معروف من الصحة في الشيء، قال تعالى: ﴿وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾] سورة يوسف آية (٥٨) [، أو ما كان مستقبحًا من الشرع، أو قبح بين الناس، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَتكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾] سورة آل عمرآن آية (١٠٤) [، فدل على أنَّ المنكر في لغة العرب الشيء المجهول الذي لا يعرف، وكذلك الشيء المستقبح شرعًا أو عرفًا، وقد ذكر أهل اللغة هذه المعاني.\n\nفقال ابن منظور في لسان العرب: \" والنَّكِرَةُ إِنكارك الشيء وهو نقيض المعرفة والنَّكِرَةُ خلاف المعرفة، ونَكِرَ الأَمرَ نَكِيرًا وأَنْكَرَه إِنْكارًا، ونُكْرًا جهله، قال ابن سيده والصحيح أَنَّ الإِنكار المصدر والنُّكْر الاسم، ويقال أَنْكَرْتُ الشيء، وأَنا أُنْكِرُه إِنكارًا، ونَكِرْتُه مثله قال الأَعشى:\nوأَنْكَرَتْني وما كان الذي نَكِرَتْ ... من الحوادثِ إِلا الشَّيْبَ والصَّلَعا\nوفي التنزيل العزيز: ﴿نَكِرَهُمْ وأَوْجَسَ منهم خِيفَةً﴾] سورة هود آية (٧٠) [، ولا يستعمل نَكِرَ في غابر ولا أَمْرٍ ولا نهي، نَكِرْتُ الرجلَ بالكسر نُكْرًا ونُكُورًا وأَنْكَرْتُه واسْتَنْكَرْتُه كله بمعنى ابن سيده واسْتَنْكَرَه وتَناكَرَه كلاهما كنَكِرَه.\nوالإِنْكارُ الاستفهام عما يُنْكِرُه، وذلك إِذا أَنْكَرْتَ أَن تُثْبِتَ رَايَ السائل على ما ذَكَرَ أَو تُنْكِرَ أَن يكون رايه على خلاف ما ذكر، والاسْتِنْكارُ استفهامك أَمرًا تُنْكِرُه، واللازمُ من فعْلِ النُّكْرِ المُنْكَرِ نَكُرَ نَكارَةً والمُنْكَرُ من الأَمر خلاف المعروف، وقد تكرر في الحديث الإِنْكارُ والمُنْكَرُ وهو ضد المعروف، وكلُّ ما قبحه الشرع، وحَرَّمَهُ وكرهه فهو مُنْكَرٌ ونَكِرَه يَنْكرُه نَكَرًا فهو مَنْكُورٌ، واسْتَنْكَرَه فهو مُسْتَنْكَرٌ، والجمع مَناكِيرُ عن سيبويه، قال: وإِنَّما أَذكُرُ مثل هذا الجمع لأَن حكم مثله أَن الجمع بالواو والنون في المذكر وبالأَلف والتاء في المؤنث والنُّكْرُ والنَّكْراءُ ممدود المُنْكَرُ وفي التنزيل العزيز: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيئًَا نُكْرًا﴾ \" (١).\n_________\n(١) ابن منظور: لسان العرب (ج٥/ص٢٣٢)، مادة (نكر).","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>المطلب الخامس: مفهوم النَّكارة وألفاظها عند المحدثين والإمام الدارقطني</span>.\nومفهوم المنكر في مصطلح المحدثين هو المفهوم نفسه في اللغة، إذ يعني كل خبر غير معروف عند الحفاظ الأثبات، مستنكر ومستقبح لديهم، وهذا قد يكون لعدة أسباب في الخبر مثل: كونه خطأ غير صواب، أو أنَّه وهم، أو كذب مختلق كل ذلك منكر عندهم، ولكن لفظة المنكر من الألفاظ التي أطلقت على أنواع عديدة من العلل منها ما رواه الضعيف، وما أخطأ فيه الثقة، وغير ذلك مثل علة الشذوذ، فهل هذا يصح، ويدخل في معناه أم لا؟.\n\nوللجواب عن ذلك سوف نذكر أقوال أهل الحديث ومناقشة أقوالهم، وبيان الراجح منه. نقول بعون الله: أنّه قد فرَّق قوم بين المنكر والشاذ، فقد قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في نزهة النظر: \" فإِنْ خُولِفَ أي الراوي بأرْجَحَ منهُ؛ لمزيدِ ضَبْطٍ أَوْ كثرةِ عدَدٍ أَو غيرِ ذلك مِن وُجوهِ التَّرجيحاتِ، فالرَّاجِحُ يقالُ لهُ: المَحْفوظُ. ومُقابِلُهُ - وهو المرجوحُ - يُقالُ لهُ: الشَّاذُّ.\nمثالُ ذلك: ما رواهُ التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَه مِن طريقِ ابنِ عُيَيْنَةَ عن عَمْرو بنِ دينارٍ، عن عَوْسَجة، عن ابنِ عباسٍ - ﵁ -: أَنَّ رجُلًا تُوُفِّي في عهدِ رسولِ اللهِ ﵌، ولم يَدَعْ وارِثًا إِلاَّ مولىً هو أَعتقَهُ ... الحديثَ.\nوتابَعَ ابنَ عُيَيْنَةَ على وَصْلِهِ ابنُ جُريجٍ وغيرُه. وخالفَهُم حمَّادُ بنُ زَيْدٍ، فرواهُ عَنْ عَمْرو ابنِ دينارٍ، عَن عَوْسَجَةَ ولم يَذْكُرِ حديث ابنَ عباسٍ.\nقال أبو حاتمٍ: المَحفوظُ حديثُ ابنِ عُيَيْنَةَ. أهـ كلامُه.\nحمَّادُ بنُ زيدٍ مِن أَهلِ العدالةِ والضَّبطِ، ومعَ ذلك رجَّحَ أبو حاتمٍ روايةَ مَن هُم أَكثرُ عددًا منهُ. وعُرِفَ مِن هذا التَّقريرِ أَنَّ: الشَّاذَّ: ما رواهُ المقْبولُ مُخالِفًا لِمَنْ هُو أَوْلَى مِنهُ.\nوهذا هُو المُعْتَمَدُ في تعريفِ الشاذِّ بحَسَبِ الاصْطِلاحِ.\n\nوَإِنْ وَقَعَتِ المُخالفةُ لهُ معَ الضَّعْفِ؛ فالرَّاجِحُ يُقالُ لهُ: المَعْروفُ، ومُقابِلُهُ يُقالُ لهُ: المُنْكَرُ. مثالُه: ما رواهُ ابنُ أَبي حاتمٍ مِن طريقِ حُبَيِّبِ بنِ حَبيبٍ - وهو أَخو حَمزَةَ بنِ حَبيبٍ الزَّيَّاتِ المُقرئِ - عن أَبي إِسحاقَ، عن العَيْزارِ بنِ حُريثٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄، عن النَّبي ﵌،","vol":"1","page":267},{"text":"قالَ: «مَن أَقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ وحَجَّ البيتَ وصامَ وقَرَى الضَّيْفَ؛ دَخَلَ الجنَّةَ».\nقالَ أَبو حاتمٍ: وهُو مُنْكَرٌ؛ لأَنَّ غيرَه مِن الثِّقاتِ رواهُ عن أَبي إِسحاقَ مَوقوفًا، وهُو المَعروفُ.\nوعُرِفَ بهذا أَنَّ بينَ الشَّاذِّ والمُنْكَرِ عُمومًا وخُصوصًا مِن وَجْهٍ؛ لأنَّ بينَهُما اجْتِماعًا في اشْتِراطِ المُخالفَةِ، وافْتراقًا في أَنَّ الشَّاذَّ راويهِ ثقةٌ أو صدوقٌ، والمُنْكَرَ رَاويهِ ضعيفٌ. وقد غَفَلَ مَن سَوَّى بينَهُما، واللهُ أَعلمُ \" (١).\n\nوقال السيوطي في تدريب الراوي: \" قد علم مما تقدم بل من تصريح كلام ابن الصلاح أن الشاذ والمنكر بمعنى، وقال شيخ الإسلام: إنَّ الشاذ والمنكر يجتمعان في اشتراط المخالفة، ويفترقان في أن الشاذ راويه ثقة أو صدوق والمنكر راويه ضعيف، قال: وقد غفل من سَوَّى بينهما.\nثم مثل المنكر بما رواه ابن أبي حاتم من طريق حُبَيّبٍ (بضم الحاء المهملة وتشديد التحتية بين موحدتين أولاهما مفتوحة)، ابن حَبِيب (بفتح المهملة بوزن كَرِيم) أخى حمزة الزَّيات عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس، عن النَّبي ﷺ قال: «مَنْ أَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَحَّجَ، وَصَامَ وَقَرَى الْضَيفَ دَخَلَ الْجَنَّةَ».\nقال أبو حاتم: هو منكر؛ لأنَّ غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفًا. وهو المعروف فحينئذ فالحديث لا مخالفة فيه، وراويه متهم بالكذب بأن لا يروي إلا من جهته وهو مخالف للقواعد المعلومة أو عرف به في غير الحديث النَّبوي \" (٢).\n\nقلتُ: ونرى أنَّ المنكر عند المتقدمين يطلق على كل ما هو مستنكر من الأخبار سواء كانت من رواية ضعيف، أو من رواية متروك الحديث فيما يرويه من الأحاديث الواهية،\nكما أنَّهم أحيانًا يطلقون ذلك على المستنكر من الخطأ أو الوهم مما قد يقع فيه الثقات.\n_________\n(١) ابن حجر العسقلاني: نُزْهَةِ النَّظَر في تَوْضِيحِ نُخْبَةِ الفِكَر في مُصْطَلحِ أَهلِ الأثَر، (ص٥١ - ٥٣).\n(٢) السيوطي: تدريب الراوي (ج١/ص ٢٤٠).","vol":"1","page":268},{"text":"نماذج من الضعفاء الذين استنكر النُّقاد والإمام الدارقطني رواياتهم:\nالمثال الأول: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: \" وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْحُجَّاجُ، وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللهِ، إِنْ سَأَلُوا أُعْطُوا، وَإِنْ دَعَوْا أُجِيبُوا وَإِنْ أَنْفَقُوا أُخْلِفَ عَلَيْهِمْ، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ مَا أَهَلَّ مِنْ مُهِلٍّ، وَلا كَبَّرَ مِنْ مُكَبِّرٍ عَلَى شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ، إِلا أَهَلَّ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَبَّرَ بِتَكْبِيرِهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ مِنْهُمَا الصَّوْتُ»، فَسَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ \" (١).\n\nقلتُ: قد أنكر الإمام أبي حاتم هذا الحديث وهو من رواية مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ (٢) وقد ضعفه الأئمة، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: \" قال عبدالله بن أحمد عن أبيه: \"أحاديثه مناكير\"، وقال الدُّوري عن ابن معين: \"ضعيف ليس حديثه بشيء\"، وقال الجوزجاني: \"واهي الحديث ضعيف\"، وقال البخاري: \"منكر الحديث\"، وقال النَّسائي:\n\"ليس بثقة\"، وقال أبو زرعة: \"ضعيف الحديث\" (٣)، ولذا أُطلق عليه حديث منكر.\nالمثال الثاني: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: \" سمعت أبي يقول حدثنا بحديث الشُّفعة حديث عبدالملك عن عطاء عن جابر عن النَّبي ﷺ. وقال هذا حديث منكر \" (٤).\n\nقلتُ: قد أنكر الإمام أحمد بن حنبل هذا الحديث، كما أنكره شعبة بن الحجاج بن الورد، وهو من رواية عبدالملك وهو ابن أبي سليمان العَرْزمي ضعيف، وقد ترجمنا له من قبل (٥)،\n_________\n(١) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص٧١٦)، سؤال رقم (٨٩٤).\n(٢) هو محمد بن أبى حميد إبراهيم الأنصاري الزرقي، أبو إبراهيم المدنى (ت:؟)، ضعيف من كبار أتباع التابعين، أخرج له الترمذي وابن ماجه، تهذيب التهذيب (ج٩/ص١١٦).\n(٣) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج٩/ص١١٦).\n(٤) الإمام أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، (ج٢/ص٢٨١)، مسألة رقم (٢٢٥٦).\n(٥) سبق تخريجه في صفحة (٢١٣) من الدراسة.","vol":"1","page":269},{"text":"والحديث خطأ؛ لذا حكم الإمام أحمد بن حنبل عليه بالنَّكارة.\n\nالمثال الثالث: قال البرقاني في العلل: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي صالح عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «لاَ يُؤَذِّنْ لَكُمْ مَنْ يُدْغِمُ الهَا».\nفقال - الدارقطني -: يرويه علي بن جميل، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش كذلك قال: وعلي بن جميل ضعيف، ويقال إنَّ الصحيح من ذلك أنَّه من قول الأعمش، حدثناه عبدالله بن سليمان بن الاشعث، ثنا علي بن جميل الرقي، قال: كنا نمشي مع عيسى بن يونس فجاء رجل ظننت أنَّه كان حايكًا، فأذن فقال: \" الا أكبر\"، فقال عيسى بن يونس، ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: رسول الله ﷺ: «لا يؤذّن لكم من يدغمُ الها، قلنا فكيف يقول؟ قال يقول أشهد أن لا إله إلا اللا أشهد أنَّ محمدا رسول\" اللا \"»، قال أبو بكر بن أبي داود: هذا حديث منكر، وإنَّما مر الأعمش برجل يؤذن يدغم الها، فقال: لا يؤذّن لكم من يدغمُ الها \" (١).\n\nنماذج من الثقات الذين استنكر النُّقاد والإمام الدارقطني رواياتهم:\nالمثال الأول: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: \" وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ؛ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو (٢)، عَنِ ابْن شِهَابٍ الزُّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: إِذَا رَأَيْتِ الدَّمَ الأَسْوَدَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلاةِ، وَإِذَا كَانَ الأَحْمَرَ فَتَوَضَّئِي» (٣).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٨/ص١٧٥)، سؤال رقم (١٤٩٢).\n(٢) وهو محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي المدني (ت:؟)، ثقة من الطبقة السادسة من الذين عاصروا صغارالتابعين، أخرج له الشيخان وأبو داود والنّسائي، تهذيب التهذيب (ج٩/ص ٣٣٠).\n(٣) أخرجه أبو داود على الوجه المعلول: في السنن، كتاب الطهارة، باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة، (ج١ /ص ١٢٥) برقم (٢٨٦)، من طريق محمد بن أبي عدي عن محمد يعني ابن عمرو قال حدثني ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش به بتمامه.","vol":"1","page":270},{"text":"فَقَالَ أَبِي: لَمْ يُتَابَعْ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ مُنْكَرٌ \" (١).\n\nقلتُ: قد أنكر الإمام أبي حاتم هذا الحديث على مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو وهو ابن حلحلة الديلي، ثقة قد أخرج له الشيخان، وعلى الرغم من ذلك، فقد وُصِفَت روايته بأنها مُنكرة، أي أنَّه أخطأ في هذه الرواية ولم يُتَابعه أحدٌ عليها فصارت مُنكرة.\nالمثال الثاني: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: \" وَسَأَلْتُ أَبِي، وَأَبَا زُرْعَةَ، عَنْ حَدِيثٍ؛ رَوَاهُ يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ (٢)، عَنْ عَثَّامٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ: «كَانَ إِذَا تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ».\nقَالا: هَذَا خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ هَذَا رَوَاهُ جَرِيرٌ هَكَذَا\nوَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ هَذَا الْحَدِيثَ وَهُوَ مُنْكَرٌ (٣).\nقلتُ: قد أنكر الإمام أبو زُرْعَةَ هذا الحديث، وهو من رواية يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ، ثقة أخرج له البخاري في صحيحه، وعلى الرغم من ذلك فقد وُصِفَت روايته بأنها منكرة، أي إنها غلط فحكم عليها بالضعف والنَّكارة لذلك، والله أعلم.\nالمثال الثالث: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: \" حدثني أبي قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا ابن أبي ذئب عن الزهري قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ يَومَ الفِطْرِ فَيُكَبِّرَ مِنْ حِينِ يَخْرُجَ مِنْ بَيتِهِ حَتَى يَاتِي الْمُصَلَّى، فَإِذَا قَضَى الصَّلاَةَ قَطَعَ التَّكْبِيرَ، قَالَ: وَأَمَّا الأضْحَى فَكَانَ\n_________\n(١) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص٢٦٦)، سؤال رقم (١١٧).\n(٢) وهو يوسف بن عدي بن زريق بن إسماعيل ويقال ابن الصلت بن بسطام التيمي، ثقة من الطبقة العاشرة الآخذين عن تبع الأتباع، أخرج له البخاري والنَّسائي، تهذيب التهذيب (ج١١/ص ٣٦٧).\n(٣) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص٣١٧)، سؤال رقم (١٩٧).","vol":"1","page":271},{"text":"يُكَبِّرَ مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ يَوَمَ عَرَفَةَ إِلَى صَلاَةِ الظُّهْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ» (١).\nقال أبي هذا حديث منكر، ثم قال: دخل شعبة على ابن أبي ذئب فنهاه أن يحدث به وقال: لا تحدث بهذا وأنكره شعبة \" (٢).\nقلتُ: قد أنكر الإمام أحمد بن حنبل هذا الحديث من رواية ابن أبي ذئب وهو محمد ابن عبدالرحمن بن المغيرة (٣)، وهو ثقة أحد الأعلام، تبعًا لإنكار شعبة عليه هذا الحديث، ونهي ابن أبي ذئب عن أن يحدث به؛ لأنَّه خطأ، وهذا الحديث لم يخرجه أحد من الكتب الستة، فدل ذلك على أنَّ القوم كانوا يطلقون لفظة المنكر على الأحاديث التي أخطأ فيها الثقات كذلك.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة على الوجه المعلول: في المصنف (ج٢/ص٧١)، من طريق يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن الزهري به، ولاشك أنَّه ضعيف مقطوع، وذكره الإمام مالك مختصرًا في الموطأ (رواية يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ) (ج١/ص ٣٢٩)، برقم (١٢٠٤)، فقال: \"الأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ وَأَوَّلُ ذَلِكَ تَكْبِيرُ الإِمَامِ وَالنَّاسُ مَعَهُ دُبُرَ صَلاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَآخِرُ ذَلِكَ تَكْبِيرُ الْإِمَامِ وَالنَّاسُ مَعَهُ دُبُرَ صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ثُمَّ يَقْطَعُ التَّكْبِيرَ \".\n(٢) الإمام أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، (ج٢/ص ٣١٠)، مسألة رقم (٢٣٧٦).\n(٣) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبى ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني (ت: ١٥٨ هـ)، ثقة فقيه فاضل، من الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج٩/ص ٢٧٠).","vol":"1","page":272},{"text":"نتائج هامة:\n\n- أنَّ أئمة النقد قد يتبين لهم في الحديث من رواية الثقة الثبت المتفق عليه أنَّه ضعيف وفي الحديث من رواية من هو ضعيف عندهم أنَّه صحيح.\n\n- استعمل النُّقادُ المحدِّثون غير الدارقطني لفظة المخالفة في مصنفات العلل، للدلالة على نفس المعنى الذي قصده الدارقطني، إلا أنَّ الدارقطني كان أكثر استعمالًا لها.\n\n- أنَّ لفظة المنكر عند النُّقاد المتقدمين من الألفاظ التي أطلقت على أنواع عديدة من العلل منها ما رواه الضعيف، وما أخطأ فيه الثقة، وغير ذلك من علل المخالفة.\n\n- يوجد فرق واضح بين قول النُّقاد والدارقطني في الراوي أنه: \" روى المناكير \" وبين قولهم \" أحاديثه مناكير \"، فإنَّ اللفظ الأول لا يعني أنَّ صاحبه ضعيف بل قد يكون ثقة وروى عن الضعفاء، والثاني يعني أنَّ صاحبه قد يكون ضعيفًا.\n- أنَّ مفهوم النَّكارة عند المتقدمين يختلف عن المتأخرين، فإنَّهم يعتبرون الحديث المنكر هو الذي رواه الضعيف مخالفًا للثقة، وأمَّا إذا خالف الثقة غيره من الثقات فهو شاذ عندهم، وهذا بخلاف النُّقاد المتقدمين، فإنهم يطلقون النَّكارة على كل ما هو مستنكر من الأخبار سواء كانت من رواية ضعيف، أو متروك الحديث فيما يرويه من الأحاديث الواهية، كما أنَّهم أحيانًا يطلقون ذلك على المستنكر من الخطأ أو الوهم مما قد يقع فيه الثقات.","vol":"1","page":273},{"text":"الفصل الثالث\n\nالألفاظ الدالة على الغرابة والتفرد والترجيح\n\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الغرابة والتفرد ومدلولهما عند النُّقاد والإمام الدارقطني.\nالمطلب الأول: تعريف الغرابة والتفرد لغةً.\nالمطلب الثاني: لفظا الغرابة والتفرد عند النُّقاد والدارقطني في العلل.\n\nالمبحث الثاني: ألفاظ الترجيح ومدلولاتها عند النُّقاد والإمام الدارقطني.\nالمطلب الأول: تعريف الترجيح لغةً.\nالمطلب الثاني: ألفاظ الترجيح عند النُّقاد والدارقطني في العلل.","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>الفصل الثالث\n\nالألفاظ الدالة على الغرابة والتفرد والترجيح</span>\nسنتعرض في هذا الفصل للألفاظ التي تدل على: الغرابة والتفرد والترجيح بين الرِّوايات المختلفة، ولقد تنوعت ألفاظ الغرابة والتفرد والترجيح، تبعًا للعلة التي قد تطرأ على الخبر مثل تفرد الراوي بحديث شيخه دون غيره من الأقران، وغير ذلك من الأسباب التي تؤدي للعلة، ولتوضيح ذلك سوف نضرب بعض الأمثلة التي استعملها النُّقاد والدارقطني لهذه الألفاظ؛ للدَّلالة على الغرابة والتفرد والترجيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>المبحث الأول: الغرابة والتفرد ومدلولهما عند النُّقاد والإمام الدارقطني</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>المطلب الأول: تعريف الغرابة والتفرد لغةً</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>أولًا: تعريف الغرابة لغةً</span>.\nالغرابة والاغتراب بمعنى البعد، والبعد أصله من الإشارة إلى الجهة البعيدة المغرب، ويقال على الذي سافر فأبعد السفر غريب، وجمعه غُربَاء، وقال ابن منظور في لسان العرب: \" غَرْبةٌ نائِيَةٌ وأَغْرَبَ القومُ انْتَوَوْا وشَاوٌ مُغَرِّبٌ ومُغَرَّبٌ بفتح الراءِ بعيد، قال الكميت:\nعَهْدَك من أُولَى الشَّبِيبةِ تَطْلُبُ ... على دُبُرٍ هيهاتَ شَاوٌ مُغَرِّب\n\nويقال اغْرُبْ عني أَي تباعَدْ، ومنه الحديث أَنه أَمَرَ بتَغْريبِ الزاني التغريبُ النفيُ عن البلد الذي وَقَعَتِ الجِنايةُ فيه، يقال أَغرَبْتُه وغَرَّبْتُه إِذا نَحَّيْتَه وأَبْعَدْتَه والتَّغَرُّبُ البُعْدُ. وفي الحديث: «أَن رَجُلًا قال له إِنَّ امرأَتي لا تَرُدُّ يَدَ لامِس، فقال: غرِّبْها»، أَي أَبْعِدْها يريدُ الطلاق وغَرَّبَت الكلابُ أَمْعَنَتْ في طلب الصيد وغَرَّبه وغَرَّبَ عليه تَرَكه بُعْدًا والغُرْبةُ والغُرْب النُّزوحُ عن الوَطَن والاغْتِرابُ قال المُتَلَمِّسُ:\nأَلا أَبْلِغا أَفناءَ سَعدِ بن مالكٍ ... رِسالةَ مَن قد صار في الغُرْبِ جانِبُهْ","vol":"1","page":277},{"text":"والاغْتِرابُ والتغرُّب كذلك تقول منه تَغَرَّبَ واغْتَرَبَ، وقد غَرَّبه الدهرُ ورجل غُرُب بضم الغين والراء، وغريبٌ بعيد عن وَطَنِه الجمع غُرَباء والأُنثى غَريبة قال:\n\nإِذا كَوْكَبُ الخَرْقاءِ لاحَ بسُحْرةٍ ... سُهَيْلٌ أَذاعَتْ غَزْلَها في الغَرائبِ\nأَي فَرَّقَتْه بينهنّ وذلك أَن أَكثر من يَغْزِل بالأُجرة إِنَّما هي غريبةٌ، وفي الحديث أَنَّ النَّبي ﷺ: سُئِلَ عن الغُرباء، فقال: الذين يُحْيُونَ ما أَماتَ الناسُ من سُنَّتِي، وفي حديث آخر: «كَمَا بَدأَ فطوبَى للغُرباءِ»، أَي إِنَّه كان في أَوّلِ أَمْرِه كالغريبِ الوحيدِ الذي لا أَهل له عنده لقلة المسلمين يومئذ وسيعودُ غريبًا كما كان أَي يَقِلُّ المسلمون في آخر الزمان فيصيرون كالغُرباء فطُوبى للغُرَباء أَي الجنةُ لأُولئك المسلمين الذين كانوا في أَوّل الإِسلام ويكونون في آخره، وإِنَّما خَصَّهم بها لصبْرهم على أَذى الكفار أَوَّلًا وآخِرًا ولُزومهم دينَ الإِسلام.\nوفي حديث آخر «أُمَّتِي كالمطر لا يُدْرَى أَوَّلُها خير أَو آخِرُها»، قال: وليس شيءٌ من هذه الأُحاديث مخالفًا للآخر، وإِنَّما أَراد أَن أَهلَ الإِسلام حين بَدأَ كانوا قليلًا وهم في آخر الزمان يَقِلُّون إِلاَّ أَنهم خيارٌ \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>ثانيًا: تعريف التفرد لغةً</span>.\nوالتفرد من الفرد وهو الله ﷿ الفرد الصمد، تفرد بالخلق والأمر، قال تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، الفرد الواحد وجمعه أفراد وفرادى، وقال ابن منظور في لسان العرب: \" والفرد أَيضًا الذي لا نظير له، والجمع أَفراد يقال شيء فَرْدٌ وفَرَدٌ وفَرِدٌ وفُرُدٌ وفارِدٌ والمُفْرَدُ ثورُ الوَحْشِ، وفي قصيدة كعب: تَرْمِي الغُيوبَ بَعَيْنَي مُفْرَدٍ لَهِقٍ، المفرد ثور الوحش شبَّه به الناقة، وثور فُرُدٌ وفارِدٌ وفَرَدٌ وفَرِدٌ وفَرِيد كله بمعنى مُنْفَرِدٍ وسِدْرَةٌ فارِدَةٌ انفردت عن سائر السِّدْر، وفي الحديث «لا تُعَدُّ فارِدَتُكُم»، يعني الزائدة على الفريضة أَي لا تضم إِلى غيرها فتعد معها وتُحْسَب، وفي حديث أَبي بكر فمنكم المُزْدَلِفُ\n_________\n(١) ابن منظور: لسان العرب (ج١/ص٦٣٥ - ٦٣٧)، مادة (غرب).\n(٢) سورة الأعراف آية رقم (٥٤).","vol":"1","page":278},{"text":"صاحِب العِمامة الفَرْدَة، إِنما قيل له ذلك لأَنه كان إِذا ركب لم يَعْتَمّ معه غيرُه إِجلالًا له، وفي الحديث «جاءه رجل يشكو رجلًا من الأَنصار شَجَّه فقال: يا خَيْرَ مَنْ يَمْشي بِنَعْلٍ فَرْدِ أَوْهَبَه لِنَهْدَةٍ ونَهْدِ» \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>المطلب الثاني: لفظا الغرابة والتفرد عند النُّقاد والدارقطني في العلل</span>.\nومفهوم الغرابة والتفرد في مصطلح أهل الحديث المتقدمين قريب من المعنى اللغوي إلى حد بعيد، فهم يطلقون الغرابة على الحديث الذي أبعد به الراوي عن بقية الأقران، فلم يشاركهم فيه، فأتى بما لم يسمعوا من شيوخهم، ويرجع قبول النُّقاد للتفرد أو الغرابة تبعًا لطبقة الراوي ومقدار تفرده: فكلما تأخرت طبقة الراوي لا يقبل منه التفرد، فالتفرد في طبقة التابعين أقرب للقبول، وممكن حدوثه كذلك في طبقة أتباع التابعين، وفي هذه الطبقة أقل من التي قبلها، وإمكانية التفرد في طبقة أتباع الأتباع أقل، وأما طبقة غيرهم فلا يكاد يُقبل تفرد أحد فيها عند النُّقاد المتقدمين.\n\nوالغريب قد يطلق عندهم على الصحيح، والحسن، والضعيف، والكذب الموضوع، فإنهم كانوا يطلقون الغريب على الأحاديث التي ليست لها أصل أو ليس لها إسناد، أو أنّه غلط، قال الخطيب البَغدَادِي في الكفاية: \" عن الأعمش، عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون غريب الكلام وغريب الحديث \" (٢)، وقال أيضًا: \"قال أحمد بن حنبل: إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا حديث غريب، أو فائدة فاعلم أنَّه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدث، أو حديث ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة وسفيان، فإذا سمعتهم يقولون هذا لا شيء فاعلم أنَّه حديث صحيح \" (٣).\n_________\n(١) ابن منظور: لسان العرب (ج٣/ص٣٣١)، مادة (فرد).\n(٢) الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية (ص ١٤١).\n(٣) الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية (ص ١٤٢).","vol":"1","page":279},{"text":"وقال الإمام أبو داود: \" والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئًا من الحديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه الناس، والفخر بها أنه مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم \" (١).\nوكما أنَّهم كانوا يطلقون الغريب على الصحيح، كما فعل الإمام الترمذي في كتابه \"السنن\"، وهو مشهور عنه تقسيم الغريب إلى صحيح وحسن وضعيف، وقال الخليل بن عبدالله بن أحمد الخليلي: \" حديث عمرو بن دينار في الرقية روى عنه أقرانه، والكبار من حديث أسماء بنت أبي بكر قالت: «قُلْتُ يَا رسُول اللهِ إنَّ بَنِي جَعْفَرَ تُصِيبُهُم الْعَينُ فَاسْتَرْقِي لَهُم، فَقَالَ: نَعَم»، وهذا مما يتفرد به عمرو وهو صحيح غريب \" (٢).\n\nوقال الحافظ العراقي في التقييد والإيضاح: \" قوله وينقسم الغريب أيضًا من وجه آخر فمنه ما هو غريب متنًا وإسنادًا، ومنه ما هو غريب إسنادًا لا متنًا، ثم قال: ولا أرى هذا النوع ينعكس، فلا يوجد إذًا ما هو غريب متنًا وليس غريبًا إسنادًا، إلا إذا اشتهر الحديث الفرد عمن تفرد به فرواه عنه عدد كثيرون، فإنَّهُ يصير غريبا مشهورًا، وغريبًا متنًا، وغير غريب إسنادًا، لكن بالنظر إلى أحد طرفي الإسناد فإنَّ إسناده متصف بالغرابة في طرفه الأول متصف بالشهرة في طرفه الآخر كحديث: «إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ».\nاستبعد المصنف وجود حديث غريب متنًا لا إسنادًا إلا بالنسبة إلى طرفي الإسناد وأثبت أبو الفتح اليعمري هذا القسم مطلقًا من غير حمل له على ما ذكره المصنف فقال في شرح الترمذى: \" الغريب على أقسام: غريب سندًا ومتنًا، ومتنًا لا سندًا، وسندًا لا متنًا وغريب بعض السند فقط، وغريب بعض المتن فقط.\n_________\n(١) سليمان بن الأشعث أبو داود: رسالة أبي داود إلى أهل مكة وغيرهم في وصف سننه، طبعة دار العربية، بيروت، تحقيق: محمد الصباغ، (ص٢٩).\n(٢) الخليل بن عبد الله بن أحمد الخليلي: الإرشاد في معرفة علماء الحديث (ج١/ص ٣٢٩).","vol":"1","page":280},{"text":"ثم أشار إلى أنه أخذ ذلك من كلام محمد بن طاهر المقدسى فإنَّه قَسَّم الغرايب والأفراد إلى خمسة أنواع خامسها أسانيد ومتون ينفرد بها أهل بلد لا توجد إلا من روايتهم، وسنن يتفرد بالعمل بها أهل مصر لا يعمل بها في غير مصرهم \" (١).\nفهذه النصوص السالفة الذكر تبين مفهوم الغريب والفرد عند النُّقاد المتقدمين وعلى رأسهم الدارقطني، فإنَّ مفهومه للحديث الغريب لا يختلف عنهم، وسوف نضرب هنا بعض الأمثلة لتوضيح بعض ألفاظ التفرد والغرابة عند النُّقاد والدارقطني:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>أولا: لفظة \" تفرد به فلان </span>\".\nلقد أكثر الدارقطني من هذه اللفظة؛ للدلالة على علة التفرد أو الغرابة، وغالبًا ما تكون الإشارة إلى الإسناد دون المتن.\n\nوقد أطلق الدارقطني هذه اللفظة في العلل على ما تفرد به الضعيف والمتروك، كما أطلقها على المستور والصدوق والثقة، وذلك في حوالي مئة وسبعة (١٠٧) موضعًا في كتابه العلل، وسوف نضرب بعض الأمثلة منها:\n\nالمثال الأول: قال البرقاني في العلل: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث عثمان بن عفان، عن أبي بكر الصديق - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ -: «أَنَّهُ سَأَلَهُ مَا نَجَاةُ هَذَا الأَمْرِ؟» (٢).\nفقال - الدارقطني -: وروى هذا الحديث زيد بن أبي أنيسة (٣)، بإسناد متصل، عن عثمان فرواه عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن أبان بن عثمان، عن عثمان، عن أبي بكر، تفرد به زيد بن\n_________\n(١) العراقي: التقييد والإيضاح (ص٢٧٣).\n(٢) أخرجه أحمد: في المسند (ج١/ص٦)، برقم (٢٠)، من طريق الزهري قال أخبرني رجل من الأنصار من أهل الفقه أنه سمع عثمان بن عفان عن أبي بكر الصديق ﵃ بتمامه نحوًا منه.\n(٣) زيد بن أبى أنيسة: زيد الجزرى، أبو أسامة الرهاوي الغنوي (كوفى الأصل)، (ت: ١١٩ هـ، وقيل ١٢٤ هـ)، من الطبقة السادسة من الذين عاصروا صغار التابعين، ثقة له أفراد، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج٣/ص ٣٤٣).","vol":"1","page":281},{"text":"أبي أنيسة عن ابن عقيل، ولا نعلم حدث به عن زيد بن أبي أنيسة غير أبي عبدالرحيم خالد بن أبي يزيد، وهو إسناد متصل حسن، إلا أنَّ ابن عقيل ليس بالقوي \" (١).\nقلتُ: قد أعلَّ الإمام الدارقطني هذا الحديث بعلتين التفرد، وضعف عبدالله بن محمد ابن عقيل (٢)، أما علة التفرد فهي بسبب أنَّ زيد بن أبي أنيسة كثير التفرد، وهو من الطبقة السادسة، والتي لا يحتمل كثرة التفرد فيها، والله أعلم.\n\nالمثال الثاني: قال البرقاني في العلل: \" وسئل - الدارقطني - عن حديث ابن عمر عن عمر - ﵃ - أنَّ النَّبي ﷺ قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (٣).\n\nفقال - الدارقطني -: تفرد به همام (٤)، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عمر، عن عمر - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ. وهو الصواب، وعند أبي سلمة بن عبدالرحمن، فهذه أحاديث منها هذا ومنها ما رواه الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة - ﵁ - «أنَّ النَّبي ﷺ قَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» \".\nومنها ما يرويه محمد بن عمرو أيضا، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - «أنَّ النَّبي ﷺ نهى عن الدباء والحنتم والنقير، وقال: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»، وكلها محفوظة عن أبي سلمة ومن أحاديث ابن عباس، عن عمر، عن النَّبي - ﷺ - \" (٥).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١/ص١٧٤)، سؤال رقم (٧).\n(٢) الذهبي: ميزان الاعتدال (ج٢/ص٤٨٤).\n(٣) أخرجه أحمد: في المسند (ج٢/ص١٠٤)، برقم (٥٨٢٠)، من طريق همام حدثنا محمد بن عمرو، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن ابن عمر - ﵁ - حدثه به بتمامه، وهو حديث صحيح.\n(٤) همام بن يحيى بن دينار العوذي المحلمي، أبو عبدالله (ت: ١٦٤ أو ١٦٥ هـ)، من الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، ثقة ربما وهم، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج١١/ص ٦٠).\n(٥) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ص٧٧)، سؤال رقم (١٢١).","vol":"1","page":282},{"text":"قلتُ: قد أشار الإمام الدارقطني في هذا الحديث إلى أنَّ تفرد همام وهو ابن يحيى بن دينار العوذي، لم تضر بل روايته هي الصواب من حديث محمد بن عمرو.\n\nوذلك للشواهد الصحيحة له، والتي ذكرها بعد ذلك، ثم قال وكلها محفوظة عن أبي سلمة، فدل ذلك أنَّ التفرد لا يعني بالضرورة الضعف بل قد يعني الصحة، والله أعلم.\n\nوقد استعمل النُّقاد المتقدمون لفظة التفرد للدلالة على الغرابة في الأخبار، ولكنهم لم يطلقوها إلا على أحاديث قليلة بخلاف الدارقطني فإنَّه قد أكثر من إطلاقها، وسوف نضرب بعض الأمثلة التي توضح ذلك:\n\nالمثال الأول: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: \" وَسَمِعْتُ أَبِي، وَذَكَرَ حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - ﵁ -، قَالَ: «قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَيْنَ تَنْزِلُ بِالْخِيفِ؟، قَالَ: وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ لَنَا مَنْزِلا؟».\n\nفَقَالَ أَبِي: قَدْ تَفَرَّدَ الزُّهْرِيُّ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ \" (١).\n\nقلتُ: قد أطلق أبو حاتم لفظة التفرد وعنى بها الغرابة في أربع مواضع (٢)، لا خامس لها في كتاب العلل، فدل على قلة استعماله للفظ.\nالمثال الثاني: قَالَ الإمام الترمذي في العلل الكبير: \" فسألتُ مُحمدًا - يعني البخاري- عن هذا الحديث فقال: حديث أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أصح ما جاء في كراهية بيع الولاء وهبته.\n_________\n(١) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص٧٠١)، سؤال رقم (٨٦٠).\n(٢) المصدر السابق: انظر إلى أرقام السؤالات:﴾ (٨٦٠)، (١٠٧٣)، (١٢٥٨)، (٢٦١١) ﴿.","vol":"1","page":283},{"text":"حدثنا محمد بن عبدالملك بن أبي الشوارب، حدثنا يحيى بن سليم، عن عبيدالله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر - ﵁ - قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ عَنْ بَيْعِ الْوَلاَءِ وَعَنْ هِبَتِهِ» (١).\n\nقال أبو عيسى: والصحيح، عن عبدالله بن دينار، وعبدالله بن دينار قد تفرد بهذا الحديث عن ابن عمر، ويحيى بن سليم أخطأ في حديثه \" (٢).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها البخاري في هذا الحديث هي غايةٌ في الدقةِ والإتقان، فإنَّه قال عن هذا الحديث: \" أصح ما جاء في كراهية بيع الولاء وهبته\"، وهذا يعني أنَّ جميع أسانيد هذا الحديث ضعيفة إذا كان مخرجها أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أو غيرها، ثم أفصح الترمذي عن مراد البخاري في إعلال الحديث، وهو أنَّ جميع الأسانيد لهذا الحديث ضعيفة إلا إسناد واحد فقط صحيح، وهو ما كان من طريق عبدالله بن دينار، عن ابن عمر - ﵁ -، ومما يؤيد ذلك أنَّ الإمام مسلم قال عقب إخراجه لهذا الحديث: \" النَّاسُ كُلُّهُمْ عِيَالٌ عَلَى عَبْدِاللَّهِ بْنِ دِينَارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ \" (٣)، فدل ذلك على أنَّ الحديث لا يصح إلا من طريق عبدالله بن دينار فقط.\nوقد أطلق الترمذي لفظة التفرد وعنى بها الغرابة في خمس مواضع في كتابه العلل الكبير.\n_________\n(١) متفق عليه: أخرجه البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب العتق، بَاب بَيْعِ الْوَلاَءِ وَهِبَتِهِ، (ج٥/ ص١٨٧)، برقم (٢٥٣٥)، ومسلم في الجامع الصحيح (بشرح النووي) كتاب العتق، بَاب النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْوَلاَءِ وَهِبَتِهِ، (ج٥/ ص٤٠٧)، برقم (١٥٠٦)، كلاهما على الوجه الصحيح من طريق عبدالله بن دينار سمعت ابن عمر ﵄ به.\n(٢) الترمذي: ترتيب العلل الكبير (أبو طالب القاضي) (ج١/ص٦٦).\n(٣) الإمام مسلم: الجامع الصحيح (بشرح النووي)، (ج٥/ ص٤٠٧)، برقم (١٥٠٦).","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>ثانيا: لفظة \" غريب </span>\".\nلقد أطلق الدارقطني هذه اللفظة على عدد قليل في كتاب العلل، وقد أَحْصَيتُه فوجدته في حوالي سبعةَ عَشر (١٧) موضعًا لا غير (١)، وقصد بها الدلالة على علة التفرد أو الغرابة، وكل ما أشار إليه كان في غرابة الإسناد وليس المتن، وسنضرب بعض الأمثلة لتوضيح ذلك:\nالمثال الأول: قال البرقاني في العلل: \"وسئل - الدارقطني - عن حديث مسروق عن عبدالله عن النَّبي ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مِنْ ضَرَبَ الخُدُودَ وَشَقَّ الجيُوبَ» (٢)\nفقال - الدارقطني -: يرويه الأعمش، عن عبدالله بن مرة، عن مسروق حدث به عنه شعبة، وزائدة، وأبو عوانة، وعلي بن مسهر، وعبدالله بن إدريس، وأبو معاوية، ووكيع، وعيسى بن يونس، وأبو أسامة، وجرير، وعبدالله بن داود، ومحمد بن ربيعة وحبان بن علي، وأسباط بن محمد، ومحمد بن عبيد، وابن نمير، وجعفر بن عون ...\nوروى هذا الحديث أيضا موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن مسروق وهو غريب عنه تفرد به محمد بن جعفر بن أبي كثير عنه \" (٣).\nالمثال الثاني: قال البرقاني في العلل: \"وسئل - الدارقطني - عن حديث عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة - ﵁ -: «سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وَ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ﴾» (٤).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل: انظر إلى أرقام السؤالات:﴾ (١٣)، (٩٦)، (١٢٤)، (٣٠٩) (٣٨٥)، (٣٩٣)، (٤٩٤)، (٥٠١)، (٦٨٢)، (٨٥٧)، (٨٦٨)، (١٠١٠)، (١٤٣١)، (١٥٣٣)، (١٥٥٥)، (١٦٤٦)، (٢٢٩٣) ... . ﴿\n(٢) أخرجه أحمد: في المسند (ج١/ص٤٦٥)، برقم (٣٦٥٨)، من طريق محمد بن جعفر ثنا شعبة عن سليمان قال سمعت عبدالله بن مرة عن مسروق عن عبدالله بن مسعود ﵁ به.\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٥/ص ٢٤٨)، سؤال رقم (٨٥٧).\n(٤) أخرجه أحمد على الوجه الصحيح: في المسند (ج٢/ص٦٥٥)، برقم (٩٩٣٩)، من طريق سفيان - يعني ابن عيينة- عن أيوب بن موسى عن عطاء بن ميناء عن أبي هريرة به، بإسناد صحيح.","vol":"1","page":285},{"text":"فقال - الدارقطني -: يرويه عمر بن عبدالعزيز واختلف عنه: فرواه ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمر بن عبدالعزيز، عن أبي بكر بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة. وكذلك روي عن الثوري وهو غريب عنه، قاله أحمد بن عُبيد، عن أبي أحمد الزبيري عنه، وكذلك روي عن مالك، عن يحيى قاله أبو يحيى بن أبي ميسرة، عن محمد بن حرب، عن مالك. ورواه محمد بن قيس القاضي، عن عمر بن عبدالعزيز، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة \" (١).\n\nوقد استعمل النُّقاد المتقدمون لفظة الغرابة كذلك للدلالة على التفرد، وقد أطلقوها على أحاديث قليلة أيضًا، وسوف نضرب بعض الأمثلة من مصنفاتهم التي توضح ذلك:\nالمثال الأول: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: \" وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ مَرْوَانُ الطَّاطَرِيُّ (٢)، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، «أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ، وَقَالَ: بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي ﷿» (٣).\nفَقَالَ أَبِي -يعني أَبِي حَاتِمٍ-: هَذَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ حَسَنِ ابْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ يَزِيدَ الرِّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.\nقَالَ أَبِي: هَذَا الصَّحِيحُ، وَكُنَّا نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ غَرِيبٌ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَنَا عِلَّتُهُ: تَرَكَ مِنَ الإِسْنَادِ نَفْسَيْنِ، وَجَعَلَ مُوسَى، عَنْ أَنَسٍ \" (٤).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٦/ص٦٦)، سؤال رقم (١٦٤٦).\n(٢) هو مروان بن محمد بن حسان (ت: ٢١٠ هـ)، ثقة، تهذيب التهذيب (ج١/ص١٤٢).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة على الوجه المعلول: في المصنف (ج٨/ص٤٢٢)، من طريق حسن بن صالح عن موسى بن أبي عائشة، عن رجل، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، بدون ذكر زيادة: \" بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي ﷿ \"، ولا شك أنه بهذا الإسناد ضعيف لوجود رجل مبهم بالإسناد.\n(٤) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص٢٤٤)، سؤال رقم (٨٤).","vol":"1","page":286},{"text":"قلتُ: وقول الإمام أبي حاتم: \" هَذَا الصَّحِيحُ \"، لا يعني أنَّ الإسناد صحيح بل قصده أنَّ الإسناد محفوظ على هذا السياق الثاني، وليس على السياق الأول، والذي ظنَّ أبو حاتم أنَّه غريب، ثم تبين له العلة فيه، والخطأ محمول على مَرْوَان الطَّاطَرِي، وقد أشار إلى ذلك الإمام أبي حاتم في العلل (١)، فتبين أنَّ الغرابة قد تعني عندهم عدم استقامة الحديث، فإنِّه من غير المعقول رواية مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ أَنَسٍ، فإنَّ بينهما مفاوز فمُوسَى ابْنِ أَبِي عَائِشَةَ لم يدرك أَنَسٍ، ولم يَرْوِ عن أحد من الصحابة، ولم يذكر الإمام أبي حاتم لفظة \" غريب \" في علله إلا في حوالي أربعة عشر (١٤) موضعًا (٢).\nالمثال الثاني: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: \" حدثني أبي فقال: حدثنا هُشيم، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي: «أنَّ النَّبِي ﷺ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَهِي تَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ، وَمَعَهَا جَوَارٍ، فَقَالَ لَهَا: مَا هَذَا يَا عَائِشَةَ؟ فَقَالَتْ: هَذِهِ خَيلُ سُلَيْمَانَ، قَالَ فَجَعَلَ يَضْحَكُ مِنْ قَوْلِهَا» (٣). سمعت أبي يقول: غريب لم نسمعه من غير هُشيم، عن يحيى بن سعيد \" (٤).\n\nقلتُ: وقول الإمام أحمد: \" غريب لم نسمعه من غير هُشيم \"، إشارة لتفرد هُشيم وهو ابن بشير الواسطي بالحديث عن يحيى بن سعيد وهو الأنصاري، ولم يذكر الإمام أحمد في كتابه العلل لفظة \" غريب \" إلا على أربع أحاديث فقط (٥).\n_________\n(١) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص١٩٨)، سؤال رقم (١٦).\n(٢) المصدر السابق: انظر إلى أرقام السؤالات:﴾ (٢٢٣)، (٢٨٨)، (٤١١)، (٩٠٤) (٩٦٤)، (١٠٠١)، (١٤٠١)، (١٧٩٣)، (١٨٥٠)، (١٨٥١)، (١٩٣٦)، (٢٢٦١)، (٢٤٣٤) ﴿\n(٣) أخرجه أحمد: في المسند (ج٦/ص٢٣٣)، برقم (٢٦٠٠٣)، من طريق محمد بن بشر قال: ثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة نحوًا منه، ولكن بغير زيادة: \" فَقَالَ لَهَا: مَا هَذَا يَا عَائِشَةَ؟ فَقَالَتْ: هَذِهِ خَيلُ سُلَيْمَانَ، قَالَ فَجَعَلَ يَضْحَكُ مِنْ قَوْلِهَا \"، بإسناد صحيح.\n(٤) الإمام أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، (ج٢/ص٢٧٧)، مسألة رقم (٢٢٤٢).\n(٥) المصدر السابق: انظر إلى أرقام السؤالات:﴾ (٢٢٢٨)، (٢٢٤٢)، (٤٠٧٧)، (٤٣٢٦). ﴿","vol":"1","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>المبحث الثاني: ألفاظ الترجيح ومدلولاتها عند النُّقاد والإمام الدارقطني</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>المطلب الأول: تعريف الترجيح لغةً</span>.\nالترجيح في اللغة من رجح، وهو تغليب كفة شيء على شيء، ومنه رجحان الميزان، والراجح هو الأعلى، والمرجوح هو الأدنى، قال ابن منظور: \" (رجح) الرَّاجِحُ الوازِنُ ورَجَحَ الشيء بيده رَزنشه، ونَظر ما ثِقْلُه وأَرْجَحَ الميزانَ أَي أَثقله حتى مال وأَرْجَحْتُ لفلان ورَجَّحْت تَرْجيحًا إِذا أَعطيته راجِحًا، ورَجَح الشيءُ يَرْجَحُ ويَرْجِحُ ويَرْجُحُ رُجوحًا ورَجَحانًا ورُجْحانًا، ورَجَح الميزان يَرْجَحُ ويَرْجِحُ ويَرْجُحُ رُجْحانًا مال، ويقال زِنْ وأَرْجِحْ وأَعْطِ راجِحًا ورَجَحَ في مجلِسه يَرْجُح ثَقُل فلم يَخِفَّ، وهو مَثَل والرَّجَاحة الحِلم على المَثَل أَيضًا وهم ممن يصفون الحِلم بالثِّقَل كما يصفون ضده بالخِفَّة والعَجَل، وقوم رُجَّحٌ ورُجُحٌ ومَراجِيحُ ومَراجِحُ حُلَماءُ، قال الأَعشى:\nمن شَبابٍ تَراهُمُ غَيرَ مِيلٍ ... وكُهولًا مَراجِحًا أَحْلاما\n\nواحدهم مِرْجَحٌ ومِرْجاح وقيل لا واحد للمَراجِح ولا المَراجِيح من لفظها، والحِلْمُ الراجِحُ الذي يَزِنْ بصاحبه فلا يُخِفُّه شيء، وناوَانا قومًا فَرَجَحْناهم أَي كنا أَوْزَنَ منهم، وأَحلم وراجَحْته فَرَجَحْته أَي كنتُ أَرْزَنَ منه، قال الجوهري: وقوم مَراجِيحُ في الحِلم، وأَرْجَحَ الرجلَ أَعطاه راجِحًا \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>المطلب الثاني: ألفاظ الترجيح عند النُّقاد والدارقطني في العلل</span>.\nومفهوم الترجيح عند النُّقاد المحدثين هو قريب من المعنى اللغوي، فهو يعني رجحان كفة رواية على رواية في القوة والثبات والصحة، فالراجح الصحيح من المرويَّات، والرواية المعلولة تسمى مرجوحة، ودراسة ألفاظ الترجيح من أهم المهمات للباحث لمعرفة الفرق بينها\n_________\n(١) ابن منظور: لسان العرب (ج٢/ص٤٤٥)، مادة (رجح).","vol":"1","page":288},{"text":"ومقصود النُّقاد منها، فإنَّ كل لفظ يشير إلى مفهوم معين قصده الناقد، ولقد تنوعت ألفاظ الترجيح عند النُّقاد والدارقطني بطريقة كبيرة في مصنفات العلل، وسوف نضرب بعض الأمثلة لتوضيح ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>أولًا: ألفاظ: \"وهو الصحيح\" أو \"والصحيح من ذلك \" أو\"والصحيح قول فلان</span>\".\nلقد أطلق الدارقطني هذه الألفاظ على مرويَّات كثيرة في كتابه العلل بلغت حوالي مئة وعشر (١١٠) موضعًا للفظة \"وهو الصحيح\"، وبلغت ثلاثةً وعشرين (٢٣) موضعًا للفظة \"الصحيح من ذلك\"، وبلغت تسعةً وخمسين (٥٩) موضعًا للفظة \"والصحيح قول فلان\"، وقصده فيها إثبات صحة الرواية المذكورة، وضعف أو إعلال الرواية الثانية المقابلة لها، وسوف نضرب بعض الأمثلة:\n\nالمثال الأول: قال البرقاني في العلل: \"وسئل - الدارقطني - عن حديث عمرو بن حريث، عن عمر - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» (١).\nفقال - الدارقطني - يرويه إسماعيل بن أبي خالد عنه أسنده خلاد بن يحيى، عن الثوري عن إسماعيل رفعه إلى النَّبي ﷺ، ووقفه غيره عن الثوري، وكذلك رواه يحيى القطان، وأبو معاوية، وأبو أسامة وغيرهم، عن إسماعيل موقوفًا وهو الصحيح.\nحدثنا يعقوب بن إبراهيم البزاز، وأحمد بن عبدالله الوكيل، قالا: ثنا عمر بن شبة، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا إسماعيل، قال: ثنا عمرو بن حريث، قال: قال عمر - ﵁ - لرجل وسمعه ينشد يا فلان لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ الرَّجُلَ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا \" (٢).\n_________\n(١) أخرجه البزار بالوجه المعلول: في المسند (البحر الزَّخار)، (ج١/ص٣٢٣) برقم (٢٥٠)، من طريق خلاد بن يحيى قال: نا سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عمرو بن حريث، عن عمر بن الخطاب به، وقال البزار: \" وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن إسماعيل، عن عمرو بن حريث، عن عمر موقوفًا، ولا نعلم أسنده إلا خلاد بن يحيى\".\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ص ١٨٩)، سؤال رقم (٢١٠).","vol":"1","page":289},{"text":"قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني في هذا الحديث أنَّ خلاد بن يحيى أخطأ فرفع حديث عمر بن خطاب ﵁، وغيره رواه عن الثوري موقوفًا من قوله، ومتن الحديث المرفوع صحيح متفق عليه من مسند أبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وأبي سعيد الْخُدْري ﵃ مرفوعًا، والحديث الموقوف هو الصحيح الذي قصده الدارقطني، ولذا لم يخرج أحد من أصحاب الكتب الحديث من هذا الوجه.\n\nالمثال الثاني: قال البرقاني في العلل: \"وسئل - الدارقطني - عن حديث محمد بن سيرين، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «مَعَ الْغُلاَمِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى» (١).\nفقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه عبدالله بن المختار (٢)، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ. إنَّهُ وهم فيه، والصحيح من ذلك ما رواه أصحاب ابن سيرين الحفاظ عنه منهم: أيوب السختياني، وهشام، وقتادة، ويحيى ابن عتيق وغيرهم، عن محمد بن سيرين، عن سلمان بن عامر الضبي، عن النبي ﷺ \" (٣).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني في هذا الحديث أنَّ عبدالله بن المختار وهو البصري أخطأ في حديث أبي هريرة فسلك الجادة فيه (عن ابن سيرين عن أبي هريرة)، فخالف الأثبات من أصحاب ابن سيرين، فإنهم رووه عن سلمان بن عامر الضبي وليس عن أبي هريرة، وبهذا يُعلم سر عدم إخراج أصحاب الكتب الستة لهذا الحديث من مسند أبي هريرة، وإخراج الجميع له من مسند سلمان بن عامر الضبي.\n_________\n(١) أخرجه على الوجه المعلول الحاكم: في المستدرك (ج٤/ص ٢٦٦)، برقم (٧٥٩٣)، من طريق جرير بن حازم، عن عبدالله بن المختار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ به، وقال الحاكم: \" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه \"، ووافقه الذهبي، قلتُ: ولا يخفى أنَّ حديث أبي هريرة معلول بحديث سلمان بن عامر الضبي كما أشار إليه الدارقطني هنا.\n(٢) هو عبدالله بن المختار البصري (ت:؟)، ثقة، من الطبقة السابعة، من كبار أتباع التابعين، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، تهذيب التهذيب (ج٦/ص٢١).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٨/ص١٢٧)، سؤال رقم (١٤٥٢).","vol":"1","page":290},{"text":"المثال الثالث: قال البرقاني في العلل: \"وسئل - الدارقطني - عن حديث حفصة، عن عمر - ﵁ - أنَّه كان يقول: اللَّهُمَّ قَتْلًا فِي سَبِيلِكَ، وَوَفَاةً فِي بَلَدِ نَبِيكَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ أنَّى يَكُونُ هَذَا؟، فَقَالَ: يَاتِي اللهُ بِهِ إِذَا شَاءَ» (١).\nفقال - الدارقطني -: يرويه زيد بن أسلم واختلف عنه: فرواه روح بن القاسم، وحفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن أمه، عن حفصة. ورواه هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن حفصة. والصحيح قول من قال: عن أمه \" (٢).\n\nوقد استعمل النُّقاد المتقدمون لفظ \"وهو الصحيح \" للدلالة على المعني السابق نفسه، على أحاديث قليلة، مثل الإمام أحمد في العلل لم يذكر اللفظة إلا في موضعين هما:\n\nالموضع الأول: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: \" حدثني أبو سعيد قال سمعت أبا أسامة يقول: قال عبيدالله، عن نافع قتل عمر وله سبع وخمسون، قال: أبو عبدالرحمن هذا الصحيح في قتل عمر \" (٣).\nالموضع الثاني: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: سئل عن حديث الفريابي عن إسرائيل عن زيد بن جبير الجشمي قال: حدثني عروة بن جميل، عن أبيه. قال أبي: هو خطأ إنَّما هو جروة بن جميل، وقال وكيع، قال إسرائيل: جروة بن جميل، قال وكيع، وقال شريك جروة بن جميل، وهو الصحيح \" (٤).\nوقد استعمل هذه الألفاظ كذلك الإمام أبو حاتم في العلل؛ للدلالة على المعني السابق نفسه، ولكنه أطلقها بكثرة حتي بلغت لفظة \" وهو الصحيح \" تسعةً وسبعين (٧٩) موضعًا،\n_________\n(١) أخرجه الطبراني على الوجه الصحيح: في المعجم الأوسط (ج٦/ص٣٥٨)، برقم (٢٩٠٢)، من طريق عن زيد بن أسلم، عن أمه، عن حفصة ابنة عمر قالت: سمعت عمر به.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ص١٤٠)، سؤال رقم (١٦٣).\n(٣) الإمام أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، (ج٣/ص ٤٩٣)، مسألة رقم (٦١١٥).\n(٤) المصدر السابق، (ج٣/ص٥٨)، مسألة رقم (٤١٥٥).","vol":"1","page":291},{"text":"ولفظة \" والصحيح \" بلغت اثنين وتسعين (٩٢) موضعًا، نضرب بعض الأمثلة:\nالمثال الأول: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: \" وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ؛ رَوَاهُ أَبُو عَاصِم، عَن قُرَّة، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِذَا ولغَ الكلبُ فِي الإناء»، قَالَ أَبِي: كَذَا رَوَاهُ أَبُو عَاصِم، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ علي عَنْهُ، وَأَخْطَأَ فِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا قُرَّة، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: «إِذَا ولغ الكلب فِي الإناء»، قَالَ أَبِي: والصحيح ما يرويه أَبُو نُعَيْم \" (١).\n\nالمثال الثاني: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: \" وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ؛ رَوَاهُ شيبان النحوي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَن أم بَكْر، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي المستحاضة، فَقَالَ أَبِي: هُوَ وهم، والصحيح ما يَقُولُ الأوْزَاعِيّ، ومعاوية بْن سلم، فَقَالا: عَن أمِّ بَكْر، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وقد اختلفوا عَلَى شيبان، فَقَالَ أَبُو نُعَيْم، عَن أم بَكْر، وَقَالَ الْحُسَيْن المروذي: عَن أم أَبِي بَكْر \" (٢).\nالمثال الثالث: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: \" وَسَمِعْتُ أَبِي، وَذَكَرَ حَدِيثًا: رَوَاهُ مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْلا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي، لَفَرَضْتُ السِّوَاكَ، وَلأَخَّرْتُ صَلاةَ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ». قَالَ أَبِي: هَذَا خَطَأٌ، رَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ الصَّحِيحُ \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>ثانيًا: لفظة \" وهو الصواب </span>\".\nقد أطلق الدارقطني هذه اللفظة على مرويَّات كثيرة جدًا في كتابه العلل بلغت حوالي مائتين وتسعة وثلاثين (٢٣٩) موضعًا، وقصد بها إصلاح الخطأ الذي وقع من الراوي، وتقرير خطأ الرواية الثانية المقابلة لها، وسوف نضرب بعض الأمثلة منها:\n_________\n(١) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص٢٠٥)، سؤال رقم (٢٧).\n(٢) المصدر السابق (ص٢٦٦ - ٢٦٧)، سؤال رقم (١١٨).\n(٣) المصدر السابق (ص٢٠٦)، سؤال رقم (٢٩).","vol":"1","page":292},{"text":"المثال الأول: قال البرقاني في العلل: \"وسئل - الدارقطني - عن حديث لأبي بكر الصديق - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا، بِغَيْرِ حِسَابٍ» (١).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه أبو قتيبة، عن المسعودي، عن بكير بن الأخنس، عن أبي بكر الصديق مرسلا، وغيره يروي، عن المسعودي، عن بكير بن الأخنس، عن رجل لم يسمه، عن أبي بكر، وهو الصواب \" (٢).\nالمثال الثاني: قال البرقاني في العلل: \"وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن جده أبي بكر، عن النَّبي ﷺ «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ».\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه حماد بن سلمة، عن بن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر وخالفهم جماعة من أهل الحجاز، وغيرهم فرووه، عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة، عن النَّبي ﷺ وهو الصواب \" (٣).\nوقد استعمل النُّقاد المتقدمون لفظ \"وهو الصواب \"؛ للدلالة على تصحيح الخطأ الذي وقع فيه الراوي، وأطلقوها على أحاديث قليلة في مصنفاتهم، فمنهم أبو حاتم في العلل مثلًا، وقد ذكر هذه اللفظة في حوالي خمسة عشر (١٥) موضعًا نأخذ منها أمثلة:\n\nالمثال الأول: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: \" وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ؛ رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ السَّائِبِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِالنَّاسِ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ».\n_________\n(١) أخرجه أحمد على الوجه الصحيح: في المسند (ج٤/ص٥٥٣)، برقم (١٩٩٩٨)، من حديث عمران بن حصين بإسناد صحيح.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١/ص٢٨٦)، سؤال رقم (٧٥).\n(٣) المصدر السابق: (ج١/ص٢٧٧)، سؤال رقم (٦٩).","vol":"1","page":293},{"text":"قَالَ أَبِي: هَذَا خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ سُفْيَانَ، وَعَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو الْعَامِرِيِّ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ الصَّوَابُ\nقَالَ أَبِي: لَمْ يَضْبِطِ ابْنُ عُيَيْنَةَ ثُمَّ قَالَ: إِنْ كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ إِذَا حَدَّثَ عَنِ الصِّغَارِ كَثِيرًا مَا يُخْطِئُ \" (١).\nالمثال الثاني: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: \" وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ؛ رَوَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِالْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُحَرَّمُ».\n\nقَالَ أَبِي: أَخْطَأَ فِيهِ عُبَيْدٌ، الصَّوَابُ: مَا رَوَاهُ زَائِدَةُ، وَغَيْرُهُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.\nوَمِنْهُمْ مِنْ يُرْسِلُهُ، يَقُولُ: حُمَيْدٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحِيحُ مُتَّصِلٌ: حُمَيْدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>ثالثًا: لفظة \" فلان أثبت من فلان </span>\".\nأطلق الدارقطني هذه اللفظة على مرويَّات قليلة جدا في كتابه العلل، فقد بلغت موضعين فقط، وقصد بها تقديم الراوي المذكور على غيره في الحكم عند المخالفة، وتقرير خطأ الراوي الثاني إذا خالفه، وسوف نذكرهما هنا:\n\nالموضع الأول: قال البرقاني في العلل: \"وسئل - الدارقطني - عن حديث ابن عباس عن أبي بكر الصديق - ﵃ -: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَسَ كَتِفًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّا» (٣).\n_________\n(١) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص٣٣٩ - ٣٤٠)، سؤال رقم (٢٣٢).\n(٢) المصدر السابق: (ص٦٣٦)، سؤال رقم (٧٥١).\n(٣) أخرجه البزار: في مسنده (البحر الزخار)، (ج١/ص١٧٠)، برقم (٢٢٠) نحوًا منه.","vol":"1","page":294},{"text":"فقال - الدارقطني -: يرويه حسام بن مصك، عن ابن سيرين، عن ابن عباس، عن أبي بكر قاله موسى بن داود، وزيد بن الحباب عنه، وخالفه أيوب السختياني، وهشام ابن حسان، وأشعث بن سوار وغيرهم، فرووه عن ابن سيرين، عن ابن عباس عن النَّبي ﷺ ولم يذكروا فيه أبا بكر، وهم أثبت من حسام والقول قولهم \" (١)\n\nوالموضع الثاني: قال البرقاني في العلل: \"وسئل - الدارقطني - عن حديث عمرو بن ميمون، عن عمر - ﵁ - أنَّه قَالَ: «يَا رسُول اللهِ أَلاَ تَتَّخِذُ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ (٢».\n\nفقال - الدارقطني -: هو حديث رواه زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق واختلف عنه فرواه علي بن مسهر، عن زكريا عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر وخالفه أبو أسامة فرواه عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة واسمه عمرو بن شرحبيل، عن عمر. والله أعلم بالصواب ورواه زهير عن أبي إسحاق، عن طلحة بن مصرف مرسلًا، عن عمر ويشبه أن يكون قول زهير هو المحفوظ؛ لأنَّ زهير أثبت من زكريا في أبي إسحاق \" (٣).\n\nوقد استعمل النُّقاد المتقدمون لفظ \" فلان أثبت من فلان \" للدلالة على تقدم الراوي المذكور على غيره في الحكم عند المخالفة، وقد أطلقوها على أحاديث قليلة في مصنفاتهم فمنهم الإمام أحمد بن حنبل في العلل مثلًا، وقد ذكر هذه اللفظة في حوالي (١٧) موضعًا نأخذ منها أمثلة:\nالمثال الأول: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: سمعت أبي يقول: ذكرنا عند وكيع بن الجراح أحاديث يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، فقلت: هذا يروي عنه خمسة أحاديث فجعل يذكر ذلك. قال أبي: لم يسمعها هذه أحاديث معروفة لم يسمعها سمعت أبي يقول سعد بن إبراهيم أثبت من عمر بن أبي سلمة خمسين مرة \" (٤).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١/ص٢١٨)، سؤال رقم (٢١).\n(٢) سورة البقرة آية رقم (١٢٥).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ص١٨٦)، سؤال رقم (٢٠٨).\n(٤) أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، (ج٢/ص ١٦٢)، مسألة رقم (١٨٧٤،١٨٧٥).","vol":"1","page":295},{"text":"المثال الثاني: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: حدثني أبي قال: حدثنا عفان قال أخبرنا حماد بن سلمة، قال أخبرنا عاصم بن بهدله، وحماد بن أبي سليمان، عن أبي وائل عن المغيرة بن شعبة - ﵁ -: «أَنَّ رسُول اللهِ ﷺ أَتَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًَا» قال أبي: منصور والأعمش أثبت من حماد وعاصم (١).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام أحمد في هذا الحديث: مخالفة حماد بن أبي سليمان لرواية منصور وهو ابن المعتمر، وقوله أثبت منه تدل على تقديم رواية منصور على حماد ابن أبي سليمان، وكذلك الأعمش وهو سليمان بن مهران الإمام على عاصم بن بهدله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>رابعًا: لفظة \" وهو الأشبه بالصواب </span>\".\nأطلق الدارقطني هذه اللفظة على مرويَّات قليلة جدًا في كتابه العلل، بلغت حوالي ثلاثة أحاديث، وقصد بها أنَّ الرواية المذكورة أقرب للصواب من غيرها، وتقرير احتمال خطأ الرواية الثانية بدون جزم بذلك، وسوف نذكر منها هذه الأمثلة لتوضيح ذلك:\nالمثال الأول: قال البرقاني في العلل: \"وسئل - الدارقطني - عن حديث المحرر بن أبي هريرة، عن أبيه، عن علي - ﵃ -: «أنَّه بعثه رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَذَّنَ النَّاسَ بِالْحَجِ الأَكْبَرِ، فَقَالَ عَلِيٌ: ألاَّ لاَ يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلاَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ وَلاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ مُسْلِمٌ، وَمَنْ كَانَتْ بَينَهُ وَبَينَ مُحَمَّدٍ ﷺ مُدَّةٌ فَأَجَلُهُ إِلِى مُدَّتِهِ» (٢).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه ابن فضيل، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن علي وخالفه المضاء بن الجارود فرواه: عن هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن المحرر بن أبي هريرة، عن أبيه، عن علي. وكذلك رواه مغيرة، والشيباني، عن الشعبي، عن\n_________\n(١) المصدر السابق، (ج٣/ص ١٢١)، مسألة رقم (٤٥١١، ٤٥١٢).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد: في المسند (ج١/ص٣)، برقم (٤)، من طريق وكيع قال: قال إسرائيل قال: أبو إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن أبي بكر نحوًا منه، بإسناد ضعيف لضعف زيد بن يثيع.","vol":"1","page":296},{"text":"المحرر، عن أبيه، عن علي. وهو الأشبه بالصواب \" (١).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني في هذا الحديث هي مخالفة ابن فضيل وهو محمد بن فضيل بن غزوان (٢) لجمع من الرواة، فرواه عن إسماعيل بن أبي خالد، فأسقط من الإسناد المحرر بن أبي هريرة، وأبيه، وغيره رووه على الصواب كما يرجِّح الدارقطني رواية الجماعة بإثبات المحرر بن أبي هريرة، وأبيه.\nالمثال الثاني: قال البرقاني في العلل: \"وسئل - الدارقطني - عن حديث عروة، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ في صلاة الخوف وكيف صلاتهم؟.\nفقال - الدارقطني -: اختلف فيه على عروة فرواه: محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة عن أبي هريرة، قاله يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير وخالفه أبو الأسود محمد بن عبدالرحمن فرواه، عن عروة، عن مروان بن الحكم، عن أبي هريرة - ﵁ -، وهو الأشبه بالصواب \" (٣).\n\nوقد استعمل النُّقاد المتقدمون لفظ \" وهو الأشبه بالصواب \" أو ما كان في معناه مثل \" أرى كذا والله أعلم بالصواب \" للدلالة على أنَّ الرواية المذكورة أقرب للصواب من غيرها، وتقرير احتمال خطأ الرواية الثانية بدون جزم لذلك، وقد أطلقوها على أحاديث قليلة جدًا في مصنفاتهم، وسوف نأخذ مثلًا أبا حاتم في كتابه العلل:\n\nالمثال الثالث: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: \" وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ الطَّائِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿:\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٣/ص١٣١)، سؤال رقم (٣١٨).\n(٢) ابن فضيل بن غزوان الضبي (ت:٢٩٥هـ)، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج٩/ص٣٥٩).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٩/ص٥٢)، سؤال رقم (١٦٣٧).","vol":"1","page":297},{"text":"﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ (١)، يَقُولُ: نِصْفٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَنِصْفٌ مِنَ الآخِرِينَ».\n\nقَالَ أَبِي - يعني أبا حاتم -: مُحَمَّدٌ الطَّائِيُّ هَذَا أَبُو عَمْرٍو وَالِدُ أَسْبَاطِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِيمَا أَرَى وَرَوَاهُ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِيهِ شَرِيكٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّهُمَا الصَّوَابُ \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>خامسًا: لفظة \" أحسنها إسنادًا </span>\".\nأطلق الدارقطني هذه اللفظة على مرويَّات قليلة جدًا في كتابه العلل، بلغت حوالي ثلاثة أحاديث، وقصد بها أنَّ الرواية المذكورة أفضل من جهة الإسناد من غيرها، وقد تكون ضعيفة، وتقرير أنَّ الأسانيد الأخرى أضعف، وأقل في الجودة من الإسناد الأول، وسوف نذكر منها هذه الأمثلة لتوضيح ذلك:\nالمثال الأول: قال البرقاني في العلل: \"وسئل - الدارقطني - عن حديث أم الدرداء عن أبي الدرداء - ﵃ -: «قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - في قَولِهِ تَعَالَى: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ (٣) يُلْقَى عَلَى أَهْلِ النَّارِ الْجُوعِ ... الحديث في صفةِ أَهْلِ النَّارِ».\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه الأعمش واختلف عنه: فرواه قطبة بن عبدالعزيز (٤)، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ، وخالفه عبد السلام بن حرب فرواه: عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن شهر، عن أم الدرداء ولم يجاوز به ولم يسنده، وخالفه زائدة فرواه: عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن شهر، عن أبي الدرداء موقوفًا ولم يذكر أم الدرداء، ولم يسنده غير قطبة وهو صالح\n_________\n(١) سورة الواقعة آية رقم (١٤،١٣).\n(٢) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص١١٨٩ - ١١٩٠)، سؤال رقم (١٧٠٦).\n(٣) سورة المؤمنون آية رقم (١٠٦).\n(٤) وهو قطبة بن عبدالعزيز بن سياه الأسدي الحماني الكوفي (ت:؟)، صدوق من الطبقة الثامنة من الوسطى من أتباع التابعين، أخرج له الستة إلا البخاري، تهذيب التهذيب (ج٨/ص ٣٣٨).","vol":"1","page":298},{"text":"الحديث، فان كان حفظه فهو أحسنها إسنادًا \" (١).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني في هذا الحديث هي: رواية قوم له موقوفًا، ثم خالفهم قطبة بن عبدالعزيز فرواه مسندًا أي موصولًا، ولم يسنده غيره، فرجَّح الإمام الدارقطني الرواية الموصولة؛ لأنها أحسن وأقوى إسنادًا من غيرها.\nالمثال الثاني: قال البرقاني في العلل: \"وسئل - الدارقطني - عن حديث عثمان بن عفان، عن عمر بن الخطاب - ﵃ - عن النبي ﷺ: «إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لاَ يَقُولُهَا عَبْدٌ حَقًّا مِنْ قَلْبِهِ إِلاَّ حُرِّمَ عَلَى النَّارِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» (٢).\n\nفقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه قتادة واختلف عنه: فرواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مسلم بن يسار، عن حمران، عن عثمان، عن عمر. قال ذلك عبدالوهاب بن عطاء الخفاف، عن سعيد، وخالفه خالد بن الحارث، عن سعيد فرواه عنه، عن قتادة، عن حمران، وكذلك رواه أيوب أبو العلاء، عن قتادة، عن حمران وحديث عبدالوهاب بن عطاء أحسنها إسنادًا \" (٣).\n\nولم أجد كثيرًا من النُّقاد المتقدمين يستعملون هذه اللفظة إلا قليل، منهم الإمام البزار في مسنده (البحر الزَّخار)، وقد ذكرها في أربعة عشر (١٤) موضعًا، وسوف نورد هنا له مثالًا:\nالمثال قال الإمام البزار: \" حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁، يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٤) (٣)، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٦/ص ٢٢٠)، سؤال رقم (١٠٨٦).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد: في المسند (ج١/ص٦٣)، برقم (٤٤٧)، من طريق عبدالوهاب الخفاف ثنا سعيد عن قتادة عن مسلم بن يسار عن حمران بن أبان أن عثمان بن عفان ﵁ نحوًا منه.\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ص٧)، سؤال رقم (٨٢).\n(٤) سورة المائدة: آية رقم (١٠٥).","vol":"1","page":299},{"text":"إِنَّ أُمَّتِي إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَاخُذُوا عَلَى\nيَدَيْهِ يُوشِكُوا أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ». وَهَذَا الْحَدِيثُ لاَ نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ وَجْهٍ أَعْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلاَ أَحْسَنَ إِسْنَادًا مِنْهُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ أَسْنَدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْمُعْتَمِرُ وَشُعْبَةُ \" (١).\n\nوبنهاية هذا الحديث نكون قد انتهينا من الباب الثالث من الدراسة بفضل اللهِ وَمعُونتهِ.\n_________\n(١) أخرجه البزار: في مسنده (البحر الزخار)، (ج١/ص٨٨)، برقم (٦٥).","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>الباب الرابع\nقرائن التعليل والترجيح عند الإمام الدارقطني</span>\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: قرائن التعليل عند الإمام الدارقطني.\nوفيه: ثلاث مباحث.\nالمبحث الأول: دلائل العلة.\nالمبحث الثاني: قرائن التعليل الإسنادية.\nالمبحث الثالث: قرائن التعليل المتنية.\n\nالفصل الثاني: المتابعات والقرائن وأثرهما في الترجيح عند الإمام الدارقطني.\nوفيه: مبحثان.\nالمبحث الأول: المتابعات وأثرها في الترجيح.\nالمبحث الثاني: القرائن وأثرها في الترجيح.","vol":"1","page":301},{"text":"الفصل الأول\n\nقرائن التعليل عند الإمام الدارقطني\n\nوفيه ثلاث مباحث:\nالمبحث الأول: دلائل العلة.\nالمطلب الأول: التفرد ودلالته كقرينة عند النُّقاد والدارقطني.\nالمطلب الثاني: المخالفة ودلالتها كقرينة عند النُّقاد والدارقطني.\n\nالمبحث الثاني: قرائن التعليل الإسنادية.\nالمطلب الأول: قرينة ضعف الثقة في بعض شيوخه الثقات.\nالمطلب الثاني: قرينة ضعف الثقة في بعض البلدان.\nالمطلب الثالث: قرينة ضعف الثقة في بعض الأحوال.\n\nالمبحث الثالث: قرائن التعليل المتنية.\nالمطلب الأول: قرينة مخالفة الحديث للسُنّة الثابتة المشهورة.\nالمطلب الثاني: قرينة أنَّ الحديثَ لا يشبه كلام النبوة.\nالمطلب الثالث: قرينة أنَّ الحديثَ لا يشبه حديث فلان.","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>الفصل الأول\nقرائن التعليل عند الإمام الدارقطني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>تمهيد: أهمية معرفة قرائن التعليل</span>\nإنَّ دراسة قَرائن التعليل عند نقاد الحديث لمن أهم المهمات للباحث في علل الحديث فهي بمثابة العصب للجسد في معرفة العلل، وبها يعرف مقاصد أئمة التعليل في نقد الأخبار، فإن النَّاقد لا يحكم على الحديث بعلة إلا بعد التتبع الحثيث لمرويَّات الراوة، ثم معرفة ظروف تحمُّلهم وأدائهم للمرويَّات، ومقارنتها بغيرها من الروايات الثابتة، لاستخراج ما طرأ على الأخبار من الوهم والخطأ، أو تعمد التحريف وغيره من العلل.\nولا يتأتى ذلك إلا لمن طالت ممارسته لدراسة الأسانيد ومعرفة الرجال وأحوالهم، والخبرة في سبر الأخبار، والغوص في بحار علم العلل، وهؤلاء قليل من أهل الحديث لصعوبة الوصول لهذه المرتبة من العلم والخبرة والمعرفة، فالجهابذةُ النُّقادُ العارفون بعللِ الحديثِ أفرادٌ قليلٌ من أهل الحديث، وأوَّل من اشتهر في الكلام في نقد الحديث ابنُ سيرين، ثم خَلفه أيوب السختياني، وأخَذَ ذلك عنه شعبةُ، وأخذ عَنْ شعبة: يحيى القطان وابن مهدي، وأخذ عنهما: أحمدُ وعلى بنُ المديني وابنُ معين، وأخذ عنهم مثل: البخاريّ وأبي داود وأبي زرعة وأبي حاتم.\n\nقال الحافظ ابن رجب في شرح العلل: \" قال أبو حاتم: وجرى بيني وبين أبي زُرعة يومًا تمييز الحديث ومعرفته، فجعل يذكر أحاديث ويذكر عللها، وكنت أذكر أحاديث خطأ وعللها، وخطأ الشيوخ، فقال لي: يا أبا حاتم قل من يفهم هذا، ما أعز هذا!، إذا رفعت هذا عن واحد واثنين، فما أقل ما تجد من يحسن هذا! \" (١).\n_________\n(١) الحافظ ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص١٩٥).","vol":"1","page":305},{"text":"وقال ابن رجب أيضًا: \" وذكر أبو حاتم شيئًا من معرفة الرجال فقال: ذهب الذي كان يحسن هذا - يعني أبا زرعة - ما بقي بمصر ولا بالعراق أحد يحسن هذا! \" (١).\n\nوَقَالَ الحافظ العلائيُّ: \" وهذا الفنُ أغمضُ أنواعِ الحديثِ، وأدقها مسلكًا، ولا يقومُ بهِ إلاّ مَنْ منحه اللهُ فهمًا غايصًا، واطلاعًا حاويًا، وإدراكًا لمراتب الرواة، ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلاَّ أفراد أئمة هذا الشأنِ وحُذَّاقهم كابنِ المدينيّ، والبخاريّ، وأبي زرعة، وأبي حاتم وأمثالهم \" (٢).\nوقَالَ الحافظ ابن رجب في فتح الباري بعد ذكره حديث: \" مِن رواية أبي إسحاق، عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ النَّبي ﷺ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ، وَلاَ يَمَسُّ مَاءً» (٣).\n\nوهذا الحديث مما اتفق أئمة الحديث مِن السلف على إنكاره على أبي إسحاق، مِنهُم: إسماعيل بنِ أبي خالد، وشعبة، ويزيد بن هارون، وأحمد بنِ حنبل، وأبو بكر ابنِ أبي شيبة، ومسلم بنِ حجاج، وأبو بكر الأثرم، والجوزجاني، والترمذي، والدارقطني ...\nوأمّا الفقهاء المتأخرون: فكثيرٌ منهم نظر إلى ثقةِ رجالهِ فظنَّ صحته، وهؤلاء يظنون أنَّ كلَّ حديثٍ رواه ثقة فهو صحيحٌ، ولا يتفطنون لدقائق علم علل الحديث \" (٤)\n_________\n(١) الحافظ ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص١٩٥).\n(٢) الحافظ ابن حجر العسقلاني: النكت على كتاب ابن الصلاح (ج٢/ ص٣٧٧).\n(٣) أخرجه الترمذي على الوجه المعلول: في السنن، كتاب الطهارة، باب ما جاء في الجنب ينام قبل أن يغتسل (ج١/ص٢٠٢)، برقم (١١٨)، وقال الترمذي: \" وقد روى غير واحد عن الأسود عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ: «أنَّه كان يتوضأ قبل أن ينام»، وهذا أصح من حديث أبي إسحاق عن الأسود وقد روى عن أبي إسحق هذا الحديث شعبة والثوري وغير واحد، ويرون أن هذا غلط من أبي إسحاق \".\n(٤) الحافظ ابن رجب: فتح الباري، طبعة مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة النبوية، الطبعة الأولى سنة ١٤١٧هـ، تحقيق: محمد عوض المنفوش وجماعة، (ج١/ ٣٦٢ - ٣٦٣).","vol":"1","page":306},{"text":"وقد لخص علماء الحديث الطرق التي كان أئمة العلل يَسْلُكُونها لمعرفة علة الحديث، فقال الخطيب البغدادي: \" السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانتهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط \" (١).\nوقال ابن الصلاح ﵀: \" ويستعان على إدراكها (أي العلة) بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك، تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم لغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به أو يتردد فيتوقف فيه، وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه\" (٢).\n\nقلتُ: فهذه النصوص ترشد إلى الطرق التي كان الأئمة يعتبرونها في معرفة العلل، وقد لخصها ابن الصلاح في التفرد والمخالفة، مع قرائن تنضم إلى ذلك، ومما لا شك فيه أنَّ هذه القرائن كثيرة ومتنوعة، وليس لها قاعدة ثابتة، وغير منحصرة، وقد اجتهد جهابذة أهل الحديث في بيان قرائن التعليل الإسنادية والمتنية في مصنفات متفرقة، ولم أرَ من جمع مصنفًا فيه بيان القرائن التي اعتمد عليها أئمة التعليل، إلا إشارات قليلة في مصنفات أهل الحديث مثل: الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرح علل الترمذي، وفتح الباري له، وكذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني في النكت وفتح الباري له، والإمام ابن القيم وشيخه الإمام ابن تيمية في بعض مصنفاتهم، فظهر أنَّ دراسة قرائن التعليل والتمثيل لها من كلام أئمة النقد لمن أهم الأبحاث التي يمكن تحقيقها في هذا العلم؛ لأنَّ كتب العلل لا تذكر القرائن في غالب الأحيان، ولا تذكرها إلا بعبارات دقيقة لا يَفْهَمها إلا أصحاب هذا الشأن، وسوف أجتهد في تناول بعض قرائن التعليل في هذا الفصل إن شاء الله تعالى التي كان أئمة التعليل يستعملونها لمعرفة وتحديد العلل في الأخبار، وعلى رأسهم الإمام الدارقطني، نتلمس فيها منهجه وطريقته، والله الموفق لا رب سواه.\n_________\n(١) العراقي: التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، (ص ١١٧).\n(٢) نفس المصدر: (ص١١٦).","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>المبحث الأول: دلائل العلة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>المطلب الأول: التفرد ودلالته كقرينة عند النُّقاد والدارقطني</span>.\nالتفرد من أهم الدلائل على العلة عند النُّقاد المتقدمين وعلى رأسهم الدارقطني، ولقد وصف الحافظ ابن رجب كيفية استعمال المتقدمين لدلالة التفرد فقال: \" وأمَّا أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد - وإن لم يرو الثقات خلافه -: إنَّه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه \" (١).\n\nفالتفرد ليس علةٌ في ذاته، وإنَّما يدل عَلَى وجود خللٍ ما في الخبر أو الرواية، وقد يحدث ذلك من الثقة أوالضعيف على السواء، قَالَ الإمام مُسْلِم بن الحجاج: \" فليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا - وإن كَانَ من أحفظ الناس وأشدهم توقيًا وإتقانًا لما يحفظ وينقل - إلا الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله \" (٢).\n\nوَقَالَ الترمذي: \" وإنَّما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع، مع أنَّه لَمْ يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم \" (٣).\nثمَّ ساق الترمذي أمثلة من الروايَّات التي تبرهن عَلَى تفاوت أهل العلم في الحفظ، وتفاضلهم في الضبط وقلة الخطأ، ثُمَّ قَالَ: \" والكلام في هَذَا والرواية عَنْ أهل العلم تكثر وإنما بيّنا شيئًا مِنْهُ عَلَى الاختصار ليُستدل بِهِ عَلَى منازل أهل العلم وتفاضل بعضهم عَلَى بعض في الحفظ والإتقان، ومن تُكلمَ فِيْهِ من أهل العلم لأي شيء تُكلمَ فِيْهِ \" (٤).\n_________\n(١) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص٢٧٢ - ٢٧٣).\n(٢) الإمام مسلم: التمييز، (ص ١٢٤).\n(٣) الإمام الترمذي: علل الترمذي الصغير آخر جامعه، (ج٦/ص٢٤٠).\n(٤) المصدر السابق، (ج٦/ص٢٤٤).","vol":"1","page":308},{"text":"والتفرد بالنسبة للثقة المشهور بالحفظ، وقلة الخطأ في مرويَّاته لا تضر، وقد أشار الإمام مسلم في صحيحه إلى هذه القاعدة فقال: \" هَذَا الْحَرْفُ (يَعْنِي وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ)، لاَ يَرْوِيهِ أَحَدٌ غَيْرُ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: وَلِلزُّهْرِيِّ نَحْوٌ مِنْ تِسْعِينَ حَدِيثًا يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لاَ يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ \" (١).\n\nولقد أكثر الإمام الدارقطني التعليل بالتفرد للدلالة على الخلل في الأخبار، فهو يسوق الطرق والخلاف ومن روى الحديث، ثُمَّ يشير إلى تفرد بعض الرواة في الرواية ولم يشاركه فيها أحد، ويطلق لفظة التفرد كما ذكرنا من قبل على رواية الثقة والضعيف، وليس كل تفرد عنده يُعِلّ الحديث، وأحيانًا يصرح ويرجح الصواب كقوله: \" تفرد به فلان، وغيره يرويه كذا، وهو الصواب \"، وأحيانًا أخرى لا يصرح بذلك، وسوف نضرب هنا بعض الأمثلة لتوضيح ذلك:\n\nأولًا: النماذج التي صرح بها الدارقطني بالتعليل بالتفرد:\n\nالنوع الأول: ما تفرد به الثقة وأُعِلَّ بها:\nالمثال الأول: قال البرقاني في العلل: وسئل - الدارقطني -: \" عن حديث شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر ﵁: «رَأَى رسُول اللهِ ﷺ شَاتَيِنِ تَنْتَطِحَان ...». فقال: تفرد به أبو داود (٢)، عن شعبة، ولا يثبت عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه عن أبي ذر: رأى رسول الله ﷺ ... الحديث\" (٣)\n_________\n(١) الإمام مسلم: الجامع الصَّحِيْح (مع شرح النووي)، كتاب الإيمان، باب من حلف باللات والعزى، (ج٦/ص١١٩ - ١٢٠)، بعد حديث رقم (١٦٤٧).\n(٢) وهو سليمان بن داود بن الجارود، أبو داود الطيالسي البصري (ت:٢٠٤ هـ)، من الطبقة التاسعة، ثقة حافظ، أخرج له الستة إلا البخاري تعليقًا، تهذيب التهذيب (ج٤/ص١٦٠).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٦/ص ٢٧٢)، سؤال رقم (١١٣١).","vol":"1","page":309},{"text":"قلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الدارقطني هي: تفرَّد أبي داود الطيالسي بهذا الحديث عن شعبه ولم يشاركه أحد في شيخه - وهو ثقة حافظ - ولا يقبل هذا وشعبة وهو ابن الحجاج إمام مكثر، وله أصحاب معرفون أثبات مقدمون على أبي داود الطيالسي، مثل: غُنْدر محمد بن جعفر وهو أثبت الناس في شعبة (١)، ثُمَّ معاذ بن معاذ وهو العنبري وغيرهم، إذ لو كان هذا الحديث محفوظًا عن شعبة لرواه هؤلاء، ولما تركه أصحابه المعروفون بالإتقان، فَعُلِمَ خطأ أبي داود الطيالسي في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.\n\nالمثال الثاني: قال البرقاني في العلل: وسئل - الدارقطني -: \" عن حديث أبي الأسود الدؤلي، عن أبي ذر - ﵁ -، قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَحْسَنَ مَا غُيِّرَ بِهِ الشَّيْبُ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ» (٢).\nفقال - الدارقطني -: يرويه عبدالله بن بريدة واختلف عنه: فرواه سعيد الجريري عن عبدالله بن بريدة، عن أبي الأسود، عن أبي ذر. تفرد به معمر بن راشد عنه وأغرب به ورواه الأجلح بن عبدالله بن بريدة، واختلف عنه:\nفرواه الثوري، وعليّ بن صالح، ويحيى القطان، وزهير بن معاوية، وعبدالرحمن بن مغراء أبو زهير، وغيرهم عن الأجلح، عن ابن بريدة، عن أبي الأسود، عن أبي ذر.\n\nورواه أبو حنيفة، عن الأجلح، واختلف عنه: فرواه المقري، عن أبي حنيفة، عن أبي حجية وهو أجلح، عن ابن بريدة، عن أبي الأسود، عن أبي ذر.\nوكذلك رواه محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة، وغيره يرويه عن أبي حنيفة، عن أبي حجية، عن أبي الأسود لم يذكر بينهما ابن بريدة، ورواه ابن عيينة، عن عبدالرحمن المسعودي، عن الأجلح، فقال: ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ والصواب قول من قال: عن أبي الأسود\n_________\n(١) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص٣٦٧ - ٣٦٨).\n(٢) أخرجه الترمذي على الوجه الصواب: في السنن، كتاب اللباس، باب الخضاب، (ج٤/ص ٢٣٢)، برقم (١٧٥٣)، من طريق الأجلح عن عبدالله بن بريدة عن أبي الأسود عن أبي ذر به، وقال الترمذي: \" هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ \".","vol":"1","page":310},{"text":"عن أبي ذر \" (١).\n\nالمثال الثالث: قال البرقاني في العلل: وسئل - الدارقطني -: \" عن حديث علقمة، عن عبدالله - ﵁ - كان رسول الله ﷺ: «يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًَا».\nفقال - الدارقطني -: تفرد به يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية (٢)، عن الأعمش عن إبراهيم، ووهم فيه حدث به إسحاق بن موسى الأنصاري، وأبو بكر بن أبي شيبة عنه كذلك، وخالفهما زياد بن أيوب فرواه، عن ابن أبي غنية، عن الأعمش، عن إبراهيم وكذلك رواه أصحاب الأعمش عنه وهو صحيح \" (٣).\nقلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الدارقطني هي: تفرد يحيى بن عبدالملك بن أبي غنية بهذا الحديث دون سائر أصحاب الأعمش الأثبات، بل وقد خالفوه في الحديث، فهذا دليل على الوهم والخطأ الذي وقع في روايته، وهذه قاعدة مطردة، ويظهر هنا واضحًا تصريح الدارقطني وتعليله الحديث بدلالة التفرد.\n\nالنوع الثاني: ما تفرد به الضعيف:\nالمثال الأول: قال البرقاني في العلل: وسئل - الدارقطني -: \" عن حديث جابر بن عبدالله عن أبي بكر - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْبَحْرِ، فَقَالَ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (٤).\nفقال - الدارقطني -: هو حديث تفرد به عبدالعزيز بن أبي ثابت الزهري، وهو عبدالعزيز بن عمران بن عمر بن عبدالرحمن بن عوف مديني ضعيف الحديث، رواه عن إسحاق بن\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٦/ص٢٧٧ - ٢٧٩)، سؤال رقم (١١٣٦).\n(٢) وهو يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبى غنية الخزاعي، أبو زكريا الكوفي (ت: مائة وبضع وثمانون هـ) صدوق، من الطبقة التاسعة من صغار أتباع التابعين، تهذيب التهذيب (ج٦/ص ٣٤٩).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٥/ص ١٣٧)، سؤال رقم (٧٧٢).\n(٤) أخرجه أحمد: في المسند، (ج٣/ص٣٧٣)، برقم (١٥٠٥٤)، من طريق إسحاق بن حازم عن أبي مقسم قال: أبي يعني عبيدالله بن مقسم عن جابر بن عبدالله مرفوعًا نحوًا به.","vol":"1","page":311},{"text":"حازم الزيات، عن وهب بن كيسان، عن جابر، عن أبي بكر الصديق - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ.\n\nوإسحاق بن حازم هذا شيخ مديني ليس بالقوي، وقد اختلف عنه في إسناد هذا الحديث، فرواه أبو القاسم بن أبي الزناد، عن إسحاق بن حازم، عن عبيدالله بن مقسم عن جابر، عن النَّبي ﷺ. ولم يذكر فيه أبا بكر حدث به عنه كذلك أحمد بن حنبل، وقد روى هذا الحديث عن أبي بكر الصديق موقوفًا من قوله غير مرفوع إلى النَّبي ﷺ من رواية صحيحة عنه.\nحدث به عبيدالله بن عمر عن عمرو بن دينار عن أبي الطفيل عن أبي بكر قوله. ورواه ابن زاطيا (١)، عن شيخ له من حديث عبيدالله بن عمر، عن عمرو بن دينار عن\nأبي الطفيل، عن أبي بكر، عن النَّبي ﷺ، ووهم في رفعه والموقوف أصح\" (٢).\n\nقلتُ: قرينة التعليل في المثال السابق واضحة وهي ضعف راويه، والتفرد كذلك، من عبدالعزيز بن أبي ثابت الزهري (٣) وهو متروك، والجدير بالذكر أنَّ الإمام الدارقطني متوسع في ذكر العلل الموجودة في الحديث، وكثرة الطرق للحديث مما يجعل كتاب العلل من أفضل الكتب التي تكلمت في هذا الفن، والله أعلم.\nثانيًا: النماذج التي لم يصرح بها الدارقطني بالتعليل بالتفرد ولكنه أشار إليها:\nالمثال الأول: قال البرقاني في العلل: \"وسئل - الدارقطني -: عن حديث عمرو بن حريث المخزومي، عن أبي بكر - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «أَنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ بِالْمَشْرِقِ يُقَالُ لَهَا خُرَاسَانُ ...» (٤).\n_________\n(١) وهو أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ إِسْحَاقَ بنِ عِيْسَى بنَ زَاطِيَا المُخَرِّمِيُّ البَغْدَادِيُّ (ت: ٣٠٦هـ) المحدث قال أَبُو بَكْرٍ بنُ السُّنِّي: \" لاَ بَاسَ بِهِ \"، سير أعلام النبلاء (ج١٤/ص٢٥٤).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١/ص٢٢٠ - ٢٢١)، سؤال رقم (٢٦).\n(٣) هو عبدالعزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف القرشي، يعرف بابن أبى ثابت، (ت: ١٩٧ هـ)، متروك، أخرج له الترمذي، تهذيب التهذيب (ج٦/ص ٣١٢).\n(٤) أخرجه أحمد على الوجه المعلول: في المسند، (ج١/ص٤)، من طريق روح قال ثنا بن أبي عروبة عن أبي التياح عن المغيرة بن سبيع عن عمرو بن حريث عن أبي بكر الصديق به، وتمامه \" أَنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ بِالْمَشْرِقِ يُقَالُ لَهَا خُرَاسَانُ يَتَّبِعُهُ أَقْوَامٌ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ \".","vol":"1","page":312},{"text":"فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه أبو التياح عن المغيرة بن سبيع عن عمرو بن حريث حدث به عبد الله بن شوذب عن أبي التياح ورواه سعيد بن أبي عروبة عن أبي التياح تفرد به روح بن عبادة عن سعيد، ويقال إن سعيد بن أبي عروبة إنما سمعه من عبدالله بن شوذب عن أبي التياح، ودلسه عنه وأسقط اسمه من الإسناد ...\n\nوأصحها إسنادًا حديث ابن شوذب عن أبي التياح، وروى عن الحسن بن دينار فيه إسناد آخر عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن أبي بكر موقوفا ولا يثبت عن قتادة \" (١).\nقلتُ: وقرينة التعليل التي أشار إليها الدارقطني تفرد روح بن عبادة (٢)، عن سعيد بن أبي عروبة بالحديث، ولم يشاركه فيه كبار تلامذة ابن أبي عروبة مثل: يزيد بن زُرَيْع وهو أثبت الناس في سعيد ابن أبي عروبة (٣)، وخالد بن الحارث، ويحيى بن سعيد، وغيرهم، وإنَّما يأتي روح بن عبادة بعدهم في المرتبة، فكيف يتفرد بحديث عن ابن أبي عروبة دون هؤلاء الأثبات؟، وقد أشرنا إلى هذه القاعدة من قبل، فظهر بذلك قرينة التعليل التي اعتمد عليها الدارقطني ولم يصرح بها، والله تعالى أعلى وأعلم.\n\nالمثال الثاني: قال البرقاني في العلل: وسئل - الدارقطني -: \" عن حديث عروة بن الزبير عن سعيد بن زيد - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (٤).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١/ص ٢٧٥)، سؤال رقم (٦٨).\n(٢) هو روح بن عبادة بن العلاء بن حسان بن عمرو بن مرثد القيسي، أبو محمد البصري (ت: ٢٠٥ أو ٢٠٧ هـ)، ثقة فاضل له تصانيف، الطبقة التاسعة من صغار أتباع التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج٣/ص ٢٥٣).\n(٣) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص٣٩٦).\n(٤) أخرجه أبو داود على الوجه المعلول: في السنن كتاب الخراج والإمارة والفيء، بَاب فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ، (ج٢/ص ١٩٤)، برقم (٣٠٧٣)، من طريق عبد الوهاب - يعني الثقفي - حدثنا أيوب عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد به.","vol":"1","page":313},{"text":"فقال - الدارقطني -: يرويه أيوب السختياني، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعيد بن زيد، تفرد عبدالوهاب الثقفي عنه (١)، واختلف فيه على هشام بن عروة فرواه الثوري، عن هشام، عن أبيه، قال: حدثني من لا أتهم عن النبي ﷺ وتابعه جرير بن عبدالحميد، وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك بن أنس، وعبدالله بن إدريس، ويحيى بن سعيد الأموي، عن هشام، عن أبيه مرسلًا. وروى عن الزُّهري عن عروة، عن عائشة. قاله سويد بن عبدالعزيز، عن سفيان بن حسين ... \" (٢)\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي تفرد عبدالوهاب وهو ابن الصلت أبو محمد البصري، برواية هذا الحديث عن أيوب السختياني.\nولم يشاركه فيه الأثبات من أصحاب أيوب السختياني مثل: حماد بن زيد وهو أثبت الناس فيه (٣)، وإسماعيل ابن عُلية وعبدالوارث، بل قال ابن معين: \" عبدالوارث مثل حماد، وهو أحب إلىَّ في أيوب من الثقفي وابن عيينة \" (٤)، وقد أشار البزار إلى علة هذا الإسناد، فقال بعد أن ساق حديث عبدالوهاب الثقفي: \"وهذا الحديث قد رواه جماعة، عن هشام بن عروة، عن أبيه مرسلًا، ولا نحفظ أحدًا، قال: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعيد بن زيد إلا عبدالوهاب، عن أيوب \" (٥)، وبهذا يُعلم وجه التساهل فيمن صحح هذا الإسناد مثل العلامة الألباني ﵀ في صحيح أبي داود (٦).\n_________\n(١) وهو عبدالوهاب بن عبدالمجيد بن الصلت الثقفي (ت: ١٩٤ هـ)، ثقة تغير، من الطبقة الثامنة من الوسطى من أتباع التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج٦/ص ٣٩٧).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٤/ص ٤١٤)، سؤال رقم (٦٦٥).\n(٣) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص٣٦٥).\n(٤) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص٣٦٧).\n(٥) البزار: في المسند (البحر الزَّخار)، (ج٤/ص٥٥)، برقم (١١٢١).\n(٦) الألباني: محمد بن ناصر الدين الألباني (ت: ١٤٢٠هـ)، صحيح أبي داود (باختصار السند) طبعة مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، (ج٢/ص٥٩٤)، برقم (٢٦٣٨).","vol":"1","page":314},{"text":"وقد ثبت موقوفًا من قول عمر - ﵁ -، وأشار إلى ذلك البخاري تعليقًا فقال: \" وَقَالَ عُمَرُ - ﵁ - مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ، وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ فِيهِ حَقٌّ وَيُرْوَى فِيهِ، عَنْ جَابِرٍ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ\" (١).\n\nفظهر صواب من أعلّ هذا الإسناد بدلالة التفرد، بخلاف من صححه، فإنه نظر لثقة رواته، وجاء بمتابعات لا تصلح لأن تكون شاهدًا يُعتَضد به هذا الحديث، فحكم بصحته، وقد صحح قوم أحاديث كثيرة بهذه الطريقة، وهي في واقع أمرها إما معلولة أو شاذة تبعًا لحكم كبار النُّقاد عليها وسوف نوضح ذلك في النماذج التالية.\n\nنموذج من تعليل النُقاد بدلالة قرينة التفرد:\n\nلقد أكثر النُّقاد التعليل بالتفرد للدلالة على الخلل في الحديث، وأطلقوا لفظة التفرد على رواية الثقة والضعيف على السواء، أو قولهم: \"لم يروه عن فلان إلا فلان، وغيرها من الألفاظ التي تدل على التفرد، وسوف نضرب مثالًا يوضح ذلك من مصنفاتهم:\nقَالَ ابن عَدى في الكامل: \" قال البخاري: سمعت أحمد بن حفص السعدي يقول: قيل لأحمد بن حنبل رحمة الله عليه (يعني وهو حاضر) حديث أبي هريرة - ﵁ -: «إِذَا كَانَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ فَلاَ يَصَوْمَ أَحَدٌ حَتَّى يَصَوْمَ رَمَضَانُ» (٢).\n_________\n(١) البخاري: الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الحرث والمزارعة، بَاب مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا (ج٥/ص٢٢)، قال الحافظ في الفتح: \" وَصَلَهُ مَالِك فِي \" الْمُوَطَّأ \" عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ مِثْله، وَرَوَيْنَا فِي \" الْخَرَاج لِيَحْيَى بْن آدَم \" سَبَب ذَلِكَ فَقَالَ: \" حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّاس يَتَحَجَّرُونَ - يَعْنِي الْأَرْض - عَلَى عَهْد عُمَر - ﵁ -، قَالَ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا فَهِيَ لَهُ، قَالَ يَحْيَى: كَأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلهَا لَهُ بِمُجَرَّدِ التَّحْجِير حَتَّى يُحْيِيهَا \".\n(٢) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية الصوم في النصف الثاني من شعبان لحال رمضان، (ج٣/ص ١١٥)، برقم (٧٣٨)، وأبو داود: في السنن، كتاب الصوم، باب في كراهية ذلك، (ج١/ص ٧١٣)، برقم (٢٣٣٧)، وابن ماجه: في السنن، كتاب الصوم، باب ما جاء في النهي عن أن يتقدم رمضان بصوم إلا من صام صوما فوافقه، (ج١/ص ٥٢٨)، برقم (١٦٥١)، ثلاثتهم وغيرهم من طريق الْعَلاَءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نحوًا منه.","vol":"1","page":315},{"text":"قَالَ: ذَاكَ أي ضَعِيفٌ، ثم قال: حديث العلاء كان يرويه وكيع عنه أبي العميس، عن العلاء وابن مهدي فكان يرويه ثم تركه، قيل عن من كان يرويه؟، قال: عن زهير ثم قال: «إنَّ رسُول اللهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ» \" (١).\n\nوقَالَ أَبو دَاود: \" وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لاَ يُحَدِّثُ بِهِ قُلْتُ: لأَحْمَدَ لِمَ قَالَ؛ لأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ»، وَقَالَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خِلاَفَهُ.\nقال أبو داود: وليس هذا عندي خلافه ولم يجئ به غير العلاء عن أبيه \" (٢).\nوقال الحافظ ابن رجب: فى لطائف المعارف: \" صححه الترمذى، وابن حبان، والحاكم، والطحاوى، وابن عبد البر، وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم، وقالوا هو حديث منكر، منهم عبدالرحمن بن مهدى، والإمام أحمد، وأبو زرعة الرازى، والأثرم وقال الإمام أحمد: \"لم يرو العلاء حديثًا أنكر منه، ورده بحديث لاتقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين \". وقال الأثرم: \" الأحاديث كلها تخالفهُ \".\n\nثم قال ابن رجب: \" فصار الحديث شاذًا مخالفًا للأحاديث الصحيحة، وقال الطحاوى منسوخ وحكى الإجماع على ترك العمل به، وأكثر العلماء على أنَّه لا يعمل به \" (٣).\n\nوقال الحافظ ابن حجر العسقلانى: \" قال أبو داود: سهيل أعلى عندنا من العلاء، أنكروا على العلاء صيام شعبان يعنى حديث إذا انتصف شعبان فلا تصوموا\" (٤).\n\nوقَالَ المنَاوي فى فيض القدير: \" وقال الترمذي حسن صحيح وتبعه المؤلف فرمز لحسنه، وتعقبه المغلطاي لقول أحمد: هو غير محفوظ، وفي سنن البيهقي عن أبي داود عن أحمد منكر،\n_________\n(١) ابن عدي: في الكامل في ضعفاء الرجال، (ج٣/ص٢١٨)، ترجمة رقم (٧١٤).\n(٢) أبو داود: في السنن، كتاب الصوم باب في كراهية ذلك، (ج١/ص ٧١٣)، برقم (٢٣٣٧).\n(٣) ابن رجب: لطائف المعارف، طبعة دار الفتح القديمة، القاهرة (دت)، (ص١٤٢).\n(٤) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب، (ج٨/ص١٦٦)، ترجمة رقم (٣٣٦).","vol":"1","page":316},{"text":"وقال ابن حجر وكان ابن مهدي يتوقاه \" (١).\n\nثُمَّ وجدتُ عند الطبراني مُتابِعًا للعَلاءِ بن عَبْدالرَّحمن عن أبيه، فقال: «حَدَّثَنَا أحمد بن مُحَمَّد بن نافع، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبيدالله بن عَبْدالله المنكدري، حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن جده، عن عَبْدالرحمن بن يعقوب الحرقي، عن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُوْل الله ﷺ: «إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانٌ فَأَفْطِرُوا».\nقَالَ الطبراني عقبه: \" لَمْ يروِ هَذَا الْحَدِيْث عن مُحَمَّد بن المنكدر إلا ابنه المنكدر، تفرد بِهِ ابنه: عَبْدالله \" (٢).\nوهَذَه المتابعة لا يعتبر بها؛ لجهالة شيخ الطبراني، وَهُوَ: أحمد بن مُحَمَّد بن نافع، قال الذهبي في الميزان: \" لا أدري مَنْ ذا؟ ذكره ابن الجوزي مرة وَقَالَ: اتهموه. كَذَا قَالَ لَمْ يزد \" (٣). وعبدالله بن المنكدر، قَالَ الذهبي: \"فِيْهِ جهالة، وأتى بخبر منكر\" (٤).\n\nقلتُ: وقد تكلف بعض النَّاس الجمع بين هذا الحديث والأحاديث المعارضة له، ولايصح الجمع بين الروايات، وقد ثبت خطأ العلاء بن عبدالرحمن (٥) فيه، وطالما أنَّ هناك اختلافًا شاذًا من فرد عن الجماعة، وإن كان ثقة، بل العبرة بثبوت الرواية أولًا، ثم الجمع بين الرويات إن أمكن ذلك، وإلا فالترجيح، وكما قالوا قديمًا أثبت العرش ثم انقش.\n_________\n(١) المناوي: محمد عبد الرؤوف بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (ت: ١٠٣١هـ)، فيض القدير، طبعة دار الكتب العلمية بيروت، سنة ١٤١٥هـ، تحقيق: أحمد عبدالسلام (ج١/ص٣٩١).\n(٢) الطبراني: المعجم الأوسط، (ج٢/ص ٢٦٤)، رقم (١٩٣٦).\n(٣) الذهبي: ميزان الاعتدال، (ج١/ص١٤٦)، ترجمة رقم (٥٦٨).\n(٤) المصدر السابق، (ج٢/ص ٥٠٨)، ترجمة رقم (٤٦٢٧).\n(٥) العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي، أبو شبل المدني (ت: مائة وبضع وثلاثون هـ)، صدوق ربما وهم، من الطبقة الخامسة من صغار التابعين، أخرج له الستة إلا البخاري فقد أخرج له في جزء القراءة خلف الإمام، تهذيب التهذيب (ج٨/ص ١٦٦)، ترجمة رقم (٣٣٦).","vol":"1","page":317},{"text":"نتائج هامة:\n- بمقارنة منهج الدارقطني في التعليل بالتفرد، بمنهج النُّقاد المتقدمين نجد أنَّ الدارقطني كان ينهج الأسلوب والمسلك الذي سلكه القوم، إلا أنه كان أوسع في جمع الطرق والشواهد والمتابعات، وكان لا يخرج عن منهج النُّقاد المتقدمين.\n- من الملاحظ أنَّ غالب التفردات الْمُعلّة وقعت في الطبقات المتأخرة، كأصحاب الطبقة الثامنة: كعبدالوهاب بن الصلت الثقفي وغيره، وأصحاب الطبقة التاسعة كروح بن عبادة وغيره، والتفردات في الطبقات المتقدمة قليلة بالنسبة للمتأخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>المطلب الثاني: المخالفة ودلالتها كقرينة عند النُّقاد والدارقطني</span>.\nالمخالفة من أهم الدلائل القوية على العلة عند النُّقاد المتقدمين وعلى رأسهم الدارقطني، ولقد أكثر النُّقاد من استعمال المخالفة للدلالة على الخلل الذي طرأ على المرويَّات، ولا شك أن لها ضابطًا وصورًا مختلفة، وسوف أجتهد لتوضيح ضابطها وصورها المختلفة، والمخالفة تكثر كلما كان المروي عنه مكثر، والعكس صحيح، تقل عندما تقل الرواية.\n\nضابط المخالفة:\nوضابط المخالفة هو اتحاد المخرج في إسناد الحديث، أي أنَّ مدار الحديث واحد، قال ابن الصلاح: \" وينبغي في التعارض أن يكون المخرج واحدًا، وإلا فتعدد الوجوه المختلفة طرقًا مستقلة \" (١).\n\nوقال الحافظ في الفتح بعد حديث: \" «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَعِدَ أُحُدًا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ فَرَجَفَ بِهِمْ فَقَالَ اثْبُتْ أُحُدُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ».\nقَوْله: (صَعِدَ أُحُدًا). هُوَ الْجَبَل الْمَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ وَلأَبِي يَعْلَى مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعِيد \" حِرَاء \" وَالأَوَّل أَصَحّ، وَلَوْلا اِتِّحَاد الْمَخْرَج لَجَوَّزْتُ تَعَدُّد الْقِصَّة، ثُمَّ ظَهَرَ\n_________\n(١) الحافظ العراقي: التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، (ص١١٧).","vol":"1","page":318},{"text":"لِي أَنَّ الاخْتِلَاف فِيهِ مِنْ سَعِيد، فَإِنِّي وَجَدْته فِي مُسْنَد الْحَارِث ابْن أَبِي أُسَامَة عَنْ رَوْح بْن عُبَادَة عَنْ سَعِيد فَقَالَ فِيهِ: \" أُحُدًا أَوْ حِرَاء \" بِالشَّكِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ بِلَفْظِ \" حِرَاء \" وَإِسْنَاده صَحِيح \" (١).\n\nصور المخالفة عند النقاد المتقدمين وعلى رأسهم الدارقطني:\nوصور المخالفة تقع على أشكال متعددة وليس لها شكل محدد، فمنها ما يؤثر في صحة الخبر، ومنها لا يؤثر فيه، ولقد أجمل الإمام مسلم في كتابه التمييز صور المخالفة التي قد تطرأ على الأخبار، فقال: \" فاعلم - أرشدك الله - إن الذي يدور به معرفة الخطأ في رواية ناقل الحديث، إذا هم اختلفوا فيه، من جهتين:\n\nأحدهما: أن ينقل الناقل حديثًا بإسناد، فينسب رجلًا مشهورًا بنسب في إسناد خبره خلاف نسبته التي هي نسبته، أو يسميه باسم سوى اسمه، فيكون خطأ ذلك غير خفي على أهل العلم حين يرد عليهم كنعمان بن راشد حيث حدث عن الزهري، فقال: عن أبي الطفيل عمرو بن واثلة.\n\nومعلوم عند عوام أهل العلم أن اسم أبي الطفيل: عامر لا عمرو. وكما حدث مالك ابن أنس عن الزهري فقال: عن عباد - وهو من ولد المغيرة بن شعبة- وإنَّما هو عباد ابن زياد بن أبي سفيان. معروف النسب عند أهل النسب وليس من المغيرة بسبيل.\nوكرواية معمر حين قال: عن عمر بن محمد بن عمرو بن مطعم، وإنَّما هو عمر بن محمد بن جبير بن مطعم، خطأ لا شك عند نساب قريش وغيرهم ممن عرف أنسابهم. ولم يكن لجبير أخ يعرف بعمرو. وكنحو ما وصفت من هذه الجهة من خطأ الأسانيد فموجود في متون الأحاديث مما يعرف خطأه السامع الفهم حين يرد على سمعه.\n_________\n(١) الحافظ ابن حجر العسقلاني: فتح الباري (ج٧/ص٤٤)، تحت رقم (٣٦٧٥).","vol":"1","page":319},{"text":"وكذلك نحو رواية بعضهم حيث صحّف، فقال: «نَهَى النَّبي ﷺ عَنْ التَحّير، أَرَادَ النَّجَشْ». وكما روى آخر، فقال: «إنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللهِ ﷿ ثَلاَثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحِرْفَةِ وَكَذَا وَكَذَا، أَرَادَ: مُلْحِدًا فِي الْحَرَامِ».\nوكرواية الآخر، إذ قال: «نَهَى رسُول اللهِ ﷺ أَنْ تُتَخَذْ الرُّوحَ عَرَضًَا أراد: الرُّوحَ غَرَضًَا. فهذه الجهة التي وصفنا من خطأ الإسناد، ومتن الحديث هي أظهر الجهتين خطأ، وعارفوه في الناس أكثر.\n\nوالجهة الأخرى: أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثًا عن مثل الزهري، أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى مَنْ وصفنا من الحفاظ، دون الواحد المنفرد وإن كان حافظًا، على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبدالرحمن بن مهدي، وغيرهم من أئمة أهل العلم. وسنذكر من مذاهبهم وأقوالهم في حفظ الحفاظ، وخطأ المحدثين في الروايات ما يستدل به على تحقيق ما فسرت لك إن شاء الله \" (١).\nقلتُ: فوضح لنا صور المخالفة بين الواحد والجماعة، لا سيما الزيادة والنقص، فليس كل مخالفة تَدُلُ على علةٍ في الحديث، فقد تكون هناك مسوغات مقبولة للمخالفة كحدوث الاختلاف بالزيادة أو النقصان: كالاختلاف بين الوصل والإرسال، أو بين الرفع والوقف، ثم تساوي الفريقين في الرواية من جهة الضبط والعدد، وكان هذا الراوي الْمُختلف عليه إمامٌ واسع الرواية، فيُحتمل أن يكون هذا الحديث عنده من جميع هذه الوجوه؛ لأنَّهُ حافظ وشيوخه كثيرون فتكون هذه الروايَّات كلها صحيحة عنه.\n_________\n(١) الإمام مسلم: التمييز، (١٧٠ - ١٧٢).","vol":"1","page":320},{"text":"وقال الحافظ ابن حجر: \"واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح والحسن أن لا يكون شاذًا ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه، والمنقول عن أئمة المحدثين المتقدمين: كابن مهدي ويحيى القطان وأحمد وابن معين وابن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم، اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة، وأعجب من ذلك إطلاق كثير من الشافعية القول بقبول زيادة الثقة مع أن نص الشافعي يدل على غير ذلك \" (١).\nقلتُ: وقصد الحافظ ابن حجر أنَّ حكم قبول زيادة الثقة عند النُّقاد المتقدمين ليست مطلقةٌ، كما فعل بعض المتأخرين، بل تكون تبعًا للقرائن التي تؤيد قبولها أو ردها، فيعتبر النُّقاد اختلاف الوجوه عن الشيخ دليل على اضطراب حفظه، إلا إذا قامت قرينة من غير الروايات عنه تُرَجِحُ أحد هذه الوجوه، فإذا وجدنا ما يدل على صحة أحد هذه الوجوه من دليل خارجي، غير روايات هذا الرجل حكمنا به، وإن لم نجد: نحكم بالاضطراب على هذه الرواية، وقد دل على خطئه هو مخالفته للرواة الثقات.\nوقال العلامة المعلمي اليماني في التنكيل: \" فالاضطراب الضار أن يكون الحديث حجة على أحد الوجهين مثلًا دون الآخر، ولا يتجه الجمع ولا الترجيح، أو يكثر الاضطراب ويشتد بحيث يدل أن الراوي مضطرب، الذي مدار الحديث عليه لم يضبط \" (٢).\n\nأولًا: نموذج المخالفة التي لا تؤثر على صحة الحديث ولا تُعِلَّه:\n\nوكما ذكرنا من قبل أنَّ بعض الخلاف قد لا يؤثر على صحة الحديث، وبرهان ذلك ما قرره الدارقطني في حكمه على حديث عَلِيٍّ في حكم بول الغلام والجارية.\n_________\n(١) الحافظ ابن حجر العسقلاني: نزهة النظر شرح نخبة الفكر (ص٤٩ - ٥٠).\n(٢) المعلمي: التنكيل (ج٢/ص٧).","vol":"1","page":321},{"text":"قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -: عن حديث أبي الأسود الدؤلي عن علي - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ -: «يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ، وَيُصَبُّ عَلَى بَوْلِ الْغُلاَمِ» (١).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه رفعه هشام بن أبي عبدالله من رواية ابنه معاذ، وعبدالصمد بن عبدالوارث، عن هشام ووقفه غيرهما، عن هشام. وكذلك رواه سعيد بن أبي عروبة، وهمام، عن قتادة موقوفا، والله أعلم \" (٢).\n\nوقال الإمام التِّرْمِذِي: \" رفع هشام الدستوائي هَذَا الحَدِيْث عن قتادة وأوقفه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، وَلَمْ يرفعه \" (٣).\nقال البزار: \" هَذَا الحَدِيْث لا نعلمه يروى عن النَّبيّ ﷺ، إلا من هَذَا الوجه بهذا الإسناد، وإنَّما أسنده معاذ بن هشام، عن أبيه، وَقَدْ رَواهُ غَيْر معاذ بن هشام عن قتادة، عن أبي حرب، عن أبيه، عن عَلِيّ - ﵁ -، موقوفًا \" (٤).\n\nقلتُ: وقول البزار تفرد معاذ بن هشام بالرفع لَيْسَ بصَحِيْحٍ، فقَدْ تُوبِعَ معاذٌ - ﵁ - على رفعه، تابعه عَبْدالصمد بن عَبْدالوارث عِنْدَ الإمام أحمد في المسند (٥)، وبهذا يتبين لك دقة الدَّارَقُطْنِيّ حِيْنَ قال: يرويه قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، رفعه هشام بن أبي عَبْدالله من رِوَايَة ابنه معاذ وعبدالصمد بن عَبْدالوارث، عن هشام، ووقفه غيرهما عن هشام \" (٦).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب الجمعة، باب ما ذكر في نضح بول الغلام الرضيع، (ج٢/ص ٥٠٩)، برقم (٦١٠)، ابن ماجه: في السنن، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في بول الصبي الذي لم يطعم، (ج١/ص ١٧٤)، برقم (٥٢٥)، كلاهما من الطريق نفسه.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٤/ص ١٨٤ - ١٨٥)، سؤال رقم (٤٩٥).\n(٣) الترمذي: السنن، (ج٢/ص ٥٠٩)، برقم (٦١٠).\n(٤) البزار: في مسنده (البحر الزَّخار)، (ج٢/ ٢٩٥).\n(٥) الإمام أحمد: في المسند (ج١/ص١٣٧)، برقم (١١٤٩).\n(٦) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٤/ص ١٨٤ - ١٨٥)، سؤال رقم (٤٩٥).","vol":"1","page":322},{"text":"ولا شك أنَّ الدَّارَقُطْنِيّ كان أجمع لطرق الخلاف في علل الحديث من غيره من الأئمة، وعلى الرغم من ذلك لمَّا نظَرَ في علل حديث الزّهري للذُّهْلِيّ قَالَ: \" من أحبَّ أن ينظرَ ويعرفَ قصورَ علمهِ عن علم السلف فلينظرْ في علل حديث الزهري لمحمد بن يحيى \" (١)\nونقل صاحب عون المعبود عن المنذري قَالَ: \" قَالَ البُخَارِيّ: سعيد بن أبي عروبة لا يرفعه وهشام يرفعه، وَهُوَ حافظ \" (٢).\nوقَالَ الحافظ ابن حجر في التلخيص: \" إسناده صَحِيْح إلا أَنَّهُ اختلف في رفعه ووقفه، وَفِي وصله وإرساله، وَقَدْ رجح البُخَارِيّ صحته، وكذا الدَّارَقُطْنِيّ \" (٣).\n\nقلتُ: فهذه الرِّوَايَة الموقوفة (٤) قد صَحّحها الأئمة، ونقل الحافظ ابن حجر عن البُخَارِيّ والدارقطني كما سبق، أنَّ الرِّوَايَةَ المرفوعة صحيحة أيضًا، وهذا يدل عَلَى أن الحَدِيْث إذا صَحَّ رفعه ووقفه، فإن الحكم عندهم للرفع، وَلاَ تضر الرِّوَايَة الموقوفة إلا إذا قامت قرائن تدل عَلَى أن الرفع خطأ، والله تعالى أعلى وأعلم.\n\nثانيًا: نموذج المخالفة التي تؤثر على صحة الحديث وتُعِلَّه:\n\nقَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -: عن حديث القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبى بردة - ﵁ -، قال رسول الله ﷺ: «اشْرَبُوا فِي الظُّرُوفِ وَلاَ تَسْكَرُوا» (٥).\n_________\n(١) الدارقطني: سؤالات أبي عبدالرحمن السلمي، طبعة دار العلوم، الرياض، تحقيق: سليمان آتش، (ص ٢٨)، سؤال رقم (٣٥٢).\n(٢) محمد شمس الحق العظيم آبادي أبو الطيب (ت:١٣٢٩هـ): عون المعبود شرح سنن أبي داود، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، سنة ١٤١٥هـ، (ج٢/ص٢٨).\n(٣) الحافظ ابن حجر العسقلاني: التلخيص الحبير، طبعة المكتبة العلمية، الرياض (ج١/ص١٨٧).\n(٤) أخرجها عَبْدالرزاق: في المصنف (ج١/ص٣٨١)، (١٤٨٨)، من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب قال: يغسل بول الجارية وينضح بول الغلام ما لم يطعم.\n(٥) أخرجه النَّسائي: في السنن، كتاب الأشربة، ذكر الأخبار التي اعتل بها من أباح شراب السكر، (ج٨/ص ٧٢٢)، برقم (٥٦٩٣).","vol":"1","page":323},{"text":"فقال - الدارقطني -: يرويه أَبُو الأَحْوَصِ، عن سِمَاكٍ، عن القاسم، عن أبيه، عن أَبِي بُرْدَةَ، واختلف عن أَبِي الأَحْوَصِ، فقال عنه سعيد بن سليمان، عن سماك عن أبي بردة عن أبيه، ووهم فيه على أبي الأحوص (١)، ووهم فيه أبو الأحوص على سِمَاكٍ أيضًا وإنَّما روى هذا الحديث سماك عن القاسم عن ابن بردة عن أبيه، ووهم أيضا في متنه، في قوله ولا تسكروا، والمحفوظ عن سِمَاكٍ أنَّه قال: وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ \" (٢).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي خطأ أَبِي الأَحْوَصِ - وهو ثقة من رجال الشيخين - في سند ومتن الحديث؛ لأن الحديث غير معروف عن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ بهذا الإسناد والمتن، والمحفوظ عن سِمَاك خلافه، ولم يتفرد الدارقطني بإعلال الحديث بل أعلَّه جمع من النُّقاد المتقدمين بالعلةِ نفسها منهم: أَبَو زُرْعَةَ، والنسائي، وبرهان ذلك:\n\nقَالَ عبدالرَّحمن بن أبي حاتم: وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ عَنْ حَدِيثٍ: أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اشْرَبُوا فِي الظُّرُوفِ، وَلا تَسْكَرُوا».\nقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: فوَهِمَ أَبُو الأَحْوَصِ، فَقَالَ: عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَلَبَ مِنَ الإِسْنَادِ مَوْضِعًا، وَصَحَّفَ فِي مَوْضِعٍ أَمَّا الْقَلْبُ: فَقَوْلُهُ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، أَرَادَ: عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، ثُمَّ احْتَاجَ أَنْ يَقُولَ: ابْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ - ﵁ -، فَقَلَبَ الإِسْنَادَ بِأَسْرِهِ وَأَفْحَشَ فِي الْخَطَأ، وَأَفْحَشُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَشْنَعُ تَصْحِيفُهُ فِي مَتْنِهِ: «اشْرَبُوا فِي الظُّرُوفِ وَلا تَسْكَرُوا».\n\nوَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَبُو سِنَانٍ ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ، وَزُبَيْدٌ الْيَامِيُّ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، وَسِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ سُبَيْعٍ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وسلمة بن كهيل كلهم عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ\n_________\n(١) هو سلام بن سليم الحنفى مولاهم، أبو الأحوص الكوفي (ت: ١٧٩ هـ)، ثقة متقن، من الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج٤/ص ٢٤٨).\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٦/ص٢٦)، سؤال رقم (٩٥٥).","vol":"1","page":324},{"text":"زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِي فَوْقَ ثَلاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلا فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الأَسْقِيَةِ، وَلا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا».\n\nوَفِي حَدِيثِ بَعْضِهِمْ، قَالَ: «وَاجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ وَلَمْ يَقُلْ أَحُدٌ مِنْهُمْ: وَلا تَسْكَرُوا». وَقَدْ بَانَ وَهْمُ حَدِيثِ أَبِي الأَحْوَصِ، مِنَ اتِّفَاقِ هَؤُلاءِ الْمُسَمَّى عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ خِلافِهِ \" (١).\nوقال النَّسائي بعد هذا الحديث: \" وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ غَلِطَ فِيهِ أَبُو الأَحْوَصِ سَلاَّمُ بْنُ سُلَيْمٍ لاَ نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا تَابَعَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ وَسِمَاكٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَكَانَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ.\nقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: كَانَ أَبُو الأَحْوَصِ يُخْطِئُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَالَفَهُ شَرِيكٌ فِي إِسْنَادِهِ وَفِي لَفْظِهِ \" (٢).\n\nقلتُ: وواضح أنَّ الإمامين أَبَا زُرْعَةَ والنَّسائي حكما نفس حكم الإمام الدارقطني على الحديث لم يتغير من إمام إلى غيره، وهو الإعلال بعلة مخالفة أبي الأَحْوَصِ جمعًا ممن رواه عن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، منهم شَرِيك بن عبدالله كما أشار إليها الإمام أحمد، والله الموفق.\n\nنتيجة هامة:\n- بمقارنة منهج الدارقطني في التعليل بالمخالفة، بمنهج النُّقاد المتقدمين نجد أنَّ الدارقطني كان ينهج الأسلوب والمسلك الذي سلكه النُّقاد المتقدمون، إلا أنَّه كان أوسع في جمع الطرق، وبيان العلة والترجيح بين المرويَّات من غيره.\n_________\n(١) ابن أبي حاتم: كتاب العلل، (ص١٠٩٤)، برقم (١٥٤٩).\n(٢) النَّسائي: في السنن، كتاب الأشربة، ذكر الأخبار التي اعتل بها من أباح شراب السكر، (ج٨/ص ٧٢٢)، بعد حديث رقم (٥٦٩٣).","vol":"1","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>المبحث الثاني: قرائن التعليل الإسنادية</span>.\nوقرائن التعليل الإسنادية هي الأدلة والبراهين التي يستند إليها أئمة النُّقاد في تعليل الأحاديث من جهة الإسناد، من حيث أحوال رجاله الخاصة والعامة، وما يطرأ على الإسناد من أنواع الخلل، كالانقطاع، والتدليس، والضعف وغيرها من أسباب الطعن في الإسناد، وسوف أجتهد في هذا المبحث لتوضيح بعض هذه الأدلة والبراهين التي كان الدارقطني والنُّقاد يستندون عليها في كلامهم على الأحاديث المعلولة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>المطلب الأول: قرينة ضعف الثقة في بعض شيوخه الثقات</span>.\nوهذه القرينة من أدق الأدلة التي كان الدارقطني يستند عليها، وكذلك الأئمة النُّقاد في تعليلهم للأحاديث، وتظهر هذه القرينة عندما يروي أحد الثقات أحاديث عن شيوخه الثقات كذلك ولكنها تكون ضعيفة من هذا الطريق؛ لأسباب قد تكون في الراوي أو في شيخه، وسوف نضرب بعد الأمثلة التي تُظْهِر وتُوضح هذه الأدلة:\n\nالمثال الأول: قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -: \" عن حديث المقبري عن أبي هريرة - ﵁ -، قال رسول الله - ﷺ -: «إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى مَجْلِسٍ فَلْيُسَلِّمْ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِسْ ثُمَّ إِذَا قَامَ فَلْيُسَلِّمْ فَلَيْسَتِ الأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ» (١).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه محمد بن عجلان، واختلف عنه، فرواه روح بن القاسم والليث بن سعد، وأبو عاصم النبيل، والمفضل بن فضالة، وبشر بن المفضل، وجرير، وابن جريج عن ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة.\nوخالفهم الوليد بن مسلم، وصفوان بن عيسى روياه، عن محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب الاستئذان والآداب، باب التسليم عند القيام وعند القعود (ج٥/ص ٦٢)، برقم (٢٧٠٦)، وأبو داود: في السنن، كتاب الأدب، باب في السلام إذا قام، (ج٢/ص ٧٧٤)، برقم (٥٢٠٨) من طريق ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة نحوًا منه.","vol":"1","page":326},{"text":"ورواه هشام بن حسان، عن محمد بن عجلان (١) عن أبيه، عن أبي هريرة، والصواب قول من قال: عن سعيد المقبري عن أبي هريرة.\nوكذلك رواه يعقوب بن زيد الأنصاري، عن المقبري، عن أبي هريرة - ﵁ - \" (٢).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي خطأ الوليد بن مسلم، وصفوان بن عيسى فقد رويا الحديث عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة. والصحيح الراجح كما رواه الحفاظ عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وأصل قرينة العلة هنا أنَّ ابن عجلان اختلط عليه أحاديث أبي هريرة التي سمعها من سعيد المقبري.\n\nقال عبدالله بن أحمد بن حنبل: \" قال أبي: بلغني عن يحيى بن سعيد قال لم يقف ابن عجلان يعني على حديث سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة فتركها فكان يقول سعيد المقبري، عن أبي هريرة ترك أباه \" (٣).\n\nوقال الذهبي في ميزان الاعتدال: \" قال البخاري في ترجمة ابن عجلان في الضعفاء: قال لي علي بن أبي الوزير، عن مالك: إنه ذكر ابن عجلان، فذكر خبرًا.\nوقال البخاري: قال يحيي القطان: لا أعلم إلا أني سمعت ابن عجلان يقول: كان سعيد المقبرى يحدث عن أبيه، عن أبي هريرة، وعن رجل، عن أبي هريرة، فاختلط فجعلهما عن أبي هريرة. كذا في نسختي بالضعفاء للبخاري \" (٤).\n_________\n(١) هو محمد بن عجلان القرشي، أبو عبد الله المدني (ت: ١٤٨ هـ)، صدوق، من الطبقة الخامسة من صغار التابعين، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم في الشواهد، والأربعة في السنن، تهذيب التهذيب (ج٩/ص ٣٠٣)، قال الحافظ ابن حجر: \" اختلطت عليه أحاديث أبى هريرة \".\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١٠/ص٣٨٩ - ٣٩٠)، سؤال رقم (٢٠٧٤).\n(٣) الإمام أحمد: العلل ومعرفة الرجال (ج١/ص٣٥٠)، (٦٥٨).\n(٤) الذهبي: ميزان الاعتدال (ج٣/ص٦٤٥).","vol":"1","page":327},{"text":"قال ابن رجب: \" قال أبو عيسى- يعني الترمذي -: وإنما تكلم يحيى بن سعيد القطان عندنا في رواية محمد بن عجلان عن سعيد المقبري:\nحدثنا أبوبكر، عن علي بن عبد الله قال: قال يحيى بن سعيد، قال محمد بن عجلان: أحاديث سعيد المقبري بعضها عن سعيد عن أبي هريرة، وبعضها عن سعيد عن رجل عن أبي هريرة، فاختلطت عليَّ فصّيرتها عن سعيد عن أبي هريرة.\nوإنما تكلم يحيى بن سعيد عندنا في ابن عجلان لهذا. وقد روى يحيى عن ابن عجلان الكثير \" (١).\nوقال أيضًا: \"قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: كان يحيى بن سعيد لا يرضى محمد بن عجلان. قال: وسمعت يحيى بن سعيد يقول: لو جرّبت من أروى عنه لم أرو إلا عن قليل!. قال: وفي كتاب علي بن المديني قال يحيى بن سعيد: قال ابن عجلان: كان سعيد المقبري يحدث عن أبيه عن أبي هريرة، وعن رجل عن أبي هريرة، فاختلط عليّ فجعلته عن أبي هريرة، قال يحيى: سمعته منه أو حدثته عنه، ولا أعلم إلا أني سمعته منه. وقال أحمد: كان ثقة إلا أنه اختلط عليه حديث المقبري: كان عن رجل جعل يصيره عن أبي هريرة \" (٢).\n\nقلتُ: ولم يقتصر الاختلاط الذي حدث في حديث ابن عجلان على أحاديث سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، بل تجاوز ذلك إلى أحاديث سعيد المقبري عن شيوخه الأخرين عن أبي هريرة، وبرهان ذلك:\nما رواه النَّسائي من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ وَمِنْ دُعَاءٍ لاَ يُرْفَع» (٣).\n_________\n(١) ابن رجب: شرح العلل للترمذي (ص١٣١ - ١٣٢).\n(٢) المصدر السابق: (ص١٣٣).\n(٣) أخرجه النَّسائي: في السنن، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من دعاء لا يسمع، (ج٨/ص ٦٨٠)، برقم (٥٥٥١)، من طريق ابن عجلان، عن سعيد المقبري، أبي هريرة به.","vol":"1","page":328},{"text":"قال النَّسائي عقب هذا الحديث: \" سَعِيدٌ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَلْ سَمِعَهُ مِنْ أَخِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ \" (١).\nالمثال الثاني: قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -: \" عن حديث ابن المسيب عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: رسول الله ﷺ «الرِّجْلُ جُبَارٌ» (٢).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه من رواية سفيان بن حسين عن الزهري عنه، فرواه محمد بن يزيد الواسطي وعباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، ورواه أبو أمية الطرسوسي، عن بشر بن آدم عن عبَّاد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة جمع بينهما.\n\nوليس أبو سلمة بمحفوظ في هذا الحديث، حدثنا عبدالله بن محمد البغوي، قال: ثنا داود بن رشيد ثنا عبَّاد بن العوام، ثنا سفيان بن حسين، عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: رسول الله ﷺ «الرِّجْلُ جُبَارٌ» \" (٣).\n\nقلتُ: وأصلُ قرينة العلة التي استند عليها الدارقطني في هذا الحديث هي أنَّ سفيان بن حسين (٤) روى هذا الحديث من طريق الزهري وهو ضعيف فيه، ثقة فيما عداه، وقال الدارقطني في السنن: \" لم يتابع سفيان بن حسين على قوله: \"الرِّجْلُ جُبَارٌ \" وهو وهم؛\nلأنَّ الثقات الذين قدمنا أحاديثهم خالفوه، ولم يَذكُروا ذلك \" (٥).\n_________\n(١) النَّسائي: في السنن، (ج٨/ص ٦٨٠)، بعد حديث رقم (٥٥٥١).\n(٢) أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الديات، باب في الدابة تَنْفَحُ بِرِجْلِهَا (ج٢/ ص٦٠٦)، برقم (٤٥٩٢)، والحديث ضعيف للعلة التي أشرنا إليها، والرَّجْلُ: الدابة تَنْفَحُ بِرِجْلِهَا.\n(٣) أبو الحسن الدارقطني، كناب العلل (ج٩ / ص ١٢٠ - ١٢١)، سؤال رقم (١٦٧٠).\n(٤) هو سفيان بن حسين بن الحسن، أبو محمد، ويقال: أبو الحسن، الواسطي (ت:١٥٣هـ)، ثقة في غير الزهري، أخرج له الستة إلا البخاري في التعاليق، تهذيب التهذيب (ج٤/ ٩٦).\n(٥) أبو الحسن الدارقطني: السنن، طبعة دار المحاسن، القاهرة، سنة١٣٨٦هـ تحقيق: السيد عبدالله هاشم يماني المدني، (ج٣/ص ١٥٢).","vol":"1","page":329},{"text":"وقال المزي في تحفة الأشراف: \" وقال النَّسائي: سفيان بن حسين في الزهري ضعيف وفي غيره لا بأس به \" (١).\n\nوقال ابن حبان: \"يروى عن الزهري المقلوبات وإذا روى عن غيره أشبه حديثه حديث الأثبات، وذاك أنَّ صحيفة الزهري اختلطت عليه فكان يأتي بها على التوهم، فالإنصاف في أمره تنكب ما روى عن الزهري، والاحتجاج بما روى عن غيره \" (٢).\n\nوقال ابن عدي في الكامل: \" هو في غير الزهري صالح الحديث كما قال ابن معين، ومن الزهري يروي عنه أشياء خالف فيها الناس من باب المتون ومن الأسانيد (٣).\n\nوقال الحافظ ابن حجر: \" قال ابن أبي خيثمة، عن يحيى: ثقة في غير الزهري \" (٤).\n\nقلتُ: فظهر أنَّ قرينة ضعف الثقة في بعض شيوخه الثقات من أهم القرائن التي كان يعتمد عليها النُّقاد في كلامهم على الأحاديث وتعليلها، مما قد يفيد الباحث في تتبع هذه القرائن ومعرفة الأسباب والمعايير التي بنى عليها النُّقاد أحكامهم في الأحاديث المعلولة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>المطلب الثاني: قرينة ضعف الثقة في بعض البلدان</span>.\nوهذه القرينة من الأدلة المهمة التي كان الدارقطني يَسْتَنِد عليها، وكذلك الأئمة النُّقاد في تعليلهم للأحاديث، وهذه القرينة تظهر عندما يروي أحد الثقات أحاديث قوم أو بلد معين، وهو غير حافظ لحديثهم، ويرجع ذلك لأسباب قد تطرأ على الراوي أو مرويَّاته، مثل إسماعيل بن عياش وهو شامي إذا حدث عن الشاميين كان صحيحًا، وإذا حدث عن غيرهم كان ضعيفًا، ومثل معمر بن راشد البصري ضعيف في أهل الكوفة والبصرة، وخالد بن مخلد\n_________\n(١) يوسف بن عبدالرحمن بن الزكي المزي (ت:٧٤٢هـ): تحفة الأشراف، طبعة المكتب الإسلامي، بيروت سنة ١٤٠٣هـ، تحقيق: عبدالصمد شرف الدين، (ج١٣/ص ٣٧٥).\n(٢) ابن حبان: المجروحين (ج١/ص٣٥٨).\n(٣) ابن عدي: الكامل في الضعفاء (ج٣/ص ٤١٥).\n(٤) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج٤/ ٩٦).","vol":"1","page":330},{"text":"القَطَواني صحيح في أهل المدينة، ضعيف في غيرها (١)، وهكذا تكون هذه المؤشرات دلالات واضحة لتعليل الحديث، وسوف نأخذ نموذج يوضح ذلك:\n\nالمثال: قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -: \" عن حديث الأسود، عن عمر - ﵁ -: «كَانَ رسُولُ الله ﷺ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ قَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ» (٢).\nفقال - الدارقطني -: يرويه إسماعيل بن عياش (٣)، عن عبدالملك بن حميد بن أبي غنية عن أبي إسحاق السبيعي، عن الأسود، عن عمر، عن النبي - ﷺ -. وخالفه إبراهيم النخعي رواه، عن الأسود، عن عمر قوله غير مرفوع، وهو الصحيح\" (٤).\nقلتُ: وقرينة العلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنَّ إسماعيل بن عياش روى هذا الحديث عن عبدالملك بن حميد بن أبي غنية وهو كوفي (٥)، وإسماعيل بن عياش ضعيف\nفي غير الشاميين، كما قال جمع من أئمة النقد، وقد نقل ذلك الحافظ ابن رجب في شرح العلل فقال: \" إذا حدث عن الشاميين فحديثه عنهم جيد وإذا حدث عن غيرهم فحديثه مضطرب، هذا مضمون ما قاله الأئمة فيه، منهم أحمد، ويحيى، والبخاري، وأبو زُرْعَةَ \" (٦).\n_________\n(١) ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص٤٢٠ - ٤٢١).\n(٢) هو إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي، أبو عتبة الحمصي (ت: ١٨١ أو ١٨٢ هـ)، صدوق فى روايته عن أهل بلده، مخلط فى غيرهم، أخرج له الأربعة، تهذيب التهذيب (ج١/ص ٢٨٠).\n(٣) أخرجه الدارقطني: في السنن، (ج١/ص٢٩٩ - ٣٠٠)، من طريق الأسود عن عمر موقوفًا.\n(٤) أبو الحسن الدارقطني، كناب العلل (ج٢/ص١٤١ - ١٤٢)، سؤال رقم (١٦٥).\n(٥) هو عبدالملك بن حميد بن أبى غنية الخزاعي الكوفي (ت:؟)، ثقة من الطبقة السابعة، من كبار أتباع التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج٦/ ص ٣٤٩).\n(٦) ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص٤٢٠).","vol":"1","page":331},{"text":"وقال ابن حبان في المجروحين: \" عن ابن أبى شيبة قال: سمعت يحيى بن معين وذكر عنده إسماعيل بن عياش فقال: كان ثقة فيما يروى عن أصحابه أهل الشام، وما روى عن غيرهم يخلط فيه \" (١). وقال الذهبي في الميزان: \" وقال البخاري: إذا حَدَّث عَنْ أَهْلِ بلده فصحيح، وإذا حدث عن غيرهم ففيه نظر \" (٢).\n\nوقد أشار كذلك النُّقاد المتقدمون في مصنفاتهم لهذه القاعدة الخاصة بحديث إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عَيَّاشٍ في غير بلده، فقال عبدالرَّحمن بن أبِي حاتم: \" وَسَمِعْتُ أَبِي، وَذَكَرَ حَدِيثَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ -، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: «لا يَقْرَا الْجُنُبُ وَلا الْحَائِضُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» (٣).\nفَقَالَ أَبِي: هَذَا خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَوْلَهُ (٤).\n\nقلتُ: وقرينة العلة التي أشار إليها الدارقطني هي أنَّ إسماعيل بن عياش روى هذا الحديث عن مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وهو مدني (٥)، وقد سأل الترمذي البخاري عن هذا الحديث فأنكره\nفقال: \" سألت مُحمدًا عن حديث إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله: «لا تَقْرَا الْحَائِضُ ولا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ»، فقال لا أعرفه من حديث ابن عقبة وإسماعيل بن عياش منكر الحديث عن أهل الحجاز وأهل العراق \" (٦).\n_________\n(١) ابن حبان البُستي: المجروحين (ج١/ص١٢٥).\n(٢) الذهبي: ميزان الاعتدال (ج١/ص٢٤١)، ترجمة رقم (٩٢٣).\n(٣) أخرجه ابن ماجه على الوجه المعلول: في السنن، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة، (ج١/ص ٢٣٦) برقم (١٣١)، من الطريق نفسها.\n(٤) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص٢٦٥)، رقم (١١٦).\n(٥) موسى بن عقبة بن أبى عياش القرشي، أبو محمد المدني (ت:١٤١ هـ)، ثقة، من الطبقة الخامسة من صغار التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج١٠/ ص٣٢١).\n(٦) الترمذي: ترتيب علل الترمذي الكبير (ج١/ص١٩).","vol":"1","page":332},{"text":"وقد أيَّد هذا الحكم الإمام أحمد لما سئل عن الحديث نفسه، فقال عَبْدُاللهِ بْن أحمد بن حنبل: \" سَألت أبِي عَنْ حديث حدثناه الفضل بن زياد الذي يقال له الطسي، قال حدثنا إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبي ﷺ: «لا يَقْرَا الْجُنُبُ وَلا الْحَائِضُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ».\n\nفَقَالَ أَبِي: هذا باطل أنكره على إسماعيل بن عياش، يعني أنَّه وهم من إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ \" (١).\n\nقلتُ: فظهر بذلك مدى أهمية ودقة قرينة ضعف الثقة في بعض البلدان، وكيف كان النُّقادُ يعتمدون على التعليل بها، ولاشك أنَّ معرفة ذلك للباحث في مناهج المتقدمين من أهم المهمات للوقوف على القرائن المعتمدة عند أهل النقد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>المطلب الثالث: قرينة ضعف الثقة في بعض الأحوال</span>.\nوهذه القرينة من أدق وأهم الأدلة التي كان الدارقطني يستند عليها، وكذلك الأئمة النُّقاد في تعليلهم للأحاديث، وتحدث هذه القرينة عندما يكون الراوي الثقة قويًا وثبتًا في الرواية في أحوال معينة دون غيرها، كالمختلطين لهم أحكام من روى عنهم قبل الاختلاط ومن روى عنهم في زمن الاختلاط، أو كمن احترقت كتبه له حكمان كذلك، وغيرها\nمن الأحوال التي قد تدل على خلل في الراوي أو المرويَّات، ولذا اهتم المؤرخون بمثل هذه الأحداث وأَرَّخُوا لها، ليتمكن النُّقاد من معرفة أحوال الرجال وبالتالي الحكم على الأحاديث والآثار، وسوف أجتهد في توضيح ذلك بضرب الأمثلة الآتية:\n\nالمثال الأول: قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -: \" عن حديث روي عن أبي عبدالرحمن السلمي عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «مَنْ ذَكَرَ الله ﷿ فِي نَفْسِهِ ذَكَرَهُ اللهُ فِي\n_________\n(١) الإمام أحمد: العلل ومعرفة الرجال، (ج٣/ص٣٨١)، سؤال رقم (٥٦٧٥).","vol":"1","page":333},{"text":"نَفْسِهِ، وَمَنْ ذَكَرَ اللهَ فِي مَلأ» (١)، الحديث وفيه تقرب إلى الله ... الحديث.\nفقال - الدارقطني -: يرويه عطاء بن السائب، واختلف عنه فرواه جرير، عن عطاء عن أبي عبدالرحمن، عن أبي هريرة، وخالفه حماد بن سلمة، فرواه عن عطاء بن السائب عن سلمان الأغر (٢)، عن أبي هريرة. هذا من عطاء بن السائب؛ لأنَّه اختلط في آخر عمره \" (٣).\nقلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الدارقطني هي: اختلاط عطاء بن السائب في آخر عمره، وثبت أنَّ جرير، وحماد بن سلمة سمع منه بآخرٍ، وأبو عبدالرحمن وهو عبد الله ابن حبيب السلمي، ولم يرجح الدارقطني رواية جرير وهو ابن عبدالحميد بن قرط، ولا رواية حماد بن سلمة؛ لأن جرير وحماد سمعا من عطاء بن السائب بعد الاختلاط، قال أبو سعيد العلائي: \" وذكر العقيلي أن حماد بن سلمة ممن سمع منه بعد الاختلاط.\nقال ابن القطان: وكذلك جرير وخالد بن عبد الله وابن علية وعلي بن عاصم وبالجملة\nأهل البصرة فإنَّ أحاديثهم عنه مما سمع بعد الاختلاط لأنَّه قدم عليهم في آخرة عمره\" (٤)\n\nوقال أيضًا: \" وثقه أحمد بن حنبل مطلقًا، وأحمد بن عبدالله العجلي وقال: من سمع منه بأخرةٍ فهو مضطرب الحديث. منهم: هشيم، وخالد بن عبدالله \" (٥).\n_________\n(١) أخرجه أبو عبدالله الحاكم: في المستدرك (ج٤/ص٢٧٥)، برقم (٧٦٢٥)، من طريق جرير، عن عطاء، عن أبي عبدالرحمن، عن أبي هريرة وقال: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه \"، ووافقه الذهبي في التلخيص، قلتُ: بل ليس بصحيح؛ فإنَّ جرير ممن سمع منه بآخرة عمره.\n(٢) هو سلمان الأغر، أبو عبد الله المدني، مولى جهينة (ت:؟)، ثقة من الطبقة الثالثة، الوسطى من التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج٤/ ص١٢٢).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني، كناب العلل (ج٨/ص٢٨٧ - ٢٨٨)، سؤال رقم (١٥٧٤).\n(٤) العلائي: خليل بن كيكلدي بن عبدالله، صلاح الدين أبو سعيد العلائي (ت:٧٦١ هـ)، المختلطين، طبعة مكتبة الخانجي، بالقاهرة سنة ١٩٩٦م، (ص٢٨) ترجمة رقم (٣٣).\n(٥) المصدر السابق: (ص٢٨) ترجمة رقم (٣٣).","vol":"1","page":334},{"text":"المثال الثاني: قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -:\" عن حديث روي عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة: «لاَ يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ» (١).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه محمد بن عبدالرحمن مولى آل طلحة عنه، واختلف عنه فرواه مسعر عنه موقوفًا، واختلف عن المسعودي فرفعه عنه قوم، ووقفه وكيع عنه، وقيل عن ابن عيينة عن مسعر مرفوعًا ولا يثبت \" (٢).\nقلتُ: وقرينة العلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنّ المسعودي وهو عبدالرحمن بن عبدالله بن عتبة الكوفي (٣)، اختلط قبل موته، وكان ممن سمع منه قبل الاختلاط وكيع ابن الجراح، فالقوم الذين رفعوا الحديث عن المسعودي أخطئوا في رفعه، وقد رجَّح الدارقطني الموقوف.\nقَالَ عبدُاللهِ بن أحمد بن حنبل: \" سمعت أبي يقول سماع وكيع من المسعودي بالكوفة قديما وأبو نعيم أيضا، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالبصرة والكوفة فسماعه جيد \" (٤).\n\nوقال ابن رجب في ترجمة المسعودي: \" وأما يزيد بن هارون وحجاج ومن سمع منه ببغداد في الاختلاط إلا من سمع منه بالكوفة يعني أن سماع من سمع منه بالكوفة صحيح،\n_________\n(١) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الغبار في سبيل الله، (ج٤/ص ١٧١)، برقم (١٦٣٣)، وقال: \" حديث حسن صحيح \"، وأخرجه غيره.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني، كناب العلل (ج٨/ص٣٣٦)، سؤال رقم (١٦٠٦).\n(٣) عبدالرحمن بن عبدالله بن عتبة بن عبدالله بن مسعود الكوفي (ت: ١٦٠ وقيل ١٦٥ هـ)، صدوق اختلط قبل موته، وضابطه أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط، من الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، أخرج له الأربعة والبخاري تعليقًا، تهذيب التهذيب (ج٦/ ص١٩٠).\n(٤) الإمام أحمد: العلل ومعرفة الرجال، (ج١/ص ٣٢٥)، سؤال رقم (٥٧٥).","vol":"1","page":335},{"text":"ومن سمع منه ببغداد كيزيد بن هارون، وحجاج فهو بعد الاختلاط \" (١).\n\nولقد علّل النُّقاد قبل الدارقطني أحاديث بعلة تغير الأحوال منهم الأئمة: أحمد بن حنبل والبخاري، والترمذي وغيرهم في مصنفاتهم، وسنضرب بعضًا منها على سبيل المثال:\n\nالمثال الأول: قَالَ الترمذي: \"حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد الرزاق عن مَعْمر عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هُرَيرة - ﵁ - قال: «كَانَ لِنَعِلِ رسُول اللهِ قِبَالاَنِ (٢» (٣).\nسألت مُحمدًا - يعني البخاري -: عن هذا الحديث فلم يعرفه، قال: قلتُ كيف صالح مولى التوأمة (٤)؟، قال: قد اختلط في آخر أمره من سمع منه قديمًا سماعه مقارب وابن أبي ذئب ما أرى أنه سمع منه قديمًا يروي عنه مناكير \" (٥).\nقلتُ: والعلة التي صرح بها البخاري وهي اختلاط صالح مولى التوأمة في آخر أمره، وقد رواه عنه ابن أبي ذئب وهو ممن سمع منه بعد الاختلاط، فصار هذا الإسناد معلول بهذه العلة، وإلا فمتن الحديث صحيح أخرجه البخاري وأصحاب السنن، والله الموفق.\n\nالمثال الثاني: قال البزار: \" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ يَعْنِي ابْنَ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ جُرَيِّ بْنِ كُلَيْبٍ، رَجُلٍ مِنْهُمْ، عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُضَحَّى بِأَعْضَبِ الْقَرْنِ وَالأُذُنِ.\n_________\n(١) ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص٣٩٩ - ٤٠٠).\n(٢) أَي زِماما القِبال: وهو السير الذي يكون بين الإِصبعين، لسان العرب (ج١١/ص ٥٣٤).\n(٣) أخرجه الطبراني على الوجه المعلول: في المعجم الكبير (ج١/ص٢١٩)، برقم (٥٩٦).\n(٤) صالح بن نبهان، أبو محمد المدني، مولى التوأمة (ت: ١٢٥ أو ١٢٦ هـ)، صدوق اختلط، من الطبقة الرابعة، أخرج له الأربعة إلا النَّسائي، تهذيب التهذيب (ج٤/ ص ٣٥٥).\n(٥) الترمذي: ترتيب علل الترمذي الكبير (ج١/ص١٠٧).","vol":"1","page":336},{"text":"قَالَ: فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَقَالَ: نَعَمِ الْعَضَبُ النِّصْفُ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ\" (١).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها البزار هي اختلاط سعيد بن أبي عروبة قبل موته، وقد ثبت أنَّ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ سمع منه بعد الاختلاط، قال الحافظ ابن رجب: \" قال أبو نعيم الفضل بن دُكَين: كتبت عن سعيد، جاء ابن أبي عدي إلى ابن أبي عروبة بآخره يعني وهو مختلط \" (٢).\nوقد أرَّخ الإمام أحمد لتاريخ الاختلاط فقَالَ عبدُاللهِ بن أحمد: \" قال أبي ومن سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الهزيمة فسماعه جيد ومن سمع بعد الهزيمة (٣)، كأن أبي ضعفهم. فقلت له: كان سعيد اختلط؟ قال: نعم، ثم قال من سمع منه بالكوفة مثل محمد بن بشر، وعبدة فهو جيد، ثم قال قدم سعيد الكوفة مرتين قبل الهزيمة \" (٤).\nقلتُ: وليس كل من اختلط أو تغير حاله أرَّخ له النُّقاد، بل يوجد بعض ممن طرأ على حاله الاختلاط أو التغير، ولم يحدد النُّقاد تاريخ ذلك التغير، إلا إنَّ لهم مؤشرات أخري يعتمدون عليها لتحديد من سمع قبل الاختلاط، ومن سمع بعده، وبنهاية هذا المطلب ينتهي مبحث القرائن الإسنادية، يظهر لنا أهمية معرفة أحوال الرواة عند الدارقطني والنُّقاد المتقدمين، والله الموفق.\n_________\n(١) الإمام البزار: المسند (البحر الزَّخار)، (ج١/ص٤٩٦)، رقم (٨٧٥).\n(٢) ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص٣٩٧).\n(٣) قال الإمام أحمد: في العلل ومعرفة الرجال (ج١/ص ١٦٣) \"وكانت الهزيمة في سنة خمس وأربعين ومائة \"، قلتُ: فيكون بداية الاختلاط من سنة (١٤٥هـ)، فمن سمع بعدها فلا يثبت حديثه، ومن سمع من سعيد بن أبي عروبة قبلها فحديثه صحيح مقبول.\n(٤) الإمام أحمد: العلل ومعرفة الرجال، (ج١/ص ١٦٣)، سؤال رقم (٨٦).","vol":"1","page":337},{"text":"نتائج هامة:\n\n- بمقارنة منهج الدارقطني في استعمال القرائن الإسنادية بغيره من أئمة النقد المتقدمين نجده لا يختلف كثيرًا عنهم، فإنَّه كثيرًا ما كان يستند للقرائن والدلائل التي كان النُّقاد يستعملونها في إعلال المرويَّات من جهة الإسناد.\n\n- ولا شك أنَّ قرائن التعليل الإسنادية كثيرة ومتعددة، ولا يمكن حصرها إلا بعد جهد كبير وسبر لأقوال الأئمة النُّقاد، ودراسة الدلائل التي كانوا يستندون عليها ولم أرَ أنَّ أحدًا جمع مثل هذا في مصنف واحد، والله أعلم.\n- إنَّ دراسة أحوال الرواة من أهم الوسائل والدلالات لمعرفة العلل الكامنة في الآثار والأخبار، ولقد اهتم النُّقاد بتحقيق وتحديد أنواع الخلل الذي قد يطرأ على الرواة والمرويّات، لاستخراج الأدلة على بطلان الأخبار الضعيفة والمكذوبة.","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>المبحث الثالث: قرائن التعليل المتنية</span>.\nوقرائن التعليل المتنية هي الأدلة والبراهين التي كان يستند إليها أئمة النُّقاد في تعليل الأحاديث من جهة المتن، ولقد اهتم النُّقاد بالكلام على علل متون الأحاديث كاهتمامهم بعلل الإسناد، ولم يقتصر اهتمامهم على فحص الأسانيد ودراستها، بل تجاوز ذلك إلى دراسة المتون ونقدها، واستخراج الدلالات على ضعف المتن ونكارته تبعًا لقواعد ثابتة وقرائن، بخلاف زعم المستشرقين الذين قالوا: أنَّ نُّقاد الحديث لا يهتمون بنقد المتون، وسوف نثبت بالأدلة الواضحة إن شاء الله فساد هذا الزعم، والله هو الهادي سبحانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>المطلب الأول: قرينة مخالفة الحديث للسُنّة الثابتة المشهورة</span>.\nلقد اهتم النُّقاد بقرينة مخالفة الحديث للسنة الصحيحة الثابتة المتفق عليها بين الأئمة، ولقد أعلّ الدارقطني بهذه القرينة جملة أحاديث نذكر منها بعض الأمثلة:\n\nالمثال الأول: قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -: عن حديث القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبى بردة - ﵁ -، قال رسول الله ﷺ: «اشْرَبُوا فِي الظُّرُوفِ وَلاَ تَسْكَرُوا» (١).\nفقال - الدارقطني -: يرويه أَبُو الأَحْوَصِ، عن سِمَاكٍ، عن القاسم، عن أبيه، عن أَبِي بُرْدَةَ، واختلف عن أَبِي الأَحْوَصِ، فقال عنه سعيد بن سليمان، عن سماك عن أبي بردة عن أبيه، ووهم فيه على أبي الأحوص (٢)، ووهم فيه أبو الأحوص على سِمَاكٍ أيضًا وإنَّما روى هذا الحديث سماك عن القاسم عن ابن بردة عن أبيه، ووهم أيضًا في متنه، في قوله ولا تسكروا، والمحفوظ عن سِمَاكٍ أنَّه قال: وكل مسكر حرام \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه النَّسائي: في السنن، كتاب الأشربة، ذكر الأخبار التي اعتل بها من أباح شراب السكر، (ج٨/ص ٧٢٢)، برقم (٥٦٩٣).\n(٢) هو سلام بن سليم الحنفي مولاهم، أبو الأحوص الكوفي (ت: ١٧٩ هـ)، ثقة متقن، من الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج٤/ص ٢٤٨).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٦/ص٢٦)، سؤال رقم (٩٥٥).","vol":"1","page":339},{"text":"قلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الدارقطني هي مخالفة أَبِي الأَحْوَصِ الثقات في متن الحديث؛ لأنَّ الحديث غير معروف عن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ بهذا الإسناد والمتن، والمحفوظ عن سِمَاك أنَّه قال: وكل مسكر حرام، فخالف المشهور الثابت من الأحاديث، وهذه القرينة كثيرًا ما يعلّ بها النُّقاد الأحاديث، وهي من أظهر القرائن، والله أعلم.\n\nالمثال الثاني: قَالَ الدارقطني في العلل: \" وحدَّثَ الحسن بن بسطام الأيلي من حفظه عن ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد فخلط في متنه.\n\nقال: عن يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة عن أبي هريرة - ﵁ -، قال رسولُ الله ﷺ: «جَاءَكُم أَوْ أَظَلَكُمْ شَهْرُ رَمَضّانَ افْتَرَضَ اللهُ عَلَيكُمْ صِيَامَهُ، وَسَنَنْتُ عَلَيكُمْ قِيَامَهُ فَمَنْ صَامَهُ وَقَامَهُ ...» الحديث\nحَدَّثَنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، قال: حدثنا محمد بن منصور الطوسي والعباس بن محمد قالا: ثنا إبراهيم بن أبي العباس، قال: أخبرنا أبو أويس، عن الزهري أخبرني أبو سلمة وحميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أنَّ رسُول اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١) \" (٢).\nقلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الدارقطني هي مخالفة المتن المعلول لمتن الحديث المتفق عليه: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وهو المحفوظ عن الثقات، وبهذه القرينة أُعلّ الحديث.\n\nوقد أعلَّ النُّقاد بدلالة هذه القرينة جملة من الأحاديث نذكر منها بعض النماذج:\n_________\n(١) متفق عليه: أخرجه البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان (ج٤/ص٢٩٢)، برقم (٢٠٠٩)، ومسلم في الجامع الصحيح (بشرح النووي)، كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، (ج٣/ص٢٩٥)، برقم (٧٥٩)، كلاهما من طريق مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة به.\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٩/ص٢٣١)، سؤال رقم (١٧٣١).","vol":"1","page":340},{"text":"المثال الأول: قَالَ صَالِحُ بْنُ أحمد بن حنبل: \" قال: حدثني أبي، قال: أنبأنا الوليد ابن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة - ﵁ -: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ» (١).\nقال أبي - يعني أحمد بن حنبل - فذكرت ذلك لعبدالرحمن بن مهدي فذكر، عن ابن المبارك، عن ثور، قال: حدثت عن رجاء، عن كاتب المغيرة، ولم يذكر المغيرة، قال أبي: ولا أرى الحديث يثبت وقد روى عن سعد وأنس أنهما مسحا أعلى الخفين\" (٢).\n\nقال الترمذي: \"وَهَذَا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ لَمْ يُسْنِدْهُ عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم، وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ وَمُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، عن هذا الحديث فقالا: ليس بصحيح؛ لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء بن حيوة قال: حدثت عن كاتب المغيرة مرسل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الْمُغِيرَةُ - ﵁ - \" (٣).\n\nقلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الإمام أحمد هي مخالفة المتن المعلول للمتن المتفق عليه من حديث المغيرة في مسح أعلى الخفين وليس أسفله، فظهرت علة الحديث.\nالمثال الثاني: قَالَ ابن عَدى في الكامل: \" قال البخاري: فذكر نحوَ هذا الكلام سمعت أحمد بن حفص السعدي يقول: قيل لأحمد بن حنبل رحمة الله عليه (يعني وهو حاضر) حديث أبي هريرة - ﵁ -: «إِذَا كَانَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ فَلاَ يَصَوْمَ أَحَدٌ حَتَّى يَصَوْمَ رَمَضَانُ» (٤).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي على الوجه المعلول: في السنن، كتاب الطهارة، باب ما جاء في المسح على الخفين أعلاه وأسفله (ج١/ص ١٦٢)، برقم (٩٧)، وابن ماجه: في السنن، كتاب الطهارة، باب في المسح أعلى الخف وأسفله، (ج١/ص ١٨٣)، برقم (٥٥٠)، بإسناد ضعيف.\n(٢) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد (ج٢/ص١٣٥).\n(٣) الترمذي: السنن (ج١/ص ١٦٢)، بعد حديث رقم (٩٧).\n(٤) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية الصوم في النصف الثاني من شعبان لحال رمضان، (ج٣/ص ١١٥)، برقم (٧٣٨)، وأبو داود: في السنن، كتاب الصوم، باب في كراهية ذلك، (ج١/ص ٧١٣)، برقم (٢٣٣٧)، وابن ماجه: في السنن، كتاب الصوم، باب ما جاء في النهي عن أن يتقدم رمضان بصوم إلا من صام صوما فوافقه، (ج١/ص ٥٢٨)، برقم (١٦٥١)، ثلاثتهم وغيرهم من طريق الْعَلاَءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نحوًا منه.","vol":"1","page":341},{"text":"قَالَ: ذَاكَ أي ضَعِيفٌ، ثم قال: حديث العلاء كان يرويه وكيع عن أبي العميس، عن العلاء، وابن مهدي فكان يرويه ثم تركه، قيل عن من كان يرويه؟، قال: عن زهير ثم قال: «إنَّ رسُول اللهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ» \" (١).\n\nوقَالَ أَبو دَاود: \" وَكَانَ عَبْدُالرَّحْمَنِ - يعني ابن مهدي - لاَ يُحَدِّثُ بِهِ قُلْتُ: لأَحْمَدَ لِمَ قَالَ لأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ»، وَقَالَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خِلاَفَهُ.\n\nقلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الإمام ابن مهدي وهي مخالفة المتن المعلول لمتن الحديث الثابت المشهور: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ»، فوضحت كيفية إعلال الأئمة بهذه القرينة، وهي من أقوى الدلائل التي كانوا يستندون إليها في إعلال المرويَّات من جهة المتن، ولقد أكثر الأئمة النُّقاد من استعمال هذه القرينة في مصنفات العلل، وصرحوا بها في مواضع ليست بقليلة، فظهر بوضوح بطلان قول المستشرقين السالف الذكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>المطلب الثاني: قرينة أنَّ الحديثَ لا يشبه كلام النبوة</span>.\nلقد اهتم النُّقاد بقرينة عدم مشابهة الحديث أو الخبر كلام النَّبي ﷺ، وهذه القرينة لا تأتي إلا بعد طولِ باعٍ في معرفة الحديث وأهله، وتمييز قول النَّبي ﷺ من قول غيره، فإنهم إذا وجدوا حديثًا لا يشبه كلام النّبُوةِ، وكان ظاهر الإسناد الصحة حكموا عليه بالبطلان، أو بالنكارة، أو ذكروا له علة ما كعدم السماع أو غيرها من العلل التي غالبًا ما يكون الخلل منها في الحديث.\nقال ابن رجب في شرح العلل: ومن ذلك: أنهم يعرفون الكلام الذي يشبه كلام النبي ﷺ، من الكلام الذي لا يشبه كلامه.\n_________\n(١) ابن عدي: الكامل في ضعفاء الرجال، (ج٣/ص٢١٨)، ترجمة رقم (٧١٤).","vol":"1","page":342},{"text":"قال ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه: \" تُعْلَم صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلامًا يصلح أن يكون مثله كلام النّبُوةِ، ويعرف سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته، والله أعلم \" (١).\n\nولقد أعلّ الدارقطني بهذه القرينة أحاديث قليلة نذكر نموذجًا منها:\n\nالمثال: قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -: \" عن حديث ابن المسيب، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النَّبي - ﷺ -: «قَالَ مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لاَ يَامَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَا بَاسَ بِهِ وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ قَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ» (٢).\nفقال - الدارقطني -: يَرْوِيه سَعِيد بْن بَشِير، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ، فَرَوَاهُ عُبَيْد بْن شَرِيك عَنْ هِشَام بْن عَمَّار عَنْ الْوَلِيد عَنْهُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، وَوَهَمَ فِي قَوْله قَتَادَةُ، فَغَيْره يَرْوِيه عَنْ هشام فَيَقُول: عَنْ الزُّهْرِيِّ، بَدَل قَتَادَةَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَحْمُود بْن خَالِد وَغَيْره عَنْ الْوَلِيد. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُفْيَان بْن حُسَيْن عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ الْمَحْفُوظ قيل للشيخ أبي الحسن فَإِنَّ الْحُسَيْن بْن السَّمَيْدَع رَوَاهُ عَنْ مُوسَى بْن أَيُّوب عَنْ الْوَلِيد عَنْ سَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ الزُّهْرِيِّ؟ فَقَالَ: غَلَط، بَلْ هُوَ اِبْن بَشِير \" (٣).\n\nوقال ابن أبي حاتم في العلل: \" وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ؛ رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَغَيْرُهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ يَامَنُ أَنْ يَسْبِقَ».\n\nقَالَ أَبِي - يعني أبي حاتم -: هَذَا خَطَأٌ، لَمْ يَعْمَلْ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ بِشَيْءٍ، لا يشبه أن يكون عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وأحسن أحواله أن يكون عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قوله، وقد رَوَاهُ يَحْيَى بْن سَعِيد،\n_________\n(١) ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص٤٩٦).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد: في المسند (ج٢/ص٥٠٥) برقم (١٠٥٦٤) من طريق سفيان بن حسين عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة به، والحديث ضعيف معلول.\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٩/ص١٦١)، سؤال رقم (١٦٩٢).","vol":"1","page":343},{"text":"عَنْ سَعِيد قوله \" (١).\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني قد صرح بها أبو حاتم: فقال: \"، لا يشبه أن يكون عَنِ النَّبِيِّ ﷺ \"، وقد ذكر الدارقطني رواية سفيان بن حسين عن الزهري وأنها المحفوظة أي المشهورة بين الحفاظ، ولا يعني أنها صحيحة بل أشار إلى وجه العلة في الحديث من هذه الجهة، وهي أنَّ الطريق الأخرى ضعيفة وغير مشهورة.\n\nفإنَّ أهل العلم يضعفون سفيان بن حسين في الزهري كما سبق بيانه، وهي قرينة العلة التي أعلَّ بها الدارقطني الحديث، وطريق ابن بشير ضعيفة، فقد قال ابن معين في سعيد بن بشير: \" ليس بشئ \"، وضعفه أحمد والنَّسائي، وقال ابن نُمَيرٍ: \"منكر الحديث ليس بشئ\" (٢)، فدل ذلك على أنَّ الحديث معلول ولا يصح من الوجهين، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>المطلب الثالث: قرينة أنَّ الحديثَ لا يشبه حديث فلان</span>.\nوهذه القرينة من أشهر وأقوى القرائن والدلالات التي اعتمد عليها الدارقطني والنُّقاد في تعليل الأحاديث، وقد أثبت التاريخ بهذه القرينة أروع القصص مما يدل على اصطفاء الله لهذه الأمة، فحفظ الله الدين بهؤلاء الأفذاذ الذين قلَّ أن يجود بهم الزمان، فكانوا كالجبال الشُّمِ في حفظهم وإتقانهم لمتون حديث رسُول الله ﷺ.\n\nقال ابنُ رجب: قاعدةٌ مهمةٌ: حُذّاق النقادِ من الحفّاظ لكثرة ممارستهم للحديث، ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فَهْمٌ خاصٌ يفهمون به أنَّ هذا الحديثَ يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديثَ بذلكَ، وهذا مما لا يعبر عنه بعبارة تحصره، وإنّما يرجعُ فيه أهله إلى مجرد الفهم والمعرفة التي خصوا بها عن سائر أهل العلم، كما سبق ذكره في غير موضع \" (٣).\n_________\n(١) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص١٥٢٥)، رقم (٢٢٤٩).\n(٢) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج٤/ص٩).\n(٣) ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص٤٨٨).","vol":"1","page":344},{"text":"ولقد أعلّ الدارقطني بهذه القرينة أحاديث قليلة نذكر منها بعض الأمثلة:\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني -: \" عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال رسول الله ﷺ: «الرِّكَازُ الذَّهَبُ الَّذِي يَنْبُتُ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ» (١).\n\nفقال - الدارقطني -: يَرويه حبان بن علي (٢)، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ. وهو وهم؛ لأنَّ هذا ليس من حديث الأعمش\nولا من حديث أبي صالح، وإنَّما يرويه رجل مجهول عن آخر عن أبي هريرة \" (٣).\n\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني -: \" عن حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلاثَةٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ» (٤).\nفقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه عوف الأعرابي عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة. ووهم فيه، وتابعه على ذلك أشعث بن عبد الملك الحمراني، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة من رواية صلة بن سليمان عنه، وأشعث من الثقات الحفاظ ولكن صلة ضعيف الحديث، وكذلك روي عن سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ.\nوسلمة من الثقات الحفاظ لم يرو عنه غير محمد بن أبي الشمال ولم يكن بالقوي، وكلها وهم على ابن سيرين؛ لأنَّ هذا ليس من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة؛ لأنَّ أيوب\n_________\n(١) أخرجه أبو يعلى الموصلي من وجه آخر: في المسند طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، سنة ١٩٩٨م (ج٦/ص ٣٥٦)، برقم (٦٤٧٤)، من طريق عبدالله بن سعيد، عن أبيه عن أبي هريرة به.\n(٢) هو حبان بن على العنزي، الكوفي (ت:٢٧١هـ) ضعيف، تهذيب التهذيب (ج٢/ص ١٥١).\n(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١٠/ص١٢٣)، سؤال رقم (١٩١١).\n(٤) أخرجه الإمام أحمد على وجه آخر صحيح: في المسند (ج٢/ص٣٩٠)، برقم (٧٧٠٧)، من طريق عبدالرزاق قال: قال معمر أخبرني الزهري عن بن المسيب عن أبي هريرة نحوًا منه، وقال في لفظه: \" لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ إِلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ يَعْنِي الْوُرُودَ \"، بَدَلًا من \" أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ \".","vol":"1","page":345},{"text":"السختياني، وهشام بن حسان، ويحيى بن عتيق وغيرهم من الحفاظ الأثبات رووه عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني مرسلًا، عن النَّبي ﷺ \" (١)\n\nقلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الدارقطني في هذا المثال أنّ الحديث ليس من حديث محمد بن سيرين، والبرهان أنَّه محفوظ عند الثقات الأثبات برواية غيره، وإنَّما رواه ابن سيرين، عن عبيدة السلماني مرسلًا، فظهر استعمال الدارقطني لقرينة أنَّ الحديثَ لا يشبه حديث فلان.\nولقد أعلّ النُّقاد المتقدمون بهذه القرينة جملة أحاديث نذكر منها بعض الأمثلة:\n\nالمثال الأول: قال عَبْدُاللهِ بن أحمد بن حنبل: \" سمعته يقول سعد بن سنان تركت حديثه ويقال سنان بن سعد حديثه حديث مضطرب، وسمعته مرة أخرى يقول يشبه حديثه حديث الحسن، لا يشبه أحاديث أنس \" (٢).\n\nقال ابن رجب تعليقًا على نص الإمام أحمد: \" ومراده أنَّ الأحاديث التي يرويها عن أنس مرفوعة، إنَّما تشبه كلام الحسن البصري أو مراسيله.\nوقال الجوزجاني: \" أحاديثه واهية لا تشبه أحاديث النَّاس عن أنس \" (٣).\nالمثال الثاني: قال عبدالله بنِ أحمد: \" سمعتُ رَجُلًا يقولُ ليحيى- ابن معين -: تحفظُ عن عبدِالرزاق، عن مَعْمَر، عن أبي إسحَاق، عن عَاصِم بنِ ضَمْرةَ، عن علي - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ -: «أَنَّه مَسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ»؟ فَقَالَ: باطلٌ، ما حدّثَ به مَعْمَر قَط.\n\nسمعتُ يحيى - ابن معين - يقول: عَليهِ مائةُ بَدَنة مُقلدة مُجَللة إنْ كَانَ مَعْمَر حَدّثَ بهذا قَط، هذا باطل، ولو حدّثَ بهذا عبدُالرزاق كَانَ حَلالَ الدّم، مَنْ حدّثَ بهذا عن عبد الرزاق؟، قالوا له: فلانٌ.\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٨/ص١٢٤ - ١٢٥)، سؤال رقم (١٤٥٠)\n(٢) الإمام أحمد: العلل ومعرفة الرجال، (ج٢/ص ٥١٧)، سؤالات رقم (٣٤٠٩، ٣٤١٠).\n(٣) ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص٤٨٩).","vol":"1","page":346},{"text":"قالَ أبو عبدالرحمن - عبدالله بن أحمد بن حنبل -: وهذا الحديثُ يَرْوونَهُ عن إسرائيلَ عن عَمْرو بنِ خَالد، عن زَيد بنِ علي، عن آبائه، عن علي: «أنَّ النَّبي ﷺ مَسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ» وعَمْرو بنُ خَالد لا يسوي حديثه شيئًا \" (١).\n\nالمثال الثالث: قال البرذعي قال لي أبو زرعة: \" خالد بن يزيد المصري وسعيد بن أبي هلال صدوقان وربما وقع في قلبي من حسن حديثهما \". قال: وقال لي أبو حاتم: ... \" أخاف أن يكون بعضها مراسيل عن ابن أبي فروة وابن سمعان \" (٢).\n\nقال ابن رجب شارحًا قول أبي حاتم: \" ومعنى ذلك أنَّه عرض حديثهما على حديث ابن أبي فروة، وابن سمعان فوجده يشبهه، ولا يشبه حديث الثقات الذين يحدثان عنهم فخاف أن يكون أخذا حديث ابن أبي فروة، وابن سمعان ودلساه عن شيوخهما \" (٣).\nوبنهاية هذا المبحث نكون قد انتهينا من الفصل الأول من الباب الرابع بفضل الله ومعونته ﷾، وبهذا نكون قد استعرضنا بعض قرائن التعليل الدقيقة، والدلالات التي كان نقاد الحديث يستعملونها في إعلال المرويَّات، ولا يشك عاقل فضلًا عن عالم بأمور هذا الشأن أنَّ هناك ثَمَّ قرائن تعليل أخرى كثيرة لم تذكر في هذا الفصل، وأظن أنها لو جُمِعَت بمفردها لكانت عدة مجلدات كبيرة، وإنَّما اجْتَهَدتُ في استخراج منهج الدارقطني منها مقارنًا بمنهج النقاد المتقدمين؛ لنلتمس طريقة القوم في استعمالهم للدلائل والأسباب التي بنوا عليها أحكامهم في تعليل الأخبار.\n_________\n(١) الإمام أحمد: العلل ومعرفة الرجال، (ج٣/ص١٦)، سؤالات رقم (٣٩٤٤،٣٩٤٥).\n(٢) أبو زرعة عبيدالله بن عبد الكريم بن يزيد الرازي (ت: ٢٦٤ هـ): الضعفاء وأجوبة أبي زُرْعَة الرَّازي على سؤالات البرذعي، طبعة الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٢هـ، (ج٢/ص ٣٦٢).\n(٣) ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص٤٩٢ - ٤٩٣).","vol":"1","page":347},{"text":"نتائج هامة:\n\n- بمقارنة منهج الدارقطني في استعماله قرائن التعليل المتنية، بمنهج النُّقاد المتقدمين نجد أنّ الدارقطني كان ينهج الأسلوب والمسلك الذي سلكه القوم، إلا أنه كان يصرح بالعلَّة أحيانًا ويُرجح، وكان لا يخرج عن منهج النُّقاد المتقدمين.\n\n- من الملاحظ أنَّ غالب النُّقاد يستعملون قرائن التعليل المتنية، للدلالة على سببٍ قادح في الحديث، وبيان بطلانه من جهة المتن وإن كان ظاهر السند الصحة.\n\n- المستقرئ لمنهج النُّقاد المتقدمين يجد منهم غاية في الإتقان والمعرفة، ودقة الأمانة العلمية، لإثبات الرواية الصحيحة وإن جاءت من الضعيف، وفي المقابل تقرير الوهم أو الخطأ في الرواية وإن جاءت من الحفاظ الكبار.","vol":"1","page":348},{"text":"الفصل الثاني\n\nالمتابعات والقرائن وأثرهما في الترجيح عند الإمام الدارقطني\n\nوفيه: مبحثان.\nالمبحث الأول: المتابعات وأثرها في الترجيح.\nالمطلب الأول: تعريف المتابعات لغة واصطلاحًا.\nالمطلب الثاني: أثر المتابعات في الترجيح عند النُّقاد والإمام الدرقطني.\n\nالمبحث الثاني: القرائن وأثرها في الترجيح.\nالمطلب الأول: قرائن الترجيح بالأحفظ.\nالمطلب الثاني: قرينة الترجيح بالأقوى والأثبت في الشيوخ.\nالمطلب الثالث: قرائن الترجيح بتحديد التاريخ.","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>الفصل الثاني\nالمتابعات والقرائن وأثرهما في الترجيح عند الإمام الدارقطني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>تمهيد</span>\nإنَّ دراسة قَرائن االترجيح عند النُّقاد المتقدمين من أهم المباحث في علل الحديث، فهي بمثابة الثمرة الناضجة من الشجرة الطيبة في معرفة العلل، وبها يعرف مصير الأخبار، وهي الدلائل التي يرجح بها النُّقاد بين المرويَّات، فيعرف الغث من السمين، ولا يخفى على أحد أهمية معرفة تلك القرائن، كالمتابعات والشواهد وغيرهما، وقد فرَّق قوم من أهل العلم بينهما فخصوا الشاهد بمجيئ الحديث من جهة صحابي آخر، والمتابعة بما يأتي من جهة غير الصحابة.\n\nقال الحافظ ابن حجر: \" وخَصَّ قومٌ المُتابعةَ بما حَصَلَ باللَّفظِ، سواءٌ كانَ مِن روايةِ ذلك الصَّحابيِّ أَم لا، والشاهدَ بما حصلَ بالمَعنى كذلك. وقد تُطْلَقُ المُتابعةُ على الشَّاهدِ وبالعكسِ، والأمرُ فيهِ سَهْلٌ \" (١).\n\nوحقيقة الأمر أنَّ غالب استعمال النُّقاد المتقدمون للفظةِ \"المتابعة\" على كل هذه المعاني، ولا فرق بين المتابعة والشاهد عندهم كما فعل المتأخرون، بل قد يطلقون المتابعة على الشاهد والعكس، ولا شك أنَّ هناك ثَمَّ قرائن ترجيح أخرى كثيرة استعملها النُّقاد في ترجيح المرويَّات، ولذا سأُحَاول في هذا الفصل استعراض بعض هذه القرائن التي كان الدارقطني والنُّقاد المتقدمون يستعملونها، وبيان أثرها في الترجيح عندهم بالأمثلة التطبيقية والله الموفق سبحانه لا رب سواه.\n_________\n(١) ابن حجر العسقلاني: نزهة النظر شرح نخبة الفكر، (ص٥٥).","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>المبحث الأول: المتابعات وأثرها في الترجيح</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>المطلب الأول: تعريف المتابعات لغةً واصطلاحًا وحكمها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>أولًا: تعريف المتابعة لغة:</span>\nوالمتابعة من تَتَبُّعِ الشئ بمعنى: اتَّبَعْت وتَبِعْت تَبَعًا وتَباعةً، قال ابن منظور في اللسان: \" (تبع) تَبِعَ الشيءَ تَبَعًا وتَباعًا في الأَفعال وتَبِعْتُ الشيءَ تُبوعًا سِرْت في إِثْرِه واتَّبَعَه وأَتْبَعَه وتتَبَّعه قَفاه وتَطلَّبه مُتَّبعًا له، وكذلك تتَبَّعه وتتَبَّعْته تتَبُّعًا، قال القُطامي:\nوخَيْرُ الأَمْرِ ما اسْتَقْبَلْتَ منه ... وليس بأَن تتَبَّعَه اتِّباعا\n\nوضَع الإتِّباعَ موضع التتبُّعِ مجازًا، قال: سيبويه تتَبَّعَه اتِّباعًا لأَن تتَبَّعْت في معنى: اتَّبَعْت وتَبِعْت القوم تَبَعًا وتَباعةً بالفتح إِذا مشيت خلفهم، أَو مَرُّوا بك فمضَيْتَ معهم، وفي حديث الدعاء: «تابِعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُم عَلَى الْخَيْرَاتِ»، أَي اجْعَلْنا نَتَّبِعُهم على ما هم عليه والتِّباعةُ مثل التَّبعةِ والتِّبعةِ.\n\nقَالَ الشَّاعِرُ:\nأَكَلَت حَنِيفةُ رَبَّها زَمَنَ التقَحُّمِ والمَجاعهْ ... لم يَحْذَرُوا من ربِّهم سُوء العَواقِبِ والتِّباعهْ\n\nلأَنهم كانوا قد اتخذوا إِلهًا من حَيْسٍ فعَبَدُوه زَمانًا ثم أَصابتهم مَجاعة فأَكلوه وأَتْبَعه الشيءَ جعله له تابعًا وقيل أَتبَعَ الرجلَ سبقه فلَحِقَه وتَبِعَه تَبَعًا واتَّبَعه مرَّ به فمضَى معه.\nوفي التنزيل في صفة ذي القَرْنَيْنِ: ﴿ثُمَّ اتَّبَع سَبَبًَا﴾ بتشديد التاء ومعناها تَبِعَ وكان أَبو عمرو بن العلاء يقرؤُها بتشديد التاء وهي قراءة أَهل المدينة، وكان الكسائي يقرؤُها ﴿ثُمَّ أَتبع سَبَبًَا﴾ بقطع الأَلف أَي لَحِقَ وأَدْرك \" (١).\n_________\n(١) ابن منظور: لسان العرب، (ج٨/ص٢٧)، مادة (تبع).","vol":"1","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>ثانيًا: تعريف المتابعة اصطلاحًا وحكمها:</span>\nومعنى المتابعة في الاصطلاح مطابق لمعناها في اللغة، وهي موافقة الراوي برواية الحديث عن شيخه، أي مشاركة الراوي في شيخِهِ، بنقل الحديث نفسه أو معناه، ولا يشترط في المتابعة ثقة الْمُتَابع، بل تُقْبَل حتى ولو كان ضعيفًا ضعفًا مُحتملًا.\n\nقال ابن الصلاح: \" ثم اعلم أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج بحديثه وحده بل يكون معدودًا في الضعفاء. وفي كتاب البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد، وليس كل ضعيف يصلح لذلك، ولهذا يقول الدارقطني وغيره في الضعفاء فلان يعتبر به، وفلان لا يعتبر به \" (١).\n\nوقال الحافظ ابن حجر: \" وَما تقدَّم ذِكرُه مِن الفَرْدِ النِّسْبِيِّ؛ إِنْ وُجِدَ - بعدَ ظَنِّ كونِه فَرْدًا - قد وافَقَهُ غيرُهُ، فهُو المُتابِعُ، بكسرِ الباءِ الموحَّدةِ.\nوالمُتابَعَةُ على مراتِبَ: لأنَّها إِنْ حَصَلَتْ للرَّاوي نفسِهِ؛ فهِي التَّامَّةُ. وإِنْ حَصَلَتْ لشيخِهِ فمَنْ فوقَهُ؛ فهِيَ القاصِرةُ. ويُستفادُ منها التَّقويةُ \" (٢).\n\nوقال ابن الصلاح في معرفةُ الاعتبار والمُتَابعات والشَّوَاهد: \" هذه أُمور يتداولها أهل الحديث يتعرَّفُونَ بها حال الحديث ينظرون هل تفرَّد به رَاويه أم لا؟، وهل هو معروف أو لا؟.\nوذكر أبو حاتم محمد بن حبان التميمي الحافظ ﵀ أنَّ طريق الاعتبار في الأخبار مثاله أن يَرْوي حمَّاد بن سلمة حديثًا لم يُتَابع عليه، عن أيُّوب عن ابن سيرين عن أبي هُرَيْرة عن النَّبي ﷺ، فيُنْظر هل روى ذلك ثقةٌ غير أيُّوب عن ابن سِيرين فإن وجد علم أنَّ للخبر أصلًا يرجع إليه، وإن لم يُوجد، فثقة غيرُ ابن سِيرين عن أبي هُرَيْرة، وإلاَّ فصَحَابي غير أبي هُرَيْرة - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ أي ذلكَ وُجِدَ عُلِمَ أنَّ لهُ أصْلًا يُرجع إليه، وإلاَّ فلا \" (٣).\n_________\n(١) العراقي: التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، (ص١١٠)\n(٢) ابن حجر العسقلاني: نزهة النظر، (ص٥٣ - ٥٤).\n(٣) العراقي: التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، (ص١٠٩).","vol":"1","page":353},{"text":"قلتُ: وما ذكره ابن الصلاح في مقدمته عن ابن حبان يُظهر منهج النُّقاد المتقدمين وكيفية اعتبارهم بالمتابعات والشواهد، مما يثبت أنَّ نظرتهم للمرويَّات كانت شاملة المتن والسند على السواء، وليس كل شاهد أو متابعة تقبل، ولكن يجب أن يتوفر بها شروط منها: صحة سند هذه المتابعة إلى المتابع، وأن لا تكون معلولة أو ثبت خطأ الراوي فيها وغيرها من الدلائل التي تبين أنَّ لهذه المتابعة أصل حتى يعتد بها، ولقد أسرف الناس في هذا العصر بالاعتداد بأي متابعة كانت، ويطيرون بها كل مطار، وظنَّ هؤلاء أنَّ قواعد هذا الفن مطردة مثل الرياضيات، فهم يطبقون القاعدة على كل أثر وخبر، فهم يحسبون كل سوادٍ تمرة، وكل بياضٍ لبن.\n\nوليس كذلك فإنَّ لكل حديث ظروفًا خاصةً تختلف عن الآخر، ولقد سبق بيان أنَّ النُّقاد المتقدمين لم يكن لهم قاعدة مطردة في ذلك، يستعملونها دائمًا في نقد المرويَّات، بل كان لهم في كل حديث فهم خاص، ونقد مختلف تبعًا لحال الرواية والمروي.\nكما بيَّن ذلك الإمام مُسْلِم في التمييز، فقال: \" فليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا - وإن كَانَ من أحفظ الناس وأشدهم توقيًا وإتقانًا لما يحفظ وينقل إلا الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله \" (١).\n\nوَقَالَ الترمذي: \" وإنَّما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع، مع أنَّه لَمْ يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم \" (٢).\nوكذلك قول ابن رجب: \" وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه \" (٣).\n_________\n(١) الإمام مسلم: التمييز، (ص ١٢٤).\n(٢) الإمام الترمذي: علل الترمذي الصغير آخر جامعه، (ج٦/ص٢٤٠).\n(٣) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص٢٧٢ - ٢٧٣).","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>المطلب الثاني: أثر المتابعات في الترجيح عند النُّقاد والإمام الدرقطني:</span>\nلا يخفى على مشتغلٍ بهذا الفن فضلًا على الباحث في علوم الحديث الأهمية البالغة للمتابعات والشواهد في الترجيح بين الروايات المختلفة، ولقد كان أهل الحديث وجهابذة النُّقاد يتهافتون على تلك المتابعات والشواهد؛ وكأنها اللؤلؤ والمرجان، حيث يتقوى بها الحديث المحتمل الضعف، أو تفرد راوٍ عن شيخه لا يحتمل، وخلافه من الأسباب التي قد يحتاج إليها النَّاقد للترجيح، ومعرفة الصواب في هذه المرويَّات، فلا يحتاج إليها إلا عند الحاجة.\nولقد بذل أهل الحديث كل غالٍ ونفيسٍ للحصول على تلك المتابعة أو ذلك الشاهد الذي يترجح به كفة رواية على رواية، أو زوال شبهة الخطأ والوهم عن رواية راوٍ، أو ترجيح زيادة متن على نقصانه، وغيرها من أساليب الترجيح بين المرويَّات المختلفة وسوف نضرب بعض الأمثلة التي توضح استعمالهم للمتابعة في الترجيح، والله الموفق.\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني -: \" عن حديث نعيم بن ربيعة، عن عمر - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «حين جاءه رجل يسأله عن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، فقال ﵇: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَأَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَالَ خَلَقْتُ هَؤُلاَءِ لِلْجَنَّةِ ...» (١)\nفقال - الدارقطني -: يرويه زيد بن أبي أنيسة عن عبدالحميد بن عبدالرحمن بن زيد ابن الخطاب، عن مسلم بن يسار، عن نعيم بن ربيعة، عن عمر. حدث عنه كذلك يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي وجود إسناده ووصله. وخالفه مالك بن أنس فرواه، عن زيد بن أبي أنيسة،\n_________\n(١) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب تفسير القرآن، باب سورة الأعراف، (ج٥/ص٢٦٦)، برقم (٣٠٧٥)، وأبو داود: في السنن، كتاب السنة، باب في القدر، (ج٢/ص٦٣٩)، برقم (٤٧٠٣)، كلاهما من طريق زيد بن أبي أنيسة أنَّ عبدالحميد بن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أنَّ عمر بن الخطاب به تامًا، الآية في سورة الأعراف رقم (١٧٢).","vol":"1","page":355},{"text":"ولم يذكر في الإسناد نعيم بن ربيعة وأرسله، عن مسلم بن يسار عن عمر. وحديث يزيد بن سنان متصل وهو أولى بالصواب والله أعلم، وقد تابعه عمر بن جعثم فرواه عن زيد بن أبي أنيسة كذلك قاله بقية بن الوليد عنه \" (١).\n\nقلتُ: هذا الحديث يرويه زيد بن أبي أنيسة، واختلف عليه في الإسناد على وجهين:\n١. رواه عنه يزيد بن سنان (٢) مسندًا موصولًا، أي: عن مسلم بن يسار، عن نعيم ابن ربيعة، عن عمر بن الخطاب ﵁.\n٢. ورواه عنه مالك بن أنس لم يذكر في الإسناد نعيم بن ربيعة بين مسلم بن يسار، ... وعمر بن الخطاب ﵁.\n\nثم رجح الدارقطني أنَّ الأولى بالصواب الوجه الثاني من رواية يزيد بن سنان، بسبب متابعة عُمر بن جُعْثُم وهو القرشي الحمصي (٣) ليزيد بن سنان في شيخه زيد بن أبي أنيسة متابعة تامة (٤).\nوبهذا الترجيح أعلَّ الدارقطني الحديث، حيث إنَّ الوجه الأول فيه علتان: ضَعْف يزيد ابن سنان، والانقطاع بين مسلم بن يسار، وعمر بن الخطاب ﵁، وقد أشار إلى ذلك الإمام الترمذي فقال: \" هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ ومسلم بن يسار لَمْ يَسْمَعْ من عمر وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٢/ص٢٢١ - ٢٢٣)، سؤال رقم (٢٣٥).\n(٢) هو يزيد بن سنان بن يزيد التميمي الجزري، أبو فروة الرهاوي (ت:١٥٥هـ)، ضعفه أحمد، وقال: أبو حاتم محله الصدق، وقال البخاري: مقارب الحديث، أخرج له الترمذي وابن ماجه، تهذيب التهذيب (ج١١/ص ٢٩٣)، قلتُ: ومثلُ هذا ضعفه محتمل يتقوى بمتابعة غيره له.\n(٣) قال الحافظ ابن حجر: مقبول تقريب التهذيب (ج١/ص٧١٣)، قلتُ: يعني عند المتابعة.\n(٤) أخرج هذه المتابعة أبو داود: في السنن كتاب السنة، باب في القدر، (ج٢/ص٦٣٩)، برقم (٤٧٠٣)، من طريق بقية قال: حدثني عُمر بن جُعْثُم القُرشي قال: حدثني زيد بن أبي أنيسة عن عبدالحميد بن عبدالرحمن عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة قال كنت عند عمر بن الخطاب به.","vol":"1","page":356},{"text":"في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رَجُلًا مَجْهُولًا \" (١).\nوأما الوجه الثاني الموصول ففيه نعيم بن ربيعة (٢) مجهول لم يرو عنه إلا مسلم بن يسار الجهني، ولم يوثقه إلا ابن حبان، فظهر صنيع الدارقطني بهذه المتابعة كقرينة ترجيح لإثبات صواب الوجه الثاني وبالتالي علة الحديث، والله الموفق سبحانه.\n\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني -: \" عن حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ قال: «لاَ يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ حَزَنٍ وَلاَ نَصَبٍ إِلا كَفَّرَ اللَّهُ عَنهُ مِنْ خَطَايَاهُ» (٣).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه محمد بن عمرو عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، حدث به عنه الوليد بن كثير ومحمد بن إسحاق وأسامة بن زيد، واختلف عنه، فرواه يحيى القطان ووكيع وعبيد الله بن موسى وغيرهم عن أسامة عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري.\nرواه عبدالله بن وهب عن أسامة فقال: عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، زاد في الإسناد محمد بن عمرو بن حلحلة.\nووهم فيه، والصحيح قول يحيى القطان ومن تابعه.\nوكذلك رواه إسماعيل بن جعفر وعقيل بن خالد، وعيسى بن عبد الله العدوي، وليث\nابن أبي سليم عن محمد بن عمرو عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، وهو الصواب.\n_________\n(١) الترمذي: في السنن، كتاب تفسير القرآن، باب سورة الأعراف، (ج٥/ص٢٦٦)، بعد حديث رقم (٣٠٧٥).\n(٢) هو نعيم بن ربيعة الأزدي (ت:؟)، من الطبقة الثانية من كبار التابعين، أخرج له أبو داود هذا الحديث، روى عنه مسلم بن يسار، ولم يوثقه إلا ابن حبان، تهذيب التهذيب (ج ١٠/ص ٤١٣).\n(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري على الوجه الصحيح في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض (ج١٠/ص١٢٠)، برقم (٥٦٤١،٥٦٤٢)، ومسلم في الجامع الصحيح (بشرح النووي)، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، (ج٨/ص٣٧٢)، برقم (٢٥٧٣)، نحوًا منه.","vol":"1","page":357},{"text":"وفي حديث الوليد بن كثير عن أبي هريرة وأبي سعيد جميعًا \" (١).\n\nقلتُ: هذا الحديث يرويه مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، واختلف عليه علي وجهين:\n١. رواه عنه جماعة منهم يحيى القطان ووكيع وعبيدالله بن موسى، فقالوا: عن أُسَامَةَ ابْنِ زَيْدٍ عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري.\n٢. ورواه عنه عبدالله بن وهب، فقال: عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، زاد في الإسناد محمد بن عمرو بن حلحلة.\n\nثُمَّ رَجَّح الدارقطني الوجه الأول، حيث فيه جمع كثير تابع بعضهم بعضًا، وعلى رأسهم يحيى القطان وهو إمام ثبت، وقد تابعه جمع منهم وكيع، وعبيدالله بن موسى وغيرهم، فصارت زيادة محمد بن عمرو بن حلحلة في الإسناد هذا خطأ من عبدالله بن وهب، وأصل هذا الوهم أنَّ الحديث له إسناد أخر صحيح فيه رواية مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أخرجه البخاري كما أشرنا سالفًا، فاختلط ذلك على عبدالله بن وهب، والله أعلم، وعلى كلٍّ فقد ظهر كيف استفاد الدارقطني بالمتابعات في ترجيح الرواية الصحيحة.\n\nوقد استعمل الأئمة النُّقاد المتابعات في ترجيح المرويَّات وسنضرب هنا بعض الأمثلة منها:\nقال ابن أبي حاتم في العلل: \" وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ، رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرو: «أَنّ النَّبِيَّ ﷺ، حَدَّثَهُم ذَاتَ لَيْلَةٍ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمْ يَقُمْ فِيهَا إِلاَ إِلَى عُظْمِ صَلاَةٍ» (٢).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١١/ص٢٥١ - ٢٥٢)، سؤال رقم (٢٢٦٨).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد: في المسند، (ج٤/ص٤٣٧)، برقم (١٩٩٣٨)، وهي متابعة هشام الدستوائي من طريق معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن أبي حسان عن عبد الله بن عمرو به.","vol":"1","page":358},{"text":"قَالَ أَبِي: يروي هَذَا الحديث أَبُو هلال (١)، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حسان (٢)، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حصين عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وحديث عَبْدِاللهِ ابْنِ عَمْرو أشبه؛ لأنّهُ قد تابعه هشام الدستوائي، وعمرو بن الحرث \" (٣).\nقلتُ: وأصلُ العلةِ التي أشار إليها أبو حاتم هي: أنَّ أبا هلال روى الحديث من طريق حَسَنِ بْنُ مُوسَى، وَعَفَّانَ قَالاَ: أَنْبَأَنَا أَبُو هِلاَلٍ، قَالَ عَفَّانُ، أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ، وَقَالَ حَسَنٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَن أَبِي حَسَّانَ الأَعْرَجِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُنَا عَامَّةَ لَيْلِهِ عَنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ لاَ يَقُومُ إِلاَ لِعُظْمِ صَلاَةٍ» (٤).\n\nوقد خالفه سَعِيدُ بْنِ بَشِيرٍ (٥) في الإسناد فقال: عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرو عن النَّبِيَّ ﷺ.\n\nومعلوم أنَّ أبا هلال صدوق فيه لين، وسَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ قد ضعفه أحمد ووثقه آخرون، فكأنَّ الوجهين متساويان في الدرجة والمرتبة، فلا يمكن ترجيح أحد الأوجه إلا أنَّ يأتي متابع لأحدٍ منهما، ثُمَّ جاء هشام الدستوائي (٦) فتابع سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حسان عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرو أخرجه الإمام أحمد كذلك كما ذكرنا سالفًا، فظهر أنَّ الوجه الأول مرجوح، والثاني راجح، وهو ما رجحه أبو حاتم بقوله:\n\" وحديث عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرو أشبه؛ لأنّهُ قد\n_________\n(١) وهو محمد بن سليم، أبو هلال الرَّاسبي البصري (ت: ١٦٧ هـ)، صدوق فيه لين، من الطبقة السادسة، أخرج له الأربعة في السنن والبخاري تعليقًا، تهذيب التهذيب (ج ٩/ص ١٧٣).\n(٢) وهو مسلم بن عبدالله، أبو حسان الأعرج الأحرد، البصري (ت: ١٣٠ هـ)، صدوق رمى برأي الخوارج، أخرج له الستة إلا البخاري تعليقًا، تهذيب التهذيب (ج ١٢/ص ٦٣).\n(٣) ابن أبي حاتم: كتاب العلل، (ص٤٦٧)، سؤال رقم (٤٥١).\n(٤) أخرجه الإمام أحمد: في المسند، (ج٤/ص٥٥٤)، برقم (٢٠٠٠٤).\n(٥) سبق ترجمته، تهذيب التهذيب (ج ٤/ص ٨).\n(٦) وهو هشام بن أبى عبد الله: سنبر الدستوائي، أبو بكر البصري، الربعي وقيل الجحدري (ت: ١٥٤ هـ)، ثقة ثبت من الطبقة السابعة، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج ١١/ص ٤٠).","vol":"1","page":359},{"text":"تابعه هشام الدستوائي، وعمرو بن الحرث\".\nوذلك؛ لأنَّ هشام الدستوائي أوثق من أبي هلال.\nالمثال الثاني: قال البخاري في الجامع الصحيح: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ حَدَّثَنَا شَاذَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لاَ نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ، ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ لاَ نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ. تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِالْعَزِيزِ.\n\nقال الحافظ في الفتح: \" وَكَأَنَّ البُخَارِي أَرَادَ بِهَذِهِ الْمُتَابَعَة إثبات الطريق إلى عبدالعزيز ابن أبي سلمة؛ لأَنَّ عَبَّاسًا الدَّوْرِيّ رَوَى هذا الحديث عن شَاذَان فَقَالَ: \" عَنْ الْفَرَج بْن فَضَالَة عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ نَافِع \" فَكَأَنَّ لِشَاذَان فِيهِ شَيْخَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ \" (١).\nقلتُ: وهذا دأب البخاري في جامعه كله، فإنَّهُ يأتي بالرواية التي قد تكون فيها شبهة عدم السماع مثلًا، ثم يأتي بمتابعة ليثبت السماع على مذهبه المشهور، وقد أخذ البخاري هذا عن شيوخه منهم شيخ شيوخه يحيى بن سعيد القطان، فإنَّه كان ينكر على همام بن يحيى العَوْذِي حديثه فلمَّا تابعه معاذ بن هشام الدستوائي سكت عنه، نقل هذا ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل فقال: \" قال: عمر بن شبة قال: سمعت عفان يقول: كان يحيى بن سعيد يعترض على همام في كثير من حديثه، فلمَّا قدم معاذ بن هشام نظرنا في كتبه فوجدناه يوافق هماما في كثير مما كان يحيى ينكره عليه فكف يحيى بعد عنه \" (٢) فظهر لك كيف كان منهج الأئمة النُّقاد في استعمال المتابعة وأثرها في ترجيح المرويَّات، لم يختلف فيهم أحد في طريقة الترجيح بالمتابعات، والله أعلم.\n_________\n(١) البخاري: في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عثمان بن عفان (ج٧/ص٦٧ - ٦٨)، بعد حديث برقم (٣٦٩٧).\n(٢) ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل (ج٩/ ١٠٨).","vol":"1","page":360},{"text":"المثال الثالث: قال الحافظ ابن حجر في النكت: \" ومن ذلك ما رواه من طريق هشيم عن يزيد بن أبي زياد عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «حَقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلْيَمَسَّ أَحَدُهُمْ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَالْمَاءُ لَهُ طِيبٌ» (١).\nقال - يعني الترمذي -: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.\nقلتُ - ابن حجر -: وهشيم موصوف بالتدليس، لكن تابعه عنده أبو يحيى التيمي. وللمتن شواهد من حديث أبي سعيد الخدري وغيره رضي الله تعالى عنهم \" (٢).\n\nقلتُ: وهكذا قوى الحافظ ابن حجر الحديث الضعيف بسبب عنعنة هشيم وهو ابن بشير أبو معاوية السُلمي (٣)، وهو ثقة ثبت كثير التدليس، بمتابعة أبي يحيى التيمي (٤) وهو ضعيف، فظهر لك أثر المتابعة في تقوية الحديث عند النُّقاد وهو مسلك اتخذه أهل الحديث على اختلاف مذاهبهم.\n\nوبنهاية هذا المطلب ينتهي مبحث المتابعات وأثرها في الترجيح، وقد ظهر جليًا أثر المتابعات في الترجيح عند الدارقطني والنُّقاد المتقدمين، وأنَّ منهج النُّقاد في تقوية الحديث بالمتابعات والشواهد واحد لم يختلف من إمام لغيره، وقد ظهر لك أنَّ الدارقطني وغيره من النُّقاد كانت نظرتهم للحديث في النقد شمولية من جهتي السند والمتن على السواء، وليس من جانب الإسناد ورجاله فحسب.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب الجمعة، باب ما جاء في السواك والطيب يوم الجمعة (ج٢/ص ٤٠٧)، برقم (٥٢٨) قال الترمذي: \" حديث البراء حَدِيثٌ حَسَنٌ ورواية هشيم أحسن من رواية إسمعيل بن إبراهيم التيمي وإسمعيل بن إبراهيم التيمي يضعف في الحديث \".\n(٢) الحافظ ابن حجر العسقلاني: النكت الظراف، (ج١/ص٧٧).\n(٣) هشيم بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية (ت: ١٨٣ هـ)، ثقة ثبت كثير التدليس من الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج١١ /ص ٥٣).\n(٤) إسماعيل بن إبراهيم الأحول، أبو يحيى التيمي الكوفي (ت:؟)، ضعيف من الطبقة الثامنة من الوسطى من أتباع التابعين، أخرج له الترمذي وابن ماجه، تهذيب التهذيب (ج١/ص ٢٤٥ - ٢٤٦).","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>المبحث الثاني: القرائن وأثرها في الترجيح</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>المطلب الأول: قرائن الترجيح بالأحفظ:</span>\nسبق وأن ذكرنا أنَّ منهج الدارقطني والنُّقاد في ترجيح المرويَّات قد يكون بقرينة الأحفظ للرواية والمتقن لها، وتعد هذه القرينة من أشهر القرائن التي كان يستعملها النُّقاد للدلالة على صحة الرواية، أو إعلال وجه من الوجوه، أو ترجيح زيادة على نقصان أو العكس وغيرها، والجدير بالذكر أنَّ هذه القرائن متعددة وكلها تدل على أنَّ الراوي قد حفظ الحديث وضبطه، فمثلًا كونه أعلم الناس بحديث فلان، أو أنَّ في حديثه قصة يسردها قبل المتن كسبب رواية الحديث وهكذا، فإنَّ هناك عدة قرائن تدل دلالة واضحة وقوية على أنَّ الراوي قد حفظ ذلك المروي، وضبطه ضبطًا لا شك فيه، وسنعرض هنا بعض النماذج التي توضح كيفية استعمال الدارقطني والنُّقاد لهذه القرينة في الترجيح:\n\nالمثال الأول: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني -: \" عن حديث المقبري عن أبي هريرة - ﵁ - قال رسول الله ﷺ: \" إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَحُدَّهَا وَلاَ يُعَيِّرْهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدَهَا، ثُمَّ لِيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ \" (١).\n\nفقال - الدارقطني -: يرويه عبيدالله بن عمر، واختلف عنه، فرواه معتمر بن سليمان، وأبو أسامة، وعبدالله بن نمير عن عبيدالله عن سعيد عن أبي هريرة. واختلف عن محمد بن عبيد الطنافسي، فرواه عنه جماعة، فقالوا: عن عبيدالله عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة بمتابعة الأموي، ورواه آخرون بمتابعة معتمر ومن وافقه، لم يذكروا فيه\nأبا سعيد المقبري. وكذلك رواه عبدالعزيز بن جريج، وأيوب بن موسى، وإسماعيل بن أمية، وأسامة بن زيد،\n_________\n(١) متفق عليه: أخرجه البخاري على الوجه الصحيح في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب البيوع، باب بيع العبد الزاني (ج٤/ص٤٢٥)، برقم (٢١٥٢)، ومسلم في الجامع الصحيح (بشرح النووي)، كتاب الحدود، باب رجم اليهود، وأهل الذمة في الزنا، (ج٦/ص٢٢٦)، برقم (١٧٠٣)، كلاهما عن اللَّيْثُ بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه، عن أبي هريرة نحوًا منه.","vol":"1","page":362},{"text":"وعبدالرحمن بن إسحاق، وابن أبي ذئب، ومحمد بن عجلان، وعبدالله بن عمر العمري وأبو معشر. وخالفهم اللَّيْثُ بن سعد وهو أحفظ الجماعة عن المقبري.\nورواه عن المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، وهو المحفوظ؛ لأنَّ الليث بن سعد ضبط عن المقبري ما رواه عن أبي هريرة، وما رواه عن أبيه عن أبي هريرة \" (١).\n\nقلتُ: هذا الحديث مداره على سعيد بن أبي سعيد المقبري كيسان، واختلف عليه علي وجهين:\n١. رواه عنه جماعة ثقات أثبات منهم ابن جريج، وإسماعيل بن أمية (٢)، وابن أبي ذئب وغيرهم، فقالوا: عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة مرفوعًا، لم يذكروا فيه أبا سعيد المقبري.\n٢. وخالفهم اللَّيْثُ بن سعد (٣) فرواه عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا.\nثُمَّ رَجَّح الدارقطني الوجه الثاني، حيث إنَّ اللَّيْثُ بن سعد أحفظ الناس بحديث سعيد ابن أبي سعيد عن أبيه، عن أبي هريرة، وقد ضبط ما رواه سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، وما رواه عن أبيه عن أبي هريرة، وهذه قرينة الأحفظ للحديث، فعلى الرغم من أنَّ جمعًا من ثقات قد خالفوه، كانت روايةُ اللَّيْثِ بن سعد هي الصواب ورواية غيره خطأ، مما يظهر أمانة ودقة الدارقطني في ترجيحه بين المرويَّات، ومن هنا يُعلم سر إخراج البخاري ومسلم للحديث من طريق اللَّيْثِ بن سعد، وليس من طريق غيره بسبب العلة التي ذكرها\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١٠/ص٣٧٨)، سؤال رقم (٢٠٦٣).\n(٢) إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي (ت: ١٤٤ هـ)، ثقة ثبت، من الطبقة السادسة، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج١/ص ٢٤٧).\n(٣) اللَّيْثُ بن سعد بن عبدالرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري (ت: ١٧٥ هـ)، ثقة ثبت فقيه إمام، من الطبقة السابعة، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج٨/ص ٤١٢).","vol":"1","page":363},{"text":"الدارقطني هنا في بقية الأوجه الأخرى، وهو الخطأ الذي طرأ على الإسناد فيها بإسقاط أبي سعيد المقبري من الإسناد، والله هو الهادي إلى سواء السبيل.\n\nالمثال الثاني: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني -: \" عن حديث الأحنف بن قيس عن أبي بكرة قال رسول الله ﷺ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا» (١).\nفقال - يعني الدارقطني -: يرويه الحسن البصري عن الأحنف واختلف عنه فرواه أيوب السختياني، ويونس بن عبيد، وهشام بن حسان، ومعلى بن زياد عن الحسن عنه واختلف عن يونس وهشام فروي، عن حماد بن زيد عنهما، عن الحسن عن الأحنف، وخالفه أبو خلف عبدالله بن عيسى ومحبوب بن الحسن فرواه عن يونس عن الحسن عن أبي بكرة، وخالفه أيضا في روايته عن هشام الثوري وزائدة، فروياه عن هشام عن الحسن عن أبي بكرة، وكذلك قال أبو الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد عن هشام.\n\nولعل حماد إنَّما جمع بين أيوب وهشام ويونس في الإسناد على حديثيهما على إسناد حديث أيوب فذكر فيه الأحنف وهما لا يذكرانه، ورواه قتادة ومعروف الأعور، وجسر ابن فرقد عن الحسن عن أبي بكرة. ولم يذكروا فيه الأحنف، والصحيح حديث أيوب حدث به عنه حماد بن زيد ومعمر \" (٢).\nقلتُ: ومن القرائن التي جعلت حديث أيوب الذي حدث به حماد بن زيد، ومعمر بن راشد راجحًا ومحفوظًا أنَّ حديث أيوب فيه قصة سؤال الأحنف بن قيس أبي بكرة ﵁، وهي\n_________\n(١) أخرجه البخاري على الوجه الصحيح: في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الديات، باب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا ...﴾، (ج١٢/ص٢٢٦)، رقم (٦٨٧٥)، بلفظ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ قَالَ ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ».\n(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٧ / ص ١٦٢ - ١٦٤)، سؤال رقم (١٢٧٦).\n(٢) ابن حجر العسقلاني: هدي الساري (مقدمة فتح الباري)، (ص ٤٩٠).","vol":"1","page":364},{"text":"دليل على أنَّ صاحب الرواية قد حفظ، كما قال الإمام أحمد بن حنبل: \" إذا كان في الحديث قصة دل على أن راويه حفظه، والله أعلم \" (١).\n\nلقد رجَّح النُّقاد المتقدمون بهذه القرائن عدة أحاديث نذكر منها نموذجًا علي سبيل المثال:\n\nقال ابن أبي حاتم في العلل: \" سألتُ أبي وأبا زُرْعَةَ، عن حديثٍ، رواه يحيى بن آدم عن الحسن بن عياش، عن ابن أَبْجَر عن الأسود عن عمر: «أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيهِ فِي أَوْلِ تَكْبِيرَةٍ ثُمَّ لاَ يَعُودُ»، هل هو صحيح؟ أو يَرْفَعُهُ حديث الثوري عن الزبير بن عدي عن إِبراهيم عن الأسود عن عمر: «أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيهِ فِي افْتِتَاحِ الْصَّلاَةِ حَتَى تَبْلغُا مِنْكَبَيهِ» فقط؟،\nفقالا سفيان أحفظ، وقال أبو زُرْعَةَ هذا أصح، يعنى حديث سفيان عن الزبير ابن عدي عن إِبراهيم عن الأسود عن عمر \" (٢).\n\nقلتُ: والعلة التي أشار إليها ابن أبي حاتم هنا هي الأثر ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ من طريق الحسن بن عياش (٣) وهو ثقة بلفظ: \" أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيهِ فِي أَوْلِ تَكْبِيرَةٍ ثُمَّ لاَ يَعُودُ \"، وهذا مخالف الأحاديث الصحيحة الواردة في رفع اليدين عند الركوع وبعده.\n\nوقال الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر الرواية: \" قَالَ الطَّحَاوِيُّ: فهذا عمر لم يكن يرفع يَدَيْهِ أَيْضًا إلاَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ، فَإِنَّ مَدَارَهُ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عَيَّاشٍ، وَهُوَ ثقة حجة ذكر ذلك يحيى بن معين عنه انتهى، وَاعْتَرَضَهُ الْحَاكِمُ: بِأَنَّ هذه رواية شاذة لا يقوم بها حجة ولا تعارض بها الأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ عَنْ طَاوُسٍ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ\n_________\n(١)\n(٢) ابن أبي حاتم: كتاب العلل، (ص ٣٥٤ - ٣٥٥)، مسالة رقم (٢٥٦).\n(٣) الحسن بن عياش بن سالم الأسدي مولاهم الكوفي (ت: ١٧٢ هـ) (أخو أبى بكر بن عياش)، صدوق، من الطبقة الثامنة، من الوسطى من أتباع التابعين، أخرج له: مسلم والترمذي والنَّسائي، تهذيب التهذيب (ج٢/ص ٢٧٠).","vol":"1","page":365},{"text":"يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الرُّكُوعِ، وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ، وروى هذا الحديث سفيان الثوري عن الزبير بن عدي به ولم يذكر فيه: لَمْ يَعُدْ، ثم رواه الحاكم وعنه البيهقي بسنده عن سفيان عن الزبير بن عدي عن إبراهيم عن الأسود أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرِ، انْتَهَى. \" (١).\nفقول أبي حاتم وأبي زُرْعَةَ: \" سفيان أحفظ \"، يدل على أنَّهما رجحا رواية سفيان الثوري عن الزبير بن عدي به ولم يذكر فيه: \" لَمْ يَعُدْ \"، واعتبرت هذه اللفظة معلولة كما أشار إلي شذوذها الحاكم في النص السابق، مما يظهر كيف كان الأئمة النُّقاد يستدلون بقرينة الأحفظ للرواية من غيره، وقد تكلف قوم الجمع والرواية خطأ في الأصل فلا يصح الجمع بين ما هو ثابت صحيح، وبين رواية لم تثبت، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>المطلب الثاني: قرينة الترجيح بالأقوى والأثبت في الشيوخ:</span>\nتعتبر قرينة الترجيح بالأقوى في الشيخ من أهم وأشهر القرائن التي اعتمد عليها الدارقطني والنُّقاد المتقدمين في الترجيح بين المرويَّات؛ وذلك لأنَّ الرواة ليسوا على مرتبة واحدة في الضبط والإتقان عن الشيخ ولاسيما إذا كان الشيخ مكثرًا، فالرواةُ يتفاوتون في ملازمة الشيخ، فمنهم من يلازم الشيخ مدة طويلة، وقد سمع الحديث مررًا واستوعب حديثه، ومنهم من لم يسمع الحديث إلا مرة واحدة، ولم يلازم الشيخ إلا مدة يسيرة، لذا اهتم النُّقاد بهذه القرينة في الترجيح وأثبتوا طبقات الرواة عن الشيوخ والمفاضلة بينهم.\n\nوقد قَسَّم النُّقاد الرواة عن الزهري مثلًا إلي خمسِ طبقاتٍ، قال الحافظ أبو بكر الحازمي: \" وهو أن نعلم مثلا أنَّ أصحاب الزهري على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها، فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة وهو مقصد البخاري، والطبقة الثانية شاركت الأولى في التثبت إلا أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان، وبين طول الملازمة\n_________\n(١) عبدالله بن يوسف أبو محمد الحنفي الزيلعي (ت: ٧٠٧): نصب الراية لأحاديث الهداية، طبعة دار الحديث، مصر، سنة ١٣٥٧هـ، تحقيق: محمد يوسف البنوري، (ج١/ص٢٩٤).","vol":"1","page":366},{"text":"للزهري حتى كان فيهم من يزامله في السفر ويلازمه في الحضر، والطبقة الثانية لم تلازم الزهري إلا مدة يسيرة فلم تمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون الأولى وهم شرط مسلم. ثُمَّ ذكر الثالثة والرابعة والخامسة وهي ضعيفة.\nثم مثل لطبقات الرواة فقال:\nالطبقة الأولى: بيونس بن يزيد، وعقيل بن خالد الأيليين، ومالك بن أنس، وسفيان ابن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة. والطبقة الثانية بالأوزاعي، والليث بن سعد، وعبدالرحمن بن خالد بن مسافر، وابن أبي ذئب. والطبقة الثالثة نحو جعفر بن برقان، وسفيان بن حسين، وإسحاق بن يحيى الكلبي. والطبقة الرابعة نحو زمعة بن صالح، ومعاوية بن يحيى الصدفي، والمثنى بن الصباح. والطبقة الخامسة نحو عبدالقدوس بن حبيب، والحكم بن عبدالله الأيلي، ومحمد بن سعيد المصلوب \" (١).\nوقال ابن رجب في شرح العلل للترمذي: \" أصحاب ثابت البُناني: وفيهم كثرة، وهم ثلاث طبقات:\nالطبقة الأولى: الثقات: كشعبة، وحماد بن زيد، وسليمان بن المغيرة، وحماد بن سلمة ومعمر. وأثبت هؤلاء كلهم في ثابت حماد بن سلمة، كذا قال أحمد في رواية ابن هانئ: \" ما أحد روى عن ثابت أثبت من حماد بن سلمة \".\nوقال ابن معين: \" حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت البناني \".\nوقال أيضًا: \" حماد بن سلمة أعلم الناس بثابت، ومن خالف حماد بن سلمة في ثابت فالقول قول حماد \".\n_________\n(١) محمد بن موسى أبي بكر الحازمي: شروط الأئمة الخمسة، طبعة مكتبة القدس، القاهرة، (ص٤٣)، وابن حجر العسقلاني: هدي الساري (ص١٢).","vol":"1","page":367},{"text":"وقال ابن المديني: \" لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة، ثم من بعده سليمان بن المغيرة، ثم من بعده حماد بن زيد، وهي صحاح \"، يعني أحاديث هؤلاء الثلاثة عن ثابت.\nوقال أبو حاتم الرَّزاي: \" حماد بن سلمة في ثابت وعلي بن زيد أحب إلىّ من همام، وهو أحفظ الناس، وأعلم بحديثهما، بيَّن خطأ الناس \". يعني أن من خالف حمادًا في حديث ثابت وعلي بن زيد قدم قول حماد عليه، وحكم بالخطأ على مخالفه.\nوحكى مسلم في كتاب التمييز: \" إجماع أهل المعرفة على أنَّ حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وحكى ذلك عن يحيى القطان، وابن معين وأحمد وغيرهم من أهل المعرفة.\nوقال الدارقطني: \" حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت \".\nالطبقة الثانية: الشيوخ:\nمثل الحكم بن عطية وقد ذكر أحمد الحكم بن عطية فقال: \" هؤلاء الشيوخ يخطئون على ثابت \"، وذكر للحكم بن عطية عن ثابت عن أنس أحاديث مناكير.\nوقال أيضًا: \" سهيل ابن حزم يروي عن ثابت منكرات \".\nوقال في عمارة بن زاذان: \" يروي عن ثابت أحاديث مناكير، ثم قال: هؤلاء الشيوخ رووا عن ثابت، وكان ثابت جل حديثه عن أنس، فحملوا أحاديثه عن أنس، قال: ويوسف بن عبدة يروي عن حميد وثابت أحاديث مناكير بالتوهم، ليس هي عندي من حديث حميد ولا ثابت \" انتهى.\nومنهم حماد بن يحيى الأبح: له أوهام عن ثابت، منها حديثه عنه وعن أنس مرفوعًا حديث: \" مثل أمتي مثل المطر \". والصواب عن ثابت عن الحسن مرسلًا، كذا رواه حماد بن سلمة عن ثابت، وقد تقدم هذا الحديث في كتاب الأمثال.\n\nالطبقة الثالثة: الضعفاء والمتركون:\nوفيهم كثرة، كيوسف بن عطية الصفّار.\nقال ابن هاني: قال أحمد: \" كان حماد ثبتًا في حديث ثابت البناني، وبعده سليمان بن المغيرة،","vol":"1","page":368},{"text":"وكان ثابت يحيلون عليه في حديث أنس، وكل شيء لثابت روي عنه يقولون: ثابت عن أنس \".\nوقال أحمد في رواية أبي طالب: \" أهل المدينة إذا كان الحديث غلطًا يقولون: ابن المنكدر عن جابر، وأهل البصرة يقولون: ثابت عن أنس، يحيلون عليهما \".\nومراد أحمد بهذا كثرة من يروي عن ابن المنكدر من ضعفاء أهل المدينة، وكثرة من يروي عن ثابت من ضعفاء أهل البصرة، وسيء الحفظ والمجهولين منهم، فإنَّه كثرت الرواية عن ثابت من هذا الضرب فوقعت المنكرات في حديثه، وإنَّما أتي من جهة من روى عنه من هؤلاء، وذكر هذا المعنى ابن عدي وغيره \" (١).\nقلتُ: قد ذكرت هذه النصوص على طولها لما لها من أهمية بالغة في فهم مراتب وطبقات الرواة وتفاضلهم في شيوخهم، وبيان أنَّ الدارقطني والنُّقاد المتقدمين كانت نظرتهم فاحصة ودقيقة للرواة والمرويَّات، وقامت على أسس قوية بنوا عليها أحكامهم في الترجيح بين الروايات التي يطرأ عليها الخلاف أو التفرد وغيرهما، ولم يكن مجرد تخرص أو اتباع للأهواء، ولا شك أنَّ هذه النصوص قد أظهرت لك أهمية قرينة الأثبت في الشيوخ من غيره.\nولقد استعمل الدارقطني هذه القرينة في جملة أحاديث، وسوف نضرب نموذجًا تطبيقيًا منها لتوضيح منهجه:\n\nالمثال: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني -: \" عن حديث الأسود بن يزيد عن عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ: «لا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ بِقَوْلِ امْرَأَةٍ - يعني فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ- فَجَعَلَ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ» (٢).\n_________\n(١) ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص٣٥٨ - ٣٦١).\n(٢) أخرجه عبدالله بن عبدالرحمن أبو محمد الدارمي (ت: ٢٥٥هـ): في السنن، طبعة دارالكتب العلمية، بيروت سنة ١٩٩٦م، تحقيق محمد بن عبدالعزيز الخالدي، كتاب الطلاق، باب فى المطلقة ثلاثا ألها السكنى والنفقة أم لا؟، (ج٢/ص٨١)، برقم (٢٣٢٩).","vol":"1","page":369},{"text":"فقال - الدارقطني -: رواه أشعث بن سوار عن الحكم، وحماد، عن إبراهيم، عن الأسود. ورواه الْمُحَارِبِيُّ عن الأَعْمَشِ عن إبراهيم عن الأسود. ورواه أبو أحمد الزُّبَيْرِيُّ عن عمار بن رزيق عن أبي إسحاق عن الأسود، وليست هذه اللفظة التي ذكرت فيه محفوظة وهي قوله: \" وَسَنَّةَ نَبِيِّنَا \"؛ لأنَّ جماعة من الثقات رووه عن الأعمش، عن إبراهيم عن الأسود أنَّ عمر قال: «لاَ نُجِيزُ فِي دِينِنَا قَوْلَ امْرَأَةٍ»، وَلَمْ يَقُولُوا فِيهِ وَسَنَّةَ نَبِيِّنَا.\nوكذلك رواه يحيى بن آدم وهو أحفظ من أبي أحمد الزُّبَيْرِيُّ وأثبت منه عن عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عمر لم يقل فيه \" وَسَنَّةَ نَبِيِّنَا \"، وهو الصواب.\n\nوكذلك رواه أبو كريب ومحمد بن عبد الله بن نُمَيرٍ، عن حفص بن غياث، عن الأعمش. وخالفهم طلق بن غنام فرواه عن حفص، عن الأعمش فقال فِيهِ: \" وَسَنَّةَ نَبِيِّنَا \"، ووهم على حفص في ذلك؛ لأنَّ محمد بن عبدالله بن نُمَيرٍ، وأبا كريب أحفظ منه وأثبت، روياه عن حفص عن الأعمش ولم يذكرا ذلك والله أعلم \" (١).\nقلتُ: هذا الأثر مداره على الأَعْمَشِ وأبي إسْحَاقٍ، واختلف في متنه علي وجهين:\n\nالوجه الأول: من قال لفظة: \" وَسَنَّةَ نَبِيِّنَا \".\n١. رواه من طريق الأَعْمَشِ جماعة منهم: الْمُحَارِبِيُّ (٢)، وطلق بن غنام (٣)، عن حفص بن غياث عنه.\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٢/ص١٤٠ - ١٤١)، سؤال رقم (١٦٤).\n(٢) وهو عبدالرحمن بن محمد بن زياد الْمُحَارِبِيُّ، أبو محمد الكوفي (ت: ١٩٥ هـ)، لا بأس به وكان يدلس قاله أحمد، من الطبقة التاسعة، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج٦/ص ٢٣٨).\n(٣) طلق بن غنام بن طلق بن معاوية النخعي، أبو محمد الكوفي (ت: ٢١١ هـ)، ثقة، من الطبقة العاشرة، أخرج له الستة إلا مسلم، تهذيب التهذيب (ج٥/ص ٢٩).","vol":"1","page":370},{"text":"٢. ورواه من طريق أبي إسحاق السبيعي: أبو أحمد الزُّبَيْرِيُّ (١)، عن عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق السبيعي.\nالوجه الثاني: من لم يقل لفظة: \" وَسَنَّةَ نَبِيِّنَا \".\n١. رواه من طريق الأعمش جماعة منهم: أبو كريب (٢)، ومحمد بن عبد الله بن نُمَيرٍ عن حفص بن غياث عنه.\n٢. ورواه من طريق أبي إسحاق السبيعي: يحيى بن آدم (٣)، عن عمار بن رزيق (٤)، عن أبي إسحاق السبيعي.\nثُمَّ صرح الدارقطني بترجيح الوجه الثاني؛ لأنَّ من رواه من طريق الأعمش هما: أبو\nكريب، وابن نُمَيرٍ وهما أثبت في حفص بن غياث من طلق بن غنام، وأما من رواه\nمن طريق أبي إسحاق: يحيى بن آدم وهو أثبت وأقوى في عمار بن رزيق من أبي أحمد الزُّبَيْرِيُّ، وبهذا رجح الدارقطني شذوذ لفظة: \" وَسَنَّةَ نَبِيِّنَا \"، وأنها زيادة معلولة؛ لأنَّ من لم يرو اللفظة أوثق وأقوى في شيخه ممن روى اللفظة، والله الموفق.\n\nولقد استعمل النُّقاد المتقدمون هذه القرينة كذلك في جملة أحاديث، وسوف نضرب نموذجًا تطبيقيًا منها لتوضيح منهجهم:\n_________\n(١) وهو محمد بن عبدالله بن الزبير بن عمر بن درهم، أبو أحمد الزُّبَيْرِيُّ الكوفي (ت:٢٠٣ هـ) ثقة ثبت، إلا أنه قد يخطىء فى حديث الثوري، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج٩/ص ٢٢٧).\n(٢) وهو محمد بن العلاء بن كريب الهمداني، أبو كريب الكوفي (ت: ٢٤٧ هـ)، ثقة حافظ، من الطبقة العاشرة، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج٩/ص ٣٤٢).\n(٣) يحيى بن آدم بن سليمان القرشي الأموي، أبو زكريا الكوفي (ت: ٢٠٣ هـ)، ثقة حافظ فاضل، من الطبقة التاسعة، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج١١/ص ١٥٤).\n(٤) عمار بن رزيق، الضبي ويقال التميمي، أبو الأحوص الكوفي (ت: ١٥٩ هـ)، لا بأس به، من الطبقة الثامنة، أخرج له (مسلم، أبو داود، النسائي، ابن ماجه)، تهذيب التهذيب (ج٧/ص ٣٥٠).","vol":"1","page":371},{"text":"قال البخاري في التاريخ الكبير: \" سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ البصري سمع، منه شعبة، وحماد ابن زيد، قال ابن أبي الأسود حدثنا ابن عيينة: كان سَلَمَةُ أحفظ لحديث محمد (١) من خالد (٢)، وكان ابن عون يزيد اللفظ فيغلب، يقال التميمي أبو بشر \" (٣).\n\nقلتُ: ولهذا أخرج البخاري في صحيحه حديثًا واحدًا في الأصول (٤) من طريق خالد الحذاء عن محمد بن سيرين، وأخرج من طريق سَلَمَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ عن ابن سيرين أحاديث عدة في الأصول، مما يوضح أثر قرينة ترجيح أحاديث سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ في ابن سيرين، عند البخاري في اختياره الصحيح، والله تعالى أعلى وأعلم.\n\nوقال ابن أبي حاتم في العلل: \" وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ جَابِرٍ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ حَارِثَةَ بْنَ النُّعْمَانِ مَرَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُنَاجِي جِبْرِيلَ ...، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ (٥).\nقَالَ أَبِي - أبو حاتم -: وَرَوَى الزُّبَيْدِيُّ، فَقَالَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، أَنَّ حَارِثَةَ مَرَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ... مُرْسَلٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، الزُّبَيْدِيُّ (٦) أَحْفَظُ مِنْ مَعْمَرٍ، فَقِيلَ لأَبِي: الزُّبَيْدِيُّ أَحْفَظُ مِنْ مَعْمَرٍ؟\nقَالَ: أَتْقَنُ مِنْ مَعْمَرٍ فِي الزُّهْرِيِّ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ سَمِعَ مِنَ الزُّهْرِيِّ إِمْلاءً، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الرَّصَافَةِ فَسَمِعَ أَيْضًا مِنْهُ \" (٧).\n_________\n(١) محمد بن سيرين، أبو بكر البصري (ت:١١٠هـ) ثقة ثبت، تهذيب التهذيب (ج٩/ص ١٩٠).\n(٢) خالد بن مهران الحذاء، أبو المنازل البصري، ثقة يرسل، تهذيب التهذيب (ج٣/ص ١٠٤).\n(٣) الإمام البخاري: التاريخ الكبير، (ج٤/ص٨٢)، في ترجمة رقم (٢٠٣٤)\n(٤) أخرجه البخاري: في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، (ج٦/ص٣٩٤)، رقم (٣٣٠٥).\n(٥) أخرجه الإمام أحمد على وجه آخر صحيح: في المسند، (ج٤/ص١٧)، برقم (١٦٢٦٤).\n(٦) سبق ترجمته: (ص٣٥٥)، رقم (٣) في الهامش.\n(٧) ابن أبي حاتم: كتاب العلل، (ص١٧٠٧)، سؤال رقم (٢٦٠٩).","vol":"1","page":372},{"text":"قلتُ: هذا الحديث مداره على الزُّهْرِيِّ، واختلف عنه على وجهين:\n١. رواه مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ جَابِرٍ مسندًا.\n٢. ورواه الزُّبَيْدِيُّ، فَقَالَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِالرَّحْمَنِ مُرْسَلًا.\nتُمَّ رجح أبو حاتم الوجه الثاني؛ لأنَّ الزُّبَيْدِيُّ أوثق من مَعْمَرٍ في الزُّهْرِيِّ، فصار\nالحديث معلولًا بالإرسال بعد هذا الترجيح، وبهذا ظهر لك أنَّ الدارقطني والنقاد المتقدمين كانوا يستعملون هذه القرينة في الترجيح بين المرويَّات، ومنهجهم فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>المطلب الثالث: قرائن الترجيح بتحديد التاريخ:</span>\nإنَّ معرفة السير والتواريخ وزمن الغزوات من أهم أنواع القرائن التي اعتمد عليها النُّقاد في ترجيح الصحيح من الباطل، ولقد سَطَّرَ لنا التاريخ لهم أروع المثل في دقة التحقيق، وثقابة الفهم، مما لا يدع شكًا أنَّ الله قد قيد لهذه الأمة أولئك النفر من جهابذة النُّقاد ليرسموا لنا الطريق الصحيح، والمنهج القويم في معرفة الصحيح من السقيم، ولا أدل على ذلك من أنهم كانوا يكتشفون بتحديد التاريخ زيف الأخبار، وتمييز ما هو خطأ ووهم محض، أو كذب وافتراء، ولهم في كل حكم على الحديث قرينة يستندون إليها تثبت صحة قولهم، ودقة منهجهم.\n\nوما أروع ما حكاه الحسينِ المروزيُّ فقال: \" سمعتُ عبدالرحمن بن مهديّ يقولُ: كنتُ عند أبي عَوانةَ فَحدَّثَ بحديثِ الأعمش، فقلتُ: ليس هذا من حديثك، فقال: لا تفعل يا أبا سعيد، هو عندي مكتوب، قلت: فهاته، قال: يا سلامة هاتِ الدَّرْج (١) فأخرجه فنظر فيه، فإذا ليس الحديث فيه، فقال: صدقتَ يا أبا سعيد، صدقتَ يا أبا سعيد، ومَنْ أينَ أُتيتُ بهِ؟ قلتُ: ذُوكِّرتَ بهِ وأنت شابٌ فعَلَقَ بِقَلبك فظننتَ أنَّك سمعتَهُ \" (٢).\n_________\n(١) الدَّرْجُ: بتشديد الدال وسكون الراء، الذي يكتب فيه، كما في لسان العرب (ج٢/ص٢٦٩).\n(٢) ابن جبان البستي: المجروحين (ج١/ص٥٤).","vol":"1","page":373},{"text":"ومن ذلك أيضًا قول الخطيب البغدادي: \" كان للعباس ابن يقال له تمام إلا أنَّه لم يسمع من النَّبي ﷺ شيئًا، كان له يوم قبض رسول الله ﷺ ستة أشهر \" (١).\nومن ذلك أيضًا ما رواه الدارقطني في غرائب مالك: \" من طريق علي بن نصر الجهضمي، قال: قالوا لأبي عاصم إنهم يخالفونك في حديث مالك في الشفعة، فلا يذكرون أبا هريرة، فقال هاتوا من سمعه من مالك في الوقت الذي سمعته منه، إنما كان قدم علينا أبو جعفر مكة، فاجتمع الناس إليه وسألوه أن يأمر مالكًا أن يحدثهم فأمره فسمعته في ذلك الوقت، قال علي بن نصر: وكان ذلك في حياة ابن جريج؛ لأنَّ أبا عاصم خرج من مكة إلى البصرة في حياة ابن جريج، أو حيث مات ابن جريج، ثم لم يعد إلى مكة حتى مات، وهذا يدل على أن أبا عاصم (٢) مكي تحول إلى البصرة \" (٣).\n\nولقد رجح بهذه القرينة الدارقطني أحاديث قليلة نذكر منها نموذجًا:\n\nالمثال: قال الإمام البرقاني: \" وسئل - الدارقطني -: \" عن حديث عبدالرحمن بن أبي ليلى عن معاذ قال: «كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُبِقَ الرَّجُلُ بِبَعْضِ صَلاَتِهِ سَأَلَهُمْ فَأَوْمَئُوا إِلَيْهِ بِالَّذِي سُبِقَ بِهِ مِنَ الصَّلاَةِ فَيَبْدَأُ فَيَقْضِي مَا سُبِقَ ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَ الْقَوْمِ فِي صَلاَتِهِمْ، فَجَاءَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَالْقَوْمُ قُعُودٌ فِي صَلاَتِهِمْ فَقَعَدَ فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَامَ فَقَضَى مَا كَانَ سُبِقَ بِهِ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اصْنَعُوا كَمَا صَنَعَ مُعَاذٌ» (٤).\nفقال - الدارقطني -: يرويه حصين وعمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى واختلف عنهما فرواه إبراهيم بن طهمان، وعبد العزيز بن مسلم، ومحمد بن جابر وشريك، عن حصين عن ابن أبي\n_________\n(١) الخطيب البغدادي: موضح أوهام الجمع والتفريق (ج٢/ص٢٨٥).\n(٢) وهو الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني أبو عاصم النبيل (ت: ٢١٢ هـ)، ثقة ثبت، من الطبقة التاسعة، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج٤/ص ٣٩٥).\n(٣) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج٤/ص٣٩٧).\n(٤) أخرجه الإمام أحمد: في المسند (ج٥/ص٢٣٣)، برقم (٢٢٠٨٦).","vol":"1","page":374},{"text":"ليلى عن معاذ، وخالفهم شعبة، والثوري، وجرير بن عبدالحميد فرووه، عن حصين، عن ابن أبي ليلى مرسلا ...\nوالمرسل أصح قيل له: فحديث حجاج، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن أشياخهم، عن معاذ قول آخر. فقال: قال ذلك إبراهيم بن الزبرقان عنه، وخالفه أبو\nخالد الأحمر فقال عن حجاج، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ. حدثنا بذلك المحاملي قال: ثنا هارون بن إسحاق قال: ثنا أبو خالد الأحمر بذلك. قيل فصح سماع عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ قال فيه نظر؛ لأنَّ معاذًا قديم الوفاة مات في طاعون عمواس وله نيف وثلاثون سنة \" (١).\n\nقلتُ: وخلاصة العلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ هذا الحديث مداره على عبدالرحمن ابن أبي ليلى، وقد رواه عنه حصين وعمرو بن مرة واختلف عنهما على وجهين:\nرواه جماعة مسندًا منهم: إبراهيم بن طهمان، وعبدالعزيز بن مسلم، ورواه جماعة آخرون مرسلًا منهم: شعبة، والثوري، فرجَّح الدارقطني المرسل على المسند؛ لأنَّ عبدالرحمن بن أبي ليلى لم يدرك معاذًا بدلالة معرفة التاريخ، فصار الحديث بذلك معلّ بالإرسال، فظهر لك أهمية معرفة التاريخ في الترجيح بين المرويَّات، وتحقيق الصواب منها، والله الموفق لا رب سواه.\n\nولقد رجَّح بهذه القرينة كذلك النًّقاد المتقدمون أحاديث قليلة نذكر منها نموذجًا:\nقال الإمام البزار في المسند: \" حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ شَاهِينَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا، وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ» \" (٢).\n_________\n(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٦/ ص٥٩ - ٦١)، سؤال رقم (٩٧٦).\n(٢) البزار: البحر الزَّخار (مسند البزار)، (ج٤/ص٣٠٧)، سؤال رقم (٢٧٥٧).","vol":"1","page":375},{"text":"قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية: \" قال صاحب التنقيح: قال أحمد - يعني ابن حنبل-: هذا من أجود حديث المسح على الخفين؛ لأنَّهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهي آخر غزوة غزاها \" (١).\nقال الترمذي في العلل الكبير: \"سألت مُحمدًا - يعني البخاري - فقلت أي الحديث عندك أصح في التوقيت في المسح على الخفين؟، قال: حديث صفوان بن عسال وحديث أبي بكرة (٢) حَسَنٌ، وسألته عن حديث هُشَيْمٍ، عن داود بن عمرو، عن بسر بن عبيدالله، عن أبي إدريس الخولاني، عن عوف: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمَسْحِ ...» الحديث، فقال: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ \" (٣).\nقلتُ: والعلةُ المشار إليها هنا هي تفرد هُشَيْمٌ وهو ابن بشير أبو معاوية السلمي، وهو ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي (٤)، وقد أخرجه الطبراني في الأوسط، ثم قال: لا يروى عن عوف إلا بهذا الإسناد تفرد به هُشَيْمٌ (٥). وأضف إلى ذلك معارضتهُ لحديث ابن عمر قوله: «لَيسَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَينِ وَقَتٌ، امْسَحْ مَا لمَ تَخَلَعْ» (٦).\n\nفرجَّح الإمام أحمد حديث هُشَيْمٌ؛ لأنَّهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهي آخر غزوة غزاها رسُول الله ﷺ، فَعُلِمَ بذلك أنَّ حديث هُشَيْمٍ كان آخر الأمرين في التوقيت للمسح على الخفين، وبهذا وضحت أهمية تحديد ومعرفة الغزوات في الترجيح بين المرويَّات، ومما يؤيد ذلك ما رواه الدارقطني في السنن: \" من طريق بقية ثنا أبو بكر بن أبي مريم ثنا عبدة بن أبي لبابة عن محمد\n_________\n(١) الزيلعي: نصب الراية، (ج١/ص١٥٢).\n(٢) وهو نفيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبى سلمة، أبو بكرة الثقفى (ت: ٥١ أو ٥٢ هـ بالبصرة)، صحابى جليل، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج١٠/ص ٤١٨).\n(٣) الترمذي: في العلل الكبير (ترتيب أبو طالب القاضي) (ج١/ص١٨).\n(٤) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج١١/ص٥٣).\n(٥) أخرجه الطبراني: في المعجم الأوسط (ج٢/ص٣٣)، برقم (١١٤٥).\n(٦) أبو الحسن الدارقطني: السنن، كتاب الطهارة، باب الرخصة في المسح على الخفين وما فيه واختلاف الرويات، (ج١/ ص١٩٦).","vol":"1","page":376},{"text":"الخزاعي عن عائشة قالت: «مَا زَالَ رسُول اللهِ ﷺ يَمْسَحُ مُنْذُ أُنزِلَتْ عَلَيهِ سُورَةَ الْمَائِدَةَ حَتَى لَحَقَ بِاللهِ تَعَالَى» \" (١).\n\nنتائج هامة:\n\n- بمقارنة منهج الدارقطني في قرائن الترجيح، بمنهج النُّقاد المتقدمين نجد أنّ الدارقطني كان يستعمل قرائن الترجيح أكثر من غيره، إما تصريحًا، أو إشارة لبيان سبب الترجيح فيما ذهب إليه.\n\n- من الملاحظ أنَّ غالب الأحكام التي كان النُّقاد المتقدمون والدارقطني يقررونها تكون مفسرة بقرائن ترجيح سواء إسنادية أو متنية، تبعًا للصحيح الراجح عندهم في المرويَّات.\n- الترجيح عند النُّقاد المتقدمين والدارقطني لا يعني صحة الرواية عندهم بل قد يقولون: \"وهذا أصح \" أو \" هذا الصحيح \" ويقصدون بذلك إعلال الرواية بهذا الترجيح كصحة الرواية المرسلة الراجحة، وضعف الرواية المسندة المرجوحة.\n\nوبنهاية هذا المطلب بفضل الله تعالى، ينتهي الفصل الثاني من الباب الرابع الذي هو نهاية هذا البحث المبارك، فلله الحمد والمنَّةِ.\n\nرَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا.\n_________\n(١) المصدر السابق، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، (ج١/ ص١٩٤).","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>الخَاتِمة</span>\nبعد هذا التطواف الواسع في جنبات هذا البحث، أقول أحسب: أنَّني بذلت كل وسعي واستفرغت الجهد في بيان منهج الدارقطني في نقد الحديث، ولقد توصلت إلى نتائج علمية وتوصيات أثناء الدراسة جديرة بالذكر، ومفيدة غاية الإفادة للباحث في مناهج المحدثين على العموم.\n\nولقد قمت بالرد على الدارقطني في بعض الأحاديث التي انتقدها على البخاري ومسلم برد علمي بحت، ولا ينقص ذلك من مكانة الدارقطني، لأنَّني أشعر أنَّ مثلي ومثل هؤلاء الكبار كما قال الخطيب البغدادي: \" عن الأصمعي قال: قال أبو عمرو بن العلاء: \" ما نحن فيمن مضى إلا كبقل في أصول نخل طوال \" (١)، ولا أدعي أنَّني قد استوعبت جميع أوجه منهج الدارقطني في النقد، فإنَّما هو جهد الْمُقِل، فإنَّ فوق كل ذي علمٍ عليم والنقص من شيمة البشر، والله الموفق لا رب سواه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>النتائج الهامة في الدراسة:</span>\n- أنّ غالب الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري ومسلم كان الصواب يحالف الشيخان في تصحيح تلك الأحاديث، وقد رد غالب التعليلات التي أعلّ بها الدارقطني الأحاديث الحافظ ابن حجر، وأبو مسعود الدمشقي والنووي، ورددتُ على بعض الأحاديث التي لم يردوا عليها في هذه الدراسة.\n- أضفت بفضل الله إلى ما ذكره الحاكم في مبحث أجناس العلل، عشرين جنسًا أخرى لم يذكرها الحاكم في مبحث أجناس العلل: عشرة أجناس من جهة الإسناد، وعشرة أجناس أخرى من جهة المتن.\n- أنّ الدارقطني والنُّقاد المتقدمين كانوا يصححوا الحديث متى تأكدوا أنَّ راويه قد ضبطه ولم يخطئ فيه، سواء كان من الثقات أو الضعفاء غير المتروكين، وقد صحح البخاري ومسلم أحاديث قوم ضعفاء قد أصابوا في روياتهم عن شيوخهم وبرهان\n_________\n(١) الخطيب البغدادي: موضح أوهام الجمع والتفريق (ج١/ص١٢ - ١٣).","vol":"1","page":378},{"text":"ذلك أنهم أخرجوها في الصحاح، وقد جمع الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري أسماء الضعفاء والمتكلم فيهم الذين أخرج لهم الإمام البخاري وما صحح من أحاديثهم.\n\n- أنَّ الدارقطني وغيره من النقاد المتقدمين كانوا يستخدمون العلل الظاهرة للإشارة إلى علل أخرى خفية قد تخفى على من ليس له خبرة ومعرفة بهذا العلم الشريف.\n\n- أنَّ كتب النقاد المتقدمين قد احتوت الكثير من أمثلة نقد المتون، لا كما ادعى المستشرقون، وإنمَّا أتي ذلك من قبل جهلهم بمصنفات أهل الحديث.\n\n- جمعت بفضل الله بعض قرائن التعليل والترجيح من مصنفات العلل بتنظيم وأسلوب جديد لم أسبق إليه فيما أعلم، ومثاله قرائن الترجيح بالتاريخ وتحديد الغزوات وغيرها، الله هو الموفق.\n\n- أنَّ طريقة المتقدمين أدق وأوسع من طريقة المتأخرين في الترجيح بين المرويَّات التي طرأت عليها العلة، سواء وقع فيها: الخلاف، أو الخطأ في الرواية أو التفرد.\n\n- أنَّ الدارقطني بنى كتابه العلل على عرض أوجه الخلاف على الراوي في الحديث ثم بيان الراجح في الخلاف، إما إشارة أو تصريحًا مما يجعل كتابه أفضل كتاب في بيان العلل الخفية.\n\n- الترجيح بين المرويات المختلفة عند الدارقطني والنُّقاد يسير على نهج واحد وهو الترجيح بالأقوى، فإن استوى الرواة في ذلك بالأكثر عددًا، فإن استووا فبالقرائن التي قد تقوي بعض الرويات على بعض، كمراعاة الأثبت في الشيوخ من غيره، أو الأحفظ أو غيرها من القرائن، والله أعلم.","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>التوصيات والمقترحات الهامة في الدراسة:</span>\n- ألفت النظر إلى أنَّ كثيرًا من المسائل العلمية الخاصة بعلل المتون في مصنفات أهل الحديث لم تدرس دراسة علمية دقيقة تحقق الراجح فيها والمرجوح.\n- وجدت أثناء بحثي أنَّ هناك دراسة علمية هامة لم تُسبق في كتاب العلل وهي: سبر جميع الأحاديث التي جزم الدارقطني بأنها معلولة، أو كان الراجح عنده أنها معلولة وتنقيح وتحليل ذلك، ومناقشة الدارقطني فيما ذهب إليه.\n- أجناس العلل التي ذكرها أئمة النقاد في مصنفاتهم، كثيرة ومتنوعة ولم يسبق أن جمعت في مصنف واحد على سبيل الحصر لها، والأمثلة التطبيقية التي توضحها.\n- كتاب العلل للدارقطني الموجود بين أيدينا وما يشمله من التكملة والتي أشارنا إليها من قبل، يحتاج إلى دراسة علمية لضبط أسماء الرواة في الأسانيد، وكذلك ضبط متون الأحاديث بالرجوع إلى مصادرها الأصلية.\nوالصلاة والسلام على خير البرية محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا\nوآخر دعوانَا أن الحمدِ الله ربِّ العالمين.\nتم بحمد الله","vol":"1","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>الفَهَارِسُ العِلْميَةُ</span>\nفهرس آيات القرآن الكريم.\nفهرس الآثار والأحاديث.\nفهرس الأعلام المترجم لهم.\nثَبت المصادر والمراجع.\nفهرس المحتويات.","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>ثبَتُ المصَادر والمرَاجِع</span>\n- إتحاف الحثيث بإعراب ما يُشكل من ألفاظ الحديث، عبدالله بن الحسين العُكْبَري الحنبلي (ت: ٦١٦هـ)، طبعة مكتبة ابن سينا، القاهرة، ١٤١٠هـ تحقيق محمد إبراهيم سليم، عدد الصفحات: ٢٨٨ص.\n- الأجوبة عما أشكل الشيخ الدارقطني على صحيح مسلم بن الحجاج، محمد ابن عبيد أبي مسعود الدمشقي (ت: ٤٠١هـ)، طبعة دار الوراق، بيروت، ٩٩٨م، تحقيق: إبراهيم بن علي بن محمد آل كليب، عدد الصفحات: ٤٠٦ص.\n- الآحاد والمثاني، عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني (ت:٢٨٧هـ) طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، تحقيق: يحيى مراد، سنة ٢٠٠٣م، عدد الصفحات: ٧٤٤ص.\n- الإرشاد في معرفة علماء الحديث، الخليل بن عبد الله بن أحمد القزويني أبو يعلى الخليلي (ت: ٤٤٦هـ)، طبعة مكتبة الرشد، الرياض ١٤٠٩هـ، تحقيق: د. محمد سعيد عمر إدريس، عدد الأجزاء: ٣ج.\n- إصلاح غلط المحدِّثين، حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي (ت: ٣٨٨هـ)، طبعة مكتبة القرآن، القاهرة، سنة ١٩٨٨م، تحقيق: مجدي السيد إبراهيم، عدد الصفحات: ٩٦ص.\n- الأعلام، لخير الدين بن محمود بن محمد بن علي الزَّركَلي (ت: ١٩٧٦م)، طبعة دار العلم للملايين، بيروت سنة ١٩٨٠م، عدد الأجزاء: ٨ج.\n- الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، محمد بن عبدالرحمن بن محمد المصري شمس الدين السخاوي (ت: ٩٠٢ هـ)، طبعة مكتبة ابن سينا القاهرة، (دت)، عدد الصفحات: ٤٢٠ج.\n- الإلزامات والتتبع، أبي الحسن الدارقطني، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ، تحقيق: مقبل بن هادي الوادعي، عدد الصحات: ٤١٦ص.","vol":"1","page":407},{"text":"- الإمام الدارقطني وكتابه السنن، عبدالله بن ضيف الله الرحيلي (رسالة دكتوراه غير منشورة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سنة ١٤٠٥هـ).\n- إيضاح المكنون، إسماعيل بن إبراهيم العظم باشا البغدادي (ت: ١١٤٤هـ)، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، سنة ١٣١٤هـ، عدد الأجزاء: ٢ج.\n- الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، أحمد محمد شاكر من آل أبي العلياء أبا الأشبال (ت: ١٣٧٧هـ)، طبعة مكتبة السُّنة، القاهرة ١٤١٥هـ عدد الصفحات: ٣٥٢ص.\n- البداية والنهاية، إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضو بن درع القرشي الدمشقي، أبو الفداء، عماد الدين (ت: ٧٧٤ هـ)، طبعة إحياء التراث العربي، بيروت، سنة ١٤٠٨ هـ، تحقيق: على شيري، عدد الأجزاء: ١٤ج.\n- بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، للحافظ نور الدين على بن أبى بكر الهيثمى (ت: ٨٠٧هـ)، طبعة، دار الطلائع، القاهرة (دت)، تحقيق: مسعد عبدالحميد محمد السعدني، عدد الصفحات: ٣٤٠ص.\n- بيان الوهم والإيهام، الحافظ علي بن محمد بن عبد الملك أبو الحسن، ابن القطان الفاسي (ت: ٦٢٨)، طبعة دار طيبة، الرياض (دت)، تحقيق د. الحسين آيت سعيد، عدد الأجزاء: ٦ج.\n- تاج العروس من جواهر القاموس، محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (ت: ١٢٠٥هـ)، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، (دت)، عدد الأجزاء: ٢٦ج.\n- تاريخ بغداد، أحمد بن علي بن ثابت، أبو بكر الخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣هـ) طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، سنة ٢٠٠٤م، تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا عدد الأجزاء: ٢٤ج.","vol":"1","page":408},{"text":"- تاريخ دمشق، أحمد بن محمد بن الحسن بن عساكر، أبو الفضل، تاج الأمناء (ت:٦١٠هـ)، طبعة دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ، تحقيق: علي شيري، عدد الأجزاء: ٧٠ج.\n- تبيض الصحيفة بأصول الأحاديث الضعيفة، الشيخ محمد عمرو بن عبداللطيف (ت: ١٤٢٩هـ)، طبعة مكتبة التوعية الإسلامية، القاهرة ١٤١٠هـ، عدد الأجزاء: ٢ج.\n- تحفة الأشراف، يوسف بن عبدالرحمن بن الزكي المزي (ت:٧٤٢هـ)، طبعة المكتب الإسلامي، بيروت سنة ١٤٠٣هـ، تحقيق: عبدالصمد شرف الدين، عدد الأجزاء: ١٤ج.\n- تدريب الراوي في شرح تقريب النووي، عبدالرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضري السيوطي (ت: ٩١٠هـ)، طبعة مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، (دت)، تحقيق: عبدالوهاب عبداللطيف، عدد الأجزاء: ٢ج.\n- تذكرة الحفَّاظ، محمد بن أحمد بن عثمان، شمس الدين الذهبي (ت: ٧٤٨هـ) طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت (دت)، تحقيق: أبو بكر عبدالكريم حامد عدد الأجزاء: ٥ج.\n- تَسْميَة فقهاء الأمصار، أحمد بن علي بن شعيب النَّسائي (ت: ٣٠٣هـ)، طبعة مكتبة المنار، الزرقاء الأردن، سنة ١٤٠٨هـ، تحقيق: مشهور حسن، وعبدالكريم الوريكات، عدد الصفحات: ٧٠ص.\n- تَسْميَة من لم يرو عنه غير رجل واحد، أحمد بن علي بن شعيب النَّسائي (ت: ٣٠٣هـ)، طبعة مكتبة المنار، الزرقاء الأردن، سنة ١٤٠٨هـ، تحقيق: مشهور حسن، وعبدالكريم الوريكات، عدد الصفحات: ٥٠ص.\n- تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة، الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢هـ)، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، سنة ١٤١٦هـ، تحقيق: أيمن صالح شعبان، عدد الصفحات: ٦٥١ص.","vol":"1","page":409},{"text":"- تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢هـ)، طبعة مكتبة المنار، عمان (دت)، تحقيق: د. عاصم بن عبدالله القريوتي، عدد الصفحات: ١٧٥ص.\n- تقريب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ)، طبعة دار المكتبة العلمية، بيروت الطبعة الثانية ١٤١٥ هـ، تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، عدد الأجزاء: ٢ج.\n- التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير، يحيي بن شَرف، أبو زكريا محيي الدين النووي (ت: ٦٧٦ هـ)، تحقيق عبدالله عمر البارودي، دار الجنان، بيروت الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦ هـ، عدد الصفحات: ٤١٩ص.\n- التقييد والإيضاح، عبدالرحيم بن الحسين زين الدين العراقي (ت: ٨٠٦هـ)، طبعة دار الفكر، بيروت، سنة ١٩٦٩م، تحقيق: عبدالرحمن محمد عثمان، عدد الصفحات: ٤٨٩ص.\n- التلخيص الحبير، الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢هـ)، طبعة المكتبة العلمية، الرياض (دت)، عدد الأجزاء: ٣ج.\n- التمييز (مع منهج النقد عند المحدثين)، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت: ٢٦١هـ)، طبعة مكتبة الكوثر، الرياض (دت)، عدد الصفحات: ٢٣٤ص.\n- التنكيل طبعة المكتب الإسلامي، عبدالرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (ت: ١٣٨٦هـ) بيروت (دت)، تحقيق: العلامة ناصر الدين الألباني ﵀، عدد الأجزاء: ٢ج.\n- تهذيب التهذيب، الحافظ شيخ الإسلام شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت: ٥٢٨ هـ)، طبعة دار الفكر، بيروت، الطبعة الاولى ١٤٠٤ هـ عدد الأجزاء: ١٢ج.","vol":"1","page":410},{"text":"- تهذيب الكمال في أسماء الرِّجال، جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي (ت: ٧٤٢هـ)، طبعة مؤسسة الرسالة، بيروت، سنة ١٤٠٦هـ، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، عدد الأجزاء: ٣٥ج.\n- توضيح المشتبه في ضبط أسماء الرواة، لابن ناصر الدين محمد بن عبدالله القيسي (ت: ٨٤٢هـ)، طبعة مؤسسة الرسالة، بيروت، سنة ١٤١٤هـ، تحقيق: محمد نُعيم العرقسوسي، عدد الأجزاء: ١٠ ج.\n- الجامع الصحيح (بشرح النووي)، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت: ٢٦١هـ)، طبعة دار الحديث، القاهرة، ١٤٢٢هـ، تحقيق: عصام الصَّبابطى ومن معه، عدد الأجزاء: ٩ج.\n- الجامع الصحيح (مع الفتح)، محمد بن إسماعيل بن المغيرة البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) طبعة دارالحديث، القاهرة، سنة ١٤٢٤ هـ، عدد الأجزاء: ١٣ج.\n- جامع العلوم والحكم، عبدالرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي الدمشقي (ت: ٧٩٥هـ)، طبعة دار الريان للتراث، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ، عدد الصفحات: ٥٥٧ص.\n- جامع بيان العلم وفضله، يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبد البر النمري أبو عمر القرطبي المالكي، دار الكتب العلمية، بيروت ٢٠٠٠م، تحقيق: مسعد عبدالحميد السعدني، عدد الصفحات: ٥٠٨ص.\n- الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، أحمد بن علي بن ثابت، أبو بكر الخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣هـ)، طبعة مكتبة المعارف، الرياض، سنة ١٤٠٣ هـ، تحقيق د. محمود الطحان، عدد الأجزاء: ٢ج.\n- الجرح والتعديل، عبدالرحمن بن أبي حاتم الحنظلي الرَّازي (ت: ٣٢٧ هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ومجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن الهند، سنة ١٣٧١هـ، عدد الأجزاء: ٩ ج.","vol":"1","page":411},{"text":"- رجال صحيح البخاري، أحمد بن محمد بن الحسين البخاري الكلاباذي (ت: ٣٩٨هـ)، طبعة دار المعرفة، بيروت، سنة ١٤٠٧هـ، تحقيق: عبدالله الليثي عدد الأجزاء: ٢ج.\n- رجال صحيح مسلم، أحمد بن علي بن منجويه الأصبهاني (ت: ٤٢٨هـ)، طبعة دار المعرفة، بيروت، سنة ١٤٠٧هـ، تحقيق: عبدالله الليثي، عدد الأجزاء: ٢ج.\n- الرسالة، للإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت: ٢٠٤هـ)، طبعة المكتبة العلمية، بيروت، (دت)، تحقيق: أحمد محمد شاكر، عدد الصفحات: ٦٧٠ص.\n- رسالة أبي داود إلى أهل مكة وغيرهم في وصف سننه، سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير السجستاني، (ت: ٢٧٥هـ) طبعة دار العربية، بيروت (دت) تحقيق: محمد الصباغ، عدد الصفحات: ٣٥ص.\n- سؤالات ابن أبي شيبة لعلي بن المديني، محمد بن عثمان ابن أبي شيبة، أبو جعفر الكوفي (ت: ٢٣٩هـ)، رواية أبو محمد جعفر بن محمد بن الخواص عنه، طبع ضمن مجموع رسائل طبعة دارالبشائر، بيروت، (دت)، عدد الصفحات: ١٧٥ص.\n- سؤالات أبي بكر البرقاني للدارقطني، طبعة مكتبة القرآن، القاهرة، سنة ١٩٨٩م، تحقيق: مجدي السيد إبراهيم، عدد الصفحات: ٩٤ص.\n- سؤالات أبي عبد الرحمن السلمي للدارقطني، لأبي الحسن الدارقطني (٣٨٥هـ) طبعة دار العلوم، الرياض، تحقيق: سليمان آتش، عدد الصفحات: ٣٨ص.\n- سؤالات حمزة بن يوسف السهمي للدارقطني، طبعة مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الاولى ١٤٠٤هـ، تحقيق: الشيخ موفق بن عبدالله بن عبدالقادر، عدد الصفحات: ٢٨٣ص.\n- سلسلة الذهب، الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢هـ)، طبعة دار المعرفة، بيروت، (دت)، عدد الصفحات:١٠٢ص.","vol":"1","page":412},{"text":"- سنن الدارمي، عبدالله بن عبدالرحمن أبو محمد الدارمي (ت: ٢٥٥هـ)، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، سنة ١٩٩٦م، تحقيق محمد بن عبدالعزيز الخالدي، عدد الأجزاء: ٢ج.\n- سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد الربعي القزويني، أبو عبد الله، (ت:٢٧٣هـ)، طبعة دار الفكر، بيروت (دت)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، عدد الأجزاء: ٢ج.\n- سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير السجستاني، (ت: ٢٧٥هـ)، طبعة دار الفكر، بيروت (دت)، تحقيق: محمد محيي الدين عبدالحميد عدد الأجزاء: ٤ج.\n- سنن الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى السلمي، (ت:٢٧٩هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت (دت)، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون، عدد الأجزاء: ج.\n- سنن الدارقطني، لأبي الحسن الدارقطني (ت:٣٨٥هـ)، طبعة دار المعرفة، بيروت ١٣٨٦هـ، تحقيق: السيد عبدالله هاشم يماني المدني، عدد الأجزاء: ٤ج\n- السنن الكبرى، أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، أبو بكر (ت:٤٥٨ هـ)، طبعة مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، سنة ١٤١٤ هـ، تحقيق: محمد عبدالقادر عطا، عدد الأجزاء: ١٠ج.\n- سنن النَّسائي، أحمد بن علي بن شعيب النَّسائي (ت: ٣٠٣ هـ)، طبعة دار المعرفة، بيروت، الطبعة الخامسة سنة ١٤٢٠ هـ، (بشرح السيوطي وحاشية السندي)، عدد الأجزاء: ٥ج.\n- سير أعلام النبلاء، محمد بن أحمد بن عثمان، شمس الدين الذهبي (ت: ٧٤٨هـ) طبعة مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤١٣ هـ، تحقيق: مجموعة محققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، عدد الأجزاء: ٢٣ج.","vol":"1","page":413},{"text":"- شرح التبصرة والتذكرة، عبدالرحيم بن الحسين زين الدين العراقي (ت: ٨٠٦هـ) طبعة دار الكتب العلمية، بيروت سنة ٢٠٠٢ م، تحقيق د. ماهر ياسين الفحل وغيره، عدد الأجزاء: ٢ج.\n- شرح ديوان المتنبي، علي بن أحمد بن محمد بن علي، أبو الحسن الواحدي (ت: ٤٦٨)، طبعة دار الرائد العربي، بيروت (دت)، تحقيق: ياسين الأيوبي، عدد الصفحات: ٥٦٠ص.\n- شرح علل الترمذي، عبدالرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي زين الدين الدمشقي (ت:٧٩٥هـ) طبعة دار الكلمة، المنصورة، مصر، سنة ١٤١٨هـ، عدد الصفحات: ٥٧٦ص.\n- شروط الأئمة الخمسة، لأبي بكر محمد بن موسى الحازمي (ت: هـ)، طبعة مكتبة القدس، القاهرة، سنة ١٣٥٧هـ، عدد صفحات: ٦٦ص.\n- شعب الإيمان، أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، أبو بكر (ت:٤٥٨ هـ)، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤١٠هـ، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول، عدد الأجزاء: ٩ج.\n- صحيح ابن خزيمة، محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري (ت:٣١١هـ) طبعة المكتب الإسلامي، بيروت، سنة ١٣٩٠هـ، تحقيق: د. محمد مصطفى الأعظمي، عدد الأجزاء: ٤ج.\n- صحيح أبي داود (باختصار السند)، العلامة محمد بن ناصر الدين الألباني (ت: ١٤٢٠هـ)، طبعة مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض (دت)، عدد الأجزاء: ٣ج.\n- الصَّحاح، إسماعيل بن حماد، أبو نصر الجوهري (ت: ٣٩٣ هـ)، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت ١٩٩٩م، تحقيق: محمد نبيل طريفي، عدد الأجزاء ٥ج","vol":"1","page":414},{"text":"- الضعفاء وأجوبة أبي زُرْعَة الرازي على سؤالات البرذعي، أبو زرعة عبيدالله بن عبد الكريم بن يزيد الرازي (ت: ٢٦٤ هـ)، طبعة الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٢هـ\n- الطبقات، أحمد بن علي بن شعيب النَّسائي (ت: ٣٠٣هـ)، طبعة مكتبة المنار الزرقاء الأردن ١٤٠٨هـ، تحقيق: مشهور حسن، وعبدالكريم الوريكات، عدد الصفحات: ٤٣ص.\n- طبقات ابن خياط، خليفة بن خياط أبو عمرو الليثي الشيباني العصفري البصري (ت:٨٥٤هـ)، طبعة دار طيبة الرياض، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٢ هـ، تحقيق: د. أكرم ضياء العمري، عدد الصفحات: ٣٤٤ص.\n- الطبقات الكبرى، محمد بن سعد بن منيع أبو عبدالله البصري البغدادي الزُّهري (ت:٢٣٠هـ)، طبعة دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٩٦٨ م، تحقيق إحسان عباس، عدد الأجزاء: ٨ج.\n- العلل (التكملة)، لأبي الحسن الدارقطني (ت:٣٨٥هـ)، طبعة دار التدمرية، الرياض ١٤٢٨هـ، تحقيق: محمد بن صالح الدَّباسي، عدد الأجزاء: ٥ج.\n- العلل، لأبي الحسن الدارقطني (ت:٣٨٥هـ)، طبعة دار طيبة، الرياض، سنة ١٤٠٥هـ، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله، عدد الأجزاء: ١١ج.\n- علل الترمذي الكبير (رتبه أبي طالب القاضي)، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى السلمي (ت:٢٧٩هـ)، طبعة عالم الكتب، بيروت ١٤٠٩هـ تحقيق: السيد صبحي البدري السامرائي ومن معه، عدد الأجزاء:٢ج.\n- علوم الحديث (مقدمة ابن الصلاح)، عثمان بن عبدالرحمن بن عثمان الشهرزوري، أبو عمرو بن الصلاح (ت: ٦٤٣هـ)، طبعة دار الفكر، بيروت، سنة ١٩٦٩م عدد الصفحات: ٢٣٤ص.","vol":"1","page":415},{"text":"- عون المعبود شرح سنن أبي داود، محمد شمس الحق العظيم آبادي أبو الطيب (ت:١٣٢٩هـ) طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، سنة ١٤١٥هـ، عدد الأجزاء: ٩ج.\n- غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم م الأحاديث المقطوعة، يحيى بن علي بن عبدالله رشيد الدين العطار (ت:٦٦٢)، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، سنة ١٤١٧هـ، تحقيق: محمد خرشافي، عدد الصفحات: ٣٤٤ص.\n- الغُمَّازُ على اللُمَّاز، نور الدين أبي الحسن السمهودي (ت: ٩١١هـ)، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، سنة ١٤٠٦هـ، تحقيق / محمد عبدالقادر عطا، عدد الصفحات: ٢٦١ص.\n- فتح الباري لابن رجب الحنبلي، طبعة مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة النبوية، الطبعة الأولى سنة ١٤١٧هـ، تحقيق: محمد عوض المنفوش وجماعة.\n- فتح الباري لابن حجر العسقلاني، دار الحديث، القاهرة، سنة ١٩٩٩م، عدد الأجزاء: ١٥ج.\n- فتح الباقي على ألفية العراقي، زكريا بن محمد الأنصاري المصري أبو يحيي السنيكي (ت: ٩٢٦ هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، سنة ١٩٩٣م، عدد الأجزاء: ٣ج.\n- فتح المغيث شرح ألفية الحديث، محمد بن عبدالرحمن بن محمد المصري شمس الدين السخاوي (ت: ٩٠٢ هـ)، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، سنة ١٤٠٣هـ، تحقيق: صلاح محمد عويضة، عدد الأجزاء: ٣ج.\n- فيض القدير شرح الجامع الصغير، محمد عبد الرؤوف بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (ت: ١٠٣١هـ)، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت سنة ١٤١٥هـ، تحقيق: أحمد عبدالسلام، عدد الأجزاء: ٦ج.\n- القاموس المحيط، مجد الدين محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم الفيروزآبادي (ت: ٨١٧ هـ) طبعة دار الجيل، بيروت، (دت)، عدد الأجزاء: ٤ج.","vol":"1","page":416},{"text":"- الكامل في ضعفاء الرِّجال، عبدالله بن عدي بن محمد أبو أحمد الجرجاني (ت: ٣٦٥هـ)، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠٩هـ، تحقيق: يحيى مختار غزاوي، عدد الأجزاء: ٨ج.\n- كتاب الزُّهد، لأبي مسعود المعافي بن عمران الموصلي (ت:١٨٥هـ)، طبعة دار البشائر الإسلامية، بيروت، سنة ١٤٢٠هـ، تحقيق: الدكتور عامر حسن صبري عدد الصفحات: ٣٥٩ص.\n- كتاب الزُّهد، للإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (ت:٢٤١هـ)، طبعة دار الكتاب العربي، بيروت، سنة ١٤٠٦هـ، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول، عدد الصفحات: ٥٦٦ص.\n- كتاب الضعفاء الصغير، محمد بن إسماعيل بن المغيرة البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) طبعة دار المعرفة، بيروت، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، عدد الصفحات: ١٣٠ص.\n- كتاب الضعفاء المتروكين، أحمد بن علي بن شعيب النَّسائي (ت: ٣٠٣هـ)، طبعة دار المعرفة، بيروت، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، عدد الصفحات: ١٧١ص.\n- كتاب العلل، عبدالرحمن بن أبي حاتم الحنظلي الرَّازي (ت: ٣٢٧ هـ)، طبعة الجريسي، الرياض، سنة ١٤٢٧هـ، عدد الصفحات: ٢١٦٥ص.\n- كتاب العلل ومعرفة الرجال، أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال، أبو عبدالله (ت: ٢٤١هـ)، تحقيق وتخريج: الدكتور وصي الله بن محمد عباس، طبعة المكتب الإسلامي، بيروت، ودار الخاني الرياض ١٤٠٧ هـ، عدد الأجزاء: ٣ج.\n- كشف الْمُشْكَل من حديث الصحيحين، أبو الفرج عبدالرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي (ت: ٥٩٧هـ)، طبعة دار الوطن، الرياض ١٤١٨هـ، تحقيق: علي حسين البواب، عدد الأجزاء: ج ٤.","vol":"1","page":417},{"text":"- الكفاية في علم الرواية، أحمد بن علي بن ثابت، أبو بكر الخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣هـ)، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، سنة ١٩٨٨م، عدد الصفحات: ٤٥٦ص.\n- لسان العرب، محمد بن مكرم بن منظور بن منظور الأفريقي المصري (ت:٧١١ هـ)، دار صادر، بيروت (دت)، عدد الأجزاء: ١٥ج.\n- لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، عبدالرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي الدمشقي (ت: ٧٩٥هـ)، طبعة دار الفتح القديمة، القاهرة (دت)، عدد الصفحات: ٤٢٤ص.\n- المؤتلف والمختلف لأبي الحسن الدارقطني، تحقيق: الشيخ موفق عبدالقادر، طبعة دار الغرب الإسلامي، بيروت سنة ١٩٨٦م، عدد الأجزاء: ٥ج.\n- المجروحين، محمد بن حبان بن أحمد أبى حاتم البُستى (٣٥٤هـ)، طبعة دار المعرفة، بيروت (دت)، تحقيق محمود ابراهيم زايد، عدد الأجزاء: ٣ج.\n- مجمع الزوائد، علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، أبو الحسن نور الدين، المصري (ت:٨٠٧هـ)، طبعة دار الفكر، بيروت سنة ١٤١٢هـ، تحقيق: محمد عبدالرحيم، عدد الأجزاء: ١٠ج.\n- محاسن الاصطلاح، عمر بن رسلان البلقيني (ت: ٨٠٥ هـ)، المطبوع بحاشية مقدمة ابن الصلاح، تحقيق د: عائشة عبدالرحمن، دار الكتب المصرية سنة١٩٧٤م.\n- المحكم والمحيط الأعظم في اللغة، علي بن إسماعيل، المعروف بابن سِيدَه الأندلسي أبو الحسن (ت: ٤٥٨ هـ)، طبع معهد المخطوطات العربية، القاهرة ١٩٩٩م عدد الأجزاء:١١ج.\n- المحيط في اللغة، إسماعيل بن عباد بن العباس، أبو القاسم الطالقاني الصاحب بن عباد (ت: ٣٨٥ هـ)، طبعة دار عالم الكتب، بيروت، (دت)، تحقيق: محمد بن حسن آل ياسين، عدد الأجزاء: ١١ج.","vol":"1","page":418},{"text":"- المختلطين، خليل بن كيكلدي بن عبدالله، صلاح الدين أبوسعيد العلائي (ت: ٧٦١ هـ)، طبعة مكتبة الخانجي، بالقاهرة سنة ١٩٩٦م، تحقيق: د. رفعت فوزي عبدالمطلب، د. على عبدالباسط مزيد، عدد الصفحات: ١٣٦ص.\n- مرويات الزُّهري المعلة في علل الدارقطني، الدكتور عبدالله بن محمد دمفو، طبعة مكتبة الرشد، الرياض سنة ١٤١٨هـ، عدد الأجزاء: ٤ج.\n- المستدرك على الصحيحين، محمد بن عبدالله بن حمدويه ويعرف بابن البيع، أبو عبدالله الحاكم النيسابوري (ت:٤٠٥هـ) طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، سنة ١٤١١هـ، تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، عدد الأجزاء: ٤ج.\n- المسند، أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال، أبو عبدالله (ت: ٢٤١هـ)، طبعة دارالبشير، عمان، (دت)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، عدد الأجزاء: ٣٠ج.\n- مسند إسحاق بن راهويه، إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه أبويعقوب الحنظلي (ت:٢٣٨هـ)، طبعة مكتبة الإيمان، المدينة المنورة، سنة ١٤١٢هـ، تحقيق: د. عبدالغفور بن عبدالحق البلوشي، عدد الأجزاء: ٥ج.\n- مسند البزار (البحر الزَّخار)، أحمد بن عمرو بن عبدالخالق أبوبكر البزار (ت: ٢٩٢هـ) طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، سنة ٢٠٠٣م، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله، عدد الأجزاء: ١٣ج.\n- المصنف ابن أبي شيبة، عبدالله بن محمد بن أبي شيبة أبو بكر الكوفي (ت: ٢٣٥هـ) طبعة مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٩هـ، تحقيق: كمال يوسف الحوت، عدد الأجزاء: ٧ج.\n- مصنف عبدالرزاق، عبدالرزاق بن همام بن نافع أبو بكر الصنعاني (ت: ٢١١هـ)، طبعة المكتب الإسلامي، بيروت الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، عدد الأجزاء: ١١ج.","vol":"1","page":419},{"text":"- المعجم الأوسط، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت: ٣٦٠هـ)، طباعة دار الحرمين، القاهرة، ١٤١٥هـ، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد الحسيني عدد الأجزاء: ١٠ج.\n- المعجم الكبير، سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني (ت: ٢٦٠هـ)، طبعة مكتبة العلوم والحكم، الموصل ١٤٠٤هـ، تحقيق: حمدي بن عبدالمجيد السلفي، عدد الأجزاء: ٢٠ج.\n- معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرًّازي، أبو الحسين (ت: ٣٩٥هـ)، طبعة اتحاد الكُتًّاب العرب، القاهرة، ١٤٢٣هـ، تحقيق: عبدالسَّلام محمد هَارُون، عدد الأجزاء: ٥ج.\n- معرفة علوم الحديث، محمد بن عبدالله بن حمدويه بن نعيم النيسابوري، الشهير بالحاكم، ويعرف بابن البيع، أبو عبدالله (ت: ٤٠٥هـ)، دار الكتب العلمية المدينة المنورة، الطبعة الثانية سنة ١٣٩٧هـ، عدد الصفحات: ٣٥٤ص.\n- المنار المنيف في الصحيح والضعيف، محمد بن أبي بكر الحنبلي أبي عبدالله الدمشقي ابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١هـ)، طبعة مكتبة المطبوعات الإسلامية، بحلب، تحقيق: عبدالفتاح أبو غدة، عدد الصفحات: ١٥٥ص.\n- منهج الإمام أحمد في التعليل، الدكتور أبو بكر بن الطيب كافي، طبعة دار ابن حزم بيروت، سنة ١٤٢٦هـ، عدد الصفحات: ٧٣٨ص.\n- موطأ مالك رواية محمد بن الحسن الشيباني، الإمام مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي (ت: ١٧٩هـ)، طبعة دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ، تحقيق: د. تقي الدين الندوي، عدد الأجزاء: ٣ج.\n- موطأ مالك رواية يحيى بن يحيى الليثي، الإمام مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي (ت: ١٧٩هـ)، طبعة دار إحياء التراث العربي، القاهرة (دت)، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، عدد الأجزاء: ٢ج.","vol":"1","page":420},{"text":"- الموقظة، محمد بن أحمد بن عثمان، شمس الدين الذهبي (ت: ٧٤٨هـ)، طبعة دار البشائر الإسلامية، بيروت، سنة ١٤٠٥ هـ، تحقيق: عبدالفتاح أبو غدة، عدد الصفحات: ٢٢٠ص.\n- ميزان الاعتدال، محمد بن أحمد بن عثمان، شمس الدين الذهبي (ت: ٧٤٨هـ) طبعة دار المعرفة، بيروت (دت) تحقيق: علي محمد البجاوي، عدد الأجزاء: ٤ج.\n- ناسخ الحديث ومنسوخه، عمر بن أحمد بن عثمان ابن شاهين، أبو حفص (ت: ٢٩٧هـ)، طبعة مكتبة المنار، الزرقاء، سنة ١٤٠٨هـ، تحقيق: سمير بن أمين الزُّهيري، عدد الصفحات: ٥٠٥ص\n- نزهة النظر في شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢)، طبعة المكتبة العصرية، بيروت، سنة ١٤٢١هـ، تحقيق: عبدالكريم بن الفضيلي، عدد صفحات: ١٣٥ص.\n- نصب الراية لأحاديث الهداية، عبدالله بن يوسف أبو محمد الحنفي الزيلعي (ت: ٧٦٢هـ)، طبعة دار الحديث، القاهرة ١٣٥٧هـ، تحقيق: محمد يوسف البنوري، عدد الأجزاء: ٤ج.\n- النكت على ابن الصلاح، أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل، شهاب الدين (ت:٨٥٢ هـ)، طبعة دار الرَّاية، الرياض، (دت)، عدد الأجزاء: ٢ج.\n- هدي الساري، الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢هـ)، طبعة دار الحديث، القاهرة ١٩٩٨م، عدد الصفحات: ٦٧٢ص.\n- وفيات الأعيان، أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان، أبو العباس شمس الدين (ت:٦٨١هـ)، طبعة دار صادر، بيروت ١٩٩٤م، تحقيق: إحسان عباس، عدد الأجزاء: ٨ج.","vol":"1","page":421}]}