{"ً":{"ٌ":133357,"ٍ":"أحكام القرآن لابن الفرس","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"التفاسير/أحكام القرآن - ابن الفرس - ت بو سريح - ط ابن حزم 1-3","files":["00_70102.pdf|الغلاف","01_70102.pdf","02_70103.pdf","03_70104.pdf"]},"ّ":"الكتاب: أحكام القرآن\nالمؤلف: أبو محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم المعروف «بابن الفرس الأندلسي» (ت ٥٩٧ هـ)\nتحقيق الجزء الأول: د/ طه بن علي بو سريح\nتحقيق الجزء الثاني: د/ منجية بنت الهادي النفري السوايحي\nتحقيق الجزء الثالث: صلاح الدين بو عفيف\nالناشر: دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\nعدد الأجزاء: ٣\nأعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2947,"ٕ":4,"ٖ":1770156190,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3"],"ٚ":[{"title":"فاتحة الكتاب","level":1,"page":4},{"title":"البقرة","level":1,"page":5},{"title":"(٣) - الأول: [قوله تعالى]: ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ [البقرة: ٣]","level":2,"page":5},{"title":"(٢٢) - قوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم اتلأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم﴾","level":2,"page":8},{"title":"(٢٣) - قوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾ [البقرة: ٢٣]","level":2,"page":9},{"title":"(٢٤) - قوله تعالى ﴿فاتقوا النار التي وقودها النار والحجارة أعدت للكافرين﴾ [البقرة: ٢٤]","level":2,"page":11},{"title":"(٢٥) - قوله تعالى: ﴿وبشر الذين ىمنوا وعملوا الصالحات﴾ [البقرة: ٢٥]","level":2,"page":12},{"title":"(٢٦) - قوله تعالى: ﴿يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا﴾ [البقرة: ٢٦]","level":2,"page":12},{"title":"(٢٧) - قوله تعالى: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾ [البقرة: ٢٧]","level":2,"page":13},{"title":"(٢٧) - وقوله تعالى: ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾ [البقرة: ٢٧]","level":2,"page":13},{"title":"(٢٧) - وقوله تعالى: ﴿ويفسدون في الأرض﴾ [البقرة: ٢٧]","level":2,"page":14},{"title":"(٢٩) - قولله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى العرش﴾ الآية [البقرة: ٢٩]","level":2,"page":14},{"title":"(٢٩) - قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ الآية [البقرة: ٢٩]","level":2,"page":16},{"title":"(٢٩) - وفي هذه الآية قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ [البقرة: ٢٩]","level":2,"page":17},{"title":"(٣١) - قوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ الآية [البقرة: ٣١]","level":2,"page":18},{"title":"(٣٤) - قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ الآية [البقرة: ٣٤]","level":2,"page":22},{"title":"(٣٥) - قوله تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ [البقرة: ٣٥]","level":2,"page":24},{"title":"(٣٥) - وقوله تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ [البقرة: ٣٥]","level":2,"page":26},{"title":"(٣٦) - وقوله تعالى: ﴿إلى حين﴾ [البقرة: ٣٦]","level":2,"page":26},{"title":"(٤٠) - (٤١) وقوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾ إلى قوله ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا﴾ [البقرة: ٤٠، ٤١]","level":2,"page":26},{"title":"(٤٠) - وقوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ [البقرة: ٤٠]","level":2,"page":27},{"title":"(٤٠) - وقوله تعالى: ﴿وإياي فارهبون﴾ [البقرة: ٤٠]","level":2,"page":27},{"title":"(٤١) - وقوله تعالى: ﴿ولا تكونوا أول كافر به﴾ [البقرة: ٤١]","level":2,"page":27},{"title":"(٤١) - وقوله تعالى: ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا﴾ [البقرة: ٤١]","level":2,"page":28},{"title":"(٤٣) - قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣]","level":2,"page":29},{"title":"(٤٣) - وقوله تعالى: ﴿واركعوا مع الراكعين﴾ [البقرة: ٤٣]","level":2,"page":31},{"title":"(٤٣) - وقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣]","level":2,"page":32},{"title":"(٤٤) - قوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ [البقرة: ٤٤]","level":2,"page":32},{"title":"(٤٧) - وقوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين﴾ [البقرة: ٤٧]","level":2,"page":33},{"title":"(٤٧) - قوله تعالى: ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ [البقرة: ٤٧]","level":2,"page":34},{"title":"(٥٩) - وقوله تعالى: ﴿فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم﴾ [البقرة: ٥٩]","level":2,"page":34},{"title":"(٦٢) - قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى﴾ الآية [البقرة: ٦٢]","level":2,"page":34},{"title":"(٦٧) - قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ الآية [البقرة: ٦٧]","level":2,"page":36},{"title":"(٦٧) - وقوله تعالى: ﴿أتتخذنا هزوا﴾ [البقرة: ٦٧]","level":2,"page":40},{"title":"(٧٢) - وقوله تعالى: ﴿وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها﴾ [البقرة: ٧٢]","level":2,"page":41},{"title":"(٧٣) - قوله تعالى: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾ [البقرة: ٧٣]","level":2,"page":43},{"title":"(٧٥) - قوله تعالى: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم﴾ الآية [البقرة: ٧٥]","level":2,"page":45},{"title":"(٨٠) - وقوله تعالى: ﴿لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ [البقرة: ٨٠]","level":2,"page":45},{"title":"(٨١) - قوله تعالى: ﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته﴾ [البقرة: ٨١]","level":2,"page":46},{"title":"(٨٣) - وقوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ [البقرة: ٨٣]","level":2,"page":46},{"title":"(١٠٢) - وقوله تعالى: ﴿وما كفر سليمان﴾ [البقرة: ١٠٢]","level":2,"page":48},{"title":"(١٠٢) - وقوله تعالى: ﴿ولكن الشياطين كفروا﴾ [البقرة: ١٠٢]","level":2,"page":49},{"title":"(١٠٢) - قوله تعالى: ﴿فلا تكفر﴾ [البقرة: ١٠٢]","level":2,"page":53},{"title":"(١٠٢) - وقوله: ﴿فلا تكفر﴾ [البقرة: ١٠٢]","level":2,"page":54},{"title":"(١٠٤) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ الآية [البقرة: ١٠٤]","level":2,"page":56},{"title":"(١٠٦) - قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ الآية [البقرة: ١٠٦]","level":2,"page":57},{"title":"(١٨٤) قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعان مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]","level":2,"page":62},{"title":"(١٠٩) - قوله تعالى: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾ [البقرة: ١٠٩]","level":2,"page":62},{"title":"(١١٤) - قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ الآية [البقرة: ١١٤]","level":2,"page":63},{"title":"(١١٥) - قوله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ الآية [البقرة: ١١٥]","level":2,"page":64},{"title":"(١٢٤) - قوله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ [البقرة: ١٢٤]","level":2,"page":74},{"title":"(١٢٤) -قوله تعالى: ﴿إني جاعلك للناس إماما﴾ [البقرة: ١٢٤]","level":2,"page":75},{"title":"(١٢٤) - وقوله: ﴿ومن ذريتي﴾ [البقرة: ١٢٤]","level":2,"page":75},{"title":"(١٢٤) - قوله تعالى: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤]","level":2,"page":75},{"title":"(١٢٥) - قوله تعالى: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا﴾ [البقرة: ١٢٥]","level":2,"page":77},{"title":"(١٢٥) - قوله: ﴿وأمنا﴾ [البقرة: ١٢٥]","level":2,"page":77},{"title":"(١٢٥) - قوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥]","level":2,"page":79},{"title":"(١٢٥) - قوله تعالى: ﴿إن طهرا بيتي للطائفين﴾ [البقرة: ١٢٥]","level":2,"page":79},{"title":"(١٢٥) - وقوله: ﴿للطائفين﴾ [البقرة: ١٢٥]","level":2,"page":80},{"title":"(١٢٦) - قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا﴾ الآية [البقرة: ١٢٦]","level":2,"page":80},{"title":"(١٢٨) - قوله تعالى: ﴿وتب علينا﴾ [البقرة: ١٢٨]","level":2,"page":81},{"title":"(١٣٠) - قوله تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾ [البقرة: ١٣٠]","level":2,"page":82},{"title":"(١٣٤) - قوله تعالى: ﴿لها ما كسبت ولكم ما كسبتم﴾ [البقرة: ١٣٤]","level":2,"page":83},{"title":"(١٣٩) - قوله تعالى: ﴿قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم﴾ الآية [البقرة: ١٣٩]","level":2,"page":84},{"title":"(١٤٤) - قوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٤٤]","level":2,"page":84},{"title":"(١٤٨) - وقوله تعالى بعد هذا: ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾ [البقرة: ١٤٨]","level":2,"page":85},{"title":"(١٤٨) - قوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [البقرة: ١٤٨]","level":2,"page":87},{"title":"(١٥٠) - قوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم﴾ [البقرة: ١٥٠]","level":2,"page":87},{"title":"(١٥٤) - قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات﴾ الآية [البقرة: ١٥٤]","level":2,"page":88},{"title":"(١٥٨) - قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية [البقرة: ١٥٨]","level":2,"page":89},{"title":"(١٥٨) - قوله: ﴿فمن تطوع خيرا﴾ [البقرة: ١٥٨]","level":2,"page":92},{"title":"(١٥٨) - وقوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية [البقرة: ١٥٨]","level":2,"page":93},{"title":"(١٥٩) - قوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمن ما أنزلنا﴾ الآية [البقرة: ١٥٩]","level":2,"page":94},{"title":"(١٢٨) - قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [البقرة: ١٦٠]","level":2,"page":96},{"title":"(١٦٤) - قوله تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض﴾ الآية [البقرة: ١٦٤]","level":2,"page":96},{"title":"(١٧٣) - قوله تعالى: ﴿والدم﴾ [البقرة: ١٧٣]","level":2,"page":113},{"title":"(١٧٣) - قوله تعالى: ﴿ولحم خنزير﴾ [البقرة: ١٧٣]","level":2,"page":115},{"title":"(١٧٣) - قوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير الله﴾ [البقرة: ١٧٣]","level":2,"page":116},{"title":"(١٧٨) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليمن القصاص في القتلى الحر بالحر﴾ الآية [البقرة: ١٧٨]","level":2,"page":121},{"title":"(١٧٩) - قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾ [البقرة: ١٧٩]","level":2,"page":141},{"title":"(١٨٠) - قوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ [البقرة: ١٨٠]","level":2,"page":142},{"title":"(١٨٢) - وقوله: ﴿فمن خاف من موص جنفا﴾ [البقرة: ١٨٢]","level":2,"page":149},{"title":"(١٨٣) - قوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ الآية [البقرة: ١٨٣]","level":2,"page":150},{"title":"(١٨٤) - قوله تعالى: ﴿أياما معدودات﴾ [البقرة: ١٨٤]","level":2,"page":153},{"title":"(١٨٤) - قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤]","level":2,"page":153},{"title":"(١٨٤) - وقوله تعالى: ﴿من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤]","level":2,"page":156},{"title":"(١٨٤) - وقوله تعالى: ﴿فمن تطوع به فهو كفارة له﴾ [البقرة: ١٨٤]","level":2,"page":164},{"title":"(١٨٤) - قوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤]","level":2,"page":165},{"title":"(١٨٤) - وقوله: ﴿إن كنتم تعلمون﴾ [البقرة: ١٨٤]","level":2,"page":165},{"title":"(١٨٥) - وقوله تعالة: ﴿شهر رمضان﴾ [البقرة: ١٨٥]","level":2,"page":165},{"title":"(١٨٥) - قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]","level":2,"page":166},{"title":"(١٨٥) - قوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥]","level":2,"page":169},{"title":"(١٨٥) - قوله تعالى: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥]","level":2,"page":170},{"title":"(١٨٧) - قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون﴾ [البقرة: ١٨٧]","level":2,"page":171},{"title":"(١٨٧) - وقوله: ﴿ليلة الصيام﴾ [البقرة: ١٨٧]","level":2,"page":171},{"title":"(١٨٧) - وقوله: ﴿وباشروهن﴾ [البقرة: ١٨٧]","level":2,"page":172},{"title":"(١٨٧) - وكذلك قوله: ﴿وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ [البقرة: ١٨٧]","level":2,"page":172},{"title":"(١٨٧) - قوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ [البقرة: ١٨٧]","level":2,"page":175},{"title":"(١٨٧) - ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ إلى قوله ﴿من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧]","level":2,"page":180},{"title":"(١٨٧) - قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧]","level":2,"page":183},{"title":"(١٨٩) - وقوله تعالى: ﴿وتدلوا بها إلى الحكام﴾ [البقرة: ١٨٩]","level":2,"page":187},{"title":"(١٨٩) - قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ إلى قوله: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾","level":2,"page":187},{"title":"(١٨٩) - وقوله تعالى: ﴿الأهلة﴾ [البقرة: ١٨٩]","level":2,"page":188},{"title":"(١٨٩) - قوله تعالى: ﴿وليس البر﴾ الآية [البقرة: ١٨٩]","level":2,"page":189},{"title":"(١٩٠) - (١٩٢) قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ إلى قوله ﴿الشهر الحرام﴾ [البقرة: ١٩٠ - ١٩٢]","level":2,"page":190},{"title":"(١٩٠) - وقوله تعالى: ﴿ولا تعتدوا﴾ [البقرة: ١٩٠]","level":2,"page":192},{"title":"(١٩١) - وقوله تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام﴾ الآية [البقرة: ١٩١]","level":2,"page":192},{"title":"(١٩٢) - وقوله تعالى: ﴿فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ١٩٢]","level":2,"page":193},{"title":"(١٩٣) - وقوله تعالى: ﴿فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين﴾ [البقرة: ١٩٣]","level":2,"page":193},{"title":"(١٩١) - وقوله تعالى: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾ [البقرة: ١٩١]","level":2,"page":193},{"title":"(١٩٣) - وقوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ [البقرة: ١٩٣]","level":2,"page":193},{"title":"(١٩٤) - وقوله تعالى: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾ [البقرة: ١٩٤]","level":2,"page":194},{"title":"(١٩٤) - وقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]","level":2,"page":194},{"title":"(١٩٥) - وقوله تعالى: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥]","level":2,"page":196},{"title":"(١٩٥) - وقوله تعالى: ﴿وأحسنوا﴾ [البقرة: ١٩٥]","level":2,"page":196},{"title":"(١٩٦) - (٢٠٣) قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ إلى قوله: ﴿ومن تأخر فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ١٩٦ - ٢٠٣]","level":2,"page":197},{"title":"(١٩٦) - وقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]","level":2,"page":204},{"title":"(١٩٦) - وقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]","level":2,"page":208},{"title":"(١٩٦) - وقد اختلفوا فيمن خوطب بهذه الآية: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾ الخ [البقرة: ١٩٦]","level":2,"page":210},{"title":"(١٩٦) - قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]","level":2,"page":210},{"title":"(١٩٦) - وقوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم﴾ [البقرة: ١٩٦]","level":2,"page":213},{"title":"(١٩٦) - ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]","level":2,"page":213},{"title":"(١٩٦) - قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ [البقرة: ١٩٦]","level":2,"page":218},{"title":"(١٩٦) - وقوله تعالى: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦]","level":2,"page":219},{"title":"(١٩٦) - وقوله تعالى: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة: ١٩٦]","level":2,"page":221},{"title":"(١٩٦) - وقوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩٦]","level":2,"page":222},{"title":"(١٩٧) - قوله: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧]","level":2,"page":223},{"title":"(١٩٧) - وقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهم الحج﴾ [البقرة: ١٩٧]","level":2,"page":225},{"title":"(١٩٧) - وقوله تعالى: ﴿فلارفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ [البقرة: ١٩٧]","level":2,"page":226},{"title":"(١٩٨) - قوله تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد﴾ الآية [البقرة: ١٩٨]","level":2,"page":229},{"title":"(١٩٨) - قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح﴾ الآية [البقرة: ١٩٨]","level":2,"page":230},{"title":"(١٩٨) - قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾ [البقرة: ١٩٨]","level":2,"page":230},{"title":"(١٩٨) - قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ [البقرة: ١٩٨]","level":2,"page":231},{"title":"(١٩٩) - وقوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيق أفاض الناس﴾ [البقرة: ١٩٩]","level":2,"page":233},{"title":"(٢٠٠) - قوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا﴾ الآية [البقرة: ٢٠٠]","level":2,"page":234},{"title":"(٢٠٣) - ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ [البقرة: ٢٠٣]","level":2,"page":235},{"title":"(٢٠٣) - وقوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ٢٠٣]","level":2,"page":237},{"title":"(٢١٥) - قوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين﴾ [البقرة: ٢١٥]","level":2,"page":239},{"title":"(٢١٦) - قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال﴾ [البقرة: ٢١٦]","level":2,"page":240},{"title":"(٢١٧) - قوله تعلاى: ﴿يسألونك عن الشهرا لحرام قتال فيه﴾ الآية [البقرة: ٢١٧]","level":2,"page":241},{"title":"(٢١٧) - وقوله تعالى: ﴿الشهر الحرام﴾ [البقرة: ٢١٧]","level":2,"page":242},{"title":"(٢١٧) - وقوله تعالى: ﴿يسألونك﴾ [البقرة: ٢١٧]","level":2,"page":243},{"title":"(٢١٧) - قوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر﴾ [البقرة: ٢١٧]","level":2,"page":243},{"title":"(٢١٩) - قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ [البقرة: ٢١٩]","level":2,"page":246},{"title":"(٢١٩) - قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ الآية [البقرة: ٢١٩]","level":2,"page":249},{"title":"(٢٢٠) - قوله تعالى: ﴿يسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح﴾ [البقرة: ٢٢٠]","level":2,"page":250},{"title":"(٢٢١) - قوله: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة﴾ [البقرة: ٢٢١]","level":2,"page":253},{"title":"(٢٢٢) - (٢٢٣) قوله تعالى: ﴿يسألونك عن المحيض قل هو أذى﴾ إلى قوله: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ [البقرة: ٢٢٢، ٢٢٣]","level":2,"page":256},{"title":"(٢٢٢) - قوله: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢]","level":2,"page":257},{"title":"(٢٢٢) - وقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢]","level":2,"page":258},{"title":"(٢٢٢) - وقوله تعالى: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ [البقرة: ٢٢٢]","level":2,"page":261},{"title":"(٢٢٢) - وقوله تعالى: ﴿ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢]","level":2,"page":261},{"title":"(٢٢٣) - قوله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [البقرة: ٢٢٣]","level":2,"page":263},{"title":"(٢٢٣) - قوله تعالى: ﴿أنى شئتم﴾ [البقرة: ٢٢٣]","level":2,"page":264},{"title":"(٢٢٣) - وقوله تعالى: ﴿وقدموا لأنفسكم﴾ [البقرة: ٢٢٣]","level":2,"page":265},{"title":"(٢٢٤) - وقوله تعالى: ﴿أن تبروا﴾ [البقرة: ٢٢٤]","level":2,"page":266},{"title":"(٢٢٥) - قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ [البقرة: ٢٢٥]","level":2,"page":269},{"title":"(٢٢٦) - وقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ إلى قوله: ﴿عليم﴾ [البقرة: ٢٢٦]","level":2,"page":273},{"title":"(٢٢٦) - وقوله تعالى: ﴿فإن فاءوا﴾ [البقرة: ٢٢٦]","level":2,"page":279},{"title":"(٢٢٦) - وقوله تعالى: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ٢٢٦]","level":2,"page":281},{"title":"(٢٢٧) - وقوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾ الآية [البقرة: ٢٢٧]","level":2,"page":281},{"title":"(٢٢٨) - (٢٢٩) وقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ إلى قوله: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة: ٢٢٨، ٢٢٩]","level":2,"page":283},{"title":"(٢٣٠) - (٢٣١) قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد﴾ إلى قوله: ﴿والوالدات﴾ [البقرة: ٢٣٠، ٢٣١]","level":2,"page":295},{"title":"(٢٣٠) - وقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]","level":2,"page":296},{"title":"(٢٣٠) - وقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٠]","level":2,"page":301},{"title":"(٢٣٠) - وقوله: ﴿إن ظنا﴾ [البقرة: ٢٣٠]","level":2,"page":301},{"title":"(٢٣١) - قوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن﴾ الآية [البقرة: ٢٣١]","level":2,"page":301},{"title":"(٢٣١) - قوله تعالى: ﴿ولا تتخذوا آيات الله هزوا﴾ [البقرة: ٢٣١]","level":2,"page":302},{"title":"(٢٣٢) - قوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن﴾ [البقرة: ٢٣٢]","level":2,"page":303},{"title":"(٢٣٢) - وقوله: ﴿بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٢] معناه المهر والإشهاد","level":2,"page":305},{"title":"(٢٣٢) - وقوله تعالى: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة: ٢٣٢]","level":2,"page":308},{"title":"(٢٣٣) - وقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٣]","level":2,"page":308},{"title":"(٢٣٣) - قوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة: ٢٣٣]","level":2,"page":310},{"title":"(٢٣٣) - قوله تعالى: ﴿فإن أرادوا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾ [البقرة: ٢٣٣]","level":2,"page":311},{"title":"(٢٣٣) - قوله تعالى: ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٣]","level":2,"page":312},{"title":"(٢٣٤) - وقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا﴾ الآية إلى قوله: ﴿ولا جناح عليكم﴾ هذه الآية [البقرة: ٢٣٤]","level":2,"page":314},{"title":"(٢٣٥) - وقوله تعالى: ﴿ولاجناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾ الآية [البقرة: ٢٣٥]","level":2,"page":322},{"title":"(٢٣٦) - وقوله تعالى: ﴿ومتعوهن على الموسع قدره ...﴾ الآية [البقرة: ٢٣٦]","level":2,"page":323},{"title":"(٢٣٦) - وقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾","level":2,"page":328},{"title":"(٢٣٧) - قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة﴾","level":2,"page":328},{"title":"(٢٣٧) - قوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون﴾ [البقرة: ٢٣٧]","level":2,"page":331},{"title":"(٢٣٧) - وقوله: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٧]","level":2,"page":331},{"title":"(٢٣٨) - (٢٣٩) قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات﴾ إلى قوله: ﴿والذين يتوفون منكم﴾ [البقرة: ٢٣٨، ٢٣٩]","level":2,"page":335},{"title":"(٢٣٨) - وقوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]","level":2,"page":339},{"title":"(٢٣٨) - قوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا﴾ [البقرة: ٢٣٨]","level":2,"page":342},{"title":"(٢٣٩) - قوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم فاذكروا الله﴾ الآية [البقرة: ٢٣٩]","level":2,"page":343},{"title":"(٢٤٠) - قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا وصية لأزواجهم﴾ [البقرة: ٢٤٠]","level":2,"page":344},{"title":"(٢٤١) - قوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين﴾ [البقرة: ٢٤١]","level":2,"page":345},{"title":"(٢٤٣) - قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت﴾ الآية [البقرة: ٢٤٣]","level":2,"page":346},{"title":"(٢٤٧) - قوله تعالى: ﴿إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا﴾ الآية [البقرة: ٢٤٧]","level":2,"page":348},{"title":"(٢٤٩) - قوله تعالى: ﴿فمن شرب منه فليس مني﴾ الآية [البقرة: ٢٤٩]","level":2,"page":349},{"title":"(٢٥٦) - قوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾ [البقرة: ٢٥٦]","level":2,"page":350},{"title":"(٢٥٦) - قوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾ [البقرة: ٢٥٦]","level":2,"page":350},{"title":"(٢٥٩) - قوله تعالى: ﴿لبثت يوما أو بعض يوم﴾ الآية [البقرة: ٢٥٩]","level":2,"page":353},{"title":"(٢٦٧) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آموا أفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]","level":2,"page":354},{"title":"سورة آل عمران","level":1,"page":412},{"title":"(٧) - قوله تعالى: ﴿منه آيات محكمات﴾","level":2,"page":412},{"title":"(٢٨) - قوله تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين﴾","level":2,"page":414},{"title":"(٣٥) - قوله تعالى: ﴿إذ قالا امرأة عمران رب إني نذرت لك﴾","level":2,"page":415},{"title":"(٣٦) - وقله تعالى: ﴿وإني سميتها مريم﴾","level":2,"page":415},{"title":"(٣٧) - قوله تعالى: ﴿وكفلها زكريا﴾","level":2,"page":417},{"title":"(٤١) - قوله تعالى: ﴿قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾","level":2,"page":419},{"title":"(٤٤) - قوله تعالى: ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾","level":2,"page":423},{"title":"(٧٥) - قوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا تؤده إليك ما دمت عليه قائما﴾","level":2,"page":424},{"title":"(٧٧) - قوله تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة﴾","level":2,"page":424},{"title":"(٨٥) - قوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾","level":2,"page":427},{"title":"(٩٠) - قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون﴾","level":2,"page":429},{"title":"(٩٧) - قوله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾","level":2,"page":431},{"title":"(٩٧) - قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾","level":2,"page":434},{"title":"(٩٧) - قوله تعالى: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾","level":2,"page":440},{"title":"(١٠٢) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾","level":2,"page":440},{"title":"(١٠٣) - قوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا﴾","level":2,"page":441},{"title":"(١٠٤) - وقوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف﴾","level":2,"page":441},{"title":"(١١٨) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾","level":2,"page":443},{"title":"(١٢٨) - قوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾","level":2,"page":444},{"title":"سورة النساء","level":1,"page":447},{"title":"(١) - قوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾","level":2,"page":447},{"title":"(١) - قوله تعالى: ﴿وبث منهما رجالا كثيرا ونساء﴾","level":2,"page":448},{"title":"(٢) - قوله تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ إلى قوله: ﴿وإن خفتم﴾ الآية","level":2,"page":449},{"title":"(٢) - قوله تعالى: ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾","level":2,"page":450},{"title":"(٢) - وقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾","level":2,"page":450},{"title":"(٣) - (٥) - قوله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ إلى قوله: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾","level":2,"page":451},{"title":"(٣) - وقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾","level":2,"page":459},{"title":"(٣) - وقوله: ﴿ذلك أدنى ألا تعولوا﴾","level":2,"page":460},{"title":"(٤) - وقوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾","level":2,"page":460},{"title":"(٤) - قوله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء من نفسا﴾","level":2,"page":462},{"title":"(٥) - (٦) - قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي﴾ إلى قوله: ﴿فليستعفف﴾","level":2,"page":463},{"title":"(٥) - وقوله تعالى: ﴿وقولوا لهم قولا معروفا﴾","level":2,"page":464},{"title":"(٦) - قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى﴾","level":2,"page":466},{"title":"(٦) - وقوله تعالى: ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾","level":2,"page":470},{"title":"(٦)، (٧) - قوله تعالى: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف﴾ إلى قوله: ﴿للرجال نصيب﴾","level":2,"page":471},{"title":"(٦) - وقوله تعالى: ﴿فإذا دفعتم إليه أموالهم فاشهدوا عليهم﴾","level":2,"page":475},{"title":"(٧) - (٨) -قوله تعالى: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ إلى قوله: ﴿وإذا حضر القسمة﴾","level":2,"page":476},{"title":"(٨) - (١١) - قوله تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة﴾ الآية إلى قوله: ﴿يوصيكم الله﴾","level":2,"page":479},{"title":"(١١) - قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾","level":2,"page":481},{"title":"(١١) - وقوله تعالى: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين﴾","level":2,"page":485},{"title":"(١١) - قوله تعالى: ﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾","level":2,"page":486},{"title":"(١١) - وقوله تعالى: ﴿آباؤكم وأبناؤكم﴾","level":2,"page":497},{"title":"(١٢) - وقوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾","level":2,"page":497},{"title":"(١٢) - وقوله تعالى: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة﴾","level":2,"page":498},{"title":"(١٢) - قوله تعالى: ﴿وله أخ أو أخت﴾","level":2,"page":503},{"title":"(١٢) - قوله تعالى: ﴿غير مضار وصية من الله﴾","level":2,"page":504},{"title":"(١٥)، (١٦) - قوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾ إلى قوله: ﴿إنما التوبة على الله﴾","level":2,"page":507},{"title":"(١٦) - قوله تعالى: ﴿فآذوهما﴾","level":2,"page":507},{"title":"(١٦) - قوله تعالى: ﴿فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما﴾","level":2,"page":510},{"title":"(١٧) - قوله تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة﴾","level":2,"page":512},{"title":"(١٨) - قوله تعالى: ﴿حتى إذا حضر أحدكم الموت﴾","level":2,"page":514},{"title":"(١٩) - (٢٢) - وقله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ إلى قوله: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾","level":2,"page":515},{"title":"(١٩) - قوله تعالى: ﴿وعاشروهن المعروف﴾","level":2,"page":519},{"title":"(١٩) - وقوله تعالى: ﴿فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا﴾","level":2,"page":520},{"title":"(٢٠) - وقوله تعالى: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾","level":2,"page":520},{"title":"(٢١) - وقوله تعالى: ﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾","level":2,"page":522},{"title":"(٢٢) - (٢٤) - قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ الآية إلى قوله ﴿فما استمتعتم﴾","level":2,"page":524},{"title":"(٢٣) - قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾","level":2,"page":529},{"title":"(٢٣) - قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾","level":2,"page":541},{"title":"(٢٤) - قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾","level":2,"page":544},{"title":"(٢٤) - وقوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم﴾","level":2,"page":553},{"title":"(٢٥) - قوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾","level":2,"page":555},{"title":"(٢٥) - وقوله تعالى: ﴿فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾","level":2,"page":557},{"title":"(٢٥) - وقوله تعالى: ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن﴾","level":2,"page":558},{"title":"(٢٩) - (٣٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم﴾ الآية، إلى قوله: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾","level":2,"page":563},{"title":"(٢٩) - قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾","level":2,"page":568},{"title":"(٣١) - قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾","level":2,"page":569},{"title":"(٣٢) - وقوله تعالى: ﴿للرجال نصيب﴾","level":2,"page":576},{"title":"(٣٢) - وقوله تعالى: ﴿واسألوا الله من فضله﴾","level":2,"page":576},{"title":"(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون﴾","level":2,"page":576},{"title":"(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾","level":2,"page":578},{"title":"(٣٤) - قوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾","level":2,"page":581},{"title":"(٣٥) - قوله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما﴾","level":2,"page":589},{"title":"(٤٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾","level":2,"page":592},{"title":"(٤٣) - قوله تعالى: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾","level":2,"page":596},{"title":"(٤٣) - قوله تعالى: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾","level":2,"page":599},{"title":"(٤٣) - قوله تعالى: ﴿حتى تغتسلوا﴾","level":2,"page":601},{"title":"(٤٣) - قوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾","level":2,"page":602},{"title":"(٤٣) - قوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾","level":2,"page":603},{"title":"(٤٣) - وقوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾","level":2,"page":605},{"title":"(٤٨) - قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾","level":2,"page":621},{"title":"(٥٨) - (٥٩) - قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ الآية، إلى قوله: ﴿ذلك خير وأحسن تأويلا﴾","level":2,"page":624},{"title":"(٥٨) - قوله تعالى: ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾","level":2,"page":625},{"title":"(٥٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾","level":2,"page":625},{"title":"(٨٦) - قوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾","level":2,"page":627},{"title":"(٩٠) - (٩١) - قوله تعالى: ﴿إلا أن يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ الآية، إلى قوله: ﴿وما كان لمؤمن﴾","level":2,"page":633},{"title":"(٩٢) - (٩٤) - قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا﴾ إلى قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل اله فتبينوا﴾","level":2,"page":635},{"title":"(٩٢) - وقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله﴾","level":2,"page":639},{"title":"(٩٢) - وقوله تعالى: ﴿ودية مسلمة إلى أهله﴾","level":2,"page":644},{"title":"(٩٢) - وقوله تعالى: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة﴾","level":2,"page":648},{"title":"(٩٢) - وقوله تعالى: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾","level":2,"page":650},{"title":"(٩٣) - قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم﴾","level":2,"page":654},{"title":"(٩٤) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا﴾ إلى قوله: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾","level":2,"page":657},{"title":"(٩٤) - قوله تعالى: ﴿كذلك كنتم من قبل﴾","level":2,"page":662},{"title":"(٩٥) - قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون﴾","level":2,"page":663},{"title":"(٩٧) - قوله تعالى: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة﴾","level":2,"page":664},{"title":"(١٠١) - (١٠٣) - قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿كتابا موقوتا﴾","level":2,"page":667},{"title":"(١٠٣) - وقوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾","level":2,"page":684},{"title":"(١١٩) - قوله تعالى حكاية عن الشيطان: ﴿ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾","level":2,"page":686},{"title":"(١٢٥) - قوله تعالى: ﴿واتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾","level":2,"page":689},{"title":"(١٢٨) - وقوله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما﴾","level":2,"page":689},{"title":"(١٢٩) - وقوله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء لول حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾","level":2,"page":691},{"title":"(١٣٠) - وقوله تعالى: ﴿وإن يتفرقا يغن الله﴾","level":2,"page":694},{"title":"(١٣٧) - قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا﴾","level":2,"page":696},{"title":"(١٤٠) - قوله تعالى: ﴿وقد أنزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾","level":2,"page":697},{"title":"(١٤٨) - قوله تعالى: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾","level":2,"page":698},{"title":"(١٧٦) - قوله تعالى: ﴿يستفتونك قل اله يفتيكم في الكلالة﴾","level":2,"page":699},{"title":"سورة المائدة","level":1,"page":701},{"title":"(١) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود﴾","level":2,"page":702},{"title":"(١) - وقوله تعالى: ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾","level":2,"page":711},{"title":"(١) - قوله تعالى: ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾","level":2,"page":711},{"title":"(٢) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله﴾","level":2,"page":713},{"title":"(٢) - وقوله: ﴿ولا الشهر الحرام﴾","level":2,"page":719},{"title":"(٢) - قوله تعالى: ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾","level":2,"page":720},{"title":"(٢) - وقوله تعالى: ﴿يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا﴾","level":2,"page":721},{"title":"(٢) - وقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾","level":2,"page":722},{"title":"(٢) - وقوله تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا﴾","level":2,"page":723},{"title":"(٣)، (٤) - قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ...﴾ إلى قوله: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم﴾","level":2,"page":725},{"title":"(٣) - وقوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾","level":2,"page":733},{"title":"(٣) - قوله تعالى: ﴿وما ذبح على النصب﴾","level":2,"page":735},{"title":"(٣) - وقوله تعالى: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾","level":2,"page":735},{"title":"(٣) - وقوله تعالى: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾","level":2,"page":739},{"title":"(٣) - وقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾","level":2,"page":739},{"title":"(٤) - قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم﴾","level":2,"page":740},{"title":"(٤) - وقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾","level":2,"page":742},{"title":"(٤) - قوله تعالى: ﴿من الجوارح﴾","level":2,"page":744},{"title":"(٤) - وقوله تعالى: ﴿مما علمكم الله﴾","level":2,"page":746},{"title":"(٤) - وقوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾","level":2,"page":746},{"title":"(٤) - وقوله تعالى: ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾","level":2,"page":750},{"title":"(٥) - قوله تعالى: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات﴾","level":2,"page":751},{"title":"(٥) - وقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾","level":2,"page":752},{"title":"(٥) - وقوله تعالى: ﴿الذين أوتوا الكتاب﴾","level":2,"page":754},{"title":"(٥) - وقوله تعالى: ﴿وطعامكم حل لهم﴾","level":2,"page":755},{"title":"(٥) - وقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾","level":2,"page":755},{"title":"(٥) - وقوله تعالى: ﴿إذا آتيتموهن أجورهن﴾","level":2,"page":758},{"title":"(٥) - وقوله تعالى: ﴿محصنين﴾","level":2,"page":758},{"title":"(٦) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فمل تجدوا ماء فتيمموا صعيدا","level":2,"page":760},{"title":"(٦) - وقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾","level":2,"page":765},{"title":"(٦) - قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾","level":2,"page":770},{"title":"(٦) - وقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾","level":2,"page":773},{"title":"(٦) - وقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾","level":2,"page":774},{"title":"(٦) - وقوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾","level":2,"page":780},{"title":"(٦) - قوله تعالى: ﴿إلى الكعبين﴾","level":2,"page":789},{"title":"(٦) - وقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾","level":2,"page":796},{"title":"(١٣) - قوله تعالى: ﴿فاعف عنهم واصفح﴾","level":2,"page":798},{"title":"(٢٨) - قوله تعالى: ﴿لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك﴾","level":2,"page":798},{"title":"(٣٣) - قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا﴾","level":2,"page":800},{"title":"(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾","level":2,"page":803},{"title":"(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿ويسعون في الأرض فسادا﴾","level":2,"page":803},{"title":"(٣٣) - وقوله: ﴿أن يقتلوا﴾","level":2,"page":804},{"title":"(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿أو يصلبوا﴾","level":2,"page":804},{"title":"(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف﴾","level":2,"page":805},{"title":"(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾","level":2,"page":806},{"title":"(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿ذلك لهم خزي في الحياة الدنيا﴾","level":2,"page":807},{"title":"(٣٤) - وقوله: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾","level":2,"page":808},{"title":"(٣٨)، (٣٩) - قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله﴾ إلى قوله: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم﴾","level":2,"page":816},{"title":"(٣٨) - وقوله تعالى: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾","level":2,"page":825},{"title":"(٣٩) - وقوله تعالى: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم﴾","level":2,"page":829},{"title":"(٤٢) - قوله تعالى: ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾","level":2,"page":831},{"title":"(٤٢) - وقوله تعالى: ﴿فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾","level":2,"page":832},{"title":"(٤٥) - وقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾","level":2,"page":839},{"title":"(٤٥) - وقوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾","level":2,"page":842},{"title":"(٤٥) - وقوله تعالى: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾","level":2,"page":848},{"title":"(٤٨)، (٤٩) - قوله تعالى: ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾، وقوله بعد: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله إليك ولا تتبع أهواءهم﴾","level":2,"page":849},{"title":"(٤٨) - وقوله تعالى: ﴿ولا تتبع أهواءهم﴾","level":2,"page":849},{"title":"(٤٨) - وقوله تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾","level":2,"page":850},{"title":"(٤٨) - قوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾","level":2,"page":850},{"title":"(٥١) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾","level":2,"page":851},{"title":"(٥٥) - قوله تعالى: ﴿الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾","level":2,"page":854},{"title":"(٨٧) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾","level":2,"page":854},{"title":"(٨٧) - وقوله تعالى: ﴿ولا تعتدوا﴾","level":2,"page":856},{"title":"(٨٨) - وقوله: ﴿وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا﴾","level":2,"page":862},{"title":"(٨٩) - وقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾","level":2,"page":863},{"title":"(٨٩) - وقوله تعالى: ﴿إطعام عشرة مساكين﴾ الآية","level":2,"page":868},{"title":"(٨٩) - وقوله تعالى: ﴿أو تحرير رقبة﴾","level":2,"page":874},{"title":"(٨٩) - وقوله تعالى: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾","level":2,"page":878},{"title":"(٩٠)، (٩١) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾","level":2,"page":879},{"title":"(٩٣)، (٩٤) - قوله تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا﴾ إلى قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله﴾","level":2,"page":890},{"title":"(٩٤) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لبلونك الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم﴾","level":2,"page":892},{"title":"(٩٥) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾","level":2,"page":896},{"title":"(٩٥) - قوله تعالى: ﴿أو كفارة طعام مسكين أو عدل ذلك صياما﴾","level":2,"page":914},{"title":"(٩٥) - قوله تعالى: ﴿عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام﴾","level":2,"page":923},{"title":"(٩٦) - وقوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم﴾","level":2,"page":924},{"title":"(٩٦) - وقوله تعالى: ﴿لكم وللسيارة﴾","level":2,"page":928},{"title":"(٩٧) - قوله تعالى: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام﴾","level":2,"page":933},{"title":"(١٠١) - (١٠٥) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ إلى قوله: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾","level":2,"page":934},{"title":"(١٠١) - وقوله تعالى: ﴿وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم﴾","level":2,"page":936},{"title":"(١٠١) - وقوله تعالى: ﴿عفا الله عنها﴾","level":2,"page":936},{"title":"(١٠٣) - قوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾","level":2,"page":937},{"title":"(١٠٦) - (١٠٨) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ إلى قوله: ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾","level":2,"page":946},{"title":"سورة الأنعام","level":1,"page":951},{"title":"(٥٢) - قوله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فتكون من الظالمين﴾","level":2,"page":952},{"title":"(٦٦) - قوله تعالى: ﴿قل لست عليكم بوكيل﴾","level":2,"page":954},{"title":"(٦٩) - قوله تعالى: ﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى﴾","level":2,"page":955},{"title":"(٧٠) - قوله تعالى: ﴿وذر الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا﴾","level":2,"page":956},{"title":"(٨٤) - قوله تعالى: ﴿ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس﴾","level":2,"page":956},{"title":"(١٠٣) - وقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾","level":2,"page":957},{"title":"(١٠٦) - (١٠٨) - قوله تعالى: ﴿وأعرض عن المشركين﴾ إلى قوله تعالى: ﴿كذلك زينا لكل أمة عملهم﴾","level":2,"page":958},{"title":"(١٠٧) - وقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما أشركوا﴾","level":2,"page":959},{"title":"(١٠٨) - وقوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم﴾","level":2,"page":959},{"title":"(١١٢) - (١١٤) - قوله تعالى: ﴿فذرهم وما يفترون﴾ إلى قوله: ﴿حكما﴾","level":2,"page":959},{"title":"(١١٤) - وقوله تعالى: ﴿أفغير الله أبتغي حكما﴾","level":2,"page":960},{"title":"(١١٨) - (١٢١) - قوله تعالى: ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ إلى قوله: ﴿وإنه لفسق﴾","level":2,"page":960},{"title":"(١١٩) - وقوله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾","level":2,"page":961},{"title":"(١٢٠) - وقوله تعالى: ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون﴾","level":2,"page":961},{"title":"(١٢١) - وقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه إنه لفسق﴾","level":2,"page":962},{"title":"(١٣٦) - (١٤٠) - وقوله تعالى: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم﴾ إلى قوله: ﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله﴾","level":2,"page":964},{"title":"(١٤١) - قوله تعالى: ﴿وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات﴾ إلى آخر قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾","level":2,"page":965},{"title":"(١٤٣) - قوله تعالى: ﴿من الضأن اثنين ومن المعز اثنين﴾","level":2,"page":972},{"title":"(١٤٥) - قوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإن ربك غفور رحيم﴾","level":2,"page":972},{"title":"(١٤٦) - قوله تعالى: ﴿ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهروهما أو الحوايا﴾","level":2,"page":977},{"title":"(١٥١) - قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾","level":2,"page":977},{"title":"(١٥٢) - قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده﴾","level":2,"page":978},{"title":"(١٥٢) - وقوله تعالى: ﴿وأوفوا الكيل والميزان بالقسط﴾","level":2,"page":979},{"title":"(١٥٩) - قوله تعالى: ﴿إن الذين فوقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبؤهم بما كانوا يفعلون﴾","level":2,"page":979},{"title":"(١٦٠) - وقوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾","level":2,"page":980},{"title":"(١٦٢) - (١٦٣) - قوله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له﴾","level":2,"page":981},{"title":"(١٦٤) - قوله تعالى: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾","level":2,"page":981},{"title":"سورة الأعراف","level":1,"page":984},{"title":"(٢٠) - قوله تعالى: ﴿ما نهاكما ربكما عن تلكما الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين﴾","level":2,"page":984},{"title":"(٢٢) - قوله تعالى: ﴿فلما ذاقا الشجرة﴾","level":2,"page":985},{"title":"(٣) قوله تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم﴾","level":2,"page":985},{"title":"(١٢) - قوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾","level":2,"page":985},{"title":"(٢٦) - (٣٢) - قوله تعالى: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة﴾","level":2,"page":985},{"title":"(٢٦) - قوله تعالى: ﴿لباسا﴾","level":2,"page":987},{"title":"(٢٧) - وقوله تعالى: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾","level":2,"page":990},{"title":"(٢٩) - وقوله تعالى: ﴿وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد﴾","level":2,"page":991},{"title":"(٣١) - وقوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾","level":2,"page":991},{"title":"(٣٢) - وقوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾","level":2,"page":994},{"title":"(٣٣) - وقوله تعالى بعد هذا: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي﴾","level":2,"page":994},{"title":"(٥٥)، (٥٦) - قوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين * ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾","level":2,"page":996},{"title":"(٥٦) - وقوله تعالى: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾","level":2,"page":999},{"title":"(٨٠) - (٨٤) - قوله تعالى: ﴿ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين﴾","level":2,"page":1000},{"title":"(١٨٠) - قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾","level":2,"page":1002},{"title":"(١٩٩) - قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالرف وأعرض عن الجاهلين﴾","level":2,"page":1005},{"title":"(٢٠٤)، (٢٠٥) - قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون * واذكر ربك في نفسك﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ولا تكن من الغافلين﴾","level":2,"page":1010},{"title":"(٢٠٤) - قوله تعالى: ﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾","level":2,"page":1016},{"title":"(٢٠٥) - قوله تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول﴾","level":2,"page":1016},{"title":"سورة الأنفال","level":1,"page":1017},{"title":"(١) - قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾","level":2,"page":1017},{"title":"(١٥)، (١٦) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا﴾ الآية إلى قوله تعالى: ﴿وبئس المصير﴾","level":2,"page":1022},{"title":"(١٧) - وقوله تعالى: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾","level":2,"page":1026},{"title":"(٣٣)، (٣٤) - قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لا يعملون﴾","level":2,"page":1026},{"title":"(٣٨) - (٤٠) -قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين﴾ إلى قوله: ﴿ونعم النصير﴾","level":2,"page":1028},{"title":"(٣٩) - وقوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾","level":2,"page":1029},{"title":"(٤١) - وقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾","level":2,"page":1029},{"title":"(٤٥) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا﴾","level":2,"page":1045},{"title":"(٥٧) - (٦١) - قوله تعالى: ﴿فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يتذكرون * وإما تخافن من قوم خيانة﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾","level":2,"page":1045},{"title":"(٦٠) - وقوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾","level":2,"page":1047},{"title":"(٦٠) - وقوله تعالى: ﴿وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾","level":2,"page":1048},{"title":"(٦١) - قوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾","level":2,"page":1048},{"title":"(٦٥) - (٦٧) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي﴾","level":2,"page":1051},{"title":"(٦٧) - قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾","level":2,"page":1052},{"title":"(٦٨) - قوله تعالى: ﴿لولا كتاب من الله﴾","level":2,"page":1053},{"title":"(٦٩) - وقوله تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾","level":2,"page":1053},{"title":"(٧٢) - (٧٥) - قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ إلى قوله: ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾","level":2,"page":1054},{"title":"سورة براءة","level":1,"page":1057},{"title":"(١) - قوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله﴾","level":2,"page":1058},{"title":"(٤) - وقوله تعالى: ﴿ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظهروا عليكم أحدا﴾","level":2,"page":1058},{"title":"(٢) - وقوله تعالى: ﴿فيسحوا﴾","level":2,"page":1059},{"title":"(٣) - وقوله تعالى: ﴿وأذان من الله﴾","level":2,"page":1060},{"title":"(٤) - وقوله تعالى: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقضوكم شيئا ولا يظهروا عليكم أحدا﴾","level":2,"page":1062},{"title":"(٥) - وقوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾","level":2,"page":1063},{"title":"(٥) - وقوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾","level":2,"page":1067},{"title":"(٦) - (٧) - قوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾ إلى قوله: ﴿فاستقيموا لهم﴾","level":2,"page":1069},{"title":"(٦) - وقوله تعالى: ﴿حتى يسمع كلام الله﴾","level":2,"page":1070},{"title":"(٧) - وقوله تعالى: ﴿كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله﴾","level":2,"page":1070},{"title":"(٩) - قوله تعالى: ﴿اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا﴾","level":2,"page":1071},{"title":"(١٢) - وقوله تعلى: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون﴾","level":2,"page":1072},{"title":"(٢٨) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾","level":2,"page":1073},{"title":"(٢٩) - وقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾","level":2,"page":1084},{"title":"(٣٤) - قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾","level":2,"page":1090},{"title":"(٣٦)، (٣٧) - قوله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ إلى قوله: ﴿سوء أعمالهم﴾","level":2,"page":1093},{"title":"(٣٨)، (٣٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض﴾ إلى قوله: ﴿أليما﴾","level":2,"page":1097},{"title":"(٤١) - قوله تعالى: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ الآية","level":2,"page":1098},{"title":"(٤٣) - (٤٥) - قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ إلى قوله: ﴿يترددون﴾","level":2,"page":1101},{"title":"(٥١) - قوله تعالى: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾","level":2,"page":1102},{"title":"(٥٣) - قوله تعالى: ﴿قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين﴾","level":2,"page":1103},{"title":"(٦٠) - قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فريضة من الله﴾","level":2,"page":1104},{"title":"(٧٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾","level":2,"page":1126},{"title":"(٧٥) - (٧٧) - قوله تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله﴾ إلى قوله: ﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾","level":2,"page":1128},{"title":"(٨٠) - قوله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾","level":2,"page":1131},{"title":"(٨٤) - وقوله تعالى: ﴿لا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره﴾","level":2,"page":1132},{"title":"(٩١) - وقوله تعالى بعد هذا: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾","level":2,"page":1134},{"title":"(١٠٣) - قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾","level":2,"page":1134},{"title":"(١٠٨) - قوله تعالى: ﴿لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾","level":2,"page":1138},{"title":"(١١٣) - (١١٤) - قوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ إلى قوله: ﴿فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾","level":2,"page":1140},{"title":"(١١٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾","level":2,"page":1142},{"title":"(١٢٠) - قوله تعالى: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه﴾","level":2,"page":1143},{"title":"(١٢٢)، (١٢٣) - قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ إلى قوله: ﴿وليجدوا فيكم غلظة﴾","level":2,"page":1144},{"title":"(١٢٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾","level":2,"page":1146},{"title":"(٤١) - قوله تعالى: ﴿وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم﴾","level":2,"page":1148},{"title":"(١٠٨) - (١٠٩) - قوله تعالى: ﴿وما أنا عليكم بوكيل﴾ وقوله: ﴿واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين﴾","level":2,"page":1149},{"title":"(١٥) - قوله تعالى: ﴿قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله﴾","level":2,"page":1149},{"title":"(٥٩) - وقوله تعالى: ﴿قل أرأيتم ما أنزل الله إليكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم﴾","level":2,"page":1149},{"title":"(٨٧) - وقوله تعالى: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾","level":2,"page":1150},{"title":"سورة هود ﵇","level":1,"page":1151},{"title":"(١٥) - قوله تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها﴾","level":2,"page":1151},{"title":"(٤٥) - وقوله تعالى: ﴿ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي﴾","level":2,"page":1152},{"title":"(٦٥) - قوله تعالى: ﴿فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب﴾","level":2,"page":1153},{"title":"(٨٧) - قوله تعالى: ﴿قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾","level":2,"page":1153},{"title":"(١١٣) - (١١٥) - قوله تعالى: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾ إلى قوله: ﴿فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾","level":2,"page":1155},{"title":"(١١٤) - قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة﴾","level":2,"page":1155},{"title":"(١١٥) - وقوله تعالى: ﴿واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾","level":2,"page":1158},{"title":"سورة يوسف ﵇","level":1,"page":1159},{"title":"(٤) - قوله تعالى: ﴿والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾","level":2,"page":1159},{"title":"(١٨) - قوله تعالى: ﴿وجاءوا على قميصه بدم كذب﴾","level":2,"page":1159},{"title":"(١٩) - قوله تعالى: ﴿وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم﴾","level":2,"page":1160},{"title":"(٢٦) - قوله تعالى: ﴿وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه﴾","level":2,"page":1161},{"title":"(٤٢) - قوله تعالى: ﴿فلبث في السجن بضع سنين﴾","level":2,"page":1163},{"title":"(٤٤) - وقوله تعالى: ﴿قالوا أضغاث أحلام﴾","level":2,"page":1164},{"title":"(٥٤)، (٥٥) - قوله تعالى: ﴿وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين * قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾","level":2,"page":1164},{"title":"(٧٢) - قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾","level":2,"page":1166},{"title":"(٧٨) - قوله تعالى: ﴿فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين﴾","level":2,"page":1168},{"title":"(٨١) - (٨٢) - قوله تعالى: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين * واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون﴾","level":2,"page":1169},{"title":"(٨٢) - وقوله تعالى: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون﴾","level":2,"page":1170},{"title":"(٨٤) - (٨٦) - قوله تعالى: ﴿وتولى عنهم وقال يا أسفى وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم * قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين * قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾","level":2,"page":1171},{"title":"(٨٨) - قوله تعالى: ﴿قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين﴾","level":2,"page":1173},{"title":"(١٠١) - قوله تعالى: ﴿توفني مسلما وألحقني بالصالحين﴾","level":2,"page":1175},{"title":"سورة الرعد","level":1,"page":1177},{"title":"(٨) - قوله تعالى: ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار﴾","level":2,"page":1177},{"title":"سورة إبراهيم ﵇","level":1,"page":1180},{"title":"(٢٢) - قوله تعالى: ﴿وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق وودعتك فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم﴾","level":2,"page":1180},{"title":"(٢٥) - قوله تعالى: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾","level":2,"page":1181},{"title":"(٣١) - قوله تعالى: ﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿وعلانية﴾","level":2,"page":1182},{"title":"سورة الحجر","level":1,"page":1183},{"title":"(٣) - قوله تعالى: ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون﴾","level":2,"page":1183},{"title":"(٧٢) - قوله تعالى: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾","level":2,"page":1183},{"title":"(٨٥) - قوله تعالى: ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾","level":2,"page":1184},{"title":"(٩٤) - قوله تعالى: ﴿وأعرض عن المشركين﴾","level":2,"page":1184},{"title":"سورة النحل","level":1,"page":1185},{"title":"(٥) - (٨) - قوله تعالى: ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون﴾ إلى قوله: ﴿ويخلق ما لا تعلمون﴾","level":2,"page":1185},{"title":"(١٤) - قوله تعالى: ﴿وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا﴾ إلى قوله: ﴿ولعلكم تشكرون﴾","level":2,"page":1187},{"title":"(١٦) - قوله تعالى: ﴿وعلامات وبالنجم هم يهتدون﴾","level":2,"page":1188},{"title":"(٦٧) - (٦٩) - قوله تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون﴾","level":2,"page":1190},{"title":"(٦٩) - وقوله تعالى للنحل: ﴿ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا﴾","level":2,"page":1191},{"title":"(٧٥) - قوله تعالى: ﴿صرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء﴾","level":2,"page":1192},{"title":"(٧٨) - قوله تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾","level":2,"page":1193},{"title":"(٨٠) - قوله تعالى: ﴿وجعل لكم من جلود الأنعام﴾ إلى قوله: ﴿ومتاعا إلى حين﴾","level":2,"page":1193},{"title":"(٨٢) - قوله تعالى: ﴿فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين﴾","level":2,"page":1194},{"title":"(٩٠) - (٩١) - وقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وقد جعلتم الله عليكم كفيلا﴾","level":2,"page":1194},{"title":"(٩٤)، (٩٥) - قوله تعالى: ﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إنما عند الله هو خير لكم﴾","level":2,"page":1194},{"title":"(٩٨) - قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾","level":2,"page":1194},{"title":"سورة سبحان","level":1,"page":1199},{"title":"(٢٣)، (٢٤) - قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لها أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لها جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾","level":2,"page":1200},{"title":"(٢٦) - (٢٩) - قوله تعالى: ﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فتقعد ملوما محسورا﴾","level":2,"page":1203},{"title":"(٣٣) - قوله تعالى: ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا﴾","level":2,"page":1204},{"title":"(٣٤) - قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ إلى قوله: ﴿مسئولا﴾","level":2,"page":1205},{"title":"(٣٦) - قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾","level":2,"page":1206},{"title":"(٥٣) - قوله تعالى: ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾","level":2,"page":1206},{"title":"(٦٦) - قوله تعالى: ﴿ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله﴾","level":2,"page":1206},{"title":"(٧٨) - (٧٩) - قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾","level":2,"page":1207},{"title":"(١١٠)، (١١١) - قوله تعالى: ﴿ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وقل الحمد لله﴾","level":2,"page":1209},{"title":"سورة الكهف","level":1,"page":1211},{"title":"(١٤) - قوله تعالى: ﴿وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض﴾","level":2,"page":1211},{"title":"(١٩) - قوله تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما ...﴾","level":2,"page":1212},{"title":"(٢٣)، (٢٤) - قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت﴾","level":2,"page":1212},{"title":"سورة مريم ﵍","level":1,"page":1217},{"title":"(٥) - (٦) - قوله تعالى - حكاية عن زكريا ﵇-: ﴿فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب﴾","level":2,"page":1217},{"title":"(١٧) - قوله تعالى -يعني مريم-: ﴿فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا﴾","level":2,"page":1218},{"title":"(٤٧) - قوله تعالى - حكاية عن قول إبراهيم ﵇ لأبيه الكافر-: ﴿قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا﴾","level":2,"page":1218},{"title":"(٧١) - قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾","level":2,"page":1219},{"title":"(٥٨) - قوله تعالى: ﴿إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا﴾","level":2,"page":1221},{"title":"(٩٢)، (٩٣) - قوله تعالى: ﴿وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا *\" إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا﴾","level":2,"page":1222},{"title":"سورة طه ﷺ","level":1,"page":1224},{"title":"(١٢) - قوله تعالى: ﴿فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى﴾","level":2,"page":1224},{"title":"(١٤) - قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾","level":2,"page":1225},{"title":"(١٣٠) - قوله تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى﴾","level":2,"page":1227},{"title":"(١٣١) (١٣٢) -قوله تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿واصطبر عليها﴾","level":2,"page":1228},{"title":"(١٣٢) - وقوله تعالى: ﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾","level":2,"page":1228},{"title":"سورة الأنبياء -﵈-","level":1,"page":1229},{"title":"(٧٨)، (٧٩) - قوله تعالى: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وعلما﴾","level":2,"page":1229},{"title":"(٧٨) - قوله تعالى: ﴿إذ نفشت فيه غنم القوم﴾","level":2,"page":1232},{"title":"(٩٠) - قوله تعالى: ﴿ويدعوننا رغبا ورهبا﴾","level":2,"page":1234},{"title":"سورة الحج","level":1,"page":1235},{"title":"(٢) - قوله تعالى: ﴿يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها﴾","level":2,"page":1236},{"title":"(٥) - قوله تعالى: ﴿فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر﴾","level":2,"page":1236},{"title":"(٢٥) - قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواه العاكف فيه﴾","level":2,"page":1239},{"title":"(٢٥) - قوله تعالى: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد﴾","level":2,"page":1241},{"title":"(٢٦) - (٢٨) - قوله تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود * وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ...﴾ إلى قوله: ﴿فكلوا﴾","level":2,"page":1242},{"title":"(٢٨) - (٣٠) - قوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿واجتنبوا قول الزور﴾","level":2,"page":1244},{"title":"(٢٨) - قوله تعالى: ﴿وأطعموا البائس الفقير﴾","level":2,"page":1246},{"title":"(٢٩) - قوله تعالى: ﴿ثم ليقضوا تفثهم﴾","level":2,"page":1248},{"title":"(٣٠) - قوله تعالى: ﴿وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾","level":2,"page":1250},{"title":"(٣٢) - (٣٤) - قوله تعالى: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإلهكم إله واحد﴾","level":2,"page":1250},{"title":"(٣٦) - قوله تعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿كذلك سخرها لكم﴾","level":2,"page":1252},{"title":"(٣٩) - قوله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾","level":2,"page":1254},{"title":"(٤٦) - قوله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها﴾","level":2,"page":1255},{"title":"(٥٢) - قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته﴾","level":2,"page":1255},{"title":"(٥٨) - قوله تعالى: ﴿والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا﴾","level":2,"page":1257},{"title":"(٦٨) - قوله تعالى: ﴿وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون﴾","level":2,"page":1258},{"title":"(٧٧) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا﴾","level":2,"page":1258},{"title":"(٧٧) -قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾","level":2,"page":1258},{"title":"(٧٨) - قوله تعالى: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾","level":2,"page":1259},{"title":"سورة المؤمنين","level":1,"page":1260},{"title":"(٢) - (٧) - قوله تعالى: ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فمن ابتغى رواء ذلك فأولئك هم العادون﴾","level":2,"page":1260},{"title":"(٣) - وقوله تعالى: ﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾","level":2,"page":1262},{"title":"(٤) - وقوله تعالى: ﴿والذين هم للزكاة فاعلون﴾","level":2,"page":1262},{"title":"(٥) - وقوله تعالى: ﴿والذين هم لفرجهم حافظون﴾","level":2,"page":1262},{"title":"(٦) - وقوله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾","level":2,"page":1262},{"title":"(٥٤) - قوله تعالى: ﴿فذرهم في غمرتهم حتى حين﴾","level":2,"page":1263},{"title":"(٦٢) - قوله تعالى: ﴿ولا نكلف نفسا إلا وسعها﴾","level":2,"page":1263},{"title":"(٨٤) - قوله تعالى: ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون﴾","level":2,"page":1263},{"title":"سورة النور","level":1,"page":1264},{"title":"(٢)، (٣) - قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾","level":2,"page":1264},{"title":"(٢) - قوله تعالى: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾","level":2,"page":1271},{"title":"(٣)، (٤) - قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾","level":2,"page":1273},{"title":"(٤) - (٦) - قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾","level":2,"page":1278},{"title":"(٤) - قوله تعالى: ﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾","level":2,"page":1284},{"title":"(٦) - (٩) - قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إن الذين جاؤوا بالإفك ...﴾","level":2,"page":1288},{"title":"(٦) - قوله تعالى: ﴿إنه لمن الصادقين﴾","level":2,"page":1293},{"title":"(١٢) - قوله تعالى: ﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون﴾","level":2,"page":1297},{"title":"(٢٢)، (٢٣) - قوله تعالى: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم ... والسعة﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات﴾","level":2,"page":1297},{"title":"(٢٣) - (٢٤) - قوله تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يوم تشهد﴾.","level":2,"page":1298},{"title":"(٢٧) - (٢٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين﴾","level":2,"page":1299},{"title":"(٢٨) - وقوله تعالى: ﴿فإن لم تجدوا فيها أحدا﴾","level":2,"page":1304},{"title":"(٢٩) - قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون﴾","level":2,"page":1304},{"title":"(٣٠) - (٣١) - قوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾","level":2,"page":1306},{"title":"(٣٠) - قوله تعالى: ﴿ويحفظوا فروجهم﴾","level":2,"page":1308},{"title":"(٣١) - قوله تعالى: ﴿ويحفظن فروجهن﴾","level":2,"page":1310},{"title":"(٣٢) - (٣٣) - قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب﴾","level":2,"page":1317},{"title":"(٣٢) - قوله تعالى: ﴿والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾","level":2,"page":1319},{"title":"(٣٣) - قوله تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا﴾","level":2,"page":1321},{"title":"(٥٩) - وقوله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾","level":2,"page":1330},{"title":"(٦٠) - وقوله تعالى: ﴿والقواعد من النساء ...﴾","level":2,"page":1331},{"title":"(٦١) - قوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون ...﴾","level":2,"page":1331},{"title":"(٦٢) - قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله﴾","level":2,"page":1337},{"title":"(٦٣) - وقوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾","level":2,"page":1338},{"title":"سورة الفرقان","level":1,"page":1340},{"title":"(٣٠) - قوله تعالى: ﴿وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا﴾","level":2,"page":1340},{"title":"(٤٨) - قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾","level":2,"page":1341},{"title":"(٦٣) - قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وإذا خاطبهم﴾","level":2,"page":1341},{"title":"(٦٤) - قوله تعالى: ﴿والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما﴾","level":2,"page":1343},{"title":"(٦٧) - قوله تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾","level":2,"page":1343},{"title":"(٦٨) - (٦٩) - قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ إلى قوله: ﴿إلا من تاب﴾","level":2,"page":1344},{"title":"(٧٢) - قوله تعالى: ﴿والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما﴾","level":2,"page":1344},{"title":"سورة الشعراء","level":1,"page":1346},{"title":"(٢٢٤) - (٢٢٧) - قوله تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم فيكل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا﴾","level":2,"page":1346},{"title":"(٢٢٥)، (٢٢٦) - وقوله: ﴿ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾","level":2,"page":1347},{"title":"سورة النمل","level":1,"page":1348},{"title":"سورة القصص","level":1,"page":1349},{"title":"(١٧) - قوله تعالى: ﴿قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين﴾","level":2,"page":1349},{"title":"(٢٧) - قوله تعالى: ﴿قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك﴾","level":2,"page":1350},{"title":"(٥٥) - قوله تعالى: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين﴾","level":2,"page":1352},{"title":"سورة العنكبوت","level":1,"page":1354},{"title":"(٨) - قوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم ...﴾","level":2,"page":1354},{"title":"(١٥) - قوله تعالى: ﴿فأنجيناه وأصحاب السفينة﴾","level":2,"page":1354},{"title":"(٤٦) - قوله تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾","level":2,"page":1354},{"title":"(٤٨) - قوله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وما كنت تتلوا من قبله من قرآن ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون﴾","level":2,"page":1355},{"title":"سورة الروم","level":1,"page":1356},{"title":"(٣٨) - (٣٩) - قوله تعالى: ﴿فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فأولئك هم المضعفون﴾","level":2,"page":1356},{"title":"(٣٨) - قوله: ﴿فآت ذا القربى حقه﴾","level":2,"page":1356},{"title":"(٣٩) - قوله تعالى: ﴿وما أوتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس ...﴾","level":2,"page":1356},{"title":"(٥٢) - قوله تعالى: ﴿فإنك لا تسمع الموتى﴾","level":2,"page":1357},{"title":"سورة لقمان","level":1,"page":1358},{"title":"(٦) - قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾","level":2,"page":1358},{"title":"(١٤)، (١٥) - قوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه ...﴾ إلى قوله: ﴿ثم إلي مرجعكم﴾","level":2,"page":1359},{"title":"(١٤) - وقوله: ﴿وفصاله في عامين﴾","level":2,"page":1359},{"title":"(١٥) - قوله تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ...﴾","level":2,"page":1359},{"title":"سورة السجدة","level":1,"page":1361},{"title":"(١٦) - قوله تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع ...﴾","level":2,"page":1361},{"title":"(٢٣) - قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا﴾","level":2,"page":1362},{"title":"سورة الأحزاب","level":1,"page":1363},{"title":"(٤) - قوله تعالى: ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللاتي تظاهرون منهن ... أمهاتكم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿والله يقول الحق﴾","level":2,"page":1363},{"title":"(٥) - ثم قال تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم ..﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح﴾","level":2,"page":1364},{"title":"(٥)، (٦) - قوله تعالى: ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين﴾","level":2,"page":1365},{"title":"(٦) - قوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾","level":2,"page":1366},{"title":"(٢١) - وقوله تعالى: ﴿لقد كان في رسول الله أسوة حسنة﴾","level":2,"page":1367},{"title":"(٢٨)، (٢٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما﴾","level":2,"page":1368},{"title":"(٢٨) - وقوله تعالى: ﴿إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها﴾","level":2,"page":1370},{"title":"(٣٧) - قوله تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها﴾","level":2,"page":1371},{"title":"(٤٨) - قوله تعالى في الكافرين: ﴿ودع أذاهم﴾","level":2,"page":1371},{"title":"(٤٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾","level":2,"page":1371},{"title":"(٥٠)، (٥١) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد ...﴾","level":2,"page":1373},{"title":"(٥٠) - قوله تعالى: ﴿إن وهبت نفسها للنبي﴾","level":2,"page":1374},{"title":"(٥١) - وقوله تعالى: ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤي إليك من تشاء﴾","level":2,"page":1375},{"title":"(٥٢) - قوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿رقيبا﴾","level":2,"page":1377},{"title":"(٥٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي ...﴾ إلى قوله: ﴿إن تبدو شيئا﴾","level":2,"page":1382},{"title":"(٥٥) -قوله تعالى: ﴿لا جناح عليهن في آبائهن ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿واتقين الله﴾","level":2,"page":1384},{"title":"(٥٦) - قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾","level":2,"page":1386},{"title":"(٥٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾","level":2,"page":1387},{"title":"سورة سبأ","level":1,"page":1389},{"title":"(١٣) - قوله تعالى: ﴿يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل﴾","level":2,"page":1389},{"title":"(٢٥) - قوله تعالى: ﴿قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون﴾","level":2,"page":1390},{"title":"(٥٣)، (٥٤) - قوله تعالى: ﴿وقد كفروا به من قبل ...﴾ ثم قال في آخر الآية: ﴿إنهم كانوا في شك مريب﴾","level":2,"page":1390},{"title":"سورة فاطر","level":1,"page":1391},{"title":"(١٢) - قوله تعالى: ﴿وتستخرجون حلية تلبسونها﴾","level":2,"page":1391},{"title":"سورة يس ﷺ","level":1,"page":1392},{"title":"(٦٩) - قوله تعالى: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾","level":2,"page":1393},{"title":"(٧١)، (٧٢) - قوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون﴾","level":2,"page":1394},{"title":"(٧٨)، (٧٩) - قوله تعالى: ﴿قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ الآية","level":2,"page":1394},{"title":"سورة الصافات","level":1,"page":1396},{"title":"(١٠١) - (١٠٧) - قوله تعالى: ﴿فبشرناه بغلام حليم * فلما بلغ معه السعي ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾","level":2,"page":1396},{"title":"(١٤١) - قوله تعالى: ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾","level":2,"page":1398},{"title":"سورة ص","level":1,"page":1399},{"title":"(١٧) - قوله تعالى: ﴿اصبر على ما يقولون﴾","level":2,"page":1399},{"title":"(٢٦) - قوله تعالى: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾","level":2,"page":1399},{"title":"(٢١) - قوله تعالى: ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب﴾","level":2,"page":1399},{"title":"(١٨) - قوله تعالى: ﴿يسبحن بالعشي والإشراق﴾","level":2,"page":1400},{"title":"(٢٤) - قوله تعالى: ﴿وخر راكعا وأناب﴾","level":2,"page":1401},{"title":"(٣٣) - قوله تعالى: ﴿فطفق مسحا بالسوق والأعناق﴾","level":2,"page":1401},{"title":"(٤٤) - قوله تعالى: ﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث﴾","level":2,"page":1402},{"title":"سورة الزمر","level":1,"page":1404},{"title":"سورة غافر","level":1,"page":1405},{"title":"(٧) - قوله تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ...﴾","level":2,"page":1405},{"title":"(٥٥) - الثاني قوله تعالى: ﴿فاصبر إن وعد الله حق﴾","level":2,"page":1406},{"title":"سورة فصلت","level":1,"page":1407},{"title":"(٣٣) - قوله تعالى: ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين﴾","level":2,"page":1407},{"title":"(٣٤) - قوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾","level":2,"page":1408},{"title":"(٤٤) - قوله تعالى: ﴿ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا ...﴾","level":2,"page":1408},{"title":"سورة الشورى","level":1,"page":1409},{"title":"(٥) - الأول قوله تعالى: ﴿والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ...﴾","level":2,"page":1409},{"title":"(٦) - الثاني قوله تعالى: ﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾","level":2,"page":1409},{"title":"(١٥) - الثالث قوله تعالى: ﴿لنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾","level":2,"page":1410},{"title":"(٢٠) - الرابع قوله تعالى: ﴿من كان يريد حرث الديا نزد له في حرثه ...﴾","level":2,"page":1410},{"title":"(٢٣) -الخامس قوله تعالى: ﴿قل ما أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾","level":2,"page":1410},{"title":"(٣٩)، (٤٠) - قوله تعالى: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾","level":2,"page":1411},{"title":"(٤٠) - قوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾","level":2,"page":1412},{"title":"(٤١) - قوله تعالى: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾","level":2,"page":1413},{"title":"(٤٣) - قوله تعالى: ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾","level":2,"page":1413},{"title":"(٣٩) -قوله تعالى: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾","level":2,"page":1413},{"title":"سورة الزخرف","level":1,"page":1415},{"title":"(١٨) - قوله تعالى: ﴿أومن ينشأ في الحلية﴾","level":2,"page":1415},{"title":"(٢٢) - قوله تعالى: ﴿بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون﴾","level":2,"page":1415},{"title":"(٣٣) - قوله تعالى: ﴿لبيوتهم سقفا من فضة﴾","level":2,"page":1415},{"title":"(٣٧) - قوله تعالى: ﴿وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون﴾","level":2,"page":1416},{"title":"(٤٤) - قوله تعالى: ﴿وإنه لذكر لك ولقومك﴾","level":2,"page":1416},{"title":"(٥٨) - قوله تعالى: ﴿ما ضربوه لك إلا جدلا﴾","level":2,"page":1416},{"title":"(٨٦) - قوله تعالى: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعدلون﴾","level":2,"page":1417},{"title":"(٨٣) -قوله تعالى: ﴿فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون﴾","level":2,"page":1417},{"title":"(٨٩) - قوله تعالى: ﴿فاصفح عنهم وقل سلام﴾","level":2,"page":1417},{"title":"سورة الدخان","level":1,"page":1418},{"title":"(٤٨) - قوله تعالى: ﴿ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم﴾","level":2,"page":1418},{"title":"سورة الجاثية","level":1,"page":1419},{"title":"(١٤) - قوله تعالى: ﴿قل للذين أمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله﴾","level":2,"page":1419},{"title":"سورة الأحقاف","level":1,"page":1420},{"title":"(٤) - قوله تعالى: ﴿ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم﴾","level":2,"page":1420},{"title":"(٩) -قوله تعالى: ﴿قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾","level":2,"page":1421},{"title":"(١٥) - قوله تعالى: ﴿حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا﴾","level":2,"page":1422},{"title":"سورة القتال","level":1,"page":1424},{"title":"(٤) - قوله تعالى: ﴿فضرب الرقاب ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾","level":2,"page":1424},{"title":"(٩) - قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالكم﴾","level":2,"page":1425},{"title":"(١٩) - قوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾","level":2,"page":1425},{"title":"(٣٠) - قوله تعالى: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾","level":2,"page":1426},{"title":"(٣٣) - قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾","level":2,"page":1426},{"title":"(٣٥) - قوله تعالى: ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم﴾","level":2,"page":1426},{"title":"سورة الفتح","level":1,"page":1428},{"title":"(١)، (٣) - قوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾","level":2,"page":1428},{"title":"(١٦) - قوله تعالى: ﴿قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد﴾","level":2,"page":1428},{"title":"(٢٥) - قوله تعالى: ﴿والهدي معكوفا أن يبلغ محله﴾","level":2,"page":1429},{"title":"(١٧) - قوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾","level":2,"page":1429},{"title":"سورة الحجرات","level":1,"page":1431},{"title":"(١)، (٢) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ...﴾ إلى قوله: ﴿أن تحبط أعمالكم﴾","level":2,"page":1431},{"title":"(٢) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾","level":2,"page":1432},{"title":"(٦) - قوله تعالى: ﴿يا أيها آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا بجهالة﴾","level":2,"page":1433},{"title":"(٩) - وقوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إن الله يحب المقسطين﴾","level":2,"page":1435},{"title":"(١١) - (١٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾","level":2,"page":1438},{"title":"(١١) - قوله تعالى: ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾","level":2,"page":1438},{"title":"(١٢) -قوله تعالى: ﴿إن بعض الظن إثم﴾","level":2,"page":1440},{"title":"(١٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾","level":2,"page":1445},{"title":"(١٤) - قوله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾","level":2,"page":1446},{"title":"سورة ق","level":1,"page":1447},{"title":"(٣٩) - قوله تعالى: ﴿فاصبر على ما يقولون﴾","level":2,"page":1447},{"title":"(٣٩)، (٤٠) - قوله تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب * ومن الليل فسبحه وأدبار السجود﴾","level":2,"page":1448},{"title":"سورة الذاريات","level":1,"page":1449},{"title":"(١٧) - قوله تعالى: ﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون﴾","level":2,"page":1449},{"title":"(١٨) - قوله تعالى: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾","level":2,"page":1449},{"title":"(١٩) - وقوله تعالى: ﴿وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾","level":2,"page":1450},{"title":"(٥٤) - قوله تعالى: ﴿فتول عنهم فما أنت بملوم﴾","level":2,"page":1451},{"title":"سورة الطور","level":1,"page":1452},{"title":"(٤٠) - قوله تعالى: ﴿أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون﴾","level":2,"page":1452},{"title":"(٤٥) - قوله تعالى: ﴿فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون﴾","level":2,"page":1452},{"title":"(٤٨)، (٤٩) - قوله تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك حين تقوم * ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم﴾","level":2,"page":1452},{"title":"سورة النجم","level":1,"page":1455},{"title":"(٣) - قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾","level":2,"page":1455},{"title":"(٢٨) - قوله تعالى: ﴿إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾","level":2,"page":1455},{"title":"(٣٢) - وقوله تعالى: ﴿إلا اللمم﴾","level":2,"page":1456},{"title":"(٢٩) - قوله تعالى: ﴿فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ...﴾","level":2,"page":1456},{"title":"(٣٩) - قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾","level":2,"page":1456},{"title":"سورة القمر","level":1,"page":1459},{"title":"(٦) - قوله تعالى: ﴿فتول عنهم﴾","level":2,"page":1459},{"title":"(٢٨) - قوله تعالى: ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر﴾","level":2,"page":1459},{"title":"سورة الرحمن -﷿-","level":1,"page":1460},{"title":"(٦٨) - قوله تعالى: ﴿فيها فاكهة ونخل ورمان﴾","level":2,"page":1460},{"title":"سورة الواقعة","level":1,"page":1461},{"title":"(٧٨)، (٧٩) - قوله تعالى: ﴿في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون﴾","level":2,"page":1461},{"title":"(٩٦) - قوله تعالى: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾","level":2,"page":1463},{"title":"سورة الحديد","level":1,"page":1464},{"title":"(١٢) - قوله تعالى: ﴿يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم﴾","level":2,"page":1464},{"title":"سورة المجادلة","level":1,"page":1465},{"title":"(١) - (٥) - قوله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ إلى قوله: ﴿أن الذين يحادون الله﴾","level":2,"page":1465},{"title":"(٢) - وقوله تعالى: ﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم﴾","level":2,"page":1467},{"title":"(٣) - وقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾","level":2,"page":1473},{"title":"(٤) - قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾","level":2,"page":1475},{"title":"(١١) - (١٢) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ...﴾","level":2,"page":1477},{"title":"(١١) - وقوله تعالى: ﴿وإذا قيل انشزوا فانشزوا﴾","level":2,"page":1479},{"title":"(١٢) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾","level":2,"page":1479},{"title":"(٢٢) - قوله تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾","level":2,"page":1481},{"title":"(١٣) - قوله تعالى: ﴿فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾","level":2,"page":1482},{"title":"سورة الحشر","level":1,"page":1483},{"title":"(٢) - قوله تعالى: ﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾","level":2,"page":1483},{"title":"(٥) - (٧) - قوله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه ...﴾","level":2,"page":1484},{"title":"(٦) - قوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾","level":2,"page":1485},{"title":"(٧) - وقوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾","level":2,"page":1485},{"title":"(٨) - قوله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين ...﴾ إلى قوله: ﴿ورضوانا﴾","level":2,"page":1488},{"title":"(١٠) - قوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا﴾","level":2,"page":1488},{"title":"سورة الممتحنة","level":1,"page":1489},{"title":"(١) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ...﴾ إلى قوله: ﴿بالمودة﴾","level":2,"page":1489},{"title":"(٤) -قوله تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ...﴾","level":2,"page":1489},{"title":"(٨)، (٩) - قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات﴾","level":2,"page":1490},{"title":"(٩) - قوله تعالى: ﴿إنما ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ...﴾","level":2,"page":1491},{"title":"(١٠) - وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم﴾","level":2,"page":1491},{"title":"(١٢) - وقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبيعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إن الله غفور رحيم﴾","level":2,"page":1495},{"title":"سورة الصف","level":1,"page":1498},{"title":"(٢) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون﴾","level":2,"page":1498},{"title":"(٤) - قوله تعالى: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص﴾","level":2,"page":1499},{"title":"سورة الجمعة","level":1,"page":1500},{"title":"(٩) - (١١) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ...﴾ إلى آخر السورة.","level":2,"page":1500},{"title":"(٩) - قوله تعالى: ﴿وذروا البيع﴾","level":2,"page":1506},{"title":"(١٠) - قوله تعالى: ﴿فانتشروا في الأرض﴾","level":2,"page":1507},{"title":"سورة المنافقين","level":1,"page":1510},{"title":"(١)، (٢) - قوله تعالى: ﴿قالوا نشهد إنك لرسول الله ...﴾ إلى قوله: ﴿أيمانهم جنة﴾","level":2,"page":1510},{"title":"(١٠) - قوله تعالى: ﴿وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت﴾","level":2,"page":1510},{"title":"سورة التغابن","level":1,"page":1512},{"title":"(١٥) - قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾","level":2,"page":1512},{"title":"سورة الطلاق","level":1,"page":1513},{"title":"(١) - (٤) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم ...﴾ إلى قوله: ﴿واللائي يئسن من المحيض ...﴾","level":2,"page":1513},{"title":"(١) - قوله تعالى: ﴿لعدتهن﴾","level":2,"page":1514},{"title":"(٢) - وقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾","level":2,"page":1519},{"title":"(٤) - قوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾","level":2,"page":1522},{"title":"(٤) - (٦) - قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم ...﴾","level":2,"page":1525},{"title":"(٦) - قوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾","level":2,"page":1525},{"title":"(٦) - قوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾","level":2,"page":1525},{"title":"(٧) - قوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ونم قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا﴾","level":2,"page":1529},{"title":"سورة التحريم","level":1,"page":1531},{"title":"(١)، (٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾","level":2,"page":1531},{"title":"(٢) -قوله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾","level":2,"page":1534},{"title":"(٣) -قوله تعالى: ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا﴾","level":2,"page":1534},{"title":"(٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾","level":2,"page":1535},{"title":"سورة الملك","level":1,"page":1536},{"title":"سورة القلم","level":1,"page":1536},{"title":"(١٧) - قوله تعالى: ﴿إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين﴾","level":2,"page":1536},{"title":"سورة الحاقة","level":1,"page":1537},{"title":"سورة المعارج","level":1,"page":1537},{"title":"(٥) - قوله تعالى: ﴿فاصبر صبرا جميلا﴾","level":2,"page":1537},{"title":"(٢٤) - (٣٥) -قوله تعالى: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أولئك في جنات مكرمون﴾","level":2,"page":1538},{"title":"(٢٩) - (٣٠) - وقوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾","level":2,"page":1538},{"title":"(٣٢) - قوله تعالى: ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾","level":2,"page":1538},{"title":"(٣٣) -قوله تعالى: ﴿والذين هم بشهاداتهم قائمون﴾","level":2,"page":1539},{"title":"(٣٤) - قوله تعالى: ﴿والذين هم على صلاتهم يحافظون﴾","level":2,"page":1540},{"title":"(٤٢) - قوله تعالى: ﴿فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون﴾","level":2,"page":1540},{"title":"سورة نوح -﵇-","level":1,"page":1541},{"title":"(٢٦)، (٢٧) - قوله تعالى: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا﴾","level":2,"page":1541},{"title":"سورة الجن","level":1,"page":1542},{"title":"(١٨) - قوله تعالى: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا﴾","level":2,"page":1542},{"title":"سورة المزمل","level":1,"page":1543},{"title":"(٢) - (٤) - قوله تعالى: ﴿قم الليل إلا قليلا * نضفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا﴾","level":2,"page":1543},{"title":"(٤) - قوله تعالى: ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾","level":2,"page":1544},{"title":"(١٠) - قوله تعالى: ﴿واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا﴾","level":2,"page":1545},{"title":"(٢٠) - قوله تعالى: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ...﴾ إلى قوله: ﴿واستغفروا الله﴾","level":2,"page":1545},{"title":"سورة المدثر","level":1,"page":1547},{"title":"(٤) - (٧) - قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر * والرجز فاهجر * ولا تمنن تستكثر * ولربك فاصبر﴾","level":2,"page":1547},{"title":"سورة القيامة","level":1,"page":1550},{"title":"(٣٣) - قوله تعالى: ﴿ثم ذهب إلى أهله يتمطى﴾","level":2,"page":1550},{"title":"سورة الإنسان","level":1,"page":1551},{"title":"(٨) - قوله تعالى: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا﴾","level":2,"page":1551},{"title":"(٢٤) - (٢٦) - قوله تعالى: ﴿فاصبر لحكم ربك ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿طويلا﴾","level":2,"page":1553},{"title":"(٢٥)، (٢٦) - قوله تعالى: ﴿واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا * ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا﴾","level":2,"page":1553},{"title":"سورة المرسلات","level":1,"page":1554},{"title":"(١٢)، (١٣) - قوله تعالى: ﴿لأي يوم أجلت * ليوم الفصل﴾","level":2,"page":1554},{"title":"(٢٥)، (٢٦) - قوله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتا * أحياء وأمواتا﴾","level":2,"page":1554},{"title":"سورة النبأ","level":1,"page":1555},{"title":"(٢٣) - قوله تعالى: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾","level":2,"page":1555},{"title":"سورة النازعات","level":1,"page":1556},{"title":"سورة عبس","level":1,"page":1556},{"title":"سورة التكوير","level":1,"page":1556},{"title":"سورة الانفطار","level":1,"page":1556},{"title":"سورة المطففين","level":1,"page":1557},{"title":"(١) - (٣) - أولهما قوله تعالى: ﴿ويل للمطففين * الذي إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾","level":2,"page":1557},{"title":"(٣٢)، (٣٣) - وقوله تعالى: ﴿وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * وما أرسلوا عليهم حافظين﴾","level":2,"page":1558},{"title":"سورة الانشقاق","level":1,"page":1559},{"title":"سورة البروج","level":1,"page":1559},{"title":"سورة الطارق","level":1,"page":1559},{"title":"(١٧) - قوله تعالى: ﴿فمهل الكافرين أمهلهم رويدا﴾","level":2,"page":1559},{"title":"سورة سبح","level":1,"page":1560},{"title":"(١٤)، (١٥) - قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى﴾","level":2,"page":1560},{"title":"(١٥) - وقوله تعالى: ﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾","level":2,"page":1561},{"title":"سورة الغاشية","level":1,"page":1562},{"title":"(٢٢)، (٢٣) - قوله تعالى: ﴿لست عليهم بمصيطر * إلا من تولى وكفر﴾","level":2,"page":1562},{"title":"سورة الفجر","level":1,"page":1562},{"title":"سورة البلد","level":1,"page":1563},{"title":"(١٢) - (١٦) - قوله تعالى: ﴿وما أدراك ما العقبة * فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما ذا مقربة * أو مسكينا ذا متربة﴾","level":2,"page":1563},{"title":"سورة الشمس","level":1,"page":1564},{"title":"سورة الليل","level":1,"page":1564},{"title":"سورة الضحى","level":1,"page":1564},{"title":"سورة ألم نشرح","level":1,"page":1565},{"title":"(٧) - قوله تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب﴾","level":2,"page":1565},{"title":"سورة التين","level":1,"page":1566},{"title":"سورة العلق","level":1,"page":1566},{"title":"سورة القدر","level":1,"page":1567},{"title":"(١) - قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾","level":2,"page":1567},{"title":"سورة لم يكن","level":1,"page":1567},{"title":"سورة الزلزلة","level":1,"page":1568},{"title":"(٤) - قوله تعالى: ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾","level":2,"page":1568},{"title":"سورة العاديات","level":1,"page":1568},{"title":"سورة القارعة","level":1,"page":1568},{"title":"سورة التكاثر","level":1,"page":1569},{"title":"سورة العصر","level":1,"page":1569},{"title":"سورة الهمزة","level":1,"page":1569},{"title":"سورة الفيل","level":1,"page":1569},{"title":"سورة قريش","level":1,"page":1569},{"title":"سورة الماعون","level":1,"page":1570},{"title":"سورة الكوثر","level":1,"page":1571},{"title":"(٢) - قوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾","level":2,"page":1571},{"title":"سورة الكافرون","level":1,"page":1575},{"title":"(٦) - قوله تعالى: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾","level":2,"page":1575},{"title":"سورة النصر","level":2,"page":1575},{"title":"سورة تبت","level":2,"page":1575},{"title":"سورة الإخلاص","level":1,"page":1576},{"title":"سورة المعوذتين","level":1,"page":1576}],"ٛ":{"1,33":1,"1,34":2,"1,35":3,"1,36":4,"1,37":5,"1,38":6,"1,39":7,"1,40":8,"1,41":9,"1,42":10,"1,43":11,"1,44":12,"1,45":13,"1,46":14,"1,47":15,"1,48":16,"1,49":17,"1,50":18,"1,51":19,"1,52":20,"1,53":21,"1,54":22,"1,55":23,"1,56":24,"1,57":25,"1,58":26,"1,59":27,"1,60":28,"1,61":29,"1,62":30,"1,63":31,"1,64":32,"1,65":33,"1,66":34,"1,67":35,"1,68":36,"1,69":37,"1,70":38,"1,71":39,"1,72":40,"1,73":41,"1,74":42,"1,75":43,"1,76":44,"1,77":45,"1,78":46,"1,79":47,"1,80":48,"1,81":49,"1,82":50,"1,83":51,"1,84":52,"1,85":53,"1,86":54,"1,87":55,"1,88":56,"1,89":57,"1,90":58,"1,91":59,"1,92":60,"1,93":61,"1,94":62,"1,95":63,"1,96":64,"1,97":65,"1,98":66,"1,99":67,"1,100":68,"1,101":69,"1,102":70,"1,103":71,"1,104":72,"1,105":73,"1,106":74,"1,107":75,"1,108":76,"1,109":77,"1,110":78,"1,111":79,"1,112":80,"1,113":81,"1,114":82,"1,115":83,"1,116":84,"1,117":85,"1,118":86,"1,119":87,"1,120":88,"1,121":89,"1,122":90,"1,123":91,"1,124":92,"1,125":93,"1,126":94,"1,127":95,"1,128":96,"1,129":97,"1,130":98,"1,131":99,"1,132":100,"1,133":101,"1,134":102,"1,135":103,"1,136":104,"1,137":105,"1,138":106,"1,139":107,"1,140":108,"1,141":109,"1,142":110,"1,143":111,"1,144":112,"1,145":113,"1,146":114,"1,147":115,"1,148":116,"1,149":117,"1,150":118,"1,151":119,"1,152":120,"1,153":121,"1,154":122,"1,155":123,"1,156":124,"1,157":125,"1,158":126,"1,159":127,"1,160":128,"1,161":129,"1,162":130,"1,163":131,"1,164":132,"1,165":133,"1,166":134,"1,167":135,"1,168":136,"1,169":137,"1,170":138,"1,171":139,"1,172":140,"1,173":141,"1,174":142,"1,175":143,"1,176":144,"1,177":145,"1,178":146,"1,179":147,"1,180":148,"1,181":149,"1,182":150,"1,183":151,"1,184":152,"1,185":153,"1,186":154,"1,187":155,"1,188":156,"1,189":157,"1,190":158,"1,191":159,"1,192":160,"1,193":161,"1,194":162,"1,195":163,"1,196":164,"1,197":165,"1,198":166,"1,199":167,"1,200":168,"1,201":169,"1,202":170,"1,203":171,"1,204":172,"1,205":173,"1,206":174,"1,207":175,"1,208":176,"1,209":177,"1,210":178,"1,211":179,"1,212":180,"1,213":181,"1,214":182,"1,215":183,"1,216":184,"1,217":185,"1,218":186,"1,219":187,"1,220":188,"1,221":189,"1,222":190,"1,223":191,"1,224":192,"1,225":193,"1,226":194,"1,227":195,"1,228":196,"1,229":197,"1,230":198,"1,231":199,"1,232":200,"1,233":201,"1,234":202,"1,235":203,"1,236":204,"1,237":205,"1,238":206,"1,239":207,"1,240":208,"1,241":209,"1,242":210,"1,243":211,"1,244":212,"1,245":213,"1,246":214,"1,247":215,"1,248":216,"1,249":217,"1,250":218,"1,251":219,"1,252":220,"1,253":221,"1,254":222,"1,255":223,"1,256":224,"1,257":225,"1,258":226,"1,259":227,"1,260":228,"1,261":229,"1,262":230,"1,263":231,"1,264":232,"1,265":233,"1,266":234,"1,267":235,"1,268":236,"1,269":237,"1,270":238,"1,271":239,"1,272":240,"1,273":241,"1,274":242,"1,275":243,"1,276":244,"1,277":245,"1,278":246,"1,279":247,"1,280":248,"1,281":249,"1,282":250,"1,283":251,"1,284":252,"1,285":253,"1,286":254,"1,287":255,"1,288":256,"1,289":257,"1,290":258,"1,291":259,"1,292":260,"1,293":261,"1,294":262,"1,295":263,"1,296":264,"1,297":265,"1,298":266,"1,299":267,"1,300":268,"1,301":269,"1,302":270,"1,303":271,"1,304":272,"1,305":273,"1,306":274,"1,307":275,"1,308":276,"1,309":277,"1,310":278,"1,311":279,"1,312":280,"1,313":281,"1,314":282,"1,315":283,"1,316":284,"1,317":285,"1,318":286,"1,319":287,"1,320":288,"1,321":289,"1,322":290,"1,323":291,"1,324":292,"1,325":293,"1,326":294,"1,327":295,"1,328":296,"1,329":297,"1,330":298,"1,331":299,"1,332":300,"1,333":301,"1,334":302,"1,335":303,"1,336":304,"1,337":305,"1,338":306,"1,339":307,"1,340":308,"1,341":309,"1,342":310,"1,343":311,"1,344":312,"1,345":313,"1,346":314,"1,347":315,"1,348":316,"1,349":317,"1,350":318,"1,351":319,"1,352":320,"1,353":321,"1,354":322,"1,355":323,"1,356":324,"1,357":325,"1,358":326,"1,359":327,"1,360":328,"1,361":329,"1,362":330,"1,363":331,"1,364":332,"1,365":333,"1,366":334,"1,367":335,"1,368":336,"1,369":337,"1,370":338,"1,371":339,"1,372":340,"1,373":341,"1,374":342,"1,375":343,"1,376":344,"1,377":345,"1,378":346,"1,379":347,"1,380":348,"1,381":349,"1,382":350,"1,383":351,"1,384":352,"1,385":353,"1,386":354,"1,387":355,"1,388":356,"1,389":357,"1,390":358,"1,391":359,"1,392":360,"1,393":361,"1,394":362,"1,395":363,"1,396":364,"1,397":365,"1,398":366,"1,399":367,"1,400":368,"1,401":369,"1,402":370,"1,403":371,"1,404":372,"1,405":373,"1,406":374,"1,407":375,"1,408":376,"1,409":377,"1,410":378,"1,411":379,"1,412":380,"1,413":381,"1,414":382,"1,415":383,"1,416":384,"1,417":385,"1,418":386,"1,419":387,"1,420":388,"1,421":389,"1,422":390,"1,423":391,"1,424":392,"1,425":393,"1,426":394,"1,427":395,"1,428":396,"1,429":397,"1,430":398,"1,431":399,"1,432":400,"1,433":401,"1,434":402,"1,435":403,"1,436":404,"1,437":405,"1,438":406,"1,439":407,"1,440":408,"1,441":409,"1,442":410,"1,443":411,"2,5":412,"2,6":413,"2,7":414,"2,8":415,"2,9":416,"2,10":417,"2,11":418,"2,12":419,"2,13":420,"2,14":421,"2,15":422,"2,16":423,"2,17":424,"2,18":425,"2,19":426,"2,20":427,"2,21":428,"2,22":429,"2,23":430,"2,24":431,"2,25":432,"2,26":433,"2,27":434,"2,28":435,"2,29":436,"2,30":437,"2,31":438,"2,32":439,"2,33":440,"2,34":441,"2,35":442,"2,36":443,"2,37":444,"2,38":445,"2,39":446,"2,40":447,"2,41":448,"2,42":449,"2,43":450,"2,44":451,"2,45":452,"2,46":453,"2,47":454,"2,48":455,"2,49":456,"2,50":457,"2,51":458,"2,52":459,"2,53":460,"2,54":461,"2,55":462,"2,56":463,"2,57":464,"2,58":465,"2,59":466,"2,60":467,"2,61":468,"2,62":469,"2,63":470,"2,64":471,"2,65":472,"2,66":473,"2,67":474,"2,68":475,"2,69":476,"2,70":477,"2,71":478,"2,72":479,"2,73":480,"2,74":481,"2,75":482,"2,76":483,"2,77":484,"2,78":485,"2,79":486,"2,80":487,"2,81":488,"2,82":489,"2,83":490,"2,84":491,"2,85":492,"2,86":493,"2,87":494,"2,88":495,"2,89":496,"2,90":497,"2,91":498,"2,92":499,"2,93":500,"2,94":501,"2,95":502,"2,96":503,"2,97":504,"2,98":505,"2,99":506,"2,100":507,"2,101":508,"2,102":509,"2,103":510,"2,104":511,"2,105":512,"2,106":513,"2,107":514,"2,108":515,"2,109":516,"2,110":517,"2,111":518,"2,112":519,"2,113":520,"2,114":521,"2,115":522,"2,116":523,"2,117":524,"2,118":525,"2,119":526,"2,120":527,"2,121":528,"2,122":529,"2,123":530,"2,124":531,"2,125":532,"2,126":533,"2,127":534,"2,128":535,"2,129":536,"2,130":537,"2,131":538,"2,132":539,"2,133":540,"2,134":541,"2,135":542,"2,136":543,"2,137":544,"2,138":545,"2,139":546,"2,140":547,"2,141":548,"2,142":549,"2,143":550,"2,144":551,"2,145":552,"2,146":553,"2,147":554,"2,148":555,"2,149":556,"2,150":557,"2,151":558,"2,152":559,"2,153":560,"2,154":561,"2,155":562,"2,156":563,"2,157":564,"2,158":565,"2,159":566,"2,160":567,"2,161":568,"2,162":569,"2,163":570,"2,164":571,"2,165":572,"2,166":573,"2,167":574,"2,168":575,"2,169":576,"2,170":577,"2,171":578,"2,172":579,"2,173":580,"2,174":581,"2,175":582,"2,176":583,"2,177":584,"2,178":585,"2,179":586,"2,180":587,"2,181":588,"2,182":589,"2,183":590,"2,184":591,"2,185":592,"2,186":593,"2,187":594,"2,188":595,"2,189":596,"2,190":597,"2,191":598,"2,192":599,"2,193":600,"2,194":601,"2,195":602,"2,196":603,"2,197":604,"2,198":605,"2,199":606,"2,200":607,"2,201":608,"2,202":609,"2,203":610,"2,204":611,"2,205":612,"2,206":613,"2,207":614,"2,208":615,"2,209":616,"2,210":617,"2,211":618,"2,212":619,"2,213":620,"2,214":621,"2,215":622,"2,216":623,"2,217":624,"2,218":625,"2,219":626,"2,220":627,"2,221":628,"2,222":629,"2,223":630,"2,224":631,"2,225":632,"2,226":633,"2,227":634,"2,228":635,"2,229":636,"2,230":637,"2,231":638,"2,232":639,"2,233":640,"2,234":641,"2,235":642,"2,236":643,"2,237":644,"2,238":645,"2,239":646,"2,240":647,"2,241":648,"2,242":649,"2,243":650,"2,244":651,"2,245":652,"2,246":653,"2,247":654,"2,248":655,"2,249":656,"2,250":657,"2,251":658,"2,252":659,"2,253":660,"2,254":661,"2,255":662,"2,256":663,"2,257":664,"2,258":665,"2,259":666,"2,260":667,"2,261":668,"2,262":669,"2,263":670,"2,264":671,"2,265":672,"2,266":673,"2,267":674,"2,268":675,"2,269":676,"2,270":677,"2,271":678,"2,272":679,"2,273":680,"2,274":681,"2,275":682,"2,276":683,"2,277":684,"2,278":685,"2,279":686,"2,280":687,"2,281":688,"2,282":689,"2,283":690,"2,284":691,"2,285":692,"2,286":693,"2,287":694,"2,288":695,"2,289":696,"2,290":697,"2,291":698,"2,292":699,"2,293":700,"2,294":701,"2,295":702,"2,296":703,"2,297":704,"2,298":705,"2,299":706,"2,300":707,"2,301":708,"2,302":709,"2,303":710,"2,304":711,"2,305":712,"2,306":713,"2,307":714,"2,308":715,"2,309":716,"2,310":717,"2,311":718,"2,312":719,"2,313":720,"2,314":721,"2,315":722,"2,316":723,"2,317":724,"2,318":725,"2,319":726,"2,320":727,"2,321":728,"2,322":729,"2,323":730,"2,324":731,"2,325":732,"2,326":733,"2,327":734,"2,328":735,"2,329":736,"2,330":737,"2,331":738,"2,332":739,"2,333":740,"2,334":741,"2,335":742,"2,336":743,"2,337":744,"2,338":745,"2,339":746,"2,340":747,"2,341":748,"2,342":749,"2,343":750,"2,344":751,"2,345":752,"2,346":753,"2,347":754,"2,348":755,"2,349":756,"2,350":757,"2,351":758,"2,352":759,"2,353":760,"2,354":761,"2,355":762,"2,356":763,"2,357":764,"2,358":765,"2,359":766,"2,360":767,"2,361":768,"2,362":769,"2,363":770,"2,364":771,"2,365":772,"2,366":773,"2,367":774,"2,368":775,"2,369":776,"2,370":777,"2,371":778,"2,372":779,"2,373":780,"2,374":781,"2,375":782,"2,376":783,"2,377":784,"2,378":785,"2,379":786,"2,380":787,"2,381":788,"2,382":789,"2,383":790,"2,384":791,"2,385":792,"2,386":793,"2,387":794,"2,388":795,"2,389":796,"2,390":797,"2,391":798,"2,392":799,"2,393":800,"2,394":801,"2,395":802,"2,396":803,"2,397":804,"2,398":805,"2,399":806,"2,400":807,"2,401":808,"2,402":809,"2,403":810,"2,404":811,"2,405":812,"2,406":813,"2,407":814,"2,408":815,"2,409":816,"2,410":817,"2,411":818,"2,412":819,"2,413":820,"2,414":821,"2,415":822,"2,416":823,"2,417":824,"2,418":825,"2,419":826,"2,420":827,"2,421":828,"2,422":829,"2,423":830,"2,424":831,"2,425":832,"2,426":833,"2,427":834,"2,428":835,"2,429":836,"2,430":837,"2,431":838,"2,432":839,"2,433":840,"2,434":841,"2,435":842,"2,436":843,"2,437":844,"2,438":845,"2,439":846,"2,440":847,"2,441":848,"2,442":849,"2,443":850,"2,444":851,"2,445":852,"2,446":853,"2,447":854,"2,448":855,"2,449":856,"2,450":857,"2,451":858,"2,452":859,"2,453":860,"2,454":861,"2,455":862,"2,456":863,"2,457":864,"2,458":865,"2,459":866,"2,460":867,"2,461":868,"2,462":869,"2,463":870,"2,464":871,"2,465":872,"2,466":873,"2,467":874,"2,468":875,"2,469":876,"2,470":877,"2,471":878,"2,472":879,"2,473":880,"2,474":881,"2,475":882,"2,476":883,"2,477":884,"2,478":885,"2,479":886,"2,480":887,"2,481":888,"2,482":889,"2,483":890,"2,484":891,"2,485":892,"2,486":893,"2,487":894,"2,488":895,"2,489":896,"2,490":897,"2,491":898,"2,492":899,"2,493":900,"2,494":901,"2,495":902,"2,496":903,"2,497":904,"2,498":905,"2,499":906,"2,500":907,"2,501":908,"2,502":909,"2,503":910,"2,504":911,"2,505":912,"2,506":913,"2,507":914,"2,508":915,"2,509":916,"2,510":917,"2,511":918,"2,512":919,"2,513":920,"2,514":921,"2,515":922,"2,516":923,"2,517":924,"2,518":925,"2,519":926,"2,520":927,"2,521":928,"2,522":929,"2,523":930,"2,524":931,"2,525":932,"2,526":933,"2,527":934,"2,528":935,"2,529":936,"2,530":937,"2,531":938,"2,532":939,"2,533":940,"2,534":941,"2,535":942,"2,536":943,"2,537":944,"2,538":945,"2,539":946,"2,540":947,"2,541":948,"2,542":949,"2,543":950,"3,7":951,"3,8":952,"3,9":953,"3,10":954,"3,11":955,"3,12":956,"3,13":957,"3,14":958,"3,15":959,"3,16":960,"3,17":961,"3,18":962,"3,19":963,"3,20":964,"3,21":965,"3,22":966,"3,23":967,"3,24":968,"3,25":969,"3,26":970,"3,27":971,"3,28":972,"3,29":973,"3,30":974,"3,31":975,"3,32":976,"3,33":977,"3,34":978,"3,35":979,"3,36":980,"3,37":981,"3,38":982,"3,39":983,"3,40":984,"3,41":985,"3,42":986,"3,43":987,"3,44":988,"3,45":989,"3,46":990,"3,47":991,"3,48":992,"3,49":993,"3,50":994,"3,51":995,"3,52":996,"3,53":997,"3,54":998,"3,55":999,"3,56":1000,"3,57":1001,"3,58":1002,"3,59":1003,"3,60":1004,"3,61":1005,"3,62":1006,"3,63":1007,"3,64":1008,"3,65":1009,"3,66":1010,"3,67":1011,"3,68":1012,"3,69":1013,"3,70":1014,"3,71":1015,"3,72":1016,"3,73":1017,"3,74":1018,"3,75":1019,"3,76":1020,"3,77":1021,"3,78":1022,"3,79":1023,"3,80":1024,"3,81":1025,"3,82":1026,"3,83":1027,"3,84":1028,"3,85":1029,"3,86":1030,"3,87":1031,"3,88":1032,"3,89":1033,"3,90":1034,"3,91":1035,"3,92":1036,"3,93":1037,"3,94":1038,"3,95":1039,"3,96":1040,"3,97":1041,"3,98":1042,"3,99":1043,"3,100":1044,"3,101":1045,"3,102":1046,"3,103":1047,"3,104":1048,"3,105":1049,"3,106":1050,"3,107":1051,"3,108":1052,"3,109":1053,"3,110":1054,"3,111":1055,"3,112":1056,"3,113":1057,"3,114":1058,"3,115":1059,"3,116":1060,"3,117":1061,"3,118":1062,"3,119":1063,"3,120":1064,"3,121":1065,"3,122":1066,"3,123":1067,"3,124":1068,"3,125":1069,"3,126":1070,"3,127":1071,"3,128":1072,"3,129":1073,"3,130":1074,"3,131":1075,"3,132":1076,"3,133":1077,"3,134":1078,"3,135":1079,"3,136":1080,"3,137":1081,"3,138":1082,"3,139":1083,"3,140":1084,"3,141":1085,"3,142":1086,"3,143":1087,"3,144":1088,"3,145":1089,"3,146":1090,"3,147":1091,"3,148":1092,"3,149":1093,"3,150":1094,"3,151":1095,"3,152":1096,"3,153":1097,"3,154":1098,"3,155":1099,"3,156":1100,"3,157":1101,"3,158":1102,"3,159":1103,"3,160":1104,"3,161":1105,"3,162":1106,"3,163":1107,"3,164":1108,"3,165":1109,"3,166":1110,"3,167":1111,"3,168":1112,"3,169":1113,"3,170":1114,"3,171":1115,"3,172":1116,"3,173":1117,"3,174":1118,"3,175":1119,"3,176":1120,"3,177":1121,"3,178":1122,"3,179":1123,"3,180":1124,"3,181":1125,"3,182":1126,"3,183":1127,"3,184":1128,"3,185":1129,"3,186":1130,"3,187":1131,"3,188":1132,"3,189":1133,"3,190":1134,"3,191":1135,"3,192":1136,"3,193":1137,"3,194":1138,"3,195":1139,"3,196":1140,"3,197":1141,"3,198":1142,"3,199":1143,"3,200":1144,"3,201":1145,"3,202":1146,"3,203":1147,"3,204":1148,"3,205":1149,"3,206":1150,"3,207":1151,"3,208":1152,"3,209":1153,"3,210":1154,"3,211":1155,"3,212":1156,"3,213":1157,"3,214":1158,"3,215":1159,"3,216":1160,"3,217":1161,"3,218":1162,"3,219":1163,"3,220":1164,"3,221":1165,"3,222":1166,"3,223":1167,"3,224":1168,"3,225":1169,"3,226":1170,"3,227":1171,"3,228":1172,"3,229":1173,"3,230":1174,"3,231":1175,"3,232":1176,"3,233":1177,"3,234":1178,"3,235":1179,"3,236":1180,"3,237":1181,"3,238":1182,"3,239":1183,"3,240":1184,"3,241":1185,"3,242":1186,"3,243":1187,"3,244":1188,"3,245":1189,"3,246":1190,"3,247":1191,"3,248":1192,"3,249":1193,"3,250":1194,"3,251":1195,"3,252":1196,"3,253":1197,"3,254":1198,"3,255":1199,"3,256":1200,"3,257":1201,"3,258":1202,"3,259":1203,"3,260":1204,"3,261":1205,"3,262":1206,"3,263":1207,"3,264":1208,"3,265":1209,"3,266":1210,"3,267":1211,"3,268":1212,"3,269":1213,"3,270":1214,"3,271":1215,"3,272":1216,"3,273":1217,"3,274":1218,"3,275":1219,"3,276":1220,"3,277":1221,"3,278":1222,"3,279":1223,"3,280":1224,"3,281":1225,"3,282":1226,"3,283":1227,"3,284":1228,"3,285":1229,"3,286":1230,"3,287":1231,"3,288":1232,"3,289":1233,"3,290":1234,"3,291":1235,"3,292":1236,"3,293":1237,"3,294":1238,"3,295":1239,"3,296":1240,"3,297":1241,"3,298":1242,"3,299":1243,"3,300":1244,"3,301":1245,"3,302":1246,"3,303":1247,"3,304":1248,"3,305":1249,"3,306":1250,"3,307":1251,"3,308":1252,"3,309":1253,"3,310":1254,"3,311":1255,"3,312":1256,"3,313":1257,"3,314":1258,"3,315":1259,"3,316":1260,"3,317":1261,"3,318":1262,"3,319":1263,"3,320":1264,"3,321":1265,"3,322":1266,"3,323":1267,"3,324":1268,"3,325":1269,"3,326":1270,"3,327":1271,"3,328":1272,"3,329":1273,"3,330":1274,"3,331":1275,"3,332":1276,"3,333":1277,"3,334":1278,"3,335":1279,"3,336":1280,"3,337":1281,"3,338":1282,"3,339":1283,"3,340":1284,"3,341":1285,"3,342":1286,"3,343":1287,"3,344":1288,"3,345":1289,"3,346":1290,"3,347":1291,"3,348":1292,"3,349":1293,"3,350":1294,"3,351":1295,"3,352":1296,"3,353":1297,"3,354":1298,"3,355":1299,"3,356":1300,"3,357":1301,"3,358":1302,"3,359":1303,"3,360":1304,"3,361":1305,"3,362":1306,"3,363":1307,"3,364":1308,"3,365":1309,"3,366":1310,"3,367":1311,"3,368":1312,"3,369":1313,"3,370":1314,"3,371":1315,"3,372":1316,"3,373":1317,"3,374":1318,"3,375":1319,"3,376":1320,"3,377":1321,"3,378":1322,"3,379":1323,"3,380":1324,"3,381":1325,"3,382":1326,"3,383":1327,"3,384":1328,"3,385":1329,"3,386":1330,"3,387":1331,"3,388":1332,"3,389":1333,"3,390":1334,"3,391":1335,"3,392":1336,"3,393":1337,"3,394":1338,"3,395":1339,"3,396":1340,"3,397":1341,"3,398":1342,"3,399":1343,"3,400":1344,"3,401":1345,"3,402":1346,"3,403":1347,"3,404":1348,"3,405":1349,"3,406":1350,"3,407":1351,"3,408":1352,"3,409":1353,"3,410":1354,"3,411":1355,"3,412":1356,"3,413":1357,"3,414":1358,"3,415":1359,"3,416":1360,"3,417":1361,"3,418":1362,"3,419":1363,"3,420":1364,"3,421":1365,"3,422":1366,"3,423":1367,"3,424":1368,"3,425":1369,"3,426":1370,"3,427":1371,"3,428":1372,"3,429":1373,"3,430":1374,"3,431":1375,"3,432":1376,"3,433":1377,"3,434":1378,"3,435":1379,"3,436":1380,"3,437":1381,"3,438":1382,"3,439":1383,"3,440":1384,"3,441":1385,"3,442":1386,"3,443":1387,"3,444":1388,"3,445":1389,"3,446":1390,"3,447":1391,"3,448":1392,"3,449":1393,"3,450":1394,"3,451":1395,"3,452":1396,"3,453":1397,"3,454":1398,"3,455":1399,"3,456":1400,"3,457":1401,"3,458":1402,"3,459":1403,"3,460":1404,"3,461":1405,"3,462":1406,"3,463":1407,"3,464":1408,"3,465":1409,"3,466":1410,"3,467":1411,"3,468":1412,"3,469":1413,"3,470":1414,"3,471":1415,"3,472":1416,"3,473":1417,"3,474":1418,"3,475":1419,"3,476":1420,"3,477":1421,"3,478":1422,"3,479":1423,"3,480":1424,"3,481":1425,"3,482":1426,"3,483":1427,"3,484":1428,"3,485":1429,"3,486":1430,"3,487":1431,"3,488":1432,"3,489":1433,"3,490":1434,"3,491":1435,"3,492":1436,"3,493":1437,"3,494":1438,"3,495":1439,"3,496":1440,"3,497":1441,"3,498":1442,"3,499":1443,"3,500":1444,"3,501":1445,"3,502":1446,"3,503":1447,"3,504":1448,"3,505":1449,"3,506":1450,"3,507":1451,"3,508":1452,"3,509":1453,"3,510":1454,"3,511":1455,"3,512":1456,"3,513":1457,"3,514":1458,"3,515":1459,"3,516":1460,"3,517":1461,"3,518":1462,"3,519":1463,"3,520":1464,"3,521":1465,"3,522":1466,"3,523":1467,"3,524":1468,"3,525":1469,"3,526":1470,"3,527":1471,"3,528":1472,"3,529":1473,"3,530":1474,"3,531":1475,"3,532":1476,"3,533":1477,"3,534":1478,"3,535":1479,"3,536":1480,"3,537":1481,"3,538":1482,"3,539":1483,"3,540":1484,"3,541":1485,"3,542":1486,"3,543":1487,"3,544":1488,"3,545":1489,"3,546":1490,"3,547":1491,"3,548":1492,"3,549":1493,"3,550":1494,"3,551":1495,"3,552":1496,"3,553":1497,"3,554":1498,"3,555":1499,"3,556":1500,"3,557":1501,"3,558":1502,"3,559":1503,"3,560":1504,"3,561":1505,"3,562":1506,"3,563":1507,"3,564":1508,"3,565":1509,"3,566":1510,"3,567":1511,"3,568":1512,"3,569":1513,"3,570":1514,"3,571":1515,"3,572":1516,"3,573":1517,"3,574":1518,"3,575":1519,"3,576":1520,"3,577":1521,"3,578":1522,"3,579":1523,"3,580":1524,"3,581":1525,"3,582":1526,"3,583":1527,"3,584":1528,"3,585":1529,"3,586":1530,"3,587":1531,"3,588":1532,"3,589":1533,"3,590":1534,"3,591":1535,"3,592":1536,"3,593":1537,"3,594":1538,"3,595":1539,"3,596":1540,"3,597":1541,"3,598":1542,"3,599":1543,"3,600":1544,"3,601":1545,"3,602":1546,"3,603":1547,"3,604":1548,"3,605":1549,"3,606":1550,"3,607":1551,"3,608":1552,"3,609":1553,"3,610":1554,"3,611":1555,"3,612":1556,"3,613":1557,"3,614":1558,"3,615":1559,"3,616":1560,"3,617":1561,"3,618":1562,"3,619":1563,"3,620":1564,"3,621":1565,"3,622":1566,"3,623":1567,"3,624":1568,"3,625":1569,"3,626":1570,"3,627":1571,"3,628":1572,"3,629":1573,"3,630":1574,"3,631":1575,"3,632":1576},"ٜ":{"1":[33,443],"2":[5,543],"3":[7,632]},"ٝ":["1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,561","3,562","3,563","3,564","3,565","3,566","3,567","3,568","3,569","3,570","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575","3,576","3,577","3,578","3,579","3,580","3,581","3,582","3,583","3,584","3,585","3,586","3,587","3,588","3,589","3,590","3,591","3,592","3,593","3,594","3,595","3,596","3,597","3,598","3,599","3,600","3,601","3,602","3,603","3,604","3,605","3,606","3,607","3,608","3,609","3,610","3,611","3,612","3,613","3,614","3,615","3,616","3,617","3,618","3,619","3,620","3,621","3,622","3,623","3,624","3,625","3,626","3,627","3,628","3,629","3,630","3,631","3,632"],"ٞ":{"4":[1],"5":[2,3],"8":[4],"9":[5],"11":[6],"12":[7,8],"13":[9,10],"14":[11,12],"16":[13],"17":[14],"18":[15],"22":[16],"24":[17],"26":[18,19,20],"27":[21,22,23],"28":[24],"29":[25],"31":[26],"32":[27,28],"33":[29],"34":[30,31,32],"36":[33],"40":[34],"41":[35],"43":[36],"45":[37,38],"46":[39,40],"48":[41],"49":[42],"53":[43],"54":[44],"56":[45],"57":[46],"62":[47,48],"63":[49],"64":[50],"74":[51],"75":[52,53,54],"77":[55,56],"79":[57,58],"80":[59,60],"81":[61],"82":[62],"83":[63],"84":[64,65],"85":[66],"87":[67,68],"88":[69],"89":[70],"92":[71],"93":[72],"94":[73],"96":[74,75],"113":[76],"115":[77],"116":[78],"121":[79],"141":[80],"142":[81],"149":[82],"150":[83],"153":[84,85],"156":[86],"164":[87],"165":[88,89,90],"166":[91],"169":[92],"170":[93],"171":[94,95],"172":[96,97],"175":[98],"180":[99],"183":[100],"187":[101,102],"188":[103],"189":[104],"190":[105],"192":[106,107],"193":[108,109,110,111],"194":[112,113],"196":[114,115],"197":[116],"204":[117],"208":[118],"210":[119,120],"213":[121,122],"218":[123],"219":[124],"221":[125],"222":[126],"223":[127],"225":[128],"226":[129],"229":[130],"230":[131,132],"231":[133],"233":[134],"234":[135],"235":[136],"237":[137],"239":[138],"240":[139],"241":[140],"242":[141],"243":[142,143],"246":[144],"249":[145],"250":[146],"253":[147],"256":[148],"257":[149],"258":[150],"261":[151,152],"263":[153],"264":[154],"265":[155],"266":[156],"269":[157],"273":[158],"279":[159],"281":[160,161],"283":[162],"295":[163],"296":[164],"301":[165,166,167],"302":[168],"303":[169],"305":[170],"308":[171,172],"310":[173],"311":[174],"312":[175],"314":[176],"322":[177],"323":[178],"328":[179,180],"331":[181,182],"335":[183],"339":[184],"342":[185],"343":[186],"344":[187],"345":[188],"346":[189],"348":[190],"349":[191],"350":[192,193],"353":[194],"354":[195],"412":[196,197],"414":[198],"415":[199,200],"417":[201],"419":[202],"423":[203],"424":[204,205],"427":[206],"429":[207],"431":[208],"434":[209],"440":[210,211],"441":[212,213],"443":[214],"444":[215],"447":[216,217],"448":[218],"449":[219],"450":[220,221],"451":[222],"459":[223],"460":[224,225],"462":[226],"463":[227],"464":[228],"466":[229],"470":[230],"471":[231],"475":[232],"476":[233],"479":[234],"481":[235],"485":[236],"486":[237],"497":[238,239],"498":[240],"503":[241],"504":[242],"507":[243,244],"510":[245],"512":[246],"514":[247],"515":[248],"519":[249],"520":[250,251],"522":[252],"524":[253],"529":[254],"541":[255],"544":[256],"553":[257],"555":[258],"557":[259],"558":[260],"563":[261],"568":[262],"569":[263],"576":[264,265,266],"578":[267],"581":[268],"589":[269],"592":[270],"596":[271],"599":[272],"601":[273],"602":[274],"603":[275],"605":[276],"621":[277],"624":[278],"625":[279,280],"627":[281],"633":[282],"635":[283],"639":[284],"644":[285],"648":[286],"650":[287],"654":[288],"657":[289],"662":[290],"663":[291],"664":[292],"667":[293],"684":[294],"686":[295],"689":[296,297],"691":[298],"694":[299],"696":[300],"697":[301],"698":[302],"699":[303],"701":[304],"702":[305],"711":[306,307],"713":[308],"719":[309],"720":[310],"721":[311],"722":[312],"723":[313],"725":[314],"733":[315],"735":[316,317],"739":[318,319],"740":[320],"742":[321],"744":[322],"746":[323,324],"750":[325],"751":[326],"752":[327],"754":[328],"755":[329,330],"758":[331,332],"760":[333],"765":[334],"770":[335],"773":[336],"774":[337],"780":[338],"789":[339],"796":[340],"798":[341,342],"800":[343],"803":[344,345],"804":[346,347],"805":[348],"806":[349],"807":[350],"808":[351],"816":[352],"825":[353],"829":[354],"831":[355],"832":[356],"839":[357],"842":[358],"848":[359],"849":[360,361],"850":[362,363],"851":[364],"854":[365,366],"856":[367],"862":[368],"863":[369],"868":[370],"874":[371],"878":[372],"879":[373],"890":[374],"892":[375],"896":[376],"914":[377],"923":[378],"924":[379],"928":[380],"933":[381],"934":[382],"936":[383,384],"937":[385],"946":[386],"951":[387],"952":[388],"954":[389],"955":[390],"956":[391,392],"957":[393],"958":[394],"959":[395,396,397],"960":[398,399],"961":[400,401],"962":[402],"964":[403],"965":[404],"972":[405,406],"977":[407,408],"978":[409],"979":[410,411],"980":[412],"981":[413,414],"984":[415,416],"985":[417,418,419,420],"987":[421],"990":[422],"991":[423,424],"994":[425,426],"996":[427],"999":[428],"1000":[429],"1002":[430],"1005":[431],"1010":[432],"1016":[433,434],"1017":[435,436],"1022":[437],"1026":[438,439],"1028":[440],"1029":[441,442],"1045":[443,444],"1047":[445],"1048":[446,447],"1051":[448],"1052":[449],"1053":[450,451],"1054":[452],"1057":[453],"1058":[454,455],"1059":[456],"1060":[457],"1062":[458],"1063":[459],"1067":[460],"1069":[461],"1070":[462,463],"1071":[464],"1072":[465],"1073":[466],"1084":[467],"1090":[468],"1093":[469],"1097":[470],"1098":[471],"1101":[472],"1102":[473],"1103":[474],"1104":[475],"1126":[476],"1128":[477],"1131":[478],"1132":[479],"1134":[480,481],"1138":[482],"1140":[483],"1142":[484],"1143":[485],"1144":[486],"1146":[487],"1148":[488],"1149":[489,490,491],"1150":[492],"1151":[493,494],"1152":[495],"1153":[496,497],"1155":[498,499],"1158":[500],"1159":[501,502,503],"1160":[504],"1161":[505],"1163":[506],"1164":[507,508],"1166":[509],"1168":[510],"1169":[511],"1170":[512],"1171":[513],"1173":[514],"1175":[515],"1177":[516,517],"1180":[518,519],"1181":[520],"1182":[521],"1183":[522,523,524],"1184":[525,526],"1185":[527,528],"1187":[529],"1188":[530],"1190":[531],"1191":[532],"1192":[533],"1193":[534,535],"1194":[536,537,538,539],"1199":[540],"1200":[541],"1203":[542],"1204":[543],"1205":[544],"1206":[545,546,547],"1207":[548],"1209":[549],"1211":[550,551],"1212":[552,553],"1217":[554,555],"1218":[556,557],"1219":[558],"1221":[559],"1222":[560],"1224":[561,562],"1225":[563],"1227":[564],"1228":[565,566],"1229":[567,568],"1232":[569],"1234":[570],"1235":[571],"1236":[572,573],"1239":[574],"1241":[575],"1242":[576],"1244":[577],"1246":[578],"1248":[579],"1250":[580,581],"1252":[582],"1254":[583],"1255":[584,585],"1257":[586],"1258":[587,588,589],"1259":[590],"1260":[591,592],"1262":[593,594,595,596],"1263":[597,598,599],"1264":[600,601],"1271":[602],"1273":[603],"1278":[604],"1284":[605],"1288":[606],"1293":[607],"1297":[608,609],"1298":[610],"1299":[611],"1304":[612,613],"1306":[614],"1308":[615],"1310":[616],"1317":[617],"1319":[618],"1321":[619],"1330":[620],"1331":[621,622],"1337":[623],"1338":[624],"1340":[625,626],"1341":[627,628],"1343":[629,630],"1344":[631,632],"1346":[633,634],"1347":[635],"1348":[636],"1349":[637,638],"1350":[639],"1352":[640],"1354":[641,642,643,644],"1355":[645],"1356":[646,647,648,649],"1357":[650],"1358":[651,652],"1359":[653,654,655],"1361":[656,657],"1362":[658],"1363":[659,660],"1364":[661],"1365":[662],"1366":[663],"1367":[664],"1368":[665],"1370":[666],"1371":[667,668,669],"1373":[670],"1374":[671],"1375":[672],"1377":[673],"1382":[674],"1384":[675],"1386":[676],"1387":[677],"1389":[678,679],"1390":[680,681],"1391":[682,683],"1392":[684],"1393":[685],"1394":[686,687],"1396":[688,689],"1398":[690],"1399":[691,692,693,694],"1400":[695],"1401":[696,697],"1402":[698],"1404":[699],"1405":[700,701],"1406":[702],"1407":[703,704],"1408":[705,706],"1409":[707,708,709],"1410":[710,711,712],"1411":[713],"1412":[714],"1413":[715,716,717],"1415":[718,719,720,721],"1416":[722,723,724],"1417":[725,726,727],"1418":[728,729],"1419":[730,731],"1420":[732,733],"1421":[734],"1422":[735],"1424":[736,737],"1425":[738,739],"1426":[740,741,742],"1428":[743,744,745],"1429":[746,747],"1431":[748,749],"1432":[750],"1433":[751],"1435":[752],"1438":[753,754],"1440":[755],"1445":[756],"1446":[757],"1447":[758,759],"1448":[760],"1449":[761,762,763],"1450":[764],"1451":[765],"1452":[766,767,768,769],"1455":[770,771,772],"1456":[773,774,775],"1459":[776,777,778],"1460":[779,780],"1461":[781,782],"1463":[783],"1464":[784,785],"1465":[786,787],"1467":[788],"1473":[789],"1475":[790],"1477":[791],"1479":[792,793],"1481":[794],"1482":[795],"1483":[796,797],"1484":[798],"1485":[799,800],"1488":[801,802],"1489":[803,804,805],"1490":[806],"1491":[807,808],"1495":[809],"1498":[810,811],"1499":[812],"1500":[813,814],"1506":[815],"1507":[816],"1510":[817,818,819],"1512":[820,821],"1513":[822,823],"1514":[824],"1519":[825],"1522":[826],"1525":[827,828,829],"1529":[830],"1531":[831,832],"1534":[833,834],"1535":[835],"1536":[836,837,838],"1537":[839,840,841],"1538":[842,843,844],"1539":[845],"1540":[846,847],"1541":[848,849],"1542":[850,851],"1543":[852,853],"1544":[854],"1545":[855,856],"1547":[857,858],"1550":[859,860],"1551":[861,862],"1553":[863,864],"1554":[865,866,867],"1555":[868,869],"1556":[870,871,872,873],"1557":[874,875],"1558":[876],"1559":[877,878,879,880],"1560":[881,882],"1561":[883],"1562":[884,885,886],"1563":[887,888],"1564":[889,890,891],"1565":[892,893],"1566":[894,895],"1567":[896,897,898],"1568":[899,900,901,902],"1569":[903,904,905,906,907],"1570":[908],"1571":[909,910],"1575":[911,912,913,914],"1576":[915,916]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nوصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم\nالحمد لله الهادي إلى القصد، المبين سبيل الرشد، الذي خصنا باتباع السنة، وعمنا بمزايا اللطف والمنة، وشرفنا بالآيات والذكر الحكيم، وعلمنا ما لم نكن نعلم من سلوك الطريق القويم، وفصل به الحلال من الحرام، ورفع بنوره ظلمة الإشكال والإبهام، وجعله مضمارًا لمجاري الأحكام، وصيره ضابطًا لأفعال العباد، سالكًا بها منهج التوفيق والسداد، حتى لا تكون حركة ولا سكون، إلا وبها حكم من الشرع مقرون.\nوبعد، فإنه لما كان كتاب الله تعالى الأصل لكل معلوم، وجب على من اتصف بصفات المجتهدين، وأراد تعرف أفعال المكلفين، أن يبدأ أولًا فيعرف المنسوخ منه من المحكم، فإذا عرف ذلك، أخذ في استنباط الأحكام منه، ولا شك أنه إذا أخذ ذلك علم من الأحكام ما تعارضت فيه أدلة الكتاب واحتمالاته، ووجد من السنة الواردة عن النبي ﷺ ما يعارض معنى الكتاب أيضًا فيجب أن ينظر [في] أقوى الأدلة، وأظهر","vol":"1","page":33},{"text":"الاحتمالات، فإذا سلك هذه السبيل أمكن أن يسدد ويوفق. وكثيرًا ما يوجد من الأدلة والاحتمالات ما يكون أقوى عند قوم، وأضعف عند آخرين، وبحسب ذلك يقع اختلاف العلماء في المسألة الواحدة.\nوإني لما تشوفت في عنفوان الطلب، ومبدأ التعلم إلى معرفة الأحكام الشرعية، تاقت النفس إلى هذه الطريقة، فنظرت في كتب أحكام القرآن المؤلفة في ذلك، فلم أجد فيها ما يشفي نهمة متعطش، ولا يقر عين طالب، لأني وجدتها، قليلًا ما نبه فيها على مآخذ حكم من ألفاظ الكتاب إلا في اليسير النزر. وأجل من اشتغل بذلك أبو الحسن كياه ﵀، فإنه سلك في ذلك الغرض المراد، لكنه ألم به إلمام الطير يحسو الثماد. ولما رأيت الأمر كذلك عنيت بالبحث عن ذلك، وطلب المسائل التي تستند إلى شيء من أدلة الكتاب العزيز، فاجتمع من ذلك كثير. فرأيت أن أجمعها في كتاب ليسهل على الطالب معرفتها، واقتصرت منها على ما هو أظهر تعلقًا، وأبين استنباطًا، ليكون مسبارًا لغيرها ودليلًا على مأخذ سواها.\nوما عرض من اختلاف لأهل العلم في شيء من ذلك ذكرته ليعرف الناظر في كتابي ما اتفق عليه من الأحكام، وما اختلف فيه، وهذه إحدى فوائد معرفة الخلاف. والفائدة العظمى في معرفته أن يعرف الإنسان منها أدلة الشرع واحتمالاته، فإن أهل العلم ما اختلفوا في شيء إلا عن أدلة تعارضت، واحتمالات تخالفت، فقوي عند أحدهم دليل واحتمال لم يقو عند الآخر. ولهذا كان الشافعي -﵁- يقول بالقولين في السؤال عن مسألة واحدة في حالٍ واحدة، ومالك -رضي الله تعالى عنه-","vol":"1","page":34},{"text":"وإن كان لم يقل مثل هذا، فكثيرًا ما كان يقول قولًا في مسألة، ثم يقول قولًا آخر في المسألة بعينها، وكذلك أبو حنيفة وغيره من العلماء، فإذا انحصر لك خلاف العلماء في مسألة علمت أن احتمالات الشريعة منحصرة لأنه لو كان هناك احتمال له قوة لقيل به.\nولما أخذت في بسط هذا المنهج من الأحكام رأيت أن أذكر مع ذلك ناسخ القرآن ومنسوخه، لتكمل به الفائدة، وتتم به للمتفقه العائدة، وإن قصرت في شيء مما اعتمدت عليه فبحسب بعد هذا المأخذ الذي لم أسبق إليه، وإن وقفت بي همتي دون مطلبي، فمبلغ نفس عذرها مثل منجح، والله الموفق للصواب.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>فاتحة الكتاب</span>\nمكية، وقيل: مدنية، واختلف هل يقال لها أم الكتاب وأم القرآن أم لا؟ وليس فيها ناسخ ومنسوخ.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>البقرة</span>\nمدنية. وقد وقع فيها ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ [البقرة: ٢١]. قال مجاهد: ﴿يا أيها الناس﴾، حيث وقع من القرآن مكي، و﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ مدني. وهذا الذي قال مجاهد صحيح في ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ وأما ﴿يا أيها الناس﴾ فقد يجيء في المدني. وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>(٣) - الأول: [قوله تعالى]: ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ [البقرة: ٣]</span>.\nواختلف في هذه النفقة ما هي؟ فقال يزيد بن القعقاع وابن عباس: هي الزكاة. وقال ابن مسعود: هي نفقة الرجل على أهله. وقال الضحاك: هي كل نفقة وهذا هو الصحيح. ثم إن الله ﵎ بين في كتابه على لسان رسوله ﷺ درجات الإنفاق في التكليف وأحكامه في الثواب. وقول من قال: إن هذه الآية وكل آية تضمنت النفقة في القرآن","vol":"1","page":37},{"text":"منسوخة بالزكاة غير صحيح؛ لأن ذلد ليس بنسخ وإنما هو تخصيص.\nقوله تعالى في صفة المنافقين وإظهارهم الإيمان مع إسرارهم الكفر ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ الآيات [البقرة: ٨ - ١٦]. قال بعض المفسرين لهذه الآية: عدم الأمر بقتلهم يدل على جواز استتابة الزنديق لأن الله تعالى لم يأمر بقتلهم وإليه ذهب الشافي وأصحاب الرأي والطبري وأبو حنيفة في أحد قوليه. وهذا استدلال ضعيف لأن الآية لا تدل عليه بلفظ، ولا بمفهوم لفظ وغاية ما فيها عدم الأمر، وعدم الأمر ليس بحكم يقتضي حكمًا. وقال الشافعي وأصحابه: إنما منع رسول الله ﷺ من قتل المنافقين ما كانوا يظهرون من الإيمان بألسنتهم؛ لأن ما يظهرونه يجب ما قبله، كالكافر لا يصلي، فمن قال: إن عقوبة الزنادقة أشد من عقوبة الكافر، فقد خالف معنى الكتاب والسنة وجعل شهادة الشهود على الزنديق فوق شهادة الله تعالى على المنافقين، قال تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله﴾ الآيات [المنافقون: ١ - ٨] واحتج ابن حنبل لهذا القول بحديث مالك بن الدخشم، وقل النبي ﷺ فيه: «أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم».\nوأما مالك وأصحابه فيقولون: إنه لا تقبل للزنديق توبة ويقتل. وقال","vol":"1","page":38},{"text":"مالك رحمه اللخ تعالى: النفاق في عهد رسول الله ﷺ هو الزندقة فينا اليوم، فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة؛ لأنه لا يظهر ما يستتاب منه، وإنما كف رسول الله ﷺ عن المنافقين ايسن الحكم لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه إذ لم يشهد على المنافقين.\nقال إسماعيل القاضي: لم يشهد على عبد الله بن أبي إلا زيد بن أرقم وحده، ولا على الجلاس بن سويد إلا عمير بن سعد ربيبه، ولو شهد على أحد منهم رلان بكفره ونفاقه لقتل.\nقال بعض المفسرين: وليس في قول عبد الله بن أبي ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ [المنافقون: ٨] صريح كفر وإنما يفهم من قوته الكفر. وهذا أقوى من الاعتذار عنه بانفراد زيد بالشهادة عليه وفي هذا وهم من وجهين:\nأحدهما: أن دلالة المفهوم من اللفظ كدلالة صريح اللفظ فيما يوجبه من الحكم.\nوالثاني: أن الله تعالى قد شهد على قائل ذلك بالكفر، فلو شهد عند رسول الله ﷺ [به على عبد الله بن أبي] شاهدان لقتله.","vol":"1","page":39},{"text":"واحتج ابن الماجشون لمذهب مالك بقوله تعالى: ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض﴾ إلى قوله [تعالى] ﴿ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠، ٦١].\nقال [قتادة]: معناه إذا هم أعلنوا النفاق. وفي هذه الآية رد على غلاة المرجئة. قال بعض المفسرين: وهم الكرامية، في قولهم: إن مهر الشهادتين بلسانه يدخل الجنة وإن لم يعتقد ذلك بقلبه تعلقًا منهم بقوله ﷺ في بعض طرق حديث مالك بن الدخشم: «لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله فيدخل النار [وأني رسول الله]» وبغير ذلك من ظواهر الأخبار، لأنه تعالى قد نفى الإيمان عن المنافقين بقوله تعالى: ﴿وما هم بمؤمنين﴾ [البقرة: ٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>(٢٢) - قوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم اتلأرض فراشًا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم﴾ [</span>االبقرة: ٢٢].\nفي هذه الآية مجاز كثير، فإنه جعل الأرض فراشًا، والسماء بناء، والفراش والبناء في اللغة يطلقان على غير ذلك، وإنما يطلق على الأرض فراشًا وعلى السماء بناء على التسبيه لهما بالفراش الحسي والبناء الحقيقي.\nوقد أنكر المجاز في القرآن قوم، وهذا وأمثاله يرد قولهم. فلو حلف","vol":"1","page":40},{"text":"إنسان أن لا يبيت على فراش ولا يرقد تحت بناء، فبات على الأرض وبات لا يحجبه عن السماء شيء لم يحنث؛ لأن إطلاق اللفظ ينصرف إلى الحقيقة.\nوقوله تعالى: ﴿فاخرج به من الثمرات رزقًا لكم﴾ [البقرة: ٢٢]. اختلف في الرزق ما هو؟ فذهب الأكثر إلى أنه ما يصح الانتفاع به. وذهبت المعتزلة إلى أنه ما يصح تملكه، وليس الحرام عندهم برزق، وإن عاش الإنسان منه طول دهره. واحتج بعض الناس بهذه الآية على إبطال قولهم لأن الله تعالى أوقع اسم الرزق فيها على ما يخرج من الثمرات قبل التملك لها، أي أخرج منها ما يصلح أن يكون رزقًا لكم، وكذلك احتج على إبطال ذلك بعضهم أيضًا بقوله تعالى بعد هذا ﴿كلما رزقوا منها من ثمرة رزقًا قالوا هذا الذي روقنا من قبل﴾ [البقرة: ٢٥].\nقال بعضهم: ودل قوله: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا﴾ [البقرة: ٢٤] على الأمر باستكمال حجج العقول وإبطال التقليد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>(٢٣) - قوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾ [البقرة: ٢٣]</span>.\nهذا هو التحدي الذي لا معنى للمعجزة إلا به، ولا خلاف أنه ﷺ تحدى العرب بالقرآن لأنه أمر متواتر. وقد قال تعالى: ﴿فأتوا بعشر سور مثله مفتريات﴾ [هود: ١٣]. وقد اختلف في القدر الذي يقع به الإعجاز م نالقرآن، فذهب بعض المعتزلة إلى انه يتعلق بجميع القرآن، وهذا قول ترده الآيتان المذكورتان. وقال القاضي: يتعلق الإعجاز بسورة وألزم ذلك في","vol":"1","page":41},{"text":"سورة الكوثر والإخلاص تشبثًا بظاهر قوله تعالى ﴿بسورة من مثله﴾ وقال في موضع آخر من كتبه، وارتضاه أبو إسحاق. وإنما يتعلق بسورة يعد قدرها في الكلام بحيث يتبين فيه تفاضل رتب قوى البلاغة، وهو لا يتبين إلا فيما طال بعض الطول، ولست أقطع في الكوثر وما قاربها بنفي ولا إثبات في إعجازها. وصحح بعض المتأخرين هذا القول. واختلف في الضمير في قوله: ﴿من مثله﴾ على ما يعود؟ فقيل: يعود على القرآن، وهو المعبر عنه بما في قوله: ﴿مما نزلنا﴾. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا في معنى هذه المماثلة فقيل: معناه مثله في قدمه أو غيوبه وصدقه، وهذان القولان راجعان إلى مذهب من يرى أن تحدي النبي ﷺ إنما وقع بالكلام القديم الذي هو صفة للذات وأن العرب كلفت من ذلك بما لا يطاق.\nوقيل: معناه مثله في وصفه ونظمه وفصاحته. وهذا القول راجع إلى مذهب من يرى التحدي إنما وقع باللفظ. والذين ذهبوا إلى هذا اختلفوا في المعجز منه ما هو؟ لأن ألفاظه احتوت على وصف محكم ونظم وفصاحة، وفمنهم من علق الإجاز بالمعاني الثلاثة، ومنهم من علقه بالوصف، ومنهم من علق بالنظم، ومنهم من علقه بالفصاحة. ويحتمل أن تتأول الآية على كل واحد من هذه الأقوال. وتعلق الإعجاز بالمعاني الثلاثة هو الذي اختاره المتأخرون من أهل السنة. وقال بعضهم: وهو الذي عليه الجمهور والحذاق وهو الصحيح في نفسه ولم يكن من قدرة العرب أن تحيط بمثل ذلك فتأتي به خلافًا لم نقال: إن العرب في قدرتها أن تأتي بمثله، فلما جاء النبي ﷺ صرفوا عن ذلك وعجزوا عنه، وهو قول باطل يرده الاعتبار بما جبل عليه الناس من الذهول والجهل والنسيان، فكيف كان","vol":"1","page":42},{"text":"يصح منهم أن يأتوا بمثله مما ذكر حتى لا يقع منهم فيه خطأ في تلك الوجوه. وقيل الضمير في قوله ﴿من مثله﴾ عائد على ﴿عبدنا﴾ وهو محمد ﷺ. ثم اختلفوا فقالت طائفة: أي أمي صادق مثله.\nوقالت طائفة: من ساحر أو كاهن أو شاعر مثله على زعمكم أيها المشركون.\nوقيل: المراد بمثله الكتب القديمة: التوراة والإنجيل والزبور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>(٢٤) - قوله تعالى ﴿فاتقوا النار التي وقودها النار والحجارة أعدت للكافرين﴾ [البقرة: ٢٤]</span>.\nفي هذا دليل صحيح أن النار مخلوقة بعد، ورد على من قال إنها لم تخلق حتى الآن، وهو قول بعض المعتزلة، سقط فيه منذر بن سعيد.\nوكذلك قوله تعالى في الجنة في موضع آخر: ﴿أعدت للمتقين﴾ [آل عمران: ١٣٣] دليل على ان الجنة مخلوقة الآن خلافًا لمن قال فيها مثل قوله في النار. ودليل خطاب هذه الآية ﴿أعدت للكافرين﴾ أن العصاة لم تعد لهم هذه النار، لكنه دليل لم يقل به أحد. واختلف في تأويله فقال بعضهم: هذه النار التي وقودها الناس والحجارة، هي نار الكافرين خاصة ونار العصاة","vol":"1","page":43},{"text":"غيرها. وقال الجمهور: بل الإشارة إلى جميع النار لا إلى نار مخصوصة، وإنما خص الكافرون بالذكر ليحصل المخاطبون في الوعيد إن فعلهم كفر، فكأنه قال: أعدت لمن فعل فعلكم وذلك ليس يقتضي ذلك أنه لا يدخلها غيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>(٢٥) - قوله تعالى: ﴿وبشر الذين ىمنوا وعملوا الصالحات﴾ [البقرة: ٢٥]</span>.\nقال أبو الحسن علي بن محمد: هو دليل على أنه هو أول مبلغ إليهم. وقال العلماء: إذا قال: أي عبد بشرني بولادة فلانة فهو حر أن الأول من المبشرين هو المعتق دون الثاني، لأن البشارة حصلت بخبره دون غيره. وهو ما يحصل به الاستبشار ويتبين على بشرة الوجه ولو قال أي عبد أخبرني بولادتها أعتق الثاني مثل الأول، ولذلك يقال: ظهرت تباشير الأمر لأوائله. ولا تطلق البشارة في الشر إلا مجازًا. وقيل: هو عام فيما يسر ويعم، لأن أصله فيما يظهر أو لا في بشرة الوجه من سرور أو غم، إلا أنه أكثر فيما يسر، فصار الإطلاق أخص به منه بالشر. وذكر غيره في البشارة أنها لا تقال في الشر إلا مقيدة، كقوله: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١].\nوقوله تعالى: ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ فيه دليل أن الإيمان غير العمل خلافًا لمن يقول: إن الإيمان بمجرده يقتضي أعمال الطاعات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>(٢٦) - قوله تعالى: ﴿يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]</span>.\nاختلف هل هو حكاية قول الكفار او هو خبر من الله تعالى؟ وعلى هذا القول ففيه الحجة البالغة لأهل السنة في أن الهدى والضلال من الله","vol":"1","page":44},{"text":"تعالى خلافًا للمعتزلة في قولهم: إن الله لا يخلق الضلال ولا يريده ولم يختلف أن قوله: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾ من قول الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>(٢٧) - قوله تعالى: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾ [البقرة: ٢٧]</span>.\nاختلف في تعيين العهد المذكور فقيل: هو ما أخذ على بني آدم حين أخرجهم من ظهر أبيهم كالذر، وقيل: هو ما أخذه الله تعالى على الناس بوساطة الرسل من التوحيد والعبادة. وقيل: ما أخذه الله تعالى على أهل الكتاب من الإيمان بمحمد ﷺ. وقيل: هو ما نصبه الله تعالى من الأدلة على توحيده، فهي كالعهد. وقيل: هي فيمن آمن بالنبي ﷺ ثم كفر به.\nوالنظر في هذه الآية أن لا يخص العهد فيها بشيء دون شيء، وتحمل على إطلاقه في كل عهد إلا ما خصصه الشررع بإجازة نقضه، كالحنث في اليمين بالله، لأن الأيمان والنذور من العهود. واختلف في العهد هل يكون يمينًا أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>(٢٧) - وقوله تعالى: ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾ [البقرة: ٢٧]</span>.\nاختلف فيه، فقيل: أراد صلة الرحم، قيل: أراد الذين والعبادة وإقامة الشرائع. والنظر أن تحمل الآية على كل ما جاء في الشرع الأمر بصلته، كصلة الرحم، وإتمام عبادة يدخل فيها الإنسان ونحو ذلك. وقد اختلف فيمن دخل في عبادة تطوع كصوم، وصلاة ونحو ذلك هل له أن يقطع ذلك أم لا؟ .","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>(٢٧) - وقوله تعالى: ﴿ويفسدون في الأرض﴾ [البقرة: ٢٧]</span>.\nوجوه الفساد لا تنحصر، وقد فسرت الشريعة ما هو فساد مما ليس بفساد. ويؤخذ من هذه الآية أن من نقض عهدًا، أو قطع ما أمر الله أن يوصل أو أفسد في الأرض أنه يطلق عليه اسم الفسق. وأصله الخروج من الشيء، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وفسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها، كذا هو في اللغة، وهو في الشرع الخروج من الطاعة إما إلى كفر وإما إلى عصيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>(٢٩) - قولله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى العرش﴾ الآية [البقرة: ٢٩]</span>.\nقوله: ﴿لكم﴾ قيل: معناه لتعتبروا، ويدل عليه ما قدم من ذكر العبر.\nوقيل: معنى قوله ﴿لكم﴾ إباحة الأشياء وتمليكها، حتى قال بعضهم: هذا يدل على إباحة الأشياء في الأصل إلا ما ورد فيه دليل الحظر.\nوقال ابن عطية في «تفسيره»: «هذا قول من يقول: إن الأشياء قبل ورود النهي على الإباحة» ثم ساق الأقوال الثلاثة في ذلك هل هي على الإباحة أو الحظر أو الوقف؟ .\nوهذا وهم، لأن الذين اختلفوا [الخلاف الذي ذكره إنما اختلفوا] فيما لم يرد فيه سمع ما حكمه في العقل قبل أن يرد السمع، والحجة بالآية على قول الإباحة وهمٌ، لأن الآية نفسها هي الشرع. فإن دلت على الإباحة، فالشرع أعطى الإباحة لا العقل، وهي مسألة ثانية هلى الأشياء المسكوت عنها في الشرع- وهي التي لم يرد فيها حكم ولا دليل- محمولة على الإباحة بهذا الدليل العام، أم هي موقوفة على دليل يخصها؟ .","vol":"1","page":46},{"text":"فحكى القاضي أبو محمد عبد الوهاب، عن محمد بن عبد الحكم، وبعض متأخري أصحابه: أن الشرع قد قرر أن الأشياء في الأصل على الإباحة، إلا ما استثناه الدليل. وقد قال بهذا المذهب رجال من أهل العلم.\nوأكثر العلماء على خلافه، وأنه لا يعلم حكم شيء إلا بدليل يخصه أو يخضص نوعه.\nوفائدة هذا الاختلاف أنه إذا وقع الاختلاف في حكم في الشرع هل هو على الحظر أو على الإباحة؟ حكم فيه هؤلاء بأنه على الإباحة. وهؤلاء ليسوا يقولون إن الأشياء في العقل على الإباحة، ولكن زعموا أن السمع أحل جميعها ثم استثنى السمع سائر ما حرم، فمتى لم ينص عل ىتحريم كان الأصل تحليله بالشرع، لا بحكم العقل. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥] وبحديث سلمان «الحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله، وما سكت عنه فهو مما يعفى عنه». ومثل ما ذكره","vol":"1","page":47},{"text":"عبد الوهاب في هذه المسألة إذا تعارض عند المجتهد دليلان في حظر وإباحة، ولم يكن ترجيح. وكذلك موجب ومبيح، كذلك محرم وموجب، ومنهم من يميل إلى الإباحة مكا قدمنا، ومنهم من يميل إلى الموجب، ومنهم من يميل إلى الحظر، ومنهم من يتوقف خ=حتى يأتي بدليل آخر، وكذلك يتصور في كل تعارض من الوجوه المذكورة الثلاث الأقوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>(٢٩) - قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ الآية [البقرة: ٢٩]</span>.\nوهذه ﴿ثم﴾ إن حملت على بابها من الترتيب اقتضت أن الأرض وما فيها خلق قبل السماء. وقد قال بذلك قوم. وقوله تعالى في سورة النازعات بعد ذكرخلق السماء ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ [النازعات: ٣٠] يقتضي ظاهرها أن السماء خلقت قبل الأرض، وقد قال به قوم. وكذلك ما في سورة فصلت، والصواب أن يجمع بين الآيات، فيقال: إن الأرض خلقت قبل السماء على ما في سورة البقرة، ثم خلقت السماء، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء على ما في سورة النازعات، وفصلت. ويحتمل أن","vol":"1","page":48},{"text":"تكون ﴿ثم﴾ في هذه الآية لترتيب الأخبار لا لترتيب الأمر في نفسه. وإذا كان هذا لم يعطيا أن السماء خلقت بعد الأرض، وإذا لم تقتص ذلك أمكن أن تحمل الآية الأخرى على ظاهرها فيصح القول الآخر. والأمر يحتمل ولا قاطع فيه من الشرع. وقد جاءت بذلك أخبار آحاد. وإذا لم يكن ففي الترتيب خبر متواتر والآيات محتملة فلا قاطع في المسألة. ويحتمل أن تكون الأرض والسماء قد خلقهما الله تعالى خلقًا واحدًا دون تقدم ثم دحيت الأرض بعد السماء، ودحيت قبل السماء. ويترتب ما في الآيتين على هذا ويخرج خروجًا حسنًا والله تعالى أعلم، وهو قدير على ما يشاء إذ كل ذلك جائز في العقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>(٢٩) - وفي هذه الآية قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ [البقرة: ٢٩]</span>.\nوالاستواء يوهم تكييفًا وتشبيهًا. فمن الناس من استمر على هذا التشبيه واعتقده تشبثًا بالظاهر وهم الكرامية وجماعة من أهل الحديث وغيرهم. ومنهم وهم الجمهور من نفي التشبيه والتكييف. واختلفوا في هذه الآية وما جانسها فمنهم من رأى تأويلها وصرفها إلى معنى لا يوهم تشبيهًا. ومنهم من لم ير لتأويلها وجهًا وقال: تمر كما جاءت من غير اعتقاد تشبيه ولاتكييف. والذين ذهبوا إلى تأويلها اختلفوا في التأويل اختلافًا بحسب ما يحتمله اللفظ في كلام العرب وإطلاقهم فقيل: معنى استوى في هذه الآية استولى، وأنشدوا:\nقد استولى بشر على العراق ... . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"1","page":49},{"text":"وقيل: علا أمره وقدرته وسلطانه وهو اختيار الطبري. وقال ابن كيسان: معناه قصد إلى السماء أي بخلقه واختراعه. وقيل: معناه كمل صنعه فيها كما تقول: قد استوى الأمر. وقيل: معناه أقبل. وحكى الطبري عن بعضهم أن المستوي هو الدخان.\nولتحقيق القول الصحيح من هذه الأقوال موضع غير هذا وهو في كتب الكلام ليس كل ما قاله المفسرون صحيحًا، لأن كثيرًا منهم إنما ينظرون إلى المعنى ولا يلتفتون إلى الألفاظ. وتصحيح اللفظ على المعنى أولى ما اعتبر. وقد رأيت بعضهم أحصى في قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] أكثر من عشرة أقوال. وإذا حققت لم يصح منها إلا اليسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>(٣١) - قوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ الآية [البقرة: ٣١]</span>.\nاحتج قوم بهذه الآية على أن اللغة كلها توقيف من الله تعالى، وردوا","vol":"1","page":50},{"text":"بذلك على من قال: إنها كلها اصطلاح من أصحاب اللغة وعلى من قال أولها توقيف أي قدر ما يقع به التفاهم، ثم ما بعد ذلك اصطلاح وهذه الأقوال الثلاثة كلها جائزة عقلًا، وليس على واحد منها دليل قاطع في الشرع. والآية التي احتجوا بها محتملة، فلا حجة فيها. والذين ذهبوا إلى أنها توقيف من الله تعالى، واحتجوا بالآية منهم من قال: إن تعليم آدم إياها المذكور في الآية إنما هو إلهام علم ضرورة وقال قوم: بل تعليم بقول، فإما بواسطة ملك أو بتكلم قبل هبوطه الأرض فلا يشارك موسى ﷺ في خاصته، ووجه احتمالات هذه الآية التي ترفع الحجة بها أن الأسماء قد قال قوم إنه أراد بها التسميات، وهو قول المحتجين بها. وقال قوم: أراد الأشخاص أنه عرضها عليه. وقال أكثر العلماء: علمه تعالى منافع كل شيء، ولما يصلح.\nواختلف أهل القول الأول أي الأسماء علمه؟ فقال قوم علمه جميع الأسماء بكل لغة وغلط في هذا قوم حتى قال ابن جني عن أبي علي الفارسي: علم الله آدم كل شيء حتى أنه كان يحسن من النحو مثل ما أحسن سيبويه.\nواختلفوا هل عرض عليه الأشخاص عند التعليم أم لا؟ وقال قوم: لم يعلمه جميع الأسماء، وإنما علمه أسماء النجوم. وقال قوم: أسماء الملائكة. واختار هذا ورجحه لقوله ﴿ثم عرضهم على الملائكة﴾ [البقرة: ٣١] وحكى","vol":"1","page":51},{"text":"النقاش، عن ابن عباس: أن الله تعالى كلمه كلمة واحدة عرف منها جميع الأسماء.\nوقال قوم: علمه أسماء الأجناس.\nوقال ابن قتيبة: علمه أسماء ما خلق في الأرض. وقال قوم: علمه الأسماء بلغة واحدة.\nوقوله: ﴿ثم عرضهم على الملائكة﴾ [البقرة: ٣١] يقوي قول من يقول إنما أراد بالأسماء الأشخاص، ويأتي على هذا أنها التي عرض على الملائكة. ومن الناس من قال: إن لفظ الأسماء يدل على أشخاصن فلذلك ساغ أن يقول الأسماء، ثم عرضهم، وقد قرئ: «ثم عرضها» وقرئ «ثم عرضهن» وهذا يوافق القول بأنها التسميات ويأتي عليه القول بأن الذي عرض على الملائكة الأسماء دون الأشخاص.\nوقوله تعالى: ﴿انبئوني بأسماء هؤلاء﴾ [البقرة: ٣١] يؤكد أن الذي عرض على الملائكة الأشخاص، وقد استدل قوم بهذا على جواز تكليف ما لا يطاق، قالوا لأنه تعالى علم أنهم لا يعلمون، ثم أمرهم أن ينبئوه بها. وقال آخرون: لا دليل فيه لأنه ليس على جهة التكليف، وإنما هو على جهة التقرير والتوقيف. وهذا القول غير بيِّن، والذي يظهر لي فيه أنه أمر تعجيز لأنه تعالى أراد أن يريهم عجزهم عن معرفة الغيب. وقد استدل","vol":"1","page":52},{"text":"قوم أيضًا بهذه الآية على أن الاسم هو المسمى. ذهب إلى ذلك المهدوي، ومكي وغيرهما. وليس فيها دليل لما قدمته من الاحتمالات التي في الآية.\nوفي هذه الآية عندي رد على المنجمين والكهان، ومن يدعي معرفة شيء من الغيب؛ لأن الملائكة إذا لم تعلم إلا ما علمها الله تعالى فالآدميون أحرى، وبهذا يبطل قول الإسلاميين من المنجمين الذين يقولون لا خالق إلا الله ﷿، وإنما النجوم دلالات على الغيوب وعادات أجراها الله تعالى كما أجرى الغيوم والسحب الثقيلة دلالة على الأمطار، وإن كانت ربما خابت وبهذا ونحوه رد ابن الطيب أقوالهم. وكذا قد جاء عن النبي ﷺ في «صحيح مسلم» «كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك» فاختلف هل هذا على جهة التصويب له؟ أو على جهة الرد والتخطئة لمن انتحله؟","vol":"1","page":53},{"text":"وفي هذه الآية معنى التنبه له وهو أنه تعالى لما قال: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة: ٣٠] اعترضت الملائكة بعلم قد كان تقدم عندها فقالت ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ الآية [البقرة: ٣٠] وكان يجب أن لا تعترض على الله تعالى في فعله، ومع ذلك قد فضلوا أنفسهم على من كان يجعله بقولهم: ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ [البقرة: ٣٠] فرد الله تعالى عليهم بأنه يعلم ما لا يعلمون، ثم زادهم آدم وعلمه ما لا يعلمون. وقال الحسن، وقتادة: روي أن الملائكة قالت حين خلق الله آدم: ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقًا أعلم منا ولا أكرم عليه منا.\nفأراد الله تعالى أن يريهم من علم آدم وكرامته خلاف ما ظنوا. ثم إنه تعالى أمرهم بالسجود لآدم كرامة له، ولهذه المعاني كلها اعتذارات اختلف الناس في تركها اختصارًا.\nوهنا مسألة اختلف الناس فيها، هل الصالحون من الناس والأنبياء أفضل من الملائكة؟ أم الملائكة أفضل من كل خلق؟ والذي تدل عليه هذه الآية أن الملائكة أفضل، ألا ترى إخبار الله تعالى إياهم بما أراد أن يخلق وإدلالهم في القول وإخبارهم بالتسبيح والتقديس، وما رد تعالى عليهم شيئًا من ذلك، ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿قال لا أقول لكم عدني خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك﴾ [الأنعام: ٥٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>(٣٤) - قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ الآية [البقرة: ٣٤]</span>.\nفي هذه ما يدل على أن مجرد الأمر لا يحمل على الإباحة لأنه تعالى وصف إبليس بأنه أبى من السجود الذي أمر به، ولم ير له عذرًا باحتمال الإباحة، ولو لم يكن نفس الأمر يقتضي الامتثال لكان له عذر. وفيه أيضًا","vol":"1","page":54},{"text":"دليل على أنه لاى يحمل على الندب بل يحمل على الوجوب لأن الله تعالى قد كفره بمخالفة الأمر، وإذا بطل قول الإباحة وقول الندب، بطل قول الوقف. وإبليس لم يختلف أنه كان مؤمنًا حتى عصى الأمر واستكبر، إلا أنه اختلف هل كان من الملائكة أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه كان من الملائكة وأن الاستثناء متصل، قالوا كان خازنًا وملكًا على سماء الدنيا واسمه عزازيل، قاله ابن عباس.\nوقال ابن زيد، والحسن: هو أبو الجن كما أن آدم أبو البشر، ولم يك قط ملكًا، وروي أيضًا نحوه عن ابن عباس، قال: واسمه الحارث.\nوقال شهر بن حوشب: كان من الجن الذين كانوا في الأرض وقاتلهم الملائكة فسبوه صغيرًا وتعبد مع الملائكة، وخوطب معها.\nفالاستثناء على هذا منقطع. قال بعض من ذهب إلى هذا القول: كيف يكون من الملائكة وقد عصى أمر ربه، والله تعالى يقول في صفة الملائكة: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [التحريم: ٦] ورجح الطبري القول الأول، وقال: ليس في خلقه من نار ولا في تركيب الشهوة فيه والنسل حين غضب عليه ما يرد أنه كان من الملائكة. وقوله تعالى: ﴿كان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾ [الكهف: ٥٠]. يتخرج على أنه عمل عملهم، فكان منهم","vol":"1","page":55},{"text":"في هذا، أو على أن الملائكة تسمى جنًا لاستتارها، قال تعالى: ﴿وجعلةا بينه وبين الجنة نسبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] فإن قلتم: إنه قد كان مؤمنًا فما معنى قوله تعالى: ﴿وكان من الكافرين﴾ [البقرة: ٣٤]؟ فالجواب أنه اختلف فيه فقيل: معناه من العاصين، وفي هذا نظر، وقيل: معناه وصار من الكافرين.\nقال ابن فورك: هذا خطأ ترده الأصول. وقيل: معناه أنه كان في علم الله أنه سيكفر، وقيل: قد كان تقدم من الجن كفر فشبهه الله تعالى بهم، وجعله منهم لما فعله من الكفر فعلهم واختلف هل كفر إبليس جهلًا أو عنادًا على قولين بين أهل السنة، ولا خلاف أنه كان عالمًا بالله تعالى قبل كفره، وقد أنكر كفر العناد قوم من أهل السنة وأجازه قوم وصححوه.\nوقوله تعالى: ﴿اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ [البقرة: ٣٥] أمر إباحة وكذا قوله تعالى: ﴿وكلا منها﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>(٣٥) - قوله تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ [البقرة: ٣٥]</span>.\nنهي وليس فيه دليل على أن المراد يحمل على التحريم أو الكراهة، لأنه قد اقترنت به قرينة تدل على أن المراد به التحريم لقوله تعالى: ﴿فتكونا من الظالمين﴾ [البقرة: ٣٥] وقد ذكر القاضي أبو محمد في «تفسيره» أن في الآية ما يدل على أنه على التحريم، وهو وهم، ولا خلاف أن إبليس متولي غواية آدم. واختلف في الكيفية، فقيل: دخل الجنة بعد إخراجه منها وأغواهما مشافهة. وقيل: لم يدخل الجنة إلا آدم بعد أن أخرج منها، وإنما أغوى آدم سلطانه ووسواسه الذي أعطاه إياه كما قال النبي ﷺ: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» وفي هذه الآية ما يبطل قول من","vol":"1","page":56},{"text":"أنكر الجن والشياطين. وفيه أيضًا الرد على من أنكر أن الجنة مخلوقة الآن، وزعم أنها ستخلق بعد. وقد ذكر بعضهم الخلاف في الجنة التي أسكنها آدم وزجته هل هي جنة الخلود، أو جنة أعدت لهما؟ قال: وذهب من لم يجعلها جنة الخلد إلى أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها، وهذا لا يمتنع إلا أن الشمع ورد أن من دخلها مثابًا لا يخرج منها، وأما من دخلها ابتداء كآدم فغير مستحيل خروجه منها. ورأيت ابن حزم قد ذكر هذا وزعم أن منذر بن سعيد ذهب إليه.\nوقد استدل قوم بقصة آدم في أكله من الشجرة بعدج النهي على جواز وقوع المعاصي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ [طه: ١٢١] وهي مسألة قد اختلف فيها اختلافًا كثيرًا لأشياء وردت عن قوم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن قيل: إنما أكلا من غير الشجرة التي أشير إليها، فلم يتأولا النهي. واقعًا على جميع جنسها. وقال آخرون: تأولا النهي على الندب. وقال ابن المسيب: إنما أكل آدم من بعد أن سقته حواء الخمر، فكان في غير عقله. وأما الذين جوزوا المعاصي فقالوا: إنما أكلها عامدًا بخلاف النهي، وما وجد إلى التأويل سبيل فهو الوجه. ووجه التأويل في قوله تعالى: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ [طه: ١٢١] أي فعل فعلًا صورته صورة المعصية لأنه في مقابلة النهي، فهو من حيث أنه خلاف الأمر معصية وغواية فإن كان عن عمد وذكر فهو حقيقة، وإن كان عنت تأويل أو عن نسيان أو ذهول ففي إطلاقه تجوز وذهول، وهو الذي يمكن أن يقع من الأنبياء ﵈ ويؤاخذون به إذا وقع منهم.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>(٣٥) - وقوله تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ [البقرة: ٣٥]</span>.\nنهي عن القرب، وجعله كناية عن الأكل؛ لأن المعنى في الآية ولا تقرباها بأكل. قال بعضهم: إن الله تعالى لما أراد النهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظ يقتضي الأكل وما يدعو إليه وهو القرب. وهذا أصل جيد في سد الذرائع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>(٣٦) - وقوله تعالى: ﴿إلى حين﴾ [البقرة: ٣٦]</span>.\nسياتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>(٤٠) - (٤١) وقوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾ إلى قوله ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا﴾ [البقرة: ٤٠، ٤١]</span>.\nالنعمة هنا من المفسرين من عينها بنعمة مخصوصة، والصواب حملها على العموم، وفي هذه الآية دليل أن لله على الكفار نعمة خلافًا لمن قال لا نعمة لله تعالى عليهم، وإنما النعمة على المؤمنين، ولأجل هذا حكى مكي أن الخطاب في قوله: ﴿يا بني إسرائيل﴾ إنما هو للمؤمنين منهم بمحمد ﷺ. وقال ابن عباس وجمهور العلماء: بل الخطاب لجميع بني إسرائيل في مدة النبي ﷺ مؤمنهم وكافرهم. والصمير في ﴿عليكم﴾ يراد به على آبائكم. وفي هذه الأية ما يدل على وجوب شكر نعمة الله؛ لأن أمره تعالى بذكر النعمة أمر بالشكر، وقد قال تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون﴾ [البقرة: ١٥٢] ولا خلاف في وجوب ذلك.","vol":"1","page":58},{"text":"وإنما اختلف هل يجب عقلًا أم شرعًا؟ والصواب أنها إنما تجب شرعًا بما دلت عليه هذه الآية ونحوها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>(٤٠) - وقوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ [البقرة: ٤٠]</span>.\nاختلف في تعيين هذا العهد، والصواب أن يقال قوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهدي﴾ عام في جميع أوامره ونواهيه. وقوله: ﴿أوف بعهدكم﴾ هو أن يدخلكم الجنة. وهذه عدة من الله بالثواب، أوجبها تعالى لعبده تفضلًا منه، لأن عمل العبد بالطاعة يوجب له الثواب خلافًا لمن اعتقد من المعتزلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>(٤٠) - وقوله تعالى: ﴿وإياي فارهبون﴾ [البقرة: ٤٠]</span>.\nأمر تعالى عبيده أن يكونوا أبدًا على تخوف من عقابه فيعملوا ولا يتكلوا. وقد اختلف أهل المقامات ما الذي ينبغي أن يعتمد عليه الولي ويُغَلِّبُه في نفسه الخوف أو الرجاء؟ وسيأتي لهذا موضع يذكر فيه إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>(٤١) - وقوله تعالى: ﴿ولا تكونوا أول كافر به﴾ [البقرة: ٤١]</span>.\nدليل خطاب هؤلاء لأنه لم يقل به أحد، وفي ذلك دليل على ضعف القول به خلافًا لمن رآه في هذا الموضع دليلًا معتمدًا عليه، ويمكن أن يكون لتخصيص النهي، بأن يكونوا أول كافر به فائدة، لأن النهي عن ذلك يدل وإن كان الكفر كله قبيحًا على أن أول السابق فيه أشد قبحًا وأعظم للإثم لقوله تعالى: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالًا مع أثقالهم﴾ [العنكبوت: ١٣] وقوله: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير","vol":"1","page":59},{"text":"علم﴾ [النحل: ٢٥] وقوله تعالى: ﴿ومن قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا﴾ [المائدة: ٣٢].\nوقال ﵊: «إن على ابن آدم القاتل من الإثم في كل قتيل ظلمًا كفلًا من الإثم، لأنه أول من سن القتل» وقال: «من سن سنة حسنة ...» الحديث.\nفإن قيل: فكيف نهاهم تعالى أن يكونوا أول كافر به، وقد كفر قبلهم كفار قريش؟ فالجواب عن ذلك أن معناه من أهل الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>(٤١) - وقوله تعالى: ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا﴾ [البقرة: ٤١]</span>.\nاختلف في تأويله فقيل: إن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك. وقال بعضهم: كان للأحبار مأكلة يأكلونها على العلم كالرواتب. وقيل: إن الأحبار أخذوا رشى على تغيير صفة محمد ﷺ في التواراة.\nوقيل: المعنى ولا تشتروا بأوامري ونواهي وآياتي الدنيا والعيش الذي هو نزر. وقد اختلف في جواز بيع المصحف، والجمهور على جوازه.\nويحتمل أن يتعلق بالآية من يحرم بيعه لعمومها، ولا حجة له فيها لما فيها من الاحتمالات المتقدمة، ولما مر عليه السلف من بيعه، وهم أعلم بالتأويل. وكذلك اختلف في تعليم القرآن بالأجرة، فأجيز، وكُره، ومُنع، والجمهور على جوازه. ويحتمل أن يتعلق بظاهر الآية من لا يجيزه بالأجرة. ولا حجة له فيه، لما قدمته، ولما جاء من العمل في ذلك عن النبي ﷺ من حديث الرقية بالحمد لله، وهو حديث صحيح. وأما تعليم","vol":"1","page":60},{"text":"سائر كتب الشريعة بالأجرة فمكروه مشهور ذلك عن مالك، وقد أجازه قوم.\nوالقول فيه على ما تقدم إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>(٤٣) - قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣]</span>.\nالصلاة في عرف الشرع تقع على أفعال مخصوصة، وقد اختلف في أصلها من اللغة، فقيل: الصالة في اللغة الدعاء، ولذلك سميت الصلاة على الميت، صلاة، وليس إلا دعاء، ومنه قول الشاعر:\n. . . . . . . . . . . . . . . ... وصلى على دنها وارتسم\nوقيل: الصلاة من الصلوين، وهما عرقان في الردف ينحنيان في الركوع والسجود. قال الشاعر:\nتركت الرمح يعمل في صلاة ... . . . . . . . . . . . . . . .\nوقيل: هي مأخوذة من صليت العود في النار إذ أعطفته وقومته ومنه قول الشاعر:\nفلا تعجل بأمرك واستدمه ... فما صلى عصاه كمستديم\nوقيل: هي مأخوذة من الصلة وهي الوصلة، وزنها على علفة مقلوبة من فعلة التي هي وصلة وهذا أضعف الأقوال.","vol":"1","page":61},{"text":"وقد اهتلف الأصوليون هل غير الشرع هذا الاسم عن موصوعه في اللغة أم لا؟ فذهب كثير منهم إلى أنه باق على موضوعه من اللغة قيده الشرع بقيود وشروط وهو القاضي أبو الطيب. وذهب غيره إلى أنه في الشريعة منقول عن موضوعه من اللغة إلى هذا المعنى الشرعي المركب من السجود والركوع والقيام إلى غير ذلك مما هو مجموع الصلاة. وكيف ما كان قد فهم المراد [به في الشرع وأنها فعل على وجه مخصوص إلا أنه اختلف هل هو مجمل لا يفهم المراد] من لفظه ويفتقر في البيان إلى غيره؟ فلا يصح الاستدلال به على صفة ما أوجبه الشرع؟ على قولين معلومين. وإذا قلنا: إنه مجمل خرج من ذلك جواز تأخير البيان لوقت الحاجة خلافًا لمن منعه. وقالأبو الحسن على بن محمد: يجوز أن يرجع ذلك إلى صلاة متقدمة. وهذا الذي قاله احتمال صحيح لأن الآية مدنية. وقد أجمع العلماء على أن الصلاة فرضت بمكة ليلة الإسراء. واختلف في تاريخ الإسراء فقيل: بعدما أوحي إليه بخمس سنين. واختلفوا في صفة الفرض. فقيل: فرضت ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر. ومن رواة هذا من يقول: زيد في صلاة الحضر","vol":"1","page":62},{"text":"بالمدينة. وقيل: فرضت أربعًا أربعًا فأقرت صلاة الحضر ونقضت صلاة السفر. وقيل: فرضت أربعًا في الحضر وركعتين في السفر، وجاءت بذلك كله أحاديث صحاح. وجاء جبريل -﵇- لغد من ليلة الإسراء فصلى بالنبي ﷺ الخمس صلوات المفروضة. واختلف هل كان قبل فرض هذه الصلوات الخمس أخرى أم لا؟ فقال جماعة من العلماء لم يكن صلى النبي ﷺ صلاة مفروضة قبل الإسراء إلا ما كان أمر به من قيام الليل من غير تحديد. وحكى مكي عن إبراهيم بن إسحاق أنه قال: أول أمر الصلاة أنها فرضت بمكة ركعتين في أول النهار وركعتين في آخره، ثم كان الإسراء ليلة سبعة عشر من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، ففرضت الخمس وأم جبريل -﵇- وكانت أول صلاة الظهر، وتوجه إلى بيت المقدس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>(٤٣) - وقوله تعالى: ﴿واركعوا مع الراكعين﴾ [البقرة: ٤٣]</span>.\nإن قيل لم خص الركوع من جميع الصلاة بعد أن أمر بالصلاة ففيه جوابان: أحدهما: أن الركوع بمعنى الصلاة، أي صلوا مع المصلين، والثاني: قال قوم خصه بالذكر لأن صلاة بني إسرائيل لم يكن فيها ركوع.\nوفيه عندنا جواب ثالث: أن يكون أراد بالركوع هنا التواضع لله تعالى","vol":"1","page":63},{"text":"والتذلل له، والانقياد، فيكون ركوعًا لغويًا لا شرعيًا. ومنه قول الشاعر:\nولا تهين الفقير علك أن ... تركع يومًا والدهر قد رفعه\nويحتمل أن يقال خصص الركوع تشريفًا له، كقوله تعالى: ﴿فيها فاكهة ونخل ورمان﴾ [الرحمن: ٦٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>(٤٣) - وقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣]</span>.\nالزكاة في الشرع تقع على نوع من المال مخصوص. وله في اللغة معنى آخر غير إليه واختلف فيه ما هو؟ فقيل: الزكاة في اللغة النمو، تقول: زكا الشيء إذا نمى. وتقول العرب إذا كثرت المؤتفكات: زكا الزرع. فسمي القدر الذي أوجبه الشرع للمساكين في المال زكاة، وإن كان في الحقيقة نقصًا لأنه يرجى فيه النمو بالبركة والأجر، الذي يثيب الله تعالى به المزكي.\nوقيل: الزكاة مأخوذة من التزكية التي هي من التطهير، ومنه تزكية الشاهد، ألا ترى أن النبي ﷺ سمى في «الموطأ» ما يخرج من الزكاة أوساخ الناس. والكلام في سائر ما في هذا اللفظ من الأحكام كالكلام في الصلاة، ثم قال: وأما الزكاة فمجملة لا غير، وليس كما ذكر بل الخلاف فيهما سواء. وهذا الأمر في هذه الآية ونحوها، فالصلاة والزكاة أمر وجوب. وقد تسوغ الحجة لمن يرى وجوب صلاة الجنازة، ووجوب زكاة الفطر ويرى أن وجوبهما بالقرآن لا بالسنة الخاصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>(٤٤) - قوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ [البقرة: ٤٤]</span>.","vol":"1","page":64},{"text":"هذا تقريع وتوبيخ، ومعنى قوله تعالى: ﴿وتنسون أنفسكم﴾ تتركون كما قال تعالى ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ [التوبة: ٦٧] واختلف في معناها. فقال ابن جريج: كانت الأخبار يحضون الناس على طاعة الله ويواقعون المعاصي. وقال غيره: كاوا يحضون الناس على الصدقة ولا يتصدقون. وقيل: كانوا إذا استرشدهم أحد من العرب في اتباع محمد ﷺ دلوه على ذلك ولا يفعلونه هم. وقال ابن عباس: كانوا يأمرون أتباعهم باتباع التواراة، ويخالفونها في جحدهم منها صفة النبي ﷺ. وفي هذه الآية حجة لمن يرى من المعتزلة أن من كان على معصية فليس له أن يحتسب فر رفع المعاصي والحق أن له أن يحتسب والمستند في ذلك الإجماع، والآية إنما وردت على التمام والكمال وما هو الأكمل والأفضل والمندوب إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>(٤٧) - وقوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين﴾ [البقرة: ٤٧]</span>.\nفي هذه الآية دليل على أن العموم قد يرد والمراد به الخصوص لقوله تعالى: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾ لقوله لأمة محمد ﷺ: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ٧] ولذلك قال المفسرون: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾ عالمي زمانهم. ويحتمل أن يجعل فيلة بني إسرائيل مخصوصة في كثرة الأنبياء ونحو ذلك فيكون تفضيلهم على العالمين بإطلاق ولا يختص بعالمي زمانهم.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>(٤٧) - قوله تعالى: ﴿واتقوا يومًا لا تجزي نفس عن نفس شيئًا﴾ [البقرة: ٤٧]</span>.\nسبب هذه الآية أن بني إسرائيل قالوا: نحن أبناء الله وأبناء أنبيائه وسيشفع لنا آباؤنا، فأعلمهم الله تعالى عن يوم القيامة أنه لا يقبل فيه الشفاعات ﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئًا﴾ وهذه الآية مما يحتج به المعتزلة في إبطال الشفاعة وبقوله تعالى بعدها: ﴿ولا تنفعها شفاعة﴾ وبقوله تعالى: ﴿فما لهم من شافعين﴾ ونحو ذلك، ولا حجة في الآية لأنها محتملة أن تكون في الكافرين خاصة، وحقق هذا الاحتمال وصححه حتى لا يجوز غيره متواتر الأحاديث في مسلم والبخاري وغيرهما بالشفاعة في المؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>(٥٩) - وقوله تعالى: ﴿فبدل الذين ظلموا قولًا غير الذي قيل لهم﴾ [البقرة: ٥٩]</span>.\nيدل على أنه لا يجوز تغيير الأقوال المنصوص عليها. ويؤخذ من هذا أنه لا تجوز قراءة القرآن بالفارسية وغيرها من الألسن خلافًا لأبي حنيفة، وكذلك نقل حديث الرسول -﵇- بالمعنى يمكن أن يتعلق في المنع منه بهذه الآية. وقد روي أن النبي ﷺ قال: «رحم الله امرءًا سمع مقالتي هذه فأداها كما سمعها».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>(٦٢) - قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى﴾ الآية [البقرة: ٦٢]</span>.\nاختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أم لا؟ فذهب بعضهم إلى أنها منسوخة. وروي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنها نزلت في أول الإسلام وقرر الله بها أن من آمن بمحمد ﷺ ومن بقي على","vol":"1","page":66},{"text":"يهوديته ونصرانيته وصابيته، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر [من جميعهم] فله أجره ثم نسخ ما قرر من ذلك بقوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا لن يقبل منه﴾ الآية: [آل عمران: ٨٥] وردت الشرائع كلها إلى شريعة محمد ﷺ. وذهب بعضهمم إلى أنها غير منسوخة واختلفوا في تأويلها، فقال سفيان الثوري: الذين آمنوا في ظاهر أمرهم وقرنهم باليهود والنصارى والصابئين. ثم بين حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم، فمعنى قوله تعالى من آمن في المؤمنين المذكورين من دخل في الإيمان وقالت فرقة: الذين آمنوا هم المؤمنون حقًا بمحمد ﷺ.\nوقوله: ﴿من آمن بالله﴾ [البقرة: ٦٢] يكون فيهم بمعنى من ثبت ودام وفي سائر الفرق من دخل فيه. قال السدي: هم أهل الحنيفية ممن لم يلحق بمحمد ﷺ [كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل ﴿والذين هادو﴾] إلا من كفر بعيسى -﵇- والنصارى كذلك ممن لم يلحق محمدًا ﷺ والصابئين كذلك. وقيل: إنها نزلت في أصحاب سلمان الفارسي، وذلك أن سلمان صحب عُبَّادًا من النصارى فقال له أحدهم: إن زمان نبي قد أضل فإن لحقته فآمن به، فلما جاء رسول الله ﷺ ذكِر له خبرهم وسأله عنهم فنزلت الآية. فمحصول هذا","vol":"1","page":67},{"text":"القول أن من آمن بالله، وعمل صالحًا، وكان قبل بعثة النبي ﷺ لهم أجرهم عند ربهم. وفي هذه الآية عندي احتمالان آخران:\nأحدهما: أن يريد بقوله: ﴿الذين آمنوا﴾ من آمن بمحمد ﷺ من العرب وبقوله: ﴿والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن﴾ من هؤلاء الطوائف سوى العرب يريد بمحمد ﷺ فكأنه قال: إن الذين آمنوا ومن آمن في اليهود والنصارى والصابئين فلهم أجرهم عند ربهم فتكون الآية كلها في المؤمنين بمحمد ﷺ.\nوالاحتمال الثاني: أن يريد بقوله: ﴿والذين هادوا﴾ والآية من لم تبلغه الدعوة من هؤلاء الطوائف، لأنه قد اختلف فيهم، فقيل: إن أحكام شريعة محمد ﷺ غير لازمة لهم ولا يكفرون بمخالفتها، وهذا مردود بقواه تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] وذهب الجمهور إلى أنها لازمة لمن لم تبلغه ولكنه يعذر بجهله ومغيبه عن المعرفة. ويمكن أن تتأول الآية على هذا، ووزان هذه المسألة من مسائل الأصول مسألة من لم يبلغه النسخ، ومن مسائل الفروع مسألة الوكيل يُعزَلُ ولا يعلم العزل، وقد حُكي عن الشيخ أبي الحسن الأشعري أنه يجوز أن يعاد من لم تبلغه الدعوة والمجانين ويدخلون الجنة، ويجوز ألا يعادوا ولم يرد عنه قطع في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>(٦٧) - قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ الآية [البقرة: ٦٧]</span>.\nهذه الآية مقدمة في التلاوة مؤخرة في المعنى، من الآية التي بعدها وهي قوله: ﴿وإذ قتلتم نفسًا﴾ الآية [البقرة: ٦٧] مؤخرة في التلاوة ومقدمة في المعنى على الآية قبلها. وإنما يقدر هذا لأن البقرة إنما أمر بذبحها بسبب","vol":"1","page":68},{"text":"القتيل وقع أولًا، ثم الأمر بذبح البقرة بعد ذلك. ويجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها﴾ مقدمًا في النزول، وجاءت التلاوة به على ما هو مؤخر ويجوز أن ترتب نزولها على حسب تلاوتها فكأن الله تعالى أمرهم بذبح البقرة حتى ذبحوها، ثم وقع أمر القتيل فأمروا أن يضربوه ببعضها، ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب تلاوتها، وإن كان أمر القتيل مقدمًا في المعنى لأن الواو لا توجب ترتيبًا، كقول القائل: اذكر إذا أعطيت زيدًا ألف درهم وابني داري. والبناء مقدم على العطية. ونظيره في قصة نوح بعد ذكر الطوفان وانقضائه في قوله تعالى: ﴿قلنا احمل فيها من كل زوجدين اثنين﴾ إلى قوله: ﴿إلا قليل﴾ [هود: ٤٠] فذكر إهلاك من هلك منهم، ثم عطف عليه بقوله: ﴿وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها﴾ [هود: ٤١] فالمعنى يجب مراعاة ترتيبه لا اللفظ، وقد اختلف في قوله تعالى: ﴿أن تذبحوا﴾ هذه هل هي مجمل يفتقر إلى بيان، أو عام. فإن قلنا: إنه عموم وهو الذي ذهب إليه بعض حذاق الأصوليين كان ما بعده بيانًا عل نذهب كثير من الأصوليين، وعلى مذهب القاضي يكون نسخًا. وقد اعترض على من قال هذا فقيل له نسخ قبل مجيء وقته فأجابوا فأنه قد جاء وقته وقصروا في الأداء، قيل فهلا أنكر عليهم في أول المراجعة فأجابوا أن التغليظ ضرب من التكبر، ودل عليه قوله: ﴿وما كادوا يفعلون﴾ على القول بأنه لفظ عام لم يكن للمراجعة فيه وجه لأن الامتثال كان يصح بأي بقرة كانت، إلا على القول الواقفية في لفظ العموم، فإن حكمه عندهم حكم المجمل في","vol":"1","page":69},{"text":"الاحتياج إلى البيان، ويدل على أنه لم يكن لهم التوقيف فيه.\nقوله تعالى: ﴿وما كادوا يفعلون﴾ ولذلك قال بعض المفسرين: شددوا فشدد الله عليهم، ودين الله يسر والتعمق في سؤال الأنبياء مذموم.\nوقوله في هذه الآية: ﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾ [البقرة: ٦٨].\nقال المهدوي: هذا دليل على أن الأمر على الفور، وهو مذهب أكثر الفقهاء، ويدل على صحة لك أنه استقصرهم حين لم يبادروا إلى فعل ما أمرهم به فقال: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ [البقرة: ٧١].\nوقوله تعالى: ﴿أن تذبحوا بقرة﴾ [البقرة: ٦٧] في هذا دليل على أن السنة في البقر الذبح. روى إسماعيل بن أبي أويس عن مالك أنه قال فيمن نحو البقر بئس ما صنع لأن الله تعالى أمر بالذبح. قال الباجي: ووجه ذلك أنه أمر بالذبح ولا بد أن يكون على الوجوب أو على الندب، وأقل أحواله الندب. وهذا إنما يصح التعلق به على قول من قال: إن شريعة من قبلنا شرع لنا إلا أن يتبين النسخ في القضية بعينها. وعلى كل حال فقد قال مالك: إن نحرت تؤكل. وهذا الذي قاله الباجي من أن الأمر بالذبح على الوجوب، أو الندب واستدل بذلك على أن أقل درجاته الندب غير صحيح، لأن هذا إنما هو نفس الأمر بالذبح هل يدل على نفي ما عداه من النحر أم لا؟ فمن قال بدليل هذا الخطاب احتمل أن لا يجيز النحر ويقدم دليل الخطاب على خبر الواحد الذي ورد عن النبي ﷺ: «أنه نحر عن أوزاجه البقر» واحتمل أن يجيزه ويقدم خبر الواحد، على دليل الخطاب ومن لم يقل بدليل الخطاب أثبت النحر بالحديث زيادة على الذبح. هذا هو مذهب الجمهور جواز الذبح والنحر في البقر. وقد ذهب قوم ومنهم محمد بن","vol":"1","page":70},{"text":"حُيي المكي، والحسن بن ثالح الكوفي، إلى أن حكمها أن تنحر ولا تذبح. وهذا قول ترده الآية ولا متعلق له إلا أن يكون يرى فعل النبي ﷺ في النحر ناسخًا للآية، وهذا قول ترده الأصول لأنه خبر آحاد، ووقع الإجماع على أن القرآن لا ينسخ [بخبر] الآحاد. وذهب بعضهم إلى أن السة فيها الذبح وإنانحرت لم تؤكل. ولا حجة لهم إلا التعلق بدليل خطاب الآية وتقديمه على الخبر وهو قول شاذ. وقد اختلف في نحر ما السنة فيه الذبح، وذبح ما السنة فيه النحر، فأجازه أحمد وإسحاق، وعبد العزيز بن أبي سلمة، دون كراهة. كرهه أبو حنيفة، والشافعي\nوبعذ أصحاب مالك. ومنعه مالك في المشهور عنه. واعتل أصحابه لذلك بأن النبي ﷺ بين وجه الذكاة فنحر الإبل وذبح الشاة الطير، ولا يجوز تحويل ذلك عن موضعه مع القدرة عليه إلا لحجة واضحة. وقال ابن بكير: يؤكل البقر إذا ذبح ولا تؤكل الشاة إذا نحرت. وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا حرم أكل ما نحر مما يذبح ولا ما ذبح مما ينحر، وإنما كره ذلك مالك ولم يحرمه. وحجة الجمهور أنه لما جاز في البقر الذبح والنحر جاز ذلك في كل ما يجوز تذكيته، وقد بوب البخاري لذلك بابًا وساق قول عطاء بجوازه وأنه احتج بهذه الآية في ذبح ما ينحر. وصفة الذبح المتفق غليها هي أن يقطع أربعة أشياء: الودجين والحلقوم والمريء، واختلف إن قصر عن ذلك هل يكون ذلك ذبحًا أم لا؟ فمنهم من رأى أن الذبح يتم بفري الأوداج والحلقوم ولم يعتبر فري الحلقوم خاصة. وأما الشافعي فاعتبر","vol":"1","page":71},{"text":"فريه والمريء ولم يعتبر الودجين، قال: لأنا نجدهما يسيلان من البهيمة والإنسان ويعيشان. وقال بعض الكوفيين: إن قطع ثلاثة من هذه الأربعة جاز. ومن صفة الذبح أيضًا المتفق عليها أن يبتدئ بالذبح من الحلق فإن ابتدأ من القفا، ومر حتى قطع الرأس فمنهم من رأى أن ذلك قتلًا، لم يره ذبحًا، فقال: لا يؤكل، وقال به مالك، وأجاز أكلها الشافعي وغيره. وكرهه ابن المسيب. ومن صفة الذبح المتفق عليها أيضًا إذا بدأ بالحلق أن يقف عند النخاع ولا يقطعه فإن قطعه ففيه خلاف: منهم من كره أكل تلك الذبيحة، وهو قول عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله بن عمر، وهو النخع الذي نهى عنه ابن عمر. ومنهم من أجاز أكلها، وبه قال الجمهور. وكذلك إذا استمر الذابح في الذبح حتى قطع الرأس، فالجمهور على جواز الأكل وكرهه آخرون. وقال بعضهم: والجواز هو الصواب. وقال على بن أبي طالب: هي ذكاة واجبة. واختلف هل من صفة الذبح اعتبار الغلصمة وأن تبقى إلى الرأس أم لا؟ فأنكر قوم اعتبار ذلك، واحتجوا بأنه لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه في ذلك شيء ولو كان ذلك يعتبر لما أغفلوه، ودليل [خطاب] هذه الآية أن الحيوان المتأنس، لا يؤكل إلا بذكاة في موضع الذكاة، فإن ندَّ، فهل يؤكل بما يؤكل به الصيد؟ اختلف فيه، وكذلك إن وقع في موضع لا يتوصل به إلى ذكاته، فهل يؤكل بطعن فيما عدا المذبح أم لا؟ ففيه خلاف، ولم أستقص ما في هذا من الخلاف لأنه ليس بمحله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>(٦٧) - وقوله تعالى: ﴿أتتخذنا هزوا﴾ [البقرة: ٦٧]</span>.","vol":"1","page":72},{"text":"هذا القول من نبي صحت معجزته، ولا يصدر من مؤمن به، ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبي ﷺ لوجب تكفيره. وذهب قوم إلى أن ذلك منهم على جهة غلط الطبع والجفاء والمعصية على نحو ما قال القائل للنبي -﵇- في قسمة غنائم حنين: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى، وكما قال الآخر: اعدل يا محمد. وفي قولهم: ﴿إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون﴾ [البقرة: ٧٠] إنابة وانقياد ودليل ندم، وحرص على موافقة الأمر، وقد روي عم النبي ﷺ أنه قال: «لولا ما استثنوا ما اهتدوا إليها أبدًا» وقوله: ﴿الآن جئت بالحق﴾ [البقرة: ٧١] معناه عند جعلهم عصاة بينت لنا غاية البيان، وجئت بالحق الذي طلبناه لأنه كان قبل ذلك يجيء بغير حق، ومعنها عند ابن زيد الذي حمل محاورتهم على الكفر: الآن صدقت واذعنوا في هذه الحال حين بين لهم أنها سائمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>(٧٢) - وقوله تعالى: ﴿وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها﴾ [البقرة: ٧٢]</span>.\nسبب هذا القتل على ما روي أن رجلًا من بني إسرائيل عمر، كان له مالٌ، فاستبطأ ابن أخيه موته -وقيل: أخوه، وقيل: عمه، وقيل: ورثته غير معينين- فقتله ليرثه وألقاه في سبط آخر غير سبطه ليأخذ ديته ويلطخهم بدمه. وقيل: كانت بنو إسرائيل في قريتين متجاورتين فألقاه إلى باب إحدى","vol":"1","page":73},{"text":"المدينتين، وهي التي لم يقتل فيها، ثم جعل يطلبه وهو سبطه حتى وجده قتيلًا، فتعلق بالسبط أو بسكان المدينة التي وجد القتيل فيها، فأنكروا قتله فوقع بينهم لجاج حتى دخلوا في السلاح. فقال أهل الأمر والنهي منهم أنقتتل ورسول الله معنا؟ فذهبوا إلى موسى -﵇- وسألوه البيان، فأوحى الله إليه أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها فيحيى ويخبر بقاتله.\nوكأن السبب في تخصيص البقرة بالذبح ما أراد الله تعالى من صنعه الجميل بصاحبها. وقد اختلف في كيفية ذلك، فقيل: إن رجلًا من بني إسرائيل ولد له ابن، وكان له عجلة فأرسلها في غيضة، وقال: اللهم إني استودعتك هذه العجلة لهذا الصبي، ومات الرجل فصنع الله تعالى فيها مع الصبي ما صنع. وقيل: كان ذلك بسبب رجل كبير كان يبر أمه. وقيل: إن رجلًا كان بارًا بأبيه. فنام أبوه يومًا وتحت رأسه مفاتيح مسكنهما فمر به باع جوهر فساومه بستين ألفًا. فقال ابن النائم: اصبر حتى ينتبه أبي وأنا آخذه بسبعين ألفًا، فقال صاحب الجوهر: نبه أباك وأنا أعطيك بخمسين ألفًا، فداما كذلك حتى بلغ ابن النائم مائة ألف وبلغ صاحب الجوهر ثلاثين ألفًا. فقال له ابن النائم: والله لا أشتريه منك بشيء، برًا بأبيه فعوضه الله تعالى منه ذلك.\nوقيل: وجدت عند عجوز كانت تعول يتامى كانت البقرة لهم، وكانت قيمة البقرة على ما ذكر عكرمة ثلاثة دنانير. واختلف فيما اشتروها به، فقيل: بوزنها مرة، وقيل: مرتين، وقيل: عشر مرار، وقيل: بملئ جلدها دنانير. وحكى مكي أن هذه البقرة نزلت من السماء، وقيل: كانت وحشية.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>(٧٣) - قوله تعالى: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾ [البقرة: ٧٣]</span>.\nفقيل: إنهم ضربوه، ويل: ضربوا قبره؛ لأن ابن عباس حكى أن أمر القتيل وقع قبل جواز البحر، وأنهم داموا في طلب البقرة أربعين سنة.\nواختلف فيما ضرب به منها؟ فقيل باللحمة التي بين الكتفين، وقيل بالفخذ، وقيل باللسان، وقيل بالذنب، وقيل بعظم منها. وروي أن هذا القتيل لما حيي وأخبر بقاتله عاد ميتًا كما كان، وقد استدل مالك رحمه الله تعالى بهذه الآية على إعمال قول المقتول: دمي عند فلان، ولم يختلف قوله إنه لوث في العمد يوجب القسامة والقود. واختلف قوله في قبول دعواه في قتل الخطأ، وتابعه في دعوى العمد جميع أصحابه والليث بن سعد، وخالفه جمهور أهل العلم، واستدلوا لمذهبهم بقول النبي ﷺ: «لو يعطى الناي بدعواهم» الخبر، وبالقياس على دعوى المال وبقول النبي ﷺ: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» وهذا كله مردود لأن المدعي ها هنا لم يعط بدعواه وهو ولي المقتول وإنما أعطي بما انضاف إلى دعواه من قول المقتول، والأصل في جميع الأحكام أن يبدأ باليمين من يغلب على الظن صدقه، كان مدعيًا أو مدعى عليه. فلما غلب صدق أولياء المقتول في دعواهم بسبب يدل على ذلك مثل تدمية المقتول، أو مثل السبب الذي حكم به رسول الله ﷺ في القسامة من العداوة بين المسلمين واليهود ونحو ذلك، وجب أنه يقبل قوله","vol":"1","page":75},{"text":"وهذا السبب هو الذي يعبر عنه أصحاب مالك باللوث، فالمدعي هو من قوي سببه، والمدعى عليه هو من ضعف سببه، فليس بين أمر التدمية وبين حديث المدعي والمدعى عليه اختلاف. وقول من قال: إن الحكم بالقسامة خلاف الأصول غير صحيح. ودليل صحة عمل التدمية وكونها جارية على هذا الأصل ما جاء في الآية المذكورة من إخبار القتيل وقوله: قتلني فلان. وقد قال جماعة منهم الفقيه أبو عمر بن عبد البر وغيره: إن الاحتجاج بهذه الآية غفلة شديدة وشعوذة لأن إحياء ذلك القتيل كان آية لنبي لا سبيل إليها اليوم، ولم قسم على قتيل بني إسرائيل، وإنما علم صدق قوله بالآية. وهذا غير صحيح بل الدليل منها قائم وذلك أن الآية إنما كانت في الأحياء. وأما قوله بعد أن حيي قتلني فلان فليس فيه آية، وقد كان الله تعالى قادرًا على أن يحيي غيره من الأموات، فيقول ذلك فتكون فيه آيتان؛ آية إحيائه، وآية إخباره بالغيب، فلما خصه الله تعالى بالإحياء بين سائر الأموات، دل ذلك على أن الشرع كان عندهم: أن من قُتل فأُدرك حيًا فأخبر بقاتله صدق قوله، فلما فات بالموت ولم تدرك حياته أحياه الله تعالى لنبيه ليستدرك ذلك. وأما القسامة فإنها وإن كانت لم ترد في قصة القتيل المذكور في الآية فإنها وردت في الحديث المشهور فرأى مالك -﵁- أن يجمع بين الحديث والآية فيصدق بمقتضى الآية، وتكون القسامة بمقتضى الحديث لأن التدمية لوث، ولا فرق بينه وبين اللوث الذي وقعت القسامة فيه في الحديث. فإن قيل: القسامة حكم زائد على ما جاء في الآية والزيادة نسخ قلنا: هذا الأصل مختلف فيه، والمختار في هذا ألا يكون نسخًا لأنه لم يتغير حكم المزيد عليه مثل زيادة التغريب على الجلد في البكر الزاني. وفي «المبسوطة» عن يحيى من أصحاب مالك أنه قال: لا أقول بالتدمية ولا أراها نحو قول الجمهور،","vol":"1","page":76},{"text":"وكذلك يجيء عن أبي بكر اللؤلؤي أنه رجع عن القول بالتدمية فكان لا يفتي بها. وهذا الاستدلال بهذه الآية إنما يصح على القول بأن شريعة من قبلبنا لازمة لنا، وقد روي أن القسامة كانت في الجاهلية، فأقرها رسول الله ﷺ في الإسلام ليتناهى الناس عن القتل وقد قال عبيدة السلماني: من حينئذ لم يرث قاتل. ويريد من وقت موسى -﵇- بسبب ذلك القتل المذكور في الآية.\nوقال مكي: إن قصة أحيحة بن الجلاح في عمه التي كانت سببًا لأن لا يرث قاتل، ثم ثبت ذلك في الإسلام كما ثبت ذلك في الإسلام كما ثبت كثير من نوازل الجاهلية، وقوله تعالى: ﴿لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك﴾ [البقرة: ٦٨] لا يعلم إلا بالاجتهاد، فهو دليل على جواز الاجتهاد، ودليل على اتباع الظاهر مع جواز أن يكون الباطن بخلافه.\nوقوله: ﴿مسلمة﴾ يعني من العيوب وذلك لا يعلم حقيقة وإنما يعلم ظاهرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>(٧٥) - قوله تعالى: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم﴾ الآية [البقرة: ٧٥]</span>.\nفيه دليل أن العالم بالحق المعاند فيه أبعد من الرشد، لأنه علم الوعد والوعيد، ولم ينهه ذلك عن عناده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>(٨٠) - وقوله تعالى: ﴿لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة﴾ [البقرة: ٨٠]</span>.\nروي أن سبب هذه الآية: أن النبي -﵇- قال لليهود: «من أهل النار» فقالوا: نحن، ثم تخلفونا أنتم، فقال: «كذبتم لقد علمتم أنا لا نخلفكم» فنزلت الآية.","vol":"1","page":77},{"text":"وقيل: سببها أن اليهود قالت: إن الله أقسم أن يدخلهم النار أربعين يومًا عدد عبادتهم العجل. وقيل: إن اليهود قالت: إن طول جهنم أربعون سنة وأنهم يقطعون في كل يوم سنة حتى يكملوها، وتذهب جهنم. وقيل: إنهم قالوا إن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإن الله تعالى يعذبهم بكل ألف سنة يومًا.\nوقال أبو الحسن علي بن محمد: في هذه الآية رد على أبي حنيفة في استدلاله بقوله -﵇-: «دعي الصلاة في أيام أقرائك» في أن مدة الحيض تسمى أيام الحيض، وأقلها ثلاثة أيام، وأكثرها عشرة، لأن ما دون الثلاثة يسمى يومًا ويومين وما زاد على العشرة يقال فيه إحدى عشر يومًا، فيقال لهم: وقد قال الله تعالى في الصوم: ﴿أيامًا معدودات﴾ [البقرة: ١٨٤] يعني جميع الشهر. ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة﴾ [البقرة: ٨٠] يعني أربعين يومًا وإذا أضيفت الأيام إلى عارض لم يرد بها تحديد العدد، بل يقال: أيام مشيك وسفرك وإقامتك وإن كانت ثلاثين وعشرين، وما شئت من العدد، ولعله أراد ما كان معتادًا لها والعادة ست أو سبع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>(٨١) - قوله تعالى: ﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته﴾ [البقرة: ٨١]</span>.\nفيه دليل على أن اليمين المعلقة على شرطين لا تختص بأحدهما.\nومثله قوله تعالى: ﴿قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ [فصلت: ٣٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>(٨٣) - وقوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ [البقرة: ٨٣]</span>.\nاختلف العلماء في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب قتادة","vol":"1","page":78},{"text":"إلى أنها منسوخة بآية السيف. وهذا يتجه على القول بأنَّا مخاطبون بشرع من قبلنا. وقال أبو محمد بن عطية: هذا على أن هذه الأمة خوطبت بهذا اللفظ في صدر الإسلام، وأما الخبر عن بني إسرائيل، وما أمروا به فلا فسخ فيه. وهذا كلام مختل عند تأمله. وذهب غيره إلى أنها محكمة واختلفوا في التأويل، فقال سفيان الثوري: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر وقال أبو العالية: المعنى قولوا لهم الطيب من القول، وحاوروهم بأحسن ما يحبون أن يحاوروا به. وهذا حظ مكارم الأخلاق. وقال ابن جريج: المعنى أعلموهم بما في كتابكم من صفة محمد ﷺ. وقال ابن عباس: المعنى قولوا لهم لا إله إلا الله ومروهم بها. وقال أبو الحسن: يجوز أن يكون في الدعاء إلى الله ويجوز أن يكون مخصوصًا بالمسلمين أي يعني بقوله ﴿للناس﴾ في المسلمين فلا يتجه النسخ فيه على هذا الوجه، وقد تقدم القول على قوله: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٨٣] وذكر أبو بكر ابن العربي قولًا آخر أن الآية على عمومها ويكون إحسان القول للكافر والمجاهر بالمعاصي مع الخوف فيدفع الإنسان عن نفسه بالقول الحسن، وقد قال النبي ﷺ: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة» وعلى ما قدمنا جاء قوله تعالى: ﴿قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى﴾ [طه: ٤٤].\nالإخبار بقوله تعالى: ﴿واتبعوا﴾ عن اليهود الذين في زمن سليمان -﵇- وقيل: في عهد النبي -﵇- وقيل: عن الجميع.","vol":"1","page":79},{"text":"وقوله: ﴿ما تتلوا﴾ قيل أراد ما تلت فأوقع المستقبل موقع الماضي، وقيل: أراد ما كنت تتلو.\nوقوله: ﴿ملك سليمان﴾ أراد على عهده، وقيل: على ملك سليمان أي على صفته وإخباره، وقيل: على شرعه ونبوءته وحاله. واختلف في المتلو ما كان فقيل: إن الشياطين كانوا يلقون إلى الكهان الكلمة من الحق معها المائة من الباطل، حتى صار ذلك علمهم، فجمعه سليمان ودفنه تحت كرسيه، فلما مات قالت الشياطين: إن ذلك كان علم سليمان، وقيل: هو السحر وتعليمه وكان قد جمع سليمان ما تلوه من ذلك كما تقدم. وقيل: هو علم سليمان وكان قد دفنه، فلما مات أخرجه الجن، وكتبت بين كل سطرين سطرًا من سحر ثم نسبت ذلك إلى سليمان. وقيل: إن آصف بن برخيا كاتب سليمان تواطأ مع الشياطين أن يكتبوا سحرًا وينسبوه إلى سليمان بعد موته. وقيل: إن الجن اختلقته بعد موته ونسبته إليه. فأكثر هذه الأقوال على أن المتلو هو السحر تلته الشياطين ونسبته إلى سليمان حتى برأه الله تعالى منه على لسان نبيه -﵇-. وروي أن رسول الله ﷺ لما ذكر سليمان في الأنبياء قال بعض اليهود انظروا إلى محمد يذكر سليمان في الأنبياء وما كان إلا ساحرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>(١٠٢) - وقوله تعالى: ﴿وما كفر سليمان﴾ [البقرة: ١٠٢]</span>.\nتبرئة من الله تعالى لسليمان من السحر، ولم يتقدم في الآيات أن أحدًا نسبه إلى الكفر.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>(١٠٢) - وقوله تعالى: ﴿ولكن الشياطين كفروا﴾ [البقرة: ١٠٢]</span>.\nيحتمل أنهم كفروا إما بتعليمهم السحر، وإما بعملهم به، وإما بتكفيرهم سليمان، وكل ذلك كان.\nوقوله تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين﴾ الآية اختلف في هذه، على ما هي معطوفة؟ فقيل: على ما في قوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾ [البقرة: ١٠٢] وقيل: على قوله: ﴿وما كفر سليمان﴾ [البقرة: ١٠٢] فهي نافية؛ أي ﴿وما أنزل على الملكين﴾ [البقرة: ١٠٢] أيضًا، وذلك أن اليهود قالت: إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر فنفى الله ذلك. وقيل على قوله: ﴿السحر﴾ وهذا على القول بأن الله أنزل السحر على الملكين فتنة للناس، ليكفر من اتبعه ويؤمن من تركه، وعلى قول مجاهد وغيره أن الله أنزل على الملكين الشيء الذي يفرق به بين المرء وزوجه دون السحر. أو على القول إنه تعالى أنزل السحر عليهما على جهة التحذير منه والنهي عنه والتعليم على هذا القول بأنها معطوفة على قوله: ﴿ما تتلوا﴾ وقد اختلف في قارءة الملكين فقرئ القراءة المشهورة «المَلَكَيْنِ»، وقرئ «المَلِكَيْنِ» بكسر اللام. واختلف على هذه القراءة في تفسيرها، فقيل هما داود وسليمان، وعلى هذا القول «فما» نافية. وقيل: هما علجان كانا ببابل ملكين «فما» على هذا القول غير نافية. وهاروت وماروت على قول من جعل الملكين بفتح اللام «جبريل وميكائيل» بدل من الشياطين في قوله: ﴿ولكن الشياطين كفروا﴾ وقال هما شيطانان. وجاء الجمع على أن الاثنين جمع","vol":"1","page":81},{"text":"أو على تقدير أتباع لهذين الشيطانين اللذين هما الرأس. ومن جعل الملكين هاروت وماروت فهما بدل من الملكين. وأما على قراءة «الملِكين» بكسر اللام فمن جعل الملكين داود وسليمان جعل أيضًا هاروت وماروت بدلًا من الملكين. وقيل: هما بدل من الناس وتحصيل هذا أن من قرأ «ملكين» بفتح اللام ففيها خلاف. قيل: يعني جبريل وميكائيل، وقيل: يعني هاروت وماروت، وقيل: يعني علجين غيرهما. وروي على رواية من قال القراءة «ملكين» بفتح اللام أن الملائكة مقتت حكام بني إسرائيل وزعمت أنها لو كانت بمثابتهم من البعد عن الله تعالى أطاعت حق الطاعة. فقال الله تعالى لهم اختاروا ملكين يحكمان بين الناس، فاختاروا هاروت وماروت، فكانا يحكمان بين الناس، فاختصمت إليهما امرأة ففتنا بها، فراوداها فأبت حتى يشربا الخمر ويقتلا، ففعلا، وسألتهما عن الاسم الذي يصعدان به إلى السماء فعلماها إياه، فتكلمت به [فعرجت] فمسخت كوكبًا فهي الزهرة.\nورووا أن الزهرة نزلي إليهما في صفة امرأة فجرى [لهما] ما ذكر، وقيل: إنهما بقيا في الأرض في سرب معلقين يصفقان بأجنحتهما.\nوروي أنهما يعلمان السحر في موضعهما ذلك، وأخذ عليهما ألا يعلما أحدًا ﴿حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ الآية [البقرة: ١٠٢]. وإنما ذكرت هذا التفسير ليتبين به معنى الآية وحتى يصح التفقه فيها. والذي ذهب إليه أهل السنة، وجمهور العلماء أن السحر له حقيقة ثابتة كحقيقة غيره من","vol":"1","page":82},{"text":"الأشياء خلافًا لمن نفاه وأنكر حقيقته، ونسب ما يتفق منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها، واستدل بقوله: ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ [طه: ٦٦] وحجة الجمهور أن الله تعالى ذكره في كتابه وذكر أنه مما يتعلم وأشار أنه مما يكفر به، وأنه يفرق بين المرء وزوجه. وهذا كله لا يمكن ولا حقيقة له، وكذلك جاء في «مسلم» و«البخاري» وغيرهما: أن رسول الله ﷺ سحره يهودي حتى وصل المرض إلى يديه، وحتى أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله، وأنه سحر بأشياء دفنت وأخرجت. وفي بعض الأحاديث أنها لم تخرج، وكان الذي سحره -﵇- لبيد بن الأعصم في مشط ومشاقة تحت راعوفة في بئر ذروان، وقد قال تعالى: ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾ [الفلق: ٤] ونزلت بسبب قصة لبيد بن الأعصم.\nوسحر ابن عمر فتوعكت يده، وسحرت جارية عائشة -﵂- وهذا كله يبطل ما قالوه. وغير مستنكر في العقل أن يكون الله تعالى خرق العادة عند النطق بكلام أو تركيب أجسام، أو المزج بين قوي على ترتيب ما لا يعرفه إلا الساحر يكون عند السحر، ويجوز أن يمرض من يسحر أو ويموت ويتغير عن طبعه وعادته، وقد أنكر ذلك كله أن يقع من أنكر السحر ونسبه إلى التخيل والشعوذة ولا حجة لهم في قوله تعالى: ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ [طه: ٦٦] فأن التخييل حقيقة ما قد وقعت وظهرت بفعل الساحر. وإذا ثبت السحر، فقد اختلف مثبتوه في الذي يمكن أن يقع","vol":"1","page":83},{"text":"عنه. فذهب قوم إلى أنه يمكن أن يقع عنه مقدور الله تعالى، وأنه لا فرق بين المعجزة والسحر إلا بالتحدي، فلو تحدى بالسحر لم يصح له شيء، وصاحب المعجزة إذا تحدى صحت معجزته وإليه يذهب أبو المعالي. وذهب قوم إلى أنه لا يجوز انتهاء السحر إلى إحياء الموتى وقلب العصا حية، وفلق البحر وإبراء الأكمه والأبرص وأمثال ذلك. ويظهر في هذا القول أن الذي يمكن أن يقع عنه ما كان من مقدورات البشر، مثل أن يرى الساحر في الهواء أو يحلق في جو السماء ويسترق ويتولج في الخوخات والكوات إذ الحركات في الجهات من قبيل مقدورات البشر، وذهب قوم إلى أنه لا يبلغ الأمر فيه إلى غريبة تزيد على التفرقة بين المرء وزوجه، وذكر أن الله سبحانه إنما ذكر ذلك تعظيمًا لما يكون عنه وتهويلًا له في حقنا، فلو كان يقع عنه ما هو أعظم منه لذكره إذ لا يضرب المثل عن المبالغة إلا بأعلى الأحوال المذكورة. وهذا الخلاف لا معنى له. والصحيح أنه إذا جاز أن يقع عن السحر بعض الأفعال جاز الجميع، ولا فرق بين فعل وفعل فإن الله تعالى هو الذي يخرق العادة عند فعل الساحر الشيء الذي يفعله، فلا فرق في ذلك بين ما هو مقدور للعبد، وغير مقدور له، فإن ما هو مقدور للعبد فه واقع بقدرة الله تعالى، فالكل واقع بقدرة الله تعالى. وإذا كان كذلك فلا فرق بين فعل وفعل، لكن إن ورد السمع بقصوره عن فعل ما وجب اتباعه ولم يوجد سمع قاطع في ذلك. وذكر التفرقة بين المرء وزوجه، ليس بنص على قصر السحر على التفرقة وفيه نظر، هل هو ظاهر أم لا؟ والمقصود هنا القطع ويحتمل أن يقال: إنما لم يذكر الله تعالى من أفعال السحر إلا التفرقة بين الزوجين لأنه من الأشياء المحرمة شرعًا. ومما له","vol":"1","page":84},{"text":"نكاية في النفوس أكثر من قلب العصا حية، ونحو ذلك فذكره تعالى تقبيحًا لعملهم، وتنفيرًا لنفوس المسلمين عنهم لا أنه غاية ما ينتهي إليه ففعلهم، وإذا كانت الآية محتملة لهذا لم تكن فيها حجة ظاهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>(١٠٢) - قوله تعالى: ﴿فلا تكفر﴾ [البقرة: ١٠٢]</span>.\nقيل معناه بتعلم السحر، وقيل: بعمله، وقال بعضهم ليس بكفر وبحسب هذا الاختلاف اختلف في حكم الساحر والتكفير ليس بعقلي وإنما يستند فيه إلى الشرع. ولم يرد في ذلك إلا ما جاء في الآية المذكورة من قوله تعالى: ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ [البقرة: ١٠٢] وقوله: ﴿يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء﴾ [البقرة: ١٠٢] وقد ذهب مالك ﵀ إلى أنه كفر بظاهر الآية، وهو ما يستتر به فهو كالزنديق يقتل ولا يستتاب، وعن الشافعي رواية أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، ولعله إنما هو كفر لأنه من أعمال الكفار، وقيل: ليس بكفر، وإنما سبيله سبيل القتل، فإن قال لم أقتل بسحري لم يكفر ولم يقتل، وإن قال قتلت به عمدًا قتل، وإن قال لم أتعمد القتل كانت الدية، وإن قال: مرض منه ولم يمت أقسم أولياء المقتول لمات من ذلك العمل، وفيه الدية، وهذا مروي عن الشافعي.\nوقال أبو حنيفة: ليس السحر بشيء إلا أن يكون فيه كفر فيقتل للكفر. وقال المازري: إنما قلنا إنه يقتل على الجملة لأنه من عمل السحر وعلمه فقد كفر، والكافر يقتل. قال تعالى: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ [البقرة: ١٠٢] فإذا ثبت كونه كفرًا وجب القتل به. قال بعض أصحابنا وقد قال الله تعالى: ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم﴾","vol":"1","page":85},{"text":"[البقرة: ١٠٢] يعني باعوها، وبيعه لنفسه يتضمن قتله، وقد جاء في «الموطأ»: أن حفصة قتلت جارية لها سحرتها. ومن ذهب إلى أنه ليس بكفر يتأول الآية ويخرجها عن ظاهرها فيحتمل أن يكون قوله: ﴿ولكن الشياطين كفروا﴾ باستحلالهم فعل ذلك أو يكون الكفر لغويًا لا شرعيًا أو كفرًا بالله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>(١٠٢) - وقوله: ﴿فلا تكفر﴾ [البقرة: ١٠٢]</span>.\nأي بأن تستحل ذلك، ولا تكفر أي كفرًا لغويًا أو بالله. والأظهر في الاحتمالات ما تقدم. وهذا كله فيمن سحر بنفسه، وأما من عمل له غيره السحر بأجر أو بغير أجر، فلا يقتل لأنه ليس بساحر. واختلف في الساحر من أهل الذمة هل يقتل أم لا؟ فقيل: يقتل وإن أسلم، وقيل: يقتل إلا أن يسلم، وقيل: يعاقب إلا أن يقتل ويصمن ما جنى. ويقتل إن جاء منه مما لم يعاهد عليه. وهذا قول مالك ﵀ وهو قول سديد جاري على مذهبه في أن السحر كفر، وبه قال أبو حنيفة والشافعي ومن الحجة لهذا القول أن النبي ﷺ لم يقتل اليهودي الذي سحره، وثلاثة الأقوال في المذهب. وقد جاء عن النبي ﷺ ما يعضد ظاهر الآية في أن السحر كفر في قوله -﵇-: «احتنبوا السبع الموبقات» قلنا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشرك بالله والسحر» وكذا وكذا، فقرنه كما ترى بالشرك، وهذا حديث صحيح خرجه البخاري والنسائي، وجاء عنه -﵇- في حديث صحيح خرجه الترمذي في «حد الساحر ضربة بالسيف» وجاء في","vol":"1","page":86},{"text":"«مصنف عبد الرزاق» حديث يؤيد مذهب الشافعي من أن السحر ليس بكفر وهو: أنه -﵇- أتي بساحر فقال له: «احبسوه فإن مات صاحبه فاقتلوه» وقد اختلف السلف هل يجوز أن يسأل الساحر حل سحره عن المسحور أم لا؟ فكرهه الحسن [البصري] لأنه عمل سحر، وقال لا يعمل ذلك إلا ساحر ولا يجوز إتيان الساحر لما روي عن ابن مسعود: «من مشى إلى ساحر أو كاهن فقد كفر بما نزل على محمد ﷺ» وأجازه ابن المسيب لأنه رآه نوعًا من العلاج فيخص ذلك من قوله تعالى: ﴿يعلمون الناس السحر﴾ [البقرة: ١٠٢] ذكره البخاري عنه. وانظر على هذا هل يجوز السحر في الإصلاح بين زوجين بل نفسين كالمرأة تبغي صلاح زوجها واستئلافه؟ وعلى القول بأن السحر كفر وإنما يراد به ما شهد الشرع به بأنه كفر. قال أصبغ: يكشف عن ذلك من يعلم حقيقته. وفي «الموازية» الذي","vol":"1","page":87},{"text":"يقطع أذن الرجل، أو يدخل السكاكين في جوف نفسه إن كان هذا سحرًا قتل به. وقال مالك فيمن يعقد الرجل عن النساء: يعاقب فيؤخذ من هذا أنه ليس كل سحرٍ كفرًا.\nوقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿يفرقون به بين المرء وزوجه﴾ [البقرة: ١٠٢]، فقيل: أراد فرقة العصمة، وقيل: معناه يؤخذون الرجل عن المرأة حتى لا يقدر على الوطء فهي أيضًا فرقة، فعلى هذا يكون ربط الرجل عن امرأته سحرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>(١٠٤) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ الآية [البقرة: ١٠٤]</span>.\nاختلف في معنى هذا فقيل: نهى الله تعالى المؤمنين أن يخاطبوا النبي ﷺ بهذه اللفظة لما فيها من الجفاء قد حض الله تعالى على تعزيره وتوقيره وخفض الصوت عنده، ولا مدخل لليهودي في الآية على هذا. بل هي نهي عن كل مخاطبة للنبي ﷺ فيها استواء معه، وقيل نهى الله المؤمنين عن التكلم بهذه اللفظة أصلًا لأن اليهود كانت تقولها للنبي -﵇- وتقصد بها الذم، فكان المسلمون يحملونها على معناها في اللغة، وهي فعل من المراعاة، وكانت اليهود تصرفها إلى معنى الرعونة ويظهرون أنهم يريدون المراعاة، وكانت اليهود تصرفها إلى معنى الرعونة ويظهرون أنهم يريدون المراعاة ويبطنون أنهم يريدون الرعونة التي هي الجهل. قال بعضهم «راعنا» لغة كانت الأنصار تقولها فقالها رفاعة بن يزيد بن التابوت للنبي -﵇- ليًا بلسانه وطعنًا كما كان يقول: اسمع غير مسمع فنهى الله المؤمنين أن يقولوا هذه اللفظة، وأنكر أبو محمد بن عطية أن تكون هذه اللفظة وقفًا على الأنصار، وقال: بل هي لغة لجميع العرب. ولعل قائل ذلك","vol":"1","page":88},{"text":"لم يرد ما ذهب إليه أبو محمد، وإنما أراد أن الأنصار كانت تردد هذه اللفظة أكثر من غيرها فسماها لغة لها وحكى المهدوي عن قوم: أن هذه الآية على هذا التأويل ناسخة لفعل قد كان مباحًا، قال أبو محمد: ليس في هذه الآية شرط النسخ لأن الأول لم يكن شرعًا متقررًا ثم نقض ذلك عن قرب، فقال في قراءة من قرأ «رَاعِنًا» بالتنوين أن اليهود كانت تقوله، فنهى الله المؤمنين عن القول المباح سدًا للذريعة لئلا يتطرق اليهود مكنه إلى المحظور.\nوقوله: «فنهى المؤمنين عن القول المباح» هو النسخ بعينه فلا معنى لإنكار ما ذكره المهدوي. وفي قراءة ابن مسعود «راعونا» وهي مخاطبة الجماعة من المراعاة، وكان اليهود يقولونها للنبي ﷺ يظهرون أنهم يريدون إكباره، وهم يريدون في الباطن راعونا فاعولا من الرعونة، والقول فيها كالقول في راعنا. وقد استدل الفقهاء في هذه الآية على القول بسد الذرائع في الأحكام خلافًا للشافعي وأبي حنيفة في ترك الاعتبار بذلك، فمن ذلك ما كان من الشرع ظاهره الصحة ويتوصل به إلى استباحة الربا مثل أن يبيع الرجل سلة بمئة إلى أجل، ثم يبتاعها بخمسين نقدًا. وذلك حرام. وأجاز ذلك الشافعي وأبو حنيفة ومنعه مالك ومن تابعه لأنه يؤدي إلى إعطاء خمسين مثلًا في مئة، فرأوا أن ما جر إلى الحرام حرام، وتعلقوا بظاهر الآية المذكورة في منع المؤمنين من قول راعنا للنبي -﵇-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>(١٠٦) - قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ الآية [البقرة: ١٠٦]</span>.\nالنسخ لغوي وشرعي كالكلام في الصلاة الشرعية كما تقدم، وهو في اللغة على ثلاثة معان، يقع على النقل كنسخ الكتاب، وعن الرفع دون","vol":"1","page":89},{"text":"خلف، كقولهم: نسخت الرياح آثار الماشي، وعلى الرفع مع الخلف كقولهم: نسخت الشمس الظل.\nواختلف في هذين الوجهين من النسخ هل هما في معنييهما حقيقة أو مجازًا؟ أو أحدهما حقيقة والآخر مجازًا؟ وهو في الشرع رفع الحكم الثابت بشرع متقدم بشرع متأخر عنه على وجه [لولاه] لكان ثابتًا مع تراخيه عنه. وإنما أخذ هذا النسخ الشرعي من أحد المعنيين الواقعين تحت الرفع. فأما النسخ بمعنى النقل فليس بداخل تحت الشرعي. وذهب شيخنا أبو بكر بن العربي، إلى أن نسخ الشيء إزالته لغة وشرعًا، وذكر منه نسخ الظل الشمس ونسخ الأثر الريح، وهذا بين. والإزالة والرفع في ذلك بمعنى واحد. قال: وكذلك نسخ الكتاب هو إزالته أيضًا لأنه كان منفردًا بما فيه، فلما كتب زال انفراده، فإنه أثبت بما كان فيه. وقول من يقول إن النقل فاسد، وقد وهم فيه القاضي، وإمام الحرمين ومن وراءهم، وما أصابه إلا الشيخ أبو الحسن. وهذا الذي قاله غير صحيح فإنه إن كان أزال انفراده فإنه أثبت مثله ولو ورد في الشرع مثل ذلك لكانت الآية المكررة على قوله نسخًا، وهذا لم يقله أحد وخلاف الجمهور لا يأتي بخير، وقد ثبت بهذه الآية صحة النسخ في الشريعة وحده ما ذكرته وتحيرت في فهمه عقول أقوام حتى أنكرته اليهود جملة، رأوا أنه يلزم عليه تغير علم الله وأنه يبدو له ما يبدو وهم في منعه على فرقتين؛ فرقة تنكره عقلًا، وأخرى تنكره شرعًا خاصة. وأجازه الروافض وارتكبوا البداء ونقلوا عن علي -﵁- أنه كان لا يخبر بالغيب مخافة أن يبدو له فيغيره وربما احتجوا بقوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ [الرعد: ٣٩].\nوأجازه الفقهاء إلا أنهم لم يحصلوا على معنى الرفع لكلام الله","vol":"1","page":90},{"text":"تعالى، وأنكروه فألحقوا النسخ بالتخصيص، ورأوا أنه الخطاب الكاشف عن مدة العبادة. وأشكل على المعتزلة فيه أيضًا ما أشكل على الفقهاء من معنى الرفع، ورأوا أن القديم لا يرفع ولم يلحقوه بالتخصيص كما قال الفقهاء فقالوا: إنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ثابتًا، ووفق الله أهل الحق إلى فهم معنى الرفع الذي هو حقيقة النسخ ومن أخل به فقد أخل بحقيقة النسخ، ورأوا أن الرفع لكلام الله تعالى قطع تعلقه بالمكلف عن المكلف، والكلام لا يتغير في نفسه. ورأوا أنه لا يلزم في ذلك بداء لأنه سبحانه يعلم وقت النسخ، ويعلم أن خطابه المنسوخ يقتضي الدوام إن لم يطرأ ناسخ، ويعلم أنه إذا طرأ النسخ قطع اقتضاء الدوام الذي اقتضاه الخطاب الأول ورفعه بذلك الاقتضاء وهو المرفوع، وهذا هو النسخ، والرفع حقيقة. وقد قرئت هذه الآية في السبع الدائرة بين اليد «أو ننسها» من النسيان، وقرئت «أو ننسأها» عند أبي عمرو بن كثير. يقال: نسأ الإبل وأنساها إذا أخرها عن الورد، فيكون معنى النسخ في الآ] ة على بابه، ويكون معنى النسيان فيها على قراءة به على وجهين: إما على وجه الترك، وإما بمعنى ضد الترك، ويكون معنى قراءة من قرأ بالهمز «ننسأها» التأخير، فإذا قلنا: إن معنى قوله تعالى: ﴿أو ننسها﴾ من النسيان الذي هو ضد الذكر يكون معناه أو نقرر نسيانك لها فتنساها حتى ترتفع جملة. وإن قلنا إن معنى النسيان في الآية احتمل أربعة معان:\nأحدها: أن يريد نتركها أو نترك غير منزل عليك.\nوالثاني: أو نتركها غير منسوخة.\nوالثالث: أو نترك تلاوتها وإن رفعنا حكمها.","vol":"1","page":91},{"text":"والرابع: أن نترك حكمها وإن رفعنا تلاوتها.\nوالمراد بقوله ﴿ما ننسخ من آية﴾ على هذين المعنيين الأخيرين التلاوة والحكم، وعلى المعنيين الأولين يحتمل أن يريد جميع وجوه النسخ أو بعضها. وتكون على المعنى الثاني الضميران في قوله: ﴿منها أو مثلها﴾ عائدين على المنسوخة خاصة. وإذا قرئ «أو ننسأها» بمعنى التأخير فجميع ما ذكر في معنى الترك من المعاني جارية في هذه القراءة وفي الآية قراءات أخر لا تخلو معانيها عن شيء مما ذكرنا. وقدد قال أبو إسحاق الزجاج في قراءة من قرأ: «ننسها» ضم النون الأولية، وتسكين الثانية وكسر السين من النسيان: لا يتوجه فيها معنى الترك لأنه لا يقال أنسى بمعنى ترك. وقال الفارسي وغيره: ذلك جائز بمعنى نجعلك تتركها، وكذلك ضعف أبو إسحاق أن الآية على النسيان الذي هو ضد الذكر، وقال: إن هذا لم يكن للنبي -﵇- ولا نسي قرآنًا. وقال الفارسي وغيره: ذلك جائز وقد وقع ولا فرق بين أن ترفع الآية بنسخ أو بتنسية. واحتج الزجاج بقوله تعالى: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾ [الإسراء: ٨٦] أي لم نفعل.\nوقال الفارسي: معناه لم نذهب بالجميع. وقال هذا القول غير الزجاج. ورد الطبري عليه، والصحيح على مذهب الأصوليين أنه لا يجوز عليه النسيان فيما طريقه التبليغ. وقد جاء عن النبي ﷺ: أنه صلى فأسقط آية، فقال: «أفي القوم أبي؟» فقال: نعم يا رسول الله. قال: «فلم لم تذكرني؟» قال: حسبت أنها رفعت، فقال النبي ﷺ: «لم ترفع ولكني نسيتها». وقد اعتذر أبو محمد عن هذا ومثله بأنه جائز عليه ﷺ بعد التبليغ، وحفظ الصحابة لما بلغ. والحديث وإن كان فيه أنه","vol":"1","page":92},{"text":"قال: «نسيتها» ففيه أنه قال لأُبي ابتداءً «لم لم تذكرني؟» فدل على أن النبي ﷺ عرف ما أسقط وتذكره دون تذكير أحد. وذكر بوحي أوحى الله تعالى إليه بذلك. وسأل أبيًا ليختبر حفظه. فهذا نسيان لم يقدر عليه وفي هذا كله نظر يؤخذ من علم الأصول، وإنما نأتي ها هنا بنُبَذٍ. وقد احتج بهذه الآية ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ من قال: إن من شرط النسخ إثبات بدل المنسوخ، ومنهم من شرطه عقلًا، ومنهم من شرطه شرعًا خاصة والجواب عن حجتهم بالآية من أوجه.\nأحدها: أن هذه الآية لا تمنع الجواز وإن منعت الوقوع عند من يقول بصيغة العموم، ومن لا يرى العموم صيغة فلا يلزمه أصلًا، ومن قال بها فلا يلزمه، من هذا ألا يجوز في جميع المواضع إلا ببذل، بل يتطرق التخصيص إليه بدليل النهي عن ادخار لحوم الأضاحي ثم إباحتها، ونسخ تقدمة الصدقة عند مناجاة النبي ﷺ، فإن نسخ دون بدل. ثم ظاهر الآية أنه تعالى ينسخ الآية بآية أخرى مثلها، وهل لا يتضمن إلا رفع المنسوخ أو يتضمنه مع ذلك غيره؟ كل ذلك محتمل. وقد احتج بالآية أيضًا فمن يجيز النسخ بااخف ولا يجيزه بالأثقل وفي المسألة ثلاثة أقوال:\nأحدها: هذا.\nوالثاني: يجوز بالأثقل ولا يجوز بالأخف.\nوالجمهور على الجواز بهما معًا. ووجه حجة أهل هذا القول الأول: أنهم قالوا في الآية هذا الخير الذي ذكره الله تعالى، هو خير عام، والخير ما هو خير لنا وإلا فالقرآن كله خير، والخير لنا ما هو أخف علينا. والجواب عن هذا أن الخير ما هو أجزل ثوابًا وأصلح لنا في المآل وإن كان أثقل في الحال. فإن قيل: ألا يمتنع عقلًا بل شرعًا لأنه لم يوجد في","vol":"1","page":93},{"text":"الشرع نسخ الأخف بالأثقل؟ فالجواب: قد جاء في الشرع أولا الأمر بترك القتال، ثم أمر بالقتال، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان إلى غير ذلك مما يكثر. وقد اختلف في نسخ التلاوة دون الحكم أو الحكم دون التلاوة، فمنهم من منعه عقلًا، ومنهم من أجازه ومنعه شرعًا، والصحيح جوازه عقلًا وشرعًا، فهما حكمان، فيجوز نسخهما جميعًا، ونسخ أحدهما دون الآخر والآية عل عمومها لا تخص حكمًا دون حكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>(١٨٤) قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعان مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]</span>.\nمما نسخ حكمه وبقيت تلاوته، وكذلك تقدمة الصدقة دون الحكم ما تظاهرت به الأخبار من نسخ آية الرجم مع بقاء الحكم، وحديث عائشة من نسخ العشر رضعات.\nوقوله تعالى: ﴿ود كثير من أهل الكتاب﴾ إلى قوله تعالى: ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾ [البقرة: ١٠٩] في هذه الآية دليل ظاهر على صحة الكفر عنادًا، ولأهل السنة في جوازه ووقوعه خلاف، والصحيح جوازه ووقوعه ومن لا يجوزه يتأول ما جاء به من الآيات في نحو هذا أن المعرفة تسلب عن المعاند عناده في الوقت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>(١٠٩) - قوله تعالى: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾ [البقرة: ١٠٩]</span>.\nاختلف في معنى قوله تعالى: ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ فقيل: الأمر فرض القتال، وقيل: قتل قريظة وإجلاء النظير، وقيل: آجال بني آدم. ولا خلاف","vol":"1","page":94},{"text":"أنه إذا كانت الغاية معلومة مثل قوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى﴾ [البقرة: ١٨٧] أنه يكون نسخًا، فإن كانت مجهولة، كقوله تعالى: ﴿حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلًا﴾ [النساء: ١٥] فاختلف فيه هل هو نسخ أم لا؟ وعلى هذا الخلاف يترتب الخلاف في نسخ هذه الآية. وقد اختلف فيها فذهب قوم إلى أنها غير منسوخة، لأن الأمر بالعفو والصفح مؤقت بوقت لقوله تعالى: ﴿حتى يأتي اله بأمره﴾ [البقرة: ١٠٩] فلا يتصور النسخ، وهذا على أحد القولين في أن الأمر المنتظر فرض القتال، وقتل بني قريظة وإجلاء بني النضير. وذهب آخرون إلى أنها منسوخة، وهذا القول يترتب على تفسير الأمر بأنه آجال بني آدم ولذلك قال أبو عبيدة إن هذه الآية منسوخة بالقتال، لأن كل آية فيها ترك القتال فهي مكية منسوخة.\nوحكمها بأن هذه الآية مكية ضعيف لأن معاندة اليهود إنما كانت بالمدينة والذين ذهبوا إلى نسخها اختلفوا في الناسخ، فقال ابن عباس هو قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ إلى قوله ﴿صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩] وقيل: نسخها قول الله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥].\nقوله تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ [البقرة: ١١١] فقد أنكر قوم النظر وزعموا أنه لا يؤدي إلى علم، وحصروا مدارك العلوم في الحواس، وهذا قول فاسد عقلًا وشرعًا، وقد قال الطبري: طلب الدليل في هذه الآية يقضي بإثباته ويرد على من ينفيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>(١١٤) - قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ الآية [البقرة: ١١٤]</span>.","vol":"1","page":95},{"text":"اختلف في المشار إليهم في الآية، فقيل: النصارى الذين كانوا يؤذون المصلين ببيت المقدس، ويطرحون فيه الأقذار، وقيل: الروم الذين أعانوا بخت نصر على تخريب بيت المقدس، وقيل: كفار قريش حين صدوا رسول الله ﷺ عن المسجد الحرام. وهذه الآية وإن كانت خرجت على ذكر مسجد مخصوص، فإنها تعم جميع المساجد على مشهور القول في هذا. قال بعضهم: وكذلك من خرب مدينة الإسلام لأنها مساجد، وإن لم تكن موقوفة إذ الأرض كلها مسجد. ومما يتعلق بهذا، مسألة وقعت قديمًا في المؤذن يؤذن في الأسحار، ويبتهل بالدعاء ويردده إلى أن يصبح فشكاه الجيران وأرادوا قطعه، فاختلف الشيوخ فيها، ويمكن أن يحتج لترك المنع من ذلك بقوله تعالى في هذه الآية: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿أولئك ما كان لهم أن يدخلوهل إلا خائفين﴾ [البقرة: ١١٤]. ويدل على أن للمسلمين إخراجهم منها إذا دخلوها ولولا ذلك ما كانوا خائفين بدخولها، ويدل على أيضًا قوله تعالى: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله﴾ [التوبة: ١٧] وعمارتها تكون ببنيانها وإصلاحها أو حضورها ولزومها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>(١١٥) - قوله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ الآية [البقرة: ١١٥]</span>.\nاختلف في صلاة رسول الله ﷺ قبل أن تحول القبلة، فقال ابن جريج: أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس، فصلت الأنصار قبل قدومه -﵇- المدينة بثلاث حِجج [إلى بيت المقدس]، وصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا ثم وجهه الله عز","vol":"1","page":96},{"text":"وجل إلى الكعبة، وقال مجاهد عن ابن عباس: صلى رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس وهو بمكة والكعبة بين يديه، وبعدما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهرا، ثم صرف إلى الكعبة. وقال ابن إسحاق نحوه كانت قبلة رسول الله ﷺ وهو بمكة إلى الشام ويجعل الكعبة بينه وبين الشام. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود أمره الله ﷿ أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرا ثم انصرف إلى الكعبة. ففي هذا الخبر أن رسول الله ﷺ لم يصل إلى بيت المقدس إلا بالمدينة خلاف خبر مجاهد وخلاف ما قال ابن جريج. قال ابن عبد البر: وهو أصح القولين. وتحصيل هذا أنهم أجمعوا على أن أول ما نسخ من القرآن القبلة وأجمعوا أن ذلك كان في المدينة. واختلفوا في صلاته بمكة قبل الهجرة حين فرضت الصلاة عليه، فقيل: كانت صلاته إلى بيت المقدس من حين فرضت عليه الصلاة إلى قدومه المدينة، ثم بالمدينة ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وقيل: كانت صلاته من حين فرضت عليه إلى الكعبة طول مقامه بمكة، ثم لما قدم المدينة صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، وقيل: سبعة عشر، وقيل: ثمانية عشر، ثم صرفه الله تعالى إلى الكعبة واختلفوا هل كانت صلاته ﷺ إلى بيت المقدس بأمر من الله تعالى في القرآن؟ أو بسنة منه ﷺ؟ فجاء عن ابن عباس أنه قال: أول ناسخ من القرآن القبلة. فاقتضى هذا أن القبلة","vol":"1","page":97},{"text":"المنسوخة كانت مستقبلة بالقرآن. والمشهور أن استقبال بيت المقدس لم يكن بالقرآن. وقال الربيع: خير ﷺ في النواحي فاختار بيت المقدس تأليفا لأهل الكتاب، وقال بعضهم: صلى ﷺ إلى بيت المقدس ليختبر من آمن من العرب لأنهم كانوا يألفون الكعبة وينافرون بيت المقدس وغيره. وذكر الباجي عن الحسن البصري وغيره؛ أن النبيء ﷺ صلى إلى بيت المقدس اختيارا من غير فرض عليه ليتألف أهل الكتاب، ثم صرف إلى مكة. قال: وهذا الذي قاله ظاهره أن الأمر كان مفوضا إليه قد خير فيه. والأظهر على هذا القول أن يكون تبع في ذلك شريعة من قبله من الأنبياء -﵈-، ممن كانت قبلته إلى بيت المقدس.\nواختلف في أي صلاة حولت القبلة. ففي «الموطأ» بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال لهم: «إن رسول الله ﷺ أُنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة» الحديث.\nوروى البراء بن عازب أنها صلاة العصر. وقال أبو بشر الدولابي: زار النبي ﷺ أم بشر في بني سلمة، وصلى الظهر في مسجد القبلتين ركعتين إلى الشام، ثم أمر أن يستقبل الكعبة فاستدار ودارت الصفوف خلفه، فصلى البقية إلى مكة. وذكرأبو الفرج: أن عباد بن نهيك كان مع النبي ﷺ في هذه الصلاة. وقيل: إنما نزلت الآية بنسخ القبلة في غير","vol":"1","page":98},{"text":"صلاةٍ [وهو واهٍ]. واختلف أيضًا في أي يوم؟ وفي أي شهر؟ وفي أي سنة؟ فقيل: في يوم الاثنين وفي النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرًا من مقدم النبي ﷺ المدينة. وقيل: على رأس ستة عشر شهرًا، وقيل: يوم الثلاثاء في النصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من مقدم النبي ﷺ المدينة. وقيل: حولت القبلة في جمادى الآخرة. وقيل: لم يصل رسول الله ﷺ بالمدينة إلى بيت المقدس بعد تسعة أشهر أو عشرة.\nوقال الحسن: صلى رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس سنتين.\nوقد اختلف في هذه الآية على ثلاثة مذاهب، فذهب بعضهم إلى أنها منسوخة وممن ذهب إلى لك ابن زيد. وذهب بعضهم إلى أنها ناسخة لا منسوخة، وممن ذهب غلى ذلك مجاهد، والضحاك. وذهب بعضهم إلى أنها لا ناسخة ولا منسوخة. واتفقوا على أن ناسخها قوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ واختلفوا في تأويل الآية المنسوخة، فذهب قتادة وابن زيد إلى أنها نزلت في إباحة الصلاة إلى أي جهة كانت إلى هذا ذهب ابن بكير في «أحكامه» قالوا: وهذا نسخ قبل فعل الفعل لأنه لم يثبت أن النبي ﷺ صلى في الحضر حيثما توجه. وقال بعضهم إنها نزلت في الصلاة إلى بيت المقدس فلما نزلت، صلى النبي ﷺ إليه سبعة عشر شهرًا عند مقدمه المدينة رجاء أن يستألف بذلك اليهود، وكان يحب الاستقبال إلى الكعبة، ويقلب بصره إلى السماء يطمع أن يؤمر بالتوجه إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ الآية [البقرة:","vol":"1","page":99},{"text":"١٤٤] فنسخ [ذلك] استقباله إلى بيت المقدس، ونزل: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾ [البقرة: ١٤٣] ويضعف هذا القول أنه قصر لعموم الآية على معنى خاص، ويأتي أن صلاته ﷺ إلى بيت المقدس بأمر من الله تعالى، وأن هذا إنما هو من نسخ القرآن بالقرآن. والمشهور أنه من السنة المنسوخة بالقرآن. والذين ذهبوا إلى أنها ناسخة قالوا: معنى الآية أينما تولوا من مشرق ومغرب فثم وجه الله أي في القبلة التي أمر بها، وذلك في استقبال الكعبة. فجعلوا الآية ناسخة لاستقبال بيت المقدس، فهي على هذا التأويل بمعنى الآية الأخرى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ الآية [البقرة: ١٤٤]. وتكون الصلاة إلى بيت المقدس سنة من رسول الله ﷺ نسخها القرآن.\nوالذين ذهبوا إلى أنها لا ناسخة ولا منسوخة اختلفوا في تأويلها؛ فذهب ابن عمر إلى أنها نزلت في النافلة السفرية على الراحلة حيثما توجهت به. فتخصص هذه الآية بالصلاة. وبالحديث الذي جاء فيها من عموم الآية الأخرى. وعلى هذا التأويل الآية عامة في الفرض والنفل والحضر والسفر على الراحلة وعلى غير الراحلة، ولكنه عموم خرج على سبب فهل يقصر على سببه؟ أو يحمل على عمومه؟ فيه خلاف بين الأصوليين. ولا خلاف أن هذه الآية قد يخصص منها المقيم ومصلي","vol":"1","page":100},{"text":"الفرض في السفر إذا كان صحيحًا بالإجماع، وبقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرم﴾ [البقرة: ١٤٤].\nواختلف في المريض والمسافر إذا لم يستطع السجود والجلوس على الأرض، هل يجوز له صلاة الفرض على الرالة أم لا؟ ففي مذهب مالك فيها اختلاف. واختلف أيضًا في مصلي النفل على الراحلة في سفر لا يقصر فيه، هل يجوز له ذلك أم لا؟ ففي المذهب أنه لا يجوز وأجازه أبو حنيفة والشافعي. واختلف أيضًا في المتصرف على الراحلة للمعيشة في الحضر هل يجوز له ذلك أم لا؟ ففي المذهب لا يجوز خلافًا للاصطخري والقفال من أصحاب الشافعي في إجازة ذلك. وفي التنفل في السفينة حيثما توجهت روايتان عن مالك، وفي تنفل الماشي في السفر حيثما توجه قولان للشافعي، فمن حجة من أجاز شيئًا من هذا المختلف فيه عموم قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ ومن حجة من منعه عموم الآية الأخرى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ ومالك رحمه الله تعالى جمع بين الآيتين وحمل قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ على ما نزل فيه. كما ذكر عن ابن عمر: أنه نزل في النافلة على الراحلة في السفر حيثما توجهت به، وخصص بذلك عموم الآية المذكورة. وما جاء عنه من اختلاف في السفينة وفي المريض المسافر يصلي الفرض على الراحلة، فالمشهور عنه في ذلك كله أنه لا يجوز تعلقًا بقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ الآية.\nوقد اختلف في صلاة العصر على الراحلة، والصحيح جوازه لأن ابن","vol":"1","page":101},{"text":"عمر روى أن النبي ﷺ فعل ذلك، فهو مما يخصص عموم الآية الواحدة ويحفظ عموم الآية الأخرى.\nواختلف هل يستحب للمصلي على الراحلة أن يستقبل براحلته القبلة أو لا؟ ففي مذهب مالك ليس عليه ذلك. والحجة في ذلك ظاهر الآية المذكورة. وفي «البخاري» عن ابن عمر أنه قال: «كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيثما توجهت به يومئ إيماء صلاة الليل، إلا الفرائض ويوتر على الراحلة» قال المهلب: هذا الحديث تفسير قوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ وأن المراد به الصلاة المفروضة وأن القبلة فرض فيها، وتبين أ، القبلة في النوافل سنة لصلاته لها -﵊- في أسفاره على راحلته حيث توجهت به وذهب عبد الله بن عامر بن ربيعة إلى أنها نزلت فيمن اجتهد في القبلة فأخطأ وجاء في ذلك حديث رواه عبد الله بن ربيعة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر في ليلة مظلمة فتحرى قوم القبلة وعلموا علامات، فلما أصبحوا رأوا أنهم قد أخطأوا. فعرفوا رسول الله ﷺ بذلك، فنزلت هذه الآية: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥].\nوذكر بعضهم أن النبي ﷺ لم يكن مع القوم في هذا السفر، وهو خطأ. وهذا أيضًا من العموم الخارج على سبب خاص، فلا خلاف أن السبب داخل في حكمها، لكنه عارض ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وحيث ما","vol":"1","page":102},{"text":"كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤] فإن غلب عموم قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ الآية، لم يكن على المخطئ بعد الاجتهاد إعادة، وإن غلب عموم قوله تعالى: ﴿فول وجهك شظر المسجد الحرام﴾ الآية. وجب عليه الإعادة أبدًا، وهو قول المغيرة، ومحمد بن سحنون، والأول قول سائر أصحاب مالك ذكره عبد الوهاب. وقال بعض أصحابه إنه يعيد في الوقت، والأظهر تخصيص الآية الواحدة بالآية الأخرى، وفيه خلاف بين الأصوليين هل يحمل على التخصيص أو على التعارض ووجه النسخ؟ وكذلك اخلتفوا في الجاهل والناسي كالخلاف في المجتهد يخطئ. وذهب قتادة إلى أن هذا الآية نزلت في النجاشي، وذلك أنه لما مات، دعا النبي ﷺ إلى الصلاة عليه، فقال قوم: كيف نصلي على من لم يصل إلى القبلة قط، فنزلت الآية. وانظر إلى هذا المؤمن إذا صلى لغير القبلة ما حكمه؟ وذهب ابن جبير إلى أنها نزلت في الدعاء لما نزلت: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠] قال المسلمون إلى أين ندعو؟ فنزلت ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ وذهب النخعي إلى أن معنى الآية أين ما تولوا في تصرفاتكم ومساعيكم، فثم وجه الله. أي موضع رضاه وثوابه، وجهة رحمته التي يتوصل إليها بالطاعة. وقد نسب إلى النخعي مثل قول عبد الله بن عمر. وذهب بعضهم إلى أن الآية متصلة بقوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ [البقرة: ١١٤] والمعنى أن بلاد الله أيها المؤمنون تسعكم فلا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله أن تولوا وجوهكم قبلة الله أين كنتم من أرضه. وقيل:","vol":"1","page":103},{"text":"نزلت حين صدر النبي ﷺ يوم الحديبية، فاغتم المسلمون لذلك، ومعنى ﴿فثم وجه الله﴾ على هذا قثم الله. وقيل: فثم تدركون رضى الله.\nوقال ابن عباس: نزلت حين حول النبي ﷺ إلى الكعبة، وقالت اليهود: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها.\nفمجموع ما يتحصل من هذه الآية من الآقوال إحدى عشر قولًا.\nولا اعتراض عل من جعل الآية منسوخة بأن يقال: إنها خبر لأنها وإن كانت خبرًا ففيها معنى الأمر.\nقوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه﴾ [البقرة: ١١٦] هذه الآية تدل على امتناع اجتماع الملك والولاية، وكذلك قوله تعالى: ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾ [مريم: ٩٣] وكذلك قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] و﴿فلا تقل لهما أف﴾ [الإسراء: ٢٣] يدل على عتق الأبوين لأنه ليس من الإحسان إليهما رقهما وكذلك قوله: ﴿لا أملك إلا نفسي وأخي﴾ يدل على عتق الأخوة، لأنه إذا كان لا يملك نفسه فلاى يملك أخاه.\nوبعضهم لا يصحح هذا الاستدلال ويحتج بالحديث الواقع في «مسلم»: «لا يجزي ولد والده، إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه» ويرى أنه يعطى على صحة الشراء واستئناف العتق، ولأجل هذا وقع الاختلاف في عتق الأقارب إذا ملكوا فأنكره جماعة من أهل الظاهر وتعلقوا بالحديث المذكور، وأثبته الأكثرون إلا أنهم احتلفوا في تعيين الأقل بالمذكورين على ثلاثة أقوال:","vol":"1","page":104},{"text":"أحدها: أن العتق يختص بعمودي النسب ما علا أو سفل والإخوة.\nوهو مشهور المذهب خاصة.\nوالثاني: أنه يختص بعمودي النسب خاصة دون الإخوة، ذكره ابن خويزمنداد.\nوالثالث: أنه يعتق ذوي الأرحام المحرمة، ذكره ابن القصار. وهو قول أبي حنيفة، والثاني قول الشافعي. وحجة القول الأول ظاهر الآيتين المذكورتين. وحجته في الإخوة قوله تعالى: ﴿لا أملك إلا نفسي وأخي﴾ [المائدة: ٢٥] فلما استحال ملك نفسه استحال ملك أخيه. وتعلقهم بهذه الآية ضعيف ولأجل ضعف التعلق بقوله تعالى: ﴿لا أملك إلا نفسي وأخي﴾ نفى تعلق الإخوة. من نفاه واثبت عتق البنوة لقوة الظاهر الوارد به في القرآن والأبوة بقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] وقوله تعالى: ﴿ولا تقل لهما أف﴾ [الإسراء: ٢٣] وليس من الإحسان لهما استرقاقهما. وحجة ما حكاه ابن القصار ما خرجه الترمذي، والنسائي، وأبو داود، عن سمرة: أن النبي ﷺ قال: «من ملك ذا رحم محرم فهو حر» وهذا يرفع الاحتمال في الحديث الذي ذكر فيه الشراء، ويبين أن معناه يعتق بالشراء، فأضاف العتق إليه لما كان عن أمر يكتسبه أو يفعله وهو الشراء. وقد اختلف هل يفتقر عتق الأقارب المذكورين إلى حكم حاكم أم لا؟ فقيل: لا يفتقر لظاهر الحديث «من ملك ذا رحم محرم فهو حر» وعليه يتأول الآي من قال هذا، وقيل لأجل ما فيه من الخلاف ليرتفع الخلاف.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>(١٢٤) - قوله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ [البقرة: ١٢٤]</span>.\nاختلف في هذه الكلمات ما هي؟ فقال ابن عباس وقتادة: هي عشر خصال خمس منها في الرأس: المضمضة والسواك، وقص الشارب، والاستنشاق، وفرق الرأس. وقيل: بدل فرق الرأس إعفاء اللحية. وخمس في الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط، والاستنجاء بالماء، والاختتان. قال ابن عباس أيضًا: هي ثلاثون: عشرة منها في براءة ﴿التائبون العابدون﴾ الآية [التوبة: ١١٢] وعشرة في اأحزاب: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥] وعشرة في سأل سائل. وقال الحسن بن أبي الحسن: هي الخلال الست التي امتحن بها إبراهيم: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والاختتان. وقيل: بدل الهجرة الذبح. وقالت طائفة: هي مناسك الحج. وقال مجاهد وغيره: الكلمات: هي أن الله ﷿ قال لإبراهيم: إني مبتليك بأمر فما هو؟ قال إبراهيم: تجعلني للناس إمامًا. قال الله: نعم. قال إبراهيم: وتجعل البيت مثابة. قال الله: نعم. قال إبراهيم: وتجعل هذا البلد آمنًا. قال الله: نعم، قال إبراهيم: وترزق أهله من الثمرات. قال الله: نعم. فعلى هذا القول. فالله تعالى هو الذي أتم، وعلى سائر الأقوال المتقدمة إبراهيم هو الذي أتم. وقد روي أن الله ﷿ أوحى إليه أن تطهر فتمضمض، ثم أن تطهر فاستنشق، ثم أن تطهر فاستنجى، ثم أن تطهر فحلق عانته، ثم أن تطهر فنتف إبطه، ثم أن تطهر فقلم أظفاره، ثم أن تطهر فأقبل على جسده ينظر ماذا يفعل؟ فاختتن بعد عشرين ومائة سنة. وفي رواية «البخاري»: أنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة بالقدُّوم. [بتشديد الدال موضع. وقيل: هو الآلة] وإنما سميت هذه الأشياء كلمات لانها جاءت بها أوامر.","vol":"1","page":106},{"text":"فعل هذا التأويل وهو أقوى ما جاء في الآية. دلت الآية أن التنظف ونفي الأقذار والأوساخ عن الأبدان والثياب مأمور به. وقال أبو واصل: أتيت أبا أيوب الأنصاري فصافحته فرأى في أظفاري طولًا، فقال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يسأله عن أخبار السماء، فقال: «يجيء أحدكم يسأل عن أخبار السماء وأظفاره كأظفار الطير حتى يجتمع فيها الوسخ والتفث». وقالت عائشة -﵂-: خمس لم يكن رسول الله ﷺ يدعهن في شفر ولا حضر: المرآة والكحل والمشط والمدرى والسواك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>(١٢٤) -قوله تعالى: ﴿إني جاعلك للناس إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]</span>.\nالإمام من يؤتم به في أمر الدين كالنبي، والخليفة، والعالم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>(١٢٤) - وقوله: ﴿ومن ذريتي﴾ [البقرة: ١٢٤]</span>.\nقيل: هو على جهة الاستفهام، قيل: على جهة السؤال، يؤخذ منه إباحة السعي في منافع الذرية والقرابة وسؤال من بيده ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>(١٢٤) - قوله تعالى: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤]</span>.\nيدل على أن الإمامة قد وقعت له في أن يكون من ذريته أئمة ولكن الظالم منهم لا إمامة له. واختلف في العهد ما هو؟ فقال مجاهد: هو الإمامة. وقال السدي: النبوءة. وقال قتادة: الأمان من عذاب الله. وقال ابن عباس: لا عهد عليك لظالم أن تطيعه. وقيل: العهد الدين ﴿والظالمين﴾.","vol":"1","page":107},{"text":"قيل: هو ظلم الكفر. وقيل: ظلم المعاصي، فإذا العهد بالإمامة والنبوءة والدين، فالظلم عام للمعاصي والمفر. وإن قلنا: إنه ظلم الكفر، فالمعنى بين لا كلام فيه. وإن قلنا: إنه ظلم المعصية فيؤخذ منه -على القول بأنه العهد النبوءة -أن المعجزة لا تظهر على يد فاسق ظالم وإن كات ذلك في العقل جائزًا لكن السمع بهذه الآية وغيرها منع من ذلك. ويؤخذ منه -على القول بأنه إمامة- أن الفاسق لا يصلح أن يقدم إمامًا. فإن ظهر من الإمام فسق بعد صحة إمامته فهل يجب خلعه أم ال؟ اختلف فيه، وإلى القول بخلعه ذهب جماعة من السلف، وبهذا التأويل خرج فيه ابن الزبير والحسين على يزيد بن معاوية، وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج، وأخرج أهل المدينة بني أمية عنهم، فكانت وقعة الحرة. وبهذه الآية وما كان في معناها تعلقت طائفة من المعتزلة وجماعة من الخوارج. وأما جماعة أهل السنة وأئمتهم، فرأوا أن الصبر على طاعة الإمام وإن كان جائزًا أولى لما في الخروج عليه من الفساد. وإذا أولنا العهد باحد سائر الوجوه الأخرى المذكورة فقال أبو محمد عبد الحق: فالظلم في الآية ظلم الكفر لأن العاصي المؤمن ينال الدين والأمان من عذاب الله وتلتزم طاعته إذا كان ذا أمر. وفي هذا كله نظر لأن العاصي المؤمن وإن نال الدين فالاقتداء به وقبول قوله لا يجب. وهو معنى الدين الذي فسر به العهد، فصيح أن لا يناله العاصي، وكذلك الأمان من عذاب الله، فإن العاصي لا يأمن العذاب لأنه تحت الوعيد لكن العفو الجائز عن الله تعالى إذا حصل صح له الأمان، فإن جعلنا الأخبار عن هذه الحالة فالظلم الكفر، وإن جعلناه عن الحالة قبل العفو صح أن يكون ظلم المعصية. وكذلك لزوم الطاعة، فإن الإمام الفاسق","vol":"1","page":108},{"text":"إنما يجب امتثال أمره إذا أمر بطاعة. وإن أمر بمعصية لم يجب امتثال أمره على أنه قد اختلف في خلعه، وإن أمر بطاعة يحتمل أن يكون الظلم هنا ظلم المعصية، ويحتمل أن يكون ظلم الكفر. ويؤخذ من هذه الآية بالجملة أن الظالمين لا يجوز أن يكونوا محل من تقبل منهم أوامر الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>(١٢٥) - قوله تعالى: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنًا﴾ [البقرة: ١٢٥]</span>.\nمثابة مفعلة من ثاب يثوب إذا رجع. وقيل من الثواب، وقرأ الأعمش «مثابات» على الجمع. وقال ورقة بن نوفل في الكعبة:\nمثابًا لإفناء القبائل كلها ... تخب إليها اليعملات الطلامح\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>(١٢٥) - قوله: ﴿وأمنا﴾ [البقرة: ١٢٥]</span>.\nجعله الله تعالى أمنًا لأنه يؤمن فيه، وكنى بالبيت عن الحرم فيحتج به في كون الحرم مأمنًا من موضع آخر، والأول أظهر، لقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩١] وقوله تعالى: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [البقرة: ٢٨] إلا أن معناه مأمن عن النهب والغارات، ولذلك قال النبي ﷺ: «أحلت لي ساعة من نهار، ثم هي حرام إلى يوم القيامة لا يقطع شجرها، ولا ينفر صيها، ولا تحل لقطتها إلا المنشد» وروى أبو شريح الكعبي: أن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى حرم مكة، ولم يحرمها الناس، فلا يسفكن فيها دم، وإن الله تعالى أحلها لي ساعة، لم يحلها","vol":"1","page":109},{"text":"الناس» وقد اختلف هل يقام فيها حد؟ أو يهاج فيها جان؟ لأن عموم هذه الآية في الأمن، فقد عارضها خصوص، وقوله ﷺ: «لا يعيد غاصبًا ولا فارًا بدم، ولا فارًا بخرية».\nوقوله تعالى: ﴿أمنًا﴾ لفظ عام في أمان الناس والطير والبهائم، وقد خصص الشرع من ذلك أشياء، فلا خلاف بين العلماء أن الداجن كله من الإبل، والبقر، والغنم، والدجاج، ونحو ذلك يجوز للمحرم وغير المحرم ذبحه بمكة، ولذلك قال البخاري -رصي الله عنه-: ولم ير ابن عباس بالذبح بأسًا. وخصص الشرع أيضًا أشياء بما جاء في الحديث الصحيح وهو «خمس فواسق» وفي بعض الأحاديث «ست» وفي بعضها «أربع» واتفق الناس على القول بهذا التخصيص إلا أنهم في هذه الأشياء المخصصة هل تعلل إباحة قتلها في الحرم أم لا؟ فمنهم من نفى التعليل واقتصر على الخمس، ولم يتعدها إلى غيرها، وهم أهل الظاهر، ومنهم من رأى التعليل، إلا أنهم اختلفوا في العلة، فعلله مالك بالضرر، وعلله الشافعي بان لحومها لا تؤكل وبحسب ذلك طرد كل واحد علته. واختلفوا في صغار ما يحل قتله، هل يقتل ككباره أم لا؟ ففيه في المذهب قولان، فعلى القول بأنه لا يقتل يدخل تحت عموم الآية في الأمن، وعلى القول بأنه يقتل يخصص عموم الآية بعموم الحديث. وقال أبو الحسن الطبري: يحتمل أن يكون","vol":"1","page":110},{"text":"جعلها مأمنًا بما جعل فيها من العلامة العظيمة على توحيد الله، وهو اختصاصه لها بما يوجب تعظيمها وذلك ما شوهد فيها من أمر الصيد، وذلك أنه يجمع بين الكلب والظبي، فلا يهيج الكلب الظبي ولا ينفره حتى إذا خرجا من الحرم عدا الكلب عليه وعاد إلى النفر والهرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>(١٢٥) - قوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥]</span>.\nيُقرأ: «واتَّخِذُوا» على الأمر، و«اتَّخَذُوا» على الخبر. وقال أنس بن مالك وغيره في معنى ذلك ما روي عن عمر -﵁- أنه قال: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب، وفي ﴿عسى ربه إن طلقكن﴾. وقلت: يا رسول الله! لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ فهذا أمر لأمة محمد -﵇-، وقد قيل فيه غير هذا، واختلف في المقام، فقيل: هو الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم -﵇- حين بنى البيت وارتفع البناء، وضعف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل يناوله إياها. وقال الربيع بن أنس هو حجر ناولته إياه امرأته فاغتسل عليه فغرقت رجلاه فيه. وقال قوم من العلماء: المقام المسجد الحرام. وقال ابن عباس أيضًا: هو صلاته، وعلى هذا يأتي قول من قال: هو الحجر أو المسجد الحرام.\nومن قال بغير ذلك قال: معناه هو مدعى، على الأصل في الصلاة، وقيل يصلى إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>(١٢٥) - قوله تعالى: ﴿إن طهرا بيتي للطائفين﴾ [البقرة: ١٢٥]</span>.\nطهرا، قيل: معناه ابنياه على نية طهارة أي أسساه على تقوى، وقيل:","vol":"1","page":111},{"text":"طهراه من عبادة الأوثان، وقيل: طهراه من الفرث والدم، وقيل: طهراه من الشرك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>(١٢٥) - وقوله: ﴿للطائفين﴾ [البقرة: ١٢٥]</span>.\nقال عطاء: الطائفون أهل الطواف، وقال ابن جبير: هم الغرباء الطارئون على مكة، و﴿العاكفين﴾ أهل البلد المقيمون. وقال عطاء: هم المجاورون بمكة. وقال ابن عباس: المصلون. وقال غيره: المعتكفون.\nو﴿الركع السجود﴾ [البقرة: ١٢٥] المصلون، كل مقيم عند البيت يريد وجه الله، فلا يخلو عن هذه الأحوال الثلاثة. وقال أبو الحسن: تدل هذه الآية من وجه على أن الطواف للغرباء أفضل والصلاة للمقيم بها من العاكفين أفضل، وتدل على اشتراط الطهارة في الطواف، وعلى جواز الصلاة في نفس الكعبة ردًا على مالك في منعه الفريضة فيها دون النفل، فأمره بتطهير نفس البيت يدل على أن الصلاة التي شرطت الطهارة فيها هي نفس البيت. وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>(١٢٦) - قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنًا﴾ الآية [البقرة: ١٢٦]</span>.\nقال أبو الحسن: معناه من القحط والغارة، لا على ما ظنه بعض الجهال من سفك الدماء في حق من لزمه القتل فإن ذلك بعيد كونه مقصودًا لإبراهيم -﵇- واختلف في تحريم مكة متى كان؟ فقالت فرقة: حرمها الله يوم خلق السماوات والأرض. وقالت فرقة: حرمها إبراهيم","vol":"1","page":112},{"text":"والقول الأول على ما قاله النبي ﷺ في خطبته ثاني يوم الفتح. والثاني على ما قاله ﷺ أيضًا، فإنه قال في «الصحيح»: «اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وأنا حرمت المدينة ما بين لابتيها حرام» ويجمع بين الحدثين بأن يقال في الثاني أن إبراهيم جدد تحريم مكة وأظهره بعد دثوره. وكذلك اختلف فيمن بناه؟ فقيل: آدم، ثم دثر فرفع قواعده إبراهيم. وقيل: إبراهيم ابتدأ بناءه، وقيل غير ذلك. وقد نص الله تعالى على أن إسماعيل رفعه مع إبراهيم. وذكر عن علي -﵁- أن إبراهيم رفعه وإسماعيل طفل صغير، ولا ينبغي أن يصح هذا عن علي، لأن الآية ترده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>(١٢٨) - قوله تعالى: ﴿وتب علينا﴾ [البقرة: ١٢٨]</span>.\nاختلف في معنى طلب إبراهيم وإسماعيل التوبة وهم معصومون فقيل: طلب الدوام والتثبيت، وقيل: أراد من بعدهما من ذريتهما، وقيل: أراد أن يسنا ويعلما أن تلك المواضع مكان التخلي من الذنوب، وطلب التوبة.\nوقال الطبري: ليس أحد من خلق الله إلا وبينه وبين الله عصمة الأنبياء في معنى التبليغومن الكبائر ومن الصغائر التي فيها زذيلة. واختلف في غير ذلك من الضغائر. والذي أقول به أنهم معصومون من الجميع. وقول النبي ﷺ: «إني أتوب إلى الله تعالى في اليوم وأستغفره سبعين مرة» إنما هو رجوعه من حالة إلى أرفع منها، لمزيد علمه واطلاعه على أمر الله، فهو يتوب من المنزلة الأولى إلى الأخرى، والتوبة هنا لغوية شرعية.","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>(١٣٠) - قوله تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾ [البقرة: ١٣٠]</span>.\nقال أبو الحسن: يدل على لزوم اتباع شرائع إبراهيم ما لم يثبت نسخ. وهو ال ١ ي قاله غيره، ويقوي حجة من ذهب إلى هذا قوله تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وهذه المسألة قد اختلف فيها اختلافًا كثيرًا. هل كان النبي ﷺ بعد بحثه متعبدًا بشريعة من قبله أم لا؟ والذين ذهبوا إلى أنه كان متعبدًا اختلفوا في الشريعة التي كان متعبدًا بها، فقال قوم: شريعة إبراهيم واحتجوا بما تقدم.\nوقال قوم: شريعة نوح واحتجوا بقوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا﴾ [الشورى: ١٣] وقال قوم: شريعة موسى -﵇- واحتجوا بقوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هذى ونور﴾ الآية [المائدة: ٤٤]. وقال قوم: شريعة عيسى لأنها آخر الشرائع. والمختار أنه لم يتعبد ﷺ بشريعة، للإجماع أن هذه الشريعة ناسخة، والآيات التي ذكروها متعارضة، فسقط الاحتجاج بها. وأيضًا فإن ما فيها من المعاني يحتمل أن يجتمع على معنى واحد، وهو ما اتفق عليه الأنبياء من التوحيد، ولذلك قال النبي -﵇-: «أمهاتهم شتى ودينهم واحد» يعني الأنبياء -﵈-. وكذلك قوله تعالى: ﴿فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠] أراد به ذلك المعنى. وبهذا يبطل الاحتجاج بهذه الآية على أنه كان متعبدًا بشريعة من قبله، وكذلك اختلفوا هل كان قبل مبعثه متعبدًا بشريعة من قبله؟ فمن قال: كان متعبدًا [بشريعة] اختلفوا كالاختلاف المتقدم، وكل ذلك في العقل جائز، فالواقع منه غير معلوم قطعًا، بترجيح الظن لاى يتعلق به تعبد عملي لا معنى له.","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>(١٣٤) - قوله تعالى: ﴿لها ما كسبت ولكم ما كسبتم﴾ [البقرة: ١٣٤]</span>.\nأثبت الله تعالى هنا للعبد كسبًا، وقد اختلف في فعل العبد، فالمعتزلة تجعله له، ولا تجعل لله فيه فعلًا، ورأوا أن الثواب والعقاب على ذلك ترتب، وخالفوا الإجماع، و[خالفت] الجبرية فنفت أفعال العبد، ولم تر له فعلًا، وجعلت الفعل كله لله، ورأته مجبورًا على ذلك فلزمهم إشكال الثواب والعقاب والتسوية بين حركة الاختيار وحركة الرعدة، وتوسط أهل السنة فنسبوا الفعل لله تعالى وجعلوا للعبد أيضًا فعلًا ما وسموه كسبًا اتباعًا لما جاء من نسبة الاكتساب، إلى العبد في القرآن والحديث، ووافقوا الإجماع، وفرقوا بين الحركتين المذكورتين، وانفصلوا عن إشكال الثواب والعقاب، وعلى هذا المذهب اعتراضات يصح الانفصال عنها بوجوه ليس هذا موضع ذكرها. وبهذا المذهب يتفق ما ورد في القرآن والحديث ما ظاهره مذهب المعتزلة كقوله تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧] وقوله ﷺ: «فأبواه يهودانه أو ينصرانه» وغير ذلك مما يكثر. وما ظاهره الجبر كقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾ [الأنعام: ٣٥] وقوله: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ [البقرة: ٧] وقوله ﷺ: «السعيد سعيد في بطن أمه [والشقي شقي في بكن أمه]». وما ظاهره مذهب أهل السنة كقوله تعالى: ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] وقوله: ﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان","vol":"1","page":115},{"text":"ربه﴾ [يوسف: ٢٤] وقوله: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ [الإنسان: ٣٠] ووجوه الأمة مجتمعة على قولهم لا حول ولا قوة إلا بالله. فوفق الله تعالى أهل السنة للأخذ بهذا المذهب الجامع لمعاني الآي والحديث، وذهبت بغيرهم الأهواء فأخذ كل فريق بمذهب على ما قدمنا فلزمهم [من] المناقضات ما لا يمكنهم الانفصال عنه. وبعضهم ينتهي في هذه المسألة إلى تكفير مخالفه ومذاهب الحذاق أنها ليست م المسائل التي يكفر بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>(١٣٩) - قوله تعالى: ﴿قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم﴾ الآية [البقرة: ١٣٩]</span>.\nقال بعضهم: إن هذه الآية منسوخة بآية القتال، وهذا خبر فلا يدخله النسخ، وكذلك خبر الله عن النبي -﵇- بقوله: ﴿فقل لي عملي ولكم عملكم﴾ [يونس: ٣٥] خبر عن نوح وهذا كله إخبار عن حقائق الأشياء فلا يرد، لكنه يبقى في الآية الإشارة إلى المتاركة والمسالمة لمفهوم الخطاب، وقد نسخت المتاركة بالقتال فجاء النسخ في مفهوم الآية وفحواها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>(١٤٤) - قوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٤٤]</span>.\nهذه الآية لم تتتضمن النهي عن الصلاة إلى بيت المقدس فتكون ناسخة. وإنما تضمنت الأمر باستقبال الكعبة. والمفسرون بأجمعهم مطلقون عليها أنها ناسخة لقبلة بيت المقدس. فيحتمل أن الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- قد فهموا عند نزول هذه الآية باستقبال الكعبة من النبي ﷺ النهي عن استقبال بيت المقدس، إما بنص منه، أو بقرائن أحوال. فتبين","vol":"1","page":116},{"text":"بذلك معنى الأمر، وأن مضمنه النهي عن القبلة الأخرى، ويكون هذا من النسخ مثل قولهم: إن آية المواريث نسخت الوصية للوالدين والأقربين، وإن شهر رمضان نسخ صوم يوم عاشوراء ونحو ذلك. ويحتمل أن يكونوا رأوا هذا ناسخًا حملًا للأمر بالشيء على أنه نهى عن ضده إذا كانت القبلتان لا يصح أن يجمع بينهما في صلاة واحدة. فهما كالمتضادين فعلى هذا ترتب النسخ. وإن جعلنا قوله تعالى: ﴿وما أنت بتابع قبلتهم﴾ خبرًا بمعنى النهي، فيكون معناه ولا تتبع قبلتهم أي لا تصل إليها يعني بيت المقدس إذا كانت قبلة لليهود، فيكون هذا نسخًا بينًا. وفي هذا كله نظر. ولا خلاف أن الكعبة قبلة من كل أفق وهو نص الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>(١٤٨) - وقوله تعالى بعد هذا: ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾ [البقرة: ١٤٨]</span>.\nقال أبو الحسن: يفيد أن لكل قوم من المسلمين من أهل سائر الآفاق وجهة إلى جهات الكعبة، وراءها وقدامها، وعن يمينها وشمالها، كأنه أفاد أنه ليس جهة من جهاتها أولى بأن تكون قبلة من غيرها. وفيها أقوال غير هذا، وروي أن عبد الله بن عمر قال: إنما وُجه رسول الله ﷺ وأمته حيال ميزاب الكعبة، وهو قول لا يصح، إلا على تأويل. وقد قال ابن عباس وغيره: بل وُجه إلى البيت كله. ويحتمل قول ابن عمر على أن من كان يؤمن بالنبي ﷺ في ذلك الوقت من أهل البلاد والأصقاع إنما كانوا من ناحية ميزاب الكعبة، وهي قبلة المدينة والشام وإلى هناك قبلة أهل الأندلس.\nوقد اختلف في الصلاة داخل الكعبة فأجازها الشافعي جملة ومنعها ابن جرير جملة، ومنعها مالك في الفرض والسنة وأجازها في النفل.\nواختلف المانعون للصلاة فيها هل تجزئ من صلى الفرض فيها صلاته أم لا؟ فقيل: تجزئ، وقيل: يعيد أبدًا، والثلاثة","vol":"1","page":117},{"text":"الأقوال في المذهب. ومن حجة من لم يجز شيئًا من الصلاة فيها أن المصلي غير مستقبل جمعيها، والله تعالى أمر باستقبالها فظاهره الحمل على الجميع، ومن حجة من أجاز أن من استقبل جزءًا منها فقد استقبلها.\nوالفرق بين الفرض والسنة وبين النافلة، وهو في «الموطأ» و«البخاري» و«مسلم» وإن كان قد ورد أيضًا أنه لم يصل فيها. فإذا صح فيها النفل صح الفرض وأجزأ على قول من رآه ولو نقض البيت -وعائذًا بالله من ذلك- لجازت الصلاة إلى جهته خلافًا للشافعي لقوله تعالى: ﴿فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤] والاعتبار البقعة دون البيت.\nواختلف أيضًا في الثلاة فوق الكعبة، فقال أشهب: هو بمنزلة البطن ولا إعادة على من صلى الفرض هناك. وروي عن مالك أنه يعيد من فعل ذلك. ومنعه بان حبيب في النفل والفرض. وهو عنده بخلاف البطن. قال اللخمي: إنما ورد الخطاب في الصلاة إلى الكعبة ومن صلى عليها لم يصل إليها.\nواختلف فيمن غاب عن الكعبة ولزمه الاجتهاد فيها، هل يلزمه الاجتهاد في إصابة الجهة؟ وإصابة العين؟ على قولين. وقول القاضي أبي محمد وأكثر أصحاب مالك أنه يلزمه الاجتهاد في إصابة الجهة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ الآية، والشطر النحو والجهة. وهذه المسألة في الاجتهاد لا يمكن أن تتصور بمكة، لأنه يمكن التوصل إلى اليقين فيها وكذلك في المدينة، لأن قبلة النبي ﷺ فيها مقطوع بها فلا يصح مخالفتها لأنه ﷺ نصبها. وهذا كالنص منه عليها. وقد روى ابن القاسم عن مالك أن جبريل -﵇-","vol":"1","page":118},{"text":"هو الذي أقام للنبي ﷺ قبلة مسجده. قال أبو الحسن: قوله تعالى: ﴿فولوا وجوهكم شطره﴾ خطاب لمن كان معاينًا للكعبة ولمن كان غائبًا عنها.\nوالمراد ممن كان حاضرها إصابة عينها، ومن غاب عنها فلا يمكنه إصابة عينها. فلا يكلف ما لا يطيق، وإنما سبيله الاجتهاد فهو دليل على استعمال الأدلة، وهو سبيل القياس في الحوادث أيضًا ويدل على الأشبه من الحوادث حقيقة مطلوبة بالاجتهاد، ولذلك صح التكليف بطلب القبلة بالاجتهاد لأن لها حقيقة ولو لم يكن هناك قبلة حقيقية لم يصح تكليفنا بطلبها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>(١٤٨) - قوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [البقرة: ١٤٨]</span>.\nيؤخذ منه أن تعجيل الطاعات أفضل من تأخيرها. ويحتج به من يرى الأمر على الفور، ولا حجة فيه لأنه بعد أمر، وفيه النزاع وفيه الحجة على من يرى الوقف في بعض الأمر، هل هو على الفور أو التراخي؟ ولا سيما على من يرى التوقف في المبادرة إلى الامتثال [هل هو ممتثل أم لا؟] ومثل هذه الآية: ﴿وسارعوا إلى نغفرة من ربكم﴾ [آل عمران: ١٣٣] وقوله: ﴿يسارعون في الخيرات﴾ [آل عمران: ١١٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>(١٥٠) - قوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم﴾ [البقرة: ١٥٠]</span>.\nقال قوم هذا الاستثناء متصل والمعنى: لا حجة لأحد عليكم إلا","vol":"1","page":119},{"text":"الحجة الداحضة للذين ظلموا، وسماها الله تعالى حجة وحكم بفسادها حيث كانت ممن ظلم. وقال قوم: هو استثناء منقطع، والمعنى لكن الذين ظلموا. وإن قلنا إنه استثناء من غير الجنس. وقد رده قوم منهم ابن خويز منداد، وتكلفوا لكا ما جاء من ذلك وجهًا، وقالاو: إن سمي استثناء فهو مجاز. وأثبته آخرون وقالوا: إنه ليس شرط الاستثناء أن يكون من الجنس واحتجوا بهذه الآية وبآي أُخر غيرها، كقوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس﴾ [الحجر: ٣٠] وبقوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ﴾ [النساء: ٩٢] وبغير ذلك من الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>(١٥٤) - قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات﴾ الآية [البقرة: ١٥٤]</span>.\nفيه دليل على إحياء الله تعالى الشهداء بعد موتهم لا حياة القيامة، فإنه قال: ﴿ولكن لا تشعرون﴾ وإذا كان الله يحيييهم بعد الموت ليرزقهم فيجوز أن يحيي المفار ليعذبهم، وفيه دليل على عذاب القبر وصحته خلافًا لمن نفاه من المعتزلة. وقد جاء في الححديث الصحيح: «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق من شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» فقد استوى","vol":"1","page":120},{"text":"المؤمن الشهيد وغير الشهيد في الحياة بعد الموت، والفرق بينهما إنما هو الرزق، وذلك أن الله تعالى فضلهم بدوام حالهم في الدنيا فرزقهم. وعن النبي ﷺ في ذلك: «أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ثمار الجنة» وروي «أنهم في قبة خضراء» وروي «أنهم في قناديل من ذهب» إلى غير ذلك، ويحتمل أن يكون اختلاف هذه الأحاديث بحسب اختلاف الشهداء، ولكل شهيد في أوقات مختلفة. وجمهور العلماء على أنهم في الجنة. والدليل على ذلك قول النبي ﷺ لأم حارثة في حديث السير «إنه في الفردوس». وقال مجاهد: هم خارج الجنة ويعلقون من شجرها. وفي هذا كله دليل على بقاء الأرواح بعد الموت، ورد القول الزنادقة الذين يرون أنها تفنى بفناء الأجساد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>(١٥٨) - قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية [البقرة: ١٥٨]</span>.\nوذهب بعضهم إلى أن معنى هذه الآية النهي عن الطواف بين الصفا والمروة وأنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾ [البقرة: ١٣٠] وهذا قول من لا تحقيق عنده. وقال اللخمي: ورد القرآن بإباحة السعي بين الصفا والمروة لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن","vol":"1","page":121},{"text":"يطوف بهما﴾ [البقرة: ١٥٨] وتضمنت الآية الندب لقوله: ﴿من شعائر﴾ [البقرة: ١٥٨] وجاءت السنة بإيجابه؛ قالت عائشة -﵂-: سن رسول الله ﷺ الطواف بين الصفا والمروة وليس لأحد أن يدع ذلك. وثبت الأمر به. قال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ: «من لم يكن معه هذي فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج» والحديثان في «البخاري»، و«مسلم» وفي كلام اللخمي نظر؛ لأنه جعل السعي مباحًا مندوبًا بآية واحدة. وقال قوم من الشيوخ المتأخرين: قوله فيهما إنهما من شعائر الله دليل على الوجوب لأنه خبر في معنى الأمر، ولا دليل على سقوط السعي بقوله: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ لأنه تعالى لم يرد بالآية الطوافا لم شاء؛ لأن ذلك بعد الأمر لا يستقيم، إنما المراد رفع ما وقع في نفوس قوم من العرب\nأن الطواف بينهما حرج. واختلف في سبب ذلك الحرج، فروي أن الجن كانت تعزف وتطوف في الجاهلية لذلك، فلما جاء الإسلام تحرجوا عن الطواف. وروي عن الشعبي: أن العرب كانت تطوف هنالك، وكانت تعتقد ذلك السعي إجلالًا لإساف ونائلة، وكان الساعي يتمسح بإساف، فإذا بلغ المروة تمسح بنائلة وكذلك حتى تتم أشواطه، فلما جاء الإسلام كرهوا السعي هناك إذ كان بسبب الصنمين. وروي عن عائشة: أن ذلك في الأنصار، وذلك أنهم كانوا يهلون لمناة التي كانت بالمشلل حذو قديد ويعظمونها، فكانوا لا يطوفون بين إساف ونائلة إجلالًا لتلك، فلما جاء الإسلام تحرجوا فنزلت الآية. وما روي عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وشهر بن حوشب، من أنهم يرون ألا يطوفوا بهما وكذلك في","vol":"1","page":122},{"text":"مصحف ابن مسعود وأبي بن كعب: «ألا يطوف» وقيل: «لا يطوف» فهي قراءة خالفت مصاحف الإسلام، وقد أنكرت عائشة في قولها لعروة حين قال لها: أرأيت قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ فما ترين على أحد شيئًا ألا يطوف بهما؟ قالت: كلا لو كان كما قلت لقال: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما. مع أن هذه القراءة تحتمل أن تكون «لا» فيها زائدة كقوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد﴾ [الأعراف: ١٢] وكقول الشاعر:\nوما ألوم البيض ألا تسخرا ... . . . . . . . . . . . . . . .\nوالذي يأتي على ظاهر هذه القراءة، تأويل عروة أن السعي تطوع وأنه دون الندب. ولأجل هذه التأويلات وقع الاختلاف في السعي بين الصفا والمروة. فذهب مالك وأصحابه إلى أنه واجب في الحج والعمرة وعلى من تركه حتى يرجع إلى بلده العودة حتى يأتي به. وبه قال الشافعي، وذهب الثوري وإسحاق إلى أنه ندب، وأن على من تركه الدم وإن عاد فحسن. وذكر مثله عن أبي حنيفة، وذكر عنه أنه إن ترك أكثر من ثلاثة أشواط فعليه دم، وإن ترك ثلاثة فأقل فعليه بكل شوط إطعام مسكين. وذهب طاووس إلى أن على تاركه عمرة. وذكر ابن القصار عن إسماعيل القاضي أنه ذكر عن مالك فيمن ترك السعي بين الصفا والمروة حتى تباعد وتطاول الأمر وأصاب النساء أنه يهدي ويجزيه، قال: وأحسبه ذهب في ذلك إلى ما وصفنا للاختلاف، ولقول بعضهم إنه ليس بواجب. وقال بعضهم","vol":"1","page":123},{"text":"إنه تطوع. وهذا هو قول الثوري، وإسحاق، وذهب عطاء في إحدى الروايتين عنه إلى أنه ليس على تاركه شيء، لا دم ولا غيره، واحتج بما في مصحف ابن مسعود. وظاهر هذا أنه تطوع لا ندب. ويدل على وجوب السعي، ويؤيد تأويل الآية عليه قوله -﵇-: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>(١٥٨) - قوله: ﴿فمن تطوع خيرًا﴾ [البقرة: ١٥٨]</span>.\nمعناه على قول من لا يوجب السعي فمن تطوع بالسعي بينهما، واختلف من أوجبه في معناه من أوجه؛ فقال بعضهم: زاد برًا بعد الواجب فجعلوه عامًا في الأعمال. وقال بعضهم: معناه من تطوع بحج أو عمرة بعد حجة الفريضة. وقد اختلف في السعي لمن هو راكب فكرهته عائشة وعروة بن الزبير، وأحمد، وإسحاق، ومنعه أبو ثور وقال: يجزيه. وقال أصحاب الرأي: إن كان بمكة أعاد ولا دم وإن رجع إلى الكوفة فعليه الدم، ورخصت فيه طائفة، وري عن أنس بن مالك أنه طاف على حمار، وعن عطاء ومجاهد مثله. وقال الشافعي يجزي ذلك من فعله. ومن حجة من رخص فيه أو رآه مجزيًا عموم قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ ولم يخص راكبًا من غيره. واختلف في السعي بغير طهارة والجمهور على أنه يجزي لعموم الآية. وكان الحسن البصري لا يرى الوضوء له. وقال: إن ذكر قبل أن يحل فليعد الطواف، وإن ذكر بعدما حل فلا شيء عليه.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>(١٥٨) - وقوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية [البقرة: ١٥٨]</span>.\nليس فيها ما يستدل به على أن البداءة من الصفا دون المروة ولا عكسه، سوى التقديم اللفظي، ولم يعتبره أكثر الفقهاء في مسألة الوصية ولم يروا للتقديم اللفظي حكمًا، ولكنهم قد راعوه في هذا الآية فرأوا البداية بالصفا. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال حين خرج من المسجد، وهو يريد الطواف: «نبدأ بما بدأ الله به» فبدأ بالصفا. فهذا يدل على اعتباره التقديم اللفظي ما لم يعارضه معنى آخر يقتضي التقديم، هذا كله على المشهور من أن الواو لا تقتضي ترتيبًا. وقد ذهب قوم إلى أنها مرتبة، ولأجل هذا اختلفوا في وجوب الترتيب في الوضوء. فإن بدأ بالمروة قبل الصفا زاد شوطًا ثامنًا ليتم به سبعًا أولها الوقوف بالصفا. وقال عطاء في أحد قوليه: إن ذلك يجزي الجاهل. وحكم هذا السعي أن يكون مرة واحدة بإثر طواف القدوم كما بينه النبي ﷺ، والطواف المذكور في الآية هو السعي. والسعي المذكور هو الاشتداد في المشي والهرولة. ولا خلاف في السعي في المسافة كلها بين الصفا والمروة، منهم الزبير بن العوام، وابنه عبد الله، وكان عروة لا يصنع ذلك، كان يسعى في بطن المسيل ثم يمشي، وفي حديث «الموطأ»: نزل رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة، فلما تصوبت أقدامه في بطن الوادي سعى حتى خرج منه. وقال سعيد بن جبير: رأيت ابن عمر يمشي بين الصفا والمروة. وقال: إن مشيت منذ رأيت رسول الله ﷺ يسعى. والعمل عند جمهور العلماء على ما في الحديث المتقدم، والحديث مفسر، فالجمع بين الحديث والآية أولى. واختلف في أصل السعي، فقيل:","vol":"1","page":125},{"text":"إن هاجر لما تركها إبراهيم -﵇- هناك مع ابنه إسماعيل -﵇- وهو رضيع نفد درها، فعطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه. وقيل لتنظر هل بالموضع ماء فوجدت الصفا أقرب جبل بها فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا فهبطت من الصفا حتى بلغت المروة رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي. ثم أتت المروة، فقامت عليها ونظرت فلم تر أحدًا فعلت كذلك سبع مرات.\nوقيل: إنه من فعل النبي ﷺ. وذكر الترمذي عن ابن عباس أن ذلك ليرى المشركون قوته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>(١٥٩) - قوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمن ما أنزلنا﴾ الآية [البقرة: ١٥٩]</span>.\nقال بعض الناس نسخها قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ وهذا فاسد لأنه وعيد، ولا نسخ في الوعيد. ولأنه خاص متصل بعام فهو بيان لا نسخ، وكان سبب هذه الآية أن قومًا من اليهود سئلوا عن أمة محمد ﷺ، وما وقع من ذكره في كتبهم فكتموا ذلك، فنزلت الآية عامة. وقد جاء عن النبي ﷺ ما يخصص عمومها قال -﵇-: «من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار» وهذه","vol":"1","page":126},{"text":"الآية أراد عثمان -﵁- في قوله: لأحدثنكم حديثًا لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه، من رواه: لولا أنه في كتاب الله، فمعنى آخر، وكذلك قول أبي هريرة في حديث: لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم حديثًا. وقد يخص من هذه الآية من كتم علمًا خوف ضرر كما قال أبو هريرة حين قال: حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءين؛ أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلم أبثه قطع هذا البلعوم. وقال أو الحسن: هذه الآية مع أمثالها في القرآن تدل على وجوب إظهار العلم وتبيينه للناس وعم ذلك المنصوص عليه والمستنبط لشمول لفظ «الهدى» للجميع. وفيه دليل على وجوب قبول قول الواحد لأنه لا يجب عليه البيان إلا وقد وجب قبول قوله. وقال: ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا﴾ [البقرة: ١٦٠] فحكم بوقوع البيان بخبرهم. فإن قيل: يجوز أن يكون كل واحد منهم منهيًا عن الكتمان ومأمورًا بالبيان ليكثر المخبرون فيتواتر [بهم] الخبر قلنا: هذا غلط لأنهم لم ينهوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم التواطؤ، عليه ومتى جاز منهم التواطؤ على الكتمان، لم يبلغوا حد التواطؤ عليه ومتى جاز منهم النواطؤ على الكتمان لم يبلغوا حد التواتر على النقل، فلا يكون خبرهم موجبًا للعلم. ودلت الآية أيضًا على لزوم إظهار العلم، وترك كتمانه ومنع أخذ الأجرة عليه إذ لا تستحق الأجرة على ما يجب فعله، كما لا تستحق الأجرة على الإسلام. وقال تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلًا﴾ [البقرة: ١٧٤] وذلك يمنع أخذ الأجرة على الإظهار وترك الكتمان لأن قوله: ﴿ويشترون به ثمنًا قليلًا﴾ مانع من أخذ الأجرة على الإظهار وترك الكتمان لأن قوله: ﴿ويشترون به ثمنًا قليلًا﴾ مانع من أخذ البدل عليه من سائر الوجوه إذ كان الثمن في اللغة هو البدل.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>(١٢٨) - قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [البقرة: ١٦٠]</span>.\nيدل على أن التوبة من الكتمان إنما تكون بالإظهار والبيان. وأنه لا يكفي في صحة التوبة مجرد الندم على الكتمان فيما سلف، دون البيان فيما يستقبل.\nقوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار﴾ الآية [البقرة: ١٦٠] فيه دليل على أن للمسلمين لعن من مات كافرًا. وأن زوال التكليف بالموت لا يسقط عنه الزجر مذمة لعن المسلمين، وكذلك إذا جن الكافر لأنه ليس لعننا له بطريق الزجر عن الكفر بل هي جزاء على الكفر وإظهار لقبحه. وقد قال قوم من السلف: إنه لا فائدة في لعن من جن أو مات منهم لا بطريق الجزاء ولا بطريق الزجر فإنه لا يتأثر به. والمراد بالآية على هذا المعنى أن الناس يلعنونه يوم القيامة ليتأثر بذلك ويتضرر ويتألم قلبه فيكون ذلك جزاءً على كفره، كما قال تعالى: ﴿ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضًا ومأواكم النار﴾ [العنكبوت: ٢٥] ويدل على هذا القول أن المراد بالآية الإخبار عن الله تعالى بلعنهم لا الأمر بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>(١٦٤) - قوله تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض﴾ الآية [البقرة: ١٦٤]</span>.\nفيه بيان توحيده في أفعاله، وأمر لنا بالاستدلال بها ردًا على من نفى حجج العقول، وهو طريق أهل السنة قديمًا، ومن الاستدلال على وجود الصانع بحدوث الأجسام والجواهر والأعراض.\nوقوله: ﴿والفلك التي تجري في البحر﴾ الآية [البقرة: ١٦٤] فيه دليل إباحة ركوب البحر تاجرًا أو غازيًا وطالبًا صنوف المآرب. وقال في موضع آخر: ﴿هو الذي يسيركم في البر والبحر﴾ [يونس: ٢٢] وقال في موضع آخر:","vol":"1","page":128},{"text":"﴿ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله﴾ [الإسراء: ٦٢] فقد انتظم مما ذكر التجارة وغيرها. كقوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ [الجمعة: ١٠] ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾ [البقرة: ١٩٨] وقد منع عمر -﵁- من ركوبه فلم يركبه أحد طول حياته، وكذلك منعه أيضًا عمر بن عبد العزيز، وقد أسقط الشافعي في أحد قوليه فرض الحج على من طريقه إليه على البحر. وروي عن مالك مثله، والذي عليه الجمهور خلاف هذا وظاهر الآيات المذكورة يعضد ما ذهبوا إليه، وكذلك قوله -﵊- في حديث أم حرام بنت ملحان: «عجبت من قوم من أمتي يرطبون البحر كالملوك على أسرة» الحديث.\nوقوله تعالى: ﴿وما أنزل الله من السماء من ماء﴾ [البقرة: ١٦٤] يدل على أن الماء كله إنما هو في السماء. وقوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض﴾ [المؤمنون: ١٨] وهذا كله يرد على من يعتقد أن ماء السحاب إنما هو من البحر ولا حجة في قوله -﵇-: «بحرية» يحتمل أن يريد من ناحية البخر، وكذلك قول أبي ذؤيب يصف السحاب:\nشربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن ثبيج","vol":"1","page":129},{"text":"لا حجة فيه، وكلهم يعتقدون أن المطر من البحر، والحجة فيما جاء عن الشرع لا عمن سواه.\nقوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل تنبع ما ألفينا عليه آباءنا﴾ [البقرة: ١٧٠]. في هذه الآية دليل على إبطال التقليد وفساد رأي من يرى أنه حجة.\nقوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ الآية [البقرة: ١٧٣].\nفي هذه الآية لفظ عام، وقد جاءت أخبار آحاد تقتضي تخصيصه، وفي هذا التخصيص خلاف بين الأصوليين، والمختار جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وقد سمى بعضهم هذا التخصيص لهذه الآية نسخًا.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ١٧٣]، نسخًا، وهذا غير صحيح، وقد تقدم الكلام على مثله. ولم يختلف أن ميتة كل حيوان بري له نفس سائلة داخل تحت هذا العموم في قوله ﴿حرم عليكم الميتة﴾ واختلف فيما مات من حيوان البحر دون سبب فطفا عليه أو لفظه البحر ميتًا. فالمذهب أنه يؤكل. وقال أبو حنيفة: لا يؤكل.\nوروي عن الثوري أنه لا يؤكل من ذلك إلا السمكة، وما عدا ذلك فلا بد أن يذكى.\nوذكر ابن عبد البر عن أبي حنيفة أنه لا يؤكل كل شيء من حيوان البحر إلا السمك ولا يؤكل الطافي منه. ولا شك أن عموم الآية في تحريم الميتة شامل لميتة البحر وغيره إلا أنه قد جاءت الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ [المائدة: ٩٦] وجاءت الأحاديث بحلية ميتة حيوان البحر. وقد روى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «أحلت لنا ميتتان ودمان:","vol":"1","page":130},{"text":"السمك والجراد، أما الدمان: الكبد الطحال» وقد روى عمر بن زياد في قصة جيش الخبط عن جابر: أن البحر ألقى إليهم حوتًا فأكلوا منه نصف شهر فلما رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه، فقال: «أعندكم منه شيء تطعمونني؟» وقال ابن عبد البر في حديث جابر: إنه حديث مجمع على صحته. فمن الناس من لم ير التخصيص جملة واعتمد على عموم تحريم الميتة، [ومنهم من اعتمد على النخصيص بالخبر]، ومنهم من اعتمد على التخصيص بالآية الأخرى وإليه يشير مذهب ابن عمر في «الموطأ».\nقال أبو الحسن: وبالجملة الخبر عام أيضًا. ويريد في الطافي وغيره والكتاب عام فإذا وقع البيان في الطافي لم يصح الاستدلال بعموم الخبر على عموم الكتاب. قال: قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ الآية [المائدة: ٩٦]، عام أيضًا لا يصلح لتخصيص عموم تحريم الميتة. ويريد أبو الحسن أنهما عمومان تعارضا فتخصيص أحدهما بالآخر لا يتضح وجهه. قال: ومما استدل به المخصصون من الأخبار قوله -﵇-","vol":"1","page":131},{"text":"في حديث جابر بن سليم الزرقي، عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال في البحر: «هو الطهوار ماؤه الحل ميتته» قال: وسعيد بن أبي سلمة مجهول غير معروف بالتثبت. وقد خالفه في سنده يحيى بن سعيد الأنصاري فرواه عن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة عن أبيه، عن النبي ﷺ. ومثل هذا الخلاف في السند يوجب اضطراب الحديث، وغير جائز تخصيص آية محكمة به. وأما الترمذي فذكر حديث ابن سلمة المذكور وقال فيه: «حسن صحيح».\nوروى الرازي في «أحكام القرآن» بإسناد متصل عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: «ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه».","vol":"1","page":132},{"text":"وروى بإشناد آخر، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا صدتموه وهو حي فكلوه وما ألقى البحر حيًا فمات فكلوه، وما ألقى البحر طافيًا فلا تأكلوه».\nوجاء بإسناد أخر، عن جابر «ما وجدتموه وهو حي فكلوه وما ألقى البحر طافيًا فلا تأكلوه».\nوبالجملة هذه الأخبار لا تعرف صحتها على ما يجب، ولكن الإشكال في عموم كتاب الله تعالى، ويقابله أن عموم كتاب الله اتفق الأئمة على تطرق التخصيص إليه في غير الطافي من ميتات السمك. فلم يبق وجه العموم معمولًا به في الطافي. وروى أصحابنا عن سعيد بن بشير عن أبي","vol":"1","page":133},{"text":"عياش عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «كل مما طفا على البحر» وأبان بن أبي عياش ليس هو ممن يثبت ذلك بروايته. وقال شعبة: لأن أزني سبعين زنية أحب إلي من أن أروي عن أبان بن عياش شيئًا.\nواختلف الذين ذهبوا إلى أكل ما مات من دواب البحر بغير سبب في حيوان البحر إذا كانت له حياة في البر كالضفادع، والسلحفاة، ففي المذاهب ثلاثة أقوال: أحدها أنه يؤكل بغير ذكاة فهو ميتة، وأنه مخصوص من عموم الآية وهو المشهور، وقيل: لا يؤكل إلا بذكاة وما مات منه بغير ذكاة فهو ميتة، داخل تحت عموم الآية، وقيل: ما كان مأواه البر فإنه لا يؤكل إلا بذكاة وإن كان يعيش في الماء. واختلف في كل حيوان بري ليست له نفس سائلة هل يؤكل بغير ذكاة أم لا؟ وذلك مثل الخنفساء، والزنبور، والذر، والحلم، والذباب، والسوس، والدود، والبعوض، والحلزون. ففي المذهب قولان:\nأحدهما: الجواز وهو مذهب عبد الوهاب، لأن التحريم ورد فيما كانوا يذبحون ويأكلون من الأنعام دون هذه الأشياء، ويؤيد ذلك قوله -﵇-: «إذ وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء» أخرجه البخاري. وفي حديث آخر أنه","vol":"1","page":134},{"text":"«يبدأ بالذي فيه الداء». ولو كان مما يحتاج إلى ذكاة لم يأمر بذلك.\nوكذلك اختلف فيما مات من الجراد بغير سبب. فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه يؤكل. وإليه ذهب محمد بن عبد الحكم، ومطرف، وابن نافع.\nوذهب مالك وأكثر أصحابه إلى أنه لا يؤكل وحجتهم عموم الآية في التحريم. وحجة الجواز ما جاء من قوله -﵇-: «أحلت لنا ميتتان» الحديث. وخصصوا به عموم الآية. قال اللخمي: ولا وجه للاحتجاج بأنه نثرة حوت لوجهين: أحدهما: لا يعرف إلا من قول كعب الأحبار يخبر عما في كتبهم، ولا خلاف أنه لا يجب العمل بمثل هذا ولا تعبدنا بمثله.\nوالثاني: أنه الآن من صيد البر ففيه يخلق، وفيه يسكن، فلم لاعتبار الأصل فيه وجه لو صح ذلك. وقد حكم عمر بن الخطاب على المحرم فيه بالجزاء وجعله من صيد البر. وهذا الذي قاله اللخمي وجه صحيح وقد خرج الترمذي في «الصحيح» عن النبي ﷺ: «كلوه فإنما هو من صيد البحر» وقد اختلف الذاهبون إلى جواز أكل ميتته من غير ذكاة في ذلك، فقيل: العلة أنها من صيد البحر، وقيل: العلة أنها لا لحم لها ولا دم سائل.\nفمن علل بالعلة الأولى أوجب الذكاة فيما لا لحم له ولا دم سائل، ومن علل بالعلة الثانية لم يوجب الذكاة فيه. وأما الذين ذهبوا إلى أنه لا تؤكل","vol":"1","page":135},{"text":"ميتتها فعلتهم عموم الآية وعلى هذا الخلاف يترتب الخلاف في الجراد يقتله المحرم هل يهدى أم لا؟ أيجوز أكل ما صاده المجوسي منه أم لا؟ وهل يحتاج إلا التسمية عند ذكاته؟ وهل إن وقع في قدر فاحترق هل تكون ذكاته أم لا؟ وقد جاءت عن النبي ﷺ أحاديث نحو ما تقدم في الجراد، قال رسول الله ﷺ: «أكثر جنود الله لا آكله ولا أحرمه» وقال عطاء عن جابر: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات فأصبنا جرادًا فأكلناه. وقال عبد الله بن أبي أوفى: غزوت مع رسول الله ﷺ ناكل الجراد ولا نأكل غيره. وكانت عائشة -﵂- تأكل الجراد، وتقول: كان رسول الله صلى الله علسه وسلم يأكله. وقال أبو الحسن: وهذه الأخبار مستعملة بإجماع في تخصيص بعض ما يتناوله عموم الكتاب من السمك والجراد. وذلك يدل على بطلان مذهب ما يتناوله عموم الكتاب من السمك والجراد. وذلك يدل على بطلان مذهب مالك في الجراد، ومذهب أبي حنيفة في الطافي، لأن إسالة الدم إذا لم تعتبر فأي معنى لاشتراط الذكاة في النوعين؟ وأي أثر لفعل الآدمي في اصطياده؟ والذين ذهبوا إلى أن الجراد لا يؤكل إلا ما مات منه بسبب اختلفوا في أشياء تفعل به رآها بعضهم ذكاة وبعضهم لم يرها. فقال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وابن وهب: أخذه ذكاة.\nوالمشهور من المذهب أن الأخذ لا يكون ذكاة. واختلفوا في وضعه في","vol":"1","page":136},{"text":"الغرائز. فذهب ابن وهب إلى أنه ذكاة، وذهب ابن القاسم إلى أنه ليس بذكاة. واختلفوا في قطع الأرجل والأجنحة، فذهب ابن القاسم إلى أن ذلك ذكاة، وذهب أشهب إلى أنه غير ذكاة، لأن الجراد قد يعيش مع ذلك وينسل. اختلفوا في طرحه في الماء البارد، فذهب ابن القاسم إلى أنه ذكاة، وذهب سحنون إلى أنه لا يكون ذكاة. ولم يختلف من رأى الذكاة فيه أن كل فعل يموت منه معجلًا، أنه ذكاة كقطع الرؤوس، أو نقر الجراد بالشوك، أو طرحه في الماء الحار والنار وما أشبه ذلك. فإذا فعل به هذا لم يكن داخلًا في عموم الآية باتفاق وغير ذلك من الأفعال. فمن لم يره ذكاة رأى عموم الآية منسحبًا عليه فحرمه، ومن رآه ذكاة لم ير عموم الآية منسحبًا عليه فأحله لأنه مذكى. وقوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم﴾ [البقرة: ١٧٣] عين الميتة لا يتصف بالتحريم وإنما يحرم فعل ما يتعلق بالعين ويبقى النظر في ذلك الفعل ما هو؟ هل مسها؟ أو أكلها؟ أو النظر إليها؟ أو منعها؟ أو الانتفاع بها؟ فمن الناس من ذهب إلى أنه مجمل لتردده بين هذه الأشياء، ومنهم من قال: عرف الاستعمال لهذا اللفظ قد قام مقام النص لأنه من قيل له: حرم عليك الطعام والشراب، فبالعرف يعرف أنه أراد اللبس، وهذا صريح مقطوع به عندهم فلا يصح أن يكون مجملًا، والقول بالعموم باطل لأن العموم إنما هو من حكم اللفظ. والعموم المدعى في هذا إنما هو في المقتضى أعني اللقظ المضمر المقدر، وإذا كان لم يلفظ به فكيف يكون عامًا؟ ولأجل هذه الاحتمالات المتقدمة في اللفظ، مع ما ورد في ذلك من الأحاديث،","vol":"1","page":137},{"text":"اختلف الفقهاء في أشياء من الميتة. ومن ذلك جلدها وردت فيه أحاديث مختلفة منها حديث ميمونة في الشاة الميتة التي مر بها النبي ﷺ فقال: «أفلا انتفعتم بجلدها؟» فقالوا: يا رسول الله! إنها ميتة، فقال: «إنما حرك أكلها» فأباح الانتفاع جملة ولم يذكر الدباغ. وقال في حديث عبد الله بن عكيم: أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلمم قبل موته بشهرين فقال: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» فمنع الانتفاع [بجلد الميتة] ولم يذكر دباغًا.\nوروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» فقد ذكر في هذا الحديث الدباغ، وقد ورد في بعض روايات حديث ميمونة ذكر الدباغ. فمن الناس من اعتمد على حديث ميمونة الذي سقط منه ذكر الدباغ وخصص به عموم الآية أو بين فيه مجملها، ورآه ناسخًا لسائر الأحاديث فأجاز الانتفاع بجلد الميتة قبل الدباغ وبعده، وهو قول ابن شهاب. وذكر عن الليث نحوه في إجازة بيعه، وقد ذكر عن ابن شهاب أنه","vol":"1","page":138},{"text":"روى الحديث مؤيدًا بالدباغ، ولعله نسي ما رواه. ومنهم من اعتمد على حديث عبد الله بن عكيم الذي سقط منه ذكر الدباغ أيضًا وخص به عموم الآية وبين مجملها، ورآه ناسخًا لحديث ابن عباس في الدباغ ولحديث ميمونة. ومنهم من اعتمد حديث ابن عباس في الدباغ، وخصص به عموم الآية وبين مجملها، وجمع به بين الأحاديث حتى لا تختلف ولا تتعارض.\nوهو مذهب الجمهور إلا أنهم اختلفوا في أي الجلود يكون هذا فمنهم من قال: في كل جلد، واعتمداو على عموم قوله ﷺ: «أيما إهاب» الحديث المفسر للآية. ومنهم من قال: في كل جلد إلا جلد الخنزير. ومنهم من قال: إلا جلد الكلب، ومنهم من قال: إلا جلد ما لا يؤكل لحمه. ومنهم من قال: لا يؤثر الدباغ إلا في جلود الأنعام خاصة وما عدا ذلك من ميتات الوحوش وغيرها فلا يؤثر فيها. وهذه الأقوال في المذهب.\nوقال من استثنى الخنزير إن العموم مخصص بالعادة ولم يكن من عادتهم اقتناء الخنازير حتى تموت فيدبغوا جلودها وقال بعضهم: لا جلد للخنزير. وقال من استثنى الخنزير والكلب: إن الكلب أيضًا لم يكن من عادتهم استعمال جلده. وفي التخصيص بالعادة خلاف بين الأصوليين. قال بعضهم: بل يخصص هذا العموم بقوله -﵇-: «دباغ الأديم ذكاته». فأحل الدباغ محل الذكاة فوجب أن لا يؤثر الدباغ إلا فيما تؤثر فيه الذكاة. والذكاة إنما تؤثر عندنا فيما يستباح لحمه لأن قصد","vol":"1","page":139},{"text":"الشرع بها استباحة اللحم، فإذا لم يستبح اللحم لم تصح الذكاة، وإذا لم تصح الذكاة لم يصرح الدباغ المشبه به. وقول هذا القائل: إن الذكاة إنما تؤثر فيما يستباح لحمه أصل مختلف فيه، وقد قيل: إنها تؤثر فيما لا يستباح لحمه، فعلى هذا يجيء الخلاف في استعمال جلودها إذا كانت ذكيت، وقد قال بعض من انتصر لهذا القول ف يجلد الخنزير: إن التحريم تأكيد في الخنزير واختص بنص القرآن، فلهذا لم تفعل الذكاة فيه. فلما تقاصر عنه في التحريم ما سواه لم يلحق به تأثير الدباغ، وقد سلك في هذه الطريقة أيضًا أصحاب الشافعي، ورأوا أن الكلب خص من الشارع أيضًا بتغليظ لم يرد فيما سواه من الحيوان فألحق بالخنزير. وقال من قصر ذلك على الجلد ما يؤكل لحمه: إن حديث ميمونة خرج على سبب وهو شاة فيقصر على سببه، ويلحق بهذا السبب البقرة والبعير، وشبه ذلك للإتفاق على أن ذلك حكم الشاة. وقال من قصر ذلك على جلود الأنعام: الإهاب جلد الغنم والبقر والإبل، وما عداه فإنما يقال له جلد، لا إهاب، حكاه المضر بنشميل. وقال إسحاق بن راهويه: هو كما قال النضر، وقال أحمد بن حنبل: لا أعرف ما قال النضر. وقال بن عبد البر: لا يمتنع أن يكون الإهاب اسمًا جامعًا للجلود كلها، ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل؛ لأن ابن عباس روى حديث شاة ميمونة، ثم روى عموم الخبر في كل إهاب. وقد قال المازري: من سلم أن الجلد حي دخل في ظاهر الآية، وكان ما ورد من الأحاديث بتخصيصه تخصيصًا لعموم القرآن بالآحاد. وفي ذلك اختلاف بين الأصوليين. وفيما قاله نظر، وإن لم تحله الحياة في جزء من الميتة، والجزء من الميتة ميتة، فلا معنى لاعتبار الحياة، هل تحله أم لا؟ واتفق كل من رأى","vol":"1","page":140},{"text":"أن الدباغ مؤثر في جواز الانتفاع على أنه يؤثر في انتساب الطهارة الكاملة سوى مالك، فعنه مثل ذلك، وعنه إنما يؤثر في استعماله في اليابسات دون المانعات، والقول بطهارته في الجميع أحسن لحديث سودة زوج النبي ﷺ قالت: «ماتت شاة لنا فدبغنا مسكها، ثم ما زلنا ننبذ فيه حتى صار شنة» أخرجه البخاري.\nوقد اختلف في بيع جلد الميتة، فأجازه الليث قبل الدبغ وبعده، وعليه يأتي قول ابن شهاب، وقيل: لا يجوز لا قبل الدبغ ولا بعده، وهي رواية عن مالك مشهورة، وقيل: لا يجوز قبل الدبغ، ويجوز بعده، وهي رواية عن مالك أيضًا. قال الباجي: في قول مالك إنه لا يجوز قبل الدبغ وبعده: يحتمل أن يكون ذلك على سبيل الاستحباب، ويكون وجه ذلك التعلق بظاهر قوله -﵇-: «هلا انتفعتم بجلدها» ولم يشترط دباغًا ولا غيره. ومن ذلك عظام الميتة جاز بيعها. واختلف أيضًا في القرن والظلف، فكرهه مالك، وقال: أراه ميتة، وقال ابن المواز: ما قطع منها مما يناله لحم ولا دم وما كان حيًا لا يؤلم فهو حلال أخذه منها حية أو ميتة، وعلى هذا يجري الجواب فيما قطع من الظفر إذا قطع من الأنامل.","vol":"1","page":141},{"text":"ومذهب أبي حنيفة أنه طاهر على نحو قول ابن المواز. قال بعضهم في توجيه قول مالك أنه مثل الذي أخذ منه ميتة، وأنه تحله الحياة، فإذا فارقته صار ميتة، واحتج لكونه تحله الحياة بقوله تعالى: ﴿قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ [يس: ٧٨]، فدل على أن في العظام روحًا؛ لأن إعادة الحياة لا تكون إلا فيما كان حيًا ثم مات. وحجة أبي حنيفة أنه ليس بميتة أنه لا تحله الحياة فتفارقه، فيكون ميتًا، وتأول قوله تعالى: ﴿قال من يحيي العظام وهي رميم» على أنه أراد أصحاب العظام فجعل هذا من لحن الخطاب، ولا معنى لاعتبار الحياة في العظم لأنه باتفاق جزء من الميتة، وإنما يرجع النظر إلى الانتفاع بالميتة هل يجوز أم لا؟ وما مقصود الآية من ذلك. ومن ذلك شعر الميتة وصوفها كان مما يؤكل لحمها أم لا كشعر بني آدم وشعر الكلب والخنزير. اختلفوا فيه فذهب مالك وأكثر أصحابه والشافعي في أحد أقواله وغيره إلى أنها نجسة. وقال أصبغ: هي طاهرة إلا شعر الحنزير. وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد أقواله: شعور بني آدم طاهرة، وما عداه نجسة، ومأحذ الخلاف في قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ هل هو راجع إلى الأكل أو إلى سائر المنافع على الإطلاق؟ أو إلى بعضها على حسب ما يعضد ذلك من الظواهر الواردة في الشرع؟ وقد استدل بعضهم لطهارتها بقوله تعالى: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين﴾ [النحل: ٨٠] فعم ولم يفرق بين شعر الميتة وغيره. قال أبو الحسن: واقتضى أيضًا ظاهر الأية تحريم الانتفاع بدهن الميتة. وروى فيه محمد بن إسحاق عن عطاء، عن جابر قال: لما قدم رسول الله ﷺ مكة أتاه أصحاب الصليب الذين يجمعون الأوداك. قالوا: يا رسول الله إنا نجمع الأوداك وهي الميتة وغيرها وإنما","vol":"1","page":142},{"text":"هي للأدم والسفن. فقال رسول الله ﷺ: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها» فبين رسول الله ﷺ أن الله تعالى إذا حرم شيئًا على الإطلاق، أدخل تحته تحريم البيع. وذكر عن عطاء أنه يدهن بشحوم الميتة ظهور السفن، وهذا قول شاذ. وتلقى الشافعي من قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ تحريم لبنها. وأبو حنيفة حكم بطهارة أنفحتها وألبانها، ولم يجعل لموضع الخلقة أثرًا في تنجيس ما جاوره بما حدث فيه خلقه قال: ولذلك يؤكل اللحم بما فيه من العروق مع القطع بمجاورة الدم لدواخلها من غير تطهير، لا غسل لها. ويلزمه على مساق هذا الكلام الحكم بطهارة ودك الميتة، فإن الموت لا يحله أصلًا، ونجاسة الخلقة لا تؤثر في تنجيس ما جاورها. وله أن يقول الودك في حكم الجزء الباقي معه، واللبن خلق خلقًا ينفصل عن الأصل فيحتلب ويستخرج منه، وقد أجازوا الانتفاع بلحم الميتة. قال الشيخ أبو بكر: ينتفع به بأن يطعمه الرجل إلى كلابه. قال ابن المواز: إذا شاء ذلك فإنه يذهب بكلابه إليها، ولا يأتي بالميتة إلى الكلاب. قال أبو الحسن: ودل تحريم الميتة على تحريم الأجنة كما قال أبو حنيفة وخالفه فيها صاحباه مع الشافعي، ومالك يقول: إن تم خلقه ونبت شعره أكل وإلا فلا. وهذا قول سعيد بن المسيب لأنه عند تمام خلقه، تحصل فيه الحياة والذكاة، قبل ذلك لا حياة و[لا ذكاة]، فيبقى على عموم تحريم لحم الميتة، وذلك ضعيف لأنه إذا لم يكن حيًا لم يكن ميتة، والميتة ما زايلتها الحياة. وهذا التضعيف غير صحيح فإنه يصح أن يقال فيه ميتة، وإن لم تحله الحياة لأنه مظنة","vol":"1","page":143},{"text":"الحياة، فإذا حرج قبل أن تحله الحياة ساغ أن يقال فيه ميتة. وقد وردت أخبار في الجنين «أن ذكاته ذكاة أمه» على قول الشافعي، ويبعد أن يتأول على أن معناها مثل ذكاة أمه لأنه إذا خرج حيًا وفيه حياة مستقرة فلا يخفى حكم الحياة فلا فائدة في ذكره، وإن أخرج ميتًا فلا تصح فيه الذكاة. وقد روي عن أبي سعيد، وعن النبي ﷺ: أنه سئل عن الجنين يخرج ميتًا؟ فقال: «كلوه فإن ذكاته ذكاة أمه» إلا أن هذا الحديث مطلق، وقد ورد مقيدًا بالإشعار في حديث آخر يعني نبات الشعر فيحمل المطلق على المقيد على الصحيح في مذهب أهل الأصول. وروى البراء بن عازب، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قضى في أجنة الأنعام أن ذكاتها ذكاة أمها إذا أشعرت.\nوروى الزهري عن ابن كعب بن مالك قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إذا أشعر الجنين فإن ذكاته ذكاة أمه. والشافعي يقول: نحن نقول بهما جميعًا إلا أنه ذكر الإشعار تنبيهًا على ما هو أولى، وهو الذي لم يشعر لكونه جزءًا من الأم، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ذكاة الجنين في بطن أمه أشعر أو لم يشعر» إلا أنه حديث ضعيف.","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>(١٧٣) - قوله تعالى: ﴿والدم﴾ [البقرة: ١٧٣]</span>.\nحرم الله تعالى في هذه الآية الدم جملة من غير تقييد، وقيد ذلك في سورة الأنعام فقال تعالى: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] فيووجب رد المطلق على المقيد على أصح الأقوال، وقد قال ابن شعبان: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ ناسخ لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾، وهذا قول من يرى بين المطلق والمقيد تعارضًا، ويجعله كالعام والخاص، ويراه نسخًا. وهو قول ضعيف. ومع هذا فإنه غلط لأن سورة الأنعام مكية، وسورة المائدة التي جاء فيها أيضًا ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ الآية [المائدة: ٥] مدنيتان. ولا خلاف أنه لا تنسخ آية مدنية بآية مكية. ويحتمل لأن الله تعالى قيد الدم بالسفح لما في تتبع ما في العروق خلال اللحم من المشقة، ويحتمل أن الله تعالى قيده بذلك ليخرج منه الكبد والطحال، ولذلك قال ﷺ: «أحلت لنا ميتتان ودمان الكبد والطحال» وقد اختلف قول مالك في الدم اليسير، والذي هو غير مسفوح، فقال مرة: الدم كله نجس، وسوى بين الدماء كلها، وقال مرة: لا تعاد الصلاة من الدم اليسير، وقد قال تعالى: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] وإذا قلنا يعفى عن اليسير فهل يسير دم الحيض مثل اليسير من غيره أم لا، ففيه روايتان. واختلف في حد اليسير الذي يعفى عنه اختلافًا كثيرًا من قدر الظفر إلى نصف الثوب. واختلف أيضًا إذا غسل الدم وبقي أثره، فرخصت فيه عائشة، وشدد فيه الكراهية ابن عمر حتى أنه كان إذا وجد دمًا فغسله فلم يخرج دعا بجملين فقطع مكانه. وقال محمد بن مسلمة: المحرم المسفوح قال: وقد جاء عن عائشة -﵂- قالت: لولا","vol":"1","page":145},{"text":"أن الله تعالى قال: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ لاتبع الناس ما في العروق كما اتبعت اليهود الشحم. وقد تطبخ المرقة وفيها الصفرة ويكون على اللحم والدم، فلا تقع في الطعام فلا يؤكل. ودم الشاة قبل أن تذكى حرام قليله وكثيره، كلحمها قبل الذكاة، وكذلك دم كل حيوان لا يؤكل لحمه قليله وكثيره سواء كلحمه. ولا خلاف أن الشاة إذا ذكيت فخرج دمها أنه مسفوح محرم، فإن خرج من الشاة قبل أن تقطع، وقبل أن يظهر منها الدم كالتي تشوى جاز أكلها. واختلف إذا قطعت فظهر لدم. فقال مالك مرة: حرام، وجعل الإباحة فيه مل لم يظهر لأن تتبعه في العروق حرج، وقال مرة: حلال لقوله تعالى: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ وكذلك اختلف في دم ما لا يحتاج إلى ذكاة وهو الحوت. فقال الشيخ أبو الحسن القصار: ليس بنجس، وحمل قول مالك بغسله على الاستحسان، وهو قول أبي الحسن القابسي أيضًا. فعلى هذا يكون حلالًا، والمشهور من قول مالك أنه نجس. وهو أظهر لعموم قوله تعالى: ﴿والدم﴾ لأن الدم حرام لا لعلة. فإن كان ذلك الدم سائلًا جاريًا كالذي يكون في بعض الحوت، كان كالمسفوح من حيوان البر، وإن كان غير سائل ولا جاري، جرى على الخلاف في مثله من البري، ويختلف فيما كان من الدم مما ليس له نفس سائلة، فعلى القول بأنه يحتاج إلى ذكاة يحرم ما كان من دمه قبل الذكاة، ويختلف فيما ظهر بعد الذكاة، وعلى القول بأنه لا يحتاج إلى ذكاة يحرم منه ما كان في حال الحياة، فقال أبو إسحاق: هي ميتة، وقد يصلي بها، وقال الباجي: هو دم قد استحال فطهر كما يستحيل الدم وسائر ما يتغذى منه من النجاسات إلى اللحم فيكون طاهرًا، أو كما","vol":"1","page":146},{"text":"يستحيل الخمر إلى الخل، وإنما فارة المسك شيء للحيوان كما يحدث البيض في الطير، وقد أجمع المسلمون على طهارته كذا قال. وقال غيره: أكثر العلماء على طهارة المسك وجواز بيعه، حكي عن بعض التابعين أنه نجس، فلا يجوز بيعه لأنه ميتة ولأنه دم. والدليل على طهارته استعمال النبي ﷺ له، وقوله: «أطيب الطيب المسك»، ويحتمل أن يقال على قول أبي إسحاق المذكور قيل إن ميتة ودم. إلا أن الشرع أباحه فيخصص بذلك من عموم الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>(١٧٣) - قوله تعالى: ﴿ولحم خنزير﴾ [البقرة: ١٧٣]</span>.\nخص اللحم بالذكر، ولم يقل حرم الخنزير كما قال: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ لأنه معظم ما يقصد، وفيه مراغمة الكفار الذين يتدينون بأكل لحمه، وهو مثل تحريمم قتل الصيد مع تحريم جميع الأفعال في الصيد، وكالنص على تحريم البيع إذا نودي للصلاة؛ لأنه أعظم ما يبتغون به منافعهم، وقال بعضهم: خص لحم الخنزير ليدل على تحريم عينه ذكي أو لم يذك، وليعم الشحم، وما هناك من الغضاريف غيرها. وحكم الجلد حكم اللحم في الأكل. وقد اختلف في الانتفاع به بعد الدبغ في المذهب، فالمشهور أنه ينتفع به. وقال الشيخ أبو بكر الأبهري: لا ينتفع به ولو بعد الدباغ بخلاف","vol":"1","page":147},{"text":"جلد الميتة. يريد بذلك أن النص وقع في جلد الميتة ولم يرد في جلد الخنزير. وكذلك اختلف في الانتفاع بشعره. فقال ابن القاسم: لا بأس ببيعه، وهو كصوف الميتة. وقال أصبغ: لا خير فيه، وليس كصوف الميتة، وهو كالميتة الخالصة، وكل شيء منه محرم حيًا وميتًا. وقال اللخمي: والأول أحسن لقوله تعالى: ﴿ولحم خنزير﴾ فلم يدخل الشعر في التحريم.\nويختلف الانتفاع بشحوم الميتة للاستصباح وما أشبهه. فقال ابن سحنون: لا يحل بيع الشحم ولا ملكه. قال سحنون: والناس مجمعون على تحريم بيعه. واللبن محرم لأن القصد اجتناب أكله جملة. واختلف في أكل خنزير الماء فأجازه ربيعة وكرهه يحيى بن سعد. وروى ابن الجلاب أنه مكروه.\nوقاله ابن حبيب. وقال ابن القاسم: لم يكن مالك يجيبنا فيه بشيء ويقول: أنتم تقولون خنزير -يريد والله أعلم- التعلق بقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ ولا سيما على من راعى في العموم موضوع اللفظ دون عرف استعماله. ومن راعى عرف استعماله دون موضوعه توقف عن الجواب، أو حكم بما لم يدخل تحت عرف الاستعمال بالكراهة، فقال ابن القاسم: إني لأتقيه ولو أكله رجل لم أره حرامًا. ووجه القول بجوازه قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ الآية [المائدة: ٩٦] وقوله -﵊-: «الحل ميتته» وكذلك اختلف في إنسان الماء وكلب الماء الجواز والكراهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>(١٧٣) - قوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير الله﴾ [البقرة: ١٧٣]</span>.\nأُهل معناه صيح، ومنه الاستهلال، وجرت عادة العرب بالصياح باسم المقصود بالذبيحة، وغلب ذلك باستعمالهم حتى عبروا بالإهلال عن النية، ألا ترى أن علي بن أبي طالب -﵁- راعى النية في الإبل","vol":"1","page":148},{"text":"التي نحرها غالب أبو الفرزدق، فقال: إنها مما أهل لغير الله به فتركها.\nوذكر في أخبار الحسن بن أبي الحسن أنه سئل عن امرأة مترفة صنعت للعبها عرسًا فذبحت جزورًا، فقال الحسن: لا يحل أكلها، فإنها إنما ذبحت لصنم. وقال ابن عباس وغيره: المراد بقوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير الله﴾ ما ذبح للأنصاب والأوثان. وقد اختلف فيما ذبحه أهل الكتاب لأعيادهم ولكنائسهم فكرهه مالك، وابن القاسم وحرمه سحنون واجازه ابن وهب وعيسى بن دينار. ووجه الكراهة قوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير الله﴾ فكره ذلك خيفة أن يكون مرادًا بالآية ولم يحرمه لقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥] ولاحتمال أن يكون المراد بالآية الأخرى غير الكتابي، وأما سحنون فرأى الآية متناولة له فلذلك حرمه، وأجازه من أجازه لأنه من طعامهم الذي يأكلونه. وقد قال اللخمي: الصحيح أنه حلال والمراد بما «أهل به لغير الله» ما ذبح على النصب، وهي الأصنام، وهي ذبائح المشركين. قال أصبغ: وأهل الكتاب ليسوا أصحاب أصنام. وكذلك الخلاف فيما سمي عليه المسيح أو ميكائيل وما ذبح للصليب بمنزلة ما ذبح للكنيسة. وسيأتي بقية أحكام ذبائحهم في موضعه إن شاء الله تعالى.\nقوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ١٧٣].\nاختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿فمن اضطر﴾، فقيل غلب أو أكره.","vol":"1","page":149},{"text":"وقيل: معناه ضمه إليه عدم أو غرث [أي جوع]. وكذلك احتلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿غير باغ ولا عاد﴾ [البقرة: ١٧٣].\nقال قتادة وغيره: غير قاصد فسادًا ولا متعديًا بأن يجد عن هذه المرحمات مندوحة ويأكلها. وقال مجاهد وغيره: المعنى غير باغ على المسلمين ولا عاد عليهم. وقال السدي: غير باغ: أي متزيد على إمساك رمقه وإبقاء قوته، ولا عاد أي متزود. وقيل: «عاد» مقلوب عائد.\nوبحسب هذه الاحتمالات التي تجاذبها المفسرون اختلف العلماء في العاصي بسفره هل يحل له أكل الميتة أم لا؟ إذا اضطر؟ فالمشهور عند مالك أنه يحل له ذلك، وفرق بينه وبين القصر والفطر. وروى زياد بن عبد الرحمن الأندلسي، عن مالك: أن العاصي بسفره يقصر الصلاة ويفطر في رمضان ويأكل الميتة إذا اضطر. فسوى بين ذلك كله وبه قال أبو حنيفة. وقال ابن حبيب ومالك: إنه لا يحل أكل الميتة من ضرورة، وعن الشافعي القولان. ويشهد للقول بحلية ذلك له قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩] وعموم قوله تعالى: ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾ [الأنعام: ١١٩] قال أبو الحسن: وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة، بل هو عزيمة واجبة ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيًا. كذا قال. وفي «البسيط» عن الشافعي هل يجب الأكل؟ ولا يجب ويجوز الاستسلام قولان. وقد قال مسروق: من اضطر إلى الميتة ولم يأكلها، فمات دخل النار. قال ابن عبد البر: فهو","vol":"1","page":150},{"text":"فرض عليه، عليه جماعة من علماء السلف والخلف. وأما ظاهر الآية فإن فيها رفع الحرج في الأكل، وهو يدل على الإباحة لا على الوجوب، لكن الوجوب على القول به يتلقى من وجه آخر. قال أبو الحسن: ليس أكل الميتة من رخص السفر أو متعلقًا به، بل هو من نتائج الضرورة سفرًا أو حضرًا، وهو كالإفطار للحاضر المقيم إذا كان مريضًا، كالتيمم للحاضر والمسافر عند عدم الماء وهو الصحيح عندنا. وقال ابن حبيب: إذا وقع الاضطرار في الحواضر فيسأل ولا يأكل الميتة، وهذا من باب تخصيص العموم بالعادة. واختلف في قدر ما يأكل المضطر منها؛ ففي «الموطأ» أنه يأكل حتى يشبع، وقال ابن حبيب وعبد العزيز بن الماجشون: يأكل ما يقيم رمقه. وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، وحكاها القاضي أبو محمد رواية، وقد قيل: من تغدى لم يتعش، ومن تعشى لم يتغد. وروى ابن حبيب نحوه عن الماجشون. وتوجيه هذين القولين مما تقدم بين. واختلف في هذا الشرط من الاضطرار في إباحة هذه المحرمات، هل يعود على جميعها أو على ماعدا الخنزير، فقيل: هو عائد على الكل. وقيل: هو عائد على ما عدا الخنزير.\nقالوا: لأن الخنزير لا تصح فيه ذكاة فلا تصح فيه رخصة اضطرار، والقول الأول أبين لاتصال الشرط بالجملة وربطه بها بالفاء. ولو قيل: إنه راجع إلى أقرب مذكور لكان أوجه، ولكنه لم يقل وإن وجد المضطر خنزيرًا أو ميتة احتمل أن يقال يتخير لقوله تعالى: ﴿فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ١٧٣] ولم يفرق، واحتمل أن يقال يأخذ من الميتة ويترك الخنزير. لأنه لا تصح فيه","vol":"1","page":151},{"text":"ذكاة، واختلف في ميتة بني آدم هل هي داخلة تحت العموم من قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ حتى يكون قول ﴿فمن اضطر﴾ إلى آخره راجعًا لجميع ذلك أم لا؟ ففي المذهب أنه لا يجوز للمضطر أكل لحم بني آدم وإن خاف الموت، فهو على هذا داخل في عموم لفظ الميتة، بدليل قوله -﵇-: «كسر عظم بني آدم ميتًا ككسره حي» ولأن ذلك يؤدي إلى أكل لحوم الأنبياء وهتك حرمتهم. وذهب الشافعي إلى أنه يجوز أكله للمضطر، ورأى العموم منسحبًا عليه. وقد اختلف فيمن أكل الميتة والخنزير من غير ضرورة، فقيل: يعزر لأنه لم يرد فيه حد فلا يحد ويعزر لأنه أتى محرمًا. وقال الأوزاعي: يضرب ثمانين أقل الحدود. وهذا ضعيف لأن القياس لا دخل له في الحدود عند المحققين. وقد اختلف في جواز شرب الخمر، والبول للمضطر إليه؛ فجعله بعضهم مثل الميتة في ذلك، وقال بعضهم: لا يجوز شربهما للمضطر، وليس مثل الميتة لأن الله ﷿ ذكر الرخصة للمضطر مع تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، وذكر تحريم الخمر، ولم يذكر مع ذلك رخصة للمضطر، فالواجب ألا يتعدى الظاهر إلى غيره، والذي يروى عن مالك في هذا أنه لا يشرب الخمر لأنها لا تزيده إلا عطشًا. وهو قول الشافعي. فظاهر قول مالك أنها لو أزالت العطش لجاز شربها حملًا على الميتة. وكذلك اختلف في التداوي بها. ولا خلاف أنه لو عض بلقمة أن له أن يدفعها بها. وقد اختلف إذا وجد","vol":"1","page":152},{"text":"الميتة وطعام الغير فقيل: الميتة أولى، وقيل: الطعام أولى، وقيل: يخير.\nوكذلك الخلاف إذا وجد الميتة، ولحم الصيد وقد صاده محرم فظاهر الآية أن الميتة هي المباحة له في هذه الأحوال، وهو قول مالك. وقال الشافعي: لحم الصيد أولى وإن لم يجد ميتة ووجد طعامًا لرجل وهو مضطر، فقالوا: إنه يأكل مه قياسًا على إباحة الميتة والدم ولحم الخنزير، واختلف هل يضمن أم لا؟ على قولين في المذهب، وحد هذا الاضطرار الذي يبيح أكل الميتة هو أن يخاف الهلاك على نفسه. قال الشافعي: أو مرضًا مخوفًا في نفسه، فإن كان مخوفًا لطوله وعسر علاجه ففيه لأصحابه وجهان، والآية محتملة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>(١٧٨) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليمن القصاص في القتلى الحر بالحر﴾ الآية [البقرة: ١٧٨]</span>.\nمعنى قوله تعالى ﴿كتب﴾ فرض، وقيل: إخبار عما كتب في اللوح المحفوط، وسبق به القضاء. ومعنى فرض القصاص وجوب تنفيذه على الحاكم إذا طلبه ولي المقتول، ووجوب انقياد القاتل إلى ذلك، ووجوب انقياد الولي إليه. وألا يتعدى قاتله إلى غيره كما كانت العرب تتعدى وتقتل بقتيلها غيره من القبيلة. وليس معنى الفرض فيه أنه لازم لا يجوز سواه لأن العفو جائز باتفاق بدليل قوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ [البقرة: ١٧٨] فهي الآية معرفة أن القصاص هو الغاية عند المشاحة، وأصل هذه اللفظة في اللغة من قص الأثر، ومنه قوله تعالى: ﴿قصيه﴾ [القصص: ١١]، وقول الشاعر:\nكأن لها في الأرض نسيًا تقصه ... على أمها وإن تحدثك تبلت","vol":"1","page":153},{"text":"فلما كان القاتل يتبع أثره ويسلك فيه سمي قصاصًا، وهو مصدر قاصصته قصاصًا مفاعلة من اثنين. وقد اختلف في سبب هذه الآية، فقال الشعبي: إن العرب كان أهل العزة منهم إذا قتل عبد منهم قتلوا به حرًا، وإذا قتلت منهم امرأة قتلوا بها رجلًا، فنزلت الآية في ذلك ليعلم الله تعالى بالتسوية ويذهب أمر الجاهلية. وقيل: إن قومًا تقاتلوا قتال العمية، ثم قال بعضهم: نقتل بعبيدنا أحرارًا فنزلت الآية، وقيل: إن قبيلتين من الأنصار، وقيل من غيرهم، تقاتلوا فقتل من هؤلاء رجالًا ونساء وعبيدًا، فأمر رسول الله ﷺ أن يصلح بينهم، ويقاصصهم بعضهم من بعض على استواء الأحررا بالأحرار، والنساء بالنساء، والعبيد بالعبيد.\nواختلف في مقتضاها، فمنهم من قال: إنها منسوخة، وروي ذلك عن ابن عباس أن الآية نزلت «ألا يقتل الرجل بالمرأة ولا المرأة بالرجل» ولا يدخل صنف على صنف، وأن ذلك الحكم منسوخ. واختلف الذاهبون إلى هذا في الناسخ. فقال ابن عباس وغيره: الناسخ له قوله تعالى في المائدة: ﴿أن النفس بالنفس﴾ وهذا لا يصح إلا على القول بأن شريعة من قبلنا شريعة لازمة لنا. وقال بعضهم: الناسخ له قوله تعالى: ﴿ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا﴾ الآية [الإسراء: ٣٣]، ومنهم من قال إن الآية محكمة لا تقتضي ذلك، وأنها مجملة فسرتها آية المائدة، وإن قوله هنا: ﴿الحر بالحر﴾ [البقرة: ١٧٨] يعم الرجال والنساء. وروي عن ابن عباس فيما ذكره أبو عبيد. وعن مجاهد وغيره وإلى نحو ذلك ذهب مالك ﵀، فقال:","vol":"1","page":154},{"text":"أحسن ما سمعنا في هذه الآية أن يراد بها الجنس من الأحرار الذكور والإناث، والجنس من العبيد الذكور والإناث، ثم أعيد ذكر الأنثى بالأنثى تأكيدًا وتهممًا لإذهاب أمر الجاهلية، وينبني على مذهب من يرى أن الخاص إذا عارضه عام موافق له في الحكم لم يكن تخصيصًا، وجعل ذكره على سبيل تأكيد ذلك الخاص، وهو قول يحسن ها هنا إذا الإجماع منعقد على أن المرأة تقتل بالرجل والرجل بالمرأة، ومنهم من قال: إن الآية محكمة نزلت مبينة حكم المذكورين لتدل على الفرق بينهم وبين أن يقتل حر عبدًا، أو عبد حرًا، أو ذكر أنثى، أو أنثى ذكرًا، فإنه إذا قتل رجل امرأة فإن أراد أولياؤها القصاص قتلوا صاحبهم، ووفوا أولياءه نصف الدية، وإن أرادوا استحياءه استحيوه، وأخذوا منه دية المرأة، وإن قتلت المرأة رجلًا فإن أراد أولياؤه القتل قتلوا المرأة وأخذوا نصف الدية، وإن أرادوا استحياءها استحيوها وأخذوا دية صاحبهم. وإذا قتل الحر العبد فإن أراد سيد العبد قتل وأعطى دية الحر إلا قيمة العبد، وإن شاء اسحيى وأخذ قيمة العبد، روي هذا عن علي بن أبي طالب -﵁-، وعن الحسن بن أبي الحسن البصري، وقد أنكر ذلك عنهما أيضًا. وذكر ابن عبد الوهاب عن عطاء نحو هذا أيضًا من قتل الرجل بالمرأة، وذكر غيره عن عثمان البتي نحوه، وذكر أبو الحسن نحوه عنه أنه إذا قتلت المرأة رجلًا قتلت وأخذ من مالها نصف الدية، وإن قتلها الرجل فعليه القود ول يرد عليه شيء. وهذه أقوال ضعيفة تردها العمومات ولا تخصص، وليس في شيء منها ضم الدية إلى القصاص، وقد قال -﵇-: «من قتل له قتيل فهو بخير","vol":"1","page":155},{"text":"النظرين أن يقتص أو يأخذ الدية» ولم يذكر التخيير في ضم الدية إلى القصاص، وقال أبو الحسن: وقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ [البقرة: ١٧٨] ظن الظانون أن أول الكلام تام في نفسه، وأن الخصوص بعده في قوله: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ لا يمنع التعلق بعموم أوله. وهذا غلط فإن الثاني ليس مستقلًا دون تقدير البناء على الأول [إذ قول القائل الحر بالحر والعبد بالعبد لا يفيد حكم القصاص إلا على وجه البناء على الأول] وتقديره: كتب عليكم القصاص وهو الحر بالحر قصاصًا، والعبد بالعبد قصاصًا، فوجب بناء الكلام عليه، والذي قاله ممكن إلا أن الأظهر ما قلناه، ومقتضى القصاص يعطي تساوي الحالات من حرية وإسلام، وإسلام وذكورة، ونحو ذلك، إلا أنه ورد في الشرع عمومات لم تخصص حالًا من حال كقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥] وقوله: ﴿ومن قتل مظلومًا﴾ الآية [الإسراء: ٣٣]، وقوله -﵇-: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين» الحديث، ونحو ذلك، ولذلك وجب قتل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل، وألا يعتبر تساوي الحال في الذكورة والأنوثة. وأجمع المسلمون عليه أخذًا بالعموم، وإنما وقع الخلاف في الدية مع القتل، وهو قول مرغوب عنه، ولا دليل في هذه الآية على الصحيح من القول فيها على أنه لا تقتل الأنثى بالذكر، ولا الذكر بالأنثى، لما ورد أنها مذهبة لما كان عليه العرب في الجاهلية من التعدي في القصاص حتى كانوا إذا قتل منهم حر من القبيلة العزيزة حرًا من القبيلة المعزوزة، لم يسلموه للقصاص، وبذلوا موضعه عبدًا أو امرأة، وإن قتل عبد من المعزوزة","vol":"1","page":156},{"text":"عبدًا من القبيلة العزيزة حرة بحرة لم يرضوا بالقصاص منها وطلبوا موضع العبد حرًا، وموضع المرأة رجلًا فأمر الله عباده المؤمنين ألا يمتثلوا ذلك وأن يقتلوا الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى باانثى، لأن الأنثى لا يقتل بها الرجل إن قتلها، ولا أن العبد لا يقتل الحر إن قتله. ولا جائز أن يكون معنى الآية غير هذا. وتأويل مالك في الآية أيضًا جيد قوي، فعلى هذا يقتل الحر بالحر والحرة بالحرة والعبد بالأمة، والأمة بالعبد، وكذلك الزوجة بالزوج، إلا أن الليث بن سعد قال: إذا جنى الرجل على امرأته عقلها، ولم يقتص منه، فكأنه رأى النكاح ضربًا من الرق فأورث ذلك شبهة في القصاص. وأما تساوي الحال في الحرية والعبودية وذلك إذا قتل الحر العبد فاختلف هل يعتبر أم لا؟ ففي المذهب أنه يعتبر فلا يقتل الحر بالعبد ولا الأمة ولا الحرة بالعبد ولا بالأمة. وقال قائلون من علماء السلف -وهو داود والثوري-: يقتل بالعبد له كان أو لغيره. وقال أبو حنيفة: يقتل بعبد غيره ولا يقتل بعبد نفسه. والحجة للمذهب لقوله تعالى: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقتل حر بعبد» والعلة في ذلك نقصان المرتبة، وحجة من رأى القتل التعلق بالعمومات الواردة في القصاص، ورووا عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال: «من قتل عبدًا قتلناه، ومن جدع عبدًا جدعناه» والاحتجاج بهذا العموم قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥] ونحو ذلك ضعيف لأن","vol":"1","page":157},{"text":"العالم إذا عارضه خاص على وفق حكمه وحمله على البيان والتخصيص أظهر من حمله على التاكيد، وقد اختلف فيه الأصوليون. وأما حديث سمرة فضعيف وقد عارضه حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: «أن رجلًا قتل عبده متعمدًا فجلده النبي ﷺ ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين.\nويحتمل خبر سمرة أنه كان قد أعتقه، ثم قتله أو جدعه فسماه عبدًا استصحابًا للاسم السابق. ولهم أن يقولوا أخبركم حكاية الحال فيحمل على أنه كان كافرًا أو أباح له دم نفسه. وأما العبد إذا قتل الحر فلا خلاف أنه يقتل به إن اختاره الولي لأن دم الأعلى يكافئ دم الناقص ويزيد عليه، فإذا قتل الناقص بالأعلى لم تؤخذ عنه زيادة على ما كان يلزمه. وقال بعضهم: إن الحر إذا كان يقتل بالحر لاستوائهما في مرتبة الحكم فيه، هذا سواء بسواء.\nوأما تساوي الحال في الكفر والإسلام وذلك إذا قتل المسلم كافرًا، فاختلف","vol":"1","page":158},{"text":"فيه هل يعتبر أم لا؟ ففي المذهب أنه يعتبر فلا يقتل المسلم ولا المسلمة بالكافر ولا بالكافرة. وقال أبو حنيفة: يقتل المسلم بالذمي تمسكًا بالعمومات. قال أبو الحسن: ترك الشافعي العمومات في قتل المسلم بالكافر لأنها منقسمة. فمنها قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ ومساق ذلك يدل على الاختصاص بالمسلم إذا قتل المسلم فإنه قال: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ ولا يكون الكافر أخًا للمسلم، وقال: ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ ﴿ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا﴾ ولا حجة فيه فإنا نجعل لوليه سلطانًا وهو طلب الدية ومنها قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ وهو إخبار عن شريعة من قبلنا ولا يلزمنا ذلك إلا ببيان من شرعنا جديد غير أن العموم ليس يسقط ببعض ما ذكرنا بالكلية إلا أنه يضعف. وقال بعض المتأخرين: لا يجب أن يحمل قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ الآية [المائدة: ٤٥] على عمومها في قتل الحر بالعبد والحرة بالأمة، والمسلم بالكافر والمسلمة بالكافرة، لأن الآية إنما أريد بها الأحرار والمسلمون، والدليل على ذلك أن الله تعالى لم يخاطبنا بها في شرعنا وإنما أخبر تعالى أنه كتبها في التوراة على موسى بن عمران، وهم أهل ملة واحدة، ولم يكن لهم ذمة ولا عبيد لأن الاستعباد إنما أبيح للنبي ﷺ وخص به هو وأمته من بين سائر الأمم. قال رسول الله ﷺ: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وظهورًا، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت جوامع الكلم، وبعثت للناس كافة» لقول الله ﷿: ﴿يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].\nوقوله أيضًا في الآية: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ [المائدة: ٤٥]","vol":"1","page":159},{"text":"يدل على ما قلناه من أن الآية إنما أريد بها المسلمون الأحرار لأن العبد لا يتصدق بدمه، لأن الحق في ذلك لسيده، والكافر لا تكفر عنه صدقته ولو صححنا هذه العمومات وفرضنا هذه الآية أن النفس بالنفس فس شرعنا لوجب أن يخصص العموم المقتضي قتل الحر بالعبد، والحرة بالأمة بقوله ﷿: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ الآية [البقرة: ١٧٨] ويخصص من ذلك قتل المسلم بالكافر لقوله ﷺ: «لا يقتل مسلم بكافر» وقد تقدم في غير ما موضع في هذا التخصيص من الخلاف، ومما احتج به عبد الوهاب، وكأنه رآه مخصصًا للعموم قوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ [النساء: ١٤١] وقوله ﷺ: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» الحديث. ومما احتج به من قال بالعموم ورأى قتل المسلم بالكافر الذمي ما رواه البيلماني، ومحمد بن المنكدر، من أن النبي ﷺ أقاد مسلمًا بكافر، وقال: «أنا احق من وغى بذمته». وحديثهما مرسل لم يلقيا رسول الله ﷺ.","vol":"1","page":160},{"text":"وكذلك تأول قوله -﵊- في خطبته يوم فتح مكة، وقد كان رجل من خزاعة قتل رجلًا من هذيل بذحل الجاهلية. فقال -﵇- في خطبته: «ألا كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هاتين لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده» على أنه عنى بالكافر فيه الحربي والمعاهد إلى مدة ولم يعن الذمي لأنه مذكور مع قوله -﵇-: «كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هاتين» في خطاب واحد من حديث عمرو بن شعيب، قال: فهو كلام يفسر بعضه بعضًا. وذكر عن أهل المغازي إن عقد الذمة على الجزية إنما كان بعد فتح مكة فلم يكن يومئذ ذمي ينصرف","vol":"1","page":161},{"text":"الكلام إليه، وإنما كان ثم ضربان: أهل عهد حرب إلى مدة فانصرف الكلام إلى الضربين، وورد هذا الحديث أيضًا في خطبة الوداع، بيطل هذا التأويل جملة، ومما يبطل هذا القول أيضًا أنه لم يرد ما يخصص العموم لتخصص قتل المسلم بالذمي بقياسه على الحربي والمعاهد المتفق عليهما، وإن كان في التخصيص بالقياس خلاف.\nواختلف أيضًا هل يقتل الحر الكافر بالعبد المسلم قصاصًا، والعبد المسلم بالحر الكافر أيضًا ففي المذهب: أنه لا يقتل. وذهب بعضهم إلى أنه يقتل أحدهما بالآخر لأن المماثلة موجودة ففي كل واحد شرف ونقص.\nوهذا لا يلزم ويرده قول الله تعالى: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ واختلف في جنايات العبيد بعضهم على بعض في النفس والجراحات على أربعة أقوال:\nأحدها: قول مالك والشافعي بإيجاب القصاص بينهم فيها.\nوالثاني: نفي القصاص فيها وهو قول ابن مسعود وجماعة من التابعين، وبعض فقهاء العراقيين قياسًا على الصغير والمجنون.\nوالثالث: إيجاب القصاص في النفس دون الجراح وهو قول أبي حنيفة، واحتج له الطحاوي بحديث عمران بن حصين: أن عبدًا لقوم فقراء قطع أذن عبد لقوم أغنياء، وقيل بعكس ذلك. فأتوا رسول الله ﷺ فلم يقتص لهم منه. قال: واستعملنا في النفس بالنفس قوله ﷺ: «تتكافؤ دماؤهم».\nوالرابع: إيجاب القصاص إلا أن يكون المالك واحدًا.","vol":"1","page":162},{"text":"والصحيح قول مالك والشافعي لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ الآية.\nوأبعد هذه الأقوال نفي القصاص، لأنه خلاف الآية الخاصة والعامة وفياسه على الصغير والمجنون بعيد، لأن القلم يرتفع عنهما بخلاف العبد وقوله تعالى: ﴿والعبد بالعبد﴾ لا يسوغ فيه تأويل إلا القصاص، وإن ذهب قائل ذلك إلى قصر الآية على سببها التي وردت فيه فقد أبعد، وأخرج الآية عن وجه الاحتجاج بها في الأحكام.\nواختلف هل يقتل الأب بابنه قصاصًا؟ ففي المذهب له يقتل به في العمد الذي لا شبهة فيه مثل أن يضجعه فيذبحه، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يقتل به في ذلك. وقال عطاء، وإسحاق، وأشهب: وأما إن قتله على حد ما برمي أو بضرب فيقتله ففي المذهب فيه قولان. أحدهما: أنها لا يقتل به، والآخر: لا يقتل به وتغلظ الدية، ووجه تعلق من رأى القتل الأخذ بالعمومات في القصاص. ولعله لا يقبل أخبار الآحاد في مقابلة عمومات القرآن، ومن تلك الأخبار ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، عن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يقتل والد بولده» وحكم به","vol":"1","page":163},{"text":"عمر بن الخطاب -﵁- بمحضر من الصحابة واشتهر عندهم فكان كقوله: «لا وصية لوارث» في الاشتهار. وروى سعيد بن المسيب نحو هذا الحديث عن عمر أيضًا.\nوروى ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يقاد والد بولده» وحجة من لم ير القتل العتماد على هذه الأحبار وتخصيص العموم بها، وفهموا من قوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا﴾ الآية [العنكبوت: ٨] ألا يقتل الأب بمن وليه ابنه إذا قتله الأب، فإذا لم يقتل به يقتل بالابن لأن حق القصاص في الحالتين جميعًا وبنوا عليه أيضًا أنه لا يقتله إذا كان مشركًا ورأوا أنه نهى رسول الله ﷺ حنظلة عن قتل أبي عامر الراهب عن قتل أبيه، وكان مشركًا مجاربًا لله ولرسوله، كان مع قريش يقاتل النبي ﷺ يوم أحد. وكذلك لو قذفه لم يحد على هذا القول. واختلف أيضًا في الجد هل هو مثل الأب أو لا؟ وتوجيه الخلاف هذا ظاهر مما تقدم. واختلف في الجماعة تقتل الواحد هل","vol":"1","page":164},{"text":"تقتل به أم لا؟ ففي المذهب أنها تقتل به. وقال محمد بن جرير: لا تقتل. وقال داود: وعليهم الدية. وذهب ابن الزبير ومعاذ إلى أن للولي أن يقتل واحدًا من الجماعة من شاء، ويأخذ الدية من الباقين، وظاهر الآية في القصاص حجة لمالك على من أبطل القصاص جملة، وعلى من جعل القصاص دية فإنه تعالى قال: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ ولم يخص واحدًا بواحد ولا جماعة بواحد ولم يذكر في شيء من ذلك كله دية.\nوكذلك اختلف في الواحد يقتل جماعة ففي المذهب أنه يقتل بجميعهم. وقال الشافعي يقتل بواحد منهم وتكون عليه دية الباقين، وظاهر الآية في القصاص خاصة. واختلف في الرجلين يقتلان الرجل أحدهما عمدًا والآخر خطأ. ففي المذهب أن العامد يقتل، وعلى المخطئ نصف الدية وظاهر الآية يرد هذا القول يوجب مؤاخذة القاتل بجنايته وأن لا يؤثر خطأ صاحبه في حقه.\nواختلف فيمن قتل رجلًا خنقًا أو طرحه في بئر، أو ألقاه من أعلى جبل أو سطح، أو سقاه سمًا أو جره إليه جرًا فالجمهور على إيجاب القصاص. وقال أصحاب الرأي: لا قصاص فيه، وعلى عاقلة القاتل الدية قالوا: وإن كان خناقًا خنق غير واحد معروفًا بذلك فعليه القود. قال ابن المنذر: وهذا القول خلاف الكتاب والسنة، وإذا جاز أن يكون قاتلًا في آخر مرة فهو قاتل في أول مرة.\nواختلف أيضًا فيمن قتل بشيء من هذا لا بحديد هل يقاد منه بمثل القتلة التي قتل أم لا؟ ففي المذهب أنه يقاد منه بمثل الذي قتل به إلا أن يكون قتله بنار أو سم، فاختلف في ذلك، وكذلك في القتل أيضًا بالعصا. وقال أبو حنيفة لا يقاد إلى بالحديد، وظاهر قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ مراعاة لمثل ذلك كله. وكذلك قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم","vol":"1","page":165},{"text":"فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]. وقد جاء في الحديث أن يهوديًا ذدخ رأس امرأة فضدخ رسول الله ﷺ رأسه. واحتلف في المستحق بقتل العمد، فقيل: القود ولا تجب الدية إلا بالتراضي، وقيل: التخيير بين القود والدية. وعن مالك فيها روايتان، عن الشافعي قولان.\nقال أبو الحسن: قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ وقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليكم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥] وقوله تعالى: ﴿ومن قتل مظلومًا﴾ الآية [الإسراء: ٣٣] ذلك كله يدل لأحد قولي الشافعي على الآخر وهو أنه يتعين القود في العمد لأنه تعالى قال: ﴿النفس بالنفس﴾ وإن ثبت تخيير، فالواجب أحد الأمرين، فلا يجوز أن يقال إن القصاص واجب بالقول المطلق بل الواجب أحد الأمرين، مثاله: إذا قيل ما الواجب في الحنث باليمين؟ فلا يجوز أن يقال: إنه العتق والكسوة أو الإطعام بل نقول: أحد هذه الخلال الثلاثة لا بعينه. فإذا لم يكن المال واجبًا بالقتل وجب القود على الخصوص. وروي عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قتل في عميًا أو رميًا يكون بينهم بحجر أو بسوط أو بعصا فعقله عقل خطأ، ومن قتل عمدًا فقود كله من حال بينه وبينه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» ولو كان الواجب أحدهما لما اقتصر على ذكر القود لأنه غير جائز أن يكون له أحد سببين فيقتصر النبي ﷺ بالبيان على أحدهما","vol":"1","page":166},{"text":"دون الآخر، ويحتج للقول الآخر بقوله تعالى: ﴿فمن عفي له أخيه شيء﴾ الآية [البقرة: ١٧٨] وهي تحتمل معان: أحدها: أن ولي المقتول إذا أُعطي شيئًا من المال فليقبله وليتبعه بالمعروف ولؤد القاتل إليه بإحسان فندبه تعالى إلى أخذ المال إذا سهل ذلك عليه من جهة القاتل، وأخبر أنه تخفيف منه ورحمة كما قال عقب ذكر القصاص في سورة المائدة، ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ [المائدة: ٤٥] فندبه إلى العفو والصدقة، وكذلك ندبه بما ذكره في هذه الآية إلى قبول الدية إذا بذلها الجاني لأنه بدأ بذكر عفو الجاني بإعطاء الدية، ثم أمر الولي بالاتباع وأمر الجاني بالأداء بالإحسان.\nوالعفو على هذا التأويل بمعنى اليسر والسهولة قال الله تعالى: ﴿خذ العفو﴾ [الأعراف: ١٩٩] أي ما سهل من الأخلاق، وقال -﵊-: «أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله» يعني تسهيل الله تعالى على عباده «فمن» على هذه الآية يراد به الولي و«الأخ» يراد به القاتل و«الشيء» هي الدية، والأخوة على هذا أخوة الأسلام ويحتمل أن يراد بالأخ على هذا [التأويل] المقتول أي سهل له قود أخيه المقتول فتكون الأخوة أخوة قرابة وإسلام. قال أبو الحسن: وهذا التأويل خلاف الظاهر من وجهتين:\nأحدهما: أن العفو من القصاص يقتضي العفو عنه من مستحقه بإسقاطه.\nوالثاني: أن الضمير في «له» يجب أن ينصرف إلى من عليه القصاص","vol":"1","page":167},{"text":"لأنه الذي تقدم ذكره في قوله: ﴿كتب عليكم﴾ والولي لا ذكر له فيما تقدم فينصر الضمير إليه من له. والمعنى الثاني: ما قاله ابن عباس قال: كان القصاص في بني إسرائيل ولك تكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ إلى قوله: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ قال ابن عباس: فهو أن تقبل الدية في العمد وعلى هذا أن يتبع بمعروف وعلى هذا أن يؤدي بإحسان ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ مما كان كتب على من كان قبلكم ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ قال بعد قبوله الدية. فأخبر ابن عباس أن الآية نزلت ناسخة لما كان على بني إسرائيل من حظر قبول الدية، ومبيحة للولي قبولها إذا بذلها القاتل تخفيفًا من الله تعالى. والمقصود من هذا المعنى أن الذي قاله تعالى أنه كتب لم يعنِ أنه كتب على وجه لا يمكن إسقاطه برضى من كتب له، فإذا جاز إسقاطه رغب في إسقاطه من جهة من عليه القصاص بالمال وتنزيل ألفاظ المعنى كتنزيلها في المعنى الأول سواء إذا المعنيان متقاربان.\nوالمعنى الثالث: ما روي عن الشعبي أنها نزلت في حيين من العرب تقاتلوا فقتل من هؤلاء وهؤلاء، فقال أحد الحيين لا نرضى حتى نقتل بالمراة الرجل، وبالرجل الرجلين، فارتفعوا إلى رسول الله ﷺ، فقال: «القتل، بواء» أي سواء. فاصطلحوا على الديات وتقاضوا فيها وفضل لبعضهم على بعض شيء. قال سفيان بن حسين راوي الحديث. فمعنى","vol":"1","page":168},{"text":"قوله: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ أي فمن فصل [له] على أخيه شيء فليتبعه بالمعروف وليؤد له الآخر بإحسان. والعفو هنا الفضل من قولهم عفا الشيء إذا كثر ومنه قوله تعالى: ﴿ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا﴾ [الأعراف: ٩٥] أي كثروا. وقال النبي -﵇-: «أعفوا اللحى».\nوالمعنى الرابع: هو قول علي -﵁-، والحسن بن أبي الحسن البصري في الفضل بين دية المرأة ودية الرجل، والحر والعبد، أي من كان له ذلك الفضل فاتباع لالمعروف. وهذا المعنى قريب من الثالث، وكان الآية من أولها بين فيها الحكم إذا لم تتداخل الأنواع، ثم بين الحكم إذا تداخلت.\nوالمعنى الخامس: أن يعفو ولي الدم عن مال بغير رضى القاتل وهو أحد القولين المتقدمين وعليه ظاهر قوله -﵇-: «من قتل له قتيل فه بخير النظرين» الحديث. «فمن» على هذا يراد بها القاتل و«عفي» يتضمن عافيًا هو ولي الدم ويكون الأخ هو المقتول. ويصح أن يكون الولي على هذا، وشيء هو الدم الذي يعفى عنه ويرجع إلى أخذ الدية وهو قول ابن عباس أيضًا والعفو في هذا على بابه، ويقال لمن قال بهذا التأويل: العفو لا يكون مع أخذ المال، إلا أن النبي -﵇- قال: «العمد","vol":"1","page":169},{"text":"قود إلا أن يعفو الأولياء» فأثبت له أحد شيئين من قتل أو عفو ولم يثبت له مالًا فإن قيل: إنه عفي عن الدم ليأخذ المال كان عافيًا، ويتأول لفظ الآية، قيل له: لو كان الواجب أحد شيئين لجاز أيضًا أن يكون عافيًا بتركه المال، وأخذه القود فلا ينفك الولي في اختيار أحدهما من عفو قتل أو أخذ مال. وهذا بعيد ويجاب عن هذا بأن يقال: العفو يؤذن بالتخفيف والترفق بالعدول إلى القتل لا يظهر فيه شيء من ذلك، فلا يكون عفوًا، والعدول إلى أخذ المال يظهر فيه التخفيف والترفق بسقوط القتل، ويسوغ أن يقال فيه عفو. ويقال لهؤلاء هذا ينفيه الظاهر من وجه آخر وهو أنه إذا كان الواي هو العافي بتركه القود وأخذه المال فإنه لا يقال عفا له عن الدم وإنما يقال عفا عنه إلا بتعسف فيقيم اللام مقام «عن» أو بحمله على أنه عفا له عما لزم فيضر حرفًا غري مذكور ولأن ﴿من أخيه شيء﴾ يقتضي التبعيض والعفو المذكور إنما هو عن جميع الدم لا [عن] شيء منه، فمتى حمل على الجميع كان مخالفًا لمقتضى الكلام، ويشهد للقول الآخر بأن المستحق بالقتل إنما هو القود. قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ الآية [المائدة: ٤٥]. وقوله ﷺ في قصة الربيع حين كسرت ثنية جارية","vol":"1","page":170},{"text":"«كتاب الله هو القصاص» فأخبر أن موجب الكتاب القصاص وأن قوله: ﴿كتب عليكم القصاص﴾ محكم ظاهر المعنى. وقوله: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ ظاهر محتمل لمعان ومتشابه. فيجب رده إلى المحكم.\nوالمعنى السادس: أنهم قالوا في الدم بين جماعة إذا عفا بعضهم تحول أنصباء الآخرين مالًا. وقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ يدل على وقوع العفو عن شيء من الدم لا عن جميعه فيتحول نصيب الشركاء مالًا فعليهم اتباع القاتل بالمعروف عليه الأداء بالإحسان، وهذا الذي ذكره هو أحد القولين في المذهب في العفو عن الدم بعد ثبوته بالبينة أو بالقسامة أن من عفا سقط حقه، ومن لم يعف صار حقه ما بقي من الدية أن لو كان الواجب دية. وذهب ابن الماجشون إلى أن الدية والدم يبطلان ولا يكون لمن بقي شيء من الدية، ولا قصاص وقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من شيء﴾ الآية [البقرة: ١٧٨] يدل على أن دية العمد على القاتل لا على العاقلة كما قال النبي ﷺ: «لا تحمل العاقلة عمدًا أو لا عبدًا» وهي غير مؤقتة ولا معلومة، قالوا: والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ و﴿شيء﴾ يقع على القليل والكثير، فإن اصطلحوا على الدية بينهم فاختلف في ذلك على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن تكون مربعة. وذهب الشافعي إلى أنها مثلثة، كدية سب العمد. وقد ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا دية للعمد أصلًا. وهذا القول مع ظاهر الآية. واختلف إذا وقفت كذلك هل تكون حالة او منجمة في ثلاث سنين على قولين في المذهب والاظهر من لفظ الآية انها على الحلول وقاتل العمد إذا عفي عنه أو سقط القصاص عنه، لأن الدم لا يتكافأ ففي","vol":"1","page":171},{"text":"المذهب أنه يضرب منه ويسجن سنة، سواء كان المقتول حرًا أو عبدًا أو ذميًا. واختلف فول مالك إذا قتل عبد نفسه. وقال الشافعي: إذا عفي عنه خلي ولم يضرب ولم يحبس لقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فابتاع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ الآية. ولم يذكر الله تعالى حبسًا ولا ضربًا ولا حجة في هذا للشافعي لأنه دليل على سقوط حق الله تعالى فلا. وقد روي عن علي -﵁- أن رجلًا قتل عبده، فجلده رسول الله ﷺ، ونفاه سنة ومحا سهمه، ولم يقده لأنه انتهك حرمة الله تعالى، وحرمة الآدمي، فإذا سقط حق الآدمي، بقي حق الله تعالى كالزاني.\nوقوله تعالى: ﴿فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ [البقرة: ١٧٨] المعنى فالواجب اتباع أو الحكم اتباع ونحو ذلك. قال أبو محمد: هذا سبيل الواجبات كقوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩] وأما المندوب فيأتي منصوبًا كقوله تعالى: ﴿فضرب الرقاب﴾ [محمد: ٤] وقد روي: «فاتباعًا بالمعروف» وهذا الذي ذكره أبو محمد منزع لا تقتضيه العربية. وقد حض الله تعالى في هذه الآية على حسن الاقتضاء وحسن القضاء.\nوقوله: ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ [البقرة: ١٧٨] إشارة إلى ما كانت عليه بنو إسرائيل من القصاص خاصة، وقد ذكر بعضهم هذا في الناسخ والمنسوخ.","vol":"1","page":172},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فمن اهتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ [البقرة: ١٧٨] الاعتداء هاهنا هو القتل بعد العفو على الدية، واختلف في العذاب الأليم ما هو؟ فقال مالك وغيره: هو عذاب الآخرة، وأما حكمه في الدنيا فكمن قتل ابتداء أولياؤه بالخيار إن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا عفوا. وقال غيره عذابه أن يقتل البتة، ولا يمكن الحاكم الولي من العفو وهو قول قتادة، وعكرمة، والسدي، وروي عن مالك أيضًا. ويشهد لهذا التأويل أيضًا ما روي أن رسول الله ﷺ قال: «لا أعافي رجلًا قتل بعد أخذ الدية» وقع في «تفسير ابن سلام»: وقال عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الإمام يصنع فيه ما رأى بعد العقوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>(١٧٩) - قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾ [البقرة: ١٧٩]</span>.\nمعناه: أن القصاص إذا أقيم ازدجر الناس عن القتل ونحوه. وقال العرب: القتل أوقي للقتل، وروي: أنفى وأبقى. وهذا تنبيه على الحكمة في شرع القصاص وإبانة الغرض منه. وخص أولي الألباب مع وجود المعنى في غيرهم لأنهم المنتفون به، كما قال: ﴿إنما أنت منذر من يخشاها﴾ [النازعات: ٤٥] مع قوله ﴿نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾ [سبأ: ٤٦] وقال: ﴿هدى للمتقين﴾ [البقرة: ٢] مع قوله في موضع آخر: ﴿هدى للناس﴾","vol":"1","page":173},{"text":"[البقرة: ١٨٥] وقال في قصة مريم: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيًا﴾ [مريم: ١٨] وقد اختلف في القصاص هل يكون كفارة للقاتل أم لا؟ فمن أهل العلم من ذهب إلى ذلك لقوله -﵊-: «الحدود كفارة لأهلها» ومنهم من ذهب إلى أن ذلك لا يكون كفارة لأن المقتول المظلوم لا منفعة له في القصاص، وإنما هي منفعة للأحياء ليتناهى الناس عن القتل، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ولكن في القصاص حياة﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>(١٨٠) - قوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ [البقرة: ١٨٠]</span>.\nاختلف الناس في هذه الآية اختلافًا كثيرًا، فذهب قوم إلى أنها منسوخة كلها وذهب قوم إلى أنها محكمة كلها. وذهب قوم إلى أن بعضها منسوخ وبعضها محكم. والذين ذهبوا إلى أنها كلها منسوخة اختلفوا في معناها. فذهب قوم إلى أنها فيمن يرث ومن لا يرث. واختلف الذاهبون إلى أنها فيمن يرث خاصة في الناسخ لها ما هو؟ فذهب قوم إلى أن الإجماع على أن الوصية لمن يرث لا تجوز هو الناسخ لها، وهو معترض بأن الإجماع إنما ينعقد بعد موت النبي -﵇-، فالنسخ به لا يصح، وإنما حكي جوازه عن عيسى بن أبان، وهو قول ضعيف. لكنا نقول قد ينعقد على قول الجمهور عن نظر واجتهاد، فهذا القسم لا يصح النسخ به بوجه.\nوقد ينعقد عن استناد إلى خبر عن النبي ﷺ بهذا إذا صح مستنده إلى الخبر جاز النسخ به، والناسخ على هذا هو الخبر الذي وقع الإجماع على","vol":"1","page":174},{"text":"معناه، والإجماع في هذه المسألة على أن الوصية لمن يرث لا تجوز، وقد يصح أن يقال أن لم يخل عن الاستناد إلى الخبر عن النبي ﷺ لكنه درس، ويعني الأجماع المقطوع به. وقد جاء في الحديث الصحيح ما يدل عليه وهو قوله -﵊-: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت، فهو لأولى عصبة ذكر» وذهب قوم إلى أن الناسخ لها السنة، وهو قوله -﵊-: «لا وصية لوارث» وهو قول بعض أهل العلم. وحكى أبو الفرج عن مالك أنه قال: نسخت الوصية للوالدين ما تواتر من قول رسول الله ﷺ: «لا وصية لوارث» ونسخت الوصية للأقربين آية المواريث. وهذا القول معترض من أوجه:\nأحدها: أنه خبر آحاد نسخ القرآن به على قول الجمهور، وأجاب من أجاز ذلك أنه لا يمتنع من طريق النظر في الأصول، فإن بقاء الحكم مظنون فيجوز أن ينسخ بمثله، وضعف هذا القول مبين في كتب الأصول. وقد قيل إن الإجماع منعقد على تلقي الخبر بالقبول ومثل ذلك يجوز أن ينسخ به الكتاب،","vol":"1","page":175},{"text":"والثالث: أنه وإن تواتر ففي نسخ القرآن به نظر لأن السنة إنما هي مبينة لا ناسخة، وقد روي هذا القول عن الشافعي، وقد تبين في الأصول ضعف هذا القول، فإن الصحيح جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة.\nوذهب قوم إلى أن الناسخ لها قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين﴾ الآية [النساء: ٨] وهذا قول ضعيف لأنه لا تعارض بين الآيتين. وذهب قوم إلى أن الناسخ لها آية المواريث، وهو قول مالك في «الموطأ» وهذا معترض بأنه ليس بين الآيتين تعارض، ولا ثم أصل في معرفة المتقدمة منهما من المتأخرة، قالوا: فما المان من أن يجتمع الوصية والميراث، وإنما نسخ الشيء بما ينافيه، والله تعالى إنما جعل الميراث بعد الوصية فلا يمتنع أن يأخذ حضه من الوصية ثم يعطي الميراث بعدها، وقد قال الشافعي في كتاب «الرسالة»: يحتمل أن تكون المواريث ناسخة للوصية، ويحتمل أن تكون ثابتة معها -ثم قال- لما قال رسول الله ﷺ: «لا وصية لورث» استدللنا به وإن كان حديثًا منقطعًا على أن المواريث ناسخة للوصية للوالدين والأقربين.\nووجه هذا القول أن الله تعالى جعل الوصية واجبة ليأخذ كل ذي حق حقه من مال الميت بعد موته، وكان إثبات الحق للوارث من ماله لمكان","vol":"1","page":176},{"text":"القرابة، ولما كان الموصى قد يميل لبعضهم دون بعض، وعلم الله تعالى منه ذلك أطى كل ذي حق حقه بآية المواريث، ولذلك قال النبي -﵊- في الحديث: «إن الله لم يكل قسم مواريثكم إلى ملك مقرب» الحديث، إلى أن قال: «لا وصية لوارث» فكان الميراث قائمًا مقام الوصية، فلم يجز الجمع بينهما. وأما الذاهبون إلى أن الآية عامة فيمن يرث ومن لا يرث فقالوا: إن الآية منسوخة في حق الوارثين جملة، وأما في حق من ليس بوارث، فإنما نسخ منها الوجوب وبقيت الوصية في حقهم ندبًا. وذكر المهدوي عن ابن عباس وغيره: أنها منسوخة بآية المورايث، فلا وصية للوارث تسقط جملة، ويسقط وجوبها في حق غير الورثة، وذلك بآية المواريث لأنها بينت من له حق المال وليس له غيره، ومن لا حق له واجب، فبقيت الوصية في حقه على الندب. وقال الربيع بن خثيم، وغيره: لا وصية، وقال عروة بن ثابت للربيع بن خثيم: أوصي لي بمصحفك! فنظر الربيع إلى ولده وقرأ: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ ونحو هذا صنع ابن عمر -﵁-. وقد اختلف في الوصية للوارث إذا أجازها سائر الورثة هل يجوز ذلك أم لا؟ ففي المذهب أنها تجوز لهم لأن نسخ الوصية إنما كان بسبب غيرهم من الورثة فإذا سلموا صحت. وقالت جماعة من أهل العلم: لا تجوز وإن أجازوها لعموم الحديث: «لا وصية لوارث» لا على سبيل الهبة المفتقرة إلى الحيازة. وهكذا إذا أجاز الورثة ما زاد على الثلث.\nوأما الذين ذهبوا إلى أن بعضها منسوخ وبعضها محكم فقالوا نسخ","vol":"1","page":177},{"text":"من الآية فرض الوصية للوالدين الوارثين وبقي فرصض الوصية للأقربين الذين لا يرثون محكمًا غير منسوخ. ويعترض هذا القول فإن آية الوصية عامة فيمن يرث ومن لا يرث والذي عارضها خاص فيمن يرث فكيف يكون نسخًا فيمن يرث؟ والجواب عن هذا ما حكاه بعض المفسرين عن ابن عباس، والحسن وقتادة بأن الآية عامة ولم يقرر الحكم بها برهة، ونسخ منها كل من يرث بآية الفرائض.\nوأما الذين ذهبوا إلى أنها محكمة كلها فاختلفوا في معناها، فقالت طائفة هي آية عامة فيمن يرث ومن لا يرث، من لا يرث من الوالدين والأقربين، والمراد بها من لا يرث منهم كالوالدين الكافرين والعبدين دون من لا يرث بدليل آية المواريث وقال رسول الله ﷺ: «لا وصية لوارث» فالأدلة على أن الوصية للوارث لا تجوز مخصصة لا ناسخة. وقالت طائفة الآية خاصة فيمن لا يرث دون من يرث من الوالدين والأقربين، فالآية على هذا لا تحتاج إلى تخصيص. وقد اختلف الذاهبون إلى أنها محكمة، هل الوصية واجبة للأقربين أو مندوب إليها؟ فقال قوم: إنها مندوب إليها بدليل قوله تعالى: ﴿متاع بالمعروف حقًا على المتقين﴾ [البقرة: ٢٤١] لأن الواجب لا يقال [فيه] إنه معروف، ويستوي فيه المتقي وغيره.\nوذهب قوم إلى أنها واجبة بدليل قوله تعالى: ﴿كتب عليكم﴾ وقال بعضهم وقوله تعالى: ﴿حقًا على المتقين﴾ يؤكد الوحوب. وبدليل قوله -﵊-: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده» وحمل الذين ذهبوا إلى أن الندب هذا الحديث على","vol":"1","page":178},{"text":"طريق الندب واحتجوا بما جاء في بعض طرقه من أنه قال -﵊-: «ما حق امرئ مسلم له شييء يريد أن يوصي به» قالوا وتعليق الوصية بإرادته نص على سقوط الوجوب، وهذا قول الجمهور.\nوالوصية في الوجوب أو الندب سواء في حال الصحة أو في حال المرض، وظاهر الآية يقتضي أنها إنما تكون في حال المرض وقد قال به قوم مشيًا على ظاهر الآية، وقد اتفقوا على أن الوصية للأقربين الذين يرثون أفضل منها للأجانب فلا يجوز أن يوصى للأجانب ويتركوا. وقال الناس حين مات أبو العالية: عجبًا له أعتق امرأة من رياح وأوصى بماله لبني هاشم.\nوقال الشعبي: لم يكن ذلك له ولا كرامة. واختلفوا إذا أوصى للأجنبين دونهم، فعلى مذهب مالك الذي لا يرى الوصية واجبة هي ماضية حيث جعلها الميت.\nوقال طاوس ينقض فعله وترد الوصية إلى قرابته. وقاله جابر بن زيد.\nوقال الحسن، جابر بن زيد أيضًا وعبد الملك بن يعلى: يبقى ثلث الوصية حيث جعلها ويرد ثلثاها إلى قرابته. وقيل: يصرف إلى قرابته ثلث الثلث، وهذه الأقوال على القول الأول بأن الآية في الأقربين محكمة، وأنها على الوجوب والوصية قد اتفقوا على أنها لا تجوز بأكثر من الثلث لمن معه ورثة. واختلفوا فيمن لا وارث له سوى بيت المال. فأجاز له أبو حنيفة الوصية بجميع ماله. وقال مالك لا يجوز أكثر من ثلثه لقوله ﷺ لسعد «الثلث والثلث كثير» وهذا الحديث مخصص لعموم الآية في الوصية للأقربين، ومن العلماء من استحب ألا يبلغ بالوصية الثلث لقوله -﵊-: «والثلث كثير» وروي عن ابن عباس أنه قال: لو غض","vol":"1","page":179},{"text":"الناس من الثلث إلى الربع. وأوصى عمر بن الخطاب -﵁- بربع ماله وأبو بكر بخمس ماله. وقال: رضيت في وصيتي بما رضي الله تعالى به لنفسه من النيمة. وتلا: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ الآية [الأنفال: ٤١]. وقد استحب جماعة من العلماء الثلث في الوصية لقول رسول الله ﷺ: «إن الله أعطاكم ثلث أموالكم عند وفاتكم، وزيادة في أعمالكم». واختلف في قدر المال الذي إذا كان عند الإنسان استحبت له فيه الوصية أو وجبت عليه فيه لاختلافهم في مقدار الخير في قوله تعالى: ﴿إن ترك خيرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] فقال الزهري وغيره: تجب فيما قل وكثر. وقال النخعي: تجب في خمسمائة درهم فصاعدًا. وقال علي -﵁- وقتادة: في ألف درهم فصاعدا. وروي عن علي أيضًا تجب في خمسمائة ألف فما دونها نفقة. وعن عائشة -﵂- في امرأة لها ثلاثة آلاف درهم وأربعة من الولد لا وصية تجب لمالها.\nواستدل محمد بن الحسن على أن مطلق الأقربين لا يتناول الوالدين بهذه الآية. وهذا استدلال لا خفاء في ضعفه والجمهور على خلافه.\nوقوله تعالى: ﴿فمن بدله بعدما سمعه﴾ [البقرة: ١٨١]. الضمير في ﴿بدله﴾ عائد على الإيصاء، وكذلك من سمعه، ويحتمل أن يعود الذي في","vol":"1","page":180},{"text":"﴿سمعه﴾ على أمر الله تعالى في هذه الآية، وتدل هذه الآية على أن إثم التبديل لا يلحق الموصي، وتدل أيضًا على أن كل من عليه دين أوصى بقضائه أنه قد سلم من تبعته في الآخرة وإن ترك الموصي، أو الوارث قضاءه فلا تلحقه تبعة. ومن أحكام هذه الآية أن من أوصي إليه بشيء خاص لم يكن وصيًا في غيره خلافًا لأبي حنيفة، فإنه يكون [عنده] كالوكيل المفوض إليه ينظر في ذلك وغيره، والحجة عليه قوله تعالى: ﴿فمن بدله بعدما سمعه﴾ [البقرة: ١٨١] وهذا من أعظم التبديل. ومنها إذا أوصى الميت بشيء فوصية صحيحة خلافًا لأبي حنيفة والشافعي لقوله تعالى: ﴿فمن بدله بعدما سمعه﴾ الآية. وقد اختلفوا في الوصية للقاتل عمدًا أو خطأ ففي المذهب أنها تصح. وذكر الشافعي أنها لا تصح واحتج أصحاب المذهب أنها تصح. وذكر الشافعي أنها لا تصح واحتج أصحاب المذهب بقوله تعالى: ﴿فمن بدله بعدما سمعه﴾ الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>(١٨٢) - وقوله: ﴿فمن خاف من موص جنفًا﴾ [البقرة: ١٨٢]</span>.\nاختلف في معنى الخوف هنا فقيل: هو على بابه، فإنه بمعنى خشي وأن المراد المعنى من خشي أن يجنف الموصي، ويقطع ميراث الورثة متعمدًا وهو المراد بقوله ﴿إثما﴾ أو غري متعمد وهو الجنف دون الإثم فوعظه في ذلك، وزجره عنه وأصلح في ذلك ما بينه وبين ورثته، وما بين الورثة في ذاتهم فلا إثم عليه، وهذا قول مجاهد. وقال ابن عباس، وقتادة، والربيع: المعنى ﴿من خاف﴾ أي علم ومن أتى عليمه عليه بعد موت الموصي خاف أو جنف، وتعمد إذاية بعض ورثته فأصلح ما وقع بين الورثة من الاضظراب والشقاق، فلا إثم عليه أي لا يلحقه إثم البدل المذكور. وقيل: وإن كان في","vol":"1","page":181},{"text":"فعله تبديل ما. وقد أفادت هذه الآية أن على الوصي والحاكم والوارث، وكل من وقف على جور في الوصية من جهة الخطأ والعمد ردها إلى العدل فدل ذل على قوله ﴿بعدما سمعه﴾ خاص في الوصية العادلة دون الجائرة.\nوفيه الدلالة على جواز اجتهاد الرأي، والعمل على غالب الظن، وفيه الرخصة في الدخول بينهم على وجه الصلاح، مع ما فيه من زيادة أو نقصان من الحق بعدما يكون بتراضيهم. ويؤخذ من الآية أيضًا أنه إذا أوصى بأكثر من الثلث أن الوصية لا تبطل كلها، وإنما يبطل منها ما زاد على الثلث لقوله تعالى: ﴿فمن خاف من موص جنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ١٨٢] لأنه تعالى لم يبطل الوصية جملة بالجور فيها، وجعل فيها الوجه الأصلح خلافًا لمن يقول إنها تبطل جملة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>(١٨٣) - قوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ الآية [البقرة: ١٨٣]</span>.\nاختلف في قوله: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ هل هو من المجمل أو من العام؟ فذهب بعضهم إلى أنه مجمل لكن السنة بينته.\nوذهب بعضهم إلى أنه عام لأن الصوم الإمساك، لكن الشرع قد خصصه بإمساك مخصوص، وعن أشياء مخصوصة في أوقات مخصوصة على وجه مخصوص.\nورجح كل فريق مذهبه. وقوله تعالى: ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾ متردد بين معان، فيحتمل أن يراد به صفة الصيام في الامتناع","vol":"1","page":182},{"text":"من الأكل بعد النوم، ويحتمل أن يريد العدد أي صيام شهر، ويحتمل أن يريد العدد الوقت، أي شهر رمضان، ويحتمل أن يريد جميع ذلك، ويحتمل أن يريد به تعيين الصيام خاصة ولم يترجح فيه أحد الاحتمالات فهو لفظ مجمل. وقد تجاذبت أهل التفسير هذه الاحتمالات. فذهب كل فريق منهم إلى ما هو الأظهر منها عنده، ولذلك اختلفوا في معنى التشبيه في الآية هل هو منسوخ أو محكم، فذهب بعضهم إلى أنه منسوخ، وذهب بعضهم إلى أنه محكم.\nوالذين ذهبوا إلى أنه منسوخ قالوا: إنه كتب على من كان قبلنا أنه من نام بعد المغرب، وقيل: من صلى العتمة لم يأكل، ولم يقرب النساء بقية ليلته، ويومه حتى يمسي، ثم كتب علينا ذلك في هذه الآية، واختلف في الذين من قبلنا من هم؟ فقيل: هم أهل الكتاب، وقيل: الناس كلهم، وقيل: النصارى، كتب عليهم شهر رمضان على أن لا يأكلون ولبا ينكحوا النساء بعد النوم حتى ثقل عليهم في الشتاء فلما رأوا ذلك اجتمعوا وقالوا: نريد عشرين يومًا نكفر بها ما صنعنا، فجعلوا صيامهم خمسين يومًا، فلم يزل المسلمون على ذلك حتى نسخه الله تعالى بقوله: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ الآية [البقرة: ١٨٧] بسبب عمر -﵁- أو قيس بن صرمة.","vol":"1","page":183},{"text":"والذين ذهبوا إلى [أنه محكم اختلفوا في تأويله فذهب بعضهم إلى أن المراد بالتشبيه أنه كتب علينا شهر رمضان كما كتب على] من قبلنا، قالوا: إلا أن الذين من قبلنا غيروه وزادوا فيه واختلفوا في سبب تغييره، فقال الشعبي: فرض على النصارى رمضان كما كتب علينا فبدلوه لانهم احتاطوا له بزيادة يوم في أوله ويوم في آخره قرنًا بعد قرن حتى بلغوا به خمسين يومًا، فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الفصل الشتوي وفي ذلك حديث عن دغفل بن حنظلة، والحسن البصري والسدي. وقيل: بل مرض ملك من ملوكهم فنذر إن برئ أن يزيد فيه عشرة أيام ففعل، ثم نذر آخر مثله سبعة، ثم آخر مثله ثلاثة وقال: اجعلوه حين لا حر ولا قر.\nقال مجاهد: كتب شهر رمضان على كل أمة. وذهب يعضهم إلى أن التشبيه واقع على الصيام لا على الصفة ولا على العدة وإن اختلف الصيامان بالزيادة والنقصان. وري معناه عن معاذ بن جبل وعطاء وغيرهما، وذهب بعضهم إلى أن معناه كما كتب على الذين من قبلكم أشياء غير رمضان. وذهب قوم إلى أن هذه الآية ناسخة واختلف فيما نسخته فذهب جابر بن سمرة وغيره إلى أنها ناسخة لصيام يوم عاشوراء، وهذا من نسخ السنة بالقرآن لأن النبي ﷺ صامه وأمر بصيامه. وذهب عطاء وغيره إلى أنها ناسخة لما كتب عليهم قبل أن يفرض رمضان وهو ثلاثة أيام من كل شهر.\nوذهب معاذ وغيره إلى أنها ناسخة يوم عاشوراء، أو ثلاثة أيام من كل شهر، وكانت قد كتبت عليهم قبل أن يفرض رمضان. وروي عن معاذ قال: أحيل الصوم ثلاثة أحوال، قدم رسول الله ﷺ المدينة أولًا، فجعل يصوم في كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء، ثم إن الله فرض الصوم","vol":"1","page":184},{"text":"بقوله: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ فكان يصام من العتمة إلى العتمة ثم نسخ ذلك. وهذا أيضًا عندي من نسخ السنة بالقرآن، لأ، هذه الثلاثة أيام لم ينزل بصيامها قرآن، وإنما صيمت بالسنة إلا أني رأيت بعض المفسرين ينسب لعطاء قولًا مخالفًا لما تقدم عنه، وهو معنى التشبيه كتب عليكم الصيام ثلاثة أيام من كل شهر قال في بعض الطرق: يوم عاشوراء كماكتب على الذين من قبلكم ثلاثة أيام من كل شهر، ويوم عاشوراء. ثم نسخ هذا بهذه الآية بشهر رمضان فظاهره أن الثابت بهذه الآية صوم ثلاثة أيام كمن كل شهر ويوم عاشوراء ثم نسخ برمضان. فهذا إذا من نسخ القرآن بالقرآن والآية على هذا منسوخة كلها، وبعض من ذهب إلى أن معنى التشبيه منسوخ فيطلق القول بأن الآية كلها منسوخة، وأكثرهم لا يطلق هذا. وهذا مبني على اختلافهم في العبادة إذا نسخ شرط من شروطها هل يقال: إنه نسخ لبعض العبادة لا لأصلها؟ أم يقال إنه نسخ لأصلها؟ فمن رآها نسخًا لأصلها أطلق القول بأن الآية كلها منسوخة ومن لم ير ذلك لم يطلق القول بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>(١٨٤) - قوله تعالى: ﴿أيامًا معدودات﴾ [البقرة: ١٨٤]</span>.\nقيل: ثلاثة أيام، وقيل: رمضان، وقيل: الأيام البيض، وقد روى معاذ أن ذلك كان واجبًا ثم نسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>(١٨٤) - قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤]</span>.\nاختلف في المريض والمسافر هل هما مخاطبان بصيام رمضان أم لا؟","vol":"1","page":185},{"text":"فذهب أكثر من أهل المذهب إلى أنهما مأموران بصيام رمضان مخيران بين صومه وبين صوم غيره. وذهب أهل المذهب إلى أن المسافر مخاطب بالصوم دون المريض. وقال الكرخي وأصحابه: المريض والمسافر غير مخاطبين بالصوم. وهذا الاختلاف مبني على الاختلاف في إضمار «فأفطر» في هذه الآية وذلك أن الأكثر ذهب إلى أن هذا من لحن الخطاب وهو ضمير لا يتم الكلام إلا به لأن سياق الكلام يدل عليه، كقوله: ﴿فاضرب بعصاك الحجر فانبجست منه﴾ [الأعراف: ١٦٠] أي فضرب فانبجست. وذهب بعضهم وأكثرهم أهل الظاهر أنه لا يضمر في الكلام وأنه تعالى لم يأمر إلا بأيام أخر، فمن ذهب إلى هذا القول الأول رأى أنهما مخاطبان.\nومن ذهب إلى القول الثاني ذهب إلى خلاف ذلك. وقد اختلفوا على هذا في صيام المسافر رمضان. فذهب أهل الظاهر إلى أن الصوم لا ينعقد فيه وأن من صام فيه قضى أخذًا بظاهر الآية، وهو تلاك الإضمار لم جاء عنه -﵊- أنه قال: «ليس من البر أن تصوموا في السفر» وذهب الكرخي إلى أن الواجب أيام أخر لكن لو صام رمضان صح، وكان معجلًا للواب كمن قدم الزكاة قبل الحول، وجمهور العلماء على خلاف هذين المذهبين، ويلزم من ذهب في المسافر المذهبين المتقدمين أن يجعل المريض إن تحامل على نفسه فصام أنه يجزيه صومه إذا منعقد بلا خلاف.\nوذكر عبد الوهاب في بعض كتبه: أن بعض الناس خرق الإجماع، فقال: إن المريض أيضًا لا ينعقد صومه. وأما الكرخي فمذهبه في المريض كمذهبه","vol":"1","page":186},{"text":"في المسافر. وإذا قلنا أنهما مخاطبان، فهل يقال إن صوم رمضان واجب عليهم أم لا؟ هذا فيه نظر، وهو مظنة الخلاف، فإن حد الواجب هذا الذي إذا تركه المخاطب عصى، والمريض والمسافر إذا تركا الصيام لم ينسحب عليهما اسم العصيان باتفاق فيحتمل أن يقال: إن الصوم واجب عليهما في رمضان لكن رخص لهما الشرع في تأخيره كالصحيح المقيم إذا تركه سهوًا أو عمدًا. ويحتمل أن يقال إن الصوم لهما في رمضان على سبيل التخيير لقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ فكان الواجب أحدهما لا بعينه، وقد اختلفوا هل الصوم أفضل أم الفطر أم هما سواء.\nفقيل: الصوم أفضل لقوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ فعم، ولما ورد من صومه ﷺ من أحاديث تدل على ذلك، وهذا أحد قولي مالك والشافعي، وقيل: الفطر أفضل للحديث المتقدم وهو «ليس من البر أن تصوموا في السفر» ولقوله ﷺ: «هي رخصة من الله تعالى فمن شاء الأخذ بها فحسن، ومن شاء أن يصوم فلا جناح عليه» فمن جعل الفطر حسنًا والصوم لا جناح فيه، ففيه إشارة إلى أن تفضيل الفطر على الصوم، وهذا قول ابن عباس وابن عمر، وإليه ذهب عبد الملك ابن الماجشون، وقيل: بل هما سواء في الفضل لقوله ﷺ للذي سأله عن الصيام [في السفر]: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر» وقد ذُكر هذا عن مالك. وقيل أفضلهما أيسرهما هو قول عمر بن عبد العزيز ومجاهد. وهذا الاختلاف عندي إنما هو عند من رأى المسافر مخاطبًا بالصوم ويلزم أن يكون المريض","vol":"1","page":187},{"text":"مثل المسافر فيختلف في أي شيء أفضل له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>(١٨٤) - وقوله تعالى: ﴿من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤]</span>.\nويدل على جواز القضاء متتابعًا ومتفرقًا لأنه تعالى ذكر أيامًا منكرة فإذا فرق فقد أدى ما اقتضاه الأمر خلافًا لمن رأى وجوب القضاء متتابعًا.\nوذكر ذلك عن مالك، وكذلك يدل على جواز التأخير من غير أن يتحدد بوقت، وهو كالأمر المطلق خلافًا لداود حيث يقول: إن قضاء رمضان يجب على الفور، وأنه إذا لم يصم اليومك الثاني من شوال أثم وإن مات عصى. واختلف فييمن أفطر في رمضان لعذر، فلم يقضه حتى جاءه رمضان آخر وهو صحيح، فعدن مالك أنه يصوم الحاضر، ويقضي الغائب ويطعم، وروي عن ابن عمر أنه يصوم الحاضر ولا يقضي الغائب ويطعم عن كل يوم منه مدًا، وهذا القول مخالف للقياس، ولظاهر قوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ لأن اللفظ يتناول الأوقات كلها. وقد اختلفوا في المريض الذي أباح الله تعالى له الفطر من هو؟ فقيل: إن المريض له أن بكل حال إذا كان مريضًا بأي مرض كان لظاهر قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا﴾ وروي عن طريف بن تمام العطاردي أنه دخل على محمد بن سيرين، وهو يأكل في رمضان، فلم يسأله، فلما فرغ قال: إني وجعتني أصبعي هذه وقيل: لا يفطر بالمرض إلا من دعته ضرورة المرض نفسه إلى الفطر، ومتى احتمل الضرورة معه لم يفطر، وهذا","vol":"1","page":188},{"text":"مذهب الشافعي. وقيل هو الذي لا يقدر على الصيام أو يقدر على جهد ومشقة، وهو مذهب مالك وأصحابه. وقيل: إن قدر بغير جهد ولا مشقة، ولكنه يخاف أن يزيده الصيام في مرضه، فالفطر له جائز، وهذا مذهب أبي حنيفة وهي من رواية أصبغ عن ابن القاسم. ويظهر مثلها من قول مالك في الحامل تكون صحيحة، إلا أنها إن صامت تخاف أن تطرح ولدها. وأنكر بعضهم هذا القول، وقال إن ذلك لا يجوز، لأ، الصوم عليه واجب لقدرته عليه، وما يخشى من زيادة مرضه أمر لا يتيقنه المرض فلا يترك فرضه لشك، وهذا الاعتراض ساقط لمن تأمله. وقال الحسن: إذا لم يقدر من المرض على الصلاة قائمًا أفطر.\nوالسفر الذي أباح الله تعالى فيه الفطر اتفقوا على أنه سفر الطاعة كالجهاد والحج، ويلحق بهذين سفر صلة الرحم، وسفر المعاش الضروري.\nواختلفوا في سفر المباحات كالتجارة والمحرمات على قولين: أحدهما الجواز، والآخر المنع. والقول بالجواز في سفر المباحات أرجح، والقول بالمنع في سفر المحرمات أرجح، وحجة المجيزين للفطر بهذه الآية.\nوقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر﴾ فعم الأسفار ومن لم يجز الفطرلم يحمل الآية على عمومها وخصصها بالقياس. وكذلك اختلفوا في مسافة السفر الذي أباح الله تعالى فيه الفطر، فذهب مالك ﵀ إلى أنه يفطر فيما تقصر فيه الصلاة، واختلفوا في قدر ذلك.\nفعن مالك فيه خمس روايات إحداها: يوم وليلة، والثانية: مائة وأربعون ميلًا، والثالثة: يومان، والرابعة: خمسة وأربعون ميلًا، والخامسة: أربعون","vol":"1","page":189},{"text":"ميلًا، وفي المذهب قولتان سوى ما تقدم أحداهما ستة وثلاثون ميلًا والأخرى ثلاون ميلًا. واختلف الناس في غير المذهب في حد ما تقصر فيه الصلاة اختلافًا كثيرًا من مسافة ثلاثة أميال وهذا مذهب أهل الظاهر إلى مسافة ثلاثة أيام، وهو مذهب أبي حنيفة. واختلفوا في المرأة تطهر من حيضتها في بعض النهار، والمسافر يقدم والمريض يصح، فقال أبو حنيفة والأوزاعي وغيرهما: يلزمهم كلهم الإمساك بقية النهار وإن قدم المسافر عصرًا، فلا يطأ زوجته لعظم حرمة الشهر، وقال مالك والشافعي، وأبو ثور: يأكلون بقية نهارهم وللمسافر المفطر يقدم أن يطأ زوجته يريد الطاهرة من الحيض في ذلك اليوم. وقال ابن القصار: والحجة لمالك ومن تابعه قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ وهؤلاء قد أفطروا فحكم الإفطار لهم باق، والفطر لهم رخصة للمسافر، ومن تمام الرخصة أنه لا يجب عليه أكثر من يوم، فلو أمرنا بإمساك بقية يومه، ثم يصوم يومًا آخر مكانه، لكنا قد منعناه من الرخصة وأوجبنا عليه بدل اليوم أكثر من يوم والله تعالى قال: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ وكذلك الحائض، وحجة من لم يره مجزيًا قوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ لأن ظاهر الآية أن على المفطر أيامًا بعدد الأيام التي أفطرها، ولم يفرق بين أن تكوت [تلك]","vol":"1","page":190},{"text":"الأيام شهرًا أو لا تكون. وكذلك اختلفوا إن صام الناس شهرًا ناقصًا للرؤية، ومرض فيه رجل فأفطره فقال قوم منهم الحسن بن صالح: إنه يقضي شهرًا بالشهرين مع مراعاة عدد الأيام والأظهر أنه يقضي تسعة وعشرين يومًا لقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ ولم يقل شهرًا من أيام أخر.\nوقوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ إلى قوله: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ ظاهر الآية إنما هو في المطيق للصوم دون تكلف و[لا] مشقة. وهي منسوخة في حقه بإجماع.\nويحتمل أن يراد بها المطيق عامًا، وإن كان عن تكلف، ومشقة كأصحاب الأعذار، ثم رفع منها حكم المطيق دون تكلف ولا مشقة، ويحتمل أن يراد بها المطيقون للصوم بالتكليف والمشقة. وأما غير المطيق جملة فيبعد دخوله تحتها، وإن كان بعضهم قد رأى ذلك حتى تؤول الآية على إضمار كانوا كانه تعالى قال: «وعلى الذين كانوا يطيقونه» ولأجل هذه الاحتمالات اختلف الناس في الآية فذهب قوم إلى أنها منسوخة، وآخرون إلى أنها محكمة. والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة اختلفوا في ناسخها من القرآن. فذهب الأكثرون إلى أن ناسخها قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهذا قول مالك، وهو أصح الأقوال في هذه الآية. وذهب بعضهم إلى أن ناسخها قوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ وهذا القول عندي ضعيف، وإليه ذهب ابن أبي ليلى. وقالوا لما نزلت هذه الآية من شاء منهم أن يصوم صام، ومن شاء أن يفطر أفطر وافتدى حتى نسخت.\nوقال ابن عباس: إنما نزلت هذه الآية رخصة للشيوخ والعجز خاصة إذا","vol":"1","page":191},{"text":"أفطروا وهم يطيقون الصوم، ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ الآية، والذاهبون إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها، فذهب بعضهم إلى أن المراد بها المشايخ والعجائز، والمراضع والحوامل، فيكون المعنى، وعلى الذين يطيقونه بتكلف ومشقة. وروي هذا عن ابن عباس في رواية وعلى هذا يأتي ما روي عنه، وعن عائشة أنهما قرأ: «وعلى الذين يُطوَّقُونَه» بمعنى يكلفونه وعن عائشة أيضًا وطاوي وعمرو بن دينار أنهم قرؤوا «يطوقونه» أي يتكلفونه وروي عن ابن عباس «يطيقونه» وقرأت فرقة «يطيقونه» وذهب بعضهم إلى أن الآية وردت عامة في هؤلاء، والصحيح والمقيم فيخصص من ذلك الصحيح المقيم بقوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وبعضهم يعبر عن هذا بالنسخ وهذا مما اختلف [فيه أرباب الأصول] وإنما يصح أن يقال فيه نسخ إذا تقرر في الشرع أن المراد بلفظ العموم، وعلى هذا قال الشافعي في الآية ظاهرها أن الذين يطيقونه إذا لم يصوموا أطعموا، ونسخ في حق غير الحامل والمرضع وبقي حقهما ظاهرهما. ومن أجل مراعاة عموم هذا اللفظ قال علي -﵁- في المريض والمسافر أنه يفطر، ويطعم لكل بوم مسكينًا صاعًا. وقال: وذلك قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر﴾ يمنع دلالة قوله بعد ذلك: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ على المسافر والمريض لأن ما عطف على الشيء غيره لا محالة. وذهب بعضهم إلى أن المعنى بالآية وعلى الذين يطيقونه وهم بحالة الشباب، ثم استحالوا بالشيخوخة فلا يستطيعون الصوم","vol":"1","page":192},{"text":"وذكر بعضهم عن مالك أن الآية عنده هي فيمن يدركه رمضان، وعليه صوم من المتقدم، فمن كان يطيق في تلك المدة الصوم، فتركه فعليه الفدية. وقد أنكر أبو حنيفة هذا التأويل، فلذلك لم ير على من أخر قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر فدية. والتقدير في هذا الآية وعلى الذين يطيقونه فأفطروا لأن الفدية إنما تتوجه على الإفطار. وروي عن عكرمة أنه كان يقرأ «وعلى الذين يطيقونه» فأفطروا، ويترتب على ما ذكرناه من الاحتمالات اختلاف في أحكام جمة من ذلك: أنهم قد اختلفوا في إيجاب الإطعام على الشيخ الذي يطيق الصوم بعد اتفاقهم على أن الصوم ساقط فلا قضاء لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ فذهب بعضهم إلى أن الإطعام غير واجب وإنما هو مستحب.\nوروي أنه مضطر بعذر موجود فلم يلزمه إطعام كالمريض والمنسافر، وذهب بعضهم إلى وجوب الإطعام عليه وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي، وإليه هب من رأى الآية محكمة وأن الشيخ داخل تحت عمومها. وعن مالك في ذلك الروايتان، إلا أن رواية الاستحباب نص عليه، وكذا عنه رواية الإيجاب تخريج. واختلف في المراضع والحوامل إذا ضعفن على الصيام، وخفن على أنفسهن وولدهن ماذا عليهن؟ فذهب قوم إلى أنهن يفطرن ويقضين إذا فطمن أولادهن ويطعمن عن كل يوم مسكينًا، وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل. وروي عن مالك وذهب آخرون إلى أنهن يفطرن ولا يقضين ولكن يطعمن وهذا","vol":"1","page":193},{"text":"قول ابن عمر، وسعيد بن جبير، وابن عباس. وذهب آخرون إلى أنهن يقضين ولا يطعمن وهذا قول عطاء، والنخعي، وحسن، وربيعة، والزهري، والأوزاعي، وإلي حنيفة، والثوري. وروى عبد الله بن الحكم مثله عن مالك، وابن القصار. وهو قول أشهب. وذهب بعضهم إلى التفرقة بين الحبلى والمرضع قالوا في الحبلى أنها تفطر، وتقضي ولا إطعام عليها. وفي المرضع أنها تفطر وتقضي وتطعم، وهو قول الليث، وإليه ذهب مالك.\nقعن مالك إذًا ثلاث روايات بعد ثبوت قوله على أن القضاء عليهن فمرة أوجب الإطعام عليهن ومرة لم يوجبه، ومرة فرق بين المرضع والحامل.\nقال أبو عبيد: وكل هؤلاء إنما تأول الآية ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ فمن أوجب القضاء والإطعام معًا ذهب إلى أن الله تعالى حكم في تارك الصوم من غير عذر بحكمين، فجعل الفدية في آية والقضاء في أخرى، فلما لم يوجد ذكر الحامل المرضع، مسمى في واحدة منهما جمعهما عليهما احتياطًا لهما وأخذ بالثقة، وأما الذين رأوا أن يطعما ولا يقضيا فإنهم رأوا أنهما ليسا من أهل السفر ولا من المرضى الذبن فرضهم القضاء ولكنهما ممن كلف الصيام وطوقه وليس بمطيق، فهم أهل الفدية ولا يلزمهم سواها لقوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية﴾ والقراءات المتقدمة تعضد هذا القول. قال: وأما الذين أوجبوا عليهما القضاء بالإطعام فذهبوا إلى أن الحمل والصيام علتان من العلل كالمرض. وقال أبو الحسن: الجمع بين الفدية والصيام لا وجه له لأن الله تعالى قد سمى ذلك فدية، والفدية ما يقوم مقام ما تعذر عليه، فالواجب في الأصل أحد شيئين، من فدية أو من صيام، فكيف يجوز الاستدلال به على إيجاب الجمع بينهما على الحامل","vol":"1","page":194},{"text":"والمرضع؟ ففي ظاهر القرآن على هذا حجة لمن قال بالفدية دون القضاء.\nوأيضًا فإن الآية في الأصل دالة على التخيير بين الفدية والصوم فلا يجوز أن تتناول الحامل والمرضع لأنهما غير مخيرتين، لأنهما إما أن يخافا فعليهما الإفطار بلا تخيير أو لا يخافا فعليهما الصوم بلا تخيير، ولا يجوز أن تتناول الآية فرقتين بحكم يقتضي ظاهره إيجاب الفدية ويكون المراد به في أحد الفريقين وفي الفريق الآخر أما الصيام على الإيجاب بلا تخيير أو الفدية بلا تخيير، وقد تناولها لفظ الآية على وجه واحد فقد ثبت بهذا أن الآية تتناول الحوامل والمرضع. وقد اختلف في الصنف الذي يكفر به من أفطر متعمدًا في رمضان، فقال ابن حبيب: يكفر بالعتق أحب إليّ فإن لم يجد فبالصيام، فإن لم يستطع فبالإطعام. وقال أشهب: يكفر بأي الأصناف المذكورة شاء. وقال أبو مصعب: أما الكفارة بالأكل والشرب فبالإطعام خاصة، وأن العتق والصيام في الفطر بالجماع. وروي عن مالك الكفارة بالأصناف الثلاثة، وأنه استحب البداية بالإطعام، ثم بالصوم، ثم بالعتق. وذكر ابن القاسم عن مالك أن الكفارة من الوجهين جميعًا بالإطعام.\nقال ابن القاسم: ولا يعرف مالك غير الإطعام. وقد قال الله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ فجعل الكفارة صنفًا واحدًا. فظاهر هذا الاحتجاج أن الآية ثابتة الحكم فيمن أفطر متعمدًا من غير عذر، وأن عليه الفدية بالطعام، وأما القضاء وقدر الطعام فمأخوذ من أدلة أخرى ويكون تقدير الآية على هذا: وعلى المقيمين الذين يطيقون الصوم إن أفطروا لغير عذر الفدية بالطعام. وإن قلنا إ، الآية اقتضت كما قاله أكثر العلماء أن الصائم كان لن أن يفطر، ويفتدي على الجواز فلا خلاف أن هذا الحكم","vol":"1","page":195},{"text":"منسوخ كما قالوا. وأما حكم الفدية لمن وقع ذلك منه بالطعام فثابت محكم، وقد وردت أحاديث عن النبي ﷺ في الكفارة بثلاثة أشياء: عتق وصوم شهرين وإطعام ستين مسكينًا. واختلفت تلك الأحاديث هل تلك الكفارات على الترتيب أو على التخيير؟ واختلف العلماء بحسب ذلك، ولما كان الصوم والعتق زائدتين على ما جاء في الآية من الإطعام، أخذ كثير من العلماء بالزائد، واقتصر بعضهم على الإطعام حسب اختلاف أهل الفدية مد لكل مسكين وقال قوم: عشاء وسحور. وقال قومٌ: قوت يوم.\nوقال سفيان الثوري: نصف صاع من قمح وصاع من تمر أو زبيب.\nوقراءة من قرأ: «فدية طعام مسكين» بالإفراد مبينة الحكم في اليوم، وقراءة من قرأ: «طعام مساكين» أو «فدية طعام المساكين» بالجمع لا يدرى منها كم منهم في اليوم، فإن قلت: كيف أفردوا المسكين والمعنى على الكثرة لأن الذين يطيقونه جمع وكل واحد منهم يلزمه مسكين فكان الوجه أن يجمع كما جمع المطيقون؟ فالجواب أن الإفراد حسن لأنه يفهم بالمعنى أن لكل واحد مسكينًا. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأريعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [النور: ٤] فليست الثمانون متفرقة في جميعهم بل لكل واحد منهم ثمانون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>(١٨٤) - وقوله تعالى: ﴿فمن تطوع به فهو كفارة له﴾ [البقرة: ١٨٤]</span>.\nقال ابن عباس وطاوس والسدي: المراد من أطعم مسكينين فصاعدًا.\nوقال غيرهم: المعنى من زاد الإطعام مع الصوم. وقال ابن شهاب: من زاد","vol":"1","page":196},{"text":"في الإطعام على المد. وقد احتج بعض الفقهاء في صوم يوم الشك تطوعًا، وذلك أن مالكًا يجيزه، ومحمد بن مسلمة، والشافعي يكرهان تعمده، وبعض الناس يذهب إلى أنه لا يجوز صومه على وجه، قالوا وحجة مالك رحمه الله تعالى، قوله تعالى: ﴿فمن تطوع خيرًا فهو خير له﴾ إلخ، وهذا الاحتجاج يدل على أن الخير في الآية يدل عند من احتج بها عام في جميع أنواع الخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>(١٨٤) - قوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤]</span>.\nقرأ أبي بن كعب: ﴿والصوم خير لكم﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>(١٨٤) - وقوله: ﴿إن كنتم تعلمون﴾ [البقرة: ١٨٤]</span>.\nيقتضي الحض على الصوم أي: فاعلموا ذلك وصوموا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>(١٨٥) - وقوله تعالة: ﴿شهر رمضان﴾ [البقرة: ١٨٥]</span>.\nذهب يعض الناس إلى أنه لا يقال رمضان، ولا جاء رمضان، ولا خرج رمضان، وإنما يقال شهر رمضان في ذلك كله كما قال الله تعالى، ورووا في ذلك حديثًا، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقولوا رمضان، وقولوا شهر رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله ﷿»","vol":"1","page":197},{"text":"وذكر أبو الطيب الطبري أنه يقال: صمت رمضان لأن المعنى معروف فإذا وصف بالمجيء، لم يقل جاء رمضان حتى يقال جاء شهر رمضان للإشكال الذي فيه، والصواب أن ذلك كله جائز، وقد روي من غير ما طريق صحيح، وقد قال رسول الله ﷺ: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين» وليس في قوله: «شَهْرُ رَمَضَانَ» تحريج في أن يقال رمضان، وقد قرئ «شهرَ رمضانَ» بالنصب على الإغراء أو على الصرف أو على البدل من قوله: ﴿أيامًا معدودات﴾ ورفعه إما على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي ذلكم الصيام شهر رمضان أو بدل من الصيام، أو مبتدأ إنما هـ على قول من جعل الصيام ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء، ومن قال غير ذلك مما قدمته جعل الصيام هنالك رمضان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>(١٨٥) - قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]</span>.\nاختلف في تأويله فذهب بعضهم إلى أن الشهر منصوب على الظرف وأن المفعول محذوف والتقدير، فمن شهد منكم المصر في الشهر فليصم. وذهب بعضهم إلى أن المعنى من حضر دخول الشهر، وكان مقيمًا في أوله فليكمل صيامه سافر بعد ذلك أو لا، وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في سفره، وإلى هذا القول ذهب علي وابن عباس،","vol":"1","page":198},{"text":"وعبيدة السلماني، وسويد بن غفلة، وأبو مجلز. وهو قول مردود بسفر النبي ﷺ في رمضان وإفطاره فيه وهو بالكديد. وقال ابن المنذر: وإنما أمر الله تعالى من شهد الشهر كله أن يصوم، ولا يقال لمن شهد بعض الشهر إنه شهد الشهر كله، والنبي ﷺ الذي أُنزل عليه الكتاب وأوجب عليه بيان ما أنزل عليه، قد سافر في رمضان وأفطره في سفره.\nوذهب الجمهور إلى أن المعنى من شهد أول الشهر أو آخره فليصم ما دام مقيمًا. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن المعنى من شهد الشهر بشروط التكليف غير مجنون، ولا مغمى عليه فليصم، ومن دخل عليه رمضان وهو مجنون وتمادى به طول الشهر، فلا قضاء عليه لأنه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام، ومن جن أول الشهر أو آخره فإنه يقضي أيام جنونه.\nوالشافعي ممن خالف في هذا، فروي عنه [أنه قال]: إن أفاق بعد أنقضاء الشهر فلا قضاء عليه، وإن أفاق في بعضه لم يقض ما فات وصام ما بقي منه. وقد روي عنه أيضًا مثل قول أبي حنيفة. ومالك ﵀ قد خالفهما جميعًا فذهب إلى أنه يلزمه القضاء أفاق قبل انقضاء الشهر أو بعده، واعتمد على عموم قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ الآية. وقال أصحابه: وهذا شهد الشهر مريضًا فيلزمه عدة من أيام أخر. وقال أبو الحسن: يحتمل أن يكون قوله: «شهد الشهر» مغمى عليه وكذلك يدل على أن من أفاق من الجنون بعد مضي شهر فلا قضاء عليه عندنا خلافًا لمالك فإنه قال فيمن بلغ وهو مجنون فمكث ثم أفاق فإنه يقضي صيام تلك","vol":"1","page":199},{"text":"السنين. ومالك يحمل قوله ﴿فمن شهد منكم الشهر﴾ على شهوده بالإقامة وترك السفر دون ذكر ما ذكره غيره من شهوده بالتكليف، وأبو حنيفة يقول لا يمكن أن يراد بالآية شهود جميع الشهر، فتقدير الكلام عنده؛ فمن شهد منكم بعض الشهر فليصم ما لم يشهد منه، وهذا بعيد جدًا. ولمالك أن قيول قوله ﴿شهد﴾ بمعنى أدرك ذلك الزمان فلزمه الصوم لزومًا في الذمة. ويتعلق بهذه الآية مسائل منها أنه إذا التبست الشهور على أسير أن تاجر في بلاد العدو أو غيره، فاجتهد فصام، فلا يخلو من ثلاثة أحوال:\n- أحدها: أن يوافق رمضان.\n- والثانية: أن يوافق ما قبل رمضان.\n- والثالثة: أن يوافق ما بعده.\nفإن وافق رمضان فإنه يجزيه عند الجمهور. وذهب الحسن بن صالح إلى أنه لا يجزيه. وحجة الإجزاء قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهذا قد شهده وصامه. وأما إن وافق ما قبله مثل أن يوافق شعبان فلا يجزيه عند مالك وأكثر أصحابه وعلى أحد قولي الشافعي. وقال بعض أصحاب تالشافعي ليس إلا قول واحد مثل قولنا أنه لا يجزيه، وحجة عدم الإجزاء قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهذا لم يشهد الشهر، فلم يلزمه أن يصومه. وأما إن وافق ما بعده فيجزيه قولًا واحدًا.\nومنها الضوم هل يجوز أن ينوب فيه أحد عن أحد، فذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا يصوم أحد عن أحد. وذهب أهل الظاهر وبعض أصحاب الشافعي -وقد حكي عن الشافعي- أنه يصوم عند وليه.","vol":"1","page":200},{"text":"وحجة من ذهب إلى أنه لا يصوم أحد عن أحد قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ وجب على المكلف أن يصومه أو يقضيه بنفسه، فانتفى بذلك أن يصوم غيره عنه.\nومنها من سافر بعد طلوع الفجر فهل يجوز له الفطر أم لا؟ فذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يفطر. وقال أحمد، وإسحاق، والمزني: يجوز له الفطر. وحجة من ذهب إلى أنه لا يفطر، قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهذا شاهده، فعليه صومه، وإذا نوى الصوم في الحضر سافر قبل طلوع الفجر جاز له أن يفطر وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجوز له أن يفطر والحجة للقول الأول: ﴿أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾. ومنها أنه إذا رأى أحد الهلال لزمه الصوم في نفسه. وذهب بعض التابعين إلى أنه لا يلزمه الصوم إلا بحكم الإمام. وحجة القول الأول: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>(١٨٥) - قوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥]</span>.\nوهذه اللم يجوز أن تكون متعلقة بما قبلها، ويجوز أن تكون اللام لام الأمر، ويكون المعنى أو في مرضه، وفليكمل عدة الأيام التي أفطر فيها.\nوأجمع أصحاب أبي حنيفة على أنه إذا صام أهل بلدة ثلاثين يومًا لرؤية وأهل بلدة تسعة وعشرين يومًا لرؤية، أن على الذين صاموا تسعة وعشرين يومًا قضاء يوم. وقال أصحاب الشافعي: إذا كانت المطالع من البلدان يجوز أن تختلف. وحجة أصحاب أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿ولتكملوا","vol":"1","page":201},{"text":"العدة﴾ وقد ثبتت برؤية أهل البلدان العدة ثلاثون يومًا فيجب أن تكمل ومخالفهم [يحتج] بقوله -﵇-: «صوموا بالرؤية وأفطروا بالرؤية» والقولان لمالك في المذهب ويرويان عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>(١٨٥) - قوله تعالى: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥]</span>.\nحض على التكبير في يوم العيد في الطريق والجلوس، وهو سنة فيهما. وذهب أبو حنيفة إلى كراهة ذلك يوم الفطر، والآية حجة عليه. وقد اختلف الناس في حد التكبير الذي أمر الله به ما هو، وفذهب ابن عباس إلى أنه يكبر بتكبيره. وقال قوم يكبر من رؤية الهلال إلى خروج الإمام إلى الصلاة وهو قول الشافعي. وقال مالك هو من حين يخرج الرجل من منزله إلى أن يخرج الإمام. وقال سفيان هو التكبير يوم الفطر.\nواختلفوا أيضًا في كيفية اللفظ اختلافًا كثيرًا إذ لم يخص الله تعالى ذلك بلفظ معين ولا بقدر مؤقت، فمنهم من قال التكبير لفظان؛ إن شاء: الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد. وإن شاء قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ثلاثًا. فأيهما قال جاز والأول أحسن. وهذا مذكور عن أصحاب مالك. والذي يروى عن مالك والشافعي: الله أكبر ثلاثًا.\nومنهم من قال: لا يجزيه إلى التكبير الأول وهو أبو حنيفة. ومنهم من يقول: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا. وروي عن ابن عباس -﵁-: الله أكبر، الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، ولله الحمد. وروي عنه أيضًا: الله أكبر، الله أكبر كبيرا، الله أكبر","vol":"1","page":202},{"text":"كبيرا، الله أكبر وأجل، الله أكبر ولله الحمد. وروي عن ابن عمر: الله أكبر، والله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا سريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. ومن العلماء من يكبر ويهلل ويسبح أثناء التكبير. وذهب ابن عبد الحكم إلى أنه ليس فيه شيء مؤقت، والآية حجة على من ذكرأثناء التكبير تهليلًا وتسبيحًا، وحجة لمن يرى إلا التكبير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>(١٨٧) - قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون﴾ [البقرة: ١٨٧]</span>.\nاتفقوا على أن هذه الآية ناسخة، واختلفوا في المنسوخ هل كان ثابتًا بالسنة أو القرآن؟ فذهب بعضهم إلى أنهم كانوا في أول الإسلام إذا نام أحدهم ليلة الصيام لم يحل له الأكل ولا الجماع بعد ذلك، فنسخ ذلك هذه الآية. وذهب أبو العالية، وعطاء إلى أنها ناسخة لقوله تعالى: ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾. وقوله تعالى: ﴿أحل﴾ يقتضي أنه كان محرمًا قبل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>(١٨٧) - وقوله: ﴿ليلة الصيام﴾ [البقرة: ١٨٧]</span>.\nالليلة هنا اسم جنس، ولذلك أفردها ومثل هذا في كلام العرب كثير. و﴿الرفث﴾ في الليلة كناية عن الجماع وأصله في غيرها الفحش من القول. وقال أبو إسحاق: الرفث كل ما يأتيه الرجل مع المرأة من قبلة ولمس وجماع. وقال بعضهم: أو كلام في هذه المعاني. و«اللباس»","vol":"1","page":203},{"text":"أصله في [اللغة] الثياب، ثم شبه التباس الرجل بالمرأة وامتزاجهما بذلك كما قال النابغة:\nإذا ما الضجيع ثنى جيدها ... تداعت فكانت عليه لباسا\nوقيل: لباس سكن أي يسكن بعضهم إلى بعض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>(١٨٧) - وقوله: ﴿وباشروهن﴾ [البقرة: ١٨٧]</span>.\nوالمباشرة عبارة عن إمساس البشرة فيقع تحتها الجماع، والقبلة، والجس باليد. وقال بعضهم إن وقوعه على الجماع مجاز، وليس بصحيح لما قدمته، بل هو واقع عليه بالحقيقة، فأباح الله تعالى بهذه الآية جميع أنواع المباشرة إلى تبين الفجر، ثم وقع المنع بعد ذلك في الجماع. وهل يجب الاعتزال عن القبلة أم لا؟ ثلاثة أقوال، ويفرق في الثالث بين الشيخ والشاب. واتفقوا على أنها لا يقع بها فطر منا يقع بالجماع ما لم يقترن بها إنزال. وإذا فسرت المباشرة بالجماع لم يمتنع من القبلة إلا مع خوف الإنزال. والمراد بالأمر الإباحة لا الإيجاب ولا الندب كقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>(١٨٧) - وكذلك قوله: ﴿وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ [البقرة: ١٨٧]</span>.\nوقد اختلف في معناه، فقيل ابتغوا الولد، وقيل: ابتغوا ليلة القدر، وقيل: ابتغوا الرخصة والتوسعة، وقيل: ابتغوا الثواب، وقرئ «واتبعوا الخيط» استعارة وتشبيه لرقة البياض، ورقة السواد الخافي فيه.","vol":"1","page":204},{"text":"ومن ذلك قول أبي داود:\nفلما بصرن به غدوة ... ولاح من الفجر خيط أنارا\nوقال بعض المفسرين: الخيط اللون، والمراد في ما قال جميع العلماء بياض النهار، وسواد الليل. والخيط الأسود، هو السواد الذي كان في الموضع الذي يظهر فيه الخيط الأبيض. وقد اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال ابن عباس ويره: إن جماعة من المسلمين اختانوا أنفسهم وأصابوا النساء بعد النوم أو بعد العشاء على الخلاف منهم عمر بن الخطاب جاء ارمأته فأرادها، فقالت له: قد نمتُ، فظن أنها تعتل فوقع بها، ثم تحقق أنها كانت نامت. وكان الوطء بعد نوم أحدهما ممنوعًا، فذهب عمر، فاعتذر عند رسول الله ﷺ. وجرى نحو هذا لكعب بن مالك الأنصاري فنزلت الآية فيهما بذلك. وقال السدي: جرى له هذا في جارية. وحكى النحاس، ومكي: أن عمر ناك ثم وقع بامرأته. وروى في سببها أن صرمة بن قيس، ويقال صرمة بن مالك، ويقال قيس بن صرمة، ويقال أبو صرمة بقي كذلك دون اكل حتى غشي عليه في نهاره المقبل، وذلك أنه كان أتى أهله ليلًا فقال: هل عندكم ما نفطر عليه؟ فقالوا له: تصبر حتى نصنع لك شيئًا تفطر عليه، وكان شيخًا كبيرًا فأصابه الجوع فحرم عليه الطعام. فبقي ليلته يتململ، ثم أصبح. فاشتد عليه الجوع فأنزل الله تالى الرخصة، وأباح الأكل والشراب والجماع، إلى طلوع","vol":"1","page":205},{"text":"الفجر المعترض في الأفق يمينًا وشمالًا. ومقتضى هذه الآية أنه تعالى حرم بالنهار ما أباحه بالليل وهو أشياء ثلاثة الأكل والشرب والجماع، وما عدا هذه الثلاثة موقوف على الدليل، ولذلك ساغ الخلاف فيه، وفمن ذلك من تقيأ عامدًا، اختلف فيه هل هو مفطر فيجب عليه القضاء أم لا؟\nفمن يراعي فحوى الآية ومقتضاها لم يوجبه، ومن لم يراع ذلك استدل بما جاء عن النبي ﷺ: «من استقاء فعليه القضاء» وأوجب عليه القضاء ورآه مفطرًا، والقولان لأصحاب مالك، ويرويان عن الشافعي.\nومن ذلك المحتجم اختلف هل هو مفطر أم لا؟ لأجل فحوى الآية وما ورد من قوله -﵊-: «أفطر الحاجم والمحجوم»","vol":"1","page":206},{"text":"وقد وري عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ احتجم صائمًا.\nومن ذلك الغيبة، والجمهور على أنها لا تفطر لما قدمناه. وقال الأوزاعي تفطر لقوله ﷺ: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه» خرجه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>(١٨٧) - قوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ [البقرة: ١٨٧]</span>.\nاختلف العلماء في هذا التبين ما حده؟ فذهب الجمهور إلى أنها الفجر المعترض في الأفق يمنة ويسرة، وهو مقتضى حديث ابن مسعود، وسمرة بن جندب. وذهب أبو بكر وعثمان بن عفان، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، وطلق بن علي، وعطاء بن أبي رباح، والأعمش، وغيرهم، إلى أنه تبين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال.\nوذكر عن حذيفة أنه قال: تسحرت مع رسول الله ﷺ وهو النهار إلا","vol":"1","page":207},{"text":"أن الشمس لم تطلع. وروي عن علي بن أبي طالب؛ أنه صلى الصبح بالناس ثم قال: الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.\nوروي عن أبي بكر؛ أنه نظر إلى الفجر قد تبين، ثم تسحر في الثالثة، ثم قام فصلى ركعتين، ثم أقام بلال الصلاة.\nوروي عن الاعمش أنه قال: لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت.\nوقال مسروق: لم يكونوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق.\nوالقول الأول هو الذي شهدت له الآثار الصحاح وما جرى عليه كلام العرب في حتى إذا كانت عائية وما بعدها ليس من جنس ما قبلها نحو قوله تعالى: ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ [القدر: ٥] وروي عن عدي بن حاتم أنه قال: لما نزلت: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ عمدت إلى عقالين أسود وأبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر إليهما فلا يتبين لي. فغدوت إلى رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: «إن وسادك لعريض» وروي أنه قال: «إنك لعريض القفا إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار» وقيل نزلت ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ ولم ينزل ﴿من الفجر﴾، فكان رجال إذا أراد أحدهم الصوم ربط في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما. فأنزل الله تعالى: ﴿من الفجر﴾ فعلموا إنما يعني الليل والنهار.\nولا يجوز أن يستدل بهذا على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة فإنه","vol":"1","page":208},{"text":"لا يجوز أصلًا. ويحتمل أن تكون العبارة بالخيط الأبيض مجازًا سابقًا في لغة قريش دون غيرها، فأشكل على قوم آخرين حتى تبين لهم بقوله ﴿من الفجر﴾.\nويحتمل لأن يكون قد قال: ﴿من الفجر﴾ أولًا، ولكنه احتمل أن يريد لأجل عدي وقال النبي -﵇-: «إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار» وحدة القول الثاني في التبين. وقد ذكر الطحاوي حديث حذيفة المتقدم وقال: فدل حديث حذيفة: أن وقت الصيام طلوع الشمس، وأن ما قبل طلوع الشمس في حكم الليل. وهذا محتمل عندنا أن يكون بعدما أنزل الله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ وقبل أن ينزل ﴿من الفجر﴾ ثم أنزل الله تعالى بعد ذلك ﴿من الفجر﴾ وذهب ذلك على حذيفة وعلمه غيره.\nفعمل حذيفة بما علم وذلك أنه روي عنه أنه لما طلع الفجر تسحر، ثم صلى، وعلم غيره الناسخ فصار إليه. ومن علم شيئًا أولى ممن لم يعلم. ودل ما ذكرنا على أن الدخول في الصيام من طلوع الفجر، وعلى أن الخروج منه بدخول الليل إذا كان قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ غاية للم يدخلها في الصيام. وقد اختلفوا إذا شك في الفجر الصادق هل يجوز الأكل أم لا؟ فذهب مالك ﵀ إلى أنه لا يجوز فإن أكل فعليه القضاء. وقال ابن حبيب: هو استحباب. وقال جماعة من أهل العلم -هو مذهب ابن عباس- أنه يأكل ما شك في الفجر حتى يتبين على ظاهر قوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم﴾ الآية.\nوقال ابن الماجشون: تبينه هو العلم به وليس الشك علمًا به. ولكن الاحتياط ألا يأكل في الشك. وقال اللخمي: هي ثلاثة أقوال في المذهب: الكراهة، والمنع، والجواز. وهو مذهب ابن حبيب.","vol":"1","page":209},{"text":"وأما إذا شك في الغروب فلا يأكل باتفاق لقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ وهذا أمر يقتضي الوجوب و﴿إلى﴾ غائية. والليل الذي يتمت به الصيام مغيب قرض الشمس. وقد اتفقوا على أن آخر النهار مغيب الشمس. واختلفوا في أوله فذهب بعضهم إلى أنه الفجر. وإليه ذهب الخليل. وذهب بعضهم إلى أنه من طلوع الشمس. فقال قوم: إنه من النهار وقال قوم: إنه من الليل. وقال ثوم: إنه وقت متوسط ليس بليل ولا نهار. فإن أكل وهو شاك في المغيب، فقد اختلفوا فيما ذا عليه.\nفالمشهور من المذهب أن عليه القضاء والكفارة. وحجتهم قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ ومن أكل شاكًا لم يترك الصيام إلى الليل لأنه إنما أراد الله تعالى تيقن الليل لا الشك فيه. وفي «ثمانية أبي زيد» عليه القضاء فقط قياسًا على الفجر، وهو ظاهر قول مالك ﵀، على ما ذهب إليه [ابن] القصار وعبد الوهاب. وإن كان غيرهما قد تأول قوله على غير ذلك. وقال الحسن وإسحاق: لا قضاء عليه كالناسي. واختلف الناس في الوصال، فذهب جماعة من العلماء إلى أنه مباح كيف كان وأن معنى نهي النبي ﷺ عنه إنما هو رحمة لأمته وإبقاء عليهم، فمن قدر فلا حرج. وذهب ابن حنبل وابن وهب، واسحاق إلى أنه جائز من سحر إلى سحر واحتجوا بحديث النبي -﵇-: «لا تواصلوا، وأيكم أراد أن","vol":"1","page":210},{"text":"يواصل فليواصل حتى السحر» وذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والثوري؟ وجماعة غريهم إلى أنه مكروه على كل حال لمن قدر عليه، ولم يجيزوه لأحد، وحجتهم نهي النبي ﷺ عنه قوله ﷺ: «إذا غربت الشمس فقد أفطر الصائم» ورأت عائشة -﵂- أن قوله تعالى: ﴿أتموا الصيام إلى الليل﴾ يقتضي النهي عن الوصال. وقال المازري: إن حمل قوله «فقد أفطر الصائم» على أن المراد به صار مفطرًا فيكون دلالة على أن زمان الليل يستحيل الصوم فيه شرعًا. وقال بعض العلماء: إن الإمساك بعد الغروب لا يجوز، كإمساك يوك الفطر ويوم النحر.\nوقال بعضهم ذلك جائز وله أجر واحتجوا بحديث الوصال.\nوقد اختلفوا فيمن أصبح جنبًا وهوصائم على سبعة أقوال: فذهب فقهاء الأمصار إلى أنه يجزيه صيام ذلك اليوم. وقال ابن حبيب: إن نسي جنابته فلم يغتسل لها ذلك اليوم أو أيامًا يصومها، فصيامه تام [ويقضي الصلاة] وظاهر هذا أن المتعمد لرتك الاغتسال بخلاف الناسي، وقد سوى بينهما أشهب، فقال: وإن تعمد ترك الاغتسال، وأقام على جنابته يومه ذلك، وأيامًا، فإن صيامه تام لأن الطهارة إنما هي للصلاة لا للصيام.\nوذهب قوم إلى أنه يستحب له القضاء. وذهب الحسن، وسالم فيمن أصبح جنبًا إلى أنه يتم صومه ويقضيه. وروي مثله عن أبي هريرة. وذهب","vol":"1","page":211},{"text":"أبو هريرة في أشهر أقواله عند أهل العلم إلى أنه لا يقضي. وذهب طاوس وعروة بن الزبير إلى أنه إذا علم بجنابته، ثم نام حتى يصبح، فإنه مفطر، وإن لم يعلم حتى أصبح فصيامه يجزيه. وقد روي هذا أيضًا عن أبي هريرة. وذهب قوم إلى أنه إن علم به قبل الفجر، فهو مفطر وإن لم يعلم به إلا بعد الفجر، أتم صيامه وقضى، وذهب قوم إلى أنه إن علم بها قبل الفجر استحب له القضاء، وإن لم يعلم فصيامه تام لا يؤمر فيه بالقضاء. وذهب النخعي إلى أنه يجزيه في التطوع لا في الفرض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>(١٨٧) - ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ إلى قوله ﴿من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧]</span>.\nحجة لفقهاء الأمصار، ومن ذهب مذهبهم في هذه المسألة لانه تعالى أباح الجماع والأكل والشرب إلى طلوع الفجر، ومن وطئ إلى طلوع الفجر فلا يمكنه أن يغتسل إلا بعد طلوع الفجر فقد بقي جنبًا إلى أن دخل عليه النهار، ولولا أن هذا جائز لما أباح الله له الجماع إلى وقت طلوع الفجر ولحرمة عند آخر جزء من الليل بمقدار ما يتسع للغسل. والدليل القائم من هذه الآية هو الذي يسميه الأصوليون إشارة اللفظ، ويعنون به ما يتسع له اللفظ من غير قصد إليه. وبعض من يخالف هذا يقول: إنما أبيح الأكل إلى الفجر لا الجماع فإنه لم يقل باشروهن إلى أن يتبين، وإنما جعله غاية للأكل والشرب الذي هو أقرب مذكور، والحائض\nفيما ذكرناه بمنزلة الجنب.\nوصوم رمضان لا يصح إلا بنية خلافًا لداود لقوله -﵊-: «إنما الأعمال بالنيات» وهل تجزى مع طلوع الفجر؟ وروي عن مالك أنها لا تجزي. وقال عبد الوهاب تجزي. قال اللخمي: وهو أحسن لقول الله","vol":"1","page":212},{"text":"تعالى: ﴿وكلوا اشربوا حتى يتبين لكم الخيط﴾ الآية [البقرة: ١٨٧] فإذا كان الأكل مباحًا حتى يطلع الفجر لم تجب النية، إلا في الموضع الذي يجب فيه الإمساك، ولا فائدة في تقدمة النية قبل ذلك، إذا كان بعدج النية يأكل ويشرب حتى يطلع الفجر وإذا ورد النص بهذا لم يعارض بقياس، يقال إنه يجب أن يمسك جزءًا من الليل. وقد اختلفوا فيمن طلع عليه الفجر وهو يولج أو يأكل ونزع لحينه هل ينعقد ثومه أم لا؟ فذهب أكثر أهل المذهب إلى أنه لا ينعقد ذلك الصوم منهما. وذهب قوم إلى أنه ينعقد ولا قضاء على من فعل ذلك وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. وذهب بعضهم إلى الفرق بين الأكل والجماع فرأى أنه لا ينعقد صوم المجامع وإن نزع لحينه لأن إزالته لفرجه جماع بعد الفجر، ورأى أن عليه القضاء. وروى أن صوم الأكل إذا نزع لحينه وألقى اللقمة من فيه ينعقد وإلى هذا ذهب ابن الماجشون، وحجة من ذهب إلى أن صومهما ينعقد قوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ فأباح المباشرة والأكل إلى طلوع الفجر. وقد علم أنه من باشر وأكل حتى يطلع الفجر فإنه لا يستطيع النزع إلا بعد طلوعه،،الله تعالى قد علم طلوعه، ولكنه أباح الجماع والأكل إلى ذلك الوقت، فإشارة اللفظ تدل على إباحة ذلك وهذا الاستدلال مثلما تقدم. وقد اختلفوا فيما لا يغذي كالدرهم والحصاة، هل يقع به الفطر أم لا. فذهب أكثر أهل المذهب إلى أنه يفطر كما يفطر ما يغذي، وذهب بعضهم إلى انه لا يحصل به الفطر. وهو مذهب أهل الظاهر وبه قال أبو طلحة. ودليل القوم الأول قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ والصيام الإمساك فعم.","vol":"1","page":213},{"text":"واختلف في اليسير من الطعام هل يقع به فطر أم لا؟ كفلقة الحبة بين الأسنان، وغبار الدقيق، فقال في «كتاب أبي مصعب» في الفلقة في السهو القضاء وفي العمد القضاء والكفارة. وقال ابن حبيب: لا شيء عليه، وقال أشهب في غبار الدقيق عليه القضاء. وقال عبد الوهاب: لا شيء عليه.\nوالأظهر على مقتضى الآية أن يجري القليل في ذلك مجرى الكثير تعلقًا بعموم الإمساك المأمور به. وقد اختلف فيما يصل إلى الحلق والجوف من غير مدخل الطعام والشراب كالكحل من العينين والدهن من الأذن والسعوط من الانف والحقنة، ففي المذهب فيها خلاف هل يقع بذلك فطر أم لا؟ وإذا اعتبرنا لفظ الآية لم نوجب من ذلك فطرًا وإن اعتبرنا ما يفهم من مقصودها وهو عموم التغذي كان ذلك كالطعام والشراب الواصلين من الحلق.\nوكذلك اختلف فيما يصل إلى الحلق، من طعم البخور هل يفطر به أم لا؟ على قولين في المذهب، وكذلك ما دهن به الرأس، فوصل طعمه إلى الحلق فالجمهور أنه لا يقع به الفطر، وبه قال الشافعي. وفي «السليمانية» أنه يفطر. ووجه الفطر في ذلك على ما تقدم ذكره. وقد اختلفوا فيمن وطئ أو أكل أو شرب ناسيًا على أربعة أقوال: فمذهب مالك وأصحابه أن عليه القضاء، دون الكفارة، ومذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأصحابهما أنه لا قضاء عليه ولا كفارة. وقاله الأوزاعي، والثوري. وقيل: إنه روي عن علي، وابن عمر، أبي هريرة، مثل ذلك. ومذهب أصحاب الحديث أن عليه القضاء، والكفارة. ومذهب عبد الملك أن عليه في الوطء القضاء والكفارة وفي الأكل والشرب والقضاء","vol":"1","page":214},{"text":"دون الكفارة. ودليل قول مالك وأصحابه قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ وهذا غير متم للصيام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>(١٨٧) - قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧]</span>.\nقال الشافعي: هذه الآية تدل على أن المباشرة كانت مباحة في الاعتكاف، ثم نسخت بالنهي عنها. وقال مجاهد: كانت الأنصار تجامع في الاعتكاف فنزلت الآية. وقال نحوه الضحاك، ولم يخص الأنصار.\nوالأصل في جواز الاعتكاف هذه الآية وقوله تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين والقائمين﴾ [الحج: ٢٦] قال ابن المنذر: وقد أجمع أهل العلم على أنه مندوب إليه مستحب الدوام عليه استنانًا بالنبي ﷺ. وإنما كرهه مالك لشدته ولأنه يعسر الوفاء بجميع شروطه، وقل من يقدر عليه. وقد اختلفوا في أي موضع يكون الاعتكاف على خمسة أقوال، فذهب مالك ﵀ في المشهور عنه إلى أنه يكون في كل مسجد، وأنه لا بأس بالاعتكاف في مسجد لا يجمع فيه الجمعة إذا كان ممن لا تلزمه الجمعة، ولو بموضع لا يلزمه منه إتيان الجمعة، أو كان لا تدركه الجمعة في اعتكافه. وذهب الزهري والحكم وغيرهما إلى أنه لا يعتكف إلا في حذيفة. وذهب حذيفة بن اليمان في الأشهر عنه إلى أنه لا يعنكف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ، ومسجد إبراهيم -﵇-. وذهب سعيد بن المسيب إلى أنه لا يعتكف إلا في مسجد نبي. وذهب ابن لبابة إلى أن الاعتكاف يصح في غير مسجد، وأن ترك مباشرة النساء لا يلزم المعتكف إلا إذا اعتكف في مسجد. وهذا قول","vol":"1","page":215},{"text":"شاذ مبين على أصل مختلف فيه. وهو دليل الخطاب لأن الله تعالى إذا نهى عن المباشرة لمن اعتكف في غير المسجد، فكأنه يظهر من ذلك أن من اعتكف في غير مسجد فتباح له المباشرة، وإن اعتكافه جائز في غير المسجد. وقد جاء عن عائشة أنه يعتكف وحجة مالك قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ فعم الثلاثة وغيرها. والمرأة لا تعتكف إلا في مسجد قياسًا على الرجل خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها، وفرق بينهما بتفاريق ضعيفة. وقد اختلفوا في الاعتكاف بغير صوم هل يصح أم لا؟ فذهب مالك وأصحابه وأبو حنيفة إلى أنه لا يكون اعتكاف إلا بصوم، وحكى ابن جرير الطبري عن الشافعي فيالمشهور عنه أبو ثور وغيرهما إلى أن المعتكف يخير بين الصوم والفطر وإليه ذهب ابن لبابة ﵀.\nوحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ فقصر الخطاب على الصائمين، فلو لم يكن الصوم من شرط الاعتكاف لم يكن لذلك معنى، ولأن أكثر ما فيه أن يكون مجملًا، وقد بينه النبي ﷺ بفعله، فروي عنه أنه اعتكف صائمًا، ولم يرو عنه أنه اعتكف مفطرًا. وقد اختلفوا في المعتكف إذا خرج إلى الجمعة هل ينتقض اعتكافه. فذهب مالك إلى أنه ينتقض، وذهب عبد الملك إلى أنه لا ينتقض وهو قول أبي حنيفة. وروى ابن الجهم نحوه عن مالك. وحجة القول الأول قوله","vol":"1","page":216},{"text":"تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ ومعنى عاكفون ملازمون، وقد اختلف في المعتكف إذا خرج من المسجد لغير حاجة هل يبطل اعتكافه أم لا؟ فذهب مالك ﵀ إلى أنه يبطل اعتكافه إذا قام فليلًا أو كثيرًا. وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أنه إن قام خارج المسجد أكثر النهار بطل اعتكافه، وإن أقام النهار لم يبطل اعتكافه، وحجة مالك قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ واختلف أيضًا إلى أنه يبطل اعتكافه، وذهب بعض الشافعية إلى انه لا يبطل، وحجة مالك قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾. واختلفوا في مباشرة المرأة فيما دون الجماع. فذهب مالك ﵀ إلى أنه لا يفسد الاعتكاف أنزل أو لم ينزل. وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنه إن أنزل أفسد وإن لم ينزل لم يفسد. وحجة مالك ومن تبعه قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكغون في المساجد﴾ فعم، وعلى حسب اختلاف التفسير للآية اختلفوا في هذه المسألة، وذلك أن فرقة قالت: ﴿ولا تباشروهن﴾ لا تجامعوهن، وقال الجمهور يقع ذلك على الجماع فما دونه مما يلتذ به من النساء. ولم يختلفوا في أن الوطء عمدًا يفسد الاعتكاف. وإنما اختلفوا هلة عليه كفارة أم لا، والصحيح نفيها. واختلفوا إذا وطئ ناسيًا فذهب مالك إلى أنه يبطل اعتكافه. وذهب الشافعي إلى أنه لا يبطل. وحجة مالك عموم قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن﴾ والنهي يقتضي فساد المنهي عنه كذا قال عبد الوهاب. وهذا أصل يختلف فيه أهل الأصول كثيرًا. واختلفوا في","vol":"1","page":217},{"text":"أقل الاعتكاف، فعن مالك روايتان إحداهما يوم وليلة، والثانية عشرة أيام.\nوذهب أبو حنيفة إلى أنه قد يكون الاعتكاف ساعة وفي الآية حجة على أبي حنيفة لأنه تعالى لما خاطب بها الصوام خاصة علمنا أن الصوم مشترط في الاعتكاف، ولما كان الصوم الشرعي لا يكون أقل من يوم، وعلمنا أن الاعتكاف كذلك، فإذا ثبت هذا ظهر فساد ما ذهب إليخ أبو حنيفة. وهذا النوع من الاستدلال يسميه الأصوليون الاقتضاء. واختلفوا إذا نذر اعتكاف يوم وليلة على ثلاثة أقوال: فذهب مالك ﵀ إلى أنه إذا نذر أحدهما لزمه ولم يلزمه الآخر. [وذهب الشافعي إلى أنه إذا نذر أحدهما لزمه دون الآخر]. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه إن نذر يومًا فعليه يوم بعد ليلة، وإن نذر اعتكاف ليلة فلا شيء عليه. وقال سحنون: من نذر اعتكاف ليلة فلا شيء عليه، ومذهب الشافعي مبني على إسقاط اشتراط الصيام، وذلك معترض عليه بما تقدم، ومذهب أبي حنيفة مبني على إشتراط الصيام، لأن الليل لا يصام فيه، فمن نذره لم يلزمه. وإذا نذر اليوم لزم اعتكافه، لأن الصوم مباح فيه وإلى نحو هذا أشار سحنون وقال: من نذر ليلة فلا شيء عليه، وأما مالك ﵀ فذهب أنه يلزمه أقل ما يمكن فيه الاعتكاف وهو يوم وليلة.\nوقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨] إلى قوله ﴿يسألونك﴾ ذهب قوم إلى أنه نهى الله ﷿ عنه في هذه الآية عن أكل المال بالباطل على كل وجه من غضب وسلب وخيانة وقمار، غير ذلك.\nقال بعضهم ولا يدخل فيه الغبن بالبيع مع معرفة البائع بحقيقة ما يبيع لأن الغبن كأنه هبة. وقال قوم: والمراد: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ أي في القيان، والشرب والملاهي والبطالة.","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>(١٨٩) - وقوله تعالى: ﴿وتدلوا بها إلى الحكام﴾ [البقرة: ١٨٩]</span>.\nقال قوم أي تسارعوا في الأموال إلى الخصومة إذا علمتم أن الحجة تقوم لكم، إما بأن لا يكون على الجاحد بينة أو يكون مال أمانة كمال اليتيم ونحوه مما يكون القول فيه قوله. وقال قوم: المعنى لا ترا شوابها على أكل أكثر منها. وفي هذه الآية إن الله حرم أكل الحرام، وإن قضى به قاض على ما ظهر له حق لقوة حجة الظالم باحتياله عليه، وسيأتي الكلام على هذه المسألة في غير هذه السورة. وفي مصحف أبي: «ولا تدلوا بها».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>(١٨٩) - قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ إلى قوله: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾</span>.\nقال ابن عباس، وقتادة، والربيع، وغيرهم: نزلت على سؤال قوم من المسلمين النبي ﷺ عن الهلال، وما فائدة محاقه، وكماله ومخالفته محال الشمس؟ وقوله: ﴿مواقيت﴾ يعني لقضاء الديون، وانقضاء العدد والأكرية والصوم والفطر، وما أشبه ذلك من مصلاح العباد. ومواقيت الحج أيضًا يعرف بها وقته وأشهره. وقال [أبو] الحسن: استدل بعض الحنفية بهذه الآية أن شهور السنة كلها مواقيت للحج كما كانت بأسرها مواقيت للناس، فلزمهم أن يكون الحج المطلق على خذا القول يراد به الإحرام فقط، دون سائر أفعال الحج مع أن الإحرام عندهم ليس من الحج، بل هو شرط الحج. فقيل لهم: فقد قال الله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧] فأجابوا بأن المراد بذلك أفعال الحج من السعي والطواف وغيره.\nقال: والصحيح من التأويل أن المراد بالآية ﴿قل هي مواقيت للناس والحج﴾ والحج في أشهر الحج. وهذا الذي قاله معترض أيضًا بأنه يقصر الحج","vol":"1","page":219},{"text":"أيضًا في الآيتين على أفعال الحج من السعي والطواف ونحوهما خاصة وهذا في قوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧] بين من نفس الآية.\nوأما من قوله: ﴿قل هيل مواقيت للناس﴾ فغير بين فإن الأهلة إذا أريد بها جميع الشهور، لم يصح إلا أن تكون على عمومها في المعطوف والمعطوف عليه وإذا كان ذلك لم يصح أن يراد بذلك الإحرام، لأن سائر أعمال الحج لا تقع إلا في أشهر معلومات، وإن لم يقل ذلك لزم أن يكون اللفظ الواحد عامًا وخاصًا في حالة واحدة.\nوقوله تعالى: ﴿للناس﴾ أي لأعمال الناس، وقد دخل تحت ذلك الحج وغيره، ولكنه خصصه بالذكر تشريعًا له وتأكيدًا لأمره فهو عندي مثل قوله تعالى: ﴿فيها فاكهة ونخل ورمان﴾ [الرحمن: ٦٨] ونحوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>(١٨٩) - وقوله تعالى: ﴿الأهلة﴾ [البقرة: ١٨٩]</span>.\nمن الجميع القليل الذي أريد به الكثرة مثل قول الشاعر:\nلنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما\nوإنما يصح ما ذكر أبو الحسن على تقدير حذف كأنه تعالى قال: قل هي مواقيت للناس، وهي مواقيت الحج يريد باللفظ الأول جميع الشهور، وبالثاني بعضها، ولا دليل على ذلك من نفس اللفظ فيعول عليه. فقول الحنفية على هذا أظهر، وهو مذهب مالك. وما قرره أبو الحسن من الحذف في قوله: ﴿الحج﴾ أي أشهر الحج فتحكم لا خفاء في فساده لأجل ما قدمته.","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>(١٨٩) - قوله تعالى: ﴿وليس البر﴾ الآية [البقرة: ١٨٩]</span>.\nاختلف في تأويل هذه الآية، فقال البراء بن عازب والزهري، وقادة: سببها أن الأنصار كانوا إذا حجوا أو اعتمروا يلتزمون إلى أن يحول بينهم وبين السماء حائل، وكانوا يتنسمون ظهور بيتهم على الجدارات. وقيل: كانوا يجعلون في ظهور بيوتهم فتوحًا يدخلون منها ولا يدخلون من الأبواب. قيل: كان أحدهم إذا خرج في حاجته ولم يقضها استطار بذلك ولم يدخل من باب داره، ولكن من ظهورها، فجاء رجل منهم فدخل من باب بيته فعير بذلك. فنزلت الآية. وقال إبراهيم: كان يفعل ذلك قوم من أهل الحجاز. وقال السدي: ناس من العرب، وهم الذين يسمون الحمس، قال: فدخل النبي ﷺ بابًا رفعه رجل منهم، فوقف ذلك الرجل وقال: أنا أحمس، فقال النبي ﷺ: «وَأَنَا أَحْمُسُ» فنزلت الآية. وروى الربيع أن النبي ﷺ دخل خلفه رجل أنصار فدخل وخرق عادة قومه، فقال له النبي ﷺ: «إِنِّي أَحْمُسٌ» أي من قوم لا يدينون بذلك، فقال الرجل وأنا ديني دينك فنزلت الآية.\nوهذه الأقوال أقوال من جعل الآية سببًا. وقال أبو عبيدة: الآية ضرب مثل أي ليس البر أن تسألوا الجهال ولكن اتقوا واسألوا العلماء. فهذا","vol":"1","page":221},{"text":"كما يقال ائت هذا الأمر من بابه. وقال غير أبي عبيدة: المعنى ليس البر أن تشددوا في المسألة عن الأهلة وغيرها فتأتون الأمر على غير ما يجب.\nوذهب ابن الأنباري أن الآية مَثَلٌ في جماع النساء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>(١٩٠) - (١٩٢) قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ إلى قوله ﴿الشهر الحرام﴾ [البقرة: ١٩٠ - ١٩٢]</span>.\nاختلفوا في قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا﴾ هل هو منسوخ أم محكم؟ فذهبت طائفة إلى أنه منسوخ واختلفوا في الناسخ. فقال الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد: أمر الله المسلمين بقتال من قاتلهم من المشركين والكف عمن كف عنهم، ثم نسخت سورة براءة. وقال قتادة: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ [البقرة: ١٩٣] عنه أيضًا أن الناسخ لها ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥].\nوعن ابن زيد: أن ناشخها: ﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ [التوبة: ٣٦] والذين ذهبوا إلى أنها محكمة، اختلفوا في تأويلها، فذهب ابن عباس، ومجاهد، وعمر ابن عبد العزيز إلى أن معناها، لا تقتلوا المرأة والصبي، والشيخ الكبير، والراهب وشبههم، وذلك إذا لم يقاتلوكم. فالتقدير قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلكم، ولا تعتدوا في قتل مثل هؤلاء ممن ليسوا بحالة من يقاتلكم. وهذا التأويل يعضد مذهب مالك وجماعة سواه من أن الشيوخ والرهبان لا يقتلون، إلا أن يكون في إبقائهم ضرر على الإسلام مثل أن يكونوا من ذوي الرأي والمشورة، فإن قتلهم جائز خلاف ما ذهب إليه الشافعي","vol":"1","page":222},{"text":"في أحد قوليه من أنهم يقتلون، وإن لم يكن فيهم ضرر، ولم يختلفوا في النساء والصبيان كاختلافهم في أولئك.\nوكذلك اختلفوا في قتل المريض والأعمى، فذهب الشافعي إلى قتلهم والآية على هذا التأويل تعضد مذهب م نيرى ألا يقتلوا ويلحق بالآية على هذا من له عهد، ومن أدى الجزية. وذهب ابن عباس أيضًا إلى أنها أمر من الله ﷿ بقتال الكفار. وقال أبو الحسن: ويحتمل أن يقال لم يرد الله ﷿ بقوله: ﴿الذين يقاتلونكم﴾ حقيقة القتال، لأن مدافعة الرجل عن نفسه لم تكن قط محرمة حتى يقال إنه أذن فيه بعد التحريم، وإنما أراد الذين يرون قتالكم ويعتقدونه دينًا وشرعًا. وروي عن أبي بكر -﵁- أنه أمر بقتل الشماسة لانهم يشهدون القتال، ويرون ذلك وهم الذين فحصوا على أوساط رؤوسهم، وأمر ألا يقتل الرهبان لأنهم يرون أن لا يقاتلوا. وقال مجاهد: الآية محكمة، ولا يحل لأحد أن يقاتل أحدًا حتى يبدأه بالقتال كذا حكى المهدوي. وفيه نظر. وقيل الآية نزلت في صلح الحديبية حين صده المشركون عن البيت، وصالحهم على أن يرجع في العام المقبل، ويخلوا له البيت ثلاثة أيام، فلما رجع إلى عمرة القضاء خاف أصحابه ﷺ ألا يفي المشركون ويصدوهم عن البيت، ويقاتلوهم في الشهر الحرام وكره أصحاب النبي ﷺ أن يقاتلوهم في الحرم وفي الأشهر الحرم. فنزلت الآية فتكون على هذا في أمر مخصوص فلا يدخلها نسخ على ذلك.","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>(١٩٠) - وقوله تعالى: ﴿ولا تعتدوا﴾ [البقرة: ١٩٠]</span>.\nعام في النهي عن أنواع العدوان، إلا أن أهل التفسير اختلفوا في تأويله، فقيل المعنى: ولا تعتدوا في قتال من لم يقاتلكم. وقيل لا تعتدوا في قتال المرأة والصبي ونحوهما. وقيل: لا تعتدوا بالابتداء بالقتال في الشهر الحرام. وذهب قوم إلى أن المعنى ولا تعتدوا في القتال لغير وجه الله، كالحمية وكسب الذكر، ولا خلاف أن القتال كان ممنوعًا في أول الإسلام بقوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ [المؤمنون: ٩٦] وبقوله: ﴿فاعف عنهم واصفح﴾ [المائدة: ١٣] وبقوله: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب﴾ [العنكبوت: ٤٦] وبقوله: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ [الفرقان: ٦٣] وبقوله: ﴿لست عليهم بمصيطر﴾ [الغاشية: ٢٢] وبقوله: ﴿يغفر للذين لا يرجون أيام الله﴾ [الجاثية: ١٤]. ونحو ذلك قال ابن عباس، ثم نسخ ذلك كله قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] وقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ [التوبة: ٢٩] واختلفوا في أول آية نزلت في القتال. فقال الربيع بن أنس وغيره قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾ [البقرة: ١٩٠] وروي عن أبي بكر الصديق أن أول آية نزلت في ذلك قوله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾ [الحج: ٣٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>(١٩١) - وقوله تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام﴾ الآية [البقرة: ١٩١]</span>.\nاختلف فيه هل هو منسوخ أو محكم؟ فذهب الأكثر إلى أنه منسوخ واختلفوا في الناسخ ما هو؟ فقال الربيع: نسخه: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون","vol":"1","page":224},{"text":"فتنة﴾ [الأنفال: ٣٩] وقال قتادة: نسخه قوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] قالوا جميعًا فيجوز قتالهم في كل موضع. وذهب مجاهد إلى أن الآية محكمة، وأنه لا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلا بعد أن يقاتل. وقرأ حمزة والكسائي، والأعمش: «ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>(١٩٢) - وقوله تعالى: ﴿فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ١٩٢]</span>.\nالانتهاء في هذه الآية الإسلام، لأن الغفران والرحمة إنما يكونان مع ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>(١٩٣) - وقوله تعالى: ﴿فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين﴾ [البقرة: ١٩٣]</span>.\nالانتهاء في هذا الموضع يصح أن يكون الدخول في الإسلام، ويصح أن يكون أداء الجزية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>(١٩١) - وقوله تعالى: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾ [البقرة: ١٩١]</span>.\nصفة لمشركي قريش، وهذه الآية نزلت في صلح الحديبية، وقيل: نزلت في عمرو بن الحضرمي، وواقد، وهي سرية عبد الله بن جحش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>(١٩٣) - وقوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ [البقرة: ١٩٣]</span>.\nيعني كفرًا ﴿ويكون الدين لله﴾ [البقرة: ١٩٣] يعني أنهم يقاتلون حتى يسلموا، وبهذا يحتج من لا يرى قبول الجزية من المشركين.","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>(١٩٤) - وقوله تعالى: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾ [البقرة: ١٩٤]</span>.\nاختلف في سببها، فقال ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وقتادة، ومقسم، والربيع، والضحاك، وغيرهم، نزلت في عمرة القضاء عام الحديبية، وذلك: أن رسول الله ﷺ خرج معتمرًا حتى بلغ الحديبية سنة ست، فصده كفار قريش عن البيت، ووعده الله تعالى أنه سيدخله عليهم، فأدخله سنة سبع، فنزلت الآية في ذلك. أي الشهر الحرام الذي غلبكم الله فيه، وأدخلكم الحرم عليهم فيه ﴿بالشهر الحرام﴾ الذي صدوكم فيه، ومعنى «الحرمات قصاص» على هذا التأويل أي حرمة الشهر، وحرمة البلد، وحرمة المحرمين، حيث صددتم بحرمة البلد، والشهر والمكان حين دخلتم.\nوقال الحسن بن أبي الحسن: نزلت الآية لأن الكفار سألوا النبي صلى الله عليه سلم هل يقاتل في الشهر الحرام فأخبرهم أنه لا يقاتل فيه فهموا بالهجوم عليه وقتل من معه حين طمعوا أنه لا يدافع فيه فنزلت ﴿الشهر الحرام﴾ الآية، أي هوة عليكم في الامتناع م نالقتل والاستباحة بالشهر الحرام عليهم في الوجهين فأية سلكوا فاسلكوا والحرمات على هذا جمع حرمة عمومًا في النفس والمال والعرض، وغير ذلك، فأباح الله تعالى بالآية مدافعتهم، والقول الأول أكثر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>(١٩٤) - وقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]</span>.\nأبان الله تعالى أنهم إذا عاهدوهم في الشهر الحرام، فعليهم أن يقاتلوهم فيه، وإن لم يجز الابتداء. ويحتمل أن يريد: فمن اعتدى عليكم فيما مضى فهتك حرمتكم في الشهر الحرام، والبلد الحرام فاعتدوا عليه الآن","vol":"1","page":226},{"text":"بمثلما اعتدى عليكم في الماضي، فيكون في ذلك إباحة القتال مطلقًا في كل موضع، وفي كل وقت. ويجوز الابتداء بالقتال جزاءًا على ما كان من فعلهم في ذلك الوقت ثم نسخ ذلك بالقتال مطلقًا. وقالت طائفة: هذه الآية أطلقت للمسلمين إذا اعتدى عليكم أحد منهم أو من غيرهم أن يقتصوا منه فنسخ ذلك، ورد إلى السلطان فلا يجوز لأحد أن يقتص من أحد إلا بأمر السلطان، ولا يقطع يد سارق، ولا غير ذلك. قال بعضهم: هذا إنما يكون على قول من أجاز نسخ القرآن بالسنة. وهذان القولان لمن قال: إن الآية منسوخة. وذهب جماعة إلى أنها محكمة واختلفوا في تأويلها أيضًا، فذهب قوم إلى أنه جائز أن يتعدى عليه في مال أو جرح إن تعدى بمثلما تعدى عليه إذا خفي له ذلك وليس بينه وبين الله في ذلك شيء، وحمل الآية على هذا، وإليه ذهب الشافعي وغيره، وهي رواية في مذهب مالك، والأشهر عنه أنه ليس له ذلك، وأن أمور القصاص والأموال على الحكام. وذهب مجاهد إلى أن الآية محكمةن وأن المعنى فمن اعدتى عليكم في الحرم فاعتدوا عليه وهذا أولى ما حملت عليه الآية.\nويحتج بهذه الآية على مراعاة المماثلة في القصاص. ومن ذلك مسألة من قتل بغير الحديد هل يقتل بمثلما قتل به؟ فاحتج من راى ذلك بهذه الآية خلافًا لأبي حنيفة في قوله إلا بالحديد، ولقوله -﵊-: «لا قود إلا بحديدة» واختلف الذاهبون إلى القول الأول في القود بالسهم والنار، هل يجوز أم لا؟ فالأشهر أنه يقتل بذلك. وقال ابن","vol":"1","page":227},{"text":"حبيب: لا يقتل به لأنه مثله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>(١٩٥) - وقوله تعالى: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥]</span>.\nاختلف في معناه، فقال ابن عباس وغيره: معناه لا تمسكوا عن الإنفاق في سبيل الله فتهلكوا، وقيل: هي نهي عن الإياس من المغفرة عند ارتكاب المعاصي روي ذلك عن البراء بن عازب، وعبيد السلماني وغيرهما. زقال ابن زيد وغيره: المعنى لا تخرجوا إلى الغزو بغير نفقة فتهلكوا. وقال أبو أيوب الانصاري: سبب نزول هذه الآية إمساك الأنصار عن الإنفاق في سبيل الله لسنة أصابتهم فسألوا النبي ﷺ أن يقيموا في أموالهم ليصلحوها. فالإلقاء على هذا باليد للتهلكة ترك الجهاد، وقيل: هو الإسراف في الإنفاق حتى لا يجد ما ينفق، وقيل: هو الإسراف في الإنفاق حتى لا يجد ما ينفق، قيل: هو أن يقتحم الحرب واحد على ألف من المشركين لم يكن به بأس إذا طمع في غليهم ونكاية في العدو أو تجرئة للمسلمين أن يفعلوا كفعله وإرهابًا للعدو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>(١٩٥) - وقوله تعالى: ﴿وأحسنوا﴾ [البقرة: ١٩٥]</span>.\nقيل: معناه وأنفقوا، وقيل: أدوا الفروض. وقال عكرمة: أحسنوا الظن بالله تعالى.","vol":"1","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>(١٩٦) - (٢٠٣) قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ إلى قوله: ﴿ومن تأخر فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ١٩٦ - ٢٠٣]</span>.\nاختلف الناس في تأويل هذه الآية، فذهب ابن زيد، والشعبي، وغيرهما إلى أن هذا ناسخ لما صح عن النبي ﷺ من أنه أمر أحابه بعد أن أحرموا بالحج بفسخه، وجعله عمرة، فلم يجيزوا الفسخ وقالوا في تأويل فعل النبي ﷺ لذلك إنما جعلهم فسخوا الحج لأنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج ويرون أنه فجور عظيم فأمرهم بفسخ الحج، وتحويله إلى العمرة ليعلموا أنها جائزة في أشهر الحج. وقيل: هذا الفعل إنما هو خصوص بالنبي ﷺ ورووا أنه قيل له يا رسول الله! أفُسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: «بل لنا خاصة» فلا يصح النسخ بهذه الآية على هذا ويجوز النسخ لقوله تعالى: ﴿وأتموا﴾. وأما ابن عباس فلم ير ذلك خاصًا بالنبي ﷺ، ولا رأى أن الأمر بالإتمام ناسخًا لذلك الفعل ورأى أنه جائز أن يفسخ الحج في العمرة، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وأهل الظاهر، وهو شذوذ من القول.\nوذهب علي بن أبي طالب إلى أن إتمامهما أن يحرم بهما من دويرة أهله وفعله، وإلى مثل هذا التأويل ذهب الشافعي في أحد قوليه، فاستحب للرجل أن يحرم من دويرة أهله وكان مالك لا يرى هذا","vol":"1","page":229},{"text":"التأويل فاستحب له أن يحرم من الميقات فإن أحرم قبله أو من منزله أجزأه. وذهب سفيان الثوري إلى أن إتمامهما أن يخرج قاصدًا لهما لتجارة ولا لغيرها، ويؤيد هذا قوله: ﴿لله﴾ وقيل: إتمامهما أن تكون النفقة حلالًا. وذهب قتادة، والقاسم بن محمد إلى أن إتمامهما أن يحرم بالعمرة، ويقضيها في غير أشهر الحج وأن يتم الحج دون نقص ولا جبر بدم. وهذا التأويل مبني على أن الدم في الحج والعمرة جبر نقص. وهذا قول مالك وجماعة من العلماء. وأبو حنيفة وأصحابه يرون أن الدم زيادة وكمال، وكلما كثر عندهم لزوم الدم فهو أفضل.\nواحتجوا بأنه قيل للنبي ﷺ ما أفضل الحج؟ قال: «العج والثج» ومالك، ومن قال بقوله يراه حج التطوع. وذهبت فرقة إلى أن إتمامهما أن يفرد كل واحد من الحج والعمرة ولا يقرن. وذهبت فرقة إلى أن الإتمام القران. وقد اختلفوا في الأفضل من الإفراد والتمتع، والقران على أربعة أقوال:","vol":"1","page":230},{"text":"أحدها: قول مالك وأصحابه أن الإفراد أفضلها، وروي عن النبي ﷺ أنه «أفرد بالحج».\nوالثاني: أن التمتع بالعمرة إلى الحج أفضل، وروى اهل هذا القول أن النبي ﷺ تمتع ولم يفرد.\nوالثالث: أن القران أفضل، وروى أيضًا من قال ذلك أن النبي ﷺ قرن.\nوالرابع: أنه لا يقال في أحد من هذه الأقوال إنه أفضل من الآخر.\nوالأصح من جهة الخبر عن النبي ﷺ أنه أفرد، ويعضده تأويل من الإتمام في الآية على أنه الإفراد. وذهب مجاهد إلى أن إتمامهما بلوغ أحدهما بعد الدخول فيهما، وذلك أشبه بالظاهر، ويدل عليه ما بعده، وهو أحدهما بعد الدخول فيهما، وذلك أشبه بالظاهر، ويدل عليه ما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] فالإحصار إنما يمنع الإتمام بعد الشروع، وقد وجب الإتمام، وهذا مثل القول الأول في أن الإتمام وهو أن لا يفسخ الحج والعمرة. وذهب ابن عباس، وعلقمة، وإبراهيم","vol":"1","page":231},{"text":"وغيرهما، إلى أن إتمامهما إنما يقضي مناسكهما كاملة بما كان فيهما من دماء.\nوفرائض الحج التي لا يتم إلا بها ثلاثة متفق عليها، وسبعة مختلف فيها. فالمتفق عليها الإحرام، والطواف بالبيت، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩] والوقوف بعرفة لقوله ﷺ: «الحج عرفة» فمن فاته الوقوف فقد فاته الحج.\nوالسبعة المختلف فيها: النية في جميع أفعال الحج. وذهب اجمهور إلى أنها فريضة في الحج. وذهب بعض الناس إلى أنها ليست بفريضة ذكر الخلاف فيها ابن حزم ﵀.\nوالتلبية: وذهب الجمهور إلى أنها ليست من فروض الحج. وذهب بعضهم إلى أنها من فروضه ذكر هذا أيضًا ابن حزم، وأظن هذا القول المخالف للجمهور منسوبًا لأبي حنيفة قد أنكر ذلك عنه.\nوطواف الوداع: الأكثر على أنه غير واجب. وذهب أبو حنيفة إلى أنه واجب والسعي بين الصفا والمروة: وقد تقدم الخلاف فيه عند قوله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨].","vol":"1","page":232},{"text":"والوقوف بالمشعر الحرام: ذهب الأكثر إلى أنه ليس بفرض، وذهب عبد الملك ابن الماجشون ﵀ إلى أنه من فروض الحج، واحتج بقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ [البقرة: ١٩٨].\nورمي جمرة العقبة: ذهب الأكثر إلى أنه ليس بفرض وهو القول المشهور عن مالك، وذهب عبد الملك ﵀ إلى أنه من فروض الحج قياسًا على طواف الإفاضة. وقد ذكر الواقدي عن مالك مثل قول عبد الملك. والمبيت بالمزدلفة: ذهب كافة القفهاء إلى أنه ليس بفرض، ولا ركن. وذهب بعض التابعين إلى انه ركن وفرض إليه ذهب علقمة، والشافعي، والنخعي. وقالوا: إذا لم يبت بها فقد فاته الحج.\nوأعمال العمرة أربعة: اثنان متفق عليهما وأثنان مختلف فيهما.\nفالمتفق عليهما: الإحرام، والطواف، والمختلف فيهما: السعي بين الصفا والمروة. وذهب الأكثرون إلى أنه من أعمال العمرة التي لا بد فيها منه. وذهب ابن عباس، وإسحاق بن راهويه إلى أنه ليس من أعمال العمرة التي لا تتم إلا به. وذهب مالك وغيره إلى خلاف ذلك. وزاد بعضهم في أعمال العمرة النية. والاختلاف فيها عندي داخل فتكون على هذا أعمال العمرة خمسة: اثنان متفق عليهما، وثلاثة مختلف فيها.\nواختلف في العمرة أفرض هي أم لا؟ فالذي ذهب إليه مالك وأكثر أصحابه إلى أنها ليست بفريضة. وذهب ابن الماجشون، وابن الجهم، وابن حبيب، وهو قولي الشافعي إلى أنها فريضة. وحجة مالك ما جاء عن","vol":"1","page":233},{"text":"النبي ﷺ ف انها سنة. وحجة من رآها فريضة قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ ومعنى ﴿وأتموا﴾ عندهم، أقيموا وإذا كان الإتمام واجبًا فالابتداء واجب. قال ابن القصار: فيقال لهم هذا غلط لأنه من أراد أن بفعل السنة فواجب أن يفعلها تامة، كمن أراد أن يصلي تطوعًا، فيجب أن يكون على طهارة وكذلك إن أراد أن يصومه فيلزمه التبييت. ومثله من أوجب صومًا أو صلاة. فقد أوجب ذلك على نفسه، وإن لم يجب في الأصل، فإذا دخل في الصلاة انحتم عليه إتمامها. وذهب مالك وجمهور أصحابه إلى أن الاعتمار في السنة مرارًاوإلى نحوه ذهب ابن المواز والشافعي.\nوحجة مالك ما جاء في الحديث من قوله ﷺ، وقد قال له الأقرع: أعمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ فقال: «بل للأبد» وقياسًا على الحج. وظاهر قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ حجة للقول الثاني عندي لأنها عامة لجميع الأوقات.\nواختلف في الرجل إذا أفسد حجه وعمرته، هل يمضي عليهما أو","vol":"1","page":234},{"text":"يقضيهما؟ أم يخرج بالفساد؟ فذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يمضي في سائر حجه وعمرته، ثم يقضي بعد ذلك. وذهب داود إلى أنه يخرج منهما بالفساد. ودليل ما ذهب إليه الجمهور: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، ولم يفرق بين الصحة والفساد. واختلفوا في القارن إذا خاف فوات الوقوف بعرفة هل له رفض العمرة أم لا؟ فذهب الأكثر إلى أنه ليس له ذلك. وذهب أبو حنيفة إلى أن ذلك له، وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ واختلفوا في المعتمرة إذا حاضت قبل الطواف، وضاق عليها وقت الحج فقال مالك، تردف الحج، ولا ترفض عمرتها، وتصير قارنة. وقال أبو حنيفة: تكون قد رفضت عمرتها والدليل على أبي حنيفة أنها قد عقدت عمرتها فمن زعم أن لها أن ترفضها أو تكون رافضة فعليه الدليل. وقد قال الله ﷿: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ وقال تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١].\nواختلف في العبد والصبي يحرمان بالحج، ثم يحتلم الصبي ويعتق العبد قبل الوقوف، فقال مالك: لا سبيل إلى رفض الإحرام، وحجة مالك ﵀ إن كان من دخل في حج أو عمرة ويتماديان عليه ولا يجزيهما عن حجة الإسلام وقال الشافعي: يمضيان ولا يجزيهما عن حجة الإسلام. وعند مالك أنهما إن استأنف الإحرام قبل الوقوف بعرفة أنه يجزيهما عن حجة الإسلام. وهو قول أبي حنيفة لأنه يصح عنده رفض الإحرام، وحجة مالك أن كل من دخل في حجة، أو عمرة مأمور بالتمام تطوعًا كان أو فرضًا لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ ومن رفض إحرامه لم يتم حجه ولا عمرته.","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>(١٩٦) - وقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]</span>.\nاختلف أهل اللغة في لفظ «أحصر» فذهب أكثرهم إلى أنه يقال أحصر بالمرض، وحصر بالعدو وهي أصح اللغات، وذهب بعضهم إلى أنه بعكس ذلك حصر المرض وأحصر العدو. وذهب الفراء إلى أنهما بمعنى واحد في المرض والعدو، وعلى حسب اختلاف أهلالغة في الآية، فذهب بعضهم إلى أن معناها إن حبسكم خوف عدو أو مرض أو وجه من وجوه المنع. وإلى هذا ذهب مجاهد وقتادة وغيرهما. وروي عن ابن عباس. وذهب ابن عباس في رواية أخرى عنه إلى أن المعنى إن أحصر أحدكم بعدو ولا بمرض. وذهب مجاهد في رواية أخرى عنه أيضًا، وعلقمة، وعروة بن الزبير وغيرهما إلى أن الآية فيمن أحصر بالمرض لا بالعدو. وقال المهدوي: وهو قول مالك. وإلى نحو القول الأول ذهب أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، فرأيا أن المرض والعدو بمنزلة واحدة استدلالًا بقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم﴾ فالمحصر على هذا بعدو أو مرض التحلل حيث أحصر، وليس عليه التحلل لعمرة. وأما مالك ﵀ فرأى أن المحصر بعدو يحل حيث أحصر، وأن المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، وهو عمل العمرة وعليه القضاء إذا فاته الحج، وهو مذهب عبد الله بن عمر، وقد نسب إلى الشافعي.\nورأى أن المريض داخل تحت قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ وتقدير قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فمااستيسر من الهدي﴾ على هذا القول، فإن أحصرتم وفاتكم الحج، وحللتم بعمرة وتقديره على قول أبي حنيفة فإن","vol":"1","page":236},{"text":"أحصرتم فحللتم إنما احتيج إلى هذا التقدير، لأنه ليس بنفس المرض أو حصر العدو ويلزم الهدي فليس تأويل أبي حنيفة بأسعد من هذا التأويل لأنه لا بد في التأويلين من إضمار. ودليل من ذهب في الآية إلى أنه إحصار المرض قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦] قالوا: والمحصور بعدو يحلق رأسه قبل أن يبلغ الهدي محله.\nوقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦] معناه يحلق بفدية من صيام أو صدقة أو نسك وإذا كان هذا واردًا في المرض بلا خلاف كان الظاهر أن أول الآية ورد فيمن ورد فيه وسطها وآخرها لاتساق الكلام بعضه ببعض، ورجوع الإضمار في آخر الآية إلى من خوطب في أولها، فيجب حمل ذلك على ظاهره، حتى يدل الدليل على آخره. وأخذ من ذهب إلى هذا في المحصور بالعدو، بما فعله النبي ﷺ عام الحديبية إذ حالت قريش بينه وبين البيت، فنحر ﷺ هديه، وحلق رأسه. ورأى بعض أصحاب مالك ومن تابعهم أن المراد بالإحصار في الآية إحصار العدو. ودليلهم من الآية قوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم﴾ وقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا﴾ وظاهره أن المذكور الأول ليس بمريض. وأيضًا فإن الآية إنما نزلت على قول الجمهور يوم الحديبية، وكان حبسهم يومئذ العدو. وحُكي عن ابن الزبير أنه لا يتحلل أحد بالعدو ولا بالمرض، إلا بأن يلقى البيت ويطوف. وقال ابن سيرين: الإحصار يكون عن الحج دون العمرة. وذهب إلى أن العمرة غير مؤقتة، وأنه لا يخشى عليها الفوات، والمذهبان مخالفان لنص الخبر عام","vol":"1","page":237},{"text":"الحديبية، فإن رسول الله ﷺ تحلل من عمرة كان بها محرمًا.\nوقد اختلفوا في المحصر بعدو إذا حل هل عليه هدي أم لا؟\nفذهب مالك واكثر أصحابه إلى أنه لا هذي عليه. وذهب أشهب وأبو حنيفة والشافعي إلى أن عليه الهدي. واحتج أشهب ومن تابعه بقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ وقالوا هذا في حصر العدو، واحتجوا بنحر النبي ﷺ وأصحابه هداياهم بالحديبية. ورد من خالف أشهب هذا التأويل، وعضد تأويل إحصار المرض، ورأى أن النحر الذي كان بالحديبية إنما كان تطوعًا لا شييئًا لازمًا لهم. ولاختلف الناس في المحصر بالعدو إذا نحر هديًا هل ينحره مكانه أو بمكة؟ فذهب مالك والشافعي إلى أنه ينحره حيث حبس من حل أو حرم، استدلالًا بأنهم نحروا بالحديبية الهدايا. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا ينحره إلى بالحرم استدلالًا بقوله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ٣٣]. واختلفوا في موضع نحر رسول الله ﷺ بالحديبية هل كان بالحل أو الحرم. والمحصر بالمرض عليه هدي لقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾ على قول من رأى أن المريض داخل في الآية لكن لا يجوز ذبحه عند مالك إلا بمكة او بمنى خلافًا للشافعي.\nومن ذهب مذهبه في قوله إنه ينحر حيث أحصر، وحجة الأول، قوله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ٣٣] وزعموا أن مطلق المحل في قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ يراد به الحرم لقوله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ٣٣] ولقوله: ﴿هديًا بالغ","vol":"1","page":238},{"text":"الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥] قيل لهم فقد قال: ﴿والهدي معكوفًا أن يبلغ محله﴾ [الفتح: ٢٥] فأجابوا بأن ذلك هو الدليل على أن المحل الحرم قيل لهم هذا في حق غير المحضر وأما في حق المحصر، فقد دل قوله تعالى: ﴿معكوفًا أن يبلغ محله﴾ [الفتح: ٢٥] أن رسول ﷺ تحلل بذبح وقع في الحل.\nفأجابوا أن النبي ﷺ وذبح في الحرم، لكن لما حصل أدنى منع جاز أن يقال إنهم منعوا هكذا قال أبو الحسن.\nوالجواب عن هذا انه خروج عن الظاهر بغير دليل. وقد تجوز مالك والشافعي، وأبو حنيفة ذبح هدي الإحصار في الحج متى شاء المحصر وأبو يوسف، ومحمد، والثوري لا يرون الذبح قبل يوم النحر فكأنهم يقيسون الزمان على المكان، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦] لأن المحل يقع على الوقت والمكان جميعًا، فكان عمومًا. ويجاب عن هذا بأن العمرة قد ذكرت مع الحج وهي لا تتوقت بزمان ولهم أن يقولوا بتخصيص ذلك بالإجماع. وفيما ذكر أبو الحسن من عموم لفظ المحل نظر، لأنه ليس من ألفاظ العموم.\nوقد اختلف إذا لم يجد المحصر الهدي هل يجوز له أن يحل أم لا؟\nفذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز له أن يحل حتى يجد الهدي فيذبحه أو يذبح عنه. وقال الشافعي يتحلل ويذبح متى قدر فإن لم يقدر أجزأه وعليه الإطعام والصيام وقاسه على هدي التمتع. واحتج محمد بن الحسن بأن هدي التمتع منصوص عليه، وهدي المحصر كذلك ولا تقاس المنصوصات بعضها على بعض. وذكر غيره أن إصبات الكفارات بالقياس لا يجوز. وقال أبو الحسن: ووجه الجواب عن هذا بين. واختلفوا إذا صده","vol":"1","page":239},{"text":"العدو عن حج التطوع فحل هل عليه قضاء أم لا؟ فعندنا لا قضاء عليه، وعدن أبي حنيفة عليه القضاء مع عمرة.\nوقال مجاهد، والنخعي، وعكرمة عليه القضاء ولا عمرة عليه مع ذلك واحتج أبو حنيفة بأن آية الإحصار نزلت عام الحديبية، ورسول الله ﷺ معتمر وقضى العمرة من قابل، وسميت عمرة القضاء، ولو صده عن حجة الفريضة فهل تسط عنه حجة الفريضة أم لا؟ اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال فذهب أكثر أهل المذهب إلى أنه تسقط عنه حجة الإسلام وعليه القضاء. وقال ابن الماجشون من أصحاب مالك: إذا صد بعد أن أحرم بحجة الفريضة وحل سقط عنه الفرض. وحكى الداودي عن أبي بكر الثعالبي أن الفرض يسقط عنه إذا أراد الحج وصده العدو إن لم يحرم. وأظن أنه حكاه عن أحد أصحاب مالك. وظاهر قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ على تأويل من تأوله إحصار العدو، وأنه لا قضاء عليه، لأنه إنما وجب عليه الهدي خاصة ولم يوجب عليه سواه، وهذا لا حجة فيه لأن القضاء قد سكت عنه في الىية، وإنما يؤخذ وجوبه أو سقوطه من دليل آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>(١٩٦) - وقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]</span>.\nاختلف فيه فذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، إلى أنه يعني بما استيسر من الهدي شاةٌ، وذهب ابن عمر وعائشة وغيرهما إلى أنه من الإبل والبقر، فمنعوا من يجد البقرة أو البدنة أن يهدي الشاة إما منع تحريم، وإما منع كراهية. والقول الأول أصح لأن قوله: ﴿فما استيسر من الهدي﴾ يعني ما سهل عن المخرج، وتيسر عليه. وهذا اللفظ إنما يستعمل في","vol":"1","page":240},{"text":"التخفيف والتيسير. وقد اختلفوا في الاشتراك في الهدي، فذهب مالك وأصحابه إلى أنه لا يجوز الاشتراك في الهدي [الواجب]. وذهب الشافعي إلى أن الاشتراك في الهدي جائز كيف ما كان. ووذهب أبو حنيفة إلى أنه جائز إذا أراد جميعهم الفدية وممنزاع إذا أراد بعضهم اللحم. وأما هدي التطوع ففي المذهب فيه قولان، وحجة من منع الاشتراك في الهدي قوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾ قالوا: فالواجب على مقتضى ظاهر الآية هدي كامل والجماعة إذا اشتركوا في هدي لم يتقرب كل واحد منهم إلا ببعض هدي، ولأن المعيب من الهدايا لا يجزي لنقصه مع كونه مهديه أراق دمًا كاملًا، فالمريق بعض دم أحرى ألا يجزيه. واختلفوا في المكي يحصر بها، هل هو كغيره في ذلك أم لا؟ والصحيح أنه كغيره لعموم قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ وقد ذكر عن مالك مثل هذا الاحتجاج.\nوأعمال الحج في منى ثلاثة أشياء: رمي، ثم نحر، ثم حلق، فإن قدم واحدًا منها على صاحبه، فقد اختلف فيه فذهب بعضهم إلى أنه لا شيء عليه جملة لقول النبي ﷺ لسائله عن ذلك «افعل ولا حرج» وذهب بعضهم إلى أن عليه الفدية وتأولوا الحديث على أنه أراد بقوله «لا حرج» أي لا إثم. وفي المذهب عن مالك أن لا شيء عليه في تقديم الحلق على الرمي ففيه الفدية لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾","vol":"1","page":241},{"text":"[البقرة: ١٩٦] والمشهور أل فدية عليه. ويحتمل أن قوله تعالى: ﴿حتى يبلغ الهدي محله﴾ على وصوله إلى منى لا أكثر. قال بعض المفسرين: كل هدي أوقف بعرفة فمحله مكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>(١٩٦) - وقد اختلفوا فيمن خوطب بهذه الآية: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾ الخ [البقرة: ١٩٦]</span>.\nفقيل: الخطاب لجميع الأمة المحصر وغير المحصر، وقيل: الخطاب للمحصر خاصة والأول أظهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>(١٩٦) - قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]</span>.\nالتقدير في هذه الآية فمن كان منكم مريضًا، أو به اذى من رأسه، ففعل شيئًا مما يمنعمنه في الحج وفي العمرة، ثم حذف ذلك اعتمادًا على فهم المخاطب. وهذا هو المسمى بلحن الخطاب. وقال بعض المفسرين: هذه الفدية عامة لكل حاج أو معتمر محصرًا كان أو غير محصر نزلت هذه الآية في كعب بن عجرة حين رآه رسول الله ﷺ رأسه يتناثر قملًا، فقال له: «لعله أذاك هوامك؟» قال: نعم يا رسول الله، فقال له: «احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، وانسك شاة» فمعنى الآية أن المحرم إذا احتاج للبس قميص، أو شرب دواء فيه طيب، أو تغطية رأس لمرض به ففعل شيئًا من ذلك فعليه الفدية، واختلفوا إذا قص اظفاره كلها من اذى ماذا عليه؟ فذهب الأكثر -وهو مذهب ابن القاسم- أن عليه الفدية","vol":"1","page":242},{"text":"لظاهر الآية، وذهب بعضهم إلى أنه لا شيء عليه. واختلفوا في المحرم إذا حلق رأس حلال ماذا عليه؟ فاستحب له مالك أن يفتدي خيفة قتل الدواب. قال: ولا ينبغي له أن يفعل ذلك وإن تيقن أنه لم يقتل دوابًا فلا فدية عليه، ومنع أبو حنيفة من فعل ذلك وأوجب فيه الفدية. ودليل مالك في عدم الإيجاب قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ الآية. وهذا خطاب مع المحرمين، والمعروف عن مالك مثل قول أبي حنيفة من إيجاب الفدية. ووجهه أنه لما كان الأصل في وجوب الفدية حلق الرأس في القرآن والسنة، حمل على عمومه في رأس المحرم ورأس غيره. وابن القاسم يرى في هذا أن يتصدق بشيء من الطعام، وهذه الآية إنما جاءت فيمن حلق رأسه أو صنع شيئًا مما ذكرنا لعذر، ورأى أن عليه ما على ذلك لما جاء في الآية من التخيير، وأما أبو حنيفة، والشافعي، وأبو ثور، فقالوا ليس بمخير إلا عند العذر لشرط الله تعالى. فأما إذا فعل ذلك لغير عذر فعليه دم، وحجة مالك أنه لو كان حكم غير ذي العذر مخالفًا لسنة رسول الله ﷺ ولما لم تسقط الفدية من أجل العذر علم أنه من لم يكن له عذر أولى بأن لا تسقط عنه الفدية.\nواختلفوا في الحالق ناسيًا فرأى مالك عليها الفدية وخيره، وقال الشافعي: لا شيء عليه والصيام الذي أوجبه الله تعالى في الآية عند مالك، وأكثر العلماء ثلاثة أيام أخذًا بظاهر الحديث الذي ذكره ابن عجرة المبين لمجمل القرآن، وخالف في ذلك الحسن البصري، وعكرمة، ونافع، فقالوا:","vol":"1","page":243},{"text":"الصيام عشرة أيام، ولم يتابعهم أحد من الفقهاء على ذلك، والسنة الثابتة بخلافه. الصدقة أيضًا عند مالك، وأكثر الفقهاء ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع. وذلك مدان بمد النبي ﷺ أخذًا بظاهر الحديث. وجاء في «كتاب مسلم»: «واطعم ثلاثة أصواع من تمر ستة مساكين» وخالف في ذلك من خالف في الصيام فرأوه إطعام عشرة مساكين. وقال الثوري يطعم من البر نصف صاع لكل مسكين. ومن التمر أو الزبيب والشعير صاعًا صاعًا. وقال نحوه أبو حنيفة وأصحابه، وفي حديث «مسلم» ما يرد على هذا. وروي عن ابن حنبل نحو قول مالك. وروي عنه إن أطعم برًا فهو لكل مسكين وإن أطعم تمرًا فنصف صاع لكل مسكين، والنسك أقله شاة بإجماع. ومن ذبح أفضل منها فهو أفضل. وقال سعيد بن جبير، ومجاهد النسك شاة فإن لم يجدها فقيمتها يشتري من الطعام، وصام عن كل مدين يومًا. وهذه الفدية يدفعها المفتدي حيث شاء من البلاد، لأن ظاهر الآية لا يقتضي تخصيص موضع، فتحمل على عمومها في المواضع كلها حتى يأتي ما يخصصها على خلاف بعض الأصوليين في هذا الأصل، وإلى هذا ذهب علي بن أبي طالب -﵁-. وقال إبراهيم، وهو مذهب مالك وأكثر أصحابه. وقال عطاء فيما روي عنه، أصحاب الرأي النسك بمكة والصيام والإطعام حيث شاء. وإلى هذا ذهب ابن الجهم من أصحاب مالك. وقال الحسن بن أبي الحسن، وطاوس، وعطاء أيضًا، ومجاهد، والشافعي: النسك والإطعام بمكة والصيام بمكة والصيام حيث شاء. وفي ظاهر الآية ما يرد هذا.","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>(١٩٦) - وقوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم﴾ [البقرة: ١٩٦]</span>.\nقال علقمة وعروة: المعنى فإذا أمنتم برأتم من مرضكم. وقال ابن عباس وقتادة وغيرهما: إذا أمنتم من خوفكم من العدو المحصر. وهذا أشبه باللفظ إلا أن يتخيل الخوف من المرض فيكون الأمن منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>(١٩٦) - ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]</span>.\nفيه دليل على جواز التمتع وقد اختلف فيه بالمنع والكراهة والإباحة والاستحباب والإيجاب وروي المنع عن ابن عمر، وابن الزبير. وجاء عن ابن عمر وأبي ذر أن متعة النساء، ومتعة الحج خاصتان لأصحاب النبي ﷺ. والآية حجة لمن أجازه. وروي عن ابن الزبير، وعلقمة، وإبراهيم أن الآية في المحصرين دون المخلى سبيلهم. والصحيح أن الآية عامة للمحصرين وغيرهم وهو قول ابن عباس وجماعة من العلماء.\nوصورة التمتع عن ابن الزبير أن يحصر الرجل حتى بفوته الحج، ثم يصل إلى البيت، فيحل بعمرة ويقضي الحج من قابل قال: فهذا قد تمتع بما بين العمرة إلى الحج، وصورة المتمتع المحصر عند غيره أن يحصر فيحل دون عمرة يؤخرها حتى يأتي من قابل فيعتمر في أشهر الحج، ويحج من قابل، فعلى هذا يترتب الخلاف هل يكون على المحصر دم","vol":"1","page":245},{"text":"إذا اعتمر في غير أشهر الحج على جهة التحليل من الحج الفائت؟ وقد ذكر عن ابن عباس، وابن مسعود وغيرهما أنه لا دم عليه. وقد اختلف في المحصر إذا فاته الحج ثم وصل إلى البيت ولم يحل هل يجوز له أن يبقى محرمًا حتى يحج من قابل، أو عليه أن يتحلل بعمرة؟ فأجاز ذلك مالك ولم يجزه غيره. وقول مالك أظهر على مساق الآية، لأنه إنما أجاز الله له التحلل نظرًا له ورفقًا به، فإذا اختار الصبر فله ذلك. وقد ذهب بعضهم إلى أن التمتع هو فسخ الحج والعمرة، وهذا غير جائز عند أكثر العلماء وإنما قاله ابن عباس على ما رواه عطاء عنه، فإنه قال: لا يطوف أحد بالبيت قبل يوم النحر إلا حل من حجه. فقيل له: من أين قلت هذا؟ قال: من سنة رسول الله ﷺ، وأمره الناس في حجة الوداع أن يحلوا، ومن قوله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ٣٣] والذي يجاب به عن هذا أن يقال: إنه قد جاء في الخبر الصحيح: أن بلال ابن الحارث قال لرسول الله ﷺ: يا رسول الله! فسخ لنا الحج خاصة أم لمن بعدنا؟ فقال: «لا بل لنا خاصة» وقال قوم إن فسخ الحج إنما كان على وجه آخر. وقال مجاهد: إن أصحاب رسول الله ﷺ معًا كانوا فرضوا الحج أولًا، بل أمرهم أن يحلوا مطلقًا وينتظروا ما يؤمرون به وبذلك أهل علي -﵁- باليمين، وكذلك كان إحرام النبي ﷺ، ثم أنكرت عائشة -﵂- أن يكون رسول الله ﷺ أمر بفسخ الحج على حال، وقالت: «خرجنا مع","vol":"1","page":246},{"text":"رسول الله ﷺ فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج، ومنا من قرن» الحديث، والذين رأوا أن الآية عامة للمحصرين والمخلى سبيلهم.\nوأجازوا التمتع بظاهرها، وراوا أن للمتمتع ستة شروط لا يكون المتمتع متمتعًا إلا بشروطها مجموعة، فمتى انخرم منها شرط لم يكن عليه دم، ولم يكن متمتعًا.\nأحدها: أن يجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد.\nوالثاني: أن يكون ذلك في عام واحد.\nوالثالث: أن يعتمر في أشهر الحج. لأنه ليس من شرطه أن يحرم بها في أشهر الحج، ولو أحرم بها في رمضان أو شعبان فاستدام ذلك وأتى ببعض أفعالها في أشهر الحج. قال ابن حبيب: ولو بشرط واحد من السعي في أشهر الحج كان متمتعًا وبه قال أبو حنيفة، والنخعي، وعطاء، والحسن، وجماعة من الناس. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يكون متمتعًا حتى يحرم بالعمرة في أشهر الحج، وقال طاوس: أي شهر اعتمر من السنة فهو متمتع. وقال الحسن البصري: إن من اعتمر بعد النحر فهي متعة. وهذان القولان شاذان.\nوالرابع: أن يقدم العمرة على الحج لقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ و﴿إلى﴾ للغاية فيجب أن يكون ما بعدها متأخرًا عما قبلها إذا كان غاية له.\nوالخامس: أن يفرغ من العمرة، ثم يحرم بالحج.","vol":"1","page":247},{"text":"والسادس: لا يكون مكيًا، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩٦] فخص به غير أهل المسجد الحرام. وقال طاوس: إن تمتع مكي من مصر من الأمصار فهو متمتع وعليه دم، والآية حجة عليه، واختلف لم سمي المتمتع متمتعًا. فقال ابن القاسم: لأنه تمتع بكل ما لا يجوز للمحرم فعله من وقت حله من العمرة إلى وقت إنشائه الحج وقال غيره: سمي متمتعًا لأنه تمتع بإسقاط احد السفرين وذلك لأن حق العمرة أن تقصر بسفر وحق الحج كذلك، فتمتع بإسقاط أحدهما، ولذلك ألزمه الله هديًا كالقارن الذي يجمع الحج والعمرة في سفر واحد.\nواختلفوا إذا رجع من عمرته، ثم رجع فحج من عامه. فذهب مالك إلى أنه إن رجع إلى أفقه أو إلى ما كان في المسافة مثل أفقه فليس بمتمتع فإن رجع إلى أقل من مسافة أفقه فهو متمتع. وقال المغيرة: إذا سافر سفرًا يقصر في مثله الصلاة، فلا دم عليه، وهو غير متمتع. وقال الشافعي: إذا رجع إلى الميقات، فأحرم بالحج لم يكن متمتعًا. وقال الحسن هو متمتع، وإن رجع إلى أهله، واحتج بظاهر قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ وقاله ابن المسيب في أحد قوليه.\nواختلفوا في المكي إذا أراد أن يتمتع هل يجوز له ذلك أم لا؟ فذهب مالك إلى أن ذلك جائز له، وإن لم يكن ذلك حقيقة التمتع لعموم ظاهر الآية. ولأن كل من جاز له الإفراد كان له التمتع والقرآن. وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس له ذلك. واختلفوا أيضًا إذا فعل ذلك هل عليه دم أم لا؟ فذهب مالك والشافعي وغيرهما إلى أنه لا دم عليه. وقال أهل العراق:","vol":"1","page":248},{"text":"ليس لمكي تمتع ول قران فإن تمتع وجب عليه الدم، وغنما أجاز مالك له ذلك، ولم ير عليه دمًا، لأن قوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩٦] يجوز ان تعود إشارته على الهدي لا على التمتع. ومن لم يجز التمتع رأى أن الإشارة بذلك إنما هي إلا التمتع، والتمتع القران نقص من الإحرام فالدم واجب على من فعله، وتجزيه شاة، وقيل: بدنة. وذهب داود إلى أنه لا دم عليه، والآية نص في وجوب الدم على المتمتع بقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] قال أبو حنيفة: ولو كان ذلك راجعًا إلى الدم لقال ذلك على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام. والشافعي يقول: «لمن» بمعنى على من، وإلا فالنسك لا يختلف. ومن جعل قوله ذلك راجعًا إلى التمتع منع أهل مكة من التمتع والقران، وفي منعهم من ذلك دليل على أن القران رخصة لكنه رآه لأصحاب المسافة البعيدة، وذلك يقتضي كون الإفراد أفضل، لأن الرخصة لا تكون أفضل، وإنما يؤتى لمكان الحاجة. وهذا الدم لا بد فيه من الحل والحرم خلافًا للشافعي في قوله: إن اشتراه في الحرم ونحره فيه أجزاه.\nودليل القول الأول أنه هدي لقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾ والهدي مأخوذ من الهدية فيجب أن يهدى من غير الحرم إلى الحرم، واختلفوا في هذا الهدي وفي هدي القران هل يجوز نحره قبل يوم النحر أم لا؟ فلم يجزه مالك وبه قال أبو حنيفة، وجوزه الشافعي أي وقت شاء إذا كان قد أحرم بالحج. وقال أحمد وعطاء في المتمتع يسوق الهدي، وإن قدم قبل العشر طاف وسعى ونحر هديه وإن قدم في العشر لم ينحره إلا يوم النحر. ودليل مالك وأصحابه قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي","vol":"1","page":249},{"text":"محله﴾ فلو بلغ الهدي قبل يوم النحر، كان الحلاق قبل يوم النحر لاسيما على قول من يقول بدليل الخطاب، ولا خلاف بينهم في القول به، إذا علق بالغاية. وهذا قول القاضي أبي بكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>(١٩٦) - قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ [البقرة: ١٩٦]</span>.\nاختلف الناس في وقت صيام هذه الثلاثة أيام، فذهب مالك إلى أنها تصام بعد الإحرام بالحج. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز أن تصام عقب إحرامه بالعمرة، وقبل إحرامه بالحج. وقال عطاء ومجاهد: لا يصومها إلا في عشر ذي الحجة. وقال أحمد: جائز إن شاء صامهن من قبل أن يحرم. وروي عن عطاء إن شاء صامهن حلالًا. وقال ابن عمر والحسن والحكم، يصوم يومًا قبل يوم التروية. ويوم التروية ويوم عرفة.\nوالحجة لمالك وأصحابه قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لك يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾. فهذا نص وجوب صيامها في الحج، ومن لم يحرم بالحج فليس بمتمتع، ولأنه صوم علق وجوبه بشرط فلم يجز تقديمه قبل وجود الشرط وإن فاته الصوم إلى يوم النحر صام أيام منى وإن فاته صوم أيام منى صام بعدها وببلده ومنع منه أبو حنيفة. وقال: لا يصوم بعد يوم عرفة ويستقر الهدي في ذمته. وقال بعضهم: لا يصوم أيام منى بوجه لنهي النبي ﷺ عن ذلك، ويصوم قبلها أو بعدها. وبالقول الأول قال الشافعي، وعائشة، وابن عمر، وعلي، وابن","vol":"1","page":250},{"text":"عباس، والدليل على أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ وهذا قد صام ثلاثة ايام في الحج فوجب أن يجزيه. وقد قال قوم: له ابتداء تأخيرها إلى أيام التشريق لأنه لا يجب عليه الصيام إلا بأن ينحر يوم النحر، ولهذا القول بالآية تعلق لمن نظره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>(١٩٦) - وقوله تعالى: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦]</span>.\nقال مجاهد، وعطاء، وإبراهيم: المعنى إذا رجعتم إلى أوطانكم، فمن بقي بمكة صامها، ومن نهض إلى بلده صامها في الطريق. وقال قتادة والربيع: هذه رخصة من الله تعالى. والمعنى إذا رجعتم إلى أوطانكم، فلا يجب على أحد صوم السبعة حتى يصل إلى وطنه، إلا أن يتشدد أحد، كما يفعل من يصوم رمضان في السفر. وعلى حسب اختلاف هؤلاء المفسرين في تأويل هذه الآية، اختلف الفقهاء في جواز صيام سبعة أيام قبل الرجوع إلى الأهل. فأجاز ذلك مالك وأبو حنيفة إذا رجع من منى، وإن لم يصل إلى أهله، وقال بعضهم: جائز صيامها وإن لم يرجع الإنسان من منى، ولم ير قوله تعالى: ﴿إذا رجعتم﴾ شرطًا وجعله توسعة وتخفيفًا، مثل قوله في الصيام: ﴿فمن كان منكم مريضًا﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] فأجاز له أن يصوم في رمضان، وإلى هذا ذهب ابن حبيب. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يصومها حتى يرجع إلى بلده. والدليل لقول مالك قوله تعالى: ﴿وسسعة إذا رجعتم﴾. ووجه الاستدلال أنه تعالى ذكر الحج فقال: ﴿ثلاثة أيام﴾ ثم","vol":"1","page":251},{"text":"قال: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾ ولا بد أن يكون الرجوع من منى، ولم يتقدم إلا ذكر الحج فوجب أن يكون رجوعه منه كما يقال: انصرف فلان من صلاته ورجع من عمله. يريد فرغ من عمله، وانقضى تلبسه به. وووجه ثان وهو يحتمل أن يريد به الرجوع من الحج وهو الأظهر لما قدمناه، ويحتمل أن يريد به الرجوع إلى أهله، على ما في ذلك من تعسف التأويل لأنه لم يجر لأهله، ولا لبلدة ذكر، وإذا احتمل الأمرين وجب أن يتعلق بأولهما وجودًا، كما قلنا في الشفق إنه لما وقع هذا اللفظ على الحمرة والبياض وجب إن يتعلق بأولهما، أو هو [مغيب] الحمرة. وقرأ بعضهم: «وسبعةً إذا رجعتم» بالنصب أي صوموا سبعةً.\nوقد اختلف في صيام هذه الأيام هل هي على المتابعة أم لا؟ وظاهر إطلاق الآية أن المتابعة غير مشترطة. واختلف فيمن يجب عليه صيام الثلاثة الأيام في الحج إذا لم يجد الهدي على أربعة أقوال:\nأحدها: أن الذي يجب ذلك عليه المتمتع والقارن، وهو قول مالك، وهو أظهر تعلقًا بالآية لأن الهدي إنما هو على المتمتع والقارن في معناه في ذلك، وقال: ولا يجب الصيام على غيرهما ممن أفسد حجه أو فاته الحج، وشبههما إلا استحسانًا.\nوالثاني: أن ذلك يجب على هؤلاء الأربعة المتمتع والقارن والمفسد لحجه، واتلذي فاته الحج، وهو قول ابن القاسم.\nوالثالث: أن ذلك يجب على هؤلاء الأربعة، وعلى كل من وجب","vol":"1","page":252},{"text":"عليه هدي بشيء تركه من أمر الحج من يوم إحرامه إلى حين وقوفه بعرفة.\nوالرابع: أن ذلك يجب على هؤلاء الأربعة وعلى من ترك من أمر الحج ما يوجب عليه الهدي، كان ذلك قبل وقوفه بعرفة او بعده. فمن ترك النزول بالمزدلفة وترك رمي جمرة العقبة وترك جمرة من جمرات أيام منى. وهذا القولان تخريج.\nوقد اختلف فيمن أخذ في صيام الثلاثة أيام، ثم وجد الهدي هل يترك الصوم ويرجع إلى الهدي أم لا؟ فقال الشافعي: إنه يستمر على الصوم، ولا يرجع إلى الهدي. وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه يرجع إلى الهدي ومن حجة الشافعي إن هذه الأيام العشرة بدل من شيء واحدج فكما لا يبطل صوم السبعة بوجود الهدي، فكذلك الثلاثة إذا صام أول أو ثانيه لأن الله تعالى قال: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾ الآية فجعل الجميع بدلًا. ومن حجة من خالفه أن صوم الثلاثة أيام يتوقف على الحل، ففرض الهدي قائم عليه ما لم يحل. وزعموا أن الهدي مشروط في الإحلال لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ فمن لم جد حتى وجد قبل دخوله في الصوم أو بعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>(١٩٦) - وقوله تعالى: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة: ١٩٦]</span>.\nهذا تأكيد لأنه قد يتوهم متوهم أنه إنما عليه إن صام في الحج ثلاثة، وإن رجع كان عليه بدل الثلاثة سبعة. وهذا المعنى للزجاج وغيره. وهذا التوهم الذي ذكروه لا يصح أن يقع إلا لمن جعل الواو بمعنى «أو» وهو خطأ. وقال الحسن: المعنى كاملة في الهدي كمن أهدى. [وقيل كاملة في الثواب كمن لم يمتع، وهذا على أن الحج الذي لم تكثر فيه الدماء أخلص","vol":"1","page":253},{"text":"وأفضل خلافًا لأبي حنيفة]. وقيل: كاملة توكيد كما يقال كتبت بيدي وخر عليهم السقف من فوقهم. وقيل: لفظها الإخبار ومعناها الأمر أي أكملوها فذلك فرضها. وسئل الشافعي عن هذا؟ فقال: أريدَ بذلك الخروج عن الاحتمال، والعشرة الأيام التي تلزم المتمتع بدل من الهدي، خلافًا لأبي حنيفة في قوله الثلاثة بدل السبعة ليست ببدل وظاهر الآية يقتضي أنها كلها بدل، لأنه تعالى قيد صومها بعدم الهدي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>(١٩٦) - وقوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩٦]</span>.\nالإشارة بذلك إلى المتمتع أو إلى الهدي على ما قدمناه. واختلف الناس في حاضري المسجد الحرام بعد الإجماع على أهل مكة وما اتصل بها. وقال الطبري: بعد الإجماع على أهل الحرم وليس كذلك، فقال بعض العلماء: من كان بحيث تجب عليه الجمعة فهو حضري، ومن كان أبعد من ذلك فهو بدوي، فجعل البعض من الحضارة والبداوة، وقال بعضهم: من كان بحيث لا يقصر الصلاة إلى مكانه فهو حاضر أي مشاهد، ومن كان بحيث لا يقصر الصلاة إلى مكانه فهو حاضر أي مشاهد، ومن كان أبعد فهو غائب. وحكى ابن حبيب نحو هذا القول عن مالك، واصحابه، وأنكره بعض الشيوخ، وقال: إنما هو قول الشافعي، وقال عطاء بن أبي رباح مكة وضجنان وذو طوى وما أشبههما حاضري المسجد الحرام. وقال ابن عباس، ومجاهد: أهل الحرم كلهم جاضرو","vol":"1","page":254},{"text":"المسجد الحرام. وقد قال بهذا الشافعي. وقال مكحول: وعلى من كان ذون المواقيت من كل جهة حاضري المسجد الحرام. [وقد قال بهذا أبو حنيفة. وقال الزهري: من كان على يوم أو يومين فهو حاضري المسجد الحرام]. والمشهور عن مالك أن حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة وذي طوى، وشبههما والدليل على قول مالك وأصحابه أن قوله تعالى: ﴿حاضري المسجد الحرام﴾ يقتضي أنه من كان أهله مقيمًا بالمسجد الحرام أو موجودًا عنده، وهو الذي يفهم من قولهم فلان من حاضري موضع كذا، أو من حضرة موضع كذا، ولا يقال لمن كان دون ذي الحليفة أو بينه وبين مكة مسيرة عشرة أيام أنه من حاضري المسجد الحرام، أو أنه ممن يحضر المسجد الحرام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>(١٩٧) - قوله: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧]</span>.\nفي الكلام حذف تقديره، أشهر الحج أشهر معلومات أو وقت الحج أشهر لأن الحج ليس بالأشهر، أو الحج حج أشهر معلومات. وقدر بعضهم الكلام الحج في أشهر، ثم حذف «في» ورفع الظرف على الاتساع كما تقول القتال يوم الجمعة بالرفع. يلزم مع سقوط «في» جواز نصب الأشهر ولم يقرأ بذلك أحد.\nواختلف في أشهر الحج على ثلاثة أقوال، فروي عن مالك روايتان\nإحداهما: أن أشهر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحج كله، وهو قول ابن مسعود، وابن عمر، وعطاء، والربيع، والمجاهد، والزهري.","vol":"1","page":255},{"text":"والثانية: أنها شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، وهو قول ابن عباس، والشعبي، والسدي، وإبراهيم، وقال الشافعي: هي شوال، وذو القعدة وتسع من ذي الحجة. وفي رواية عنه: وتسعة أيام من ذي الحجة وعشر ليال. وليس عنده يوم النحر على هذا من أشهر الحج، وإن كانت ليلته منها. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿أشهر﴾ وهذا من جمع القلة، وأقل الجمع ثلاثة على خلاف في هذا الأصل. ولا خلاف أنه لم يرد هنا شهرين، فلم يبق إلا أن يريد ثلاثة. وحجة القولين الأخيرين أنه إنما أراد اثنين وبعض الثالث، فجمع كما قال امرؤ القيس:\n. . . . . . . . . ... ثلاثون شهرًا في ثلاثة أحوال\nوقال قوم: يجوز أن لا يكون ذلك اختلافًا في الحقيقة، ويكون مراد من قال: أو ذو الحجة أو بعضه لأن الحج لا محالة إنما هو في بعض هذه الأشهر. ولا خلاف أنه لا يبقى بعد أيام منى شيء من مناسك الحج فأريد بعض الشهر بذكر جميعه كما قال -﵇-: «أيام منى ثلاثة» وإنما هي يومان، وبعض الثالث، وكما يقال الرجل حججت عام كذا وإنما حج في بعضه. وهذا الخلاف إذا اعتبر إنما هو خلاف في العبارة فمن قال الأشهر شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، فلأنه إذا رمى الجمرة يوم النحر، فقد أحل من إحرامه ولم يفسد حجه إن وطئ بعد ذلك. ومن قال: هي ثلاثة، فلأن رمي الجمار في أيام منى بعد العشر وهي من عمل الحج ولأنه لا يجوز له أن يطأ النساء إلا بعد طواف الإفاضة. وإن لم يفسد حجه بالوطئ وله أن يؤخر الطواف إلى آخر الشهر، ولا يكون عليه دم وهو من عمل الحج","vol":"1","page":256},{"text":"وإذا ثبت هذا فلا بد أن يحرم بالحج في شهوره، ولأن النبي -﵇- كذلك فعل ولأن فائدة التوقيت منع تجاوزها، والتقدم عليها، فإذا أحرم قبلها لزم ولم يتقلب إحرامه للعمرة هذا قول مالك، وقاله أبو حنيفة خلافًا للشافعي، وابن حنبل، والأوزاعي، في قولهم إنه يصير محرمًا بالعمرة ولا يلزمه الحج، وحكي عن داود أن إحرامه يبطل جملة. وحجة من قال القول الأول أنه لو انعقد إحرامه بالحج في غير أشهره لم يكن لتخصيصها فائدة. وحجة القول الأول أن ذكر الله تعالى في الحج الأشهر المعلومات، إنما معناه عندهم على التوسعة والرفق بالناس والإعلام بالوقت الذي فيه يبادر بالحج، وبين ذلك -﵇-، فمن صبر على نفسه وأحرم قبل أشهر الحج لزمه وهو بمعنى من أحرم بالحج من بلده قبل الميقات، ويعضد هذا القول قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣] ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] قال ابن القصار: ولا يمتنع أن يجعل الله الشهور كلها وقتًا للإحرام فيها، ويجعل شهور الحج وقتًا للاختيار، وهذا سائغ في الشريعة.\nواستدل أيضًا أهل المذهب على قول مالك وأصحابه بقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ [البقرة: ١٨٩] قال: وليس يخل أن يكون أراد القسمة، وإن نصف الشهور للحج، ونصفها لسائر المعاملات وذلك ليس بقول لأحد أن يكون أراد الاشتراط فذلك ما نقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>(١٩٧) - وقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهم الحج﴾ [البقرة: ١٩٧]</span>.\nمعناه ألزمه نفسه، واختلف العلماء في تأويله. فقال ابن عباس،","vol":"1","page":257},{"text":"وعكرمة وطاوس، وعطاء: الفرض الإهلال وهو التلبية. وقال ابن مسعود وابن الزبير: هو الإحرام، واختلفوا في فرض الحج والعمرة هل يكفي فيهما النية دون النطق أم لا؟ فذهب مالك إلى أنهما ينعقدان دون نطق أو سوق هدي. وذهب أبو حنيفة إلى أنهما لا ينعقدان إلا بنطق اوسوق هدي مع النية، وظاهر قوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾ حجة لمالك لأنه إنما معنى ذلك ألزم نفسه بالنية أو غيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>(١٩٧) - وقوله تعالى: ﴿فلارفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ [البقرة: ١٩٧]</span>.\nاختلفوا في الرفث ما هو؟ فقال ابن عباس، وابن جبير، والسدي، وقتادة، ومالك، ومجاهد، وغيرهم: هو الجماع. وقال عبد الله بن عمر، وطاوس وغيرهما: الإعراب والتعريب، وهو الإفحاش بأمر الجماع وعند النساء خاصة. وهو قول ابن عباس أيضًا. وأنشد وهو محرم:\nوهن عشين بنا هميسًا ... إن تصدق الطير تنك لميسا\nفقيل له: ترفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما كان عند النساء.\nوقال قوم: الرفث الإفحاش بذكر النساء، كان ذلك بحضورهن أم لا. وقد قال ابن عمرللحادي: لا تذكر النساء، وهذا يحتمل أن تحضر امرأة.\nفلذلك نهاه. وقيل: الرفث التعريض ذكره المهدوي. وإنما يقوي هذا القول من جهة ما يلزم من توفير الحج.","vol":"1","page":258},{"text":"وقال أبو عبيدة: الرفث اللغا من الكلام، وأنشد:\n. . . . . . . . . ... عن اللغا والرفث التكلم\nوقرأ ابن مسعود: «فلا رفوث» واختلف المفسرون ما هو. فقال ابن عباس، وعطاء، والحسن، وغيرهم: الفسوق المعاصي كلها لا يختص بشيء دون شيء. وقال ابن عمر، ومن معه: الفسوق في معنى الحج كقتل الصيد وغيره. وقال ابن زيد: الفسوق الذبح للأصنام، ومنه قوله تعالى: ﴿أو فسقًا أهل لغير الله به﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وقال الضحاك: الفسوق التنابز بالألقاب ومنه قوله تعالى: ﴿بئس الاسم الفسوق﴾ [الحجرات: ١١] وقال ابن عمر أيضًا ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم: الفسوق السباب. ومنه قوله -﵇-: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». والقول الأول عندي أصح الأقوال.\nواختلفوا في الجدال، فقال قتادة وغيره: الجدالهنا السباب. وقال","vol":"1","page":259},{"text":"ابن عباس، وعطاء، ومجاهد: الجدال هنا أن تماري مسلمًا حتى تغضبه.\nوقال مالك وابن زيد: الجدال هنا أن يختلف الناس أيهم صادف موقف إبراهيم -﵊- كما كانوا يفعلون في الجاهلية متى كانت قريش تقف في موقف غير سائر العرب، ثم يتجادلون بعد ذلك. وقال محمد بن كعب القرظي: الجدال أن تقول طائفة حجنا أبر من حجكم، وتقول الأخرى مثلكم مثل ذلك. وقالت فرقة: الجال هنا أن تقول طائفة اليوم وتقول الأخرى غداة. وقالت طائفة: الجدال كان في الفخر بالآباء قال مجاهد وجماعة معه: الجدال أن تنسأ العرب الشهور فقرر الشرع وقت الحج وبينه وأخبر أنه ختم لا جدال فيه، وهو أصح الأقوال. وقال أبو الحسن: فدل قوله تعالى: ﴿فلا رفث﴾ عن النهي عن الرفث على الوجوه المذكورة تفسير الرفث من أجل ذلك حرم العلماء ما دون الجماع في الإحرام وأوجبوا في القبلة الدم. ودل قوله: ﴿ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ على تحريم أشياء لأجل الإحرام، وعلى تأكيد الإحرام في أشياء محرمة من غير الإحرام تعظيمًا للإحرام. ومثله قوله -﵇-: «إذا كان يوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل» الحديث والوطء في الإحرام ممنوع بلا خلاف. لقوله تعالى: ﴿فلا رفث﴾ فإذا وطئ عامدًا أفسد حجه وعمرته بال خلاف، وهذا إذا وطئ قبل الوقوف بعرفة، فإن وطئ بعد الوقوف بعرفة وقبل الرمي، ففي فساد حجه روايتان. وحجة الفساد ظاهر الآية. وإن وطئ بعد الرمي وقبل طواف الإفاضة، فعند مالك أن لا يفسد","vol":"1","page":260},{"text":"حجه. وعن الشافعي رواية أنه يفسد. وظاهر الآية مع هذا القول. وحجة مالك أن ذلك يروى عن ابن عباس ولا مخالف.\nفأما وطئ الناسي فاختلفوا فيه. فذهب مالك إلى أنه يبطل حجه.\nوقال الشافعي في أحد قوليه لا يبطل والآية حجة لمالك لأن الرفث قد حصل وهو الجماع. وقال تعالى: ﴿فلا رفث﴾ ولم يفرق بين عمده وخطئه.\nواختلفوا في الوطئ دون الفرج إذا أنزل، وفي المنزل لقبلة أو لمس، فذهب مالك إلى أنه يبطل حجه. وقال أبو حنيفة، والشافعي لا يفسد الحج سوى الجماع في الفرج. والآية حجة عليهما لأن ذلك رفث، ولأن المقصود من الجماع إنما هو الإنزال وهو أبلغ من الإيلاج فوجب أن يفسد الحج به إذا انفرد كالإيلاج. واختلفوا أيضًا في الوطئ في الدبر، فذهب مالك إلى أنه يفسد الحج كان لواطًا أو امرأة. ةقال أبو حنيفة لا يفسده، وبناه على أصله أن الحد لا يجب على اللواط، والآية حجة على أبي حنيفة، لأن ذلك جماع فهو رفث. وفي وطئ البهيمة في الفرج خلاف مثل ذلك، والآية حجة لمن يراه مفسدًا. وفي الإنزال بالتذكر عند مالك خلاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>(١٩٨) - قوله تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد﴾ الآية [البقرة: ١٩٨]</span>.\nقال ابن عمر، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد: نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بال زاد ويقول بعضهم: نحن المتوكلون، ويقول بعضهم: كيف يحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فكانوا يبقون عالة على الناس فنهوا عن ذلك وأمروا بالتزود.\nفيؤخذ من هذه الآية وجوب التزود للحج حتى لا يتكل على سؤال الناس. وقال بعض الناس: المعنى تزودوا الرفيق الصالح، وهذا تخصيص","vol":"1","page":261},{"text":"ضعيف، والأولى في معنى الآية أن يريد وتزودوا لمعادكم من الأعمال الصالحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>(١٩٨) - قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح﴾ الآية [البقرة: ١٩٨]</span>.\nالجناح أعم من الإثم، وقد اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال ابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وعطاء: إن الآية نزلت لأن العرب تحرجت لما جاء الإسلام أن يحضروا أسواق الجاهلية كعكاظ، وذي المجاز، فأباح الله تعالى ذلك لا درك في أن تتجروا، وتطلبوا الربح. وقال مجاهد: كان بعض العرب لا يتجرون مذ يحرمون، فنزلت الآية في إباحة ذلك. وقال ابن عمر تأويلًا لهذه الآية: فمن اكترى للحج فحجه تام ولا حرج في ابتغاء الكراء. وقد اختلف في جواز الإجارة في الحج فمنعها ابو حنيفة وجوزها الشافعي، وكرهها مالك ابتداءً فإن وقعت جازت، وتأويل ابن عمر لهذه الآية يعضد قول من أجازه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>(١٩٨) - قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾ [البقرة: ١٩٨]</span>.\nفيه دليل على أنه قد أمرهم بالوقوف بعرفة، قبل إفاضتهم منها، غير أنه تعالى لم يذكر وقت الوقوف، ولا وقت الإفاضة، وبينه ﷺ بفعله، فوقف بها إلى أن غربت الشمس، ثم دفع فجمع بين الليل والنهار.\nوأجمعوا على أن سنة الوقوف كذلك. وجماعة العلماء يقولون إن من وقف بعرفة ليلًا أو نهارًا بعد زوال الشمس من يوم عرفة، فقد أدرك الحج","vol":"1","page":262},{"text":"إلا مالك بن أنس رحمه الله تعالى فإنه يقول: إن وقف بعد الغروب، ولم يطف بها من النهار شيئًا أجزأ عنه، وإن وقف بها قبل الغروب ودفع قبل الغروب فلا حج له، فالفرض على مذهبه الوقوف بالليل دون النهار.\nوعند سائر العلماء الليل والنهار سواء إذا كان بعد الزوال. واحتجوا بحديث عروة بن مضرس عن النبي ﷺ قال: «من أدرك معنا الصلاة وأتى عرفات ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه، وقضى تفثه» واحتجوا أيضًا بإطلاق بعض أصحاب مالك حديث عروة، على أن «أو» فيه بمعنى الواو، وبينوا حجة مالك بما يوقف عليه من مواضعه إن شاء الله تعالى. ومعنى ﴿أفضتم﴾ دفعتم، يقال: أفاض القوم إذا اندفعوا جملة، واختلفوا في سير الإفاضة كيف يكون فذهب جماعة إلى أنه العنق دون الإيضاع، وذهب آخرون إلى أنه الإيضاع دون العنق، ورووا الأولون عن بعضهم أنه قال: شهدت الإفاضتين مع عمر جميعًا ما نزيد على العنق لم يوضع في واحدة منهما.\nوروي عن النبي ﷺ: «أنه كان سيره العتق» والإيضاع في السير أرفع من العنق والآية محتملة لكل القولين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>(١٩٨) - قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ [البقرة: ١٩٨]</span>.\nالمشعر الحرام جمع كله، وهو ما بين جبلي المزدلفة من حد مفضي مأزمي عرفة إلى بطن محسر قال ذلك ابن عباس -﵁-، وابن جبير، والربيع، وابن عمر، ومجاهد، فهي كلها مشعر، إلا بطن محسر","vol":"1","page":263},{"text":"كم اأن عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة. بضم الراء وفتحها، وروي أن النبي ﷺ قال: «عرنة كلها موقف والمزدلفة كلها مشعر، ألا وارتفعوا عن بطن محسر».\nوذكرالله تعالى عند المشعر الحرام مندوب إليه لقوله تعالى: ﴿واذكروا الله﴾ وقال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن الوقوف بالمزدلفة فرض لا يجوز الحج إلا بإصابته، واحتجوا في ذلك بقوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ فذكر المسجد الحرام كما ذكر عرفات، وذكر ذلك رسول الله ﷺ في حديث عروة بن مضرس، فحكمها واحد لا يجوز الحج إلا بإصابتها. قال ابن المنذر: وهذا قول علقمة، والشعبي، والنخغي، قالوا: من لم يقف بجمع، فقد فاته الحج، ويجعل إحرامه عمرة. قال الطحاوي: الوحجة عليهم أن قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ ليس فيه دليل أن ذلك على الوجوب لأن الله تعالى إنما ذكر الذكر، ولم يذكر الوقوف، وكلٌ دق أجمع أنه لو وقف بالمزدلفة ولم يذكر الله أن حجه تام، فإذا كان الذكر المذكور في الكتاب ليس فرضًا. وهذا القول الذي ردّه الطحاوي وهو قول ابن الماجشون","vol":"1","page":264},{"text":"وقد تقدم ذكره ومذهب مالك وأكثر أصحابه، وغيرهم أن ذلك من سنن الحج، وليس من واجباته ورأوا أن الآية لا تدل على الوجوب.\nواختلفوا فيمن مربها فلم ينزل، فرأى مالك عليه دمًا، وإن نزل، ثم دفع بعد النزول فلا دم عليه، وإن كان دفعه أول النهار أو وسطه أو آخره.\nورأى الشافعي إن خرج منها قبل نصف الليل فعليه دم، وإن كان بعد نصف الليل فلا شيء عليه. وقال أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم إن لم يبت بها، ولم يقف بالمشعر الحرام إهراق دمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>(١٩٩) - وقوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيق أفاض الناس﴾ [البقرة: ١٩٩]</span>.\nاختلفوا في المخاطبين بهذه الآية، أجميع الأمة هم أم الحُمُس؟ فقال ابن عباس، وعائشة، وعطاء، ومجاهد، وغيرهم المخاطب بها قريش ومن ولدت وهم الحمس، وذلك أنهم كانوا يقولون نحن قطين الله فينبغي لنا أن نعظم الحرم، ولا نعظم شيئًا من الحل. فسنوا سنن الثياب في الطواف إلى غير ذلك. وكانوا مع معرفته وإقرارهم أن عرفة هي موقف إبراهيم لا يحرمون من الرحم ويقفون بجمع ويفيضون منه، ويقف الناس بعرفة فقبل أن يفيضوا مع الناس وكان رسول الله ﷺ في الحمس. ولكنه كان يقف مذ كان يعرفة هداية من الله له. والناس على هذا التأويل من سوى الحمس. وقال الضحاك: المخاطب بها جملة الآمة والمراد بها إبراهيم -﵇- كما قال الله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس﴾ [آل عمران: ١٧٣] وهو يريد واحدًا، وهذا الواحد هو نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان بعث به سفبان يخوف المسلمين بجمعهم، ويحتمل بهذا أن يؤمروا بالإفاضة من عرفة،","vol":"1","page":265},{"text":"ويحتمل أن تكون إفاضة أخرى وهي التي من المزدلفة، فإذا جعلن قوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا﴾ أمرًا بالإفاضة من عرفة فيحتاج إلى تقدير. وقد اختلف الناس في تقديره فقال بعضهم: ﴿ثم﴾ ليست في هذه الآية للترتيب، وإنما هي لعطف جملة كلام على جملة كلام هي منقطعة منها. وقال بعضهم: ﴿ثم﴾ بمعنى الواو. وقال الطبري: في الكلام تقديم وتأخير، التقدير، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ إلى قوله: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ واحتيج إلى هذا التقدير لأن الإفاضة من عرفات قبل المجيء إلى المشعر الحرام. وإذا قلنا إن المراد بذلك إفاذة أخرى من المزدلفة، وقد قيل ذلك، وهو الذي عول عليه الطبري فثم على بابها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>(٢٠٠) - قوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا﴾ الآية [البقرة: ٢٠٠]</span>.\nفقال ابن عباس كانت العرب إذا قضت مناسكها وأقاموا بمنى يقوم الرجل فيقول: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة، عظيم القبة، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيت لأبي. فنزلت الآية وأمروا بذكر الله عوضًا من ذلك. ويحتمل أن يريد الأذكار التي في خلال الناسك فيكون كما تقول للرجل: إذا حججت فطف بالبيت، وإذا صليت فتوضأ، كقوله تعالى:","vol":"1","page":266},{"text":"﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١] فأمر العدة مأمور به قبل الطلاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>(٢٠٣) - ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ [البقرة: ٢٠٣]</span>.\nالأيام المعدودات الثلاثة التي بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق وليس يوم النحر من «المعدودات»، و«المعلومات» يوم النحر ويومان بعده، فيوم النحر معلوم غير معدود، واليوم الرابع ليوم النحر معدود غيرمعلوم، واليومان اللذان بعده معلومان معدودان، هكذا روى نافع عن ابن عمر، وهو قول مالك وغيره. وقال ابن عباس وغيره: «المعدودات» العشر، و«المعلومات» أيام النحر. وقال زيد بن أسلم: «الأيام المعلومات» يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، و«المعدودات» أيام التشريق، واختلف قول أبي حنيفة والشافعي في «المعلومات» فقالا مرة مثل قول مالك، وقالا مرة: هي العشر آخرها يوم النحر. وقال ابن زيد: «المعلومات» عشر ذي الحجة، وأيام التشريق. ففي «المعدودات» قولان:\nأحدهما: أنها ثلاصة أيام بعد يوم النحر.\nوالثاني: أنها أيام العشر.\nوفي المعلومات أربعة أقوال:\nأحدها: أنها يوم النحر ويومان بعده.\nوالثاني: أنها يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق.","vol":"1","page":267},{"text":"والثالث: أنها أيام العشر وآخرها يوم النحر.\nوالرابع: أنها عشر ذي الحجة وأيام التشريق. وروي عن أبي يوسف أنه ذهب إلى أن المعلومات أيام النحر. وقال إليه أذهب لأنه تعالى قال حين ذكرها: ﴿على ما رزقكم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: ٢٨] قال أبو الحسن: هذا الاحتجاج لا يصح، لأن في العشر يوم النحر، وفيه الذبح. قال: ولا يشك أحد أن المعدودات لا تتناول أيام العشر لأن الله تعالى يقول: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ٢٠٣] وليس في العشر حكم يتعلق بيومين دون الثالث. وهذا الذي قاله أبو الحسن من رفع الشك فيما ذكر فيه نظر. كيف يزول الشك، والآية محتملة؟ إذ يحتمل قوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ أن يكون ذكر حكم الرمي بعد حكم الذكر لأن الرمي في أيام الذكر فالاحتمال ظاهر. وأظهر الأقوال على ألفاظ الآيتين قول مالك ﵀، ومن تابعه. والامر بذكر الله ﷿ في الأيام المعدودات، عند أكثر الفقهاء، يراد به التكبير عند رمي الجمار، في أدبار الصلوات.\nوقد اختلفوا في مدة التكبير، فقال مالك وأصحابه: يبدأ عقيب الظهر من يوم النحر، ويقطع عقيب الصبح يوم رابع النحر، وجملته خمسة عشرة صلاة. وهذا قول ابن عمر، وغيره من الصحابة. وقال يحيى بن سعيد: يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى الظهر من آخر أيام التشريق، قال بعضهم: وبه قال الشافعي.\nوقول مالك هو الظاهر من أقوال الشافعي، وقد قال إنه الظهر من يوم","vol":"1","page":268},{"text":"النحر، ويقطع بعد العصر من آخر أيام التشريق. وقال أيضًا يبدأ ليلة النحر بعد الغروب، ويقطع في العصر. فحصل للشافعي أربعة أقوال. وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وابن عباس: يكبر في صلاة الصبح من يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق. وقال ابن مسعود وأبو حنيفة: يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر. وقال سعيد بن جبير: يكبر من الظهر من يوعرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق. وقال الحسن بن أبي الحسن: يكبر في صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الظهر من يوم النفر الأول. وقال أبو وائل يكبر في صلاة الظهر يوم عرفة إلى صلاة الظهر يوم النحر. ودليل قول مالك، ومن تابعه قوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله﴾ والفاء للتعقيب، فأول صلاة تلي قضاء النسك صلاة الظهر يوم النحر. وذلك أنهم يرمون الجمرة، ويطوفون طواف الإفاضة. وفي يوم عرفة لم يقض منها شيئًا. والتكبير في أدبار الصلوات لكل أحد، من مسافر وحاضر وامرأة وحر وعبد منفردين أو في جماعة خلافًا لأبي حنيفة في قوله: ﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ وقوله: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ فعم.\nولا يكبر في أعقاب النوافل على الأشهر من قول مالك. وقال الشافعي: إنه يكبر في أعقابها. وقد روى الواقدي مثل هذا القول عن مالك. والحجة لهذا القول عموم الآيتين. وحجة القول الأول أنها صلاة نفل كسجود القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>(٢٠٣) - وقوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ٢٠٣]</span>.\nالآية يعني بهذا في رمي الجمار سبعةن حصاة، سبعة منها بجمرة العقبة يوم النحر، وثلاثة وستون بأيام منى، وهي الأيام المعلومات ثلاثة","vol":"1","page":269},{"text":"أيام بعد بوم النحر، كل يوم ثلاث جمرات كل جمرة بسبع حصيات فيأتي كل يوم إحدى وعشرون حصاة فيأتي مجموعها ثلاث وستون، وهذا إن لك يعجل ومن تعجل أسقط منها إحدى وعشرين حصاة بثلاث جمرات، وهي لليوم الذي يتعجل عن الرمي فيه فيأتي رميه تسعًا وأربعين، واليوم الذي يتعجل عن الرمي فيه، هو اليوم الآخر من أيام التشريق، وهو الرابع ليوم النحر. وقد أباح الله ذلك بهذه الآية، وبهذا قال مالك وابن المواز من أصحابه. وأما ابن حبيب فقال: إن سنة التعجيل أن يرمي في اليوم الثاني من أيام منى، وهو الثالث ليوم النحر إحدى وعشرين حصاةً كيومه ذلك، ثم يرجع من فوره ذلك فيرمي ذلك أيضًا إحدى وعشرين حصاة عن اليوم الثالث في أيام منى.\nوهو اليوم الرابع ليوم النحر، ثم ينفر لوجهه صادرًا حتى يأتي مكة.\nوبهذا قال ابن شهاب، فيكون رمي التعجيل على هذا القول سبعين حصاة كرمي غير التعجيل. وقال ابن عباس، والحسن، وعكرمة، ومجاهد: معنى الآية في قوله تعالى: ﴿فلا إثم عليه﴾ أنه إن أثم بما سلف من ذنوبه قد سقط عنه، ولم يبق عليه منها شيء، وهو قول ابن عمر وابن عباس أيضًا وغيرهما من الصحابة.\nوقال بمثل ذلك جماعة من التابعين قال. وقال بعض التابعين الإثم عليه في تعجيله. هو خطأ لأنه لو كان المتعجل وضع عنه الإثم لتعجله لما أعيد ذكر ذلك في المتأخر لأن المتأخر قد بلغ أقصى ما حد له. وقد روي عن","vol":"1","page":270},{"text":"النبي ﷺ ما يشهد لهذا التأويل قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه».\nواختلفوا فيمن أبيح له التعجيل، فذهب بعض العلماء إنما أبيح لمن بعد قطره، لا للمكي والقريب، إلا أن يكون له عذر. وذهب بعضهم إلى أن الناس كلهم مباح له ذلك. وقد جاء عن مالك في أهل مكة الروايتان، والأول هو الأشهر من قول مالك. والثاني قول عطاء وغيره. وروي عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه يباح النفر الأول لجميع الناس إلا آل خزيمة. قال ابن حنبل، وإسحاق: لأنهم آل حرم، وحجة من رأى ذلك لجميع الناس قوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ الآية. فعم ولم يخص مكيًا من غيره. وأكثر أهل المذهب كما قلنا أنه يسقط رمي الجمرة الثالثة عمن تعجل. وقال ابن أبي زمنين: يرميها في يوم النفر الأول حين يريد التعجيل. وهذا القول مما يمكن أت تتأول عليه الآية فيمون التعجيل أن يصنع في يومين ما يصنع في الأيام الثلاثة وهذا لعمري تأويل ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>(٢١٥) - قوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين﴾ [البقرة: ٢١٥]</span>.\nاختلفوا في هذه الآية، فقال قوم هي في الزكاة المفروضة. وقال قوم ليست في الزكاة المفروضة. فمن قال إنها في الزكاة المفروضة قال إن نسخ منها الوالدان ومن جرى مجراهما من الأقربين. وقد نسب هذا القول إلى السدي، وهذا على قول من لا يرى إعطاء الوالدين من الزكاة المفروضة،","vol":"1","page":271},{"text":"فأما على قول من يجيز ذلك فلا يصح النسخ. والذين قالوا إنها ليست في الزكاة المفروضة، اختلفوا هل هي منسوخة أم لا؟ فذهب بعضهم إلى أنها نزلت قبل فرض الزكاة ثم نسختها الزكاة المفروضة وهذا منسوب إلى السدي أيضًا وذهب بعضهم إلى أن هذا الاتفاق مندوب إليه، أنه غير الزكاة المفروضة وهو باق لا نسخ فيه وهو قول ابن جريج وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>(٢١٦) - قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال﴾ [البقرة: ٢١٦]</span>.\nاختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أم لا؟ فقيل إن الجهاد كان فرضًا على الأعيان بهذه الآية وما أشبهها، ثم نسخ بأن صير فرضًا على الكفاية لقوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ [التوبة: ١٢٢] وقيل: إن فرضه إنما كان على الكفاية، ولميزل كذلك، والآية ليست منسوخة. وذهب بعضهم إلى أنها ناسخة لكل رخصة في الجهاد قالوا: فصار فرضًا إلا أنه يحمله بعض الناس على بعض وإن احتيج إلى الجماعة وجب عليهم الخروج، ومثله في قيام بعض المسلمين عن بعض الصلاة على الجنائز، وعيادة المرضى، ورد السلام، وتشميت العاطس ونحوه.\nوذهب بعضهم إلى أن المراد الأعيان، لكن ذلك على طريق الندب لا على طريق الإيجاب. وهذا قول ضعيف، لأن قوله تعالى: ﴿كتب﴾ إنما معناه فرض، فهذا نص في الإيجاب فأي طريق للندب هنا وقال الثوري: إن الجهاد تطوع، وهذا خلاف لظاهر الآية إن حمل على ظاهره، والإجماع على أن الجهاد فرض كفاية، يتأول على أن ذلك إنما هو إذا أقيم بالجهاد.\nوقوله تعالى: ﴿القتال﴾ لم يتبين فيه من المقاتلون من الأنام فيحتمل","vol":"1","page":272},{"text":"أن يقال هذا من المجمل لذي هو موقوف على بيان المنتظر لامتناع قتل الناس كلهم. ويحتمل أن يقال إنه لفظ عام مبين بفعل النبي -﵊.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>(٢١٧) - قوله تعلاى: ﴿يسألونك عن الشهرا لحرام قتال فيه﴾ الآية [البقرة: ٢١٧]</span>.\nسبب هذه الآية أن رسول الله ﷺ بعث سؤية عليها عبيد الله بن جحش الأسدي مقدمه من بدر الأولى، فلقول عمرو بن الحضرمي ومعه أصحاب له، وذلك في آخر يوم من رجب، وقيل في آخر ليلة من رجب، فقتل عمرو بن الحضرمي، وأسر بعض أصحاب له والمسلمون يطنون أنهم في جمادى، ولم يقصدوا القتل في الشهر الحرام. وأما ابن إسحاق، فقال: استحل المسلمون هذا في الشهر الحرام خوف فوتهم، فقالت قريش: محمد قد استحل الأشهر الحرم، وعيروه وبذلك توقف النبي ﷺ فقال: «ما أمرتهم بقتال في الأشهر الحرم» فنزلت الآية. وذكر بعض المفسرين أن سبب هذه الآية غير هذا، وذلك أن رجلين من بني كلاب لقيا عمرو بن أمية الضمري وهو لا يعلم أنهما كانا من عند النبي ﷺ وذلك في أول يوم من رجب فقتلهما، فقالت قريش قتلهما في الشهر الحرام فنزلت الآية، والقول الأول أشهر. وذكر الصاحب بن عباد في «رسالته الأسدية» أن عبد الله بن حجش سمي أمير المؤمنين من ذلك الوقت لكونه مؤمرًا على جماعة المؤمنين.","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>(٢١٧) - وقوله تعالى: ﴿الشهر الحرام﴾ [البقرة: ٢١٧]</span>.\nالشهر هنا اسم جنس، وإنما أريد به الأشهر الحرم، وهي أربعة.\nوقد اختلف الناس هل هي من سنة واحدة، أو من سنتين؟ فالذين جعلوها من سنة واحدة جعلوا أولها المحرم، ثم رجب، وذا القعدة، وذا الحجة، وهذا مذهب الكوفيين، والذين جعلوها في سنتين اختلفوا في ترتيبها. فذهب أهل المدينة إلى أن أولها ذو القعدة، ثم ذو الحجة، ثم المحرم، ثم رجب. وذهب بعضهم إلى أن أولها رجب، ثم ذو القعدة، ثم ذو الحجة، ثم المحرم، وكانت العرب قد جعل لها الشهور الحرام قوامًا تعتدل عندهـ فكانت لا تسفك فيهن دمًا، ولا تغير فيهن. وروى جابر أن النبي ﷺ: لم يكن يغزو فيها إلا أن يغزى. فذلك قوله تعالى: ﴿قتال فيه كبير وصد﴾ [البقرة: ٢١٧].\nمبتدأ مقطوع ما قبله. والخبر «أكبر». والمسجد معطوف على «سبيل الله» وقال الفراء: «صد» عطف على «كبير» والأول هو الصحيح.\nواختلفوا في قوله تعالى: ﴿قل قتال فيه كبير﴾ هلهو منسوخ أم لا؟ فذهب ابن عباس، ومجاهد، والزهري، وغيرهم من العلماء إلى أنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ [التوبة: ٣٦] وبقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] قالوا فقتال المشركين في الأشهر الحرم مباح. وذهب عطاء إلى أن الآية محكمة وأنه لا يجوز قتال المشركين في الأشهر الحرم البتة، وذكر عنه أنه كان يحلف على ذلك. وفي هذا","vol":"1","page":274},{"text":"النسخ نظر لأن قوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ بعد قوله ﴿قل قتال فيه كبير﴾ عموم بعد خصوص، كذلك قالوا في منع القتال في البلد الحرام إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ وهو عموم بعد خصوص. وقد اختلف الأصوليون في مثل هذا هل يكون نسخًا أو لا؟ زالأرجح أنه ليس بنسخ. وأما إن فهم من العموم أن المراد به العموم، فهو نسخ بلا خلاف وذلك إذا خرج على سبب فهو نص في موضع السبب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>(٢١٧) - وقوله تعالى: ﴿يسألونك﴾ [البقرة: ٢١٧]</span>.\nقيل: السائلون المسلمون، وقيل: الكفار، وأحسن ما قيل في ذلك إنما نزلت على سبب ما قدمنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>(٢١٧) - قوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر﴾ [البقرة: ٢١٧]</span>.\nاختلفوا في المرتد هل يستتاب أم لا؟ فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أنه يستتاب. وذهب أبو موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل وغيرهما إلى أنه لا يستتاب. وروي عن عطاء أنه إن كان مسلمًا ولد في الإسلام، ثم ارتد لم يستتب، ويقتل، وإن كان أصله مشركًا ثم أسلم، ثم ارتد فإنه يستتاب. والدليل على قول من قال يستتاب، قوله تعالى: ﴿قل للذبن كفروا إن ينتهووا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨] وإن تاب دون أن يستتاب صحت توبته خلافًا لمن قال: لا تقبل توبته. ويقوم من هذه الآية على قول من قال بدليل الخطاب أنه تقبل توبته، لأن قوله وهو","vol":"1","page":275},{"text":"كافر يدل على أنه قد يموت وهو غير كافر، أي وهو مسلم فإذا صح منه الإسلام فلم لا تقبل توبته؟ ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ الآية [الشورى: ٢٦] وقوله: ﴿قل للذين كفروا إن يتنهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨] وظاهر المذهب أن عرض الاستتابة على المرتد واجب. وقال أبو حنيفة: لا يجب، وههو أحد قولي الشافعي. ومما يحتج به لأهل المذهب في ذلك قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨] فأمر نبيه -﵇- أن يعرض عليهم الإسلام والأمر على الوجوب على أكثر أقوال الفقهاء.\nواختلف القائلون في الاستتابة، فقال عمر بن الخطاب -﵁-: يستتاب ثلاثة أيام، وبه قال مالك واحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، والشافعي في أحد قوليه. وقيل يستتاب شهرًا. يروى عن علي أنه استتاب مرتدًا شهرًا، فأبى فقتله، وقال النخعي والثوري: يستتاب محبوسًا أبدًا. وقال الحسن -﵁-: يستتاب مرة واحدة. وقال الزهري: يدعى إلى الإسلم فإن تاب وإلا قتل، وإلى نحو هذا ذهب الشافعي في أحد قوليه. فقال: يستتاب في الحال ولا حجة لمن حد في ذلك حدًا في شيئ من هذه الآية والظاهر من الآية أن لا حد في ذلك. وعن مالك في تحديده ثلاثة أيام روايتان، إحداهما: إنما ذلك واجب، والأخرى: أنه مستحب. ووجه الوجوب الاتباع لما جاء عن عمر، ووجه الاستحباب مراعة ظواهر الآي في عدم التحديد ومراعاة قول عمر أيضًا. وقد قال ابن المنذر: إنه اختلفت الآثار عن عمر في هذا الباب.","vol":"1","page":276},{"text":"واختلفوا في ميراث المرتد إذا مات على رديته. فقال علي بن أبي طالب -﵁- والحسن، والشعبي، والحكم، والليث، وأبو حنيفة، وإسحاق بن راهويه: ميراثه لورثته من الكفار. وروي عن عمر بن عبد العزيز خلافه. وهذا القول شاذ. وقال مالك، وربيعة، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأبو ثور: ميراثه لبيت المال لا لورثته المسلمين، ولا لورثته الكفار.\nوقال آخرون: وأما كسبه في حال إسلامه فلورثته المسلمين، وأما كسبه في ردته فلبيت المال.\nوحجة القول الشاذ من هذه الأقوال هي أن الله قد سماه كافرًا.\nوالكفار يرث بعضهم بعضً. وهذا من جملة الكفار، فيرثهم ويرثونه.\nووجه القول المشهزر مراعاة حكم الأصل الذي هو الإسلام. وقد ثبت به لمسلمي الورثة حق لا يبطله الارتداد. واختلف في المرتد إذا رجع للإسلام. وقد كان ضيع من فرائضه شيئًا قبل ارتداده وكانت عليه نذور وأيمان وشبه ذلك، فقيل: لا شيء عليه في شيء من ذلك، وإن كان حج حجة الإسلام استأنفها. قال: ولا يؤاخذ بما كان عليه من الارتداد، إلا بم لو فعله وهو كافر أخذ به، وإن زنى بعد أن أسلم وكان أحصن، قبل لم يرجم وهو قول مالك فجعل حكمه في ذلك كله حكم من لم يزل كافرًا أخذًا بظاهر قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر: ٦٥] وقال غيره: إن راجع الإسلام كان بمنزلة من لم يرتد له، وعليه فإن كان ضيع فرضًا قضاه ولا يقضي حجة الإسلام إن كان قد حج، واحتج بقوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾ الآية [البقرة: ٢١٧] وهو صواب لأنها آية مفيدة تقضي على المطلقة،","vol":"1","page":277},{"text":"ولقول الله سبحانه: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨] فإذا غفر الكفر الذي كفروا بعد الإسلام، سقط حكم ذلك الكفر وبقي على أحكام الإسلام كما كان قبل. وكذلك اختلفوا هل ينتقض وضوء المرتد أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>(٢١٩) - قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ [البقرة: ٢١٩]</span>.\nاختلف الناس في هذه الآية، هل هي ناسخة أم منسوخة؟ فذهب قوم إلى أنها ناسخة لما كان مباحًا من شرب الخمر، قالوا: لأنه أخبر بأن فيها إثمًا، والإثم محرم ركوبه. وقال بعضهم: أخبر تعالى هنا فيها إثمًا، ثم قال في سورة الأعراف: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي﴾ [الأعراف: ٣٣] والآيتان محرمتان للخمر. وقال آخرون: هي منسوخة، لتحريم الخمر في قوله ﷿: ﴿فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠] و﴿فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: ٩١] لأن قوله: ﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ [البقرة: ٢١٩] لا يدل على تحريم، بل إخباره بأن فيها منافع قرينة تدل على الإباحة، واقتران الإثم بها لا يزيل ذلك.\nوذكر بعضهم أن آية البقرة أول آية تطرقت لتحريم الخمر ثم بعدها: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣] ثم قال تعالى: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء﴾ الآية [المائدة: ٩٠] إلى قوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام﴾ [المائدة: ٩١] فقال رسول الله ﷺ: «حرمت الخمر». وقال أبو الحسن: يمكن أن يؤخذ تحريم الخمر من هذه الآية لأن قوله تعالى: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ [البقرة: ٢١٩] يدل على","vol":"1","page":278},{"text":"المفسدة في شربها وأن ما فيها من النفع لا يقارن بالمفسدة. ويمكن أن يقال المفسدة في السكؤ ما تبين منها تحريم القليل الذي لا يسكر، ويمكن أن يقال في شرب القليل مفسدة عظيمة لإفضائه إلى أكثرها فتكون الآية على هذا دالة على تحريم القليل والكثير. والميسر القمار. قاله ابن عمر وغيره. وقال مالك: الميسر ميسران ميسر الغش وميسر القمار وميسر اللهو، والنرد، والشطرنج، والملاهي كلها. وميسر القمار ما يخاطر الناس عليها.\nوقال علي بن أبي طالب: الشطرنج ميسر العجم وكل ما قومر به فهو ميسر عن مالك، ولبن المسيب، وابن سيرين وغيرهم من العلماء. وقال عطاء: لعب الصبيان بالجوز، والكعاب. وقد اختلفوا فيه بغير خطر، فمنعه قوم جملة وكرهه آخرون، والكراهة مذهب مالك. وروي عن علي -﵁- أنه مر بقوم يلعبون به. فقال: ما هذه التماثيل التي انتم لها عاكفون وأجازه آخرون. وروي عن ابن سيرين، والشعبي، وأبي هريرة أنهم لعبوا به.\nوأصل الميسر أنه كان للعرب قداح عشرة لا ريش لها سبعة منها لها حظوظ وفيها فروض على عدة الحظوظ، وثلاثة لا حظوظ لها. فأسفل السبعة الفذ وهو الأول وله نصيب، ثم التوأم وله نصيبان، ثم الرقيب وله ثلاثة، ثم المجلس وله أربعة، ثم النافس وله خمسة، ثم المسبل وله ستةن ثم المعلى وله سبعة. ومنهم من يسمي الثالث الظريف والسادس المصفح.\nوربما سمي الرجل بسهمه إذا تقامروا، يلقب مع الاسم العلم، وعلى كل واحد من هذه الأسهم فروض بقدر ما له من نصيب. ويقال لتلك العلامة الغرم والغرمة والثلاثة التي لا حظوظ لها يدعونها الأغفال وهي المنيح،","vol":"1","page":279},{"text":"والسفيح، والوغد. وإنما جعلوا هذه الثلاثة ليكثر بها العدد، وليؤمن بها حيلة الضارب لها والصارب بها يسموه الحرضة. وكانوا إذا جاء الشتاء واشتد البرد على فقراتهم تقامروا بها على الإبل، وجعلوا لحومها لهم فتعتدل أحوال الناس، ولذلك يخصبون، فإذا أرادوا ذلك احتمعوا سبعة على عدد القداح المعلمة فيأخذ كل واحد منهم قدحًا منها، وربما كانوا أقل من سبعة فيأخذ الرجل قدحين أو ثلاثة ويكون له حظ القامر منها وعليه غرم الخائب، ويحتمل ذلك لجوده ويساره، وكانوا يتقامرون بذلك ويذمون من لك يدخل فيها ويسمونه البرم، ويسمون الداخل فيها اليسير والياسر. فإذا تآلفوا ابتاعوا ناقة بثمن مسمى ويضمنوه لصاحبها، إلا أن يضربوا بالقداح عليها فيعلمون على من يجب الثمن، ثم ينحرونها من قبل أن يتقامروا ويقتسمونها على عشرة أسهم. هذا قول أبي عمرو. وعلى قول الأصمعي ثمانية وعشرين جزءًا، ثم يحضرون القداح ويضبون الحرضة بها ثمانية وعشرين جزءًا، ثم يحضرون القداح ويضربون الحرضة بها فمن خرج سهمه في هذه السبعة التي لها أنصباء أخذ من الأجزاء، بحصة ذلك وأعطاها الفقراء، وإن خرج واحد من التي لا حظوظ لها فقد اختلف الناس في هذا الموضع فقال بعضهم: من خرجت باسمه لم يأخذ شيئًا ولم يغرم، ولكن تعاد الثانية ولا يكون له نصيب ويكون لغوًا. وقال بعضهم: بل يصير ثمن هذه الجزور كلها على أصحاب هؤلاء الثلاثة فيكون مقمورين ويأخذ أصحاب السبعة أنصبائهم على ما خرج لهم، ويصرفون هذا في إشعارهم كثيرًا.\nوأصل الميسر في اللغة أن يكون عبارة عن التجزئة، وكل ما جزأته فقد يسرته، ويقال للجزار ياسر، وللجزور نفسه إذا جزئ ميسر. وكانت","vol":"1","page":280},{"text":"المخاطرة في أول الإسلام مباحة من ذلك مخاطرة أبي بكر -﵁- المشركين حين نزلت ﴿الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض﴾ [الروم: ١ - ٣] وقال له ﷺ: «زد في المخاطرة وامدد في الأجل» ثم نسخ ذلك بتحريم القمار فحرم القمار مطلقًا إلا ما رخص فيه من الرهان في السبق لقوله ﷺ: «لا سبق إلا في خف، أو نصل أو حافر» وإنما رخص في ذلك لما فيه من رياضة الخيل والاستعداد لمجاهدو العدو. وظاهر تحريم القمار أيضًا يمنع من القرعة لولا ما ورد فيها من الخبر الصحيح الذي يخص به العموم.\nوقال ابو حنيفة: لا يجوز التراهن بحال لأنه قمار. وزعم قوم إن سباق الخيل والقرعة نسختهل آية القمار. ويرد ذلك ما تقدم من ثبوت العمل بهما. وروي عن عطاء أنه أجاز السبق في كل شيء واحتج بحديث عائشة، في مسابقتها للرسول -﵇- على قدميها، فإن كان أراد بخطر فهو خلاف ما جاءت به الظواهر في تحريم القمار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>(٢١٩) - قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ الآية [البقرة: ٢١٩]</span>.\nاختلف في هذه الآية هل هي محكمة او منسوخة فمن ذهب إلى أنها منسوخة قال: العفو ما فضل على العيال. وكان ذلك واجبًا في أول الإسلام وإن أحدهم كان إذا حصد زرعه أخذ قوته وقوت عياله وما يزرع في العام المقبل وتصدق بالباقي، ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة.","vol":"1","page":281},{"text":"والذين ذهبوا إلى أن الآية محكمة اختلفوا على أربعة أقوال في تأويلها.\nفذهب قوم إلى أن العفو الزكاة المفروضة.\nوذهب آخرون ألى أن العفو فيها ما سمح به المعطي.\nوذهب بعضهم إلى أنه ما فضل عن العيال، والآية على الندب لا على الوجوب مثل قوله: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير﴾ الآية [البقرة: ٢١٥] وذهب بعضهم إلى أنه ما فضل على العيال والآية على الوجوب وذهب إلى هذا جماعة من أهل الزهد والورع، فحرموا ما فوق الكفاف. وإلى هذا ذهب أبو ذر -﵁- لأنه رويت عنه آثار كثيرة في بعضها شدة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش فهو كثير وكان يقول: الأكثرون هم الأخسرون يوم القيامة ويل لأصحاب اليسر. وقد روي عن النبي ﷺ فيه آثار كثيرة. إلا أن جمهور أهل العلم تأولوها في الزكاة على خلاف ما حملها أبو ذر -﵁-. وذهب قوم إلى أن ما في المال حق سوى الزكاة وأنه المراد بالآية، وإن لم يروا الاقتصار على الكفاف كما ذهب إليه أبو ذر. وقد اختلف هل يجوز أن يهب الرجل ماله كله أو ينحله إذا لم يبق ما يكفيه. فأجازه مالك ومنعه سحنون وقال: هو مردود. قال اللخمي: وهو أحسن للقرآن والحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>(٢٢٠) - قوله تعالى: ﴿يسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح﴾ [البقرة: ٢٢٠]</span>.\nاختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال السدي، والضحاك: إن","vol":"1","page":282},{"text":"العرب كانت عادتهم أن يجتنبوا مال اليتيم ولا يخالطوهم في مأكل ولا مشرب ولا بشيء. فكانت تلك مشقة، فسألوا عنه رسول الله ﷺ فنزلت فعلى هذا نزلت الآية رافعة لحكم غير شرعي فليست إذا بناسخة. وقال ابن عباس، وسعيد بن المسيب: سببها أن المسلمين لما نزلت: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾ [النساء: ١٠] تجنبوا اليتامى وأموالهم وعزلوهم عن أنفسهم فنزلت الآية. وقيل: لما نزلت: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم﴾ الآية [الأنعام: ١٥٢] اعتزل المسلمون عن مخالطة اليتامى فنزلت الآية. وعلى هذا يمكن أن يقال إن الآية ناسخة لما فعله المسلمون من اعتزالهم اليتامى. قال بعض المفسرين: وهذا أحسن من جعلها ناسخة لقوله: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾ [النساء: ١٠] وقيل: إن السائل عبد الله بن رواحة. وأصل اليتيم الانفراد، فيصح أن يقال للمنفرد من أحد أبويه يتيم، وإطلاقه أظهر في اليتم من قبل الأب. وظاهر القرآن في أحكام الأيتام محمول على الفاقد لأبيه وهو صغير. والعرب تسمي المرأة المنفردة عن الزوج يتيمة صغيرة كانت أو كبيرة. قال الشاعر:\nإن القبور تنكح الأيامى ... النسوة الأرامل اليتامى\nوتسمى الرابية يتيمة لانفرادها عما حولها من الأرض، وهي الدرة التي لا نظير لها اليتيمة. وهذه الآية أصل في ابتغاء ما فيه الصللاح للأيتام فبها يستدل على أنه لا بأس بتأديب اليتيم وضربه بالرفق إذا احتيج لذلك لأن فيه مصلحة، وحسن تربية. وعلى أنه لولي اليتيم أن يعلمه أمر الدين","vol":"1","page":283},{"text":"والدنيا، ويستأجر له ويؤاجره ممن يعلمه الصناعات وينفق عليه من ماله.\nوإذا وهب لليتيم شيء فللوصي قبضه لما فيه من الصلاح، وإن خلط نفقة اليتيم بنفقة الوصي جائزًا إذا عاد ذلك بالرفق والتوفير على اليتيم، وإن عاد بالرفق على الوصي فلا يجوز وإن التجارة في أموال اليتامى جائزة إذا كان في لك حظ لهم في قوله تعالى: ﴿قل إصلاح لهم خير﴾ [البقرة: ٢٢٠].\nواختلفوا في دفع ماله مضاربة. والآية عندي دليل لقول من أجازه إذا كان فيه إصلح ماله. ويجوز بيع الوصي عقار اليتيم وشراؤه له على وجه النظر، وهو قول الجمهور حتى قال سفيان: الوصي بمنزلة الأب يبيع إذا رأى الصلاح. وقال ابن أبي ليلى: يبيع ما لا بد منه. وقال يعقوب ومحمد ذلك إذا لم يكن عليه دين، فليس للموصي أن يبيع العقار، وله بيع ما سوى ذلك من الحيوان والعروض. ودليل الجواز قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير﴾ فكل ما هو صلاح للموصي فعله. واختلف في الوصي يشتري من مال يتيمه، أو يبيع منه، فعندنا: أنه جائز ما لم يحاب ويكره أو لا. وأجاز أبو حنيفة إذا اشتراه منه بأكثر من ثمن المثل لأنه إصلاح دل عليه ظاهر القرآن. ولم يجز الشافعي شراءه ولا بيعه على ذلك الوجه. واتفقوا على جواز ذلك للأب، واختلفوا في الجد. فأجازه الشافعي، وأبو حنيفة ولم يجزه مالك، وفي الوكيل فاجازه مالك ومنعه أبو حنيفة، ودليلنا قول الله تعالى: ﴿قل إصلاح لهم خير﴾ فبهذا احتج أصحابنا في المسألة. وكذلك اختلف في تزويج اليتيم، فعندنا وعند أبي حنيفة يجوز تزويجه والتزويج منه. والشافعي لا يرى في التزويج إصلاحًا إلى من جهة دفع الحاجة قبل البلوغ. والحجة للجواز ظاهر القرآن.","vol":"1","page":284},{"text":"والشافعي يجوز للجد التزويج مع الوصي، وأبو حنيفة يجوز للقاضي تزويج اليتيم بظاهر القرآن. فهذه المذاهب نشأت من هذه الآية ومن لا يجوز يقول لم يذكر في الآية التصرف في أموال اليتامى بل قال: ﴿إصلاح لهم خير﴾ من غير أن يذكر فيها الذب يجوز له النظر فلا متعلق في الآية أصلًا من جهة العموم أو ليس للمتصرف ذكر يعم أو يخص. ويجوز أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿يسألونك عن اليتامى﴾ أي يسألك القوام على اليتامى الكافلون لهم وذلك مجمل لا يعلم منه عين الكافل والقيم ومايشترط فيه من الصفات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>(٢٢١) - قوله: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة﴾ [البقرة: ٢٢١]</span>.\nاختلف الناس في تأويل هذه الآية فقالت طائفة: المشركات من يشرك بالله إلها آخر، فلم تدخل اليهوديات، ولا النصرانيات في لفظها ولا في معناها. وسببها قصة أبي مرثد كناز بن حصين مع عناق التي كانت بمكة. وقال قتادة وسعيد بن جبير: لفظ الآية العموم في كل كافر والمراد بها الخصوص من غير الكتابيات، وبينت الخصوص آية المائدة. ولم يتناول العموم قط الكتابيات. وقال ابن عباس، والحسن تناولهن العموم ثم نسخت آية سورة المائدة من ذلك الكتابيات وهو مذهب مالك ﵀ ذكره ابن حبيب.","vol":"1","page":285},{"text":"وقال ابن عباس في بعض ما روي عنه الآية عامة في الوثنيات، والمجوسيات، والكتابيات، وكل ما كانت على غير دين الإسلام باقية على عمومها محكمة ناسخة للآية التي في سورة المائدة، والتي في النساء. وروي هذا عن عمر، ابن عمر. وروي عن ابن عمر أنه سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية؟ فقال: إن الله حرم المشركات على المسلمين، ولا يعلم شيء من الشرك أعظم من أن يقال عيسى ربنا. ويخرج من هذه الأقوال الإجماع على تحريم المشركات من غير أهل الكتاب. وذهب مالك ﵀ وأكثر العلماء إلى أن نكاح حرائر أهل الكتاب جائز، وقد تزوج عثمان -﵁- نائلة بنت الفرافصة نصرانية، وطلحة بن عبيد الله [تزوج] بيهودية، وحذيفة تزوج يهودية. وروي عن ابن عمر والحسن الكراهية فيه، وذهب قوم إلى منعه بناء على التأويل الذب ذكرناه عن ابن عباس في هذه الآية. وحجة مالك ﵀ أن قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ [المائدة: ٥] ناسخ أو مخصص للآية إذ الجمع بين دليلين أولى من طرح أحدهما، ويبعد تأويل من قال أراد بقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ أي أتوا الكتاب من قبلكم وأسلموا، وكذلك لا حجة لمن منع ذلك في قوله تعالى: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخؤ يوادون من حاد الله ورسوله﴾ [المجادلة: ٢٢] وقوله: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين﴾ [آل عمران: ٢٨] ونحو ذلك، لأن ذلك المنع إنما يرجع إلى المبايعة على أمر الدين. وقد قيل: إن الآية نزلت في مشركي العرب المحاربين لرسول الله ﷺ وللمؤمنين فنهوا عن نكاحهن دون أهل الذمة والموادعين الذين أمروا بترك قتالهم، وأكثر أهل العلم على كراهة","vol":"1","page":286},{"text":"نكاح الحربيات. وروي عن النخعي أنه قال: لا أعلم شيئًا من نساء أهل الكتاب حرامًا. ومذهب مالك ﵀ منع نكاح المجوسيات، وسائر المشركات سوى الكتابيات. وذهب أبو ثور، والشافعي في أحد قوليه إلى إباحة ذلك في المجوس لأن هأهل كتاب عندهم. وروي عن حذيفة أنه تزوج مجوسية. وحجة مالك ﵀ قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ الآية وقوله: ﴿والمحصنات من المؤمنات﴾ الآية. ومما يعضد ما قدمنا عن عمر أنه روي عنه أنه فرق بين طلحة بن عبيد الله وبين يهودية، وبين حذيفة وبين نصرانية، وقالا نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب، فقال: لو جاز طلاقكما لجاز نكاحهما، ولكن أفرق بينكما. وهذا لا يستند خبرًا. وأقوى منه أن عمر أراد التفريق بينهما، فقال له حذيفة: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلهما يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أزعم أنها حرام ولكني أخاف أن تعطلوا المؤمنات بينهن. وروي عن ابن عباس نحو هذا. وأكثر العلماء على كراهة نكاح إماء أهل الكتاب، وتعلق أصحاب الشافعي في ذلك بقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ الآية [البقرة: ٢٢١] وأجازه من غير كراهة أبو حنيفة أصحابه. وأم وطؤهن بملك اليمين، فأكثرالعلماء على جوازه، كرهه الحسن، وأكثر العلماء على منع وطئ المجوسيات بملك اليمين، وأجازه طاوس.\nومن منع أو كره فله تعلق بظاهر الآية. قال في سبي أوطاس: إنهن لم يوطأن حتى أسلمن. وذكر عن عطاء، وعمرو بن دينار خلاف ذلك ولا يصح. وظن قوم أن قوله تعالى: ﴿ولأمة مؤمنة خير من مشركة﴾ يدل على جواز نكاح الأمة مع وجود الطول للحرة. وهذا غلط لأنه ليس في","vol":"1","page":287},{"text":"الآية ذكر نكاح الإماء، وإنما تنفير عن نكاح الحرة المشركة لأن العرب كانوا بطباعهم نافرين عن نكاح الإماء، فقال تعالى: ﴿ولأمة مؤمنة خير من مشركة﴾ أي إذا نفرتم عن الأمة فالمشركة أولى أن تكرهوا نكاحها. وقد أجمعوا على تحريم نكاح نساء مشركي العرب، وعبدة الأوثان ورأوا الآية مانعة منهن. وأجمعوا أيضًا أنه لا يحل أن يطأ المشرك المؤمنة لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ وكذلك في قراءة من قرأ في الشاذ: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ دليل على أن النكاح لا بد فيه من ولي، وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>(٢٢٢) - (٢٢٣) قوله تعالى: ﴿يسألونك عن المحيض قل هو أذى﴾ إلى قوله: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ [البقرة: ٢٢٢، ٢٢٣]</span>.\nاختلف في سبب هذه الآية، فقال قتادة، وغيره: إنما سألوا لأن العرب في المدينة. وما والاها كانوا قد استنوا بسنة بني إسرائيل في تجنب مؤاكلة الحائض ومساكنتها فنزلت الآية. وقال مجاهد: كانوا يجتنبون النساء في الحيض، ويأتونهن في أدبارهن فنزلت الآية. وذكر عن السدي أن السائل ثابت بن الدحداح. وقوله ﴿أذى﴾ لفظ جامع لأشياء تؤذي لأنه دم وقذر ومنتن ومن سبيل البول. وكذا قال المفسرون. وذكر الصفة على ما ذكره قبل","vol":"1","page":288},{"text":"الحكم تنبيه على أن تلك الصفة علة لذلك الحكم. وإذا كان ذلك علة فهم منه تحريم الإتيان في غير المأتي لأنها الأذى فيه دائمًا. ولا يجري في المستحاضة لأن ذلك عارض وليس بطبيعي، ولذ لك أجاز أكثر العلماء وطئ المستحاضة، ولم يجوزوه في مجرى الحيض، وإن كان قد كره وطأها النخعي، وابن سيرين وغيرهما. ورويت كراهة ذلك عن عائشة أيضًا. وقال ابن جبير لا يطأها إلا إن يطول ذلك بها والمحيض يحتمل أن يراد به الدم نفسه، ويحتمل أن يردي به موضع الدم كالمقيل والمبيت، إلا أن قوله تعالى: ﴿هو أذى﴾ يدل على أنه أراد به الدم، وإن كان يحتمل أن يريد: قل هو موضع، أذى فحذف المضاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>(٢٢٢) - قوله: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢]</span>.\nاختلفوا في كيفية الاعتزال المأمور به على ثلاثة أقوال:\nأحدها: اعتزال جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه على ظاهر قوله تعالى لأنه أمر باعتزالهن عمومًا ولم يخص شيئًا دون شيء. وهذت إنما ذهب إليه من اتبع ظاهر القرآن، وجهل ما ورد في ذلك عن النبي ﷺ من الآثار، وقدم ظاهر القرآن على خبر الآحاد. وقد روي عن ابن عباس، وعبيدة السلماني نحو هذا أنه يجب أن يعتزل الرجل فراش وزجته إذا حاضت.\nوالثاني: إباحة ما فوق الأوزار واعتزال ما دونه لقوله -﵊-: «لتشد عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها» وعلى هذا جمهور","vol":"1","page":289},{"text":"فقهاء الأمصار، وهو مذهب مالك، وجمهور أصحابه المتقدمين والمتأخرين من البغداديين وإليه ذهب أبو حنيفة اتباعًا لما فسر به النبي ﷺ الآية من أن يشد الرجل إزار الحائض، ثم شأنه بأعلاها.\nوالثالث: إباحة كل شيء منها ما عدا الفرج [اتباعًا لعائشة -﵂- لما سألها عن ذلك كل شيء له منها حلال ما عدا الفرج] وهو الصحيح من مذهب السافعي وإليه ذهب أصبغ. ورأى أن حديث النبي ﷺ إنما جاء حماية للذرائع لئلا يجامعها في الفرج. وهو قول مجاهد. ويحتمل أن يتأول المحيض في الآية على أنه موضع المحيض، فيكون حجة لهذا القول. وحجة مالك ومن تابعه ظاهر الآية والحديث الصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>(٢٢٢) - وقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢]</span>.\nوقرئ «يَطَّهَّرْنَ» وفي مصحف أبي بن كعب «يتطهرن» وفي مصحف أنس: «ولا تقربوا النساء في محيضهن واعتزلوهن حتى يطهرن» وقد اختلف في الطهر الذي يحل الوظء فيه ما هو؟ فقال مالك والنخعي، والحسن، ومكحول، وسليمان بن يسار، وعكرمة، ومجاهد، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. والحجة لهذا القول في الآية قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن﴾ فأضاف الفعل إليهن، ولا يجوز أن يعود إلى انقطاع الدم لأنه فعلٌ لهن في قطعه فعلم أنه أراد التطهير بالماء، ألا ترى أنه تعالى أثنى على من فعل ذلك بقوله: ﴿يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢] والثناء لا يقع إلا على فعل يقع من جهتهم. فتقدير الآية: ولا تقربوهن حتى يتطهرن.\nوهذا كقوله: لا تعط زيد شيئًا حتى يدخل الدار فإذا دخل الدار وقعد","vol":"1","page":290},{"text":"فأعطه، ويقتضي أن لا يستحق العطاء إلا بشرطين وهما الدخول والقعود.\nوقد يقع التحريم بشيء، ولا يزول بزواله لعلة أخرى كقوله تعالى في المبتوتة: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ [لبقرة: ٢٣٠] وليس بنكاح الزوج تحل له ومعلوم أنه لا توطأ نفساء ولا حائض حتى تطهر فلم تكن ﴿حتى﴾ هاهنا مبيحة لما قام الدليل على حصره. كذا ذكره بعض المفسرين، وبهذه الحجة وفيها نظر لأن ذلك الإضمار لا يخرج الآية على الاحتمال لأن العرب تستعمل طهر وتطهر في المعنيين جميعًا. وإذا كان اللفظ محتملًا حمل على المعنى المتفق عليه أنه يقع الطهر به، وكذلك القراءة الأخرى «لا يطهرن» أو «يتطهرن» محتمل أيضًا لذلك. وقال بعضهم في الطهر المذكور في الآية، إنه وضوء كوضوء الصلاة ثم تحل للوطئ وحجة هذا القول حمل قوله: ﴿حتى يطهرن﴾ على أنه الطهر الأصغر لا الطهر الأكبر. وقال قوم هو غسل الفرج، وذلك يحلها لزوجها وإن لم تغتسل من الحيضة، وهو قول الأوزاعي، وروي مثله عن عطاء، وطاوس، وقتادة، وحجة هذا القول قوله: ﴿حتى يطهرن﴾ قالوا معناه حتى ينقطع دمهن فجعل تعالى تمام غاية منع قربها انقطاع دمها، قالوا: ومعنى قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن﴾ إباحة ثانية، وابتداء كلام غير الأول، لأن الطهر شيء التطهير غيره، مثال ذلك لو أن رجلًا صائمًا قال لرجل لاتكلمني حتى أفطر، فإذا صليت المغرب كلمني. فإنما وقع التحريم في المخاطبة في وقت الصوم لأن غاية التحريم كانت إلى الإفطار ثم أباح أن يكلمه","vol":"1","page":291},{"text":"بعد وجوب الإفطار وبعد صلاة المغرب، كما أبيح وطء الحائض بعد الطهر. وبعد التطهير تأكيدًا، للتحليل غير أن قوله: ﴿ويحب المتطهرين﴾ دلالة على أن الذي يأتي زوجته بعد أن تتطهر، بالماء أحمد عند الله تعالى. وهذا الحمد منبه على أن الطهر يكون بغير غسل، والتطهير لا يكون إلا بغسل، وقد قدمت أنهما جميعًا محتملان في اللفظين، وإن كان الطبري قد رجح قراءة من قرأ «حتى يطهرن» بالتشديد قال: لأنه يعني حتى يغتسلن. قال: وقراءة التخفيف تعطي انقطاع الدم وإليه ذهب جماعة عدة. وقال أبو حنيفة وأصحابه إن انقطع دمها بعد عشرة أيام التي هي أكثر عدة الحيض جاز له ان يطأها قبل الغسل، وإن انقطع دمها قبل عشرة أيام لم يجز حتى تغتسل، أو يمر عليها الوقت وجبت عليها الصلاة، فعلم أن الحيض قد زال لأن الحائض لا تجب عليها الصلاة. وهذا قول ضعيف، وقال بعض الأصوليين من أصحاب أبي حنيفة: إنما يعمل بالقراءتين جميعًا، فتحمل القراءة المشددة من قوله: «يتطهرن» على انقطاع الدم فيما دون الأكثر من أمد الحيض فعند ذلك لا يحل الوطء قبل الغسل، والقراءة المخففة على انقطاع الدم على الأكثر. هذا النظر بعيد جدًا. وذهل قوم إلى أن طهرها انقطاع الدم ولم يذكروا غسلًا ولا غيره وقد يحتجون بالآية. فهذه خمسة أقوال في طهر الحائض الذي يصح وطؤها فيه ولكل بالآية تعلق وعن مالك في الكتابية تحت المسلم إذا حاضت هل تجبر على الاغتسال أم لا؟ روايتان: إحداهما: إجبارها","vol":"1","page":292},{"text":"والجحة له عموم قوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإن تطهرن﴾ ولم يخص مسلمة من غيرها.\nوالرواية الثانية: أنها لا تجبر لأنها غير معتقدة لذلك، فلا يصح منها نية، ولقوله تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقال: ﴿لا إكراه في الدين﴾ [البقرة: ٢٥٦] وهذا من الإكراه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>(٢٢٢) - وقوله تعالى: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ [البقرة: ٢٢٢]</span>.\nاختلف في معناه فقيل معناه من حيث أمركم الله تعالى باعتزالهن أو هو الفرج من الركبتين إلى السرة، إلى إلى جميع الجسد على ما تقدم من الاختلاف هذا قول واحد. وقال ابن عباس، وابن زيد: المعنى من قبل الطهر لا من قبل الحيض، وقال محمد بن الحنفية من قبل الحلال، لا من قبل الزنى، وقيل: من قبل الإباحة لا صائمات ولا محرمات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>(٢٢٢) - وقوله تعالى: ﴿ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢]</span>.\nقيل المعنى المتطهرين بالماء، وهو قول عطاء وغيره. وقال مجاهد وغيره: المعنى من الذنوب. وقال مجاهد أيضًا المعنى من إتيان النساء في أدبارهن. وهذا ينظر لقوله حكاية عن قوم لوط: ﴿أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون﴾ [الأعراف: ٨٢]. واختلف في أقل الحيض على ستة أقوال:\nأحدها: أنه لا حد من الأيام، وإن الدفعة واللمعة حيض، فإن كان","vol":"1","page":293},{"text":"قبلها طهر فاصل كان حيضة تعتد بها المطلقة من أقرائها وهو قول مالك ﵀.\nوالثاني: أن أقل الحيض ثلاثة أيام في العدة والاستبراء وما دونه فيكون حيضًا يمنع الوطء والصوم من غير أن يسقط وجوبه، ويمنع الصلاة ويسقط وجوبها. وهو قول مجاهده، وحكي عن مالك مثله.\nوالثالث: إن أقل الحيض خمسة، يريد في العدة والاستبراء.\nوالرابع: مذهب أهل العراق أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وما دون الثلاثة أيام لا يحكم لها بحكم الحيض، فتقضي المرأة صلاة تلك الأيام.\nوالخامس: مذهب الشافعي أن أقل الحيض يوم وليلة. وروي عن علي -﵁- أن أقل الحيض يومان. والحجة لقول مالك ﵀ في الآية قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] وفيه دليلان.\nأحدهما: اقتضاؤه بالجواب عن سؤالهم عن الأخبار بأنه أذى، وذلك يقتضي أن كل أذى حيض، إلا ما قام عليه الدليل.\nوالآخر: أنه علل الأمر باعتزالهن بشرط كونهن حيضًا، فيجب أن كون هنا طريق يعلم به كون الدم حيضًا قبل تقدم وقته فيصح أن يكون هنا طريق يعلم به كون الدم حيضًا قبل تقدم وقته فيصح له الاعتزال في حيضهن. ولو كان لا يعلم مضي وقت ما كان الأمر باعتزالهن مشروطًا مما لا طريق إلى العلم بحصوله إلا بعد فراغه وتقضيه. وهذا باطل.\nواختلف أيضًا في أكثر الحيض فذهب مالك، وأصحابه إلى أن أكثره خمسة عشر يومًا. وذهب أبو حنيفة إلى أن أكثره عشرة أيام. ودليل","vol":"1","page":294},{"text":"مالك قوله تعالى: ﴿قل هو أذى﴾ وذلك يوجب أن كل اذى خرج من الفرج حيض إلا ما قام الدليل على أنه ليس بحيض، ودليل مالك على أن ما زاد على الخمسة أيام ليس بحيض قول النبي ﷺ: «إنكن ناقصات عقل ودين» ثم سئل ﷺ عن ذلك، فقال: «تقعد إحداكن شطر دهرها لا تصلي» ويأتي لمالك في أكثر الحيض قول آخر، وهو أن أكثر حيض كل امرأة أيامها المعتادة مع الاستظهار ما بينها وبين خمسة عشر يومًا فعلى هذا في المسألة ثلاثة أقوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>(٢٢٣) - قوله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [البقرة: ٢٢٣]</span>.\nاختلف في سبب هذه الآية، فقال جابر بن عبد الله، والربيع سببها أن اليهود قالت: إن الرجل إذا أتى المرأة من دبرها جاء الولد أحول، وعابت على العرب ذلك فنزلت الآية، تتضمن قولهم. وقالت أم سلمة وغيرها: سببها أن قريشًا كانوا يأتون النساء في الفرج على هيئات مختلفة، فلما قدموا المدينة وتزوجوا الأنصاريات أردوا ذلك، فلم ترده نساء المدينة إذ لم تكن عادة رجالهم إلا الإتيان على حالة واحدة وهي الانبطاح، فبلغ ذلك النبي ﷺ، وانتشر الكلام في ذلك فنزلت الآية مبيحة للهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث.\nوقوله: ﴿حرث﴾ تشبيه لأنه من زرع الذرية فلفظ الحرث يعطي أن الإباحة لم تقع في الفرج خاصة إذ هو المزدرع.","vol":"1","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>(٢٢٣) - قوله تعالى: ﴿أنى شئتم﴾ [البقرة: ٢٢٣]</span>.\nاختلف في معناه، فذهب قوم إلى أن معناه كيف شئتم. وقال الضحاك: متى شئتم. وقيل: معناه من أين شئتم. أي من أي الجهات شئتم. وهذا قول قتادة والربيع بن أنس. وقيل: معناه أين شئتم. وهذا أضعف التأويلات. وقد اختلف الناس في جواز وطئ النساء في أدبارهن. وحجة من ذهب لإجازته ظاهر الآية. وانفصل عن ذلك القائل بتحريمه، بأن المراد بها ما نزلت عليه من السبب، والعموم إذا خرج على سبب قصر عليه عند بعض أهل الأصول. وعن مالك في هذا الأصل روايتان: إحداهما: ما قدمناه. والثانية: أنه لا يقصر على سببه بل يحمل على عمومه. وعلى هذه الرواية تكون الآية حجة لمن نفى التحريم. ولكن وردت أحاديث كثيرة بالمنع منه فيكون ذلك تخصيصًا لعموم الآية بأخبار الآحاد، وفي ذلك خلاف بين الأصوليين. وروي عنه ﷺ: «إتيان النساء في أدبارهن حرام» وقال: «ملعون من أتى المرأة في دبرها» وقال: «من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على قلب محمد». وقد روي عن مالك إباحة وطئ المرأة في دبرها. وذكر عنه أنه كان يحتج بهذه الآية وبقوله","vol":"1","page":296},{"text":"تعالى: ﴿أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم﴾ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦] ويقول إن ذلك أحل من ماء القراح أو كلامًا هذا معناه. وروي عنه أنه كان يحتج أيضًا لإباحة ذلك بقوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون: ٦٥] ويرى أن عموم ذلك يقتضي إباحة وطئهن فيما هنالك. والجواب عن ذلك أن معنى الآية الأولى: ﴿ما خلق لكم ربكم من أزواجكم﴾ [الشعراء: ١٦٦] مما فيه شهوتكم من إتيان الفرج. وأما الآية الأخرى فدالة على الإباحة المطلقة لا على موضع الإباحة كما لم تدل على وقت الإباحة في الحائض وغيرها، ومما يتعلق به من حرم الوطء هنالك أن قوله تعالى: ﴿قل هو أذى﴾ [البقرة: ٢٢٢] تعليل لتحريم وطئ الحائض بما يقتضي تحريم الوطء في اتلموضع المتنازع فيه لأنه موضع الأذى. وهذا المعنى، كان يقتضي تحريم وطئ المستحاضة لولا الحرج في تحريم وطئها لطول أمد الاستحاضة. وروى عنه علي بن زياد أنه سأله عن إتيان النساء في الدبر، فأباه وأكذب من نسبه إليه. وهذا هو الذي يليق بمالك ﵀. وروي عن عبد الله بن عمر إجازته. وروي عنه أيضًا خلافه وتكفير من فعله.\nورواية الإباحة أيضًا عن أبي مليكة، ومحمد بن المنكدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>(٢٢٣) - وقوله تعالى: ﴿وقدموا لأنفسكم﴾ [البقرة: ٢٢٣]</span>.\nقال السدي معناه قدموا الأخذ في تجنب ما نهيتم عنه وامتثال ما أمرتم به، وقال ابن عباس: هي إشارة لذكر الله على الجماع. كما قال النبي ﷺ: «لو أن أحدكم إذا أتى امرأته قال: الهم جنبنا الشيطان وجنب","vol":"1","page":297},{"text":"الشيطان ما رزقتنا، فقضى بينهما ولد لم يضره» وقيل معناه قدموا لأنفسكم طلب الولد. وقد اختلف في العزل عن الزوجات. فأجازه قوم.\nوروي ذلك عن ابن عباس. وروي أنه احتج بهذه الآية ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ الآية وهذه الحجة عندي إنما تصح مع تأويل ﴿أنى﴾ على كيف. وقال بعض من قال هذا إنما حقها الوطء دون الإنزال وكرهه طائفة. ورووا عن النبي ﷺ أنه قال: «ذلك الوأد الخفي» ويعضد هذا قول من فسر «قدموا لأنفسكم».\nوقال مالك ﵀ إن أذنت الزوجة الحرة في ذلك، وأذن موالي الزوجة الأمة جاز وإن لم يأذنوا لم يجز وهذا هو الصحيح لأن الوطء لا يتم إلى بالإنزال فيهن في حق المرأة. وقال الشافعي: يجوز العزل في الأمة دون إذنها وإذن مواليها. وأما الحرة فلا يجوز إلا بإذنها.\nقوله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا﴾ إلى قوله: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ٢٢٤ - ٢٢٦]. العرضة الاعتراض أي لا تعرضوا باليمين. وقيل: عدة. قال عبد الله بن الزبير: فهذي الأيام الحروب وهذه ... للهوى وهذي عرضة للنوائب. وقيل: ﴿عرضة﴾ قوة لأيمانكم. وقيل: ﴿عرضة﴾ بمعنى منع أي مانعة لكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>(٢٢٤) - وقوله تعالى: ﴿أن تبروا﴾ [البقرة: ٢٢٤]</span>.","vol":"1","page":298},{"text":"يحتمل أن يكون متصلًا بما قبله على أنه مفعول من أجله على تقدير ما يقتضيه المعنى، أو مفعول لعرضة إذا كانت بمعنى المنع، ويحتمل أن يكون منقطعًا مما قبله على تقدير الابتداء. كأنه قال أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس أحسن وأفضل ونحو ذلك، فحذف الخبر لدلالة الكلام عليه. ولأجل هذه التقديرات اختلف المتأولون في قوله: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس﴾ فقيل: المعنى ألا تعرضوا باليمين بينكم وبين فعل البر فتجعلوها حجة مانعة من البر والتقوى، والإصلاح بين الناس يقول: إن يحلف الرجل ولا يبر ولا يصلي ولا يصلح بين الناس، إذا دعي إلى بر أو إلى تقوى أو إصلاح بين الناس. قال: قد حلفت فيجعل اليمين معترضة بينه وبين ما ندب إليه فالمعنى كراهة أن تبروا وإرادة أن لا تبروا ولأجل ذلك قال جماعة من أهل العلم اليمين لا تحرم ما أحل الله، ولا تحل ما حرم الله. فإذا حلف حالف أن لا يفعل شيئًا من البر فليفعل وليدع يمينه، ودل على هذا قوله تعالى: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة﴾ الآية [النور: ٢٢] وفي الحديث الصحيح «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير». وقيل: المعنى ولا تكثروا الحلف بالله في كل شيء، وهو من الجرأة على الله تعالى، والابتذال لاسمه في كل حق وباطل، ومن أكثر ذكر شيء فقد جعله عرضة.\nوقال بعض المتأولين: المعنى ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البر والتقوى والإصلاح بين الناس، فيحلف حانثًا ليكمل غرضه. ويقوي أن المراد بها الإكثار من اليمين بالله ما روي عن عائشة -﵂- أنها قالت: نزلت في تكثير اليمين بالله نهيًا أن يحلف الرجل بارًا فكيف فاجرًا.","vol":"1","page":299},{"text":"وقد جاء عن مالك ﵀ نحو هذا في تفسير الآية قال: إنه الحلف بالله تعالى في كل شيء. وعن عمر أيضًا قريب من هذا القول أن اليمين بالله وإن كان الحالف بها صادقًا مكروه. وقال بعض أهل العلم: اليمين بالله من الأيمان المباحة. وما روي من أن عيسى ابن مريم ﷺ كان يقول لبني إسرائيل إن موسى ﷺ: «كان ينهاكم أن تحلفوا بالله كاذبين، وأنا أنهاكم أن تحلفوا بالله صادقين أو كاذبين» ظاهره أن شرعه خلاف شرع موسى -﵇-، وخلاف شرعنا في إباحة الحلف بالله دون كراهة. ويحتمل أن يكون إنما كره لهم اليمين بالله صادقين مخافة أن يكثر ذلك منهم فيكون ذريعة إلى حلفهم بالله على ما لم يعلموه، يقينًا أو يوافقوا الحنث كثيرًا أو يقصروا في الكفارة فيقعوا في الحرج، لا أن ترك اليمين باللخ على الصدق أفضل من الحلف بها، لأن الله تعالى أمر نبيه ﷺ باليمين باسمه في ثلاثة مواضع، فقال: ﴿ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق﴾ [يونس: ٥٣] وقال: ﴿قل بلى وربي لتبعثن﴾ [التغابن: ٧] وقال: ﴿قل بلى وربي لتأتينكم﴾ [سبأ: ٣] وقال الزجاج وغيره: معنى الآية أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير ونحوه اعتل بالله تعالى، فقال: على يمين وهو لم يحلف. وهذا هو الاختلاف في تأويل الآية. وقد اختلف أيضًا في سببها، فقال ابن جريج: نزلت في أبي بكر الصديق -﵁- إذا حلف أن يقطع إنفاقه على مسطح بن أثاثة حين تكلم في حديث الإفك. وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق -﵁- مع ابنه عبد الرحمن في حديث الضيافة حين حلف أبو بكر أن لا يأكل الطعام. وقيل: نزلت في عبد الله بن","vol":"1","page":300},{"text":"رواحة مع بشير بن سعد حين حلف أن لا يكلمه. واليمين الحلف، وأصله أن العرب اكنت إذا تحالفت أو تعاهدت، أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه ثم كثر ذلك حتى سمي الحلف يمينًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>(٢٢٥) - قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ [البقرة: ٢٢٥]</span>.\nاختلف في لغو اليمين الذي يؤاخذكم الله تعالى به ما هو؟ فقال ابن عباس، عامر الشعبي وأبو صالح، ومجاهد: لغو اليمين قول الرجل في درج كلامه واستعماله في المحاورة لا والله، وبلى والله، ودون قصد اليمين.\nوذهب إلى هذا إسماعيل القاضي، وهو قول الشافعي. وروي أن قومًا تراجعوا الكلام بينهم وهم يرمون بحضرة رسول الله ﷺ فحلف أحدهم لقد أصبت وأخطات يا فلان فإذا الأمر بخلافه. فقال الرجل: أحنثت يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ: «أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا إثم». وقال أبو هريرة، وابن عباس أيضًا، والحسن، ومالك بن أنس وجماعة من العلماء لغو اليمين ما حلف به الرجل على يقينه، وكشف الغيب خلاف ذلك. وهذا اليقين غلبة الظن به الرجل على يقينه، وكشف الغيب خلف ذلك. وهذا اليقين غلبة ظن أطلق الفقهاء عليه لفظ اليقين تجوزًا قال مالك: مثل أن يرى الرجل على بعد فيعتقد أنه فلان لا شك","vol":"1","page":301},{"text":"فيحلف، ثم يجيء غير المحلوف عليه. وسواء في هذا قصد اليمين أو لم يقصدها لا إثم فيها، ولا كفارة خلافًا للشافعي في قوله إذا قصد اليمين، فليس بلغو، وفيه الكفارة ولا إثم فيه. وفي المذهب مثل هذا القول. وقال سعيد بن المسيب، وابو سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الله، وعروة ابنا الزبير لغو اليمين الحلف في المعاصي كالذي يحلف ليشربن الخمر، أو ليقطعن الرحم فيرى ترك ذلك الفعل ولا كفارة عليه. وقال سعيد بن جبير مثله، إلا أنه قال يكفر. فأشبه قوله في الكفارة قول من لا يراها لغوًا. وقال عبد الله بن عباس أيضًا، وطاوس: لغو اليمين الحلف قي حال الغضب. وروى ابن عباس؛ إن رسول الله ﷺ قال: «لا يمين في غضب» وهذا خلاف قول الجمهور إن اليمين في الغضب لازمة. وقال مكحول الدمشقي، وجماعة من العلماء: لغو اليمين أن يحرم الرجل على نفسه ما احل الله فيقول مالي علي حرام إن فعلت كذا وكذا، أو الحلال على حرام. وقال بهذا القول أيضًا مالك إلا في الزوجة فإنه ألزم فيها التحريم إلا أن يخرجها الخالف بقلبه. وقد جعل بعضهم في كل ما يحرمه الإنسان من مال أو غيره كفارة، فليس من لغو اليمين على ذلك. وقال زيد بن أسلم وابنه: لغو اليمين دعاء الرجل على نفسه أعمى الله بصره، أذهب الله ماله، وهو يهودي، هو مشرك، هو لغية إن فعل كذا. وقد جعل بعضهم في هذا شبهه الكفارة، فلا يكون لغوًا على ذلك. وقال ابن عباس أيضًا والصحاك: لغو اليمين هي المكفرة أي إذا كفرت فحينئذ سقطت","vol":"1","page":302},{"text":"وصارت لغوًا لولا يؤاخذكم الله بتكفيرها والرجوع إلى ما هو خير. وقال النخعي: لغو اليمين ما حنث فيه الرجل ناسيًا والأكثر على إيجاب الكفارة في ذلك، وإن حنث ناسيًا فلا يكون على قولهم لغوًا. وقيل: لغو يمين المكره وإنما يقوي بعض هذه الأقوال، ويضعف بحسب ما ذكر الله في الآية من اللغو والكسب. وذلك أن اللغو ما لم يتعمد، وما حقه إن يسقط، وكسب ما قصده ونواه والمؤاخذى يحتمل أن تكون هي الأخذ بالكفارة، ويحتمل أن يريد بها عقوبة الآخرة. ولغو اليمين لا يكون إلا في اليمين بالله وإن كان قوله: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ عامًا في جميع الأيمان بالله وبغيره لكنه لما لم يقع ذكر اللغو إلا مع اليمين بالله تعالى لم يحمل على سواه. وبعضهم يجعل في اليمين بالطلاق لغوًا فلا يرى فيه شيئًا، وذلك أنهم اختلفوا فيمن حلف بالطلاق من غير إرادة فسبقه لسانه إليه. فأوجب الجمهور عليه الطلاق إذا حنث، وذهب جماعة إلى أنه لا حنث عليه منهم الشافعي، ويروى عن ابن نافع وحجتهم عموم هذه الآية، فلم يخص اللغو بالحلف. قالوا ثم قال الله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ وإذا سبق الطلاق إلى اللسان، فليس للقلب فيه كسب، فلا يؤاخذه الله به. وهكذا تأتي اليمين بالعتق على قياس هذه المسألة.\nوقد اختلف في الطلاق بالنية فعن مالك فيه قولان، وأن يلزم أصح لأنه مما قد اكتسبه بقلبه، والله تعالى قد قال: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾.\nواختلف أيضًا فيمن حلف بالطلاق دون نية أم لا؟ فعن مالك قولان","vol":"1","page":303},{"text":"أصحها أن لا يحنث لأنه تعالى: ﴿لا يؤاخذكم﴾ إلا بما كسبت القلوب، وهذا مما لم يكسبه القلب ولم يكن فيه إلا اللفظ، وقد قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات».\nوقد اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ [البقرة: ٢٢٥] فقال ابن عباس، والنخعي وغيرهما: ما كسب القلب هي اليمين الكاذبة الغموس فهذه فيها المؤاخذة في الآخرة. وقال زيد بن أسلم: هو الرجل يقول هو مشرك إن فعل، أي هذا لغو إلا أن يعتقد الإشراك بقلبه ويكسبه. وقد اختلف في الغموس هل فيها كفارة أم لا؟ مع اتفاقهم على أن فيها إثمًا. فذهب بعضم إلى أنه كما فيها مؤاخذة في الآخرة، فكذلك فيها في الدنيا كفارة. ومن حجتهم أن يتأولوا المؤاخذة في الآخرة خاثة لا في الدنيا. قال بعضهم ومن حجتهم أيضًا قوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته﴾ [المائدة: ٨]. ويمين الغموس محلولة غير منعقدة، ويلزم على مساق الآية، وعلى ما يقتضيه كلام العرب أن تكون المؤاخذة المذكورة في قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو﴾ الآية. وعلى حسب هذا ينبغي أن تحمل التأويلات الواردة على العلماء في قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله﴾ الآية فأخرج عن هذا ضعف القول به، وقد ظن قوم أن المراد بقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله﴾ أن المؤاخذة في الآخرة، وأن المؤاخذة لا تجب في الدنيا، وليس كما ظنوه، فإنه تعالى قال في الأخرى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته﴾ الآية [المائدة: ٨]","vol":"1","page":304},{"text":"فجعل المؤاخذة المستدركة بقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم﴾ الكفارة فيجب أن تكون المؤاخذة المنفية أولًا هي المؤاخذة بالكفارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>(٢٢٦) - وقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ إلى قوله: ﴿عليم﴾ [البقرة: ٢٢٦]</span>.\nومعنى قوله تعالى: ﴿يؤلون﴾ يحلفون هذا عبارة بعض المفسرين وعبر بعضهم بأن الإيلاء الامتناع. وقرأ أبي بن كعب، وابن عباس «للذين يقسمون». وقال قوم: الإيلاء في لسان العرب الامتناع من فعل الشيء، يقال تألى فلان أن يفعل خيرًا أي امتنع، ومنه قوله تعالى: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم﴾ [النور: ٢٢] أي امتنع، ومنه قوله تعالى: ﴿ولا يأتل ألوا الفضل منكم﴾ [النور: ٢٢] أي لا يمتنع. ويحتمل على هذا أن يكون معنى الآية للذين يمتنعون من نسائهم باليمين على ذلك. فرجع التفسيران بمعنى واحد. وأصل هذا أن الرجل كان في الجاهلية إذا كره المرأة وأراد أن لا يطأها ولا ينكحها غيره حلف عليها ألا يقربها، فتركها لا أيمًا ولا ذات زوج إضرارًا بها. وفعل ذلك في أول الإسلام. فحد الله للمولي من ارمأته بهذه الآية حدًا لا يتجاوزه. واختلف في تقدير الآية، فقيل: معنى الكلام للذين يحلفون أي يعتزلوا من نسائهم تربص أربعة أشهر. والتربص التوقف والنظر. وترك ذكر أن يعتزلوا في الآية اكتفاءً بدلالة ما ظهر من الكلام عليه، كقوله: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر﴾ [البقرة: ١٨٤] وقال الفراء: «من» في الآية بمعنى «على» كأنه قال للذين يؤلون على نسائهم، والتقدير الأول أحسن. وليس في ألفاظ هذه الآية ما يدل على اليمين التي يكون بها الإيلاء ما هي؟ وعلى المدة التي يؤثؤ الحلف عليها كم هي؟ ولا","vol":"1","page":305},{"text":"على النساء المحلوف عليهن من هن؟ ولا على الحالف من هو؟ فتجاذب العلماء في ذلك نظرًا واجتهادًا فمن ذلك اليمين، وقد اختلفوا فيها بحسب القول في العموم والخصوص على أربعة أقوال: فذهب مالك ﵀ إلى أنها اليمين على ترك الجماع واليمين التي يلحق الحالف بها عن الحنث فيها جكم بأن لا يطأ زوجته إضرارًا بها. وقال به عطاء وغيره وعلي بن أبي طالب -﵁- وابن عباس، والحسن بن أبي الحسن: هي يمين الرجل أن لا يطأ زوجته على وجه مغاضبة ومشاورة، وسواء كان في طي ذلك إصلاح أو لم يكن، فإن لم يكن عن غضب، فليس بإيلاء. وقال ابن سيرين: وسواء كانت اليمين من غضب، أو من غير غضب فهو إيلاء بكل حال. وإلى هذا ذهب الشافعي وأبو حنيفة. وقال الشعبي والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وابن المسيب كل يمين حلفها الرجل أن يطأ زوجته ولا يكلمها أو أن يغاضبها، فذلك كله إيلاء. وقال ابن المسيب منهم: إلا أنه إن حلف أن لا يكلم، وكان يطأ فليس بإيلاء، وإنما يكون اليمين على غير الوطء إيلاء إذا اقترن بالمتناع من الوطء. وأقوال من ذكرنا مع سعيد محتملة ما قال سعيد ومحتملة أن يريدوا أن ما أدى من اليمين إلى فساد العشرة إيلاء. وإلى هذا الأخير ذهب الطبري. وعلى ما قدمته تركب الخلاف، فمن حلف أن لا يطأ ارمأته حتى تفطكم ولدها فالمشهور من المذهب أنه ليس بمول لأنه لم يقصد ضررًا وإنما أراد إصلاح ولده. وذكر عن أصبغ أنه مول وللمرأة الفراق إذا لم يفيء. وكأن هذا جنوح إلى مذهب الشافعي، وأبي حنيفة. وغيرهما والذي يعضد مذهب","vol":"1","page":306},{"text":"مالك أن عموم الآية خرج عن سبب وهو ما كانت الجاهلية تفعله من الحلف على الوطء إضرارًا بالمرأة. والعموم إذا خرج على سبب فعن مالك روايتان:\nإحداهما: أن يقتصر على سببه ولا يحمل على عمومه فإذا قصرت الآية على السبب الذي نزلت فيه صح مذهب مالك ﵀. وكأن مالكًا ﵀ نظر إلى هذا في هذا القول. وأما أبو حنيفة والشافعي رحمهما اله فلم يقصرا ذلك على سببه وحملاه على عمومه في الامتناع من الوطئ كيف كان، وكأن من ذهب إلى فساد العشرة إلى أن حمل عموم الآية على الامتناع عن الوطء وعلى غيره مما يفسد العشرة، فعلى هذا لا يضمر في الآية. كما قدمنا أن يعتزلوا نساءهم بل يعتبر فيه لفظ أعم منه. وكأن الذين راعوا في ذلك الغضب خصصوا عموم الآية بالعادة، لأن العادة في الأكثر أن لا يحلف الإنسان على الامتناع من وطء امرأته، وهو غاضب فحملوا الآية على ذلك. وهذا أصل فيه بين الأصوليين خلاف. واختلفوا أيضًا في حد المدة التي يكون الحالف يترك الوطئ فيها موليًا أربعة أقوال:\nأحدها: أنه لا يكون موليًا إلا من حلف أن لا يطأ امرأته على التأبيد، وأطلق اليمين ولم يقيدها بصفة مخصوصة، فإن قيدها بصفة مخصوصة مؤقتة فليس بمول. وهذا قول ابن عباس.\nوالثاني: أنه لا يكون موليًا، حتى يزيد على أكثر من أربعة أشهر، ولو بيوم، وهذا مذهب مالك ومن تبعه. وقد تأول على المذهب أنه لا يكون موليًا حتى يزيد على الأربعة أشهر أكثر مما يتلوم به عليه إذا قال: أنا أفيء. وهذا غلط.\nوالثالث: أنه يكون موليًا، وإذا حلف على أربعة أشهر فصاعدًا أو لا","vol":"1","page":307},{"text":"يكون موليًا إن حلف على أقل منها، وهو مذهب أبي حنيفة وأهل العراق. وذكره ابن لبابة عن أصبغ.\nوالرابع: أنه يكون موليًا، إذا حلف على كثير من الأوقات، وأو قليل أن لا يجامع فتركها أربعة أشهر من غير جماع. وهو مذهب ابن أبي ليلى وظائفة من أهل الكوفة. والدليل على ابن عباس قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ فعم ولم يخص مؤبدًا من غير مؤبد.\nوالدليل على أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ فهذه أدلة. أحدها أنه تعالى أضاف مدة التربص إلى الزوج وجعلها حقًا له، وما كان حقًا للإنسان لم يكن محلًا لوجوب خلق عليه كالآجال في الديون وغيرها، والدليل على ابن أبي ليلى ومن تابعه أنه إذا حلف على يوم يصير بعد مضيه ممتنعًا من غير يمين، فكان كمبتدئ الامتناع من غير يمين. وقد اختلف فيمن حلف أن لا يطأ أربعة أشهر، فمضت الآربعة أشهر فقال مالك والشافعي لا يكون موليًا. وقال أبو حنيفة: يكون موليًا، ويقع به الطلاق وإن لم ينو الإيلاء. ووجه الاستدلال عليه من الآية أن الله تعالى أضاف الفيء والطلاق إلى المولي فدل على أنهما يتعلقان بفعله.\nوأيضًا فإنه تعالى قال: ﴿وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾ [البقرة: ٢٢٧] فاقتضى ذلك أن يكون عزيمة الطلاق واقعة على وجه فيسمع وعندهم أن عزيمة الطلاق ترك الوطء مدة التربص وذلك لا يتأتى فيه سماع. وقال تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ خلافًا لمن يعتبر في الأجل النساء.\nوأما أبو حنيفة والمزني فجعلا الإيلا من الحرة أربعة أشهر ومن الأمة شهرين. واختلف في أجل إيلاء العبد من زوجته فذهب الشافعي، وأبو","vol":"1","page":308},{"text":"حنيفة، وأحمد، وأبو ثور إلى أن أجله أربعة أشهر. ومن حجتهم عموم الآية وأن الحرو العبد يدخلان تحت عموم قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾ الآية، وفي مثل هذا بين الأصوليين خلاف. وذهب مالك، والزهري، وعطاء، وإسحاق إلى أن أجله شهران قياسًا على الطلاق. وفي تخصيص عموم القرآن بالقياس خلاف. وذهب الحسن إلى أن أجله من الحرة أربعة أشهر ومن الأمة شهران. وهذا قول مبني على اعتبار الأجل بالنساء. وهو باطل، وإنما يعتبر بالرجال والدليل من الآية أن الله تعالى قد جعل في هذه الآية مدة التربص حقًا للزوج والحقوق معتبرة بمن جعلت له كالطلاق وغيره، واختلف في الإيلاء من غير المدخول بها هل يلزم أم لا؟ فذهب مالك، وأصحاب الشافعي وأصحاب الرأي والأوزاعي، والنخعي، وغيرهم إلى أن المدخول بها وغير المدخول بها سواء في لزوم الإيلاء منها. وذهب الزهري، وعطاء، والثوري إلى أنه لا إيلاء إلا بعد الدخول.\nووجه الرد عليهم من الآية أنه تعالى قال: ﴿من نسائهم﴾ فعم غير المدخول بها من النساء، فيلزم فيها الإيلاء. واختلفوا في الإيلاء من الصغيرة مدة تنقضي قبل بلوغها هل له حكم أم لا؟ فذهب مالك إلى أنه لا حكم له. وذهب أبو حنيفة إلى أنه له حكمًا يضرب له المدة من وقت اليمين. ومن حجته التعلق بعموم الآية. واختلفوا أيضًا في الخصي والذي قد بقي من ذكره ما لا يمكن أن يطأ به والشيخ الفاني إذا آلى أحدهم هل يكون لإيلائه حكم أم لا. فذهب مالك إلى أنه لا حكم لإيلائه. وللشافعي قولان: أحدهما: أن الإيلاء منهم ينعقد ويفيء باللسان. ومن حجته أيضًا التعلق بعموم الآية. وقد اختلفوا فيمن حلف ليعزلن عن زوجته. فقيل: ليس بمول لأن الوطء موجود فيه. قال","vol":"1","page":309},{"text":"عبد الحق: وهذا ليس بصواب لأن الإنزال من حقوق الزوجة إذ لا يجوز أن يعزل عناه إلا بإذنها. وقال أبو عمران الفاسي: قد اختلف فيمن حلف أن لا يبيت عند زوجته هل تطلق أم لا؟ وهو يطأ بالنهار. وقال عبد الحق: فإذا قد احتلف في هذا ففي العزل أولى أن نطلق عليه. وكذلك اختلفوا فيكم حلف أن لا يطأ زوجته إلى أن تسأله لك فهل هو مول أم لا؟ وقال سحنون: ليس بمول لأن الامتناع من قبلها. واختلفوا أيضًا إذا ترك الوطء مضارًا وطال ذلك منه بغير يمين فهل يلزمه حكم المولي أم لا؟ فذهب مالك إلى أن له حكم المولي. وذهب غيره إلى خلاف ذلك، ومن حجة غيره ظاهر الآية لأنه تعالى أثبت له ذلك الحكم فعليه الدليل. ومن حجة مالك قوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقوله: ﴿ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا﴾ [البقرة: ٢٣١] وقد روي عن مالك في هذه المسألة أن للمرأة أن تقوم بالفراق من غير أن يضرب لها أجل. وأما إن ترك الوطء غير مضار مثل أن يتركه لعبادة أو نحو ذلك، فقيل لها أن تقوم بالفراق من غير أجل وهو قول مالك. وقال: يضرب له أجل المولي، وهذا قياس على المولي. وأما على تأويل من تأول الآية على معناها للذين يمتنعون من نسائم تربص أربعة أشهر، فالحجة فيها بينة.\nوقد اختلف فيمن قطه ذكره أو نزلت به علة منعته من الإصابة. فقال مالك مرة: لزوجه القيام بالفراق، وقال مرة: لا قيام لها ولو تعمد قطع ذكره كان ذلك لها قولًا واحدًا. واختلف الفقهاء فيما يستحسن أن يكتب في الصدقات من قدر أجل المغيب في غير سبيل الحج، بعد اتفاقهم على أن ذلك ليس بلازم فمال جل المذهبين. بل كلهم إلى أنه يضرب له في ذلك ستة أشهر، وعلى ذلك","vol":"1","page":310},{"text":"بنوا الصدقات للحديث المروي عن عمر أنه سأل كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقيل له أربعة أشهر أو ستة أشهر. فكان لا يبعث بعثًا في الغزو لأكثر من ذلك نظرًا للزوجات. وقال بعض الفقهاء إلى أن يضرب في ذلك أربعة أشهر استحسانًا لقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ قالوا فألزم الله تعالى المولي عند انقضاء الأربعة أشهر أن يفيء أو يطلق، ولم يجعل للزوجة قيامًا قبلها. وقد روي في حديث علي -﵁- أنه لما سأل النساء ذكرن له أربعة أشهر ذكره اللخمي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>(٢٢٦) - وقوله تعالى: ﴿فإن فاءوا﴾ [البقرة: ٢٢٦]</span>.\nاختلف العلماء في تأويله، فقال قوم إلى أن معناه فإن فاؤوا فيهن أي في الأربعة أشهر. وقرأ أبي بن كعب «فإن فاؤوا فيهن» وروي عنه: «فإن فاؤوا فيها» وذهب قوم إلى أن تقديره فإن فاؤوا بعدهن وعلى هذين التأويلين جاء اختلافهم في حكم المولي بعد انقضاء أجل الإيلاء، فذهب مالك في المشهور عنه وجميع أصحابه إلى أنه لا يقع عليه طلاق، وإن مرت به سنة حتى يوقف فإما فاء وإما طلق. وروي هذا القول عن علي، وعمر وابن عمر، وعثمان، وعائشة وأبي الدرداء، وهو مذهب أهل المدينة. وقول الشافعي وأبو ثور، وأبي عبد الرحمن، وأحمد بن حنبل، إسحاق بن راهويه لأن المعنى عندهم فإن فاؤوا بعد الأربعة أشهر. ذهب مالك أيضًا فيما روي عنه إلى أن الفيء في الأربعة أشهر توسعة، فإذا انقضت طلقت عليه ولم يؤمر بالفيئة بعدها. وهذا قول ابن شبرمة،","vol":"1","page":311},{"text":"وروي مثله عن سعيد بن المسيب، وأبي بكر بن عبد الرحمن، ومكحول، وابن شهاب. وهذا القول مبني على أن التأويل في الآية ﴿فإن فاؤوا فإن﴾، وحكى الروايتين عن مالك ابن خويز منداد. وذهب مالك أيضًا فيما روى أشهب عنه إلى أنه إذا وقف بعد انقضاء الأربعة أشهر، فقال أنا أفيء فهل حتى تنقضي عدتها، فإن لم يفعل بانت منه لانقضاء عدتها وهو قولة بين القولين على طريق الاستحسان غير خارجة عن قياس. وعلى قول من رأى التوقيف إذا وقف فلم يفئ اختلف فيه. فذهب مالك إلى أن الإمام يطلق عليه. وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنه لا يطلق عليه الإمام ولكنه يحبسه ويضيق عليه حتى يطلق بنفسه. وفي ظاهر الآية حجة لهذا القول إلا أن يتأول، لأنه إنما جعل الفيء والطلاق للمولي لا لغيره، وإذا طلق بنفسه أو طلق الحاكم عليه فإن الطلاق رجعي. وقال أبو ثور يقع بائنًا. ومن حجة أصحاب مالك ﵀ قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] ولا تملك المرأة أن تطلق نفسها بعد مضي المدة خلافًا لقوله تعالى: ﴿فإن عزموا الطلاق﴾ [البقرة: ٢٢٥] فأضافه للأزواج. ورجعة المولي معتبرة بالوطء، فإن وطئ صحت. وإن لم يطأ حتى انقضت بانت منه ولا يضرب لها أجل ثان. وقال الشافعي يضرب لها أجل ثان. وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿تربص أربعة أشهر﴾ [البقرة: ٢٢٦] فأوجب وقفًا واحدًا أو مدة محصورة. واختلفوا في الفيء ما هو؟ فذهب جماعة من العلماء إلى أنه الجماع إلا أن يكون له عذر يمنعه منه فيكون الفيء باللسان إذا شهد على ذلك. وقال آخرون والفيئة له بالقول في كل حال، وتعلقوا بظاهر الآية. وحكى بعضهم عن ابن جبير، وابن المسيب أن الفيء لا يكون إلا بالجماع، وإن كان صاحبه مسجونًا أو في سفر مضى عليه حكم الإيلاء إلا إن يطأ، ولا عذر له ولا فيء بقول وقال مالك ﵀: لا يكون الفيء إلا بالوطء أو بالتكفير في حال العذر. قال","vol":"1","page":312},{"text":"ابن القاسم: إلا أن تكون يمينه مما لا يكفرها لأنه لا يقع عليه إلا بعد الحنث، فإن القول يكفيه ما كان معذورًا.\nواختلف في اليمين قوله بالله هل يكفي فيها الفيء بالقول أو لعزم على التكفير أم لا بد من التكفير؟ والإيلاء فيء وهذا القول أصح في النظر لأن الفيء لا يتحقق إذا سقطت اليمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>(٢٢٦) - وقوله تعالى: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ٢٢٦]</span>.\nقيل: غفور لهم فيما اجترموا من الحلف على ترك وطء نسائهم وتحنيث أنفسهم بالفيء إلى ذلك. رحيم بهم وبغيرهم من عصاة المسلمين وقيل: إنما معناه غفور فيما بعد الأربعة أشهر لأنه تعالى قد أباح للمولي التربص أربعة أشهر والغفران إنما يكون مما هو محصور، ولم تتقدم فيه إباحة. وهذا التأويل يشد مذهب مالك ﵀ في أن المولي لا يقع عليه طلاق ما لم يوقف، وإن مكث سنة أو أكثر.\nواختلفوا في الفيء هل يسقط عليه الكفارة أم لا؟ فذهب قوم إلى أن الكفارة تسقط عنه بذلك. وقالوا لقوله تعالى: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ وهو مذهب الحسن، والنخعي، وغيرهما ممن يرى أن كل حانث في يمين في المقام عليها حرج، فلا كفارة عليه في حنثه وإن كفارتها الحنث فيها. والذي عليه جمهور الفقهاء، وعامة العلماء إيجاب الكفارة على كل من حنث في يمينه برأ كان الحنث فيها أو غير بر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>(٢٢٧) - وقوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾ الآية [البقرة: ٢٢٧]</span>.","vol":"1","page":313},{"text":"عزيمة الطلاق على مذهب مالك، ومن قال بقوله إيقاعه بعد الإيقاف. وعند أهل العراق وقوعه عند انقضاء أجل الإيلاء. والدليل لقول مالك ومن قال بقوله قوله تعالى: ﴿فإن الله سميع عليم﴾ وسميع لا يكون إلا النطق لأن الكلام هو الذي يسمع، وإذا انقضى أجل الإيلاء فليس بمسموع وإنما هو معلوم، وإذا آل من أجنبية صح ولا يفتقر إلى شرط التزويج، وإن تزوجها وقد بقي من مدته أكثر من أربعة أشهر وقف لها. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يصح الإيلاء من الأجنبية. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ ولم يفرق بين إيلاء يقع قبل التزويج أو بعده والكافر لا يصح منه الإيلاء، لأنه لا يؤخذ به إلى بعد إسلامه خلافًا لأبي حنيفة والشافعي. ومن حجتهما عموم هذه الآية، ودليلنا قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨] ولا خلاف في أن اليمين بالله وبصفاته ينعقد بها الإيلاء. وأما الحلف بغير ذلك، فقد اختلف فيه فذهب مالك إلى أن الإيلاء يلزم به خلافًا للشافعي في قوله لا يكن موليًا إلا إذا حلف بالله فقط. والدليل على قول مالك ومن تابعه قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ فعم. وقال بعضهم في القول الأول الذي نسبناه للشافعي، هذا إنما يصح على مذهب من يرى الأيمان بغير الله غير لازمة. وقد اختلفوا في الكفارة قبل الحنث هل تجزيه أم لا؟ وعن مالك روايتان. واحتج محمد بن الحسن على امتناع ذلك، بأن قال حكم المولي على ما ذكر الله تعالى فيء أو طلاق، ولو جاز تقديم الكفارة على","vol":"1","page":314},{"text":"الحنث لبطل الإيلاء بغير فيء، ولا طلاق لأنه حنث لم يلزمه بالحنث شيء، ومتى لم يلزم الحالف بالحنث شيء لم يكن موليًا، وهذا النظر غير صحيح إذا تؤمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>(٢٢٨) - (٢٢٩) وقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ إلى قوله: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة: ٢٢٨، ٢٢٩]</span>.\nاختلف أهل العلم في القروء وما المراد بها على حسب اختلاف أهل اللغة والنظر إذ منهم من يقول: إنه اسم مشترك للطهر والحيض. ومنهم من يقول: هو حقيقة في الطهر مجاز في الحيض. ومنهم من عكس ذلك، وكذلك اختلفوا في اشتقاقه وتفسيره، فمنهم من قال في الأصل اسك الوقت مأخوذ من قول الشاعر:\n. . . . . . . . . . . . ... إذا هبت لقارئها الرياح\nأي لوقتها. ومنهم من قال هو في الأصل الجمع والضم مأخوذ من قول الشاعر:\n. . . . . . . . . . . . ... هجان اللون لم تقرأ جنينًا\nومنهم من قال: هو في الأصل التنقل من حال إلى حال من قولهم: قرأ النجم إذا أفل. والذين قالوا إنه مشترك، وإنه الوقت قالوا: لما كان من","vol":"1","page":315},{"text":"الألفاظ المشتركة عند العرب، تصرفوا فيه فمرة يوقعونه على وقت الحيض، ومرة يوقعونه على وقت الطهر، ومنهم من يوقعه عليهما جميعًا ذكره النحاس. قال الشاعر:\nيا رب ذي ضغن على فارض ... له قرء كقرء الحائض\n\nوقوله ﷺ: «اتركي الصلاة أيام أقرائك» فهذا إنما قصد به الحيض، وأما قول الأعشى:\nأفي كل عام وأنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا\nمورثة مال وفي الذكر رفعة ... بما ضاع فيها من قروء نسائكا\n\nفهذا إنما قصد به الطهر. وواحد القروء قُرء وقَرء بضم الفاء وفتحها، وقد أقرأت المرأة إذا حاضت وإذا طهرت، ولما كانت هذه اللفظة كذلك احتلف أهل العم فيما أريد بها في هذه الآية. فذهب أهل الحجاز وهو مذهب مالك وأصحابه إلى أنها الأطهار لا خلاف بينهم في ذلك. وذهب أهل العراق إلى أنها الحيض والدليل على حجة قول مالك رحمه الله تعالى قول الله ﷿: ﴿يا أيها","vol":"1","page":316},{"text":"النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١] أي في مكان يعتدون فيه كما قرأ ابن عمر: «فطلقوهن في قبل عدتهن» وهي قراءة تساق على طريق التفسير.\nوبين ذلك النبي ﷺ: «أن يطلقها في طهر لم يمسها فيه» فدل ذلك أن الطهر الذي طلقها فيه تعتد به، وأنه من أقراءها، ولو كانت الأقراء الحيض لكان المطلق في الطهر مطلقًا لغير العدة. وتعلق بعضهم في الاحتجاج لمذهب مالك بدخول هاء التأنيث في قوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾ وقال فهذا دلالة على أن المراد بالقروء الأطهار، ولو أراد الحيض لقال ثلاث قروء، وهذا كما زعم، ولكن العرب قد تراعي في التذكير والتأنيث اللفظ المقرون بالعدد. تقول: «ثلاثة منازل»، وهي تعني الديار. وقال عمر بن أبي ربيعة: «ثلاثة شخوص»، وهو يعني نساؤ فأنث على المعنى وراعاه، ولم يراع اللفظ، فمرة يراعون اللفظ ومرة يراعون المعنى. ففي الاحتجاج بذلك ضعف. وفائدة الخلاف في هذا إنما هة هل تحل المرأة بدخولها في [الدم] الثالث؟ أو بانقضاء آخره؟ فمن قال: إنها الحيض اتفقوا على أنها لا تحل، باول الدم الثالث، واختلفوا بماذا تحل؟ فقال قوم لا تحل للأزواج حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، وهو قول أبي بكر، وعمر وعثمان، وعلي، وابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والربيع، وقتادة، وابن مسعود، وأبي موسى، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، والثوري، وإسحاق، وأبي عبيد. وقال قوم: إذا طهرت من الثالثة انقضت العدة قبل الغسل، وهو قول سعيد بن جبير وطاوس.","vol":"1","page":317},{"text":"ومن قال: إن القروء هي الأطهار وهو مذهب مالك ﵀، والشافعي وأبي ثور، وابن عمر، وعائشة، وزي، والقاسم، وسالم، قالوا: إذا رأت المرأة الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج. وقال أشهب إلا أني أستحب أن تعجل حتى تعلم أنها حيضة مستقيمة بالتمادي فيها لأنها ربما رأت المرأة الدم الساعة والساعتين واليوم، ثم ينقطع فيجب عليها الرجوع إلى بيتها، ويكن لزوجها عليها الرجعة، واختلف الشيوخ في قول أشهب هل هو خلاف لقول مالك وتفسير له، والصحيح أنه خلاف.\nومما اعترض به أصحاب أبي حنيفة على من قال: إن الأقراء في الآية الأطهار بأن قالوا المصير إلى القول بالأطهار خروج عن ظاهر القرآن لأن القروء في اللغة تطلق على الأطهار والحيض، وهو من الأسماء المشتركة فإذا أطلق، وقد مضى من الطهر شيء فعندكم أنها تعتد ببقية الطهر، وهذا يوجب كون العدة قرءين وبعض ثالث، فإذا قلنا بالحيض كانت العدة ثلاثة قروء كوامل إذ لا يصح الطلاق في الحيض. وعند هذا اضطرب القائلون بالأطهار فذهب بعضهم إلى أن الطهر الذي وقع فيه الطلاق، وقد ذهب بعضه لا تعتد به وتستأنف ثلاث تطهيرات سواه وهو قول ابن شهاب.\nوذهب غير ابن شهاب إلى أنه يعتد بالطهر، وإن مضى أكثره. واختلفوا في الجواب عن ذلك الاعتراض فقال بعضهم: القرء التنقل من حال إلى حال في المستحق بهذه التسمية على موجب هذا الاشتقاق ... الطهر يليه الحيض ويعقبه الانتقال من حال إلى حال. وقال بعضهم: غير بعيد تسمية القرأين وبعض الثالث ثلاثًا، وقد قال الله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧] وهي شهران وعشرة أيام، والظاهر من هذه الآية أن الله تعالى","vol":"1","page":318},{"text":"جعل الآية براءة للرحم من الحمل، ولهذا قال جماعة من أهل العلم إن الحامل لا تحيض، وإن الدم الذي تراه لا يعد حيضًا خلافًا لقول مالك وأصحابه من أنه حيض إلا رواية عن ابن القاسم في «كتاب محمد» أخذ منها اللخمي أن الدم على الحمل ليس بحيض، ونص الرواية قال اللخمي: قال ابن القاسم في كتاب محمد في المطلقة ثلاثة حيض ثم يظهر بها حمل: لو أعلم أن الأول حيض مستقيم لرجمتها قال اللخمي: فنفى عن الحامل الحيض. يريد أن الله ﷿ جعل الحيض دليلًا على براءة الرحم، وعلى عدم الحمل، فلو صح الحمل والحيض لم يكن دليلًا على البراءة.\nواختلف المتأولون في المراد بقوله تعالى: ﴿ما خلق الله في أرحامهن﴾ [البقرة: ٢٢٨] فقال ابن عمر، ومجاهد، والربيع، وغيرهم: هو الحيض والحمل جميعًا. ومعنى تحريم الكتمان: النهي عن الإضرار بالزوج وإذهاب حقه لأنها إذا قالت المطلقة قد حضت وهي لم تحض فقد ذهبت بحقه في الارتجاع. وإذا قالت لم أحض وهي قد حاضت ألزمته من النفقة ما لا يلزمه فأضرت به. وكذلك الحامل تكتم الحمل ليلحق الولد بالزوج الجديد، ففي ذلك نزلت الآية. وقال السدي: سبب الآية أن الرجل كات إذا أراد أن يطلق المرأة سألها أبها جمل مخافة أن يضر بنفسه وولده في فراقها، فأمرهن الله ﷿ بالصدق في ذلك. وقال إبراهيم النخعي،","vol":"1","page":319},{"text":"[وعكرمة]: المراد بما خلق الله الحيض وحده. وقال ابن عباس وابن عمر: المراد الحمل وحده.\nوفي قوله تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾ ما يقتضي أنهن مؤتمنات على ما ذكر، ولو كان الاستقصاء مباحًا لم يكن كتم.\nوذهب بعضهم إلى أن المراد بما [خلق الله] في أرحامهن الولد دون الحيض.\nواحتج بأن الولد مخلوق وهو ضعيف لأن الحيض أيضًا محدث وهو مخلوق. والظاهر من الآية أنها تعم ما تختص المرأة بعلمه من نفسها من الحمل، ومن خروج الدم فأمرت بالصدق في ذلك إذ لا يعلم إلا من قولها، ولو كلف النساء أن يعرف ذلك منهن غيرهن لعظمت المشقة، ومما يجب عندي أن يلحق بالحمل والحيض والبكارة والثيوبة وعيوب الفرج، لأن ذلك مما خلق الله في أرحامهن فيجب أن يصدقن فيه، وهي الرواية المشهور عن مالك. وقد روي عنه أن النساء ينظرن إليهن في ذلك. ولفظ الآية بعمومه نحتمل للرواية المشهورة، وإن كان ما قبل الآية وما بعدها يدل على أن المراد بها الحيض والحمل على ذلك السبب خرجت، ولكن اللفظ صالح لذلك فلا يبعد أن يحمل على عمومه على أحد المذعبين في هذا الأصل، وإن لم يحمل على عمومه في ذلك فيحمل عليه قياسًا. فإذا قالت المرأة وقد دخل بها زوجها وطئني صدقت، وكذلك إذا قالت: ما أنا رتقًا إن خالف الزوج في ذلك على الرواية المشهورة.\nقال أبو الحسن: قال قائلون: لما وعظها بترك الكتمان دل على قبول قولها فبنوا عليه وقوع الطلاق عليهما بقولها إذا قالت حضت. وقد علق الطلاق على حيضها -يريد على مذهب الشافعي- من قال لزوجته إذا حضت فأنت طالق إنها تصدق في أنها قد حاضت وتطلق -وهذا عندنا لا يقوى فإنه ليس النهي عن","vol":"1","page":320},{"text":"الكتمان دالًا على أن قولها حجة على الزوج في قطع نكاحه، كما لا يدل على وقوع الطلاق على ضرتها -يريد في قوله لها: إذا حضت ففلانة -لضرتها- طالق، فإنها لا تصدق. وقال: وقوله: ﴿أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾ ليس بظاهر في معنى الحيض لأن الدم إنما يكون حيضًا إذا سال ولا يكون حيضًا في الرحم لأن الحيض حكم يتعلق بالدم الخارج، فما دام في الرحم فلا حكم له، فإذا خرج لعادة ما ووقت وبرئت به الرحم من الحمل وقالت: قد حضت ثلاث حيضات وهو أمر يتوقف عليه من قولها، فيقبل قولها. وكذلك إذا قالت لم أر دمًا ولم تنقض عدتي فالقول قولها وبالجملة فقوله تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾ الآية، ليس يظهر في الحيض، وإنما يظهر في الحمل، وليس يعرف بغير قولها. وإذا علق الطلاق على حملها، فقالت أن حامل، فلا يقع الطلاق إذا لم يتبين حملها.\nوقد اختلف في هذا في المرأة ينعقد نكاحها، ثم تقول أنا حامل أو لم يأتني حيض، وقد كان دخل بها زوج آخر، ثم طلقها أو مات عنها وأرادت بقولها هذا فسخ نكاح الثاني، وهذا إذا لم يكتب في صداقها مع الثاني أنها خلو من زوج في غير عدة منه. فمن أصحاب مالك من قال: يقبل قولها ويفسخ نكاحها إذا لم يأت من وقت خلوها عن الزوج الأول ما يتبين فيه الحمل. ومنهم من قال: لا يقبل في ذلك إذ لعلها ندمت في النكاح. قال بعضهم: الأول أقيس في الأصول إذ هي مؤتمنة على فرجها.\nوهذه الآية قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن﴾ عامة في جميع المطلقات لكنه قد خص منها المطلقات قبل الدخول والحوامل والآيسة والصغيرة بآيات أخر. وقد عبر قتادة عن هذا بالنسخ، وعبر عنه ابن","vol":"1","page":321},{"text":"عباس بالاستثناء، والأمر على ما ذكرته. فأما تخصيص المطلقات قبل الدخول فبقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ الآية [الأحزاب: ٤٩].\nوأما الحوامل فبقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] وأما الآيسة والصغيرة فبقوله تعالى: ﴿واللاتي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ [الطلاق: ٤].\nوقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن﴾ الآية. أولها عام وآخرها خاص، وذلك أنه عم أولها كل مطلقة مدخول بها رجعية كانت أو بائنة ثم خص في آخرها الرجعية. فقال تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة: ٢٢٨] وهذا لا يكون إلا في الرجعي وقوله: ﴿والمطلقات﴾ لفظ أيضًا يعم الحرائر، والإماء فكان يجب على قول من يقول بالعموم أن يكون تربص الإماء كتربص الحرائر ثلاثة قروء، ولكنه قد جاء عن النبي ﷺ ما خصصهن من عموم الآية، وهو ما خرجه الترمذي، وأبو داود، من قوله -﵊-: «طلاق الأمة تطليقتان، وقرؤها حيضتان».","vol":"1","page":322},{"text":"وقد قال ابن سيرين: ما أرى إلا عدة الحرة إلا أن يكون قد مضت في ذلك سنة، فالسنة أحق أن تتبع، وقد اختلف في المستحاضة فرآها الخعي والثوري داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿والمطلقات﴾ فقالا إنها تعتد بالأقراء، وكذلك قال ابن حنبل، وإسحاق، وإن كانت أقراؤها مستقيمة.\nوبعضهم لم يرها داخلة، فذهب إلى أن عدتها ثلاثة أشهر إلحاقًا باليائسات، وهو قول قتادة، وعكرمة. وذهب مالك، وابن المسيب إلى أن عدتها سنة اتباعًا للسنة.\nوقولع تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ [البقرة: ٢٢٨] يريد بذلك الرجعة،،الرجعة تصح في كل طلاق لا تملك به المرأة نفسها وهي تصح في مذهب مالك بالقول، ولا خلاف في ذلك، وتصح أيضًا بالفعل الحال محل القول الدال على الارتجاع كالوطء، والقبل، واللمس بشرط القصد للارتجاع به. وأنكر الشافعي صحة الارتجاع بالفعل أصلًا وأثبته أبو حنيفة، وإن وقع من غير قصد، وهو قول ابن وهب من أصحاب مالك في الوطء بغير قصد. وهذه المسألة مبنية عندي على مسالة قبلها وهي المطلقة طلاقًا رجعيًا هل يوصف وطؤها بأنه محرم أم لا؟ وعندنا وعند الشافعي أنه محرم وأبى ...","vol":"1","page":323},{"text":"وإذا كان كذلك لم يؤمن من زوجها مثل ذلك من التقصير في الواجب لها عليه، وإذا قلنا: إن الخلع على ضرر من الزوج لا يجوز فإن خالفته على إضرار منه ففي ذلك ثلاثة أقوال:\nأحدها: قول مالك إنه يراد ما أخذ ولا رجعة له.\nوالثاني: أحد قولي الشافعي، أنه يرد ما أخذ وله الرجعة.\nوالثالث: أنه لال يرد شيئًا وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي.\nوقول مالك أحرى هذه الأقوال مع ظواهر الآي لأن الله تعالى أباح له أخذ مالها إذا كان عن طيب نفس منها، فإذا لم يكن عن طيب نفس منها فهو مكره لها على ذلك فيجب رده إليها.\nواختلف في قدر ما يجوز أن يأخذه الزوج منها على اختلاعها.\nفذهب مالك ﵀، وجماعة معه إلى أن مباح للزوج أن يأخذ منها في الفدية جميع ما تملكه. وذهب أحمد وإسحاق وغيرهما أنه لا يجوز أن يأخذ منها إلا قدر المهر فما دونه، وبه قال الربيع. وكان يقرأ هو والحسن بن أبي الحسن «فيما افتدت به منه» بزيادة «منه» ويعيد الضمير على ما آتيتموهن وهو المهر، وقد حكي هذا القول عن أبي حنيفة. وذهب ابن المسيب إلى أنه لا يجوز أن يأخذ منها جل مالها، ولكن يدع لها شيئًا وعلى قول بكر لا يجوز أن يأخذ قليلًا ولا كثيرًا. وقد تقدم حجة مالك، ومن تابعه بقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ فعم. وقال","vol":"1","page":324},{"text":"اسماعيل بن إسحاق: وقد يحتج بهذه الآية يعني قوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا﴾ الآية من قال لا يجوز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، وليس كما ظن. ولو قال إنسان لا تضرن فلانًا إلا أن تخاف منه شيئًا فإن خفته فلا جناح عليك فيما صنعت به لكان مطلقًا له أن يصنع به شيئًا.\nوالخلع دون تسمية طلاق واحدة بائنة. وقال أبو ثور واحدة رجعية. وقال الشافعي: هو فسخ بغير طلاق وهو قول ابن عباس. وحجتهما أن الله تعالى ذكر الخلع بعد قوله ﴿الطلاق مرتان﴾ ثم قال: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ الآية [البقرة: ٢٣٠] فدل على أن الخلع ملغى غير محسوب قالوا، ولو كان الخلع طلاقًا، لكان الطلاق أربع تطليقات وهذا لا حجة فيه لأن ذكر الفجية حكم على حياله فلا فرق أن يذكره بين الطلقتين والطلقة الثالثة أو في غير ذلك الموضع، وقد تبين ذلك النبي ﷺ بقوله لثابت بن قيس بن شماس: «هي واحدة» وهذا نص في موضع الخلاف والمراة التي خالفت ثابتًا هي حبيبة بنت سهل. وقيل جميلة بنت أُبي أخت عبد الله، وكان وزجها ثابت بن قيس. وحقيقة القول إنه ليس في الآية ما يدل على أن الخلع فسخ بحال ولا على أنه فراق ثالث بعد الطلقتين.\nوقال بعض المالكية: الآية حجة لنا لأنه ذكر الخلع بين طلقتين وطلقة ثالثة فلولا أنه طلاق لما ذكره في تضاعيف الكلام. وهذا أيضًا لا يقوى. وقال أبو الحسن: قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ أفاد حكم الاثنين إذا أوقعهما على","vol":"1","page":325},{"text":"غير وجه الخلع وأثبت معهما الرجعة بقوله: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ ثم ذكر حكمهما فعاد إلى اثنتين المتقدم ذكرهما والمراد بذلك بيان الطلاق المطلق، والطلاق بخلع، والطلاق الثلاث بخلع كان أو بغير خلع. وقد تمسك أبو بكر الرازي في أن الخلع يرتدغ عليه الطلاق بهذه الآية. وقال إنه نص لأن الله تعالى ذكر الخلع ثم قال: ﴿فإن طلقها فلا تحل له﴾ الآية فيبعد أن يرجع إلى قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ لما تخلل بينهما من الكلام وإن الأولى أن يرجع إلى أقرب مذكور إليه كالاستثناء، والتخصيص فإنه لا يعود إلى الأبعد إلا بدلالة. وهذا بعيد لأن قوله: ﴿فإن طلقها فلا تحل له﴾ الآية. يحتاج إلى تطليقتين يتقرران عليه وحينئذ يصح. وليس في قوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله﴾ الآية دلالة على طلقتين لا إشارة ولا تصريحًا حتى يكون قوله تعالى: ﴿فإن طلقها﴾ مرتبًا عليه. وقد اختلف في الرجل إذا طلق امرأته واحدة أو اثنتين، ثم تزوجت زوجًا آخر هل يهدم تزويجها ذلك ما تقدم من الطلاق كما يهدم طلاق الثلاث أم لا؟ فن مالك أنه يهدم. وقال أبو حنيفة: يهدم، ومن بين أن يكون تحلل الثلاث التطليقات نكاح أم لا. والخلع جائز عند غير السلطان. وقال الحسن وابن سيرين: لا يكون إلا عند السلطان. ودليلنا قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ ولم يفرق بين كونه عند السلطان أو عند غيره.","vol":"1","page":326},{"text":"واختلف في الخلع بالغرر فأجازه ابن القاسم بالعبد الآبق والبعير الشاردة. وما أشبه ذلك ومنع منه بالتزام نفقة الولد أكثر من حولي الرضاع وما أشبهه، فقيل: إنه بين المسألتين وقيل: إنه اختلاف في قوله.\nوذهب الشافعي إلى أنه لا يجوز الخلع بالغرر كله. وقال أبو حنيفة: يجوز بالغرر ولا يجوز بالمعدوم في الحال. والحجة لمالك عموم قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ وللزوج أن ينكح المختلعة في عدتها برضاها. ومنع من جواز النكاح أحمحد والمزني. وروي عن علي بن أبي طالب -﵁- ودليلنا قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا﴾ فلم يخص.\nوقوله تعالى: ﴿فإن خفتم﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩] الخطاب تموجه للحكام والمتوسطين لهذا الأمر، وإن لم يكونوا حكامًا، وترك إقامة حدود الله هو استخفاف المرأة بزوجها وسوء طاعتها إياه قاله ابن عباس ومالك بن أنس وجمهور الفقهاء. وقال الحسن بن أبي الحسن وقوم معه إذا قالت: لا أطيع لك أمرًا ولا أغتسل لك من جنابة ولا أبر لك قسمًا حل الخلع. وقال الشعبي: ﴿ألا يقيما حدود الله﴾ معناه ألا يطيعا الله. وذلك أن المغاضبة تدعو إلى ترك طاعة الله. وقال عطاء: يحل الخلع والأخذ بأن تقول المرأة لزوجها إني لا أكرهك ولا أحبك ونحو هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>(٢٣٠) - (٢٣١) قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد﴾ إلى قوله: ﴿والوالدات﴾ [البقرة: ٢٣٠، ٢٣١]</span>.\nقال ابن عباس وغيره هذا ابتداء الطلقة الثالثة. فالتسريح التقدم هو ترك المراة حتى تتم عدتها من الثانية. وقوله: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد","vol":"1","page":327},{"text":"حتى تنكح زوجًا غيره﴾ يعني بهذه الطلقة الثالثة. قال مجاهد: هذه الىيةبيان مايلزم المسرح والتسريح هو الطلقة الثالثة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>(٢٣٠) - وقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]</span>\nالنكاح في اللغة حقيقة في الوطئ مجاز في العقد. وقال بعضهم: وإن كان هكذا فالذي يجب على مذهب أهل الأصول إذا ورد مثل هذا اللفظ أن يحمل على الحقيقة حتى يقوم الدليل على أنه مجاز والذي عندي في هذا اللفظ أنه مشترك، يطلق على العقد وعلى الوطء في كلام العرب ليس بمجاز في أحدهما. وأما على ما ذكره المبرد فيجيء أنه مشترك في العقد وأنه حقيقة فيه مجاز في الوطء. وقد قال الأعشى وأراد به العقد:\nوأمتعت نفسي من الغانيا ... ت إما نكاحًا وإما أزن\nوقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ [الأحزاب: ٤٩] فهذا أيضًا في العقد. ولهذا قال قوم: إن لفظ النكاح حيث وقع في القرآن المراد به العقد. وقال الشاعر في الجماع:\nإذا زنيت فأجز نكاحًا ... وأعمل الغدو والرواحا\n\nوجمهور العلماء على أن المطلقة ثلاثًا لا تحل بمجرد العقد بل حتى تدخل وتوطأ. وحجة هذا القول ما قدمناه من قول من قال إن النكاح حقيقة","vol":"1","page":328},{"text":"في الوطء مجاز في العقد. فيجب على قوله أن يحمل قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ أن المراد به الوطء وما جاء عن النبي ﷺ في تميمة بنت السموأل ارمأة رفاعة حين تزوجها عبد الرحمن بن الزبير وكان رفاعة قد طلقها ثلاثًا فقالت للنبي ﷺ: إني لا أريد البقاء مع عبد الرحمن ما معه إلا مثل الهدبة، فقال لها رسول الله صلى الله عليهو سلم: «لعلك أردت الرجوع إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» وإن جعلنا لفظ النكاح حقيقة فيهما، فقد ورد في الآية مجملًا، وبين ﷺ المراد به من ذلك بالحديث المتقدم.\nوأيضًا فإن الأخذ بأكثر ما يقتضيه الاسم أولى، وإن قلنا إن النكاح حقيقة في العقد، فقد زادت في السنة على العقد شرطًا آخر وهو الوطء لحديث رفاعة المذكور. وقد اختلف في الزيادة هل هي نسخ أم لا؟ ومن جعلها من أصحاب أبي حيفة نسخًا عسر مأخذ هذه الآية من حيث أن القرآن لا ينسخ بأخبار الآحاد. وقد ذهب سعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي وقوم من التابعين إلى أنه في الآية العقد دون الوطء وأن ذلك يحلها للأول.\nكما حكل في قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ [النساء: ٢٢] على أن المراد به العقد دون الوطء، فإن كان اللفظ عندهم مشتركًا، فقد أخذوا بأقل ما يقع عليه الاسم. وإن كان حقيقة في العقد فلم يعتبروا الحديث إما لأن الحديث لم يبلغهم. وماقدمناه حجة عليهم والذين ذهبوا إلى أن المراد بقوله تعالى: ﴿حتى تنكح﴾ الوطء، اختلفوا في الوطء","vol":"1","page":329},{"text":"هل يعتبر فيه الإنزال أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا يعتبر فيه جملة لقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ على ظاهر من الوطء أنزل أو لم ينزل.\nوذهب الحسن بن أبي الحسن إلى أنه لا يحل الوطء إلا مع الإنزال، وهو دون العسيلة.\nواختلف في نكاح الرجل المرأة ليحلها لزوج كان طلقها ثلاثًا هل يحل ذلك أم لا؟ فذهب مالك ﵀ إلى أن ذلك لا يحلها للزوج الأول إلا بشرط كان أة بغير شرط لقول رسول الله ﷺ: «لعن الله المحلل والمحلل له» وقوله: «لا نكاح إلا نكاح رغبة لا نكاح دلسة ولا استهزاء بكتاب الله» وقوله: «ألأ أخبركم بالتيس المستعار» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «هو المحلل» فاقتضى هذا كله فساد العقد، فلم ير قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ ولم يخص نكاحًا من نكاح. وذهب بعض أصحاب مالك إلى أن ذلك إن كان بشرط لم يحل، وإن كان بنية دون شرط أحل والاعتبار","vol":"1","page":330},{"text":"في فساد العقد والقصد إنما هو النكاح دون المنكوحة لأنه يملك الطلاق وقصد التحليل من غير ملك الطلاق لا يضر كالأجنبي، وقال الحسن بن أبي الحسن إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل لم تحل للأول. وهذا قول شاذ. ووطء الملك يحلها مثل أن يطأها سيدها إذا رجعت إليه إن كانت المطلقة أمة خلافًا لمن أجازه من الشافعية، وأجازه عثمان بن عفان -﵁- وزيد بن ثابت. والدليل على فساد هذا القول قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ فالشرط في النكاح أن يكون زوجًا. وكذلك احتلف في المطلق ثلاثًا للأمة ثم اشتراها قبل أن تتزوج هل يجوز له وطؤها بالملك أم لا؟\nفالجمهور على المنع من ذلك. وكان ابن عباس، وعطاء، وطاوس، والحسن يقولون: يحل له وطؤها بملك اليمين، لعموم قوله تعالى: ﴿وما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣٦] وجحة الجمهور أصح لقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ فلم يجعلها حلالًا إلا بنكاح زوج لا بملك يمين. وقوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣].\nقد خصص فيها المحرمات باتفاق كالأمهات والبنات والأخوات فكذلك سائر المحرمات. واختلف عندنا هل يحل بالوطء الفاسد في عقد نكاح صحيح؟ فقيل: تحل له لأنه يسمى نكاحًا، ولوجود اللذة فيه المنبه عليها في الحديث. وقيل: لا تحل لأن مجمل ظواهر الشرع وألفاظه على ما يصح في الشرع دون ما لا يصح، ولا تحل لمسلم بوطء كافر إذا كانت كافرة. وقال أشهب، وأبو حنيفة، والشافعي يحلها لقوله تعالى: ﴿حتى تنكح","vol":"1","page":331},{"text":"زوجًا غيره﴾ والأول أصح لما في نكاح الكافر من الفساد. ولا تحل بوطء المراهق لأن وطأه لا يعتد به خلافًا للشافعي، وأبي حنيفة في قولهما إن ذلك يحلها، واسم الناكح يقع عليه فهو داخل تحت قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾.\nواختلف في المجنون، والمجنونة على أربعة أقوال فذهب ابن القاسم إلى أن المراعي الزوجة، فإن كانت عاقلة حلت وإن أصابها في حال جنونه، وإن أصيبت في حال جنونها لم تحل وإن كان عاقلًا. وذهب أشهب إلى أن المراعي الزوج، فإن كان عاقلًا أحلها، وإن كان أصابها في حال جنونها، وإن كان مجنونًا لم يحلها، وإن كانت عاقلة. وقال عبد الملك: إذا صح العقد كان إحلالًا، وإن كانا في حال الإصابة مجنونين أو كان أحدهما كذلك. قال اللخمي: ولا أرى أن يحل إلا أن يكونا عاقلين. وقول اللخمي أحسن الأقوال لأن المراد بالآية نكاح العقلاء، وإليهم يدخل الخطاب، ومن لم يكن عاقلًا فكيف يدخل تحت الخطاب! وإذا لم يدخل تحت خطاب لم يكن لأفعاله حكم إلا ما خصصته الشريعة من ذلك، وهذا ليس منه.\nواختلف إن راتد وقد طلقها البتة فهل تحل له دون زوج أم لا؟ فعلى قول ابن القاسم تحل له لأنها عنده بمنزلة من لم يتقدم له الإسلام، ولم يجز ذلك على قول غيره لأنهما يعودان لما كان عليه قبل الارتداد في الخطاب بالآية لهما، وعليهما. ويختلف إذا ارتد الزوج والزوجة نصرانية، فقال ابن القاسم: لا تحل له إذا راجع الإسلام إلا أن تنكح زوجًا غيره. وهذا يصح على القول بأنهم مخاطبون بفروع الشريعة. وقال بعضهم: والصحيح أنهم غير مخاطبين إلا بعد تقدم الإسلام، فتحل من غير زوج. وقد اختلف فيمن","vol":"1","page":332},{"text":"طلق زوجته طلقتين، ثم ردها، ثم فقد فأقامت زوجته الأربعة الأعوام، وعدة الوفاة، ثم تزوجت، ودخل بها زوجها، ووقع على الزوج طلقة ثالثة، بذلك هل يجعلها هذا النكاح الذي وقع به الطلاق الثالث لزوجها الذي كمل له بهذا النكاح في زوجه المذكورة ثلاث تطليقات أم لا؟ فروي عن أصبغ أنه يحلها. وفي «السليمانية» أنه لا يحلها، والذي رجحه أبو عمران الفاسي ﵀ أنه [لا] يحلها استدلالًا بظاهر قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ ورأى أن ظاهر الآية يقتضي أنه لا بد من ابتداء نكاح بعد النكاح الذي وقع به الطلاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>(٢٣٠) - وقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٠]</span>.\nمعناها إن طلقها الزوج الثاني فلا جناح على الزوج الأول والمرأة أن يتراجعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>(٢٣٠) - وقوله: ﴿إن ظنا﴾ [البقرة: ٢٣٠]</span>.\nالظن هنا على بابه في تغليب أحد الجائزين. وقال أبو عبيدة: المعنى أيقنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>(٢٣١) - قوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن﴾ الآية [البقرة: ٢٣١]</span>.\nقال قتادة وغيره: هو الرجل يطلق ثم يرتجع، ثم يطلق، ثم يرتجع فيطول عليه العدة اعتداء، أو بمعنى ﴿فبلغن أجلهن﴾ قاربن أجلهن. فأمر أل بفعل ذلك لما فيه من الإضرار. ويجوز أن يكون حق الفراق","vol":"1","page":333},{"text":"بالمعروف أن يمتعها عند الفرقة، وأما الإمساك بالمعروف فالشافعي يقول: إذا عجر عن نفقة امرأته فليس يمسكها بمعروف، فيجب عليه أن يسرحها بإحسان، فإن الله تعالى إنما خيره بين اثنين لا ثالث فيها، فإذا عجز عن أحدهما تعين الثاني. وبهذا قال مالك ﵀ خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: إذا عجز الزوج عن النفقة لم يفرق بينه وبين زوجه بحال إلا أنه لا يقربها ولا يمسها، ويحال بينه وبينها، وإن شاءت اكتسبت. وفي المذه خلاف إذا تزوجت المرأة فقيرًا علمت بفقره هل لها نفقة أم لا؟ والحجة على أبي حنيفة ظاهرة جدًا من ألفاظ الآية. وحكم الكسوة في ذلك حكم النفقة، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال في حجة الوداع في الزوجات: «ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» وقال في حديث آخر: «تقول المرأة إما أن تطعمني أو تطلقني» والحديث في البخاري والذي قبله في مسلم والترمذي وغيرهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>(٢٣١) - قوله تعالى: ﴿ولا تتخذوا آيات الله هزوًا﴾ [البقرة: ٢٣١]</span>.\nقال الحسن كان الرجل يطلق ثم يقول: إنما كنت لاعبًا إذا سئل عن ذلك. أو يفعل لاعبًا. وقالت عائشة -﵂- قال رسول الله ﷺ: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة» وقد نسب بعضهم هذا الحديث لابن المسيب، فقال -على ما","vol":"1","page":334},{"text":"روي عنه-: النكاح، والطلاق، والعتق. والأحسن أن يكون المراد بآيات الله جميع أوامره ونواهيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>(٢٣٢) - قوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن﴾ [البقرة: ٢٣٢]</span>.\nالخطاب للمؤمنين الذين منهم الأزوج، ومنهم الأولياء، وبلوغ الأجل في هذا الموضع تناهيه لأن المعنى يقتضي ذلك. وقد قال بعض الناس في هذا الموضع إن المراد بقوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن﴾ للأزواج وذلك بأن يكون الارتجاع مضارة عضلًا عن نكاح الغير. فقوله ﴿أزواجهن﴾ على هذا يعني به الرجال إذ منهم الأزواج وعلى القول بأن المراد بقوله: ﴿فلا تعضلوهن﴾ الأولياء فالأزواج هم الذين كن في عصمتهم. والعضلل المنع من الزوج، وهو من معنى التضييق والتعسير. واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية فقيل: في معقل بن يسار وأخته. وقيل: معقل بن سنان، وقيل: جابر بن عبد الله، وذلك أن رجلًا طلق زوجته أخته، وقيل: بنته وتركها حتى تمت عدتها، ثم أراد ارتجاعها، فقال: أتركتها وأنت أملك بها لا زوجتكها أبدًا فنزلت الآية. وهذه الآية تقتضي ثبوت حق الولي في إنكاح وليته، وأن النكاح يفتقر إلى ولي خلافًا لداود في اعتباره الولي في البكر خاصة","vol":"1","page":335},{"text":"ولأبي حنيفة إسقاطه في الثيبات والأبكار البوالغ الجائزات الأمور. ولأبي يوسف في اعتباره إذن الولي خاصة، ورد أصحاب أبي حنيفة دلالة هذه الآية، فقال قوم منهم: إذا كان الولي هو الزوج فكيف يقال له لا تمنع فلانة من أن تنكح والإنكاح إنما هو من فعله، فلو لم يكن للمرأة نكاح ما صح أن يقال للأولياء فلا تمنعوهن أن ينكحن. وهو لا يمنعها إنما يمنع نفسه.\nوقوله: ﴿ينكحن﴾ فعل مضاف إليهن وإذا نهي عن المنع وجب ألا يكون له حق فيما نهي عنه من منع المرأة. ومما استشهدوا به أيضًا قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ ولم يذكر الولي. وهذا غلط، وإنما قال تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ وقال: ﴿ينكحن أزواجهن﴾ إشارة إلى ما جعلت الشريعة إليهن من التفويض إلى الأولياء والرضى بالنكاح لا إلى مباشرة العقد جون الأولياء. وقد قال قوم منهم قوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن﴾ خطاب مع الأزواج لأجل ما كانوا يفعلونه من المراجعة والطلاق تطويلًا للعدة حتى تنكح المرأة فنهوا عن ذلك، قالوا: والولي غير مراد بذلك فلا حجة لكم فيها. والجواب عن هذا أن المعنى مفهوم من قوله تعالى قبل هذا ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن﴾ الآية [البقرة: ٢٣٢] فلا فائدة في تكراره وجمل الىية على فائدة أخرى أولى. وأيضًا فإن الآية نزلت بسبب منع معقل بن يسار أو غيره لوليته من مراجعة زوجها المطلق لها فلا يعدل بمعنى لفظها عن سببها وما يحتج به لقول مالك قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركين﴾ يخاطب الأولياء ولو لم يكن في ذلك حق لما خاطبهم بذلك.","vol":"1","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>(٢٣٢) - وقوله: ﴿بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٢] معناه المهر والإشهاد</span>.\nقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن﴾ إلى قوله: ﴿وعلى الوارث﴾ [البقرة: ٢٣٣].\nقوله: ﴿يرضعن أولادهن﴾ خبر معناه الأمر. وقد اختلف فيما يلزم المرأة ذات الزوج من رضاع ولدها. فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه لا يلزمها ذلك على كل وجه، ويكون الأمر بالرضاعة في هذه الآية عندهما على الندب في جميع الوالدات. وذهب أبو ثور إلى أن ذلك يلزمها على كل وجه وذهب مالك ﵀ إلى أن المرأة ما دامت في عصمة الزوج فالرضاع واجب عليها بقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ إلا أن تكون شريفة مثلها لا يرضع، فلا يلزمها ذلك، تخصيصًا لها من عموم الآية بما جاء في بعض الآثار من أن الشريفة لا ترضع ولدها. وإذا لم تكن الأم في عصمة الأب، فإن كان الأب قد مات فمذهب مالك المشهور أن الرضاع لازم للأم بخلاف النفقة أخذًا بظاهر عموم الآية. وقيل عنه رضاعه في بيت مال المسلمين وهذا القول مبني على مذهب مالك في المطلقة البائنة لأن حال الموت أشد من حال البينونة، فإذا كان الرضاع لا يلزمها هنالك ففي المرأة أحرى أن لا يلزمها، وأما إن كان طلقها وبانت منه فإن كان الزوج موسرًا فلا خلاف أعلمه أنه لا يلزمها الرضاع لقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ وإن كان معسرًا أو لا مال للابن لم يكن الابن يأتي غيرها فعن مالك فيه الروايتان إحداهما: أن الرضاع لازم لها.","vol":"1","page":337},{"text":"والثانية: أنه لا يلزمها، وهو الأشهر عنه. وإذا طلبت الأم الرضاع بأجر مثلها، ووجد الرجل من يرضعه بغير أجر كان ذلك له. وقال الشافعي في أحد قوليه: الأم أولى أخذًا بظاهر قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ فلم يجعل لغير الوالدات حظًا في الرضاع. واختلف الناس في رضاع الكبير فجمهور العلماء على أنه لا يؤثر. وذهب داود، والليث بن سعد، وغيرهما إلى أنه يؤثر أخذًا منهم بحديث سهلة المشهور، وقد قال ﷺ في سالم وهو رجل كبير: «أرضعيه تحرمي عليه» وحمل أزواج النبي ﷺ منعن أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحد، وقلن لعائشة -﵂- إنه خاص في رضاعة سالم وحده، وحجة الجمهور على من خالفهم قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ وتمامها بالحولين على ظاهر القرآن يمنع أن يكون حكم ما بين الحولين كحكم الحولين. وهذا ينفي رضاعة الكبير. وقد قال رسول الله ﷺ: «الرضاعة من المجاعة». وروي عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «لا رضاع بعد الحولين» فالذين لم يروا لرضاعة الكبير تأثيرًا اختلفوا في تقدير مدة","vol":"1","page":338},{"text":"رضاع الصبي ففي «الموطأ»: ما كان بعد الحولين فإن قليله وكثيره لا يحرم شيئًا، إنما هو بمنزلة الطعام. وفي «كتاب سحنون» أن حكم الشهر والشهرين بعد الحولين كحكم الحولين. وروي عن مالك في ذلك الشهر، وروي عنه الثقات، وقيل: اليوم واليومان حكم الحولين في ذلك، وقيل: الأيام اليسيرة هذا كله في المذهب. وذهب زفر إلى أن مدة الرضاع فيها بعد الحولين حرم. فوجه القول الأول الذي في «الموطأ» قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ فدل على أن ما زاد عليها ليس من الرضاعة. ووجه سائر الأقوال التي في المذهب أن ما قارب الحولين حكمه حكم الحولين. وأما أبو حنيفة فيقول ما بعد الحولين يحرم فطم أو لم يفطم إلى ستة أشهر، وهو تقدير لا وجه له. قال أبو الحسن: أما الشافعي فرأى أن هذه الزيادة على الحولين كلها تحكما بلا مستند مثل تقدير أبي حنيفة في بلوغ الصبيان لثمان عشرة سنة. وقوله لا يدفع المال إلى الذي يؤنس رشده إلا لابن إحدى وعشرين سنة ونحو ذلك. واختلفوا إذا فضل من الحولين واستغنى عن الطعام هل يؤثر رضاعه بعد ذلك في الحولين أم لا؟ فذهب مالك إلى أنه لا يؤثر على ظاهر قول رسول الله ﷺ: «لا رضاع بعد فطام» وفي حديث آخر «بعد فصال». وذهب أبو حنيفة والشافعي ومطرف، وابن الماجشون، إلى أنه يحرم ما كان في الحولين على","vol":"1","page":339},{"text":"ظاهر قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ فجعل الحولين أمدًا للإرضاع، والرضاع فيهما يؤثر استغنى الرضيع بالطعام أو لم يستغن.\nوإنما وصف الله تعالى الحولين بكاملين لأنه لا يجوز أن يقال في حول وبعض آخر حولان، وفي يوم وبعض يوم آخر يومان، فنفى الله تعالى بقوله ﴿كاملين﴾ ذلك الاحتمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>(٢٣٢) - وقوله تعالى: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة: ٢٣٢]</span>.\nمبين أن الحولين ليستا بفرض لا يتجاوز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>(٢٣٣) - وقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٣]</span>.\nفالمعنى أن على الرجل المولود له رزق الوالدات وكسوتهن بالمعروف، ثم بين الله تعالى أن الإنفاق على قددر غنى الزوج ومنصبها لقوله: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٣٣] والاعتبار عندنا في النفقة بحال الزوجين معًا فيفرض لها كفايتها على ما يرى من قدرها وقدر زوجها في العسر واليسر، وليست بمقدرة، خلافًا للشافعي في قوله إنها مقدرة ولا احتهاد للحاكم فيها. وتعتبر بحال الزوج فعلى الموسر مدان، وعلى المتوسط مد ونصف، وعلى المعسر مد. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ وذلك يقتضي مراعاة حالهما جميعًا. وقول النبي ﷺ لهند امرأة أبي سفيان: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» وهذه الآية تدل على أن المراد بالوالدات اللواتي في العصمة إلا أن تجعل هذه الجملة منقطعة من الأولى، لأن المراد بهذه الآية اللواتي لم يبن من أزواجهن، لأن","vol":"1","page":340},{"text":"النفقة والكسوة لا تجب إلا لمن لم تبنب بعد. وإذا كان الزوج حاضرًا مع زوجه فلا خلاف في وجوب النفقة لها عليه في أيام غيبته. فثبت عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا فبعثوا بنفقة ما مضى. وبذلك قال جماعة من أهل العلم.\nوقال أبو حنيفة: نحن لا نقول ذلك بل نقول ليس لها شيء إلا أن يفرضه السلطان. واختلف في المذهب هل تطلق على الغائب بعدم النفقة أم لا؟\nوالدليل على وجوبها عليه قوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾.\nوقد اختلف في العبد له زوجة هل تلزمه نفقتها أم لا؟ فقال ابن القاسم: عليه النفقة، وقال أبو مصعب: لا نفقة عليه. والقول الأول أظهر لعموم الآية.\nوكذلك اختلفوا في الحر له زوجة أمة لم تُبَوَّأْ معه بيتًا. فقال ابن القاسم: لها النفقة لأنها من الأزواج. يريد أنها داخلة في عموم الآية. وفي «كتاب محمد» لا نفقة لها عليه، كذلك يختلف إذا كان الزوجان عبدين.\nوالقول بوجوب النفقة في هذه المسائل أظهر لعموم الآية. ويؤخذ من قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ أن الأم أحق بالحضانة لأن جاجة الولد إلى من يحضنه، كحاجته إلى من يرضعه، لأن الأم أرفق به، وآمن عليه، إلا أنه اختلف هل هي من حق الولد؟ أو من حق الأم؟ أو من خقوقهما جميعًا؟ .\nوقد اختلف في نفقتها للصبي، أجرة رضاعه إذا مات أبوه وله مال. فقال الجمهور ذلك من مال الصبي اعتقادًا منهم أن مقتضى الآية أن","vol":"1","page":341},{"text":"النفقة على الأب ما دام حيًا، وأن ذلك ليس بدين ثابت في الذمة. وروي عن حماد بن سلمة أنه قال: يخرج رضاع الصبي من جميع المال، ثم يقسم له نصيبه مما بقي. جعله بمنزلة الدين. وروي عن النخعي أنه قال: إن كان المال قليلًا فمن نصيبه، وإن كان كثيرًا فمن جميع المال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>(٢٣٣) - قوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة: ٢٣٣]</span>.\nاختلف فيها هل هي منسوخة أم محكمة؟ فروي عن مالك أن الآية تضمنت أن الرزق والكسوة على الوارث، ثم نسخ ذلك ولم يذكر ما نسخها. فيحتمل أن يكون سمي التخصيص نسخًا، وذلك أن الآية تضمنت الرضاع والنفقة والكسوة، وأن لا مضارة. ثم قال تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ فتخصص عند مالك رحمه الله تعالى بالأدلة من عموم قوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ الرضاع، والنفقة، والكسوة، وبقي نفي المضارة تحت لفظ العموم. ويحتمل أن يكون نسخًا حقيقة على ما قال النحاس قال: يشبه أن يكون الناسخ لها أنه لما أوجب للمتوفى عنها زوجها من مال المتوفي في نفقة حولٍ والسكنى، ثم نسخ ذلك ورفع نسخ ذلك أيضًا عن الوارث. والذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها اختلافًا كثيرًا، فروي عن مالك ﵀ وجميع أصحابه وجماعة من العلماء غيرهم أن المراد بقوله ﴿مثل ذلك﴾ أن لا يضار، وأما الرزق الكسوة فلا شيء عليه. وقال قبيصة، والضحاك وغيرهما: الوارث هو","vol":"1","page":342},{"text":"الصبي نفسه أي عليه في ماله إذا ورث أباه نفقة نفسه. وكأن محمد بن جرير يختار هذا القول. وقال النحاس: وهو إن كان قولًا غريبًا فالحجة فيه ظاهرة لأن ماله أولى به. وقد أجمع الفقهاء إلا من شذ منهم أن رجلًا لو كان له ولد طفل وللولد مال والأب موسر فإنه لا يجب على الأب نفقة ولا رضاع، وإنما ذلك من مال الصبي. وقيل: معناه أن ولي الصبي سماه وارثًا لأنه ورث ولايته عليه من نفقة مال الصبي مثلما كان على الأب. وهذان القولان لمن حمل الآية على عمومها وتأولها على المذهب، ولم ير فيها نسخًا، ومن أهل العلم من حملها على العموم في النفقة وغيرها. ولم ير فيها نسخًا، وتعلق بظاهرها إلا أنهم اختلفوا في الوارث الذي تلزمه النفقة من هو؟ فذكر عن عمر بن الخطاب والحسن بن أبي الحسن أن وارث الأب عليه نفقة الصبي وكسوته. وقال بعضهم من الرجال دون النساء، وذهب زيد بن ثابت إلى أن وارث الصبي عليه نفقته وكسوته وإن كثروا فعلى قدر مواريثهم منه. وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى أنه الباقي من والد وأم. وذهب الشافعي إلى أنه الأب والجد وما علا وابن الابن وما سفل خاصة. فالإجماع منعقد على أن الوارث لا يضار.\nواختلف هل عليه رزق كسوة ونفقة أم لا؟ وقرأ يحيى بن يعمر، «وعلى الورثة مثل ذلك» بالجمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>(٢٣٣) - قوله تعالى: ﴿فإن أرادوا فصالًا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾ [البقرة: ٢٣٣]</span>.\nالضمير في ﴿أرادا﴾ للأبوين و﴿فصالًا﴾ معناه فطامًا، ويحتمل أن","vol":"1","page":343},{"text":"يريد، فإن أرادا فصالًا قبل الحولين، وإن يرد بعدهما، لأن الفاء تقتضي التعقيب. ومن هنا نشأ النظر في رضاعة الكبير. والاحتمال الأول أظهر.\nولا يقع التشاور والتراضي إلا بما لا ضرر فيه على المولود فإن لم يكن عليه في ذلك قبل الحولين ضرر فلا جناح عليهما في فضله. ومن دعا عليه منهما إلى كمال الحولين فذلك له، وروي عن ابن عباس أنه قال ذلك في الولد الذي مكث في البطن ستة أشهر، فإن مكث سبعة أشهر فرضاعه ثلاثة وعشرون شهرًا، وإن مكث ثمانية أشهر فرضاعه اثنان وعشرون شهرًا، وإن مكث تسعة أشهر فرضاعه إحدى وعشرون شهرًا. وهذا القول مبني على هاتين الآيتين قوله: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ وقوله: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وسيأتي الكلام على هذه الآية في موضعها مستوعبًا إن شاء الله تعالى. وأما بعد تمام الحولين فمن دعا إلى الفصل فذلك له إلا أن يكون على الصبي من ذلك ضرر.\nوفي قوله تعالى: ﴿فإن أرادا فصالًا عن تراض منهما وتشاور﴾ دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام بغالب الظنون، وروي عن قتادة قال: كان الرضاع واجبًا في الحولين، وكان يحرم الفطام قبله، ثم خفف فأبيح الرضاع أقل من هذه المدة بقوله تعالى: ﴿فإن أرادا فصالًا﴾ الآية. أي لا جناح عليهما لأنه تعالى قال: ﴿حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ فقد أعطى بقوله معنى جواز الفطام، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿فإن أرادا فصالا﴾ فالنسخ بعيد جدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>(٢٣٣) - قوله تعالى: ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٣]</span>.","vol":"1","page":344},{"text":"هي محاطبة لجميع الآباء والأمهات أي لكم اتخاذ الظئر مع الاتفاق على ذلك. ولا خلاف أنه يجوز إجازة الظئر بشيء معلوم. واختلفوا إذا استؤجرت بكسوتها وطعامها، هل يجوز أم لا؟ فأجازه مالك وأبو حنيفة، ومنعه الشافعي. ودليل الجواز قوله تعالى: ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم﴾ وقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٩] وقوله: ﴿إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٣] مخاطبة الرجال خاصة. وهذا على قراءة الأكثر ﴿ما آتيتم﴾ على المد وأما قراءة ابن كثير بالقصر فتحتمل تأويلين:\nأحدهما: لا يكون الخطاب معه إلا للرجال خاصة، والآخر: يكون معه للرجال والنساء وذلك «إن أتيتم» بمعنى جئتم قال زهير:\nوما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل\nو﴿آتيتم﴾ بمعنى أعطيتم. فإذا كان بمعنى أعطيتم فالمخاطبة للرجال لأنهم الذين يعطون أجرة الرضاع. وأما «ما آتيتم» بالقصر فيحتمل أن يريد نقده وإعطاءه أو نحو ذلك، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ثم حذف الضمير من الصلة وإلى هذا ذهب أبو علي، ثم قال: ويحتمل أن تكون ما مصدرية أي إذا سلمتم الإتيان، والمعنى كالأول لكن يستغنى عن الصفة، فمن حذف المضاف، ثم حذف الضمير فعلى تأويل أبي علي، والخطاب للرجال خاصة لأنهم الذين يأتون إعطاء أجرة الرضاع، وتحتمل اللفظة معنى آخر قاله قتادة، وهو إذا سلمتم من إرادة الاسترضاع أي سلم كل واحد من الأبوين ورضي وكان ذلك على اتفاق بينعهما، وقصد خير وإرادة معروف","vol":"1","page":345},{"text":"من الأمر على هذا الاحتمال فيدخل في الخطاب تسليم الرجال والنساء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>(٢٣٤) - وقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا﴾ الآية إلى قوله: ﴿ولا جناح عليكم﴾ هذه الآية [البقرة: ٢٣٤]</span>.\nفيها إشكال من طريق الإعراب لأن الذين يتوفون هم الرجال، وقوله ﴿يتربصن﴾ هن الزوجات، فلا يصح الإخبار لأن الذين بقوله: ﴿يتربصن﴾ فالتقدير في الآية على أقوال البصريين، وأزواج الذين يتوفون منكم، أو الذين يتوفون منكم أزواجهن أو ما يتلى عليكم الذين يتوفون منكم الآية.\nوهذه الثلاثة أقوال لأهل البصرة في تصحيح اللفظ على المعنى. وأما بعض الكوفيين فقالوا: الخبر عن ﴿الذين﴾ متروك لأن القصد إنما هو الإحبار عن أزواجهن. وقال الكسائي: التقدير يتربصن أزواجهم. وقال الأخفش: التقدير يتربصن بأنفسهن بعدهم، ويجوز ذلك.\nوقد اختلف في هذه الآية هل هي ناسخة أم لا؟ فذهب جماعة إلى أنها ناسخة لقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصية لأزواجهم متاعًا إلى الحول غير إخراج﴾ [البقرة: ٢٤٠] قالت أم سلمة: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشًا، ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبًا حتى تتم سنة، ثم تعطي بعرة فترمي بها، فأنزل الله تعالى ﴿متاعًا إلى الحول غير إخراج﴾. وكان لمرأة أن تسكن في بيت زوجها سنة وإن شاءت خرجت فاعتدت في بيت أهلها، ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر، فهذا","vol":"1","page":346},{"text":"القول في نسخ الحول بأربعة أشهر وعشر. وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما في قوله تعالى: ﴿وصية لأزواجهم متاعًا إلى الحول﴾ الآية: إنها منسوخة بآية الميراث بما فرض لهن من الثمن والربع. يريدون أنها كانت الوصية بالنفقة للأزواج في الحول واجبة بالآية، فنسخت بآية الميراث. وفي نسخ الحول بالأربعة أشهر وعشر نظر، لأن من حق الناسخ أن يكون بعد المنسوخ في الرتبة ولكنه جاء هذا قبل المنسوخ. والجواب عن هذا أن ترتيب الآيتين إنما جاء على الأصل فالآية المنسوخة إنما نزلت قبل الآية الناسخة وإنما طرأ هذا التقديم والتأخير في رتبة الكتب والقراءة خاصة.\nوذهب جماعة إلى أن هذه الآية ليست بناسخة لتلك.\nواختلفوا في التأويل، فذهب مجاهد إلى أن آية الآربعة أشهر وعشرًا لا تخرج فيها من بيتها فرضًا عليها، ثم جعل لها تمام الحول سبعة أشهر وعشرين ليلة، وصية لها، تصل إقامتها في العدة المتقدمة، إن شاءت أقامت، وإن شاءت خرجت وصية لها لقول الله تعالى: ﴿وصية لأزوجهم متاعًا إلى الحول غير إخراج﴾ الآية. فحصل له فائدتان في استعمال الآيتين ورأى ألا يسقط حكمًا من كتاب الله يمكنه استعماله ولا يتبين نسخه. وهذا قول لم يقله أحد من المفسرين غيره، ولا تابعه عليه أحد من فقهاء الأمة. وذهب قوم أيضًا إلى أن الآية ليست بناسخة، وإنما فيها نقصان من الحول كالنقصان من صلاة الحضر والسفر، فهو نقصان وليس بنسخ.","vol":"1","page":347},{"text":"وهذا القول مبني على أصل تنازع فيه الأصوليون. وهو نقص بعض الجملة هل هو نسخ للجملة أم لا؟ فذهب قوم إلى أنه نسخ وذهب آخرون إلى أنه ليس بنسخ، وفرق حذاق الأصوليين بين النقص الذي يغير حكم المنقوص منه حتى يرد ما كان عبادة مستعملة شرعية غير عبادة، وبين النقص الذي ليس كذلك، ورأوا في النقص الذي يغير حكم المنقوص منه نسخًا. وهذا عندي هو الصواب.\nوقد تضمنت هذه الآية أن المتوفى عنها تتربص أربعة أشهر وعشرًا، ولم يفرق بين حائل وحامل. فمن الناس من حمل الآية عليهما جميعًا، ومنهم من حملها على الحائل خاصة. وقال تعالى في سورة الطلاق: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] فذهب قوم من أهل العلم، إلى أن قوله: ﴿وأولات الأحمال أجلهن﴾ إلخ في الطلاق خاصة، لكون ما قبل الآية، وما بعدها إنما هو في المطلقات خاصة، فما بينهما كذلك لا مدخل للمتوفى عنها فيها.\nومنهم من قال: هي عامة في لمطلقة والمتوفى عناه، فكلا الآيتين على القول بتخصيص الآيتين أو عموم إحداهما وتخصيص الأخرى فلا تعارض بينهما. وبحسب هذه الاحتمالات. اختلف السلف، فمنهم من حمل آية البقرة على أن المراد المتوفى عنها الحائل، وآية الطلاق على أن المراد بها المطلقة خاصة، وأخذ حكم الحامل المتوفى عنها من حديث سبيعة الأسلمية التي نفست بعد وفاة زوجها بليال، فقال رسول الله ﷺ: «قد حللت، فانكحي من شئت» والحديث في «الموطأ» و«البخاري»","vol":"1","page":348},{"text":"و«مسلم». ومنهم من حمل آية البقرة على الخصوص في المتوفى عنها الحائل كما ذكرنا، وأبقى آية يورة الطلاق على العموم في المطلقة والمتوفى عنها الحامل فأخذ حكم المتوفى عنها الحامل من آية سورة البقرة، وعضد ذلك بحديث سبيعة الأسلمية. ومنهم من حمل آية البقرة على العموم في الحامل والحائل، وآية سورة الطلاق على الخصوص في المطلقة، وصح عنده حديث سبيعة، وهو خبر آحاد فخصص به ذلك العموم في الآية، وهذا قول النخعي. وفيه نظر لأن الأصوليين قد تنازعوا أيهما يقدم؟ هل عموم القرآن أو خبر الآحاد؟ ويعظم إشكاله عند من يرى التعارض بين العام والخاص، ويسلك سبيل النسخ لأن خبر الآحاد لا ينسخ به القرآن. ومنهم من حمل الآيتين معًا على العموم وجعل آية سورة الطلاق ناسخة لآية سورة البقرة في حكم الحامل والمتوفى عنها زوجها وعضد ذلك بحديث سبيعة.\nومنهم من ذهب إلى هذا القول بالعموم في الآيتين أو الثالث قبله وجمع على الحامل المتوفى عنها حكم الآيتين فقال: إنها تجلس معتدة أقصى الأجلين، وضع الحمل أربعة أشهر وعشرًا. فتحصل بهذا في الحامل المتوفى عنها قولان:\nأحدهما: أن عدتها وضع الحمل إلا أنه اختلف قائلو ذلك بالسنة أو بالكتاب.\nوالثاني: أن عدتها آخر الأجلين، وممن قال هذا علي -رضي الله","vol":"1","page":349},{"text":"عنه-، وابن عباس في إحدى الروايتين عنه. والقول الآخر قول أكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم.\nوفي الحامل قول ثالث: أن عدتها وضع حملها والطهارة من دم النفاس وهو قول مخالف لظاهر الكتاب والسنة. وممن قال به الحسن والشعبي. وأما المرتابة بحسن البطن، فتتربص إلى أقصى أمد الحمل في الوفاة والطلاق بإجماع.\nواختلف في الكتابية على قولين:\nأحدهما: أنها تستبرئ بثلاث حيض. وقيل إنها تستبرئ بحيضة.\nفإن قلنا عدتها أربعة أشهر وعشرًا فهي داخلة في عموم الآية. وأما الكتابية غير المدخول بها فيخرج القول فيها على هاتين الروايتين.\nإحداهما: أنه لا شيء عليها لبراءة رحمها.\nوالأخرى: أنها تعتد أربعة أشهر وعشرًا لأنها من الأزواج.\nوهذا الاختلاف مبني على الاختلاف في الكفار هل هم مخاطبون بشرائع الإسلام أم لا؟\nوأما المرتابة بتأخر الحيض، وهي التي يتأخر حيضها ففيها ففي المذهب ثلاثة أقوال:","vol":"1","page":350},{"text":"أحدهما: أنها تبرأ بأربعة أشهر وعشرًا.\nوالثاني: أنها تتربص إلى تمام تسعة أشهر.\nوالثالث: أنها تبرأ بأربعة أشهر وعشرًا إذا لم يأتها فيها وقت حيضتها بخلاف التي يأتيها فيها وقت حيضتها وتتأخر عنها. وأما المستحاضة ففيها قولان:\nأحدهما: أنها تبرأ بأربعة أشهر وعشرًا.\nوالثاني: أنها تبرأ بثلاثة أشهر.\nفعلى القول بأن المرتابة والمستحاضة عدتها أربعة أشهر وعشرًا يكون قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا﴾ الآية، عامًا لهما. وحجة لمن قال فيها بذلك. والتربص أربعة أشهر وعشرًا واجب على كل متوفى عنها من الحرائر سوى من ذكرنا مدخولًا بها كانت أو غير مدخول بها صغيرة أو كبيرة، والزوج المتوفى صغير أو كبير، حر أو عبد، مجبوب أو سليم لعموم قوله تعالى: ﴿والذبن يتوفون منكم ويذرون أزواجًا﴾ الآية. وذكر عن داود أن الصغيرة لا عدة وفاة عليها. وهذه الآية حجة عليه. لكن من المعتدات من تكون الأربعة أشهر والعشر لها عبادة لعلة. ومنهن ما هي لعلة، ومنهن من اختلف فيها. فأما التي جعلت الأربعة الأشهر والعشر لها عبادة لا لعلة فالصغيرة التي يؤمن عليها الحمل، والكبيرة التي يؤمن عليها الحمل أيضًا. وأما التي تكون الأربعة أشهر والعشر لعلة في حقها فالمدخول بها إلا أن ما زاد على ما تعلم به البراءة عبادة. وأما التي اختلف هل العدة المذكورة عبادة في حقها لا لعلة أو لعلة فالمرأة التي لم يدخل بها. ومثلها","vol":"1","page":351},{"text":"يحمل، فقيل: إنها عبادة لا لعلة، وقيل: إنها لعلة، والعلة في ذلك الاحتياط للزوج الميت إذ قد درج وانطوى بحجته فلعله لو كان لبين أنه اليمين، وإن لم يدع الورثة عليه أنه قد قبض أو وهب، بل لو أقر له الورثة بالدين ولم يريدوا أن يدفعوه إلا بحكم، لم يحكم له القاضي إلا بعد اليمين مخافة أن يطرأ وارث أو دين.\nوقال أبو الحسن: وقال الأصم: إن الآيات في عدة الوفاة وعدة الطلاق بالأشهر والأقراء عامة في حق الأمة والحرة فعدة الحرة والأمة سواء. وهذا المذهب جار على عمومات الكتاب إذ فرق فيها بين الحرة والأمة. والذي جعل الأمة على النصف من الحرة إنما اعتبره لأن حرمة الأمة دون حرمة الحرة. وهذا فيه ضعف، لأن العدة إنما هي لحق الزوج، وحق الزوج بالإضافة إلى الحرة والأمة سواء، وهذا بين، فإن صح الخبر عنه عليه ﷺ: «طلاق الأمة طلقتان، وعدتها حيضتان» ففيه متعلق وإلا فامتعلق ضعيف.\nوقد اختلف في التموفى عنها إذا لم تعمل بموت زوجها وبلغها الخبر.\nفقال جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء عدتها من يوم مات. وكذلك في الطلاق، إذا طلقها عدتها من يوم طلق. وقال أبو حنيفة في أحد قوليه: من يوم علمت. وقال علي بن أبي طالب، والحسن البصري: عدتها في الموت من يوم بلغعا الخبر بخلاف الطلاق. وقال عمر بن عبد العزيز: إن ثبت ذلك بالبينة، فالعدة من يوم الطلاق أو الموت. وإن ثبت بالسماع فالعدة من يوم السماع وقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا﴾ يدل على تعلق","vol":"1","page":352},{"text":"العدة بالموت. وكذلك قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ يدل على تعلق العدة بالطلاق. والتربص التأني بالشخص في مكان وعلى حال، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله: ﴿بأنفسهن﴾ وقد ثبتت الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ بالتربص على أي حال هو وفي أي مكان. فجاء عنه أن الحال التي تتربص عليها هي الإحداد وهو الامتناع من الزينة، وإن كان الحسن بن أبي الحسن لم ير الإحداد شيئًا. وقيل إنما تتربص على الزواج ولها الزينة والطيب. وهذا القول من الحسن أخذًا منه بظاهر الآية إذ لم يذكر فيها الامتناع من شيء ولكنه قول ضعيف ترده الآثار الصحاح. وجاء عنه ﷺ أن المكان حيث كانت وقت وفاة زوجها، وإن كان ابن عباس، وأبو حنيفة فيما روي عنهما لا يراعيان المكان ويقولان تعتد حيص شاءت. وهذا أحد قولي الشافعي. وقد روي نحوه عن مالك. وهو أيضًا أحذ بظاهر الآية إذ لم يقيد فيها التربص بمكان دون آخر، ولكنه قول ترده الآثار والمبينة للكتاب. وإسقاط الهاء من «عشرًا» يدل على اعتبار الليالي. واختلف هل يدخل فيهن اليوم العاشر أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه يدخل في ذلك اليوم العاشر لأن الأيام من الليالي. وذهب الأوزاعي إلى أن اليوم العاشر ليس من العدة، وبل تنقضي بتمام عشر ليال. وقيل المعنى، وعشر مدد كل مدة من يوم وليلة. وروي عن ابن عباس أنه قرأ «أربعة أشهر وعشر ليال».","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>(٢٣٥) - وقوله تعالى: ﴿ولاجناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾ الآية [البقرة: ٢٣٥]</span>.\nأي إذا كان الأصل النكاح على المقصد الحسن. وقال قوم: معناه لا طلب بجميع المهر عليكم، بل عليكم نصف المفروض لمن فرض لها والمتعة خاصة لمن لم يفرض لها. وقال حماد بن أبي سليمان: إذا طلقها ولم يكن دخل بها ولا فرض لها. وقال حماد بن أبي سليمان: إذا طلقها ولم يكن دخل بها ولا فرض لها، أجبر على صداق مثلها. وقال قوم: لا جناح عليكم معناه في أن ترسلوا الطلاق، في وقت الحيض، بخلاف المدخول بها. وهذا التأويل يساعد القول الأهر خلافًا لمن كره طلاقها وهو أشهب. وتقدير الآية: ما لم تمسوهن ولم تفرضوا. ودل على ذلك قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة﴾ [البقرة: ٢٣٧] وسبب من طلقها قبل أن يمسها «فأو» في الآبة بمعنى الواو مثل قوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ [النساء: ١٤٦] ونحو ذلك. وهذه الآية تعطي أن تسمية الصداق ليس من شرط صحة العقد، وجواز النكاح على التفويض، ولا خلاف فيه وإنما اختلفوا في نكاح التحكيم على ثلاثة أقوال، وإن كان نكاح التحكيم بمعنى نكاح التفويض، لأنه ليس في ذلك أكثر من تقدير الصداق في ثاني وقت، وكذلك التفويض. ولهذا ذهب جماعة إلى أنه","vol":"1","page":354},{"text":"جائز كالتفويض، وذهب جماعة إلى أنه ال يجوز ويفسخ قبل ويثبت بعد بصداق المثل. وذهب قوم آخرون إلى أن ذلك جائز إن كان الزوج هو المحكم، ولا يجوز إن كان المحكم غيره. وإذا قلنا إنه جائز كالتفويض، فلا خلاف أن الحكم فيه كالحكم في التفويض إن كان المحكم الزوج وحده. وأما إن كان المحكم غير الزوجين أو الزوجة وحدها أو مع سواها أو الزوج مع غيره ففي ذلك ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن الحكم في ذلك حكم نكاح التفويض لا يعتبر فيه إلا رضى الزوج.\nوالثاني: أن النكاح لا يلزم إلا بتراضي المحكم والزوج.\nوالثالث: أن المحكم ينزل منزلة الزوج في نكاح التفويض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>(٢٣٦) - وقوله تعالى: ﴿ومتعوهن على الموسع قدره ...﴾ الآية [البقرة: ٢٣٦]</span>.\nيعني أعطوهن شيئًا يكون متاعًا لهن، والمطلقات في الامتناع ثلاثة أقسام. مطلقة قبل الدخول وقبل التسمية، ومطلقة قبل الدخول وبعد التسمية، ومطلقة بعد الدخول وقبل التسمية أو بعدها. فأما المطلقة قبل الدخول وقبل التسمية فإن الله تعالى قد نص في هذه الآيةعلى امتناعها، فقال: ﴿لا جناح عليكم﴾ الآية إلى قوله: ﴿ومتعوهن﴾. واحتلف أهل العلم في هذا الأمر، أيحمل على الندب أم على الوجوب؟ فذهب به جماعة إلى الندب، وإن كانوا يرون الأمر على الوجوب. قالوا: لأنه حفت به قرائن صرفته عن الوجوب منها تخصيصه بها المحسنين بقوله: ﴿حقًا على المحسنين﴾ ولا يعلم المحسن من غير المحسن إلا الله تعالى. فلما علق تعالى المتعة بصفة لا يعلمها إلا هو دل على أن الله تعالى لم يوجب الحكم بها على الحكام إذ لم يجعل لهم طريقًا إلى تمييز المأمور بها من غيره. وقيل: للمطلق متع إن كنت من المحسنين، فإنها","vol":"1","page":355},{"text":"غير مقدرة ولا معلومة والفرائض لا بد أن تكون مقدرة ومعلومة. وذهب جماعة إلى أن حمل الآية على الوجوب ورأوا القضاء بالمتعة عامة في أولها وآخرها، لأن كل مؤمن محسن.\nوأما المطلقة قبل الدخول وبعد التسمية، فلأهل العلم فيها ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن إمتاعها ليس بواجب ولا مندوب إليه.\nوالثاني: أن إمتاعها واجب.\nوالثالث: أن إمتاعها مندوب إليه.\nوحجة القول الأول أن الله تعالى ذكرها عقب المطلقة قبل الدخول وقبل التسمية فأوجب لها نصف فريضة، ولم يأمر لها بالمتاع، فدل على أنه لم يجعل لها متاعًا لا واجبًا ول مندوبًا إليه. وهذا هو مذهب مالك.\nوحجة من أوجب لها المتاع، وعموم قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهنن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحًا جميلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] إذ لم يفرق بين أن يكون سمى لها صداقًا وعموم قوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقًا على المتقين﴾ وقال هي من المطلقات فوجب لها المتاع مع نصف الصداق كما أن للمدخول بها المتاع، مع جميع الصداق.","vol":"1","page":356},{"text":"وأما المطلقة بعد الدخول فلأهل العلم فيها قولان:\nأحدهما: إيجاب المتعة.\nوالثاني: الندب إليها وهو قول مالك وجميع أصحابه.\nوحجة من أوجب قوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقًا على المتقين﴾ قال: وكل مؤمن متق. فلا تخصيص في الآية.\nوقد اختلف في متعة هذه والتي طلقت قبل الدخول، وقبل التسمية أيهما أوجب؟ على أربعة أقوال:\nأحدهما: أنهما سواء في إسقاط الوجوب وهو مذهب مالك.\nوالثاني: أنهما سواء في ثبوت الوجوب، ووجوب الحكم بها.\nوالثالث: أن المتعة للمدخول بها أوجب لأن الله تعالى أوجب لها المتاع بغير لفظ الأمر المحتمل للوجوب والندب. فقال: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٤١] واستدل أيضًا من ذهب إلى هذا بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ الآية إلى قوله: ﴿أمتعكن﴾ [الأحزاب: ٢٨] فنص على إمتاعهن وهن مدخول بهن.\nوالرابع: أن المتعة للتي لم يدخل بها، ولم يسم لها أجب لأن الله تعالى نص على المتعة لها بالأمر بها. والأمر على الوجوب ولم ينص على المتعو للمدخول بها إلا في تخيير النبي ﷺ أزواجه وذلك حكم خص النبي ﷺ به دون المؤمنين بدليل إجماعهم أنه لا يجب على أحد أن يخير امرأته وإنما جعل الله لها المتعة لعموم ظاهر اللفظ في قوله: ﴿وللمطلقات﴾ وليس ما أوجبه بالظاهر والعموم كما نص عليه بالأمر الذي يقتضي الوجوب، ولكل قول منها حض من النظر وأبينها ما ذهب إليه مالك ﵀. واختلف في المخيرة والمملكة هلى لها متعة أم لا؟ على قولين في المذهب:","vol":"1","page":357},{"text":"أحدهما: عن مالك أن لها المتعة.\nوالثاني: عن ابن خويز منداد أن لا متعة لهما.\nوحجة من رأى لها المتعة ظاهر الآية لأنهما من المطلقات، ولعلهما لا يريدان الفراق. وحجة من لم ير لهما متعة أن المتعة إنما جعلت تسلية للمرأة عن فراق زوجها فلا متعة في كل فراق تختاره المرأة من غير سبب يكون للزوج في ذلك كامرأة العنين، والمجذوم، وتختار الفراق، وكالأمة تعتق تحت العبد، فتختار نفسها. قالوا والمرأة إذا اختارت فراق زوجها لم تشقق لذلك ولا حرنت، فلا يحتاج الزوج إلى تسليتها وتطييب نفسها.\nواختلف في المختلعة والملاعنة هل لها متعة أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا متعة لهما لما قدمناه من علة من لم يير المتعة للمخيرة والمملكة. وذهب قوم إلى أن المتعة لهما فكأنهم اتبعوا ظواهر الآي، فرأوا أنهما من المطلقات، ولعلهم لم يروا تلك العلة لازمة، والنكاح المفسوخ لا متعة فيه، فسخ قبل البناء بطلاق أو بغير طلاق أو طلق الزوج قبل الفسخ، لأن المراد بقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إذا طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن﴾ وبقوله: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ المطلقات بعد نكاح صحيح مباح. ويظهر من كلام ابن المواز ﵀ أن لها المتعة إذا طلق قبل الفسخ، وإن فسخ فلا متعة، وإذا لم يمتع الزوج، حتى ماتت المرأة ففي إيجاب المتعة عليه لورثتها قولان. وإذا قلنا إن المتعة إنما جعلها الله في مقابلة الأذى الحاصل بالفراق على وجه التسلية للمرأة المطلقة لم يكن للميتة متعة. وهذا أيضًا يقتضي ألا يكون للمملوكة إذا","vol":"1","page":358},{"text":"طلقت قبل الفرض والمسيس متعة لأن المتعة تكون لسيدها وهو لا يستحق مالًا في مقابلة أذى مملوكته بالطلاق. ولا اعلم أحدًا قال بذلك سوى الأوزاعي والثوري، فإنهما زعما أن المتعة في هذه الحالة. وليست المتعة بدلًا عن البضع فيحكم لها بحكم الصداق في الوجوب لأن المعتبر بها حال الرجل بنص كتاب الله قال تعالى: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾ [البقرة: ٢٣٦] فدل هذا على أنها ليست بدلًا عن البضع، وليست المتعة أيضًا عوضًا عن الصداق، ولأنه لو كان، ما صح الترغيب في متعة من تستحق والمهر والمسيس، والترغيب في الأحوال كلها فالإمتاع واحد. ففيما ذكرناه بطلان قول من زعم أن المتعة عوض عن الصداق، أو عن البضع.\nواختلف الناس في مقدار المتعة. فقال ابن عمر أدنى ما يجزي في المتعة ثلاثون درهمًا أو شبهها. وقال ابن حجيرة: على صاحب الديون ثلاثة دنانير. وقال ابن عباس: أرفعها خادم ثم كسوة، ثم نفقة. وقال عطاء: من أوسط ذلك درع وخمار وملحفة. وقال أصحاب الرأي وغيرهم: متعة الرجل الذي يطلق قبل الدخول والفرض نصف مهر مثلها لا غير. وهذه كلها أقوال [لا] يعضدها أصل. والذي تعضده ظواهر الآي أنه لا قدر للها وأنها على قدر عسر الرجل ويسره، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾ فهذا أقوى دليل على رفض التحديد وهو مذهب","vol":"1","page":359},{"text":"مالك ﵀. وفي هذه الآية دليل على أن المعتبر في قدرها إنما هو حال الرجل خاصة. وذكر بعض العلماء أن حال المرأة معتبر مع ذلك أيضا، واستدل على ذلك أيضا بقوله تعالي: ﴿بالمعروف﴾ ولأنه إن لم يعتبر ذلك لزم منه أن تكون متعة الشريفة والدنيئة سواء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>(٢٣٦) - وقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾ [</span>البقرة: ٢٣٦].\nأي لا حمل فيه ولا تكلف على أحد الجانبين، فهو تأكيد لقوله: ﴿على الوسع قدره وعلى المقتر قدره﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>(٢٣٧) - قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة﴾ </span>إلى قوله: ﴿حافظوا على الصلوات﴾ [البقرة: ٢٣٧، ٢٣٨] اختلف في هذه الآية هل هي ناسخة أم لا. والذين ذهبوا إلى أنها ناسخة اختلفوا في منسوخها. فذهب ابن المسيب إلى أنها نسخت الآية التي في الأحزاب لأن تمتع كل من لم يدخل بها. [ويعني بالتي في الأحزاب] قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ الآية [الأحزاب: ٤٩] وفي هذا القول نظر. وذهب قتادة إلى أنها نسخت الآية التي قبلها. وفي هذا التأويل أيضا نظر. والذين ذهبوا إلى أنها ليست بناسخة قالوا إنها مخرجة المطلقة بعد الفرض من حكم التمتيع إذ يتناولها عموم قوله تعالى: ﴿ومتعوهن﴾ وقال ابن القاسم: كان المتاع لكل مطلقة بقوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ ولغير المدخول بها في الآية في سورة الأحزاب فاستثنى الله تعالى","vol":"1","page":360},{"text":"المفروض لها قبل الدخول بهذه الآية وأثبت لها نصف ما فرض فقط. وقد تقدم من جمع بين الآيتين مرة للمطلقة قبل الدخول وقد فرض لها نصف الصداق بقوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ والمتعة بقوله: ﴿ومتعوهن﴾ وهذه الآية تدل على أن الصداق لا يجب بعقد النكاح وجوبًا مستقرًا، لأنه لو وجب وجوبًا مستقرًا ما سقط نصفه بالطلاق وإنما حاله مترقبة. وهذا القول أصح ما قيل في ذلك. وقد قيل إنه يجب جميعه بالعقد ونصفه الثاني بالدخول.\nوهذان القولان معترضان من أوجه. وأحق الأقوال بالصواب الأول، ومفهوم الآية يعضده.\nواختلف إذارخلا الزوج بزوجته خلوة بناء، ثم صدقته على أنه لم يطأ ماذا يجب لها من الصداق؟ فذهب مالك وجميع أصحابه إلى أنه ليس لها إلا نصف الصداق. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الخلوة الصحيحة توجب المهر كله، وطئ أو لم يطأ ادعته المرأة أو لم تدعه إذا لم يكن ثم مانع يمنع من الوطء من حيض ونحوه. وذهب ابن أبي ليلى، وعطاء إلى أن الخلوة توجب المهر، وإن كان ثم مانع. والآية ترد هذين القولين لأن الله تعالى قيد وجوب الصداق بالمسيس، فإذا لم يكن مسيس فلا يجب لها إلا نصف الصداق والخلوة غير مراعاة إلا مع التناكر.\nوحجة القول الثاني ما جاء عن عمر بن الخطاب -﵁- في قوله: إذا أرخيت الستور، فقد وجب الصداق. وهذا القول محتمل لتأويلين. واختلف الذين ذهبوا إلى أن الخلوة لا توجب الصداق فإذا اختلف الزوجان بعد الخلوة في المسيس، هل يصدق الزوج؟ أو الزوجة؟ وفرق","vol":"1","page":361},{"text":"مالك بين أن يكون الدخول بناء أو غير دخول بناء، ومن حجة من صدق الزوج في ذلك ظاهر الآية لأن الخطاب يها إنما هو للأزواج ولا يعلم ذلك إلا من قبلهم.\nواختلف الذين ذهبوا إلى أنه لا يجب لها جميع الصداق إلا بالوطء إذ خلا بها خلوة بناء وتلذذ بها وعجز عن الوطء على أربعة أقوال. فقال مالك: لها النصف إلا أن يطول مقامه معها، واستمتاعه بها، وتكون لها سنة كالمة كامراة العنين، فيجب لها الصداق. وقال ابن أبي سلمة: لها النصف وإن طال مقامه معها. وروي عن مالك: أن لها الجميع ولو لم يطل مقامه.\nوقال عمر: لها النصف وتعاض من تمتعه بها. والذي تقتضيه الآية أن لها النصف إذ المسيس هنا الجماع فما عدا الجماع على ذلك لا يعتبر.\nواختلف في المرأة تقبض صداقها فتشتري به ما يصلح لجهازها فيطلقها الزوج قبل البناء، بم يرجع عليها؟ فقال ملاك بنصف ما اشترت وقال أبو حنيفة والشافعي بنصف ما أخذت منه لا بنصف ما اشترت لقوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ ولم يقل ﷿ فنصف ما اشترت، وبه أخذ ابن المنذر. ولقول مالك وجه من النظر يبحث عليه في مظانه.\nواختلف في نكاح التفويض إذا طلقها قبل الدخول وقد فرض لها.\nفقيل: يكون لها نصفه ولا متعة، وهو قول مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا شيء لها مما فرضه. ولها المتعة، ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ ولا فرق أن يفرض في العقد وبعد العقد.","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>(٢٣٧) - قوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون﴾ [البقرة: ٢٣٧]</span>.\nهو استثناء منقطع لأن عفوهن من الأخذ ليس من جنس أخذهن والمعنى إلا أن يتركن النصف الذي وجب لهن على الزوج. والعافيات في هذه الآية كل امرأة تملك أمر نفسها.\nواحتلف في البكر التي لا ولي لها هل هي داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون﴾ أم لا؟ على قولين منصوصين وأما التي في حجر أب أو وصي فليست بداخلة في هذا العموم لأنها لا تصرف لها في مالها فيكون لها العفو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>(٢٣٧) - وقوله: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٧]</span>.\nاختلف في المراد بذلك فقال ابن عباس، مالك، والشافعي في قوله القديم وغيرهم: هو الأب في ابنته البكر والسيد في أمته فأجاز لهما العفو عن نصف الصداق بعد الطلاق كما جاءت الآية. واختلف المجيزون لعفو الأب في الأب إن أراد أن يعفو عن ذلك قبل الطلاق أيجوز أم لا؟ فلم يجز مالك، وأجازه ابن القاسم إذا كان نظرًا. وذكر بعض المتأخرين أنه يجوز له وضع البعض منه. وأما وضع الجميع فلا يجوز إلا على الطلاق.\nوحجة مالك أن الله تعالى إنما أجاز له الوضع وبعد الطلاق فلا يتعدى ذلك.\nوقد قيل: إن قول ابن القاسم تفسير لقول مالك. وأما الوصي وسائر الأولياء فلم يرهم مالك داخلين في عموم قوله: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٧] وروى ابن نافع عن مالك: أن الوصي في ذلك مثل الأب وقاله أصبغ. فعلى هذا يكون الوصي داخلًا تحت قوله تعالى: ﴿أو يعفة الذي بيده عقدة النكاح﴾ وأما شريح، وعكرمة فرأيا كل من بيده عقدة","vol":"1","page":363},{"text":"النكاح داخل الآية فأجاز شريح عفو الأخ عن نصف المهر. وقال أنا أعفو عن مهر بني مرة وإن كرهن. وقال عكرمة يجوز عفو الذي بيده عقدة النكاح كا عمًا، أو أخًا، أو أبًا وإن كرهن. ولا خلاف إن كان الولي سفيهًا في أنه لا يجوز عفوه. وذهبت فرقة إلى أن الذي بيده عقدة النكاح الزوج عفوه أن يدفع الصداق كاملًا وليس عليه غير نصفه قاله علي بن أبي طالب -﵁-، وابن عباس أيضًا وشريح رجع إليه، وسعيد بن جبير، أبو حنيفة، والشافعي في الجديد. وفائدة الخلاف أن من ذهب إلى أنه الزوج منع الأب من العفو على مذهب من ذكرنا. وهذا اللفظ يحتمل الوجهين المتأولين فيجب أن ينظر أقوى الوجهين في الاحتمال مما استدل به أصحاب الشافعي على أن المراد به الزوج أن قالوا: اللائق بالبيان هنا أنه إذا ذكر العفو من أحد الزوجين ذكره أيضًا من الزوج الآخر قالوا وقد قال تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا﴾ [النساء: ٤] فذكر تركه الصداق عليها، وتركها الصداق عليه. ومما استدلوا به أيضًا أن قالوا قد قال تعالى: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] وليس في هبة مال الغير إفضال منه على غيره. وذكروا أيضًا أدلة أخرى لا تقوم بشيء منها حجة. ولمالك من قال بقوله في الآية أدلة:\nأحدها: أن ابتداء الخطاب بقوله: ﴿وإن طلقمتوهن﴾ للأزواج وقوله: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٧] كناية للغائب فيجب أن","vol":"1","page":364},{"text":"يكون المراد به غير من ووجه بالخطاب، وإذا ثبت ذلك لم يبق إلا ما قالوه في الولي.\nوالثاني: أن قوله ﴿الذي بيده عقدة النكاح﴾ يفيد أن يكون بيده في الحال والزوج ليس بيده بعد الطلاق شيء.\nوالثالث: أن حقيقة العطف عوده على المعطوف عليه في الشيء الذي أريد بالعطف. وقد ثبت أن قوله: ﴿إلا أن يعفون﴾ المراد به النصف الواجب للمطلقات يسقطنه عن الزوج. فلما عطف بحرف ﴿أو﴾ كان حقيقته عفوًا عن ذلك النصف في الثيب أو ولي البكر. ومن حمله على الزوج على العفو عن نصف آخر، وذاك خلاف الظاهر.\nوالرابع: أن في حملها على ما قلنا سلامتها من التكرار وحملها على الزوج تكرار، لأنه قد ثبت توجه الخطاب إليه بالعفو بقوله: ﴿وأن تعفو أقرب للتقوى﴾ الآية [البقرة: ٢٣٧].\nوالخامس: أن الله تعالى ندب العفو في كلا الطرفين فندب الأزواج بقوله: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ الآية [البقرة: ٢٣٧] ولم يفصل لأنهم يملكون أنفسهم، ثم ندب النساء، كن ينقسمن إلى ثيبات يملكن أمر أنفسهن، ولا حجر عليهن وإلى أبكار يولى عليهن. خاطب الثيب بإقاع العفو منهن، وامتنع في الأبكار، فعدل إلى أوليائهن المالكين لأمورهن، وهم الآباء ومتى جعلناه للأزواج كان الأبكار في حيز من ندب إلى العفو، وهذا الاحتجاج لعبد الوهاب. والعفو عن نصف الصداق إذا كان دينًا على الزوج بين التوجه، وإن كان الصداق عقارًا أو عينًا معينة فلا يتحقق معنى العفو فيه ولكن العفو فيه بمعنى تمليكه إياه بغير عوض والعفو التساهل، يقال: كان الأمر عفوًا أي سهلًا. قال الشافعي: ففي هذا","vol":"1","page":365},{"text":"دليل على جواز هبة المشاع فيما ينقسم لإباحة الله تعالى تمليك نصف الصداق المفروض الثابت بعد الطلاق، ولم يفرق بين ما كان منه عينًا أو دينًا أو يحتمل القسمة وما لا يحتملها، فوجب اتباع عموم الآية في جواز هبة المشاع خلافًا لمن لا يجيزه. وقد اعترض أصحاب مالك في تفسير هذه الآية فإن الذي بيده عقدة النكاح هو الاب. فقيل: كيف جاز للأب أن يعفو عن نصف الصداق وهو ملك غيره؟ ولو جاز أيضًا له أن يتصرف في مالها بالهبة والصدقة والعتق، ونحو ذلك. والجواب عن هذا أن الصداق مخالف لما ذكر من قبل، أن للأب أن يجبرها على العقد، وله أن يرفع العقد بخلع يوقعه، كذلك لأن يدفع ما وجب لها بالعقد إذ هو الموقع له، وله في ذلك حض. ويؤخذ من هذه الآية أيضًا إذا ثبت أن الذي بيده عقدة المكاح هو الأب أن له أن يجبر ابنته البكر على النكاح خلافًا لمن رأى أنه ال يزوجها إلا بإذنها، وهو أبو حنيفة، لأن الله تعالى قد جعب ذلك بيد الأب، فلو جعلنا فيه للبنت إذنًا بكنا قد جعلنا ذلك بيدها، وذلك خلاف ما تقتضيه الآية. وكذلك البكر الصغيرة التي لم تبلغ داخلة في هذا الحكم للأب أن يجبرها على النكاح باتفاق إلا من شذ. واختلف في الأب هل له أن يزوج ابنته البكر بأقل من صداق امثالها، فمنع ذلك الشافعي وأجازه مالك ومن تابعه قياسًا على وضع نصف الصداق.\nوقوله تعالى: ﴿وأن تعفو أقرب للتقوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] اختلف في المراد به فيقيل جميع الناس، وقيل المراد به النساء الجائزات الأمر والذي بيده عقدة النكاح. وقرئ «وأن يعفو أقرب للتقوى» بالياء وذلك راجع إلى الذي بيده عقدة النكاح.","vol":"1","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>(٢٣٨) - (٢٣٩) قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات﴾ إلى قوله: ﴿والذين يتوفون منكم﴾ [البقرة: ٢٣٨، ٢٣٩]</span>.\nهذه الآية أمر الله تعالى فيها بالمحافظة على إقامة الصلوات، في أقاتها بجميع شروطها. وذكر تعالى الصلاة الوسطى ثانية وقد دخلت في عموم الصلوات، لأنه قصد تشريفها وإغراء المصلين بها وقد قرئت: «والصلاةَ الوسطى» بالنصب على الإغراء، واحتلف الناس في هذه الصلاة على ثمانية أقوال:\nفذهبت فرقة إلى أنها الصبح، وأن لفظ «وسطى» يعطي الترتيب لأن قبلها صلاتي الليل، يجهر فيهما وبعدهما صلاتا النهار، يسر فيهما وهو قول مالك، وجماعة من أهل العلم.\nوقالت فرقة: هي صلاة الظهر، وهو قول زيد بن ثابت، ورفع فيها حديثًا عن النبي ﷺ. واحتج قائلو هذا بأنها أول صلاة صليت في الإسلام فهي وسطى بذلك أي فضلى، وليس هذا بالتوسط في الترتيب.\nويدل لذلك ما قالت حفصة وعائشة حين أملتا ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ صلاة العصر.\nوقالت فرقة: هي صلاة العصر لأن قبلها صلاتي نهار وبعدها صلاتي","vol":"1","page":367},{"text":"ليل. وفي مصحف عائشة: «والصلاة الوسطى - وهي صلاة العصر» وفي إملاء حفصة: «والصلاة الوسطى - وهي صلاة العصر» فيتأول فيه أنه عطف إحدى الصفتين على الأخرى وهما شيء واحد. وروي عن ابن عباس أنه قرأ: «والصلاة الوسطى - صلاة العصر» على البدل. وروي هذا القول عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ. قال ﷺ يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا» وقال البراء بن عازب: كنا نقرأ على عهد رسول الله ﷺ «حافظوا على الصلوات وصلاة العصر» ثم نسخها الله تعالى فقرأنا ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ فقال له رجل: فهي العصر؟ قال: قد أخبراتك قال: كيف قرأناها وكيف نسخت. وروى أبو مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «الصلاة الوسطى صلاة العصر».","vol":"1","page":368},{"text":"وقال قبيصة بن ذؤيب: «الصلاة الوسطى صلاة المغرب» لأنها متوسطة في عدد الركعات ليست ثنائية ولا رباعية.\nوقالت فرقة: الصلاة الوسطى صلاة العشاء الأخيرة.\nوقالت فرقة: الصلاة الوسطى لم يعينها الله تعالى لنا فهي في جملة الخمس غير معينة كليلة القدر في ليالي العشر جعل الله تعالى ذلك لتقع المحافظة على الجميع.\nوقالت فرقة: الصلاة الوسطى صلاة الجمعة فإنها وسطى أي فضلى أي وسكى لما خصت به من الجمع والخطبة وجعلت عيدًا.\nوقال بعض العلماء: الصلاة الوسطى المكتوبات الخمس وقوله أولًا: ﴿على الصلوات﴾ يعم الفرض والنفل، ثم خص الفرض بالذكر.\nوقال المازري: يضعف قول من قال إنها الجمعة بأن المفهوم من الأمر المحافظة عليها من أجل المشقة فيها، والجمعة صلاة واحدة في سبعة أيام فلا مشقة فيها في الغالب. وكذلك يضعف قول من قال: إنها جميع الصلوات، لأن أهل الفصاحة لا يذكرون شيئًا مفصلًا ثم يشيرون إليه مجملًا. وإنما يصنعون عكس ذلك. والوسط إما أن يراد به التوسط في الركوع والسجود أو في العدد والزمان. فأما الركوع فإن حكم الصلاة فيه","vol":"1","page":369},{"text":"واحد فهذا القسم لا يراعى فيه للاتفاق عليه. وأما إن راعينا العدد فإنه يؤدي إلى أنها المغرب، وإن راعينا الزمان كان الصحيح أنها إحدى صلاتين إما الصبح وإما العصر، فأما الصبح فإنا قلنا ما بين الفجر إلى طلوع الشمس ليس من النهار ولا من الليل كانت هي الوسطى لأنها الظهر والعصر من النهار والعشاء والمغرب من الليل قطعًا، ووقت المغرب مشترك بين الوقتين فهو وسط وعلى القول لأن ذلك الزمان من النهار يكون الأظهر أن الوسطى العصر لأن الصبح والظهر يسبقان العصر والمغرب والعشاء يتأخران عن العضر فهي إذًا وسط بينهما. وقد احتج أصحابنا بانها الصبح بالمشقة اللاحقة في إتيانها. وقال من ذهب إلى أنها العصر، أن العصر أيضًا كانت تأتي وقت اشتغالهم بمعاشهم، فكانت تشق عليهم فأكد أمرها. يؤيد أن أرجح الأقوال قول من زعم أنها الصبح أو العصر قول النبي ﷺ: «من صلى اليردين دخل الجنة» قيل: المراد بها الصبح والعصر. وقال يعقوب: البردان: الغداة والعشاء. قلت: فعلى ما تقدم يأتي في الوقت من طولع الفجر إلى طلوع الشمس قولان:\nأحدهما: أنه ليس من الليل ولا من النهار.\nوالثاني: أنه من النهار.\nوفيه قول ثالث: أنه من الليل، وعليه يأتي قول من أجاز الأكل بعد طلوع الفجر في الصوم.\nواختلف في الوتر فعندنا أنها سنة مؤكدة، وعند أبي حنيفة أنها","vol":"1","page":370},{"text":"واجبة وليست بفرض. وعنه رواية أخرى أنها فرض. ودليلنا قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ فلو كانت الوتر واجبة لكانت ستًا ولا وسط للست.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>(٢٣٨) - وقوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]</span>.\nمعناه في صلواتكم. واختلف في هذه الآية هل هي ناسخة أم لا؟\nفذهب السدي إلى أنها ناسخة. ومعنى ﴿قانتين﴾ ساكتين، وهذه الآية نزلت في المنع من الكلام في الصلاة، وكان ذلك مباحًا في صدر الإسلام. وقال عبد الله بن مسعود: كنا نتكلم في الصلاة ونرد السلام، ويسأل الرجل صاحبه عن حاجته. قال: ودخلت يومًا والنبي ﷺ يصلي بالناس، فسلمت عليه، فلم يرد السلام فاشتد ذلك علي. فلما فرغ ﷺ، فقال: «إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أنه أمرنا أن نقوم لله قانتين، لا نتكلم في الصلاة».\nوقد اختلف في ترك الكلام في الصلاة هل هو سنة أو فريضة؟ على قولين في المذهب، والظاهر أنه فرض، والحجة لهذا قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ والأمر للوجوب. وقد أجمع الناس على أن الكلام في اصلاة عمدًا إذا لم يكن لإصلاحها يفسدها إلا الأوزاعي فإنه قال: من تكلم في الصلاة لإحياء نفس أو لمثل ذلك من الأمور الجسام لم تفسد صلاته بذلك ويمضي عليها. وقال بعضهم عنه: ومثل ذلك لو رأى","vol":"1","page":371},{"text":"ذيبًا يثب على غنم ونحو ذلك. ولزم اللخمي على المذهل نحو قول الأوزاعي. وعموم الأمر بالسكوت في الآية والنهي الوارد عن النبي ﷺ في ذلك يرد هذا إلا أن يخصص بدليل واضح.\nوأما الكلام في الصلاة لإصلاحها في نحو قصة ذي اليدين حين سلم النبي ﷺ من اثنتين، وتكلم ثم رجع إلى الصلاة وأتمها.\nفاختلف في ذلك اختلافًا كثيرًا. فروى ابن القاسم عن مالك: أن ذلك جائز في تلك القصة المروية وغيرها، فيخصص على عموم الأمر بالسكوت، وعموم النهي عن الكلام وبهذا الخبر، ومن أصحاب مالك من قال: لا يجوز ذلك إلا في قصة ذي اليدين خاصة إذا سلم الإمام من اثنتين، وإذا سلم من واحدة أو ثلاثة، أو منع غير ذلك، فلا يجوز التكلم ولو في إصلاح الصلاة، فخصص من قال ذلك العموم بالحديث ولم يقس عليه.\nوقال ابن كنانة من أصحاب مالك: إن ذلك لا يجوز بوجه لا في قصة ذي اليدين ولا فيما أشبهها.\nواختلفوا في تأويل قصة ذي اليدين فمنهم من رآها خاصة بالنبي ﷺ، ومنهم من رآها منسوخة بالآية والحديث. وضعف أبو عمر النسخ. وبنحو قول ابن كنانة قال أبو حنيفة والشافعي: أنه لا","vol":"1","page":372},{"text":"يجوز الكلام عمدًا لإصلاح الصلاة. وتأول أصحاب الشافعي الحديث على أن النبي ﷺ إنما تكلم وهو يرى أنه في غير الصلاة. وتكلم من تكلم معه من أصحابه، وهو يرون أن الصلاة قصرت فلم يتكلموا وهو يرون أنهم في صلاة. ومنهم من قال لم يتكلموا، وإنما أومؤوا «أي نعم»، فعبر عنه بالقول وروي في ذلك حديث.\nوأما الكلام سهوًا فلا يبطل الصلاة عند مالك والشافعي خلافًا لأبي حنيفة، والحجة عليه حديث ذي اليدين فإنه ﷺ تكلم ساهيًا. واختلف فيمن تكلم جاهلًا يظن أن الكلام في الصلاة جائز فقيل: تفسد صلاته لأنه متعمد، وقيل: تصح لأنه تأول في أصل حكم الصلاة. وقال سعيد بن المسيب يجوز رد السلام في الصلاة. وخالفه الجمهور، ورآه كلامًا عمدًا يبطل الصلاة لعموم الآية ومخالفته لنص الحديث. وأما رده إشارة للجائز فليست بكلام خلافًا لأبي حنيفة في أنه لا يرد إشارة. والذين ذهبوا إلى أنها ليست بناسخة اختلفوا في معناها، فقال قوم: ﴿قانتين﴾ مطيعين قاله الشعبي وغيره. وقال مجاهد: معنى ﴿قانتين﴾ خاشعين. وقال قوم: القنوت الدعاء. واستدل القاضي أبو محمد على أن الصلاة الوسطى صلاة الصبح بقوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ والقنوت لا يكون إلا في صلاة الصبح.\nفأشار إلى أن المراد بذلك القنوت الذي يكون في صلاة الصبح. وفيه إصبات القنوت في الفجر خلافًا لمن يجيزه فيه وفي القنوت في الوتر اختلاف","vol":"1","page":373},{"text":"كثير. وقال الربيع: القنوت طول القيام والركوع والانتصاب له. قلت يؤخذ أيضًا من هذه الآية أن القيام ركن من أركان الصلاة، وشرط في صحتها مع القدرة عليه ولا خلاف في ذلك إلا خلافًا شاذًا حكاه اللخمي.\nوروى عمران بن جصين قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ فقال: «صل قائمًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» فخص بهذا الخبر من عموم الآية بحديث عائشة في «الموطأ» جواز القعود في التنفل مع القدرة على القيام.\nفخص بذلك الآية أيضًا على قول من زعم أنها تتناول الفرض والنفل، وبقيت عامة في المستطيعين للقيام في الفريضة فعلى هذا قول النبي ﷺ: «صلاة القاعد، على النصف من صلاة القائم» إنما ينبغي أن يحمل إما على صلاة الفرض مع عدم الاستطاعة على القيام، أو على صلاة النفل مع الاستطاعة أو عدمها خلافًا لما حكاه ابن حبيب عن ابن الماجشون من أن الحديث فيمن يستطيع أن يصلي قائمًا والقعود أرفق به قال: فأما من أقعده المرض في مكتوبة أو نافلة، فإن صلاته قاعدًا مثل صلاته قائمًا في الثواب وخلافًا للقاضي ابن إسحاق في قوله: إن الحديث في النوافل خاصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>(٢٣٨) - قوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا﴾ [البقرة: ٢٣٨]</span>.\nأمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحالى قنوت، وهو الوقار والسكينة وهذا على الحالة الغالبة في الأمن والطمأنينة، ثم ذكر تعالى حالة الخوف الطارئة أحيانًا، فرخص لعبيده في الصلاة رجالًا منصرفين على الأقدام، وركبانًا على الخيل ونحوها إيماء بالرؤوس حيثما توجه وإن كانوا في حال","vol":"1","page":374},{"text":"مسايفة. هذا قول جمهور أهل العلم، وقال أبو حنيفة: لا تجوز الصلاة حال المسايفة، ويؤخرون إلى الأمن والآية حجة عليه.\nوقوله تعالى: ﴿فإن خفتم﴾ يقتضي أنواع الخوف، خوف عدو يتبعه، أو خوف سبع يطلبه، أو خوف سيل يحمله. وبالجملة، فكل أمر يخاف منه على وجه يبيح ما تضمنت هذه الآية وزفرق مالك بين خوف العدو، وخوف السبع ونحوه، بأن استحب في غير خوف العدو والإعادة في الوقت إن وقع الأمن. وقال المغيرة من أصحاب مالك فيمن صلى على ابته خوفًا من العدو، ويعيد ما دام في الوقت.\nويحتمل أن يتأول قوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم﴾ على ذلك أي إذا أمنتم في الوقت فأعيدوا الصلاة، وأكثر فقهاء الأمصار أن لا إعادة، وهو الأظهر من الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>(٢٣٩) - قوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم فاذكروا الله﴾ الآية [البقرة: ٢٣٩]</span>.\nاختلف المتأولون فيها فقالت فرقة: المعنة فإن زال خوفكم فاذكروا الله بالشكر على نعمه في تعليمكم هذه الصلا التي وق عبها الإجزاء ولم تفتكم صلاة من الصلوات. وهذا هو الذي لم تكونوا تعلمونه. وقالت فرقة: وإذا كنتم آمنين قبل أو بعد فكأنخ قال فمتى كنتم في أمن فاذكروا الله","vol":"1","page":375},{"text":"أي صلوا الصلاة التي علمتموها وهي التامة. وقال مجاهد: معنى قوله: ﴿فإذا أمنتم﴾ إذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>(٢٤٠) - قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجًا وصية لأزواجهم﴾ [البقرة: ٢٤٠]</span>.\nمعنى هذه الآية، أن الرجل إذا مات، كان لزوجه أن تقيم في منزله سنة، وينفق عليها من ماله، وذلك وصية لها. واحتلف العلماء ممن هذه الوصية فقالت طائفة: كانت وصية من الله تعالى تجب بدع وفاة الزوج.\nقال قتادة: كانت المراة إذا توفى عنها زوجها فلها النفقة والسكنى جولًا في مال زوجها ما لم تخرج برأيها، ثم نسخ ما في هذه الآية من النفقة بالربع أو بالثمن الذي في سورة النساء، ونسخ سكنى الحول الأربعة الأشهر والعشر.\nوقالت فرقة: بل هذه الوصية من الأزواج كانوا قد ندبوا أن يوصوا للزوجات بذلك فيتوفون على هذا القول، معناه: يقاربون الوفاة ويحتضرون، لأن الميت لا يوصي. وهذا القول أيضًا لقتادة والسدي. وقال السدي: إلا أن العدة كانت أربعة أشهر وعشرًا، وكان الرجال يوصون بسكنى سنة ونفقتها ما لم تخرج، فلو خرجت بعد انقضاء العدة الأربعة الأشهر والعشرة سقطت الوصية، ثم نسخ الله تعالى ذلك بنزول الفرائض، فأخذت ربعها أو ثمنها ولم يكن لها سكنى ولا نفقة، وصارت لاوصايا لمن لا يرث. وقيل","vol":"1","page":376},{"text":"الناسخ لهذه الوصية قوله -﵇-: «لا وصية لوارث» وهذان القولان لمن زعم أن الآية منسوخة. وقال الطبري عن مجاهد: إن هذه الآية محكمة لا عدة فيها، والعدة قد ثبتت أربعة أشهر وعشرًا، ثم جعل الله تعالى لهن وصية منه سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قوله تعالى: ﴿غير إخراج﴾ الآية [البقرة: ٢٤٠] وقد تقدم القول على هذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>(٢٤١) - قوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقًا على المتقين﴾ [البقرة: ٢٤١]</span>.\nاختلف في هذه الآية فقال أبو ثور: هي محكمة، والمتعة لكل مطلقة: دخل بها أو لم يدخل، فرض لها أو لم يفرض بهذه الآية. وقال الزهري لكل مطلقة متعة والأمة يطلقها زوجها وقال ابن القاسم: جعل الله المتعة لكل مطلقة بهذه الآية، ثم استثننى في الآية الأخرى التي فرض لها ولم يدخل بها فأخرجها من المتعة. وزعم زيد بن أسلم أنها نسختها.\nقال بعض المؤلفين في التفسير: ففر ابن القاسم من لفظ النسخ إلى لفظ الاستثناء. والاستثناء لا يتجه في هذا الموضع بل هو نسخ محض كما قال زيد بن أسلم. وإذا التزم ابن القاسم أن قوله: ﴿وللمطلقات﴾ عم كل مطلقة لزم القول بالنسخ ولا بد. وهذا كلام من لا يفهم معنى العموم والخصوص، ولا وقف على ما للعلماء فيه من الأقاويل. وإنما أراد ابن القاسم أنه فيه تخصيص فسماه استثناء، فلا اعتراض فيما قاله. وقال عطاء بن أبي رباح وغيره هذه الآية في الثيب اللواتي قد جومعن إذ قد تقدم في غير هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن. وقال ابن زيد: هذه الآية نزلت","vol":"1","page":377},{"text":"مؤكدة لأمر المتعة لأنه قد نزل قبل ﴿حقًا على المحسنين﴾ فقال رجل: فإن لم أرد أن أحسن لم أمتع. فنزلت ﴿حقًا على المتقين﴾ فوجب ذلك عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>(٢٤٣) - قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت﴾ الآية [البقرة: ٢٤٣]</span>.\nقيل: إنهم فروا من الطاعون وقالوا نأتي أرضًا لا موت فيها فأماتهم الله، فمر عليهم نبي فدعا الله تعالى فأحياهم. ويروى أنهم ماتوا ثمانية أيام. وقيل: إنهم أحيوا بعد أن نتنوا، وكانوا من بني إسرائيل فتلك الرائحة توجد فيهم إلى يومنا وقيل: إنهم فروا من القتال فأماتهم الله، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد. فقال: وقاتلوا في سبيل الله. وقد كره قوم الفرار من الطاعون والوبار والأراضي السقيمة. واستدلوا بهذه الآية، وقد اشتهر حديث عمر -ضي الله عنه- في خروجه إلى الشام مع أبي عبيدة، ورجوعه من أجل الوباء، واختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك عليه.\nوما رواه عبد الرحمن بن عوف من قول رسول الله ﷺ: «إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه» فقيل: إن عمر -﵁- رجع عنه بحديث عبد الرحمن. وقيل: إنما حدثه بعد أن كان قد عزم على الرجوع بما أشار به عليه مشيخة الفتح. وقال بعضهم: نهي النبي ﷺ عن القدوم عليه والفرار منه نهي أدب وإرشاد من ناحية قوله -﵇-: «لا يرد الممرض على المصح، وليحل","vol":"1","page":378},{"text":"المصح إن شاء». لئلا يقع بنفسه إن قدم عليه فأصابه قدر أنه لم يقدم علسه لنجا منه. وأما إن قدم عليه موقنًا بالقدر فهو مأجور على ذلك. وإن خالف النهي لأنه ليس بنهي تحريم، قال فعلى هذا هو مخير. وقد قيل سئل مالك عن ذلك في «جامع العتيبة» فقال: إن شاء قدم عليه وذكر الحديث قال: وكذلك الخروج عنه جائز إلا أنه مكروه لمخالفة الحديث والمقام أفضل للحديث والاستسلام للقدر. وقد روى الزهري أن عمرو بن العاص حين أصاب الناس طاعون بالجابية قام بينهم فقال تفرقوا عنه فإنما هو نار. فقام معاذ فقال: لقد كنت فينا وأنت أضل من حمار أهلك سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هو رحمة لهذه الأمة» اللهم اذكر معاذًا فيمن تذكره في هذه الرحمة. فمات في طاعون عمواس.\nوروي عن عمرو أنه قال: إنه رجس فتفرقوا عنه فقال شرحبيل بن حسنة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه رحمة ربكم ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم فلا تفرقوا عنه» وأراد بقوله: «دعوة نبيكم» قوله ﷺ: «اللهم اجعل فناء أمتي بالطعن والطاعون» ووجه ما ذهب إليه عمر هو مخالفة أن يصيب الإنسان بالمقام قدر فيقول القائل لو خرج لنجا فيحصل على هذا في الأفضل من القدوم على الوباء أو الخروج عنه أو ترك ذلك","vol":"1","page":379},{"text":"بعد القول بأنه لا إثم ولا حرج في شيء من ذلك ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن الأفضل أن يقدم وإلا يخرج وهو مذهب من أشار على عمر -﵁- أن يقدم لأنه إذا رأى القدوم عليه فأحرى ألا يرى الخروج عنه.\nوالثاني: ألا يقدم وأن يخرج عنه وهو مذهب عمر -﵁-.\nوالثالث: الأفضل ألا يقدم عليه، وألا يخرج عنه على حديث عبد الرحمن وهو أرجح الأقوال.\nقال أبو الحسن: ولا نعلم خلافًا أن الكفار، وقطاع الطريق إذا قصدوا بلدة ضعيفة، لا طاقة لأهلها بهم أن لهم أن يتنحوا من بين أيديهم، وإن كانت الآجال لا تزيد ولا تنقص.\nومن هذا مسألة العدو يأخذ مركبًا فيه المسلمون فيلقون أنفسهم في البحر فررًا من العدو وطمعًا في النجاة، وقد اختلف في ذلك بالجواز والكراهة.\nومن هذا النوع عندي الفرار وقت الزلزلة فانظره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>(٢٤٧) - قوله تعالى: ﴿إن الله قد بعث لكم طالوت ملكًا﴾ الآية [البقرة: ٢٤٧]</span>.\nدلت على أن الإمامة لا تؤخذ بالوراثة عن بيت النبوة أو بيت","vol":"1","page":380},{"text":"المملكة وإن ذلك إنما يستحق بالعلم والقوة. وذكر الجسم هنا كناية عن فضل القوة لاقتران فضل القوة زيادة الجسم ولم يرد به عظم الجسم بلا قوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>(٢٤٩) - قوله تعالى: ﴿فمن شرب منه فليس مني﴾ الآية [البقرة: ٢٤٩]</span>.\nذكر أبو بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة أن ذلك يدل على أن الشرب من النهر إنما هو الكرع فيه ووضع الشفة عليه لأنه كان حظر الشرب فيه إلا من اغترف غرفة بيده، وهذا يدل على أن الاغتراف ليس بشرب وهو تصحيح لقول أبي حنيفة فيمن قال إن شربت من ماء الفرت فعبدي حر أنه محمول على أن يكرع فيه، وأنه إذا اغترف منه أو شرب بإناه فإنه لا يحنث. وهذا بعيد لأن الله تعالى إنما أراد من شرب [من] ماءه وأكثر فقد عصى، ومن اغترف غرفة بيده فأقنعه لم يكن عاصيًا فهجموا على النهر بعد عطش شديد، فوقع أكثرهم في النهر وأكثروا الشرب منه. فبان بذلك ضعف نيتهم وأنهم يجبنون على لقاء العدو، وأطاع قوم قليل عددهم، فلم يزيدوا على الاغتراف، فبان صبرهم وامتثالهم للأمر، وهو استثناء متصل، وعلى ما قالوه هو استثناء منقطع، وحمله على الاتصال أولى ما أمكن. وهذا الذي ذكره أبو الحسن ﵀ في الاستثناء إنما هو إذا رد الاستثناء إلى قوله تعالى: ﴿فمن شرب منه فليس مني﴾ وأما إ، رد إلى قوله: ﴿ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ فلا يكون إلا منفصلًا. وقد استدل بعضهن بقوله: ﴿ومن لم يطعمه﴾ أن الماء طعام لا يصح بيعه إلا بما يصح","vol":"1","page":381},{"text":"به بيع الطعام. والرواية المشهورة عن مالك أنه ليس بطعام وأنه يجوز بيعه بالطعام نقدًا وإلى أجله وبيعه قبل قبضه وبيع بعضه ببعض متفاضلًا يدًا بيد، ونسيئة وهو قول الشافعي. والأول قول أبي حنيفة ولا حجة في الآية لأن الطعام فيها بمعنى الذوق وإثبات الطعم له أو نفيه عنه لا يثبت له أنه طعام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192><span data-type=\"title\" id=toc-193>(٢٥٦) - قوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾ [البقرة: ٢٥٦]</span></span>.\nالدين هنا المعتقد والنية بدليل قوله: ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ [البقرة: ٢٥٦]. والغي أكثر اسستعمالهما في الدين. وقد اختلف الناس في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة فالذين ذهبوا إلى أنها منسوخة اختلفوا فقال بعضهم: كان رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين لا يكره أحدًا في الدين فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم فاستأذن الله تعالى في قتالهم فأذن له فالآية على هذا القول مكية منسوخة بآية السيف. وقال السدي: نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو حصين كان له ابنان فقدم تجار الشام إلى المدينة يجملون الزيت. فلما أرادوا لرجوع أتاهم ابنا أبي حصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصروا وذهبا معهم إلى الشام، فأتى رسول الله ﷺ مشتكيًا أمرهما، ورغب في أن يبعث رسول الله ﷺ من يردهما فنزلت الآية ﴿لا إكراه في الدين﴾ ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل مكة. وقال: «أبعدهما الله هما أول من كفر» فوجد أبو الحصين في نفسه على رسول الله ﷺ حين لم يبعث في طلبهما فأنزل الله ﷿: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ [النساء: ٦٥] ثم إنه نسخ الإكراه في الدين فأمر بقتال أهل","vol":"1","page":382},{"text":"الكتاب في سورة براءة. فالآية على هذا مدنية منسوخة. والذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها. فقال قتادة وغيره: هذه الآية خاصة في أهل الكتاب الذين يبذون الجزية عن يد وهم صاغرون قالوا وأما العرب أهل الأوثان فلا يقبل منهم لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو السيف، فليسوا بداخلين تحت الآية وإنما المراد بها من يجوز أخذ الجزية منهم وهو أهل الكتاب فعلى هذا القول يكره مشركو العرب على الإسلام دعوا إلى إعطاء الجزية أم لا، فإن أبوا فالسيف. وهذا القول يأتي على مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وابن جبيب في مشركي العرب، وأما على مذهب مالك الذي يرى قبول الجزية منهم فأنهم داخلوان في الآية ولا يكرهون إذا أدوها. وأما قريش والمرتدون فباتفاق أنهم ليسوا بداخلين في هذه الآية على هذا التأويل لأنه لا يجوز أن تؤخذ الجزية منهم باتفاق فيسلمون أن يقتلون باتفاق.\nوأما أهل الكتاب فباتفاق أنهم داخلون في الآية على هذا [القول]، بل التأويل لأنه لا خلاف في وجوب قبول الجزية منهم، إلا أني رأيت بعض أشياخ [أهل] زماننا يقول: الإمام مخير في أخذ الجزية من اليهود والنصارى إذا بذلوها ورضوا بالذمة فالإمام مخير على قوله ألا يقبلها. ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف حكاه عن بعض أشياخه. ومما احتج به هذا القائل حديث النبي ﷺ عن عيسى ابن مريم -﵇- أنه ينزل","vol":"1","page":383},{"text":"فيكسر الصليب ويضع الجزية قال: وهو لا يأتي إلا بشريعة محمد -﵇-، فلولا أنه في شريعة محمد -﵇- أن الإمام مخير لما جاز له أن لا يقبلها ولو كان قبولها منهم واجبًا إذا بذلوها لما جاز له أن يضعها، ولا يأخذها منهم. وهذا قول غريب لا يتجه إلا على القول الأول إن الآية منسوخة. وأما الاحتجاج بالحديث فيضعف لاحتمال أن قوله «يضع الجزية» أن يريد وضعها عليهم حتى لا يبقى منهم أحد إلا تحت الجزية. ويحتمل أن يريد ويسقطها ولا يرضى منهم إلا يالإسلام. وحكى ابن حزم الإجماع على أنه تحرم دماؤهم إذا بذلوا الجزية، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩] وكان النبي ﷺ إذا بعث إلى قتالهم، أمر أن يدعوا إلى الإسلام فإن أجابوا، وإلا دعوا إلى الجزية، فإن أجابوا وإلا فالسيف. والمجوس مثلهم لأنه ﷺ قال: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» وهم أهل كتاب على قول، فلا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية باتفاق على ذلك القول.\nوقوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾ [البقرة: ٢٥٦] لفظه لفظ الخبر ومعناه النهي، فإن أكره أحد ممن ذكرنا أنه لا يكره على الإسلام فهل ينعقد إسلامه ولا يكون عنه رجوع أم لا؟ ففيه في المذهب قولان، والشافعي يقول لا يصح إسلامه، وأبو حنيفة يقول يصح ويحكم به. والخلاف في المسألة مبني على أن النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ فإذا قلنا","vol":"1","page":384},{"text":"إنه يدل على الفساد فليس إسلامهم بإسلام، وإذا لم يكن كذلك فكأنهم لم يسلموا فلهم الرجوع إلى ما كانوا عليه، وإن قلنا إنه يدل على الصحة كا قال بعضهم، فالإسلام منعقد تام، فإن رجع عنه قتل، وإن قلنا إنه لا يدل لا على فساد، ولا على صحة كما يذهب إليه المحققون من الأصوليين، فليس في الآية على شيء من ذلك دليل.\nوقد وقعت هذه المسألة في زمن الفتنة عندنا بالأندلس، وقد كتب إلى أبي -﵁- بعض ولاة الكور فأجابه بأنههم لا يمكنون من الرجوع عن الإسلام. وقال ابن عباس وغيره: إنما نزلت هذه الآية في قوم من الأوس والخزرج كانت المرأة منهم إذا كانت مقلاتًا لا يعيش لها ولد تجعل على نفسها إن جاءت بولد أن تهوده، فكان من بني النضير جماعة على هذا النحو، فلما أجلى رسول الله ﷺ بني النضير قالت الأنصار: كيف نصنع بأبنائنا إذ فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه. وأما إذا جاء [الله] بالإسلام فنكرههم عليه فنزلت: ﴿لا إكراه في الدين﴾ الآية.\nوبهذا قال الشعبي ومجاهد: إلا أنه قال كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>(٢٥٩) - قوله تعالى: ﴿لبثت يومًا أو بعض يوم﴾ الآية [البقرة: ٢٥٩]</span>.\nاستدل بعضهم بهذا على أن من قال في شيء كان لم يكن وهو يعتقد","vol":"1","page":385},{"text":"صحة ذلك أنه لا يكون كذبًا لأنه أخبر عما عنده فكأنه قال عندي إني لبثت يومًا أو بعض يوم وقد كان لبث مئة عام. ومثله قول أصحاب الكهف ﴿لبثنا يومًا أو بعض يوم﴾ [الكهف: ١٩] وكانوا لبثوا ثلاثمائة ةتسع سنين ولم يكونوا كاذبين لأنهم أخبروا عما عندهم. ومثله قوله -﵇- في قصة ذي اليدين «كل ذلك لم يكن» وفي الناس من يقول إنه كذب على حد حقيقة الكذب لكنه لا مؤاخذة فيه فعلى هذا يجوز أن يقال الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- لا يعصمون عن الإخبار عن الشيء خلاف ما هو عليه إذا لم يكن عن قصد، كما لا يعصمون عن السهو والنسيان. وهذا على قول الأشعرية، والأول على قول المعتزلة فإن عندهم ليس بكذب لأنهم يشترطون في حد الكذب أنه الإخبار عن الشيء على ما ليس هو به عن عمد وقصد إليه، ودليل قوله -﵇-: «من تعمد على كذبًا فليتبوأ مقعده من النار» يرد عليهم لأنه يدل على أن ما لم يتعمد يقع عليه اسم الكذب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>(٢٦٧) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آموا أفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]</span>.\nاختلف المتأولون هل المراد بهذا الإنفاق الزكاة المفروضة [أو التطوع فقال علي بن أبي طالب وغيره: هي الزكاة المفروضة]. ونهى الناس عن إنفاق الرديء فيها بدلًا عن الجيد. وأما التطوع فكما أن للمرء ألا يتطوع بقليل، فكذلك له أن يتطوع بنزر في القدر ودرهم زائف خير من تمرة، فالأمر على هذا القول فإنه الزكاة المفروضة على الوجوب. وأما البراء بن عازب [وقتادة] والحسن بن أبي الحسن، فظاهر أقوالهم أن الآية","vol":"1","page":386},{"text":"في التطوع. وروى البراء وعطاء أن الأنصار كانوا أيام الجذاذ يعلقون أفناء التمر في حبل بين اسطوانتين في المسجد، فيأكل من ذلك فقراء المهاجرين، فعلق رجل حشفًا، فرآه رسول الله ﷺ فقال بيده: «بئس ما علق هذا» فنزلت الآية. فالأمر على هذا على الندب.\n[وقال أبو الحسن: الأمر على الفرض والنفل من طريق الندب والوجوب، وإن كان الأمر أظهر من جهة الوجوب إلا أن يقال أن الآية على الندب] فمن هذا الوجه يظهر أن يقال هو أولى بالوجوب، ومن جهة أخرى وهو أنه في النفل يجوز أداء القليل والكثير والجيد والرديء.\nوقوله تعالى: ﴿ولستم بآخذيه﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧].\nيؤكد الاختصاص بالواجب، فإن مثل هذا إنما يذكر في الديون إذا تسامح طالبها فيها فقبل الرديء، والزكاة دين الله على عباده، فلا يقبل منه الرديء إلا مسامحة وعلى إغماض، فالأمر على هذا القول على الندب. وإن كان في الزكاة المفروضة، وكذلك ندبوا أن لا يتطوعوا إلا بجيد مختار. وكل من ذكرنا قوله في الآية، قالوا يعني من طيبات ما كسبتم يعني من جيد ما كسبتم ومختاره وجعلوا الخبيث بمعن الرديء والرذالة. وخالف في ذلك ابن زيد","vol":"1","page":387},{"text":"وقال معناه من حلال ما كسبتم، وجعل الخبيث الحرام. فعلى التأويل الأول في الآية يجب على الإنسان إذا كان له من التمر أو الحب ما تجب فيه الزكاة أن لا يتعمد إخراج الرديء منه في الزكاة فإن كان ماله المزكى كله جيدًا فقيل: إنه يخرج منه وقيل: إن له أن يأتي بوسط من ذلك ولا يخرج منه.\nوالروايتان عن مالك. ووجه القول الأول قوله تعالى: ﴿من طيبات ما كسبتم﴾ [البقرة: ٢٦٧] وإن كان كله رديئًا، فقد اختلف فيه فذهب الجمهور إلى أنه يخرج منه وليس عليه غير ذلك. وقال عبد الملك: إن كان رديئًا كله لم يؤخذ منه وكلف صاحبه أن يخرج من غيره. الروايتان عن مالك أيضًا. وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿من طيبات ما كسبتم﴾ فقيد بالطيب من الكسب فإذا لم يكن في الكسب طيب، فليس عليه سواه. وإنما أمر الله تعالى بذلك من وجد كسبًا طيبًا فأخرج رديئًا كما كانوا يفعلون في ذلك الوقت. وقد تتأول هذه الآية على مذهب عبد الملك فقال: المراد بها أنفقوا من الطيبات من أي نوع تكسبونه كان الطيب من ذلك النوع المكسوب او لم يكن. والتأويل الأ، ل أحدهما. وإن كان هذا سائغًا وإذا كان الجيد والرديء متساويين في القدر أو أحدهما أكثر من الآخر، فروى ابن القاسم عن مالك أنه يخرج من الوسط.\nوروى أشهب عنه أنه قال يخرج من كل شيء بقدره.\nوقوله تعالى: ﴿ما كسبتم﴾ [البقرة: ٢٦٧].\nمعناه كما كانت لك فيه سعاية، إما بتعب بدن أو مناولة بتجارة والموروث داخل في هذا لأن غير الوارث قد كسبه لأن الضمير في ﴿كسبتم﴾ إنما هو لنوع الإنسان والمؤمنين.","vol":"1","page":388},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: ٢٦٧].\nيعني النباتات المعادن والركاز وما ضارع ذلك. وقد اختلف الناس فيما تجب فيه الزكاة من الثمار والحبوب بعد اتفاقهم على وجوبها في أربعة أشياء: الحنطة والشعير، والتمر، والزيت. فقالت فرقة: لا صدقة إلا في هذه الأربعة، وهو قول الحسن وابن سيرين.\nوقالت فرقة: لا صدق إلا فيها وفي السلت، وهو قول ابن عمر.\nوقالت فرقة: لا صدقة إلا في ستة أشياء الخمسة المتقدمة مع الذرة، وهو قول النخعي. وذهبت فرقة إلى إيجاب الصدقة في الثمار والنخل والكرم والحبوب كلها. وهذا قول الجمهور ومالك ومن تابعه. ثم عن مالك على ما تأول بعضهم ثلاثة أقوال:\nأحدها: [أن] الزكاة تجب في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والسلت، والأرز، والدخن، والذرة، والقطاني.\nوالثاني: أنها تجب في كل ما كان من الحبوب يؤكل، ويدخر، ويختبز. فعلى هذا لا تجب زكاة القطانية لأنها لا تختبز إلا في الشدائد، وليس ذلك الشأن فيها.\nوالثالث: أنها تجب في كل حب يأكله الناس ويدخر، وعلى هذا لا يقتصر على ما جاء عنه في القول الأول، والذي ذكرنا بل تجب على كل بلد في كل حب يأكله الناس مقتاتًا أصلًا للعيش. فمن ذلك التين قال ابن القصار: يرجح فيه قول مالك وإنما تكلم على بلده، ولم يكن التين","vol":"1","page":389},{"text":"عندهم إلا مجلوبًا فأما بالشام وغيرها ففيه الزكاة. قال بعضهم وكذلك بالأندلس وعموم الآية حجة لمن يرى الزكاة في جميع ذلك.\nواختلف في سائر ما أخرجته الأرض من غير الحبوب والثمار هل فيها صدقة؟ فقيل: إن فيها الصدقة حتى أن في عشرة دساتج بقل دستحة بقل. وهو قول النخعي على اختلاف عنه في ذلك. وقال أبو حنيفة في كل ما أخرجت الأرض الزكاة إلا الحطب والعشب والقصب والتين، وقصب الذرة والسكر. وقال ابن حبيب من أصحاب مالك: فيما أخرجت الأرض من الخضروات والفواكه الزكاة. وذهب الجمهور مالك ومن تابعه إلى أنه لا يجب في شيء من ذلك زكاة. وحجتهم ما تواتر من عمل أهل المدينة في ذلك. ومن حجة النخعي، ومن رأى الزكاة في شيء من ذلك عموم قوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: ٢٦٧]. والجمهور على نفي الزكاة فيه لأن العموم عندهم مخصص بقول النبي ﷺ: «ليس في الخضروات صدقة» وتخصيص العموم بخبر الواحد مختلف فيه. قال أبو الحسن: وقد احتج قوم لأبي حنيفة في قوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ على أن ذلك عموم في قليل ما تخرجه وكثيره وفي سائر ما تخرجه","vol":"1","page":390},{"text":"الأرض. وهذا بعيد فإن المراد بيان الجهات التي يتعلق حق الله تعالى بها، وليس ذكر النصاب فيها مقصودًا ولا بيان ما لا زكاة فيه. وفي الخل والعسل خلاف هل فيهما زكاة أم لا؟ فمن رأى الزكاة فيهما وهو أبو حنيفة اتبع عموم ظاهر الآية ولم يخصص فمن رأى الزكاة فيهما رآهما مخصصين من العموم. وأحسب أني رأيت في البغال والحمير والعبيد خلافُا. ومن اكترى أرضًا فزرعها فعلى المكتري زكاة ما تخرجه الأرض إذا بلغ خمسة أوسق خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن العشر على رب الأرض.\nودليلنا قوله تعالى: ﴿من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: ٢٦٧] فكان على الزارع.\nوقوله تعالى: ﴿ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ [البقرة: ٢٦٧].\nاختلف في تأويله، فقال ابن عباس والبراء وغيرهما: معناه بآخذيه في ديونكم وحقوقكم عند الناس إلا بأن تتساهلوا في ذلك وتتركون من حقوقكم وأنتم تكرهون، فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم. وقال الحسن: معنى ذلك ولستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع إلا أن يهضم لكم من ثمنه. وقال البراء أيضًا: المعنى لستم بآخذيه ولو أهدي لكم إلا أن تستحيوا من المهدي. وقال ابن زيد: المعنى: ﴿ولستم بآخذيه﴾ أي الحرام إلا أن تغمضوا في مكروهه.","vol":"1","page":391},{"text":"قوله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي ...﴾ إلى قوله: ﴿لا تظلمون﴾ [البقرة: ٢٧١، ٢٧٢].\nتضمنت هذه الآية أن إخفاء الصدقات مطلقًا أفضل. واختلف هل المراد بها الفرض أم التطوع؟ أم جميعًا؟ فذهب الجمهور إلى أن المراد بها التطوع وقال ابن عباس: صدقة التطوع في السر أفضل من صدقة العلانية بسبعين ضعفًا. وصدقة الفريضة في العلانية أفضل من السر بخمسة وعشرين صعفًا. وعلى هذا القياس تجري جميع الفرائض والنوافل. وذهب قوم إلى أن المراد بالآية فرض الزكاة وما تطوع به قالوا فكان الإخفاء أفضل في مدة النبي -﵇- ثم ساءت ظنون الناس بعد ذلك، فاستحسن العلماء إظهار الفرض لئلا يظن بأحد المنع. وقيل: إنها صدقة الفرض.\nوكان يزيد ابن [أبي] حبيب يأمر بقسم الصدقات في السر ويقول: إنما نزلت في الصدقة على اليهود والنصارى. وهذان القولان الأخيران ضعيفان لما حكاه الطبري من الإجماع على أن الإظهار في الواجي أفضل، وقد كره ربيعة إظهار جميع أعمال البر، واحتج بالآية المتقدمة، وأجاز مالك ذلك دون كراهة إذا كان أوله لله وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لأنه لا يستطاع التخلص منه. وقد قال تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعم هي﴾ فأثنى على إظهارها، وإن كان كتمانها خيرًا أو إذا أثنى الله على شيء لم يكره، ومن هذا صلاة النافلة في رمضان، فقال مالك ﵀: قيام الرجل بها في بيته فرادى أفضل، خلافًا للشافعي في قوله إن القيام بها في","vol":"1","page":392},{"text":"المساجد أفضل. وفي الآية حجة لمالك ﵀ لأن الله تعالى إنما نبه بالصدقات على جميع أعمال البر فإذا كان عمل البر السر في الصدقة أفضل فهو في صلاة النافلة أفضل أيضًا. وتضمنت الآية أن الصدقة حق للفقير أيضًا.\nوقوله تعالى: ﴿ليس عليك هداهم﴾ الآية إلى قوله: ﴿يوف إليكم﴾ [البقرة: ٢٧٢].\nاختلف في سبب الآية، فقال ابن جبير: سببها أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة، فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله ﷺ: «لا تتصدقوا على فقراء أهل دينكم» فنزلت الآية فنسخت الصدقة على من ليس من دين الإسلام. وقيل أُتي النبي ﷺ بصدقات فجاءه يهودي فقال: أعطني. فقال النبي ﷺ: «ليس لك من صدقات المسلمين شيء» فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت الآية فنسخت ذلك المنع. وروى ابن عباس: أنه كان ناس من الأنصار قاربات في بني النضير وقريضة. وكانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم في أن يسلموا إذا احتاجوا فنزلت الآية.\nوقال بعضهم: إن أسماء بنت أبي بكر الصديق -﵄- أرادت أن تصل جدها أبا قحافة، ثم امتنعت من ذلك لكونه كافرًا فنزلت الآية. [وذكر الطبري أن مقصد النبي ﷺ بمنع الصدقة إنما كان","vol":"1","page":393},{"text":"ليسلموا] وظاهر سياق الآية دليل على أن المراد بالآية الصدقة عليهم وإن لم يكونوا على دين الإسلام. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا﴾ [الإنسان: ٨] والأسير في دار الإسلام لا يكون إلا مشركًا. ومثله قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن بروهم وتقسطوا إليهم﴾ الآية [الممتحنة: ٨] فظواهر الآيات يقتضي جواز صرف الصدقات إليهم جملة إلا أن النبي ﷺ خص منها الزكاة المفروضة بقوله -﵇- لمعاذ: «خذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم». فاتفق جمهور العلماء على أن الزكاة المفروضة لا تصرف إليهم. ورأى أبو حنيفة ما عدا زكاة المال يجوز صرفها إليهم مثل صدقة الفطر نظرًا إلى عموم الآيات في البر وإطعام الطعام. ورأى غيره أن صدقة الفطر مخصوصة أيضًا من ذلك العموم بقوله ﷺ: «أغنوهم عن الطلب في مثل هذا اليوم» وظاهر ذلك أنه لتشاغلهم بالعيد وصلاته، وذلك لا يتحقق في المشركين. على أن قوله تعالى لنبيه -﵇-: ﴿ليس عليك هداهم﴾ [البقرة: ٢٧٢] غير ظاهر في الصدقات وصرفها إلى الكفار بل يحتمل أن يكون معناه ليس عليك هداهم ابتداءً. ومن أهل العلم من حمل العمومات المذكورة على ظاهرها ولم ير فيها تخصيصًا، فأجاز","vol":"1","page":394},{"text":"إعطاء الذمي من جميع الصدقات فرضها وتطوعها. وتحصل من هذا أنه لا خلاف في جواز إعطاء الذمي من صدقة التطوع واختلف في غير التطوع.\nوفي قوله تعالى: ﴿إن تبدو الصدقات فنعما هي﴾ الآية [البقرة: ٢٧١]. دليل على أن لرب المال تفريق الصدقة بنفسه وهو أحد قولي الشافعي، وهذا الاستدلال إنما يصح بأن الآية يراد بها الفرض.\nقوله تعالى: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ إلى قوله: ﴿إلحافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣].\nقال كثير من المفسرين إن اللام تتعلق بقوله: ﴿وما تنفقوا من خير﴾ [البقرة: ٢٧٢] وعلى هذا يحتمل أن تكون اللام بمعنى على، فيكون التقدير على الفقراء، ويحتمل أن يكن ﴿للفقراء﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿تنفقوا﴾ كأنه قال وما تنفقوا باذلين ومتطوعين، ويجوز أن يكون في موضع الصفة لخير كأنه قال من خير مصنوع للفقراء. وقال بعضهم هو على إضمار فعل تقديره أعطوا للفقراء وهو تقدير ضعيف. وفي قوله: ﴿الذين احصروا﴾ قولان:\nأحدهما: أن المعنى أحصرهم فصل الجهاد فمنعهم من التصرف.\nوالثاني: أحصرهم عدوهم أي شيء لشغلهم بجهادهم. ومعنى ﴿أحصروا﴾ صاروا إلى أن حصروا أنفسهم للجهاد كما تقول رابط في سبيل الله. وقال بعضهم: كان أصحاب الصفة عند مسجد رسول الله ﷺ، قد أحصرهم الفقر. والصفة والسقيفة وقال ابن جبير: هم قوم أخذتهم جاحات فلزمتهم الزمانة. وقال مجاهد وغيره: الآية يراد بها فقراء","vol":"1","page":395},{"text":"المسلمين بل المهاجرين. وهذا وإن كان كما قال فمجملها على العموم في كل من كانت صفته على هذا أولى لأنه لفظ عام ورد على سبب وفيه خلاف بين الأصوليين.\nقوله تعالى: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾ [البقرة: ٢٧٣] يريد بالجاهل، الجاهل بهم.\nوقوله: ﴿تعرفهم بسيماهم﴾ [البقرة: ٢٧٣].\nاختلف في السيما ما هي؟ فقال السدي: أثر الفاقة والحاجة. وقال ابن زيد: رثاثة الثياب. وقال مجاهد: التواضع والخشوع. وهذه الأقوال على جهة التمثيل، فكل ما تعرف به أحوالهم، فهو داخل تحت قوله ﴿تعرفهم بسيماهم﴾. قال بعضهم: وهذه الآية تدل على أن اسم الفقير يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة، ولا يمنع ذلك من إعطائه الزكاة. وهذا مما اتفق العلماء عليه، بل قد قال مالك: يعطى من الزكاة من له مسكن وخادم ولا فضل فيهما. وقال ابن شعبان عن أبي حنيفة أنه: يعطى من له دار وخادم ويساويان عشرة آلاف. وقاله الثوري. وفي «الموطأ» أن رسول الله ﷺ قال: «أعطوا السائل وإن جاء على فرس» وهذا يدل على","vol":"1","page":396},{"text":"أن الفقير اسم ثابت لكل من عدم الفضل على ما لا بد له منه بحسب حاله. والآية على ما قدمت من تقرير تدل على ذلك. وقال بعضهم: هذه الآية ترد قول من قال: إنه ل يجب أن يعطى من الصدقة من عنده ما يواري به عورته ويسد به جوعه. وهذا قول شاذ.\nوقد اختلفوا في القدر الذي يخرج به الفقير من اسم الفقر إلى اسم الغنى حتى لا تحل له الزكاة، فقيل: من كانت له كفاية بمال وإن كانت دون نصاب للحديث: «من سأل منكم وله أوقية أو عدلها، فقد سأل إلحافًا». وقد يكون للرجل أكثر من نصاب ولا كفاية له. وروي عن الشافعي، وذكر الباجي نحوه عن الشيخ أبي بكر. وقيل: هو من له نصاب، وهو قول عبد الملك. وذكربعضهم عن الشافعي أنه اعتبر في ذلك قوت سنة. وعن مالك ﵀ أنه اعتبر أربعين درهمًا. وقال الثوري وأحمد: خمسون درهمًا.\nوالأظهر من هذه الأقوال على ظاهر الآية اعتبار الكفاية لأن الله تعالى قد أباح لهؤلاء الفقراء المهاجرين المذكورين في الآية أخذ الصدقات ولا بد أن لهم كسوة وسلاحًا ودوابًا.\nوقد اختلف هل يعطى الفقير نصابًا أم لا؟ وظاهر الآية الجواز إذ لم يخص من النفقة يسيرًا من كثير لهذا قلنا: إن من كان في الزو لا يعكى من الزكاة إلا أن يكون فقيرًا [أي] في الموضع الذي هو فيه غاز وهو","vol":"1","page":397},{"text":"ظاهر الآية لأن الله تعالى قد سمى فقراء الغزاة من المهاجرين فقراء فبذلك الدليل يجب إذا شرط في الغزاة الفقر بموضعهم وحينئذ يعطون من الزكاة خلافًا لمن قال يعطى من الزكاة وإن كان غنيًا في موضع الغزو وتعلقًا بظاهر قوله -﵇-: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز» الحديث. واحتج بعضهم بهذه الآية، على أن القوي الصحيح في بدنه إذا لم يكن له شيء فقير تحل له الزكاة لأن قوله تعالى: ﴿لا يستطيعون ضربًا في الأرض﴾ [البقرة: ٢٧٣] يدل على أنهم ذوو مرة أقوياء. وقد أباح لهم تعالى أخذ الصدقة خاصة وقوله -﵇-: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيحطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلًا فيسأله» الحديث. يدل على هذا المعنى لأنه لا يقدر على الاحتطاب إلا ذو المرة القوي. ولم يحرم عليه المسألة، وذهب الآخرون إلى الأخذ بقوله -﵊-: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذيمرة سوي» [وجعلوا الصحة كالغنى، وهو قول الشافعي، وإسحاق، والقولان في","vol":"1","page":398},{"text":"المذهب]. وقوله -﵇-: «ولا لي مرة سوي» قال الطحاوي: إنما هذل في الصحيح الذي يقصد التكثر بما يأخذ. واحتج بعضهم أيضًا على أن الفقير أسوأ حالًا من المسكين بقوله تعالى: ﴿للفقراء الذين احصروا في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٧٣] وبقوله تعالى ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ [الكهف: ٧٩] قال أبو الحسن: ولما قال تعالى: ﴿تعرفهم بسيماهم﴾ دل على أن المراد بالسيما حال من يظهر عليه، حتى إذا رأينا ميتًا في دار الإسلام وعليه زنار وهو غير مختون، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ويقدم [ذلك] على حكم الدار في قول أكثر العلماء. ومثله قوله تعالى: ﴿فلتعرفنهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول﴾ [محمد: ٣٠].\nوقد اختلف عندنا في المذهب إو وجد المذكور مختونًا ففي «كتاب» ابن حبيب: أنه لا يصلي عليه لأن النصارى قد يختتنون. وقال ابن وهب: يصلي عليه.\nقوله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافا﴾ [البقرة: ٢٧٣].\nاختلف المفسرون فيه، فقيل: يسألون ولا يلحفون، وقيل: إنهم لا يسألون أصلًا، أي لا يكون منهم سؤال فيكون منهم إلحاف كما قال:\nعلى لاحب لا يهتدي بمناره ... . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"1","page":399},{"text":"واستدل على صحة هذا التأويل بوصفه تعالى لهم بالتعفف، وبقوله -﵊-: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذ يلا يجد غنى يعينه، ولا يتفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس» والحديث في «البخاري» واحتج من قال بالتأويل أيضًا: «ولكن المسكين الذي ليس له غنى ويستحيي، ولا يسأل الناس إلحافًا» قال: والمسألة بغير إلحاف جائزة للمضطرين يدل على ذلك قوله -﵊-: «من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا» فدل هذا على أنه من لم تكن له أوقية فهو غير ملحف ولا ملوم، وهو متعفف. وقال الطحاوي: هذا حديث منسوخ بقوله: «من سأل وله خمس أواق فقد سأل إلحافًا». فجعل هذا حدًا لمن تحل له الصدقة ومن لا تحل له وقد تقدم الكلام على هذا المعنى.\nقوله تعالى: ﴿الذين يأكلون الربا﴾ الآية إلى قوله: ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٧٩]. الربا الزيادة، وعلته ما كانت العرب تفعله من تأخير الدين بزيادة\nفيه فيقول أحدهم لغريمه: أتفضي أم تربي؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال ويصبر الطالب عليه.\nوقوله تعالى: ﴿يأكلون الربا﴾ أي يكسبون الربا ويفعلونه. وخصت","vol":"1","page":400},{"text":"لفظة الأكل لأنها أقوى مقاصد الإنسان في المال ولأنها دالة على الحرص والجمع، فأقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الكسب لكه فاللباس والسكنى والادخار والإنفاق على العيال وغير ذلك كله داخل تحت قوله: ﴿الذين يأكلون﴾.\nوقوله: ﴿ذلك بأنهم قالوا﴾ الآية.\nمعناه عند جميع المتأولين وأنه قول تكذيب للشريعة ورد عليها، والآية كلها في الكفار المربيين نزلت، ولهم قيل: ﴿فله ما سلف﴾ ولا يقال ذلك لمؤمن عاص، ولكن يؤاخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد الآية.\nوقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾ الآية [البقرة: ٢٧٨].\nسبب نزولها أنه كان الربا بين الناس كثيرًا في ذلك الوقت وكان بين قريش وثقيف ربا، فكان لهؤلاء على هؤلاء، فلما فتح رسول الله ﷺ مكة قال في خطبته في اليوم الثاني من الفتح: «ألا كل ربا كان في الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب» فبدأ رسول الله ﷺ بعمه وأخص الناس به، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة واستعمل عتاب بن أسيد على مكة، فلما استنزل أهل الطائف بعد ذلك إلى الإسلام اشترطوا أن كل ربا لهم على الناس فإنهم يأخذونه، وكل ربا عليهم وهو موضوع عنهم فيروى أن رسول الله ﷺ قرر لهم هذه، فردها الله بهذه الآية","vol":"1","page":401},{"text":"كما رد طلحة لكفار قريش رد النساء عليهم في عام الحديبية. وذكر بعضه أن رسول الله ﷺ أمر أن يكتب في أسفل الكتاب لثقيف «لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم» فلما جاءت آجال ربائهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء، وكانت الديون لبني عنزة، وهم بنو عمرو بن عمير بن ثقيف على بني المغيرة المخزوميين. فقال بنو المغيرة: لا نعطي شيئًا، فإن الربا قد وضع. ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد بمكة، فكتب إلى رسول الله ﷺ، فنزلت الآية. فكتب بها رسول الله ﷺ إلى عتاب، فعلمت به ثقيف، فكفت. وأصل الربا في اللغة الزيادة إلى أن الشرع أثبت زيادات جائزة وحرم أنواعًا من الزيادات ولكن إطلاق اللفظ يقتضي تحريم كل زيادة إلا ما خصه الشرع.\nوقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة: ٢٧٨].\nيقتضي جواز ما لا زيادة فيه إلا ما خصه الشرع أيضًا. وقد اختلف الأصوليون في قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ هل هو عام أو مجمل؟ والذي اختاره أكثر الفقهاء أنه عام. ثم اختلفوا فمنهم من قال: هو من العموم الذي لا خصوص فيه، ولا يدخله الخصوص لأنه لا بيع إلا وهو حلال. أي أن البيوع الفاسدة لا يطلق عليها اسم البيع شرعًا إلا مجازًا فهي غير داخلة تحت قوله: ﴿وأحل الله البيع وأجازوا أن يطلق عليها اسم البيع لغة. ومنهم من قال: هو من العموم الذي أريد به الخصوص. واختلف أهل هذه الطريقة فمنهم من يجعله فيما أريد به من ذلك من حيز العموم. ومنهم","vol":"1","page":402},{"text":"من يجعله من حزيز المجمل. والأظهر أنه عام محمول على ظاهره إلا ما قام الدليل على خروجه منه. وإن تخصيص بعضه ليس بمانع من التعلق به، ولا موجب لاحتماله. وهذا هو الصحيح. وقد جاءت أخبار في النهي عن بيوع مخصوصة أتفق الناس على تخصيص الآية بنهيها كنهيه ﷺ عن بيع الغرر، وبيع حبل الحبلة، وبيع الملامسة والمنابذة، وبيع الحصاة، وبيع المضامين والملاقيح ونحو ذلك. وجاءت أخبار أخر اختلف الناس في التخصيص بها كبيع النجش. وبيع العربان، وبيع الكلب إلى غير ذلك. وكذلك القياس قد يخصص به قوم ول يخصص به آخرون إلى غير ذلك من الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها. فالبيوع على مذهبهم هذا ثلاثة أقسام، جائزة، ومحظورة، ومكروهة. وهي المختلف فيها.","vol":"1","page":403},{"text":"فالجائزة: هي التي لم يحظرها الشرع ولا ورد فيها نهي فتندرج تحت قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ كل بيع إلا ما خص منه بالدليل.\nوالمحظورة: هي التي قام الدليل على تخصيصها من عموم الآية بالمنع منها.\nوالمختلف فيها: ما تجاذبه الطرفان. ونحن نسوق من ذلك أمثلة يتبين بالنظر فيها كيف تؤخذ الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع. فمن ذلك:\nالسلم، أجازه مالك وأصحابه من كل ما يضبظ بالصفة على شروط مسطورة في كتبهم. وذهب أبو حنيفة إلى أن السلم في الحيوان لا يجوز.\nوذهبت طائفة من أهل الظاهر إلى أن السلم، فيما عدا المكيل والموزون لا يجوز. ودليل مالك وأصحابه عموم الآية. ولم ينه ﷺ عنه فبقي على أصل الإباحة الواردة في القرآن، مع قوله -﵊-: «من سلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» ومن ذلك بيع العين الغائبة وهو عند مالك جائز على الصفة، وعند الشافعي غير جائز وصف أو لم يوصف. وعند أبي حنيفة أنه جائز وصف أو لم يوصف إلا أنه يوجب للمبتاع خيار الرؤية إذا رأى المبيع. وحجة مالك على الشافعي عموم الآية. من ذلك بيع الأعيان الحاضرة التي تشق رؤيتها كالأعدال تباع على البرنامج ونحوه أجازه مالك ومنعه الشافعي في أظهر قوليه.\nوالحجة لمالك، قوله ﷿: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ وقوله: ﴿إلا","vol":"1","page":404},{"text":"أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء: ٢٩].\nوقد اختلفوا في بيع المزايدة، وعموم الآية حجة لمن أجازه مع ما ورد في الحديث في ذلك.\nواختلف في بيع أمهات الأولاد، فقال كافة العلماء: إنهن لا يبعن بوجه وأنهن أحرار. وقول أهل الظاهر جواز بيعهن وعن الشافعي القولان. وقول على -﵁- أنهن يبعن في الدين خاصة.\nواحتج من نصر قول أهل الظاهر بقول الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ وهذا لا حجة فيه بأن يتخصص بأدلة معلومة. ومن ذلك بيع الجوز، واللوز، والباقلاء في قشره الأعلى أجازه مالك ومنعه الشافعي وأبو حنيفة. وحجة عموم قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾. ومن ذلك بيع السنبل إذا يبس واستغنى عن الماء قائمًا على اختلاف في المذهب وجزما على اختلاف فيه أيضًا في المذهب وأجاز مالك كله في المشهور عنه.\nومنعه الشافعي في أحد قوليه والحجة لمالك عموم الآية.\nوأما بيع الحنطة مدروسة مع سنبلها فلا يجوز باتفاق في المذهب، وفي خارج المذهب اختلاف. ومن ذلك بيع المرابحة أجازه مالك وأصحابه وكرهه ابن عباس وجماعة من التابعين. وحجة مالك ﵀ قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ وإذا قلنا بعموم الآية فجعلنا كل بيع جائزًا إلا ما قام الدليل عليه، فكذلك نجعل كل ما فيه ربا وهو الزيادة محظورًا إلا ما قام الدليل على","vol":"1","page":405},{"text":"جوازه. ونضبط في ذلك أصلًا فنقول: البيع يقع نقدًا ويقع نساء فأما بيع النقد، فيجوز التفاضل فيه والتماثل والبيع كيف يشاء ما لم يكن التبايع في الأثمان والأطعمة المقتاتة، فلا يجوز فيها التفاضل مع الجنسية، ولا يباع المثل منها إلا متساويًا. وإن اختلف التفاضل فيما سوى هذين القسمين جاز بيعه على الإطلاق، فيحصل من هذا أن التفاضل مع الاختلاف في بيع النقود يجوز على الإطلاق، والتفاضل مع التماثل يجوز إلا في ما قدمناه من الأثمان والمقتاتات. وقد ذهب بعضهم إلى أن لا ربا في النقد، وإنما الربا في النسيئة ورأى أن سياق الآية يدل على أن المذكور في كتاب الله تعالى، ربا النساء فقط فإنه قال: ﴿فله ما سلف﴾ ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾ وقال: ﴿وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم﴾ [البقرة: ٢٧٩] واحتجوا بالحديث: «إنما الربا في النسيئة» قالوا: فخص الربا بالنسيئة، وجعلوا ذلك بيانًا لقوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾ وهذا مذهب لا خفاء في فساده. ودليلنا على الجواز مع اختلاف الأجناس قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ وقوله -﵊-: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم» ودليلنا على جواز التفاضل فيه بالمتماثلات فيما سوى الثمن والمقتاتات. قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ وأيضًا فلو كان التفاضل في سائر الأشياء ممنوعًا لم يكن حرام عليكم في كل شيء، ولكن لما نهى ﷺ عن بيع هذه الستة: «الذهب بالذهب، الفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح إلا سواء بسواء عينًا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى». وخصه بنهيه دل على أن التحريم","vol":"1","page":406},{"text":"ليس بعام في جميع الأشياء. وإنما يبقى النظر في هذه الستة هل الربا في بيع النقد مقصور عليها، فيكون تحريمها غير معقول المعنى؟ أو يكون لتحريمها دون غيرها معنى فيطلب ذلك المعنى، فحيث وجد حرم قياسًا على الستة ودخل في عموم قوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾. فأما أهل الظاهر فقصروا التحريم عليها وأباحوا التفاضل في سائر الأشياء سواها، واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾. وهذا القول مبني على رأيهم في إنكار القياس. فأما جمهور العلماء المثبتون للقياس فإنهم طلبوا لذلك معنى وألحقوا به ما وافقه في ذلك المعنى، وخصصوا، وبينوا به قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ أما مالك فحرم التفاضل فيها لأمرين، وأما الذهب والفضة فلكونهما ثمنين. وأما الأربعة المطعومة فلكونها تدخر للقوت أو تصلح للقوت. وبعضهم يزيد في العلة أصلًا للمعاش غالبًا، وبعضهم يسقطه. وقد قدمنا أن ذلك كله مع تماثل الجنس. وأما الشافعي فوافقه على العلة في الذهب والفضة وخالفه في الأربعة، واعتقد أن العلة فيها كونها مطعومة. وأما أبو حنيفة فخالفهما في الجميع واعتقد أن العلة في الذهب والفضة الوزن وفي الأربعة الكيل. وأما سعيد بن المسيب فوافق مالكًا والشافعي في الذهب والفضة وخالف في الأربعة، واعتقد أن العلة فيها الكيل والوزن والطعم. فهي خمسة أقوال في تحرير علة منع التفاضل في هذه","vol":"1","page":407},{"text":"المبيعان قولان في المذهب، وثلاثة خارج المذهب. وإذا عرفنا من الكلام في ربا النقد فلنتكلم على الربا في النسيئة، واعلم أن الربا يدخل في الستة المذكورة في الحديث وما قيس عليها سواء اتفقت الأجناس أو اختلفت.\nفالذي تدل عليه الآية تحريم الزيادة في النساء، ولا دلالة فيها على تحريم النساء من غير زيادة في نفس المال، ومن أجل ذلك جوز مالك القرض وإن كان الشافعي قد منعه لكنه لم يمنعه من جهة الآية لكن من جهة أخرى، فلا يجوز النساء في كل شيء من تلك، وأما سوى الستة وما قيس عليها فلا يدخل الربا في بيع النسيئة فيها إذا اختلفت الأجناس، كسلم عبد في ثوبين، فإن تستوت ففي ذلك ثلاثة أقوال: منعه أبو حنيفة مثلًا بمثل، ومفاضلة، وأجازه الشافعي مثلًا بمثل ومتفاضلًا. وقال مالك: إذا اتفقت المنافع من الجنس منع وإن اختلفت جاز فأما أبو حنيفة فحجته قول الله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾ والربا الزيادة وهذا موجود في هذا البيع، فمنع بمحض عموم الآية، وإنما خص منها اختلاف الأجناس بما قدمناه من الحديث وبغير ذلك. وأما الشافعي فإنه يحتج بأنه ﷺ أمر بعض أصحابه بأن يعطى بعيرًا في بعيرين إلى أجل وهذا يخصص قوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾ إذا قلنا إن الزيادة في عوض بشيء يسمى ربا حقيقة. وجماعة من أهل الأصول يذهبون إلى تخصيص العموم بخير الواحد وبعضهم يمنعه منه. وأما مالك فتوسط بين القولين، وجعل اختلاف المنافع كاختلاف الأجناس إذا الغرض من المتملكات إنما هو الانتفاع. وأجاز واحدًا باثنين من جنس وادح عند اختلاف المنافع ولم يجزه أبو حنيفة لأنه لم يراع اختلاف المنافع، وحجته عليه قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾. ومنع مالك الواحد باثنين من جنسه مع اتفاق المنافع ورآه ربًا، ولم يراع ذلك الشافعي فأجازه. وحجة مالك قوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾ وقد وقع عندنا في المذهب اضطراب في التبايع إلى أجل بما اتفقت أجناسه","vol":"1","page":408},{"text":"ومنافعه ولم تقع فيه زيادة هل يجوز بلفظ البيع؟ فأجيز ومنع. ومنعه يوافق قول أبي حنيفة والحجة لإجازته قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾.\nواختلف في اللحوم، فقال مالك هي ثلاثة أصناف: لحم الأنعام والوحش صنف، ولححم الطير صنف، ولحم دواب الماء صنف. يجوز بيع كل صنف بخلافه متفاضلًا ولا يجوز بصنفه إلا متماثلًا. وقال أبو حنيفة: كلها أصناف باختلاف أصولها. وقال الشافعي: كلها صنف واحد فالخلاف بيننا وبين أبي حنيفة في بيع لحم الغنم بغيره من ذوات الأربع متفاضلًا، يجوز ومنعناه. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾ وقوله [ﷺ]: «الطعام بالطعام مثلًا بمثل» ودليلنا على الشافعي قوله -عليه الصلة والسلام-: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم» والجنسية هاهنا المراد بها تباين المنافع والأغراض. ويجوز الرطب بالرطب متماثلًا خلافًا للشافعي لقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ ولا يجوز بيع اللحم بالحيوان من نوعه الذي لا يجوز لحمه بلحم ذلك الحيوان متفاضلًا إذا كان الحي كبيرًا لا يصلح إلا للذبح. ويجوز بيعه بغير نوعه. فالأول مثل لحم الغنم بجمل حي أو بثور. والثاني لحم شاة بطير حي. وقال أبو حنيفة يجوز على كل وجه.\nوقال الشافعي لا يجوز. والدليل على أبي حنيفة نهيه ﷺ عن بيع الحيوان باللحم.","vol":"1","page":409},{"text":"وروي أنه نهي عن بيع الحي بالميت. ودليلنا على الشافعي قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾. ويجوز بيع المقاثي المبطخ إذا بدا أولها وإن لم يظهر ما بعده. وكذلك الأصول المعيبة في الأرض كالجزر والفجل والبصل وما أشبه ذلك. وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجوز إلا بيع ما ظهر دون ما لم يظهر. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾.\nوقد اختلف في البيع إذا اقترن به رهن فاسد هل يبطل البيع أم لا؟\nوالقولان في المذهب، وعموم قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ دليل على الجواز. وكذلك اختلف إذا شرط المشتري للبائع رهنًا أو ضامنًا ولم يعين، ففي المذهب أن البيع والرهن جائز، وعليه أن يدفع له رهنًا بمبلغ الدين أو ضامنًا ثقة، وقال أبو حنيفة والشافعي: البيع باطل والرهن باطل. وقال المزني: هذا غلط عندي والرهن فاسد للجهل به ةالبيع جائز لعلمهما به، وللبائع الخيار إن شاء أتم البيع بلا رهن وإن شاء فسخ. ودليل قول مالك عموم الآية، وقوله -﵊-: «المؤمنون على شروطهم»","vol":"1","page":410},{"text":"ويجوز بيع الأعمى وشراؤه إذا كان يعرف ما يوصف له سواء ولد أعمى أو كان بضيرًا فعمي. وقال الشافعي: لا يجوز إلا أن يكون بصيرًا فشاهد شيئًا ثم عمي فيجوز له بيع ذلك الذي شاهده ودليلنا قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ والربا ثابت بين المسلمين في دار الحرب كثبوته في دار المسلمين.\nوقال أبو حنيفة: إذا أسلم فيها رجلان أو دخل فيها رجلان مسلمان فتبايعا بربًا جاز. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾. واختلف في جواز الربا بين العبد وسيده، فلم يجزه ابن القاسم وأجازه ابن وهب، والحجة لابن القاسم عموم الآية المتقدمة. وإنما حرم الربا حراسة للأموال وحفظًا لها، ومصلحة بين الناس وذلك مما تمس الحاجة إليه وإذا صح هذا فالماء إذًا لا ربا فيه وهو ظاهر المذهب لان أصله مباح غير متشاح فيه، فكان مباينًا لموضوع المقصود بالربا. وفي المذهب قول آخر أن الربا يدخله. ووجه هذا القول أنه مما تقوم الأبدان بتناوله كالقوت. والبيع إذا كان ربًا فسخ على كل حال ما كان قائمًا، فإن كان فات فليس لصاحب رأس المال إلا رأس ماله قبض الربا أو لم يقبضه؟ وكذلك من أربى ثم تاب، فليس له إلا رأس ماله، وما قبض من الربا وجب عليه أن يرده إلى من قبضه منه، فإن لم يعلمه تصدق به عنه لقوله تعالى: ﴿وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ وأما من أسلم وله ربا فإن كان قبضه فهو له لقوله ﷿: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف﴾. ولقوله -﵊-: «من أسلم على شيء فهو له» وإن كان الربا لم يقبضه فلا يحل له أن يأخذه وهو موضوع","vol":"1","page":411},{"text":"عن الذي هو عليه، ولا خلاف في هذا أعلمه لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾ [البقرة: ٢٧٨] وإنما اختلف أهل العلم فيمن أسلم وله ثمن خمر أو خنزير لم يقبضه. قال أشهب والمخزومي: هو له حلال سائغ بمنزلة ما لو كان قبضه. قال ابن دينار وابن حازم: يسقط الثمن عن الذي هو عليه كالربا. ومذهب أكثر أصحابنا على قول أشهب والمخزومي. وقد استدل بعضهمبما أعطته هذه الآية، وأن ما مضى وقبض من الربا لا يتعقب بفسخ، وما لم يقبض، فهو باق متعقب بالفسخ، والرجوع فيه إلى رأس المال على أن كل ما طرأ على المبيع قبل القبض، مما يوجب تحريم العقد يبطل، كما اشترى مسلم صيدًا ثم أحرم المشتري قبل القبض، أو البائع بطل البيع، لأنه طرأ عليه قبل القبض ما يوجب تحريم العقد، كما أبطل الله تعالى من الربا ما لم يقبض، لأنه طرأ عليه ما أوجب تحريمه قبل القبض، ولو كان مقبوضًا لم يؤثر. وهذا مذهب أبي حنيفة، وهو قول أصحاب الشافعي. ويستدل به أيضًا على أن هلاك المبيع من يد البائع وسقوط القبض فيه يوجب بطلان العقد خلافًا لبعض السلف، ويروى هذا الخلاف عن أحمدح. والقولان فيه في المذهب، وهذا الاستدلال إنما يصح على رأي من يقول إن الربا في الأصل كان منعقدًا، فإن منع انعقاده في الأصل لم يكن هذا الكلام صحيحًا وذلك أن الربا كان محرمًا في الأديان. وهل كان تحريمه شرعيًا أو عادة؟ فيه نظر، وبالجملة فيفهم من الآية أن العقود الواقعة في دار الحرب إذا ظهر عليه الإمام لا يفسخها، وإن كانت معقودة لا تتعقب بالنقض بعدج انبرامها كما في البيع بعد الانبرام.","vol":"1","page":412},{"text":"قوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠].\nاختلف الناس في هذه الآية، فذهب بعضهم إلى أنها ناسخة ما كان في أول الإسلام إذا لم يجد ما يقتضي به دينه يبيعه صاحب الدين ويستوفي منه دينه، فأنزل الله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة﴾ الآية. وجاء عن عبد الرحمن بن البيلماني قال: كنت بمصر، فقال لي رجل: ألا أدلك على رجل من أصحاب رسول الله ﷺ؟ فقلت: بلى. فأشار إلى رجل فجئته، فقلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا سُرق. فقلت: سبحان الله ما ينبغي أن تتسمى بهذا الاسم وأنت رجل من أصحاب رسول الله ﷺ. فقال: إن رسول الله ﷺ سماني سُرَّقا. قال: لقيت رجلًا من أهل البادية ببعيرين له يبعهما فابتعتهما منه. وقلت له انطلق معي حتى أعطيك فدخلت بيتي ثم خرجت من خلف بيتي، وقضيت بثمن البعيرين حاجتي وتغيبت حتى ظننت أن الأعرابي قد خرج فخرجت والأعرابي مقيم فأخذني وقدمني إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر. فقال رسول الله ﷺ: «ما حملك على ما صنعت؟» قال: قضيت بثمنها حاجتي يا رسول الله. قال: «فاقضه» قال: ليس عندي مال. قال: «أنت سُرق، اذهب يا أعرابي فبعه حتى تستوفي حقك» فجعل الناس يسومونه في ويلتفت إليهم فيقول: «ما تريدون؟» فيقولون نريد أن نبتاعه منك ونعتقه. قال: «فوالله ما منكم أحوج إليه مني اذهب فقد أعتقتك» ثم","vol":"1","page":413},{"text":"نسخ الله تعالى هذا من حكم رسول الله ﷺ بالآية. فعلى هذا لا يجوز أن يباع الحر في الدين.\nوقد ذهب قوم إلى أن الحر يباع في الدين وكأنهم لم يروا الآية ناسخة.\nوذهب بعضهم في الآية إلى أنها نزلت في الربا كانوا يتعاملون به في الجاهلية فلما جاء الإسلام أمرهم الله ﷿ أن يأخذوا رؤوس أموالهم بلا زيادة فإن أعسر الذي عليه الدين فلينظر إلى أن يوسر. وعلى هذا القول يأتي قول من يقول: إن النظرة إلى ميسرة إنما هي موقوفة على أهل الربا خاصة دون سائر الديون خلافًا لقول الجمهور من أن ذلك عام في الديون كلها ربا كان أو غير ربا. فإذ ثبت عدم الذي عليه الدين فلينظر حتى يوسر. وعلى هذا القول، فلا يجوز أن يؤاجر الحر المعسر في الدين، وهو المشهور عن مالك خلافًا لأحمد بن حنبل في قوله إنه يؤاجر في الدين. وذكر الباجي عن مالك أنه يؤاجر إذا كان مثله يؤاجر. وعموم الآية حجة لمن لم ير ذلك. ولا يلازم أيضًا في الدين، فيدار معه كيف دار خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنه يلازم والآية حجة عليه ولا يحبس أيضًا خلافًا لشريح ومن قال بقوله. وكان هؤلاء أخذوا في الآية بالقول الثاني الذي ذكرناه أنها في الربا وقد قرئ: «وإن كان ذا عسرة» قال بعضهم: على هذا تختص الآية بالربا، ومن قرأ: «ذو عسرة» فهي عامة في جميع من عليه الدين. وهذا الذي ذكروه غير لازم بل القراءتان كل واحدة منهما محتملة للتأويلين.","vol":"1","page":414},{"text":"وقوله سبحانه: ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ يظهر منه أن الأصل في الناس الملأ حتى يتبين العدم، لأنه تعالى قضى أولًا برد رؤوس الأموال ثم قال: ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ فظهر من هذا أن الأصل الملأ فيلزم قضاء الدين إلا أن يكون معسرًا عنه القضاء في تلك الحال. قال بعضهم: ويحتمل أن يقال: إنه محمول على العدم حتى يتبين الملأ.\nوقد اختلفوا من هذا في الذي يغيب عن امرأته، ثم يقدم، فتطلبه بالنفقة، فيدعي الإعسار في غيبته ليسقط بذلك نفقتها التي تطلبه بها. فذهب ابن القاسم إلى أنه محمول على اليسر أبدًا إذا لم تعرف حاله إلا أن يكون خرج عديمًا فتكون هذه شبهة توجب أن يكون القول قوله. وذهب ابن كنانة إلى أنه إن لم تعرف حالته في مغيبه ووقت خروجه فهو محمول على العدم مع يمينه حتى تثبت الزوجة ما تدعيه. والآية حجة لقول ابن القاسم إذا جعلناها عامة في الديون. ونفقة المرأة دين على زوجها، فيجب أن يحمل على اليسر حتى يثبت خلافه. وإذا وجب تأخير المعسر بالدين فليس في الآية ما يقتضي أن عليه مع ذلك يمينًا بصحة عدمه. وقد ذكر مالك عن بعض الصحابة اليمين واخذ بذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠].\nاختلف في تأويلها فقيل: هي الصدقة على المعسر جعلها خيرًا من الإنظار إلى قوله: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢].","vol":"1","page":415},{"text":"اختلف الناس في أمره تعالى بالكتب هل هو منسوخ أم لا؟ فذهب أبو سعيد الخدري وغيره إلى أن ذلك منسوخ بعد ذلك: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا فيؤد الذي اؤتمن أمانته﴾. وهذا القول مبني على أن الأمر بالكتب في الآية على الوجوب فنسخ وجوبه.\nوذهب جماعة إلى أن الآية محكمة واختلفوا في التأويل فذهب جماعة إلى أن الأمر على الوجوب وأنه لم ينسخ، وأن كتب الديون واجب على أربابها. وذهب قوم إلى أن الأمر في الآية محمول على الندب لا على الوجوب. وقد روي عن ابن عباس أنه لما قيل له إن آية الدين منسوخة قال: والله إنها محكمة ما فيها نسخ. ومن مضمن القول بوجوب الكتب القول بوجوب الإشهاد. وقد قال به بعض علماء السلف. فقالوا: يجب الإشهاد فيما قل وجل، وفيما حل واُجِّل. وإليه ذهب داود وابنه أبو بكر. وإذا قيل: إن وجوب الكتب منسوخ فوجوب الإشهاد أيضًا منسوخ.\nوقد روي ذلك عن أبي سعيد، والشعبي، والحسن.\nوقوله ﷾: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى﴾ قال ابن عباس: نزلت في السلم خاصة. يعني أن سلم أهل المدينة كان سبب الآية. وقد اختلف الأصوليون في الكلام المستقل بنفسه الوارد على سبب","vol":"1","page":416},{"text":"هل يقصر عل سببه أو يحمل على عمومه. وقد قال مالك في الآية: وهذا يجمع الدين كله. وقد استدل بعضهم بهذه الآية على جواز التأجيل في القرض على ما قاله مالك إذ لم يفصل بين القرض وسائر العقود في المداينات وضعف بعضهم الاستدلال بذلك. وكيف ما قلنا فالآية دليل لمن أجاز السلم في كل ما يضبط بالصفة على الشروط المعروفة. وإنما قال تعالى: ﴿بدين﴾ وقد كان قوله: ﴿تداينتم﴾ يغني عنه لأن ذلك لفظ مشترك يكوت بمعنى الجزاء كقولهم: «كما تدين تدان» ويكون من الدين المعروف فأزال تعالى ذلك الاشتراك بقوله: ﴿بدين﴾ وقوله ﴿مسمى﴾ دليل على أنه لا يجوز الجهل بالمداينة. وفي هذه الآية عندي دليل للقول بأن السلم لا بد له من أجل، وأنه لا يجوز أن يكون حالًا وهذا الأشهر من قول مالك، وإن كان قد جاء عنه القول الآخر أنه يجوز أن يكون حالًا، فها روايتان عنه. ولا بأس بالبيع إلى الجداد والحصاد لأنه معروف عند الناس فهو أجل مسمى، وإن اختلف بأيام يسيرة. وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن البيع إليهما لا يجوز، ورأيا أنهما ليسا بأجل مسمى. وقد اتفقوا على جواز البيع إلى عشرين شهرًا وأيامها مختلفة وثلاثون وتسعة وعشرون والبيوعات لا تخلو من يسير الغرر.\nوقوله تعالى: ﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nاختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب الربيع، والضحاك إلى أنها منسوخة بقوله ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾. وذهب","vol":"1","page":417},{"text":"آخرون إلى أنها محكمة واختلفوا في تأويلها. فقال عطاء وغيره: واجب على الكاتب أن يكتب ولم يفصل فسواء عنده وجد الكاتب سواه أو لم يوجد؟ وهذا قول ضعيف. وقال الشافعي وعطاء أيضًا: ذلك واجب عليه إذا لم يوجد كاتب سواه. وقال السدي: ذلك واجب على الكاتب إذا كان فارغًا. والقول في هذا عندي أن الأمر فيه أنه لا مدخل للوجوب فيه.\nولذلك أجاز الجمهور إجازة الموثقين. والذي اختاره اللخمي أن الكتابة من فروض الكفاية، وما هو فرض على الكفاية، إذا حقق النظر فيه رئي أنه فرض على الأعيان، هذا قول محققي الأصوليين.\nوقوله تعالى: ﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nاستدل به بعضهم على أنه لا يكتب الوثائق إلا عارف بها عدل في نفسه مأمون.\nوقوله تعالى: ﴿كما علمه الله فليكتب﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nاختلف في قوله تعالى: ﴿كما﴾ بماذا تتعلق فقيل: تتعلق بقوله: ﴿أن يكتب﴾ وقال بعضهم: يحتمل أن تكون متعلقة بما في قوله: ﴿ولا يأب﴾ من المعنى أي كما أنعم الله تعالى عليه بعلم الكتابة فلا يأب هو.\nوقوله تعالى: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nأمر الله الذي عليه الحق بالإملاء، لان الكتب والشهادة إنما هما بحسب إقراره. وهذا أمر مندوب إليه، فإن كانت الوثيقة دون إملاء الذي","vol":"1","page":418},{"text":"عليه الحق ثم عرضت عليه فأقر بها قهي كاملة، ثم أمر تعالى بالتقوى فيما يمل، وأن لا يترك من الحق شيئًا. وهذا يدل على أن من أقر بشيء لغيره فالقول قوله فيه، وهو مثل قوله تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾ [البقرة: ٢٢٨] مثل قوله تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾ [البقرة: ٢٨٣] ثم قال تعالى: ﴿فليملل وليه بالعدل﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢] وقد اختلف في الضمير في قوله: ﴿وليه﴾ على من يعود؟ فقيل: هو عائد على الذي عليه الحق، وقيل: هو عائد على الحق. وهذا قول الربيع، وابن عباس، وهذا ضعيف. واختلف في السفيه. فقيل: السفيه هنا الجاهل بالإملال من قوله: ﴿سيقول السفهاء من الناس﴾ [البقرة: ١٤٢] وقيل: هو السفيه في المال من صغير أو كبير لا يحسن الإمساك. وقيل: هو العاجز عن الإملال لعي في لسانه أو خرس أو نحو ذلك. وقيل: هو الأحمق أي ضعيف العقل. واختلف في الذي لا يستطيع أن يمل لعيه أو لعذر. فقيل هو الصبي الصغير.\nواختلف فيمن ليس في ولاية وهو مبذر أيحجر عليه أم لا؟ والمشهور في المذهب وغيره أنه يحجر عليه. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا﴾ الآية ثم قال: ﴿فليملل وليه بالعدل﴾ فلم يجز إملال السفيه وأمر أن يمل وليه. والولي لا يكون إلا أبًا أو وصيًا، فيلزم إن لم يكن له أب أن يقدم له وصي عنه. وإذا كان هذا في الإملال، فأن يكون في صلاح ماله أولى. وقال أبو الحسن: ليس في قوله تعالى: ﴿فليملل وليه﴾ تصريح بأن إقرار الولي عليه مقبول، ولا فيه","vol":"1","page":419},{"text":"دليل ظاهر على أن الحجر ثابت على السفيه ولا فيه بيان معنى السفه الذي يقتضي الحجر بل قوله تعالى: ﴿فإذا تداينتم بدين﴾ الآية يدل على أن المداينة مع ذكر في الآية جائزة فإنه قال: ﴿إذا تداينتم﴾ ثم قال: ﴿فمن لم يستطع﴾ بعض المتداينين أن يمل فليملل الولي بالعدل، وليس الضعيف اسمًا للمحجور عليه فإنه يتناول الخرِف والأخرس والصبي، والسفيه قد يراد به الخفيف العقل.\nواحتلفوا في الذمي والفاسق هل يجوز أن يوصى إليهما. والصحيح أن لا يكونا وصيين. والدليل على ذلك قوله: ﴿فليملل وليه بالعدل﴾ ولا يؤمر أن يمل بالعدل إلا عدل.\nواخلفوا في الوصية إلى المرأة والعبد، والصحيح أنهما يكونان وصيين إذا وجد فيهما العدل لأن الله تعالى لم يشترط في الأولياء إلا العدل.\nقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ الآية إلى قوله: ﴿وإن كنتم على سفر﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nاختلف العلماء في شهادة العبد، فقال الجمهور لا تجوز واستشهدوا بقوله تعالى: ﴿ذوى عدل منكم﴾ قالوا: وهذه الإضافة تفيد الحرية دون الإسلام لأن غير المسلمين ليسوا بعدول. وقال داود وجماعة نم الصحابة: شهادة العبيد جائزة. وقال أنس: ما علمت أحدًا رد شهادة العبد وبه قال ابن المنذر لدخوله في جملة قوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾. وذهب الشعبي والنخعي إلى قبول شهادتهم في القليل لا الكثير. وكذلك رأى بعضهم أن قوله تعالى: ﴿من رجالكم﴾ شامل للعبيد","vol":"1","page":420},{"text":"والأحرار لأنهم كم رجالنا وأهل ديننا، ففقيل لهم قد قال تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين﴾ الآية وساق الكلام إلى قوله: ﴿من رجالكم﴾ فظاهر الخطاب يتناول الذين يتداينون، والعبيد لا يملكون ذلك دون إذن السيد، ولهم أن يقولوا: إن خصوص أول الآية ل يمنع التعلق بعموم آخرها.\nوقد اختلف فيه الأصوليون، ومن أقوى ما يستدل به من كتاب الله تعالى على رد شهادة العبد قوله تعالى: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾ [النساء: ١٣٥] والعبج قد سلب القيام بذلك لكونه ممنوعًا من الخروج إلى القاضي. وتصحيح دعوى المدعي. ومن شروط الشاهد الإسلام، فلا تجوز عندنا شهادة الكافر على مسلم ولا على كافر. وأجاز قوم شهادة الكفار وإن كانوا مجوسيين في الوصية في السفر إذا لم يكن هناك مسلمون على كفار أو مسلمين. وأجاز أبو حنيفة شهادة الكفار على الكفار.\nوقال بعض أصحابه: إلا في الحدود. ودليلنا على منع شهادة الكفار جملة قوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقوله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] ولم يخص سفرًا من حضر. وحجة من أجاز شهداة الكفار على المسلمين في وصية السفر قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا","vol":"1","page":421},{"text":"شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾ [المائدة: ١٠٦] وسيأتي الكلام على هذا في موضعه إن شاء الله تعالى. واختلف فيمن لا يعرف بعدالة ولا سخط، هل يحتمل على غير العدالة حتى تثبت عدالته أو على العدالة حتى يثبت فسقه؟ فذهب مالك والشافعي إلى أنه لا يقبل حتى تعرف عدالته. وذهب أبو حنيفة، والليث بن سعد، والحسن، إلى أنه مقبول حتى يعرف فسقه قال: ومجرد الإسلام يقتضي العدالة. وقد أجاز ابن حبيب شهادة من ظاهره العدالة بالتوسم فيما يقع بين المسلمين في الأسفار من المعاملات والتجارات والأكرية بينهم، وبين المكاريين مراعاة لهذا القول. وحكي ذلك عن مالك وأصحابه وهو خلاف قول ابن القاسم، وروايته عن مالك، أنه لم يجز شهادة الغرباء دون أن تعرف عدالتهم. وروي عن يحيى بن عمر أنه أجاز شهادة من لا تعرف عدالته في الشيء اليسير وذلك أيضًا استحسان. الحجة لقول مالك المتقدم قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] فقد اعتبر الرضى والعدالة. وذلك معنى يزيد على الإسلام.\nواختلف في شهادة الوالد لولده، والولد لوالده، والجد لولد ولده، وودل الولد لجده. فأجاز جماعة لعموم الآية ولم يجز الأكثر لأنها","vol":"1","page":422},{"text":"مخصصة من العموم بقول النبي ﷺ: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين».\nقال الزهري: كانوا فيما مضى يتأولون قوله ﷿: ﴿يا أيها اذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ [النساء: ١٣٥] ولم يكن يتهم في سلف الأمة والد، ولا ولد ولا زوجة ولا زوج، ثم دخل الناس فتركنا شهادتهم.\nواختلف في شهادة أحد الزوجين لصاحبه، فمنعها الجمهور وأجازها الشافعي. وقال الشعبي: تجوز شهادة الرجل للمرأة، ولا تجوز شهادة المرأة لزوجها. وأخذ ابن المنذر بقول الشافعي لقوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ الآية. قال: ولا نعلم حجة توجب استثناء الزوج والزوجة من الآية. ودليلنا عليه قوله تعالى: ﴿خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ [الروم: ٢١] فنبه على أن التهمة حاصلة بين الزوجين في غالب الطباع، لأن الإنسان يحب نفع زوجته ويهوى هواها وينتفع بمالها. وقال مالك فيما حكى عنه ابن حبيب: وتجوز شهادة ن وراء هؤلاء من القرابات. وهذا يقتضي جواز شهادة الأخ لأخيه وابن أخيه وهي رواية ابن القاسم. وقال غيره من أصحابنا لا تجوز على الإطلاق وإنما تجوز على شرط. واخلتف في الشرط ما هو؟ ففي «كتاب ابن المواز» لا تجوز الشهادة إلا أن يكون مبرزًا. وقيل: إذا لم تنله صلته. وقال أشهب: تجوز في اليسير دون الكثير إلا أن يكون مبرزًا","vol":"1","page":423},{"text":"فتجوز في الكثير [أيضًا].\nواختلف أيضًا في المذهب في شهادة الرجل لابن امرأته، ولأبيها والمرأة لابن زوجها، وفي شهادة الرجل لزوج ابنته، ولزوج ابنه. فلم يجز ذلك ابن القاسم، وأجزه سحنون. ويختلف في شهادة الصديق الملاطف فلم يجزها مالك إذا كان تناله صلته، وأجازها الشافعي وأبي حنيفة. وأصل النزاع في هذه المسائل عموم الآية المتقدمة ذكرها، والتخصيص بالتهمة لقوله -﵊-: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين». فمن لم ير التهمة مؤثرة أخذ بعموم الآية فأجاز الشهادة، ومن رأى التهمة مؤثرة خصص عموم الآية بالحديث المذكور على اختلاف بين الأصوليين في مثل هذا التخصيص. ويؤخذ من هذه الآية، ومن إجماع أهل العلم أن شهادة الرجل لنفسه لا تجوز. ولذلك قال -﵊-: «البينة على الدعي واليمين على من أنكر» إلا أنه اختلف في هذا الأصل في مسائل منها إذا شهد الشاهد في وصيته له فيها بشيء يسير فشهد فيها لنفسه ولغيره.\nفقيل: لا تجوز وقيل: تجوز والقولان عن مالك. وقيل: تجوز لغيره ولا تجوز له، وإن كان الذي أوصى له فيها كثيرًا لم تجز له باتفاق، واختلف في جوازها لغيره على قولين في المذهب. ومنها إذا شهد الشاهدان بدين لغيرهما ولهما فيه يسير هل تجوز للأجنبي أم لا؟ فعن مالك فيها قولان، وظاهر الآية يقتضي أن ل تجوز شهادة الرجل لنفسه لا في وصية ولا في غيرها إذ لا فرق بين الشهادة في الدين أو في الوصية، لأن الله تعالى أمر بالاستشهاد. ولو جازت شهادة الرجل لنفسه في شيء لم يكن للأمر","vol":"1","page":424},{"text":"بالاستشهاد معنى. والوصية في ذلك مثل الدين والتهمة أيضًا مسقطة لشهادته لغيره على اختلاف في اعتبارها حسبما تقدم. واختلف في عدد من يجوز تعديله. فقيل: لا يقبل فيه إلا اثنان سرًا أو علانية. وقيل: لا يقبل علانية إلا اثنان ويقبل الواحد سرًا. وهذان القولان في المذهب. وقيل: يقبل الواحد سرًا وعلانية. وقيل: وجه التزكية أن لا يقتصر فيها على واحد ولا اثنين وأدناه ثلاثة فصاعدًا لحديث قبيصة بن مخارق في الفاقة تصيب الرجل؟ فقال: «لا حتى يشهد له ثلاثة من ذوي الحجي من قومه أن قد أصابته فاقة» ووجه قول نم لا يرى فيها اثنين قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ واختلف في شهادة الصبيان في الجراح والقتل فأجازها بعضهم في الجراح والقتل ذكورًا كانوا أو إناثًا، وهو قول المخزومي. وروي عن علي إجازتها. ولم يجزها بعضهم أيضًا جملة من غير تفصيل وهو قول مطرف. وقال بعضهم: تجوز شهادة الذكور منهم دون الإناث في الجراح والقتل، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وقيل: إنما تجوز شهادة الصبيان في الجراح خاصة دون القتل، وهو قول غير واحد من أصحاب مالك، وأجاز الزهري شهادتهم في النكاح والوصية. وقال: مضت السنة أن لا تجوز شهادتهم في الحدود. ولكل قول من هذه الأقوال خط من النظر. ولكن الذي تعلق به مطرف من منع شهادتهم قوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ قال: وليس الصبي بمرضي في شهادته. قال بعضهم وكذلك قوله تعالى: ﴿من رجالكم﴾ يرد إجازة شهادتهم لأنه يتناول الصبيان وأيضًا فإن أخبرهم لا يقبل فكذلك شهادتهم، ولأنه لا يأثم","vol":"1","page":425},{"text":"بالمعاصي فلا عبرة بقوله. وأجمع أكثر أهل العلم على أنه لا حظ للنساء في الشهادة والحدود، وشذ عطاء فأجاز شهادتين فيها. وروي عن بعض السلف أنه أجاز شهادة ثماني نسوة في الزنا والرجم بشهادتين. وأجمعوا أيضًا على قبول شهادتين في الديون في الأموال خاصة. وهذا إذ كان معهن رجل ولم يوجد رجلان، فأما إجماع الأكثر على منع شهادتين في الحدود، فلقوله تعالى: ﴿والذبن يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ [النور: ٤] لأنه لا يقع الشهداء في اللغة إلا على ثم امضوا على هذا الحد جميع الحدود في الزنا والسرقة والفرية، وشرب الخمر والقصاص وما دونها. وأما إجماعهم على قبول شهادتين كما ذكرنا في الديون، فلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين﴾ إلى قوله: ﴿فرجل وامرأتان﴾ ثم امضوا على هذا جميع الحقوق، والمواريث، والوصايا، والودائع، والوكالات، والدين. فلما صاروا إلى النكاح، والطلاق، والعتاق، والنسب، والولاء، لم يجدوا فيه ظاهرًا من القرآن كما وجدوا في تينك الآيتين. واختلفوا في التأويل، فشبهها قوم بالأموال على ما ذكرنا فأجازوا شهادتين فيها ولم يروها حدودًا. وأبى ذلك آخرون ورأوها كلها حدودًا. قال أبو عبيد: وهذا أختار لأن تأويل القرآن يصدقه، ألا تسمع قوله تعالى حين ذكر الطلاق والرجعة فقال: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ فخص بها الرجال ولم يجعل للنساء فيها حكمًا كما جعله في الدين. وأبين من ذلك أنه سماها حدود الله. فقال: ﴿تلك حدود الله﴾ [الطلاق: ١] وقد اختلفوا في جواز استشهاد المرأتين مع وجود الرجل. فأجاز ذلك الجمهور وتأولوا قوله تعالى: ﴿فرجل وامرأتان﴾ أي إن غفل صاحب الحق استشهاد رجلين أو قصده لعذر ما يستشهد رجلًا وامراتين. وذهب قوم إلى أنه لا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم","vol":"1","page":426},{"text":"الرجال. وقالوا معنى الآية فإن لم يوجد رجلان. وهذا تأويل ضعيف.\nوال تقبل شهادتين فيما تقبل فيه منفردات بل مع رجل لقوله تعالى: ﴿فرجل وامرأتان﴾ فلم يجز شهادتهما منفردتين. وقد أجاز بعضهم في خارج المذهب.\nواختلف في شهادة النساء بانفرادهن فيما يقع بينهن في الأعراس والمآتم والولائم والحمامات. فحكى ابن الجلاب في ذلك الجواز والمنع.\nأما الجواز فللضرورة كشهادة الصبيان. وأما المنع فلمراعاة الأصل وهو أن لا تجوز شهادتهن منفردات وإنما تجوز مع رجل كما قال الله تعالى إلا ما خرج من ذلك بالإجماع فلم تجز فيه شهادتين مع رجل وأجيزت فيه شهادتهن منفدرات كعيوب النساء التي لا يطلع عليها سواهن، والولادة، والاستهلال، والرضاع، ونحو ذلك. وما ليس فيه إجماع فيرجع فيه إلى الأصل، وهو أن لا تجوز شهادتهن [منفردات] إلا مع رجل كما قال الله تعالى. وما ذكرنا من [أن] عيوب النساء والولادة، والاستهلال، والرضاع ونحو ذلك تجوز شهادة النساء بانفرادهن فيه هو اتفاق من العلماء. إلا أنهم اختلفوا في الرضاع والاستهلال من تلك الجملة فلم يقبل أبو حنيفة في الرضاع النساء بانفرادهن، ولم يقبلهن الشافعي كذلك أيضًا في الاستهلال. واختلفوا في عدد النساء اللاتي يقبلن في ذلك فلم ير مالك في ذلك إلا اثنتين ولم ير الشافعي في ذلك إلا أربعًا ولم ير غيره إلا ثلاثًا.","vol":"1","page":427},{"text":"وأجاز جماعة من التابعين قبول امرأة واحدة وهو قول ضعيف. وتقبل عندنا شهادة امرأتين مع اليمين خلافًا للشافعي لأنهما قد أقيمتا في الشرع مقام شهادة رجل في الأموال، لقوله تعالى: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ فإذن أجاز الحكم بشهادة امرأتين مع يمين. وقد منع أبو حنيفة الشاهد واليمين في الأموال، ورد الخبر الوارد عن النبي ﷺ بالشاهد واليمين في ذلك. وقال إن الآية تقتضي الاقتصار على شاهدين أو شاهد وامرأتين. وما جاء في الحديث الشريف من الشاهد واليمين زيادة على مقتضى الآية. والزيادة عنده نسخ، والقرآن لا ينسخ بخبر الآحاد. وأجاز الجمهور ذلك ولم يروه نسخًا. وقد ظن ظانون من أصحاب أبي حنيفة أيضًا أن قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ يدل على صحة قولهم من إسقاط الشاهد واليمين. قالوا: ثم قال الله تعالى: ﴿وأدنى ألا ترتابوا﴾ فأبان أن ذلك أدنى ما يتعلق مقثود الشرع به وذلك ينفي إيجاب الحكم بالشاهد واليمين. والذي يقبل الشاهد واليمين يقول: معنى الآية ذلك أدنى أن ترتابوا في الشهادة وحدها فيها وفي غيرها والشاهد واليمين لم يتعرض له القرآن بذكر. وفي شهادة المولى عليه في المذهب قولان لأن الدليل لجوازها قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ ولم يفرق بين المولى عليه غيره. واختلف في شهادة القراء بالألحان. واستحسن بعضهم أن لا تجوز وذلك لأنهم رأوهم غير مرضيين والله تعالى قال: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾.","vol":"1","page":428},{"text":"واختلف أيضًا في شهادة البخيل، وإن كان يؤدي زكاته، وكأن من لم يجزها إنما رآه بتلك الحالة غير مرضي فلم يجزها لما قدمناه. واختلف أيضًا فيمن ترك الجمعة مرة هل هي فيه لا تجوز معها شهادته أم لا؟ واتفقوا في الثلاث والحجة لمن رآها جرحة، أن فاعلها ليس بمرضي من الشهداء، والله تعالى إنما أجاز شهادة المرضيين، واختلف في شهادة الأعمى فأجازها مالك وجميع أصحابه ولم يجزها الشافعي، وأبو حنيفة، وذكر عن الشافعي وابن أبي ليلى، وأبي يوسف، أنهم أجازوا شهادته فيما تحمله قبل العمى.\nومن العلماء نم أجاز شهادة الأعمى فيما طريقه الثوت خاصة. وحجة مالك قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ ثم قال: ﴿ممن ترضون﴾ والأعمى من رجالنا، فإذا كان ممن يرضى فشهادته جائزة. وكذلك اختلفوا في شهادة الأخرس. وقد اختلف في شهادة آكل الطين، وناتف لحيته، والبائل قائمًا، والأغلف، والشاعر، وغير الحسن الزي، وغير الحسن الاسم والكنية، والصيرفي، ومكاري الحمير، وكل ذلك منصوص في كتب العلماء. ومن لم يجز يقول إنهم ممن لا يرضى. واختلف في شهادة أهل الأهواء فرأت طائفة رد شهادتهم وإلى هذا ذهب مالك فلم يجز شهداة القدرية. ورأت طائفة إجازة شهادتهم وإلى هذا ذهب مالك فلم يجز شهادة القدرية. ورأت طائفة إجازة شهادتهم. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وأهل الأهواء لا يرضون. وقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦]. واختلف في شهادة ولد الزنا وغيره. وقال الحسن لا تقبل في شيء أصلًا. وظاهر الآية يعطي إجازة شهادته، ولكن","vol":"1","page":429},{"text":"حديث النبي ﷺ على ذلك الظاهر، وهو قوله -﵊-: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين» والظنة هنا موجودة لأنه يجب أن يكون غري مشاركًا له في العار. قد نبه الله تعالى على هذا المعنى بقوله ﷿: ﴿ولن تنفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ [الزخرف: ٣٩].\nواختلفوا في جواز شهادة البدوي على الحضري ومقتضى عموم الآية تجويزها لأنه قد يكون عدلًا مرضيًا، ومن رجالنا وأهل ديننا. وكونه بدويًا ككونه من بلد آخر. وفي السلف من لا يجوز ذلك وهي رواية ابن وهب عن مالك، ومذهب أحمد. وحجة هذا القول ما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ من أنه قال: «لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية» وليس فيه فرق بين الحضر والسفر. وقد اتفقوا أنه لا خلف في شهادته في السفر على القروي. وقد أجاز النبي ﷺ شهادة الأعرابي على هلال رمضان. وقد وصف الله تعالى قومًا من الأعراب فقال: ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول﴾ [التوبة: ٩٩]. ومن أهل العلم من لا يجيز شهادة القارئ على القارئ لما بينهم من التنافس، فتطرق التهمة إلى شهادتهم. وهذا نظر فاسد، وإذا صحت العدالة فلا يعتبر مثل هذا الظن وعموم القرآن يرده.\nواختلف في شهادة لاعب الشطرنج المدمن عليه ما لم يشغله عن الصلاة، فلم يجزها مالك. وأجازها الشافعي. ودليل مالك أن المدمن","vol":"1","page":430},{"text":"عليه ليس بمرضي فلم يجز شهادته لذلك. واختلف في شاهد الزور إذا تاب هل تقبل شهادته أم لا؟ ففي المذهب قولان الأظهر منهما. وهو قول مالك أنه لا تجوز شهادته أبدًا لأنه قد لزمته أصل السخطة وصار غير مرضي ولا يوصل إلى حقيقة ما في نفسه إذا تاب في الظاهر فيبقى ما لزمه من السخطة، والله تعالى إنما شرط في الشهداء الرضى. واختلف في شهادة الكافر والفاسق والصبي والعبد بعد زوال العلل المانعة من قبولهم. وقد كانت ردت قبل ذلك فلم يجزها مالك، وأجازها الشافعي، وأبو حنيفة إلا شهادة الفاسق. قال أبو حنيفة: وكذلك شهداة أحد الزوجين لصاحبه إذا ردت ثم شهد بعد زوال الزوجية. وكذلك شهادة الأجير لمن استأجره. وأجاز داود شهادتهم كلهم. وظاهر الآية يقتضي الجواز. ولكن في حديث النبي ﷺ ما يقضي على ذلك وهو قوله: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين». واختلف في الشهود إذا شهدوا عند الحاكم فلم تنفذ شهادتهم حتى ظهر منهم فسق، هل يعمل بشهادتهم أم لا؟ ودليل من لم يجزها قوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وهؤلاء يرضون. واختلف في شهادة العدو على عدوه، فلم يجزها مالك والشافعي، وأجازها أبو حنيفة، وحجة المنع قوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وقوله -﵇-: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين» وروي: «ولا ذي غمر على أخيه».","vol":"1","page":431},{"text":"واختلف في صفة تعديل الشاهد، فذهب الشافعي إلى أنه لا تقبل حتى يقول: عدل علي ولي، ثم لا يقبل حتى يسأله عن معرفته فإن كانت باطنة متقدمة قبل ذلك منه، وإن كانت حادثة ظاهرة لم تقبل. وذهب بعضهم إلى أنه تقبل شهادته إذا قال معدله لا أعلم إلا خيرًا. ومذهبنا أن يزكي الشاهدان [أن] المزكي: هو عندي عدل، أو من أهل العدل والرضى. وإن أسقط عندي جاز، والأحسن إثباته. قال عبد الوهاب وجماعة سواه: لا يكفي أحد الوصفين عن الآخر. وظاهر قول سحنون: أن الاقتصار على أحد اللفظين يكفي. قال الأبهري: والحجة لمالك على من أجاز التزكية بلا أعلم خيرًا، أنه قد يعلم منه الخير ويعلم منه غير الخير مما يجب رد شهادته معه، فيجب أن يقول: أعلمه عدلًا رضى لأن هذا الوصف الذي أمر الله بقبول شهادة الشاهد معه بقوله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ و﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ فيجب أن يجمع الشاهد بين العدالة والرضى. وحجة مالك على الشافعي من الآية أن الله تعالى إنما قال: ﴿من ترضون﴾ فإذا قيل هو رضى قد شمله قوله تعالى: ﴿ممن ترضون﴾ فأي معنى لتخصيصه بلفظ عدل، ثم بأن يقال فيه: علي ولي، ثم بالسؤال عن معرفة العدل. وهذا كله تحكم لأنه لا يطلب في معرفة عدالته القطع. وإنما تطلب غلبة الظن، وغلبة الظن تحصل بان يقال فيه: عدل رضى. والأظهر جواز الاقتصار على أحد اللفظين لأن الله تعالى ذكر كل لفظ على حدة ولم يجمعهما، فدل ذلك على أن أحدهما يغني عن الآخر.\nوقوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nاختلف في معناه، فقيل: أن تصير شهادتهما كشهادة الذكر، قاله ابن عيينة. وقال غيره: إن تنسى إحداهما فتذكرها الأخرى، والتأويل الأول","vol":"1","page":432},{"text":"بعيد، ولا يحسن مع ذكر الضلال. وفي هذه الآية على هذا التأويل الثاني دلالة على أن الشاهد إذا قال: لا أذكر الشهادة، ثم تذكرها تجوز له إقامة الشهادة، ولا اختلاف في المذهب في جوازها. وقد رأى بعضهم قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ يقضي في شهادة المرأتين في الرضاع والعيوب والولادة، ونحو ذلك أن تشهدا معًا ولا تكونا مفترقتين في ذلك، قال: لأن التذكير لا يكون إلا مع حضور وأنكر ذلك غيره ولم يره لازمًا.\nوقوله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nاختلف فيمن أريد بالشهداء في هذه الآية فذهب قتادة، وغيره إلى أنهم الذين يدعون إلى كتب شهادتهم. قالوا وفي هذا نزلت الآية لأنه كان الرجل في القوم الكثيرين يطلب من يشهد له فيتحرجون من الشهادة فلا يقوم معه أحد فنزلت الآية في ذلك. وقال مجاهد: هم الذين يدعون لأداء ما عندهم من الشهادة. وأسند بعضهم إلى النبي ضلى الله عليه وسلم أنه فسر بهذا. وذهب الحسن إلى أن الآية جمعت الأمرين أداء الشهادة وتحصيلها. وقد اتفق الفقهاء على إيجاب أداء الشهادة لهذه الآية ولقوله تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾ الآية. واختلفوا في تحصيلها هل هو واجب على كل من دعي إليها أم لا؟ فذهب جماعة إلى أن من دعي","vol":"1","page":433},{"text":"إلا استحفاظ الشهادة فواجب عليه أن يجيب، وحملوا الآية على أن المراد بها ذلك وحده أو الأمران جميعًا. وذهب الأكثرون إلى أن ذلك غير واجب ورأوا أن الآية إنما هي في أداء الشهادة قالوا: لأن الشاهد لا يصح أن يسمى شاهدًا حتى يكون عنده علم بالشهادة وأما قبل أن يعلم فليس بشاهد ولا داخل تحت قوله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء﴾.\nوقوله تعالى: ﴿ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرًا أو كبيرًا﴾ إلى قوله: ﴿إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]. لما علم الله تعالى مشقة الكتاب نص على رفع الجناح في تركه في كل مبايعة بنقد وأمر بالإشهاد لأنهما يتناجزان في قبض الثمن والمثمن، ولم يحتاجا إلى كتبه، لأن الغالب أنه لا يطرأ النسيان في مثل ذلك لقربه. وهذا والله أعلم [إنما هو] فيما قل من الأشياء، كالمأكول وشبهه، لا فيما يكثر كالأملاك وشبهها.\nواختلف هل يشهد الشاهد على معرفة خطه في وثيقة لم ير فيها محوًا ولا بشرًا، ولا لحقًا، ولا أمرًا مستنكرًا. ورأى الكتاب شيئًا واحدًا إلا أنه لم يتذكر علمها. فقال ابن القاسم: لا يشهد حتى يحفظ القصة. وقال بعضهم في رواية الجواز أنها أوسع لأن حفظ ذلك صعب لا يستطاع عليه لكثرة الأمر. ويدل على صحة هذا القول قوله تعالى: ﴿ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا﴾ أي لا تشكوا وقد علم تعالى أن الناس ينسون. فلهذا أمر","vol":"1","page":434},{"text":"بالكتاب. وقوله ﷿: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nوقوله: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤] أي للذكرى. وقال عبد الحق الصقلي عن بعض القرويين: ظاهر كتاب الله تعالى يدل على جواز هذه الشهادة لأنه تعالى أمر بالإشهاد وبالكتاب، فلو كان الكتاب إذا رآه الشاهد لا يشهد حتى يعرف الشهادة لم يكن للكتاب معنى وصار وجوده وعدمه سواء، قال عبد الحق: في هذا الاستدلال نظر لأنه لعله إنما أراد بالكتاب لعله يتذكر به قال: ومما يستدل به على منع جواز هذه الشهادة من القرآن قوله تعالى: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ [يوسف: ٧] والذي عرف الخط لم يعلم الشهادة، وإنما علم خطه. وقوله تعالى: ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾ والشهادة على ذلك ليست بالشهادة على وجهها. ومما احتج به بعضهم للمنع قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ وكذلك اختلفوا إن عرف الشاهد خطه، وتذكر على الإشهاد، ولم يعلم مبلغ الحق، فقيل: لا يقضي بها القاضي وقيل: يقضي بها إن لم يرتب، والروايتان عن مالك. ووجه النظر فيها والاستدلال حسبما تقدم.\nوقوله تعالى: ﴿تديرونها بينكم﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nيقتضي القبض والبينونة بالمقبوض، ولما كانت الرباع والأرض وكثير من الحيوانات لا تقبل البينونة به ولا يغاب عليه حسن في ذلك الكتاب ولحق في ذلك بمبايعة الدين.\nوقوله تعالى: ﴿ذلكم أقسط عند الله﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢].\nتدل على أنه تعالى إنما أمر بالإشهاد وبالكتاب احتياطًا للمتداينين قال بعضهم: وإذا صح ذلك فالحتياط للنكاح أولى حتى [لا] يستشهد من ليس مرضيًا من فاسق، ومجلود في قدف، وكافر، وغير ذلك خلافًا لمن","vol":"1","page":435},{"text":"زعم أن تلك الشهادة ليست للاحتياط. والصحيح أن الشهادة إذا كانت في موضع الندب للاحتياط ففي موضع الوجوب أولى أن تكون للاحتياط.\nواختلف في قوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ هل هذا الأمر فيه محمول على الوجوب أم الندب؟ فذهب الشعبي، والحسن وغيرهم إلى أنه على الندب. وذهب ابن عمر وغيره إلى أنه على الوجوب. وكان ابن عمر يفعل ذلك في قليل الأشياء وكثيرها، ورجح الطبري هذا.\nوفي قوله تعالى في تجارة النقد ﴿فليس عليكم جناح ألا تكتبوها﴾ دلالة على أن عليهم كتب الدين المؤجل والإشهاد فيه وأن الجناح يلحقهم إذا لم يكتبوه. وهذا مما يقوي القول بالوجوب في ذلك. وقد أجاب بعضهم عن هذا بأن المراد بالجناح هنا الضرر أي لا ضرر عليكم في حياطة الأموال.\nوقيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣].\nوقوله: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nاختلف في معناه فقيل: لا يضار الكاتب ما لم يمل عليه ولا يضار الشاهد، بأن يزيد في الشهادة أو ينقص منها ولا يضار بأن يمتنعا. والأصل في يضار على القولين يضارر بكسر الراء. وقيل: لا يضارا بان يؤديهما طالب الكتب أو الشهادة فيقول: اكتب لي واشهد لي في وقت","vol":"1","page":436},{"text":"عذر وشغل الكاتب أو الشاهد وأصل يضار على هذا القول يضارر بفتح الراء.\nوقوله تعالى: ﴿وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم﴾ [البقرة: ٢٨٢] عائد على ذكر المضارة.\nقوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾ إلى قوله: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣، ٢٨٤].\nمذهب مالك وجميع أصحابه وغيرهم إجازة الرهن في السفر والحضر خلافًا لأبي حنيفة، ومجاهد، وداود، في قصرهم ذلك على السفر تعلقًا منهم بدليل خطاب الآية. ولا حجة لهم فيها لأن ذكر الرهن في السفر ليس دليلًا على منه في الحضر بل أراد تعالى أن ينبه على جواز الرهن إذا منع عذر من الانتقاد فذكر السفر إذ قد يكون أحد الأعذار المانعة من الانتقاد تنبيهًا على سائر الأعذار. فالرهن في الحضر أيضًا مشار إليه بالآية على هذا الوجه، وأيضًا فإنه قد رهن رسول الله ﷺ درعه عند يهودي في شعير استلفه. وتوفي ﷺ وتلك الدرع مرهونة. وكان هذا منه -عليه الصلة والسلام- في الحضر فهذا يذهب حكم دليل الخطاب في الآية لو قلنا به.\nواختلف في الرهن في السلم فلم يجزه بعضهم والجمهور على الجواز. وحجة الجواز قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان﴾ الآية. فعم. والرهن يجوز ويلزم بالعقد ولا يتم إلا بالحيازة لقوله","vol":"1","page":437},{"text":"تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ هذا مذهب مالك وجميع أصحابه. وذهب الشافعي، وأهل العراق إلى أنه لا يكون رهنًا ختى يكون مقبوضًا. وفائدة الخلاف أن الراهن عندنا لا يكون له الرجوع في الرهن وإن لم يقبضه المرتهن. وعندهم أنه لا يلزمه حتى يقبضه. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ وقالوا لما وصفها الله تعالى بالقبض وجب أن يكون ذلك من شروط كونها رهنًا، وأن يكون القبض مصاحبًا لها كما أنه لما وصف الرقبة بالإيمان، كان الإيمان شرطًا مصاحبًا لها. وقالوا ولأن قوله فرهان مقبوضة لا يخلو إما أن يكون خبرًا أو أمرًا فإن كان خبرًا كان شرطًا فيها لامتناع أن يقع الخبر بخلاف مخبره، وإن كان أمرًا فهو على وجوبه والدليل على صحة قولنا قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١] والعقد قد حصل لأنه الإيجاب والقبول وذلك موجود. وأيضًا فإنه قال: ﴿فرهان مقبوضة﴾ فجعل القبض نم صفاتها فدل ذلك على أنها تكون رهنًا قبل القبض لأن وصف الشيء بصفة يجب أن يكون معنى زائدًا على وجوده. واختلف في الرهن يوضع على يدي عدل فقالت طائفة: لا سصح وليس بمقبوض ولا يكون شاهدًا ولا يكون أحق به من الغرماء والذي ذهب إليه مالك أنه مقبوض فيكون بذلك شاهدًا له ويكون أحق به من الغرماء.\nوالذي ذهب إليه مالك أنه مقبوض. وقيل: إنه لا يكون شاهدًا إذا كان على يدي عدل، وهو ظاهر قول مالك في «موطئه» وحجة القول بأنه مقبوض قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ معناه مقبوضة من الراهن. وهذا موجود في هذا الرهن، فهو إذا مقبوض. واختلف في استدامة القبض هلى هي شرط في صحة الرهن أم لا؟ فالمذهب على أنه شرط فمتى عاد إلى يد الراهن برضى من المرتهن على أي وجه خرج فقد زال عن الرهن. وقال","vol":"1","page":438},{"text":"الشعبي ليس ذلك بشرط ولا يخرج من الرهن بعوده إلى يد الراهن.\nوقال أبو حنيفة إن رجع بكراء بطل وإن رجع بوديعة أو عارية لم يبطل.\nودليل المذهب قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ فعم سائر أحوال الرهن.\nواختلف في شهادة الرهن فذهب بعضهم إلى أن القول قول المرتهن فيما رهن وإن كان ما ادعى أكثر من قيمة الرهن فجعلوا شاهدًا له بجميع دينه. وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن القول قول الراهن قل أو كثر ما ادعاه فلم يجعلوا للراهن شهادة. واستدل بعضهم لهذا القول بقوله تعالى: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ قال: فهذا يدل على أنه مؤتمن، فيقتضي ذلك قبول قول الراهن إذا اختلف هو والمرتهن في مقدار الدين، والراهن هو الذي عليه الحق. قال: وربما رهن الشيء بالقليل والكثير. وذهب مالك وجميع أصحابه إلى أن القول قول المرتهن فيما رهن فيه الرهن ما لم يجاوز قيمة الرهن، فكأن الرهن شاهد بقيمته. هذا القول أعدل الأقوال. ولو لم يكن الرهن شاهدًا، وكان كما يقول من ذكرنا لم يكن لقوله ﷿: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ معنى لأنه إذا ائتمنه ولم يستوثق منه بالرهن فيما داينه به. فالقول قوله أيضًا فيما يقر به من الدين ولا يجوز أن تكون الحالة الثالثة كالتي قبلها، فالقرآن دال على خلاف قول من ذكرنا.\nوعندنا أنه يصح عقد الرهن قبل وجوب الحق، فإذا وجب الحق كان رهنًا بذلك العقد، ولا يحتاج إلى استئناف عقد ثان. وكذلك يصح تقديم الضمان على الحق المضمون. زقال الشافعي: لا يصح ذلك. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ فعم.","vol":"1","page":439},{"text":"واختلف في رهن المشاع فأجازه مالك وأصحابه ولم يجزه أبو حنيفة. والحجة على من لم يجزه أنهم إن سلموا أن قبضه يصح، فالظاهر تناوله بقوله فرهان مقبوضة. وإن منعوه دللنا عليه بأن صفة القبض متساوية. وقد ثبت أن بيع المشاع جائز، وأن بيع ما لا يمكن قبضه لا يصح. فإذا صح البيع فيه صح قبضه كالمقسووم. وإذا كان لرجل على رجل دين فباع من عليه الدين ممن له الدين شيئًا وجعل الدين عليه رهنًا. فروى ابن القاسم عن مالك أنه لا يجوز ويصح الرهن. وقال غيره من العلماء: لا يجوز لأنه لا يتحقق إقباضه له والقبض شرط لزوم الرهن ودليل القول الأول عموم الآية. وإذا رهن الرجل عند الرجل رهنًا على حق ثم استزاده شيئًا آخر على ذلك الرهن جاز وكان رهنًا بالحقين خلافًا لأبي حنيفة والشافعي لقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ فعم كل دين يجوز أخذ الرهن به. وكل رهن يجوز ارتهانه بكل دين. وإذا ارتهن الرجل رهنًا على أنه إن جاء الراهن بالثمن، وإلا فالرهن للمرتهن صح الرهن عندنا وبطل الشرط وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: يبطل الرهن. ودليلنا على أنه لا يبطل قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾. ورهن المجهول والغرر يجوز. وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجوز. ودليلنا عموم قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ فعم. والمكاتب والعبد المأذون يجوز ان يرهن. وذهب الشافعي إلى أنه لا","vol":"1","page":440},{"text":"يجوز. ودليلنا ﴿فرهان مقبوضة﴾ فعم العبد والمكاتب. وقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ ليس في هذه دليل على حكم الرهن إذا قبض فهلك فأحاله من الضمان؟ لأن القبض إذا حصل بحكم الآية بقي النظر فيه هل يحكم لذلك القبض بحكم الأمانة أم لا؟ فذهب أبو حنيفة إلى أنه مضمون منه من غير تفصيل. وذهب الشافعي إلى أنه غير مضمون منه من غير تفصيل. وفرق مالك بين ما يغبا عليه وما لا يغاب عليه. وعنه إذا قامت بينة على التلف مما يهاب عليه قولان. ومن حجة الشافعي قوله -﵊-: «الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه» وهذا يحتمل أن يريد إذا ظهر هلاكه فلا يكون فيه حجة. وقد جاء عنه﵊- قال: «الرهن بما فيه» وهذه عبارة عن وجوب صمانه على","vol":"1","page":441},{"text":"المرتهن.\nوقوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣].\nقد استدل بعضهم بهذه الآية في مسألة اختلاف المتبايعين للسلعة إذا اختلفا في أجل الثمن على المبتاع إذا قبض السلعة، فإن القول قوله سواء أقر له البائع أم لا؟ . وفي المسألة اختلاف كثير. وكذلك اختلفا في عدد الثمن قال: لأن القبض ائتمان فإذا دفع السلعة إلى المبتاع ولم يتوثق بالشهادة وجب أن يكون القول قوله.\nقوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه﴾ الآية [البقرة: ٢٨٤].\nاختلف في هذه المسألة هل هي منسوخة أم محكمة. والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة قالوا لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب سيدنا محمد ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ فنسخ بهذه الآية تلك.\nوهذا قول ابن عباس، وأبي هريرة، والشعبي، وغيرهم. والذبن ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها. فقال بعضهم: هي في كتمان الشهادة وإظهارها وهو قول ابن عباس والشعبي أيضًا وعكرمة وغيره.\nفهذان قولان للشعبي في الآية. وقال آخرون: معناها أن الله تعال يحاسب خلقه على ما عملوا وعلى ما لم يعملوا بما ثبت في نفوسهم وأضمروه","vol":"1","page":442},{"text":"ونووه وأرادوه، فيغفر للمؤمنين، ويؤاخذ بها أهل الكفر والنفاق. وهذا القول أيضًا لابن عباس. فهذه ثلاثة أقوال لابن عباس في الآية. وقال مجاهد: الآية قيما يطرأ على النفوس من الشك واليقين. وقال آخرون: ما هم الرجل له من الذنوب في الدنيا عوقب به على ذلك بما يصيبه من الهم الحزن. وهذا القول لعائشة. والأحسن في الآية أن لا تكون منسوخة لانها خبر، والأخبار لا تنسخ إلا أن تكون الآية الثانية إنما نسخت الشدة اللاحقة أصحاب النبي ﷺ عند نزول الأولى فيكون من قولهم نسخت الريح الأمر أي أزالته. ومن قولهم نسخت الشمس الظل إذا أزالته وحلت محله.\nفكأن اللين الذي في الآية الأخرى أزال الشدة التي في الأولى وحل محلها والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>سورة آل عمران</span>\nهذه السورة مدنية، واسمها في التوراة طيبة، كذا ذكر بعضهم، وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>(٧) - قوله تعالى: ﴿منه آيات محكمات﴾:</span>\nقد اختلف العلماء في تفسير المحكم والمتشابه اختلافًا كثيرًا.\nوالصحيح على مقتضى اللغة أن المحكم يرجع إلى معنيين:\nأحدهما: المكشوف المعنى الذي لا يتطرق إليه احتمال ولا إشكال، والمتشابه ما يتعارض فيه الاحتمال. والثاني: أن المحكم ما انتظم وترتب ترتيبًا مفيدًا إلا أن هذا لا يقابله متشابه، وإنما يقابله المثبج والفساد.","vol":"2","page":5},{"text":"وقد يجوز على مقتضى اللغة أن يعبر بما يتشابه في اللفظ المشترك، وقد يطلق على ما ورد من صفات الله تعالى ما يوهم ظاهره الجهة والتشبيه. وقد سمى الله تعالى المحكمات: ﴿أم الكتاب﴾ [آل عمران: ٧]، أي أصل الكتاب، وذلك يقتضي رد المتشابهات إلى المحكمات لتفهم منها، فيؤخذ من هذا أن المتشابه هو المحتمل للمعاني، فيعرف المراد منه برده إلى المحكم وإن كان كثير منه يستدل بالأدلة العقلية على معرفة المراد منه.\nوقد يجوز أن تسمى المحكمات بمعني أنها أنفع للناس وأفضل من المتشابهات، كما تسمى فاتحة الكتاب: ﴿أم الكتاب﴾، ومكة: ﴿أم القرى﴾، وقد يجوز أن تسمى المحكمات؛ لأن معناها بين، فتنبسط منه الفوائد، وتقاس عليه المسائل. والذي يرجع إلى الأحكام من هذا أن تأويل ما يتعلق بالأحكام الشرعية واجب، وما لا يتعلق بها فلا يجب تأويله.\nوهل يحرم أم لا؟ اختلف فيه، وقد ظن قوم أنه لا يجوز؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ الآية [آل عمران: ٧]، وجعلوا الوقف عند قوله: ﴿إلا الله﴾. ومن الناس من حرم تأويل المتشابهات تعويلًا على ذلك الظاهر. والأكثر على جواز التأويل، وعلى ذلك اختار قوم","vol":"2","page":6},{"text":"الوقف على قوله: ﴿والراسخون في العلم﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>(٢٨) - قوله تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين﴾:</span>\nوهذا النهي إنما هو أن يظهر الإنسان اللطف بالكفار والميل إليهم، وأن كان لا يعتقد ذلك. وقد اختلف في سبب هذه الآية. فقال ابن عباس: كان كعب بن الأشرف، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد وقد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر، وعبد الله بن جبير، وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر: احتنبوا أولئك اليهود، واحذروا مباطنتهم؛ فأبى ذلك النفر إلا مباطنة اليهود، فنزلت الآية.\nوقال آخرون: نزلت الآية في قصة حاطب بن أبي بلتعة وكتابه إلى أهل مكة. والآية عندي على العموم في هذه القصة وغيرها.","vol":"2","page":7},{"text":"ويدخل تحتها فعل أبي لبابة في إشارته إلى حلقه حين بعثه النبي ﷺ في استنزال بني قريظة، ثم أباح الله تعالى اتخاذهم أولياء في الظاهر بشرط الاتقاء، فقال: ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾، وذهب قتادة إلى أن معنى الآية ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ من جهة صلة الرحم أي ملامة، فالآية عنده مبيحة للإحسان إلى القرابة من الكفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>(٣٥) - قوله تعالى: ﴿إذ قالا امرأة عمران رب إني نذرت لك﴾</span>.\nهذا النذر غير معمول به في شريعتنا، فلا يجوز لأحد أن يحبس ولده على مسجد من المساجد. وكان هذا المعنى للتحبيس على الكنائس في شرع من قبلنا عرفًا في الذكور خاصة. وكان فرضًا على الأبناء التزامه، فمعنى الآية: جعلت نذرًا على أن يكون هذا المولود الذي في بطني محررًا من كل خدمة وشغل. والبيت الذي نذرت له هو بيت المقدس، فإن قيل: كيف كان التحبيس شرطًا في الذكور خاصة، قد قالت امرأة عمران أم مريم: ﴿ما في بطني﴾، ولم تخص ذكرًا من أنثى.\nقيل: جزمت الدعوة رجاء منها أن يكون ذكرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>(٣٦) - وقله تعالى: ﴿وإني سميتها مريم﴾</span>.\nفيه دليل على جواز تسمية الأطفال عند الولادة؛ لأنها قالت","vol":"2","page":8},{"text":"هذا بأثر الوضع، وهي مسألة قد اختلف فيها، فذهب قوم إلى أنه لا يجوز أن يسمى المولود إلا يوم سابعه، وذهب مالك إلى أنه يسمى إلى استهل صارخًا وأن السقط لا يسمى، وذهب قوم إلى أنه يسمى يوم ولادته وإلى هذا ذهب ابن حبيب، واستحب أيضًا أن يسمى السقط لما روي من رجاء شفاعته. وحجة من أجاز تسميته يوم الولادة الآية المتقدمة. وإنما تصح الحجة بها على قول من يرى أن شريعة من قبلنا شرع لنا.\nولكنه قد جاء أيضًا عن النبي ﷺ ما يدل على أن ذلك أيضًا في شريعتنا؛ وذلك قوله ﵊: «ولد لي الليلة مولود سميته إبراهيم»؛ وإن كان يروى عنه ﵊، أنه في اليوم السابع يعق عن المولود ويسمي.","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>(٣٧) - قوله تعالى: ﴿وكفلها زكريا﴾:</span>\nأصل في الحضانة، ومعنى كفلها زكرياء أي ضمها إليه وقام على أمرها. وقرئ: ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ بالتشديد، زكرياء بالنصب، أي: أوجب كفالتها بالقرعة التي أخرجها له. والآية التي أظهرها لخصومه فيها.\nوذلك أن زكرياء ﵇ وخصومه فيها لما تنازعوا أيهم يكفلها تشاهموا بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة. وقيل: بأقلام بروها كالقداح. زقيل: بعصي لهم فرموا بها في نهر الأردن، فصعد قلم زكرياء بالجرية وانحدرت قداح الآخرين. وقيل: إن أقلام القوم عامت على الماء معروضة كما تفعل العيدان، وبقي قلم زكرياء موتدًا واقفًا كأنما ركز في طين، فكفلها زكرياء ﵇ بهذا الاستهام؛ فذلك قوله تعالى: ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾ الآية [آل عمران: ٤٤]، وكان زكرياء قد قال لهم: أن أحق بها منكم؛ لأن عندي أختها أو خالتها على اختلاف في ذلك؛ لأنه قيل: إن زوجته أميحيى كانت خالة مريم، وقيل: أختها، فحكم الله تعالى بها لزكرياء، لموضع أختها أو خالتها، وعلى هذا","vol":"2","page":10},{"text":"شرعنا؛ لأنه قضى بابنة حمزة لجعفر بن أبي طالب إذ تنازع علي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، فقال علي: هي ابنة عمي، وعندي بنت رسول الله ﷺ فأنا أحق بها.\nوقال جعفر: هي ابنة عمي وعندي خالتها، فأنا أحق بها. وقال زيد بن حارثة: هي ابنة أخي، وتجشمت لها السفر. وكان قد خرج زوجها وليًا من أولياء المحضون فهي أحق به من سائر الأولياء، وإن كان زوجها أبعد منهم، إلا على مذهب ابن وهب في أن الزوج يسقط حضانة","vol":"2","page":11},{"text":"الحاضنة، وإن كان ذا رحم من المحضون. اختلف في السبب الذي كفلها له زكرياء، فالأصح أنها كانت يتشاءمون في ذلك الزمان في المحرر عند من يكون من القائمين بأمر المسجد، فيتساهمون عليه، وأنهم فعلوا ذلك في مريم.\nوقال ابن إسحاق: إنها لما ترعرعت أصابت بني إسرائيل مجاعة، فقال لهم زكرياء: قد عجزن عن إنفاق مريم فاقترعوا على من يكفلها ففعلوا، فخرج السهم على رجل يقال له: جريج، فجعل ينفق عليها وحينئذ، كان زكرياء يدخل عليها المحراب عند جريج فيجد عندها الرزق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>(٤١) - قوله تعالى: ﴿قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا﴾</span>.\nاختلف في صمت زكرياء، هل كان على اختيار منه أم لا؟\nفالذين ذهبوا إلى أنه عن اختيار منه احتلفوا في الآية، هل هي محكمة أو منسوخة.","vol":"2","page":12},{"text":"فذهب قم إلى أنها محكمة، ليس في شريعتنا ما نسخها، على القول بأن شريعة من قبلنا لازمة لنا أولا. أما على القول بخلاف ذلك لا يحتاج إلى نظر فيها، هل هي محكمة أو منسوخة؟\nوتأولوا قوله ﵊: «لا صمت يوم إلى الليل» على أن معناها: لا يصمت أحد فلا يذكر الله تعالى يومًا إلى الليل، وهذا محضور في كل شريعة.\nوالذين ذهبوا إلى أنها منسوخة، قالوا: نسخها قوله ﵊: «لا وصال في الصيام، ولا يُتم بعد احتلام، ولا عتق قبل ملك، ولا طلاق قبل نكاح، ولا صمت يوم إلى الليل، ولا وفاء بنذر في معصية الله».\nقالوا: فنسخ إباحة الصمت وهذا النسخ، إنما يجوز على قول الكوفيين ومن تابعهم.\nوالذين ذهبوا إلى أن صمته لم يكن اختيارًا منه، وإنما منع الكلام فلم","vol":"2","page":13},{"text":"يقدر عليه، فلا شك أن الآية عندهم محكمة. وقد اختلف في السبب ال ١ ي لأجله منع الكلام زكرياء ﵇. فقال بعضهم: إنه قال: يا ري إن كان ذلك الكلام من قبلك والبشارة حقًا فاجعل لي علامة أعرف بها صحة ذلك، فعوقب على هذا الشك في أمر الله، بأن منع الكلام ثلاثة أيام مع الناس.\nوقيل: لم يشك قط زكرياء، وإنما سأل عن الجهة التي يكون بها الولد وتتم البشارة، فلما قيل له: ﴿كذلك الله يفعل ما يشاء﴾، سأل علامة على وقت الحمل ليعرف متى يحمل بيحيى. واختلف هل كان منعه الكلام بآفة نزلت به أم لا؟ فقيل: ربا لسانه في فيه حتى ملأه ثم أطلقه الله بعد ثلاث، وقيل: أخذ الله تعالى علي لسانه فجعل لا يقدر على الكلام؛ فهذان القولان لمن رأى ذلك لآفة. وقال قوم: لم تكن آفة، ولكنه منع محاورة الناس، فلم يقدر عليها، وكان على ذكر الله والركز والإشارة. وقد اختلف في من حلف أن لا يكلم إنسانًا فأشار إليه بالسلام هل يحنث أم لا؟ فقال ابن عبد الحكم: لا يحنث. وقال مالك:","vol":"2","page":14},{"text":"يحنث، واحتج به ابن حبيب في أن الإشارة بالسلام كلام؛ لقوله تعالى لزكرياء ﵇: ﴿قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا﴾، يريد ابن حبيب: أن الله تعالى جعل الرمز كلامًا وهو الإشارة بعينها.\nوقال عيسى عن ابن القاسم: لا أرى الإشارة بالسلام كلامًا، مثل قول ابن عبد الحكم. وقد اختلف فيمن حلف أن لا يكلم إنسانًا فكتب إليه أو أرسل رسولًا، فقرأ المحلوف عليه الكتاب أو بلغه الرسول، على أقوال في المذهب، فقيل: يحنث، وروي ذلك عن مالك.\nواحتج له بقوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله وحيًا أو من وراء حجاب﴾ [الشورى: ٥١]، أو يرسل رسولًا. وهو بعيد؛ لأن الصحيح في الاستثناء أنه منفصل. وقيل: لا يحنث، وهو قول أشهب وابن عبد الحكم وابن شهاب. وقيل: يحنث إلا أن ينوي المشافهة، وهو الذي رجع إليه مالك. وقيل: يحنث في المتابة، إلا أن ينوي المشافهة،","vol":"2","page":15},{"text":"ولا يحنث في الرسول، رواه أشهب عن مالك. واحتج أبو عبيد للقول بانه لا يحنث بالكتاب ولا بالإشارة، فقال: الكلام غير الخط والإشارة. وأصل هذا أن الله تعالى قال: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا﴾، وقال في موضع آخر: ﴿فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًا﴾ [مريم: ١١]، والرمز والإشارة بالعين والحاجب، والوحي الخط والإشارة، ويقال: كتب وأشار إليهم وفي قصة مريم: ﴿فلن أكلم اليوم إنسيًا﴾ [مريم: ٢٦]، ثم قال: ﴿فأشارت إليه﴾ [مريم: ٢٩]، فصار الإيماء والخط خارجين عن معنى النطق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>(٤٤) - قوله تعالى: ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾:</span>\nاستدل جمهور العلماء بهذه الآية على صحة الحكم بالقرعة، وكان النبي ﷺ إذا سافر أقرع بين نسائه. وقال ﵊: «لو","vol":"2","page":16},{"text":"يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه». وشذ قوم فلم يروها جملة وجعلوه قمارًا، وأجاز أبو حنيفة ومن تابعه القرعة في الربع ولم يجيزوها في العبيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>(٧٥) - قوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا تؤده إليك ما دمت عليه قائمًا﴾:</span>\nأقام بعض الناس من هذه الآية اتخاذ السجن والحبس فيه؛ لقوله تعالى: ﴿ما دمت عليه قائمًا﴾. واستدل بعضهم به على جواز ملازمة الغريم الذي ثبت غرمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>(٧٧) - قوله تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة﴾:</span>\nاختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية، فقال عكرمة: نزلت في أحبار اليهود، أي رافع وكنانة بن أبي الحقيق، كعب بن الأشرف، وحيي بن الأخطب تركوا عهد الله في التوراة للمكاسب والرئاسة","vol":"2","page":17},{"text":"التي كانوا بسبيلها. وقيل: نزلت بسبب خصومة الأشعث بن القيس مع رجل من اليهود في أرض فوجبت اليمين على اليهودي، فقال الأشعث: إذًا يحلف يا رسول الله، ويذهب بمالي، فنزلت.\nوقيل: إن الأشعث اختصم في أرض مع رجل من قرابته فوجبت اليمين على الأشعث، وكان في الحقيقة مبطلًا قد غصب تلك الأرض في جاهليته، فنزلت الآية، فنكل الأشعث عن اليمين وتحرج وأعطى الأرض وزاد من عنده أرضًا أخرى. وقيل الآية بسبب رجل أقام سلعة في السوق أول النهار، فلما كان من آخره جاء رجل يساومه فحلف حانثًا لقد منعها في أول النهار من كذا وكذا ولولا المساء ما باعها، وفنزلت الآية.\nواختلف العلماء في من قال: «علي عهد الله»، فقال مالك وجماعة: من حلف بذلك وحنث فعليه الكفارة سواء نوى اليمين أم لا.","vol":"2","page":18},{"text":"وقال عطاء: ليس ذلك بيمين إلا أن ينوي اليمين، وهو قول الشافعي.\nوحكي عن أحمد أنه ليس في العهد كفارة، قال: هي أعظم من أن يكون فيها كفارة.\nوحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم﴾ الآية، فخص عهد الله بالتقدمة على سائر الأيمان، فدل على تأكيد الحلف به، ولذلك قال إبراهيم: كانوا ينهونا عن الحلف بالعهد، وليس ذلك إلا لغلظ اليمين به وخشية التقصير في الوفاء به، وقال تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله﴾ الآية [التوبة: ٧٥]، فذمهم على ترك الوفاء.\nوقال ابن القصار: مما احتج به قوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾ [النحل: ٩١]، فأمر بالوفاء ثم بعهده ثم عطف بقوله: ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾، ولم يتقدم غير العهد، فعلمنا أنه يمين مؤكد. واختلف في اليمين الغموس هل فيه كفارة؟ وفي الآية حجة","vol":"2","page":19},{"text":"لقول الجمهور من العلماء في أن الكفارة فيها؛ لأنه تعالى ذكر في هذه اليمين المقصود بها الحنث والعصيان والعقوبة والإثم، ولم يذكر فيها الكفارة. فدل ذلك على أن ليس فيها كفارة، وقد قال النبي ﷺ: «من حلف على يمين صبر يقتطع بها من مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غصبان».\nوقال سعيد ابن المسيب: اليمين الفاجرة من الكبائر وتلا هذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>(٨٥) - قوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾</span>.\nاختلف الناس في الإيمان والإسلام هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ وليس في هذه الآية دليل على أحد القولين. ونبه تعالى بهذه الآية على أنه لا يقبل من آدمي غير دين الإسلام، وهو دين كل من سمى الأنبياء قبل هذه الآية. وهي الحنيفية السمحة،","vol":"2","page":20},{"text":"كذا قال جماعة من المفسرين. وقال عكرمة: لما نزلت هذه الآية، قال أهل الملل للنبي ﷺ: قد أسلمنا قبلك ونحن المسلمون، فقال الله تعالى له: «حجهم يا محمد»، وأنزل عليه: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾ [آل عمران: ٩٦]، فحج المسلمون وقعد الكفار. وذكر عن ابن عباس أنه قال: نزلت ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر﴾ إلى قوله: ﴿ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: ٦٢]، ثم أنزل الله تعالى بعدها: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه﴾ الآية [آل عمران: ٨٥].\nوهذه إشارة إلى النسخ، وقال بعضهم: إن قوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلم دينًا﴾ الآية نزلت في الحارث بن سويد وكان مسلمًا ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم فأرسل إليه قومه أن يسألوا رسول الله ﷺ: هل لي من توبة؟ قال: فنزلت، فأرسل إليه قومه فأسلم. وقال السدي: نسخ الله تعالى بقوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [آل عمران: ٨٩]، قوله: ﴿أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله﴾ [آل عمران: ٨٧]، وهذا الذي ذكره لا يصح على حقيقة النسخ. وقال عكرمة: نزلت هذه الآية في أبي عامر الراهب والحارث بن سويد وابن الأسلت في اثني عشر رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش ثم كتبوا إلى أهليهم: هل لنا من توبة؟ فنزلت الآية.","vol":"2","page":21},{"text":"وقال ابن عباس أيضًا والحسن بن أبي الحسن: نزلت في اليهود والنصارى شهدوا مبعث النبي ﷺ وآمنوا به، وقال بعضهم: نزلت في طعمة بن أبيرق.\nوفي هذه الآية دليل على قبول توبة المرتد، خلافًا لمن لم يقبلها.\nوقد تقدم الكلام على هذه المسألة عند قوله: ﴿ومن يرتد منكم عن دينه﴾ [البقرة: ٢١٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>(٩٠) - قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون﴾:</span>\nاختلف المفسرون في الكفر المزداد ما هو؟ فقال الحسن وغيره: الآية في اليهود، كفروا بعيسى ﵇ بعد الإيمان بموسى ﵇، ثم ازدادوا كفرًا بسيدنا محمد ﷺ. وفي هذا القول ضعف؛ لأن الكافرين بعيسى بعد الإيمان بموسى ليسوا الكافرين بسيدنا محمد ﷺ. وقال أبو العالية: الآية نزلت في اليهود كفروا بسيدنا محمد ﷺ بعد إيمانهم بصفاته وإقرارهم أنها في التوراة، ثم ازدادوا كفرًا بالذنوب التي أصابوها في خلاف النبي ﷺ بالكفر والافتراء والسعي على الإسلام وغير ذلك. ويدخل في الآية على هذا القول المرتدون اللاحقون بقريش وغيرهم. وقال مجاهد: ازدادوا كفرًا أي ثبتوا على كفرهم حتى بلغوا الموت به، فهذا قول عام، ثم أخبر تعالى عن توبة","vol":"2","page":22},{"text":"هؤلاء غير مقبولة؛ فإن قيل: وكيف يصح ذلك على قولكم: إن توبة التوبة مقبولة، وقد قال تعالى: إنها غير مقبولة، فكيف الانحلال عن هذه الأنشوطة؟\nفالجواب أن العلماء قد اختلفوا في تأويل ذلك، فقال الحسن وغيره: نفي قبول توبتهم مختص بوقت الحشرجة والغرغرة والمعاينة. وقال أبو العالية: المعنى لن تقبل توبتهم من تلك الذنوب التي أصابوها مع إقامتهم على الكفر بسيدنا محمد ﷺ، فإنهم كانوا يقولون في بعض الأحيان: نحن نتوب من هذه الأفعال وهم مقيمون على كفرهم، فأخبر الله تعالى أنه لن تقبل تلك التوبة. وقال بعض المفسرين: إن الإشارة بالآية إلى قوم معينين ختم الله عليهم بالكفر، وجعل ذلك جزاء لجرمهم، وهم الذين أسار إليهم بقوله تعالى: ﴿كيف يهدي الله قومًا﴾ الآية [آل عمران: ٨٦]، فأخبر عنهم أنه لا يكون لهم توبة فيتصور قبولها، فتجيء كقول علقمة: «علي لا حب لا يهتدي بمنارة»، أي ليس لهم توبة فتقبل كما أنه","vol":"2","page":23},{"text":"ليس ثم منار فيهتدى به. وهذا قول ضعيف لا يخلص عند السبر؛ لأن الآية بعدها تغني عن ذلك، وإن جعل الأولى خاصة والأخرى عامة، فمن يسلم له هذا. هذا، ولعل ذلك بالعكس بل لعلهما عامتان وهو الأظهر عندي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>(٩٧) - قوله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾:</span>\nتضمنت هذه الآية أن الأمن إنما يكون للداخل الذي يجني خارج الحرم ثم يلجأ إليه. وأما الجاني فيه فبخلاف ذلك، فالأكثر على إقامة الحد عليه فيه، حلافًا لمن منع ذلك من أهل العلم وحجة الجمهور ظاهر هذه الآية. وقد اختلف الناس أيضًا فيمن أصاب حدًا في غير الحرم من قتل أو زنا أو سرقة أو نحو ذلك، ثم لجأ إلى الحرم على حسب اختلافهم في تأويل هذه الآية، وهل هي محكمة أو منسوخة؟\nفقال قوم: بنص الآية أنه آمن لا يقام عليه حد ولا يخرج من الحرم لذلك حتى يخرج بنفسه، ولكنه لا يجالس ولا يبايع ولا يكلم حتى يخرج، فيؤخذ بما يجب عليه، وإن أتى في الحرم حدًا أقيم ذلك عليه","vol":"2","page":24},{"text":"فيه. روي ذلك عن ابن عباس وهو قول عطاء وغيره. واحتج أهل هذا القول بظاهر قوله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾، قالوا: فجعل الله تعالى بيته آمنًا لمن دخله، فداخله آمن من كل شيء وجب عليه حتى يخرج عنه، من أتى فيه حدًا فالواجب على السلطان أخذه؛ لأنه ليس ممن دخله مستجيرًا به، وإنما جعله الله تعالى أمنًا لمن دخله من غيره، وعلتهم في أنه لا يكلم حتى يخرج، أن يكون سببًا لخروجه وأخذ الحد.\nوقال قوم: لا يخرج من لجأ إلى الحم حتى يخرج منه ولم يحظروا مبايعته ولا مجالسته، وروي ذلك عن ابن عمر قال: لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هجرته. وحجتهم قوله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾.\nقالوا: ومن كان خائفًا من الاحتيال عليه فإنه غير آمن، فغير جائز إذايته بالامتناع من مكالمته وغير ذلك مما يضطره إلى الخروج.\nوقال أبو حنيفة: تقام في سائر الحدود الواقعة في غير الحرم سوى القتل والرجم في الزنا، وهذا ضعيف؛ فإن الأمن إذا اعتبر لم يتحقق مع إقامة سائر الحدود. وقال قوم: لا يجير الحرم ظالمًا، ومن اتى فيه ما يوجب حده أو لجأ إليه ممن وجب عليه حد أقيم عليه","vol":"2","page":25},{"text":"الحد وحيث وجد منه؛ لما جاء في الحديث الصحيح من أن الحرم لا يجير عاصيًا ولا فارًا بدم ولا فارًا بجزية، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي رحمهما الله.\nواحتج بعض أصحابنا بأن النبي ﷺ قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، لم تعذه الكعبة، وهذا القول أولى بالصواب؛ لأن الله تعالى أمر بإقامة الحدود ولم يخص بها مكانًا دو مكان. ومما يشهد لذلك أمرا النبي ﷺ بقتل الفواسق والمؤذية فيقوم الدليل من هذا أن كل فاسق استعاذ بالحرم أخذ بجريمته.\nواختلف الذين ذهبوا إلى هذا القول في تأويل قوله: ﴿كان آمنًا﴾، فقيل: كان ذلك في الجاهلية، ثم نسخ. وهذا قول","vol":"2","page":26},{"text":"ضعيف، وقيل: إن «من» هنا لمن لا يعقل، والآية في أمان الصيد، وهو قول شاذ. قال يحيى بن جعدة في معنى الآية: أي أن من دخل البيت كان آمنًا من النار.\nواختلف الناس في قوله تعالى: ﴿مقام إبراهيم﴾ أي مقام هو، فقيل: هو الحجر المعروف، وقيل: البيت كله، وقيل: مكة كلها، وقيل: الحرم. والضمير في قوله: «ومن دخله» يجوز أن يعود على المقام، ويجوز أن يعود على البيت، وهو قول الجمهور، وقالوا: إن المعنى يفهم منه أنه من دخل الحرم فهو في الأمن، إذ الحرم حرم للبيت، إذ هو بسببه ولحرمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>(٩٧) - قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾:</span>\nاختلف الناس في هذه الآية: هل هي من مجمل القرآن أو من عامه على قولين مشهورين:\nقول مالك وأكثر الفقهاء أنها عامة، والآية الأخرى خبر في معنى الأمر.\nوقد أجمع العلماء على أن على الإنسان في عمره حجة واحدة إذا كان مستطيعًا. واحتلفوا في الاستطاعة: فزعم قوم أنه من قدر على","vol":"2","page":27},{"text":"الوصول إلى البيت راجلًا أو راكبًا مع السبيل الآمنة المسلوكة فهو مستطيع، وإلى هذا ذهب مالك في المشهور عنه وغيره. وزعم قوم: أن الاستطاعة الزاد والراحلة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي والثوري وغيرهم. وروي نحوه عن مالك، وحجة قول مالك المشهور عنه قوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سيبلًا﴾، وإذا كانت الحال التي ذكرنا فالاستطاعة موجودة، وقوله تعالى: ﴿يأتوك رجالًا﴾ الآية [الحج: ٢٧].\nومن حجة أهل القول الثاني ما وري عن النبي ﷺ من قوله: «السبيل: الزاد والراحلة»، وهذا الحديث أحد رواته ابن معين وغيره، مع أن التأويل يدخله دخولًا حسنًا.\nواختلف في الحج مع لزوم الغرامة، فمنع من ذلك بعض أصحاب مالك جملة، ورأى أن فرض الحج قد سقط بذلك. وذهب أكثرهم إلى أن الغرامة الكثيرة تسقط الفرض واليسيرة لا تسقطه، وهذا القول أظهر؛ لأن الاستطاعة مع هذا موجودة إذا كان ما يغرمه لا يشق عليه وجوده، فهو ممن أوجب الله تعالى الحج عليه بقوله: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾ الآية.","vol":"2","page":28},{"text":"واختلف قول مالك فيم يخرج إلى الحج على أن يسال جائيًا وذاهبًا، وليست تلك عادته في إقامته؛ فروى عن هـ ابن وهب أنه قال: لا بأس بذلك. وقيل له: فأن مات في الطريق؟ قال: حسابه على الله.\nوروى عنه ابن القاسم أنه قال: لا أرى للذين لا يجدون ما ينفقون أن يخرجوا إلى الحج والغزو ويسألون، وإني لأكره ذلك؛ لقول الله ﷾: ﴿ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج﴾.\nواختلف في الابن غذا بذل للأب الاستطاعة التي هي المال، هل يلزمه فرض الحج أم لا؟ ففي المذهب أنه لا يلزمه الفرض؛ لأنه غير مستطيع بنفسه فلا يلزمه قبوله. وقال الشافعي: يلزمه قبول الاستطاعة لأنه صار بمنزلة الواجد، ودليلنا قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧] وقال: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩].\nواختلف فيمن مات ولم يحج هل يحج عنه من ماله أم لا؟ فقال مالك: لا يحج عنه إلا أن يوصي به. وقال الشافعي: يلزم الحج عنه من رأس ماله، ودليل قول مالك الآية المذكورة ومعناها أن يحجوا بأنفسهم، وذلك ممتنع بعد الموت.","vol":"2","page":29},{"text":"واختلف أيضًا في المعصوب الذي لا يتمسك على الراحلة هل يلزمه أن يحج عنه غيره من ماله أم لا؟\nففي المذهب أن لا يلزمه، وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه مستطيع يلزمه أن يخرج غيره يؤدي عنه الحج.\nودليلنا قوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلًا﴾، فأخبر عن صفة التكليف، وهو أن يفعله بنفسه فانتفى بذلك وجوبه على خلاف هذه الصفة.\nواختلف في الأعمى، ففي المذهب أن الحج يلزمه إذا وجد من يهديه الطريق؛ لأنه مستطيع إذا كان على تلك الحال. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يخرج غيره يحج عنه ودليلنا ما قدمناه في المسألة التي قبل هذه.\nواختلف في الطريق إذا كان على البحر هل يسقط؟ وهذا عندنا إنما هو إذا كان البحر شديد الخوف والغالب فيه الغرر. وأما البحار المسلوكة التي يتصرف فيها التجار فلا تقع من وجوب الحج. والدليل على ذلك أت الاستطاعة هي القدرة إما بالدين أو بالمال، وهذا قادر، فهو إذن مستطيع. وقد قال تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلًا﴾. وذكر ابن شعبان لمالك قولًا مثل قول الشافعي، واحتج بقوله تعالى: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا﴾ [الحج: ٢٧].\nواختلف في حج النساء ماشيات مع القدرة على ذلك: فجمهور أهل المذهب أنهن والرجال في ذلك سواء، فعليهم أن يمشين. وروي","vol":"2","page":30},{"text":"عنه أنه لا حج عليها إذا كانت لا تحج ماشية، قال: لأن المشي منها عورة إلا أن يكون المكان قريبًا من مكة. والقول الأول أظهر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾ لعموم الآية، وهذه مستطيعة، وهي داخلة تحت لفظ الناس.\nواختلف في ذي المحرم هل هو من شرط الاستطاعة في المراة أم لا؟\nففي المذهب وغيره أنها تحج إن لم يكن لها محرم إذا وجدت رفقة مأمون. وقال أبو حنيفة: المحرم من الاستطاعة، ودليلنا قوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلًا﴾ فعم.\nواختلف هل للزوج أن يمنع المرأة من حج الفريضة أم لا؟ فالجمهور على أنه ليس له منعها. واضطرب قول الشافعي في ذلك، من حجة الجمهور أن الله تعالى قد فرض عليها الحج، بقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾ الآية، وما هو فرض عليها فلن يسقطه الزوج.\nواختلف في العبد يحج هل يجزيه عن حج الفريضة إذا أعتق،","vol":"2","page":31},{"text":"فالجمهور على أنه لا يجزيه. وقال داود بن علي: يجزيه، وحكى الرازي هذا عن الشافعي، وهو منه غلط. وهذا مبني على أن الخطاب هل يدخل تحته العبد أم لا؟ وفيه خلاف بين الأصوليين، فمنهم من لا يدخله فيه إلا بدليل، وهو قول ضعيف، ومنهم من يدخله تحته حتى يخرج منه بدليل، وهذا أصح في النظر، كذا اختلف في الصغير إذا حج أو حُج به هل يجزيه عن حجة الفريضة أم لا؟ فالجمهور على أنه لا يجزيه، وشذت فرقة فأجازت حجه تعلقًا بحديث ابن عباس في المرأة التي قالت: «ألهذا حج يا رسول الله؟» قال: «نعم ولك أجر»، وبظاهر الآية. وحجة الجمهور أن الخطاب قاصر عن الصبي والعبد؛ لأن من شرط الخطاب الحرية والبلوغ فلا يتعلق بالعبد والصبي.\nوإن قلنا: إنهما داخلان تحت الخطاب، فإنهما خارجان عنه بدليل. وقد روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «أيما صبي حج ثم أدرك فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى»، وهذا إذا صح أغنى عن تكلف كل معنى.\nواختلف في الحج: هل هو على الفور أم على التراخي؟ على","vol":"2","page":32},{"text":"قولين: لمالك ما يدل على كلا القولين لكن الذي عليه رؤساء المذهب والمنصوص عن مالك انه على الفور، لا يجوز تأخيره إلا من عذر، ومن حجة بعضهم في أنه على الفور أن الأوامر عندهم على الفور، قالوا: فكذلك الإيجاب المطلق، يعنون أن قوله تعالى: ﴿ولله على الناس﴾ الآية إيجاب مطلق فهو على الفور كالأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>(٩٧) - قوله تعالى: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾:</span>\nاختلف في تأويله، فقال ابن عباس: أي من زعم أن الحج ليس بفرض، ففسر الكفر بذلك، وقال قوم: المعنى من كفر بالله، وقيل: المعنى من كفر بهذه الآيات التي في البيت. وقيل: المعنى من كفر بأن من وجد ما يحج به ثم لم يحج، وهذا التأويل موافق لم ذهب إليه ابن حبيب وانفرد به دون سائر أهل العلم من أن الحج والصيام والزكاة مثل الصلاة من ترك فعل شيء منها وإن كان مقر بفرضها فهو كافر، وإنما قال جماعة من أهل العلم ذلك في ترك الصلاة خاصة. وأما مالك والشافعي وجمهور أهل العلم فلا يرون التكفير بشيء من ذلك، وإنما اختلفوا هل يقتل أو يؤدب بالضرب والسجن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>(١٠٢) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾</span>.\nالخطاب بهذه الآية يعم جميع المؤمنين، والمقصود وقت نزولها","vol":"2","page":33},{"text":"الأوس والخرزج الذين شجر بينهم بسعاية شاس بن قيس ما شجر.\nواختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿حق تقاته﴾، فقالت فرقة: الآية على عموم لفظها وألزمت الآية تقوى الله غاية التقوى حتى لا يقع إخلال بشيء من الأشياء. ثم إن الله تعالى نسخ ذلك عن الأمة بقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]، وبقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال كذلك قتادة والسدي والربيع بن أنس وابن زيد وغيرهم، وقالت جماعة من أهل العلم: لا نسخ في شيء من هذا، معنى الآية: ﴿اتقوا اله حق تقاته﴾ فيما استطعتم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>(١٠٣) - قوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا﴾:</span>\nاختلف في حبل الله المراد به: فقيل: عهده، وقيل: القرآن.\nوقوله: ﴿ولا تفرقوا﴾ يحتمل أن يكون التفرق في أصول الدين، ويحتمل أن يكون ذلك نهيًا عن التقاطع والتدابر، ويدل عليه ما بعده من الآية.\nوليس فيه دليل على تحريم الاختلاف في الفروع، فإن الاختلاف فيها سبب استخراج الغوامض ودقائق معنى الشرع. وما زالت الصحابة مختلفين في أحكام الحوادث، وهو مع ذلك يتواصلون. وقال رسول الله ﷺ في مثل ذلك: «اختلاف أمتي رحمة».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>(١٠٤) - وقوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف﴾ </span>الآية:\nهذا يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض،","vol":"2","page":34},{"text":"لكنه فرض على الكفاية؛ لقوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة﴾ الآية. وقد ورد الأمر بذلك في غير ما آية، ووردت أخبار كثيرة أوفاها ما ذكره أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «من رأى منكم منكرًا فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وأما قوله تعالى: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ [المائدة: ١٠٥]، فإنما يعني به من علم أنه لا يقبل الأمر ولا يقدر على منعه من الظلم، فحينئذ يقال للناهي عن المنكر: عليك بنفسك، ولا يجعل هذا ناسخًا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأما إذا أمكن إزالة باللسان لم يتجاوز إلى العقوبة باليد، وإن انتهى بدون القتل لم يتجاوز إليه، وإن لم ينته بما دونه جاز القتل. ويؤخذ هذا من قوله تعالى: ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات: ٩]، وعليه يبني الشافعي دفع الصائل على النفس والمال أنه جائز ولا شيء على الدافع يدفع عن نفسه وماله وعن نفس يره أو ماله، وذلك مثل أن تصول بهيمة أو مجنون على مال رجل أو نفسه فيجوز عنده للموصل عليه، ولغيره قتله","vol":"2","page":35},{"text":"ولا ضمان عليه، وهو من قبيل النهي عن المنكر. وأبو حنيفة يخالف في هذا الأصل؛ لأنه يرى أن الفاعل ليس ظالمًا بفعله. ويجوز للإنسان أن يترك الصائل على ماله ولا يدفعه، وفي تركه الدفع عن نفسه اختلاف. ومن هذا الباب أنه إذا كان في بلد الإسلام من يضل الناس بشبهة بعة، فإنه تجب إزالته بما يمكن، فإنه نهي عن منكر، فإن لم يكن داعيًا للناي إلى ضلالته أزيل ذلك بإقامة الدليل على فساد شبهته وتبيين الحق له. وإن دعا الناس إلى شبهة وخرج مقاتلًا على ذلك فهو الباغي الذي أمر الله تعالى بقتاله حتى يفيء إلى أمر الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>(١١٨) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾:</span>\nنهى الله تعالى بهذه الآية عن أن يتخذوا من الكفار واليهود أخلاء يأنسون بهم في الباطن من أمرهم ويفاوضوهم في الآراء ويستندون إليهم.\nوقوله: ﴿من دونكم﴾: يعني من دون المؤمنين. وقال ابن عباس: كان رجال من المؤمنين يواصلون رجالًا من اليهود، للجوار والحلف الذي كان بينهم في الجاهلية فنزلت الآية في ذلك. وقال ابن عباس أيضًا وقتادة والسدي والربيع: نزلت في المنافقين نهى الله المؤمنين عنهم. روى أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «لا تستضيؤوا بنار الكفار ولا تنقشوا في خواتمكم عربيًا».","vol":"2","page":36},{"text":"فسره الحسن بن أبي الحسن، فقال: أراد ﵊: لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم، ولا تنقشوا في خواتمكم محمدًا، يؤخذ من هذه الآية أنه لا يجوز استكتاب أهل الذمة.\nوتصريفهم في البيع والشراء والاستتابة. وروي أن أبا موسى الأشعري استكتب ذميًا فكتب إليه عمر يعنفه وتلا عليه هذه الآية، قيل لعمر: إن ها هنا رجالًا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منهم ولا أخط بقلم، أفلا يكتبون عنك؟ فقال: إذا اتخذ بطانة من دون المؤمنين؟\nوقد اختلف في استغاثة المشركين وإعانتهم: فلم يجز ذلك مالك وأجازه أبو حنيفة والشافعي. ودليلنا عليهم قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ال تتخذوا بطانة من دونكم﴾ الآية، وقوله: ﴿وما كنت متخذ المضلين عضدًا﴾ [الكهف: ٥١]، وقوله في المنافقين: ﴿لو خرحوا فيكم ما زادوكم إلا خبالًا﴾ [التوبة: ٤٧]، وقال ﵊: «لا أستعين بمشرك».\nواختلف في الاستعانة بأهل الذمة وأهل الحرب إذا دخلوا بأمان على أهل البغي. فقال الشافعي: لا يجوز ذلك. وقال أصحاب الرأي: لا بأس بذلك، وحجة القول الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>(١٢٨) - قوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾:</span>","vol":"2","page":37},{"text":"اختلف الناس في هذه الآية هل هي ناسخة أم لا؟ فزعم بعض الكوفيين أنها ناسخة للقنوت الذي كان النبي ﷺ يفعله في الصبح. وذلك أنه كان يدعو على قوم ويلعنهم، فأنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾.\nوذهب أكثر العلماء إلى أن هذا ليس بناسخ، وإنما هو زيادة فائدة اقتدى النبي ﷺ بها، ولو كان النسخ صحيحًا لم يجز أن يلعن المنافقين، وهذا هو الصحيح أنها غير ناسخة لشيء، وإنما نزلت على ما روي حين هزم وشج في وجهه حتى دخلت بعض حلق الدرع في خده وكسرت رباعيته وارتث بالحجارة حتى صلاع لجنبه وتحيز ﷺ عن الملحمة وجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: «لا يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم» فنزلت الآية، وكان النبي ﷺ عل ما قيل، لما لحقته في تلك الحال من اليأس من فلاح قريش، فمالت نفسه إلى أن يستأصلهم ويريح منهم، فروي أنه دعا على أبي سفيان، والحارث بن هشام، وصفوان بن أمية باللعنة إلى غير هذا من معناه، فقيل له بسبب ذلك: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ أي عواقب الأمور بيد الله تعالى فامض أنت لشأنك ودم على الدعاء إلى ربك.\nوقد اختلف في الدعاء على الكفار والمنافقين وفي غير ذلك من حوائج الدنيا والآخرة في الصلاة، فأجازه أكثر العلماء، ولم يروا الآية ناسخة لشيء من الدعاء في الصلاة. ومنع الكوفيون أن يدعى في الصلاة إلا بما","vol":"2","page":38},{"text":"في القرآن، فمن أجل ذلك جعلوا هذا ناسخًا للقنوت. وروي عن ابن سيرين أنه قال: يجوز أن يدعى في المكتوبة بأمر الآخرة فأما بأمر الدنيا فلا، فقال له ابن عون: «أليس في القرآن: ﴿واسألوا الله من فضله﴾» [النساء: ٣٢].","vol":"2","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>سورة النساء</span>\nهذه السورة مدنية، وفيها من الأحكام والناسخ والمنسوخ مواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>(١) - قوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾:</span>\nيدل على تأكيد الأمر بصلة الرحم والمنع من قطيعتها، والرحم اسم لكافة القرابة من غير فرق بين المحرم وغيره. [وأبو حنيفة يعتبر] في الرحم المحرم من منع الرجوع في الهبة، فلا يجوز الرجوع في الهبة لهم ويجوز الرجوع لغيرهم من الأقارب والأجنبيين مع أن القطيعة موجودة والقرابة حاصلة، ولذلك تعلق بحق بني الأعمام والميراث والولاية وغيرهما من الأحكام، واعتبار المحرم زيادة على ما في الكتاب من غير مستند. وهم","vol":"2","page":40},{"text":"يرون ذلك نسخًا صحيحًا. والشافعي يجوز في أحد أقواله الرجوع من حق الأبوين والأجداد دون غيرهم من الأقارب والأجانب. وأما مالك فلا يجيزه إلا من حق الأبوين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>(١) - قوله تعالى: ﴿وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء﴾:</span>\nاحتلف في الخنثى هل يكون مشكلًا أم لا؟ فذهب بعضهم إلى أنه لا يكون مشكلًا، وأنه لا بد إما أن يكون ذكرًا أو أنثى، وإما أن يكن مشكلًا حتى يقال فيه: ليس بذكر ولا أنثى، فلا.\nوذهب أكثرهم إلى أنه يكون مشكلًا، لا يكون ذكرًا ولا أنثى، وعلى هذا الاختلاف ينبني اختلافهم في توريثه، وذلك إذا تكافأت فيه دلائل الذكورة والأنوثة لأنه إن لم يتكافآ كان الحكم للدليل الغالب، وذلك أن بعضهم قال: يورث نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى.\nوهذا القول يأتي على القول بأنه مشكل، وقيل: يعطى","vol":"2","page":41},{"text":"نصيب أنثى ثم يقسم له ما بقي من حظ ذكر بينه وبين من ينازعه من الورثة على وجه التداعي، وقيل: يعطى الحظين، حظ الأنثى وحظ الذكر أيهما كان أقل له أخذه، وهذه الأقوال تنبني على القول بأنه لا يكن مشكلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>(٢) - قوله تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ إلى قوله: ﴿وإن خفتم﴾ الآية</span>.\nروي عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه الآية كرهوا أن يخالطوهم، فجعلوا يعزلون مال اليتيم من أموالهم فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ لأجل ما يدخل على الأيتام من فساد أموالهم، فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ [البقرة: ٢٢٠] الآية.\nفمعنى قوله: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾، أي آتوا اليتامى الذين لم يبلغوا أموالهم للأكل والشرب واللباس والسكنى، فالآية على هذا يحتمل أن تكون مبنية، ويحتمل أن يقال فيها أنها ناسخة. ويجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ يعني به البالغ وسماه يتيمًا لقرب عهده بالبلوغ، والظاهر منه أنهم يؤتون أموالهم بمعنى التسليط عليها، ولا بمعنى الإطعام والكسوة ونهى الولي عن إمساك ماله بعد البلوغ عنه، ولذلك لم يشترط الرشد هنا واشترط إيناس الرشد والابتلاء في قوله: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ [النساء: ٦] الآية، فكان ذلك مطلقًا وهذا مقيد. وذكر الرازي في","vol":"2","page":42},{"text":"أحكام القرآن أنه لما لم يقيد بالرشد في موضع وقيد في موضع وجب استعمالهما والجمع بينهما، فأقول: إذا بلغ حمسًا وعشرين سنة، وهو سفيه لم يؤنس منه الرشد وجب دفع المال إليه، وإن كان دون ذلك لم يجب عملًا بالآيتين. وهذا في غابة البعد؛ لأن اليتيم إنما يطلق عليه قبل البلوغ حقيقة وقرب العهد بالبلوغ مجازًا، فأما أن يقال: أنه يتناول ابن خمس وعشرين سنة فصاعدًا إلى مائة فهو جهل عظيم. والعجب أن أبا حنيفة إنما أطلقه من الحجر لأنه قد بلغ رشده وصار يصلح أن يكون جدًا، فإذا صار يصلح أن يكون جدًا فكيف يصح إعطاؤه المال بعلة اليتم أو باسم اليتيم، وهل لذلك إلا في غاية البعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>(٢) - قوله تعالى: ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾:</span>\nقال مجاهد وأبو صالح: أي لا تتبدلوا الحرام بالحلال.\nوقال ابن المسيب والزهري وغيرهما: لا تعطوهم زيوفا بجياد ولا مهزولًا بسمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>(٢) - وقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾:</span>\nقيل: معناه لا تخلطوا أموالهم إلى أموالكم لتأكلوا الجميع، يروى عن مجاهد وغيره. وقال الحسن: هي منسوخة بقوله: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وقد تقدم. وقيل: المعنى ال تربح على","vol":"2","page":43},{"text":"يتيمك في شيء تهواه عندك وهو جاهل به. و﴿إلى﴾ على بابها.\nوالمعنى: لا تضموها في الأكل إلى أموالكم، وقيل: هي بمعنى «مع».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>(٣) - (٥) - قوله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ إلى قوله: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ </span>الآية:\nاختلف في تأويل هذه الآية، فقال ابن عباس وابن جبير وغيرهما: المعنى: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى ولا يتحرجون في النساء، وقالت عائشة ﵂: هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها، فيريد أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها أدنى من سنة صداقها، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا فيهن فيكملوا الصداق، أمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قالت: ثم استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية، فأنزل الله تعالى: ﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب﴾ [النساء: ١٢٧]، أي: والذي يتلى عليكم في الكتاب قوله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ الآية، قالت عائشة: وقوله تعالى: ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ [النساء: ١٢٧]، رغبة أحدكم عن يتيمته التي في حجره حين تكون قليلة المال والجمال.\nوروي عن مجاهد أن المعنى: وإن تحرجتم من أكل أموال اليتامى فتحرجوا من الزنا وانكحوا النساء نكاحًا طيبًا. وفي تفسير عائشة رضي الله","vol":"2","page":44},{"text":"عنها الآية من الفقه ما قال به مالك في صداق المثل، والرد إليه فيما فسد صداقه أو وقع الغبن في مقداره لقولها: من سنة صداقها، فوجب أن يكون الصداق معروفًا لكل طبقة من الناس على قدر أحوالهم. وإذا كان الله تعالى قد نهى عن نكاح اليتيمة حتى تبلغ صداق مثلها، فواجب أن لا يكون نكاح بقبضة تبن ولا بما لا خطر له، كما قال جماعة من العلماء منهم ابن وهب. وفيه أن اليتيمة ذات الوصي لا يجوز أن يزوجها الوصي بأقل من صداق مثلها، وهذا مذهب مالك. خلاف مذهب ابن القاسم في أن ذلك جائز له على وجه النظر: إلا أنه شرط رضاها، وفي ذلك نظر. واختلف في اليتيمة التي لها ولي وليس بوصي هل يجوز رضاها بأقل من صداقها أم لا؟ على قولين منصوصين. والأظهر أن ليس لها ذلك لأنها يتيمة، فهي على تفسير عائشة داخلة تحت قوله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾. وفيه أن المرأة غير اليتيمة جائز أن تنكح بأدنى من صداق مثلها؛ لأنه إنما حرم ذلك في اليتامى وأباحه في غيرهن، كذات الأب لأبيها أن يزوجها بأقل من مهر مثلها، خلافًا للشافعي في قوله: ليس لأبيها ذلك، وكالثيب التي لا حجر عليها، جائزلها أن ترضى بأقل من مهر مثلها، وليس للولي في ذلك قول خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أن مهر المثل من الكفاءة. وفيه أن","vol":"2","page":45},{"text":"ولي اليتيمة له أن ينكحها من نفسه إذا عدل في صداقها، وهو قول مالك وأبي حنيفة وغيرهما.\nوقال الشافعي وغيره: لا يجوز أن يزوجها هو من نفسه، وقد جاء عن مالك الكراهية في أن يزوج الرجل وليته من نفسه أو من ابنه. وقع ذلك في «الواضحة». وفي الآية دليل على أن الولي شرط في النكاح، خلافًا لمن يجيز النكاح بغير ولي جملة، دنية كانت المرأة أو شريفة؛ لأن الله تعالى خاطب بإنكاح اليتامى والأولياء، ولولا أن أمر نكاحهم إليهم لما خاطبهم بذلك، ومثل هذا الكتاب العزيز كثير؛ كقوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقوله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: ٣٢]، وقوله: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقد تقدم. وأما تفرقة أهل الظاهر بين البكر والثيب في ذلك، وقولهم: إن كانت بكرًا فلا بد من ولي، وإن كانت ثيبًا فلا تحتاج إلى ولي فلا وجه له، وهو خلاف ظاهر الآية، لأن الله تعالى لم يخص بالخطاب ولي الثيب دون ولي البكر.\nواحتج أبو حنيفة ومحمد بن الحسن بهذه الآية، في أنه يجوز للولي","vol":"2","page":46},{"text":"أن يزوج من نفسه اليتيمة التي لم تبلغ. ورأيا أن المراد باليتامى في الآية اللائي هن على تلك الصفة، وهي التي لا أمر لها في صداقها، فأما من هي بالغ فلها الأمر في صداقها، ولها أن تراضي وليها على ما شاءت ثم يتزوجها على ذلك فيكون لها حلالًا؛ كما قال تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه﴾.\nوهذا لا يجوز عند مالك والشافعي وغيرهما، ويفسخ هذا النكاح عند مالك قبل الدخول وبعده. ومن الحجة على أبي حنيفة ومن تابعه أنه قد يكون في اليتامى من تجوز حد البلوغ وهي بعد سفيهة، فلا يجوز بيعها ولا شيء من أفعالها؛ فأمر الله تعالى أولياءهن بالإقساط لهن في صدقاتهن، فليس هو أولى بالتأويل ممن عارضه، وتأويل الآية في اليتيمة البالغ السفيهة أو في جميع اليتامى. وقد اختلف في اليتيمة غير البالغ هل يجوز تزويجها قبل البلوغ بغير الأب أم لا؟ فلم يجز ذلك مالك. ورأى أن عموم قوله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ مخصص باليتيمة البالغ، وأجازه في رواية أخرى عنه إذا كانت ذات حاجة، وأجازه غيره كيفما كانت، واحتج بعموم هذه الآية.\nفيترتب على هذا الخلاف في اليتامى: هل المراد بهن البوالغ خاصة أم","vol":"2","page":47},{"text":"لا؟ ومن حجة من خصه بالبالغ أن عائشة قالت: ثم استفتوا رسول الله ﷺ فنزلت: ﴿ويستفتونك في النساء﴾، والصغار لا يسمين نساء، فإن قيل: اليتيم حقيقة في الصغيرة: وقد قال ﵊: «لا يُتم بعد حلم»، واسم النساء يتناول الصغيرة في قوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾، وقوله: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباءكم من النساء﴾ [النساء: ٢٢].\nفيقال في الجواب عنه: إن اسم النساء في قبيل الإناث كاسم الرجال في قبيل الذكور، واسم الرجال لا يتناول الصغير، واسم النساء والمرأة لا يتناول الصغيرة والصغائر والآيات التي وقع الاستشهاد بها يمكن أن يكون اللفظ لغير الصغيرة، ولكن يثبت مثل ذلك الحكم في الصغيرة بدليل الإجماع واليتم يطلق على البوالغ مجازًا، بدليل أنه ذكر النساء ولا يمكن تعطيل لفظ النساء الذي هو حقيقة في البالغات؛ فإن قيل: فإن كان المراد بذلك البالغ فكيف يتجه قول من يجوز لها النكاح بأقل من مهر","vol":"2","page":48},{"text":"المثل برضاها، فالجواب أن يكون معنى الآية أن يستضعفها الولي ويستولي على مالها وهي لا تقدر على مقاومته، وإذا ثبت أن المراد بالآية البالغ لم يكن في كتاب الله تعالى ما يدل على جواز تزويج الصغيرة، وقد صار ابن شبرمة إلى أن تزويج الآباء الصغار لا يجوز وهو مذهب ابن القاسم لا الأصم، لما في ذلك من تفويتها لغير تعجيل مصلحة. وقد استدل قوم على جواز تزويج الصغيرة بقوله تعالى: ﴿واللائي لم يحضن﴾ [الطلاق: ٤]، فحكم بصحة طلاق الصغيرة، والطلاق لا يقع إلا بعد نكاح صحيح، إلا أن يقال: ليس في القرآن ذكر الطلاق وإنما فيه ذكر العدة، والعدة قد تتصور بالنكاح الفاسد أو على حكم الشبهة، أو في حق الأمة تزوجها مولاتها، وهي صغيرة توطأ وللاعتماد على ما روى عن النبي ﷺ أنه تزوج عائشة ﵂ وهي بنت ست سنين.\n(٣) - وقوله تعالى: ﴿ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾:\nهذه الآية على ما قال الضحاك والحسن وغيرهما ناسخة لما كان في","vol":"2","page":49},{"text":"الجاهلية، وفي أول الإسلام من أنه كان للرجل أن يتزوج ما شاء له من الحرائر فقصرتهم الآية على أربع، فلا يجوز الجمع بين أكثر من أربع لظاهر هذه الآية، وقد ذهب قوم لا يعبأ بخلافهم إلى أنه يجوز الجمع بين تسع. واحتجوا بأن معنى قوله تعالى: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ يفيد الجمع بين العدد، بدليل أنه ﵊ مات عن تسع، ولنا فيه أسوة حسنة. وقال قوم أيضًا، لا يعد خلافهم: يجوز أي عدد كان قليلًا أو كثيرًا، وقالوا: إن معنى الآية أن ينكح اثنتين وثلاثًا وأربعًا إلى ما كان من العدد، واستغنى بذكر بعض الأعداد عن استقصائها، وهذا كما تقول: قرأت: «أ، ب». . . تريد جميع حروف أبجد، ولكن تقتصر على بعضها، وهذا في كلام العرب كثير. وحجة أهل القول الأول أن أهل التفسير اتفقوا في تأويل هذه الآية على أنه أراد التخيير بين الأعداد الثلاثة لا الجمع. ووجهه أنه لو أراد الجمع بين تسع لم يعدل بين الأعداد الثلاثة لا الجمع. ووجهه أنه لو أراد الجمع بين تسع لم يعدل عن ذلك اللفظ المختصر غير الموهم، وهو تسع، إلى لفظ غير مختصر موهم وهو مثنى ثلاث ورباع، فلما كان ذلك علمان أن المعنى مثنى مثنى، وثلاث ثلاث، ورباع رباع؛ فإن التخيير كقوله: ﴿أولي أجنحة﴾ مثنى وثلاث","vol":"2","page":50},{"text":"ورباع. وأما احتجاجهم بالنبي ﷺ، فإنه كان مخصوصًا بذلك كام خص بأن ينكح بغير صداق وأن لا تنكح أزواجه من بعده. وقد روي أن غيلان بن سلمة أسلم عن عشر نسوة، فقال النبي ﷺ: «اختر منهن أربعة وفارق سائرهن».\nوأما قول من أجاز الجمع بين القليل والكثير، فقول ظاهر الفساد في العربية وترده الآثار، ولولا أن بعض أهل الخلاف ذكر هذين القولين لأعرضت عن ذكرهما، واختلفوا في العبد هل له أن يتزوج أربعًا أم ليس له أن يتزوج إلا اثنتين، فقال أهل الظاهر وجماعة معهم: إن للعبد أن يتزوج أربعًا. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يتزوج إلا اثنتين. وعن مالك في ذلك روايتان. ودليل إجازة ذلك قوله: ﴿فانحكوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾، فعم واختلف هل للحر أن يتزوج أربع مملوكات إذا خشي العنة أم لا؟\nفذهب مالك ومن تابعه إلى جوازه، وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي: لا يتزوج إلا واحدة. وقال حماد: لا يتزوج إلى اثنتين،","vol":"2","page":51},{"text":"ودليل نكاح الأربع قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ فعم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>(٣) - وقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾:</span>\nالمراد به العدل في القسم بينهن؛ كما قال: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ الآية [النساء: ١٢٩]. والعدل في القسم بينهن والجور فيما يظهر لهن وهو الذي يملكه الإنسان. وأما الميل بالقلب فشيء لا يملك، فلا يتصور العدل فيه. ودل مضمون هذه الآية على أن لا عدد في ملك اليمين ولا وجوب في القسم والعدل بينهن، وظن وقوم أن المرد به العطف على قوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء .... أو ما ملكت أيمانكم﴾.\nوهذا يدل عند من قال: هذا على أنه يجوز التزوج بأربع من الإماء كما أجاز التزوج بأربع حرائر، وهذا فيه نظر؛ لأن العطف هل يرجع إلى أقرب مذكور أو يجوز رجوعه إلى أبعد مذكور، فيه نظر، وفيه أيضًا دليل على أن النكاح ليس بواجب كما يقول أهل الظاهر، وإنما هو في الجملة مرغب فيه.\nووجه الدليل من الآية أن ملك اليمين ليس بواجب بالإجماع، وقد","vol":"2","page":52},{"text":"خير الله تعالى بين النكاح وبين ملك اليمين، ولا يصح التخيير بين الواجب وما ليس بواجب؛ لأن ذلك مخرج للواجب عن الوجوب. ومن الدليل أيضًا على ذلك قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]، لأن من حفظ فرجه بملك يمينه واستغنى به عن النكاح توجهت المدحة إليه من الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>(٣) - وقوله: ﴿ذلك أدنى ألا تعولوا﴾:</span>\nاختلف في معناه فقيل: معناه أن لا تجوروا عن الحق وتميلوا، وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقيل: معناه أن لا يكثر عيالكم، واستدل به الشافعي على أن على الرجل مؤنة امرأته، قال بعضهم: الشافعي حجة في اللغة.\nواعترض قوله من وجهين، أحدهما: أن الله تعالى قد أحل بملك اليمين ما شاء الإنسان من العدل. والثاني: أنه ليس بمعروف في اللغة عال يعول إذا كثر عياله، وإنما المعروف في ذلك عال يعيل، كذا قال بعضهم: وهي لغة معروفة. قال الكسائي: عال يعول بمعنى كثر عياله، فصيحة سمعتها من العرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>(٤) - وقوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾:</span>\nقيل: النحلة العطية على غير وجه المثوبة، وقيل: معنى النحلة فريضة. وقيل: معناه دينًا أي تعبدًا. وقيل: سميت نحلة لأنه قد كان","vol":"2","page":53},{"text":"يجو ألا يعطين شيئًا فنحلهن الله تعالى ذلك. وقيل: لا تكون نحلة إلا فيما طابت به النفس لا فيما أكره عليه. وفي هذه الآية رد لقول من يرى الصداق عوضًا من البضع، وهو قول كثير من الناس.\nوالله تعالى قد سماه نحلة، والنحلة ما لم يعتض عليه، فهو نحلة من الله تعالى فرضها للزوجات على أزواجهن لا عن عوض الاستمتاع بها؛ لأن كل واحد منهما يستمتع بصاحبه، ولهذا المعنى يفتقر عقد النكاح إلى تسمية صداق. ولهذا استحب بعضهم أن يكتب في الصدقات عوض هذا ما أصدق، هذا ما نحل به فلان زوجه فلانة، ذكره ابن شعبان.\nوفي هذه الآية دليل على أن النكاح لا يكون إلا بصداق، وليس الصدقات التي أمر الله تعالى بنحلها غير الأعيان الممتلكة. فأما ما لم يكن عينًا ممتلكًا، وإنما هو منفعة من المنافع التي لا تتملك كالإجارة على أن يحج بها أو نحوها، أو تعليم قرآن وشيء منه خلافًا للشافعي. وذكر اللخمي في النكاح عن الإجارة أو على أن يحج عن","vol":"2","page":54},{"text":"المرأة ثلاثة أقوال: الكراهية عن مالك، والإجازة عن أصبغ، والمنع عن ابن القاسم؛ ثم قال: والقول بجواز جميع ذلك حسن؛ لأن الإجارة والحج كغيرهما من الأموال التي تتملك وتباع وتشترى، والصدقات في الآية على قوله: تجمع الأعيان والمنافع.\nوقيل: سبب الآية أن الرجل كان يزوج أخته على أن يزوجه الآخر أخته ولا صداق لواحد منهما وهو الشغار، وهو عندي أدل دليل على أن النكاح لا يجوز بالمنافع. واختلف في المخاطبين بهذه الآية، فأكثر العلماء على أن المخاطب بها الأزواج. وقال بعضهم: هي للأولياء؛ لأن الولي كان يأخذ الصداق لنفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>(٤) - قوله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء من نفسًا﴾:</span>\nلا خلاف في هذا أن الخطاب للأزواج، وقوله منه: يعني من الصداق أو المال الذي دل عليه الكلام أو الآية.\nقال أبو الحسن: ... ... ... ... . .. . .. ... ... ... ... ... ... ...... ....","vol":"2","page":55},{"text":"هذه الآية تدل على أن للمرأة هبة الصداق لزوجها بكرًا كانت أو ثيبًا خلافًا لمالك، فإنه منه من هبة البكر الصداق لزوجها، وجعل ذلك للولي مع أن ذلك لها وذلك في غاية البعد.\nوقوله: «فكلوه»، والمراد منه الاستباحة بأي طريق كان. وعبر بالأكل عن أنواع التصرفات، فليس الأكل مراد بعينه ونظائر هذا كثيرة من الكتاب والسنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>(٥) - (٦) - قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي﴾ إلى قوله: ﴿فليستعفف﴾:</span>\nقال ابن عباس وابن زيد: يعني بالسفهاء من ولدك.\nقال ابن جبير: السفهاء هنا النساء والصبيان، والمعنى: لا تطلقوهم على أمولكم فيفسدوها، فأما إعطاؤهم إياها مع صيانتهم لها فغير مختلف فيه، وقال مجاهد: السفهاء النساء، وكان يجب على هذا أن يقال السفائه أو السفيهات، لأنه الأكثر في جمع فعليه.\nوقال أبو موسى الأشعري وغيره: السفهاء ها هنا كل من يستحق الحجر، وينشأ من هذه الأقوال النظر في قوله تعالى: ﴿أموالكم﴾، هل المراد به المجاز أم الحقيقة؟\nفيحتمل أن يراد به المجاز، فيكون المراد بقوله: ﴿أموالكم﴾ أموالهم، أي أموال السفهاء. ورجح بعضهم هذا التأويل، وعليه يترتب","vol":"2","page":56},{"text":"أكثر أحكام السفهاء من أقوال العلماء، وإنما أضافها إلى المخاطبين على جهة الاتساع، لأنهم الناظرون لهم فيها فنسبت إليهم، وقيل: إنما أضافها إليهم كما قال: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩]، يعني: بعضكم بعضًا، وقال: ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم﴾ [النور: ٦١]، ويريد: من يكون فيها منكم، ويحتمل أن يقال: أنه على حقيقته والمراد النهي عن دفع الرجل ماله إلى الصبيان والنساء حتى يستنفدوه منه في أسرع مدة. لكن الهبة لهم جائزة على أن لا يجعل في أيديهم، لكن ينصب قيم عليهم في الموهوب لهم، فمقتضى هذه الآية على هذا النهي عن تضييع الأموال.\nوقوله تعالى: ﴿وارزقوهم فيها﴾، أي: منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>(٥) - وقوله تعالى: ﴿وقولوا لهم قولا معروفا﴾:</span>\nقيل: قولوا لهم: إن رشدتم دفعنا إليكم أموالهم. قيل: المعنى ادعوا لهم بالصلاح، وقد اختلفوا فيمن بلغ سفيهًا مبذرًا لماله، فرأى مالك أن الحجر لا ينفك عنه، وإن خضب بالحناء إلا أن يؤنس منه الرشد.\nوقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة أسلم إليه ملاه وإن كان مبذرًا مضيعًا، ولظاهر قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا﴾ يرد ذلك.","vol":"2","page":57},{"text":"واختلفوا أيضًا هل يبتدأ الحجر على الأكابر المبذرين لأموالهم في غير الطاعة أم لا؟ فذهب مالك وأكثر العلماء إلى أنه يحجر عليه ولا يؤتى ماله. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يحجر على البالغ ابتداء، ووافقه ابن سيرين والنخعي وزفر، وظاهر الآية أيضًا يرده لأنه سفيه، وقد قال: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾، وإذا ترك له ماله فقد أوتيه، فواجب أن يمنع منه لا يؤتاه. واستدل عبد الوهاب على ذلك أيضًا بقوله تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يمل هو فلليملل وليه بالعدل﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فأثبت الولاية على السفيه، وذلك يفيد ثبوت الحجر عليه.\nويختلف في الرجل يتصدق على المحجور عليه بمال، ويشترط في صدقته أن يترك في يده، ولا يضرب على يده فيها كما يفعل بسائر ماله، هل له ذلك؟\nفالمشهور أن ذلك له واعترض بعضهم هذا القول ومرضه، واحتج بقوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ الآية.\nواختلف فيمن يخدع في البيوع هل يحجر عليه أم لا؟\nفقيل: لا يحجر؛ لقول النبي ﷺ لمنقذ بن حبان أو حبان ابن","vol":"2","page":58},{"text":"منقذ: «إذا بايعت فقل: لا خلابة»، وكان قد شكى إليه أنه يخدع في البيوع. وقال ابن شعبان: يضرب على يديه، فمن يخدع في البيوع على هذا القول داخل تحت قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ الآية، ويعضد ذلك تأويل أبو موسى الأشعري في السفهاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>(٦) - قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى﴾:</span>\nقال مجاهد والحسن وغيرهما: أي اختبروهم في عقولهم وأديانهم وتمييز أحوالهم والمخاطبون بالابتلاء هم الأولياء الناظرون للأيتام.\nواختلف في الوصي من قبل الأب أو القاضي: هل لواحد منهما إطلاق من هو إلى نظره إذا علم حسن حاله دون إذن القاضي وشهادة الشهود بحسن حال المحجور أم لا؟\nففي وصي القاضي ثلاثة أقوال: ذهب قوم إلى أنه لا يطلق إلا بإذن القاضي وإليه ذهب ابن زرب، وذهب قوم إلى أنه لا يطلق بغير إذن","vol":"2","page":59},{"text":"القاضي إلا أن يكون المحجور عليه معروفًا بالرشد إذا عقد له بذلك عقدًا ضمنه معرفة شهدائه لرشده، وقال قوم: إطلاقه من إلى نظره جائز بغير إذن القاضي، وإن لم يعرف رشده إلا بقوله: وفي وصي الأب أيضًا ثلاثة أقوال مثل ذلك، فالأشهر منها أن إطلاقه جائز وهو مصدق فيما يذكر من حاله، وإن لم يعرف ذلك إلا من قوله.\nوقال عبد الوهاب: لا ينفك الحجر بحكم أو بغيره إلا بحكم الحاكم وسواه في ذلك الصبي والبالغ والمفلس. والحجة لمن أجاز للموصين الإطلاق دون إذن القاضي إذا علم حسن الحال، وإن لم يعرف ذلك غيرهم.\nظاهر الآية: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم﴾، فجعل الدفع لمن إليه الابتلاء وهو الذي إليه النظر في أمور المحجور.\nقال بعضهم: والقول الآخر اليوم أحسن لفساد حال الناس، يريد أنه لا يطلق إلا بإذن القاضي، ويجوز أن يكون معنى الآية على هذا أن أنس منهم حكامهم رشدًا فحذف.","vol":"2","page":60},{"text":"واختلف في وقت الابتلاء: ففي كتاب محمد أنه بعد البلوغ يكون الابتلاء، وقال الأبهري وغيره من البغداديين: هو ما كان قبل البلوغ لا يحتاج إلى غيره، وهو أبين، لقول الله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم﴾.\nفجعل الابتلاء قبل البلوغ.\nوقوله: ﴿فإن آنستم منهم رشدًا﴾ يريد بذلك الابتلاء لا بغيره، و«الفاء» في قوله: ﴿فإن آنستم﴾ للشرط لا للتعقيب، واختلف هل يبتلى بشيء من ماله يدفع إليه ليختبر به أم لا؟ فالظاهر من مذهب مالك المنع، قال: إذا فعل ذلك الولي فلحقه دين لم يلحقه ذلك الدين في المال الذي بيده، ولا في الذي في يد وصيه، وأجاز ذلك غيره، وقال: يلحقه الدين في المال الذي بين يديه، والظاهر من الآية إجازة ذلك؛ لأن الله تعالى أمر بالابتلاء ولم يخص الابتلاء في المال من الابتلاء بغير المال، ويعضد هذا القول تفسير مجاهد وغيره للآية. والرشد الذي ذكره الله تعالى في الآية هو حسن النظر في المال، وأن يضع الأمور مواضعها.","vol":"2","page":61},{"text":"واختلف هل من شرطه صلاح الدين أم لا؟\nقال من اعتبره: الفاسق غير رشيد ولا مأمون لأن التبذير يتولد من غفلة الهوى. والهوى: منشأ الفسق، ولا يؤمن من الفاسق صرف المال في المحظور المنكر وذلك تبذير وإن قل، فإنه لا يكسب به محمدة في الدنيا والآخرة والكثير في الطاعات، ليس بتبذير على ما علم من أقوال السلف رضي الله تعالى عنهم.\nوللمفسرين في تفسير الآية ألفاظ مختلفة:\nفقال الحسن وقتادة: الرشد الصلاح في العقل والدين. وقال ابن عباس والسدي والثوري: الصلاح في العقل وحفظ المال. وقال مجاهد: العقل خاصة.\nواختلف في الصبي الذي إلى نظر وصي يبلغ، فالمشهور في المذهب المعمول أنه لا يجوز له فعل، وإن كان رشيدًا ما لم يطلق من وثاق الحجر بخلاف حاله مع الأب، وهو الظاهر من الآية؛ لأنه تعالى لم يأمر بدفع أموالهم إليهم إذا أونس منهم الرشد. ومعنى:","vol":"2","page":62},{"text":"﴿آنستم﴾ عرفتم، فوكل الإيناس إلى الأولياء، ولولا أنه لا يخرج من الحجر إلا بإطلاقهم لم يكن لجعله الإيناس فائدة. وقيل: إن حال الصبي مع الوصي كحاله مع الأب، فإن علم رشده بعد البلوغ فأفعاله جائزة، وليس للوصي أن يرد شيئًا منها، وإن لم يشهد على إطلاقه من الولاية، وإن علم سفهه فلا يخرج من الولاية، وإن جهل حاله فيختلف فيه كما يختلف في ذي الأب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>(٦) - وقوله تعالى: ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾:</span>\nوهو الحلم في الرجال بلا خلاف في ذلك، واختلف قول مالك في الإناث ما بلوغ النكاح فيهن؟ فمن أشهر أقواله أنه أن يدخل بهن أزواجهن، وله في بعض كتبه أنه الحيض، قال فيه في قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾، قال: بلوغ النكاح الاحتلام والحيض، فساوى بين الذكور والإناث بأن يدفع إليها مالها إذا حاضت وأونس منها الرشد وإن لم تتزوج. وإذا عدم البلوغ فهل يعتبر الإنبات في الدلالة على البلوغ أم لا؟ فيه قولان في المذهب، ويحتمل أن تتأول الآية على ذلك، لأنه إذا صحت دلالته على بلوغ النكاح فقد بلغ النكاح، ولا خلاف أن السن دليل على بلوغ النكاح، إلا أنه اختلف في حده، فقيل: خمس عشرة سنة، وهو قول ابن وهب. وقيل: سبع عشرة سنة، وقيل: ثماني عشرة سنة، والقولان أيضًا في المذهب. قال عبد الوهاب: والصحيح أنه لا حد في ذلك، واستدل بقوله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾ [النور: ٥٩]، وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن الوصي على المحجورة إنما له النظر","vol":"2","page":63},{"text":"فيما يتعلق بالمال لا البدن، فإنما النظر فيه للمحجورة، ليس للوصي فيه نظر خلافًا لمن يقول أن للوصي النظر في ذلك كله، قال المستدل بالآية: لأن الله تعالى خص الأموال بالذكر دون الأبدان، وقال النبي ﷺ: «البكر تستأمر في نفسها»، وإنما معناه: تستأمر في بدنها وإن كانت ذات الأب خارجة عن هذا الحديث بدليل آخر. وقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا﴾، أي مبادرة، أي يكبروا، فيأخذوها منكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>(٦)، (٧) - قوله تعالى: ﴿ومن كان غنيًا فليستعفف﴾ إلى قوله: ﴿للرجال نصيب﴾ </span>الآية:\nاتفق أهل العلم جميعًا على تحريم أكل مال اليتيم ظلمًا وإسرافًا وعلى إن ذلك من الكبائر؛ لقوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيثلون سعيرًا﴾ [النساء: ١٠]، وقوله: ﴿ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا﴾، فإن لم يكن إسرافًا وبدارًا فإن ذلك يختلف بحسب حال الولي، فإن كان غنيًا فقد اختلف فيه، فقيل: لا يأكل شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿ومن كان غنيًا فليستعفف﴾، فبعضهم يرى ذلك محظورًا ويرى الأمر أمر وجوب. وبعضهم يراه مكروهًا ويرى الأمر أمر ندب، وقيل: مباح للغني أن يأكل منه بقدر قيامه عليه وخدمته فيه وانتفاع اليتيم به في حسن","vol":"2","page":64},{"text":"نظره إليه، فإن لم يكن له في ذلك خدمة ولا عمل سوى أن يتفقده ويشرف عليه لم يكن له أن يأكل منه إلا ما لا ثمن له ولا قدر لقيمته، مثل اللبن في الموضع الذي لا ثمن له فيه، ومثل الفاكهة في ثمر حائطه لا يركب دوابه فيكون الأمر على هذا إباحة، وإن كان الولي فقيرًا فقد اختلف فيه أيضًا، والاختلاف في ذلك يأتي على حسب اختلافهم في قوله تعالى: ﴿ومن كان منكم فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾، وذلك أنهم اختلفوا فيه: هل هو منسوخ أم محكم؟ والذين ذهبوا إلى أنه منسوخ اختلفوا في ناسخه: فذهب قوم إلى أنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم﴾ [البقرة: ١٨٨]، وإلى نحو هذا ذهب أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وروي عن ابن عباس أنه قال: نسخها ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾ [النساء: ١٠] الآية، كذا ذكر بعضهم عن ابن عباس وقال غيره عن ابن عباس: نسخ اله تعالى منها الظلم والاعتداء بقوله: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾ الآية، والذين ذهبوا إلى أنه محكم اختلفوا في تأويله، فروي عن يحيى بن سعيد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن أنها في اليتيم، إذا","vol":"2","page":65},{"text":"كان اليتيم فقيرًا أنفق عليه بقدر فقره، وإن كان غنيًا أنفق عليه بقدر غناه.\nوروي عن ابن عباس أن المعنى: فليأكل ولي اليتيم بالمعروف من مال نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم، فعلى هذين التأويلين، وعلى القول بأن الآية منسوخة يأتي قول من لا يجيز لولي اليتيم أو الأمين أن يأخذ شيئًا من مال من إلى نظره، وإن كان محتاجًا وهذا قول مجاهد، وذكره جماعة عن أبي حنيفة. وقال أبو الحسن: قد جوز أبو حنيفة للوصي أن يعمل في مال الصبي مضاربة فيأخذ منه مقدار ربحه. وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يأكل ماله إذا عمل فيه فيأخذ أجر المثل، بل هو أولى، فإن أجر المثل معلوم من وضع الشرع ومقدار أجرة مله مأخوذ من العادة، وأما الربح فهو على قدر الشرط، وأي قدر شرطه الوصي من الربح لنفسه فهو فيه متحكم. قال الحسن بن صالح: إن كان أبوهم أوصى بهم إليه فله أن يستقرض من مالهم وإن كان الحاكم جعله وصيًا لم يستقرض. وذهب قوم إلى أن الآية محكمة، وأنها تقتضي إباحة الأكل للفقير. واختلفوا في المباح من ذلك، فقال بعضهم: يأكل على وجه القرض يرده إذا أيسر، وهو قول لعمر بن الخطاب روي عنه، وقل جماعة من التابعين.\nومعنى ﴿بالمعروف﴾ عندهم: قرضًا، وقال أبو العالية: يأكل من الغلة،","vol":"2","page":66},{"text":"ومعنى قوله: ﴿بالمعروف﴾ أي: من الغلة فأما من الناس فلا يأكل قرضًا كان أو غير قرض.\nوقال جماعة: ﴿فليأكل بالمعروف﴾ يريد من نفس المال، أي قوته ما سد جوعه وستر عورته إذا احتاج إليه وليس عليه رده، وهو قول الحسن وقتادة والنخعي، وذكره بعضهم عن أبي حنيفة وأصحابه. وقال بعض القائلين بهذا القول: معنى قوله: ﴿بالمعروف﴾ يأكل من مال يتيمه بأطراف أصابعه ولا يكتسي منه.\nوقال بعض أهل العراق: إذا سافر من أجل اليتيم فلع أن يتفوت شيء من ماله في سفره، وتأول الآية عليه.\nوقيل: معناه: أن يأكل من جميع المال، وإن أتى على المال ولا قضاء عليه، وروي عن ابن عباس أنه قال لرجل سأله عن إبل يتيم في حجره: إن كنت تلتمس ضالتها وتهنأ جراباها وتلوط حوضها وتسقي عليه فاشرب من لبنها غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب، وعند المالكيين في معنى الآية أنه إذا كان وصي اليتيم أو الأمين محتاجًا جاز أن يأكل من مال اليتيم بقدر أجرة مثله. ويعضده ما تقدم من قول ابن","vol":"2","page":67},{"text":"عباس: إن كنت تلتمس ضالتها ... الخ، قوله وقول عائشة: رخص الله تعالى لولي اليتيم أن يأكل بالمعروف ولأنه ناظر في مصلحة غيره أصله الإمام. وقد أجمعت الأمة أن الإمام لا يجب عليه غرم ما أكل منه بالمعروف؛ لأن الله تعالى فرض سهمه في مال الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>(٦) - وقوله تعالى: ﴿فإذا دفعتم إليه أموالهم فاشهدوا عليهم﴾:</span>\nالأمر بالإشهاد أمر ندب عند أكثر العلماء، وبعضهم يراه أمر إيجاب.\nوالمعنى: إذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا على الدفع أي لا تدفعوه إلا بشهود، وعن عمر وغيره أن المعنى: فأشهدوا عليهم فيما استقرضتم منهم.\nواختلف إذا بلغ اليتيم فطلب الوصي بماله:\nففي المذهب أنه إذا زعم الوصي أنه دفعه إليه لم يقبل منه إلا ببينة خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن القول قوله مع يمينه؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾، فأمر الولي بالتوثق لنفسه والإشهاد عند تسليم الأمانة التي في يده إلى غير من ائتمنه عليها، فلولا أنه يضمن إذا جحد لم يكن لأمر بالتوثق فائدة.","vol":"2","page":68},{"text":"وقد اختلف فيمن دفع إليه مال إلى رجل آخر من دين له على الدافع أو هبة أو صدقة أو شبه ذلك، فقال: قد دفعت، وقال: الذي أمر بالدفع إليه لم يدفع إلي، فقال ابن القاسم: إن لم تقم للرسول بينة بالدفع غرم.\nوقال ابن كنانة: إن كان المال يسيرًا لم يضمن وصدق، وإن كان كثيرًا ضمن ولم يشهد.\nوقال ابن الماجشون: القول قول الرسول مع يمينه، والآية حجة لقول ابن القاسم؛ لأنه كان يجب أن لا يدفع إلا بالإشهاد؛ كالولي لليتيم لأنهما دفعا إلى غير من دفع إليهما.\nوقال اللخمي: قول ابن الماجشون أبين، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فإن دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾، أن ذلك لدفع التنازع لا لأنه لا يقبل قوله؛ كما قيل في قوله تعالى: ﴿أشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢]، إلا أن تكون العادة الإشهاد فلا يبرأ إلا بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>(٧) - (٨) -قوله تعالى: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ إلى قوله: ﴿وإذا حضر القسمة﴾ </span>الآية:\nقال ابن جريج وقتادة وغيرهما: سبب نزولها أنهم كانوا في","vol":"2","page":69},{"text":"الجاهلية يورثون الذكور دون الإناث، فالآية ناسخة لما كانوا عليه في الجاهلية، وقولهم: ناسخة ليس على حقيقة النسخ. وهذه الآية مجملة في بيان القدر الذي للرجال والنساء غير أنه قد يحتج بعمومها من يورث ذوي الأرحام، ومن يرى الحجب في بعض الأحوال مثل حجب الإخوة بالجد عند قوم، وهذا في الاحتجاج به مثل قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣].\nوقوله تعالى: ﴿مما قل منه أو كثر نصيبًا مفروضًا﴾، يعني: مما قل من المتروك. واختلف في الأخوات هل يكن عاصبات مع البنات أم لا؟ فذهب الأكثر إلى أنهن عصبة معهن فيرثن. وقال ابن عباس: لا يرثن أصلًا مع البنات، وهو قول داود. ودليل الأكثر قوله تعالى: ﴿وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ فعم.\nواختلف في النساء هل يرثن من الولاء شيئًا أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنهن لا ولاء لهن إلا ولاء من أعتقن أو أعتق من أعتقن أو لد من أعتقن خاصة، ولا يرثن من الولاء شيئًا عن غيرهم في من يعتقن.\nوذهب طاووس ومسروق إلى أنهن يرثن من الولاء كما","vol":"2","page":70},{"text":"يرثن من المال، واحتج بقوله تعالى: ﴿وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾، وهذا شذوذ، واختلف في قسمة الدار الواحدة، والأرض بين النفر نحو ذلك مما إذا قسم كان في قسمته عدم منفعة به أو ضرر، فقال مالك: إن يقسم بينهم إذا دعا إلى ذلك أحدهم وإن لم يصر في نصيب كل واحد منهك إلا قدر قدم وما لا منفعة له فيه، ولم يتابعه على ذلك أحد من أصحابه إلا ابن كنانة. وقال ابن الماجشون: لا يقسم إلا أن يصير في حظ كل واحد منهم ما ينتفع به في وجه من وجوه المنافع، وإن قل نصيب أحدهم حتى كان لا يصير له بالقسمة إلا ما لا منفعة له فيه بوجه من الوجوه فلا قسم. وقال ابن القاسم: لا يقسم إلا أن ينقسم من غير ضرر ويصير لكل واحد منهم في حظه موضع ينفرد به وينتفع بسكناه. وقال مطرف: إن لم يصر في حظ أحدهم ما ينتفع به لم يقسم، وإن صار في حظ واحد منهم ما ينتفع به قسم إلى ذلك صاحب النصيب الكثير. وقد قيل: إنها لا تقسم إلا أن يدعو إلى ذلك صاحب النصيب الكثير، وحجة مالك فيما ذكره الرواة عنه قوله تعالى: ﴿مما قل منه أو كثر نصيبًا مفروضًا﴾، فتأول الآية على ذلك، وهو قول أبو حنيفة، وحجة ابن القاسم أيضًا فيما ذكره الرواة عنه","vol":"2","page":71},{"text":"أيضًا هو قوله ﵊: «لا ضرر ولا ضرار». وقال ابن القاسم: وجميع من خالف في ذلك مالكًا إنما معنى الآية أن لهم حقهم فيه ثم قسمته على السنة، وقد قال رسول الله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»، ومن أعظم الضرر أن يقسم بينهم مالًا ينتفعون به ولا يباع فيقتسمون ثمنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>(٨) - (١١) - قوله تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة﴾ الآية إلى قوله: ﴿يوصيكم الله﴾:</span>\nاختلف في قوله: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾ الآية، هل هي منسوخة أم محكمة؟ والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة اختلفوا في الناسخ. فقال ابن عباس: ناسخها ﴿يوصيكم الله﴾ الآيات. وقال ابن المسيب: ناسخها الميراث والوصية. وذكر بعضهم عن ابن عباس أن الآية من وصية الميت لهؤلاء وهي منسوخة بالميراث.\nوالذين قالوا: إنها محكمة اختلفوا في تأويلها، فقال سعيد ابن","vol":"2","page":72},{"text":"جبير الحسن وغيرهما: هي على الندب. وقال مجاهد: هو شيء واجب ما طابت به أنفس الورثة عند القسمة، وهذا القول راجع إلى الرضخ لهم. روري عن ابن عباس: أنها في قسمة المواريث في رضخه لهم، فإن كان المال عقارًا أو فيه تقصير لا يقبل الرضخ إليهم، فهو قوله تعالى: ﴿وقولوا لهم قولًا معروفًا﴾: ادعوا لهم بخير، والضمير في: ﴿فارزقوهم﴾ لأولي القربى. وفي: ﴿وقولوا لهم قولًا معروفًا﴾ لليتامى والمساكين، قاله ابن عباس بخلاف عنه، وابن المسيب، وابن زيد. وقيل: الضميران لأولي القربى واليتامى والمساكين. وقيل: المعنى: ارضخوا لهم [\n\n]","vol":"2","page":73},{"text":"[\n\n] أولى ما حملت إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>(١١) - قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ </span>الآية:\nاختلف في سبب هذه الآية، قيل: نزلت الآية بسبب سعد بن الربيع قتل يوم أحد وترك ابنتين وزوجًا وأبًا فأخذ أبوه جميع المال، فنزلت الآية. وقيل: نزلت في ورثة ثابت بن قيس بن شماس. وقيل: مرض جابر فعاده النبي ﷺ وأبو بكر. قال جابر: فأتاني وقد أغمي علي، فتوضأ النبي ﷺ فصب علي وضوءه فأفقت، فقلت: يا رسول الله كيف أوصي في مالي؟ فلم يجبني بشيء، حتى نزلت: ﴿يوصيكم الله﴾ الآية، فجعل الله تعالى مال الميت بين جميع ولده ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾،","vol":"2","page":74},{"text":"إذا لم يذكر معهم أحد من أهل الفرائض، ولو كان معهم من له فرض معلوم لأخذ فرضه قبل، ثم ما فضل اقتسمه الأولاد القسمة المذكورة.\nوقيل: إن الناس في الجاهلية كانوا لا يورثون الصغار ولا الإناث، إنما كانوا يورثون من يقاتل ويذب عن الحريم، وقد ورد في بعض الآثار أن ذلك كان في صدر الإسلام أيضًا إلى أن نسخته هذه الآية. وهذا الذي ذكر هذا القائل لم يثبت عندنا اشتمال الشريعة عليه، بل ثبت خلافه من قصة سعد بن الربيع حين جاءت امرأته بابنتيها إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما معك يوم أحد، وقد استوفى عمهما مالهما، وأن المرأة لا تنكح إلا ولها مال، فنزلت الآية، فاسترجع رسول الله ﷺ المال، ولو كان ثابتًا هذا الحكم قبل شرعنا لما استرجعه.\nوقوله تعالى: ﴿في أولادكم﴾ أجمه العلماء على أن المراد بالأولاد هنا من ينسب إليه من أولاده دون من لا ينسب إليه منهم، والذين ينتسبون إليه هم أولاده ذكورهم وإناثهم، ثم أولاد أولاده الذكور وذكورهم أيضًا وإناثهم، فأما أولاج بناته ذكورًا كانوا أو إناثًا فلا ينتسبون إليه، إنما يقع عليهم اسم الولد كم جهة اللغة لا من","vol":"2","page":75},{"text":"جهة الشرع. فأما الأولاد ذكروهم إناثهم وأولاد أولاد الذكور ذكورهم وإناثهم فهم الولد من جهة اللغة والشرع، وهم الذين ثبت لهم أحكام الشرع في النسب والميراثـ وعول الشيخ أبو الحسن على أن لفظ الأولاد والولد حقيقة في أولاد الصلب مجاز في ولد ولد، قال: فإذا حلف أن لا ولد له وله ولد ولدٍ لم يحنث، قال: ولا خلاف أن ولد الولد على حكم الولد في أن للذكر مثل حظ الأنثيين، قال: لكن ليس ذلك كحكم ظاهر لفظ قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾، فإن مطلق لفظ الأولاد لا يتناول أولاد الأولاد، إنما أخذ ذلك عن طريق الإجماع.\nوقد اختلفوا في الرجل يحبس على ولده وأولاده ولم يزد على ذلك، فقال الجمهور: الحبس على أولاده وبنيه الذكور والإناث وعلى أولاد بنيه الذكور دون الإناث.\nوقال بعضهم: لا يدخل في ذلك إلا ولد المحبس لصلبه خاصة.\nوقال بعضهم: تخريجًا عن المذهب: لا يدخل فيه إلا ذكور ولد لصلبه خاصة.\nوقد اتفق جميع من ذكرنا على أنه لا يدخل في ذلك أولاد البنات، وهو قول مالك وجميع أصحابه المتقدمين. واحتجوا لذلك بالإجماع على أن ولد البنات لا ميراث لهم مع قوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾.\nوذهب جماعة إلى أن ولد البنات من الأولاد والأعقاب، وأنهم","vol":"2","page":76},{"text":"يدخلون في الحبس بقول المحبس: حبست على ولدي وعلى عقبي، وقال ذلك ابن عبد البر، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾، قالوا: فلما حرم الله تعالى بذلك البنات حرمت بذلك بنت البنت بإجماع على أنها بنت فوجب أن تدخل في حبس أبيها إذا حبس على ولده أو عقبه، واحتجوا أيضًا بحديث النبي ﷺ في الحسن رضي الله تعالى عنه: «ابني هذا سيد»، فسماه ابنًا. وفي الكلام على هذه المسألة طول، فمن أراد الوقوف عليها فعليه بمضانها، واختلفوا في بنات الابن هل يرثن مع ابن الابن إذا كان معهن في قعود واحد أو تحتهن، فذهب الأكثر إلى توريثهن معه، وذهب بعضهم إلى أنهن لا يريثن معه؛ لقول النبي ﷺ: «فما بقي فلأولى رجل ذكر». وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾","vol":"2","page":77},{"text":"الآية؛ لأن ولد الأولاد أولاد سواء اتفقوا في القعود، أو اختلفوا إلا ما أجمعوا عليه من أن الأعلى من ولد الولد يحجب من تحته منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>(١١) - وقوله تعالى: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين﴾:</span>\nفرض البنات الثلثين. ولم يذكر تعالى الاثنتين فاختلف في فرضهما، فألحقهما ابن عباس بالبنت الواحدة التي بين تعالى فرضهما فرأى للبنتين النصف، وألحقهما غيره بما فوق الاثنتين اللاتي بين الله تعالى فرضهن، فرأوا لهما الثلثين واختلف القائلون لهذا: هل هذا الفرض للبنتين بالسنة أم بالقرآن أو بالقياس؟ فقال بعضهم: ذلك بالسنة، وقال الأكثرون: بالقرآن، واختلفوا في وجه ذلك، فقال قوم: لما كان للبنت الواحدة مع الذكر الواحد الثلث كان الثلث لها مع الأنثى أوكد، والله تعالى قد جعل للذكر مثل حظ الأنثيين، فإذا اجتمع ذكر وأنثى فللذكر مثل حظ الأنثيين، ولم يحتج إلى ذكر الاثنتين.\nوقال بعضهم: المعنى: فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما، واستدل بقوله تعالى: ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ [الأنفال: ١٢]، وإنما تضرب الأعناق.\nوقال قوم ذلك بالقياس واختلفوا في الأصل المقيس عليه، فجعل","vol":"2","page":78},{"text":"بعضهم الأصل في ذلك الإخوة لأم، قال: إن حكم الاثنتين منهم فما فوقهما سواء، فكذلك البنات حكم البنتين منهن، وحكم ما فوقهما سواء.\nوجعل بعضهم الأصل في ذلك الأخوات، فقالوا: الأخت الواحدة لها النصف كالبنت الواحدة. وميراث الأختين الثلثان، قالوا: فكذلك يحمل حكم البنتين على حك الأختين، كما كان حكم الواحدة حكم الواحدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>(١١) - قوله تعالى: ﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾</span>.\nيريد: إن كانت الوارثة واحدة بنتًا فلها النصف لا غير، وإن كان فضل ولم يكن وارث غيرها كان لبيت المال.\nوقد اختلف فيما يفضل عنها عن سائر أهل الفرائض ما عدا الزوج والزوجة، هل يرد عليه ماله أم يكون لبيت مال المسلمين؟ فإن لم يكن بيت مال المسلمين فللفقراء، فذهب مالك وأكثر العلماء إلى أنه لا يرد شيء على ذوي السهام، وأن الفاضل من المال يكون لبيت المال والفقراء. وذهب علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إلى أنه يرد","vol":"2","page":79},{"text":"عليهم ما فضل عن سهامهم إلا الزوج والزوجة فلا يرد عليهما. وذهب ابن مسعود إلى الرد، إلا أنه لا يرد على ستة: الزوج والزوجة، والأخت للأم مع الأم، والأخت للأب مع الأخت الشقيقة وبنت الابن مع البنت والجدة مع ذي سهم غير الزوجين. ودليلنا على من يقول بالرد قوله تعالى: ﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾، وقال في الأخت: ﴿فلها نصف ما ترك﴾ [النساء: ١٧٦]، فلم تجز الزيادة على ما نص عليه.\n- وقوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾:\nيريد أن لكل واحد من أبوي الميت السدس إن كان للميت ولد ذكرًا كان أو أنثى واحدًا أو جماعة، فإن قيل: فيجب أن لا يزاد الوالد على السدس مع البنت الواحدة وهذا بخلاف الإجماع، قيل: ما زاد الأب على السدس في تلك الفريضة إنما أخذه بالتعصيب لا بالفرض، حكم ما أبقت الفرائض أن يكون لأولى عصبة الميت وأقربهم إليه، فكان الأب ذلك.\n- قوله تعالى: ﴿فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾:\nيريد أنه لم يكن للميت إلا أبوان أخذت الأم الثلث وأخذ الأب ما بقي ولم ينص في الآية على نصب الأب ولكنه لما أثبت الميراث لهما أولًا بقوله: ﴿وورثه أبواه﴾ دون تفصيل نصيب الأم، فلما ذكر نصيب","vol":"2","page":80},{"text":"الأم دل على أن للأب الثلثين وهو الباقي بحكم العصوبة، وعلى هذا قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: في زوج وأبوين أو زوجة وأبوين: للأم الثلث كاملًا فيكون ميراثًا زائدًا على ميراث الأب، وهو أحد الروايتين عن علي خلافًا لجمهور أهل العلم في قولهم: إن للأم فيها ثلث ما بقي بعد نصيب الزوجين خلافًا لابن سيرين في تفرقته بين المرأة والأبوين والزوج والأبوين، فإنه يقول في المرأة والأبوين بقول ابن عباس، وفي الزوج والأبوين لقول الجمهور لئلا يقع تفضيل الأم على الأب، ونظر ابن عباس جلي جدًا ومخالفة الجمهور لذلك النظر لا يكون إلا عن توقيف إلا أن التوقيف لم يذكر، فالمسألة مشكلة ووجه مذهب الجمهور أنه إذا وجب أن يبدأ بالزوجين جعل ما بقي كأنه جملة المال لتأخذ الأم ثلثه والأب ثلثه.\n- قوله تعالى: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾:\nيريد إن كان للميت إخوة فيكون للأم من الأبوين السدس خاصة فيحجبها الإخوة عن الثلث الواحد الذي زيد في فرضها مع عدم الولد للإخوة ما بقي إن لم يكن معهم أ [، وإن كان معم=هم أب فللأب ما بقي بعد السدس، ولا يكون للإخوة شيء، لأن الأب يحجبه فهم يحجبون","vol":"2","page":81},{"text":"الأم عن السدس الواحد والأب يحجبهم ولا يوجد في جميع الفرائض على مذهب زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه مسألة يحجب فيها من يرث غير هذه، وعن ابن عباس في هذا رواية شاذة، وهو أن السدس الذي تحجب عنه الأم يكون لمن يحجبها، وهم الإخوة وإن كان معهم أب، ويكون للأب الثلثان وهذا خلاف ظاهر الآية. وصار بعض الناس إلى أن الأخوات لا يحجبن الأم من الثلث إلى السدس؛ لأن كتاب الله تعالى في الإخوة، ومقتضى قولهم: إن لفظ الإخوة لا يتناول الأخوات، كما أن لفظ البنين على قول لا يتناول البنات وأيضًا فليست قوة ميراث الأخوات مثل قوة ميراث الذكور حتى يلحقن بهم، وقال: وقوله تعالى: ﴿إخوة﴾ وفعله من أبنية الجمع القليل، فعلمنا بذلك أن الأخ الواحد والأخت الواحدة لا يرثان شيئًا من ذلك، وأن وجودهما وعدمهما في هذه الفريضة سواء: وعلمنا أيضًا أن الثلاثة من الإخوة ذكورًا كانوا أو إناثًا، يؤثرون في الفريضة المذكورة وتكون بهم","vol":"2","page":82},{"text":"على ما ذكرنا؛ إذا لم يختلف أحد أن الثلاثة من النجع القليل. وأما الاثنان ذكرين كانا أو أنثيين أو ذكر أو أنثى، فاختلف العلماء هل يدخلان تحت قوله تعالى: ﴿إخوة﴾، فيكونان كالثلاثة ﴿الذين﴾ لم يختلف أن لفظ الإخوة واقع عليهم أو لا يدخلان فيكونان كالواحدة أو الواحد؛ إذ لم يختلف أنه لا مدخل لهما في ذلك اللفظ.\nفقال مالك: مضت السنة أن الإخوة اثنان فصاعدًا واحتج لقوله بقول النبي ﷺ: «الاثنان فما فوقهما جماعة»، وبما جاء للجمهور في هذه الآية. وقال ابن عباس: الإخوة الذين على الله تعالى بقوله: ﴿فإن كان له إخوة﴾ ثلاثة فصاعدًا، وأنكر أن تحجب الأم عن الثلث مع الأب بأقل من ثلاثة إخوة. وعلى هذا القول يكون الثلاثة أقل الجمع، ولا تكون التثنية في شيء من الجمع، وها هنا مسألة تظهر بها حجة الجمهور على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهي إذا كان في الفريضة زوج وأم وأخ وأخت لأم فلا خلاف بين الصحابة أن للزوج النصف وللأم السدس وللأخ والأخت من الأم الثلث على قول الجمهور، وحجبت الأم بالأخ والأخت عن الثلث إلى السدس فاستقام لهم ذلك. وأما ابن","vol":"2","page":83},{"text":"عباس فلم يجعل للأم الثلث لأنه لو حصل كان الثلث لعالت المسألة وهو لا يرى ذلك، وإذا قيل له: فلم كانت الأم أولى بالنقصان من الأخوين فلم يجد إلا كلامًا ظاهرًا عليه، واختلف: لم نقصت الأم عن الثلث مع الإخوة وزيد الأب؟ فقيل: لأن على الأب مؤنتهم وإنكاحهم دون أمهم. وقيل: إنما كان ذلك لئلا يون لهم دون أبيهم، ومال الطبري إلى أن ذلك غير معلوم، وأن ذلك ليس مما كلفنا علمه وإنما أمرنا بالعمل بما علمنا.\n- وقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾:\nقال علي رضي الله تعالى عنه: إنكم تقرؤون: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ وأن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية والأمة مجمعة على هذا وليس تبدية الوصية في اللفظ مما يوجب تبديتها في الإخراج من الميراث. وإنما توجب الآية أن يكون الدين والوصية يخرجان قبل الميراث، و﴿أو﴾ ما هنا للإجابة وليست تعطي ترتيبًا كالفاء وثم.\nوإذا كان ذلك، فليس في الآية دليل على تبدية الوصية على الدين أو","vol":"2","page":84},{"text":"الدين على الوصية، ولكنه فهم بالسنة أو الدين أولى بالتقديم؛ لأن أداء الدين فرض، والوصية إنما هي تطوع والفرض أولى من التطوع، ولو قال تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ لتوهم أن ذلك يجب باجتماعهما فعدل إلى لفظ «أو». ويحتمل أن يقال: ذكر الله الوصية قبل الدين لأن الوصية أغلب وأكثر من الدين، فإنه يموت كثير من الناس ولا دين عليهم ولا يموت الإنسان غالبًا إلا وقد وصى بوصية، ويحتمل أن يقال: إن بيان الوصية كانت الحاجة إليه أكثر؛ لأن قضاء الدين من التركة مشهور، وقدم ذكر الوصية لذلك، وقد أطلق الله تعالى لفظ الوصية ولم يخصص القدر الذي يجوز أن يوصى به من المال كما لم يخصص قدر الدين بل ظاهر العموم جواز الوصية بالقليل والكثير، لأن الخبر الصحيح من وصية سعد دل على أن الزيادة على الثلث غير جائزة، فيخصص العموم بذلك إذا كان هناك وارث معين؛ لقوله ﵊: «لأن تدع ورثتك أغنياء» الحديث، فإذا لم يكن وارث معينًا، فهل تبقى الآية على عمومها من جواز الوصية بالقليل والكثير أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك، فذهب أبو حنيفة إلى أنها باقية على موجب العموم من جواز الوصية بالقليل والكثير، وإن استغرق المال الوصية، وخالف مالك والشافعي ومن حجتهم أن قوله تعالى: ﴿يوصى بها أو دين﴾ إنما ورد في بعض الوراثة، ولم يرد","vol":"2","page":85},{"text":"مطلقًا فكيف يمكن الاستدلال بعمومه، وهذا قاطع من منع الاستدلال بعموم آية الوصية. وإذا امتنع ذلك بقينا على الأصل الذي هو امتناع التصرف في المال بعد الموت إلا بقدر ما استثني. ودل الخبر أيضًا أن النقصان من الثلث مستحب؛ لقوله ﷺ: «الثلث والثلث كثير»، ودل على أنه كان قليل المال وورثته فقراء، فالمستحب أن لا يوصي؛ لقوله ﵊: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». ودل ظاهر قوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ على أن كل ما يسمى دين مقدم على الميراث كدين الزكاة ودين الحج على قول من يرى الحج عن الميت إن لم يوص به، فإن رسول الله ﷺ سماه دين الله، فقال: «دين الله أحق أن يقضى»، وعموم قوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ يشتمل أيضًا على الوصية للوارث والأجنبي، لكن الخبر جاء بأنه لا وصية لوارث، فتخصص ذلك بالخبر وبالإجماع أيضًا. ومن الآية أيضًا دليل على أن القسمة من التركة لا تجوز إلا بعد أداء الدين وإخراج الوصية.","vol":"2","page":86},{"text":"واختلف في الغريم والموصي له بعدد يطرأ على الورثة وقد اقتسموا التركة، هل تنقض القسمة لذلك أم لا؟\nفروى أشهب عن مالك أنها تنقض على كل حال، وإن أراد الورثة أن يؤدوا الدين لا تنقض القسمة وشاء الغرماء ذلك.\nوحجته ظاهر هذه الآية، لأنه إنا أباح الله تعالى قسمة المال بعد أداء الدين والوصية فلا يتعدى ذلك. وذهب أشهب وسحنون إلى أن القسمة لا تنقض على كل حال، قالا: ولكن يقضي المال على ما بأيديهم على اختلاف بينهما في كيفية\nذلك. وهذا القول إحدى الروايتين عن ابن القاسم. وقال ابن القاسم: في المشهور عنه: إنها تنقض في رجل هلك وعليه دين وترك مالهم أو من التركة، وعلى هذا اختلفوا في رجل هلك وعليه دين وترك مالًا، هل يجوز فقيل أداء الدين لورثته أن يصالحوا امرأته على ميراثها من التركة بعد أداء الدين أم لا؟ فعلى مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك ذلك جائز. وأما على رواية أشهب عن مالك، فلا يجوز من أجل الدين؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى","vol":"2","page":87},{"text":"بها أو دين﴾. واختلف في الغريم يطرأ على ورثته وعلى الغرماء، فقيل: يرجع على الغرماء، وقيل: يرجع على الورثة، وهذا أصح؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾، فجعل الميراث بعد أداء الدين؛ فدل على أنه لا يستحق ميراثًا مع بقائه. وكذلك اختلف فيمن ترك مالًا وعليه دين وفي بعض ماله وفاء بالدين، فقام بعض الورثة فباع بعض الأموال لنفسه، وفيما بقي وفاء بالدين، فروى أشهب عن مالك: أنه لا يجوز ذلك، ويفسخ البيع، ولا ميراث لأحد يقضي الدين، ولعل تلك الأموال تهلك فأرى هذا البيع مفسوخًا؛ لقوله ﷿: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾، وهذا القول خلاف قول ابن القاسم في مسألة الصلح المتقدمة، وخلاف ما روي عنه من أن بيع الورثة التركة إذا لم يعلموا بالدين جائز، فالبيع والقسمة من ذلك الفضل على هذا جائز.\nواختلف في الرجل يموت وعليه دين ويترك امرأته حاملًا، هل يؤدي دينه قبل أن تضع المرأة أم ينتظر وضعها؟ فالمشهور أنه يؤدي الدين ولا ينتظر الوضع لأنه إنما يؤثر في القسمة لا في الدين. والله تعالى قد أمر بتأدية الدين قبل القسمة ولم يخص من الورثة حملًا من غير حمل، وذكر بعض المتأخرين: أنه لا يخرج الدين حتى يوضع الحمل، والوصية بعدد القول فيها كالقول في الدين. وأما الوصية بالثلث مع الحمل، فالخلاف فيها معروف من كتب العلماء. واختلف في الموصي إذا كان له جد أو أب","vol":"2","page":88},{"text":"وله أولاد صغار هل بجوز إلى أجنبي بالنظر في أولاده وسائر وصاياه أم لا يجوز: فعند المالكية أن ذلك يصح، وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يوصي إلى أجنبي في أمر أولاده مع وجود أبيه وجده إذا كانا من أهل العدالة؛ لأن ولاية الأصاغر تنتقل إليهما بغير تولية. ودليل قول مالك عموم ظاهر الآية؛ لأنه قال تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ فعم، ولم يخص. واختلف في العبد هل يجوز أن يكون وصيًا أم لا؟ فعند المالكية أنه يجوز أن يوصي عبد أو مكاتبه أو عبد عبده، وعند الشافعي أنه لا يجوز أن يوصي للعبد على كل حال، وكذلك قوله في المكاتب؛ والدليل عليه قوله تعالى: ﴿من بعد وصية﴾ فعم.\nواختلف في الوصية للمشركين، فعند المالكية أنها جائزة على كراهية كانوا أهل حرب أو ذمة. وقال أبو حنيفة: لا تصح لأهل الحرب، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿من بعد وصية﴾ الآية، فعم.\nواختلف في الرجل يموت ويترك لحم أضحية، فقيل: إنه يكون لأهل بيته يأكلونه على نحو ما كانوا يأكلونه لو لم يمت، ورثة كانوا أو غير ورثة، وهو قول مالك. وقيل: إن الورثة يقتسمونه بينهم على الميراث، وهو أيضًا قول مالك. والقول الأول أظهر لأن الورثة إنما يقتسمون على الميراث","vol":"2","page":89},{"text":"ما تكون فيه الوصية والدين؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾. وهذا اللحم لا وصية فيه ولا دين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>(١١) - وقوله تعالى: ﴿آباؤكم وأبناؤكم﴾ </span>الآية:\nاختلف في تأويله، فقيل: معناه أقرب لكم نفعًا في الآخرة، وروى بعض المفسرين أن الابن إذا كان أرفع درجة من أبيه في الآخرة سأل الله تعالى فرفع إليه أباه، وكذلك إن كان الأب أرفع من ابنه. وقيل: معناه لا تدرون أيهم أقرب إليكم نفعًا في الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>(١٢) - وقوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ </span>الآية:\nبين في مورث الزوج من زوجته والزوجة من زوجها، وأن الولد يحجب الزوج عن النصف إلى الربع، ويحجب الزوجة عن الربع إلى الثمن.\nواختلف في والد الولد هل يحجبون كالوالد أم لا؟\nفذهب الأكثر إلى أنه كالولد في الحجب؛ لأن اسم الولد واقع عليه. وذهب ابن عباس إلى أنهم لا يحجبون؛ لقوله تعالى: ﴿إن كان له ولد﴾، وقال: وليس هذا بولد، والحجة عليه ما قدمنا من أنه ولد.\nواختلف في العول: وأول من نزل به ذلك عمر بن الخطاب","vol":"2","page":90},{"text":"رضي الله تعالى عنه، فقال: لا أدري من قدمه الكتاب فأقدمه ولا من أخره فأؤخره، ولكن رأيت رأيًا فإن يكن صوابًا فمن الله تعالى، وإن يكن خطأ فمن عمر، وهو أن يدخل الضرر على جميعهم وينقص كل واحد من سهمه. وحكم بالعول، ويقال: إن الذي أشار عليه به: العباس بن عبد المطلب ﵁، وخالفه ابن عباس فلم ير العول، وقال: لو أن عمر نظر من قدمه الكتاب فقدمه، ومن أخره فأخره ما عالت فريضة، فقيل: وكيف يصنع؟ قال: ينظر أسوأ الورثة حالًا وأكثر تغيرًا فيدخل عليهم الضرر، وهو على قوله: البنات والأخوات، والصواب ما ذهب إليه الجماعة، ودليلهم أن الله تعالى قال في الأزواج: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾. وقال في البنات: ﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾، وقال: ﴿وله أخت فلها نصف ما ترك﴾، ولما كان الزوج لا يمت في الظاهر إلا بمثل ما تمت به الابنة والأخت وجب أن يتساويا في النقص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>(١٢) - وقوله تعالى: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة﴾:</span>\nاختلف في اشتقاق الكلالة، فقيل: من الإحاطة لذلك سمي الإكليل إكليلًا لأنه محيط بالرأس، فكان هذا الميت يحاط لذلك من جنابته. وقيل: أخذت من البعد والانقطاع، من قولهم: كلت الرحم إذا تباعدت فطال انتسابها، يقال: كلت الرحم إذا تباعدت، ولحت إذا قربت، يقال: هو أن عمي لحا أي هو ابن أخي أبي، .............................","vol":"2","page":91},{"text":"وهو ابن عمي كلالة أي من عشيرتي. قال الشاعر:\nورثتم قناة المجد لا عن كلالة ... عن أبي مناف عبد شمس وهاشم\nيعني ورثتموها بالآباء لا بالإخوة والعمومة، ويمكن أن يكون مأخوذًا من الكلال هو الإعياء، ومنه الكلال في المشي. وفي الكلالة يقول الشاعر:\nفإن أبا المرء أحمى له ... ومولى الكلالة لا يغضب\nواختلف بعد هذا الاشتقاق فيما يقع عليه هذا الاسم، فقال قوم: الكلالة الوراثة إذا لم يكن فيها ولد ولا والد، وإذا فسرت به هذه الآية كانت الكلالة مصدر في موضع الحال. وقال بعضهم: هي نصب على الحال أو على النعت لمصدر محذوف تقديره: ورأته كلالة، وهو قول ضعيف.\nوقال قوم: الكلالة اسم الميت الذي لا ولد له ولا والد، ووقع","vol":"2","page":92},{"text":"على المذكر، وإن كان فيه «هاء» التأنيث كضرورة المذكر والمؤنث فيه سواء. ونصبه على هذا القول على الحال من الضمير في يورث، وهو العائد على الرجل، ورأى بعضهم نصبه على التمييز، ونصبه بعضهم على خبر كان وقال قوم: الكلالة اسم للورثة الذين لا ولد فيهم ولا والد، واحتجوا بقول جابر لرسول الله ﷺ: «إنما ترثني كلالة»، وكان أبوه قتل يوم أحد، وبقراءة من قرأ يورث بكسر الراء، وشددها بعضهم، ونصبه على هذه القراءة على المفعول، وعلى القراءة المشهورة تنتصب الكلالة على أنها خبر كان. والتقدير: ذا كلالة ثم حذف المضاف (وأقيم المضاف) إليه مقامه، وبعضهم ينصبه على التمييز أو على الحال، ويجعل كان التامة لا الناقصة. وقال قوم: الكلالة اسم للمال الذي لا يرثه ولد ولا والد، ونصبه على هذه القراءة على التمييز ونصبه بعضهم على النعت لمصدر محذوف وهو ضعيف. ونصبه بعضهم على المفعول الحقيقي، ويأتي هذا على أن ورث يتعدى إلى مفعولين، وذهبت طائفة وهم الشيعة إلى أن الكلالة من لا ولد له ذكرًا كان أو أنثى، وإن كان له أب أو جد فورثوا الإخوة والأخوات مع الجد والأب ومنعوهم من الوراثة مع البنت. وروي هذا القول عن أبي بكر وعمر ثم رجعا عنه،","vol":"2","page":93},{"text":"وروي عن ابن عباس وهي رواية شاذة لا تصح عنه والصحيح ما عليه جماعة العلماء، فعلى هذا يأتي في الأب قولان: هل يدخل في الكلالة أم لا؟\nفمن لم يدخله في الكلالة لم يورث الإخوة معه، وهو الصحيح.\nومن أدخله في الكلالة ورثهم معه، ويأتي في الجد قولان أيضًا، وكذلك فمن جعله أبًا وكان الأب عنده لا يدخل في الكلالة لم يورث الإخوة معه، وهو قول أبو حنيفة أنه يسقطهم وينفرد بالمال، وروي عن أبي بكر وابن عباس وعائشة وابن الزبير: ولمز يجعله أبًا ورث الإخوة معه وجعل الوراثة كلالة، وهو قول عثمان وعلى وابن مسعود وزيد","vol":"2","page":94},{"text":"وفقهاء المدينة. واختلفت الرواية فيه عن عمر اختلافًا كثيرًا، فتارة لا يجعل الوالد كلالة، وتارة يجعله كلالة. ورده رسول الله ﷺ إلى آية الصيف ولم يجبه عن سؤاله، ووكله إلى استنباطه.\nوفيه دليل على جواز تفويض الأحكام إلى الاجتهاد، وعلى جواز استنباط معاني القرآن بالاجتهاد خلافًا لمن منع ذلك.\nويأتي أيضًا في البنت قولان فمن أدخلها في الكلالة ورث معها الإخوة والأخوات، وهو قول الجمهور. ومن لم يدخلها في الكلالة لم يورثهم معها، وهو قول ابن عباس، وبه قال داود، وإليه ذهب الشيعة، وحجتهم قول الله ﷿ في آخر السورة: ﴿ليس له ولد وله أخت﴾، فشرط عدم الولد، وسيأتي الكلام على المسألة في موضعه إن شاء الله تعالى، وقد مضى منها طرف. وقال قوم: الكلالة من لا ولد له مطلقًا، وهذا القول أردى الأقوال وأسقطها؛ للأن الأمة مجمعة على أن الإخوة لا يرثون مع الولد الذكر. ومن حجة الجمهور قوله تعالى: ﴿قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦]، فأطلق اسم الكلالة ثم فسرها بميراث الإخوة منفردين. فدل ذلك أن الكلالة لا يدخل فيها ولد ولا والد، وقوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾ إلى قوله: ﴿فأن كان له","vol":"2","page":95},{"text":"إخوة فلأمه السدس﴾ [النساء: ١١]، فلم يجعل للإخوة ميراثًا مع الولد، فخرج الولد من الكلالة والوالد جميعًا، والابنة أيضًا ليست بكلالة كالابن فأخوة الأم يرثون معها؛ لأنه تعالى شرط توريث إخوة الأم بأن يكون الميت كلالة أو الوارث كلالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>(١٢) - قوله تعالى: ﴿وله أخ أو أخت﴾:</span>\nأجمع الناس أنه أراد الإخوة للأم في هذه الآية، وكان سعد بن أبي وقاص يقرأ: «وله أخ أو أخت من أم»، فعلى ما في الآية إذا انفرد أخ أو أخت، فلكل واحد منهما السدس، فإن كانا اثنتين فصاعدًا ذكورًا او إناثًا فهم شركاء في الثلث على السواء لا يفضل ذكر على أنثى.\nواختلف في المسألة الحمارية وتسمى أيضًا المشتركة، وهي زوج وأم وإخوة لأم وإخوة أشقاء، فذهب قوم إلى أن الزوج يأخذ النصف والأم السدس، والإخوة لأم الثلث ولا يكون للأشقاء شيء، قالوا: لأنهم عصبة وقد استغرقت الفرائض المال، وهو قول علي وأُبي وابن مسعود وأبي موسى، وإليه ذهب ابن أبي ليلى وطائفة من الكوفيين، وذهبت","vol":"2","page":96},{"text":"طائفة إلى أنه يأخذ الزوج النصف والأم السدس ويبقى الثلث وهو نصيب الإخوة لأم. قالوا: فيقول لهم الإخوة والأشقاء إنما ورثتم هذا الثلث من قبل الأم، وأمنا وأمكم واحدة والله تعالى جعل ذلك الثلث للإخوة للأم، والكل منا إخوة للأم وهب أن أبانا كان حمارًا، فيشركونهم في ذلك الثلث ذكورهم وإناثهم فيه سواء، وهو قول عمر وعثمان، وإليه ذهب مالك والشافعي والثوري وإسحاق وحجتهم الآية، قوله تعالى: ﴿له أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>(١٢) - قوله تعالى: ﴿غير مضار وصية من الله﴾:</span>\nقال ابن عباس: الإضرار في الوصية من الكبائر، ورواه عن النبي ﷺ، وروى أبو هريرة أن الرسول ﷺ قال: «من ضار في وصية ألقاه الله تعالى في وادي جهنم»، ووجوه الضرر في ذلك لا تنحصر وكلها ممنوعة للآية، مثل أن يقر بما ليس عليه أو يوصي بأكثر من الثلث. قال الشيخ أبو الحسن: وقوله تعالى: ﴿غير مضار﴾","vol":"2","page":97},{"text":"يمنع التعليق بعموم آية الوصية فيما يقع فيه التنازع، فلا يدري أنه من قبيل المضارة أم لا؟ فيمتنع التعلق بعمومه لمكان الاستثناء المبهم ولا يعد مضارًا في ثلثه، فإن علم أنه أراد بما يصنع فيه من التصرف الضرر، ففيفه في المذهب قولان، أحدهما: أنه لا يعد إضراره في الثلث إضرارًا وأنه ينفذ. وقيل: أنه يرد، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿فمن خاف من موص جنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم﴾ الآية [البقرة: ١٨٢]، مما يتعلق بمعاني هذه الآية أن عموم قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ مع ذكر الزوجة والزوج والأخوات والإخوة دال على جواز الميراث، في مسائل: منها القاتل. وقد اختلف فيه على مذاهب: أحدها أن القتل لا يمنع من الميراث عمدًا كان أو خطأ، وهو قول الزهري والبصريين، وقيل: إنه يمنع الميراث عمدًا كان أو خطأ، وهو قول الشافعي. وقال مالك: القاتل عمدًا لا يرث، والقاتل خطأ يرث من المال ولا يرث من الدية، وكذلك اختلف فيمن فيه بقية رق، فالجمهور أنه لا يرث، وقال أبو يوسف والمزني: يرث وكذلك إذا مات ورثه على قول الجمهور. من له فيه الرق خاصة، وقال أصحاب الشافعي أن ورثته","vol":"2","page":98},{"text":"يرثون النصيب الحر. وقال بعضهم: هو لبيت المال، وكذلك اختلف: هل يرث المسلم الكافر أم لا؟ فالجمهور على أنه لا يرث؛ لقوله ﵊: «لا يتوارث أهل ملتين». وقال معاوية ومحمد بن الحنفية ومحمد بن الحسن: المسلم يرث قريبه الكافر، واتفقوا على أنه لا يرث الكافر المسلم، وكذلك اختلف في ميراث المرتد إذا قتل على ردته، فقال مالك والشافعي: لبيت المال، وقال أبو حنيفة: لورثته المسلمين. وقيل: ما كسب في حال إسلامه لورثته المسلمين وما كسب في حال ردته لبيت المال. وروي عن قتادة أن ميراثه لأهل الدين الذي ارتد إليه. وعموم الآية يدل على التوارث في هذه المسائل غير أن الأخبار الخاصة منعت من ذلك، وخصصت ذلك العموم. ومن ذلك اختلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم في ميراث النبي ﷺ: فذهب جماعة إلى أنه يورث تعلقًا بعموم هذه الآية. وذهب جماعة","vol":"2","page":99},{"text":"إلى أنه لا يورث وخصص الآية بما نقله عنه ﵊ من قوله: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة»، وبعضهم رواه صدقة بالنصب ولم ير على ذلك في الحديث حجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>(١٥)، (١٦) - قوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾ إلى قوله: ﴿إنما التوبة على الله﴾:</span>\nالفاحشة في هذا الموضع الزنا، وقرأ ابن مسعود بالفاحشة، وقوله: ﴿من نسائكم﴾ إضافة في معنى الإسلام بأن الكافرة قد تكون من نساء المسلمين بسبب ولا يلحقها هذا الحكم على خلاف فيه. واختلف في المعنى الذي له جعل شهداء الزنا أربعة، فقيل: تغليظًا على المدعي وسترًا على العباد، وقيل: لترتب شاهدين على كل واحد من الزانيين، وفي هذا ضعف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>(١٦) - قوله تعالى: ﴿فآذوهما﴾:</span>\nاختلف في ذلك الإيذاء، ما هو؟ فقال عبادة والسدي هو التعيير والتوبيخ. وقيل: هو السب والجفاء دون التعيير. وقال ابن عباس: هو النيل باللسان واليد وضرب النعال وما أشبهه، فثبت بالآية الأولى أن حكم الزنا الإمساك في البيوت حتى يموتوا، وثبت بالآية الثانية بعدها أن","vol":"2","page":100},{"text":"الحكم فيهن الإذاية على ما قدمنا، والأولى منسوخة باتفاق. الثانية أيضًا منسوخة إلا في قول من قال: إن الأذى والتعيير باقيان مع الجلد، لأنهما لا تعارض بينهما فلا يقع فيهما نسخ. وقد اختلف في كيفية ترتيب النسخ في هاتين الآيتين على أقوال ثمانية، فقيل: إن الآية الأولى في المحصنين والآية الثانية في البكريين ورجح الطبري هذا القول، وهو قول حسن لولا أن لفظ الآية ينبو عنه فيضعف؛ لأن قوله: ﴿واللاتي﴾ لا يعطي إلا النساء خاصة، والمؤنث لا يغلب على المذكر إلا في موضعين ليس هذا منهما إلا أن يريد أن اللفظ إنما هو للنساء خاصة ثم دخل الرجال في ذلك الحكم حملًا لهم على النساء، كما قال ﵊: «من أعتق شركًا له في عبد»، فلحقت به الأمة في ذلك من غير أ، يقال اللفظ جامع للرجال والنساء. وقد اختلف في تسمية مثل هذا قياسًا، وقرأ ابن مسعود: ﴿والذين يفعلونه منكم﴾، وعلى هذا القول لا يصح أن تكون إحدى الروايتين ناسخة للأخرى، لاختلاف الحكمين والمحكوم فيهما وتكون الآية الأولى منسوخة بأحد أمرين إما بالرجم المتواتر نقله المنسوخ في القرآن وتلاوته وعلى قول من ذهب إلى ما روي عن عمر بن الخطاب من قوله: «الثيب والثيبة إذا زنا فارجموهما البتة»، وأنه كان قرآنًا فنسخ","vol":"2","page":101},{"text":"تلاوته وبقي حكمه. وقد أنكر هذا قوم وسيأتي الكلام عليه في سورة النور إن شاء الله تعالى. أو بقول الله ﷿: ﴿ويدرؤ عنها العذاب أن تشهد﴾ الآية [النور: ٨]، لأن العذاب المذكور في آية الرجم على ما بينه رسول الله ﷺ، وتكون الآية الثانية منسوخة بقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ الآية [النور: ٢]. وقيل: إن الآيتين في الزانيين البكريين، وقيل: في الزانيين المحصنين، وقيل: هما عامتان في الصنفين والضعف الذي ذكرناه في القول الأول داخل في هذه الأقوال. ولا بد على كل واحدة من هذه الثلاثة الأقوال أن تكون إحدى الآيتين ناسخة للأخرى. وقد اختلف في ذلك على قولين، أحدهما: أن الأولى منسوخة بالثانية، وهو قول عبادة والحسن ومجاهد، وقيل: إن الثانية منسوخة بالأولى، ولكن التلاوة أخرت وقدمت ذكره ابن فورك ورجحه بعضهم.\nثم إن الناسخة في الآيتين لا بد أن يكون منسوخًا على القول بأن الآيتين جميعًا منسوختان فعلى القول الأول بأنها في الأبكار خاصة، يكون","vol":"2","page":102},{"text":"الناسخ قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني﴾ [النور: ٢]، لأنها إنما هي في الأبكار على القول المشهور. وعلى القول بأنهما في المحصنين يكون الناسخ إحدى الآيتين التي قدمنا ذكرهما في الرجم، وعلى هذا القول بأنهما في الصنفين يكون الناسخ آية الجلد وآية الرجم، وقيل: الآية الأولى في النساء خاصة المحصنات كن أو غير محصنات، والآية في الرجال خاصة وبن بلفظ التثنية صنفي الرجال فيمن أحصن وفيمن لم يحصن، فكانت عقوبة النساء الحبس وعقوبة الرجال الأذى، ولم تكن إحدى الآيتين ناسخة للأخرى. ثم نسخ ذلك في آيتي الجلد والرجم، وهو قول مجاهد.\nوروي عن ابن عباس: وهذا القول في الآية عندي أحسن الأقوال، وأصح على قوانين العربية يؤيده من جهة اللفظ: قوله في الأولى: ﴿من نسائكم﴾ وقوله في الثانية: ﴿منكم﴾، فالذي يتحصل في هاتين الآيتين ثمانية أقوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>(١٦) - قوله تعالى: ﴿فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما﴾:</span>\nأمر بكف الأذى عنهما بعد التوبة، ولا خلاف بين أحد من أهل العلم أن الحد لا يقام بأقل من أربعة شهداء، رجال عدول، وعلى معاينة الفعل كالمردود في المكحلة، والأصل في قوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ [النساء: ١٥]، قوله: ﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ [النور: ٤]، وقد حكي عن قوم أنهم أجازوا","vol":"2","page":103},{"text":"شهادة ثلاثة رجال وامرأتين. وحكي عن عثمان البتي وهو غلط؛ لقوله تعالى: ﴿أربعة منكم﴾، وهو يخاطب الرجال. واختلف هل من شرط الشهادة في ذلك أن تكون في مجلس واحد فلا تقبل شهادتهم إذا كانوا متفرقين أم ليس من شرطها ذلك. وتقبل الشهادة إذا جاء الشهداء مجتمعين أو متفرقين على قولين في المذهب. والآية حجة لمن لم ير ذلك؛ لأن الله تعالى لم يذكر في الشهداء الأربعة افتراقًا ولا اجتماعًا، فيحمل على عمومه حتى يقوم الدليل على غير ذلك. واختلف في اليهوديين والنصرانيين إذا زنيا هل يقام عليهما الحد كما يقام على المسلمين؟ فذهب مالك ومن تابعه إلى أنهما لا يقام عليهما الحد، ولكن لن يؤذيان إذا علنا ذلك. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنهما يرجمان إن كانا محصنين ويجلدان إن كانا بكرين، والحجة عليهما قوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم، فدل على أن عداهن بخلافهن.","vol":"2","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>(١٧) - قوله تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة﴾ </span>الآية:\nالتوبة: الندم على ما مضى من فعل عصى الله تعالى من حيث هو معصية لا من حيث أضر ببدن او ملك، وإن كان ذلك الفعل مما يتأتى العودة إليه، فيجب أن ينضاف إلى الندم العزم على ترك العودة، وإن كان مما يتأتى فلا يحتاج إلى ذلك العزم. والتوبة من الذنب واجبة؛ لقوله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون﴾ [النور: ٣١]، فأجمع الناس أن هذا الأمر على الوجوب، وتصح التوبة عندنا من الذنب مع البقاء على ذنب آخر خلافًا لمن منعه من المعتزلة؛ لأن النادم على ذنب وهو مصر على آخر قد لزمه اسم التوبة في كلام العرب الرجوع، فهو قد رجع عن أمر فهو تائب منه، وهو تعالى قد قال: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب﴾ [النساء: ١٧]، وهذا قد عمل سوء ثم تاب فهو تائب من جهة، غير تائب من جهة أخرى، وهذا لا يتنافى إلا لو كان من جهة واحدة في حين واحد من شخص واحد.\nوما ذلك في شخص واحد إلا بمنزلته في شخصين تاب أحدهما من ذنوبه والآخر لم يتب، فهل يمنع الذي لم يتب قبول توبة التائب؟ وإذا صحت توبة العبد، فإن كانت عن الكفر قطعنا بقبولها وإذا كانت عما","vol":"2","page":105},{"text":"سواه من المعاصي، فمن العلماء من يقطع بقبولها، ومنهم من لا يقطع بقبول ذلك ويظنه ظنًا، وهذا عندي هو الأصح لأن هذا لا يعرف من طريق العقل وإنما يلجأ فيه إلى السمع والظواهر التي أتت بالقبول ليست بعوض لاحتمال التأويل، وإنما هي عمومات معرضة للتأويل؛ كقوله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ [الشورى: ٢٥]، فكيف يصح القطع مع ذلك، والسوء في الآية يعم الكفر والمعاصي.\nوقوله: ﴿يجهله﴾ اختلف في معناها، فقيل: الجهالة السفاهة، قاله جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ. وقال قتادة: اجتمع أصحاب سيدنا محمد ﷺ على أن كل معصية فهي جهالة عمدًا كانت أو جهلًا. وقال به ابن عباس ومجاهد والسدي. وروي عن مجاهد والضحاك أنهما قالا: الجهالة هنا العمد، وقال عكرمة: أمور الدنيا كلها جهالة يريد","vol":"2","page":106},{"text":"بها الخارجة عن طاعة الله، وقيل: بجهالة لا يعلم كنه العقوبة. واختلف في معنى قوله: ﴿من قريب﴾، فقال ابن عباس والسدي: معنى ذلك قلب المرض والموت. وقال أبو مجلز ومحمد بن قيس والضحاك وعكرمة وابن يزيد وغيرهم: معنى ذلك قبل معاينة الملائكة وأن يغلب المرء على نفسه. وروي أن الله تعالى لما خلق آدم ﵇ فرآه إبليس أجوف ثم جرى له ما جرى ولعن وأنظر، وقال: «وعزتك لبرحت من قلبه ما دام فيه الروح»، فقال: «وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح». وقال إبراهيم النخعي: كان يقال التوبة مبسوطة لأحدكم ما لم يأخذ بكظمه، وروي أن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ويغلب على عقله»، وقيل: قوله تعالى: ﴿من قريب﴾ معناه: من قريب إلى وقت الذنب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>(١٨) - قوله تعالى: ﴿حتى إذا حضر أحدكم الموت﴾ </span>الآية:\nهذا كما كان فرعون حين صار في غمر الماء والغرق فلم ينفعه ما أطهر من الإيمان. واختلف الناس في هذه الآية التي ذكرنا هل هي منسوخة أم محكمة؟ فذهب بعضهم إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]، قالوا: فحرم الله","vol":"2","page":107},{"text":"تعالى المغفرة لمن مات كافرًا وأرجى أهل المعاصي من أهل التوحيد إلى مشيئته، فلم يؤيسهم من المغفرة ورأوا أن الآية الأولى تعطي أنه إذا لم تقبل توبة العاصي فلن يغفر الله له، وذهب أكثرهم إلى أن الآية لا تنفي أن يغفر للعاصي الذي لم تقبل توبته، وهو الذي لا يتوب من قريب فيضطر إلى أن يقول: إن قوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ ناسخ لها، وإنما نفت هذه الآية أن يكون تائبًا فلم يتب إلا عند حضور الوفاة. وطعن بعضهم في قول من جعل الآية منسوخة بأن الآية خبر والأخبار لا يدخلها النسخ. وهذا الاعتراض ساقط لأن الآية وإن كانت خبرًا فقد تضمنت حكمًا، وإذا كانت كذلك جاز أن تنسخ وعندنا أن المرتد إذا تاب قبلت توبته. وذهب بعضهم إلى أنه لا تقبل توبته، وحجتنا على من قال ذلك قوله تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون﴾ الآية [الشورى: ٢٥]، وقوله: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>(١٩) - (٢٢) - وقله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا﴾ إلى قوله: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾:</span>\nاختلف المتأولون في قوله: ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا﴾، فقال ابن عباس: كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بمرأته من أهلها إن شاؤوا تزوجوها، وإن شاؤوا منعوها الزواج حتى الموت، فنزلت الآية.","vol":"2","page":108},{"text":"قال أبو أمامة سهل بن حنيف: لما توفي أبو قيس ابن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية. فنزلت في ذلك واسم ابنه محض واسم المراة على ما ذكر عكرمة: كبيشة بنت معن الأنصارية. وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة وفي قريش مباحة على التراضي، وقد خلف أبو عمرو بن أمية على امرأة أبيه بعد موته، فولدت من أبي عمرو مسافرًا وأبا معيط.\nومان لها من أبيه أو العيص وغريه بنو أمية أخوة مسافر وأبي معيط وأعمامهما. وقال بمثل هذا القول عكرمة وأبو مجلز والحسن البصري. وقال مجاهد: كان الابن الأكبر أحق بامرأة أبيه إذا لم يكن ولدها، وقال السدي: كان ولد الميت إذا سبق فألقى على امرأة أبيه ثوبه فهو أحق بها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها كانت أحق بنفسها. والروايات في هذا كثيرة بحسب سيرة الجاهلية، فعلى هذا القول في الآية يكون الموروث من النساء، والمعنى: لا تجعلوا النساء كالمال يورثن عن الرجال الموتى كما يروث المال. والمخاطبون أولياء الموتى. والتقدير: لا يحل لكم أن ترثوا آباءكم وأقرباءكم نكاح نسائهم. وقال بعض المتأولين: معنى الآية: لا يحل لكم عضل","vol":"2","page":109},{"text":"النساء اللواتي أنتم لهن أولياء وإمساكهن دون تزويج فترثون أموالهن، وعلى هذا القول يكون الموروث المال دون النساء، وقد روي نحو هذا عن ابن عباس ... والمخاطبون بالآية على هذا التأويل أولياء النساء.\nواختلف المتأولون أيضًا في معنى قوله تعالى: ﴿ولا تعضلوهن﴾ الآية، فقال ابن عباس وغيره: هي أيضًا في نهي أولئك الأولياء الذين كانوا يرثون المرأة لأنهم كانوا يتزوجونها إذا كانت جميلة ويمسكونها حتى تموت إذا كانت ذميمة، فالمعنى: لا تحبسوهن عن نكاح كم أردن نكاحه حتى يمتن من أموالهن ما كان أعطاهن موتاكم من صدقاتهن، وقال نحوه الحسن وعكرمة. ومعنى قوله تعالى: ﴿آتيتموهن﴾ على هذا القول، أي: آتاها الرجل قبلكم. وقال ابن عباس أيضًا: هي للأزواج أن يمسك أحدهم المرأة ويسيئ عشرتها حتى تفتدي منه، فذلك لا يحل له، وقال بعضهم: نهى الزوج بعد فرقة المرأة عن عضلها عن التزويج وكان ذلك من فعل الجاهلية. وقال ابن زيد: هذا العضل المنهي عنه في الآية هو من سير الجاهلية، كان في قريش بمكة إذا لم يتوافق الزوجان طلقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه ويشهد عليها بذلك، فإذا خطبت فإن أعطته روشته وإلا عضل، ففي هذا نزلت الآية. وأقوى هذه الأقوال والذي عليه الجمهور ان المراد بالآية الأزواج وأنهم المخاطبون وبحسب ذلك تجاذب الفقهاء","vol":"2","page":110},{"text":"الآية واحتج بها أكثرهم في أمر الخلع، واختلف المتأولون في الفاحشة المبينة ما هي؟ فقال قوم: هي الزنا، وقال قوم: الفاحشة المبينة ها هنا شتم العرض وأن تبذو عليه بلسانها أو تخالف أمره؛ لأن كل فاحشة وصفت في القرآن مبينة فهي في باب النطق. وكل فاحشة أتت فيه مطلقة لم تنعت بمبينة، فالمراد بها الزنا. وقال بعضهم: المراد بها الزنا والأذى والنشوز البذو باللسان وما أشبه ذلك. واختلف في قوله: ﴿إلا أن يأتين﴾ هل هذا الاستثناء متصل أو منفصل؟ وعلى هذا اختلف الفقهاء في الرجل إذا نشزت عليه امرأته أو أحدثت حدثًا من زنا أو غيره، هل له أن يضارها حتى تفتدي منه أم لا؟ فذهب مالك ومن تابعه إلى أنه ليس له ذلك، وأنه إنما له من ذلك ما كان لغير ضرر منه وطابت به نفسها؛ لقوله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا﴾ [النساء: ٤]، واختلف في الاستثناء على هذا القول، فقيل: هو متصل والآية تعطي جواز الإضرار حتى يأخذ ما أتاها، ولكن نسخ بالحدود وهو قول ضعيف، وإلى نحو هذا ذهب عطاء، وقيل: بل الاستثناء منفصل، والتقدير: ولكن إن أتين بفاحشة مبينة لكم أن تقبلوا منهن في الفداء ما طابت به أنفسهن. وذهب قوم من أهل العلم إلى أن الرجل إن أتت امرأته بشيء مما ذكرنا من زنا وغيره أن يضيق علها حتى تفتدي منه، وجعل الاستثناء أيضًا متصلًا، والآية محكمة.","vol":"2","page":111},{"text":"وإذا قلنا أنها إذا نشزت جاز له أن يأخذ منها، فهل له أن يأخذ منها جميع ما أعطاها أم لا؟ فذهب مالك وغيره إلى أنه جائز أن يأخذ جميع ما تملك. وقال بعضهم: يجوز ولكن لا يتجاوز ما أعطاها، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿لتذهبوا بعض ما آتيتموهن﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>(١٩) - قوله تعالى: ﴿وعاشروهن المعروف﴾:</span>\nأمر للجميع؛ إذ لكل أحد عشرة زوجًا كان أو وليًا، ولكن الملتمس بهذا الأمر في الأغلب الأزواج. والعشرة المخالطة والممازجة، ومنه قول طرفة:\nفلئن شطت نواها مرة ... لعلى عهد حبيب معتكر\nوقوله: ﴿بالمعروف﴾ اختلف فيه، فقيل: بالمعروف في المبيت والكلام، وقيل: إمساكهن بأداء حقوقهن التي لهن أو تسريحهن بإحسان.\nوالآية ينبغي أن تحمل على العموم مما تقتضيه المعاشرة بالمعروف من المهر والنفقة والعدل في القسم وأن لا يعاتب ولا يعاقب على غير ذنب، ونحو ذلك.\nواختلف العلماء في الزوجة إذا كانت ممن لا تخدم نفسها هل","vol":"2","page":112},{"text":"يجب على الزوج إخدامها أم لا؟ فالجمهور على إيجاب ذلك. وذهب داود إلى أنه لا يجب أن يخدمها. ودليل الجمهور مقتضى قوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾، وإذا قلنا بوجوب الخدمة فما الذي يجب عليه منها؟ فقيل: لا يجب عليه لا لها أكثر من خادم واحد، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك. وقيل: وإن كانت لا يكفيها خادم واحد وحال الزوج يحتمل أخدمها مثلها، ودلل هذا القول قوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>(١٩) - وقوله تعالى: ﴿فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا﴾:</span>\nفيه يبان استحباب الإمساك بالمعروف، وإن كان على خلاف هوى النفس وفيه دليل على أن الطلاق مكروه، وهو موافق لقوله ﵊: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>(٢٠) - وقوله تعالى: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾ </span>الآية:\nاختلف في هذه الآية هل هي محكمة أم لا؟ فذهب قوم إلى أنها منسوخة في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا﴾ إلى قوله: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾، قاله ابن عباس وعكرمة وغيرهما. وذهب بعضهم إلى أن هذه الآية: ﴿فلا تأخذوا منه","vol":"2","page":113},{"text":"شيئًا﴾ ناسخة لما في البقرة في قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وهذا من لا يجيز أن يأخذ من المختلعة شيء قليل ولا كثير. والصحيح أن هذه الآية ليست ناسخة ولا منسوخة. وبعض الآيات تنبني على بعض، ولما مضى في الآية المتقدمة حكم الفراق الذي سببه من المرأة وأن للزوج أخذا مال منها على ذلك عقب ذلك بذكر الفراق الذي سببه من الزوج والمنع من أخذ ما لها مع ذلك، وقد تقدم الكلام على فقه هذه الآية في سورة البقرة.\nواختلف في جواز المغالاة بالمهور، فأجازه الجمهور ومنعه قوم.\nواحتج مجيزوه بهذه الآية، قالوا: لأن الله تعالى قد مثل بقنطار ولا يمثل تعالى إلا بمباح، وخطب عمر فقال: ألا لا تغالوا في صداق نسائكم، فإن الرجل يغالي حتى يكون ذلك في قلبه عداوة للمرأة، يقول: تجسمت إليك علق القربة وعرق القربة. فروي أن امرأة كلمته من وراء الناس فقالت: كيف هذا والله تعالى يقول: ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا﴾، قال: فأطرق عمر ﵁، ثم قال: «كل الناس أفقه منك يا عمر. ويروى أنه قال: امرأة أصابت ورجل أخطأ والله المستعان»، وترك الإنكار. وقال الذين ذهبوا إلى منع المغالاة: لا تعطي الآية جواز ذلك؛ لأن التمثيل جاء على","vol":"2","page":114},{"text":"جهة المبالغة كأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد، وهذا كقوله ﵊: «من بنى مسجدًا لله ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة»، فمعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص قطاة، وقد قال ﵊ لابن أبي حدود وقد جاءه يستفتيه في مهر، فسأله عن المهر، فقال: مائتين، فغضب رسول الله ﷺ وقال: «كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة أو جبل ...» الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>(٢١) - وقوله تعالى: ﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾:</span>\nيستدل به من أوجب المهر بالخلوة على ظاهر قول عمر: «إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق» ولا حجة فيه لكون الإفضاء مختلفًا في تفسيره، وأن الآية لم يصدق شيء من هذا المعنى، ومع أن قوله تعالى: ﴿من قبل أن تمسوهن﴾ [البقرة: ٢٣٧]، يعم المخلو بها غيرها وما يوجب لها إلا نصف الصداق مهما لم يكن مسيس. وأيضًا فإن الإفضاء كأنه مأخوذ من الفضاء الذي هو السعة. والكناية عند العرب إنما تستعمل فيما","vol":"2","page":115},{"text":"يستحي من التصريح بذكره، فكنى بالإفضاء عنه، والخلوة لا يستحي من ذكرها، فلا يحتاج إلى كناية، فإن قيل: فهذا محتمل. قلنا: صدقتم، ولكن الظاهر أنه الجماع، فلا يعدل عنه إلا بدليل، ومع أن قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مقدم على قول الفراء؛ إذ هو حبر الأمة وترجمان القرآن مع أنه قد نقل عن الفراء مثل قوله. ويحتمل أن يكون اشتقاق الآية من فضا، أي مختلط، وقوم فوضى أي مختلطون، وكيفما نظر معناه إن كان من الفضاء أو من قولهم: فضا فهو يدل على المجامعة، وقال الفراء: الإفضاء عبارة عن الخلوة، واختلف أيضًا في الميثاق الغليظ، فقال الحسن وابن سيرين وغيرهما: هو قوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال مجاهد وابن زيد: هو عقدة النكاح، وقول الرجل: نكحت وملكت النكاح ونحوه ... فهذه التي بها تستحل الفروج.\nوقال عكرمة والربيع: الميثاق الغليظ يفسره قول النبي ﷺ: «استوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم","vol":"2","page":116},{"text":"فروجهن بكلمة الله»، وقال قوم: الميثاق الغليظ الولد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>(٢٢) - (٢٤) - قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ الآية إلى قوله ﴿فما استمتعتم﴾:</span>\nسبب هذه الآية أن العرب كانت منهم قبائل قد اعتادت أن يخلف الرجل منهم على امرأة أبيه على ما ذكرنا من أمر أبي عمر وابن أمية وابن الأسلت، ومن ذلك صفوان بن أمية بن خلف تزوج بعد أبيه فاختة بنت الأسود بن عبد المطلب بن الأسد، وكانت امرأة أبيه ريان وكانت مليكة بنت خارجة إلى كثير من هذا، وقد كان في العرب ن تزوج وهو حاجب بن زرارة تمجس وفعل هذه الفعلة، وقال ابن عباس: كان أهل الجاهلية","vol":"2","page":117},{"text":"يحرمون ما يحرم إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فنزلت الآية.\nوقوله تعالى: ﴿ما نكح آباؤكم من النساء﴾: اختلف في تأويله، فقالت فرقة: يراد به النساء، أي لا تنكحوا النساء اللواتي نكح أباؤكم، فـ «ما» على هذا القول واقعة على من يعقل، وإنما جاز ذلك لأنه إنما أريد به نوع من النساء، و«ما» تقع على الأنواع مما يعقل. والذين ذهبوا إلى هذا القول مختلفون في قوله تعالى: ﴿إلا ما قد سلف﴾، فقيل: معناه إلا ما قد سلف فدعوه. وقيل: لكن ما سلف فهو معفو عنه لمن كان واقعه، فكأنه قال: ولا تفعلوا حاشى ما قد سلف، وهذا استثناء منقطع. قال أبو الحسن: في هذه الآية دلالة ظاهرة للشافعي في أن من تزوج امرأة أبيه ثم وطئها مع العلم بالنهي والتحريم أنه زان؛ لأنه تعالى قال: ﴿كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلًا﴾، فذكر في نكاح امرأة الأب مثل ذلك. وقال ابن زيد: المعنى إلا ما سلف من الآباء في الجاهلية من الزنا بالنساء لا على وجه المناكحة، فذلك جائز لكم زواجهن في الإسلام؛ لأن ذلك الزنا كان فاحشة ومقتًا، فالاستثناء على هذا متصل.\nوقالت فرقة: ما نكح يراد به نكاح الآباء أي نكاحًا مثل نكاحهم أو لا تنكحوا كما نكح آباؤكم من عقودهم الفاسدة. واختلف أيضًا في تأويل الاستثناء، فقيل: معناه إلا ما تقدم منكم من تلك العقود الفاسدة، فباح لكم الإقامة عليها في الإسلام إذا كان مما يقر الإسلام عليه من جهة القرابة ويجوزه الشرع إن لو ابتدئ نكاحه في الإسلام على سنته. وقيل: المعنى إلا ما قد سلف فهو معفو عنكم.\nوقوله تعالى: ﴿إنه كان فاحشة﴾، قال المبرد: كان هنا زائدة،","vol":"2","page":118},{"text":"قال الزجاج: لو كانت زائدة لكانت فاحشة مرفوعة. وقال بعضهم: كان في هذه الآية تقتضي الماضي والمستقبل. والصحيح في ذلك ما قاله الزجاج وغيره من أن «كان» إنما أريد بها هنا الماضي؛ لأن الله تعالى إنما أخبر أن الذي حرمه علينا كان في الجاهلية مستقبحًا يسمونه فاحشة ومقتًا. قال أبو عبيدة وغيره: كانت العرب تسمي الولد الذي يجيء من زوج الوالد المفتي. واختلف في الزنا هل تثبت به حرمة المصاهرة أم لا؟ فعن مالك في ذلك روايتان، وقول أبو حنيفة: أنه تثبت. وقول الشافعي: أنه لا تثبت. ووجه إثباتها قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ فعم. قال بعض من احتج بهذا القول: أن النكاح في اللغة عبارة عن الجمع والضم وهو أظهر في الوطئ منه في العقد. فتقديره: ولا تطؤوا ما وطئ آباؤكم من النساء. فدل هذا على أن التحريم متعلق بصورة الوطئ. وأجاب عن هذا من نصر القول بأنه لا يثبت به حرمة المصاهرة، بأن قال: الصفة إذا أطلقت في الشرع ولها عرف في اللغة كالصوم والصلاة والزكاة ونحو ذلك. وعرف الشرع في لفظ النكاح: العقد. قال تعالى: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ [الأحزاب:","vol":"2","page":119},{"text":"٤٩]. وقال ﵊: «لا نكاح إلا بولي» إلى غير ذلك من الآيات والأخبار والواردة المراد بها العقد، ولهذا لو قال لامرأة: أن نكحتك فأنت طالق، فإنه يقع الطلاق بنفس العقد. وإذا صح أن المراد به في الشرع العقد وجب عليه عند الإطلاق. وقال أبو بكر الرازي: أنا أسلم أن المراد به العقد إذا أطلق إلا إذا كانت قرينة هناك تصرفه عن العقد إلى الوطئ. وفي هذا المقام قرائن دالة على أن المراد به الوطئ، ومن ذلك ما ذكره المفسرون أن الآية إنما نزلت في العرب وذلك أنها كانت تخلف آباءها في نسائهم، وإنما كانت تخلفهم في الوطئ، لأنهم ما كانوا يجدون عقدًا. ولهذا قال: ﴿إلا ما قد سلف﴾ أي فإنه معفو ولا إثم فيه، ولهذا سماه فاحشة ولهذا حرم نكاح موطوءة الأب بملك اليمين بحكم هذه الآية ولا نكاح هناك. قال: ولا يمكن ادعاء العموم في مسميات مختلفة المعاني بعضها مجاز وبعضها حقيقة. يريد أنه لا يجوز أن يحمل قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا﴾ الآية على العموم في العقد والوطئ، لأنه حقيقة في العقد مجاز في الوطئ. وهذا قول أكثر الأصوليين، فأجاب عن هذا من نصر القول الآخر، بأن قال: الآية من أولها إلى آخرها إنما","vol":"2","page":120},{"text":"دلت على الوطئ في العقد، ولهذا قال: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾ [النساء: ٢٣] إلى آخر الآية، ولم يجر للزنا فيه ذكر فكيف يحمل النكاح على ما لم يجر له في الآية ذكر. والآية إنما وردت في النكاح لا في الزنا، فلتحمل عليه، وكيف لا! وقد قال: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾، فقيد ذلك بالصلب. فذكر الله ﷿ في هذا المقام حليلة الابن وتعرض لها، فكيف يعرض عن حليلة الأب ولا ذكر لها إلا في قوله ﷿: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾، فثبت بهذا أن الآية صيغت لبيات حكم النكاح. وأما لبيان حكم الزنا فلا. ثم كلام الشرع إنما يجوز حمله على ما لو صرح به كان الكلام منتظمًا جاريًا على وجه الاستقامة، ولا شك أنه تعالى لو قال: «ولا تزنوا بما زنى آباؤكم» كان ذلك شنيعًا، فإن تخصيص ذلك غير لازم، فإن القائل بالتحريم بالزنا محرم على الإطلاق.\nوهذا الجواب غير لازم، فإن القائل بالتحريم بالزنا لا يحمل على النكاح على وطئ النسب فحسب، بل يحمله على كل وطئ بالعموم فيندرج تحته الوطئ الحلال والحرام، فلا بشاعة في ذلك.\nواختلف القائلون بأن وطئ الزنا محرم في اللمس والقبلة والنظرة إذا كان ذلك كله للشهوة، فجعله الحنفية مثل الجماع في التحريم قياسًا عليه، وخالفهم غيرهم فيه وفي المذهب قولان.\nواخلتف أيضًا في الوطئ بوجه شبهة، هل يحرم أم لا؟ كمن وقع","vol":"2","page":121},{"text":"على ابنته في الليل وظنها امرأته، فالمشهور أنه وطئ بموجب الحرمة كالوطئ الصحيح الذي لا شبهة فيه. وحكى عن سحنون أنه لا يوجب حرمة فلا تحرم أم ابنته عليه.\nوقد أجمع الفقهاء على تحريم عليه الآباء على الأبناء وما عقد عليه الأبناء على الآباء، كان مع العقد وطئ أو لم يكن، واختلف إذا كان العقد مختلفًا في فساده الذي لم يختلف في صحته. والآية إذا حملت على العقد كانت عامة في كل عقد، إلا أنه إنما ينبغي أن تحمل على العقد الشرعي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>(٢٣) - قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾ </span>الآية:\nهذه الآية وغيرها خصصت عموم آيات تقتضي إباحة نكاح جميع النساء، ومنها قوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣] الآية، وقوله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: ٣٢] الآية، لكن الله تعالى خصص مما يقتضي ذلك العموم يقتضي سبع عشرة امرأة، فلم يجز نكاحهن: سبع بالنسب، واثنان بالرضاعة، وست بالصهر، واثنتان بالدين.\nفأما السبع بالنسب، فالأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، وهن المذكورات في هذه الآية. وأما الاثنتان","vol":"2","page":122},{"text":"بالرضاعة: فالأمهات والأخوات وهما المذكورتان في هاته الآية أيضًا.\nوأما الست بالصهر: فأمهات امرأة الرجل والربائب وحلائل الأبناء والجمع بين الأختين وهؤلاء الأربع مذكورات في هذه الآية. فأم الاثنتان المكملتان الست: فحلائل الآباء، وقد تقدم ذكرهن في الآية قبل هذه، والمحصنات من النساء وسيأتي ذكرهن في الآية بعد هذه، فهؤلاء الست بالصهر. وأما الاثنتان بالدين فلم يقع لهما ذكر في هذه الآية، وهما: المشركات حتى يؤمن وقد تقدم ذكرهن في سورة البقرة، والإيماء المشركات؛ لقوله تعالى: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥]، وسيأتي ذكرهن في الآية بعد هذه.\nوقد اختلف الأصوليون في قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ هل هو نص صريح أم مجمل؟\nفذهب قوم من القدرية إلى أنه مجمل، لأن الأعيان تتصف بالتحريم وإنما يتصف بذلك ما يتعلق بها من الأفعال. وذلك الفعل في هذه الآية لا يدرى ما هو؟ هل النظر أو المضاجعة أو الوطئ فلا يدرى أي ذلك حرم ولولا تبيينها بغيرها لما علم المراد منها. وذهب الأكثر","vol":"2","page":123},{"text":"إلى أن هذا نص لكنه ليس بنص بالوضع، ولكنه نص بالعرف؛ لأن الأسماء قسمان، وضعية وعرفية. والوضعية هي التي وضعت لشيء ما ولا تقع على غيره. والعرفية التي خصصت ببعض موضوعها أو نقلت عنه إلى سواه فصارت فيما خصصت به أو نقلت إليه أعرف وأشهر وهذه تلحق بالوضعية بعرف الاستعمال فيها. ومن لاحن العرب ومارس اللغة واطلع على عرف أهلها علم أنه لا يستراب في أن من قال: حرمت عليك الدار إنما يريد الدخول فيها خاصة أو الطعام إنما يريد الأكل خاصة أو النساء، إنما يريد الجماع. وهذا صريح عندهم مقطوع به فكيف يكون مجملًا؟\nوقال قوم: هو من قبيل المحذوف؛ كقوله: ﴿واسأل القرية﴾، وهذا إن أراد به أنه مجاز فيلزم أن تسمى الأسماء العرفية مجازًا، ويدخل في قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾، كل من لها عليك ولادة؛ لأنها أم.\nوفي قوله: ﴿وبناتكم﴾ كل من لك عليها ولادة؛ لأنها بنت ولفظ الأ/هات حقيقة في الأمهات الوالدت حقيقة في المولودات مجاز في بنات البنات وبنات البنين، لكن التحريم شامل. فأما على قول من يرى اللفظ الشامل للحقيقة والمجاز عامًا فتعلقه بالآية في التحريم ظاهر. لكنه قول","vol":"2","page":124},{"text":"ضعيف، ومن لم ير ذلك فوجه تعلقه بالتحريم الإجماع. والدليل على أن أسماء الأمهات ليس حقيقة في الجدات أن الصحابة لم يفهموا في ميراث الأبوين، ميراث الجدات والأجداد حتى بينه رسول الله ﷺ. واستنبط أهل الإجماع بدقيق النظر، وروى لهم الراوي أن رسول الله ﷺ أعطى الجدة السدس. واختلفوا في الجد مع الأخوة ولم يجهلوا معن الاسم.\nوقد اختلفوا في بنات الإنسان من الزنا، هل تحرم عليه أم لا؟ فقال أبو حنيفة: تحرم، وقال الشافعي: لا تحرم. وقال ملاك: مثل قول أبي حنيفة، وقال ابن الماجشون مثل قول الشافعي. واحتج المحرمون من الحنفية بأن قالوا: هي بعضه فحرمت عليه كابنته من نكاح. واحتج من لم يحرم بأن الله تعالى إنما حرم على الإنسان البنت المضافة إليه؛ لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾، فأضاف التحريم إلى هذا الاسم المشتق فكأنه قال: حرمت البنت لبنوتها.\nوهذه الصبية الحاصلة من الزنا غير مضافة إلى الزاني، فمل تدخل في آية التحريم. وإذا خرجت من آية التحريم دخلت في آية التحليل، وهي قوله: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾، وقال من حرم: الآية التي","vol":"2","page":125},{"text":"تمسكوا بها عامة، فإن ولده من الزنا ولد له حقيقة وانتفاء الأحكام لا يدرأ هذه الحقيقة. التحريم مما يختلط له، ثم حرم الله تعالى بعد الأمهات والبنات والأخوات. وذكر بنات الأخوات لأن اسم الأخ لا يتناول ابن الأخ مجازًا ولا حقيقة. والكلام في أمر العمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهات الرضاعة وما يحرم بسببهن كالكلام فيما تقدم، فيدخل في قوله: ﴿وأخواتكم﴾ جميع الأخوات أشقاء أو غير أشقاء، وفي قوله: ﴿وعماتكم وخالاتكم﴾ كل من ولده جدك أو جدتم وإن علو من قبل الأب كانا أو من قبل الأم.\nولا يدخل في ذلك شيء من بناتهن. قال تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠].\nوفي قوله تعالى: ﴿وبنات الأخ وبنات الأخت﴾: كل من لأخيك عليه ولادة ولأختك عليه ولادة، ويدخل في قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ أمهاتهن وإن علون، وفي قوله: ﴿وأخواتكم من الرضاعة﴾، الأخوات للأب والأم وللأم دون الأب وللأب دوت الأم. وعند الجمهور أن الأمر كذلك يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، كما جاء في","vol":"2","page":126},{"text":"الحديث. وقال نفاة القياس: لا يحرم بالرضاع إلا الأمهات والأخوات؛ لقوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾، فلو حرم غيرهن لذكره؛ ولقوله تعالى: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾؛ فدل ذلك على إباحة الابن من الرضاع.\nواختلف في قدر ما يحرم من الرضاع على أربعة أقوال:\nفقيل: المصة الواحدة تحرم، وقيل: الثلاث، وقيل: الخمس، وقيل: العشر. والأول أصح. قال ابن القصار: الاعتبار فيه حوصلة في البطن، يريد لعموم قوله تعالى: ﴿اللاتي أرضعنكم﴾ ولم يخص، فوجب تعلق الحكم بما يقع عليه اسم الرضاعة، إلا أن يأتي ما يخص ذلك بسنة أو جماع أو دليل. وقد ضعف بعضهم التعلق بهذا العموم، لكونه جاء لغرض آخر غير النعيم، وإن كانت صيغته صيغة العموم.\nوالشافعي يمنع الاستدلال بجنس هذا العموم.","vol":"2","page":127},{"text":"واختلف في ابن الصغيرة هل يحرم أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه يحرم. وقال ابن الجلاب: إن كانت صغيرة مثلها لا يوطئ لا يحرم والأول أقيس لعموم قوله تعالى: ﴿اللاتي أرضعنكم﴾.\nواختلف في رضاع الرجل هل يحرم أم لا؟ فقال مالك: لا يحرم؛ لقوله ﷿: ﴿أمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾، ولا أرى هذا أما. وقال بعض أهل المذهب: يقع بلبنه التحريم، وقد يتأول على مالك، قال: وذكر الله تعالى الأمهات لأنه الغالب. واختلف في لبن البهائم هل يحرم أم لا؟ فالجمهور على أنه يحرم، وذهب قوم من أهل المدينة: إلى وقوع التحريم به. وحجة القول الأول: قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾، والبهائم لا تكون أمهات. واختلف في لبن الفحل هل يحرم أم لا؟ فذهب جماعة إلى أنه لا يحرم. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾، ولم يقل: وبناتكم من الرضاعة، فلو كان للفحل لبن لحرم، والبنت من الرضاع كام حرم الأم والأخوات. والجمهور على أنه يحرم، والحجة له حديث أفلح وغيره. وقال ابن سيرين: كرهه قوم،","vol":"2","page":128},{"text":"ولا يرى قوم به بأسًا، ومن كرهه كان أفقه.\nواختلف في رضاع الكبير، حرم به قوم، ومن حجتهم: ظاهر الآية ولم يحرمه الجمهور، لما جاء عنه ﵊ من قوله: «الرضاعة من المجاعة»، ونحو ذلك من الأحاديث. واختلف في لبن الميتة هل يحرم أم لا؟ على قولين: ومن حجة من لا يراه يحرم قوله تعالى: ﴿أرضعنكم﴾، وهذه لم ترضع. ويدخل في قوله تعالى: ﴿وأمهات نسائكم﴾ الأمهات وإن علون. وفي قوله: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم﴾ كل من للربائب عليها ولادة. وفي قوله: ﴿وحلائل أبنائكم﴾، حلائل أبناء النسب، أبناء الرضاعة، وحلائل كل من لواحد منهم عليه ولادة. وهذه الآية من قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ إلى قوله: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ تقتضي تحريم الاستمتاع، فيستوي فيه الاستمتاع بالنكاح وبملك اليمين؛ لأن الله تعالى إنما حرم النكاح لأنه طريق إلى الاستمتاع، وملك اليمين مثله؛ إلا أن تحريم الاستمتاع بمنع النكاح ولا يمنع ملك اليمين، فيمن لا تعتق منهن بالملك. وقوله: ﴿وحلائل أبنائكم﴾ لا يقتضي ذلك تحريم ما وطئه الابن بملك اليمين؛ لأن لفظ الحليلة مخصوص بالمنكوحة، لكن الإجماع اقتضى","vol":"2","page":129},{"text":"إلحاقها بها. وأما قوله: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ فلا تدخلوا مع الأختين غيرهما في ذلك الحكم بالآية، بل إن كان فبالقياس، كما قال بعض أصحاب مالك: إم كل امرأتين لو كانت إحداهما ذكرًا لم يحل له أن يتزوج الأخرى فلا يجوز الجمع بينهما في النكاح قياسًا على الأختين، فيحرم على هذا الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها خلافًا لمن لا يعتد بخلافه، وهو مذهب عثمان البتي والخوارج. وأصح ما يعتمد عليه في هذا الباب الخبر الوارد بالنهي على الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها؛ إلا أن فيه نظرًا؛ لأنه زيادة على ما في النص فيختلف فيها هل هي نسخ أم لا؟ فإن كانت نسخًا فنسخ القرآن بأخبار الأحادي فاسد، وإن لم يكن نسخًا صح إلحاق ما في الخبر بما في الآية، وأيضًا فإن المجيزين للجمع بين المرأة وعمتها وخالتها تعلقوا بقوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾. ورأوا عموم الآية أولى من نص الخبر وذلك بناء منهم على أن أخبار الآحادي لا يختص بها عموم القرآن، وقد اختلف فيه الأصوليون، والصحيح جوازه. وقالت طائفة المعتمد عليه من ذلك معنى نص القرآن بتحريم الجمع بين الأختين، والمعنى في ذلك أن كل امرأتين لو كانت إحداهما رجلًا لم يحل له نكاح الأخرى، فلا يجوز الجمع بينهما؛ فلذلك لم يجز الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، فعلى هذا","vol":"2","page":130},{"text":"التعليل يجوز الجمع بين ابنتي العمة والعم، وابنتي الخالة والخال، وهو قول الجمهور، خلافًا لمن منع الجمع بين كل امرأتين بينهما قربى، وعلل ذلك بما فيه من القطيعة، وهو قول الحسن بن أبي الحسن وجابر وإسحاق بن طلحة بن عبد الله وعطاء في رواية عنه وسنذكر ما يتعلق بهذه المسألة من المسائل إن شاء الله تعالى. ويدخل في قوله: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ آباء الآباء ومن فوقعهم من الأجداد من النسب والرضاعة.\nقد اختلف في أمهات المرأة بماذا يحرمن، هل بالعقد خاصة أو بالوطئ مع العقد؟ فذهب الجمهور إلى أنهن يحرمن بالعقد خاصة. وذهب علي بن أبي طالب وغيره إلى أنهن لا يحرمن إلا بالوطئ. وجاء عن ابن عباس كلا القولين. وقال زيد بن ثابت: إن طلق البنت قبل الدخول تزوج إن شاء، وإن ماتت عنده قبل الدخول لم يتزوج، فهذه ثلاثة أقوال لقوله. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ لقوله: ﴿وأمهات نسائكم﴾، فأطلق ولم يشترط كما فعل في الربائب. وقال بعضهم: حجة لقول علي ﵁ وأصحابه: قوله تعالى: ﴿من نسائكم اللاتي دخلتم","vol":"2","page":131},{"text":"بهن﴾، شرط في هذه وفي الريبة. وهذا ضعيف لأن المجرورين إذا اختلف العامل فيها لم يكن نعتهما واحدًا.\nواختلف أيضًا في الربيبة بماذا تحرم؟ فالجمهور أنها لا تحرم إلا بوطئ الأم؛ لقوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾ فاشترط الدخول، وشذ قوم فحرموا نكاحها بالعقد، دخل بالأم أم لا؟ والنص والإجماع يردان عليهم. وليس من شرط تحريم الربيبة الدخول بأمها أن تكون في حجر المتزوج بأمها خلافًا لداود في قوله: إن لم تكن في حجره لم يحرم نكاحها. وقد روي عن علي كرم الله تعالى وجهه، وحجة من قال ذلك قوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾، وهذا مردود؛ لأنه تعالى إنما ذكر الأغلب من هذه الأمور، إذ حالة الربيبة في الأكثر على هذا.\nواختلف العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿دخلتم بهن﴾.\nفقال ابن عباس وطاوس وابن دينار: الدخول في هذا الموضوع الجماع، فإن أطلق الرجل بعد البناء وقبل بعد البناء وقبل الوطء فإن ابنتها له حلال، وإن","vol":"2","page":132},{"text":"كان قد قبل أو باشر. وقال كثير منهم مالك وعطاء وغيرهما: هو البناء عليها والتقبيل واللمس للذة ونحو ذلك، وذلك كله يحرم الابنة كما يحرمه الوطئ.\n- وقوله تعالى: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾:\nإنما قيد تعالى تحريم حلائل الأبناء بقوله: ﴿من أصلابكم﴾ تحليلًا لحلائل الأبناء الأدعياء لا تحليلًا لحلائل الأبناء من الرضاعة، وكان عند العرب تزوج حليلة الابن الدعي كبيرًا فيذكر أن النبي ﷺ لما تزوج زينب بنت جحش امرأة زيد بن ثابت الذي كان تبناه رسول الله ﷺ، قال المشركون: تزوج امرأة ابنه، فنزلت الآية. وقد سئل مالك عن سفر الرجل بامرأة أبيه، أتراه ذا محرم؟ فقال: قال الله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ فأتم الآية، وقال: هؤلاء ذوو المحارم، وأجاز أن يسافر بها إلى أن يكون أبوه قد طلقها وتزوجت زوجًا فلا أحب ذلك، وكرهه، ولم يجز ابن القاسم سفره بها فارقها أو لم يفارقها. وظاهر احتجاج مالك يدل على أنه حمل قول النبي ﷺ: «لا تسافر المرأة مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها» على عمومه في جميع ذوي المحارم من النسب والصهر والرضاعة، إلا أنه كره أن يسافر بها إذا فارقها أبوه على وجه الاستحسان.","vol":"2","page":133},{"text":"وحمل ابن القاسم الحديث على ذي المحارم من نسب دون الصهر والرضاعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>(٢٣) - قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾:</span>\nهذا اللفظ يعم الجمع بينهما بالنكاح وملك اليمين، ولا خلاف أنه لا يجوز الجمع بينهما بنكاح كما لا خلاف أيضًا في جواز الجمع بينهما بالملك دن وطئ. واختلف في جواز وطئها بملك اليمين، فذهب قوم إلى جواز ذلك، وإليه ذهب داود، واستدلوا بعموم قوله تعالى في أول السورة: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾، وقوله بعد هذا: ﴿وأحل لكم ما رواء ذلكم﴾.\nوتأولوا قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ أنه في النكاح.\nودليلنا عليهم قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾، ومقتضاه على ما قدمنا، الاستمتاع بالوطئ والتقدير: وأن تجمعوا بين الأختين بالوطئ، فعم الوطئ بنكاح والوطئ بملك، وأن هذه مخصصة لتلك.\nوقال عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه: أحلتهما آية وحرمتهما آية، فأما أنا في خاصة نفسي فلا أرى الجمع بينهما حسنًا. وروي نحو هذا عن ابن عباس، وساق بعضهم عن مالك في المسألة الكراهية، قال: ويستقرأ ذلك من قوله: إذا وطئ أحدكم ثم وطئ الأخرى كف عنهما","vol":"2","page":134},{"text":"حتى يحرم أحدهما فلم يلزمه حدًا. وساق عن إسحاق بن راهويه التحريم، وقال: يجيء من قول إسحاق أن يرجم الجامع بينهما بالوطئ، ولا أدري من أين له هذا التأويل على إسحاق وعلى مالك. والمشهور في المذهب أن الجمع بينهما بوطئ الملك مثل الجمع بوطئ النكاح. وقد نص تعالى على تحريم الجمع، والمخاطب بذلك من له الإمساك والوطئ، وإذا زال النكاح زال هذا المعنى، فيأخذ من هذا الرجل إذا بانت منه زوجته جاز أن يتزوج أختها في عدتها، ولم يكن جامعًا خلافًا لأبي حنيفة في منعه ذلك. إذا ثبت هذا بقيت على حكم قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾.\n- وقوله تعالى: ﴿إلا ما قد سلف﴾:\nاستثناء منقطع معناه: لكن ما قد سلف من ذلك ووقع وأزاله الإسلام، فإن الله يغفره ويحتمل أن يريد بقوله: ﴿إلا ما قد سلف﴾ جواز ما قد سلف، وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحًا، إلا أن الشافعي ومالك رحمهما الله قالا: إذا تزوج الكافر أختين ثم أسلم خير بينهما، سواء جمعهما في عقدة واحدة أو في عقدتين. وقال أبو","vol":"2","page":135},{"text":"حنيفة: لا يبطل نكاحهما إن جمعهما في عقدة واحدة ويفارق الأخيرة إن فرق. والمعتمد عليه في هذه المسألة حديث فيروز الديلمي حين أسلم عن أختين، فقال النبي ﷺ: «اختر أيتهما شئت»، والحديث في الترمذي وأبي داود، والدارقطني، ونحو ذلك من الأحاديث.\nوتأويل أبي حنيفة لهذا الحديث على أنه ابتداء نكاح واحدة منهما تأويل بعيد. وأما أخذ هذه المسألة من طريق النظر فبعيد. قال بعضهم: هي خارجة عن نظر الأئمة الثلاثة. وأما خروجها عن نظر مالك والشافعي، فمن حيث أن الصحيح من مذهبهما أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام، وأما وجه خروجهما من مذهبهما أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. قال أبو الحسن: لما رأى الشافعي","vol":"2","page":136},{"text":"قوله تعالى: ﴿إلا ما قد سلف﴾ غير نص في مقصوده أراد أن يستدل بالنص، فاستدل حديث فيروز ونحوه. وإذا وقع في الإسلام الجمع بين الأختين بالنكاح، فإن كان تزوجهما واحدة بعد واحدة، فنكاح الثانية باطل لأنه أوقع الجمع، وإن وقع نكاحهما في عقد واحد فسخ نكاحهما جميعًا. ووجه الفسخ لما فسخ من ذلك التعلق بمقتضى الآية من النهي عن الجمع. وأما مسألة من تزوج رضيعتين أرضعتهما امرأة أجنبية فهي وزان مسألة الكافر يسلم عن أختين، فتدبر ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>(٢٤) - قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾:</span>\nاختلف في تأويله، فقال فيه ابن عباس والزهري وغيرهما: المحصنات ذات الأزواج وما ملكت الأيمان السبيا ذوات الأزواج. وروى أبو سعيد أن سبب الآية أن رسول الله ﷺ بعث جيشًا إلى أوطاس، فلقوا عدوًا وأصابوا سبيًا من أزواج المشركين، فتأثم المسلمون من غشيانهن، فنزلت الآية مرخصة. وبهذا القول في الآية يحتج من يرى","vol":"2","page":137},{"text":"أن السبي يهدم النكاح، سبيًا جميعًا أو متفرقين، وهو قول ابن القاسم وأشهب. وكذلك على مذهبهما إذا سبى أحدهما قبل صاحبه، ثم أتى الآخر بأمان. وأما إذا أتى أحدهما أولًا بأمان ثم سبى الثاني فلا ينهدم النكاح، وفي المسألة أربعة أقوال: أحدها: ما ذكرته ويعضده تأويل الآية كما قدمته. والثاني: أن السبي مبيح فسخ النكاح إلا أن يقدم أحدهما قبل صاحبه بأمان، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وعليه تأتي رواية عيسى عن ابن القاسم. والثالث: أن السبي لا يهدم النكاح، سبيًا جميعًا أو متفرقين، وهو قول ابن المواز. والرابع: الفرق بين أن تسبى هي قبله، أو يسبى هو قبلها أو معها فيستحي، وهو قول ابن بكير في «الأحكام». وقال ابن عباس أيضًا وابن مسعود وغيرهما: المحصنات ذوات الأزواج من السبيا وغيرهن، وأنهن إذا ملكن حل وطئهن. فرأوا أن بيع الأمة عامة، ولم ينظروا إلى خصوص السبب الذي وردت فيه. وجمهور العلماء على أن انتقال الملك في الأمة لا يكون طلاقًا، وقصروا الآية على سببها في سبيا أهل الحرب، وأن لا طلاق لها إلا الطلاق. وقال عمر وأبو العالية","vol":"2","page":138},{"text":"وغيرهما، وروي نحوه عن ابن عباس: المحصنات العفائف أي كل النساء حرام وألبسن اسم الإحصان إذ الشرائع في أنفسها تقتضي ذلك. وما ملكت الأيمان معناه: بنكاح أو شراء وعلى هذا تأول بعضهم قول مالك في «الموطأ»، وهن ذوات الأزواج، وهو تأويل بعيد، وهذا القول يرجع إلى تحريم الزنا. وقال غيره: فيما ذكر الطبري عنه: المحصنات الحرائر، وما ملكت الأيمان معناه بنكاح منهن والاستثناء متصل، وإن أريد الإماء فيكون الاستثناء منقطعًا، وقال بعضهم: وحرم عليكم المحصنات إلا ما ملكت أيمانكم، يعني: الأزواج، فحرم ما فوق الأربعة، فهذه خمسة أقوال في الآية.\nوالإحصان في القرآن أن يكون إما بالإسلام وإما بالجزية، وإما بالعفاف وإما بالتزويج، وأصله المنع وهو يكون بالوجوه الأربعة. ويروى أن رجلًا قال لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية فلم يقل فيها شيئًا. قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس لا يعلمها. وذكر عن","vol":"2","page":139},{"text":"مجاهد أنه قال: «لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل»، قوله: ﴿والمحصنات﴾ إلى قوله: ﴿حكيم﴾.\n- قوله تعالى: ﴿كتاب الله عليكم﴾:\nقال عبيدة السلماني وغيره: هذه إشارة إلى ما ثبت في القرآن من قوله: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾، وفي هذا بعد. وقيل: هذا يرجع إلى جميع المحرمات المذكورات قبل، والأظهر أنه إشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت العرب تفعله.\n- وقوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾:\nاختلف في تأويله، فقال السدي: المعنى: وأحل لكم ما وراء من حرم من سائر القرابة، فهن حلال لكم تزويجهن. وقال قتادة: المعنى: وأحل لكم ما وراء ذلكم من الإماء، وقال بعضهم: لفظ الآية يعم جميع الأقوال ويجوز الجمع بين المرأة وبين امرأة أبيها، خلافًا لبعضهم في كراهة ذلك، ولابن أبي ليلى في منعه؛ لأن الله تعالى ذكر جميع المحرمات ولم يذكر منهن، من وقع الكلام فيه. ثم قال: ﴿وأحل لكم ما رواء ذلكم﴾، فالجمع بينهما مباح بظاهر القرآن؛ إلا أن يأتي في السنة ما","vol":"2","page":140},{"text":"يخصصه ولم يأت ذلك. ومن لم يجز ذلك، تعلق بالمعنى الذي ذكر من تحريم الجمع بين الأختين، وأن معناه: الجمع بين كل امرأتين لو كانت إحداهما ذكرًا لم يجز له نكاح الأخرى، قال: فكذلك المرأة وامرأة أبيها، وقد انفصل من علل بذلك عن هذا الاعتراض بانفصالي، فحكى عن سفيان أنه قال: معنى ذلك عندنا أن يكونا من نسب. وقال بعض المتأخرين: إنما جاز الجمع بين المرأة وامرأة أبيها، وقد أجمعوا أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج ما ولدت امرأة أبيه. واختلفوا هل يجوز له أن يتزوج ما ولدت بعد أبيه على ثلاثة أقوال، أحدها: أن ذلك جائز، وهو قول مالك وإحدى الروايتين عن ابن القاسم. والثاني: أن ذلك لا يحل، وهو قول ابن القاسم الآخر. والثالث: أن ذلك مكروه، وهو قول طاوس. والحجة لجواز ذلك قوله تعالى: ﴿واحل لكم ما وراء ذلكم﴾.\n- وقوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾:\nلفظ يجمع التزوج والشراء، ومقتضاه أن يبتغي أن يصدق كل واحد بمال نفسه، وقد ظن بعضهم أن المراد بذلك أن كل واحد يبتغي أن يصدق ما يسمى مالًا. وظاهره يقتضي أكثر من العشرة، فيكون على هذا أقل","vol":"2","page":141},{"text":"الصداق عشرة دراهم، وهو تأويل بعيد واستدلال ضعيف، كيف وقد قال تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وذلك يقتضي إيجاب نصف المفروض قليلًا كان أو كثيرًا، قال أبو الحسن: قوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾ يقتضي منع عتق الأمة أن يكون صداقًا لها، خلافًا لأحمد بن حنبل لدلالة الآية على كون المهر مالًا، وليس في العتق تسليم مال، وإنما فيه إسقاط الملك من غير أن تستحق هي تسليم مال إليها. وجوز الشافعي جعل منفعة الحر صداقًا خلافًا لمن لم يجوزه. ولا خلاف عنده في منفعة العبد؛ لأن المنفعة عنده مال. وقد وردت في ذلك أخبار نصوص. والذي جاء في الحديث، من أن النبي ﷺ جعل عتق صفية صداقها، لا يعارض استدلالنا بالقرآن؛ لاحتمال كون ذلك مخصوصًا بالنبي ﷺ، فإن النكاح بلا مهر كان له ﷺ جائزًا؛ وكذلك قوله: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ [النساء: ٤] الآية، يدل على أن العتق لا يكون صداقًا. وقد استدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾ الآية على أن الصداق إذا كان خمرًا أو حنزيرًا فسخ النكاح قبل الدخول وبعده، قال: لأن الخمر والحنزير ليسا من أموالنا، خلافًا للرواية الأخرى عن مالك أنه يفسخ قبل ولا يفسخ بعد، وخلافًا","vol":"2","page":142},{"text":"لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إن النكاح لا يفسخ قبل ولا بعد، ويثبت بصداق المثل.\n- وقوله تعالى: ﴿محصنين﴾:\nمعناه: متعففين، غير مسافحين أي غير زناة. قال بعضهم: فيحتمل أن يريد: «اطلبوا منافع البضع على وجه النكاح لا على وجه السفاح»، ويحتمل أن يريد بقوله: ﴿محصنين﴾ أي تزوجوهن على شرط الإحصان.\n- قوله تعالى: ﴿فما اسمتعتم به منهن﴾ الآية:\nاختلف في تأويلها، فقال ابن عباس ومجاهد غيرهما: المعنى فإذا استمتعتم بالزوجة ووقع الوطئ ولو مرة قد وجب إعطاء الأجر وهو المهر كله. ولفظة «ما» تعطي أن يسير الوطئ يجب إيتاء الأجر. وهذا التفسير يرد قول أبي حنيفة وأصحابه: أن الخلوة الصحيحة توجب المهر كله وطئ أو لم يطأ، أدته المراة أو لم تدعه؛ لأن الخلوة دون وطئ ليس باستمتاع. وظاهر الآية على هذا التفسير أن المهر لا يجب إلا بالوطئ، وهو قول مالك وجميع أصحابه. وقد اختلف فيمن دخل بالزوجة وتلذذ بها ولم يطأها هل يجب لها جميع الصداق أو نصفه؟ ومن حجة من يوجب لها جميعه ظاهر هذه الآية؛ لأن ذلك استمتاع بها فأخذ بأقل ما يقع عليه اسم الاستمتاع. واختلف أيضًا في الوطئ في الدبر هل هو كالوطئ في الفرج في استحقاق جميع الصداق أم لا؟ وكذلك اختلف في البكر إذا أذهب الرجل عذريتها بأصبعه ولم يطأها، هل هو كالوطئ في وجوب","vol":"2","page":143},{"text":"الصداق أم لا؟ وكذلك اختلف في المجبوب والحصور وما أشبه ذلك ممن لا يصل إلى الجماع هل يجب عليه الصداق إذا لم تطل مدة إقامته أم لا؟ ولم ير في ذلك كله إلا نصف الصداق وحمل هذه الآية على الوطئ. ونص قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧]، يدل على أنه إنما لها النصف. وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن الصداق إنما يجب جميعه بالدخول، خلافًا لمن يقول: يجب بالعقد وجوبًا غير مستقر، ولمن يقول: يجب بالعقد ونصفه بالطلاق قبل الدخول، ولمن يقول: يجب نصفه بالعقد ونصفه الثاني بالدخول والاستمتاع، وقال أبو إسحاق الزجاج: معنى قوله تعالى: ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ أي ما نكحتموه منهن فأتوهن مهورهن، فإن استمتع بالدخول بها أعطي المهر كله، وإن استمتع بعقد النكاح أعطى نصف المهر. والمتاع في اللغة ما انتفع به، فعلى هذا القول الاستمتاع يقع على الوطئ والعقد. وقال ابن عباس ومجاهد أيضًا وغيرهما: أن المراد بآية المتعة التي كانت مباحة في أول الإسلام. وقرأ ابن عباس وأبي، وابن جبير: ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ إلى أجل مسمى فأتوهن أجورهن، وقال ابن عباس لأبي لبصرة: هكذا أنزلها الله ﷿. والذين ذهبوا إلى التأويل اختلفوا في الآية هل هي","vol":"2","page":144},{"text":"محكمة أو منسوخة؟ فذهب قوم أكثرهم الشيعة إلى أنها حكمة وأن نكاح المتعة جائز، وروي ذلك عن ابن عباس. وقال علي: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلا شقي. وذهب الجمهور إلى أن الآية منسوخة على ذلك التأويل، وأن نكاح المتعة اليوم باطل، وروي عن ابن عباس الرجوع عنه. وروي عنه أنه لما بلغه قول الشاعر:\nقال المحدث لما طال مجلسنا ... يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس\nفي بضة رخصة الأطراف ناعمة ... تكون مثواك حتى مرجع الناس\nقام على زمزم، فقال: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا ابن عباس، ألا إن المتعة حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير.\nواختلفوا في الناسخ لها على أربعة أقوال: فذهب قوم إلى أن الناسخ لها السنة بالخبر الثابت عن رسول الله ﷺ في تحريمها، وذهب قوم إلى أن الناسخ لها القرآن قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]، وروي هذا عن ابن عباس. وذهب قوم إلى أن الذي نسخها من القرآن آية الميراث؛ لأن المتعة لا ميراث فيها. وقال قوم: نسخها من القرآن قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم﴾ الآية [المؤمنون: ٥ - ٦]، قالوا: ولا زوجة مع الأجل. قال ابن مسعود: نسخ المتعة الطلاق والعدة والميراث.\nواختلف في المتعة كيف كانت؟ قيل: أن يتزوج الرجل المرأة بشهيدين وإذن الولي إلى أجل مسمى، وعلى أن لا ميراث بينهما","vol":"2","page":145},{"text":"ويعطيها ما اتفقا عليه، فإن انقضت المدة فليس له عليها سبيل ويستبرئ رحمها؛ لأن الولد لاحق به فإن لم تحمل حلت لغيره، وفي كتاب ابن النحاس ما يوهم أن الولد كان لا يلحق في نكاح المتعة وهو خطأ. وقيل: إن نكاح المتعة نكاح إلى أجل لا ميراث فيه، والفرقة تقع فيه عند انقضاء الأجل من غير طلاق، والاستبراء فيه حيضة. قال ابن عباس: واختلف إذا تزوجها بغير شرط أجل إلا أن نية الزوج أن يحبسها شهرًا ثم يطلقها هل هي متعة أم لا؟ فالجمهور على أنه لا بأس بذلك وليس متعة. وقال الأوزاعي: هي متعة ولا خير فيه، وقراءة من قرأ إلى أجل مسمى يرد هذا القول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>(٢٤) - وقوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم﴾ </span>الآية:\nاختلف في تأويله، فقال الذاهبون إلى أن الآية المتقدمة في إيتاء مهور النساء إذا وطئن، المعنى: رفع الحرج عن التراضي بالتأخير والحظ","vol":"2","page":146},{"text":"بعد ثبوت الفريضة. وقال ابو إسحاق الزجاج: المعنى: لا إثم عليكم في أن تهب المرأة مهرها أو يهب الرجل للمرأة التي لم يدخل بها نصف المهر الذي لا يجب إلا لمن دخل بها. قال أبو الحسن: استدل قوم بهذه الآية على جواز الزيادة، وذلك غلط؛ فإن الآية ما وردت في موضع الزيادة، فإنه لما قال: ﴿فآتوهن أجورهن فريضة﴾، اقتضى ذلك إعطاءها ما فرض لها أولا.\n- فقوله: ﴿ولا جناح عليكم﴾:\nيرجع إلى أن الرخصة في ترك الإيتاء بعد الأمر بالإيتاء فإن قيل: فقد قال: ﴿فيما تراضيتم به﴾، والإبراء من المهور يجور أن يقع من المرأة وذلك لا يتوقف على تراضيهما، فالجواب: أن الإبراء وإن كان على المذهب الصحيح لا يتوقف على التراضي، فالهبة موقوفة على ذلك. والإبراء وإن لم يقف على التراضي في أحد الوجهين لأصحابنا، فالمعلوم من العرف أنذلك يجري بتراضيهما. وقال الذاهبون إلى أن الآية في المتعة: المعنى أنما تراضيتم عله من زيادة في مدة المتعة أو زيادة في الأجر جائز.\nواختلف في المرأة تتزوج الرجل بدين عليه أو بشيء حال هل يجوز أن تراضيه على الدخول دون شيء يدفعه إليها من الصداق أم لا؟ فأجازه جماعة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة﴾ على التأويل الأول، وكرهه مالك ومن تابعه.","vol":"2","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>(٢٥) - قوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾:</span>\nاختلف في الطول ما هو؟ فقال ابن عباس وغيره ومالك وأصحابه: الطول هنا: السعة في المال، وقال ربيعة وإبراهيم النخعي: الطول هنا الجلد والصبر لمن تزوج أمة وهواها حتى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج غيرها، فإن له أن يتزوج الأمة إذا لم يملك هواها، وإن كان يجد سعة من المال لنكاح حرة. ثم قوله: ﴿لمن خشي العنت منكم﴾ على هذا القول بيان في صفة عدم الجلد. وعلى القول الآخر يكون شرطًا زائدًا إلى الطول في تزوج الأمة، والمشهور عن مالك أن الحر لا يجوز له نكاح الأمة إلا مع عدم الطول وخوف العنت؛ لقوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات المؤمنات﴾. وهذا من مالك اعتبار بدليل الخطاب، ولو لم يقل هنا بدليل الخطاب لما ألزم أن يعتبر واحد من الشرطين. والمشهور عن ابن القاسم أن ذلك جائز مع وجود الطول والأمن من العنت، وهذا على القول بأن دليل الخطاب لا يعتبر. ويعضد ذلك قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ [النور: ٣٢]، وقد روي عن مالك مثل قول ابن القاسم، وعن ابن القاسم مثل قول مالك، والعلة في المنع من ذلك إلا بشرطين عند من قال بدليل الخطاب","vol":"2","page":148},{"text":"الكراهية للحر أن ينكح نكاحًا يرق فيه ولده، فعلى هذا إذا تزوج الحرة أمة من يعتق عليه ولده منها أو كان لا يولد له جاز نكاحه مع عدم الشرطين. والذين ذهبوا إلى أن الطول في الآية السعو في المال، واختلفوا في تقديره، فقيل: هو أن يجد صداق الحرة ويقدر على نفقتها. وقيل: بل هو أن يجد صداقًا لها وإن عجز عن نفقتها، والأول أصح. واختلف في الحرة تكون تحت الرجل هل هي طول تمنعه من نكاح الأمة أم لا؟ على قولين: وظاهر القرآن المنع من وجود الحرة، ولذلك مالك يقول: لا يجوز نكاح الأمة على الحرة ويفسخ إن وقع ثم إنه رجع إلى أنه يجوز وتخير المرأة. والمنع من الآية أظهر؛ لأنه تعالى إنما شرط تزوج الأمة مع عدم القدرة على الحرة، فإذا تقدمت المقدرة عليها وكان متزوجها منع من نكاح الأمة.\nواختلف أيضًا إذا كانت تحته أمة ثم تزوج حرة هل يفسخ نكاح الأمة أم لا؟ وقال مسروق: الأمة كالميتة تضطر إليها، فإذا أغناك الله عنها فاستغن. وأنكر غيره هذا القول، وقال: من شبه الأمة بالميتة فقد غلط؛ لأن الله ﷿ جعل الأمة لمتزوجها عند الإباحة حلالًا. والميتة حرام قبل الاضطرار وبعده عينها لا تنتقل عن التحريم. والمحصنات في هذا الموضع الحرائر يدل على التقسيم بينهن وبين الإماء، وقيل: معناه","vol":"2","page":149},{"text":"العفائف، وهذا ضعيف؛ لأن الإماء يقعن تحته. قال بعضهم: ولأنه يلزم من قال ذلك أن يحرم على الناس أن يتزوجوا غير عفيفة. وقوله تعالى: ﴿والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ [النور: ٣] الآية، منسوخ. وقد وصف الله تعالى المحصنات بالمؤمنات، فاختلف بسبه ذلك في الحرة الكتابية بعد القول بأن الحرة طول تمنع نكاح الأمة هل هي طول تمنع نكاح الامة أم لا؟ على قولين: فمن منع نكاح الإماء مع القدرة على نكاح الكتابية، فالمؤمنات عنده صفة غير مشترطة، وإنما جاءت لأنها مقصد النكاح، إذ الأمة مؤمنة وغاية ما في هذا ترك الأخذ بدليل الخطاب.\nومن رأى أنه يتزوج الأمة وإن كان قادرًا على نكاح كتابية فصفة المؤمنات عنده مشترطة في المحصنات وغاية هذا الأخذ بدليل الخطاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>(٢٥) - وقوله تعالى: ﴿فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾:</span>\nهذه المخاطبة «بالكاف» و«الميم» عامة أي منكم الناكحون وفيكم المالكون؛ لأن الرجل ينكح فتاة نفسه. ومثل هذا التوسع في الكلام كثير، وقد وصف الله تعالى الفتيات، وهن الإماء بالمؤمنات. وعلى الخلاف في دليل الخطاب اختلف في جواز نكاح الإماء غير المؤمنات، فمن قال بدليل الخطاب في الآية لم يجز نكاحهن، وهو قول مالك وجمهور أصحابه، وجعل المؤمنات هنا وصفًا مشترطًا. ومن","vol":"2","page":150},{"text":"لم يقل بدليل خطاب الآية أجاز نكاح الإماء غير المؤمنات، وهو قول أبي حنيفة وغيره في إماء أهل الكتاب وجعلوا ذكره تعالى: ﴿المؤمنات﴾ إنما هو على الندب، واحتجوا أيضًا بالقياس على الحرائر، قالوا: لما لم يمنع قوله: ﴿المؤمنات﴾ في الحرائر من نكاح الكتابيات الإماء، وإذا قلنا بجواز نكاح الأمة للحر فله في قول مالك والزهري وأبي حنيفة وغيرهم نكاح أربع من الإماء، إذا خشي على نفسه العنت ولم يكفه أقل من أربع.\nوقال قتادة والشافعي وغيرهما: لا ينكح أكثر من واحدة من الإماء. قول حماد بن أبي سليمان: لا يتزوج منهن أكثر من اثنتين. وإطلاق قوله: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ يدل على صحة القول الأول والحر والعبد عند أكثر أهل المذهب في نكاح الإماء الكتابيات سواء خلافًا لأشهب في إجازته ذلك العبد. والحجة للقول الأول: أن الخطاب بالآية يعم الأحرار والعبيد، فمن فرق بينهما فعليه الدليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>(٢٥) - وقوله تعالى: ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن﴾:</span>\nيريد بإذن أربابهن المالكين لهن، وقد اختلف في من تزوج أمة بغير إذن سيدها هل للسيد أن يجيزه، فيجوز النكاح أم لا؟ على قولين وهما مرويان عن مالك. والمشهور منهما أنه لا يجوز وإن أجازه، بخلاف العبد المشهور فيه أنه إذا تزوج بغير إذن سيده أن يجوز إن أجازه","vol":"2","page":151},{"text":"السيد. وفي مذهب مالك قول آخر أنه لا يجوز وإن أجازه السيد. والحجة للمشهور من القولين في الأمة الآية، فلم يجز تعالى نكاحهن إلا بإذن أربابهن فمن تزوج أمة بغير إذن سيدها فنكاحه فاسد لخلوه من الشرط الصحيح الذي شرطه الله تعالى فيهن.\nوقوله تعالى: ﴿وآتوهن أجورهن﴾: يريد مهورهن و﴿بالمعروف﴾: معناه بالشرع والسنة. وهذا يقتضي أنهن أحق بمهورهن من السادة، وهو قول مالك خلافًا لغيره من أن للسيد أن يأخذ صداقها إلا قدر ما تحل به، ولسحنون نحوه. وحكي عن بعض أهل العراق أنه قال: لا بأس أن يزوج الرجل عبده أمته بغير صداق، وهذا القول مخالف لكتاب الله تعالى؛ لأنه قال: ﴿وآتوهن أجورهن﴾، فوجب أن تكون الأجور لهن حرائر كن أو إماء ولو كان السيد أن يزوج عبده أمته بغير صداق، أو كان الصداق إنما هو له، فله أن يوجبه وله أن يبطله للزم أن يزوج أمته من غير عبده أو من حر على أن لا صداق، فيصل إلى أن يهب الفرج، وهذا مما لا يجوز لأحد إذ خص به النبي ﷺ في الحرائر.\n- وقوله تعالى: ﴿محصنات﴾:\nمعناه: عفيفات أو مسلمات، والعامل في هذه الحال فانكحوهن،","vol":"2","page":152},{"text":"ويحتمل أن يكون العامل فيها فأتوهن، ويكون معنى: محصنات مزوجات والمسافحات الزواني المبتذلات اللواتي هن سوق للزنا، ومتخذات الأخدان هن المستترات اللواتي يصحبن واحدًا واحدًا ويزنين خفية. وهذان كانا نوعين من زنا الجاهلية، قاله ابن عباس وغيره.\n- وقوله تعالى: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة﴾:\nاختلف فيما هو الإحصان فقال الجمهور: هو الإسلام، فإذا زنت الأمة المسلمة حدت نصف حد الحرة، وعلى هذا يكون حد الأمة إذا زنت قبل التزويج لحر فإذا زنت الأمة المسلمة التي لم تتزوج فلا حد عليها، قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة. وقالت فرقة: الإحصان في الآية التزوج إلا أن الحد الواجب على الأمة المسلمة غير المتزوجة بالسنة، وهو ما جاء في «الموطأ» أن رسول الله ﷺ سئل عن الأمة؟ إذا زنت ولم تحصن، فقال: «إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها». وقال الزهري: فالمتزوجة محدودة بالقرآن والمسلمة غير المتزوجة محدودة بالحديث. ومما يعضد قول من رأى أ، الإحصان في الآية التزوج، أن الصفة لهن بالإيمان قد تقدمت من قوله تعالى: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾، فذلك يغني عن ذكر الإسلام","vol":"2","page":153},{"text":"هنا، فإن يكون معنى التزوج أولى. والفاحشة هنا الزنا بقرينة إلزام الحد كما قال بعضهم، وعندي فاحشة هنا تعم الزنا والقذف وكل ما يمكن أن يتبعض من الحدود والمحصنات هنا الحرائر المسلمات الأبكار لا الحرائر المتزوجات؛ لأن حد الحرائر المتزوجات الرجم وهو لا يتبعض وسمى الأبكار محصنات، لأن الإحصان يكون بهن، وقد ذهب قوم إلى أن العبد المحصن. والأمة المحصنة يرجمان كالأحرار، ولفظ الآية كما قدمنا يرد ذلك؟ لأن الرجم ليس بمحدود معلم، فيتصف وإنما أراد تعالى ما يمكن فيه التصنيف، فمن قال ذلك فقد خالف الآية، وحد الحرائر المسلمات غير المتزوجات وهن الأبكار جلد مائة وتغريب عندنا. وعند الشافعي أنها تغريب، لقول رسول الله ﷺ: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام»، فإن قلنا: إن الحد دون تغريب فالذي يلزم المرأة من الإماء بنص القرآن نصف ذلك، وهو خمسون جلدة وهو قول مالك وجميع أصحابه وأحد قولي الشافعي وقول ابن عباس وغيره. وإذا قلنا: إن حد الحرة المسلمة مائة وتغريب عام، فالذي يلزم المرأة من الإماء بنص القرآن ذلك وهو خمسون جلدة","vol":"2","page":154},{"text":"وتغريب ستة أشهر، وهو أحد قولي الشافعي والعبد بمنزلة الأمة، فيما ذكرنا لا فرق بينهما. خلافًا لمن لا يرى على العبد حدًا أصلًا أحصن أو لم يحصن؛ لأنه يرى أن سورة النساء في الإماء خاصة، وآية النور في الأحرار خاصة، ولم يأت للعبد ذكر، ولم ير القياس بقي أن يكون على العبد حد في الزنا، وهو قول ظاهر الفساد وخلافًا لأهل الظاهر من إيجابهم على العبد في الزنا مائة جلدة كالحرة احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور: ٢]، ويخصصون الإناث من ذلك بعموم قوله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات﴾، ونحن نرى العبد لاحقًا بالأمة، فيتخصص بذلك هو والأمة من عموم آية النور وإلحاق العبد بالأمة من هذا ونحو أو الأمة بالعبد في نحو قوله ﵊: «من أعتق شركًا له في عبد» مختلف في تسميته قياسًا والأصح أنه ليس بقياس وعلى حد الزنا قياس مالك عده الإماء وإطلاق العبيد.","vol":"2","page":155},{"text":"- وقوله تعالى: ﴿ذلك لمن خشي العنت منكم﴾:\nذلك إشارة إلى نكاح الأمة، واختلف في تفسير العنت، فقيل: هو: المشقة، وقيل: هو الزنا، وقيل: الإثم، وقيل: الحد.\n- وقوله تعالى: ﴿وأن تصبروا خير لكم﴾:\nندب منه تعالى إلى الترك وعليت ما يؤدي إليه نكاح الإماء من استرقاق الولد ومهنتهن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>(٢٩) - (٣٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم﴾ الآية، إلى قوله: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾:</span>\nقال عكرمة: في هذه الآية نهى بعضهم عن أكل طعام بعض، ثم نسخ بقوله: ﴿ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم﴾ الآية [النور: ٦١]، وهذا الذي ذكره عكرمة إنما هو تخصيص. وأما تسميته نسخًا ففيه خلاف ولا يصح في النظر، ولأجل هذا القول قال بعض الناس: إن الهبات والصدقات من أكل الأموال بالباطل، وأنها داخلة تحت النهي، إلا أنه نسخ بالإجماع أو بالآية المتقدمة، وهو قول ابن عباس. والأظهر أن الآية لا تفهم التحريم الهبات التي يبتغي بها الأغراض الصحيحة، وإنما حرم الله تعالى مثل أكل المال بالقمار والخمر والإغرار مثل أثمان البيوع الفاسدة.","vol":"2","page":156},{"text":"وانظر على هذا مسألة النهبة التي تنثر على رؤوس الصبيان، ومسألة من أتى بطعام وأتى أصحابه بطعام واجتمعوا للأكل هل لهما تعلق بهذه الآية.\nوقوله: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ أباح الله تعالى في هذه الآية التجارات وهي اسم واقع على عقود المعاوضات المقصود بها طلب الأرباح ويؤخذ منه جواز طلب القوت بها. وفي هذا دليل على فساد قول من ينكر طلي الأقوات بالصناعات والتجارات من المتصوفة الجهلة؛ لأن الله تعالى حرم أكل الأموال بالباطل وأحلها بالتجارة وفي إحلاله تعالى ذلك إباحة ان يشتري الإنسان سلعة من آخر بدرهم وهي تساوي مائة. وهذا إذا كان البائع عارفًا بالقيمة، فما أحسب أن فيه خلافًا أما إن لم يكن عارفًا بالقيمة، فالمشهور إمضاء البيع لما قدمناه من دليل الآية.\nوهذا هو الذي يسمى بيع الغبن. وحكى ابن القصار أنه يجب الرد بالغبن إذا كان أكثر من الثلث. وذكره بعضهم عن ابن وهب ومن ذلك أن يشتري الرجل ياقوتة. فالمشهور أن لا رجوع لأحدهما على صاحبه؛ لأن هذا ليس من أكل أموال الناس بالباطل، بل هو أكل الأموال بالتجارة؛ كما أباحه في قوله: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾. وقد قيل:","vol":"2","page":157},{"text":"إنه يرجع بذلك، وهو ظاهر ما وقع لمالك في غير كتاب. وهذا يسمى بيع الغلط، وهاتان البيعتان، بيعة الغلط وبيعة الغبن، إنما يكون القول فيهما على ما ذكرناه، إذا كانتا في بيع المكايسة. وأما بيع الاستماتة، وذلك أن يأتي الرجل بالسلعة وهو لا يعرف ما تساوي ويستمين في معرفة ذلك إلى المشتري فيشتريها منه ثم يظهر أنها تساوي أكثر ذلك، فهذا خلاف فيه أنه من أكل أموال الناس بالباطل. واختلف في اللقطة هل لملتقطها استنفاقها بعد السنة على وجه التملك أم لا؟ على أربعة أقوال: أحدها: أن ذلك لا يجوز إلا أن يكون له وفاء. والثاني: أن ذلك لا يجو إلا أن يكون ملتقطها محتجًا، وهو قول أبي حنيفة. والثالث: أن ذلك جائز له على كل حال، وهو قول الشافعي. والرابع: أن ذلك لا يجوز على حال بل هو مكروه، وهو قول مالك وهو الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ فإن أكلها بعد التعريف فعليها غرمها. وذهب داود إلى أن لا غرامة","vol":"2","page":158},{"text":"عليه. والصحيح ما قدمناه؛ لأن هنا من أكل أموال الناس بالباطل.\nواختلف في الرجل يمر بجنان غيره أو بغنمه هل له أن يأكل من الفاكهة ويشرب من اللبن إذا لم يكن محتاجًا إليه؛ لأن المحتاج لا خلاف أن له أن يأكل. فقيل: جائز له أن يأكل ويشرب لصديق كان ذلك أو لغير صديق، وقيل: أن كان لصديق كان له أن يأكل وإن لم يكن لصديق لم يكن له ذلك. قال بعضهم: وهذا أعدل الأقوال، وأولاها بالصواب، وهو قول الليث. وقيل: أن ذلك ممنوع، لصديق كان أو لغير صديق؛ لقوله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾. وهذا من أكل المال بالباطل، وهو قول مالك، وقال بعضهم: وهذا في ثمر الحائط دون لبن الماشية؛ لحديث ابن عمر في لبن الماشية. وقيل: بل ذلك في ثمر الحائط ولبن الماشية سواء؛ لحديث سمرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه به، فإن أذن له فليحلب وليشرب، وإن لم يكن فيها أحد فليصوت ثلاث، فإن لم يجب أحد فليحلب وليشرب»، ولا يحتمل وإن كان على تلك الغنم أو الحائط","vol":"2","page":159},{"text":"أجير وأخبره الأجير أنه أذن له في أن يطعم أو يسقى فهل يصدقه في ذلك. روايتان عن مالك. والأظهر أن لا يصدقه في ذلك؛ لأنه بذلك متعد على مال الغير، لأن صدقه لا يعلم فيكون من أكل المال بالباطل.\nوقوله تعالى: ﴿عن تراض﴾ علق تعالى التجارة التي تنتقل بها الأملاك بالتراضي خاصة دون التفرق بالأبدان، فيأخذ مالك بهذا الظاهر، ورأى أن تمام التجارة التراضي بالألسنة، فإذا كان ذلك انخرمت التجارة ولم يكن لأحدهما بعد خيار. وبهذه الآية استدل أصحاب مالك وأبي حنيفة في المسألة المذكورة، ونظيره من الاستدلال استدلالهم أيضًا في ذلك بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ٢٨٢]، وزعموا أن تلك الآيات كلها","vol":"2","page":160},{"text":"تقتضي نفي الأخبار. وقد رد هذا الاستدلال مثبتو خيار المجلس وغيرهم، وزعموا أنه ضعيف. وقال الشافعي: تمام التراضي وجزمه بافتراق الأبدان بعد عقدة البيع، وأن يقول أحدهما لصاحبه: اختر، فيقول: قد اخترت وذلك بعد عقدة البيع. واحتج بحديث النبي ﷺ: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار»، وهذا بحديث قد تأول على وجوه ليس هذا الكتاب موضع ذكرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>(٢٩) - قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾:</span>\nواختلف في تأويله، فقيل: لا تتجروا في بلاد العدو فتغرروا بأنفسكم، وهذا التأويل في النهي عن التجارة إلى أرض الحرب يوافق مذهب مالك وغيره في تشديد الكراهية في التجارة إلى بلد الحرب، وإن كان قد جاء عن مالك ما يظهر منه إجازة ذلك. وقال بعضهم: المقصود بالآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضًا، وأن يقتل الرجل نفسه بقصد منه إلى ذلك وأن يحملها على غرر ما مات منه، وقد احتج عمرو بن العاص بهذه الآية حين أجنب وتيمم وصلى بالقوم ولم يغتسل بالماء البارد خوفًا على نفسه منه فأقر رسول الله ﷺ احتجاجه. ومن أكره على الكفر فاختار القتل فلا خلاف فيه أنه أفضل ويخصص هذا من الآية بالإجماع. وأما من أكره على غير الكفر من فعل ما لا يحل له، فاختلف في الأفضل من","vol":"2","page":161},{"text":"ذلك. فقال أصحاب مالك: الأخذ بالشدة واختيار القتل أفضل وذهب جماعة إلى أن إتيان ما أكره عليه أفضل، وأنه لا يحل له قتل نفسه وحجتهم ظاهر هذه الآية.\n- وقوله تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا فسوف نصليه﴾ الآية:\nواختلف في المشار إليه بـ «ذلك»، فقيل: هو عائد عن القتل لأنه أقرب مذكور إليه. وقيل: هو عائد على أكل المال بالباطل وقتل النفس؛ لأن النهي عنهما جاء متسقًا مسرودًا ثم الوعيد حسب النهي. وقيل: هو عائد على كل ما نهى عنه من القضايا من أول السورة إلى قوله: ﴿ومن يفعل ذلك﴾، وقيل: هو عائد على ما نهى عنه كم آخر وعيد؛ وذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا﴾ [النساء: ١٩]، لأن كل ما نهى عنه من أول السورة قرن به وعيد إلا مع قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا﴾ فإنه والنواهي بعده لا وعيد معها، إلا قوله: ﴿ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>(٣١) - قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ </span>الآية:\nاختلف هل التأويل في الكبائر التي وعد الله تعالى عباده باجتنابها تكفير سيئاتهم؟ فقال بعضهم: هي ما تقدم الله تعالى إلى عباده بالنهي عنه","vol":"2","page":162},{"text":"من أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين آية، وهذا قول ابن مسعود والنخعي.\nوقال قوم: الكبائر سبع، وري هذا عن علي وعبيد بن عمير وغيره.\nقال عبيد بن عمير: ليس من هذه كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء﴾ [الحج: ٣١]، و﴿من يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها﴾ [النساء: ٩٣]، ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾ [النساء: ١٠]، و﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة﴾ [النور: ٢٣]، و«الفرار من الزحف»: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار﴾ [الأنفال: ١٥] الآية.\nوالسابعة: التقرب بعد الهجرة ﴿إن الذين ارتدوا على أدبارهم﴾ [محمد: ٢٥] الآية. وفي البخاري عن النبي ﷺ: «اتقوا السبع الموبقات: الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات»، وقال قوم: هي تسع وروي هذا عن ابن عمر،","vol":"2","page":163},{"text":"وزاد على ما قاله على السحر والإلحاد في المسجد الحرام. وقال قوم: هي أربع/ وروي هذا أيضًا عن ابن مسعود: الإشراك بالله، والقنوت من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله. وروي عن ابن مسعود أيضًا أنها ثلاث: القنوت، والإياس، والأمن من مكر الله. وأحصى بعضهم ما جاء في القرآن والحديث من الكبائر، فكانت إحدى وثلاثين وتضمنت جميع الأقوال المتقدمة: الشرك، وقتل النفس، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وأن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، والزنا، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وقذف المحصنات، والسرقة، وشرب الخمر، والنميمة، والإضرار في الوصية، والقنوط من رحمة الله، ومنع ابن السبيل الماء، والإلحاد في المسجد الحرام، والذي يتسبب لوالديه، ومنعًا وهات، ووأد البنات، والنميمة، وترك التحرز من البول، والغلول، واستطالة الرجل في العرض؛ لأن النبي ﷺ قال: «من أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه»، والربا","vol":"2","page":164},{"text":"من الكبائر، وسرقة الصلاة من الكبائر؛ لأن النبي ﷺ قال: «أسوأ السرقة الذي يسرق صلاته»، والسرقة من الكبائر والجور في الحكم.\nقال الله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ [المائدة: ٤٧]، والأمن من مكر الله والتعرف بعد الهجرة. وهذه الأقوال المتقدمة هي أقوال من ذهب في الكبائر إلى حصرها. والصواب في ذلك قول من ذهب إلى أنها لا تنحصر. قيل لابن عباس: الكبائر سبع، قال: هي إلى السبعين أقرب، وفي رواية أخرى عنه: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى سبع غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار. والذين لم يروا حصرها اختلفوا في رسمها، فروي عن ابن عباس وغيره أنهم قالوا: الكبائر كل ذنب ختمه الله تعالى بنار أو غضب أو لعنة. وقال قوم: كل ما نهى الله تعالى عنه فهو كبيرة. وروي ذلك عن ابن عباس أيضًا، وقالت الأشعرية: كل ما عصى الله تعال فيه كبيرة. وعلى قول غير الأشعرية: من الذنوب كبائر وصغائر، وعلى قول الأشعرية: الذنوب كلها كبائر؛ لأنه ما من ذنب يرتكبه أحد إلى وهو عاص لله تعالى به، فمعاصي الله تعالى كلها كبائر، وإنما يقال","vol":"2","page":165},{"text":"لبعضها صغائر بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، وحجة القول الأول أن الله تعالى قد ميز بين الكبائر وما سماه سيئات بقوله: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ [النساء: ٣١] الآية، فأخبر أن السيئات يكفرها اجتناب الكبائر إذا كانت الذنوب كلها كبائر، فأي شيء كفر بعد اجتنابها، فإذا لا بد أن تكون ثم ذنوب تغفر باجتناب الكبائر ولا تكون تلك إلا الصغائر، فثم إذا كبائر وصغائر. وقد اختلفوا هل تغفر الصغائر باجتناب الكبائر أم لا؟ فذهب عامة الفقهاء وجماعة أهل التأويل إلى أن الصغائر تغفر باجتناب الكبائر قطعًا، وذهب الأشعرية إلى أنه لا ذنب يغفر باجتناب ذنب آخر قطعًا، وهذا مبني على أصله من أن الذنوب كلها كبائر، فسووا بين الذنوب كلها، وجعلوا مرتكب شيء منها في المشيئة إلا الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٢]، واحتجوا بقراءة من قرأ: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر﴾ على التوحيد يعنون الشرك. وقال الفراء: من قرأ كبائر فالمراد به كبير وأكبر الإثم الشرك، وقد يأتي لفظ الجمع يراد به الواحد. قال تعالى: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ولم يأتهم إلا نوح ﵇ وحده. وقال بعضهم: الكبائر هنا جاءت على الجمع؛ لأن المراد بها جميع أنواع الشرك التي لا تصلح معها الأعمال. قالوا: لجواز العقاب على الصغيرة كجوازه على","vol":"2","page":166},{"text":"الكبيرة؛ لقوله ﷺ: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يظن أن تبلغ حيث بلغت، يكتب الله تعالى له بها سخطه إلى يوم القيامة»، وحجة الفقهاء وأهل التأويل ظاهر قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾، قالوا: معناه نكفر عنكم أيها المؤمنون باجتناب الكبائر صغائر سيئاتكم؛ لأن الله تعالى قد وعد مجتنبها تكفير ما عداها من سيئاته، ولا يخلف الميعاد.\n- وقوله تعالى: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ الآية:\nللذكر مثل حظ الأنثيين هلا جعلت أنصباؤنا كأنصاب الرجال؟ وقول الرجال: إنا لنرجو أن نفضل بحسناتنا على النساء في الآخرة كما فضلنا في الميراث. وقيل: قالت أم سلمة للنبي ﷺ: يا رسول الله فضل الرجال على النساء في الغزو والميراث، فنزلت الآية. وقيل: قال النساء: للرجال لهم نصيبان من الذنوب كما لهم نصيبان من الميراث، فنزلت الآية. وفي مقتضى ما ذكر من هذه الأسباب","vol":"2","page":167},{"text":"حسد النساء للرجال فيما خصهم الله به من زيادة الميراث والغزو.\nوقد روي في القول الأول: أنهن تمنين ذلك فنزلت الآية نهيًا عن كل تمن بخلاف حكم شرعي. ويدخل في النهي أن ينتمي الرجال حال الآخر من دين أو دنيا على أن يذهب ما عند الآخر، وهذا هو الحسد. واختلف في تمني الرجل من غير أن يزول حاله وهو الغبطة. هل يدخل في النهي فلا يجوز أم ليس بداخل في النهي فيجوز؟ فكرهه قوم ورأوا النهي مشتملًا عليه وأجازه آخرون؛ واحتجوا لجوازه وخروجه عن النهي بقول النبي ﷺ: «إذا حسدت فلا تبغ»، أي لا تتمنى زوال ما بصاحبك من نعمة لتنصرف إليك. قال بعضهم: وهذا في نعم الدنيا. وأما في الأعمال الصالحات، فلذلك من الحسن؛ لقول النبي ﷺ: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلاكته في الحق، ورجل آتاه الله علمًا ...» الحديث. وأما تمني الرجل شيئًا من غير أن يقرن أمنيته بأحد فجائز أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿واسألوا الله من فضله﴾ [النساء: ٣٢]، ومما يدخل تحت المنهي عنه خطبة الرجل على خطبة أخيه؟","vol":"2","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>(٣٢) - وقوله تعالى: ﴿للرجال نصيب﴾ </span>الآية:\nواختلف في تأويله، فقال قتادة: معناه من الميراث؛ لأن العرب كانت لا تورث النساء، وهذا قول ضعيف يرده لفظ الاكتساب، وقيل: معناه من الأجر والحسنات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>(٣٢) - وقوله تعالى: ﴿واسألوا الله من فضله﴾:</span>\nاختلف في تأويله، فقال ابن جبير، وليث بن أبي سليم: إن هذا في العبادات والدين وأعمال البر، وليس في فضل الدنيا. وقال الجمهور ذلك على العموم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون﴾ </span>الآية:\nقوله ﷿: ﴿ولكل﴾ تقديره في قول قوم: ولكل واحد، وفي قول قوم آخرين: ولكل شيء، يعنون التركة. والمولى في كلام العرب لفظ مشترك، وأصله من ولى الشيء يليه، فسمى المعتِق مولى وسمى المعتَق مولى. ويقال: المولى الأعلى، والمولى الأسفل. ويسمى الناصر مولى، وقد قال تعالى: ﴿وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ [محمد: ١١]. ويسمى ابن العم: مولى ويسمى الجار مولى. وقد بسط المتكلمون أقوالهم في هذا الرد على الإمامية عند احتجاجهم بقوله ﵊: «من كنت مولاه فعليَّ مولاه». وقد اختلف في المراد به في هذه الآية، فقيل:","vol":"2","page":169},{"text":"العصبة، وقيل: الورثة، وقيل: بنو العم، وقيل: هم الأقرباء، منهم الأب والأخ. قال ابن الحسن: وقول النبي ﷺ: «ما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر» يدل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾ الآية: العصبة من العصبات المولى الأعلى لا الأسفل على قول أكثر العلماء. وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أن المولى الأسفل يرث من الأعلى. واحتج فيه بما روي أن رجلًا أعتق عبدًا له، فمات المعتق ولم يترك إلا المعتق، فجعل رسول الله ﷺ ميراثه للغلام المعتق. قال الطحاوي: ولا معارض لهذا الحديث، فوجب القول به.\nوعلى قول الطحاوي هل يلزم أن يكون المولى الأسفل داخلًا تحت","vol":"2","page":170},{"text":"عموم الآية. وقول النبي ﷺ: «فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر» يدل على اشتراطه القرابة مع الولاية، فلا معنى لهذا القول. قال أبو الحسن: والذي يحسن من معانيه هنا أن يكون الموالي الورثة؛ لأنها تسلح على تأويل، ولكل شيء وبذلك فسره ابن عباس وغيره: ومما على تأويل ولكل شيء في موضع الصفة لشيء وعلى تأويل ولكل أحد متعلق بفعل مضمر يدل عليه ما قبله، كأنه قال: ولك أحد جعلنا ورثة يرثون مما ترك الوالدان الآية. والآية على هذا التأويل لفظ عموم يراد به الخصوص؛ لأنه ليس يخلو أن يكون له وارث بهذه الآية، وإن لم تعرف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾:</span>\nاختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة، والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة قالوا: نسخها قوله تعالى: ﴿وألوا الأرحام بعضهم والى ببعض في كتاب الله﴾ [الأحزاب: ٦]. واختلفوا في تأويل الآية المنسوخة فقال ابن عباس وابن جبير والحسن وقتادة وغيرهم: هم الأحلاف، فإن","vol":"2","page":171},{"text":"العرب كانت تتوارث بالحلف فشدد الله تعالى ذلك بهذه الآية ثم نسخه بآية الأنفال: ﴿وأولوا الأرحام﴾ الآية. وقال ابن عباس أيضًا: هم الذين كان رسول الله ﷺ آخى بينهم، فإنهم كانوا يتوارثون بهذه الآية حتى نسخ الله ذلك بما تقدم. وروي أن أبا بكر الصديق عاقد رجلًا فورثه لما مات، وقيل: إنهم كانوا يتعاقدون فيقول الرجل: ترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، ودمي دمك فنزلت الآية مؤكدة لذلك، ثم نسخت بقوله: ﴿وألوا الأرحام﴾ الآية إلى قوله: ﴿إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، أي: إلا أن تواصوا لهم ونسخ فرضه.\nوقد روي هذا عن ابن عباس، والذين ذهبوا إلى انها محكمة اختلفوا في تأويلها: فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الآية محكمة على ظاهرها في الميراث وغيره، وأن الرجلين إذا لم يكن بينهما معروف فوالى أحدهما الآخر على أن يتوارثا ويتعاقدا فإن ذلك يصح ويتوارثان ويتعاقدان.\nقالوا: ولكل واحد منهما أن يرجع عن الموالاة. وهذا يرده قول رسول الله ﷺ: «لا حلف في الإسلام»، معناه: لا حكم في","vol":"2","page":172},{"text":"الموارثة على ما كنت تفعل الجاهلية. وأيضًا فإنهم خالفوا الآية التي يحتجون بها؛ لأن الله تعالى علق فيها استحقاق النصيب بعقد اليمين وهم لا يرون اليمين في استحقاق الميراث شيئًا، والمعلوم من مذهب أبي حنيفة أن الميراث بالمعاقدة إنما هو عند عدم ذوي الرحم والولاية.\nوهو بعيد عن ظاهر الآية، فإن حكم المعاقدة فيها ثابت مع وجود الموالي. وذهب أبو الحسن في الآية إلى أنها في قوم يوصى لهم، فيموت الموصى له قبل نفوذ الوصية ووجوبها، فأمر الموصي أن يؤديها إلى ورثة الموصى له. وهذا خلاف ما ذهب إليه مالك من أن الموصى له إذا مات بل الموصي فلا شيء له، وتبطل الوصية. فلم ير مالك في الآية هذا التأويل وكذلك هو بعيد عن لفظ الآية؛ لأن المعاقدة والإيمان لا دخل لهما في الوصية. وذهب سعيد بن المسيب في الآية إلى أنها من الأبناء الذين كانوا يتبنون: قال: والنصيب الذي أمر بإتيانه هو الوصية لا الميراث. وهذا القول يرجع إلى الحلف على الوصية، وقال ابن عباس: هم","vol":"2","page":173},{"text":"الأحلاف، إلا أن النصيب هنا المؤازرة في الحق والنصر والوفاء بالحلف لا الميراث، ثم ذكر عنه أنه قال: كان المهاجري يرث الأنصاري دو ذوي الرحم، بالأخوة التي جعلها الله بينهم في الإسلام، فلما نزلت: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون﴾، نسخت ذلك. ثم قرأ: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ من النصرة والرفادة والوصلة، وقد ذهب الميراث، وهو قول حسن ويؤيده قول النبي ﷺ: «لا حلف في الإسلام، وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة». وقوله: «ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به ولا حلف في الإسلام»، وقد حكي عن ابن عباس أن الآية كانت عامة في الميراث والنصر والمعونة، فنسخ منها الميراث وبقي النصر والمعونة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>(٣٤) - قوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ </span>الآية:\nاختلف في سببها، فقيل: سببها قول أم سلمة المتقدم، أي لما تمنى النساء درجة الرجال عرفن بوجه الفضيلة. وقيل: سببها أن سعد بن الربيع لطم زوجه حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فجاءت مع أبيها إلى رسول الله ﷺ، فأمر أن تلطمه كما لطمها، فنولت هذه الآية مبيحة للرجال تأديب نسائهم، فدعاهم رسول الله ﷺ ونقض الحكم الأول، وقال: «أردت شيئًا وما أراد الله خير». وفي حديث آخر: «أردت شيئًا وأراد الله غيره»،","vol":"2","page":174},{"text":"وقد قيل: إن في هذا الحكم المردود نزلت: ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علمًا﴾ [طه: ١١٤]. و«قوام»: فعال بالمبالغة، وهو من القيام على الشيء ومعناه الاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد، فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد. وتعليله تعالى ذلك بالفضيلة والنفقة ويقتضي أن للرجال عليهن استيلاء وملكًا ما. قال ابن عباس: «الرجال أمراء على النساء». والفضيلة التي جعل الله هنا للزوج هي الغزو وكمال الدين والعقل وما أشبهه.\nوالإنفاق: هو المهر والنفقة المستمرة على الزوجات، ومقتضى هذه الآية أن الزوج يقوم بتدبير زوجته وتأديبها ومنعها من الخروج، وأن عليها طاعته ما لم يأمر بمعصية، وجعل تعالى ذلك للزوج لأجل ما يجب عليه من النفقة لها، ففهم العلماء من هذا أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قوامًا عليها وسقط عليها ما له من منعها من الخروج على الوجوه كلها. واختلف: هل لها فسخ النكاح؟ فذهب الشافعي ومالك إلى أن لها ذلك؛ لأنه إذا خرج عن كونه قوامًا عليها وحابسًا لها فقد خرج عن الغرض المقصود بالنكاح، فكان لها الفسخ عند الإعسار بالنفقة والكسوة. وفي هذه الآية دليل على أن للرجل الحجر على زوجته في نفسها ومالها؛ لأن الله تعالى قد جعله «قوامًا» عليها، ولم يقل قائمًا بل قوامًا مبالغة في ذلك، وهو الناظر في الشيء الحافظ له وإذا كان هو الناظر لها الحافظ عليها لم يجز لها هي قضاء في ذي بال من مالها إلا عن رأيه. وهذه المسألة اختلف","vol":"2","page":175},{"text":"فيها: فذهب قوم إلى أنه لا يجوز لها في شيء من مالها قل أو كثر قضاء، إلا بإذن زوجها. وذهب قوم إلى أنه لها القضاء في كل شيء من مالها قل أو كثر. واحتجوا بظواهر آثار. وذهب مالك إلى أنه لا يجوز للمرأة قضاء إلا في ثلثها. واحتج بما جاء عن النبي ﷺ: «لا يجوز للمرأة قضاء في ذي بال من مالها إلا بإذن زوجها»، ورأى أن الثلث ليس بذي بال فأجاز تصرفها فيه، وبين بالحديث معنى الآية. وقيل: إنما اعتبر مالك الثلث في جواز فعلها؛ لأنه رأى المريض محجورًا عليه من أجل ورثته، وقد أجاز السنة له الثلث فقاسه عليه، وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن المرأة لا يجوز أن تلي القضاء، قال: لأنه تعالى يقول: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض﴾، يعني من العقل والرأي، فلم يجز أن يضمن على الرجال، وهذا هو مذهب الجمهور. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز أن تقضي فيما يجوز فيه شهادتها. وشذ الطبري فأجاز قضاءها إلى أنه يجوز أن تقضي فيما يجوز فيه شهادتها. وشذ الطبري فأجاز قضاءها في جميع الأحكام، فأما الإمامة الكبرى فلا خلاف أنه لا يجوز أن تليها، والآية أيضًا على الاستدلال المذكور تقتضي ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿فالصالحات﴾ هو الصلاح في الدين، والقانتات: المطيعات لأزواجهن أو لله في أزواجهن وغير ذلك. وقيل: المصليات. والغيب: كل ما غاب عن علم الزوج. وروي أن رسول الله ﷺ قال: «خير النساء امراة إذا نظرت إليها أسرَّتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في","vol":"2","page":176},{"text":"مالك وفي نفسها»، ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية.\nقوله تعالى: ﴿بما حفظ الله﴾ أي: بحفظ الله تعالى إياهن في أمورهن. وقيل: المعنى: بحفظ الله تعالى إياهن في وصية الأزواج بهن.\nوقيل: بحفظ الله مطلقًا. و﴿تخافون﴾: اختلف في تأويله، فقيل: تعلمون وتتيقنون. وذهبوا في ذلك إلى أن وقوع النشوز هو الذي يوجب الوعظ واحتجوا لذلك بقول أبي محجن:\nولا تدفنوني بالفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها\nوقيل: الخوف هنا على بابه من التوقع. والنشوز استعلاء المرأة على زوجها واعوجاجها عليه مأخوذ من نشز الأرض. وقال بعضهم: النشوز امتناع المرأة من فراش زوجها، والخلاف له فيما يلزمها من طاعته. وقال ابن عباس: هو أن تستخف بطاعته وبحقه ولا تطيع أمره.\nوقال عطاء: النشوز أن تحب فراقه. وقيل: النشوز البغض والأصل من ذلك ما قدمناه، واختلف في تأويل ﴿واهجروهن﴾، فقيل: اجتنبوا جماعهن. قال ابن عباس: يضاجعها ويوليها ظهره ولا يجامعها، فتكون «في» هنا للوعاء على بابها. وقيل: جنبوا مضاجعتهن، قاله مجاهد. ويكون التقدير: واهجروهن في سبب المضاجع. وقيل: معناه قولوا لهن: هجرًا من القول","vol":"2","page":177},{"text":"أي إغلاظًا. ويقال في ذلك: هجر وأهجر. وقيلك معناه اربطوهن في المضاجع بالهجار كما يربط البعير به وهو حبل يشد به البعير، فهي في معنى اضربوهن. وقال الطبري: وقد أشار البخاري أن هجرانهن يكون في غير بيوتهن استنانًا بالنبي ﷺ، لما فيه من الرفق بالنساء وهو قول مخالف للآية. قال بعضهم: وقد فسر النبي ﷺ مقدار ذلك الهجران بإيلائه شهرًا من أزواجه حين أسر إلى حفصة سرًا فأفشته إلى عائشة وتظاهرتا عليه، فقيل: إنه كان أصاب جاريته مرية في بيت حفصة ويومها، وقيل: في يوم عائشة وسأل حفصة أن تكتم ذلك، فأخبرت عائشة، وقيل: إنه شرب عسلًا في بيت زينب، وذلك الهجران لا يبلغ به الإيلاء أربعة أشهر.\nوقوله تعالى: ﴿واضربوهن﴾: الضرب هنا يعني به الضرب غير المبرح.\nوقال قتادة: هو غير الشائن. وقال الحسن: هو غير مؤثر. وسئل ابن عباس عن الضرب غير المبرح، قال: بالشراك أو نحوه. وقال النبي ﵊: «فاضربوا النساء إذا عصينكم في معروف ضربًا غير مبرح»، وهو إشارة منه ﵊ إلى تفسير الآية. وقد اختلف في ضرب النساء الضرب غير المبرح فرأى قوم أن أفضل ما يتخلق به الرجال الصفح عنهن على ما صح في الخبر عن النبي ﷺ من","vol":"2","page":178},{"text":"صبره على هجر نسائه له ولم يذكر أنه عاقبهن على ذلك. وأنكروا الأحاديث التي جاءت بإباحة ضربهن مثل قوله ﵊: «علق صوتك حيث تراه الخادم»، وقوله: «أخف أهلك ولا ترفع عنهم عصاك». وقالوا: لا يجوز الاحتجاج بها لوهاء أسانيدها. وذهب آخرون إلى أن أخبار الضرب صحاح،؟ واختلفوا في معناها فقال بعضهم: معنى ذلك أن يضرب الرجل امرأته إذا رأى منها ما يكره فيما تجب عليها طاعته فيه. واعتلوا بأن جماعة من أصحاب النبي ﷺ والتابعين كانوا يفعلون ذلك. وذكروا ان ابنة علي بن أبي طالب كانت تحت عبد الله بن أبي سفيان بن الحارثة فربما ضربها فتجيء إلى الحسن بن علي فتشتكي وقد لزق درع حرير بجسدها من الضرب فيقسم عليها لترجعن إلى بيت زوجها، وذكروا أن أسماء قالت: كنت رابعة نسوة الزبير، فكان إذا عتب على أحدنا فك عودًا من الشجب فضربها حتى يكسره عليها. قال عمارة: دخلت على أبي مجلز فدار بينه وبين امرأته كلام فرفع العصا فثبج قدر نصف أنملة أصبعه وكان محمد بن عجلان يحدث بقوله ﷺ: «لا ترفع عصاك عن أهلك»، فكان يشتري صوتًا فيعلقه في","vol":"2","page":179},{"text":"بيته لتنظر إليه امراته وأهله. وقال آخرون: بل ذلك أمر النبي ﷺ للرجال في أدب أهلهم ووعظهم إياهن وأنه لا يخلو من تفقدهن بما يكون لهن مانعًا من الفساد والخلاف لأمرهم. وذلك من قول العرب: شق فلان عصا المسلمين إذا خالف إلفتهم وفرق جماعتهم، ومن ذلك قيل: للرجل إذا أقام بالمكان واستقر فيه واجتمع إليه أمره: «قد ألقى فلان عصاه»، فأما ضربها من غير ذنب فمحرم. قالوا: وقد حرم الله تعالى أذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا. وقال بعضهم في معنى قوله ﵊: «لا ترفع عصاك عن أهلك» إنما ذلك حض على ترهيب أهله في ذات الله تعالى بالضرب لئلا يرتكبن موبقة باقيًا عليه عارها، إذا كان ﷺ قد جعله قيمًا على أهله. والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة السلام: «أما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه». أعلمها غلظته على أهله وشدته، فلو كان معناه لا تخلهم عن تأديبك بالوعظ والتذكير دون الترهيب بالضرب عند ركوبها ما لا يحل لها لم يكن لترهيبه فاطمة في أبي الجهم بما وصفه معنى؛ إذ كان الوعظ والتذكير لا يوجبان لصاحبهما ذمًا، وظاهر الآية عندي أعظم ممن رأى ضربهن؛ لأنه تعالى قد قال:","vol":"2","page":180},{"text":"﴿واضربوهن﴾ ولا أقل من أن يكون ذلك مباحًا بل لو قيل: إنه أمر ندب لكان ذلك حسنًا؛ لأن في ذلك إصلاح لهن ولو خلين وهواهن لهلكن. ولم يأمر الله تعالى في شيء من كتابه بالضرب صراحًا إلا في ذلك وفي الحدود العظام، فساوى معصيتهن للأزواج بمعصية أهل الكبائر، وجعل تعالى ذلك للأزواج عليهن رفقًا بالرجال، وإنما يكره في ضربهن التعدي والإسراف، وقد قال النبي ﷺ: «لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم»، واختلف في جواز ضربها في الخدمة، والقياس يوجب إذا ضربها في المباضعة جاز في الخدمة الواجبة للزوج عليها بالمعروف. ولا خلاف أنه إذا ضرب ضربًا يؤدي إلى الهلاك أنه ضامن، وحكم المؤدب والمعزر في ذلك حكم الزوج بخلاف حكم الصائل على الإنسان في ماله، فإنه يجوز دفعه وإن أدى إلى ذلك الدفع إلى هلاك الصائل.\nوإذا قلنا: إن للرجل أن يضرب زوجته تأديبًا لها على ما جنته فضربها ثم ادعت هي أنه ضرب اعتداء، وادعى الزوج أنه ضرب أدب، ففي المذهب قولان في ذلك، أحدهما: أنه محمول على الاعتداء حتى يثبت غير ذلك. وقيل: إنه محمول على الأدب حتى يثبت الاعتداء، وهذا القول أليق بلفظ الآية؛ لأن الله تعالى قد أباح الضرب للزوج، وإذا كان كذلك فهو مصدق على أنه أدب، وقد جعل الله تعالى العظة والهجر والضرب مراتب: يبدأ أولًا بالأضعف وهو العظة، ثم بأشد منه وهو الهجر، ثم بأشد من الهجر وهو الضرب، وإن كانت «الواو» لا تعطي رتبة، ولكن","vol":"2","page":181},{"text":"مفهوم الغرض يعطي ذلك. وإن وقعت الطاعة عند إحدى هذه المراتب لم يتعدها إلى سائرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>(٣٥) - قوله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما﴾ </span>الآية:\nقال إسماعيل القاضي: أما أبو حنيفة وأصحابه فما عرفوا هذه الآية، ولا تكلموا في شيء من أحكامها. وأما الشافعي فتكلم فيها بكلام السكوت أحسن منه. وذكر غيره عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه في الحكمين بعض كلام. ونحن نذكر إن شاء الله تعالى ما جاء في ذلك، وقد اختلف أهل التأويل في الخوف ها هنا على حسب ما تقدم، ولا يبعث الحكمان إلا مع شدة الخوف والشقاق وإباية المرأة من الرجوع إلى طاعة زوجها. واختلف في المأمور بالبعثة للحكمين، فقال سعيد بن جبير: الحكام إذا أعضل أمرهما عليم وترافعا إليهم. وقال السدي: المخاطب الزوجان. وقال بعض المفسرين: إليهما تقديم الحكمين، وهذا مذهب مالك، والأول لربيعة وغيره. وأخطأ فيما نسب إلى مالك؛ لأن المشهور عن مالك أن الإمام هو الذي يبعث الحكمين. وأجاز أن يبعثهما الزوجان، وأجاز أيضًا أن يبعثهما من يلي أمر الزوجين، فأن حملنا الآية على هذا القول جعلنا المخاطبة بها الحكام والزوجين والولاة جميعًا. وأما","vol":"2","page":182},{"text":"أن يقال: إن مذهب مالك أن المخاطب بالآية الزوجان خاصة فشيء لا تعرفه ويؤخذ من هذه الآية أن السلطان يبعث الحكمين في أمر الزوجين، وإن لم يطلبا ذلك منه خلافًا للشافعي في أحد قوليه أنه لا يبعثهما إلا السلطان برضى الزوجين ويوكلهما الزوجان بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك، وهو مذهب أبي حنيفة على ما ذكر بعضم أيضًا. وللشافعي قول آخر مثل قول مالك أن الحكمين ينفردان بالتفريق دون رضة الزوجين إذا رأيا ذلك. واختلف فيما إلى الحكمين من النظر بين الزوجين، فقيل: لا ينظران إلا فيما وكلهما الزوجان به، وصرح بتقديمهما عليه. وقال أبو الحسن: ينظر الحكمان في الإصلاح والأخذ والإعطاء؛ إلا في الفرقة، وبمثله قال أبو حنيفة على ما ذكر بعضهم. قال: لأن الله تعالى يذكر فرقة، وقالت فرقة: ينظر الحكمان في كل شيء ويحملان على الظالم ويمضيان ما رأياه من بقاء أو فراق، وهذا هو مذهب مالك وجمهور أهل العلم.\nواختلف في قوله تعالى: ﴿إن يريدا﴾، من المراد بذلك؟ فقيل: الزوجان، وقيل: الحكمان. وخص الله تعالى بعثهما من الأهل؛ لأنهم مظنة العلم بباطن الأمر، ومظنة الإشفاق بسب القرابة. ولم يجعلهما من جهة الزوج وحده، ولا من جهة الزوجة وحدها لما يلقى القريب","vol":"2","page":183},{"text":"عند الشنآن من الحمية لمن هو من ناحيته. وإن لم يوجد من الأهل من يصلح لذلك بعث من الأجنبيين. وإن جعل ذلك للأجنبيين مع وجود الأهل، فيشبه أن يقال: ينتقص الحكم بمخالفة النص، ويشبه أن يقال: الحكم ماض بمنزلة ما لو تحاكما إليهما. إن جعل السلطان النظر بين الزوجين إلى واحد هو منهما مثل عم أو خال جاز ذلك أيضًا على مقربته مخالفة النص. ولو جعل السلطان ذلك إلى رجل واحد أجنبي منهما جاز على الأصل في الأحكام. ولو جعل السلطان ذلك إلى رجل واحد أجنبي منهما جاز على الأصل في الأحكام: أنه يجزئ في القضية رجل واحد وهو في هذا الوجه بخلاف الحكمين في الصيد، ولا يجوز أن يوقعا من الطلاق أكثر من واحدة، واختلف في الاثنين والثلاث. فقيل: يلزم الزوج ما أوقع عليه. وقيل: يلزم من ذلك طلقة. وقال عبد الملك: لأنهما لم يدخلا بما زاد على الواحدة صلاحًا بل أدخلا مضرة. واختلف إذا كان الزوجان رشيدين وحكم بينهما غير عدل، أو امرأة، أو صبيًا، أو صبية، هل ينقض الحكم أم لا؟ فقال عبد الملك: «إنه منقوص»، وكذلك لو حكما رجلًا وهما يريان أنه من أهل المعرفة والعدالة ثم تبين غير ذلك، فإنه يختلف هل يمضي الحكم أم لا؟ وفي كتاب محمد ابن عبد الحكم ماض، ووجه القول ينقض الحكم إن من شرط الحكمين أن يكونا عدلين؛ لأن الله تعالى سماهما حكمين.\nواختلف المتأخرون من أشياخنا في جعل الأمينة بين الزوجين، فقالت","vol":"2","page":184},{"text":"طائفة منهم: بإجازة ذلك ولم تر بعث الحكمين. قالت: لأنه أمر لم يحكم به من كان قبلنا من أئمة العدل ولكن تخرج المرأة إلى دار الأمين أو يسكن أمين معها. وقد ذكر مثل هذا ابن سحنون عن أبيه من قول مالك في النصرانية الحاضنة إذا خيف منها أن تضم إلى ناس من المسلمين، وأنكرت طائفة هذا وقالوا: القول بالحكمين مما لا يجوز الحكم بغيره؛ لأن الله تعالى حكم به، وأصحاب النبي ﷺ، وهلم جرا، وقد بعث عمر بن الخطاب حكمين، وفعل ذلك علي ابن أبي طالب. وآية التحكيم محكمة لا خلاف في ذلك، وبذلك قال ابن لبابة. وقال ابن القطان: لا يقضي بإسكان أمينة معهما، يتعرف بها الضرر وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وأعجب من أهل بلادنا في هذه المسألة وشبيهها يقلدون مالكًا في العظائم، وإن لم يستند فيها إلى نص ويخالفونه في الدقائق، وإن استند فيها إلى نص ولم يقنعوا بخلاف مالك في هذه المألة حتى خالفوا فيها ما أمر الله تعالى به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>(٤٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ </span>الآية:\nسبب النهي عن قرب الصلاة في حال السكر أن جماعة من الصحابة شربوا الخمر عند أحدهم قبل التحريم، منهم أبو بكر وعمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف، فحضرت الصلاة فتقدمهم علي فقرأ: ﴿قل يا أيها","vol":"2","page":185},{"text":"الكافرون﴾ [الكافرون: ١]، مخلطًا فيها بأن قال: «أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد». وروي أن المصلي عبد الرحمن بن عوف، قود اختلفوا في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فالذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا في التأويل، فقالت طائفة معنى قوله: ﴿وأنتم سكارى﴾ أي سكارى من النوم لا من الخمر، وقال عبيدة السلماني: هو الحاقن كقوله ﵊: «لا يصلين أحدكم وهو ويدافع الأخبثين».\nوقيل: ليس المراد هنا العبادة المعلومة وإنما المراد بها مواضع الصلاة وهي المساجد، والتقدير: لا تقربوا مواضع الصلاة ثم حذف؛ كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢]، وروي هذا عن ابن عباس أيضًا، وإليه ذهب الشافعي وأصحابه. والأكثر كما قدمنا على أن المراد به الصلاة، وهو قول أبي حنيفة. ومقتضى هذا القول تنزيه المساجد عما يتوقع من السكران من فحش المنطق وتلويث المسجد، ويقاس على هذا السباب فيها والدخول بالروائح المنتنة أو بالنجسات. ومن ذلك إنشاد الشعر فيها، وقد اختلف فيه. والأظهر جوازه إلا ما كان فيه من فحش. وكذلك","vol":"2","page":186},{"text":"رفع الأصوات فيها بغير ذكر الله تعالى، وقد اختلف فيه أيضًا. وقد قال عمر: من أراد أن يغلظ أو ينشد شعرًا فليخرج إلى هذه الرحبة. وكذلك النوم فيها مختلف فيه، والأظهر جوازه لما ورد من الآثار في ذلك.\nواختلف فيمن رأى في المسجد في ثوبه دمًا كثير هل له أن يخلعه فيه على قولين، أحدهما: أنه يجب أن يخرج ولا يخلعه فيه. والثاني: أنه يجوز له أن يخلعه ويضعه بين يديه ويغطيه، وقيل: المعنى لا يكن منكم سكر فيقع قرب الصلاة؛ إذ المرء مدعو إلى الصلاة. وهذا القول بأنها محكمة إنما يصح على القول ببطلان دليل الخطاب، إذ دليل خطاب الآية على هذا القول إباحة ما دون السكر أو السكر في غير الصلاة. والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة اختلفوا، فمنهم من قال بدليل خطابها، ورأى أن الآية نزلت قبل التحريم، فاقتضت عنده تحريم السكر في الصلاة خاصة، فرآها منسوخة بآية التحريم، وهي قوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام﴾ [المائدة: ٩٠]، وهو مروي عن قتادة ومجاهد. ومنهم من رأى أن الآية إنما اقتضت النهي عن الصلاة في حال السكر، ثم ورد الأمر بالصلاة على كل حال، فإن كانوا لا يعقلون ما يقرأون وما يفعلون، فعليهم الإعادة، وإن كانوا يعقلون ذلك فعليهم أن يصلوا، وهذا قبل التحريم. فأم بعد التحريم، فيجب أن لا يفعلوا ذلك، أعني الشرب، فإن فعلوا فقد أساؤوا","vol":"2","page":187},{"text":"الحكم في الصلاة، وأخذوا الآية التي وردت بالأمر بالصلاة على كل حال. قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ [المائدة: ٦] الآية، وهذا قول ابن عباس. وفي هذه الأقوال كلها نظر. أما النسخ فيها، فلا يتحقق؛ لأنه مهما أمكن بقي التعارض بين الآيتين لم يصح نسخ. أما النسخ بتحريم الخمر، فمبني على القول بدليل الخطاب، وللناظر أن يقول: إنما حرم السكر حال الصلاة، ثم أكج التحريم فيها بأن صرح بتحريمه في الصلاة وفي غير الصلاة، فالتحريم المطلق قوى التحريم المخصوص ولم ينسخه. وأما القول بأن الأمر بالصلاة على كل حال ناسخ للنهي عن الصلاة في حال السكر فضعيف؛ لأن قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ يحتمل أن يريد: إذا قمتم غير سكارى، فلا تتعارض الآيتان. وأما القول بأن المراد بالسكر سكر الحقن أو سكر النوم فبعيد؛ لأن ذلك مجاز والحمل على الحقيقة ما أمكن أولى. ومحمل ذلك كله على النهي عن الصلاة مع اختلاف العمل. وقد قال ﵊: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة وهو ناعس فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم لا يدري لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه». واختلف في السكران هل هو داخل في حال سكره تحت تكليف ما أم لا؟ فذهب معظم الفقهاء إلى أنه داخل تحت التكليف في بعض الأحكام. وذهب محققو الأصوليين إلى أنه ليس بداخل تحت التكليف، وأن ذلك مجاز، ومن حجة أهل القول الأول أن يقولوا:","vol":"2","page":188},{"text":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلة وأنتم سكارى﴾ الآية، هذا خطاب للسكارى، وهذا هو التكليف. وعن ذلك أجوبة لأهل القول الثاني، أحدها: أن هذا خطاب مع المنتشي الذي ظهر منه بادئ النشاط والطرب ولم يزل عقله؛ فإنه قد يستحسن فيه من اللعب والانبساط ما لا يستحسنه قبل ذلك، ولكنه عاقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>(٤٣) - قوله تعالى: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾:</span>\nمعناه تتبينوا وتتكامل منكم نياتكم، كم يقال للغضبان حتى تعلم ما تقول، أي: يسكن غضبك فيكمل علمك وأن أصل عقله باقيًا، وهذا لأنه لا يستغل بالصلاة مثل السكران، وقد يعسر عليه تصحيح المخارج وتمام الخشوع. وضعف هذا القول أبو الحسن، بأن قال: الإجماع منعقد على أن هذا مأمور بفعل الصلاة، فكيف يكون منهيًا؟ والثاني: أن هذا الخطاب للصاحين ورد في ابتداء الإسلام قبل تحريم الخمر، وليس المراد به المنع ن الصلاة، بل المنع من إفراط الشرب في وقت الصلاة، كما يقال: لا تقرب التهجد وأنت شبعان، ومعناه: لا تشبع فيثقل عليك التهجد. واختلف في حد المسكر فقال مالك: إذا تغير عن طباعه التي هو عليها. وقال الثوري: هو اختلاط العقل وهو أن يستقرأ فإن أقام القراءة وسئل فتكلم بما يعرف لم يحد وإن لم يقم القراءة ولا غيرها حد.\nوقال أبو حنيفة هو أن لا يعرف الرجل من المرأة، وقال مرة: أن لا يعرف قليلًا ولا كثيرًا. وقال الشافعي: أصل السكر ان يغلب على عقله في","vol":"2","page":189},{"text":"بعض ما لم يكن يغلب قبل الشرب. قال ابن المنذر: وهو أولى بالصواب؛ لقوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾. وقد كان الذين خوطبوا بهذه الآية من أصحاب رسول الله ﷺ قبل نزول تحريم الخمر يقربون الصلاة قاصدين لها في حال سكرهم، عالمين بالصلاة التي لها يقصدون، وقد سموا سكارى لأن في الحديث أن بعض من قدم للصلاة خلط القراءة، فأنزل الله تعالى الآية.\nواختلف في أقوال السكران وأفعاله وهو الذي معه بقية من عقله على أربعة أقوال، أحدها: أنه في حكم الصحيح الذي ليس بسكران، يلزمه ما يلزمه؛ لأنه معه بقية من عقله يدخ بها تحت التكليف. ودليلهم على ذلك توجه الخطاب إليه في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ الآية، وما روي من أن منادي رسول الله ﷺ كان ينادي: إذا أقيمت الصلاة لا يقربن الصلاة سكران، وهو قول ابن نافع ومذهب الشافعي وأبي حنيفة. وقيل: يلزمه ما يلزم الصحيح؛ لأنه هو أدخل على نفسه السكر. وقيل: لأنه غير مستحق لاسم السكران؛ لأن السكران هو الذي لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة، قال ذلك أبو حنيفة وهو بعيد؛ لأن اسم السكر واقع عليه بدليل ما ذكرناه بالقرآن والسنة. والثاني: أنه في حكم المجنون الذي القلم عنه مرفوع في","vol":"2","page":190},{"text":"الشرع، فلا يلزمه حد ولا عتق ولا طلاق ولا بيع ولا شراء ولا شيء من الأشياء، ولم يروه داخلًا تحت التكليف، وتأولوا الآية على ما قدمناه.\nواحتجوا بما وري عن عثمان: «ليس للمجنون ولا السكران طلاق»، وهو قول ابن عبد الحكم أن طلاق السكران لا يجوز. والثالث: أنه تلزمه الأفعال، ولا تلزمه الأقوال، وهذا قول الليث بن سعد، وحدة أهل هذه القول: قوله تعالى: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾؛ لأنه يظهر من قوله: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ أن السكران لا يعلم ما يقول، فإذا لم يعلم ما يقول سقط عنه حكم القول. والرابع: أنه لا يلزمه الإقرارات والعقود وتلزمه الجنايات والطلاق والعتق والحدود، وهو مذهب مالك وعامة أصحابه، وهو أصح الأقوال؛ لما يعضده من الأدلة المذكورة في غير هذا الكتاب، وهذا كله في السكران الذي معه بقية من عقله وينشأ من هذا الخلاف في صلاة السكران هل تصح أم لا تصح وعليه الإعادة؟ وهل النهي نهي كراهة أو نهي تحريم؟ وينشأ منه أيضًا الخلاف في صلاة من ائتم به، هل تصح أم لا؟ وفي هذا أنزلت الآية. وأما من شرب الخمر ولم يسكر فغنه مخاطب بالصلاة باتفاق، وهل حكمه في ذلك حكم من صلى بنجاسة في جسده أم لا؟ فيه خلاف. وينشأ من هذا أيضًا أن يقال: هل السكر حدث أم سبب للحدث، كالخلاف في النوم والإغماء والجنون. وأما الذي لا يعرف الأرض من السماء، فلا خلاف أنه كالمجنون؛ إلا فيما ذهب وقته من الصلوات فلا يسقط عنه؛ لأنه هو الذي أدخل السكر على نفسه بخلاف المجنون والمغمى عليه.","vol":"2","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>(٤٣) - قوله تعالى: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾:</span>\nواختلف في الجنب من هو؟ فقال الجمهور: هو غير الطاهر من إنزال أو مجاوزة ختان من غير إنزال؛ لأن المجانبة في اللغة ترجع إلى البعد والمفارقة، وهي كناية على الوطئ، فالرجل إذا جامع ثم فارق فقد حصلت المفارقة سواء أنزل أو لم ينزل، وهو كقوله ﵊: «الكذب مجانب للإيمان»، أي مفارق، وذهب داود وبعضا الصحابة إلى أن الجنب لا يكون إلا من إنزال، ولم يوجبوا الغسل إلا على ذلك. ودليل أهل القول الأول مع ما ذكرناه قول النبي ﷺ: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل».\n- وقوله: ﴿إلا عابري سبيل﴾:\nاختلف في عابر السبيل من هو؟ فقيل هو المسافر، قالوا: فلا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال إلا المسافر، فإنه يتيمم، وهو قول علي وابن عباس وغيرهما. وهذا قول مبني على القول بأ، الصلاة من قوله: ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ المراد بها العبادة. وقيل: هو المجتاز مسافرًا كان أو غير مسافر، وهذا القول مبني على أن الصلاة فيما تقدم أريد بها موسع الصلاة. وعلى هذا يترتب الخلاف في الجنب يمر في المسجد أو يقعد فيه، فقيل: إنه يمر فيه ويقعد، وهو قول داود، قال:","vol":"2","page":192},{"text":"وكان أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون وهو جنبًا في المسجد، وجعلوا القعود كالمرور. وقال بعضهم: يجلس فيه ويمر إذا توضأ، وهو قول ابن حنبل. وقال قوم: لا يجلس فيه ولا يمر وهو قول الكوفيين وأشهر قولي مالك، وروي عن ابن عباس وغيره: إن لم يجد بدًا تيمم ومر فيه ولا يقعد، وهو قول الثوري وإسحاق. وأما القول الأول فضعيف ومخالف لظاهر الآية؛ لأن الله تعالى نهى عن القرب من موضع الصلاة جنبًا، ثم أباح للجنب إذا كان عابر سبيل أن يعبره فمن أباح القعود فيه فقد أجاز ما نهى الله تعالى عنه. والقول الثاني مثله في الضعف بل أضعف. وأما القول الثالث وهو أشهر قولي مالك، فصحيح وليس في الآية ما يرده؛ لأن الآية على هذا القول إنما هي في المسافر الجنب إذا حضر الصلاة كما قدمنا، فليس فيها إباحة شيء من ذلك. ويؤيد هذا القول حديث عائشة، قالت: جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد»، ثم دخل ولم يصنع القوم شيئًا رجاء أن ينزل لهم رخصة، فخرج إليهم بعد فقال: «وجهوا هذه البيوت فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب»، قالوا: فأمر النبي ﷺ بهذا صيانة للمسجد عن اجتياز الجنب. وأما القول الرابع وهو أحد قولي مالك، فمحمول على أن الآية في غير المسافر، وأن المراد بالصلاة المسجد،","vol":"2","page":193},{"text":"وبعابر السبيل المجتاز فيه، وهو أحد قولي زيد بن أسلم. وأما القول الخامس في الآية فضعيف؛ إذ فيه التيمم والله تعالى لم يذكر التيمم، فالظاهر إباحة ذلك لعابر السبيل متيممًا كان أو غير متيمم، ومما يؤيد أن الصلاة المراد بها موضع الصلاة، وأن عابر السبيل هو المار في المسجد ما روى بعضهم من أن سبب الآية أن قومًا من الأنصار كانت أبواب دورهم شارعة في المسجد، فإذا أصاب أحدهم الجنابة اضطر إلى المرور في المسجد، فنزلت الآية في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>(٤٣) - قوله تعالى: ﴿حتى تغتسلوا﴾:</span>\nاختلف في صفة الغسل التي عنى الله تعالى في هذه الآية، فقالت طائفة: يجزئ الجنب الانغماس في الماء دون إمرار اليد على الجسم، وهو قول الشافعي وابن عبد الحكم وأبي الفرج، وإحدى الروايتين عن مالك.\nوقالت طائفة: لا يجزئ الغسل حتى يمر يديه على جسده كله وهذا أشهر قولي مالك، وحجة القول الأول أن كل من صب الماء فقد اغتسل؛ لقول العرب: غسلتني السماء. ولا مدخل فيه لإمرار اليد، وحج أهل القول الثاني: أن الغسل يتضمن زيادة على إيصال الماء إلى المحل، وليس ذلك إلا أمرار اليد؛ لأن أهل اللغة فرقوا بين الغمس والغسل، فيقولون: انغماس واغتسال، فدل على اختلاف حكمهما، ولقوله ﷺ لعائشة: «وادلكي جسدك بيدك». واختلف في الجنب يحدث هل عليه وضوء أم لا؟ فالجمهور على أن لا وضوء عليه، وذهب الشافعي في بعض أقواله إلى أن عليه الوضوء ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿حتى تغتسلوا﴾، فلم يوجب غير الغسل. والحدث الأصغر يدخل في الأكبر، وكذلك لا يجنب مع","vol":"2","page":194},{"text":"الغسل وضوء لظاهر الآية، وأي وضوء أعم من الغسل كما قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>(٤٣) - قوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ </span>الآية:\nواختلف في سببها فقيل: سببها عدم الصحابة للماء في غزوة المريسيع حين قام النبي ﷺ على التماس العقد. وقيل: نزلت في قوم أصابتهم جراح ثم أجنبوا فذكروا ذلك للنبي ﷺ، فنزلت الآية. وذكر بعضهم أن ذلك نزل لعبد الرحمن بن عوف. واختلف في المرض الذي شرط الله تعالى جواز التيمم فيه، فأخذ بعضهم بظاهر الآية، وهو داود ومن تابعه، فقال: كل من انطلق عليه اسم مريض فجائز له التيمم. وقال الشافعي في أشهر قوليه: هو المرض الذي يخاف فيه التلف باستعمال الماء.\nوقد روي عن مالك مثل هذا. وقال مالك في أشهر قوليه: هو المرض الذي يخاف فيه التلف أو الزيادة أو البطء باستعمال الماء. قال القابسي: مثل أن يخاف أن تثيبه نزلة أو حمى، وقد روي عن الشافعي مثل هذا.\nواختلف في السفر الذي يباح فيه التيمم، فقال الجمهور: هو الغيبة عن الحضر، كان السفر مما تقصر فيه الصلاة أو لا تقصر أخذًا بظاهر لفظ السفر في الآية؛ لأنه لم يخص سفرًا في مثله الصلاة، ويجوز فيه القصر. ورأوا أن السفر في الآية على ذلك يقع، واختلف في سفر المعصية هل يجوز فيه التيمم أم لا؟ فذهبت فرقة إلى منعه والأكثر على جوازه لعموم الآية.","vol":"2","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>(٤٣) - قوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾:</span>\nفي «أو» هنا تأويلان أحدهما: أنها على بابها من أن تكن لأحد الشيئين.\nوالثاني: أنها بمعنى «الواو»، وعلى هذين التأويلين ينبني اختلاف العلماء في المريض الواجد للماء والحاضر العادم للماء، هل هما من أهل التيمم أم لا؟ فمن أبقى «أو» على بابها رآهما من أهل التيمم، وقال: إن معنى هذه الآية وإن كنتم مرضى لا تقدرون على مس الماء، أو على من يناولكم إياه، لأن المرض يتعذر معه الوصول إلى الماء أو مسه في أكثر الأحوال، فاكتفى تعالى بذكر المرض، وفهم منه المراد كما فهم من قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤]، أن معناه: فاضطر.\nوكذلك قوله: ﴿أو على سفر﴾ يريد غير واجد للماء، فاكتفى بذكر السفر، وفهم المراد منه لأن السفر يعدم الماء فيه في أكثر الأحوال.\nثم قال تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء﴾ الآية، يريد بذلك الحاضر الصحيح. ولما كان الغالب في الحضر وجود الماء صرح بشرط عدمه، فقال: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، ومن رأى «أو» في الآية بمعنى «الواو» ولم يرها نم أصل التيمم؛ لأنه يعيد قوله: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء﴾ على المرض والسفر، وكذلك يعيد قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ عليها أيضًا. قال بعض من ذهب","vol":"2","page":196},{"text":"إلى هذا التأويل: هذا أولى؛ لأن ظاهر الآية إن لم يحل على ذلك توهم أن المرض والسفر حدث يوجب الوضوء كالمجيء من الغائط، وذلك لا يصح بإجماع. ورجح بعض المتأخرين هذا القول وهو قول محمد بن مسلمة من أصحاب مالك، وقوله تعالى: ﴿من العائط﴾ كناية عن الحدث الخارج من المخرجين: الريح والبول والعذرة، كذا قال بعضهم، فالوضوء على هذا فرض من البول والريح بالقرآن في قوله سبحانه: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾؛ لأن من ذهب إلى الغائط وهو المكان المطمئن من الأرض تكون منه هذه الأحداث الثلاثة. وقال محمد بن سحنون: الوضوء من البول والريح سنة، يريد أنه فرض بالسنة مما تلقته الأمة عن النبي ﷺ ولم ينزل فيه قرآن يتلى. قال بعض أصحاب مالك: هذا هو الصحيح لوجهين اثنين، أحدهما: أن العرب لم تكن تأتي الغائط للبول والريح، فالصواب حمل الآية على ما كانت العرب تقصده هناك. والثاني: أن هذين لم تسميهما العرب بالغائط، وألزموا ذلك الاسم ما سواهما. وإذا قلنا: إن الغائط ما يخرج من المخرجين فإنه ينقض الوضوء، إلا أنه عند الشافعي وأبي حنيفة كل ما يخرج منهما نادرًا؛ فلذلك لا ينتقض الوضوء عند الاستحاضة وسلس البول والمذي والحجر والدود والدم، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي. ومالك أشعر بتأويل الآية على مذهبه؛ لأن الغائط إنما يقع على الحدثين المعتادين؛ لأن العرب إنما كانت تأتي الغائط","vol":"2","page":197},{"text":"لذينك الحدثين. ولم تكن إذا أصابها دم أو سلس أو غير ذلك مما ذكرنا تأتي بسببه الغائط فيما عرف. وأما ما خرج من بدن الإنسان من الأنجاس من غير المخرجين كالقيء والفصد والرعاف والدمل فلا وضوء فيه عند الجمهور، كما لا وضوء في الجشاء المتغير؛ لأن ذلك ليس من الغائط في شيء، والله تعالى إنما أمر بالوضوء من الغائط. وذهب أبو حنيفة إلى أن الوضوء واجب فيما سال من ذلك وكثر، فإن لم يسل فلا وضوء فيه، وهو قول ضعيف لما قدمناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>(٤٣) - وقوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾:</span>\nوقرئ ﴿أو لامستم﴾ لفظ اللمس في اللغة مشترك، يقع على الجماع وعلى جس اليد والقبلة والمباشرة ونحو ذلك وعلى حسب اشتراطه اختلف العلماء في المراد بملامسة النساء في هذه الآية، فقيل: المراد بها جميع ما تقع عليه من جماع وقُبل وجس وغير ذلك، وهو قول مالك وأصحابه، وعلى هذا تكون القبل واللمس باليد وغيرهما مما سوى الجماع ناقضًا جميعه الوضوء على تقسيم في المذهب. ويجب معه التيمم للصلاة إذا عدم الماء. ويكون الجنب من أهل التيمم، وقيل: المراد بالملامسة هنا ما سوى الجماع مما ذكرنا، وعلى هذا القول يخرج الجنب من أهل التيمم، قالوا: ولا سبيل إلى التيمم. وإنما يغتسل الجنب أو يدع الصلاة حتى يجد الماء، وهو قول عمر وابن مسعود وغيرهما. وحكي عن ابن مسعود أنه رجع عن ذلك، ويحتجون أيضًا بقوله تعالى: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، وبقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾","vol":"2","page":198},{"text":"[المائدة: ٦]، وبعض من يقول: إن الملامسة هنا ما دون الجماع يوجب التيمم على الجنب بحديث عمار، وعمران بن حصين، ويكون ما سوى الجماع كما ذكرنا ناقضًا للوضوء. وقيل: المراد بملامسة النساء هنا الجماع لا غير، روي ذلك عن عمر أيضًا، وهو قول ابن عباس. وروي أن عبيد بن عمير وابن جبير وعطاء اختلفوا في الملامسة، فقال سعيد وعطاء: هي اللمس والغمز، وقال عبيد بن عمير: هي النكاح، فخرج عليهم ابن عباس وهم كذلك فسألوه وأخبروه بما قالوا، فقال: أخطأ الموليان وأصاب العربي، هي الجماع، ولكن الله تعالى يصف ويكني، وهو محفوظ عن ابن عباس من وجوه كثيرة روي عنه أنه قال: ما أبالي قبلت امرأتي أو شممت ريحانة، وإلى هذا ذهب أهل العراق وحجتهم ما وري عن عائشة من أن رسول الله ﷺ كان يقبلها ثم يخرج إلى الصلاة فلا يتوضأ، قالوا: وقوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾، فالملامسة","vol":"2","page":199},{"text":"من اثنين، فال يكون إلا الجماع. وعلى هذا القول يكون الجنب من أهل التيمم، ويكون ما سوى الجماع لا ينقض الوضوء، قال أبو حنيفة: إلا أن ينتشر. وقال محمد بن الحسن: لا وضوء عليه وإن انتشر، إلا أن يخرج منه مذي. وإذا قلنا بجواز التيمم للعادم الماء، فهل يجري مجراه من وجد الماء من حاضر أو مسافر ولم يقدر على مسه؛ لأنه يخالف التلف أو المرض أم لا؟ فاختلف فيه فقيل: يجوز له التيمم إلا أن خاف التلف، وهو قول الشافعي. وقال بعضهم: في الجنب يتوضأ ولا يتيمم إذا لم يقدر على مس الماء على ما روي عن عمرو بن العاص من أنه فعل ذلك في جيش ذات السلاسل، قالوا: والوضوء فوق التيمم، وليس ذلك بصحيح؛ لأن الله تعالى جعل التيمم عوض الغسل من الجنابة، ولم يجعل الوضوء بدلًا منه، فليس بأرفع منه وإنما هو أرفع منه في الحدث الأصغر، حيث جعل بدلًا. وقال بقول الشافعي المتقدم عطاء، واحتج بظاهر قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، ودليل مالك وأصحابه قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾. إذا قلنا: إن اللمس باليد والقبل والمباشرة داخل ذلك كله تحت الملامسة، فلفظة النساء هنا عند مالك محمولة على عمومها في جميع النساء، إلا أنه يراعي مع ذلك اللذة إلا في القبلة وسوى بعض أصحابه بين اللمس والقبلة في مراعاة اللذة. وعند الشافعي محمولة في أشهر قوليه على جميع النساء، إلا أنه لم يشترط اللذة، وفرق في أحد قوليه بين ذوات المحارم، مثل الأم والبنت وبين غيرهن. واختلف أصحابه في لمس الصغيرة هل هو داخل تحت هذا العموم","vol":"2","page":200},{"text":"فينتقض الوضوء أم لا؟ واختلف في انتقاض وضوء الملموس. فقال الشافعي في أحد قوليه: ينتقض. وقال أبو حنيفة: لا ينتقض. وراعى مالك اللذة في انتقاض وضوئه أخذًا بعموم الملامسة؛ لأن كل واحد من الملامسين لامس وملموس.\n- قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾:\nهذا يفيد وجوب طلب الماء وهي مسألة اختلف فيها، ذهب مالك إلى أنه لا يجوز التيمم إلا بعد طلب الماء وإعوازه، وخالف في ذلك أبو حنيفة فلم ير الطلب واجبًا. وحجة مالك الآية المذكورة، والذين أوجبوا الطلب اختلفوا في مقداره. فقال ابن راهويه: لا يلزم المسافر الطلب إلا بين يديه وحوله. وقالت طائفة: يخرج في طلبه المرتين ونحوهما، وفي المذهب: يمشي في طلبه ثلاثة أميال. وقال الشافعي: يمشي في طلبه ما لم يخف فوات رفيق أو وقت، والأسباب التي لا يجد معها المسافر الماء إنما هي إما عدمه جملة، وإما تخوف يحول دونه، واختلف إذا لم يجد الماء إلا بثمن وهو قادر على الثمن هل هو من الواجد للماء، فلا يجوز له التيمم أم لا؟ فقال الحسن البصري: إذا وجد الماء بثمن فليس من أهل التيمم ويشتري الماء، وإن أتى على ماله كله ويبقى عديمًا أخذًا بظاهر الآية: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، قال: وهو واجد للماء،","vol":"2","page":201},{"text":"وذهب مالك إلى أنه من أهل التيمم لأنه غير واجد للماء، ودين الله يسر. وقد قال تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]، قال: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]، إلا أن يكن من أهل المقدرة فيشتريه ما لم يرفعوا عليه في الثمن فيتيمم حينئذ. وقالت طائفة: يشتريه ما لم يزد على القيمة الثلث فصاعدًا. وقالت طائفة: يشتريه بالدرهم والدرهمين والثلاثة ونحوها، وإذا قلنا بوجوب الطلب وأنه شرط في صحة التيمم فهل ذلك شرط في صحة التيمم لكل صلاة عند القيام إليها أو في صحته لما اتصل من الصلوات عند القيام لها، أو في صح التيمم على الإطلاق؟ وفيه خلاف بين العلماء وحجة القول الأول: ظاهر قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦] الآية؛ لأن هذا يقتضي الوضوء لكل صلاة والتيمم عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، إلا أن السنة خصصت من ذلك الطهارة بالماء، وهي صلاة النبي ﷺ يوم فتح مكة الصلوات بوضوء واحد، وبقي التيمم على أصله، وإن قلنا: إنه بدل، فالبدل لا يقوي قوة المبدل منه، فلا يصح على هذا القول صلاتان بتيمم واحد، إن اتصلتا ونواه لهما، ولا صلاة بتيمم نواه لغيرها، ولا صلاة بتيمم نواه لها إذا صلى به غيرها أو تراخى عن الصلاة به. ومن فرق في هذا بين نافلة وفرض أو بين صلاتين مشتركتين أو غير مشتركتين، فقد خرج عن هذا الأصل وراعى","vol":"2","page":202},{"text":"الخلاف، واختلف في الصلاة إذا لم يجد ماء ولا ترابًا كحال المكتوف والمحبوس والمهدوم عليه والغريق ومن أشبههم على أربعة أقوال، فقالت طائفة: يصلون إيماء بغير وضوء أو تيمم، كصلاة الطالبين للعقد ولا إعادة عليهم، وهو قول ابن نافع وسحنون، وحكي عن أشهب مثله. وقالت طائفة: يصلون وعليهم الإعادة، وهو قول ابن القاسم وأكثر أصحاب مالك، وهو قول الشافعي. وقالت طائفة: لا يصلون حتى يجدوا ماء أو ترابًا، فإذا وجدوا ذلك صلوا، وهو قول أبي حنيفة وأصبغ بن الفرج الحصري. وقالت طائفة: لا يصلون ولا إعادة عليهم. قال ابن خويز منداد: وهو الصحيح عن مالك فوجه قول أشهب وابن القاسم قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ [البقرة: ٤٣]، فعم. ووجه القول بأنه لا تصح منه الصلاة قوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿حتى تغتسلوا﴾، وإلى قوله: ﴿فتيمموا﴾، فمنع قرب الصلاة إلا بوضوء أو بتيمم. واختلف فيمن كان معه من الماء ما لا يكفيه لجميع أعضائه، فقال مالك: يتيمم، وللشافعي مثل ذلك، وقال الشافعي في أشهر قوليه: يغسل ما أمكنه ويتيمم لما بقي من أعضائه، وبه قال أبو حنيفة. ودليلنا قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، ولم يجعل بينهما واسطة. واختلف إذا كان أكثر الجسد جريحًا ولم يبق إلا مثل يد أو رجل، هل يتيمم أم لا؟ فذهب مالك إلى أنه يتيمم. وقال الشافعي: يغسل الصحيح منه ويتيمم للباقي، والحجة لهذا كالحجة للمسألة قبلها.","vol":"2","page":203},{"text":"واختلف قول مالك في الحاضر إذا خاف فوات الوقت إن عالج الماء، فعنه في ذلك ثلاث روايات، أحدها: أن يتيمم ويصلي ولا يعيد، وقاله الأوزاعي. وقال أيضًا: يعالجه وإن فات الوقت، وقاله أبو حنيفة، وداود. وقال أيضًا: يتيمم ويصلي ويعيد، وبه قال الشافعي، فوجه القول الأول قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وهذا كالعادم، ثم استحب له الإعادة، ومرة رآه كالواجد للماء فلم يجز له التيمم، وظاهر قوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة﴾، قوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٦]، أن ذلك في جميع أنواع الصلاة من فرض أو سنة على الأعيان، كالوتر وركعتي الفجر، وسنة الكفاية كالجنائز والعيدين، على القول بأنها على الكفاية، ونوافل. وبهذا الظاهر قال مالك وأصحابه في المسافر والمريض الذي نص الله عليه في الآية. وخالف في ذلك عبد العزيز بن أبي سلمة قصر عموم الصلاة على الغرض خاصة؛ لأنه أوكد من غيره من الصلوات في غير ضرورة، وإنما جاز التيمم لضرورة الحاجة إلى إقامة الفرض. وقد يحتمل قول عبد العزيز: أن تكون السنن التي على الأعيان عنده مثل الفرض، لأنها مما لا بد منها، فيكون هذا قولًا ثالثًا.","vol":"2","page":204},{"text":"وقال ابن سحنون: يتيمم لكل سنة كما يتيمم للفرائض، فهذا قول رابع. وأما الصحيح المقيم على القول بأنه من أهل التيمم على حسب ما تأول عليه الآية من تأولها، فإنه يتيمم للفرض باتفاق. ويختلف في تيممه للسنن التي على الأعيان، وفي السنن التي على الكفاية. والقول الذي ذهب إليه على أنه لا يتيمم في النوافل، وهذا نزوع إلى مراعاة حال الضرورة؛ كما قال عبد العزيز. وقد اختلف في الحاضر العادم للماء إذا خاف فوات الجنازة والعيدين على القول بأنه ليس من أهل التيمم، هل يجوز أن يصلي عليها بغير وضوء أم لا؟ فالجمهور على أنه لا يجوز. وقال الشافعي: يجوز ذلك والحجة عليه أن الصلاة على الجنائز صلاة/ فلم تجز إلا كما قال الله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾. وإن خالف في تسميتها صلاة أثبت ذلك عليه بما جاء في الشرع على طريق التواتر في تسميتها صلاة. واختلف إذا وهب للعادم الماء هل عليه قبوله أم لا؟ فذهب مالك إلى أن عليه قبوله، وقاله الشافعي، وقال أيضًا: لا يلزم قبوله لما يلحقه في ذلك من المنة وليس بشيء؛ لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ وهذا واجد للماء، وإذا تيمم الرجل ثم وجد الماء قبل الشروع في الصلاة بطل تيممه، إن لم يخف فوات الوقت ولزمه استعماله، وهذب ابن أبي سلمة إلى أنه ل يلزمه استعمال الماء وله أن يصلي بذلك تيممًا.\nودليل القول الأول: قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾، وهذا للماء وإن وجده في حال التشاغل بالصلاة مضى على صلاته.","vol":"2","page":205},{"text":"وذهب أبو حنيفة إلى أنه ما لم يقعد في آخر صلاته مقدار التشهد فصلته منتقضة. وقال الأوزاعي: يخرج من الصلاة ويتطهر ويضيف للركعة إن كان صلاها ركعة أخرى ويجعلها نافلة. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣]، وإن وجده بعد الفراغ فلا شيء عليه أيضًا، خلافًا لطاووس؛ لأنه في حين الصلاة لم يكن واجدًا للماء. وإن نسي الماء في رحلة فيتيمم ويصلي، فعن مالك روايتان، أحداهما: أنه يعيد أبدًا. والثانية: إن الصلاة تجزيه، فإن قلنا: إنها تجزيه فلقوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وهذا غير واجد؛ ولقوله ﵊: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان»، وإذا قلنا: إنها لا تجزيه؛ فلقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وهذا واجد للماء، ولأنه أوجب الطلب وجواز التيمم بعد العدم وهذا لم يطلبه، فوجب أن لا يجزيه. وأما التيمم لغير صلاة مثل التيمم لمس المصحف أو لقراءة حزب ونحو ذلك، فظاهر الآية قصر ذلك على الصلاة. وذد روي عن مالك أنه أجاز ذلك في السفر. وقد روي عن غيره أنه أجاز التيمم لدخول المسجد والجلوس فيه في السفر وغير السفر، وجاء في الحديث أن النبي ﷺ تيمم","vol":"2","page":206},{"text":"بالمدينة لرد السلام، كان تيممه على جدار. وقد اختلف في التيمم هل يرفع الحدث أم لا؟ فعند مالك وأصحابه: أنه لا يرفع الحدث وإنما يستباح به ما يستباح بالوضوء والغسل. وذهب أبو سلمة بن عبد الرحمن إلى أنه يرفع الحدث كله الأكبر والأصغر، معنى هذا أنه إذا تيمم للوضوء أم من الجنابة كان على طهارته أبدًا ولم يجب عليه الغسل ولا الوضوء، وإن وجد الماء، ما لم يحدث أو يجنب. وقال سعيد بن المسيب وبن شهاب: إنه يرفع الحدث الأصغر دون الأكبر، وعلى هذا يترتب الخلاف هل هو بدل من الوضوء والغسل أم من الوضوء خاصة أم ليس ببدل؟ والأوقات التي تؤدى فيها الصلاة بالتيمم هي أوقات الاختيار؛ لأن الله تعالى أمر بأداء الصلاة عند عدم الماء بالتيمم، وأداء الصلوات هو في وقت الاختيار، فكذلك يجب أن يكون أداؤها بالتيمم في الوقت الذي تؤدى فيه بالوضوء. وقد اختلف فيمن كان على يقين من بلوغ الماء قبل ذهاب الوقت، فلم يؤخر وتيمم أوله. فقال ابن القاسم: يعيد في الوقت. وقال ابن حبيب: يعيد في الوقت وبعده، وقال","vol":"2","page":207},{"text":"اللخمي: والقول الأول أحسن؛ لقوله سبحانه ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٦] الآية، فأمر بالصلاة بالتيمم في الوقت الذي أمر فيه الصلاة بالوضوء ولم يفرق. ومن شرطه صحة التيمم على المشهور من المذهب دخول الوقت.\nوقال ابن شعبان: ليس ذلك بشرط، والدليل على صحة المشهور: قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ الآية، ولا يكون القيام لها إلا بعد دخول وقتها.\n- قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾: التيمم في اللغة القصد، ولذلك قال الشاعر:\nتيممت العين التي عند ضارج\nوقال آخر:\nسل الربع أني يممت أم مالك\nوالصعيد اختلف فيه، فقال الخليل: وجه الأرض، وقال قتادة: الصعيد الأرض الملساء التي لا نبات عليها، وقال ابن زيد: هي الأرض المستوية، قيل: التراب، «والطيب»: الطاهر، وقيل: الحلال، وهو قول ضعيف، وقيل: المنبت وعن مالك: أن «الطيب» الطاهر، وأن الصعيد وجه الأرض ترابًا كان أو غير تراب، فأجاز التيمم بالوحل والحصى","vol":"2","page":208},{"text":"والحجارة ونحو ذلك؛ إلا أنه اختلف أصحابه هل يجوز ذلك مع وجود التراب أم لا؟ مع اتفاقهم على أن البداية بالتراب أولى. وعند الشافعي أنه التراب، ومن حجته رواية من روى: «جعلت لي الأرض مسجدًا وترابها وطهورً». وأن الطيب هو المنبت، فلم يجز التيمم على الرمل والحجارة ولا ما عدا التراب. وعندنا قولة نحو قول الشافعي: فحصل الإجماع على إجازة التيمم بالتراب. وأما الذهب الصرف والفضة والياقوت والزمرد والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما، والنجاسات، فلا يجوز التيمم عليها إجماعًا؛ لأنه لا يقع عليها اسم الصعيد إجماعًا. واختلف في المعادن فأجاز مالك التيمم بها، ومنعه الشافعي، وذكر بعضهم أن الخلاف يوجد في المذهب فيه والحجة لمالك على من خالفه في الصعيد عموم الآية.\nواختلف في الملح، فأجيز في المذهب معدنية وجامدة ومنعا جميعًا، وأجيز المعدني ومنع الجامد، والحجة للجواز ما قدمناه. واختلف في التيمم بالسمك والزعفران بالجواز والمنع. والأظهر المنع؛ لأنهما ليسا في شيء من الأرض فلا يقع عليها اسم الصعيد. واختلف في التيمم بالتراب على غير وجه الأرض مثل طبق تراب يرفع إلى المريض ونحو ذلك، فذهب مالك وجمهور أصحابه إلى الجواز. وذهب بعضهم إلى المنع؛ لأن الله تعالى إنما أمر بقصد وجه الأرض وذلك عبادة، فلا يجوز غير ذلك.","vol":"2","page":209},{"text":"واختلف فيما طبخ كالآجر والطوب والجص، ففيه قولان في المذهب: الجواز والمنع. وعموم الآية حجة لمن أجازه؛ لأنه إذا كان في وجه الأرض فالصعيد واقع عليه، لأنه مشاكل للأرض.\nواختلف في التيمم على الجدار بالجواز، والمنع. وحجة من منع ما قدمناه من أن العبادة إنما هي قصد وجه الأرض، كما أمر الله تعالى، فلم يجز تعدي وجه الأرض.\nواختلف في التيمم على النبات إذا عم وجه الأرض والعود؛ ففيه في المذهب قولان: الجواز والمنع. والأظهر المنع؛ لأنه وإن كان على وجه الأرض فليس في وجه الأرض ولا بمشاكل لها إلا على ما قال يحيى بن سعيد: ما حال بينك وبين الأرض فهو منها. وما أجيز به التيمم من هذه الأشياء، فإنما أجيز عند عدم التراب، فإن تيمم به مع الوجود، فقد قال ابن حبيب في التيمم بالثلج: يعيد أبدًا. وقال في التيمم بالحصا مع وجود التراب: يعيد في الوقت. قال بعضهم: وظاهر المذهب أن لا إعادة عليه. والحجة للقول الأول بأن لا إعادة عليه عموم لفظ الصعيد كما قدمناه.\nواختلف فيمن يتيمم على أرض نجسة، فقال ابن القاسم: إذا ذهب الوقت أجزأه، وقال ابن عبد الحكم وغيره: لا يجيزه تعلقًا بظاهر قوله تعالى: ﴿صعيدًا طيبًا﴾. والتراب الطيب ها هنا الظاهر والتيمم لا يكون إلى في عضوين: الوجه واليدين؛ لقوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم","vol":"2","page":210},{"text":"وأيديكم منه﴾ [المائدة: ٦]، عندنا أنه مرتب في العضوين كترتيب الوضوء في أعضائه يمسح الوجه أولا ثم اليدين. وبهذا قول الجمهور، وهو ظاهر الآية. واجاز بعضهم فيه ترك الترتيب، واستدل بما وقع في حديث عمار على بعض الروايات من أنه ﵊ مسح كفيه قبل وجهه. والصواب ما قدمناه. والفرض في الوجه إيعابه بالمسح، ويتبع غضونه كما يصنع بالماء، وسيأتي تحديده في آية الوضوء إن شاء الله تعالى.\nوأجاز بعضهم ترك تتبع الغضون كالجبين، وهو قول محمد بن مسلمة.\nواختلف في استيعاب مسح اليدين، فقال بعضهم: يجزئ المسح وإن لم يصب بعض اليدين، وهو قول سليمان بن داود. وظاهر الآية إيعاب جميعهما حتى لا يترك منهما شيء، وإن كان بعضهم قد استدل بقوله: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ على أنه يجزئ مسح البعض في ذلك، ورأى أن «الباء» في هذه الآية «كالباء» في قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ [المائدة: ٦]، وأنها للتبعيض. وهذا غير صحيح، فإن «الباء» لا تدل على شيء من ذلك، وقد قال تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩]. ولو طاف أحد ببعض البيت لم يجز بإجماع، وفي حد فرض التيمم فيهما خلاف كثير، فقيل: إلى الكوعين، وهو مذهب مالك. وقيل:","vol":"2","page":211},{"text":"إلى المرفقين، وهو مذهب ابن نافع ومحمد بن الحكم. وقيل: إلى الإبط، وهو مذهب ابن شهاب ومحمد بن مسلمة، وفي غير المذهب أن يمسح الكفين فقط، وفي ذلك حديث عن عمار، وفي مصنف أبي داود أن الرسول ﷺ مسح إلى أنصاف ذراعيه. ولم يقل بهذا الحديث أحد من العلماء، فمن قال: إلى الكوعين: كان ذلك منه بناء على تعليق الحكم بأول الأسماء؛ لأن اليد هي من أطراف الأصابع إلى الإبط وأقل ما ينطلق عليه اسم اليد إلى الكوعين. وحمل التيمم على القطع في السرقة.\nويؤيده ما وقع في بعض الأحاديث من المسح إلى الكوعين. ومن قال: الإبط بناه على تعلق الحكم بآخر الاسم؛ إذ ذاك أكثر ما ينطلق عليه اسم اليد. ويؤكده ما جاء في بعض الأحاديث من أن الراوي، قال: تيممنا إلى الآباط، أو قال إلى المناكب. ومن قال: إلا المرافق، فإنه اتبع الحديث أيضًا، ورد آية التيمم إلى آية الوضوء، لما كان تستباح به الصلاة كما تستباح بالوضوء، والحكم إذا قيد في شيء وأطلق فيما بينه وبينه مشابهة، اختلف الأصوليون في بناء المطلق على المقيد بهذه المسألة. والعتق في الكفارة والظهار، وكان حملها على آية الوضوء أولى من حملها على آية القطع؛ لأن حمل شيء على ما هو جنسه أولى من حمله","vol":"2","page":212},{"text":"على ما ليس من جنسه، ومالك رحمه الله تعالى، وإن رأى الفرض إلى الكوعين فإنه يرى التيمم إلى المرفقين. فقال بعض أصحابه: ذلك على أن ما زاد على الكوعين سنة. وقال بعضهم: على أنه فرض، والأول أظهر؛ لكونه يرى الإعادة في الوقت على من اقتصر على الكوعين. ومن قال بمسح الكفين رأى أن حديث عمار الذي جاء في مسح الكفين خاصة مفسر لليد المذكور في الآية. وفي المسألة قول خامس ذهب إليه ابن لبابة في «منتخبه»، قال: وإن الجنب يتيمم إلى الكوعين بالسنة لا بالقرآن، وغير الجنب إلى المنكبين على ظاهر ما في القرآن.\nواختلف في المسح الذي أمر الله تعالى به كيف يكون؟ فقيل: بضربة واحدة للوجه واليدين، وروي عن مالك نحوه. وقيل: بضربتين: ضربة للوجه وضربة لليدين، وهو مشهور قول مالك. وقيلك بضربتين: ضربة للوجه واليدين وضربة أخرى أيضًا كذلك. وقال بعضهم: ما صنع من ذلك أجزأه؛ لأن الله تعالى أمر بالمسح، ولم يخص كذلك. وقال بعضهم: ما صنع من ذلك أجزأه؛ لأن الله تعالى أمر بالمسح، ولم يخص ضربة من ضربتين ولا وقت الضربات. ورجح ابن الجهم القول الأول، ورأى أنه ظاهر الآية، وقال: «فتيمموا» معناه: اقصدوا، فكان القصد مرة؛ إذ لم يذكر مرتين. وقال اللخمي: هذا أقيس؛ لظاهر القرآن، ولحديث عمار الذي قال فيه النبي ﷺ: «إنما كان يكفيك هكذا فضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما ومسح بهما وجهه وكفيه»، والحديث في البخاري ومسلم. والذي يعتمد عليه ما ذكرته عن","vol":"2","page":213},{"text":"مالك لما يعضد ذلك من الآثار المفسرة للقرآن. والذين ذهبوا إلى الترتيب اختلفوا إذا مسح اليد اليمنى أولًا وانتهى في الرجوع إلى الكوع، هل يمر الكف على الكف أم إنما يفعل ذلك بعد مسح اليدين جميعًا، والوقوف في كل واحدة منهما عند الكوع أم لا يكون شيء من ذلك ويكفي منه الانتهاء إلى الكوع، ولا يحتاج إلى مسح الكف على الكف؟ وهي ثلاثة أقوال يحتمل كل واحد منهما أن تفسر به الآية. وقال محمد بن عبد الحكم: ليس في ذلك حد، ويفعل في ذلك ما يفعل في الوضوء، وقال: لا فرق بينهما.\nواختلف في المذهب في تحريك الخاتم وتخليل الأصابع على قولين، أحدهما: أنه يجب. والثاني: أنه لا يجب. وقال محمد بن عبد الحكم: ينزع الخاتم وظاهر الآية تعميم جملة اليد وكان تعميم ذا اليد، وإذا كان ذلك كذلك وجب تخليل الأصابع وتحريك الخاتم؛ لأنه إن لم يحرك ولم يخلل بقي من اليد موضع لم يمسح فلم يعد اليد بالمسح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>(٤٨) - قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ </span>الآية:\nهذه الآية أصل في الوعد والوعيد، وهي الحاكمة ببيان ما تعارض من الآيات في ذلك. وتهذيب القول فيها أن الناس أربعة أصناف: كافر مات على كفره. فهذا مخلد في النار بإجماع، ومؤمن لم يذنب مات على إيمانه، فهذا في الجنة بإجماع، وهذا كله في هذين الصنفين بحسب ما أخبر الله تعالى عنهم، وتائب من ذنبه مات على توبته، فهذا عند أهل السنة والجمهور الفقهاء لاحق بالمؤمن المتقدم ذكره؛ إلا أن مقتضى مذهب","vol":"2","page":214},{"text":"المتكلمين أنه في المشيئة. ومذنب مات قبل توبته، فهذا اختلفت فيه الفرق. فقالت المرجئة: هو في الجنة بإيمانه، ولا تضره سيئاته، وبنوا ذلك على أن جعلوا آيات الوعيد كلها مخصصة في الكفار، وآيات الوعد عامة في المؤمنين تقيهم وعاصيهم. وقالت المعتزلة: إن كان صاحب كبيرة فهو في النار ولا بد. وقالت الخوارج: إذا كان صاحب كبيرة أو صغيرة فهو مخلد في النار ولا إيمان له؛ لأنهم يرون كل الذنوب كبائر، وبنوا ذلك على أن جعلوا آيات الوعد كلها مخصصة في المؤمن الذي لم يذنب أو المؤمن التائب. وجعلوا آيات الوعيد عامة في العصاة كفارة كانوا أو مسلمين، وقال أهل السنة: آيات الوعد ظاهرة العموم، وآيات الوعيد ظاهرة العموم، ولا يمكن الجمع بينهما مع حملهما على عمومها؛ كقوله تعالى: ﴿لا يصلها إلا الأشقى (١٥) الذي كذب وتولى (١٦)﴾ [الليل: ١٥، ١٦]، وقوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له تار جهنم﴾ [الجن: ٢٣]، فلا بد أن نقول: إن آيات الوعد لفظها العموم والمراد بها الخصوص في المؤمن، وفي التائب، وفيمن سبق علم الله تعالى بالعفو عنه من المذنبين، وآيات الوعيد لفظها العموم، والمراد بها الخصوص في الكفرة)، وفيمن سبق علم الله","vol":"2","page":215},{"text":"تعالى بتعذيبه من المؤمنين، هذه الآية: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]، ردت على الطائفتين: المرجئة والمعتزلة، وذلك أن قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾، فظل مجمع عليه. وقوله: ﴿ويغفر ما دون ذلك﴾ فيه رد لقول المعتزلة بتخليد المذنب ولو تم الكلام ها هنا عند قوله: ﴿ما دون ذلك﴾ ردًا عليهم، مبينًا أن غفران ما دون الشرك إنما هو لقوم دون قوم، بخلاف ما زعموا من أنه غفور لكل مؤمن. وقد تأولت المعتزلة الآية على مذهبها، فقالت: قوله: ﴿لمن يشاء﴾ هو التائب، وهذا تحك على الآية يرده النظر. وتأولت المرجئة الآية أيضًا على مذهبها، فقالت: قوله: ﴿لمن يشاء﴾ أن يؤمن وهذا أيضًا تأويل بعيد، كان سبب نزول هذه الآية أنه لما نزلت: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، قال أصحاب النبي ﷺ: «والشرك يا رسول الله»، فنزلت الآية: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾. وذهب بعض أهل","vol":"2","page":216},{"text":"التأويل إلى أن هذه الآية ناسخة للتي في آخر الفرقان. قال زيد بن ثابت: نزلت سورة النساء بعد سورة الفرقان بستة أشهر. والنسخ في الأخبار مستحيل. والصحيح أن التي في الفرقان مخصوصة بالكفار الذين أرادوا الدخول في الإسلام، فخافوا أن لا ينفعهم الإسلام مع ما سلف لهم في الجاهلية، وروي ذلك عن ابن عباس وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>(٥٨) - (٥٩) - قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ الآية، إلى قوله: ﴿ذلك خير وأحسن تأويلًا﴾:</span>\nاختلف في المخاطب بالآية، فقال ابن عباس وغيره: هي عامة في كل مؤتمن على شيء، وقال علي بن أبي طالب وغيره: هي خطاب لولاة المسلمين أمروا بأداء الأمانة لمن ولوا عليه، وهذا اختبار الطبري. وقال ابن عباس: الآية في الولاة، أمروا أن يعضلوا النساء في النشوز ونحوه، ويردوهن إلى أزواجهن. وقال ابن جريج وغيره: ذلك خطاب للنبي ﷺ خاصة، أمر أن يرد مفتاح الكعبة إلى عثمان بن أبي طلحة حين أخذه منه. واختلف في الحربي يدخل إلينا بأمان، فيودع وديعة ثم يقتل في دار الحرب، أو يموت عندنا، أو يقتل. فقال أبو حنيفة: لا يرد ما ترك عندنا من مال أو وديعة إلى أهله، وهي غنيمة. وقال مالك: يرد ماله وودائعه إلى أهله. وقال الشافعي بقوليهما. والأظهر قول مالك لعموم قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾. واختلف أبو حنيفة","vol":"2","page":217},{"text":"والشافعي في المسلم يدخل دار الحرب بأمان فيداينه الحربي دينًا، ثم يخرج الحربي مستأمنًا، فقال أبو حنيفة: لا يقضي له على المسلم بدينه، وكذلك عنده لو كان المسلم قد أدان الحربي هما سواء ولا يقضي على الحربي.\nوفي قول للشافعي: يقضي بالمال في الوجهين جميعًا، وهو ظاهر مذهب مالك، وهذا هو الأظهر؛ لأن الدين من نوع الأمانات أيضًا.\nواختلف في الأسير إذا ائتمنه الحربي على شيء هل يجوز أن يخونه أم لا؟ والأظهر منع ذلك؛ لعموم الآية من هذا مسألة الذي يودعه الرجل مالًا وقد كان جحده قبل ذلك مالًا. هل لهذا الآخر أن يجحده كما جحده أم لا؟ وقد تقدمت المسألة مستوفاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>(٥٨) - قوله تعالى: ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾:</span>\nظاهر الآية جواز حكم الحاكم بين جميع الناس لبعيد على قريب ولقريب على بعيد؛ إذ حكم بالعدل. وعندنا في حك مالحاكم لمن لا تجوز شهادته له قولان: الإجازة والمنع، وحجة القول بالجواز عموم الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>(٥٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ </span>الآية:\nاختلف في أولي الأمر، فقيل: هم الأمراء. وقيلك هم العلماء. وقيل: أولوا العلم بالقرآن. وقيل: أصحاب سيدنا محمد ﷺ خاصة، وقيل: هي إشارة إلى أبي بكر وعمر خاصة. وحكى بعض من قال:","vol":"2","page":218},{"text":"إنهم الأمراء، إنها نزلت في أمراء رسول الله ﷺ. وكان السبب أن رسول الله ﷺ بعث سرية فيها عمار بن ياسر وأميرها خالد ابن الوليد، فقصدوا قومًا من العرب، فأتاهم نذير، فهربوا تحت الليل، وجاء منهم رجل إلى عسكر خالد فدخل إلى عمار، فقال: يا أبا اليقظان! إن قومي قد فروا وإني أسلمت فإن كان إسلامي ينفعني وإلا فررت، فقال له عمار: ينفعك، فأقم، فأقام، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد سوى الرجل المذكور، فأخذه وأخذ ماله، فجاء عمار فقال: خل عن الرجل فإنه قد أسلم وإنه في أمان مني. فقال خالد: وأنت تجير، فاستبا وارتفعا إلى رسول الله ﷺ فأجاز أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على أمير. واستبا عند رسول الله ﷺ، فقال خالد: يا رسل الله! أتترك هذا العبد الأجدع يسبني؟ فقال رسول الله ﷺ: «يا خالد لا تسب عمار، فإنه من سب عمارًا سبه الله، ومن أيغض عمارًا أبغضه الله، ومن لعن عمارًا لعنه الله»، فغضب عمار، فقام، فذهب، فتبعه خالد حتى اعتذر إليه فتراضيا، فنزلت الآية.\nو«طاعة الله»: اتباع أوامره واجتناب نواهيه. و«طاعة الرسول»: الرجوع إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته. ومعنى: ﴿فردوه إلى الله والرسول﴾، أي: إلى الكتاب والسنة.","vol":"2","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>(٨٦) - قوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾:</span>\nاختلف في المراد بالآية، فقيل: المراد بها تشميت العاطس، حكي ذلك عن مالك، وهو قول ضعيف ترده ألفاظ الآية. والذي ينبغي أن يظن بمالك أنه أراد قياس التشميت على رد السلام، وأن الآية في رد السلام لا في تشميت العاطس، كظاهر ما نسب إليه. وقيل: هو الذي عليه الجمهور: أن الآية في رد السلام؛ لأن التحية المقصودة بها السلام في كلام العرب، ألا ترى قول عبدة:\nعليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما\nتحية من غادرته غرض الردى ... إذا زاد عن سخط ديار كسلما\nوإذا قلنا: إن المراد بالآية السلام، فهل قوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية﴾ عام في كل من سلم من مسلم وكافر، أو خاصة فيمن سلم على مؤمن. اختلف في ذلك على قولين، أحدهما: أن الآية خاصة في المؤمنين فلا يجوز رد السلام على غير المؤمن، وإلى هذا ذهب عطاء. وذهب الجمهور إلى أن الآية عامة وأن السلام يرد على من سلم مؤمنًا كلن أو كافرًا؛ إلا أنهم اختلفوا في كيفية الرد على الكفار، فقال قوم بظاهر الآية ولم يفرقوا في ذلك بينهم وبين المؤمنين. وقال بعضهم: يرد عليهم بأن يقال: عليك، وعن بعضهم: «السلام عليك»، يجعله بعضهم اسمًا","vol":"2","page":220},{"text":"للموت، وبعضهم يريد السآمة. وعن بعضهم: عليك السلام بكسر السين. وعن بعضهم: علاك السلام. وإذا كانت الآية خاصة بالمؤمنين، وقلنا: لا يرد السلام على الكفار، بأن لا يبدؤوا بالسلام أحرى، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لمن أجاز ابتداءهم بالسلام. وإذا قلنا بالمنع، فإن سلمت عليه ناسيًا فهل تستقبله السلام أم لا؟ فيه قولان. واختلف أيضًا في أهل المعاصي هل يسلم عليهم أم يرد السلام إذا سلموا، فذهب مالك إلى أن لا يسلم عليهم.\nوذهب غيره إلى إجازة السلام عليهم، ويحتج بعموم الآية وبغير ذلك.\nوالعلماء متفقون على أن الابتداء بالسلام سنة مندوب إليها. قال تعالى: ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم﴾ [النور: ٦١]، أي بعضكم على بعض تحية من عند الله مباركة طبية، والرد فريضة؛ لقوله تعالى: ﴿فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾، فأمر بالرد، وأمرع تعالى فيه على الوجوب. وكذلك تشميت العاطس؛ إلا أن في تشميت العاطس قولين، أحدهما: أنه واجب، والثاني: أنه مندوب إليه. ولم أر في رد السلام خلافًا. وإذا قلنا: إن رد السلام واجب، فهل ذلك على الأعيان أم على الكفاية؟ فيه قولان: فذهب مالك والشافعي وغيرهما إلى أنه على الكفاية، وكذلك التشميت عندهم. وذهب غيرهم إلى أنه على الأعيان، وإن كل من سمع السلام فواجب عليه أن يرده. وكذلك التشميت عندهم، وكل طائفة تتناول الآية على مذهبها. ومما يقوي مذهب مالك ومن معه ما وراه مالك عن زيد بن أسلم أن النبي ﷺ","vol":"2","page":221},{"text":"قال: «إذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم». وروى أبو داود عن علي مثله، وأنكر أبو يوسف حديث مالك لأنه مرسل. فقال الآخرون: المرسل أولى من الرأي المجرد، وقالوا: قد يكون من السنة ما ينوب عن الفرض كغسل الجمعة عن غسل الجنابة، وغسل اليدين قبل الوضوء عن غسلهما مع الذراعين في الوضوء في قول عطاء. وكذلك رد الواحد يجزئ عن الجماعة. ومما يدل على وجوب التشميت قول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة: «فإن عطس فحمد الله فحق على كل من سمعه أن يشمته». وتأوله من ذهب إلى أنه مندوب إليه على أن ذلك حق في حسن الأدب وكرم الأخلاق، كما قال ﵊: «م نحق الإبل أن تحلب على الماء». واختلف في المصلي إذ اسلم عليه هل يرد السلام أم لا؟ فذهب سعيد بن المسيب وغيره إلى أنه يرد السلام لفظًا. وقال أبو حنيفة: لا يرد السلام لفظًا ولا إشارة بعضو من الأعضاء. وقال مالك: يرد إشارة بيده أو برأسه لا لفظًا. وقال النخعي: يرده في نفسه. ومن حجة من لم يجز رده لفظًا. وقال النخعي: يرده في نفسه. ومن حجة من لم يجزه رده لفظًا أنه كلام. ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]،","vol":"2","page":222},{"text":"ومن حجة من أجازه عموم قوله تعال: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾: فلم يخص صلاة من غيرها. واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: ﴿بأحسن منها أو ردوها﴾، على ثلاثة أقوال: فقال قوم: التحية أن يقول الرجل سلام عليك. فيجب على الآخر أن يقول: عليك السلام ورحمة الله. فإن قال البادئ: «السلام عليك ورحمة الله». قال الراد: عليك السلام ورحمة الله تعالى وبركاته. فإذا قال البادئ: السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقد انتهى، ولم يبق للراد كيف يحيي بأحسن منها، فها هنا يقع الرد المذكور في الآية. فالمعنى على هذا القول في الآية: ﴿وإذا حييتم بتحية﴾ فإن نقص المسلم من النهاية، فحيوا بأحسن منها وأن انتهى فردوا. وعلى هذا القول ينتهي السلام إلى البركة كما جاء في الحديث ولا يجوز تجاوزها. وقال بعضهم: في الآية دليل على تجاوز البركة إذا انتهى المبتدئ بالسلام إليها. وقال قوم: معنى الآية تخيير الراد فإذا قال البادئ: السلام عليك فللراد أن يقول: عليك السلام فقط. وهذا هو الرد. وله أن يقول: وعليك السلام ورحمة الله تعالى وبركاته. وهذا هو التحية بأحسن. وقال قوم: المراد إذا حيتتم بتحية، فإن كانت من مؤمن فحيوا بأحسن منها، وإن كانت من كافر فردوا ذلك، على ما قال رسول الله ﷺ: «أن يقال: وعليك»، وإذا","vol":"2","page":223},{"text":"قلنا: إن المراد بالآية التشميت، أو قسناه على السلام، فإن التحية حينئذ هي العطاس مع حمد الله تعالى، فإن عريت من الحمد لم يشمت العاطس على ما تقدم في حديث أنس. وذكر بعضهم أنه إجماع من العلماء، وإن كان قد جاء في حديث البراء: أمرنا رسول الله ﷺ بتشميت العاطس، فعم مع الحمد وغير الحمد، العام إذا عارضه الخاص فيه تنازع بين العلماء هل يسلك فيه مسلك البيان أو مسلك النسخ.\nوقد اختلف فيما يقرن إلى العطاس وحينئذ يكون تحية أو مقيسًا على التحية، فقالت طائفة: يقول: «الحمد لله» على ما جاء في حديث أبي هريرة. وقالت طائفة: يقول: «الحمد لله رب العالمين». وقالت طائفة: «الحمد لله على كل حال». وذكره ابن عمر عن رسول الله ﷺ.\nوقال الطبري: الصواب أن العاطس مخير في هذه المحامد، وذكر عن أم سلمة أن رجلًا عطس عند النبي ﷺ فحمد الله تعالى، فقال له:","vol":"2","page":224},{"text":"«يرحمك الله»، ثم عطس الثانية، فقال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. فقال ﷺ: «ارتفع هذا على هذا سبع عشرة درجة».\nواختلفوا أيضًا في كيفية رد المشمت، فقالت طائفة: يرحمك الله، ويخصه بالدعاء على ما جاء في حديث أبي هريرة، وعلى ما جاء أيضًا من أن الله تعالى قال لآدم ﵇ حين عطس لما فرغ الله تعالى من خلقه، قال له: يرحمك الله ربك. وقالت طائفة: يعم بالتشميت العاطس وغيره. وكان الحسن يقول: الحمد لله يرحمكم الله. وقالت طائفة: يقول: يرحمنا الله وإياكم. وتشميت المشمت تحية أيضًا، فينبغي أن يكون لها رد.\nواختلفوا أيضًا في هذا الرد كيف يكون؟ فقالت طائفة: يقول: «يهديكم الله ويصلح بالكم»، على حديث أبي هريرة الواقع في البخاري. وكان الشعبي يقول: يهديكم الله. وأنكرت طائفة أن يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. واحتارت يغفر الله لنا ولكم. وقال مالك والشافعي: إن شاء قال: يهديكم الله ويصلح بالكم، وإن شاء قال: يغفر الله","vol":"2","page":225},{"text":"لكم، لا بأس بذلك. وقال الطبري: لا وجه لمن أنكر يهديكم الله ويصلح بالكم، لأن الإخبار بذلك عن النبي ﷺ أثبت من غيرها. واحتج الطحاوي لقول مالك بقوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية﴾ الآية. فقال: إذا قال جوابًا لقوله: «يرحمكم الله»، «يغفر الله لكم». فقد رد مثل ما حياه الله به.\nوإذا قال: «يهديكم الله ويصلح بالكم»، فقد حياه بأحسن مما حياه؛ لأن المغفرة إنما هي من الذنوب، والرحمة ترك العقاب عليها. ومن جعلت له الهداية وكان مهديًا، كان بعيدًا عن الذنوب. ومن أصلح باله وهو حاله فحاله فوق حال المغفرة، فكان ذلك أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>(٩٠) - (٩١) - قوله تعالى: ﴿إلا أن يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ الآية، إلى قوله: ﴿وما كان لمؤمن﴾:</span>\nمعنى جملة الآية: خذوا الكافرين واقتلولهم حيث وجدتهوهم إلا من دخل منهم في عداد من بينكم وبينهم ميثاق والتزم شهادتكم كرهط هلال بن عويمر الأسلمي، وشداد بن مالك بن جعشم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف، أو من جاءكم وقد كره قتالكم وقتال قومه، وهذا بفضل الله ودفعه عنكم؛ إذ لو شاء لسلطه عليكم فلقاتلوكم ولم يتاركوكم، فإن","vol":"2","page":226},{"text":"اعتزلوكم أي إذا وقع هذا فلم يقاتلوكم فلا سبيل لكم عليهم، وهذا كله الذي في سورة الممتحنة في قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم كم دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم﴾ [الممتحنة: ٨]، منسوخ بما في سورة براءة، قاله ابن زيد وغيره. وقال أبو الحسن: قال أبو عبيدة: «يصلون» يتنسبون. والانتساب يكون بالحلق وبالرحم والولاء، فجائز أن يدخل هؤلاء في عهد من انتسبوا إليه على حسب ما كان بين رسول الله ﷺ وبين قريش من المواعدة، فدخلت خزاعة في عهد النبي ﷺ، ودخلت كنانة في عهد قريش ثم نسخت العهود ببراءة؛ فالمنسوخ ذلك العهد فمتى دعت الإمام حاجة إلى مهادنة الكفار من غير جزية يؤدونها، فكل من انتسب إلى المعاهدين على مقتضى هذه الآية صار منهم، واشتمل الأمان عليهم.\nثم إنه تعالى نبه بقوله: ﴿ستجدون﴾ إلى آخر الآية (٩١) على قوم آخرين مخادعين يريدون الإقامة مع أهليهم في مواضعهم، فيقولن: نحن معكم على دينكم خديعة منهم. واختلف في المشار إليهم بذلك من العرب، فقيل: أسد وغطفان لأنها كانت بهذه الصفة. وقيل: نعيم ابن مسعود الأشجعي، كان ينقل بين النبي وبين الكفار الأخبار. وقال قوم: كانوا يجيشون من مكة إلى النبي ﷺ رياء يظهرون الإسلام ثم يرجعون إلى قريش فيكفرون، فقصهم الله تعالى وأخبر أنهم على غير صفة من تقدم.","vol":"2","page":227},{"text":"- وقوله تعالى: ﴿إلى الفتنة﴾:\nمعناه إلى الاختبار، حكي أنهم كانوا يرجعون إلى قومهم، فيقال لأحدهم: قل: ربي الخنفساء وربي العود وربي العقرب ونحوه، فيقولها.\nومعنى: ﴿أركسوا فيها﴾ أرجعوا إلى ضلالة أي أهلكوا في الاختبار بما أوقعوا من الكفر، فحض تعالى بهذه الآية على قتل هؤلاء المخادعين إذا لم يرجعوا عن حالهم إلى حال الآخرين المعتزلين الملقين السلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>(٩٢) - (٩٤) - قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطئًا﴾ إلى قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل اله فتبينوا﴾:</span>\nاختلف في تأويل قوله: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا﴾، فقيل: معناه: ما كان في إذن الله وأمره لمؤمن أن يقتل مؤمنًا. وقيل: معناه: ما كان ذلك له في عهد الله تعالى. وقيل: معناه ما كان","vol":"2","page":228},{"text":"له فيما سلف كما ليس له الآن. ويحتمل أن يقال: إن «كان» زائدة.\nواختلف في الاستثناء بقوله: ﴿إلا خطئًا﴾ هل هو منقطع أو متصل؟ فذهب الأكثر إلى أنه استثناء منقطع ليس من جنس الأول؛ وهو الذي تكون فيه «إلا» بمعنى: «لكن»، والتقدير: لكن الخطأ قد يقع. وهذا يرد قول من لا يجيز الاستثناء المنقطع في الكلام، وبه يحتج من يجيزه.\nوذهب بعضهم إلى أن الاستثناء استثناء متصل، قال: وذلك بأن تقدر «كان» بمعنى استقر ووجد؛ كأنه قال ما وجد ولا استقر ولا ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنًا، إلا خطئًا؛ إذ هو مغلوب فيه. وقيل: وجه اتصاله أن قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا﴾ اقتضى مأثم قاتله، لاقتضائه النهي عن ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿إلا خطئًا﴾ رفع المأثم عن قاتله، فإنما دخل الاستثناء على ما تضمنه اللفظ الأول من المأثم على القتل مطلقًا، فاستثنى من ذلك قتل الخطأ. وقال آخرون أيضًا: هو استثناء صحيح وجائز للمؤمن أن يقتل المؤمن خطأ في بعض الأحوال، وهو أن يرى عليه لباس المشركين والانحياز إليهم، فيظنه مشركًا، فيقتله في هذا الوقت على هذا الوجه جائز، كما فعل بأبي حذيفة بن اليمان. وتقدير الآية على هذا: ولا يجوز لمؤمن أن يقل مؤمنًا إلى إذا غلب على ظنه أنه مشرك، فعبر عن ذلك الخطأ. واختلف فيمن نزلت الآية، فقيل: في عياش بن ربيعة المخزومي حين قتل الحارث بن يزيد ابن","vol":"2","page":229},{"text":"نبيشة؛ وذلك أنه كان يعذبه بمكة، ثم لما أسلم الحارث وجاء مهاجرًا فلقيه عياش بن ربيعة بالحرة، فظنه باقيًا على الكفر فقتله.\nثم جاء فأخبر النبي ﷺ، فشق ذلك عليه فنزلت الآية. فقال رسول الله ﷺ: «قم فحرر»، وقيل: نزلت في رجل قتله أبو الدرداء، وكان يرعى غنمًا، فقتله وهو يتشهد، وساق غنمه فعنفه رسول الله ﷺ ونزلت الآية. وقيل: نزلت في أبي حذيفة بن اليمان قتل يوم أحد، وقيل غير هذا.\n- وقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا﴾:\nفي هذه الآية بيان ما على قاتل الخطأ من المؤمنين، والقتل عندنا عمدًا وخطأ. واختلف قول مالك في نوع ثالث: وهو شبه العمد، فعنه فيه روايتان، إحداهما: إثباته، وهو قول أبي حنيفة. والأخرى نفيه، ووجه هذه الرواية قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا﴾، فذكر الخطأ المحض، ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا﴾ فذكر العمد المحض، ولم يذكر ثالثًا.\nوالخطأ المحض الذي لم يختلف فيه أنه خطأ مثل أن يرمي شيئًا","vol":"2","page":230},{"text":"فيصيب به إنسانًا فيقتله، أو يقتل المسلم في معركة العدو وهو يظنه كافرًا وما أشبهه، فهذا قتل خطأ بإجماع لا يجب فيه قصاص، وإنما تجب فيه الدية؛ كما قال تعالى لأنه لم يتعمد قتل مسلم ولا ضربه.\nواختلف إذا تعمد الضرب ولم يتعمد القتل، وكان ذلك على وجه اللعب، فقيل: إن ذلك من الخطأ وهو قول ابن القاسم، وروايته عن مالك. وقيل: إن ذلك عمد وهو قول مطرف وابن الماجشون وروايتهما عن مالك. وقيل: إن معنى هذا القول أن يضربه على وجه اللعب دون أن بلاعبه صاحبه، وأن معنى القول الأول: إذا لاعبه، فرجع القولان إلى قول واحد والأظهر أنه خلاف أن لا فرق بين أن يلاعبه وأن لا يلاعبه، إذا علم أنه لم يضربه إلا على وجه اللعب. الثالث: أن ذلك شبه العمد، فيه الدية مغلظة، وهو قول ابن وهب من أصحاب مالك. وقد قيل: إن التفرقة بين أن يلاعبه وبين أن لا يلاعبه قول رابع في المسألة، وكذلك إذا كان الضرب على وجه الأدب ممن يجوز له الأدب كالمؤدب، ففيه ثلاثة الأقوال المذكورة. والأظهر في هذا كله أنه خطأ، لأن حقيقة الخطأ في القتل عدم القصد إليه، وفي الأدب واللعب كما قدمنا عدم القصد إلى القتل. فوجب أن يكون خطأ. ولفظ الخطأ يعم ذلك كله.\nوقد قال تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: ٩٢] الآية. وأما إن ضربه على وجه الحرج والدائرة ففيه روايتان، أحدهما:","vol":"2","page":231},{"text":"أنه عمد وهو عن مالك. والثانية: شبه العمد، حكي ذلك العراقيون عن مالك. والأظهر في هذا أنه عمد؛ لأن عامد الضرب على هذا الوجه لا يبالي ما ترامت إليه ضرباته. ففي مضمن ذلك إذ القصد إلى النفس، وإن لم يتعمده، فذلك إذا عمدًا؛ لأن معنى العمد في القتل القصد إليه. والقصد إلى ما يفضي إليه قصد إليه، فهو إذًا عمد. وحكمه ما نص تعالى عليه في الآية بعد هذه. وأما قصد القتل، فهو عمد بلا خلاف، فالقتل إذا على ثلاثة أوجه، أحدها: أن لا يتعمد الضرب ولا القتل، فهو خطأ بلا خلاف. والثاني: أن يتعمد القتل، فهو عمد بلا خلاف. والثالث: أن يتعمد القتل فيفضي إلى القتل، ففي هذا اختلف الناس والقول يشبه العمد في ذلك يرده ما قدمناه وإنما هو خطأ أو عمد، وليس هذه بموضع ذكره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>(٩٢) - وقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله﴾:</span>\nهذا لفظ يحتمل ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون تحرير الرقبة وتأدية الدية على غير القاتل. والثاني: أن يكون على القاتل. والثالث: أن","vol":"2","page":232},{"text":"يكون أحدهما على القاتل والآخر على غيره. والأظهر من محتملاته أن يكون على القاتل، لكن النبي ﷺ أبان مراد الله تعالى في الآية، وأي وجه من وجوه محتملاتها قصد. وإن كان الأظهر من لفظها غير ذلك، فعرف أن الكفارة في مال قاتل الخطأ لا في مال غيره، وأن الدية على عاقلة القاتل. وأجمع الناس على ذلك، ولا شك أن إيجاب ذلك على العاقلة خلاف قياس الأصول في الغرامات وضمان المتلفات. ولم يجب ذلك على العاقلة تغليظًا ولا لأن عليهم وزرًا من قلت غيرهم؛ ولكنها مواساة محضة. واعتقد أبو حنيفة أنها باعتبار النصرة فأوجبها على أهل ديوان القاتل. وهذا بعيد، فإن نصرة الديوان غير لازمة. وإنما هي لاختيار من في الديوان، والأحسن ما عليه الجمهور في العاقلة.\nوقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾، يقتضي ابتداء عتقها من غير عقد حرية تقدمت فيها. ومن الناس من لم ير أنه يقضي ذلك، والأول أظهر لهذا. واختلفوا في جواز عتق المدبر في الرقاب الواجبة، فلم يجزه مالك، وأجازه الشافعي. واختلفوا أيضًا في المكاتب في الرقاب الواجبة، فلم يجزه مالك، وأجازه غيره، وفرق بين أن يكون أدى من كتابته شيئًا أم لا؟ فقالوا: إن لم يؤد شيئًا جاز عتقه. وإن أدى لم يجز عتقه. واختلف أيضًا في أم الولد، فلم يجزه الجمهور.\nوأجازه طاووس والنخعي والحسن، وأظهر الأقوال قزل مالك ومن تابعه؛ لأن أم الولد والمكاتب والمدبر قد ثبت لهم عقد حرية لا سبيل إلى","vol":"2","page":233},{"text":"دفعه. والله تعالى إنما ألزم من عليه عتق رقبة واجبة أن يبتدئ عتقها من غير عقد حرة تقدمت فيها قبل عتقها. فقال تعالى: ﴿وتحرير رقبة﴾، ولم يقل: «بعض رقبة». واختلفوا أيضًا في عتق المعتق إلى أجل فلم يجزه مالك وأجازه الشافعي. والحجة لمن أجازه في الرقاب لواجبة ما قدمناه. واختلفوا أيضًا في عتق من يجب على الإنسان عتقه إذا ملكه، كالوالد والولد فلم يجزه الأكثر، وأجازه أصحاب الرأي ودليل القول الأول ما قدمناه.\nواختلفوا أيضًا في عتق رقبة من قال فيها: «إن اشتريتها فهي حرة».\nوالأظهر المنع من ذلك وهو مذهب مالط، وحجته ما قدمناه. واختلفوا أيضًا إذا عتق عن رقبة واجبة عليه عبدًا مشتركًا بينه وبين أحد، فلم يجز مالك في المشهور عنه، وهو قول أبي حنيفة وأجازه الشافعي ومالك على ما ذكره بعضهم عنه والأوزاعي إذا كان موسرًا ولم يجوزه إذا كان معسرًا.\nوحجة المنع من ذلك أن أعتق نصف عبد لا عبدًا؛ لأن الشريك مخبر إن شاء قوم وإن شاء أعتق، والله تعالى إنما أمر بتحرير رقبة، وإن قوم عليه","vol":"2","page":234},{"text":"شريكه فقد تبعض العتق. والله تعالى إنما أمر بتحرير رقبة، ومفهوم ذلك إعتاقها بمرة لا أن يعتق بعضها ثم بعد ذلك باقيها. ولا يجزئ عند مالك من تابعه: إعتاق رقبة في الواجبات إلا أن تكون سليمة من جميع العيوب الفاحشة والتي تنقصها مما تحتاج إليه من العناء. وأجاز داود إعتاق المعيب جملة.\nوأجاز الشافعي عتق الأخرس والمجنون الذي يفيق أحيانًا، وأجاز أكثرهم الأعرج. وأجاز أبو حنيفة أقط أحد اليدين والرجلين، ولم يجز مالك شيئًا من ذلك. والحجة لقوله: قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾، والإطلاق يقتضي كامله.\nواختلف في ولد الزنا هل يجوز في الكفارة الواجبة أم لا؟ فذهب الجمهور إلى جوازه. وقال عطاء والشافعي والنخعي: لا يجوز عتقه.\nوالحجة لجواز عتقه قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾. وهذه الآية تقتضي إعتاق رقبة لم يقدم فيها عقد حرية، سليمة البدن، وإذا كان ولد الزنا كذلك فعتقه جائز، وما روي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال فيه: «ولد الزنا شر الثلاثة»، فللكلام عله موضع غير هذا. وقوله تعالى: ﴿مؤمنة﴾ تقييد الرقبة بمؤمنة يقتضي أنه لا يجوز عتق غير المؤمنة في كفارة قتل الخطأ، وهو إجماع. وإنما اختلفوا في العتق في كفارة اليمين وكفارة","vol":"2","page":235},{"text":"الظهار هل يجوز فيهما إعتاق غير المؤمنة أم لا؟ لأن الله تعالى قد قال في تينك: ﴿فتحرير رقبة﴾ مطلقًا ولم يقيدها بمؤمنة كام فعل في كفارة القتل، فذهب قوم إلى أنه يجوز فيما عدا كفارة القتل إعتاق الرقبة غير المؤمنة؛ لأن الله تعالى أطلق فيهما ولم يقيد بالإيمان. ومنع من ذلك آخرون، ولم يجيزوا إلا عتق المؤمنة استدلالًا بقوله في كفارة القتل: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾، فقيد الرقبة بالإيمان، قالوا: فواجب حمل كفارة اليمين وكفارة الظهار على كفارة القتل؛ إذ كانتا في معناها؛ لأن الكفارة تجمع ذلك.\nواحتجوا على ذلك بأن الله تعالى أمر بالإشهاد، فقال: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولم يشرط العدالة. ثم قال في موضع آخر: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، و﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلم يجز من الشهداء إلا العدل، فوجب حمل المطلق على المقيد وهذا الخلاف مبني على مسألة اختلف الأصوليون فيها، وهي حمل المطلق على المقيد إذا كانا من جنس واحد. والذي اعتمد عليه الشافعي في اشتراط الإيمان في كفارة الظهار حديث الأمة الخرساء؛ لأنه لم ير حمل كفارة الظهار على كفارة القتل. واختلف الذين ذهبوا إلى أنه لا يعتق إلا مؤمنة، في عتق الكافر إذا كان ممن يجبر على الإسلام كالمجوسي الكبير أو الصغير. فقال أشهب: لا يجزيه واستظهر بحديث السوداء. واختلف في الكتابي الصغير، فقال ابن القاسم: يجزئه. وعلى قول ابن وهب وأشهب لا يجزئه.\nوظاهر اشتراط الإيمان حجة لمن منع. وأهل القول الأول يتأولون قوله تعالى: ﴿مؤمنة﴾ على الرقبة التي يحكم لها بحكم الإيمان.","vol":"2","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>(٩٢) - وقوله تعالى: ﴿ودية مسلمة إلى أهله﴾:</span>\nواختلف في الدية التي ذكر الله تعالى ما هي؟ فقيل: هي مائة من الإبل على أهل الإبل، وألف دينار على أهل الذهب، اثنتي عشر ألف درهم على أهل الورق. ولا تكون من غير هذه الأصناف الثلاثة، وهو مذهب مالك. وهو المشهور عن عمر بن الخطاب وقيل: مائة من الإبل على أهل الإبل، وألف دينار على أهل الذهب، وعشرة آلاف درهم على أهل الورق. وإليه ذهب أبو حنيفة، وروي عن عمر ابن الخطاب أيضًا. وقيل: هي على أهل الذهب وعلى أهل الورق وعلى أهل الإبل كما قدمنا من مذهب مالك، وألفا شاة على أهل الشاة، ومائتا بقرة على أهل البقر، ومائتا حلة على أهل الحلل، وهو قول عطاء وقتادة. وفيه حديث مرفوع وقيل: إن على الناس كلهم مائة بعير كان ما لهم ما كان، فإن لم توجد عندهم الإبل فقيمتها من الذهب والورق في وقت النازلة بلغت ما بلغت، وهذا أحد قولي الشافعي. وقوله القديم مثل قول مالك، فهذه أربعة أقوال في تفسير الدية. واختلف في المائة من الإبل، فقيل: هي مخمسة: عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون،","vol":"2","page":237},{"text":"وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، هذا مذهب مالك وجميع أصحابه ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة وجميع أصحابهما، إلا أن أبا حنيفة جهل مكان ابن اللبون وابن المخاض. وذهب جماعة من السلف إلى أنها مربعة. واختلفوا في أسنانها على ستة أقوال: ذكرها ابن المنذر وغيره.\nوقوله تعالى: ﴿مسلمة﴾ يريد مسلمة من عاقلة القاتل إلى أهل المقتول. واختلف في مدة تسليمها، فقيل: تكون حالة عليهم. وقيل: في سنة. وقيل: يؤديها في ثلاث سنين. وقيل: في أربعة سنين. وقيل: في خمس سنين. ولفظ التسليم عام في هذه الوجوه، يقتضي الحلول لولا ما جاء من السنة في ذلك.\nقوله تعالى: ﴿إلى أهله﴾ يريد إلى ورثته، والزوجة من جملة الأهل، فيكون لها ميراثها في الدية. وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه لا ترث الزوجة من ذلك شيئًا. والقول الأول أصح؛ لقوله تعالى: ﴿إلى أهله﴾، وهي من الأهل بلا خلاف، يؤيد ذلك أن رسول الله ﷺ كتب إلى الضحاك بن سفيان: «أن يورث امرأة أشيم من زوجها».\nوقوله تعالى: ﴿إلا أن تصدقوا﴾، يريد أولياء القتيل. واختلف هل يجوز عفو المقتول خطأ عن الدية أم لا؟ فذهب الجمهور إلى جوازه،","vol":"2","page":238},{"text":"وذهب قوم من أهل الظاهر إلى أن العفو لا يكون للقتيل ولا يكون إلا للأولياء خاصة. ومن حجتهم قوله تعالى: ﴿إلا أن يصدقوا﴾. وهذا الضمير عائد على الأولياء، فلم ير ذلك ساقطًا إلا عن إذن الأولياء، وهذا عند أهل القول الأول إنما هو إذا لم يعف القتيل أ، مات ولم يسمع منه عفو. واختلف في الرجل يقر بقتل الخطأ. فعن مالك في ذلك خمس روايات، أحدها: أنه لا شيء على المقر ولا على عاقلته. والثانية: أن على العاقلة الدية بقسامة. والثالثة: ان الدية تفض على العاقلة، وعليه فما صار عليه غرمه وما صار على العاقلة لم تغرمه. والرابعة: أن الدية في ماله، أعني بغير قسامة. والخامسة: أن الدية في ماله بقسامة، والأصح من هذه الروايات إثبات الدية في مال القاتل؛ لأنه مثبت على نفسه قتل الخطأ. وقد قال تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله﴾، فلا بد من الدية ولم يلزمها العاقلة؛ لأن ذلك لم يثبت فلم يبق إلى أن تكون في ماله، مع أن ظاهر قوله تعالى: ﴿ودية مسلمة﴾ الآية،","vol":"2","page":239},{"text":"أن تكون الدية الخطأ على القاتل؛ إلا أن الشرع خصص من ذلك الثابت بالبينة، وبقي قتل الخطأ الثابت بغير بينة على ما كان يقتضيه اللفظ. واختلف في خطأ الإمام، فذهب مالك ومن تبعه إلى أن خطأه على عاقلته، وقال عبد الله ابن الحسن: في ماله، وقيل: في بيت المال، وقيلك لا على عاقلته لا في ماله ولا في بيت المال. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة ودية﴾، فأوجب الدية ولم يخص إمام ولا غيره. وختلف في العبد المؤمن يقتل. فعند مالك أن على عاقلته عمدًا أو خطأ قيمته بالغة ما بلغت، وعند الشافعي في المشهور عنه أن على عاقلة العبد خطأ قيمته في ثلاث سنين، وإن كانت قيمته أكثر من الدية. وعند طائفة من أهل العلم أنه لا يبلغ فيه دية الحر، بل ينقض منها شيء. وقال الحسن: إذا قتل الحر العبد خطأ فعليه الدية والكفارة. والذي ذهب إليه من ذلك حجته، والله تعالى أعلم. عموم قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا﴾ الآية.\nواختلف في القاتل هل يرث من دية المقتول شيئًا أم لا؟ فعند الجمهور أنه لا يرث، وعند قوم من أهل العلم أنه يرث. ومن حجتهم قوله تعالى: ﴿إلى أهله﴾، والقاتل من أهله فيدخل في الدية كما يدخل غيره من الأهل. ونحن نسلم أن ظاهر الآية كذلك إلا أنه خصصه من ظاهرها قوله ﵊: «ليس لقاتل ميراث».","vol":"2","page":240},{"text":"واختلفوا في دية المرأة، فقيل: هو الذي عليه الجمهور، هي على النصف من دية الرجل؛ لقوله ﷺ: «ودية المرأة على نصف من دية الرجل». وقال قوم: ديتها سواء: وكأنهم رأوا المرأة داخلة تحت عموم قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا﴾، وهذا مثل قوله ﵊: «أيما رجل أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه»، والمرأة في معناه، وكذلك المؤمنة فيها بمعنى المؤمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>(٩٢) - وقوله تعالى: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة﴾:</span>\nاختلف فيها هل هي محكمة أم منسوخة؟ فظاهر قول مالك إن الآية منسوخة لأنها عنده تقتضي أن المؤمن المقتول خطأ من قوم كفار لا دية فيه لجماعة المسلمين الذين يرمونه، فرأى أنها منسوخة، وأن الدية فيه لبيت المال مع الكفارة؛ سواء كان هذا المقتول في دار الحرب منذ أسلم أو دخل دار الإسلام، ثم عاد إلى دار الحرب أو لم يعد. قال بعضهم: يريد أنها منسوخة بقوله ﷿: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأنفال: ٧٥]، والذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها على معنيين، فقيل: المعنى إن كان هذا المقتول خطأ رجلًا مؤمنًا قد آمن وبقي في قومه وهو كفرة عدو لكم فلا دية فيه، وفيه كفارة تحرير رقبة. وإن كان دخل في","vol":"2","page":241},{"text":"دار الإسلام ثم عاد إلى دار الحرب فقتل ففيه الكفارة، والدية لبيت المال، وهو قول أبي حنيفة. وعنه في الأسير روايتان. ودليل مالك: ظاهر قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله﴾، فعم. وقال أبو الحسن: ذكر الله تعالى تحرير الرقبة في هذه الآية في ثلاث مواضع، والدية في موضعين، ولم يذكر الدية في قوله: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن﴾، فيحتمل أن يقال: الدية تجب لبيت المال؛ لكن لم يذكرها الله تعالى كما ذكر في الموضعين الآخرين أنها لأهل المقتول، إن لم يكن له من الأهل وارث تدفع إليه. والشافعي يقول: إذا قتل مسلمًا في دار الحرب في الغارة والحرب أو في دار الإسلام إلا أنه في الحرب والغارة، فعليه الكفارة ولا دية على ظاهر الآية. وحكى عبد الوهاب عن الشافعي أن السلم إذا قتل في الحرب خطأ ففيه الكفارة ولا دية، سواء دخل دار الإسلام بعد إسلامه أم لا، أو كان أسيرًا. وقال أبو الحسن: وهذا بعيد عن قياس الأصول؛ لأن الجهل بصفة الشيء لا يسقط ضمانه إذا كان مضمونًا، ومن أجله صار صائرون إلى وجوب الضمان، وذكروا أن السكوت عن ذكر الضمان لا يسقط الضمان، فإن قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا﴾، يتناول كل مؤمن؛ ولكنه إنما سكت عنه لأنه لا يجب فيه دية تسلم إلى أهل المقتول، فإن أهله كفار فأراد أن يبين بالسكوت ودلالة العموم. والسبب عندهم في نزولها أن جيوش رسول الله ﷺ كانت تمر بقبائل الكفار فربما قتلت من قد آمن ولم يهاجر أو من هاجر","vol":"2","page":242},{"text":"ثم رجع إلى قومه فقتل في جملة الحرب على أنه كافر فنزلت الآية، وتسقط الدية عند القائلين بسقوطها بهذين الوجهين، أحدهما: مخافة أن يتقوى بها الكفار، والثاني: أن دية هذا الذي لم يهاجر بعد إسلامه كما له فلا دية فيه. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿والذين آموا ولم يهاجروا ما لكن من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ [الأنفال: ٧٢]، وإلى هذا القول في الآية يذهب ابن عباس وقتادة وغيرهما، فهذه ثلاثة أقوال في دية المسلم الذي هو من قوم كفار يقتل خطأ في دار الحرب أو في الحرب مع الكفار، ولا خلاف في وجوب الكفارة فيه. وأما قتله هناك عمدًا فحكمه حكم سائر المؤمنين في القود بقتله، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما لا قود فيه على التفصيل الذي قدمنا عنهما في الخطأ. ودليل مالك ظاهر آية العمد في العقاب وظاهر آية القصاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>(٩٢) - وقوله تعالى: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ </span>الآية:\nاختلف في تأويلها على ثلاثة أقوال أيضًا، فقيل: المعنى إن كان هذا المقتول خطأ مؤمنًا من قوم معاهدين لكن فعهدهم يوجب أنهم أحق بدية صاحبهم، وتجب فيه الكفارة بتحرير رقبة. وقرأها الحسن: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وهو مؤمن﴾، فجعل أهل هذه المقالة المقتول مؤمنًا من قوم معاهدين كفار، وهو قول مالك، ولهذا قال: لا كفارة في قتل الذمي. واعتمد على قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا﴾ الآية [النساء: ٩٢]، وقيل: المعنى إن كان هذا المقتول خطأ معاهدًا كافرًا من قوم معاهدين كفار، فقتلتموه خطأ فكفارته التحرير، ويجب فيه أداء الدية إلى","vol":"2","page":243},{"text":"قومه، فالمقتول على هذا القول في الآية كافر. وقيل: بل الآية عامة في المؤمن والكافر إذا كان من أهل عهد ففيهما الدية والتحرير، وإلى نحو هذا ذهب الشعبي وابن عباس أيضًا. قال الطبري: وأولى الأقوال قول من قال: إنه المعاهد من أهل العهد؛ لأن الله تعالى أبهم ذلك ولم يقل: ﴿وهو مؤمن﴾، كما قال في القتيل من المؤمنين وأهل الحرب وهو مؤمن؛ ولأجل هذا الخلاف رأى الشافعي وأبو حنيفة الكفارة في قتل الذمي. وقد اختلف في قدر دية المعاهد من أهل الذمة اليهود، والنصارى، والمجوس. فقيل في اليهودي والنصراني: ديتهما مثل نصف دية المسلم، وهو قول مالك. وقيل: ديتهما مثل ثلث دية المسلم وهو قول الشافعي. وقيل: ديتهما مثل دية الحر المسلم، وهو قول أبي حنيفة. وقيل: في المجوسي: ديته ثمانمائة درهم، وهو قول مالك، وقيل: نصف دية المسلم، وهو قول عمر بن عبد العزيز. وقيل: مثل دية الحر المسلم، وهو قول أبي حنيفة، وحجة أبي حنيفة في المجوسي والكتابي المعاهدين ظاهر قوله تعالى: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ الآية.\nفأول أن المراد بها الكافر، وقال: أوجب الله تعالى في قتله خطأ الدية والكفارة، كما أوجب في المؤمن، فوجب أن تكون ديتهما سواء، وهذا مما لا حجة فيه؛ لأن الله تعالى لم يذكر فيه أنه كافر. فيحتمل أن يكون المراد به أنه مؤمن. ولو صح أن المراد به الكافر لما وجب استواء الديتين لاستواء الكفارتين، لأن هذا الأمر لا مدخل للقياس فيه، وإنما يرجع فيه إلى التوقيف، وإذا رجع فيه إلى ذلك فقول مالك أصح الأقوال؛ لأن","vol":"2","page":244},{"text":"النبي ﷺ قد قال: «دية الكافر مثل دية المسلم». وقوله تعالى: ﴿فمن لم يجد﴾ الآية. اختلف في تأويلها، فقيل: المعنى فمن لم يجد العتق فصيام شهرين متتابعين يجزئ عنه، وهو قول الجمهور. وقيل: فمن لم يجد العتق والدية فصيام شهرين يجزئه، وهو قول الشافعي. وقل الطبري: وأولى القولين أن الصوم عن الرقبة خاصة؛ لأن دية الخطأ على عاقلة القاتل والكفارة على قاتل بإجماع فلا يقضي صوم صائم عما لزم غيره في ماله، والكفارة عندنا في قتل الخطأ إعتاق أو صيام ولا إطعان فيها، وإن عجز عن الإعتاق أو الصوم كانت الكفارة في ذمته خلافًا للشافعي في أحد قوليه: أنه يطعم، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾، وذلك يفيد أنه جميع ما يجب في ذلك. وعلى الصبي والمجنون المسلم إذا قتلا حرًا خطأ الكفارة لأبي حنيفة في قوله: لا كفارة عليهما؛ لقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة﴾، وذلك على عمومه في بني آدم. ومن قتل عبدًا مؤمنًا خطأ فالكفارة فيه عند أصحاب مالك","vol":"2","page":245},{"text":"مستحبة غير واجبة؛ لأن العبد كالمال. وقال الشافعي وأبو حنيفة: الكفارة فيه واجبة كالحر المسلم اعتمادًا على ظاهر الآية. وإذا قتل جماعة رجلًا مؤمنًا، فعلى كل واحد منهم كفارة خلافًا لمن قال: كفارة واحدة تجزئهم، ودليلنا قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا﴾، فعم الاشتراك والانفراد. وعند مالك أنه لا كفارة في العمد، خلافًا لأحد قولي الشافعي، ودليلنا أن الله تعالى أوجب الكفارة في الخطأ فدليل خطابه أن العمد بخلاف ذلك. وقال الشافعي: إذا وجبت الكفارة فلأن تجب في العمد أولى. وهذا كما قال: إذا شرع السجود في السهو؛ فلأن يشرع في العمد أولى.\nوقوله تعالى: ﴿متتابعين﴾ شرط تعالى التتابع في صوم الشهرين ولا يكلف تعالى إلا على حسب الإمكان، فالحيض والمرض على هذا لا يقطعان التتابع؛ لأنهما مما لا يستطاع دفعه، فصح البناء على ما سبق من الصوم. واختلف إن سافر فمرض. وأما إذا تعمد الفطر فلا خلاف أنه ينقطع التتابع. واختلف إن أفطر ناسيًا أو مخطئًا في العدد أو جاهلًا بالحكم، فظاهر إطلاق التتابع في الآية أن الصوم لا يجزئ، وقال محمد بن عبد الحكم في المرض والنسيان: يجزئ الصوم واحتج بأن ذلك مما لا يمكن دفعه. قال بعضهم: وهذا بين؛ لقوله ﵊: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». فسوى","vol":"2","page":246},{"text":"بين النسيان والاستكراه، والاستكراه لا يقطع الصوم فكذلك النسيان.\nوقوله تعالى بعد ذكر الخطأ: ﴿توبة من الله﴾، معناه: إنما أوجبه الله تعالى عليكم فيه إنما أوجبه ليقبل توبتكم فيما أنتم منسوبون فيه إلى التقصير. وقيل: معنى التوبة التوسعة أي توسعة من الله تعالى ورحمة؛ كما قال: ﴿فتاب عليكم وعفا عنكم﴾ [البقرة: ١٨٧]، وكما قال: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين﴾ [التوبة: ١١٧]، أي وسع الله عليهم وخفف عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>(٩٣) - قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾ </span>الآية:\nهذه الآية مع قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلاهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا * إلا من تاب وآمن﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. تنازع الناس في تأويلها على حسب اختلاف مذاهبهم في قبول التوبة من القاتل وإنفاذ الوعيد عليه، فمن رأى أنه لا توبة له، وأن الوعيد لاحق به ابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وزيد نب ثابت وغيرهم، وإلى هذا ذهب مالك؛ لأنه روى عنه أن إمامة القاتل لا تجوز وإن تاب. وممن روى عنه قبول توبته وأنه في المشيئة ابن عباس وأوب هريرة وزيد بن ثابت وغيرهم. والذين ذهبوا إلى المذهب الأول اختلفوا في تأويل الآيتين المتقدمتين الذكر الواردتين في قاتل","vol":"2","page":247},{"text":"النفس التي حرم الله تعالى، فمنهم من ذهب إلى أن آية النساء ناسخة لآية الفرقان؛ لأن «النساء» مدنية و«الفرقان» مكية. وروي أن الفرقان نزلت قبل «النساء» بستة أشهر، والقول بالنسخ هنا يضعف، ومنهم من ذهب إلى أن الآيتين محكمتان وأن آية «الفرقان» نزلت في المشركين، وآية «النساء» في المؤمنين. وأكثر الذاهبين إلى هذا القول يرون الخلود المذكور في الآية غير مؤبد؛ لأنه لا يخلد في الدار إلا الكافر. وبعضهم يرى أنه مخلد في النار على ظاهر الآية، وهؤلاء الذين لا يرون قبول توبته القاتل يرون هذه الآية مخصصة عموم قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ١١٦]. وقد روي عن زيد أن هذه الآية: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا﴾ أنزلت بعد قوله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ بأربعة أشهر. والذين ذهبوا المذهب الثاني في قبول التوبة كما قدمنا اختلفوا في تأويل الآيتين المذكورتين أيضًا، فمنهم من قال: إن اللينة نسحت الشديدة، يعني أن آية «الفرقان» نسخت آية «النساء»، والقول بالنسخ كما قدمنا ضعيف، ومنهم من قال: هما محكمتان واردتان في الكفار. واستدل على ذلك بما فيهما من ذكر الخلود في النار الذي هو من صفة عذاب الكفار. ومنهم من قال: هما محكمتان إلا أن آية «الفرقان» وردت في الكفار، وآية «النساء» وردت في المسلمين إلا أن معناها أن ذلك جزاؤه إن جازاه الله تعالى، بدليل قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]، ومنهم من قال: هما محكمتان إلا أن معنى آية «النساء» فيمن قتل","vol":"2","page":248},{"text":"مؤمنًا متعمدًا مستحلًا لقتله؛ لأنه إذا فعل ذلك كافر بإجماع. وكذلك كل من أحل حرامًا أو حرم حلالًا على سبيل الاعتقاد. وقيل: إن الآية نزلت في رجل أسلم بعينه ثم ارتد وقتل مؤمنًا. وقيل: نزلت في رجل من الأنصار قتل له ولي فقبل الدية، ثم وقب على قاتل وليه فقتله وارتد، قاله ابن جريج وغيره. وقال بعضهم: نزلت في شأن مقيس ابن صبابة حين قتل أخاه هشام بن صبابة رجل من الأنصار، فأخذ له رسول الله ﷺ الدية ثم بعثه مع رجل من فهر بعد ذلك في أمر فعدم إليه مقيس فقتله ورجه إلى مكة مرتدًا، وجعل ينشد:\nقتلت به فهرًا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع\nحللت به وتري وأدركت ثورتي ... وكنت إلى الأوثان أول راجع\nفقال رسول الله ﷺ: «لا أومنه في حل ولا حرم»، وأمر بقتله رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وهو متعلق بأستار الكعبة.","vol":"2","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>(٩٤) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا﴾ إلى قوله: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾ </span>الآية:\nسببها أن بعض سرايا رسول الله ﷺ لقوا رجلًا له حمل ومتاع، وقيل: غنيمة، فسلم على القوم وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فحمل عليه أحدهم فقتله فشق ذلك على رسول الله ﷺ، فنزلت الآية.\nواختلف المفسرون في القاتل والمقتول من هما، فقيل: القاتل أسامة بن زيد، والمقتول مرداس بن نهيك الغطفاني. وقيل: القاتل غالب الليث، والمقتول مرداس. وقيل: هو فليت، وقيل: القاتل محلم بن جثامة والمقتول عامر بن الأضبط. وقيل: القاتل أبو قتادة. وقيل: القاتل أبو الدرداء. وفي الخبر أن الذي قتله لما دفن لفظته الأرض ثلاث مرات، فأمر به النبي ﷺ فألقي في غار، وقال: «إن الأرض تقبل من هو شر منه». وقال بعضهم: ول خلاف أن الذي لفظته الأرض حين مات محلم بن جثامة.\nوقوله تعالى: ﴿السلم﴾، معناه: الاستسلام، أي ألقى بيده لكم وأظهر دعوتكم، فعلى ما ذكرناه من تفسير هذه الآية إذا أسلم الكافر وقد","vol":"2","page":250},{"text":"قدر عليه أو لم يقدر عليه فقد عصم دمه، بخلاف المحارب. ولا أذكر في ذلك خلافًا؛ إلا أن اهل العلم اختلفوا فيما يكون به مسلمًا له ما للمسلمين، فذهب قوم إلى أن من قال: «لا إله إلا الله فقد صار بها مسلمًا». واحتجوا بحديث أبي هريرة: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال ذلك فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله». وخالفهم آخرون وقالوا: لا يكون مسلمًا حتى يقول: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، قالوا: لا حجة في حديث أبي هريرة؛ لأنه ﷺ إنما يقاتل قومًا لا يوحدون الله تعالى فكان أحدهم إذا وحد الله تعالى علم بذلك تركه لما قوتل عليه، وإن كان لا يعلم دخوله في الإسلام، واحتجوا بقوله ﵊ حين قال علي رضي الله تعالى عنه: «على ما أقاتلهم؟» قال: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، قالوا: وقد روى الحديث الذي يحتج به الأولون: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله». وقد أباح الله تعالى قتالهم، وإن شهدوا أن لا إله إلا الله حتى يشهدوا أن محمدًا","vol":"2","page":251},{"text":"رسول الله، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف فيأتي على قول الفريقين في الوثني إذا قال: لا إله إلا الله أنه مسلم على ما قدمنا، وإنما خلافهم في الكتابي، فإلقاء السلم من الوثني عندهم «لا إله إلا الله».\nوإلقاؤه من الكتابي مختلف فيه، فمنهم من يقول: لا إله إلا الله إلقاء سلم منه، ومنهم من يقول: إلقاء السلم منه: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وعندي أنه سواء في الوثني والكتابي، وأن الوثني ينبغي أن لا يقبل منه إلا لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ لأنه قد يقول: لا إله إلا الله، وإن كان دالًا على ترك ما هو فيه ولا يدخل به في الإسلام، بل لعله يدخل بذلك في دين اليهود والنصارى، أو لا يلزم ديننا، وإنما نعرفه باجتماع الكلمتين، فهو عندي إلقاء السلم من الوثني والكتابي. وقال أبو الحسن: مقتضى قوله تعالى: ﴿لمن ألقى إليكم السلام﴾، أن من قال: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، أو قال: «إني مسلم» يحكم له بحكم الإسلام؛ لأن قوله تعالى: ﴿لمن ألقى إليكم السلام﴾ إنما معناه: لمن استسلم فأظهر الانقياد لما دعي إليه من الإسلام، وقد قرئ «السلام» فهو إظهار تحية الإسلام ممن استسلم، فلا جرم. قال علماؤنا: إنما يحكم له بالإسلام إذا أظهر ما ينافي سائر اعتقاده. فإذا قال اليهودي أو النصراني أنا مسلم لم يصر مسلمًا؛ لأنهم كلهم يقولون نحن مسلمون،","vol":"2","page":252},{"text":"ولو قاله المشركون حكم بإسلامهم؛ لأنهم لا يقولون نحن مسلمون، وكذلك قوله: لا إله إلا الله، لا يقوله المشركون. قال الله تعالى فيهم: ﴿إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون﴾ [الصافات: ٣٥]، واليهود والنصارى يوافقون على هذه الكلمة وإنما يخالفون في نبوة سيدنا محمد ﷺ، فمتى أظهر مظهر الإيمان بسيدنا محمد ﷺ فهو مسلم، حتى قال قائلون من أصحابنا، وأنه هو قول: محمد رسول الله، فلا يحكم بإسلامه لإمكان أن يكون من العيسوية، حتى يقول: «محمد رسول الله» إلى الكافة، ولا يكون مسلمًا بذلك أيضًا لأن منهم من يقول: محمدًا رسول الله من الكافة من الناس، ولكنه لم يبعث وسيبعث. وإذا تبين ذلك فما لم يقل: أنا بريء من اليهودية والنصرانية لا يصير مسلمًا، ويحتمل أن يكون قراءة من قرأ: السلام أن يكون السلام بمعنى المسالمة والاعتزال. قال أبو الحسن: وظاهر هذه الآية مما احتج به في قبول توبة الزنديق وغيره ممن أظهر الاستسلام؛ لأن الله تعالى لم يفقر بين الزنديق وغيره ممن أظهر الاستسلام. وأما على ما قاله علماؤنا من الشروط المعتبرة في إسلام الكفار، فلا تقبل توبة الزنديق؛ لأنا لا نعرف في حقه علمًا يظهر به خلاف اعتقاده، لأن ودينه الذي يعتقده أن يدخل مع كل قوم فيما يهدونه،","vol":"2","page":253},{"text":"فكان اليهودي إذا قال: لا إله إلا الله، وهذا تدقيق حسن. ولم يذكر الله تعالى فيما فعلت هذه السرية من قتل الرجل الذي قال: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، قصاصًا ولا عقلًا. فيحتمل أن يكون أسقط ذلك عمن فعله؛ لأنه متأول. وذلك حجة في إسقاط العقل على أحد الطريقتين عندنا في خطأ الإمام، ومن أذن له في شيء فأتلفه غلطًا كالأجير والخازن.\nوقد جاء في صاحب الغنيمة الذي قتل بعد أن قال لا إله إلا الله، وأخذت غنيمته أن رسول الله ﷺ حمل ديته إلى أهله وصرف عليهم غنيمته.\n- وقوله تعالى: ﴿إذا ضربتم في سبيل الله﴾:\nيريد إذا خرجتم للغزو فتبينوا، وقرئ فتثبتوا. وقد اختلف في الدعوة قبل القتال هل يؤمر بها أم لا؟ على ثلاثة أقوال، فقيل: يؤمر بها على الإطلاق. وقيل: لا يؤمر بها، وقيل: يؤمر بها إذا قوتل من لا يعلم ما يدعو إليه وتسقط في قتال من يعلم، وفي الآية حجة لمن يرى الدعوة في قوله تعالى: ﴿فتبينوا﴾، والتبيين وإن كان غير الدعوة، فالدعوة في مضمنه لأنه إذا بحث عنه هل هو مسلم أم لا لعله يسلم، أو هل هو طاعة أم لا؟ لعله يدخل في الطاعة ويرضى بالجزية. وتبين الشيء إنما هو معرفة حاله، ولا معنى للدعوة إلا تبين حال المدعويين على ما ثبت؟ وقال بعض","vol":"2","page":254},{"text":"الناس: إن هذه المسألة مبنية على أن العقل ما خلا من سمع أو يجوز أن يكون خلا منه، وهي مسألة خلاف بين الأصوليين. واحتج من يقول: إنه ما خلا من سمع بقوله تعالى: ﴿تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير﴾ [الملك: ٨، ٩]، وبقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ومن ينكر القول بالعموم لا يسلم هذا الاستدلال وهذا البناء الذي بناه به الأصوليين بعيد؛ لأن قصارى ما فيه أنه ليس في الأرض أمة إلا وقد بلغها دعوة رسول ما، وقد يكون عند هؤلاء في الأرض قوم لم يعلموا ظهور النبي ﷺ ونبوته، ويظنون أنه طالب ملك، فتجب دعوتهم. وقد اختلف الناس فيمن قاتل ولم يؤمر بقتاله إلا بعد دعوته فقتله فهل عليه ديته أم لا؟ فمذهب مالك وأبي حنيفة أن لا دية عليه. ومذهب الشافعي: الدية عليه. والحجة لمالك أن الله تعالى قد أمر بالتبين ولا معنى للدعوة عند التبيين، ولم يوجب على من قتل دون التبيين شيئًا ولم فيه عن النبي ﷺ شيء، فوجب التوقف عن ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>(٩٤) - قوله تعالى: ﴿كذلك كنتم من قبل﴾:</span>\nاختلف في تأويله، فقيل: المعنى كذلك كنتم مستخفين من قومكم بإسلامكم خائفين، فمن الله تعالى بإعزازه وإظهار دينكم. وقيل: المعنى كنتم كفارًا من قبل، فمن الله عليكم بأن أسلمتم. وقيل: المعنى كنتم كفارًا من قبل، فمن الله عليكم بأن أسلمتم. وقيل: يحتمل أن يكون الإشارة بذلك إلى القتل قبل التثبت، أي على هذه الحال كنتم في جهالة لا تتثبتون.","vol":"2","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>(٩٥) - قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون﴾ </span>الآية:\nفي الآية تفضيل المجاهدين على القاعدين، ثم قال تعالى: ﴿غير أولي الضرر﴾، وذلك لأنه لما نزلت: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين ... والمجاهدون﴾ جاء ابن أم كلثوم حتى سمعها، فقال: يا رسول الله هل لي رخصة فإني ضرير البصر فنزلت عن ذلك: ﴿غير أولي الضرر﴾ كل من له عذر. ثم اختلف المتاولون في ﴿أولي الضرر﴾ هل يلحقون في الأجر بالمجاهدين لاستثناء الله تعالى إياهم أم لا؟ فذهب قوم إلى أن أولي الضرر القاعدين لهم أجر المجاهدين. قالوا: لأن نص الآية المفاصلة بين المجاهدين ثم استثنى من المفضولين أولي الضرر، وإذا استثناهم من المفضولين فقد ألحقهم بالفاضلين، وقد بين ذلك النبي ﷺ بقوله: «إن بالمدينة أقوامًا ما سلكنا واديًا أو شعبًا إلا وهم معنا حبسهم العذر». قالوا: وكذلك في سائر الأعمال من حبسه العذر من عمل أعمال البر فله أجر العمل. وقال بعضهم: لا يساوي أولو الضرر المجاهدين في الأجر وقصاراهم أن يخرجوا من العهدة اللازمة للقاعدين من غير عذر باستثناء الله تعالى لهم من القاعدين. واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة﴾، ثم قال: ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا﴾، فقال بعضهم: فضلهم الله","vol":"2","page":256},{"text":"تعالى على القاعدين أولًا بدرجة، ثم فضلهم بدرجات مبالغة وبيانًا وتأكيدًا. وقال بعضهم: الفضل بدرجة، هو على القاعدين من أهل العذر، والفضل بدرجات على القاعدين من غير عذر.\nواختلف فيمن أعظم أجرًا المجاهد بماله أو المجاهد على شيء يعطاه كأهل الديوان، فذهب قوم إلى أن المجاهد بماله أفضل، واحتجوا بظواهر الآية، مثل قوله تعالى: ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم﴾، فخص المجاهدين بأموالهم وسكت عن المجاهدين بغير أموالهم، فدل على أن هؤلاء أفضل، وبقول النبي ﷺ وقيل: أي الناس أفضل؟ قال: «مؤمن مجاهد في سبيل الله بنفسه وماله». وقال بعضهم: أهل الديوان أعظم أجرًا من المطوعة لما يرزقون. وقد احتج بهذه الآية في فضل الغني على الفقير، وهي مسألة فيها خمسة أقوال:\nأحدها: أن الغني أفضل. والثاني: أن الفقير أفضل. والثالث: أن ذا الكفاف أفضل منهما. والرابع: أن الغني أفضل من الفقير وذي الكفاف والفقير أفضل من ذي الكفاف. والخامس: التوقف عن التفضيل. وحجة القول الأول من الآية ما هو ظاهرها من تفضيل المجاهدين بما على المجاهد بغير ماله، فالدرجة الزائدة من الفضل للمجاهد بماله إنما هي من جهة المال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>(٩٧) - قوله تعالى: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة﴾ </span>إلى آخر القصة:\nنزلت الآية في قول ابن عباس وغيره في قوم من أهل مكة كانوا قد","vol":"2","page":257},{"text":"أسلموا ولم يهاجروا حتى هاجر رسول الله ﷺ، فمنهم من فتن فافتتن، ومنهم من خرج مع الكفار يوم بدر، فقتل وأبى الله تعالى قبول عذر من اعتذر منهم؛ إذ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، ثم عذر تعالى أهل الصدق، فقال: ﴿إلا المستضعفين﴾ الآية. وقال السدي: يوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر كافرًا حتى يهاجر، إلا من لا يستطيع حيلة وهذا قول ضعيف، بل غاية من لم يهاجر وهو باق على الإسلام أن يكون عاصيه بتركه الهجرة. وتحصيل القول في الهجرة أن الله تعالى افترض بهذه الآية على من أسلم بين أظهر الكفار أن يهاجر عنهم، وهذه الهجرة باقية إلى يوم القيامة. وأما الهجرة المنقطعة التي قال النبي ﷺ فيها: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا»، فهي أن يبتدئ أحد من أهل مكة أو غير هجرة بعد الفتح، فينال بها درجة من هاجر من قبل الفتح، ويستحق أن يسمى باسمهم ويلحق بجملتهم؛ لأن فرض الهجرة ساقط، بل كان ذلك في زمن النبي ﷺ وبعد وفاته إلى هلم جرا. وذكر أبو عبيد في كتاب «الأموال» أن الهجرة كانت على غير أهل مكة من الرغائب ولم تكن فرضًا. يدل على ذلك قوله ﵊ للذي سأله عن الهجرة: «إن شأنها لشديد، فهل لك","vol":"2","page":258},{"text":"من إبل تؤدي زكاتها؟ قال: نعم، قال: فاعمل من وراء البحار، فإن الله تعالى لن يترك من عملك شيئًا»، ولم يوجب عليه الهجرة. فيأتي على هذا القول أن الهجرة الآين ليست بفرض على من هو ببلاد الكفار، ولكن هو مندوب إلى ذلك. والأصح ما قدمناه؛ لأن الآية وإن كانت نزلت في أهل مكة، فهي محمولة على عمومها فيهم وفي غيرهم، فاتفق على أن أهل مكة كانت الهجرة على من أسلم منهم قبل الفتح واجبة، واختلف في سواهم. فعلى قول أبي عبيد لم تكن واجبة، وعلى قول غيره من الناس كانت واجبة، والقولان جاريان إلى زماننا هذا؛ إلا أن في وقت النبي ﷺ كانت الهجرة أوجب بلا خلاف. وقد قال مالك رحمه الله تعالى: إن الآية تقتضي أن كل من كان في بلد تغير فيها السنن ينبغي أن يخرج منه.\nواختلف فيمن خرج غازيًا في سبيل الله فمات قبل لقاء العدو أو إحراز مغنم، فقيل: لا سيء له وقول الجمهور. وذهب بعضهم إلى أن له سهمه من الغنيمة، واستدل قائل ذلك بهذه الآية: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾ الآية [النساء: ١٠٠]، والمراغم المتحول والمهرب، قال ابن عباس وغيره. قال الجعدي:\nعزيز المراغم والمهرب\nوقال آخر:\nإلى بلد غير داني المحل ... بعيد المراغم والمضطرب","vol":"2","page":259},{"text":"وقيل: المراغم المهاجر. وقيل: لمن خرج عما يكره. وقيل: المبتغي المعيشة. وأصل: المراغم الموضع الذي يراغم فيه كل واحد من الفريقين صاحبه، أي يرغم فيه أنفه. والسعة سعة البلاد، وقيل: سعة من الضلالة إلى الهدى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>(١٠١) - (١٠٣) - قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿كتابًا موقوتًا﴾:</span>\nاختلف في هذه الآية هل هي في صلاة السفر وصلاة الخوف معًا أم في صلاة الخوف خاصة؟ على قولين: فالذين ذهبوا إلى القول الأول قالوا: الآية في قصتين، فقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ ثم ابتدأ قصة أخرى وهي ذكر صلاة الخوف وصفتها، فابتدأ بالشرط فيها، وهو قوله تعالى: ﴿إن خفتم﴾ الآية، والواو في قوله: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ زائدة. ويؤيد هذا التأويل ما روي أن قومًا من التجار أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾. ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي ﷺ فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم أل فشددوا عليهم، فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها على أثرها، فأنزل الله تعالى بين الصلاتين: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ... وإذا كنت فيهم﴾ الآية.\nوقال الطبري: هذا تأويل حسن في الآية لو لم يكن فيها «إذا»، وهذا الذي قاله الطبري صحيح إذا لم تجعل الواو زائدة. وأما إذا جعلت الواو","vol":"2","page":260},{"text":"زائدة، فالكلام صحيح مع إثبات «إذا». وأكثر الناس على أن الآية كلها في صلاة الخوف، وقد جاء في الحديث: «إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن، ولا نجد صلاة المسافر» الحديث، وإذا قلنا: إن الآية في صلاة الخوف وفي صلاة السفر فقد ثبت بنص القرآن العمل بالصلاتين معًا، وفي كلتي الصلاتين تنازع. وأما القصر في صلاة السفر فقد اختلف فيه على أربعة أقوال، أحدها: أنه لا يجوز القصر في السفر، وقد قيل: إنه مذهب عائشة رضي الله تعالى عنها. وروي عنها أيضًا أنها قالت في سفرها: أتموا صلاتكم، فقالوا: إن رسول الله ﷺ كان يصلي في السفر ركعتين، فقالت: رسول الله ﷺ كان في حرب وكان يخاف، فهل أنتم تخافون شيئًا؟ وقال عطاء: كان يتم الصلاة من الصحابة: عائشة وسعد بن أبي وقاص وأتم عثمان. وحجة من ذهب إلى هذا القول أنه تأول الآية في صلاة الخوف خاصة، ولم يصح عنده أن رسول الله ﷺ قصر الصلاة في غير خوف، وذهب إلى ما روي أن الصلاة فرضت أربعًا في السفر والحضر، فأقرت صلاة الحضر وقصرت صلاة السفر، وحملوا القصر على حال الخوف خاصة، ورأى بعض من ذهب إلى هذا: أن دليل خطاب هذه الآية يقتضي أن لا قصر مع الأمن، وأنه ناسخ لأحاديث القصر مع الأمن، وهذا ضعيف أن يقع نسخ بدليل الخطاب لما في القول الأول من الخلاف. والقول الثاني في قصر الصلاة في السفر: أن القصر فرض لا يجوز غيره، وهذا مذهب أبي حنيفة وجماعة من البغداديين: ابن بكير","vol":"2","page":261},{"text":"وإسماعيل بن الجهم، وذكر ابن الجهن أن أشهب روى ذلك عن مالك، وهو قول ابن سحنون. وروي عن عمر بن عبد العزيز نحوه، وروي عن ابن عباس وعمر نحوه أيضًا، ويلزم من قال بهذا القول أن يوجب على من أتم الصلاة في السفر متعمدًا الإعادة أبدًا، صلى وحده أو في جماعة كما يقول أبو حنيفة وأصحابه. ولا يوجد ذلك لمالك ولا لأحد من أصحابه. وحجة من ذهب إلى هذا القول أيضًا أنه تأول الآية، كما تأول الأولون أنها في صلاة الخوف، وأنها لا تقتضي المنع في القصر في سفر الأمن. وصح عنده أن رسول الله ﷺ قصر في السفر من غير خوف.\nوذهب إلى ما روي من أن الصلاة فرضت ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر، أو إلى ما روي من أن الصلاة فرضت أربع ركعات في الحضر وركعتين في السفر، فثبتت صلاة السفر مع الأمن بالسنة وثبتت صلاة الخوف بالقرآن. وذهب بعض العلماء إلى أن الآية اقتضت المنع من القصر في سفر الأمن، وأن السنة نسخت الآية. وفي هذا نظر من جهة نسخ القرآن بالسنة. وإذا قلنا: إن الآية تقتضي القصر مع الخوف خاصة وصححنا القصر في السفر مع الأمن بالحديث فهو حكم زائد على ما جاء في الآية، وقد اختلف الأصوليون في الزيادة على أن النص هل ذلك نسخ أم لا، وفيه نظر. والأصح في هذه المسألة أن ذلك ليس بنسخ. فصح القول بالقصر في السفر","vol":"2","page":262},{"text":"في الأمن والخوف على ما تقدم. والقول الثالث في صلاة السفر أنه سنة الأخذ به فضيلة وتركه خطيئة، وهو المعلوم من مذهب مالك وأصحابه. وحجة من ذهب إلى هذا القول أنه تأول الآية في صلاة السفر والخوف معًا، وصح عنده أن النبي ﷺ قصر الصلاة في السفر مع الأمن. وذهب إلى ما وري من أن الصلاة فرضت أربعًا أربعًا في الحضر والسفر، فأقرت صلاة الحضر وقصرت صلاة السفر. قال من ذهب إلى القول: لوما خير رسول الله ﷺ في القصر والإتمام اختار القصر ولم يكن ليختار إلا الذي هو الأفضل عنده، وقد نبه ﷺ بقوله: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»، فحض على قبول الصدقة والاقتداء به في ذلك من غير وجوب. والقول الرابع: أنه رخصة وتوسعة إلا أن أهل هذا القول اختلفوا في الأفضل من ذلك؛ فمنهم من رأى الإتمام أفضل، ومنهم من رأى القصر أفضل، ومنهم من ذهب إلى أ، الإتمام أفضل أن الله تعالى إنما رفع الحرج عمن قصر، ولولا أن الحرج كان متوقعًا في ذلك لم يرفعه تعالى بقوله: ﴿فليس عليكم جناح﴾، والإتمام لم يتوقع فيه حرج فلم يحتج إلى رفعه، وما لم يتوقع فيه حرج أفضل، لا","vol":"2","page":263},{"text":"شك مما يتوقع فيه الحرج، فغاية القصر أن رفع الحرج خاصة وبقي الإتمام على ما كان عليه من الفضل، ولم يصح عنده أن النبي ﷺ قصر في سفر الأمن وذهب إلى ما روي أ، الصلاة فرضت أربعًا أربعًا. وحجة من ذهب إلى أن القصر أفضل أن في الآية إباحة القصر، وأن النبي ﷺ قصر وحض على التقصير، ولم يكن النبي ﷺ يحض إلا على الأفضل. وحجة من ذهب إلى التخيير ظاهر الآية، وظاهرها التخيير من غير تفضيل، وقد روي هذا القول عن مالك. وقد اختلف الذين أجازوا القصر في صلاة السفر في الضرب الذي أبيح معه القصر ما هو؟ بعدما اتفقوا على أن ثلاثة أيام فما فوقها ضرب في الأرض يجوز معه القصر، فذهب قوم إلى أنه لا يقصر في أقل من مسافة يومين، وهو قول الحسن والزهري، وروي عن مالك.\nوذهب قوم إلى أنه يقصر في مسيرة يوم وليلة وهو مروي أيضًا عن مالك. وذهب قوم إلى أنه يقصر في مشي اليوم التام، وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر، وذهب قوم إلى أنه يقصر في أربعة برد، وهو قول مالك المشهور عنه، والشافعي وابن حنبل وابن راهويه. واختلف أصحاب مالك في قوله هذا وفي قوله باليوم والليلة هل هو قول واحد أم قولان؟","vol":"2","page":264},{"text":"وروي عن مالك أنه يقصر في مسافة خمسة وأربعين ميلًا. وروي عنه في أربعين ميلًا، فعن مالك إذن خمس روايات. وروي عن ابن القاسم جواز القصر في ستة وثلاثين ميلًا. وروي عن ابن عمر أنه قصر في ثلاثين ميلًا. وروي عن أنس أنه كان يقصر في خمسة عشر ميلًا. وذهب قوم إلى أنه يقصر في المسافة التي يجب الإتيان منها إلى الجمعة. وذهب يعض أهل الظاهر إلى أنه يقصر في قليل السفر وكثيره إذا تجاوز البنيان ولو قصد إلى بستانه. وروي نحوه عن علي بن أبي طالب، واحتجوا بعموم الآية، ولم يثبت عندهم ما يخصصها. وأما غيرهم فخصصوا ذلك العموم إما بأثر أو بنظر. وقد روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربع برد». وهذا عندنا مخصص لعموم الآية، وإن كان في مثل هذا التخصيص خلاف كثير بين الأصوليين. وإذا أثبتنا للقصر حدًا فمن أين يبتدئ بالقصر إذا سافر؟ واختلف فيه، فقيل: إذا فارق بيوت بلده ولم يحاذه عن يمينه وشماله شيء منها. وقيل: إنه يقصر إذا نوى السفر وإن كان ببلده. وقيل: إنه لا يقصر الصلاة يومه الذي سافر فيه إلى الليل وإن تم اليوم قصر، وهو قول مجاهد. وحجة مالك قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾، والمقيم في المصر لا يكون بالنية، وإنما يكون بالفعل. والذي قال يقصر بالبلد إذا نوى السفر يتأول الآية كأنها عنده: إذا أردتم الضرب في الأرض، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿إذا قمتم","vol":"2","page":265},{"text":"إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٦] / أي إذا أردتم القيام، وهذا التأويل لا حاجة مع صحة الظاهر إليه ولا حجة صحيحة عليه، وأما قول مجاهد فضعيف.\nواختلف أيضًا إلى أين ينتهي القصر إذا رجع إلى مصره؟ فعندنا أنه يقصر حتى ينتهي إلى حيث جاز له القصر في ابتداء سفره؛ لأنه ما لم يبلغ ذلك فهو ضارب في الأرض، فإذا بلغ ذلك صار غير ضارب في الأرض، وإنما هو كالشيء بمصره. وقال ابن شعبان: وإن كان على ميل من بلده قصر ما لم يقرب جدًا. وقيل: لا حد في ذلك، وكل يتأول الآية على مذهبه. وأحسن ما تتأول عليه ما قدمناه من مذهب مالك.\nواختلف في المدة التي إذا نوى المسافر إقامتها في غير بلده أتم، ولم يكن ضاربًا في الأرض من يوم وليلة إلى تسعة عشر يومًا؛ إلا أن منهم من حددها بالصلوات، ومنهم من حددها بالأيام، وربما وافق تحديدها بالأيام تحديدها بالصلوات، فيكون قولًا واحدًا. فأما تحديدها بالصلوات، فقيل: من أقام مدة عشرين صلاة أتم، وهو قول ابن الماجشون وسحنون وذكره بعضهم عن مالك. وقيل: إذا نوى إقامة خمسة عشر صلاة أتم، وإن نوى أقل قصر، وهو قول الثوري والكوفيين. وقيل: إذا نوى أكثر من عشرين صلاة أتم، وفي عشرين يقصر، وهو قول ابن حنبل، فهذه خمسة أقوال. وأما تحديدها بالأيام، فقيل: إذا نوى إقامة تسعة عشر","vol":"2","page":266},{"text":"يومًا أتم، وإن نوى أقل قصر، وهو مروي عن ابن عباس. وقيل: إذا نوى إقامة سبعة عشر يومًا أتم، وهو أحد قولي الشافعي. وقيل: إ انوى إقامة حمسة عشر يومًا أتم، وأن نوى أقل قصر، وهو قول أبي حنيفة. وقيل: إذا نوى أكثر من خمسة عشر يومًا أتم، وهو قول الأوزاعي. وقيل: إن نوى إقامة عشرة أيام أتم، وهو مروي أيضًا عن ابن عباس. وقيل: إن نوى إقامة سبعة عشر يومًا أتم. وهو مروي أيضًا عن ابن عباس. وقيل: إن نوى ثمانية أيام أتم. وقيل: إن نوى ثلاثة أيام أتم، وقيل: إن نوى إقامة يوم وليلة أتم، وهو قول ربيعة، وقيل: إذا نوى إقامة أربعة أتم، وهو قول مالك وأحد قولي الشافعي؛ إلا أن الشافعي يقول: ليس فيها يوم الدخول ولا يوم الخروج. وقيل: إذا نوى أكثر من أربعة أيام أتم، وإن نوى أقل قصر، وهو قول ابن حنبل، فهذه اثنا عشر قولًا. وحكي عن الحسن البصري قول شاذ، وهو: أنه يقصر إلا أن يمر بمصر من الأمصار فيتم.\nوحجة مالك في الأربعة الأيام أن الآية يقتضي ظاهرها أنه لا يجوز التقصير إلا مع الضرب في الأرض، فإذا لم يكن ضرب في الأرض ولو","vol":"2","page":267},{"text":"مقدار وقت صلاة العصر، لكن السنة بينت أن المقيم أقل من أربعة أيام ضاربًا في الأرض، فحملت الآية على ما بينت السنة من ذلك، وذلك أنه ﷺ قال: «يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام». وقد ثبت أن الإقامة بمكة إذ ذاك كانت حرامًا على المهاجر، فلما استثنى ثلاثة أيام دل على أنها ليست بإقامة، وما زاد عليها إقامة، فإذا لم يكن ما دون الأربعة إقامة فهو ضرب في الأرض، وقد قال تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾ الآية:\nواختلفوا في السفر الذي تقصر فيه الصلاة بعد اتفاقهم على قصر الصلاة، في الواجب والمندوب إليه كالحج والجهاد وصلة الرحم، وذلك في المباح والمكروه والمحظور. فقيل: لا يجوز القصر في شيء من هذه الثلاثة، وهو قول داود ابن مسعود وقيل: إن القصر جائز فيها كلها، وهو قول أبي حنيفة، ورواه ابن زياد عن مالك. وقيل: إنه يقصر في السفر المباح خاصة دون المكروه والمحظور، وهو قول جل أهل العلم، والمشهور من مذهب مالك، وهو قول الشافعي. وحجة من عم الأسفار كلها ظاهر عموم الآية، إذا لم يخصص سفرًا من سفر.\nواختلف فيمن دخل عليه وقت الصلاة وهو مقيم فلم يصلها إلى آخر وقتها ثم سافر، وقد بقي من وقتها ما يمكنه فيه أداؤها هل يقرها أم يتمها؟ فعندنا أن له أن يقصر. وقال بعض أصحاب الشافعي: ليس له قصرها، وحجتنا قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾ الآية، فعم ولم يخص","vol":"2","page":268},{"text":"أول الوقت من آخره، كان له قصرها، كما لو سافر أول الوقت.\nواختلف إذا نسي صلاة ثم ذكرها في سفر بعد فوات وقتها هل يقصرها أم لا؟ فعندنا أنه يتم؛ لأنها لزمته في الذمة تامة عنه وكأنه ذهب في هذا إلى عموم الآية، إذا لم يخصص صلاة فائتة من غير فائتة. وأما صلاة الخوف فثابتة بقوله تعالى: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوًا مبينًا وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ الآية، على التأويل الذي قدمناه فيها. وكذلك أيضًا هي ثابتة بقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم﴾ الآية على التأويل الأكثر في الآية وهو أنها نزلت في صلاة الخوف خاصة، والقول بإثباتها وبأنها لم تكن مخصوصة بالنبي ﷺ، وهو قول الجمهور. وإن كان الخطاب في الآية له؛ لكن غيره ﷺ لاحق به في ذلك، وذهب أبو يوسف والمزني إلى أن تلك الصلاة كانت خصوصًا للنبي ﷺ؛ لأن إمامة النبي ﷺ لا عوض منها، وإمامة غيره منها العوض، فيصلي الناس بإمامهم طائفة بعد طائفة ولا يحتاج إلى غير ذلك. وحكى ابن القصار عنهما أنهما قالا: صلاة الخوف منسوخة ولا يجوز أن تصلى بعد النبي ﷺ. والدليل على أنها منسوخة تأخيره ﷺ الصلاة يوم الخندق وإلى هدء من الليل ثم قضاها دفعة، فكذلك يفعل مع الخوف، فلو جازت صلاة الخوف لم يكن ليؤخر الصلاة عن وقتها. قال ابن القصار: وهذا قول من لا يعرف النسخ؛ لأنه","vol":"2","page":269},{"text":"إنما ينسخ المتقدم بالمتأخر، وصلاة الخوف إنما نزلت سنة سبع وكان أمر الخندق سنة خمس والصحابة أعرف بالنسخ، وقد صلوا صلة الخوف، فيجب على هذا أن تكون صلاة الخوف ناسخة للتأخير. وأما تخصيصهم لها بالنبي ﷺ فضعيف، والخلاف ينبني على مسألة قد تنازعها الأصوليون وهو أنه ما ثبت في حق النبي ﷺ هل يحتاج إثباته في حق غيره إلى دليل أم لا؟ ولا شك أن المخاطب بهذه الآية هو النبي ﷺ. وإذا قلنا بإثبات جوزها عمومًا للنبي ﷺ ولأمته، فإنما هي على جهة التوسعة والرخصة، فلو صلاها الناس بإمامين كان جائزًا، ولو صلاها قوم بإمام قوم منفردين بغير إمام جاز. وإذا قلنا: إنها على جهة التوسعة فهل تفعل في السفر خاصة أو في السفر والحضر؟ في ذلك قولان، فالجمهور على أن صلاة الخوف تصلى في الحضر والسفر، وهو مذهب مالك وأكثر أصحابه.\nوقال بعضهم: لا صلاة خوف في حضر، وقاله في المذهب ابن الماجشون. وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ الآية، فعم، ولم يخض حضرًا من سفر عل التأويلين جميعًا في الآية؛ لأن هذا ابتداء كلام مكتف بنفسه. وكان أهل القول الثاني ذهبوا إلى التأويل الأكثر في الآية، وتأولوا قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم﴾، أي إذا كنت فيهم وحالكم ما تقدم، أي وأنتم ضاربون في الأرض، فحملوا الآية على صلاة الخوف في السفر خاصة والأظهر حملها على صلاة الخوف في الحضر والسفر؛ لأنه نص أولًا على السفر ثم ابتدأ بكلام عام في السفر","vol":"2","page":270},{"text":"والحضر. فإن قيل: فما فائدة الكلام الأول إذا كان الثاني يعم معناه؟ قيل: فائدته إباحة القصر في صلاة الخوف في السفر، ثم أخبر تعالى بصفة صلاة الخوف، أما في السفر خاصة على القول الواحد، وأما في السفر والحضر على قول الجمهور، وهذا كله على أن الآية كلها في صلاة الخوف خاصة. وأما على التأويل الثاني فظاهر عموم الآية في صلاة الخوف في السفر والحضر؛ لأن الكلام في صلاة السفر انتهى إلى قوله: ﴿أن تقصروا من الصلاة﴾ ثم ابتدأ كلامًا ثانيًا ليس بينه وبين الأول صلة، فقال: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ الآية، وإذا قلنا: إن الآية كلها في صلاة الخوف خاصة ففي القصر الذي رفع الله تعالى الجناح فيه ثلثة أقوال، أحدها: أنه أراد به القصر عند الخوف من طول القراءة والركوع والسجود دون أن ينقص من عدد الركعات المعلومة قبل أن تنزل صلاة الخوف. والثاني: أنه القصر في حدود الصلاة بصلاتهم إيماء إلى القبلة وإلى غير القبلة عند شدة الخوف، والتحام الحرب؛ كقوله في آية البقرة: ﴿فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، وقد مر القول على هذه المسألة. والثالث: أن المراد به ما بينه بعد ذلك في الآية من تغيير صفة الصلاة أو نقص عدد ركعاتها مع صلاة الخوف بقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ الآية، إلا أنه قد اختلف في صفة صلاة الخوف المشار إليها في هذه الآية على حسب اختلاف الأحاديث الواردة في ذلك عن النبي ﷺ اختلافًا ينحصر في عشرة أقوال، أحدها: أن الإمام يصلي بطائفة وطائفة وجاه العدو فيصلي بالذين معه ركعة ويثبت قائمًا فيتمون لأنفسهم ثم تأتي","vol":"2","page":271},{"text":"الطائفة الأخرى وتنصرف هذه فيصلي بهم الركعة الثانية التي بقيت في صلاته ويثبت جالسًا فيتمون هم لأنفسهم ثم يسلم بهم، وهذا القول على حديث يزيد بن رومان الذي ذكره عن النبي ﷺ في غزوة ذات الرقاع وأخذ به مالك أولًا، وبه قال الشافعي واختاره ابن حبيب. وقال الشافعي: حديث يزيد بن رومان مسند والمصير إليه أولى من حديث القاسم لأنه موقوف، قال: وهو أشبه الأحاديث في صلاة الخوف بظاهر كتاب الله ﷿. والثاني: أن الإمام يصلي بالناس كما في القول الأول إلا أنه مع الطائفة الثانية إذا فرغ من الركعة الثانية سلم ثم يتمون لأنفسهم، لا انهم يتمون ثم يسلم بهم كما قال الأولون، وهذا القول على حديث القاسم بن محمد وهو الذي رجع إليه مالك، وبه قال ابن حنبل. والثالث: أن الإمام يصلي بإحدى الطائفتين ركعة والأخرى مواجهة العدو ثم ينصرفون إلى مقام أصحابهم مقبلين على العدو ثم يأتي أصحابهم الذين كانوا وجاه العدو فيصلي بهم الإمام ركعة ثم يسلم ثم يقضي هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة في حال واحد وهذا القول على حديث ابن عمر، وقد أخذ به أشهب في إحدى الروايتين عنه. والرابع: أن الإمام يصلي بطائفة ركعة ثم ينصرفون تجاه العدو وتأتي أخرى فيصلي بهم ركعة ثم يسلم وتقوم التي معه تقضي فإذا فرغوا منها صاروا تجاه العدو، ورجعت الأخرى إلى مراتبهم فصلوا لأنفسهم ركعة، وهذا القول على ما روي عن ابن مسعود وحكاه اللخمي عن أشهب، وهو قول أبي حنيفة حكاه الباجي عنه وابن عبد البر.","vol":"2","page":272},{"text":"والخامس: أن الإمام يصلي بكل طائفة ولا تقضي إحدى الطائفتين شيئًا زائدًا على ركعة، فيأتي للإمام ركعتان وللمأمومين ركعة ركعة، وهذا القول على حديث حذيفة، وروي أيضًا من طريق جابر وهو قول طاووس، وروي عن الحسن وقوم من التابعين. والسادس: أن الإمام يصلي لكل طائفة ركعتين ركعتين فتصير أربعًا، ولكل طائفة ركعتين، وهذا القول على حديث أبي بكرة، وحديث جابر الواقع في البخاري أيضًا، وكان يفتي به الحسن بن أبي الحسن فيما يذكر عنه، ويحكي عن الشافعي أنه قال به، وهو على أصله في جواز صلاة الفريضة خلف المتنفل. قال أبو داود: وكذلك صلاة المغرب يكون الإمام يصلي ست ركعات بهم ولمن خلفه ثلاث ثلاث. والسابع: أن الإمام يصلي بالطائفة الأولى ركعة بسجدتيها ثم تنصرف فتقف بإزاء العدو، ثم تأتي الطائفة الأخرى فتصلي الركعة الثانية ويتشهد ويسلم وحده ثم تنصرف هذه الطائفة بإزاء العدو وتعود الطائفة الأخرى فيقضون لأنفسهم ركعة وسجدتين وحدانًا بغير قراءة، وتتشهد وتسلم، ثم تنصرف وتقف بإزاء العدو وتأتي الأخرى فتصلي كذلك، وهذا قول أبي حنيفة. والثامن: أن الإمام تقوم معه طائفة بإزاء العدو وإن كانوا مستدبرين القبلة ثم يكبر الإمام وتكبر الطائفتان جميعًا ثم يركع بمن معه خاصة، فإذا فزعوا من ركوعهم وقام الإمام بهم أتوا مصاف أصحابهم، وتجيء الأخرى فيركعون لأنفسهم ركعة والإمام قائم كما هو فإذا قاموا صلى بهم الإمام ركعة أخرى ثم","vol":"2","page":273},{"text":"تقبل الطائفة المقبلة للعدو فيصلون لأنفسهم ركعة والإمام والطائفة الأولى قاعدون ثم يسلم الإمام فيسلمون جميعًا، وهذا القول على حديث أبي هريرة، وذكر أبو داود عن عائشة صفة صلاة النبي ﷺ صلاة الخوف تقرب مما روي عن أبي هريرة وتخالفها في أشياء إلا أنها صفة في ألفاظها تناقض، فلذلك لم أذكرها. والتاسع: أنه إذا كان العدو من غير جهة القبلة صلى بالناس طائفتين كما تقدم، وإن كان من جهة القبلة صلى بهم جميعًا صلاة واحدة وجعل الناس صفين فافتتح بهم الصلاة جميعًا، فإذا سجد سجد معه الصف الذي يليه، ويقف الصف الآخر يحرسونهم فإذا فرغوا من السجود وقف الإمام مع الصف الذي يليه حتى يسجد الصف الآخر ويصلي بهم الركعة الثانية مثل الأولى، فإذا سجد سجد معه الصف الذي يليه ويقف الآخرون يحرسونهم، فإذا فرغوا من السجود سجد الصف الآخر ثم يقعد الإمام ويتشهد ويسلم بهم جميعًا.\nوهو قول أبي يوسف وهذا القول قريب من حديث ابن عياش الزرقي؛ لأن في حديث ابن عياش إذا كملت للطائفتين ركعة تأخر الأولون وتقدم الآخرون. والعاشر قول ابن حنبل وطائفة من أهل الحديث، وهو قول الطبري أن كل حديث روي في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز. وقال بعضهم: وحديث يزيد بن رومان أشد موافقة لظاهر","vol":"2","page":274},{"text":"القرآن من حديث ابن عمر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾ [النساء: ١٠٢] الآية، فجعل إقامة الصلاة لهم كلها لا بعضها. وعلى المذهب الذي صار إليه من قال بحديث ابن عمر إنما يضمن لهم الإمام بعض الصلاة لا كلها. ومعنى قوله: ﴿فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم﴾ أي إذا صلوا، كما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين» أي فليركع ركعتين، ثم قال: «ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك»، فكان دليل مفهومه أن هؤلاء قد صلوا. وقوله: «فليصلوا معك»، مقتضاه تمام الصلاة وهم على قولهم، ولا يصلون معه إلا بعضها، وقد ذكر الطائفتين ولم يذكر عليهما قضاء؛ فدل ذلك على أن كل واحدة منهما قد انصرفت عن تمام الصلاة، وهذا المذهب أحوط للصلاة؛ لأن الصلاة تحصل مؤداة على سنتها في استقبال القبلة، وعلى مذهبهم يقع الاستدبار للقبلة ويكثر العمل في الصلاة، فكان المصير لهذا الحديث أولى. وقال بعضهم: حديث يزيد بن رومان أشد موافقة لظاهر القرآن من حديث القاسم؛ لقوله تعالى: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾، وهذا يقتضي أن الصلاة في حكمه، ولا يكون ذلك إلا على حديث يزيد بن رومان. وقال بعضهم: بل حديث القاسم هو الصفة الموافقة لكتاب الله، قال تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم﴾، يعني الباقين، ﴿فإذا سجدوا﴾ يعني المصلين، ﴿فليكونوا من ورائكم﴾ يعني: الذين هم مواجهو العدو، فاشترط الله تعالى أن تكون إحدى","vol":"2","page":275},{"text":"الطائفتين في غير صلاة مواجهين للعدو والثانية في الصلاة. وقوله تعالى: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا﴾ يدل على أن الأولى قد صلت تمام صلاتها.\nوقوله تعالى: ﴿فليصلوا معك﴾ يقتضي بقية صلاة النبي ﷺ، وإذا اقتضى ذلك وجب إن سلم؛ لأن آخر صلاته السلام. ومن حجة مالك في اختباره لحديث القاسم بن محمد القياس على سائر الصلوات أن المأموم لا يقضي ما فاته إلا بعد سلام الإمام، وأن الإمام لا ينتظره حتى يقضي، وهي سنة مجمع عليها، وكل قول ذكرناه سوى هذين القولين فقائله يدعي أن الآية على مذهبه ويتأولها حتى يصرفها إليه. وأكثر الأحاديث على أن صلاة الخوف إنما نزلت في غزوة ذات الرقاع وهي غزوة محارب خصفة، وفي بعض الروايات أنها نزلت في ناحية عسفان وضجنان، والعدو خيل قريش عليها خالد بن الوليد. ولم يصل النبي ﷺ صلاة الخوف إلا مرتين بذي الرقاع من أرض بني سليم، ومرة بعسفان والمشركون بضجنان، بينهم وبين القبلة. وذكر ابن عباس صلى صلاة الخوف في حضر، ولم يكن خوف في حضر إلا يوم الخندق، ولم تكن نزلت صلاة الخوف بعد. وذكر بعهضم اعتذارًا عن الحديث الذي جاء أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف بكل طائفة ركعتين؛ إنه ﷺ كان في حضر ببطن النخل، على باب المدينة، ولم يكن مسافرًا وإنما خوف، فخرج محترسًا، ولم ينقل عنه أنه ﵊ سلم من ركعتين بهم. قال ابن القصار: وكذلك نقول إذا كان الخوف في حضر أن يصلي بكل طائفتين ركعتين، ولو ثبت أنه كان في سفر وصلى بكل طائفة ركعتين لكان هذا خاصًا بالنبي ﷺ للفضيلة في","vol":"2","page":276},{"text":"الصلاة خلفه. وقال بعضهم: لا يصح أنه كان في حضر في تلك الصلاة، يعني إذا صلى بكل طائفة ركعتين؛ لأن جابرًا رواه وذكر أنهم كانوا بذات الرقاع، وقد كانت صلاة الخوف نزلت، واختلف في المأمور بأخذ الأسلحة من قوله تعالى: ﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾، فقيل: الطائفة المواجهة للعدو، لأن المصلية لا تحارب. وقيل: بل الطائفة المصلية والأمر لهم على هذا القول بأخذ الأسلحة يدل على أنهم إن قوتلوا وهم كذلك جاز أن يقاتلوا من قاتلهم إذا لم يمكنهم غير ذلك؛ وإلا فأي معنى لأخذ الأسلحة إذا لم يدفعوا بها من قاتلهم، خلافًا لمن يرى أنهم قاتلوا في الصلاة قتالًا كثيرًا بطلت صلاتهم. وقال بعضهم: يجوز أن يكون الأمر للجميع؛ لأنه أهيب للعدو.\nوقوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم﴾ الآية: سبب نزولها أن عبد الرحمن بن عوف كان مريضًا، وقيل: جريحًا، فوضع سلاحه، فعنفه بعض الناس؛ إذ سبق الأمر من الله ﷿ إليهم بأخذ السلاح، فنزلت. ورخص في وضعها لمن كان به أذى من مطر أو لمن به مرض. ويقاس على هاتين الحالتين كل عذر مانع في ذلك الوقت، خذ من هذه الآية أن من صار في طين وضاق عله الوقت فيجوز له أن يصلي بالإيماء كما يجوز له في حالة المرض إذا لم يمكنه السجود؛ لأن الله تعالى سوى بين المرض والطين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>(١٠٣) - وقوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾ </span>الآية:\nاختلف في الذكر المأمور به في هذه الآية فذهب الجمهور إلى أنه ذكر مأمور به في إثر صلاة الخوف على حد ما أمروا عند قضاء المناسك بذكر الله تعالى، وذهبوا إلى أن ﴿قضيتم﴾ بمعنى فعلتم. وذهب آخرون إلى معنى قوله: ﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾ إذا تلبستم بالصلاة فلتكونوا على هذه الهيئات المذكورات بعد، من قيام أو قعود، أو على جنب بحسب","vol":"2","page":277},{"text":"الضرورات المرض ونحوه. والذكر المأمور به على هذا هو الذكر في أثناء الصلوات. وقد اختلف في ترتيب صلاة المريض فأخذ ابن المواز بظاهر هذه الآية على هذا التأويل منها، فقال: إذا لم يقدر على القيام صلى قاعدًا، فإن لم يطق، فعلى جنبه الأيمن، فإن لم يطق فعلى جنيه الأيسر، فإن لم يطق فعلى الظهر. وذهب مالك إلى أنه مخير إذا لم يقدر على القيام والقعود أن يصلي على جنب أو على ظهر. وحكي عن ابن القاسم أنه يبتدئ بالظهر ثم بالجنب، وضعفه ابن حبيب. قال اللخمي: وليس بضعيف بل هو أحكم في استقبال القبلة. وقال سحنون: يصلي على جنبه الأيمن كما يجعل في قبره، فإن لم يقر فعلى ظهره.\nوقوله تعالى: ﴿فإذا اطمأننتم﴾ يعني سكنت نفوسكم من الحرب، وقيل: رجعتم إلى الحضر ﴿فأقيموا الصلاة﴾ أي أقيموها تامة الركوع والسجود، وقيل: تامة أربعًا، وقوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا﴾، قيل: منجمًا في أوقات، وقيل: فرضًا مفروضًا.\n- قوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾:\nفي هذه الآية إثبات الرأي والقياس خلافًا لمن لم يره من الناس، وقال بعضهم: يحتمل قوله: ﴿بما أراك الله﴾ الرأي والاجتهاد، وفي هذه الآية ما يدل على أنه لا يجوز أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق. وفيها دليل أن وجود السرقة بيد الإنسان لا يوجب الحكم بها عليه؛","vol":"2","page":278},{"text":"لأن سبب الآية أن طعيمة بن أبيرق جحد وديعة. وقيل: سرقها وطرحها في دار يهودي ليتهم بها. وقيل: في دار مسلم، فنزلت الآية، فنفى الله تعالى الحكم على اليهود بوجود السرقة عنده، وليس هذا قبل مسألة الصاع الذي جعله يوسف ﵇ في رحل أخيه فتدبره. وفي هذه الآية أيضًا دليل على أ، الحاكم لا يكون عاميًا خلافًا لمن أجازه؛ لأن الله تعالى فوض الحكم للاجتهاد ومن لا علم عنده كيف يجتهد.\nقوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى﴾ هذه الآية حجة على صحة الإجماع وبها رد كل من أثبت الإجماع على من نفاه وذكر بعض الأصوليين في الآية احتمالات كثيرة واوهن الاحتجاج بها في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>(١١٩) - قوله تعالى حكاية عن الشيطان: ﴿ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾:</span>\n﴿فليبتكن﴾ أي ليقطعن البتك القطع، وإنما ساقه الله تعالى بلفظ التكثير؛ لأنه يكون على أنحاء كثيرة، وإنما كنى عن السائمة والبحيرة ونحوهما مما كانت الجاهلية تفعله من مثل ذلك بسبب آلهتهم وبغير ذلك. وأما وشم الوجوه، فلا يجوز ذلك؛ لأنه من تغيير خلق الله تعالى.\nوأما وشم الآذان للتمييز فجائز، ليس من ذلك في شيء، وقد جاءت فيه الرخصة. وقوله: ﴿فليغيرن خلق الله﴾ ورد في هذه الآية ذم التغيير","vol":"2","page":279},{"text":"لخلق الله مطلقًا. ونسبه الله تعالى إلى الشيطان وهو أمر ليس على عمومه؛ لأن من التغيير لخلق الله ما هو سنة كما قال النبي ﷺ: «خمس من الفطرة: تقليم الأظافر، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، والاختتان»، فهذا يخصص الآية بإجماع. ومن التغيير ما هو محرم باتفاق ومكروه باتفاق، فهو داخل في الآية، ومنها ما هو مختلف فيه، وذلك كله على حسب ما ذكره المفسرون للآية. وقد اختلفوا في ذلك فقيل: أراد دين الله، وذهب قائلو ذلك إلى الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾ [الروم: ٣٠]، أي لدين الله، فدليل هذه الآية على هذا التأويل أي أن الإيمان مخلوق، وقال بعضهم: الإيمان غير مخلوق.\nومعنى قول من جعل خلق الله دين الله أي حكم الله، فكنى عن الحكم بالدين. وقيل: تغيير خلق الله هو أن الله ﵎ خلق الشمس والقمر والنار والحجارة وغيرها من المخلوقات ليعتبر بها وينتفع، فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة. وقال بعضهم في تغيير خلق الله: الخصاء، والآية إشارة إلى خصاء البهائم والخيل وغيرها، وما يشاكله، فلذلك عندهم ممنوع. ورخص في خصاء البهائم جماعة من أهل العلم إذا قصد به المنفعة. وفي المذهب أن ذلك مكروه في الخيل مباح في سائر البهائم. وأما خصاء بني آدم فلا خلاف في منعه، وقد سئل مالك عن شراء الخصيان فكرهه مخافة أن يكون داعية إلى فعل ذلك. وقال بعضهم: الآية إشارة إلى الوشم وما جرى مجراه ومن التصنع للحسن، فمن ذلك","vol":"2","page":280},{"text":"الحديث المروي: لعن رسول الله ﷺ الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات المغيرات خلق الله. وقوله علي الصلاة والسلام: «لعن الله الواصلة والمستوصلة»، وقد اختلف في الوشم والتنمص، فلم يجزه الأكثر للحديث المتقدم. والطبري من جملة من ذهب إلى هذا، وقال: إن المرأة إن خلقت لها لحية او شارب أو عنفقة فلا يجوز لها أن تحلق ذلك أو بعضه طلبًا للتجمل؛ لأن ذلك تغيير لخلق الله ولكن تفعل ما يجوز أن يفعله في لحيته. وفي المذهب أن الوشم جائز في اليد دون الوجه، وأجازه قوم، واحتجوا بقول عائشة حين سئلت عن المرأة تحفي جبينها لزوجها، فقالت: أميطي عنك الأذى ما استطعت، وبأن يد أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما كانت موشومة، فعلى هذا القول لا يدخلان تحت الآية. واختلف أيضًا في الوصل فأجازه قوم جملة من غير تفصيل، ورووا عن عائشة في ذلك حديثًا وهو أن ابن أشرع سألها، فقال: لعن رسول الله ﷺ الواصلة، فقالت: أيا سبحان اللع وما بأس بالمرأة الزعراء أن تأخذ شيئًا من صوف فتصل به شعرها وتتزين به عند زوجها، وإنما لعن رسول الله ﷺ المرأة الشابة تبغي في شيبتها حتى إذا أسنت وصلتها بالقيادة. ولم يجزه آخرون أيضًا جملة من غير تفصيل، منهم مالك؛ لعموم حديث النبي ﷺ، ولأنهم رأوا ذلك تغييرًا فتأولوا الآية عليه. وأجاز بعضهم وصل الشعر بالصوف والخرق، ولم يجز وصل الشعر بالشعر. وحجتهم حديث معاوية إذا تناول قصة من شعر وقال: إنما هلك","vol":"2","page":281},{"text":"بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم، قالوا: والخرق والصوف ليس من ذلك. وأجاز بعضهم أن يوضع الشعر على الرأس وضعًا دون وصل ولم يجز الوصل. وأما التفليج المنهي عنه في الحديث فلم أر خلافًا أنه لا يجوز للمرأة أن تفعله وأنه من تغيير خلق الله فهو داخل تحت الآية وسواء كانت الأسنان مستوية أو مختلفة في الطول فعلمت ذلك لزوج أو غيره، قاله الطبري. وملاك تفسير هذه الآية أن كل تغيير يؤدي إلى ضرر، فهو داخل تحت الآية وما لم يكن كذلك فهو مباح ويدخل تحت مسائل جمة ويطول بذكرها الكتاب، فأعرضت عنها لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>(١٢٥) - قوله تعالى: ﴿واتبع ملة إبراهيم حنيفًا﴾:</span>\nيحتج به من يرى شرع إبراهيم ﵇ لازمًا لنا اتباعه إذا لم يظهر له ناسخ في شرعنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>(١٢٨) - وقوله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما﴾ </span>الآية:\nاختلف في سبب الآية، فقيل: نزلت في النبي ﷺ وسودة بنت زمعة، وذلك إذا أسنت سودة فأراد النبي ﷺ أن يطلقها، فقالت: لا تطلقني واحبسني مع نسائك ولا تقسم لي، ففعل، فنزلت الآية، وفي المصنفات أنها وهبت نوبتها لعائشة. وقيل: إن التي فعل هذا ابتغاء رضاء رسول الله ﷺ صفية. وقيل: بل سبب الآية أن رافع بن خديج لما أنت عنده خولة بنت محمد بن مسلمة تزوج عليها شابة فآثر الشابة فلم تصبر","vol":"2","page":282},{"text":"هي فطلقها طلقة ثم تراجعا فعاد فآثر الشابة فلم تصبر فطلقها أخرى، فلما بقي من العدة يسير قال لها: إن شئت راجعتك وصبرت على الإثرة، وإن شئت تركتك حتى يحل أجلك. قالت: بلى راجعني وأصبر، فراجعها فآثر الشابة فلم تصبر، فقال: إنما هي واحدة فإما أن تقري على ما ترين من الإثرة، وإلا طلقتم، فقرت فنزلت الآية. وقيل: نزلت بسبب أبي السنابل ابن بعلبك وامرأته، وهذا الآية تبيح جميع أنواع الصلح بين الرجل وامرأته، في مال أو وطئ أو غير ذلك. واختلف في المرأة إذا فعلت مثلما فعلت سودة، هل لها أن ترجع في ذلك وينتقض الصلح أم لا؟ والجمهور على أنه ينتقض بالرجوع؛ لأن ذلك الصلح فيه منافع تطرأ مع الإيحان فلم ينتجز قبضها فجاز فيه الرجوع. واختلف في بيعها اليوم ونحوه، والحجة لجوازه عموم قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا﴾، واختلف متأخرو زماننا في المولي عليها يأبى الزوج من الانفاق عليها وترغب هي في أن تنفق على نفسها وتكون معه هل يكون ذلك لها أم لا؟\nعلى قولين. وعندي أن عموم هذه الآية حجة لمن أجازه منهم.\nوقوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾، قيل: هو عام في كل شيء، وقيل: الصلح على البقاء خير من الفرقة. وقد اختلف في الصلح الواقع بالحرام والمكروه. فقيل: لا يجوز شيء منه ويفسخ، والصلح كالبيع، وهو مذهب مالك وابن القاسم. وقيل: ما وقع من الصلح بالأشياء المكروهة فجائز، وإما بالحرام البين فلا يجوز ويرد إلى أن يفوت فتكون فيه القيمة، وهو قول مطرف. وقيل: الصلح بالحرام والمكروه يكره ابتداء، فإن وقع مضى ولم يرد وعلى هذا القول لا يكون الصلح كالبيع، وإنما يكون معروفًا، وهو قول أصبغ. وحجته عموم قوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾، فمل يخص حرامًا من حلال، وهذا عندي في الحرام الذي يحتمل وجهًا من الصحة. وأما","vol":"2","page":283},{"text":"الحرام بالذي لا وجه له مما نص الشرع عليه، وأجمعت الأمة على تحريمه فلا ينبغي أن يمضي ولا أن يدخل تحت عموم الآية. وقد اختلف في الصلح على الإنكار، فعندنا جوازه. وعند الشافعي أنه لا يجوز، والحجة لجوازه عموم قوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾، ومن له عند رجل دنانير لا يدريان كم هي؟ فهما أن يصلحا على ما شاءا نقدًا فعلى هذا يجوز أن يصالحا على المجهول بالمعلوم. وقال الشافعي: لا يجوز أن يكون المصالح عليه معلوم كالبيع، وحجة الجواز عموم قوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾، ومعنى: ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾، قيل هو أن يشح الرجل على المرأة بنفسه، وماله، وبيته. وقيل: الشح هنا منه ومنها.\nوالأظهر أن اللفظ على عمومه فيكل شح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>(١٢٩) - وقوله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء لول حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾:</span>\nروي أن هذه الآية نزلت في النبي ﷺ يميله إلى عائشة، والعدل بين النساء بمفهوم هذه الآية مأمور به، وقد قال النبي ﷺ: «م كان له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة شقه مائل»، وكان ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: «اللهم هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك»، يعني القلب وإلى ذلك أشار تعالى في الآية بقوله: ﴿فلا تميلوا كل الميل﴾. قال المفسرون: أي في الحب","vol":"2","page":284},{"text":"والجماع، فالحب مما لا يستطاع العدل فيه. والجماع تابع له؛ لأنه عنه يكون، فأمر تعالى إن يأتي من ذلك ما يطاق ولا يؤثر من يهوى فوق القدر الذي يغلب على القلب.\n﴿وإن تصلحوا وتتقوا﴾ أي في أن تميلوا، والأمر بالعدل بين النساء أمر عام جميع الأشياء المقدور عليها، فعلى الإنسان أن يعدل بينهن بالكون عندهن. وقد اختلف في الحرة والأمة الزوجة هل يسوي بينهما في القسم أو تفضل الحرة عليها، فتكون ليلتان للحرة وللأمة ليلة؟ فعن مالك في ذلك روايتان: والحجة للتسوية قوله تعالى: ﴿أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل﴾ فعم. واختلف هل للزوج أن يتجاوز اليوم في القسم فيقسم عند هذه المرأة يومان أو ثلاثة وعند الأخرى مثل ذلك أم لا؟ وذلك إذا أراد الزوج وحده ذلك، فعن مالك لا يجوز، وأجازه الشافعي، وبه قال ابن القصار. وحجة هذا القول عموم الآية؛ لأنه كيفما صنع وسوى بينهن فقد عدل بينهن وهو المأمور به. وعندنا أنه إذا تزوج بكرًا أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج ثيبًا أقام عندها ثلاثًا؛ لما جاء في السنة من ذلك ولا قضاء عليه بعد ذلك لمن عنده من النساء، ولا تحاسب هذه الجديدة بهذه الأيام. وقال أبو حنيفة: إنها تحاسب، ورأى أن العدل والمساواة واجب في الابتداء كوجوبه في الاستدامة.\nوتعلق أبو حنيفة بظاهر هذه الآية في العدل وبسائر الظواهر الواردة في العدل، وهي عندنا مخصوصة بالنسبة لقوله ﷺ: «للبكر سبع وللثيب","vol":"2","page":285},{"text":"ثلاث». واختلف هل يدخل لقضاء حاجة في يوم إحداهن على صاحبتها، فأجازه مالك في كتاب محمد. وقال أيضًا: لا يجوز إلا من عذر. وقال ابن الماجشون: لا يجوز من عذر أو من غير عذر، ولكن لا بأس أن يقف ببابها ويسلم من غير أن يدخل. وحجة من لا يجيز ذلك عموم الآية في العدل وإباحة ذلك تؤدي إلى غير العدل. واختلف إذا أغلقت صاحبة اليوم بابها دونه هل له أن يذهب إلى غيرها أم لا؟ فأجازه مالك، ولم يجزه ابن القاسم. وحجة هذا القول عموم الآية في العدل. وأما النفقة والكسوة فلا تلزم المساواة فيهما، فقد تكون إحداهما شريفة فلها أن تطالبه بما يجب لمثلها وليس له أن يلحق الدنية بها. واختلف هل له أن يتطوع لواحدة منهن بأكثر مما يجب لها من الإنفاق والكسوة، فعن مالك روايتان. واحتج في المنع من ذلك بقوله تعالى: ﴿فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾. وقال بعضهم محتجًا للجواز: المراد بالآية في الكون عندهن لا في الإنفاق عليهن، وأكد ذلك بقوله كالمعلقة، والمعلقة هي التي لا أيم ولا ذات زوج، شبهها بالشيء المعلق من الشيء.\nوقوله تعالى: ﴿وإن تصلحوا وتتقوا﴾ أي تلتزموا ما يلزمكم من العدل فيما تملكون، فإن الله كان غفورًا رحيمًا لما لا تملكون متجاوزًا عنه.\nوقال الطبري: معنى الآية غفورًا لما سلف منكم من الميل قبل نزول الآية.","vol":"2","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>(١٣٠) - وقوله تعالى: ﴿وإن يتفرقا يغن الله﴾ </span>الآية:\nيريد الزوجين المتقدم ذكرهما، يقول: إن لجا فلم يتصالحا، لكنهما تفرقا، فإن الله تعالى يغني كل واحد منهما عن صاحبه [\n\n].","vol":"2","page":287},{"text":"[\n\n] منكرة لذلك، واختلف إن كانت هي القائمة بالشهادة فمنعها أشهب وأجازها ابن القاسم جملة من غير تفصيل، وإن شهد بطلاق غير أمه لم يجز إذا كانت أمه حية في عصمة أبيه، ويجوز إذا كانت أمه ميتة. واختلف إذا كانت أمه حية مطلقة، فمنعها ابن القاسم وأجازها أصبغ، وهذا كلع إذا كانت الأجنبية منكرة. واختلف إذا كانت هي القائمة والأم في عصمة الأب فأجازها أصبغ ومنعها سحنون بعد أن قال: هي جائزة. والكلام في هذه المسائل كالكلام في التي قبلها، فمن راعى مفهوم الآية ولم ينظر إلى التهمة أجاز الشهادة لما ذكرناه ومن راعى التهمة لم يجزها ولم ير مفهوم الآية متأولًا لها.\nقوله تعالى: ﴿إن يكن غنيًا أو فقيرًا﴾ الآية، أي أن يكون مشهودًا عليه، ولو كان أصدق الناس بالشاهد غنيًا فلا يراعى غناه ولا يخاف منه، وإن يكن فقيرًا فلا يراعى إشفاقًا عليه، فإن الله تعالى أولى بالنوعين. وذكر السدي: أن الآية نزلت في النبي ﷺ اختصم إليه غني وفقير، فكان في","vol":"2","page":288},{"text":"ضلع الفقير، علمًا منه أن الغني أحرى أن يظلم الفقير، فأبى الله تعالى إلا أن يقوم بالقسط بين الغني والفقير، وهذا القول في الآية يدل على أنه لا يجوز أن يكن الحاكم في ضلع الضعيف بأن ينبهه لحجته ويلقنه ما عيي عنه، والرواية عن أشهب وغيره بإباحة ذلك. وقال الطبري: إن هذه الآية نزلت بسبب نازلة طعمة بت أبيرق وقيام من قام بأمره بغير قسط.\nقوله تعالى: ﴿وإن تلوا أو تعرضوا﴾، قال ابن عباس: هو في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي فيعرض القاضي عن أحدهما ويلتوي على الآخر. وقيل: هي في الشهود يلوون الشهادة بألسنتهم ويحرفونها فلا يقولن الحق فيها، أو يعرضون عن أداء الحق فيها، ولفظ الآية يعم القولين معًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>(١٣٧) - قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا﴾ </span>الآية:\nاختلف المتأولون في هذه الآية، فقيل: نزلت في اليهود والنصارى، آمنت اليهود بموسى ﵇ والتوراة ثم كفروا، وآمنت النصارى بعيسى ﵇ والنجيل ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا بسيدنا محمد ﵊، كفرهم بموسى وعيسى تبديلهم ما جاء به، ورجح الطبري هذا القول. وقيل: الآية في الطائفة من أهل الكتاب التي قالت: ﴿آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره﴾ [آل عمران: ٧٢]. وقيل: الآية في المنافقين، فإن منهم من كان يؤمن ثم","vol":"2","page":289},{"text":"يكفر ثم يؤمن ثم يكف يردد ذلك، فنزلت الآية فيمن ازداد كفرًا بأن تم على نفاقه حتى مات. وقيل: هي في اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة ثم كفرت بالإنجيل ثم آمنت بعزير ثم كفرت بعيسى، ثم كفرت بسيدنا محمد ﷺ ثم ازدادوا كفرًا بموتهم على مفرهم بمحمد ﷺ.\nوقيل: الآية في المؤمن يرتد مرات، وقد اختلف أهل العلم في الذي يرتد مرات. فقيل: تقبل توبته ثلاث مرات ثم يقتل في الرابعة ولا تقبل توبته، قاله المروزي وإسحاق وجاء نحو ذلك عن عثمان وابن عمر، وتأولوا هذه الآية على ذلك. وقال الشافعي وابن حنبل وابن القاسم: يستتاب أبدًا، ولم يتأولوا الآية ذلك التأويل. وقال أبو حنيفة: يوجع ضربًا في المرة الثالثة ويحبس حتى تظهر صحة توبته وعلاماتها؛ فإن قيل: فإذا كانت توبة الكافر مقبولة وإن كفر مرات فما الفائدة في قوله تعالى: «فيمن آمن ثم كفر ثم آمن ثم كفر ثم ازداد كفرًا أنه لا يغفر له»؟ فالجواب أن الكافر إذا آمن غفر له كفره، ثم إن كفر بعد ذلك ومات على كفره لم يغفر له الكفر الأول وطولب بالأول والآخر، ولا يجوز أن يكون إذا آمن بعد لا يغفر له؛ لأن الله يغفر لكل من آمن بعد كفره، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ [الشورى: ٢٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>(١٤٠) - قوله تعالى: ﴿وقد أنزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾:</span>\nاستدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب اجتناب أهل المعاصي وأهل الأهواء إذا ظهر ذلك منهم.","vol":"2","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>(١٤٨) - قوله تعالى: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾:</span>\nتقرأ هذه الآية: إلا من ظلم -بضم الظاء وفتحها- واختلف على القراءة بالضم في معناها، فقيل: المعنى: لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلا من ظلم فلا يكره الجهر. ثم اختلف هؤلاء في الجهر كيف هو وما المباح منه؟ فقيل: هو الرجل يظلم الرجل فلا يدعو عليه، ولكن ليقل اللهم أعني عليه، اللهم استخرج لي حقي، اللهم حل بيني وبين من يريد ظلمي. وقيل: مباح لمن ظلم أن يدعو على من ظلمه وإن صبر فهو خير له. وقيل: هو أن يخبر بظلم ظالمه. وقيل: هي في الضيف ينزل بالرجل فلا يقربه فإنه يجهر له بالسوء من القول، وفي هذا نزلت الآية.\nوقيل: لا بأس لمن ظلم أن ينتظر ممن ظلمه بمثل ظلمه ويجهر له بالسوء من القول. وقيل: المعنى في هذا ﴿إلا من ظلم﴾ أي إلا من أكره على أن يجهر بالسوء من القول كفرًا ونحوه، فذلك مباح. والآية في الإكراه، وهو قول قطرب. قال: ويجوز أن يكون «إلا من ظلم» على البدل كأنه قال: لا يحب الله إلا من ظُلم، يريد أنه يؤجره ولا يحب الظالم، والتقدير على هذا: لا يحب الله ذا الجهر بالسوء. واختلف أيضًا على القراءة بفتح الظاء في معنى الآية، فقيل: المعنى «إلا من ظلم» في فعل أو قول، فاجهروا له بالسوء من القول في معنى النهي عن الفعل والتوبيخ والرد عليه. وقيل: المعنى لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول ثم استثنى استثناء منقطعًا، فقال: لكن من ظلم فهو يجهر بالسوء وهو ظالم في ذلك. وقد اختلف في وجوب الضيافة فأوجبها الليث بن سعد فرضًا ليلة","vol":"2","page":291},{"text":"واحدة. وأجاز للعبد المأذون أن يضيف مما في يده، وذهب الشافعي وغيره: إلى أنها من مكارم الأخلاق من بادية أو حاضرة. قال مالك: ليس على أهل الحضر ضيافة. قال سحنون: إنما الضيافة على أهل القرى، وأما الحاضرة فالفندق ينزل فيه المساكين. واحتج الليث بقوله تعالى: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾ لأنها نزلت في منع الضيافة، فأبيح للضيف لوم من لم يحسن ضيافته وذكر قبح فعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>(١٧٦) - قوله تعالى: ﴿يستفتونك قل اله يفتيكم في الكلالة﴾ </span>الآية:\nقد تقدم الكلام عن الكلالة أول السورة بما يغني عن إعادته هنا، وكان أمر الكلالة عند عمر مشكلًا، ولذلك قال على المنبر ثلاثًا: «لو بينها النبي ﷺ لكان أحب إلي من الدنيا وما فيها: الجد والكلالة والخلافة وأبواب من الربا». ويروى أنه خطب الناس يوم جمعة، فقال: إني والله ما أدع شيئًا هو أهم إلي من أمر الكلالة. وقد سألت عنها رسول الله ﷺ فما أغلظ في شيء ما أغلظ لي فيها حتى طعن في نحري، وقال: يكفيك آية السيف التي نزلت في آخر سورة النساء، فإن أعش فأقضي فيها بقضية لا يختلف فيها اثنان ممن يقرأ القرآن، فعلى قول عمر آية السيف هي هذه. وروى أبو سلمة أن النبي ﷺ: سئل عن الكلالة فقال: «ألم تسمع الآية التي نزلت في السيف»: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة﴾ [النساء: ١٢] إلى آخر الآية، فعلى هذا آية السيف في صدر السورة، وقد قال البراء بن عازب آخر آية نزلت على النبي ﷺ: ﴿يستفتونك قال الله يفتيكم","vol":"2","page":292},{"text":"في الكلالة﴾، وقال كثير منهم: هي من آخر ما أنزل.\nونزلت هذه الآية بسبب جابر بن عبد الله قال: عادني رسول الله ﷺ وأنا مريض، فقلت: يا رسول الله كيف أقضي في مالي وكان لي تسع أخوات ولم يكن لي والد ولا ولد؟ فنزلت الآية، ونزلت بالمدينة، وقيل: في سفر كان فيه النبي ﷺ. وقوله تعالى: ﴿فإن كانتا اثنتين﴾ فيه قولان، قال الأخفش: التقدير فإن كان من ترك اثنتين، وجاء الضمير على معنى من. وقال المازني: فائدة الخبر ها هنا أنه لما قال: «كانتا» كان يجوز أن يكون الخبر صغيرتين أو كبيرتين، فما قال: «اثنتين» اشتمل على الصغير والكبير. وقد تقدم كثير من الكلام على فقه هذه الآية فأغنى عن إعادته، والله الموفق للصواب.","vol":"2","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>سورة المائدة</span>\nهذه السورة مدنية بلا خلف، وروي أنها نزلت في منصرف النبي ﷺ من الحديبية.\nوقيل: إن منها ما نزل في حجة الوداع، ومنها ما نزل عام الفتح، وهو قوله: ﴿ولا يجرمنكم شنئان﴾ [المائدة: ٢].\nوكل ما نزل من القرآن بعد هجرة النبي ﷺ فهو مدني، سواء نزل بالمدينة أو في سفر من الأسفار أو بمكة، وإنما يوسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة. وقد قال بعضهم: كل ما وجد في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فهو مدني. وروي أنه ﵊، قال: «سورة المائدة تدعى في ملكوت السماوات والأرض المنقدة»، أي تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب وفيها من الأحكام والناسخ والمنسوخ مواضع. وقد","vol":"2","page":294},{"text":"قيل: ليس فيها منسوخ، لأنها آخر سورة نزلت، والصحيح ما قدمناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>(١) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود﴾:</span>\nاختلف في تأويل العقود:\nفقيل: هي العهود التي عاهد عليها بعضهم في الجاهلية من النصرة والمؤازرة، أمروا أن يوفوا بها في الإسلام، وذلك إذا لم يكن في الوفاء بها معصية.\nوذكر ابن فرات بن حيان أن العجلي سأل رسول الله ﷺ عن حلف الجاهلية، فقال: «لعلك تسأل عن حلف لخم وتيم»، قال: نعم يا نبي الله، قال: «لا يزيده الإسلام إلا شدة».\nوقيل: هي ما عقده المرء على نفسه من بيع وشراء وإجارة وكراء وطلاق ومناكحة ومواعدة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير، وغير ذلك من الأمور مما كان غير خارج عن الجائز في الشريعة. وكذلك ما عقده على نفسه لله ﷿ من الطاعات كالحج، والصيام، والاعتكاف، والقيام، وما أشبه ذلك من طاعات ملة الإسلام.\nوقيل: نزلت الآية في أهل الكتاب، وأمروا أن يوفوا بما أخذ عليهم","vol":"2","page":295},{"text":"من الميثاق في تصديق النبي ﷺ. وقد كتب بها النبي ﷺ إلى أهل نجران.\nوقيل: ﴿أوفوا بالعقود﴾ معناه: بما أحل الله تعالى وبما حرم وبما فرض وبما حد من جميع الأشياء، ووجه القول في هذا أن العقود تنقسم إلى ثلاثة أقسام: منها ما عقده الله تعالى على عبيده، ومنها ما عقده المرء على نفسه، ومنها ما عقده المرء بينه وبين غيره.\nثم هي منقسمة على خمسة أقسام: منها ما يجوز الوفاء به. ومنها لا يجوز الوفاء به، ومنها ما يخير المرء في الوفاء به، ومنها ما يكره الوفاء به، ومنها ما يستحب الوفاء به.\nولفظ العقود يقع على ذلك كله، فهل هو من قبيل المجمل الذي لا يجوز التمسك به حتى يدل دليل على المراد به، أو من قبيل العام الذي يجوز التمسك به في آحاد المسائل حتى يرد مخصص؟\nفقيل: هو من قبيل المجمل؛ كقوله تعالى: ﴿وافعلوا","vol":"2","page":296},{"text":"الخير﴾ [الحج: ٧٧]، لا يجوز الاحتجاج به في وجوب الوتر ونحو ذلك.\nوقيل: هو عام، فيجب أن تحمل الآية على عمومها في كل ما يقع عليه اسم عقد من النذور والأيمان وغير ذلك إلا ما خصصه الشرع، فإذا قلنا بذلك فمن هذه الأشياء ما اتفق عليه، ومنها ما اختلف فيه؛ فمن ذلك النذور اتفق على لزوم الوفاء بنذر طاعة شكرًا لله ﷿ إن كان كذا وكذا فلا خلاف أن هذا داخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾.\nواختلف في النذر المطلق الذي ليس معلقًا بصفة، وفي النذر الخارج مخرج اليمين، وفي النذر في حال اللجاج والغضب، هل يلزم أم لا؟ فعندنا أنه يلزم لعموم قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾، وهذه عقود لا شك فيها.\nواختلف في المذهب إذا قال: «لله علي أن أفعل كذا وكذا، وأن لا أفعل كذا»، لقربه من القرب، ولم يأت بلفظ النذر هل يلزم أم لا؟","vol":"2","page":297},{"text":"فعندنا فيه قولان: والصحيح لزومه؛ لقوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾، من ذلك نذر فعل مباح. واختلف فيه:\nفقال ابن حنبل: إن فعله لم يكن عليه شيء، وإن لم يفعله فعليه كفارة، وعندنا أنه لا يلزمه فعله ولا عليه في تركه كفارة؛ لأن النذر الذي يلزم الوفاء به هو الذي فيه قربة، وهذا لا قربة فيه.\nواختلف في الذي ينذر في الجاهلية نذرًا مما يوجبه المسلمون لله تعالى، ثم أسلم.\nفقال الشافعي: واجب عليه الوفاء بنذره ومن حجته عموم الآية كما قدمناه، وقال مالك: إنه لا يجب الوفاء به.\nفقال الشافعي: واجب عليه الوفاء بنذره ومن حجته عموم الآية كما قدمناه، وقال مالك: إنه لا يجب الوفاء به.\nومن ذلك الأيمان اتفق على وجوب الوفاء باليمين التي يعقدها الإنسان على نفسه باسم من أسماء الله ﷿، فلا خلاف أن هذا","vol":"2","page":298},{"text":"داخل تحت قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾، فإن حنث فيها فكفارتها ما ذكره الله تعالى في كتابه، سيأتي الكلام عليه. واختلف في لزوم الوفاء باليمين التي يعقدها الإنسان على نفسه بطاعة من الطاعات كالعتق والمشي إلى مكة والصدقة بالمال، ونحو ذلك.\nفمنهم من لم يلزم شيئًا من ذلك باليمين، ولم ير فيه إلا كفارة يمين. ومنهم من لم يلزم شيئًا من ذلك ولا أوجب فيه كفارة يمين. ومنهم ن ألزم العتق ولا يلزم الطاعات. ومنهم من ألزم الحالف بشيء من الطاعات، الوفاء بها وهو أصل مذهب مالك، وشذت له مسائل عن هذا الأصل يجب ردها إليه. وحجتنا على هذا القول عموم الآية أي قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾، وهذه كلها عقود لا شك فيها، فيجب الوفاء بها، وهذا كله فيما لله تعالى فيه طاعة، فأما ما ليس فيه طاعة فلا يجب الوفاء به، إلا أنه اختلف في الطلاق إذا خرج مخرج اليمين هل يلزم أم لا؟ وذلك ليس مما لله فيه طاعة.\nفالجمهور على أنه يلزم، وذهب بعضهم إلى أنه لا يلزم.","vol":"2","page":299},{"text":"ومن حجة الجمهور عموم الآية، ومن ذلك الهبة والصدقة.\nواختلف في جواز الرجوع فيها للأجنبي ما لم يقبضها، فأجازه الشافعي وأبو حنيفة مطلقًا، وأجازه بعضهم في الهبة ولم يجزه في الصدقة، وهذا أحد قولي الشافعي، ولم يجزه مالك في واحد منها، والحجة له رحمه الله تعالى قوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعقود﴾. والعقد هو الإيجاب والقبول وهو موجود في مسألتنا، فالوفاء به واجب.\nواختلف فيما وهبه الأب لابنه هل له الرجوع فيه، وإن قبضه الابن، أم لا؟ فقال مالك: له ذلك، وبه قال الشافعي على خلاف له، ولمالك في الجد وعلى خلاف لمالك في الأم والجدة.\nوقال أبو حنيفة: لا رجوع للأب ولا لذي رحم محرم فيما وهبه، وأجازه الرجوع للأجنبي.\nوحجة مالك ومن قال بقوله ما روي عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يحل لأحد أن يعطي عطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي لولده»، وهو حديث صحيح، وهو نص في مسألة الأجنبي، فالوالد","vol":"2","page":300},{"text":"مخصص لعموم الآية.\nومن ذلك الشروط المشترطة في النكاح التي لا تفسده ولم يقترن بها تمليك ولا عتق ولا حظ من الصداق.\nفعند مالك ﵀ أنها تلزم، وعند ابن شهاب وغيره أنها تلزم من التزمها، فمن ألزمها رآها داخلة تحت لفظ العقود، ومن لم يلزمها خصصها من ذلك باعتبار ما فيه قربة. ومن حجة ابن شهاب وغيره قوله ﵊: «المسلمون عند شروطهم»، وقوله ﵊ «أحق الشروط أن توفوا له ما استحللتم به الفروج».\nالقول في هذه الآية أشعر أو لم يشعر وهو قول الشافعي، ومن","vol":"2","page":301},{"text":"حجته الآية على هذا التأويل، وظاهر قول النبي ﷺ: «زكاة الجنين زكاة أمه».\nومالك يقول: إن أشعر جاز أكله إذا خرج ميتًا ولا يحتاج إلى ذكاة، وعلى هذا يتأول هذا التأويل في الآية والحديث، وأبو حنيفة لا يجيز أكله إلا أن يخرج حيًا فيذكي والحجة عليه ما قدمناه من الحديث والآية. والأحسن أن يقال: إنه أراد ببهيمة الأنعام الوحش، فأراد تعالى أن يعلمنا بأنها تحل لنا كما تحل الأنعام، ولذلك سماها بهيمة الأنعام، فتكون على هذا القول الأنعام داخلة في التحليل لأن مضمون الآية التسوية بينهما في التحليل، فمن جعل بهيمة الأنعام في الآية الجنين لم يحتج إلى إضمار الذكاة في الآية. ومن جعلها الوحش أو الماشية كما قدمنا احتاج في الآية إلى تقدير الذكاة؛ لأن أكلها لا يجوز إلا بذكاة كأنه قال: أحلت لكم ذكية بهيمة الأنعام ونحو ذلك. وهذا اللفظ مما يختلف فيه أكثر الأصوليين وهو قوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾، فمنهم من يقول: هو مجمل إذ لا يدري من هذا اللفظ ما أحل منها هل الركوب أو الأكل أو البيع أو غير ذلك، فيجب الوقف حتى","vol":"2","page":302},{"text":"يتبين المراد بذلك. ومنهم من يقول: هو على العموم في جميع الأشياء إلا أن يخصص منها شيء. والحذاق منهم يزعمون أن هذا نص على أنه إنما أراد الأكل من جميع تلك الأشياء، قالوا: إلا أن هذه لا يقتضيه وضع اللفظ، وإنما يقتضيه عرف الاستعمال. واختلف في أكل الجلالة فعندنا فيه الكراهية، وحرمه ابن حنبل.\nواختلف أيضًا في ألبانها وأبوالها وأعراقها على ثلاثة أقوال في المذهب: الطهارة والنجاسة والفرق بين الأبوال وبين غيرها. والحجة لمن يحرم أكل الجلالة ولا شرب ألبانها قوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمو الأنعام﴾، يريد أكلها فعم ولم يخصص جلالة من غيرها. وقوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ دليل خطابه أن ما ليس من بهيمة الأنعام فلم يحل إلا دليل الخطاب في القول به اختلاف. ومن يقول به تركه في بعض الأحوال لما يقتضي ذلك عنده، وسيأتي الكلام إن شاء الله على ما يتعلق بما أشرنا إليه. وذد اختلف في لحم القرد، فكرهته طائفة. وقالت طائفة: أكله جائز، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾.","vol":"2","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>(١) - وقوله تعالى: ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾:</span>\nقيل: أراد ما تلى في قوله بعد هذا: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣] الآية، وقيل: أراد الدم المسفوح من المذكاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>(١) - قوله تعالى: ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾:</span>\nاستثناء بعد استثناء، فاستثنى تعالى أولًا نوعًا من المأكول فلم يجزه، ثم استثنى نوعًا من المخاطبين فلم يجز لهم الصيد، وكأنه تعالى يقول إذ أحللنا لكم بهيمة الأنعام فلا تستحلوا أنتم الصيد وأنتم حرم، أي محرمون بحج أو عمرة كذا قال بعضهم، وعندي أن معناه: محرمون بحج أو عمرة أو داخلون في الحرم. ثم قال تعالى: ﴿إن الله يحكم ما يريد﴾، أي يحلل ما شاء ويحرم ما شاء.\nوهذه الآية قد تضمنت خمسة أحكام: الأول: الوفاء بالعقود، والثاني: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾، والثالث: ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾، والرابع: ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾، والخامس: ما دلت عليه الآية من إباحة الصيد للحلال، وهذا من أعظم الفصاحة. وحكي أن أصحاب الكندي قالوا","vol":"2","page":304},{"text":"له: أيها الحكيم اعمل لنا مثل القرآن. فقال: نعم أعمل مثل بعضه، فاحتجب أيامًا كثيرة، ثم خرج فقال: «والله ما أقدر، ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف فرجت لي سورة المائدة فنظرت، فإذا هو قد أمر بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلل تحليلًا عامًا، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، ولا يستطيع أحد أن يأتي بمثل هذا إلا في أجلاد». وقال بعضهم: يؤخذ من قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾، و﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ أن الكفار محظور عليهم ذبيح الأنعام؛ لأنه تعالى إنما أباح الأنعام مجازاة عن الوفاء بالعقود، قالوا: وذبيح الأنعام إنما عرفت إباحته بشرع نبينا سيدنا محمد ﷺ. وإذا أثبت ذلك فلا يباح ذبح البهائم للكفار وإن كانوا أهل كتاب. وهذا بعيد لأنه لو لم يكن ذبح البهائم مباحًا لهم ما جاز للمسلمين أكل ذبائح أهل الكتاب. ويمكن أن يقال على هذا بأنه","vol":"2","page":305},{"text":"محرم عليهم الذبح، لكنهم إذا ذبحوا أكلت ذبائحهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>(٢) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله﴾:</span>\nاختلف في الشعائر ما هي، فقيل: هي ما حرم الله تعالى، وقيل: مناسك الحج، كان المشركون يحجون ويعتمرون ويهدون وينحرون ويعظمون شعائر الله، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فقال تعالى: ﴿لا تحلوا شعائر الله﴾، وهو قول ابن عباس أيضًا. وقيل: هي ما حد تحريمه في الإحرام وهو قول ابن عباس أيضًا. وقيل: كان عامة العرب لا يعدون الصفا والمروة من الشعائر، وكانت قريش لا تقف بعرفات فنهوا بهذه الآية.\nوقيل: شعائر الله جميع ما أمر الله تعالى به ونهى عنه.\nوقيل: الشعائر ست: الصفا، والمروة، والبدن، والجمار، والمشعر الحرام، وعرفة، والركن. وقيل: شعائر الله: الصفا، والمروة،،الحرم، والمعنى: لا تحلوا الصيد في الحرم. وأصل الشعائر من أشعرت","vol":"2","page":306},{"text":"الشيء، إذا علمته، وهي جميع شعيرة، وهي المعلم. واختلف في الشهر الحرام ما المراد به، فقيل: هو اسم مفرد يدل على الجنس من جميع الأشهر الحرم؛ فكأنه تعالى قال: ولا الأشهر الحرم، وهذا قول ابن عباس، وهي أربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان. وإنما أضيف إلى مضر لأنها كانت تختص بتحريمه، وتزيل فيه السلاح، وتنزع الأسنة من الرماح. وتسميه: منصل الأسنة، ومنصل الأول، وتسميه: الأصم؛ لأنه كان لا يسمع فيه صوت سلام. وكانت العرب مجمعة على تحريم ذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم. وقيل: كانت ربيعة بأسرها تجعل رجبها رمضان، وتحرمه ابتداعًا منها، وكانت قريش ومن تابعها من مضر على الحق، فأقر رسول الله ﷺ ذلك. وكانت العرب تطول عليها الحرمة، وتمنع من الغارات ثلاثة أشهر، فلذلك اتخذت النسيء، وذلك أن يحل لها مثل نعيم بن ثعلبة المحرم من هذه الشهور، ويحرم","vol":"2","page":307},{"text":"صفرًا، ثم كذلك في سائر الأشهر الحرم، فنهى الله تعالى عن ذلك بقوله: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾ [التوبة: ٣٧]، وجعل المحرم أول الشهور من حيث كان الحج الموسم غاية العام، ولذلك دون به عمر بن الخطاب ﵁ الدواوين، فمعنى الآية لا تحلوا هذه الأشهر بقتال ولا غارة ول تغيير، فإن ذلك استحلال لحرمتها.\nوقيل: الشهر الحرام في هذه الآية رجب، وإنما خصصه الله تعالى بالذكر تشريفًا لأمره؛ لأنه مختصًا بقريش، ثم فشا في سائر مضر، يدل على هذا قول الأحوص.\nوشهر بني أمية والهدايا ... إذا حبت مضرجها الدماء\nوإنما نسبه إلى بني أمية لأنها من قريش، فخصص تعالى هذا الشهر تأكيدًا له، إذ لم تكن العرب مجمعة عليه. وقيل: الشهر الحرام في هذه الآية ذو القعدة، من حيث كان أولها، كذا قال بعضهم، فالمعنى في","vol":"2","page":308},{"text":"هذه الآية على الأقوال كلها عن استحلال هذه الشهور بالقتال فيها والتغيير لحالها. وأما الهدي فهو ما أهدي إلى البيت من النعم، وقصدت به القربة؛ فأمر الله تعالى أن لا يستحل ولا يغار عليه. وقيل: الهدي ما يتقرب به من الأنعام ومن سائر المتمولات، على هذا اختلف فيمن نذر هديًا، فقال مالك: لا يكون إلا من النعم. وقال الشافعي: يكون من كل ما يتمول، وهو قوله القديم. والصحيح ما ذهب إليه مالك؛ لأن عرف الشرع خصص الهدي بالنعم، فقال تعالى: ﴿هديًا بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥]، وقال: ﴿فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]، فوجب حمل النذر على عرف الشرع، وإن كان من حيث اللغة لا يمتنع أن يقع على سائر المتمولات اسم الهدي. وقد قال ﵊ في ساعات الجمعة: «كالمهدي بدنة» إلى أن قال: «كالمهدي بيضة»، فسمى البيضة هديًا.\nوقد قالت العلماء: إذا قال الرجل لو في هديًا أن عليه أن","vol":"2","page":309},{"text":"يتصدق به. قال بعضهم: وتدل الآية على تحريم الأكل من الهدي ما كان، وبه قال الشافعي خلافًا لمالك في إجازته الأكل من هدي التمتع والقران خاصة. ودليل مالك قوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا﴾ [الحج: ٢٨] الخ، وقوله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها﴾ [الحج: ٣٦].\nواختلف في القلائد، فقيل: هي الهدي المقلد، وأن الهدي إنما يسمى هديًا إذا لم يقلد؛ فكأنه قال: ولا الهدي الذي لم يقلد ولا المقلد.\nويحتمل أن يريد بالهدي مقلد الهدي، وغير مقلده، ثم خصص المقلد منها تأكيدًا لأمره وحرمته، وقول ابن عباس محتمل لهذين القولين، وكلاهما متأول عليه. وقيل: القلائد ما كان الناس يتقلدون منه لهم. قال قتادة: كان الرجل في الجاهلية -إذا خرج يريد الحج- يقلد من السمر قلادة فلا يتعرض له أحد بسوء؛","vol":"2","page":310},{"text":"إذ كانت تلك علامة إحرامه وحجه. وقال عطاء: بل كانوا إذا خرجوا من الحرم في حوائج لهم تقلدوا من شجره، ومن لحائه؛ فيدل ذلك على أنهم من أهل الحرم أو من حجاجه فيأمنون بذلك، فنهى الله تعالى عن استحلال من يحرم بشيء من ذلك. وقيل: القلائد ما تقلده الهدايا من شجر الحرم، فنهى الله تعالى المؤمنين أن يستحلوا أخذها من شجر الحرم كفعل الجاهلية، والآمون البيت الحرام هم الكفار الذين كانوا يأتون البيت حجاجًا نهى الله تعالى أن يستحلوا -فيغار عليهم- بهذه الآية. واختلف في المنسوخ من هذه الآية، فقيل: كل ما فيها من نهي عن مشرك أو مراعاة حرمة له بقلادة أو نحو ذلك فهو منسوخ بآلة السيف، قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]، وكذلك ما في قوله تعالى: ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾ من إباحة دخول المشركين البيت، قال ابن عباس: إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ [التوبة: ٢٨]، بقوله تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله﴾ الآية [التوبة: ١٨]. وقال مجاهد: لم ينسخ منها إلا القلائد كان الرجل يتقلد بالشيء من لحاء العرب فلا يقرب،","vol":"2","page":311},{"text":"فنسخ ذلك يريد بقوله ﷿: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]، وقال الطبري: الصحيح أن المنسوخ قوله: ﴿ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام﴾؛: لإجماعهم على أن قتال أهل الشرك في الشهر الحرام وغيره جائز، وكذلك المشرك لو تقلد ما تقلد ولم تكن له ذمة مأمور بقتله في قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]، وهذا الذي قاله فيه نظر؛ لأنه قد اختلف الناس في المائدة وبراءة آيتها نزلت قبل صاحبتها، وإذا لم يقطع بالمتأخرة منهما لم يصح النسخ.\nووجه القول في هذه الآية أن شعائر الله تعالى محارمه وحدوده، وأنه لا يصح بحال أن يستحل ما حرم الله تعالى منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>(٢) - وقوله: ﴿ولا الشهر الحرام﴾:</span>\nلا خلاف في جواز القتال فيه وأنه صار حلالًا بعد أن كان حرامًا لكن","vol":"2","page":312},{"text":"بقيت حرمة الشهر في نفسه محرمة، وكذلك حرمة الهدي والقلائد باقية إلى يوم القيامة، لكنها لا تعصم أحدًا ممن وجب عليه قتل أو حد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>(٢) - قوله تعالى: ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾:</span>\nهذا اللفظ عام للمؤمن والمشرك خص منه المشرك فأبيح قتله، أو أوجب على حسب حاله، وبقي عموم اللفظ في حق المؤمن. واختلف في سبب الآية: فقال أكثرهم: إنها نزلت في حق الحطم بن هند البكري أخي بني ربيعة، وذلك أنه قال رسول الله ﷺ يومًا لأصحابه: «يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان الشيطان»، فجاء الحطم فخلف خيله خارج المدينة ودخل على رسول الله ﷺ، فلما عرض رسول الله ﷺ الإسلام عليه ودعاه إلى الله تعالى. قال: انظر ولعلي أسلم وأرى في أمرك غلظة ولي من أشاور وخرج، فقال النبي ﷺ: «دخل بوجه كافر وخرج","vol":"2","page":313},{"text":"بعقب غادر»، فمر بسرح من المدينة فساقه وانطلق به يقول:\nقد لفها الليل بسواق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم\nولا بجزار على ظهر وضم ... بانوا نيامًا وابن هند لم ينم\nبات يقاسيها غلام كالزلم ... خدلج الساقين خفاق القدم\nثم أقبل الحطم في عام آخر حاجًا، وساق الهدي، فأراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه، وخف إليه أناس من أصحاب رسول الله ﷺ فنزلت الآية نهيًا عن الحجاج أن يقطع سبيلهم. وروي أن الآية نزلت عام الفتح، ورسول الله ﷺ بمكة إذ جاء ناس من المشركين يحجون ويعتمرون، فقال المسلمون: يا رسول الله إن هؤلاء المشركون، فلن ندعهم إلا أن نغير عليهم، فنزل القرآن: ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>(٢) - وقوله تعالى: ﴿يبتغون فضلًا من ربهم ورضوانًا﴾:</span>\nقيل: الربح، وقيل: الأجر والتجارة، وقيل: الفضل والتجارة، والرضوان الحج. واستدل بعضهم بهذه الآية على جواز دخول مكة بلا","vol":"2","page":314},{"text":"إحرام إلا في الحج خاصة، وهو قول الشافعي خلافًا لمالك ﵀ في أن ذلك لا يجوز إلا للمترددين على مكة كالحطابين وأصحاب الفواكه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>(٢) - وقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾:</span>\nأمره تعالى هنا بالصيد أمر إباحة بإجماع، وقد اختلف أهل الأصول، الذين يقولون: الأمر للوجوب، في الأمر إذا ورد بعد الحظر هل هو كما لو ورد ابتداء أم يؤثر فيه تقدم الحظر عليه فلا يكون إلا للإباحة؟ ومن يقول بتأثير الحظر يحتج بهذه الآية. ولا حجة في ذلك لأن ما اقترن بهذا الأمر من القرائن دل على أنه على الإباحة، وإنما كلامنا فيما لم تقترن به قرينة. ونص هذه الآية إباحة الصيد لغير المحرم. ودليل خطابها منعه للمحرم. فأما إباحته لغير المحرم فلا خلاف فيه؛ إذ اصطياده لحاجة إليه. وأما للهو فاختلف فيه، فكرهه مالك، وأباحه أحمد لعموم قوله","vol":"2","page":315},{"text":"تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾. وأما اصطياد المحرم فلا أعرف خلافًا في منعه، كما دلت عليه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>(٢) - وقوله تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا﴾:</span>\nقوله: ﴿ولا يجرمنكم﴾، وقيل: معناها لا يحملنكم، وقيل: لا يكسبنكم، وقيل: لا يحنقنكم. وقد اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب مجاهد إلى أنها محكمة، وأنها نزلت في النهي عن الطلب بدخول الجاهلية إن أراد قوم من المؤمنين ذلك، وقد قتل بذلك حليف لأبي سفيان من هذيل. وقد قال النبي ﷺ: «لعن الله من قتل بدخل من الجاهلية»، وقيل: المعنى لا يكسبنكم شنآن قوم، أي يغضهم أن تعتدوا فيهم الحق إلى الباطل، والعدل إلى الظلم. قال ﵊: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك»، وفيه دليل على أنه يجوز مقابلة الظلم بما يجوز أن يكون عقوبة له، وقد أذن الشرع في ذلك. قيل: الآية منسوخة، والذين قالوا ذلك اختلفوا في سببها، فقال بعضهم: نزلت في عام الفتح حين أراد المؤمنون أن يستطلبوا على قريش وألفافها من القبائل المتظاهرين","vol":"2","page":316},{"text":"على صد رسول الله ﷺ عام الحديبية وذلك سنة ست من الهجرة فحصلت بذلك بغضاء في قلوب المؤمنين للكفار. فقيل للمؤمنين عام الفتح وهو سنة ثمان: ﴿ولا يجرمنكم﴾ أي: لا يحملنكم على البغض من أجل أن صدوكم على أن تعتدوا عليهم. وقال بعضهم: نزلت عام الحديبية، لأنه لما صد المسلمون عن البيت مر بهم قوم من أهل نجد يريدون البيت، فقالوا: نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم، فنزلت الآية. وقيل: إنها نزلت في رجل من ربيعة يقال له الحطم بن هند وهو المتقدم الذكر، أتى حاجًا وقد قلد، فأراد أصحاب النبي ﷺ أن يخرجوا إليه فنهوا عن ذلك، وقال بعضهم: كان اسمه ضبيعة بن شرحبيل البكري، وهذه الأقوال في سبب الآية تدل كلها على مراعاة حرمة الكفار وترك قتالهم.\nقال ابن زيد: وهذا منسوخ بالجهاد، وذهب إلى أنه لما جاز قتال المشركين جاز أن يعتدي عليهم. وقد اختلف هل يجوز للرجل أن يؤجر نفسه أو داره أو ودابته أو غلامه في شيء من عمل الخمر؟ فمنعه","vol":"2","page":317},{"text":"مالك ومن تابعه، وأجازه أبو حنيفة، دليلنا عليه قوله تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ وهذا منه. وكذلك اختلف هل يجوز أن يبيع الرجل كرمه لمن يعصره خمرًا؟ والحجة لمن منعه ما ذكرنا، وكذلك اختلف هل يجوز بيع سكين أو سيف لمن يعلم أنه يقتل به رجلًا أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>(٣)، (٤) - قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ...﴾ إلى قوله: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم﴾:</span>\nهذه الأشياء التي حرمها الله تعالى على ثلاثة أقسام: منها ما حرمه لعدم الذكاة، وهي الميتة وحدها، أو الميتة والمنخنقة وأخواتها، على ما يأتي من الخلاف في ذلك.\nومنها: ما حرمه لوصم من الذكاة، وهي ما أهل به لغير الله، وما ذبح على النصب. ومنها ما حرم لعينه لا لعدم الذكاة، ولا لوصم فيها وهو الدم ولحم الخنزير، ولا بد من إفراد الكلام على كل لفظة من ألفاظ هذه الآية، فإنها تتضمن أحكامًا كثيرة.\nفأما الميتة؛ فالمراد بها ما مات حتف أنفه إلا أنها على قسمين: فقسم اتفق على تحريمه بالآية، وهو كل حيوان بري له نفس سائلة مات حتف أنفه. وقسم اختلف في تحريمه على حسب الاختلاف في لفظ الآية هل","vol":"2","page":318},{"text":"يحمل عليه أم لا؟ فمن ذلك ميت صيد البحر إذا لم تكن له حياة في البر فمات بغير ذكاة، فأجازه الأكثر ورآه مخصصًا من عموم الآية. ولم يجزه أبو حنيفة، وقد مضى الكلام على ذلك في سورة البقرة. ومن ذلك أيضًا ميت حيوان البر إذا لم تكن له نفس سائلة ومات من غير شيء صنع به. واختلف فيه أيضًا على قولين، وحجة من لم يحله عموم الآية، وقد مر الكلام على عظام الميتة وجلودها وشعرها في سورة البقرة.\nوكانت العرب تحل أكل الميتة، ولذلك نزلت فيها الآية. وأما الدم الذي حرمه الله تعالى في هذه الآية من غير تفصيل، فيقتضي جميع الدماء مسفوحها وغير مسفوحها إلا أنه قد جاء في آية الأنعام تحريم الدم مقيدًا بالمسفوح، فقال ابن شعبان: قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾. وهذا منه غلط؛ لأن الأنعام مكية والمائدة مدنية، والمكي لا ينسخ المدني باتفاق. والذي ينبغي أن يقال في الآيتين أنه يحتمل أن تكون الآية المطلقة محمولة","vol":"2","page":319},{"text":"على المقيدة، وهو مذهب أكثر الأصوليين، فلا يكون محرمًا بالآية إلا المسفوح، ويحتمل أن لا يحمل عليها، فتحمل المطلقة على عمومها على قول من يقول بالعموم، فيقتضي تحريم المسفوح وغير المسفوح؟ إلا أن يخصص منها شيء بدليل آخر. ويكون تعالى قد خصص المسفوح بالذكر في آية أخرى تأكيدًا لأمره، وإلى نحو هذا يذهب من لا يرى حمل المطلق على المقيد من الأصوليين، فاتفق على أن الدم المسفوح حرام للآية المقيدة وكذلك الكثير من غير المسفوح للآية المطلقة.\nواختلف في اليسير مما عدا المسفوح، فقال مالك مرة: الدم كله نجس فهو حرام. وحجة هذا القول عموم آية قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾، فلم يخص مسفوحًا من غيره. وقال أيضًا: لا تعاد الصلاة من الدم اليسير، قال ﷿: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وقال محمد بن مسلمة: المحرم المسفوح، قال: وقد جاء عن عائشة أنها قالت: «لولا أن الله ﷾ قال: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ لاتبع المسلمون ما في العروق كام اتبعه اليهود». وقد تطبخ البرمة وفيها الصفرة، ويكون في اللحم والدم، فلا يكون على الناس غسله، قال: ولو كان قليله ككثيره لكان كبعض النجاسات تقع في الطعام فلا يؤكل. وقد اختلف في","vol":"2","page":320},{"text":"الشاة إذا قطعت وظهر الدم في اللحم، فقال مالك مرة: حرام، جعل الإباحة فيه ما يظهر لأن اتباعه من العروق حرج. وقال مرة: حلال؛ لقوله سبحانه: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. واختلف في دم ما لا يحتاج إلى ذكاة وهو الحوت، فالمشهور عن مالك أنه نجس حرام، وقال أبو الحسن القابسي: ليس بنجس، وحمل قول مالك في غسله على الاستحسان فعلى ذلك يكون حلالًا. والقول الأول أحسن؛ لأن الحوت كالمذكى من حيوان البر، فلما كان الدم حرامًا مع وجود الذكاة كان حرامًا من الحوت؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والدم﴾؛ لأن الدم محرم بغير علة، فإن كان سائلًا جاريًا كما يكون في بعض الحوت كان كالمسفوح من حيوان البر، إن كان غير سائل ولا جارٍ جرى لخلاف في مثله من البري. ويختلف فيما كان في الدم مما ليس له نفس سائلة من","vol":"2","page":321},{"text":"حيوان البر، فعلى القول باحتياجه إلى الذكاة يحرم ما كان من دمه قبل الذكاة، ويختلف فيما ظهر منه بعد الذكاة. وعلى القول بأنه لا يحتاج إلى ذكاة، ويكون ما كان منه في حال الحياة وبعدها سواء يختلف فيه إذا ظهر وبان من الجسم. وكانت العرب تستبيح الدم منه. قولهم: لم يحرم من قصد له، وكانوا يأكلون الدم بالقرا في الشدائد ويسمونه العلهز، ولذلك نزلت الآية في تحريم الدم. وأما الخنزير، فإنما نص عليه تعالى وإن كان شحمه وجلده مثل ذلك في التحريم؛ لأنه الغالب والأكثر والمعتاد في الأكل من الحيوان. وكانت العرب تحل أكل لحم الخنزير، فنزلت الآية لذلك أيضًا. وقد تقدم الكلام على هذا الفصل فأغنى عن إعادته هنا. وأما ما أهل به لغير الله فقد تقدم الكلام عليه أيضًا، وكانت العرب تحل أكل ذلك.\nوأما المنخنقة، فهي التي تختنق بحبل ونحوه. وذكر عن قتادة: أن أهل الجاهلية كانوا يختفون الشاة وغيرها، فإذا ماتت أكلوها.","vol":"2","page":322},{"text":"والموقوذة المضروبة بعصا أو نحوها، من وقذه يقذه وقذا إذا ضربه، وكانت العرب تفعل ذلك بها حتى تموت ويأكلونها.\nوقال بعضهم: ليس الموقوذة إلا فيما ملك، فأما الصيد فليس فيه موقوذ. وعن مالك وغيره من الفقهاء: أن من الصيد أيضًا موقوذًا، وعلى هذا الأصل اختلفوا فيما قتل المعراض -عصا برأسه حديد ويسمى عنه العامة باللواي- بعرضه، فالجمهور على أنه لاى يؤكل. وحكي أنه يؤكل. وقال الأوزاعي: خرق أو لم يخرق، ومما يؤيد قول الجمهور حديث عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله إني أرمي بالمعراض فأصيب، أفآكل؟ قال: «إذا رميت بالمعراض وذكرت الله تعالى فأصاب فخرق فكل، وإن أصاب بعرضه فلا تأكل»، وفي رواية أخرى: «أصاب فخرق فكل وما أصاب بعرضه فقتل، فإنه وقيذ فلا تأكل». واختلفوا أيضًا فيما قتل بالبندقية، فالجمهور على أنه لا يؤكل، خلافًا لعمار وابن أبي","vol":"2","page":323},{"text":"ليلى، وابن المسيب، في إجازة ذلك. وهذا كله يدل على أن شرط ذكاة الصيد الجراحة وإسالة الدم، ولهذا قال الشافعي في قول: إذا أخذ الكلب الصيد وقتله ضغطًا فإنه لا يحل أصلًا كما لا يحل صيد المعراض، وبه قال أصحاب مالك. وأما ما صدمه الكلب أو نطحه فمات من غير جرح، فقال ابن القاسم: لا يؤكل، وهو قول أبي حنيفة. وعند أشهب: يؤكل وهو أحد قولي الشافعي، وهذا الصيد يحتمل أن يلحق بالموقوذة، ويحتمل أن يلحق بالنطيحة وكيفما كان، فالأظهر أنه لا يؤكل.\nوالمتردية هي التي تتردى من العلو إلى الأسفل، مفتعلة من الردى وهو الهلاك، وكانت الجاهلية تأكلها. وقد اختلف في الصيد إذا","vol":"2","page":324},{"text":"جرحه السهم أو الكلب ولم ينفذ مقاتله فسقط في ماء أو من أعلى جبل، فقيل: إنه يؤكل، وقيل: إنه لا يؤكل. واختلف فيه عن مالك ﵀، فروي ابن القاسم: أنه لا يؤكل، وروى ابن وهب: أنه يؤكل. ومن حجة من لا يرى الأكل إلحاقه بالمتردية. والنطيحة الشاة التي نطحتها الأخرى أو غير ذلك، فهي فعيلة بمعنى مفعولة. وقيل: النطيحة الناطحة؛ لأن الشاتين قد تناطحا فتموتان، فهي فعيلة بمعنى فاعلة. وما أكل السبع: كل ما افترسه ذو ناب وأظفار من بمعنى فاعلة. وما أكل السبع: كل ما افترسه ذو ناب وأظفار من الحيوان، كالأسد والنمر والثعلب والذئب والسبع على الأسد. وكانت العرب تأكل هذا أيضًا، وكانت العرب لا تعتقد الميتة إلا ما ماتت بوجع ونحوه دون سبب يعرف. فأما هذه الأسباب فكانت عندها كالذكاة، فحضر الشرع الذكاة إلى صفة مخصوصة وبقيت هذه كلها ميتة. وقد اختلف المفسرون في المنخنقة وأخواتها التي ذكرناها","vol":"2","page":325},{"text":"آنفًا هل المراد بها ما مات م ذلك، أو ما أشرف على الموت نفذت مقاتله أو لم تنفذ؟ على ثلاثة أقوال: فذهب جماعة إلى أن المراد بالمنخنقة وأخواتها ما مات من ذلك، قالوا: إنما ذكر الله تعالى الميتة حتف أنفها، والتي تموت بهذه الأسباب، فأخبر أن جميعها بمنزلة سواء في التحريم، وهذا قول ضعيف؛ لأن الميتة اسم عام يدخل الميتة حتف أنفها، والتي تموت بهذه، فلو كان المعنى كذلك لم يكن لذكر المنخنقة وأخواتها في الآية معنى، إلا أنه قد يقال: إنما ذكر الله تعالى هذه الأشياء مع الميتة لما قدمناه مما كانت قد يقال: إنما ذكر الله تعالى هذه الأشياء مع الميتة لما قدمناه مما كانت العرب تعتقده فيها. والاستثناء على هذا القول متصل بلا خلاف. وذهب كثير من العلماء إلى أن المراد بذلك ما أشرف على الهلاك ولم ينفذ له مقتل. وذهب بعضهم إلى أن المراد بالمنخنقة وأخواتها ما أشرف على الهلاك، نفذت مقاتله أم لا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>(٣) - وقوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾:</span>\nمختلف فيه على هذين القولين على الاستثناء متصل أو منفصل؟ فالذين فسروا المنخنقة وأخواتها وإن صارت بما أصابها إلى حال اليأس ما لم ينفذ لها مقتل، وهو وقول ابن القاسم وروايته عن مالك. وذهبت جماعة منهم أيضًا إلى أنه استثناء منفصل. قالوا: فالتقدير: لكن ما ذكيتم","vol":"2","page":326},{"text":"من غير هذه الأشياء، فلم يجيزوا ذكاة هذه الأشياء إذا صارت في حدج اليأس مما أصابها وإن لم ينفذ لها مقتل، وهو مالك في الروايتين عن أشهب عنه، وقول ابن الماجشون وابن عبد الحكم وروايته عن مالك. والذين ذهبوا إلى أن المنخنقة أخواتها ما نفدت مقاتلها كما ذكرنا اختلفوا أيضًا في الاستثناء، فذهب الأكثر إلى أنه منفصل، والتقدير: لكن ما ذكيتم من غير هذه الأشياء، فلم يجيزوا أكلها؛ لأنها بسبيل الميتة، وإن تحركت بعد ذلك فإنما هي بسبيل الذبيحة التي تتحرك بعد الذبح. وذهب قوم إلى أن الاستثناء متصل، وأن المنخنقة وأخواتها وإن نفذت مقاتلها بما أصابها فما بقيت فيها حياة بتحريك يد أو رجل، فالذكاة عاملة وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس، وقد ينسب هذا القول لابن القاسم.","vol":"2","page":327},{"text":"والاستثناء في هذه الأقوال كلها إذا كان متصلًا فهو من جميع الأشياء المتقدمة، وذهب بعضهم إلى أن الاستثناء إنما هو من أكل السبع خاصة، وأحسبه يرجع إلى أقرب مذكور، وهو مذهب بعض الأصوليين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>(٣) - قوله تعالى: ﴿وما ذبح على النصب﴾:</span>\nالنصب حجارة تنصب، كان منها حول الكعبة ثلاثمائة وستون حجرًا، وكل أهل الجاهلية يعظمونها ويذبحون عليها لآلهتهم ولها أيضًا، وتلطخ بالدماء، ويوضع عليها اللحوم قطعًا قطعًا ليأكل منها الناس. وكان أهل مكة يبدلون تلك الحجارة إذا رأوا أعجب منها إليهم. وهذه النصب ليست بالأصنام؛ لأن الأصنام مصورة والنصب غير مصورة. وقال بعضهم: ما ذبح على النصب وما أهل به لغير الله واحد يريد -والله تعالى أعلم- أن ما على النصب جزء منه. وقد تقدم الكلام على حكم ما ذبح على النصب -هل يؤكل أم لا- في سورة البقرة. وبسبب ما كانت العرب تفعل من الذبح على تلك النصب نزلت آية: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها﴾ [الحج: ٣٧]، وقوله: ﴿وما ذبح على النصب﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>(٣) - وقوله تعالى: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾:</span>\nحرم الله تعالى القسم بالسهام وهي بالأزلام، وكانت أزلام العرب ثلاثة أنواع، منها الثلاثة التي كان يتخذها كل إنسان لنفسه، على أحدها: أفعل، والآخر: لا تفعل، والثالث: مهمل لا شيء عليه، فيجعلها في","vol":"2","page":328},{"text":"خريطة فإذا أراد شيء أدخل يده وهي متشابهة فأخرج أحدها وأتمر وانتهى يحسب ما يخرج له وأن خرج القدح الذي ليس فيه شيء أعاد الضرب، وهذه هي التي ضرب بها سراقة بن مالك بن جعشم حين اتبع النبي ﷺ وأبا بكر ﵁ وقت الهجرة، ومن ذلك حديث امرئ القيس المشهور حينت أراد أن يغزو بني أسد وإلى ذلك أشار الشاعر بقوله:\nسأقضي للذي قالوا بعزم ... ولا أبغي لذلكم قداحًا\nوالنوع الثاني: سبعة أقداح كانت عند هبل في جوف الكعبة فيها أحكام العرب وما يدور بين الناس من النوازل في أحدها: «العقل»، وفي آخر: «منكم»، وفي آخر: «من غيركم»، وفي آخر: «ملصق»، وفي سائر الأحكام، وهي التي ضرب بها. وهذه السبعة متخذة عند كل كاهن من كهان العرب وكفاركم على نحو ما كانت في الكعبة عند هبل. والنوع الثالث: قداح الميسر وهي عشرة، سبعة منها لها حظوظ بعداد الخطوط","vol":"2","page":329},{"text":"التي فيها، وثلاثة أغفال، وكانوا يضربون بها مقامرة، فكان فيها لهو البطالين، وكان عقلاؤهم يقصدون بها إطعام المساكين في كلب البرد، وكان منهم من يستقسم بها لنفسه طلب الكسب والتجارة، وقد تقدم ذكر هذه في سورة البقرة بما أغنى عن إعادتها. والاستقسام بهذه كلها هو طلب القسم والنصيب، وهو من أكل المال بالباطل، وقد حرمه الله تعالى، وكل مقامرة بحمام أو نرد أو شطرنج أو سباق أو غير ذلك من الألقاب فهي استقسام بما هو في معنى الأزلام حرام كلها. وقد اختلف في السباق بالسهام وغيرها فأجازه عطاء في السهام وفي كل شيء متأولًا حديث عائشة: «كان رسول الله ﷺ يسابقني على قدميه فكنت أسبقه، فلا أخذت اللحم سبقني».\nوقال ابن المنذر: إن كان أراد جوازه في كل شيء على غير","vol":"2","page":330},{"text":"الرهان فهو سهل، وإن أراد على الرهان فلا معنى له إذ هو خلاف السنة. وأجاز مالك السباق بالسهام والخيل والإبل لا غير؛ لقوله ﵊: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حاضر». قوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم ن قوة ومن رباط الخيل﴾ [الأنفال: ٦٠] الآية، وهو أحد قولي الشافعي، وأجازه الشافعي في أحد قوليه في تلك الأشياء الثلاثة وفي البغال والحمير. وأجازه بعضهم في الخيل والإبل، ولم يجزه في غير ذلك لما وري من أنه ﵊، وقال: «لا سبق إلا في خف أو حافر». وقال أبو حنيفة: لا يجوز الرهان بحال لأنه قمار.\nوزعم قوم أن سباق الخيل والقرعة نسختها آية القمار، وهذا السباق الذي ذكرناه وإن كان من جملة الاستقسام الذي حرم الله تعالى، فما جاء عن النبي ﷺ في الخيل والإبل والبهائم يبين أن الآية لم يرد بها ذلك، فيقتصر على ما ورد عنه ﵊ في ذلك ويبقى الباقي على ما تقتضيه ألفاظ الآيات من التحريم. قال أبو الحسن: وقد استنبط بعض الناس من هذا الرد على الشافعي في الإقراع على","vol":"2","page":331},{"text":"المماليك في العتق، ولم يعلم أن الذي قاله الشافعي بناه على الأخبار الصحيحة وليس مما يعترض عليه بالنهي عن الاستقسام بالأزلام، فإن العتق حكم شرعي يجوز أن يجعل الشرع فيه خروج القرعة علمًا على إثبات حكم العتق قطعًا للخصومة أو لمصلحة يراها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>(٣) - وقوله تعالى: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾:</span>\nمعناه: يئسوا أن ترتدوا عن دينكم، وهذه الآية نزلت في أثر حجة الوداع، وقيل: يوم عرفة يوم الجمعة.\nواختلف في اليوم المشار إليه في الآية؟ فقيل: يريد اليوم المخصوص، يوم عرفة، وقيل: أراد زمان النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>(٣) - وقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾:</span>\nالإشارة باليوم إلى ما قدمناه، واختلف في الكمال الذي ذكره الله تعالى ما هو؟ فقيل: هو الإظهار واستيعاب معظم الفرائض، والتحليل والتحريم، قالوا: وقد نزل بعد ذلك قران كثير ونزلت آية الربا وآية الكلالة إلى غير ذلك، وإنما كمل معظم الدين وأمر الحج بأن حجوا","vol":"2","page":332},{"text":"وليس معهم مشرك. وقيل: هو إكمال تام إكمال ولم ينزل على النبي ﷺ بعد ذلك تحريم ولا تحليل ولا فرض. وقال بعض من قال بهذا: ل م يعش رسول الله ﷺ بعد هذه الآية إلا إحدى وثمانين لية. وروي أن هذه الآية لما نزلت بكى عمر، فقال له رسول الله ﷺ: «ما يبكيك»؟ فقال: أبكاني أن كنا في زيادة من ديننا، فإذا اكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، فقال النبي ﷺ: «صدقت».\nوقوله تعالى: ﴿فمن اضطر في مخمصة ...﴾ إلى آخر الآية، وقد تقدم شرحه في سورة البقرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>(٤) - قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم﴾:</span>\nاختلف في سبب نزول هذه الآية، فقيل: إن جبريل ﵇ جاء إلى رسول الله ﷺ فوجد في البيت كلبًا فلم يدخل، فقال النبي ﷺ: «ادخل»، فقال: أنا لا أدخل بيتًا فيه كلب، فأمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، فقتلت حتى بلغت الموالي، فجاء عاصم بن عدي، وسعد بن خيثمة، وعويمر بن ساعدة، فقالوا: يا رسول الله ماذا أحل لنا من","vol":"2","page":333},{"text":"الكلاب؟ فنزلت الآية، وروي هذا أبو رافع وهو الذي كان تولى قتل الكلاب، وهذا الجواب على باب إجابة السائل بأكثر مما سأل عنه، وهذا مثل جواب النبي ﷺ في لباس المحرم، وذلك أنهم سأولوا عما يحل لهم من الكلاب فأجيبوا عما يحل لهم من الطيبات ومن الكلاب. وقيل: إن زيد الخيل وعدي بن حاتم الطائيين أتيا رسول الله ﷺ، فقالا: يا رسول الله إن لنا كلابًا تصيد البقر والضياء، فمنها ما ندرك ومنها ما يفوت، وقد حرم الله الميتة فسكت عنهما رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات﴾ الآية. وقد اختلف الفقهاء في الطيبات هنا، فذهب مالك إلى أنها الحلال مستلذًا كان أو غير مستلذ، فجوز أكل الخشاش وشبيهها. وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن الطيبات المستلذ، وخشاش الأرض عندهما غير مستلذ، فهو عندهما محرم كالوزغ والخنافس ونحوهما من الصيد خاصة.","vol":"2","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>(٤) - وقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ </span>الآية:\nتقديره على القول بأن سبب نزول الآية السؤال عما يحل من الصيد، وصيد ما علمتم من الجوارح، وتقديره على القول بأن سببها السؤال عما يحل من الكلاب، واتخاذ ما علمتم من الجوراح، ففي هذه الآية على هذا القول أن اتخاذ كلب الصيد حلال. ويجري مجرى كلب الصيد في إباحة الاتخاذ كلب الزرع، وكلب الضرع، إذ إنما أباح الله تعالى كلب الصيد لما فيه المنفعة، وهذان الآخران أيضًا فيهما من المنافع ما يعدل منفعة كلب الصيد، فجاز اتخاذهما، ولا خلاف بين الفقهاء في جواز اتخاذ هذه الكلاب لما قدمناه، ولما يعضد ذلك من الحديث مثل قوله ﵊: «من اتخذ كلبًا إلا كلب زرع أو غنم أو صيد نقص من أجره كل يوم قيراط».\nواختلف هل يجوز اتخاذها لحراسة الدور قياسًا على ما أبيح من ذلك لا؟ وكذلك اختلف العلماء هل يجوز اتخاذ كلب الصيد لمن بصائد أم لا؟ وظاهر الآية أنه يجوز اتخاذها للصيد، ومن لم يكن من أهل الصيد لم يجز له اتخاذها. ودليل وخطاب الآية أن ما عدا الكلاب الثلاثة التي","vol":"2","page":335},{"text":"قدمنا إذا لم يجز اتخاذها هل تترك أم تقتل؟ فروي عن مالك أنها تقتل، ومن حجته ظاهر خطاب الآية مع ما قدمنا من أن سبب نزولها قتل الكلاب.\nولما جاء من أنه عليه الصلاة أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو غنم أو ماشية.\nوذهب قوم إلى أنها لا يقتل منها إلا الأسود البهيم؛ لقوله ﵊: «اقتلوا كل أسود بهيم»، لما جاء عنه ﵊ من أنه شيطان، وذهب بعضهم إلى أنه لا يقتل منها شيء إلا أن يضر، وفي عطف قوله: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ على قوله: ﴿الطيبات﴾ احتمال ظاهر وهو أن المعلم من الجوارح حلال للأكل كالطيبات. قال أبو الحسن: وذلك بعيد فإن الذي يبيح لحم الكلب إن صح ذللك عن مالك لا يخص الإباحة بالمعلم، فعلى هذا في الكلام حذف، وإن كان لا بد من الحذف فالتقدير: وصيد ما علمتهم.","vol":"2","page":336},{"text":"وذكر بعضهم أن الآية تدل على إباحة ما علمناه من الجوارح، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع من الصيد بها والبيع لها، والإجارة ونحو ذلك.\nوهذا بعيد، لأن السؤال والجواب إنما يقتضيان منفعة الصيد خاصة.\nومن حجة من قال أنها الحلال أن ضد الطيب الخبيث، والخبيث حرام، فإذًا الطيب حلال، قال الله تعالى: ﴿ويحل لكم الطيبات ويحرم عليكم الخبائث﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال تعالى: ﴿كلوا من الطيبات﴾ [المؤمنون: ٥١]، يعني الحلال.\nقال أبو الحسن: ويبعد تفسيره بالحلال لأن التقدير بصير كأنه قال: يسألونك ماذا أحل لهم؟ قال: أحل لكم ما أحل لكم، وهذا لا يليق ببيان صاحب الشريعة، مع أن هذا الحلال إنما جاء مناقضة لليهود فيما حرم عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ [النساء: ١٦٠]. وأخذ الشافعي من هذه الآية جواز أكل الضب والثعلب، قال: لأن العرب كانت تستطيبها، وكل ما تستطيبه العرب فهو حلال وإن كان لا تشتهيه نفوس العجم. وكرههما أبو حنيفة وأجاز مالك أكل الضب، وكره ثعلب. ولهذا موضع يذكر فيه إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>(٤) - قوله تعالى: ﴿من الجوارح﴾:</span>\nاختلف في الجوارح التي نعلم ويؤكل صيدها ما هي بعد اتفاقهم","vol":"2","page":337},{"text":"على أن الكلب منها. فقال الجمهور: هي التي يصاد بها، وهي الكلاب والفهود والبزاة والصقور وما أشبه ذلك. وصيد هذه كلها حلال إذا علمت.\nوقال بعضهم: هي الكلاب خاصة، قالوا: ولا يجوز أكل صيد غير صيد الكلب، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿مكلبين﴾. وقال بعضهم: هي الكلاب خاصة ما لم تكن سودًا بهمًا، فصيد السود البهم عندهم لا يجوز، كما لا يجوز صيد غير الكلب. وجوز قوم صيد الكلب والبازي خاصة لحديث عدي بن حاتم إذ سأل رسول الله ﷺ عن البازي، فقال: «ما أمسك عليك فكل»، فكانت الجوارح البزاة والكلاب على قول هؤلاء خاصة، والقول الأول أظهر. فأما قوله تعالى: ﴿مكلبين﴾ معناه: معلمين وأصله من التكليب وهو تعليم الكلاب الاصطياد، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل من علم شيئًا من الجوارح مكلبًا، فتكليبها تعليمها الاصطياد.\nوقيل: مكلبين أصحاب كلاب. واشتقاق الجوارح من الجرح وهو الكسب.\nوقال قوم: من الجوارح فهي على ما شيء من ذلك. وقد اختلف في تعليم الجوارح على أربعة أقوال، أحدها: قول ابن القاسم وأشهب: أن التعليم يصح بوجهين، أحدهما: أن يفهم الإشلاء والزجر. والثاني: أن يصح بوجه واحد وهو الإشلاء. والثاني: الزجر. والثالث: الإجابة عند","vol":"2","page":338},{"text":"الدعاء، وهذا القول لابن القاسم أيضًا ذكره عنه ابن الماجشون. والقول الرابع: الفرق بين الطير وغيرها فيراعى من غير الطير ثلاثة أوجه: الإشلاء، والانزجار، والإجابة، يراعى في الطير وجهان: الإجابة والإشلاء. قالوا: ولا يراعى فيها الانزجار لأنه غير ممكن فهو وهو قول ربيعة وابن الماجشون وابن حبيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>(٤) - وقوله تعالى: ﴿مما علمكم الله﴾:</span>\nيريد ما طبع في الكبير منا والصغير من إنسادها وتضريتها على الصيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>(٤) - وقوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾:</span>\nظاهره: أكلت الجوارح منه أو لم تأكل، وهو مذهب مالك وجميع","vol":"2","page":339},{"text":"أصحابه. وقال جماعة من أهل العلم: إذا أكلت من الصيد فلا يؤكل، قالوا: وإذا أكلت من الصيد فلم تمسك إلا على نفسها ولم تمسك علينا، والله تعالى إنما أباح لنا ما أمسكت علينا. وقال ناس: أنه لا يؤكل صيد الكلب إذا أكل منه، ولم يقولوا ذلك في سائر الجوارح، واحتجوا بحديث عدي بن حاتم عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أكل الكلب فلا تأكل»، فجعل هذا الحديث كأنه مخصص للآية، وهذا الذي احتجوا به يعارضه ما جاء في حديث آخر من أنه قال: «إذا أكل فكل» مع ما في ذلك الحديث من أوجه تضعفه. وقال بعضهم في البازي خاصة: إذا أكل فكل ما بقي ولم ير سائر الجوارح كذلك، وهذا أضعف الأقوال. واختلف أيضًا إذا شرب من الدم هل يؤكل صيده أم لا؟ فالجمهور على أكله لما قدمناه من ظاهر عموم الآية، وكرهه قوم منهم الثوري. والذين ذهبوا إلى اعتبار ترك الأكل من صيد الجارح في الكلب يأخذ من الصيد ويمسكه على صاحبه ويؤخذ آخر فيأكل منه. ففي قول أبي حنيفة: لا يؤكل شيء من ذلك، وفي قول الثوري: يؤكل الأول ولا يؤكل الثاني الذي","vol":"2","page":340},{"text":"أكل منه. ودليل من يجيز الأكل في ذلك كله عموم الآية قوله: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾، ولم يفرق. واختلفوا في قدر ما يختبر به الكلب وحينئذ يصح صيده؟ فقال أصحاب أبي حنيفة: إذا صاد الكلب فأمسك ثلاث مرات، فقد حصل منه التعلم. وقال بعضهم: إذا حصل منه ذلك مرة واحدة فهو معلم. وترك الحد في ذلك أجرى على لفظ الآية لمن ذهب مذهبهم فيها. واختلف في الرجل يرسل كلبه أو سهمه على ما رأى وينوي ما لم ير فيصيب ما لم ير هل يؤكل أم لا على قولين، أحدهما: الإجازة؛ لقوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾، ولم يخصص. واختلف فيمن أغرى كلبه وقد رأى الصيد ولم يكن في يده فصاد بإغرائه هل يؤكل أم لا؟ فعن مالك فيه روايتان، والحجة للجواز قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾.\nواختلف إذا أدرك الصيد والكلاب تنهشه ولم تنفذ مقاتله وقدر على تخليصه أو لم يقدر فلم يذكه حتى مات هل يؤكل أم لا؟ فذهب قوم: إلى أنه لا يؤكل، وذهب قوم: إلى أنه يؤكل. وذهب مالك: إلى أنه إن قدر على تخليصه","vol":"2","page":341},{"text":"وتذكيته فلم يفعل هذا حتى مات فلا يؤكل، وإن لم يقدر على تخليصه وتذكيته حتى مات أكل، ومن حجة من يجيز عموم الآية؛ إذ لم يفرق، وحجة مالك ﵀ أنه لما رأى الصيد وكان يقدر على تخليصه رآه مثل سائر الحيوان المقدور عليه الذي لا يؤكل إلا بالذكاة المعروفة. واختلف في الكلاب إذا نيبت الصيد ولم تجرحه أو صدمته أو ضربه الرجل بسيفه ولم يدمه، فقال ابن القاسم: ليس بذكي. وقال أشهب: يؤكل وهو مذكى، فأجاز ذلك أشهب؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ الآية. وهذا إمساك، وقول النبي ﷺ لعدي: «كل ما أمسك عليك كلبك، فإن أخذه ذكاة»، والقول الأول أحسن لقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾، فالمفهوم منها ما جرح، ولأن الغالب المعتاد فيها أنها تجرح في حين الاصطياد فوجب ما تعليق الحكم بالغالب. واختلف في كلب المجوسي واليهودي والنصراني إذا كانوا قد علموه فصاد به مسلم، فكره ذلك جماعة، وكأنهم رأوا أن الآية لا تقتضي من الكلاب إلا ما علمه المسلمون؛ لأن قوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾، فالمفهوم خطاب المسلمين. وأجازه فقهاء الأمصار، ورأوا أن المراد بذلك ما علم من الكلاب سواء علمه مسلم أو غيره إذا ولي الصيد به مسلم.","vol":"2","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>(٤) - وقوله تعالى: ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾:</span>\nهذا أمر من الله تعالى على الصيد والذبح بمنزلة الصيد، وقد اختلف الناس في التسمية عليهما، فقيل: إن التسمية عند الإرسال وعند الذبح فريضة فمن تركها عمدًا أو سهوًا لم يؤكل الصيد ولا المذبوح، وهذا قول أهل الظاهر. وذهب قوم إلى أن التسمية مندوب إليها، فإن لم يسم الله تعالى عمدًا أو سهوًا عند الإرسال أو الذبح أكل الصيد والمذبوح، وهذا قول الشافعي وإلى نحو هذا ذهب أشهب. وذهب قوم إلى أنه إن تركت التسمية عمدًا لم يؤكل، وإن تركت سهوًا أكل، وهو قول مالك ومن تابعه. واختلف أصحاب مالك في قوله: إن من ترك التسمية عمدًا لم يؤكل هل ذلك على التحريم أم على الكراهة على قولين. فأما أهل الظاهر فحملوا قوله تعالى: ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾ أنه على الوجوب، وقالوا: إن المراد بذلك التسمية عند الإرسال. وأما الشافعي ومن تابعه فحملوا ذلك الأمر على الندب، وقال ابن القصار: والدليل على أن التسمية ليست بواجبة، قوله تعالى: فكلوا","vol":"2","page":343},{"text":"مما أمسكن عليكم﴾، فامر بأكل ما أمسكن علينا ثم عطف على الأكل قوله: ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾، والهاء في «عليه» ضمير الأكل لأنه أقرب مذكور، فإن قيل: الهاء من «عليه» عائدة على الإرسال، قيل: لو كان شرطها لذكرها قبله ولم يذكرها بعده، ولما قال: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾، وقال بعدما تقدم الأكل: ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾، لم يخل أن يريد بالتسمية التسمية على الإمساك الذي حصل قد حصل، فكأنه قال: إذا أمسك علينا فحينئذ نسمي، أو يريد بالتسمية التسمية على الأكل، فبطل أن تراد التسمية بعد الإمساك علينا من غير أكل، لأنه ليس بقول لأحد، لأن الناس على قولين: إما أن تكون التسمية قبل الإرسال أو قبل الإمساك أو يكون المراد بها عند الأكل، وإنما أراد تعالى نسخ أمر الجاهلية التي كانت تذكر اسم طواغيتها على صيدها وذبائحها. ولفظ التسمية: باسم الله، والله أكبر.\nواختلف هل يذكر معها الصلاة على النبي ﷺ، فكرهه مالك ومن تابعه، وأجازه آخرون. والحجة لمالك قوله تعالى: ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾ فخص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>(٥) - قوله تعالى: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات﴾ </span>الآية:\nقوله: ﴿اليوم﴾ إشارة إلى الزمن، والطيبات قد تقدم الكلام عليها.","vol":"2","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>(٥) - وقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾:</span>\nاتفق على أن ذبائحهم داخلة تحت عموم قوله: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾، فلا خلاف في أنها حلال لنا. وأما سائر أطعمتهم مما يمكن استعمال النجاسة فيه كالخمر والخنزير، فاختلف فيه، فذهب الأكثر إلى أن ذلك من أطعمتهم داخل تحت قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾ الآية وأن أكل كل ذلك جائز. وذهب ابن عباس إلى أن الطعام الذي أحل الله تعالى لنا ذبائحهم، فأما ما خيف منهم استعمال النجاسة فيه، كالخمر والخنزير وغير ذلك، فيجب اجتنابها إلا ما نشاهد منها سليمًا من ذلك، فعلى قول ابن عباس لا يجوز أكل شيء من أجبانهم ولا يجوز أكل أطعمتهم المطبوخة دعونا إليها أم لم يدعونا؛ لأن العلة التي ذكرها موجودة في هذا كله. وعلى القول الأول أكل هذا غير ممنوع لعموم الآية. وإذا قلنا: إن الطعام يتناول ذبائحهم باتفاق فهل يحمل لفظه على عمومه أم لا؟ فالأكثر على أن حمل لفظ الطعام على عمومه في كل ما ذبحوه مما حل لهم أو مما حرم الله تعالى عليهم أو حرموه على أنفسهم. وإلى نحو هذا ذهب ابن وهب وابن عبد الحكم.","vol":"2","page":345},{"text":"وذهب قوم إلى أن المراد من ذبائحهم بلفظ الطعام ما حل لهم خاصة، وأما ما حرم عليهم بأي وجه كان فلا يجوز لنا وهذا هو المشهور من مذهب ابن القاسم. وذهب قوم إلى المراد بلفظ: ﴿الطعام﴾ ذبائحهم جميعًا إلا ما حرم الله تعالى عليهم خاصة لا ما حرموه على أنفسهم، وإلى نحو هذا ذهب أشهب. والحجة للقول الأول ظاهر الآية وهو العموم، والذين قالوا أنه لا يجوز لنا أكل ما لا يجوز لهم أكله اختلفوا هل ذلك على جهة المنع أو الكراهة؟ فمن قوى عنده تخصيص الآية منع، ومن تعارض عنده التأويلان جميعًا ذكره، فيأتي على هذا فيما فسد عندهم لحال الريبة ثلاثة أقوال: الجواز والكراهة والمنع. ويأتي أيضًا في الشحوم وفي أكل ما ذبحوه من كل ذي ظفر كالبعير ونحوه ثلاثة أقوال أيضًا: الكراهة، والجواز، والمنع. وهذا الخلاف كله موجود في المذهب.\nواختلف أيضًا فيما ذبحوه لأعيادهم وكنائسهم أو سموا عليه اسم المسيح هل هو داخل تحت الإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ أم لا؟ فذهب أشهب إلى أن الآية متضمنة تحليله وأن أكله جائز، وكرهه مالك وتأول قوله تعالى: ﴿أو فسقًا أهل لغير الله به﴾ [الأنعام: ١٤٥]، على ذلك. ومنع غيره في المذهب من أكله تأول قوله","vol":"2","page":346},{"text":"تعالى: ﴿أو فسقًا أهل لغير الله به﴾ [الأنعام: ١٤٥] على ذلك، فعلى هذين القولين لا تتضمن الآية تحليله، وما ذبحوه أيضًا لآلهتهم ففيه أيضًا ثلاثة أقوال: فالجمهور قالوا بالمنع، وبعضهم أجاز، وبعضهم كره، والكلام عليه كالكلام فيما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>(٥) - وقوله تعالى: ﴿الذين أوتوا الكتاب﴾:</span>\nاختلف العلماء في الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى الصرحاء الذين أنزل الله تعالى عليهم التوراة والإنجيل، فمع هؤلاء أكل ذبائح نصارى بني تغلب من العرب وذبائح كل من هذين الدينين، وكان علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه ينهى عن ذبائح بني تغلب ويقول: أنهم لم يختصوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر. وذهب الجمهور إلى أن الذين أوتوا الكتاب في الآية: كل نصراني من بني تغلب كان أو من","vol":"2","page":347},{"text":"غيرهم، وكل يهودي، وتأولوا قوله تعالى: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ [المائدة: ٥١]، وأجازوا أكل ذبائح أجمعهم، وكان أهل القول الأول رأوا أن من دان باليهودية والنصرانية بعد نزول التوراة والإنجيل ليسوا ممن أوتوا الكتاب ورأى أهل القول الثاني أنهم ممن أوتيه، وهذا القول أظهر.\nوقد اختلفوا في المجوس والصابئة والسامرة هل هم ممن أوتي كتابًا أم لا؟ وعلى هذا يختلف في ذبائحهم ومناكحتهم. ودليل خطاب هذه الآية أن طعام غير أهل الكتاب غير حلال لنا ولا أعلم فيه خلافًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>(٥) - وقوله تعالى: ﴿وطعامكم حل لهم﴾:</span>\nهذه الآية للمسلمين لا لأهل الكتاب؛ لأنه قد كان يجوز أن يمنعهم من أطعمتنا ولا يحلها لهم، فأباح الله تعالى بهذه الآية للمسلمين أن يبيحوا لهم أكلها. وعلى هذا يجوز للمسلم أن يضيف الكافر ويطعمه طعامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>(٥) - وقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ </span>الآية:\nهذا معطوف على الطعام المحلل.","vol":"2","page":348},{"text":"والإحصان أصله المنع وهو في الشرع على أربعة معان: الإسلام والعفة والنكاح والحرية. فأما في هذا الموضع من القرآن فلا يكون فيه الإسلام، لأنه تعالى قد ذكر أنهن من أهل الكتاب ولا يكون فيه النكاح أيضًا؛ لأن ذات الزوج لا تحل لغيره. فأما العفة والحرية، فالآية محتملة لهما جميعًا وبحسب الاحتمال اختلف العلماء في تفسيرها: فذهب جماعة منهم إلى أن المحصنات في الآية الحرائر، ومنعوا نكاح الكتابية بدليل الخطاب. وقالت جماعة: عن العفائف في هذه الآية أمة كانت أو حرة، فيجوز نكاح الأمة الكتابية. وقد تقدم الكلام على طرف من هذا. وقد اختلف في نكاح حرائر أهل الكتاب، فمنعه قوم. وذكر عبد الوهاب في المذهب الجواز، وذكر غيره الكراهة، ودليل الجواز هذه الآية. وقد اختلف هل يجوز نكاح غير العفيفة، فأجازه أكثرهم، ومنعه بعضهم بدليل خطاب هذه الآية إذا كان الإحصان عندهم في الآية العفة. وقد اختلف أيضًا في نساء أهل الحرب هل يجوز نكاحهن؟ فأجازه قوم لعموم الآية. ومنع ابن عباس من نكاحهن. وخصص الآية بأهل الحرية. وحكى عنه أنه لم يجوز نكاح","vol":"2","page":349},{"text":"الحربيات؛ لقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ [التوبة: ٢٩] الآية، ولقوله تعالى: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾ [المجادلة: ٢٢]، والنكاح يوجب المودة؛ لقوله تعالى: ﴿خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ [الروم: ٢١]. وكرهه مالك مخافة ضياع الولد أو تغيير دينه. وقال أبو الحسن: قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ يدل على جواز نكاح الكتابيات، وقوله: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ [البقرة: ٢٢١]، يمنع نكاح الكتابيات. ولما تعارضتا صار الشافعي إلى تحريم نكاح الأمة الكتابية أخذًا بعموم قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، ورأى الجمع بينهما أولى من تعطيل إحداهما، ومنع آخرون نكاح الكافرات كتابيات كن أو مجوسيات، وحملوا قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، على أن المراد به اللاتي كن كتابيات ثم أسلمن؛ كما قال تعالى: ﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم﴾ [آل عمران: ١٩٩]، وهذا بعيد؛ فإنه تعالى قال: ﴿والمحصنات من المؤمنات﴾، ثم قال: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ فلا يصح أن يعطف المؤمنات على المؤمنات لما في ذلك","vol":"2","page":350},{"text":"من إسقاط الفائدة، والذي يحرم نكاح الكتابية يحتج بقوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠]، وذلك محمول عند من خالفهم على الحربية إذا خرج زوجها مسلمًا، والحربي تخرج امرأته مسلمة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿واسألوا ما أنفقتم﴾ [الممتحنة: ١٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>(٥) - وقوله تعالى: ﴿إذا آتيتموهن أجورهن﴾:</span>\nالأجور: المهور، وقد اختلف هل للزوج أن يدخل بامراته قبل أن يقدم لها من المهر شيئًا إذا طاوعته على ذلك أم لا؟ فانتزع جماعة من أهل العلم منهم مالك ومن تابعه من لفظ: ﴿آتيتموهن﴾ أنه لا يجوز أن يدخل إلا بعد أن يبذل من المهر ما يستحلها به. واختلفوا هل له أن يدخل بالهدية والرهن والحمالة والحوالة أم لا؟ وظاهر الآية أنه لا يجوز الدخول إلى بإتيان الأجور، وذلك كله ليس من الأجور، فلم يجز الدخول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>(٥) - وقوله تعالى: ﴿محصنين﴾:</span>\nمعناه: متزوجين على السنة، والإحصان في هذا الموضع","vol":"2","page":351},{"text":"النكاح. والمسافح: الزاني. والمخادنة: أن يكون الزانيان قد وقف كل واحد منهما نفسه على صاحبه. واختلف في هذه الآية: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾، هل هي ناسخة أم لا؟ فقال جماعة: ناسخة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١]؛ لأنه أحل لنا طعام أهل الكتاب وإن لم يذكر اسم الله عليه. وفي هذا القول نظر، كيف يصح فيه النسخ. وقال بعضهم: ليس بناسخ، بل هو استثناء من ذلك. وتسمية هذا استثناء ضعيف، وإنما ينبغي أن يسمى مخصصًا. قال أبو الحسن: والنصارى إنما يذبحون على اسم المسيح، وقد حكم الله تعالى بحل ذباحهم مطلقًا، ففي ذلك دليل على أن التسمية لا تشترط عند الذبح أصلًا، كما يقول الشافعي. وقال قوم: ليس هو بناسخ ولا استثناء، ولكن إذا لم يذكر الكتابي اسم الله ﷿ على ذبيحته لم تؤكل، وهو قول علي وعائشة وابن عمر ﵃. ومالك","vol":"2","page":352},{"text":"يكرهه إذا لم يسم ولا يحرمه، ويروى عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>(٦) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبًا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فمل تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا </span>طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾:\nهذه الآية نزلت بسبب انقطاع العقد لعائشة رضي الله تعالى عنها، حينئذ قال لها أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، وكان في غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق، وفيها كان هبوب الريح، وقول عبد الله بن أبي سلول: لئن ر جعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وفيها وقع حديث الإفك وآية النساء إنما","vol":"2","page":353},{"text":"نزلت معها أو بعدها بيسير، ولا يختلف أن هذه الآية هي التي قالت عائشة فيها فنزلت، وهي آية الوضوء. ولكن من حيث كان الوضوء ثابتًا عندهم قبل ذلك لم تزدهم الآية فيها إلا التلاوة، وإنما أعطتهم الفائدة والرخصة في التيمم. ويستدل على حصول الوضوء بقول عائشة: فأقام رسول الله ﷺ بالناس وليسوا على ماء وليسوا معهم ماء، فكان الوضوء أولًا ثابتًا بالسنة، ثم وجب بالقرآن، ولا خلاف أن النبي ﷺ لم يصل قد صلاة وهو جنب ولا على غير وضوء. وروي أنه ﷺ في أول ما أوحي إليه- يريد في الصلاة- أتاه جبريل فعلمه الوضوء، وقد اختلف في أمره تعالى بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، هل هو مخصوص بمن كان على غير طهارة، أو عام لمن كان على طهارة، أو على غير طهارة؟ فذهب قوم إلى أنه مخصوص بمن كان على غير طهارة. واختلفوا بعد ذلك في تأويل الآية، فقيل: المأمورون بذلك المحدثون خاصة؛ كأنه قال تعالى إذا قمتم إلى الصلاة وقد أحدثتم، وإلى هذا ذهب الشافعي. وقيل: المأمورون بذلك القائمون من النوم. والمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة وقد","vol":"2","page":354},{"text":"نمتم، وهو قول زيد بن أسلم، وهو مذهب جميع أهل المدينة، وهذا القول أولى من الأول، لأن الإحداث مذكور بعد هذا، فأغنى ذلك عن ذكره هنا. وأما النوم فلم يقع له ذكر، وليس بحدث، وإنما هو سبب للحدث على الأصح في ذلك، فحمل الكلام على زيادة فائدة أولى من حمله على التكرار بغير فائدة، فبهذا رجح جماعة من أهل العلم هذا القول. وهذا التأويل في الآية يدل على أن الوضوء واجب على من نام، وهي مسألة اختلف فيها على ثلاثة أقوال، أحدها: أن النوم حدث في نفسه ينقض الوضوء قليله وكثيره، ومن حجتهم هذا التأويل في الآية؛ لأنه تعالى أمر بالوضوء عند القيام من النوم إلى الصلاة، ولم يخص نومًا من نوم، فحملوه على ظاهره، وهو قول المزني. وذهب قوم إلى أن النوم ليس بحدث ولا بسبب للحدث، فلا يجب الوضوء على من نام إلا بيقين خروج الحدث، وهو قول أبي موسى الأشعري وغيره","vol":"2","page":355},{"text":"ويشبه أن يكونوا صاروا إلى حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ دخل على ميمونة، فنام عندها حتى سعت غطيطه ثم صلى ولم يتوضأ، ويرد هذا القول الآية على قول أهل المدينة، أو على قول من رآها عامة، وقوله ﵊: «العينان وكاء الأست، فمن نام فليتوضأ». ويتأول حديث ابن عباس أنه خاص بالنبي ﷺ؛ لأنه ﷺ قيل له: صليت وقد نمت؟ فقال: «إنه تنام عيناي ولا ينام قلبي».\nوذهب الجمهور إلى أن النوم سبب للحدث، فمنه ما ينقض الوضوء، ومنه ما لا ينقضه. ثم اختلفوا فيما ينقض منه مما لا ينقض. واختلافهم في ذلك يرجع إلى اختلافهم في الحال التي يكون عليها النوم، هل هي مما يغلب الظن بانتقاض الوضوء أم لا؟","vol":"2","page":356},{"text":"فعند الثوري وأبي حنيفة: أنه لا ينقض الوضوء إلا نوم المضطجع خاصة. واحتجوا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا وضوء إلا على من نام مضطجعًا»، وهذا الحديث قد ضعفه أبو داود وغيره والشافعي في أحد قوليه، ففرق بين النوم في الصلاة وفي غير الصلاة، فلا ينقض الوضوء في الصلاة وينقض في غيره، وعندنا في المذهب تفصيل كثير.\nوحجة نم أوجب الوضوء في شيء من النوم عموم الآية، ولا خلاف عند القائلين المتقدمين في الآية إلى أن أمر الله تعالى بالوضوء في الآية إيجاب.\nوالذين ذهبوا إلى أن الأمر بالوضوء عام لمن أحدث ولمن لم يحدث، ورأوا لكل من قام إلى الصلاة أن يتوضأ محدثًا كان أو غير محدث، اختلفوا في ذلك الأمر هل هو أمر إيجاب أو أمر ندب؟ فذهب جماعة إلى أنه أمر ندب، فلم يوجبوا الوضوء على من قام إلى الصلاة وهو على وضوء بغير هذه الآية. وحمل بعضهم مذهب علي بن أبي طالب على هذا، وذهب بعضهم إلى أن الأمر بالوضوء أمر إيجاب بذاته، قالوا: فيجب على كل من قام إلى الصلاة الوضوء محدثًا كان أو غير محدث، ثم اختلفوا هل ذلك محكم أو منسوخ؟\nفذهب جماعة إلى أنه محكم وأوجبوا الوضوء على كل قائم إلى الصلاة، وهو قول ابن سيرين وعكرمة وعبيد بن عمير. وذكر عن ابن عمر أنه يتوضأ لكل صلاة، وحمل قوم مذهب علي بن أبي طالب على هذا.","vol":"2","page":357},{"text":"وذهب جماع إلى أنه منسوخ، وأجازوا الجمع بين الصلوات بوضوء واحد، وقالوا: إن الذي نسخ الآية ما فعله النبي ﷺ يوم فتح مكة في صلاته خمس صلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: ما هذ يا رسول الله؟ قال: «عمدًا فعلته يا عمر»، وما فعل النبي ﷺ إذ دعته المرأة من الأنصار إلى شاة مصلية ومعه أصحابه، فصلى الظهر والعصر بوضوء واحد، وهذا القول يأتي على قول من يجيز نسخ القرآن بالسنة. وقد قال بعض من ذهب إلى هذا: أنه كان ﷺ إذا أحدث لم يكلم أحدًا حتى يتوضأ وضوء الصلاة، فنسخ الله تعالى ذلك وأمر بالوضوء عند القيام إلى الصلاة خاصة، ثم نسخ ذلك ﷺ بفعله يوم فتح مكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>(٦) - وقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾:</span>\nقال التونسي: فلم يذكر غسل اليدين قبل الوضوء، وقال النبي ﷺ","vol":"2","page":358},{"text":"للسائل: «توضأ كما أمر الله تعالى»، فأحاله على ما في القرآن، فكان في هذا دليل على أن غسل اليدين ليس بواجب.\nوقد اختلف في تأويل حديث النبي ﷺ: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه».\nفقيل: إن ذلك على باب التنظيف لما يمكن أن يمس يده، فلو تيقن نظافة يده لم يغسلها، ذكره أشهب. وروي عن ابن القاسم: أنه يغسل يديه وإن كان بقرب مسه الماء، وكأنه رأى ذلك عبادة. وفي حديث عبد الله بن زيد غسل اليد، وهو دليل على ذلك. وقد اختلف في هذه الآية على فيها تقديم وتأخير أم لا؟ فقيل: فيها تقديم وتأخير، تقديره: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبًا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم إلى الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾، وإنما قدرها هكذا من ذهب إلى هذا التأويل وهو محمد بن مسلمة من أصحاب مالك؛ لأن ظاهرها أن المرض والسفر حدث يوجب الوضوء كالمجيء من الغائط سواء، وذلك لا يصح بإجماع. وقال بعضهم: وهذا القول في الآية إنما يأتي على قول من رأى أن قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ معناه من النوم. وقيل: إن","vol":"2","page":359},{"text":"الآية على تلاوتها لا تقديم فيها ولا تأخير، ومعنى قوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى﴾ أي مرضى لا تقدرون على مس الماء، أو عدم من يناولكم إياه؛ لأن المرض يتعذر معه مس الماء، والوصول إليه في غالب الأحوال، فاكتفى تعالى بذكر المرض، وفهم منه المراد كما فهم من قوله تعالى: ﴿فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت﴾ [البقرة: ٦٠]، وإن معناه فضرب فانفجرت. وكذلك قوله تعالى: ﴿أو على سفر﴾ يريد غير واجدين الماء، فاقتصر على ذكر السفر وفهم المراد منه؛ لأن السفر يعدم فيه الماء في غالب الأحوال. ثم قال: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ الآية، يريد في الحضر، وقد كان قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ يعم الحضر والسفر، لكنه لما كان الغالب في الحضر وجود الماء أعاد ذكره وصرح بذلك الشرط، فقال: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾، قال بعضهم: وهذا القول إنما يأتي على القول بأن معنى الآية: إذا قمتم إلى الصلاة وقد أحدثتم، وإلى أن الآية على تلاوتها ذهب مالك ﵀ في «المدونة»؛ لأنه يقول فيها: إن المريض الذي لا يقدر على مس الماء يتيمم وإن كان واجدًا للماء، وإن الصحيح غير المسافر يتيمم إذا عدم الماء على التأويل","vol":"2","page":360},{"text":"الذي ذكرناه، وهو قول مجاهد، قال: وذلك مما يخفى من تأويل القرآن ومن حمل الآية على التقديم والتأخير لا يجيز التيمم للمريض مع وجود الماء، وإن لم يقدر على مسه ولا الصحيح الحاضر وإن عدم الماء؛ لأنه بعيد من قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ على السفر والمرض. وقيل: في تأويل هذه الآية أن «أو» في قوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ بمعنى الواو، قال: فتبقى الآية على ظاهرها لا يحتاج فيها إلى تقديم ولا تأخير، ولا يفتقر إليها إلى إضمار، إلا أنه لا يكون المريض الواجد للماء إذا لم يقدر على مسه، ولا الحاضر للعادم للماء، من أهل التيمم أيضًا على ذلك التأويل. وقد مر الكلام على بعض هذا في سورة النساء. وقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة، مثل قوله: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ [النحل: ٩٨]، معناه: إذا أردت قراءة القرآن، وفي تعليقه تعالى الوضوء بإرادة الصلاة دليل على أن الوضوء يراد للصلاة، وأنه شرط في صحتها، قال ﷺ: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور». وفي ذلك دليل","vol":"2","page":361},{"text":"واضح على افتقاره إلى النية لأنها شرط في صحة فعله لإرادة الصلاة، فإذا فعله الإنسان تبردًا أو تنظفًا فلم يفعله على الشرط الذي شرط الله تعالى وذلك يوجب أن لا يجزيه، وهذا هو المشهور في المذهب، أنه لا يجوز الوضوء والغسل إلا بنية لما قدمناه، وكذلك التيمم.\nوقد قيل: أن كل ذلك لا يحتاج فيه إلى نية، وهو قول الأوزاعي. وقيل: إنه لا يحتاج إلى نية في ذلك إلا التيمم وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وفي المذهب رواية مثل ذلك. ودليل مفهوم أبي حنيفة وأصحابه، وفي المذهب رواية مثل ذلك. ودليل مفهوم الآية كما ذكرناه يرد على من لم يشترط النية، ومن الدليل أيضًا على صحة المشهور من قول مالك قوله تعالى: ﴿وأما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: ٥]، والوضوء من الدين، فيجب أن لا يجزئ بغير نية، وقال ﵊: «إنما الأعمال بالنيات». والوضوء عمل من الأعمال، وإنما كان التلبس بالصلاة في غالب الأحوال إنما هو بقيام","vol":"2","page":362},{"text":"جاءت العبارة بقوله: ﴿إذا قمتم﴾. واختلف في التسمية على الطهارة، فقيل: هي غير واجبة، وهو قول مالك ومن تابعه. وقيل: هي واجبة لا يجزئ الوضوء إلا بها سواء نسي تركهما أو تعمده، وهو قول داود وأحمد. وقيل: هي واجبة ولكن إن نسيها أجزأ عنها الوضوء، وإن تعمد لم يجزه. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ ولم يذكر التسمية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>(٦) - قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾:</span>\nالغسل عند أهل اللغة أن يمر الإنسان الماء على الشيء المغسول مع إمرار شيء منه معه كاليد ونحوها، وبهذا قال مالك وأصحابه في الوضوء والغسل. وقال الشافعي: عليه إجراء الماء على أعضاء الوضوء، وليس عليه دلكهما بيده. قال: وإذا انغمس الرجل في الماء أو غمس وجهه أو يده ولم يدلك، قيل: قد غسل يده، وغسل وجهه. وقول مالك وأصحابه أظهر لما قدمناه من معنى الغسل في اللغة. وإن كان بعضهم حكى: غسلتنا السماء. والوجه مأخوذ من المواجهة،","vol":"2","page":363},{"text":"وحده من منابت شعر الرأس إلى آخر الذقن، وعند بعضهم قال التونسي.\nوليس اللحي الأسفل الوجه. وفي «العتبية» أن اللحي الأسفل من الوجه، يغسل في الوضوء، وخطأ من قال: إنه ليس من الوجه، وقد نقلها فضل في «مختصر الواضحة» عنه أيضًا، وحده في العرض من العارض إلى العارض. واختلف فيما زاد من اللحية على الزمن هل هو من الوجه أم لا؟ فوري عن مالك أنه لا يجب غسله، ووجه ذلك أن اللحية ليست بوجه ألا ترى من طالت لحيته لا يقال طال وجهه، إنما يقال: طالت لحيته، وإنما أوجب الله تعالى غسل الوجه، وما طال من اللحية فليس بوجه فلا يجب غسله. وروي عنه أيضًا أن اللحية من الوجه، فيجب أن يمر الماء عليها إلى آخرها، وهو المشهور من قوله. ووجهه أنها لما نبتت في الوجه حكم لها بحكم الوجه. وعند مالك أيضًا في تخليل اللحية روايتان. واختلف في البياض الذي بين العارض والأذن، فقيل: إنه من الوجه يجب غسله، وقيل: إنه ليس من الوجه فلا يجب غسله، وقيل: يغسله الأمرد ولا يغسله الملتحي، وقيل: إن غسله سنة من السنن","vol":"2","page":364},{"text":"في الوضوء. واختلف على أربعة أقوال في المضمضة والاستنشاق، فقيل: إنهما سنتان في الوضوء والجنابة جميعًا، وهو مذهب مالك. وقيل: هما واجبتان في الطهارتين جميعًا وهو قول إسحاق وابن أبي ليلى. وقيل: الاستنشاق واجب فيهما، والمضمضة غير واجبة، وهو قول ابن حنبل.\nوقيل: هما واجبتان في غسل الجنابة دو الوضوء. ودليل مالك ومن تابعه قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾. والاسم لا يطلق على الباطن. واختلف في شعر الوجه إذا كان كثيفًا أو غير كثيف هل يلزم توصيل الماء إلى البشرة أم لا؟ فمنهم من رأى توصيله إلى البشرة إذا كان الشعر كثيفًا. وإذا لم يكن كذلك وجب إيصال الماء إليها لأنه إذا كان كثيفًا خرج عن المواجهة، والوجه إنما هو مأخوذ من المواجهة، فما لم يكن مواجهًا لم يجب غسله، وإذا كان خفيفًا لا يستر البشرة دخل في المواجهة، فلزم أيضًا إيصال الماء إليه؛ لقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ وما لم يستره الشعر، فداخل في الاسم.","vol":"2","page":365},{"text":"واختلف في داخل العينين هل يلزم غسله أم لا؟ فالجمهور على أن ذلك لا يلزم. وروي عن عبد الله بن عمر أنه كان ينضح الماء في عينيه، والحجة للقول الأول قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾، وداخل العينين ليس من الوجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>(٦) - وقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾:</span>\nاليد عند العرب تقع على العضو ما بين المنكبين إلى آخر الأصابع، ولا خلاف أنه لا يجب غسل اليدين إلى المنكبين، فأما ما يروى في ذلك عن أبي هريرة فإنما هو استحسان منه؛ لأن ذلك من عمل الوضوء، لأن الآية ترده. وإنما اختلف هل يدخل المرفقان في الغسل أم لا؟ فعن مالك في ذلك روايتان، فوجه نفي دخولهما قوله تعالى: ﴿المرافق﴾ و﴿إلى﴾ تعطي الغاية، فوجب أن يوقف عندها. ومن قال بإيجاب غسلهما، قال: ﴿إلى﴾ بمعنى «مع»، ومثله قوله تعالى: ﴿من أنصاري إلى الله﴾ [آل عمران: ٥٢]، أي مع الله، و﴿لا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء: ٢]، أي مع أموالكم. وقال بعضهم: إن «إلى» على بابها، وتعطي الحد، ولكنه إذا كان الحد من جنس المحدود دخل فيه وهو قول المبرد. والمرافق من جنس الذراعين، فوجب أن تدخل في الغسل مع الذراعين.","vol":"2","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>(٦) - وقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾:</span>\nالمسح أن يمر على الشيء الممسوح بشيء مبلول بالماء، واختلف في هيئة المسح كيف تكون على أربعة أقوال. فقيل: إن الماسح يبدأ بمقدم رأسه، ثم يذهب بيده إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي منه بدأ، وهو قول الشافعي وغيرهما. وقيل: يبدأ من مؤخر الرأس، ثم يجيء بذلك إلى المقدم، ثم يرده إلى المؤخر. وقيل: يبدأ بوسط الرأس فيجيء بيديه نحو الوجه، ثم يرد فيصيب باطن الشعر، فإذا انتهى إلى وسط الرأس أمر يديه على ظاهر شعر مؤخر الرأس ثم يرد فيصيب باطنه ويقف في وسط الرأس. وقيل: يمسح من هنا وهنا على غير نظام، ولا يبدأ بمحدود حتى يعمه. وحجة هذا القول عموم الآية إذ لم يخص مسحًا من مسح. وحجة القول الأول الحديث المشهور في كيفية المسح عن رسول الله ﷺ. والسنة مبينة للقرآن، إلا أن ظاهره أنه يأتي بمسح الرأس مرتين: مرة من الأدبار ومرة من الإقبال. وقال ابن الجلاب: ما يقتضي أن تكون مسحة واحدة تجمع مسح ظاهر الشعر وباطنه، فلذلك كان الإقبال والإدبار. واختلف في رد اليدين على شعر الرأس هل هو فرض أم سنة بعد الإجماع على أن المسحة الأولى","vol":"2","page":367},{"text":"فرض بالقرآن: فالجمهور على أنه سنة. وقيل: هو فرض. وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾، والمسح قد وقع بالمسحة الأولى فما بعد ذلك غير واجب. واختلف في قدر ما يجزئ من مسح الرأس على أحد عشر قولًا. فقيل: لا يجزئ من مسح الرأس إلا عمومه كله، واختلف هؤلاء في هيئة المسخ كما قدمنا، وهو المشهور. وقيل: يجزئ مسح ثلثيه، وهو قول محمد بن مسلمة. وقيل: يجزئ مسح الثلث لأنه كثير في أمور الشرع، وهو قول أبي الفرج، وروي عن مالك. وقيل: يجزئ المقدم، وهو قول أشهب. وأكثر من يذكر عنه الاجتزاء بمسح بعض الرأس، فإنه يرى ذلك البعض في مقدم الرأس، وذلك لأحاديث في بعضها ذكر الناصية، وفي بعضها ذكر مقدم الرأس. وقيل: يجزئ مسح ناحية من نواحي الرأس ما كانت، وهو قول إبراهيم الشعبي. وقيل: يجزئ مسح اليافوخ فقط، وقد روي ذلك عن ابن عمر. وقيل: يجزئ مسح الربع، لا يجزئ أقل منه، وهو أحد قولي أبي حنيفة وقول زفر. وقيل: يجزئ أقل ما يقع عليه اسم مسح سواء مسح بيده أو بخشبة، أو وقف تحت ميزاب حتى قطر على رأسه الماء، وبه قال الأوزاعي والنخعي والثوري، والمشهور من قول الشافعي. وقيل: يجزئ مسح ثلاث شعرات، وهو قول بعض أصحاب الشافعي. وقيل: إن مسح بثلاثة","vol":"2","page":368},{"text":"أصابع جاز، وإن كان الممسوح أقل مما يمر عليه ثلاثة أصابع لم يجز، وهو قول أصحاب الرأي. وقيل: إنه يجزئ مسح شعرة واحدة، وهو قول الثوري في الرجل، والحسن بن أبي الحسن في المرأة. وأكثر أسباب الخلاف في هذه المسألة دخول «الباء» في قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾.\nوالقول فيها عند أصحاب مالك على وجهين، أحدهما: أنها زائدة مؤكدة، فالمعنى: امسحوا رؤوسكم، فيجب المسح لجميع الرأس على نص الآية. وقال بعضهم: إن «الباء» على بابها للإلصاق، ليست بزائدة. والمعنى على ثبوت «الباء» أو سقوطها سواء، وذلك يوجب عموم المسح، وهذا الوجه أحسن لأن زيادة «الباء» في هذا الموضع غير معروف في كلام العرب. والذين ذهبوا إلى جواز مسح بعض الرأس، وهذا قول ضعيف عند أهل العربية، وقد رده ابن جني في «سر الصناعة»، وبين فساده غير أنه أراد قائل هذا أن «الباء» بمعنى «من»، فكأنه قال: «امسحوا من رؤوسكم»،","vol":"2","page":369},{"text":"فهذا قول ضعيف أيضًا لأنه إخراج «للباء» عن بابها، وإنما يجوز على مذهب بعض الكوفيين، وقد قال بعضهم: من جعل الباء للإلصاق أنها تقتضي جواز مسح بعض الرأس. وليس ذلك بصحيح، لما فيه من الخروج عن الظاهر. ولو صح أن «الباء» تصلح للمعنيين: التبعيض والإلصاق وأشكل الأمر لكان المشهور من فعل رسول الله ﷺ رافعًا للإشكال في الآية، لأنه مسح جميع رأسه، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، وما وري عنه في مسح بعض رأسه شاذ، ويحتمل أن يكون لعذر، أو تجديدًا من غير حجة فيه. واتفقوا على استحسان المسح باليدين جميعًا، وأنه إن مسح بيد واحدة أجزأه. واختلف في أقل من ذلك. فقال بعضهم: لا بد في مسح ذلك من ثلاثة أصابع وإلا لم يجز المسح بأصبع أو ببعض أصبع. وحجة هؤلاء عموم الآية. واختلف في عدد المسحات: فالجمهور على أنه مرة واحدة، ولم يستحبوا غير ذلك، واستحب الشافعي ثلاثًا. وروي عن ابن سيرين أنه مسح رأسه مرتين. وقيل: يمسح الرأس ثلاثًا، وهو قول أنس وسعيد بن جبير وغيرهما. والقول الأول أصح؛ لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾. وبالمسحة الواحدة يقع المسح المأمور به،","vol":"2","page":370},{"text":"ويسقط الفرض، لا سيما وقد رجح حذاق الأصوليين أن الأمر لا يقتضي التكرار. واختلف في مسح الرأس بما يفضل على اليدين من البلل دون أن يجدد له الماء: فأجازه قوم، كرهه الأكثر، وهذا أحسن؛ لأن قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ يدل على ابتداء فعل في الرأس، وإذا مسح بما فضل على اليدين فليس بابتداء فعل. وابتداء المسح إنما هو أن يغمس اليد في الماء ثم يمر على الرأس.\nواختلف في الأذنين هل هما من الرأس أم لا؟ على ستة أقوال، فقيل: هما من الرأس يمسحان معه. وقيل: هما من الوجه يغسلان معه. وقيل: ظاهرهما من الوجه يغسلان معه، وباطنهما من الرأس فيمسحان معه. وقيل: إنهما عضوان ليسا من الوجه ولا من الرأس، وهو قول الشافعي وأبي ثور، ولا شيء على من تركهما على قولهما. وقيل: إنهما يغسلان مع الوجه، ويمسحان مع الرأس. وقيل: إنهما من الرأس، ولكن يجدد الماء لهما، وهو قول مالك","vol":"2","page":371},{"text":"﵀. وهذا هو الصحيح؛ لأنهما ليسا من الوجه؛ لأن الوجه من المواجهة. والمواجهة لا تكون بالأذنين.\nواختلف عندنا في مسحهما هل هو واجب أم سنة؟\nفعن مالك روايتان، فوجه الوجوب أنهما من الرأس، فوجب مسحهما لأنهما داخلتان في عمو قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾. وذكر بعض أصحاب مالك أن الخلاف في ذلك إنما هو في ظاهرهما وأما باطنهما فلا خلف في أنه سنة.\nوقد اختلف في المسح على العمامة والخمار أو نحو ذلك مما يحول دون الرأس: فذهب مالك ومن تابعه إلى أنه لا يجوز ذلك، وأجازه داود وابن حنبل والشافعي في أحد قوليه، وجماعة من السلف سواهم، لآثار واردة في ذلك وقياسًا على الخفين. والصحيح مذهب مالك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ ومن مسح على حائل فلم يمسح على رأسه، وما جاء من الآثار عن النبي ﷺ فلعله ذلك لعذر، أو لتجديد من غير حدث فلا حجة فيها.\nواختلف فيما طال من شعر الرأس للرجل والمرأة، وزاد على قدر الرأس هل على صاحبه أن يمسحه في الوضوء أم لا؟\nوالروايتان عن مالك، فوجه القول بأن ليس عليه مسحة أن شعر","vol":"2","page":372},{"text":"الرأس ليس برأس، ولا يقال لمن طال شعر رأسه: طال رأسه، وإنما يقال: طال شعره، وإنما أوجب الله تعالى مسح شعر الرأس لا ما سوى ذلك. ووجه القول الآخر أنه لما نشأ من الرأس حكم له بحكم الرأس، ومن مسح رأس ثم حلق شعره فلا إعادة عليه خلافًا لعبد العزيز بن أبي سلمة؛ لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾، وهذا قد فعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>(٦) - وقوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾:</span>\nاختلف في قراءتها: فقرأها قوم بالنصب، وقرأها قوم بالجر، قرأها قوم في غير السبع بالرفع، ورويت أيضًا عن نافع. وبحسب هذا اختلف الصحابة ومن بعدهم. فأما القراءة بالنصب فعلى أن العامل: «اغسلوا» مبني للمجهول على أ، الغرض في الرجلين الغسل دون المسح. وأما القراءة بالرفع فعلى تقدير: ﴿وأرجلكم﴾ فاغسلوا، على حذف الخبر، وهذا مبني على أن الفرض الغسل وهو قول الجمهور، وهو الذي علم من فعل النبي ﷺ روي عنه ﷺ أنه رأى قومًا يتوضؤون وأعقابهم تلوح","vol":"2","page":373},{"text":"فنادى بأعلى صوته: «ويل لأعقاب من النار». وأما القراءة بالخفض فعلى العطف على رؤوسكم.\nواختلف في الذين رأوا ذلك، فمنهم من حمل الآية على ظاهرها، فرأى أن الرجلين يمسحان ولا يغسلان وأن المسح فرضهما خلافًا لقول الجمهور الذي ذكرناه. وممن روى عنه ذلك ابن عباس، قال: الوضوء مسجتنا وغسلتان. وروي أن الحجاج خطب بالأهواز فذكر الوضوء، فقال: «اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وأنه ليس شيء من آدم أقرب لخبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما»، فسمع ذلك أنس بن مالك فقال: صدق الله، وكذب الحجاج، قال تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾. وكان أنس إذا مسح رجليه بلهما، وروي أيضًا عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح والسنة الغسل. والذين ذهبوا إلى أن الوجهين ثابتان جميعًا بين","vol":"2","page":374},{"text":"الآية والحديث، فمنهم من ذهب إلى الجمع بينهما، ومنهم من رأى أمرهما إلى التخيير، وإلى القول بأن الفرض المسح، ذهب عكرمة والشعبي وأبو جعفر وقتادة، وهو قول طائفة من الشيعة. وأكثر من قرأ ﴿وأرجلكم﴾ بالخفض لم يروا المسح على الرجلين، بل رأوا أن فرضها الغسل كما يأتي على قراءة النصب؛ إلا أنهم اختلفوا في تخريج هذه الآية ولم يحملوها على ظاهرها، فمنهم من قال: يحتمل أن يكون عطف بالغسل على المسح حملًا على المعنى، والمراد: الغسل كما قال:\nعلفتها تينًا وماء باردًا\nوهذا الوجه يضعف من قبل أنه يحتاج فيه إلى إضمار الجر مع فعل متعلق به، مع أنه ليس في الكلام ما يدل على ذلك الفعل.\nوقيل: إن «وأرجلكم» خفض على الجواز، وهذا بعيد على مذهب الخليل وسيبويه من جهة حرف العطف. وقيل:","vol":"2","page":375},{"text":"«وأرجلكم» معطوف على «برؤوسكم» إلا أنه أراد بالمسح في الرأس، المسح المعروف، وأراد بالمسح في الأرجل الغسل. وفي هذا القول ضعف؛ لأنه تعالى أمر فيهما جميعًا بالمسح بلفظ واحد، فيقتضي ذلك أن يكون ما يجري على أحدهما يجري على الآخر، إلا كيف يجتمعان في اللفظ ويختلفان في المعنى في ذلك اللفظ بعينه، وإن كان المسح لعمري قد استعملته العرب في الغسل، حكى أبو زيد وغيره ذلك. وقيل: قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾ اقتضت هذه الآية مسح الرجلين، لكن ما جاء عن النبي ﷺ في ذلك من الغسل نسخ ذلك، وهذا القول على القول بنسخ القرآن بالسنة، وفيه خلاف. وقيل: إن الآية اقتضت بظاهرها المسح في الرأس والرجلين، فبينت السنة مراد الله تعالى بذلك. واعلمت أن المسح في الرأس على ظاهره، وأن المسح في الرجلين مع إمرار الماء، وذلك هو الغسل. وقيل: ﴿فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾: إنما خفضها لأنه أراد المسح على الخفين. وفي هذا لعمري ضعف؛ لأن الأمر بالمسخ في الرأس والرجلين واحد، فكيف يكون","vol":"2","page":376},{"text":"أمر واحد في حال واحدة أمر وجوب في أحدهما وأمر غير وجوب في الآخر، مع أن قوله تعالى: ﴿وأرجلكم﴾ لا يقتضي إلا المسح دون حائل، هذا ظاهره.\nوقد اختلف في المسح على الخفين؟\nففيه عن مالك ثلاث روايات، إحداها: جواز المسح في السفر والحضر، وفي الآية على هذا التأويل حجة لقوله هذا. والثانية: ترك المسح عليهما في السفر والحضر، ويعضد هذا القول قراءة من قرأ: «وأرجلكم» بالنصب، على قول من قال أن ذلك ناسخ للمسح على الخفين، وهو قول جماعة من أهل العلم. الثالث: جواز المسح في السفر دون الحضر وما اضطربت أقوال العلماء في ذلك إلا بحسب اضطراب الأحاديث واختلاف التأويل والقراءات. وقد ذهب بعض من أنكر المسح على الخفين إلى أن الأحاديث الواردة في ذلك أحبار آحاد زادت على نص القرآن، وأن القرآن يقتضي الغسل، والزيادة على النص نسخ، ولا","vol":"2","page":377},{"text":"يجوز نسخ القرآن بأخبار الآحاد، وقد يجاب عن هذا بأن الزيادة على النص ليست نسخًا، وإن لم تكن نسخًا قبلت، وجاز العمل بها، وهي مسألة تتحقق من كتب الأصول على أنه قد ذكر ابن عبد البر أنه روى عن النبي ﷺ المسح على الخفين نحو أربعين من الصحابة. وروي عن الحسن البصري أنه قال: أدركت سبعين رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يمسحون على الخفين، وهذا الذي ذكره من العدد مما يجوز أن يقع به العلم، ويحصل به التواتر، فيجوز نسخ القرآن به إن لم يكن هناك وجه غير النسخ. وقد روى إبراهيم عن همام بن الحارث، قال: رأيت جريرًا بال وتوضأ من مطهرة ومسح على خفيه، فيقيل له: أتفعل هذا! قال: ما يمنعني أن أفعله وقد رأيت رسول الله ﷺ يفعله. وفي بعض طرقه قيل له: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، إشارة إلى أن القرآن نسخه، قال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة، فكان يعجبهم حديث جرير لذلك.\nوالذين ذهبوا إلى جواز المسح عليهما اختلفوا في الأفضل من ذلك، فروي عن أبي أيوب أنه قال: حبب إلي الغسل. وروي عن سلمان التميمي، أنه قال: المسح أفضل. وحديث جرير هذا يرد ما ذكر عن بعضهم من أن الغسل الوارد في القرآن نسخ المسح. وعندي في قراءة","vol":"2","page":378},{"text":"الخفض وجه آخر لم أر أحدًا من أهل العلم تكلم عليه، وهو أن يكون التقدير وجميع أرجلكم أو نحو ذلك من الكلام مما يكون منصوبًا معطوفًا على أيديكم، ثم حذف ذلك، وبقي المضاف إليه على جره لما في قوة الكلام من الدلالة عليه. وإلى هذا ذهب أبو علي الفارسي ﵀ في قول الشاعر:\nرحم الله عظمًا دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات\nعلى رواية من روى أن طلحة بالخفض كأنه قال أعظم طلحة ثم حذف أعظم وترك المجرور على حاله، يتحصل فيما هو الغرض في الرجلين أربعة أقوال، أحدها: الذي عليه الجمهور أن الفرض هنا الغسل، والحجة له القراءة بالنصب. وأما القراءة بالخفض فتخرج على وجوه ذكرناها. والثاني: أن الفرض فيهما المسح ولا يجوز الغسل، وإن مسح البعض أجزأه على قولهم. وقد ذكرنا من يقول هذا القول وحجته. والثالث: أن فرضهما الغسل والمسح معًا. والرابع: التخيير بين الغسل والمسح، وهو مذهب بعض المتكلمين، وإليه ذهب ابن جرير.","vol":"2","page":379},{"text":"واختلف في الرجل يغسل رجليه ثم يلبس الخف عليهما ثم يغسل سائر أعضائه، هل يمسح عليهما إن احتاج إلى ذلك على القول بالمسح؟\nفمن يرى أن كل عضو من أعضاء المتوضئ يرتفع عنه الحدث بتمام غسله فإذا أكمل وضوءه ارتفع الحدث جملة وطهر للصلاة أجاز له أن يمسح على خفيه إذا لبسهما بعد أن غسل رجليه للوضوء، وإن كان ذلك قبل أن يستكمل وضوءه لأنه قد لبسهما عنده ورجلاه طاهرتان بطهر الوضوء، وسواء أكمل وضوءه بعد ذلك أو لم يكمله، وهو قول ابن القاسم. ومن رأى أنه لا يطهر عضو من أعضاء المتوضئ إلا بتمام وضوئه جملة لم يجز له أن يمسح على خفيه إذا لبسهما قبل استكمال وضوئه لأنه ما لبسهما عنده إلا ورجلاه طاهرتين بطهر الوضوء، وسواء أكمل وضوءه بعد ذلك أو لم يكمله، وهو قول سحنون. ومطرف يقول: إنه يمسح عليهما وإن أتم وضوءه بعد ذلك وإن لم يتم لم يجز له أن يمسح عليهما؛ فهذه ثلاثة أقوال. والقول بترك المسح أولى لعموم الآية قوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ فعم على كل حال.\nواختلف في الرجل يخلع أحد خفيه هل يجوز له أن","vol":"2","page":380},{"text":"يمسح على الآخر ويغسل المخلوع عنه الخف أم لا؟ على قولين في المذهب. ودليل القول بأن ذلك لا يجوز قوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾.\nواختلف في المسح على الجوربين غير المجلدين: فلم يجزه الأكثر. وأجازه ابن حنبل، ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾، فعم كل حائل. هكذا ذكر أهل مسائل الخلاف، واحتجوا عليها بالآية على ما ذكرناه. واختلف في الرجل يدخل رجليه في الماء دون أن يمر يديه عليهما هل يجزئ ذلك عن غسلهما في الوضوء أم لا؟ فلم يجزه الأكثر من العلماء. وأجازه قوم منهم الحسن بن أبي الحسن البصري وحجة القول الأول القراءة بالنصب، وأن الغسل لا يكون في اللغة إلا مع إمرار اليد، والقراءة بالخفض أيضًا على قول من يقول المراد بذلك المسح باليد مع الماء، فذكر الله تعالى المسح خاصة والمراد به مع الماء فلا يجوز أن يقتصر على الماء دون المسح لذلك، وإلى نحو هذا أشار الطبري.","vol":"2","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>(٦) - قوله تعالى: ﴿إلى الكعبين﴾:</span>\nالكعبان اللذان إليهما حد الوضوء بإجماع هما العظمان الناتئان من جنبي الرجل. واختلف هل يدخلان في الغسل أم لا؟ فعن مالك في ذلك روايتان. والقول فيهما كالقول في المرفقين، وقد ساق بعضهم هذا في مسائل الخلاف، فقال: اختلف عنه -يعني عن مالك- في الكعبين، فروب أنهما اللذان في ظهر القدمين عند مقعد الشراك. وروي أنهما اللذان من جانبي الساق، وهو الذي اختار عبد الوهاب، وبه قال الشافعي. ولو كان الكعبان هما الناشزان في ظهر القدم لقال تعالى: «إلى الكعوب»، كما قال إلى المرافق؛ فقوله تعالى: ﴿إلى الكعبين﴾، فيه دليل على أنه إنما أراد الكعبين الذين في كل رجل ولا يكونان كما قدمنا. وقد أجمعت هذه الآية من فرائض الوضوء أربعة فلا خلاف فيها. واختلف في أربعة أخرى؛ فمن ذلك الموالاة في الأعضاء وهو الذي يسميه الفقهاء الفور، وفيه ثلاثة أقوال، فقيل: هو فرض، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة وعلى هذا يحمل بعض المتأخرين مذهب مالك. وقيل: هو سنة، وهو المشهور من المذهب. وقيل: فرض في","vol":"2","page":382},{"text":"المغسول، وسنة في الممسوح، وهو قول مطرف وابن الماجشون وروايته عن مالك. ودليل إيجاب الموالاة قوله تعالى: ﴿وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ الآية، والأمر المطلق على الفور؛ لأن الخطاب بصيغة الشرط والجزاء، ومن حق الجزاء أن لا يتأخر عن جملة الشرط. وتطهير جملة الأعضاء جزاء الشرط الذي هو القيام للصلاة، فوجب أن لا يتأخر شيء منه عنها. ومن ذلك الترتيب اختلف فيه، فالمشهور عن مالك أنه سنة، وقيل: أنه فرض. وحكماه أبو مصعب عن أهل المدينة. ومعلوم أن مالكًا منهم، وهو قول الشافعي، فمن أوجبه راعى ترتيب الآية ورآه واجبًا. والحجة لمن لم يوجبه أن «واو» النسق في الآية لا تعطي رتبة، وإنما هي للجميع دون الاشتراك والترتيب. واسم الغسل ينتظم لمن رتب ولمن لم يرتب. وقال أبو الحسن: ظاهر قوله: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ الآية يقتضي الأجزاء قدم المتوضئ أو أخر، فرق أو والى، على ما هو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو مذهب أكثر العلماء رحمهم الله تعالى. واعتبار الموالاة إنما يتلقى من دليل زائد،","vol":"2","page":383},{"text":"وليس في الأمر ما يقتضي الفور، ولا ترتيب بعض المأمورات على بعض، إلا أن الشافعي يوجب الترتيب من حيث أدرج في الآية الممسوح من بين المغسولات، وأن ذلك لا يكون إلا عن قصد ترتيب الأشياء على النسق المذكور، ومن ذلك النية. وقد تقدم الكلام عليها. ومن ذلك الماء المطلق وهو الذي لم يتغير أحد أوصافه بشيء حل فيه طاهر أو نجس، واختلف إذا خالط الماء شيء طاهر ولم يتغير والماء يسير، فالمشهور من المذهب أنه ماء مطلق غير مضاف، وذهب أبو الحسن القابسي إلى أنه مضاف لا يجوز الوضوء به، ولا إزالة النجاسة به. وظاهر قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ دليل على جوازه.\nواختلف أيضًا إذا خالطت الماء نجاسة ولم يتغير على ثلاثة أقوال، أحدها: أنه مطلق طاهر مطهر. والثاني: أنه نجس. والثالث: الفرق بين الماء اليسير والكثير. والمشهور في المذهب أن تلك المخالطة لا تؤثر فيه، وأنه ماء مطلق. ودليله قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ وهي رواية المدنيين عن مالك، والثانية رواية المصريين. والثالثة رواية","vol":"2","page":384},{"text":"ابن نافع عن مالك، وهو مثل قول أهل العراق. والدليل على فساده حديث بئر بضاعة، وقول النبي ﷺ: «الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه».\nواختلف في الماء أيضًا إذا خالطه طاهر ينفك عنف فغيره: فالمشهور في المذهب أنه طاهر إلا أنه لا يرفع الحدث، ولا يزيل النجاسة. وذهب أبو حنيفة إلى أنه طاهر مطهر على أصله في إجازة الوضوء بالنبيذ، وعلى أصله في أن كل ما أزال العين من النجاسة رفع حكمها. والحجة لمنع الوضوء به قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ فأطلق. والماء المتغير لا يقال له ماء بإطلاق، وإنما يقال له ماء على صفة كذا.","vol":"2","page":385},{"text":"واختلف إذا تغير الماء بطول المكث؟ فقيل: لا يجوز الوضوء به. والجمهور على جوازه لأن هذا متغير بما لا ينفك عنه، فهو ماء مطلق فجاز الوضوء به. واختلف في الوضوء بماء البحر على ثلاثة أقوال: الكراهة، والمنع، والجواز، وهو المشهور. ودليل الجواز قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾. وكذلك اختلف في الماء المسخن، فكرهه مالك، وأجازه الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، والماء المسخن يطلق عليه اسم الماء، والأصل في هذه المسائل أن كل ما ينطلق عليه اسم الماء ولا يحتاج إلى تقييد، فهو داخل تحت قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، وبهذا يبطل قول أبي حنيفة في إجازته الوضوء بنبيذ التمر، خلافًا لمالك والشافعي رحمهما الله. وقد اختلف فيمن يبل يديه بالماء ويمرهما على أعضاء الوضوء هل يجزيه ذلك أو يلزم نقل الماء إلى أعضاء الوضوء ولا يجتزئ بالبلل؟ والمشهور من المذهب النقل. وحكي عن أبي يوسف أنه قال: إن مسح الأعضاء بالماء كالمسح بالدهن أجزأه. وحكى قريب من هذا عن بعض التابعين، أنه قال: ما عهدناهم يلطمون","vol":"2","page":386},{"text":"وجوههم بالماء، وهذا فاسد؛ لأن الواجب الغسل، وهذا ليس بغسل، وقد قال تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم﴾، ففرق بين المسح والغسل. وفي الذي قالوه بطلان الفرق بينهما. وفي المذهب من هذا النوع مسألة يختلف فيها وهي: إذا أصاب الإنسان مطر، فشمل أعضاءه، ولم يكن ليصير في يديه منه ما يكون بنقله إلى أعضائه غاسلًا لهما، أو ماسحًا لما يمسح منهما، وأراج أن يغسل كل عضو، بما صار إليه من المطر، هل يجوز ذلك أم لا؟ فيه قولان، أحدهما: أنه لا يجوز أن يمسح بيديه على رأسه بما أصابهما من ماء المطر دون أن ينقل إليهما ماء المطر بيديه، وهو قول ابن حبيب، وحكاه عن ابن الماجشون، وهو دليل قول سحنون. والثاني: أنه جائز، وهو الذي يأتي على مذهب ابن القاسم في الذي توضأ وأبقى رجليه فخاض نهرًا، فغسل رجليه. ففيه أن ذلك يجزيه إذا نوى به الوضوء، وإن كان لم ينقل إليهما الماء. فعلى هذا يأتي الخلاف أيضًا فيمن توضأ","vol":"2","page":387},{"text":"وهو منغمس في الماء، والأظهر الجواز في هذه المسألة؛ لأن هذا غسل، وإن لم ينقل الماء، بل هو أكثر من نقل الماء. وليس في اللغة ما يدفع أن يسمى غسلًا. وكذلك اختلف فيمن غسل ما يمسح هل يجزيه أم لا؟ ووجه الجواز أنه مسح وزيادة. وقد استنبط أصحاب أبي حنيفة من هذه الآية أن الاستنجاء لا يجب، لأنه تعالى لما قال: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾، كان الحدث مضمرًا فيه. والتقدير إذا قمتم إلى الصلاة محدثين. وقال في نفس الآية: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء﴾، فلم يوجب علينا أكثر من المذكور. وذلك يدل على أنه إذا أتى بالمذكور استباح به الصلاة وهذا ضعيف؛ لأنه تعالى قال: ﴿فاغسلوا﴾، فذكر ما لا يظهر أثر الخارج في غسله، وهو أعضاء الوضوء، فإنما ذكر تعالى حكم الوضوء خاصة. وأما إزالة النجاسات فإن حكمها مأخوذ من موضع آخر، وليس يقتضي بيان حكم الوضوء بيان حكم شرائط الصلاة كلها، فإن الصلاة موقوفة إجماعًا على ستر العورة، ولا ذكر لها في هذه الآية،","vol":"2","page":388},{"text":"فكذلك هي موقوفة على طهارة البدن والثوب. ولم يكن السكوت عنهما مانعًا من اشتراط السكوت عنه في آخر الفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>(٦) - وقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾:</span>\nهذه الآية أصل في وجوب الطهارة من الجنابة، وقوله تعالى: ﴿فاطهروا﴾ أمر بالاغتسال بالماء. واختلف في الخطاب بهذه الآية لمن هو؟ فقيل: هو للواجد الماء خاصة. وقيل: هو للواجد الماء غير الواجد له. وعلى هذا الخلاف في الجنب، هل يجوز أن يتيمم إذا عدم الماء أم لا؟ وقد مر الكلام عليه في سورة النساء.\nواختلفوا في الجنب يغتسل ثمر يخرج منه بقية الماء هل عليه غسل أم لا؟ فعندنا أنه لا غسل عليه لخروجه بغير لذة. ولا فرق أن يخرج قبل البول أو بعده. وذهب الأوزاعي إلى أنه إن خرج بعد البول فلا غسل عليه، وإن خرج قبل البول فعليه الغسل. وقيل: يغتسل كيف كان وهو","vol":"2","page":389},{"text":"قول الشافعي، والذي استدل به الشافعي قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾.\nوقد استنبط من أوجب المضمضة والاستنشاق من قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾، وأنهما فرض علينا؛ لأن قوله تعالى: ﴿فاطهروا﴾ عموم، ومن اغتسل ولم يتمضمض إنما هو مطهر لبعض جسده، وعموم الآية يقتضي تطهير الجميع، وهذا باطل؛ لأن الله تعالى لم يذكر موضع الطهارة أصلًا بلفظ يقتضي عموم البدن، ولا بلفظ يخالفه، وإنما قال: ﴿فاطهروا﴾، وليس فيه ما يوجب خصوصًا أو عمومًا. وقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجهكم﴾ الآية.\nأمر الله تعالى بغسل هذه الأعضاء من الوضوء، ولم يوقت مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا. وقد اختلفت الآثار عن النبي ﷺ في التوقيت،","vol":"2","page":390},{"text":"ومذهب مالك ﵀ الإسباغ. وأما الزيادة عليه ففضل مرغب فيه، وهل ذلك مخافة أن يكون منه شيء أم لا؟ فيه نظر، وقد مر الكلام على بقية أحكامه في سورة النساء فأغنى عن إعادته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>(١٣) - قوله تعالى: ﴿فاعف عنهم واصفح﴾:</span>\nاختلف فيه هل هو منسوخ أم محكم؟ فذهب قوم إلى أنه منسوخ، قالوا: نسخه ما في براءة من الأمر بالقتال حتى يؤدوا الجزية. وذهب قوم إلى أنه محكم، وأنه نزل في قوم من اليهود أرادوا الغدر برسول الله ﷺ، فأمر رسول الله ﷺ بالعفو عنهم والصفح بعد أن لحقتهم الذلة والصغار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>(٢٨) - قوله تعالى: ﴿لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك﴾:</span>\nقيل: معناها لئن بدأتني بالقتل لم أبدأك به، لأنه لم يدفعه عن نفسه إذا قصد قتله. وروي أنه قتله غيلة بأن ألقى عليه صخرة وهو نائم فشدخه بها. وقيل: كان من مذهبهم أن من أراد قتل غيره لم يكن للمقصود بالقتل دفعه بل يرتكه ولا يدفعه عن نفسه إلا أن في شرعنا","vol":"2","page":391},{"text":"أنه يجوز دفعه إجماعًا. واختلف في وجوبه، والأصح وجوبه لم فيه من النهي عن المنكر. ومن الحشوية قوم لا يجيزون للمصول عليه الدفع. وتأولوا عليه قوله ﵊ لأبي ذر: «كيف بك يا أبا ذر إذا كان في المدينة قتل»؟ قال: قلت: ألبس سلاحي، قال: «شاركت القوم إذًا»، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله؟ قال: «إذا خشيت أن ينهزك عين الشمس فالق ناحية ثوبك على وجهك لئلا تبوء بإثمه وإثمك». والمراد بهذا الحديث عند المتأملين ترك القتال في الفتنة، كف اليد عن الشبهة.\nفأم من فعل ما استحق القتل فلا ولم يرد النبي ﷺ ذلك، ولو جاز الإمساك عن ذلك لتعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستولى الظلم. وقد يحتمل أن يجاب عن هذا بأن يقال: إنما يصح ذلك إذا كان الأمر بالمعروف لا يؤدي إلى قتال وشهرة وسلاح، فأما إذا أدى إلى ذلك فلا، ويفوض المقتول أمره إلى الله تعالى لأنه إذا أدى إلى ذلك","vol":"2","page":392},{"text":"خاف على نفسه فلم يجز الدفع، وهذا موضع نظر واحتمال لترديد القول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>(٣٣) - قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا﴾:</span>\nاختلف في سبب نزولها، فقيل/ إنها نزلت بسبب قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فنقضوا العهد، وقطعوا السبيل، وأفسدوا في الأرض، وهو قول ابن عباس والضحاك، ويشبه أن يكون هو الذي قالوه في نازلة بني قريضة إذ هموا بقتل رسول الله ﷺ. وقيل: نزلت في المشركين، وهو قول عكرمة والحسن، وهو بعيد؛ لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ [المائدة: ٣٤]؛ إذ لا خلاف أن توبة المشرك تسقط عنه ما لزمه من الأحكام في حال كفره سواء أسلم قبل القدرة عليه أو بعدها. وقيل: إن الآية نزلت في نفر من عكل وعرينة أتوا النبي ﷺ فأسلموا ثم إنهم مرضوا واستوخموا المدينة، فأمرهم النبي ﷺ أن يكونوا في لقاح الصدقة، وقال: «اشربوا من ألبانها وأبوالها»،","vol":"2","page":393},{"text":"فخرجوا إليها، فما صحوا قتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، فجاء الصريخ إلى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فنودي: يا خيل الله اركبي، فركب رسول الله ﷺ على إثرهم فأخذوا، وقال جرير: فبعثني رسول الله ﷺ في نفر من المسلمين حتى أدركناهم وقد أشرفوا على بلادهم فجئنا بهم، قال جميع الرواة: فقطع رسول الله ﷺ أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمل أعينهم، وتركهم في جانب من الحرة يستسقون فلا يسقون. وفي بعض الروايات: أن رسول الله ﷺ أحرقهم بالنار بعد أن قتلهم. قال أبو قلابة: وهؤلاء كفروا، وحاربوا الله ورسوله، وقتلوا، وأخذوا الأموال، ولم يعلم أن رسول الله ﷺ مثل بأحد غيرهم لا قبل ولا بعد، وهذا قول أنس بن مالك وجرير وابن جبير وابن الزبير وابن عمر وغيرهم، وهذا القول لمخالفة حكم رسول الله ﷺ حك ما تضمنته الآية من العقوبات مع تظاهر الآثار بأن الآية إنما وردت بعد الذي كان م حكم رسول الله ﷺ في أولئك النفر. وقيل: إن الآية نزلت ناسخة لفعل النبي ﷺ بأولئك ورفعت الآية","vol":"2","page":394},{"text":"هذه الحدود. قال بعضهم: وجعلها الله تعالى عتابًا لنبيه ﷺ على سمل الأعين. وحكى الطبري عن السدي أن النبي ﷺ لم يسمل أعين أولئك النفر، وإنما أراد ذلك فنزلت الآية ناهية عنه. وقال بعض من يضعف النسخ فيما فعل رسول الله ﷺ: أنهم سملوا أعين الرعاء، ولذلك سمل رسول الله ﷺ أعينهم. وقيل -وهو أحسن ما قيل في الآية-: أنها نزلت في المحارب المؤمن أو الذمي، فيتحصل من هذا أنه اختلف فيمن رودت فيه الآية، فقيل: في الكفار والمحاربين، وهذا ضعيف لأن الله تعالى قال: ﴿إلا الذين تابوا م قبل أن تقدروا عليهم﴾ [المائدة: ٣٤]، والكفار لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما يسقط قبل القدرة. قيل: إنها نزلت في المرتدين، وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾، والكفار لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة عليهم كما تسقط قبل القدرة؛ لأن المرتد يستحق القتل لنفس الردة دون المحاربة، والمذكور في الآية إنما هو من لا يستحق القتل، وأيضًا فإن الآية فيها نفي","vol":"2","page":395},{"text":"من لم يتب قبل القدرة عليه والمرتد لا ينفي، وأيضًا فإن المرتد لا يقطع من خلاف ويخلى سبيله بل يقتل إن لم يسلم، ولا يصلب أيضًا. وقيل: إنها نزلت في قطاع الطريق من المسلمين. وقيل: إنها نزلت في المحاربين من المسلمين كانوا أو من أهل الذمة وهو أحسن ما قيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾:</span>\nإنما هنا للحصر، وقوله: ﴿يحاربون الله ورسوله﴾ تغليظ على ارتكاب نهيه، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله﴾ [الأنفال: ١٣]، وقال: ﴿يحادون الله ورسوله﴾ [المجادلة: ٥]، وذلك كله مستحيل على الله تعالى؛ إذ ليس هو بمكان فيشاق ويحاد ويحارب، وإنما ذكر ذلك على جهة المبالغة في إظهار المخالفة، وكان يجوز أن يسمى كل عاص بهذا الاسم ولكنه لم يرد ذلك. وقيل: التقدير يحاربون عباد الله وهذا أولى، فإن الذي يحارب رسول الله ﷺ كافر، وقاطع الطريق من المسلمين ليس بكافر، وكأنه أراد بذلك تعظيم المحاربة وإكبار قدر المعصية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿ويسعون في الأرض فسادًا﴾:</span>\nتبيين للحرابة، أي ويسعون لحرابتهم. ويحتمل أن يكون المعنى يسعون فسادًا مضافًا إلى المحرم، والجامع لهذه الأوصاف كلها الحرابة.","vol":"2","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>(٣٣) - وقوله: ﴿أن يقتلوا﴾:</span>\nهو تفعل من القتل، وقتل المحارب أن يضرب عنقه بالسيف ولا يعبث به في القتل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿أو يصلبوا﴾:</span>\nظاهر الآية أن الطلب حد قائم بنفسه كسائر الحدود الثلاثة، لكن الجمهور على أنه مضاف إلى القتل، وليس أن يصلب ولا يقتل إلا أنه قد وقع لمالك في بعض المواقع أنه قال: يقتل، أو يصلب، أو يقطع أو ينفى من الأرض مثل ظاهر القرآن. وإذا قلنا: إنه مضاف إلى القتل فقد اختلف فيه، فقيل: إنه يقتل ثم يصلب ليذعر به أهل الفساد، وهو قول أشهب. وقيل: هو أن يصلب حيًا ويقتل في الخشبة، وهو قول ابن القاسم وابن الماجشون، واختيار ابن بكير؛ لأن الصلب أن يقتل مصلوبًا فيسيل دمه وهو في الخشبة من قولهم: تمر مصلب إذا كان صفي، ولأن الله تعالى إنما خير في صفة قتله ولو كان إنما خير صلبه بعد قتله لقال أن يقتلوا أو يقتلوا ثم يصلبوا، وعلى مذهب من يرى أنه يقتل ثم يصلب يصلى عليه وحينئذ يصلب.\nواختلف في الصلاة عليه على مذهب من يرى أنه يصلب ثم يقتل،","vol":"2","page":397},{"text":"فقيل: لا ينزل منها على كل حال، ولا يصلي عليه. وقيل: يصف خلف الخشبة ويصلي عليه. والقولان لابن الماجشون. وقيل: ينزل ويصلي عليه، وهو قول سحنون. واختلف قوله: هل يعاد للخشبة ليذعر به أهل الفساد أم لا؟ على قولين. واختلف في بقائه مصلوبًا؟ فقيل: ينزل بعد ثلاث، قاله أبو حنيفة وأصحابه؛ لأن إبقاءه بعد ذلك عندهم مثلة. وقال أصبغ: لا بأس أن يخلي بينه وبين بنيه وأهله ينزلوه ويصلي عليه ويدفن. وحجة هذا القول أن الصلب الذي ذكره الله تعالى قد حصل وما كان بعد ذلك، فلا معنى له. والجمهور على أنه لا ينزل حتى تأكله السباع والكلاب ولا يترك أهله لدفنه ولا يتركون أن ينزلوه، وهو ظاهر الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف﴾:</span>\nمعناه: أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم إن عاد قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، واختلف إن لم تكن له اليد اليمنى، فقال أشهب: تقطع يده اليسرى ورجله اليسرى. وقال ابن القاسم: تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى حتى يكون القطع من خلف كما قال الله تعالى، وهذا القول أظهر على مقتضى الآية. واختلف في حد القطع من اليد، فقيل: من الرسغ. وقيل: من الأصابع وهو المروي عن علي. واختلف","vol":"2","page":398},{"text":"أيضًا في القطع من الرجل، فقيل: من المفصل. وقيل: من نصف القدم، ويبقى العقب في الساق وهو المروي عن علي. والقول الذي عليه الجمهور أليق بأن يقع عليه اسم اليد والرجل، وإن وقع على نصف القدم أو الأصابع فتجوز حمل الآية على ما ليس فيه تجوز أفضل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾:</span>\nاختلف في معناه على خمسة أقوال، فقيل: النفي والسجن وهو قول مالك في رواية مطرف عنه، وقول أبي حنيفة وأصحابه. وقيل: أن ينفى من بلد إلى بلد، وأقله ما تقصر فيه الصلاة، ويسجن فيه إلى أن تظهر توبته وهو المشهور من قول مالك. وقيل: هو أن يطلبه الإمام لإقامة الحد عليه فيقر، فلا يقدر عليه، فيكون ذلك نفيًا لا أنه ينفى بعدما يقدر عليه، بل يقام عليه الحد إذا قدر عليه ول ينفى. ففي هذا القول إبطال النفي يعد القدرة، وإلى نحو هذا ذهب ابن الماجشون. وقيل: هو أن ينفى من بلد إلى بلد آخر دون أن يسجن فيه، وهو قول سعيد بن جبير وغيره. وقيل: نفيهم إبعادهم من بلاد المسلمين إلى بلاد المشركين، وهو قول قتادة والزهري، وذكر عن مالك بن أنس ﵀ نحوه، ذكره","vol":"2","page":399},{"text":"الماوردي عنه وذكره بعضهم عن غير مالك، ثم قال: وقاله مالك على أن مالكًا قال: لا يضطر مسلم إلى دخول أرض الشرك. وذكر ابن قتيبة في «المشكل» أنه قال: نفيه من الأرض أن يقال من لقيه فليقتله، قم قال: ومن جعل النفي هذا أو يطلب في كل أرض يكون بها، فإنه يذهب إلى أن هذا جزاؤه قبل أن يقدر عليه؛ لأنه لا يجوز أن يظفر الإمام به فيدع عقوبته، ثم يقول: من لقيه فليقتله أو يجده، فيتركه ثم يطبه في كل أرض. وإذا كان هذا اختلفت العقوبات، فصار بعضها لمن لم يقدر عليه وبعضها لمن قدر عليه، وأشبه الأشياء أن تكون كلها فيمن ظفر به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>(٣٣) - وقوله تعالى: ﴿ذلك لهم خزي في الحياة الدنيا﴾ </span>الآية:\nأشار بالخزي في الدنيا إلى الحدود التي تقام عليهم، وأخبر أن","vol":"2","page":400},{"text":"لهم في الآخرة مع إقامة الحدود عليهم في الدنيا عذاب عظيم. وظاهر هذا أن عقوبة المحارب لا تكون كفارة له كما تكون في سائر الحدود، وقد قال ﵊: «من أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة»، ويحتمل أن يكون الخزي في الدنيا لمن عوقب، والعذاب في الآخرة لمن لم يعاقب، ويجري ذنب الحربي مجرى غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>(٣٤) - وقوله: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾:</span>\nاختلف في تأويلها، فقيل: هذا في أهل الشرك. وقيل: في أهل الحرب من المسلمين وأهل الذمة وهو الأحسن كما قدمناه. واختلف في قبول توبة المحارب على قولين، أحدهما: أنها لا تقبل، قال ذلك من تأول الآية في غير المحاربين وهو قول الحسن. والثاني: أن توبته تقبل، قال ذلك من تأول الآية في المحاربين ورأى الاستثناء مردودًا عليهم وهو أحسن الأقوال كما قدمنا. والذين ذهبوا إلى أن توبته تقبل","vol":"2","page":401},{"text":"اختلفوا في صفته على ثلاثة أقوال، أحدها: أنها لا تقبل منه إلا أن يخرج من دار الإسلام ويلحق بدار الحرب. الثاني: أنها لا تقبل منه إلى أن يكون قد لحق بدار الحرب. والثالث: أنها لا تقبل منه في جميع الأحوال، كان وحده لا فئة له أو كانت له فئة، ولم يلحق بدار الحرب أو كان لحلق بدار الحرب، وهذا القول أظهر لعموم الآية؛ إذ لم يخص محاربًا من محارب. واختلفوا أيضًا في صفة توبته التي تقبل منه على ثلاثة أقوال، أحدها: أن توبته تكون بوجهين، أحدهما: أن يترك ما هو عليه وإن لم يأت الإمام. والثاني: أن يلقي السلاح ويأتي الإمام طائعًا، وهو مذهب ابن القاسم. والقول الثاني: أن توبته إنما تكون بأن يترك ما هو عليه، ويجلس في موضعه، وتظهر لجيرانه. وأما إن أتى الإمام طائعًا وهو مذهب ابن القاسم، فإنه يقيم عليه حد الحرابة، وهذا قول ابن الماجشون. والثالث: أن توبته إنما تكون إلى الإمام وإن ترك ما هو عليه لم يسقط ذلك عنه حكمًا من الأحكام ........................................................","vol":"2","page":402},{"text":"وإن أخذ قبل أن يأتي الإمام، وقول ابن الحسن أظهر لعموم قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾، وما يصنعه المحارب من الوجهين المذكورين فهو توبة فيجب أن يكف عنه بها. واختلف أيضًا فيما تسقط عنه التوبة من الأحكام على أربعة أقوال، القول الأول: أن التوبة لا تسقط إلا حد الحرابة، ويؤخذ بما سوى ذلك من حقوق الله تعالى، ومن حقوق عباده. والثاني: أن التوبة تسقط حد الحرابة، وحقوق الله تعالى في الزنا والقطع والسرقة وشرب الخمر وما أشبه ذلك. ويتبع بحقوق الناس في الأموال في ذمته، وفي الدم. والثالث: أن التوبة تسقط عنه حد الحرابة، وجميع حدود الله وما أخذ من الأموال إلا أن يوجد من ذلك شيء قائم فيؤخذ أ، يكون دم فيؤخذ به، وهي وراية ابن مسلم عن مالك، والرابع: أن توبته تسقط عنه جميع ما قبله من حقوق الله وحقوق الناس من دم أو مال، إلا أن يوجد شيء قائم بيده، وهذا القول أظهر على لفظ الآية؛ لأن الله تعالى قد قال: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ فظاهر هذا","vol":"2","page":403},{"text":"أنهم يغفر لهم كل شيء، ولا يطالبون به. وقد اختلف في المحارب إذا امتنع فأمنه الإمام على أن ينزل. فقيل: أن له الأمان، ويسقط به حد الحرابة. وقيل: لا أمان له ويقام عليه الحد، وهو قول ابن الماجشون، والقول الأول أظهر؛ لأن هذا المحارب تاب قبل أن يقدر عليه فوجب أن تقبل توبته؛ لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾. واختلف في القاطع في المصر هل يكون كالقاطع في الفيافي محاربًا أم لا؟ فعن مالك في ذلك روايتان، أحدهما: أنه محارب، والأخرى أنه لا يعد محاربًا. وحجة القول الأول بأنه محارب عموم قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية، ولم يباشر القتل فإن جميعهم عندنا يقتل.\nوقال الشافعي: لا يقتل إلا من باشر القتل، ودليلنا عليه عموم الآية: ولا يجوز عندنا لولي الدم أن يعفو عن المحارب إذا أخذ قبل التوبة خلافًا لمن يحكي عنه أن عدوه جائز؛ لقوله سبحانه: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ بخطاب الآية. وقد اختلف في","vol":"2","page":404},{"text":"الذمي هل يكون بالحرابة ناقضًا للعهد أم لا؟ على قولين: الأظهر منهما، على عموم الآية أنه لا يكون ناقضًا. وقد اختلف في الذي تقتضيه الآية من الأحكام في المحاربين هل هو على ترتيب أم لا؟ فقيل: الإمام مخير فيمن لزمته الحرابة بين أن يقتل ويصلب، وبين أن يقتل ولا يصلب، وبين أن يقطع أيديهم أرجلهم من خلاف وبين أن ينفيهم من الأرض، وهو قول سعيد بن المسيب وعطاء ومجاهد والنخعي، وهذا هو المشهور من قول مالك، إلا أنه إذا قتل فلا بد من قتله عنده. واستحسن فيمن لم يقتل ولا أخذ مالًا أن يؤخذ فيه بأيسر العقاب، وحمل من قال هذا القول «أو» في الآية على التخيير. ومن حجتهم أن كل ما قال الله تعالى فيه: افعل كذا أو كذا فصاحبه بالخيار في فعل أي شيء شاء؛ مثل قوله تعالى: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦]، ومثل قوله في كفارة الأيمان: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة: ٨٩] الآية. وقيل: هي مرتبة باختلاف صفة المحاربين، فمن كان من المحاربين ذا رأي أو تدبير قتله، ومن كان ذا قوة وبطش قطع يده ورجله من خلاف ومن لم يكن ذا رأي ولا بطش عزره وسجنه. وذكر الماوردي ذلك عن مالك وطائفة من أهل المدينة. وقيل: هي مرتبة باختلاف افعالهم لا باختلاف صفاتهم،","vol":"2","page":405},{"text":"فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب. ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب. ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف. ومن كثر وخوف ولم يقتل، ولم يأخذ مالًا عزر ولم يقطع ولم يقتل، وهو قول الحسن وابن عباس وقتادة والسدي، وهو مذهب الشافعي، ونحو هذا حكى اللخمي عن مالك. وقال أبو حنيفة: إن قتلوا أو أخذوا المال فالإمام بالخيار بين قتلهم وصلبهم وبين قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ثم قتلهم، ومن كان معهم مهيبًا مكثرًا فحكمه كحكمهم. وقد اختلفت الروايات عن أبي حنيفة، ففي رواية إذا حارب وقتل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف وقتل وصلب، فإن هو قتل ولم يأخذ المال قتل، وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا لم يقتل ولم يأخذ المال نفي، وهذا القول يقارب الأول في زيادة قطع اليد والرجل مضمومًا إلى القتل والصلب. وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم في الرجل يقطع الطريق ويأخذ المال ويقتل، أن الإمام فيه بالخيار إن شاء قطع يده ورجله من خلاف وصلبه، وإن شاء قتله ولم يقطع يده ورجله من خلاف ولم يصلبه، فإن أخذ مالًا ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف","vol":"2","page":406},{"text":"وإن لم يأخذ مالًا ولم يقتل ونفي من الأرض، ونفيه وحبسه. وفي رواية أخرى أوجع عقوبة وحبس حتى يحدث خيرًا، وهو قول الحسن في رواية. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا اقتصروا على القتل قتلوا، وإن اقتصروا على أخذ المال قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخذوا المال وقتلوا فإن أبا حنيفة يقول: الإمام مخير بين أربع جهات: إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن شاء قطع وصلب، وإن شاء صلب، وإن شاء قتل وترك القطع. ومن حجة من رتب أن قال: لما رأينا الله تعالى بدأ بالأغلظ فالأغلظ، فبدأ بالقتل، ثم الصلب، ثم القطع، ثم النفي علمنا أنه أراد الترتيب، ولو قصد التخيير لبدأ بالأخف فالأخف. ألا ترى كفارة الظهار والقتل قد بدأ فيها بالأغلظ فالأغلظ لما أراد الترتيب، وبدأ في كفارة الأيمان والأذي بالأخف فالأخف لما أراد التخيير. وهذه دعوى لا دليل عليها، بل الدليل في الآية قائم بنفسه على فسادها، ألا تراه","vol":"2","page":407},{"text":"تعالى قال: ﴿أن يقتلوا أو يصلبوا﴾، فبدأ بالقتل وهو اخف من الصلب فذلك يوجب التخيير على مذهبهم بين القتل والصلب، وهم لا يقولونه، وقد قال تعالى في جزاء الصيد: ﴿هديًا بالغ الكعبة أو كفارة طاعم مساكين﴾ [المائدة: ٩٥] الآية، فبدأ بالهدي وهو أغلظ من الإطعام والصيام، كان ذلك على التخيير لا على الترتيب. واختلف إذا كان المال الذي أخذه المحارب أقل مما يقطع فيه السارق هل حكمه في ذلك كحكمه في أخذ الكثير أم لا؟\nفذهب قوم إلى أنه لا يقطع المحارب إلا إذا أخذ ما يقطع فيه السارق، ولم ير مالك ذلك، ورأى أخذه القليل كأخذه الكثير؛ وذلك لأن الحرابة واقع عليه قليلًا أو كثيرًا، ولم يأت في الشرع حد هل فاستحب عموم الآية في المحاربين لأنه من جملتهم، وقد استدل جماعة فقهاء قرطبة في أيام هشام بن عبد الحكم وحاجبه المنصور بن أبي عامر حين كشف عن عبد الملك بن منذر بن سعيد البلوطي القاضي صاحب الرد وجماعة سواه فيما أرادوه من خلع هشام وقتل محمد بن أبي عامر والاستبدال من هشام بابن عمه عبد الرحمن بن عبد الله، ووجه بذلك كتابًا لعبد الملك بن منذر إلى بعض من واعده على ذلك فأحضره المنصور وأحضر الكتاب بحضرة فقهاء قرطبة وقاضيها ابن زرب، فاعترف","vol":"2","page":408},{"text":"عبد الملك وأنه أراد أن يفعل فاستفتى فيه فكلهم أفتى بقتله واحتج بالآية: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ [المائدة: ٣٣] الآية، إلا أبا عمر ابن المكوي، فقال: لا أرى قتله لأنه رجل هم بالمعصية ولم يفعلها ولا جرد سيفًا ولا أخاف سبيلًا مع أن النبي ﷺ قال: «أقيلوا ذي الهيئات عثراتهم»، فأخذ هشام بفتوى غيره من الفقهاء، فقتل عبد الملك وابن عمه عبد الرحمن بن عبد الله بن الناصر لدين الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>(٣٨)، (٣٩) - قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله﴾ إلى قوله: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم﴾:</span>\nاختلف في هذه الآية هل هي عامة أم مجملة؟\nفالأكثر أنها عامة، وذهب قوم إلى أنها مجملة، وقال قوم: كانت عامة فخصص منها أشياء، والعموم إذا خصص منه شيء بقي مجملًا. وهذا غير صحيح وفي كتب الأصول الشفاء من هذا. وإذا قلنا بالعموم، فإنما يجري حكم الآية على كل من يقع عليه اسم السارق إلا أن يقوم دليل على تخصيصه من ذلك أن ظاهر الآية يقتضي أن يقطع السارق كان مضطرًا إلى السرقة من جوع يصيبه أو غير","vol":"2","page":409},{"text":"مضطر، إلا أنه اتفق مالك وأصحابه أنه لا يقطع من سرق على تلك الحال تخصيصًا له من العموم بما دلت عليه الآيات من تحليل الميتة للمضطر. ومن ذلك أن ظاهر الآية لا يقتضي أن السرقة يقطع فيها من حرز كانت أو غير حرز. وقد اختلف في ذلك: فأخذ قوم بهذا الظاهر وهم أهل الظاهر، فقالوا: من سرق ربع دينار أو قيمته فعليه القطع، وسرقه من حرز أو من غير حرز، إذا أخذه من ملك مالك لم يأتمنه عليه؛ لأن الله تعالى أمر بقطع السارق عمومًا، فبين النبي ﷺ المقدار الذي يقطع فيه ولم يبين الحرز. وذهب الجمهور إلى اعتبار الحرز، وقالوا: إن النبي ﷺ قد نص على اعتبار الحرز، وقال: «لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل، فإذا أواه المراح أو الجرن فالقطع فيما يبلغ ثمن المجن»،","vol":"2","page":410},{"text":"وقالوا: هذا مخصص لعموم الآية. ورأى بعضهم أن الآية تدل على اعتبار الحرز، ولا يحتاج إلى خبر يخصص به العموم، وذلك أن الله ﵎ إنما أمر بقطع السارق، والسرقة مأخوذة من المسارقة، فلا يكون الرجل سارقًا إلا فيما أخذ مما أخفي عنه وأحرز دونه مسارقة عن العيون وعن أهله. وأما ما أهمل بغير حرز أو ائتمن عليه، فليس أخذه سارقًا وإنما هو مختلس أو خائن لصاحبه، فإذا اعتل بهذا في سقوط القطع عمن سرق من غير حرز، فالعلة فيه أنه ليس بسارق، فأمر الله تعالى بقطع يد السارق غير متناول له. وإذا قلنا: إنه سارق وإنما أسقطنا عنه القطع بالسنة المخصصة لعموم الآية، فأمر الله تعالى متناول له بعمومه، وهذا الذي قاله بعضهم ضعيف؛ لأن المسارقة موجودة فيمن يأخذ من غير حرز إذا أخذه من غير أن يشعر به، وجمهور الناس على أن القطع لا يكون إلا على من أخرج السرقة من الحرز؛ لأنه ما لم يخرجها فلم يسرقها بعد. وقال الحسن بن أبي الحسن: إنه يقطع وإن أخذ في الحرز. والقول الأول أظهر لما قدمناه، ومن ذلك أن ظاهر الآية يقتضي قطع السارق سرق قليلًا أو كثيرًا. وقد اختلف في ذلك على اثني عشر قولًا:\n- فذهب طائفة وهم أهل الظاهر إلى إيجاب القطع في القليل والكثير على ظاهر الآية، واحتجوا لذلك أيضًا بقوله ﵊:","vol":"2","page":411},{"text":"«لعن الله السارق يسرق بيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده».\n- وذهب قوم إلى أنها لا تقطع في أقل من ثلاثة دراهم.\n- وذهب قوم إلى أنها لا تقطع في أقل من أربعة دراهم.\n- وذهب قوم إلى أنها لا تقطع في أقل من خمسة دراهم.\n- ومنهم من قال: لا تقطع في أقل من عشرة دراهم.\n- ومنهم من قال: لا تقطع في أقل من أربعين درهمًا.\n- ومنهم من قال: لا تقطع في أقل من ربع دينار أو ثلاثة دراهم، وهذا قول مالك ومن تابعه، وهو أصح الأقوال وأجراها مع ظواهر الآثار المخصصة لما يقتضيه عموم الآية. والحديث الذي احتج به أهل الظاهر متأول على غير ما رواه، وهو يحتمل وجهين: إما أن يريد بالبيضة بيضة الحديد، وبالحبل حبل السفينة. وإما أن يريد بقوله ذلك التحقير والتقليل لسرقة السارق وإن كان يسرق كثيرًا كما قيل في العقيقة:","vol":"2","page":412},{"text":"«أنها تستحب ولو بعصفور»، وهذا كثير في كلام العرب.\nواختلف في الذمي والعبد يسرقان هل يقطعان أم لا؟ فالجمهور على أنهما يقطعان. وذهب بعضهم إلى أنهما لا يقطعان. وقال بعضهم: العبد الآبق لا يقطع خاصة. والحجة لقول الجمهور عموم الآية، فمن ادعى التخصيص فعليه الدليل، وقد اختلف في المختلس هل يقطع أم لا؟ والأكثر على أنه لا يقطع، لأنه ليس بسارق، والله تعالى إنما أمر بقطع السارق خاصة. قال أبو عمر بن عبد البر: ولا أعلم أحدًا أوجب فب الخلسة القطع إلا إياس بن معاوية.\nواختلف أيضًا فيمن استعار شيئًا فحجزه هل يقطع أم لا؟ والأكثر على أنه لا يقطع؛ لأنه أيضًا ليس بسارق، ولا يجب القطع إلا على سارق. وما حديث المخزومية التي أمر رسول الله ﷺ بقطعها فقد اضطربت الأحاديث في أمرها، ففي بعضها أنها سرقت، وفي بعضها يسقط ذلك، فلا حجة فيه.","vol":"2","page":413},{"text":"واختلف في نباش القبور، فذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يقطع، وذهب مالك إلى أنه يقطع لأنه سارق، وقد قال تعالى: ﴿والسارق والسارقة﴾ الآية. وقال أبو عمر عبد البر: احتج من رأى القطع بقول الله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتا * أحياء وأمواتا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦]، وأن النبي ﷺ سمى القبر بيتًا، وليس في هذا كله ما يوجب تسليم القطع. وقد روي عن ربيعة بن عبد الرحمن أن النباش كالمحارب، وروي عن عبيد الله بن زياد أنه صلب نباشًا، وليس في ابن زياد أسوة ولا في أبيه قبله. واختلف فيما يجب فيه القطع من الأموال التي تتمول ويحل بيعها، فذهب أبو حنيفة إلى أنه يقطع فيها إلا فيما يسرع إليه الفساد منها، يريد الطعام. وذهب الشافعي إلى أنه يقطع أيضًا فيها كلها إلا فيما كان منها مباح الأكل، كالماء والحطب والكلأ. وذهب مالك رحمه الله تعالى ومن تابعه إلى أنه يقطع فيها كلها سواء كان مما يسرع إليه الفساد أم لا، وسواء كان مباح الأكل أم لا. وحجة مالك رحمه الله تعالى عموم الآية: ﴿والسارق والسارقة﴾ الآية، فلا يخص شيء","vol":"2","page":414},{"text":"منه إلا بدليل لا يعارضه دليل أولى منه.\nواختلف فيمن سرق خمر الذمي، فذهب مالك رحمه الله تعالى ومن تابعه إلى أنه لا يقطع وعليه القيمة. وذهب عبد المالك إلى أنه لا يقطع ولا يلزم فيه قيمة. وذهب عطاء إلى أنه يقطع، وكأنه رأى عموم الآية يشمله.\nواختلف فيمن سرق حرًا صغيرًا أو أعجميًا كبيرًا، فعن مالك في قطعه روايتان، وبأن لا يقطع. وقال الشافعي وأبو حنيفة: ولو كان على الصبي حلي فيه مائة مثقال لم يقطع. قال ابن المنذر: وهذا خلاف ظاهر كتاب الله تعالى، ومن ادعى القطع في شيء من ذلك فحجته عموم الآية. وكذلك اختلفوا فيمن سرق عبدًا صغيرًا، فإنه لا يقطع عند أبي حنيفة. وقال الشافعي: يقطع تعلقًا بعموم الآية. واختلفوا فيمن سرق مصحفًا. فقال أبو حنيفة: لا يقطع، وقال الشافعي: يقطع تعلقًا بعموم الآية. واختلفوا فيما يجوز ملكه دون بيعه هل تقطع يد","vol":"2","page":415},{"text":"سارقة أم لا؟ كالكلب ولحم الأضحية. فقال أشهب: تقطع. وقال ابن القاسم واصبغ: لا تقطع. وحجة من يرى القطع عموم. واختلف فيمن سرق قناديل المسجد أو شيئًا من أستار الكعبة، فعندنا أنه لا يقطع، وهو قول أبي حنيفة. وقال بعضهم: إن سرق ليلًا قطع وإلا لم يقطع. وقال الشافعي: يقطع أخذًا بعموم الآية.\nواختلف فيمن سرق من بيت المال هل يقطع أم لا؟ على قولين، فقيل: لا يقطع؛ لأن له فيه خطأ. وقيل: يقطع تعلقًا بعموم الآية.\nواختلف إذا سرق مالًا يده، ثم سرق ذلك المال بعينه مرة أخرى هل تقطع رجله؟ فقال أبو حنيفة: لا تقطع رجله. وقال مالك: تقطع تعلقًا بعموم الآية.\nواختلف في العبد يسرق من مال سيده أو سيدته، فالجمهور على أنه لا يقطع. وقال أبو ثور وأهل الظاهر: يقطع لظاهر قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، وقد جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه ما يرد هذا، قال: خادمكم سرق متعكم، ولم يقطع العبد، وذلك بمحضر الصحابة، ولم ينكر أحد منهم. واتفق الجمهور فيما علمت، على أن الأبوين لا يقطعان في سرقتهما من مال الابن فهما","vol":"2","page":416},{"text":"مخصصان من عموم الآية. وذكر عن أبي ثور أنه قال: يقطع كل من سرق إلا أن يجتمعوا على أحد فيسلم للإجماع. فأم الأجداد والجدات فيهما عن مالك قولان. وأما الابن يسرق من مال أبيه، فعند مالك وابن القاسم أنه يقطع. وعند ابن وهب وأشهب أنه لا يقطع. وحجة من لا يرى القطع في شيء من ذلك عموم الآية.\nواختلف في الزوج والزوجة، فقيل: يقطع كل واحد منهما في سرقة صاحبه. وقيل: لا يقطعان. والقولان في المذهب لمالك، وقيل: إنه يقطع الزوج ولا تقطع الزوجة، وهو أحد قولي الشافعي. وحجة من يرى القطع العموم. وأما ما عدا هؤلاء من القرابة كالأخوة والأعمام والأخوال وغيرهم، فعندنا أن القطع واجب فيهم على من سرق. وذهب أبو حنيفة إلى أن لا قطع على من سرق من ذوي رحم محرم. والحجة عليه عموم الآية كما قدمناه.\nواختلف في السارق إذا بم توجد السرقة عنده قائمة وأقيم عليه الحد هل يتبع بها أم لا؟ فذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أنه إن كان","vol":"2","page":417},{"text":"متصل اليسر ضمن قيمة السرقة، وإن كان عديمًا أم أعدم في بعض المرة لم يلزمه غرمها. وقيل: أيضًا لا يتبع بها في اليسر ولا في العدم، وهو قول أبي حنيفة، وقد ذكرها عن مالك نحوه. وقيل: إن المسروق منه مخير بين أن يقطع ولا يتبع بشيء وبين أن يتبع ولا يقطع. وقد نسب هذا القول لأبي حنيفة. وقيل: يتبع به اليسر والعسر، وهو قول الشافعي، ويرد هذا القول قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، ولم يوجب سوى ذلك. ويرد القول بالتخيير أيضًا قوله تعالى: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾، ولم يجعل في ذلك خيارًا لأحد، وإنما هو حد من حدود الله تعالى.\nفالمسائل المتعلقة بهذه الآية لا تنحصر، وإنما ذكرت منها ما ذكرت تعريفًا بمأخذ الأحكام من الألفاظ، وليستدل بها على غيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>(٣٨) - وقوله تعالى: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾:</span>\nاليد عند العرب من الأصابع إلى المنكب، وبحسب ذلك اختلف في القطع م نأن يكون؟ فالجمهور على أنه من الكوع، خلافًا لمن قال من الأصابع أو من المرافق أو الإبط؛ لأن اليد وإن كان يقع على ذلك كله، فإن فعل النبي ﷺ أزال ذلك الاحتمال وبين أن القطع من الكوع. وذكر بعضهم: أن إطلاق اسم اليد إنما يتعارض مع الكوع، قال: وقوله تعالى:","vol":"2","page":418},{"text":"﴿وادخل يدك في جيبك﴾ [النمل: ١٢] يدل على ذلك، لأنه ممتنع أن يدخل يده إلى المرفق، وإن كان يقع على ذلك كله. وإذا قلنا: إنه يقطع من الكوع فبأي يد يبدأ اليمنى باليسرى؟ فذهب الجمهور إلى أنه يبدأ باليمنى. وذهب بعضهم إلى أن الابتداء باليسرى، والآية محتملة للقولين إلا أنه قد جاء عن النبي ﷺ في ذلك ما بين المراد بذلك، وذلك أنه ﵊ ابتدأ في القطع باليمنى، ويزيد هذه وضوحًا قراءة من قرأ: ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾. واختلف على القول بأن تقطع اليمنى أولًا إن سرق ولا يمنى له. فقال مالك: تقطع رجله اليسرى، ثم عرضت عليه المسألة مرة أخرى فمحاها، وتأول قول الله تعالى: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾. وقال ابن القاسم: وقول الأول أحب إلي، وإن كانت يد السارق اليمنى شلا، فالقول فيها كالقول إذا لم يكن له يد يمنى ولا تقطع منه اليد الشلاء؛ إذ لا منفعة فيها كالقصاص. وقال الزهري وأبو إسحاق وأبو ثور: تقطع لأنها يد. قال ابن المنذر: وليس لقول من خالف ظاهر الكتاب معنى.\nوقد اختلف في السارق يسرق مرة بعد مرة، فذهب مالك ﵀","vol":"2","page":419},{"text":"تعالى ومن تابعه إلى أنه تقطع يده اليمنى. وفي الثانية رجله اليسرى، وفي الثالثة يده اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى، وفي الخامسة يضرب ويحبس. وذهب قوم إلى مثل هذا، إلا أنهم قالوا\" يقتل في الخامسة. وذكر أبو مصعب عن مالك وغيره من أهل المدينة، والمشهور عن مالك الأول. واحتجوا بأنه ﵊ «قتل سارقًا في الجاهلية»، وقد قيل في الحديث: إنه منسوخ، وقيل: أنه لا يصح. وأما الشافعي، فقال: مثل المشهور عن مالك، إلا أنه قال: يحبس في الخامسة ولا يضرب. وذهب قوم إلى أنه لا يقطع في السرقة إلا اليد اليمنى والرجل اليسرى خاصة، ثم يعزر بعد ذلك ولا يحبس، وهو قول أبي حنيفة.\nوذهب قوم إلى أنه لا يقطع من السارق إلى يده اليمنى خاصة، ثم إن سرق بعد ذلك عزر وحبس، وهو قول بعض أهل العراق، وعليه يتأولون الآية، ويحتجون بقراءة من قرأ: ﴿أيمانهما﴾ وذهب جماعة من التابعين من أهل الظاهر إلى أنه لا يقطع من السارق إلا اليدان خاصة، أخذًا بظاهر الآية؛ لأنه تعالى لم يذكر إلا الأيدي خاصة. ثم يعزر بعد ذلك ويحبس، ووجه الرد على من اقتصر على الأيدي من القطع، أن الله تعالى إنما ذكر الحكم في أول سرقة تقع من السارق، ولم يذكر الحكم فيه","vol":"2","page":420},{"text":"إذا تكرر ذلك منه، وإنما ذلك من السنة، فيتبين بها وجوب القطع وتعيين العضو الذي يقطع. وإن قيل: إن العلة في أول سرقة موجودة في المرة الثانية الثالثة، فيجب القطع لوجود العلة، فتقول: إنه يبقى تعيين العضو المقطوع موقوفًا على السنة، وإن تعلق بعضهم بآية المحاربين في تعيين الرجل للقطع في المرة الثانية، فلا حجة فيه، فإن الجناية مخالفة للجناية، فالعقوبة مخالفة للعقوبة، فلا يصح القياس عليها مع أن حكم آية الحرابة إنما هو في المرة الأولى، والكلام في السرقة إنما هو فيما بعد الأولى، فقد تباين الأمران. ووجه السنة في ذلك أنه قد وردت أحاديث كثيرة في القطع على وفق مذهب مالك والشافعي رحمهما الله. وجمهور السلف متفقون على قطع الرجل بعد اليد والأخذ بالسنة في ذلك مع ورود الآية بغسل الرجلين أو مسحهما، ويشبه مسألة جزاء الصيد في الخطأ، وقد وردت الآية في العمد خاصة. وروي أن نجدة الخارجي كتب إلى ابن عمر يسأله هل قطع رسول الله ﷺ لرجل بعد اليد؟ فكتب إليه أن النبي ﷺ قطع الرجل بعد اليد. وأما وجه تعلق أبو حنيفة في أنه لا تقطع إلا يد واحدة ورجل، فلحديث يروى في ذلك عن علي رضي الله تعالى عنه، وروي عنه أنه قال: لا يستنجي أي لا يتطهر لصلاة وذكر عن عمر رضي الله تعالى عنه","vol":"2","page":421},{"text":"مثل قول علي، وأنه قال: لا تقطعوا يده الأخرى وذروه يأكل بها الطعام، ويستنجي بها من الغائط، ولكن احبسوه. ووجه قول مالك والشافعي، والرد على أبي حنيفة: أن رسول الله ﷺ روي عنه قطع اليدين والرجلين، والحديث بذلك عن النسائي وأبي داود، وقول رسول الله ﷺ وفعله يدلان على قول علي مع أن لعلي رضي الله تعالى عنه تفرادت في باب العقوبات هو غير تبع عليها كقطع أكف الصبيان إذا سرقوا، فإنه قد نقل عنه أنه كان يفعل ذلك، فلعل هذه الحكومة من جملة تلك التفردات التي له، فإن قال أصحاب أبي حنيفة: إنما قال الله ﷿: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، فقد زاد على هذا وأوجب قطع اليد اليسرى والرجل اليمنى، فقد زاد على النص، والزيادة على النص نسخ. فالجواب أن لا يقول لا نسلم أن الزيادة على النص نسخ، وقد زدنا نحن وأنتم قطع الرجل زيادة على قطع اليد الذي جاءت به الآية ولم يكن ذلك نسخًا، وإن كان كذلك لم يبعد زيادة قطع اليد والرجل الأخرى، ولا يعد نسخًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>(٣٩) - وقوله تعالى: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم﴾:</span>\nاختلف في توبة السارق وإصلاحه ما هما؟ فقيل: توبته ندمه على","vol":"2","page":422},{"text":"ما مضى، وإقلاعه في المستقبل. وإصلاحه برد السرقة إن أمكنه، أو بإنفاقها في سبيل الخيرات إن لم يمكنه، وإصلاحه أيضًا في سائر أعماله، فإن الله يتوب عليه ويذهب عنه حكم السرقة فيما بينه وبينه. قال مجاهد: التوبة والإصلاح أن يقام عليه الحد. وقد اختلف في السارق يتوب قبل أن يصير إلى الحاكم هل يسقط عنه الحد أم لا؟ فعندنا أنه لا يسقط. وذهب الشافعي إلى أنه يسقط، وكأنه تأول هذه الآية على ذلك، وقاس توبة السارق على توبة المحارب، وليس ذلك عندنا كذلك؛ لأن ترتيب الكلام في آية السرقة وآية المحاربين يدل على ذلك؛ لأنه تعالى أمر السارق بإقامة الحد عليه، ثم عقب بذكر التوبة من غير استثناء فجعلها مستقلة بعد القطع، فدل على أن توبته لا تسقط الحد وإن أسقطت عنه الإثم إذا صحت توبته، وذكر تعالى إقامة الحد على المحاربين ثم استثنى منهم من تاب، فمن تاب منهم لا يقان عليه، فقال: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ الآية. وهاتان الآيتان أصل في أن تقبل توبة الزنديق","vol":"2","page":423},{"text":"والساحر والزاني والشارب ومن أشبههم من المستترين بما كانوا عليه إذا كشفتهم البينة؛ لأنهم يتهمون أن يكون ذلك منهم تحيلًا لإسقاط الحدود عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>(٤٢) - قوله تعالى: ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ </span>الآية:\nاختلف في تفسير السحت فقيل: الرشاوي، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «السحت رشوة في الحكم»، وروي عن ابن مسعود أنه قال: السحت أن يقضي الرجل لأخيه حاجة فيهدي إليه هدية فيقبلها. وروي عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: السحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسيب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستعجال في المعصية. وقال","vol":"2","page":424},{"text":"بعضهم: السحت هنا الحرام، وأصله في اللغة الاستئصال من قولهم: أسحته الله أي استأصله، وهو راجع إلى معنى الهلاك. وكذلك الحرام مهلك أهله، فأخذ الرشوة من هذا، وكذلك الهدية على الحكم، فإن الحاكم يجب عليه إظهار الحق، ففما أخذ عليه فهو رشوة، ومن أجل هذا منع الشافعي الصلح على الإنكار؛ لأن الذي ينكر إذا جعل القول قوله، فكأنه بما بذله من المال يدفع الظلم عن نفسه فهو كالرشوة في فعل واجب أو رفع ظلم. ومن هذا القبيل من يستشفع به إلى السلطان يتقي شره فيدفع إليه على ذلك رشوة، وقد لعن النبي ﷺ الراشي والمرتشي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>(٤٢) - وقوله تعالى: ﴿فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾:</span>\nاختلف في هذه الآية، هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب قوم إلى أنها محكمة، وأن الإمام مخير في الحكم بينهم إذا تحاكموا إليه، وهو قول مالك والمشهور من قول الشافعي. وذهب قوم إلى أنها منسوخة وأنه يحرم ترك الحك بينهم، وأن الإمام لا يكون مخيرًا في ذلك. والناسخ قوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾، وقوله: ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٨]، وأنه لا يجوز للإمام ردهم إلى حكامهم إذا حكموه، وإنما كان ذلك التخيير في أول الإسلام ليكون","vol":"2","page":425},{"text":"ذلك أدعى لقلوبهم وأقرب، ثم نسح بما ذكرناه. وقد قال عمر بن عبد العزيز والزهري والشافعي في أحد قوليه في معنى قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩]، إنه إن تجري عليهم أحكام المسلمين فيجب أن لا يردوا إلى حكامهم. وهذا القول في الآية بعيد؛ لأن النسخ حكم مبتدأ لا يكون معطوفًا على ما قبله، فعطف هاتين الآيتين على آية التخيير يدل على أنهما غير ناسختين لآية التخيير.\nوالذين ذهبوا إلى القول الأول اختلفوا في تأويل الآيتين اللتين ذكر أنهما ناسختان. فقيل: إن قوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾، وقوله: ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله﴾، معناه: فيما يتظالمون به بينهم. وقيلك إن المراد أن احكم بينهم إن حكمت، فهي على ما توجبه الآية الأخرى من التخيير. وقيل: إن الآية الأولى تضمنت التخيير في الحكم، وأنه ﵊ إن اختار الحكم حكم بينهم بحكم التوراة، وهو المراد بقوله: ﴿فاحكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة: ٤٢]، وبقوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة: ٤٩]-أي في التوراة- إن حكمت، ثم نسخ ما فيها من الحكم بالتوراة يقوله ﷿: ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٨]، معناه: بما أنزل الله عليك في","vol":"2","page":426},{"text":"القرآن إن حكمت. قالوا: فالآية ناسخة للحكم بالتوراة لا للتخيير في الحكم؛ إذ قد أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز الحكم بينهم إلا بما في القرآن. وقال أبو الحسن: يحتمل أن يكون آية الإعراض عنهم قبل ضرب الجزية عليهم؛ لأنهم لم يكونوا حينئذ داخلين في حكم الإسلام، وإنما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ هدنة في أن لا يتعرض لهم ولا يؤخذون بشيء من أحكام الإسلام أمرنا بالحكم بينهم، فيكون حكم الآيتين جميعًا حكمًا ثابتًا غير منسوخ، ففرق بين أهل العهد والذمة. والأصح أنهما سواء، فيتحصل من هذا أن ما تظالموا فيه، متفق على أن الإمام يحكم بينهم فيه، وإن لم يحكموه، ويكف بعضهم عن بعض، ويكف غيرهم أيضًا عنهم؛ لأنهم إنما بذلوا الجزية على ذلك، فهو من الوفاء لهم، ولا خلاف في ذلك بين أحد من أهل العلم، وأن ما سوى ذلك من الأحكام إذا تحاكموا إلينا فيه، ففيه قولان، أحدهما: التخيير في الحكم. والثاني: إيجاب الحكم. وإذا لم يتحاكموا إلينا بدليل أنه لا يحكم علهم في الحدود شاؤوا أو أبوا وإن لم يحكمونا ولا رضوا بحكمنا، وهذا القول ترده آية التخيير على ما قدمنا. ففي الحدود التي يجب على الإمام أن يحكم فيها بين المسلمين، وإن لم","vol":"2","page":427},{"text":"يترافعوا إليه، ثلاثة أقوال في أهل اللغة، أحدها: أنه يجب على الإمام أن يحكم بينهم فيها وإن لم يحكموه، وهو قول ضعيف. والثاني: لا يجب عليه إلا أن يحكموه. وقد قمنا وجه رده. والثالث: أ، ذلك لا يجب عليه وإن حكموه، وهذا القول هو الذي تعضده آية التخيير. وفي البيوع والنكاح والمعاملات وما أشبه ذلك مما لا يجب على الإمام أن يحكم بين المسلمين فيه إلا أن يترافعوا إليه قولان، أحدهما: أنه يجب عليه أن يحكم بينهم فيها إذا ترافعوا إليه ورضوا بحكمه. والثاني: وهو مذهب مالك الذي تعقده الآية أن ذلك ليس بواجب عليه وله أن يحكم أو يترك، وإذا رضي أحد الخصمين منهم بحكم المسلمين وأبى الآخر فلا يحكم بينهم بحكم المسلمين؛ لأن الله تعالى إنما قال: ﴿فإن جاؤوك﴾ يريد الخصمين، إلا أنه اختلف في العتق والطلاق إذا أبى المعتق والمطلق من تنفيذ ذلك، وطلب العبد أو الزوجة التنفيذ فيه بحكم المسلمين، فحكى سحنون عن المغيرة أن السلطان يحكم بطلاق المرأة وعتق الغلام، ذكر ذلك قيمن حلف بذلك وحنث ورفعت الزوجة والعبد أمرهما إلى السلطان، وإذا تراضيا أن يحكم بينهما حاكم المسلمين في طلاق وقع، فإن كان ذلك على أن يحكم بينهما في ذلك لو كانا مسلمين حكم بصحة الطلاق، وإن كان ثلاثًا منعه منها إلا بعد زوج. وإن قالا: احكم بما يجب على","vol":"2","page":428},{"text":"النصراني عندكم إذا طلق، فالذي يحكم به بينهما أن ذلك ليس بطلاق، على مذهب الجمهور. وحكى ابن القصار عن ابن شهاب والأوزاعي والثوري أن طلاقهم طلاق واقع، وأنه إن طلق ثلاثًا ثم أسلم في الحال لم يقر معها، ولا تحل إلا بعد نكاح مستأنف، فإن قالا: احكم بيننا بما يجب في ديننا أو كانا يهوديين فقالا: احكم بما يجب في ذلك بالتوراة، لم يحكم بينهما؛ لأنا لا ندري هل ذلك مما غيروه أم لا، ولأن ذلك منسوخ بالقرآن. وقد قيل: إن حكم النبي ﵊ بينهم إذ ذاك قبل أن تكون لهم ذمة.\nواختلف في النصرانيين يرد أن التحاكم إلى حكم المسلمين ويأبى ذلك الأسقف، هل لحاكم المسلمين أن يحكم بينهما أم لا؟ فقال ابن القاسم: لا يحكم بينهما، وقال سحنون: له أن يحكم بينهما، وقول سحنون أجرى على ظاهر الآية؛ لأن قوله تعالى: ﴿فإن جاؤوك فاحكم","vol":"2","page":429},{"text":"بينهم﴾ إنما أراد به من يتحاكم إلينا منهم، ولم يذكر رضى أسقف ولا غيره. وهذه الآية قيل: إنها نزلت في المدينة بين بني قريظة وبني النضير وذلك أن بني النضير كان لهم شرف، فكانوا يؤدون الدية كاملة، وكان بنو قريظة يؤدون نصف الدية فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله ﷺ، فنزلت الآية فحملهم على التسوية في ذلك، لم يكن لقريظة والنضير ذمة أصلًا، وقد أجلاهم رسول الله ﷺ، وأهل الذمة لا يجوز ذلك فيهم، وهذا القول مروي عن ابن عباس، وروي عنه أيضًا وعن الحسن ومجاهد والزهري: أنها نزلت في القصة المشهورة من تحكيم النبي ﷺ في أمر الزانيين، فحكم عليهم بالرجم. وقد اختلف في هل حكم النبي ﷺ بينهما بحكم التوراة أم بحكم الإسلام؟ فذهب قوم إلى أنه إنما حكم بينهم بحكم التوراة؛ لأن حكم الإسلام في مثل هؤلاء أن لا حد عليهم، فحكم ﷺ بينهم بالرجم الذي هو حكم التوراة؛ إذ لم تكن لهم ذمة، فكان دمهم مباحًا، فإنما حكم النبي ﷺ بحكم الإسلام الذي هو القتل فيمن لم تكن له ذمة من الكفار، ووافق حكم التوراة، وإنما نزلت آية الجزية سنة تسع من الهجرة منصرف النبي ﷺ من حنين، قالوا وقوله تعالى: ﴿فاحكم بينهم بالقسط﴾، أي بالقتل الموافق لحكم التوراة، وإلى نحو هذا ذهب مالك. وقال بعضهم: حكم النبي ﷺ بحكم التوراة الذي هو الرجم","vol":"2","page":430},{"text":"ولم يفرقوا بين أهل الذمة وغيرهم. ثم نسخ الحكم بما في التوراة، وأمر أن يحكم بما في القرآن، وقيل: حكم النبي ﷺ بينهم بما في التوراة قبل أن تنزل آية الزنا، وأن هذا يقتضي الحكم بالتوراة فيما لم يجيء فيه عندنا حكم. وذهب قوم إلى أنه إنما حكم بينهم بحكم الإسلام؛ لأن الإسلام ليس بشرط في الإحصان، وأن اليهوديين والنصرانيين إذا زنيا حكم عليهما بالرجم إن كان ثيبيين، وبالجلد إذا كانا بكريين. قال الشافعي في أحد قوليه: إذا رضيا بحك المسلمين فعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿فاحكم بينهم بالقسط﴾ لا يريد به التوراة. ورجح الطبري هذا القول، قد قيل في مثل هذه النازلة: أنهما يجلدان ولا يرجمان، وروي عن أبي حنيفة وعن المغيرة من أصحاب مالك. قال أبو الحسن: وهذه الآية أيضًا تدل على أن الخمر ليست بمال لأهل الذمة ولا بمضمونة على متلفها عليهم؛ لأن إيجاب ضمانها على متلفها حكم بموجب أهواء اليهود، وقد أمرنا بخلاف ذلك لهم، لا نتعرض لهم في خمورهم، ولا في مناكحاتهم الباطلة. وقد فتح عمر رضي الله تعالى عنه سواد العراق، وكان أهلها مجوسًا، ولم يتعرض لمناكحاتهم الكائنة من قبل على اخواتهم وبناتهم ولا فرق بينهم.","vol":"2","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>(٤٥) - وقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ </span>الآية:\nاختلف في قوله تعالى: ﴿النفس بالنفس﴾، فقيل: هو ناسخ لآية البقرة، وقيل: بل هو مبين لها، ومفسر. وعلى اختلافهم في هاتين الآيتين يأتي اختلافهم في الرجل والمرأة هل بينهما قصاص ما لا؟ فأما في النفس، فالجمهور على أن القصاص بينهما واجب لعموم هذه الآية. وتأولوا آية البقرة على ما قد ذكرناه فيها. وذهب قوم إلى أنه لا قصاص بينهما إلا على صفة ما ذكرناها في سورة البقرة. وعلى ذلك تأولوا آيتها. ورأيت بعضهم قد حكى الخلاف في القصاص بينهما مطلقًا، فإن صح هذا القول فهو قول ثالث، وتعلقه إنما هو بظاهر آية البقرة. وأما القصاص بينهما فيما دون النفس، فالجمهور على وجوبه إلا أبا حنيفة، فإنه لم ير بينهما قصاصًا في الجراحات بوجه. وحجة الجمهور عموم قوله تعالى في هذه الآية: ﴿والجروح قصاص﴾. ومن ذلك اختلافهم في الحر والعبد هل بينهما قصاص أم لا؟ فأما في النفس فثلاثة أقوال: المذهب كله على أنه لا يقتص من الحر للعبد كان العبد للحر قاتل أم لا. ومذهب أبي حنيفة أن القصاص من الحر لعبد الغير واجب؛ لعموم قوله تعالى: ﴿النفس بالنفس﴾، ومذهب داود أن الحر يقتل بعبد غيره وعبد نفسه أيضًا لعموم الآية. وحجة القول الأول ما في آية البقرة من التخصيص الذي مقتضاه أنه لا يقتل الحر بالعبد؛ لأنه تعالى قال: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ [البقرة: ١٧٨]، والعام محمول على الخاص، فهذه الآية مفسرة لتلك. وأما","vol":"2","page":432},{"text":"فيما دون النفس، فقولان: الجمهور على أنه لا يقتص من الحر للعبد في ذلك، وحجة مالك في هذا أنه إذا لم يكن بينهما قصاص في النفس لما قدمناه من دليل آية البقرة، فأحرى أن يكون ذلك بينهما فيما دون النفس. وذهب النخعي والبتي إلى إيجاب القصاص بينهما في الجراحات. ومن حجة من يقول هذا عموم قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥]. ومن ذلك المسلم والكافر هل بينها قصاص أم لا؟ فأما في النفس فثلاثة أقوال، أحدها: أن يقتل المسلم بالكافر الذمي أو الحربي المستأمن، وهو قول أبي يوسف؛ لعموم قوله تعالى: ﴿النفس بالنفس﴾. والثاني: أنه يقتل المسلم بالكافر الذمي خاصة، وهو قول أبي حنيفة لعموم الآية أيضًا. والثالث: أنه لا يقتل المسلم بالكافر بوجه، وهو قول مالك ومن تابعه، ووجه الحجة لذلك قوله ﵊: «لا يقتل مسلم بكافر»، فهذا الحديث مخصص ومبين. وأما في الجراح، فقولان: الجمهور على أنه لا قصاص بينهما في ذلك.","vol":"2","page":433},{"text":"وذكر بعضهم: أن من الناس من يرى القصاص في الجراح بين الذمي والمسلم. ومن حجته عموم الآية قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾، ومما يعضد قول مالك في نفي القصاص بين العبد والحر، والمسلم والكافر أن قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ الآية، إنما أراد بها الأحرار المسلمين، أن الله تعالى لم يخاطبنا بها في شرعنا، وإنما أخبر تعالى أنه كتبها في التوراة على قوم موسى عله الصلاة والسلام، وهم أهل ملة واحدة، ولم تكن لهم ذمة ولا عبيد؛ لأن الاستعباد إنما أبيح للنبي ﷺ وخص به هو وأمته من بين سائر الأمم، قال ﷺ: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت جوامع الكلم، وبعثت إلى الناس كافة»، لقوله: ﴿إني رسول الله إليكم﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقوله في الآية بعدها: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ [المائدة: ٤٥] يدل على أن الآية إنما أريد بها الأحرار المسلمون؛ لأن","vol":"2","page":434},{"text":"العبد لا يتصدق بدمه، لأن الحق في ذلك لسيده. والكافر لا تكفر عنه صدقته، ولو كنا مخاطبين بها في شرعنا لوجب أن نخص من عمومها قتل الحر بالعبد والحرة بالأمة؛ لقوله ﷿ في سورة البقرة: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد﴾ [البقرة: ١٧٨]، ونخص أيضًا من عمومها قتل المسلم بالكافر؛ لقول رسول الله ﷺ: «لا يقتل المسلم بالكافر». وناقض أبو حنيفة ومن تابعه في قوله: يقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر، لأنه يحتج بعموم قوله تعالى: ﴿النفس بالنفس﴾ في قتل الحر بالعبد، وهو لا يقتل الحر بعبده، وفي قتل المسلم بالكافر وهو لا يقتل المسلم بالحربي المستأمن. وناقض أيضًا في الجراح، لأنه قال: إنه يقتل الحر والمسلم بالعبد والكافر، ولا قصاص بينهما في الجراح، فجعل على قوله هنا أول الآية عامًا وآخرها خاصًا. وهذه الآية إنما يحص التفقه فيها على قول من يرى شريعة من قبلنا لازمة لنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>(٤٥) - وقوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾:</span>\nعام في كل جرح في الرأس كان أو في الجسد، إلا أنه ليس على عمومه في العمد والخطأ؛ لقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: ٩٢] الآية، فأوجب الكفارة والدية دون القصاص. وهذا وإن كان في النفس، فما ...................................","vol":"2","page":435},{"text":"دون النفس أولى، فخرج بهذا الخطاب في الجراحات من عموم قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾، فلا قصاص فيها في الخطأ، وبقي العمد كله تحت العموم. ثم تخصص من ذلك العموم في العمد أيضًا ما يخاف التلف منه بدليل رفعه ﵊ القصاص في الجائفة والمنقلة والمأمومة، وكذلك كل ما كان في معناها من الجراح التي هي متالف مثل عظام الرقبة، والصلب والصدر، وكسر الفخذ ورض الأنثيين. وما أشبه ذلك، فخصص بهذا الدليل القصاص مما يخشى منه التلف من عموم الآية، ويخصص أيضًا من ذلك العموم القصاص مما لا يمكن القصاص منه مثل ذهاب بعض البصر والسمع والعقل، بدليل أن القصاص مأخوذ من قص الأثر أي اتباعه، قهو أن يتبع الجارح بمثل الجرح الذي جرح فيؤخذ منه دون زيادة ولا نقصان. وإذا لم يقدر على ذلك ارتفع التكليف؛ لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فخص من عموم الآية جراح الخطأ كلها، ومن جراح العمد ما كان مخوفًا منه على النفس، وما لا يمكن القصاص فيه. وبقيت الآية على حكمها فيمن أمكن القصاص منه من جراح العمد، ولم يخش التلف فيه.","vol":"2","page":436},{"text":"واختلف في هذا العموم المخصص هل هو باقٍ على عمومه أم مجمل؟ والأصح أنه باقٍ على عمومه. واختلف في الشجاج بين الناس، واضطراب في ترتيبها. والذي نقول: إنها عشرة، أولها: الخارصة، وهي التي تقشر الجلد قليلًا، وهي الدامية. ثم الدامغة، وهي التي يسيل منها دم. وقيل: هي والدامية سواء. ثم الباضعة، وهي التي تشق اللحم شقًا خفيفًا. ثم المتلاحمة، وهي التي أخذت في اللحم. ثم السمحاق، وهي التي لم يبق بينها وبين العظم إلا قشرة رقيقة، وهي أيضًا الملطا والملطاة، وقد قيل: إن السمحاق هي الخارصة. ثم الموضحة، وهي التي توشح عن العظم. ثم الهاشمة، وهي التي تهشمه. ثم المنقلة، وهي التي تكشر العظم فنتقل منه العظام. ثم المأمومة، وهي أيضًا الآمة وهي التي تبلغ أم الرأس، وهي الدماغ، فذهب قوم إلى أنه يقتص من المأمومة، وشبهة هذا القول عموم الآية. وذهب قوم إلى أنه لا قصاص فيها كلها، وهو قول أبي عبيد، وهذا قول ضعيف يرده عموم الآية. وذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه يقتص من الموضحة فمنا دونها، لعموم الآية، ولا يقتص مما فوقها؛ لأنه مخصص من العموم بالدليل الذي قدمناه. وذهب أشهب إلى أنه يقتص من الهاشمة فمنا دونها، وذهب مالك في إحدى الروايتين عنه إلى أنه يقتص من المنقلة فما دونها، قال: ولا أرى هاشمة تكون في الرأس إلا كانت منقلة، فلم يعرف الهاشمة. وحجته في هذا أن المنقلة أكثر ما فيها رض العظم، وذلك لا يوجب التلف","vol":"2","page":437},{"text":"غالبًا، فليست كالمأمومة، وهذه الشجاج التي ذكرنا هي التي تكون في الرأس. وقد اختلف في الجائفة، وهي من جراح البدن، ما وصل إلى الجوف ولو بدخل إبرة، فلا تكون إلا في الظهر والبطن. فذهب الجمهور إلى أنه لا قصاص فيها، وأنها مخصصة من عموم الآية بدليل الذي قدمناه. وقال عثمان البتي: كل جرح أستطيع القود منه كالجائفة، ففيه القود، ومن حجته عموم الآية، وقد ذكر ما يبطل هذا العموم، ويضعف قول البتي. وقد اختلف في القصاص من العظام التي ليس بمتالف كالذراعين والعضدين والقدمين والكعبين والساقين والأصابع والسن. فذهب الشافعي إلى أنه لا قصاص في شيء من ذلك، حتى في السن. وهذا يرده نص قوله تعالى: ﴿والسن بالسن﴾ [المائدة: ٤٥]، وظاهر قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥]. وذهب أبو حنيفة والشافعي في المشهور عنه إلى أنه لا قصاص في شيء من ذلك إلا في السن؛ لقوله تعالى: ﴿والسن بالسن﴾، وهذا أيضًا يرده عموم قوله: ﴿والجروح قصاص﴾. وذهب مالك رحمه الله تعالى إلى إيجاب القصاص في كل ذلك لعموم الآية،","vol":"2","page":438},{"text":"ولقوله: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدة عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]، وبنحو ذلك من الآيات. وأما العظام المتالف كالفخذ والعنق والصلب والصدر فلا أذكر فيها نص خلاف، إلا أن يتخرج على قول البتي، وهو قول ضعيف. واختلف في القود من اللسان، فالجمهور على أنه لا يقاد منه لأنه مخوف. وذهب الليث بن سعد إلى أنه يقاد منه، وحجته عموم الآية. واختلف في الذي يقطع من رجل عضوًا وليس في بدن القاطع ذلك العضو بعينه، هل يتعدى إلى مثله أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا قصاص في ذلك. وذهب ابن شبرمة إلى أنه تفقأ العين اليمنى باليسر إذا لم يوجد اليسرى، واليسرى باليمنى إذا لم توجد اليمنى، وكذلك الأسنان والأضراس والأيدي. وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن﴾ [المائدة: ٤٥] الآية، فمفهوم هذه المماثلة فمن صرفه إلى غير المماثلة فعليه الدليل. واختلفوا في نتف شعر من رأس رجل أو لحيته أو حاجبه أو أشفار عينيه، فالجمهور على أنه لا يقتص منه. وذهب الليث بت سعد إلى أنه يقتص. وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾، وهذا ليس بجرح، فلا قصاص فيه. ومن جعله جرحًا فعليه الدليل. واختلف في ولي المقتول إذا قام للقصاص فضرب، فقطع من القاتل عضوًا، فالجمهور على أنه لا قصاص في ذلك. وذهب مالك","vol":"2","page":439},{"text":"رحمه الله تعالى إلى أن القصاص فيه واجب، وحجته عموم الآية. واختلف إذا كانت يد القاطع ناقصة أصبع، وقد قطع يد آخر، فقيل: لا شيء للمقطوع إلا القصاص. وقيل: له أن يقتص، ويأخذ دية أصبع. وحجة القول الأول ظاهر قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾، وقوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦] الآية. واختلف في اليد الصحيحة باليد الشلاء، فالجمهور على أنه لا تقطع الصحيحة بالشلاء. وذهب داود إلى أنها تقطع بها. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ ومفهومه المماثلة، وليس هنا ما يماثل فيقطع. وعندنا أن على الجارح مع القصاص الأدب، وهو قول مالك رحمه الله تعالى. وقال عطاء: ﴿الجروح قصاص﴾ ليس للإمام أن يضربه ولا يسجنه، إنما هو القصاص ﴿وما كان ربك نسيًا﴾ [مريم: ٦٤]، ولو شاء لأمر بالضرب والسجن، واختلف في الأعور يفقأ عين الصحيح، فيل: لا قود عليه، وعليه الدية كاملة. وقيل: عليه القود، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. وقال مالك رحمه الله تعالى: إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية كاملة. وحجة من يرى القصاص قوله تعالى: ﴿والعين بالعين﴾ [المائدة: ٤٥]. واختلف في الأنف الذي يشم بالأنف الذي لا يشم، وأذن السميع بأذن الأصم، فقيل: يقاد منه","vol":"2","page":440},{"text":"لعموم الآية، وقيل: لا يقاد؛ لأن المماثلة معدومة. واختلف فيمن قطع إصبعًا فذهب بسببها أصبع أخرى أو يد كلها، فذهب مالك إلى أنه يقتص من أصبع الجاني ويترك، فإن ذهبت كفه أو أكثر لم يكن له غير ذلك، وإن اندملت أصبعه وجبت عليه دية ما بقي، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا قود عليه في الأصبع، وإنما عليه ديتها. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥] وقوله: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤] الآية، وقوله: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>(٤٥) - وقوله تعالى: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾:</span>\nفيه ثلاث معان، أحدها: أن يكون قوله: «من» للمجروح أو لولي القتيل، والضمير في «له» عائد على المجروح أو القتيل، أي من فعل ذلك من جريح أو ولي جريح، فإن الله تعالى يكفر بذلك ذنوبه، ويعظم أجره. والثاني: أن يكون «من» للمجروح أو ولي القتيل أيضًا، والضمير في «له» عائد على الجارح أو القاتل وإن لم يتقدم لهما ذكر؛ والضمير في «له» عائد على الجارح أو القاتل وإن لم يتقدم لهما ذكر؛ لأن المعنى يقتضيه، أي من تصدق من جريح أو ولي قتيل بطلبه على الجارح أو القاتل فصفح عنه، فصنعه ذلك كفارة للجارح أو القاتل من ذلك الذنب مثل القصاص. والثالث: أن يكون «من» للجارح أو القاتل والضمير في «له» عائد عليه أيضًا، أي إذا جنى جان فخفي أمره فتصدق","vol":"2","page":441},{"text":"به بأن عرف بذلك ومكن الحق من نفسه، فذلك كفارة لذنبه. وتصدق على هذا التأويل يحتمل أن يكون من الصدق، ويحتمل أن يكون من الصدقة. وذكر بعضهم: أن قومًا تأولوا الآية على أن المعنى: ﴿والجروح قصاص﴾، فمن أعطى دية الجرح وتصدق به فهو كفارة له إذا رضيت منه قبلت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>(٤٨)، (٤٩) - قوله تعالى: ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾، وقوله بعد: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله إليك ولا تتبع أهواءهم﴾:</span>\nقد قيل في الآيتين: أنهما ناسختان لقوله تعالى: ﴿فإن جاؤوك فاحكم أو أعرض عنهم﴾ [المائدة: ٤٢]، وقيل: هما مثلها في المعنى على ما ذكرناه فيما تقدم. وقيل: بل هما ناسختان للحكم بما في التوراة لا التخيير في الحكم، ويحتمل أن يقال: هما ناسختان لتخيير ولحكم بما في التوراة ولا خلاف أن الحكم بما في التوراة لا يجوز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>(٤٨) - وقوله تعالى: ﴿ولا تتبع أهواءهم﴾:</span>\nيدل على بطلان قول من قال بتقويم الخمر إذا استهلكت للذمي لأن ذلك من أهواء الكفار، ولا يصح الاستدلال به، على أن","vol":"2","page":442},{"text":"الكفار لا يخلفون في بيعهم، ويقال: إن ذلك من أهوائهم؛ لأن اتباع أهوائهم إنما هو فيما ينفعهم، وهذا التحليف يضرهم فهو ضد اتباع أهوائهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>(٤٨) - وقوله تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾:</span>\nاستدل به قوم على أن شريعة من قبلنا غير لازمة لنا. واستدل قوم آخرون بقوله: ﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة﴾ [المائدة: ٤٣]، وبقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥] الآية، على أن من شريعة من قبلنا لازمة لنا ما لم تنسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>(٤٨) - قوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾:</span>\nاستدل به قوم على أن تقديم الواجبات أفضل من تأخيرها، وهذا مما اتفق عليه في العبادات كلها، إلا في الصلاة فإنه اختلف فيها هل الصلاة في أول الوقت أفضل أم لا؟ فالمشهور في المذهب أن أول الوقت فيها أفضل. وقال بعض المالكية: الوقت كله سواء في الفضل. وقال أبو حنيفة: آخر الوقت أفضل. وأجمعوا في المغرب على أن أول الوقت أفضل. وحجة القول المشهور في المذهب الآية المتقدمة، وقوله تعالى: ﴿والسابقون الأولون * أولئك المقربون * في جنات النعيم﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٢]، وقوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وفي الترمذي أن النبي ﷺ سئل: أي الصلاة أفضل؟ قال: «الصلاة لأول وقتها». واستدل بعضهم بهذه الآية أيضًا على","vol":"2","page":443},{"text":"أن الصوم في السفر أفضل من الفطر خلافًا لمن رأى الفطر أفضل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>(٥١) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾:</span>\nتدل هذه الآية على أن الموالاة بين المسلمين والكفار منقطعة شرعًا، وأن التوارث بينهم لا يصح.\nوقوله تعالى في الكفار: ﴿بعضهم أولياء بعض﴾: يدل على إثبات الشرع الموالاة بين الكفار حتى يتوارث اليهود والنصارى بعضهم من بعض، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وداود. وذهب مالك إلى أن النصراني لا يرث اليهودي، واليهودي لا يرث النصراني، والمجوسي لا يرث أحدًا منهما ولا يرثانه، ورأى هذه مللًا مختلفة، واعتمد على ظاهر قوله ﷺ: «لا يتوارث أهل ملتين».","vol":"2","page":444},{"text":"وانفصل الشافعي وأبو حنيفة وداود عن هذا الحديث بأن الكفر كله ملة واحدة اليهود والنصارى والمجوس، والنبي ﷺ إنما عنى بالملتين المسلمين والكافرين، فيكون كقوله ﵊: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم». واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم﴾ [البقرة: ١٢٠]، قالوا: فجعلهم تعالى «ملة واحدة». وقال تعالى: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾ [الكافرون: ٦]، فوحد الدين ولم يقل أديانكم. ولما اعتقد مالك رحمه الله تعالى أنواع الكفر مللًا مختلفة لم ير التوارث للحديث، ولقوله تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾. وقد قال بعض الناس أن الملل أربعة: فالسامرية واليهود ملة، والصابئون والنصارى ملة، والمجوس ومن لا كتاب لهم ملة، والإسلام كله ملة. ويحكى هذا المذهب عن شريح","vol":"2","page":445},{"text":"وشريك وابن أبي ليلى. واستدل بقوله تعالى: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾، على منع إثبات ميراث المسلمين المرتدين، وأنه لبيت المال خلافًا لمن قال: إنه لورثتهم من المسلمين، وهو قول الأوزاعي وأحد قولي أبي حنيفة. خلافًا لمن قال: ما كسبه في إسلامه فهو لورثته، وما كسبه في ردته فهو للمسلمين، وهو أحد قولي أبي حنيفة. وخلافًا لمن قال: إن قتل على ردته فماله لورثته، وإن لحق بدار الحرب فماله للمسلمين، وهو قول الثوري، وخلافًا لمن قال: ميراثه لأهل الدين الذين ارتد إليه، وهو قول قتادة. وفي هذه الآية أيضًا والآية بعدها قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء﴾ [المائدة: ٥٧] الآية، دليل على منع الاستنصار بالمشركين، وهو مذهب الشافعي. وأبو حنيفة جوز الاستنصار بهم على المشركين للمسلمين، والقولان في مذهب مالك رحمه الله تعالى، وكتاب الله تعالى يدل على خلاف ما قاله المجيزون، وقول النبي ﷺ: «لن نستعين بمشرك».","vol":"2","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>(٥٥) - قوله تعالى: ﴿الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾:</span>\nهذه الآية تدل على أن العمل القليل في الصلاة لا يبطلها؛ لأن عليًا رضي الله تعالى عنه تصدق بخاتمه وهو في حالة الركوع، وذلك لأنه عمل عمله في الصلاة ولم تبطل به صلاته، وقد أثنى الله تعالى عليه بذلك. وفيها أيضًا دليل على أن صدقة التطوع تسمى زكاة، ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾ [الروم: ٣٩]، وذلك يتضمن النفل والفرض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>(٨٧) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ </span>الآية:\nاختلف في سبب نزول هذه الآية، فقيل: نزلت بسبب جماعة من أصحاب النبي ﷺ بلغت منهم المواعظ وخوف الله تعالى إلى أن حرم بعضهم النساء، وبعضهم النوم بالليل، وبعضهم الطيب، وهم بعضهم بالاختصاء وبقطع المذاكير، وكان منهم علي وعثمان بن مظعون وابن مسعود والمقداد وسالم مولى بين حنيفة رضي الله تعالى عنهم. قال بعضهم: ورفضوا اللحم، وأرادوا أن يتخذوا الصوامع، فلما أعلم النبي ﷺ بذلك قال: «أما أنا فأقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، وأنال الطيب، فمن رغب عن سنتي فليس مني» وكان فيما يتلى: «من رغب عن سنتك","vol":"2","page":447},{"text":"فليس من أمتك وقد ضل عن سواء السبيل». وقيل: إنها نزلت بسبب أن عبد الله بن رواحة ضافه ضيف فأتى ابن رواحة وضيفه لم يتعش، فقال لزوجته: أما عشيتيه، قالت: كان الطعام قليلًا فانتظرتك، فقال حبست ضيفي من أجلي، طعامك علي حرام إن ذقته. فقالت هي أيضًا: وهو علي حرام إن ذقته إن لم تذقه. وقال الضيف: هو علي حرام إن ذقته إن لم تذوقاه، فلما رأى ذلك ابن رواحة قال: قربي طعامك، كلوا باسم الله، فأكلوا جميعًا، ثم غدا إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: «أحسنت»، ونزلت الآية. وقيل: نزلت بسبب رجل أتى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله إني إذا أكلت اللحم انتشرت وأخذتني شهوتي فحرمت اللحم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.","vol":"2","page":448},{"text":"والطيبات هنا المستلذات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>(٨٧) - وقوله تعالى: ﴿ولا تعتدوا﴾:</span>\nاختلف في تأويله، فقيل: هو نهي عن هذه الأمور المذكورة من تحريم ما أحل الله وشرع ما لم يأذن به، فهو تأكيد لقوله: ﴿لا تحرموا﴾. وقيل: المعنى لا تعتدوا فتحلوا ما حرم الله، فالنهيان على هذا تضمنا الطرفين، كأنه قال: لا تحرموا حلالًا ولا تحللوا حرامًا. ودليل هذه الآية أن التشديد في الأمو حتى يترك الإنسان ما أحل الله تعالى له تعبدًا غير جائز؛ لأنه تعالى نهى عن تحريم ذلك، وليس المراد أن يلفظ بلفظ التحريم خاصة، بل أن يتركه تشديدًا على نفسه، لفظ بالتحريم أو لم يلفظ به، وإلا فأي معنى للمنع من اللفظ بالتحريم إذا لم يمنع من المعنى الذي يؤدي إليه لفظ التحريم وترك المحللات على ما ذكرناه دون تلفظ بالتحريم هو المعنى الذي يؤدي إليه التحريم، فينبغي أن لا يجوز ذلك. وبعضهم لا يرى هذا المعنى الذي في الآية، ولذلك اختلفوا في الزهد ما هو؟ فقال بعضهم: ليس الزهد في شيء من الحلال، وإنما الزهد في الحرام؛ لأن العباد لم يؤمروا بالزهد فيما أحل لهم بل هم مأجورون على اكتسابه إذا تورعوا فيه، فلم من الأجر في ذلك ما ليس لتارك الاكتساب، فالوا: ففي التمتع بالحلال خصال لا يجوز الزهد فيها، منها:","vol":"2","page":449},{"text":"الأجر على التحري والتورع في اكتسابه، وعلى الشكر لله تعالى على ذلك، ومنها: أنه قد يكون في تمتعه بالحلال عصمة من الحرام؛ لأن من أكل الطيب ولبس اللين ثم رأى غيره، قال: لم تدعه نفسه إلى الحسد ولا إلى طلب ذلك من الحرام. وقيل: الزهد فراغ القلب من الدنيا للاشتغال بالآخرة، فليس من الزهد أخذه لتفريغ القلب للآخرة. وليس ذلك من تعظيم الشهوة ولكن ليفرغ قلبه للآخرة، وقيل: الزهد إخفاء الزهد بلبس الحسن من الثياب، واتخاذ الأمتعة في البيوت، واستعمال الطيب من الطعام لئلا ينظر إليه الخلق فيتوهمون فيه الزهد فيحمدونه على ذلك؛ إذ القلب لا يمنع إذا ظهر منه التقشف والتقلل أن يرتاح لحب حمد الناس له على ذلك. وقيل: الزهد كله فيما حرم الله تعالى وما أحل، فهو معونة على الطاعة، وكل ما فعله العبد ليس فيه ثواب فهو معصية وقد وجب عليه الزهد فيه. وقيل: الزهد إنما هو الجوع وترك كل لذة، ومن أخذ شيئًا من اللذات أو تمتع ليستعين بذلك على طاعته كقيام الليل أو غيره فهو مخدوع، وترك ذلك العمل مع الجوع أفضل، وهذا قول ضعيف؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يبلغ بنفسه هذا المبلغ في التشديد كما","vol":"2","page":450},{"text":"قدمناه من معنى الآية. وأسعد هذه الأقوال بالآية القول الأول، ولذلك اختلفوا في الاتساع في المكاسب والمباني من الحلال بعد أن اتفقوا على أنه غير محرم، فمن كاره ومن مبيح والإباحة لما قدمناه أليق.\nوقد اختلف فيمن حرم على نفسه طعامًا أو شرابًا أو لباسًا أو أمة أو شيئًا من المباحات سور الزوجة هل يلزمه شيء أو لا؟ بعد اتفاقهم على أنه لا يحرم عليه شيء من ذلك.\nفذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يحرم عليه ذلك وأن عليه الكفارة في الأمة خاصة بمجرد التحريم من غير حاجة إلى وطئها، ولا شيء عليه في غير ذلك مما ذكرناه. وذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أنه لا شيء عليه في شيء من ذلك، ولا يحرم عليه لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات أحلت لكم﴾ [المائدة: ٨٧]، وقوله: ﴿قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالًا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: ٥٩]. ودليل هاتين الآيتين أنه لا شيء علة من حرم شيئًا مما ذكرناه؛ لأن التحريم فيه لا ينعقد لنهي الله تعالى عنه؛ ولأن الله تعالى سماه افتراء، فإذا كان كذلك ولم ينعقد لم","vol":"2","page":451},{"text":"تلزمه كفارة؛ لأن الكفارة ليست إلا فيما ينعقد من الأيمان.\nواختلف فيمن قال لزوجته: أنت علي حرام على خمسة عشر قولًا أو نحوها، فقيل: هي ثلاثة ولا ينوي، وهو قول عبد الملك. وقيل: هي واحدة بائنة، ذكره ابن خويز منداد عن مالك. وقيل: هي واحدة رجعية، وهو قول عبد العزيز ابن أبي سلمة، وقيل: هي للتي لم يدخل بها واحدة، وللمدخول بها ثلاثة، وهو قول محمد بن عبد الحكم. وقيل: هي ثلاث إلا أن ينوي إذا أراد واحدة قبل الدخول ولا ينوي بعد، وهو مشهور قول مالك وابن القاسم، وهذه الأقوال تنبني على القول بأن لفظ الحرام لا ينوي فيه، ويحمل على أنه أراد به الطلاق. وقيل: إنه ينوي في قوله: أنت علي حرام، فإن أراد به الطلاق فهو الطلاق، ويختلف فيه على ما قدمناه، وإن أراد الظهار فهو الظهار، وهو قول سحنون. وقيل: إن أراد به الطلاق فهو الطلاق، وإن أراد به الظهار فلا ينوي إلا أن يقول في نسق عند لفظه بالتحريم أردت الظهار فيصدق، وهذا القول أيضًا لسحنون. وقيل: يلزمه الطلاق والظهار، وتطلق عليه، فإن تزوجها بعد لم يقربها حتى يكفر، وهو قول يحيى بن عمر، وهذا كله أيضًا على القول بأن التحريم محمول على الطلاق، إلا أن يراد به غير ذلك. وقيل: هو ظهار على كل حال، وهو مروي عن عثمان، وهو قول ابن","vol":"2","page":452},{"text":"حنبل. وقيل: إن نوى ثلاثًا فهي ثلاث، وإن نوى واحدة فهي واحدة بائنة، وإن نوى يمينًا فهي يمين يكفرها، وإن لم ينو فرقة ولا يمينًا فهي كفارة، وهو قول سفيان الثوري. وقيل: إن نوى ثلاثًا فهي ثلاث، وإن نوى اثنين فهي واحدة بائنة، وإن لم ينو طلاقًا فهي يمين، وهو قول أبي حنيفة. وقيل: إن نوى طلاقًا فهي تطليقة وهو أملك بها، وإن لم ينو طلاقًا فهي يمين يكفرها، وهو قول ابن مسعود وابن عمر والنخعي وطاووس. وقيل: ليس قوله: أنت علي حرام بطلاق ينو به، فإن أراد به الطلاق فهو ما أراد منه، وإن قال: أردت تحريمًا بلا طلاق فعليه كفارة يمين، وليس بقول، وهو قول الشافعي. وقيل: أن الحرام يمين تكفر، وهو قول أبي بكر وعمر وابن مسعود وعائشة وابن عباس أيضًا وابن المسيب وعطاء وطاووس والأوزاعي وأبي ثور، واحتج أبو علي أن لفظ الحرام ليس من ألفاظ الطلاق، بقوله ﷿: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك﴾ [التحريم: ١]، ولم يوجب به طلاقًا، وكان حرم على نفسه مارية، ثم قال الله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم: ٢]، وقيل: تحريم الزوجة كتحريم الماء ليس بشيء، ولا فيه كفارة ولا طلاق؛ لقوله تعالى: ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل","vol":"2","page":453},{"text":"الله لكم﴾. روي ذلك عن الشعبي ومسروق وأبي سلمة، وقال مسروق: ما أبالي حرمت زوجتي أو حفنة من ثريد. وقال الشعبي: أنت علي حرام أهون من نعلي، وقال أبو سلمة: ما أبالي حرمتها أو حرمت الفرات. وأصح هذه الأقوال قول مالك رحمه الله تعالى؛ لأنه أجرى على طريق النظر وأصح من جهة النقل عن السلف. واختلف فيمن طلق من لم يملكها أو أعتق من لم يملكه، مثل أن يقول: كل امرأة أنكحها فهي طالق أو كل مملوك أملكه فهو حر، وأن تزوجت فلانة فهي طالق، وإن اشتريت المملوك الفلاني فهو حر. فقال أبو حنيفة: يلزمه الطلاق والعتق سواء عم أو خص، وحجتهم أن ذلك طاعة يلزمه الوفاء بها. وذهب الشافعي إلى أنه لا يلزمه شيء من ذلك خص أو عم. وقد روي هذا القول عن مالك وقاله ابن وهب، قال: نزلت بالمخزومي حلف على امرأة معينة إن تزوجها فهي طالق، فأفتاه مالك بأن لا شيء عليه إن تزوجها، وروي عن ابن القاسم مثله، وقاله ابن عبد الحكم أيضًا، وإليه يذهب عامة أهل المدينة، وحجتهم قول النبي ﷺ: «لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم». وإذا لم يلزم النذر فاليمين أولى أن لا يلزم، قال: وأما الطلاق فإن الله تعالى لم يجعله في كتابه إلا بعد النكاح، فقال تعالى: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن","vol":"2","page":454},{"text":"تمسوهن﴾ [الأحزاب: ٤٩]، و«ثم» لا توجب غير التعقيب. وقال مالك في المشهور عنه: إن خص أحدًا أو عين قبيلة أو جنسًا لزمه العتق والطلاق، وإن عم لم يلزمه، وحجته أن الله ﵎ نهى عن تحريم ما أحل الله لهم، ومن استثنى موضع طلاق أو عتق فلم يحرم على نفسه ما أحل الله. واختلف في الذي يصالح امرأته ويشترط عليها أن لا تتزوج حتى تفطم ولدها، فروي عن مالك أنذلك لا يلزمها، وإن اشترط. وقيل: يلزمها. وفي المسألة قول ثالث: أنه ليس للمصالحة على إرضاع ولدها أن تتزوج في الحولين، وإن لم يشترط ذلك عليها، وقيل: إن كان لا يضر بالصبي، لم يحل بينها وبين التزويج، فهذه أربعة أقوال، وعلى هذا يترتب الخلاف في المستأجرة على الرضاع هل لزوجها وطئها أم لا؟ واحتج مالك أن ذلك لا يزمه وإن اشترط عليه بقوله تعالى: ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا﴾ [المائدة: ٨٧]، قال: وهذا يصالحها على تحريم ما أحل الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>(٨٨) - وقوله: ﴿وكلوا مما رزقكم الله حلالًا طيبًا﴾:</span>\n﴿وكلوا﴾ في هذه الآية عبارة عن تمتعوا بالأكل والشرب واللباس والركوب ونحو ذلك. وخص الأكل بالذكر لأنه أعظم المقصود وأخص","vol":"2","page":455},{"text":"المنافع بالإنسان. والرزق عند أهل السنة ما صح الانتفاع به. وقالت المعتزلة: كل ما صح تملكه والحرام ليس برزق، لأنه لا يصح تملكه، وكأنهم تأولوا ذلك على ظاهر هذه الآية، وليس كذلك بل دليل خطاب الآية أن الحرام رزق أيضًا؛ لأن تخصيصه الحلال من الرزق يدل على أن ثم منه حرامًا، فأمر تعالى بأكل الحلال، وسكت عن الحرام. وأقام بعضهم أن الحرام رزق من قوله تعالى: ﴿كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور﴾ [سبأ: ١٥]، قال: فذكر المغفرة مشيرًا إلى أن الرزق قد يكون حرامًا، وهذا استدلال ضعيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>(٨٩) - وقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾:</span>\nقد بين تعالى في هذه الآية أن المؤاخذة المذكورة في آية البقرة هي المؤاخذة بالكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته﴾ [المائدة: ٨٩] الآية؛ لأنه تعالى إنما نفى اللغو ما أثبته لما عقدت به الأيمان. وقد اختلف العلماء في تحصيل اللغو وتحصيا ما عقدت به الأيمان اختلافًا كثيرًا، فروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لما حرموا الطيبات من المآكل حلفوا على ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأبان أن الحلف لا يحرم شيئًا، فاللغو في الآية على هذا هو تحريم ما أحل الله تعالى، والمراد بقوله تعالى: ﴿بما عقدتم الأيمان﴾، الأيمان التي حلفوا بها على ذلك التحريم، فجعل تعالى في الأيمان كفارة، ولم","vol":"2","page":456},{"text":"يجعل في التحريم شيئًا. وروي عن عطاء -وقد سئل عن اللغو في اليمين- فقال: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله ﷺ قال: «هو كلام الرجل في بيته: لا والله، بلى والله». وروي أيضًا عن عائشة ﵂ موقوفًا أنها قالت: لغو اليمين: لا والله، بلى والله. وروي مثله عن إسماعيل القاضي، فعلى هذا يكون معنى الآية: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾، أي: من أيمانكم، وتكون الأيمان على هذا منها ما يؤاخذ به ومنها ما لا يؤاخذ به في معنى الكفارة دون اعتبار الحلف على ماض أو مستقبل، وهو مذهب الشافعي. وذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى إلى أن الأيمان على ما مضى لا كفارة فيها، وأن الأيمان على ما يستقبل هي التي تتعلق بها الكفارة، فيكون معنى الآية على هذا: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾، أي بالكفارة في الأيمان على ما مضى ولكن يؤاخذكم بها في الأيمان المستقبلة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿عقدتم الأيمان﴾ أن المراد به كل ما يتصور عليه عقد العزم في الأفعال. وبهذا لا يصح إلا في الأفعال المستقبلة، وأما","vol":"2","page":457},{"text":"الماضية فلا يتصور عقد العزم عليها. قال بعضهم: وهذا ينتقض بالحلف على فعل الغير ونحوه، وفي هذا نظر. وقال بعضهم: اللغو أن يحلف على معصية أن يفعلها، فينبغي له ألا يفعلها ولا كفارة عليه بالحنث في ذلك. وروي عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليتركها، فأن تركها كفارتها»، وقد مر في سورة البقرة الكلام على سائر التأويلات في الآية.\nوقوله: ﴿بما عقدت الأيمان﴾ فيه ثلاث قراءات: عقدتم الأيمان مخفف ومشدد، وعاقدتم. وأصله كله من عقد الحبل. والأيمان هنا جمع يمين على حذف الزائد. ولم يختلف أن المراد بالأيمان ها هنا الأيمان بالله تعالى، فأما اليمين بالطلاق فيلزم الحانث بها الطلاق. وكذلك اليمين بالمشي إلى مكة يلزم الحالف بها الحانث المشي. وكذلك اليمين بصدقة المال تلزم أيضًا إن حلف على اختلاف بينهم في مقدار ما يلزم الحانث، وكذلك اليمين بالعتق يلزم الحانث بها العتق.","vol":"2","page":458},{"text":"وكذلك سائر أفعال البر، وليس فيها لغو ولا كفارة، وهو قول الجمهور ومالك ومن تبعه. وقيل: يكون في اليمين بالله تعالى وبالطلاق وبغير ذلك من أفعال البر العتق فما دونه، وليس على الحانث بها إلا كفارة يمين، وهو قول شاذ، فالأيمان بهذه الأشياء كلها على هذا القول داخلة تحت قوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته﴾، وقيل: اليمين بالله تعالى وبغيره من أفعال البر ما خلا العتق والطلاق ليس فيها إلا كفارة. فأما العتق والطلاق فيلزم الحانث بهما ما حلف عليه، فعلى هذا تكون الأيمان كلها داخلة تحت لفظ الآية ما عدا اليمين بالطلاق والعتاق. وقيل: بالله تعالى وبغير من أفعال البر العتق فمنا دونه ليس فيها إلا كفارة. وأما الطلاق فيلزم الحلاف به ما حلف عليه، فعلى هذا القول الأيمان كلها داخلة تحت لفظ الآية ما عدا الطلاق. وقد روي عن ابن القاسم في المشي إلى مكة أنه ليس على الحالف بها إلا كفارة، فهذا أيضًا هو قول من يرى في اليمين بالله تعالى والعتق والطلاق والصدقة ونحو ذلك لزمه أن يدخلها لغو اليمين أيضًا. ومن رآها خاصة لبعض الأيمان خص اللغو به أيضًا، والإجماع من المذهب على","vol":"2","page":459},{"text":"خلاف ذلك. وحجة من يجري الأيمان كلها أو أكثرها في الكفارة واللغو مجرى واحدًا عموم ألفاظ هذه الآية، ومن خصص شيئًا منها فبدليل قام له على ذلك من قياس أو غيره، فيتحصل من هذا أن اليمين بالله تعالى مرادة بالآية بلا خلاف، وما عدا ذلك من الأيمان، فمختلف فيه. وقد اختلف في الأيمان له لازمة فحنث ولا نية له، فمن رأى أن الأيمان بغير الله تعالى لا تنعقد لم يلزم شيئًا. ومن راعى عرف الشرع في الأيمان، ورأى أن إطلاق اليمين إنما تحمل على الحلف بالله تعالى، أو رأى اليمين بالله تعالى أو بسائر الأشياء سواء ألزم الحانث كفارة يمين، ومن جعل الأيمان على عمومها وراعى كل يمين ومقتضاها ألزمه الكفارة والطلاق والعتق والصدقة والمشي والظهار، وهو قول الجمهور، إلا أن هؤلاء اختلفوا في عدد الطلاق: فمنهم من احتاط وأخذ فيه بأكثر ما يقع عليه اللفظ وهو الثلاث. ومنهم من أخذ فيه بأقل ما يقع عليه اللفظ وهي الواحدة إلا أن هؤلاء اختلفوا هل تكون بائنة أو","vol":"2","page":460},{"text":"رجعية، وهذا الخلاف كله منصوص للمتأخرين، وممنوع في مذاهب المتقدمين فيه. والكفارة مأخوذة من كفر الذراع، وكفر الذراع فوق درعه، والكافر الليل، وهذا كله أصله الستر، وسميت بذلك لأنها تستر إثم الحانث وتغطيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>(٨٩) - وقوله تعالى: ﴿إطعام عشرة مساكين﴾ الآية:</span>\nتضمنت هذه الآية أن كفارة تكون بأربعة أشياء: إطعام أو كسوة أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام، وهو فيما عدا مخير، وعلى ذلك حمل العلماء «أو»، ولا يعلم بينهم في ذلك خلال، فأما الصيام فلا يجوز الرجوع إليه إلا بعد العجز عن أحد تلك الأشياء؛ لقوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾ [المائدة: ٨٩]، فشرط جواز الصيام بعدم الوجد. وقد اختلف في صنف الطعام الذي أوجبه الله تعالى على الكفر، وفي قدره، فأم صنفه ففيه ثلاثة أقوال، وهذا الخلاف على القول بأن قوله تعالى: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة: ٨٩]. أراد بالتوسط التوسط في الصنف لا في القدر، أو أراد به التوسط في الأمرين جميعًا. فقيل: يتجنب أدنى ما يأكل الناس في البلد وينحط عن الأعلى ويكفر بالمتوسط من ذلك. وقيل: يراعي في ذلك غالب عيش","vol":"2","page":461},{"text":"البلد، وهو الصنف الذي يكفر به، وهذا القول في كتاب ابن المواز، وكل يتأول قوله تعالى في الآية: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ على قوله. وأما القدر ففيه اختلاف كثير، وهذا الخلاف على القول بأن المراد التوسط في القدر لا في الصنف أو التوسط فيهما جميعًا. فقيل: يطعم المكفر كل مسكين مدًا من طعامه بمد النبي ﷺ حيث كان، وهو قول الشافعي والفقهاء السبعة وأحمد وإسحاق، وهو قول ابن القاسم. وذكر إسماعيل القاضي أنه قال: يطعم ما يكفي ليومه، وقيل: إن أطعم بالمدينة أطعم مدًا لكل مسكين؛ لأنه وسط عيشهم وإن أطعم في سائر الأمصار أطعم وسطًا من عيشهم، وهو قول مالك رحمه الله تعالى. وقال الحسن بن أبي الحسن: إن جمعهم إشباعة واحدة، وإن أعطاهم أعطاهم مكوكًا مكوكًا. وقيل: يطعم نصف صاع لكل مسكين، وهو قول الثوري وأبي حنيفة. وقيل: يطعم كل مسكين نصف صاع من حنطة، وإن أعطى تمرًا أو شعيرًا فصاعًا صاعًا، وهو قول الشعبي وسائر الكوفيين. وقال ابن القصار: ومن الحجة على هذه المقالة قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾، وأوسط ما يطعم أهله ما غلب من العرف وهو ما يغدي ويعشي ويشبع، وليس في العرف أن","vol":"2","page":462},{"text":"يأخذ الواحد صاعًا من شعير أو تمر، الذي هو عندهم ثمانية أرطال، ولا نصف صاع من بر وهو أربعة أرطال. والحكم معلق على الغالب لا على النادر، ويجوز أن يغدي المساكين ويعشيهم عند مالك والكوفيين. وقال الشافعي: لا يعطيهم غير المكيلة دفعة واحدة. وقال ابن القصار الجميع عندنا لا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾، ولم يخص، فإن أطعم بالغداة والعشي فقد أطعم. وقال بعضهم: اختلف علماء السلف في التغدية والتعشية، ولذلك اختلف فيه الشافعي وأبو حنيفة. وظاهر قوله تعالى: ﴿إطعام عشرة مساكين﴾، يدل على جواز التغدية والتعشية، على ما قاله أبو حنيفة. إلا أن الشافعي يقول: لما قال: ﴿إطعام﴾ فمعناه: جعل المال طعمة لا أنه فعل الإطعام الذي يتعقبه التطعم. وقد قال ابن سيرين والأوزاعي: يجزيهم أكلة واحدة، ويتعلقون بلفظ الآية. واختلف هل يجوز أن يطعم الخبز نفارًا أم لا؟ ففي «شرج ابن مزين» أنه يجزئ، وهو الذي على أصل مالك رحمه الله تعالى. وعند ابن حبيب أنه لا يجزئ إلا بأدام وزيت أو لبن أو لحم ونحوه، فوجه القول بمراعاة الأدام قوله تعالى: ﴿من أوسط ما","vol":"2","page":463},{"text":"تطعمون أهليكم﴾. ولا بد في إطعام الأهلين من أدام، والقاضي يفرضه مع الخبز باتفاق. ووجه الترك لمراعاة ذلك قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فإطعام ستين مسكينًا﴾ [المجادلة: ٤]. وعمومه يقتضي ما كان مأدومًا وغير مأدوم، فيتحصل في قوله تعالى: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ ثلاثة أقوال، أحدها: أنه أراد بالتوسط الصنف، والثاني: أنه أراد القدر، والثالث: أنه أرادهما جميعًا وهو الأظهر.\nواختلف في الرجل لا يقدر على أكثر من الشعير، وأهل البلد يأكلون القمح، فقيل: ليس له أن يعطيها الشعير، وهو قول مالك في «سماع يحيى». وقيل: له أن يعطيها ذلك، وليس لها أن تمتنع منه، وهو ظاهر رواية أشهب عن مالك، ووجه الأول يدل عليه قوله تعالى: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾، إذ قد علم أن الرجل لا يطعم أهله إلا ما يجد ويقدر عليه. واختلف في قدر الكسوة التي تلزم المكفر، فقيل: الكسوة ثوب واحد لكل مسكين، تجوز فيه الصلاة، وهو قول الحسن ومجاهد. وقيل: لا يجزئ الثوب الواحد إلا إذا كان جامعًا مما قد يتزيا به كالكساء والملحفة. وقيل: الكسوة ثوبان لكل مسكين، وهو قول الحسن أيضًا وابن سيرين وأبي موسى الأشعري، وروي عن ابن عمر وجابر بن زيد والزهري. وقيل: الكسوة إزار وقميص ورداء، وقيل: يجزئ أقل ما يقع عليه اسم كسوة على الوسط، فكما يطعم الوسط كذلك يكسو الوسط، وهو قول أبي حنيفة. وقال قوم: يجزئ أقل ما يقع عليه اسم كسوة وهو أحد قولي الشافعي، وقد نسب إلى أبي","vol":"2","page":464},{"text":"حنيفة. وقال الشافعي: يجزئ خرقة أو قلنسوة أو تكة وما أشبه ذلك. وقال سفيان: إن يكسو ثوبًا أو قميصًا أو ملحفة أو إزارًا أو عمامة. وروي عن مجاهد أنه يجزئ كل شيء، إلا التبان. وروي عن سلمان أنه قال: نعم الثوب التبان. وحجة هذا القول الأخذ بنفس اللفظ خاصة. وقال إسماعيل القاضي في قول الشافعي: هذا قول لم يسبقه إليه أحد من الصحابة ولا من التابعين، فلو قال في الإطعام لكل مسكين لقمة لمر قوله على نظام، ولكنه قال: من الطعام ما يكفي ليومه، ومن الكسوة ما لا تطلق العرب أن فاعله كاس ولا أن لابسه كاس، فيلزمه التناقض. وقال مالك رحمه الله تعالى: أقل ما يجزئ من الكسوة ما تجوز فيه الصلاة، وذلك ثوب للرجل ودرع وخمار للمرأة، وهذا أحسن ما تأولت عليه الآية؛ لأن إطلاق اللفظ بالكسوة يقتضي التقدير فيها، هذا هو الظاهر منه. وإذا كان مقدرًا فما راعاه مالك في ذلك أولى. وإن كسا الصغار جاز، ولا يكسوهم إلا كما يكسو الكبار. وقال ابن المواز -من رأيه- بل كسوة رجل كبير وإلا لم يجز. وقال أشهب وابن الماجشون: يعطي الأنثى إذا لم تبلغ الصلاة ثوب رجل ويجزئ. والحجة على ابن المواز قوله تعالى: ﴿أو كسوتهم﴾ فعم المساكين ولم يخص صغيرًا من كبير. ولا يجوز عندنا أن يخرج القيمة في شيء من الكفارات، وجوزها أبو حنيفة. والحجة عليه قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾","vol":"2","page":465},{"text":"الآية، وإذا أخرج فلم يأت بما حد الله تعالى في الكفارة، وهو الاقتصار على الإطعام أو الكسوة أو العتق. وقال بعض الشافعية: لما ذكر الله تعالى الطعام والكسوة والتحرير دل ذلك على منع إخراج القيمة؛ لأنه لو جاز ذلك لكان التقدير في الآية حصول هذا القدر للمساكين ولو كان ذلك مقصودًا ما خير بين هذه الثلاثة الأشياء لتقارب قيمتها في الغالب من الأحوال، وهذا مثل احتجاجهم أيضًا في منع القيم في الزكاة بإيجاب رسول الله ﷺ في الجيران شاتين أو عشرين درهمًا مع التقارب غالبًا، وإيجاب الصاع في زكاة الفطر من التمر والزبيب والبر والشعير مع تفاوت قيمتها غالبًا، فهذه أقوى الحجج على إبطال القيمة. واختلفوا في عدد المساكين هل هو شرط في الإطعام أم لا؟ فعندنا أنه شرط لا بد من عشرة مساكين. وقال أبو حنيفة: إن شاء صرفه إلى هذا العدد، وإن شاء أعطاه مسكينًا واحدًا في عشرة أيام. وقال الأوزاعي: إن شاء صرفه إلى هذا العدد وإن شاء أعطاه مسكينًا واحدًا في وقت واحد. ودليلنا أنه تعالى جعل لكل مسكين جزء من الطعام، فلم يجز أن يسند واحد بجميعه. واختلفوا في كسوة بعض العشرة","vol":"2","page":466},{"text":"المساكين وإطعام بعضهم أيجزئ أم لا؟ فعندنا أنه لا يجزئ. وقال الثوري: يجزئ. والحجة للقول الأول ظاهر الآية؛ لأنه تعالى إنما حد إطعام عشرة مساكين أو كسوة عشرة مساكين. وظاهر هذا إما أن ينفرد بالإطعام ولا يكسو، وإما أن ينفرد بالكسوة ولا يطعم، وأما أن يجمع بينهما فلا، ومن أجاز ذلك فهو مخالف لظاهر الآية. واختلف في العشرة المساكين الذين يطعمون أو يكسون هل يشترط فيهم الإسلام والحرية أم لا؟ فعندنا أن ذلك مشترط فيهم. وقال أبو حنيفة: ليس بشرط، وجائز أن يطعموا أو يكسوا. وحجته عموم الآية، وإن أطعم في الكفارة غنيًا وجهل غناه، فعن مالك أنه لا يجزئ. وعنه أيضًا أنه يجزئ. ولحجة للقول الأول قوله تعالى: ﴿عشرة مساكين﴾، فلم يجعل للأغنياء فيها حظًا، فلا يجزئ إطعامهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>(٨٩) - وقوله تعالى: ﴿أو تحرير رقبة﴾:</span>\nقد مر الكلام على طرف من أحكامه في سورة النساء، فلا معنى لإعادته، وعندنا أنه لا يجزئ في هذه الرقبة أعمى ولا أبرص ولا مجنون، وهو قول جماعة من أهل العلم. وفي الأعور قولان في المذهب، وكذلك في الأصم والخصي، ومن العلماء من رأى أن جميع هذا يجزئ لعموم الآية عنده. وجوز النخعي عتق من يعمل اشتغاله وخدمته ومنع عتق من لا يعمل، كالأعمى والمقعد والأشل اليدين","vol":"2","page":467},{"text":"والأعجمي يجزئ من قصر النفقة، قال مالك وغيره أحب إلي. قال سحنون: يريد بعد أن يجيب على الإسلام، فإن كان لم يجب إلا أنه ممن يجبر على الإسلام كالكبير من المجوس والصغير من الحربيين الكتابيين. فقال ابن القاسم: يجزئ عتقه وإن لم يسلم. وقال أشهب: لا يجزئ حتى يسلم. وحجة من أجاز عتقه عموم الآية، وإلا أن يقول من يشترط الإسلام أن الله تعالى قد شرط في عتق الرقبة في كفارة القتل الأيمان، وأطلقها هنا في كفارة اليمين، فيحمل المطلق على المقيد، فلا يجوز إلا عتق من آمن. وقد تقدم الكلام على هذا المعنى، وفي هذه الآية لمن يقول من الأصوليين: بأن الواجب يكون معينًا ويكون مبهمًا خلافًا لمن يقول منهم: لا يكون الواجب مبهمًا، لأنه تعالى قد أوجب على الحانث أحد هذه الثلاث ولم يعين واحدًا منها للوجوب، فالواجب منها واحد بغير عينه فهو مبهم.\n- قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد﴾:\nاختلف في عدم الوجد الذي يجوز معه الصيام ما هو؟ فقيل: إذا لم يجد بعد قوته وقوت عياله يومًا وليلة ما يطعم منه عشرة مساكين أو يكسوهم أو يعتق رقبة فهو من أهل الصيام، وهذا قول مالك والشافعي","vol":"2","page":468},{"text":"وغيرهما. وقال ابن القاسم: من يفضل له نفقة يوم فإنه لا يصوم. وقال سعيد ين جبير: إن لم يكن له ثلاثة دراهم أطعم. وقال آخرون: جائز لمن تكن عنده مائتا درهم أن يصوم وهو ممن لم يجد. وقال آخرون: جائز لمن لم يكن عنده فضل على رأس ماله الذي يتصرف به في معاشه أن يصوم. وقال عطاء الخراساني: إن كانت عنده عشرون درهمًا أطعم، فإن كانت دون العشرين صام. وقال الشافعي: من له أن يأخذ من الصدقة له أن يصوم، والقول الأول أليق بألفاظ الآية على مفهومها.\n- وقوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام﴾:\nاختلف هل هي متتابعة أم لا؟ فعند مالك أن تفرقتها جائز. وعن أبي حنيفة أنه لا يجوز تفرقتها. وهذا أحد قولي الشافعي. وحجة مالك أن الله تعالى ذكر صيامها ولم يشترط التتابع، واحتج من خالفه بقراءة ابن مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات. واختلف في العبد يحنث في يمين، إن أذن له السيد في الإطعام والكسوة والعتق، بعد اتفاقهم على أنه","vol":"2","page":469},{"text":"لا يجب عليه إلا الصوم لأنه ممن لم يحد، إذ ماله أنما هو لسيده، فقال الشافعي: لا يجزيه إلى الصوم؛ لأن الإذن عنده لم يقع إلا وقد وجب الصوم للآية، فلم ينتقل ذلك بانتقال حاله. وقال أبو ثور: إنه يجزيه أن يطعم أو يكسو أو يعتق، إذا أذن له السيد؛ لأنه عنده ممن يجد فدخل تحت عموم الآية، ولم يراع حاله يوم حنث. وقال مالك رحمه الله تعالى: إن أطعم أو كسا بإذن السيد جاز، وفي القلب منه شيء، ولا يجزيه العتق لأن الولاء لغيره.\n- وقوله تعالى: ﴿ذلك كفارة أيمانكم﴾ الآية:\nإشارة إلى ما ذكرنا من الأشياء الأربعة. واختلف في الكفارة بماذا تجب؟ فعندنا أنه تجب بالحنث. وعن سعيد بن جبير أنها تجب بنفس الحلف، قال: لأن الله تعالى علقها بنفس الحلف لا بالحنث، فقال: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾، وليس هذا كما تأوله. المعنى: إذا حلفتم وأردتم الحنث أو حنثتم على القولين. ويبعد هذا التأويل قوله ﵊: «فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه»، وروي فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه. وذلك ينفي وجوبها بنفس الحلف، فإن قيل: قد جاء عنه ﷺ: «من حلف على يمين فرأى خيرًا","vol":"2","page":470},{"text":"منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير»، فقدم التكفير على الحنث. فهذا يدل على أنها تتعلق بالحلف لا بالحنث. قيل له: المعنى في ذلك فليكفر عن يمينه إذا أراد الحنث، فيتحصل في تأويل قوله تعالى: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ ثلاثة أقوال، أحدها: أنه ليس في الآية إضمار، وأن المعنى إذا حلفتم فقد تعينت عليكم الكفارة، وهذا قول سعيد بن جبير. والثاني: أن في الآية إضمارًا، وكأنه قال: إذا حلفتم وأردتم الحنث. والثالث: أن التقدير: إذا حلفتم وحنثتم.\nوبسبب الاختلاف في تأويل الآية اختلف العلماء في جواز تقديم الكفارة على الحنث على ثلاثة أقوال، فعن مالك روايتان، أحدهما: الجواز والأخرى المنع، وهو قول أبي حنيفة. الثالث: أنه جائز إلا في الصيام في الكفارات، فلا يجوز تقديمه على الحنث، لأنه عمل بدن فلا يقدم قبل وقته، وهو قول الشافعي، ووجه الروايتين عن مالك ما قدمناه في تأويل الآية، وأما قول الشافعي فضعيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>(٨٩) - وقوله تعالى: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾:</span>","vol":"2","page":471},{"text":"قيل: معناه احفظوا أيمانكم أن تحنثوا، وقيل: احفظوها أن تحلفوا بها. والقول الأول ضعيف، لأن الحنث مأمور به في كثير من الأيمان. وقد قال الله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم: ٢]، وأيضًا فإن اليمين قد يكون على فعل الخير، ولا يتأتى حفظ فعل الخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>(٩٠)، (٩١) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾:</span>\nاختلف في سبب نزول هذه الآية، فقيل: نزلت بسبب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فإنه ذكر للنبي ﷺ عيوب الخمر، وما نزل بالناس من أجلها ودعا الله تعالى في تحريمها، وقال: اللهم بين لنا بيانًا شافيًا، فنزلت. فقال عمر: انتهينا، وقيل: نزلت بسبب أن رجلًا من الأنصار صنع طعامًا فدعا إليه جماعة فيهم سعد بن أبي وقاص، فشربوا الخمر حتى انتشوا، فتفاخرت الأنصار مع قريش، فقال كل فريق: نحن خير منكم، فأخذ رجل من الأنصار لحي جمل فضرب به أنف سعد ففزره، وكان سعد أفزر الأنف فنزلت الآية. وقيل: نزلت في قبيلتين من الأنصار شربوا حتى إذا ثملوا عربدوا، فلما صحوا جعل كل واحد منهم","vol":"2","page":472},{"text":"يرى الأثر في وجهه ولحيته وجسده، فيقول: هذا فعل فلان، فحدت بينهم ضغائن، فنزلت الآية. وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه؛ إذ قال للنبي ﷺ: «هل أنتم إلا عبيد لأبي»، وهو سكران. وهذا الآية أبين آية في القرآن في تحريم الخمر؛ لأن كل آية سواها تحتمل التحليل والتحريم للخمر، وهذه الآية لا تحتمل إلا التحريم، فالخمر محرمة بالقرآن عند جميع أهل السنة، إلا أنهم اختلفوا هل بنص من القرآن أم بدليل؟ والذين ادعوا النص ادعوه في ثلاثة مواضع، أحدها في هذه الآية، قالوا: لأنه تعالى أمر باجتنابها وتوعد على استباحتها وقرنها بالميسر والأنصاب والأزلام، وهذا قول ضعيف؛ لأن ما يحتمل التأويل ليس بنص. وهذه الآية لولا ما اقترن بها من القرآن لكانت تحتمل الكراهة والتحريم، وما كان هكذا فليس بنص، وإنما هو دليل. والثاني: أن النص على تحريمها قائم في هذه الآية وفي الأنعام: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]، قالوا: فسماها في آية المائدة رجسًا ثم نص على تحريم الرجس في آية الأنعام.","vol":"2","page":473},{"text":"ودعوى النص على تحريمها في هذا باطل؛ لأن الرجس مشترك الألفاظ المشتركة لا يدعى فيها ولو لم يكن لفظًا مشتركًا، وكان اسمًا لشيء واحد لما كان ذلك نصًا؛ لأنه تعالى سمى في آية المائدة الخمر وما ساق معها رجسًا، ثم حرم في آية الأنعام أشياء وسماها رجسًا، فغاية ما في هذا أن اسم الرجس يعم هذه الأشياء. ويحتمل أن يحرم الله تعالى بعض الرجس ولا يحرم بعضه. وقد يمكن أن يجعل هذا دليلًا على التحريم -وهو ضعيف- وذلك بأن يجعل قوله تعالى: ﴿فإنه رجس﴾ تعليلًا للتحريم أي حرمت هذه الأشياء لأنها رجس، فإذا كان الرجس علة التحريم فحيث وجدناها أصحبناها الحكم وهو التحريم، وقد وجدناها في الخمر؛ لأنه تعالى قد سماها رجسًا، فقد وجدت فيها العلة فينبغي أن يجري عليها هذا الحكم. ووجه الضعف في هذا القول أن الرجس الذي علله به التحريم لا يقطع بأنه الذي سميت به الخمر؛ لأنه اسم مشترك. والثالث: في آية البقرة وآية الأعراف، لأنه قال في البقرة: ﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ [البقرة: ٢١٩]، فجعل الخمر إثمًا ثم نص على تحريم الخمر في الأعراف، فقال: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم﴾ [الأعراف: ٣٣]، ودعوى النص على التحريم في هذا أيضًا باطل؛ لأنه تعالى قد سماها رجسًا، فقد وجدت فيها العلة فينبغي أن يجري","vol":"2","page":474},{"text":"عليها الحكم. ولم يسم الخمر في آية البقرة إثمًا ثم حرمه في آية الأعراف، إنما قال إن الخمر إثمًا فالإثم غير الخمر، فتحريم الإثم لا يلزم به تحريم الخمر، بل لو سماها إثمًا ثم حرم الإثم لم يكن نصًا؛ لأن قوله «والإثم» لفظ عام يحتمل التخصيص، فالنص بعيد منه، غاية ما في ذلك أن يكون دليلًا ما، وهو ضعيف. والذين لم يروا نصًا في القرآن على تحريم الخمر ورأوا أن تحريمها إنما هو بدليل منه، انتزعوا الأدلة من مواضع أثبتتها هذه الآية؛ لأن الأمر إذا ورد احتمل عند العلماء الوجوب والندب والإباحة. وهذا ما لم تقترن به قرينة، فإذا اقترنت به قرينة تدل على أحد الثلاثة الأشياء حمل عليها بلا خلاف منهم، وهذا الأمر بالاجتناب في هذه الآية قد اقترنت به قرائن تدل على أن المراد به إيجاب اجتناب الخمر وهي ما ورد بعقب الآية من ذم الرجس الذي سمي به الخمر ونسبته إلى الشيطان، والتوعد على إتيانه فيجب حمل الأمر على الإيجاب. وإذا كان اجتنابها واجبًا كان التلبس بها حرامًا، فخي حرام بهذا الدليل. ومن الناس من يخفى عليه هذا الدليل ويزعم أنها ليس بمحرمة في القرآن وأنه إنما حرمتها السنة المتواترة، ولا يصدر هذا إلا عن جهل بالأدلة. وبالجملة فتحريم الخمر معلوم من دين الأمة ضرورة إلا","vol":"2","page":475},{"text":"ما يحكى عن قوم من المجانين والمتلاعبين بالدين: وأنهم يتعلقون بشيء يذكر عن عمرو بن معدي كرب لا يساوي ذكره لأنهم في هذا مخالفون أدلة القرآن ونصوص السنة المتواترة والإجماع المنعقد. وسميت الخمر خمرًا لأنها تخامر العقل، فإن قيل: يسمى كل ما يخامر العقل خمرًا أم لا؟ هذه مسألة اختلف الأصوليون فيها، فمن يرى منهم القياس في الأسماء جائزًا أطلق ذلك. وعلى ذلك يحمل قوله: ﴿إنما الخمر﴾ فيرى الخمر اسمًا عامًا لكل ما يخامر العقل ويجري عليه التحريم، إلا ما قام دليل على تخصيصه من لفظ الآية، هذا على القول بعموم ذلك اللفظ. ومن لا يرى القياس من الأصوليين يقول: وإن سميت الخمر خمرًا لأنها خامرت العقل فلا نقيس ذلك، ونقول: كل ما خامر العقل خمر؛ فهؤلاء لا يحملون لفظ الخمر في الآية إلا على ما أوقعته العرب عليه إلا أن يسمعوا عن العرب أن كل ما خامر العقل فهو خمر، فيطلقون عليه ذلك، ويحملون الآية على ما يحمله عليها الأولون؛ لأن هذا ليس بقياس يعد وإنما هو سماع. وقد اختلف في الخمر المحرمة ما هي اختلافًا كثيرًا، فذهب مالك وجمهور أهل العلم إلى أن كل مسكر","vol":"2","page":476},{"text":"خمر كان ما كان فقليله وكثيره حرام؛ لقوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام﴾ الآية. وذهب قوم من أهل العراق إلى أن الخمر المحرمة هي التي من عصير العنب إذا نش. وذهب بعض أهل العراق أيضًا إلى انها عصير العنب إذا نش وألقى الزبد. وذهب بعضهم إلى أنها خمر العنب والتمر خاصة على ما روي عنه ﵊ أنه قال: «الخمر من الكرمة والنخلة». وذهب بعضهم إلى أن الخمر المحرمة العين هي التي من عصير العنب، وأن نقع الزبيب والتمر والخمر غير طبيخ بمنزلة الخمر في تحريم العين، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وكل من خص اسم الخمر بشيء مما قدمناه، فإنه يقول: إن ما عدا ذلك حلال وإن أسكر لكن السكر منه حرام، لا حد على شاربه سكر منه أو لم يسكر، كشراب البيرة والشعير والذرة والعسل إلى غير ذلك. وهؤلاء المخصصون للخمر المحرمة بشيء دون شيء إن قالوا: إن اسم الخمر يقع أيضًا على تلك الأشياء التي ليست بمحرمة. قيل لهم: ما هذا التحكم، واسم الخمر في الآية مطلق غير مقيد. ومثل هذا إذا أطلق فهو محمول على العموم عند جمهور الأصوليين. وإذا كان كذلك فلم حصصتم ذلك من لفظ الآية، فإن ذكروا شيئًا من أحاديث النبي ﷺ مما لا يحتمل، وهو بعيد، عورضوا بالأحاديث الدالة على العموم التي لا يشك فيها مثل قوله ﵊: «كل مسكر حرام وكل خمر حرام» ونحو ذلك، مع","vol":"2","page":477},{"text":"أنه ليس لهم حديث أظهر من التخصيص في قوله ﵊: «الخمر من الكرمة والنخلة» وهو حديث محتمل للتأويل، وإنما وقع الخلاف في هذه المسألة لأن هذا الاسم في خمر العنب أشهر منه في خمر غير العنب؛ لأن غير العنب من الخمور يسمى اسمًا آخر لتمييز نوع من نوع كالفضيخ والمزر والبتع ونحو ذلك. ومع هذا فإن شراب العنب مقصود غالبًا وغيره، وإنما يشرب عند أعواز العنب، فظن قوم لأجل هذه القرائن أن الخمر هي ما كان من العنب خاصة. ورأى آخرون أن اسم الخمر عام. ثم اختص كل شراب باسم كالفاكهة التي هي اسم عام، ثم سمي كل نوع منها باسم خاص؛ إلا أن هذا يجاب عنه بأن الخمر ليس كالفاكهة، فإن العنبي من الخمور ليس له اسم خاص بمشهور، وإنما يسمى خمرًا مطلقًا باسم الجنس بخلاف الفاكهة. والأصل الذي يعتمد عليه في هذا أن تحريم الخمر نزل وعامة أشربة المدينة ما عدا العنبي؛ لأن العنبي لم يكن بالمدينة. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: نزل تحريم الخمر وهو الفضيخ، في حديث أنس أنه نزل تحريمها وأنه البسر والتمر وهو خمرنا يومئذ. وفي حديث أنس أيضًا،","vol":"2","page":478},{"text":"قال: حرمت الخمر يوم حرمت وما نجد خمور الأعناب إلا القليل. وفي حديثه أيضًا حرمت الخمر وهي العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة وما خمرت من ذلك فهو خمر. وروى النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قال: «إن من الحنطة خمرًا، وإن من الشعير خمرًا، ومن التمر خمرًا، ومن العسل خمرًا»، فقد ورد في هذه الأحاديث أن الشراب من هذه الأشياء سوى العنب يسمى خمرًا. وأن التحريم نزل وخمر المدينة من غير العنب، فهذا كله يقضي بعموم اسم الخمر، لهذه الأشياء وما أشبهها. وقوله ﵊: «كل مسكر حرام»، وقوله: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» يرفع كل إشكال. عندنا أن الخمر محرمة لعلة خلافًا لمن يقول: إنها محرمة لعينها، وهم أصحاب أبي حنيفة. والذين رأوا التحريم لعينها هم الذين خصوا التحريم ببعض","vol":"2","page":479},{"text":"المسكر دون بعض، وقد قدمنا مذاهبهم. فأما مالك ومن تابعه ممن رأى التحريم في كل مسكر، فالخمر عنده محرمة لعلة. ولأصحاب مالك في إثبات العلة طريقان، أحدهما: الطرد والعكس وهو أنهم رأوا التحريم يوجد بوجود الإسكار في خمر العنب، ويفقد بفقدها، فحكموا أن العلة في تحريم خمر العنب ذلك الشيء الذي يوجد التحريم بوجوده ويفقد بفقده وهو الإسكار، وهذا يسمونه الطرد والعكس، فلما صح عندهم أن العلة في تحريم خمر العنب ذلك طردوا، فحيث وجدوا العلة ألزموا الحرمة. فيأتي على هذا أن كل مسكر حرام سميناه خمرًا أو لم نسمه خمرًا. والطريقة الثانية في إثبات العلة استنباطها من الكتاب، فإنه تعالى قال بإثر الآية باجتناب الخمر: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة﴾، وهذا يسميه الأصوليون التنبيه على العلة، فنبه تعالى على أن علة تحريم الخمر كونها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وتوقع العداوة والبغضاء. وهذا المعنى بعينه موجود في كل مسكر على حد سواء لا تفاضل بين الأشربة فيه، فوجب أن يكون حكم جميعها واحدًا، فما تقتضيه هذه الآية من التنبيه على العلة دل على فساد قول من يرى تحريم الخمر لعينها؛ لأنه لو كان كذلك لما أتى الله تعالى بهذه الصفات","vol":"2","page":480},{"text":"التي تنتجها الخمر، وهذا كله على القول بأن لفظ الخمر مقصور على شيء دون شيء. وأما إن جعلناه عامًا في كل مسكر وهو الصحيح، لأنه قد جاء ذلك عن النبي ﷺ نصًا فلا يحتاج معه إلى استنباط علة، بل نقول: لفظ الخمر عام في كل مسكر، فيحمل عليه لفظ الآية؛ إلا أن يقوم الدليل على تخصيصه، ولم يقم فبقي على ما كان عليه.\n- وقوله تعالى: ﴿والميسر والأنصاب والأزلام﴾:\nوقد تقدم تفسير هذه الأشياء في مواضع.\n- وقوله: ﴿رجس﴾:\nاختلف في تأويله، فقيل: النتن، وقيل: السحت، وقيل: النجس، وبهذا يستدل من يذهب إلى أن الخمر نجس، وهو قول الجمهور. وذهب بعضهم إلى أنها غير نجس، ويرد عليه ما قدمناه، وقد أقام ابن لبابة القولين من المذهب. وقد اختلف في طبيخ المسكر، فذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا طبخت سلافة العنب حتى يذهب ثلثاها فشربها مباح. وأما نقيع الزبيب والتمر فيحل مطبوخها وإن مسته النار قليلًا من غير اعتبار لحد كام اعتبر في سلافة العنب. وقال بعضهم: إذا ذهب الثلثان فقد حلت، ولم يفرقوا. ومن أصحاب مالك من ذهب إلى هذا، ومن أهل","vol":"2","page":481},{"text":"العلم من اعتبر ذهاب النصف، ومنهم من اعتبر ذهاب الثلثان، ومنهم من قال: ما يقع عليه اسم طبخ. وقال محمد وأبو يوسف: إذا عرض على النار أدنى عرضة حل، فمن يعتبر الطبخ فلا يعتبر الإسكار. وذهب مالك وأصحابه إلى أنه لا يعتبر الطبخ وإنما يعتبر الإسكار، والمطبوخ وغير المطبوخ سواء، وهذا هو الصحيح؛ لأنه لا يخلو المطبوخ من أن يكون مسكرًا أو غير مسكر، فإن كان مسكرًا فهو خمر. وقد قال تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾ الآية، وإن كان غير مسكر فليس بخمر، فلا معنى لتحريمه ولا معنى لاعتبار الطبخ. واختلف في الخمر للمضطر أحرام أم حلال؟ ففيه في المذهب قولان، وحجة التحريم عموم النهي في هذه الآية. واختلفوا في الخمر أيضًا يتداوى بها، فلم يجزها مالك وأصحابه، وأجازه أبو حنيفة والثوري والشافعي. وحجة مالك عموم الآية أيضًا، وعلى شارب الخمر عند العلماء الحد، إلا أنهم اختلفوا في مقداره، لما جاء من السنة في ذلك. وذهب قوم إلى أن الحد ليس بواجب، قالوا: لأن رسول الله ﷺ لما أراد أن يحد شارب الخمر هرب، فدخل دار العباس، فسأله العباس تركه، فتركه، فلو كان واجبًا ما تركه. قالوا: ومن حجتهم أن الله تعالى حرمها ولم يذكر فيها حدًا، فلو كان فيها حد واجب لذكره كما فعل في سائر الحدود، وهذا كله","vol":"2","page":482},{"text":"ضعيف. أما حديث العباس رضي الله تعالى عنه، فلعل ذلك قبل وجوب الحد في الخمر أو فبل أن ينزل تحريم الخمر. وأما خلو الآية منه، فلا يدل على ذلك. وكم من نازلة وكل إلى النبي ﷺ الحكم فيها، وقد كان الله تعالى قديرًا على أن ينزل فيها حكمًا. وسيأتي الكلام على اللبن إذا أسكر والسكران أيضًا في موضعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>(٩٣)، (٩٤) - قوله تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا﴾ إلى قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله﴾:</span>\nسببها أنه لما نزل تحريم الخمر، قال قوم من الصحابة: يا رسول الله! كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر، ونحو هذا من القول، فنزلت الآية. وهذا نظير سؤالهم عمن مات على القبلة الأولى فنزلت: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣]، فأعلم الله تعالى عباده في هذه الآية أن الذم والجناح إنما يلحق من جهة المعاصي، وأولئك الذين ماتوا قبل التحريم لم يعصوا بارتكاب محرم؛ لأن هذه الأشياء لم تكن حرمت قبل. والتكرار في قوله تعالى:","vol":"2","page":483},{"text":"﴿واتقوا﴾ يقتضي في كل تكرارة زيادة على التي قبلها، وفي ذلك مبالغة في هذه الصفات. ثم اختلف المفسرون في تأويل التكرار، فقال قوم: الرتبة هي اتقاء الشرك والكبائر، والإيمان على كماله، وعمل الصالحات. الرتبة الثانية هي الثبوت والدوام على الحالة المذكورة. والرتبة الثالثة هي انتهاء التقوى بهم إلى امتثال ما ليس بفرض من النوافل في الصلاة والصدقة وغير ذلك، وهو الإحسان. وقال قوم: الرتبة الأولى لما في الزمان، والثانية للحال، والثالثة للاستقبال. وقال قوم: الاتقاء الأول هو في الشرك والتزام الشرع، والثاني في الكبائر، والثالث في الصغائر. وهذه الآية لكل مؤمن وإن كان عاصيًا أحيانًا إذا كان الغالب على أمره الإحسان، فليس على هذا الصنف جناح فيما طعم مما لم يحرم عليه، هذا هو التأويل الصحيح في هذه الآية الذي يذهب إليه أهل السنة. وقد تأول قدامة ابن مظعون الجمحي من الصحابة الآية على أنها عامة فيمن طعم من المؤمنين الخمر، وإن كان بعد تحريمها. ورأى أن الجناح مرفوع عنه، لوقوع ذلك منه حكاية طويلة تقتضيه، وذلك أنه كان ختن عمر بن الخطاب ﵁ حال أولاده، فولاه عمر على البحرين، فقدم الجارود على عمر بن الخطاب من البحرين وشهد","vol":"2","page":484},{"text":"عليه بشرب الخمر هو وأبو هريرة فقال: لم أره يشرب ولكنني رأيته سركان يقيء. فقال له عمر: لقد تقطعت الشهادة. ثم كتب عمر إلى قدامة، فألح الجارود على عمر في إقامة الحد عليه حتى قال له عمر: ما أراك إلا خصمًا، وما شهد معك إلا رجل واحد. فقال أبو هريرة: إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى هند ابنة الوليد واسألها، وهي امرأة قدامة ﵂، فبعض إليها فأقامت الشهادة على زوجها، فقال له عمر: إني حادك. قال: لو شربتها كما يقولن لم يكن لك أن تحدني. فقال عمر: لم؟ قال: لأن الله تعالى يقول: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ الآية. قال له عمر رضي الله تعالى عنه: أخطأت في التأويل، إنك إن اتقيت الله تعالى اجتنبت ما حرم عليك، ثم حده عمر. قالوا: ولم يحد أحد من أهل بدر في الخمر غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>(٩٤) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لبلونك الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم﴾ </span>الآية:\nقوله تعالى: ﴿ليبلونكم﴾ معناه: ليخبرنكم، والمعنى في","vol":"2","page":485},{"text":"الآية: ليختبرنكم هل تصيدون في الحرام وأنتم حرم؛ لأنه تعالى حرم الصيد في هاتين الحالتين، وإنما أراد تعالى أن يرى في ذلك طاعة العرب أو معصيتهم، وقد كان الصيد أحد معاشهم وشائعًا في جميعهم، فابتلاهم الله تعالى فيه بالإحرام والحرم كما ابتلى بني إسرائيل في أن لا يعدوا في السبت.\n- قوله تعالى: ﴿أيديكم ورماحكم﴾:\nقال مجاهد: ما تناله الأيدي هو البيض والفراخ وما لا يستطيع أن يفر، وما تناله الرماح كبير الصيد الذي لا يقدر على أخذه بالأيدي، وإنما خص الله تعالى الأيدي بالذكر لأنها عظيمة التصرف في الصيد، وفيها تدخل الحبالات والفخاخ والشباك والجوارح، كذا خص الرماح بالذكر لأنها معظم ما يجرح به الصيد. وفيها يدخل السيف والسهم ونحو ذلك.\n- وقوله تعالى: ﴿من الصيد﴾:\nيحتمل أن تكون «من» فيه للتبعيض يريد صيد البر؛ لأن الله تعالى","vol":"2","page":486},{"text":"أحل للمحرمين صيد البحر، فقال: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ [المائدة: ٩٦] الآية. ويحتمل أن تكون أيضًا للتبعيض، إلا أن التبعيض لا يكون في الصيد، ولكن يكون في الحال للصيد، وهي حال الحرمة، فصيد هذه الحال بعض الصيد. كما أن صيد البر بعض الصيد كذا ذكر بعضهم هذين الاحتمالين. ويعني عندي أن تكون «من» للتبعيض في الحالتين جميعًا، أي من صيد البر في حال الحرمة. قال بعضهم: ويجوز أن تكون لبيان الجنس. قال الزجاج: وهكذا كما تقول: لأمتحننك بشيء من الورق؛ وكما قال تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ [الحج: ٣٠]. وقد اختلف في صيد الكتابي اليهودي والنصراني على ثلاثة أقوال، أحدها: المنع. والثاني: الكراهة. والثالث: الجواز. والمنع قول مالك، واحتج بقوله تعالى: ﴿تناله أيديكم ورماحكم﴾ يريد أن المخاطبين بالآية المسلمون خاصة، فل يجوز صيد غيرهم لذلك. وذكر ابن المواز عن مالك أنه كرهه. وقال أشهب وابن وهب: هو كي حلال. وقال ابن حبيب: كانا يريانه بمنزلة ذبائحهم، وأنه دخل","vol":"2","page":487},{"text":"في قوله ﷿: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥]، وهو أحسن لأنها ذكاة كلها، ولا فرق بين تذكيتهم الإنسي والوحشي، وهو طعام لهم داخل في عموم الآية. وأما قوله تعالى: ﴿تناله أيديكم ورماحكم﴾، فليس المراد بها جنس الصائد، وإنما المراد ابتلاء المحرم ليعلم صيده إذا وجده ووقوفه عنه، ومخافته بالغيب فيما يخفى له ولا يظهر عليه فيه، كما ابتلى اليهود في الصيد يوم السبت. واختلف أيضًا في صيد المجوسي. ففي المذهب أنه لا يجوز، وأجازه بعضهم. ومن حجة المنع الآية على ما قدمناه.\nواختلف في الصيد يثيره إنسان ويأخذه آخر، فقيل: إنه المثير. وقيل: هو بينهما. وقيل: هو لآخذ لا المثير. واحتج من قال ذلك بهذه الآية، لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه شيئًا.\n- وقوله تعالى: ﴿ورماحكم﴾:\nإنما يعني به ما قتله الرماح بحدها فخرقت أو بضعت، وقد اختلف في المعراض يقتل به الصيد، فقيل: إن أصاب يحده أكل، ولا يؤكل إن أصاب بعرضه، وهو قول جمهور أهل العلم كما قدمناه من دليل الآية.","vol":"2","page":488},{"text":"وحكى عن قوم منهم الأوزاعي: أنه يؤكل خرق أو لم يخرق، وكذلك لا يؤكل عند الجمهور صيد البندقية لما قدمناه من دليل الآية، خلافًا لابن أبي ليلى وابن المسيب وغيرهما ممن أجاز أكل ذلك. وكذلك لا يؤكل ما قتلته البكة والحبالة لما قدمناه خلافًا للحسن في قوله: يؤكل وهو قول شاذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>(٩٥) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ </span>الآية:\nخاطب الله تعالى بها جميع المؤمنين، وهذا النهي من الابتلاء الذي أعلم الله تعالى به في قوله: ﴿ليبلونكم الله﴾، والصيد مصدر صاد، ولكنه موقع على الصيد، وعلى ذلك جاء في هذه الآية.\n- وقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾:\nلفظ عام يقتضي أن لا يقتل شيء من جنس ما يصاد، وليس المراد هنا بالصيد ما قد صيد خاصة، بل المراد به جنس ما يصاد. والوحش يسمى صيدًا وإن لم يصد بعد، كما يقال: بئس الرمية الأرنب، ولم ترم بعد، ويقال الضحية. ولم يضح بها بعد، والذبح الكبش ولم يذبح بعد. فالمعنى لا تقتلوا الصيد صيد أو لم يصد. ولا يجوز غير هذا؛ لأنه إن جعل الصيد ما قد صيد كان في ذلك دليل على إباحة مثل ما لم يصد بعد.","vol":"2","page":489},{"text":"وذلك لا يجوز باتفاق. وكذلك يظهر من قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾، وتخصيصه النهي عن القتل أن الصيد دون قتل غير المنهي عنه. وهذا الاحتمال يدفعه قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، فعم. وتحتمل الآية وجهًا يخرج به عن ذلك الاحتمال، وهو أن المعنى: لا تصيدوا فيكون منكم للصيد قتل كما قال: «على لا حب لا يهتدي بمنارة»، أي: ليس ثم منار يهتدى به، وهذا أحسن، وكيفما كان فيه النهي عن قتل الصيد. وظاهر ما في هذه الآية من العموم أيضًا يقتضي أن لا يقتل في الحرم، ولا في الإحرام من نوع ما يصاد من أي شيء كان مما يؤذي أو لا يؤذي، ومما يؤكل أو لا يؤكل، إلا أنه قد جاء عن النبي ﷺ ما يقتضي تخصيص ذلك العموم، وهو قوله ﵊: «خمس فواسق تقتل في الحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور». وهذه","vol":"2","page":490},{"text":"الخمس متفق على ثلاث منها أنها مخصصة من عموم الآية. واختلف في اثنتين: الفأرة والغراب. أما الفأرة، فالجمهور على جواز قتلها للمحرم، وأنها مخصصة من عموم الآية. وذهب النخعي إلى منع قتلها فأبقاها تحت العموم في الآية، وهو قول مخالف للسنة التي ذكرناها. وأما الغراب، فالجمهور أيضًا على جواز قتله للمحرم لما قدمناه. وذهب قوم من أهل الخير إلى أنه لا يقتل في الإحرام من الغربان إلا الغراب الأبقع، وهذا قول مخالف للسنة أيضًا. وذهب عطاء إلى أنه لا يقتل الغراب جملة، وقال مجاهد مثل ذلك، قال: ولكن يرمي، وهذا القول أيضًا مخالف للسنة. واختلف في الكلب العقور المخصص من عموم الآية، وما هو؟ فقيل: هو الكلب المألوف، وهو قول أبي حنيفة. وقيل: كل ما يفترس من السباع، واتفق أيضًا على تخصيص الحية من عموم الآية، فأخبر قتلها لما جاء عنه ﵊ من أمره بقتلها في غير ما حديث. وإذا قلنا بقول الجمهور فهل يقتصر على تخصيص الخمس المذكورة، والحية دون غيرها من عموم الآية أم يقاس عليه غيرها؟ فذهب أبو حنيفة إلى الاقتصار على الخمس المذكورة في الحديث والحية، وذكر بعضهم","vol":"2","page":491},{"text":"والذئب. وأن ما عداها باقٍ على حكم الآية. وذهب الشافعي إلى أنه لا يقتصر على ذلك، وإنه ﷺ لم يذكرها إلا لقياس عليها ما شاركها في العلة. قال: والعلة أن لحومها لا تؤكل، وكذلك كل ما لا يؤكل لحمه من الصيد مثلها. وذهب مالك رحمه الله تعالى إلى مثل ذلك، إلا أنه رأى أن العلة كونها مشرة، وأنه إنما ذكر الكلب العقور للتنبيه له على ما يضر بالأبدان على جهة المواجهة والمغالبة. وذكر العقرب لينبه بها على ما يضر بالأبدان على جهة الاختلاس. وذكر الحدأة والغراب لينبه بهما على ما يضر بالأموال مجاهرة، وذكر الفأرة لينبه بها على ما يضر بالأموال احتفاء. واختلف الذاهبون لقتل السباع العادية عامة هل تقتل ابتداء أم حتى تبدأ بالضرر على قولين. والمذهب على أن تقتل وإن لم تبدأ بالضرر، وظاهر الحديث يعم الوجهين فيحمل عليهما حتى يدل الدليل على تخصيص شيء من ذلك. وهل يجوز","vol":"2","page":492},{"text":"قتل الغراب والحدأة ابتداء أم إذا خيف منها؟ ففيه قولان لمالك. ووجه القول بقتلهما ابتداء ظاهر الحديث المخصص للآية كام قدمناه، وما عداهما من سباع الطير، فالمذهب على أنه لا يقتل ابتداء، وإن قتلها فعليه الفدية لقوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾، فإن ابتدأت هي بالضرر فقتلها الإنسان فهل عليه جزاء أم لا؟ فيه قولان، والمشهور أن لا جزاء عليه. وحجة من رأى الجزاء عموم قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا﴾ الآية. وأما صغار ما يجوز قتله فهل تقتل أم لا؟ فيها ورايتان، إحداهما قول ابن القاسم أنه لا جزاء فيه، والثانية قول أشهب أن عليه الجزاء، ووجه هذا عموم قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾، تنبيه على أن ذبيحة المحرم ميتة لا يجوز أكلها لحلال أو لحرام؛ لأنه تعالى سمى الذبيح قتلًا إذ الذبح لا يجوز للمحرم باتفاق، فنهى تعالى عن القتل تنبيهًا على أن ما يفعله المحرم من الذبح إنما هو قتل لا ذبح، والمقتول ميتة باتفاق، فوجب أن يكون المذبح كذلك، سيق هذا على طريق الشبهة؛ لأن عرف الشرع أن المذبوح يؤكل والمقتول لا يؤكل، ولو حملنا النص على ظاهره لخصصناه بالقتل. ويحتمل أن يقال أيضًا: أن القتل من حيث اللغة يقع على الذبح.","vol":"2","page":493},{"text":"فالذبح ممنوع من جهة اللفظ عليه لا من جهة التنبيه الذي ذكرنا مع أن عرف الشرع في تحليل المذبوح غير معروف، فإنا قد نجد من المذبوح ما هو محرم، فإنه تعالى يقول: ﴿وما ذبح على النصب﴾ [المائدة: ٣]، فكان ذلك المذبوح محرمًا. ويقتضي هذا الاستدلال على أن ذبيحة المحرم ميتة قول مالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه. والقول الثاني له: أنه ليس بميتة، بل يحل أكله لغيره، وهو القول المتصدر عنده استدلالًا بجواز ذبحه لسائر الأنعام.\n- قوله تعالى: ﴿وأنتم حرم﴾:\nجمع حرام أي: محرمون، فيحتمل أن يريد وأنتم محرمون بحجة أو عمرة. ويحتمل أن يريد وأنتم محرمون أي: داخلون في الحرم. يقال: أحرم الرجل إذا دخل في الحرم؛ كما يقال: أنجد وأغرق وأتهم، ويحتمل أن يراد بذلك اللفظ الوجهان جميعًا. وقد استدل أصحاب مالك بهذه الآية على أن صيد الحلال في الحرم يوجب عليه الجزاء، ولم يرد ذلك داود ورأى أن الجزاء مختص بالإحرام لا بالحرم، كما يختص منه الطيب واللباس بالإحرام لا بالحرم وهذا غير صحيح؛ لأن الصيد محرم في الحرم، ولو كان كاللباس والطيب حل كما حلا. ودليل الخطاب في","vol":"2","page":494},{"text":"الآية أن المخطئ لا شيء عليه. وقد اختلف في القول به، فذهب أهل الظاهر إلى القول به، وقالوا: لا جزاء على من يقتل صيدًا إلى من أن يقتله متعمدًا كما قال تعالى، وإلا لم يكن لتخصيص العمد معنى. وذهب أئمة الفتوى إلى ترك دليل الخطاب ها هنا، فقالوا: على من قتل الصيد عمدًا أو خطأ الجزاء. قال الطحاوي: وذهبوا في تأويل الآية إلى أنه مردود إلى قوله تعالى: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ [المائدة: ٩٥]، والمعنى في هذا أن هذا الوعيد في الآية إنما يختص بالعمد دون الخطأ؛ لأن المخطئ لا يجوز أن يلحقه الوعيد، فخص العمد بالذكر وإن كان الخطأ والنسيان مثله ليصح رجوع الوعيد إليه. وقال القاضي أبو إسحاق: يثبت حكم المخطئ بقوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾ [المائدة: ٩٦] فعم. وقد قال الزهري: نزل القرآن في العمد وهو في الخطأ سنة. وقال بعضهم: بإلحاق الخطأ بالعمد قياسًا. ولا خلاف في المتعمد الناسي لإحرامه أن عليه الجزاء. واختلف في المتعمد لقتل الصيد الذاكر لإحرامه. فذهب الجمهور ومالك ومن تابعه إلى أن الكفارة تلزمه كما تلزم المتعمد الناسي لإحرامه، وحملوا قوله تعالى متعمدًا على ذلك، فالمعنى فيه متعمدًا للقتل ناسيًا لإحرامه أو ذاكرًا، ومن ادعى تخصيصًا","vol":"2","page":495},{"text":"في ذلك فعليه الدليل. وذهب قوم إلى أن المعنى متعمدًا للقتل ناسيًا للإحرام، قالوا: فهذا الذي يكفر، وأما من قتله متعمدًا ذاكرًا لإحرامه فهو أعظم من أن يكفر، وهذا قول ابن جريج وابن زيد ومجاهد. وقال مجاهد وابن جريج قد حل ولا رخصة فيه. وذهب بعضهم إلى أنه قد أبطل حجته، والقول الأول أصح وأليق بألفاظ الآية.\n- وقوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [٩٥]:\nمن قرأ ﴿فجزاء مثل﴾ بإضافة الجزاء إلى مثل، ففيه قولان: أحدهما أن التقدير فعليه جزاء ما قتل أي قضاؤه وغرمه. ودخلت لفظة مثل كما دخلت في قولهم: «أنا أكرم مثلك» وهم يريدون أنا أكرمك. وجزاء على هذا القول مصدر مضاف إلى المفعول وهو ما قتل؛ إلا أنه فضل بين المضاف والمضاف إليه مثل الزائدة. وقال بعضهم في هذا الوجه: أن الجزاء اسم لا مصدر بمعنى، مثل كأنه قال: مثل مثل ما قتل. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾ [الأنعام: ١٢٢]، التقدير: كمن هو في الظلمات. وعلى هذا القول لا يكون للمثلية حكم في","vol":"2","page":496},{"text":"الآية، وهو قول ضعيف. والثاني: أن المصدر وهو الجزاء مضاف إلى المفعول وهو مثل، ومثل على هذا غير زائدة. والمعنى فعليه أن يجزي مثل ما، وإضافة المصدر إلى المفعول في القرآن والشعر في القرآن والشعر كثير، قال الشاعر:\nأمن رسم دار مريع ومصيف\nوقوله تعالى: ﴿لا يسأم الإنسان من دعاء الخير﴾ [فصلت: ٤٩].\nومن قرأ «فجزاء مثل» بالرفع والتنوين، والرفع لمثل، فالتقدير جزاء ماثل لما قتل. ومن قرأ «جزاء مثل» برفع الأول ونصب الثاني، فإن مثل ينتصب بجزاء مثل قوله تعالى: ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيمًا ذا مقربة﴾ [البلد: ١٤، ١٥]. وقول الشاعر:\nفلولا رجاء النصر ورهبة ... عقابك قد صاروا لنا كالموارد\nوهذا بقصد التأويل الثاني في قراءة من قرأ: «فجزاء مثل»، ومن قرأ «فجزاؤه مثل» في غير السبع فالضمير يحتمل أن يعود على الصيد، يحتمل أن يعود الصائد القاتل. وللمثلية على هذا الوجه","vol":"2","page":497},{"text":"حكم. وقد اختلف في المماثلة ما هي؟ فقيل: المماثلة في الخلقة والمنظر مثل أن يكون في الغزالة شاة، وفي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وهذا قول مالك والشافعي وغيرهما. وقد قال بعض المتأخرين من أصحاب مالك: اختلف في المثل، فقيل: مثله في الهيئة والخلقة، أي أشبه النعم به في ذلك، وقيل مثله في النحو والعظم أي أقرب النعم إليه في ذلك. وقيل: المماثلة إنما هي في القيمة. يقول الصيد المقتول سواء كان للمقتول من الصيد مثل من النعم أو لم يكن. قال: والقاتل بالخيار بين أن يتصدق بالقيمة وبين أن يصرف القيمة في النعم فيشتريه ويهديه، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما. قالوا: ولما لم يجز أن يراد بالقتل المثل من الجنس علم أن المراد القيمة، والدليل على أن المراد القيمة قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥]، وهذا اللفظ عام في جميع الصيد سواء كان له أو لم يكن له، ومعلوم أن ما لا مثل له من جنسه ونظيره، فإن الواجب في إتلافه القيمة، فصار المراد بالمثل القيمة في أحد الأمرين، فلا ينبغي أن يكون المراد به النظير لامتناع أن يعبر باللفظ الواحد عن معنيين مختلفين؛ لأن القيمة متى صارت مرادة بالآية في أحد نوعي الصيد","vol":"2","page":498},{"text":"صارت كالمذكورة، فلا ينبغي حمل الآية على غيرها. قال ابن القصار: والجواب أن قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾، المراد به المقتول، ولو اقتصر عليه ولم يقيده بالنعم لكان الواجب في الظبي ظبيًا، وفي النعامة نعامة، وفي بقرة الوحش بقرة وحش، فلما قال: ﴿من النعم﴾. وجب أن يكون الجزاء مثل المقتول من النعم لا من غيره، ومثله من النعم ليس هو القيمة والمماثلة ظاهرة من طريق الخلقة متحققة وما طريقتها القيمة، فطريقتها الاستدلال ولما خص الله تعالى النعم من سائر الحيوان، علم أن المراد المثل من طريق الخلقة والصورة من النعم دون القيمة، ولم يقبل منه مثل ما قتل من الدراهم. وقد يراد بالآية الحقيقة في موضع والمجاز في آخر، فيكون المثل من النعم في قتل ما قتل كالغزال والنعامة وبقر الوحش ومما لا مثل له القيمة، وإنما يتناهى إذا كان في حالة واحدة، فأما في حكمين فلا. واختلف فيما لا مثل له من النعم ما على قاتله كالحمام فما دونه من سائر الطير والوحش كالأرنب واليربوع والصقر والبازي والسماني والدجاج ونحو ذلك، فالواجب على قول أبي حنيفة في ذلك القيمة. وحجته ما قدمناه من تأويل في الآية. وقيل: يجب في حمام مكة شاة وما سوى ذلك ففيه الاجتهاد، وهو قول مالك وأحد قولي ابن","vol":"2","page":499},{"text":"القاسم. قال عبد الملك عن مالك فإن لم يجد شاة صام عشرة أيام وليس مما تجوز فيه الصدقة؛ لأن أصله ليس مما فيه الهدي، وإنما ذلك تغليظ ولم يكن فيه التخيير للمحكوم عليه، وسبيل هذه الشاة سبيل الهدي لا تذبح إلا بمكة كجزاء الصيد. وقيل: حمام مكة وحمام الحرم هو الذي فيه شاة، وأما غير ذلك من الحمام أو غيره، فليس فيه إلا الاجتهاد، وهو أحد قولي ابن القاسم والشافعي. وقيل: حمام الحرم والحل جميعًا فيه شاة وما عدا الحمام ففيه القيمة، وهو أحد قولي الشافعي. وفيما عدى الحمام خلاف في المذهب. وحجة هذا القول أن الحمام له حرمًا ليست لغيره، فلذلك أوجبت فيه الشاة تغليظًا لا أن ذلك كالصيد الذي فيه الجزاء. وما عدا الحمام ففيه القيمة على معهود الحكم فيمن أتلف شيئًا مما لا مثل له أن عليه القيمة. وذهب داود إلى أن ما سوى الحمام ليس فيه شيء لا قيمة ولا غيرها. ومن حجته أن الله تعالى لما أوجب المثل فيما له مثل من النعم، وسكت عما لا مثل له منها، فهم منه أن ما لا مثل له ليس فيه شيء، وهذا قول بدليل الخطاب. قال بعض أصحاب مالك: ويرد هذا قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر","vol":"2","page":500},{"text":"ما دمتم حرمًا﴾ فعم، ولأنه ممنوع من قتله لحرمة الإحرام، فوجب أن يلزمه الجزاء لقتله دليله إذا قتل صيدًا. وقال بعض المتأخرين من أصحاب مالك: مذهب أبي حنيفة أقرب إلى الأصول من بعض الوجوه من مذهبنا ومذهب الشافعي من حيث أنه يعتبر القيمة في الأصل على الإطلاق، ولكن معتمد المسألة من جهتنا على الآية قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ الآية؛ لأنه تعالى فسر الجزاء بمثل المقتول من النعم. ومقتضى هذا منع طلب المماثلة من الدراهم. وأيضًا قال: ﴿هديًا بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥]، فأوجب هذا كون نفس المثل المحكوم به هديًا، وهذا لا يتأتى في القيمة، إلا أن يأخذ بها نعمًا. وذلك خلاف الظاهر مع أن الضمير من قوله يحكم به إنما هو راجع إلى النعم، لأنه الذي تقدم ذكره، لا إلى القيمة التي لم يجر لها ذكر في الآية، فإن قيل: الآية اكتنفها أمور تدل على أن المعتبر المثل من حيث المعنى وهو القيمة، وذلك أن القيمة مطردة في جميع الصيد، والمثل من حيث الصورة والخلقة غير مطرد في جميعها، فيخصون الآية بما له مثل من النعم وما لا مثل له يتحكمون فيه بالقيمة طعامًا، فكان حمل الآية على القيمة أولى. والثاني: أنه قال تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم هديًا﴾ [المائدة: ٩٥]،","vol":"2","page":501},{"text":"والتحكيم لا معنى له على أصلكم، فإنكم تقولون في النعامة بدنة كما قضى به الصحابة، وفي بقرة الوحش بقرة كام قال عروة، وفي الشاة من الضباء شاة كما قال أيضًا، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة، كما قضى عمر رضي الله تعالى وفي الحمام بشاة، وفي الحمام بشاة، وفي الحمار بقرة، كما قال ابن عباس إلى غير ذلك، فأين فائدة التحكيم، ولماذا يراد والواجب عندكم في كل صيد قد علم. والثالث: أنه قال: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾ [المائدة: ٩٥]، وهذا عطف على قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾. والعطف أبدًا يكون حكمه حكم المعطوف عليه.\nومن المعلوم أن الطعام إنما يخرج بعد أن تؤخذ قيمة الصيد فيشتري بها طعام، فينبغي أن تكون القيمة هي المعتبرة فتؤخذ ويشترى بها النعم كما تؤخذ ويشترى بها الطعام. فالجواب أن المثل إذا أطلق إنما يفهم منه في العرف والعادة المثلية في الجنس غير أنه لما عدل إلى التغيير بالنعم صرنا إليه وبقينا فيما وراء ذلك على الأصل. وأما","vol":"2","page":502},{"text":"قولهم: أن المثلية في الخلقة والصورة غير مطردة في جميع الصيود. فالجواب عنه أنا لما فهمنا ذلك من الآية اعتبرناه ما أمكن، وإن لم نجد له مثالًا، فالحاجة تدعو إلى ترك المثلية والعدول إلى أمر آخر. وأما قولهم في طلب فائدة التحكيم، فإن فائدته أن يقول للحكمين ما مثل هذا الصيد المقتول من النعم في صورته وخلقته، فيجتهدان في معرفة ذلك غير أنهما لا يخرجان باجتهادهما عن آثار من مضى. وقولهم: إن الطعام لا يخرج إلا بعد أن تؤخذ قيمة الصيد دراهم فيشتري بها طعامًا، فممنوع عندنا بل الصيد نفسه، وهو حي يقوم بطعام عندنا على خلاف لنا في ذلك. واختلف في الصغار من الصيد التي يجب في كبارها المثل من النعم ما على قاتلها؟ فذهب مالك ومن تابعه إلى أن عليه فيها مثل ما عليه في الكبار منها. وقال الشافعي: أن عليه في الصغار من الصيد الصغار من المثل الواجب من النعم، فرأى في النعامة الكبيرة بدنة، وفي الصغيرة فصيلًا، وفي حمار الوحش بقرة، وفي جحشه عجلًا. وقال","vol":"2","page":503},{"text":"أبو حنيفة: فيها القيمة جريًا على أصله. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾، فلو تركنا وهذا لقلنا في الصغير والكبير مثله في الصورة، فلما قال: ﴿هديًا﴾، اقتضى ما يتناوله اسم الهدي بحق الإطلاق، ذلك يقتضي الهدي التام.\n- وقوله تعالى: ﴿من النعم﴾:\nيقع على الإبل والبقر والغنم إذا اجتمعت، فإذا تفرق كل صنف لم يقل نعم إلا للإناث وحدها.\n- وقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾:\nهذه الآية تقتضي أن التحكيم شرط في إخراج الجزاء، ولا خلاف في ذلك فإن أخرج أحد الجزاء قبل الحكم عليه فعليه إعادته بالحكم إلا حمام مكة، فإن لا يحتاج إلى حكمين، قاله مالك. ووجهه أن ما اتفق عليه من جزاء حمام مكة ليس بمثل لها في جهة من الجهات، وإنما يكون الحكم فيما يحتاج فيه إلى تحقيق المثل؛ لقوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل﴾ الآية.","vol":"2","page":504},{"text":"ويجب في مذهب مالك رحمه الله تعالى التحكيم في كل ما حكمت فيه الصحابة وفيما لم تحكم فيه، وهو قول أبي حنيفة. وقال الشافعي: يكتفي في ذلك بما حكمت فيه الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ولا يحتاج فيه إلى التحكيم، ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾، فعم دليله ما مضت فيه حكومة وما لم تمض فيه حكومة، ولا يكتفي في ذلك بأقل من اثنين؛ لقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾. وقد جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه ما بين ذلك وهو أن قبيصة بن جابر سأله الحكومة في قتل صبي، فدعا عمر عبد الرحمن بن عوف فحكم معه في ذلك. قال قبيصة: فقلت: يا أمير المؤمنين أمره أهون من أن تدعو من يحكم معك. قال: فضربني بالدرة حتى سابقته عدوًا. ثم قال: أقتلت الصيد وأنت محرم ثم تغمض الفتوى. وقد وري أن صاحب القصة غير قبيصة. وفي المذهب أنه لا يكون القاتل أحد الحكمين خلافًا للشافعي","vol":"2","page":505},{"text":"وبعض أصحاب أبي حنيفة في إجازة ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾، فخاطب من يلزمه التحكيم، فاقتضى أن يكون الحكمان غير أن المحكوم عليه؛ كما قال: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، فاقتضى أن يكون الشاهدان غير المشهود عليه.\n- قوله تعالى: ﴿هديًا بالغ الكعبة﴾:\nيقتضي ظاهره أن ما يخرج من النعم جزاء عن الصيد يجب أن يكون مما يجوز أن يهدي، وهو الجذع من الضأن والثني من غيره. وبهذا الذي تقتضيه الآية قال مالك وجميع أصحابه: وإن أخرج ما دون ذلك لم يجزه وإن كان في لحمه شبع ما يشبع من ذلك الصيد. وجوز ذلك أبو حنيفة والشافعي على وجه المثل. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة﴾، فنص تعالى على أن الذي أمر به من النعم يكون هديًا، ولا يصح ذلك فيما يكون دون الجذع من الضأن والثني من غيره. وقوله تعالى أيضًا: ﴿هديًا بالغ الكعبة﴾، يقتضي أن يصنع به ما يصنع بالهدي من سوقه من الحل إلى الحرم. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه إن اشتراه في الحرم أجزأه. ودليل القول الأول ما قدمناه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿بالغ الكعبة﴾، ولم يرد الكعبة بعينها، وإنما أراد الحرم بذكر الكعبة؛ لأنها هي المقصود من الحرم، ولا يبلغ الهدي الحرم إلا من الحل، ولا يبلغه من الحرم، ولو تكلم تكلم بمثل ذلك لم يكن من كلام العرب.","vol":"2","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>(٩٥) - قوله تعالى: ﴿أو كفارة طعام مسكين أو عدل ذلك صيامًا﴾:</span>\nعدد تعالى ما يجب في قتل المحرم الصيد، فذكر أولًا الهدي، ثم ذكر الطعام. فكفارة قتل الصيد مقصورة على هذه الثلاثة لنص الآية. واختلف في هذه الثلاثة هل هي على ترتيب الآية، فلا يجوز أن ينزل إلى الثاني منها إلا أن يتعذر الأول، وكذلك إلى الثالث إلا أن يتعذر الثاني أم على التخيير. فيجوز أن يؤخذ بأيها كان مقدمًا في الآية أو مؤخرًا، فذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيما حكى بضعهم عنه واي سيرين إلى أنها على الترتيب دون التخيير. حكى مثله الشافعي في القديم وأصحابه ينكرون ذلك عنه. وذهب أبو حنيفة والشافعي في المشهور عنه إلى أنها على التخيير دون الترتيب. وذكر عن ابن عباس أنه قال: كل شيء من القرآن فيه «أو» فهو على التخيير، ودليل هذا القول أن ظاهر: «أو» حيث وقعت تقتضي التخيير، إلا أن يدل دليل على غير ذلك. وأما الترتيب فغير معروف، وقد ذكر النحاة لها خمسة معان لم يذكروا الترتيب فيها. ووجه التخيير في هذه الأشياء أن يخير الحكمان المحكوم عليه أو لا فيما يريد من ذلك، فإذا","vol":"2","page":507},{"text":"اختار ما يحكمان عليه به ثم حكما به فقد انختم وسقط من بعد خياره، هكذا قال القاضي أبو محمد والشيخ أبو إسحاق. والظاهر من قول مالك خالفه، وهو أن المحكوم عليه الرجوع عما حكما عليه به فيحكمها مرة أخرى أو يحكم غيرهما فيما يريد من تلك الأشياء الثلاثة. ووجه هذا القول أن المحكوم عليه في جزاء الصيد هو المخير فيما بين الأشياء الثلاثة، وليس للحكمين تخيير، هذا مقتضى الآية، وإنما جعل تعالى في ذلك للحكمين تقدير المثل في المثل في الصيد أو الطعام أو الصيام. وإذا كان كذلك لم يكن لهما أن لا يتعدى ما قدرا له من المثل أو الطعام أو الصيام. وأما التخيير في ذلك فهو بعد الحكم كما هو له قبل الحكم. والتقدير في الآية فمن قتل الصيد متعمدًا فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل، أو كفارة طعام مساكين يحكم بها ذوا عدل أيضًا، إلا أنه حذف في الطعام والصوم ﴿يحكم به ذوا عدل﴾، استغناء بإثباته في جزاء الصيد للعلم بفهم الخطاب، فإن اختار المكفر","vol":"2","page":508},{"text":"التكفير بالمثل من النعم فيما مثل حكم به عليه، وإن اختار الإطعام حكم به عليه، وإن اختار الصيام حكم به عليه؛ إلا أنه حكى الطبري عن ابن عباس ما يقتضي إخراج الطعام من كفارة الصيد، فلا عوضًا عن الصيد إلا المثل من النعم أو الصيام، وذلك أنه قال: إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه بجزائه من النعم، فإن وجد جزاءه ذبحه فتصدق به، وإن لم يجد قوم الجزاء دراهم ثم قومت الدراهم حنطة ثم صام، فكان كل نصف صاع يومًا، وإنما أريد بذكر الطعام تبيين أمر الصوم، ومن يجد طعامًا فإنه يجد جزاء، وهو قول السدي أيضًا، فعلى هذا القول لا يكون في الكفارة في قتل الصيد إطعام، وهو قول يرده مفهوم الآية؛ لقوله تعالى: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾، وهذا الطعام لم يقدر الله تعالى فيه قدرًا، فرأى العلماء أن يقدر بما قبله كما قدر به ما بعده من الصيام لما مضى في ذلك من السنة، إلا أنهم اختلفوا في كيفية التقدير. فقيل: يقدر الصيد المقتول نفسه بالطعام أو بالدراهم، ثم تقوم الدراهم بالطعام، ينظر كم كان يساوي من الطعام أو الدراهم وهي حي، وهو قول مالك رحمه الله تعالى ومن تابعه. والأحسن أن يقوم عنده بالطعام؛ لأنه تعالى لم يذكر بين الثلاثة واسطة. وقال بعض أصحاب مالك: تقدير الصيد","vol":"2","page":509},{"text":"بالطعام أن يقال: كم كان يشبع الصيد من نفس، ثم يخرج قدر شبعهم طعامًا. لا أن يقال: كم يساوي هذا الصيد من الطعام، وهو قول يحيى بن عمر من أصحابنا. وقال الشافعي: لا يقدر الصيد بالطعام، وإنما يقدر بالمثل وهو جزاء الصيد الذي أوجبه الله تعالى على القاتل، ودليل القول بتقويم الصيد دون المثل قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ إلى قوله: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾، وظاهره أن يكون الإطعام جزاء عن المقتول، وإذا كان كذلك وجب أن يعتبر به دون المثل. ووجه التفرقة في هذا الطعام أن يعطي مدًا لكل مسكين بمد النبي ﷺ اعتبارًا بكفارة الفطر من رمضان وكفارة اليمين بالله تعالى. وإذا كان كذلك فليس للمساكين الذين يطعمون عدد معلوم، وإنما هم على عدد الأمداد خلاف ما هو من قول ابن عباس الذي يأتي.\n- وقوله تعالى: ﴿أو عدل ذلك صياما﴾:\nتحتمل الإشارة بذلك أن تكون إلى الطعام وهذا أحسن ما يقال لأنه الأقرب، وبهذا يقول من يقدر الصوم بالإطعام، وتحتمل أن تكون إلى الصيد، وبهذا يقول من يقدر الصوم بالصيد المقتول وهو نقص الفدية. واختلف في صفة تعديل الصوم بالإطعام. فقيل: عدل الإطعام","vol":"2","page":510},{"text":"من الصوم أن يصوم مكان كل مد يومًا. وهذا قول مالك ومن تابعه. وقيل: العدل في ذلك أن يصوم مكان كل مدين يومًا، وهو قول أبي حنيفة ومن تابعه. وقيل: العدل أن يصوم مكان كل صاع يومًا، وعلى هذا فالصوم إذا كان على عدد الأمداد فليس له نهاية لا تتجاوز، فقد يجوز أن يكون الصوم شهرين أو ثلاثة أو أكثر أو أقل. ومن أهل العلم من لا يرى أن يتجاوز في صيام الجزاء شهرين، قالوا: لأنهما أعلى الكفارات بالصيام. وقيل: الصيام ثلاثة أيام إلى عشرة، وهو قول سعيد بن جبير. ويرد هذين القولين ظاهر قوله تعالى: ﴿أو عدل ذلك صياما﴾ ولم يخص. وجاء عن ابن عباس ما ظاهره أنه لا يتجاوز بالصيام ثلاثون يومًا ولا يقتصر على أقل من ثلاثة، وذلك أنه قال: إن قتل المحرم ضبيًا فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وإن قتل أيلًا فعليه بقرة فإن لم يجد أطعم عشرين مسكينًا، فإن لم يجد صام عشرين يومًا، وإن قتل نعامة أو حمار وحش فعليه بدنة، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينًا، فإن لم يجد صام ثلاثين يومًا. وكذا يظهر من قوله هذا أنه","vol":"2","page":511},{"text":"لا يتجاوز عدد ثلاثين مسكينًا في الإطعام ولا يقتصر على أقل من ستة، وأن الإطعام لا يكون على عدد الأمداد كما قدمنا. ولا خلاف أن الصيام لا يلزم أن يكون في مكة كالجزاء. واختلف في الإطعام، فقيل: لا يكون إلا بمكة، وأجزأه من قال ذلك مجرى الجزاء. وقيل: جائز أن يكون ذلك حيث كان من البلاد، وهذا هو ظاهر الآية لأنه إنما اشترط بمكة في الجزاء خاصة، ولم يشترط في الإطعام والصيام، فوجب أن يكون حيث شاء المكفر، وكذلك اختلف في المذهب في إخراج الطعام أين يكون، هل في الموضع الذي قتل فيه الصيد أم يكون حيث كان على تفضيل في ذلك. ووجه القول بأنه لا يجوز الإخراج أين كان قوله تعالى: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾، فأطلق ولم يخص مكانًا من مكان. ولا يجوز عندنا أن يطعم عن بعض الجزاء ويصوم عن بعض خلافًا لأبي الحسن في قوله: إذا أطعم بعض المساكين ثم عجز عن ذلك صام بقدر ما يفي لكل مسكين يومًا. وهذا القول يرده ظاهر الآية؛ لأن الله تعالى فصل بين الكفارات، ولم يكن ذلك إلا لأن يؤتى بكل واحدة على حدتها، والجزاء لا يجب إلا بقتل الصيد لا بأخذه؛ لقوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا﴾ الآية، فعلق الجزاء بالقتل خاصة. وعندنا أنه لا يذبح المحرم الداجن من الوحش، ومن حكي عنه خلاف هذا فقد جهل. والحجة","vol":"2","page":512},{"text":"لقول الجمهور عموم قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾، وكان الذي يرى للمحرم ذبح الداجن يتأول الصيد في الآية على ما يستأنف صيده لا ما قد صيد، وهذا خطأ لأن لفظة الصيد وإن كانت تقع على ما يستأنف صيده، وإن لم يصد على ما ذكرناه فأصلها إنما هو في الذي قد صيد. ثم يستعمل فيهما جميعًا فقصرها على موضع اللفظ أحق لو قصرت. وعندنا أنه من قتل صيدًا ثم أكله فعليه جزاء واحد خلافًا لأبي حنيفة في قوله: عليه الجزاء وضمان قيمة ما أكل، وحجته القول الأول قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾، فلم يوجب سواه. واحتج الراوي لأبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿ليذوق وبال أمره﴾ [المائدة: ٩٥]، قال: لأنه ﷿ أخبر أنه إذ أوجب عليه العزم ليذوق وبال أمره، فلو أكل منه بعد عزمه مثله لم يكن ذائقًا وبال أمره. وهذه حجة ضعيفة لأن الصيد عند أبي حنيفة ميتة، فمن أكل ميتة فمن أين يكون قد وصل إليه مثل ما خرج من ملكه. واختلف في محرم دل محرمًا على قتل صيد أو أعطاه سيفه أو عصا ليقتله هل عليه جزاء أم لا؟ فالمشهور عندنا أنه لا جزاء على الدال والمعين، وعلى القاتل الجزاء. وقيل: عليهما جميعًا الجزاء، وهو","vol":"2","page":513},{"text":"قول أبي حنيفة، ورواه ابن المواز عن أشهب. وقيل: عليهما جزاء واحد، وهذا قول عطاء. واختلف أيضًا في المحرم يدل الحلال على صيد أو يعينه عليه. فقيل: لا جزاء عليه، وهو المعروف عندنا. وقيل: عليه الجزاء، وهو قول أبي حنيفة. والحجة لمن لم يوجب في شيء من هاتين المسألتين قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾، فعلق وجوب الجزاء بالقاتل المباشر، فدل على انتفائه عن غيره. واختلف في القوم المحرمين يشتركون في قتل صيد. فقيل: على جميعهم جزاء واحد، وهو قول الشافعي. ولحجة للقول الأول قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل﴾ الآية، وهذا خطاب لكل قاتل صيد منفردًا أو غير منفرد. واختلافهم هذا يأتي على اختلافهم في الجزاء هل هو كفارة للصيد المقتول أو بدل منه، فعندنا أنه كفارة. وقال الشافعي: أنه بدل من الصيد وليس بكفارة، والقول بأنه كفارة أظهر في الآية. واختلف في المحرم يقتل صيدًا لغيره هل عليه الجزاء مع القيمة أم لا؟ فعندنا أن عليه الجزاء. وذهب المزني إلى أنه لا جزاء عليه، وإنما عليه القيمة. وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل﴾ الآية. واختلف فيمن قرب من الحرم هل يجري مجرى الحرم أم لا؟ على قولين، أحدهما: أنه لا يجري، وهو أحد قولي مالك. وقيل: كل ما يسكن لسكون ما في الحرم ويتحرك بحركته فحكم ذلك حكم الحرم، وهو","vol":"2","page":514},{"text":"قول مالك الثاني. والقول الأول أظهر؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم حرم﴾، ومن لم يدخل الحرم يعد من غير المحرمين فليس بحرام، فقتل الصيد حلال له. واختلف إذا كان الصيد في الحل والصائد في الحرم. فقال ابن القاسم: لا يجوز له الاصطياد. وقال ابن الماجشون: يجوز. وحجة ابن القاسم قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾، ولم يعتبر حال الصيد. واختلف في الحلال يقتل الصيد في الحرم هل يدخل في جزائه أم لا؟ فأثبته مالك ونفاه أبو حنيفة. ولمالك عموم الآية، وفيها الصيام. وعندنا أن للحلال أن يذبح في الحرم صيدًا صاده في الحل، ولا جزاء عليه خلافًا لأبي حنيفة في قوله: عليه الجزاء. ومن حجته عموم الآية، لأن الحرم يعم الإحرام، والصيد يعم المصيد وغير المصيد. والدليل على قولنا ما احتج به بعض العلماء من أن الحرم موضع استيطان وإقامة، فلو لم يجز فيه ذبح الصيد لشق ذلك على أهله، وليس بمنزلة الإحرام؛ لأن حرمة الحرم متأبدة وحرمة الإحرام غير متأبدة. فبهذا النظر خصصوه من عموم الآية. وقد اختلف فيمن جرح صيدًا وغاب عنه. فعند مالك عليه الجزاء كاملًا، وعند الشافعي: أن عليه ما نقصه الجرح. وفرق عبد الملك بين أن يكون الجرح متمكنًا من الصيد أم لا. وحجة مالك قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد﴾. ومن جرحه وغاب عنه، فلعله قد قتله. وإن جرحه ولم يغب عنه وبرئ على نقص، فقد اختلف فيه قول ابن القاسم. فقال","vol":"2","page":515},{"text":"مرة: لا شيء عليه. وقال مرة: عليه نقصه. والذي يوجبه النظر أنه لا شيء عليه وإن برئ على نقص إلا أن يكون النقص مما يسهل به اصطياده على من أراده، فيكون عليه جزاؤه كاملًا كما يكون ذلك على من طرد صيدًا من الحرم إلى الحل، لأنه عرضة للقتل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>(٩٥) - قوله تعالى: ﴿عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام﴾:</span>\nاختلف في تأويله، فقيل: المعنى عفا الله عما سلف في جاهليتكم من قتل الصيد في الحرم ومن عاد الآن في الإسلام، فإن كان مستحلًا فينتقم الله منه في الآخرة، ويكفر في ظاهر الحكم. وإن كان عاصيًا فالنقمة منه هي إلزام الكفارة فقط. وبعصهم يرى أن النقمة أيضًا واجبة مع ذلك. والذين ذهبوا إلى هذا يرون أن المحرم كلما قتل صيدًا لزمه الجزاء لكل مرة، وهو قول فقهاء الأمصار. وقيل: المعنى أن المتعمد العالم بإحرامه يكفر أول مرة، وعفا الله عن ذنبه مع التكفير، فإن عاد الثانية فلا يحكم عليه، ويقال له: ﴿فينتقم الله منه﴾ كما","vol":"2","page":516},{"text":"قال تعالى: وأما القاتل مررًا الناسي لإحرامه فإنه يكفر في كل مرة. والذين ذهبوا إلى هذا فرقوا بين الناسي وغير الناسي، فرأوا أن الناسي يكفر أبدًا، وأن العامد غير الناسي لا يكفر إلا أول مرة، وبهذا قال ابن عباس، وهو قول شريح القاضي والنخعي ومجاهد. وقيل: المعنى عفا الله عما أصابه الإنسان أولًا من الصيد بالتكفير، فلا يخشى معه عقابًا عليه. ومن عاد فينتقم الله منه أي لا تلزمه الكفارة ولا بد من عقاب الله تعالى. والذين ذهبوا إلى هذا رأوا أن على المصيب الصيد أولًا كفارة، فإن عاد بعد ذلك فلا كفارة عليه سواء كان ناسيًا أو عامدًا، وهو قول لأهل الظاهر. وقيل: هذه الآية مخصوصة في شيء بعينه، وذلك أن رجلًا أصاب صيدًا وهو محرم فتجوز له ثم عاد فأرسل الله تعالى عليه نارًا فأحرقته فذلك قوله تعالى: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>(٩٦) - وقوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم﴾:</span>\nأحل الله تعالى بهذه الآية جميع صيد البحر، وهذا التحليل","vol":"2","page":517},{"text":"للحلال والمحرم، والصيد هنا المصيد، والبحر الماء الكثير ملحًا كان أو عذبًا، فعلى هذا صيد الحيتان حيث كان من بحر ملح أو عذب أو نهر أو بركة أو عين، جائز للمحرم والحلال؛ لأن الآية تقتضي ذلك. وقد اختلف فيما يؤكل من صيد البحر، فعندنا أنه يؤكل جميع صيد البحر ما اتخذ منه وهو حي وما طفا على وجه الماء ميتًا وما قذفه البحر فمات، كان مما له شبه في البر ومما ليس به شبه، إلا أن مالكًا كره خنزير الماء من غير تحريم. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يؤكل ما مات بسبب دون ما مات بغير سبب كالطافي وما قذفه البحر فمات. وذهب قوم إلى أنه لا يؤكل منه ما طفا ويؤكل منه ما قذفه البحر فمات، وذهب الشافعي إلى الفرق بين ما له شبه وما ليس له شبه. وذهب قوم إلى أنه لا يؤكل ما عدا السمك. وروي نحوه عن أبي حنيفة وهن الشافعي. والحجة للقول الأول عموم قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ الآية. وإن خصصنا صيد البحر بما أخذ منه وهو حي،","vol":"2","page":518},{"text":"فقوله تعالى: ﴿وطعامه﴾ يعم الميت منه. وسيأتي الخلاف في تفسيره. ويؤكل عندنا ما صداه المجوسي وغيره من البحر؛ لأنه ميتة لا يحتاج إلى ذكاة. ول يؤكل عند من يرى أنه يحتاج إلى ذكاة، وحجتنا عموم الآية. ولم يحص صيد مجوسي من غيره. واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وطعامه متاعًا لكم﴾، فقال أبو بكر وعمر وغيرهما رضي الله تعالى عنهم: هو ما قذف به وما طفا عليه؛ لأن ذلك طعام لا صيد. وسأل رجل ابن عمر عن الحيتان طرحها فنهاه عنها، ثم قرأ المصحف، فقال لنافع: الحقه فمره بأكلها، فإنها طعام البحر. وهذا تأويل ينظر لقول النبي ﷺ: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، وإلى هذا يذهب من يجيز أكل من مات بغير سبب. وقال ابن عباس وابن جبير وغيرهما: طعامه كل ما ملح منه وبقي، وتلك صنعة تدخل فترده طعامًا، وإنما الصيد القريض. وقال قوم: طعامه ملحه الذي ينعقد من مائه وسائر ما فيه","vol":"2","page":519},{"text":"من نبات. وقال بعض أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿وطعامه متاعًا لكم﴾: أن طعامه كل ما نبت من الحبوب والثمار، لأنه إنما نبت من المطر، والمطر من البحر. واحتجوا للمطر بأنه من البحر بقوله ﵊: «إذا نشأت بحرية ثم تشاء مت فتلك عين غديقة»، وبدليل قول أبي ذؤيب الهذلي:\nشربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج\nوهذا تأويل بعيد. وقال ابن عبد البر: القول بأن ما ينزل من المطر هو ماء السماء من غير ماء البحر هو قول أهل العلم، والذي أقول به أن تصحيح شيء من هذا والقطع به من الخوض في علم الغيب؛ إذ ليس في القرآن ولا شيء من السنة، والآثار نص جلي يوقف عنده، والذي نشاهده ونعلمه بالمعاينة نزول من السحاب، ولا ندري هل","vol":"2","page":520},{"text":"يسوقه الله من بحور الأرض أو من السماء أو هل يخلقه الله تعالى في السحاب عند نزوله. وكيفما كان فالقدرة فيه عظيمة. وإلى نحو هذين القولين يذهب من لا يجيز أكل ما مات من غير سبب، ويتأول في صيد البحر أنه ما صيد وهو حي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>(٩٦) - وقوله تعالى: ﴿لكم وللسيارة﴾:</span>\nيريد بـ «لكم» حاضري البحر، وبالسيارة المسافرين. وقال مجاهد: أهل القرى هم المخاطبون. والسيارة أهل الأمصار كأنه يريد أهل قرى البحر والسيارة، والسيارة أهل الأمصار غير تلك القرى.\n- وقوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾:\nهذه الآية حرمت على المحرم صيد البر، والصيد في كلام العرب مصدر صاد يصيد صيدًا. ويحتمل أن يكون هنا مراد به المصدر، ويحتمل أن يراد به الشيء المصيد، فيقع على","vol":"2","page":521},{"text":"الاسم، كما تقول: درهم ضرب الأمير، ونحو ذلك. وبسبب هذا الاحتمال اختلف المفسرون والفقهاء فيه أيضًا. فمنهم من حمله على الاصطياد، ومنهم من حمله على المصيد، ومنهم من حمله عليهما جميعًا، فجعل الاسم عامًا لوقوعه عليهما، فنشأ من هذا الاتفاق على أن ما صاده المحرم، فلا يحل له أكله بوجه. ونشأ منه الاختلاف فيما صاده غيره، فإن كان الصائد حلالًا، فقيل: لا يحل أكل الصيد للمحرم بوجه. ونسبه بعضهم إلى مالك رحمه الله تعالى.\nوذهب بعضهم إلى أنه حلال أكله للمحرم، إلا أن يكون صيد لمحرم، فلا يجوز أكله لمحرم بوجه وإن كان الذي صيد له غيره، وإلى نحو هذا يذهب عمر ابن الخطاب وهو مروي عن مالك. وسئل أبو هريرة عن هذه النازلة، فأفتى بالإباحة، ثم أخبر عمر بن الخطاب. فقال له: لو افتيت بغير هذا لأوجعت رأسك بهذه الدارة. وسأل أو الشعثاء ابن عمر عن هذه المسألة، فقال له: كان عمر يأكله. قال: قلت: فأنت. قال: كان عمر خيرًا مني. وذهب قوم إلى أنه جائز للمحرم أكل جميع ما صاده الحلال في الحل، وأنه جائز","vol":"2","page":522},{"text":"للمحرم وإن صيد لمحرم، إلا أن يصاد من أجله فلا يجوز له أكله. وهذا أيضًا مروي عن مالك رحمه الله تعالى. قال بعضهم: والأكثر على إباحته، وقد روي عن جابر أنه قال: عقر أبو قتادة حمارًا وحشيًا، ونحن حرم وهو حلال فأكلنا منه ومعنا رسول الله ﷺ. وروي عن جابر أيضًا أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لحم صيد البحر حلال لكم وأنتم محرمون ما لم تصيدوه أو يصد لكم»، وغير أن من حرمه تعلق بظاهر الآية قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾، وعمومه يتناول الاصطياد والمصيد نفسه لوقوع الاسم عليهما. ومن أباحه ذهب إلى أن الحيوان إنما يسمى باعتبار الاستصحاب الاسم السابق. وقد اضطربت الروايات في حديث الصعب بن جثامة هل كان الذي أهدى إلى رسول الله ﷺ فرده لحم حمار وحش أو حمار وحش حيًا؟ فروى مالك ﵀ أن الذي أهدي إليه حمار وحش، وروى غيره أنه كان لحم","vol":"2","page":523},{"text":"حمار، فيحتمل أن يقال فيه: إنه كان صيد من أجله، ولذلك رده. وأما إن كان الصائد حرامًا، فذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أنه لا يجو أكله لغيره ولا له. وذهب الشافعي إلى أنه يجوز أكله لغيره ولا يجوز له. الحجة على قول الشافعي في قوله تعالى هذا عموم قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾ الآية. واحتج بعضهم في ذلك بقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾، وقد اختلف فيمن أحرم وعند صيده في يده أو في منزله هل يرسله أم لا؟ فقيل: لا يرسله. وذكر عن الشافعي، وقال مالك: إن كان بيده أرسله، وإن كان في بيته لم يرسله. وحجة الإرسال قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾، لأنهما كان بيده أو في بيته فهو صيد له، ولا خلاف أن ما لا زوال له من الماء فهو صيد البحر، وأن ما لا زوال له من البر فهو صيد البر. واختلف فيما يكون من أحدهما، وقد يعيش في الآخر. فقيل: كل ما يعيش من دواب الماء في البر، وله فيه حياة فهو من صيد البر الذي حرمه الله تعالى، وهو قول مالك رحمه الله تعالى، وسعيد بن جبير وعطاء في إحدى الروايتين عنه، وأبو مجلز","vol":"2","page":524},{"text":"في ذلك الضفادع والسلاحف والسرطانات، وروي عن مالك أن الضفادع والسلاحف من صيد البحر. وقيل: المراعي في ذلك أكثر عيش الحيوان، فحيث ما عاش أكثر فهو منه، وهذا القول مروي عن عطاء. وسئل عن الماء فقال: حيث يكون أكثر فهو منه، وحيث يفرغ فهو منه، والصحيح في ابن الماء أنه من طير البر. وقد اختلف في الجراد هل هو من صيد البر أم البحر، فالجمهور على أنه من صيد البر. وحجتهم ما جاء عن بعضهم من أنه نثرة حوت. والدليل على ما ذهب إليه الجمهور قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾. وإنما يعلم صيد البر من غيره بما يأوي إليه ويعيش فيه، والجراد إنما هو في البر، وفيه حياته؛ فوجب أن يكون من صيد البر.\n- وقوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ الآية، وقوله: ﴿وحرم عليكم صيد البر﴾:\nمما اختلف الأصوليون فيه هل هو من قبيل المجمل الذي لا يفهم المراد به من لفظه إلا بدليل غيره، أو من قبيل النص بالعرف لا","vol":"2","page":525},{"text":"بالوضع، أو من قبيل العام، والذي يرتضيه المحققون أنه نص بالعراف في أن المراد به الأكل، وقد مر الكلام على شيء من هذا في غير ما موضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>(٩٧) - قوله تعالى: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام﴾:</span>\nالكعبة بيت مكة، وذكر الله تعالى الكعبة وهو يريدها وما والاها من الحرم، لكنه خصها بالذكر تعظيمًا لها وتشريفًا، وإذ كانت هي أصل التحريم وموجبه.\nوقوله تعالى: ﴿قيامًا للناس﴾ أي أمرًا يقوم للناس بالأمة والمنافع. وقيل: أي موضع وجوب قيام بالمناسك والتعبدات، فضبط تعالى النفوس فيها وفي الشهر الحرام، ومع الهدي والقلائد. وقوله تعالى: ﴿الشهر الحرام﴾ اسم جنس أي الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وشهر مضر وهو رجب الأصم، وسماه رسول الله ﷺ: «شهر الله»، وكان كثير من العرب لا يراه. وقيل: إنما قيل: شهر الله لأنه تعالى سنه وشدده؛ لأنه كان كثير من العرب لا يراه. وقوله تعالى: ﴿والهدي﴾: يريد أنه أمان لمن يسوقه لأنه يعلم أنه في عبادة لم يأت لحرب. و﴿والقلائد﴾ كذلك كان الرجل إذا","vol":"2","page":526},{"text":"خرج يريد الحج تقلد من لحا الشجر شيئًا، فكان ذلك أمانًا له، وكان الأمر في نفوسهم عظيمًا مكنه الله تعالى حتى كانوا لا يقدم من ليس بمحرم أن يتقلد شيئًا خوفًا من الله تعالى. وكذلك كانوا إذا انصرفوا تقلدوا من شجر الحرم. وقوله تعالى: ﴿للناس﴾: لفظ عام، وقال بعضهم: أراد العرب، ولا معنى لهذا التخصيص. وقال سعيد بن جبير: جعل الله تعالى هذه الأمور للناس وهم لا يرجون جنة ولا نارًا، ثم شدد ذلك بالإسلام، وقد تقدم الكلام على طرف من هذا المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>(١٠١) - (١٠٥) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ إلى قوله: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾:</span>\nاختلف في سببها، فقيل: نزلت بسبب سؤال عبد الله بن حذافة السهمي، وذلك أن رسول الله ﷺ صعد المنبر مغضبًا، فقال: «لا تسألوني اليوم عن شيء إلا أخبرتكم» فقام رجل، فقال: أين أنا؟ فقال رسول الله ﷺ: «في النار»، فقام عبد الله بن حذافة، وكان يطعن في نسبه، فقال: من أبي؟ فقال: «أبوك حذافة». وفي بعض الأحاديث: فقام رجل، فقال: من أبي؟ فقال: «أبوك سالم مولى شيبة»، فقام عمر بن الخطاب، فجثا على ركبتيه وقال: رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا، نعوذ بالله من الفتن. وبكى الناس من غضب رسول الله ﷺ، ونزلت الآية","vol":"2","page":527},{"text":"بسبب هذه الأجوبة. وقيل: خطب رسول الله ﷺ فقال: «أيها الناس كتب عليكم الحج»، وقرأ: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ الآية [آل عمران: ٩٧]، فقالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت، فأعادوا وقال: «لا، ولو قلت نعم لوجبت». وفي بعض الأحاديث أن الذي قال: أفي كل عام، عكاشة بن محصن. وفي بعضها محض الأسدي، وفي بعضها رجل من بني أسد. وقيل: نزلت بسبب قوم سألوا عن البحيرة والسائبة والوصيلة ونحو هذا من أحكام الجاهلية. وقيل: كانوا يسألون عن الشيء وهو حلال، ولا يزالوا يسألون حتى يحرم عليهم فإذا حرم عليهم وقعوا فيه. وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه ﷺ قال: «إن أعظم المسلمين على المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجله». وقيل: نزلت بسبب قوم سألوا رسول الله ﷺ مسائل امتحان، فقال أحدهم: من أبي؟ وقال آخر: أين ناقتي؟ فنهوا عن ذلك. وقيل: نزلت فيما سأله النبي ﷺ، فقيل له: لجعل لنا الصفا ذهبًا، فلم يفعل لهم ما أرادوا فكفروا. وجملة الروايات ترجع إلى أنه ﷺ ألحت عليه","vol":"2","page":528},{"text":"الأعراب والجهال بأنواع من السؤالات، فزجر الله تعالى عن ذلك بهذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>(١٠١) - وقوله تعالى: ﴿وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم﴾:</span>\nاختلف في تأويله، فقيل: المعنى لا تسألوا عن أشياء في الإخبار عنها مساءة. وأما لأجل تكليف شرعي يلزمكم، وإلا لخبر يسؤكم كما قيل للذي قال: أين أنا؟ ولكن إذا نزل القرآن بشيء وابتدأكم ربكم فحينئذ إن سألتم عن تفصيله وبيانه، بين لكم وأبدى، فالضمير في قوله: «عنها» عائد على نوع السؤالات لا على الأشياء التي نهي عن السؤال عنها، وهذا القول يرجع إلى أنه أباح لهم السؤال عما نزل القرآن به، ونهاهم عن السؤال عما لم ينزل به القرآن. وقيل: يحتمل أن يكون هذا في معنى الوعيد؛ كأنه قال: لا تسألوا وإن سألتم لقيتم عيب ذلك وصعوبته، لأنكم تكلفون وتستعجلون علم ما يسوءكم كالذي قيل له: أنت في النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>(١٠١) - وقوله تعالى: ﴿عفا الله عنها﴾:</span>\nمعناه: ما لم يكن مذكورًا بحلال ولا حرام فهو معفو عنه فلا تبحثوا عنه، فلعله إن ظهر لكم حكمه ساءكم. وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال: الحلال ما أحله الله ولا حرام إلا ما حرمه الله وما سكت عنه فهو معفو عنه وما حرمه رسول الله صلى الله عليه سلم فعلى وجه الكراهة","vol":"2","page":529},{"text":"والتنزيه. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها مثل ذلك. وقال القاضي إسماعيل: وقد قال الله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية، ومحال أن يقول الله تعالى ذلك، فيقول النبي ﷺ: أجد، ولكنه ﷺ يسر للمصلحة، فنهى عن أكل السباع لأنها تفشي القلب وتغري على فعل المحرمات، وكذلك نهى عن التوضؤ بالماء المشمس لما يحدث في البدن، والله أعلم. ولا يجوز مخالفة رسول الله ﷺ ولا ترك قبول قبوله، ثم قال: «قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين»، فأخبر أن قومًا من قبلنا قد سألوا آيات مثلها فلما أعطوها وفرقت عليهم كفروا بها، وذلك كسؤال قوم صالح الناقة، وسؤال أصحاب عيسى المائدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>(١٠٣) - قوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾ </span>الآية:\nلما سأل قم عن هذه الأمور التي كانت في الجاهلية هل تلحق بحكم الله تعالى في تعظيم الكعبة والحرم أخبر تعالى أنه لم يجعل شيئًا من هؤلاء سنة لعباده، ولكن الكفار فعلوا ذلك كعمرو بن لحي وغيره. ويقولون: إن هذه قربة إلى الله وأمر يرضيه، وأكثرهم لا يعقلون بل يتبعون هذه الأمور تقليدًا وضلالًا بغير حجة. والبحيرة فعلية بمعنى مفعولة من بحر إذا شق، وكانوا إذا نجت الناقة عشة شقوا أذنها","vol":"2","page":530},{"text":"نصفين، وتركت ترعى وترد الماء، ولا ينتفع بها بشيء، ويحرم لحمها إذا ماتت على النساء ويحل للرجال. وقال ابن عباس: كانوا يفعلون ذلك إذا تنجت الناقة خمسة أبطن. وقال بعضهم: خمسة أبطن آخرها ذكر. وقال آخرون: إذا ولدت سبعًا أو خمسًا شقوا أذنها. وقيل: البحيرة بنت السائبة، وكانوا يشقون أذنها ويخلون سبيلها، ولا يركب ظهرها، إلى سائر ما يفعل بأمها، وقد يقال: الناقة الغزيرة اللبن: بحيرة. وأصلها مما تقدم؛ لأنه إذا صنع بها ذلك استغزر لبنها، وعلى هذا يجيء قول ابن مقبل:\nفيها من الأجرع المرباع قرقرة ... هدر الديا في وسط الهجمة البحر\nوروي عن أبي الأحوص عن أبيه، قال: دخلت على النبي ﷺ فقال","vol":"2","page":531},{"text":"لي: أرأيت إبلك الست تنتجها مسلمة آذانها، فتأخذ الموسى فتقطع آذانها، فتقول: هذه بحر، وتقطع جلودها فتقول: هذه صرم، فتحرمها عليك وعلى أهلك؟ قال: نعم، قال: فإن ما آتاك الله حل لك وساعد الله أشد وموسى الله أحد. والسائبة الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر سيبت. وقيل أيضًا: هي الناقة سيبت للآلهة. وقيل: السائبة أيضًا عندهم التي ينذر الرجل إن برئ من مرضه أو إن أصاب أمرًا يطلبه أن يسببها ولا ينتفع بلبنها ولا ظهرها ولا غير ذلك، يرون ذلك كعتق بني آدم. وقال ﷺ لأكثم بن الجون الخزاعي: «يا أكثم رأيت عمرو ببن يحيى بن قملة بن جندب يجر قصبه في النار، فما رأيت أشبه به منك». قال أكثم: أيضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: «لا، إنك مؤمن وإنه كافر، هو أول من غير دين إسماعيل ونصب الأوثان وسيب السوائب». وكانت العرب تعتقد أن من انتفع بهذه النوق بشيء أو أخذ منها شيئًا لحقته عقوبة من الله. والوصيلة: الشاة إذا أقامت عشر إناث متتابعات في","vol":"2","page":532},{"text":"خمسة أبطن ليس بينهن ذكر جعلت وصيلة، قالوا: قد وصلت فكان ما بعد ذلك للذكور منهم دون الإناث إلا أن يموت منها شيء، فيشتركون في أكله. وقيل: الوصيلة من الغنم التي ولدت ثلاثة بكون أو خمسة، فإن كان آخرها جديًا وعناقًا استحيوهما، وقالوا: هذه العناق وصلت أخاها فمنعته من الذبح. وأكثر الناس على أن الوصلة لا تكون إلا في الغنم. وروي عن ابن المسيب أن الوصيلة من الإبل كانت الناقة إذا ابتكرت بأنثى ثم نشت بأخرى، قالوا: وصلت اثنتين، فكانوا يجدعونها لطواغيتهم أو يذبحونها. والحامي: الفحل من الإبل إذا نتجت له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر من ظهره لم ولم يجز وبره وخلي في الإبل لا ينتفع منه بغير ذلك. وقيل: الحامي الفحل من الإبل إذا ضرب في الإبل عشر سنين. وقيل: إذا ركب ولد ولده قالوا: أحمى ظهره. قال الشاعر:\nحول الوصائل في شريف حقه ... والحاميات ظهورها والسيب\nوجملة ما يظهر من هذه الآية أنه تعالى جعل الأنعام لعباده","vol":"2","page":533},{"text":"نعمة يتسعون فيها ورفقًا يرتفقون به وينتفعون بما فيه من النفع. وكان الجاهليون يحرمون على أنفسهم طرق الانتفاع ويزيلون المصلحة التي للعباد فيها، فنهى الله تعالى عن ذلك ونظير هذا من أفعال أهل الإسلام التحبيس. وقد اختلف فيه هل يجوز أم لا؟ فمنع منه أبو حنيفة في المشهور عنه وأصحابه واستدلوا على ذلك بهذه الآية التي ذكرناها؛ لأنهم رأوا أنها تدل على تحريم قطع منافع الملك من غير نقل إلى مالكه، ومن أجل ذلك منع الشافعي تعطيل منافع الرهن على خلاف ما قاله أبو حنيفة، ومن أجلع أيضًا منع أبو حنيفة شراء الكافر المسلم في قول؛ لأن الشراء إذا لم يفد المقصود من الانتفاع بالشيء المشترى كان تسييئًا. وقد استدلوا أيضًا على منع الحبس بقوله تعالى: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون﴾ [الأنعام: ١٣٦]، وبقوله تعالى: ﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم﴾ [الأنعام: ١٣٩]، وبقوله تعالى: ﴿وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون﴾ [الأنعام: ١٣٨]، وقال في آخر القصة: ﴿أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا ليصل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ [الأنعام:","vol":"2","page":534},{"text":"١٤٤]. وذهب الجمهور إلى جواز الأحباس لما جاء في ذلك عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولم يروا في هذه الآية حجة لأنها إنما تقتضي التوبيخ على الذي كانت الجاهلية تحرمه على أنفسها من أنعامها تشرعًا وتدينًا وافتراء على الله، واتباع خطوات الشيطان، فليس ذلك مما يحبسه الرجل على ولده مثلًا، وفي وجه من وجوه البر التي يتقرب بها إلى الله تعالى بسبيل. وامتنع المتأخرون من أصحاب أبي حنيفة من القول بإبطال الحبس. وقالوا: هو جائز ولكن لا يلزم إلا بأحد أمرين: إما أن يحكم به حاكم، أو يوصي به في مرضه أن يوقف بعد موته فيصح، فيكون في الثلث كالوصية إلا أن يكون مسجدًا أو سقاية، فإن وقف ذلك يصح ولا يحتاج إلى حكم حاكم. وهذا بعيد أيضًا، لأن ما لا يجوز للرجل أن يفعله في حياته فلا يجوز أن يوصي به بعد وفاته، وما لا يحل لا يحل الحاكم، قال الله ﷿: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: ١٨٨]، وذكر ابن حزم أنهم اتفقوا على جواز إيقاف الأرض لبناء المسجد والمقبرة. واتفقوا للآية التي قدمنا أن من أعتق حيوانًا غير بني آدم لا يجوز ولا يسقط به ملك. واختلف في تسييب الحيوان هل فيه أجر أم لا؟ وهل يزول به الملك أم لا؟ واختلفوا فيمن قال لعبده: أنت حر سائبة، فمذهب ابن القاسم أنه حر إن أراد الحرية وولاؤه لجميع","vol":"2","page":535},{"text":"المسلمين وذلك مكروه عنده. وقال أصبغ: ذلك جائز ولا كراهة كالذي يعتق عبده عن ذلك غيره فيكون الولاء للمعتق عنه ولا يكره ذلك له وهو حر أراد الحرية أو لم يردها. وقال ابن الماجشون: لا يجوز عتق السائبة، فإن فعل فالولاء له إن عرف وإن جهل فولاؤه لجميع المسلمين، فقول ابن الماجشون مراعاة للسائبة التي نهى الله تعالى عنها في الآية.\n- قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾:\nاختلف في تأويل هذه الآية هل هي منسوخة أم لا؟ فقيل: إنها تقتضي إصلاح المرء نفسه، وأنه لا يجب عليه إصلاح غيره بأمره بمعروف أو نهيه عن منكر إلا أن هذا منسوخ بإيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وذهب قوم إلى أن الآية محكمة، ورووا أن أبا أمية الشعباني قال: سألت ثعلية الخشني عن هذه الآية، فقال: لقد سألت عنها خيرًا سألت رسول الله ﷺ فقال:","vol":"2","page":536},{"text":"«ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر فإذا رأيت دنياه مؤثرة وشحًا مطاعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك وذر عوامهم فإن وراءك أيامًا أجر العامل فيها كأجر الخمسين منكم»، وكان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بلغه أن بعض الناس تأول الآية أنها لا يلزم معها أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، فصعد المنبر فقال: «أيها الناس لا تغتروا، يقول الله تعالى: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل﴾ [المائدة: ١٠٥]، فيقول أحدكم: علي بنفسي، والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر وليستعملن عليكم شراركم فليسومونكم سوء العذاب». وروي عن ابن مسعود أنه قال: ليس هذا بزمان هذه الآية، قولوا الحق ما قبل منكم فإذا رد عليكم فعليكم أنفسكم. وقيل لابن عمر في بعض أوقات الفتن: لو تركت القول في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه، فقال: إن رسول الله ﷺ قال لنا: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب»، ونحن شهداء","vol":"2","page":537},{"text":"فيلزمنا أن نبلغكم، وسيأتي زمان إذا قيل فيه الحق لم يقبل. وحاصل هذا القول في الآية بأنها محكمة أنها إنما هي في الوقت الذي لا يقبل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وسيأتي الكلام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في موضعه، ونذكر ما اختلف فيه من ذلك إن شاء الله تعالى. وذهب قوم منهم سعيد بن جبير إلى أن معنى هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾: التزموا شرعكم بما فيه من جهاد أو أمر بمعروف أو غيره، ولا يضركم أهل الكتاب إذا اهتديتم. وذهب قوم منهم ابن زيد إلى أن المعنى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ يريد أبناء أولئك الذين بحروا البحيرة وسيبوا السائبة، ﴿عليكم أنفسكم﴾ في الاستقامة على الذين لا يضركم ضلال الآباء إذا اهتديتم. قال ابن زيد: وكان الرجل إذا أسلم قال له الكفار: سفهت آباءك وضللتم وفعلت وفعلت، فنزلت الآية. وذهب قوم إلى أنها نزلت بسبب ارتداد بعض المؤمنين وافتتانهم كابن أبي سرح وغيره، فقيل للمؤمنين: لا يضركم ضلالهم. وذهب قوم إلى أن معناها لا يضركم من ضل إذا اهتديتم بعد الأمر بالمعروف والنهي","vol":"2","page":538},{"text":"عن المنكر. وقال سعيد بن جبير: أراد بهذه الآية أهل الكتاب الذين يقرون الجزية على الكفر ولا يضرهم كفرنا، لأنا أعطيناهم الذمة على أن نتركهم وما يعتقدون، ولا يسوغ لنا نقض عهدهم بإجبارهم على الإسلام، فهذا الذي لا يضرنا الإمساك عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>(١٠٦) - (١٠٨) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ إلى قوله: ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾:</span>\nوقد قال مكي: إن هذه الآيات عند أهل المعاني أشكل ما في القرآن إعرابًا وحكمًا، ونحن نبين إن شاء الله تعالى معناها وحكمها. فأما الإعراب، فالاشتغال به ليس مما نقصده، وفيه تعويل. فأما ما تقدم الكلام على سبب الآية، وسببها بلا خلاف أن تميمًا الداري وعدي بن برا كانا نصرانيين فسافرا إلى المدينة يريدان الشام لتجارتهما، قال الواقدي: وهما أخوان، وقدم المدينة أيضًا ابن أبي ماوية مولى ابن أبي العاص يريد الشام أيضًا تاجرًا، فخرجوا في رفقة واحدة، فمرض ابن أبي ماوية في الطريق. قال الواقدي: فكتب وصيته بيده ودفنها في متاعه","vol":"2","page":539},{"text":"وأوصى إلى تميم وعدي أن يؤديا رجله فأتيا بعد مدة إلى المدينة برجله فدفعاه ووجدوا أولياؤه من بني سليم وصية مكتوبة ففقدوا أشياء قد كتبها فسألوهما عنها، فقالا: ما ندري هذا الذي قبضناه له، فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ فنزلت الآية الأولى، فاستحلفهما رسول الله ﷺ بعد العصر فبقي الأمر مدة ثم عثر بمكة من متاعه على إناء عظيم من فضة مخوص بذهب، فقيل لمن وجده عنده: من أين لك هذا؟ قالوا: ابتعناه من تميم وعدي، فارتفع الأمر إلى رسول الله ﷺ فنزلت الآية الأخرى، فأمر رسول الله ﷺ رجلين من أولياء الميت أن يحلفا. قال الواقدي: فحلف عبد الله بن عمر بن العاص والمطلب بن وداعة واستحقا. وروى ابن عباس عن تميم أنه قال: برئ من هذه الآيات غيري وغير عدي، وذكر الحكاية، لكن قال: وكان معه جام من فضة فأخذته أنا وعدي فبعناه بألف واقتسمنا ثمنه، فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة تأثمت فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة، فوثبوا إلى عدي فأتوا به رسول الله ﷺ وحلف عمرو بن العاص، ورجل آخر معه ونزعت من عدي خمسمائة. وفي بعض الأحاديث عن ابن عباس أن الرجل الموصي رجل من المسلمين","vol":"2","page":540},{"text":"من بني سهم لا مولى. وبعد القول في سببها فلنذكر ما قيل في معناها. وقد اختلف في ذلك، فقيل: معناها أن الله تعالى أخبر المؤمنين أن حكمه في الشهادة على المريض إذا حضره الموت أن يشهد على وصيته عدلين، فإن كان في سفر وهو الضرب في الأرض ولم يكن معه مؤمن فليشهد شاهدين ممن حضر من الكفار، فإذا قدما وأديا الشهادة على الوصية حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا ولا بدلا، وأن ما شهد به حق ما كتما فيه شهادة لله، وحكم بشهادتهما، فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا أو نحو هذا مما هو إثم حلف رجلان من أولياء الموصي في السفر وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما فعنى بقوله تعالى: ﴿منكم﴾ من المؤمنين، وبقوله: ﴿من غيركم﴾ من الكفار، وهذا أحد الأقوال في معنى الآية. والذين ذهبوا إليه اختلفوا هل هو منسوخ أم محكم؟ فذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذا منسوخ وأنه لا تجوز اليوم شهادة كافر على مسلم. والذي نسخه عندهم قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، وقال تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم. وذهب جماعة إلى أن الآية على المعنى الذي ذكرناه محكمة، وأن شهادة الكافر على المسلم في الوصية جائزة كما جاء في الآية. وإليه ذهب ابن عباس وشريح وأبو موسى الأشعري وغيرهم. وقد قضى بذلك أبو موسى بالكوفة على ما ذكر الشعبي عنه، وقيل: معنى الآية غير ما تقدم.\nوقوله تعالى: ﴿منكم﴾ يريد من عشيرتكم وقرابتكم، وقوله: ﴿أو","vol":"2","page":541},{"text":"آخران من غيركم﴾ يريد من غير القرابة والعشيرة، قالوا: فأمر الله تعالى بإشهاد عدلين من القرابة؛ إذ هم ألحق بحال الوصية وأدرى بصورة العدل فيها، فإن كان الأمر في سفر ولم يحضر قرابة أشهدا أجنبيين، فإذا شهدا فإذا لم يقع ارتياب مضت الشهادة، وإن ارتيب بأنهما مالا بالوصية إلى أحد أو زادا أو نقصا حلفا بعد الصلاة ومضت شهادتهما، فإن عثر على تبديل منهما بعد ذلك واستحقاق إثم حلف وليان من القرابة وبطلت شهادة الأولين. وفي هذين القولين أيضًا من الشذوذ حلف الشاهدين مع شهادتهما. وقد اختلف أيضًا في هذا هل هو محكم أو منسوخ؟ فذهب الحسن بن أبي الحسن وعكرمة والزهري إلى أنه محكم.\nواختلف في الصلاة المذكورة ما هي؟ فقال شريح: هي صلاة العصر. وقال الحسن: صلاة الظهر، وذهب جماعة إلى أنه منسوخ وأن الشاهد لا يحلف، ويذكر هذه عن مالك والشافعي وكافة الفقهاء. وقال ابن عباس: المراد بالصلاة صلاة أهل دينهما وهذا على القول بأن الشاهدين غير مسلمين. واختلف في المذهب في الشاهد","vol":"2","page":542},{"text":"يشهد ويحلف على صدق شهادته هل شهادته أم لا؟ على قولين. وقيل: إنما ألزم الشاهدان اليمين لأنهما ادعيا أن الميت أوصاهما بوصية. وذكر الطبري رحمه الله تعالى أن هذا التحالف الذي في الآية إنما هو بحسب التداعي وذلك أن الشاهدين الأولين إنما يحلفان إذا ارتيبا، وإذا ارتيبا فقد ترتبت عليهما دعوى فيلزمهما اليمين، لكن هذا الارتياب إنما يكن في خيانة عليهما دعوى فيلزمهما اليمين، لكن هذا الارتياب إنما يكون في خيانة منهما، فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا نظر فإن كان الأمر بينًا غرما دون يمين، وإن كان بشهادة واحد أو بدلائل تقتضي خيانتهما أو ما أشبه ذلك مما هو كالشاهد حمل على الظالم، وحلف الداعيان مع ما قام لهما من شاهد أو دليل. وهذا الذي قاله الطبري تأويل للآية يخرجها عن أن يحلف الشاهد مع شهادته، وتكون الآية معه محكمة، فالشهادة ........","vol":"2","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>سورة الأنعام</span>\nاختلف فيها فقيل هي كلها مكية، وقيل -وهو قول ابن عباس- هي مكية نزلت بمكة إلا ست آيات وهي قوله تعالى: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقوله تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ [الأنعام: ٩١]، وقوله تعالى: ﴿من أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحي إلي﴾ [الأنعام: ٩٣]، وقوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت﴾ [الأنعام: ٩٣]، وقوله تعالى: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق﴾ [الأنعام: ١١٤]، وقوله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه﴾ [الأنعام: ٢٠].\nوقيل هي مكية إلا تسع آيات، وقيل- وهو قول الكلبي- الأنعام","vol":"3","page":7},{"text":"كلها مكية إلا آيتين نزلتا بالمدينة في فنحاص اليهودي وهي: ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى﴾ [الأنعام: ٩١] مع ما يربط بالآيتين. وذلك أن فنحاصًا قال: ما أنزل الله على بشر من شيء. وقال ابن عباس: نزلت سورة الأنعام وحولها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح. وقال كعب: فاتحة التوراة فاتحة الأنعام: ﴿الحمد لله﴾ إلى ﴿يعدلون﴾، وخاتمة التوراة خاتمة هود: ﴿وما ربك بغافل عما تعملون﴾ [هود: ١٢٣]. وقيل: خاتمتها: ﴿قل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا﴾ إلى قوله: ﴿تكبيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].\nوقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: الأنعام من نجائب القرآن.\nوقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: من قرأ سورة الأنعام فقد انتهى في رضى الله تعالى.\nوفي هذه السورة من الأحكام والناسخ والمنسوخ مواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>(٥٢) - قوله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فتكون من الظالمين﴾:</span>","vol":"3","page":8},{"text":"المراد بالدعاء هنا اختلف فيه، فقيل: الصلوات الخمس. وقيل: الدعاء. وقيل: ذكر الله، واللفظ على وجهه. وقيل: الاجتماع إليهم غدوة وعشيًا. وقيل: هو قراءة القرآن وتعلمه. وقيل: هو العبادة. وقوله: ﴿بالغداة والعشي﴾ اختلف فيه. فقيل: هو عبارة عن استمرار الفعل وأن الزمن معمور به كما تقول: الحمد لله. ويحتمل أن يريد بهما الوقتين المخصوصين، ولأجل هذا قال بعضهم: المراد بالغداة والعشي منها صلاة مكة التي كانت مرتين في اليوم بكرة وعشيًا.\nوسبب الآية ما كان من أشراف قريش من قولهم لرسول الله ﷺ: لو أزلت عنك الضعفاء وطردتهم لاتبعناك. وقد يؤخذ من هذه الآية ألا يمنع من يريد أن يذكر الناس بالله وبأمور الآخرة سواء كان في جامع أو صومعة أو طريق ونحو ذلك. وقد اختلف المتأخرون في المؤذن يؤذن بالأسحار ويبتهل بالدعاء ويردد ذلك إلى أن يصبح فشكاه الجيران. هل يمنع أم لا؟\nفذهب جماعة إلى أنه يمنع، واحتجوا بحديث تميم الداري إذ قال لعمر: دعني أدعو الله تعالى وأقص وأذكر الله. فقال عمر: لا. فأعاد","vol":"3","page":9},{"text":"عليه. فقال: لا. أنت تريد أن يقال: هذا تميم الداري فاعرفوني. وقد قال مالك: القصص بدعة. ومن حجتهم أيضًا حديث سعيد بن المسيب إذ قال لبرد مولاه: اطرد عني هذا القارئ يعني عمر بن عبد العزيز وذهب جماعة إلى أنه لا يمنع. واحتجوا أنه كان بالبصرة عروة بن أذينة يقوم الليل يصبح في الطريق ويخوفهم بقوله تعالى: ﴿أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتًا وهم نائمون﴾ [الأعراف: ٩٧] الآيات، وبما جاء من أن الناس بالمدينة كانوا يتواعدون عند خروجهم لأسفارهم لقيام القرآن وكانوا يقرؤون بالأسحار فتسمع أصواتهم من كل منزل. واحتج بعضهم أيضًا بالآية التي نحن فيها: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>(٦٦) - قوله تعالى: ﴿قل لست عليكم بوكيل﴾:</span>\nاختلف فيه هل هو منسوخ أو محكم؟\nفقيل: هو منسوخ نسخته آية السيف وهي قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]. وهو قول ابن عباس وقيل: هو","vol":"3","page":10},{"text":"محكم ولا يجوز نسخه لأنه خبر ومعناه صحيح، لأن النبي ﷺ ليس هو على من أرسل إليهم حفيظًا إنما هو نذير، والعقاب مردود إلى الله تعالى ﷿، فهي محكمة. وليس قل من ضعف النسخ بأنه خبر صحيحًا، لأنه كان خبرًا فإنه يقتضي حكمًا. وما كان كذلك فالنسخ فيه جائز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>(٦٩) - قوله تعالى: ﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى﴾:</span>\nاختلف فيها هل هي منسوخة أم حكمة. فقيل: هي منسوخة بآية النساء: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ [النساء: ١٤٠]. فأمروا أن لا يجلسوا معهم في هذه الحال بعد أن قال: ﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء﴾ فأباح لهم ذلك. وقيل: هي محكمة لأنها خبر فلا يجوز نسخه والمعنى ليس على من اتقى الله تعالى إذا نهى إنسانًا عن منكر من حسابه من شيء. وإنما عليه أن ينهاه ولا يقعد معه راضيًا بقوله وبفعله. وقيل: إن الآية لا تقتضي إباحة القعود معهم وإنما معناها النهي عن ذلك وأن النهي عن ذلك ليس على أن القاعد معهم ليس من حسابهم شيء لو قعد. وقوله تعالى: ﴿ولكن ذكرى﴾ معناه: ولكن ذكرى لكم. وتحصل هذا القول أنه ليس عليك من حسابهم شيء لو قعدت معهم ولكن هذه ذكرى لك أن لا تقعد معهم.","vol":"3","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>(٧٠) - قوله تعالى: ﴿وذر الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا وغرتهم الحياة الدنيا﴾:</span>\nاختلف فيه هل هو منسوخ أم محكم. فقيل: هو منسوخ بقوله ﷿: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] وهو قول قتادة. وقيل: هو محكم والمراد: التهديد والتوعد فهي كقوله تعالى: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدً﴾ [المدثر: ١١] وهو قول مجاهد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>(٨٤) - قوله تعالى: ﴿ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس﴾:</span>\nاختلف الشيوخ المتأخرون في الذرية هل يدخل فيهم ولد البنات أم لا، مثل أن يحبس عليهم شيئًا أو نحو ذلك. فذهب قوم إلى أنهم لا يدخلون في ذلك كقولهم في الولد والعقب أيضًا. وذهب آخرون إلى أنهم يدخلون في ذلك. واحتج بعض من ذهب إلى ذلك بهذه الآية لأنه تعالى جعل عيسى من ذرية إبراهيم أو نوح على الاختلاف في الضمير ﴿ومن ذريته﴾ على من يعود منهما وعيسى من أولاد البنات إذ لم يكن له أب وقد عده في الذرية.\nوالذين ذهبوا إلى القول الأول ضعفوا هذا الاحتجاج بالآية من أجل عيسى ﵇ لما لم يكن له أب قامت له الأم مقام الأب والأم فكان من ذرية جده للأم إبراهيم أو نوح.","vol":"3","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>(١٠٣) - وقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾:</span>\nوقوع رؤية الباري تعالى مما يستند فيه إلى الشرع فأما العقل فلا مجال له في ذلك لكنه يعطي إمكان الرؤية. فأما القطع بوقوعها فإنما ذلك يستند فيه إلى الشرع. فلذلك لا تكون المسألة إلا فقهية.\nوقد اختلف في ذلك الناس. فأهل السنة يجيزون الرؤية عقلًا إذ كل موجود يصح أن يرى، والمعتزلة يحيلونها عقلًا ويرون أنه يلزم عليها أن يكون الباري تعالى في جهة، إلا أنهم اختلفوا هل يرى هو نفسه أم لا. فمنهم من أجاز ومنهم من منع.\nوأما وقوع الرؤية فأهل السنة متفقون على أنه تعالى يرى في الآخرة ومستندهم في ذلك إلى الإجماع من الأولين من ابتهالهم إلى الله تعالى في طلب لذة النظر إلى وجهه الكريم وإلى الكتاب العزيز. وأقوى ما يدل عليه فيه قول سيدنا موسى ﵇: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وإلى السنة كقوله ﵊: «وإنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته ولا تضارون» الأحاديث في ذلك كثيرة لا تنحصر.\nوأما المعتزلة فأنكروا ذلك واستدلوا على امتناع الوقوع بقوله تعالى: ﴿لن تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣] وبقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ وأجاب أهل السنة عن هذا بأن معنى قوله تعالى: ﴿لن تراني﴾ أي لن تراني في الدنيا أي أن الرؤية إنما تكون في الآخرة. وقوله تعالى: ﴿لا تدركه","vol":"3","page":13},{"text":"الأبصار﴾ معناه لا تدركه إدراك إحاطة به من جوانبه كام تحيط الرؤية بالأجسام. ويجوز أن يريد لا تدركه الأبصار في الدنيا، فهو عام أريد به الخصوص.\nوقد اختلف أهل السنة هل رأى النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء ربه تعالى بعيني رأسه أم لا؟ وقد أنكرت عائشة رضي الله تعالى عنها وقالت لمن سألها عن ذلك: «قف شعري لما قلت» وهذه الرؤية في الآخرة من أعظم ما ينعم الله تعالى به على عباده المؤمنين. فلا يجوز أن يراه الكفار. ولم يزل الناس مجمعين على ذلك حتى نشأ رجل يعرف بأبي الحسن بن هاشم البصري وقال إ، الكفار يرون ربهم يوم القيامة. وتبعه على ذلك قوم وهو خطأ صراح. فإن الله تعالى يقول في الكفار: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥] والنظر بقصد ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>(١٠٦) - (١٠٨) - قوله تعالى: ﴿وأعرض عن المشركين﴾ إلى قوله تعالى: ﴿كذلك زينا لكل أمة عملهم﴾:</span>\nاختلف في قوله: ﴿وأعرض عن المشركين﴾. فقال ابن عباس هو منسوخ بقوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾ أو محكم معناه أعرض عما","vol":"3","page":14},{"text":"يدعونك إليه من اتباع ما هم عليه. وقيل: معناه أعرض عن مجادلتهم واتبع ما أوحي إليك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>(١٠٧) - وقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما أشركوا﴾:</span>\nهذه الآية تتضمن أن الكفر والإيمان إنما هما من الله تعالى وأن الإنسان لا قدرة له على شيء من ذلك خلافًا للمعتزلة الذين يرون أنه ليس لله تعالى لطف يؤمن به الكافر.\n- وقوله تعالى: ﴿وما جعلناك عليهم حفيظًا وما أنت عليهم بوكيل﴾: مما اختلف فيه أيضًا هل هو منسوخ أم لا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>(١٠٨) - وقوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم﴾:</span>\nخاطب تعالى بها النبي ﷺ وسائر المؤمنين. وسببها أن قريشًا قالوا لأبي طالب ألا ينتهي محمد وأصحابه عن سب آلهتنا. إما أن يكف عنا وإما أن نسب إلهه ونهجوه. فنزلت الآية وحكمها أبدًا محكم. فمتى خاف المسلم أن يسب دين الكفار وأن يسب الكافر الله ﷿ أو النبي ﷺ أو الإسلام وأهله لم يجز له أن يسب دينهم ولا شيئًا من صلبانهم ولا أن يتعرض إلى ما يدعو إلى ذلك.\nوفي هذه الآية ما يدل على القول بسد الذرائع وقد تقدم الكلام على نحو من هذا بما أغنى عن إعادته هنا. وقيل: إنها منسوخة بالسيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>(١١٢) - (١١٤) - قوله تعالى: ﴿فذرهم وما يفترون﴾ إلى قوله: ﴿حكمًا﴾:</span>\nقوله: ﴿فذرهم وما يفترون﴾ آية من آيات الموادعة منسوخة بأية","vol":"3","page":15},{"text":"القتال. قال قتادة: كل ذر في كتاب الله منسوخ بالقتال. وقد ذكر بعضهم أن الأمر بالقتال نسخ مائة آية وأربعة عشرة آية مما يقتضي الموادعة وهو وإن لم تبلغ هذا العدد تحقيقًا فإنها تقاربه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>(١١٤) - وقوله تعالى: ﴿أفغير الله أبتغي حكمًا﴾:</span>\nاحتجت بهذه الآية الخوارج على علي رضي الله تعالى عنه في تكفيره بالتحكيم. وهذا لا حجة لهم فيه لأن من حكم إنسانًا ليحكم بما أنزل الله فلم يبغ غير الله تعالى حكمًا. وقد حكم تعالى في الصيد وبين الزوجين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>(١١٨) - (١٢١) - قوله تعالى: ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ إلى قوله: ﴿وإنه لفسق﴾:</span>\nقوله: ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ ﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾. ودليل خطابه النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه. وفي القول بدليل الخطاب اختلاف. إلا أنه تعالى قد صرح بدليل من الخطاب بعد هذا فقال: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ فقوى ذلك الدليل. ولقائل أن يقول إن قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ يدل على فساد القول بدليل الخطاب لأنه لو كان دليلًا قائمًا بنفسه لاكتفى به على التصريح به بعد ذلك. وقال عطاء هذه الآية أمر بذكر الله تعالى على الشراب. والشراب وكل مطعوم. يريد عطاء أن","vol":"3","page":16},{"text":"الآية تقتضي أن ما يؤكل ينبغي أن يذكر اسم الله عليه. والشرب كالأكل في ذلك والذبح مثله أيضًا لأنه إنما يراد من أجل الأكل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>(١١٩) - وقوله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾:</span>\nويقرأ: ﴿وقد فُصل لكم﴾. معناه وقد بين لكم. ثم قال تعالى: ﴿إلا ما اضطررتم﴾ قال بعضهم وهذا استثناء منقطع. والذي عندي فيه أنه متصل. وذلك أنه مستثنى من الضمير الذي في حرم. والضمير الذي في حرم هو المحرم. فاستثنى منها الذي يضطره إليه منها أي حرمت أشياء إلا الذي اضطره إليه أي فلم يحرم. وقد يجوز أن يكون قوله: ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾ ظرفًا ولا تكون ﴿ما﴾ بمعنى الذي أي حرم عليكم إلا مرة اضطراراكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>(١٢٠) - وقوله تعالى: ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون﴾:</span>\nهو نهي لجميع الناس من الولاة وأهل التجارة وغيرهم. وخصص بعضهم هذا النهي. والأظهر تعميمه. قال السدي: ظاهره الزنا التي كانت العرب تفعله وباطنه اتخاذ الأخدان. وقال ابن جبير: الظاهر ما نص الله تعالى على تحريمه من النساء بقوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ الآية [النساء: ٢٣]. وقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾","vol":"3","page":17},{"text":"[النساء: ٢٢] والباطن الربا. وقال ابن زيد: الظاهر التعري الذي كانت العرب تفعله في طوافها والباطن الزنا. وقيل: الظاهر الأعمال والباطن المعتقد. وهذا القول جار على العموم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>(١٢١) - وقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه إنه لفسق﴾:</span>\nهذه الآية نزلت على سبب وهو أن قومًا أتوا النبي ﷺ فقالوا: أنأكل ما قتلنا ولا نأكل ما قتل الله. فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى قوله تعالى: ﴿إنكم لمشركون﴾. ذكره الترمذي في رواية ابن عباس عن النبي ﷺ. والحديث مرسل فيحتمل أن تقصر الآية على سببها فيقتضي تحريم الميتة خاصة وذكر السبب في تحريمها وهو ترك ذكر اسم الله فتكون الآية محكمة باتفاق. ويحتمل أن يحمل على العموم في كل ما لم يذكر اسم الله عليه فيدخل تحت ذلك سواء الميتة من ذبائح أهل الكتاب إذا لم يذكروا اسم الله عليها وإذا ذكروا علها غير اسم الله. وذبائح المسلمين إذا لم يذكروا اسم الله عليها نسيانًا أ، عمدًا ومن الناس من قصر الآية على ذبائح أهل الكتاب. وقيل: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥]. ومنهم من حملها على ترك التسمية من المسلمين.","vol":"3","page":18},{"text":"وهذان قولان مخصصان بالآية بغير دليل. ووجه القول فيها أن يقال هي عامة لكل ما لم يذكر اسم الله عليه أو يقال هي خاصة في الميتة. إلا أن العلة في تحريم الميتة مذكور في الآية وهو أنها لم يذكر اسم الله عليها فيلحق به كل ما لم يذكر اسم الله عليه كانت ذبيحة مسلم أو كتابي. وأما ما ذكر عليه أهل الكتاب غير اسم الله وذبحوه لكنائسهم أو لنبي من أنبيائهم فقد جمع أنعم لم يذكروا اسم الله عليه فهو منهي عنه بالعموم وأنهم إن ذكروا عليه غير اسم الله فيكون منهي عنه من باب أولى وأحرى أن يكون منهيًا عنه مما لم يذكر عليه شيء جملة. لكن الذين قالوا هذا رأوا ذبيحة الكتابي إذا لم يذكر اسم الله داخلة تحت النهي اختلفوا في ذلك. فمنهم من عبر عن هذا بأنه نسخ ومنهم من منع. فمن أجاز فالآية عنده مخصوصة بقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥] ومنهم من عبر عن هذا بأنه نسخ ومنهم من قال أن الآية في ترك التسمية على الذبيحة عمدًا. قال بعضهم أو نسيانًا فلا يكون في الآية على هذا تعرض لذبائح أهل الكتاب. ومما يؤكد ترك ذبائحهم التي ذكروا عليها غير اسم الله تعالى قوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير الله﴾ [البقرة: ١٧٣] وقد مر الكلام عليه. ولأجل ما قدمنا في ما تحتمله الآية اختلف في تارك التسمية على الذبيحة هل يحل له أكلها. فمنهم من قال الآية محكمة وهي في تارك التسمية على الذبيحة فلا تؤكل ذبيحته تركها عمدًا أو","vol":"3","page":19},{"text":"نسيانًا وهو قول الحسن وابن سيرين والشعبي. ومنهم من قال الآية ليس لها تعلق بتارك التسمية وترك التسمية لا يؤثر. ومنهم من قال هي في تارك التسمية عمدًا لا نسيانًا وأن ذبيحة الناسي تؤكل. وحكى بعضهم الإجماع على الناسي وهو غير صحيح. وقد احتج بعضهم على أن الناسي غير مراد بالآية بقوله تعالى فيها: ﴿وإنه لفسق﴾ وبقوله بعد ذلك: ﴿إنكم لمشركون﴾ قال وقد علمنا أن تارك التسمية نسيانًا لا يوصف بأنه فاسق أو مشرك وقد مر الكلام على مذاهب الفقهاء في ذلك وقال بعضهم معنى التسمية في هذه الآية عند أكثر المفسرين النية لأن المجوس لو سموا على ذبائحهم لم تؤكل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>(١٣٦) - (١٤٠) - وقوله تعالى: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا فقالوا هذا لله بزعمهم﴾ إلى قوله: ﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله﴾:</span>\nهذه الآيات كلها في تفسيرها طول ومضمن وجميعها أن هذه الأمور كانت الجاهلية تفعلها تشرعًا فنهى الله تعالى عن ذلك. والآية محكمة باتفاق فلا يجوز شيء مما نهى الله تعالى عنه. وقد استدل مالك بقوله تعالى: ﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء﴾ [الأنعام: ١٣٩] على أنه لا يجوز إخراج","vol":"3","page":20},{"text":"البنات من التحبس وهي مسألة اختلف فيها على أربعة على أربعة أقوال: أحدها: أن الحبس يفسخ على كل حالة إن مات المحبس بعد أن جير عليه الحبس وهو الظاهر من قول مالك وهو قول ابن القاسم أيضًا وهو قول عمر بن عبد العزيز. والثاني: أنه يفسخ وإن جبر ما لم يمت المحبس. والثالث: أنه يفسخ ما لم يجز عنه وهو ظاهر قول ابن القاسم في سماعه من كتابه التخيير. والرابع: أنه لا يفسخ ويمضي على الكراهة ويظهر من قول مالك أن بعض الناس يجيز ذلك واحتج مالك في العتيبة للمنع بأن ذلك من فعل الجاهلية وهذه إشارة إلى الآية. وذكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها الاحتجاج بالآية أيضًا على أنه لا يجوز ذلك. قال المازري: وقال بعض شيوخنا إن هذه الأقوال تجري في هبة النبيين دو بعض فتدبر ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>(١٤١) - قوله تعالى: ﴿وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات﴾ إلى آخر قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾:</span>\nاختلف في قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ هل الآية منسوخة أم محكمة فقيل هي منسوخة وهي في حق كان على المسلمين قبل أن تفرض الصدقة فنسخها تعالى بالأمر بالزكاة المفروضة وهو قول ابن عباس وابن جبير وابن الحنفية وإبراهيم النخعي.","vol":"3","page":21},{"text":"وقال الضحاك نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن. وقيل: هي منسوخة لكن نسختها السنة وهو ما أوجبه ﵊ من العشر ونصف العشر. وذكر بعضهم هذا القول عن ابن عباس وابن الحنفية والسدي. وهو قول ضعيف. وقيل محكمة والمراد بها الزكاة المفروضة وهو قول أنس بن مالك وغيره وقول مالك وأحد قولي الشافعي. وروي أيضأ عن ابن عباس وابن الحنفية والضحاك. ويضعف هذا القول لأشياء منها أن السورة مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة. والآية غير مستثناة منها على قول الجمهور وإن كان الزجاج قد حكى أن هذه الآية نزلت بالمدينة. ومنها أن علق إيتاء الحق بيوم الحصاد وليس ذلك بلازم في الزكاة ولا يمكن ذلك إلا بعد تصفيته وتهذيبه. ومنها قوله تعالى: ﴿ولا تسرفوا﴾ وهذا لا يؤمر به في الزكاة لأنها محدودة. وقيل هي محكمة والمراد بها شيء غير الزكاة وهو واجب على الناس لأمره تعالى بذلك وهو قول سعيد ومجاهد ومحمد بن كعب وأبي عبيد. وقيل محكمة والمراد بها شيء غير الزكاة إلا أن الأمر بها أمر ندب. فندب الله تعالى للإنسان أن يعطي من زرعه عند الحصاد وعند الذرو وعند تهذيبه في البيدر. فإذا صفى وكمل","vol":"3","page":22},{"text":"وكيل أخرج من ذلك الزكاة. وقال الربيع بن أنس: ﴿حقه﴾ إباحة لقط السنبل وهذا ضعيف وهذا هو الذي نسخ عند من قال بالنسخ والقول بالنسخ في هذه الآية ضعيف لأنها وآية الزكاة قد يجمع بينهما فلا يتعارضان وإذا أمكن ذلك لم يرجع إلى النسخ. وإذا قلنا إن الآية في الزكاة المفروضة فهي آية مجملة لا يفهم المراد منها من لفظها فيحتاج إلى معرفة قدر الحق. فأما قدر الحق المأخوذ فهو العشر ونصف العشر بالإجماع. وقد بين النبي ﷺ ذلك فقال: «في ما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر وفي ما سقي بالنضح نصف العشر». ولا خلاف أذكره في القول بأن هذا الحديث مبين للحق المأخوذ. وأما القدر المأخوذ منه ذلك العشر أو نصف العشر فقد قال ﵊: «ليس في ما دون خمسة أوسق صدقة». واختلف في القول بتبيين هذا الحديث للآية. فرأى الجمهور أنه مبين فيكون الحق على هذا القول في الآية العشر أو نصف العشر من خمسة أوسق فما زاد. وذهب قوم -منهم أبي حنيفة والنخعي- إلى أن الحديث لا يبين وأن العشر ونصف العشر واجب في كل شيء خمسة أوسق كان أو أقل أو أكثر. ورأى الذاهبون إلى هذا أن حديث الخمسة أوسق أنه خبر آحاد عارض عموم القرآن فكان العموم أولى. وهذا قول","vol":"3","page":23},{"text":"ضعيف، إذ الجمع بين القرآن والحديث ما أمكن أولى من حمله على التعارض وإطراح أحدهما. وأما الشيء الذي يجب فيه إذا بلغ خمسة أوسق العشر أو نصف العشر فقد اختلف فيه وهي حبوب وثمار. وأما الحبوب فلا خلاف بين العلماء في وجوب الزكاة في القمح والشعير لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾. وقد ذكر الزرع قبل ذلك واختلفوا في ما عداهما. فمالك وأبو حنيفة والشافعي وغيرهم رحمهم الله تعالى قاسوا عليها سائر الحبوب المدخرة والمقتاتة، ولم يقس غيرهم فلم ير زكاة في ما عداهما من الحبوب وهو قول سفيان الثوري والحسن وابن سيرين والشعبي وإليه ذهب أوب عبيد.\nوقد روي ذلك عن أبي موسى عن النبي ﷺ مرفوعًا. وقال الأوزاعي: أن الزكاة في القمح والشعير والسلت خاصة. وقال الليث: كل ما يختبز ففي حبه الصدقة. واختلف قول أصحاب مالك في العلس وزريعة الفجل وزريعة الكتان وزريعة القرطم هل فيها زكاة أم لا. وأما الثمار فالشافعي وابن وهب لا يريان الزكاة إلا في ثمار النخيل والأعناب","vol":"3","page":24},{"text":"التي لا خلاف بين العلماء في وجوب الزكاة فيها. ولعموم الآية ولما ورد من الأخبار فيها منها قوله ﵊: «ليس في ما دون خمسة أوسق صدقة» فدل أن الصدقة تجب في ما يوسق ويدخر قوتًا من الأقوات. وفي بعض الروايات هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري: ليس في ما دون خمسة أوسق من التمر صدقة. فخصص التمر والزبيب مقيس عليه وقال بعض العلماء ذكر التمر في حديث أبي سعيد الخدري محمول عند أهل العلم على أنه يوسق مما عدا التمر. ومالك يراها فيهما وفي الزيتون. وابن حبيب يراها فيهما وفي الرمان وفي جميع الثمار الثمانية كان مما يدخر أو لا يدخر وهو قول ابن الماجشون لظاهر قوله تعالى: ﴿وهو الذي أنشأ جنات معروشات﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾ بعد أن ذكر الرمان في ما ذكر.\nوأبو حنيفة يراها في كل ما أنبتت الأرض مما يؤكل بقول النبي ﷺ: «فيما سقت العيون والسماء العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر» وحجة الجمهور من الاقتصار على إيجاب الزكاة في الثمار الثلاثة عمل أهل","vol":"3","page":25},{"text":"المدينة. وقوله ﵊: «ليس في الخضروات صدقة» ومن حجة من أوجب الزكاة فيما عدا ذلك أنه تعالى لما ذكر في الآية الجنات وهي تحتوي على جميع النبات وذكر مع ذلك الزرع والنخيل والزيتون والرمان ثم قال بعد ذلك: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ أن المراد الحبوب فإن الحصاد لا يطلق حقيقة إلا عليه. وإنما يطلق على ما دونه مجازًا. وقد يمكن أن يراد بالحق في قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ الإنفاق من ذلك على نفسه وقرابته وصرفه في الوجوه الواجبة. فمن أين أن ذلك في العشر ونصف العشر. وإذا احتمل هذا لم يصح الاحتجاج بالآية في الزكاة. وقد اختلف فيما يأكله الرجل من ثمره أو زرعه قبل الجزاء والحصاد هل يحسب عليه أم لا على قولين. المشهور من المذهب أنه يحسب وقال الليث والشافعي لا يحسب عليه ويترك له الخارص ما أكله أهله رطبًا ولا يخرصه. قال الشافعي: قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ على العموم. أي أتوا جميع المأكول والباقي. والخلاف عندي في هذا يترتب على الذي يتعلق به قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ فمن علقه بآتوا رأى أنه لا يترك لهم شيء. ومن علقه بحق رأى أنه يترك لهم. وإذا علقنا يوم حصاده بآتوا ففيه أن الزكاة ينبغي إخراجها عند الحصاد","vol":"3","page":26},{"text":"والجذاذ والأمر عند العلماء بذلك أمر ندب. وأما إيجابه فلا أذكره قولًا لأحد.\nوقد استدل بعض الشيوخ بهذه الآية على إبطال قول أبي حنيفة في أن الأرض المكتراة للزراعة لا زكاة على المكترى فيما رفع من زرعها وإنما زكاة ذلك الزرع على صاحب الأرض المكري لها. وذلك قوله في أرض الخراج. وقال الشيخ لأنه تعالى قال: ﴿حقه﴾ فأضاف الثمن إلى الخراج من الأرض فاقتضى ذلك إجابة في المضاف إليه وهو الخارج من الأرض لا في الأرض.\nوقوله تعالى: ﴿ولا تسرفوا﴾ من جعل الآية في الزكاة المفروضة جعل النهي على الإسراف إما للناس في المنع من أداء الزكاة وبه قال ابن المسيب، وإما للولاة في الاشتطاط على الناس والأذاء لهم وبه قال ابن زيد. وكلا الفعلين من الناس ومن الولاة إسراف في الفعل ومن جعل الآية على جهة الندب أو الإيجاب في حقوق غير الزكاة المفروضة فعلى أن النهي للناس عن الإسراف لما في ذلك من الإجحاف بالأموال والإتلاف لها. وروي أن الآية نزلت لأن ثابت بن قياس ابن شماس صرم خمسمائة نخلة ثم قال: والله لا جاءني اليوم أحد إلا أطعمته. فأمسى وليس عنده تمر فنزلت. ومن قال إن الآية منسوخة رأى أن النهي كان في وقت حكم الآية. فهذه أربعة أقوال في الآية. وقيل معناها لا تحرموا ما حرمت الجاهلية من الأنعام وهو قول مجاهد. وقيل معناها: لا تنفقوا","vol":"3","page":27},{"text":"أموالكم فيما لا يحل لكم لأنه قد أخبر عنهم أنهم قالوا هذا لشركائنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>(١٤٣) - قوله تعالى: ﴿من الضأن اثنين ومن المعز اثنين﴾:</span>\nاستدل بها ابن لبابة على أن الضأن والمعز صنفان لا يجمعان في الزكاة لأنه تعالى قال بعد ذلك ﴿ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين﴾ قال فلو كان المعز من الضأن لكان البقر من الإبل إذ لا فرق بين ذلك في التلاوة، والجمهور على مخالفته في هذا ويقولون هي صنف واحد في الزكاة ولا يرون في الآية حجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>(١٤٥) - قوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإن ربك غفور رحيم﴾:</span>\nهذه الآية نزلت يوم عرفة في حجة الوداع وقيل إنه لم ينزل بعدها ناسخ لها. ووجه القول فيها إن قوله تعالى: ﴿قل لا أجد﴾ الآية اقتضت أن المحرمات هي المذكورات فيها. واقتضت عند قوم تحليل ما عداها وهم الجمهور لأن دليل خطابها أقوى أدلة الخطاب.\nوزعم بعض المنكرين لدليل الخطاب أنها لا تقتضي تحليل ما عداها والذين ذهبوا إلى القول الأول لما رأوا أنه قد جاءت في القرآن والحديث محرمات أخرى كالمنخنقة والموقوذة والخمر والحمر والأهلية ولحم بني آدم أشكل تأويل الآية علهم فاختلفوا في ذلك. فذهب قوم إلى أنها منسوخة بالسنة وذلك لما جاء عن النبي ﷺ من تحريم أشياء كأكل الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع ونحو ذلك وهذا قول ضعيف لأوجه","vol":"3","page":28},{"text":"منها: نسخ القرآن بالسنة غير المتواترة منها كثير، ومنها أنه يمكن الجمع بين ما حرم النبي ﷺ وما حرم الله تعالى في سائر القرآن وبين هذه الآية. ورأى حاجة إلى النسخ مع إمكان الجمع. ومنها أنه خبر، والأخبار لا تنسخ. وذهب الجمهور إلى أنها محكمة واختلفوا فيما تقتضيه. فرأى قوم أنها تقتضي الحصر وأن كل ما حرم الله تعالى محصور فيها وأن ما عدا ذلك إنما تحريمه تحريم كراهة وتنزيه كلحم الحمر لأنها كانت تأكل العذرة فكره أكلها لذلك. وكلحم السباع لأنها تقسي القلب ونحو ذلك. وإلى هذا ذهب سعيد بن جبير والشعبي. ورأى قوم أنها خرجت على سبب لأنها جواب لقوم سألوا عن أشياء فأخبروا عنها فقد لا تقتضي وما جاء من سائر المحرمات مضموم إليها. وإلى نحو هذا ذهب الشافعي. ويحتمل أن يكون تعالى إنما أخبر بأنه لا يجد محرمًا في وقت ما غير ما ذكر. وأما الذين ذهبوا إلى أنها لا تقتضي التحليل فقالوا إن الآية مقتضاها نفي التحريم على ما عدا المستثنى منها بالتحريم وذلك يقضي في إثبات التحليل في غيره وعندنا أن الأشياء قبل ورود الشرع غير محرمة وليس ذلك بتصريح بأنها محللة بل لغرض نفي الحكم والبقاء على الأصل قبل ورود الشرع. وبين الأصوليين في هذا نزاع وإلى هذا يذهب من يتغلغل في إنكار دليل الخطاب لأن دليل الخطاب في الآية تحليل ما عدا المذكور فيها.\nوقد قيل: المعنى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا مما كنتم تستبيحون وتناولون ولا تعدونه من الخبائث محرمًا إلا هذه الأمور.","vol":"3","page":29},{"text":"فعلى هذه التأويلات لا تقتضي الآية التحليل فيما عدا المذكور، وما ورد من سائر المحرمات مضاف إليها. وعلى ما ذكرناه من الاختلاف في تأويل الآية ينبني اختلاف العلماء في تحريم أشياء وتحليلها. فمن ذلك السباع اختلف فيها. فعندنا فيها روايتان: أحدهما الكراهة والثانية التحريم. وأبو حنيفة يقول بالتحريم وذهب الشافعي إلى أن الضبع والثعلب حلال دون غيرهما. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت لا ترى بلحوم السباع والدم ويكون في أعلى العروق بأسًا. وقرأت هذه الآية ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾ الآية. فالقول بالتحليل على القول بدليل خطاب الآية. ولكن مالكًا ذهب إلى الكراهة إذ لم يقو عنده دليل الخطاب ورأى ما يعارضه. والقول بالتحريم على ما جاء عن النبي ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع. وفي حديث الموطأ: «أكل كل ذي ناب نت السباع حرام». وفي هذا الحديث ضعف ومن قال بهذا رأى الآية إما منسوخة وأما مخصوصة بزمان وإما خارجة عن سبب وإما لم يقم بدليل خطابها. ومن ذلك كل ذي مخلب من الطير، اختلف فيه. فعندنا أن أكله حلال وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه حرام. وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾ الآية. فأما ما جاء عن النبي ﷺ من النهي عن أكل كل ذي مخلب من الطير فلعله نهي تنزيه إذ قد يصيد من ذوات السموم ما يخشى منه على أكلها. وحجة القول بالتحريم قول الصحابة رضي الله تعالى عنهم: نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، ورأى من قال ذلك النهي على التحريم، وفيه خلاف بين","vol":"3","page":30},{"text":"الأصوليين هل هو على التحريم أو هو على الكراهة ما لم يدل دليل. وتأولوا الآية على أحد الوجوه التي قدمناها وفي الاحتجاج أيضًا بحديث النهي خلاف بين الأصوليين لأنه لم ينقل لفظ النبي ﷺ وإنما هو من قول الراوي.\nومن ذلك الحمر الأهلية اختلف في أكلها. وفيها في المذهب روايتان: التحريم والكراهة المغلظة. والتحريم قول أبي حنيفة والشافعي وأجاز ابن عباس أكلها واحتج بقوله: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾ الآية. قال عمرو بن دينار: قلت لجابر بن زيد: أنتم تزعمون أن النبي ﷺ نهى عن تحريم الحمر الأهلية قال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمر والغفاري عندنا عن رسول الله ﷺ ولكن أبى ذلك البحر -يعني ابن عباس- وقرأ: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾ الآية. فوجه التحريم ما جاء في الحديث من أنه ﵊ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية. وفي بعض الطرق حرم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهلية وهذا النهي مؤكد بظاهر القرآن في قوله ﷿: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨] فذكر المنافع التي فيها. ولو كان أكلها مباحًا لنبه عليه وذكر وجه المنة به. والآية على هذا القول تتأول على أحد الوجوه","vol":"3","page":31},{"text":"التي ذكرنا. والقول بالكراهة وجه مراعاة ظاهر الآية ﴿قل لا أجد﴾ وما وقع بين الصحابة من الاضطراب في النهي عن لحوم الحمر الأهلية لأن منهم من رأى النهي عن ذلك نهي تحريم آت لا لسبب، ومنهم من رآه لأنها لم تكن خمست، ومنهم من رآه لأنها كانت حمولة الناس فخيف عليها الفناء وذلك لأنه ﵊ قيل له ذلك فنهى. ومنهم من رآه من أجل جوال القرية. وخرج أبو داود عن النبي ﷺ أنه علل بذلك.\nوالبغال حكمها حكم الحمير على ما ذكرناه. ومن ذلك الخيل اختلف في أكلها. ففي المذهب الكراهة وعند أبي حنيفة والشافعي الإباحة وقال الحكم: حرم القرآن الخيل وتلا قوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨]. وما خرج النسائي وأبو داود أنه ﵊ قال: «لا يحل أكل لحوم الخيل والبغال والحمير» وقال النسائي فيه يشبه إن كان صحيحًا أن يكون منسوخًا لأن قوله أذن في لحوم الخيل دليل على ذلك. وتعلق من أباح بما جاء عن ﵊ أنه نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل. وبقوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾ الآية ولما رأى أصحابنا اختلافًا لهذه الأحاديث وما تحتمله الآي من التأويل. وكان حديث الإباحة أصح، مالوا إلى الكراهة. وقد اختلف في أشياء منها الأرنب. الجمهور على الجواز وابن أبي","vol":"3","page":32},{"text":"ليلى على الكراهة. والضب: الجمهور على الجواز وأبو حنيفة على الكراهة. والقنفد واليربوع والفأرة اختلف أيضًا فيهن ومن حجة من أجاز شيئًا من ذلك قوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾ الآية وقد مر الكلام على سائر أحكام هذه الآية بما أغني عن إعادته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>(١٤٦) - قوله تعالى: ﴿ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهروهما أو الحوايا﴾:</span>\nبهذا يحتج الشافعي في أن من حلف أن لا يأكل الشحم حنث بأكل ما على الظهور لاستثناء الله ﷿ ما على الظهور من جملة الشحم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>(١٥١) - قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾:</span>\nالذي يوجب قتلها وهذا لفظ مجمل قد بينه النبي ﷺ فقال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس».\nوهذا الحديث يقتضي انحصار القتل في هذه الثلاثة الأشياء كما اقتضى قوله تعالى: ﴿قل لا أجد﴾ انحصار التحريم فيما ذكره، والقول فيه كالقول في الآية. فلا سنكر أن يكون ثم وجه آخر للقتل غير ذلك. وما أتى من ذلك فهو زيادة بيان لا نسخ. قال بعض شيوخنا: وقد ذكر علماؤنا أن","vol":"3","page":33},{"text":"أسباب القتل عشرة منها ما هو متفق عليها ومنها ما هو مختلف فيها. فما زاد من ذلك على الثلاثة المذكورة في القرآن فهو بيان ومثل قتل المحارب هو مضاف إلى ما ورد في الحديث كذلك سائر ما يرد من أسباب القتل. إلا أنه قد مكن أن يقال في المحارب أنه داخل تحت قوله ﵊: «وقتل نفس بغير نفس».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>(١٥٢) - قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده﴾:</span>\nقوله: ﴿التي هي أحسن﴾: قال الضحاك والسدي: أن يتجر فيه. قال بعضهم تدل هذه الآية على أنه يجوز للوصي أن يدفع مال اليتيم مضاربة. وقال ابن زيد: يأكل منه إن افتقر ولا يأكل إن استغنى وقد قال بعضهم إن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾. وهو قول ضعيف لأن المخالطة المباحة في هذه الآية هي: التي هي أحسن في الآية الأخرى. ومن فقه هذه الآية أن لا يقرب مال اليتيم إلا بما يصلحه ويوفره ولا يستسلفه منه الوصي ولا يشتري منه شيئًا. وأجاز مالك رحمه الله تعالى في اليسير، ولم يجزه في الكثير. واختلف في المراد بالأشد. فقيل بلوغ الحلم مه أن لا يثبن سفه. وقيل بلوغ الحلم وإيناس الرشد. والقولان في المذهب. وقال السدي: الأشد ثلاثون سنة، وقيل ثلاث وثلاثون سنة وروي أيضًا عن السدي. وقيل الأشد من خمسة عشر إلى ثلاثين، كذا ساق المفسرون الخلاف في الأشد في هذا الموضع.\nوالذي يليق بلفظ الآية ها هنا أن يكون الأشد أحد القولين الذي ذكرنا","vol":"3","page":34},{"text":"أولًا. وقال بعضهم: بلوغ الأشد هو البلوغ وأن الأشد والكمال لا يعرف إلا به. وأبو حنيفة يقول: بلوغ الأشد بلوغ خمس وعشرين سنة وهذا تحكم منه لا وجه له ولا دليل عليه لا لغة ولا شرعًا. وفي الكلام حذف. والمعنى فإذا بل أشده فادفعوا إليه ماله وهذا من أقوى درجات أدلة الخطاب، والمنكر له قليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>(١٥٢) - وقوله تعالى: ﴿وأوفوا الكيل والميزان بالقسط﴾:</span>\nأمر بالاعتدال في العطاء والأخذ. والقسط: العدل. وقوله: ﴿لا نكلف نفسًا إلا وسعها﴾ يقتضي أن الأوامر المتقدمة إنما هي فيما يقع تحت الوسع من الحفظ لا أنه مطالب بغاية العدل في الشيء المتصرف. وفي هذا دليل على إبطال القول بتكليف ما لا يطاق. وقوله تعالى: ﴿وإذا قلتم فاعدلوا﴾ قيل: معناه إذا توسطتم بين الناس. وقيل: يعني به الشهادة. والآية عندي متضمنة للقولين. ﴿وبعهد الله أوفوا﴾. يريد ما عهد به تعالى إلى عباده. ويحتمل أن يريد العهد مطلقًا كان بين الله وبين عباده أو بين بعض الناس وبعض وإضافته إلى الله تعالى من حيث قد أمرنا بالوفاء به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>(١٥٩) - قوله تعالى: ﴿إن الذين فوقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبؤهم بما كانوا يفعلون﴾:</span>\nاختلف في الذين فرقوا دينهم. فقيل اليهود والنصاري أي فرقوا دين إبراهيم الحنيفية إذ هو دين الله تعالى الذي ألزمه للعباد. فهو دين جميع","vol":"3","page":35},{"text":"الناس بهذا الوجه ووصفهم بهذا الشيع إذ كل طائفة منهم على فرق. وبينهم اختلاف وهو قول ابن عباس والضحاك وقتادة. وقيل هم أهل البدع والأهواء والفتن ومن جرى مجراهم من أمة سيدنا محمد ﷺ أي فرقوا دين الإسلام وهو قول أبي الأحوص وأم سلمة. قوله تعالى: ﴿لست منهم في شيء﴾ أي لا تشفع لهم ولا لك بهم تعلق وهذا في الكفار على التحقيق وفي العصاة على جهة المبالغة.\nوقوله تعالى: ﴿إنما أمرهم إلى الله﴾. وعيد محض. واختلف في الآية هل هي منسوخة أو محكمة. فقال السدي منسوخة لأنه لم يؤمر فيها بقتال فهي منسوخة بالقتال. وروي نحوه عن ابن عباس. وقيل بل الآية محكمة لأنها خبر والأخبار لا تنسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>(١٦٠) - وقوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾:</span>\nاختلف فيمن جاءت هذه الآية. فقيل فيمن آمن من الأعراب بعد الهجرة وضاعف لهم الله الحسنة بعشر أمثالها وكان المهاجرون قد ضوعفت لهم الحسنة بسبعمائة ضعف. وقالت فرقة هذه الآية لجميع الناس ثم بعد هذا الذي شرط يزيد ما شاء وينقص ما شاء لمن شاء. وهذا أظهر ما في الآية.","vol":"3","page":36},{"text":"واختلف في الحسنة والسيئة ما هما. فقيل الحسنة لا إله إلا الله، والسيئة الكفر. وقيل ذلك لفظ عام في جميع الحسنات والسيئات. وهذا هو الأظهر. والله تعالى الموفق للصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>(١٦٢) - (١٦٣) - قوله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له﴾:</span>\nاستدل به الشافعي على افتتاح الصلاة بهذا الذكر فإن الله تعالى أمر به نبيه ﷺ وأنزله في كتابه. وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا افتتح الصلاة قال: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين».\nوروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه كان ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك» وعن مالك رحمه الله تعالى في قول هذا بين التكبير والقراءة روايتان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>(١٦٤) - قوله تعالى: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾:</span>","vol":"3","page":37},{"text":"جاء عن النبي ﷺ: «إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه» اختلف العلماء في تخريج هذا الحديث مع الآية. فقال قوم: معناه أن يوصي الميت به فيعذب حب بفعل نفسه ولا بفعل غيره. هو قول أهل الظاهر وأنكروا قول عائشة رضي الله تعالى عنها في حملها الحديث على ظاهره وإنكارها على ابن عمر روايته حتى قالت: رحم الله أبا عبد الرحمن أما أنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ، الحديث. وأخذوا بقول عمر وابن عمر إن الميت يعذب بما ينح عليه وتأولوه على ما ذكرناه. وقال قوم: معناه أن يمدح الميت بالبكاء عليه كما كان يمدح به في الجاهلية من الفتكات والغارات والغدرات وغير ذلك من الأفعال التي هي عند الله تعالى ذنوب فيعذب هو من أجلها. وقال قوم: معناه أن الميت يتعذب ويتحزن ببكاء أهله عليه ويسوؤه إتيانهم بما يكرهه الله تعالى. فهذه النعوت على هذا القول إنما هو التعذيب من الباكي عليه لا من الله تعالى. وذهب قوم إلى حمل الحديث على ظاهره من أن الميت يعذب ببكاء الحي عليه وأنكروا روايته. وذهبوا إلى أنه لا يعذب أحد بفعل غيره وأن الميت لا يعذب ببكاء أهله عليه وهو قول ابن عباس وإليه ذهبت عائشة وأنكرت الحديث المروي في ذلك واحتجت بقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وجاء عنها رضي الله تعالى عنها حديثان في إنكار ذلك أحدهما أن رسول الله ﷺ إنما قال: «إن الله تعالى يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه» والثاني أنها قالت: إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية يبكي عليها أهلها فقال: «إنهم ليبكون","vol":"3","page":38},{"text":"عليها وأنها لتعذب في قبرها» وفي حديث آخر إنما قال رسول الله ﷺ: «إنه لا يعذب بخطيئته وذنبه وأن أهله ليبكون عليه» ويبقى الحديث الأول الذي ذكرته عائشة رضي الله تعالى عنها الاعتراض الذي اعترضته هي في حديث ابن عمر بأن الكافر أيضًا لم يعذب بفعل غيره والجواب عنه إنما يعذب باستجابه لذلك لا بذنب غيره. وإذا كان هذا التأويل في الكافر فكذلك يكون في المؤمن ولا ينكر الحديث.\nواختلف في الصلاة خلف الفاسق هل يجزئ أم لا. وحجة من أجاز قوله تعالى: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ واختلف أيضًا في ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام. وأنكر بعضهم القول بالارتباط وقال إنه في غاية الفساد لأنه قول بلا دليل بل البرهان يبطله لقوله تعالى: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. وقد أجمعوا أ، طهارة الإمام وقيامه وقعوده وركوعه وسجوده لا ينوب عن نيته ولا نيته شيء من ذلك على المأموم فلا معنى للارتباط. والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":39},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>سورة الأعراف</span>\nاختلف فيها، فقيل هي مكية كلها قاله الضحاك وغيره وقيل هي مكية إلا قوله تعالى: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر﴾ إلى قوله تعالى: ﴿من ظهورهم ذريتهم﴾ فإنها مدنية. وفيها مواضع من الأحكام والناسخ والمنسوخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>(٢٠) - قوله تعالى: ﴿ما نهاكما ربكما عن تلكما الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين﴾:</span>\nاستدل بعض الناس بهذه الآية على أن الملائكة أفضل من الناس وهي مسألة قد تنازع الناس فيها وكل يتمسك من ذلك بظواهر من الآية. وقال ابن فورك: لا حجة في هذه الآية لأنه يحتمل أن يريد بقوله: ملكين في أنه لا يكون لهما شهوة طعام.","vol":"3","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-417>(٢٢) - قوله تعالى: ﴿فلما ذاقا الشجرة﴾:</span>\nاستدل بضعهم بهذه الآية على أن من ذاق الخمر فهو عاص ورد بذلك على من زعم أنه إذا ذاقها فليس بعاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>(٣) قوله تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم﴾:</span>\nاستدل بعضهم على أن المباح داخل تحت الأمر خلافًا لمن لم ير ذلك. قال: لأن المباحات من جملة ما أنزل الله تعالى وقد أمرنا باتباعه. ويحتمل أن يقال إن اعتقاد الإباحة في المباحات وتميزها عن الأوامر والنواهي واجب وذلك هو المعنى في اتباع ما أنزل إلينا. وقال وكذلك ما أنزل إلينا فيشتمل على ما يتلى وهو القرآن وما لا يتلى وهو السنة والكل من عند الله تعالى فلا يحتمل على هذا نسخ القرآن بالسنة خلافًا لمن منعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>(١٢) - قوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾:</span>\nاستدل به بعضهم على أن الأمر إذا تعرى عن القرائن أصله وخلق فيه الكفر خلافًا للمعتزلة ويحتمل بأن يراد بقوله: ﴿أغويتني﴾ حكمت بغوايتي، ويحتمل أن يريد أهلكتني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>(٢٦) - (٣٢) - قوله تعالى: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة﴾:</span>\nخاطب الله تعالى بهذه الآية جميع الناس. والمراد من كان من العرب","vol":"3","page":41},{"text":"يتعرى عند الطواف بالبيت. وذكر بعضهم أن الذين كانوا يفعلون ذلك ثقيف وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة وبنو مدلج وعامر أو الحارث ابنا عبد مناف. وهذه كانت عادة رجالهم ونسائهم. قال مجاهد ففيهم نزلت هذه الأربع آيات. وقيل إن الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة قريش. وقيل كان ذلك من عادة قبيلة من اليمن. وقيل كانت العرب تطوف عراة إلا الحمس ومن والاها وهذا أصح ما في الآية. لأن قريشًا وسائر الحمس بعد عام الفيل سنوا سننًا تعظيمًا لحرمتهم منها أن لا يطوفوا عراة. وكان العري غيرهم إما يعيره أحد من الحمس ثوبًا يطوف به وإما أن يتعرى وإما أن يطوف في ثياب ثم يلقيها، وكان هذا الأمر عند العرب قربة. فكانت تقول: نطوف عراة كما خرجنا من بطون أمهاتنا ولا نطوف بثياب قد تدنسنا فيها بالذنوب. وقال بعضهم كانوا إذا حجوا نزعوا ثيابهم فرموا بها ثم طافوا عراة فإذا قضوا نسكهم لم يلبسوها وتركوها ملقاة تدوسها الأرجل حتى تبلى. وكانوا يقولون إنها ثياب قد مارقنا فيها الآثام فلا نعود فيها ويسمون تلك الثياب التي كانوا يلقونها عن ظهورهم اللقا.\nقال الشاعر:\nكفى حزنًا كرى عليه كأنه ... لقي بين أيدي الطائفين حريم\nوكانت المرأة تطوف عريانة حتى إن إحداهن تقول:","vol":"3","page":42},{"text":"اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله\nقيل والمرأة منهم كانت تتعرى وتشد في حوقيها شيئًا من سيور مطقة تسمى العرب ذلك الرهط. وأنشد البيت المذكور كانت تطوف وعليها رهط فنهى الله ﷿ عن ذلك. ونودي سنة تسع بأمر رسول الله ﷺ: «لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>(٢٦) - قوله تعالى: ﴿لباسًا﴾:</span>\nفيه تأويلان: أحدهما: أن يريد فأنزلنا خلقنا كقوله تعالى: ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد﴾ [الحديد: ٢٥] لأن خلق الله تعالى وأفعاله إنما هو في علو في القدر والمنزلة. والثاني: أن يريد أنزلنا ما يكون عنه اللباس وهو المطر فتجاوز المطر إلى اللباس فأوقع الإنزال عليه وهذا يسمى في كلام العرب التدريج ومثله قول الشاعر:\nالحمد لله العلي المنان ... صار الثريد في رؤوس العيدان\nوقوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمرًا﴾ [يوسف: ٣٦].","vol":"3","page":43},{"text":"- وقوله تعالى: ﴿وريشًا﴾:\nاختلف فيه فقيل هو المال وقيل هو الجمال وقيل الأثاث. والأليق به أن يقال هو عبارة عن سعة الرزق والتمتع في العيش واتخاذ الملابس، وأصله من ريش الطائر.\n- وقوله تعالى: ﴿ولباس التقوى﴾:\nاختلف فيه أيضًا فقيل العمل الصالح وقيل الإيمان وقيل السمت الحسن في الوجه وقيل الحياء وقيل الخشية لله تعالى وقيل هو لبس الصوف وخشن الثياب وكل ما فيه تواضع لله تعالى وقيل هو العفاف وقيل هو استشعار تقوى الله تعالى في ما أمر به ونهى عنه وقيل هو السلاح وآلة الجهاد وقيل هو ستر العورة وقيل هو الورع والسمت الحسن في الدنيا. فهذه عشرة أقوال. وقوله: ﴿ذلك خير﴾ أي لباس التقوى خير من الثياب.","vol":"3","page":44},{"text":"- قوله تعالى: ﴿قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم﴾:\nاستدل به كثير من الفقهاء على وجوب ستر العورة. قالوا لأنه تعالى قال: ﴿يواري سوءاتكم﴾ وذلك إشارة إلى وجوب الستر ورد غيرهم هذا الاستدلال وقال إنما ذكر الله تعالى هذا تنبيهًا لعباده على ما أنعم به عليهم من اللباس فقط. واحتج أيضًا من أجب الستر بقوله تعالى: ﴿لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما﴾. وقال من رد هذا الاستدلال إنما ذكر الله تعالى ذلك على جهة التحذير من زوال النعم. قال: وأيضًا فإنما جاء هذا في شرع أدم ﵇ ولم يثبت أن شرعه لازم لنا.\nوقوله: ﴿سوءاتكم﴾ يحتمل أن العورة من الرجل سوءتان خاصة. وهي مسألة قد اختلف فيها فقيل العورة السوءتان فقط وهو قول داود ومن حجته ما قدمناه لأنه تعالى إنما ذكر مواراة السوءات خاصة فدل على أن","vol":"3","page":45},{"text":"ما عداهما لا تجب مواراته. ورأى إن إطلاق اللفظ إنما يقع على القبل والدبر، وأما المرأة فقصتها أخرى. وقد قال تعالى فيهن: ﴿ولا يبدين زيتنهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١]. وقيل العورة منه السوءتان والفخذان وهو قول بعض أصحاب مالك. وقيل ما بين السرة والركبة هي العورة وهو المشهور في المذهب وبه يقول الشافعي وأبو حنيفة وقيل من الركبة إلى الفخذ مع السرة عورة. والحجة لما في المذهب ما جاء في الحديث المبين لكتاب الله تعالى من قوله ﵊: «ما بين السرة والركبة عورة» وقوله ﵊ لجرهد: «غط فخذك فإن الفخذ عورة» وإن كان قد جاء عن ﵊ ما يعارض ذلك ولكنه ضعيف. وأما عورة المرأة فسنتكلم عليها في سورة النور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>(٢٧) - وقوله تعالى: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾:</span>\nاستدل بعضهم بهذه الآية على أن الجن لا يرون لقوله: ﴿من حيث لا ترونهم﴾. قال ومن قال إنهم يرون فهو كافر. وقيل جائز أن يروا لأن الله تعالى إذا شاء أن يريهم كشف أجسامهم حتى ترى. وقد جاءت في رؤيتهم أخبار صحاح.","vol":"3","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-423>(٢٩) - وقوله تعالى: ﴿وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد﴾:</span>\nاختلف في تأويله فقيل أراد التوجه إلى الكعبة. قاله مجاهد وغيره وقيل أراد إحضار النية إلى الله تعالى في كل صلاة كما تقول وجهت وجهي لله قاله الربيع. فلا يكون الوجه هنا الجارحة بل المراد به المعتقد. وقيل المراد بهذا اللفظ إباحة الصلاة في كل موضع من الأرض أي حيث كنتم فهو مسجد لكم تلزمكم عند الصلاة إقامة وجوهكم فيه. وقال قوم سببها أن قومًا كانوا لا يصلون إلا في مساجدهم بين قبيلتهم فإذا حضرت الصلاة في غير ذلك من المساجد لم يصلوها فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>(٣١) - وقوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾:</span>\nاختلف في الزينة هنا: فقيل: الثياب الساترة، قال مجاهد والسدي. وقال بعضهم: الزينة ما يتجمل به ويدخل فيها ما كان من أخذ الطيب للجمعة والسواك ويدل الثياب وكل ما وجد استحسانه في الشريعة ولم يقصد به مستعمله الخيلاء. وذكر بعضهم حديثًا في أن معنى قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم﴾ صلوا في النعال. وإذا قلنا إن المراد بالزينة ما يتجمل به ففي","vol":"3","page":47},{"text":"ضمن الأمر بالزينة الأمر بالستر. وظاهر هذا أن أخذ الزينة عند كل مسجد إنما هو للفعل الذي يتعلق بالمسجد وللمسجد تعظيمًا لهما. والفعل الذي يتعلق بالمسجد الاعتكاف والصلاة والطواف وإذا صح أن الأمر بذلك للوجهين جميعًا لم يدل ظاهر ذلك على وجوب ستر العورة في الصلاة مطلقًا مع أن القدر الذي يستر العورة لا يسمى زينة وتجملا. وكثير من الفقهاء رأوا في ذلك دلالة على وجوب ستر العورة مطلقًا ولم يشترطوا المسجد. وقالوا لأن الأمر بذلك عند كل مسجد لم يكن لعين المسجد وإنما كان للفعل الواقع في المسجد وهو على الاعتكاف والصلاة والطواف. وإذا لم يجب الستر للمسجد وإنما وجب لأجل ما عظم له المسجد وهو الصلاة. فقد وجب الستر للصلاة وإذا وجب لها كان شرطًا في صحتها إلا أن الدليل قام على أن الزيادة على ستر العورة التي يقتضيها لفظ الزينة قد قام الدليل على أنها غير واجبة يبقي مقدار الستر واجبًا. وقال بعضهم: عند كل مسجد يريد عند كل موضع سجود إشارة إلى الصلوات. وإذا قلنا إن الآية في الأمر بستر العورة للصلاة فقد اختلف هل سترها فرض من فروض الصلاة أم من سننها. فبين أصحاب مالك في خلاف واحتج من يرى ذلك فرضًا بهذه الآية: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ فأمر بالستر عند الصلاة وهذا مبني على الخلاف في الأمر هل هو على الوجوب أم لا. فأم أن ستر العورة فرض في الجملة فلا خلاف في ذلك. واختلف هل يجب على الإنسان ستر عورته في الخلاء كام يجب في الملأ.","vol":"3","page":48},{"text":"فلم يوجبه الجمهور ورأوا أن المنع من الكشف إنما هو من أجل الناس وإذا لم يكونوا جاز. وذهب قوم إلى أنه يجب ومن حجتهم ما يقتضيه قوله تعالى: ﴿يواري سوءاتكم﴾ وسائر الآيات نزلت بستر العورة وذلك على العموم حتى يدل دليل على التخصيص. وأيضًا فإن قوله تعالى في أثناء الكلام في الشيطان أنه ﴿يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ دليل على ذلك. لأنه إن كانت العلة في الستر خوف الرؤية في الخلاء رؤية الشيطان موجودة فينبغي أن لا ينكشف. واختلف في المرأة تصلي بغير قلادة أو قرطين. فلم يجزه قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾. وقد احتج مالك بالآية أيضًا في كراهية الصلاة في مساجد القبائل بغير أردية.\n- وقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا﴾:\nأمر تعالى بترك ما التزمته العرب من تحريم الودك واللحم في أيام المواسم. وقوله تعالى: ﴿ولا تسرفوا﴾ قد خصصه بعض المفسرين بأشياء. والصواب أن يحمل على عمومه في المحظور والمباح فمن تلبس بشيء من الحرام فهو مسرف بأول تلبسه، من تلبس بمباح فمن اقتصد فحسن ومن أفرط بزيادة أو نقصان فهو إسراف منهي عنه. ولذلك وقف النبي ﷺ بالموصى على الثلث. وقد اختلف من هذا في مسألة وهي صدقة الرجل بجميع ماله هل تجوز أم لا؟ فأجازه مالك ولم يجزه سحنون","vol":"3","page":49},{"text":"والحجة لمن لم يجزه قوله تعالى: ﴿ولا تسرفوا﴾ وهذا إسراف وقوله تعالى: ﴿والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. وهذا القول قد رجحه بعضهم لتعلقهم بظاهر الآي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>(٣٢) - وقوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾:</span>\nزينة الله تعالى هي ما سنته الشريعة. وفي قوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله﴾ دليل على جواز لباس كل ما يتزين به إلا ما خصصه الشرع. فمن ذلك لباس الحرير، وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال: الجواز والمنع والجواز للنساء والمنع للرجال وهو المشهور. وإذا قلنا بمنعه للرجال فهل يباح له في الحرب أو للحكة فيه قولان. ومن ذلك لباس الخز وقد اختلف فيه أيضًا فأجازه قوم وكرهه آخرون. وروي عن مالك جوازه وأنه كان يلبسه. ومن ذلك الثوب فيه على الحرير وقد اختلف فيه أيضًا. ومن ذلك الفرش المصورة والنمارق والستور ونحو ذلك وفيه خلاف. وبظاهر الآية يحتج من أجاز شيئًا من ذلك.\n﴿والطيبات﴾ اختلف فيها. فقيل المحللات وقيل المستلذات وهو قول الشافعي. وأن ما ساق الشافعي إلى هذا تحريم المستقذرات كالوزغ وغيره وشرط من قال بهذا في المستلذات أن تكون من الحلال. وقد تقدم الكلام على نحو هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>(٣٣) - وقوله تعالى بعد هذا: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي﴾:</span>\nوالفواحش القبائح البينة القبح. لأن العرب تقول قبيح فاحش فهو لفظ عام عطف عليه بعض ما يدخل تحت لفظه. وأيضًا فإن الإثم والبغي لفظان","vol":"3","page":50},{"text":"عامان قد يقعان على الفواحش فيحتمل أن يقال إنما جيء بذلك على جهة التوكيد وإن كان المعنى واحدًا كما قال تعالى: ﴿وغرابيب سود﴾ [فاطر: ٢٧] وقال الشاعر:\nمن دونها الناي والبعد\nويحتمل أن يقال الإثم والخمر والبغي التطاول على الناس، وعطف الخاص على العام كما قال تعالى: ﴿فيها فاكهة ونحل ورمان﴾ [الرحمن: ٦٨] ويحتمل أن يقال أراد بالفواحش الزنا وبالإثم الخمر وبالبغي التطاول على الناس فتكون هذه الألفاظ كلها علاقة أريد بها شيء خاص. وقد قال ذلك بعض المفسرين وقال بعضهم الفواحش: الكبائر والإثم: الصغائر ثم عطف على الأمرين ما يدخل لا فيهما وهو البغي بغير الحق. والمراد به أن يتجاوز من طلب الأمر الذي يحسن طلبه فإذا تجاوز فهو مذموم. وقد مر الكلام على قول من زعم أن الإثم الخمر والقول به في هذه الآية ضعيف. فإن هذه السورة مكية ولم يأت التحريم للخمر إلا في المدينة بعد أحد. لأن جماعة من الصحابة اصطحبوها يوم أحد وماتوا شهداء وهي في أجوافهم، وأيضًا إن تسمية الخمر إثم إنما هو ضعيف وبيت الشعر الذي أنشد في ذلك قد قيل إنه مصنوع وإن صح فهو على حذف مضاف.","vol":"3","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-427>(٥٥)، (٥٦) - قوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين * ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾:</span>\nأمر تعالى في هذه الآية بالدعاء ثم قرن بذلك صفات وهو قوله: ﴿تضرعًا﴾ وقوله: ﴿وخفية﴾. فالتضرع يقتضي الجهر بالدعاء لأنه إنما هو مع إعمال شيء من الجوارح في الطلب، والخفية أي في النفس خاصة. وقال بعض العلماء: التضرع والخفية في معنى السر جميعًا وقد أثنى تعالى على ذلك فقال: ﴿إذ نادى ربه نداء خفيًا﴾ [مريم: ٣] وقال ﵊: «خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي» وعلى الاختلاف في هذا التأويل اختلف السلف في الأفضل. فقيل الخفي هو الذي استحسن جماعة في الدعاء وكرهوا الجهر به فقالوا الذكر بالقلب أفضل. وروي عن عائشة: «لأن أذكر الله تعالى في نفسي أحب إلي من أن أذكره بلساني سبعين مرة». وقال آخرون ذكر الله تعالى باللسان أفضل، روي ذلك عن ابن مسعود.\nقال الطبري: والصواب أن إخفاء النوافل أفضل وقد استدل أصحاب أبي حنيفة على أن إخفاء التأمين في الصلاة أولى من الجهر بهذه","vol":"3","page":52},{"text":"الآية لأنه دعاء. والدليل عنه ما روي في تأويل قوله تعالى: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ [يونس: ٨٩] قال كان موسى يدعو وهارون يؤمن فسماهما الله تعالى داعين. وقد يجاب عن هذا بأن إخفاء الدعاء في غير الصلاة أفضل لأنه أبعد عن الرياء. وأما ما يتعلق بصلاة الجماعة فإظهاره أولى لأنه إظهار شعائر وحق يندب إلى إظهاره، وهذا كله على القول بأن قوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم﴾ في الدعاء المعروف. وقد قيل معنى ادعوا: اعبدوا تضرعًا وخفية أي باستغاثة واعتقاد وذلك في القلوب.\nوقوله تعالى: ﴿إنه لا يحب المعتدين﴾ يريد في الدعاء، وإن كان اللفظ عامًا. وأنواع الاعتداء بالدعاء كثيرة كالجهر الكثير المفرط. وقد قال ﷺ لقوم: «ارفقوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمًا ولا أعمى ولا غائبًا» ومنها الدعاء في معصية أو الدعاء في محال ونحو ذلك. وهذا الأمر بالدعاء أمر ندب. وعبر بعضهم عنه بأنه واجب. وقد اختلف في الدعاء هل فيه منفعة أم لا على ثلاثة أقوال: قيل لا منفعة فيه جملة ولا يغني عن الإنسان شيئًا وإنما هو عبادة تعبدنا الله تعالى وأوجبها علينا بقوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية﴾ ونحو ذلك من الآي كما أمر بالصلاة ونحوها من العبادات. واحتجوا أيضًا بقوله ﷺ: «جف القلم بما هو كائن». وقيل الدعاء على الإنسان واجب وهو يرد القضاء واحتجوا بقوله ﵊: «لا يرد على الإنسان واجب القضاء إلا إثر دعاء» ومن حجتهم قوله تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠]. وقيل هو واجب ولا يستجاب منه إلا ما وافق القدر. وضعف بعضهم هذ القول","vol":"3","page":53},{"text":"وقال إنه راجع إلى القول الأول. ورجحه أبو سليمان الخطابي وقال هو الصحيح. وهو مذهب أهل السنة والجماعة وبه يجمع بين الأحاديث الواردة في الدعاء على اختلافها. والكلام في هذه المسألة كالكلام على سائر أعمال الطاعات من صلاة وزكاة وصيام وغير ذلك وطلب الفائدة فيها مع القدر السابق بما هو كائن إلى يوم القيامة. وقد اختلف في رفع الأيدي في غير الصلاة، ففي المذهب قولان: الكراهة والجواز. فمن أجازه رآه من التضرع الذي أباحه الله تعالى والزيادة في الخشوع. ومن كرهه رآه من التضرع في الدعاء الذي نهى الله تعالى عنه. ورأى ابن عمر قومًا رافعي أيديهم في الصلاة فقال: من يتناول هؤلاء فوالله لو كانوا على رأس أطول جبل ما ازدادوا من الله قربًا. وإلى هذا ذهب جبير بن مطعم وابن المسيب. والذين أجازوا الرفع اختلفوا في الكيفية. فقيل ظهورهما مما يلي الوجه وبطونهما مما يلي الأرض. وإلى هذا ذهب مالك في المشهور عنه. وروي عن النبي ﷺ في ذلك حديث. وقيل بطونهما بما يلي الوجه. وروي عنه ﷺ أنه قال: «إذا سألتم الله تعالى فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها» وقال بعضهم إن كل ذلك واسع ومن حجتم عموم قوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم﴾ ولم يخص صفة من صفة. اختلفوا في الرفع إلى أين. فقيل إلى الصدر وقيل إلى الوجه. وجاء عن النبي ﷺ أنه كان","vol":"3","page":54},{"text":"يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه. ولم يحد بعضهم في ذلك حدًا ورأى الأمر واسعًا ومن حجته عموم الآية. فأما مسح الوجه في الدعاء فيأتي على قول من لا يرى رفع اليدين أن لا يمسح. ويحتمل على قول من رأى اليدين أن يقول يمسح على وجهه وقد جاء عن النبي ﷺ الأمر بالمسح على الوجه فقال: «إذا سألتم الله ﷿ فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها وامسحوا بها وجوهكم» فهذا منه ﵊ إشارة إلى أنه من التضرع الذي أمر الله تعالى به فقال: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>(٥٦) - وقوله تعالى: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾:</span>\nفهي عامة لا ينبغي أن تخصص بشيء من الإفساد دون شيء. وقد قال الضحاك هي مخصصة ومعناها لا تغوروا الماء المعين ولا تقطعوا الشجر المثمر ضررًا. ولعل هذا منه على جهة المثال. وقد ورد أن قطع الدنانير والدراهم من الفساد في الأرض. وقيل تجارة الحكام من الفساد في الأرض وقال بعضهم المراد ولا تشركوا في الأرض بعد أن أصلحها الله تعالى ببعثة الرسل وتقرير الشرائع ووضوح ملة محمد ﷺ.","vol":"3","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-429>(٨٠) - (٨٤) - قوله تعالى: ﴿ولوطًا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وأمطرنا عليهم مطرًا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين﴾:</span>\nالفاحشة هنا إتيان الرجال في أدبارهم ولم يكن هذا قط إلا في قوم لوط. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ وروي أنهم كانوا يأتون بعضهم بعضًا، وروي أنهم كانوا يأتون الغرباء وحكي أن إبليسًا كان أصل عملهم بأن دعاهم إلى نفسه وهذه الأمة التي يعزى إليها لوط ﵇ كانت تسمى سدوم. ولا اختلاف بين الأمة في تحريم هذا الفعل. واختلف في حد من فعله من الفاعل والمفعول به. فقال أبو حنيفة لا حد فيه وإنما فيه التعزير ويستودع السجن حتى يموت. وقال الشافعي حده حد الزاني ويعتبر فيه الإحصان من غير الإحصان. وروي عن مالك مثله. وقيل الحد فيه التحريق بالنار، وقد حرق أبو بكر رجلًا يسمى الفجاءة حين عمل عمل قوم لوط.\nوذهب مالك ﵀ في المشهور عنه إلى أنهما يرجمان أحصنا أو لم يحصنا. والحجة لمالك أنه تعالى عاقبهم بأن أمطر عليهم حجارة من سجيل وهو المراد بقوله في هذه السورة: ﴿وأمطرنا عليهم مطرًا﴾. إنما","vol":"3","page":56},{"text":"كان المطر حجارة ويؤيد هذا قوله في آية أخرى: ﴿وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل﴾ [الحجر: ٧٤] فإذا كان الله تعالى عاقبهم بالرجم بالحجارة في ذلك الوقت ولم يكن بد من حد في ذلك كان العقاب الذي عاقب به تعالى في ذلك الوقت أولى من إحداث عقاب آخر. ويؤيد هذا ما جاء عن النبي ﷺ: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فارجموا الفاعل والمفعول» فأما إن لاط الرجل بنفسه فأولج في دبره فعندنا أنه لا حد فيه وأنه يعزر. وقيل يقتل كما لولا بغيره وهو أحد أقوال الشافعي، وقيل كالزاني في الإحصان وهو أيضًا أحد أقوال الشافعي والحجة لمالك أن الآية نزلت في قوم يفعلون ببعضهم بعضًا فينبغي أن يقتصر بالعقوبة النازلة في ذلك على موضعها ولا يتعدى إلى غيرها إلا أن يدل دليل. وأما وطء أدبار الزوجات فقد مر الكلام عليه في سورة البقرة وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تحريم إيتاء النساء في أدبارهن بقوله تعالى: ﴿إنهم أناس يتطهرون﴾ [الأعراف: ٨٢]. قال لأن مأتى الذكر إنما هو موضع واحد فعاب قوم لوط لوطًا وآله بأنهم يتنزهون عن ذلك الموضع. فإن قيل إن التطهر إنما هو واقع على اجتناب المحرم دون الموضع قيل له إنما لم يجزر للتحريم ذكر وإنما قال يتطهرون فهو إتيان الموضع، فيكون معنى يتطهرون على قول هذا القائل يتطهرون عن الأدبار أي يتنزهون وهو قول","vol":"3","page":57},{"text":"مجاهد. وقيل معناه يتطهرون عن حالنا وعادتنا أي يتنزهون وعلى هذا لا تكون فيه حجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>(١٨٠) - قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾:</span>\nالسبب فيها أن أببا جهل سمع بعض أصحاب النبي ﷺ يقرأ ويذكر الله تعالى في قراءته ومرة يذكر الرحمان ونحو ذلك فقال: محمد يزعم أن إلهه واحد وهو إنما يعبد آلهة كثيرة. فنزلت هذه الآية والأسماء هنا بمعنى المسميات لا خلاف، ووصف تعالى أسماءه بالحسنى ومعناه الحسنة فيحتمل أن يريد بالحسنة ما أطلقه الشرع عليه خاصة، ويحتمل أن يريد ما يحسن أن يسمى به جاء به شرع أو لم يجيء. وبحسب هذا اختلف العلماء فيه. فذهب الجمهور إلى أنه لا يسمى إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسول الله ﷺ وأجمعت الأمة عليه. قال الشيخ أبو الحسن الأشعري: أو على معناه وأما ما لم يكن فيه شيء من ذلك فلا يجوز عند هؤلاء أن يسمى به. وذهب قوم إلى أنه ما لم يستحل أن يكون من أوصافه تعالى ولم يرد به منع في الشريعة فجائز أن يطلق عليه كما يطلق عليه ما أذن الشرع فيه وهو قول أبي بكر الباقلاني. قال بعضهم","vol":"3","page":58},{"text":"والحجة للقول الأول قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ فأثبت كون أسماءه حسنى ولا حسن إلا ما ورد الشرع به. والآية محتملة كما قدمناه فلا وجه ينفي الاحتمال عنها. وبين متأخري الأصوليين الذين لا يطلقون على الله تعالى من الأسماء إلا ما أطلقه الشرع. واختلفوا في ما ورد من طريق الآحاد من أسماء الله ﷿ عن النبي ﷺ هل يطلق عليه أم لا. والذي اختاره الحذاق إطلاقه وهو الصحيح، لأنا إذا جعلنا خبر الواحد شرعًا جب قبوله وهو الذي عليه الجمهور فيجوز إطلاقه لأنه مما ورد به الشرع وقد قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ وهذا من الأسماء الحسنى فيجوز إطلاقه. واختلف في ما جاء في القرآن أيضًا من نسبة أفعال إلى الله تعالى مثل قوله تعالى: ﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾ [آل عمران: ٥٤] ونحو ذلك هل يجوز أن يشتق منها اسم فاعل لله تعالى أم لا. فذهب الجمهور إلى أنه لا يتعدى ذلك ولا يسمى إلا بما سمى الله تعالى به نفسه وهو لم يسم نفسه بذلك وكذا يقول الباقلاني فيما يستحيل من صفته من ذلك أنه لا يجوز أن يطلق عليه لقوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ وما يستحيل في صفته فليست من الحسنى. وذهب قوم إلى جواز إطلاق ذلك مقيدًا بسببه. فيقال الله مستهزئ بالكافرين وماكر بالماكرين. وأما إطلاق ذلك دون تقييد فممنوع باتفاق وكان هؤلاء لما رأوا في كلام العرب أن الفعل إذا نسب إلى أحد فاسم الفاعل منه مضمون قياسًا مطردًا في كلامهم ورأوا أن هذا لم ينسبه تعالى إلى نفسه إلا وقد أباح أن يستعمل منه اسم الفاعل في الشيء الذي ذكره. وقوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ ليس يقتضي انحصار أسماء الله تعالى إلى عدد بل","vol":"3","page":59},{"text":"إطلاقه كذلك يقتضي أنها غير محصورة. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحد من أحصاها دخل الجنة». وفي حديث آخر: «لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة وهو وتر يحل الوتر».\nواختلف في هذا الحصر، فذهب قوم إلى أنه لا اسم لله تعالى أكثر مما جاء في هذا الحديث إذ لو كان له غيرها لم يكن لتخصيصه هذا العدد فائدة وحملوا قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ ان المراد بها تلك الأسماء وخرجها كلها بعضهم من القرآن ولم يسلم له بعضهم ذلك وذهب آخرون إلى أن أسماء الله تعالى لا تنحصر في عدد واختلفوا في توجيه الحديث. فقال بعضهم معنى الحديث أن الأسماء التي شرع الدعاء بها هي التسعة والتسعون وأما غيرها فلم يشرع بها دعاء، قالوا لأن الحديث مبني على قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ وهو قول أبي الحسن الأشعري وجماعة من أهل العلم. وقال ابن الطيب ليس بالحديث دليل على أن ليس لله تعالى أكثر من تسعة وتسعين اسمًا على وجه التعظيم لله تعالى لكن ظاهر الحديث يقتضي أن من أحصى تلك التسعة والتسعين اسمًا على وجه التعظيم لله تعالى دخل الجنة وإن كانت له","vol":"3","page":60},{"text":"أسماء أخرى وتكون الآية على هذا القول على عمومها أعني قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ وقوله تعالى: ﴿فادعوه بها﴾ أمر معناه الإباحة.\nوقوله: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾:\nاختلف فيه هل هو منسوخ أو محكم. فقال ابن زيد معناه اتركوهم ولا تحاجوهم ولا تعرضوا لهم، فالآية منسوخة بالقتال. وقيل الآية على وجه الوعيد والتهديد كقوله: ﴿ذرني ونم خلقت وحيدًا﴾ وقوله تعالى: ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا﴾ [الحجر: ٣] فهي محكمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>(١٩٩) - قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالرف وأعرض عن الجاهلين﴾:</span>\nاختلف هل هو منسوخ أو محكم. والذين ذهبوا إلى أنه منسوخ اختلفوا في الناسخ. فقيل هو منسوخ بالزكاة وذلك أنه ﷺ أمر أولًا قبل نزول الزكاة أن يأخذ ما عفا أي ما أتى به وهو قول ابن عباس والضحاك.\nقال الضحاك نسحت الزكاة كل صدقة في القرآن. وقيل هي منسوخة بالأمر بالقتال والغلظة لأن النبي ﷺ أقام بمكة عشر سنين لا يقاتل أحدًا ثم أمر بالقتال والغلظة فنسخ العفو وهو قول ابن زيد. والذين ذهبوا إلى أنه محكم اختلفوا في التأويل. فقيل المراد بالعفو هنا الزكاة المفروضة وسميت عفوًا لأنها قليل من كثير وهو قول مجاهد. وقيل المراد بها شيء من فضل المال عن ظهر غنى يعطى سوى الزكاة وهو قول القاسم","vol":"3","page":61},{"text":"وسالم. وقيل المراد بها خذ العفو من أخلاق الناس ليس المراد بها المال وهو قول عبد الله وعروة ابني الزبير وروي عن ابن الزبير وروي عن مجاهد. ومن هذا قول حاتم الطائي:\nخذي العفو مني تستديمي خليقتي ... ولا تنطقي في صورتي حين أغضب\nوقوله تعالى: ﴿وأمر بالعرف﴾ المعنى واقض فيه بكل ما عرفته النفوس مما لا يرده الشرع، وقد روي أنه ﷺ قال لجبريل: «ما هذا العرف الذي أمر الله تعالى به، فقال: لا أدري حتى أسأل العالم فرجع إلى ربه فسأله فقال له يا محمد: أن تعطي من حرمك وتصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك» وهذه الأشياء التي جاءت في الحديث غايات والمعنى هذه فما دونها من أفعال الخير، فالعرف متردد بين أن يراد به أفعال الخير وبين أن يراد به العوائد الجارية بين الناس مما لا يردها الشرع. واللفظ مشترك بينهما. والقول بالعرف الجاري بين الناس في التنازع أصل مختلف فيه. وأصحاب مالك رحمه الله تعالى يحتجون بهذه الآية كثيرًا في إثباته فمن ذلك مسألة النقد إذا ادعى الزوج بعد","vol":"3","page":62},{"text":"الدخول أنه دفعه وأنكرت الزوجة. فذهب مالك إلى أن القول قول الزوج لأن العرف بذلك كان جاريًا بالمدينة. وكذلك حيث ما جرى ذلك العرف. وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يراعى العرف في ذلك والقول قولهما. وقالت جماعة كل امرأة دخلت على زوجها فذلك قطع لصداقها إلا أن يكون لها عليه بعد الدخول بينة أو كتاب وإلا فبيمينه وورثتهما بمنزلتهما في الاختلاف. واحتج أصحاب مالك على مذهبنا بالآية المتقدمة. ومنها مسألة متاع البيت إذا اختلف فيه الزوج والزوجة فإن كان مما يصلح لهما جميعًا فعندنا أنه للرجل مع يمينه وقد قيل وهو بينهما بعد أي ما لهما وهو قول المغيرة وابن وهب. وروي عن ابن القاسم. وقيل إن كان الرجل حيًا فهو له وإن كان ميتًا فهو للمرأة وهو قول أبي حنيفة.\nوقيل هو للمرأة على كل حال وهو قول ابن عبد الحكم. وقيل تعطى جهازًا مثلها ومما بقي فهو للرجل وهو قول أبي يوسف. واحتج أصحابنا لقولهم بأنه لما كان لكل واحد منهما يد في الدار نظرنا لمن يشهد له العرف بقوة دعواه فيكون أحق لقوله تعالى: ﴿وأمر بالعرف﴾، وقوله في قصة يوسف ﵇: ﴿أن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو","vol":"3","page":63},{"text":"من الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين﴾ [يوسف: ٢٦، ٢٧]. وأما ما كنا يصلح للرجل خاصة وللمرأة خاصة فعندنا أنه يكن لمن يصلح له، وفي اليمين قولان.\nوقيل جميع متاع البيت بينهما نصفين وهو قول زفر والشافعي ووقع لابن حبيب في المبسوطة ويقيل متاع البيت كله للرجل إلا الدرع والخمار وشبيهه وهو قول ابن أبي ليلى. وقيل ما أغلقت عليه بابها فهة لها إلا الطيلسان والقميص ونحوه وهو قول الحسن. وقيل ثياب الرجل له وثياب المرأة لها وما تناكرا فيه فهو للذي في يده وهو قول حماد. وقيل ما سوى ثياب الرجل والمرأة فهو بينهما وهو قول ابن حنبل. وقيل جميع متاع البيت للرجل مع يمينه وهو قول المخزومي في المبسوطة. وذكر بعضهم عن الحسن وما جرى عليه أصحابنا في المسألة العرف ويحتجون بالآية. ومنها مسألة الحيازة فعندنا أنه من حاز شيئًا عشر سنين فهو له كما جاء في الحديث ولا ينتفع القائم إذا كان حاضرًا لتلك الحيازة بإثبات الشيء المحوز له، خلافًا للشافعي في قبول بينة المدعي وإبطاله الحيازة. وحجتنا أن كل دعوى يبطلها العرف فهي غير مقبولة بقوله ﷾: ﴿وأمر بالعرف﴾.\nومنها مسألة السقف إذا تنازعا فيه صاحب العلو والسفل. فعندنا أنه لصاحب السفل وقال الشافعي هو بينهما. ودليلنا العرب والاحتجاج عليه.","vol":"3","page":64},{"text":"ومنها إذا تنازع اثنان في حائط بين دارين. ففي المذهب أنه يحكم به لمن يشهد له العرف مثل أن يكون قد فعل فيه ما يفعل الملاك في أملاكهم من الرباط والمعاقل والقمط ووجوه الأجر واللبن وما أشبه ذلك. وقال الشافعي لا يحكم بذلك بل يكون بينهما وقاله أبو ثور وزاد بعد أيمانهما. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وأمر بالعرف﴾. وقد حكم النبي ﷺ في مثل هذه المسألة بما ذكرنا أنه مذهبنا. وكذلك إذا كان لأحدهما على الحائط جذوع والآخر لا جذوع له عليه حكم به عندنا لصاحب الجذوع قليلة كانت أو كثيرة. وقال أبو حنيفة إن كانت عدة جذوع حكم له به، فأما الجذع والجذعان فلا يعتبر بهما. وقال الشافعي لا يعتبر بالجذوع. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وأمر بالعرف﴾ والعرف يقتضي أن الإنسان لا يتصرف إلا في ملكه كما لو بنى.\nومن ذلك إن تنازع رجلان في بيع أو إجارة ونحوهما وادعى أحدهما الصحة وادعى الآخر فسادًا كان الفساد الذي ادعاه عرفًا جاريًا بين الناس. فالمشهور من القول إن القول قول مدعي الصحة. ومن أصحاب مالك من قال يكون القول قول مدعي عرف الفساد","vol":"3","page":65},{"text":"وتفسخ المعاملات. ومسائل العرف كثيرة لا تحصى كمسألة الاختلاف في النقد في البيوع ونحوها وإنما نأتي من المسائل بطرق ليستدل به على ما بقي.\n- قوله تعالى: ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾:\nاختلف فيه فقيل هو محكم ومن ذلك حديث الحر بن قيس حين أدخل عمه عيينة بن حصن على عمر فجهل عليه فاحتج بالآية الحر على عمر فوقف عندها. وبدليل قوله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] أي في احتمالك وصبرك فاستعذ بالله. وقيل هو منسوخ، قال ابن زيد: قوله تعالى: ﴿خذ العفو﴾ إلى قوله: ﴿الجاهلين﴾ إنما أمر النبي ﷺ بذلك مداراة لكفار قريش ثم نسخ ذلك بآية القتال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>(٢٠٤)، (٢٠٥) - قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون * واذكر ربك في نفسك﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ولا تكن من الغافلين﴾:</span>\nاختلف في سبب نزول هذه الآية. فقيل إنها نزلت بسبب فتى من الأنصار كان يقرأ في الصلاة والنبي ﵊ يقرأ فأمروا بترك القراءة معه في الصلاة. وقيل إنها نزلت في الخطبة لم تكن إلا بالمدينة. وبمثل هذا الوجه أيضًا يضعف القول الأول. وقيل إنها نزلت من أجل أن أصحاب","vol":"3","page":66},{"text":"رسول الله ﷺ كانوا يتكلمون في المكتوبة بحوائجهم ويضجون عند آية الرحمة والعذاب ويجيب أحدهم إذا سئل ونحو هذا. فنزلت الآية أمرًا بالاستماع والإنصات في الصلاة. وقيل كان أناس يكثرون اللغط والشعب عند قراءة رسول الله ﷺ ويمنعون غيرهم من سماعها تعنيتًا وعنادًا على ما حكى الله تعالى عن الكفار: ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾ [فصلت: ٢٦].\nفأمر الله تعالى المسلمين بأن يكونوا عند نزول الوحي بخلاف هذه الحالة وأن يستمعوا ومدح الله تعالى الجن على ذلك فقال: ﴿إذ صرفنا إليك نفر من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا﴾ الآية [الأحقاف: ٢٩]. وهذه الآية وإن كانت وردت على سبب مخصوص ففيها نظر هل يقتصر على سببها أو يحمل على كل ما يقتضيه لفظها إلا ما دل دليل على تخصيصه. وإلى تعميمها ذهب كثير من العلماء فاحتجوا بها في مسائل متفرقة منها ترك الكلام في الصلاة وقد استدل بها بعضهم على وجوبه، وقد تقدم الخلاف فيه هل هو فرض أم سنة عند قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] وبينا المذاهب فيه فلا","vol":"3","page":67},{"text":"معنى لإعادة الكلام عليه وقد اختلف في القراءة هل هي واجبة في الصلاة أم لا. فذهب قوم إلى أن القراءة ليست بواجبة منهم ربيعة والحسن وعبد العزيز بن أبي سلمة واحتجوا بما روي عن علي بن أبي طالب من أنه لا إعادة على من ترك القراءة في الصلاة إذا كان الركوع والسجود حسنًا. وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من أنه صلى بالناس المغرب فلم يقرأ فيها فلما انصرف قيل له: ما قرأت. قال: وكيف الركوع والسجود؟ قالوا: حسن. قال: فلا إذا. وقد أنكر مالك ﵀ عنه ذلك عن عمر. وروي أنه أعاد. وذهب الجمهور إلى أن القراءة في الصلاة واجبة واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ قالوا لأن معناه في الصلاة. وأما الإنصات في الخطبة فاختلف فيه. فعندنا أنه واجب وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنه ليس بواجب.\nوذكر ابن المنذر عن جماعة من التابعين إنهم كانوا يتكلمون والإمام يخطب. وذهب الطبري إلى أنه واجب إلا في خطبة العيدين. واحتج من ذهب إلى القول الأول بقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾، وبما جاء من أنها نزلت في الخطبة. وعلى هذا تأول الآية سعيد بن جبير فقال فيها: الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة","vol":"3","page":68},{"text":"وفيما يجهر به الإمام في الصلاة. ومما يعضد هذا التأويل في الآية قوله ﵊: «إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت». وأما القراءة مع الإمام في الصلاة فاختلف فيها على أقوال: فذهب قوم إلى أنه لا يقرأ المأموم جملة أسر الإمام أو جهر وأنه يعصي بالقراءة وروي عن علي ﵁ أنه قال: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة وعن زيد بن ثابت أنه قال من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له وهو قول أبي حنيفة في ترك القراءة. وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنه تلزمه القراءة أسر الإمام أو جهر فيقرأ معه في الإسرار بأم القرآن والسورة وفي الجهر بأم القرآن خاصة لقوله ﵊: «لا صلة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وذهب مالك ومن تابعه إلى أنه لا يقرأ مع الإمام في الجهر بوجه. قال بعضهم ولو قرأ ما أثمناه. ويقرأ في السر على جهة الاستحباب. وروي عن الشافعي مثله. وعند ابن وهب وأصبغ أن القراءة معه في السر غير مستحبة وهو قول ثالث للشافعي.","vol":"3","page":69},{"text":"وقيل إن المأموم يقرأ بفاتحة الكتاب خاصة أسر الإمام أو جهر وقيل يقرأ معه في الجهر والسر إلا أنه لا يجهر مثله بالقراءة. وقد ذهب بعضهم إلى أن المأموم يتحرى وقت سكوت الإمام فيقرأ. وكان لرسول الله ﷺ سكتتان في صلاته: سكتة بعد التكبير وسكتة بعد قراءة الفاتحة، وهذا قول بعض من يذهب إلى الجمع بين الآية والحديث والذي يحتج به من يرى سقوط فرض القراءة على المأموم وهو مذهبنا ومذهب أبي حنيفة هذه الآية: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ قالوا فوجب الاستماع والإنصات إلا ما استثنى من ذلك. وقد نص بعض أهل العلم الحجة بظاهر هذه الآية واعتقد بعضهم أنها نص في الفرض قالوا ولا سبيل إلى ترك النص بأخبار الآحاد الدالة على القراءة. وضعف ذلك بعضهم ولم ير للآية تعلقًا بشيء من ذلك وحملها على الإنصات والاستماع لما نزل من الوحي على النبي ﷺ حسب القول الذب قدمناه في ذلك ورأوا أن المأموم يقرأ إلا أنه يندب له أن لا يجهر بالقراءة خلف الإمام إذا جهر حتى لا يشغل عليه القراءة. والذين رأوا الآية حجة عارضوا بينها وبين قوله ﵊: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وبغير ذلك من الأحاديث الواردة من قراءة المأموم. وبحسب ذلك اضطربت أقوالهم إلا أنه يعترض على من يقول لا يقرأ المأموم في صلاة السر بأن المأموم إذا لم يسمع ما يقرأه","vol":"3","page":70},{"text":"الإمام لأجل إسراره فمن أين يلزمه الاستماع والإنصات وإنما يجب الامتناع إذا وجب الاستماع. وقد أجاب عن ذلك بعضهم أن قال: الأصل في القراءة في الصلاة الجهر ليتدبر المستمع في آيات القرآن ويتعظ بها. وإنما السر لعارض وهو أن المنافقين كانوا يلغطون في قراءة رسول الله ﷺ ويكثرون الثول ليلبسوا عليه وعلى من خلفه.\nوقد أخبر الله تعالى بذلك حيق قال: ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾ [فصلت: ٢٦]. وإن كان الأصل في الجهر للتدبر والاتعاظ فلا بعد في زوال العلة وبقاء الحكم. وهذا الجواب ليس بشيء فإنه لو كان كذلك لما أسر في بعض الصلوات وجهر في بعضها فإن قيل كان الكفار ينتشرون في صلاة النهار فلذلك أسر فيها، قيل يبطل هذا بصلاة الجمعة وصلاة العيدين. ثم إن صلاة الليل منها ما يسر للعلى التي ذكروها وقد قال قوم إن معنى الإنصات المأمور به في الآية أن لا يجهر بالقراءة منازعًا الإمام وإذا أخفى ذلك لم يخرج عن الإنصات. وقيل بل المراد به السكوت حتى لا يقرأ البتة إلا عند فراغ الإمام.","vol":"3","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>(٢٠٤) - قوله تعالى: ﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾:</span>\nمحمل هذه الآية عند الأكثر على ظاهر اللفظ ولذلك يحتج به العلماء في المسائل المتقدمة ونحوها. وقال الزجاج: يجوز أن يكون فاستمعوا وأنصتوا بمعنى اعملوا بما فيه ولا تجاوزوه. وإذا كان على ما قاله الزجاج فلا حجة فيه لشيء من المسائل المتقدمة والأظهر حمل اللفظ على حقيقته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>(٢٠٥) - قوله تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة ودون الجهر من القول﴾:</span>\nوقد تقدم الكلام على نحوه في هذه السورة وذكرنا الاختلاف في الذكر هل يكون دون حركة اللسان أم لا. ويدل على أنه لا يراع إلا بحركة اللسان قوله تعالى في هذه الآية: ﴿ودون الجهر من القول﴾.\nوقوله: ﴿بالغدو والآصال﴾: اختلف فيه. فقيل معناه: دأبًا في كل يوم وفي أطراف النهاء وقيل هذه الآية كانت في صلاة المسلمين قبل فرض الصلوات الخمس. وقيل بالغدو: صلاة الصبح، والآصال صلاة العصر.","vol":"3","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-435>سورة الأنفال</span>\nهذه السورة مدنية كلها في قول أكثر العلماء، وقال مقاتل هي مدنية إلا آية واحدة فهي مكية وهو قوله تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ [الأنفال: ٣٠] وهذه الآية كلها نزلت في قصة وقعت بمكة ويمكن أن تنزل الآية بذلك في المدينة، ولا خلاف أنها نزلت في أمر بدر وأمر غنائمه.\nوفيها مواضع من الأحكام والناسخ والمنسوخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>(١) - قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾:</span>\nاختلف في السؤال عما هو، فقيل عن حكم الأنفال، وقيل إنما سألوه الأنفال نفسها أ، يعطيهم إياها واحتجوا بما قرأه جماعة من الصحابة والتابعين ﴿يسألونك عن الأنفال﴾. وقالوا: «عن» في القراءة المشهورة بمعنى «من». واختلفوا أيضًا في المراد بالأنفال فقيل الغنائم مجملة وهو قول ابن عباس وغيره وذلك أن سبب الآية ما جرى يوم بدر من اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ وذلك أنهم افترقوا ثلاث فرق. ففرقة أقامت مع","vol":"3","page":73},{"text":"رسول الله ﷺ في العريش الذي صنع له وحمته وآنسته. وفرقة أحاطت بعسكر العدو وأسلابهم لما انكشفوا. وفرقة اتبعت العدو فقتلت وأسرت. فلما اجتمع الناس رأت كل فرقة أنها أولى بالمغنم وساءت أخلاقهم في ذلك فنزلت الآية بأن الغنائم لله ولرسوله فكفوا فقسموها حينئذ بالسواء.\nوذكر ابن عباس أيضًا في سبب الآية أن رسول الله ﷺ كان قد قال قبل ذلك: «من قتل قتيلًا أو أسر أسيرًا فله كذا» فسارع الشباب وبقي الشيوخ عند الرايات، فلما انجلت الحرب جاء الشباب يطلبون ما جعل لهم ونازعهم الشيوخ فنزلت الآية. ويحتمل عندي على هذا القول إما أن تكون الأنفال الغنائم جملة أو ما ينفله الإمام منها خاصة. ولكن المفسرين ساقوه على أن المراد بالأنفال الغنائم.\nوقيل الأنفال في الآية ما يعطيه الإمام لمن رآه من سيف أو فرس أو نحوه، ويروى هذا القول عن ابن عباس أيضًا. ويروى عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ نفل أقوامًا يوم بدر ولم ينفل آخرين فاختلفوا بعد انقضاء الحرب، فنزلت الآية. وقال ابن وهب نزلت في رجلين أصابا سيفًا فاختصما فيه إلى النبي ﷺ فقال لهما: «هو لي وليس لكما». ويحتمل على هذين السببين أن تكون الأنفال في الآية ما ينفله الإمام أو جملة الغنائم. وقيل الأنفال ما يجيء به السرايا خاصة. وقيل الأنفال في الآية الخمس.","vol":"3","page":74},{"text":"قال مهاجرون لن يخرج منا هذا الخمس فقال الله تعالى هو: ﴿لله وللرسول﴾. وقيل الأنفال في الآية ما شرد من أموال المشركين إلى المسلمين كالفرس العابر والعبد الابن ونحو ذلك هو للنبي ﷺ يصنع به ما شاء وكذلك الإمام يصنع به ما شاء وروي عن ابن عباس أيضًا. وقيل الأنفال في الآية ما أصيب من أموال المشركين بعد قسمة الغنيمة هو لله ولرسوله وروي هذا عن ابن عباس أيضًا. وقيل الأنفال الأسارى. والذين ذهبوا إلى أن الأنفال الغنائم اختلفوا في الآية هل هي منسوخة أو محكمة. فذهب قوم إلى أنها منسوخة وأن الغنائم إنما كانت للرسول خاصة فعلى هذا فقوله تعالى: ﴿لله﴾ إنما جاء على جهة استفتاح الكلام. واللام في قوله: ﴿للرسول﴾ يحتمل أن تكون ملكًا له يصنع فيها ما يشاء ويحتمل أ، لا يكون لام الملك وإنما يريد أنه متوليها حتى يضعها حيث يشاء. قال بعضهم وأراد الله تعالى بجعله ذلك إليه ﷺ ثم نسخ بقوله: ﴿واعلموا إنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ الآية [الأنفال: ٤١] وهو قول ابن عباس وغيره.\nوذهب قوم إلى أنها محكمة وإنما أخبر الله تعالى أن الغنائم لله من حيث هي رزقه وملكه، وللرسول من حيث هو المبين حكم الله فيها.","vol":"3","page":75},{"text":"ولا شك في أن جميع الأشياء لله وللرسول. ونزل حكم القسمة خلاف ذلك فلا نسخ في الآية والنفل في لسان العرب هو الزيادة على الواجب كذا قال بعضهم. وقيل النفل العطية ومنه قول الشاعر:\nإن تقوى ربنا خير نفل ... . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nوالأظهر من الأنفال على هذا أنها ما يعطي الإمام للرجل من الغنيمة تحريضًا له على الجهاد أو جزاء على فعل فعله ويحتمل أن تسمى الغنيمة أيضًا نفلًا لأن الغنائم لم تكن مباحة من قبل فكانت كأنها عطية زائدة من الله تعالى. وقد روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لم تحل الغنيمة لقوم ود الرؤوس من قبلكم كانت تنزل نار من السماء فتأكلها فلما كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم فأنزل الله تعالى: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم * فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا﴾.\nوقد اختلف هل للإمام أن ينفل شيئًا من الغنيمة لمن رآه أهلًا لذلك أم لا. فقالت فرقة لا نفل بعد النبي وكأنهم يرون قوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله وللرسول﴾ على القول بأن الأنفال ما ينفله الإمام على ظاهره أي إنما ذلك لله وللرسول خاصة ليس لغيرهما. والجمهور على أن النفل باق إلى يوم القيامة وأن الأئمة كالرسول ﷺ في ذلك وأن الله تعالى لم يرد قصرها على ذلك التأويل على الرسول خاصة بل ذلك","vol":"3","page":76},{"text":"لرسول الله ﷺ ولكل إمام. ثم اختلفوا، فقيل لا ينفل إلا من الخمس لأنه مصروف إلى اجتهاد الإمام والأربعة الأخماس إنما هي للغانمين وهو مذهب مالك. وقيل إنه لا ينفل إلا بعد الخمس من الأربعة الأخماس لأن الله تعالى قد صرف الخمس إلى المذكورين في الآية بعد فلا يخرج عنهم منه شيء وهو قول الأوزاعي وغيره. وقيل ينفل من جملة الغنيمة قبل الخمس وهو قول الشافعي وابن حنبل. وقيل ينفل الإمام متى شاء قبل الخمس أو بعده وهو قول النخعي. ومن حجة هذين القولين قوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله وللرسول﴾ ولم يخصص قبل خمس أو بعد خمس.\nوقيل لا ينفل الإمام إلا من خمس الخمس وهو قول ضعيف. واختلفوا هل يكون النفل قبل الغنيمة فكرهه مالك رحمه الله تعالى، وقالت فرقة إنما ينفل الإمام قبل الغنيمة وأما إذا جمعت الغنائم فلا نفل. وتصوير النفل قبل الغنيمة أن يقول الإمام من فعل كذا فله كذا، ومن قتل قتيلًا فله سلبه، ويقول لسرية إن وصلتم إلى موضع كذا فلكم كذا ومن حجة من لم يكره ذلك عموم قوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله وللرسول﴾ على التأويل الذي ذكرناه. وحجة مالك أنه لا يسمى أنفالًا إلا ما قد تعين ونفل. وإذا لم يتعين فليس بنفل مع المخافة على فساد النيات وقد قال تعالى: ﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ [الأنفال: ٦٧]","vol":"3","page":77},{"text":"وقال تعالى: ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾ [آل عمران: ١٥٢] واختلفوا في الذي ينفله الإمام ذهبًا أو فضة أو لؤلؤًا ونحو ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>(١٥)، (١٦) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا﴾ الآية إلى قوله تعالى: ﴿وبئس المصير﴾:</span>\nهذه الآية تقتضي ألا يفر المسلمون من الكفار قل عددهم أو كثر دون مراعاة ضعف. وأن الفرار محظور لأنه تعالى قد نهى عنه ثم توعد عليه ولا معنى للمحظور إلا ذلك. ثم إن الله تعالى أراد أن يخفف عن عباده فحد في قدر العدد الذي لا يجوز لهم الفرار منه حدًا. فقال تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا﴾ [الأنفال: ٦٥] فجعل لهم أن لا يفروا من عشرة أمثالهم. واختلف العلماء في هذا هل هو نسخ أو تخصيص عموم. فقيل هو منسوخ وقد كان واجبًا أن لا يفر أحد عن العدو ثم نسخ بهذا. وقال قوم لم يكن قط واجبًا أن يثبت المسلمون لأكثر من عشرة أمثالهم وإنما خرجت الآية مخرج العموم فخصصت بهذه الآية ثم خفف الله تعالى تخفيفًا آخر فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألفًا يغلبوا ألفين بإذن الله﴾ [الأنفال: ٦٦].\nواختلف أيضًا في هذا هل هو نسخ أم لا. فقال ابن عباس هو نسخ. وروي عنه أيضًا أنه قال: فرض على المسلمين أن يقاتل الرجل منهم العشرة من المشركين فشق ذلك عليهم فأنزل الله تعالى التخفيف. قال بعضهم فهو تخفيف على هذا لا نسخ. ونظير هذا إفطار الصائم في","vol":"3","page":78},{"text":"السفر وإذا قلنا إنه نسخ فوجهه أنه تعالى قد حرم بقوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ الآية الفرار من العشرة أضعاف ثم قال تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا﴾ فأحل الفرار من ذلك القدر. هذا وإن لم تعطه الآية بنصها فإن مقتضاها يعطي ذلك ومقتضى هذه الآية الثانية أنه تعالى لم يبح الفرار من الضعف. ولا خلاف أن هذا الحكم كان ثابتًا يوم بدر وإنما اختلفوا في تحريم الفرار بعد يوم بدر. فقيل كان ذلك خاصًا بيوم بدر كان فيه الفرار من الكبائر فأما ما عدا ذلك اليوم فالفرار منه غير محرم وليس من الكبائر. وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله تعالى عنهم وقال فيهم يوم حنين: ﴿ثم وليتم مدبرين﴾ [التوبة: ٢٥] ولم يقع على ذلك تعنيف. وعلى هذا القول تكون الإشارة بقوله تعالى: «يومئذ» إلى «يوم بدر» وهو قول الحسن وقتادة والضحاك وذهب الجمهور إلى أن ذلك المعنى من الآية محكم باق إلى يوم القيامة وأن الفرار من الزحف من الكبائر، وجاء عنه ﷺ ما يؤيد هذا فقال: «اتقوا السبع الموبقات» وعد فيها الفرار من الزحف. وإلى هذا يذهب مالك وجميع أصحابه وقد قال ابن القاسم لا تجوز شهادة من فر يوم الزحف. وتكون الإشارة بقوله «يومئذ» إلى يوم اللقاء الذي يتضمنه قوله تعالى ﴿إذا لقيتم﴾ وهذا الاختلاف الذي ذكرناه في الفرار من الزحف هل هو كبيرة أم لا إنما هو في الفرار من الضعف. فأما الفرار مما زاد عن الضعف فغير كبيرة باتفاق وقد","vol":"3","page":79},{"text":"قال قوم إن قوله تعالى: ﴿فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره﴾ الآية عام محكم في الأزمان لا يختص بيوم بدر ولا غيره.\nوفي العدد لا يختص بعدد دون عدد وذكره النحاس عن عطاء بن أبي رباح. وقال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى هو الصحيح لأنه ظاهر القرآن والحديث وقال بعض من قال باعتبار العدد في ثبوت الواحد للاثنين خاصة هذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثنتي عشر ألفًا. فأما إذا بلغوا اثنتي عشر ألفًا فلا يجوز لهم الفرار إن زاد عدد المشركين على الضعف لقول رسول الله ﷺ: «لن يغلب اثني عشر ألفًا من قلة» فخصص هذا العدد بهذا الحديث من عموم الآية وينسب هذا القول لمحمد بن الحسن وروي عن مالك ما يدل على ذلك في مذهبه وهو قوله للعمري العابد إذ سأله هل له سعة في ترك مجاهدة من غير الأحكام إن كان معك اثني عشر ألفًا فليس لك ذلك وهذا الاستدلال ضعيف إذ ليس في الحديث ما يدل على أنه لا يجوز الفرار من أكثر من الضعف لأن الحديث لا يعطي بيان حكم شرعي وإنما هو بيان لحكم العرف. وإذا لم يكن ذلك فكيف يخصص به","vol":"3","page":80},{"text":"عموم الآية. وقد اختلف العلماء في تأويل الضعف الذي ذكره الله تعالى فقيل: هو في العدد، فيلزم المسلمين أن يثبتوا لمثلي عددهم وإن كانوا أشد منهم سلاحًا وأظهر قوة وهو قول لجمهور العلماء. وقيل: هو في الجلد والقوة ويلزم المسلمين أن يثبتوا لأكثر من الضعف إذا كان المسلمون أشد منهم سلاحًا وأكثر منهم قوة ولا يلزمهم أن يثبتوا لهم. وإن كانوا أقل من الضعف إذا كان المشركون أشد منهم سلاحًا وأكثر منهم قوة وهو قول ابن الماجشون وروايته عن مالك.\n- والقول الأول أظهر لأن الله تعالى إنما ذكر الضعف في العدد فمن أراد أن يتأوله على القوة كان مخرجًا للآية عن ظاهرها بغير دليل. والتحرف للقتال أن يظهر هربًا وهو منه مكيدة ليكر ونحو ذلك. والتحيز إلى فئة اتفقوا على أنها الجماعة من الناس الحاضرة في الحرب. واختلفوا في المدينة والإمام والجماعة إذا لم يكن شيء من ذلك حاضرًا في الحرب هل التحيز إليه تحيزًا إلى فئة أم لا. ويروى عن عمر رضي الله تعالى عنه إباحة ذلك وأنه تحيز إلى فئة والظاهر أن ذلك ليس بتحيز إلى فئة، بل هو فرار تام ولا يجوز الفرار وإن فر الإمام لقوله تعالى: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال﴾ فعم ولم يخص. واختلف في الرجل يكون في صف المسلمين يريد أن يحمل على الجيش والعدو وحده محتسبًا بنفسه. فمنهم من أجازه واستحسنه ومنهم من كرهه ويروى عن عمرو بن العاص وإليه ذهب مالك في ظاهر قوله واحتج بقوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ وبقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ وقد قاس ابن شبرمة الأمر بالمعروف","vol":"3","page":81},{"text":"والنهي عن المنكر عن الآية فجعل تغيير المعاصي كتغيير الكفر وقال: لا يحل للرجل أن يفر من اثنين إذا كانا على منكر وله أن يفر من أكثر منهما. وإن أدى تغيير المنكر إلى أن يتقابل الصفان. فقد اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: لا بد من إذن الإمام، وقال آخرون: لا يحتاج إلى استئذان الإمام لأنه يخاف فوات التغيير هذا إذا كان المنكر من آحاد الناس. وأما إن كان الوالي فلا يجوز تغييره بالقتال والخروج. الصبر عليه جائز لما في ذلك من إثارة الفتن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>(١٧) - وقوله تعالى: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾:</span>\nفيه رد على من يقول غن أفعال العباد مخلوقة لهم. وسبب الآية أن الناس لما انصرفوا يوم بدر وجعل كل واحد منهم يعد ما فعل فيقول قتلت كذا وفعلت كذا فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك فنزلت الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ يريد ما كان النبي فعله يومئذ وذلك أنه أخذ ثلاث قبضات من تراب فرمى بها في وجوه القوم فانهزموا عن آخر رمية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>(٣٣)، (٣٤) - قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لا يعملون﴾:</span>","vol":"3","page":82},{"text":"اختلف في نزول هذه الآية فقيل بمكة بعد وقعة بدر حكاية عما مضى. وقيل نزل قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ بمكة إلى قوله تعالى: ﴿أو ائتنا بعذاب أليم﴾ ونزل قوله: ﴿وما لهم﴾ إلى آخر الآية بعد بدر عند ظهور العذاب الأليم. ومعنى قوله: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ أن الله تعالى لم يكن ليعذب هذه الأمة وهو فيهم كما لم يعذب قط أمة ونبيها بين أظهرها. ولا خلاف في هذا بين المفسرين. واختلفوا في قوله تعالى: ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ هل هو محكم أو منسوخ. فالذين ذهبوا إلى أنها منسوخة قالوا الآية في المشركين أي أنهم لا يعذبون ما استغفروا ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ [الأنفال: ٣٤] وهو قول عكرمة والحسن وضعف بعضهم النسخ في هذا لأنه خبر. والذين ذهبوا إلى أنه محكم اختلفوا في تأويلها اختلافًا كثيرًا. فقيل المعنى ما كان الله ليعذب الكفار يعني أهل مكة، والمؤمنون بينهم يستغفرون. فالضمير في قوله: ﴿ليعذبهم﴾ عائد على الكفار. وقوله: ﴿وهم﴾ عائد على المؤمنين وأضمرهم ولم يجد لهم ذكر ففيه ضعف وهو قول الضحاك وابن عباس. وقيل المعنى ما كان الله ليعذب الكفار وهم بحالة توبة واستغفار من كفرهم إذ لو وقع ذلك منهم وهو قول قتادة واختاره الطبري.\nوقيل المعنى ما كان الله ليعذب الكفار وقد علم أن فيهم من يسلم وما لهم ألا يعذبهم إذا أسلم من سبق له الإيمان ويروى هذا عن ابن عباس أيضًا. وقيل المراد بقوله: ﴿وهم يستغفرون﴾ ذرية المشركين يومئذ الذين سبق علم الله تعالى أن يكونوا مؤمنين. فالمعنى وما كان الله ليعذبهم وذريتهم يستغفرون ويؤمنون. فنسب الاستغفار إليهم إذ ذريتهم منهم، ويروى عن مجاهد. وقيل المعنى يستغفرون يسلمون، ويروى أيضًا عن مجاهد.","vol":"3","page":83},{"text":"وقيل معنى يستغفرون يصلون. وقيل إنهم يقولون في دعائهم: غفرانك ويقولون لبيك لا شريك لك ونحو هذا مما هو دعاء واستغفار فجعله الله تعالى أمنًا من عذاب الدنيا فالمعنى أن الله لا يعذبهم في الدنيا وهم يستغفرون وهو المشهور من قول ابن عباس وعلى هذا تركيب قول أبي موسى وابن عباس أن الله تعالى جعل من عذاب الدنيا أمنين كون الرسول ﷺ مع الناس والاستغفار، فارتفعت الواحدة وبقي الاستغفار إلى يوم القيامة. والضميران في ما عدا القول الأول عائدان جميعًا على الكفار فهذه سبعة أقوال في الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>(٣٨) - (٤٠) -قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين﴾ إلى قوله: ﴿ونعم النصير﴾:</span>\nاختلف في المرتد إذا تاب هل يسقط عنه قضاء ما ترك من الصلاة في ردته أم لا. فعندنا أنه يسقط وقال الشافعي لا يسقط وحجتنا عليه قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ فعم. واختلف أيضًا في المرتدين إذا نصبوا للحرب راية فقتلوا وأتلفوا أموالًا ثم تابوا هل يؤاخذون بشيء من ذلك. وقال الشافعي في أحد قوليه إنهم يؤاخذون، حجتنا عليه قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ ولم يفرق فيها بن حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين. وأن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لم يضمن أحدًا من أهل الردة.","vol":"3","page":84},{"text":"واختلف في الكافر يسلم بعد وجوب الجزية عليه هل يسقط عنه ما قد وجب عليه منها أم لا؟ فذهب الشافعي إلى أن لا يسقط ويؤخذ به بعد إسلامه. وذهب مالك وجميع أصحابه إلى أن يسقط عنه بعد إسلامه ودليل هذا القول قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ وقوله ﵊: «الإسلام يجب ما قبله».\nوقوله تعالى: ﴿وإن يعودوا﴾ معناه إلى القتال لا إلى الكفر لأنهم لم يزالوا عليه فكيف يعودون إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>(٣٩) - وقوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾:</span>\nفرض الله تعالى بهذه الآية على المؤمنين قتال الكفار. واختلف في الفتنة ما هي. فقيل الشرك وقيل البلاء وهذا يلزم عليه القتال في فتن المسلمين للفئة الباغية. وعلى القول الآخر يكون مقتول الفتن في فسحة. ومن قال إنها الشرك فالآية عنده يراد بها الخصوص في من لا تقبل منه جزية. قال ابن سلام وهي في مشركي العرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>(٤١) - وقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾:</span>\nوقال في سورة الحشر: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾ [الحشر: ٦] ثم قال تعالى بعد ذلك: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله﴾ [الحشر: ٧] فتضمنت هذه الآية حكم أموال","vol":"3","page":85},{"text":"الكفار المأخوذة منهم إلا أنه تعالى ذكرها في سورة الأنفال باسم الغنيمة وذكرها في سورة الحشر باسم الفيء وهي قد تؤخذ منهم بقتال وقد تؤخذ بغير قتال وكلا الاسمين قد يجوز أن يطلق في الاستعمال على كل واحد من الوجهين. وقد اضطربت أقوال المفسرين في ذلك اضطرابًا كثيرًا. وتأصيلها أن منهم من قال إن الاسمين جميعًا لمعنى واحد وأن الآيات جاءت في حكم ما أخذ من الكفار بالقتال ثم اختلف هؤلاء.\nفقال قوم إن ما في سورة الحشر اقتضى أن يقسم المأخوذ بالقتال على الأصناف المذكورين في السورة دون إخراج الخمس وأن ذلك منسوخ بآية الأنفال وأن الخمس في ذلك هو المقسوم على الأصناف المذكورة خاصة والأربعة الأخماس للغانمين ولم يفرقوا بين الأرض وغيرها وضعف بعضهم هذا القول بالنسخ بأن آية الأنفال نزلت قبل آية الحشر ولا يصح النسخ مع النسخ مع ذلك ومنهم من قال إن ما في الحشر مخصوص في الأرض المغنومة عنوة من الكفار فاقتضى ذلك أنها لا تخمس وأن النظر فيها للإمام ولا يقسم بين الغانمين وأن ما في الأنفال عام في الأرض وغيرها من أموالهم وأن ذلك اقتضى أنها تخمس ويقسم ما بقي بين الغانمين ثم اختلف الذاهبون إلى هذا فقال بعضهم: إن هذا يقتضي تخيير الإمام في إبقاء هذه الأرض وقسمتها بين الغانمين قالوا: وقد قسم","vol":"3","page":86},{"text":"رسول الله ﷺ أرض خيبر بسبب عموم آية الأنفال. وترك عمر رضي الله تعالى عنه أرض العراق ومصر فلم يقسمها وأنه تأول في ذلك آية الحشر وقوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم﴾ [الحشر: ١٠] الآية وإلى هذا ذهب أبو عبيد ومنهم من ذهب إلى أن الحشر نسخت آية الأنفال في حكم الأرض خاصة لأن النبي ﷺ بين بفعله في أرض خيبر أنها على عمومها في الأرض وغيرها فنسخت آية الحشر من ذلك الأرض خاصة فلا تقسم على حال وإلى هذا ذهب إسماعيل القاضي ومنهم من قال إن آية الحشر مبينة أ، المراد بآية الأنفال ما عدا الأرض من الغنائم بأن رسول الله ﷺ إنما قسم أرض خيبر لأن الله ﷿ وعد بها أهل بيعة الرضوان فقال: وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه. فأرض خيبر كانت مخصوصة بهذا الحكم دون سائر الأرض المغنومة فلا تقسم الأرض. ومنهم من قال إن آية الأنفال هي الناسخة لآية الحشر فيما اقتضته آية الحشر مع منع القسمة في الأرض فيقسم ولا بد. فتحصل من هذا في الأرض المغنومة بالقتال ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها تقسم كسائر الغنائم وهو قول الشافعي.\nوالثاني: أنها لا تقسم كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وتبقى لأرزاق المسلمين ومصالحهم.\nوالثالث: أن الإمام مخير فيها بين القسمة والإبقاء وهذان القولان عن مالك رحمه الله تعالى. والذين ذهبوا إلى أنها تقسم على مقتضى آية","vol":"3","page":87},{"text":"الأنفال تأولوا فعل عمر رضي الله تعالى عنه من إبقاء سواد العراق على أنه استطاب أنفس الغانمين وأرضاهم عن ذلك.\nومنهم من قال إن آية الحشر نزلت في حكم الخمس خاصة ولم يذكر فيها الخمس فهو المراد بها وأن آية الأنفال موافقة لها إلا أنه صرح فيها بذكر الخمس ولم يصرح في آية الحشر، فهو لفظ عام أريد به شيء خاص.\nفليس في كتاب الله تعالى على هذه الأقوال حكم لما أخذ من الكفار بغير قتال وإنما ذلك من النبي ﷺ. وذهب قوم إلى أن الاسمين أيضًا بمعنى واحد وأن اللغة تقتضي ذلك وأن الآيتين جاءتا في حكم ما أخذ من الكفار بقتال وبغير قتال وأن المالين في الحكم سواء يؤخذ منهما الخمس حتى في حزمة الجماجم وخراج الأرض وهو الذي يأتي على قول الشافعي، فإن ذلك كله يخمس. والنظر في آية الأنفال وآية الحشر على هذا هو النظر المتقدم إما بالنسخ وإما بالبيان ويكون على هذا حكم المالين متلقى من القرآن. وذهب قوم إلى أن الغنيمة والفيء اسمان لمعنيين وأن الغنيمة ما أخذ من الكفار بقتال والفيء ما أخذ منهم بغير قتال وأن الحكم فيهما مختلف على ظاهر الآيتين. فالغنيمة تخمس على نص آية الأنفال والفيء لا يخمس على ظاهر آية الحشر فلا تعارض على هذا بين الآيتين ولا يفرض فيها نسخ ولا بيان ولا يكون على هذا فيما أخذ من أموال الكفار بغير قتال خمس كان مما جلوا عنه آو جزية أو خراج أرض أو نحو ذلك","vol":"3","page":88},{"text":"وهو قول الجمهور وبه قال مالك وجميع أصحابه وهو أظهر الأقوال. وذهب قوم -على ما ذكر بعض المتأخرين- إلى عكس هذا القول فزعم أن الغنيمة ما أخذ من الكفار بغير قتال، والفيء ما أخذ منهم بالقتال، قال وهو محتمل في اللسان. وذهب قوم إلى أن آية الحشر وردت في شيء مخصوص بعينه فلا تعارض بينها وبين آية الأنفال وذلك في أموال بني النضير التي أجلوا عنها فجعلها الله تعالى للنبي ﷺ يفعل فيها ما يراه.\nوروي عن ابن عباس أن النبي ﷺ أحبس جميعها لنفسه ومصالح المسلمين ولم يقسمها، فتكلم في ذلك قوم فأنزل الله تعالى الآية. وقال ابن زيد لما خص رسول الله ﷺ بأموال بني النضير المهاجرين تكلم في ذلك بعض الأنصار فنزلت الآية. وذهب قوم إلى أن في آية الحشر حكمين فقوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم ما أوجفتم﴾ [الحشر: ٦] الآية نزلت في مال بني النضير الذي هو خاص بالنبي ﷺ. وقوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ الآية [الحشر: ٧] هو في حكم الجزية والخراج بهما للأصناف المذكورين في الآية وروي ذلك عن معمر. وقد اختلف في هذه الآية هل هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ [الأنفال: ١] أم لا. وقد مر الكلام على ذلك. والقول بانها ناسخة هو قول مجاهد وابن عباس وذلك أن قوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ عنهما اقتضى أنه جعل به للنبي ﷺ أن ينفل ما أحرزه بالقتال لم يشاء ولم يكن فيه","vol":"3","page":89},{"text":"حق لأحد لمن جعله الرسول ﷺ وذلك يوم بدر. ويبين ذلك حديث سعد في قصة السيف الذي استوهبه من النبي ﷺ يوم بدر. فقال: «إنك سألتني هذا السيف وليس هو لي ولا لك وقد جعله الله تعالى لي وجعلته لك» وكذلك قوله تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] يقتضي أن تكون الغنيمة للغانمين فينزلون فيها على السواء دون إخراج خمس ولا غيره. إلا أن قوله في هذه الآية ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ يبين أن ذلك بعد إخراج الخمس وصرفه في الوجوه المذكورة، ففي هذا بيان الأربعة الأخماس للغانمين. وقال بعضهم هذا مثل قوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما الثلث﴾ [النساء: ١١] فلما ذكر تعالى أن المحيطين بالميراث الأبوان ثم ذكر أن للأم الثلث دل ذلك على أن الثلثين للأب دلالة قطعية. وهذا النوع من الدلالة يسميه الأصوليون مقتضى الخطاب. وكذلك هذه الآية لما ذكر تعال الغانمين واخطبهم ثم أخرج من الغنيمة الخمس للأصناف المذكورين دل ذلك على البقية للغانمين. وهذا الحكم في الفتنة يجري في كل مغنوم إلا ما خصه الدليل مثل المأكول من الغنيمة فإنه مباح للغانمين أكله إذا احتاجوا إليه في الغزو دون أن يشترط فيه إخراج خمس.\nومن ذلك أموال الرهبان اختلف فيها. فذهب جماعة إلى أنها على حكم الغنائم إلا أنه استحب مالك رحمه الله تعالى أن يترك لهم قدر ما","vol":"3","page":90},{"text":"يعيشون به. وذهب غيره إلى أنها شرك لهم ولا تكون مغنومة والحجة على ام قال تلك الآية، والآية أيضًا عامة في الغانمين إلا ما خصه الدليل. وقد اختلف فيما غنمه النساء والصبان إذا انفردوا بالغنيمة هل تخمس أم لا، وكذلك اختلف في العبيد إذا غنموا كان معهم حر أم لا هل يخمس ما أصابوه من الغنيمة أم لا. وحجة من يرى التخميس في ذلك عموم الآية. وحجة من لا يرى التخميس في ذلك كله أنه يراهم غير داخلين في الخطاب إلا بدليل، وفي هذا خلاف بين الأصوليين.\nواختلف في الذميين هل يخمس ما غنموه أم لا؟ ففي المذهب أنه يخمس خرجوا بغير إذن الإمام أو بإذنه. وقال بعض أصحاب مالك إن خرجوا بإذن الإمام فلا خمس وإن خرجوا بغير إذنه ففي ما غنموه الخمس. وقال أبو حنيفة لا خمس في ما غنموه جملة حتى يكونوا جماعة لهم منعة ويأذن لهم الإمام. وقال أبو يوسف إذا كانوا تسعة ففيه الخمس. ودليل من رأى الخمس كله في ذلك عموم الآية. واختلف أيضًا في الطائفة تخرج من البلد فتغنم. ففي المذهب أن ما غنمت يخمس، وقال أبو حنيفة لا يخمس. ودليل المذهب عموم الآية، ودليل أبي حنيفة أنهم غزوا بأنفسهم فأشبهوا المتفرد بالقتال على القول بأنه يستحق السلب فلا يخمس وقال بعضهم المأخوذ من الكفار على جهة التلصص اتفق العلماء على أنه لا يخمس. وظاهر القرآن يقتضي تخميس كل مغنوم. وكذلك اختلف في سلب القتيل هل يخمس أم لا. فقيل هو كسائر الغنيمة يخمس","vol":"3","page":91},{"text":"ولا ينفرد به القاتل إلا أن يرى الإمام أن يخص به بوجه اجتهاد فله ذلك، ولا يكون إلا من الخمس وهو قول مالك. وقيل السلب للقاتل وهو أحد قولي الشافعي وقيل إن كان السلب يسيرًا فهو للقاتل وإن كان كثيرًا خمس وفعله عمر ابن الخطاب مع البراء بن مالك حين بارز المرزبان فقتله وكانت قيمة منطقته وسواريه ثلاثين ألفًا فخمس ذلك وروي في ذلك حديث عن النبي ﷺ أخرجه أبو داود. وقيل السلب للقاتل ولكنه يخمس وروي نحوه عن عمر بن الخطاب.\nوروى ابن خويزمنداد هذا عن مالك أن الإمام مخير فيه إن شاء خمسه على الاجتهاد كما عمل عمر في حديث البراء وإن شاء لم يخمسه واختاره إسماعيل ابن إسحاق. وحجة الجمهور عن مالك ظاهر الآية وإذا قلنا بمقتضى الآية في أن الأربعة أخماس للغانمين فهل المرأة المقاتلة داخلة في هذا الحكم فيسهم لها أم لا. ذهب الأوزاعي إلى أنه يسهم لها. قال: وقد أسهم لها الرسول ﷺ بخيبر وأخذ المسلمون بذلك. وذهب مالك والليث والشافعي والثوري والكوفيون إلى أنه لا يسهم لها ولكن يرضخ لها واحتجوا بكتاب ابن عباس إلى نجدة وقوله: إن النساء كن يحضرن القتال","vol":"3","page":92},{"text":"فيداوين المرضى ويجنين من الغنيمة ولم يضرب لهن بسهم. وروى ابن وهب عن مالك أنه لا يسهم لهن ولا يرضخ. وهذا أصح لأنهن لسن فيمن أمر بالقتال ولا لهن فيه غناء مذكور فلم يدخلن في الخطاب بقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾. وكذلك اختلف في العبيد والصبيان إذا قاتلوا. فقيل: يسهم لهم وقيل يرضخ وقيل لا يرضخ ولا يسهم والحجة لمن لا يرى لهم شيئًا أنهم عنده لا يدخلون في الخطاب في الآية. وظاهر الآية أيضًا إنما يقتضي الاشتراك في الغنيمة قليلها وكثيرها فلا يجوز إخراج شيء منها قبل القسمة إلا أن يدل عليه دليل من السنة. وقد مر الكلام في السلب والنفل هل يكون من رأس الغنيمة أم لا. وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان له من الغنيمة شيء يصطفيه لنفسه قبل القسمة فرس أو بعير أو عبد أو أمة أو نحو ذلك على قدر الغنيمة، وكانوا يسمونه الصفي.\nوذكر أن صفية كانت من الصفي. وأجمع العلماء أن ذلك ليس لأحد بعد النبي ﷺ إلا أبا ثور فإنه حكي عنه ما يخالف هذا الإجماع فقال: الآثار ثابتة في الصفي ولا أعلم شيئًا نسخه قال: فيأخذ الإمام الصفي ويجري مجرى النبي ﷺ فيه. وهذا القول يرده ظاهر الآية لأن الله تعالى لم يذكر بعد الغنيمة شيئًا إلا القسمة ومع هذا فإنه لم يذكر عن أحد من الخلفاء أنه فعله، وعلى هذا يتركب الخلاف في الغنيمة هل يملكها الغانمون بنفس الغنم أو يملكونها بالقسمة. وعلى هذا يتركب الخلاف في من زنا بأمة","vol":"3","page":93},{"text":"من المغنم قبل القسمة هل يحد أم لا. وفيه قولان في المذهب. وذكر تعالى في هذه الآية قسمة الخمس على أصناف كثيرة مخصوصة. وذكر في سورة الحشر قسمة الفيء على تلك الأصناف بعينها فاقتضى ذلك أن حكم الفيء والخمس سواء وه مذهب مالك رحمه الله تعالى. وأما الشافعي فيرى أن خمس الفيء هو الذي يجري مجرى خمس الغنيمة في القسمة من الفيء على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه للمصالح كخمس الخمس، والمصالح هي سد الثغور وعمارة القناطر وأرزاق القضاة ونحو ذلك. والثاني: أن حكمه حكم الخمس من الغنيمة فيكون جملة الفيء مقسومة على خمسة أسهم على ظاهر الكتاب، وهذا القول يقرب من قول مالك رحمه الله تعالى. والثالث: أن يكون للمرتزقة المقاتلين كأربعة أخماس الغنيمة. قال أبو الحسن: إن الله تعالى كما أضاف الغنيمة إلى الغانمين أضاف الفيء إلى رسول الله ﷺ فقال تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ الآية [الحشر: ٧] فاقتضى ظاهر الآية أ، يجعل بعد إخراج الخمس منه أربعة أخماسه لرسول الله ﷺ كما يختص الغانمون بأربعة أخماس الغنيمة بعد إخراج الخمس منها، لأن الله تعالى قد أضافها للغانمين فقال: ﴿مما غنمتم﴾ وقال: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] فاقتضى ظاهر هذا أن يكون كل الغنيمة للغانمين، ثم خص منها البعض فبقي الباقي على أصل الإضافة، وهذا حسن بين. قال ومن جملة الفيء مال المرتد إذا قتل عن الردة. وظاهر القرآن في الخمس والفيء أنهما مقسومان على ستة أسهم","vol":"3","page":94},{"text":"لأن الله تعالى ذكر ستة أصناف. وقد قال بهذا الظاهر جماعة من أهل العلم وجعلوا أسهم الله تعالى سبل الخير إلا أنهم اختلفوا هل هذه القسمة بالسواء أو بالاجتهاد على قولين. وجعل بعضهم سهم الله تعالى أنه سهم للكعبة فقالوا فيؤخذ سهم الكعبة بالاجتهاد ويقسم الباقي على الخمسة الأصناف الباقين بالسوية وتأول بعضهم الآية على غير ظاهرها فقال: قول الله تعالى المراد به أن يفتتح الكلام بذكر الله تعالى لأن الدنيا وما فيها لله تعالى لا أن لله سهمًا في الغنيمة، قالوا فتبقى القسمة بعد هذا بين خمسة أصناف وهذا قول الشافعي وتأول آخرون أن معنى قوله تعالى: ﴿فأن لله خمسه وللرسول﴾ أن لهما الحكم في ذلك بين من سمي في الآيتين قالوا فتكون القسمة بين أربعة أصناف ولا أكثر من قرابة الرسول ﷺ واليتامى والمساكين وابن السبيل وهو قول الشافعي أيضًا. وتأول بعضهم أن هذين المثالين لجميع المسلمين يوضعان في منافعهم ويقسمان عليهم ولا يختص به الأصناف المذكورون في الآيتين لكن خصوا بالذكر تأكيدًا لأمرهم، وهذا مذهب مالك رحمه الله تعالى. قال أبو إسحاق الزجاج: وهذا مثل قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين﴾ الآية [النساء: ٢١٥]. وعلى هذا قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ما من أحد إلا وله حق في هذا الملا أعطيه أو منعه حتى لو كان راعيًا أو راعية بعدن. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يقسم على ثلاثة:","vol":"3","page":95},{"text":"اليتامى والمساكين وابن السبيل فأسقط ذوي القربى. ومن ذهب إلى هذا لم يحرم على قرابة رسول الله ﷺ الصدقة. ومن حجة من قال بهذا منع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم لذوي القربى. وقد يقال في الجواب عن هذا أنه لم يثبت المنع بل عورض بنو هاشم لأن قريشًا كلها قربى وقيل لم يكن في زمان أبي بكر مغنم.\nوالذين ذهبوا إلى أن الأصناف المقسوم عليهم الخمس ثلاثة اختلفوا هل المراد بهم من كان من قريش خاصة أو من كان من جميع الناس على قولين. والأظهر من جميع الناس لعموم الآية. وإذا قلنا بثبوت سهم رسول الله ﷺ فإنه كان ثابتًا له في حياته وأما بعد موته فاختلف فيه فقيل هو مردود على أهل الخمس القرابة وغيرهم وقيل مردود على الجيش أصحاب الأربعة أخماس وقيل هو لقرابته بعده ﷺ. وقال من ذهب إلى أن الأنبياء يورثون أنه موروث عنه. وقيل هو موقوف على مصالح المسلمين كأرزاق الجيش وإعداد الكراع والسلاح وبناء الحصون والقناطر وأرزاق القضاة والأئمة ونحو ذلك وهو الذي اختاره أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. وقيل هو في الكراع والسلاح وقيل هو للخليفة بعده وهو قول أبي ثور وفي هذا حديث مرفوع إلى النبي ﷺ أنه قال: «إذا أطعم الله لنبي طعمة فهي للخليفة بعده». قال ابن عبد البر وهو حديث لا تقوم به حجة.\nوإذا قلنا بثبوت سهم ذوي القربى في حياة رسول الله ﷺ فقد اختلف فيه بعد موته ﷺ. فقيل هو ساقط وهو قول أبي حنيفة في أن الخمس يقسم","vol":"3","page":96},{"text":"على ثلاثة خاصة. وقيل: هو لقرابة الإمام بعده ﷺ. وقال قتادة كان سهم ذوي القربى طعمة لرسول الله ﷺ ما كان حيًا، فلما توفي جعل لولي الأمر بعده. وقيل هو لقرابته ﷺ موقوف عليهم إلى يوم القيامة وقد بعثه إليهم عمر بن عبد العزيز، وهذا القول أظهر الأقوال لعموم الآية. وذكر الطبري عن الحسن أنه قال اختلف الناس في سهم رسول الله ﷺ هل هو لقرابته بعد وفاته وساق الخلاف ثم قال: فاجتمع رأيهم على أن يجعلوا هذين القسمين في الخير والعدة فكان ذلك مدة أبي بكر قال بعضهم ومدة عمر رضي الله تعالى عنه.\nواختلف الذين أثبتوا لقرابة رسول الله ﷺ سهمًا من الغنيمة فقال قائلون هو لفقرائهم عوضًا عما حرموا من الصدقة. وقال آخرون هو لفقرائهموأغنيائهم وهو ظاهر عموم الآية. واحتج الذين شرطوا الفقر بذكر اليتامى معهم في الآية وأنه لا يصرف إلى اليتامى إلا إذا كانوا فقراء ولا فرق ثم الذين أثبتوا لهم أسهمًا اختلفوا في كيفية قسمته بينهم. فمنهم من قال يقسم قسمة الغنيمة على السواء ومنهم من قال على قسمة المواريث فإنه مال مستحق بالقرابة. واختلف أيضًا في اعتبار الحاجة مع اليتم فاعتبرها الشافعي في أحد قوليه ولم يعتبرها غيره، وهذا التخصيص من الشافعي لليتيم بالحاجة مثل تخصيص أبي حنيفة للقرابة بالحاجة والمسألة في","vol":"3","page":97},{"text":"محل الاجتهاد وسياق الآية محتمل لذلك كله. وعلى هذا أيضًا يتركب الخلاف في ابن لسبيل هل يعتبر فيه الحاجة أم لا وقد مضى القول عليه في آية الصدقة. واختلف في تعيين القرابة الذين ذكرهم الله تعالى في الآية اختلافًا كثيرًا فقال قوم هم بني هاشم وهم الذين تحرم علهم الصدقة وهو قول مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة. وقال آخرون يدخل بنو عبد المطلب مع بني هاشم وهو قول الشافعي والحجة لهم حديث ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن جبير بن مطعم قال: قسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القرب لبني هاشم وبني عبد المطلب من الخمس وقال: «إنما بنو هاشم وبنو عبد المطلب شيء واحد» وقيل هم بنو هاشم وبنو عبد مناف، زاد بعضهم وبنو قصي وبنو مرة وبنو كعب، زاد بعضهم وبنو لؤي وبنو غالب. قال وهو مذهب أصبغ. وذكر بعضهم عن أصبغ أنه قال آل محمد الذين لا تحل لهم الصدقة عشيرته الأقربون الذين ناداهم رسول الله ﷺ حين نزل عليه قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ١٢٤] وهم آل عبد المطلب وآل هاشم وآل عبد مناف وآل قصي.\nقال أصبغ وقد قيل قريش كلها وهذا مصير إلى التعليل بالقرابة خاصة. ومن خصص ذهب إلى التعليل بالنصرة في حديث رسول الله ﷺ واستدلالًا بحديث جبير بن مطعم. وقد ساق المفسرون في أحكام هذه الآية مسائل لا يقوم على أكثرها دليل من ألفاظ الآية مثل هل يحتاج القاتل في أمر السلب إلى بينة على القتل أم لا. فالجمهور على أنه لا بد من شاهدين","vol":"3","page":98},{"text":"وقيل يجزي شاهد واحد وقيل يعطى القاتل السلب بمجرد دعواه ومثل الذي يكون من السلب فلا خلاف أن السلاح من السلب واختلف في الفرس ولا خلاف أن ما وجد في منطقة القتيل أنه - من دنانير أو جواهر أو نحوها- فليس بسلب. واختلف فيما يتزين به للحرب ويهول به كالتاج والسوارين والأقراط والمناطق المثقلة بالذهب والأحجار. وقال سحنون ليس بشيء من ذلك سلبًا إلا المنطقة ومثل لو قال الإمام من قتل قتيلًا فله سلبه فقتل ذمي قتيلًا إلى غير ذلك. وليس غرضنا في هذا الكتاب إلا ما يقوم عليه دليل من الآية ثم يستقر ملك الغانمين على الغنيمة هل بنفس الغنيمة أم بالقسمة على قولين. واحتج الذين يقولون بنفس الغنيمة بقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ الآية، قالوا: فأضاف الغنيمة إليهم إضافة ملك. وقال أهل القول الثاني ليس معنى غنمتم ملكتم وإنما معناه أخذتم من أيدي الكفار وذلك لا يقتضي ملكًا. وللخلاف في هذا فوائد: فمنها إذا زنا الرجل بأمة من المغنم أو سرق من المغنم فهل يحرم أم لا. فمنهم من رأى للإمام أن يدفعه لمصالح المسلمين إن شاء وله أن يمن به على أهله إن شاء وله أن يتركه للغانمين إن شاء. قالوا وقد أقر الرسول ﷺ مكة لأهلها ورد سبي هوازن عليهم. ومنهم من رأى الغنيمة","vol":"3","page":99},{"text":"ملكًا للغانمين بنفس الغنيمة ولم ير للإمام فيها حكمًا سوى القسمة بين الغانمين، وقالوا إنما الإمام كبعض من حضر الوقعة من الناس إلا ما خصه الله به من الخمس، واعتذر أهل هذه المقالة بأن ما فعله النبي ﷺ في سبي هوازن إنما كان بعد استطابة أنفس الغانمين. واختلف في القوم يغنمون ثم يأتيهم مداد لدار الحرب هل يشركونهم أم لا. فعند أصحاب مالك أنهم لا يشركونهم، وقال أبو حنيفة يشركونهم لأن الغنيمة لا تقسم بدار الحرب. ودليل أصحاب مالك الآية لأنه جعل باقي الغنيمة بعد الخمس للغانمين. ومن جاء بعج تقضي الحرب لم يغنم شيئًا. وقد اختلف هل يفضل الفارس على الراجل أم لا. فذهب مالك أن للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم. وقال أبو حنيفة لا يفضل وإنما للفارس سهمان سهم له وسهم لفرسه. قال أبو الحسن: ليس في الآية دليل على تفضيل الفارس على الراجل بل فيها أنهم سواء ودليل مذهب مالك ما روى ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يسهم للخيل: للفرس سهمان ولفارسه سهم. وقوله تعالى: ﴿غنمتم﴾ يشمل الرقاب والعقار وقد مضى الكلام في العقار، وأما الرقاب فقد جاء فيها من الخيرة للإمام ما جاء، ومال الصدقات الذي قال الله تعالى فيه: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ الآية، مخالف لمال الفيء عند الشافعي ولهذا أهل عنده فلا يجوز أن تصرف صدقة في أهل الفيء ولا مال الفيء في أهل الصدقة. وأهل الصدقة عنده من لا هجرة له ولا هو من المقاتلة عن المسلمين وأهل الفيء ذوو الهجرة المقاتلون عن المسلمين. وسوى أبو حنيفة بين المالين وجوز صرف كل واحد من المالين في كل واحد من الفريقين. والذي يظهر من قول مالك ﵀ أن يجوز","vol":"3","page":100},{"text":"صرف الفيء في أهل الصدقة ولا يجوز صرف الصدقة في أهل الفيء وهو ظاهر قول عمر رضي الله تعالى عنه: ما من أحد إلا وله حق في هذا المال حتى لو كان راعيًا أو راعية بعدن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>(٤٥) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا﴾:</span>\nفي هذه الآية الأمر بالثبات والصبر والذكر لله. قال قتادة افترض الله تعالى ذكره عند الضراب بالسيوف. وظاهر الآية أن يذكر الله تعالى في تلك المواطن سرًا وعلانية، إلا أنه قد جاء في رفع الصوت هنالك الكراهية. قال قيس بن عبادة: كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون الصوت عند ثلاث: عند قراءة القرآن وعند الجنازة وعند القتال، وهذا والله أعلم إنما ذكره لأنه يدل على الفشل والخور، فأما إذا شد المسلمون على المشركين شدة واحدة فلا بأس أن يرفعوا أصواتهم لأن ذلك يشد أعضاء المسلمين، وإنما يكره قبل ذلك كما قد جاء عن ابن عباس أنه يكره التلثم عند القتال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>(٥٧) - (٦١) - قوله تعالى: ﴿فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يتذكرون * وإما تخافن من قوم خيانة﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾:</span>\nاختلفوا في قوله تعالى: ﴿فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم﴾ هل هو منسوخ أو محكم. فذهب قوم إلى أنه يقتضي قتل","vol":"3","page":101},{"text":"الأسارى وأنه لا يجوز استحياؤهم. قال هو منسوخ بقوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤]. وقال قوم آخرون إنه يقتضي ذلك وهو محكم وأنه ناسخ لقوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾. وقال آخرون هو محكم وليس بناسخ وهو عام يخصصه قوله تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب﴾ الآية [محمد: ٤]، وسيأتي الكلام على هذا بالشبه منه. وقال الشيخ أبو الحسن المقصود بهذا التنكيل بأهل الردة وإحراق بعضهم بالنيران ورمي بعضهم من رؤوس الجبال وطرحهم في الآبار. فأما قوله تعالى: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء﴾، فقيل هي عامة في كل من يخاف منه خيانة إلى آخر الأبد. وقال أكثر المفسرين إن هذه الآية ف بني قريظة، وذهب بعض المتأخرين إلى أنها في ما عدا بني قريظة فيما يستأنف وهو قول ظاهر الفساد. واختلف المفسرون في معنى: تخافن، هنا. فقيل: معناه أن تكون الخيانة متوقعة غير متيقنة، فالخوف على بابه. وقال بعضهم تخاف في هذه الآية بمعنى تعلم. فأمر الله تعالى في هذه الآية نبيه ﵊ إذا شعر من قوم خيانة أن ينبذ إليهم عهدهم أي يلغيه ويحاربهم إذ لم يلتزموا العهد.\nوقوله تعالى: ﴿على سواء﴾: اختلف فيه فقيل أي حتى يكونوا في","vol":"3","page":102},{"text":"استشعار المحاربة سواء وقيل أي على معدلة، وقال الوليد بن مسلم معناه على مهل كما قال تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين * فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ الآية [التوبة: ١، ٢]. وقال الفراء المعنى فانبذ إليهم على اعتدال أي بين لهم على قدر ما ظهر منهم لا تفرط ولا تعجل بحرب بل افعل بهم مثل ما فعلوا، فإن قيل قد غزا النبي ﷺ أهل مكة قبل أن ينبذ إليهم عهدهم الذي كان بينه وبينهم، فالجواب أنه ﵊ لم ينبذ إليهم عهودهم بل غزاهم ابتداء لأنهم كانوا قد نقضوا العهد بمعاونة هذيل على جرأتهم على حلفاء رسول الله ﷺ ولذلك جاء أبو سفيان إلى المدينة يسأل تجديد العهد بينه وبين قريش فلم يجبه النبي ﷺ إلى ذلك، فمن أجل ذلك لم يحتج إلى النبذ إليهم إذ كانوا قد أظهروا نقض العهد بنصب الحرب لحلفاء النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>(٦٠) - وقوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾:</span>\nأختلف في تفسيره فقيل القوة ذكور الخيل والرباط إناثها وهو قول","vol":"3","page":103},{"text":"عكرمة. وقيل القوة الرمي، ومن حجتهم حديث عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «إن القوة الرمي ثلاثًا». وقيل القوة السلاح. وقيل القوة كل ما يتقوى به في الحرب فجمل على عمومه، ورباط الخيل على ما عدا القول الأول وربطها اعتدادها للحرب ذكورًا كان أو إناثًا. والخطاب في هذه الآية عام في الإعداد لمن هو في الثغور. وهذا لا يجوز ارتباط الخيل في غير الثغور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>(٦٠) - وقوله تعالى: ﴿وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾:</span>\nاختلف في تفسيره فقيل الإشارة إلى بني قريظة وقيل إلى فارس وقيل إلى المنافقين وقيل بل إلى كل عدو للمسلمين غير الفرقة التي أمر النبي ﷺ أن يشرد بهم من خلفهم. وقيل الإشارة إلى الجن، ورجح الطبري هذا وأسند فيه إلى ما روي أن صهيل الخيل ينفر الجن وأن الشياطين لا تدخل دارًا فيه لحام للجهاد ونحو هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>(٦١) - قوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾:</span>\nاختلف هل هو منسوخ أم محكم، والذين ذهبوا إلى أنه منسوخ","vol":"3","page":104},{"text":"اختلفوا في ناسخه وقال ابن زيد وغيره نسخها آية القتال من قوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]، قالوا ونسخت براءة كل موادعة حتى يقول لا إله إلا الله. وقال ابن عباس نسخها قوله تعالى: ﴿فلا تهنوا ولا تدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون﴾ [محمد: ٣٥].\nوالذين ذهبوا إلى أنها غير منسوخة قالوا: أما آية القتال فليست بناسخة وإنما يعني بها من لا تجوز مصالحته مثل مشركي قريش ويعني بقوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم﴾ من تجوز مصالحته وإن كان قوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ عامًا في مشركي العرب وغيرهم بآية براءة مخصصة له ولا معنى لدخول النسخ في هذا. وأما قو ابن عباس فضعيف لأن الآيتين ليس بينهما تعارض. وعلى الاختلاف في هذه الآية اختلفوا في جواز مهادنة الكفار. فلم يجز ذلك طائفة ورأوا الآية منسوخة، وقالوا إنما هو القتال أو الإسلام أو الجزية. وأجازته طائفة أخرى وإن كان على ما يؤديه المسلمون إليهم واحتجوا بالآية ولم يروها منسوخة، وبما روي أنه ﵊ قد كان صالح عيينة بن حصن وغيره يوم الأحزاب على نصف ثمار المدينة حتى شاور الأنصار قالوا: يا رسول الله أهو أمر أمرك الله تعالى به أم الري والمكيدة. قال: «لا بل هو رأي لما رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة فأردت أن أدفعه عنكم إلى يوم» فقال السعدان: سعد بن عبادة والسعد بن معاذ: والله يا رسول الله إنهم لم يطمعوا فيها منا إلا بشراء أو قرى ونحن كفار فكيف وقد أعزنا الله تعالى بالإسلام ولا نعطيهم","vol":"3","page":105},{"text":"إلا بالسيف، وشق الصحيفة وأجازته طائفة على غير مال يؤديه المسلمون إليهم وأما بمال فلا يجوز، وهو أحد قولي الشافعي وبه يقول الأوزاعي. وهذا الخلاف عندي إنما هو ما لم يخف على المسلمين أن يصطلحوا. فأما إذا خيف ذلك فجائز مصالحتهم على مال وعلى غير مال. فأما على أن يؤخذ من الكفار فلا خلاف في جوزاه وسيأتي الكلام عليه. وإنما الخلاف إذا كان على أن لا يأخذ منهم شيئًا أو على أن يعطيهم شيئًا، وهذا كله مع الذين يجوزون أخذ الجزية منهم. فأما من لا يجوز أخذ الجزية منهم باتفاق ككفار قريش فلا خلاف أنه لا تجوز مصالحتهم كيف كانت والذين ذهبوا إلى جواز الصلح في المسألة التي ذكرناها اختلفوا في المدة التي تجوز مصالحتهم إليها. فقيل لا يجوز أن يصالحوا أكثر من عشر سنين وما وراء هذا محظور، وهو قول الشافعي. وقيل لا يجوز أكثر من أربع سنين. وقيل لا يجوز أكثر من ثلاث سنين وهذه الثلاثة الأقوال مبنية على الاختلاف في المدة التي هادن عليها رسول الله ﷺ عام الحديبية. وقيل تجوز مهادنتهم إلى مدة قصيرة أو طويلة على حسب ما يعطيه الاجتهاد والنظر في مصلحة المسلمين، ونحو هذا حكى ابن حبيب عن مالك فقال","vol":"3","page":106},{"text":"تجوز مهادنتهم السنة والسنتين والثلاث وإلى غير مدة. وهذا القول أليق بظاهر الآية إذا قلنا بأنها محكمة. واختلفوا هل يعقد الهدنة غير الإمام أم لا يعقدها إلى الإمام. والجمهور على أنه لا يعقدها إلا الإمام. وذهب الطبري إلى أنه يجوز أن يعقد بغير إذن الإمام. والدليل على فساد هذا القول أن هذا من مصالح المسلمين فلا بد من نظر الإمام فيه وقد قال تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ الآية، فلم يخاطب بذلك إلا النبي ﷺ ولم يقصر تعالى الخطاب عليه إلا من أجل أن ذلك ليس لغيره وأن يعلم أن النظر في ذلك إنما هو للأئمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>(٦٥) - (٦٧) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي﴾:</span>\nاختلف في قوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ هل هو منسوخ أم محكم. فذهب الجمهور إلى أنه منسوخ وقالوا قد كان واجبًا به ألا يفر المسلمون عن عشرة أمثالهم ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ فأجاز للمسلمين أن يفروا عن أكثر من ضعفهم.\nوذهب قوم إلى أن هذا ليس بنسخ وقالوا لم يكن قط واجبًا أن لا يفر المسلمون من عسرة أمثالهم وإنما ذكر الله تعالى ذلك على جهة الندب للمسلمين أن يفعلوه ثم بين تعالى بالآية بعدها الواجب في ذلك، والآية الأولى إلى آخر الأبد مندوب إلى حكمها والقولان مرويان عن ابن عباس وقد اختلف الأصوليون هل يجوز نسخ الأثقل بالأخف أم لا. وهذه الآية حجة لمن أجازه على القول بالنسخ فيها.","vol":"3","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-449>(٦٧) - قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾:</span>\nاختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة، والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة قالوا إنها نزلت والمسلمون قليل فأمر الله فيها بالقتل وعاتب على الأسر وترك القتل، فلما كثر المسلمون واشتدت شوكتهم أنزل الله تعالى التخيير فقال: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤] وروي عن ابن عباس. وقال بعضهم كان الله تعالى قد أمر بإكثار القتل بقوله: ﴿فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ [الأنفال: ١٢] فأبى أصحاب النبي ﷺ يوم بدر إلا أسر بعضهم رغبة في الفداء فصار معصية منهم ومخالفة فنزلت الآية.\nوالذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا فقالت جماعة الآية خبر، أخبر الله تعالى فيها أنه لا يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، فلما أثخن في الأرض كان له أسرى، والأخبار لا تنسخ. وقيل إن سبب هذه الآية أن رسول الله ﷺ لما جمع أسارى بدر استشار فيهم أصحابه. فقال أبو بكر: يا رسول اله هم قرابتك ولعل الله تعالى أن يهديهم بعد للإسلام فادهم واستبقهم ويتقوى المسلمون بأموالهم. وقال عمر بن الخطاب: لا يا رسول الله بل تضرب أعناقهم فإنهم أئمة الكفر. وقال عبد الله بن رواحة: بل نجعلهم في واد كثير الحطب ثم نضرم عليهم نارًا. وقد كان سعد بن معاذ قال وهو مع رسول الله ﷺ في العريش وقد رأى أسارى قد كان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال. فأخذ بقول أبي بكر فنزلت الآية تخير أن الأولى والأهيب على سائر الكفار كان القتل.","vol":"3","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-450>(٦٨) - قوله تعالى: ﴿لولا كتاب من الله﴾:</span>\nيحتمل أن يكون هذا الوعيد على ما فعلوه من المفاداة وترك القتل. وروي أنهم لكا أسرعوا إلى الغنائم أنزلها الله تعالى. واختلف المفسرون في معنى كتاب من الله، فقيل المعنى لولا أن القرآن الذي صدقتم لما مسكم العذاب لأخذكم هذا الفداء. وقيل الكتاب السابق هو المغفرة لأهل بدر ما تقدم أو تأخر من ذنوبهم. وقيل هو ما كان الله تعالى قضاه في الأزل من إحلال الغنائم والفداء لأمة محمد ﷺ وكانت في سائر الأمم محرمة. وقيل هو أن الله تعالى قضى أن لا يعاقب أحد على ذنب أتاه بجهالة، وهذا قول ضعيف. وقيل هو أن لا يعذب أحد بذنب قبل النهي عنه. وقيل هو ما قضاه الله تعالى من محو الصغائر لا باجتناب الكبائر، وذهب الطبري إلى دخول هذه المعاني كلها تحت اللفظ ولم يخصصه بمعنى دون معنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>(٦٩) - وقوله تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا﴾:</span>\nقال المفسرون أحل الله بهذه الآية لأمة محمد ﷺ ما كان محظورًا على غيرهم من الغنائم لأنها لم تحل لأحد قبل أمة محمد ﷺ وإنما كانت تنزل نار من السماء فتأكلها بدليل قوله ﵊: «لم تحل لأحد قبلنا» ويعترض هذا القول في الآية بأن يقال قد كان حكم تحليل الغنم قبل وقعة بدر في السرية التي قتل فيها عمرو بن الحضرمي، فالأحسن أن يقال في الآية أنه إنما أراد فيها إلحاق ما يؤخذ من الأسارى بالغنائم التي تقدم تحليلها وسيأتي الكلام على حكم الأسارى في سورة القتال. وفي الآية","vol":"3","page":109},{"text":"دليل على جواز الأكل من الغنيمة قبل القسمة لأن إباحة الأكل منها مطلقة لم يخص قبل القسمة أو بعدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>(٧٢) - (٧٥) - قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ إلى قوله: ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾:</span>\nحكم الله تعالى بهاتين في المهاجرين والأنصار، فإن بعضهم أولياء بعض، فاختلف في مقتضى هذه الآية. فقيل في المؤازرة والمعونة واتصال الأيدي. والآية على هذا القول محكمة. وقيل هي في الميراث وذلك أن المسلمين كانوا يتوارثون بالهجرة فكان الرجل إذا أسلم ولم يهاجر لم يرث أخاه المهاجر. وروي عن ابن عباس أنه قال: آخى النبي ﷺ بين أصحابه فكانوا يتوارثون بذلك. وقال عكرمة أقام الناس زمانًا لا يرث الأعرابي المهاجر ولا المهاجر الأعرابي. والآية على هذه الأقوال منسوخة نسخها قوله تعالى: ﴿وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ على القول بأنها في الميراث أيضًا. وقد اختلف فيها على حسب الاختلاف في الآية المتقدمة. قيل هي من ولاية المؤازرة والمعاونة وليست بناسخة ولا منسوخة، وإليه ذهب مالك رحمه الله تعالى. وقيل هي في ولاية المؤازرة وهي ناسخة كما تقدم. والذين ذهبوا إلى هذا اختلفوا هل هي منسوخة أو محكمة. فذهب قوم إلى أنها منسوخة لأنها اقتضت توريث جميع القرابات فنسحت بآية المواريث المبينة في سورة النساء. وذهب قوم إلى أنها محكمة وأنها في من يرث ممن جاءه ميراث في كتاب أو سنة وأنها آية مجملة مبينة بغيرها. وذهب أيضًا قوم إلى أنها محكمة عامة في جميع القرابات وعلى هذا ينبني اختلاف العلماء في توريث من لا سهم له في كتاب ولا سنة من ذوي","vol":"3","page":110},{"text":"الأرحام وليس بعصبة كأولاد البنات وبني الأخوات وبنات الإخوة والعمة والخالة وعمة الأب والعم أخي الأب للأم والجد أبي الأم والجدة أم أبي الأم ومن أدلى بهم. فقالت طائفة إذا لم يكن للميت وارث له فرض مسمى فماله للموالي المعتقين فإن لم يكونوا فلبيت المال ولا يرث أحد من ذوي الأرحام المذكورين، وهو قول أبي بكر وعلي وغيرهم من أهل العلم وأهل المدينة والشافعي. وذهب قوم إلى أنهم يرثون ولا يرث بيت المال مع الرحم شيئًا وهو قول الكوفيين والثوري وأحمد وغيرهم. وروي عن علي رضي الله تعالى عنه. واحتج من ذهب إلى هذا بقوله ﷿: ﴿وأولوا الأرحام﴾ الآية فحملوا الآية على عمومها وهو قول ضعيف بل الآية مجملة والمفسر يقضي عليها فينبغي أن يعتمد عليه. واختلف فيمن أولى بالصلاة على الميت الوالي أو الولي. فذهب مالك وأبو حنيفة وغيرهم إلى أن الوالي أولى.\nإلا أن مالكًا قال في الوالي إن كانت إليه الصلاة. وقيل إنما ذلك للوالي الأكبر الذي تؤدي إليه الطاعة فأما غيره من الولاة فلا وإن كانت إليه الصلاة وهو قول مطرف وأصبغ وعبد الحكم. وحجة القول الأول أن الحسين بن على قدم سعيد بن العاص يوم مات أخوه الحسن","vol":"3","page":111},{"text":"وقال لولا السنة ما قدمتك، وسعيد يومئذ أمير المدينة. وقيل الولي أحق من الوالي جملة وهو قول الشافعي وأبي يوسف واحتج أصحاب الشافعي بعموم قوله تعالى: ﴿وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾.","vol":"3","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-453>سورة براءة</span>\nهي مدنية إلا قوله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول ...﴾ [التوبة: ١٢٨، ١٢٩] آخر السورة.\nولهذه السورة أسماء، قال حذيفة تسمى سورة التوبة، وقال ابن عباس تسمى الفاضحة، وتسمى أيضًا الحافرة لأنها حفرت عن قلوب المنافقين. وقال حذيفة أيضًا هي سورة العذاب. وقال ابن عمر كنا ندعوها المقشقشة وقال ابن زيد كانت تسمى المبعثرة. ويقال لها أيضًا المثيرة، ويقال لها البحوث. وأول آية نزلت منها على ما قال أبو مالك الغفاري: ﴿انفروا خفافًا وثقالًا﴾ [براءة: ٤١]. وقد كانت هذه السورة تعدل البقرة فنسخت، وكانت تدعى وسورة الأنفال القرينتين. وفيها من الأحكام والناسخ والمنسوخ مواضع أكثر العلماء على أن آخر سورة نزلت بالمدينة براءة ولذلك قل المنسوخ فيها. وروي عن ابن عباس أنه فال: آخر","vol":"3","page":113},{"text":"سورة نزلت براءة وآخر آية نزلت آية الكلالة. وحكي أن أعرابيًا سمعها فقال: أظن هذه من آخر ما أنزل. فقيل له لم تقول ذلك فقال أرى أشياء تنقض وعهودًا تنبذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>(١) - قوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ </span>الآية:\nهذه الآية اقتضت تقدم عهد بين النبي ﷺ وبين المشركين أن النبي ﷺ نقضه، إلا أنه اختلف في سبب النقض. والجمهور على أنه ما أراده المشركون من النقض. وقال بعضهم سببه أن النبي ﷺ لما أراد أن يحج لقابل أجله وكان المشركون يطوفون بالبيت عراة، والتعري محض شرك وكفر، فاقتضى ذلك نقض العهد. وهذا باطل لأنه لا يجوز لرسول الله ﷺ نقض العهد لهذه العلة فإن من التمكن أن يخلي البيت ساعة طوافه ولا يمكن المشركين من الطواف فيما له استحالة كما طاف في عمرة القضاء وأخلى المشركون له البيت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-455>(٤) - وقوله تعالى: ﴿ثم لم ينقصوكم شيئًا ولم يظهروا عليكم أحدًا﴾:</span>\nيدل على أن الذين تقدم ذكرهم ووقع منهم مظاهرة أو مخاتلة خداع تقتضي نقض العهد والإخلال به. ولذلك قال: ﴿كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله﴾ الآية [براءة: ٧] فإن قيل فإذا نقض العهد فلم أجلوا أربعة أشهر؟ فالجواب أنه جاز الإمهال تلك المدة لما فيه من المصلحة من تدبر من أمهل وعاقبة أمره وعسى أن يكون ذلك داعية إلى الإسلام وإذا صح هذا فقد اتفق المفسرون لهذه الآية أن هذا التأجيل الأربعة أشهر دخل فيه من كان بينه وبين النبي ﷺ عهد وظهر منه أو تحسس من جهته نقض وكان مدة عهده ينصدم عند انقضاء الأربعة أشهر أو قبلها. واختلف في من كان من هؤلاء عهده يتمادى بعد الأربعة أشهر. فقيل- وهو قول الجمهور- إنه داخل فيمن ضرب له الأربعة أشهر. وقيل من كان عهده","vol":"3","page":114},{"text":"يتمادى بعد الأربعة أشهر فهم الذين أمر الله تعالى أن يوفى لهم. والأول أصح على ظاهر الآية. وأما من كان له عهد ولم يخف منه نقض فاتفقوا على أنه لم يدخل في التأجيل وأنه كان باقيًا إلى أجله إن كان أجله أطول من الأربعة أشهر لاستثناء الله تعالى إياهم فيما بعد. واختلفوا فيمن لم يكن له عهد من النبي ﷺ هل هو داخل في هذا التأجيل أم لا. فذهب أكثرهم -منهم الضحاك- إلى أنه لم يدخل في ذلك. وذهب بعضهم -منهم السدي- إلى أنهم دخلوا فيه والأول أظهر لقوله تعالى: ﴿إلا الذين عاهدتم﴾ [براءة: ٤] فإنما ذكر من عوهد بدليل هذا أن من لم يعاهد ليس كذلك.\nوقال موسى بن عقبة: كان النبي ﷺ قبل نزول هذه الآية يكف عن قتال من لم يقاتله لقوله تعالى: ﴿وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلًا﴾ [النساء: ٩٠] ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ الآيات [براءة: ١ - ٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>(٢) - وقوله تعالى: ﴿فيسحوا﴾:</span>\nمعناه فقل لهم يا محمد سيحوا في الأرض أي امشوا فيها آمنين هذه المدة. واختلفوا في أول هذه الأربعة الأشهر التي ذكرها الله تعالى.","vol":"3","page":115},{"text":"فقال ابن عباس وغيره أولها شوال، وحينئذ نزلت الآية وانقضاءها عند انسلاخ الأشهر الحرم، وانقضاء المحرم بعد يوم الأذان بخمسين يومًا. قالوا فكان أجل من له عهد أربعة أشهر من يوم نزول الآية أجل سائر المشركين خمسون ليلة من يوم الأذان. وهذا قول ضعيف لأن الأجل لا يلزم إلا من يوم سمع إلا أن يكون سمعت براءة أول شوال ثم كرر إشهارها مع الأذان يوم الحج الأكبر. وقال السدي وغيره بل أولها يوم الأذان وآخرها العشر من ربيع الآخر وهي الحرم استعير لها هذا الاسم لهذه الحرمة وإلا من الخاص الذي رسمه الله تعالى وألزمه فيها. القول الأول أظهر في لفظ الآية لقوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ [براءة: ٥] فدل أن بتمام الأشهر الحرم يتم العهد. ويقول أهل القول الثاني أن المعنى فيذلك اقتلوا المشركين الذين لا عهد لهم ألبتة، فكان على هذا أجل من لا عهد له خمسين يومًا وهو مذهب أبي حنيفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>(٣) - وقوله تعالى: ﴿وأذان من الله﴾:</span>\nأي إعلام منه. وقوله تعالى: ﴿يوم الحج الأكبر﴾ [براءة: ٣] اختلف الناس فيه فقال عمر وابنه وغيرهما هو يوم عرفة، وقيل هو يوم النحر وهو قول أبي هريرة، والقولان عن علي مرويان. وروي عن النبي ﷺ أنه يوم النحر وبهذا يقول مالك. وقال سفيان بن عيينة المراد بقوله الحج الأكبر ها هنا أيام الحج كلها كما تقول يوم صفين ويوم الجمل. وقال مجاهد هي أيام منى كلها. والذي تظاهر به الأحاديث أن عليًا أذن بتلك الآية يوم","vol":"3","page":116},{"text":"عرفة إثر خطبة أبي بكر ثم رأى أنه لم يعم الناس بالإسماع فتتبعهم بالأذان بها يوم النحر وفي ذلك اليوم بعث معه أبو بكر من يعينه في الأذان بها كأبي هريرة وغيره، وتتبعوا أيضًا أسواق العرب كذي المجاز وغيره.\nفبسبب هذا اختلف الناس. واختلف أيضًا لم وصف بالأكبر، فقيل لأنه حج ذلك العان المسلمون والمشركون وصادف أيضًا عيد اليهود والنصارى، وقيل لأنه حج فيه أبو بكر ونبذت فيه العهود، وقيل الحج الأكبر بالإضافة إلى الحج الأصغر وهو العمرة. وقال الشعبي بالإضافة إلى العمرة في رمضان فإنه الحج الأصغر، وقال مجاهد الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد، وقيل الحج الأكبر يوم النحر والأصغر يوم عرفة وهو قول منذر بن سعيد. قال لأن الناس كانوا يقفون يوم عرفة بعرفة إذا كانت الخمس تقف بالمزدلفة وكان الجمع يوم النحر بمنى فلذلك كانوا يسمونه الحج الأكبر. وذكر بعضهم أن هذا خطأ لأنه لم يقف أحد في حجة أبي بكر بالمزدلفة. وليس كما قال. وقد حكى قوم من المفسرين أن الحمس ومن تبعها وقفوا بالمزدلفة في حجة أبي بكر وكان رسول الله ﷺ قد افتتح مكة سنة ثمان واستعمل عليها عتاب بن أسيد ثم غزا غزوتين: حنينًا والطائف ثم رجع إلى المدينة ثم خرج إلى تبوك ثم رجع في رمضان سنة تسع فأراد الحج ولم يرد أن يحج المشركون يحجون ويطوفون عراة فأمر","vol":"3","page":117},{"text":"أبا بكر أن يحج بالناس وأنفذه، ثم أتبعه عليًا على العضباء لينادي في الناس بأربعة أشياء: ألا يحج بعد العام عريان مشرك ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مدته. وفي بعض الروايات ومن كان بينه وبينه عهد فأجله أربعة أشهر يسيح فيها فإذا انقضت فإن الله بريء من المشركين ورسوله وهذه الرواية فيمن يتحسس منه نقض والأول فيمن لم يتحسس منه نقض. وذكر أن العرب قالت يومئذ نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطغى والرضا فلام بعضهم بعضًا وقالوا ما تصنعون. وقد أسلمت قريش فأسلموا كلهم ولم يسح أحد. وحينئذ دخل الناس في دين الله أفواجًا وكان النبي ﷺ قد أمر عليًا أن يقرأ على الناس من أول براءة. قيل أربعين آية وقيل ثلاثين وقيل عشرين وقيل عشر آيات وقيل تسع آيات وقيل ثمان وعشرون آية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>(٤) - وقوله تعالى: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقضوكم شيئًا ولا يظهروا عليكم أحدًا﴾:</span>\nاستثنى بهذه الآية من لم ينقض عهدًا من المشركين وهم الذين بقي من عهدهم تسعة أشهر أي أنهم يتركون على عهدهم لا يكونون كمن نقض العهد فيضرب له أربعة أشهر. وقال قتادة هم قريش الذين عوهدوا من الحديبية، وهذا فاسد لأن قريشًا كانت قد أسلمت يوم الفتح قبل أمر الله تعالى بالأذان بهذه الأشياء.\nثم قال تعالى: ﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾ فاختلف المفسرون على من يعود هذا الضمير ﴿إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾ فقيل على من ضرب له أربعة أشهر أي أتموا العهد الذي لهم إلى أربعة أشهر وهو قول","vol":"3","page":118},{"text":"ابن عباس. وقيل يعود على قوله: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئًا﴾ وهذا مبني على الاختلاف في الضمير إذا تعقب شيئين. ويحتمل أن يعود على الأبعد منهما ويحتمل أن يعود على الأقرب منهما. فمنهم من يحمله على الأقرب وهو الأحسن ومنهم من يحمله على الأبعد، والأحسن في هذه الآية أن يعود على المستثنين. والذي يتحصل من الأحكام في هذه الآية أنه لا يجوز نقض عهد الكفار إلا بنقض ظاهر منهم أ، توقع نقض أو إيهام من مدة العهد مثل أن يقول أقركم ما أقركم الله كما عاهد رسول الله ﷺ أهل خيبر ثم أجلاهم عمر رضي الله تعالى عنه ولا يجوز النقض بالاغتيال بل بإظهار نقض العهد إليهم.\nويؤخذ من قوله تعالى: ﴿ولم يظاهروا عليكم أحدًا﴾ أن أهل العهد من الكفار إذا ظاهروا قومًا من الأعداء فهو نقض سواء ظاهروا سرًا أو جهرًا.\nويؤخذ من قوله تعالى: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ أن هذه المدة غاية الآجال في استيفاء الحقوق. وقوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ يقتضي أن لا يبقى مشرك له عهد إلا وقد برئ الله منه بالعموم الظاهر. ولا يدخل في هذا العموم اليهود لأنه تعالى إنما برئ من عهد من كان على موادعة في الحرب وكفى عن القتال وهو عهد المشركين من العرب. وأما عهد اليهود فليس كذلك لأنه إنما كان عهد قهر وغلبة وصغار فتخصص بهذا المعنى. ويجوز أن يكون لفظ المشركين محتص بغير أهل الكتاب ويقتضي ذلك منع أخذ الجزية منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>(٥) - وقوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾:</span>\nهذه الآية هي ناسخة لكل آية مهادنة أو ما جرى مجراها من القرآن.","vol":"3","page":119},{"text":"وقد ذكر بعضهم أن آيات المهادنة والموادعة المنسوخة بهذه الآية مائة آية وأربعة عشر آية وقد اختلف في هذه الأشهر على أربعة أقوال: أحدها: أنها الأشهر المعلومة: رجب الفرد والثلاث السرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم. والثاني: شوال من سنة تسع المحرم من سنة عشر. والثالث: أنها أربعة أشهر من يوم النحر من سنة تسع. والرابع: أنها تمام تسعة أشهر كانت بقيت من عهدهم. فأما الأول ففاسد لأن ترك القتال فيها منسوخ بالإجماع. والثاني باطل لأن الأجل إنما يكون من يوم الإعلام والإنزال. والرابع: باطل أيضًا لأن الله تعالى يقول: أربعة أشهر، وهذا يقول تسعة أشهر. والثالث هو الصحيح لأنه قال: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ فاقتضى ذلك أن تكون المدة عقب الإعلام. وقال بعض من زعم أن الأشهر المذكورة في الآية هي المعلومة التي هي ثلاثة سرد وواحد فرد إنما علق الله تعالى قتال المشركين بانقضائها لأن آخرها الذي هو المحرم كان بانقضائه تنقضي الأربعة أشهر، وهذا قول حسن. وفي الآية أخبار كثيرة من العلماء.\nوقد قال الأصم في هذه الآية: أريد بها من لا عهد له من المشركين فوجب أن يمسك عن قتالهم حتى ينسلخ الحرم وهو مدة خمسين يومًا على ما ذكر ابن عباس واقتضت هذه الآية أيضًا أن قتل","vol":"3","page":120},{"text":"المشركين بعد الأشهر المذكورة. واختلف في هذه الآية لأجل ذلك هل هي محكمة أو منسوخة. فقال قوم هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤] قالوا ولا يحل قتال أسير صبرًا فإما أن يمن عليه وإما أن يفادي وهو قول الضحاك وعطاء والسدي والحسن وغيرهم. وقيل بل هي محكمة. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤]. فذهب قوم إلى أنها ناسخة له وأنه لا يجوز في الأسير إلا أن يقتل ولا يجوز أن يمن عليه بالعتق ولا أن يفادى به، وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما. وذهب قوم بأنها ليست بناسخة لتلك وأن الآيتين محكمتان وهو قول ابن زيد. ثم اختلف على هذا القول في ترتيب الآيتين، فقيل آية براءة في عبادة الأوثان فليس فيهم إلا القتل وآية سورة القتال في أهل الكتاب فقط ففيهم المن والفداء.\nقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم﴾ معناه وخذوهم أسرى للقتل أو للمن أو للفداء ثم بين ذلك قوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤] وقد نسب جماعة هذا التأويل إلى ابن زيد. فهذه أربعة أقوال في حكم الأسير. أحدها القتل خاصة وقيل المن والفداء خاصة وهو قول، وقيل هو مخير في ذلك، وقيل أما ما في عبدة","vol":"3","page":121},{"text":"الأوثان فالقتل خاصة وأما أهل الكتاب فالمن والفداء. وفي المسألة قول خامس أنه لا يجوز إلا المن والفداء بالمسلمين فأما بالمال فلا يجوز لأن ذلك تقوية لهم وهو أضعف الأقوال لعموم الآية لأن رسول الله ﷺ قد فعل الوجهين جميعًا ومذهب مالك أن الإمام مخير بين خمس خصال: إما أن يقتل وإما أن يمن فيستعبد أو يعتق أو تعقد له الذمة وتضرب عليه الجزية وإما ان يفادى. وهذان القولان أيضًا على أن الآيتين محكمتان. وذهب بعض المفسرين في ترتيب الآيتين إلى غير هذا وزعم أنه لم يأت عن ابن زيد أكثر من الآيتين محكمتين بل ذكره مكي والمهدوي عن ابن زيد، فقال هذا الزاعم قوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم﴾ إنما هو في المشرك المحارب الذي يتمكن منه وليس للأسير فيها ذكر ولا حكم وإنما هو قول ضعيف لعموم آية السيف إذ لم يخص محاربًا من غير محارب، وآية السيف هي قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ والأظهر في الآيتين الإحكام وإليه يذهب مالك وقد قرره","vol":"3","page":122},{"text":"رسول الله ﷺ بفعله يوم بدر إذ قتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط صبرًا وهما أسيران وفادى بقوم. واختلف في الحبشة والترك هل يقاتلون إذا أبوا من الإسلام أم على قولين في المذهب والمشهور عن أبن القاسم ومالك أنهم يقاتلون. وقد جاء عن غيرهما ما ظاهره أن لا يقاتلوا لما جاء عن النبي ﷺ: «اتركوا الحبشة ما تركوكم» ومن قوله: «اتركوا الرابضين ما تركوكم الحبشة والترك» والقول الأول أظهر لعموم قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموههم﴾ ولم يخص وما ذكر من الحديث محتمل فلا يعدل عن ظاهر القرآن بمحتمل. وفي قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ دليل على جواز قتلهم بأي وجه كان إلا أن الأخبار وردت بالنهي عن المثلة ويجوز أن يكون أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين قتل الردة بالإحراق والحجارة والرمي من رؤوس الجبال والتنكيس في الآبار تعلق بعموم الآية، وكذلك على رضي الله تعالى عنه حين أحرق قومًا من أهل الردة تعلق أيضًا بهذا العموم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>(٥) - وقوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾:</span>\nلم يقنع منهم تعالى بالاعتقاد حتى يظهروا الطاعة بالجوارح وذلك أنه اشترط في تحليتهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة أي أن يفعلوا هذه الأشياء مع إيمانهم. وقيل معناه أن يعترفوا يهما لا أن يفعلوهما. وإذا قلنا إنه إنما أراد بعد ذلك من صلاة وزكاة وحنوهما فإنما هي طاعات أوجبها الله تعال فمن تركها ولم يأت بها مع اليمان فقد عصى، وفيها عقوبات على حسب","vol":"3","page":123},{"text":"ما ورد في الشرع في ذلك. وأما أن يقال إنه كافر بتركها فبعيد في قياس الشرع وإن كانت قد وردت أخبار تدل على تكفير من ترك الصلاة، والسابق من ظاهر الآية مثل ما وردت به الأخبار ولكنه يترك الظاهر لما هو أظهر. ولأجل هذا اختلف فيمن أسلم هل يقنع منه بكلمة الشهادة مع الاعتراف بالطاعة أم لا يقنع منه بكلمة الشهادة مع الاعتراف حتى يصلي.\nفمنهم من قال إنه إن نطق بكلمة الشهادة مع الاعتراف بما أظهر فذلك إعلام صحيح وإن رجع بعد ذلك فهو مرتد يقتل كما يقتل المرتد. ومنهم من قال إن صلى ولو ركعة فقد صح إسلامه وإن رجع بعد ذلك فهو مرتد وأما إن لم يصل فلا يكون مرتدًا إن رجع عن إسلامه ولكنه يعاقب وهو قول ابن القاسم من أصحاب مالك والأول قول أصبغ وقاله ابن حبيب أيضًا. ومتى قلنا بصحة إسلامه بالنطق بكلمتي الشهادة مع الاعتراف ثم ترك الصلاة فحكمه حكم المؤمن الأصلي بترك الصلاة وإذا لم نقل بصحة إسلامه بذلك حتى يصلي فهو ما لم يصل لا يحكم عليه في ترك الصلاة بحكم المؤمن الأصلي يترك الصلاة بغير عذر مع إقراره بفرضها -لأن من لا يقر بفرضيتها فلا خلاف في كفره- فقيل هو كافر ينتظر به آخر وقت الصلاة، فإن صلى وإلا قتل وكان ماله لجميع المسلمين وهو قول علي وابن عباس وغيرهما وغليه ذهب ابن حبيب. والثاني أنه ليس بكافر ولكنه يقتل على فعل ذنب من الذنوب لا على كفر ويرثه ورثته المسلمون. وهو قول مالك والشافعي وجماعة سواهما. وقيل إنه لا يقتل بل يضرب ضربًا","vol":"3","page":124},{"text":"مبرحًا ويسجن حتى يتوب ويرجع ولا يقتل وهو قول ابن شهاب وغيره وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والقول الأول أظهر إلى لفظ الآية، والقول الثاني في القياس والقول الثالث حجته قوله ﵊: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله». واختلفوا أيضًا فيمن لا يؤدي الزكاة مع إقراره بفرضها لأنه إذا لم يقر بفرضها فهو كافر بلا خلاف. فقيل هو كافر وهو قول ابن حبيب، وقيل هو ليس بكافر وهو قول الجمهور، قالوا لكنه يضرب وتؤخذ منه كرهًا إلا أن يمتنع في جماعة فإنهم يقاتلون حتى تؤخذ منهم. والقول الأول أظهر على لفظ الآية، والثاني أولى بالاتباع إذ هو الذي ذهب إليه جماعة الصحابة في قتال أهل الردة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>(٦) - (٧) - قوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾ إلى قوله: ﴿فاستقيموا لهم﴾:</span>\nأمر رسول الله ﷺ في هذه الآية بعد أن أمر بقتال المشركين أن يكون متى طلب منه عهدًا ليسمع القرآن ويرى حال المسلمين فأما أن يسلم وأن ينكص على عقبيه إن يعطيه ما سأل من العهد وهي الإجازة. ثم أمر بتبليغه إلى مأمنه إذا لم يرض الإسلام وأراد الرجوع إلى مأمنه. وقد اختلف العلماء هل هذا الحكم الذي اقتضته الآية محكم أو منسوخ لا يجوز أن يفعل مع المشرك. فذهب جماعة إلى أنه محكم وأن حكم غير الرسول ﷺ من الأئمة بل من","vol":"3","page":125},{"text":"المجاهدين حكم في ذلك ولا يحل للمجاهدين أن يقتلوا الكافر مع طلبه ذلك وأنها سنة قائمة إلى يوم القيامة، وهو قول الحسن ومجاهد. وقال قوم هو محكم ولكنها كانت في هذه الأربعة أشهر التي ضربت لهم أجلًا ولم يعد إلى غير ذلك الوقت. وإذا قلنا بالقول الأول فلا يحل أن يخلوا المجاهدين من عالم يقوم بالمناظرة وإقامة الأدلة لأنه لا يؤمن أن يكون في الكفار من يطلب ذلك، والأمر في هذه الآية على الوجوب بخلاف الإجارة بغير الغرض المذكور في الآية. وذهب جماعة إلى أن هذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [براءة: ٥] وإلى هذا ذهب الضحاك والسدي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>(٦) - وقوله تعالى: ﴿حتى يسمع كلام الله﴾:</span>\nيعني القرآن.\nوقوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم قوم لا يعلمون﴾ تنبيه بأنه إنما أمر بإجارتهم على الوجه المذكور لأنهم لا يدرون ما يدعوهم إليه المسلمون فينبغي أن يعلموا بذلك وحينئذ يقاتلون إن لم يقبلوا لأنه يعلم بذلك أنهم معاقدون، وفي هذه إشارة إلى الدعوة وقد مر الكلام عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>(٧) - وقوله تعالى: ﴿كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله﴾ </span>الآية:\nهو استفهام على وجه التعجب والاستبعاد أي كيف يكون عهد عند الله وعند رسول لقوم نقضوا العهد، لكن الذين لم ينقضوا فلهم عهدهم وهم الذين عوهدوا عند المسجد الحرام. واختلف في المعنى بهذا، فقيل قريش وقيل بنو خزيمة بن الديل وقيل قبائل بني بكر لما دخلوا وقت الحديبية في الهدنة التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين قريش فلم يكن","vol":"3","page":126},{"text":"نقض إلا قريش وبنو الديل من بني بكر فأمر رسول الله ﷺ بإتمام العهد لمن لم يكن نقض. وقيل المعنى بذلك بخزاعة. وقول من زعم أنهم خزاعة أو قريش مردود لأن قريشًا وخزاعة قد كانوا أسلموا عام الفتح فلم يأت يوم الأذان إلا وهم مسلمون، والأذان بعد الفتح بسنة، قاله الطبري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>(٩) - قوله تعالى: ﴿اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا﴾:</span>\nالآية نزلت في الطائفة من الكفار التي وصفها الله تعالى بما ذكر لما أعرضت عن آيات الله وقد أمكنها التمسك بها واختارت الكفر الذي كان في أيديها، وهذه الآية وإن كانت نزلت لما ذكرنها ففيها إشارة إلى تعظيم القرآن وأنه لا يجوز أن يبذل فيه ثمن قليل. واختلف في تعليم القرآن على أجر هل يجوز أم لا. فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يجوز ومن حجتهم قوله تعالى: ﴿اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا﴾ وكل ما جعل عوضًا من آيات الله فهو قليل. وما جاء عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله ما تقول في المعلمين؟ قال: «درهمهم حرام ونومهم سحت وكلامهم رياء». وما جاء من أن عبادة ابن الصامت علم رجلًا من أهل الصفة سورة من القرآن فأهدى إليه قوسًا فقال له رسول الله ﷺ: «إن سرك أن يطوقك الله تعالى طوقًا من نار فاقبله». وأجاز مالك والشافعي وغيرهم أخذ الأجرة على تعليم القرآن ومن حجتهم أن يقصروا الآية فيما نزلت فيه وما جاء من حديث المتزوج بالقرآن. واختلف أيضًا في","vol":"3","page":127},{"text":"التزوج بتعليم القرآن أو سورة منه فأجازه الشافعي ولم يجزه أبو حنيفة ولا مالك في المشهور عنه.\nومن حجة من لم يجزه ظاهر الآية ولكنه يشبه النكاح بالمجهول. ومن حجة من أجازه حديث المتزوج المشهور. واختلف أيضًا في أخذ الأجر في الصلاة فلم يجزه أبو حنيفة وأصحابه وأجازه الشافعي واختلف فيه قول مالك، ومن حجة من لم يجزه أيضًا لأنه من نوع بيع آيات الله بثمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>(١٢) - وقوله تعلى: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون﴾:</span>\nاختلف في الذمي يطعن في الشريعة بأن يكذب النبي ﷺ أو يسبه أو نحو ذلك. فقيل يقتل جملة من غير تفصيل وهو قول الشافعي، وقيل إذا كفر وأعلن بما هو معهود من معتقده وكفره أدب على الإعلان وترك، وإذا كفر بما ليس بمعهود في كفر كالسب ونحوه قتل. وقيل لا يقتل جملة من غير تفصيل وحكي ذلك عن أبي حنيفة قال لأن ما هم عليه من الشرك أعظم. وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتله، وبقتل كعب بن الأشرف وكان معاهدًا. والذين ذهبوا إلى أنه يقتل اختلفوا إذا سب النبي ﷺ ثم أسلم هل يقبلها أم لا على قولين منصوصين في المذهب، والأظهر في هذا كله أن تقبل توبته لقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فقاتلوا أئمة","vol":"3","page":128},{"text":"الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون﴾ وقوله تعالى: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر﴾ أن المتقدم على نكث العهد والطعن في الدين صار رأسًا في الكفر فهو من أئمة الكفر على هذا التأويل؟ وظاهر الآية يقتضي توقف قتاله عن النكث والطعن وكل واحد منهما يبيح ذلك على انفراده. فالمعنى إن نكثوا أيمانهم حل قتالهم وإن لم ينكثوا وطعنوا في الدين مع الوفاء بالعهد حل قتالهم، وهذا التأويل ينبني عليه القول بالقتل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>(٢٨) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾:</span>\nاختلف في وصف الله تعالى لهم بالنجس لم هو. فقال قتادة وغيره لأنهم جنب إذ غسلهم من الجنابة ليس بغسل. وقال ابن عباس وغيره بل معنى الشرك الذي نجسهم كنجاسة الخمر. ومن أهل العلم من صار إلى الحكم بنجاستهم حقيقة حتى ينجسوا الماء بملاقاتهم له. وقال آخرون لم يرد الله تعالى نجاستهم لكن جعلهم كالنجاسة في المنع من قرب المسجد كالمنع في ذلك من النجاسات، فالمراد بذلك","vol":"3","page":129},{"text":"التشبيه واختلف في إيجاب الغسل على المشرك إذا أسلم، فالجمهور من أهل المذهب على إيجاب الغسل عليه وهذا القول مبني على قول من يرى أن المشرك إنما وصفه الله تعالى بالنجاسة لجنابته. وذهب ابن عبد الحكم إلى أنه لا يجب عليه الغسل وهذا مبني على أن وصفه بالنجاسة إنما هو لمعنى الشرك لا لمعنى الجنابة وروي أيضًا عن مالك وابن القاسم مثله.\nواختلف فيمن صافح مشركًا هل يتوضأ أم لا؟ فذهب الحسن إلى أنه يتوضأ -يريد والله تعالى أعلم الوضوء اللغوي- والجمهور على أن ذلك لا يلزم إلا أن يتعلق به نجاسة. وكان الحسن لما وصفهم الله تعالى بالنجاسة حملهم على النجاسة وإن لم تظهر منهم. واختلف في المشركين من هم، فقيل الوثنيون خاصة، وقيل هم الوثنيون وغيرهم من أهل الكتاب ومن الكفار. قال بعضهم وإنما سمي أهل الكتاب مشركين وإن لم يشركوا لأن من كفر بما جاء به محمد ﷺ فقد نسب ما لا يكون إلا من الله تعالى إلى غير الله تعالى فأشرك معه غيره. وفائدة الخلاف في هذا يتبين في صفة مناكحتهم وذبائحهم وغير ذلك. واختلف هل هذه الآية ناسخة لما كان ﷺ صالح به المشركين أن لا يمنع من البيت أحد أم لا على قولين.","vol":"3","page":130},{"text":"وقد اختلف في دخول أهل الكتاب وغير أهل الكتاب من الكفار المساجد. فذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أنه يمنعون من دخول المسجد الحرام وغيره من المساجد، فحمل المشركين على العموم في الكتابيين وغيرهم أو على غير أهل الكتاب، وقالس عليهم أهل الكتاب وقاس على المسجد الحرام سواه. وتأول الآية التي قبل هذه: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر﴾، وقوله تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله﴾، وبمثل هذا كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله واحتج في كتابه بهذه الآية. ويؤكد هذا القول قوله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ [النور: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ [الحج: ٣٢] وذهب الشافعي إلى أن الكفار كلهم يمنعون من دخول المسجد الحرام خاصة ولا يمنعون من سواه، فحمل المشركين على العموم أو على الخصوص وقاس ولم يقس على المسجد الحرام سواه ولا تأول الآية التي قبل هذه الآية فأجاز دخول أهل الكتاب وغيرهم فيما عدا المسجد الحرام.\nومن حجته أيضًا ربط ثمامة بن أثال في المسجد. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يدخل المشركون الذين ليسوا بأهل كتاب في المسجد الحرام خاصة فقصر المشركين في هذه الآية على من ليس له كتاب كعبدة الأوثان ولم يقس على المسجد الحرام سواه فأباح دخول أهل الكتاب في المسجد الحرام وغيره ودخول عبدة الأوثان في سائر المساجد. وذهب جابر بن عبد الله وقتادة إلى أنه لا يقرب المسجد الحرام مشرك إلا أن يكون صاحب جزية أو عبد لمسلم فقصر المشركين على ما عدا هذين النوعين","vol":"3","page":131},{"text":"ولا يعلم لهما دليل على هذا. وذهب قوم إلى أنه لا يمنع من دخول المسجد الحرام ولا غيره مشرك كتابيًا كان أو غير كتابي ونسبه بعضهم إلى أبي حنيفة وقال الحجة عليه قوله تعالى: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ [براءة: ٢٨]، قال/ وإن قال أبو حنيفة معناه لا يقربوه للطواف خاصة والحجة أنه يحمل على ظاهره، وظاهره العموم حتى يدل دليل على التخصيص.\nواختلف في المشركين هل يدخلون الحرم أم لا. فالجمهور على أنهم لا يمنعون لأن الله تعالى إنما قصر النهي عن المسجد الحرام خاصة فغاية هذا أن يقاس عليه سائر المساجد. وذهب عطاء إلى أنهم يمنعون من دخوله وقال وصف الله تعالى المسجد بالحرام في منع القرب يقتضي منعه من جميع الحرم. وقوله تعالى: ﴿فلا تقربوا المسجد الحرام﴾ مقتضاه الأمر للمسلمين لمنعهم من قرب المسجد الحرام. وقوله تعالى: ﴿بعد عامهم هذا﴾ يريد عام حج أبي بكر وكان عام تسعة من الهجرة. وقوله: ﴿وإن خفتم عيلة﴾ معناه أن المسلمين لما منعوا المشركين من الموسم وهم كانوا يجلبون الأطعمة والتجارة خافوا على أنفسهم من العيلة -وهي الفقر- فوعدهم الله تعالى بأن يغنيهم من فضله. قال الضحاك يفتح عليهم باب أخذ الجزية من أهل الذمة بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ وقال عكرمة أغناهم بإدرار المطر عليهم.\n(٢٩) - قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وهم صاغرون﴾:\nهذه الآية تقتضي أن يقاتل أهل الكتاب حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية.","vol":"3","page":132},{"text":"وعند نزولها نظر رسول الله ﷺ وسار إلى تبوك. وقد اختلف فيها هل هي ناسخة أم لا. فقال قوم هي ناسخة لما في القرار من الترك لقتال المشركين، وقال بعضهم هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ لأن هذه الآية اقتضت أن يقتلوا ولا تؤخذ نمهم جزية، وهذه الأخرى اقتضت أن يقاتلوا إلا أن يؤدوا الجزية. وذهب جماعة إلى أنها ليس بناسخة وأنها مبينة. واختلف في كيفية تبيينها، فقيل إن قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ أراد به من ليس من أهل الكتاب، وأراد في هذه الآية أهل الكتاب وقيل قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ عام للصنفين وللأحوال إلا أنه خصص من ذلك العموم بآية الجزية من أدى الجزية خاصة وهو أحسن ما يقال في ذلك. وقوله تعالى: ﴿الذين لا يؤمنون بالله﴾ هم أهل الكتاب كما فسره تعالى بعد ذلك، وأهل الكتاب معترفون بالإيمان بالله تعالى فيحتمل هذا الإيمان ثلاثة تأويلات: أحدها: أنهم لا يؤمنون بكتاب الله وهو كما فسر تعالى بعد ذلك. والثاني: أنهم لا يؤمنون برسوله ﷺ لأن تصديق الرسل إيمان بالرسل. والثالث: أن منهم من يقول في الله تعالى ثالث ثلاثة وعزير ابن الله فلذلك نفى عنهم الإيمان.\nوقوله تعالى: ﴿ولا باليوم الآخر﴾ فيه أيضًا تأويلان: أحدهما: لا يخافون وعيد اليوم الآخر وإن كانوا مقرين بالثواب والعقاب. والثاني: أنهم يكذبون ما وصفه الله تعالى من أنواع العذاب.","vol":"3","page":133},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ فيه تأويلان: أحدهما: ما أمر الله تعالى بنسخه من شرائعهم. والثاني: ما أحله لهم وحرمه عليهم.\nوقوله تعالى: ﴿ولا يدينون دين الحق﴾ فيه أيضًا تأويلان: أحدهما: ما في التوراة والإنجيل من اتباع الرسول وهذا قول الكلبي. والثاني: الدخول في دين الإسلام وهو قول الجمهور.\nوقوله تعالى: ﴿من الذين أوتوا الكتاب﴾ فيه تأويلان أيضًا: أحدهما: من أبناء الذين أوتوا الكتاب. والثاني: أنهم من الذين بينهم الكتاب لأنهم في اتباعه كإتيانه.\nوقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ فيه تأويلان أيضًا: أحدهما: حتى يدفعوا الجزية،،الثاني: حتى يضمنوها. وفي الجزية تأويلان أيضًا أحدهما أنها من الأسماء المجملة، والثاني أنها من الأسماء العامة. والجزية تؤخذ من الكفار سميت بذلك لأنها جزاء على الكفر. وقيل هي مشتقة من الاجتزاء الذي بمعنى الكفاية، أي أنها تكفي من يوضع ذلك فيه من المسلمين أو تجزئ عن الكافرين عصمتهم.\nوقوله تعالى: ﴿عن يد﴾ فيه ست تأويلات: أحدها: عن غنى وقدرة. والثاني: أن يعتقدوا أن لهم في أخذها منهم يدًا عليهم. والثالث: أن يريد سوق الذمي لها بيده لا مع الرسول ليكون ذلك إذلالًا له. والرابع: أن يريد عن قوة منكم عليهم وقهر. والخامس: أن يريد أن ينفذوها ولا يؤخروها كما تقول بعثه يدًا بيد. والسادس: أن يريد عن استسلام منهم وانقياد.\nوقوله تعالى: ﴿وهم صاغرون﴾ فيه ثلاث تأويلات: أحدها: إذلالًا مستكينون،،الثاني: أن تجري عليهم أحكام الإسلام، والثالث: -وجاء هذا عن عكرمة- أن يكون قابضها جالسًا والدافع من أهل الذمة قائمًا. وهذه","vol":"3","page":134},{"text":"الآية تعطي بدليل الخطاب ترك أخذ الجزية من غير أهل الكتاب، وقد اختلف في ذلك، فقيل تؤخذ من جميعهم وحكي عن مالك قريب منه. وقيل تؤخذ من جميعهم غير مشركي قريش وهو المروي عن مالك. وقيل تؤخذ من جميعهم ما عدا مشركي العرب، وهو قول أبي حنيفة وإليه ذهب ابن حبيب وابن وهب. وقيل تؤخذ الجزية مما عدا أهل الكتاب وهو قول الشافعي وإلي ذهب ابن الماجشون. فيمن ذهب إلى قول الشافعي هذا احتج بدليل خطاب الآية وبه احتج الشافعي. والحجة عليه أن النبي ﷺ كان يقول لأمراء السرايا: «إذا لقيتم العدو فدعوهم إلى الإسلام فإن أجابوا وإلا فالجزية فإن أعطوا وإلا فقاتلوهم». ولم يخص مشركًا دون مشرك فرفع هذا الحديث دليل خطاب الآية وخبر الآحاد إذا عارض دليل خطاب الآية فمن أهل العلم من يقدم الحديث ومنهم من يقدم دليل الخطاب. وقد توهم أن هذه الآية في جميع الكفار وأنهم أصناف، منهم الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر وهؤلاء غير أهل الكتاب أيضًا وقوله تعالى: ﴿ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ من صفة غير أهل الكتاب أيضًا، وقوله تعالى: ﴿ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب﴾ هو وصف أهل الكتاب. وذكروا أن ظاهر هذا يقتضي أخذ الجزية من أصناف الكفار إلا ما قام دليل الإجماع عليه في حق مشركي العرب. قال بعضهم وهذا القول باطل وإنما هي صفات كلها لصنف واحد وهم أهل الكتاب ولو كان على ما توهموا لكان والذين لا يدينون دين الحق فإن قيل حذف الذين وبقي","vol":"3","page":135},{"text":"المعنى على ما كان عليه قيل لهم هذا لا يجوز لما فيه من حذف الموصول وبقاء الصلة. واختلف في المجوس هل تؤخذ منهم جزية أم لا، فمن ذهب إلى أنهم أهل كتاب -وهو يروى عن علي رضي الله تعالى عنه وهو أحد قولي الشافعي- فيرى أخذ الجزية منهم بنص القرآن، ويروى أنه بعث فيهم نبي يقال له زرادشت. ومن لم يرهم أهل كتاب فجمهورهم يقول أخذ منهم الجزية لقول النبي ﷺ: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» فيوجب أخذ الجزية منهم بالسنة ويراها قاضية على دليل خطاب الآية. ومنهم من لا يرى أخذ الجزية منهم ويقدم دليل الخطاب على ما جاء من السنة أو يتأول السنة، وقد ذكره اللخمي عن ابن الماجشون وقال لا تؤخذ الجزية من مجوس العرب وتقبل من غير مجوس العرب، وإليه ذهب ابن وهب قال وقد قبلها النبي ﷺ من مجوس هجر ولم يقبلها من غيرهم.\nوقد حكى بعضهم الإجماع في أن المجوس تقبل منهم الجزية، وليس بصحيح لما قدمناه. واختلف في الكتابيين من العرب هل تؤخذ منهم جزية جملة أيضًا، وعند الشعبي أنهم إن كانوا قد دانوا بذلك الدين بعد نزول القرآن فلا تقبل منهم جزية وإن كانوا قد دانوا به قبل نزول","vol":"3","page":136},{"text":"القرآن فتقبل منهم الجزية، وحجتنا قوله تعالى: ﴿من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية﴾ فعم. فأما أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى باتفاق فلا خلاف في جواز أخذ الجزية منهم لنص هذه الآية. وأما هل يلزمنا أخذها نمهم والكف عنهم إذا بذلوها لنا أم لا فرأيت لبعض أشياخ الأندلس وحكاه عن أشياخه أن ذلك ليس بلازم لنا وأن الإمام مخير في ذلك، قال والذي يدل على ذلك ما رواه أبو هريرة وهو قوله ﵊: «يوشك أن ينزل فيكم عيسى ابن مريم حكمًا مقسطًا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» وموضع الدليل من الحديث قوله ﵊: «ويضع الجزية»، إذ أجمعوا أن معناه أنه لا يقبل أي إلا الإسلام أو السيف. وعيسى ﵇ ليس ينزل بشرعه القديم ولا بشرع جديد وإنما ينزل بتنفيذ شرع نبينا ﷺ، فلو كان قبول الجزية في شرعنا حقًا علينا لما أبى ﵇ من قبول الجزية إذا بذلت له على شروطها ولكنها حق لنا فلذلك لم يقبلها ﵇ واستمر القتال على القتال حتى يدخل الناس في الإسلام. والذي عندي أن هذا باطل. وقد حكى جماعة من أشياخنا الإجماع على وجوب قبول الجزية نمهم على شروطها المعلومة، وأما استدلاله بالحديث فضعيف لأنه وإن كان عيسى ﵇ إنما ينزل بشريعة نبينا محمد ﷺ فمن شريعته أن لا يقبل عيسى الجزية من اليهود ولذلك قال نبينا محمد ﷺ ذلك فيجب علينا نحن أن نقبل الجزية بشريعته ﵊ ويجب على عيسى","vol":"3","page":137},{"text":"﵇ أن لا يقبلها بشريعة محمد ﷺ أيضًا مع أن هذا الحديث حديث آحاد ودليل القرآن أقوى منه.\nوقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ هذا هو الدليل على قبول الجزية لأن دليل خطابه فإذا أعطوا الجزية فكفوا عنهم ونحو ذلك.\nودليل مثال هذا الخطاب قد قال به أكثر المنكرين لدليل الخطاب، وأصر على إنكار القول به أصحاب أبي حنيفة وبعض المنكرين للمفهوم، وقالوا هذا نطق بما قبل الغاية وسكوت عما بعد الغاية فيبقى على ما كان قبل النطق، وتردد فيه القاضي وقال قد كنا نظرنا في كتب إبطال حكم الغاية فيبقى على ما كان قبل النطق والقول بها أصح عندنا. فمن قال بدليل خطاب هذه الآية فحسبه ذلك حجة في وجوب قبول الجزية والكف عند ذلك وبعد ذلك يستظهر بالحديث ومن لم يقل به فاستناده في وجوب قبول الجزية الأحاديث التي تكاد أن تخرج عن الحصر في أمر ﷺ سراياه بقبول الجزية إذا بذلت أم كيف أن الإجماع صحيح في ذلك. واختلف هل يترك أهل الكفر مع أهل الإسلام في موضع واحد وإن أدوا الجزية ولأهل الإسلام قوة على إجلائهم والاستغناء عنهم كان لهم عقد صلح أم لا. فذهب جماعة إلى أنهم يتركون في جميع البلاد جزيرة العرب كانت أو غيرها وهو مذهب أبي حنيفة. وذهب بعضهم إلى أنهم يجلون من جميع البلاد التي للمسلمين. وذهب قوم إلى أنهم","vol":"3","page":138},{"text":"يجلون من جزيرة العرب خاصة وهو قول الشافعي قال لا يمنعون من الاجتياز بها مسافرين ولا يقيمون أكثر من ثلاثة أيام. وأما مكة وحرمها فلا يدخلونها لا مقيمين ولا مجتازين، وإن دفن بها ذمي ينبش قبره. وفي وجوب نبشه قولان. وقيل بل يجلون من كل البلاد التي اختطها المسلمون ولم تكن لأهل الكتاب فزل عليهم المسلمون وهو قول يحيى بن آدم.\nفأما القول الأول فحجته دليل خطاب الآية لأنه يقتضي الكف عنه بأداء الجزية، وفي الكف عنه أن لا يجلوا. وتأولوا ما جاء من الأحاديث ما يخالف ذلك. وحجة القول الثاني -وإليه ذهب الطبري- ما جاء عن النبي ﷺ فيقوله عند موته: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» ولم يقر دينين بأرض العرب. وقال ليهود خيبر «أقركم ما أقركم الله»، وكان شطر القضاء فيهم. قال عمر بينا نحن في المسجد وخرج رسول الله ﷺ فقال: «انطلقوا بنا إلى يهود» فخرج حتى جئنا بيت المدارس فقال: «أسلموا تسلموا واعلموا أن الأرض لله ولرسوله وأني أريد أن أجليكم من هذه الأرض فمن وجد منكم بماله شيئًا فليبعه وإلا فاعلموا أن الأرض لله ولرسوله». قال الطبري: وإنما خص النبي ﷺ جزيرة العرب بالذكر لأن الإسلام لم يكن يومئذ ظهر في غيرها ظهور قهر، فكل بلد ظهر فيه الإسلام وجب أن يصنع فيه ما قال رسول الله ﷺ في جزيرة العرب. قال الطبري:","vol":"3","page":139},{"text":"ينبغي أن يؤجلوا في الخروج ثلاثة أيام بلياليها كالذي فعل الأئمة الأبرار عمر وغيره. وقد حكى أن منادي علي كان ينادي كل يوم: لا يثبتن بالكوفة يهودي ولا نصراني ولا مجوسي ألحقوا بالحيرة. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تصلح قبلتان في أرض». فهذا حديث عام في كل أرض. قال فالواجب على إمام المسلمين إذا أقر بعض أهل الكتاب في بعض المسلمين لعمارة أو غيرها من الحاجة إليهم أن لا يدعه في حضرهم معهم أكثر من ثلاثة أيام وأن يسكنهم خارجًا من مصرهم كالذي فعل عمر وعلي أن يمنعهم اتخاذ الدور والمساكن في أمصارهم، فإن اشترى منهم مشتر في مصر من المسلمين دارًا أو ابتنى مسكنًا فالواجب على الإمام بيعها عليه. وحجة القول الأول الاعتصام بدليل خطاب الآية إلا في الذي جاء فيه نص الحديث وهي جزيرة العرب وأما القول الرابع فضعفه الطبري وقال قد جاء عن ابن عباس لا يسألنكم أهل الكتاب في أمصاركم، فلم يخص بذلك مصر إسكانه أهل الإسلام دون غيرهم بل عم بذلك جميع أمصارهم. وقد اتفق على أن جزيرة العرب ما أخذ من بجر عبادي إن مارًا إلى الساحل إلى سواحل اليمن، إلى جدة، إلى القلزم، مارًا إلى الصحاري، إلى حدود العراق، ويدخل في هذه الحدود كلها وهي مكة والمدينة واليمامة ونجد ومحالفها ووجد والطائف وخيبر من محالف المدينة. وهل يدخل اليمن في ذلك؟ ففيه خلاف. واختلف في وادي القرى وتيما وفدك هل هي من جزيرة العرب أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>(٢٩) - وقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾:</span>\nظاهر هذا أنه يريد الجزية التي يعطونها صلحًا منهم لنا، فأما الجزية","vol":"3","page":140},{"text":"التي يعطونها عنوة فليست بداخلة في الآية وإن كان يحتمل أن يريد بالجزية الصلحيةوالعنوية أي قاتلوهم حتى يدفعوها إليكم إما صلحًا وإما عنوة. فإذا كان هذا فالجزيتان جميعًا مقبولتان في نص القرآن، وعلى الوجه الأول -وهو الأظهر- تكون الجزية الصلحية بنص القرآن والأخرى بالسنة الثابتة في ذلك. فأما الصلحية فال حد لأكثرها باتفاق، واختلف هل لأقلها حد أم لا؟ فالجمهور على أنه لا حد لها وإنما هو باجتهاد الإمام، وذهب قوم إلى أن لأقلها حدًا إذا بذلوه لزم الإمام قبوله. واختلفوا في قدر ذلك، فقال الشافعي دينار، وقال بعض المتأخرين الذي يأتي على المذهب أن أقله ما فرضه عمر على أهل العنوة يريد أربعة دنانير وأربعين درهمًا وأرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام. والأظهر على لفظ الآية أنه ليس بذلك حد وإنما فيه اجتهاد الإمام ومن حضره لقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ فأطلق اللفظ ولم يخص بشيء وإنما وكله إلى الاجتهاد. وأما الجزية العنوية فاختلف في قدرها على أقوال. فذهب أبو حنيفة إلى أن أكثرها وأقلها مقدار صنف أهل الجزية ثلاثة أصناف: أغنياء يؤخذ منهم ثمانية وأربعون درهمًا، وأوساط يؤخذ منهم أربعة وعشرون درهمًا، ومن دون ذلك يؤخذ منهم اثنتي درهمًا، ومنع من اجتهاد الإمام فيها وحجته أن ذلك مروي عن عمر أنه فعله في أهل السواد.\nوذهب الشافعي إلى أنها مقدرة الأقل بدينار ولا يجوز الاقتصار على أقل منه وغير مقدرة الأكثر وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الولاة، ودليل ذلك","vol":"3","page":141},{"text":"ما روي عن معاذ أن رسول الله ﷺ قال له حين بعثه إلى اليمن: «خذ من كل حالم دينار أو عدله من المعافر» وذهب القاضي أبو الحسن إلى أن حد أكثرها ما فرض عمر رضي الله تعالى عنه ولا حد لأقلها. والمشهور عن مالك أن حد أكثرها ما فرض عمر لا يزيد عليه ولا ينقص منه، وفرض عمر في هذين القولين هو ما ذكرنا عن عمر أولًا. إلا أن مالكًا رأى أن توضع عنهم الضيافة إذا لم يرفى بهم العهد على وجهه. وذكر بعضهم أيضًا عن مالك -وهو قول غير الأكثر- أنه لا يتقدر أكثرها ولا أقلها وأنها موكولة إلى الاجتهاد في الطرفين. وقال الثوري: اختلفت الروايات في هذا عن عمر، فللوالي أن يأخذ أيها شاء إذا كانوا ذمة. والأظهر في هذه الأقوال كلها أيضًا أن هذا على الاجتهاد فما رأى الإمام أن يلزمهم على وجه الاجتهاد والصلاح لزمهم، وهو الظاهر على لفظ الآية إن جعلنا الجزية فيها عامة للجزيتين. وقد اختلف في الجزية هل هي عوض عن حقن الدماء أو عوذ عن المسكن والفرار. فلأصحاب مالك قولان، والأظهر من لفظ الآية أنها عوض عن حقن الدماء لأنه تعالى أمر بكف القتل عند إعطاء الجزية، والقتال فيه إراقة الدم. وبالجزية يدفع ذلك فكأنهم بالجزية حقنوا دماءهم فهي إذن عوض عن حقن الدم. وقد اختلف في الشيخ الفاني هل تؤخذ منه الجزية أم لا؟ فذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس عليه جزية لأنه محقون الدم بنهيه ﵊ عن قتل الشيوخ، والجزية إنما تؤخذ ممن يحقن دمه. وفي المذهب أن الجزية تؤخذ منه. فعلى القول بأن الجزية عوض على المسكن خاصة فلا اعتراض فيه. وأما على القول بأنها عوض عن حقن الدم فلا يثبت في حق الشيوخ إلا بالسنة لأمره ﵊ بقبول الجزية ولم يخص. فأم النساء والصبيان والمجانين فلا جزية عليهم، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ فإنما أراد أن يعطي الجزية هنا من هو من أهل القتال فأما من ليس من أهل القتال فلا.","vol":"3","page":142},{"text":"وأما العبيد فلا جزية عليهم أيضًا لأن الخطاب تضمن من يبقى على حاله في الجزية فلا يباح بقتال ولا غيره، ولا يجتمع الرق والجزية، ولأنه مال من الأموال. وأما الرهبان فقال مالك إن كانوا من الكنائس فتضرب عليهم الجزية لأنه لم ينه عن قتلهم وإن كان من أهل الديارات فلا، لأنه نهى عن قتالهم وهذا من مبتدأ حملها. فأما إن ترهب بعد أن طرأت عليه فلا تزول عنه وكان هذا من مالك رحمه الله تعالى إشارة إلى أن الجزية عوض عن حقن الدم. وذهب أبو حنيفة إلى أن لا جزية على الرهبان جملة. قال بعض المفسرين -بعدما ساق الأجزية على الصبيان والنساء والمجانين ورهبان الديارات-: ومن يراعي أن علة الجزية الإذلال أمضاها في الجميع. يريد أن من رأى ذلك على أوجب الجزية على جميع ما ذكره قبل ذلك من النساء وغيرهم. واختلف في العبد الكافر يعتقه الذمي أو مسلم هل عليه جزية أم لا على ثلاثة أقوال في المذهب: أحدها: أن عليه الجزية، والثاني: لا جزية عليه، والثالث: إن أعتقه كافر فعليه الجزية وإن أعتقه مسلم فلا، وهذا إذا أعتق في بلاد الإسلام دون بلاد الحرب. والحجة لمن أوجب الجزية عموم قوله تعالى: ﴿من الذين أوتوا الكتاب﴾ وهذا منهم وهو حر. ويأتي القول الثاني على القول بأنها عوض عن حقن الدماء والفرق استحسان. واختلف في الفقير هل عليه جزية أم لا؟ قال ابن القاسم لا ينقص أحد من أربعة دنانير كان غنيًا أو فقيرًا. وقال أصبغ: يحط بقدر ما يرى م حاله. وقال ابن الماجشون لا يؤخذ من الفقير شيء. وحجة القول الأول ما فعل عمر ولم يفرق بين غني ولا فقير. وحجة سائر الأقوال مراعاة ظاهر الآية في أن الجزية على الاجتهاد. والجزية عندنا إنما تقبل","vol":"3","page":143},{"text":"ممن كانت تحت قهر المسلمين أمامهم في بلد واحد أو بالقرب ولا يقبل ممن بعد بحيث يخاف أن يمتنعوا، وإن خشي ذلك منهم على القرب لم تقبل إلا أن يهدم سورهم أو يصنع بهم ما يرى أنهم لا يمتنعون بعده، وهذا كله كقوله تعالى: ﴿وهم صاغرون﴾. وإذا صولح الكفار على جزية فهل يجب أن تكون مقدرة أم لا؟\nفيه لأصحاب الشافعي قولان: قيل تجب، وقيل لا يجب ذكر مقدار الجزية ولكن تنزل على الأشد، قالوا وهل يصح عقدها مؤقتًا؟ فيه قولان ولو قال الإمام أقركم ما شئت إذًا فقولان والقول بالجواز أولى، ولو قال للذميين ما شئتم أنتم لصح. ولو حاصر الإمام قلعة ليس فيها إلا نساء فبذلن الجزية فهل يجب قبولها وترك استرقاقهم؟ ففيه خلاف بين الشافعية أيضًا والأصح أنه لا يجب وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية لأن المأمور بقتالهم إنما هم الرجال المقاتلون وأما وجوب ذكر مقدار الجزية فليس في الآية ما يدل على نفي ولا إثبات. وظاهر جوازها على الإطلاق من غير تحديد. وإذا صولحوا على الجزية فمتى تجب عليهم؟ اختلف في ذلك، فقيل إنها تجب عليهم بأول ما تعقد لهم الذمة ثم بعد ذلك عند أول كل قول وهو مذهب أبي حنيفة وقيل إنها لا تجب إلا بآخر الحول وهو مذهب الشافعي. وليس عن مالك وأصحابه نص في ذلك والظاهر من مذهبه أنها تجب بآخر الحول. وهذا الخلاف يتركب على الخلاف في الجزية هل هي عوض عن حقن الدماء أو عن القرار. فمن رآها عوض عن القرار والمسكن لم يوجب شيئًا إلا بآخر الحول، ومن","vol":"3","page":144},{"text":"رآها عوض عن حقن الدم أوجبها بأول الحول. واستدل بعضهم على وجوبها بأول الحول بقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ وقال: إن لفظ الإعطاء إذا أطلق الظاهر فيه قبض العطية دون تأخيرها، ولو كان احتماله للوجهين احتمالًا واحدًا لكان قوله ﷿: ﴿عن يد﴾ دليلًا على أن المراد به القبض، لأن من قال أعطيت فلانًا عن يد يفهم منه تعجيل العطية ودفعها إلى المعطى قال: وهذا الذي يأتي على مذهب مالك. ورد غيره عليه استدلاله بالآية وقال: لا يصح ذلك لأنه تعالى عم الجزية ولم يخص شيئًا دون شيء فوجب بحق الظاهر أن تكون كلها معجلة فيكون معنى الإعطاء القبض والدفع أو تكون كلها مؤجلة فيكون الإعطاء بمعنى الإيجاب دون القبض والدفع كما في قوله تعالى: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ [الكوثر: ١] فلما بطل أن تكون كلها مؤجلة ل يتنجز شيء منها إذ لا يصح في عقل عاقل أن يقول إن ظاهر لفظ الإعطاء قبض بعض المعطى وتأخير بعضه. وإذا لم يصح ذلك بقوله تعالى: ﴿عن يد﴾ لا دليل فيه وإنما معناه عن غلبة وفهر أو إنعام أو أن يدفعوه بأيديهم ولا يرسلوها إذلالًا لهم. قال فالآية حجة على ضدها قال وهذا الخلاف في الجزية الصلحية داخل في الجزية العنوية والذي رد عليه استدلاله بالآية قد زعم أن الخلاف إنما هو في الصلحية خاصة، وليس كذلك ومتى منع الذمي الجزية رجع الأمر بالقتال على أوله وهو مقتضى الآية، ولئن أسلم بعد التزام الجزية ووجد بها عليه إما بأوله أو بآخره. فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها تسقط عنه بدليل قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ ولا خلاف أنهم إذا أسلموا فلا يؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون. وذهب الشافعي إلى أنها لا تسقط ويؤخذ بها بعد إسلامه لكنه لا يرى أنها تؤخذ منه على الوجه الذي ذكره الله تعالى وإنما يقول إنها دين عليه وجب بسبب سابق كسائر","vol":"3","page":145},{"text":"الديون. وأما سقوطها عنه فبما يستقبل بعد إسلامهم فلا خلاف فيه. قال أبو الحسن: وإذا كانت الجزية على مذهب الشافعي دينًا وجب على الذمي بسبب دفع القتل عنه أو بسبب السكنى، فهي طاعة مأمور بها الذمي، والذمي قد أطاع الله تعالى بدفعها ولكن ثواب طاعتهم محبط كثواب الطاعات كلها. وأبو حنيفة لا يرى الجزية واجبة على الذمي ولا طاعة بل يقول إنها تقام عليه عقوبة له وزجرًا عن الكفر وذلك لا يكون طاعة في حقه وإنما طاعة في حقنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>(٣٤) - قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾:</span>\nاختلف في هذه الآية هل يعني بها الكفار أو المسلمون أو كلاهما. فذهب قوم إلى أنها في أهل الكتاب لأنها مذكورة بعد قوله تعالى: ﴿إن كثيرًا من الأحبار والرهبان﴾ الآية. وذهب قوم إلى أنها في كل كافر. وذهب قوم إلى أنها في المسلمين أو في المسلمين والكفار. واختلفوا بعد ذلك في حق المسلم هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب عمر بن عبد العزيز إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [براءة: ١٠٣] فأتى فرض الزكاة على هذا طله فصار حك الآية على هذا القول: أي لا تكنزوا مالًا، أي لا تجمعوه وأنفقوه في سبيل الله فنسخ بالآية المذكورة. وذهب الأكثر إلى أنه محكم، واختلفوا في تأويله فقال كثير منهم هو المال الذي تؤدى زكاته وإن كان على وجه الأرض وأما المدفون إذا أخرجت زكاته فليس بكنز كما قال ﷺ: «كل ما أديت زكاته فليس بكنز» فالمراد بالنفقة","vol":"3","page":146},{"text":"على القول الزكاة، وهو قول ابن عباس وابن عمر. وقال علي بن أبي طالب عشرة آلاف درهم فما دونها نفقة وما زاد عليها فهو كنز وإن أديت زكاته. وقال أبو ذر وغيره ما فضل من مال الرجل على حال نفقته فهو كنز. وهذان القولان يقتضيان الذم في حبس المال لا في منع زكاته فقط، والآية على قول من قالها محكمة وعلى قول عمر بن عبد العزيز منسوخة. واتفق أئمة الفتوى على قول ابن عمر وابن عباس احتج الطبري بذلك. فقال: الدليل على أن كل ما أديت زكاته فليس بكنز إيجاب الله تعالى على لسان نبيه ﷺ في خمس أواق ربع عشرها فإذا كان هذا فرض الله تعالى فمعلوم أن الكثير من المال وإن بلغ الوفاء إذا أديت زكاته فليس بكنز ولا يحرم على صاحبه اكتنازه لأنه لم يتوعد الله عليه بالعقاب وإنما توعد الله تعالى بالعقاب على كل ما لم يؤد زكاته، وليس في القرآن بيان ذلك القدر من الذهب والفضة الذي إذا جمع بعضه إلى بعض استحق جميعه الوعيد إذا لم يؤد حق الله تعالى منه. فأما يؤخذ بوقف رسول الله ﷺ وفي هذه الآية على القول بأنها في الزكاة المفروضة فرض زكاة الذهب قال بعضهم ولم يأت من النبي ﷺ في زكاة الذهب ما جاء عنه في زكاة الفضة ولكن جاء فرض زكاة الذهب في هذه الآية إذ لم يأت في الخبر ولكن جاء عنه ﵊ ألفاظ تعم الذهب والورق مثل قوله: «من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة بلهزمتيه-يعني شدقيه- ثم يقول له أنا كنزك» ثم تلا النبي ﷺ: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون﴾ الآية [آل عمران: ١٨٠].\nوإنما جاء عنه نصًا زكاة الرقة مثل قوله: «في الرقة ربع العشر وليس","vol":"3","page":147},{"text":"فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة» وإنما لم يأت عنه ﷺ قدر زكاة الذهب مخصوصًا. فاختلف العلماء بحسب ذلك في الذي أوجب الله تعالى إخراج الزكاة فيه من الذهب بالآية فاعتبرت طائفة في ذلك عشرين مثقالًا وذلك أنه كان صرف الدينار في زمن النبي ﷺ عشرة دراهم، والخمس الأواقي التي أوجب النبي ﷺ فيها ربع العشر وزنها مائتا، والمائتا درهم صرف عشرين مثقالًا، فكما وجب في الخمس الأواقي ربع عشرها كذلك وجب في العشرين مثقالًا التي هي عدلها ربع عشرها، ثم لم يراعوا بعد ذلك زاد الصرف أو نقص، واعتبرت طائفة ذلك أيضًا إلا أنهم قالوا ننظر قيمة الذهب في كل وقت. فإن كانت قيمة مائة درهم جبت فيه الزكاة كان الذهب أكثر من عشرين أو أقل، وإن لم تكن قيمته أقل من مائتي درهم فلا زكاة فيه كان الذهب أكثر من عشرين أو أقل وهو قول عطاء وطاووس والزهري. وذهب الحسن إلى أنه ليس فيما دون أربعين دينارًا صدقة، وهو قول شاذ. فهذه ثلاثة أقوال في تفسير النفقة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية على القول بأن المراد بها الزكاة وهو الصحيح، أصحها القول بأن النصاب عشرون. وقد جاء في ذلك عن النبي ﷺ حديث منصوص. وذكر الباجي في قول عمر رضي الله تعالى عنه في الرقة إذا بلغت خمس أواق ربع العشر أن الرقة اسم للورق والذهب. قال بعض أصحابنا وذكر قول بعضهم أيضًا الرقة اسم للورق، وهو أظهر. فهذا القول","vol":"3","page":148},{"text":"في نصاب الذهب. وأما نصاب الفضة التي أوجب الله تعالى فيها الزكاة أيضًا فمائتا درهمًا بلا خلاف لما جاء عن النبي ﷺ في ذلك من النصوص. وقد تتوزع فيمن نزلت فيه الآية.\nقال زيد بن وهب مررت بالربذة فإذا أبو ذر. فقلت ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب وقلت: نزلت فينا وفيهم فكان بيني وبينه في ذلك تنازع فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة. فقدمتها فكبر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحيت وكنت قريبًا. فلذلك أنزلني هذا المنزل ولو أمروا علي حبشيًا لسمعت وأطعت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>(٣٦)، (٣٧) - قوله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ إلى قوله: ﴿سوء أعمالهم﴾:</span>\nقوله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا﴾ قد كان يحتمل أن يريد بهن السنة الشمسية أو القمرية لكن قوله تعالى: ﴿منها أربعة حرم﴾ خلصت لأن يقال إنما أراد شهور السنة القمرية وهي العربية لأن العرب هي التي كانت تعتقد حرمة هذه الأشهر الأربعة الحرم: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وتقدم طرف من هذا الكلام على هذه","vol":"3","page":149},{"text":"الثلاثة. واختلف لم أخبر الله تعالى أن عدة الشهور عند الله اثني عشر شهرًا؟ فقيل تخفيفًا لأمرها وليس عدد الحرم منها. وقيل إنما أخبر الله تعالى بذلك لأن العرب ق كانت تجيء سنتهم من ثلاثة عشر شهرًا وذلك إن كان يحل لهم المحرم ويحرم لهم صفر وذلك من فعل النساء يستقبلون سنتهم من صفر ويسمونه المحرم ثم يسمونه سائر الشهور كذلك بغير أسمائها فكانت السنة تأتيهم على الحقيقة من ثلاثة عشر شهرًا أولها المحرم المحلل، وهذا قول مجاهد وغير فلذلك قال تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ اختلف في الضمير في فيهن هل يعود على الأقرب إليه وهي الأربعة أشهر أم على الأبعد منه وهي الإثني عشر شهرًا؟ فإذا عادت على الأبعد فالمعنى لا تظلموا أنفسكم في الدهر كله فيكون هذا محكمًا بلا خلاف. وإذا قلنا إنه يعود على الأربعة أشهر الحرم فهل هو محكم أم لا؟ فيه قولان: أحدهما أنه محكم. والذين قالوا هذا اختلفوا في المعنى.\nفقيل المعنى أنه نهى عن الظلم في هذه الأشهر تشريفًا لها بالتخصيص بالذكر وإن كان منهي عنه في كل زمان وهو قول قتادة. وقيل معنى فيهن: بسببهن ومن أجلهن في أن يحلوا أحرمها ويعدلوها بالأحرمة له وهو قول الحسن. والثاني أنه منسوخ، قال من زعم ذلك: المعنى لا تظلموا فيهن أنفسكم بالقتال ثم نسخ بفرض القتال. ومما يعضد هذا القول ما حكى الطبري من أن رسول الله ﷺ كان يحرم القتال في هذه الأشهر لما أمر الله تعالى في ذلك حتى نزلت براءة. وقوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين﴾ معناه جميعًا. واختلف في هذا هل هو منسوخ أيضًا أم لا؟ فقيل هو منسوخ لأن الفرض بهذه الآية قد كان توجه على الأعيان ثم نسخ ذلك بعد وجعل فرض","vol":"3","page":150},{"text":"كفاية. وقيل بل هو محكم ولا يقتضي فرض الجهاد على الأعيان ولم يعلم ذلك في شرع النبي ﷺ قط وإنا معنى الآية الحض على قتالهم والتحزب عليهم وجمع الكلمة، ثم قيدها بقوله تعالى: ﴿كما يقاتلونكم كافة﴾. فبحسب قتالهم لنا وإجماعهم علينا يكون فرض اجتماعنا بهم وقتالهم.\nوقوله تعالى: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به ...﴾.\nكانت العرب كلها تحج البيت وتعظم الشهور الحرم الأربعة التي حرمها إبراهيم ﵇ وكانوا يحجون في ذي الحجة حتى حدث النسيء بسبب أنهم كانوا لا يقاتلون في شهر حرام. ولما احتاجوا للقتال فيه أحلوا الشهر الحرام وحرموا الحلال ليواطئوا عدة الشهور الحرم فكان أول من فعل ذلك قد أحل المحرم وحرم صفر. وحج النبي ﷺوقد عاد المحرم إلى ما كان عليه من التحريم- فأنزل الله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله ...﴾ الآية. وأخبر أن النسيء كفر وأن الأشهر الحرم أربعة: ثلاثة منها متوالية، وأن صفر لا يقام مقام المحرم، ورفع ما كانوا يفعلونه بهذه الآية. واختلف فيمن فعله من العرب أولًا. فقيل القلمس: وهو حذيفة بن عبيد بن فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن كنانة، ثم ابنه عباد ثم أمية بن قلع ثم ابن عوف بن أمية ثم أبو ثمامة جنادة بن عوف وكان آخرهم وعليه قام الإسلام، وهذا قول ابن إسحاق. ومن هذا قول شاعرهم:","vol":"3","page":151},{"text":"ومنا منسي الشهور القلمس\nوقيل غيره، وأشعارهم في هذا كثيرة. قال الأبهري: وكانوا يسمونه -يعني المحرم وصفر- الصفرين. وكان القلمس يحل في الشهر الحرام دماء طي وخنعم لأنهما كانا لا يريان الحج من بين سائر العرب. ثم اختلف كيف كانوا يصنعون في سائر شهور السنة من السنة هل كانوا يبقونها على أسمائها أم كانوا يغيرونها أيضًا؟ فقيل إنهم كانوا يغيرونها يسمون صفر المحرم لأجل تحريمه ثم يسمون ربيعًا الأول صفرًا وربيعًا الأخير ربيعًا الأول وهكذا آخر الشهور، وهذا هو القول الذي قدمناه من أنهم كانوا يجعلون المحرم ويحرمون صفر بدلًا منه ويتركون الشهور على أسمائها المعهودة، فإذا كان من قابل حرم المحرم على أصله وأحل صفرًا مشت الشهور مستقيمة. ورأى من قال ذلك أن هذه كانت حالة القوم. وقال قوم في معنى الآية إن رؤساء بني كنانة وغيرها كانوا يؤخرون الحج في كل سنة عن وقته شهرًا فيوقعونه في المحرم بعد ذي الحجة ثم في السنة الأخرى في صفر، فبين الله تعالى أ، هذا الصنع كفر. وقد اختلف في قوله ﵊: «إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض» فقيل لأن العرب كانوا قد تمسكوا بملة إبراهيم ﵇ في تحريم الأشهر الحرم وكانوا ينسئون الشهر الحرام إلى الذي يليه إذا احتاجوا إلى القتال فيه، وينتقلون هكذا من شهر إلى شهر حت اختلط الأمر عليهم فصادفت حجة النبي ﷺ تحريمهم قد طابق الشرع وكانوا في تلك السنة قد حرموا ذا الحجة بالاتفاق على الحساب الذي قلناه، فأخبر ﷺ أن الاستدارة صادقت ما حرم الله به يوم خلق السماوات والأرض. وقيل كانت العرب","vol":"3","page":152},{"text":"تحج عامين في كل شهر فصادفت حجة أبي بكر ذا القعدة من السنة التاسعة وصادفت حجة النبي ﷺ ذا الحج فلهذا أشار بالاستدارة. وذهب الخوارزمي إلى أن الله سبحانه أول ما خلق الشمس أجراها في أول برج الحمل وكان الزمن الذي أشار إليه النبي ﷺ صادف حلول الشمس في الحمل. وهذا قول فاسد. وقد عدل على ما ذكر بعض المتأخرين فلم يوجد كذلك. واختلف في قول النبي ﷺ: «لا عدوى ولا هامة ولا صفر» ما أراد بقوله ولا صفر؟ ففي بعض الأقوال أنه أراد ما كان من النسيء ويؤخذ من قوله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله ...﴾ الآية، أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها بالشهور العربية دون الشهور التي تعتبرها الروم والفرس وغيرها. وفد خصص الله تعالى منها الأربعة الحرم وليس يظهر لهذا التحصيص معنى سوى تحريم المقاتلة، وقد نسخ ذلك أو تحريم القتل حتى أن الدية تغلظ فيها على قول بعض العلماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>(٣٨)، (٣٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض﴾ إلى قوله: ﴿أليمًا﴾:</span>\nهذه الآية نزلت عتابًا لمن تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك وكانت في عام تسعة من الهجرة غزا فيها الروم في عشرين ألفًا بين راكب وراجل وتخلف عنه قبائل من الناس ورجال من المؤمنين كثير ومنافقون.","vol":"3","page":153},{"text":"والعتاب في الآية إنما هو لمن عدى المنافقين وخص الثلاثة: كعب بن مالك هلال ابن أمية ومرارة بن الربيع بالتشديد في العتاب وفي التذنيب لما كانوا عليه من النصيحة لرسول الله ﷺ، وكونهم من أهل بدر وممن كان يقتدى به وكان تخلفهم لغير علة.\nوقوله: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا﴾ اختلف فيه هل هو منسوخ أم لا؟ فقال ابن عباس وهي منسوخة بقوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ [براءة: ١٢٢] وكذلك قال الحسن وعكرمة فيها وفي قوله: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا﴾ الآية [براءة: ١٢٠] أنهما منسوختان بقوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾. وقال جماعة هي محكمة وهو من باب العموم والخصوص ولا نسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>(٤١) - قوله تعالى: ﴿انفروا خفافًا وثقالًا﴾ الآية:</span>\nهذا أمر من الله تعالى بالنفير في الغزو. وقد اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أم لا؟ فقال بعضهم: هذا أمر عام لجميع الناس تعين به الفرض على الأعيان ثم نسخ بقوله ﷿ وعلا: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ روي ذلك عن حسن وعكرمة. وقال أكثر العلماء بل هو خاص ورد بلفظ عام والأمر في نفسه موقوف على فرض الكفاية ولم يقصد بالآية فرضه على الأعيان. وقال بعضهم هو عام لجميع الناس ولا نسخ فيه والمراد به وجوب النفور إلى رسول الله ﷺ إذا دعا إلى الجهاد وأمر به، وهو الأصح. وقال بعضهم هو أمر عام لا","vol":"3","page":154},{"text":"نسخ فيه، والمراد نفير الكل عند الحاجة وظهور الكفر. وظاهر الآية يدل أن ذلك على جهة الاستدعاء وفي هذا نظر. إذ يقال كيف يوجب الاستدعاء شيئًا لم يجب قبل الاستدعاء؟ وقد يجاب عن هذا بأن الإمام إذا عين قومًا وخرجهم إلى الجهاد كان النفير عليهم لا لمكان الجهاد لكن طاعة للإمام. وإذا كان في أهل الثغور كفاية فقد قال قوم من أهل العلم أنه يجب على الإمام أن يغزو في الجهات الأربع في كل سنة يظهر بهم النكاية في العدو وإذا حصلت الكفاية بقوم سقط الفرض عن الباقين.\nوقوله تعالى: ﴿خفافًا وثقالًا﴾: الخفة والثقل مستعاران لمن يسهل عليه الجهاد ومن يصعب عليه وهو له ممكن. وأما من لا يمكنه فهو عن الآية خارج كالأعمى ونحوه. وقد روي أن ابن أم مكتوم جاء إلى النبي ﷺ فقال له أعلي أن أنفر؟ فقال له نعم، حتى نزلت: ﴿ليس على الأعمى حرج﴾ [النور: ٦١، والفتح: ١٧] وهذا يدل من فعله ﵊ على حمل العموم على ظاهره حتى يدل دليل على التخصيص. وهي مسألة نزاع بين العلماء وذد اختلف الناس في تفسير الخفة والثقل بعد أن خصصوها بأشياء، وحقيقة القول فيهاما قدمنا من حمله على العموم. فقيل الخفيف الغني والثقيل الفقير وقيل الخفيف الشاب والثقيل الشيخ وقيل الخفيف النشيط والثقيل الكسلان وقيل المشغول الثقيل ومن لا شغل","vol":"3","page":155},{"text":"له هو الخفيف وقيل الذي له ضيعة ثقيل ومن لا ضيعة له خفيف وقيل الشجاع هو الخفيف والجبان هو الثقيل وقد كان بعكس ذلك. وقيل الراجل هو الثقيل والفارس هو الخفيف وقد قيل بعكس ذلك. وهذه الأقوال إنما يصلح أن يؤتى بها على جهة المثال. وقد قال أبو طلحة: «ما أسمع الله عذر أحدًا وخرج إلى الشام فجاهد حتى مات» وقال أبو أيوب: «ما أجدني أبدًا إلا خفيفًا أو ثقيلًا» وروي أن بعض الناس رأى في غزوات الشام رجلًا قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فقال له يا عم: إن الله تعالى قد عذرك. فقال يا ابن أخي إنما قد أمرنا بالنفير خفافًا وثقالًا، وعن المقداد بن الأسود أنه رأى بحمص على تابوت صراف وقد فصل على التابوت من سمنه وهو يتجهز للغزو. فقال له لقد عذرك الله فقال أتت علينا سورة البعوث: ﴿انفروا خفافًا وثقالًا﴾.","vol":"3","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-472>(٤٣) - (٤٥) - قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ إلى قوله: ﴿يترددون﴾:</span>\nنزلت هذه الآية بسبب قوم من المنافقين استأذنوا دون عذر، منهم عبد الله بن أبي ورفاعة بن التابوت والجد بن قيس ومن تبعهم. فمنهم من قال: ائذن لي ولا تفتني. ومنهم من قال: ائذن لي في الإقامة. فأذن لهم رسول الله ﷺ استبقاء وأخذًا بالمساهلة وتوكلًا على الله تعالى. وقال مجاهد إن بعضهم قال: نستأذنه فإن أذن في القعود قعدنا وإن لم يأذن قعدنا. وهذا الإذن مما صنعه رسول الله ﷺ برأيه واجتهاده. واختلف هل في الآية عتاب له على ذلك أم لا؟ وقال بعضهم عتاب له في الإذن ولذلك قال تعالى: ﴿عفا الله عنك﴾ فيما يلحقه من هذا وقد ذكر العفو، قبل العتاب وإكرامًا له.\nوقال عمرو بن ميمون الأودي إن رسول الله ﷺ صدع برأيه في قصتين دون أن يؤمر بشيء فيهما: أحدهما هذه وقصة أسارى بدر فعاتبه الله تعالى فيهما وقال بعضهم ليس في الآية عتاب بل قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك﴾ استفتاح كلام كما تقول أصلحك الله وأعزك الله. ولم يكن منه ﵊ ذنب يعفى عنه فيه لأن أمر الاستنفار وقبول الاعتذار مصروف لاجتهاده وهذا أظهر. لأن هذا إنما هو من أمور الدنيا. ولا خلاف أن له أن يجتهد برأيه في أمور الدنيا كقصة آبار النخل ونحو ذلك. وقد اختلف في هذه الآيات هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب جماعة إلى أنها منسوخة بقوله تعالى في سورة النور: ﴿فأذن لمن شئت منهم﴾ الآية","vol":"3","page":157},{"text":"[النور: ٦٢] لأن في آية النور إباحة الإذن في الانصراف عن الحرب. وفي الآية التي نحن فيها حظره إلا بعذر بين فنسخ ذلك. وقال نحو هذا ابن عباس وعكرمة والحسن. وهذا القول يقتضي أن آية النور نزلت بعد آية التوبة لأن النسخ لا يكون إلا كذلك. وقد زعم قوم من المفسرين أن هذا غلط وأن آية النور نزلت سنة أربع من الهجرة في غزوة الخندق في استئذان بعض المؤمنين رسول الله ﷺ وهم في بعض شأنهم في بيوتهم في بعض الأوقات فأباح الله تعالى له أن يأذن، فتباينت الآيتان في الوقت والمعنى. فعلى هذا آية النور نزلت قبل آية التوبة ولا يصح النسخ بذلك.\nوذهب جماعة إلى أن الآيات محكمة وأنها تعيين للمنافقين حين استأذنوا النبي ﷺ في القعود على الجهاد بغير عذر وعذر الله تعالى المؤمنين فقال: ﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم﴾ [النور: ٦٢] وهذا القول أصح من الأول ويعضده الاعتراض الذي ذكرناه على الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>(٥١) - قوله تعالى: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾:</span>\nتحتمل هذه الآية أن يكون معنى التوكل فيها مقرونًا مع السعي والابتغاء لا أنه تعالى يريد توكلًا دون سعي. ويحتمل أن يريد توكلًا خالصًا دون سعي من الإنسان مع ذلك. وقد اختلف العلماء في التوكل في الرزق دون السعي فيه فلم يره أكثر العلماء لأنه وإن كانت الآية عندهم محتملة بالقول الآخر فيما جاء عن رسول الله ﷺ في ذلك قد أذهب ذلك الاحتمال وخلص الاحتمال الآخر لأنه ﷺ سعى وطول عمره في إظهار أمر الله تعالى. وظاهر يوم أحد بين درعين فهذا منه ﷺ توكل مع سعي وهذا إن لم يكن في الرزق فقد جاء في الرزق قوله تعالى: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا﴾ [مريم: ٢٥] وقال عليه الصلاة","vol":"3","page":158},{"text":"والسلام في الطير: «تغدو خماصًا وتروح بطانًا». وقال له رجل أرسل ناقتي وأتوكل قال: «بل اعقلها وتوكل» فرأوا لمن يمكنه التحرك في الحلال أن يتحرف ولو أن يحتطب ونحو ذلك. وذهب بعض الناس إلى أن الرجل الجلد إذا بلغ من التوكل إلى أن يدخل دارًا أو بيتًا تجهل فيه حاله ويبقى في ذكر الله تعالى متوكلًا على الله يقول: إن كان لي رزق فسيأتي الله به، وأن كان رزقي قد تم مت، أن ذلك حسن بالغ أعلى الدرجات. ولهذا اختلف في المسألة فأجازها قوم لمن لا يجدها بغيته، وحظرها آخرون إلا لمن اضطر إليها كالميتة وحظرها آخرون جملة ومن حجتهم قول النبي ﷺ: «لا تسأل الناس شيئًا». وأن هذا هو التوكل للحظر، وقد أمر الله تعالى بالتوكل فليكن على وجهه، ومن سأل فلم يتوكل. واختلف الذين رأوا له السعي والتطلب إن اضطر إلى أكل المحرمات كالميتة وسؤال الناس وما أمكنه من ذلك أيهم أفضل صبره عن ذلك وإن مات، أو أخذه منها لإبقاء رمقه، على قولين. وهذا بعد اتفاقهم على أن كل ذلك مباح له. وتأول الآية من يرى الصبر أفضل على أن معنى التوكل فيها هو التوكل مع السعي فيما عدا المحظورات. فأما مع أكل المحظورات فليس ثم توكل. وقول من زعم أن أخذه من ذلك أفضل مبني على القول بأنه واجب على الإنسان إحياء نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>(٥٣) - قوله تعالى: ﴿قل أنفقوا طوعًا أو كرهًا لن يتقبل منكم إنكم كنتم قومًا فاسقين﴾:</span>\nسبب هذه الآية أن الجد بن قيس قال لرسول الله ﷺ: ائذن لي ولا تفتني فأذن له. قال إني أعينك بمالي. فنزلت الآية وقد اختلف في","vol":"3","page":159},{"text":"الكافر يفعل في حال كفره شيئًا من أفعال البر كصلة الرحم ونحو ذلك هل يثاب عليه في الآخرة أم لا؟ على قولين. واحتج من لم ير له ثوابًا بهذه الآية. ومن حجة من يرى له ثوابًا أن حكيم بن حزام قال: يا رسول الله أرأيت أمورًا كنت تحنث بها في الجاهلية من صلة وعتاقة هل لي فيها أجر؟ فقال ﷺ: «أسلمت على ما سلف لك من خير» ومن حجتهم أيضًا حديث أبي طالب أنه في ضحضاح من نار. والكلام في هذا طويل وفيما ذكرناه غنية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>(٦٠) - قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فريضة من الله﴾:</span>\nهذه الآية نزلت في تعيين من يجوز له أخذ الزكاة، فالصدقات في الآية هي الزكاة المفروضة. والذين سمى الله فيها هم الذين توضع فيهم الزكاة وعددهم في ظاهر الآية ثمانية. ونحن نتكلم على ما يخص كل واحد منهم ثم نتكلم على ما يعم الجميع. فأما الفقير والمسكين فقد اختلف فيهما اختلافًا كثيرًا. فقيل هما اسمان لشيء واحد والذي يملك شيئًا يسيرًا لا يكفيه إلا أن وصف بصفتين لتأكيد أمره فعلى هذا القول عدد من تقسم عليهم الزكاة في الآية سبعة، وإلى هذا القول مال ابن الجلاب. وقيل بل","vol":"3","page":160},{"text":"هما لمعنيين، ثم اختلف الذين ذهبوا إلى هذا في الفرق بينهما على عشرة أقوال.\nفقيل الفقير أحسن حالًا من المسكين لأنه الذي له البلغة من العيش والمسكين هو الذي لا شيء له واحتجوا بقول الراعي:\nأما الفقير الذي كانت حلوبته ... . . . . . . . . . . . . .\nفجعل للفقير حلوبة وقال تعالى: ﴿أو مسكينًا ذا متربة﴾ [البلد: ١٦] أي من لصق بالتراب من سوء حاله. وأيضًا فإن المسكين مفعيل من السكون مبالغة في وصفه بذلك أي لا حركة له كالميت. وقيل لأعرابي: فقير أنت. قال: لا والله بل مسكين. أي أسوأ حالًا من الفقير، وإلى هذا القول ذهب ابن السكيت ويونس وأبن قتيبة، وحكى ابن القصار أنه قول أصحاب مالك وإليه ذهب أبو حنيفة. وقيل المسكين أحسن حالًا","vol":"3","page":161},{"text":"من الفقير لأنه الذي له البلغة من العيش، والفقير الذي لا شيء له واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ [الكهف: ٧٩] فجعل لهم سفينة. وبقوله تعالى: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربًا في الأرض﴾ [البقرة: ٢٧٣] فإن الفقير المكسور الفقار. ومن كثر فقاره فلا حياة له. ويقول الشاعر:\nهل لك من أجر عظيم تؤجره ... تغيث مسكينًا كثيرًا عسكره\nعشر شياه سمعه وبصره\nفجعل له عشر شياه. وإلى هذا القول ذهب الأصمعي والأنباري وهو قول الشافعي. ورجح جماعة القول الأول وردوا ما احتج به الآخرون فقالوا: أما قوله تعالى: ﴿فكانت لمساكين﴾ [الكهف: ٧٩] فلا حجة فيه من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه سماهم مساكين ترجمًا وإن لم يكونوا مساكين في الحقيقة فسماهم بذلك مجازًا على جهة التحريم. ويبين هذا ما وري عن النبي ﷺ أنه قال: «مسكين مسكين من لا زوجة له». قالوا يا رسول الله: وإن كان ذا مال. قال: «نعم وإن كان ذا مال» وقيل لقيلة يا مسكينة عليك السكينة، وقال ﵊: «اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين ونعوذ بالله من الفقر». والثاني: أن يكون أضاف السفينة إليهم على غير جهة الملك كما أن العرب قد تفعل مثل هذا كثيرًا ولكن إذا كان من ذلك الشيء بسبب. ولما كان هؤلاء","vol":"3","page":162},{"text":"عاملين فيها نسب السفينة إليهم كما يقال هذه الدابة لفلان السائس، وكما قال تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن: ٤٦] كما قال الفرزدق:\nوأنتم لهذا الدين كالقبلة التي ... إن يصل الناس يهدي ظلالها\nفي قول من جعل الضمير عائدًا إلى القبلة لا إلى الناس، ولا ظلال على الحقيقة للقبلة وإنما الظلال لمن يصلي إليها. والثالث: ما جاء من أنه قد قرئ لمساكين بالتشديد للسين. وتفسيره على وجهين: أحدهما: أن يعني بهم دباغي المسوك وإليه ذهب جماعة من المفسرين. والثاني: أن يكون من الإمساك. إلا أن المشهور من هذا أمسك ومسك لغة قليلة. وأما قوله تعالى: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٧٣] فبين أنه لا حجة فيه إذ ليس يخرج من الآية أنه لا شيء له وأن له شيئًا. وسنتكلم على هذه الآية في موضعها إن شاء الله تعالى. وأما قولهم إن الفقير المكسور الفقار فلا حجة فيه لأنه قد يجوز أن لا يكون من ذلك. ويكون من قولهم فقرت البعير إذا حززته بحديدة ثم وضعت على موضع الحز الحديد وعليه وتر لتذله وتروضه. فيكون الفقير إنما سمي فقيرًا لأن الدهر قد أذله وفعل به ما يفعل بالبعير الضعيف. وأما العشر شياه لو وهبت له لكانت سمعه وبصره فحذف ما لا يتم المعنى إلا به بدلالة الكلام عله. واعترض أهل القول الثاني احتجاج أهل القول الأول بيت الراعي: أما الفقير","vol":"3","page":163},{"text":"الذي كانت حلوبته، فإنه إنما سماه فقيرًا بعد ان صار لا حلوبة له. وإنما ذكر أنه كانت له حلوبة لا أنه له الآن وهذا ضعيف يرده معنى الشعر لأنه يصف مصدقين جاروا في الصدقة وأخذوا حلوبة هذا الفقير. وهل هو حظ أهل اللغة ومن تابعهم من أهل الكلام على الفقير والمسكين وبما قالوه يفسرون الآية وهي ثلاثة أقوال، وللمفسرين فيها أقوال أخرى. وذهب الضحاك إلى أن الفقراء هم المهاجرون، والمساكين من لم يهاجروا. وقال النخعي نحوه. قال سفيان: لا نعطي فقراء الأعراب شيئًا. وعلى هذا القول قد انقطع صنف واحد من الثمانية وهم الفقراء فلم يبق إلا المساكين إذ لا هجرة بعد الفتح. وذهب عكرمة إلى أن الفقراء من المسلمين، والمساكين من أهل الذمة. قال: ولا تقولوا للفقراء المسلمين مساكين. وروي أيضًا عن ابن عباس والضحاك. وذهب بعضهم إلى أن الفقير من لا مال له ولا حرفة، سائلًا كان أو متعففًا، ويحكى هذا عن الشافعي أيضًا. وذهب قتادة إلى أن الفقير الذمن المحتاج والمسكين الصحيح المحتاج. وذهب ابن عباس وغيره إلى أن الفقراء هم الذين يتصاونون والمساكين الذين يسألون ولا يتصاونون، وروي هذا عن علي بن زياد عن مالك وروي أيضًا عن عكرمة. وقال مالك أيضًا في المجموعة: الفقير الذي يحرم الرزق والمسكين الذي لا يجد غنى ولا يفطن له. ومن حجة هذا القول قوله ﵊: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس».","vol":"3","page":164},{"text":"وذهب عبيد الله بن الحسن إلى أن المسكين الذي يخضع ويستكن وإن لم يسأل. والفقير الذي يتحمل ويقبل الشيء سرًا. فهذه سبعة أقوال لأهل التفسير. فالصدقة لا يجوز دفعها لغني ليس من الأصناف الستة الذين عهدهم الله تعالى بعد الفقراء والمساكين باتفاق لدليل الآية. فإن اجتهد الرجل في صدقته فدفعها إلى غني وهو يراه غير غني فلا تجزئه في المشهور من المذهب وتجزئه عند ابن القاسم في أحد قوليه وأبي حنيفة. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ فلم يجعل فيها نصيبًا للأغنياء فمن أعطاها لغني فكأنه لم يعطها فلا تجزئه وهذا بخلاف ما لو فعله الإمام. واختلف في القوي على الاكتساب هل يجوز له أخذ الصدقة أم لا؟ فذهب مالك والجماعة سواه إلى أنه يجوز له. وذهب يحيى بن عمر إلى أنه لا يجوز ولا تجزئ معطيها وجعل القوة كالغنى وهو قول الشافعي وأبي ثور وأبي عبيد وإسحاق. واحتجوا بقول النبي ﷺ: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» وفي آخر: «ولا لقوي مكتسب». وحجة القول الأول عموم قوله تعالى: ﴿للفقراء والمساكين﴾ أما الحديث: «ولذي مرة سوي» فإنه مخصوص. واختلف في الغنى الذي يحرم معه أخذ الصدقة فقيل هو الكفاية وإن كان دون نصاب لقوله ﵊: «من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا» وهو المشهور عن مالك وإليه ذهب الشافعي. وقيل إن هذا","vol":"3","page":165},{"text":"الحديث- وهو حديث الأوقية- منسوخ بقوله ﵊: «من سأل وله خمس أواق فقد سأل إلحافًا». وقيل هو النصاب، ومن كان له دون النصاب فقد حلت له الصدقة. وإلى مثل هذا ذهب أبو حنيفة للحديث: «أمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردها على فقرائكم» ورواه المغيرة عن مالك وقاله المغيرة وهو قول عبد الملك وقيل الكفاية فمن كان له أكثر من نصاب ولا كفاية خلت له، وإن كان له أكثر من نصاب ولا كفاية فيه فأحرى أن لا تكون له كفاية فيما دون النصاب. فكان هذ القول اعتبر فيه الكفاية مع النصاب. وقيل هو وجود قوت اليوم، الغداء والعشاء. واحتج من قال هذا بقول النبي ﷺ: «من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار» قالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: «قدر ما يغذيه ويعشيه» وقال من رد هذا الحديث منسوخ. وقال بعضهم المعنى فيه غداء وعشاء على دائم الأوقات. فإذا كان عنده ما يكفيه لمدة طويلة فقد حرمت عليه المسألة. وقيل هو أربعون درهمًا لقوله ﵊: «من سأل وله أوقية ...» وهو قول أبي عبيد، وقيل هو خمسون، وقد ضعفت جماعة هذا الحديث. فهذه ستة أقوال أسداها القول باعتبار الكفاية لأن من ليس له ما يكفيه فهو فقير أو مسكين. وقد أحل الله تعالى لهما الصدقة بقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء","vol":"3","page":166},{"text":"والمساكين﴾ قال بعضهم: وكل من حد في الغناء حدًا أو لم يحد فإنما هو بعد ما لا غنى له عنه من دار يحلها أو خادم وهو محتاج إليها ولا فضلة في ثمنها، ومن كان كهذا فالفقهاء مجمعون على أنه يأخذ من الصدقة ما يحتاج إليه. واختلف هل يجوز صرف الصدقة إلى الذمي أم لا؟ فعندنا أنه لا يجوز وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز واستدل بعموم قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء ...﴾ ولم يخص. ودليلنا قوله ﵊: «خذ الصدقة من أغنيائهم وردها في فقرائهم» وهذه الإضافة لا بد لها من اختصاص. وقد ثبت أنه لم يرد القبيلة ولا البلد فعلم أن المراد المسلم وعندنا أنه لا يجوز دفع الرجل صدقته لمن تلزمه نفقته خلافًا لأبي حنيفة في ذلك تعلقًا بعموم الآية. وحجتنا أنهم إذا كانت تلزمهم نفقتهم فليسوا بفقراء بعد. فمن وضع الصدقة فيهم فقد وضعها في غير موضعها، كذا ذر بعضهم الخلاف في هذه المسألة. ورأيت بعضهم حكى الاتفاق على أنه لا يجوز دفع الصدقة إليهم، وأما دفعها لمن لا تلزمه نفقته من أقاربه، فعن مالك فيه روايتان: الجواز والكراهة. وذكر أنه رؤي مالك يعطي زكاته أقاربه. وحجة الجواز عموم الآية، وليسوا بأغنياء لأن نفقتهم لا تلزم. وإذا قلنا إنه يعطي قرابته فمن أحق هم أو جيرانه الفقراء؟ أما إن كان قريبه حاضرًا معه فهو أولى وإن كان غائبًا غيبة تقصر في مثلها الصلاة. فقيل هو أولى من الجار وقيل الجار أولى وظاهر الآية التسوية لأنه إنما جعل السبب في الأخذ الفقر، فإذا تساووا في ذلك استووا في جواز الأخذ. واختلف في الزوجة هل يجوز أن تدفع صدقتها إلى زوجها؟ فمنع مالك من ذلك، وذكر ابن القصار أن ذلك عند شيوخه","vol":"3","page":167},{"text":"على وجه الكراهة، فأن فعلت أجزأها. وأجازها أشهب إذ لم يرجع إليها شيئًا من ذلك في نفقتها. وعن أبي حنيفة والشافعي الروايتان. وحجة الجواز قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ فعم. وأما الزوج فلا يجوز له أن يدفع صدقته إلى زوجه لأن نفقتها تلزمه إلا على ما ذكرنا من قول أبي حنيفة في هذا الأصل، وإن كان بعضهم قد حكى الإجماع على أن ذلك لا يجوز. واختلف هل تحل الصدقة لآل النبي ﷺ أم لا؟ -وآله وقد تقدم الكلام في تحديدهم-. فقيل لا تحل لهم الصدقة المفروضة ولا التطوع. واحتج الذين ذهبوا إلى هذا بأن ﵊ رأى الحسن قد أخذ تمرة من الصدقة فجعلها في فيه فقال النبي ﷺ: «كخكخ» ليطرحها. ثم قال: «أما علمت أنا لا نأكل الصدقة» وقال تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه من أجر إلى المودة في القربى﴾ [الشورى: ٢٣] قالوا ولو جاز أن يأخذ منها شيئًا هو أو آله لوجدوا سبيلًا إلى أن يقولوا إنما يدعونا إليه ليأخذ أموالنا ويعطيها أهل بيته، ولكان ذلك كالأجرة. وإلى هذا القول ذهب أبو يوسف في أحد قوليه وأبو حنيفة في أحد قوليه، وإليه ذهب مالك في كتاب ابن حبيب وابن حبيب. وقيل الصدقات كلها حلال لآل محمد ﷺ وهو أحد قولي أبي حنيفة وذكره الباجي عن الأبهري. وذكر الطحاوي أن حجة أبي","vol":"3","page":168},{"text":"حنيفة في ذلك أن الصدقات إنما كانت محرمة عليهم من أجل ما نفل لهم من الخمس من سهم ذي القربى فلما انقطع عنهم ذلك ورجع إلى غيرهم بموت رسول الله ﷺ حل لهم بذلك ما كان حرم عليهم. وقيل تحل لهم صدقة التطوع وتحرم عليهم المفروضة، وهذا مروي عن مالك، وإلى هذا ذهب ابن القاسم. وحجة هذا القول عموم الآية في المفروضة. وخصصوا الأحاديث في تحريم التطوع. وحكى الباجي عن القاضي أبي الحسن أن بعض أصحابهم يقول: تجوز لهم الصدقة الواجبة دون التطوع لأن المنة تقع في صدقة التطوع. وقيل تحل لصدقة لهم بعضهم من بعض ولا تحل لهم من غيرهم، وذكره الطبري عن أبي يوسف وهذا قول ضعيف يرده عموم الآية من غيرهم، وذكره الطبري عن أبي يوسف وهذا قول ضعيف يرده عموم الآية والآثار. فهي خمسة أقوال أصحها في الاعتبار الفرق بين صدقة الفرض والتطوع لجريه على ظاهر الآية ومع الأثر. واختلف في موالي النبي ﷺ هل تحل لهم الصدقة أيضًا أم لا؟ فأجازها ابن القاسم لهم وقد حكي ذلك عن مالك والشافعي ومنع من ذلك مطرف وابن الماجشون وابن نافع، وإليه ذهب الكوفيون والثوري واحتجوا بما جاء عنه ﵊ من قوله: «إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة ومولى القوم منهم». وبقوله ﵊: «إن الصدقة لا تحل لنا ولا لموالينا» وحجة الأول عموم الآية. ويتأولون الأحاديث فيحمل ﵊ منهم أي في النصرة والصلة ونحو ذلك. ويحمل الحديث الآخر على أنه أراد بالموالي بني العم. واختلف إذا كان للرجل على معسر دين هل له أن يتركه ويقطعه من صدقته أم لا؟ فقيل له ذلك، وقيل لا يجيء ذلك جملة، وقيل إن كان ممن لو رفعه","vol":"3","page":169},{"text":"إلى الحاكم أمكن أن يؤديه جاز، وإلا لم يجز لأنه قد نوى. والأظهر أن لا يجزئ -وهو قول مالك أيضًا- لأن مفهوم قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات﴾ أنت يعطى لأحد هؤلاء الأصناف فتصلح بذلك حاله، وإذا كان معسرًا فترك له ما عليه من حاله بعد شيء. وقوله تعالى: ﴿والعاملين عليها﴾ هم جباتها وسعاتها يدفع إليهم الإمام من الصدقة أجرة معلومة بقدر عملهم وإلى هذا ذهب مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة لا يجوز لقوله ﵊: «فأردها على فقرائهم» ودليلنا قوله تعالى: ﴿والعاملين عليها﴾. ومن الناس من لا يرى للعامل إلا الثمن مما عمل تعلقًا بظاهر قسمة القرآن ولا يزاد على ذلك شيء وإن كانت أجرته تزيد على ذلك خلافًا لما قدمناه من مذهب مالك والشافعي. ومنهم من يرى أن يدفع إليه الثمن فإن أجرته أكملت له من خمس الغنيمة، وهذان القولان مبنيان على الخلاف في كيفية القسمة فهذه أربعة أقوال في أجرة العامل أصحها ما ذهب إليه مالك رحمه الله تعالى وعليه ينبغي أن تحمل الآية. واختلف هل يجوز أن يكون العامل من ذوي القربى أم لا؟ فعندنا أنه يجوز ذلك، وقال الشافعي لا يجوز، ودليلنا عموم الآية. واختلف في العبد والنصراني هل يستعملان عليها. فقال محمد لا يجوز ذلك لأنه لا حق لهما في الزكاة فإن استعملا وفات انتزع ما أخذا وأعطيا من الفيء. وأجاز ذلك أحمد بن نصر وعلى نحوه يدل مذهب ابن عبد الحكم، وحجة هذا القول عموم قوله تعال: ﴿والعاملين عليها﴾ ولم يفرق. وأما الغني فيجوز استعماله، والأصل في جواز ذلك قوله ﵊: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم أو لرجل اشتراها بماله أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق","vol":"3","page":170},{"text":"على المسكين وأهدى المسكين للغني» فذكر فيهم العامل. وقال تعالى: ﴿والعاملين عليها﴾ ولم يخص غنيًا من غيره. وقد استدل بعضهم في نصرة أحد قولي الشافعي. ومذهب أبي حنيفة في وجوب دفع الزكاة إلى العمال لأن ذكر العاملين في الآية يدل على وجوب دفع الزكاة إليهم وأنه لا يتضمن أن العمال إذا كانوا أعطوا نصيبهم، فأما إذا لم يكونوا فليس في الظاهر أنه لا بد منهم كما أنه ليس في الظاهر أنه لا بد من رقاب وغارم ومؤلفة. وجعل الله للعاملين أجرة من الصدقة يدل على جواز أخذ الأجرة لكل من اشتغل بشيء من أعمال المسلمين. واختلف في أرزاق القضاة، فكرهها جماعة وأجازها جماعة، واحتج أبو عبيد في جوازه بهذه الآية. فقال: قد فرض الله تعالى للعامل على الصدقة وجعل لهم منها حقًا لقيامهم فيها وسعيهم وكذلك القضاة يجوز أن يجعل لهم أجرة على عملهم وكذلك من شغل بشيء من أعمال المسلمين فله أن يأخذ الرزق على عمله بدليل الآية. وقد كان زيد بن ثابت يأخذ على القضاء الأجر وروي ذلك عن ابن شريح وغيرهما.\nوقوله تعالى: ﴿والمؤلفة قلوبهم﴾ الذين يعطون استيلافًا. وقد اختلف في سهمهم هل هو ثابت يجب أن يعطوه، هكذا قال الحسن البصري. وقيل انقطعت المؤلفة بعد رسول الله ﷺ، وروي ذلك عن الشعبي. وكذلك قال أصحاب الرأي فلا يعطون شيئًا أبدًا وإليه ذهب مالك.","vol":"3","page":171},{"text":"وقيل انقطع فإن احتاج المسلمون إلى ذلك أعطوا سهمهم وإلى هذا ذهب ابن حنبل وهو قول ابن شهاب وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب الشافعي وهو قول عبد الوهاب ومن زعم أن سهمهم باق لا يغير احتج بالآية. ومن قال إنه انقطع اختلفوا متى انقطع؟ فقيل انقطع بموت رسول الله ﷺ وهو ظاهر قول الشافعي. وقيل لم يزالوا على ذلك بعد موت رسول الله ﷺ إلى صدر من خلافة أبي بكر. وقيل لم يزالوا على ذلك إلى صدر من خلافة عمر ثم قال هو أو أبو بكر لأبي سفيان: قد أغنى الله عنك وعن غربائك، إنما أنت رجل من المسلمين، وقطع ذلك عنهم. ثم اختلفوا في الحجة على الانقطاع. فزعم قوم أنه منسوخ ولم يذكر ناسخًا وهو قول ضعيف وإلى نحو هذا ينحو قول من يرى أن ذلك يعود يومًا ما إن احتيج إليه. واختلفوا في المؤلفة قلوبهم من هم؟ فقيل هو الكافر يؤلف بالعطاء ليدخل في الإسلام، وقيل هو المسلم الحديث العهد بالإسلام يؤلف بالعطاء ليثبت على الإسلام. وقيل هو الرجل من عظماء المشركين يسلم فيعطى ليستألف غيره بذلك من قومه ممن لم يدخل في الإسلام. والأظهر من الآية أن المراد من أسلم ولم يجتمع قلبه على الإسلام وحده، بل فيه شعب من الكفر فيراد أن يجتمع قلبه على الإسلام وحده وتزال شعب الكفر منه فأما من لم يسلم بعد فإذا يؤلف من قلبه ولم يفترق بعد منه شيء. وممن من كان من المؤلفة قلوبهم: أبو سفيان بن حرب وأبو سفيان ابن الحارث والحارث ابن","vol":"3","page":172},{"text":"هشام وصفوان بن أمية وهو الذي قال: حضرت حنينًا مع رسول الله ﷺ وام أحد من الخلق أبغض إلي منه فما زال يعطيني حت ما كان أحد من الخلق أحب إلي منه، وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام ومالك بن عوف والأقرع وعيينة والعباس بن مرداس والعلاء بن جارية الثقفي.\nوقوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾ يريد في عتق الرقاب. وقد اختلف في تفسير ذلك، فقيل يريد ابتداء عتق الرقاب وذلك أن يشتري من مال الصدقة رقابًا كاملة وتعتق، وإلى هذا ذهب مالك. وقيل هم الكاتبون ولا يجوز أن يعتق من الزكاة رقبة كاملة وهو قول أبي حنيفة والشافعي والليث. وقيل الآية تجمع الرقاب الكاملة والمكاتبين فيوضع النصف في الرقاب الكاملة والنصف","vol":"3","page":173},{"text":"في المكاتبين، وهو قول الزهري، ودليله قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾ وإطلاقه هذا اللفظ يقتضي رقبة كاملة. وأما قول أبي حنيفة والشافعي فتحكم على الآية إلا أن يستند إلى دليل آخر غير الآية. وأما قول الزهري فله تعلق بعموم الآية. واختلف الذين رأوا الآية في الرقاب الكاملة هل يعان بها المكاتب أم لا؟ فقيل لا يعان جملة وهو المشهور من قول مالك، وقيل يعان جملة. وقيل يعان في آخر كتابته ولا يعان في أثنائها. وهذا القول من رواية ابن القاسم وابن نافع عن مالك. وحجة هذا القول أن الذي يعين في آخر الكتابة كأنه أعتق جملته لأنه بذلك عتق فدخل تحت قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾. وحجة القول بأنه لا يعان جملة أن إطلاق لفظ الرقاب يقتضي رقبة كاملة. وحجة من قال يعان حمل لفظ الآية على العموم أي أن يوضع سهم منها في الرقاب. ومن أعان مكاتبًا فقد وضع سهمًا في الرقاب. واختلف على القول بإباحة ذلك في المكاتب جملة إن عجر المكاتب هل يرد ذلك من عند السيد أم لا؟ على قولين. والأظهر منهما الرد لأنه يخرج عن الذي حد الله تعالى من وضعه في رقبة. واختلف هل يعتق منه مدبر أم لا؟ على قولين. ذكر ابن شعبان أن لا يعتق. وقد قيل إنه لا بأس أن يعتق منه، والأول أجود لأن المدبر ليس برقبة تجوز في الرقاب الواجبة لأنه قد خرج عن اسم الرقبة الذي قال الله ﷿: ﴿فتحرير رقبة﴾ [النساء: ٩٢، والمجادلة: ٣]. ومما يعضد هذا إطلاق لفظ الرقاب في قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾ وهذا يقتضي رقبة كاملة.\nواختلف في عتق بعض عبد على ثلاثة أقوال تقوم من المذهب:","vol":"3","page":174},{"text":"أحدها: أنه لا يجوز جملة. والثاني: أنه يجوز جملة. والثالث: أنه لا يجوز إذا لم يتم بما فعل عتق العبد ويجوز إذا تم بما فعل عتق العبد، وإلى هذا ذهب مطرف. وحجة المنع جملة إطلاق بعض الرقاب في الآية. واختلف في عتق العبد المعيب على قولين في المذهب. أحدهما لا يجزئ وهو قول أصبغ والمشهور في المذهب. والثاني أنه يجزئ وهو قول أحمد بن نصر. وحجة القول الأول أيضًا إطلاق بعض الرقاب لأنه يقتضي أيضًا رقبة سالمة. وحجة من أجاز عموم اللفظ. واختلف أيضًا في عتق من يجب على الرجل عتقه إذا ملكه هل يجزئ أم لا؟ وحجة من أجاز عموم الآية، ومالك لا يجيز ذلك لأن المنفعة إنما هي لرب الزكاة فكأنه لم يخرجها عنه. واختلف هل يعطى منها الرجل ليعتق عبده عن نفسه على قولين في المذهب مرويين عن مالك. وحجة القول بإجازة ذلك عموم الآية. واختلف هل يفدى منها أسير أم لا على قولين في المذهب أيضًا. فذهب أصبغ إلى أنه لا يفدى، وقال ابن حبيب وابن عبد الحكم يفدى. وحجة القول بأنه لا يفدى مفهوم إطلاق الآية وأنه إنما أراد بذلك من لو اشتراه الإنسان لما عتق عليه. والأسير لا يمكنه تملكه فليس برقبة. واختلف في ولاء المعتق من الزكاة، فقيل لجماعة المسلمين وهو قول الجمهور وقال أبو عبيد للمعتق، وقال الحسن وابن حنبل وإسحاق يجعل ما تركه في الرقاب. وقال عبيد الله بن الحسن يجعل ماله في بيت ماله في بيت الصدقات وحجة القول الأول أنه إذا كان الولاء له فكأنه ل يخرج عنه لأن منفعته له، وإنما مفهوم الآية أن تخرج منفعته إلى غيره.\nوقوله تعالى: ﴿والغارمين﴾: اختلف في صفتهم. فقيل هم الذين فدحهم الدين وإن كان لهم ما يؤدون منه ديونهم، وإلى نحو هذا ذهب ابن حبيب. وقيل هم الذين لا يجدون وفاء لقضاء ديونهم أو تكون معهم أموال","vol":"3","page":175},{"text":"بإزاء ديونهم فيعطون ما يقضون به ديونهم، وإلى هذا ذهب عبد الوهاب. والقول الأول أصح لأن الغارم اشتقاقه من الغرم وهو أن يعطي الرجل ما عليه، والغارم الذي يلزمه أن يغرم.\nوإنما سمي غارمًا وإن لم يغرم بعد على ما يصير إليه. وكل من فدحه الدين فهو غارم. وقد قال تعالى: ﴿والغارمين﴾ فعم ولم يخص. وكذلك قال ﵊: «لا تحل صدقة لغني إلا لخمسة» وذكر فيهم الغارم وهو المحتمل بحمالة ولم يخص وهذا إذا تدين الإنسان في واجب أو مندوب إليه أو مباح. وأما إن تداين في مكروه أو محظور ويجمع ذلك التداين في معصية فاختلف فيه هل يكون من الغارمين أم لا؟ فالجمهور على أنه ليس من الغارمين ولا يقضى عنه ذلك الدين. وقال ابن عبد الحكم إذا حسنت حاله أعطي لأنه غارم، وحجة هذا الأخذ بعموم الآية. والجمهور خصصوا الآية بما عدا تداين المعصية. واختلف فيمن عليه الزكاة فرط فيها ولم يخرجها ناسيًا أو عامدًا حتى تلف ماله ثم أتى يطلب مع فرط فيها ولم يخرجها ناسيًا أو عامدًا حتى تلف ماله ثم أتى يطلب مع الغرامين ما يؤدي منه زكاته على قولين: أحدهما: أن ذلك له، والثاني: أنه لا يعطي فلا يقضي من الزكاة زكاة. ودليل القول الأول أن ذلك دين عليه يؤخذ منه ويحكم به عليه، ومن كان كذلك فهو غارم وقد قال تعالى: ﴿والغارمين﴾ فعم ولم يخص زكاة ولا غيرها. واختلف هل يقضى منها دين ميت أم لا؟ فقال ابن المواز لا يقضي منها. وقال ابن حبيب يقضي وهو من الغارمين وحجته عموم الآية، قال وقد كان امتنع النبي ﷺ من","vol":"3","page":176},{"text":"الصلاة على من عليه دين قبل نزول الآية فلما نزلت الآية صار ذلك على السلطان. قوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ سبل الله تعالى كثيرة، إلا انه اتفق العلماء على أن المراد بها ها هنا الغزاة المحتاجون وإن كانوا أغنياء في بلادهم. واختلفوا إذا كانوا أغنياء بالموضع الذي هم به. فقيل لا يعطون، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وأصحابه. وقيل يعطون، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وإسحاق. وحجة هذا القول الكتاب والسنة: فالكتاب قوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ فإذا غزا الغني فأعطي كان ذلك في سبيل الله. وأما السنة فقول النبي ﷺ: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة» وقد ذكر فيهم الغازي وسماه غنيًا. واختلف في الحاج هل يدخل تحت قوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ فيعطى من الزكاة أم لا يدخل فلا يعطى. فذهب ابن عباس وابن عمر ومحمد بن الحسن إلى أنه في سبيل الله وأن الآية تنطوي عليه وأنه يعطى من الزكاة لذلك. واحتجوا بأن رجلًا وقف ناقة له في سبيل الله فأرادت امرأته أن تحج وتركبها فسألت رسول الله ﷺ فقال: «اركبيها فإن الحج في سبيل الله». وذهب الجمهور إلى أنه لا يدخل تحت اللفظ ولا يعطى من الزكاة. قال ابن القصار: والحجة لهذا القول إن كل موضع ذكر فيه سبيل الله فالمراد به الغزو والجهاد: قال تعالى: ﴿يقاتلون في سبيل الله﴾ [براءة: ١١١] وقال تعالى: ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله﴾ [براءة: ٢٠] وكذلك آية الصدقة. وأما غير الغزو والحج من سبل الله فلا يدخل تحت قوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ ولا يحمل على العموم في ذلك وإنما هو الغزو أو الغزو والحج هذا هو قول الجمهور من العلماء في ذلك بعضهم على البخاري أن مذهبه حمل اللفظ على العموم في الغزو والحج وغير ذلك لإدخاله في كتابه قول النبي ﷺ: «فإن الحج في سبيل الله» وقوله: «إن خالدًا قد احتبس أدراعه وأعبده في سبيل الله». وقال ابن","vol":"3","page":177},{"text":"عبد الحكم يجوز أن يصرف من الزكاة كل شيء يكون من أمر الجهاد أو يكون منه بسبب مثل مصالحة عدو إذا خيف أو بناء حصن أو حفر خندق أو عمل مجانيق أو حملان أو سلاح أو مراكب للعدو وكراء النواتئة ويعطي منها للجواسيس الذين يأتون بأخبار العدو مسلمين كانوا أو نصارى، ورأى أن ذلك كله داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وابن السبيل﴾ هو الرجل المسافر المنقطع به يعطى من الزكاة بقدر كفايته إذا كان محتاجًا أبدًا باتفاق أو غنيًا ببلده ومحتاجًا بموضعه باتفاق. واختلف إن كان غنيًا بموضعه. قال البرقي: قول مالك إنه يعطى وإن كان غنيًا، يريد ببلده. وقال أصبغ يريد بموضعه وبه قال الشافعي فوجه قول أصبغ قوله تعالى: ﴿وابن السبيل﴾ فعم. وإن قلنا أنه لا يعطى إن كان غنيًا بموضعه وهو الذي عليه الجمهور. فإن كان محتاجًا بموضعه ووجد من يسلفه، قال مالك في كتاب سحنون لا يعطى. وقال ابن القاسم في كتاب محمد يعطى. وقال ابن عبد الحكم ليس عليه أن يستسلف لأنه يخاف تلفه ويبقى الذين في ذمته إلا أن يجد من يسلفه على أنه إن سلم ماله وإلا فهو في حل. وقول ابن القاسم أظهر بعموم قوله تعالى: ﴿وابن السبيل﴾ يتناول المجتاز ومن يريد السفر، وبه قال الشافعي. وقال العراقي لا تقع إلا على المجتاز. وحجة القول الأول عموم الآية لأن ابن السبيل يقع عليه وإن لم يسلك بعد السبيل لأن يصير إليه كما يسمى الغارم غارمًا وإن لم يغرم بعد. وسمي المسافر ابن السبيل لملازمته إياه كما","vol":"3","page":178},{"text":"يقال للطائر: ابن ماء لملازمته إياه ونحو ذلك. ولنرجع إلى ما يعم الجميع من الأحكام فنقول: ﴿إنما﴾ في هذه الآية حاصلة فتقضي أن الزكاة لا تعدو هؤلاء الثمانية أصناف. إلا أنه اختلف في كيفية القسمة عليهم هل هو على الاجتهاد أو السواء؟ فذهب مالك وأبو حنيفة وغيرهما إلى أن ذلك على اجتهاد الإمام. وقال الشافعي هي مقسومة على ثمانية أصناف لا يصرف منها سهم على غير أهله، وهو قول بظاهر الآية. ومعنى الآية عند من قال بالقول الأول الإعلام بمن تحل له الصدقة ولم يقصد فيها التسوية في القسمة. واختلف هل يجوز أن توضع في صنف دون صنف أم لا؟ فعند مالك وأبي حنيفة ومن تابعهما أنه يجوز أن توضع له ولو في صنف واحد على قدر الاجتهاد. وعند الشافعي أنه لا يجوز إلا أن تقسم على الثمانية الأصناف ولا يجوز أن يخص منها صنف دون صنف واحتج الشافعي بقوله ﵊ لرجل سأله: «إن الله تعالى لم يرض في الصدقات بقسم نبي ولا غيره حت قسمها بنفسه فجعلها ثمانية أقسام لثمانية أصناف، فإن كنت واحدًا منها أعطيتك» وعند أبي ثور أنه إذا قسمها الإمام لا يخل بصنف منها وإن أعطى الرجل صدقته صنفًا ددو نصنف أجزأه ذلك. وعند النخعي أنه إن كان المال كثيرًا قسم على الأصناف كلها وإن كان قليلًا أعطى صنفًا واحدًا. وعند بعض المتأخرين أنه قسم المتصدق قسم في ستة أصناف لأنه ليس ثم عامل ولأن المؤلفة قلوبهم قد انقطعوا، وإن قسم الإمام قسم في سبعة أصناف. فهذه خمسة أقوال أصحها قول مالك، إذ المفهوم من الآية إنما هو الإعلام بموضع الصدقة. فإن قيل فإذا انقسمت الصدقة على ثمانية أصناف وسهم المؤلفة قد انقطع فما يصنع به فهل يرد على سائر الأصناف يقسم عليهم؟ اختلف إن اجتمع في شخص واحد معان من الأصناف الثمانية التي ذكرها الله تعالى هل يستحق لكل صنف منها قسمًا أم لا؟ فعندنا أنه لا يستحق ويدفع إليه على ضرب من الاجتهاد ونهى الشافعي","vol":"3","page":179},{"text":"في أحد قوليه إلى أنه يعطى للمعاني المجتمعة كلها. وحجة القول الأول ظاهر الآية إذ المفهوم منها أنه إنما يعطى لواحد من تلك الصفات التي ذكر، فمن اجتمعت فيه صفتان أو أكثر لم يراع ذلك وأعطى كما يعطى ذو الصفة الواحدة على الاجتهاد. واختلف هل استحقاق الصدقات كلها بالفقر والحاجة فقط أم بذلك مع غيره. فمنهم من قال بالوجه الأول وزعم أن الله تعالى إنما ذكر الأصناف باختلاف معنى الحاجة فيهم فأكد ذلك وبينه، والوجه الذي لأجله وضع الصدقة فيه واحد على ما قال ﷺ: «وردها في فقرائهم»، فبين الاستحقاق بهذا الوجه الواحد. فأما العاملون فيأخذون من جهة الفقر لا من جهة المال فهم كالوكلاء للفقراء. وكذلك جوابهم في المؤلفة قلوبهم لأنهم كانوا يأخذون لإعزاز الدين فمع الفقراء يأخذون. ومنهم من قال بالقول الثاني وزعم أن الغارم قد يأخذ مع الغني وكذلك ابن السبيل والغازي. قال أبو الحسن: والأقرب إلى الظاهر هذا القول. واختلف في نقل الصدقة من بلد إلى بلد، فقيل لا تنقل من الموضع الذي أخذت فيه بوجه وهو المشهور من قول الشافعي، وقيل يجوز نقلها على كل وجه وإن كان في الموضع الذي تجبى فيه من يستحقها لم تنقل عنهم وإن لم يكن ثم من يستحقها جاز نقلها إلى من يستحقها، وهو قول مالك، وروي عن الشافعي مثله، وحجة هذا القول قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ فعم إلا أنه إذا وجد فقراء في موضع الصدقة لم ينقل عنهم لأنهم أحق بها وإن نقل الصدقة من موضعها- وفيه من يستحقها- فهل يسقط الفرض أم لا؟ المشهور في المذهب أنه يسقط، وذلك عند الشافعي على قولين الصحيح منهما أنه لا يسقط. وحكى بعض أصحاب مالك أنه قول مالك. قال ابن القصار ولم أجده منصوصًا عنه. والأظهر أنه يسقط","vol":"3","page":180},{"text":"لعموم قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ فعم.\nواختلف في قدر ما يعطى الفقير من الصدقة، فروى علي بن زياد وابن نافع عن مالك أن ذلك على قدر الاجتهاد، وقد يقل المساكين وتكثر الصدقة. وروى عنه المغيرة أنه يعطى أقل من النصاب ولا يبلغه. والقول الأول أجرى على ظاهر الآية. وهل يصدق الرجل في أنه واحد من الأصناف التي ذكر الله تعالى أم لا؟ فنقول أما من يدعي الفقر ففيه قولان: أحدهما: أنه يصدق ولا يكلف ببينة، والثاني: أنه لا يصدق إلا ببينة أن يقول مفهوم الآية أن الصدقات إنما هي لمن يعلم من هذه الأصناف. وحجة القول الأول أن هذا من حقوق الله، وحقوق الله تعالى أخف من حقوق الآدميين خاصة فلذلك يصدق في حقوق الله تعالى ولا يصدق في حقوق الآدميين خاصة. وأيضًا فإن الناس في حقوق الآدميين محمولون على الغنى حتى يثبت العدم. وذلك ظاهر قوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠] وإن ادعى أنه ابن سبيل ففيه قولان: أحدهما: أنه لا يصدق إل ببينة، والثاني: أنه يصدق إن كانت عليه هيئة الفقر. وقال مالك في المجموعة: وأين يجد من يعرفه. وحجة القول الأول مفهوم الآية وإن ادعى أنه شيء من الأصناف الباقية لم يصدق إلا ببينة، ولم أر في هؤلاء خلافًا. وهذه الأصناف التي ذكرها الله تعالى أن الزكاة بينهم تبدأ عليهم كلهم، العاملون منهم ثم الفقراء والمساكين على العتق لأن سد خلة المؤمن أفضل العتق، وغن كان هناك مؤلفة بدئ بهم على من عدى العاملين لأن الإدخال في الإسلام أفضل من سد خلة الفقير. وقد يبدأ بالغرم إذا خشي على الناس. وقد يبدأ بابن السبيل على","vol":"3","page":181},{"text":"الفقير إذا كان يركه في بقائه أو تأخره عن بلده ضرر، والفقير في وطنه أقل ضررًا. وتحصيل هذا عندي أن العامل يبدأ على الأصناف كلها وإن كان مبدأ في ألفاظ الآية كلها لأن الواو لا تعطي رتبة. وسائر الأصناف يقدم بعضهم على بعض بحسب الاجتهاد وما يرى أنه الأصلح.\nوقوله تعالى: ﴿فريضة من الله﴾ محدودة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>(٧٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾:</span>\nهذه الآية تقتضي أن يجاهد الكفار والمنافقين إلا أنه يحتمل أن يريد أن يجاهد المنافقين كما يجاهد الكفار بالسيف ويحتمل أن يريد أن يجاهد الكفار بالسيف والمنفقين بدون ذلك باللسان ونحوه. وبحسب هذا الاحتمال اختلف المفسرون فقيل المعنى جاهد الكفار والمنافقين بالسيف فأمر النبي ﷺ بقتال المنافقين كما يقاتل الكفار وأذن له في قتلهم، وعلى ذلك مات النبي ﷺ، وإلى هذا ذهب الزجاج. وقال ابن مسعود يفعل ذلك إن قدر إلا باللسان، وإليه ذهب ابن عباس. وقيل المعنى جاهد الكفار بالسيف والمنافقين بإقامة الحدود عليهم وإلى هذا ذهب الحسن بن أبي الحسن، قال: وأكثر ما كانت الخدود تصيب يومئذ المنافقين. فلم ير من ذهب إلى هذين القولين قتال المنافقين ولا قتلهم. ومال إلى هذا بعض","vol":"3","page":182},{"text":"المفسرين وقال: قتلهم لا يكون إلا إذا جلحوا، وإذا جلحوا فهم كفار ثم قال ما ينقض مذهبه. قال: ووجه ترك رسول الله ﷺ المنافقين بالمدينة أنهم لم يكونوا مجلحين بل كان كل مغموس عليه إذا وقف ادعى الإسلام فكان في تركهم إبقاء وحياطة للإسلام ومخافة أن ينفر العرب إذا سمعت أن محمدًا ﷺ يقتل من يظهر الإسلام. فقال أولًا إنه يترك المنافقين ما لم يجلحوا وأن رسول الله ﷺ تركهم بالمدينة لذل، فالعلة في تركهم إذن ترك التجليح. ثم قال إن تركهم حياطة للإسلام، فعلى هذا إذا لم يحتج إلى حياطة الإسلام لقوته لزم أن يقاتلوا ويقتلوا وإن لم يجلحوا، وهذا مناقض لمذهبه، والقول الأول أحسن على مقتضى الآية لأنه تعالى قرن جهاد المنافقين بجهاد الكفار، وظاهره التسوية في ذلك. فما يجاهد به الكفار يجاهد به المنافقون وذلك السيف إلا أن يتقي في قتالهم شيء على الإسلام فيبقي عليهم ومن فرق بين جهاد وجهاد فقد خرج على الظاهر. وقد مضى ذكر أحكام المنافقين في سورة البقرة فقف عليه. وفي قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب﴾ [براءة: ٦٥] دليل على أن الجاد واللاعب في النطق بكلمة الكفر سواء ودليل على أن الاستهزاء بآيات الله تعالى كفر. قال أبو الحسن: وفي قوله تعالى: ﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر﴾ [براءة: ٧٤] دليل على أن توبة الزنديق مقبولة إذا لم يظهر الكفر لأن النبي ﷺ استبقاهم وقنع بإنكارهم لما قالوه. والذي قالوه هو قول الجلاس بن سويد بن الصامت: إن كان ما جاء به محمد فنحن من الحمير، وقول عبد الله بن أبي: ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ [المنافقون: ٨].","vol":"3","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-477>(٧٥) - (٧٧) - قوله تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله﴾ إلى قوله: ﴿فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾:</span>\nهذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاري قيل وفي معتب بن قشير وذلك أن ثعلبة أتى رسول الله ﷺ فسأله أن يدعو له أن يجعل له مالًا. قال: فلو كان لي مال لقضيت حقوقه وفعلت به الخير. ولم يزل به حت دعا له. فاتخذ غنمًا. فنمت له حتى ضاقت بها المدينة، فتنحى عن المدينة، وكثرت غنه فكان لا يصلي الجمعة، ثم كثر حتى تنحى بعيدًا، فترك الصلاة ونجم نفاقه ونزل خلال ذلك فرض الزكاة. فبعث رسول الله ﷺ لمتصدقين فلما بلغوا ثعلبة قال: هذه أخت الجزية ثم قال دعوني حتى أرى رأي. فلما أخبر رسول الله ﷺ بذلك قال: «ويحه» ثلاثًا. ونزلت الآية. وبلغ ذلك ثعلبة فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ فرعب أن يؤدي زكاته فأعرض عنه وقال: إن الله تعالى أمرني أن لا آخذ زكاتك. فبقي كذلك حتى توفي رسول الله ﷺ، ثم ورد ثعلبة على أبي بكر ثم على عمر ثم على عثمان يرغب إلى كل واحد منهم أن يأخذ منه الزكاة. فكلهم يرد ذلك اقتداء بالنبي ﷺ، وبقي كذلك ثعلبة حتى هلك في مدة عثمان. فقوله تعالى: ﴿فأعقبهم نفاقًا﴾ نص في المعاقبة على الذنب بما هو أشد منه، والتقدير فأعقبهم الله نفاقًا. وقيل التقدير فأعقبهم البخل نفاقًا.\nوقوله تعالى: ﴿إلى يوم يلقونه﴾: يقتضي موتهم على النفاق. ولذلك لم يقبل رجوع ثعلبة لشهادة القرآن عليه بالنفاق إلى يوم الملاقاة. وقوله تعالى: ﴿نفاقًا﴾: يحتمل أن يريد نفاق معصية ويحتمل لأن يريد نفاق كفر.","vol":"3","page":184},{"text":"فإذا قيل إن المراد به نفاق كفر، فإنما أقر ثعلبة على ذلك كما أقر سائر المنافقين. وإذا قلنا إنه نفاق معصية فإنما أقر ثعلبة على ذلك ولم تقبل منه الزكاة عقابًا له وهذا خاص بثعلبة. ومن فعل ذلك الوقت مثل فعله أن لا يجوز أن يعاقب اليوم أحد في مثل ذلك بأن لا تؤخذ منه الزكاة فتؤخذ منه كرهًا وإن كان قد جاء عن عمر بن عبد العزيز أن عاملًا كتب إليه أن فلانًا يمنع الزكاة. فكب إليه عمر أن دعه واجعل عقوبته أن لا يؤدي الزكاة مع المسلمين لما يلحقه من المقت في ذلك. وظاهر هذا من عمر أن العقاب عام فيمن فعل فعل ثعلبة، والصحيح ما قدمته. وإنما كان ذلك أيضًا في ثعلبة لقوله تعالى: ﴿إلى يوم يلقونه﴾ فأخبر أن النفاق لا يزول عنه إلى يوم يلقونه ونفاقه إنما كان يمنع الزكاة فلم تقبل منه الزكاة فتبقى عليه تلك القسمة إلى أن يلقى الله ﷿. وغير ثعلبة لم يقل فيه ذلك فلا يكون حكمه حكم ذلك الحكم. وذكر بعضهم عن ابن عباس في نزول الآية غير ما تقدم. قال وذلك أن حاطب بن أبي بلتعة لما أبطأ عليه ماله بالشام حلف في مجلس من مجالس الأنصار إذا سلم ذلك لأتصدقن منه ولأصلن منه. فلما سلم بخل بذلك.\nوقوله تعالى: ﴿بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ يقوم من هذا أن إخلاف الوعد والكذب نفاق. وقد جاء عن النبي ﷺ ما يعضد ذلك. قال: «ثلاثة من كن فيه كان منافقًا خالصًا: إذا","vol":"3","page":185},{"text":"حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» وجاء في بعض الأحاديث زيادة وروي أن عمرو بن العاص لما احتضر قال: زوجوا فلانًا فإني قد وعدته، لا ألقى الله بثلث النفاق وإلى هذا ذهب جماعة كثيرة من أهل العلم أن هذه الخصال نفاق ومن اتصف بها فهو منافق إلى يوم القيامة وذهب قوم إلى أنها ليست بنفاق. فقال عطاء بن أبي رباح: قد فعل هذه الخلال إخوة يوسف ولم يكونوا منافقين بل كانوا أنبياء. وهذه الأحاديث التي هي في عصر النبي ﷺ للذين شهد الله تعالى عليهم، وهذا الخصال في سائر الأمة معاص باتفاق وذكر الطبري أن الحسن رجع إلى هذا. والقول الأول أظهر لأن الله تعالى قد قال: ﴿نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه﴾ أي أعقبوا بالنفاق منعهم هذه الأشياء، فمن كانت فيه هذه الأشياء فهو منافق. وهذه الآية على ما ذكر ابن لبابة قد احتج بها بعضهم لمذهب مالك في أن الصدقة لا يلزم الحالف بها في يمين، فلا يحكم بها كانت لمعين أو غير معين اختلافًا لمن رأى الحكم بذلك جملة، يريد لأن الذي عهد الله تعالى على الصدقة لم يحكم النبي ﷺ في ماله بشيء حين حنث. فهذا وجه الحجة وهو احتجاج ضعيف لما قدمناه من معنى الآية. وقال أبو الحسن: استدل به قوم على أن من حلف أن فعل كذا فعليه كذا فإنه يلزمه. وظاهره لا يدل عليه لأنه ليس بنذر.","vol":"3","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-478>(٨٠) - قوله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾:</span>\nقوله: ﴿استغفر لهم﴾ يحتمل أن يكون بمعنى الشرط إن تستغفر لهم أو لا تستغفر لهم فلن يغفر الله لهم، كقول الشاعر:\nأسيئي بنا أم أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت\nفلا تكون (أو) على هذا للتخيير ويكون معنى الكلام المنع من الاستغفار وإلى هذا ذهب الطبري ويحتمل أن يكون ذلك على التخيير لرسول الله ﷺ. ويعضد هذا قوله ﷺ لعمر وقد سمعه عمر يستغفر لهم فقال له: يا عمر إن الله خيرني فاخترت ولو علمت إني إذا زدت على السبعين يغفر لهم لزدت. فإذا كان على جهة الشرط فلا يكون منسوخًا وغذا كان على التخيير ففيه إباحة الاستغفار للمنافقين. وهذا منسوخ لأنه لا يجوز أن يستغفر لهم واختلفوا في الناسخ ما هو؟ فقيل قوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا﴾ [براءة: ٨٤].\nوقوله تعالى: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة﴾ يحتمل أن يكون جعل السبعين غاية الكثرة فضرب به المثل. والمعنى إن استغفرت لهم أبدًا فل يغفر الله لهم. فيكون في أول الآية إباحة الاستغفار إن لم يكن جاء على الشرط يوكن في آخرها قد أعلمه أن لا يغفر لهم وإن استغفر. ويحتمل أن يكون جعل السبعين حدًا للمرات التي استغفرها لهم لم تغفر ويبقى ما زاد على السبعين محتملًا أن يغفر به ومحتملًا أن لا يغفر به إلا أن دلالته إنما هي دلالة خطاب. وقد اختلف العلماء في القول به، ولمالك ما يدل على القولين. وقول النبي ﷺ: «لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر","vol":"3","page":187},{"text":"لهم لزدت» دليلًا على أنه لم يقل بدليل الخطاب لأنه لو قال بدليل الخطاب لكان عنده أن الزيادة على السبعين يغفرها. فإذا لم يقل بدليل خطاب الآية كان -أي الزيادة في الاستغفار على السبعين- يغفر له. وهذا أيضًا دليل إذا قيل به منسوخ. وروى جرير عن الضحاك عن ابن عباس أن النبي ﷺ لما نزل عليه: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ قال: «لأزيدن على السبعين». وهذا خلاف ما تقدم عنه وهو النبي ﷺ قول بدليل الخطاب فنسخه الله تعالى بقوله: ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر الله لهم لن يغفر الله لهم﴾ [المنافقون: ٦]. وكثير من العلماء لا يرى في هذه الآية نسخًا فيحملون أولها على الشرط ولا يقولون في آخرها بدليل الخطاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>(٨٤) - وقوله تعالى: ﴿لا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره﴾:</span>\nهذه الآية نزلت في شأن عبد الله بن أبي بن سلول حيث توفي. فروى أنس أن رسول الله ﷺ لما تقدم للصلاة عليه جاء جبريل ﵇ فجذب بثوبه فانصرف رسول الله ﷺ ولم يصل عليه ففي هذا أن رسول الله ﷺ لم يصل عليه. وقيل بل صلى عليه وأن الآية إنما نزلت بعد ذلك. وروي أن ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول جاء رسول الله صلى الله عليه وسلن بعد موت أبيه فرغب في أن يصلي عليه وفي أن يكسوه قميصه الذي يلي بدنه، وقيل إن ابن أبي قبل موته قد كان رغب لرسول الله ﷺ أن يستغفر له","vol":"3","page":188},{"text":"ويصلي عليه فأجابه. فلما جاء رسول الله ﷺ ليصلي عليه قام إليه عمر وقال يا رسول الله: أتصلي عليه وقد نهى الله تعالى عن الاستغفار لهم وجعل يعدد أفعال عبد الله. فقال له النبي ﷺ: «أخر عني يا عمر فإني خيرت ولو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت» وفي حديث آخر: «أن قميصي لا يغني عنه من الله شيئًا وأني لأرجو أن يسلم بفعلي هذا ألف رجل من قومي» كذا في بعض الروايات، يريد منافقي العرب، وفي بعض الروايات من قوله. فسكت عمر وصلى رسول الله ﷺ على عبد الله ثم نزلت هذه الآية بعد ذلك وصلى عليه النبي ﷺ إما لموضع إظهار الإيمان وإما لأنه لم يتحقق كفره ولو تحقق كفره لما صلى عليه. وجاء أنه تاب بهذه الفعلة من رسول الله ﷺ والرغبة في إسلام عبد الله ألف رجل من الخزرج. وجاءت أحاديث شتى تدل على أن رسول الله ﷺ لم يصل على عبد الله منها حديث جابر قال: أتى رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي بعدما دفن فأمر به فأخرج فوضعه بين ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه.\nواختلف في هذه الآية هل هي ناسخة أم لا؟ فقيل هب ناسخة لقوله تعالى: ﴿وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ [براءة: ١٠٣] وهذا قول فاسد لأن قوله: ﴿وصل عليهم في غير المنافقين، وهم الذين تابوا. وقوله: ﴿ولا تصل﴾ في المنافقين. وقيل هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم﴾ وقد تقدم الكلام على هذا. وقيل هي ناسخو لفعل النبي ﷺ، يريدون من الصلاة على عبد الله بن أبي. وقيل ليس بناسخ وإنما فيه إعلام بحكم ما، وعلى هذا يأتي قول من لم ير أن النبي ﷺ صلى على عبد الله ابن أبي. وقد اختلف في الصلاة على الجنائز هل هي سنة أو","vol":"3","page":189},{"text":"فرض كفاية على قولين. والأظهر أنه كفاية. قال بعضهم والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم﴾ يعني المنافقين. ودليل هذا وصل على غير المنافقين من المؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>(٩١) - وقوله تعالى بعد هذا: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾:</span>\nيحتج به في إسقاط الضمان على قاتل البهيمة الطائلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>(١٠٣) - قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾:</span>\nاختلف في هذه الآية هل هي في الصدقة المفروضة أم في صدقة التطوع؟ فذهب جماعة إلى أنها في صدقة التطوع ورووا أن أبا لبابة والجماعة التائبة معه -وهي المقصودة بقوله تعالى: ﴿خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا﴾ [براءة: ١٠٢]- جاءت رسول الله ﷺ لما تيب عليها فقالت يا رسول الله: إنا نريد أن نتصدق بأموالنا زيادة في توبتنا. فقال رسول الله ﷺ: «إني لا أعرض لأموالكم إلا بأمر الله تعالى». فتركهم حتى نزلت الآية. فروي أن رسول الله ﷺ أخذ ثلث أموالهم مراعة لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾. إلى هذا ذهب ابن عباس وغيره. وذهب جماعة إلى أنها في الصدقة المفروضة. وإذا قلنا بهذا فقوله: ﴿من أموالهم﴾ لفظ عام في الأموال المأخوذ منها الصدقة وفيمن تؤخذ منه الصدقة.\nوقوله تعالى: ﴿صدقة﴾ لفظ مجمل في القدر المأخوذ ما هو. فينبغي أن يبحث عن عموم الآية ما خص منه وما لم يخص. وعن مجملها بما فسر. أما الأموال فلا خلاف أنه يدخل تحت عمومها الحرث والماشية","vol":"3","page":190},{"text":"والعين. واختلف في سوى هذه من العروض على ثلاثة أقوال: أبو حنيفة يوجب فيها الصدقة على الإطلاق وداود يسقطها على الإطلاق، ومالك يوجبها على المدير على شروط معلومة من مذهبه. وحجة أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾. وحجة داود قوله ﵊: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» ففهم منه أن ذلك خارج عن تلك الأموال لا لعلة وحمل عليه سائر العروض وأما مالك رحمه الله تعالى فحمل الآية على عمومها من عروض التجارة والحرث فلذلك فرق بين المدير وغيره. وأما من تؤخذ منه الصدقة فالآية فيهم محمولة على عمومها، إلا أنه اختلف في الصبيان والمجانين. فمالك يوجب الزكاة في أموالهم على الإطلاق. وأبو حنيفة يسقطها عليهم إلا في الحرث. وابن شبرمة يسقطها إلا في الماشية، وقوم يسقطونها جملة. فحجة مالك عموم الآية وقوله ﵊: «أمرت أن آخذها من أغنيائهم» وغير ذلك من العموم. وبمثل هذا يحتج ابن شبرمة، إلا أن أبا حنيفة تناقض بإيجابه الزكاة في حرثها، وابن شبرمة بإيجابه الزكاة في ماشيتها. وحجة مالك ومن تابعه أظهر. واختلف أيضًا في العبيد. فعندنا أنه لا تجب زكاة في أموالهم، والشافعي في أحد قوليه وأصحاب الرأي وسفيان يرون الزكاة في أموالهم","vol":"3","page":191},{"text":"وأن السيد يخرجها. وأبو ثور يرى مثل ذلك إن كان المملوك مسلمًا، وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه يريان في ماشيتهم خاصة الصدقة يخرجها السيد.\nوحجة مالك ومن تابعه قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ دل على أنه لم يرد العبد إذ لا يصح أن يقال في مال العبد أنه ماله على الإطلاق إذ لا يجوز له ما يجوز لرب المال في ماله من الهبة والصدقة وما أشبه ذلك بإجماع، وإنما هو ماله على صفة. فإطلاقه ذلك اللفظ دل على أن العبيد لم يدخلوا في عموم المأخوذ منهم. ومن رأى الزكاة في أموالهم رأى عموم الآية منسحبًا عليهم، وما سوى هذين القولين ضعيف. وأما الصدقة التي جاءت مجملة في القرآن فقد بين النبي ﷺ ما المراد بذلك الإجمال. أما في العين فجعل النصاب المأخوذ منه ربع العشر في الورق مائتي درهم وفي الذهب عشرين دينارًا على ما ذكرنا فيما تقدم من أنه قد روي ذلك عنه. وفي الحرث خمسة أوسق وفي الماشية خمس ذود من الإبل وفيها شاة وأربعين شاة من الغنم يؤخذ منها واحدة. وفي ثلاثين من البقر يؤخذ منها تبيع. وفي أربعين مسنة، على خلاف في هذا كله وهو محتاج إلى تفسير واستقصاء طويل ليس هذا الكتاب بموضع له.\nوقوله تعالى: ﴿تطهرهم وتزكيهم بها﴾ يحتمل أن يكون النبي ﷺ هو المخاطب بذلك فيكون الضمير له. ويحتمل أن يكون الضمير في ﴿تطهرهم﴾ عائدًا على الصدقة ويكون ﴿وتزكيهم﴾ مسندًا إلى النبي ﷺ.","vol":"3","page":192},{"text":"وهذا يدل على أنه لا يجوز أن تؤخذ زكاة من كافر لأن التطهير والتزكية لا تصح في الكفار.\nقوله تعالى: ﴿وصل عليهم ...﴾ معناه ادع لهم فإن في دعائك لهم سكونًا لأنفسهم. وقيل أراد الصلاة المعلومة صلاة الجنائز وقد تقدم قول من زعم أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا﴾ [براءة: ٨٤] وبينا فساده. والذين قالوا إن معنى الآية الدعاء، قالوا كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: «اللهم صل على آل فلان» بسبب هذه الآية. قال ابن أبي أوفى فأتاه أبي بصدقته فقال: «اللهم صل على آل أبي أوفى».\nواختلف الناس بحسب هذا هل يجب على الإمام إذا أوتي بالصدقة أن يدعو أم لا؟ فذهب أهل الظاهر إلى وجوب ذلك أخذًا بظاهر القرآن والحديث المذكور. ولم يوجبه الجمهور، وقال ابن القصار: قول الجماعة أولى.\nوقوله تعالى: ﴿وصل عليهم﴾ معناه إذا ماتوا. وهكذا يقتضي إطلاق الصلاة في الشريعة ولو ثبت أنه أراد الدعاء لكان خصوصًا للنبي ﷺ بقوله تعالى: ﴿إن صلاتك سكن لهم﴾ ولا نعلم هذا في غير النبي ﷺ. ويجوز أن يحمل الأمر على الندب. وبهذه الآية احتج مانع الزكاة على أبي","vol":"3","page":193},{"text":"بكر بقوله تعالى: ﴿إن صلاتك سكن لهم﴾ فقالوا: لم تكن الزكاة إلا مع صلاة النبي ﷺ التي كانت سكنًا، وصلاة غيره ليست كذلك فلا تجب الزكاة علينا. واختلف في الصلاة على غير النبي ﷺ هل يجوز أن يقال صلى الله على فلان؟ فلم يجزه قوم وذكر ابن عباس، وأجازه الجمهور وحجة إجازتهم الآية والحديث المتقدم. واختلف هل يجب دفع الزكاة في الأموال الظاهرة كالحرث والماشية إلى الإمام أم لا؟ ففي مذهب مالك أنه يجب، وإن فرقها المالك دون الإمام ضمن. وذهب الشافعي في قوله الجديد إلى أن رب المال مخير بين أن يفرقها بنفسه أو يدفعها إلى الإمام فيفرقها. ودليل قول مالك وأصحابه قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>(١٠٨) - قوله تعالى: ﴿لا تقم فيه أبدًا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾:</span>\nاختلف في الضمير في ﴿فيه رجال﴾ على من يعود، وفي الرجال. فقيل الضمير عائد على مسجد رسول الله ﷺ، والرجال جماعة من الأنصار. وروي أن رسول الله ﷺ قال لهم: «يا معشر الأنصار إني رأيت الله تعالى أثنى عليكم بالطهور فماذا تفعلون؟» قالوا يا رسول الله إنا رأينا جيراننا من اليهود يتطهرون بالماء ففعلنا نحن كذلك فلما جاء الإسلام لم ندعه. فقال رسول الله ﷺ: «فلا تدعوه أبدًا» يريدون بالتطهير الاستنجاء. وقيل الضمير عائد على مسجد قباء، والمراد بنو عمرو بن عوف. وروي أن","vol":"3","page":194},{"text":"رسول الله ﷺ قال لهم تلك المقالة لهم، وكنى الله تعالى في هذه الآية على الاستنجاء بالتطهر. ففي الآية دليل صحيح على إجازة الاستنجاء بالماء، وهي مسألة قد اختلف أهل العلم فيها. فلم ير قوم منهم الاستنجاء بالماء ورأوه بالأحجار منهم حذيفة وسعد بن مالك والزبير وقال: لعن الله غاسل أسته. وقال ابن المسيب: هل يفعل ذلك إلا النساء. وكان الحسن البصري لا يغسل بالماء. وقال عطاء غسل الدبر محدث. ولم يجز ابن حبيب الاستنجاء إلا بالماء فأما بالأحجار مع وجود الماء فلا وهو قول شذ فيه. أجاز الجمهور الاستنجاء بهما جميعًا، أجازه بالماء للآية المتقدمة والحديث، وأجازوه بالأحجار للحديث وهذا القول أحسنهما، والقول الأول مردود بالآية، والثاني مردود بالحديث، إلا أنهم اختلفوا في الأفضل على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه الماء. والثاني: أنه الأحجار. والثالث: الجمع بينهما. فالأحجار لإزالة غير النجاسة والماء لإزالة أثرها. والحجة للقول بتفضيل الماء وهو الذي عليه أكثر المذاهب أن الله تعالى قد ذكر استنجاءهم بالماء ثم قال: ﴿والله يحب المطهرين﴾ أي يجب ذلك ما أوجب الله تعالى فهو الأفضل. وقد جاء عن النبي ﷺ ليلة الجن، والجن يستفتونه على الاستنجاء، فقال ثلاثة أحجار، قالوا وكيف بالماء. قال هو أطهر","vol":"3","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-483>(١١٣) - (١١٤) - قوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ إلى قوله: ﴿فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾:</span>\nاختلف في الاستغفار ما المراد به في قوله تعالى: ﴿أن يستغفروا للمشركين﴾ فقيل الصلاة، وهو قول عطاء. وقيل هو الدعاء بالمغفرة وهو قول الجمهور. والذين ذهبوا إلى هذا اتفقوا أن من ليس من إيمانه من الكفر كمن مات منهم، ومن نصر الله تعالى عليه من إحيائهم بأنه لا يؤمن كأبي لهب داخل تحت هذه الآية فلا يجوز الاستغفار له. واختلف في الحي من الكفار لا يقطع بأنه لا يؤمن هل هو داخل تحت عموم الآية فلا يجوز الاستغفار له أو ليس بداخل تحت العموم فيجوز الاستغفار له على قولين. واختلف في سبب الآية. فقيل نزلت في قصة أبي طالب حين احتضر دخل عليه النبي ﷺ فوعظه وقال: «يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها يوم القيامة»، وبالحضرة أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية. فقالا له: يا أبا طالب: أترغب عن ملة عبد المطلب. فقال أبو طالب والله يا محمد، والله لولا أني أخاف أن يعير بها ولدي من بعدي لأقررت بها عينك. ثم قال: أنا على ملة عبد المطلب. ومات على ذلك إذ لم يسمع النبي ﷺ ما قال العباس فنزلت: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي مكن يشاء﴾ [القصص: ٥٦] فقال النبي ﷺ: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك». فكان يستغفر له","vol":"3","page":196},{"text":"حتى نزلت هذه الآية فترك الاستغفار له. وروي أن المؤمنين لما رأوا رسول الله ﷺ يستغفر لأبي طالب جعلوا يستغفرون لموتاهن فلذلك دخلوا في التأنيث والنهي. وقيل نزلت الآية بسبب قول رسول الله ﷺ في المنافقين: «لأزيدن على السبعين»، وعلى هذين القولين في السبب يترتب القولان في الذي نسخته هذه الآية، وذلك أنه قيل إنها ناسخة لفعل النبي صلى الله عليه وسلن في الاستغفار لأبي طالب. وقيل بل هي ناسخة لقوله ﵊: «لأزيدن على السبعين» ومن يرى الاستغفار لأحياء المشركين الذين لم يؤس منهم يقول بالأول، ومن لا يرى ذلك يقول بالقول الثاني. وقيل نزلت بسبب أن رسول الله ﷺ لما فتح مكة أتى قبر أمه آمنة فوقف عليها حتى استحرت عليه الشمس وجعل يرغب في أن يؤذن له في الاستغفار، فنزلت الآية ولم يؤذن له، فما رؤي باكيًا أكثر من يومئذ. وقيل نزلت الآية بسبب جماعة من المؤمنين قالوا استغفر لموتانا كما استغفر إبراهيم لأبيه، فنزلت الآية. وعلى هذين القولين في السبب يترتب القول في الآية أنها ليست ناسخة.\nوقوله تعالى: ﴿من بعد ما تبين له أنهم أصحاب الجحيم﴾.\nدليل قوي لمن يجيز الاستغفار لأحياء المشركين الذين لم يؤس من إيمانهم، ومن هذا قول أبي هريرة رحم الله رجلًا استغفر لأبي هريرة وأمه، قيل له ولأبيه، قال لأن أبي مات كافرًا.","vol":"3","page":197},{"text":"قوله تعالى: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه﴾:\nالمعنى ليس في استغفار إبراهيم لأبيه حجة أيها المؤمنون لأن استغفاره له إنما كان عن موعدة. واختلف هل كان هذا بعد أو لم يكن. وإنما يكون يوم القيامة، وقال سعيد بن جبير ذلك كله يوم القيامة وذلك أن إبراهيم يلقاه فيعرفه يتذكر قوله: ﴿سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيًا﴾ [مريم: ٤٧] فيقول له الزم حقوي ولن أدعك اليوم لشيء فيلزمه حتى يأتي الصراط فيلتفت إليه فإذا هو قد مسخ ضبعانًا أمردًا فيتبرأ منه حينئذ وهذا قول ضعيف. وذهب الجمهور إلى خلاف هذا وأنه قد كان هذا كله فيما مضى. واختلفوا في هذه الموعدة ما هي، فقيل هي موعدة من إبراهيم ﵇ لأبيه بأن يستغفر له وذلك لقوله تعالى: ﴿سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيًا﴾ [مريم: ٤٧] وقيل هي موعدة من إبراهيم ﵇ لأبيه بأن سيؤمن فكان إبراهيم قد قوي طمعه في إيمانه فحمله ذلك على الاستغفار له حتى نهي عنه بما تبين له منه. واختلف في تبيينه بأنه عدو لله بما كان، فقيل ذلك بموت آزر على الكفر، وقيل ذلك بأنه نهي عنه وهو حي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>(١١٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾:</span>\nهذه الآية متضمنة الأمر بالصدق، إلا أنه قد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أ، يقول خيرًا» وفي حديث آخر أنه لم يرخص في الكذب إلا في ثلاث: كان يقول: «لا أعدهن كذبًا: الرجل يصلح بين الناس فيقول قولًا يريد به الصلاح، والرجل يكذب إلى","vol":"3","page":198},{"text":"زوجته، والمرأة تحدث زوجها والرجل يتقول في الحرب» واختلف الناس في هذا فأجازت طائفة منهم الكذب وحجتم في هذا القول الحديث ويتأول الآية في الموضع الذي يجب فيه الصدق. ولم تجز طائفة الكذب تصريحًا ولا تعريضًا في جد ولا لعب وهو قول إبراهيم النخعي وابن مسعود. واحتج ابن مسعود لذلك بهذه الآية: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾ وأجازته طائفة تعريضًا ولم تجزه تصريحًا وهو قول الجمهور وحجة الطبري. فأما ما وفى به الرجل دمه من الكذب فلا خلاف في جوازه، قال أبو الحسن: وفي هذه الآية دلالة على التأمل في الأول وان لا يتبع منها إلا ما دلت الدلالة عليه وبان صدقه. فأما أن يأخذ تقليدًا دون أن يعلم صدقه فلا. وليس فيه دلالة على رد أخبار الآحاد والظنون لأنها لا تقبل عندنا إلا إذا دل الدليل القاطع على وجوب اتباعها والعمل بها، والدليل الذي يوجب العمل بها معلوم صدقه حقيقة، فيكون الاتباع للصادق تحقيقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>(١٢٠) - قوله تعالى: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه﴾:</span>\nاختلف فيما تقتضيه هذه الآية من عموم النفير مع رسول الله ﷺ هل هو محكم أو منسوخ؟ فذهب جماعة إلى أنه كان ذلك خاصًا برسول الله ﷺ وأما اليوم فلا يلزم ذلك، وهو قول قتادة. وقيل بل كان النفير واجبًا على الأمة كلهم لضعف الإسلام ثم نسخ ذلك لقوة الإسلام بقوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ [براءة: ١٢٢] قوله","vol":"3","page":199},{"text":"تعالى: ﴿ولا يطئون موطئًا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلًا﴾.\nلفظ عام في كل ما يصنع مما يؤذيهم. واختلف في الزنا بنساء أهل الحرب فل يجزه الجمهور لعموم الظواهر الواردة في ذلك من القرآن والسنة واجازه أبو حنيفة ومحمد، وبعض الناس يحتج لذلك بهذه الآية: ﴿ولا ينالون من عدو نيلًا﴾ إلى كتب لهم به عمل صالح، وهو احتجاج ضعيف. وقال أبو الحسن: استدل قوم بهذه الآية على أن وطأ ديارهم إذا جعل بمثابة النيل منهم والأخذ لأموالهم والقتل لهم والأسر فإن الفارس يستحق سهم الفرس بدخول أرض الحرب لانحيازه الغنيمة وذلك أن وطأ ديارهم يدخل الذل عليهم كما تدخله تلك الأشياء ولذلك قال علي رضي الله تعالى عنه: ما وطئ قوم في عقر ديارهم إلا ذلوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>(١٢٢)، (١٢٣) - قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ إلى قوله: ﴿وليجدوا فيكم غلظة﴾:</span>\nاختلف في سبب الآية، فقيل سببها إن المؤمنين الذين كانوا بالوادي سكانًا ومبعوثين لتعليم الشرع لما سمعوا قوله تعالى: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب﴾ [براءة: ١٢٠] أهمهم ذلك فنفروا إلى المدينة إلى رسول الله ﷺ فنزلت.\nوقيل سببها إنه لما نزلت الآية في المتخلفين قالوا: هلك أهل البوادي. فنزلت هذه الآية مقيمة لعذرهم. والآية على هذين القولين مخصصة لعموم الآية التي قبلها، وقيل هذه الآية مختصة بالبعوث والسرايا نزلت فيهم والآية المتقدمة ثابتة الحكم مع خروج رسول الله ﷺ، وهذه ثابتة الحكم مع تخلفه أي إذا تخلف أن لا ينفر الناس كافة فيبقى","vol":"3","page":200},{"text":"هو منفردًا. وإنما ينبغي أن تنفر وتبقى هذه الطائفة في الدين وينذروا النافرين إذا رجع النافرون إليهم، وإلى نحو هذا ذهب ابن عباس. وقال الحسن لتتفقه الطائفة النافرة ثم تنذر إذا رجعت إلى قومها المتخلفة، قال وهذا التأويل أشبه بظاهر الآية وقيل ليست الآية في معنى الغزو وإنما سببها أن قبائل من العرب -لما دعا رسول الله ﷺ على مضر بالسنين- أصابتهم مجاعة شديدة فنفروا إلى المدينة لمعنى المعاش فكادوا أن يفسدوها. وكان أكثرهم غير صحيح الإيمان وإنما أضر بهم الجوع فنزلت الآية في ذلك. والآية على هذين القولين في غير معنى الآية المتقدمة، فالآية غير ناسخة على ما ذكرنا من الأقوال في سببها، وإلى هذا ذهب الأكثر. وذهب قوم إلى أنها ناسخة لكل ما ورد من إلزام الكافة النفير. وقد استدل قوم بهذه الآية على وجوب العمل بخبر الواحد. قالوا والطائفة نفر يسير كالثلاثة. قال بعضهم ويقع على الواحد. قالوا ولا يحصل العلم بخبر هؤلاء وقد أخبر الله تعالى أنهم ينذرون قومهم، وفي ضمن ذلك قبول إيجاب إنزالهم. وخالفهم غيرهم في ذلك من القدرية ومن تابعهم من أهل الظاهر ورأوا تحريم العمل به واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٣٦] وبغير ذلك مما لا تثبت به حجة. وأنكره أيضًا قوم ولم يروا في الشرع دليلًا على تحريمه ولا على وجوبه. وضعف من أنكر العمل بخبر الواحد الاستدلال بالآية التي ذكرنا بأن قالوا هذا إن كان قاطعًا فهو في وجوب الإنذار لا في وجوب العمل على النذر عند اتحاد المنذر إلى غير ذلك من","vol":"3","page":201},{"text":"التأويلات الضعيفة. والقول بوجوب العمل به وهو الذي عليه جماهير العلماء وأهل السنة، والحجة على إثباته من الكتاب والسنة والإجماع واضحة، وفي جلبها طول فلذلك نعرض عنها إذ قد بسط ذلك كله غيرنا. واستدل بعضهم بهذه الآية على اشتراط العدد في الراوي. فقال لا يقبل الحديث من أقل من ثلاثة لأن الطائفة أقلها ثلاثة، ومنهم من اشترط اثنين ومنهم من اشترط أربعة. وفي هذه الآية أيضًا دليل على أنه يجب على العام قبول الواحد من أهل العلم وتقليده. وانظر كم عدد الطائفة التي تنفر. وقد قال تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ [النور: ٢] واختلف في قدرها. وقال ﵊: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ...» وهل يراد بها عدد التواتر أم لا؟ وقد اختلف في ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿ولينذروا قومهم﴾ يفيد مكا بلغوا عن الرسول وما يفتون به من اجتهادهم خلافًا لمن لم ير للعام التقليد وألزمه النظر. وفي هذه الآية أيضًا دلالة على وجوب طلب العلم وأنه من فروض الكفاية في بعض وفرض عين في بعض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>(١٢٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾:</span>\nاختلف فيها، فقيل نزلت قبل الأمر بقتال الكفار كافة فهي من التدريج الذي كان في أول الإسلام. ويضعف هذا القول بأن الآية من آخر ما نزل. وقيل كان النبي ﷺ لا يجاوز قومًا من الكفار غازيًا لقوم أبعد منهم، فأمر الله تعالى بغزو الأدنى فالأدنى إلى المدينة. وقيل الآية مبينة صور القتال كافة وهي مترتبة مع الأمر بقتال الكفار كافة. واختلف في الإشارة: بالذين يلونكم، إلى من هي؟ فقيل نزلت الآية مشيرة إلى قتال الروم بالشام","vol":"3","page":202},{"text":"لأنهم كانوا يومئذ العدو الذي يلي إذا كانت العرب قد عمها الإسلام، والعراق بعيدة. ثم لما اتسع الإسلام توجه الفرض في قتال الفرس والديلم وغيرهما من الأمم. وقيل المراد بهذه الآية وقت نزولها العرب فلما فرغ منه نزلت في الروم وغيرهم. قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. وبعد هذه الآيات ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم استدل به ابن عباس على أنه لا يجوز أن يقال انصرفنا من الصلاة وإنما يقال قضينا الصلاة.","vol":"3","page":203},{"text":"سورة يونس ﵇\nاخلتف فيها فقيل: مكية كلها. وقال مقاتل هي مكية إلى آيتين وهي قوله تعالى: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك﴾ [يونس: ٩٤] نزلت بالمدينة. وقال الكلبي هي مكية إلا قوله تعالى: ﴿ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به﴾ [يونس: ٤٠] نزلت في اليهود بالمدينة وقال قوم نزل من أولها نحو أربعين بمكة ونزل سائر السورة بالمدينة، وفيها مواضع من النسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>(٤١) - قوله تعالى: ﴿وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم﴾:</span>\nاختلف فيها هل هي منسوخة أو محكمة؟ فقال جماعة -منهم ابن زيد- هي منسوخة بآيات القتال وقال جماعة هي محكمة، واختلفوا في تأويلها. فقال بعضهم المعنى عندي: فلي ثواب عملي ولكم ثواب","vol":"3","page":204},{"text":"عملكم. وقال بعضهم هو إعلام من الله تعالى لأنهم لا يؤمنون أبدًا. والمعنى: لي عملي المكتوب في اللوح المحفوظ ولكم عملكم المكتوب فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>(١٠٨) - (١٠٩) - قوله تعالى: ﴿وما أنا عليكم بوكيل﴾ وقوله: ﴿واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين﴾:</span>\nاختلف هل هما منسوختان أو محكمتان؟ فذهب جماعة -منهم ابن زيد- إلى أنهما منسوختان بالقتال. وذهب غيره إلى أنهما محكمتان وأن النبي ﷺ ليس بوكيل على مراقبة أسرارهم ونحو ذلك، وإذا لم يزل مأمورًا بالصبر على ما يلحقه من الأذى والشدائد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>(١٥) - قوله تعالى: ﴿قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله﴾:</span>\nيستدل به من منع نسخ الكتاب بالسنة لأنه تعالى قال: ﴿قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي﴾ [يونس: ١٥] وهذا بعيد لأن الآية إنما وردت في طلب المشركين مثل القرآن نظمًا، ولم يكن الرسول ﷺ قادرًا على ذلك، ولم يسألوه تبدل الحكم دون اللفظ. وأيضًا فإن الذي يقوله الرسول ﷺ إذا كان وحيًا لم يكن من تلقاء نفسه بل كان من تلقاء الله ﷿.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>(٥٩) - وقوله تعالى: ﴿قل أرأيتم ما أنزل الله إليكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالًا قل آلله أذن لكم﴾:</span>\nيستدل بها نفاة القياس. وهذا بعيد، فإن القياس دليل الله تعالى فيكون التحليل والتحريم من الله تعالى حد من وجود دلالة نصها الله تعالى","vol":"3","page":205},{"text":"على الحكم. فإن خالفوا في كون القياس دليلًا لله تعالى فهو خروج عن الغرض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>(٨٧) - وقوله تعالى: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾:</span>\nقال ابن عباس: كانوا خائفين من الظهور فأمروا أن يجعلوا بيوتهم قبلة فيصلوا في بيوتهم. وفيه دليل على أن الصلاة في المساجد أفضل إلا لعذر.","vol":"3","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-493>سورة هود ﵇</span>\nاختلف فيها، فقيل هي مكية كلها، وقيل هي مكية إلا قوله تعالى: ﴿فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به﴾ [هود: ١٢] وقوله تعالى: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ [هود: ١٧] نزلت في ابن سلام وأصحابه، وقوله: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤] نزلت في شأن الثمار، فهذه الثلاث مدنية، قاله مقاتل. وفيها مواضع من الأحكام والناسخ والمنسوخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>(١٥) - قوله تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها﴾:</span>\nاختلف فيها هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب الأكثر إلى أنها محكمة وأنها عامة يراد بها الخصوص، فيكون التقدير نوفي إليهم أعمالهم فيها إن شئنا ونحو ذلك وذهب جماعة إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا فيها ما نشاء لمن نريد﴾ [الإسراء: ١٨] والقول بالنسخ ضعيف جدًا. فإن إرادة الله تعالى لا يخلو عنها شيء.","vol":"3","page":207},{"text":"واختلف فيمن هي الآية، فقيل هي في الكفرة خاصة وليست على عمومها، وهذا قول قتادة والضحاك. وقيل هي في الكفرة وأهل الرياء من المؤمنين، وهو قول مجاهد، وإليه ذهب معاوية حين حدثه سيافه شفي بن نافع الاصبحي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال في الرجل المتصدق والمجاهد والمقتول والقائم بالقرآن ليله ونهاره رياء أنهم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة. فلما حدثه شفي بهذا بكى معاوية وقال: صدق الله ورسوله، وتلا: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا﴾ ومعنى هذه الآية راجع إلى قوله ﵊: «إنما الأعمال بالنيات». ويدل أيضًا على أن من توضأ تبردًا أو تنظفًا لا يجزئ أن يصلي به. وفي هذا كله اختلاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>(٤٥) - وقوله تعالى: ﴿ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي﴾:</span>\nفسمى ابنه من أهله وهذا يدل على أن من أوصى لأهله دخل تحته ابنه ومن يضمه منزله وهو من عياله وقال تعالى: ﴿ونجيناه وأهله","vol":"3","page":208},{"text":"من الكرب العظيم﴾ [الصافات: ٧٦] فسمى جميع من ضمه منزله أهله. وقوله ﵇: «إن ابني من أهلي الذين وعدتني أن تنجيهم، فأخبر الله أنه ليس من أهله الذين وعد أن ينجيهم». وقد قيل لم يكن ابنه حقيقة وظاهر القرآن يدل على خلافه. وفيه دليل أن حكم الاتفاق في الدين أقوى من النسب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>(٦٥) - قوله تعالى: ﴿فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب﴾:</span>\nقاس بعض الناس على هذا التلوم للمحكوم عليه. فرأى أن يضرب له الأجل ثلاثة أيام في التلوم. وكذلك قاس بعضهم عليه الرجل في غرم الثمن في الشفعة ولم ير بعضهم هذا القياس صحيحًا لأن هذه الثلاثة الأيام التي ضربها الله تعالى في الآية توقيف على الخزي وتنكيل لهم، وما يضرب في التلوم والشفعة إنما هو على طريق التوسع والرفق فافترق الحكمان فلا يصح القياس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>(٨٧) - قوله تعالى: ﴿قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾:</span>\nاختلف في قوله تعالى: أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾ فقيل بخس الكيل والميزان الذي تقدم ذكره في السورة وقيل هو تبديل السكك التي يقصد بها أكل أموال الناس. وقيل هو منعهم الزكاة، وقيل هو قطعهم الدنانير والدراهم، وهذه مسألة اختلف فيها فلم يجز قطعها جملة قوم وهو أحد قولي مالك، ولم يجز قوم قطع الصحاح منها خاصة. فأما","vol":"3","page":209},{"text":"المقطوع فأجازوا قطعها وهو أحد قولي مالك ولم يجز قوم قطعها إلا عند الحاجة إليها كقطع الثياب. حكي بعضهم هذا على أنه للمذهب. وأجاز قوم قطعها جملة، واحتج بعضهم من لم يجز القطع بالآية المذكورة وما جاء عنه ﵊ من النهي عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم والسكة الدراهم المضروبة، وأصلها الحديدة التي تطبع عليها الدراهم فسميت الدراهم بها لأنها ضربت بها. واختلف في الذين لم يجيزوا القطع في وجه ذلك، فقيل لما في الدراهم والدينار من ذكر الله فكره قرضها لذلك، وإليه ذهب أحمد بن حنبل. قال أبو داود: قلت لأحمد معي درهم صحيح وقد حضر سائل أأكسره؟ قال: لا. وقيل بل المعنى فيه كراهية التدنيق وذمه. وكان الحسن يقول لعن الله الدانق. وأول من أحدث الدانق فلان، ما كانت العرب تفعله ولا أبناء الفرس. وقيل إنما لم يجز لأنه يضع من قيمته وقد نهى عن إضاعة المال. والذين أجازوا القطع تأولوا الآية على غير ذلك أو تأولوها عليه ولم يروها لهم لازمة لأنها إنما جازت في شرع غيرنا، وتأولوا حديث النبي ﷺ فقال بعضهم: إنما نهى عن كسره على أن يعاد تبرًا، فأما أن يرصده لنفقته فلا، وإلى هذا ذهب محمد بن عبد الله الأنصاري قاضي البصرة وقال بعضهم إن","vol":"3","page":210},{"text":"المغابنة كانت تجري بها في صدر الإسلام عددًا لا ورقًا. وكان بعضهم يكسرها ويأخذ أطرافها قرضًا بالمقراض وكان ذلك سبب النهي، فرجع هذا القول إلى أنه إنما نهى عن ذلك خوف التدليس، فإذا أمن أجاز. ولا خلاف أنه إذا دلس به لم يجز قطعه. وقد روي مثل هذا في قصة الآية. وقال بعضهم قد يكون ذلك أيضًا بأن يكسره فيتخذ منه أواني وزخر ونحوها فلذلك نهى عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>(١١٣) - (١١٥) - قوله تعالى: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾ إلى قوله: ﴿فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾:</span>\nقد يمكن أن يستدل بهذه الآية في المنع من الاستعانة بالمشركين في الحرب وفي معونة بعضهم على بعض. وقد تقدم الكلام في هذا. ويمكن أيضًا أن يستدل به في منع استعمال الكفار في مصالح المسلمين مثل أن يكونوا كتابًا أو قسامًا أو نحو ذلك. وقد منعه مالك رحمه الله تعالى. ومثل أن يكون شريكًا أو وكيلًا على بيع أو شراء ونحو ذلك. وقد كرهه مالك أيضًا. ويستدل به أيضًا على النهي عن مجالسة الظلمة ومؤانستهم والإنصات إليهم وهذا مثل قوله تعالى: ﴿فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ [الأنعام: ٦٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>(١١٤) - قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة﴾</span>. لم يختلف أحد بأنه يراد بالصلاة هنا الصلاة المفروضة. واختلف في صلاة طرفي النهار والزلف من الليل ما هي؟ فقيل الطرف الأول الصبح والثاني الظهر والعصر والزلف المغرب والعشاء، قاله مجاهد وروي عن النبي ﷺ أنه قال في المغرب","vol":"3","page":211},{"text":"والعشاء هما زلفتا الليل. وقيل الطرف الأول الصبح والثاني العصر والزلف المغرب والعشاء وليست الظهر المذكورة في الآية على هذا القول، وإلى نحو هذا ذهب الحسن وغيره. وقيل الطرف الأول الصبح والثاني المغرب والزلف العشاء وليس الظهر والعصر في الآية، وإليه ذهب ابن عباس وروي عن الحسن أيضًا. وقيل الطرف الأول الظهر والثاني العصر والزلف المغرب والعشاء والصبح. ورجح الطبري أن الطرفين الصبح والمغرب، وهو الظاهر من الآية ورجح بعضهم القول الأول وقال حمل الآية على الصلوات الخمس أولى.\nوقوله: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾:\nاختلف في الحسنات ما هي؟ فذهب الجمهور إلى أن الحسنات يراد بها الصلوات الخمس، وإلى هذا ذهب عثمان في الآية عند وضوئه على المقاعد وهو الذي تأول ذلك وقيل الحسنات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. والأظهر أن يحمل لفظ الحسنات على عمومه. وأما السيئات فلا خلاف أنه لفظ عام يراد به الخصوص لأن الحسنات لن تذهب كل السيئات وإنما يذهب منها صغائرها كما روي أن","vol":"3","page":212},{"text":"رسول الله ﷺ قال: «الجمعة إلى الجمعة والصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما إن اجتنبت الكبائر». فهذا يبين أن الكبائر لا تذهبها الحسنات. إلا أنه اختلف هل تذهب الحسنات الصغائر أم لا وإن ارتكب معها كبائر أم أنها تذهبها وإن كانت معها كبائر. فأما الحديث فظاهره القول الآخر، إلا أنه ينبغي أن يتأول على مثل ظاهر الآية، والتأويل فيه سائغ أي كفارة لما بينهما من كل ما عدا الكبائر فإنها إن كان بينها كبائر لم تكن بعد كفارة لا بينها على الإطلاق وإنما هي كفارة على الخصوص، فهذا يكون معنى التغيير، وهذا القول أحسن، وهذا كله بشرط المتاب من الصغائر وأن لا يصر عليها. واختلف في سبب هذه الآية: ﴿إن الحسنات﴾ فقيل نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو اليسر بن عمرو ويقال اسمه عباد خلا بامرأة فقبلها وتلذذ بها دون الجماع ثم جاء إلى عمر فشكا إليه فقال: قد ستر الله عليك فاستر على نفسك. فقلق الرجل فجاء أبا بكر فقال له مثل مقالة عمر فقلق الرجل. فأتى رسول الله ﷺ فصلى معه ثم أخبره وقال له اقض فيّ ما شئت. فقال له رسول الله ﷺ: «لعلها زوجة غاز في سبيل الله». قال: نعم. فوبخه وقال ما أدري فنزلت هذه الآية، فدعاه رسول الله ﷺ فتلاها عليه، فقال معاذ بن جبل: أله يا","vol":"3","page":213},{"text":"رسول الله خاصة؟ فقال بل للناس عامة. وقيل بل نزلت قبل ذلك واستعملها رسول الله ﷺ في ذلك الرجل، وروي أن عمر قال ما حكي عن معاذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>(١١٥) - وقوله تعالى: ﴿واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾:</span>\nيحتمل أن يقال هي آية موادعة منسوخة بالقتال. وكذلك قوله تعالى في آخر السورة: ﴿وقل للذين لا يؤمنون اعملوا عل مكانتهم إنا عاملون * وانتظروا إنا منتظرون﴾ [هود: ١٢١، ١٢٢].","vol":"3","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-501>سورة يوسف ﵇</span>\nهي مكية واختلف في سبب نزولها. فقيل إن اليهود سألوا رسول الله ﷺ عن قصة يوسف فنزلت. وقيل إن اليهود أمروا كفار مكة أن يسألوا رسول الله ﷺ عن السبب الذي أحل بني إسرائيل بمصر. وقيل سبب نزولها تسلية رسول الله ﷺ عما يفعله به قومه. ولم يتكرر من هذه السورة شيء في القرآن كما تكرر قصص الأنبياء وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>(٤) - قوله تعالى: ﴿والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾:</span>\nقال جماعة من المفسرين: القمر تأويله الأب والشمس تأويلها الأم فاستقرأ بعض الناس من تقديمها وجوب بر الأم وزيادته على بر الأب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>(١٨) - قوله تعالى: ﴿وجاءوا على قميصه بدم كذب﴾:</span>\nروي أن إخوة يوسف لما أتوا بقميص يوسف إلى أبيهم يعقوب تأمله فلم ير خرقًا ولا أثر ناب، فاستدل بذلك على كذبهم وقال لهم: متى","vol":"3","page":215},{"text":"كان الذئب حليمًا يأكل يوسف ولا يخرق قميصه. واحتج الفقهاء بهذا في أعمال الأمارات في مسائل كالقسامة بها في قول مالك، إلى غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>(١٩) - قوله تعالى: ﴿وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم﴾:</span>\nقاس بعض المفسرين على هذه الآية أحكام اللقيط. وقد اختلف فيه. فقال قوم هو عبد لمن التقطه وقال الجمهور هو حر وولاؤه للمسلمين. وقال قوم هو حر وولاؤه للملتقط. والصواب ما قاله الجمهور لأن الأصل في الناس الحرية لأنهم من آدم وحواء. وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: المنبوذ حر. وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: اللقيط حر، وتلا قوله تعالى: ﴿وشروه بثمن بخس دراهم﴾ [يوسف: ٢٠]. وموضع الحجة من الآية أنه لو كان عبدًا لمن التقطه ما احتاجوا إلى شرائه وهذا بين. وإن صح أن اللقيط لا ينتقل عن أصل الحرية بالتقاطه فكذلك اللقطة لا تكون ملكًا لمن التقطها، ولا يحل له أكلها بعد التعريف خلافًا لداود في قوله أنه إذا أكلها ملتقطها","vol":"3","page":216},{"text":"بعد الحول لم يضمنها، وخلافًا في قوله يجوز له أكلها ويضمنها لصاحبها. ويؤخذ من هذه الآية أيضًا أن اللقيط يؤخذ ولا يترك. واختلف في اللقطة هل تؤخذ أو تترك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>(٢٦) - قوله تعالى: ﴿وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه﴾:</span>\nيحتج بها من يرى الحكم من العلماء بالأمارات والعلامات فيما لا تحضره البينات كاللقطة واختلف في الوديعة والسرقة وشبههما هل تقبل فيها الصفة أم لا إذا جهل صاحبها؟ ومن هذا النوع إرخاء الستر وشهادة الصبيان في الجراح وذلك دليل لا شهادة. ومن ذلك معاقد الحيطان والنظر إليها عند الاختلاف، ووضع الخشب في الحائط ونحو ذلك.\nومن ذلك أن يكون عقد الدين بيد المدين محوًا فيكون القول قوله إنه أدى الدين. ومن ذلك دعوى المرأة الاستكراه وهي متعلقة بالمدعى عليه ومراعاة التعلق به. ومن ذلك مسألة النائرة تقع بين القوم فيدعي بعضهم على بعض القتل أنه يصدق بسبب تقدم النائرة. ومن ذلك دفع شهادة الشهود العدول بنحو ذلك كالشاهدين على الهلال في الصحو قد اختلف في جواز شهادتهما، وقال سحنون فيهما شاهدا سوء. ومن اختلاف الرجل وزوجته في متاع البيت، وقول مالك أنه يحكم","vol":"3","page":217},{"text":"للرجل بما هو من لباسه وما كان للرجل والمرأة فهو للرجل. قال إسماعيل القاضي: والعمل بمثل هذا مخالف لقوله ﵊: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» لأنه لم يرد بذلك الحديث إلا الموضع الذي تمكن فيه البينة. قال: فإن قال القائل إن تلك الشريعة لا تلزمنا. قلنا كل ما أنزله الله تعالى علينا فإنما أنزله لفائدة فيه ومنفعة لنا وقال تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠] فآيات يوسف مقتدى بها، معمول بها، وأنكر أبو الحسن العمل بالعلامات قوال: إنه اتفق على أنه لا يعمل، في غير الزوجين إذا تنازعا في شيء بمثل ما عمل فيها، قال: والأشبه في حديث يوسف أن ذلك كان آية من الله تعالى فليس في ذلك دلالة إلا من جهة خرق الله تعالى العادة في إنطاق الصبي في المهد. قال: وكان شريح وإياس يعملان على العلامات في الحكومات وأصل ذلك هذه الآية. ولعل ذلك فيما طريقه التهمة لا على سبيل بت الحكم، لكن إذا ظهر مثل هذا من العلامة على الدعوى أقر المدعى عليه فحكم عليه بالإقرار. وقد اختلف في الشاهد، فقيل كان ابن عم المرأة التي هم بها يوسف. وقيل رجل من خاصة الملك.\nوقيل كان طفلًا في المهد ويضعف هذا أن البخاري ومسلم أنه يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصاحب جريج وابن السوداء","vol":"3","page":218},{"text":"التي دعت له أن يكون كالفاجر الخبيث وأسقط صاحب يوسف. وأسند الطبري إلى ابن عباس أنهم أربعة وزاد صاحب يوسف. وعنه أيضًا أنهم خمسة وزاد فيهم ابن ماشطة فرعون. وذكر ابن فتحون في استدراكه عن ابن عبد البر، مبارك اليمامة وذكر أنه أوتي به الرسول ﷺ حين ولد وقد لف في خرقة فقال من أنا؟ فقال أنت رسول الله. فقال صدقت بارك الله فيك، فسمي مبارك اليمامة، فهم ستة. وقيل الشاهد القميص وهو أضعف الأقوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>(٤٢) - قوله تعالى: ﴿فلبث في السجن بضع سنين﴾:</span>\nاختلف في البضع ما هو فالأكثر إلى أنه من الثلاثة إلى العشرة. وقيل البضع لا يبلغ العقد ولا نصف العقد وإنما هو من الواحد إلى الأربعة. وقيل البضع من الواحد إلى العشرة وقيل البضع من الثلاثة إلى التسع ويعضد هذا ما روي أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر الصديق في قصة خطرة مع قريش في غلبة الروم لفارس: «أما علمت أن البضع من التسع إلى الثلاث». وقيل من الثلاثة إلى السبعة. قال الفراء","vol":"3","page":219},{"text":"ولا يذكر البضع إلا مع العشرات ولا يذكر مع المائة ولا مع الألف بالقول الأول أخذ مالك رحمه الله تعالى فرأى أن من أقر ببضع إنما يقضى عليه بثلاثة إلا أن يقر بأكثر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>(٤٤) - وقوله تعالى: ﴿قالوا أضغاث أحلام﴾:</span>\nقال هؤلاء هذا القول. وقد كانت الرؤيا صحيحة لأن يوسف ﵇ عبرها بسني الخصب والجدب فكا كذلك. وهذا يبطل قول من يقول إن الرؤيا على أول ما تعبر به فتأول قوله ﵊: «الرؤيا لأول عابر» وقوله أيضًا: «الرؤيا على رجل طائر» فإذا عبرت وقعت لأن الأقوام قالوا أضغاث أحلام ولم تقع كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>(٥٤)، (٥٥) - قوله تعالى: ﴿وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين * قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾:</span>\nسمى الله تعالى فرعون مصر في هذه الآية ملكًا لأنها حكاية اسم كان يطلق عليه ولم يكن حيًا لكان ذلك حكم ما. ولهذا كتب رسول الله ﷺ: «هرقل عظيم الروم»، ولم يقل ملك الروم ولا كافر لأن ذلك حك له بالملك والكفر. وأما كونه عظيمهم فتلك صفة لا تفارقه، ولو كتب له ﷺ بالملك لتمسك بذلك كتمسك زياد في قوله: شهد والله لي أبو الحسن. ثم قال تعالى: ﴿اجعلني على خزائن الأرض ...﴾ فسأل يوسف فرعون أن يوليه","vol":"3","page":220},{"text":"عملًا فولاه. وقد اختلف في طلب الولايات كالقضاء ونحوه مباهاة بذلك وطلب منزلة هل يجوز أم لا؟ فكرهته طائفة لأن طلب المباهاة في الدنيا مكروه، قال الله تعالى: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين﴾ [القصص: ٨٣] وذهبت طائفة أخرى إلى أن طلبه لذلك غير مكروه لأن طلب المنزلة بما أبيح غير مكروه قالوا وقد رغب نبي الله يوسف إلى فرعون في الولاية والخلافة فقال: ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾ وهاتان الصفتان تعمان وجوب التثقيف والحياطة لا يدخل معها خلل على عامل. إلا أن المفسرين قد خصصوهما بأشياء ينبغي أن تساق على جهة المثال. قال بعضهم حفيظ لما استودعت عليهم بما وليت، وهو قول عبد الرحمن الأشجعي. ويخرج اللفظ بهذا القول عن التزكية ليوسف وعلى القول الأول فيه التزكية ظاهرة. واختلف في جواز الولاية من قبل الظالم. فذهب قوم إلى جواز ذلك إلا عمل بالحق فيما يولي، واحتجوا بأن يوسف تولى من قبل فرعون ليكون بعدله دافعًا","vol":"3","page":221},{"text":"لجوره. وذهب طائفة أخرى إلى المنع من ذلك لما فيها من إعانة الظالمين وتزكيتهم بالتقليد لأوامرهم وأجابوا على ولاية يوسف برأيين:\nأحدهما: أن فرعون يوسف كان صالحًا وإنما الطاغي فرعون موسى.\nوالثاني: أنه نظر له في أملاكه دون أعماله. وروي عن مالك رحمه الله تعالى أنه قال: مصر خزانة الأرض، واحتج بهذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>(٧٢) - قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾:</span>\nفي هذه الآية -على ما ذهب إليه جماعة من العلماء- جعل وكفالة. والآية تدل على جوازهما. فأما الجعل فقد اختلف في جوازه. وهو أن يجعل الرجل للرجل جعلًا على عمل يعمله له إن أكمل العمل. فأجازه مالك وأصحابه ولم يجزه أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه والأصل في جوازه قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ وهذا جعل محض وإذا قلنا بجوازه فهل ذلك فيما للجاعل فيه منفعة خاصة أو فيما كان له فيه منفعة أو لم يكن فيه؟ قولان في المذهب. والأصل في اشتراط المنفعة الآية لأنها إنما جاءت فيما كان فيه منفعة","vol":"3","page":222},{"text":"وهو رد الصراع. وإذا اشترطنا المنفعة فهل من شرطها أن لا يحصل منها شيء إلا بتمام المجعول فيه أم لا؟ فالمشهور أن ذلك من شرطها وإلا لم يجز. فقد يتخرج في المذهب قول آخر بإسقاط ذلك الشرط. والأصل في القول الأول الآية لأن الجعل فيها إنما جاء فيما لا منفعة فيه إلا بتمامه. واختلف في ضرب الأجل في الجعل هل يجوز أم لا؟ فالمشهور أنه لا يجوز. وقدم الجواز من قول ابن القاسم على ما تأول ابن أبي زيد والأصل في إطراح الأجل الآية لأنه تعالى قال: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ فسمى الجعل ولم يقدر المدة.\nوأما الكفالة فمنها كفالة بمال. وكفال بنفس. فأما الكفالة بالمال فلا اختلاف في جوازها وإنما اختلف في بعض شروطها. والأصل في جواز ذلك قوله تعالى: ﴿وأنا به زعيم﴾ أي كفيل. يعني بما ذكره من حمل بعير. وأما الكفالة بالنفس ففيها ثلاثة أقوال:\nأحدها: إجازتها في المال والحدود والقصاص. وهو قول عثمان البتي.\nوالثاني: أن الكفالة بالنفس لا تجوز في شيء من ذلك وإلى نحو هذا ذهب الشافعي.\nوالثالث: أنها تجوز في المال ولا تجوز في الحدود وهو قول مالك وأصحابه. والأصل في الكفالة بالنفس قوله تعالى في هذه السورة: ﴿لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقًا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم﴾ [يوسف:","vol":"3","page":223},{"text":"٦٦] فهذه كفالة بالنفس. وفيها عندي حجة لمن يجيز الكفالة بالنفس في غير المال لأن هذه الآية لم يتعرض فيها لذكر المال، إلا أن الأدلة التي نزع بها من لم يجز الكفالة بالنفس في غير المال أصح وأطهر، وليس هذا الكتاب بموضع بسطها.\nوقال أبو الحسن: ظن ظانون أن قوله: ﴿وأنا به زعيم﴾ كفالة، وليس ذلك كفالة إنسان وإنما كفل بذلك عن نفسه وضمنه نعم هو جعالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>(٧٨) - قوله تعالى: ﴿فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين﴾:</span>\nيحتمل هذا معان: أحدها: أن يكون على جهة المجاز كما تقوب لمن تكره فعله اقتلني ولا تفعل كذا، وأنت لا تريد أن يقتلك ولكن مبالغو في استعطافه. وكذلك هذا لم يرد أن يسترق واحدًا منهم مكانه وإنما قالوا ذلك مبالغة. فقال يوسف معاذ الله. فتعوذ من فعل ما لا يجوز. ويحتمل أن يكون حقيقة أي خذ أحدنا مكانه رقًا، فتعوذ يوسف من ذلك. إلا أنه يبعد أن يريدوا استرقاق حر وهم أنبياء. ويحتمل أن يريدوا بذلك الحمالة بالنفس، أي خذ أحدنا مكانه حتى يتصرف إليك صاحبك. ومقصدهم أن يصل بنيامين وهو الذي وجد الصواع في رحله إلى يعقوب. ويعرف يعقوب جلية الأمر ثم يرد إليه. فمنع يوسف ﵇ من ذلك إما أنه لم ير الحمالة بالنفس في الحدود ولم يلزم الحميل عقوبة المحمول","vol":"3","page":224},{"text":"عنه فيكون هذا حجة لمالك وأصحابه. وإما لأنه لم يرها على أن تلزم الحميل عقوبة المحمول، وهذا لا يلزم إجماعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>(٨١) - (٨٢) - قوله تعالى: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين * واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون﴾:</span>\nقوله تعالى: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ يحتج به في أنه لا تجوز الشهادة بما لا يعلم وقد اختلف قول مالك فيمن دفع إلى شهود كتابًا مختومًا وقال: اشهدوا علي بما فيه، هل يصح تحملهم للشهادة أم لا؟ وكذلك الحاكم إذا كتب كتابًا إلى حاكم وختم وأشهد الشهود بأنه كتابه ولم يقرأ عليهم. فعن مالك في ذلك روايتان. فاستدل القاضي أبو إسحاق لجواز الشهادة بأن رسول الله ﷺ كتب إلى عبد الله بن جحش كتابًا وأمره أن يسير ليلتين ثم يقرأ ما فيه فيتبعه. قال ووجه المنع قوله تعالى: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ وإذا لم يقرؤوا الكتاب لم يشهدوا بما يعلمون فلم تجز شهادتهم. وكذلك اختلفوا إذا عرف الشاهد في العقد إلا خطه هل تجوز شهادته أم لا؟ وكذلك اختلفوا إذا عرف الشهادة ولم يذكر مما في العقد شيئًا هل تجوز شهادته أم لا؟ والخلاف فيه في المذهب. ويمكن أن يحتج على المنع من الشهادة في ذلك كله بالآية المذكورة.","vol":"3","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-512>(٨٢) - وقوله تعالى: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون﴾:</span>\nأرادوا: واسأل أهل القرية وأهل العير، فحذف. وقد اختلف الأصوليون هل هذا مجاز أم لا؟ والجمهور منهم على أنه من المجاز، وأنكر بعضهم أن يكون مجازًا وأجاز أن ينطق الله تعالى القرية ولعير لاتساع القدرة. وذكر المفسرون أن القرية مصر. وأما العير فهي الدواب التي يمتار عليها الطعام. ومعنى الآية الاستشهاد بأهل القرية وأهل العير ظاهرها عرفت عدالتهم أو لم تعرف، وهو مذهب أبي حنيفة. فأما مذهب مالك فلا يستشهد إلا عدل لقوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] إلا أنه اختلف عندنا في أهل الرفقة يشهد بعضهم على بعض فيما يجري مجرى هذا، هل يشترط فيهم معرفة العدالة أم لا؟ وظاهر المذهب -وهو القياس- أنه لا يجوز أن يقبل إلا عدل لما قدمناه. وذهب ابن حبيب ورواه عن مطرف وابن الماجشون إلى جواز قبول شهادتهم في ذلك إذا توسم فيه أي توسم فيهم الحاكم الحرية والإسلام وزاد الشيخ أبو إسحاق، والمروءة والعدل. واحتج أبو إسحاق لهذا القول بقوله تعالى: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون﴾ وهذا القول إنما هو فيما يختص بمعاملات السفر كما قدمنا. فأما بيع العقار والأموال التي لم تجر العادة ببيعهما في السفر فلا تقبل فيه شهادة أهل الرفقة إذا لم تعرف عدالتهم بوجه. وأما أهل موضع إذا لم يكن فيهم عدل وبعدوا عن العدول فهل تجوز","vol":"3","page":226},{"text":"شهادة بعضهم لبعض في الأموال أم لا؟ فالذي عليه الجمهور في المذهب - ولا يعرف لمتقدم منهم فيه خلاف- أن شهادتهم لا تجوز لما قدمناه، وهو ظاهر قول ابن حبيب في الواضحة ونقله الباجي. ورأيت قومًا من المتأخرين يحكون عن شيوخهم أنهم كانوا يفتون بجواز الشهادة ممن ذكرناه ويعملونها للضرورة كشهادة أهل الرقة مع المتوسم. ورأيت بعضهم يحتج في ذلك بقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>(٨٤) - (٨٦) - قوله تعالى: ﴿وتولى عنهم وقال يا أسفى وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم * قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضًا أو تكون من الهالكين * قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾:</span>\nهذه الآية تعطي إباحة البكاء عمن يموت للإنسان. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه نص في مواطن على جواز ذلك منها في دفن ابنه إبراهيم، قال: «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب». ومنها في موت ابن لابنته. قال الراوي فدفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنها شنة ففاضت عيناه. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله ما هذا؟ قال: «رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماء». ومنها حديث أنس قال: شهدنا بنتًا لرسول الله ﷺ وهو على القبر وعيناه تدمعان وقال ﵊ لعمر إذ نهى النساء عن البكاء: «ادعهن يا عمر فإن النفس مصابة والعين دامعة والعهد قريب». وكره البكاء من أخذ","vol":"3","page":227},{"text":"بظاهر الحديث: «أن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه» وإليه ذهب عمر وابن عمر. وقد مر الكلام عليه. وهذا الذي ذكرناه هو البكاء دون النوح. فأما مع النوح فلا يجوز باتفاق. وقد نهى النبي ﷺ عنه في غير ما حديث. واختلف العلماء فيمن يستحق اسم الصبر بعد قولهم بجواز البكاء من غير نوح. فقال قوم هو الذي يكون في حال المصيبة مثله قبلها ولا يظهر منه حزن في جارحة ولا لسان. وجاء مثل هذا عن ابن مسعود والصلت بن أشيم وشريح وابن شبرمة وربيعة. وقال قوم هو الصبر المحمود وهو التسليم للقضاء والرضا به وترك بثه للناس. فأما جزع القلب وحرق القلب ودمع العين فلا يخرج العبد من معاني الصابرين إذا لم يتجاوز به إلى ما لا يجوز له فعله بأن النفوس مجبولة على الجزع من المصائب، وحكي هذا عن جماعة من السلف منهم الحسن. وقال طلحة بن مطرف: لا تشك مرضك ولا مصيبتك. قال: وأنبئت أن يعقوب ابن إسحاق صلى الله عليهما دخل عليه جار له فقال له: يا يعقوب ما لي أراك قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من العمر ما بلغ أبوك؟ قال: هشمني وأفناني ما ابتلاني الله تعالى به من فقد يوسف. فأوحى الله تعالى إليه: يا يعقوب","vol":"3","page":228},{"text":"أتشكوني إلى خلقي؟ قال: يا رب خطيئة فاغفرها. قال: غفرتها لك. فكان ذلك أسيل: ﴿قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ ولما مات سعيد بن أبي الحسن بكى عليه الحسن حولًا. فقيل له: يا أبا سعيد تأمرنا بالصبر وتبكي. قال الحمد لله الذي جعل هذه الرحمة في قلوب المؤمنين يرحم بها بعضهم بعضًا، تدمع العين ويحزن القلب وليس ذلك من الجزع إنما الجزع ما كان من اللسان واليد. الحمد لله الذي لم يجعل بكاء يعقوب على يوسف وبالًا عليه، وقد بكى عليه حتى ابيضت عيناه من الحزن. وحكي أنه يفارق الحزن قلب يعقوب ثمانين سنة، فما جاء في الآية من أمر يعقوب حجة لمن يرى من يفعل ذلك صابرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>(٨٨) - قوله تعالى: ﴿قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين﴾:</span>\nقوله: ﴿مسنا وأهلنا الضر﴾ يتخرج منه شكوى المسغبة والحاجة لمن يرجى أن يكون سببًا لكشفها لأن الله تعالى لم يعاقبهم على شكواهم تلك. وقوله: ﴿فأوف لنا الكيل﴾ دليل على أن الكيل إنما هو على البائع. وقد اختلف في ذلك قول مالك، ففي قوله القديم أن على المبتاع الكيل. وعنه بعد ذلك أن الكيل على البائع، وهو الصحيح. لأن عليه أن يوفي ما باع ويبرزه عن ملكه بالوزن. واحتج مالك لهذا القول بهذه الآية: ﴿فأوف لنا الكيل﴾. وكذلك الوزان والعداد والمزرع.","vol":"3","page":229},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وتصدق علينا﴾ اختلف فيه: فقيل كانت الصدقة غير محرمة على أولئك الأنبياء وإنما حرمت على نبينا محمد ﷺ، قاله ابن عيينة. وقيل بل كانت محرمة على جميع الأنبياء، واحتجوا بقوله ﵊: «إنا معشر الأنبياء لا تحل لنا الصدقة»، قالوا في الآية إن قولهم: ﴿وتصدق علينا﴾ تجوزًا واستعطافًا منهم في المبالغة كما تقول لمن تساومه في ثمن سلعة: هبني من ثمنها جزء ونحو ذلك. فلم تقصد أن يهبك وإنما حسست له الانفعال حتى يرجع إلى غرضك. وقيل المعنى في ذلك وتصدق علينا بصرف أخينا إلى أبيه. وقيل فيه غير هذا من التأويلات.\nوقوله تعالى: ﴿إن الله يجزي المتصدقين﴾:\nقال بعض المفسرين: قيل هي من المعاريض التي هي مندوحة عن الكذب وذلك أنهم كانوا يعتقدونه كافرًا على غير دينهم ولو قالوا له إن الله تعالى يجزيك بصدقتك في الآخرة كذبوا، فقالوا له لفظًا يوهمه أنهم أرادوه له وهم يصح لهم إخراجه بالتأويل. وهذا الذي ذكرناه","vol":"3","page":230},{"text":"حجة لمن يرى المعاريض. وقد تقدم الكلام على هذا الفصل مستوفيًا. وفي هذه الآية عندي إباحة سؤال الكافر ومبايعته وإحسان القول إليه إذا خيف منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>(١٠١) - قوله تعالى: ﴿توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين﴾:</span>\nاختلف هل في هذه الآية تمني الموت أم لا؟ فذهب قوم إلى أنه ليس فيها تمني موت وأن معناها توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين متى توفيتني. فالآية على هذا محكمة بلا خلاف. وقيل فيها تمني معنى الموت. وقال ابن عباس: لم يتمن الموت نبي قط غير يوسف. والذين ذهبوا إلى هذا اختلفوا هل الآية منسوخة أم محكمة؟ فذهب جماعة إلى أن حكمها باق وأن يوسف تمنى الموت تشوقًا إلى ربه، قالوا وهذا جائز أن يتمنى الإنسان الموت إما تشوقًا أو خوفًا على دينه، فأما لضر نزل به فلا. وذهب قوم إلى أنه منسوخ بقوله ﵊: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به» وهذا ضعيف لأن خبر الآحاد لا ينسخ به القرآن. وأيضًا فإن في الحديث لضر نزل به، وليس في الآية ضر نزل بيوسف ﵇. فإن أرادوا أن الآية محمولة على ذلك وأن الحديث نسخها فهذا تحكم ظاهر الفساد. وإن أرادوا أن تمني الموت لا يجوز عمله على أي حال كان، وإن إباحته منسوخة بالحديث فليس كذلك لأنه قد قيد في الحديث ولم يقيد في الآية. فتحمل الآية على ما يصح ويحمل الحديث في الذي جاء فيه، وقد روي عن النبي ﷺ في بعض دعائه: «وإذا أردت بالناس","vol":"3","page":231},{"text":"فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» وقال ﵊: «يأتي على الناس زمان يمر فيه الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه ليس به الدين ولكن ما يرى من البلاء والفتن». فقوله ليس به الدين يدل على إباحة ذلك، وأن لو كان على الدين. وقد دعا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بالموت فقال: اللهم قد رق عظمي وانتشرت رعيتي فتوفني غير مقصر ولا عاجز. وقد دعا به علي بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز. فهذا كله دليل على إباحة الدعاء بالموت إذا لم يكن لضر نزل. والضر الذي ينزل يراد به ضر الدنيا كالفقر والمرض ونحو ذلك. وكل ما ذكرناه في هذه السورة فإنما يصح على قول من يرى شريعة من قبلنا لازمة لنا ما لم يرد ناسخ.","vol":"3","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-516>سورة الرعد</span>\nاختلف في هذه السورة، فقيل هي مكية، قاله سعيد بن جبير وغيره. وقيل هي مدنية. وقيل هي مكية إلا قوله تعالى: ﴿ولا يزال الذين كفروا﴾ [الرعد: ٣١] ذكر ذلك عن قتادة وقيل هي مكية إلا آيتين: قوله تعالى: ﴿ولا يزال الذين كفروا﴾ وقوله: ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ [الرعد: ٤٣]. وقيل هي مدنية غير قوله تعالى: ﴿ولو أن قرآنًا﴾ حكي ذلك عن قتادة. وليس فيها ناسخ ولا منسوخ وفيها من الأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>(٨) - قوله تعالى: ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار﴾:</span>\nقوله تعالى: ﴿وما تغيض﴾ معناه وما تنقص، وذلك أنه من معنى","vol":"3","page":233},{"text":"قوله: ﴿وغيض الماء﴾ [هود: ٤٤] وهو بمعنى النضوب وهو هنا بمعنى زوال شيء عن الرحم. ثم اختلف المفسرون في هذه الزيادة والنقصان. فقيل غيض الرحم وإراقتها الدم على الحمل. وإذا كان ذلك ضعف الولد في البطن وشحب، فإذا بلغت الحامل تسعة أشهر لم تضع ويبقى الولد في بطنها زيادة عن الزمان يكمل فيها من جسمه وصحته ما نقص بإراقة الدم. وهذا هو معنى قوله: ﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ قاله مجاهد. وقيل غيضه نضوب الدم منه وإمساكه بعد عادة إرساله بالحيض، فيكون قوله تعالى: ﴿وما تزداد﴾ بعد ذلك جاريًا مجرى تغيض على غير مقابله. بل تغيض الرحم هو بمعنى الزيادة فيه. وقيل غيض الرحم إسقاطها الولد والزيادة أن تضعه كاملًا في مدة كاملة، وهو قول الضحاك. وقيل غيض الرحم ما يسقط قبل التسعة وما تزداد ما تضع بعد التسعة ففي هذه الآية تفسير على دليل مجاهد أن الحامل تحيض، وهي مسألة اختلف فيها. فذهب مالك والشافعي إلى أنها قد تحيض على الحمل، فما تراه المرأة من الدم وهي حامل من الدم ليس بحيض. قالوا ولو كان حيضًا لما صح استبراء الأمة بحيضة وهو إجماع. وحجة القول الأول الآية. وقد روي عن مالك ما يدل أن الحامل لا تحيض. وفي هذه الآية أيضًا دليل على أن الحمل قد يوضع لأقل من تسعة أشهر ولأكثر، إلا أنهم أجمعوا","vol":"3","page":234},{"text":"على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وانتزعوا ذلك من قوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ [البقرة: ٢٣٣].\nواختلفوا في أكثره، فقال ابن عبد الحكم أكثره تسعة وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وغيرهم: أكثره حولان. وقال قوم أكثره ثلاثة أعوام، وإليه ذهب الليث بن سعد.\nوقال الشافعي -وهو ظاهر قول مالك في غير موضع- أكثره أربعة أعوام. وقال ابن القاسم أكثره خمسة أعوام، وروي عن مالك. وقال مالك في رواية أشهب عنه: أكثره سبعة أعوام وأن ابن عجلان ولدت امرأته لسبعة أعوام. وحجة هذا القول الآية على ما قدمناه. وروي أن الضحاك بن مزاحم بقي حولين في بطن أمه، قال: ولدت وقد نبتت ثناياي. وروي أن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر. وذكر أن مالكًا وضعته أمه لسنتين وقيل لثلاث سنين.","vol":"3","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-518>سورة إبراهيم ﵇</span>\nهي مكية إلا آيتين نزلتا بالمدينة وهما قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار﴾ [إبراهيم: ٢٨، ٢٩]. وليس فيها ناسخ ولا منسوخ وفيها من الأحكام مواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>(٢٢) - قوله تعالى: ﴿وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق وودعتك فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم﴾:</span>\nأقام بعض الناس من هذا الموضع إبطال القول بالتقليد جملة وهو مذهب حذاق الأصوليين خلافًا للحشوية والتعليمية الذين ذهبوا إلى أن طريق معرفة الحق التقليد، وأن ذلك هو الواجب وأن النظر والبحث حرام.","vol":"3","page":236},{"text":"وهو انتزاع حسن لأنهماتبعوا الشيطان بمجرد دعواهم ولم يطلبوا منه برهانًا. فحكى الله تعالى قول الشيطان تقبيحًا لذلك الفعل منهم وأجابتهم بغير أسبابه، فدل هذا أنه لا يقلد أحد بمجرد دعواه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>(٢٥) - قوله تعالى: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾:</span>\nاختلف المفسرون في الحين كم هو في هذه الآية. فقال ابن عباس وعكرمة وغيرهما سنة. وقال الحسن -وروي عن ابن عباس وعكرمة أيضًا- ستة أشهر. وقال ابن المسيب شهران، وقال الضحاك وغيره عن ابن عباس: كل حين أي غدوة وعشية ومتى أريد جناها. فمن راعى أن ثمر النخلة وجناها إنما يأتي على كل سنة قال بالقول الأول. ومن راعى وقت جذاذ النخل إلى حملها في الوقت المقبل قال بالقول الثاني. ومن راعى مدة الجني في النخل قال بالقول الثالث. وأما القول الرابع فضعيف لأن الشجرة ليست أبدًا تأتي أكلها غدوة وعشيًا، ومتى أريد جناها. وبحسب الاختلاف في مقدار الحين هنا اختلف فيمن خلف أن لا يكلم فلانًا حينًا. فذهب مالك وجماعة غيره إلى أنه لا يكلمه سنة، واحتجوا بالآية. وذهب قوم إلى أنه لا يكلمه ستة أشهر وتأولوا الآية على مذهبهم وهو قول أبي حنيفة، وذكر أنه قاله اتباعًا لعكرمة. وقال قوم لا يكلمه شهرين. وتأولوها أيضًا على مذهبهم. ويأتي على المذهب الرابع في تفسير الآية قول رابع وهو أن لا يكلمه يومًا واحدًا. وحكي عن سعيد بن المسيب أنه بلغه قول عكرمة في الحين أنه ستة أشهر، فقال انتقرها عكرمة. فقيل إنه يحتمل المدح والذم. فعلى المدح يكون استخرجها واستنبط علمها من","vol":"3","page":237},{"text":"كتاب الله ﷿، أصلها من النقر، وهو البحث عن الشيء. والانتقار أيضًا بمعنى الاختصاص. قال طرفة: ألا ترى الأديب فينا ينتقر. فكأنها على هذا التأويل اختص بها عكرمة وتفرد بعلمها، وما أشبه ذلك من الكلام. وعلى الذم يكون المعنى أفتى بها من قبل نفسه واختص بقول فيها لم يتابع عليه أو نحو هذا من الكلام. وأصل الحين في لغة العرب المدة من الزمن غير معلومة. إلا أنه قد ينضاف إليها من الكلام ما يدل على تحديها كهذه الآية ونحوها. وقد قيل إن الحين أيضًا أربعون سنة. وأما الشافعي فرأى الحين لفظًا مجملًا لم يوضع لمعنى معين. وقال تعالى: ﴿ليسجننه حتى حين﴾ [يوسف: ٣٥] وعنى به ثلاثة عشر سنة. وقال تعالى: ﴿ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ [ص: ٨٨] يعني يوم القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>(٣١) - قوله تعالى: ﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿وعلانية﴾:</span>\nقد مر الكلام على معاني هذه الآية في غير ما موضع. والله الموفق لا رب غيره.","vol":"3","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-522>سورة الحجر</span>\nمكية وفيها مواضع من النسخ والأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>(٣) - قوله تعالى: ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون﴾:</span>\nهذه الآية فيها وعيد وتهديد ومهادنة ما، فهي منسوخة بآية السيف. وفي هذه الآية جاء حديث الرافضين الذي في صدر الأمالي ومقتضاه أنه ارتد ونسي القرآن إلا هذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>(٧٢) - قوله تعالى: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾:</span>\nفي هذه الآية شرف للنبي ﷺ لأن الله تعالى أقسم بحياته ولم يفعل ذلك مع أحد سواه، قاله ابن عباس. واختلف في لعمري ولعمرك هل هي يمين يلزم من حلف بها أن يكفر أم ليست بيمين ولا يلزم الحالف بها كفارة. والجمهور هي يمين يلزم الحانث بها الكفارة ومن حجته هذه الآية لأن الله","vol":"3","page":239},{"text":"تعالى قد أقسم بها. قال ابن حبيب ينبغي أن يصرف لعمرك في الكلام اقتداء بهذه الآية. وهذا من ابن حبيب جنوح إلى قول الحسن. وكذلك اختلف في لعمر الله هل يجوز أن يقسم بها وهل فيها كفارة على من حلف فيها أم لا على قولين في المذهب، والأشهر الجواز وأن فيها الكفارة لأن العمر البقاء والحياة، وبذلك فسرت هذه الآية. والبقاء والحياة صفتان من صفات الله تعالى فيجوز القسم بها. وقد كره قوم الحلف بغير الله. قال أبو الحسن: وقد ورد فيه خبر وإن لم يقو إسناده، وكرهوا أيضًا أن يقول: وحق الكعبة، وحق الرسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>(٨٥) - قوله تعالى: ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾:</span>\nوهذه الآية تقتضي مهادنة ونسختها آية السيف. قاله قتادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>(٩٤) - قوله تعالى: ﴿وأعرض عن المشركين﴾:</span>\nهذه الآية تقتضي مهادنة. والناسخ لها آية السيف. قاله ابن عباس.","vol":"3","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-527>سورة النحل</span>\nهي مكية سوى ثلاث آيات من آخرها نزلت بين مكة والمدينة في منصرف رسول الله ﷺ من أحد وذلك لما قتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه ومثل به المشركون. فقال النبي ﷺ: «لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم» فأنزل الله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم ...﴾ إلى آخر السورة [النحل: ١٢٦ - ١٢٨]. وما نزل بين مكة والمدينة فهو مدني. وهذه السورة كانت تسمى سورة النعم لما عدد الله تعالى فيها من نعمه على عباده وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>(٥) - (٨) - قوله تعالى: ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون﴾ إلى قوله: ﴿ويخلق ما لا تعلمون﴾:</span>\nالأنعام: الإبل والبقر والغنم. والدفء: السخانة بالأكسية التي تعمل","vol":"3","page":241},{"text":"منها ونحوها. وقيل الدفء النسل وقال الحسن الدفء ما استدفئ به من أصوافها وأوبارها وأشعارها. واستدل به قوم على جواز الانتفاع بها في خالتي حياة الحيوان وموته. وقال بعضهم ليس هذا الاستدلال بصحيح لأن الله تعالى قرن ذلك مع الأكل من الأنعام. فقال: ﴿ومنها تأكلون﴾ فدل ذلك على إباحة هذه الثلاثة أشياء بشرط الذكاة. والأثقال الأمتعة. وقيل المراد بها هنا الأجسام كقوله تعالى: ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ [الزلزلة: ٢] أي أجساد بني آدم.\nوقوله: ﴿إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ...﴾ الآية. إلى بلد توجبهم إليه بحسب اختلاف أغراض الناس. وقيل المراد مكة، قاله ابن عباس وغيره. وفي الآية على هذا حض على الحج. وقد اختلف في ركوب البقر. وفي الآية دليل على جوازه لقوله تعالى: ﴿وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس﴾ [النحل: ٧] فعم الأنعام كلها. وأما الحمل عليها دون الركوب فلا أعرف في جوازه خلافًا.\nوقوله: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨] لا خلاف في جواز ركوب هذه ما لم تكن جلالة. واختلف في الجلالة منها هل يجوز ركوبها أم لا؟ وعموم الآية دليل على جوازه. وكذلك اختلف في ركوب الجلالة من الإبل، وعموم الآية أيضًا دليل على جوازه. وتخصيصه","vol":"3","page":242},{"text":"تعالى الخيل والبغال والحمير بالركوب دليل على أنه لا يجوز أكلها، وهذا كله الذي يسميه الأصوليون دليل الخطاب، وبينهم في القول به خلاف وعلى ذلك اختلفوا في أكلها على ثلاثة أقوال: المنع والكراهة -والقولان في المذهب- والجواز، وبالتحريم قال أصحاب أبي حنيفة، واحتج بعضهم بالآية وزعم أن فيها دلالة على ذلك. وبالجواز قال أصحاب الشافعي وأنكروا دلالة الآية، وقالوا إنما لم يذكر الله تعالى الأكل منها كما ذكره في الأنعام لأنها لا تعد لذلك عرفًا وإنما تؤكل إذا أصابتها زمانة. واختلف في ركوب الإبل، والجمهور على إباحته وحجتهم عموم الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>(١٤) - قوله تعالى: ﴿وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا﴾ إلى قوله: ﴿ولعلكم تشكرون﴾:</span>\nوقد مر الكلام على جميع أحكام هذه الآية إلا قوله تعالى: ﴿وتستخرجون منه خلية تلبسونها﴾. يريد بالحلية الجوهر والمرجان والصدف والصوف البحري ونحو ذلك مما يخرج من البحر، فأباح لباسها. وقد اتفق أهل العلم على إباحة التحلي بالجوهر للنساء بدليل هذه الآية لأنه تعالى قال: ﴿تلبسونها﴾ فأباح لباسها، والجوهر من جملة ذلك، ودليل آخر غير الآية. واختلفوا في إباحة ذلك للرجال بالآية يستدل على إباحته. وقد احتج بهذه الآية أبو يوسف ومحمد والشافعي فيمن حلف لا يلبس حليًا فلبس لؤلؤًا فإنه يحنث بتسمية الله تعالى إياها حليًا. وأبو حنيفة لا يرى","vol":"3","page":243},{"text":"ذلك لأن الحلي إذا أطلق لا يفهم منه في المتعارف اللؤلؤ. وذلك مكابرة منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>(١٦) - قوله تعالى: ﴿وعلامات وبالنجم هم يهتدون﴾:</span>\nفي هذه الآية دليل على جواز الاهتداء بالنجوم في الطرق والأوقات حتى عول الناس على ذلك في التحسير احتياطًا للصوم، وإن كان الله تعالى لم يكلفنا إلا بالشيء البين الذي يشترك في معرفته العامة والخاصة وهو تبين الفجر لكن الناس احتاطوا لخوفهم أن يؤكل في النهار وعولوا في الاحتياط لذلك على المنازل. وقد اختلف العلماء هل هذا الإمساك قبل الفجر واجب أم لا؟ وقوله: ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾ يقع على الكواكب والشمس والقمر، وقد صرح الشرع بوجوب الاهتداء بالهلال في أمر الشهور. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال في الهلال: «فإن غم عليكم فأقدروا له» فاختلف العلماء في تخريج قوله: فأقدروا له. فقيل معناه أن يكمل عدد الشمس ثلاثين. واحتج من ذهب إليه بالحديث الذي جاء مفسرًا في ذلك وقيل معناه أن ينظر إذا غم القمر ليلة الشك إلى سقوطه من الليلة الثانية، فإن سقط بمنزلة واحدة، وهي ستة أسباع ساعة علم أنه من الليلة الماضية فيقضي صوم ذلك اليوم. وإلى هذا ذهب","vol":"3","page":244},{"text":"الطحاوي. قال ولكن هذا منسوخ لقوله ﷺ: «فإن غم عليكم فأكملوا المدة ثلاثين». وقيل معناه أن ننظر إلى ما قبل الشهر الذي غم الهلال عند آخره من الشهور. فإن كان توالى شهران أو ثلاثة كاملة عمل على أن هذا الشهر ناقص فأصبح الناس صيامًا. وإن كانت توالت ناقصة عمل على أن هذا الشهر كامل وأصبح الناس مفطرين إذ لا يتمادى أربعة أشهر ناقصة ولا كاملة إلا في النادر. وإن لم يتوال قبل الشهر الذي غم الهلال في آخره شهران فأكثر ناقصة ولا كاملة احتمل أن يكون الشهر ناقصًا، وأن يكون كاملًا واحدًا فوجب أن يكون عدده ثلاثين يومًا كما جاء في الحديث الآخر. وهذا في الصوم. فأما الفطر فإذا غم هلال شوال فلا يفطر بالتقليد الذي يغلب على الظن فيه أن رمضان ناقص. وقيل معناه أنه إذا مر لشعبان تسعة وعشرون يومًا نظر، فإن رؤي الهلال فذلك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قترة أصبح ناظره مفطرًا. وإن حال دون منظره سحاب وقترة أصبح صائمًا ثم لا يفطر إلا مع الناس، وهو قول ابن عمر. وقيل -وهو قول مطرف بن الشخير وأحد قولي الشافعي- معناه إذا التبس الهلال حسب له بحساب المنجمين، واحتج من ذهب إلى هذا بهذه الآية: ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾. ورد الجمهور هذا القول وتأولوا الآية على أن المراد بها الاهتداء في الطرق في البر والبحر، وقالوا أيضًا لو كان التكليف يتوقف على حساب التنجيم لضاق الأمر فيه إذ لا يعرف ذلك إلا قليل من الناس، والشرع مبني على ما يعلمه الجماهير. وأيضًا فإن الأقاليم على مذاهبهم مختلفة، ويصح أن","vol":"3","page":245},{"text":"يرى في إقليم دون إقليم فيؤدي ذلك إلى اختلاف الصوم عند أهلها ولا يلزم قومًا ما يثبت عند قوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>(٦٧) - (٦٩) - قوله تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرًا ورزقًا حسنًا ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون﴾:</span>\nاختلف في السكر ما هو فقيل هو ما يسكر. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل الآية محكمة أو منسوخة؟ فذهب جماعة إلى أنها منسوخة، إنما اقتضت تحليل الخمر فنسخت بآية المائدة في تحريم الخمر. وذهب جماعة إلى أنها محكمة وأن الآية ال تعطي تحليل السكر وإنما تعطي أنهم يتخذون منها ذلك على أنه حلال لهم. وقيل السكر ما يطعم، ورجح الطبري هذا القول. وقيل السكر ما سد الجوع. وقيل السكر المائع من هاتين الشجرتين كالخل والرف والنبيذ، وهو قول مجاهد والشعبي أيضًا. والآية على هذه الأقوال الثلاثة محكمة بلا خلاف. واختلف في الرزق الحسن ما هو فقال: من زعم أن السكر الخمر هو جميع ما يشرب ويؤكل حلالًا من هاتين الشجرتين، وهو قول ابن عباس وابن جبير وإبراهيم والشعبي أيضًا. وقال من ذهب إلى أن السكر المانع كما ذكرنا هو العنب والتمر. ولا اختلاف في أن الخمر إذا تخللت من ذاتها أنها تؤكل. واختلف هل يجوز تخميرها أم لا على ثلاثة أقوال:","vol":"3","page":246},{"text":"المنع، والجواز، والفرق بين أن يقتني الخمر فيخلل أو يتخمر عصير لم يقصد به الخمر فيخلل. فلا يجوز الأول ويجوز الثاني. والدليل لمن أجاز التخليل قوله تعالى: ﴿تتخذون منه سكرا ورزقًا حسنًا﴾ على قول من فسر السكر والرزق الحسن لأنه الخل ونحوه. وإذا قلنا بالمنع من تخليلها فتخللت ففي جواز أكلها ثلاثة أقوال: المنع، والجواز، والفرق بين ما وضعت للخمر وبين ما لم توضع له، والفرق في هذا قول سحنون، والقولان الآخران لمالك. والدليل للجواز ما قدمناه من أن الآية أيضًا على التفسير المذكور، لأنه إذا جعلنا السكر الخل ونحوه من المانع والرزق الحسن جميع ما يؤكل ويشرب من الشجرتين المذكورتين فإطلاق لفظ الاتخاذ على ذلك يدل على جواز التخليل والأكل بعد التخليل من غير تفصيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>(٦٩) - وقوله تعالى للنحل: ﴿ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللًا﴾:</span>\nيدل على جواز اتخاذ النحل وإن أضر بالشجر لأن الله تعالى قد أباح لها السرح في كل الثمرات وذلل لها السبل. وقد اختلف في النحل يضر بشجر القوم إذا نورت وبكر فهل يمنع صاحبها من اتخاذها عليهم أم لا؟ ففي قول عيسى بن دينار يمنع، وهو قول مطرف في الواضحة. وقال أصبغ لا يمنع، وعلى أهل القرية حفظ زروعهم وشجرهم أن قدروا وهو قول ابن القاسم. وحجة القول ما قدمناه من دليل الآية، وإن كان ابن حبيب قد اختار قول مطرف. والحمام والدجاج بهذه المنزلة، والخلاف فيها واحد.","vol":"3","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-533>(٧٥) - قوله تعالى: ﴿صرب الله مثلًا عبدًا مملوكًا لا يقدر على شيء﴾:</span>\nذكر إسماعيل بن إسحاق أن المراد به عبد بعينه، ويجوز أن يكون عبد الله. والظاهر أنه أي عبد كان. وذكر إسماعيل أنه روي عن ابن عباس أن الآية واردة في رجل من قريش وعبد أسلما، وأن سيده كان ينفق عليه من ماله. والأبكم أيضًا الذي ضرب الله به المثل بعينه لم يكن له مال وكان كلًا على مولاه. والمولى في هذا الموضع المولى من أخ أو ابن عم. وقال بعضهم الأبكم صنم. وقد اختلف في العبد هل يملك شيئًا أم لا على قولين في المذهب. واستدل بعضهم على أنه لا يملك شيئًا بهذه الآية لقوله تعالى: ﴿لا يقدر على شيء﴾ وهو قول الشافعي وأبي حنيفة واستدل آخرون على أنه يملك بقوله ﵊ في الحديث الصحيح: «من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع» قالوا فقوله: وله مال، لام تمليك. وأول الأولون هذا وقالوا إنما أضافه إليه لما كان المتصرف فيه لأنه متملك له. وهذا كما تقول","vol":"3","page":248},{"text":"فرس السائس، وباب الدار ونحو ذلك. وضعف أهل القول الثاني الاستدلال بالآية على أن العبد لا يملك، وقالوا إنما ضرب الله تعالى بذلك مثلًا فلا يلزم أن يكون كل العبيد كذلك وإنما فرض عبدًا تكون حاله تلك وضرب به المثل. وأيضًا فلو كان كذلك للزم أن يكون البكم لا يملكون شيئًا لأن المعنى في المسألتين واحد. وقالوا إن ظاهر الحديث أن العبد يملك وما ذكرتموه من الاحتمال فيها غير منكر إلا أنه غير ظاهر. فيحمل على الظاهر حتى يقوم دليل على غيره. وعلى هذا يترتب الخلاف في طلاق العبد هل هو بيده أو بيد سيده؟ وعلى بيع الأمة هل هو طلاق لها أم لا؟ قد استدل بعضهم بالآية على أن الطلاق بيد السيد وأن البيع طلاق، وأنكر آخرون ذلك وضعفوا الاستدلال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>(٧٨) - قوله تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا﴾:</span>\nاستدل بعضهم بهذه الآية على أن الإنسان محمول على الجهل فيما يدعي الجهل فيه من الأمور، خلافًا لمن قال هو محمول على العلم. من ذلك مسألة الصبي الصغير يزوجه أبوه ويشترط عليه شروط الزوجة. فبلغ الصبي قبل أن يدخل ثم دخل فلما طلبته الزوجة بالشروط ادعى أنه لم يعلم بالشروط. فقال بعضهم لا ينفعه ذلك ولا يصدق في أنه لم يعلم.\nوروى أبو زيد عن ابن القاسم أنه يصدق أنه لم يعلم، واستدل بالآية.\nقال قد سبق جهل الإنسان علمه، وعلمه محدث بعد جهله فهو محمول على الجهل حتى يثبت عليه العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>(٨٠) - قوله تعالى: ﴿وجعل لكم من جلود الأنعام﴾ إلى قوله: ﴿ومتاعًا إلى حين﴾:</span>\nاستدل بعضهم بهذه الآية على جواز الانتفاع بجلود الأنعام مذكاة","vol":"3","page":249},{"text":"كانت أو غير مذكاة وكذلك في استعمال أوبارها وأشعارها وأصوافها. والمسألة قد تقدم الكلام عليها في سورة البقرة فقف عليها. والأصواف للغنم، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز والبقر، ولم تكن بلادهم بلاد قطن وكتان، فكذلك اقتصر على هذه. وقد يحتمل أنه لم يذكر القطن والحرير والمتان تعريضًا لأنه سرف إذ إنما يلبس الصالحون الصوف. وأيضًا فقد أشار إلى القطن والكتان بقوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١]:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>(٨٢) - قوله تعالى: ﴿فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين﴾:</span>\nهذه الآية فيها موادعة نسخت بآية السيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>(٩٠) - (٩١) - وقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وقد جعلتم الله عليكم كفيلًا﴾:</span>\nهذه الآية تحتوي على أحكام كثيرة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبغي والأمر بصلة الرحم وحفظ الأيمان. وقد تقدم الكلام على كثير مما تضمنته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>(٩٤)، (٩٥) - قوله تعالى: ﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلًا بينكم ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إنما عند الله هو خير لكم﴾:</span>\nوهذه الآية أيضًا قد تقدم الكلام على كثير من أحكامها. ومنها قوله تعالى: ﴿ولا تشتروا﴾ الآية، نهي عن الرشا وأخذ الأموال على ترك ما يجب على الأحد فعله وهل يجب عليه تركه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>(٩٨) - قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾:</span>\nمعنى هذه الآية: فإذا أردت قراءة القرآن، لأنه لم يرد تعالى التعوذ","vol":"3","page":250},{"text":"بعد القراءة وإنما يبدأ بها ثم بالقراءة. وقد اختلف في التعوذ هل هو واجب قبل القراءة أم لا؟ فالجمهور أنه ليس بواجب وإنما هو مندوب إليه، وحملوا الأمر في الآية على الندب. وذهب عطاء إلى أنه واجب قبل القراءة وحمل الأمر في الآية على الوجوب. واختلف الذين رأوه على الندب هل يتعوذ في الصلاة قبل الفاتحة أم لا؟ فعندنا أنه لا يتعوذ إلا في النفل لمن شاء، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه يتعوذ، وحجتها عموم الآية. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة واختلف القائلون بالاستعاذة هل ذلك في كل ركعة أم لا؟ فقيل: يستعاذ في أول ركعة خاصة. وقيل: يستعاذ في ركعة وهو قول ابن سيرين، وحجة هذا القول عموم الآية. واختلف في لفظ الاستعاذة، فقيل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإليه ذهب الأكثرون. وروى جبير بن مطعم عن أبيه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ حين افتتح الصلاة قال: «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه» وقال إسماعيل القاضي التعوذ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. وما قام هذا المقام.\nقوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾:\nذكر قوم من المفسرين أن الآية نزلت في أناس من أهل مكة آمنوا فكتب إليهم بعض أصحابهم بالمدينة لستم منا حتى تهاجروا إلينا، وكان فيهم عمار بن ياسر وغيره. فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش في الطريق ففتنوهم على الكفر مكرهين فنزلت الآية: ﴿إلا من أكره","vol":"3","page":251},{"text":"وقلبه مطمئن﴾. واتفق العلماء أن من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يلزمه شيء من أحكام الكفر عند الله تعالى. واختلفوا في إلزامه أحكام الكفر، فالجمهور على أنه لا يلزمه شيء من أحكام الكفر وأن أحكامه أحكام المؤمن. وذهب محمد بن الحسن إلى أن أحكامه أحكام الكافر فتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات ولا يرث أباه إن مات مسلمًا، ومفهوم الآية حجة القول الأول، وهذا في الإكراه في القول. ولا خلاف في أن الإثم فيه مرفوع كما قدمنا، واختلف في الإكراه والعتق والبيع هل هو كالإكراه على النطق بكلمة الكفر أم لا؟ فسوى الشافعي بينهما واستدل أصحابه بالآية على نفي طلاق المكره وعتاقه وكل قول حمل عليه وروى أنه باطل نظرًا لما فيه من حفظ حقه كما امتنع الحكم بنفوذ ردته حفظًا لدينه، فإذا بلغ الخلاف في ذلك معلوم في المذهب، واختلف في الإكراه على الفعل مثل شرب الخمر وأكل الخنزير أو السجود لغير الله تعالى أو الزنا بالمرأة المختارة لذلك المكرهة له على الزنا بها ولا زوج لها، وما أشبه من ذلك مما لا يتعلق به حق لمخلوق. وقيل: الإكراه لا يكون في ذلك إكراهًا ينتفع المكره به وإلى هذا ذهب ابن حبيب، ومن حجة من لا يراه إكراهًا أن الآية إنما نزلت في الإكراه على القول خاصة فتقصر على ما نزلت فيه. ومن حجة أهل القول الثاني أن الإكراه على القول خاصة فتقصر على ما نزلت فيه. ومن حجة أهل القول الثاني أن الإكراه على الفعل كما ذكرنا كالإكراه على القول ينبغي أن يحكم له بحكمه. وأما ما يتعلق به حق لمخلوق كالقتل والغصب ونحو ذلك فلا خلاف أن الإكراه فيه غير نافع، كذا قال","vol":"3","page":252},{"text":"بعضهم، والخلاف فيه معروف في المذهب وغيره وكذلك اختلفوا في يمين المكره هل يلزمه أم لا؟ واتفقوا أنخوف القتل إكراه. واختلفوا في غير ذلك مما لا يخاف منه على النفس وهو مؤلم، من سجن وقيد ووعيد ونحو ذلك. فالجمهور أن ذلك كله إكراه ولحجة لهذا القول أن الله تعالى قال: ﴿إلا من أكره﴾ فذكر الإكراه مطلقًا، فيحمل على كل ما يكون إكراهًا حتى يقوم دليل على أنه ليس بإكراه وأحكام المكره كثيرة لا يليق ذكرها بهذا المختصر قوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم﴾.\nالميتة: ما مات من حيوان البر مما له نفس سائلة، حتف أنفه. وأما ما لم يكن له نفس سائلة كالجراد والذباب والبراغيث ودود التين وحيوان الفول وما مات من الحوت حتف أنفه أو طفا على الماء -ففي أكله- قولان: أحدهما الجواز والثاني المنع، وما مات من الحوت حتف أنفه من الدواب التي تعيش في الماء وفي البر كالسلاحف والضفادع وحنو ذلك ففيه قولان. ومن منع رأى كل ذلك ميتة واحتج بالآية. وقد مر الكلام على جميع أحكام هذه الآية فلا معنى بإعادته، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ اختلف في الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب جماعة إلى أنها منسوخة بآية القتال لأنها اقتضت مهادنة ما وقالت جماعة هي محكمة، والمجادلة بالتي هي أحسن انتهاء إلى أمر الله ﷿ به. وقال بعضهم من أمكنه أن يجادل الكفار ويرى ذلك دون قتال فعل معه ذلك، والآية على هذا محكمة قوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا","vol":"3","page":253},{"text":"بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾. ذهب أهل التفسير إلى أن هذه الآية نزلت في شأن التمثيل بحمزة يوم أحد. وذهب النحاس إلى أنها مكية. وكان رسول الله ﷺ لما قتل حمزة قال: «لئن أظفرني الله تعالى بهم لأمثلن بثلاثين منهم» وفي كتاب النحاس وغيره بسبعين منهم. فقال الناس: إن أظفرنا لنفلعنولنفعلن. فنزلت هذه الآية، وعزم على رسول الله ﷺ بالصبر في هذه الآية بعدها: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ هل هو منسوخ أو محكم. فذهب قوم إلى أنها منسوخة بآية القتال، والجمهور على أنها محكمة. ويروى عن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: «أما أنا فأصبر كما أمرت، فما تصنعون؟» قالوا: نصبر يا رسول الله كما ندبنا.","vol":"3","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-540>سورة سبحان</span>\nمكية، وقال قوم من المفسرين هي مكية إلا ثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿وإن كانوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك﴾ وقوله تعالى: ﴿وإن كادوا ليستفزونك﴾ نزلتا حين جاء رسول الله ﷺ وفد ثقيف، وحين قالت اليهود ليست هذه بأرض الأنبياء. وقوله تعالى: ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق﴾ وقوله تعالى: ﴿إن ربك أحاط بالناس﴾. وقال مقاتل مثل ذلك. وآية رابعة، قوله تعالى: ﴿إن الذين أوتوا العلم من قبله﴾. وقد قال ابن مسعود في هذه السورة وفي الكهف انهن من العناق الأول وهن من تلادي -يريد من كسبه القديم- وفيها مواضع من الأحكام، قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ يدل هذا على صحة القول بأن لا تكليف قبل السمع ولا وجوب قبل إرسال الرسل ولا يحسن ولا يقبح بالعقل شيء، خلافًا لمن يقول من المعتزلة إن العقل طريق إلى معرفة وجوب العبادات وتحرم المحرمات وإباحة المباحات. ثم الأكثرون منهم قالوا: يجوز أن يقتصر بعض المكلفين على دليل العقل دون السمع إذا علم الله تعالى أنه ينهض","vol":"3","page":255},{"text":"عقله بما كلفه به. وإذا كان كذلك لم يكن في إرسال الرسل إليه فائدة وإنما يرسل الله الرسل إلى من يعلم الله تعالى أنه لا ينهض بعقله فيبعث الله الرسل إليه بأمور سمعية يعلم الله تعالى أنها داعية إلى المستحسنات العقلية وناهية عن المستقبحات العقلية. ومنهم من يقول يجب على الله تعالى إرسال الرسل لأن ذلك أقرب إلى مظاهرة الحجة وأقوى في معنى اللطف وربما قالوا: العبد لا يعرى من مصالح دينه لا يعلمها إلا بالسمع. والمعتزلة يجيبون عن الآية المذكورة ذبًا عن أصل مذهبهم في إيجاب العقل وتحريمه وتحسينه وتقبيحه فبعضهم يقول: المراد بالآية: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ عذاب استئصال في الدنيا فيكون هذا كقوله: ﴿وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولًا﴾. وبعضهم يقول المراد بها: وما كنا معذبين حتى نبعث في أمها رسولًا. وهذا كله ظاهر البطلان وخروج عن ظاهر الآية. وقد استدل بعضهم بالآية أيضًا على فساد قول من زعم أن أطفال المشركين يعذبون في الآخرة مع آبائهم، وهو استدلال ضعيف لأن المعنى في الآية: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا فيمن يجوز بعثة الرسل إليه. وأما عذاب أطفال المشركين فإنما هو قضاء سابق عليه من غير جناية. وقد استدل أيضًا على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فأسلم فلا تكليف عليه في ما مضى. قال أبو الحسن: وهو مضمون على قائله ما لم تبلغه الدعوة، ولأبي حنيفة في ذلك خلاف. ويؤخذ من هذه الآية وجوب الأعذار إلى المحكوم عليه فيما يثبت عليه، وهو ما أجمع عليه الفقهاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>(٢٣)، (٢٤) - قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانًا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لها أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا * واخفض لها جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا﴾:</span>","vol":"3","page":256},{"text":"تضمن هذه الآية الحض على بر الوالدين. وقد جاء في ذلك من الأحاديث ما لا يحصى ولا ينبغي أن يخصص شيء من الآيات بنوع من البر دون نوع إلا أن يؤتى به على جهة المثال، وقد قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ معناه إذا رأيت منهما في حال الشيخوخة الغائط والبول فلا تعزرهما وتقل لهما أف. ولو لم يكن من الآية إلا قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ لاكتفى بذلك في الحض على بر الوالدين لأنه تعالى لئن كان قد نهى في ذلك عن القليل فبالضرورة يكون ما فوقه من الضرب والشتم أحرى بالنهي عنه، وهذا من إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به على القطع، وقد يسمى هذا بفحوى اللفظ، وقد يسمى بمفهوم الموافقة. وقد اختلف الأصوليون في تسمية هذا قياسًا، والأظهر أن لا يسمى بذلك. وقد اختلف فيمن كان بينه وبين أبيه خصومة فأراد أن يحلفه. فقيل يحلفه ولا يكون بذلك عاقًا، وهو قول مالك وقول ابن الماجشون وظاهر قول ابن القاسم وأصبغ. وقيل يحلفه ويحده في حق يقع له عليه، ويكون عاقًا بذلك ولا يعذر فيه بجهل، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم.\nوقيل لا يمكن من أن يحلفه ولا من أن يحده لأنه من العقوق، وهو مشهور مذهب مالك، وهو أظهر الأقوال لقوله تعالى: ﴿ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا﴾، ولما جاء من أنه ﵊ قال: «ما بر والديه من شدد النظر إليهما أو إلى أحدهما». وقد روي أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمن للولد على والده وللمملوك على سيده»،","vol":"3","page":257},{"text":"ويشهد لصحته قوله ﵊: «أنت ومالك لأبيك». وكذلك اختلف في القصاص من الوالد للولد والنظر في المثلين واحد؟\nوقوله تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل﴾ مما يحتج به الأصوليون على من أنكر وجود المجاز في القرآن.\nوقوله تعالى: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا﴾ فيه جواز الدعاء للأبوين على الإطلاق إلا أنه قد اختلف المفسرون فيها. فذهب قوم -منهم قتادة- إلى أنها منسوخة لأنها اقتضت الاستغفار للآباء المشركين، وذلك منسوخ بقوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ [التوبة: ١١٣].\nوذهب جماعة إلى أنها محكمة، واختلفوا في التأويل. فذهب قوم إلى أنه يجوز أن يستغفر للآباء المشركين إذا كانوا أحياء، فخصصوا الآية بالأحياء من الآباء. وقيل الآية عامة استثنى منها الكفار بقوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا﴾ وبقيت في المؤمنين. ولا يجوز الاستغفار للكفار أحياء ولا أمواتًا. وقد اختلف في بر الأب والأم هل هما سواء فيهما أم بر الأم أفضل. فالأكثر على أن بر الأم أفضل. إلا أنه زعم الليث بن سعد أن لها ثلثي البر. وفي حديث أبي هريرة ما يدل على أن لها ثلاثة أرباع البر، وهو أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: من أحق الناس بحق الصحبة؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من. قال: «أمك». قال له إن أبي من بلاد السودان وكتب إلي أن أقدم عليه وأمي تمنعني من ذلك. قال طع أباك ولا تعص أمك. فدل قول مالك على أنهما في البر متساويان ولو كان لأحدهما عنده","vol":"3","page":258},{"text":"فضل لأمر بالمصير إلى أمره. وفي الآية حجة لهذا القول لأنه تعالى أمر بالدعاء لهما ولم يفضل أحدهما بزيادة في الدعاء فدل ذلك على استواء المنزلة. وزعم المحاسبي أن تفضيل الأم على الأب في البر إجماع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>(٢٦) - (٢٩) - قوله تعالى: ﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرًا ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فتقعد ملومًا محسورًا﴾:</span>\nاختلف في ﴿ذا القربى﴾ فقيل هم القرابة. أمر الله تعالى بصلتهم، خوطب بذلك النبي ﷺ، والمراد جميع الأمة. وقيل هم قرابة النبي ﷺ خاصة أمر رسول الله ﷺ بإعطائهم حقوقهم من بيت المال. والأول أصح ويعضده عطف المسكين وابن السبيل على ذي القربى. ثم في سائر الآية الأمر بحفظ المال وترك إضاعته والقصد في إنفاقه. وقد اختلف فيمن تصدق بجميع ماله وهو صحيح غير مدين. فقيل ذلك جائز، والحجة له حديث أبي بكر حين تصدق بماله كله، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي والجمهور. وقيل لا يجوز ذلك وهو مردود، وروي ذلك عن عمر أنه رد على غيلان بن سلمة نساءه وكان طلقهن. وكان قد أقسم ماله بين بنيه، فرد ذلك كله. وقيل يجوز من ذلك الثلث ويرد الثلثان. وحجة هذا القول أن النبي ﷺ رد صدقة كعب بن مالك كله إلا الثلث وهو قول مكحول والأوزاعي. وقيل كل عطية","vol":"3","page":259},{"text":"تزيد على النصف ترد إلى النصف روي ذلك أيضًا عن مكحول. ومن حجة من لم ير الصدقة بالمال كله قوله تعالى: ﴿ولا تبذر تبذيرًا﴾ وقوله سبحانه: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>(٣٣) - قوله تعالى: ﴿ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورًا﴾:</span>\nقوله تعالى: ﴿مظلومًا﴾ أي بغير حق. والولي القائم بالدم وهو من ولد الميت أو ولده الميت أو جمعه وأباه أب. واختلفت الرواية عن مالك في النساء هل لهن مدخل في الدم مع المعصية أم لا؟ وإذا قلنا لهن مدخل في ذلك ففي أي شيء لهن مدخل من ذلك أيضًا؟ روايتان: إحداهما في القود دون العفو، والأخرى في العفو دون القود. وقيل فيهم جميعًا. وقوله تعالى: ﴿فقد جهلنا لوليه سلطانًا﴾ حجة لمن يرى للمرأة مدخلًا في أمر الدم لأنها ولي. والآية غير مقيدة فتحمل على كل من يقع عليه اسم ولي. وذكر إسماعيل القاضي أن قوله: ﴿لوليه﴾ يدل على خروج المرأة عن مطلق لفظ الولي. قال فليس للمرأة قصاص ول اعفو. قال لأن لفظ الولي مذكر وهو واحد. وأنكر هذا الاستدلال أبو الحسن وزعم أن المراد بالولي الوارث ولأنه لفظ جنس يستوي فيه المذكر والمؤنث. والسلطان لفظ مجمل يحتمل الحجة والدية والقود ويحتمل الجمع. وقد اختلف فيه، فقيل المراد به التخيير بين القود والدية وهو قول الشافعي، وقيل القود. وعن مالك رحمه الله تعالى في ذلك روايتان.","vol":"3","page":260},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فلا يسرف في القتل﴾ وقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك لا يقتل غير قاتله ولا يمثل به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>(٣٤) - قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ إلى قوله: ﴿مسئولًا﴾:</span>\nقوله تعالى: ﴿إلا بالتي هي أحسن﴾ يريد بأن يأخذ الوصي منها شيئًا أو أخذ بالمعروف. وقال مجاهد التي هي أحسن التجارة. وخص اليتيم به لأنه إليه أحوج وقد مر الكلام على هذا المعنى في سورة النساء كاملًا.\nوقوله: ﴿حتى يبلغ أشده﴾ هي غاية لإمساك مال اليتيم عنه. ومعنى الأشد: قوة العقل وكمال التجربة وحسن النظر، وذلك لا يكون إلا مع البلوغ. وذكر أبو الحسن عن الرازي أن إيناس الرشد عند البلوغ لأشد لا يعتبر، ولو اعتبر في ذلك في الآية كما قال تعالى: ﴿حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا﴾ [النساء: ٦] وأنكر أبو الحسن ذلك وزعم أنه لا بد من اعتبار الرشد مع الأشد، والأشد في الآية البلوغ وقد مضى الكلام على هذا أيضًا. واختلف في قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده﴾ هل هو منسوخ أو محكم؟ فذهب قوم إلى أنه منسوخ. وروى عن قتادة أنه قال: كانوا من هذا على جهد حتى نزل: ﴿وأن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وهو صحيح. وذهب الأكثر إلى أنه محكم لا نسخ فيه لأن قوله تعالى: ﴿إلا بالتي هي أحسن﴾ يعطي المخالطة التي في الآية الأخرى. وهذا هو الصحيح.","vol":"3","page":261},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد﴾، ﴿وأوفوا الكيل﴾ [الإسراء: ٣٥] وقد مضى معنى هذا كله في ما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>(٣٦) - قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾:</span>\nهذه الآية بالجملة تنهى عن قول الزور والقذف وما أشبه ذلك من الأول من الأقوال، ويحتج به نفاة القياس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>(٥٣) - قوله تعالى: ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾:</span>\nاختلف في معنى قوله تعالى: ﴿التي هي أحسن﴾ فقيل: قول لا إله إلا الله، فعلى هذا يريد بعبادي جميع الخلق. وقيل المجاورة الحسنة، قال الحسن: يرحمك الله ويغفر لك، وعلى هذا يكون عبادي خاصًا بالمؤمنين وتكون الآية كقوله عليه الصلاة السلام: «وكونوا عباد الله إخوانًا» ثم اختلف الذين ذهبوا إلى هذه في الآية هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب قوم إلى أنها محكمة وقالوا في معناها: إن الله تعالى أمر المؤمنين فيما بينهم بحسن الأدب وخفض الجناح وإلانة القول ونحو ذلك. وذهب قوم إلى أنها منسوخة وقالوا في معناها إنما أمر الله فيها المؤمنين بإلانة القول للمشركين بمكة أيام المهادنة. وسبب الآية أن عمر بن الخطاب شتمه بعض الكفرة فسبه عمر وهم بقتله فكاد أن يثير فتنة فنزلت الآية ثم نسخت بآية القتال. والقول في قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك عليهم وكيلًا﴾ [الإسراء: ٥٤] كالقول في هذه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>(٦٦) - قوله تعالى: ﴿ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله﴾:</span>\nقوله: ﴿لتبتغوا من فضله﴾ كلام يعم التبخر وطلب الأجر من حج أو","vol":"3","page":262},{"text":"غزو ونحوه. وقال بعضهم: لا خلاف في جواز ركوبه لحج أو غزو أو معاش. واختلف في كراهيته للثروة وتزيد المال. وقد جاء في حديث أم حرام بنت ملحان ما يدل على جواز ركوبه في الغزو وقد روي عنه ﵊ أنه قال: «البحر لا أركبه أبدًا» وقد مر الكلام على هذه المسألة بأوفى من هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>(٧٨) - (٧٩) - قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾:</span>\nواختلف في قوله: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر﴾ بعد الاتفاق على أنه في الصلوات المفروضة. فقيل يشتمل على الصلوات الخمس، ودلوك الشمس زوالها، والإشارة إلى الظهر والعصر، وغسق الليل ظلمته والإشارة به إلى المغرب والعشاء. وقرآن الفجر يريد به صلاة الصبح. وقيل لا يشتمل على كل الصلوات الخمس ولكن دلوك الشمس غروبها والإشارة به إلى المغرب، وغسق الليل الإشارة به إلى العتمة، وقرآن الفجر صلاة الصبح ولم تقع إشارة - على هذا القول- إلى الظهر والعصر. واستدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿وقرآن الفجر﴾ على أن","vol":"3","page":263},{"text":"الصلاة لا تكون إلا بقرآن. وقوله تعالى: ﴿إن قرآن الفجر كان مشهودًا﴾ اختلف فيه، فقيل معناه تشهد ملائكة الليل وملائكة النهار حسبما جاء به الحديث المشهور. وقال محمد بن سهل بن عسكر يشهده الله وملائكته. وقوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾، والتهجد عند العرب السهر، ضد الهجود. واختلف المفسرون فيه، فقيل هو السهر بعد نومه وقيل هو ما كان بعد العشاء الأخيرة. واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿نافلة لك﴾. فقيل -وهو قول ابن عباس وغيره- زيادة لك في الفرض. قالوا وكان قيام الليل على النبي صلى الله عليه فرضًا. فعلى هذا لقول يكون الأمر في الآية على الوجوب. وقيل -وهو قول مجاهد وغيره- لفظ نافلة على بابه من معنى الزيادة، وكان ذلك للنبي ﷺ لأنه مغفور له، فلم يكن فعله ذلك يكفر عنه شيئًا من الذنوب لأن الله تعالى كان قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكان له نافلة أي فضلًا وزيادة. وأما غيره فهو كفارة له، وليس له نافلة لأن النبي ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر عام الحديبية فإنما كانت نوافله واستغفاره فضائل في العمل وقربًا أشرف من نوافل أمته، لأن نوافل أمته إما أن تجبر بها فرائضهم، وإما أن تحط بها خطاياهم. وقد يتصور من لا ذنب له يتنفل فيكون تنفله فضلًا كنصراني أسلم وصبي احتلم. وضعف الطبري هذا وعضد قول ابن عباس. وتحتمل الآية قولًا ثالثًا، وهو أن يكون على طريق الندب في التنفل، وخوطب بها","vol":"3","page":264},{"text":"النبي ﷺ، والمراد هو وأمته كالخطاب في قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>(١١٠)، (١١١) - قوله تعالى: ﴿ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وقل الحمد لله﴾:</span>\nاختلف في سبب نزولها، فقيل سببها أن المشركين سمعوا رسول الله ﷺ يدعو: «يا الله، يا رحمن» فقالوا كان محمد يأمرنا بدعاء إله واحج وهو يدعو إلهين، قاله ابن عباس وغيره. وقيل تهجد رسول الله ﷺ فقال في دعائه: «يا رحمن، يا رحيم» فسمعه رجل من المشركين، وكان باليمامة رجل يسمى الرحمان، فقال ذلك السامع: ما بال محمد يدعو رحمان اليمامة؟ فنزلت الآية، قاله مكحول وغيره وقد مر الكلام على ما في هذه الآية من الأحكام والنسخ.\nوقوله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلًا﴾ اختلف في الصلاة ما هي في هذه الآية. فقال ابن عباس وعائشة وغيرهما: هي الدعاء. واختلف الذين قالوا هذا هل الآية محكمة أو منسوخة؟ فذهب قوم إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وهو قول ابن عباس وذهب قوم إلى أنها محكمة. وقال ابن عباس أيضًا وغيره هي قراءة القرآن في الصلاة، فالتقدير على هذا: ولا تجهر بقراءة صلواتك. قالوا والسبب أن رسول الله ﷺ جهر بالقراءة فسمعه المشركون فسبوا القرآن ومن أنزله، فأمر رسول الله ﷺ بالوسط ليسمع أصحابه المصلين معه ويذهب عنه أذاء المشركين. وقالت عائشة أيضًا: الصلاة يراد بها في هذه الآية التشهد، وإلى نحو هذا ذهب ابن سيرين،","vol":"3","page":265},{"text":"فقالكان الأعراب يجهرون بتشهدهم فنزلت الآية في ذلك. إذا قلنا إن المراد بالصلاة قراءة الصلاة فما معنى ترك الجهر بها، وإتيان المخافتة اختلف فيه. فقيل أن لا يرفع الصوت جدًا ولا يخفض جدًا. وروي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان يسر قراءته وكان عمر يجهرها فقيل لهما في ذلك فقال أبو بكر: إنما أنا أناجي ربي وهو علم حاجتي. وقال عمر أنا أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، فلما نزلت هذه الآية قيل لأبي بكر ارفع أنت قليلًا وقيل لعمر أخفض أنت قليلًا. وقيل المعنى ولا تحسن صلاتك في الجهر ولا تسئها في السر بل اتبع طريقًا وسطًا يكون دائمًا في كل حالة، قاله ابن عباس والحسن وغيره. وقيل المعنى النهي عما يفعله أهل الإنجيل والتوراة من رفع الصوت أحيانًا، فيرفع الناس معه ويخفض أحيانًا. يسكت من خلفه، قاله ابن زيد. وقيل المعنى: ولا تجهر بصلاة النهار ولا تخافت بصلاة الليل، وهكذا روي عن النبي ﷺ أنه قال: «صلاة النهار عجمًا أي أتبع من امتثال الأمر كما رسم لك» قاله ابن عباس. وكان الأبين أن يقول بين ذينك، ولكنه اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر كما قال تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة﴾ [البقرة: ٤٥] ولم يقل وإنهما. وأراد: وابتغ بين الجهر والمخافتة سبيلًا.","vol":"3","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-550>سورة الكهف</span>\nهي مكية كلها في قول الأكثر. وذهب قوم إلى أنه من أول السورة إلى قوله: ﴿جرزًا﴾ نزل بالمدينة. وقد روي عن النبي ﷺ ما يدل أنها من أفضل السور قال: «ألا أخبركم بسورة عظمها بين السماء والأرض ولمن جاء بها من الأجر مثل ذلك؟» قالوا: أي سورة هي يا رسول الله؟ قال: «سورة الكهف، من قرأ بها يوم الجمعة غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام». وفي رواية: «من قرأها أعطي نورًا بين السماء والأرض ووقي بها فتنة القبر» وفيها مواضع من الأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>(١٤) - قوله تعالى: ﴿وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض﴾:</span>\nقوله: ﴿إذ قاموا﴾ يحتمل أن يريد بين يدي الكفار ويحتمل أن يريد بالقيام عزمهم على الهروب إلى الله تعالى. وبهذه","vol":"3","page":267},{"text":"الألفاظ تعلقت الصوفية في القيام والقول. وهذا تعلق ضعيف لا تثبت به حجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>(١٩) - قوله تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعامًا </span>...﴾:\nالآية أصل في جواز الوكالة وصحتها. ولا خلاف في جوازها في البيع والشراء وحفظ المتاع وقبض الحقوق ودفعها والنظر في الأموال.\nواختلف في جوازها في الخصومات، فأجازها الجمهور من الغائب والحاضر والمرأة والرجل، وقال أبو حنيفة لا تصح إلا من غائب أو مريض أو امرأة غير بارزة. وذكر بعضهم عنه في الغائب أنه الذي تكون غيبته مسيرة ثلاثة أيام فصاعدًا. واستدل بعض الفقهاء على إبطال هذا القول وتصحيح القول الأول بالآية. والاستدلال بهذه الآية في ذلك ضعيف. وقال أبو الحسن: تدل هذه الآية عل جواز خلط دراهم الجماعة والشراء بها والأكل من الطعام الذي بينهم بالشركة وإن كان فيهم من يأكل أكثر وأقل. وهو الذي سماه الناس المناهدة، ويفعلونه في الأسفار، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم ...﴾ [البقرة: ٢٢٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>(٢٣)، (٢٤) - قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا * إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت﴾:</span>\nنزلت هذه الآية معاتبة للنبي ﷺ على قوله -إذ سأله اليهود عن ذي القرنين وخبر موسى وعن الروح- غدًا أخبركم، ولم يستثن في ذلك. واحتبس عنه الوحي خمسة عشر يومًا حتى شق ذلك عليه وأرجف به الكفار، فنزلت الآية، وأمر أن لا يقول غدًا أخبركم بشيء إلا أن يعلقه بمشيئة الله ﷿. واللام في قوله: ﴿لشيء﴾ بمنزلة: في، أو كأنه","vol":"3","page":268},{"text":"قال لأجل شيء. وقوله: ﴿إلا أن يشاء الله﴾ في الكلام محذوف تقديره إلا أن يقول الله إن شاء وحنو ذلك. وقال بعضهم إلا أن يشاء الله استثناء من قوله: ﴿ولا تقولن﴾ وهذا قول فاسد بين الفساد فإن قيل: أي معنى للاستثناء وال يتصور أن يفعل أحد فعلًا أن يشاء الله، فذكر ذلك وترك ذكره سواء؟ فالجواب أن فائدة الاستثناء رفع ما يوهم اللفظ من الفعل لا محالة وإذا لم يذكر الاستثناء فاللفظ يوخم أنه يفعل لا محالة ولذلك وجب اليمين بهذه الكفارة وسقطت إذا سرح بالاستثناء، ومن أجل هذا أيضًا وجب أن يكون الاستثناء متصلًا، وإن انفصل لن يؤثر. وأما المعتزلة القائلون بأن الإنسان يفعل الشيء وإن لم يشأ الله فلا معنى للاستثناء على قولهم، إلا أنهم أجابوا عن هذا بأن معنى الاستثناء: إلا أن يشاء الله أن يقطعني عنه باخترام أو موت، فيخرج بهذا كون المخبر أو الحالف قاطعًا على الفعل.\nوإن وضع الحالف موضع الاستثناء بالمشيئة بما هو في معناها مثل أن يقول إلا أن يريد الله وإلا أن يقضي الله وإلا أن يقدر الله، فقد اختلف هل يصح به الاستثناء أم لا؟ فأما ابن القاسم فقال لا يصح لأن الاستثناء بالمشيئة قد كان القياس أ، لا يقع لأنه لا يفعل أحد منها إلا بالمشيئة على مذهب أهل السنة. وكذلك الاستثناء بما كان في معناها من تلك الألفاظ المذكورة. لكن الإجماع والسنة أخرجا الاستثناء بالمشيئة من ذلك فقصر الاستثناء عليها وبقي سائر الألفاظ الأخرى على ما يوجبه القياس.\nوذهب عسى بن دينار إلى أن الاستثناء بتلك الأشياء نافع كالاستثناء بالمشيئة إذ لا فرق بينهما. وهذا كله إذا حلف الحالف بالله على فعل ما وصرف","vol":"3","page":269},{"text":"الاستثناء إلى الفعل، وإن صرفه إلى اسم الله تعالى لم ينفعه.\nقوله تعالى: ﴿واذكر بك إذا نسيت﴾ اختلف فيه، فقال ابن عباس والحسن معنها استثن ولو بعد مدة إذا نسيت الاستثناء. وقيل معناه إذا غضبت. وقيل معناه إذا تركت ذكر ربك. وإذا قلنا إن المراد بالآية الاستثناء فهل ذلك في اليمين أم في غير اليمين؟ اختلف في ذلك، إلا أن ظاهر قوله تعالى: ﴿زلا تقولن لشيء ...﴾ الآية. أن المراد في غير اليمين وإلى أن ذلك في الوقت الذي ينتفع فيه بالاستثناء على عشرة أقوال. فذهب مالك وغيره إلى أنه لا ينتفع إلا أن يكون متصلًا باليمين. وقال عطاء: له أن يستثني في قدر حلب الناقة الغزيرة. وقال الحسن وطاووس: له أن يستثني ما لم يقم من مجلسه. وقال قتادة: له ذلك ما لم يقم أو يتكلم. وقال ابن حنبل: له ذلك ما دام في الأمر. وقال إسحاق مثله إلا أن يكون ثم سكوت ثم يعود إلى الأمر. وقال ابن جبير له ذلك بعد أربعة أشهر. وقال مجاهد: له ذلك بعد سنتين. قال ابن عباس: يصح له الاستثناء. فقيل أراد سنة. وقيل أراد أبدًا، وقال أبو العالية له","vol":"3","page":270},{"text":"ذلك أبدًا، وروي مثله نصًا عن ابن عباس. واحتج من ذهب إلى هذا بقوله تعالى: ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ وبما جاء عنه ﵊ أنه قال: «والله لأغزون قريشًا» ثم سكت، ثم قال: «إن شاء الله». والصحيح من هذه الأقوال ما ذهب إليه مالك رحمه الله تعالى، وقد أبطل الناس سائر الأقوال وأبطلوا حججها بما يضيق هذا الكتاب عن بسطه، فمن أراد طلبه في مظانه قال الطبري: وأعلم أحدًا ممن يقول ينفع الاستثناء بعد مدة، يقول بسقوط الكفارة قال: ويرد ذلك قوله ﵊: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليأتي الذي هو خير» فلو كان الاستثناء على ذلك أن يدخل به الحالف في رتبة المستثنين بعد مدة حلفه خاصة.\nوذهب جماعة إلى أن مذهب ابن عباس سقوط الكفارة وألزموا كل من يقول بجواز الاستثناء بعد مدة القول بإسقاط الكفارة، والقول بإسقاط الكفارة أصح على قول من يقول في جواز الاستثناء بعد مدة لظاهر الآية إذا حملت على ذلك. والاستثناء في المشهور إنما هو عامل في اليمين بالله تعالى. واختلف في اليمين بغير الله من طلاق أن عتاق أو مشي إلى مكة ونحو ذلك هل ينفع فيه الاستثناء أم لا؟ ففي المذهب إنه لا ينفع، وذهب الشافعي وأبو حنيفة وغيرهما إلى أنه ينفع. وإذا حمل قوله تعالى: ﴿إني فاعل ذلك غدًا * إلا أن يشاء الله﴾ على اليمين فهو حجة لمن حمله على اليمين مطلقًا بما كانت، ورأى الاستثناء نافعًا في ذلك. إلا أن الأظهر ما قدمناه. وقال بعض الشيوخ المتأخرين اختلف في اليمين في الطلاق أنه يصح فيه الاستثناء بالمشيئة أم لا على قولين، والأصح منهما في النظر أنه يصح فيه إذا صرف الاستثناء إلى الفعل لا إلى نفس الطلاق لأنه علق","vol":"3","page":271},{"text":"الطلاق بصفة لا يصح أن توجد وهي أن تفعل شيئًا والله تعالى لا يشاؤه.\nقوله تعالى: ﴿ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدًا﴾:\nهذه الآية تتضمن الرد على المنجمين والمتكهنين والطبعيين وغيرهم ممن يخوض في هذه الأشياء.","vol":"3","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-554>سورة مريم ﵍</span>\nهذه السورة مكية باتفاق إلا السجدة فاختلف فيها. فقيل مكية، وقيل مدنية، وفيها مواضع من الأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>(٥) - (٦) - قوله تعالى - حكاية عن زكريا ﵇-: ﴿فهب لي من لدنك وليًا * يرثني ويرث من آل يعقوب﴾:</span>\nاختلف الناس في هذه الوراثة المطلوبة ما هي؟ فأكثر المفسرين على أنها وراثة المال، وقال قوم بل وراثة الدين، أي من يقوم بالدين من بعده. وقد اختلف في وراثة الأنبياء، فذهب الجمهور إلى أنهم لا يورثون، وذهب قوم إلى أنهم يورثون واحتجوا بهذه الآية على التفسير الأول، وبقوله تعالى: ﴿وورث سليمان داود﴾ [النمل: ١٦]. وافترق الجمهور في رد ما ذهب إليه هؤلاء في الآية على فرق، منهم من ذهب إلى التفسير الثاني، ومنهم من قال الآية على ظاهرها وقال هذه شريعة قد كانت ونسختها شريعة محمد ﷺ لأنه قد جاء عنه ﵊: «إنا معشر الأنبياء لا","vol":"3","page":273},{"text":"نورث ما تركناه صدقة» والقول بأن الأنبياء لا يورثون هو الصحيح ويؤيده ذكر العاقر في الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>(١٧) - قوله تعالى -يعني مريم-: ﴿فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويًا﴾:</span>\nفي هذه الآية الوحي إلى النساء. وقد اختلف هل يجوز أن تكون المرأة نبية أن لا؟ بعد اتفاقهم على أن لا تكون رسولًا. واحتج من أجاز ذلك بهذه الآية ورأى أن مريم كانت نبية، ورد الآخرون هذا القول وقالوا لم تكن مريم نبية وإنما كلمها مثال بشر ورؤيتها للملك كام رؤي جبريل في صفة دحي وفي سؤاله عن الإيمان والإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>(٤٧) - قوله تعالى - حكاية عن قول إبراهيم ﵇ لأبيه الكافر-: ﴿قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيًا﴾:</span>\nاختلف في معنى تسليمه عليه. فقال قوم تحية مفارق، وأجازوا تحية الكافر وأن يبدأ بها.\nوقال الجمهور: السلام في الآية بمعنى المسالمة لا بمعنى التحية ولم يروا ابتداء الكافر بالسلام، وهذا القول أصح ويؤيده قوله ﵊ في أهل الكتاب: «لا تبدأوهم بالسلام واضطروهم إلى ضيق الطرق».","vol":"3","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-558>(٧١) - قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتمًا مقضيًا﴾:</span>\nاختلف في قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ هل هو قسم أم لا؟ فقيل هو مقسم عليه مردود على قوله تعالى: ﴿فوربك لنحشرنهم﴾ [مريم: ٦٨]، وقيل هو مقسم عليه والقسم محذوف، والتقدير: والله إن منكم إلا واردها، فحذف القسم كثير في كلام العرب، ومثله قوله تعالى: ﴿لمن ليبطئن﴾ [النساء: ٧٢]. وقال قوم لا قسم في قوله: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾. وإذا لم يكن على هذا القول قسم فما معنى قوله ﵊: «ألا تحلة القسم إلا بشيء الذي لا يناله معه مكروه»، وأصله من قول العرب: ضربه تحليلًا وضربه تعزيرًا إذا لم يبالغ في ضربه. وأصله من تحليل اليمين، وهو أن يحذف ثم يستثني استثناء متصلًا ثم جعل ذلك مثلًا لكل شيء يقل وقته. وقال بعضهم: الصحيح أن هذا قسم منه تعالى على ورود الناس النار وبينه ﵊: «من مات له ثلاثة من الولد لم تمسه النار إلا تحلة القسم» وقد جاء هذا مفسرًا في حديث آخر: «من حرس ليلة من وراء المسلمين متطوعًا لم يأجره السلطان لم ير النار تمسه إلا تحلة القسم». قال تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ وقد قرئ: ﴿وإن منهم إلا واردها﴾ ... على إرادة الكفار. واختلف العلماء على","vol":"3","page":275},{"text":"قراءة: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾. فمنهم من حمل ذلك على الكفار. وقال الجمهور: بل المخاطب جميع العالم ولا بد لهم من الورود. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا في كيفية ورود المؤمنين. فمنهم من قال: ورود دخول لكنها لا تعدو عليهم ثم يخرجهم الله تعالى منها بعد معرفتهم بحقيقة ما نجوا منه. وكان من دعاء بعضهم: اللهم أدخلني النار سالمًا وأخرجني منها غانمًا. وجاءت في هذه أحاديث عن النبي ﷺ تعضده. وقال قوم بل ورود إشراف واطلاع لا دخول. واختلف الذين ذهبوا إلى أنه ورود دخول. فرأى جمهورهم الآية محكمة وأنه لا ينجو منها قوم واحتجوا بما جاء عنه ﵊ أنه قال: «لا يدخلن النار أحد من أهل بدر الحديبية» قالت حفصة: وأين قول الله ﷿: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾؟ فقال رسول الله ﷺ: «ثم ينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم» رجح الزجاج هذا القول لقوه تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ [الأنبياء: ١٠١]. وذهب بعضهم إلى أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ وهذا أضعف الأقوال لأنه ليس بموضع نسخ. وتحقيق القول في هذه المسألة","vol":"3","page":276},{"text":"على مذهب أهل السنة الذين لا يرون إنفاذ الوعيد واجبًا، إذ المراد بالآية عصاة المؤمنين إذا شاء الله أن ينفذ وعيده فيهم. وأما على قول المعتزلة الذين يرون إنفاذ الوعيد فيكون العصاة مخلدين في النار، تعالى الله ﷿ عن ذلك. وأما على قول الخوارج المكفرين بالذنوب فحالهم في ذلك حال الكفار، تعالى الله سبحانه عن ذلك. وكلهم يتأول الآية على مذهبه، والصحيح ما ذكرنا. وأما على قول المرجئة فيرون الآية في الكفار لأن من قال: لا إله إلا الله، لا يدخل عندهم النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>(٥٨) - قوله تعالى: ﴿إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدًا وبكيًا﴾:</span>\nاختلف المفسرون هل هذا في الصلاة أم لا؟ فقال الحسن إنه في الصلاة وقيل في غير الصلاة. واختلف هؤلاء في المراد بآيات الرحمن. فقال الأصم: المراد بآيات الرحمن كتبه المتضمنة لتوحيده وحججه، وأنهم كانوا يسجدون عند تلاوتها ويبكون عند ذكرها. وروي عن ابن عباس أن المراد بها القرآن خاصة وأنهم يسجدون ويبكون عند تلاوته. ففي قوله هذا دلالة على أن القرآن هو الذي كان يتلى على جميع الأنبياء، ولو كان كذلك لما كان رسول الله ﷺ مختصًا بإنزاله عليه. واحتج الرازي بهذه الآية على وجوب سجود القرآن على المستمع والقارئ. قال أبو الحسن: وهذا بعيد لأن هذا الوصف شامل لكل آية من آيات الله تعالى وهي طريقة الأنبياء من تعظيم الله تعالى وتعظيم آياته فلا دلالة فيه على وجوب ذلك عند سماع آيات مخصوصة. وإذا قلنا إن الآية معناها في الصلة ففيها دلالة على وجوب السجود في الصلاة وجواز البكاء فيها وأنه لا يفسد الصلاة، فتدبره.","vol":"3","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-560>(٩٢)، (٩٣) - قوله تعالى: ﴿وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدًا *\" إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾:</span>\nفيه دليل على أن العبودية والبنوة لا تجتمع لأنه تعالى رد بهذه الآية إضافة الطفرة إليه الولد سبحانه، فدل على أن الولد لا يكون مملوكًا لأبيه، فإذا لمكه أعتق عليه. فإذا كان ذلك في الابن فالأب أولى. وهذه مسألة قد اختلف فيها، أعني عتق الأقارب جملة. فأنكره جماعة من أهل الظاهر وتعلقوا بقوله ﵊: (لا يجزي ولد عن والده إلا أن يجده مملوكًا فيعتقه» وأثبته الجمهور واختلفوا فيه. ففي المذهب ثلاثة أقوال المشهور منها عن مالك: أن العتق يحتص بعمودي النسب والأخوة. والثاني: أنه يختص بعمودي النسب خاصة، ذكره ابن خويزمنداد. والثالث: يتعلق بذوي الأرحام المحرمة، ذكره ابن القصار. وبما حكاه ابن خويزمنداد قال الشافعي، وبما ذكره ابن القصار قال أبو حنيفة. فأما حجة من أنكر العتق بالحديث فضعيفة لأنه وإن كان أضاف العتق إلى الأب فليس المعنى أن ذلك باختياره بل أضاف العتق إليه لأنه كان عن أمر يكتسبه ويفعله وهو الشراء. وقد جاء في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من ملك ذا رجم محرم عليه فهو حرام». وأما ما حكاه ابن القصار فحجته هذا الحديث. ومن حجة القول المشهور: أما في عتق البنوة فالآية التي ذكرناها وأم عتق الأبوة فقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [الإسراء: ٢٣]. وأما عتق الأخوة فلقوله تعالى: ﴿إني لا أملك إلا نفسي وأخي﴾ [المائدة: ٢٥] وبهذا تعلق اصحاب مالك في المسالة.","vol":"3","page":278},{"text":"قالوا فلما استحال ملكه نفسه استحال ملكه أخاه لأنه ليس المراد بالملك في الآية ملك العبودية وإنما يراد ملك الطاعة والانقياد، فلهذه الآي وقع الاقتصار في المذهب على عتق عمودي النسب والإخوة لا أكثر. وكان الحديث في عتق ذوي الأرحام لم يثبت عند من ذهب إلى ذلك. قال إسماعيل القاضي في كتابه: إلا أن نقول إذا اشترى الوالد الولد فإن ملكه له يثبت لأنه لو لم يثبت لم يصح الشراء ولا بد من تصحيح الشراء ليزول ملك البائع ولا يزول ملكه إلا بصحة ملك المشتري، لكن لا يملكه الوالد إلا بقدر ما يصح به الانتقال وذلك لضرورة تصحيح الشراء ثم بعد ذلك يمتنع بثبوت مالك الوالد عليه لأنه لا يصح ملكه إياه. وقد قال بعض علمائنا: إن شراء الولد لا يثبت للوالد ملكًا وإنما هو عقد عتق، ولا يقال إن الملك يثبت في زمان ويحصل العتق بعده في زمان آخر، لكن العتق يحصل مقارنًا للشراء ويكون الشراء عقد عتق.","vol":"3","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-561>سورة طه ﷺ</span>\nهي مكية وفيها من الأحكام مواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>(١٢) - قوله تعالى: ﴿فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى﴾:</span>\nاختلف في المعنى الذي أمر له بخلع النعلين. فقيل لأنهما كانتا من جلد حمار غير ذكي. وقد روي ذلك عن النبي ﷺ. وقالت فرقة بل كانت من جلد بقرة ذكي فأمر بخلعها لينال بركة الوادي المقدس بأن تمس التربة قدماه. وقيل بل أمره أن يتواضع لعظم الحال التي كان فيها، والعرف عند الملوك أن تخلع النعال تواضعًا فأمر موسى بذلك على هذا الوجه ولا يبالى كانت النعال من ذكي أو غيره. ويختلف في جواز دخول المساجد بالنعال. وظاهر الآية يدل على وجوب نزعها في المساجد. وهذا القول الثاني في تفسيرها. والحجة في جواز ذلك ما ثبت من أن النبي ﷺ كان يصلي في تعليه ويدخل بها مسجده والمسجد الحرام. وإذا قلنا إنهما","vol":"3","page":280},{"text":"كانتا مكن جلد حمار ميت فمعناه أنه كان غير مدبوغ على القول بأن دباغ الأديم طهوره على ما جاء عنه ﵊. ويحتمل أن يقال كان مدبوغًا على القول بأن الدباغ لا يطهر أو على القول بأن ذلك كان في شريعة موسى ﵇ على أنه لا يطهره الدباغ ونسخ في شريعتنا.\nوفي اشتراط هذا القائل في جلد الحمار أنه من حمار ميت نظر لأن الحمار لا يجوز أكله في مشهور مذهب العلماء لما جاء من النهي عن ذلك. وإذا لم يجز أكلهفهل تعمل فيه الذكاة أم لا؟ فيه نظر. وقد اختلفوا في ذلك، وإذا لم تعمل فيه الذكاة فهو ميتة ذكي أو لم يذك. فلا معنى لذلك الشرط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>(١٤) - قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾:</span>\nاختلف في اللام التي في: ﴿لذكري﴾ فقيل هي لام سبب، واللفظ على هذا يحتمل تأويلين: أحدهما: أن يريد لتذكرني فيها فيكون المصدر على هذا مضافًا إلى المفعول، ويحتمل أن يريد لأذكرك في عليين بها فيكون المصدر على هذا مضافًا إلى الفاعل. وقيل اللام بمنزلة عند.\nكأنه قال أقم الصلاة عند تذكرها، ورجح هذا بعض المتأخرين ورأى احتجاج النبي ﷺ في حديث الوادي عاضدًا لذلك وهو قول ينبئ عن ظاهره اللفظ. وقرأ قوم للذكرى وقم لذكري وقوم للذكر. وقد اختلف","vol":"3","page":281},{"text":"هل تقضى الفرائض في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها أم لا؟ فعدن مالك رحمه الله تعالى أنه يصليها متى ذكرها خلافًا لأبي حنيفة. وحجة مالك قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: «من نام عن صلاة أن نسيها فليصلها إذا ذكرها فأن الله تعالى يقول: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾. قال أبو الحسن: ومن السلف من قال لا تقضى الفائتة إلا في مثل وقتها فإذا فاتت الصبح لأحد صلاها من الغد. فهذا قول بعيد من مقتضى الآية واختلف أيضًا فمن صلى صلاة ثم ذكر بعد صلاة من يوم آخر فصلاها هل يعيد الصلاة الحاضرة التي صلى إذا بقي من وقتها شيء أم لا؟ فقال الشافعي وغيره ليس ذلك عليه. وقال مالك وغيره ذلك عليه واستدل أهل المقالة الأولى بقوله ﷺ: «من نسي صلاة فليصل متى ذكر» ولم يقل ليعد ما كان في وقته. والحجة لقول مالك قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ ودل هذا أن وقت الذكر وقت الصلاة المنسية. وإذا اجتمعت صلاتان في وقت واحد فالواجب تقديم الأولى. واستدل مالك بآخر الحديث، واستدل الشافعي بأوله. واختلف فيمن فاتته صلاة الصبح هل يصلي قبلها ركعتي الفجر أم لا؟ فروى ابن وهب عن مالك أنه لا يركع حتى يصلي الفريضة. وقال أشهب وعلي بن زياد يركع، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾، وقوله ﵊: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها» فهذا ينفي فعل صلاة قبلها. واختلف أيضًا هل للصلاة الفائتة أذان أو إقامة على ثلاثة أقوال. فقال مالك والشافعي وغيرهما يقام لها ولا يؤذن. وقال ابن","vol":"3","page":282},{"text":"حنبل وأبو حنيفة يؤذن ويقام. وقال سفيان لا يؤذن لها ولا يقام. ومن حجة من لا يرى الإقامة قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ لأن ظاهره الإقامة المعلومة وقد اختلف فيما جاء في حديث الوادي من أمر النبي ﷺ أصحابه أن يقتادوا رواحلهم منه وقد فاته وقت الصلاة مع وجوب المبادرة إلى الصلاة الفائتة بإثر الاستيقاظ هل هو منسوخ بهذه الآية أم لا؟ قال ابن دينار وابن وهب هو منسوخ. قال عيسى: نسخه قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ وقوله ﵊: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». وقال قوم ليس بمنسوخ. واختلفوا في وجه الحديث، فقال بعضهم إنما أمرهم بذلك بما جاء من حديث زيد بن أسلم أن هذا واد به شيطان. وذهب أبو حنيفة إلى تأخير رسول الله ﷺ الصلاة وأمر بالاقتياد إنما كان لأنه انتبه في حين طلوع الشمس إلى أن ترتفع الشمس عن الأفق. وهذا الذي ذكره غير صحيح. وفي هذا الحديث ما يرده لأن في حديث عمران بن حصين: فما استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس. لا يكون إلا بعد تمكن ارتفاعها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>(١٣٠) - قوله تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى﴾:</span>\nاختلف في تأويل الآية فقال أكثر المفسرين هي إشارة إلى الصلوات الخمس. فقيل طلوع الشمس صلاة الصبح، وقيل غروبها صلاة العصر ومن آناء الليل صلاة والعتمة وأطراف النهار والمغرب والظهر. وقال بعضهم آناء","vol":"3","page":283},{"text":"الليل المغرب والعشاء وأطراف النهار وحدها وقبل الطلوع الصبح وقبل الغروب العصر. وقال بعضهم في الآية إشارة إلى نوافل، منها آناء الليل ومنها قبل طلوع الشمس ركعتا الفجر والصبح، والمغرب أطراف النهار والعصر قبل الغروب. وقيل إنما قال وأطراف النهار لأن له أربعة أطراف: وقوف الشمس للزوال، والزوال، وطلوع الشمس وغروبها، فصلاة الظهر في آخر طرف النهار الأول، وزاله طرفه الثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>(١٣١) (١٣٢) -قوله تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿واصطبر عليها﴾:</span>\nفي هذه الآية النهي عن التشوف إلى ما في أيدي الناس. وقد كان ابن الزبير يتمثل بالآية في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>(١٣٢) - وقوله تعالى: ﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾ </span>أمر بأن يأمر الإنسان أهله بالصلاة، وقد كان عمر يفعل هذا ويتمثل بالآية.","vol":"3","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-567>سورة الأنبياء -﵈</span>-\nهي مكية وفيها مواضع من الأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>(٧٨)، (٧٩) - قوله تعالى: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وعلمًا﴾:</span>\nتفسير ما جاء في هذه الآية أن داود ﵇ كان من بني إسرائيل وكان يحكم بيت الناس، فوقعت بين يديه هذه النازلة، وكان ابنه سليمان إذ ذاك قد كبر، وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم، وكانوا يدخلون من باب ويخرجون من آخر. فتخاصم إلى داود ﵇ رجلان: أحدهما له زرع وقيل له كرم ويقال لهما جميعًا حرث والآخر له غنم. وذكر صاحب الحرث أن غنم صاحبه دخلت حرثه فأفسدته عليه فرأى داود أن صاحب الغنم غنمه إلى صاحب الحرث. واختلف الناس هنا. فقال بعضهم على أن يبقى حرثه بيده. وقال آخرون بل دفع صاحب الغنم غنمه إلى صاحب الحرث ودفع صاحب الحرث حرثه إلى صاحب الغنم. فلما خرج الخصمان على سليمان تشكى صاحب الغنم.","vol":"3","page":285},{"text":"فجاء سليمان إلى داود فقال: يا نبي الله إنك حكمت بكذا وكذا، وإني أرى ما هو أرفق بالجميع. فقال وما هو؟ قال: أن يدفع إلى صاحب الزرع الغنم ليصيب من ألبانها وأصوافها حتى يعود الزرع كما كان. وقيل إنه قال أن يأخذ صاحب الغنم الحرث يقوم عليه ويصلحه حتى يعود كما كان، ويأخذ صاحب الحرث لغنم في تلك لمدة ينتفع بمرافقها من لبن وصف ونسل وغير ذلك، وإذا عاد الحرث إلى هيئته صرف كل واحد مال صاحبه. فقال داود: وفقت يا بني. وقضى بينهما بذلك واختلف هل حكم كل واحد منهما باجتهاد أو بتوقيف ووحي. فذهب الجمهور إلى أن حكمهما إنما كان عن اجتهاد. قال بعضهم: اجتهد داود فلم يصب الأشبه وأصابه سليمان. وقال آخرون بل أخطأ خطأ مغفورًا له. وذهب قوم إلى أنه عن توقيف ووحي، منهم ابن فورك، وحمل قوله تعالى: ﴿ففهمناها سليمان﴾ أي فهمناه القضاء الفاصل الذي أراد الله تعالى أن يستقر في النازلة. وعلى هذا يكون حكم سليمان ناسخًا لحكم داود على حقيقة النسخ. وهذا تأويل بعيد، بل الأولى أن يحمل على ظاهره من أنه فهمها الله تعالى سليمان فحكم فيها برأيه. وعلى هذا الاختلاف يأتي اختلاف الأصوليين في جواز تعبد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالاجتهاد. فمنهم من أجازه ومنهممن منعه وأما الوقوع فاختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: قال به قوم وعلى ذلك يحملون الآية، ونفاه آخرون وتأولوا الآية على مذهبهم، وتوقف قوم إذ لم يثبت فيه قاطع. واختلف الأصوليون هل كل مجتهد في المسائل الضمنية مصيب أم لا اختلافًا كثيرًا. فذهب قوم إلى أن كل مجتهد مصيب","vol":"3","page":286},{"text":"وأنه ليس في الواقعة حكم معين يطلب بالظن بل الحكم يتعين بالظن. وإليه ذهب القاضي. وذهب قوم إلى أن كل مجتهد مصيب إلا أنهم رأوا في النازلة المحكوم فيها حكمًا معينًا يتوجه إليه الطلب إذ لا بد للطلب من مطلوب، لكن لم يكلف المجتهد إصابته فبذلك كان مصيبًا وإن أخطأ ذلك الحكم المعين، بمعنى أنه أدى ما كلف وأصاب ما عليه. وذهب قوم إلى أن المصيب واحد وأن الواقعة حكمًا معينًا. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا القول بعد ذلك في الدليل على ذلك الحكم اختلافًا كثيرًا ليس هذا بموضع ذكره، ومن أبين ما يحتجون به هذه الآية لأنه تعالى قال: ﴿ففهمناها سليمان﴾، قالوا يدل على اختصاص سليمان بإدراك الحق وأن الحق واحد. فأجابت المصوبة عن هذا بأجوبة لا يتبين الانفصال بها منها، وإن قال بل الآية على نقيض مذهبكم أدل لأنه تعالى قال: ﴿وكلا آتينا حكمًا وعلمًا﴾، والباطل والخطأ لا يكون حكمًا. ومن قضى بخلاف حكم الله تعالى لا يوصف بأنه حكم الله سبحانه وأنه الحكم والعلم الذي أنزل الله ﷿ لا سيما في معرض المدح والثناء. فإن قيل فما معنى قوله تعالى: ﴿ففهمناها سليمان﴾ فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: أن يقال لا يلزمنا ذكر ذلك بعد أن أبطلنا نسبة الخطأ إلى داود. والثاني أن يقال معناه أنه فهم الحكم الذي هو أرجح في النازلة. ومنها أنه يحتمل أنهما كانا مأذونًا لهما في الحكم باجتهادهما فحكما وهما محقان. ثم نزل الوحي على وفق اجتهاد سليمان، فصار حكم ذلك حقًا متعينًا بنزول الوحي على سليمان بخلافها لكن لنزوله على سليمان أضيف إليه. ويتعين تنزيل ذلك على الوحي إذ قد نقل المفسرون أن سليمان حكم بأن تسلم الماشية إلى صاحب الزرع حتى ينتفع بدرها ونسلها وصوفها حولًا كاملًا. وهذا إنما يكون حقًا","vol":"3","page":287},{"text":"وعدلًا إذا علم أن الحاصل منه في جميع السنة ما تلف على صاحب الزرع، وذلك لا يدركه علام الغيوب ولا يدرك بالاجتهاد. ويتعلق بهذه الآية رجوع الحاكم بعض قضائه إلى اجتهاد آخر أرجح منه، فإن داود ﵇ قد فعل ذلك في هذه النازلة. وقد اختلف في ذلك، فقال ابن مطرف وابن الماجشون ذلك له ما دام في ولايته، وهو ظاهر قول مالك. وقال سحنون وابن عبد الحكم ليس له ذلك إذا وافق قولًا. وقال أشهب إن كان ذلك في مال فله نقض الأول إن كان في نكاح أو طلاق أو عتق فليس له نقضه. وحجة القول الأول الآية، وما كان من داود من الرجوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>(٧٨) - قوله تعالى: ﴿إذ نفشت فيه غنم القوم﴾:</span>\nالنفش بالليل، والهمل بالنهار وقيل في الليل والنهار. وقد رأى بعضهم أن هذه الآية اقتضت تضمين أرباب المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار وكذلك سائر الدواب. قال لأن النفش لا يكون إلا بالليل. وهذه مسألة قد اختلف فيها عندنا على أقوال: أحدها: أن كل دابة مرسلة فاحبها ضامن ليلًا كان أو نهارًا يضمن قيمة ما أفسدت كائنًا ما كان، وإلى نحو هذا ذهب عطاء. والثاني: أن صاحبها ضامن ليلًا كان أو نهارًا ولا يضمن بأكثر من قيمة الدابة وهو قول الليث بن سعد. والثالث: أنه ضامن لما أصابت بالليل ما عدا الدماء ولا يضمن ما أصابت بالنهار وهو قول مالك والشافعي. والرابع: أنه غير ضامن ما أصابت ليلًا كان أو","vol":"3","page":288},{"text":"نهارَا وهو قول أبي حنيفة في أحد قوليه. والخامس: أنه يضمن بالليل دون النهار في الحيطان المخطرة، وأما غير المخطرة فيضمن أرباب الغنم ما أفسد من ليل أو نهار، وهذا القول في كتاب ابن سحنون. والسادس: الفرق بين الأموال والدماء. وضعف أبو الوليد الباجي الحجة بالآية على تضمين أرباب المواشي بالليل، قال: لأنه لو كان في الآية التصريح بالحكم أنه ضمن أهل الماشية التي نفشت لم يكن نفي الحكم بذلك في الراعية بالنهار إلا من دليل الخطاب وليس عندي ذلك دليل صحيح، فكيف والآية لم تتضمن تفسير الحكم ولا ثبوته وإنما فشر ذلك أقوال تفسير ولا حجة فيها. وحجة مالك في التضمين بالليل دون النهار الآية. وقد جاء في الحديث ما يعضدها وذلك أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائط قوم فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل الحائط حفظها بالنهار وإنما ما أفسدت المواشي بالليل مضمون على أهلها. وعن الزهري أن شاة وقعت في كرى حائط فاختصموا إلى شريح، فقال الشعبي: انظروا ليلًا وقعت فيه أو نهارًا، فإن كان بالليل ضمن صاحبها وإن كان بالنهار لم يضمن ثم قرأ: ﴿إذ نفشت فيه غنم القوم﴾، فالآية على هذا في التضمين لما أفسدت الماشية بالليل محكمة جاريًا على أحكام شرعنا. واحتج من لم ير التضمين ليلًا كان أو نهارًا بقوله ﵊: «جرح العجماء جُبار» وحملوه على العموم ورأوه ناسخًا للآية. وهذا القول ضعيف من أوجه: أحدها: أنه لا يصح النسخ إلا على القول بأن شريعة من قبلنا لازمة لنا. والثاني: أنه لا يصح النسخ إلا على القول بجواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة، ومن يسلم أن هذا الحديث متواتر. والثالث: أنه يمكن الجمع بين الآية والحديث فلم يضطر إلى النسخ وذلك أن الحديث عام يحتمل الخصوص، فيحتمل أن يريد بذلك فيما ليس على صاحب العجماء حفظها منه. فأما ما على صاحبها حفظها منه ثم أصابته فليس بجبار. وأما صفة","vol":"3","page":289},{"text":"التضمين الذي جاء في قصص الآية فمنها ما يحتمل أن يخرج على شرعنا وذلك ما قضى به داود من أن الغنم لصاحب الزرع، فيحتمل أن تكون قيمة الزرع على الرجاء والخوف مثل قيمة الغنم أو أكثر ولا مال لصاحب الغنم غيرها، فلذلك قضى بها لصاحب الزرع. وأما تضمين سليمان فليس بخارج عن مألوف شرعنا. وحكا أبو الحسن أن الحسن صار إلى مثل ما حكم به سليمان من أن تدفع الغنم إلى صاحب الزرع ليصيب من ألبانها وأصوافها حتى يعود الزرع كما كان. قال وإنما صار إلى ذلك إذ لم ير في شرعنا ناسخًا مقطوعًا به عنده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>(٩٠) - قوله تعالى: ﴿ويدعوننا رغبًا ورهبًا﴾:</span>\nاختلف في معناه: فقيل رجاء وخوفًا، وهو قول الجمهور. وقال بعضهم الرغب أن ترفع بطون الأكف نحو السماء والرهب أن ترفع ظهورها. وفي الآية على هذا القول دليل على جواز رفع الأيدي في الدعاء. وقد اختلف في ذلك، وقد مر الكلام على هذا المعنى فلا معنى لإعادته. والله الموفق لا رب سواه.","vol":"3","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-571>سورة الحج</span>\nاختلف فيها هل هي مكية أو مدنية، فقيل هي مكية سوى ثلاث آيات، قوله: ﴿هذان خصمان﴾ [الحج: ١٩] إلى تمام ثلاث آيات، قاله ابن عباس وغيره. وقيل هي مكية سوى أربع آيات قوله تعالى: ﴿هذان خصان﴾ إلى تمام أربع آيات، قوله: ﴿عذاب الحريق﴾ [الحج: ٢٢] وروي عن ابن عباس أيضًا. وقيل هي مكية إلا عشر آيات وقيل نزلت بالمدينة وقيل مدنية إلا أربع آيات: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ [الحج: ٥٢] إلى قوله تعالى: ﴿عذاب يوم عقيم﴾ [الحج: ٥٥] فهن مكيات، قاله قتادة وغيره. وقيل هي كلها مدينة قاله الضحاك. وقيل السورة مختلطة فيها مدني ومكي وهو قول الجمهور. وروي عن أنس بن مالك أنه قال: أنزل أول السورة في السفر فنادى رسول الله ﷺ بها فاجتمع إليه الناس فقال: «أترون أي يوم هذا؟» فبهتوا. فقال: «يوم يقول الله تعالى: يا آدم ابعث بعث النار فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون». قال فاغتم الناس. فقال رسول الله ﷺ: «أبشروا فمنكم رجل ومن يأجوج ومأجوج ألف رجل ...» إلى سائر الحديث.","vol":"3","page":291},{"text":"وفيها من الأحكام والنسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>(٢) - قوله تعالى: ﴿يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها﴾:</span>\nاختلف في الزلزلة المذكورة هل تكون في الدنيا على من تقوم عليه القيامة أم هي يوم القيامة على جميع العالم. فقال الجمهور هي في الدنيا، والضمير في ﴿ترونها﴾ عائد على الزلزلة وقال هؤلاء إن الرضاع والحمل لا يكون إلا في الدنيا، وعضدوا به مذهبهم. وقال قوم هي في يوم القيامة، والضمير في: ﴿ترونها﴾ عائد على الساعة أي يوم ترون ابتداءها في الدنيا، وإن لم يعيدوا الضمير على الزلزلة لئلا يلزمهم أن يكون الحمل والرضاع في يوم القيامة. وقال بعضهم بل هي في يوم القيامة والضمير في: ﴿ترونها﴾ عائد على الزلزلة، وزعموا أن المراد بكل ذات حمل من مات من الإناث وولدها في جوفها ويجعلون المرضعة -والله تعالى أعلم- من كانت مرضعة في الدنيا، واحتج بهذا التأويل من يقول أن المرأة إذا ماتت بجنين في بطنها لم يبقر عليه، وهو قول ابن القاسم، خلاف قول أشهب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>(٥) - قوله تعالى: ﴿فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر﴾:</span>\nقال ابن مسعود: سمعت رسول الله ﷺوهو الصادق المصدوق- يقول: «يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يومًا ثم يكون عليقة مثل أربعين يومًا ثم يكون مضغة أربعين ثم يبعث الله ملكًا فيقول اكتب عمله ورزقه وأجله واكتب شقيًا أو سعيدًا ...» الحديث. وقوله: ﴿من تراب﴾، يريد آدم من تراب، فأنتم من تراب لأنكم من نسله، ومن كان أصله تربًا فهو ترب. وقوله تعالى: ﴿ثم من نطفة﴾ يريد المني الذي يكون منه الخلق","vol":"3","page":292},{"text":"وخصه بعضهم ببني آدم وقوله تعالى: ﴿ثم من علقة﴾ يريد الدم الذي تعود النطفة إليه، والعلق الدم العبيط. وقيل العلق الشديد الحمرة فسمي الدم بذلك. وقوله تعالى: ﴿من مضغة﴾ يريد مضغة على قدر ما يمضغ.\nقال زهير:\nتلجلج مضغة فيها أنيص ... أطلت فهي تحت الكشح داء\nوقوله تعالى: ﴿مخلقة وغير مخلقة﴾: قال مجاهد مصورة وغير مصورة، وقال قتادة تامة الخلق وغير تامة الخلق، وقال الشعبي: النطفة والعلقة والمضغة إذا بلغت في الخلق الرابع كانت مخلقة، وإذا نزفها الرحم قبل ذلك كانت غير مخلقة. واختلف في الذي نعت به مخلقة وغير مخلقة. فقيل ذلك من نعت مضغة، وقيل من نعت نطفة، وعلى قول الشافعي من نعت النطفة والعلقة والمضغة. وقد اختلف في الذي تكون به الجارية أم ولد اختلافًا كثيرًا. فذهب ابن القاسم -ورواه عن مالك- إلى أنها تكون أم ولد بالعلقة وقد ذكرنا أن العلقة الدم والمضغة ما فوقها. وقال أشهب لا تكون أم ولد بالعلقة -يريد والله تعالى أعلم- أنها تكون أم ولد بالمضغة فأعلى، وهو قول الأوزاعي وغيره.\nوذهب الشافعي إلى أنها لا تكون أم ولد حتى يتم شيء من خلقه، عين أو ظفر أو ما أشبه ذلك، وهو قول أبي حنيفة. والأظهر مذهب مالك","vol":"3","page":293},{"text":"رحمه الله تعالى لأن الله تعالى قد جعل درجات خلقه من نطفة إلى علقة إلى مضغة، والنطفة لما كانت المني لم يجب أن تكون الجارية بها أم ولد لأنها بعد لم يحدث فيها الرحم شيئًا لم يكن من قبل، فإذا صار علقة فقد أحدث الرحم فيها شيئًا لم يكن وتغير اسم النطفة واستعدت للتخليق، فمن حينئذ ينبغي أن تكن الجارية أن ولد. وذكر إسماعيل القاضي عن مالك أن الأمة تكون أم ولد بالمضغة التي يعلم أنها مضغة، واحتج بهذه الآية: ﴿مخلقة وغير مخلقة﴾ قال: وبذلك تحرج المرأة من العدة وبه تعتق أم الولد إذا أسقطته بعد موت سيدها. قال: وأما النطفة والعلقة فهي دم فليس ذلك براءة، وأما إذا تبين من الخلق شيء -وإن قل- فهذا يكفن ويغسل إذا تبين الرأس إلى عجب الذنب، وإن لم يتم الخلق، وهذا قول مالك والحجة فيه القرآن. وقوله ﷿: ﴿مخلقة وغير مخلقة﴾ أخبرنا أن غير المخلقة لها حكم المخلقة بأن يحكم للأمة بحكم أم الولد ولذلك ما جعل في أخلاص المرأة غير عبد أو وليدة إذا تبين بعض الخلق. وذكر أبو الحسن أن الآية تقتضي أن لا تكون المضغة إنسانًا كام اقتضت ذلك في العلقة والنطفة والتراب لأن الله تعالى نبهنا بهذه الآية على كمال قدرته بأن حلق الإنسان من غير إنسان وهي النطفة والمضغة التي لا تخطيط فيها ولا تركيب. فإذا لم يكن إنسانًا جاز أن يقال فيه إنها ليست بحمل كالنطفة.\nويحتمل أن يقال إنه أصل الإنسان الذي انعقد واشتمل عليه الرحم وصار حملًا وليس كالنطفة. وزعم إسماعيل أن قومًا زعموا أن السقط لا تنقضي به العدة ولا تصير به الأمة أم ولد، وزعم أن هذا غلط لأنه تعالى أعلمنا أن المضغة التي هي غير مخلقة قد دخل فيما ذكر من خلق الإنسان. كما ذكر المخلقة ودل على أن كل ما يكون من ذلك إلى خروج الولد من بطن أمه فهو حمل، وقد قال تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] قال وهذا لا حجة فإن الله تعالى لم يذكر أنه","vol":"3","page":294},{"text":"حمل وإنما نبه على قدرته بأن خلقها مما ذكر فلم تدخل النطفة ولا العلقة والا المضغة المخلقة في اسم الإنسان، فليس بشيء من ذلك ولدًا.\nوقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أدجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] فالمراد به ما سمي ولدًا. واستدل إسماعيل بن إسحاق أيضًا على أنه يرث بهذا، وه وقول غلط لأنه إنما يعتبر ميراثه عند الولادة حتى لو طلقها منذ أربع سنين وأتت بولد وعلم أنه في تلك الحالة نطفة ورث أيضًا. ولو انفصل عنها وقد تكامل خلقه لم يرث وانقضت به العدة. فهما حكمان متباينان وأحكام الجنين كثيرة وليس هذا موضع ذكرها، وإن كان بعضهم قد ذكر في هذا الموضع من أحكامه كثيرًا كاختلاف الناس في الصلاة عليه ما لم يستهل، إلى غير ذلك فأعرضت عنها لما ذكرته، وسائر الآيات قد مر الكلام على أحكامها في مواضعها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>(٢٥) - قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواه العاكف فيه﴾:</span>\nنزلت هذه الآية عام الحديبية حين صدر رسول الله ﷺ عن المسجد الحرام. وقد اختلف في المراد بقوله: ﴿والمسجد الحرام﴾ فقيل نفس المسجد خاصة، وهو الذي ذهب إليه إسماعيل القاضي واحتج له بنص الآية وقال جماعة: المسجد الحرام أراد به مكة كلها، لكن قصد بالذكر المهم المقصود من ذلك وقد اتفق العلماء على أن الناس سواء في نفس المسجد الحرام لنص الآية، واختلفوا في سائر مكة. فذهب عمر بن الخطاب وابن عباس وغيرهما إلى الأمر في ذلك كالأمر في المسجد الحرام","vol":"3","page":295},{"text":"وأن القادم فيها له النزول حيث وجد وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو أبى، وعلى هذا كان الأمر في الصدر الأول، قاله ابن باسط وكانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة فاتخذ رجل منهم بابًا فأنكر عليه عمر وقال: أتغلق بابًا في وجه حاج بيت الله؟ فقال: أنما أردت حفظ متاعهم من السرقة، فتركه فاتخذ الناس أبوابًا. وقال علقمة بن ثعلبة: توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وما تدعي رباع مكة إلا السوائب من احتاج سكن ومن استغنى لم يسكن، وحجة هذا القول ظاهر الآية. وقال الجمهور -منهم مالك وغيره- ليس ذلك كالمسجد الحرام، ولأهلها الامتناع بها والاستبداد، وعلى هذا العمل اليوم. ورجح هذا القول إسماعيل القاضي وقال: لم تزل الدور لأهل مكة غير أن المواساة تجب إذا كانت الضرورة. ولعل عمر رضي الله تعالى عنه فعل ذلك على هذا الطريق. وهذا الخلاف متركب على الخلاف في فتح مكة هل كان عنوة أم غير عنوة؟ فذهب مالك وأبو حنيفة والثوري إلى أنه كان عنوة. وذهب الشافعي وغيره إلى أنه كان أمانًا والأمان كالصلح. والذين ذهبوا إلى أنه عنوة اختلفوا فقال بعضهم: من على أهلها بها فلم تقسم ولا يسبى أهلها لما عظم الله تعالى من حرمتها. وقال بعضهم إنما أقرت للمسلمين وهذا الخلاف في مذهب مالك، وعلى هذا يأتي الخلاف في بيع دور مكة وكرائها. فمن رأى فتحها عنوة وأنها أقرت للمسلمين لم يجز شيئًا من ذلك ومنعه. وعلى هذا يأتي قول عمر رضي الله تعالى عنه ومن تابعه، وهو أحد أقوال مالك رحمه الله تعالى. ومن رأى أنها مؤمنة أو فتحت عنوة إلا أنها من بها على أهلها أجاز ذلك كله، وهو ظاهر مذهب ابن القاسم وأحد أقوال مالك. وعن مالك في المسألة قولان","vol":"3","page":296},{"text":"آخران: أحدهما الكراهية لذلك مطلقًا. والثاني: الكراهية له في أيام الموسم خاصة، فتحصل عن مالك في ذلك أربع روايات: المنع والإجازة والكراهية والكراهية في أيام الموسم خاصة. وقال إسماعيل القاضي: وتلول قوم في بيوت مكة ما ذكرناه، يعني ما من كون العاكف والبادي فيها سواء. قال: والقرآن يوجب أنه المسجد الذي يكون فيه قضاء النسك. وقد حكي أن عمرًا اشترى دار صفوان بن أمية بأربعة آلاف وجعلها سجنًا، فهذا منه إجازة للبيع. وظاهر قوله ﵊: «وهل ترك لنا عقيل منزلًا» يقتضي أن لا اشتراك أنها متملكة على التأويلين في ذلك. إذ قيل معناه أنه ورث جميع منازل أبي طالب وغيره. وقيل معناه باع منازل بني هاشم حين هاجروا. والعاكف المقيم بمكة، والبادي أهل البادية ومن سلكها من أهل العراق وسائر الأمصار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>(٢٥) - قوله تعالى: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد﴾:</span>\nقال بعضهم التقدير: من يرد فيه إلحادًا بظلم، والباء زائدة. ويحتمل أن يقدر: برد فيه بمعنى فعل يصل بحرف جر كأنه قال: ومن يأت فيه بإلحاد بظلم، ولا تكون الباء فيه زائدة. وأصل الإلحاد الميل. وقد اختلف في المراد به، فقيل جميع ما يقال فيه ظلم لأن كل ظلم ميل، حتى أن عبد الله بن عمر كان يتوقى معاتبة أحد بمكة حتى","vol":"3","page":297},{"text":"يخرج إلى الحل. وقيل الإلحاد جميع المعاصي ولعظم حرمة المكان توعد الله تعالى علانية السيئة فيه ومن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب بذلك إلا بمكة. إلى هذا ذهب جماعة من الصحابة منهم ابن مسعود وغيره وقال ابن مسعود: الإلحاد في الآية الشرك. وقال أيضًا هو استحلال الحرام وحرمته. وقال مجاهد هو العمل السيئ فيه. وقال عبد الله بن عمر: وقول لا والله بلى والله بمكة من الإلحاد. وروي عن عمر أنه قال: هم المحتكرون للطعام بمكة. والإلحاد بالظلم يعم جميع المعاصي فينبغي أن يحمل على عمومه ولا يخصص به شيء دون شيء إلا على جهة المثال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>(٢٦) - (٢٨) - قوله تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود * وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر ...﴾ إلى قوله: ﴿فكلوا﴾:</span>\nالقائمين هنا المصلون. وذكر تعالى من أركان الصلاة الركوع والسجود خاصة إذ هما أعظم أركانها. وربما استدل بعضهم بهذه الآية على جواز صلاة الفريضة في الكعبة. وقد مر الكلام على المسألة.\nوقوله تعالى: ﴿وأذن في الناس بالحج﴾ ظاهره أنه خطاب لإبراهيم ﵇ لأنه مسوق على قوله: ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾ الآية وروي عن ابن عباس في ذلك أن إبراهيم عند هذا الأمر نادى يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتًا وأمر أن تحجوه. فلم يبق إنس ولا جن إلا قال: لبيك اللهم لبيك. وروي عن علي مثل ذلك. وعلى هذا يقولون إن رسول الله ﷺ حج قبل الهجرة حجتين، فسقط الفرض عنه بذلك، وهذا بعيد فإنه قد ورد في شرعه: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧]","vol":"3","page":298},{"text":"فلا بد من وجوبه عليه بحكم الخطاب في شرعه. وإن قيل إنما خاطب من لم يحج كان تحكمًا وتخصيصًا بلا دليل ويلزم عليه أن لا يجب في هذا الخطاب على من حج على دين إبراهيم. وهذا غاية في البعد. وفي تقديمه تعالى ذكر الرجال -جمع راجل- على الراكبين دليل على أن المشي في ذلك أفضل من الركوب، وقد قاله ابن عباس وإسحاق. والذي يذهب إليه مالك والشافعي أن الركوب أفضل. وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن فرض الحج على طريق البحر ساقط إذ لم يذكره الله تعالى في الآية. وقد قال مالك في الموازية: لا أسمع للبحر ذكرًا. وهذا الاستدلال ليس بلازم في الآية لأنه لا بد لمن أتى مكة من أحدى هاتين الحالتين: الترجل والركوب، لأنها ليست على ضفة البحر، فالآية جارية على ظاهرها، وقد مر الكلام أيضًا على هذه المسألة. واختلف في المنافع في الآية، فقال أكثرهم هي التجارة، وقال بعضهم: وفي هذا دليل على إباحة التجارة في الحج. وقال قوم أراد بالمنافع الأجر وسائر الآخرة. وقال قوم بعموم الوجهتين وقال إسماعيل القاضي المنافع أعمال الحج مثل شهود عرفة والمزدلفة ومنى وطواف الإفاضة ونحو ذلك لأن الله تعالى إنما قال: ﴿وأذن في الناس بالحج﴾ ولا يصح أن تكون إجابة هذه الدعوة إلا للحج، فلو كانت منافع التاجرة لكانوا فد أجابوا لغير ما دعوا إليه،","vol":"3","page":299},{"text":"فإنما دعوا لمنافع خاصة لله ﷿ ثم رخص لهم بعد ذلك في التجارة حين توقى الناس أن يتشاغلوا بها في الحج فأنزل الله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾ [البقرة: ١٩٨] فأرخص لهم في ذلك. وقد كانت الجاهلية لا يستحلون التجارة في الحج. واختلف في ذكر اسم الله ما هو. فقيل هو بمعنى حمده شكره على نعمته في الرزق ويؤيد قوله ﵊: «إنها أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى» وقيل المراد ذكر اسم الله على النحر والذبح. واستدل بعضهم من ذكره تعالى في هذه الآية الأيام دون الليالي على أن الذبح في الليل لا يجوز وهو مشهور مذهب مالك، وأجاز ذلك الشافعي وغيره، وقد مر الكلام على هذه المسألة وعلى الأيام المعلومات والمعدودات بما أغنى عن ذكره هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>(٢٨) - (٣٠) - قوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿واجتنبوا قول الزور﴾:</span>\nقوله تعالى: ﴿فكلوا منها﴾: أمر إباحة بالأكل من الهدايا. وقد اختلف العلماء فيما يؤكل من الهدي الواجب مما لا يؤكل. فذهب مالك إلى أنه يؤكل منها كلها إذا بلغت محلها إلا من ثلاثة أنواع: جزاء الصيد ونسك الأذى ونذر المساكين. وذهب أحمد وغيره إلى أنه يؤكل منها إذا بلغت محلها إلا من جزاء الصيد والنذر، وروي عن الحسن مثله. وذهب الحسن أيضًا في رواية عنه إلى أنه يؤكل من جزاء الصيد ونذر المساكين.","vol":"3","page":300},{"text":"وروي عن الشافعي أنه لا يؤكل من الواجب شيء. وقال أبو حنيفة: يؤكل من هدي القران والتمتع ولا يؤكل سوى ذلك واحتج ابن القصار لمالك بقوله تعالى: ﴿فكلوا منها﴾ ولم يخص واجبًا من واجب ولا تطوع، فهو عام في جواز الأكل إلا ما قام الدليل عليه من الثلاثة الأشياء المذكورة لأنها وجبت للمساكين فلا يجوز له الرجوع ولا الأكل منها كالكفارات. واختلفوا في هدي التطوع، فعند أصحاب مالك أنه إن لم يبلغ محله لم يؤكل وإن بلغ أكل. وذهب جابر بن زيد إلى أنه لا يؤكل وإن بلغ محله، وإن أكل غرم. وذهب قوم إلى جواز أكله وإن عطب قبل محله، وقاله ابن عمر وعائشة. ومن حجة من يجيز الأكل عمومًا عموم الآية، وما عطب من هدي واجب قبل بلوغ محله جاز أكله لأن عليه بدله فلا فائدة في منعه أكله. وقد اختلف الناس في الأكل من الأضاحي ومما يجوز أكله من الهدايا. فاستحب قوم الأكل منها، وهو قول مالك والليث وغيرهما، وخير قوم من غير استحباب، منهم عطاء ومجاهد. وذهب قوم إلى أن من لم يأكل فقد عصى ويأتي على هذا أن الأكل منها واجب. وكان من تأول هذا يحمل أمره تعالى بالأكل على الإيجاب ومن استحب ذلك حمله على الندب ومن خير فيه رآه على الإباحة. ويؤيده أنه قد روي أن المشركين كانوا يأكلون ضحاياهم فرخص\nللمسلمين في ذلك. فإن قلنا إنه يستحب له الأكل من أضحيته فماذا يأكل منها؟ فوسع الجمهور أن يأكل ما شاء ومما شاء من أضحيته من غير تفصيل. وذهب قوم إلى استحباب الأكل من الكبد. قال الزهري: من السنة أن يأكل أولًا من الكبد وروي عن علي أنه ذبح أضحيته فشوى كبدها وتصدق بسائرها ثم أخذ رغيفًا بيده والكبد بيده الأخرى فأكل. وقال قوم يستحب أن يأكل","vol":"3","page":301},{"text":"من أضحيته الثلث هو وأهل بيته. والقول الأول أظهر لعموم الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>(٢٨) - قوله تعالى: ﴿وأطعموا البائس الفقير﴾:</span>\nأمر بأن يطعم منها المساكين. وقد اختلف في التصدق منها، فرأى قوم أن من لم يفعل ذلك فقد عصى، ويأتي على هذا أن التصديق منها واجب. وذهب قوم إلى أن التصديق منها مستحب، وكأن من ذهب إلى القول الأول حمل قوله تعالى: ﴿وأطعموا البائس الفقير﴾ أمرًا على الإيجاب، ومن ذهب إلى القول الثاني حمله على الندب. وما الذي يستحب الصدقة منها؟ ذهب الأكثر إلى استحباب من غير تحديد. وذهب ابن مسعود وابن عمر وغيرهما إلى أنه يستحب أن يتصدق بالثلث ويأكل بالثلث ويطعم جيرانه الثلث. واستحب قوم الصدقة بالأكثر. والقول الأول أظهر لعدم التحديد في شيء من الآية. قال أبو الحسن: قوله: ﴿فكلوا منها وأطعموا﴾ يدل على أنه لا يجوز أكل الجميع ولا التصدق بالجميع. وقد اختلف العلماء في الأكل من الهدايا والأضاحي بعد ثلاث. فحرمه قوم واحتجوا بما روي عنه ﵊ أنه نهى عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث. قال بعضهم وإليه ذهب ابن عمر وعلي. وذهب الجمهور إلى","vol":"3","page":302},{"text":"إجازة أكلها وادخارها. واحتج بعضهم بأن أحاديث النهي في ذلك منسوخة بأحاديث الإباحة. وقال بعضهم ليس في الأحاديث في ذلك ناسخ ولا منسوخ وأن ذلك مفسر في الحديث لأنه قال: «إنما نهيتكم من أجل الدافة» وكان نظرًا منه ﵊ لمعنى، فإذا زال المعنى سقط الحكم، ومتى رأى ذلك الإمام نظرًا عهد بمثل ما عهد به النبي ﷺ توسعة على المحتاجين. وقال بعضهم قوله تعالى: ﴿فكلوا منها﴾ ناسخ لفعلهم من ترك الادخار واختلف في العقيقة، فذهب الحسن البصري وأهل الظاهر إلى أنها واجبة وتأولوا قوله ﵊: «على الغلام عقيقة» وذهب قوم إلى أنها سنة ندب إليها وهو مذهب مالك والشافعي وغيرهما وعليه يتأولون أحاديث العقائق كلها. وذهب قوم إلى أنها مباحة، وذهب قوم إلى أنها بدعة لا تجوز وينسب إلى أبي حنيفة، وأصحابه ينكرونه. ومن الناسمن رأى هذه الآية -وهي آية الأضحى- ناسخة للعقيقة وهو قول محمد بن الحسن. وقال بعضهم ذبح الضحايا ناسخ","vol":"3","page":303},{"text":"لكل ذبح وقال بعضهم كانت ذبائح الإسلام أربعة: أضحية وهدي وعقيقة ورجبية -وهي ذبيحة كانت تذبح في رجب- وفي صحيح مسل عن النبي ﷺ أنه قال: «على أهل كل بيت في كل عام أضحية وعتيرة» وقال جماعة من أهل العلم هي منسوخة بقوله ﷺ: «لا فرع ولا عتيرة. أتدرون ما العتيرة؟ هي الرجبية» وأجمعت طائفة على نفيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>(٢٩) - قوله تعالى: ﴿ثم ليقضوا تفثهم﴾:</span>\nالتفث ما يأتيه المحرم بعد حله مما كان محظورًا عليه كالحلق والتقصير وإزالة الشعث ونحوه من إقامة الخمس من الفطرة التي جاءت في الحديث، وفي مقتضى ذلك قضاء جميع المناسك إذ لا يكون قضاء التفث إلا بعد ذلك. وقد اختلف في غير الحاج هل عليه أن يترك إلغاء التفث عن نفسه أيام الحج أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا يحرم عليه تقليم الأظافر ولا قص الشارب ونحو ذلك. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها كان النبي ﷺ يهدي في المدينة فافتلوا قلائد هديه ثم لا يجتنب شيئًا مما يجتنب المحرم ومذهب ربيعة وأحمد وإسحاق وابن المسيب المنع من ذلك أخذًا بقوله ﵊: «من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذ من شعره ولا أظفاره شيئًا حتى يضحي» والحديث في مسلم. وفيه أيضًا: «فإن كنا في الحمام فأطلي بعضهم». فقال بعضهم إن","vol":"3","page":304},{"text":"ابن المسيب يكره هذا وينهى عنه في الأضحى. فلقيت ابن المسيب فذكرت ذلك له. فقال يا ابن أخي: هذا حديث نسي وترك حدثتني أم سلمة قالت: قال النبي ﷺ، وذكرت الحديث، ومذهب الشافعي أن ترك التقليم والقص مندوب إليه وحمل الحديث على ذلك وحكي أيضًا عن مالك ورخص فيه أصحاب الرأي.\nوقوله تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾: قال مجاهد: يعني الحج والعمرة، وما ندر الإنسان من شيء يكون فيهما. وقال ابن عباس: هو نحر ما نذروا من البدن وقال القشيري: هو رمي الجمار، وأصله من رمي جمرة العقبة خاصة إذ بها يتحلل من الإحرام. وقد يجوز أن يدخل في معناها غيرها. وقال: قوله تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ يدل على وجوب إخراج النذر وإن كان دمًا أو هديًا أو غيره. ويدل على أن النذر لا يجوز أن يؤكل منه. وقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ اختلف في هذا الطواف ما هو. فقيل هو طواف الإفاضة الذي هو من واجبات الحج. قال الطبري: ولا خلاف بين المتأولين في ذلك وقيل هو طواف الوداع ذكره الطبري. وقوله تعالى: ﴿ومن يعظم حرمات الله﴾: الحرمات المقصودة هنا هي الأفعال المشار إليها في الآية قبل: ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ ويدخل في ذلك تعظيم المواضع المحترمة، قاله ابن زيد وغيره.","vol":"3","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-580>(٣٠) - قوله تعالى: ﴿وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾:</span>\nوقد مر الكلام عليه فيما تقدم.\nوقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ اختلف فيمن هذه. فقيل هي لبيان الجنس، فيكون على هذا القول رجس الأوثان فقط هو المنهي عنه في هذه الآية وتبقى سائر الأرجاس منهسًا عنها في غير هذا الموضع. وقيل هي لابتداء الغاية أنه تعالى قد نهاهم عن جميع الرجس ثم بين لهم مبدأه الذي منه يلحقهم إذ عبادة الأوثان جامعة لكل رجس وفساد. ويظهر أن الإشارة إلى ما كانوا يذبحونه لأوثانهم.\nقوله تعالى: ﴿واجتنبوا قول الزور﴾ الزور لفظ عام في كل باطن من كذب وكفر وغيرهما. وروي عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «عدلت شهادة الزور بالشرك» ثم تلا هذه الآية وهذا يرد على طائفة من أهل الظاهر يقال لهم الخطابية يجيزون شهادة الزور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>(٣٢) - (٣٤) - قوله تعالى: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإلهكم إله واحد﴾:</span>\nالشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء أشعر الله به تعالى وأعلم. وقد اختلف ما المراد بها في الآية. فقيل الهدي والأنعام المشعرة. ومعنى تعظيمها التسمين والاهتبال بها والمغالاة في ثمنها، وإليه ذهب ابن عباس وغيره وقد أنكر القاضي أبو إسحاق هذا القول وإنما هي جميع الشعائر. قال: ومما يبين ذلك قوله تعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله﴾ [الحج: ٣٦] فأخبر الله تعالى أن البدن من الشعائر. ومن قال بالقول الأول يريد أن يجعل البدن جميع الشعائر، قال ومما يبين ذلك قوله تعالى: ﴿لكم فيها منافع إلى أجل مسمى﴾ وذلك يقتضي أن يكون أجلًا مؤقتًا كالوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة ورمي الجمار. وقيل الشعائر مواضع الحج ومعالمه","vol":"3","page":306},{"text":"كالبيت والصفا والمروة ومنى وعرفة والمزدلفة وغير ذلك، وإليه ذهب ابن عمر وغيره. وقد روي عن زيد بن أسلم أنه قال: الشعائر ست: الصفا والمروة والجمار والمشعر الحرام وعرفة والركن. والحرمات خمس: الكعبة الحرام والبيت الحرام والشهر والحرام والمسجد الحرام والمحرم حتى يحل. واختلف الذين ذهبوا إلى القول الأول في المنافع المذكورة في الآية ما هي، فقال مجاهد وغيره: أراد أن للناس في أنعامهم منافع من الصوف واللبن وغير ذلك ما لم يبعثها ربها هديًا، وإذا بعثها لم يحل له شيء من ذلك. وبعثها هو الأجل المسمى. وقال عطاء وغيره: لكم في الهدي المبعوث منافع من الركوب والاحتلاب لمن اضطر، والأجل نحرها. ولأجل هذا الخلاف في التفسير يختلف الفقهاء في مسائل. فمن ذلك ركوب الهدي، أجازه مالك من غير فدح ولم يجزه أبو حنيفة إلا عند الضرورة. قال: فإن نقصها للركوب تصدق بمقدار ما نقصها. فأجازه أهل الظاهر جملة من غير تفصيل وبه يقول أحمد وإسحاق. وأوجب بعضهم ركوبها لقوله ﷺ في الحديث المشهور لسائق البدنة: «اركبها». ومن ذلك لبن الهدي، كرهه مالك ولا يعذر في فعيلها، وأجازه بعضهم عند الضرورة وأجازه بعضهم من غير تفصيل. وقال أبو حنيفة إن نقصها الشرب فعليه قيمة ذلك، وقد نسبه بعضهم للشافعي. والآية على هذا التأويل الواحد حجة أيضًا لمن أجاز شيئًا من ذلك. واختلف الذين ذهبوا إلى القول الثاني في المنافع أيضًا ما هي، فقالت فرقة: المنافع التجارة وطلب الرزق. وقالت فرقة المنافع كسب الأجر والمغفرة، والأجل على هذا القول الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة.","vol":"3","page":307},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ثم محلها﴾ معناه ثم أخر هذا كله إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق. فالبيت على هذا التأويل مراد بنفسه فاقتضى هذا أن الحاج بعد هذا الطواف قد حل له كل شيء من ممنوعات الحج. وقد اختلف فيما أبيح للحاج بعد رمي جمرة العقبة قبل طواف الإفاضة. فقال الشعبي وأبو حنيفة يحل له كل شيء إلا النساء. وقال إسحاق في أحد قوليه يحل له كل شيء إلا النساء والصيد. وقال مالك يحل له كل شيء إلا النساء والصيد والطيب، وهذا أليق بظاهر الآية لأنها تقتضي أن الذي يتم به الحج الطواف وتلك الأشياء لا تجوز قبل تمام الحج فينبغي أن لا تحل إلا بعد الطواف. واحتج مالك رحمه الله تعالى في الموطأ بهذه الآية على صحة قول عمر رضي الله تعالى عنه في طواف الوداع: لا يصدرن أحد من الحاج حتى يطوف بالبيت فإن آخر النسك الطواف بالبيت. قال القاضي أبو إسحاق وقوله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ فإذا طاف الحاج بعد هذه المشاعر فقد حل بالبيت. قال الباجي: وهذا الذي قاله يحتاج إلى تأمل لأنه يحتمل أن يريد به حل من الإحلال، ويحتمل أن يريد حل من الحلول وهو الوصول. وظاهر اللفظ إنما يقتضي أن الشعائر تنتهي إلى البيت العتيق، إما أن يكون الطواف به أحد الشعائر وإما أن يكون نهايتها وتمامها فثبت بهذا أن طواف الوداع مستحب خلافًا لأبي حنيفة أنه واجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>(٣٦) - قوله تعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿كذلك سخرها لكم﴾:</span>\nاختلف في البدن ما هي، فقيل هي ما أشعر من إبل وبقر، قاله عطاء وغيره، سميت بذلك لأنها تبدن أي تسمن. وقيل بل هذا اسم خاص بالإبل ولا تكون البدن إلا منها وهو قول مالك، وهو أظهر لأن عرف هذا اللفظ","vol":"3","page":308},{"text":"أن يكون للإبل. واختلف هل تقع على الإناث منها خاصة أو على الذكور والإناث، فذهب مالك إلى أنه يقع على الذكور والإناث واحتج بعموم الآية. وذهب غيره إلى أنها لا تكون إلى في الإناث، وتعجب مالك منه.\nوقوله تعالى: ﴿صواف﴾ جمع صافة أي قيامًا مصطفة. وقرئ صوافي جمع صافية أي خالصة لوجه الله تعالى. وقرئ صوافن جمع صافنة وهي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب. والصوافن من الخيل الرافع أحد يديه فراهية، وقيل أحد رجليه. واختلف في البدن كيف تنجر. فقيل تنحر قيامًا وهو قول مالك، قال إلا أن تصعب. وروي عن ابن عمر أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته قال: ابعثها قيامًا مقيدة سنة محمد ﷺ، ويشهد لهذا القول دليل الآية لقوله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ أي سقطت إلى الأرض، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم. وقيل تنحر قائمة وباركة وهو قول أبي حنيفة والثوري. وقيل تنحر باركة وهو الذي استحب عطاء. واختلف هل تعقل أيضًا عند النحر أم لا؟ فذهب ابن عمر وغيره إلى أنها تعقل يدها الواحدة وتقوم على الثلاث. وذهب عطاء إلى أنها تنحر معقولة وهي باركة. وذهب مالك إلى أنها ال تعقل إلا أن تمتنع، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما. ومن حجة من يرى العقل قراءة من قرأ صوافن بالنون ومن حجة من لا يراه القراءة المشهورة صواف أي قيامًا. والذين رأوا العقل اختلفوا أي يد تعقل فقال قتادة: معقولة اليد اليمنى، وقال مجاهد اليسرى وحجة هذا القول ما جاء عن جابر أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليد اليسرى قائمة على ما بقي من قوامها.\nوقوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾ قد مر الكلام على","vol":"3","page":309},{"text":"معناه. واختلف في القانع والمعتر، فقال ابن عباس القانع الذي يقنع لما أعطيه وهو في بيته، والمعتر هو الذي يعترض لك أن تطعمه شيئًا ولا يسألك. وقال أيضًا القانع الذي يقنع بما أعطيه والمعتر الذي يعتر بك فيسألك. وقيل القانع السائل والمعتر المعترض من غير سؤال. وقيل بعكس هذا القول. وقيل القانع الجار وإن كان غنيًا والمعتر الي يعترض ولا يسألك. وقيل القانع الفقير والمعتر الزائر. قال مالك وهو أحسن ما سمعت. وفيها أقوال غير هذه وأكثرها تتداخل فلذلك أعرضت عن جلبها. وقد أقام بعضهم من هذه الآية ومن الآية التي قبلها: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ أن الهدي أثلاث. وقال جعفر بن محمد عن أبيه أطعم القانع والمعتر ثلثًا وأهلي ثلثًا والبائس والفقير ثلثًا. وأقام بعضهم منها أن الهدي أرباع. قال ابن المسيب: ليس لصاحب الهدي منه إلا الربع. وهو والله تعالى أعلم ممن يقول ذلك على جهة الاستحسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>(٣٩) - قوله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾:</span>\nهذه الآية ناسخة للمنع من القتال. وروي عن ابن عباس أنه قال: هي أول آية نزلت في القتال وروي عنه أنها نزلت عند هجرة رسول الله ﷺ","vol":"3","page":310},{"text":"إلى المدينة. وقال أبو بكر الصديق: لما سمعتها علمت أنه سيكون قتال. واختلف في الآية هل هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾ [الأعراف: ١٨٠] أم لا؟ قال ابن يزد هي ناسخة لها. وأنكر ذلك غيره. وقال إنها تهديد ووعيد بمنزلة قوله ﷿: ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا﴾ [الحجر: ٣] وقوله: ﴿ثم ذرهم في خوضهم يلعبون﴾ [الأنعام: ٩١] وليس فيه نسخ، وهذا قول حسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>(٤٦) - قوله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها﴾:</span>\nاستدل جماعة من العلماء بهذه الآية على أن العقل في القلب وردوا بذلك قول من زعم أنه في الدماغ، وهو قول مالك وليس في الآية حجة واضحة لأنه لا ينكر أن يكون العقل لا يدرك شيئًا إلا بسلامة القلب. فمن شروط إدراكه صحته. فعلى ذلك يكون إضافة العقل إليه مع أن هذه المسألة مما يصعب الاحتجاج على تصحيحها بالسمع لأنها معقولة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>(٥٢) - قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته﴾:</span>\nاستدل بعض الناس بقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾ على أن كل نبي رسول وكل رسول نبي لأنه تعالى أطلق الرسالة عليهم جميعًا. فقال: ﴿وما أرسلنا﴾ والذي عليه الجمهور أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسول ورأوا أن الرسالة فيهما تختلف وأنها جاءت في الآية مبهمة. ورسالة الرسول الوحي ورسالة النبي إيقاع الشيء في نفسه دون وحي. وقوله تعالى: ﴿إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ اختلف في","vol":"3","page":311},{"text":"معنى تمنى فقيل أراد والأمنية إرادة، والمعنى أن الشيطان ألقى ألفاظه بسبب ما تمناه رسول الله ﷺ من معاينة قومه وكونهم متبعين له. قالوا فلما تمنى رسول الله ﷺ في ذلك ما لم يقضه الله تعالى وجد الشيطان السبيل فألقى ما ألقى من اللفظ. وسيأتي تفسيره. وقيل تمنى: تلا، والأمنية التلاوة. وقال تمنى كتاب الله تعالى أول ليلة وآخره لاقى حمام المقدر. وقيل تمنى والأمنية الحديث. ومعنى ألقى في حديثه أي في تطوره وخاطره ما توهمه أنه صواب ثم نبهه الله تعالى على ذلك. والذي ألقاه الشيطان في أمنيته ﷺ أنه حين قرأ: ﴿والنجم﴾ [النجم: ١] في مسجد مكة قد حضر المسلمون والمشركون حتى بلغ إلى قوله: ﴿أفرأيت اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] فألقى الشيطان: تلك الغرانقة الأولى وأن شفاعتهم لترتجى. فقال الكفار هذا محمد قد ذكر آلهتها بما يزيد وفرحوا بذلك فلما انتهى إلى السجدة سجد الناس أجمعون إلا أمية بن خلف فإنه أخذ قبضة من تراب فرفعها إلى جبهته وقال: يكفيني هذا. وقيل هو الوليد بن المغيرة وقيل هو أبو أحيحة سعيد بن العاص. ثم اتصل الخبر بمهاجرة الحبشة أن أهل مكة اتبعوا محمدًا ففرجوا بذلك. فأقبل بعضهم فوجد ألقية الشيطان قد نسخت وأهل مكة قد وقعوا في فتنة. واختلف في صورة الإلقاء، فالذي عليه الأكثر أن النبي ﷺ تكلم بتلك الألفاظ وأن الشيطان أوهمه حتى خرجت على لسانه. وروي أن جبريل ﵇ نزل بعد ذلك فدارسه ﴿والنجم﴾ فلما قالها رسول الله ﷺ قال له جبريل: لم آتك بهذا. فقال رسول الله ﷺ: «افتريت على الله وقلت ما لم","vol":"3","page":312},{"text":"يقل» فتفجع واغتم، فنزلت الآية. وذهب قوم إلى أن هذا لا يجوز عليه ﷺ قالوا: وإنما الأمر أن الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفار عند قوله: ﴿أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى﴾ وقرب صوته من صوت النبي ﷺ حتى التبس الأمر على المشركين وقالوا قرأها محمد، ونحو هذا قد روي عن أبي المعالي. وقال ابن حزم: الحديث الذي فيه: «وأنهن لهن الغرانيق العلا وأن شفاعتهم لترتجى» كذب بحت لم يصح نقله فلا معنى للاشتغال به. وقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ الآية، فإن المراد به الأماني الواقعة في النفس. وقد تمنى النبي ﷺ إسلام عمه أبي طالب ولم يرد الله ﷿ أن يسلم. وتمنى غلبة العد يوم أحد ولم يرد الله تعالى ذلك. فهذه هي الأماني التي ذكرها الله تعالى.\nقلت وقد احتج بالآية والحديث من يجيز وقوع المعاصي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا حجة فيه لضعفه وما تحمل الآية من التأويل، والنسخ في هذا الموضع الإزالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>(٥٨) - قوله تعالى: ﴿والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقًا حسنًا﴾:</span>\nسببها أنه لما مات بالمدينة عثمان بن مظعون وأبو سلمة بن","vol":"3","page":313},{"text":"عبد الأسد اختلف الناس في المقتول والميت في سبيل الله. فقال بعضهم المقتول أفضل. فنزلت الآية مسوية بينهم في الفضل. وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب قوم إلى أنهما سواء في الفضل واحتجوا بالآية. قال بعضهم وظاهر الشريعة أن المقتول أفضل وليست الآية قاضية بتساويهم في الفضل. وقال بعضهم هما شهيدان ولكن للمقتول مزية ما أصابه في ذات الله تعالى. ومما يعضد القول الأول أن فضالة كان أميرًا برودس على ربع من الأرباع فخرج بجنازتي رجلين أحدهما قتيل والآخر متوفى فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل فقال أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل وتفضلونه، فوالذي نفسي بيده ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت اقرأوا قوله تعالى: ﴿والذين هاجروا في سبيل الله﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>(٦٨) - قوله تعالى: ﴿وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون﴾:</span>\nهذه الآية مهادنة خالصة نسختها آية السيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-588>(٧٧) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا﴾:</span>\nأمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بعبادته وخص الركوع والسجود بالذكر تشريفًا للصلاة. واستدل به بعضهم على أن من نسي ركعة أو سجدة وجب عليه أن يجبرها. واختلف الناس هل في هذه الآية سجدة أم لا؟ ومذهب مالك أن لا يسجد فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>(٧٧) -قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾:</span>\nندب إلى فعل المعروف جملة من غير تخصيص شيء. وصيغة قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾ صيغة يظن بها العموم وهي إلى الإجمال","vol":"3","page":314},{"text":"أقرب، فالذي يظن به العموم يتمسك في إيجاب الوتر بها مصيرًا إلى أن ظاهر الأمر من الوجوب. والخير اسم عام والأظهر أنه لا حجة فيه وأنه أقرب إلى الاحتمال لكثرة ما أخرج بالأدلة المخصصة عنه. وأشباه هذا في القرآن والحديث كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-590>(٧٨) - قوله تعالى: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾:</span>\nاختلف في الجهاد هنا ما هو، فقيل هو قتال الكفار، وقيل بل أعم من هذا بل جهاد النفس وجهاد الظلم وجهاد الكفار وغير ذلك. وأمر الله تعالى عباده أن يفعلوا ذلك في ذات الله تعالى حق فعله. واختلف في قوله تعالى: ﴿حق جهاده﴾ هل هو منسوخ أم لا؟ فقال بعض العلماء في ذلك وفي قوله تعالى: ﴿حق تقاته﴾ هو منسوخ بقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦] وذهب قوم إلى أنه ليس بمنسوخ وذلك أن المراد بهذه الأوامر فعل ما استطيع عليه. فقوله في الآية الأخرى ﴿ما استطعتم﴾ إنما هو تبيين لما أهمل في غيرها وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: ﴿حق تقاته﴾ [آل عمران: ١٠٢] في موضعه.","vol":"3","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-591>سورة المؤمنين</span>\nوهي مكية. وفيها من الأحكام والنسخ مواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>(٢) - (٧) - قوله تعالى: ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فمن ابتغى رواء ذلك فأولئك هم العادون﴾:</span>\nوسبب قوله تعالى: ﴿والذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ أن المسلمين كانوا يلتفتون في صلاتهم يمنة ويسرة، فنزلت الآية وأمروا أن يكون بصر المصلي قبل قبلته أو بين يديه، وفي الحرام إلى الكعبة. وقيل إن رسول الله ﷺ كان يلتفت في صلاته إلى السماء فنزلت الآية واختلف المفسرون أيضًا في الخشوع ما هو؟ فقيل هو الإقبال عليها والسكون فيها وهو قول مالك وجماعة سواه. وقيل الخشوع في القلب وأن لا تلتفت في صلاتك وهو قول على بن أبي طالب. وروى بعضهم عن ما يعضد هذا وهو أنه رأى رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: لو خشع هذا لخشعت جوارحه. وقيل خاشعون يعني خائفون ساكنين، وهو قول","vol":"3","page":316},{"text":"ابن عباس، والذي ينبغي أن يقال في هذا أن الخشوع هو التذلل في الجسم والقلب، وإلى هذا ترجع سائر الأقوال إذا حققت هذا الخشوع الذي ذكرناه. قال جماعة من العلماء ليس بفرض في الصلاة بحيث إذا تركه أحد بطلت صلاته ألا ترى أن عمر قال إني لأجهز جيشي وأنا في صلاتي. وروي عنه أنه قال إني لأحسب جزية البحرين وأنا في الصلاة. ولا شك أن الخشوع الباطني مع هذا متروك، ولو كان من الفرائض ما تركه عمر رضي الله تعالى عنه. وقد أطلق بعضهم عليه اسم الفرض.\nوقد اختلف السلف في الالتفات في الصلاة فمن كان لا يرى ذلك أبو بكر وعمر وابن مسعود وأبو الدرداء وأبو هريرة وابن الزبير، ورخصت فيه طائفة منهم أنس بن مالك وبان عمر وغيرهما. وحجة القول الأول قوله تعالى: ﴿خاشعون﴾، والالتفات فيه ترك الخشوع. واختلف العلماء في أي موضع يضع المصلي بصره. فقال الكوفيون والشافعي وغيره يضعه موضع السجود. قال الشافعي: وهو أقرب إلى الخشوع. وقال بعضهم هو الخشوع. وقال مالك ومن تابعه يضعه أمامه وليس عليه أن ينظر موضع سجوده، وكره الحد في ذلك. وقال بعضهم يضعه موضع سجوده إن كان قائمًا إلا بمكة في المسجد الحرام فإنه يستحب له أن ينظر إلى البيت. والحجة لمالك أن الخشوع إنما هو كما قال: الإقبال على الصلاة، والسكون وضع بصره أينما وضعه ما لم يزل عن حد السكون.","vol":"3","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-593>(٣) - وقوله تعالى: ﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾ </span>اللغو ما سقط من الكلام وهذا يجمع تجنب جميع ما لا خير فيه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>(٤) - وقوله تعالى: ﴿والذين هم للزكاة فاعلون﴾ </span>يحتمل أن يراد هنا الزكاة المفروضة، وإلى ذلك ذهب الطبري وغيره. ويحتمل أن يراد بها الزكي من الأعمال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>(٥) - وقوله تعالى: ﴿والذين هم لفرجهم حافظون﴾ </span>يريد من عف فرجه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>(٦) - وقوله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ </span>قصر في هذه الآية حلال الوطء على التزويج وملك اليمين. واختلف هل فيه دليل على تحريم المتعة أم لا؟ فذهب جماعة إلى أن لا دليل فيها على ذلك وقال الزهري سألت القاسم بن محمد عن المتعة فقال هي محرمة في كتاب الله تعالى وتلا هذه الآية، فرأى المتعة خارجة عن التزويج وملك اليمين الذي لا يحل الوطء إلا بهما. وقد مر الكلام على هذه المسألة في موضعها. وهذه الآية تقتضي تحريم الزنا ومواقعة البهائم ولا خلاف على تحريم ذلك. واختلف في إتيان الرجل يده والاستمناء جملة أحرام هو أو مكروه؟ فحرمه أكثرهم ورآه داخلًا تحت قوله تعالى: ﴿فمن ابتغى رواء ذلك فأولئك هم العادون﴾ واحتجوا بما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «من أتى يده جاءت يوم القيامة حبلى» ورخص فيه قوم من الصحابة والتابعين على كراهيته وقالوا إنما هو إزالة شيء من الجسم يخاف ضرره فلا شيء على","vol":"3","page":318},{"text":"من فعل ذلك ولا يلحقه فيه إثم ولم يروه داخلًا تحت قوله: ﴿فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>(٥٤) - قوله تعالى: ﴿فذرهم في غمرتهم حتى حين﴾:</span>\nفي هذه الآية مهادنة وهي منسوخة بآية القتال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>(٦٢) - قوله تعالى: ﴿ولا نكلف نفسًا إلا وسعها﴾:</span>\nقد تقدم الكلام على هذه الآية في سورة البقرة فلا معنى في إعادتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>(٨٤) - قوله تعالى: ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون﴾:</span>\nقال مكي فيها دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم وإظهار الباطل من قولهم ومذهبهم ووجوب الحجج على من خالف دين الله تعالى.\nقوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ في هذه الآية مهادنة للكفار ةهي منسوخة بآية السيف.\nنسأل الله تعالى العافية والسلامة.","vol":"3","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-600>سورة النور</span>\nوهي مدنية وفيها من الأحكام والنسخ مواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>(٢)، (٣) - قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾:</span>\nوقد تقدم الكلام في سورة النساء على ما نسخته هذه الآية وهي آخر آية نزلت في حد الزاني. وهي الآية ظاهرها العموم في كل زان أو زانية مسلمين كانا أو كافرين. وقد قال بذلك أهل الظاهر وأبو حنيفة، فرأوا أن الكافر حده الجلد بكرًا كان أو ثيبًا، وهو قول المغيرة من أصحاب مالك. وقال الشافعي حد الكافر في الزنا كحد المسلم، إن كان بكرًا جلد مائة جلدة وإن كان ثيبًا رجم، واحتج بعموم الآية وبالحديث عن النبي ﷺ في رجم اليهوديين واعتذر من لم يقل بقول الشافعي عن الحديث. فقال أبو","vol":"3","page":320},{"text":"حنيفة إنما عليهم بحكم التوراة، وقال مالك رحمه الله تعالى إنما حكم عليهم بالرجم لأنهم لم يكونوا أهل ذمة فكان دمهم مباحًا. إلا أن هذا التأويل يضعفه قتل المرأة. كما ضعف بعضهم تأويل أبي حنيفة بأن يكون النبي ﷺ اقتدى بالتوراة وغير هؤلاء، وهم مالك وأصحابه، رأوا أن المراد بها المسلمون دون المشركين وأن الكافر لا يحد بكرًا كان أو ثيبًا ويرد إلى أهل دينه. قال بعضهم بدليل أنها نزلت ناسخة للآية الواردة في المسلمين وهي قوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾ الآية [النساء: ١٥]. فقال رسو الله ﷺ: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا» الحديث.\nوظاهرها أيضًا العموم في الأحرار والعبيد وقد قال به أهل الظاهر إلا فيإيناث العبيد فإنهم يرون أنهن خارجات من هذا العموم بقوله تعالى: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] فيرون أن العبد يجلد مائة بحكم العموم والأمة خمسين بحكم الآية المخصصة. وأنكر هذا العموم الجمهور إذ فرق بين العبد والأمة في مثل هذا فأجروا على العبد حكم الأمة الثابت لها بالآية التي احتجوا بها، وظاهرها أيضًا العموم في الأبكار والثيبين. وقد قال بذلك أيضًا أهل الظاهر ورأوا أن الثيب يجلد بالآية ثم يرجم بالحديث فجمعوا عليه الحدين. وروي عن علي بن أبي طالب أنه جلد الهمدانية ثم","vol":"3","page":321},{"text":"رجمها، وقال جلدتها بكتاب الله تعالى ورجمتها بالسنة. واحتجوا أيضًا بحديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا الثيب بالثيب جلد مائة والرجم» ولم يقل غيرهم بذلك العموم فلم يروا الشيئين مرادين بالآية ورأوا أن حديث عبادة منسوخ بما ثبت من حكم رسول الله ﷺ بالرجم دون الجلد في حديث أنس وفي قصة ماعز وقصة العامرية. وهذا الدليل يخصص الظاهر الذي يحتجون به من القرآن. وبعضهم يسمي هذا التخصيص الذي ذكرته نسخًا وبعضهم يقول إن الشيئين يرادان بالآية أيضًا، لكن يقول الناسخ لتلك الآية الثيبين القرآن الذي ارتفع لفظه وبقي حكمه وهو الذي قرأ عمر على المنبر بمحضر الصحابة: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة. والأصح ما ذكرته أولًا. وحديث علي يحتمل أن يكون كتمه الإحصان فلم يعلم به حتى جلدها. والخوارج بإجماعهم يرون الآية عامة في الأبكار والثيبين ولا يرون الرجم ويقولون ليس في كتاب الله تعالى رجم وهو خلاف ما يعتد به. وظاهر الآية أيضًا الجلد دون التغريب وقد قال به أبو حنيفة وذكره بعضهم عن مالك واستدل بالآية قال: ولم يذكر التغريب فكان إثباته زيادة في النص نسخ ولا يصح نسخ القرآن بأخبار الآحاد. ولم ير مالك في المشهور عنه وجميع أصحابه ذلك بل رأوا الجلد ثابتًا بالآية والتغريب ثابتًا بالسنة. وقال ﵊: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» فجمعوا بينهما ولم يروا الزيادة في النص نسخًا هذا إذا لم تغير الزيادة في الحكم الأول. ولا تغريب","vol":"3","page":322},{"text":"عند مالك وجميع أصحابه على الحرة خلافًا للشافعي، ومن حجتهم ظاهر الآية، ولم يأت ما يزيل ذلك الظاهر. فإن قيل وهو حجة مالك قد جاء هذا الحديث: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» فكام أزلتم ظاهر الآية في الرجل البكر به فهلا فعلتم ذلك في المرأة البكر؟ قيل قد جاء أيضًا عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها» فلو كان التغريب للنساء لأدى ذلك إلى ما نهى عنه ﷺ من في هذا الحديث وفي نفيها تعريض لهتك سترها فكان تركها أولى. والأمة والعبد أيضًا عند مالك وأصحابه لا يغربان. وللشافعي في ذلك قولان، والحجة لمالك قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني﴾ ولم يذكر تغريبًا، وقال: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] فلم يذكر تغريبًا فلا يثبت إلا حيث يقوم الدليل مع ظاهر قول النبي ﷺ في حديث أنس في الأمة إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها فكرر الجلد ولم يذكر التغريب. وحد العبد على النصف من حد البكر الحر سواء زان بحرة أو بأمة، خلافًا للأوزاعي في قوله إن زان بحرة رجم وإن زنا بأمة جلد، وهذا فاسد لقوله ﷿: ﴿الزانية والزاني﴾ ولم يفرق. واختلف في المجون إذا زنا بعاقلة هل تحد العاقلة أم لا؟ فقال ﴿الزانية والزاني﴾. واختلف أيضًا في الصغير يفجر بكبيرة هل تحد الكبيرة أم لا على قولين. وحجة القول بحدها عموم الآية، ومن حجة من لا يرى الحد أن هذا ليس بزنا فليس بداخل في الآية. واختلف في الكبير يفجر بصغيرة","vol":"3","page":323},{"text":"هل يحد أم لا؟ فعن مالك في ذلك روايتان. وحجة القول بالحد عموم الآية. واختلف في الوط في الدبر هل هو زنى أم لا؟ فعند مالك رحمه الله تعالى أنه زنى يقام فيه الحد وغير لا يراه زنى والكلام في هذا هل اسم الزنى واقع عليه أم هو قياس؟ فإذا كان اسم الزنى واقعًا عليه فالعموم في الآية شامل له. وإن كان قياسًا فهو صحيح إن شاء الله تعالى. واختلف فيمن زنى ببهيمة هل عليه حد أم لا؟ فالمشهور أنه لا حد في ذلك، وفي كتاب ابن شعبان أن الحد فيه واجب، وهذا بعيد لأن فاعل ذلك ليس بزان لأنه معلوم أن الزنى إنما هو بالآدمية، فقد خرج هذا من لفظ الآية بعرف اللفظ فلا حد فيه. واختلف في من زنى بحربية ببلاد الحرب، فالمشهور في المذهب أن عليه الحد وقال أشهب لا حد عليه. وحجة القول الأول عموم الآية. واختلف أيضًا فيمن زنى بنصرانية وإن لم تكن ببلاد الحرب، ففي المذهب أن عليه الحد خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، وحجة القول الأول عموم الآية. واختلف أيضًا إذا دخل المسلم دار الحرب فزنى بمسلمة وكذلك إذا زنى في عسكر أهل البغي. ففي المذهب أن عليه الحد خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لا حد عليه إلا أن يكون على الجيش أميرًا أو في مصر من الأمصار. ودليل القول الأول الآية. واختلف فيمن زنى بأمة له فيها شرك، ففي المذهب أنه لا حد عليه عالمًا كان بالتحريم أو غير عالم. وفي خارج المذهب أن عليه الحد إن كان عالمًا بذلك لأنه زنى وقد حرم الله تعالى الزنا وأوجب فيه الحد. وحجة القول الأول في درء الحد الشبهة التي في وطئه باختلاط ملكه بملك شريكه وقد قال","vol":"3","page":324},{"text":"﵊: «ادرأوا الحدود بالشبهات» فهذا مخصص لعموم الآية. واختلف فيمن زنى بأمة ولده، ففي المذهب أنه لا حد عليه، وذهب داود إلى أن عليه الحد لعموم الآية، وحجة القول الأول الشبهة له في مال ولده وقد قال\n﵊: «أنت ومالك لأبيك» واختلف فيمن زنى بأمة امرأته، فقال مالك إن عليه الحد، وقال قوم لا حد عليه، وحجة القول الأول عموم الآية وأنه لا شبهة للزوج وأنه لا شبهة للزوج في مال الزوجة. واختلف فيمن زنى بميت، فقال مالك عليه الحد، وقال ابن عبد الحكم لا حد عليه، وحجة مالك عموم الآية. وكذلك اختلفوا في المرأة إذا استدخلت ذكر نائم، فقال مالك رحمه الله تعالى عليها الحد وقال أبو حنيفة لا حد عليها، وحجة مالك أن هذا زنى فهو داخل تحت العموم. واختلف فيمن أكره على الزنا هل عليه حد أم لا على قولين، وحجة القول الأول عموم الآية. واختلف فيمن زنا ولم يعلم أن الزنا حرام، فالمشهور من المذهب أن الحد واجب ولا تسقطه الجهالة وذهب أصبغ إلى أن الحد يسقط بذلك، وروي عن عمر بن الخطاب، والحجة للقول الأول عموم الآية. واختلف فيمن زنا بذات محرم منه، فقال مالك والشافعي عليه الحد، وروي عن البراء بن عازب وجابر أنه يقتل وحجة القول الأول عموم الآية وحجة القول الآخر حديث البراء بن عازب الذي ذكره الترمذي وغيره حين قال في رجل زنا بأمه: أمرني رسول الله ﷺ أن أضرب عنقه وأستبقي ماله وكذلك اختلف فيمن وطئ أمه أو أخته أو بنته بنكاح أو بملك يمين وهو عالم بالتحريم فعند مالك أنه يحد، وقال أبو حنيفة لا يحد لأن النكاح وعقد الملك شبهة، وحجة مالك أنه إذا كان عالمًا بالتحريم فهو زنا والعقد غير مقصود فدخل تحت عموم الآية. وأما أبو حنيفة فالتفت بالتحريم فهو زنا","vol":"3","page":325},{"text":"والعقد غير مقصود فدخل تحت عموم الآية. وأما أبو حنيفة فالتفت في هذه المسألة إلى صورة العقد ولم يلتفت إلى المقصود وأبعد في هذا النوع من النظر حتى قال فيمن استأجر امرأة ليزني بها أنه لا حد عليه وزاد على ذلك فقال: من أعطى امرأة ذهبًا أو فضة ثم زنا بها أنه لا حد عليه وإن لم يعط ذلك على وجه الإجارة. وهذا تعمق في النظر أدى إلى الزنا المحض فلا يلتفت إليه. واختلف فيمن زنا ثم تاب هل تسقط التوبة عنه الحد أم لا؟ وكذلك في حد السرقة وشرب الخمر. فالمشهور أن الحد لا تسقطه التوبة في شيء من ذلك لقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة﴾ [المائدة: ٣٨] الآية ولم يفرق. وذهب الشافعي وأبو حنيفة والثوري وغيرهم بجلد الرجل قائمًا والمرأة قاعدة واحتجوا بحديث النبي ﷺ: «فرأيت الرجل يمنا على المرأة» قال مالك ومن تبعه يضرب الرجل والمرأة قاعدين وهما سواء في ذلك ومن حجته قوله تعالى: ﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ فسوى بينهما في الجلد ولم يفرق بين الرجل والمرأة. واختلفوا في مواضع الضرب من جسده بعد أن اتفقوا على تجنب المقاتل والوجه والعورة، فعند مالك أن الضرب لا يكون إلا على الظهر خاصة، وعند الشافعي أن الأعضاء كلها تضرب ما عدا ما اتفق عليه، وعند أبي حنيفة أن الأعضاء كلها تضرب ما عدا الظهر قوله تعالى: ﴿فاجلدوا كل واحد منهما﴾ فأطلق ولم يخص، وحجة مالك قوله ﵊: «البينة أو حد في ظهرك» وقول عمر: لأوجعن متنيك. واختلف هل يجرد المحدود أم لا بعد الاتفاق على أن المرأة لا تجرد وتستر بما لا يقيها الضرب. فعند مالك وغيره أنه يجرد، وروي عن النخعي والشعبي وغيرهما أنه لا يجرد","vol":"3","page":326},{"text":"ويترك عليه قميص، وروي عن ابن مسعود أنه قال: لا يحل في هذه الأمة التجريد. وقال الأوزاعي الإمام مخير إن شاء جرد وإن شاء لم يجرد، ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿فاجلدوا كل واحد منهما﴾ والجلد يقتضي مباشرة أبدانهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>(٢) - قوله تعالى: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾:</span>\nاختلف فيه المفسرون، فقال ابن المسيب وغيره يعني الضرب الشديد، وقال مجاهد وغيره لا تعطل الحدود من أجل الرأفة، وقال سليمان بن يسار نهي عن الرأفة في الوجهين. وقد اختلف في حد الزنا هل يكون كحد الفرية والخمر أم لا؟ فقيل هو مثليهما سواء ضرب غير مبرح وهو قول الشافعي ومالك، وعلى هذا يأتي قول مجاهد في الرأفة. وقيل ضرب الزنا أشد منهما وعليه يأتي القولان الآخران في الرأفة وهما حجة هذا القول. واختلف في حد الفرية والخمر أيضًا هل هما سواء أم حد الفرية أشد، فالمشهور أنهما سواء وهو مذهب الشافعي ومالك، وقيل حد الفرية أشد. وذكر أبو الحسن عن أبي حنيفة وأصحابه الثلاثة أن التعزير أشد الضرب وضرب الزنا أشد من ضرب القذف. وقال الثوري ضرب الزنا أشد من ضرب القذف وضرب القذف أشد من ضرب الخمر. والظاهر يقتضي التسوية ومما يحتج به من قال إن ضرب الزنا أشد من ضرب الخمر والقذف أن رسول الله ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال، وحد الزنا لا يكون إلا بالسوط وأن القاذف يمكن أن يكون صادقًا والزاني بخلافه فكيف يسوى بينهما بالضرب، وهذا الكلام لا يخفى فساده. واختلف هل يرفع","vol":"3","page":327},{"text":"الضارب يده حتى يرى بياض إبطيه أم لا؟ فروي عن عمر وعلي أنه لا يفعل ذلك، وروي عن عبد الملك بن مروان أنه أمر بذلك، ومن حجته: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾. والصواب هو القول الأول لأن القصد بذلك إنما هو النكال وبدون ذلك يبلغ المقصود فلا معنى للغلو. واختلف هل يجوز أن يجمع مائة سوط فيضرب بهما ضربة واحدة أم لا؟ فلم يجزه مالك جملة وأجازه أبو حنيفة للصحيح والمريض، وفرق الشافعي بين الصحيح والمريض والضعيف والجلد القوي. فقال يجوز ضرب المريض بذلك وبأطراف النعال وبعثكول النخل وبعذق فيه مائة شمراخ. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ فمفهوم هذا أنه أراد الضرب ولا يفهم منه أنه أراد الشيء الذي يضرب به.\nقوله تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾:\nالمراد بالآية توبيخ الزناة والغلظة عليهم ليرتدعوا، فلا خلاف أن ما كثرت الطائفة في حضورهم كان أغلظ عليهم. وقد اختلف في أقل ما يجزئ، فقيل عشرة وهو قول الحسن. وقيل ما زاد على الأربعة وهو قول ربيعة. وقيل أربعة جماعة على المذهب وهو قول ابن أبي زيد ورأوا أن هذا كشهادة الزنا. وقيل ثلاثة وهو قول عطاء والزهري وغيرهما. وقيل لا بد من اثنين وحكى ذلك بعضهم عن [] قال وهذا قول مالك المشهور. وقيل يجزئ الواحد. وتسمى طائفة إلى الألف وهو قول مجاهد وقاله ابن عباس، واحتجا بقوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم","vol":"3","page":328},{"text":"طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ [التوبة: ١٢٢] وقوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: ٧]، ونزلت في تقاتل رجلين، وهذا أضعف الأقوال لأن المقصود بحضورهم -كما قلنا- التوبيخ، وإذا كان ذلك فالواحد لا يكفي مع أن الطائفة إذ أطلقت في كلام العرب إنما تقع على جماعة.\nوقوله تعالى: ﴿فاجلدوا﴾ هذا أمر عام للإمام وغيره، لكن العلماء اتفقوا على أن الإمام هو الذي يلي ذلك في أمر الرعية. واختلفوا في السيد مع عبده هل يقيم عليه الحدود أم لا؟ فقال الشافعي يقيم الحدود كلها دون الإمام. وقال مالك يقيم عليه حد الزنا والشرب والقذف. وذكر المروزي عن أحمد أنه لا يقيم عليه إلا حد الزنا والشرب والقذف. وذكر المروزي عن أحمد أنه لا يقيم عليه إلا حد الزنا. وقال أبو حنيفة ذلك إلى الإمام لا للسيد. وإذا لم يكن إمام فالظاهر من المذهب أن الرعية لا تقيم الحدود. وذكر أبو الحسن أنه إن أفضى إقامة الحدود من صلحاء الناس إلى هرج وفتنة لم يجز وإن لم يفض جاز وهذا من قوله يقتضي أن الخطاب على العموم. وإذا قلنا إن السيد يقيم على عبده وأمته حد الزنا إنه إذا لم تكن الأمة متزوجة لعبد غيره أو لحر خلافًا للشافعي في اختياره ذلك. واختلف هل للسيد أن يعفو عن الحد لعبده أو أمته، فأجازه الحسن وقال غيره لا منعة له في ذلك كالسلطان سواء، وعموم الآية حجة لهذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-603>(٣)، (٤) - قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾:</span>\nاختلف في هذه الآية على قولين، أحدهما: أنها منسوخة إلا أن الذين","vol":"3","page":329},{"text":"ذهبوا إلى هذا اختلفوا فقال سعيد بن المسيب إن هذا حكم كان في الزناة عامًا أن لا يتزوج زان إلا زانية ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في هذه السورة: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: ٣٢] فدخلت الزانية في أيامى المسلمين وقال مجاهد فيما ذكره أبو عبيد إن هذا الحكم إنما كان في نفر مخصوصين كانوا يزنون ببغايا الجاهلية، فلما أسلموا لم يمكنهم الزنا فأرادوا تزوج أولئك النسوة إذ كانوا من عاداتهن الإنفاق على من يتزوجهن، فنزلت الآية بسببهن فحرمت على أولئك النفر نكاح غيرهم من المؤمنين ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾. قال أبو الحسم: دليل النسخ أنه جوز للزاني أن ينكح المشركة وللمشرك أن ينكح الزانية وذلك غير جائز فإنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ [البقرة: ٢٢١] وإذا صح النسخ جاز تزوج الزاني العفيفة والعفيف الزانية. وتزوج الزاني الزانية لعموم قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: ٣٢] وقد أنكر القول بالنسخ شيخنا أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى لوجهين: أحدهما أنا لا ندري أي الآيتين المتقدمة من المتأخرة. والثاني أن قوله: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية﴾ خاص وقوله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ عام، والعام لا ينسخ الخاص، والثاني أنها محكمة. إلا أن من ذهب إلى هذا اختلفوا في التأويل، فقال ابن عباس وغيره إن النكاح في الآية بمعن الجماع لا بمعنى التزوج، والقصد بالآية على هذا تشنيع الزنا وأنه محرم، واتصال الآية على هذا التأويل بما قبلها حسن فيكون المعنى أن الزاني لا يزني إلا بزانية مثله مسلمة أو مشركة، وكذلك الزانية من المسلمات لا تزني إلا مع زان من المسلمين أو مع مشرك وهذا أحسن ما في الآية. إلا أن الزجاج قد أنكره وقال لا يعرف النكاح في كتاب الله إلا معنى التزوج. وهذا ليس","vol":"3","page":330},{"text":"كما قال، وفي القرآن ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠] وبينه النبي ﷺ أنه بمعنى الوطء. وقد مر الكلام عليه في سورة البقرة. وقال عبد الله بن عمر وروي عن ابن عباس أيضًا وغيره أن الآية نزلت في قوم مخصوصين كانوا في الجاهلية يزنون ببغايا مشهورات فلما جاء الإسلام أسلموا ولم يمكن تلزنا وكانوا ففقراء أرادوا زواج أولئك النسوة لفقرهم إذ كان من عادة أولئك النساء الإنفاق على من يتزوجهن، فنزلت الآية بسببهن. والإشارة بالزاني إلى أحد أولئك وحمله عليه اسم الزاني الذي كان في الجاهلية. والنكاح في الآية على هذا القول التزوج وفي الآية على هذا التأويل معنى التوجع عليهم والتوبيخ لهم كأنه قال أي مصاب هذا الزاني لا يريد أن يتزوج إلا زانية أو مشركة، أي تنزع نفوسهم إلى هذه الرذائل.\nوقوله تعالى: ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ أي نكاح أولئك البغايا. فيزعم أهل هذا التأويل أن نكاح أولئك البغايا حرمه الله تعالى على أمة نبينا محمد ﷺ. وحكى الطبري عن ابن عباس في سياق هذا القول أنه كانت لهم بيوت في الجاهلية تسمى المواخير فكانوا يؤجرون فيها وكانت بيوتًا معلومة للزنا فحرم الله تعالى ذلك على المؤمنين.\nومقتضى هذا القول أن الزاني لا يتزوج زانية ولا مشركة، والزانية لا تتزوج زانيًا ولا مشركًا، إلا أنه قال إنها وردت في قوم مخصوصين، والعام إذا خرج على سبب خاص قد اختلف فيه يحمل على عمومه أو يقصر على سببه. وإذا حمل على عمومه فلا يجوز على هذا أن يتزوج الزاني الزانية ويجوز أن يتزوج العفيفة، كذلك العكس. وكذلك روي عن ابن مسعود أنه قال في الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها: إنهما زانيان ما عاشا. وروي مثله عن عائشة وعلي والبراء، وروي عن ابن مسعود أنه إذا تاب حل له أن يتزوج من أولئك البغايا. والبغايا المذكورات: عناق، واسم الذي","vol":"3","page":331},{"text":"هم بتزوجها دلدل وكان يخرج مع المسلمين من مكة سرًا ففطنت له ودعته إلى نفسها فأبى الزنا وأراد التزوج فاستأذن فيه النبي ﷺ فنزلت الآية. ولما دعته وأبى قالت له: أي تبور والله لأفضحنك. وأم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي ويقال فيها أم مهزم. وحنة القبطية جارية العاص بن وائل. وجارية صفوان بن أمية أم عليط. وجارية عمرو بن هشام بن ربيعة فرسة. وجارية هلال بن أنس فرنتا من ذوات الرايات التي تعرف منازلهن بها. وعلى هذا كانت بالمدينة إماء عبد الله بن أبي وغيرهن. وقال الحسن: معنى الآية على ظاهرها وهي محكمة في الزاني المجلود والزانية المجلودة أي لا يزوج المجلود مجلودة. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: ﴿لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ يريد الزنا. وهذا القول يضعفه ذكر المشرك في الآية لأنه لا يحرم على قوله للزاني أن يتزوج مشركة وللزانية أن تتزوج من مشرك، وهذا في غاية البعد. وقد ضعف بعضهم هذا","vol":"3","page":332},{"text":"القول والحجة به قالوا: وأما الحديث فلا يصح وقال بعضهم إن منسوخ. وللاختلاف في تفسير الآية اختلف في ابتداء تزوج الزاني العفيفة والعفيف الزانية على ثلاثة أقوال: المنع وهو مروي عن الزهري، وهو الذي يأتي على مذهب الحسن في تفسير الآية، وروي عن علي أنه فرق بين رجل وامرأة زنيا قبل أن يدخل بها وربما قال من يقول بهذا إن الآية منسوخة في المشركة خاصة دون الزانية، وهؤلاء يرون عن ابن عباس وأبي هريرة وأبي لن كعب وابن عمر مثل قولهم. ومن حجة هؤلاء حكم رسول الله ﷺ بالتفريق بين المتلاعنين.\nوالكراهة وهو المشهور في المذهب فإن وقع جاز، وسبب الكراهة إشكال ظاهر الآية.\nوالجواز وهذا أيضًا في المذهب وروي عن الزهري وعليه يأتي قول من رأى النسخ في الآية ورأى النكاح فيها بمعنى الوطء. ومن حجة أهل هذا القول أيضًا عموم قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ الآية [النساء: ٣].\nواختلف في الزاني يتزوج الزانية كان زنى كل واحد منهما بصاحبه أو بغيره، على حسب الاختلاف في المسألة الأولى المنع وهو قول ابن مسعود والبراء بن عازب وعائشة. وهذا يرده تأويل الحسن في الآية ويعضده تأويل عبد الله بن عمر.\nوالكراهة والجواز وهما المشهوران. وعلى القول بأنه لا يمنع فلا بد من الاستبراء إن أراد الزواج خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، وقولهما إنه ليس","vol":"3","page":333},{"text":"بواجب. وحجتنا قوله ﵊: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه زرع غيره».\nواختلف في الرجل تزني امرأته تحته هل ينفسخ نكاحه أم لا؟ فالمشهور أنه لا ينفسخ، وقيل ينفسخ وحكي عن الحسن وأبي عبيد. وقال بعضهم وهو قول أهل البصرة. وكذلك اختلف إذا زنى الرجل هل يحرم على المرأة أم لا؟ فعند أهل البصرة أنه يحرم وقال غيرهم لا يحرم وعلى هذا يأتي تفسير الحسن للآية، وقد تقدم ما يوهن تفسيره ويقوي سواه. ومن الدليل للقول المشهور قوله ﷺ للرجل الذي قال له إن امرأتي لا ترد يد لامس، قال: «طلقها» قال: إني أحبها. قال: «أمسكها». وقد تأول بعضهم: إن امرأتي لا ترد يد لامس، أن معناه لا ترد طالب ماله من محتاج أو سارق ونحو ذلك، وأنشدوا على هذا:\nألستم لئامًا ترودن جاركم ... ولولاهم لم تمنعوا كف لامس\nوفي قوله تعالى: ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ دليل على أنه لا تحريم على الكافرين وأنه لا اعتراض لنا في زناهم وفسوقهم وفجورهم إذا قدرنا على أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله. وإذا لم يحرم الله ﷿ علهم الزنا فلا خطاب عليهم في تحليل ولا تحريم حتى يدخلوا في الإسلام فإن احتج محتج بقوله تعالى: ﴿وطعامكم حل لهم﴾ [المائدة: ٥] فقيل إنما معناه حل لكم أن تطعموهم منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>(٤) - (٦) - قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾:</span>\nنزلت في القذف والرمي أصله من الرمي بالحجارة والسهام ثم استعير","vol":"3","page":334},{"text":"للقذف لما بينهما من الشبهة. وقال قال امرؤ القيس: وجرح اللسان كجرح اليد. فكأنه تعالى قال والذين يقذفون المحصنات. القذف أيضًا الرمي. وقال تعالى: ﴿ويقذفون من كل جانب * دحورًا﴾ [الصافات: ٨، ٩] وتقول العرب: فلان بين حاذف وقاذف. إلا أنه قد خص في إطلاق أهل الشرع بالرمي في الزنا ولا خلاف في صريح ذلك أنه داخل في حكم الآية. واختلف في التعريض بالزنا هل يجري مجرى الصريح في ذلك أم لا؟ فمالك يجب الحد والشافعي وكافة العلماء على خلافه. ووجه قول مالك حمل المفهوم على الصريح كحمله عليه في ألفاظ الشرع، وقال الشافعي لما كان التعريض في الخطبة ليس كالصريح حملنا التعريض بالقذف عليه وهو أولى لقوله ﵊: «ادرأوا الحدود بالشبهات» والمحصنات هنا أهل العفة باتفاق. واختلف في الحرية والإسلام هل هما داخلان تحت لفظ المحصنات مع العفة أم لا على ما يأتي تفسيره. واتفقوا أن التزويج لا مدخل له في هذه الآية. واختلف في سبب نزول هذه الآية. فقال سعيد بن جبير سببها ما قيل في عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها. وقيل بل نزلت بسبب ما قيل في القذف عامًا لا في تلك النازلة واختلف أيضًا في الآية هل هي في النساء خاصة -والرجال داخلون فيها بالمعنى- أم هي في","vol":"3","page":335},{"text":"الرجال والنساء سواء؟ فقيل هي في النساء لقوله: ﴿والمحصنات﴾ وهذا لا يكون إلا في النساء. وخصهم الله تعالى بالذكر إذ كان رميهم بالفاحشة أنكر في النفس وأشنع، وقذف الرجل داخل في حكم الآية بالمعنى والإجماع، وهذا نحو نصه تعالى على لحم الخنزير ودخل شحمه ودماؤه وغضاريفه ونحو ذلك من أعضائه في ذلك المعنى وبالإجماع، ومثل قوله تعالى في الإماء: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] والعبيد مثلهن باتفاق. ومثله قوله ﵊: «من أعتق شركًا له في العبد» والأمة مثله باتفاق. وقد اختلف هل يسمى مثل ذلك قياسًا أم لا؟ وقيل بل الآية في الرجال والنساء وأن المعنى فيها: والذين يرمون الأنفس المحصنات، فهي تعم بلفظها النساء والرجال. وقوله تعالى: ﴿والذين يرمون﴾ عام في كل بالغ عاقل مسلم أو نصراني. إلا أنه اختلف في العبد هل هو مخصص من هذا اللفظ أم لا. فذهب ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز ومن قال بقولهما إلى أنه غير مخصص من لفظ الآية وأن حده في القذف ثمانون جلدة كما نص في الآية، وبه قال الأوزاعي. وذهب الجمهور إلى أنه مخصص منها بقوله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات﴾ [النساء: ٢٥] وأن حده نصف حد الحر أربعون.\nوقوله تعالى: ﴿والمحصنات﴾ أراد باللفظ أهل العفة وقد اتفقوا على أن من قذف -من ثبت عليه الزنا- بالزنا الذي قد ثبت أنه لا حد عليه لأن العفة من ذلك لم تقع بوجه. واختلفوا إذا قذفه بزنا آخر غير الذي ثبت عليه. فالمشهور أنه لا حد على القذف، وقيل يحد لأن سقوط العفة في ذلك لم تعلم، وإلى نحو هذا ذهب أبو ثور. والقول الأول أصح لأن العفة بظاهر هذا الزنا الثابت قد سقطت ولا حد على من قذف غير عفيف بقوله","vol":"3","page":336},{"text":"تعالى: ﴿المحصنات﴾. فعلى المشهور يكون لفظ المحصنات في الآية فيمن لم تعرف له غير العفة أبدًا. وعلى القول الثاني يكون اللفظ في ذلك وفيمن لم تعرف صحة ما روي به وإن لم يعلم متصل العفة. وظاهر الآية العفاف في المسلمين والكافرين وأنه من قذف أهل الكفر فعليه الحد. وقد قيل بذلك على ما ذكرت بعض المتأخرين. وقد قال بذلك الظاهر قوم منهم ابن المسيب، ورأيت له في الذي يقذف النصرانية ولا ولد مسلم أنه يحد. ورأيت لغيره في النصرانية تحت المسلم أنه إذا قذفها جلد الحد. والذي عليه الجمهور أن المراد بالآية المقذوفون من المسلمين وأن الكفار مخصوصون من عمومها بالقياس على الفاسق المليء وهذا إذا جعلنا الإحصان العفة خاصة. وأما إن جعلنا لعفة والإسلام فليس للآية عموم يحتج به في ذلك. وظاهر الآية على أيضًا على العموم في الأحرار والعبيد وانه من قذف منهم أحدًا كان عليه الحد. وقد قال بذلك بعض أهل الظاهر داود ومن تابعه. والذي عليه الأكثر أن المراد بالآية الأحرار جون العبيد وأنه لا حد على من قذف مملوكًا وأنهم مخصوصون من ذلك العموم، قال بعضهم لقوله «أرخ حد المماليك وأهل الذمة إلى يوم القيامة». ومعناه الحدود التي لهم وهذا كما قلنا على القول بأن الأحصان في الآية العفة خاصة أو العفة والإسلام خاصة. وأما إن فسر اللفظ بذلك وبالحرية جميعًا فلا عموم","vol":"3","page":337},{"text":"له يحتج به. وظاهر الآية أيضًا العموم في البالغين وغيرهم وأنه من قذف منهك أحدًا فعليه الحد، وقد قيل ذلك على ما حكاه بعض المتأخرين. ورأيت لإسحاق أن الغلام إذا كان يطأ مثله حد قاذفه والذي عليه الجمهور أن المراد بالآية البالغون وأن الذين لم يبلغوا مخصوصون من عموم الآية بقوله ﵊: «رفع القلم عن ثلاثة» فذكر الصبي حتى يحتلم. إلا أنه اختلف في المذهب في بلوغ النساء ما هو، فالمشهور أنه إمكان الوطء، وقال ابن عبد الحكم وابن الجهم الحيض، وهذا القول أجرى مع الظاهر. وظاهر الآية العموم في الأحمق وغيره وأنه من قذف الأحمق عليه الحد وقد قال بذلك بعض المتأخرين. والذي عليه الجمهور أن المراد بالآية العقلاء وأن ماع داهم فلا حد على قاذفهم إذا قذفهم بما يكون في حال زوال عقولهم وأنهم مخصوصون من عموم الآية بقوله ﵊: «رفع القلم عن ثلاث» فذكر الصبي حتى يحتلم والمجنون حتى يفيق، وظاهر الآية أيضًا العموم في الممكن من الوطء وغير الممكن مثل المجبوب ومن جرى مجراه، وأن من قذف مجبوبًا فعليه الحد وقد قال بذلك ابن حنبل وإسحاق البتي. والذي عليه الأكثر أن المراد بالآية المتمكنون من الوطء وأنهم مخصوصون من عموم الآية بالقياس على الصبي وأنه من قذف مجبوبًا لا حد عليه. واختلف فيمن أقر على نفسه بالزنا ثم رجع بعد ذلك هل يحد للقذف أم لا؟ فالمشهور أنه لا حد عليه لأن الله","vol":"3","page":338},{"text":"تعالى قال: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ وهذا لم يرم أحدًا. واختلف في المرمي به الذي يجب فيه حد القذف ما هو، فعند مالك والشافعي أنه الزنا واللواط، وعند أبي حنيفة الزنا خاصة وهذا بناء منه على أصله فيأن اللواط لا يجب به الحد وإنما يجب به التعزير، وحدة القول الأول قوله تعالى: ﴿والذين يرمون﴾، والزنا يراد به القذف. ومن يرمي باللواط فقد قذف، ولفظ الآية تعمه. واختلف فيمن قذف أحدًا ببهيمة، فقال ابن شهاب عليه الحد، والمشهور أنه لا حد فيه لأن الآية على ما فهم منها إنما جاءت في الآدميين لا في البهائم. واختلف فيمن قذف ابنه أو ابن ابنه هل عليه حد أم لا على قولين في المذهب. قال ابن المنذر: وظاهر الآية يدل على الحد وليس مع من أزال الحد في هذا حجة. واختلف فيمن قال لآخر يا فاعلًا بأمه أو فعلت بأمك، فالمشهور أن عليه الحد، وقال أصحاب الرأي لا حد عليه في الوجهين. وحجة الأول ظاهر الآية وأن هذا قاذف بلا خلاف. واختلف في القوم في دار الحرب يقذف بعضهم بعضًا، فالمشهور أن على القاذف منهم الحد وقال أصحاب الرأي لا يحد. وقال ابن المنذر يحد على ظاهر الآية. واختلف فيمن قذف رجلًا بالزنا فحد له ثم عاد له فقذفه هل يحد له أيضًا على قولين في المذهب. ووجه القول بالحد عموم الآية. واختلف فيمن قذف جماعة هل يحد لكل واحد منهم حدًا أم حدًا واحدًا لجميعهم. فذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله ومن تابعهما إلى أنه يحد حدًا واحدًا قذفهم في كلمة واحدة أو مفترقين في مجالس شتى. وقال الشافعي لكل واحد حد، وقال عطاء وغيره إن كان القاذف بكلمة واحدة","vol":"3","page":339},{"text":"فحد واحد، وإن كان قذف هذا ثم هذا كان لكل واحد منهم حد. وذكره بعضهم عن مالك رحمه الله تعالى. وقال عروة بن الزبير وغيره إن جاؤوا جميعًا حدوا حدًا واحدًا وإن جاؤوا مفترقين حد لكل واحد منهم، وهو قول المغيرة فيمن قذف أناسًا في أوقات شتى، واستدل بعضهم من الآية على تصحيح القول الأول بأن قال قاذف المحصنة قاذف لها وللذي زان بها ولم يوجب الله تعالى عليه إلا حدًا واحدًا مع قوله أيضًا: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ وهي جماعة. واختلف في القذف هل يتعلق به حق الله تعالى أم لا على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يتعلق به فلا يجوز فيه العفو بلغ الإمام أو لم يبلغه وهو مذهب أبي حنيفة، وعليه تدل رواية أشهب عن مالك. ويأتي على هذا أن حد القذف يقيمه الإمام إذا انتهى إليه، رفعه إليه صاحبه أو أجنبي. والثاني: أنه لا يتعلق به حق الله ولصاحبه أن يعفو بلغ الإمام أو لم يبلغه وهو أحد قولي مالك وقول الشافعي. والثالث: أنه حق لصاحبه ما لم يبلغ الإمام فإذا بلغ الأمام صار حقًا لله تعالى، وهو أحد قولي مالك. وحجة القول بأن لله تعالى فيه حقًا أنهم قد اتفقوا على أن الزنا من حقوق الله لا يجوز فيه العفو فقسنا عليه القذف لأن الله تعالى قال: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ وقال: ﴿الزانية والزاني﴾ فوجب إجراء الأمرين على الظاهر لأنه لم يشترط العفو. وفي هذا حدة أخرى أن المخاطبة بالجلد إنما هي للولاة فذلك يدل على أن لله تعالى فيه حقًا ولا يجوز فيه العفو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>(٤) - قوله تعالى: ﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾:</span>\nشدد الله تعالى بها على القاذف سترًا على عباده وزجرًا عن أذاهم. وحكم هذه الشهادة التي ذكرها الله تعالى هي أن تكون على معاملة بالغة","vol":"3","page":340},{"text":"كالورود في المكحلة. واختلف هل يراع فيها أن تكون في موطن واحد أم لا؟ فراعاه الأكثر ولم يراعه ابن الماجشون وأبو حنيفة ومن حجتهما ظاهر الآية إذ لم يفرق بين موطن واحد ومواطن، وحجة القول الأول قياس المواطن على الأزمنة إذ لم يختلفوا فيها واختلف هل من شرطها أن يأتي الشهداء مجتمعين أم لا؟ فرأى ذلك مالك وقال عبد الملك تقبل شهادتهم مجتمعين أو مفترقين، ومن حجة هذا القول ظاهر الآية إذ لم يذكر الله تعالى في الشهداء اجتماعًا أو افتراقًا. واختلف إن شهد للقاذف أقل من أربعة هل يحد الشهود أم لا؟ فعند مالك والشافعي وغيرهما أنهم يحدون هم وهو. وقال أبو حنيفة وابن حنبل وغيرهما الشهود ليسوا بقذفة فلا يجلدون ومن حجة هؤلاء أن يقولوا مفهوم الآية أنه إن شهد أقل من أربعة لم تجز شهادتهم على المقذوف ولم يبرأ القاذف ويجلد، فمقتضى هذا أن الشهود لا يجلدون. وحجة القول الأول أنهم قد صاروا قذفة إذ لم تكمل بهم الشهادة. واختلف أيضًا إذا شهد أربعة بالزنا أحدهما زوجها. ففي المذهب أن الزج يلاعن ويحد الشهود وهو أحد قولي الشافعي، وقال أيضًا أنهم لا يجلدون، وقال أبو حنيفة تقبل شهادتهم وتحد المرأة، وهذا إذا جاء مع الشهود مجيء الشهادة من غير أن يتقدم منه إليها قذف. والدليل على المخالف للمذهب قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ الآية. وظاهره يقتضي أن يأتي بأربعة شهداء سواه. وكذلك الخلاف إذا شهد أربعة فساق فردت شهادتهم. فقال أبو حنيفة وغيره لا يحدون، والجمهور على أنهم يحدون، قال أبو الحسن: وظن أصحاب أبي حنيفة أيضًا أنه إذا أتى بأربعة شهداء على الصفة المذكورة أنه لا يحد، بخلاف ما إذا أتى بأربعة شهداء محدودين أو كفارًا وعبيدًا فلا يسقط الحد عنه. قال وهذا التفصيل تحكم مع أن إطلاق الشهداء يقتضي الذي يحصل بهم الصدق ويقبل","vol":"3","page":341},{"text":"قولهم. واختلف أيضًا إذا شهد ثلاثة وشك الرابع هل يحد من شهد أم لا؟ كالخلاف فيما تقدم ومما يعضد القول في حد الشهود مع القاذف في جميع ما ذكرناه ما فعل عمر بن الخطاب في أمر المغيرة بن شعبة وذلك أنه شهد عليه بالزنا أبو بكرة نفيع بن الحارث وأخوه نافع وسماه بعضهم عبد الله وزياد أخاوهما لأم وهو مستلحق معاوية وشبل بن معبد البجلي. فلما جاؤوا لأداء الشهادة توقف زياد ولم يؤدها كالملة فجلد عمر الثلاثة المذكورين.\nوقوله تعالى: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ المعنى فاجلدوا كل واحد منهم. وقد تقدم في الجلد وهيئته بما أغنى عن إعادته. وقوله: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا﴾ أمر تعالى أن لا تقبل للقاذفين شهادة، وهذا اللفظ يقتضي مدة حياتهم.\nوقوله تعالى: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ حكم تعالى بأنهم فاسقون أي خارجون عن طاعة الله تعالى. فهذه ثلاثة أحكام في القاذف: الجلد ورد الشهادة والتفسيق. ثم استثنى تعالى فقال: ﴿إلا الذين تابوا﴾ فاستثنى من تاب وأصلح من بعد القذف ووعدهم بالرحمة والغفران. فالاستثناء غير عامل في","vol":"3","page":342},{"text":"جلده القذف بإجماع. وعامل في فسقه بإجماع. واختلف في عمله في رد الشهادة فقال أبو حنيفة وغيره لا يعمل الاستثناء في رد الشهادة وإنما يزول فسق عند الله تعالى ولا تقبل شهادته ولو تاب على حال من الأموال فرد الاستثناء إلى أقرب مذكور في الآية، وهو مذهب جماعة من الأصوليين. وقال جمهور الناس الاستثناء عامل في رد الشهادة فإن تاب القاذف قبلت شهادته، فرد الاستثناء إلى الجملتين، وهو مذهب جماعة من الأصوليين أيضًا. وقد سمى بعضهم هذا الاستثناء نسخًا وليس نسخًا باتفاق.\nواختلفوا في صفة توبة القاذف التي ذكر الله تعالى، فقيل لا تكون إلا بأن يكذب نفسه بالقذف الذي حد فيه، وهكذا فعل شبل بن معبد ونافع وتابا عن القول في المغيرة وأكذبا أنفسهما فقبل عمر شهادتهما، وأبى أبو بكرة نفيع من إكذاب نفسه فرد عمر شهادته حتى مات، وهو قول الشعبي وغيره. وقيل توبته صلاح حاله وندمه على ما فرط منه وإن لم يكذب نفسه، وهو قول مالك. وهذا القول أصح لأن أصل التوبة الإنابة والرجوع من حال المعصية إلى حال الطاعة ومن ندم على ما فرط، وصلحت حاله، فهو رجوع منه. وقد قال تعالى: ﴿إلا من تاب﴾ ولم يخصص رجوعًا من رجوع. واختلف على القول بإجازة شهادته في أي شيء تجوز؟ فالمشهور عن مالك أنها تجوز في كل شيء بإطلاق، وكذلك كل من حد في شيء من الأشياء. وقال سحنون من حد في شيء من الأشياء فلا تجوز شهادته فيه. وقال مطرف وابن الماجشون من حد في قذف أو زنا فلا تجوز شهادته في شيء من وجوه الزنا ولا في قذف ولا في لعان وإن كان عدلًا، وروي هذا عن مالك. والقول الأول أصح لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك﴾ الآية فعم ولم يخص قبول شهادتهم في شيء دون شيء. واختلف","vol":"3","page":343},{"text":"متى تسقط شهادة القاذف؟ فقيل بنفس القذف، وهو قول ابن الماجشون وأصبغ، وبه يقول الشافعي. وقيل لا تسقط حتى يقام عليه الحد وهو قول مالك وأكثر أصحابه وبه يقول أبو حنيفة وهذا هو الصحيح لأن الله تعالى إنما نهى عن قبول شهادتهم إذا لم يأتوا بأربعة شهداء، وللقاذف الإتيان بالشهداء ما لم يحد، فهذا نفي أن شهادته لا تسقط إلا بإقامة الحد عليه، وما لم يقع عليه الحد فلم يتبين فسقه لاحتمال أن يأتي بالشهداء أو يعفو عنه المقذوف أو يقوله بما رماه به من الزنا. واحتج بذلك إسماعيل القاضي بترتيب ترك قبول الشهادة بعد الجلد. وفيه نظر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>(٦) - (٩) - قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إن الذين جاؤوا بالإفك </span>...﴾:\nاختلف في سبب هذه الآية. فقيل قصة عويمرالعجلاني الذي قال: يا رسول الله أرأيت رجلًا وجد رجلًا مع امرأته أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال: «قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها» فلاعن رسول الله ﷺ بينهما ثم قال: «انظروها فإن جاءت به أسحم أديفح العينين عظيم الإليتين فلا أراه إلا قد صدق عليها. وإن جاءت به أحيمر كأنه وحدة فلا أراه إلا كاذبًا». فالت فجاءت به على النعت المكروه. فقال رسول الله ﷺ: «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن». والقصة طويلة وهو مشهورة، وفي ألفاظ الحديث اضطراب. وقيل سببها قصة هلال وذلك أنه لما نزلت الآية المتقدمة: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ عم ظاهرها الأزواج وغيرهن. وقال سعد بن عبادة: يا رسول الله لو وجدت لكاع قد تفخذها رجل لم يكن ان أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء. فوالله لآتي بهم حتى يفرغ من حاجته. وفي بعض الأحاديث: والله لأضربنه","vol":"3","page":344},{"text":"بالسيف غير مصبح. فقال رسول الله ﷺ: «ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟» قالوا لا أكلمه يا رسول الله فإنه رجل غيور ما تزوج فينا قط إلا عذراء ولا طلق امرأة فاجترأ أحد منا أن يتزوجها. وفي بعض الأحاديث، فقال رسول الله ﷺ: «أتعجبون من غيرة سعد، لأنا أغير من سعد، والله أغير مني» فما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن أمية الرافقي فرمى زوجته بشريك بن سحماء البلوي فعزم رسول الله ﷺ على ضربه حد القذف، واجتمعت الأنصار فقالوا ابتلينا بما قال سعد يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين، فبينما هم كذلك إذ نزلت الآية فلاعن رسول الله ﷺ بينهما في المسجد. وقيل لكل واحد منها عند الخامسة: اتق الله فإن عذاب الله تعالى أشد عذاب وأنها الموجبة التي توجب عليك العذاب. فتلكأت المرأة عند الخامسة لما وعظت ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم ولجت. وفرق رسول الله ﷺ بينهما، وولدت غلامًا كأنه جمل أورق ثم كان بعد ذلك الغلام أميرًا بمصر. والحديث أطول من هذا ولكن اختصرته كما فعلت بالأول وهذا القول في الآية أشهر.\nوقد قيل في هذه الآية إنها ناسخة لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ الآية وهذا ليس بنسخ وإنما تخصيص عموم.\nقوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ هذه الآية عامة لكل زوجين إلا من خصص منهما بدليل كالكافرين إلا أن يرضيا بأحكامنا. وظاهرهما أنهما سواء في الأحرار والعبيد، وقد قال بذلك الظاهر مالك والشافعي وغيرهما","vol":"3","page":345},{"text":"ولم يقل به أبو حنيفة ورأى أنه لا لعان بين هذين. قال لأن المراد بالآية من تجوز شهادته من الأزواج لأن الله تعالى استثناهم من الشهداء بقوله تعالى: ﴿ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ فسماهم شهداء بذلك إذ المستثنى من جنس المستثنى منه، وقال: ﴿فشهادة أحدهم﴾ فدل على أن اللعان شهادة والعبد لا تجوز شهادته وليس ذلك بصحيح لأن الاستثناء منقطع والمعنى فيه: ولم يكن لهم شهداء غير قولهم الذي ليس بشهادة، كما قالوا الصبر حيلة من لا حيلة له والجوع زاد من لا زاد له. فاللعان يمين وليس بشهادة وإنما أخذ من باب الشهادة بالعين والقلب فسمى شهادة لهذه العلة، فالخلاف يرجع إلى أن اللعان هل هو يمين أو شهادة؟ وظاهرها أيضًا العموم في المحدودين في القذف وغير المحدودين، وقد قال به مالك والشافعي وغيرهما في ذلك ولم يقل به أبو حنيفة، فرأى أنه لا يلاعن المحدود في القذف وعلته في ذلك ما قدمته أيضًا. ومما يرد عليه به من قوله إنه يرى اللعان للفاسق المعلوم بالفسق وشهادته لا تجوز، وكذلك الأعمى شهادته عنده لا تجوز. وظاهر الآية العموم في الصغيرة التي لا تحمل والكبيرة اليائسة وأنه من قذف زوجته -وإن كانت يؤمن عليها الحمل- لاعن وإلا حد. وقيل يلاعن. وحكي عن ابن الماجشون لا حد على من قذف من لم تبلغ. قال اللخمي فعلى هذا لا لعان على زوج الصغيرة التي لا تحمل.\nواختلف أيضًا إذا كان الزوج خصيًا أو مجبوبًا، فقيل يلاعن لعموم الآية، وقيل لا يلاعن. يعني قائل هذا لأن صدقهما ظاهر. واتفق في المذهب على أن الآية دالة على وجوب اللعان بادعاء رؤية لا مسيس بعدها من غير ظاهرة الحمل، وبإنكار الوطء جملة أو منذ مدة لا تلحق في مثلها الأنساب. واختلف في نفي الحمل إذا ادعى الزوج قبله الاستبراء. فالمشهور أن اللعان يجب بذلك. وحكي عن مالك أنه قال مرة أن الولد لا ينفى","vol":"3","page":346},{"text":"بالاستبراء لأن الحيض يأتي على الحمل. وقاله أشهب في كتاب محمد وقاله المغيرة أيضًا. والقول أصح على ظاهر الآية لأن هذا قد رمى زوجته. وعن مالك في الاستبراء قولان: أحدهما: أنه حيضة، والثاني: أنه ثلاث حيضات.\nواختلف أيضًا في وجوب اللعان في نفي الحمل مجردًا دون ادعاء الاستبراء على قولين مرويين عن مالك. فمن الحجة للقول باللعان عموم الآية والقول بنفي اللعان في ذلك أظهر لما يعضده من النظر. واختلف أيضًا في وجوب اللعان بادعاء رؤية الزنا على حامل بينة الحمل على ثلاثة أقوال مروية عن مالك: أحدها إيجاب الحد ولا لعان. والثاني: إيجاب اللعان وسقوط النسب به. والثالث: إيجاب اللعان وثبوت النسب، وهذا القول أظهر لعموم الآية. واختلف أيضًا فيمن قذف الزوجة فلانًا مجردًا دون أن يقرن بذلك ادعاء رؤية أو نفي حمل هل فيه لعان أم لا على قولن مرويين عن مالك. ووجه القول باللعان عموم الآية. واختلف فيمن ادعى رؤية ثم مس بعدها. ففي المذهب أنه يحد ولا يلاعن. وقال الباجي يلاعن على مذهب الشافعي. ومن حجة هذا القول عموم الآية والقول الأول أظهر من جهة النظر. وفي المذهب أنه لا يلاعن بذلك إلا أن يقذفها. والقول الأول أظهر لأن من نفى حملًا فقد قذف. واختلف هل يلاعن وهي حامل أم حتى تضع على قولين مرويين عن مالك. وحجة القول باللعان عموم الآية. واختلف فيمن نفى حملًا وادعى مع رؤية وأقام البينة على من زنى بها هل يسقط اللعان أم لا؟ ففي المذهب أنه لا يسقط اللعان من أجل الحمل.","vol":"3","page":347},{"text":"وذهب قوم إلى أنه يسقط لعموم الآية. واختلف إذا قال لزوجته: زنيت، قبل الزوجية. ففي المذهب أنه لا يحد ولا يلاعن. وقال أبو حنيفة يلاعن. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ ولم تكن هذه زوجة. واختلف في لعان الأخرس والخرساء إن فهم عنهما بإشارة أو كتابة. ففي المذهب أنه يصح. وقال أبو حنيفة والشافعي لا يصح. ودليل القول الأول عموم الآية. وقد اختلف في الأعمى يقذف. فقال ابن القاسم يلاعن لعموم الآية، وقاله مالك أيضًا. وروي عن مالك أيضًا أنه لا يصح أن يلاعن لعموم إلا أن يقول لمست فرجها في فرجه. واختلف إذا رمى زوجته برجل مخصوص سماه هل يحد حد القذف لذلك الرجل مع لعان زوجته أم لا؟ فالجمهور على أنه يحد. وقال الشافعي لا يحد لأن الله تعالى قد صدقه في نفس الواقعة مع إيمانه فصار ذلك شبهة في درء الحد عنه مع أنه لم يأت في الحديث أن النبي ﷺ حد الذي قذف شريك بن السمحاء بامرأته. وفي صفة اللعان اضطراب كثير. اختلف هل تقول: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو، ولا بد أوله أن يقتصر على: أشهد بالله. فالمشهور أنه يقول أشهد بالله. وفي كتاب ابن المواز أنه يزيد: الذي لا إله إلا هو. والأول أظهر على لفظ الآية لأنه تعالى قال: ﴿أربع شهادات بالله﴾ ولم يزد. وكذلك اختلف في الحالف في الأموال. واختلف أيضًا هل له أن يحلف بصفة من صفات الله تعالى كقوله: أشهد بعلم الله. ففي كتاب محمد أنه يجزيه. وعلى أصل أشهب أنه لا يجزيه لأنه قال إذا حلف في الأموال قال: والله، ولم يزد. أو قال: والذي لا إله إلا هو، لم يجزه. والحالف بالذي لا إله إلا هو حالف بالذات، فإذا لم يجزه اليمين عنده به لم يجزه اليمين بالصفة. والذي يأتي على أصل أشهب أليق بظاهر الآية لأنه تعالى إنما ذكر أن الشهادة في ذلك إنما هي بالله. واختلف أيضًا إذا قال: أشهد بالرحمن أو باسم من أسماء الله تعالى ما عدا اسم الجلالة. ففي شرح الرسالة أن النظر يقتضي أنه لا يجوز إلا ما نص عليه، وهذا خلاف لقول مالك لأنه أجاز اللعان بالصفة فأحرى أن تجوز بالأسماء وهو المراد بالقرآن أن يحلف به، وليس بمقصور على هذا الاسم لله. وقد قال ﵊: «من كان حالفًا فليحلف بالله","vol":"3","page":348},{"text":"أو ليصمت» ولا اختلاف في أن الحالف بالرحمن حالف بما يجوز له وداخل فيما أباح النبي ﷺ الحلف به. واختلف إذا قال: أقسم بالله وام يقل أشهد. ففي شرح الرسالة ذلك أن النظر يقتضي أن لا يجوز إلا ما نص عليه في ذلك. والظاهر قول مالك أنه لا يجوز وأنه المراد بالقرآن لأن الحكم إنما هو للمعاني لا للألفاظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>(٦) - قوله تعالى: ﴿إنه لمن الصادقين﴾:</span>\nاختلف إذا لم يقله الحالف، فأجاز ابن القاسم أن لا يثبته الحالف في لعانه وأثبته في كتاب محمد، وهو أحسن لورود القرآن به. وفي البخاري قال: أمرهما النبي ﷺ أن يلاعنا بما في القرآن. واختلف إذا جعل مكان: إني لمن الصادقين، ما كذبت عليها أو مكان اللعنة الغضب أو مكان الغضب اللعنة. فعلى ما في كتاب محمد يجزيه، وعلى ما حكى عبد الوهاب لا يجزيه لمخالفته القرآن. والأول أظهر لمراعاة المعاني. واختلف إذا كان اللعان على رؤية هل يلزمه أن يقول بعد قوله إني لمن الصادقين لرأيتها تزني زنا كالمردود في المكحلة، أم له أن يقتصر على قوله لرأيتها تزني. فالمشهور جواز الاختصار على لرأيتها تزني. وقال في كتاب محمد يقول كما يقول الشهود أن الله تعالى قد سماها شهادة فيجب أن يقول كما يقول الشهود. وهذا الذي ذكرناه بقوله الملاعن عن أربع مرات كما جاء في الآية فإن أتى بدون أربع شهادات لم تقع الفرقة وإن حكم بها الحاكم خلافًا لأبي حنيفة","vol":"3","page":349},{"text":"في قوله إن اتى بثلاث وقعت الفرقة إن حكم بها الحاكم. ودليل القول الأول قوله تعالى: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ الآية ثم يقول في الخامسة لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين وقد مر ذكر الخلاف في رضع الغضب موضع اللعنة أو اللعنة موضع الغضب فلا معنى لإعادته. وتقول المرأة أربع مرات أيضًا مثل ما قال الرجل إلا في موضعين: أحدهما: أنها تقول في موضع: إني لمن الصادقين، إنه لمن الكاذبين، وفي الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وتقول في نفي الزنا: ما رآني أزني وليس عليها أن تزيد كالمردود في المكحلة. واختلف في نفي الحمل كيف يكون بعد الشهادة، فالمشهور أنه يقول لزنت وتقول هي ما زنيت، وفي كتاب محمد: ما هذا الحمل مني. وعلى هذا تقول هي أنه لمنه. وقال ابن شعبان: قال بعض أصحابنا وتقول إني استبرئت. واختلف في الموضع الذي يلتعن فيه فقالوا في المسجد وعند الإمام. وقال عبد الملك في المسجد أو عند الإمام -يريد أيهما كان- وهذا أظهر على لفظ الآية لعدم التخصيص فيها. واختلف أيضًا في الوقت فقال ابن القاسم بمحضر الناس دبر كل صلاة. وفي كتاب محمد أي ساعة شاء الإمام من النهار وعلى إثر المكتوبة أحب إلي. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: كان عندنا بعد العصر وأي ساعة شاء الإمام لاعن، وبعد العصر أحب إلي. وقال ابن شعبان بعد الصبح أو بعد العصر والأظهر في هذا كله على لفظ الآية نفي التحديد لأن الآية ليس فيها تخصيص وقت إلا أن كونه دبر الصلوات أحسن لقوله سبحانه: ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله﴾ وأما تخصيص دبر كل صلاة العصر منها فلقوله تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا﴾ فأخرج البخاري ومسلم أنها نزلت فيمن حلف بعد العصر لقد أعطى فيها ما لم يعط. واختلف إذا بدأت المرأة باللعان قبل الرجل هل","vol":"3","page":350},{"text":"يجزيها أم لا؟ فقال ابن القاسم في كتاب محمد يجزيها، وهو قول أبي حنيفة. وقال أشهب تعيد الأيمان بعد لعان الرجل ولا يجزيها ذلك. وحجته قوله تعالى: ﴿ويدرؤوا عنها العذاب ...﴾ الآية وهذا يقتضي أن يكون لعانها بعد أن يحق عليها بلعان الزوج العذاب حتى تدرأه. واختلف في اللعان هل يلزم أن يكون بإذن الإمام أم يجوز أن يكون بغير إذنه؟ فالذي عليه المشهور أن الله تعالى قد سمي التلاعن شهادة، والشهادة لا تكون إلا عند الإمام. واختلف إذا نكل أحد الزوجين عن اللعان، ففي المذهب أن على الناكل حد القذف إن كان الزوج، وحد الزنا إن كانت المرأة الناكلة. وذهب أهل العراق إلى أنهما إذا نكل أحدهما لم يحد وحبس حتى يلاعن، ويرد هذا قوله تعالى: ﴿ويدرؤا عنها العذاب﴾ يريد حد الزنا. وتأول بعضهم أن العذاب هو السجن لقوله تعالى: ﴿إلا أن يسجن أو عذاب أليم﴾ ولم يعرف ما احتج به لأن العذاب الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية هو غير السجن، وما قاله أهل العراق في هذه المسألة يخالف قولهم في النكول عن اليمين عن اليمين في القذف. وقولهم إنه يقضي به ما ادعى ثم لا يحكمون على المرأة بنكولها، وقد أنزل فيها من القرآن مكان أنزل. واختلف في وقوع الفرقة باللعان، فقيل هو فسخ يقع بتمام اللعان وإن لم يفرق بينهما الإمام، وهذا هو المشهور في المذهب. ولابن نافع أنه يستحب للملاعن أن يطلق ثلاثًا عند الفراغ من اللعان من غير أن يأمره الإمام بذلك كما فعل عويمر، فإن لم يفعل أغنى عن ذلك ما مضى من سنة المسلمين أنهما لا يتناكحان أبدًا. وذهب ابن لبابة إلى أنه لم يطلق طلق عليه الإمام ثلاثًا ولم يمنعه من مراجعتها بعد زواج، وقال إنه ظاهر الحديث فلا يعدل عنه. وقيل فراق اللعان ثلاث تطليقات وتحل له بعد زوج وذكر","vol":"3","page":351},{"text":"بعضهم هذا القول ولست منه على يقين. وقيل إن لفرقة لا تقع بينهما إلا بحكم الإمام فإذا كان ذلك فلا تحل له إبدًا حتى يكذب نفسه، فإن كذب نفسه جلد الحد وكان تقع بتمام لعان الزوج ولا تدخل له أبدًا وزعم أنه قال ذلك من قبل أن الفراق إنما يكون من الرجال. وقيل إن كذب نفسه جلد الحد وردت إليه امرأته. وقيل اللعان تطليقة بائنة وهو قول عبد الله بن حسن. وقيل اللعان لا يقع به فراق وإنما يسقط به النسب والحد وهما على الزوجية كما كانا، وهو قول عثمان البتي وطائفة من أهل البصرة أخذوا ذلك عنه، وذكره اللخمي عن محمد بن أبي صفرة ومن حجتهم ظاهر الآية إذ ليس فيها ذكر فراق. وهذا القول أضعف الأقوال لما جاء في ذلك من الحديث عن النبي ﷺ وليس في ذلك ما يعارض القرآن. والجمع بين القرآن والحديث ما أمكن أولى من الأخذ بأحدهما والإطراح للآخر. وقال إسماعيل القاضي إنما وقت الفرقة بتمام اللعان من أجل أن الغضب واللعنة قد حقت على أحدهما، واللعن للكفار، فهما وإن لم يكونا بذلك كافرين ولا أحدهما وهو كاذب وهي كاذبة فقد حقت اللعنة، فلا يجوز أن تكون مسلمة تحت ملعون ولا ملعونة تحت مسلم إذا وقع التشبيه بين الكافر وبين الملاعن باللعن قال الله ﷿: ﴿ألا لعن الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨] الظالمون هنا الكافرون، قال ذلك ترجمان القرآن ابن عباس. واختلف هل ينتفي الولد بغير لعان أم على قولين مرويين عن مالك، فمنع مالك نفيه بغير لعان في أحد قوليه لعموم الآية.","vol":"3","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-608>(١٢) - قوله تعالى: ﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون﴾:</span>\nيعني بقوله: ﴿بأنفسهم﴾ أي بإخوانهم. وفي هذه الآية دليل على أن لا يحكم بالظن وأن من عرف بالصلاح لا يعدل لخبر محتمل. وفيه أيضًا دليل على أن القاذف مكذب شرعًا إلا أن يأتي بأربعة شهداء. وأما أمر عائشة رضي الله تعالى عنها فيقطع على التكذيب بقذفها في الغيب وإن لم يقطع في حق غيرها بذلك. وقال أبو الحسن: وقد قال علماؤنا من صدق قذفة عائشة فهو كافر لأنه راد لخبر الله تعالى الدال على كذبهم. وعلى هذا قال أصحابنا قيمن وجد مع امرأة رجلًا فاعترافا بالنكاح أنه لا يجوز تكذيبهما ويجب تصديقهما. وقال مالك يحدان ما لم يقيما بينة على النكاح يخالف به ظاهر هذه الآية، وعليه بني أبو حنيفة جواز دينار درهم بدينارين ودرهمين تحسينًا للظن بالمؤمنين. وقال الشافعي قريبًا منه فيمن أوصى بطبل وله طبلان طبل لهو وطبل حرب أنه يحمل على طبل الحرب تحسينًا للظن بالمؤمنين وحمل أمورهم على ما يجوز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>(٢٢)، (٢٣) - قوله تعالى: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم ... والسعة﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات﴾:</span>\nنزلت هذ الآية على مشهور الروايات في قصة أبي بكر الصديق ومسطح بن أثاثة ابن بنت خالته وكان أبو بكر ينفق عليه فلما وقع أمر الإفك وقال فيه مسطح ما قال حلف أبو بكر أن لا ينفق عليه. واعتذر إليه مسطح وقال: كنت أغشى مجلس حسان فأسمع ولا أقول. فقال: لقد","vol":"3","page":353},{"text":"ضحكت وشاركت فيما قبل، ومن على يمينه. فنزلت الآية وقيل بل نزلت من أجل جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال في الإفك وقالوا: والله ما نصل من تكلم في شأن عائشة. فنزلت الآية، والأول أصح. إلا أن لفظ الآية عام بأن لا يحلف أحد على منع فضل لمن كانت صفته هذه. ورأى الفقهاء أن من حلف أن لا يفعل سنة من السنن أو مندوبًا إليه أنها حرمة في شهادته، ومن قول النبي ﷺ: «أيكم المتآلي على الله أن لا يفعل خيرًا». وفي الآية دليل على أن الأولى بالإنسان إذا حلف على أمر فرأى غيره خيرًا منه أن يحنث ولا يستمر على اليمين كما قال ﵇: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير» وفي هذا دليل بطلان قول أبي حنيفة في أن الأيمان تحرم وأن الكفارة وجبت لكون المحلوف عليه محرمًا بحك يمينه، وهذا أبين في هذا المعنى. وقد قال قوم إنه إذا حلف فلا كفارة كفارته أن يفعل ما هو خير، وهذا بعيد وقد قال ﵊: «فليفعل الذي هو خير وليكفر عن يمينه».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>(٢٣) - (٢٤) - قوله تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يوم تشهد﴾</span>.\nاختلفت في هذه الآية. فقيل نزلت في شأن عائشة خاصة هذا الحكم إنما كان لها خاصة دون سائر النساء المؤمنات المحصنات وقال جماعة بل ذلك لأزواج النبي ﷺ دون سائر المؤمنين. واختلف الذين ذهبوا إلى","vol":"3","page":354},{"text":"هذا هل لمن قذف النبي ﷺ توبة أم لا. فذهب ابن عباس أنه لا تقبل له توبة وتأول عليه ظاهر الآية. ورأى الآية الأخرى: ﴿والذين يرمون المحصنات ...﴾ إلى قوله ﴿إلا الذي تابوا﴾ في سائر القاذفين. ورأى غيره أن التوبة مقبولة والدليل على ذلك معاتبة الله تعالى من قطع المنفعة عمن كان ينفق عليه من أجل الإفك. وقال قوم إنها في عائشة إلا أن المراد بها كل من كان بالصفة التي وصف الله تعالى فيها، فهي عامة في كل محصنة لم تقارب ثم نزلت بعد الآية التي في صدر السورة التي فيها التوبة. وهذا القول أظهر في الآية من سائر الأقوال. فتحمل على عمومها في وجوب العذاب العظيم واللعنة في الدنيا والآخرة في كل من قذف محصنة إلا أن يتوب، فإن الله تعالى يقبل توبته على ما ورد في آية أخرى. وكما لم تقصر الآية في وجوب الجلد على أصحاب الإفك كذلك لا تقصر الثانية فيما تضمنت من الوعيد على قذف عائشة أو سائر أزواج النبي ﷺ. والمعروفون من أهل الإفك مسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش وجلدًا الحد، وعبد الله بن أب علي من ذكر بعضهم. واختلف في حسان فقيل كان منهم وجلد الحد وقيل لم يكن منهم ولا جلد الحد. واختلف في الذي عني منهم بقوله تعالى: ﴿والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم﴾ [النور: ١١] فقيل عبد الله بن أبي وهو المشهور، وقيل حسان. والأخبار في هؤلاء كثيرة وليس هذا الكتاب بموضع لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>(٢٧) - (٢٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين﴾:</span>","vol":"3","page":355},{"text":"سبب هذه الآية أن امرأة من الأنصار قالت يا رسول الله إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها لا والدي ولا ولدي وأنه لا يزال يدخل على رجل من أهلي وأنا على تلك الحال. فنزلت تلك الآية وهي محمولة على العموم في جميع الناس في كل زمان ولهذا قال ابن عباس وغيره إنه لا ينبغي للإنسان أن يدخل البيت الذي يأتيه إلا بعد الاستئناس. وجاء في ذلك عن النبي ﷺ أن رجلًا قال له: أأستأذن على أمي؟ قال: «نعم». قال: إنما هي أمي ولا خادم لها غيري. قال: «أتحب أن تراها عريانة؟» قال: لا. قال: «فأستأذن عليها» قال زينب امرأة أبي مسعود كان أبو مسعود إذا جاء منزله تنحنح مخافة أن يهجم على ما يكره. وقال ابن عباس تستأذن على أمك وعلى أختك وعلى كل من لا يجوز أن ترى منها عورة. وظاهر الآية وجوب الاستئذان والسلام، إلا أن المشهور من السلام أنه لا يبلغ مبلغ الوجوب. وقد اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿حتى تستأنسوا﴾ فذهب بعضهم إلى أن معناه أن يعلم الداخل أن المدخول عليه لا يكره دخوله، فالاستئناس على هذا شيء يرجع إلى ما في القلب لا إلى النطق باللسان وهو الثقة بالمقصود، ورجح هذا إسماعيل القاضي وتأول عليه حديث عمر بن الخطاب في حديث المشربة. قال إسماعيل ولا بد مع ذلك من الاستئذان. وذهب ابن القاسم في جامع العتيبة إلى أنه التسليم وهو بعيد لأنه تعالى قال: ﴿حتى تسأنسوا وتسلموا﴾ فلو كان كذلك لكان معنى الكلام حتى تسلموا وتسلموا. وذهب جماعة -منهم","vol":"3","page":356},{"text":"مالك- إلى أن الاستئناس في الآية غير التسليم وأنه الاستئذان، إلا أنهم اختلفوا في مطابقة اللفظ للمعنى. فذهب الأكثر إلى أنهما متطابقان، إلا أنهم اختلفوا في كيفية التطابق فذهب جماعة -منهم الزجاج وغيره- إلى أن معنى تستأنسوا في اللغة، تستأذنوا. قال وكذلك جاء في التفسير. والاستئناس الاستعلام بمعنى تستأنسوا: تستعلموا. يريد أهلها أن يدخلوا أم لا قالوا وآنس الشيء في اللغة علمه إما بالقلب وإما بالحس. والاستعلام لا يكون إلا بالصواب لمن في البيت أوبالتنحنح ونحو ذلك ولا معنى للاستئذان إلا ذلك. فاستأذنوا على هذا القول راجع إلى الاستئذان ومعنى لفظه الاستعلام. وذهب جماعة منهم أيضًا إلى أن معناه تستأذنوا ومعنى لفظه الاستعلام. وذهب جماعة منهم أيضًا إلى أن معناه تستأذنوا، إلا أنهم قالوا إنه مأخوذ من الإنس، وإليه ذهب الطبري وقال: وهو أن يستأذن أهل البيت في الدخول عليهم مختبرًا بذلك من فيه وهل فيه أحد وليؤذنهم أنه داخل عليهم فيأنسوا إلى إذنهم له بذلك من فيه وهل فيه أحد وليؤذنهم أنه داخل عليهم فيأنسوا إلى إذنهم له في ذلك ويأنسوا إلى استئذانهم إياه. وحكى عن العرب سماعًا اذهب فاستأنس حتى ترى أحدًا في الدار. وهذا يمكن أن يحمل على القول الأول فلا يكون فيه حجة لما ذكره الطبري وكذلك قول عمر: استأنس يا رسول الله، وعمر واقف بباب الغرفة الحديث المشهور يمكن أن يتأول على القولين جميعًا. وذهب قوم إلى أن اللفظ غير مطابق للمعنى وقالوا إنما تستأنسوا وهم من الكاتب على ما جاء عن ابن عباس أنه قال إنما هي حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها وحكى أبو حاتم هذه القراءة حتى تسلموا وتستأذنوا وهو في قراءة عبد الله حتى تستأذنوا وتسلموا. وهذا القول خطأ لأن تستأنسوا قد ثبت","vol":"3","page":357},{"text":"بين اللوحين ونقلته الكافة نقل التواتر فهو القرآن وغيره ليس بقرآن إذ لم يأت إلا من نقل الآحاد، وما كان كذلك لم يقنع أن يعارض به الثابت بالتواتر مع أنا نجد للثابت بالتواتر معنى صحيحًا. والذي ينبغي أن يقال في قراءة من قرأ تستأذنوا أنها على جهة التفسير. واختلف هل في هذه الآية تقديم وتأخير أم لا؟ فذهب الفراء والكسائي إلى أن فيها تقديمًا وتأخيرًا أن معناها حتى تسلموا وتستأذنوا وهي بمعنى تستأنسوا وإنما قالا ذلك لما ذكرناه من قراءة أبي ومن تابعه على رواية أبي حاتم. وذهب غيرهما أنه لا تقديم ولا تأخير في الآية وأنها على ما قرئت عليه من القراءة المشهورة، فالاستئذان مشروع بالقرآن والسنة. وقد ﵊: «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر» وقد اختلف في كيفية الاستئذان وهي الاستئناس المذكور في الآية. فقيل السلام خاصة على ما روي عن ابن القاسم قال: يسلم ثلاث مرات فإن أذن له وإلا انصرف. وقد بينا ضعف هذا القول. وقال الأكثر إن الاستئذان غير السلام وأنه يجمع بينهما كما جاء في الآية. واختلف فيما يبدأ به السلام أو الاستئذان، فعلى قول الفراء والكسائي يأتي أن يبدأ بالسلام. وكيفية ذلك أن يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ ثلاث مرات. ومن حجة هذا القول إن عمر فيما روى عنه ابن عباس: قال: أتيت النبي ﷺ وهو في مشربة له قلت: السلام عليك يا رسول أيدخل عمر. وما جاء عنه ﵊: «لا تأذنوا لمن لم يبدأ بالسلام» وجاء في الحديث أيضًا أن رجلًا جاء إلى بيت النبي ﷺ","vol":"3","page":358},{"text":"فقال: أألج أو أتلج فقال رسول الله ﷺ لأمة له يقال لها روضة: «قولي لهذا يقول السلام عليكم أأدخل» فسمعه الرجل فقالها: فقال النبي ﷺ: «أدخل» وعلى مذهب من لا يرى في الآية تقديمًا ولا تأخيرًا ويراعى ما ابتدئ به في اللفظ يرى أن يبدأ بالاستئذان قبل السلام، واختار هذا القول بعض المتأخرين. وعلى مذهب من لا يراعي اللفظ ويرى التخيير في ذلك بأن الواو لا ترتيب فيها. وقد اختلفت الروايات في صفة استئذان أبي موسى على عمر بن الخطاب. فروي أنه قال السلام عليكم أدخل، ثلاث مرات. وروي أنه قال يستأذن أبو موسى، يستأذن الأشعري، يستأذن عبد الله بن قيس وقد قال أبو أيوب الأنصاري: قلت يا رسول الله هذا السلام فما الاستئذان؟ قال: «يتكلم الرجل بتسبيح وتكبير وتنحنح يؤذن أهل البيت» وإذا قلنا إن الاستئذان مشروع فهل له حد أم لا؟ فقيل أم في الآية فليس فيه دليل على شيء من ذلك بل هي مبيحة للاستئذان جملة دون حد فيه وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: «الاستئذان ثلاث فإن أذنوا لك فادخل وإلا فارجع» وفي حديث آخر أن أبا سعيد قال: كنت جالسًا في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور فقال: استأذنت على عمر ثلاث فلم يؤذن لي فرجعت فقال ما منعك قلت: استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت وقال النبي ﷺ: «إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فمل يؤذن له فليرجع والله لتقيمن على ذلك بينة أو لأوجعنك». أفيكم أحد سمعه من النبي ﷺ قال أبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم. فكنت أصغر القوم فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك الحديث مفسرًا للآية وإن غاية الاستئذان ثلاث. واختلف في المذهب هل تجوز الزيادة على الثلاث","vol":"3","page":359},{"text":"إن لم يسمع أن لا؟ فقيل: له أن يزيد، وحجة هذا القول ظاهر الآية إذ لم يأت فيه حد وإنما أطلق لفظ الاستئذان إطلاقًا. وقيل لا يزيد، على هذا يدل مذهب أبي موسى، وحجة هذا القول إن الحديث مفسر للآية، وقيل أنه ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>(٢٨) - وقوله تعالى: ﴿فإن لم تجدوا فيها أحدًا﴾:</span>\nيعني بيوت الغير إن لم تكن معمورة. وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال: معنى هذه الآية: إن لم يكن لكم فيها متاع. ثم ضعفه الطبري. والإذن على هذا ينبغي أن يكون من أهل البيوت، فإن كان الإذن صبيًا وكان رسولًا جاز. وكذا قال أبو الحسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>(٢٩) - قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتًا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون﴾:</span>\nسببها أنه لما نزلت آية الاستئذان تعمد قوم فكانوا لا يأتون موضعًا خربًا ولا مسكونًا إلا سلموا واستأذنوا فنزلت الآية. واختلف في المتاع ما هو، فقيل معناه تجارات لكم أي لجماعتكم يبتاع بعضهم من بعض كما قال تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ فأجاز قائل هذا","vol":"3","page":360},{"text":"أن يدخل هذه البيوت بغير إذن. وقال عكرمة كان ابن عمر يستأذن في مثل هذه متاع البيت من الثياب والبسط وهو الذي يأتي على ما حكى الطبري عن مجاهد وهذ ضعيف جدًا. وقيل هو المنافع عامة أي لكك فيها حاجة فعلى هذا يجوز للرجل أن يدخل البيوت غير المسكونة بلا إذن إذا كان لها إليها حاجة. وعلى القول الأول لا يجوز أن يدخلها إلا أن يكون لها فيها متاع كالبسط والثياب ونحو ذلك، أو تكون بيوتًا موضوعة للتجارة على القول الآخر ولما أباح في هذه الآية دخول الرجل بيتًا غير بيته بغير إذن وهو غير مسكون ونهى في الآية التي قبلها أن يدخل أحد بيتًا غير بيته بغير إذن لم يفرق بين مسكون وغيره، فاختلف في ذلك، فقيل الآية الأولى منسوخة بالأخيرة، وهو قول ابن عباس وقد تكلمنا غير مرة على مثل هذا هل يصح فيه النسخ أم لا، فلا معنى لإعادته. وقيل ليس في الآيتين ناسخ ولا منسوخ بل هما جميعًا محكمتان وأن الآية الأولى يراد بها البيوت التي ليس لها ساكن ولا أرباب وأن الآية الأخرى يراد بها البيوت التي لا ساكن لها. وهذا القول أصح. وقد صرف قوم من أهل العلم في هذه البيوت أمثلة، فقال محمد بن الحنفية وقتادة ومجاهد هي الحمامات والفنادق التي في طرق المسلمين. قال مجاهد لا يسكنها أحد بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل. وقال عطاء هي الخرب التي يدخلها الإنسان للبول والغائط. وقال ابن زيد والشعبي هي حوانيت القيسرية والسوق. وقال الشعبي لأنهم جاؤوا ببيوعهم فجعلوها فيها وقالوا للناس هلم. وهذا القول فاسد بإجماع لأن جوانيت القيسرية مشغولة بأموال الناس فلا يجوز أن يدخلها لا من أذن له ربها بإجماع. وقال محمد بن الحنفية أيضًا أراد تعالى دور","vol":"3","page":361},{"text":"مكة على القول بأنها غير متملكة وأن الناس شركاء فيها وقد مر الكلام على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-614>(٣٠) - (٣١) - قوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾:</span>\n﴿من﴾ في هذه الآية تحتمل أن تكون لابتداء الغاية لأن البصر مفتاح القلب ولأجل ذلك خص الأمر بغضه. ويحتمل أن تكون للتبعيض وهو الذي ذهب إليه أكثر المفسرين، وذلك أن الإنسان لا يملك أول نظرة وإنما يؤمر بالغض فيما بعد ذلك، فلم يغض إذن بصره جملة إنما غض منه. وقد جاء عن النبي ﷺ ما يؤيد هذا وهو قوله لعلي بن أبي طالب: «لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة» الحديث. وقال جرير بن عبد الله البجلي: سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة فقال: «اصرف بصرك» ويحتمل أن تكون ﴿من﴾ لبيان الجنس كأنه قال: غضب، احتمل أن يريد من يدك أو لسانك أو من كذا أو من كذا وأتى بمن لتبين الجنس المنهي عنه. وكيفما كان فقد حصل بهذه الآية الأمر بغض البصر وحفظ الفرج ولم يبين تعالى الأشياء التي يغض عنها البصر والأشياء التي يغض منها الفرج، معلوم بالعادة أن المراد بها المحرم دون المحلل. والأمر في ذلك على الوجوب. فمن الأشياء التي يجب غض","vol":"3","page":362},{"text":"البصر عنها باتفاق العورات وما تخشى الفتنة منه وإن لم تكن عورة كالنظر إلى وجه المرأة، وقد صرف النبي ﷺ وجه الفضل عن الخثعمية. وما جرت به العادة بأن يكتمه الناس بعضهم عن بعض كالنظر في كتاب الرجل بغير إذن، وقد ورد فيه نهي، والنظر إلى ما عدا هذه الأشياء مباح. وقد يباح أيضًا النظر إلى الأشياء الممنوعة لوجوه وأمور يقتضيها كالنظر إلى المرأة الشابة والغلام عند الشهادة ونحو ذلك، وكالنظر إلى العورة في بعض الأحوال وعند بعض العلماء. وقد اختلف إذا أراد نكاح المرأة هل يجوز أن يقتبلها النظر من كوة؟ فكره ذلك مالك ولم يبحه ومن حجته عموم هذه الآية، حكى عبد الوهاب عن مالك الجواز. وأجاز ذلك ابن وهب وغيره للآثار المروية في ذلك حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا خطب أحدكم المرأة فقدر على أن يرى منها ما يعجبه فليفعل» قال جابر: فلقد خطبت امرأة من بني سلمة فكنت أتخبأ لها في أصول النخل حتى رأيت منها بعض ما يعجبني، فخطبتها فزوجتها وقال ﵊: «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما». وإذا قلنا بجواز ذلك. فقال مالك لا ينظر إلا إلى الوجه الكفين. وأجاز بعضهم القدمين وذكر بعضهم أن مالكًا يشترط إذن المرأة في ذلك. وقال الشافعي لا يحتاج إلى إذنها. ومن الناس من منع النظر جملة. واختلف أيضًا في النظر إلى ما عدا الفرج من الأمة عند الشراء على قولين: أحدهما: أنه يجوز، والثاني: أنه لا ينظر منها عند الشراء إلا إلى كفيها وجهها،","vol":"3","page":363},{"text":"وعموم الآية حجة لهذا القول، وعلى هذا اختلف فيماتستره الأمة في الصلاة من جسدها، فقيل هي كالرجل عورتها من السرة إلى الركبة خاصة وقيل هي كالحرة في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-615>(٣٠) - قوله تعالى: ﴿ويحفظوا فروجهم﴾:</span>\nفيه تأويلان أحدهما: أن يريد ترك الزنا. والثاني: أن يريد ستر العورة. والأحسن في هذا أن يقال إن اللفظ عام لهما فيحمل على عمومه. واختلف في نظر الرجل إلى فرج زوجته وأمته ونظر المرأة إلى فرج زوجها وسيدها. ففي المذهب الجواز، وللشافعي قولان: أحدهما أنه لا يجوز ومن حجته عموم الآية. وحجة القول الأول أن الآية إنما وردت في النظر إلى ما حرم على الرجل وأما ما أحل له -وإن كان عورة- فلا. وبهذه الآية حرم العلماء دخول الحمام بغير مئزر أو بمئزر مع من يدخله بغير مئزر. وأما دخوله للرجال - إذا لم يدخله أحد منهم إلا بمئزر- ففيه قولان: الجواز، وروي عن مالك في الوضوء في العتبية أنه سئل عن الغسل بالماء السخن من الحمام فقال: والله ما دخوله عندي بصواب فكيف يغسل بذلك الماء؟ فوجه الجواز أن العورة فيه مستورة فليس ثم ما يؤمر الإنسان بغض البصر عنه. ووجه الكراهة مخافة التطلع على العورة. وأما دخول النساء مستترات الحمام فاختلف فيه. ففي المختصر منعهن إياه جملة. وقيل يمنعن إلا لعلة من مرض أو غسل من حيض أو نفاس أو شدة برد وما أشبه ذلك. إنما منعهن ذلك لما لم يكن ثم حمامات منفردة، فأما اليوم مع إفرادهن فلا يمنعن. ويأتي على هذا القول الاختلاف في دخولهن بالجواز والكراهة بأنهن في ذلك بمنزلة الرجال فيتحصل فيهن أربعة أقوال. ووجه الجواز أنهن مستترات. فارتفع موضع النهي بقوله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾. وقوله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾ أمر للنساء بغض البصر كما أمر الرجال به. والكلام في هذه الآية كالكلام","vol":"3","page":364},{"text":"في الآية التي قبلها. إلا أنه اختلف هل بدن المرأة عورة مستورة عن المرأة كما هو عن الرجل أم لا؟ فذهب عبد الوهاب إلى أنه كذلك، وعلى هذا يتركب القول بمنعهن دخول الحمام. وذهب غيره إلى أنه ليس كذلك وأنه يجوز للمرأة أن تنظر من المرأة إلى ما لا يجوز للرجل أن ينظر من الرجل بدليل قول النبي ﷺ: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب». وإذا كان كذلك فليست المرأة مأمورة بغض البصر عن بدن المرأة لأنها عورة له. فعلى هذا ينبغي أن تحمل الآيتان. وقد اختلف في العيب إذا كان بالحرة في غير الفرج هل يبقر عنه الثوب فينظر إليه الرجال أو ينظر إليه النساء، على قولين. حجة المنع ظاهر قوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ واختلف أيضًا في بدن الرجل هل هو عورة على المرأة أم لا على قولين. فعلى القول بأنه عورة فالآية مشتملة على أمرهن بغض البصر عنه. وأما بدن الرجل على الرجل فليس بعورة ولذلك لم يقل أحد بمنعهم من الحمام إذا دخلوه بالمئزر. وأما رؤية المرأة الرجال من غير نظر إلى عورة فمباح كما قلنا في نظر الرجال إلى النساء إلا أن يخاف الفتة عليهن. والدليل على ذلك حديث عائشة في نظرها إلى الحبشة وهم يلعبون بالحراب بالمسجد، وقول النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس: «اعتري عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين عنده ثيابك» إلا أنه قد جاء عن النبي ﷺ ما يعارض ذلك ويدل على أنه لا","vol":"3","page":365},{"text":"يجوز نظر المرأة إلى الرجل. وهو حديث أم سلمة قالت: كنت أنا وعائشة عند النبي ﷺ فدخل ابن أم مكتوم، فقال النبي ﷺ: «احتجبا منه» فقلنا إنه أعمى. فقال: «أفعمياوان أنتما» وقد تأوله قوم على أنه مخصوص في أزواج النبي ﷺ خاصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>(٣١) - قوله تعالى: ﴿ويحفظن فروجهن﴾:</span>\nالكلام فيه كالكلام في الآية المتقدمة. إلا أنه اختلف هل يجوز للنساء النظر إلى فرج الحرة إذا ادعى الزوج أن بفرجها عيب؟ فأجازه سحنون ومنعه مالك وغيره. وحجة من أجازه للضرورة بسبب اتهام المرأة في الإنكار. وأما إن كان العيب ببدن المرأة فلا خلاف أنه يجوز نظر النساء إليها للعلة المذكورة. وأما عورات الصبيان فالنظر إليها مستخف، وقد أجاز مالك أن يغسل النساء الصبي الأجنبي ابن سبع سنين ونحو ذلك. وقال ابن الجلاب ابن خمس سنين ونحو ذلك. واختلف أصحابنا في غسل الرجل الصبية الأجنبية بنت أربعة أعوام، وخمس، فأجازه أشهب ما لم تكن تشتهى، وهو قول عيسى بن دينار. وقال ابن القاسم لا يغسلها بحال. وقد ذكر البخاري أن أم خالد أتت النبي ﷺ مع أبيها وعليها قميص أصفر، فقال النبي ﷺ: «سنه» قالت فذهبت ألعب بخاتم النبوة، فزجرني أبي، فقال النبي ﷺ: «دعها» الحديث. ففيه مباشرة الصبية الصغيرة له ﷺ وذلك كمباشرته هو إياها ولم ينهها، ولو كان حرامًا لنهاها كما نهى الحسن على التمرة الساقطة. وفي بعض الحديث أنه ﷺ أتى بالحسن بن علي ففرج بين فخذيه وقبل زبيبه، وقد حمل أمامة على عاتقه في الصلاة. وذكر صاحب","vol":"3","page":366},{"text":"البسيط عن بعض أصحاب الشافعي أن النظر إلى فرج المرأة حرام وإن كان ابن يومه، ورأى تقبيل النبي ﷺ كان وراء ثوب.\nوقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾:\nهذه الآية تقتضي نهي النساء عن إظهار الزينة عامة. ثم استثنى تعالى من ذلك ظاهر الزينة وهو ما لا بد من النظر إليه، وذلك المعنى بقوله: ﴿إلا ما ظهر منها﴾. والنهي أيضًا عام في الستر للزينة الباطنة عن جميع الناس إلا من خصص تعالى بالذكر في الآية التي بعد هذه. وقد اختلف السلف في الذي أبيح للمرأة إظهاره بقوله: ﴿إلا ما ظهر منها﴾، فقال ابن مسعود هو الثياب. فعلى هذا يلزم المرأة ستر جميع جسدها ولا يجوز أن تظهر منه شيئًا لا وجهها ولا كفيها ولا غير ذلك، وتكون عورة كلها. وقال الحسن وسعيد بن جبير: الثياب والوجه. وقال سعيد بن جبير أيضًا والأوزاعي وغيرهما: الثياب والوجه والكفان. وقال ابن عباس وغيرهما: الكحل والسواك والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتح ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس، وعلى هذا لا يجوز أن تظهر ظهور قدميها وكذلك قال مالك في الصلاة. وقال أبو حنيفة ليس عليها أن تغيب ظهور قدميها في الصلاة، فعلى قوله ليس ذلك بعورة. وعلى هذا يأتي الخلاف فيما يجوز النظر إليه منها عند الشهادة عليها أو عند سبب يوجب النظر إليها. فعلى قول لا يجوز النظر إلى شيء منها ولا يشهد عليها إلا من يعرف صوتها أو من يعرفه بها من يثقه. وعلى قول يجوز إلى الوجه والكفين وهو قول مالك وأصحابه. وعلى قول إلى الوجه والكفين والقدمين. وعلى قول الوجه واليدين والقدمين ونصف الذراع. وقد جاء","vol":"3","page":367},{"text":"حديث في معنى نصف الذراع عن النبي ﷺ وقد جعل ابن عباس على تقدم الخضاب من الزينة الظاهرة. قال شيخنا أبو بكر بن العربي: هو عند مالك من الزينة الباطنة.\nوقوله تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾:\nسبب هذه الآية أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالخمر سدلنها من ورائهن كما تصنع النبط فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر عليها، فأمر الله تعالى بلي الخمر على الجيوب ليستر جميع ما ذكر وقالل عائشة: رحم الله المهاجرات الأول لما نزلت هذه الآية عمدن إلى أكتف المروط فشققنها أخمرة وضربن بها على الجيوب. ودخلت عائشة على حفصة بيت أخيها عبد الرحمن وقد اختمرت بشيء يشف عن عنقها وما هنالك، فشقته عليها وقالت: إنما يضرب بالكثيف الذي يستر.\nوقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ...﴾:\nالمراد بالزينة هنا الزينة الباطنة خاصة، خلاف ما هي في الآية قبلها، ولما ذكر تعالى ما أباح من الزينة الظاهرة أن يراه غير ذي محرم ذكر في هذه الآية الأخرى ما أباح رؤيته من الزينة الباطنة لذي محرم وغيرهم ثم ما أباحه تعالى في هذه الآية ليسوا فيه على استواء بل منهم من له من ذلك ما لا يباح لغيره ممن ذكر في الآية. وقد فسر ابن عباس الزينة المذكورة في هذه الآية بما يشترك فيه جميع المذكورين فقال: ليبدين لهؤلاء المذكورين","vol":"3","page":368},{"text":"القرطة والقلائد والشروك والسوار ونحوه ثم قال وأما خلخالها ومعضداها ونحوهما فلا تبديه إلا لزوجها. وقد تقدم لابن عباس أن القرطة من الزينة الظاهرة فقد جعلها هنا من الباطنة فانظر ذلك. ثم بدأ بالبعولة وهم الأزواج قال الشاعر:\nففدينا البعولة والبنين\nلأن حرمتهم في الكشف عليها أعلى الحرم لأن النظر إلى كل شيء منها مباح له ولا يشاركه أحد في ذلك. ثم ثنى بالآباء وهم من له عليهن ولادة، وهم دون البعولة فيجوز له النظر إلى كل ما ليس بعورة من بناتهم. ثم ذكر آباء البعولة ثم أبناءهن ثم أبناء البعولة ثم إخوانهن وهم الإخوة. وأكثر ما يكون هذا الجمع للأخ من الصداقة، ثم بني الإخوة ثم بني الأخوات فينبغي أن يكونوا في الكشف دون الآباء على طريق الاستحسان، وأن تختلف أيضًا درجاتهم على حسب القربى. وقد رخص العلماء في تقبيل الرجل كبار الولد وسائر الأهل. فقال مالك رحمه الله تعالى في الذي يقدم من سفره فتلقاه ابنته فتقبله وأخته وأهل بيته، لا بأس بذلك. وقد كان النبي ﷺ يقبل ولده خاصة فاطمة. وكان أبو بكر يقبل عائشة. وفعل ذلك أكثر أصحاب النبي ﷺ. قال إسماعيل القاضي: وهذا إذا كان الولد مأمونًا. ويجوز مثل ذلك للولد أن يقبل أمه إذا كان مأمونًا ولا يجوز ذلك للأخ ومن دونه فمن ذكر في الآية من ذوي الأرحام ثم قال: ﴿أو نسائهن﴾ فقال بعضهم أراد جميع نساء المؤمنين. وقال بعضهم أراد جميع المؤمنات. فعلى القول الأول تكون الكتابية إذا كانت تحت مؤمن ممن أبيح لها النظرة إلى المؤمنات. وعلى القول الثاني لا تكون. وأما المشركات اللائي لسن من نساء المؤمنين فلا يجوز لهن لظاهر الآية على القولين. وقد روي عن عمر ما يعضد ذلك أنه كتب إلى عماله أن لا يترك امرأة من نساء أهل الذمة تدخل الحمام مع المسلمات. واحتج بهذه الآية. وفي كتابه لأبي","vol":"3","page":369},{"text":"عبيدة بن الجراح أنه بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمام مع نساء المسلمين، فامنع من ذلك وحل دونه فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عرية المسلمة. قال فعند ذلك قام أبو عبيدة فابتهل وقال: أيما امرأة تدخل الحمام من غير عذر لا تريد إلا أن تبيض وجهها سود الله تعالى وجهها يوم تبيض الوجوه ثم قال: ﴿أو ما ملكت أيمانهم﴾ فيدخل في هذا الإماء المؤمنات وغير المؤمنات واختلف في العبيد الذكور البالغين هل هم داخلون تحت العموم فيباح لهم النظر إلى مولاتهم أم لا؟ فقيل المراد ما ملكت أيمانهن من الولادة الأطفال لا الرجال إلا أن يكون الرجل محرمًا. قالوا وإن الظاهر يقتضي خلاف ذلك. لكن قياس الشرع يأبى هذا الظاهر. ورجح هذا القول أبو الحسن. وهو ضعيف لمخالفته الظاهر ولأن الطفل قد ذكر بعد ذلك. وقال ابن المسيب لا يغرنكم ظاهر هذه الآية إنما عنى بها الإماء ولم يعن بها العبيد، وهو قول الشافعي وعطاء ومجاهد وإلى نحو هذا ذهب ابن عبد الحكم فقال: لا يجوز للمكاتب أن يرى شعر سيدته وإن كان وغدًا، ولا يخلو معها في بيت. وذهب ابن عباس في أحد أقواله إلى أن الآية على العموم في الإماء والعبيد وهو الظاهر من مذهب عائشة وأم سلمة فعلى هذا يجوز للعبد أن يرى شعر سيدته وغدًا كان أو غير وغد، وكذلك المكاتب. وإلى نحو هذا ذهب مالك، إلا أنه اشترط أن يكون وغدًا لا منظر له. فهذه ثلاثة أقوال في عبد نفسها. قال إسماعيل القاضي: والقول بأن العبيد داخلون في عموم الآية أعلى. واختلف في عبد","vol":"3","page":370},{"text":"زوجها أو عبد الأجنبي هل يدخل عليها ويرى شعرها أم لا على قولين: والمشهور منهما المنع. والحجة لجواز ذلك لعبد الزوج قوله تعالى: ﴿ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم﴾ [النور: ٥٨]. فـ ﴿الذين﴾ تقع على الذكور، والمخاطبة بالآية للأزواج. ومن حجة جواز ذلك لعبد الزوج قراءة من قرأ: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾. وكذلك الخلاف في العبد الخصي، فمنعه مالك منها مرة إلا أن يكون ملكًا لها ولا منظر له. وأباحه في القول الآخر إذا كان لها أو لزوجها، وإن لم يكن وغدًا، ثم أباحه وإن كان لأجنبي، في قول ثالث.\nثم قال تعالى: ﴿التابعين غير أولي الإربة﴾:\nواختلف المفسرون في تأويل ذلك. فقال بعضهم هو المغفل. وقال الشعبي هو الذي لا إرب له في النساء. وقال عكرمة المخنث الذي لا يقوم له. وقال بعضهم الشيخ الهرم والخنثى والعنين. وقال عطاء هو الذي يتبعك وهمته بطنه. وقال الحسن هو الأحمق. وقال طاووس هو الأحمق الذي ليس له في النساء حاجة. وهذه الأقوال ينبغي أن تساق على جهة التمثيل لا على أن الآية مقصورة على وجه من تلك الوجوه. والذي ينبغي أن يقال به في الآية أن فيها شرطين في غير ذوي المحارم وهما الاتباع ومعناه أن يتبع لشيء بعطاء على ذلك كالوكيل والمتصرف. والثاني عدم الإربة في الوطء فلا يجوز أن يدخل عليها لغير ضرورة من غير ذوي المحارم إلا من كان فيه هذان الشرطان. ومن لم يكونا فيه فلا يجوز له الدخول عليها. وذهب بعض المفسرين إلى مراعاة الشرط الواحد وهو أن يكون من غير أولي الإربة. وذكر بعضهم شرط الاتباع على ما يعطاه وحده. والأصح ما ذكرته من اعتبار الشرطين. وقد اختلف في دخول الحر الخصي على قولين","vol":"3","page":371},{"text":"مرويين عن مالك. والأصح أن لا يجوز دخوله كما ذكرنا إلا أن يجتمع فيه الشرطان. وفي الصحيحين أن مخنثًا كان يدخل على أزواج النبي ﷺ يقال له هيت فقال لعبد الله بن أبي أمية: إن فتح الله عليكم الطائف غدًا فاسأل رسول الله ﷺ بادية ابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فقال النبي ﷺ حين سمع ذلك منه: «لا يدخل هذا علكن» فلم ينكر ﷺ دخوله قبل ذلك وأنكره حين سمع كلامه ونهى عن دخوله. وفد اختلف الأصوليون في النهي على ما يحمل ابتداء هل هو على التحريم حتى يتبين أن المراد به الكراهة أو على الكراهة حتى يتبين أن المراد التحريم؟ وإلى أنه على الكراهة في الحديث ذهب اللخمي.\nثم قال تعالى: ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾:\nيريد بالطفل الذين لم يراهقوا، وبالذين لم يظهروا على عورات النساء على ما قال بعضهم الذين لم يطأوا النساء. وعلى ما قال بعضهم الذين لم يدروا ما عورات النساء. وهذا أحسن وإن كان القولان يرجعان إلى معنى واحد، فأباح الله تعالى للمذكورين في هذه الآية على اختلاف درجاتهم في الاطلاع على النساء من غير ضرورة واختلف هل يجوز أن يرى الرجل شعر ختنته أم لا على قولين. وسئل عن ذلك سعيد بن جبير فتلا قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن﴾ ثم قال: لا أراها فيهن. واختلف في العم والخال هل تضع المرأة خمارها عندهما أم لا؟ وكرهه الشعبي وعكرمة واحتج بأنهما لم يذكرا في الآية قالا: لأنهما ينعتانها لأبنائهما. ومن رأى العم والخال من الآباء أجاز ذلك. وذكر إسماعيل القاضي عن الحسن والحسين أنهما كانا لا يريان أمهات المؤمنين. وقال أحسب أنهما في ذلك إلا أن أبناء البعولة لم يذكروا","vol":"3","page":372},{"text":"في الآية التي في أزواج النبي ﷺ وهي قوله تعالى: ﴿لا جناح عليهن في آبائهن﴾ [الأحزاب: ٥٥] وكان ابن عباس يقول: إن رؤيتهما لهن تحل ويحتج بآية النور.\nوقوله تعالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾:\nقال الطبري: زعم حضرمي أن امرأة اتخذت برتين من فضة واتخذت جذعًا فجعلت ذلك في سياقها فمرت على القوم فضربت برجلها الأرض فوقع الخلخال على الجذع فنزلت هذه الآية. وإسماع صوت هذه الزينة أشد تحريكًا للشهوة من ابتدائها. ذكره الزجاج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-617>(٣٢) - (٣٣) - قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب﴾:</span>\nالأيامى الذين لا أزوجا لهم رجالًا كانوا أو نساء. قال الشاعر: لله در على أيم منهم وناكح. والمخاطبون بهذه الآية في إنكاح الأيامى هم الأولياء. وقيل كل أحد كان وليًا أو مأذونًا له. والأول أظهر لأن المقصود من الخطاب ترك الفضل والمنع وذلك يقتضي الاختصاص بالأولياء والحاكم، فإن هؤلاء الذين يجب عليهم التزويج دون الأجانب. وعلى القولين ففي الآية دليل على عدم استقلال المرأة بالإنكاح. واستدل بعضهم على ذلك أيضًا بما يعقب قوله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ في قوله: ﴿والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ قالوا فكما لم يصح للعبد والأمة ولاية كذلك الأيامى المعطوف عليهما ذلك القول. وقد اختلف في المرأة هل","vol":"3","page":373},{"text":"يجوز لها أن تتزوج بغير ولي أم لا فمنع جملة في المذهب وأجيز جملة في الثيبات والأبكار البوالغ وهو قول أبي حنيفة. وأجيز في الثيبات ومنع في البكر وهو قول أهل الظاهر. واعتبر أبو يوسف إذن الولي خاصة فهذه أربعة أقوال أجراها على الأصول القول الأول. وفي هذه الآية دليل عليه كما قدمنا. وإذا قلنا بذلك فقد فسر النبي ﷺ منتهى هذه الآية إذ الآية تحتمل أن يزوج الولي الأيم شاءت أو أبت، ويحتمل أن يكون بأمرها، فقال ﵊: «الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها» فجعل الأيم أحق بنفسها أي أن الولي لا يزوجها إلا بإذنها. ثم قال: «والبكر تستأذن في نفسها» أي لا يعقد الولي أيضًا إلا بإذنها، وهي داخلة تحت قوله ﵊: «الأيم أحق بنفسها» وقد كان ذلك يغني عن هذا، إلا أنه لما اختلفت سورة الإذن منها أعاد ذكرها فقال: «والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها»، فجعل إذنها الصمات بخلاف غيرها من الأيامى. وهذا في غير البكر ذات الأب فإن الأب يعقد عليها ولا يحتاج إلى إذن بدليل قوله ﵊ في بعض رواية هذا الحديث: «واليتيمة تستأمر في نفسها»، وهذا هو تحصيل مذهب مالك رحمه الله تعالى في الآية والحديث. وقد تعلق بعضهم -وهو قول داود الأصبهاني- بظاهر الحديث فلم يجز للأب ولا لغيره إنكاح البكر صغيرة كانت أو كبيرة إلا بإذنها. ورأى بعضهم أن له ذلك في الصغيرة من","vol":"3","page":374},{"text":"الأبكار دون البالغة. ووجه تعلق هذين القولين ما جاء في الحديث من قوله ﵊: «والبكر تستأذن في نفسها» فتأوله كل فريق على رأيه. وروي عن الحسن أن الأب يزوج البكر والثيب بغير إذنهما وإن كرهتا. فهذه أربعة أقوال في ذات الأب أعدلها قول مالك رحمه الله تعالى. وظاهر الآية يقتضي أن ذلك نكاح للأولياء ولم يشترط الإذن، إلا أن الدليل القاطع دل على أن المالكات أمورهن من نساء ومن لا أب لها من غير المالكات أمورهن لا يزوجن إلا بإذنهن وبقي الغير تحت العموم حتى يخصص بدليل قاطع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-618>(٣٢) - قوله تعالى: ﴿والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾:</span>\nيريد الذين يصلحون للنكاح منهم ذكورهم وإناثهم. والمخاطبون بإنكاحهن السادة، ولا خلاف في هذا. وقد اختلف هل للسيد أن يجبر عبده وإماءه على النكاح أم لا؟ ففي المذهب أن له أن يجبر إذا لم يرد ضررًا. وحكي عن أبي حنيفة مثله، وهو أحد قولي الشافعي. وفي أحد قولي الشافعي أنه لا يجبرهما، قاله أبو ثور واستحسنه المروزي، وقال أصحاب الرأي يكره أمته ولا يكره عبده، فهذه ثلاثة أقوال أصحها القول الأول دليله قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ ولم يشترط رضاهم. وقد تعترض هذه الحجة بأنه يلزم مثل ذلك في الأيامى الأحرار لأن الأمر في الآية ورد فيها ورودًا واحدًا. وقد قال النخعي كانوا يكرهون المملوكين على النكاح ويغلقون عليهم الأبواب واختلف هل يجبر السيد","vol":"3","page":375},{"text":"على إنكاح العبد إذا طلب منه ذلك أم لا؟ فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه لا يجبر، وقال الشافعي يجبر ومن حجته قوله تعالى: ﴿وأنكحوا﴾ فأمر بإنكاحهم. والحجة للقول الأول مبسوطة في غير ما كتاب من كتب المذهب، والذي يقال في الآية إن الأمر فيها أمر عام فهو يختلف بظاهر الآية ومنهم ومن لا يلزم له ذلك بحسب ما تخصص به العموم في القياس أو الأثر.\nوقوله تعالى: ﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾:\nوعد تعالى بإغناء الفقراء المتزوجين طلب رضا الله تعالى. وقد قال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح. وقال عمر رضي الله تعالى عنه: عجبي لمن لا يطلب الغنى بالنكاح، وذكر الآية. واحتج بعضهم بهذه الآية على أنه لا يفرق بين الزوجين إذا كان الزوج فقيرًا لا يقدر على النفقة لأن الله تعالى قال: ﴿يغنهم الله من فضله﴾ ولم يفرق بينهم، وهو قول بعض العلماء. وهذا الانتزاع ضعيف وليست الآية بحكم فيمن عجز عن النفقة وإنما هي وعد بالإغناء كما قد وعد به مع التفرق في قوله تعالى: ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلًا من سعته﴾ [النساء: ١٣٠] ثم قال تعالى: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحًا حتى يعنيهم الله من فضله﴾ فأمر كل من يتعذر عليه النكاح بأي وجه كان أن يستعفف عما حرمه الله تعالى. ثم لما كان أغلب الموانع من النكاح عدم المال وعده الإغناء من فضله. وقال قوم من المفسرين أن المراد بالنكاح هنا ما ينكح به من المهر والنفقة وحملهم على ذلك قوله تعالى: ﴿حتى يغنيهم الله من فضله﴾ والقول الأول أظهر لعموم ما قالوه وغيره. وقد استدل بعضهم بهذه الآية على بطلان نكاح المتعة، قال: ولا يفهم منه التحريم بملك اليمين لأن من لا يقدر على","vol":"3","page":376},{"text":"النكاح لعدم المال لا يقدر على شراء الجارية غالبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-619>(٣٣) - قوله تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا﴾:</span>\nأمر تعالى في هذه الآية السادة أن يكاتبوا مملوكيهم إذا طلبوا ذلك إليه وعلم السادة فيهم خيرًا. وسبب هذه الآية أن غلامًا سأل مولاه الكتابة فأبى عليه فنزلت الآية. قال بعضهم والغلام حويطب بن عبد العزى وهو الذي كان سأل حويطباء وقال بعضهم الغلام صبيح القبطي غلام حاطب بن أبي بلتعة. وقد اختلف في هذا الأمر بالكتابة هل هو على الوجوب أو على الندب؟ ففي المذهب أنه على الندب. وفي غير المذهب لعطاء وداود وغيرهما أنه على الوجوب واختاره الطبري وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب لأنس بن مالك في سيرين حين سأل الكتابة فتلكأ أنس، فقال له لتكاتبه أو لأوجعنك بالدرة فعلى هذا بلزم الرجل إذا طلب عبده منه الكتابة أن يكاتبه ويجبر على ذلك كله خلافًا للقول الأول. واحتج أهل القول الأول في ذلك لأمرين: أحدهما: قياس الكتابة على البيع، قالوا فكا لو سأله البيع لم يلزمه، كذلك إن سأله الكتابة لأنه بيع، وحملوا بهذا الدليل بالآية الأمر على الندب. وإطلاق المحتج بهذا أن الكتابة بيع، وفيه نظر. لأن كسب العبد لسيده فكيف يبيع ماله بماله؟ وقد قال كثير من العلماء بأنهما من باب العتق. والقولان في المذهب. وقال بعضهم الكتابة","vol":"3","page":377},{"text":"غدر ومخالفة للقياس الأصول. فالأصل فيها الحظر، والأمر إذا صدر بعد الحظر فهو محمول على الإباحة. وفي هذا القول ضعف لأنا لا نعلم قط أن الكتابة محظورة ثم أبيحت. واختلف هل للسيد أن يجبر عبده على الكتابة إن لم يتبع ذلك منه على قولين منصوصين في المذهب. ومن حجة القول بسقوط الجبر أن الله تعالى إنما أمر بالكتابة إذا ابتغاها العبد، فدليل هذا أنه إذا لم يبتغها لم بتغ أن يكره عليها. واختلف في الخير المذكور في الآية ما هو؟ فقيل المال ولم ير من قال هذا أن يكاتب العبد إلا إذا علم أن له مالًا يؤدي منه أو من اتجر فيه.\nوروي عن ابن عمر وسلمان أنهما أبيا من كتابة عبدين رغبًا في الكتابة ووعدًا باسترقاق الناس. فقال كل واحد منهما لعبده: أتريد أن تطعمني أوساخ الناس. وقيل هو الصلاح في الدين، وإليه ذهب عبيدة السلماني. وقيل هو القوة على الأداء وهو قول مالك، وهو أظهر الأقوال وقد اختلفت الرواية عن مالك في كتابة الصغير فأجازه في قول وكرهه في آخر إلا أن يفوت بالأداء. وعلى اختلاف قوله في إسلام المراهق يختلف في كتابته. ومذهب الشافعي أن الكتابة لا تصح إلا من البالغ العاقل. والأظهر من القولين المنع على قول مالك، ومذهبه في أن الخير القوة على الأداء وذلك في الأغلب معدوم في الصغار. واختلف أيضًا قوله في كتابة الأمة التي لا صنعة لها، وبجوازه قال الشافعي، وهو ظاهر الآية إن كانت لها قوة على الأداء بخدمة أو غيرها وبه قال ابن المنذر واحتج","vol":"3","page":378},{"text":"بحديث بريرة وإنما منع من ذلك من منع لما روي من حديث عثمان رضي الله تعالى عنه أنه قال: لا تكلف الأمة الكسب فأنها تكسب بفرجها. واختلف في حال المكاتب إذا كوتب، فقيل هو عبد ما بقي عليه درهم، وهو قول جمهور الناس. وقيل هو عبد حتى نصف الكتابة، فإذا أداها فهو حر. وروي عن عمر وعلي بن أبي طالب. وقيل هو عبد حتى يؤدي ثلث كتابته وروي عن ابن مسعود أيضًا. وقيل إذا أدى عتق منه بقدر قيمته فهو حر، وروي عن ابن مسعود أيضًا. وقيل إذا أدى عتق منه بقدر ما أدى، وقيل هو حر بعقد الكتابة ويلزمه الأداء والقول الأول أظهر الأقوال على مفهوم الآية لأنه تعالى أمر بالكتابة وهو أن يؤخذ منه مال على أن يعتق، فهذا أمر مفهوم أنه لا يتم إلا بالوفاء بشروطه.\nوقوله تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ هذا أمر بأن يعان المكاتب على مكاتبته. واختلف في هذا الأمر لمن هو؟ فقيل للناس أجمعين وهو مذهب النخعي والحسن وبريرة وقيل لولاة الأمور، وهو قول زيد بن أسلم. والأمر على هذين القولين أمر ندب. وقيل بل الخطاب لسادة المكاتبين، واختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل هو أمر إيجاب أو أمر ندب. ففي المذهب أنه امر ندب فلا يحكم على السيد به. وعند الشافعي أنه","vol":"3","page":379},{"text":"واجب يحكم به على السيد وعلى ورثته. والقول الأول أظهر لتكون الآية متشاكلة فيكون أولها ندبًا وآخرها ندبًا، فكما لا تجب على السيد الكتابة لا يجب عليه الوضع. وقد رد إسماعيل القاضي على الشافعي فقال: كيف تكون الكتابة ندبًا والإيتاء واجبًا؟ وكيف يكون الأصل ندبًا والفرع واجبًا؟ قال أبو الحسن هذا غير واجب ألا ترى أن النكاح غير واجب وإذا نكح الرجل وجب عليه أشياء بنسبة ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وآتوهم﴾:\nمعناه أعطوهم. فقال بعضهم إنه يعطيهم السادة من أموالهم من غير الكتابة ما يستعين به المكاتبون من غير أن يوضع عنهم من الكتابة شيء. وقيل معناه الحط من الكتابة. وقيل معناه أن يعطوا من الزكاة لقوله تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله﴾ والأظهر من إطلاق هذا اللفظ أنه الزكاة وإن كانت الأموال كلها يجوز أن يطلق عليها هذا اللفظ. ومال الكتابة لما وجب لحق الله تعالى ولغرض الحرية حسن أن يقال فيه مال الله فاللفظ محتمل لهذه الوجوه. وأكثر العلماء حملوه على الحط من الكتابة، ثم اختلفوا في قدر ما يوضع منها. فروي عن علي أنه استحب ربع الكتابة. قال الزهراوي وروي ذلك عن النبي ﷺ. وقال ابن راهويه مثل ذلك قال: ويجبر عليه وتلا الآية. قال وأجمع أهل التأويل على أنه ربع. وروي عن ابن مسعود والحسن أنهما استحسنا الثلث. وروي عن قتادة العشر. وروي عن بعضهم أنه كان يختار أن يوضع على المكاتب آخر نجومه. وقيل يوضع عنه من كتابته شيء ولم يحد.","vol":"3","page":380},{"text":"وهو قول ابن جبير والثوري والشافعي. قال الشافعي: والشيء أقل ما يقع عليه اسم شيء ويجبر عليه. وإلى نحو هذا ذهب مالك في ترك الحد فيه إلا أنهلا يرى الجبر عليه كما قدمنا. والحجة لعدم الحد في ذلك قوله تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله﴾ ولم يحد. فدل أن ذلك موكول إلى الاجتهاد. واختلف هل يكون الوضع في أول الكتابة أو آخرها؟ فرأى عمر أن يكون ذلك من أول النجوم مبادرة إلى الخير خوف ألا يدرك آخرها. ورأى مالك وغيره أن يكون الوضع في آخر نجم وهو قول عبد الله بن عمر ولم يحد في هذا قوم أول الكتابة من آخرها تعلقًا بظاهر الآية واعلم أن الكتابة لفظ شرعي ولم تكن قبل ورود الشرع على ما هي في الشرع. لأن الشرع جعلها على وجه المخصوص وقيدها بشروط مخصوصة، فهي كلفظ الصلاة والصيام في الشرع. ومن أهل العلم من قال تقتضي بلفطها التأجيل فلا تكون إلا مؤجلة. ومنهم من قال لا يعقد ذلك من ظاهر لفظها لأن الشيء قد يكتب ولا تأجيل فيه وقد يكتب مع التأجيل فالظاهر لا يدل على الأجل. فعلى هذا القول تجوز الكتابة حالة. واختلفوا في صورة الكتابة، فقال بعضهم هي أن يكاتبه على درهم معلومة فيعتق بالأداء في وقته. وقال بعضهم بل لا بد أن تقول في عقد الكتابة: فإذا أديت إلي فأنت حر. فتجمع بين العقد وبين تعليق الحرية بالصفة لأن عنده أن العقد بين السيد وبينه لا يصح وتعليقه له بهذه الصفة لا يصح فلا بد من ضم ذلك إليه. ولم يختلفوا في أن الكتابة رخصة لأنا لو خلينا والعقد لكان عقدها باطلًا، لأن من المكاتب إزالة سلكه بملكه. قوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء﴾ وروي عن ابن عباس وغيره أن سبب هذه الآية أن عبد الله بن أبي بن سلول كانت له جاريتان إحداهما تسمى معاذة والأخرى مسيكة فكان يكرههما على الزنا ويضربهما عليه ابتغاء العقد عليه والولد. وقيل: كان اسم إحدى الجاريتين","vol":"3","page":381},{"text":"زينب والأخرى معاذة، ومعاذة هي أخت خولة التي جادلت النبي ﷺ في زوجها. وقيل: إنها كانت أمة واحدة اختلف في اسمها قيل: مسيكة وقيل: معاذة، فكان عبد الله يأمرها بالزنا والكسب فشكت ذلك إلى النبي ﷺ فنزلت الآية فيه وفيمن فعل فعله من المنافقين. وقوله تعالى: ﴿إن أردن تحصنا﴾. اختلف إلى ما رجع هذا الشرط. فقيل: لأنه لا يتصور إكراههن إلا إذا لم يردن الزنا، وهو التحصن، وأم إذا أردنه فلا يتصور الإكراه.\nوقيل: هو متعلق بقوله تعالى قبل هذا: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ وقيل: الشرط ملغى، والأول أظهر وأحسن. وهذه الآية تدل بإطلاقها على تحريم الإكراه على الزنا وعلى تحريم أخذ العقد وهو المراد بنهيه ﵊ عن مهر البغي. وفيها دليل أيضًا على أن الإكراه يصح في الزنا وعلى أن المكرهة لا إثم عليها من حيث قال: ﴿فإن الله من بعد إكراههن لغفور رحيم﴾.\nقوله تعالى: ﴿يسبح له فيها بالغدو والآصال﴾.\nقال الضحاك: الصبح والعصر. وقال ابن عباس: أراد ركعتي الضحى والعصر وأن ركعتي الضحى لفي كتاب الله تعالى وما يغوص عليها الأغواص، ثم قرأ الآية، وقد اختلف في هذه الصلاة: فلم يرها قوم وقالوا: إنها بدعة فرووا عن ابن مسعود أنه كان لا يصليها وعن عبد الرحمن بن عوف مثل ذلك. ورووا عن ابن عمر أنه قال فيها: بدعة قال مرة نعمة البدعة. وسئل أنس عنها فقال: الصلوات خمس. ورآها قوم واستحبوها وعليه يدل قول عائشة: ما ترك ﷺ سبحة الضحى قط وإني لأستحبها وروي عنها أنها قالت: لو نشر أبواي من قبرهما ما تركتهما.\nوعليه تدل الآية على تفسير ابن عباس. وجاء عن أبي هريرة أنه قال: أوصاني رسول الله ﷺ بثلاثة أيام من كل شهر وصلاة الضحى وقوم على وتر. وذهب قوم من السلف إلى أنها تصلى في بعض الأيام دون بعض ورووا عن ابن سعيد أنه قال:","vol":"3","page":382},{"text":"كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها، وروي عن ابن عباس وابن عمر نحو ذلك.\nقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج﴾.\nاختلف في المراد بالذين ملكت أيمانكم. فقيل: المراد بهم النساء من الإماء خاصة وهو قول عبد الرحمن السلمي قال: وسئل الرجال أن يستأذنوا في كل وقت. وذكر بعضهم عن ابن عمر نحوه. وقيل: المراد بها الرجال خاصة وهو المشهور من قول ابن عمر. وقيل: المراد به الرجال والنساء جميعًا، ورجح ذلك الطبري، وقال أبو الحسن: لا يدخل في هذا العموم العبيد البالغون لأنه يستوي في وجوب الاستئذان عليهم هذه الأوقات الثلاث وغيرها من حيث يحمر عليهم النظر إلى عورة سيدهم وإلى بدن سيدتهم، لا يدخل في العموم أيضًا الأطفال لأن المعنى من ذلك قد حصل من قوله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾.\nوقوله تعالى: ﴿والذين لم يبلغوا الحلم﴾. يريد الأطفال الذين لم يبلغوا إلا أنهم عقلوا معاني الكشفة وقوله: ﴿ثلاث مرات﴾ الآية.\nأمر تعالى أن لا يدخل من تقدم ذكره ممن يملك، والأطفال على أهليهم في هذه الأوقات الثلاث حتى يستأذنوا لأن هذه الأوقات مضنة انكشاف العورة، وهي عند الصباح لأن الناس في ذلك الوقت عراة في مضاجعهم، وقد ينكشف النائم وقت القائلة -وهي الظهيرة- لأن النهار يظهر فيها إذا علا واشتد حره، وبعد العشاء لأنه وقت التعري للنوم والتبدل للفراش. وأما في غير هذه الأوقات فالعرف بين الناس فيها التحرز والتحفظ فلا حرج في دخول هذه الصفقة بغير إذن إذ هم طوافون يمضون ويجيؤون ألا يجد الناس بدًا من ذلك. قال إسماعيل القاضي ويجزئ منهم التسليم وفي الرد إذن، ومن يجوز له الدخول بالاستئذان من غير المذكورين.","vol":"3","page":383},{"text":"في هذه الآية أن يكون حكمه في هذه الأوقات كما تقدم. واختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب الأكثر إلى أنه محكمة، ثم اختلفوا فقال بعضهم هي على طريق الندب وهو قول أبي قلابة. وقال أكثرهم هي على طريق الإيجاب، وروي عن الشعبي أنه قال ليست بمنسوخة، فقيل له إن الناس لا يعملون بها، قال الله المستعان، وروي هذا القول عن ابن عباس. وذهب ابن المسيب وابن جبير إلى أنها منسوخة ولم يذكروا ناسخها. وهذا ضعيف، والأصح أنها محكمة. وروي عن ابن عباس أنه قال: كان العمل بها واجبًا إذا كام القوم لا أغلاق لهم ولا ستور، فلما صارت لهم الأغلاق والستور ترك العمل بها. فإن أعاد الأمر إلى ما كان عليه عاد الحكم هذا معنى قوله. فالآية على قوله محكمة إلا أنها إذا كنتا لعلة، فحيث وجدت العلة وجد الحكم، وإذا زالت العلة زال الحكم. والذي ينبغي أن يقال في هذا إنها محكمة بغير علة كانت ثم أبواب وستور أو لم تكن، ينبغي أن يستأذن. وفي تخصيص هذه الأوقات الثلاثة -بأنها مظنة الانكشاف- دليل على أنها مظنة النوم لأن الانكشاف أكثر ما يكون مع النوم. ودليل على أن النوم في غير هذه الأوقات مثل النوم بعد صلاة الصبح ومثل النوم بعد العصر ومثل النوم بعد المغرب، وليس كالنوم في الأوقات المذكورة في الآية.\nوقوله تعالى: ﴿من قبل صلاة الفجر﴾:\nيعني من قبل صلاة الصبح. ففي هذا دليل على أن صلاة الصبح ليس بوقت انكشاف لا ينبغي النوم فيه. وقد روي ما يعضد هذا عن عبيد الله بن عمير أن عبد الله بن الزبير قال له: يا عبيد أما علمت أن الأرض","vol":"3","page":384},{"text":"حجت إلى ربها ﷿ من نوم العلماء بالضحى مخافة الغفلة عليهم. وروي عن عثمان قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الصبحة تمنع بعض الرزق» وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يقول: النوم ثلاثة: فنوم خرق ونوم خلق ونوم حلق. فأما نوم خرقة فنومة الضحى يقضي الناس حوائجهم وهو نائم. وأم نومة خلق فنومة القائلة. وأما نومة حمق فنومة حين تحضر الصلاة. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال في هذه النومة: «محيرة منخرة محفرة». فهذه الأحاديث كلها مع دليل الآية حجة في أنه لا يجوز النوم في ذلك الوقت. وفي العتبية عن مالك أنه سئل عن النوم بعد الصبح فقال: ما أعلم حرامًا. فظاهر قوله إجازة النوم في ذلك الوقت، ولم يصح عنده -والله أعلم- شيء من الأحاديث، فلذلك أجازه.\nوفي قوله تعالى: ﴿وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة﴾:\nيريد القائلة، دليل على أن النوم في هذا الوقت جائز وأنه في غير ذلك الوقت من النهار ليس كذلك. وقد اختلف في ذلك فكرهه بعضهم لما روي من أن رسول الله ﷺ أرسل عليًا في حاجة بعد أن صلى الظهر بالصهباء فرجع وقد صلى النبي ﷺ العصر فوضع النبي ﷺ رأسه في حجر علي فلم يحركه حتى غابت الشمس فقال النبي ﷺ: «اللهم إن عبدك عليًا احتبس نفسه على نبيه فرد عليه شرقها» قالت أسماء فطلعت الشمس حتى وقفت على الجبال وعلى الأرض ثم قام علي رضي الله تعالى عنه فتوضأ وصلى العصر ثم غابت.\nوفي قوله تعالى: ﴿ومن بعد صلاة العشاء﴾:","vol":"3","page":385},{"text":"دليل على النوم في هذا الوقت وهو المعروف المباح. وقد جاء من الآثار ما يعضد ذلك. وروي عن عليه الصلاة السلام أنه كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها.\nوكان عمر بن الخطاب يضرب الناس على الحديث بعد العشاء ويقول: اسمروا أول الليل ونوموا آخره. وقال سلمان الفارسي إياكم وسمر أول الليل فأنه مهدنة للآخرة فمن فعل ذلك فليصل ركعتين قبل أن يأوي إلى فراشه. وكان إبراهيم وابن سيرين يكرهان الكلام بعد العشاء وهذا في السمر لغير العلم وأفعال البر. وأما السهر لهذا فجائز. وقد روي عن النبي ﷺ أنه سهر بعدها غير مرة. قال عمر كان رسول الله ﷺ يسمر عند أبي بكر الليلة كلها في أمر من أمور المسلمين وأنا معه. وجاء في بعض الحديث أن رسول الله ﷺ كره السمر إلا لمصل أو مسافر أو مذاكر وفي الآية -على ما قدمنا- دليل على أن النوم قبل العشاء ليس كالنوم بعدها، وقد اختلف فيه. فكان ابن عمر يكاد يسب الذي ينام قبل العشاء. وكرهه أنس وعمر وأبو هريرة وابن عباس وغيرهم، وهو قول مالك في العتبية والكوفيين، رخصت فيه طائفة. وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه كان ربما نام قبل العشاء وكان ابن عمر ينام ويوكل من يوقظه. وعن أبي موسى وعبيدة مثله. وعن ابن سيرين وعروة أنهم كانوا ينامون نومة الصلاة، وكان أصحاب عبد الله يفعلون ذلك، وقال به بعض الكوفيين واحتج له الطحاوي.\nوقوله تعالى: ﴿ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن﴾:\nفيه دليل على أن الموالي في الاستئذان في الدخول على العبيد في هذه الأوقات مثل ما على العبيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-620>(٥٩) - وقوله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾ </span>الآية:","vol":"3","page":386},{"text":"يقول إن الأطفال الذين أمروا بالاستئذان في الأوقات الثلاثة المذكورة وأبيح لهم الدخول بلا إذن في غير ذلك من الأوقات إذا بلغوا الحلم لم يدخلوا إلا باستئذان في كل وقت، وعلى حكم الرجال. وهذا عام في جميع البالغين من ابن وأخ وأب وغيره لا يجوز لهم أن يدخلوا إلا بإذن. قال الزهري يستأذن الرجل على أمه وفي ذلك نزلت. وروي نحوه عن عمر وابن عباس وغيرهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-621>(٦٠) - وقوله تعالى: ﴿والقواعد من النساء </span>...﴾ الآية:\nاختلف في تعيينهم. فقيل اللواتي قعدن عن التصرف. وقيل هن اللواتي إذا رأيتهن تستقذرهن، وهو قول ربيعة. وقيل هن اللواتي قعدن عن الولد. قال بعضهم لما كان الغالب من النساء أن ذوات هذا السن لا مذهب للرجال فيهن أبيح لهن ما أبيح لغيرهن وأزيل عنهن كلفة التحفظ المتعب إذ علة التحفظ مرتفعة عنهن.\nوقوله: ﴿فليس عليهن جناح ...﴾ الآية:\nقال ابن مسعود وابن جبير: الذي أبيح وضعه لهذه الصنيعة الجلباب الذي فوق الخمار والرداء. قال بعض العلماء: إنما ذلك في منزلها الذي يراها فيه ذوو محارمها. ثم ذكر تعالى أن استعفافهن عن وضع الجلابيب والتزامهن ما يلزم الشباب من الستر خير لهن وأفضل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>(٦١) - قوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون </span>...﴾:\nاختلف في المعنى الذي رفع الله تعالى فيه الحرج عن الأصناف الثلاثة: العمى والحرج والمرض. فقال ابن زيد هو الحرج في الغزو، أي لا حرج عليهم في تأخيرهم. وقيل هو في معنى المطاعم. واختلف من ذهب إلى ذلك في الحرج فيمن كان؟ فقيل كانت العرب ومن بالمدينة قبل المبعث تجتنب الأكل مع أهل الأعذار. فبعضهم كان يفعل ذلك تقذرًا لجولان اليد","vol":"3","page":387},{"text":"من الأعمى ولانبساط الجلسة من الأعرج ولرائحة المريض، ونحو ذلك. وهي أخلاق جاهلية وكبر، فنزلت الآية مؤدبة. وقيل إن أهل هذه الأعذار كانوا المتحرجين من الأكل مع الناس، ثم اختلف لم، فقيل من أجل عذرهم، فنزلت الآية وقيل إن الناس كانوا إذا نهضوا إلى الغزو خلفوا أهل العذر في منازلهم وأموالهم فكان أهل العذر يجتنبون أكل مال الغائب فنزلت الآية مبيحة لهم أكل الحاجة من طعام الغائب إذا كان الغائب قد بنى على ذلك. وقيل كان الرجل إذا ساق أهل العذر إلى بيته فلم يجد فيه شيئًا ذهب إلى بيوت قرابته فتحرج أهل الأعذار من ذلك، وقيل إن التحرج المذكور إنما كان من الناس وذلك لما نزلت: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ قالوا: لا مال أعز من الطعام وتحرجوا من الأكل مع أهل الأعذار مخافة عليهم فيقعون في أكل المال بالباطل إذ هم مقصرون عن درجة الأصحاء لعدم الرؤية من الأعمى والعجر عن المزاحمة من الأعرج ولضعف المريض. فنزلت الآية في إباحة الأكل معهم ففي القول الأول التحرج مرفوع عن أهل الأعذار. وفي الآخر إنما هو مرفوع عن غيرهم من الناس. وفي القول الثاني آخرون. وقد جاء في الحديث ما ظاهره التعارض من ذلك والآية على أحد التأويلات المتقدمة حجة في الجواز. والذي ينبغي أن يقال في الآية أن الحرج مرفوع بها على الأصناف الثلاثة في كل ما يضطرهم إليه العذر. فكل تكليف يتعلق بالبصر فقد سقط عن الأعمى. وكل تكليف يتعلق بالأعرج قبل عرجه ولا يمكنه معه فعله سقط عنه تكليفه.","vol":"3","page":388},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ولا على أنفسكم﴾ الآية:\nعدد الله تعالى فيها البيوت التي أباح الأكل فيها بغير إذن. فبدأ تعالى ببيت الرجل نفسه إذ لا أخص به منه ولما لم يذكر تعالى من جملة البيوت بيوت الأبناء. قال جماعة من المفسرين إنه داخل في قوله تعالى: ﴿من بيوتكم﴾ لأن بيت ابن الرجل بيته. وهذه الآية تدل على أن للرجل أن يأكل من بيت ابنه من غير إذنه كما يأكل من بيت نفسه لأن له أن يأخذ ماله ويستحله. ثم ذكر بيوت الآباء، فأباح للآباء الأكل منها بغير إذن. ثم ذكر على نحو ذلك بيوت الأمهات ثم ذكر بيوت الإخوان وهم الإخوة ثم ذكر بيوت الأخوات ثم بيوت الأعمام ثم بيوت العمات ثم بيوت الأخوال ثم ذكر بيوت الخالات ثم قال: ﴿أو ما ملكتم مفاتحه﴾ قيل يعني ما دفعت إليكم مفاتحه لتكون تحت نظركم على ما يأتي ذكره بعد هذا. وقيل المراد ما ملك الرجل من متاع نفسه. وهذا ضعيف لأن ما تقدم من قوله: ﴿بيوتكم﴾ يغني عنه. وقيل معناه ما جزتم وصار في قبضتكم وعند جماعة من المفسرين أنه يدخل في الآية الوكلاء والعبيد والأجراء بالمعروف. ثم قال تعالى: ﴿أو صديقكم﴾ فقرن الله تعالى الصداقة بالقرابة. قال معمر: قلت لقتادة: ألا تشرب من هذا الحب؟ قال أنت لي صديق فما هذا الاستئذان. وقال ابن عباس الصداقة أوكد من القرابة ألا ترى استغاثة الجهنميين: ﴿فمان لنا من شافعين * ولا صديق حميم﴾ [الشعراء: ١٠٠، ١٠١] واختلف المفسرون في هذه الآية في قوله: ﴿أو بيوت آبائكم ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح﴾ هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب قوم إلى أنها منسوخة وأنه لا يجوز أن يؤكل من بيت أحد إلا بإذنه. واختلفوا في الناسخ، فقال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أمولكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨] وقوله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوت","vol":"3","page":389},{"text":"النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقول النبي ﷺ: «لا يحل من مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه». وقيل بل نسخها قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ [النور: ٢٧]. وإذا منعوا الدخول بغير استئذان، كان الأكل أولى أن يمنع إلا بإذن. وقال بعضهم نسخها قوله ﵊: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام» وقوله ﵊ في حديث عمر: «لا يحلبن أحدكم ماشية أحد إلا بإذنه». قال ابن زيد وكانوا في أول أمرهم ليس على أبوابهم غلق فكانت الستور مرخاة فربما جاء الرجل جائع فدخل البيت وليس فيه أحد فسوغه تعالى أن يأكل. ثم الآن صارت الأغلاق على البيوت فلا تحل لأحد أن يفتحها فذهب هذا وانقطع وقال ﷺ: «لا يحلبن أحد من ماشية أحد إلا بإذنه». وقيل الآية محكمة. ثم اختلفوا في تأويلها. فقال ابن عباس هي محكمة ناسخة لما أحدث المؤمنون عند نزول قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ وذلك أنهم قالوا قد نهى عن أكل الأموال بالباطل، والطعام من أفضل الأموال فلا يحل لأحد أن يأكل عند أحد، فكف الناس عن أكل بعضهم عند بعض. فأنزل الله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ...﴾ الآية إلى آخرها.\nثم اختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل الآية على عمومها في الإذن وغير الإذن لأنها أباحت الأكل من هذه البيوت ولم يخص إذنًا من غير إذن إلا أنها خرجت على سبب الإذن، وبين الأصليين في ذلك اختلاف. فقال أبو","vol":"3","page":390},{"text":"عبيد إنما هو بعد الإذن لأن الناس إنما توقفوا عن الأكل بعد الإذن فأباحه الله تعالى. وقال غيره الأكل جائز بالآية من غير إذن وليس في الآية ذكر الإذن. وقال أكثر أهل التأويل هي محكمة وذلك أنهم كانوا إذا خرجوا مع النبي ﷺ وضعوا مفاتيحهم عند أهل العلة ممن يتخلف وعند قربائهم، فكانوا يأذنون لهم أن يأكلوا منها ويقولون نخشى أن لا تكون أنفسهم طيبة بذلك فأنزل الله تعالى هذه الآيات فأحله لهم. واعتبار الإذن أيضًا على هذا القول يأتي على الخلاف المتقدم. وما أباح الأكل من بيوت هؤلاء الأصناف بغير إذن فإنما يبيحه إذا كان يسيرًا وعلم أن نفس صاحبه راضية.\nوقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعًا أو أشتاتًا﴾:\nأباح بهذه الآية الأكل على انفراد ومع الغير وهذا رد لمذهب قوم من العرب كانت لا تأكل أفرادًا ألبتة. قاله الطبري وكانوا يسمون الذي يأكل وحده الموضع. وكان أحدهم إذا وضع طعامه ليأكل أو حلب لقحته ليشرب نادى من حوله، فإن أجابه أحد وإلا نصب عودًا أو خشبة عوض الأكل معه. وحكي أن رجلًا من العرب نزل واديًا وحلب لقحته ونادى من يشرب منعه، ورجل يسمعه فلم يجبه واختفى له. فأخذ عودًا أو خشبة فنصبها ثم أخذ الإناء ليشرب فخرج ذلك الرجل إليه فقال: يا موضع، اشرب وحدك، فخشي الآخر أن يعلم بذلك فيعير بالشرب وحده فعدا عليه بالسيف فقتله فلما جاء الإسلام نزلت الآية. ومن ذلك قول بعضهم:\nإذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلًا فإني لست آكله وحدي","vol":"3","page":391},{"text":"وكان بعض العرب إذا كان له ضيف لا يأكل إلا أن يأكل معه فنزلت الآية مبينة سنة الأكل. ويؤخذ من الآية أيضًا أنه يجوز أن تجتمع الجماعة على طعام لهم فيأكلونه وإن تفاضلوا في الأكل. وقد كان يجوز أن يظن أن ذلك محرم كم حيث لا يستوون في الأكل ولا يستوون في قدر ما طرح بين أيديهم من الطعام. فأباح الله تعالى ذلك. وقد قال ابن عمر في قوم يأكلون تمرًا نهى النبي ﷺ عن القران إلا أن يستأذن الرجل أخاه وهذا كله معا المسامحة، وأما مع المشاحة فلا يجوز. وقد اختلف في النهبة في الطعام يوضع للأكل في الأعراس وما ينتثر على رؤوس الصبيان ونحو ذلك وفي الآية حجة للقول بالجواز لعموم الآية.\nقوله تعالى: ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم﴾:\nاختلف في البيوت المذكورة في الآية ما هي. فقيل المساجد، وهو قول النخعي، والمعنى فسلموا على من فيها من صنفكم فإن لم يكن في المساجد أحد فالسلام أن يقول المرء: السلام على رسول الله. وقيل يقول: السلام عليكم، يريد الملائكة ثم يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. زاد بعضهم عن الحسن اللهم أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا. وقيل البيوت هي البيوت المسكونة، وهو قول جابر وابن عباس وغيرهما، والمعنى فسلموا على صنفكم أي ليسلم بعضكم على بعض. وذكر إسماعيل بن إسحاق أن المراد به أن يسلم الرجل","vol":"3","page":392},{"text":"على نفسه إن لم يكن هناك غيره فيكون المراد على هذا بالبيوت غير المسكونة ويسلم المرء فيها على نفسه بأن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وهذا القول أظهر على لفظ الآية. وقول من قال إن معنى قوله تعالى: ﴿فسلموا على أنفسكم﴾ أي يسلكم بعضكم على بعض فيه تجوز. وأما البيوت فأكثر ما يطلق عرفًا على بيوت السكنى سكنت أو لم تسكن. وقد اختلف فيمن حلف أن لا يدخل بيتًا فدخل المسجد هل يحنث أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-623>(٦٢) - قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله﴾:</span>\nاختلف في سبب الآية فقيل إنما نزلت في وقت حفر رسول الله ﷺ خندق المدينة وذلك أن بعض المؤمنين كان يستأذن لضرورة وكان المنافقون يذهبون دون استئذان. فأخرج الله تعالى الذين لا يستأذنون عن صنيفة المؤمنين وأمر النبي ﷺ أن يأذن للمؤمن الذي لا تدعوه ضرورة إلى حبسه وهو الذي يشاء وقيل نزلت في عمر بن الخطاب وكان استأذن النبي ﷺ في العمرة فأذن له وقال له: «يا أبا حفص لا تنسنا من صالح دعائك» والأمر جامع يريد به ما للإمام حاجة إلى جمع الناس فيه لمصلحة. وروي عن مجاهد أن المراد به الجمعة والغزو. وقال الحسن الجمعة الأعياد وكل ما فيه خطبة. ولا شك أن المراد بقوله وإذا كانوا معه: أي مع الرسول. قال الحسن: ولا فرق بين الرسول ومن سواه من الأئمة فيما يلزم من استئذانهم لما في ذلك ن أدب الدين وأدب النفس واختلف في الإمام الذي يستأذن من هو؟ فقيل هو إمام الإمرة. وهو قول مكحول والزهري","vol":"3","page":393},{"text":"ولا خلاف في الغزو أنه يستأذن إمامه إذا كان له عذر يدعوه إلى الانصراف. واختلف في صلاة الجمعة إذا كان له عذر كالرعاف ونحوه هل يلزمه الاستئذان أم لا؟ فذهب جماعة إلى أنه يلزمه الاستئذان للوالي إمام إمرة كان أو إمام صلاة. واحتجوا بالآية. وأنكر إسماعيل القاضي أن تكون الآية في ذلك المعنى. وقيل لا يلزمه إلا إن كان إمام إمرة. وقيل لا يلزمه الاستئذان وهو مذهب مالك. وقد مشى بعض الناس دهرًا على استئذان إمام الصلاة. وروي أن هرم بن حيان كان يخطب فقام رجل فوضع يده على أنفه وأشار إلى هرم بالاستئذان فأذن له فلما قضيت الصلاة كشف من أمره أنه ذهب لغير ضرورة فقال هرم: اللهم أخر رجال السوء لزمان السوء.\nواختلف في قوله تعالى: ﴿فإذن لمن شئت منهم﴾ هل هو محكم أو منسوخ؟ فالمشهور أنه محكم. وقال قتادة هو منسوخ بقوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لما أذنت لهم ...﴾ الآية [التوبة: ٤٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>(٦٣) - وقوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾:</span>\nاختلف في تأويله، فقيل معناه لا تدعوا رسول الله كدعاء بعضكم بعضًا بالأسماء غير مهتبلين بذلك ولكن ادعوه بأشرف أسمائكم على مقتضى التوقير وذلك أن يقول يا رسول الله، برفق وبر. وهو قول مجاهد وغيره. وقيل المعنى لا تحسبوا دعاء الرسول عليكم كدعاء بعضكم على بعض أي دعاؤه عليكم مجاب فاحذروه وهو قول ابن عباس وألفاظ الآية تدفع هذا","vol":"3","page":394},{"text":"المعنى مع أنه جاء عن النبي ﷺ ما يعضد المعنى الأول. روي أنه كان مرة يمشي إذ صاح رجل بآخر يا أبا القاسم. فرد رسول الله ﷺ رأسه إليه. فقال لم أعنك يا رسول الله. فعند ذلك قال رسول الله ﷺ: «تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي» وقد استدل بعض المتأخرين من هذه الآية على أنه يجوز أن يقال في الدعاء: ارحم محمد وآل محمد، كما يقال ذلك لغيره، فأنكر لفظ الرحمة. وهذا ضعيف بل ينبغي أن يجوز ذلك. وقد جاء في الحديث ما يعضده، وذلك أن أعرابيًا قال اللهم ارحمني وارحم محمدًا ولا ترحم معنا أحدًا. فقال النبي ﷺ: «لقد حجرت واسعًا» فلم ينكر ﷺ إلا التحجير، فدل إقراره على ذلك أنه جائز. وأما الاستدلال بالآية فضعيف وألفاظها تنبئ عنه.\nقوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ أمر منه تعالى باتباع نبيه والتحذير من مخالفته.","vol":"3","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-625>سورة الفرقان</span>\nاختلف فيها هل هي مكية أو مدنية، فقيل هي مكية، وهو قول الجمهور، قيل هي مدنية وفيها آيات مكية قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾ [الفرقان: ٦٨] وهو قول الضحاك. وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-626>(٣٠) - قوله تعالى: ﴿وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا﴾:</span>\nيحتمل ﴿مهجورًا﴾ أن يكون من الهجر، يريد مبعدًا مقصى، وهو قول ابن زيد. ويحتمل أن يريد مقولا فيه هجر إشارة إلى قولهم شعر وكهانة وسحر، وهو قول مجاهد والنخعي. وفي قول ابن زيد تنبيه على تعاهد المصحف وأن لا يطرح في البيوت ولا يقرأ فيه. وقد روي عن النبي صلى الله عليه ويسلم ما يعضده: قال: «من علق مصحفًا ولم يتعاهده جاء يوم القيامة متعلقًا به يقول هذا اتخذني مهجورًا اقض يا رب بيني وبينه».","vol":"3","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-627>(٤٨) - قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورًا﴾:</span>\nالطهور بناء مبالغة في الظاهر وهو مقتضي عند أكثر الفقهاء الطهارة والتطهير خلافًا لمن لا يرى أنه لا يقتضي إلا الطهارة الخاصة. وقد تقدم الكلام على هذه المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-628>(٦٣) - قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وإذا خاطبهم﴾:</span>\nمدح الله تعالى عباده بالمشي هونًا. فمن الناس من رد الهون إلى أخلاق الماشي ومنهم من رده إلى المشي. ومن رده إلى الأخلاق اختلفوا في العبارات عن تفسيره والمعنى واحد. فقال مجاهد بالحلم والوقار. وقال ابن عباس بالطاعة والعفاف والتواضع. وقال الحسن: حلماء إن جهل عليهم لم يجهلوا. ومن رده إلى المشي قال: مشيًا هونًا أي رويدًا. وروي عن الزهري أنه قال سرعة المشي يذهب بها بهاء الوجه. وهذا ضعيف إذ رب ماش هذه المشية وهو خداع مكار. قال بعضهم:\nكلهم يمشي رويدًا ... كلهم يطلب صيدًا\nوقد كان النبي ﷺ يتكفأ في مشيه كانه يمشي في صبب. وقال زيد بن أسلم: كنت أسأل عن هذه الآية فما وجدت في ذلك شفاء فرأيت في النوم من جاءني فقال: هم الذين لا يريدون أن يفسدوا في الأرض فهذا التفسير راجع إلى الخلق.","vol":"3","page":397},{"text":"قوله تعالى: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا﴾:\nالجاهلون عام في الكفار وغيرهم من جاهلي المؤمنين. واختلفوا في معنى سلامًا. فقيل معناه تسلمًا أي براءة وقيل معناه أن يقال لهم قولًا سدادًا أي كلامًا برفق ولين. وقيل إنه يحتمل أن يراد به التحية، قاله بعض شيوخنا المتأخرين. وهذا القول في حق الجاهليين من المؤمنين محكم غير منسوخ لأن حمل جفاء المسلم حسن ما لم يعد بمضرة. ولا بأس أن يسلم عليه بالتحية ويقابل بالقول الحسن. قال بعض شيوخنا وكذلك هي في حق الذمي الآية محكمة لأن الله تعالى قد أذن في ملاينته وبره ولا في احتمال جفائه فإن ذلك لا يجوز لمسلم بحال. وأما الحربيون فالآية منسوخة في حقهم باتفاق وهذا من باب تخصيص العموم، والمفسرون يسمونه نسخًا وقد اختلف المفسرون في ذلك. والذي اعتمد عليه المفسرون أنها منسوخة في الكفار بآية السيف لأنها اقتضت الموادعة والمسالمة. وقد ذكر سيبويه النسخ في هذه الآية في كتابه، وما تكلم على نسخ سواه، ورجحه بأن المؤمنين لم يؤمروا بالسلام على الكفار. وقال المبرد كنا ينبغي أن يقول: لم يؤمر المسلمون يومئذ بحربهم ثم أمروا بحربهم.\nوجاء في بعض التواريخ أن إبراهيم بن المهدي وكان من المائلين","vol":"3","page":398},{"text":"على علي بن أبي طالب قال يومًا بمحضر المأمون وعنده جماعة: كنت رأيت عليًا بن أبي طالب في النوم فقلت له: إنما تدعي هذا الأمر بامرأة ونحن أحق به منك. فما رأيت في الجواب بلاغة كما يذكر عنه. قال المأمون وبماذا جاوبك؟ قال: كان يقول لي سلامًا سلامًا. قال الراوي وكان إبراهيم بن المهدي لا يحفظ الآية أو ذهبت عنه في ذلك الوقت فنبه المأمون على الآية من حضره وقال: هو والله يا عم علي بن أبي طالب وقد جاوبك بأبلغ جواب. فخزي إبراهيم واستحيى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>(٦٤) - قوله تعالى: ﴿والذين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا﴾:</span>\nفي هذه الآية تحريض على قيام الليل للصلاة. وقال بعض الناس من صلى العشاء الأخيرة وشفع وأوتر فهو داخل في هذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-630>(٦٧) - قوله تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا﴾:</span>\nاختلف في تأويل الآية فقال بعض المفسرين: الذي لا يسرف هو المنفق في الطاعة وإن أسرف المسرف هو المنفق في المعصية وإن قل إنفاقه، والمقتر هو الذي يمنع حقًا عليه، وهو قول ابن عباس وغيره. وقيل الإسراف أن تنفق مال غيرك، الإقتار التقصير فيما يجب عليك والقوام النفقة بالعدل والاستقامة. والأحسن أن يقال إن هذا كله في نفقة الطاعات وفي المباحات، فأراد تعالى أن لا يفرط الإنسان حتى يضيع حق","vol":"3","page":399},{"text":"آخر أو عيالًا ونحو هذا وأن لا يضيق ولا يقتر حتى يجيع العيال ونحو ذلك، وأن يجري في ذلك إلى القوام أي المعتدل وذلك في كل أحد بحسب حاله. وإنما ترك رسول الله ﷺ أبا بكر يتصدق بجميع ماله لأن ذلك له قوام بحسب جلده وصبره. وإلى نحو هذا ذهب النخعي وغيره وقد تقدم الكلام على كثير من أحكامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>(٦٨) - (٦٩) - قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ إلى قوله: ﴿إلا من تاب﴾:</span>\nقد تقدم الكلام على أحكام هذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>(٧٢) - قوله تعالى: ﴿والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كرامًا﴾:</span>\nالزور كل الباطل، فأعظمه الشرك وبه فسر الضحاك وابن زيد. ومنه الغناء وبه فسر مجاهد. ومنه الكذب وبه فسر ابن جريج. ويشهدون على القولين الأولين من المشاهدة، وعلى القول الثالث من الشهادة لا من المشاهدة. فالمراد الشهادة بالزور، وهو قول علي بن أبي طالب وغيره.\nوقوله: ﴿وإذا مروا باللغو مروا كرامًا﴾:\nاللغو كل ما يسقط من قول أو فعل، ويدخل فيه الغناء وجميع اللهو وغير ذلك مما قارنه. ويدخل فيه سفه المشركين وأذاهم للمؤمنين وذكر","vol":"3","page":400},{"text":"النساء وغيره من المنكر. كرامًا معناه معرضين مستحيين يتجافون عن ذلك ويصبرون على الإذن فيه. روي أن عبد الله بن مسعود سمع غناء فأسرع في مشيه وذهب فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «لقد أصبح ابن أم عبد كريمًا» وقرأ الآية. وأما إذا مر المسلم بمنكر فكرهه أن يغيره، وحدود التغيير تختلف باختلاف الأحوال.","vol":"3","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-633>سورة الشعراء</span>\nهي مكية كلها في ما قاله الجمهور. وقال مقاتل منها مدنية الآية التي يذكر فيها الشعراء وقوله تعالى: ﴿أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-634>(٢٢٤) - (٢٢٧) - قوله تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم فيكل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرًا وانتصروا من بعد ما ظلموا﴾:</span>\nاختلف في الاشتغال بالشعر. فرآه الجمهور كالكلام، حسنه كحسنه وقيبحهكقبيحه، وهذا نص قول الشافعي ويعضد هذا قوله ﵊ من الاستشهاد به في مواضع جملة ما لا ينكر. ولم يجز قوم الاشتغال بشيء منه قليلًا كان أو كثيرًا واحتجوا بالآية المتقدمة وبأحاديث منها أنه ﵊ كان إذا افتتح الصلاة يستعيذ من الشيطان الرجيم وهمزه ونفثه ونفخه وفسروه بأن نفثه الشعر ونفخه الكبر وهمزه المنونة. ومنها قوله ﵊: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه خيرًا له من أن يمتلئ شعرًا» ومنها أنه ﷺ قال لما نزل إبليس","vol":"3","page":402},{"text":"إلى الأرض قال: «يا رب اجعل لي قرآنا». قال الشعر. ومنها أنه روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: من قال ثلاثة أبيات من الشعر من تلقاء نفسه لم يدخل الفردوس. ومنها أن ابن مسعود قال: الشعر من أمر الشيطان. ومنها أنهم قالوا أن الحسن كان لا ينشد شعرًا. قال الطبري: وهذه أخبار واهية لا يجوز الاحتجاج بها والصحيح في ذلك ما قد عارضها من الأخبار وذكر عن عمر وعلي وجلة الصحابة أنهم ينشدون الأشعار. وقال أهل التأويل يتبعهم غواة الناس ومردة الشياطين ويروون شعرهم لأن الغاوي لا يتبع إلا غاويًا مثله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>(٢٢٥)، (٢٢٦) - وقوله: ﴿ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾:</span>\nأي يمدحون ويذمون بما ليس في الممدوح والمذموم فهم كالهائم على وجهه والهائم المخالف للقصد. عن أبي عبيدة: وأنهم يقولون ما لا يفعلون أي يكذبون. والمراد بقوله تعالى: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾: ابن رواحة وحسان وكعب بن مالك، هكذا روي عن ابن عباس.\n﴿وذكروا الله كثيرًا﴾ قال ابن عباس في خلال كلامهم. وقال ابن زيد في شعرهم. وقيل لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله. ﴿وانتصروا من بعد ما ظلموا﴾ يعني ردوا على الكفار الذين كانوا يهجون النبي ﷺ. قال الطبري: ولا خلاف أن حكم الاستثناء مخالف للمستثنى منه فوضح أن المذموم من الشعراء غير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ممدوحون غير مذمومين.","vol":"3","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-636>سورة النمل</span>\nمكية وليس فيها أحكام ولا نسخ.","vol":"3","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-637>سورة القصص</span>\nوهي مكية إلا قوله تعالى: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ [القصص: ٨٢].\nنزلت هذه الآية بالجحفة وقت هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، قاله ابن سلام وغيره. وقال مقاتل فيها من المدني: ﴿الذين آتيناهم الكتاب ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لا نبتغي الجاهلين﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥]. وأطلق مكي القول على هذه السورة لأنها مكية ولم يخصص منها شيئًا وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-638>(١٧) - قوله تعالى: ﴿قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرًا للمجرمين﴾:</span>\nاحتج جماعة من أهل العلم بهذه الآية في المنع من خدمة أهل الجور ومعونتهم في شيء من أمورهم، ورأوا أنها تتناول ذلك. نص عليه عطاء بن أبي رباح وغيره.","vol":"3","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-639>(٢٧) - قوله تعالى: ﴿قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرًا فمن عندك﴾:</span>\nهذه الآية لا كلام فيها على قول من يرى شريعة من قبلنا لازمة لنا. وأما على قول من لا يرى شريعة من قبلنا لازمة لنا -وهو مذهب أكثر الأصوليين- فيحتاج إلى نظر. وقد قال مكي: فيها خصائص في النكاح منها أنه لم يعين الزوجة ولا حد أول المدة وجعل المهر إجارة ودخل ولم ينقد شيئًا. الذي يقال في هذا أنه يحتمل أن أمر النكاح عرض على موسى مجملًا، فلما أجاب موسى إلى المصاهرة وقع التعيين، أو لعل هذا كان جائزًا في شريعة موسى النكاح بغير تعيين ويكون مفوضًا إلى الولي أو إلى الزوج ولا يمنع من ذلك مانع. إلا أن هذا الوجه الآخر مرفوع بشريعتنا والأول مبقي على حكمه. وأما المدة، فليس في ألفاظ الآية ما يدل على ترك مراعاتها بل الأمر مسكوت عنه. فإما أن يكون معلومًا عندهم ولم يذكر في الآية، وإما أن يكون مسكوتًا عنه عندهم أيضًا كما وقع في الآية. وإذا كان كذلك فهو من يوم العقد كسائر عقود الإجارات والأكرية وذلك في شريعتنا محكم معمول به. أو لعله كان في تلك الشريعة إسقاط تعيين وقت الإجارة جائزًا ثم رفع في شريعتنا وأما النكاح بالأجرة فبين في الآية وقد جاء في شريعتنا وزانه وهو إنكاح النبي ﷺ التي وهبت نفسها له الرجل الذي سأله إنكاحها منه ولم يكن عنده إلا آيات يحفظها فأمره أن يعلمها ما عنده من القرآن ويتزوجها بذلك. فهذا تزويج بإجارة. إلا أنه اختلف هل ذلك باق في شريعتنا اليوم مثل ما كان عليه أم لا؟ فذهب بعضهم إلى أنه غير باق وأن ذلك كان خاصًا بالنبي ﷺ. وذهب بعضهم أيضًا إلى مثل ذلك","vol":"3","page":406},{"text":"إلا أنه قال إن منسوخ. وذهب جماعة إلى أنه محكم وأن ما كان في شريعة من قبلنا من ذلك جاز في شريعتنا. ولهذا اختلف في النكاح بالأجرة على أربعة أقوال. فقيل إنه مكروه وإن وقع مضى. وإليه ذهب أصبغ ورواه عن ابن القاسم وهو ظاهر قول مالك. وقيل إنه ممنوع. وقيل إ، كان معه نقد جاز وإن لم يكن نقد لم يجز. وقيل هو جائز من غير تفصيل. وأما النقد فلا ينبغي أن يعترض به لأن الإجارة إذا كانت هي الصداق، ولم يدخل حتى صنع ما استؤجر فيه، فقد وقع النقد. ولو دخل قبل ذلك فالدخول بغير نقد ليس بحرام عندنا إذا كان في أصل العقد صداق وإنما هو مختلف فيه بالكراهة والجواز. وقد تقدم الكلام على نحو هذا. ولفظ الآية في قوله تعالى: ﴿أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ يدل على جواز أن يكتب في الصداق أنكحه إياها. وقد اختلف في الاختيار من ذلك. فبعضهم يختار أنكحه إياها ويحتج بلفظ الآية. وبعضهم يختار أنكحها إياه، لأنه إنما يملك النكاح عليها لا عليه. وقد استدل مالك بهذه الآية على إنكاح البكر بغير استئمار. قال لأنه لم يذكر فيها استئمارًا. واحتجاج مالك رحمه الله تعالى بالآية يدل على أن شريعة من قبلنا لازمة لنا على مذهبه إذا لم يكن توجه الخطاب إلينا دون من قبلنا قول الله ﷿: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ [النور: ٣٢] لأنه أمر بإنكاح الأيامى من الأحرار والعبيد ولم يذكر في ذلك استئمارًا ولا خص أبًا من غيره. فوجب بظاهر هذه الآية أن لا يستأمر الأب ولا غيره من الأولياء الأيامى من","vol":"3","page":407},{"text":"الأحرار وهن اللواتي لا أزواج لهن، كما لا يستأمر السيد عبده ولا أمته في النكاح إذ جاءت الآية في ذلك كله مجيئًا واحدًا، فخصصت السنة من ذلك من عدا الأب من الأولياء. وتخصص أيضًا كذلك الأب في ابنته الثيب وبقي الأب في ابنته البكر على عموم الآية يزوجها دون استئمار كما يزوج السيد عبده وأمته. وقد تقدم الكلام على هذا بما فيه شفاء إن شاء الله تعالى. واختلف الناس في المنكح لموسى ﵇ من هو. فقيل شعيب النبي وقيل ابن أخ شعيب واختلفوا في اسمه، فقيل ثروان وقيل يثرون وقيل هو رجل صالح ليس من شعيب بنسب. وقيل إن المرأتين إنما أرسلهما عمهما وهو كان صاحب الغنم وهو المزوج، لكن عبر بالأب عن العم في جميع الأمر إذ هو بمثابته. واختلف في الزوجة من المرأتين من كانت. فقيل الكبرى وقيل الصغرى. وقال النقاش كانتا توأمتين وولدت الأولى قبل الأخرة بنصف نهار. واختلف في اسم المتزوجة. فقيل صفورة وقيل صوريا وقيل غير ذلك. واختلف في الداعية لموسى إلى أبيها من كانت منهما. فقيل الكبرى، وقيل الصغرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-640>(٥٥) - قوله تعالى: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين﴾:</span>\nاختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب قوم إلى أنها محكمة وقالوا إنما هي قول حسن ومخاطبة جميلة، وذكر الأكثر أنها منسوخة. واختلفوا في تأويلها فمنهم من رآها كلها في مهادنة الكفار وأن","vol":"3","page":408},{"text":"السلام فيها بمعنى التسليم قالوا فهي منسوخة بآية السيف. ومنهم من رأى أيضًا الآية في المهادنة ورأى أن السلام في الآية بمعنى التسليم وأنها مبيحة للسلام على الكفار. قالوا نسخها نهي النبي ﷺ عن ابتداء الكفار بالسلام ولا يكفي على هذا القول في نسخ جميع معنى الآية على ما فيها من المهادنة. ومن هذا القول أيضًا أن خبر الآحاد نسخ القرآن، وهذا مما يجوز على قول الجمهور. فالصحيح من القولين في الآية أنها كلها منسوخة بآية السيف.","vol":"3","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-641>سورة العنكبوت</span>\nمكية. قال بعض المفسرين إلا العشر الآيات التي في صدرها فإنها مدنية نزلت في شأن من كان من المسلمين بمكة. وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>(٨) - قوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم </span>...﴾ الآية:\nسيأتي الكلام على هذه الآية في سورة لقمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>(١٥) - قوله تعالى: ﴿فأنجيناه وأصحاب السفينة﴾:</span>\nاستدل بعضهم بهذه الآية على أن ساكن الدار يدعى صاحبها وإن لم تكن له ملكًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>(٤٦) - قوله تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾:</span>\nاختلف هل هي محكمة أو منسوخة. والذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا فذهب ابن زيد إلى أنها محكمة يراد بها من آمن من أهل الكتاب لأنه قال: «لا تجادلوا المؤمنين منهم إذا سلموا» لعلهم يحدثون بالشيء فيكون كما قالوا فذلك أنهم كانوا يفسرون التوراة بالعربية. روي عن","vol":"3","page":410},{"text":"رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تصدقوهم فيما يقولون ولا تكذبوهم».\nوقوله: ﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾:\nأي إلا من أقام على الكفر فإنه يجادل ولا يقبل منه قول. وذهب مجاهد إلى أنها محكمة يراد بها ذوو العهد ألا يجادلوا، وإنما يجادل من لم يعط الجزية ويقاتل. وذهب قتادة إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ [التوبة: ٢٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>(٤٨) - قوله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وما كنت تتلوا من قبله من قرآن ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون﴾:</span>\nاختلف هل كتب النبي ﷺ أم لا؟ فذهب الشعبي إلى أنه كتب. قال ما مات النبي ﷺ حتى كتب ومن حجته أنه عليه الصلاة السلام رأى صحيفة لعيينة بن حصن فأخبر بمعناها. ومن ذلك حديثه ﷺ في كتب اسمه في صحيفة المهادنة يوم الحديبية. خرج البخاري أنه قال لعلي: «أرني اسمي» فمحاه وكتب بيده وإلى هذا ذهب الباجي في المسألة المشهورة. والأصح من القول أنه ﷺ لم يكتب وحجة ذلك الآية وأكثر النقلة عليه.","vol":"3","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-646>سورة الروم</span>\nمكية وفيها من الأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>(٣٨) - (٣٩) - قوله تعالى: ﴿فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فأولئك هم المضعفون﴾:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>(٣٨) - قوله: ﴿فآت ذا القربى حقه﴾: </span>قال مجاهد وقتادة هو قريب الرجل وصلة الرحم فرض من الله جل ذكره. وقال قتادة إذا لم تعط ذا قاربتك وتمش إليه برجليك فقد قطعته.\nوقيل القربى هنا قرابة رسول الله ﷺ المذكورون في قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ [الأنفال: ٤١]. والمراد بإيتاء المساكين وابن السبيل في الآية مواساتهم بالمال وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>(٣٩) - قوله تعالى: ﴿وما أوتيتم من ربًا ليربوا في أموال الناس </span>...﴾:\nقال ابن عباس وغيره نزلت في هبة الثواب أي فليس له أجر ولا عليه إثم. وقيل في الآية غير ذلك مما إذا نظر رجع إلى هذا القول. ويحتمل أن تكون الآية في النهي عن الربا في التجارات. وقد قال السدي:","vol":"3","page":412},{"text":"نزلت هذه الآية في ربا ثقيف لأنهم كانوا يعملون بالربا وتعمله فيهم قريش.\nوقوله: ﴿وما أوتيتم من زكاة﴾ أي من غير عوض. ويحتمل أن يريد الزكاة المفروضة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>(٥٢) - قوله تعالى: ﴿فإنك لا تسمع الموتى﴾:</span>\nانظر الكلام على مثل هذا في سورة النحل.","vol":"3","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-651>سورة لقمان</span>\nهذه السورة مكية. قال قتادة غير آيتين، أولهما: ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ...﴾ إلى آخر الآيتين. وقال ابن عباس إلا ثلاث آيات أولهن: ﴿ولو أنما في الأرض﴾ إلى آخر ثلاث آيات. وفيها مواضع من الأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>(٦) - قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾:</span>\nاختلف في سببها. فقيل نزلت بسبب قريشي اشترى جارية مغنية لتغني بهجاء النبي ﷺ. ولم يسم بعضهم القرشي، وسماه بعضهم فقال هو ابن خطل. وروي أن النبي ﷺ قال: «شراء المغنيات وبيعهن حرام». وقرأ هذه الآية وقال في هذا المعنى نزلت، وبهذا فسر ابن عباس وغيره الآية. وقيل نزلت في النضر بن الحارث لأنه اشترى كتب رستم وأسفندياز وكان يخلف رسول الله ﷺ فيحدثهم بتلك الأباطيل ويقول: أنا أحسن الناس حديثًا من","vol":"3","page":414},{"text":"محمد. وقيل الشراء في الآية مستعار وإنما نزلت الآية في أحاديث قريش وتلهيهم بالإسلام وخوضهم في الأباطيل. وأحسن ما تفسر به الآية -إن كانت خرجت على سبب- أن لهو الحديث كل ما يلهي من غناء وخناء ونحوه. فكل ما ألهى محرم بهذه الآية ونحوها. ولا خلاف أن الغناء بالآلة محرم وإنما اختلف فيه بغير آلة. وظاهر الآية تحريمه إلا أن يتأول. فقال مكحول من كانت له جارية مغنية فمات لم أصل عليه لقول الله ﷿: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ إلى قوله: ﴿عذاب﴾. ورجح أبو الحسن القول بأن لهو الحديث ما قاله الحسن إنه الكفر والشرك، وما قاله غيره من قصة النضر بن الحارث ونحو ذلك وأبعد أن يكون الغناء. قال لأن الغناء لا يطلق عليه أنه حديث ولا أنه إضلال عن الدين. وقد تقدم الكلام على كثير من معاني هذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-653>(١٤)، (١٥) - قوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه ...﴾ إلى قوله: ﴿ثم إلي مرجعكم﴾:</span>\nفي هذه الآية وجوب بر الوالدين. وقد تقدم الكلام عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-654>(١٤) - وقوله: ﴿وفصاله في عامين﴾ </span>إشارة إلى تقدير مدة الرضاع فعبر عنه بغايته. والناس متفقون على تحديد العامين في مدة الرضاع في باب النفقات والأحكام المتعلقة. وأما في تحريم اللبن فقد مر الكلام عليه مستوعبًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-655>(١٥) - قوله تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم </span>...﴾ الآية:","vol":"3","page":415},{"text":"نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وذلك أنه حين أسلم حلفت أمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية أن لا تأكل ولا تشرب حتى يرجع إلى دين قومه، فلج سعد في الإسلام، وكانت إذا أفرط عليها الجوع والعطش فتحوا فاها وصبوا فيه ما يمسك رمقها فلما طال عليها ورأت سعدًا لا يرجع أكلت، فنزلت الآية. قاله سعد بن أبي وقاص. ولما تقدم في الآية ما يقتضي طاعة الوالدين مطلقًا، واحتمل أن يطاعا ولو في معصية، بين الله تعالى أن الآية على غير ذلك وأنهما لا يطاعان في الكفر ونحوه من المعاصي. فقال تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ...﴾ الآية فعلى هذا تلزم طاعتهما في المباحات، وأما المندوبات -كالجهاد إذا كان على الكفاية وإجابة الأم في الصلاة إذا خيف عليها هلكة مع إمكان الإعادة أو المشي إلى الصلاة في جماعة ونحو ذلك- فالأكثر على أنها تلزم طاعتهما في ذلك كله. وخالف الحسن فقال: إن منعته أمه من شهود العشاء الأخيرة شفقة فلا يطعها والأول أجرى على ظاهر الآية. وكذلك اختلف في تأخيره الحج إن لم يأذن له في أحد الأبوين.\nوقوله تعالى: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾:\nيعني الأبوين الكافرين، أي صلهما وادعهما برفق. ومن ذلك حديث أسماء بنت أبي بكر حين قدمت علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال: «نعم». وقد قال العلماء إن الابن تلزمه نفقة أبويه وإن كانا كافرين. قاله مالك وغيره.","vol":"3","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-656>سورة السجدة</span>\nهي مكية إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى: ﴿أفمن كان مؤمنًا كمن كان فاسقًا لا يستوون﴾ [السجدة: ١٨] إلى تمام ثلاث آيات. وقال جابر بن عبد الله ما كان رسول الله ﷺ ينام حتى يقرأ: الم السجدة، وتبارك الذي بيده الملك. وفيها موضعان من الأحكام والنسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-657>(١٦) - قوله تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع </span>...﴾ الآية.\nاختلف في تأويل الآية، فقال أنس بن مالك أراد بهذه الآية الصلاة بين المغرب والعشاء وقال عطاء وغيره أراد صلاة العشاء الأخيرة. وقال الضحاك هو أن يصلي العشاء والصبح في جماعة. وقال ابن عباس عني بذلك ملازمة ذكر الله تعالى، كلما استيقظوا ذكروا الله إما في صلاة وإما في قيام وإما في قعود على جنوبهم. وقال الجمهور أراد بها التجافي في صلاة النوافل بالليل، وبه قال مالك رحمه الله تعالى. وهذا التأويل أظهر وقد جاءت أحاديث عن النبي ﷺ يذكر فيها قيام الليل ثم يستشهد بهذه الآية.","vol":"3","page":417},{"text":"ورجح الزجاج هذا القول بأنهم جوزوا بإخفاء فدل على أن العمل إخفاق أيضًا وهو قيام الليل. وقد قال عبد الله بن رواحة:\nيبيت تجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع\nقوله تعالى: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ قيل يعني الزكاة المفروضة. وقيل النوافل والصدقات غير المفروضة. وهذا القول أظهر لأنه أمدح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-658>(٢٣) - قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا﴾:</span>\nفي هذه الآية مهادنة الكفار. وهذا مما نسخته آية الجهاد.","vol":"3","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-659>سورة الأحزاب</span>\nمدنية. وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>(٤) - قوله تعالى: ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللاتي تظاهرون منهن ... أمهاتكم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿والله يقول الحق﴾:</span>\nاختلف في سبب الآية، فقيل إن بعض المنافقين قال: إن محمدًا له قلبان لأنه كان في الشيء فنزع في غيره ثم عاد إلى شأنه الأول. فقالوا ذلك عنه فنهاهم الله تعالى عنه وقيل بل بسبب أنه كان في قريش في بني فهد رجل منهم يدعي أن له قلبين وأنه أذكى من محمد ﷺ وكان يدعى ذا القلبين. فلما وقعت هزيمة بدر طاف لبه وحدث أبا سفيان كالمختبل، فنزلت الآية بسببه نفيًا لدعواه. واختلف في اسم ذلك الرجل فقيل أبو معمر، وقيل عبد الله بن خطل. وإنما جاء هذا اللفظ في الآية مقدمًا توطئة لما بعده وذلك أن بعده: إن الأزواج المتظاهر منهن لا يكن أمهات وأن الأدعياء لا يكونون أبناء. فأراد تعالى أنه كما لا يكون لرجل قلبان في","vol":"3","page":419},{"text":"جوفه؛ كذلك لا يكون الأزواج أمهات ولا الأدعياء أبناء. وذلك أن العرب كانوا إذا حرم أحدهم زوجته جعلها عليه كامه ويعتقدون في الأدعياء أنهم أبناء، فأبطل الله تعالى ذلك، وأنزل أحكام الظهار إذا وقع، وسيأتي الكلام عليه في سورة المجادلة إن شاء الله تعالى. ونفى أن يكون الأدعياء أبناء، وذلك بسبب زيد بن حارثة وكان يدعى زيد بن محمد؛ وذلك أنه كان عبدًا لخديجة فوهبته لرسول الله ﷺ، وذلك قبل البعثة، وأعتقه رسول الله ﷺ. فاختار البقاء مع النبي ﷺ على حريته، فقال النبي ﷺ: «يا معشر قريش اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه» فرضي بذلك أبوه وعمه وانصرفا.\nوقوله: ﴿ذلكم قولكم بأفواهكم﴾ تأكيد للقول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>(٥) - ثم قال تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم ..﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح﴾:</span>\nفأمر بدعاء الأدعياء إلى آبائهم للصلب وأن لا يدعوهم إلى من تبناهم كما كان يفعل أولًا فمن جهل ذلك فيه كان مولى وأخًا في الدين. فقال الناس: زيد بن حارثة وسالم مولى أبي حذيفة وغير ذلك. ذكر الطبري أن أبا بكر قرأ هذه الآية ثم قال: أنا ممن لا يعرف أبوه فأنا أخوكم في الدين ومولاكم. قال الراوي عنه: ولو علم أن أباه حمار لانتمى إليه. وأهل الحديث يقولون في أبي بكرة: نفيع بن الحارث وهذه الآية ناسخو لما قد كان قبلها جائزًا في السنة من تنمية الرجل المتبنى إلى متبنيه بالبنوة كما ينسب إلى أبي الصلب وذلك إنه قد كان النبي ﷺ أقر ذلك حتى نزلت","vol":"3","page":420},{"text":"الآية. فهذا من نسخ السنة بالقرآن. وبين الأصوليين فيه تنازع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>(٥)، (٦) - قوله تعالى: ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين﴾:</span>\nاختلف في الخطأ والعمد في الآية ما هو؟ فقالت فرقة: خطأهم كان فيما سلف من قولهم ذلك. وهذا ضعيف؛ لأنه لا يتصف بشيء، لأنه خطأ إلا بعد النهي. وقال الجمهور: الخطأ ما كان من غير قصد. ثم اختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل الآية على العموم أم لا؟ فذهب جماعة إلى أنها خاصة، وأن رفع الحرج إنما هو جري على العادة من نسبة زيد إلى محمد، وغير ذلك مما يشبهه، وأن الجناح في التعمد، إلى نحو ذلك، وهو قول قتادة وغيره. وذهب قوم إلى أنها عامة في كل شيء يتعمده فاعله وهو مما لو تعمده لزمه حكم. على هذا يأتي اختلاف الفقهاء فيمن حلف أن لا يفارق غريمه حتى يقضي، فقضاه ثم وجد فيما قضاه زائدًا أو ناقصًا. وفيمن حلف أن لا يسلم على رجل فسلم عليه وهو لا يعلم. فذهب عطاء وغيره إلى أنه لا يحنث من فعل ذلك غير متعمد وحجته عموم الآية وقوله ﵊: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وقوله: «ما أخشى عليكم الخطأ وإنما أخشى عليكم العمد» وأكثر الفقهاء يرون الحنث في ذلك ونحوه ويحملون عموم الآية في الأحاديث على الخصوص. وكذلك اختلفوا فيمن أفطر في","vol":"3","page":421},{"text":"رمضان ناسيًا هل عليه قضاء؟ وكذلك اختلفوا فيمن صلى ناسيًا بجنابته هل عليه إعادة؟ وعموم الآية ما يمكن أن يحتج به في جميع ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>(٦) - قوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾:</span>\nاختلف في تأويلها، فقيل المعنى إن النبي ﷺ إذا أمر بشيء أو نهى عنه ثم خالفت إلى أمور نفسه كان أمر النبي ﷺ أولى أن يتبعه من أمر نفسه. وقيل معناه إن النبي ﷺ أولى بالحكم من الإنسان مما يحكم به الإنسان في نفسه لوجوب طاعته ﵊ هذا في حق الولاية من قبل المؤمنين. وأما من قلب النبي ﷺ فالذي ينبغي أن يقال فيه إنه الرفق والتلطف والمن والعطف. فمن ذلك ما روي أن النبي ﷺ في صدر الإسلام كان لا يصلي على ميت عليه دين. فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك مالًا فلورثته ومن ترك دينًا أو ضياعًا فعلي، أنا وليه فاقرأوا إن شئتم: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾» فالآية على هذا ناسخة للسنة.\nقوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾:\nجعل أزواج النبي ﷺ تشريفًا لهن مثل الأمهات للمؤمنين أي أنهن يجب برهن كما يجب بر الأمهات ويحرم نكاحهن كما يحرم نكاح الأمهات وحجبهن ﵅ بخلاف الأمهات. وقد اختلف هل كان يحرم عليه ﷺ حرائر الكتابيات أم لا؟ واستدل من قال بالتحريم بقوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ ولو تزوج ﵇ كافرة لكانت أمًا للمؤمنين.","vol":"3","page":422},{"text":"قوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مسطورًا﴾:\nبين تعالى في هذا أن أولي الأرحام أحق بالتوارث مما كانت الشريعة قررته من التوارث بالأخوة والهجرة، فإنه كان في صدر الإسلام بالمدينة توارث بهذين الوجهين، واختلفت الروايات في صفته. فالآية على هذا ناسخة، رد الله تعالى بها المواريث على الأنساب. وقد تقدم الكلام على هذا في سورة الأنفال. وقوله: ﴿في كتاب الله﴾ يحتمل أن يريد القرآن ويحتمل أن يريد اللوح المحفوظ.\nوقوله تعالى: ﴿إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفًا﴾:\nقال قتادة وغيره: يريد الإتيان في الحياة والصلة والوصية عند الموت وهذا كله جائز أن يفعل مع ولي المؤاخاة والهجرة والقريب الذي ليس بوارث وإن كان كافرًا. واختلفوا هل يجوز أن يجعل الكافر وصيًا أم لا؟ فجوز بعض ومنع بعض ورد النظر إلى السلطان بعض منهم مالك رضي الله تعالى عنه. فإن قيل بالمنع فالآية في المؤمنين خاصة، وإلى هذا ذهب مجاهد وابن زيد والرماني وغيره. أو يقال في المؤمنين والكافرين فيما دون إثبات الوصية منهم. ومن أجاز حمل الآية على العموم ولم يخصص منها شيئًا من شيء.\nوقوله: ﴿كان ذلك في الكتاب مسطورًا﴾:\nيحتمل الوجهين المتقدمين من كتاب الله تعالى أو اللوح المحفوظ.\nوقد قال بكل من الوجهين جماعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-664>(٢١) - وقوله تعالى: ﴿لقد كان في رسول الله أسوة حسنة﴾:</span>\nيحتج به بعض الناس في وجوب التأسي بأفعال النبي ﷺ.","vol":"3","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-665>(٢٨)، (٢٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا﴾:</span>\nاختلف في سببها. قيل غيرة عارتها عائشة. وقال ابن زيد وقع بين أزواج النبي ﷺ تغاير ونحو مما شقي هو به فنزلت الآية بسبب ذلك. وقال ابن الزبير: سببها أن النبي ﷺ سأله أزواجه النفقة وتشططن ف تكليفه منها فوق وسعه. وقال قوم سببها أنهن طلبن منه ثيابًا وملابس. وقالت واحدة لو كنا عند غير النبي ﷺ لكان بنا حلي ومتاع. واختلف هل في هذه الآية تخيير لنسائه ﷺ في الطلاق أم لا؟ فهذب بعض إلى أنه لا تخيير فيها، قالوا وإنما أمر رسول الله ﷺ بتلاوتها عليهن وتخييرهن بين الدنيا والأخرة وأمر الطلاق مرجوء فلو اخترن أنفسهن نظر هو كيف يسرحهن وليس فيه تخييرهن في الطلاق لأن التخيير يضمن ثلاث تطليقات وهو قد قال: ﴿وأسرحكن سراحًا جميلًا﴾ وليس مع بت الطلاق سراح جميل. فعلى هذا القول لفظ السراح لا يقتضي البتات. وقالت فرقة بل هي آية تخيير في الطلاق واخترنه فلم يعد ذلك طلاقًا وهو قول عائشة رضي الله تعالى عنها لما سئلت عن الرجل يخير امرأته، قالت قد خيرنا رسول الله ﷺ أفكان طلاقًا. وفي رواية أخرى ما خيرناه فلم يعد طلاقًا ووجه القول الأول أن يقال إن هذا التخيير من النبي ﷺ وإن لم يكن فيه ذكر الطلاق فإنه كناية عن الطلاق على شرائطه. وقال بعضهم الآية وإن لم يكن فيها تخيير في الطلاق ففيها إخبار من النبي ﷺ لأزواجه لأنه يطلقهن. وهو إخبار لا خلف","vol":"3","page":424},{"text":"فيه لأن الله تعالى أمره به فأشبه التخيير في وحوب الطلاق للمخيرة باختيارها نفسها. وأما من غير النبي ﷺ فليس ذلك بتخيير ولا فيه شبهة منه وإنما هو عدة بالطلاق إن اختارته. وهذا أصح ما ينبغي أن يقال في الآية. وقد اختلف في التخيير والتمليك اختلافًا كثيرًا إذا لم يرد فيه نص من قرآن أو أثر. فذهب بعضهم إلى أنه لا تخيير لهما وأن المرأة لا يكون لها شيء من ذلك وإن خيرت أو ملكت. وذهب بعضهم إلى أن نفس التخيير والتمليك طلاق قبلته أو ردته، روي ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁. وفرق ربيعة بين التخيير والتمليك فلم ير للتخيير شيئًا ورأى التمليك واحدة بائنة وهو مذهب أبي حنيفة. وذهب جماعة إلى أن التخيير والتمليك موقوف على جواب الزوجة.\nفأما القول الأول فيرده من جهة النظر أنه لو لم يكن له تأثير لما أمر النبي ﷺ وهو لا تأثير له. والآية وإن لم تكن تخييرًا محضًا فهو يشبه التخيير كما قدمنا. وأما الثاني فيرده قول عائشة رضي الله تعالى عنها: فاخترنا الله ورسوله فلم يعد ذلك علينا شيئًا. والفرق بين التخيير والتمليك غير بين فلا معنى له. وأصحها القول الرابع وهو الذي يعضده النظر ومفهوم الآية. إلا أن الذين ذهبوا إليه اختلفوا فيما يكون قضاء الزوجة. فمنهم من جعل قضاء الزوجة في ذلك بتاتًا. ومنهم من جعله واحدة بائنة، ومنهم من جعله واحدة رجعية، ومنهم من جعله على ما قضت به إن واحدة وإن ثلاثًا، ومنهم من جعله على ما نوى الزوج مع يمينه. وذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أنه لا قضاء للمرأة في التخيير إلا بالثلاث وأن لها القضاء في التمليك بما شاءت إلا أن للزوج أن يناكر فيه وليس له أن يناكر في التخيير بعد الدخول. واحتج بعضهم للتخيير بأنه الثلاث فقال إنما كان ذلك لأن معنى التخيير التسريح. قال الله تعالى في آية التخيير ﴿فتعالين","vol":"3","page":425},{"text":"أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلًا﴾ فمعنى التسريح البتات لأن الله تعالى قال: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩] وهو الطلقة الثالثة. والاحتجاج بالصحيح من هذه الأقوال يطول به الكتاب وليس في الآية ما يقوي الاستدلال به عليه فلا معنى للاشتغال به إذ عرضنا إنما هو سوق دليل من الآية المتكلم عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>(٢٨) - وقوله تعالى: ﴿إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها﴾:</span>\nأي إن كان عظيم همكن إنما هو التعمق في الدنيا والنيل من نعيمها. وظاهر هذه الآية عندي يدل على أن الذي سأله أزواجه ﷺ إنما هو التوسع لهن في أمور الدنيا كالملابس ونحوها دون الغيرة التي ذهب إليها من ذهب.\nوقوله: ﴿أمتعكن﴾ معناه أعطيكن المتاع الذي ندب الله إليه بقوله تعالى: ﴿ومتعوهن﴾ الآية [البقرة: ٢٣٦]. وأكثر الناس على أنه من المندوب إليه. وقالت فرقة هي واجبة. والسراح الجميل في الآية يحتمل أن يكون ما دون بت الطلاق ويحتمل أن يكون في بقاء جميل المعتقد وحسن العشرة وإن كان الطلاق بتاتًا، وقد تقدم فيه القولان جميعًا.\nوأزواجه ﷺ اللواتي نزلت فيهن الآية هن التسع النسوة أمهات المؤمنين اللاتي توفي عنهن ﷺ، خمس من قريش: عائشة بنت أبي بكر وحفصة بيت عمر وأم حبيبة بنت أبي سفيان وسودة بنت زمعة وأم سلمة بنت أمية. وأربع من غير قريش: ميمونة بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حيي الخيبرية وزينب بنت جحش الأسدية وجويرية بنت الحارث المصطلقية. واختلف هل كان عند النبي ﷺعند التخيير- غير هؤلاء أم لا؟ فقيل لم يكن ذلك، وهو الصحيح. وقيل كانت عنده معهن بنت","vol":"3","page":426},{"text":"الضحاك العامرية واختارت نفسها فذهبت كما وقع في لفظ الآثار المدونة. وصفة تخييره ﷺ أنه لما خرج من إيلائه بالتسعة والعشرين يومًا ونزلت هذه الآية بدأ بعائشة -وكانت أحبهن إليه- فقال: «إني ذاكر لك أمرًا عليك ألا تعجلي حتى تستأذني أبويك» ثم خيرها وتلا عليها الآية فاختارته. وتتابع سائر أزواجه ﷺ على رأي عائشة رضي الله تعالى عنهن. وفي الحديث طول إلا أن هذا معناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-667>(٣٧) - قوله تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها﴾:</span>\nأخذ بعضهم من هذه الآية ومن قول شعيب: ﴿إني أريد أن أنكحك ...﴾ الآية [القصص: ٢٧] إلى أنه ينبغي أن يكتب في المهور أنكحه إياها، فيقدم ضمير الذكر كما في الآيتين. وهذا غير واجب لأن الزوج مخاطب في الآيتين فلذلك قدك ضميره، وفي المهر الزوجان غائبان فيقدم الكاتب أيهما شاء ولم يبق ترجيح إلا بدرجة الرجال وأنهم القوامون على النساء. وقد تقدم الكلام على هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-668>(٤٨) - قوله تعالى في الكافرين: ﴿ودع أذاهم﴾:</span>\nيحتمل وجهين: أحدهما: أن يأمر النبي ﷺ بأن لا يؤذيهم. والثاني: أن يكون بأمره بأن يعرض عن أقوالهم وما يؤذونه به. فعلى التأويل الأول تكون الآية منسوخة بآية السيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-669>(٤٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾:</span>\nاستدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿طلقوهن﴾ وبما تقتضيه ثم من المهلة على أن الطلاق لا يكون إلا بعد النكاح وأن من طلق امرأة قبل نكاحها -وإن عينها- فإنه لا يلزمه. وقال بهذا ما ينيف على ثلاثين بين صاحب وتابع وإمام سمي البخاري منهم اثنين وعشرين. والمشهور في المذهب","vol":"3","page":427},{"text":"-وعليه طائفة كثيرة من أهل العلم- أن طلاق المعينة قبل النكاح يلزم ولا هي حجة في الآية لمن منع من ذلك لأنه تعالى إنما أخبر بحكم الطلاق إذا وقع بعد النكاح ولم يذكر حكمه إذا وقع قبل ذلك ولا يقتضي نفيًا ولا إثباتًا. وقد تقدم الكلام على هذه المسألة وعلى مسألة المتعة بما أغنى عن إعادتها هنا. وهذه الآية مخصصة لقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]. ولقوله: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم﴾ [الطلاق: ٤] الآيتين. إن هاتين عامتان في المدخول بها في هذه الآية من عموم الآيتين المذكورتين. وقد اختلف هل هذه الآية منسوخة بآية البقرة أو مدنية أو ناسخة لها لأن هذه الآية اقتضت المتعة للمطلقة قبل الدخول فرض لها صداق أم لا. والآية التي في سورة البقرة قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧] اقتضت أن المطلقة قبل الدخول -وقد فرض لها- ليس لها إلا نصف الصداق. فمن الناس من يرى أن ما في سورة البقرة ناسخ لهذه. وهذا ضعيف لأن هذه الآية عامة في المطلقتين وما في سورة البقرة خاص في إحداهما. ويبعد أن يقال إن الخاص ناسخ للعام، وفيه بين أهل الأصول تنازع. ويأتي على قول من يرى المتعة للمطلقة قبل الدخول فرض لها أو لم يفرض لها أن هذه الآية ناسخة لما في سورة البقرة. وهذا أيضًا يبعد لأن النسخ لا يرجع إليه إلا إذا لم يقدر على الجمع بين الآيتين، والجمع بين هاتين الآيتين ممكن لمن تأمله من أوجه. والذي ينبغي أن يقال في الآيتين أن إحداهما مبينة للأخرى ثم يختلف من وجه التبين على حسب الاختلاف في المتعة. وقد اختلف إذا حصلت الخلوة بين الزوجين وادعت الوطء وأنكر الزوج هل تجب العدة أم لا؟ فالمذهب أنه يجب ولا تسقط باختلافهما لأنه حق لله تعالى. وقال الشافعي في أحد قوليه لا يجب إلا بالمسيس، واحتج أصحابه له بالآية.","vol":"3","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-670>(٥٠)، (٥١) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد </span>...﴾ الآية:\nاختلف في تأويلها. فذهب الضحاك وابن زيد إلى أن الله تعالى أحل له أن يتزوج كل امرأة يعطيها مهرها فأباح له كل النساء بهذا الوجه وأباح له ملك اليمين ثم أباح بنات العم والعمة والخال والخالة ممن هاجرن معه. وهذه المذكورات قد انطوى ذكرهن في قوله تعالى: ﴿أزواجك اللاتي آتيت أجورهن﴾ إلا أنه تعالى خصصهن بعد أن عمهن بالذكر مع غيرهن تشريفًا وتنزيهًا لهن ثم أباح تعالى الواهبات أنفسهن خاصة له. واختلف على هذا القول هل الآية محكمة أو منسوخة؟ فذهب قوم إلى أنها محكمة ناسخة لقوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء ن بعد﴾ [الأحزاب: ٥٢] وذهب قوم إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ على القول بأن مقتضى هذه الآية القصر على من عنده من النساء. وذهب جماعة إلى أن الإشارة بالأزواج إلى من كان في ملكه ﷺ وأنه تعالى مع ذلك أباح له ملك اليمين وأباح له مع المذكورات بنات عمه وعماته وخالاته وخاله ممن هاجر معه، فلم يدخل هؤلاء على هذا القول في ذكر الأزواج. وأباح الواهبات خاصة له بالأمر على القول الأول أوسع على النبي ﷺ. وعلى القول الثاني أضيق. ويؤيده ما قاله ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يتزوج أي النساء شاء وكان ذلك، فشق على نسائه. فلما نزلت هذه الآية وحرم عليه بها النساء إلا من سمي سر نساءه ذلك. وروي عن أم هانئ بنت أبي طالب أنها","vol":"3","page":429},{"text":"قالت: خطبني رسول الله ﷺ فاعتذرت إليه، فعذرني، ثم نزلت هذه الآية فحرمني عليه بأني لم أهاجر معه وإنما كنت من الطلقاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-671>(٥٠) - قوله تعالى: ﴿إن وهبت نفسها للنبي﴾:</span>\nهذه هي الموهوبة التي خص بها النبي ﷺ. وقد اختلف هل وقع ذلك له ﷺ أم لا؟ فذهب ابن عباس ومجاهد إلى أنه لم يكن عنده ﷺ امرأة إلا بعقد نكاح وبملك يمين، وأما بالهبة فلم يكن عنده منهن أحد.\nويحتج من يذهب إلى هذا بقراءة الجمهور: ﴿إن وهبت﴾ بكسر الهمزة أي إن وقع فهو حلال. وذهب جماعة إلى أنه قد كان عنده ويحتجون بقراءة: ﴿أن وهبت﴾ بفتح الهمزة وفتحها إشارة إلى ما وقع من الواهبات قبل نزل الآية. واختلف الذين ذهبوا إلى وقوع الهبة في نفس الموهوبة من هي؟ فقال ابن عباس-كما حكى الطبري عنه- هي ميمونة بنت الحارث. وقال علي بن الحسين هي أم شريك وقال الشعبي وغيره هي زينب بنت خزيمة أم المساكين وقال عروة إ، خولة أم حكيم بنت الأوقص السلمية هي ممن وهبت نفسها للنبي ﷺ.","vol":"3","page":430},{"text":"وقوله تعالى: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾:\nلا خلاف أن الموهوبة كانت خالصة للنبي ﷺ وأنه لا يجوز لغيره. إلا أنهم اختلفوا هل يجوز أن ينعقد النكاح على شروطه بلفظ الهبة أم لا؟ فأجازه ابن القاسم دخل أو لم يدخل. وذكر ابن المواز عنه وعن عبد الملك أنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل، وبه قال أبو حنيفة. وقال أشهب وابن وهب وابن عبد الحكم أنه يفسخ وإن دخلت، وبه قال الشافعي. وذكر ابن المواز أنه لم يختلف مالك وأصحابه بأنه يفسخ قبل البناء وليس ذلك بصحيح فمن منعه فلوقوع اللفظ فاسدًا إذ ذلك اللفظ لم يبحه الله تعالى إلا في جهة النبي ﷺ فمن أجازه راعى المعنى.\nوقوله تعالى: ﴿قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم﴾:\nقيل المراد بذلك نكاح أربع نسوة لا يتجاوز أكثر والولي والصداق، ويختلف في الشهود هل يدخلون في الفرض أم لا؟ فمن أجاز عند النكاح بغير شهود إذا أعلن به -وهو مذهب مالك وغيره- لم يرهم داخلين في الفرض. ومن لم يجزه -وهو مذهب الشافعي وغيره- رآهم داخلين في الفرض. وذهب بعض أهل النظر إلى أن الرجم الذي كان يقرأ في سورة الأحزاب داخل في هذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-672>(٥١) - وقوله تعالى: ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤي إليك من تشاء﴾:</span>\nمعناه أن الله تعالى فسح لنبيه ﷺ فيما يفعله في جهة النساء. والضمير في ﴿منهن﴾ عائد على ما تقدم ذكره من الأصناف اللائي أحللن للنبي ﷺ حسب الخلاف المذكور في ذلك. واختلف في معنى الإرجاء والإيواء","vol":"3","page":431},{"text":"المذكورين في الآية ها هنا. فقال مجاهد وقتادة والضحاك أن المعنى في القسم أن تقرب من شئت لا حرج عليك في ذلك. فإذا علمت هذا -وهذا حكم الله وقضاؤه- زالت الأنفة والبغضاء والتغاير عنهن وضرن وقرت أعينهن فكان ﷺ يقسم لهن ما شاء. وهذا على القول بأن سبب هذه الآيات التغاير. وقال أبو زيد وابن عباس: المعنى في الطلاق أن يطلق من شاء ممن حصل في عصمته ويمسك من شاء. قال أبو رزين: كان رسول الله ﷺ قد هم ببعض نسائه فقلن له: أقسم لنا ما شئت. وكان ممن أرجأ سودة وجورية وصفية وأم حبيبة وميمونة. وآوى إليه عائشة وأم سلمة وحفصة وزينب. وقال ابن عباس أيضًا: المعنى من مات من نسائك أو خليت سبيلها فلا إثم على عدة نسائك اللائي عندك شيئًا. وقال الحسن المعنى في تزوج من شاء من النساء وترك من شاء. قال: وكان النبي ﷺ إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يتركها أو يتزوجها. وقال قوم: المعنى في ضم من شاء من الواهبات وتأخر من شاء. والآية كيفما تأولت ففيها توسعة على النبي ﷺ. قال الشعبي: كان نساء قد وهبن أنفسهن إلى النبي ﷺ فدخل ببعضهم وأرجأ بعضهن ولم يقربهن حتى توفي ولم ينكحهن منهن أم شريك. فقالت عائشة: لما قرأها النبي صلى الله عليه سلم قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. وذهب علي بن أبي طالب وغيره إلى أن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ الآية. قال","vol":"3","page":432},{"text":"هبة الله: ليس في كتاب الله تعالى ناسخ لقوله: ﴿لا يحل لك النساء﴾ الآية إلا هذه الآية. وليس في كتاب الله تعالى ناسخ لما تقدم المنسوخ سوى هذا وهذا القول باطل من عدة أوجه.\nوقوله تعالى: ﴿ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك﴾:\nيحتمل أن يريد من أردت ممن كنت عزلته وأخرته فلا جناح عليك في رده إلى نفسك. ويحتمل أن يريد: ومن ابتغيت ومن عزلت فلذلك سواء لا جناح عليك في جميعه. وهذا المعنى يحتمل أن يكون من معنى القسم ويحتمل أن يكون من معنى الواهبات. وبكل قد قال قوم. ولم تختلف النقلة في أنه ﷺ عدل في القسمة بين أزواجه حتى مات ولم يمتثل معهن ما أبيح له أخذًا منه بأفضل الأخلاق من غير أن سودة وهبت يومها لعائشة تفهمًا لمسرة رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>(٥٢) - قوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿رقيبًا﴾:</span>\nاختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ الذين ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها. فقال أبي بن كعب وغيره: معناها لا يحل لك النساء من بعد الأصناف التي سميت. وهذا على قول من جعل الآية في الأصناف المذكورة غير المطلقة في جميع النساء. وقال مجاهد وأبو","vol":"3","page":433},{"text":"أمامة بن سهل وأبو رزين وابن جبير: لا يحل له اليهوديات ولا النصرانيات من بعد المسلمات المذكورات. وكذلك قدروا: ﴿ولا أن تبدل بهن﴾ أي ولا أن تبدل اليهوديات والنصرانيات بالمسلمات. قال أمامة لئلا تكون كافرة أمًا للمؤمنين. وفي هذا القول بعد لأنه لم يجز للمسلمات ذكر فيضمرن. وقال الحسن وابن سيرين وغيرهما فكأن الآية ليست بمتصلة بما قبلها. قال ابن عباس وقتادة: لما هجرهن النبي ﷺ شهرًا وآلى منهن ثم خرج وخيرهن اخترن الله ورسوله جازاهن بأن حظر عليه النساء وقنعه بهن وحظر عليه تبديلهن ونسخ بذلك ما أباحه الله تعالى له قبل من التوسعة في جميع النساء. فعلى هذا القول تكون هذه الآية ناسخة للآية المتقدمة على القول بأنها مبيحة للنبي ﷺ جميع النساء. فقد كان له ﷺ أن يتزوج من شاء. وقد تزوج سليمان ﵇فيما يذكر عنه- سبعمائة امرأة حرة وكانت له ثلاثمائة أمة مملوكة. وكان لداود ﵇ مائة حرة. وقد روي أن اليهود قال: ما لمحمد شغل إلا التزوج. فحسدوه على ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ...﴾ إلى قوله: ﴿وآتيناهم ملكًا عظيمًا﴾ [النساء: ٥٤] فروي أن معنى ﴿ملكًا عظيمًا﴾ ما كان لسليمان وداود من النساء. وقيل لما قال: ﴿ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له﴾ الآية [الأحزاب: ٣٨] كان له أن يتزوج من شاء بغير عدد كما كان للأنبياء قبله ثم نسخ ذلك بهذه الآية، قاله محمد بن كعب.","vol":"3","page":434},{"text":"وقال أبي بن كعب والضحاك: المعنى لا تحل لك العمات والخالات ونحوهن وأمر مع ذلك أن لا يتبدل بأزواجه التسع ومنع أن يطلق منهن أو يتزوج غيرهن. وقيل من تزوج حصلت في عصمته أي لا يبدلها بأن يأخذ زوجة إنسان ويعطيه هو زوجته. قال ابن زيد هذا الشيء كانت العرب تفعله. وقد أنكر الطبري وغيره هذا المعنى في الآية. والعرب لم يعرف لها أنها كانت تفعل ذلك. وما وري من حديث عيينة بن حصن من أنه دخل على رسول الله ﷺ وعنده عائشة فقال من هذه الحميراء؟ فقال هذه عائشة فقال عيينة يا رسول الله إن شئت نزلت لك عن سيدة نساء العرب جمالًا ونسبًا فليس بتبديل ولا أرى ذلك وإنما احتقر عائشة لأنها كنت صبية. فالآية على القول بأن مقتضاها القصر على من عنده من النساء، قيل إنها محكمة لم ينسخها شيء، إلا أنه يختلف هل هي ناسخة لما كان قبلها من إباحة جميع النساء أم لا؟ وقيل إنها منسوخة. والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة اختلفوا في الذي نسخها. فقيل نسختها السنة، وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له جميع النساء. وهذا القول ضعيف لأن الحديث لو كان صحيحًا لما صح النسخ به لأنه خبر آحاد وخبر الآحاد لا ينسخ به القرآن. وقيل هي منسوخة بالقرآن، واختلفوا في الناسخ فقيل قوله تعالى: ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء﴾ وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس والضحاك. وجائز أن ينسخ الشيء ما بعده لأن القرآن بمنزلة سورة واحدة. على أنه قد روي عن ابن عباس أنه نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا في شهر رمضان وقد أجمع على أن قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصية لأزواجهم﴾ [البقرة: ٢٤٠] منسوخ بقوله بما قبله وهو: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن﴾ [البقرة: ٢٣٤] فهذا مثله. وقد مر الكلام على هذا.","vol":"3","page":435},{"text":"وقيل نسخها قوله تعالى: ﴿إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن﴾ على القول بأنها مبيحة جميع النساء ومما يدل على النسخ أن رسول الله ﷺ تزوج بعد نزول النهي بقول تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ ميمونة ومليكة بنت كعب وصفية بنت حيي وجويرية بنت الحارث.\nوقوله تعالى: ﴿ولو أعجبك حسنهن﴾:\nقال ابن عباس نزل ذلك بسبب أسماء بنت عميس أعجبت رسول الله ﷺ حين مات عنها جعفر بن أبي طالب. وفي هذا اللفظ ﴿ولو أعجبك حسنهن﴾ دليل على جواز النظر من الرجل إلى المرأة التي يريد زواجها، وهي مسألة مختلف فيها. فقيل يجوز من غير اغتفال لها، وقيل يجوز اغتفلها النظر أن لم يغتفلها. وإلى مثل هذا ذهب الشافعي فقال يجوز بأمرها وبغير أمرها. القولان قائمان من المذهب. ومعنى ذلك عندنا أن ينظر إلى وجهها وكفيها خاصة. قال أبو حنيفة: وإلى القدمين. قال داود إلى جميع البدن سوى السوءتين. وقيل لا يجوز شيء من ذلك اغتفلها أو لم يغتفلها. هذه ثلاثة أقوال في جواز النظر. وعلى القول بالجواز ثلاثة","vol":"3","page":436},{"text":"أقوال فيما يجوز أن ينظر إليهن. والحجة للجواز دليل الآية المتقدم وما جاء من أنه ﷺ أري عائشة في منامه قبل أن يتزوجها في خرقة حرير وتصعيده النظر ﷺ وتصويبه في المرأة التي وهبت نفسها وما ذكر من أن المغيرة بن شعبة أراد زواج امرأة فقال له النبي ﷺ: «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما». وقال ﵊ لأخر: «وانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئًا». قال الحميدي يعني صفراء وقال سهل بن أبي حثمة رأيت محمد بن مسلمة يطارد ثبيتة بن الضحاك على إجار من أجاجير المدينة. فقلت له أتفعل هذا؟ فقال نعم، قال النبي ﷺ: «إذا ألقى الله تعالى في قلب أحدكم خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها» ومن حجة من منع قوله ﵊: «يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن","vol":"3","page":437},{"text":"لك الأولى وليست لك الأخرى». وجمع أهل القول الأول بين الأحاديث، وقد تقدمت هذه المسألة قبل هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-674>(٥٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي ...﴾ إلى قوله: ﴿إن تبدو شيئًا﴾:</span>\nهذه الآية تضمنت من أولها إلى قوله: ﴿وإذا سألتموهن متاعًا﴾ الأدب في أمر الطعام والجلوس. وتضمنت في قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله﴾ الحجابة. قال بعضهم وهذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من رؤية النساء والجلوس معهن. وتضمنت في قوله: ﴿وما كان لكم﴾ إلى آخرها حكم أزواج النبي ﷺ بعده. فأما آية الأدب في الطعام فاختلف في سببها. فجمهور المفسرين على أن سببها أن رسول الله ﷺ لما تزوج زينب بنت جحش أولم عليها فلما طعموا قعد نفر في ناحية من البيت فثقل على رسول الله ﷺ مكانهم، فخرج ليخرجوا، ومر على حجر نسائه ثم عاد فوجدهم في مكانهم وزينب في البيت معهم، فلما دخل وراءهم انصرف، فخرجوا عند ذلك. قال أنس فأعلم أو فأعلمته فخرج فلما وصل الحجرة أرخى الستر بينه وبينه ودخل. ونزلت الآية في سبب ذلك. وفال قتادة وغيره فيما ذكر بعض المفسرين أن هذا السبب جرى في بيت أم سلمة. والأول أشهر: وقال ابن عباس نزلت في ناس من المؤمنين كانوا يتحيلون طعام النبي ﷺ فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك ثم يأكلون ولا يخرجون. قال إسماعيل بن أبي حكيم هذا أدب أدَّب الله تعالى به الثقلاء. وقال ابن أبي عائشة:","vol":"3","page":438},{"text":"فحسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم. وأما آية الحجاب فاختلف في سببها أيضًا. فقال أنس بن مالك وغيره. سببها أمر القعود في بيت زينب، الحديث المذكور قبل. وقال فرقة في بيت أم سلمة. وقال مجاهد سببها أن رسول الله ﷺ أكل معه قوم وعائشة معهم فمست يدها يد رجل منهم فنزلت الآية. وقالت عائشة وجماعة سببها كلام عمر وأنه كلم رسول الله ﷺ في أن يحجب نساءه. فكان رسول الله ﷺ لا يفعل وكان عمر يتابع. فخرجت سودة ليلًا لحاجتها وكانت امرأة تفرع النساء طولًا، فناداها عمر: قد عرفناك يا سودة حرصًا على الحجاب. وقالت له زينب بنت جحش: عجبًا لك يا ابن الخطاب تغرا علينا والوحي نزل في بيوتنا. فما زال عمر يتابع حتى نزلت آية الحجاب. وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه وافقت ربي في ثلاث، منها الحجاب ومقام إبراهيم وعسى ربه إن طلقكن الحديث. وكانت عادة القوم إذا كان لهم طعام وليمة أو نحوها أن يبكر من شاء إلى دار الدعوة ينطرون طبخ الطعام ونضجه في حديث أنس. وكذلك إذا فرغوا منه جلسوا كذلك فنهى الله تعالى المؤمنين عن فعل ذلك في بيت النبي ﷺ. ويدخل تحت هذه النهي سائر المؤمنين. والتزم الناس أدب الله تعالى في ذلك. قال بعضهم لما أنزل الله تعالى في أمهات المؤمنين: ﴿وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ خصصن بذلك دون سائر الناس. ولا يجوز أن يرون منتقبات. وكن إذا طفن بالبيت يستترن من الناس فلا يشاركن في الطواف. وأمر عمر أن لا يخرج في جنازة زينب بنت جحش إلا ذو محرم مراعاة للحجاب. وكانت قد توفيت في خلافته وما دلته أسماء بنت عميس على سترها في النعش بالقبة وأعلمته أنها رأت ذلك في بلاد الحبشة. فصنعه عمر ونادى في الناس أن اخرجوا فصلوا على أمكم. وروي أن ذلك صنع في جنازة السيدة فاطمة بنت النبي ﷺ. والمتاع عام في الجميع","vol":"3","page":439},{"text":"ما يمكن أن يطلب على عرف السكنى والمجاورة، من الماعون وسائر المرافق للدين والدنيا. وأما آية حكم أزواج النبي ﷺ بعده فاختلف في سببها أيضًا. فروي أنها نزلت بسبب أن بعض الصحابة قال لو مات رسول الله ﷺ لتزوجت عائشة. فبلغ ذلك النبي ﷺ فتأذى منه. هكذا كنى ابن عباس ببعض الصحابة. وروي عن معمر أنه قال: هو طلحة بن عبيد الله. وروي أن رجلًا من المنافقين قال حين تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة بعد أبي سلمة، وحفصة بعد خنيس بن حذافة السهمي: ما بال محمد يتزوج نساءنا. والله لو ما لأجلنا السهام على نسائه. فنزلت الآية في هذا وحرم الله تعالى نكاح أزواجه من بعده وجعل لهن حكم الأمهات. ولما توفي رسول الله ﷺ وارتدت العرب ثم رجعت تزوج عكرمة بن أبي جهل قتيلة بنت الأشعث بن قيس. وكان رسول الله ﷺ قد تزوجها ولم يبن بها فصعب ذلك على أبي بكر الصديق، فقال له عمر: مهلًا يا خليفة رسول الله إنها ليست من نسائه إنه لم يحزها ولا أرخى عليها حجابًا وقد أبانتها منه ردتها مع قومها. فسكن أبو بكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>(٥٥) -قوله تعالى: ﴿لا جناح عليهن في آبائهن ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿واتقين الله﴾:</span>\nلما أوجب الله تعالى الحجاب احتمل أن يكون من ذوي المحارم وغيرهم فبين الله تعالى بهذه أن الحجاب إنما هو دون من ذكر فيها من","vol":"3","page":440},{"text":"القرابات للضرورة المحوجة إلى ذلك. فمن ذلك الآباء والأبناء والإخوة وأبناؤهم وأبناء الأخوات.\nوقوله: ﴿ولا نسائهن﴾ دخل فيه الأخوات والأمهات وسائر القرابات من النساء وما يتصل بهن من التصرفات لهن. ويؤيد هذا القول -وهو قول جماعة من أهل العلم- هذه الإضافة المخصصة في قوله تعالى: ﴿نسائهن﴾ وقال ابن زيد وغيره إنما أراد جميع النساء المؤمنات وتخصيص الإضافة إنما هو في الإيمان.\nوقوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانهن﴾:\nاختلف في المباح هنا من ملك اليمين ما هو؟ فقيل الإماء دون العبيد. وقيل الإماء والعبيد، وهذا القول أولى بلفظ الآية. ثم اختلف من ذهب إلى ذلك. فقالت فرقة من ملكته من العبيد من ملكه سواهن. وهو أظهر من لفظ الآية. وقالت فرقة بل من جميع العبيد كانت في ملكهن أو في ملك غيرهن. والمكاتب إذا كان عنده ما يؤدي فقد أمر ﷺ بضرب الحجاب دون، وفعلت ذلك أم سلمة مع مكاتبها نبهان. ولم يذكر تعالى الأعمام والأخوال في الإباحة. فاختلف فيهم هل هم ممن يحتجب منهم أم لا؟ فقالت فرقة لم يذكر الله تعالى العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين. وقد قال ﵊: «الخال أحد الأبوين» وقال قوم منهم الشعبي وعكرمة لم يذكر الله تعالى لإمكان أن يصفوا لأبنائهم، وكرهوا أن تضع المرأة خمارها عند عمها أو خالها وقد تقد أكثر هذا في سورة النور. واختلف المفسرون في المعنى الذي رفع فيه الجناح بهذه الآية.","vol":"3","page":441},{"text":"فقال قتادة هو الحجاب، أي أبيح لهذه الأصناف الدخول على النساء دون حجاب ورؤيتهن. وقال مجاهد: ذلك في وضع الجلباب وإبداء الزينة. ولما رخص في هذه الأصناف وانخرمن الإباحة، عطف تعالى فأمرهن بالتقوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-676>(٥٦) - قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾:</span>\nاختلف في الضمير في قوله: ﴿يصلون﴾ لمن هو؟ فقالت فرقة لله تعالى ولملائكته. وهو قول من الله تعالى شرف الله تعالى به ملائكته فلا يدفعه الاعتراض الذي جاء في قول الخطيب عند رسول الله ﷺ: من أطاع الله ورسوله رشد ومن يعصهما فقد ضل. فقال له رسول الله ﷺ: «بئس الخطيب أنت» قالوا لأنه ليس لأحد من البشر أن يجمع ذكر الله تعالى مع غيره في ضمير واحد، ولله أن يفعل ما يشاء. وقالت فرقة هو للملائكة خاصة، تقديره أن الله تعالى يصلي على محمد وملائكته يصلون. ودل الظاهر من القول على ما ترك، وليس في الآية اجتماع في ضمير. فعلى هذين القولين لا يجوز لأحد الجمع بين الله تعالى وبين غيره في ضمير ويستدل من ذهب إلى هذا القول بإنكار النبي ﷺ على رجل قال: ما شاء الله وشئت. وقالت فرقة بل الضمير لله تعالى وملائكته وذلك جائز للبشر فعله ولم يقل رسول الله ﷺ: بئس الخطيب أنت، لهذا المعنى، وإنما قاله لأن الخطيب وقف على: ومن يعصهما، وسكت. ومما يؤيد هذا أن في كلام النبي ﷺ في مصنف أبي داود: ومن يعصهما، فجمع ذكر الله تعالى وذكر رسوله في ضمير واحد. وفي كتاب مسلم: بئس الخطيب أنت، وقفه وحمله على الأولى في فصل الضمير وإن كان أقل. ومن يعص الله ورسوله. وهذا يحتمل أن يكون لما خطأه في وقفه أصلح له بعد ذلك","vol":"3","page":442},{"text":"جميع كلامه لأن فصل ضمير اسم الله تعالى من ضمير غيره أولى لا محلاة. فقال له بئس الخطيب أنت لموضع وقفه وحمله على الأولى في فصل الضمير وإن كانا جميعًا جائزين. وصلاة الله تعالى رحمة منه وصلاة الملائكة دعاء وصلاة المؤمنين دعاء وتعظيم. والصلاة على النبي ﷺ فرض، وأمر الله تعالى بها أمر يحمل على الوجوب. واختلف فيه في الصلاة هل هي فرض أو سنة؟ فذهب الشافعي إلى أنه فرض تفسد الصلاة بتركه، ومن حجة هذا القول عموم الآية لأنه لم يخصص به صلاة من غيرها. وذهب مالك وغيره إلى أنه سنة. واختلف هل يجوز أن يصلي على غير النبي ﷺ أم لا؟ فمل يجزه قوم ورآه مختصًا بالنبي ﷺ لأن الأمر بالصلاة عليه لا يدل على أنه لا يجوز على غيره، واحتجوا أيضًا بما جاء عنه ﷺ من قوله: «اللهم صل على آل أبي أوفى» ويرون أن لما نزلت هذه الآية قال له قوم: يا رسول الله، هذا السلام عليك فقد عرفناه فكيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وارحم محمدًا وآل محمد كما رحمت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد» وفي بعض الأحاديث زيادة ونقص ولكن هذا معناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>(٥٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾:</span>\nلما كانت عادة العرب التبذل في الاحتجاب وكن يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء وكان ذلك داعيًا إلى نظر الرجل إليهن أمر الله رسوله أن يأمرهن بإدناء الجلابيب ليقع بسرتهن الفرق بين الحرائر والإماء فيعرف","vol":"3","page":443},{"text":"الحرائر بسترهن. وروي أنه كان في المدينة قوم يجلسون على الطريق لرؤية النساء ومعارضتهن فنزلت الآية. وقال الحسن وأبو مالك: كان النساء يخرجن في حاجتهن بالليل فيظن المنافقون أنهن إماء فيؤذونهن فنزلت الآية. والجلباب ثوب أكبر من الخمار، وقيل هو الرداء. واختلف في صورة إدنائه، فقال ابن عباس وعبيدة السلماني: ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها. وقال ابن عباس أيضًا وقتادة ذلك أن تلويه حتى لا يظهر إلا عيناها. وقال الحسن ذلك أن تغطي نصف وجهها.\nوقوله: ﴿ذلك أدنى أن يعرفن﴾:\nأي يفرق بين الحرائر والإماء فإذا عرفن لم يقابلهن بأذى من المعارضة مراقبة لمرتبة الحرية. وليس المعنى أن تعرف المرأة حتى يعلم من هي. وقال بعضهم كان بالمدينة إماء يعرفن بالسوء من المذاهب وكان السفهاء ربما تعرضوا لهن وربما ظنوا الحرة أمة فعبثوا بها فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ...﴾ الآية وذلك قبل نزول الحجاب. وكان عمر إذا رأى أمة قد تقنعت قنعها بالدرة محافظة على زي الحرائر.","vol":"3","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-678>سورة سبأ</span>\nوهي مكية. واختلف في قوله تعالى: ﴿ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ...﴾ [سبأ: ٦].\nفقالت فرقة هي مكية والمراد المؤمنون بالنبي ﷺ. وقالت فرقة هي مدنية والمراد من أسلم من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأشباهه. وفيها مواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-679>(١٣) - قوله تعالى: ﴿يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل﴾:</span>\nاختلف في التماثيل ماذا كانت. فقيل من زجاج ونحاس وأشياء ليست بحيوان.\nوقال الضحاك كانت تماثيل من حيوان وكان هذا من الجائز في ذلك الشرع. يريد نسخته شريعتنا. وحكى مكي في الهداية أن فرقة تجوز التصوير وتحتج بهذه الآية.","vol":"3","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-680>(٢٥) - قوله تعالى: ﴿قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون﴾: </span>فيها مهادنة وهي منسوخة بآية السيف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-681>(٥٣)، (٥٤) - قوله تعالى: ﴿وقد كفروا به من قبل ...﴾ ثم قال في آخر الآية: ﴿إنهم كانوا في شك مريب﴾:</span>\nاحتج بهذه الآية بعض المفسرين على أن الشاك كافر ورد بها على من زعم أنه ليس بكافر وأن الله تعالى لا يعذب على الشك.","vol":"3","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-682>سورة فاطر</span>\nمكية وليس فيها أحكام ولا نسخ سوى موضع واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-683>(١٢) - قوله تعالى: ﴿وتستخرجون حلية تلبسونها﴾:</span>\nفيه دليل على أنه من حلف أن لا يلبس حليًا حنث بلبس اللؤلؤ خلافًا لأبي حنيفة.","vol":"3","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-684>سورة يس ﷺ</span>\nمكية. إلا أن قومًا قالوا إن قوله تعالى: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ [يس: ١٢]، نزلت في بني سلمة من الأنصار حين أرادوا أن يتركوا ديارهم وينتقلون إلى جوار مسجد رسول الله ﷺ والآية على هذا مدنية. والصحيح أن الآية إنما نزلت بمكة ولكنها احتج بها عليهم في المدينة. ووافقها قول النبي ﷺ في المعنى. فمن هنا زعم من زعم أنها في بني سلمة. ولهذه السورة فضائل منها ما جاء في الحديث من أنه: «من قرأها فكأنما قرأ القرآن عشر مرات بغير يس، ومن قرأها عند موته سقي من أنهار الجنة، ومن قرأها في أول نهاره فمات في آخره مات شهيدًا، وكذلك من قرأها في ليلة» وقال ابن أبي كثير بلغنا أنه من قرأها ليلًا لم يزل في فرج حتى يصبح. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «لكل شيء قلب وأن قلب القرآن يس» وروت عائشة عنه ﵊ أنه قال: «إن في القرآن سورة تشفع لقارئها ويغفر لمستمعها وهي يس» وفيها مواضع.","vol":"3","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-685>(٦٩) - قوله تعالى: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾:</span>\nاستدل بعضهم بهذه الآية على ذم الشعر لأن الله تعالى رفع منزلة نبيه ﷺ. وقد كان ﷺ لا يقول الشعر ولا يزنه وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم كسره. وإنما يحرز المعاني فقط. من ذلك أنه أنشد يومًا بيت لطرفة:\nستبيح لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك من لم تزوده بالأخبار\nوأنشد وقد قيل له من أشعر الناس فقال الذي يقول:\nألم ترياني كلما جئت طارقًا ... وجدت بها وإن لم تطيب طيبًا\nوأنشد يومًا:\nأتجعلوا نهبي ونهب العبـ ... ـيد بن الأقرع وعيينة\nوروي أنه أنشد بيت ابن رواحة:\nيبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع\nوقال الحسن: أنشد النبي ﷺ: كفا بالإسلام والشيب للمرء ناهيًا.\nفقال أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما: نشهد أنك رسول الله إنما قال الشاعر: كفا الشيب. وإصابته الوزن أحيانًا لا يوجب أنه يعلم الشعر. وكذلك قد أتى أحيانًا في نثر كلامه ما يدل على الوزن كقوله يوم حنين: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». وكذلك يأتي في آيات من القرآن","vol":"3","page":449},{"text":"وفي كل كلام، وليس ذلك بشعر. ويؤكد حدة من كره الشعر قول عائشة: كان الشعر أبغض الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسم وكان يتمثل بشعر بني قيس طرفة فيكسره، فقال له أبو بكر ليس هكذا قال الشاعر فقال: «ما أنا بشاعر ولا ينبغي لي» وقد ذهب قوم إلى أن الشعر لا عيب فيه. قالوا إنا منعه الله تعالى من التحلي بهذه الحلية ليجيء القرآن من قلبه أعذب، فإنه لو كان له إدراك بالشعر لقيل في القرآن هذا من تلك القوة. قال بعضهم وليس الأمر كذلك. وقد كان ﵊ من الفصاحة والبيان في المرتبة العليا ولكن كلام يبين بإعجازه ووصفه عن كل كلام. وإنما منع الله تعالى عنه وزن الشعر ترفيعًا له عما فيه التخييل وتزويق القول وأما القرآن فهو ذكر للحقائق والبراهين فما هو بقول شاعر. وقد مضى من الكلام على هذا طرف في سورة الشعراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>(٧١)، (٧٢) - قوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعامًا فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون﴾:</span>\nاستدل بعض الناس بهذه الآية على رد قول من زعم أنه لا يحل أكل الخيل والحمير. قال وقد أخبر الله تعالى أنها للأكل والركوب. وهذا استدلال ضعيف لأن الله تعالى إنما ذكر في الآية الأنعام، والخيل والحمير لا يقع عليها ذلك الاسم فكيف يدخل معها في الحكم إلا على ما حكى الطبري من أن الأنعام تقع اسمًا على الخيل والبغال والحمير وجميع البهائم التي تقع بها فيصح الاحتجاج بالآية على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-687>(٧٨)، (٧٩) - قوله تعالى: ﴿قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ الآية:</span>\nفيه دليل على استعمال القياس والاعتبار والتعلق بالأولى لأن الإعادة","vol":"3","page":450},{"text":"أهون من ابتداء الخلق. فمن صح منه الابتداء فالإعادة عليه أولى بالصحة. واستدل قوم من أصحاب الشافعي بالآية على أن في العظام حياة. وضعف غيره هذا الاستدلال بأن الحياة قد تكون بمعنى النمو، وذلك موجود في العظام حقيقة. وأما حياة الحس فلا تتحقق في العظام.","vol":"3","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-688>سورة الصافات</span>\nمكية وفيها مواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>(١٠١) - (١٠٧) - قوله تعالى: ﴿فبشرناه بغلام حليم * فلما بلغ معه السعي ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾:</span>\nقصة إبراهيم مع ابنه الذبيح ﵉ حجة لأهل السنة في جواز نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال. قال فقد أمر بفعل واحد ولم يعص في البدار إلى امتثاله ثم نسخ عنه قبل إيقاعه. وأنكر المعتزلة جواز هذا النسخ واستعصت عليهم قصة سيدنا إبراهيم ﵇ حتى تعسفوا في تأويلها وتفرقوا فرقًا وطلبوا الخلاص من خمسة أوجه:\nأحدها: أن كان ذلك منامًا لا أمرًا. وهذا باطل لأن منام الأنبياء جزء من النبوة وكانوا يعرفون أمر الله تعالى به. فلقد كانت نبوة بعض الأنبياء بمجرد المنام. ويدل على كونه أمرًا قول ولده: ﴿افعل ما تؤمر﴾ ولو لم يؤمر لكان كاذبًا ولأنه لا يجوز قصد الذبح بمنام لا أصل له.\nوالثاني: أنه أمر لكن قصد به تكليفه العزم على الفعل لامتحان سره في صبره على العزم بالذبح، ولو لم يكن مأمورًا به. وهذا باطل لأن علام","vol":"3","page":452},{"text":"الغيوب لا يحتاج إلى الاختبار. وقولهم العزم هو الواجب محال لأن العزم على ما ليس بواجب لا يجب.\nوالثالث: أنه لم ينسخ الأمر لكن قلب الله عنقه نحاسًا أو حديدًا فلم ينقطع، فانقطع التكليف بالتعذر. وهذا لا يصح على أصولهم لأن الأمر بالشرط لا يثبت عندهم بل إذا علم الله تعالى أنه انقلب عنقه حديدًا فكيف يكون أمرًا بما يعلم امتناعه.\nوالرابع: أن المأمور به إنما هو الاضجاع والتل للجبين وإمرار السكين دون حقيقة الذبح. وهذا محال إذ لا يسمى ذلك ذبحًا ولا هو بلاء ولا يحتاج إلى فداء بعد الامتثال.\nوالخامس: جحود النسخ وأنه ذبح امتثالًا فالتأم واندمل. والذاهبون إلى هذا التأويل اتفقوا على أن إسماعيل أو إسحاق على الخلاف في ذلك ليس بمذبوح. واختلفوا في كون إبراهيم ذابحًا. فقال قوم هو ذابح للقطع والولد غير مذبوح لحصول الالتئام. وقال قوم لم يكن ذابحًا، لأن ذابح لا مذبوح له محال. وهذا القول أيضًا محال لأن الفداء كيف يحتاج إليه بعد الالتئام ولو صح ذلك لاشتهر، ولم ينقل ذلك قط وإنما هو من اختراع القدرية. فإن قيل أليس قد قال: ﴿قد صدقت الرؤيا﴾ فالتصديق غير التحقيق والعمل. ولأهل السنة مما يحتجون به في مذهبهم غير هذه الآية. من ذلك ما جاء من فرض الصلاة أنها خمسين ثم نقلت إلى خمس قبل أن يعمل بها. ومنها قوله تعالى: ﴿إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ [المجادلة: ١٢] ثم قال: ﴿فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم﴾ [المجادلة: ١٣] فنسخ قبل الفعل. ومنها قوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا﴾ [الأنفال: ٦٦] فنسخ قبل الفعل. وموضع هذه المسألة إنما هو كتب الأصول لا كتب الفروع. وقد ضعف بعض شيوخنا كلام المعتزلة وأهل السنة في هذه المسألة وزعم أنه لا يدخلها نسخ قبل","vol":"3","page":453},{"text":"الامتثال، ولا تحتاج المعتزلة إلى الاعتذار. قال لأن الذبح إنما كان برؤيا وللرؤيا أسماء وكنى، وإنما تحمل على الأسماء حتى يدل الدليل على الكنى كما تحمل الأحكام على ظاهر الأمر والنهي حتى يدل الدليل على التأويل.\nفما رأى إبراهيم ﵇ في المنام أنه يذبح ولده -ورؤيا الأنبياء وحي- بادر إلى الأخذ بالظاهر وشرع في امتثال هذا الأمر. فلما فعل ذلك أوحى الله تعالى إليه أن: ﴿قد صدقت الرؤيا﴾ وفدي الابن بذبح أي بكبش إذ كان ذبح الابن عند الله تعالى كناية عن ذبح الكبش. فليس في الآيتين على هذا نسخ وإنما فيها التبيين للرؤيا وأن المراد بذبح الابن ذبح الكبش، فكنى عن الكبش بالابن وصار بعد ذلك الذبح سنة إلى يوم القيامة. ولما كان الذبيح إسماعيل ﷺ فعل ذلك بنوه من لدنه إلى وقتنا هذا، ولو كان الذبيح إسحاق ما ترك اليهود الذبح يوم النحر بوجه ولو على حال. وقد احتج قوم من العلماء بهذه الآية في مصيرهم إلى أن من نذر ذبح ولده لزمه ذبح شاة. وأنكر غيرهم هذا الاستدلال ورأوا أن نذر ذبح الولد معصية فلا يكون فيه فداء بخلاف ذبح إبراهيم لولده فإنه كان ممتثلًا لأمر الله تعالى فيه، ثم فداه الله تعالى بالذبح تفضلًا منه، والفرق بين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-690>(١٤١) - قوله تعالى: ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾:</span>\nفيه دليل على أن الحكم بالقرعة على ما تقدم في نظيره في آل عمران. وقد مر الكلام عليه بما فيه الكفاية.","vol":"3","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-691>سورة ص</span>\nوهي مكية. وروي أن ابن المسيب كان لا يدع كل ليلة قراءتها وسئل عن ذلك فقال: بلغني أنه ما من عبد يقرأها كل ليلة إلا اهتز له العرش.\nوفيها مواضع من الأحكام والنسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-692>(١٧) - قوله تعالى: ﴿اصبر على ما يقولون﴾:</span>\nفي هذه الآية مهادنة وهي منسوخة بما نزل في المدينة من الأمر بالقتال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-693>(٢٦) - قوله تعالى: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾:</span>\nاستدل بعض الناس بهذه الآية على احتياج الأرض إلى خليفة من الله تعالى. وليس ذلك بلازم من الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-694>(٢١) - قوله تعالى: ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب﴾:</span>\nذكر المفسرون أن ظن داود واستغفاره ومغفرة الله تعالى له لأجل أنه رأى امرأة فأعجبته فأخرج زوجها في الغزو فقتل فتزوجها. وقال بعضهم لم يتزوجها ولكنه سأله أن ينزل له عنها. وهذا على قول من يجوز على الأنبياء الكبائر. وذهب بعض العلماء إلى أن الآية على ظاهرها في النكاح حقيقة","vol":"3","page":455},{"text":"وأن داود ظن أنه آتاه الله من الملك فلذلك استغفر وغفر له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>(١٨) - قوله تعالى: ﴿يسبحن بالعشي والإشراق﴾:</span>\nتأول ابن عباس قوله تعالى: ﴿والإشراق﴾ على صلاة الضحى. وروي عنه أنه قال لم يزل في نفسي من صلاة الضحى شيء حتى قرأت: ﴿إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق﴾. وعلى صلاة الضحى أيضًا تقول ابن عباس قول الله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال﴾ [النور: ٣٦]. وذكر المحققون الذين يرون تبرئة الأنبياء صلوات الله تعالى عليهم من الكبائر أن داود ﵇ كان قد قدم على خطبة امرأة قد خطبها غيره ويقال هو أوريا فمال قوم المرأة إلى داود، ولم يكن داود بذلك عالمًا ولكن قد كان يمكنه أن يعرف ذلك. وقد كان لداود ﵇ عدد من النساء، وذلك الخاطب قبله لا امرأة له. فنبه الله تعالى داود على ما فعل بما ذكر من تسور الملكين وتعريضهما له بأمر النكاح لفهم قدر ما فعل، فيعدل عن ذلك ويستغفر ربه من هذه الصغيرة. ففي هذا دليل على جواز الصغائر على الأنبياء، وفيه تلطف في رد الإنسان عن مكروه صنعه وأن لا يؤخذ بعنف ما أمكن. وفيه جواز المعاريض من القول. وقد استدل بعضهم على جواز قضاء القاضي في المسجد خلافًا لم كرهه. ويؤيد دليل الآية فعل النبي ﷺ والخلفاء في القضاء فيه.","vol":"3","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-696>(٢٤) - قوله تعالى: ﴿وخر راكعًا وأناب﴾:</span>\nلم ير الشافعي في هذا الموضع سجدة خلافًا لمالك رحمه الله تعالى فقال بعضهم لعل الشافعي لم ير ذلك لأجل أنها شريعة من قبلنا أو لأنها توبة نبي فليس فيها دلالة على الأمر بالسجود لنا. وهذا كله ضعيف. وقد روي عن النبي ﷺ أنه سجد فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-697>(٣٣) - قوله تعالى: ﴿فطفق مسحًا بالسوق والأعناق﴾:</span>\nاختلف في المسح في هذه الآية ما هو، فقيل مسحها بيده تكريمًا لها ومحبة كما فعل رسول الله ﷺ بفرسه، وهو قول ابن عباس وغيره. وقيل أراد بالمسح هنا الغسل بالماء. وقيل كان وسمًا في السوق والأعناق يوسم حبس في سبيل الله. وقيل إن المسح هنا بمعنى القطع، وقيل أنه قطع سوقها وأعناقها. وقال بعضهم قتلها حتى لم يبق منها أكثر من مائة فرس فمن نسل تلك المائة كل ما يوجد اليوم من الخيل. والذين ذهبوا إلى هذا اختلفوا لم فعل ذلك بها؟ فقيل لمجاعة كانت بالناس فعقرها لهم ليأكلوها وكان لحوم الخيل لهم إذ ذاك حلالًا. قال بعضهم وقد ذبحت الصحابة فرسًا وأكلوه، رواه مسلم عن جابر. وقيل بل فعل ذلك عقابًا للبهائم من أجل أنها شغلته عن صلاة العشي وهي صلاة العصر حتى غابت الشمس. فعلى هذا القول يكون هذا الأمر الذي كان منهاجًا له ﷺ منسوخًا في شريعتنا لأنه لا يجوز عندنا معاقبة البهائم. قال بعضهم: فإن قيل العرقبة تعذيب وذلك لا يجوز، قلنا بل ذلك جائز في شريعتنا إذا أراد أ، لا يمكن أحدًا من الانتفاع. وقد قال الحسن: قطع سوقها وأعناقها فعوضه الله تعالى خيرًا منها الريح تحري بأمره رخاء حيث أصابه. فهذه شريعة بائنة منعها الله","vol":"3","page":457},{"text":"تعالى في شرعنا بما ثبت من النهي عن قتل البهائم صيدًا وعن إفساد المال وأن فتن. وهذا الحديث في النهي عن قتل البهائم فيما اجتمعت الأمة على معناه فجاز نسخ القرآن به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-698>(٤٤) - قوله تعالى: ﴿وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث﴾:</span>\nروي أن أيوب ﵇ لما مرض كانت زوجته تختلف إليه مدة مرضه فيلقاها الشيطان -في صورة طبيب مرة في وصورة ناصح مرة أخرى وعلى غير ذلك- فيقول لها: لو سجد هذا المريض للصنم الفلاني لبرئ. لو ذبح عناقًا للصنم الفلاني لبرئ، ويعرض عليها وجوهًا من الكفر فكانت ربما عرضت ذلك على أيوب، فيقول لها: لقيت عدو الله في طريقك. فلما أغضبته بهذا ونحوه حلف لئن برئ ليضربنها مائة سوط. فلما برئ أمره الله تعالى أن يأخذ ضغثًا فيه مائة قضيب، والضغث القبضة الكبيرة من القضبان ونحوها من الشكيس الرطب فيضرب بها ضربة واحدة فيبر يمينه. وهذا الحكم قد ورد مثله في شرعنا عن نبينا محمد ﷺ في رجل عليه حد زنا وكان زمنًا فأمر ﷺ أن يضرب بعذقة نخلة فيها شماريخ مائة فيضرب بها مائة ضربة. واختلف الناس هل هذا الحكم باق لم ينسخ؟ فذهب جماعة إلى أنه حكم باق محكم وأن من حلف ليضربن عبده مائة سوك يبر بجميعها وضربه بها ضربة واحدة، وإلى هذا ذهب الشافعي، وهو قول أبي حنيفة ومحمد وزفر وعطاء، وذهب أكثر العلماء إلى ترك القول به، وهو قول مالك وأصحابه. إلا أن الذين ذهبوا إلى ذلك اختلفوا هل ذلك منسوخ بشريعتنا أم لا؟ فذهب قوم إلى أنه منسوخ في شريعتنا وأن الحدود والبر في الأيمان لا يقع إلا بإتمام عدد الضربات. قال بعضهم: والناسخ لذلك من شريعتنا قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور: ٢] والذي يجلد بالضغث جلدة واحدة لم يجلد مائة جلدة وإنما جلد جلدة","vol":"3","page":458},{"text":"واحدة، وكتاب الله أولى أن يقتدى به. وذهب بعضهم إلى أنه كان ذلك الحكم خاصًا بأيوب ﵇ لا يشاركه فيه غيره. فعلى هذا لا يتصور في الآية نسخ، وهذا مذهب مالك رحمه الله تعالى وقال أبو بكر بن العربي لما قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات» ركب مالك رحمه الله تعالى عليها اليمين فاعتبر فيها النية أيضًا، ولعل أيوب ﵇ اقتضت يمينه ما أمر به من جمع الضغث. والذي أراه أن يمينه على أية صفة تصورت فإن الخالف يبر بجمع مائة سوط والضرب بها مرة واحدة. والأيمان إنما يراع فيها الأرفق بالناس ولا يؤخذ فيها بالتغليظ لما فيه من التنفير عن الدين والوقوع في المحظور وذلك قوي جدًا في الأيمان التي أخذ بها الناس. وقد قال مالك إمام الأئمة في قوله الحلال عليه حرام أنه إن حاشى زوجته بقلبه لم يلزمه فيها حنث وليس يبقى تحت اليمين بعدها شيء. فإن سائر الأعيان المحرمة -غير الزوجة- لا يحرم شيء منها بهذه اليمين. فيبقى اليمين لغوًا وتكون نيته في استثناء الزوج بقلبه رفعًا لليمين.\nوفي الآية أيضًا دليل على أن للرجل أن يضرب زوجته وأن له أن يحلف ولا يستثني.","vol":"3","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-699>سورة الزمر</span>\nوهي مكية إلا آيات اختلف في تعيينها. فقيل هي ثلاث آيات نزلت في شأن وحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب وهي: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر ...﴾ [الزمر: ٥٣] الآيات. قالت فرقة بل إلى آخر السورة.\nوقيل فيها قدر سبع آيات. وليس فيها أحكام ولا نسخ.","vol":"3","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-700>سورة غافر</span>\nوهي مكية وقد روي في بعض آياتها أنها مدنية. وذلك ضعيف. وقد روى أنس عن النبي ﷺ أنه قال في الحواميم إنها ديباج القرآن وقال ﵊: «مثل الحواميم في القرآن مثل الحبرات في الثياب» وفيها موضعان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-701>(٧) - قوله تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا </span>...﴾ الآية.\nهذه الآية فسرت المجمل من قوله تعالى في سورة الشورى ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾ [الشورى: ٥] لأن هذه الآية جاءت عامة في استغفار الملائكة لأهل الأرض مؤمنهم وكافرهم فخصصت هذه الآية بقوله تعالى فيها: ﴿للذين آمنوا﴾ الكافرين وبقيت الآية في الاستغفار للمؤمنين. هذا أحسن ما يقال في الآية. وهذا الاستغفار هو بمعنى قوله تعالى في غير هذه الآية: ﴿كان على ربك وعدًا مسؤلًا﴾ [الفرقان: ١٦] أي سألته الملائكة. وبعض الناس -وهو وهب بن منبه- يقول إن هذه الآية","vol":"3","page":461},{"text":"ناسخة لآية الشورى. وهو قول ضعيف لأن الآية خبر والأخبار لا يدخل فيها النسخ. وقد يحتمل أن يقال في آية الشورى إنها على عمومها من استغفار الملائكة لأهل الأرض إلا أن استغفارهم للمؤمنين على حقيقة الاستغفار واستغفارهم للكافر بمعنى طلب المغفرة له وهدايتهم. وعلى هذا النحو ساق بعضهم استغفار إبراهيم ﵇ لأبيه واستغفار رسول الله ﷺ للمنافقين. وقد قال بذلك قوم. فهذه ثلاثة في الآيتين، أحدها: أن آية غافر مخصصة لآية الشورى وهو أحسن الأقوال كما قدمنا.\nوالثاني: أنها ناسخة لها، وهو ضعيف.\nوالثالث: أنها ليست ناسخة ولا مخصصة وأن هذه الآية التي في غافر في المؤمنين خاصة، والتي في الشورى للمؤمنين والكافرين، إلا أن الاستغفار للمؤمنين بخلاف الاستغفار للكفار. وقد حكى عن بعض الصلحاء أن رجلًا قال له استغفر لي. فقال له تب واتبع سبيل الله يستغفر لك من هو خير مني، وتلا هذه الآية. وقال ابن الشخير وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة وأغش العباد للعباد الشياطين، وتلا هذه الآية. وقد ذهب النقاش إلى أن في هذه الآية دليلًا له على بطلان قول من زعم أنه لا يجوز للعباد أن يسألوا الله تعالى فعل ما أخبر أنه لا يفعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-702>(٥٥) - الثاني قوله تعالى: ﴿فاصبر إن وعد الله حق﴾:</span>\nفهذه الآية فيها مهادنة. وقال الكلبي: نسخت بآية القتال آية الصبر حيث وقع.","vol":"3","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-703>سورة فصلت</span>\nوهي مكية، وهي التي فزع منها عتبة بن ربيعة وأرعد وأمسك بفم رسول الله ﷺ وناشده الله تعالى أن يمسك. وليس فيها أحكام ولا نسخ إلا مواضع يسيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>(٣٣) - قوله تعالى: ﴿ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين﴾:</span>\nاختلف في هذه الآية هل هي عامة أو خاصة؟ فمن الناس من حملها على عمومها منهم الحسن قال: والمراد من: ﴿دعا إلى الله﴾ تعالى وإلى طاعته من الأنبياء والمؤمنين. وذهب جماعة إلى أنها في النبي ﷺ وخصصوا الآية. وذهب ابن أبي حازم وعائشة وعكرمة إلى أنها نزلت في المؤذنين. قال ابن أبي حازم وابن عباس: ﴿وعمل صالحًا﴾ هو الصلاة بين الأذان والإقامة ومعنى هذا -والله تعالى أعلم- أن المؤذنين داخلوان في","vol":"3","page":463},{"text":"عمومها لا أنها خاصة بهم لأنها إنما نزلت بمكة والأذان إنما كان بالمدينة بلا خلاف. وقد قال الفضيل بن رفيدة: كنت مؤذنًا في أصحاب ابن مسعود فقال لي عاصم بن هبيرة: إذا أكملت الأذان فقل إني من المسلمين، ثم تلا الآية واستدل بعضهم بهذه الآية على أنه جائز أن يقول المسلم: أنا مسلم بلا استثناء، خلافًا لمن كره ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-705>(٣٤) - قوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾:</span>\nقيل كان هذا قبل فرض القتال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-706>(٤٤) - قوله تعالى: ﴿ولو جعلناه قرآنًا أعجميًا لقالوا </span>...﴾:\nفيه دليل على أن القرآن نزل بلغة العرب وأنه ليس أعجميًا وأنه إذا نقل عنها إلى غيرها لم يكن قرآنًا. وقد استدل قوم بهذه الآية على رد من يقول إن في القرآن ألفاظًا أعجمية.","vol":"3","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-707>سورة الشورى</span>\nوهي مكية. وقال مقاتل: فيها مدني قوله تعالى: ﴿ذلك الذي يبشر الله به عباده الذين آمنوا ...﴾ إلى ﴿الصدور﴾ [الشورى: ٢٤] وقوله تعالى: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿من سبيل﴾ [الشورى: ٣٩]. وقال ابن عباس: إن ﴿حم * عسق﴾ هذه الحروف بأعيانها نزلت في جميع كتب الله المنزلة على كل نبي أنزل عليه كتاب، ولذلك قال تعالى: ﴿وكذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله﴾ وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-708>(٥) - الأول قوله تعالى: ﴿والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض </span>...﴾ الآية:\nقد تقدم الكلام في سورة غافر على هذه الآية بما يغني عن إعادته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-709>(٦) - الثاني قوله تعالى: ﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾:</span>\nفي هذه الآية موادعة وهي منسوخة بآية السيف.","vol":"3","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-710>(١٥) - الثالث قوله تعالى: ﴿لنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ </span>الآية:\nاختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب ابن عباس ومجاهد إلى أنها منسوخة بآية القتال. وذهب قوم إلى أنها محكمة بأن المعنى: لنا جزاء أعملنا ولكن جزاء أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-711>(٢٠) - الرابع قوله تعالى: ﴿من كان يريد حرث الديا نزد له في حرثه </span>...﴾ الآية:\nالقول فيها كالقول فيمن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة هود. وحكى بعضهم أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ [الإسراء: ١٨]. والقول بالنسخ في هذا وأشباهه بعيد، والصواب أنها محكمة. وهذه الآية مثل قوله ﵊: «من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» قال أبو الحسن: وفيه دليل على أن من حج عليه غيره لا يقع عليه اسم الحاج ومن توضأ للتبرد والتنظف لا يكون متوضئًا للصلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>(٢٣) -الخامس قوله تعالى: ﴿قل ما أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾:</span>\nاختلف في معناها، فقيل هي مكية نزلت في صدر الإسلام ومعناها استكفاف شر الكفار ودفع أذاهم، أي ما أسألكم على القرآن والدين والدعاء إلى الله تعالى إلا أن تؤذوني بقرابة هي بيني وبينكم، فكفوا عن أذاكم. قال ابن عباس وغيره: ولم يكن في قريش بطن إلى ولرسول الله ﷺ فيهم","vol":"3","page":466},{"text":"نسب أو صهر والآية عندي على هذا القول منسوخة بآية القتال لأن فيها مهادنة. وقال ابن عباس أيضًا ما يقتضي أنها مدنية وذلك أنه قال سببها أن قومًا من شباب الأنصار فاخروا المهاجرين ومالوا بالقول على قريش فنزلت الآية على ذلك على معنى ألا تؤذوني فتراعوني في قرابتي وتحفظوني فيهم. وقال هذا أيضًا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وغيره. وقال ابن عباس أيضًا فيما روي عنه سبب الآية أن الأنصار جمعت مالًا وساقته لرسول الله ﷺ فرده عليهم ونزلت الآية في ذلك. وقال ابن عباس أيضًا معنى الآية في قربى الطاعة والتزلف إلى الله تعالى كأنه قال إلا أن تؤذوني لأني أدعوكم إليه وأريد هدايتكم إليها. وقال الحسن بن أبي الحسن معناه: إلا أن تتوددوا إلى الله تعالى بالتقرب إليه. وقال عبد الله بن القاسم معنى الآية إلا أن يتودد بعضكم إلى بعض وتصلوا أقرباءكم. فالآية على هذا في صلى الرحم. فعلى ما تقدم يأتي في الآية هل هي مكية أو مدنية قولان، وإذا قلنا مدنية يأتي في سبب نزولها قولان. وعلى قول عبد الله بن القاسم وقول الحسن في معنى الآية لا يختلف عندي في أنها محكمة، وأما سائر الأقوال فمختلف فيها عل هي منسوخة بآية سبأ أم لا؟ فذكر بعضهم عن ابن عباس أيضًا وجماعة معه أنها منسوخة لقوله تعالى في سورة سبأ: ﴿قل ما سألتكم من أجر فهو لكم﴾ [سبأ: ٤٧].\nوذهب قوم إلى أنها محكمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>(٣٩)، (٤٠) - قوله تعالى: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾:</span>\nاختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب قوم إلى أنها منسوخة، قالوا وكانت قد نزلت في بغي المشرك على المؤمن فأباح لهم الانتصار عليهم دون تعد وجعل العفو والإصلاح مقرونًا بأجر ثم نسخ ذلك","vol":"3","page":467},{"text":"بآية السيف. وذهبت جماعة إلى أنها محكمة واختلفوا في معناها بعد اتفاقهم على أن من بغي عليه فجائز له أن ينتصر بيد الحق وحكام المسلمين. فذهب قوم إلى أنهم كانوا يكرهون أن يذلوا نفسهم فيجترئ عليهم الفساق. وقال مقاتل الآية في المجروح المنتصف من الجارح بالقصاص. فعلى هذا الآية في المؤمنين خاصة، ومن بغي عليه من ظلم فجائز له أن ينتصف لنفسه ويخون من خانه في المال حتى ينتصف منه. وقالوا إن الحديث: «ولا تخن من خانك» إنما هو في رجل سأل رسول الله ﷺ هل يزني بحرمة من زنى بحرمته فقال له النبي ﷺ: «ذلك يريد به الزنا». وإلى هذا ذهب الشافعي. واحتج أيضًا بحديث هند امرأة أبي سفيان، وأنكره مالك وغيره ولم يروا الآية بهذا المعنى واحتجوا بعموم الحديث: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» ورجح قوم من العلماء الانتصار من الظالم وقالوا انتصار بالواجب تغيير منكر، ومن لم ينتصر مع إمكان الانتصار فقد ترك تغيير المنكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-714>(٤٠) - قوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾:</span>\nقال السدي وغيره معنى الآية أن الرجل إذا شتم بشتيمة فله أن يردها بعينها دون أن يتعدى. قال الحسن بن أبي الحسن: ما لم يكن حدًا أو عوراء جدًا وقال إسماعيل القاضي: السيئة هنا قد تكون القتل والجراح والقذف والسب والتعدي في المال وغير ذلك من الأفعال القبيحة، فمن فعل به شيئًا من ذلك فالعفو فيه أفضل وإن أحب القصاص فله أن يفعل ولا يتعدى زيادة. وليس المقتص بمعتد إذا لم يتجاوز في أخذ حقه، ولا","vol":"3","page":468},{"text":"القصاص تعديًا، وإنما سماه الله تعالى إساءة لأنه إجزاء إساءة فسمي بذلك توسعًا وتجوزًا كما قال تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النمل: ١٢٦]. والأول ليس بعقاب وإنما المعاقب المجازى ولكنه سمي باسم المختص للمجازاة. وهذا كثير في القرآن والحديث وكلام العرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-715>(٤١) - قوله تعالى: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾:</span>\nهذا بلاغ في إباحة الانتصار. والخلاف فيه هل هو بين المؤمن والمشرك أو بين المؤمنين على ما تقدم؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-716>(٤٣) - قوله تعالى: ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾:</span>\nمن رأى أن هذه الآية فيما بين المؤمنين والمشركين وأن الصبر للمشركين كان أفضل قال إن الآية نسخت بآية السيف، ومن رأى أن الآية إنما هي بين المؤمنين قال هي محكمة والصبر والغفران أفضل إجماعًا. وقال أبو الحسن: قد ندبنا الله تعالى في كتابه العزيز إلى العفو عن حقوقنا قبل الناس فقال تعالى: ﴿وأن تعفو أقرب للتقوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقال في شأن القصاص: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ [المائدة: ٤٥] وقال تعالى: ﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ [النور: ٢٢] وأحكام هذه الآية غير منسوخة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-717>(٣٩) -قوله تعالى: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾:</span>\nيدل ظاهره على أن الانتصار في هذا الموضع أفضل وهو محمول على ما ذكر النخعي من أنهم كانوا يكرهون للمؤمنين أن يدلوا أنفسهم فيجترؤوا عليهم الفساق بهذه الآية في الانتصار فمن تعدى وأصر على ذلك، والموضع المأمور فيه بالعفو إذا كان الجاني نادمًا مقلعًا وقد قال عقب هذه الآية: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾ ويقتضي ذلك إباحة الانتصار لا الأمر به. وقال إسماعيل القاضي في قوله تعالى:","vol":"3","page":469},{"text":"﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾، وهذا عندي أن الله تعالى أعلم فيما كان لله ﷿ من أمر ونهي عن باطل أو منكر. فمن فعل ذلك به فلا ينبغي له أن يصبر على المذلة بل يعز نفسه، ففي ذلك إعزاز للدين. وأما إذا كان البغي عليه في نفسه لا يتعدى إلى الشريعة فصبر واحتسب فذلك حسن.","vol":"3","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-718>سورة الزخرف</span>\nوهي مكية وفيها مواضع من الأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>(١٨) - قوله تعالى: ﴿أومن ينشأ في الحلية﴾:</span>\nالآية فيها دليل على إباحة الحلي للنساء، والإجماع منعقد عليه، والأخبار فيه لا تحصى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-720>(٢٢) - قوله تعالى: ﴿بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون﴾:</span>\nفي هذه الآية دليل على إبطال التقليد لذمه إياهم على تقليد آبائهم وتركهم النظر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>(٣٣) - قوله تعالى: ﴿لبيوتهم سقفًا من فضة﴾:</span>\nاستدل بعضهم بهذه الآية على أن السقف لرب البيت الأسفل لا لصاحب العلوي إذ هو منسوب إلى البيت وفي ذلك قولان في المذهب:","vol":"3","page":471},{"text":"أحدهما: هذا المستدل عليه بالآية، والآخر: أنه لرب العلو. وهذا الاحتجاج بالآية ضعيف لأن اللام فيها لا توجب ملكًا لأنها مثل اللام في قولهم: الدابة للسائس، وهي ليست له. فإذا كان كذلك لم يجب من إضافة السقف إلى البيت إضافته لرب البيت مع أنه لو أضيف إلى رب البيت لكان الأمر محتملًا فكيف ول يضف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>(٣٧) - قوله تعالى: ﴿وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون﴾:</span>\nقال النقاش في قوله: ﴿ويحسبون أنهم مهتدون﴾ رد على من يقول إنه ليس أحد يفارق الحق إلا ويعرف أنه ضال، وإن كفر فعلى وجه العناد. قال وفيها أيضًا دلالة على رد قول من زعم إن المعارف اضطرارية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>(٤٤) - قوله تعالى: ﴿وإنه لذكر لك ولقومك﴾:</span>\nاختلف في الآية، فذهب الحسن بن أبي الحسن إلى أن الذكر بمعنى التذكرة والموعظة والقوم: أمته ﷺ بأجمعها. وذهب ابن عباس وقتادة والسدي وغيرهم إلى أن الذكر الشرف والحمد في الدنيا، والقوم قريش ثم العرب. قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه سلم يعرض نفسه على القبائل فإذا قالوا له فيمن يكون الأمر من بعدك سكت حتى نزلت هذه الآية. فكان إذا سئل بعد هذه الآية على هذا القول دلالة على أن الخلافة إنما هي في قريش خلافًا لمن رأى أن قريشًا وغيرها في ذلك سواء. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ال يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان» وجاءت أحاديث غير ذلك كثيرة في هذا المعنى تعضد دليل الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-724>(٥٨) - قوله تعالى: ﴿ما ضربوه لك إلا جدلا﴾:</span>\nقال النقاش قد استدل بهذه الآية مبطلو القياس والنظر والجدل وزعموا","vol":"3","page":472},{"text":"إنه إفصاح أو كالإفصاح بذم الجدل، والرد عليهم أن يقال إنه تعالى لم يرد بهذا القول ذم الجدل بل أخبر أنهم لم يريدوا بسؤالهم تثبتًا ووقوفًا عندنا ما يوجبه السؤال. عبر عن ذلك بالجدل ولا ينكر أن يكون من الجدل ما هو مذموم، فهو الذي أراد تعالى. وقد روى أبو أمامة عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «ما ضل بعد هدي كانوا عليه إلا وأوتوا الجدل» ثم قرأ: ﴿ما ضربوه لك إلا جدلًا﴾ ورأى ﵊ قومًا يتنازعون في القرآن فغضب حتى كأنما صب في وجهه الخل وقال: «لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض فما ضل قوم إلا أوتوا الجدل». فهذا كله ينبغي أن يحمل على الجدل المذموم وهو الذي لا يراد به إظهار حق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-725>(٨٦) - قوله تعالى: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعدلون﴾:</span>\nفيه دليل على أن من شرط الشهادات في الحقوق وغيرها أن يكون الشاهد عالمًا بها. ونحو ما روي عن النبي ﷺ: «إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-726>(٨٣) -قوله تعالى: ﴿فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون﴾:</span>\nفي هذه الآية موادعة وهي منسوخة بآية السيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-727>(٨٩) - قوله تعالى: ﴿فاصفح عنهم وقل سلام﴾:</span>\nالسلام: المسالمة، وقيل التسليم على جهة الموادعة. والآية منسوخة لما فيها من الموادعة بآية السيف.","vol":"3","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-728>سورة الدخان</span>\nوهي مكية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-729>(٤٨) - قوله تعالى: ﴿ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم﴾:</span>\nفي الآية أن الكافر يصب على رأسه من حميم جهنم وهو ماء يغلي من ذوب وهذا مثل قوله تعالى: ﴿يصب من فوق رؤوسهم الحميم﴾ [الحج: ١٩] وإلى هذا نظر بعض ولاة المدينة فإنه كان يصب الخمر على رأس الذي يشربها أو توجد عنده عقوبة له وأدبًا، كذا ذكر في واضحة ابن حبيب. وهذا استدلال ضعيف لأن أحكام الله تعالى في عبيده في الآخرة لا يقاس عليها أحكام عبيده فيما بينهم في الدنيا لبعد ما بن الأمرين من الشبه.","vol":"3","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-730>سورة الجاثية</span>\nوهي مكية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-731>(١٤) - قوله تعالى: ﴿قل للذين أمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله﴾:</span>\nاختلف في الآية هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب أكثر الناس إلى أنها منسوخة وأنها نزلت في صدر الإسلام يأمر الله تعالى بها المسلمين أن يتجاوزوا عن الكفار وأن لا يعاقبوهم بذنب، بل يأخذون أنفسهم بالصبر لهم. وبقي الأكثر كذلك حتى نسخ بآية القتال. وذهب قوم إلى أنها محكمة، قالوا والآية تتضمن الغفران عمومًا لأنها يراد بها الخصوص كالأمور المحقرة من الجفاء ونحو ذلك. والعفو عن هذه أقرب للتقوى. وقال ابن عباس لما نزلت: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال فنحاص اليهودي: احتاج رب محمد. فأخذ عمر سيفه ومده ليقتله، فرده رسول الله ﷺ وقال له: «إن ربك يقول»: ﴿قل للذين آمنوا يغفروا﴾. فهذا احتجاج بها مع قدوم نزولها. وذكر بعضهم أنها نزلت في عرم بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بمكة لما أراد أن يبطش بمشرك شتمه.","vol":"3","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-732>سورة الأحقاف</span>\nوهي مكية. وقال بعضهم هي مكية إلا آيتين وهما قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم إن كان من عند غير اله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله﴾ [الأحقاف: ١٠] وقوله تعالى: ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل﴾ الآية [الأحقاف: ٣٥] فهما مدنيتان وضعتا في سورة مكية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-733>(٤) - قوله تعالى: ﴿ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم﴾:</span>\nفي هذه الآية -والتي قبلها- بيان أدلة العقل وأدلة السمع. فقال أولا: ﴿قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات﴾ فهذا احتجاج بالمعقول. ثم قال: ﴿ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم﴾ فاحتج عليهم بطريق السمع، وهما قسمان: أدلة العقل والنقل.\nوقوله: ﴿أو أثارة من علم﴾:\nاختلف في معنى: ﴿أو أثارة﴾ فقيل بقية من علم، وقيل هو الإسناد، وقيل خاصة من علم، وقيل شيء تؤثرونه من غيركم وأنشدوا في صفة الناقة:\nوذات أثارة أكلت عليه ... نباتًا في أكمته ففارا","vol":"3","page":476},{"text":"وأراد بالأثارة من البيت من شحم. وقال ابن عباس: المراد بالأثارة الخط في التراب وذلك شيء كانت العرب تفعله وتتكهن به. وروي أن النبي ﷺ سئل عن ذلك فقال: (كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذلك». وروي فمن وافق علمه. فاحتج كثير من العلماء بالآية على قول ابن عباس وبالحديث المذكور وأجازوا الخط في التراب ورأوا أنه شيء له وجه إذا وفق أحد إليه. وأنكرته طائفة وقالوا إن معنى ما في الحديث في الإنكار -أي أنه كان من فعل نبي- قد ذهب وذهب الوحي إليه والإلهام في ذلك فمن ثم قال: فمن وافق خطه فذلك على جهة الإبعاد أي أن ذلك لا يمكن ممن ليس بنبي ميسر لذلك، وهو كما لو سئل إنسان فقيل له: أيطير الإنسان؟ فيقول: إنما يطير إذا كان له جناحان أي أن ذلك لا يكون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-734>(٩) -قوله تعالى: ﴿قل ما كنت بدعًا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾:</span>\nاختلف في معنى الآية، فذهب ابن عباس وعكرمة وعطاء وغيرهم إلى أن معنى الآية ما ندري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة. فقالوا وكان هذا في صدر الإسلام ثم بعد ذلك عرفه الله تعالى بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وبأن المؤمنين لهم من الله فضل كبير وهو الجنة وأن الكافرين في نار جهنم. والحديث الذي وقع في جنازة عثمان بن مظعون يعضد هذا وهو قوله ﵊: «فوالله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي». واختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل يقال في نسخ أم لا؟ فقال بعضهم إن هذه الآية منسوخة بسورة الفتح وبقوله في المؤمنين: ﴿وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلًا كبيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] ولم ير يعضهم هذا نسخًا وهو الصحيح لأنه ﵊ لا يعرف إلا ما عرف","vol":"3","page":477},{"text":"فأخبر عن أول أمره أن يعلمه الله تعالى بحاله وحال المؤمنين بما كان عليه في ذلك الوقت من عدم المعرفة بذلك، ثم أعلمه الله تعالى بعد ذلك فعلم. وأي نسخ في هذا، ومتى ثبت بعدم معرفته ﷺ فارتفع بوجوبها فيسمى نسخًا. والذي ينبغي أن يقال في الآية أن قوله تعالى: ﴿وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ إنما يرجع إلى عدم المعرفة بالخاتمة وأما من مات على الإيمان فلم يزل ﵊ من أول رسالته عالمًا فأنه ينجو، وإلا فقد كان الكفار يحتجون عليه، ويقولون كيف تدعوننا إلى ما لا تدري له عاقبة، وكيف نركب معك هذا الخطر ولم نعلم أن أحدًا من الكفار احتج بذلك. فثبت بهذا أنه تعالى لم يزل عالمًا بأن الموافى على الإيمان في الجنة وأن من وافى على ضد ذلك في النار. وبهذا المعنى تكون الآية باقية المعنى إلى يوم القيامة. وذهب الحسن بن أبي الحسن وغيره إلى أن معنى الآية: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا من أن أنصر عليكم أو تنصروا علي. وذكر بعضهم عن الحسن أن معناها: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا من غلاء أو رخص أو مرض أو غير ذلك من الأحداث. وقال قوم المعنى: ما يفعل بي ولا بكم من الأوامر والنواهي وما يلزم الشريعة من أغراضها. وقال بعضهم: نزلت الآية في أمر كان النبي ﷺ ينتظره من الله تعالى في غير الثواب والعقاب. وروي عن ابن عباس أنه لما تأخر خروج رسول الله ﷺ من مكة حين رأى في النوم أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وسبخة قلق المسلمون لتأخره فنزلت الآية. فالآية في هذه الأقوال كلها إنما هي في أمور الدنيا. ولا خلاف على أن ذلك بأن الآية محكمة مختلف في عدم الدراية إلى ما ترجع. والأصح من ذلك ما أشرنا إليه فيما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>(١٥) - قوله تعالى: ﴿حملته أمه كرها ووضعته كرهًا وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾:</span>\nاحتج بعض الشيوخ بقوله تعالى: ﴿حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا﴾","vol":"3","page":478},{"text":"على أن أجرة القابلة على المرأة. وقد مر الكلام على المسألة في البقرة.\nوقوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله﴾:\nهذه الآية تقتضي أن مدة الحمل والرضاع هي هذه المدة. والتقدير مدة الحمل وفصاله، ثم حذف. وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ الآية [البقرة: ٢٣٣]، وهذا لا يكون إلا بأن يكون أحد الطرفين ناقصًا وذلك إما بأن تلد المرأة لستة أشهر وترضع عامين وإما أن تلد لتسعة أشهر على العرف وترضع عامين غير ربع عام، فإن زادت مدو الحمل نقصت مدة الرضاع وبالعكس. وإنما ذكر الله تعالى في هذه الآية أقل مدتي الحمل والرضاع فيجب من هذا أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وأقل ما يرضع الطفل عما وتسعة أشهر، وإكمال العامين هو لمن أراد أن يتم الرضاعة. وهذا في أمر الحمل وهو مذهب علي بن أبي طالب وجماعة من الصحابة. وهو مذهب مالك. فالذي تحصل من هذه الآية أن أقل مدة الحمل ستة أشهر إلا أنه نادر في النساء لأن أكثرهن يلدن لتسعة أشهر ومنهن من تلد لسبع فيعيش الولد كذلك في الست. فأما من يولد لثمان فلا يعيش إلا عيسى ابن مريم ﵇ ولد لثمانية أشهر فكان ذلك من الآيات فيه كما خلق من غير أب. وأما أكثر الحمل فقد اختلف فيه، فقيل عن مالك أنه أربع سنين وهو نادر. وروي عن مالك أنه لا يرى الخمس سنين بعدًا. وروي عن الليث وابن عجلان سبع سنين، وروي عن عثمان البتي ثمان سنين. وقال أبو حنيفة سنتان. وقد ذكر أن بعض المتأخرين قال: لا أجاوز بالحمل تسعة أشهر. وهذا قول لا يلتفت إليه. وأما أكثر الرضاع فلا حد له. وقد مر الكلام على معنى الآية بأوعب من هذا.","vol":"3","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-736>سورة القتال</span>\nوهي مدنية. وذكر بعضهم أن قوله تعالى: ﴿وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك ...﴾ الآية [القتال: ١٣] نزلت بمكة وقت دخوله ﷺ عام الفتح أو سنة الحديبية. وما كان مثل هذا فهو مردود في المدني لأن المراعى في ذلك إنما هو ما كان قبل الهجرة أو بعدها. وفيها من الأحكام والنسخ مواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-737>(٤) - قوله تعالى: ﴿فضرب الرقاب ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾:</span>\nقد تقدم الكلام على معنى هذه الآية وحكمها في سورة براءة بما أغنى عن إعادته هنا.\nوقول تعالى: ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾:","vol":"3","page":480},{"text":"قيل معناها حتى تذهب وتزل أثقالها. والأوزار الأثقال. وقيل الأوزار الآثام لأن الحرب لا بد أن يكون فيها آثام في حد الجهتين، وقيل السلاح. واختلف في الغاية التي عندها تضع الحرب أوزارها، فقال مجاهد وغيرهما حتى يسلم الجميع فتضع الحرب أوزارها، فقال قتادة ومجاهد وغيرهما حتى يسلم الجميع فتضع الحرب أوزارها. وقال بعض أهل النظر حتى تقلبوهم وتقتلوهم. وقال مجاهد أيضًا حتى ينزل عيسى ابن مريم. وظاهر اللفظ أنه استعارة يراد بها التزام الأمر أبدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-738>(٩) - قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالكم﴾:</span>\nهذه الآية تقتضي أن أعمالهم في كفرهم التي في وجوه البر مقيدة محفوظة. ولا خلاف أن الكافر له حفظة يكتبون سيئاته. واختلف الناس في حسناتهم، فقال قوم هي ملغاة يثابون عليها بنعم الدنيا فقط. وقال قوم هي محصاة من أجل ثواب الدنيا ومن أجل أنه قد يسلم فيضاف ذلك إلى حسناته في الإسلام. وهذا أحد التأويلين في قول النبي ﷺ لحكيم بن حزام: «أسلمت على ما سلف لك من خير» فقوم قالوا معناه أسلمت على بعد ما سلف لك من خير، وهو الذي أشرنا إليه. وقال قوم معناه إسقاط ما سلف لك من خير إذ قد أثبت عليه بنعم دنياك. وذكر الطبري أن أعمالهم التي أخبر الله تعالى في هذه الآية بحبطها هي عبادتهم الأصنام وكفرهم. ومعنى أحبط جعلها من العمل الذي لا يذكر ولا يعتد به فهي لذلك كالذي أحبط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-739>(١٩) - قوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾:</span>","vol":"3","page":481},{"text":"احتج بهذه الآية من أهل السنة من قال إن العلم والنظر قبل القول، والإقرار في مسألة أول الواجبات. وقد بوب عليه البخاري العلم قبل القول والعمل لقوله ﷿: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾. قال النقاش: وفي الآية رد على من زعم أن الأنبياء لا ذنوب لهم وعلى من زعم أن كل معصية كبيرة وعلى كل من زعم أن كل معصية كفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-740>(٣٠) - قوله تعالى: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾:</span>\nاحتج بهذه الآية من جعل الحد في التعريض بالقذف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>(٣٣) - قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾:</span>\nاحتج به قوم في أن التحلل عن التطوع صلاة كان أو صيامًا بعد التلبس به لا يجوز لأن فيه إبطال العمل. وقال غيرهم المراد بالأمر إبطال ثواب العمل المفروض. قال فإن قيل اللفظ عام للفرض والنفل، وقلنا العام مجبور تخصيصه ووجه تخصيصه أن النفل تطوع والتطوع يقتضي تخييرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-742>(٣٥) - قوله تعالى: ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم﴾:</span>\nوقرأ بعضهم ﴿إلى السلم﴾ والمعنى واحد على المشهور من القول. وقال بعض من كسر السين إنه بمعنى الإسلام أي لا تهنوا وتكونوا داعين إلى الإسلام فقط غير مقاتلين بسببه. والقول المشهور في كسر السين وفتحها أنه بمعنى الصلح. واختلف في الآية على هذا هل هي ناسخة لقوله ﷿: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ [الأنفال: ٦١] أم لا؟ فذهب قوم إلى أنها ناسخة لها، وذهب آخرون إلى أنها ليست بناسخة لها وأنهما محكمتان ثم اختلفوا في الجمع بينهما. فمن الناس من قال قوله تعالى: ﴿وإن جنحوا","vol":"3","page":482},{"text":"للسلم﴾ الآية في قوم بأعيانهم وهذه عامة. ومنهم من قال: إنها نزلت في وقتين مختلفي الأحوال وقال قتادة: معنى الآية لا تكونوا أول الطائفتين صدعت للأخرى.","vol":"3","page":483},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-743>سورة الفتح</span>\nنزلت هذه السورة على النبي ﷺ في انصرافه من الحديبية فهي في حكم المدني وقالت جماعة إنها نزلت بالمدينة والأول أصح. وفيها مواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-744>(١)، (٣) - قوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ </span>الآية:\nوقد تقدم الكلام على هذه الآية هل هي ناسخة أم لا بما أغنى عن إعادته هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-745>(١٦) - قوله تعالى: ﴿قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد﴾ </span>الآية.\nالمراد بها فارس والروم وقيل إنه بنو حنيفة. وفيه دلالة على صحة إمامة أبي بكر الصديق وعمر رضي الله تعالى عنهما، لأن أبا بكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة وعمر دعاهم إلى قتال فارس ولروم وألزمهم اتباع طاعة من يدعوهم إليه قوله تعالى: ﴿تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرًا","vol":"3","page":484},{"text":"حسنًا﴾ الآية لأنه تعالى أوعدهم على التخلف عن دعاء من دعاهم إلى ذلك فدل على صحة إمامتهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-746>(٢٥) - قوله تعالى: ﴿والهدي معكوفًا أن يبلغ محله﴾:</span>\nالمحل مكة. وقيل الحرم. وانظر الكلام على ذلك في قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوقوله تعالى: ﴿لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليمًا﴾:\nفيه دلالة على ما قال مالك والشافعي أنه لا تحرق سفينة الكفار إذا فيها أسارى المسلمين. وكذلك الحصن إذا كان فيه أسارى المسلمين. وأبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري جوزوا رمي حصون المشركين وإن شملت على أسارى وأطفال من المسلمين وزادوا فقالوا: إن تترس الكفار بأطفال المسلمين رمي المشركون وإن أصابوا أحدًا من المسلمين في ذلك فلا دية ولا كفارة. وقال الثوري فيه الكفارة ولا دية فيه. ويحتج الشافعي أيضًا بقوله: ﴿ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ...﴾ الآية. وفيه دلالة على منع رمي الكفار لأجل من فيهم من المسلمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-747>(١٧) - قوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾:</span>\nعذر الله تعالى في هذه الآية أهل العذر من العرج والعمى والمرض، ورفع الحرج عنهم في كل جهاد إلى يوم الدين إلا أن","vol":"3","page":485},{"text":"يحدث حادث في مستقر ما. فالفرض متوجه بحسب الرسع، ومع ارتفاع الحرج إذا حضروا الغزو فأجرهم فيه مضاعف، وقد غزا ابن أم مكتوم وكان يمسك الراية في بعض حروب القادسية رضي الله تعالى عنه وعن سائر الصحابة أجمعين.","vol":"3","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-748>سورة الحجرات</span>\nمدنية، وفيها مواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>(١)، (٢) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ...﴾ إلى قوله: ﴿أن تحبط أعمالكم﴾:</span>\nاختلف في سبب نزول هذه الآية، فقيل هو ما كانت العرب تفعله من مشاركة رسول الله ﷺ في الأداء. فربما كان بعضهم يقول: لم يزل كذا في معنى كذا، ولو فعل الله كذا، وينبغي أن يكون كذا ونحو ذلك، فنزلت الآية. وقيل إ، سببها أن وفد بني تميم لما قدم قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله لو أمرت القعقاع بن معبد وقال عمر بن الخطاب يا رسول الله أمر الأقرع بن حابس. فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي. فقال عمر: ما أردت خلافك، وارتفعت أصواتهما، فنزلت الآية. وأكثرهم لم يذكر لها سببًا واختلفوا في معنى التقدم في الآية ما هو؟ فقيل هو من تقديم الولاة، وهذا قول من قصر الآية على","vol":"3","page":487},{"text":"سببها من حديث أبي بكر وعمر. وقيل المعنى: لا تذبحوا قبل ذبحه، وهو قول الحن بن أبي الحسن. قيل معناه النهي عن صيام يوم الشك. وحكى عن مسروق أنه قال: دخلت عائشة في يوم الشك فقالت للجارية: أسقيه عسلًا، فقلت إني صائم. فقالت: نهى رسول الله ﷺ عن صيام هذا اليوم وفيه نزلت ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾. وهذا يرد قول من يجيز صيام يوم الشك. وقيل معنى الآية: لا تمشوا بين يدي رسول الله وكذلك بين العلماء فإنهم ورثة الأنبياء، وحكي هذا عن زيد. وقيل معناها لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة، وهو قول ابن عباس. والأحسن في الآية أن تحمل على عمومها في كل ما كان يمكن أن يتمثل فيه رأى رسول الله ﷺ وفي كل ما يكون فيه امتثال أمره ونهيه وفي كل ما يمكن فيه تعظيمه. ويحتج بهذه الآية في اتباع الشرع من كل ما ورد وصدر وربما احتج به نفاة القياس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-750>(٢) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾:</span>\nاختلف أيضًا في سببه. فقيل نزلت بسبب عادة من الجفاء وعلو الصوت والجهر وكان ثابت بن قيس بن شماس ممن في صوته جهارة، فلما نزلت هذه الآية اهتم وخاف على نفسه وجلس في بيته ولم يخرج وهو كئيب حزين. حتى عرف رسول الله ﷺ ذلك فبعث إليه فآنسه وقال له: «امش في الأرض بسطًا فإنك من أهل الجنة» وقال له مرة: «أما ترضى أن تعيش حميرًا وتموت شهيدًا» فعاش كذلك ثم قتل باليمامة يوم مسليمة. وقيل إن سبب قصة أبي بكر وعمر المتقدمة. حقيقة معنى الآية الأمر بالتعظيم لرسول الله ﷺ والتوقير وحفظ الصوت بحضرته. وقد كره بعض العلماء رفع الصوت عند قبره ﵊ وكره بعضهم رفع","vol":"3","page":488},{"text":"الصوت في مجالس الفقهاء تشريفًا لهم أنهم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-751>(٦) - قوله تعالى: ﴿يا أيها آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا بجهالة﴾:</span>\nوسببها أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق مصدقًا. ثم اختلف الرواة في حاله، فقيل إنه كاذبًا معاديًا لهم فأراد إذايتهم فرجع من بعض طريقه وكذب عليهم وقال للنبي ﷺ إنهم قد منعوني الصدقة وطردوني وارتدوا فغضب النبي ﷺ وهم بغزوهم ونظر في ذلك. وبعث خالد بن الوليد فورد فوجدهم منكرين لذلك. وقيل إنه لما قرب منهم خرجوا إليه متلقين له فلما رآهم من بعد فزع منهم وظن بهم الشر وانصرف، فقال ما ذكرناه. وقيل إنه لما قرب منهم بلغه عنهم أنهم بهم الشر وانصرف، فقال ما ذكرناه. وقيل إنه لما قرب منهم بلغه عنهم أنهم قالوا لا نعطيه الصدقة فعمل على صحة الخبر وانصرف فقال ما ذكرناه، فنزلت الآية بهذا السبب. والمشار إليه في الآية لفاسق هو الوليد على ما قال جماعة من المفسرين ثم هي باقية فيمن اتصف بهذه الصفة آخرها الدهر. والفاسق هو كل من ظهرت جرحته على غير تأويل منه فيها بشهادة مثل هذا، وروايته غير مقبولة باتفاق. واستثنى الجميع من جملة ذلك ما لا تعلق له بالشهادة ولا بالرواية مثل قول الفاسق: قد أهدى له فلان هذه الهدية ونحو ذلك. قالوا وكذلك يقبل في مثل هذا خبر الكافر. واستدل بعضهم","vol":"3","page":489},{"text":"بهذه الآية على وجوب قبول خبر الواحد إذا كان عدلًا لأنه تعالى أمر بالتثبت في نبأ الفاسق. فنبأ العدل إذا بخلافه على القول بدليل الخطاب بوجوب العمل بخبر الواحد. قال مالك الجماهير: وذهبت القدرية ومن تابعهم من أهل الظاهر إلى أن العمل به محرم. وهذا قول فاسد ترده الأصول. إذا قلنا بقبول خبر الواحد فهل يقبل في ذلك رجل واحد أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه يقبل في ذلك الواحد. وذهب الجبائي إلى أنه لا يقبل إلا خبر رجلين. وقال قوم لا بد من أربعة. ودليل خطاب الآية التي يدل على قبول خبر الواحد برد هذين القولين ويصحح القول الأول لأن الذي جاء بالنبأ المذكور في الآية إنما كان واحدًا فنهى عن قبوله فدل أن الواحد إذا كان عدلًا بخلافه، فيجب إذن على ذلك أن يقبل خبر الواحد بين الأصوليين في مثل هذ الاستدلال خلاف. واستدل بعضهم بالآية أيضًا على أن المسلمين على الجرحة حتى تثبت العدالة، وهو قول مالك وأصحابه، ورودوا بذلك قول أبي حنيفة ومن تابعه أنهم محمولون على العدالة حتى تثبت الجرحة، قالوا لأن الله تعالى أمر بالتثبت في خبر الفاسق. والمجهول الحال يحتمل أن يكون فاسقًا فيجب التثبت أيضًا في قوله، فإن حكم الحاكم قبل التثبت فقد أصاب المحكوم عليه بجهالة. فنص الآية أن الفاسق لا تقبل روايته ولا شهادته، وقد أجاز أبو حنيفة عقد النكاح بشهادة فاسقين أو محدودين، وكذلك أجاز في الشهادة على الهلال في رمضان شهادتهما، وفي الآية ما يرد ذلك. وقد اختلف في شهادة الفاسق المتأول، مثل أهل الأهواء كالخوارج وغيرهم. ومذهب الشافعي قبولها مالك وغيره","vol":"3","page":490},{"text":"ردها. وعموم الآية حجة لهم. وكذلك اختلف في شهادة الكفار بعضهم على بعض، فمنعها الجمهور وأجاز أبو حنيفة شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، فمنعها الجمهور وأجاز أبو حنيفة شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، وشهادتهم على غيرهم من أهل الكفر والآية حجة لقول الجمهور لأن الفاسق إذا لم تقبل شهادته فالكافر أولى لأن الكفر فسق وزيادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-752>(٩) - وقوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إن الله يحب المقسطين﴾:</span>\nاختلف في سبب الآية، فقيل سببها ما وقع بين بعض المسلمين وبين المتحزبين منهم مع عبد الله بن أبي بن سلول حين مر رسول الله ﷺ وهو متوجه إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه، فقال عبد الله بن أبي لما غشيه حمار رسول الله ﷺ لا تغير علينا، ولقد آذانا نتن حمارك. فرد عليه عبد الله بن رواحة الحديث بحاله، فتلاحى الناس حتى وقع بينهم ضرب بالجريد وقيل بالحديد وهو قول الجمهور وقيل سببها أن فرقتين من الأنصار وقع بينهما قتال فأصلحه رسول الله ﷺ بعد جهد ونزلت الآية وهو قول الحسن وغيره. وقيل سببها أنه كان بالمدينة امرأة من الأنصار يقال لها أم بدر وكان لها زوج من غيرهم وقع بينهم شيء أوجب أن ناب لها قومها وله قومه فوقع قتال بينهم فنزلت الآية. وقد أمر الله تعالى في هذه الآية بقتال الفئة الباغية، ومن هذا الباب النهوض في الفتن بين المسلمين وقد اختلف العلماء فيه. فذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز النهوض في شيء منها وأن على الإنسان أن يستسلم إلى القتل وإن أريدت نفسه ولا يدافع عنها واحتجوا بقوله ﵊: «ستكون فتن، القائم فيها خير من القاعد عنها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي، ومن أشرف لها استشرفته، فمن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به» وبأمره عليه","vol":"3","page":491},{"text":"الصلاة والسلام بكسر السيوف في الفتن ولزوم البيوت، وبقوله ﵊: «قتل المؤمن كفر» ومن ذهب إلى هذا من الصحابة حذيفة ومحمد بن مسلمة وأبو ذر وسعد بن أبي وقاص وغيرهم. وذهبت طائفة إلى مثل هذا إلا أنهم قالوا إن دخل داخل على بعض من اعتزل الفريقين منزله يريد نفسه فعليه دفعه عن نفسه وإن قتله. روي ذلك عن عبيدة السلماني وعمران بن حصين وابن عمر أيضًا، واحتجوا بمثل ما تقدم. غير أنهم احتجوا بإباحة الدفع عن أنفسهم بقوله ﵊: «من قاتل دون ماله ونفسه فقتل فهو شهيد». وذهبت طائفة إلى النهوض فيها والأخذ على أيدي الطائفة المخطئة وقصر المصيبة عليها، قالوا لأن النبي ﷺ قد أمر بالأخذ على يد الظالم فقال: «لتأخذن على يد الظالم تأطروه على الحق إطراء أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم» قالوا ولا يصح أن تكون الطائفتان جميعًا مصيبتين بل تكون إحداهما مصيبة والأخرى مخطئة فيجب نصر المصيبة. وهذا مروي عن علي وطلحة وعائشة وعمار بن ياسر. وروي عن عمر أنه قال: ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدت أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كام أمرني الله تعالى. وقال بعضهم: القول بنصر الطائفة المصيبة أصح لقوله تعالى: ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ وبالآية احتج جماعة من أهل العلم.","vol":"3","page":492},{"text":"فهذا نص في وجوب قتال الفئة الباغية، فلا معنى لقول من رأى القعود عن قتالهما. وقد احتج بعضهم في ذلك أيضًا بقتال أبي بكر رضي الله تعالى عنه مانعي الزكاة. قال: ولو كان ذلك لما أقيم لله تعالى حق ولا أبطل باطل. والكلام في هذه المسألة يتغلغل إلى أكثر من ذلك فلتقف عند هذا على شرطنا في الاختصار. وقال ﵊: «حكم الله في الفئة الباغية أن لا يجهز على جريح ولا يطلب هارب ولا يقتل أسير». وإذا قيل بالنهوض في الفتن ونصر أهل الحق فمع أي طائفة يكون الناهض. أمع السواد الأعظم أو مع علمائهم أو مع من يرى أن الحق معه؟ في ذلك اختلاف. فذهبت جماعة إلى لزوم السواد الأعظم ورأوا أنه الحق الواجب والفرض الثابت وأن من خالفهم فهم الفئة الباغية. وإلى نحو هذا ذهب ابن مسعود، ومن حجتهم أمر النبي ﷺ بلزوم الجماعة. وذهب قوم إلى لزوم جماعة العلماء، قالوا: وذلك أ، الله تعالى جعلهم حجة على خلقه وإليهم تفزع العامة في دينها وهم تبع لهم وهم المعنيون بقوله: «لن تجتمع أمتي على ضلالة». والذي يأتي على فرض القول بقتال الفئة الباغية أن يكون الإنسان في الفتنة مع من يرى أن الحق معه، وعليه يدل ظاهر قوله تعالى: ﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى﴾ إذ لم يخص كثيرًا من قليل ولا العلماء من غيرهم، فإنما اعتبر في ذلك البغي، فحيث اعتقده الإنسان زال عنه وحيث لم يره كان فيه. واختلف العلماء في أهل مكة إذا بغوا على أهل العدل، فذهب بعض الفقهاء إلى تحريم قتالهم مع بغيهم وأنه يضيق عليهم حتى يرجعوا عن البغي ويدخلوا في أحكام أهل العدل، فاستثنوا أهل مكة من عموم الآية. والذي عليه أكثر الفقهاء أنهم يقاتلون على بغيهم إذا لم يكن","vol":"3","page":493},{"text":"ردهم عن البغي إلا بقتال لأن قتال أهل البغي من حقوق الله تعالى التي لا يجوز أن تضاع، وكونها محفوظة في حرمة أولى من أن تكون مضاعة فيه. وحملوا الآية على عمومها في أهل مكة وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-753>(١١) - (١٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾:</span>\nذكر بعضهم لقوله تعالى: ﴿لا يسخر قوم من قوم﴾ سببًا. فقال: إنها نزلت بسبب عكرمة بن أبي جهل وذلك أنه كان يمشي بالمدينة مسلمًا فقال له قوم: هذا ابن فرعون هذه الأمة. فعز ذلك عليه وشكاه إلى رسول الله ﷺ. ويسخر: معناه يستهزئ. فأمر الله تعالى في هذه الآية بترك الاستهزاء ودعا إلى مكارم الأخلاق، وكذلك ما بعدها من الآيات إنما هي أمر بمكارم الأخلاق ودعاء إلى حسن الأدب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-754>(١١) - قوله تعالى: ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾:</span>\nاللمز: الطعن على الرجل بذكر نقيصة فيه ونحو ذلك. وقد اختلف في الفرق بين اللمز والهمز. فقيل اللمز بالقول والإشارة ونحوه مما يفهمه الآخر، والهمز لا يكون إلا باللسان. وقيل اللمز ما كان في المشهد والهمز ما كان في المغيب وقيل عكس ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿أنفسكم﴾ معناه لا يلمز بعضكم بعضًا، فقد نهى تعالى في هذه الآية أن يعيب أحد أحدًا. قال أبو الحسن: وأما من كان معينًا بالفجور فتعيينه به جائز.","vol":"3","page":494},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾:\nوالتنابز التلقب، والنبز واللقب واحد. وهو ما يعرف به الإنسان من الأسماء التي يكره سماعها. وروي أن سبب هذه الآية أن بني سلمة كانوا قد حدث فيهم الألقاب فدعا رسول الله ﷺ رجلًا منهم فقال له: «يا فلان» فقيل له إنه يغضب من هذا الاسم، ثم دعاه آخر كذلك، فنزلت الآية.\nوليس من هذا تعليق أهل الحديث وغيرهم فيما بينهم. قال واصل الأحدب وقال سليمان الأعمش: لأن ذلك مما تدعو الضرورة إليه وليس فيه قصد استخفاف وإنما المراد به تعرف الرجل. وقد قيل في الآية وفي سببها غير هذا. فقيل معنى قوله تعالى: ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾ لا يقل أحد لأحد: يا يهودي، بعد إسلامه، ولا يا فاسق، بعد توبته ونحو هذا. وحكي في سببها أن كعب بن مالك وابن أبي حدود تلاحيا فقال له كعب: يا أعرابي، يريد أن يبعده عن الهجرة، فقال له الآخر: يا يهودي، يريد لمخالطة الأنصار اليهود في يثرب. فنزلت الآية. ففي سببها إذن قولان وفي معناها قولان.\nوقوله تعالى: ﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان﴾:\nيحتمل أن يريد بئس الاسم الفسوق الذي تكتسبونه بعصيانكم","vol":"3","page":495},{"text":"لأمر الله وتنابزكم فيما بينكم بالألقاب، وذلك الاسم الفسوق لمعصيتكم بعد إيمانكم. ويحتمل أن يريد بئس ما يقوله الرجل لأخيه من: يا فاسق ونحوه. وقد استدل الرماني بهذه الآية لمذهب المعتزلة في أنه لا يجتمع الفسوق والإيمان، وهو استدلال ضعيف. بل ظاهر الآية على أنهما يجتمعان.\nوقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾:\nلم يعم تعالى النهي عن جميع الظن لأن من الظن ما يكون خيرًا وهو ظن الخير بالناس، وأما الذي نهى عنه فهو ظن الشر، وأكثر العلماء على أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز وأنه لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره قبيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-755>(١٢) -قوله تعالى: ﴿إن بعض الظن إثم﴾:</span>\nقال بعضهم أي كذب ومنه قوله ﵊: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» وقال بعضهم إثم مأثم. وقد اختلف في معنى قوله: ﴿إن بعض الظن إثم﴾ هل ذلك وإن لم يتكلم بظنه أم إنما هو إذا تكلم به؟ فذهب بعضهم إلى أن ذلك إنما هو إذا تكلم به، قال لا يقدر على دفع الخواطر التي أشار إليها بقوله ﵊: «الحرام سوء الظن» وجاء عنه ﵊ أنه قال: «احترسوا في الناس بسوء الظن». وذهب بعضهم إلى حمل الآية على ظاهرها من سوء الظن وإن لم يتكلم به وعلى ذلك يأتي قول سلمان: إني لأعد عدان قدري مخافة","vol":"3","page":496},{"text":"سوء الظن. كان أبو العالية يختم على بقية طعامه مخافة سوء الظن. ومن ذلك الحديث المشهور في الرجلين اللذين مرَّا برسول الله ﷺ وهو مع إحدى نسائه فدعاهما وأكلمهما بها وقال لهما: «خشيت أن تهلكا» ونحو ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿ولا تجسسوا﴾:\nمعناه لا تبحثوا عن مخبئات أمور الناس. وقد قرئ ولا تحسسوا. واختلف في الفرق بين التحسس والتجسس. فمن الناس من لم يفرق بينهما ورآهما جميعًا في الخير والشر، ومنهم من فرق بينهما فقال التجسس في الشر والتحسس في الخير. ومنهم من قال: التجسس ما كان من وراء والتحسس الدخول والاستعلام. وجاء عن النبي ﷺ النهي عنهما جميعًا فقال: «ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا».\nوقد قال زيد بن وهب: قيل لابن مسعود هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرًا. فقال: إنا نهينا عن التحسس فإن يظهر لنا أمر أخذناه منه.\nوقوله تعالى: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضًا﴾:\nالمعنى فيه لا يذكر أحد من صاحبه شيء يكرهه وهو فيه. وفي الحديث أنه ﵊ قال: «الغيبة أن يذكر المؤمن بما يكره»","vol":"3","page":497},{"text":"قيل: يا رسول الله وأن كان حقًا؟ قال: «إن قلت باطلًا فذلك البهتان» قال القرطبي: وقد قال قوم من السلف إن وصف الرجل غيره بما فيه من الصفة غيبة. قال معاوية بن قرة لو مر بك أقطع فقلت ذلك الأقطع كانت منك غيبة. وعن الحسن قال لا تخافون أن يكون قولنا حميرًا لطويل غيبة. وكان قتادة يكره أن يقول كعب الأحبار وسلمان الفارسي ولكن كعب المسلم وسلمان الإسلامي. وروي أن امرأة دخلت على عائشة فلما قامت لتخرج أسارت عائشة بيدها إلى النبي ﷺ أنها قصيرة، فقال ﷺ اغتبتها. وعن أبي هريرة أن رجلًا قام عن النبي ﷺ فرأوا في قيامه عجزًا فقالوا يا رسول الله ما أعجز فلانًا. فقال رسول الله ﷺ: «أكلتم أخاكم واغتبتموه». قال الطبري: وإنما يكون ذلك غيبة إذا قال على وجه الذم والغيبة للمقول فيه وهو له كفارة. وعن مثل هذا ورد النهي. وأما إذا قاله على وجه التعريف والتمييز كقولهم حمير الأرقط بن قيس وكذلك النسبة إلى الأمهات كإسماعيل بن علية وأب عائشة فإن ذلك بعيد في معنى الغيبة. ويشهد لصحة ما قاله الطبري قوله ﵊: «أصدق ذو اليدين» يعرفه لطول يديه، وقوله لأنس بن مالك: «يا ذا الأذنين» وقد قال عبد الله بن مسعود وتقول أنت ذلك يا أعور، وقد سئل ابن المبارك عن","vol":"3","page":498},{"text":"الرجل يقول حميد الطويل وسليمان الأعمش وحميد الأعرج ومروان الأصفر فقال إذا أراد صفته ولم يرد غيبته فلا بأس. وسئل ابن مهدي عن ذلك فقال مثله قال وربما سمعت شعبة يقول ليحيى بن سعيد: يا أحول ما تقول، يا أحول ما ترى. وهذا كله في غيبة أهل الستر من المؤمنين. فأما من جاهر بالكبائر فالجمهور على إجازة اغتيابه دون استحباب لتركه لقوله ﵊: «على الفاجر تدعون، اذكروا الفاجر بما فيه حتى يعرف الناس إذا لم يذكروه» ومن ذلك قوله ﵊ في عيينة بن حصن: «بئس أخو العشيرة». وقد كف جماعة من العلماء عن اغتياب جميع الناس واختاروا ذلك لأنفسهم، منهم ابن المبارك وغيره. وقد سئل ابن وهب عن غيبة النصراني فقال لا لقوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ [البقرة: ٨٣] وهو من الناس ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحكم أخيه ميتًا ...﴾ الآية فجعل لهم هذا مثلًا. وقد اعترض قوم فيما يفعله أهل الحديث من ذكر الرجل بما فيه فقالوا: كيف استجازوا هذا وهو من الغيبة وقد قال ﷺ في الطيبين: «لولا غيبتهما لأعلمتكما أيهما أطيب» وأهل الحديث يقولون: فلا أعدل عن فلان، وفلان غير ثقة وفلان كذاب ونحو ذلك. والجواب عن هذا أن الضرورة أباحت ذلك للحاجة في أخذ الحديث عن العدول، فلو لم يذكروا بما فيهم لتسوهل في الأخذ عنهم فالتبس","vol":"3","page":499},{"text":"الصحيح بالسقيم ودخل في الشرع فساد عظيم. وكذلك أيضًا التجريح، الأكثر على جوازه وأن الحاكم يمكن المشهود عليه من تجريح الشهود. وروى أشهب وابن نافع عن مالك في القوم يشهدون ويعدلون هل يقول القاضي للمشهود عليه دونك فجرح؟ فقال إن فيها توهينا للشهادة ولا أرى إذا كان عدلًا أو عدل عنده أن يفعل ذلك. قال بعض المتأخرين وهذه قوله لم يصحبها عمل. والمشهور الجواز للضرورة إلى ذلك وأن لا يمنع لكونه غيبة وقد قال ﷺ فيمن استشير في نكاحه: «إنه صعلوك لا مال له» وقال في الآخر: «إنه لا يضع عصاه من عاتقه» ولم يرد بذلك غيبة لما كان مستشارًا في النكاح ودعت الضرورة إليه. وقد احتج مسلم لما صنع أهل الحديث في ذكر الناس بأحوالهم بقوله ﵊: «أنزلوا الناس منازلهم». وحاصل هذا كله أن الآية مخصصة. ثم مثل تعالى الغيبة بأكل لحم ابن آدم ميتًا لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه، كما أن الحي لا يعلم بغيبته. وعندي أن في هذه الآية دليلًا على أنه لا يجوز أكل لحم ابن آدم ميتًا لمن اضطر إليه، وهو مذهب أصحاب مالك، خلافًا للشافعي ومن أباحه للمضطر، لأنه تعالى ضرب به المثل في تحريم الغيبة ولم يضرب بالميتة سائر الحيوان فدل ذلك على أنه في التحريم فوقها.\nوقوله تعالى: ﴿فكرهتموه﴾:\nقيل معناه معنى الأمر أي فاكرهوه، ودل على ذلك قوله تعالى بعد ذلك: ﴿واتقوا الله﴾ وقيل كأنهم إذا قيل لهم: ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا﴾ قالوا فخوطبوا على ذلك، فقيل لهم: ﴿فكرهتموه﴾. ويعد هذا الكلام مقدر تقديره فكذلك فأكرهوا الغيبة التي هي نظير ذلك. وعلى هذا العطف قوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾.","vol":"3","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-756>(١٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾:</span>\nاختلف في سبب هذه الآية. فقيل غضب الحارث بن هشام وعتاب بن أسيد حين أذن بلال يوم فتح مكة على الكعبة. وقيل قول ثابت بن قيس لرجل لم يفسح عند النبي ﷺ: يا ابن فلانة. فوبخه على ذلك ﵊ وقال له: «إنك لا تفضل أحدًا إلا في الدين والتقوى» فنزلت الآية ونزل الأمر بالتفسيح في ذلك وقد سوى الله تعالى في هذه الآية بين الناس وأعلمهم أن الذي يشرف الإنسان إنما هو التقوى وبحسب التفاضل في ذلك يكون التفاضل في الشرف. وروي عنه ﵊ أنه قال: «نعم الحسب المال والكرم والتقوى» يعني أن المال يستغني به الإنسان في الدنيا عن الناس ويستغني بالتقوي في الآخرة. وفي حديث آخر: من خير الناس يا رسول الله؟ قال: «آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم وأتقاهم» والأثر في هذا النحو لا يحصى. وفي الآية دليل واضح على تعلم الأنساب، وقد ندب النبي ﷺ إلى تعلمها فقال: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم» وقال عمر بن الخطاب ﵁: تعلموا أنسابكم تصلوا أرحامكم ولا تكونوا كنبط السواد إذا سئل أحدهم لمن أنت قال قرية كذا. وفي هذا كله دليل على ضعف قول من قال إن علم النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر لأن منفعته في صلة الرحم وفي التوارث بينة.","vol":"3","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-757>(١٤) - قوله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾:</span>\nيحتج بهذه الآية من يفرق بين الإيمان والإسلام، وهو الصحيح، لأن الإسلام أعم من الإيمان، فكل مؤمن مسلمًا وليس كل مسلم مؤمنًا. ومن الناس من يقول: الإسلام والإيمان بمعنى واحد والآية حجة عليه. وقد تقدم الكلام على هذا.","vol":"3","page":502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-758>سورة ق</span>\nوهي مكية. وروي عنه ﵊ أنه قال: «من قرأ سورة ق هون الله تعالى عليه الموت وسكراته». وفيها موضعان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-759>(٣٩) - قوله تعالى: ﴿فاصبر على ما يقولون﴾:</span>\nاختلف في الآية هل هي منسوخة أو محكمة؟ فقيل هي آية موادعة مختصة بجميع الكفار نسختها آية القتال. وقيل هي محكمة نزلت في اليهود وهم أصحاب جزية فأمر النبي ﷺ أن يصبر على أذاهم وما يتكلمون به لأنه روي أن اليهود سألت النبي ﷺ عن أشياء في خلق السماوات والأرض فلما أخبرهم قالوا: ثم ماذا يا محمد؟ قال: «ثم استوى على العرش». قالوا قد أثبت لو أتممت: ثم استراح.\nفغضب النبي ﷺ من ذلك غضبًا شديدًا فنزلت الآية: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب * فاصبر على ما يقولون﴾ وهذا القول أحسن.","vol":"3","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-760>(٣٩)، (٤٠) - قوله تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب * ومن الليل فسبحه وأدبار السجود﴾:</span>\nالتسبيح في هذه الآية بمعنى الصلاة. وقوله تعالى: ﴿قبل طلوع الشمس﴾ اختلف فيها. فقيل يعني الصبح وقيل ركعتي الفجر. واختلف في قوله: ﴿وقبل الغروب﴾ فقيل هي العصر. قاله قتادة وغيره، وقيل الظهر والعصر قاله ابن عباس، وقيل الركعتان قبل المغرب. وقد اختلف فيهما، فن الناس من أجازهما ومنهم من لم يجزهما وهو المشهور من المذهب. وقد قال قتادة: ما أدركت أحدًا يصلي الركعتين قبل المغرب إلا أنسًا وأبا برزة. واختلف في قوله: ﴿ومن الليل﴾ فقيل هي صلاة العشاءين وقيل العشاء فقط قاله ابن زيد، وقيل صلاة الليل، قاله مجاهد.\nواختلف في قوله تعالى: ﴿وأدبار السجود﴾ فقيل هي الركعتان قبل المغرب، وروي عن النبي ﷺ ذلك، كأنه روعي أدبار صلاة النهار كما روعي أدبار النجوم في صلاة الليل. فقيل هي الركعتان مع الفجر، وقال هذا عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب والشعبي والأوزاعي وغيرهم. وقيل هي الوتر، قاله ابن عباس فيما ذكره عنه بعضهم، وقيل هي صلاة الليل. وهي النوافل إثر الصلوات، قاله ابن زيد وابن عباس أيضًا. وهذا القول أظهر على لفظ الآية. قال المهدوي: وقيل إنه منسوخ بالفرائض. وقال بعض العلماء هو مندوب إليه. وقيل هو التسبيح أدبار الصلوات.","vol":"3","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-761>سورة الذاريات</span>\nوهي مكية وفيها ثلاثة مواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-762>(١٧) - قوله تعالى: ﴿كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون﴾:</span>\nاختلف في معنى الآية. فقال أنس بن مالك: المراد بذلك أنهم كانوا يتنفلون بين المغرب والعشاء. وقيل المراد بذلك قيام الليل. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل كانوا يقومون الأكثر من كل ليلة أم كانوا يقومون أكثر الليالي ويتركون بعضها. فذهب الحسن إلى أنهم كانوا يقومون أكثر الليل لا ينامون منه إلا قليلًا. وذهب مجاهد وغيره إلى أنهم كانوا يقومون أكثر الليالي ويتركون بعضها. والليل على هذا القول في الآية بمعنى الليالي. وبالجملة ففي هذه الآية تفضيل القيام بالليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-763>(١٨) - قوله تعالى: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾:</span>\nاختلف في معنى الاستغفار. فقيل الصلاة، وقيل طلب المغفرة. وفي الآية دليل على أن السحر مظنة الاستغفار. وعلى هذا جاء حديث النزول وروي أن أبواب الجنة تفتح سحر كل يوم. وفي قصة يعقوب ﵇ في قوله: ﴿سوف أستغفر لكم ربي﴾ [يوسف: ٩٨] قال الآخر الاستغفار إلى","vol":"3","page":505},{"text":"السحر. وقال ابن زيد: السحر السدس الأخير من الليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-764>(١٩) - وقوله تعالى: ﴿وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾:</span>\nاختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب قوم إلى أنها موجبة في المال شيئًا غير الزكاة. وذهب قوم إلى ذلك منسوخ بالزكاة المفروضة. وهذا ضعيف لأنه تعالى لم يشرف بمكة قبل الهجرة شيئًا في الأموال. وقيل هي محكمة. واختلف الذاهبون إلى ذلك. فقال منذر بن سعيد هي الزكاة المفروضة. وهذا ضعيف لأن السورة مكية ولم تفرض الزكاة إلا بالمدينة. وقيل هي شيء غير الزكاة لكن ذلك على وجه الندب لا على وجه الإيجاب. وهذا أحسن الأقوال. واختلف في المحروم، قيل هو المحارب الذي ليس له في الإسلام سهم مال فهو ذو الحرفة، وهو قول ابن عباس. وقيل الذي ليس له مال وهذا أيضًا يروى عن ابن عباس. وقد قال أبو قلابة: جاء سائل باليمامة فذهب بمال رجل. فقال رجل من أصحاب محمد هذا المحروم. وقيل هو الذي أجيحت ثمرته، قاله ابن زيد. وقيل هو الذي ماتت ماشيته. وقيل الذي لا يسأل الناس، قاله محمد بن الحنفية. وقيل هو الذي لا ينمو له شيء، قاله عكرمة. وقيل المحروم الفقير الذي يخرج في الناس وهو متعفف وروي أيضًا عن ابن عباس. وقيل المحروم الكلب، قاله عمر بن عبد العزيز. وهذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى واحد من العدم والاحتياج. وبعض الناس يسوقونها على أنها اختلاف وليس بصحيح. وإنما ساق العلماء كل قول من ذلك على جهة المثال للمعنى العام المراد بالآية.","vol":"3","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-765>(٥٤) - قوله تعالى: ﴿فتول عنهم فما أنت بملوم﴾:</span>\nذكر بعضهم عن الضحاك أنها منسوخة بآية الجهاد. وذكر بعضهم عنه أنها منسوخة بالإقبال عليهم والموعظة لهم. قال تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فقد بلغت رسالته﴾ [المائدة: ٦٧]. وقد يحتمل أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿فتول عنهم﴾ أي عند شدة الحرص عليهم وحسرة النفس لبقائهم على الكفر، ثم أمرهم بالتذكير مع ذلك، فلا يكون في الآية نسخ. وقال قتادة: بلغنا أنها لما نزلت: ﴿فتول عنمه فما أنت بملموم﴾ اغتم المسلمون وخافوا نزول العذاب حتى نزلت: ﴿فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ [الذاريات: ٥٥].","vol":"3","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-766>سورة الطور</span>\nمكية وفيها ثلاثة مواضع:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-767>(٤٠) - قوله تعالى: ﴿أم تسألهم أجرًا فهم من مغرم مثقلون﴾:</span>\nوهذه الآية أيضًا في سورة القلم المعنى: أم تسألهم يا محمد على ما آتيتهم به من الإيمان أجرة يثقل عليهم غرمها، فهم لأجل ذلك الذي صرفت عليهم من الغرم يكرهون الدخول في دينك لأجل الغرامة التي تلزمهم. وظاهر هذه الآية أن لو ألزمهم غرم شيء لكان عذرًا لهم في أن لا يدخلوا في الدين، وما يكون كذلك فيحرم وضعه عليهم. وفي هذا دليل على أن المغارم التي كان يضعها الولاة قديمًا لا يجوز أن يلزموه وهم كارهون، كهذا المغرم الموضوع ببلادنا على الناس لا يجوز أن يلزموه وهم كارهون. وقد أجازه بعض الأصوليين وركب فيه طريق المصلحة، وذلك لم يكن للجنود ما يغنيهم من غير ذلك، وترك ظواهر الشرع لأجل ذلك الأصل. والمصلحة أصل بين أهل العلم لا خلاف في مراعاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-768>(٤٥) - قوله تعالى: ﴿فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون﴾:</span>\nهي آية موادعة نسخت بآية القتال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-769>(٤٨)، (٤٩) - قوله تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك حين تقوم * ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم﴾:</span>","vol":"3","page":508},{"text":"اختلف في تأويل هذه الآية، فقيل المراد بها الصلوات المفروضة وهو قول الضحاك وابن زيد، فبكون قوله تعالى: ﴿حين تقوم﴾ يراد به صلاة الظهر والعصر، أي حين تقوم من القائلة. ﴿ومن الليل﴾ المغرب والعشاء. ﴿وإدبار النجوم﴾ الصبح. وقيل المراد بها الصلوات النوافل، وهو قول عمر وعلي الحسن وغيرهم، فيكون المراد بإدبار النجوم على هذا ركعتي الفجر. وقيل المراد بها التسبيح المعروف، فيكون قوله تعالى: ﴿حين تقوم﴾ مثالًا، أي حين تقوم وحين تقعد وفي كل تصرفاتك. وقيل المراد بالآية التسبيح في إدبار الصلوات خاصة. فهذه أربعة أقوال في جملة الآية. وفيها قول خامس: وهو أن يقول بعد التكبير في الصلاة قبل القراءة: «سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك». ورأى بعض القائلين بذلك أنه فرض وحمل الأمر به في الآية على الوجوب. ورأى بعضهم أنه مندوب إليه. وقد روي ذلك عن مالك. والآية على هذا القول على جهة الندب. ورآه بعضهم جائزًا لا فرضًا ولا ندبًا، وهي رواية عن مالك. فالأمر على هذا في الآية على جهة الإباحة. وقد أنكر مالك هذا التأويل في الآية فلم يجزه، وهو المشهور في المذهب. وفيه قول سادس: أن المراد بالقيام في الآية القيام إلى الصلاة خاصة، وهو قول محمد بن كعب والضحاك. قال الضحاك: يقول الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا سبحان الله بكرة وأصيلًا. وقد ذكر عن الضحاك غير ذلك. فعلى هذا يكون التسبيح إذا قام الرجل إلى الصلاة قبل تكبيرة الإحرام. وفيه قول سابع: أن المراد بالقيام القيام من المنام، قاله أبو الجوزاء. وفيه قول ثامن: أن المراد به القيام من المجلس، قاله سفيان الثوري، قال: فيقول حين يقوم","vol":"3","page":509},{"text":"من مجلسه: سبحان الله وبحمده. وذكر عن بعضهم أن الآية منسوخة بالصلوات الخمس، وهذا -والله تعالى أعلم- على قول من يرى الآية في صلاة النافلة ويراها مقتضية للوجوب.","vol":"3","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-770>سورة النجم</span>\nوهي مكية، وهي أول سورة أعلن بها رسول الله ﷺ، وفيها سجد وسجد معه المسلمون والمشركون إلا أبا لهب فإنه رفع حفنة من تراب إلى وجهه وقال: يكفيني هذا. وفيها مواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-771>(٣) - قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ </span>الآية.\nيحتج بها من لم يجوز لرسول الله ﷺ الاجتهاد في الحوادث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-772>(٢٨) - قوله تعالى: ﴿إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا﴾:</span>\nاحتج بها بعض المبطلين للقياس بهذه الآية، ولا حجة لهم لأنها إنما هي في الظن الذي يكون عن غير علم. وأما الظن الذي يكون عن علم فلم يعبه الله تعالى، ألا تراه قال قبل ذلك: ﴿وما لهم به من علم﴾.","vol":"3","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-773>(٣٢) - وقوله تعالى: ﴿إلا اللمم﴾:</span>\nيحتمل أن يراد به الصغائر المغفورة عند اجتناب الكبائر، وعلى هذا يأتي ما روي عن أبي هريرة أنه قال: هو النظرة والغمزة والقبلة والمباشرة. وقيل: هو أن يصيب الذنب ثم يتوب منه، وعلى هذا يأتي قول عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ما دون\nالشرك. وروي عن أبي هريرة أنه قال: اللمم: الجماع والشرب والسرقة ثم يتوب فاعل ذلك فلا يعود. ورجح هذا القول إسماعيل القاضي. وقيل: اللمم: مقاربة الشيء من غير دخول فيه. وقيل: اللمم ما كان يفعل في الجاهلية مثل قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ [النساء: ٢٣] وقال بعضهم: المعنى يجتنبون كبائر الإثم والفواحش واللمم. قال إسماعيل: وهو قول فاسد لقوله تعالى: ﴿إن ربك واسع المغفرة﴾ [النجم: ٣٢]، وإذا اجتنبوا اللمم فأي شيء يغفر. وهذا القول أيضًا يضعف من غير الوجه المذكور وهو أن معنى الاستغناء يبطل به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-774>(٢٩) - قوله تعالى: ﴿فأعرض عن من تولى عن ذكرنا </span>...﴾:\nفي هذه الآية موادعة وهي منسوخة بآية السيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-775>(٣٩) - قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾:</span>\nاختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب ابن عباس إلى أنها موجبة أن لا ينتفع الإنسان إلا بعمله خاصة، وأنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ [الطور: ٢١] فأخبر أنه أدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء. وهذا قول ضعيف لأن الآية خبر، وأيضًا بأنها من شريعة غيرنا. وقيل هي محكمة. واختلف الذاهبون","vol":"3","page":512},{"text":"إلى ذلك في تأويلها، منهم من رآها في شريعة غيرنا فلم يلزمها في شريعتنا. روي عن عكرمة أنه قال: كان هذا الحكم في قوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة فلها سعي غيرها. ومنهم من قال الإنسان المذكور في الآية هو الكافر وأما المؤمن فله سعيه وما سعى له غيره، وهو قول الربيع بن أنس. وقيل الآية محكمة في شريعتنا وفي المؤمنين وليس للإنسان حقيقة إلا سعيه. وأما ما ثم من رحمة لسعي غيره من شفاعة أو رعاية أب صالح أو ابن أو عمل صالح قد عمله له غيره ونحو ذلك فليس هو للإنسان إلا على توجز. فالآية إنما جاءت على إثبات الحقيقة. وهذا أصح ما يقال في الآية محكمة وعلى ظاهرها ولا ينفع أحدًا عمل أحد ولا ينتفع الإنسان إلا بعمله، فلهذا الاختلاف الذي قدمناه اختلف في العمل بالبدن أو المال عن الإنسان بعد موته. فلم يره من حمل الآية على ظاهرها. قال المهدوي: وهو قول مالك. وكره مكي ولم ينسبه، ورآه من لم يحملها على ظاهرها وتأولها أو رآها منسوخة، ومن حجته أيضًا حديث سعد بن عبادة في النذر الذي كان على أمه، وما جاء عن عائشة من أنها اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن وأعتقت عنه، وحديث المرأة من خثعم وحديث الصيام في قوله ﵊: «من مات صام عنه وليه» ونحو ذلك من الأحاديث الجائية. وقد ذكر البخاري عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا لامرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقيا: تصلي عليها. وقد جاء عنهما غير ذلك. وأما النذر الذي كان على أم سعد فقيل كان صومًا وقيل عتقًا وقيل","vol":"3","page":513},{"text":"صدقة وقيل نذرًا مطلقًا. وقد أمر النبي ﷺ بالقضاء. وفرق بعضهم بين العمل بالبدن كالصيام والحج، والعمل بالمال كالصدقة والعتق. فلم يجيزوا العمل بالبدن وأجازوه في المال وأجمعوا على أنه لا يؤمن أحد على أحد ولا يصلي أحد على أحد، فليس للإنسان من ذلك إلا سعيه. كذا ذكروا أنهم أجمعوا في الصلاة، وقد جاء فيه ما ذكرناه عن ابن عباس وغيره. وكذلك ذكره الباجي وغيره أنهم أجمعوا على أن صدقة الحي عن الميت جائزة وذكر أهل التفسير فيها الخلاف المتقدم عن مالك وغيره حسبما قدمته. واختلف في الوصية بالحج الفرض فأجازها مالك ولم يجزه غيره لظاهر الآية، وهذا قول ابن كنانة من أصحاب مالك. ومالك يرى أنه إذا أوصى بذلك فهو عن النبي ﷺ ومراعاة الاختلاف فيه. واختلف من ذهب إلى تنفيذ الوصية بالحج فيمن عليه نذر مشى فأوصى به. فالمشهور في المذهب أنها لا تنفذ وصيته ويهدي عنه في المشي هديان. وقيل يهدي عنه من الهدايا بقدر الكراء والنفقة. وسحنون يرى أن تنفيذ وصيته بالمشي النذر كما تنفذ بالحج. وقد استحب مالك بمن وعد أباه أن يمشي عنه أن يفي بما وعده من ذلك. وأما الوصية بالصيام فلا، قال: وفي المذهب أنه لا تنفيل، لكنه يطعم عنه عن كل يوم مدًا لكل مسكين. وإن قرأ رجل ووهب ثواب قراءته لميت جاز ذلك ووصل للميت أجره ونفعه. وكذلك اختلف في الرجل يستأجر من يحج عنه تطوعًا على قولين. وللشافعي في أحد قوليه أنه لا يجوز، وقاله ابن المنذر واحتج بقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾. والمسائل في هذا النوع تكثر.","vol":"3","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-776>سورة القمر</span>\nوهي مكية إلا آية واحدة اختلف فيها وهي: ﴿سيهزم الجمع﴾ [القمر: ٤٥]. قال الجمهور هي مكية وقال قوم هي مدنية. واختلفوا في موضع نزولها فقيل بالمدينة فقيل بالمدينة وقيل يوم بدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-777>(٦) - قوله تعالى: ﴿فتول عنهم﴾:</span>\nيحتمل أن يريد بذلك معنى لا تذهب نفسك عليهم حسرات، فتكون الآية محكمة. ويحتمل أن يريد بذلك الكف عن مجاهدتهم، فتكون الآية منسوخة بآية السيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-778>(٢٨) - قوله تعالى: ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر﴾:</span>\nيدل على جواز القسمة في الماء.","vol":"3","page":515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-779>سورة الرحمن -﷿</span>-\nاختلف فيها. فقال الجمهور إنها مكية، وقال نافع وعطاء وقتادة وغيرهم هي مدنية نزلت عند إباية سهيل بن عمرو وغيره أن يكتب في الصلح: بسم الله الرحمن الرحيم. والأول أصح. وإنما نزلت حين قالت قريش بمكة: وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-780>(٦٨) - قوله تعالى: ﴿فيها فاكهة ونخل ورمان﴾:</span>\nيحتج بها من يخرج الرمان والنخل من مطلق اسم الفاكهة لأن الشيء لا يعطف على نفسه إنما يعطف على غيره. هذا ظاهر الكلام. والشافعي رحمه الله تعالى يقول هو كقوله تعالى: ﴿من كان عدوًا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ...﴾ الآية [البقرة: ٩٨].","vol":"3","page":516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-781>سورة الواقعة</span>\nوهي مكية كلها. وقيل إن فيها آيات مدنية. ويروى أن عثمان بن عفان دعا ابن مسعود إلى عطائه فأبى أن يأخذه. فقال له: خذ للعيال. فقال: إنهم يقرأون سورة الواقعة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأها لم يفتقر أبدًا» وفيها موضعان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-782>(٧٨)، (٧٩) - قوله تعالى: ﴿في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون﴾:</span>\nاختلف في الكتاب ما هو، فقيل: الكتاب الذي في السماء، قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل التوراة والإنجيل، قاله عكرمة. فالمراد بالآية على هذا في الكبت المنزلة. وقيل هو مصاحف المسلمين ولم يكن يوم نزلت الآية، ولكن الآية على هذا إخبار بغيب. وهو أحسن. واختلف في المطهرين. فمن قال في الكتاب إنه الذي في السماء، قال: هم الملائكة. قال قتادة: فأما ما عندكم فقد يمسه المشرك والنجس والمنافق. وقال الطبري: المطهرون الملائكة والأنبياء ومن لا ذنب له وليس في الآية على","vol":"3","page":517},{"text":"هذا القول حكم مس المصحف لسائر بني آدم. ومن قال إنها مصاحف المسلمين قال: إن قوله: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ إخبار معناه النهي بأن لا يمس المصحف إلا طاهر. وهو أظهر الأقوال، ولا أعلم خلافًا في أنه لا يجوز أن يمسه كافر. ولذلك نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. واختلف في الجنب والمحدث غير الجنب، فلم يجز لهام مالك أن يمساه ولا أن يحملاه بعلاقة ولا وسادة، وحجته ظاهر الآية وكتاب رسول الله ﷺ إلى عمرو بن حزم أن لا يمس القرآن إلا طاهر. وقد احتج مالك في الموطأ بالآية على المسألة، ثم ذكر بعد ذلك أن المطهرين الملائكة. وفي ذلك من قوله نظر. فيحتمل أن يكون ذكر الآية لأن غيره قد احتج بها في ذلك ثم ذكر هو تأويله فيها. ويحتمل أن يكون ذكرها ليقاس بنو آدم على الملائكة في أنه يجب أن لا يمسه بنو آدم إلا وهم طاهرون كالملائكة المطهرين. وجوز داود وأحمد والحكم مسه لهما ويحتجون بأن المراد بالآية الملائكة. ورخص بعضهم في مسه بالحدث الأصغر دون الأكبر. ولم يجز أبو حنيفة مسه لهما وأجاز حمله لهما في غلاف أو بعلاقة. وهذه الأقوال كلها ضعيفة تردها الظواهر المذكورة قبل. وكذلك اختلف في الحائض هل تمس المصحف أم لا؟ وعندنا أنها لا تمسه","vol":"3","page":518},{"text":"لظاهر الآية. وأما المعلم والصبيان فيجوز لهم مس المصحف وإن كانوا محدثين، للمشقة الداخلة عليهم في ذلك، فهم مخصصون من عموم الآية. واختلف أيضًا في قراءة الجنب القرآن ظاهرًا فأجازه داود ولم يجزه أبو حنيفة والشافعي جملة، وأجازه مالك في اليسير ولم يجزه في الكثير. ومن حجة من أجاز أنه تعالى إنما قال: ﴿لا يمسه﴾، ومن قرأه ظاهرًا لا يقال إنه يمسه. ومن حجة من لم يجزه المفهوم من الآية وهو التعظيم للقرآن، فإذا كان كذلك فقراءته ظاهرًا أو نظرًا في ذلك سواء. ومن فرق بين اليسير والكثير فاستحسان للضرورة، وقد قال ﵊: «أنا آكل وأشرب جنبًا ولا أقرأ جنبًا». واختلف أيضًا في قراءة القرآن ظاهرًا للحائض أو النفساء. فعن مالك فيه روايتان: الجواز والمنع. وفرق بعضهم بين اليسير والكثير. والكلام في ذلك كالكلام فيما قبله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-783>(٩٦) - قوله تعالى: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾:</span>\nروى عقبة بن عامر أنه لما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ: «اجعلوها في ركوعكم» فلما نزلت: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ قال «اجعلوها في سجودكم». وق اختلف في التسبيح في الركوع والسجود هل هو واجب أم لا؟ ففي المذهب أنه مستحب. وعند أحمد وداود أنه واجب. وقال إسحاق: من تركه لم تجز صلاته. فعلى القول الأول يكون الأمر به في الآية أمر استحباب. وعلى القول الآخر يكون الأمر به في الآية أمر وجوب. والقول الأول أحسن لما يعضده من الظواهر.","vol":"3","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-784>سورة الحديد</span>\nاختلف فيها. فقال الجمهور أنها مدنية. وقال قوم إنها مكية. ولا خلاف أن فيها قرآنًا مدنيًا لكن يشبه أن يكون صدرها مكيًا، والله تعالى أعلم. وفيها موضع واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-785>(١٢) - قوله تعالى: ﴿يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم﴾:</span>\nانتزع قوم من هذه الآية حمل العبد للشمعة إذا أعتق.","vol":"3","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-786>سورة المجادلة</span>\nوهي مدنية. حكى بعضهم إنها مدنية إلا قوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة ...﴾ [المجادلة: ٧] فإنها مكية وفيها من الأحكام والنسخ مواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-787>(١) - (٥) - قوله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ إلى قوله: ﴿أن الذين يحادون الله﴾:</span>\nاختلف في اسم المظاهر منها، وهي المجادلة التي ذكر الله تعالى في هذه السورة. فقيل: خولة بنت دليج. وقيل خولة بنت حكيم، قاله عمر بن الخطاب. وقيل خويلة بنت ثعلبة، قاله قتادة. وقيل خولة بنت دليج، قاله أبو العالية وغيره. وقيل جليلة، قالته عائشة. وقيل خولة بنت الصامت. وقيل خولة بنت خويلد، قاله ابن عباس. وقيل خولة بنت ثعلبة.، قاله محمد بن كعب القرظي وغيره. واختلف أيضًا في اسم زوجها. فقيل أوس بن الصامت الأنصاري، وعليه الجمهور. وقيل","vol":"3","page":521},{"text":"سلمة بن صخر البياضي. واختلف أيضًا في سبب الآية. فمن قال إن المظاهر كان سلمة قال إنه كان ظاهر منها في شهر رمضان فواقعها ليلة. فسأل قومه أن يسألوا رسول الله ﷺ فأبوا وهابوا ذلك وأعظموا جريرته. فذهب إلى رسول الله ﷺ بنفسه وسأله واسترشده فنزلت الآية وقال له ﵊: «أتعتق رقبة؟» فقال: والله ما أملك غير رقبتي. فقال: «أتصومن شهرين متتابعين؟» فقال: يا رسول الله، وهل أتيت إلا من الصيام، قال: «أتطعم ستين مسكينًا؟» قال لا أجد. فأعطاه رسول الله ﷺ صدقات قومه يكفر بها. فرجع إلى قومه فقال لهم\" إني وجدت عندكم الشدة ووجدت عند رسول الله ﷺ الرخصة. وقال: أعطاني صدقاتكم. ومن قال إن المظاهر أوس، قال: إن أوسًا ظاهر من امرأته، وكان الظهار عندهم في الجاهلية فراقًا مؤبدًا، فلما فعل ذلك أوس جاءت زوجته إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أوسًا أكل شبابي ونثرت له بطني، فلما كبرت ومات أهلي ظاهر مني. فقال رسول الله ﷺ: «ما أراك إلا حرمت عليه». فقالت: يا رسول الله لا تفعل فإني وحيدة ليس لي أهل سواه، فراجعها رسول الله ﷺ بمثل مقالته، فراجعته، فهو جدالها. وكانت في خلال مجادلتها تقول: اللهم إليك أشكو حالي وانفرادي وفقري إليك. وفي بعض الحديث لها كانت تقول: اللهم إن لي منه صبية صغارًا لئن ضممتهم إليه ضاعوا وإم ضممتهم إلي جاعوا. فهذا هو اشتكاؤها. فنزل الوحي عند ذلك على رسول الله ﷺ بهذه الآيات وكانت عائشة حاضرة لهذا كله. فكانت تقول: سبحان من وسع سمعه الأصوات، لقد كنت حاضرة وكان بعض كلام خولة يخفى علي، وسمع الله تعالى جدالها فبعث رسول الله ﷺ في أوس فقال: «أتعتق رقبة؟» فقال: والله ما أملكها. فقال: «أتصوم شهرين متتابعين؟» فقال:","vol":"3","page":522},{"text":"والله ما أقدر أن أصبر إلا على ثلاث أكلات في النهار، ومتى لم أفعل ذلك غشيني بصري. فقال له: «أتطعم؟» قال: لا أجد إلا أن تعينني يا رسول الله بمعونة وصلاة -يريد الدعاء- فأعانه ﷺ بخمسة عشر صاع ودعا له. وقيل بثلاثين صاعًا. فكفر بالطعام وأمسك أهله. وألفاظ الحديث في الروايات مضطربة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-788>(٢) - وقوله تعالى: ﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم﴾:</span>\nحقيقة الظهار الذي ذكره الله تعالى هو أن يشبه الرجل امرأته بأمه في التحريم. وكانت العرب تكني عن ذلك بالظهر، فيقول: امرأته عليه كظهر أمه، ولذلك سمي الظهار لأنه مأخوذ من الظهر. وإنما خص الظهر دون البطن والفرج ونحو ذلك من الأعضاء لأنه موضع الركوب في الحيوان، والمرأة عند الغشيان مركوبة. فإذا قال أحد لامرأته ذلك باللفظ فإنما أراد أن ركوبها للغشيان عليه محرم كركوب أمه فكنى بالركوب عن النكاح، وهو استعارة بديعة. وكان الظهار في الجاهلية طلاقًا مؤبدًا وكذلك في أول الإسلام إلى أن نزلت هذه الآية. ولهذا جعلها بعضهم ناسخة، أي ناسخة لما تقرر في أول الإسلام، ولا معنى لقول من يقول إنها ناسخة لما كان في الجاهلية لأن ذلك ليس بنسخ لأنه لم يكن شرعًا، وهو مذكور عن ابن عباس، ذكره عنه مكي.\nقوله تعالى: ﴿ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم﴾:\nرد الله تعالى بهذا على من كان يوقع الظهار ويعتقده حقيقة، وأخبر أن تصيير الزوجة أمًا باطل وأن الأم هي الوالدة، وأما الزوجة فلا تكون أمًا ولا يكون حكمها حكمها.","vol":"3","page":523},{"text":"قوله تعالى: ﴿وإنهم ليقولون منكرًا من القول وزورًا﴾:\nأخبر تعالى أن لفظ الظهار الذي كانوا يطلقونه منكرًا وزورًا. والمنكر من القول هو الذي لا تعرف له حقيقة، والزور الكذب. وسماه كذبًا لأنهم صيروا نساءهم كأمهاتهم وهن لا يصرن كذلك أبدًا. والظهار حرام لا يحل إيقاعه أبدًا ودل على تحريمه ثلاثة أشياء:\nأحدها: تكذيب الله تعالى لمن فعل ذلك. والثاني: أنه سماه منكرًا وزورًا -والزور الكذب- وهو محرم بإجماع. والثالث: إخباره تعالى أنه معفو عنه ويغفر، ولا يعفي ويغفر إلا على المذنبين لأنه وقع لزم لكن على غير الحكم الذي كان في الجاهلية وفي أول الإسلام على تأبيد التحريم لأنه تعالى أخرجه من ذلك الحكم إلى باب الكفارة، ثم أعلمنا كيف يكون الحكم فيه إذا وقع فقال: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا﴾ الآية. ولا خلاف أن من ظاهر امرأته بأمه لزمه الظهار لأنه خص الآية.\nواختلف في سائر ذوات المحارم من النسب، فروي عن الشافعي أن الظهار لا يكون إلا بالأم وحدها، وروي عنه أنه لا يكون إلا بالأمهات والجدات. وروي عنه أنه يكون بجميع ذوات المحارم من النسب، وهو قول مالك وسائر أصحابه. فمن اقتصر على الأم وحدها راعى لفظ الآية ولم يقس. ومن زاد على ذلك قاس على ما جاء في الآية، وهو أظهر. واختلف أيضًا في الظهار بالأجنبية، فذهب ابن الماجشون إلى أنه لا يكون مظاهرًا سمى الظهر أو لم يسمه، أراد به الظهار أو لم يرده وتكون امرأته طالقًا إلا أن تكون له نية. وقال أشهب في رواية أبي زيد عنه إنه يكون مظاهرًا سمى أو لم يسم. وقال ابن القاسم: إنه إن سمى الظهر فهو مظاهر إلا أن يريد","vol":"3","page":524},{"text":"الطلاق، وإن لم يسمه فهو طلاق ولا يصدق. وقول أشهب أصح في القياس على ظاهر الآية. والقولان الآخران أغرق في القياس وأبعد مذهبًا. واختلف أيضًا في الظهار بالرجال لمن ظاهر امرأته بظهر أبيه أو ابنه أو غلامه هل يلزم أم لا؟ على قولين:\nأحدهما: أنه يلزم، وهو قول ابن القاسم. والآخر أنه لا يلزم ولا حكم له، وهو قول مطرف. والأظهر منهما أنه لا يلزم على ظاهر الآية لأنها إنما جاءت في النساء، وإلحاق الرجل بها بعيد. وهذا إذا سمى الظهر، فإن لم يسم الظهر فهو طلاق على وجه التحريم. واختلف أيضًا فيمن ظاهر بغير الظهر فهو طلاق على وجه التحريم. واختلف أيضًا فيمن ظاهر بغير شخص معين، فقيل هو ظهار، وقيل هو طلاق على التحريم، والأول أظهر على لفظ الآية. واختلف هل الظهار بسائر الأعضاء كالظهار بالظهر أم لا؟ ففي المذهب أنه سواء مع الطلاق في ذلك، وذهب الشافعي أنه لا يلزم إلا بالظهر خاصة، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يلزم في كل عضو محرم بالنظر خاصة، وذهب أبو حنيفة إلى أن يلزم في كل عضو محرم النظر إليه. فالشافعي يراعي لفظ الآية واقتصر على ما جاءت فيه من الظهر ولم يقس. وغيره قاس على ما جاء في الآية. واختلف فيمن شبه امرأته بأمه فقال: أنت علي كأمي أو مثل أمي، ولم يذكر الظهر. ففي المذهب أنه ظهار، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه ليس بظهار إلا أن ينويه. فمالك ومن تابعه راعى مفهوم الآية وأن المراد من التسمية بالظهر إنما هو في التحريم. ومن أسقط فكذلك ذكر الظهر أو لم يذكره. وأبو حنيفة والشافعي راعيا الظهر للاقتصار عليه في الآية ولم يراعيا المعنى المقصود من ذلك. واختلف في الظهار هل يلزم في ملك اليمين أم لا؟ ففي المذهب أنه يلزم. وقال أبو حنيفة والشافعي إنه لا يلزم. فحل مالك قوله تعالى: ﴿من نسائهم﴾ على الزوجات والإماء، وحمله غيره على الزوجات خاصة. وقول مالك أظهر لأن لفظ النساء يعم الحرائر","vol":"3","page":525},{"text":"والإماء. واختلف في ظهار الزوجة من زوجها، ففي المذهب وغيره أنه لا حكم له. وقال الحسن والنخعي أنه ظهار. والدليل قول الجمهور ظاهر الآية لأنه تعالى إنما ذكر أن الظهار إنما هو في الرجل وفيه جعل الحكم ولم يجعل للمرأة ظهارًا فكيف يكون له حكم.\nواختلف في الظهار قبل النكاح كالذي يقول: إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي. ففي المذهب أنه يلزم. وقال أبو حنيفة والشافعي أنه لا يلزم. ودليل ما في المذهب عموم الآية ولم يخصص قبل النكاح أو بعده. واختلف إذا كرر الظهار من زوجته. فقال أبو حنيفة عليه لكل ظهار كفارة. وقال الشافعي في أحد قوليه ليس عليه إلا كفارة واحدة. وفرق مالك رحمه الله تعالى فقال: إن نوى بكل كلمة استئناف ظهار كان عليه لكل كلمة كفارة، وإن لم ينو فكفارة واحدة. وحجة مالك على الشافعي قوله تعالى: ﴿يظاهرون من نسائهم﴾. والظهار هو القول المقصود به المظاهرة، فإذا وجد تعلق عليه الحكم. واختلف أيضًا إذا تظاهر من أربع نسوة في كلمة، ففي المذهب أنها كفارة واحدة تلزمه. وقال الشافعي في أحد قوليه: لكل واحدة كفارة. ودليل ما في المذهب قوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ...﴾ الآية فعم كل نظاهر بنسائه بأن عليه رقبة واحدة. واختلف في ظهار العبيد هل يصح كظهار الحر أم لا؟ ففي المذهب وغيره أنه يصح، وعند بعضهم أنه لا يصح، والحجة عليهم ظاهر الآية لأنه تعالى قال: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾ فعم الأحرار والعبيد. واختلف في ظهار الكافر، ففي المذهب أنه لا يصح، وقال الشافعي أنه يصح ظهاره فإن أمكنه أن يطلقها فلم يفعل وجبت عليه الكفارة، فإن كان واجدًا للعتق أعتق وإن لم يقدر عليه لم يمكنه أن يصوم ولكن يطعم ستين مسكينًا. والدليل عليه قوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾، ولا معنى لهذه الإضافة إلا أن تكون تخصيصًا للمسلمين. وقد اختلف في هذه الآية هل هي على نظمها أم فيها تقديم","vol":"3","page":526},{"text":"وتأخير؟ فالمشهور أنه لا تقديم فيها ولا تأخير، وهو الصحيح. وذهب بعضهم إلى أن فيها تقديمًا وتأخيرًا، وذكر عن الأخفش قالوا وترتيبها: والذين يظاهرون ن نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا. ثم يعودون لما قالوا. وهذا قول ضعيف يفسد به نظم الآية. والكفارة لا تجب بمجرد لفظ الظهار حتى تنضاف إليه العودة في قول جمهور العلماء. وذهب مجاهد إلى أن الكفارة واجبة على المظاهر بمجرد الظهار، وليس ذلك بصحيح لقوله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ فيشرط مع الظهار إرادة العودة. والذي يأتي على قول مجاهد في الآية قولان:\nأحدهما: قول الأخفش المتقدم، يأتي في الآية تقديمًا وتأخيرًا. والثاني: قول ابن قتيبة إنه لا تقديم في الآية ولا تأخير ولكن المعنى بقوله تعالى: ﴿ثم يعودن لما قالوا﴾ أنه العودة في الإسلام إلى نفس القول بالظهار الذي كانوا يظاهرون به في الجاهلية ويعدون طلاقًا. وحكي أيضًا عن ابن بكير بن الأشج. وهذان القولان أضعف ما قيل في الآية مع أنهما قد يمكن أن يتأول على مذهب الجمهور في اشتراط العودة مع الظهار. وأما على قول الجمهور من اشتراط العودة مع الظهار على لفظ الآية فاختلف في العودة ما المراد بها على خمسة أقوال: أحدها: أنه العزم على الوطء. والثاني: أنه العزم على الوطء واستدامة العصمة. والثالث:","vol":"3","page":527},{"text":"أنه الوطء نفسه، وهذه الأقوال الثلاثة مذكورة عن مالك في الموطأ. والقول الثاني منها أصحها وأجراها على القياس وأتبعها لظاهر القرآن لأنه إذا أراد الوطء وجب عليه تقديم الكفارة قبله لقوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾. والرابع: قول الشافعي ومن تابعه أن العودة استدامة العصمة خاصة وأنه متى ظاهر من زوجته ثم لم يطلقها طلاقًا متصلًا بالظهار فقد وجبت عليه الكفارة. وهو قول يفسده ظاهر القرآن لأن الله تعالى قال: ﴿ثم يعودون﴾. و﴿ثم﴾ توجب التراخي، والعصمة لم تتصل بالظهار فكيف يصح أن يقال ثم يكون كذا لما لم يزل كائنًا؟ هذا محال. وأيضًا فإنه إنما أوجب الكفارة بترك الطلاق فيكون معنى قوله تعالى على مذهبه: ﴿ثم يعودون﴾ بمعنى لم يطلقوا. قوله تعالى: ﴿ثم يعودون﴾ إيجاب، ولم يطلقوا نفي، ولو صح هذا لكان الإيجاب نفيًا والنفي إيجابًا، وهذا فاسد أيضًا. فإن قوله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ يوجب أن يحدث منه شيء لم يكن قبل، والمظاهر لم يطلق في حال الظهار ولا قبله، فإذا ظاهر ثم لم يطلق بعد الظهار فهو كما كان قبل لم يحدث منه شيء بعد فيستحيل معنى قوله: ﴿ثم يعودون﴾ لأنه إنما يعود الإنسان لشيء قد كان فارقه، والمظاهر لم يفارق زوجته بالظهار وإنما فارق به المسيس فهو المعنى المقصود بالعودة. واحتج بعض الشافعية ي أن العودة: بقاؤها لقوله تعالى: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ [السجدة: ٢٠] فسمى الله تعالى بقاءهم في النار إعادة.\nفيحتمل أن يكون هؤلاء تحاملوا للخروج فردوا إلى الحالة الأولى. ولو صح أن يكون البقاء إعادة لما كان في ذلك حجة لأن الله تعالى إنما","vol":"3","page":528},{"text":"أوجب الكفارة بالعودة لما كان ممنوعًا منه بالظهار وهو الوطء. وأما العصمة فلم يكن ممنوعًا منها بالظهار ولا منفصلًا عنها. الخامس أن العودة أن يعودوا فيتكلم بالظهار ثانية، وهو مذهب أهل الظاهر، وروي نحوه عن ابن بكير بن الأشج، وهو أضعف الأقاويل لأنهم لا يرون الظهار يوجب من أول مرة حكمًا وإنما يرونه موجبًا حكمًا على تأويلهم في مرة أخرى. وهذا فاسد لأنه إذا لم يوجبه أولًا فلم يوجبه ثانيًا، وأي فرق بين الأولى والثانية. وأيضًا فإن سبب الآية لم يأت فيمن ظاهر مرة ثانية ولا ذكر أحد من الرواة، وإنما معنى قوله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ أي في تحريم ما حرموا على أنفسهم وهو الوطء فيفعلونه أو يعزمون على فعله. واختلف في معنى اللام في قوله: ﴿لما قالوا﴾ فيحتمل أن يكون بمعنى: في أي فيما قالوا. وقيل المعنى: من أجل ما قالوا. وقال الفراء معناه: عن ما قالوا. قال: والمعنى ثم يرجعون عن ما قالوا ويريدون الوطء. وقيل هي على بابها والمعنى: ثم يعودون لقولهم. والقول بمعنى المقول، فالمعنى ثم يعودون لوطء للمقول فيها الظهار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-789>(٣) - وقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾:</span>\nأقبت تعالى أن الكفارة تجب بالعودة وجعها ثلاثة أنواع لا ينتقل عن نوع منها حتى يعدم الآخر. فأولها عتق، ثم صيام، ثم إطعام. فقال أولًا: ﴿فتحرير رقبة﴾، ثم قال: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين﴾، ثم قال: ﴿فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا﴾. وكذلك في حديث أوس وسلمة وهي مطلقة لم تقيد بمؤمنة، وهي في كفارة قتل الخطأ مقيدة بمؤمنة. فحمل","vol":"3","page":529},{"text":"مالك ومن تابعه المطلق منها على المقيد ورأى أن الرقبة في الظهار لا تكون إلا بمؤمنة خلافًا لأبي حنيفة وغيره. وقد مر الكلام على هذا عند الكلام على كفارة اليمين فلا معنى لإعادته.\nقوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾:\nاختلف في المسيس هذا ما هو؟ فحمله أكثر العلماء في عمومه من الوطء والقبل والمباشرة وغيرها، فقالوا: لا يقبل المظاهر ولا يباشر ولا يحبس حتى يكفر، وهو مذهب مالك وأكثر أصحابه. وذهب الحسن والثوري والزهري وغيرهم إلى أنه ليس على عمومه وأن المراد به الوطء خاصة، فللمظاهر أن يقبل ويباشر ويطأ في غير الفرج، وإنما نهي عن الجماع. واختلف الذين حملوا الآية على عمومها إن قبل أو باشر في خلال الكفارة قبل أن يتمها، فقال أصبغ وسحنون: يستغفر الله تعالى ولا شيء عليه، وقال مطرف يبتدئ الكفارة. فالامتناع بما عدا الوطء على مذهب مطرف واجب كالامتناع من الوطء، وعلى مذهب أصبغ وسحنون مستحب بخلاف الوطء، وعلى مذهب الحسن ومن قال بقوله مباح بخلاف الوطء. وأما الوطء فلا خلاف في وجوب الامتناع منه على مذهب من لا يرى العودة الوطء نفسه لأنه تعالى قد نص على أن الكفارة تكون قبل أن يتماسا فلا يحل أن يطأ قبل أن يمس. فإن وطئ لزمته الكفارة مات أو عاش، طلقها أو لم يطلقها. وأما على المذهب من يرى العودة الوطء نفسه فلا تجب عليه الكفارة لأول وطء وله أن يطأ مرة. فإذا وطئ لم يكن له أن يطأ ثانية حتى يكفر. وهذا القول روي عن مالك ونسبه أصبغ لأهل المشرق ولمن يرتضي من أهل المدينة. وروي عن مجاهد أنه إذا وطئ قبل الشروع في الكفارة لزمته كفارة أخرى إ من مذهبه أن المظاهر تلزمه الكفارة بمجرد الظهار وإن ماتت المرأة أو طلقها. وقد روي عن غير مجاهد أن المظاهر إذا وطئ قبل الكفارة سقطت عنه الكفارة لأنه قد فات موضعها لقول الله","vol":"3","page":530},{"text":"﷿: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ فيأتي الوطء قبل الكفارة يجوز أم لا قولان. وإذا قلنا لا يجوز أن يطأ قبل أن يكفر فثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يجب عليه شيء وتسقط عنه الكفارة. والثاني: أنه يلزمه كفارتان. والثالث: أن كفارة واحدة هي الني تجب عليه وترتب في ذمته. واختلف في المظاهرة من الرتقاء وفي مظاهرة الشيخ الفاني الذي لا يقدر على الجماع، والعنين والخصي والمقطوع الذكر ونحوه. فمن ذهب إلى أن الظهار يتعلق بالوطء وما دونه ألزم الظهار. ومن ذهب إلى أنه إنما يتعلق بالوطء خاصة لم يلزمه الظهار، وهذا على اختلافهم في تأويل قوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾.\nقوله تعالى: ﴿ذلكم توعظون به﴾:\nإشارة إلى التحريم، أي أن فعله عظة لكم لتنتهوا به عن الظهار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-790>(٤) - قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾:</span>\nاشترط تعالى التتابع في صيام الظهار. واجتمع أهل العلم على ذلك. فإن أفسد الصائم التتابع باختياره فلا خلاف في أنه يعيد ليأتي به على الشرط الذي ذكره الله تعالى. واختلف إذا أفسده بعذر من مرض أو نسيان، فقال أصحاب الرأي وغيرهم يبتدئ، وحملوا الآية على ظاهرها إذ لم يفرق فيها بين عذر وغير عذر. وقال مالك ومن تابعه يبني وعذره بالعذر. وللشافعي القولان. وأجمعوا أيضًا على أن الحائض تبني. واختلف إذا ابتدأ سفرًا في صيامه فأفطر بما أوجب ذلك. فعند مالك أنه يبتدئ الصيام، وكذلك عند الشافعي وأبي حنيفة. ويبني في قول الحسن البصري. والقول الأول أظهر لعدم التتابع المشترط في الآية وليس له عذر بين.","vol":"3","page":531},{"text":"ثم قال: ﴿فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا﴾:\nفاختلف العلماء في الإطعام المذكور في الآية ما تحديده. فالمشهور عن مالك أنه لكل مسكين مد هشامي. واختلف في قدر المد الهشامي، فقيل: مدان إلا ثلثًا، وهو المشهور من مذهب مالك. وقيل مد وثلث. وقيل مدان بمد النبي ﷺ، وهو قول أبي حنيفة. فهذا يعضد ذلك. فهذه ثلاثة أقوال في المد الهشامي. وقيل إنه يطعم كل مسكين مدًا واحدًا. فمد النبي ﷺ في الظهار، وهو قول ابن القصار والشافعي وغيرهما. واختلف إذا أطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا. ففي المذهب وعند الشافعي وغيره أنه لا يجزئه وقال أبو حنيفة وأصحابه يجزئه. ودليل القول الأول ظاهر الآية لأنه تعلى اشترط عدد المساكين فلا بد منه وقال تعالى هنا: ﴿فإطعام ستين مسكينًا﴾ ولم يشترط قبل التماسي. فاختلف أهل العلم في ذلك. فحمله مالك على ما قبله فجعله مثل العتق والصوم ورأى أنه لا يكون إلا قلب التماسي. وقال أبو حنيفة وكثير من أهل العلم: لم ينص الله تعالى على شرط هنا فنحن لا نلتزمه. فجائز للمظاهر إذا كان من أهل الإطعام أن يطأ قبل الكفارة ويستمتع. واختلف في الذي لا يجد الرقبة فيبتدئ بالصوم ثم يجد الرقبة. فالمشهور في المذهب أنه بالخيار بين أن يتم الصوم أو يرجع فيعتق، ويستحب له الرجوع وهو قول الشافعي. وعند ابن عبد الحكم أنه يرجع فيعتق، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. والحجة للقول الأول ظاهر الآية لأنه تعالى قال: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين﴾ وهذا لم يجد فقد أخذ بصوم شهرين على ما أوجب الله تعالى، ثم إذا وجد بعد ذلك لم يبطل عليه واجبًا لأنه إنما دخل فيه بإيجاب الله تعالى ذلك عليه. فعلى هذا القول يكون معنى الآية: فمن لم يجد في حين نظره في التكفير. وعلى القول الآخر يكون معنا: فمن لم يجد في شيء من مدة التكفير. واختلف إذا كان في ملك المظاهر رقبة إلا أنه محتاج إليها لخدمة وهو لا يملك غيرها. ففي المذهب أنه يلزمه إعتاقها ولا يجزئه الصيام. وقال الشافعي","vol":"3","page":532},{"text":"يجزئه الصيام. واحتج بعضهم للمذهب بقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ...﴾ الخ. قالوا وهذا واجد فلا يجوز العدول إلى الصوم. واختلف أيضًا إذا لم يكن في ملكه رقبة وكان معه ثمنها خاصة وهو محتاج إليه. ففي المذهب أنه يلزمه شراؤها ولا يجزئه الصوم. وقال أبو حنيفة والشافعي يجزئه الصوم. واتحج بعضهم أيضًا للقول الأول بالآية وقال إنه واحد فلم يجز له العدول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-791>(١١) - (١٢) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول </span>...﴾:\nاختلف في سبب الآية والمقصود بها، فقال ابن عباس ومجاهد والحسن نزلت في مقاعد الحرب والقتال. وقال قتادة وابن أسلم وانب زيد نزلت بسبب ازدحام الناس في مسجد رسول الله ﷺ لتنافسهم في القرب منه وسماع كلامه. فيأتي الرجل الذي له السن والقدم في الإسلام فلا يجد موضعًا، فلذلك نزلت الآية. وقال مقاتل: أقام النبي ﷺ قومًا ليجلس في موضعه أشياخًا من أهل بدر ونحو ذلك فنزلت الآية. واختلف في الآية هل هي مقصورة على سببها أم هي عامة في جميع المجالس؟ فذهب جماعة إلى أنها مخصوصة بأهل بمجلس رسول الله ﷺ ويدل على ذلك القراءة بإفراد المجلس. ومن قرأ في المجالس فذلك مراده أيضًا لأن لكل واحد مجلسًا من بيت النبي ﷺ وموضعه مجتمع لذلك. وذهب قوم إلى أنها في مجلس القتال خاصة. وذهب الجمهور إلى أنها عامة غير مقصورة على سببها فيكون","vol":"3","page":533},{"text":"لمجلس النبي ﷺ ومجلس العلم وسائر مجالس الطاعات ومنه قوله ﵊: «أحبكم إلى الله ألينكم مناكب في الصلاة وركبًا في المجالس» وهو قول مالك رحمه الله تعالى. فعلى هذا ينبغي التفسح في المجالس وأن لا يضيق أحد على أحد أما أن يقام أحد لأحد فلا، والآية لا تقتضيه إنما تقتضي الآية التوسع في المجالس وقد جاء عنه ﵊ ما يؤيد ذلك. روى أبو هريرة أنه ﷺ قال: «لا يقم أحد من مجلسه ثم يجلس الرجل فيه ولكن تفسحوا يفسح الله لكم». وإذا كان المراد في الآية للتفسح في المجالس التوسيع فيه خاصة فمن دليل خطاب الآية يظهر ما جاء في الحديث من النهي عن أن يقام الرجل من مجلسه. وقد اختلف العلماء فيما يحمل عنه نهي النبي ﷺ على أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر. فتأوله قوم على الندب ورآه من باب الأدب، قالوا لأنه قد يجب على العالم أن يليه أولو الفهم والنهى ويوسع لهم في الحلقة حتى يجلسوا بين يديه. فعلى هذا يكون للعالم أن يقيم من مجلس إلى جنبه أو بين يديه ويجلس فيه غيره إذا كان له وجه. وتأوله قوم على الوجوب وقالوا لا ينبغي لمن سبق إلى مجلس مباح للجلوس فيه أن يقام منه واحتجوا أيضًا بما روى أبو هريرة عنه ﵊ أنه قال: «إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به بعد رجوعه» قالوا فإذا كان أحق به بعد رجوعه كان أولى أن يكون أحق به ما دام فيه. قالوا: وقد كان ابن عمر يقوم له الرجل من عند نفسه فما يجلس في مجلسه. وهو راوي الحديث. والله تعالى أعلم بتأويله.","vol":"3","page":534},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-792>(١١) - وقوله تعالى: ﴿وإذا قيل انشزوا فانشزوا﴾:</span>\nاختلف في النشز المأمور به في الآية ما هو. قال الضحاك وقتادة والحسن معناه: إذا دعوا إلى قتال أو صلاة ونحو ذلك من الطاعات. وقال قوم معناه إذا دعوا إلى القيام عن النبي ﷺ لأنه كان أحيانًا يحب الانفراد في أمر الإسلام فربما جلس ناس وأراد كل واحد منهم أن يكون أحدث الناس عهدًا برسول الله ﷺ فنزلت الآية آمرة بالقيام عنه متى فهم ذلك بقول أو فعل. وقال قوم معناه: انشزوا في المجلس بمعنى التفسح فيه لأن الذي يريد التوسعة لا بد أن يرتفع في الهواء، فإذا فعل ذلك اتسع الموضع فيأتي قوله: ﴿انشزوا﴾ مثل قوله: ﴿تفسحوا﴾.\nقوله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾:\nاختلف في تأويله. فقال قوم: المعنى يرفع الله المؤمنين العلماء منكم درجات، فلذلك أمر بالتفسح من أجلهم. ويجيء على هذا قوله تعالى: ﴿والذين أوتوا العلم﴾ بمنزلة قولك: جاءني العاقل والكريم، وأنت تريد إنسانًا واحدًا. وقال قوم يرفع الله الطائفتين المؤمنتين والعلماء الصنفين جميعًا درجات لكنا نعلم تفاضلهم في تلك الدرجات من موضع آخر ولذلك جاء الأمر بالتفسح عامًا للعلماء وغيرهم. وقال قوم -منهم عبد الله بن مسعود- المعنى: يرفع الله الذين آمنوا منكم وتم الكلام ثم ابتدأ بتخصيص العلماء بالدرجات ونصب العلماء على إضمار فعل. فالذي يتحصل للمؤمنين على هذا القول الرفع، وللعلماء الدرجات. ولهذا قال مطرف: فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة وخير دينكم الورع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-793>(١٢) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾:</span>\nاختلف في سبب الآية. فقيل نزلت في الأغنياء لأنهم غلبوا الفقراء","vol":"3","page":535},{"text":"على مناجاة الرسول ﷺ وعلى مجلسه، قاله مقاتل. وقيل إن طائفة من شباب المؤمنين وأغفالهم كانت مناجاتهم للنبي ﷺ في غير حاجة إلا لتطهر منزلتهم. وكان النبي ﷺ سمحًا لا يرد أحدًا فنزلت الآية مشددة عليهم أمر المناجاة، قاله ابن عباس وغيره. وقيل نزلت بسبب أن المنافقين واليهود كانوا يناجون النبي ﷺ ويقولن إنه أذن فيسمع كل ما يقال له، وكان لا يمنع أحدًا من مناجاته فكان ذلك شق على المسلمين لأن الشيطان كان يلقي في نفوسهم أنهم ناجوه بأن جموعًا اجتمعت لقتاله فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول﴾ [المجادلة: ٩] فلم ينتهوا فأنزل الله تعالى هذه الآية، فانتهى أهل الباطل عن النجوى لأنهم لم يقدموا بين يدي نجواهم صدقة. وهذه الآية منسوخة باتفاق من المفسرين نسخها قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة ...﴾ الآية [المجادلة: ١٣]. وقيل نسختها آية الزكاة. والقول الأول هو الصحيح فأباح الله تعالى لهم المناجاة دون تقديم صدقة بعد أن كان منع من ذلك. إلا أنه اختلف هل كان هذا النسخ بعد أن عمل بالآية أم لا؟ فقالت طائفة: نسخت هذه الآية قبل أن يعمل بها، وهذه من نسخ الأمر قبل التمكن من امتثاله. وفيه اختلاف بين أهل السنة والقدرية كمسألة إبراهيم ﵇ في ذبح ابنه. وقالت طائفة لم تنسخ حتى عمل بها وصححوا عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: ما عمل بها أحد غيري وأنا كنت سبب الرخصة والتخفيف على المسلمين وذلك أني أردت أن مناجاة رسول الله ﷺ في أمر ضروري فصرفت دينارًا بعشرة دراهم ثم ناجيته عشر مرار أقدم في كل مرة درهمًا، وروي عن أنه تصدق في كل مرة بدينار،","vol":"3","page":536},{"text":"قال: ففهم رسول الله ﷺ أن هذه العبادة شقت على الناس فقال: «يا علي كم ترى أن يكون حد هذه الصدقة؟ أتراه دينارًا؟» قلت: لا. قال: «فنصف دينار» قلت: لا يطيقونه. قال: «فكم؟» قلت: حبة من شعير.\nقال: «إنك لزهيد». فأنزل الله تعالى الرخصة يريد للواجدين. وأما من لم يكن يجد فالرخصة لم تزل ثابتة له لقوله تعالى: ﴿فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم﴾. وقد اختلف في تعزية المسلم بابنه الكافر. فحرمها مالك في الجنائز من العتبية واحتج بقوله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة: ٧١] وبقوله: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ...﴾ [المجادلة: ٢٢]، لكان أظهر وإن لم يكن دليلًا قاطعًا. قال وقد روي عن مالك إجازة تعزية الكافر لتمام جوار فيقول له: إذا مر به: بلغني كان من مصابك بابنك، الله يكتبه من خيار ذوي ملته. قال: والمسلم بالتعزية أولى. اختلف في مدة بقاء هذا الحكم، فقيل عشرة أيام، وقيل ساعة من نهار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-794>(٢٢) - قوله تعالى: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾:</span>\nقال بعضهم إنه نسخها قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ...﴾ الآية [الممتحنة: ٨]. والصحيح أنه لا نسخ في ذلك وأن قوله تعالى: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ نزلت في أهل الحرب، وأن قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم﴾ نزلت في أهل الذمة والأسارى. فمن سالم من الكفار فلا بأس ببره وإكرامه لظاهر حاله. وقالت أسماء: يا رسول الله إن أمي","vol":"3","page":537},{"text":"قدمت علي وهي راعية مشركة أفأصلها؟ قال ﷺ: «صلي أمك». وقد سئل مالك عن النصراني يصنع صنيعًا يختن ابنًا له فيدعو في دعوته مسلمين أو مسلمًا أترى أن يجيب. قال: إن شاء ليس عليه في ذلك ضيف أن جاءه فلا بأس به. وقال بعض المتأخرين: الأحسن أن لا يفعل لما فيه من التودد إلى الكفار وقد قال تعالى: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباؤهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-795>(١٣) - قوله تعالى: ﴿فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾:</span>\nاختلف في هذه الزكاة. فقيل هي المفروضة، وهو أحسن ما قيل في الآية. وقيل هي غير المفروضة وهي منسوخة بآية الزكاة، وذكر ذلك ابن عباس، وهو قول ضعيف وقد تقدم الكلام على هذه المسألة وسببها مستوعبًا. والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":538},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-796>سورة الحشر</span>\nوهي مدنية. وهي سورة بني النضير وفيها مواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-797>(٢) - قوله تعالى: ﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾:</span>\nعنى الله تعالى بذلك جلاء بني النضير من اليهود عن موضعهم. فمنهم من خرج إلى خيبر، ومنهم من خرج إلى الشام. وكان رسول الله ﷺ صالحهم على الجلاء على أن لهم ما أقلت الإبل إلا الحلقة، والحلقة السلاح.\nوقوله تعالى: ﴿لأول الحشر﴾ أي أن إجلاءهم ذلك كان أول الحشر إلى الشام. قال قتادة: تجيء نار من المشرق تحشر الناس إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا وتأكل من تخلف. يريد أن هذا هو الحشر المشار إليه ومصالحه أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من غير شيء يؤخذ منهم. الظاهر أنه يجوز. وقال أبو الحسن لا يجوز الآن وإنما جاز أول الإسلام ثم نسخ ولا بد من قتلهم أو سبيهم أو ضرب الجزية عليهم. ذكر ابن عمر أن رسول الله ﷺ لما دخل خيبر سأل اليهود","vol":"3","page":539},{"text":"منهم أن يقرهم فيها على أن يكفوهم مؤونة التمر ولهم النصف من ذلك. فقال رسول الله ﷺ: «أقركم فيها» حتى أجلاهم عمر رضي الله تعالى عنه حين بلغه أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجتمع دينان بجزيرة العرب».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-798>(٥) - (٧) - قوله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه </span>...﴾:\nسبب قوله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة﴾ الآية أن بعض أصحابه ﵊ جعلوا يقطعون نخل بني النضير ويحرقونه. فقال بنو النضير: ما هذا الإفساد يا محمد، وأنت تنهى عن الفساد؟ فكف بعض أصحابه لذلك، وذلك في صدر الحرب منعهم. فنزلت الآية رادة على بني النضير وأن ما كان من ذلك فبإذن الله تعالى. واللينة: قال مجاهد: كل نخلة لينة. وقيل: هي كرام النخل. وقيل هي ما عدا العجوة. وقال بعضهم: نهى بعض المهاجرين عن القطع فنزلت الآية بتصويب الرأيين في القطع ثم الترك. وهذا يدل على أن كل مجتهد مصيب وإن كان ذلك يبعد مع وجود رسول الله ﷺ والعويل في الجواز إنما هو على أنه رأى ذلك فاقرة. وقد اختلف الناس في قطع شجر المشركين وتخريب بلادهم. فأجازه الجمهور وكرهه الجماعة وتأولوا على ذلك حديث أبي بكر المشهور في توجيهه الجيش إلى الشام ووصيته إياهم. وحكي عن الشافعي أنه قال: يحرق الشجر المثمر والبيوت إذا كانت له معاقل وكره تحريق الزرع والكلأ. والحجة لقول الجمهور ظاهر الآية وإقرار النبي ﷺ على تحريق نخل بني النضير.","vol":"3","page":540},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-799>(٦) - قوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾:</span>\nأعلم الله تعالى في هذه الآية أن ما أخذ لبني النضير وما أخذ من فدك فهو خاص بالنبي ﷺ على حكم الغنيمة التي يوجف عليها ويقاتل فيها بل على حكم خمس المغانم. وذلك أن بني النضير لم يوجف عليها ولا قوتلت كبير قتال، فأخذ منها رسول الله ﷺ قوت عياله وقسم سائرها في المهاجرين ولم يعط الأنصار منه شيئًا، غير أن أبا دجانة سماك بن خدشة وسهل بن حنيف شكوا فاقة فأعطاهما رسول الله ﷺ. هذا قول جماعة من أهل العلم. وذكر عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: فكان رسول الله ﷺ ينفق منها على عياله نفقة سنة وما بقي منها جعله في السلاح والكراع عدة في سبيل الله. قال قوم من العلماء: وكذلك كل ما افتتح على الأئمة مما لا يوجف عليه فهو لهم خاصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-800>(٧) - وقوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾:</span>\nأهل القرى في هذه الآية هم أهل الصفراء والينبوع ووادي مخالف لحكم أموال بني النضير لأنه ﵊ لم يحبس من هذه لنفسه شيئًا بل أمضاها لغيره. واختلف في صفة فتحها، فقيل طوعًا لم يوجب عليه بخيل ولا ركاب، وكان حكمه حكم خمس الغنائم. وليس في الآية نسخ على هذا.\nوأعطى رسول الله ﷺ جميع ذلك للمهاجرين ولم يعط الأنصار منه شيئًا. وقيل بل كانت مما أوجف عليها بالخيل والركاب ولكن كان هذا حكم ما يوجف عليه ثم نسخ بما في سورة الأنفال. وقد مر الكلام على","vol":"3","page":541},{"text":"هذه الآية مستوعبًا هناك فأغنى عن إعادته. وهذه الآية من المشكلات إذا نظرت مع الآية التي بعدها ومع الآية الغنيمة من سورة الأنفال، ويحصل القول فيها أنه لا خلاف في قوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه ...﴾ الآية أنما نزلت فيما صار لرسول الله ﷺ من أموال الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب وهي أموال بني النضير. وبذلك فسرها عمر رضي الله تعالى عنه ولم يخالفه أحد في ذلك. ولا خلاف في هذا النوع أنه كان لرسول الله ﷺ يصنع فيه ما يشاء. وأما آية الأنفال قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء ...﴾ الآية [الأنفال: ٤١] فلا خلاف أيضًا أنها نزلت فيما صار لرسول الله ﷺ من أموال الكفار بإيجاف الخيل والركاب، ولا خلاف أن الحكم فيه كما تضمن في الآية. أما الآية الثانية من الحشر وهي قوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ...﴾ الآية، فاختلف أهل العلم فيها. فمنهم من أضافها إلى الآية التي قبلها في الحشر ورآهما فيما يصير من الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب. ومنهم من أضافها إلى آية الأنفال وأنهما نزلا بحكمين مختلفين في الغنيمة الموجف عليها الخيل والركاب. وأن آية الأنفال نسخت آية الحشر. ومنهم من قال إنها نزلت في معنى ثالث غير المعنيين المذكورين في الآيتين المذكورتين. واختلف الذاهبون إلى هذا في ذلك المعنى، فقيل نزلت في خراج الأرض ومال الجزية وأن ذلك موقوف لمصالح المسلمين. وقيل نزلت في حكم أرض الكفار خاصة إذا أخذت عنوة دون سائر أموالهم. فهي على هذا القول مضافة إلى آية الأنفال إلا أنها في حكم الأرض، وآية الأنفال في حكم ما عدا الأرض. فمن أهل هذه المقالة من ذهب إلى أن الأرض تقر ولا تقسم كما يقسم سائر الغنائم واحتجوا لذلك بما فعل عمر رضي الله تعالى عنه فإنه لما فتح العراق سأل قوم من الصحابة قسمتها بينهم. فقال: إن قسمتها بينكم بقي آخر المسلمين لا شيء لهم واحتج","vol":"3","page":542},{"text":"عليهم بهذه الآية إلى قوله تعالى: ﴿والذين جاؤوا من بعدهم ...﴾ الآية، وشاور عليًا في ذلك، فأشار عليه بترك القسمة وأن يقر أهلها فيها ويضع الخراج عليها ففعل ذلك. وإلى هذا ذهب مالك رحمه الله تعالى. والآية عند أهل هذه المقالة غير منسوخة. ومن أهل هذه المقالة من ذهب إلى تخيير الإمام في ذلك فإن رأى قسمتها قسمها وإن رأى تركها تركها. وقال أبو الحسن: والذي ذكر من احتجاج عمر رضي الله تعالى عنه بعيدًا جدًا لأن قوله تعالى: ﴿الذين جاءوا من بعدهم﴾ لا يعطي أن لهم حقًا من الغنيمة وأن غير من شهد الوقعة يستحق منها شيئًا. والعجب أن الذين هم في الحياة لا يستحقون إذا لم يشهدوا الوقعة فكيف يستحقها من جاء بعدهم؟ قال: فدل ذلك على أن معنى الآية ظاهرها وهو ندب الآخرين إلى الدعاء للأولين. قال: ودل هذا على أن الحق ما ذهب إليه الشافعي وهو أن ما كان عنوة من الأرضين وغيرها مقسومة على حكم آية الأنفال وأن الذي صنع عمر إنما صنعه بعد استبعاد أنفس الغانمين ورأى اشتراء الأرض منهم. وقد مر الكلام على ترجيح قول مالك على قول غيره بما أغنى عن إعادته.\nقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾:\nروي في سبب هذه الآية أن قومًا من الأنصار تكلموا في هذه المواضع المفتتحة وقالوا: لنا منها سبب - فهي عامة عند جمهور العلماء في جميع الأحكام الصادرة عن النبي ﷺ حتى انتزع منها ابن مسعود لعن الواشمة والمستوشمة. حكى أن امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب قالت: لقد","vol":"3","page":543},{"text":"قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته. فذكر لها الآية. فقالت له المرأة: إني أرى من هذا شيئًا على امرأتك. فقال: اذهبي فانظري. فذهبت فنظرت فلم تر شيئًا. وروي أنه رأى محرمًا في ثيابه المخيطة فقال له: اطرح هذا عنك. فقال له الرجل: لتقرأ علي بذلك آية في كتاب الله. فقال ابن مسعود: نعم، وتلا هذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-801>(٨) - قوله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين ...﴾ إلى قوله: ﴿ورضوانًا﴾:</span>\nأي الغنائم للفقراء ومن ذكر بعدهم من المهاجرين الذين هاجروا إلى النبي ﷺ والذين تبوأوا الدار وهم الأنصار. والذين جاءوا من بعدهم: يعني كل من جاء بعد الصحابة من المسلمين الذين هم على الصفة المذكورة، فساق هذه الأصناف الثلاثة تبيينًا لقوله: ﴿والمساكين وابن السبيل﴾ وهو بدل منه بإعادة حرف الجر. والكلام في هذا يطول وليس فيه ما يتعلق بالأحكام فيضطر إلى ذكره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-802>(١٠) - قوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا﴾:</span>\nبهذه الآية قال مالك وغيره إنه من كان له في أحد من الصحابة قول سوء أو بغض فلا حض له في الفيء أدبًا له.","vol":"3","page":544},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-803>سورة الممتحنة</span>\nمدنية. وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-804>(١) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ...﴾ إلى قوله: ﴿بالمودة﴾:</span>\nالكلام في هذه الآية كالكلام فيما مضى من نظائرها مما فيه النهي عن موالاة الكفار فلا معنى لإعادته. والآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة يعلمهم بغزو رسول الله ﷺ إياهم. يؤخذ من هذه الآية دليل على أن خوف الجائحة على المال لا يبيح التقية في دين الله، وأن العذر الذي قاله حاطب لا أثر له. ويحتمل أن يقال إن ما فعله حاطب لم يكن خوفًا على ما ذكر وإنما كان توددًا إلى الكفار ولما كان تأمله مرتع من جهتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-805>(٤) -قوله تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه </span>...﴾ الآية:\nيعني التأسي بإبراهيم ومن معه في تبريهم من الكفار.\nوقوله: ﴿إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك﴾:\nأي فلا تتأسوا به في الاستغفار، قال مجاهد وغيره. فالمعنى: تأسوا","vol":"3","page":545},{"text":"به في التبري من الكفار ولا تتأسوا به في الاستغفار لهم. وإنما لم يتأس به في الاستغفار لأن الأصل في ذلك المنع. وإنما جاز له لعلة وهي الموعدة التي كان وعدها إياها. وقد مر الكلام على هذا في موضعه فلا معنى لإعادته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-806>(٨)، (٩) - قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات﴾:</span>\nتضمنت هذه الآية قوله: ﴿لا ينهاكم الله﴾ إلى قوله: ﴿وتقسطوا إليهم﴾ إباحة مهادنة نم لم يقاتل وبرهم. واختلف فيها على ذلك هل هي منسوخة أم لا؟ فذهب قوم إلى أنها منسوخة بآية القتال. واختلفوا فيمن كان المشار إليهم في الآية من الكفار. فقال قوم: أراد من كان من كفار قريش لم يقاتل ولا أخرج ولا أظهر سوء. وعلى هذا يأتي قول الهمداني إنها نزلت في قوم من بني هاشم، منهم العباس. وقال أبو صالح والحسن أراد خزاعة وبني الحرث بن كعب وقبائل من العرب إلا أنهم كانوا مظاهرين للنبي ﷺ محبين فيه وفي ظهوره منهم كنانة وبنو الحرث بن عبد مناف ومرينة. كذا ساق بعضهم هذه القول على أن الآية منسوخة. وساقه مكي على أنها محكمة إلا أنه قال: وكان بينهم وبين النبي ﷺ عهد. وهذا حسن. وفي الآية على هذا القول دليل على جواز الصدقة على أهل الذمة دون أهل الحرب ووجوب النفقة للأبوين الكافرين. فأما الأب الحربي فيجب قتله. وذهب قوم إلى أنها محكمة واختلفوا فيمن المشار إليه بالآية. فقيل هم المؤمنون من أهل مكة الذين آمنوا ولم يهاجروا وكانوا لذلك في رتبة سوء لتركهم فرض الهجرة، قاله مجاهد. وقيل هم المؤمنون التاركون","vol":"3","page":546},{"text":"للهجرة، كانوا من أهل مكة أو من غيرها. وقيل هم المستضعفون من المسلمين الذين لم يستطيعوا الهجرة، قاله النحاس وغيره. والآية على هذه الثلاثة أقوال في المؤمنين. وقيل هم النساء والصبيان من الكفار. ونزلت الآية بسبب أم أسماء حين استأذنت أسماء النبي ﷺ في برها وصلتها، فأذن لها. وكانت المرأة خالتها على ما وري، فسمتها في الحديث أمًا. وذهب إلى هذا القول عبد الله بن رواحة. فيأتي على هذا في الآية قولان: هل هي في المؤمنين أو الكفار؟ وإذا كانت في الكفار ففيها قولان: هل هي محكمة أو منسوخة؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-807>(٩) - قوله تعالى: ﴿إنما ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين </span>...﴾ الآية: بمعنى مودة قريش.\n<span data-type=\"title\" id=toc-808>(١٠) - وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم﴾:</span>\nنزلت هذه الآية إثر صلح الحديبية، وكان ذلك الصلح قد تضمن أن يرد المؤمنون إلى الكفار كل من جاء مسلمًا م رجل أو امرأة، وتقرر ذلك بالسنة من رسول الله ﷺ. فنسخ الله تعالى من ذلك أمر النساء بهذه الآية، وحكم بأن المهاجرة المؤمنة لا ترد إلى الكفار بل تتقي وتستبرأ وتتزوج ويعطي زوجها الكافر الصداق الذي أنفق. وهذا من نسخ السنة بالقرآن. واختلف في الرجال هل أمرهم في ذلك منسوخ كالنساء ولا تجوز المهادنة على مصله أو محكم فتجوز المهادنة حتى الآن عليه على قولين. الأطهر منهما أنه محكم لأن الناسخ لذلك غير معلوم وإنما أخذه من أنه لا يجوز إقامة المسلم بدار الشرك، ومثل هذا لا يكون به نسخ. وقد رد إليهم رسول الله ﷺ أبا جندل وأبا بصير وسمى الله تعالى في هذه الآية","vol":"3","page":547},{"text":"المهاجرات مؤمنات قبل أن يعلم إيمانهن إنما كان ذلك ظاهر أمرهن.\nوقوله تعالى: ﴿فامتحنوهن﴾:\nمعناه فجربوهن واستخبروا ما عندهن. واختلف أهل العلم في كيفية هذا الامتحان. فقيل بأن تستحلف المرأة بأنها ما هاجرت لبغض زوجها ولا لجريرة جنتها ولا لسبب من أغراض الدنيا سوى حب الله تعالى ورسوله والدار الآخرة، قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة وغيرهم. وقيل هو بأن تطلب بأن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإذا فعلت ذلك لم ترد، قاله ابن عباس أيضًا. وقيل هو أن تعرض عليها الشروط التي في الآية بعد هذه من تزك الزنا والسرقة والبهتان والعصيان، فإذا أقرت بذلك فهو امتحانها، قالته عائشة وغيرها. واختلفت في المرأة التي جاءت من الكفار بعد عقد الصلح مسلمة فنزلت هذه الآية بسببها فلم ترد إلى الكفار، فقيل أميمة بنت بشر امرأة أبي حسان الدحداحة. وقيل سبيعة بنت الحرث ولما خرجت جاء زوجها فقال: يا محمد ردها علينا فإن ذلك في الشرط لنا عليك، وهذه طينة كتابنا لم تجف فنزلت الآية، فامتحنها رسول الله ﷺ فلم يردها وأعطى لزوجها مهرها.\nوقوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات﴾:\nوالعلم بذلك لا يمكن. معناه علمتم ظاهر قولهن.\nوقوله تعالى: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾:\nذكر تعالى في هذه الآية أن العلة في أن لا يرد إلى الكفار النساء امتناع الوطء. وفيه دليل على ارتفاع النكاح، ودليل على أن المنع من الرد لمكان الإسلام. فإنه تعالى قال: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾","vol":"3","page":548},{"text":"فلم يجعل الفرقة لاختلاف الدار على ما قاله أبو حنيفة، وإنما جعلها للإسلام.\nوقوله تعالى: ﴿وآتوهم ما أنفقوا﴾:\nأمر الله تعالى بأن يعطى الكفار مهور نسائهم اللائي هاجرن مؤمنات.\nوقد ذكرناه فيما قبل.\nقوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن﴾:\nرفع تعالى الجناح في أن يتزوج بأجورهن، وهي الصدقات. وقد ذكرنا ذبك أيضًا.\nقوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾:\nاختلف فيه، هل هذا النهي عن إمساك الرجال والنساء أو عن إمساك النساء خاصة. فذهب بعضهم إلى أنه في الفريقين. قال أبو علي الفارسي سمعت الليلة أبا الحسن الكرخي يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ أنه في الرجال والنساء. فقلت له: النحويون لا يرون هذا إلا في النساء لأن الكوافر جمع كافرة. قال: وأي شيء يمنع من هذا؟ أليس الناس يقولن: طائفة كافرة وفرقة كافرة. فبهت وقلت هذا تأويل والمشهور أنه في النساء، ولا خلاف أنه كان لا يمسك من النساء من كان مجيؤها هربًا من زوجها خاصة، ما جاء من الرجال كذلك. وهذه الآية تقتضي ذلك، وأنه إذا أسلم الرجل وله امرأة، وقعت الفرقة بينهما. إلا أنه اختلف في الكوافر المعينات بالآية من النساء من هن؟ فقيل: عابدات الأوثان ومن لا يجوز نكاحه. والآية على هذا محكمة. وقيل هي عامة","vol":"3","page":549},{"text":"للنساء الكافرات عابدات الأوثان وغيرهن من أهل الكتاب. والآية على هذا القول قد نسخ منها نساء أهل الكتاب لأن نكاح المؤمن إياها ثابت فإذا أسلم الزوج لم تقع الفرقة بينهما. وفي تسمية مثل هذا نسخًا خلاف. وقد مر الكلام عليه في غير موضع.\nقوله تعالى: ﴿واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا﴾:\nأمر الله تعالى في هذه الآية المؤمنين أن يسألوا الكافرين ما أنفقوا من الصدقات على من تزوجوه من نسائهم اللائي فررن إليهم كما لزم المؤمنين أن يعطوا الكفار ما انفقوا من الصدقات على نسائهم الفارات إليهم، فلذلك قال تعالى: ﴿واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا﴾ وقرر الحكم بذلك على الجميع. فروي أنه لما نزلت هذه الآية قالت قريش نحن لا نرضى هذا الحكم ولا نلتزمه ولا ندفع لأحد صداقًا، فنزلت بسبب ذلك هذه الآية الأخرى: ﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار﴾ فأمر المؤمنين إذا أبى الكفار من دفع الصدقات على الوجه الذي تقدم أن يدفعوا إلى من فرت زوجته منهم ففاتت بنفسها إلى الكفار صداقه الذي أنفق. واختلف العلماء من أي مال يدفع إليه الصداق؟ فقيل يدفع إليه من الصدقات التي كانت تدفع إلى الكفار بسبب من هاجر من أزواج الكفار فأزال الله تعالى دفعها إليهم حين لم يرضوا بحكمه حسبما تقدم. قاله ابن الشهاب، وهو قول حسن يقتضيه قوله تعالى: ﴿فعاقبتم﴾. وقيل يدفع إليه من مغانم المغازي، قاله مجاهد وقتادة، وقال: المعاقبة: الغزو والمغنم. وعاقبتم، عقبتم سواء، أي أصبتم غنمًا. وقيل يدفع إليه من أي وجوه الفيء أمكن، قاله الزهري أيضًا. وقد قال بعض المفسرين في هذه الآية كلها إنها مما رفع حكمه وبقي رسمه لأنها كلها نزلت في شيء بعينه لعلة بعينها. فلما زالت العلة ارتفع الحكم، وذلك أنها نزلت في مهادنة النبي ﷺ مشركي مكة العرب من قريش وغيرهم.","vol":"3","page":550},{"text":"فزال حكم الهدنة، إذ لا يجوز لنا اليوم أن نهادن أحدًا منهم لقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]، فلما ارتفع حكم الهدنة بالآية في مشركي العرب ارتفع حكم الآية عدم وجود الهدنة، فإنما الهدنة باقية بيننا وبين أهل الكتاب وبين المجوس لقوله ﵊: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» ولا هدنة بيننا وبين مشركي العرب، إنما هو الإسلام أو السيف، لأن الآية بينت ذلك إذ قال تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، وقال في أهل الكتاب: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد﴾ [التوبة: ٢٩] فبان أن الآية ناسخة للهدنة بيننا وبين مشركي العرب. فلما زالت الهدنة بالآية زال أيضًا حكمها، ولهذا قال بعضهم أيضًا عن قتادة أن ما في هذه الآية منسوخ بما في براءة. حكي عن الزهري أنه قال: انقطع هذا يوم الفتح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-809>(١٢) - وقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبيعنك على أن لا يشركن بالله شيئًا ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إن الله غفور رحيم﴾:</span>\nهذه هي بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على جبل الصفا. وسماهن المؤمنات بحسب الظاهر كما تقدم.\nقوله تعالى: ﴿على أن لا يشركن بالله شيئًا﴾:\nأي على أن يرفضن الشرك. ورفضه هو خالص الإيمان.\nقوله تعالى: ﴿ولا يسرقن ولا يزنين﴾:\nبيِّن.\nقوله تعالى: ﴿ولا يقتلن أولادهن﴾:\nهو من خوف الفقر، وكانت العرب تفعل ذلك.","vol":"3","page":551},{"text":"قوله تعالى: ﴿ولا يأتين ببهتان﴾:\nاختلف في معناه. فقال كثير من المفسرين: معناه أن تنسب إلى زوجها ولدًا ليس له.\nوقال قوم: الآية على العموم في أن ينسب إلى الرجل غير ولده. وفي الفرية بالقول على أحد وفي الكذب فيما اؤتمن فيه من الحيض والعمل وبعض ذلك أقوى نم بعض. وإلى نحو هذا أشار بعضهم فقال: ما بين أيديهن، يريد به اللسان والفم في الكلام والقبلة ونحوه. وبين الأرجل يراد به الفروج وولد الإلحاق ونحوه.\nقوله تعالى: ﴿ولا يعصينك في معروف﴾:\nقال ابن عباس وأنس وغيرهما: هو النوح وشق الجيوب ووشم الخدود ووصل الشعر وغير ذلك مما أمرت السنة بتركه فرضًا كان أو ندبًا. وفي الحديث أن جماعة نساء فيهن هند بنت عتبة بايعن رسول الله ﷺ فقرأ عليهن بالآية، فلما قررهن على أن لا يشرطن قالت هند: وكيف نطمع أن تقبل منا مالم تقبله من الرجال، أي هذا بين لزومه. ولما وفقها على السرقة قالت: والله إني لأصيب الهنة من مال أبي سفيان ولا أدري هل يحل لي ذلك. فقال أبو سفيان: ذلك حلال فيما مضى وفيما بقي. وقال لها رسول الله ﷺ: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» ولما وقفها على الزنا قالت: يا رسول الله وهل تزني الحرة؟ فقال لها رسول الله ﷺ: «لا ما تزني الحرة» وذلك أن الزنا في قريش إنما كان في الإماء في الغالب. ولما وقفها على قتل الأولاد قالت: نحن ربيناهم صغارًا وقتلتهم أنت ببدر كبارًا. فضحك رسول الله ﷺ. فلما وقفها على العصيان في المعروف قالت: ما جلسنا في هذا المجلس وفي أنفسنا أن نعصيك. وروي أن جماعة من النساء بايعن رسول الله ﷺ على ما في الآية، فلما فرغن قال لهن رسول الله ﷺ:","vol":"3","page":552},{"text":"«فيما استطعتنوأطعتن». فقلن الله ورسوله أرحم بنا منا بأنفسنا.\nقوله تعالى: ﴿فبايعهن﴾:\nأي إذا أقررن لك فامض معهن صفقة الإيمان. واختلف في الهيئة التي بايع رسول الله ﷺ فيها النساء بعد الاتفاق على أن يده لم تمس يد امرأة أجنبية قط، فذكرت عائشة أنه بايع باللسان قولًا. وقال إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة، وجاء في نحو ذلك حديث عن أسماء بنت يزيد بن السكن. وذكر بعضهم أن نساء من الأنصار بايعن رسول الله ﷺ فمد رسول الله ﷺ يده من خارج بيت ومد النساء أيديهن من داخله فبايعهن. وروي عن الشعبي أنه لف ثوبًا كثيفًا قطريًا على بده وجاءت نسوة فلمسن يده كذلك. وروي أن نسوة بايعن رسول الله ﷺ فكان عمر بن الخطاب يلمس أيدي النساء وهو خارج من البيت والنساء في داخل البيت، بحيث لا يراهن. وروي أيضًا أنه ﵊ بايعه النساء على الصفا بمكة وعمر بن الخطاب يصافحهن. وروي عن ابن عباس وعروة الثقفي أنه ﵊ غمس يده المباركة في إناء فيه ماء ثم دفعه إلى النساء فغمسن فيه أيديهن ثم أمره تعالى بالاستغفار لهن ورجاهن غفرانه ورحمته بقوله تعالى: ﴿واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم﴾ وهذه الآية غير معمول بها اليوم لأنه قد أجمع الناس أنه ليس على الإمام أن يشترط عليهن ذلك. فإما أن تكون منسوخة ولم يذكر ذلك، وإما أن تكون ندبًا لا إيجابًا. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه إذا احتيج إلى المحنة من أجل تباعد الدار كان على إمام المسلمين إقامة المحنة.","vol":"3","page":553},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-810>سورة الصف</span>\nاختلف فيها، فقيل مكية وقال الجمهور مدنية، وهو أظهر. وفيها موضعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-811>(٢) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون﴾:</span>\nهذه الآية توجب على كل من ألزم نفسه عملًا فيه طاعة أن يفي به. وقال بعضهم: الآية توجب على من وعد وعدًا أن يفي به إذا لم يكن فيه إثم. وكذلك من ألزم نفسه عملًا فيه طاعة لزمه أن يفي به ويدوم عليه. قال أبو الحسن: ويحتج بها في وجوب الوفاء بنذر الحاج على أحد قولي الشافعي. وقد اختلف في سبب الآية، فقال جماعة -منهم ابن عباس- نزلت بسبب قوم قالوا: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله تعالى لعلمناه. فلما نزلت في الجهاد كرهوه وفر من فر يوم أحد فعاتبهم الله تعالى بها. وذكر المهدوي أن قائل ذلك عبد الله بن رواحة. وقال قوم -منهم قتادة- نزلت بسبب أن جماعة من شباب المسلمين كانوا يتحدثون عن أنفسهم في الغزو وبما لم يفعلوا، ويقولون فعلنا وصنعنا، وذلك كذب، فنزلت الآية. وقال قوم -منهم ابن زيد- نزلت في المنافقين لأن طائفة منهم كانوا يقولون","vol":"3","page":554},{"text":"للمؤمنين نحن منكم ومعكم ثم يظهر من أفعالهم خلاف ذلك، فنزلت الآية عتابًا لهم. وعلى هذا القول قد سمى الله تعالى المنافقين مؤمنين. وهذا إنما يتوجه إذا لم يكونوا مشتهرين بالنفاق فلذلك خوطبوا بالمؤمنين، أي في زعمهم وما يظهرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-812>(٤) - قوله تعالى: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص﴾:</span>\nاستدل بعضهم بهذه الآية على أن قتال الرجال أفضل من قتال الفرسان، لأن التراص منهم يمكن بخلاف الفرسان. وهذا ضعيف، لأنه ليس المراد بالآية نفس التراص وإنما المقصد الجد والاجتهاد في القتال، فسواء كانوا رجالًا أو فرسانًا. وقصد بالذكر أشد الأحوال، وهي الحالة التي تحوج إلى القتال صفًا متراصًا. ونابت هذه الصفة مناب سائر الصفات.","vol":"3","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-813>سورة الجمعة</span>\nوهي مدنية، وقيل مكية. والأول أصح لأن قصة اليهود لم تكن قط بمكة وكذلك إقامة الجمعة لم تكن قط بمكة. وفيها موضع واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-814>(٩) - (١١) - قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ...﴾ إلى آخر السورة</span>.\nسأل مالك بن شهاب -على ما وقع في الموطأ- عن قوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾. فقال ابن شهاب: كان عمر بن الخطاب يقرأها فامضوا إلى ذكر الله. قال مالك: وإنما السعي في كتاب الله الفعل لقوله تعالى: ﴿وإذا تولى سعى في الأرض﴾ [البقرة: ٢٠٥]. وقال: ﴿وأما من جاءك يسعى﴾ [عبس: ٨]، وقال: ﴿ثم أدبر يسعى﴾ [النازعات: ٢٢]، وقال: ﴿إن سعيكم لشتى﴾ [الليل: ٤]. قال مالك: فليس السعي الذي ذكر الله ﷿ في كتابه بالسعي على الأقدام ولا الاشتداد، وإنما عنى العمل والفعل. وهذا السؤال عن مالك إنما كان لأن لفظ السعي في كلام العرب يحتمل الجري كقوله ﵊: «فلا تأتوها وأنتم تسعون»","vol":"3","page":556},{"text":"ويحتمل المشي من غير جري كالآية التي احتج بها مالك. وأجابه ابن شهاب بقراءة عمر بن الخطاب وإن لم تكن ثابتة في المصحف، تجري عند قوم من الأصوليين مجرى خبر الآحاد سواء أسندت أم لا. وذهبت طائفة إلى أنها ال تجري مجرى الخبر الواحد إلا إذا أسندت إلى النبي ﷺ، فإذا لم تسند فهي بمنزلة قول القارئ لها. والذي ذهب إليه القاضي أبو بكر أنه لا تجوز القراءة بها ولا العمل بمضمونها سواء أسندت أم لا. قال الباجي وهو الأبين عندي والوجه في احتجاج ابن شهاب بقراءة عمر أن ذلك على جهة التفسير من عمر وهو من أهل اللسان، ففسر السعي بأنه المضي، وقوله في ذلك حجة بلا خلاف بين العلماء.\nوهذه الآية قد تضمنت من أحكام الجمعة جملة، فمن ذلك أنها فريضة لأن الأمر بها في الآية محمول على الوجوب، وقد جاء عن النبي ﷺ ما يؤيد ذلك قوله: «الجمعة واجبة على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض». وهي عند الجمهور فرض على الأعيان، وقال قوم فرض على الكفاية، وذهب إليه بعض الشافعية. ودليل الجمهور قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ فعم. وقال ﵊: «الجمعة على من سمع النداء» وقوله ﵊: «من تركها ثلاثًا من غير عذر طبع الله على قلبه». ومن ذلك الأذان لصلاة الجمعة اختلف في وجوبه. الذاهبون إلى أن الأذان ليس بواجب في الجملة، وهو قول الجمهور خلافًا","vol":"3","page":557},{"text":"لداود ومن تابعه. فرآه الأكثر مثل الأذان لسائر الصلوات سنة. ورآه بعض الشافعية واجبًا بخلاف الأذان لسائر الصلوات، ومن حجتهم ظاهر الآية لأنه تعالى قد شرط في السعي إليها أن يكون عند الأذان، والسعي واجب. وهذا ضعيف، لأن المفهوم من الآية والمراد منها إنما هو إذا حضر وقت هذه الصلاة فاسعوا إليها، وجعل الأذان الذي هو من سنتها علامة لذلك، فلا تدل على وجوبه. وقد اختلف في معنى قول مالك في صفة الأذان يوم الجمعة. فروى عنه ابن عبد الحكم ما يدل على أن النداء عنده فيها واحد، ونحوه عند الشافعي. وجاء في الحديث أن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان -وكثر الناس- زاد النداء الثالث، وبعضهم يقول الثاني، فمن قال الثاني فلا إشكال. ومن قال الثالث، فبعضهم يقول سمى الإقامة أذانًا فكانت أذانًا ثانيًا للأذان على المنابر، وما زاده عثمان ثالث. وبعضهم يقول إنه كان بين يديه ﷺ وهو على المنبر أذان أيضًا، وذكر ذلك أبو داود في مصنفه، فهو كان الثاني. وهو الحديث الذي جاء أنه كان بين يديه ﷺ أذان ضعيف لأنه قال مالك في المجموعة أن هشام بن عبد الملك هو الذي أحدث الأذان بين يديه. فلو كان ذلك في زمن النبي ﷺ لم يقل إنه محدث. وقد ذكر عن مالك ما يدل على أن الأذان للجمعة ليس بواحد لأنه قال: إذا أذن المؤذنون حرم البيع. فذكر المؤذنين بلفظ الجمع. والذي يظهر من لفظ الآية أن ذلك واسع أذن لها واحد أو جماعة لأنه تعالى قال: ﴿إذا نودي للصلاة﴾ وذلك يقع على النداء والنداءين","vol":"3","page":558},{"text":"والثلاثة. واختلف في الموضع الذي يلزم منه السعي إلى الجمعة. فقيل ثلاثة أميال وما قاربها. وهو قول مالك المشهور. وقيل ثلاثة أميال فدون، وهي رواية أشهب عنه. وهذه الثلاثة الأميال اختلف الذين ذهبوا إليها من أين يكون ابتداؤها إلى أين. فقيل من منزل الساعي إلى موضع المنادي. وقيل من منزل الساعي إلى أول المدينة التي فيها النداء. والقولان في المذهب. وقيل يجب السعي على كل من آواه الليل إلى أهله، وهو قول الأوزاعي وغيره. وقيل يجب على من كان على ستة أميال، وهو قول الزهري. وقيل يجب على من كان على أربعة أميال، وهو قول ربيعة. ويذكر عن الزهري. وقيل ليس على من كان على رأس ميل جمعة، وهو قول حذيفة. وقيل يلزم السعي من خمسة أميال. وقيل أنه لا يلزم من كان خارج المصر الإتيان إليها قربت مسافته أو بعدت، وهو قول أبي حنيفة. وقيل تجب الجمعة على من يسمع النداء، وهو مروي عن مالك والشافعي وغيرهما. وجعل جماعة من الشيوخ هذا القول غير مخالف للقول باعتبار ثلاثة أميال. قالوا لأن تلك المسافة منتهى ما يسمع فيها صوت المؤذن. وكذلك ساق الرواية علي بن زياد، وساقوا أيضًا تفسيرًا للمذهب ما رواه ابن أبي أويس عن مالك وابن وهب أيضًا. وهو أن الحد إنما هو لمن كان خارج المصر، وأما من كان في المصر فيتعين عليه الإتيان إلى الجمعة وإن كان بينه وبين المسجد الجامع ستة أميال أو أكثر. قال المهلب: ونص كتاب الله يدل على أن الجمعة تجب على كل من سمع النداء وإن كان خارج المصر. وهو أصح الأقوال. قال ابن القصار: واعتذر الكوفيون","vol":"3","page":559},{"text":"لقولهم إن الجمعة لا تجب على من كان خارج المصر فقالوا: لأن الأذان إعلام لمن يحضر، والأذان بعد دخول الوقت. ومعلوم أنه من سمعه على أميال باكر في السعي لا يلحق فيقال لهم معنى قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة﴾: إذا قرب وقت النداء للصلاة بمقدار ما يدركها كل ساع إليها، فاسعوا إليها. وليس على أنه لا يجب السعي لها حتى ينادي إليها. والعرب قد تضع البلوغ بمعنى المقاربة كقولهم: إن ابن أم مكتوم كان لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت، أي قاربت الصباح. ومثله: ﴿فإذا بلغن أجلهن﴾ [البقرة: ٢٣٤، الطلاق: ٢] يريد إذا قاربن البلوغ. واختلف متى يتعين الإقبال للصلاة، وهذا الخلاف إنما هو فيمن كان بموضع لا تفوته الجمعة منه إذا سعى إليها مع الأذان. فقيل إذا زالت الشمس، وقيل إذا أذن المؤذن، وهو ظاهر لفظ الآية. واختلف في عدد من تجب عليهم الجمعة. فروي عن أبي هريرة مائتان، وعن عمر بن عبد العزيز خمسون، وعن الشافعي أربعون. وروي عن أبي هريرة وعن مالك في رواية مطرف وابن الماجشون ثلاثون بيتًا وروي بذلك حديث عن النبي ﷺ. وعن ربيعة اثني عشر رجلًا عدد الذين بقوا مع النبي ﷺ حين انفضوا إلى العير. وعن عكرمة سبعة أنفس، وعن أبي حذيفة الإمام وثلاثة أنفس معه وهو قول الأوزاعي والمزني وأبي ثور. وعن أبي يوسف والثوري: الإمام ونفسان معه. وعن الحسن بن أبي صالح: الإمام وآخر معه. والمشهور عن مالك أنه لم يحدد عددًا إلا أنه قال: أهل القرية المتصلة البنيان التي فيها الأسواق يجمع أهلها. ومرة لم يذكر الأسواق. قال ابن القصار: ليس أحد هذه الأقوال أولى من صاحبه فيجب الرجوع إلى صفة من خوطب في الآية وأمروا بالسعي إليها وهم قوم لهم بيع وشراء. فيجب طلب قوم هذه صفتهم وليسوا إلا من كان لهم","vol":"3","page":560},{"text":"مسجد وسوق ويطلق عليهم اسم الجماعة. فالجمعة واجبة عليهم كانوا خمسة أو عشرة أو أربعين، وهذا مثل قول مالك رحمه الله تعالى فهو أسعد بالآية من سائر المخالفين له. وأيضًا فإنه تعالى قال: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ ولم يشترط عددًا. ولا يصح عند أهل النقل ما احتج به الشافعي أن رسول الله ﷺ حين قدم المدينة جمع بأربعين رجلًا. واختلف هل تجب الجمعة فيما عدا الأمصار على قولين. الأشهر منهما أنها تجب في غير المصر إذا كان ثم جماعة كما تقدم. والدليل على ذلك عموم الآية إذ لم يخص مصرًا من غيره. وقوله ﵊: «الجمعة في كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة» والمقصود من هذا ضرب المثل وأن صغرها لا يمنع من إقامة الجمعة. وأجمعوا على أن المرأة والصبي لا جمعة عليهما لقوله ﵊: «لا تجب الجمعة على أربعة» فذكر المسافر والعبد والمرأة والصبي وذكر المريض. واختلف في المسافر والعبد، فالمشهور أنه لا تجب عليهما الجمعة أيضًا للحديث المتقدم وأنهما مخصصان من عموم الآية كالمرأة والصبي. وذهب داود ومن تابعه إلى أنهما باقيان تحت عموم الآية وأن الجمعة واجبة عليهما. وذهب الحسن وقتادة إلى أن العبد باق في عمومها وأن الجمعة تجب عليه لذلك وأن المسافر بخلافه. واختلف في التخلف عن الجمعة بسبب المطر، فأجيز ومنع. فمن منع فلظاهر الآية إذ لم يخصص وقت مطر من غيره وهو المعلوم من قول مالك. وكذلك اختلفوا في تخلف العروس عنها. فمن منع فلظاهر الآية كما قدمنا إذ لم يخصص. وأجازوا التخلف عنها لمرض أو شغل بجنازة وللأعمى. وخصصوا هؤلاء من عموم الآية. واختلف في الوالي هل هو من شرط صحة الجمعة أم لا على قولين في المذهب. والدليل على أنه ليس بشرط قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة فاسعوا إلى ذكر الله﴾","vol":"3","page":561},{"text":"ولم يشترط إذن السلطان. واختلف إذا اجتمع عيد وجمعة هل يسقط أحدهما الآخر أم لا؟ ففي المذهب أنه لا يسقط. وفي الواضحة عن مالك في ذلك لمن كان على مثل الموالي من المدينة روايتان. وقال أحمد بن حنبل حضور العيد يكفي عن الجمعة. والحجة لما في المذهب قوله تعالى: ﴿وإذا نودي للصلاة ن يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ فعم. وقد اختلف هل يصح أن تقام الجمعة في غير المسجد الجامع أم لا على قولين بين المتأخرين، الأظهر منهما أنها تصح ويؤيد ذلك عموم الآية. وقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾: السعي في لسان العرب يصلح للسير السريع والسير الرويد وقد بان بقوله ﵊: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة» أن المراد بقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ غير الجري. وكذلك قال الحسن في تأويلها، وإلى هذا ذهب مالك وأكثر العلماء. وكان عمر ابن مسعود يقرآن: ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾. وقال ابن مسعود: لو قرأتها: فاسعوا، لسعيت حتى يسق ردائي. وقد اختلف أهل العلم في الإسراع إلى الصلاة إذا خيف أن تفوت. فأجازه قوم وكرهه قوم. وروي عن مالك إجازته، وهو قول ابن مسعود. وقوله هذا ينحو إلى قوله المتقدم في معنى قوله: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-815>(٩) - قوله تعالى: ﴿وذروا البيع﴾:</span>\nأمر تعالى بترك البيع في يوم الجمعة إذا أخذ المؤذن في الأذان، واختلف في هذا الأمر هل هو أمر وجوب أو أمر ندب. فذكر ميك عن قوم أن البيع جائز في ذلك الوقت وأن الآية على الندب لا على الإلزام واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ذلكم خير لكم﴾. والجمهور على أنه أمر إيجاب وأن البيع في ذلك الوقت حرام إلا أنهم اختلفوا في البيع إذا وقع. فقيل يفسخ مالم يفت. فإن فات مضى بالثمن. وقيل يفسخ ما لم يفت فإن فات مضى","vol":"3","page":562},{"text":"بالقيمة. وقيل لا يفسخ البيع إذا وقع وإن كانت السلعة قائمة. وقد []\nالمتبايعان بالإثم. والثلاثة الأقوال في المذهب. والأشهر في ذلك أنه بيع فاسد يفسخ ما لم يفت لقوله تعالى: ﴿وذروا البيع﴾ وهذا أمر في معنى النهي يدل عند الأصوليين على فساد المنهي عنه ولأنه عقد منع منه لأجل حق الله تعالى فأشبه النكاح في العدة، والنكاح كالبيع قياسًا. وأما الهبات والصدقات ففيها نظر وقد قال عبد الوهاب يمكن أن تجري مجرى البيع. واختلف في تبايع من لا تلزمه الجمعة من النساء والعبيد في ذلك الوقت، فأجيز ذكره. وإليه ذهب الليث. والأظهر إجازته لأن الأمر بترك البيع في الآية إنما هو للمدعوين إلى الصلاة ومن لا تلزمهم الجمعة لم يدعوا قط إلى الجمعة فلم يدخلوا في الأمر بترك البيع ووجب أن تجوز مبايعتهم. وكذلك اختلف في مبايعة من تلزمه الجمعة مه من لا تلزمه الجمعة. ومذهب مالك رحمه الله تعالى أنه لا يجوز لأن عموم الآية يشتمله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-816>(١٠) - قوله تعالى: ﴿فانتشروا في الأرض﴾:</span>\nأمر إباحة باتفاق.\nقوله تعالى: ﴿وابتغوا من فضل الله﴾:\nاختلف في تأويله: فقيل معناه طلب المعاش، فالأمر على هذا أمر إباحة. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «ذلك الفضل المبتغى عيادة المريض أو صلة صديق أو ابتاع جنازة» فينبغي على هذا لمن صلى الجمعة أن لا يصنع بعد ذلك إلا برًا في بقية يومه. ويكون على هذا تجده صبح يوم السبت، قال ذلك جعفر بن محمد الصادق. وقيل إن ذلك الفصل المبتغى هو العلم فينبغي أن يطلب إثر صلاة الجمعة. فالأمر في الآية على هذين القولين أمر ندب.\n(١١) - قوله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوًا﴾:\nنزلت بسبب أن رسول الله ﷺ كان قائمًا على المنبر يخطب يوم الجمعة فأقبلت عير من الشام تحمل طعامًا، وصاحب أمرها دحية بن خليفة","vol":"3","page":563},{"text":"الكلبي وكان من عرفهم أن تدخل العير المينة بالطبل والمعازف والصياح سرورًا بها. فلما دخلت العير انفض أهل المسجد إلى رؤية ذلك وتركوا الرسول ﷺ قائمًا على المنبر ولم يبق معه غير اثني عشر رجلًا. قال جابر بن عبد الله: أنا أحدهم. وذكر بعضهم أن منهم العشرة المشهود لهم بالجنة، فهؤلاء أحد عشر. اختلف في الثاني عشر فقيل عمار بن ياسر. وقيل عبد الله بن مسعود. وذكر عن ابن عباس أن الذين بقوا معه ﷺ ثمانية نفر. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «لولا ...» لقد كانت الحجارة سومت على المنقضين في السماء. وقال قتادة: بلغنا أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات كانت العير قد وافقت فيها دخولها يوم الجمعة.\nقوله تعالى: ﴿وتركوك قائمًا﴾:\nأي قائمًا في خطبتك. وقد اختلف في الخطبة هل هي من فرائض الجمعة أو سننها؟ فالمشهور أنها من فرائضها. ذكره ابن المواز والأبهري. وذهب ابن الماجشون إلى أنها سنة، وهو اختيار ابن زرب. والقولان في الثمانية. والدليل على القول الأول قوله تعالى: ﴿وتركوك قائمًا﴾. اختلف هل من شرط صحة الجمعة الجماعة أم لا؟ والأظهر أنها من شروطها وهو ظاهر الآية لأنه تعالى أمر بالاجتماع عند النداء، والخطبة إنما هي بعد النداء، فلو أن من شرط الخطبة الجماعة لما أمر بالاجتماع قبل الخطبة. واختلف أيضًا هل من شرط صحة الصلاة استدامة الجماعة من أول الصلاة إلى آخرها أم لا على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك من شروط صحتها وأن الناس لو انفضوا عنه قبل","vol":"3","page":564},{"text":"السلام حتى لم يبق معه إلا من يجزئ بهم الجمعة لبطلت الصلاة. والثاني: أن الصلاة جائزة إذا لم ينفضوا عنه حتى صلى ركعة. والثالث: أنه إذا أحرم بالصلاة فصلاة الجمعة جائزة وإن انفضوا عنه قبل ركعة، وهو ظاهر الآية. واختلف في القيام في الخطبة هل هو شرط فيها أم لا؟ فعند الشافعي أنه شرط فيها لا تجزئ بالقعود. وفي المذهب أنه ليس بشرط وأنها تجزئ بالقعود. وحجة الشافعي قوله تعالى: ﴿وتركوك قائمًا﴾ فحمل ذلك على ظاهر الآية من القيام ورآه واجبًا. ولم ير مالك أن ما صنعه ﷺ من ذلك كان على الإيجاب بل رأى أنه كان منه على الاستنان. واختلف في سنة الخطبة ففي المذهب أن سنتها أن يجلس في أولها ووسطها وقال عطاء ما جلس رسول الله ﷺ حتى مات وما كان يخطب إلا قائمًا. وأول من جلس في الخطبة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في آخر زمانه حين كبر، فكان يجلس هنيأة. وقال أهل العراق لا يجلس بين الخطبتين. ومن حجة من لا يرى الجلوس أن الآية أعطت القيام ولم تعط شيئًا من القعود فيها فوجب أن تحمل على ظاهرها في القيام في الخطبة كلها. ومن حجة القول الأول أن الآية وإن كان ظاهرها كذلك فقد أزال النبي ﷺ هذا الظاهر بفعله وبين المراد بالآية بما فعله من الجلوس في الخطبة، فإذا قلنا بالجلوس بين الخطبتين فإن تركه أجزأه. وقال الشافعي لا يجزئ. والأظهر قول مالك لأن ذلك لم يكن واجبًا عليه مع أن ظاهر الآية يرده. وقال الشافعي لا يجزئ. واختلف في السفر يوم الجمعة إذا زالت الشمس. ففي المذهب أنه محرم، وعند أبي حنيفة أنه جائز. وظاهر الآية أنه محرم لأنه ليس بين الزوال والنداء قدر يراعى. وقد أمر الله تعالى عند النداء بالسعي إلى الجمعة وترك غير ذلك، فمن سافر في ذلك الوقت فقد خالف الأمر بالسعي إلى الجمعة وترك غير ذلك، فمن سافر في ذلك الوقت فقد خالف الأمر بالسعي وعصى فيجب أن لا يجزئه ذلك. وأما السفر أول النهار فغير محرم خلافًا للشافعي في أحد قوليه أنه محرم لأن ذلك الوقت غير مأمور فيه بالاجتماع للصلاة فوجب أن يجوز فيه السفر كسائر الأوقات، وهذا ظاهر الآية.","vol":"3","page":565},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-817>سورة المنافقين</span>\nوهي مدنية نزلت في بني المصطلق وليس فيها سوى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-818>(١)، (٢) - قوله تعالى: ﴿قالوا نشهد إنك لرسول الله ...﴾ إلى قوله: ﴿أيمانهم جنة﴾:</span>\nاختلف في قولهم: ﴿نشهد﴾ هل هو يمين أم لا؟ فقيل إن نوى به اليمين فهو يمين وهو قول مالك. وقال الشافعي لا يكون يمينًا حتى يقول أشهد بالله، وروي عن مثل قول مالك. وقال أبو حنيفة هو يمين قال بالله أم لا، لأن الله تعالى أخبر عن الكفار أنهم يقولن نشهد إنك لرسول الله ولم يقولا نشهد بالله، وقال تعالى: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ [النور: ٦]. ووجه قول مالك وإحدى الروايتين عن الشافعي أن نشهد إذا لم يقرن بذكر الله لم يدل على اليمين، فإن خاصة اليمين في ذكر اسم أو صفة من صفاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-819>(١٠) - قوله تعالى: ﴿وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت﴾:</span>","vol":"3","page":566},{"text":"اختلف في الإنفاق المأمور به في الآية ما هو؟ فقال كثير من العلماء: المراد به الزكاة المفروضة. وقال قوم ذلك عام في مفروض ومندوب. وفيه دليل على أنه يجب تعجيل الزكاة ولا يجوز تأخيرها أصلًا.","vol":"3","page":567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-820>سورة التغابن</span>\nاختلف فيها، فقيل مدنية وقيل مكية إلا قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم فاحذروهم﴾ [التغابن: ١٤] إلى آخر السورة فإنه مدني. وروي أنه ﵊ قال: «ما من مولود إلا وفي تشابيك رأسه مكتوب خمس آيات من فاتحة سورة التغابن». وليس فيها سوى موضع واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-821>(١٥) - قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾:</span>\nاختلف في هذه الآية هل هي ناسخة لقوله تعالى في سورة آل عمرات: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ [آل عمران: ١٠٢] أم لا؟ فقيل إنها ناسخة. وروي أنه لما نزلت: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ شق ذلك على الناس حتى نزلت: ﴿ما استطعتم﴾. وقيل الآيتان محكمتان وأن قوله تعالى: ﴿حق تقاته﴾ معناه ما استطعتم. قالوا ولا يمكن أن يطيع أحد فوق طاقته. هذه الآية على هذا القول مبينة لذلك. والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":568},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-822>سورة الطلاق</span>\nوهي مدنية وفيها من الأحكام والنسخ مواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-823>(١) - (٤) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم ...﴾ إلى قوله: ﴿واللائي يئسن من المحيض </span>...﴾ الآية:\nالطلاق حل العصمة وهو مكروه على الجملة. فإذا وقع جاز فيكون معنى الآية إذا وقعتم هذا الشيء المكروه فالحكم فيه كذا. ويؤكد ذلك من الحديث ما رواه أبو موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: «لا تطلقوا النساء إلا من ريبة فإن الله تعالى لا يحب الذواقين والذواقات» وروى أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «ما حلف بالطلاق ولا استحلف به إلا منافق». وفي الحديث أيضًا: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق». وقال ابن المنذر: أباح الله تعالى الطلاق بهذه الآية وبقوله ﵊ في حديث ابن عمر: «فإن شاء أمسك وأن شاء طلق». وقد طلق","vol":"3","page":569},{"text":"رسول الله ﷺ حفصة ثم راجعها فجعل الطلاق على ظاهر لفظه من قبيل المباح. والصحيح أنه من قبيل المكروه وأن المعنى في الآية ما قدمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-824>(١) - قوله تعالى: ﴿لعدتهن﴾:</span>\nمعناه لاستقبال عدتهن وقوامها وتقريبها عليهن. وقد قرأ جماعة من الصحابة هذه الآية: ﴿فطلقوهن في قبل عدتهن﴾ وقرأ بعضهم: ﴿لقبل عدتهن﴾. وروى ابن عمر القراءتين عن النبي ﷺ أنه قال: «طلقوا المرأة في قبل طهرها». والمعنى في ذلك كله أن لا يطلقها وهي حائض فهو منهي عنه بالآية لأنه إذ فعل ذلك لم يقع طلاقه في الحال التي أمر الله تعالى بها وهو استقبال العدة. فالعدة التي أمر الله تعالى بالطلاق فيها هي الطهر. إلا أنه يستحب أن يكون طهرًا لم يجامع فيه لئلا يلبس على المرأة العدو فلا تدري بم تعتد هل بالوضع أو القراء؟ ويقل ليكون هو على يقين من نفي حمل إن أتت به فأراد أن ينفيه. واختلف في النهي عن الطلاق في الحيض هل هو لعلة أم لا؟ فقيل لعلة لأن ذلك بطول العدة عليها. وقيل بل ذلك لغير علة وإن علل بالتطويل لا ينبغي أن يجوز إذا رضيت به المرأة طردًا للتعليل المذكور. فإذا ثبت أن طلاق الحائض منهي عنه بالآية لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده وأن الطلاق ينبغي أن يوقع في طهر. فإن أوقع أحد الطلاق في الحيض فهو لازم يعتد به خلافًا لابن علية وبعض أهل الظاهر في قولهم إنه لا ينفذ وقع على خلاف ما أمر الله تعالى به. والصحيح أنه يعتد به للأدلة القوية في ذلك وإذا كان كذلك ففي المذهب أنه يجبر على مراجعتها حتى يطلقها على الصفة التي ذكر الله تعالى، قال: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾، فكأنه","vol":"3","page":570},{"text":"ألزم من طلق أن يطلق في الطهر، فإن طلق في الحيض لزم أن يجبر على الرجعة حتى يوقعه على الوجه اللازم. وعلى هذا من الإيجاب يحمل أمره ﵊ بالمراجعة. وذهب الشافعي والأوزاعي والكوفيون إلى أنه لا يجبر على الرجعة ومن حجتهم أن الله تعالى أمر أن تطلق المرأة في الطهر فغاية ما في هذا أن يكون نهيًا عن ضده. فيكون قد نهى عن إيقاع الطلاق في الحيض، وليس في الآية حكم لمن أوقعه في المحيض هل يجبر أم لا؟ وأما أمره ﵊ بالمراجعة فأنه لا يحمل أيضًا على الإيجاب بل يحمل ذلك على الندب، وإذا كان هكذا فلا يجبر على الحديث أن ابن عمر قال: طلقت امراتي وهي حائض، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لعمر: «مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم يطلقها إن شاء». فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء. وروى بعضهم هذا الحديث: ليراجعها فإذا طهرت طلقها إن شاء. وقال بكل واحد من الحديثين طائفة من العلماء. ووجه ما جاء في الحديث الأول أن الطهر الأول الوطء فيه مقصود فلا يصح فيه الطلاق. وقيل إنما منع من الطلاق فيه عقوبة لا لعلة. واختلف في الحامل متى تطلق؟ ففي المذهب أنه يطلقها متى شاء لأنه متى طلقها فهي تستقبل عدتها لا تنتظر طهرًا كما تصنع التي تحيض. فطلاقها موافق لما أمر الله تعالى به، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، وخالف الأوزاعي فذهب إلى أنه يطلقها للأهلة. وكره الحسن طلاقها وهي حامل. وأما إن حاضت الحامل على حملها فهل يجوز للزوج أن يطلقها في الحيض أم لا؟ ففيه قولان للمتأخرين. ووجه الجواز أن عدة الحامل وضع الحمل وارتفعت العلة لأنه متى طلقها فذلك في قبل العدة، وإذا قلنا إنما يطلق في الطهر فحكمه أن يطلق واحدة في طهر لم يمس فيه ويأتي على قول من يرى الإقراء الحيض","vol":"3","page":571},{"text":"أن يطلق واحدة فهي في طهر ولا يشترطون مس فيه أو لم يمس. وأما غير هذا من الطلاق مثل أن يطلق في كل طهر طلقة أن يطلق ثلاثًا في طهر واحد فليس بمراد في الآية. وعلى هذا جمهور أهل المذهب لأنه عندهم مخالف للسنة. لكن إذا وقع لزم إذا ليس في الآية دليل قطعي على تحريمه. وعند أشهب أن من طلاق السنة أيضًا أن يطلق في كل طهر طلقة، وهو قول الكوفيين وجماعة سواهم. فيكون هذا الطلاق أيضًا مما أباحه الله تعالى في الآية على هذا القول. وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور: ليس في عدة الطلاق بدعة ولا سنة وإنما السنة في وقت الطلاق بطلاق المرأة واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا ف طهر لم يصبها فيه طلاق سنة واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ ولم يخص واحدة من اثنتين ولا ثلاثًا. وكذلك أمر ﷺ ابن عمر أن يطلق في الموضع الذي يجوز له ولم يخصص واحدة من غيرها. ورود بعضهم على هذا القول بأنه لو كان طلاق ثلاث في كلمة من السنة لبطلت فائدة قوله تعالى: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ قال أهل التفسير: يعني به الرجعة في العدة. قالوا: فأي أمر يحدث بعد الثلاث. فدل أن المراد بالطلاق في الآية الطلاق الرجعي لأن الرجعة لا تسوغ في البائن بالثلاث.\nوقوله تعالى: ﴿وأحصوا العدة﴾:\nأي عدوها بما يلحق بها من الأحكام في الميراث والسكنى والرجعة ونحو ذلك.\nقوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن﴾:","vol":"3","page":572},{"text":"أعلم الله تعالى بهذه الآية أنهن يلزمهن السكنى في بيوتهن التي طلقن فيها فنهى عن إخراجهن وخروجهن. فعلى هذا تلزم بيتها ولا تخرج منه إلا أن تخرج نهارًا في حاجة لها. وهو لازم للمطلقة الرجعية بإجماع من العلماء. وكذلك لا خلاف في وجوب السكنى والنفقة لها. وهذا النهي لعلة وهي حفظ الأنساب والمخاطبة لقوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن﴾ للأزواج. ففي هذا دليل أن البيت إنما هو للزوج ملكًا كان أو كراء، فيلزمه أن يتركها فيه حتى تنقضي عدتها وإن كان لها فعليه لها الكراء وإن كانت أمتعته مدة الزوجية ففي لزوم خروج والعدة له قولان في المذهب، والأظهر منهما اللزوم لأن ظاهر الآية على ما قدمنا أن سكناها في العدة إنما هو على الزوج. وإذا كان كذلك فسواء تقدم امتناع منها له أو لم يتقدم ولا تكون العدة داخلة في الإمتاع بمدة الزوجية لأن الزوجية قد انفصلت بالطلاق.\nوقوله تعالى: ﴿إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾:\nاختلف في هذه الفاحشة التي أباحت خروج المعتدة ما هو؟ فقال الحسن ومجاهد وقتادة هي الزنا، فتخرج بإقامة الحد، وهو قول الليث والشعبي وغيرهما. وقال ابن عباس هي البذاء على الأحماء فتخرج ويسقط حقها من السكنى ويلزمها الإقامة في مسكن تتخذه حفظًا للنسب. وقال ابن عمر والسدي هي الخروج عن البيت خروج انتقال، فمتى فعلت ذلك","vol":"3","page":573},{"text":"فقد سقط حقها في السكنى، وإلى هذا ذهب مالك في الناشز في العدة. وقال قتادة أيضًا المعنى إلا أن يأتين بفاحشة من نشوز عن الخروج فيطلق بسبب ذلك فلا يكون عليه سكنى. وقال ابن عباس أيضًا: الفاحشة جميع المعاصي، فمتى سرقت أو قذفت أو زنت أو أربت في تجارة وغير ذلك فقد سقط حقها في السكنى، وإلى هذا القول مال الطبري رحمه الله تعالى وقال بعض الناس متى وردت الفاحشة معرفة في القرآن فهي الزنا ومتى جاءت منكرة فهي مطلق المعاصي، فمرة يراد بها عشرة الزوج ومرة غير ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾:\nاختلف في تأويله. فذهب الأكثر إلى أن المراد به الرجعة، أي احصوا العدة وامتثلوا ما أمرتم به من طلاق السنة تقدروا على التخلص إن ندمتم فأنكم لا تدرون لعلكم تندمون فتريدون الرجعة. وذهب إلى أن المعنى: لعل الله يحدث أمرًا من النسخ. وهو بعيد. وهذه الآية المتقدمة في الآية من أن لا يخرجن إنما هي في المطلقة واحدة واثنتين بدليل قوله تعالى: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ على القول بأن المراد به الرجعة. وقال بعضهم هي لمن يطلق وللمطلقة أقل من الثلاث. وقال بعضهم: هي لكل مطلقة ثلاثًا فمان دونها وهذا يأتي على قول الشافعي المتقدم في الثلاث. وعلى هذا يأتي الخلاف في المطلقة البائنة هل لها سكنى أم لا؟ فعل قول الشافعي يكون لها السكنى لأنه ظاهر الآية على قوله، وسيأتي الكلام على ذلك أيضًا. وقد قيل إن سبب الرجعة المذكورة في الآية تطليق النبي ﷺ لحفصة فأمره الله تعالى بمراجعتها. وقوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن﴾ يريد آخر القرء. والإنفاق بالمعروف وهو تحسين العشرة","vol":"3","page":574},{"text":"في النفقة عليهن والصحبة لهن. والفراق بالمعروف هو تأدية الصداق والإمتاع والوفاء بالشروط ونحو ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-825>(٢) - وقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾:</span>\nاختلف في الإشهاد المأمور به على أي شيء أمر الله تعالى أن يكون؟ فقال الجمهور: الرجعة. وقال ابن عباس: المراد على الرجعة وعلى الطلاق لأن الإشهاد يرفع من النوازل إشكالات كثيرة وهو أظهر لأنه جاء عقبهما جميعًا فوجب أن يرجع إليهما. وقد اختلف في الإشهاد على الرجعة هل هو واجب أم لا؟ فحكى ابن القصار في كتابه أنه مستحب. وحكى إسماعيل القاضي عن مالك أنه واجب لرفع الدعاوي وتحصين الفروج والأنساب والطلاق في هذا ينبغي أن يكون كالرجعة لأن اللفظ يعمهما كما قدمنا على القول الأظهر. وإذا كان كذلك فإما أن يكون الإشهاد عليهما جميعًا ندبًا وإما أن يكون واجبًا. وحكى عبد الحق عن بعض شيوخه الفرق بين وجوب الإشهاد على الرجعة وعدم وجوبه في الطلاق والبيع. وذلك في أن الفرق بين الرجعة والبيع أن الله تعالى قال في البيع: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: ٢٨٣] فدل ذلك على أن الإشهاد على البيع غير واجب، وسكت عن الفرق بين الرجعة والطلاق، ولا فرق بينهما لما قدمناه. وقال ابن بكير: معنى ذلك أن يشهد ذوي عهد على مراجعتها إن راجعها وعند انقضاء عدتها إن لم يراجعها أنه طلقها وأن عدتها قد انقضت خوفًا من أن يموت فتدعي أنها زوجة لم تطلق، أو تموت هب فيدعي الزوج ذلك. قال: وينبغي إن طلق طلاقًا بائنًا أن يشهد أيضًا حين الطلاق أنها قد بانت منه حسبما ذكرنا لأن معنى البائن معنى التي انقضت","vol":"3","page":575},{"text":"عدتها ويلزم على قياس قوله أن يلزم الإشهاد في الطلاق الرجعي حين الطاق مخافة الموت. وإذا قلنا إن الإشهاد بالآية واجي فمعناه إنما يكون بتركه إنما لتضييع الفروج وما يتعلق بذلك من الحقوق من غير أن يكون ذلك شرطًا في صحة الرجعة أو الطلاق. وقد تقدم الكلام في العدالة ما هي فلا معنى لإعادته. ويؤخذ من هذه الآية أنه إنما يشهد في النكاح أو الطلاق الرجال دون النساء لقوله تعالى: ﴿ذوي عدل منكم﴾ خلافًا لمن أجاز في ذلك شهادة النساء من أهل العراق، وخلافًا لمن أجازها منهم في النكاح دون الطلاق لأنه تعالى لما قال: ﴿ذوي عدل منكم﴾ على أنه لا يجيء غير ذلك لأنه تعالى إنما ذكر أقل ما يجوز في ذلك كقوله تعالى في شهادة الأموال: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولا فرق بين النكاح والطلاق وبين الحدود. وقد منعوا شهادتهن في الحدود، ولا فرق بينهما.\nوقوله تعالى: ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾:\nأمر بالشهود بأن يشهدوا إذا استشهدوا. وهو عند أهل العلم أمر وجوب يقوم به بعض الناس عن بعض كالجهاد وصلاة الجنازة وما أشبههما. فإذا كان الرجل في موضع ليس فيه من يحمل ذلك عنه تعين عليه الوجوب في خاصته.\nوقوله: ﴿ذلكم يوعظ به﴾:\nإشارة إلى إقامة الشهادة.\nوقوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا﴾:\nاختلف في معناه. فقال ابن عباس: أي من يتق الله تعالى يخلصه من","vol":"3","page":576},{"text":"كرب الدنيا وكرب الآخرة. وقال بعضهم ما يعضد هذا التأويل. وقال نزلت هذه الآية في عوف بن مالك الأشجعي وذلك أنه أسر ولده وقدر عليه رزقه فشكى ذلك إلى رسول الله ﷺ، فأمر بالتقوى. فلم يلبث أن تفلت ولده وأخذ قطيعًا من غنم الذين أسروه. فسأل عوف رسول الله ﷺ: أتطيب له تلك الغنم؟ قال: «نعم» فنزلت الآية. وقال علي بن أبي طالب وأكثر المفسرين: معناه في الطلاق أي من لا يتعدى في طلاق السنة إلى طلاق الثلاث يجعل الله تعالى له مخرجًا إن ندم بالرجعة ويرزقه ما يطعم أهله ويوسع عليه. ومن لا يتقي الله فربما طلق وبت وندم فلم يكن له مخرج وزال عنه رزق زوجته. وهذا القول في الآية يدل على أن طلاق الثلاث إذا وقع لازم لأنه لم يجعل لمن أوقعه مخرجًا أي أنها قد بانت منه بما قال فلا رجعة له، وعلى هذا الذي دلت عليه الآية أئمة الفتوى. وكان الحجاج بن أرطأة لا يرى طلاق الثلاث شيئًا، وهو قول داود الظاهري. وكان محمد بن إسحاق يقول ترد الثلاثة إلى واحدة ويحتج بحديث ركانة روي عن ابن عباس قال: قد طلق ركانة بن يزيد امرأته ثلاثًا في مجلس واحد. قال: «إنما ذلك واحدة فارتجعها إن","vol":"3","page":577},{"text":"شئت». فارتجعها. قال الطحاوي: وهو حديث منكر قد خالفه ما هو أولى منه، وهو حديث خطأ. وإنما طلق ركانة زوجته ألبتة لا ثلاثًا، كذلك رواه الثقات من أهل بيت ركانة. فقال له رسول الله ﷺ: «ما أردت؟» قال: والله ما أردت إلا واحدة فردها النبي ﷺ. فطلقها الثانية في زمان عمر والثالثة في زمان عثمان. قال أبو داود: وهذا أصح ما وري في حديث ركانة وجاء عن ابن عباس أيضًا أنه قال لمطلق ثلاثًا: إنك لم تتق الله فبانت منك امرأتك ولا أرى لك مخرجًا وفسر بذلك الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-826>(٤) - قوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾:</span>\nهذه الآية مخصصة لعموم آية البقرة في الاعتداد بالحيض. وقد تقدم الكلام على هذا.\nقوله تعالى: ﴿إن ارتبتم﴾:\nاختلف فيه فقيل هو متصل بأول السورة، والمعنى لا تخرجوهن من بيوتهن إن راتبتم في انقضاء العدة. وقيل هو من هذه الآية التي وقع فيها. واختلف في تأويله، فروى أشهب عن مالك أنها ريبة ماضية في الحكم لا في معاودة الحيض وذلك أن الله تعالى لما بين عدة ذوات الإقراء وذوات الحمل وبقيت اليائسة من المحيض والتي لم تحض ارتاب أصحاب النبي ﷺ في حكمها، فنزلت الآية. وإلى هذا ذهب مجاهد واختاره الطبري. فاليائسة على هذا القول في الآية هي التي لا ترتاب في معاودة الحيض وهي مخصصة من عموم آية البقرة. وأما التي ارتفع عنها الحيض","vol":"3","page":578},{"text":"وهي في سن من تحيض فليست بداخلة في الآية. قال ابن بكير وإسماعيل القاضي إنه يلزم على هذا القول في الآية أن تعتد هذه المرتابة في معاودة الحيض بالإقراء وتنتظر القرء حتى تبلغ سن من لا يشبه أن تحيض وإن بقيت عشرين عامًا. وإلى هذا ذهب الشافعي وأبو حنيفة، قالا: فإذا يئست من المحيض اعتدت ثلاثة أشهر ما لم تيأس من الحيض وإليه ذهب أيضًا النخعي والثوري وغيرهما، وحكاه أبو عبيد عن أهل العراق. وهذا غير لازم لأنه وإن كانت هذه المرتابة لم تتخصص بهذه الآية من آية البقرة فتخصص بالقياس والنظر، وهو الذي ذهب إليه عمر ابن الخطاب ولا مخالف له من الصحابة أنها تنتظر تسعة أشهر، فإن كان بها حمل وإلا اعتدت بعد التسعة ثلاثة ثم تحل. وقاله الشافعي بالعراق وهو قول مالك رحمه الله تعالى، على أنه يقول إن الريبة في الآية إنما هي في الحكم. وذهب ابن بكير وإسماعيل القاضي وغيرهما إلى أن المعنى في قوله تعالى: ﴿إن ارتبتم﴾ أي ارتبتم في معاودة الحيض وأنها ريبة مستقبلة، واحتج لذلك بحجج يطول جلبها. من ذلك أن اليأس في كلام العرب إنما هو مما لم ينقطع منه الرجاء. ألا ترى أنك تقول: يئست من المريض لشدة مرضه ومن الغائب لطول غيبته، ولا يصلح أن تقول: يئست من الميت الذي انقطع الرجاء منه. قالا ولو كانت الريبة في الحكم لطان حق اللفظ أن يكون إن ارتبتم بفتح الهمزة لأنها ريبة ماضية. ودليل خطاب هذا القول إنه لا تجب عدة على من يعلم أنها ممن لا تحيض من صغر أو كبر ولا يرتاب في أمرها، وإلى هذا ذهب ابن لبابة وقال إنه مذهب داود وأنه القياس لأن العدة إنما هي لحفظ الأنساب، فإذا أمن الحمل فلا معنى للعدة. وهو شذوذ من القول، وهذا ليس بلازم لإسماعيل القاضي وابن بكير لأن دليل الخطاب ضعيف في الاستدلال، وقد اختلف فيه الأصوليون، ولما لم يكن عندهما","vol":"3","page":579},{"text":"بد من عدة الأدلة القوية، فمن لا تحيض من صغر أو كبر في ذلك ولم يجدا في ذلك حدًا جعلا الباب واحدًا فيهما فحملهما محمل المرتابة في العدة بثلاثة أشهر. والذين ذهبوا إلى أن الآية في المرتابة اختلفوا، فبعضهم يرى أنه ليس عليها أكثر من ثلاثة أشهر تعلقًا بظاهر الآية. وإلى نحو هذا ذهب عكرمة وابن زيد وقتادة. والأكثر على أن الثلاثة الأشهر إنما هي التي بعد التسعة الأشهر على حديث عمر بن الخطاب إن يئست من الحمل فيهن، وهو تأويل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في الآية على ما ذكر المفسرون. وتحصيل هذا أنه يأتي في تأويل قوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم﴾ قولان: أحدهما: أنهن اليائسات من معاودة الحيض. والآخر: أنهن المرتابات في معاودة الحيض. وإذا قلنا إنهن اليائسات من معاودة الحيض ففي عدة المرتابة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ثلاثة أشهر خاصة حملًا لها على اليائسة.\nوالثاني: أنها ثلاثة أشهر بعد تسعة أشهر يستبدأ بها أمر الحمل.\nوالثالث: أن عدتها بالإقراء وإن طالت ثلاثين سنة، لأنها عند من قال بذلك باقية تحت عموم آية البقرة. وإذا قلنا إن اللائي يئسن من المرتابات ففي عدة اليائسة قولان:\nأحدهما: أنها ثلاثة أشهر حملًا لها على المرتابة المذكورة في الآية.\nوالثاني: أنها لا عدة لها عليها تعلقًا بدليل خطاب الآية. واختلف في المستحاضة هل تعتد بثلاثة أشهر خاصة أو ثلاثة أشهر بعد تسعة فتكون عدتها سنة، وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى. وعلل ذلك كثير من المفسرين بأن الاستحاضة ريبة فلحقت بمعنى قوله: ﴿إن ارتبتم﴾ الآية.\nقوله تعالى: ﴿واللائي لم يحضن﴾:\nمعناه واللائي لم يحضن عدتهن أيضًا ثلاثة أشهر.","vol":"3","page":580},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-827>(٤) - (٦) - قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم </span>...﴾ الآية:\nحكم هذه الآية عند الجمهور عام للمطلقة الحامل والمتوفى عنها فتكون عدتها بوضع الحمل. وحديث سبيعة الأسلمية شاهد لذلك. وهو أنها كانت تحت سعد بن خولة فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حبلى، فلما وضعت خطبها أبو السنابل بعكك. فسألت رسول الله ﷺ فقال لها: «أنكحي من شئت» وعلى هذا القول علماء الحجاز والعراق والشام. ولا أعلم مخالفًا فيه من السلف إلا ابن عباس وعلي بن أبي طالب في ذلك أنهما قالا: عدة المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين. وقال ابن مسعود لما بلغه قول علي: من شاء لاعنته. إن هذه الآية في سورة النساء القصرى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ نزلت بعد التي في البقرة ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. ولولا حديث سبيعة الأسلمية لكان هذا القول أظهر ولو بلغت السنة عليًا ما تركها. وأما ابن عباس فروي عنه أنه رجع إلى حديث سبيعة بعد منازعته، فقد مر في سورة البقرة وجه معارضته هذه الآية بآية الطلاق وآية الوفاة الكائنتين في سورة البقرة، فمن أراد الوقوف على ذلك تأمله هناك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-828><span data-type=\"title\" id=toc-829>(٦) - قوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾:</span></span>\nذهب بعضهم إلى أنه أمر عام بالسكنى لجميع المطلقات. وذهب","vol":"3","page":581},{"text":"بعضهم إلى أنها في إسكان البوائن خاصة. ويأتي على مذهب من لا يرى للمبتوتة سكنى أنها في غير البوائن. والقول بأنها في البوائن خاصة أحسن لقوله تعالى بعد هذا: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن﴾ فلم يوجب لهن نفقة إلا مع الحمل، وهذا لا يتصور في غير البائن لأن الإجماع منعقد على أن لها النفقة كانت حاملًا أو غير حامل. فإن قيل: وكيف ذلك ولم يتقدم لهن في السورة ذكر وإنما تقدم ذكر اللواتي ل يبن بدليل قوله تعالى: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ ففي ذلك جوابان:\nأحدهما: وإن لم يتقدم لهن في السورة ذكر فقد تقدم لهن في سورة البقرة وهو قوله ﷿: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠] فيعاد قوله: ﴿أسكنوهن﴾ على تلك الحالة لأن القرآن كله كسورة واحدة في رد بعضه إلى بعض، وتفسير بعضه ببعض.\nوالثاني: أن تقول قد تقدم لهن في السورة ذكر لأن قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ عام فيمن لم تتطلق وفيمن طلقت طلقتين وبقيت فيها طلقة لأنها بالطلقة الواحدة للسنة. فرجع قوله: ﴿أسكنوهن﴾ الآية إليها دون من سواها ممن عمه عموم اللفظ. وعلى القول بأن المأمور بإسكانهن البوائن يكون قوله: ﴿وإن كن أولات حمل﴾ في البوائن أيضًا فيكون قد أوجب لهن النفقة إذا كن حوامل. ويؤيد هذا حديث فاطمة بنت قيس، وقول رسول الله ﷺ: «ليس لك عليه نفقة» وقد كان طلقها ثلاثًا. فيأتي على هذا أن البائنة لها السكنى ولا نفقة لها، وهو قول مالك رحمه الله تعالى وجميع أصحابه. وفي المسألة قولان سوى ذلك: أحدهما:","vol":"3","page":582},{"text":"أن لها النفقة والسكنى. والثاني: أنه لا نفقة لها ولا سكنى. واستدل من ذهب إلى أنها لا نفقة لها ولا سكنى بما جاء في بعض روايات حديث فاطمة وهي أنها قالت: لم يجعل لي رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى. ولا حجة في هذا بأنها إنما قالت ذلك تأولًا على قول النبي ﷺ إذ أمرها أن تعتد في بيت أم مكتوم. وإخراجها إلى الموضع الذي كانت فيه لاستطالتها بلسانها على أحمائها. فقد أوجب لها النبي ﷺ السكنى وجعله حقًا عليها لله تعالى من حيث لم تشعر. ولو لم يوجبه عليها لما أمرها به في موضع ما لقال لها: اعتدي حيث شئت فلا سكنى لك. واستدل من ذهب أن لها السكنى والنفقة بما روي أن عمر بن الخطاب قال: لا ندع آية من كتاب الله ربنا وسنة نبينا لقول امرأة سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول لها: السكنى والنفقة وتأول -والله تعالى أعلم- قول النبي ﷺ لها لا نفقة لك، تأديبًا من أجل أنها سخطت ما أرسل إليها به إذ رأى أنه هو الواجب لها عليه لقوله ﷿: ﴿ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها﴾ وتأول أيضًا أ، النفقة التي أمر الله تعالى بها للحوامل في قوله: ﴿وإن كن أولات حمل ...﴾ الآية ليست لأجل الحمل وإنما هي من أجل العدة إذ لو كان من أجل الحمل لوجب له الرجوع بها عليه إذا ولد حيًا، وقد مات أخ لأمه فورثه كما أنفق عليه في حياته ثم انكشف أن له مالًا. واختلف الذين أوجبوا لها السكنى في الذي يجب عليها فيه. فقيل إنه حق لها فإن شاءت أخذته وإن شاءت تركته. وقيل إنه حق لله تعالى فيلزمها أن لا تبيت إلا فيه ولها أن تخرج في نهارها فتتصرف في حوائجها، وهو قول مالك وجميع أصحابه. وقيل إنه ليس لها أن تبيت عنه ولا أن تخرج منها نهارًا. وهذا إنما يأتي على قول من رأى أن النفقة لها. والأظهر لأنه حق له لأن ظاهر أمره تعالى بذلك إنما هو على أن الحق له فيه حتى يقيده بما يدل على غير ذلك، وليس في الآية تقييد. واختلف هل لهذه المطلقة أن","vol":"3","page":583},{"text":"تحج؟ فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه ليس لها ذلك. وذهب ابن حنبل وغيره إلى أن لها أن تحج في العدة. وقال مالك رحمه الله تعالى: ترد ما لم تحرم. وأما الحامل المطلقة، فإن كان الطلاق رجعيًا فحمكها حكم المطلقة الرجعية، وإن كان طلاقها بائنًا فحكمها حكم البائن غير الحامل في وجوب السكنى لقوله تعالى: ﴿أسكنوهن﴾ ولها النفقة بنص قوله تعالى: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ ولا خلاف في ذلك إنما اختلف في نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها ففي ذلك قولان: أحدهما: المنع من ذلك. والآخر: إيجابه تعلقًا بعموم الآية. والقول بالمنع أجرى على طريق النظر والأثر. وقد استدل بعضهم من قوله تعالى: ﴿أسكنوهن﴾ الآية على القول بأن المرأة إذا كانت ساكنة في دارها ومعها زوجها ثم طلبته بالكراء أن ذلك يلزمه، خلافًا للقول بأنه لا يلزمه كراء. والقولان معلومان في المذهب وذكر الاستدلال بذلك صاحب الوثائق المجموعة. واختلف هل يجوز عقد النكاح على حامل من زنا. فلم يجزه مالك وأجازه الشافعي وأبو حنيفة. وحجة مالك قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾. واختلف في المبتوتة في المرض، ففي المذهب أنها تعتد عدة المطلقة مات زوجها أو بقي. وقال أبو حنيفة: أقصى الأجلين. والحجة عليه قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾.\nقوله تعالى: ﴿فأن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ إلى قوله تعالى: ﴿سيجعل الله بعد عسر يسرًا﴾:\nيقول إن أرضع هؤلاء الزوجات المطلقات ولذلك فآتوهن أي ما يعان به الصبي وذلك نفقته وكسوته والأجرة على إرضاعه باتفاق.","vol":"3","page":584},{"text":"واختلف في كراء سكناه، فمنهم من رأى على الأب ذلك ومنهم من لم يره. وظاهر الآية على إيجابه على الأب.\nقوله تعالى: ﴿وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى﴾:\nأي إن تشططت الأم على الأب في أجرة الرضاع فللزوج أن يسترضع لولده غيرها بما فيه رفقة. وقد اختلف قول مالك إذا وجد الأب من يرضعه باطلًا أو بدون ما يساوي رضاعه. فعنه أن من حق الأم أن ترضعه بأجر مثلها. وروى ابن وهب عنه أن الأم لم ترد أن ترضعه مجانًا أو بما وجد كان له أن يدفعه إلى من ترضعه له مجانًا أو بما وجد. ومعنى ذلك إذا أرضعته عند أمه ولم تخرجه من حضانتها. وهذا القول أشبه بقوله تعالى: ﴿وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى﴾. وقد استدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ على أنها إذا رضيت أن ترضع بأجر مثلها لم يكن للأب أن يسترضع غيرها بدون الأجر ويلزم على هذا أن يتأول قوله تعالى: ﴿وإن تعاسرتم﴾ على أن الأم تطلق أكثر من أجر مثلها. وتدل هذه الآية أيضًا على أن الأم أولى بحضانة الولد. وتدل أيضًا على أن الأجرة إنما تستحق بالفراغ من العمل وإن احتمل أن يراد به غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-830>(٧) - قوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ونم قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرًا﴾:</span>\nخص تعالى بهذه الآية على الإنفاق على قدر اليسر والإعسار فدل أن النفقة مختلفة باختلاف الأحوال في ذلك وأن نفقة المعسر أقل من نفقة الموسر، خلافًا لأبي حنيفة فإنه اعتبر كفايتهما. وقد اختلف في التطليق على من يعجز على نفقة امرأته، فقال مالك والشافعي وغيرهما تطلق. وقال أصحاب الرأي وعمر بن عبد العزيز وغيرهم: لا يفرق بينهما. قال بعضهم: وقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ فيه دليل على أنه لا يجوز التفريق لعجزه عن النفقة لأن الله تعالى لم يوجب النفقة في هذه الحالة.","vol":"3","page":585},{"text":"وحجة من يرى التفريق أن يقول إن الزوج عجز عن الإمساك بالمعروف فعليه التسريح بإحسان. ولما كان لا بد من أحدهما وجب إذا فات أحدهما أن يتعين الثاني. ولا شك أن العاجز عن نفقة عبده أو أمته أو بهيمته لا يجب عليه نفقتها ولكن يجبر على بيع المملوك. كذلك ها هنا. وقد استدل بعضهم أيضًا على أنه لا يطلق بالعجز لقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبداكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾ [النور: ٣٢]. وقد تقدم الكلام على ذلك. واختلف أيضًا في التطليق على الزوج بعدم الكسوة وإن وجد النفقة على قولين في المذهب. والتوجه للقولين على ما تقدم في النفقة لأن الكسوة من النفقة وإن كان اختلف الفقهاء فيمن طاع في نفقته رجل هل تلزمه كسوته أم لا؟ فمنهم من أخرج الكسوة عن النفقة ومنهم من جعلها منها.","vol":"3","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-831>سورة التحريم</span>\nوهي مدنية. وفيها موضعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-832>(١)، (٣) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾:</span>\nاختلف في سبب هذه الآية. فروي عن عكرمة وابن عباس أنها نزلت بسبب أم شريك التي وهبت نفسها للنبي ﷺ. وروي عن عائشة رض الله تعالى عنها أنها نزلت بسبب العسل الذي شربه النبي ﷺ عند زينب بنت جحش فتمالأت عائشة وحفصة وسودة على أن تقول له نم دنا منها: أكلت مغافير. والمغافير: صمغ العرفط، وهو حلو ثقيل الرائحة، ففعلن ذلك. فقال رسول الله ﷺ: «لا ولكني شربت عسلًا» فقلت له: جرست نخله العرفط. فقال رسول الله ﷺ: «لا أشربه أبدًا». وكان يكره أن يوجد منه رائحة ثقيلة. وروي أنه حلف، وروي أيضًا أنه حرم العسل، والآية تدل على ذلك. فدخل بعد ذلك على زينب فقالت: ألا نسقيك من ذلك العسل؟ قال: «لا حاجة لي به». قالت عائشة: فقالت سودة حين بلغها امتناعه: ولقد حرمناه. قلت لها: أسكتي. وروي عن زيد بن أسلم وغيره","vol":"3","page":587},{"text":"في سببها أن رسول الله ﷺ لما أهدى إليه المقوقس مارية القبطية اتخذها سرية. فلما كان في بعض الأيام -وهو يوم حفصة بنت عمر، وقيل يوم عائشة- جاء رسول الله ﷺ إلى بيت حفصة فوجدها قد مرت لزيارة أبيها فبعث رسول الله ﷺ في جاريته، فقال معها، فجاءت حفصة فوجدتها، فأقامت خارج البيت حتى أخرج رسول الله ﷺ مارية وذهبت. فدخلت حفصة غيرى متغيرة فقالت: يا رسول الله أما كان في نسائك أهون عليك مني؟ أفي بيتي وعلى فراشي؟ فقال لها رسول الله ﷺ متراضيًا: «أيرضيك أن أحرمها؟» قالت: نعم. فقال: «إني قد حرمتها». قال بعضهم ولم يقل مع ذلك والله لما أطأها. وذلك مذكور عن أبي بكر وعمر وابن عباس. وقال ابن عباس: بل قال مع ذلك: «والله لا أطأها أبدًا». ثم قال لها لا تخبري بهذا أحدًا. فمن قال إن ذلك كان في يوم عائشة قال: استكتمها خوفًا من غضب عائشة وحسن عشرته لها. ومن قال بل كان في يوم حفصة قال: استكتمها لنفس الأمر. ثم إن حفصة رضي الله تعالى عنها قرعت الجدار الذي بينها وبين عائشة وأخبرتها لتسرها بالأمر ولم تر في إفشائه إليها حرجًا. فأوحى الله تعالى إلى نبيه ونزلت الآية. وهذا القول أصح الأقوال في سبب الآية. وقيل إن هذا كان سبب تظاهر حفصة وعائشة على رسول الله ﷺ وإلى أن لا يدخل على نسائه شهرًا حين طلبن منه النفقة. وقد اختلف العلماء فيمن حرم على نفسه طعامًا أو شرابًا أو أمته أو أم ولده أو شيئًا أحله الله تعالى له ما عدا الزوجة. فقالت طائفة لا يحرم عليه ذلك وعليه كفارة يمين، قاله أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي. وقال مالك والشافعي: لا يحرم عليه وليس عليه كفارة وأن التحريم في ذلك ليس بشيء. والحجة","vol":"3","page":588},{"text":"لهذا القول حديث عائشة أن الآية نزلت في شرب العسل ولم يذكر في ذلك كفارة. وحجة من أجب الكفارة حديث زيد ابن أسلم في تحريم الجارية. قال بعض رواته: كفَّر النبي ﷺ من أجل التحريم وأصاب جاريته. قال جماعة فمن ذهب إلى هذا لم يقل رسول الله ﷺ: «والله لا أطأها». قال إسماعيل بن إسحاق: الحكم في ذلك واحد لأن الأمة لا يكون فيها طلاق فتطلق بالتحريم فكان تحريمها كتحريم ما يؤكل ويشرب. ولعل القصتين قد كانتا جميعًا في وقتين مختلفين غير أن أمر الجارية في هذه أشبه لقوله تعالى: ﴿تبتغي مرضات أزواجك﴾ ولقوله تعالى: ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا﴾ فكان ذلك في الأمة أشبه لأن الرجل يغشى أمته في ستر ولا يشرب العسل في ستر ولأن تحريم الأمة فيه مرضاة لهن. وقد اختلف في تكفير النبي ﷺ. فقال بعضهم: حرم فأمر بالكفارة. وقال بعضهم: حرم وحلف فلذلك أمر بالكفارة، وقد يمكن أن يكون حرمها وحلف وقد زعم بعض من رأى تحريم الأمة كفارة يمين أو الزوجة مثل الأمة في ذلك وأن من حرم زوجته فعليه كفارة وزعم أيضًا بعض من لا يرى في الأمة كفارة أنه لا كفارة أيضًا في تحريم الزوجة ولا يلزم فيه شيء كما لا يلزم في الأمة ولا غيرها. قالوا إنما عاتب الله نبيه ﷺ وذلك على تحلة اليمين المبينة في المائدة لقوله: «قد حرمتها والله لا أطأها أبدًا». وقال مسروق: ما أبالي أحرمتها يعني الزوجة أو قصعة من ثريد. كذلك قال الشعبي: ليس التحريم بشيء قال تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام﴾ [النحل: ١١٦] وقال: ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ [المائدة: ٨٧] محرم زوجته مسمى حرامًا ما جعله الله تعالى حلالًا. ومحرم ما أحل الله تعالى له. وقد مر الكلام على هذه المسألة وتحصيل الخلاف فيها مستوعبًا فلا معنى لإعادته.","vol":"3","page":589},{"text":"وظاهر الآية يقتضي أن صيام الدهر مكروه لأن فاعل ذلك محرم على نفسه ما أحل الله تعالى له من أكل النهار وغيره من المباحات المفسدة للصوم. وقد اختلف فيمن حلف بصيام الدهر، فقال مالك يصوم ما عاش. وقال ابن القاسم يصوم سنة. وقال أشهب يصوم ستة أشهر. وقال ابن حنبل يصوم ثلاثة أيام من كل شهر. وقال الأوزاعي: لا شيء عليه لأن الله جل ثناؤه هو الدهر. وقال الشافعي وغيره من أهل العلم عليه كفارة يمين واكنوا يأخذون بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: كل يمين وإن عظمت فكفارتها كفارة يمين ما لم يكن فيه عتق أو طلاق. وكان مالك رحمه الله تعالى رأى أن الصوم وإن كان مكروهًا لظاهر الآية فإنه من ألزم نفسه شيئًا لزمه لقوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-833>(٢) -قوله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾:</span>\nاختلف في تأويله. فقال قوم هذه إشارة إلى تكفير اليمين المقترنة بالتحريم: والله لا أطأها أبدًا. وقال آخرون هي إشارة إلى حلفه ﵊ أن لا يدخل على نسائه شهرًا فأمره الله تعالى بكفارة الإيلاء وأحال بقوله تعالى في هذه الآية: ﴿تحلة أيمانكم﴾ على الآية التي في كفارة اليمين لله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-834>(٣) -قوله تعالى: ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا﴾:</span>\nاختلف في معناه: فقال الجمهور: هو إشارة إلى أمر مارية. وقال آخرون بل إلى قوله إنما شربت عسلًا. وقال ميمون بن مهران الحديث الذي أسره إلى حفصة أنه قال: (أبشري فإن أبا بكر وعمر يملكان أمر أمتي من بعد خلافتي».","vol":"3","page":590},{"text":"وقوله تعالى: ﴿عرف بعضه﴾:\nمن قرأ بالتخفيف فمعناه جاري بالعتب واللوم كما تقول لمن يؤذيك: قد عرفت لك هذا ولا أعرفن لك هذا. أي لا أجازينك عليه، ونحوه في المعنى قوله تعالى: ﴿أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم﴾ [النساء: ٦٣] فعلم الله كفيل مجازاتهم. ومن قرأه بالتشديد فمعناه أعلم به وابن عليه.\nقوله تعالى: ﴿وأعرض عن بعض﴾:\nأعرض تكرمًا وحياء وحسن عشرة. وقال الحسن ما استقصى كريم قط. وروي أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم إن الله تعالى أمره بمراجعتها. وروي أنه عاتبها ولم يطلقها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-835>(٩) - قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾:</span>\nفي هذه الآية التأكيد في أمر الجهاد. والمعنى: دم على جهاد الكفار بالسيف والمنافقين بزجرهم وإقامة الحدود عليهم في كل ما اجترموه. وقال قوم: ما مات رسول الله ﷺ حتى أذن له في قتال المنافقين وقتلهم وذلك حين كثر المسلمون. وقد تقدم كثير من نحو هذه الآية وتكلمنا عليه.","vol":"3","page":591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-836>سورة الملك</span>\nوهي مكية وكان رسول الله ﷺ يقرأها كل ليلة عند أخذ مضجعه. وليس فيها أحكام ولا نسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-837>سورة القلم</span>\nوهي مكية وليس فيها أحكام ولا نسخ سوى موضع واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-838>(١٧) - قوله تعالى: ﴿إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين﴾:</span>\nاستدل به أبو محمد عبد الوهاب على أن من نقص من النصاب قبل الحول قصد الفرار من الزكاة أو خالط غيره أو فارقه بعد الخلطة فإن ذلك لا يسقط الزكاة عنه، خلافًا للشافعي. قال ووجه الاستدلال بالآية أنهم قصدوا بقطع الثمار إسقاط حق المساكين فعاقبهم الله ﷾ بإتلاف ثمارهم.","vol":"3","page":592},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-839>سورة الحاقة</span>\nوهي مكية وليس فيها أحكام ولا نسخ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-840>سورة المعارج</span>\nوهي مكية وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-841>(٥) - قوله تعالى: ﴿فاصبر صبرًا جميلًا﴾:</span>\nاختلف فيه هل هو منسوخ أو محكم. فذهب بعضهم إلى أنه منسوخ بآية السيف. وذهب قوم إلى أنه محكم وأنه ﷺ لم يزل صابرًا عليهم رفيقًا بهم. وقال بعضهم: وإنما أمره بالصبر الجميل وهو الذي لا يلحقه معه فشل ولا تشك ولا قلة رضى ولا غير ذلك. فالأمر بالصبر الجميل محكم في كل حالة.","vol":"3","page":593},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-842>(٢٤) - (٣٥) -قوله تعالى: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أولئك في جنات مكرمون﴾:</span>\nوقد تقدم الكلام في معنى قوله: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم﴾ الخلاف في المحروم ما هو وفيه أقوال كثيرة حتى قال الشعبي: أعياني أن أعلم المحروم. وحكي عنه أيضًا أنه قال وهو ابن سبعين سنة: سألت عنه وأنا غلام فما وجدت شفاء. ولا معنى لإعادة الكلام في ذلك إذ قد تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-843>(٢٩) - (٣٠) - وقوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾:</span>\nيستدل الفقهاء بهذه الآية على أن الوطء لا يجوز إلا بوجهين: نكاح أو ملك يمين، خلافًا لمن أجاز المتعة ولمن أجاز الوطء بالأجرة. وقد سئل مالك رحمه الله تعالى: أليس واسعًا أن تدخل جارية الزوجة أو الوالد على الرجل في المرحاض؟ فقال مالك رحمه الله تعالى: لا ما في ذلك سعة قال تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾. وقد اختلف الأصوليون هل يجوز الاستدلال بمثل هذه الآية التي لم يقصد فيها الإعلام بالحكم وإنما قصد فيها ثناء أو ذم. لكن إذا اعتبرت ففيها الحكم منطو. وكذلك اختلف في مثل قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣] ونحوه مما قصد فيها لغرض ما. وألفاظ الآية تعطي حكمًا إلا أنه لم يقصد إلى ذكره لأن هذه الآية إنما قصد فيها الإعلام بالعدة ولم يقصد به إباحة النكاح. فطائفة تجيز الاستدلال بهذا النحو وطائفة لا تجيزه. والجواز أظهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-844>(٣٢) - قوله تعالى: ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾:</span>\nالأمانات جاء بها في لفظ الجمع لأنها تتعدد من حيث تكون في الأبدان وفي الأموال وفيما بين العبد وبارئه. وقال الحسن: الدين كله أمانة.","vol":"3","page":594},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-845>(٣٣) -قوله تعالى: ﴿والذين هم بشهاداتهم قائمون﴾:</span>\nاختلف في معناه. فقيل هي شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل الشهادة عند الحكام. واختلف الذاهبون إلى ذلك في معناه. فقيل يحفظون ما يشهدون فيه وينعتونه، وعلى هذا يأتي قوله ﵊: «على مثل الشمس فاشهدوا». وقيل معناه: الذين إذا كانت عنده شهادة ورأوا حقًا يداس أو حرمة لله تعالى تنتهك قاموا بشهادتهم. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها» وتأوله الناس على القولين المتقدمين في الآية. وجاء عن النبي ﷺ ما يعارض ذلك قوله: «سيأتي على الناس زمان يخافون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون ويظهر فيهم السمن» فتأوله الناس على وجهين: أحدهما: أنهم قوم يتعرضون للشهادة ويحرصون على وضع أسمائهم في الوثائق وينصبون لذلك الحبائل من زي وهيأة وهم غير أهل للشهادة. فهذا في ابتداء الشهادة. وقال آخرون: وهم شهود الزور لأنهم لا يؤدونها والمشهود عليه لم يشهدهم. ففي الآية على ما قدمته من أحد التأويلين دليل على أن الذي ينبغي الإخبار بالشهادة قبل أن تسأل، فظاهر ذلك العموم في كل شهادة. وقد قرئ: بشهادتهم، وهو يعضد ذلك. إلا أنه قد ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه ما كان من حقوق الله تعالى لا يستدام فيه التحريم كالزنا وشرب الخمر، فهذا الذي ينبغي للشاهد أن لا يخبر بها قبل أن يسأل. واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ لهزال: «يا هزال هلا سترته بردائه» فيتخصص بدليل هذا الحديث عموم الآية وتبقى الآية عامة في غير ذلك من حقوق الله تعالى التي","vol":"3","page":595},{"text":"يستدام فيها التحريم كالعتق والطلاق والأحباس والمساجد والغنائم وما أشبهها وحقوق الآدميين. فيلزم الشاهد بها أن يخبر بشهادته ويقوم بها غيره. إلا أن في حقوق الآدميين إنما ينبغي أن يخبر بذلك صاحب الحق. وقد اختلف إذا قام الشاهد بشهادته عند الحاكم في مثل الطلاق والعتق وغيره قبل أن يسأل هل تبطل شهادته أم لا؟ فذهب ابن القاسم إلى أنها تصح وهو أظهر على ألفاظ الآية والحديث المتقدم. واختلف إن سكت ولم يخبر بها هل تبطل شهادته أم لا؟ فذهب ابن القاسم إلى أنها تبطل، وظاهره في المبسوطة أنها لا تبطل. والآية -إن قيل فيها أنه تعالى إنما ذكر فيها أرفع الدرجات في الشهادة وأثنى بها على المذكورين في الآية- ففيها دليل أنها لا تبطل بالسكوت عليها. وإن قيل إنه تعالى إنما ذكرهم بأنهم يمنعون ما يجب عليهم ويأتون من ذلك ما هو الحق فظاهر الآية أنها تبطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-846>(٣٤) - قوله تعالى: ﴿والذين هم على صلاتهم يحافظون﴾:</span>\nمعناه يحافظون على إقامتها في أوقاتها بشروط صحتها وكمالها. وقال ابن جريج يدخل في هذه الآية المتطوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-847>(٤٢) - قوله تعالى: ﴿فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون﴾:</span>\nوهذه الآية وعيد وفيها مهادنة وهي منسوخة بآية القتال.","vol":"3","page":596},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-848>سورة نوح -﵇</span>-\nوهي مكية وجاء عن سيدنا محمد ﷺ أنه قال: «من قراها كان من المؤمنين الذين تدركهم دعوة نوح» وليس فيها أحكام ولا نسخ سوى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-849>(٢٦)، (٢٧) - قوله تعالى: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ولا يلدوا إلا فاجرًا كفارًا﴾:</span>\nاحتج به الخوارج في أن أطفال المشركين كفار في النار خلافًا لمن ذهب من أهل السنة إلى أنهم في الجنة ولمن توقف منهم وقال إنهم في المشيئة. ولا حجة في الآية لأن نوحًا ﵇ إنما أراد قومه خاصة لأن الله ﷿ قال له: ﴿لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾ [هود: ٣٦] فأيقن نوح بهذا أنه لن يؤمن منهم أحد.","vol":"3","page":597},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-850>سورة الجن</span>\nوهي مكية وفيها موضع واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-851>(١٨) - قوله تعالى: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدًا﴾:</span>\nقال ابن قتيبة في المشكل: يريد بالمساجد مصدرًا مجموعًا. وقيل يريد بالمساجد المساجد المخصوصة للصلاة. وأضافها تعالى إلى نفسه تشريفًا لها، فلذلك لم ينبغ إلا أن تفرد بما هو خالص لله تعالى من صلاة ودعاء وقراءة علم فلا يتحدث فيها في أمور الدنيا ولا يتجر فيها ولا يتخذ طريقًا ولا يجعل فيها حظ لله تعالى. وقد اختلف في القضاء فيها، فأجازه مالك اتباعًا للسنة الواردة في ذلك من قضاء رسول الله ﷺ فيه ولم يجزه الشافعي لهذه الآية ونحوها. وكذلك اختلف في إقامة الحدود والأدب فيها. والأظهر منع ذلك إلا ما خف لأن ذلك إنما هو لله تعالى.","vol":"3","page":598},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-852>سورة المزمل</span>\nواختلف فيها. فقيل مكية كلها، وقيل إلا قوله تعالى: ﴿إن ربك يعلم ...﴾ [المزمل: ٢٠] السورة. فإن ذلك نزل بالمدينة. وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-853>(٢) - (٤) - قوله تعالى: ﴿قم الليل إلا قليلًا * نضفه أو انقص منه قليلًا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلًا﴾:</span>\nاختلف في هذا الأمر بقيام الليل هل هو محكم أو منسوخ. فذهب جماعة إلى أنه محكم واختلفوا في تأويله فذهب قوم إلى أن الأمر به أمر ندب قد كان لم يفرط قط. ويعضد قوله ما جاء في الصحاح من أن رسول الله ﷺ قام ليلة في رمضان خلف حصير احتجزه فصلى وصلى بصلاته ناس. ثم كثروا من الليلة القابلة ثم خص المسجد في الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ فحصبوا بابه فخرج مغضبًا وقال: «إنما تركت الخروج لأني خفت أن تفرض عليكم». وفي لفظ الحديث أنه لم يكلمهم إلا بعد أن أصبح. وذهب قوم إلى أن الأمر أمر إيجاب وأن قيام الليل كان فرضًا في وقت نزول الآية إلا أنه كان فرضًا على النبي ﷺ وبقي كذلك حتى توفي رسول الله ﷺ. وذهب قوم","vol":"3","page":599},{"text":"إلى أن الأمر أمر إيجاب وأن قيام الليل كان فرضًا إذ نزلت الآية على النبي ﷺ وعلى أصحابه ولم يزل فرضًا على جميع الناس ولكن ليس الليل كله. قال الحسن وابن سيرين: صلاة الليل فريضة على كل مسلم ولو على قدر حلب شاة. إلا أن الحسن قال: من قرأ مائة آية لم يحاجه القرآن. وذهب جماعة إلى أنه منسوخ واختلفوا في تأويلها أيضًا. فقال بعضهم كانت صلاة الليل بالآية فرضًا على النبي ﷺ وحده ثم نسخ عنه ولم يمت إلا والقيام له تطوع. وقال بعضهم كان فرضًا على جميع الناس ثم نسخ. واختلف هؤلاء في مقدار بقائه فرضًا. قال ابن جبير عشر سنين. وقال ابن عباس وعائشة دام عامًا. وقالت عائشة أيضًا في رواية عنها دام ثمانية أشهر. وقال قتادة بقي عامًا أو عامين. وجاء في بعض الأحاديث أنهم كانوا قد قاموا حتى تفطرت أقدامهم وانتفخت ثم نزل الناسخ لذلك وهو قوله تعالى في آخر السورة: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فاقرأوا ما تيسر منه﴾. وقال بعضهم هو منسوخ بالصلوات الخمس. واختلف الذاهبون إلى هذا أيضًا. فمنهم من قال نسخ الفرض فبقي مباحًا فيكون قوله تعالى: ﴿فاقرأوا ما تيسر منه﴾ أمر إباحة. ومنهم من قال: نسخ الفرض بفرض أخف منه فيكون قوله تعالى: ﴿فاقرأوا ما تيسر منه﴾ أمر إيجاب، وهو قول ابن جبير وجماعة معه، قالوا وهو فرض لا بد منه ولو قدر خمسين آية. واستحسن هذا جماعة من العلماء. قال بعضهم: الركعتان بعد العتمة مع الوتر مدخلتان في حكم امتثال هذا الأمر ومن زاد زاده الله تعالى ثوابًا. وقال بعضهم: وهذا أول ما افترض على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين ثم نسخ ذلك فخفف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-854>(٤) - قوله تعالى: ﴿ورتل القرآن ترتيلًا﴾:</span>\nاستدل بعضهم بهذه الآية على أن القرآن بترتيل وتفهم أحسن من الهذ ورووا أن قراءة رسول الله ﷺ كانت مبينة لو شاء أحد أن يعد","vol":"3","page":600},{"text":"الحروف لعدها وردوا بذلك على من استحسن الهذ. وقد مضى الكلام على ذلك فلا معنى لإعادته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-855>(١٠) - قوله تعالى: ﴿واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرًا جميلًا﴾:</span>\nاختلف في الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب قوم إلى أنها منسوخة بآية القتال لأن فيها مهادنة والمراد بالآية قريشًا. وقال بعضهم قوله: ﴿واهجرهم هجرًا جميلًا﴾ هو المنسوخ وأما الصبر فليس بمنسوخ لأنه قد يتوجه على ما يبقى حكمه. وقيل الآية كلها محكمة فليس لأنه قد يتوج هـ على ما يبقى حكمه. وقيل الآية كلها محكمة وفيما يتوجه من الهجر الجميل بين المسلمين. قال أبو الدرداء: إنا لننبش في وجوه أقوام وأن قلوبنا لتقليهم. والقول الأول في الآية أصح لأن الآية إنما هي في كفار قريش وردهم رسالة رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-856>(٢٠) - قوله تعالى: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ...﴾ إلى قوله: ﴿واستغفروا الله﴾:</span>\nقد تقدم الكلام على ما في هذه الآية من النسخ. وقد ذهب أبو حنيفة ومن تابعه إلى أنه قوله تعالى: ﴿فاقرأوا ما تيسر منه﴾ في صلاة الفريضة واستدلوا بذلك على أن القراءة في الصلاة غير وافية. وقد تقدم الكلام على ذلك بما أغنى عن إعادته هنا.\nقوله تعالى: ﴿علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض﴾:\nذكر الله تعالى الأعذار التي هي حائلة بين بني آدم وبين قيام الليل وهي المرض والضرب في الأرض وهو السفر في تجارة أو غزو. وفي هذه الآية فضيلة الضرب في الأرض للتجارة لسوقها في الآية مع الجهاد. وقال عبد الله بن عمر: أحب موت إلي بعد القتل في سبيل الله أن أموت وأنا","vol":"3","page":601},{"text":"أضرب في الأرض أبتغي من فضل اله ثم كرر الأمر بقراءة ما تيسر منه تأكيدًا. والصلاة الزكاة هنا المفروضتان ثم أمر تعالى بالاستغفار في آخر الآية. قال بعض العلماء: فالاستغفار بعد الصلاة مستنبط من هذه الآية ومن قوله تعالى: ﴿كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون﴾ [الذاريات: ١١٧، ١٨] وكان السلف الصالح يصلون إلى طلوع الفجر ثم يجلسون إلى الاستغفار إلى صلاة الصبح.","vol":"3","page":602},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-857>سورة المدثر</span>\nوهي مكية. وفيها موضع واحد وهو:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-858>(٤) - (٧) - قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر * والرجز فاهجر * ولا تمنن تستكثر * ولربك فاصبر﴾:</span>\nاختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ فقيل هو أمر بتطهير الثياب حقيقة، قاله ابن زياد وابن سيرين والشافعي وغيرهم. واستدل الشافعي بهذه الآية على إيجاب غسل النجاسات من الثوب ورد به قول مالك وأصحابه وأهل المدينة أن ذلك ليس بواجب. وفي المذهب قولان: أحدهما: إزالة النجاسة للصلاة فرض. والثاني: أنها سنة. ودليل مالك ومن تابعه على أنها سنة الإجماع على جواز الصلاة والاستجمار من غير غسل. قال الباجي: والدليل على وجوب الإزالة قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ ولا خلاف أنه ليس هنا طهارة واجبة للثياب غير طهارة النجاسة. فإن قيل إن الثياب هنا القلب بدليل أن هذه الآية أول ما نزل من القرآن قبل الأمر بالصلاة والوضوء، وإزالة النجاسة إنما هو لأجل الصلاة، فالجواب أن الثياب أظهر في القياس فيجب أن يحمل عليه فيجوز أن يكون النبي ﷺ خص بذلك في أول الإسلام وفرض عليه ودون أمته. ثم ورد الأمر بذلك لأمته. وجواب ثان: وهو أن شرع من قبلنا شرع لنا فيحتمل أن يكون قد اتسع في الصلاة شرع من قبلنا من النبيين فوجب بذلك اتباعهم وتأخر الأمر","vol":"3","page":603},{"text":"به بنص شرعنا عن ذلك الوقت، فلا يمتنع أن يكون قد أمر على الوجهين بتطهير الثياب للصلاة في أول الأمر ثم ورد عليه بعد ذلك نص بالأمر بالصلاة. وقيل تطهير الثياب هنا استعارة لتنقية الأفعال والنفس والعرض كما تقول: فلان طاهر الثوب، وهو قول الجمهور. وقال طاووس المعنى: قصر ثيابك وشمرها فإن لك طهرة للثياب. وهذا يأتي على قول النبي ﷺ: «إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه ما أسفل من ذلك ففي النار». وقوله: «لا ينظر الله تعالى يوم القيامة إلى من يجر إزاره بترًا» ونهيه عن إسبال الإزار، والأحاديث في مثل هذا كثيرة. وقيل معناه: وقلبك فطهر فكنى بالثياب عن القلب.\nقوله تعالى: ﴿والرجز فاهجر﴾ اختلف في معناه. فقيل يعني الأوثان، قاله مجاهد وعكرمة ورفعه جابر إلى النبي ﷺ. وقيل يعني الإثم، قاله النخعي. وقيل يعني أسافًا ونائلة، قاله قتادة فيما ذكر المهدوي عنه. وقيل يعني العذاب أي عمل الرجز والهجر محذوف المضاف قاله ابن عباس وقيل يعني النتن والنقائص وفجور الكفار ونحوه، قاله قتادة فيما ذكره بعض المفسرين عنه. قال ومن قرأ بالضم فهما الصنمان أسافًا ونائلة. وقيل كل معصية رجز.\nوقوله تعالى: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾:\nاختلف في معناه: فقال ابن عباس وغيره معناه لا تعط عطاء لتعطي أكثر منه فهو من قولهم منَّ إذا أعطى. قال الضحاك وهو خاص بالنبي ﷺ ومباح لأمته. قال مكي وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وما آتيتم من ربا ليربوا","vol":"3","page":604},{"text":"في أموال الناس فلا يربوا عند الله﴾ [الروم: ٣٩]. وقال ابن عباس أيضًا فيما وري عنه معناه: لا تقل دعوت فلم أجب. وقال قتادة معناه: لا تدل بعملك. ففيه تحريض على الجد وتخويف. وقال ابن زيد: معناه لا تمنن على الناس بنبوتك ولا تستكثر أجرًا أو كسبًا تطلبه منهم. وقال مجاهد معناه: ولا تضعف، ومن قولهم حبل متين أي ضعيف. أي لا تضعف وتستكثر ما حملناك من أعباء الرسالة أو تستكثر من الخير. وقال الحسن بن أبي الحسن معناه: ولا تمنن على الله بجدك تستكثر أعمالك ويقع لك بها إعجاب فهذا من المن الذي هو ذكر اليد وتعديدها.\nوقوله تعالى: ﴿ولربك فاصبر﴾:\nاختلف في معناه. فقال النخعي معناه: إذا عملت عملًا صالحًا فاصبر حتى تثاب عليه. وعن أيضًا اصبر على عطيتك لا تعطيها لتأخذ أكثر منها. وقال مجاهد المعنى اصبر على ما أوذيت به، يعني ما لقيه من قومه ومن اليهود. وقيل المعنى اصبر لوجه ربك واطلب رضاه كما تقول فعلت ذلك لله ﷿. والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":605},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-859>سورة القيامة</span>\nوهي مكية وفيها موضع واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-860>(٣٣) - قوله تعالى: ﴿ثم ذهب إلى أهله يتمطى﴾:</span>\nذم الله تعالى المذكور في هذه الآية بهذه المشية وذلك أن قوله: ﴿يتمطى﴾ معناه يمشي المطيطا وهي مشية المتبختر. قال زيد بن أسلم: كانت مشية بني مخزوم. وقد قال النبي ﷺ: «إذا مشيت أمتي المطيطا وخدمتهم الروم وفارس سلط بعضهم على بعض». قال مجاهد نزلت هذه الآية في أبي جهل.","vol":"3","page":606},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-861>سورة الإنسان</span>\nاختلف فيها. فقيل مكية كلها. وقيل مدنية. وقال عكرمة والحسن فيها آية مكية وهي قوله تعالى: ﴿ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] والباقي مدني، وأنها نزلت في صنيع علي بن أبي طالب في إطعامه عشاءه وعشاء أهله وولده لمسكين ليلة ثم ليتيم ثم لأسير ليلة. هذا الثلاث. وقيل نزلت في صنيع ابن الدحداح. وفيها موضعان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-862>(٨) - قوله تعالى: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا﴾:</span>\nاختلف في تأويل الأسير. فقال قتادة أراد أسرى الكفار وإن كانوا على غير الإسلام. قال الحسن: ما كان أسراهم إلا مشركين وكل كبد رطبة فيها أجر. وقال بعض أهل العلم هذا إما منسوخ بآية القتال وإما محكم لتحفظ حياة الأسير حتى يرى الإيمان فيه رأيه. وقد استدل بعضهم بهذه الآية على أن إطعام المشرك يتقرب به إلى الله. غير أن ذلك في صدقة التطوع وأما المفروض فلا دليل عليه، وقد اختلف قولك مالك في الوصية لليهود والنصارى فكرهه. وقال سحنون وقد كان قبل ذلك يجيزه. قال ابن القاسم ولست أرى به بأسًا إذا كان ذلك منه على وجه الصلة مثل أن يكون أباه وأخاه، وأما على غير هذا فلا أراه. وأما الوصية للذميين الأباعد فلا خوف في كراهة ذلك. وفي موطأ ابن وهب عن مالك فيمن نذر صدقة على كافر أن ذلك يلزمه. وقال في موضع آخر: إن قال مالي صدقة على فقراء اليهود","vol":"3","page":607},{"text":"أن ذلك يلزمه فيتصدق عليهم بثلث ماله. وقد قال ﷿: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا﴾ والأسير الكافر فإذا وصى لهم بنفقة لفقرهم جاز ذلك على كراهة لأن الأجر في الصدقة على فقراء المسلمين أجزل. وقد أجاز أشهب الوصية للذميين كانوا ذوي قرابة أو أجنبيين إجازة مطلقة دون كراهة. قال بعضهم: ومعنى ذلك في الأجنبيين -والله تعالى أعلم- إذا كان لهم حق في جواز أو يد سلفت لهم إليه أو ما أشبه ذلك. وأما إن لم يكن ذلك فالوصية لهم محظورة إذ لا يوصى للكافر من غير سبب إلا مسلم مريض الإيمان قال تعالى: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾ [المجادلة: ٢٢].\nوأما الوصية للحربي فإنها لا تجوز لأن ذلك قوة لهم، ويرجع ذلك ميراثًا ولا تجعل صدقة ولا غيرها. وكذلك من أوصى بما لا يحل، قاله أصبغ في الواضحة. وقال مجاهد وابن جبير وغيرهما: أراد بالأسير المسجونين من الناس ولهذا يخص على صدقة المسجون. وروى الخدري أن النبي ﷺ فسر الأسير هنا بالمملوك والمسجون. وقال بعضهم: أراد أسارى المؤمنين الذين تركوا في بلاد الحرب رهائن وخرجوا لطلب الفداء. وقال أبو حمزة الثمالي: الأسير هنا المرأة ودليله قوله ﵊: «استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عوان عندكم».","vol":"3","page":608},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-863>(٢٤) - (٢٦) - قوله تعالى: ﴿فاصبر لحكم ربك ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿طويلًا﴾:</span>\nأمره تعالى أن يصبر ويتحمل المشقة ليعذر إليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-864>(٢٥)، (٢٦) - قوله تعالى: ﴿واذكر اسم ربك بكرة وأصيلًا * ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلًا طويلًا﴾:</span>\nأمره تعالى بذكر ربه دائمًا. ويحتمل أن يريد بالتسبيح هنا الصلاة، ويحتمل أن يريد به قول: سبحان الله. وقد اختلف في المعنى بهذه الآية. فذهب قوم من العلماء أن هذه الآية إشارة إلى الصلوات الخمس، منهم ابن حبيب وغيره. فالبكرة صلاة الصبح والأصيل الظهر والعصر من الليل المغرب والعشاء. وذهب قوم إلى أنها في النوافل واختلفوا بعد ذلك فقال قوم كان هذا فرضًا ونسخ بقوله تعالى: ﴿فتهجد به نافلة لك﴾ [الإسراء: ٧٩] فلا فرض إلا الخمس. وقال قوم هو ندب فهو محكم.","vol":"3","page":609},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-865>سورة المرسلات</span>\nاختلف فيها. فقيل هي مكية، وقيل فيها من المدني قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾ [المرسلات: ٤٨] على تأويل من قال: إنها حكاية عن حال المنافقين في القيامة وأنها بمعنى قوله تعالى: ﴿ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾ [القلم: ٤٢] وقال ابن مسعود نزلت هذه السورة ونحن مع رسول الله ﷺ بحراء، الحديث. وفيها موضعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-866>(١٢)، (١٣) - قوله تعالى: ﴿لأي يوم أجلت * ليوم الفصل﴾:</span>\nانتزع الناس من هذه الآية تأجيل القضاة للخصوم في الحكومات ليقع فصل القضاء عند تمام التأجيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-867>(٢٥)، (٢٦) - قوله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتًا * أحياء وأمواتًا﴾:</span>\nقال ابن عبد البر: قد احتج ابن القاسم في قطع النباش بهذه الآية.\nوقال مالك: القبر حرز الميت كما أن البيت حرز الحي. وقد روي عن النبي ﷺ أنه سمى القبر بيتًا. وخالفه الكوفيون وقالوا: القبر ليس بجرز فلا يقطع فيه. وبهذه الآية أيضًا: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتًا * أحياء وأمواتًا﴾ استدل بعضهم على وجوب مواراة الميت ودفنه ودفن شعره وسائر ما يذائله.","vol":"3","page":610},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-868>سورة النبأ</span>\nوهي مكية وفيها موضع واحد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-869>(٢٣) - قوله تعالى: ﴿لابثين فيها أحقابًا﴾:</span>\nيعني الكفار. أخبر تعالى بأنهم لابثون في جهنم أحقابًا. واختلف الناس فيها. فطائفة رأت أنها منسوخة وأنهم مخلدون في النار لأن هذه الآية تقتضي عندهم أنهم لا يخلدون فنسخها عندهم قوله تعالى: ﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابًا﴾ [النبأ: ٣٠]، وممن ذهب إلى هذا مقاتل بن حيان. واختلف الذاهبون إلى هذا في الأحقاب كم هي اختلافًا كثيرًا لا معنى لذكره. وهذا قول ضعيف لأنه خبر محض فلا يدخله نسخ بوجه. وذهب قوم إلى أن المراد بالآية عصاة المؤمنين، وهذا ضعيف لأن ما بعده من الآيات مفسر. وذهب قوم إلى أنها في الكفار وأن المعنى أنهم يلبثون فيها أحقابًا غير ذائقين بردًا ولا شرابًا. فبهذه الحال يلبثون أحقابًا ثم يبقى العذاب سرمدًا وهم يشربون أشربة جهنم. والذي ينبغي أن يقال: معنى الآية أنه تعالى أخبر عن الكفار أنهم يلبثون أحقابًا كلما مر حقب جاء غيره إلى غير نهاية.","vol":"3","page":611},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-870>سورة النازعات</span>\nوهي مكية وليس فيها أحكام ولا نسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-871>سورة عبس</span>\nوهي مكية وليس فيها أحكام ولا نسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-872>سورة التكوير</span>\nوهي مكية وليس فيها أحكام ولا نسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-873>سورة الانفطار</span>\nوهي مكية وليس فيها أحكام ولا نسخ.","vol":"3","page":612},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-874>سورة المطففين</span>\nاختلف فيها هل هي مكية. واحتج الذاهبون إلى ذلك بذكر الأساطير وهو على أن تطفيف الكيل والوزن كان بمكة على حسب ما هو بكل أمة لا سيما مع كفرهم. وقيل هي مدنية. قال السدي\" كان بالمدينة رجل يكنى أبا جهينة له مكيالان يأخذ بالأوفى ويعطي بالأنقص فنزلت السورة. ويقال إنها أول سورة نزلت بالمدينة. وقال ابن عباس أيضًا فيما وري عنه نزل بعضها بمكة ونزل أمر التطفيف بالمدينة لأنهم كانوا أشد الناس فسادًا في هذا المعنى فأصلحهم الله تعالى بهذه السورة. وقال قوم نزلت السورة بين المدينة ومكة. وفيها موضعان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-875>(١) - (٣) - أولهما قوله تعالى: ﴿ويل للمطففين * الذي إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾:</span>\nأراد الله تعالى بالتطفيف في الكيل والوزن. والتطفيف النقصان. وقيل تجاوز الحد في وفاء أو نقصان، وهو أحسن. فذم الله تعالى في هذه الآية التجاوز بين الحد الواجب في ذلك وأثبت لهم الويل. ﴿اكتالوا على الناس﴾ معناه: قبضوا منهم. و﴿كالوهم﴾ معناه: أقبضوهم. وظاهر هذه الآية يقتضي أن الكيل على البائع، وليس بالجلي. وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة يوسف ﵇.","vol":"3","page":613},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-876>(٣٢)، (٣٣) - وقوله تعالى: ﴿وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * وما أرسلوا عليهم حافظين﴾:</span>\nاختلفوا في الضمير الذي في: رأوا لمن هو. فقال الطبري وغيره: هو للكفار، وأنهم يرمون المؤمنين بالضلال، ولم يرسلوا فيها للمؤمنين. والمعنى أنهم يرمون الكفار بالضلال، وهو قول حق.\n﴿وما أرسلوا عليهم حافظين﴾ أي المؤمنون لم يرسلوا حفظة على الكفار. ففي الآية على هذا موادعة. وهذا منسوخ على هذا التأويل بآية السيف.","vol":"3","page":614},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-877>سورة الانشقاق</span>\nوهي مكية وليس فيها أحكام ولا نسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-878>سورة البروج</span>\nوهي مكية وليس فيها أحكام ولا نسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-879>سورة الطارق</span>\nوهي مكية وليس فيها غير موضع واحد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-880>(١٧) - قوله تعالى: ﴿فمهل الكافرين أمهلهم رويدًا﴾:</span>\nفي هذه الآية موادعة، وهي منسوخة بآية السيف.","vol":"3","page":615},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-881>سورة سبح</span>\nاختلف فيها. فقيل مكية، وقيل مدنية، وذلك ضعيف. وإنما ذهب إلى ذلك من قاله لأجل قوم من زعم أن ذكر صلاة العيد فيها. وفيها موضع واحد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-882>(١٤)، (١٥) - قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى﴾:</span>\nاختلف في معنى قوله تعالى: ﴿تزكى﴾، فقيل طهر نفسه ونماها بالخير. وقال قتادة: من تزكى من الشرك. وليس في الآية على هذه الأقوال حكم. وقال عطاء: معناه: من تصدق يعني الصدقات كلها. وقال قتادة أيضًا فيما روي عن معناه: أدى زكاة ماله. وقال ابن عباس أيضًا وابن المسيب وغيرهما المعنى: من أدى زكاة الفطر. والذين ذهبوا إلى هذا اختلفوا في الآية هل هي منسوخة أو محكمة. فذهب قوم إلى أنها محكمة، واختلفوا هل هي فريضة أو سنة. وظاهر الآية على هذا التأويل سنة. وذهب قوم إلى أنها منسوخة بالزكاة المفروضة ولم يروا زكاة الفطر واجبة. قال عمر بن عبد العزيز: نسخت فصارت سنة بعد أن كانت واجبة. واختلف الذاهبون إلى أنها محكمة هل على من تحل له الصدقة زكاة الفطر أم لا؟","vol":"3","page":616},{"text":"فعند مالك والشافعي أنها عليه، وهو ظاهر الآية لأنها عامة. ولم يرها أبو حنيفة وأصحابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-883>(١٥) - وقوله تعالى: ﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾:</span>\nاختلف في معناه، فقيل المراد به الصلوات الخمس. ويأتي عل هذا القول المراد بالزكاة الزكاة المفروضة ليقابل الفرض بالفرض. وقيل معناه صلى الصلوات التي فرض الله تعالى عليه وتنفل أيضًا بما أمكنه من صلاة. فالآية شاملة للفرض والنفل. وقيل: معناه دعا. وقيل: صلى صلاة العيد. قال أبو سعيد الخدري وابن المسيب وابن عمر: نزلت هذه الآية صبيحة يوم الفطر. فمعنى قوله: ﴿تزكى﴾ أدى زكاة الفطر. معنى: ﴿وذكر اسم ربه﴾ ذكر الله في طريق المصلى إلى أن يخرج الإمام، والصلاة هي صلاة العيد. وقد روي هذا التفسير عن النبي ﷺ. فعلى هذا يستجيب أن يخرج الرجل صدقة فطره في غدوه إلى المصلى قبل الصلاة. وقال ابن مسعود: إذا خرجت إلى صلاة العيد فتصدق بشيء إن استطعت، واستشهد بالآية. وظاهر هذا أن الزكاة عندي في الآية إنما هي شيء غير زكاة الفطر.","vol":"3","page":617},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-884>سورة الغاشية</span>\nوهي مكية وفيها موضع واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-885>(٢٢)، (٢٣) - قوله تعالى: ﴿لست عليهم بمصيطر * إلا من تولى وكفر﴾:</span>\nالمصيطر: القاهر، الجائر مع تكبر وتسلط. يقال تصيطر عليها فلان. وقد اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب قوم إلى أنها محكمة وأن الاستثناء فيها متصل. والمعنى: إلا من تولى وكفر فإنه مصيطر عليه. وذهب قوم إلى أنها منسوخة وأن الاستثناء متصل، والمعنى: لست عليهم بمصيطر وتم الكلام. قالوا: فهي آية موادعة منسوخة بآية القتال، ثم قال: ﴿إلا من تولى وكفر * فيعذبه الله ...﴾ وهذا القول أصح لأن السورة مكية والقتال نزل بالمدينة، وإليه ذهب ابن زيد. وإلى القول بالنسخ ذهب ابن عباس رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-886>سورة الفجر</span>\nاختلف فيها. فقيل مكية، وقيل مدنية. وليس فيها أحكام ولا نسخ.","vol":"3","page":618},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-887>سورة البلد</span>\nاختلف فيها. فقيل مكية، وقيل مدنية. وفيها موضع واحد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-888>(١٢) - (١٦) - قوله تعالى: ﴿وما أدراك ما العقبة * فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيمًا ذا مقربة * أو مسكينًا ذا متربة﴾:</span>\nفي هذه الآية دليل على جواز العتق والندب إلى إيقاعه، وذلك يكون إما بالإخراج من الرق أو من الأسر. وقد جاء في الحديث الصحيح: «من أعتق نسمة مؤمنة أعتق الله تعالى بكل عضو منها عضو منه في النار» وقال أعرابي للنبي ﷺ: دلني على عمل أنجو به. فقال: «لئن قصرت في القول لقد أعرضت المسألة: فك الرقبة وعتق النسمة». فقال الأعرابي: أليس هذا واحدًا؟ فقال ﷺ: «لا، عتق النسمة أن نتفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها وأبق على ذي الرحم الظالم فإن لم يكن هنا كله فكف لسانك إلا من خير». وفيها أيضًا الحض على إطعام الأيتام والمساكين والحنو عليهم. وقيد تعالى الأيتام بالقرابة لتجتمع فيها الصدقة وصلة الرحم. ومن ذلك حديث أبي طلحة: إني أرى أن يجعلها في الأقربين، فقسم أبو طلحة صدقته في أقاربه وبني عمه. وقال ﷺ لزينب زوجة عبد الله بن مسعود: «تصدقي على زوجك فهي لك صدقة وصلة»","vol":"3","page":619},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-889>سورة الشمس</span>\nوهي مكية، وقيل مدنية. وليس فيها نسخ ولا أحكام سوى الحض على الصدقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-890>سورة الليل</span>\nوهي مكية وليس فيها أحكام ولا نسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-891>سورة الضحى</span>\nوهي مكية وليس فيها أحكام ولا نسخ سوى الأمر بالرفق باليتيم والسائل.","vol":"3","page":620},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-892>سورة ألم نشرح</span>\nوهي مكية. وليس فيها نسخ ولا أحكام سوى موضع واحد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-893>(٧) - قوله تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب﴾:</span>\nمعناه: فإذا فرغت من شغل من أشغال النبوة والعبادة فانصب في آخر. والنصب: التعب. وقيل: معناه إذا فرغت من فرضك فانصب في التنفل عبادة لربك، قاله مجاهد. وقيل معناه إذا فرغت من الجهاد فانصب في العبادة. وهذا معترض لأن الجهاد إنما فرض بالمدينة. والآية على هذه الأقوال محكمة. وقيل معناه: فانصب في قيام الليل، قاله ابن مسعود. فإن كان أمر إيجاب فهو منسوخ بما نسخ به قيام الليل، وإن كان أمر ندب فهو محكم، وهذا أصح. وقرأه بعضهم: فانصب. ومعناه: إذا فرغت من الجهاد فانصب إلى المدينة. وقرأ آخرون من الإمامية: فانصب. ومعناه: إذا فرغت من أمر النبوة فانصب خليفة. وهذا ضعيف غير ثبت.","vol":"3","page":621},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-894>سورة التين</span>\nوهي مكية وليس فيها أحكام ولا نسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-895>سورة العلق</span>\nوهي مكية. وأول ما نزل من القرآن. وقيل أول ما نزل المدثر. وقيل أول ما نزل فاتحة الكتاب.","vol":"3","page":622},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-896>سورة القدر</span>\nاختلف فيها. فقيل مكية، وقيل مدنية. وليس فيها إلا موضع واحد، وهو:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-897>(١) - قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾:</span>\nدليل هذه الآية أن ليلة القدر ثابتة غير مرفوعة، وهو قول الجمهور. وروي عن أبي حنيفة وقوم أن ليلة القدر رفعت أخذًا بظاهر حديث ابن أبي حرد، وذلك ضعيف، وإنما رفع تعيينها. واختلف أيضًا في تعيينها اختلافًا كثيرًا. وذهب قوم إلى أن في هذه السورة دليلًا على تعيينها وذلك أنهم قالوا: إن الوقف يأتي على سلام ثم ابتدأ هي إشارة إلى ليلة سبع وعشرين من الشهر إذ هذه الكلمة هي السابعة والعشرون من كلمات السورة. ذكر ذلك ابن عباس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-898>سورة لم يكن</span>\nاختلف فيها. فقيل مكية، وقيل مدنية. والأول أشهر. وليس فيها أحكام ولا نسخ.","vol":"3","page":623},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-899>سورة الزلزلة</span>\nاختلف فيها، فقيل مكية، وقيل مدنية لأن آخرها نزل بسبب رجلين كانا بالمدينة. وليس فيها سوى موضع واحد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-900>(٤) - قوله تعالى: ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾:</span>\nانتزع بعضهم من هذه الآية أن: حدثنا وأخبرنا سواء. وهو قول مالك وغيره. خلافًا لمن فرق بينهما وقال: أخبرنا يجوز أن يقال في المسموع على العالم من غير لفظه. وحدثنا لا يقال إلا فيما سمع من لفظ العالم، وهو قول ابن وهب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-901>سورة العاديات</span>\nاختلف فيها، فقيل مكية، وقيل مدنية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-902>سورة القارعة</span>\nوهي مكية.","vol":"3","page":624},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-903>سورة التكاثر</span>\nوهي مكية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-904>سورة العصر</span>\nوهي مكية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-905>سورة الهمزة</span>\nوهي مكية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-906>سورة الفيل</span>\nوهي مكية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-907>سورة قريش</span>\nوهي مكية.","vol":"3","page":625},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-908>سورة الماعون</span>\nوهي مكية. اختلف فيها، فقيل هي مكية، وقيل مدنية. وليس في هذه السورة أحكام ولا نسخ سوى ما تضمنته من الحض على الرفق باليتيم والمسكين، والحض على الاهتبال بأمر الدعاء في الصلاة وترك الرياء والمسامحة بماعون البيت.","vol":"3","page":626},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-909>سورة الكوثر</span>\nوهي مكية. وليس فيها سوى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-910>(٢) - قوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾:</span>\nاختلف في معناه: فقيل: أن صل أمر بالصلاة على العموم في الفرائض والنوافل. وانحر أمر بنحر الهدي والنسك والضحايا. أي ليكن شغلك هذين. ولم يكن في ذلك الوقت جهاد. وقيل مخصوصة بصلاة الصبح في المشعر الحرام ثم النحر بعدها بمنى. وقيل: هي مخصوصة بصلاة العيد ثم النحر بعدها وأن الآية نزلت بالمدينة. وفي الآية على هذا القول الأمر بالضحية يوم النحر. وقد اختلف فيها هل هي واجبة أم لا؟ وفي المذهب القولان عن مالك، وقد روي عنه أن الضحية أفضل من الصدقة، وروي عنه أن الصدقة أفضل من الضحية. والمشهور عنه أنها سنة والأمر بها في الآية محتمل للوجوب وللندب، وقد جاء عن النبي ﷺ ما رفع احتمال الوجوب، قال ﷺ: «أمرت بالنحر وهو لكم سنة». وفي الآية أيضًا على هذا القول -على قول من رأى أن الواو","vol":"3","page":627},{"text":"ترتب- أن النحر لا يكون إلا بعد الصلاة. وإن لم نقل بأن الواو ترتب -وهو المشهور عن العرب- فقد تبين أن المراد ذلك بالإجماع. على أنه لا يجوز النحر قبل الصلاة، وبالأحاديث الواردة في ذلك كحديث أبي بردة بن نبار وغيره. وقال ابن عباس كان رسول الله ﷺ ينحر يوم الأضحى قبل الصلاة فأمر أن يصلي ثم ينحر، وقاله قتادة. فهذا من نسخ السنة بالقرآن. وإنما اختلف في وقت النحر بعد الصلاة، فاعتبر مالك رحمه الله تعالى نحر الإمام بعد الصلاة ورأى أنه من نحر بعد الصلاة قبل نحر الإمام لم يجزه وأعاد. واعتبر أبو حنيفة الصلاة خاصة دون نحر الإمام، فأجاز النحر بعد الصلاة. واعتبر الشافعي مقدار الصلاة والخطبتين ولم يعتبر الصلاة ولا نحر الإمام، قال: فإن ذبح بعد مقدار ما توقع فيه الصلاة والخطبتان جاز سواء صلى أو لم يصل. ودليل قول مالك أن رسول الله ﷺ أمر أبا بردة أن يعود بضحية أخرى وكان ذبح قبل أن يذبح رسول الله ﷺ. وقال معمر عن الزهري في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: ١] نزلت في قوم ذبحوا قبل أن ينحر النبي ﷺ وقب أن يصلي، فأمرهم أن يعيدوا فتبين بما جاء من هذا أن المراد بالآية اعتبار الصلاة وذبح الإمام. وأما قول أبي حنيفة فهو أليق بظاهر الآية. وأما قول الشافعي إنه يخالف ظاهر الآية والحديث. وقد روي عن مالك أن من ذبح بعد","vol":"3","page":628},{"text":"الصلاة قبل ذبح الإمام أجزأه، وهو ينحو إلى قول أبي حنيفة. وفي ظاهر الآية أن الإبل والبقر أفضل من الغنم في الضحايا، وهو قول الشافعي، لأنه تعالى أمر بالنحر، والنحر إنما يكون فيهما. وقال مالك رحمه الله تعالى: الغنم أفضل لقوله ﷺ: «خير الأضحية الكبش» وضحى رسول الله ﷺ به. ويحمل الأمر بالنحر في الآية أن جعلناها في الضحية خارجًا على ما كان الأكثر عندهم في ذلك الوقت وهو الإبل، فلذلك خص النحر. وبين النبي ﷺ بقوله وفعله أن الغنم أفضل، وأيضًا فإنما فدي ابن إبراهيم ﵉ من الذبح بكبش.\nوقيل في قوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ أنها نزلت يوم الحديبية وقت صلح قريش. قيل لمحمد ﷺ صل وانحر الهدي. وعلى هذا تكون الآية من المدني وهو قول ابن جبير. وقيل إنما معنى الآية: صل لربك وضع يمينك على شمالك عند نحرك في الصلاة، وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. وفي هذا التأويل ضعف لأنه استعمل من اسم النحر فعلًا ولم يسمع من العرب. وفي صحة نقله عن علي رضي الله تعالى عنه نظر. وقد اختلف الفقهاء في وضع اليمين على الشمال في الصلاة، فكره وأجير واستحب. وعن مالك الروايات الثلاث. وحجة الاستحباب أو الجواز الآية على هذا التأويل. واختلف الذاهبون إلى ذلك أين يضع يديه إذا كانت كذلك. فمنهم من رأى تحت السرة، ومنهم","vol":"3","page":629},{"text":"من رأى عند النحر. وفي الآية دليل لمن قال عند النحر على هذا التأويل. وقال بعضهم: صل: أمر بالصلاة: وانحر: ارفع يديك في استفتاح الصلاة عند نحرك. وقد اختلف الفقهاء أيضًا في رفع اليدين، فأجيز وكره واستحب. وفي المذهب الروايات الثلاث. وحجة الاستحباب والإجازة الآية على هذا التأويل. واختلف الذاهبون إلى ذلك أيضًا إلى أين يرفع يديه؟ فقيل إلى الأذنين وقيل إلى النحر وقيل يرفع يديه من غير تحديد، وذلك واسع. وحجة من رأى الرفع إلى النحر الآية على هذا التأويل. وقيل معنى الآية: استقبل القبلة بوجهك ونحرك.","vol":"3","page":630},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-911>سورة الكافرون</span>\nوهي مكية وليس فيها سوى موضع واحد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-912>(٦) - قوله تعالى: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾:</span>\nاختلف فيه، فقيل محكم على ظاهره وليس في الآية موادعة. وقيل في الآية وهي منسوخة بآية السيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-913>سورة النصر</span>\nاختلف فيها. فقيل مكية، وقيل مدنية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-914>سورة تبت</span>\nوهي مكية.","vol":"3","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-915>سورة الإخلاص</span>\nاختلف فيها. فقيل مكية، وقيل مدنية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-916>سورة المعوذتين</span>\nاختلف فيهما. فقيل مكيتان وقيل مدنيتان. وليس في هاتين السورتين أحكام ولا نسخ. والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":632}]}