{"ً":{"ٌ":133359,"ٍ":"النظر الفسيح عند مضائق الأنظار في الجامع الصحيح","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"التراجم والطبقات/النظر الفسيح عند مضائق الأنظار في الجامع الصحيح - ابن عاشور - ط السلام وسحنون","files":["87439.pdf"]},"ّ":"الكتاب: النظر الفسيح عند مضائق الأنظار في الجامع الصحيح\nالمؤلف: محمد الطاهر ابن عاشور\nالناشر: دار سحنون للنشر والتوزيع - دار السلام للطباعة والنشر\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nعدد الصفحات: ٢٨٤\nأعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":77,"ٕ":7,"ٖ":1770153898,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"كيف كان الوحي إلى رسول الله - ﷺ -","level":1,"page":2},{"title":"كتاب الإيمان","level":1,"page":5},{"title":"باب الصلاة من الإيمان","level":2,"page":5},{"title":"باب أداء الخمس من الإيمان","level":2,"page":5},{"title":"باب قول النبي - ﷺ -","level":2,"page":6},{"title":"كتاب العلم","level":1,"page":7},{"title":"باب القراءة والعرض على المحدث","level":2,"page":7},{"title":"باب فضل العلم","level":2,"page":7},{"title":"باب ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم؟","level":2,"page":8},{"title":"كتاب الوضوء","level":1,"page":10},{"title":"باب التخفيف في الوضوء","level":2,"page":10},{"title":"باب وضوء الصبيان وحضورهم الجماعة","level":2,"page":11},{"title":"باب خروج النساء إلى المساجد","level":2,"page":11},{"title":"كتاب الصلاة","level":1,"page":13},{"title":"باب الصلاة في القميص","level":2,"page":13},{"title":"باب الصلاة في الثوب الأحمر","level":2,"page":13},{"title":"باب الصلاة في السطوح","level":2,"page":14},{"title":"باب التوجه نحو القبلة","level":2,"page":14},{"title":"باب التعاون في بناء المسجد","level":2,"page":14},{"title":"باب النوم قبل العشاء","level":2,"page":16},{"title":"باب إذا كان بين الإمام","level":2,"page":16},{"title":"باب التكبير إذا قام من السجود","level":2,"page":18},{"title":"كتاب العيدين","level":1,"page":19},{"title":"باب الدعاء في العيد","level":2,"page":19},{"title":"باب فضل العمل في أيام التشريق","level":2,"page":19},{"title":"باب العلم الذي بالمصلى","level":2,"page":20},{"title":"باب فضل الطهور بالليل والنهار","level":2,"page":22},{"title":"باب صلاة النوافل جماعة","level":2,"page":23},{"title":"باب مسجد قباء","level":2,"page":24},{"title":"باب ما يجوز من العمل في الصلاة","level":2,"page":25},{"title":"كتاب الجنائز","level":1,"page":26},{"title":"باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه","level":2,"page":26},{"title":"باب غسل الميت ووضوئه","level":2,"page":26},{"title":"باب الكفن في القميص","level":2,"page":27},{"title":"باب من استعد الكفن","level":2,"page":27},{"title":"باب قول النبي - ﷺ -","level":2,"page":28},{"title":"باب هل يخرج الميت من القبر","level":2,"page":30},{"title":"باب ما جاء في عذاب القبر","level":2,"page":31},{"title":"باب ما قيل في أولاد المسلمين","level":2,"page":31},{"title":"باب ما قيل في أولاد المشركين","level":2,"page":32},{"title":"باب ما ينهى من سب الأموات","level":2,"page":34},{"title":"كتاب الزكاة","level":1,"page":35},{"title":"باب الصدقة قبل الرد","level":2,"page":35},{"title":"باب اتقوا النار ولو بشق تمرة","level":2,"page":37},{"title":"باب أي الصدقة أفضل؟","level":2,"page":37},{"title":"باب صدقة السر","level":2,"page":39},{"title":"باب العرض في الزكاة","level":2,"page":39},{"title":"باب الصدقة على اليتامى","level":2,"page":39},{"title":"باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر","level":2,"page":40},{"title":"باب الاستعفاف عن المسألة","level":2,"page":41},{"title":"باب قوله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافا﴾","level":2,"page":42},{"title":"باب إذا تحولت الصدقة","level":2,"page":44},{"title":"باب في الركاز الخمس","level":2,"page":44},{"title":"كتاب الحج","level":1,"page":46},{"title":"باب طواف النساء مع الرجال","level":2,"page":46},{"title":"باب وجوب الصفا والمروة","level":2,"page":46},{"title":"باب ركوب البدن","level":2,"page":46},{"title":"باب الحلق والتقصير عند الإحلال","level":2,"page":47},{"title":"باب الخطبة أيام منى","level":2,"page":47},{"title":"باب إذا أحصر المعتمر","level":2,"page":49},{"title":"كتاب الصوم","level":1,"page":50},{"title":"باب هل يقال رمضان ..","level":2,"page":50},{"title":"باب صوم الصبيان","level":2,"page":51},{"title":"باب شهرا عيد لا ينقصان","level":2,"page":53},{"title":"باب من زار قوما فلم يفطر عندهم","level":2,"page":54},{"title":"كتاب الاعتكاف","level":1,"page":55},{"title":"باب لا يدخل البيت إلا لحاجة","level":2,"page":55},{"title":"كتاب البيوع","level":1,"page":56},{"title":"باب شراء الطعان إلى أجل","level":2,"page":56},{"title":"كتاب الشفعة","level":1,"page":57},{"title":"باب أي الجوار أقرب","level":2,"page":57},{"title":"كتاب الوكالة","level":1,"page":58},{"title":"باب إذا وكل رجلا .... إلخ","level":2,"page":58},{"title":"باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع","level":2,"page":58},{"title":"باب إذا قال اكفني مؤونة النخل وتشركني في الثمر","level":2,"page":59},{"title":"كتاب المزارعة","level":1,"page":61},{"title":"باب","level":2,"page":61},{"title":"باب ما كان أصحاب النبي - ﷺ -","level":2,"page":62},{"title":"كتاب الاستقراض","level":1,"page":64},{"title":"باب حسن القضاء","level":2,"page":64},{"title":"باب الربط والحبس في الحرم","level":2,"page":64},{"title":"كتاب اللقطة","level":1,"page":66},{"title":"باب ضالة الإبل","level":2,"page":66},{"title":"كتاب المظالم","level":1,"page":68},{"title":"باب الغرفة والعلية","level":2,"page":68},{"title":"باب النهيا","level":2,"page":69},{"title":"كتاب الهبة","level":1,"page":70},{"title":"باب","level":2,"page":70},{"title":"كتاب الشهادات","level":1,"page":72},{"title":"باب اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود","level":2,"page":72},{"title":"باب القرعة في المشكلات","level":2,"page":73},{"title":"كتاب الصلح","level":1,"page":75},{"title":"باب كيف يكتب: هذا ما صالح فلان .... إلخ","level":2,"page":75},{"title":"باب الصلح مع المشتركين","level":2,"page":76},{"title":"باب الصلح بين الغرماء وأصحاب الميراث","level":2,"page":76},{"title":"باب ما يجوز من الشروط","level":2,"page":77},{"title":"باب إذا اشترط في المزارعة","level":2,"page":77},{"title":"باب الشروط في الجهاد","level":2,"page":78},{"title":"باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا","level":2,"page":78},{"title":"كتاب الوصايا (والوقف)","level":1,"page":79},{"title":"باب أن يترك ورثته أغنياء","level":2,"page":79},{"title":"باب قول الله تعالى","level":2,"page":80},{"title":"باب قول الله تعالى","level":2,"page":81},{"title":"باب إذا قال الواقف: لا نطلب ثمنه","level":2,"page":82},{"title":"باب إذا وقف أرضا ولم يبين الحدود فهو جائز","level":2,"page":83},{"title":"كتاب الجهاد والسير","level":1,"page":84},{"title":"باب فضل الصوم في سبيل الله","level":2,"page":84},{"title":"باب من استعان بالضعفاء والصالحين","level":2,"page":85},{"title":"باب لا يقول فلان شهيد","level":2,"page":86},{"title":"باب التحريض على الرمي","level":2,"page":87},{"title":"باب الحرير في الحرب","level":2,"page":88},{"title":"باب دعاء النبي - ﷺ - إلى الإسلام ..... إلخ","level":2,"page":89},{"title":"باب السمع والطاعة للإمام","level":2,"page":90},{"title":"باب يقاتل من وراء الإمام","level":2,"page":90},{"title":"باب قتل النائم المشرك","level":2,"page":90},{"title":"باب كتابة الإمام الناس","level":2,"page":91},{"title":"باب ما ذكر من درع النبي - ﷺ - وعصاه .... إلخ","level":2,"page":92},{"title":"باب من لم يخمس الأسلاب","level":2,"page":93},{"title":"باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم","level":2,"page":94},{"title":"باب الجزية","level":2,"page":95},{"title":"باب ما أقطع النبي - ﷺ - من البحرين","level":2,"page":96},{"title":"كتاب بدء الخلق","level":1,"page":97},{"title":"باب ذكر الملائكة","level":2,"page":97},{"title":"باب صفة الجنة","level":2,"page":98},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿وبث فيها من كل دابة﴾","level":2,"page":98},{"title":"باب قول الله تعالى","level":2,"page":99},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿إنا أرسلنا نوحا﴾","level":2,"page":100},{"title":"باب قصة يأجوج ومأجوج","level":2,"page":100},{"title":"باب يزفون ... إلخ","level":2,"page":102},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا﴾","level":2,"page":103},{"title":"باب قصة إسحاق - ﵇ -","level":2,"page":103},{"title":"باب وفاة موسى - ﵇ -","level":2,"page":104},{"title":"باب قول الله تعالى","level":2,"page":106},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة﴾","level":2,"page":108},{"title":"باب ﴿واذكر في الكتاب مريم﴾","level":2,"page":108},{"title":"كتاب المناقب","level":1,"page":111},{"title":"باب نسبة اليمن إلى إسماعيل","level":2,"page":111},{"title":"باب علامات النبوءة في الإسلام","level":2,"page":111},{"title":"باب سؤال المشركين النبي - ﷺ - أن يريهم آية","level":2,"page":114},{"title":"باب مناقب أبي بكر - ﵁ -","level":2,"page":115},{"title":"باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان","level":2,"page":117},{"title":"باب مناقب عمار وحذيفة","level":2,"page":118},{"title":"باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل","level":2,"page":119},{"title":"باب بنيان الكعبة","level":2,"page":121},{"title":"باب ما لقي النبي - ﷺ - وأصحابه","level":2,"page":121},{"title":"باب إسلام سعيد بن زيد - ﵁ -","level":2,"page":123},{"title":"باب هجرة الحبشة","level":2,"page":124},{"title":"باب المعراج","level":2,"page":124},{"title":"باب هجرة النبي - ﷺ -","level":2,"page":125},{"title":"كتاب المغازي","level":1,"page":129},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿إذ تستغيثون ربكم﴾","level":2,"page":129},{"title":"باب قتل أبي جهل","level":2,"page":129},{"title":"باب","level":2,"page":129},{"title":"باب","level":2,"page":130},{"title":"باب غزوة أحد","level":2,"page":132},{"title":"باب ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾","level":2,"page":133},{"title":"باب غزوة الرجيع","level":2,"page":133},{"title":"باب غزوة الخندق","level":2,"page":135},{"title":"باب مرجع النبي - ﷺ - من الأحزاب","level":2,"page":136},{"title":"باب غزوة ذات الرقاع","level":2,"page":137},{"title":"باب غزوة بني المصطلق","level":2,"page":138},{"title":"باب حديث الإفك","level":2,"page":139},{"title":"باب قصة عكل وعرينة","level":2,"page":139},{"title":"باب غزوة خيبر","level":2,"page":140},{"title":"باب عمرة القضاء","level":2,"page":142},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿ويوم حنين﴾ [التوبة: ٢٥]","level":2,"page":143},{"title":"باب سرية عبد الله بن حذافة السهمي","level":2,"page":144},{"title":"باب غزوة ذي الخلصة","level":2,"page":145},{"title":"باب غزوة سيف البحر","level":2,"page":146},{"title":"باب وفد بني تميم","level":2,"page":146},{"title":"باب وفد عبد القيس","level":2,"page":148},{"title":"باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة","level":2,"page":149},{"title":"باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن","level":2,"page":149},{"title":"باب حديث كعب بن مالك","level":2,"page":150},{"title":"باب نزول النبي - ﷺ - الحجر","level":2,"page":150},{"title":"باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته","level":2,"page":152},{"title":"كتاب التفسير","level":1,"page":155},{"title":"باب","level":2,"page":155},{"title":"باب ﴿سيقول السفهاء ...﴾","level":2,"page":156},{"title":"باب ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾","level":2,"page":156},{"title":"باب ﴿والذين يتوفون منكم﴾","level":2,"page":156},{"title":"باب ﴿أيود أحدكم﴾","level":2,"page":157},{"title":"باب ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [البقرة: ٩٢]","level":2,"page":158},{"title":"باب ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها﴾ [آل عمران: ٩٣]","level":2,"page":158},{"title":"باب ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله","level":2,"page":158},{"title":"باب ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ [النساء: ٦٥]","level":2,"page":159},{"title":"باب ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ [النساء: ٨٨]","level":2,"page":159},{"title":"باب ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾ [النساء: ٩٣]","level":2,"page":160},{"title":"باب ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ [المائدة: ٣٣]","level":2,"page":161},{"title":"باب ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ [النساء: ٩٥]","level":2,"page":161},{"title":"باب ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ [النساء: ١٤٥]","level":2,"page":162},{"title":"باب ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا﴾ [المائدة: ٢٤]","level":2,"page":162},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر","level":2,"page":163},{"title":"باب قوله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء﴾ [المائدة: ١٠١]","level":2,"page":164},{"title":"باب ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله","level":2,"page":165},{"title":"باب قوله: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ [الأنفال: ٣٣]","level":2,"page":165},{"title":"باب ﴿فقاتلوا أئمة الكفر﴾ [التوبة: ١٢]","level":2,"page":166},{"title":"باب: ﴿ثاني اثنين﴾ [التوبة: ٤٠]","level":2,"page":167},{"title":"باب قوله: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم﴾ [التوبة: ٨٠]","level":2,"page":167},{"title":"باب قوله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول﴾ [التوبة: ١٢٨]","level":2,"page":169},{"title":"باب ﴿ذرية من حملنا مع نوح﴾ [الإسراء: ٢]","level":2,"page":169},{"title":"باب ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه﴾ [الإسراء: ٥٦]","level":2,"page":171},{"title":"باب ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ [الإسراء: ١١٠]","level":2,"page":171},{"title":"باب ﴿وإذ قال موسى لفتاه﴾ [الكهف: ٦٠]","level":2,"page":173},{"title":"باب ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة﴾ [النور: ١٩]","level":2,"page":174},{"title":"باب ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾ [الفرقان: ٦٨]","level":2,"page":175},{"title":"باب قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾ [الأحزاب: ٥٢] الآية","level":2,"page":177},{"title":"باب ﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم فأرداكم﴾ [فصلت: ٢٣]","level":2,"page":179},{"title":"باب قوله: ﴿إلا المودة في القربى﴾ [الشورى: ٢٣]","level":2,"page":179},{"title":"باب ﴿ونادوا يا مالك﴾","level":2,"page":180},{"title":"باب ﴿إنا أرسلناك شاهدا﴾","level":2,"page":182},{"title":"باب ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات﴾ الآية","level":2,"page":183},{"title":"باب «ومناة الثالثة الأخرى»","level":2,"page":184},{"title":"باب قوله ﴿سيهزم الجمع﴾ الآية","level":2,"page":184},{"title":"باب ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك﴾","level":2,"page":184},{"title":"باب قوله ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم﴾ الآية","level":2,"page":185},{"title":"باب ﴿وأولات الأحمال أجلهن﴾ الآية","level":2,"page":186},{"title":"باب «كيف نزل الوحي؟»","level":2,"page":188},{"title":"باب تأليف القرآن","level":2,"page":190},{"title":"باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي - ﷺ -","level":2,"page":191},{"title":"باب من لم يتغن بالقرآن","level":2,"page":191},{"title":"كتاب النكاح","level":1,"page":193},{"title":"باب نكاح الأبكار","level":2,"page":193},{"title":"باب الثيبات","level":2,"page":193},{"title":"باب اتخاذ السراري","level":2,"page":193},{"title":"باب ما يتقى من شؤم المرأة","level":2,"page":194},{"title":"باب ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾","level":2,"page":194},{"title":"باب النهي عن نكاح المتعة","level":2,"page":194},{"title":"باب حسن المعاشرة مع الأهل","level":2,"page":195},{"title":"باب إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها","level":2,"page":196},{"title":"باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه","level":2,"page":196},{"title":"باب كفران العشير","level":2,"page":197},{"title":"باب ذم المتشبع لما لم ينل","level":2,"page":197},{"title":"باب الغيرة","level":2,"page":198},{"title":"باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة","level":2,"page":198},{"title":"باب خروج النساء لحوائجهن","level":2,"page":199},{"title":"كتاب الطلاق","level":1,"page":202},{"title":"بابا إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق","level":2,"page":202},{"title":"باب من أجاز طلاق الثلاث","level":2,"page":202},{"title":"باب الطلاق في الإغلاق","level":2,"page":204},{"title":"باب الخلع","level":2,"page":204},{"title":"باب يبدأ الرجل بالتلاعن","level":2,"page":205},{"title":"باب ﴿والذين يتوفون منكم﴾","level":2,"page":205},{"title":"كتاب النفقات","level":1,"page":206},{"title":"باب وجوب النفقة على الأهل","level":2,"page":206},{"title":"باب حبس الرجل قوت سنة على أهله","level":2,"page":206},{"title":"باب نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها","level":2,"page":207},{"title":"باب ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾","level":2,"page":208},{"title":"كتاب الأطعمة","level":1,"page":210},{"title":"باب القديد","level":2,"page":210},{"title":"كتاب الذبائح والصيد","level":1,"page":211},{"title":"باب صيد المعراض","level":2,"page":211},{"title":"باب قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾","level":2,"page":211},{"title":"باب ما ند من البهائم","level":2,"page":212},{"title":"كتاب الأشربة","level":1,"page":214},{"title":"باب الخمر من العنب","level":2,"page":214},{"title":"باب الانتباذ في الأوعية والتور","level":2,"page":214},{"title":"باب الشرب بنفسين","level":2,"page":215},{"title":"كتاب الطب","level":1,"page":216},{"title":"باب أشد الناس بلاء الأنبياء","level":2,"page":216},{"title":"باب عيادة النساء الرجال","level":2,"page":216},{"title":"باب الدواء بألبان الإبل","level":2,"page":216},{"title":"باب الحجامة على الرأس","level":2,"page":217},{"title":"باب ما يذكر في الطاعون","level":2,"page":217},{"title":"باب الفال","level":2,"page":217},{"title":"باب هل يستخرج السحر","level":2,"page":219},{"title":"كتاب اللباس","level":1,"page":221},{"title":"باب جيب القميص","level":2,"page":221},{"title":"باب ما كان النبي - ﷺ - يتجوز من اللباس","level":2,"page":222},{"title":"باب لبس القسي","level":2,"page":222},{"title":"باب قص الشارب","level":2,"page":223},{"title":"كتاب الأدب","level":1,"page":224},{"title":"باب من أحق الناس بحسن الصحبة","level":2,"page":224},{"title":"باب إجابة دعاء من بر والديه","level":2,"page":225},{"title":"باب فضل صلة الرحم","level":2,"page":226},{"title":"باب المقة من الله","level":2,"page":226},{"title":"باب ما يكره من التمادح","level":2,"page":227},{"title":"باب الهجران","level":2,"page":229},{"title":"باب ما يجوز من الهجران لمن عصى","level":2,"page":229},{"title":"باب الحياء","level":2,"page":230},{"title":"باب إكرام الضيف","level":2,"page":230},{"title":"باب ما يجوز من الشعر","level":2,"page":230},{"title":"باب قول الرجل: ويلك","level":2,"page":231},{"title":"باب «لا يقل: خبثت نفسي»","level":2,"page":232},{"title":"باب اسم الحزن","level":2,"page":232},{"title":"باب قول الرجل للشيء: ليس بشيء","level":2,"page":233},{"title":"كتاب الاستئذان","level":1,"page":234},{"title":"باب السلام اسم من أسماء الله تعالى","level":2,"page":234},{"title":"باب التسليم والاستئذان ثلاثا","level":2,"page":235},{"title":"باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارة","level":2,"page":236},{"title":"كتاب الدعوات","level":1,"page":237},{"title":"باب الضجع على الشق الأيمن","level":2,"page":237},{"title":"باب التكبير والتسبيح عند المنام","level":2,"page":237},{"title":"باب التعوذ من عذاب القبر","level":2,"page":237},{"title":"باب الدعاء للمتزوج","level":2,"page":238},{"title":"باب فضل ذكر الله تعالى","level":2,"page":238},{"title":"كتاب الرقاق","level":1,"page":240},{"title":"باب في الأمل وطوله","level":2,"page":240},{"title":"باب ما يتقى من فتنة المال","level":2,"page":240},{"title":"باب المكثرون هم المقلون","level":2,"page":241},{"title":"باب كيف كان عيش النبي - ﷺ -؟","level":2,"page":242},{"title":"باب حفظ اللسان","level":2,"page":243},{"title":"باب رفع الأمانة","level":2,"page":244},{"title":"باب (من أبواب الساعة)","level":2,"page":244},{"title":"باب «من أحب لقاء الله»","level":2,"page":245},{"title":"باب كيف الحشر؟","level":2,"page":246},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿إن زلزلة الساعة﴾","level":2,"page":246},{"title":"باب الصراط","level":2,"page":247},{"title":"كتاب الأيمان والنذور","level":1,"page":248},{"title":"باب يمين النبي - ﷺ -","level":2,"page":249},{"title":"باب لا يحلف باللات","level":2,"page":250},{"title":"باب قوله تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾","level":2,"page":250},{"title":"باب إذا حنث ناسيا","level":2,"page":251},{"title":"باب صاع المدينة","level":2,"page":251},{"title":"كتاب الفرائض","level":1,"page":253},{"title":"باب تعليم الفرائض","level":2,"page":253},{"title":"باب قول النبي - ﷺ -: «لا نورث ما تركناه صدقة»","level":2,"page":253},{"title":"باب ميراث الأخوات مع البنات عصبة","level":2,"page":254},{"title":"كتاب الحدود","level":1,"page":255},{"title":"باب إذا أقر بالحد ولم يبين","level":2,"page":255},{"title":"باب رجم الحبلى من الزنا","level":2,"page":255},{"title":"باب من رأى مع امرأته رجلا فقتله","level":2,"page":256},{"title":"كتاب الديات","level":1,"page":258},{"title":"باب إذا قتل نفسه خطأ فلا دية له","level":2,"page":258},{"title":"باب من اطلع في بيت قوم","level":2,"page":258},{"title":"كتاب المرتدين","level":1,"page":259},{"title":"كتاب الحيل","level":1,"page":260},{"title":"باب","level":2,"page":260},{"title":"كتاب التعبير","level":1,"page":261},{"title":"باب نزع الماء من البئر حتى يروي الناس","level":2,"page":261},{"title":"كتاب الفتن","level":1,"page":263},{"title":"باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه","level":2,"page":263},{"title":"باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة","level":2,"page":263},{"title":"باب إذا بقي في حثالة من الناس","level":2,"page":264},{"title":"باب","level":2,"page":264},{"title":"باب تغير الزمان حتى تعبد الأوثان","level":2,"page":265},{"title":"كتاب الأحكام","level":1,"page":267},{"title":"باب ما يكره من الحرص على الإمارة","level":2,"page":267},{"title":"باب كتاب الحاكم إلى عماله","level":2,"page":268},{"title":"باب بيعة الأعراب","level":2,"page":268},{"title":"باب الاستخلاف","level":2,"page":269},{"title":"كتاب التمني","level":1,"page":270},{"title":"باب ما يجوز من اللو","level":2,"page":270},{"title":"كتاب الاعتصام","level":1,"page":271},{"title":"باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":271},{"title":"باب ما يكره من كثرة السؤال","level":2,"page":271},{"title":"باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم","level":2,"page":274},{"title":"باب ما ذكر النبي - ﷺ - وحض على اتفاق أهل العلم","level":2,"page":274},{"title":"كتاب التوحيد","level":1,"page":276},{"title":"باب «وكان عرشه على الماء»","level":2,"page":276},{"title":"باب قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة (٢٢) إلى ربها ناظرة (٢٣)﴾","level":2,"page":277},{"title":"باب قوله تعالى: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾","level":2,"page":278},{"title":"باب كلام الرب تعالى يوم القيامة","level":2,"page":279},{"title":"باب قوله: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾","level":2,"page":279}],"ٛ":{"1,1":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,198":194,"1,199":195,"1,200":196,"1,201":197,"1,202":198,"1,203":199,"1,204":200,"1,205":201,"1,206":202,"1,207":203,"1,208":204,"1,209":205,"1,210":206,"1,211":207,"1,212":208,"1,213":209,"1,214":210,"1,215":211,"1,216":212,"1,217":213,"1,218":214,"1,219":215,"1,220":216,"1,221":217,"1,222":218,"1,223":219,"1,224":220,"1,225":221,"1,226":222,"1,227":223,"1,228":224,"1,229":225,"1,230":226,"1,231":227,"1,232":228,"1,233":229,"1,234":230,"1,235":231,"1,236":232,"1,237":233,"1,238":234,"1,239":235,"1,240":236,"1,241":237,"1,242":238,"1,243":239,"1,244":240,"1,245":241,"1,246":242,"1,247":243,"1,248":244,"1,249":245,"1,250":246,"1,251":247,"1,252":248,"1,253":249,"1,254":250,"1,255":251,"1,256":252,"1,257":253,"1,258":254,"1,259":255,"1,260":256,"1,261":257,"1,262":258,"1,263":259,"1,264":260,"1,265":261,"1,266":262,"1,267":263,"1,268":264,"1,269":265,"1,270":266,"1,271":267,"1,272":268,"1,273":269,"1,274":270,"1,275":271,"1,276":272,"1,277":273,"1,278":274,"1,279":275,"1,280":276,"1,281":277,"1,282":278,"1,283":279,"1,284":280},"ٜ":{"1":[1,284]},"ٝ":["1,1","1,5","1,6","1,7","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284"],"ٞ":{"2":[1],"5":[2,3,4],"6":[5],"7":[6,7,8],"8":[9],"10":[10,11],"11":[12,13],"13":[14,15,16],"14":[17,18,19],"16":[20,21],"18":[22],"19":[23,24,25],"20":[26],"22":[27],"23":[28],"24":[29],"25":[30],"26":[31,32,33],"27":[34,35],"28":[36],"30":[37],"31":[38,39],"32":[40],"34":[41],"35":[42,43],"37":[44,45],"39":[46,47,48],"40":[49],"41":[50],"42":[51],"44":[52,53],"46":[54,55,56,57],"47":[58,59],"49":[60],"50":[61,62],"51":[63],"53":[64],"54":[65],"55":[66,67],"56":[68,69],"57":[70,71],"58":[72,73,74],"59":[75],"61":[76,77],"62":[78],"64":[79,80,81],"66":[82,83],"68":[84,85],"69":[86],"70":[87,88],"72":[89,90],"73":[91],"75":[92,93],"76":[94,95],"77":[96,97],"78":[98,99],"79":[100,101],"80":[102],"81":[103],"82":[104],"83":[105],"84":[106,107],"85":[108],"86":[109],"87":[110],"88":[111],"89":[112],"90":[113,114,115],"91":[116],"92":[117],"93":[118],"94":[119],"95":[120],"96":[121],"97":[122,123],"98":[124,125],"99":[126],"100":[127,128],"102":[129],"103":[130,131],"104":[132],"106":[133],"108":[134,135],"111":[136,137,138],"114":[139],"115":[140],"117":[141],"118":[142],"119":[143],"121":[144,145],"123":[146],"124":[147,148],"125":[149],"129":[150,151,152,153],"130":[154],"132":[155],"133":[156,157],"135":[158],"136":[159],"137":[160],"138":[161],"139":[162,163],"140":[164],"142":[165],"143":[166],"144":[167],"145":[168],"146":[169,170],"148":[171],"149":[172,173],"150":[174,175],"152":[176],"155":[177,178],"156":[179,180,181],"157":[182],"158":[183,184,185],"159":[186,187],"160":[188],"161":[189,190],"162":[191,192],"163":[193],"164":[194],"165":[195,196],"166":[197],"167":[198,199],"169":[200,201],"171":[202,203],"173":[204],"174":[205],"175":[206],"177":[207],"179":[208,209],"180":[210],"182":[211],"183":[212],"184":[213,214,215],"185":[216],"186":[217],"188":[218],"190":[219],"191":[220,221],"193":[222,223,224,225],"194":[226,227,228],"195":[229],"196":[230,231],"197":[232,233],"198":[234,235],"199":[236],"202":[237,238,239],"204":[240,241],"205":[242,243],"206":[244,245,246],"207":[247],"208":[248],"210":[249,250],"211":[251,252,253],"212":[254],"214":[255,256,257],"215":[258],"216":[259,260,261,262],"217":[263,264,265],"219":[266],"221":[267,268],"222":[269,270],"223":[271],"224":[272,273],"225":[274],"226":[275,276],"227":[277],"229":[278,279],"230":[280,281,282],"231":[283],"232":[284,285],"233":[286],"234":[287,288],"235":[289],"236":[290],"237":[291,292,293,294],"238":[295,296],"240":[297,298,299],"241":[300],"242":[301],"243":[302],"244":[303,304],"245":[305],"246":[306,307],"247":[308],"248":[309],"249":[310],"250":[311,312],"251":[313,314],"253":[315,316,317],"254":[318],"255":[319,320,321],"256":[322],"258":[323,324,325],"259":[326],"260":[327,328],"261":[329,330],"263":[331,332,333],"264":[334,335],"265":[336],"267":[337,338],"268":[339,340],"269":[341],"270":[342,343],"271":[344,345,346],"274":[347,348],"276":[349,350],"277":[351],"278":[352],"279":[353,354]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"النظرُ الفسيح\nعنْدَ مضَائقِ الأَنْظَارِ\nفي الجامع الصحيح\n\nتَأليفُ\nفضِيْلَةِ الشيَّخِ محَّمد الَّطاهرِ ابْنِ عاشوُرِ","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>كيف كان الوحي إلى رسول الله - ﷺ </span>-\nوقع في الحديث الثاني قول النبي - ﷺ - للحارث بن هشام حين سأله [١: ٢، ١١]:\n(كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل أي الملك رجلًا، فيكلمني فأعي ما يقول».\nالضمير المستتر في قوله: «يأتيني» عائد إلى «الوحي» بتأويله بالملَك المرسل بالوحي، وهو جبريل، كما يقتضيه قوله: «وقد وعَيْت عنه ما قال» فضمير «عنه» والضمير المستتر في «ما قال» لا يصلحان إلا للعود إلى «الملك»، وقد صرح باسم «الملك» في قوله: «وأحيانًا يتمثَّل لي الملك»، وإنما لم يقل: وأحيانًا يتمثَّل لي، بإضمار ضمير «الملك» كما قال قبله: «يأتيني»، وقال: «وقد وعيت عنه» للتصريح بأن الذي يتمثل هو الملك وليس رجلًا من الرجال يتمثَّل فيه الوحي.\nولم أر من عرَّج على بيان موقع اختلاف حَاليْ الوحي؛ بين حال شدة وأهون منه وقد ثبت في حديث: أولُ ما نَزَلَ من الوحي أن الملك جاءه في غار حراء وأنه أقرأه وغطَّه ثلاثًا، ثم قال: اقرأ فقرأ. وكان حال الابتداء أنسب بأن يكون الأشدُّ عليه من الوحي؛ فليست الحالة الشديدة إذن لأجل قلَّة تعوَّد؛ ولذلك تعين أن أشدَّ الحالين يكون عند نزول قرآن طويل بأن تنزل سورة كاملة، مثل سورة الأنعام، أو ينزل معظم سورة، فجعل الله لذلك حالة شديدة؛ للاتصال الملكي بقلب النبي - ﷺ -، فإنَّ القرآن لا ينزل إلا بواسطة الملَك، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤]، وبذلك يظهر وجه الاختلاف في التعبير بين قوله: «فيصم عني وقد وعيت عنه ما قال» وبين قوله: «فيكلمني فأعي ما يقول»؛ إذ جاء في العبارة الأولى بجملة حالية مقترفة بحرف (قد) وهي تؤذن بغرابة ذلك الوعي وصعوبته بخلاف العبارة الثانية.\nوأما قوله: «وهو أشد علي» فإنما كان أشدُّ لعَرائه عن تمثل ملك الوحي في صورة رجل؛ لأن ذلك التمثل وإلقاء الوحي في صورة التكليم آنسُ للاتصال الروحاني بعالم الوحي؛ لأنه كيفية قريبة من معتاد النفوس كما ذكر علماء المعاني في فائدة تشبيه المعقول بالمحسوس.\n* * *","vol":"1","page":5},{"text":"ووقع في حديث عائشة في بَدْء الوحي قول خديجة [١: ٣، ١٦]:\n(وتعين على نوائب الحق).\nلم أر شرحًا لهذه الجملة شافيًا في شروح الصحيحين وكتب غريب الحديث واللغة، ولا يزيدون على بيان معنى النوائب، دون تعرض إلى معنى إضافة النوائب إلى الحق، ولا إلى المراد من الحق ما هو؛ فإن الحق له معان كثيرة.\nويظهر أن هذه الكلمة مع التراكيب المذكورة مما جرى مجرى الأمثال في كلام العرب؛ ولذلك كان نظمه على إيجاز بالغ، شأن الأمثال، فقد وقع نظير هذا الكلام في كلام ابن الدَّغُنَّة سيد أهل القارة مع أبي بكر الصِّدِّيق في الحديث الذي أخرجه البخاري في «باب جو ابن الدغنة لأبي بكر» [٣: ١٢٧، ٣] في كتاب الحوالة عن عائشة.\nوالذي يظهر أن «الحق» هنا ما قابل الباطل، وأن «نوائب» مراد به المعنى الاسمي دون الوصفي؛ فإضافة «نوائب» إلى «الحق» إضافة محضة وليست إضافة لفظية؛ لأن (نائبة) عوملت معاملة الأسماء وتنوسي منها أصل الوصفية فلم تكن إضافتها من إضافة اسم الفاعل؛ ولذلك فإضافتها هنا على نية معنى اللام التي تقدر في الإضافة غالبًا؛ وهي لام الملك، أي هي نوائب يملكها الحقُّ، أي يَمْلِكُ الحقُّ حالةً تشتمل عليها تلك النوائب، فشُبِّه الحق بمالك شيء وكانت النَّائبة، أي النازلة لأجله.\nوحرف «على» مؤذن بأن الإعانة في أمر عسير شاق؛ لأن معنى «على» الاستعلاء، وهو استعلاء مجازي بمعنى التمكن.\nوفعل الإعانة يُعدَّى بحرف «على» إما إلى المطلوب بحقِّ، نحو: أعانت بنو أسد ذبيان على عبس، وإما إلى تحصيل الشيء المطلوب، كقوله تعالى: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤]؛ أي أعانوه على تأليف القرآن.\nواسم «نوائب» يشعر بحوادث انتابت وجّدَّت.\nوإضافتها إلى «الحق» يشعر بمعنى أوجدها لحق وقام بها، أي أن حقًّا اعتدي عليه فقام لاسترجاعه، وهذه النوائب مثل مساعي الديات والصلح عن التراب في","vol":"1","page":6},{"text":"القتل خطأً وعمدًا ومساعي الصلح بين المتحاربين.\nفالتقدير: وتُعين صاحب الحق على تحصيل حقه لمن عليه في نوازل الحق وتحصيله عند نوائبه؛ فوقع في الكلام حذف متكرر يدل عليه السياق. وهذا شأن الأمثال.\n* * *","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>كتاب الإيمان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>باب الصلاة من الإيمان</span>\nوقع فيه قول البراء - ﵃ -[١: ١٦، ١٨]:\n(وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر).\nفلم يفصح الشراح عن مراده، وأنه أراد بـ «أول صلاة»: الأول منها، أي جزؤها الأول، أي أنه صلى أول العصر متوجهًا إلى الشام، واستدار في أثناء الصلاة إلى جهة الكعبة، فإضافة «أول» إلى «صلاة» من إضافة الجزء إلى الكلِّ لا من إضافة الصفة إلى الموصوف.\nويتعين أن يكون قوله: «صلاة العصر» مجرورًا على البدلية من «صلاةِ»، والتقدير: صلى أولى صلاة العصر.\nووقع في الحديث اختصار، وسيجيئ في كتاب التفسير أن أبا نعيم روى حديث البراء [٦: ١٣، ٢٥] بلفظ «وأنَّه صلَّى أو صَلَّاها صَلاَة العَصْر» بـ «أو» التي للشك وسنذكره هنالك.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>باب أداء الخُمُسِ من الإيمان</span>\nقوله في حديث وفد عبد القيس [١: ٢١، ٥]:\n(فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع؛ أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تغطوا من المغنم الخمس». ونهاهم عن أربع؛ عن الحنتم والدباء والنقير والمزفت ... إلخ).","vol":"1","page":9},{"text":"فيه إشكالان:\nأحدهما: أنه ذكر أنه أمرهم بأربع فلما عدَّ المأمورات عدَّ خَمْسَا.\nوثانيهما: وجه الاقتصار في المنهيات عن الأواني المنتبذ فيها.\nوالذي يبدو لي في وجه دفع الإشكال الأول أن القوم كانوا قد آمنوا، فالإيمان حاصل لهم، فليسوا بمأمورين به، وإنما المأمور به مَن وراءهم الذين لم يؤمنوا بعدُ، فالأشياء المأمور بها هي ما عدا الإيمان؛ لأنها التي يشترك في الائتمار بها المخاطبون وغيرهم، وهي الأعمال التي قد يتهاون الناس في إقامتها، وهي: الصلاة، والصيام، والزكاة، وإعطاء خمس المغنم؛ فالابتداء بذكر الإيمان للاهتمام بأمره، إذ الأعمال فرع عنه، فهو كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، بعد قوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] الآية.\nوفي دفع الإشكال الثاني أنَّه جواب عن سؤالهم المحكي في الرواية بقوله: «وسَألوه عن الأشربة». ولعل من لطائف انحصار المنهيات منها في الأربع مقابلتها بالأربع المأمورات ليحصل في الكلام من التنظير ما يؤثر وعي الحفظ له.\nواعلم أن الوجه أن يكون قوله: «وأقام الصلاة» مجرورًا عطفًا على قوله: «أمَرهم بالإيمانِ بالله» وليس مرفوعًا على قوله: «شهادةُ أن لا إله إلا الله».\nوهذا يخالف رأي البخاري إذ ترجم بقوله: «أداء الخُمُس من الإيمان». وإنما عدلت عنه إتباعًا لاستقامة نظم الحديث. على أننا لا نوافق البخاري في اعتبار الأعمال من الإيمان. وليس على ذلك رأي الشيخ أبي الحسن الأشعري ﵀.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>باب قول النبي - ﷺ </span>-\n«الدين النصيحة لله ولرسوله ....» إلخ [١: ٢٢، ٤]\nنسب البخاري هذا القول إلى النبي - ﷺ -، ولمن يثبته حديثًا؛ لأنه على غير شرطه، فكان الظاهر أن لا يجزم بنسبته إلى النبي؛ فلعلَّ البخاري ترجمه وبقي يتطلب الظفر بسند فيه على شرطه فلم يعثر عليه فبقي كذلك في الجامع.\n* * *","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>كتاب العلم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>باب القراءة والعرض على المُحَدث</span>\nوقع فيه قول البخاري [١: ٢٤، ت (٤)]:\n(قال أبُو عَبْد الله): سَمِعْتُ أَبَا عاصمٍ يَقولُ عَنْ سُفْيَانَ الثّورِيِّ ومَالكٍ: أنهما كانا يريان القراءة والسماع جائزًا).\nأي قراءة الراوي على المحدث وسماع الراوي من المحدث. والمذكور عن مالك أنه كان يرجع العَرْض، أي قراءة الراوي والمحدث يسمع على سماع الراوي من المحدث، ذكر ذلك عياض في باب صفة مجلس مالك من كتاب المدارك: «أن رجلًا خراسانيًا جاء إلى المدينة لسماع الحديث من مالك فوجد الناس يعرضون عليه ولا يقرأ هو عليهم، فسأل مالكًا أن يقرأ عليه فأبى، فاستعدى قاضيَ المدينة، وقال: جئت من خراسان ونحن لا نرى العرض وأبى مالك أن يقرأ علينا، فحكم القاضي على مالك أن يقرأ له. فقيل لمالك: أأصاب القاضي؟ قال: نعم».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>باب فضل العلم</span>\nوقع فيه قول النبي - ﷺ -[١: ٣١، ٥]:\n(«بينا أنا نائم أتيت بقدح من لبن فشربت حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب» قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: «العلم»).\nقوله: «حَتَّى إِنِّي لأرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ في أظْفَارِي» هو نظر في رؤيا المنام، حيث تتمثل للمرء أشياء غير معتادة في عالم اليقظة، وهذه رؤيا وحي رمزية تمثل فيها أمر معنوي وهو الريُّ بالأمر الحسي، أي أنظر إلى الري يسري تحت جلدي أو في جسدي حتى ملأه فخرج من الأظفار، وهي أطراف البدن. فليس قوله: «يَخْرُجُ","vol":"1","page":11},{"text":"في أظْفَارِي جاريًا على استعارة مألوفة في كلام العرب؛ إذ ليس الري بالذي يخرج من الجسد ولا بالذي يشاهد سريانه في الجلد أو الأصابع، فخروج الري من الأظفار رمز معنوي لامتلاء الجسد، بحيث لم يبق موضع فيه محتاج لزيادة الري. وهذا رمز لعموم تعلق العلم بذات النبي - ﷺ -.\nومن دقائق هذه الرؤيا أن كان تمثيل العلم فيها باللبن؛ لأنه غذاء للجسم لطيف، وكذلك العلم غذاء للعقل لطيف؛ ولأن اللبن هو غذاء الإنسان في الفطرة، والعلم الذي أتيه النبي - ﷺ - هو علم الدين وآدابه الذي هو ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].\nوفيه أن عمر بن الخطاب اكتسب من صحبة النبي - ﷺ - علم الشريعة وآدابها كما يكتسب شارب اللبن تغذية. وقد قصر شراح الصحيحين في إعطاء هذا الحديث حقه من البيان.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>باب ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم</span>؟\nوقع في حديث سؤال سعيد بن جبير ابنَ عباس [١: ٤١، ١١]:\n(إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى (صاحب الخضر) ليس بموسى بني إسرائيل، إنما هو موسى آخر).\nفوقع في بعض الروايات ضبط قوله: «موسى آخر» منونًا، وهو خطأ، توهَّم أنه صار نكرة، فلم يمتنع من الصرف، والصواب أنه بدون تنوين؛ لأنه علم أعجمي، وإنما معنى أنه «موسى آخر» أنه مسمى آخر بهذا العلَم.\n* * *\nووقع فيه [١: ٤١، ٩]:\n(فصال الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في البحر».","vol":"1","page":12},{"text":"ورد عليه أنه يقضي نقصًا؛ وإن كان نزرًا، فما هو إلا نقص ولم يدفعوه بما ترتاح له النفس.\nووجه دفعه عندي: أن الكلام لا محالة تشبيه معقول بمحسوس، فالعمدة في المشبه به على الحسَّ لا على ما في نفس الأمر والواقع. والحسُّ لا يظهر له في نقر العصفور نقرة من البحر نقص شيء من البحر، فلا يرد الإشكال جريًا على معروف الاستعمال.\n* * *","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>كتاب الوضوء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>باب التخفيف في الوضوء</span>\nفيه حديث عمرو بن دينار عن ابن عباس [١: ٤٧، ٣]:\n(فنام النبي فلما كان بعض الليل قام رسول الله - ﷺ - فتوضأ وضوءًا خفيفًا، يخففه عمرو ويقلله جدًا).\nلا شك أن وصف الخفيف من كلام ابن عباس، وأن قوله: «يخففه عمر ويقلله» أن عمرًا يحكي هيئة ابن عباس حين وصف الوضوء بالخفة، فقرن وصفه بإشارة باليد أو الوجه إلى أنه خفيف بدون إطلاق الخفة على وجه المبالغة.\nومعنى كونه خفيفًا يحتمل أنه تجديد لوضوء لم ينتقض؛ لأن نوم الرسول - ﷺ - لا ينقض وضوؤه؛ فيكون التجديد لأجل النوم، كما قال مالك في الذي تمرُّ يده على ذكره عند تدلُّك الغسل: إنه يمرُّ بيديه على مواضع الوضوء بالماء. ويؤيد هذا قول عمرو بن دينار عقبه [١: ٤٧، ٨]: «إن النبي - ﷺ - تنام عيناه ولا ينام قلبه وأن رؤيا الأنبياء وحي».\nويحتمل أن ابن عباس أراد أن وضوء رسول الله - ﷺ - لم يكن مبالغًا فيه، كما يفعل الناس من كثرة تعمُّقهم، كما جاء في حديث جابر في كتاب الغسل لمَّا استفتاه رجل في مقدار ماء الغسل؛ فقال جابر [١: ٧٢، ١٩]: «يكفيك صاغ، فقال رجل: ما يكفيني، إني رجل كثير الشعر، فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى منك شعرًا وخير منك». فكانوا يسرفون في الماء وكثرة الدلك. فيكون ابن عباس أو عمرو بن دينار أراد التعريض بهم.\nويؤيد هذا الاحتمال الثاني قولُ ابن عباس في رواية كريب عنه هذا الحديث الآتي في باب قراءة القرآن بعد الحديث: أن ابن عباس قال [١: ٥٧، ٨]: فتوضأ رسول الله - ﷺ - فأحسن الوضوء. وهذا الاحتمال الثاني هو الأظهر عندي.\n* * *","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>باب وضوء الصبيان وحضورهم الجماعة [</span>١: ٢١٨، ١١]\nو<span data-type=\"title\" id=toc-13>باب خروج النساء إلى المساجد [</span>١: ٢١٩، ٢]\nوقع فيهما حديث عائشة - ﵃ -:\n(أعتم رسول الله - ﷺ - بالعتمة حتى ناداه عمر: قد نام النساء والصبيان، فخرج النبي - ﷺ -، فقال: «ما ينتظرها أحدغيركم من أهل الأرض». وفي رواية: «ليس أحد يصلي هذه الصلاة غيركم ولم يكن أحد يومئذ يصلي غير أهل المدينة»).\nأقول: زيادة «ولم يكن أحد يومئذ يصلي غير أهل المدينة» أو «ولا يصلي يومئذ إلا بالمدينة»، وفي رواية: «قبل أن يفشوَ الإسلام». هذه العبارة مدرجة في الحديث، ولم يتعرض لشرحها أحد من شارحي صحيح البخاري سوى كلمات للكوراني ولا من شارحي صحيح مسلم. وليست من كلام النبي - ﷺ -. والأظهر أنها ليست من كلام عائشة؛ فإن البخاري خرَّج هذا الحديث في «باب النوم قبل العشاء لمن غُلب» عن أيوب بن سليمان عن أبي بكر عن سليمان بن بلال عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب فجاء فيه [١: ١٤٩، ١١]: «قال: ولا يُصّلى يومئذ إلا بالمدينة» بتذكير فعل (قال)، وذلك يمنع من أن يكون القائل عائشة. ولا التفات إلى ما تأوَّله القسطلاني بأن المراد: قال الراوي: أي عائشة؛ وإن كان ظاهر رواية البخاري عن يحي بن بُكَير في باب فضل العشاء [١: ١٤٨، ١٤] أنه من كلام عائشة إذا وقع فيه: «وذلك قبل أن يفشو الإسلام» في أثناء الحديث المروي عن عائشة، لكن الإدراج قد يكون في وسط الكلام.\nالمقصود من كلامنا هذا استبعاد أن يكون هذا الإدراج من قول عائشة؛ فإن فهمها معروف بالإصابة، إذ ليس في قول النبي - ﷺ - إيهام يقتضي هذا الإدراج إلا أن يكون في رواية «ليس أحد من أهل الأرض يصلَّي هذه الصلاة غيركم»؛ إذا فهم الراوي أن المراد بالصلاة الصلاة من حيث هي صلاة، أو المراد صلاة العشاء من حيث هي عشاء؛ فقصد الراوي دفع هذا الإبهام، فإن أهل الصلاة، أعني المسلمين يومئذ، لا يوجدون في غير المدينة، ولكن ليس هذا مرادَ النبي - ﷺ - وإنما أراد أنه ليس يصلي العشاء في تلك الساعة غير الذين معه في المسجد النبوي؛","vol":"1","page":15},{"text":"لأن جميع المسلمين صلوا العشاء في وقتها المعتاد وناموا، كما يفسره قوله - ﷺ - في حديث أنس عند مسلم: «أِنَّ النَّاسَ قّدْ صَلَّوْا ونَامُوا .... إلخ».\nومعنى الحديث: أنكم انفردتم بصلاة العشاء في تلك الساعة بعد انتظارها زمنًا طويلًا، فكنتم في عبادة لله مستطيلة لا يشارككم فيها غيركم ثم أعقبها أداء صلاة العشاء، وكان تأخيرها لانتظارهم النبي - ﷺ -. فهم في انتظارهم كانوا في عبادة، ومترقبين عبادة؛ وذلك لأجل عبادة، وهي فضيلة الجماعة، وكونها مع النبي - ﷺ -. فقد انفردوا بتلك الخصَّيصية، وكانت لهم أجور كثيرة لم ينلها غيرهم.\nوما كان تأخير النبي - ﷺ - العشاء إلا لفائدة دينية؛ وهي: إما لتلقي وحي، أو تدبير أمر، أو لقصد إعلامهم بفضيلة ذلك الوقت لولا أنه يشق على الناس. وهذه بشارة لهم وجبر لما لحقهم من المشقة في الانتظار على عمل خاص بهم؛ فلا حاجة إلى قول الراوي: «ولم يكن أحد يصلَّي غير أهل المدينة». والخطاب للحاضرين بالمسجد النبوي، وبذلك يندفع ما عرض من إشكال من أن في مكة المستضعفين من المسلمين، وكانوا يصلون بمكة. ومعلوم أن هذه البشارة لا تشمل جميع أهل المدينة ممن كانوا صلوا في مسجد قباء وفي بيوتهم.\nعلى أن أبا موسى الأشعري روى هذه القصة، وذلك بعد رجوعه من الحبشة، هو وأهل سفينته. وقد وافق رجوعه فتح خيبر، وقد انتشر الإسلام يومئذ في المدينة وما حولها من قبائل الأعراب، وفي المهاجرين بالحبشة. وذلك يبطل قول الراوي في حديث عائشة: «ولم يكن أحدٌ يومئذ يصلَّي غير أهل المدينة» فهذا إدراج لا داعي إليه.\n* * *","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>كتاب الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>باب الصلاة في القميص</span>\nوقع في حديث عمر بن الخطاب قوله [١: ١٠٢، ٩]:\n(جمع رحل عليه صيابه).\nوقد لها الشارحون عن تفسيرذلك. والمعنى: ليلبس المصلّى ثوبين: ثوبًا لنصفه الأعلى، وثوبًا لنصفه الأسفل، وعمامة. يقال: جمع ثيابه، إذا لبس ما شأنه أن يلبسه عند الخروج. وقد جاء في حديث الإيلاء قول عمر [٧: ٣٧، ١]: «ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي فَنَزَلْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ». وقد جاء به مجملًا. ثم بينه بقوله: «صلى رجل في إزار ورداء» إلى آخره.\nوالخبر هنا مستعمل في إنشاء الاستحسان؛ لأن الذي يستحسن شيئًا يخبر عنه، ويحدث الناس به، فاستعمل الخبر هنا في ذلك، ولا إخبار، فهو مجاز مرسل تمثيلي، وقرينته أنه ليس في الكلام مخبر عنه، فإن الفاعل نكرة مجهولة، ونظيره قوله - ﷺ -: أحسن من جعل الخير للأمر. ونظيره قول ابن العميد:\nقامت تظَلَّلني من الشمس ... نفس أعزَّ عليَّ من نفسي\n\nويقال: جمعت المرأة عليها ثيابها، إذا لبست الإزار والدرع والخمار والملحفة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>باب الصلاة في الثوب الأحمر [</span>١: ١٠٥، ١٠]\nالظاهر أن البخاري أراد بهذه الترجمة، والحديث الذي أخرجه فيها، أن يشير إلى أن ما ورد في الحديث من النهي عن لبس الأرجوان قد نُسخ، وسنبين ذلك في موضعه من كتاب اللباس، فهو هنا من فعل النبي - ﷺ -، فيدخل في التأسي.\n* * *","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>باب الصلاة في السطوح</span>\nفيه حديث أنس بن مالك [١: ١٠٦، ١٠]:\n«أن رسول الله - ﷺ - سقط عن فرسه فجحشت ساقه أو كتفه والي من نسائه شهرًا فجلس في مشربة له درجتها من جذوع النخل ... إلخ».\nلم يصف الذين وصفوا بيوت رسول الله - ﷺ - هذه المشربة، ولعلها كانت الحجرات تفتح إلى المسجد، إذ لم يرد أن رسول الله - ﷺ - انقطع عن الصلاة بالناس في مسجده، ثم أزيلت هذه المشربة وأقيم في مكانها بعض الحجرات عند الاحتياج إلى ذلك، فلعلَّها لذلك لم يرد ذكرها في غير هذا الحديث.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>باب التوجه نحو القبلة</span>\nوقع في حديث البراء - ﵁ -[١: ١١٠، ١٢]:\n(وقال السفهاء من الناس (وهم اليهود) ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم).\nلم يذكر هذا عبد الله بن رجاء عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء، وفي رواية زهير عن أبي إسحاق في كتاب الإيمان [١: ١٧، ١]: «وكانت اليهود قد أعجبهم؛ إذ كان يصلي قِبَل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلما ولَّى وجهه قِبَل البيت أنكروا ذلك». ولا يوجد شيء من هذين في رواية غير هذين، فقد رواه سفيان وأبو زائدة وأبو بكر بن عياش وزهير في رواية أخرى، كل هؤلاء عن أبي إسحاق بدون هذه الزيادة، كما في صحيح مسلم والترمذي وابن ماجه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>باب التعاون في بناء المسجد</span>\nوقع في حديث أبي سعيد الخُدري عن بناء المسجد النبوي قول رسول الله - ﷺ -[١: ١٢٢، ٢]:","vol":"1","page":18},{"text":"«ويح عمار .... يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار»، قال: «يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن»\nكلمة (ويح) للتعجب. رأى رسول الله - ﷺ - اشتداد عمَّار في بناء المسجد، وذكر قوة إيمانه أيام كان بمكة يعذبه المشركون، ويعذبون أمه سُمَيَّة على الإسلام حتى اضطروه إلى كتمان إسلامه، واقتنعوا منه بذلك، ونزل فيه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. فكان في حالة تلك شبيهًا بحال مؤمن آل فرعون الذي يكتم إيمانه حين قال لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر: ٤١]، أي أدعوكم إلى الإيمان وتدعونني إلى البقاء على الكفر.\nفشبه رسول الله - ﷺ - حال عمَّار تلك بحال مؤمن آل فرعون تشبيهًا تمثيليًا مَكنيا، أي مضمرًا في النفس. ورمز إليه بذكر ما عُرف عند السامعين من أحوال قصة مؤمن آل فرعون، وهو أنه يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النَّار. فاقتبسها لحال عمَّار مع المشركين، يذكِّره رسول الله - ﷺ - بسابق ثباته على إيمانه، ويشبهه بالمخلصين من سلف أهل الإيمان، ويذكر له مزيته في ذلك الجم الغفير، حين بناء المسجد، فلذلك يقول عمار، وقد ذكر حاله السالفة: «أعوذ الله من الفتن» أي من العود إلى الافتتان في الدين، فضمير الجمع في قوله: «يدعوهم- ويدعونه» عائد إلى المشركين المستفاد من المقام من ذكر حال عمار ومنقبته. ومن زعم أن كلام الرسول - ﷺ - إنذار لعمَّار بما يحصل له مع أصحاب معاوية - ﵁ -، فقد أخطأ؛ إذ لا يستقيم شيء منه، لأن عمارًا لم يدع أهل الشام إلى دعوة، ولا دعاة أهل الشام، ولا جنة ولا نار في حال الفريقين؛ لأن ما جرى بينهم إنما هي تصاريف من الاجتهاد في التصرف في أمور الجامعة الإسلامية، وكلا الفريقين مأجور. وذلك اعتقاد سلفنا من أئمة الهدى.\nوأما ما ورد «أن عمارًا تقتله الفئة الباغية» فلم يصح؛ على أنه لو صحَّ لكان أمرًا آخر غير ما نحن بصدده.\n* * *","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>باب النوم قبل العشاء</span>\nفيه قول ابن عمر - ﵁ -[١: ١٤٩، ١٤]:\n(أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - شُغِلَ عَنهَا لَيلَةً).\nأي عن العشاء، ولم يتقدم ذكرها في الحديث، فلعله رواه ابن جريج أوغيره من رجال سنده مع حديث آخر فيه ذكر العشاء، فوقع هكذا عند البخاري فأثبته على ما قيده أو على ما سمعه.\nويحتمل أن ابن عمر كان يحدث عن العشاء، أو سُئل عنها، فقال: «إن رسول الله - ﷺ - شُغل عنها ليلة» فحدَّث به نافع كما سمعه.\nويحتمل أن ابن عمر أضمر من دون تقدُّم معاد؛ اعتمادًا على القرينة، وهي قوله: «ليلة»، على حدِّ قوله تعالى: ﴿تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] أي الشمس.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>باب إذا كان بين الإمام</span>\nوبين القوم حائط أو سترة\nفائدة مشروعية الجماعة في الصلوات حصول بركة تجمع المسلمين على الخير؛ لأن فيه نشاطا للإقبال على العبادة وتعارفًا بين المسلمين، وتعرضًا للتعاون على ما يهمهم إن شاؤوا، وتمكنًا من التعلم من إمامهم واستفتائه. وعلى مراعاة حصول هذا الاعتبار وفواته يكون حكم الحواجز والستائر التي تحصل بين المصلين وإمامهم أو بين بعض صفوفهم.\nوملاك ذلك أن ما يكون من الستائر والحوائل غير مانع من سماع القراءة والخطبة، وبلوغ العلم للسامعين، وإمكان تفاوض بعضهم مع بعض. وهذا مثل أساطين المسجد، وانتصاب المنبر والدكات، وجداول الماء، فذلك مغتفر. فإن كان من الحوائل المانعة من ذلك، كجدران الدور المجاورة المسجد، والأنهار الواسعة، كان ذلك مانعًا من انعقاد الجماعة بالنسبة للطائفة المنعزلة عن الإمام ومن معه.\n* * *","vol":"1","page":20},{"text":"قوله في حديث عمرة عن عائشة - ﵃ -[١: ١٨٦، ٣]:\n(كان رسول الله - ﷺ - يصلي من الليل في حجرته وجدار الحجرة قصير فرأي الناس شخص النبي - ﷺ - فقام أناس يصلون بصلاته فأصبحوا فتحدثوا بذلك، فقام الليل الثانية فقام معه أناس يصلون بصلاته، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثًا حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله - ﷺ - فلم يخرج، فلما أصبح ذكر ذلك الناس، فقال: «إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل»).\nفي قوله - ﷺ - «إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل» إشكال شائع. وهو أنه كيف يكون فرض العبادة تبعًا للمواظبة عليها. وقد أجاب العلماء عنه وعن نظائره بأجوبة غير مطمئنة، والذي أرى في دفعه: أن الله قد ضمن لرسوله - ﷺ - أن لا يحمل أمته ما فيه عسر بصريح قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nفرسول الله آمن من أن يفرض الله على الأمة عملًا فيه عسر. فالمعنى: أنهم لو واظبوا على قيام الليل لخفَّ عليهم بالتعود فانتفى العسر عنهم فتزول الأمارة التي يطمئن لها الرسول - ﷺ - في انتفاء الإيجاب، وهي عسر العبادة فخشي أن يفرضها الله عليهم ثم لا يستطيعون استدامتها، أو لا يستطيعها من يأتي بعدهم.\nورواية عمرة عن عائشة قولها: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي من الليل في حجرته وجدار الحجرة قصير».\nقولها: «وجدار الحجرة قصير» يعين أن المراد بالحجرة المذكورة في هذا الحديث هي الموضع الذي احتجره رسول الله - ﷺ - بالمسجد لصلاة الليل لا حجرة بيته، كما يفسره حديث زيد بن ثابت الموالي لهذا [١: ١٨٦، ١٣]: «أن رسول الله - ﷺ - اتخذ حجرة من حصير في رمضان فصلى فيها ليالي ....» إلخ.\nوفي حديث أبي سلمة عن عائشة [١: ١٨٦، ١١]: «أن النبي - ﷺ - كان له حصير يبسطه بالنهار ويحتجزه بالليل» فتعين أن قوله في حديث عمرة: «في حجرته» الموهم أنها حجرة بيته يفسره ما في حديثي أبي سلمة وزيد بن ثابت. والكلام الذي خاطب به رسول الله - ﷺ - الناس الذين صلوا بصلاته متماثل في الأحاديث الثلاثة. وذلك يؤيد أن القصة واحدة.\n* * *","vol":"1","page":21},{"text":"أبواب إتمام التكبير\nفي الركوع والسجود والقيام من السجود\nاحتفل البخاري بأحاديث التكبير في أركان الصلاة لأجل ما حصل من خلاف بين السلف فيما عدا تكبير الإحرام في وُجوبهٍ وسنيته، وفي إيقاع وعدم إيقاعه. وقد كان من الشائع عن السلف عدم التفرقة في المأمورات بين الوجوب والاستحباب. وقد دلَّ حديث عمران بن حصين المذكور هنا على ذلك إذ قال [١: ١٩٩، ١٣]: «قد ذكرني هذا (يعني عليا صلاة محمد عليه الصلاة والسلم»، فدلَّ على أنَّ بعض التكبير كان قد تهاون به الناس. ولم أظفر بتعيين بعض من كانوا يتركون التكبير في بعض الأركان عدا الإحرام. ولعل منهم من كان لا يرى تكبير الرفع من السجود قياسًا على تركه في الرفع من الركوع.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>باب التكبير إذا قام من السجود</span>\nجاء فيه أن عكرمة صلى خلف شيخ بمكة صلاة رباعية فكبَّر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقال عكرمة لابن عباس [١: ١٩٩، ١٩]: «إِنَّهُ أَحْمَقُ»، فما ذلك إلا لأنه استنكر عليه كثرة التكبير في الصلاة وأن ابن عباس قال له: «ثكلتك أمك سنة أبي القاسم - ﷺ -».\nولعل عكرمة كان لا يرى التكبير في الرفع من السجود، بناءٌ على أن الرفع من السجود ليس بعبادة؛ لأنه تنبيه للسجود. وبهذا يؤذن صنيع البخاري، إذ ذكر كلام عكرمة تحت ترجمة «التكبير إذا قام من السجود».\nتنبيه: قول ابن عباس لعكرمة: «ثكلتك أمك سنة أبي القاسم» زجرٌ له عن جعله التكبير من الحماقة؛ لأنه جهل أنه سنة متروكة، ولم يؤاخذ ابن عباس بأكثر من ذلك؛ لأنه حين أنكر ما أنكر لم يكن يعلم أن ذلك سُنَّة.\nوفيه: أن من أنكر عن جهل، وكان من أهل العلم، لا يؤاخذ بلازم قوله من جعل مماثل فعل النبي حُمقًا، فيستتاب، ولكنه يُعَلَّم ويوقف لظهور حسن المقصد.\n* * *","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>كتاب العيدين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>باب الدعاء في العيد</span>\nوقع في حديث عائشة ﵂ [٢: ٢١، ٣]:\n(قالت: دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان تقاولت الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله - ﷺ - وذلك في يوم عيد- فقال رسول الله - ﷺ - «يا أبا بكر إن لكل قوم عيد وهذا عيدنا»\nكلام رسول الله - ﷺ - خرج على طريق الكناية؛ إذ كان أبو بكر يعلم أنه يوم عيد، فالمقصود لازم ذلك في العرف، وهو أن لكل قوم في عيدهم فرحًا ومسرة وشيئًا من اللَّهو. فقوله: «وَهَذَا عِيدُنَا» إعلام بالرخصة في غناء الجاريتين، لأجل كون اليوم يوم عيد.\nوفيه إيماء إلى علة الترخيص، وهو أن من جملة المقاصد في جعل العيد إِجْمَامَ النفوس وارتياحها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>باب فضل العمل في أيام التشريق</span>\n[٢: ٢٤، ٢٠]: (عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ما العمل في أيام أفضل منها في هذه العشر»، قالوا: ولا الجهاد؟ قال: «ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وما له فلم يرجع بشيء»).\nقوله: «فلم يرجع بشيء»، أي بشيء من نفسه وماله، أي قتل وأخذ سَلَبُه. وهو إيماء إلى فضل الشهادة.\nأثبت صدر الكلام أن جميع الأعمال في أيام العشر من ذي الحجة تقع أفضل منها لو وقعت في غير تلك الأيام، وأن الأعمال في غير تلك الأيام ما بلغت لا تكون أفضل من نوعها في هذا العشر.","vol":"1","page":23},{"text":"فالمقصود تفاضل أنواع الأعمال، وليس المقصود أن أنواع الأعمال لا تتفاوت إذا وقعت في أيام العشر، وقول السائل نشأ عن اعتقاد أن فضل الجهاد لعظمة قدره لا يقبل التفاوت، فلا يكون الجهاد الواقع في الأيام العشر أفضل من الجهاد في غيرها، فبيَّن له رسول الله - ﷺ - أن الجهاد كغيره من الأعمال إذا وقع في هذه الأيام كان أفضل منه إذا وقع في غيرها.\nفقول السائل: «ولا الجهاد؟» عطف تلقين على قوله - ﷺ -: «ما العمل؟» فيكون التقدير: ما الأعمال ولا الجهاد في أيام بأفضل من أنواعه في هذه الأيام، ولو بلغ ما بلغ من صفات الكمال غير الزمان.\nثم استثنى رسول الله - ﷺ - جهادًا يقع على صفة عظيمة فيكون بذلك أفضل من نوعه إذا وقع في الأيام العشر على غير تلك الصفة، وهو الجهاد الذي تعقبه الشهادة في غير أيام العشر، فهو أفضل من جهاد لا تعقبه الشهادة في أيام العشر. فهذا نوع واحد من العمل تفاضل بصفته ولم يتفاضل بوقوعه في أيام العشر.\nثم من المعلوم أن الجهاد المعقب بالشهادة في أيام العشر هو أفضل من مثله الواقع في غير أيام العشر. فقد استوعب هذا الكلام النبوي الأقسام كلها بمنطوقه ومفهومه وفحواه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>باب العلم الذي بالمصلى</span>\nوقع فيه قول ابن عباس [٢: ٢٦، ١٧]:\n(شهِدتُ الْعِيدَ مَعَ رسول الله - ﷺ - وَلَوْلا مكانِي مِنَ الصَّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ).\nفالمكان فيه بمعنى القرب. يقول العرب: لفلان مكان عند فلان، ويقولون: مكانه أيضًا، كما يقال: دار ودارة، فهو مجاز مرسل عن الملازمة والقرب. والمراد: مكاني من النبي - ﷺ - كما ثبت في رواية أخرى: «ولولا مَكَانِي منه».\nوقوله: «مِنَ الصِّغَر» متعلق بـ «شهدتُه»، و(من) فيه تعليلية للفعل المنفي، أي ما شهدتُ العيد، إذ لا يشهده الصغار. والمعنى: أنه شهده لما له من التقرب إلى رسول الله - ﷺ -.\n* * *","vol":"1","page":24},{"text":"أبواب سجود القرآن [٢: ٥٠، ١١]\n(عن عبد الله بن مسعود قال: قرأ النبي - ﷺ - النجم بمكة فسجد فيها وسجد من معه غير شيخ أخذ كفا من حصى أو تراب ورفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا، فرأيته بعد ذلك قتل كافرًا).\nجعل الله سجود من كان حاضرًا من غير المسلمين عند سجدة النبي - ﷺ - معجزة من معجزات رسول الله - ﷺ - إذ سخَّر له معانديه، فسجدوا لسجوده، اقتداءً به، مع أنهم لم يكن السجود من عادتهم، فإنه لمَّا تلا قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، ظهرت دلائل من نبوة رسول الله - ﷺ -، وتجلت عظمة الرب الذي أرسله، وطرقت الخشية المعاندين، فسجدوا كلهم.\nوقول ابن مسعود: «غيرَ شَيْخ» هو أمية بن خلف، فقد شاء الله أن يظهر تصلُّبه في كفره، وبعده عن أن يلين قلبه من تسخيره للنبي - ﷺ -؛ فلم يستطع أن يترك السجودمن أصله، ولكنه تكبر بأن رفع التراب إلى جبهته، وكفى بذلك تسخيرًا له مخلوطًا بإيماء من الله تعالى إلى أن ذلك الشيخ أشدُّ كفرًا.\nوقد اهتدى ابن مسعود إلى هذا الإيماء فقال: «فَلَقَدْ رأيتُه بَعْدَ ذلك قُتل كافرًا»، فأشار ابن مسعود إلى أن الله ختم لذلك الشيخ بسوء الختام تبعًا لتلك الإشارة الإلهية، وتنبيهًا على أن الاقتداء برسول الله - ﷺ - سبب للخير، حتى للذين كانوا كافرين به يومئذ.\nوينبئ كلام ابن مسعود على أن بقية الذين سجدوا ساعتئذ قد ماتوا على الإسلام، وإلا لما خصَّ ذلك الشيخ بأنه قُتل كافرًا، فهم قد ظهر فيهم شيء قريب من معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥].\nوهذا كله من دلائل التيسير وضده، ولا تعلُّق له بالتكليف ولا بالمؤاخذة؛ لأن أولئك لو تركوا السجود من أصله لما أو خذوا به، فإن كفرهم يقتضي ذلك وزيادة.\nواعلم أن ما روي من أن الشيطان ألقى في آذان المشركين مزجًا في قراءة رسول الله - ﷺ - فتوهَّموا أنه كما قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩]، الآية.","vol":"1","page":25},{"text":"سمعوا أنه قال: «تلك الغرانيق العلى وأنَّ شفاعتهن لتُرتجى». ذلك خبر موضوع مكذوب وضعه القصَّاصون تكملة لسبب سجود المشركين بسجود الرسول - ﷺ - فتبينوا؛ وكيف قد قال عقبه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم: ٢٣].\nوأن الله تعال لم يغادر موضعًا يتطرق منه الشك إلا سدَّه في وجوه أهل الضلال، أل ترى إلى قوله: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٨]، فإنه لما أجرى عليهم من مقام التهكم ما يوهم أنهم بحيث ينصرونهم ولا يضلون عنهم لو أرادوا عقب ذلك بالاحتراس بقوله: ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] ليظهر الاستعارة التهكمية نارًا على علم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>باب فضل الطهور بالليل والنهار [</span>٢: ٦٧، ٩]\n(عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة». قالَ ما عملت عملًا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعةٍ من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي).\nأي أن رسول الله - ﷺ - سمع سماع مكاشفة في النوم أو اليقظة دفّ نعلّيْ بلال بين يديه في الجنة، فكان ذلك وحيًا يتحقق به دفَّ نعلي بلال بين يديه في الجنة حين دخولها. وقد علم رسول - ﷺ - بوحي أو بإلهام أن تلك الفضيلة ما حصلت لبلال إلا جزاء عن عمل توخاه بلال ورجا به مزية في الجنة ولم يُطلع رسول الله - ﷺ - على تعيين العمل، فأحيل في الاطلاع عليه على أن يتلقاه من بيان بلال عامله، ليحصل بذلك فوائد: هي اطلاع رسول الله - ﷺ - على تعيين العمل، وبشارة بلال بحصول ما رجاه، والشهادة لبلال بصدق حذق فراسته فيما رجاه موصلا لبغيته.\nومعنى كون العمل أرجى: أنه أرحى لصاحبه، لمعنى راعاه عامله من إخلاص وصدق نية وحب للتقرب إلى الله تعالى، فبهذه الاعتبارات تتفاوت أعمال العامل الواحد في رجاه من عمله، فلا تفاضل في هذه الناحية بين أنواع الأعمال، ولكن التفاضل منها بين مراتب الإقبال والإخلاص والنية، ولذلك كان سُؤال رسول الله - ﷺ - بلالًا عن أجرى عمل عمله بلال، فتعلق السؤال بأعمال المسئول؛ لأن نوايا العباد","vol":"1","page":26},{"text":"وإخلاصهم في أعمالهم لا يُعرفان إلا من تلقائهم.\nولم يقع السؤال عن أفضل الأعمال في أنواعها كما ورد في حديث السائل:\n«أي العمل أفضل؟» فقد نبَّه رسول الله - ﷺ - هنالك بما ليس في عداده إيقاعُ الصلاة عقب كل طهور. على أن أفضل الأعمال في أنواعها يُتلقَّى بيانه من الرسول - ﷺ -، فالرسول يكون مسئولًا عنه لا سائلًا.\nولأجل هذا لم يتوقف بلال في الجواب ولا قال: «الله ورسولُه أعلم» كما هو شأنهم في الأمور الخفيَّة عنهم؛ لأن بلالًا كان على بصيرة من أمره فيما توخَّاه من العمل فلم يتردد أن قال: «ما عَمِلتُ عملًا أَرْجَى عندي» إلخ.\nوفي الحديث تعليم للمؤمنين كيف ينبغي لهم أن يتطلبوا مرضاة الله بوجوه كثيرة من الأعمال، والإخلاص فيها، وصدق النية، والافتكار في أسباب النجدة ورفع الدرجات.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>باب صلاة النوافل جماعة</span>\nوقع فيه قول عتبان بن مالك [٢: ٧٥، ٢]:\n(فجئت رسول الله - ﷺ - فقلت له: إني أنكرت بصري وإن الوادي الذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار فيشق علي اجتيازه فوددت أنك تأتي فتصلي من بيتي مكانًا أتخذه مصلى).\nفوقع تردُّد الشراح في وجه انتصاب قوله: «مكانًا»، وقد قيدتُ عن الأستاذ أبي حاجب ﵀ حين قراءتنا هذا المكان عليه في سنة (١٣١٨ هـ) أنه انتصب على تضمين فعل «تصلَّي» معنى «تُبارِك أو تشرِّف»، وقرينة هذا التضمين هو سياق الكلام.\nأقول: لأنه قصد تعيين مكان من منزلة ليتخذه محل صلاة لا يشغله بغيرها فإرادته أن يصلي فيه رسول الله - ﷺ - أول مرة متعينة لقصد تبريكه وتقديسه.\nومعلوم أن التضمين يجعل الفعل بمنزلة فعلين يفيد معنى أحدهما بلفظه ومعنى الآخر بالتعدية إلى ما شأنه أن يتعدى إليه الفعل الممضَّمن.\n* * *","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>باب مسجد قُباء</span>\nفيه قال نافع: وكان ابن عمر يقول له [٢: ٧٦، ١٩]:\n(إنما أصنع كما رأيت أصحابي يصنعون ولا أمنع أحدًا أن يصلي في أي ساعةٍ شاء من ليل أو نهارٍ غير أن لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها).\nأراد بما يصنع صلاته النافلة في وقت الضحى حين يقدم مكة، وحين يزور قُباء ضُحى السبت، فيصلي فيه تحية المسجد، وأنه لا يصلي النافلة وقت الضحى في غير هذين، فجاء بصيغة القصر للردِّ على الذين ينكرون عليه ترك نافلة الضُّحى؛ إذ كان الخلاف في سنة ذلك قد شاع بين السلف، لما روته أمٌ هانئ عن صلاة رسول الله - ﷺ - إياها يوم فتح مكة، وكان بعضهم يرى صلاتها وإن كان رسول الله - ﷺ - لم يكن يصليها، كما روي عن عائشة [٢: ٦٢، ١٩]، أنها قالت: «ما رأيت رسول الله - ﷺ - يسبح سبحة الضحى وإني لأسبحها»، فأما عبد الله بن عمر فقد بين أنه لا يخالف التأسي برسول الله - ﷺ -.\nفقوله: «كما رأيتُ أصْحابي يَصْنَعون» أراد به رسول الله - ﷺ -، أي صَاحبي فهو من الإتيان باسم الجمع والمراد المفرد لقصد التعظيم.\nوقوله عقبه: «ولا أمنَعُ أحدًا أن يصلي» إلخ، يريد أن النافلة مشروعة في كل وقت غير وقتي طلوع الشمس وغروبها. فهو يرى ترك صلاة الضحى تأسُيًا فيه النافلة، لكن على أن ذلك ليس من السنة.\nوكلام ابن عمر هنا فَصْلٌ في كيفية الأخذ بالسنن والحث عليها دون نكير على من خالف ذلك في دائرة الإذن العام، وهذا قارع لأنوف الضعفاء من المنتسبين للعلم من دعوتهم في مخالفة السنة بمثل ما يدعو به أحد إلى تغيير المنكر.\n* * *","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>باب ما يجوز من العمل في الصلاة</span>\nوقع فيه قوله في الحديث [٢: ٨١، ٩]:\n«فَذَعَتُّهُ»؛ أي بالذال المعجمة وتخفيف العين المهملة وتشديد المثناة الفوقية، وفعله: ذَعَت بمعنى خنق، والتاء الأصلية التي هي لام الفعل مدغمة في تاء المتكلم. [٢: ٨١، ١١]: «ثُمَّ قَالَ النَّضرُ بْنُ شُمَيْلِ»؛ أي في غير هذا السند: «فذعته بالذال المعجمة وتخفيفها، أي خنقته».\nوأما «فَدَعَّتُه» من قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ [الطور: ١٣]، أي يدفعون، فعالين مشدَّدة؛ لأنه مضاعف، أي والتاء مخففة؛ لأنها تاء المتكلم، والفعل (دعَّ) بمعنى دفع.\nوالوجه في هذا أن يفكك الإدغام؛ لأنه لحق به ضمير الرفع الموجب سكون الحرف الثاني المدغم فيه، فالوجه أن يقال: دَعَعْتُه.\n«والصواب: فدعتُه» الظاهر أنه أراد أن الصواب في المروي هنا أنه «فذَعَتُّه»، أي بالذال لأنه روي مدعمًا وكتب بعين واحدة، فتعين أنه بالذال المعجمة وتخفيف العين وتشديد التاء.\n«إلا أنه كذا قال بتشديد العين والتاء».\nأي إلا أن شعبة رواه بتشديد التعين المهملة، أي مع الدال المهمة وبتشديد التاء.\nوأراد بهذا الاستدراك تخطئة شعبه في ذلك؛ إذ لو كان بالدال المهمة لما كان وجه لتشديد العين ولا لتشديد التاء.\nولما في كلام النضر بن شميل من إيهام أنه يصح أن يكون بالدال المهملة من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ [الطور: ١٣]، وما في كلام شعبه من الخطأ، سقطت هذه العبارات من قوله: «ثم قال النضر بن شميل» إلى آخر الكلام من رواية أبي ذرَّ وأبي الوقت والأصيلي، فيحتمل أن هذا الكلام منت زيادات بعض رواة البخاري وليس من أصل الصحيح.\nويحتمل أن حذفه تعمده بعض الرواة لما فيه من الاضطراب.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>كتاب الجنائز</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>باب الرجل يَنْعَى إلى أهل الميت بنفسه [</span>٢: ٩٢، ١]\nيقال: نَعَى إلى فلان إذا أخبره بموت ميت. ففي الترجمة هنا حذف مفعول «ينعى» وهو الميت لظهوره، فنزل الفعل منزلة اللازم.\nوقوله: «بنفسه» متعلق بـ «يّنْعَى» أي يتولَّى هذا الخبر بنفسه بدون واسطة، فالنفس هنا بمعنى الذات، وهو المعنى الذي يراد عند استعمال النفس تأكيدًا في قولهم: جاء فلان نفسه.\nوالمقصود من الترجمة أن الإخبار بموت من يُحزن المخبر (بفتح الباء) موته مستثقل على نفس المخبر فقد يتولاه الناعي بواسطة خشية مشاهدة جزع المخبر. وقد يتولاه بنفسه ولا يرى ذلك مكروهًا كما دلَّ عليه الحديثان المذكوران تحت الترجمة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>باب غسل الميت ووضوئه</span>\nقوله [٢: ٩٣، ٨]:\n(وقال ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵃ - «المؤمن لا ينحس حيًا ولا ميتًا»).\nنسبة إلى ابن عباس لأجل زيادة قوله: «حيًّا ولا ميتًا».\nأما قوله: «المؤمنُ لا ينجسُ» فذلك مسند إلى النبي - ﷺ - كما ذكره البخاري هنا تعليقًا، وذكره في باب الجنب يمشي في السوق مسندًا [١: ٧٩، ٢٠].\nووقع في حديث أم عطية قولها [٢: ٩٣، ١٨]: (فأعطانا حقوه).\nوالحقو- بفتح الحاء وسكون القاف- هو في الأصل مدار البطن والظهر فوق الخاصرة، والمراد به هنا الإزار الذي يوضع على الحقو، سمي حقوًا على سبيل المجاز بعلاقة الحاليَّة.","vol":"1","page":30},{"text":"وقد جاء به بلفظ الحقيقة فيما رواه ابن عون عن ابن سيرين عن أم عطية قوله [٢: ٩٤، ١٠]: «فنزع من حقوه إزاره» في الباب بعد هذا ومعنى ذلك أن رسول الله - ﷺ - أعطى إزاره وكان لابسًا قميصًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>باب الكفن في القميص</span>\nفيه قول عمر بن الخطاب - ﵁ - لرسول الله - ﷺ -[٢: ٩٧، ٣]:\n(أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين؟ فقال: «أنا بين خيرتين قال الله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾. [التوبة: ٨٠].\nفالتخيير في الآية مراد منه التسوية في انتفاء فائدة الاستغفار، فإن الله لا يغفر لهم ولكن رسول الله - ﷺ - أخذ بأحد الأمرين المخيَّر بينهما لدلالة التخيير على الإباحة، وإن كانت الفائدة منتفية؛ إما لقصد التأليف لهم، وإما لسدِّ تذرعهم بتركه الصلاة عليهم أن يشيعوا في الناس أنه لا يصلي على قوم مسلمين، فيفتنوا بذلك الضعفاء، ويزداد المنافقون تصلبًا في نفاقهم، فإن العلم بالمنافقين منهم انفرد به رسول الله - ﷺ - وبعض الصحابة بخلاف إظهارهم الإسلام فهو الرائج بين عموم المسلمين، فهذا وجه تفسير قول رسول الله - ﷺ -. وسيجيئ زيادة بيان له في «باب هل يخرج الميت من القبر» [٢: ١١٦، ٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>باب من استعد الكفَن</span>\nفيه حديث سهل بن سعد [٢: ٩٨، ١٧]:\n(أن امرأة جاءت النبي - ﷺ - ببردة منسوجة فيها حاشيتها (وهي الشملة) فقالت: نسجتها بيدي فجئت لأكسوكها فأخذها النبي محتاجًا إليها فخرج إلينا وإنها إزاره، فحسنها فلان فقال: اكسنيها ما أحسنها! فقال القوم: ما أحسنت، لبسها النبي - ﷺ - محتاجًا إليها ثم سألته وعملت أنه لا يرد سائلًا،","vol":"1","page":31},{"text":"فقال: إني والله ما سألتها لألبسها إنما سألته لتكون كفني: قال سهل: فكانت كفنه).\nقالوا: إن السائل هو عبد الرحمن بن عوف، وقد كان عبد الرحمن معروفًا بالسعة في المال، فما كان سؤاله البردة إلا لقصد التبرك بها. وإنما اختص تلك البردة من الثياب النبوية؛ لأنه كان مضمرًا أن يسأل رسول الله - ﷺ - ثوبًا من ثيابه، وكان يخشى أن يرزأ رسول الله - ﷺ - بعض ثيابه المحتاج إليها وقد علم أنه لا يرد سائلً سأله.\nفلما حضر إهداءَ المرأة إليه هذه البردة من غير ترقب ولا وصاية ولا شراء مما يدل على الاحتياج إليها علم أن رسول الله - ﷺ - غير محتاج إليها، فرأى أن الفرصة أمكنته فيما أراد، فسأل تلك البُردة لقصده النبيل - ﵁ -.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>باب قول النبي - ﷺ </span>-:\n«يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه» [٢: ١٠٠، ٤]\nأثبت البخاري صدور هذه المقالة عن النبي - ﷺ - إذا رواه عنه عمر بن الخطاب والمغيرة بن شعبة.\nوروم الجمع بين هذا وبين قول عائشة [٢، ١٠١: ١٤]: (ما قال رسول الله - ﷺ - ذلك ولكنه قال: «إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله») وأنه قال ذلك إذ مرَّ على يهودية يبكي عليها أهلها، ولم ير البخاري ترجيح رواية عائشة ولكنه سلك طريق الجمع بين ما رواه عمر وابنه والمغيرة وما قالته عائشة بأن مورد ما رواه الثلاثة فيمن كان ذلك من سنته، وهو جمع مشكل؛ لأنه إن أراد بكونه من سنته أنه هو الذي سنة للناس، كما ينبئ عن ذلك ذكره حديث [٩: ٣، ١٥]: «ما من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها» فهو غير مناسب لعموم الخبرين اللذين رواهما عمر والمغيرة؛ وإن أراد إذا كان ذلك من سنة قوم الميت فهو أشد إشكالًا؛ لأنه لا يؤاخذ أحد بغير عمله وإن كان من سنة قومه إذا لم يعمله هو، وفي الحديث «ثم يحشرون على نياتهم»، فلا محيص من وجوب حمل الحديثين على ما تأولته عائشة وجعلت غيرها مغترًا لظاهر اللفظ مع عدم الإحاطة بالسبب.\n* * *","vol":"1","page":32},{"text":"ودليل التأويل قائم، وهو نصوص القرآن المقتضية أنه لا تزر وازرة وزر أخرى.\nومن الناس من زعم أن معنى الخبر: أن من كان النوح من سنة قومه ولم يوصهم بتركه كان معاقبًا بما صنع أهله. وهذا قد يومئ إليه قول البخاري لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. ومال إليه القرافي في كتاب «الفروق». وهو تأويل بعيد؛ إذ لا يجب على أحد أن يوصي قومه بأن لا يفعلوا منكرًا بعد موته؛ لأن تغيير المنكر واجب عند وقوعه ففضيلة وتنبيه وليس ذلك بالواجب؛ فإن أحكام الشريعة تقررت في تكليف الناس فلم يلزم التذكير بها.\nوإن ما رواه عمر بن الخطاب أقرب إلى التأويل؛ لأن فيه أن الميت يُعذب ببعض بكاء أهله، وهو البكاء الذي تصاحبه نياحة، ويكون في حال تنبه للمحتضر له واستحسانه إياه، كما قال طرفة في الجاهلية:\nإذا متُّ فانْعيني بما أنا أهله ... وشُقَّي عليَّ الجيب يَابنة معْبَد\n\nأو أدركه المحتضر، وكان قادرًا على النهي عنه ولم ينه عنه، وإذ قد تعين التأويل فقد خرج العمل في هذا عن الجمع إلى الترجيح، ليكون ترجيح خبر عائشة مسندًا للتأويل.\nقوله في حديث أسامة بن زيد [٢: ١٠٠، ١٢]:\n(أرسلت ابنة النبي - ﷺ - إليه: إن أبنًا لي قبض فائتنا، فأرسل يقرئ السلام ويقول: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى ...») إلخ.\nأي فلم يذهب إليها النبي - ﷺ - أول مرة حين دعته، إذ لم ير فائدة في الإجابة، ليعلم الناس ترك الجزع عند المصيبة، فإن الإسراع بالذهاب إذا لم يكن معنيًا عن الميت ولا اعن أهله ضرب من الجزع؛ ولذلك أجابها في المرة الثانية إذ قد حصل المقصد من نفي مظاهر الجزع.\nوقوله في الحديث: «ففاضت عيناه» هو بكاء للرحمة بالصبي حين شاهده في تلك الحالة المؤلمة، مع أنه لم يبك عندما أخبر بموته حين بعثت إليه في المرة الأولى.\nوذلك يدل على أن الحيَّ المكروب أحق بالرحمة من الميت بعد موته.\n* * *","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>باب هل يخرج الميت من القبر</span>\nفيه حديث سفيان عن جابر [٢: ١١٦، ٨]:\n(أتى رسول الله - ﷺ - عبد الله بن أبي بعدما أدخل حفرته فأمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه، فالله اعلم).\nقوله: «فالله أعلم» من كلام سفيان بن عيينة، وهو كلام مؤذن بالتوقف في وجه ما صنع رسول الله - ﷺ - بعبد الله بن أبي بن سلول، وقد ذكر سفيان عقبه أنهم كانوا يرون أن رسول الله - ﷺ - ألبس عبد الله بن أبي قميصه، مكافأة له، إذا كان كسا عباسًا قميصًا لما أسر في بد ولم يجدوا له قميصًا، لأي لأن الأسير يجرد من ثيابه، بأخذها من أسره، أو لأنه تمزق قميصه في مصارعة الأسر. وهذا تأويل بعيد.\nوالحق عندي: أن عبد الله بن عبد الله سأل النبي - ﷺ - أن يكسوا أباه ثوبه، وأن ينفث فيه من ريقه، رجاء نفعه بذلك في الآخرة وقد علم رسول الله - ﷺ - قصده، وأجابه إليه. فلا يستقيم تأويله بقصد جزاء دنيوي، لاسيما وعبد الله بن أبي قد كان مكفنًا مكسوًا غير محتاج إلى جزاء.\nفالوجه أن رسول الله - ﷺ - فعل ذلك كعادته في رحمته، فإن عبد الله بن أبي قد قال كلمة الإسلام، وأظهر الإسلام، وانتفع المسلمون بإسلامه، ولو في الظاهر؛ لأنه كان سيدًا في قومه، فلم يعدم المسلمون من إسلامه فوائد، ما كانت تحصل لو كان مجاهرًا بكفره معاندًا للمسلمين، كما قيل: «لقد أجلك من أرضاك ظاهره».\nفرجا رسول الله - ﷺ - بذلك أن يخفف عنه من العذاب عساه أن يكون التخفيف ما دام ثوب الرسول - ﷺ - عليه لم يبل، كما ورد في وضع الجريدتين على القبرين اللذين يعذب صاحباهما، أو عساه أن يستحق به تخفيف العذاب في الآخرة بعض الساعات أو في مراتب الدركات السفلى كما ورد في تخفيف العذاب عن أبي لهب على عتقه الأمة التي بشرته بمولد رسول الله - ﷺ -.\nفأما المنفي في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فذلك الغفران الأتم، وهذا وجه تأويل هذا الحديث.\nوقد مر بعض من هذا المعنى في «باب الكفن في القميص».\n* * *","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>باب ما جاء في عذاب القبر</span>\nفيه حديث عائشة ﵂ [٢: ١٢٣، ٣]:\n(أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله - ﷺ - عن عذاب القبر، فقال: «نعم، عذاب القبر حق»، قالت عائشة ﵂: فما رأيت رسول الله - ﷺ - بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر).\nليس المراد أن النبي - ﷺ - تذكر أمر عذاب القبر من كلام اليهودية، فصار يستعيذ منه بعد ذلك، فأن صدر كلام عائشة اقتضى أن الخوض في أمر عذاب القبر كان سابقًا، وهو سبب دعاء اليهودية لها بالعياذ منه.\nوإنما معناه: أن عائشة لم تكن تلاحظ استعاذة رسول الله - ﷺ - منه في دعائه؛ لأنها كانت ذاهلة عن أمره، والغافل قلما توجهت نفسه إلى الأمر المغفول عنه، فلما انتبهت إلهي صارت تشعر بدعاء رسول الله - ﷺ - بالعياذ منه. إلا ترى أنك إذا عرفت إنسانًا لم تكن تعرفه صار يكثر أن تراه متعرضًا لك في الطريق، لا لأنه صار يتعرض في الطريق ولكنك كنت تعترضه فلا تشعر به.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>باب ما قيل في أولاد المسلمين</span>\nفيه حديث البراء - ﵁ -[٢: ١٢٥، ٨]:\n(قال: لما توفي إبراهيم - ﵇ - قال رسول الله - ﷺ -: «إن له مرضعًا في الجنة»).\nلأن إبراهيم ابن النبي - ﷺ - توفي صغيرًا، هو رضيع، وإرضاعه في الجنة تقريب لتدريج ورحمه في مدارج الكمال التي كانت تبلغها في الحياة الدنيا لو عاش صاحبها المدة التي تتكامل فيها شمائل أهل الكمال.\nذلك أن الله جعل مرور الأرواح في الأجساد على الحياة الدنيا وسيلة لاكتساب الفضائل أو الرذائل، كما بيَّن «في حكمة الإشراق»، وقد تفضل الله.\n* * *","vol":"1","page":35},{"text":"المسلمين ببركة الإسلام فجعل أرواح صغارهم إذا انتهكت بالموت قبل إبان التكليف أن يلحقها بأرواح أهل الكمال تنمية للفطرة المستقرة فيها؛ ولذلك جعل أطفال المسلمين في كفالة إبراهيم الخليل - ﵇ -؛ لأن إبراهيم هو أول مظهر لدين الفطرة والحنيفية، قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨].\nفكون أرواح الصبيان في كفالته رمز إلى نماء معنى الفطرة وكماله بإفاضة روحية من سر إبراهيم الخليل مصدر الفطرة والحنيفية إلى إبان معلوم حتى لا يفوتها فضل ما يبلغ إليه أهل الكمال لصالح أعمالهم.\nوقد زادت لإبراهيم ابن النبي﵊- خصوصية أخرى وهي أن نماء فطرته في الآخرة مشوب بنعيم أمثاله، وهو نعيم الرضاعة في الجنة، ولم يثبت مثل هذا لبقية صبيان المسلمين.\nوالظاهر أن ذلك لا يستمر إلا مقدار ما تستكمل روحه طور الطفولة ثم يرتقي به إلى نعيم آخر في أطوار أخرى مناسبة حتى يصل إلى الكمال.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>باب ما قيل في أولاد المشركين</span>\nفيه حدثنا ابن عباس وأبي هريرة [٢: ١٢٥، ١١]:\n(سئل رسول الله - ﷺ - عن أولاد المشركين فقال: «الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين»).\nفقوله: «الله ... أعلم بما كانوا عاملين» معناه: الله أعلم بحالهم، وهو إمساك عن الجواب المبين لحالهم.\nفالمراد بالعمل الحال، كما يقال في شأن الغائب: ليت شعري ماذا صنع فلان؟ أي ما حاله؟\nوفي الحديث [٨: ٣٧، ١٧]:\n«يا أبا عمير ما فعل النغير»، فيحتمل أن هذا الجواب كان قبل أن يطلع الله رسوله - ﷺ - على أنهم غير معذبين، ويحتمل أن الإبهام مقصود هنا؛ لئلا يكون بيان حالهم تنفيسًا على أهاليهم، إذ يكونون قد استراحوا من الفكرة في شأن ذرياتهم،","vol":"1","page":36},{"text":"فيقلل ذلك من تأملهم في الفوز بالنجاة بالإسلام؛ لأن كثيرًا من الآباء يهتم بمصير أبنائه أكثر ما يهتم بمصير نفسه.\nوقوله: «إذ خلقهم» (إذ) فيه تعليلية، أي أنه اعلم بهم، فهو خالقهم، كقوله تعالى: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾، [الكهف: ٢١] ويدل لذلك ما رواه أحمد عن ابن عباس: «ربهم أعلم بهم هو خلقهم وهو أعلم بما كانوا عاملين».\n* *\nووقع فيه قول النبي - ﷺ - في رؤياه [٢/ ١٢٧، ٣]: «والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم - ﵇ - والصبيان حوله فأولاد الناس».\n* *\nووقع في كتاب التعبير في هذا الحديث من رواية عوف عن أبي رجاء عن سمرة: [٩: ٥٨، ٣]:\n(«وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم - ﵇ - وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة» قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «وأولاد المشركين»).\nوهذا يفسر معنى قوله في رواية جرير بن حازم عن أبي رجاء عن سمرة: «أولاد الناس»: أنهم أولاد جميع الناس الذين يموتون في سن الصبا؛ وذلك لنماء معنى الفطرة فيهم، وإبلاغهم مبلغ أهل الفضائل والكمال منهم، على مراتب يعلمها الله تعالى، ويقدرها بحسب ما أودع فيهم من مقادير صفاء القوى النفسية، فكونهم عند إبراهيم الخليل - ﵇ - هو كون استمداد وتلق لإفاضات روحانية تفيضها عليهم روح الخليل تزكية لهم وترقية؛ كيلا تفوتهم مراتب الكمال التي هي أكبر النعم فيستعدوا بها لمزاولة النعم الأخروية ودرجاتها.\nوالظاهر أن هذا التلقي بتطور أطوارًا مناسبة لآماد الأعمار المعروفة في الدنيا، ولم يبين في السنة هل تكون هذه الكفالة مستمرة أم تنتهي عند أمد محدود، فيجتاز بهم إلى مجاز الأرواح الكاملة ويخلفهم غيرهم عند إبراهيم من الأطفال المتوفين بعدُ؛ وهكذا لأن اللفظ النبوي لم يقتض استغراق جميع أطفال المسلمين في وقت واحد.\n* * *","vol":"1","page":37},{"text":"وهذا المعنى هو الذي يشرح ما وقع في بعض الروايات أن إبراهيم يعلم أطفال المسلمين فيحمل على هذا المعنى من التعليم، ولا أدري الآن صحة هذه الزيادة فحققها أنت.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>باب ما ينُهى من سب الأموات</span>\nوقع فيه قوله - ﷺ -[٢: ١٢٩، ١٤]: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا».\nفقوله: «فإنهم قد أفضوا» إلخ، الفاء فيه للتعليل، فما بعدها تعليل للنهي عن سب الأموات.\nووجه المناسبة بين العلة والمعلل: أن السب لا يقصد منه شرعًا إلا زجر المسبوب عن فعل منهي عنه، فلا سب المسلم المسلم إلا لغيرة على الدين أو قصد تربية عما لا يحسن من الأفعال، وليس السب للتحقير والتشفي بمشروع، ولذلك كان الموت حائلًا دون حصول المقصود من السب.\nوقوله: «أفضوا إلى ما قدموا» أي بلغوا إلى جزاء أعمالهم، وليس المخبر عن حال من مات في عدالته ودينه وعمله من السب، بل ذلك من الجرح والتعديل.\nوفيه فوائد جمة في التحذير من الوقوع في مثل ما وقع فيه، فقد جاء في الصحيح [٢: ١٢١، ١٨]: «من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار»، أي من وصفتهم حاله بما يوافق ما كان عليه في أمور دينه.\n* * *","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>كتاب الزكاة</span>\nوجوب الزكاة\nفيه حديث أبي أيوب [٢: ١٣٠، ١٢]:\n(أن رجلا قال للنبي - ﷺ -: أخبري بعمل يدخلني الجنة) إلخ.\nانظر الكلام عليه في كتاب الأدب.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>باب الصدقة قبل الرد</span>\nفيه حديث حارثة بن وهب [٢: ١٣٥، ٤]:\n(سمعت النبي - ﷺ - يقول: «تصدقوا فإنه يأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها، يقول الرجل لو جئت بها بالأمس لقبلتها فأما اليوم فلا حاجة لي بها»).\nالمقصود من هذا الكلام التحريض على المبادرة بالصدقة، وأن لا يؤخروها خشية فوات حصولها، فيفوتهم بفواتها فضل عظيم، وهو فضل الصدقة، فالكلام في صريحة تحريض، وهو كناية عن فضل الصدقة وعظيم شأنها، حتى إنها إذا تعذرت تعطل خير كثير، كما دل عليه حديث أبي هريرة عقب هذا: «حتى يهم رب المال من يقبل صدقته»، فإن الصدقة تطهير للمال وزكاة له، فمن حق الغني أن يحرص على إخراجها.\nوصريح الكلام هي هنا صدقة التطوع؛ لأنها التي تحتاج إلى التحريض على الإكثار منها والمبادرة بها، وكناية الكلام شاملة للصدقة الواجبة؛ لأن فوات الفضل الحاصل بسد خلة الفقير عند تعذر قبول حاصل في الصدقتين.\nوليس الكلام تهديدًا حتى يقال: إذ تعذر قبول المتصدق عليهم للصدقات فقد سقط الوجوب وبرئت الذمة، كما درج عليه الشارحون فأقصوا عن مهيع الحديث.","vol":"1","page":39},{"text":"وقوله: «يأتي عليكم» الضمير فيه للأمة لا للصحابة، أي يجيء زمان على الأمة الإسلامية، وذلك في آخر الزمان، كما وقع التصريح به في حديث عدي ابن حاتم بعد هذا: «فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه»، فالمقصود أن ذلك يصير حالًا شاملًا لسائر الناس، وليس المراد أن يوجد آحادٌ من الناس هذه صفتهم لزهد ونحوه مثل حكيم ابن حزام - ﵁ - فإن ذلك لا يخلو عنه زمن في الإسلام.\nوفيه حديث عدي بن حاتم [٢: ١٣٥، ١٢]:\n(كنت عند رسول الله - ﷺ - فجاءه رجلان: أحدهما يشكو العيلة، والآخر يشكو قطع السبيل، فقال رسول الله - ﷺ -: «أما قطع السبيل فإنه لا يأتي عليك إلا قليل حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير، وأما العيلة فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقابلها منه ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له ثم ليقولن له: ألم أوتك مالًا؟ فليقولن: بلى، ثم ليقولن: ألم أرسل إليك رسولًا؟ فليقولن: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار» إلخ).\nيحتمل أن الرجلين جاءا يشكيان حالهما بأن يكون أحدهما عائلًا، والآخر قد تعرض له قطاع الطريق.\nويحتمل أن يكونا شاكيين كثر ذلك في قبيلتهما، أو في الناس، فهما يتمنيان سلامة الأمة من ذينك.\nفعلى الأول فقد أجاب رسول الله - ﷺ - كليهما ببشارة وتسلية، فبشر من اشتكى قطع الطريق بقرب زوال ذلك، فيحصل الأمن قريبًا، وبشر صاحب العيلة برجاء أن تزول عنه العيلة؛ لأنها ستزول من الأمة تدريجًا حتى لا تقوم الساعة وفي الأمة عائل عوض فيطمع المشتكي منها أن يكون ممن يشمله زوال العيلة في التدرج الأول، أو قريب منه، كما هو المناسب للبشارة، ففي الكلام مع العائل إيجاز حذف، دل عليه المذكور؛ لأن قوله: «لا تقوم الساعة حتى يطوف أحدكم» يشير إلى أن ذلك","vol":"1","page":40},{"text":"يحصل شيئًا فشيئًا إلى أن يبلغ تلك الغاية، وهي زوال العيلة من أصلها، وإلا لم يكن في الجواب ما ينفع المشتكي.\nوعلى الاحتمال الثاني يكون الجواب لهما: بأن هذين الأمرين اللذين أهمهما سيرفعهما الله عن الأمة، على أنا في أحدهما، وهو العيلة، منفعة لأهل الأموال سيتحصلون بها ثواب الصدقات، وللفقراء إن كانوا سببًا في حصول فضائل المتصدقين.\nوقوله: «ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان ....» إلخ، هو تسلية لصاحب العيلة على الاحتمال الأول، أي فلعل العيلة التي أحرجته في الدنيا يحمد مغبتها في الآخرة، حين يرى ما ينال أهل الأموال المقصرين في شكر نعمة المال.\nوهو تحريض على الصدقة على الاحتمال الثاني؛ لدفع العيلة المشتكي منها على الاحتمال الثاني، يقول لهم: استعينوا على دفع العيلة بكثرة الصدقة.\nوفيه تهويل للتقصير في شكر نعمة المال؛ لأن قوله: «ألم أوتيك مالًا» تقرير، وقوله: «ألم أرسل إليك رسولًا» تقرير أيضًا، حصل بهما تقرير على حصوله النعمة، وتقرير على بلوغ الإرشاد في وجه شكرها؛ قطعًا لمعذرة الممسك عن شكر نعمة المال.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>باب اتقوا النار ولو بشق تمرة</span>\nوقع فيه قول أبي مسعود الأنصاري - ﵁ -[٢: ١٣٦، ٧]:\n(كنا نحامل).\nأي نحمل للناس بأجرة، وجاء فيه بصيغة المفاعلة للدلالة على أنهم يتعرضون لمن يحمل شيئًا، فأكنهم يأخذون منه حمله بضرب من الإلحاح عليه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>باب أي الصدقة أفضل</span>؟\nفيه حديث أبي هريرة [٢: ١٣٧، ٤]:\n(جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال:","vol":"1","page":41},{"text":"«أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا وقع كان لفلان»).\nكانت الصدقة في حال الصحة أفضل لما تؤذن به من تعلق نفس المتصدق بحب الخير والقربة إلى الله تعالى، فإن الصحيح شديد التعلق بماله، كثير الآمال في الانتفاع به؛ فإنفاقه المال مع تلك الحالة إنما هو للرغبة في الزلفى من الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، [آل عمران: ٩٢] والمال في حال التمكن من الانتفاع به، وفي حال الاحتياج إلى فوائده هو ممن يحب.\nوأما التصدق عند توقع الموت، فهو بذل لما ليس بعزيز على النفس؛ إذ قد أشرف على أن يحال بينه وبين الانتفاع به؛ ولأجل هذا لم تقبل التوبة عند الاحتضار؛ لأنها تحصيل حاصل؛ إذ قد حيل بين المذنب وبين ذنوبه، فلم يحصل المقصود من الأمر بالتوبة، أما الصدقات في حال الاحتضار فهي مقبولة لحصول المنفعة المقصودة منها، ولأنها ليس فيها اعتداءا على حق أحد؛ لأن الله قد جعل للمشرف على الموت التصرف في ثلث ماله.\nوالحاصل: أن العمل تفاضل بمقدار ما دل عليه من إيثار العامل نفع غيره وإرضاء ربه على منفعة نفسه.\nوقوله: «وقد كان لفلان» هو من صيغ الإقرار بالدين، أي قد كان لفلان على كذا، وهذا من صيغ العطية أيضًا يعبر به عن العطايا التي يخلعها المرء من ماله بينه الوصية بها لمن يريد أن يوصي إليه؛ ولكنه لا يريد أن ينفذها إلا بعد موته؛ فلذلك يقول «قد كان لفلان» أي كنت عينت له، ويكون ذلك أيضًا في العدة بعطية من ثمرة تحضر، أو مال غائب، كما وعد أبو بكر عائشة فجاء عشرين، فهذا المراد بقرينة قرنها بصيغ العطايا هنا، وجعلها من أحوال الصدقة.\nويجوز أن يكون المراد به الإقرار الحقيقي بما عليه من الحقوق بجحدها، أو يماطل بها في حياته شحًا، فإذا أشرف على الموت أقر بها لأربابها؛ فيكون ذكره مع الجواب عن أفضل الصدقة استطرادًا لمناسبة حكاية حال من يؤخر أداء الحقوق الربانية وغيرها إلى اقتراب وفاته.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>باب صدقة السر [</span>٢: ١٣٧، ١٣]\n(وقال أبو هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه»).\nالمراد بالشمال واليمين هنا نفس اليدين، بقرينة قوله: «ما صنعت يمينه» فإن الإنفاق يكون باليمين، لأن المناولة والصنع والاشتغال في العرف يكون باليمين.\nفشبه اليدين بعاقلين بقرينة إسناد العلم إلى الشمال، والصنع إلى اليمين، أي لو كانت عاقلين لم تعلم إحداهما ما أنفقت الأخرى مع شدة قربهما وتشاركهما في الصنع عند المناولة؛ لأنه قد يستعين بشماله ويعد بها ما ينفقه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>باب العرض في الزكاة [</span>٢: ١٤٤، ٤]\nأخرج البخاري حديث محمد بن عبد الله الأنصاري مفرقًا ستة أجزاء، فذكر جزءًا منه في هذا الباب، وذكر جزءًا آخر في باب «باب لا يجمع بين مفترق»، وجزءًا آخر في «باب ما كان من خليطين»، وجزءًا طويلًا في «باب من بلغت عنده صدقة بنت مخاض»، وذكر جزءًا طويلًا في «باب زكاة الغنم»، وجزء آخر في «باب لا يؤخذ في الصدقة هرمة». مع أن رواته في الجميع متحدون. وهذا مخالف لعادته في تفريق الآثار على الأبواب، ومخالف لعادته أيضًا في تجزئة الحديث الواحد، ولم يظهر لي ما دعاه إلى هذه التجزئة، ولعله سمعه من محمد بن عبد الله الأنصاري في مجالس متفرقة، أو أن البخاري استطاله فوزعه على الأبواب اعتمادًا على أن الراوي يجمعه، وهذا غريب منه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>باب الصدقة على اليتامى</span>\nفيه حديث أبي سعيد الخدري [٢: ١٥٠، ٢]:\n(أن النبي - ﷺ - جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله فقال: «إني مما","vol":"1","page":43},{"text":"أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها»، فقال رجل: يا رسول الله، أو يأتي الخير بالشر، فسكت النبي - ﷺ -، فقيل له (أي السائل): ما شأنك تكلم رسول الله ولا يكلمك فرأينا ينزل عليه ...) الحديث.\nليس السائل بالذي يجهل أن الشيء النافع قد تتبعه مضار، ولكن مثار سؤاله هو قوله رسول الله - ﷺ -: «ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا» المتضمن أنه أراد: ما يفتح عليهم من البلاد والمغانم في جهادهم.\nوبناء فعل «يفتح» للمجهول، إنما هو للعلم بفاعله وهو الله تعالى، فكأنه قال: ما يفتح الله عليكم من زهرة الدنيا، فلذلك اتجه السؤال: كيف يكون ما يسره الله من الخير المحض سببًا في استجلاب الشر» فإنه شأنه أن يكون عطاءً إلهيًا ميمونًا، فقوله: «أيأتي الخير بالشر»؛ الياء فيه للتعدية وليست للسببية، أي أيجلب الخير الشر. وبين الرسول - ﷺ - في جوابه أن الخير من شأنه أن لا يكون أثره إلا خيرًا، ولكنه إذا أسيء استعماله قد يعرض له الشر من إساءة استعماله لا من ذاته، فهو شر عارض للخير وليس مسببًا عن الخير؛ ولذلك قال [٢: ١٥٠، ٦]: «إنه لا يأتي الخير بالشر وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطًا أو يلم ....».\nثم بين أنه إذا عرض هذا الشر بسوء استعماله، فقد يمكن تدارك ما عرض من الشر، كما بينه بذلك المثل البديع.\nوفيه تنبيه على أن الصدقات تكفر ما يعرض لصاحب المال من سوء استعماله والتقصير في شكره.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر</span>\nفيه حديث زينب بنت معاوية الثقفية زوج عبد الله بن مسعود - ﵃ -[٢: ١٥٠، ١٥]:\n(... وكانت زينب تنفق على عبد الله وأيتام في حجرها، قال: فقالت لعبد الله: سل رسول الله - ﷺ - أيجزي عني أن أنفق عليك وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ فقال (عبد الله): سلي أنت رسول الله، قالت: فانطلقت إلى رسول الله فوجدت امرأة من الأنصار على الباب حاجتها مثل","vol":"1","page":44},{"text":"حاجتي فمر علينا بلال، فقلنا: سل النبي أيجزئ عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري، وقلنا: لا تخبر بنا، فدخل فسأله فقال: «من هما؟»). الحديث.\nلا شك أنهما أرادتا من قولهما: «لا تخبر بنا رسول الله» أن لا يخبره أنهما تستأذنان للدخول عليه، ومنعهما من ذلك الحياء من رسول الله - ﷺ -، أو كراهية أن تحرجا رسول الله - ﷺ - بأن تشغلاه عن شؤونه، وليس مرادهما كتمان اسميهما عن رسول الله - ﷺ -.\nوأما سؤال رسول الله - ﷺ - عنهما فلعله ليعلم الحال التي لا يشتبه فيها الجواب بحالة غير مطابقة للجواب.\nوفيه من الفقه أن من أدب المفتي أن يستثبت في بيان سؤال السائل حتى يقع الجواب على صورة واضحة لا تقبل الاشتباه.\nوقد مضى في باب الزكاة على الأقارب [٢: ١٤٩، ٩] أن رسول الله - ﷺ - لما أعلم باسمها قال: «ائذنوا لها» وأنه أفتاه مباشرة.\nولم يقع الكلام على المرأة الأخرى، لأن الجواب قد شملها، ولأن الحديث روي عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود، فاقتصرت على ذكر ما يختص بها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>باب الاستعفاف عن المسألة</span>\nفيه حديث أبي سعيد [٢: ١٥١، ١٨]:\n(إن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله - ﷺ - فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، فقال: «ما يكون لي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله»). الحديث.\nترك رسول الله - ﷺ - موعظتهم حتى نفد ما عنده، ليعلموا أنه ما أراد حرمانهم مما عنده، وإنما أراد تزكية نفوسهم بتربيتها على التعفف والقناعة؛ لأنه لو وعظهم قبل نفاد ما عنده لأعرضوا عن إعادة المسألة فكان سببًا في حرمانهم.\nواعلم أن رسول الله - ﷺ - لم ينههم عن السؤال كما في أحاديث أخر، ولكنه","vol":"1","page":45},{"text":"علمهم فضيلة الصبر والتعفف من أجل أن سؤال الرسول وولاة الأمر من مال الله ليس بمنهي عنه، إلا إذا أريد به التكثر والحرص والاستئثار به عن مستحقيه.\nوقع فيه قول رسول الله - ﷺ -[٢: ١٥٢، ٣]:\n«والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبلة فيختطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلًا فيسأله أعطاه أو منعه».\nفقوله «خير» تفضيل لا محالة، لوجود (من) التفضيلية معه، والتفضيل ظاهر: وهو أن في السؤال خيرًا مرجوًا، وهو حصول العطاء، وفي الاحتطاب خير أفضل؛ لأنه حصول نفع محقق ومعه عزة النفس.\nوقوله: «أعطاه أو منعه» حالان مقدران، أي مقدرًا أنه يعطيه، وتلك حالة خير في الجملة.\nوقوله: «أو منعه» ارتقاء في التحذير من السؤال، وهو أنه قد يكون معه المنع فلا يحصل فيه خير للسائل، وتحصل له مذلة السؤال وخيبة المنع.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>باب قوله تعالى: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [</span>البقرة: ٢٧٣]\nفيه حديث أبي هريرة [٢: ١٥٣، ١٤]:\n(إن رسول الله - ﷺ - قال: «ليس المسكين الذين ترده الأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي ليس له غنى ويستحي»).\nذكر رسول الله - ﷺ - صنفين من المساكين: متعارف وخفي، وجاء بما يدل على حصر المسكنة في الصنف الخفي، فنفى المسكنة عن المسكين الذي من عادته سؤال الناس، وهو الذي كني عنه بقوله: «الذي ترده الأكلة والأكلتان»، أي الذي يسأل فيرجع إذا أعطي أكلة أو أكلتين.\nووجه نفي وصف المسكنة عن هذا أنه يقصد الناس فيعرفون أنه مسكين فيواسونه بما يزيل حاجته، فكان مسكنته منفية لأجل سرعة زوالها في وقت اشتدادها، فنفى المسكنة عن هذا نفي ادعائي لقصد المبالغة في ضعف أثر تلك المسكنة.","vol":"1","page":46},{"text":"تم قابل هذا النفي بإثبات مسكنة أخرى يعسر ارتفاعها عن صاحبها، وهي المسكنة التي لا يهتدي إليها أصحاب الفضل، وهي مسكنة المحتاج الذي يستحيي أن يسأل الناس، وباجتماع نفي المسكنة عن جنس وإثباتها لجنس آخر حصل معنى قصر المسكنة على هذا النصف الأخير، وهو حصر كما علمت ادعائي بقصد به المبالغة لعدم الاعتداد بمسكنة غيره.\nوبهذا تعلم أن التعريف في لفظ «المسكين» في الموضعين تعريف الجنس لا دلالة له على معنى الكمال؛ لأنه لو أريد الدلالة على معنى الكمال لاكتفى بقوله «المسكين الذي ليس له غنى ويستحي».\nوإنما عدل عن ذلك؛ لأن الدلالة على القصر بهذه الطريقة أوضح من الدلالة عليه بإرادة معنى الكمال من التعريف باللام؛ لاحتياجه إلى قرائن خارجة عن اللفظ، والمقام مقام بيان لا تحسن فيه مداخل الاحتمال.\nووقع فيه [٢: ١٥٣، ١٩]:\n«إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال ....»\nفقوله: «قيل وقال» هما فعلان ماضيان، أولهما مسند للمجهول، والآخر مسند للمعلوم، أي يكره لكم هاتين الصيغتين من الخبر، فالفعلان منصوبان على المفعولية على قصد الحكاية كقول النابعة:\n* * *\nوما يغني عن الحدثان ليت\nوذلك معروف في إناطة الأحكام الإعرابية بالألفاظ المحكية، كما يقول المعربون: (من) حرف جر، أي هذا اللفظ، ولا إشكال في ذلك.\nوقد اختلف النحريران التفتازاني والجرجاني في تحقيق كيفية هذا الإسناد.\nفرأى التفتازاني أن اللفظ المحكي قد صار بالحكاية اسمه مثل مسماه، فاسم (من) التي هي حرف جر هو لفظ (من)، فإذا أخبر عنه أوتسلط عليه فعل الفاعل كان الإخبار عن الاسم المماثل للمسمى، إذ ليس مسماه إلا شيئًا منطوقًا به.\nورأى الجرجاني أن حق الإخبار والتسليط أن يكون على الذوات، فالأصل في إخبارك عن الدرهم بالصفاء أن تحضره وتقول للسامع: صاف، فلما تعذر ذلك في غالب الإخبارات جعلت أسماء المسميات مخبرًا عنها ومتعلقة بها الأفعال، فإذا كان الشيء المراد الأخبار عنه لفظًا فقد رجعت به إلى الحق والأصل فنطقت به،","vol":"1","page":47},{"text":"وذلك النطق إحضار له، وأخبرت عنه أو علق به فعلا (قيل وقال)، وقريب منه الإخبار عن المشار إليه، نحو: هذا أبو الصقر.\nوالمعنى: أن الله لا يحب الاشتغال بنقل قصص الناس وأخبارهم، فالراد بـ «قيل» الأخبار غير المعزوة إلى المخبرين، وبـ «قال» الأخبار المعزوة إلى المخبرين بها، فإن الاشتعال بذلك شأن أهل البطالة والفضول.\nوهذا في غير ما في الخبر به فوائد عامة، كإخبار العلماء ومناظرتهم وأقوالهم، أو فوائد خاصة كإخبار أحد بما يهمه من أمر أو حادث فيخص عموم هذا بخصوص تلك الأدلة المستقرة من الشريعة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>باب إذا تحولت الصدقة</span>\nوقع فيه قول رسول الله - ﷺ -[٢: ١٥٨، ١٢]:\n«إنها قد بلغت محلها».\nفـ «محلها» يفتح الميم وكسر الحاء، وهم اسم مكان على زنة مفعل؛ لأنه مشتق من حل يحل؛ إما بمعنى استقر في المكان، فيكون استعار بلوغ مكان الحلول لحصول المقصود من العمل بجامع انتهاء السعي في الحالين على وجه التمثيل، أي قد تم مقصد المتصدق وبلغت صدقته إلى المتصدق عليه فلا أثر لها فيما بعد ذلك.\nويحتمل أنه من حل يحل ضد حرم، ويكون المراد به الجواز والأجزاء، أي قد بلغت ما يتم به إجزاؤها وجوازها، فيكون فيه استعارة اسم مكان الحل إلى مصدره، تشبيهًا لقوة التمكن بحلول الشيء في المكان على نحو ما قيل في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ [البقرة: ٥]، أي قد تم إجزاء الصدقة وجوازها والذي بعد ذلك أمر آخر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>باب في الركاز الخمس</span>\nوقع فيه [٢: ١٦٠، ٢]:\n«وقال بعض الناس: المعدن ركاز مثل دفن الجاهلية» إلى قوله: «ثم","vol":"1","page":48},{"text":"ناقض وقال: لا بأس أن يكتمه ولا يؤدي زكاته».\nوجه المناقضة بحسب الظاهر أنه مرة جعله ركازًا فكان فيه حق الله تعالى، ومرة جوز لواجده كتمانه، بجعله أداء الخمس فيه بمنزلة المغارم والمكوس، وهذا بناه البخاري على المعروف من قول أبي حنيفة وإطلاقه، وقد اعترف به الطحاوي ناصر مذهبه، وقد نقل ابن بطال في شرحه: أن أبا حنيفة ما قال بجواز كتمانه على الإطلاق، بل إنما أجاز ذلك إذا كان واجده محتاجًا إليه، بمعنى إذا تأول واجده أن له حقًا في بيت المال ونصيبًا في الفيء، وكان محتاجًا إليه.\nوهذا التأويل مع بعده من كلام أبي حنيفة وأصحابه لا يدفع المناقضة، لأن مآله إلى أن أبا حنيفة اعتبر المعدن اعتبار الأموال المزكاة، فأجاز للمحتاج أخذها، وهو ينافي اعتباراه إياه من الأموال المخمسة التي تعيين مصارفها وتوزيعها للإمام لا لغيره، كما آذن به قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية.\nبناءً على أن الآية لا تقتضي قسمته إلى خمسة أصناف، ولكنها بينت ما يصرفه فيه الإمام، وهو المشار إليه بقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١].\nواعلم أن البخاري سمى ذلك مناقضة، بناء على أن أحد القولين لم يقصد به الرجوع عن القول الآخر، بل أريد به بيان حالة من أحوال القول الآخر، ولو كان رجوعًا لم يكن بدعًا.\nوفيه حديث أبي هريرة [٢: ١٦٠، ٦]:\n(أن رسول الله - ﷺ - قال: «العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس»).\nيحتمل أن قوله: «وفي الركاز الخمس» ذكره رسول الله - ﷺ - عقب ما قبله لمناسبة سؤال سائل عن هذه الأحكام.\nويحتمل أن ذلك مما جمعه أبو هريرة من كلام رسول الله - ﷺ - فحدث به بحسب ما حضر مما أراد أن يرويه عن رسول الله - ﷺ - وإلا فلا مناسبة بينه وبين ما قبله.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>كتاب الحج</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>باب طواف النساء مع الرجال</span>\nوقع فيه قول عطاء [٢: ١٩، ١٨٧]:\n(وكنت آتي عائشة .... وهي مجاورة في جوف ثبير).\nمعنى «مجاورة» أنها معتكفة فيه، فإن حرم مكة كله بمنزلة المساجد عند كثير من أهل العلم، فكانت عائشة ترى ذلك؛ فلذلك اعتكفت في ثبير، وإطلاق الجوار على الاعتكاف معروف؛ لأن الاعتكاف إقامة طويلة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>باب وجوب الصفا والمروة</span>\nفيه قول أبي بكر بن عبد الرحمن [٢: ١٩٤، ١٠]:\n(فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما).\nيريد فأنا أسمع الآن، أي من خبر الزهري عن عروة عن عائشة؛ إذ لم يكن سمعه من قبل كما دل عليه قوله للزهري [٢: ١٩٤، ٤]: «إن هذا لعلم ما كنت سمعته»، أي فلما وجده لا ينافي ما كان سمعه من رجال من أهل العلم جعل كلا الخبرين يكمل الآخر؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>باب ركوب البدن</span>\nوفيه قول البخاري [٢: ٢٠٥، ٢]:\n(لقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦]) الآية.\nلم يحقق الشارحون محل الاستدلال من هذه الآية، فإن قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] لا عموم له، فالصواب أن محل الاستدلال هو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا","vol":"1","page":50},{"text":"وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]. فإن إطعام القانع والمعتر هو المقصود من الهدي؛ لأن الهدي لا يكون هديًا إلا بعد تذكيته، فدل ذلك على أن أحكامه قبل ذلك باقية على ما قرره قوله تعالى في شأن الأنعام كلها: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غافر: ٧٩] إلى قوله: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ [النحل: ٧]، فذلك حكم لم يغيره مصير بعضها هديًا؛ لأن مصيرها هديًا لا يتحقق إلا عند تذكيتها في محلها المعروف.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>باب الحلق والتقصير عند الإحلال</span>\nوقع فيه حديث ابن عمر ﵄ [٢: ٢١٣، ١٣]:\n(أن رسول الله - ﷺ - قال: «اللهم ارحم المحلقين»، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال؟: «اللهم ارحم المحلقين»، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «والمقصرين»).\nلما كان الحلق أبلغ من التقصير في اتقاء الرأس من التفث ونحوه حرض النبي - ﷺ - بدعوة للمحلقين بالرحمة للدلالة على أفضلية الحلق، كما فضل الاستنجاء بالماء على الاستجمار في قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]، فالدعاء للمحلقين في هذا الخبر، والإخبار عن محبة الله المطهرين في الآية، لقصد الثناء عليهم وتفضيل فعلهم، فهي رحمة خاصة ومحبة خاصة، فلا دلالة في شيء من ذلك على أن المقصرين غير مرحومين. وقد كان النبي - ﷺ - بحيث لا يدعو لهم، فلما لقنوه بطلب الدعاء لهم دعا لهم في المرة الثالثة، فدل على أنهم مرجوة لهم الرحمة، ولكن الثناء على المحلقين بزيادة الرحمة الناشئة عن زيادة الرضى.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>باب الخطبة أيام منى</span>\nوقع فيه حديث ابن عباس - ﵃ -[٢: ٢١٥، ١٧]:\n(أن رسول الله - ﷺ - خطب الناس يوم النخر؛ فقال: «أي يوم هذا؟» قالوا:","vol":"1","page":51},{"text":"يوم حرام، قال: «فأي بلد هذا؟» قالوا: بلد حرام، قال: «فأي شهر هذا؟» قالوا: شهر حرام ...) إلخ.\nووقع في حديث أبي بكرة بعده [٢: ٢١٦، ٩]:\n(«قال خطبنا رسول الله - ﷺ - يوم النحر؛ قال: «أتدرون أي يوم هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس يوم النحر؟ !» قلنا: بلى، قال: «أي شهر هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: «أليس ذو الحجة؟» قلنا: بلى، قال: «أي بلد هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليست بالبلدة الحرام؟» قلنا: بلى ...) إلخ.\nوالروايتان صريحتان في أن الخطبة المحكية فيهما خطبة واحدة، فما وقع في حديث ابن عباس: أنهم أجابوا بأنه «بلد حرام»، وبأنه «شهر حرام» يتعين أنه حكى جواب فريق من السامعين، وما وقع في حديث أبي بكرة أنهم أجابوا بقولهم: «الله ورسوله أعلم» يتعين أنه جواب فريق آخرين.\nفأما الفريق الأول فجوابهم ظاهر؛ وأما الفريق الآخر فإنما وقفوا اعن الجواب من أجل أنهم لما وجدوا السؤال عن أمر معلوم للناس كلهم علموا أن المقصود منه تهيئتهم إلى تلقي شيء لم يكن معلومًا لهم، فسبقت أفهامهم إلى أن ذلك تغيير يتعلق بأحوال المسؤول عنها؛ إذ قد سمعوا في أول الخطبة قول الرسول - ﷺ -: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ...» إلخ، كما جاء ترتيب ذلك في رواية عن أبي بكرة أخرجها البخاري في كتاب التوحيد [٩: ١٦٣، ٨]، وعلموا إبطال النسيء فتوهموا أن ذلك يستتبع تغيير أسماء الشهور والأماكن المتعلقة بالحج؛ إذ كان النسيء إنما وضعوه لأجل زمان الحج.\n* * *","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>باب إذا أحصر المعتمر</span>\nفيه حديث ابن عمر أنه قال: [٣: ١١، ٤]:\nفإن خلي بيني وبين البيت طفت وإن جيل بيني وبينه فعلت كما فعل رسول الله - ﷺ - وأنا معه فأهل بالعمرة من ذي الحليفة ثم سار ساعة ثم قال: «إنما شأنهما واحد أشهدكم أني قد أوجبت حجة مع عمرتي») الخ.\nإنما ابتداء بالإحرام بالعمرة لأنه كان يتوقع تعطيل الحج من جهة أن وقوف عرفة قد يتعذر لأجل الفتنة والخوف، وظن أنه يمكن من الوصول إلى البيت والطواف به، وكأنه كره أن يعرض حجته للتعطيل، ثم لما سار تأمل فرأى حكم الإحصار في الحج والعمرة متحدًا، ورأى إمكان حصول الحج بإيقاع هدنة مدة أيام الحج، فنوى الحج؛ لأنه كان ملازمًا للحج كل سنة، فلذلك قال: «إنما شأنها واجد»، أي في حكم الإحصار وفي إمكان الإتيان.\n* * *","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>كتاب الصوم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>باب هل يقال رمضان </span>..\nفيه حديث أبي هريرة [٣: ٣٣، ٢]:\n(قال رسول الله - ﷺ -: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين»).\nجاء هذا الحديث من هذا الطريق- طريق ابن شهاب- تامًا أغر اللفظ؛ إذ وقع فيه: «فتحت أبوا السماء».\nووقع من طريق إسماعيل [٢: ٣٢، ٢٠]: «فتحت أبواب الجنة»، ووقع في رواية مسلم [٢: ٧٥٨، ٩]: «فتحت أبواب الرحمة». ولا أحسب لفظ النبي - ﷺ - إلا «أبواب السماء»؛ لأنه أشمل وأوجز، ولأنه يحاكي به قوله تعالى: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠].\nوالسماء في التعاليم الدينية هي مقر الخيرات الروحانية، والفيوضات الربانية، والتركيات النفسانية، فمعنى فتح أبوابها تهيئتها لاكتساب المؤمنين من خيراتها على حسب أعمالهم ومراتبهم ورضى الله تعالى عنهم بقبول أعمالهم ودعائهم ومكاشفة أرواحهم، فالأبواب استعارة لسوائل الوصول إلى الخير، والسماء حقيقة عرفية في مقر الخيرات وخزائن الرحمات؛ ولذلك كثر إثبات الارتفاع والصعود للفضائل؛ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨].\nوليس المراد بالسماء الجنة، فقد دل على عدم قصدها عطف الجنة عليها في قوله تعالى: ﴿تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ٤٠]، وما وقع من الروايتين الأخيرتين من أبواب الجنة وأبواب الرحمة فهو من الرواية بالمعنى.\nواعلم أن الذي دلت عليه عدة ظواهر من الكتاب والسنة أن الأجرام العلوية فوق هذا العالم ذات أسرار ومنابع خيرات وصلاح، ولأهل الإشراق أقوال كثيرة في هذا،","vol":"1","page":54},{"text":"ويسمونها عالم الملكوت، قال في «هياكل النور»: «النفوس الناطقة من جوهر الملكوت، وإنما شغلها عن عالمها القوى البدنية ومشاعلتها؛ فإذا قويت النفس الناطقة بالفضائل الروحانية وضعف سلطان القوى الدنية بتقليل الطعام وتكثير السهر (يعني الصيام وقيام الليل) تتخلص أحيانًا إلى علم القدس وتتصل بالنفوس الفلكية وبلوازم حركاتها» إلخ.\nوفي الحديث: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلةٍ في ثلث الليل الأخير ....».\nوأما قوله: «وسلسلت الشياطين» فهو منع مخصوص من بعض الوساوس الشيطانية، فالكلام تمثيل لحال الشياطين في غل أيديها عن كثير من أعمالها بحال المصفود في سلسلة، فإنه لا تنقطع حركته تمامًا، وإنما يذهب نشاطه ومقدرته، فالتمثيل فيه عكس التمثيل في قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].\nوإن شئت فاجعل جميع ما في الحديث تمثيلًا مكنيًا ينحل إلى ثلاث تمثيلات مكنية، وذلك بأن شبه شأن إكرام الله تعالى الصالحين وقبوله أعمالهم بحال الكريم إذا ورد عليه الضيوف أن يفتح أبواب منزله ويغلق أبواب مواقع الأذى والضرر مثل الرابط ويسلسل كلبه أن ينالهم بنبحه، كما قال النابغة في تمثيل لسانه:\nسأكْعَمُ كَلْبي أنْ يَريبك نبْحهُ ... وَلَوْ كُنْتُ أرْعَى مُسْحلان فحامرا\n\nوقد رمز إلى الهيئة المشبه بها بذكر فتح وغلق الأبواب والسلاسل، وهذا التشبيه المركب صالح لمقابلة كل جزء من الهيئة المشبهة بجزء من الهيئة المشبه بها، فالسماوات مشبهة بمنزل الكريم، والشياطين مشبهة بالكلاب، وهذا أحسن التمثيل وهو الذي يصح معه تشبيه أجزاء المركب بأجزاء المركب الآخر، كقوله بشار:\nكأن مُثار النَّقْع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبُه\n\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>باب صوم الصبيان [</span>٣: ٤٧، ٢٠]\nظاهر الترجمة وما ذكر فيها إسنادًا وتعليقًا أن البخاري يذهب إلى أن صوم","vol":"1","page":55},{"text":"الصبيان مشروع أو مرغب فيه، وهو مذهب الشافعي وأحمد مع اختلاف ما، وهذه مسألة معضلة، فقد ثبت: أن الصبيان يؤمرون بالصلاة لسبع ويضربون عليها لعشر سنين، وذلك مما يجب على أوليائهم دون تعلق الخطاب بالصبيان أنفسهم ليسو بمكلفين.\nوقد علل ذلك بأن المقصود أن يتعودوا بالصلاة كيلا يتثاقلوا عنها إذا بلغوا الحلم، فأما الصوم فيتجاذبه دليلان متعارضان:\nأحدهما: قصد التعود مثل الصلاة.\nوالآخر: المشقة على الصبيان، لضعف أمزجتهم، وضعف صبرهم، وعدهم رجائهم منه ثوابًا.\nوهذا الثاني أرجح من الأول؛ لأن نظيره كان مسقطًا الصوم على من وجب عليهم، مثل الحائض والمسافر، فيجب أن يكون هو المعتمد في التفقه لضعف الدليل الأول في حد ذاته، وكون الثاني كالمانع القائم في وجه ذلك الدليل.\nوأقوى ما في المسألة من الآثار هو حديث الربيع أنها قالت في صوم عاشوراء [٣: ٤٨، ٤]: (فكان نصومه بعد ونصومك صبياننا)، وهو حجة الشافعي، ولم يأخذ به مالك لأنه غريب فيما تتوفر الدواعي على نقله، ولا يخفى العمل له، فلا يصلح لمناهضة دليل عدم مشروعية الصوم للصبيان؛ إذ يتعين أنها أرادت صيام عاشوراء بعد نسخ وجوبه؛ بدليل قولها [٣: ٤٨، ٢]: (أرسل النبي - ﷺ - غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: «من أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه ومن أصبح صائمًا فليصم»؛ ولهذا لم يخرجه البخاري في باب صوم عاشوراء؛ إذ قصاراه أنه اقتضى صومًا غير واجب؛ وذلك ثابت بالأيام كلها عدا أيام النهي؛ فيكون تصويم صبيانهم فيه غير مقصود به القربة؛ إذ لا يقول أحد بأن الصبي يؤمر بالتعود على النوافل؛ وكفى بهذا اعتلالًا في الاستدلال بحديث الربيع على أنه لم يصحبه عمل بالمدينة.\nوأما ما علقه البخاري [٣: ٤٧، ٤٠] عن عمر بن الخطاب فهو غير صحيح سنده، فإذا كان عمر قد قال ذلك في نفس الأمر فمحمله على أن كثرًا من الصبيان إذا ميزوا يرغبون في مشاركة أهليهم في الصوم، ويمتنعون عن الأكل في النهار، وربما أخفوا صومهم عمن يمنعهم منه من أهليهم، كما هو مشاهد، فأراد عمر تفظيع حال هذا","vol":"1","page":56},{"text":"النشوان، بأن الصبيان أحرص منه على الاتسام بفضيلة الصوم، وأنه لقلة مروءته فعل ما فعل؛ وكان من الشأن أنه إن لم يخش من الإفطار عقابً فليتجنبه مروءة.\nوعندي أنه يحسن بالأولياء أن يعودوا صبيانهم، الذين قاربوا المراهقة على الصوم اليوم واليومين والثلاثة على حسب تفاوت أسنانهم وقوامهم، ليثبوا على ذلك.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>باب شهرًا عيد لا ينقصان</span>\nفيه حديث أبي بكرة - ﵁ -[٣: ٣٥، ١٣]:\n(عن النبي - ﷺ - قال: «شهران لا ينقصان شهرًا عيد رمضان وذو الحجة»).\nيحتمل أن النقص مراد به نقص عدد الأيام وهو أن يكون الشهر تسعًا وعشرين ليلة، ويحتمل أن يكون المراد نقص الثواب.\nوذكر البخاري عن محمد بن سيرين أنه قال: لا يجتمعان كلاهما ناقص، قال أحمد ابن حنبل: إن نقص رمضان تم ذو الحجة، وإن نقص ذو الحجة تم رمضان، وبه أخذ المازري، وذكر عن إسحاق بن راهويه: وإن كان ناقصًا فهو تام، وبه أخذ الخطابي.\nثم يحتمل أن يكون انتفاء النقص عن مجموعهما، أي إذ نقص أحدهما كان الآخر كاملًا، وأن يراد انتفاء النقص عن كل واحد من الشهرين.\nوتعيين موقع الشهرين أهو في سنة واحدة فبدؤها المحرم، أم هو على الإطلاق كلما كان أحدهما ناقصًا كان الآخر تاما؟\nوقد تردد الأفهام في هذا كله، وأقوال العلماء في تأويله موزعة على هذا الضابط، وقد استقصاه الشارح العيني.\nوالذي ينبغي الاعتماد عليه أن انتفاء النقص عن مجموعهما، فإذا ثبت نقص أحد الشهرين ثبوتًا محققًا بالرؤية المحققة، أي كان تسعًا وعشرين فإن الشهر الآخر الآتي بعده يكون كاملًا ثلاثين ليلة.\nوهذا لا يترتب عليه أثر في الصوم ولا في الحج، فلعل ذكره جرى لبيان أن أشهر","vol":"1","page":57},{"text":"السنة تتخالف بالزيادة والنقصان على التعاقب، فإذا كان أحد الأشهر تسعة وعشرين كان الشهر الموالي له ثلاثين، وهذا مطرد في كل شهر كيفما ابتدئ حساب الأشهر؛ لأن في حساب ظهور الأهلة كسرًا تجتمع منه ليلة شهرًا غب شهر.\nفيقتضي هذا أن العالم بحال أحد الشهرين رمضان أو ذي الحجة يغني عن تطلب رؤية الهلال للشهر الأخر.\nولولا احتمال تعلق الزيادة بالأجر لوجب المصير إلى هذا الضابط.\nوأرى أن يجعل هذا أصلًا في تكذيب شهادة من يشهد برؤية الهلال على ما يخالف هذا الضبط على نحو ما قال مالك: «إن لم يُر هلال الشهر الموالي لشهر الصوم بعد ثلاثين صحوًا كذب شاهدًا رؤية هلال ذلك الشهر».\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم</span>\nوقع فيه قول أم سليم لرسول الله - ﷺ -[٣: ٥٣، ١٨]:\n(إن لي خويصة، قال: «ما هي؟» قالت: خادمك).\n«الخويصة» - بضم الخاء وتشديد الصاد: تصغير خاصة، وهي الصفة أو القضية أو الحادثة التي تخص المرء، ومعنى تخصه تهمه ويكثر تفكره فيها أو ترددها عليه، والتزموا التأنيث فيها على تأويلها بالخصلة أو نحوها.\nفالمعنى: أن لها شيئًا يختص بها ويهمها؛ ولذلك قال لها رسول الله - ﷺ -: «ما هي؟»\nوقولها: «خادمك أنس»، أي شأنه وجاله، فهي تطلب صلاح حاله بدعائه - ﷺ -.","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>كتاب الاعتكاف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>باب لا يدخل البيت إلا لحاجة</span>\nوقع فيه قوله [٣: ٦٣، ١]:\n(عن عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن أن عائشة ﵂ قالت وإن كان رسول الله ...» إلخ.\nكذا رواه بعض رواة ابن شهاب عن عروة وعمرة جميعًا، ورواه مالك في «الموطأ» عن عروة عن عمرة، وقد بينته في «كشف المغطى» فأنظره هناك.\nوأما قول عائشة: «وإن كان رسول الله» إلخ، فقد أثبته المصنف بواو العطف إشارة إلى أنه بقية من حديث لعروة عند الليث عن ابن شهاب، ولعل أوله هو ما رواه مالك في «الموطأ» في جامع الحيضة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: (كنت أرجل رأس رسول الله - ﷺ - وأنا حائض).\nهذا ما ظهر لي، ولم أقف على حديث غير ذلك لعروة في هذا المعنى.\n* * *","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>كتاب البيوع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>باب شراء الطعان إلى أجل</span>\nفيه قوله [٣: ٧٤، ١]:\n«ذكرنا عند إبراهيم الرهن في السلف فقال: لا بأس به».\nالسلف في إطلاق المتقدمين يراد به السلم، وفي حديث ابن عباس [٣: ١١١، ١٤] قال رسول الله - ﷺ -: «من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم»، وأما ما نسميه اليوم بالسلف فذلك القرض في تعبير المتقدمين، وليس مرادًا هنا؛ لأن مشروعية الرهن في القرض ثبتت بالقرآن.\n* * *","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>كتاب الشفعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>باب أي الجوار أقرب [</span>٣: ١١٥، ٦]\n«عن عائشة ﵂ قلت: يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك بابًا»».\nالظاهر أن قولها: «إن لي جارين» كلام جرى على سبيل الفرض، والتقدير على نحو ما يجري في ألفاظ السائلين عن الفتوى؛ لأن عائشة لم يكن لها جيران، فإن بيتها في وسط بيوت بقية أمهات المؤمنين، ولا يعد ذلك جوارًا؛ ولذلك ذكرت جارين ولم تقل جيران؛ لأن المقصود بيان طريق التفضيل، وقد جرى جواب رسول الله - ﷺ - إياها على نحو مجرى سؤالها.\nويحتمل أنها أرادت أن لها جارين من خارج البيوت في سكك المدينة، فتكون التثنية في قولها: «جارين» لمجرد الفرض.\n* * *","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>كتاب الوكالة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>باب إذا وكل رجلًا .... إلخ</span>\nفيه حديث أبي هريرة في توكيل رسول الله - ﷺ - إياه بحفظ زكاة الفطر، ووقع فيه [٣: ١٣٣، ٣]:\n(قال: «إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي .... فإنك لن يزال عليك من الله حافظٌ ولا يقربنك شيطانٌ حتى تصبح» إلى قوله: فقال النبي - ﷺ -: «أما إنه قد صدقك وهو كذوبٌ ... ذاك شيطانٌ»).\nقد صدق رسول الله - ﷺ - ما أخبر به الشيطان أبا هريرة، فدل على أن الشيطان قد علم علمًا من فضائل القرآن في صفة خاصة في قراءة آية منه، فيحتمل أن ذلك العلم قد صار له من استراقه السمع من الملأ الأعلى، أو من استماعه للنبي - ﷺ -، إذ يجوز أن النبي قد علم ذلك بعض أصحابه ولم يعلمه أبا هريرة، أو من مشاهدته أثر قراءة آية الكرسي ممن يتعوذ بها عند نومه فيجد الشيطان نفسه ممنوعًا من الوصول إليه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع</span>\nأو مجاوزة الحد الذي أمر به\nفيه حديث أبي أمامة الباهلي قال [٣: ١٣٥، ١٦]:\n(ورأى سكة وشيئًا من آلة الحرث فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الذل»).\nقال في «فتح الباري»: أشار البخاري بالترجمة إلى الجمع بين هذا الحديث وبين حديث أنس المتقدم في الباب قبله «باب فضل الزرع والغرس» بأن يحمل ما ورد من الذم على عاقبة ذلك، ومحله ما إذا اشتغل به فضيع بسببه ما أمر بحفظه، وإما أن يحمل على ما إذا لم يضيع إلا أنه جاوز الحد فيه. ا. هـ.","vol":"1","page":62},{"text":"وأنا أقول: شأن النبي - ﷺ - كالطبيب يعطي الأمزجة ما يصلحها، فإذا رأى من ذلك إفراطًا ينقلب إصلاحه إفسادًا عدله بحالة أخرى، والأشياء التي يوجد في النفوس دافع إليها بالشهوة قد يكون فيها صلاح وقد يشاب صلاحه بفساد، فالاكتساب مطلوب للنفوس، والحرث بخاصة مرغوب لبعض الأمم. وقد أظهر حديث أنس ما في الزرع من الفضل لصاحبه.\nوجاء ما في حديث أبي أمامه مشيرًا إلى ما يقتضيه الشغل بالحرث من اعتلاق القلب به والتباعد عن الخصال التي يقتضيها غالب حال أهل البادية العربية من الاكتساب بالرماح، أعني الغارة، فإن الإسلام هذبها بالجهاد، وفي طباع أهل الغارة ما يعين على الإقبال على الجهاد، فلما كان في التعلق بالحرث ما قد يغلب على شجاعة الأمة أشارت رواية أبي أمامة إلى إيقاظ أهل الحرث إلى الحفاظ على ما تقتضيه عزة الأمة من الشجاعة، فإن في طبع التعلق بالكسب أن يثبط صاحبه عن الارتماء بنفسه في الأخطار، وذلك يجر إلى الذل، فعلى المسلم الحفاظ على عزته، وأن يحذر ما يعقبه حب الحرث من الذل الذي يسري في النفس رويدًا رويدًا حتى يُغشى عليها، فأراد الرسول - ﷺ - التنبيه إلى آثار سبب واقعي، ليأخذ المسلم في الحذر من آثاره بتربية النفس على عدم التأثر به، ولا يقتضي ذلك تحريمًا ولا كراهة شرعيين ولكنه تعليم وإيقاظ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>باب إذا قال اكفني مؤونة النخل وتشركني في الثمر</span>\nفيه قول أبي هريرة [٣: ١٣٦، ١٥]:\n(قالت الأنصار للنبي: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: «لا» فقالوا: تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا واطعنا).\nهكذا وقع لفظ هذا الحديث في مواضع أربعة من صحيح البخاري إلا أنه وقع في «باب الإخاء بين المهاجرين والأنصار من كتاب المناقب» [٥: ٣٩، ١٩].\n(قال: تكفونا) عوض (فقالوا: تكفونا)، واتفق الشارحون على أن ضمير (قال) عائد إلى الأنصار حملًا على رواية (فقالوا)، وعليه يتجه إشكال في قوله:","vol":"1","page":63},{"text":"(قالوا: سمعنا وأطعنا) لمن يرجع ضمير (قالوا: سمعنا وأطعنا)، اتفق الشارحون على إرجاع الضمير للمهاجرين والأنصار.\nوفسروا قولهم: «وأطعنا» بما يقتضي أن مفعوله المحذوف تقديره: وأطعنا النبي - ﷺ -.\nوجرى كلام الشارحين على أن معنى الطاعة طاعة الجميع للنبي - ﷺ -، أي أطاع الأنصار النهي عن قسمة النخل والإشراك في الثمرة، وأطاع المهاجرون التعهد بكفايتهم المؤونة والإشراك في الثمرة أيضًا.\nوعلى هذا المهيع يتعين تقدير كلام محذوف في كلام الراوي، وهو أنهم لما قالوا ذلك رضي النبي - ﷺ -، فمعنى «أطعنا» أطعنا ما رضي به النبي - ﷺ -.\nوالذي يبدو لي: أن كلمة «سمعنا وأطعنا» تقال عند التعاقد بين المتعاقدين، والمعنى: سمع كل ما قاله الآخر، والطاعة بمعنى الرضا، وليس مدلول مادة الطاعة بمشروط فيه أن يكون المطاع صاحب أمر على المطيع وإن كان ذلك غالبًا.\nويجوز أن يحمل قوله: «قال: تكفونا المؤونة» أنه من قول النبي - ﷺ -، وأن ضمير المتكلم ومعه غيره في قوله: «تكفونا» أراد به نفسه والأنصار، فهو ناظر إلى قوله في الحديث: «لولا الهجرة لكنت أمرًا من الأنصار» [٥: ٣٨، ١٨]، وعليه يبقى استعمال الطاعة على المشهور فيه.\n* * *","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>كتاب المزارعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>باب</span>\nفيه عن ابن عمر عن أبيه [٣: ١٤٠، ٦]:\n«أن النبي - ﷺ - أرى وهو في معرسه بذي الحليفة في بطن الوادي فقيل له: إنك ببطحاء مباركةٍ».\n* * *\n[٣: ١٤٠، ١٢]: (عن ابن عباس عن عمر عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الليلة أتاني آتٍ من ربي، وهو بالعقيق أن صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرةٌ في حجةٍ»).\nقد أشكل على جميع الشارحين جعل هذا الباب كالتبع لـ «باب من أحيا أرضًا مواتًا»، وتخريج هذين الحديثين فيه، وحاولوا إبداء مناسبة في ذلك على آراء أربعة، بعضها أقرب من بعض، استقصاها ابن حجر في «فتح الباري»، وقال العيني في «عمدة القاري» بعد أن أشار إليها إجمالًا: والكل لا يشفي العليل ولا يروي الغليل فلذلك تركناه.\nوإن كل ما أبدوه من التوجيهات يبطله أمران مهمان:\nأحدهما: أن لا وجه لتخصيص معرس ذي الحليفة ووادي العقيق بالتنبيه على هذا الحكم لهما؛ إذ كان يقتضي أن يذكر كل ما ورد في مكان أنه لا يجوز إحياؤه أو أنه قد أرصد لجميع المسلمين لا يجوز لأحد منع مكان منه.\nثانيهما: أن ليس في الحديثين ما يستدل منه على ذلك.\nوالذي بدا لي من دقيق صنيع الإمام البخاري هنا: أنه ترك الباب بلا ترجمة، وأحسب لأنه لم ينفصل على وجه العمل في هذا، ولا على استخلاص الفقه فيه، فتركه بلا ترجمة إلى أن يتضح له فيه قول فصل، ولعله حال دونه وفاة المؤلف ﵀.\nوقد اختلف العلماء في مكة وما حولها أفتحت عنوة م صلحًا؟ وكان الذي عليه رأي أهل السداد، منهم: مالك بن أنس وموافقوه: أنها فتحت عنوة، وكيف","vol":"1","page":65},{"text":"تكون صلحًا وقد دخلها رسول الله - ﷺ - والجيش، ولاذت قريش بالفرار ودخلوا دار أبي سفيان، والمسجد الحرام طلبًا للأمان، وقد روى أبو عبيد القاسم بن سلام عن عائشة قالت: (قلت يا رسول الله، ألا نبني لك بيتًا أو بناءً يظللك من الشمس تعني بمكة، فقال: «لا، إنما هي مناخ من سبق»).\nوروي عن مجاهد: أراه رفعه: «مكة مناخ لا تُباع باعها ولا تؤخذ إجارتها ولا تحل ضالتها إلا لمنشد»، وقد كان عمر بن الخطاب ينهى أن تغلق دور مكة دون الحاج، وأنهم يضطربون فيما وجدوا منها فارغًا، وعن ابن عباس «الحرم كله مسجد»، وعن عطاء: «الحرم كله مقام إبراهيم».\nومعنى ذلك كله أن أرض الحرم لها حكم المساجد، ويعضده قول رسول الله - ﷺ - «أنه أوحي إلي في الرؤيا أن بطن الوادي بطحاء مباركة، وأن صلِّ في العقيق فإنه وادٍ مبارك» فأراد أن مواضع المناسك لها حكم المساجد، فليست هي من الموات، فلا يجوز فيها إقطاع ولا إحياء ولا احتجار ولا منع، ولكن يجوز الانتفاع فيها بما لا يعطل مقاصد المسلمين من التبرك بالمواضع المباركة منها.\nوذلك أخص من أرض العنوة وأرض الصلح كلتيهما، فلعل البخاري يقصد تفسير قول من يقول: إن مكة فُتحت عنوة، أنها لا ملك فيها لأحد، بخلاف أرض الصلح، وأنها لا يجوز إقطاعها، ولا إحياء مواتها إحياء تملُّك؛ لأنها كالمساجد.\nوفيه الرد على ما نسبه أبو يوسف في «كتاب الخراج» إلى الخوارج أنهم جعلوا القرى العربية بمنزلة القرى العجمية، والله أعلم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>باب ما كان أصحاب النبي - ﷺ </span>-\nيواسي بعضهم بعضًا ..... إلخ\nفيه حديث [٣: ١٤١، ٥]:\n«رافع بن خديج عن عمه ظهير بن رافع قال: لقد نهانا رسول الله - ﷺ - عن أمر كان بنا رافقًا، قلت: ما قال رسول الله - ﷺ - فهو حق، قال: دعاني رسول الله - ﷺ -","vol":"1","page":66},{"text":"قال: «ما تصنعون بمحاقلكم؟» قلت: نؤاجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير، قال: «لا تفعلوا، ازرعوها أو أزرعوها أو أمسكوها». قال رافعٌ: قلت: سمعًا وطاعةً».\nإن كان الضمير في قوله: «كان بنا رافقًا» عائدًا على قوله: «أمر» على أن الفعل صفة، أي نهانا عن أمر كان فيه رفق لنا، أي ربح ومساعدة، وهو ظاهر سياق لكلام، وظاهر قول رافع له: «ما قال رسول الله - ﷺ - فهو حقٌ» إزالةً ملا يوهمه قول ظهير من أن رسول الله - ﷺ - نهى عن أمر فيه نفع، مع أن المنهي عنه لا يكون إلا فاسدًا.\nوقول رافع أيضًا: «قلت: سمعًا وطاعةً» الدال على أن في هذا النهي إعراضًا عن منافع كانت لهم، إن كان ذلك فمطابقة الترجمة في قول رسول الله «أو أزرعوها» أي أعطوها لمن يزرعها على سبيل المواساة.\nوإن كان الضمير عائدًا إلى قول رسول الله - ﷺ - على أن الجملة حال من «رسول الله»، أي نهانا قصدًا للرفق بنا؛ لأن في أمره بأمور رفقًا بضعفائهم في واحد من تلك الثلاثة، فيكون مطابقة الحديث للترجمة في قول ظهير بن رافع: «كان بنا رافقًا»، أي نهانا عن أمر قصد به الرفق بضعفائنا.\nوعلى الوجهين فمحمل النهي عند البخاري على الكراهة، ومحمل الأمر بواحد من الثلاثة على قصد الرفق والمعروف.\n* *\nووقع فيه قول [٣: ١٤١، ١٧]:\n«نافع أن ابن عمر - ﵁ - كان يكري مزارعه على عهد النبي - ﷺ - وأبي بكرٍ وعمر وعثمان وصدرًا من إمارة معاوية».\nولم يذكر مدة علي - ﵁ -؛ ولعل سبب ذلك أن المدينة لم تكن في مدة علي تابعة لعلي ولا لمعاوية، فلم يكن ينسب العمل فيها إلى أحد من الخلفاء، فرأى نافع أن لا حجة في تلك المدة بفعل أحد من الخلفاء ولا الأمراء المبعوثين منهم حتى استقر الأمر لمعاوية بعد انخلاع الحسن؛ ولذلك كان مراد ابن عمر بالإمارة هو الخلافة، وإنما سماها إمارة نظرًا إلى ما وقع من الاختلاف قبلها.\n* * *","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>كتاب الاستقراض</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>باب حسن القضاء</span>\nوقع فيه قول أبي هريرة [٣: ١٥٣، ١٥]:\n(كان لرجل على النبي - ﷺ - سن من الإبل فجاءه يتقاضاه، فقال النبي - ﷺ -: «أعطوه»، فطلبوا سنة فلم يجدوا له إلا سنًا فوقها، فقال: «أعطوه .... إن خياركم أحسنكم قضاءً».\nالسن: الحد من العمر في الأنعام، سمي بالسن لأنهم يعرفون أعمار الأنعام بنبات عدد من أسنانها في أفواهها؛ ولذلك تسمى الناقة التي دخلت في السنة الثالثة مسنة؛ لأنها بدلت أسنانها.\nولما كان إبان نبات الأسنان وتبديلها في الحيوان هو إبان شبابها وفتوتها، فذلك هو وقت نمائها ثم قوتها، فمعنى قول الراوي: «فلم يجدوا له إلا سنًا فوقها»، أي أعلى منها وأنفس وأكثر سنين، والمراد: أنها أكثر في سني الفتوة، فليست الهرمة بالتي توصف بأنها أعلى سنًا، ألا ترى قول النبي - ﷺ - «أعطوه إن خياركم أحسنكم قضاءً».\nوقد أهمل هذا اللفظ عياض في «المشارق»، وقصر فيه ابن الأثير في «النهاية».\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>باب الربط والحبس في الحرم</span>\nفيه قول البخاري [٣: ١٦١، ١٤]:\n«واشترى نافع بن عبد الحارث دارًا للسجن بمكة من صفوان بن أمية على أن عمر إن رضي فالبيع بيعه وإن لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة دينارٍ».\nهو مشكل؛ لأن ظاهره أن الأربعمائة تكون لصفوان بدون عوض، فيكون من بيع العربان وهو أكل مال بالباطل، ولم يجب عنه ابن حجر والعيني والقسطلاني بجواب مستقيم.","vol":"1","page":68},{"text":"والذي يظهر لي: أن المراد أن نافعًا اشترى الدار لعمر، إن رضي الدار والثمن، وإن لم يرض كانت الدار بيعًا لنافع بأربعمائة دينار، فليس من بيع العربان وإنما هو بيع خيار لعمر، ولزوم لنافع إن لم يرض عمر بها، أما عمر فلا يلزمه الشراء، ولا قدر الضمن، بل بما يتراضى عليه مع صفوان.\nويحتمل أن نافعًا اكترى الدار من صفوان ليجعلها سجنًا؛ إذ كان ناقع أمير مكة، ثم رأى أن يشتريها لبيت المال، وتوقف على إذن عمر، فقوله: «فلصفوان أربعمائة»، أي كراء للدار لمدة عيناها بينهما.\nوعلى هذا الاحتمال تكون زيادة «دينار» الواقعة في رواية أبي ذر صحيحة، فإن أكثر الروايات ليس فيها تلك لزيادة ويكون مميز الأربعمائة محذوفًا، أي درهم.\n* * *","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>كتاب اللقطة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>باب ضالة الإبل [</span>٣: ١٦٣، ٣]\nعن زيد بن خالد الجهني - ﵁ - قال: (جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فسأله عما يلتقطه، فقال: «عرفها سنة ثم احفظ عفاصها ووكاءها فإن جاء أحدٌ يخبرك بها وإلا فاستنفقها»، قال: يا رسول الله، فضالة الغنم؟ قال: «لك أو لأخيك أو للذئب»، قال: ضالة الإبل؟ فتمعر وجه رسول الله - ﷺ - فقال: «ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يأتيها ربها».\nالظاهر أن الأعرابي هو أبو ضبيب- بضم الضاد المعجمة- البلوى، من الذين جاؤوا النبي - ﷺ - مع وفد بلي، فقد ذكر أهل السير أن أبا ضبيب هذا سأل رسول الله - ﷺ - عن ضالة الغنم وضالة الإبل، ولم يذكروا أنه سأله عن اللقطة، فاستفيدت زيادة اللقطة من هذا الحديث.\nوقوله - ﷺ -: «هي لك أو لأخيك أو للذئب» إذنٌ له بأخذها، أي إن لم تأخذها أنت ولم يأخذها رجل آخر أكلها الذئب في الليل، أي: وليس غيرك بأولى منك بأخذها، فخذها، فسلك رسول الله - ﷺ - في صيغة الإذن له طريق الاستدلال على وجه لإذن له بأخذها وجاء فيه طريق الكناية مع ضرب من المحاجاة على طريقة العرب في أجوبتهم، وخاصة أهل البادية فإنهم مولعون بمثل هذه الطريقة في محاجاتهم ومحادثاتهم.\nفالمراد بالأخ في قوله: «أو لأخيك» المماثل، أي في الإنسانية أو في كونه من أهل قبيلته؛ لأن الضالة إنما تكون حول ديار القوم ومراعيهم، وقريب منه قولهم: يا أخا العرب.\nوقوله: «فتمعر وجه رسول الله - ﷺ -»، أي تغير لونه إلى الحمرة من الغضب، كما دل على ذلك في رواية سفيان هذا الحديث في باب: إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة [٣: ١٦٤، ١٨]: «فغضب رسول الله - ﷺ - حتى احمرت وجنتاه أو احمر وجهه».\nولم يبين الشارحون سبب غضب رسول الله - ﷺ - لسؤال السائل.","vol":"1","page":70},{"text":"وسبب ذلك: أن رسول الله - ﷺ - كان يكره الفضول والتكلف ويحب أن يكون سامعوه فطناء أذكياء، ألا ترى أنه سر من زكانة وفد اليمن، فقال لهم: «علماء حكماء كادوا من صدقهم أن يكونوا أنبياء».\nفإن رسول الله - ﷺ - لما بين له علة الإذن في أخذ ضالة الغنم كان كافيًا للسائل أن يعلم أن ضالة الإبل ليست كذلك؛ إذ لا يخشى عليها التلف؛ إذ لا يفترسها وحش، فإن بلاد العرب لم يكن في ديار قبائلها غير الذئب والضبع، وهما لا يفترسان البعير، أما الأسد فإنها تكون بعيدة عن المنازل، وتأوي إلى المنقطع من الأرض، فمصادفتها ضالة الإبل نادرة جدًا؛ فالسؤال عنها فضول وتفيهق.\n* * *","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>كتاب المظالم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>باب الغرفة والعلية</span>\nفيه قول عمر بن الخطاب [٣: ١٧٥، ١٣]:\n«ثم جمعت علي ثيابي».\nوقد تقدم في أول كتاب الصلاة أن جمع الثياب لبس جميع ما يلبسه الناس عادة عند الخروج، فللرجل إزار ورداء وعمامة، وللمرأة إزار ودرع وملحفة وخمار؛ ولذلك صار يستعمل كناية عن إرادة الخروج كما وقع هنا.\n* *\nووقع فيه أيضًا قول عمر [٣: ١٧٥، ١٦]:\n«فخرجت فجئت المنبر فإذا حوله ناسٌ يبكي بعضهم».\nكذا وقع هنا وفي صحيح مسلم، ووقع في رواية من صحيح مسلم:\n«فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون: طلق رسول الله - ﷺ - نساءه»، فقال النووي في شرحه: هو فعل المهموم المفكر. وقال عياض: فيه اهتمام المسلمين بما أهم رسول الله - ﷺ -، واجتماعهم لذلك. ا. هـ.\nوأقول: وقع في رواية مسلم: «وذلك قبل أن يؤمرون بالحجاب»، وهذه الزيادة تنبئ بأن بكاء بعض الناس إنما كان رقة لأزواج رسول الله - ﷺ - فبكوا لبكائهن.\n* *\nووقع فيه قوله [٣: ١٧٦: ٤]:\n«حشوها ليفٌ».\nفهو بفتح الحاء: اسم لما يحشى به، وقد جاء هذا الاسم على زنة مصدر فعله.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>باب النُّهيا</span>\nبضم النون وبالقصر، مصدر بوزن الرجعي، وهي: أخذ الشيء باختطاف غصبًا على صاحبه، وكانت من فعل الشطار في الجاهلية؛ يختطف أحدهم الشيء ويفر به، فهي ضرب من الخلسة؛ ولذلك جاء النهي عنها بطريقة التغليظ بسلب الإيمان عن فاعلها حين يفعلها.\nوخصت بالنهي لأنهم كانوا يفعلونها على إيهام المزاح، فإذا أمسك المنتهب أظهر أنه مازح، وإذا عجز صاحبها عن إدراك المنتهب فاتت عليه، فأما الغارة فإنها مصحوبة بالسلاح فالاستعداد للدفاع متوقع، وقد تقرر النهي عنها بوجه لم يبق معه احتمال استباحة الناس إياها بخلاف النُّهيا، وأما الانتهاب في العطايا في الأعراس والإملاك فذلك مباح، وكرهه مالك لما فيه من منافاة المروءة، وما ينشأ عنها من التراجم والتشاتم.\n* * *","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>كتاب الهبة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>باب</span>\nفيه قول [٣: ٢١٥، ١٨]:\n«ابن أبي مليكة أن بني صهيب مولى ابن جدعن ادعوا بيتين وحجرة أن رسول الله - ﷺ - أعطى ذلك صهيبًا، فقال مروان: من يشهد لكما على ذلك؟ قالوا: ابن عمر، فدعاه، فشهد: لأعطى رسول الله - ﷺ - صهيبًا بيتين وحجرة فقضى مروان بشهادته».\nأورد عليه إشكال قضاء مروان بن الحكم بشهادة عدل واحدة، فقيل: أراد الراوي مع يمين المدعين، وهو مردود بأن ذلك لم يذكر، ومثله لا يهمل؛ إلا أن يراد أن مثل ذلك معروف من تصرفات الحكام فلا يحتاج إلى ذكره، وقيل: لعل مروان كان يرى القضاء بشهادة عدل واحد مبرز في العدالة مثل شهادة خزيمة، وقد نقل عن شريح القاضي أنه كان يرى مثل هذا.\nوعندي: أن هذا يحتمل وجهين، أحدهما: وهو الأظهر: أن البيتين والحجرة كانت غير مملوكة لأحد؛ لأنها مما أحياه رسول الله - ﷺ - من موات الأرض في المدينة حين بني المسجد في بعض مقابر المشركين، وفي خرب غير مملوكة، وفي خرب لبعض أهل المدينة جعلوها لرسول الله - ﷺ -، فقد ورد أن البيتين والحجرة كانت لأم سلمة، فهي إذن من توابع حجر النبي - ﷺ - فيكون إعطاء رسول الله - ﷺ - صهيبًا إياها من باب الإقطاع، وهو تصرف بوجه الإمامة لا بوجه نقل الأملاك، فيكون طلب مروان الشهادة على ذلك من باب طلب ما يثبت أن رسول الله - ﷺ - تصرف هذا التصرف لينفذه مروان لكونه أمير المدينة، فإن شأن الأمراء إنفاذ أعمال المتصرفين قبلهم من الأئمة والأمراء، فرجع ذلك إلى الخبر لا إلى الشهادة، والخبر يُكتفَي فيه بالواحد مثل مزكي السر، ومقوم العيب، وقائس الجرح، فإخبار ابن عمر قام عند مروان مقام ما يجده الأمير والقاضي في ديوان سلفه من خطاب بثبوت شيء أو إنفاذ أمر.\nوقد أعطى أبو بكر جابر بن عبد الله ما وعده رسول الله - ﷺ - من مال البحرين بمجرد قوله له: (إن رسول الله - ﷺ - قال: «لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا","vol":"1","page":74},{"text":"وهكذا وهكذا») [٤: ١١٠، ١١٢].\nوالحاصل أن تصرف مروان كان تصرف إمارة لا تصرف قضاء، وهو أوسع من تصرف القضاء، ويدل لذلك أن البيتين والحجرة لم تكن في يد آخر، فليس ادعاء بني صهيب إياها بنازلة قضائية، بل الظاهر أن مروان أراد نزعها منهم ظنًا بأن تصرفهم فيها تصرف افتيات أو انتفاع؛ فلذا احتاج إلى إثبات أن رسول الله - ﷺ - أعطاها صهيبًا.\nوإطلاق اسم الشهادة على خبر ابن عمر تسامح، وربما يؤيد ذلك بمجيء لام القسم في قوله: «لأعطى رسول الله - ﷺ - صهيبًا .....» إلخ؛ لأن التأكيد بالقسم من خصائص الخبر دون الشهادة، وإن كانت الشهادة خبرًا.\nفإن قيل: يمنع من هذا قول الفقهاء: «إن إحياء الموات والإقطاع لا يكون في المدن والمعمور من الأرض».\nقلنا: تصرف رسول الله - ﷺ - في ذلك بالمصلحة التي تقبل من غيره، ولعله أراد تعمير ما حول المسجد أو لغير ذلك، على أن الاختلاف كثير في أحكام الإقطاع وصفاته.\nوالوجه الثاني: أن يكون مروان جعل شهادة ابن عمر مع حيازة أبناء صهيب بمنزلة حصول شاهدين؛ لأن الحوز شاهد عرفي؛ لأن الأصل عدم العداء، وقد اعتبرنا الحوز شاهدًا عرفيًا في بعض المسائل مثل حوز الرهن، وإرخاء الستر على المرأة، وعند تكافؤ البينتين المتعارضتين؛ لكنا اعتبرناه كذلك في أنه يعضد باليمين، ولا بعد في أن يحمل كذلك إذا عضد بشاهد آخر وهو أحرى بالاعتبار من الاعتضاد باليمين، فهذا تفسير هذا الحديث.\n* * *","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>كتاب الشهادات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>باب اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود</span>\n[٣: ٢٣٢، ٢٠]: (وقال النبي - ﷺ -: «شاهداك أو يمينه». وقال قتيبة: حدثنا سفيان عن ابن شبرمة قال: كلمني أبو الزناد في شهادة الشاهد ويمين المدعي، فقلت: قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قلت: إذا كان يكتفى بشهادة شاهدٍ ويمين المدعي فما تحتاج أن تذكر إحداهما الأخرى، ما كان يصنع بذكر هذه الأخرى؟).\nظاهر الترجمة: أن البخاري ﵀ لا يرى القضاء بالشاهد ويمين المدعي في الأموال؛ ولذلك ترجم بما يقتضي حصر اليمين في كونها على المدعى عليه في الأموال والحدود.\nواحتج الحديث: «شاهداك أو يمينه» المقتضي منع خلو القضاء للطالب عن أحد أمرين: إما أن يأتي بشاهدين، أو يحلف المدعي عليه ولم يقل له: أو شاهد مع يمينك، واستأنس لذلك بما احتج به عبد الله بن شبرمة على أبي الزناد، وهو دليل ضعيف؛ لأن طرق الحق غير منحصرة فيما جاء به القرآن، فإن السنة قد أثبتت أشياء كثيرة لم ترد في القرآن.\nوالقول الفصل في هذا: أن القرآن أخبر بطريق كمال التوثق للحقوق في المعاملات المالية، وذلك بإعداد الشهادة على التداين حتى لا تكثر الخصومات، وسكت عما عدا ذلك؛ لأنه لا يحب تقصير الناس في ذلك بالتفريط، فإن وقع التفريط فقد بينت السنة أن للحق طريقًا آخر يصار إليه عند الاضطرار من يمين المدعى عليه، أو يمين المدعي مع شاهده، فليس في القرآن شرع يمين المدعى عليه، وقد ثبت بالسنة إذا لم يجد المدعي بينة، فالقرآن بين لنا سبيل التوثق، والسنة أثبتت حكم عدم ذلك، فإنه لما عجز المدعي عن البينة نهض إنكار المدعى عليه، فكمل نهوضه بيمينه.\nوهنالك حالة مركبة منهما، وهي أن يوجد جزء بينة، أي شاهد واحد ذكر","vol":"1","page":76},{"text":"أو امرأتان فقط، وحكم هذه الحالة ثبت في السنة أن المدعي يكمل شهادته بيمينه، كما كمل المدعى عليه نهوض إنكاره بيمينه، وأي بدع في ذلك؟ وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قضى بالشاهد واليمين، وهو في صحيح مسلم مسندًا، وفي الموطأ مرسلًا عن محمد بن علي بن الحسين، ومضت السنة به في المدينة دار العلم والسنة.\nوقد تصدى مالك ﵀ في الموطأ إلى رد قول ابن شبرمة ودليله؛ فقال: «فمن الحجة على من قال ذلك القول إن يقال له: أرأيت لو أن رجلًا ادعى على رجل مالًا، أليس يحلف المطلوب: ما ذلك الحق عليه، فإن حلف بطل ذلك عنه، وإن نكل عن اليمين حلف صاحب الحق: إن حقه لحق، ويثبت حقه على صاحبه.\nفهذا ما لا اختلاف فيه عند أحد من الناس ولا بلد من البلدان فبأي شيء أخذ هذا أو في كتاب الله وجده. فإن أقر بهذا فليقر باليمين مع الشاهد، وإن لم يكن ذلك في كتاب الله.\nوإنه ليكفي من ذلك ما مضى من السنة، ولكن المرء قد يحب أن يعرف وجه الصواب ومواقع الحجة. ففي هذا بيان إن شاء الله.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>باب القرعة في المشكلات</span>\nفيه حديث النعمان بن بشير رضي لله عنهما [٣: ٢٣٧، ١٦]:\n(قال النبي - ﷺ -: «مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينةً فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها فكان الذين في أسفلها يمرون بالماء على الذين أعلاها فتأذوا به فأخذ فأسًا فجعا ينقر أسفل السفينة فأتوه» فقالوا: ما لك؟ قال: «تأذيتم بي ولابد لي من الماء. فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم»).\nوقع هذا الحديث في كتاب الشركة [٣: ١٨٢، ١٤] من رواية زكرياء عن الشعبي بلفظ: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها». واللفظ لفظ رسول الله - ﷺ -","vol":"1","page":77},{"text":"فالظاهر أن النعمان حدث به مرة بلفظ: «القائم» ومرة بلفظ: «المدهن»، فيتعين أن يكون اللفظان بمعنى واحد، فالمراد بـ «القائم». الواقف عند الحد لم يقتحمه ولم يبعد عنه، فهو يرى الواقع في الحدود، ولكنه لا يقع معه. وكذلك «المدهن»: هو الذي يرى الواقع في الحدود ولا يجترئ على أنه ينهاه ويمنعه، فهو يصانعه؛ فلذلك سمي مدهنًا؛ لأن الإدهان هو المصانعة. ولعل رسول الله - ﷺ - قد مثل مرة بالقائم ومرة بالمدهن، وسمع منه النعمان بن بشير كليهما، فحدث مرة بهذا ومرة بهذا، أو كذلك حدث الشعبي عن النعمان بن بشير.\nوقوله: «كمثل قوم استهموا سفينة» إلى قوله: «فأخذ فأسًا» هو تمهيد للتمثيل المقصود التشبيه به، وليس هو جملة التمثيل، ولكنه تصوير للحالة التي يترتب عليها التمثيل. فمحل التمثيل هو قوله: «فأخذ فأسًا» إلى آخر الحديث.\nوقد فُهِم من قوله: «فإن أخذوا على يديه» وقوله: «وإن تركوه» إلخ، تفصيل حالتي المدهن، أي إن استمر المُدهن على إدهانه أهلك وهلك، وإن أخذ بالنهي والزجر أنجى غيره ونجا. فالمشبه بالفريق الذي في أعلى السفينة هو غير الواقع في حدود الله باختلاف حالتيه، والمشبه بالفريق الذين أخذوا ينقرون السفينة هو الواقع في حدود الله.\n* * *","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>كتاب الصلح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>باب كيف يكتب: هذا ما صالح فلان .... إلخ</span>\nفيه قوله في حديث البراء بن عازب [٣: ٢٤٢، ٦]:\n«فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليًا فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل».\nأي فلما دخل رسول الله - ﷺ - مكة معتمرًا ومضت ثلاثة الأيام المشترطة على المسلمين، أي أصبحوا في اليوم الرابع، ولم يأمر رسول الله - ﷺ - المسلمين بالخروج. وفي ذلك سرٌّ دقيق من أسرار الوفاء بحقوق الله. فإن المشركين منعوا رسول الله - ﷺ - من إقامة أكثر من ثلاثة أيام ظلمًا منهم، إذ لا حق لهم في المسجد الحرام، وما كانوا أولياءه؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ....﴾ [البقرة: ١١٤]. فلما التزم لهم رسول الله - ﷺ - بما اشترطوا عليه كان التزامه من ارتكاب أخف الضررين؛ كيلا يمنعوه من دخول مكة بتاتًا. ولما كان ذلك الشرط إنما لزمه لأجل اشتراط المشركين عليه لم يكن من أداء حق الله تعالى في الدفاع عن الحق المغصوب أن يبدأ بالخروج قبل أن يأمروه به، لجواز أن تسمح نفوسهم بزيادة بقائه، فيكون في بقائه زيادة من العبادة والتمتع بالحق المسلوب. وليس في تأخيره الخروج إبطال للعهد؛ لأنهم لما أمروه الخروج لم يمتنع منه.\nوهذا العمل أصل عظيم للمسلم في تبرئة ذمته من التقصير في الأمور الدينية بقدر الإمكان والاستطاعة، فتلك معذرة إلى الله تعالى.\nوبهذا نعلم أن من فسر قوله: «ومضى الأجل» بمعنى قرب مضيه لئلا يلزم عدم الوفاء بالشرط، فد أخطأ فهمًا ونظرًا؛ أما الفهم فلأن قوله: «قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل» صريح في أنه مضى الفعل، أو ما كان لهم أن يقولوا له: «اخرج عنا» قبل مضيه. وأما النظر فلتعليله المغفول فيه كما بيناه.\n* * *","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>باب الصلح مع المشتركين</span>\nوقع في حديث سفيان عن أبي إسحاق عن البراء [٣: ٢٤٢، ١٩]:\n«ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح السيف والقوس ونحوه».\nفُسِّر الجُلُبَّان هُنا بأنواع من نفس السلاح؛ على أن إضافة الجُلُبان إلى السلاح إضافة بيانية. وقد فسِّر في رواية شعبة عن أبي إسحاق عن البراء [٣: ٢٤١، ١٨]: الجلبان بالقراب بما فيه. والحق هو تفسير رواية شعبة. وإضافته إلى السلاح من إضافة الظرف إلى المظروف، ولكن لما كان الجلبان اسمًا للجراب من الأدَم الذي يوضع فيه السيف والسوط كان إطلاقه على السلاح كناية ظاهرة، إذ المقصود المظروف لا الظرف، فذلك وجه تفسير سفيان.\nوالظاهر أن قوله: «والقوس» سهو، وأن صوابه: والسوط؛ لأن القوس لا يسعه الجلبان. ومقصد المشركين من هذا الشرط أن يكون معه السلاح المحتاج إليه لدفع العوادي دون السلاح المستعمل في الحرب والغارة وهو الرمح والقوس.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>باب الصلح بين الغرماء وأصحاب الميراث</span>\nوقع في حديث جابر قوله [٣: ٢٤٦، ٣]:\n«وفضَل ثلاثةَ عشَر وَسْقًا: سبعةٌ عَجوةٌ وَسِتَّةٌ لَوْنٌ».\nمثبت في جميع النسخ برفع «عجوة ولون» على اعتبار قول: «سبعة وستة» مرفوعين على الابتداء، واعتبار «عجوة ولون» مرفوعين على الخبرية؛ على أن المقصود الإخبار دون التمييز؛ لأن اسم العدد وقع تفصيلًا لمجمل قبله، وهو قوله: «ثلاثة عشر وسقًا»، فصار اسم العدد حينئذ بمنزلة الجزئيِّ من الكلِّيِّ، فصحَّ جعل اسم العدد مبتدأ ليخبر عنه بالأعمِّ منه بهذا الاعتبار. وهو في هذا الاستعمال أولى سبعة عجوةً وستة لونًا، بنصب «عجوة ولونًا» لجاز، على تقدير خبر دلَّ عليه التفصيل، تقديره: سبعة منها عجوة وستة منها لونًا.\n* * *","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>باب ما يجوز من الشروط</span>\nووقع فيه قول عائشة ﵂ [٣: ٢٤٧، ٨]:\n«كان رَسُول اللَّهِ - ﷺ - يمتحنهن بهذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ....﴾) [الممتحنة: ١٠].\nالباء في قولها: «بهذه الآية» للسببية متعلقة بـ (كان)، أي كانت هذه الآية هي الموجب لامتحانهن، وليست متعلقة بـ (يمتحنهنَّ)؛ لأن الآية التي فيها صفة الامتحان هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] الآية.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>باب إذا اشترط في المزارعة:</span>\nإذا شئتُ أخرجتُك [٣: ٢٥٢، ٢]\nأي باب يذكر فيه هذا الشرط. وليس مقصود البخاري من هذه الترجمة أن ذلك جائز؛ لأن الحديث الذي أخرجه هنا إنما هو من إقرار الفاتح أهل الأرض في الأرض العنوة لمصلحة للأمة فليس لأهل الأرض حق فيها، وليست الزراعة بمقصودة، فلذلك جاز له أن يقرَّهم ما شاء، وليست عقود المزارعة التي تنعقد بين الناي بعضهم مع بعض مثل ذلك، ولا يجوز فيها مثل هذا الشرط، بل يتعين جعلها إلى أجل تتحصل فيه الحبوب المزروعة ويتفقان عليه، فلا يجوز لرب الأرض إخراج عامل المزارعة.\n* *\nوقع فيه عمر لأحد بني أبي الحُقّيْق [٣: ٢٥٢، ١٢]:\n«كذبْتَ يا عدوَّاللهِ».\nأغلظ له عمر وسبَّه؛ لأنه نسب رسول الله - ﷺ - إلى الهزل في قوله له: «كيف بك إذا أخرجت من خيبر»، إذا ليس من شأن رسول الله - ﷺ - أن يمازح أمثال ابن أبي الحُقَيق، وقد علم عمر أن تلك معجزة لرسول الله - ﷺ -.","vol":"1","page":81},{"text":"وفي هذا دليل على أن الأصل في كلام الرسول﵊- أنه حجة فيما يدلُّ عليه، وأنه لا يقول إلا حقًّا، ولو على سبيل الفرض والتقدير.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>باب الشروط في الجهاد</span>\nوقع فيه قوله [٣: ٢٥٦، ٢]:\n«فقال سهيل وعلى أنه لا يأتيك منَّا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا».\nهكذا ثبت في رواية معمر عن الزهري، وإذا كان كذلك كتب سهيل فهي زلَّة سياسية غليه فيها الاستعمال الشائع من إطلاق الرجل على الإنسان مطلقًا مثل المرء؛ إلا أن مقامات التوثق في الشروط يجتنب فيها اللفظ الموهم، فإذا كان كذلك كان امتناع رسول الله - ﷺ - من ردِّ المؤمنات المهاجرات إلى المشركين غير ناقض لشروط العهد. وقد كان ذلك لسه لطفًا من الله بالمسلمين، فيكون قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] بيانًا للحالة التي لا يرجعن فيها إلى المشركين، وليس نسخًا لشرط الصلح؛ إذ النسخ لا يتعلق بشروط العدوِّ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا</span>\nفيه قول ابن سيرين [٣: ٢٥٩، ١٣]:\n(قال رجل لكريه أدخل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج، فقال شريح: من شرط على نفسه شيئًا طائعًا فهو عليه).\nفقوله: «فقال شريح» عطف على مقدار معلوم من السياق، تقديره: «فتخاصما، فقال شريح»؛ لأن شريحًا كان قاضيًا بالكوفة فقضى بما دلَّت عليه قضية قوله: «من شرط على نفسه شيئًا طائعًا فهو عليه»، أي فقضى على الرجل بدفع المائة الدرهم. وذكر مستند حكمه وهو أن يلزم الرجل ما ألزمه لنفسه. ففي الكلام إيجاز الحذف كقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣].","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>كتاب الوصايا (والوقف)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>باب أن يَتْرُكَ ورثته أغنياء</span>\nففيه حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ -[٤: ٣، ١٢]:\n«قُلت: يا رسول الله، أوصي بمالي كُله؟ قال: «لا» قلت: فالشطر؟ قال: «لا». قُلت: فالثلث؟ قال: «فالثلث والثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» الخ)\nجعل الفقهاء هذا الحديث أصلًا في الوصية الجائزة، وأفتوا بردِّ ما زاد على ثلث المال في الوصية.\nوقد ذكر البخاري في الباب بعده قول ابن عباس [٤: ٣، ٢٠]: (لوْ غضَّ النَّاس إلى الربع؛ لأن رسُول الله - ﷺ - قال: «الثلث والثلث كثير»). وهو استدلال مشكل؛ لأن حديث سعد خبر واحد، وليس يوجد غيره مما يدلُّ على تعميم التشريع في هذا الباب وإعلانه وردَّ ما زاد على الثلث.\nوقد جرى ذلك بين رسول الله - ﷺ - وبين سعد في حال استشارة، فهي قضية عين، فيحتمل أن رسول الله - ﷺ - أشار على سعد بالأفضل، ويحتمل أن ذلك كان لأجل افتقار ورثة سعد، كما هو صريح قول رسول الله - ﷺ -: «خَير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس»، فكانت الوصية بما يتجاوز ثلث المال إضرارًا بهم. وقد قال الله تعالى لما ذكر الوصية في كتابه: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾، [النساء: ١٢] فيظهر أن ملاك جواز الوصية هو ما لا يضر بالورثة: من تركهم في حاجة، أو قصد حرمانهم وإبعادهم عن ماله، كما يفعله بعض المُغرضين؛ إلا أن ضبط ذلك ليس بالأمر السهل. فلعل عسر انضباطه هو الذي حمل العلماء على المصير إلى إشارة النبي - ﷺ - مع اعتبار المال في حالة المرض المخوف قد صار فيه حق الوارث، وسماح الوارث بحقه متفاوت بتفاوت سخاء النفوس. فلما كان المقدار الذي أشار به رسول الله - ﷺ - على سعد مقدارًا جائزًا لا محالة في حالة فقر الوارث، كان محل وفاق بين العلماء، وكان الزائد عليه محتملًا ومتفاوتًا؛ فألغوا تفاوته وتفاوت أحوال الورثة لعسر الانضباط، وجعلوا باب إجازة الوارث مفتوحًا ليتحقق به مقدار سماح الوارث؛ ولذلك كان قول","vol":"1","page":83},{"text":"الظاهرية بإبطال ما زاد على الثلث، ولو أجازه الورثة، خطًا بيِّنًا.\nواعلم أنه قد أقيم النظام البشري على اعتبار أواصر كثيرة: أعلاها آصرة القرابة والزوجية؛ فلذلك اعتبارها الإسلام موجبًا لانتقال مال الميت بعده تأكيدًا لتلك الآصرة. والإشراف على الموت يشرف بالمال على مصيره حقًا للأقارب. وقد ترك الله منه حقًا لربه أن يوصي به لمن يشاء، وحدده بأن لا يكون مُضارًا، فجمعت السنة بين الحقين وأبقت حق الوصية محترمًا؛ فلذلك لم تجز الوصية للوارث، وجعلت حق القرابة محترمًا، فلم تجز وصية بأكثر من الثلث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>باب قول الله تعالى:</span>\n﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]\nفيه قول البخاري: [٤: ٥، ١٥]:\n(وَقدْ قالَ رسول الله - ﷺ -: «إيَّاكم والظنَّ فإنَّ الظَّنأكْذبُ الْحديثِ»).\nوهو صدر حديث رواه مالك في الموطأ، وأسنده البخاري عنه في كتاب الأدب [٨: ٢٣، ١٢]، وهو أصل عظيم.\nوالمراد بالظن، المحذر منه، الظن الذي لا دليل عليه. والبخاري كغيره، من الذين جعلوا الأثر هو الأصل الأول في الفقه، يرون أن الظن الذي يعضده الكتاب أو السنة لا يحتج به؛ لأنه عرضة للخطأ، فلذلك جعل هذا الحديث أصلًا رد به على أبي حنيفة في استدلاله بالاستحسان كما هنا، وفي مواضع أخرى تأتي في أبواب هذا الجامع.\nفمقصده من ذكر هذا الحديث هنا الرد على ما حكاه عنه بقوله [٤: ٥، ١٤]: «ثُمَّ اسْتَحْسَنَ، فَقَالَ: يَجُوزُ إِقرَارُهُ بِالْوَدِيعَةِ وَالْبِضَاعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ»، أي أثبت تفرقة فيما تسلط عليه الإقرار لا دليل عليها من السنة، وليس مراد البخاري الرد على قول أبي حنيفة: «لا يجوز إقرار المريض بالدين للوارث لسوء الظن بالمقر»؛ لأن سوء الظن إذا كان بمعنى التهمة، كما أراده أبو حنيفة، يبعد أن يكون دليلًا، فقد قال به كثير من العلماء في مواضع، وفي مقدمتهم مالك بن أنس في هذا الباب","vol":"1","page":84},{"text":"باب الإقرار على تفصيل فيه، وهذا مجال واسع للاجتهاد، وقد أظهر البخاري فيه رأيه الذي أصله في مواضع كثيرة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>باب قول الله تعالى:</span>\n﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٨]\nفيه قول ابن عباس - ﵃ -[٤: ١٠، ١٣]:\n«إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نُسِخَتْ وَلا وَاللهِ مَا نُسِخَتْ وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ، هُمَا وَالِيَانِ: وَالٍ يَرِثُ وَذَاكَ الَّذِي يَرْزُقُ، وَوَالٍ لا يَرِثُ كَوَليِّ اليَتِيم فَذَاكَ الَّذِي يَقُولُ بِالْمَعْرُوفِ يَقُولُ: لا أَمْلِكُ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ».\nإن أهل الفقه أجمعوا على أن ليس لأحد من المخاطبين في هذه الآية أن يعطي بعض من حضر قسمة الميراث شيئًا لا يملك هو أن يتصرف فيه، ولكنهم لما أشكل عليهم إطلاق الأمر بالإعطاء في الآية قال بعضهم برأيه: لعل هذا كان قبل شرع الميراث فإذا أوصى الميت بماله كان أولياء وصيته مأمورين أن يعطوا عند قسمة المال شيئًا لمن يحضر من قرابة الميت والمساكين والضعفاء بالاجتهاد تأنيسًا لهم من انكسار رؤية الأموال تقسم في غيرهم، وقد كان من عادة العرب أن يوصوا بأموالهم لمن يعينونه، ويقيموا وصيًا يتولى تنفيذ الوصية، وهو أصل اسم الوصي، وقد أوصى نزار بن معد بن عدنان بقسمة أصناف ماله بين أولاده: مضر، وربيعة، وأنمار، وإياد، وأقام الأفعى الجرهمي وصيًا ينفذ وصيته، وكانوا ربما حرموا بعض قرابتهم وأزواجهم وبناتهم.\nفلما نسخ الله شرع الجاهلية ابتدأهم بأن أمر متولي تنفيذ الوصية بأن يرزقوا من حضر القسمة تطييبًا لخواطرهم، ثم شرع الميراث على حسب القرابة المبينة في آية المواريث، فنسخ الأمر بإعطاء من حضر القسمة، هذا وجه هذا القول، وليس في الآثار الصحيحة ما يشهد لوقوع هذا التدرج في شرع الميراث وهو محتمل، وما بينوا إجماله الذي سموه نسخًا إلا بمراعاة أحوالٍ شهدوها.\nوقال بعضهم برأيه: لا حاجة إلى ادعاء النسخ، والآية مستقلة بمعناها، قابلة للعمل بمؤداها، وهو أن يكون الله أمر الورثة أن يعطوا من يحضر القسمة- من","vol":"1","page":85},{"text":"ذوي القرابة الذين لا يرثون، والفقراء، والأيتام الذين لا أموال لهم، فهم ضعفاء للعجز عن التكسب- نصيبًا من المال المقسوم، تطييبًا لخواطرهم، واقتلاعًا لنزعات التلهف والحسد من قلوبهم.\nوهذا قول ابن عباس، إلا أن ابن عباس جعل قوله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾ [النساء: ٨] وقوله: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨] أمرين؛ إن أمكن امتثالهما كليهما وجب العمل بهما، وإن تعذر أحدهما عمل بالآخر، فالذين يتولون القسمة مأمورون بهذا العطاء، ومأمورون بإحسان القول إليهم، كيلا يوحشوهم بما يدل على التحقير والملل من ذلك العطاء؛ لأن المقصد من العطاء هو التألف وجبر الكسر القلبي، فلا يقارن بما ينقض المقصود منه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] الآية، وقال النابغة:\nعلي لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب\n\nوقول ابن عباس: «هُمَا وَاليَانِ» أعاد الضمير على شيء مفهوم من المقام من قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨]، فـ «واليان» هو تثنية (والٍ) بمعنى الذي يلي القسمة، أي هما صنفان: صنف بقسم ويرث، وصنف يقسم عن غيره وهو ولي اليتيم إذا كان في الورثة صغار، فليس مراد ابن عباس أن الله أمر احد الفريقين بالإعطاء، وأمر الآخر بأن يقول لهم معروفًا، وإنما أراد أن أحدهما مأمور بشيئين، والآخر مأمور بالقول المعروف خاصًا؛ إذ لا يملك غيره ولا يأمره الله إلا بما يمكنه، فإجمال الآية اقتضاه الإيجاز ويبينه الفهم المستقيم وهذا هو القول الأسد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>باب إذا قال الواقف: لا نطلب ثمنه</span>\nإلا إلى الله فهو جائز [٤: ١٥، ١٩]\nلعل البخاري أراد من هذه الترجمة الرد على أي حنيفة وغيره من فقهاء الكوفة، إذ منعوا الوقف، ورأوه من قبيل السائبة؛ لأن الواقف يجعل الموقوف ملكًا لله؛ فقالوا: هذا يشبه جعل المشركين الشيء ملكًا للآلهة.\nووجه القياس عندهم انه تعطيل لملك الناس، وصرفه إلى من لا يستفيد من الملك، فلذلك كان شريح إذا سئل عن الوقف، يقول: لا سائبة في الإسلام.","vol":"1","page":86},{"text":"وأثر ذلك أيضًا عن أبي حنيفة، فكان استدلال البخاري بقول الأنصار للنبي - ﷺ -: «لا نطلب ثمنه إلا إلى الله» إبطالًا لهذا القياس، فإنهم جعلوه بيعًا لله، وثمنه هو ثواب الله، وصرفوا ملكهم عن الموقوف إلى الله، فليس في قولهم ذلك شبه بالسائبة، وكان ذلك عقدًا صحيحًا، فبطل قول أبي حنيفة: إنَّ الوقف باطل شرعًا.\nويترتب على البطلان عدم ترتب آثار العقد التي منها لزومه للواقف، فهو عندهم باطل غير لازم، خلافًا لمن تأول عن أبي حنيفة أنه عَنى عدم اللزوم لا البطلان الشرعي.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>باب إذا وقف أرضًا ولم يبين الحدود فهو جائز</span>\nوقع فيه حديث مالك في تصدق أبي طلحة الأنصاري بيرحاء، وقول النبي - ﷺ - له [٤: ١٣، ١٤]: «بخ ذلك مال رابخٌ».\nوذكر البخاري اختلاف الرواة عن مالك في قول النبي - ﷺ -: «رابح»، فروي بالباء الموحدة بعد الألف، وهي رواية عبد الله بن مسلمة عن مالك، وروي بالهمزة بعد الألف، وبعضهم عبر عنها بالياء، وهي رواية إسماعيل بن أبي أويس وعبد الله ابن يوسف ويحيى بن يحيى التميمي عن مالك [٤: ١٣، ١٧].\nفأما رواية الباء الموحدة فلا خفاء فيها.\nوأما رواية الهمزة فمعنى «رائح» من الرواح، أي الرجوع من المرعى، وضده الغدو، والمعنى تشبيه تلك الصدقة في ثواب صاحبها بالمال، أي الإبل التي تروح لصاحبها بعد الرعي، فيحلبها ويشرب هو وأهله من ألبانها.\nوفي حديث أبي هريرة قال النبي - ﷺ -[٣: ٢١٦، ١٦]: «نِعْمَ الْمَنِيحَةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِيُّ تَغْدُو بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِإِنَاءٍ».\n* * *","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>كتاب الجهاد والسير</span>\nفيه قول عبد الله بن مسعود [٣: ١٧، ١٨]:\n«فَسَكَتُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي».\nأي لأن أعمالًا كثيرة لم يسأله عنها وهي متفاضلة.\nوأما قول: «لزادني» فإنما حصل له الجزم بذلك لما يعلمه من محبة رسول الله - ﷺ - إياه وإقباله عليه، فحصل من مجموع الأمرين الجزم بأنه لو استزاده في السؤال لزاده.\n* *\nوفي حديث عائشة [٣: ١٨، ٣]:\n«أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلا نُجَاهِدُ قَالَ: «لَا، لَكُنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ»».\nروي «لَكُنَّ» بلام الجر وكاف خطاب النسوة. فالمعنى عليه: لكن كأفضل الجهاد الحج. فالكلام على التشبيه البليغ بقرينة أن الحج مغاير للجهاد.\nوإضافة (أفضل) إلى (الجهاد)؛ لأن الجهاد بعضه أفضل من بعض، فالحج المبرور للنساء كأفضل الجهاد للرجال.\nوروي «لكِنَّ» بحرف الاستدراك، أخت (إنَّ)، وهو استدراك على مقدَّر أفهمه سياق كلام عائشة في قولها: «نرى الجهاد أفضل العمل». والتقدير: ليس هو بأفضل العمل للنساء، لكن أفضل الجهاد حجٌّ، أي لكن أفضل الجهاد للنساء حجٌّ مبرور. والكلام أيضًا على التشبيه البليغ كما قررناه آنفًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>باب فضل الصوم في سبيل الله [</span>٤: ٣٢، ١]\n(عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا»).\nظاهر الحديث أن المراد منه الصوم عند الاشتغال بالجهاد، وعلى ذلك بني","vol":"1","page":88},{"text":"البخاري ترجمته ووضعه في كتاب الجهاد. فإذا كان على ظاهره فليس المراد منه الترغيب في الصوم في وقت الاشتغال بالجهاد، ولكن المراد منه أن من لم تصده مشقة الجهاد عن التطوع بالصوم، لاسيما إذا كان له عادة في صوم أيام معينة، فهو قد حمله الاحتساب لله على تحمل مشقتين، فأعطي ثوابًا جزيلًا حاصلًا من كلتا المشقتين، لكمال إيمانه واحتسابه، وذلك إذا لم يجر إليه نقصًا من أعمال الجهاد.\nويحتمل أن يكون المراد الصائم الذي قصد من صومه التفرغ للجهاد، والعون عليه بقلة الحاجة إلى الطعام، وطرح كلفة الغذاء ليكون نهاره كله شغلًا بإعداد عدد الجهاد.\nفهو على هذين الاحتمالين لا يعارض الآثار التي فيها الأمر بالفطر في الجهاد مثل قوله - ﷺ -: «تَقَوَّوْا لعِدوِّكم ....».\nويجوز أن يكون المراد: «في سبيل الله» أي: لوجه الله، واحتسابًا له، فهو وزان قوله - ﷺ -[٣: ٣٣، ١١]: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». وهذا احتمال ضعيف ذكرناه؛ لأنه جار مجرى التأويل.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>باب من استعان بالضعفاء والصالحين</span>\nفيه حديث مُصْعَبْ بْنِ سَعْدِ بنِ أبي وقاص [٤: ٤٤، ١٣]: (قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلا بِضُعَفَائِكُمْ؟»).\nالاستفهام هنا في معنى النفي كما يدل عليه الاستثناء، فالصيغة صيغة حصر، وهو حصر ادعائي مقصود به المبالغة في الإخبار عن عناية الله تعالى بالضعفاء من المسلمين ليعلم الناس أن للضعفاء الحظ الأوفر في تيسير الله النصر والرزق لسائر الأمة.\nوالمراد بالضعفاء المتصفون بالضعف، وهو ضد القوة التي هي في الأصل المقدرة البدنية، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾. [الروم: ٥٤]\nوقد وقع التوسع فيها في الشائع من الاستعمال، فصارت القوة بمعنى كل ما يستطيع به المرء دفع الضرر والأذى عن نفسه ببدنه أو عشيرته أو ماله أو جاهه. فإن كل ذلك مما يصرف الناس عن أذاه، وبضد ذلك الضعف، قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص: ٥]، وقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، [النساء: ٧٥] وقال: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾، [الأنفال: ٦٦]","vol":"1","page":89},{"text":"وقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: ٩١]. وقال الحماسي:\nلقد زاد الحياة إلي حبًا ... بناتي إنهن من الضعاف\n\nفالمراد من الضعفاء هنا الفقراء والمرضى والصبيان والأرامل ونحوهم. وقد دلَّ عليه مقابلته بسبب القصة، وهو قول الراوي: «رأى سعد أن له فضلًا على من دونه» أي من حيث غنائه في الحرب.\nووجه ما دل عليه الحديث أن الله شديد الرحمة بضعفاء خلقه؛ لأنهم لا يستطيعون حيلة، فكان لطف الله أسرع إليهم منه إلى غيرهم، فإنه إذا ضاقت الأرزاق وجد أهل الثراء والسعة بعض السبيل إلى سد عوزهم وضاق الأمر على الفقراء. وإذا غلب القوم وعزوا وجد الأقوياء ملجأً للفرار والدفاع، والأغنياء فدى لأحبائهم من الأسر، ولأيتام أمواتهم من الحاجة. ولم يجد الفقراء لذلك سبيلًا، فكان تقدير الله معظم النصر للقوم، ومعظم الرزق من آثار رحمته بأولئك؛ لأن جميع أسباب النعم هي من آثار رحمة الله.\nوقد دلت الآثار المستقراة من الكتاب والسنة على أن الله يعوض عبيده عما أرزأهم من المصائب والعلل، فكان هذا من معنى ذلك.\nوليس المراد أن غير الضعفاء لاحظ لهم في عناية الله تعالى لطفه، كيف والله تعالى يقول: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾؟ [الشورى: ١٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>باب لا يقول فلان شهيد [</span>٤: ٤٤، ١٩]\nهذا تبويب غريب، فإن إطلاق اسم الشهيد على المسلم المقتول في الجهاد الإسلامي ثابت شرعًا، ومطرق على ألأسنة السلف فمن بعدهم. وقد ورد في حديث الموطأ والصحيحين: أن الشهداء خمسٌ غير الشهيد في سبيل الله. والوصف بمثل هذه الأعمال يعتمد النظر إلى الظاهر الذي لم يتأكده غيره، وليس فيما أخرجه البخاري هنا إسنادًا وتعليقًا ما يقتضي منع القول بان فلانًا شهيد، ولا النهي عن ذلك.\nفالظاهر أن مراد البخاري بذلك أن لا يجزم أحد بكون أحد قد نال عند الله ثواب الشهادة؛ إذ لا يدري ما نواه من جهاده، وليس ذلك لمنع من أن يقال لأحد: إنه شهيد، وأن تجري عليه أحكام الشهداء إذا توفرت فيه، فكان وجه التبويب أن يكون:","vol":"1","page":90},{"text":"باب لا يُجزم بان فلاناَ شهيدٌ إلا بإخبار من رسول الله - ﷺ -، مثل قوله في عامر ابن الأكوع [٥: ١٦٧، ٨]: «إنه لجاهدٌ مُجاهدٌ». ومن هذا القبيل زجر رسول الله - ﷺ - أم العلاء الأنصارية حين قالت في عثمان بن مظعون: «شهادتي عليك لقد أكرمك الله» فقال لها: «وما يُدريك أن الله أكرمه؟».\n* *\nفيه حديث سهل بن سعد [٤: ٤٥، ١٢]: «فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عِنْدَ ذَلِكَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»».\nيعني: وهذا الرجل، وهو قزمان الذي قاتل أحسن القتال، من الذين عملوا عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار. فإنه لما جرح استعجل الموت، فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فدل ذلك على ضعف إيمانه. وذلك ينافي أن تكون شدته في القتال إخلاصًا لله تعالى إعلاءً لكلمته؛ إذ لا يجتمع مصل ذل ك الإخلاص مع مثل هذا الاستخفاف بالعاقبة. إنما كانت شدته في القتال تظاهرًا بالشجاعة وولعًا بمنازلة الأبطال.\nويحتمل أنه كان يبطن الكفر، وإنما كان يقاتل مع المسلمين حبًا للغنيمة، ولعل قول رسول الله - ﷺ - فيه: «وهو من أهل النار» يؤذن بهذا الاحتمال الثاني.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>باب التحريض على الرمي</span>\nفيه حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ -: [٤: ٤٥، ١٧]:\n(قال: مر النَّبي - ﷺ - على نفر من أسلم ينتصلون، فقال النَّبي - ﷺ -: «ارْموا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكمْ كَانَ رَامِيا، ارْموا وَأَنَا مَعَ بَنِي فلَانٍ». قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول اللهِ - ﷺ -: «مَا لَكمْ لَا تَرْمون؟» قَالوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهمْ؟ قَالَ النَّبِيّ - ﷺ -: «ارْموا فأنا مَعَكمْ كلِّكمْ»).\nقول النبي - ﷺ -: «وأنا مع بني فلان» جريٌ على العادة فيمن يحضر المتناضلين أو المتسابقين أن ينحاز بعضهم إلى بعض المتبارين، بأن يظن بذلك البعض الفوز، وكان ذلك في؟؟؟؟ من المخاطرة على حظوظ المتبارين، وهي ضرب من القمار، فلما جاء","vol":"1","page":91},{"text":"الإسلام بقيت عادة الانحياز وبطلت المخاطرة والمقامرة فلما حضرهم رسول الله - ﷺ - جرى على العادة لما فيها من بعث الهمم على العناية بتسديد الرمي. ولما سمعه الفريق الذي لم يجعل رسول الله - ﷺ - نفسه معهم تحرجوا من المناضلة؛ لئلا يجدوا في أنفسهم الحرص على أن يعوقوا فريقًا جعل رسول الله - ﷺ - نفسه معهم ولقد أحسنوا الفطنة والأدب، فلما رأى ذلك رسول الله - ﷺ - عدل عن ذلك التخصيص، وجعل نفسه مع الفريقين كليهما، استبقاءً لما في تلك العادة من بعض الهمم.\nوقد ورد في بعض الروايات أن النضال كان بين اثنين؛ فيكون قول الراوي هنا: «إنه مرَّ على نفر من أسلم» أن النفر كانوا حاضري المناضلة، وليسوا متناضلين، على العادة في شهود المناضلة أن ينحاز جمع لكل فريق، وأن قول رسول الله ﵊: «وأنا مع بني فلان»، أي مع من انحاز إليه بنو فلان لطائفة من أسلم.\nوشهود الجماعات أمثال هذه الحوادث عادة بشرية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] فأتى بضمير الجماعة وكان الخصم اثنين ﴿قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾. [ص: ٢٢]\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>باب الحرير في الحرب</span>\nفيه حديث محمد بن سنان عن همام عن قتادة عن أنس [٤: ٥٠، ١٧]:\n(أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ شَكَوَا إِلَى رسول الله - ﷺ - يَعْنِي الْقَمْلَ- فَأَرْخَصَ لَهُمَا فِي الْحَرِيرِ).\nهكذا وقع في هذه الرواية «يعني القمل»، ووقع في رواية أخرى [٧: ١٩٥، ١٠]: «من أجل حكة كانت بهما». وفي رواية: «لحكة كانت بهما»، فالظاهر أن رواية «يعني القَملَ» وهمٌ؛ إذ ليس الحرير بالذي يزيل القمل.\nويحتمل أن مرض الحكة يسمى أيضًا بالقمل عندهم لشبه نزغ الحكة بنزغ القمل، وليس المراد الحشرة المعروفة.\n* * *","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>باب دعاء النبي - ﷺ - إلى الإسلام ..... إلخ</span>\nوقع في قول أبي سفيان [٤: ٥٧، ١٧]:\n«قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَاللهِ مَا زِلْتُ ذَلِيلًا مُسْتَيْقِنًا بِأَنَّ أَمْرَهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ قَلْبِي الإِسْلامَ وَأَنَا كَارِهٌ».\nزيادة «وأنا كاره» انفرد بها صالح بن كيسان عن الزهري، وهي غير موجودة في رواية معمر عن الزهري، ولا في رواية شعيب عن الزهري.\nوشرحها القسطلاني وحده دون ابن حجر والعيني وزكرياء والكوراني. فقال: «وأنا كاره ذلك يوم فتح مكة، ثم حسُن إسلامه وطاب قلبه»، ولعل مراد القسطلاني بقوله: «ذلك» الإسلام، فيكون المعنى: وأنا كاره الإسلام.\nوهذا لا يليق؛ لأن أبا سفيان لما أسلم لم تبق فيه كراهية للإسلام، والظاهر أنها عبارة غير مضبوطة الموقع، وأن موقعها عقب قوله: «بأن أمره سيظهر» قصد منها العبرة بحصول الهدى من الله تعالى في قلبه بعدما كان يكرهه، كما قالت هند بنت عتبة: «يا رسولَ الله ما كان أهلُ خِباء أحبَّ إليِّ أن يذلِّوا من أهل خبائك، واليوم ما أهل خباء أحبُّ إليِّ أن يَعزُّوا من أهل خبائك» [٥: ٤٩، ١٧] و[٩: ٨٢، ١٧].\nويدل عليه ما رواه الطبراني عن عبد الله بن شداد عن أبي سفيان قوله: «فما زلت مرعوبًا من محمد حتى أسلمت». ذكره ابن حجر في كتاب بدء الوحي (١).\nوكأن أبا سفيان أراد تصديق قول هرقل [١: ٦، ١٤]:\n(وكذلك الإيمان حين تخالط بشتاته القلوب. فيكون جملة «وأنا كاره» في موضع الحال من ضمير المتكلم في «ما زلت»، أ] هو مستيقن ذلك وكاره ظهور أمر النبي - ﷺ -.\nولك أن تجعلها حالًا مقارنةً من ياء المتكلم في قوله: «قلبي»، أي: ثم زالت الكراهية. وقرينة ذلك أنه جعل إدخال الله الإسلام متعلقًا بقلبه، وذلك لا يجتمع مع كراهية الإسلام وإلا لما دخل قلبه، بل لسانه وقوله.\n* * *\n_________\n(١) فتح الباري (١/ ٤٤، ٢٦).","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>باب السمع والطاعة للإمام [</span>٤: ٦٠، ١١]\nأراد به هنا أمير الجيش بقرينة إخراجه في أبواب الجهاد، وقد نبه البخاري بذلك إلى أن اختلاف ألفاظ هذا الحديث يفسر بعضه بعضًا، فعبر في بعضها بـ «أميري» كما في كتاب الأحكام [٩: ٧٧، ١٠]، وعبر هنا مرة بالأميرة ومرة بالإمام، فالمراد الأمير الذي يؤمره رسول الله - ﷺ - على الجيش؛ إذ لم يكن في زمن رسول الله - ﷺ - أمراء غير أمراء الجيوش.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>باب يقاتل من وراء الإمام</span>\nفيه قوله - ﷺ -[٤: ٦٠، ١٩]:\n«وَمَنْ يُطِعْ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي».\nاللام فيه عوض عن المضاف إليه، أي: من يطع أميري، كما وقع في هذا الحديث في أول كتاب الأحكام [٩: ٧٧، ١٠].\nووجه ذلك أن رسول الله - ﷺ - لا يؤمر إلا من يعلم أنه صالح بالمسلمين، فعصيانه عصيان للرسول - ﷺ - فيما توخى من مصالح المسلمين. وليست معصية الأمراء غير الذين أقامهم الرسول بمعصية للرسول - ﷺ -؛ لأن الناس لا يثقون بأن ما يأمرون به صلاح، ولذلك ورد في حديث آخر [٥: ٢٠٤، ٥]: «وإنما الطاعة في المعروف». فالواجب عرض ما يأمرون به على المعروف من الشريعة؛ فإن كل موافقًا له وجبت الطاعة وحرمت المعصية، وإن كان خلاف ذلك لم تجب الطاعة ووجب العصيان بقدر الإمكان، إذا لم يفض إلى فتنة أو مفسدة أعظم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>باب قتل النائم المشرك</span>\nوقع في حديث البراء عن عبد الله بن عتيك قوله [٤: ٧٧، ٤]:\n«حَتَّى سَمِعْتُ نَعَايَا أبِي رَافع».","vol":"1","page":94},{"text":"فـ «نعايا» جمع نعية كولايا جمع ولية، والنعية مؤنث النعي، وهو الذي ينعى الميت كما في قول بثينة:\nصرح النعي وما كنى بجميل\nوإنما تصرخ النساء في بيت الميت، فهن النعايا. ثم ينقله الرجال إلى مجامع القوم فهم الأنعياء.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>باب كتابة الإمام الناس</span>\nفيه حديث حذيفة [٤: ٨٧، ١٤]:\n(قالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اكْتُبُوا لِي مَنْ تَلَفَّظَ بِالإِسْلامِ مِنَ النَّاس» فَكَتَبْنَا لَهُ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ، فَقُلْنَا: نَخَافُ وَنَحْنَ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا ابْتُلِينَا حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي وَحْدَهُ وَهُوَ خَائِفٌ».\nلاشك أن مراد رسول الله - ﷺ - أن يكتبوا له جميع المسلمين من الرجال الذين تحتوي عليهم المدينة خاصة دون من كان من المسلمين من الأعراب النازلين حواليها؛ إذ لا يستطيع أهل المدينة وهم المخاطبون بالأمر إحصاءهم؛ فتعين أن المراد ساكنو المدينة.\nوأن المراد بهم الرجال بقرينة قول حذيفة: «فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمسمائة»؛ إذ لو كان في المعدودين النساء لما كان لعددهم أثر في انتفاء الخوف؛ وأن المراد جميع الرجال الذين تلفظوا بالإسلام، لقوله - ﷺ -: «من تلفَّظ بالإسلام». فتعين أنه يريد سكان المدينة عدا المشركين منهم. ولو كان المراد إحصاءَ جيش خارج المدينة لما كان لقول رسول الله - ﷺ -: «من تلفَّظ بالإسلام» موقع؛ إذ لا يكون في الجيش غير المسلمين. فتمحض أن ذلك قد كان في وقعة الخندق؛ لأن جميع أهل المدينة كانوا معدودين يومئذ في الجيش؛ إذ قد كانوا مدافعين عن مدينتهم، ولو كان ذلك في جيش خارج المدينة لما كان في جميع من تلفظ بالإسلام؛ إذ لا يمكن أن يخرج في الجهاد جميع الرجال، وقد أكد ذلك قول حذيفة: «فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمسمائة». فإن وقعة الخندق كانت مخيفة لأهل المدينة، إذ جاءتهم الأحزاب من قبائل عديدة، كما وصفها القرآن: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ","vol":"1","page":95},{"text":"الْحَنَاجِرَ﴾ إلى قوله: ﴿شَدِيدًا﴾. [الأحزاب: ١٠]\nوأما الاختلاف عن الأعمش في العدد، فيحمل على أن سفيان روى عنه عدة جميع من تلفظ بالإسلام، وأن أبا حمزة روى عنه عدد المقاتلة خاصة.\nوقول حذيفة: «فلقد رأيتنا ابتلينا»، يعني بذلك مدة فتنة أهل مصر حين نزلوا بالمدينة ناقمين على عثمان - ﵁ -، ففتنوا الناس، وأخافوا أهل المدينة، وتعطلت الجماعة في مسجد رسول الله - ﷺ - مرات.\nوقد فرض الشراح هنا احتمالات غير واضحة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>باب ما ذكر من درع النبي - ﷺ - وعصاه .... إلخ</span>\nفيه قول المِسوَر بن مَخْرَمَةَ لِعَلَيِّ بن حسين بن علي - ﵃ -[٤: ١٠١، ١٦]:\n«فَهَلْ أَنْتَ مُعْطِي سَيْفُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَإِنَّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكِ القَوْمُ عَلَيْهِ، وايم اللهُ لَئِنْ أعطيتنيه لَا يَخْلُصُ إِلَيْهِ أَبَدًا، حَتَّى تَبْلُغُ نَفْسِي أَنْ عَلَي بُنٍّ أَبِيٍّ طَالِبِ خُطَبِ اِبْنَةِ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ فَسَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُخَطِّبُ النَّاسُ عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ فَقَالَ: «إِنَّ فَاطِمَةَ بضْعةٌ مِنِّي وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا ....»» إلخ.\nلعل هذا السيف مما تركه الخلفاء بيد فاطمة ﵂ كما تركوا الكساء الذي توفي فيه - ﷺ - بيد عائشة؛ لأن تركة رسول الله - ﷺ - لا تورث؛ ولكنها صدقة. فللخليفة أن يخصَّ بعضها لمن يرى أنه أولى بالاختصاص به اختصاص تمليك، بإذن الإمام للمصلحة لا بالإرث.\nولأجل اعتباره ملكًا موروثًا عن فاطمة ﵂ قال حذيفة لعلي بن حسين: «هل أنت معطيَّ سيف رسول الله؟»؛ لأنه يريد عطية تمليك بدليل قوله: «وايم اللهُ لَئِنْ أعطيتنيه لَا يَخْلُصُ إِلَيْهِ أَبَدًا».\nوقوله: «فَإِنَّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكِ القَوْمُ عَلَيْهِ» أراد بني أمية، أي أن يلحوا عليك في هبته لهم، فيمنعك الحياء منهم، أو الخوف من حقدهم، من ردهم.\nويحتمل أنه أراد أن يغلبوك بدعوى أنه من حقوق الخليفة.","vol":"1","page":96},{"text":"وقوله: «لَئِنْ أعطيتنيه لَا يَخْلُصُ إِلَيْهِ»، أي يجادلهم بأنه صار مملوكًا، جدالًا لا يقبلون مثله من علي بن حسين، لمكان المسور من صحبة رسول الله - ﷺ -، وكون قوله حجة عند المسلمين.\nوقوله: «أَنْ عَلَي بُنٍّ أَبِيٍّ طَالِبِ» إلخ، مناسبته لما قبله أنه دل على أن رسول الله - ﷺ - غضب لغضب فاطمة ﵂، وأن انتزاع سيف أبيها من سبطها ومصيره إلى أعداء ابنها من شأنها أن يغضبها لو كانت حية، فهو يغضب رسول الله - ﷺ -، ولرسول الله بعد موته من المراعاة مثل ما له في حياته. والكلام على بقية هذا الحديث يأتي في كتاب النكاح [٧: ٤٧، ١٢].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>باب من لم يخمس الأسلاب</span>\nفيه حديث عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - عن يوم بدر وكيف قتل ابنا عفراء أبا جهل [٤: ١١٢، ٨]:\n«فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهمّا حَتَّى قَتَلاهُ. ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ: «أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟» قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ. فَقَالَ: «هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟» قَالا: لا. فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: «كِلاكُمَا قَتَلَهُ، سَلَبُهُ لِمُعَاذِ ابنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ». وَكَانَا مُعَاذَ بْنَ عَفْرَاءَ وَمُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بن الجَمُوحِ».\nطلب رسول الله - ﷺ - أن ينظر في سيفيهما ليتبين ما يصدق قولهما فيقضي له، وهذا كمعرفة العفاص والوكاء؛ إذ لا يمكن أن يقتل قتيل بسيف ولا يتلطخ ذلك السيف بالدم. فلما رأى في كلا السيفين شاهدًا على صدق مقالهما، بأن كان التلطخ دالًا على ضربة قاتلة بحسب ما هو المعروف من مقدار الدم الملطخ به، علم أنهما اشتركا في قتله.\nويدلُّ لذلك قوله - ﷺ -: «كِلاكُمَا قَتَلَهُ» فهو صريح في تشاركهما، لا يحتمل تأويلًا؛ إذ ليس المقام صراحةً وإعمال بينة، إذ هو مقام قضاء لا مقام تطييب خواطر، كما قال في غزوة حنين [٥: ١٩٧، ٧]: «مَنْ قتل قتيلًا له عليه بينة فله سَلَبُه».\nوإذ قد كان كلتا الضربتين قاتلتين احتمل أن يكون زهوق الروح بكل منهما","vol":"1","page":97},{"text":"ولا يكون بكلتيهما، فكان السبب الموجب لاستحقاق السلب مشكوكًا فيه، فتعذر إعماله كما في الشك في سبب الميراث، فيمن ماتوا بهدم أو غرق، فتساقط السببان معًا. وإنما لم يقسم السلب بينهما؛ إذ ليس هذا تكافؤ البينتين عند التحقيق؛ ولأنه لم يكن من المعهود في الحرب قسمة سلب القتيل بين اثنين؛ ولأن قطع السليب غير متساوية القيمة فيتعذر قسمها. فجعله رسول الله - ﷺ - لأحدهما بمجرد اجتهاده. وهو ما تأوله مالك ﵀؛ ولذلك جزم بأن النفل من الخمس وإنما يعطي باجتهاده أمير الجيش. وجعل السلب من النفل وهو التأويل الصحيح، وما عداه من الوجوه التي فرضوها تعسفات، فليت العلماء اقتصروا على الجادة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم</span>\nوقع في حديث أنس - ﵁ - قوله [٤: ١١٥، ٢]:\n(فقال رَسُولُ اللهِ - ﷺ - للأنصار: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْا اللهَ وَرَسُولَهُ - ﷺ - عَلَى الْحَوْضِ». قَالَ أَنَسٌ: فَلَمْ نَصْبِرْ).\nلما رأى رسول الله - ﷺ - رضى الأنصار على أن أعطى رجالًا من قريش من فيء هوزان بعد أن عتب فريق من حدثاء الأسنان من الأنصار، ثم فاؤوا إلى الرشد والأدب مع الله ورسوله والرضى بما فعله الرسول - ﷺ -، وذلك من صدق إيمانهم وإخلاص نصرتهم لله ورسوله ودينه دون طمع في نفع دنيوي يلحقهم من ذلك، أراد أن يوصيهم بالدوام على مثل هذا الصبر فيما يقضيه الله ورسوله في أثرة سيلقونها بعد وفاة الرسول - ﷺ -، وتشبه هذه الأثرة التي لقوها في حياته.\nوالأظهر أن رسول الله أشار إلى الخلافة من بعده، فالأثرة المذكورة في كلامه هي أثرة حقه، وليست من الباطل؛ لأن كون الخلافة في قريش أمر دلت عليه أدلة شرعية هي التي راعاها أبو بكر وعمر يوم السقيفة، فالصبر المأمور به صبرٌ له دخل في الوفاء للدين والإخلاص لله ولرسوله.\nوالدليل على ذلك أن رسول الله - ﷺ - سماها «أثرة»، ولم يذكر معها ما ينكر عليها ولا ما يصمها بأنها ظلم أو جور، كما دل عليه ذكرها بمناسبة نظيرتها هذه، فالصبر المأمور به واجب، وقد رجوا بذلك يوم السقيفة - ﵃ -.","vol":"1","page":98},{"text":"ويحتمل أن رسول الله - ﷺ - أراد أن يوصيهم بالصبر على الجور إن نزل بهم من حرمان حقوقهم، وهو صر غير واجب.\nولعل هذا هو الذي أشار إليه أنس بقوله: «فلم نصبر» يعني بذلك ما وقع بين الأنصار وبين يزيد بن معاوية مما كان من عواقبه يوم وقعة الحرة. أخذ أنس بعموم الأمر في قوله: «فاصْبِرُوا» على وجه الاحتياط، وإن كان الفعل لا عموم له، وكان لفظ «أثرة» وهو نكرة واردًا في سياق الإثبات لا في سياق النفي؛ ولذلك كان الحمل عليه محملًا بعيدًا، ولا يعد الأنصار مخالفين لما أمرهم رسول الله - ﷺ -.\nومما يدل على ذلك أيضًا ما وقع في حديث أنس في باب مناقب الأنصار حين رام النبي - ﷺ - أن يقطع للأنصار من البحرين فأبوا إلا أن يقطع للمهاجرين مثلهم فقال لهم [٥: ٤٢، ٤]: «إما لا فاصبروا حتى تلقوني على الحوض ستصيبكم بعدي أثرة». فإن ذكر تلك الأثرة، بعد حرض الأنصار على أن لا يؤثروا على المهاجرين بمزية، انتهازٌ لفرصة مظهر صفة إيثار الأنصار على أنفسهم الذين وصفوا به في القرآن، فأمرهم بأن يتذكروا ذلك بعد وفاة رسول الله - ﷺ - خشية من أن تحملهم الأنفة على منازعة المهاجرين فيما آثرهم الله من ولاية بعد الرسول - ﷺ -.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>باب الجزية</span>\nوقع في حديث جبير بن حية عن غزوة نهاوند، وقول ترجمان عامل كسرى للمغيرة بن شعبة [٤: ١١٨، ١٤]:\n«مَا أَنْتُم؟».\nأي سأل سؤالًا ترجمته باستعمال العرب كلمة «مَا أَنْتُم؟» فإن (ما) الاستفهامية في كلام العرب يسأل بها عن نسب القوم أو الشخص. يقال: ما أنت؟ فيقول: قرشي، مثلًا. ويقال للقوم: ما أنتم. فيقولون: قوم من ربيعة، مثلًا.\nوقد تكرر ورود هذا السؤال بنحو هذا في أخبار الوفود في السيرة قالها النبي - ﷺ - للوفود غير مرة، وهو استعمال غريب، ولعدم ذكره في كتب اللغة والنحو التبس أمره على الشرحين، فتوهموا الإتيان بما عنا في خطاب العقلاء مقصودًا به التحقير وهو خطأ.","vol":"1","page":99},{"text":"ووقع فيه قول النعمان بن مُقرنٍ للمغيرة بن شعبة [٤: ١١٩، ١]:\n«بَّمَا أَشْهَدَكَ اللهُ مِثْلَهَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَلَمْ يُنْدِمْكَ».\nفقوله: «يُنْدِمْكَ» هو بضم الياء وسكون النون وكسر الدال. يقال: أندمه، إذا قال له ما يوجب الندم، فندم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>باب ما أقطع النبي - ﷺ - من البحرين</span>\nفيه قول أنس - ﵁ -[٤: ١١٩، ١٣]:\n«دَعَا النَّبِيُّ - ﷺ - الأَنْصَارَ لِيَكْتُبَ لَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ فَقَالُوا: لا وَاللهِ حَتَّى نَكْتُبَ لإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا. فَقَالَ ذَاكَ لَهُمْ مَا شَاءَ اللهُ. عَلَى ذَلِكَ. يَقُولُونَ لَهُ. قَالَ: «فَإِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً»» إلخ.\nقوله: «فَقَالَ ذَاكَ لَهُمْ مَا شَاءَ اللهُ» أي: أعاد ذلك لهم مرارًا، فكلمة (ما شاء الله) هنا مستعملة في الكثرة.\nوقوله: «عَلَى ذَلِكَ يَقُولُونَ لَهُ» كلام مستأنف. و(على) مستعملة بمعنى (مع)، أي: مع ما كرر من العرض عليهم. وهي متعلقة بـ «يَقُولُونَ» أي يقولون له مع ذلك، أي مع تكراره وإلحاحه.\nوهذا كما يقال: كل ذلك يجيب بكذا، أي: كلما قال له كذا يجيب بكذا، فهذا نظيره.\nوقد أغفل الشارحون تفسير هذا الكلام سوى كلمتين مختصرتين للكوراني؛ وبذلك بقي هذا الكلام مشكلًا فاعلمه.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>كتاب بدء الخلق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>باب ذكر الملائكة</span>\nوقع في حديث عائشة - ﵁ - قول رسول الله - ﷺ -[٤: ١٣٩، ٢٠]:\nوقع في حديث عائشة «فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل - ﵇ - فناداني فقال: إنَّ الله قد سمع قول قومك لك وما ردُّوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمَّد، فقال: ذلك فيما شئت»).\nروي: «فقال: ذلك فيما شئت». فعلى هذه الرواية يكون «ذلك» إشارة إلى ما تضمنه قول جبريل، أي ذلك الأمر، أي أمرك ينفذ فيما شئت من غير تحديد بالغًا ما بلغ، فيكون اسم الإشارة مبتدأ، وقوله: «فيما شئت» خبره.\nوروي: «فقال: ذلك فما شئت» فيكون قوله: «ذلك» إشارة قول جبريل، وهو منصوب على المفعولية لـ (قال) لتضمنه معنى الجملة، كقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾، أي قال ملك الجبال قولًا كقول جبريل. والعرب يختصرون عند حكاية الأقوال كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ أي جاؤوا بما قلتموه، وهو الإتيان بقربان تأكله النار. ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾.\nوقوله: «فما شئت» تفريع عن مضمون قوله: «ذلك» وهو استفهام، أي: فما تشاء أن أفعل لهم؟\nويجوز أن يكون «ذلك» إشارة إلى المذكور، وهو مصادر الأفعال التي في قوله: «أن أطبق عليهم الأخشبين»، أي ذلك التطبيق إن شئته. وهذا كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي كذلك الإنزال الذي نزلناه لنثبت به فؤادك.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>باب صفة الجنة</span>\nوقع في حديث أبي سعيد الخُدْري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: [٤: ١٤٥، ٨]: («إنَّ أهل الجنَّة يتراءون»).\nفوقع في بعض النسخ يتراءيون بياء تحتية مضمومة بعد الهمزة المفتوحة. وذلك خطأ من الناسخين؛ لأن حرف العلة المتحرك بعد فتحة يجب قلبه ألفًا، فلما لاقت واو الجماعة الساكنة حذفت الألف لالتقاء الساكنين. وقد اغتر بها القسطلاني فشرح عليها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>باب قول الله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾</span>\nفيه حديث ابن عمر - ﵁ -[٤: ١٥٤، ١٦]:\n«فبينا أنا أُطارد حيَّة لأقتلها فناداني. أبو لُبابة: لا تقتلها. فقلتُ: إنَّ رسول الله - ﷺ - قد أمر بقتل الحيَّات، قال: إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيُوت وهي العوامر».\nالظاهر أن ذوات البيوت لم تكن مسمومة ولا مساورة، وأن كانت فيها منافع؛ لأنها تأكل الجرذان والعقارب؛ فلذلك نُهي عن قتلها. وورد في حديث أبي لبابة في الموطأ الأمر بأن تؤذن ثلاثًا، وقد شرحناه هنالك في كشف المغطى فأرجع إليه.\n* *\nوقع فيه حديث أبي هريرة [٤: ١٥٨، ١١]:\n«إن الله غفر لامرأة مُومسة سقت كلبًا كاد يقتله العطش» ووجه إخراجه في هذا الباب التنبيه على أن الكلب غير العقور لا يؤمر بقتله.\n* *","vol":"1","page":102},{"text":"وكذلك وجه تخريج حديث أبي طلحة [٤: ١٥٨، ١٥]:\n«لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب» إلخ، فإن المراد منه بيان أنه إن كان غير عقور لا يقتل وأنه لا يتخذ.\nوكذلك وجه تخريج حديثَيْ أبي هريرة وسفيان الشنائي فيمن اقتنى كلبًا لغير زرع ولا ضرع فإنه لم يأمر بقتله ولكنه نهى عن اتخاذه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>باب قول الله تعالى:</span>\n﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾\nفيه حديث أنس عن سؤال عبد الله بن سلّامٍ النبي - ﷺ - عن ثلاث [٤: ١٦٠، ١٩]:\n(فقال عبدُ الله بنُ سلام: ذاك -أي جبريل- عدُو اليهود من الملائكة).\nلا شك أن اعتقاد الأمة هو عنوان مقدار استقامة عقولها. وقد بلغ اليهود في أخريات عصور انقراض ملكهم وانصراف النبوءة عنهم دركًا عظيمًا من انحطاط العقول ظهر أثره البين في اختلاف عقائدهم.\nومن أعجب ذلك ما حكاه في هذا الخبر، فإنهم مع علمهم بأن جبريل ملك مقرب عند الله تعالى قد اتخذوه عدوًا لهم؛ لأنهم كانوا يجعلون المحبة والبغض تابعين لملاءمة الهوى، غير تابعين لكمال المحبوب ونقص المبغض، ولا لما في الكمال من المصلحة والنفع في العقبى؛ ولذلك كانوا قد قتلوا بعض أنبيائهم. ويقال: إنهم قتلوا زكريا أبا يحيى خيفة أن يدعو عليهم بما يضرهم، فبادروه بالقتل قبل أن يدعو عليهم، وكذلك بغضهم جبريل فإنهم زعموا أنه كان ينزل من عند الله بما فيه الشدة والأمر بالقتال، وأنه ملك الخسف والعذاب.\nوقد ورد ذكر جبريل في سفر دانيال في الإصحاحين الثامن والتاسع. وذكر فيه أنه عبر لدانيال رؤيا رآها وأنذره بخراب أورشليم؛ ولعل ذلك من أسباب عداوة اليهود إياه؛ لأنه نذير هلاك، وهم مع ذلك يعتقدونه أفضل الملائكة المقربين عند الله. فهذا من اضطراب التفكير المسمى في علم المناظرة والجدل بفساد الوضع.\nونظيره كراهية بعض السذج من عامة المسلمين عزرايل ملك الموت ودعاؤهم عليه","vol":"1","page":103},{"text":"عند حلول الموت بأعزتهم. وقد أشار القرآن إلى ما في هذا الخبر بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية، أي: فليزدهم ذلك بغضًا إياه.\nومن قبيل هذا الخطأ في الاعتقاد ما قصه الله عن ابن آدم الذي قتل أخاه؛ لأن الله تقبل قربان أخيه ولم يتقبل قربانه. وسيجيئ ما يشبه هذا الاضطراب في خبر زيد بن عمرو بن نفيل [٥: ٥٠، ٢].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾</span>\nوقع فيه حديث ابن عمر في الدجال [٤: ١٦٣، ٦]:\n(أن رسول الله - ﷺ - قال: «تعلمون أنه أعور وأن الله ليس بأعور»).\nهكذا وقع هنا قوله: «تعلمون» بصيغة الخبر. والظاهر أن ذلك لم يكن معلومًا للمخاطبين من قبل، فيكون الخبر فيه بمعنى الأمر، أي: اعلموا أنه أعور. وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾ أي: ليعلموا ذلك. وليس المراد الإخبار عنهم؛ لأنهم لو علموا ذلك لما جادلوا في الآيات.\nوالعطف في قوله: «وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرٍ» استخدام في الواو؛ لأن العامل المفاد من الواو هو بمعنى الإخبار؛ إذ هو معلوم لديهم، فليس العطف فيه بمعنى الأمر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>باب قصة يأجوج ومأجوج</span>\nفيه حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ -[٤: ١٦٨، ١٤]:\n(«يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، فيقول: أخرج بعث النَّار، قال: وما بعثً النَّار؟ قال: من كل ألفٍ تسعمائة وتسعة وتسعين، فعنده يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى النَّاس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد»)\nقوله: «فعنده» الضمير عائد إلى القول المضمن في مجموع قوله: «أخرج بعث","vol":"1","page":104},{"text":"النَّارِ» وقوله: «من كل ألف» إلخ. وأصل (عند) أنها ظرف مكان. وقد يتوسع فيها، فتضاف إلى الزمان، فتدل على المقارنة بما أضيفت إليه. استعير لفظ الاستقرار المكاني لمطلق المقارنة بدون مكان نحو: عند الزوال.\nوقوله: «يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها» تمثيلية؛ بأن شبهت الهيئة الحاصلة من هلع الناس وجزعهم بأشد ما يُتخيل عروضه من الهول والهلع والرعب في المتعارف، وهو الهول الذي يشيب له الصغير وتضع الحوامل حملهن.\nوذلك أنه قد شاع عند الناس أن الهم ونحوه يسبب الشيب، ثم بالغ العرب فيه، فجعلوا الهم والخوف يسرعان بالشيب إلى الأطفال الذين لا يهتمون بالمصائب ولا تتهيأ أمزجتهم إلى الشيب، كقول الشاعر:\nإذن والله نرميهم بحرب ... تشيب الطفل من قبل المشيب\n\nفحصل من شيوع هذا الاستعمال تخيل هيئة لعظيم الهول تشيب عندها الأطفال، فهي هيئة وهمية، فالتشبيه بها تشبيه بأمر غير حسي، ولكنه وهمي. ونظيره في التشبيه المفرد قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾، وقول امرئ القيس:\nومسنونة زرق كأنياب أغوال\nفالمشبه في هذا الحديث هيئة حسية علمت من قوله: «فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها»؛ لأن من المعلوم للسامعين أنه لا صغير ولا حامل في ذلك الموقف، وأن المقصود: فعند ذلك هول ورعب وهلع، كالهول الذي يشيب فيه الصغير وتضع الحامل حملها، فبذلك استقامت التمثيلية.\nوقوله: «وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى» تشبيه بليغ غير تمثيلي؛ ولذلك تبدل الأسلوب فلم يعطف على «يشيب وتضع» فيقال: وتسكر الناس، بل قيل: «وترى الناس سكارى» وقوله: «وَمَا هُمْ بِسُكَارَى» تجريد للتشبيه البليغ.\nوقد جاء في هذا الحديث فنون من السحر البياني بعضها مقتبس من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ الآية.\n* * *","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>باب يزفون ... إلخ</span>\nفيه قول ابن عباس [٤: ١٧٢، ١٩]:\n«أوَّل ما تخذ النَّساء المنطق من قبل أمَّ إسماعيل اتَّخذت منطقًا لتُعفَّي أثرها على سارَّة».\nالمنطق -بكسر الميم وفتح الطاء- إزار غليظ تشده المرأة على نصفها الأسفل، وتربط عليه بحبل إذا قصدت الخدمة؛ كيلا يتسخ أسفل درعها أو قميصها أو إزارها، فهو من شعار الإماء ومن لباس الحرائر عند الخدمة. قال الخطيب القزويني مترجمًا بيتًا من الفارسية:\nلو لم تكن نية الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق\n\nولذلك قال رجل لابن الزبير: «يا ابن ذات النطاق» يظنها نبزًا، بأن أمة كانت مثل الخدم.\nوقوله: «أول ما اتخذ النساء» يعني نساء العرب. وقوله: «لتعفي أثرها» أي شدت النطاق لتري مولاتها أنها تريد الخدمة، حتى إذا خرجت مهاجرة أرخته تجره على إثرها ليخفى أثرها على سارة، فلا تهتدي إلى مسلكها ولا تعرف أن تفتش عليها. وإنما يكون ذلك في الرمال الدقيقة، كقول امرئ القيس:\nخرجت بها نمشي تجر وراءنا ... على إثرينا ذيل مرط مرحل\n\nوقال عبد بني الحسحاس:\nفعفي بآثار الثياب ببيتنا ... وتلقط رضا من جمان تحطما\n\nوهذا الكلام يدل على أن هاجر خرجت خفية من مولاتها. وظاهرة التوراة أنها بعد أن خرجت خفية تعرض لها ملك فأمرها بأن ترجع إلى مولاتها وتسترضيها؛ ولكن التوراة لم تذكر ما كان بعد ذلك سوى ولادة إسماعيل - ﵇ -.\nوالظاهر أن خروجها كان جهرة، وإلا فكيف خرج معها إبراهيم حتى بلغ الحجاز؛ ولذلك فسر الشارح الكرماني قوله: «لتعفي أثرها»: «أنها شدت عليها المنطق إظهارًا لخدمتها لتستميل خاطرها. يقال: عفي على ما كان منه، إذا أصلح ما فسد» أهـ. وهو شرح حسن، أي أن هاجر لم تتطاول على مولاتها مثل ضرة ولكنها لزمت حالة الإماء. وهذا يلاقي ما في التوراة من أنها رجعت لتسترضي","vol":"1","page":106},{"text":"مولاتها. وحينئذ تكون مهاجرة إبراهيم بها إلى الحجاز بإذن من الله تعالى تهيئة لتكوين الأمة التي قدر الله أن يظهر منها أفضل رسله - ﷺ -.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>باب قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾</span>\nفيه حديث نافع عن ابن عمر - ﵃ -[٤: ١٨١، ٨]:\n«أن الناس لما نزلوا مع رسول الله - ﷺ - أرض ثمود الحجر فاستقوا من بئرها واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يهريقوا ما استقوا من بئرها وأن يعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة)\nالمقصد من النهي إعلان الإعراض عن مواقع العذاب، لما يتبع ذلك من كراهية أهلها بكراهية أعمالهم، فهو من التحذير بالقول المعضود بالفعل لغيبة المحذر منه عن الحواس مع عظم خطره، فناسب أن ينضم العمل إلى القول وإلى الفكر النفساني في إنكاره، فهو من مكملات النهي عن دخول مساكنهم إلا باكين، كما سنبينه في باب نزول رسول الله - ﷺ - الحجر من كتاب المغازي.\nوأما البئر التي كانت تردها ناقة صالح فالاستقاء منها؛ لأنها من آثار آية من آيات الله، أظهر الله بها صدق رسوله صالح - ﵇ -، ولأجل إتيان ضد عمل ثمود فإنهم اعتدوا بأن عقروا الناقة، فأمر المسلمون بملابسة آثار الناقة. ولما فات منهم عجن الخبز من الماء المنهي عنه أمروا بأن لا يأكلوه وأن يعلفوه الإبل؛ لأن الإبل ليست تدرك معنى الموعظة والتحذير. وقد كان عجنهُ بالماء قبل النهي عنه، فتداركوا ما أمكن تداركه، وهو أن يتركوا أكله. وسيجيئ الكلام على بقية الروايات في موضعه من باب نزول الحجر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>باب قصة إسحاق - ﵇ </span>-\nقال البخاري [٤: ١٧٩، ١٦]:\n«فيه ابن عمر وأبو هريرة عن النبي - ﷺ -».","vol":"1","page":107},{"text":"فتردد الشارحون في مراده من هذا التعليق. والذي جزم به ابن حجر أنه يعني حديث ابن عمر الذي أخرجه في قصة يوسف وفي مواضع كثيرة وهو قول النبي - ﷺ -[٤: ١٨١، ٢٠]: «إنما الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ...» الحديث. وحديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال [٤: ١٨٢، ٥]: «أكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله» الحديث.\nورد على ابن التين قوله: «إن البخاري وجد حديثًا لم يقف على سنده فأرسله».\nورد أيضًا على الكرماني قوله: «إن فيه حديثًا ليس على شرط البخاري فلذلك أشار إليه البخاري»، واعترض عليه العيني بأن الحديثين اللذين ذكرهما ابن حجر لا مناسبة لهما بقصة إسحاق وقد بسط القسطلاني الرد بينهما.\nوالذي يظهر لي أن الحق ما قاله ابن حجر، وأن البخاري أراد أن يبوب لقصة إسحاق مما يرجع إلى بعض أخباره أو ما يرجع إلى كونه هو الذبيح فلم يجد حديثًا في ذلك على شرطه، ولم يكن عنده فيما يتعلق بإسحاق - ﵇ - إلا أنه نبي وأنه أبو يعقوب وابن إبراهيم. ولما كان هذا المقدار ضعيفًا بالنسبة إلى التبويب أشار إلى الحديثين تعليقًا؛ لأنهما سيذكران بعد، وترك الباب كأنه بياض.\nوأما قول ابن التين والكرماني فليسا جاريين على معتاد البخاري، على أنه لا يعرف حديثًا عن ابن عمر وأبي هريرة في شأن إسحاق غير ذلك، فدعوى وجود ذلك احتمال لا دليل عليه ولا داعي إليه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>باب وفاة موسى - ﵇ </span>-\nوفي حديث وفاة موسى - ﵇ -[٤: ١٩١، ١٨]:\n«أرسل ملك الموت إلى موسى - ﵇ - فلما جاءه صكه فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت» إلخ.\nأي صك موسى ملك الموت، أي دفعه بيده عن نفسه دفعًا شديدًا، بحيث باعد ما بينه وبين مسالك قبض الروح من الآدمي. فإن كان ذلك على الحقيقة فمعناه أن ملك الموت لما تمثل لموسى في صورة البشر استئناسًا لموسى؛ فكان من تمام تمثله أن","vol":"1","page":108},{"text":"محاولة قبض روحه تكون بعد الاتصال به والتمكن منه، فدفعه موسى إبعادًا له عنه، وإن كان على وجه الكناية فصكه لإبعاد اتصاله به؛ لأنه علم أن في اتصاله به انتزاع روحه؛ لأنه ملك الموت، فهو كعنصر الموت، فإذا لقى الحي زالت منه الحياة لا محالة، عكس ما قيل في ماء الحياة الذي أظهره الله للخضر في زمن موسى.\nوقول الملك في مراجعته ربه تعالى: «أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت» يدل على أن الله لما أرسله أمره أن لا يقبض روحه إلا عن رضى منه، وإلا فما كان من شأن ملك الموت أن يتردد في إنفاذ ما أمر به، فالمقصود من ذلك كرامة موسى عند الله حتى لا يقبض روحه إلا عن رضى منه.\nوأحسب أن حكمة ذلك أن الله قد علم أن موسى يحب امتداد حياته لمصلحة هدي قومه، وليرى فتح الأرض المقدسة، وذلك أمر جبلي. وقد علم الله تعالى أن مصلحة وجوده مع قومه قد انتهت، وأن المصلحة صارت في أن يخلفه نبي آخر. وعلم أيضًا أنه لا يشهد فتح الأرض المقدسة، ولكن الله لم يخبره بذلك قبل إبقاء على ما يحسه بجبلته، وملاينة له في تغيير ذلك منه، وتلقينه الرضى بضده؛ ولذلك أعاد إرسال الملك وضرب له ذلك المثل الذي حصل لموسى به اعتبار وموعظة، فتغيرت محبته الحياة إلى محبة لقاء الله تعالى، إذ قال: «فالآن» ليكون قد أحب لقاء الله قبل موته، فيحق عليه ما ورد في الحديث [٩: ١٧٧، ١٦]: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه».\nواعلم أن هذا كله مما يجري في العالم الملكي وعالم الأرواح، فلا تجري أحكامه على ما هو المتعارف في عالم الجثمان، فلا نطيل بالبحث كيف صك موسى غيره وكيف فقأ عينه، كما ورد في بعض الروايات في صحيح مسلم. وللمازري في المعلم وعياض في إكماله ذكر مطاعن لبعض المبتدعة وإشكالات لغيرهم وأجوبة عن ذلك فارجع إليها إن شئت في إكمال إكمال الإكمال.\n* *\nووقع فيه عن أبي هريرة - ﵃ -[٤: ١٩٢، ٦]:\n(قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا - ﷺ - على العالمين، في قسم يقسم به. فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم عند ذلك يده فلطم اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي - ﷺ - فأخبره الذي كان من أمره وأمر المسلم، فقال:","vol":"1","page":109},{"text":"(«لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله»).\nلا شك أن محمدًا - ﷺ - أفضل الرسل، وأنه يعلم أنه أفضل الرسل؛ لأن مثل هذا من أول ما يجب الإيمان به، فلا يؤخر علمه، ولا يُدعى أن رسول الله - ﷺ - علمه بعد مضي سنين من بعثته، فإن ذلك تلفيق لا يقبل.\nوقد ذكر القاضي أبو الفضل في الشفاء في فصل من فصول الباب الثالث من القسم الأول وجوهًا خمسة، بعضها جار في جميع الأخبار الواردة في النهي عن التفضيل، وبعضها خاص بالبعض وأحسنها هو الوجه الثالث، وغيره لا ينشرح له الصدر.\nووجه الجواب عندي: أنه نهى عن التخيير عند المجادلة مع أهل الكتاب؛ لأنه يفضي إلى الخصومات، وهذا من تسامح دين الإسلام على نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. وقرينة ذلك أن القصة وقع فيها اعتداء على اليهودي الذي لم يلزمه الإسلام بتغيير اعتقاده، فذلك هو معنى قول علمائنا: إن أهل الكتاب لا يعزرون على ما يقولونه مما هو من أصل دينهم.\nويحتمل أن يكون النهي تعلق بالخوض فيما لا قبل للناس بعلمه ولا بمقدار تفاضله. فالمقصود سد ذريعة التهافت والرجم بالغيب. فالنهي عن التخيير لا يقتضي نفي التخيير في نفس الأمر. ويدل لهذا الرواية الأخرى: «لا تفضلوا بين الأنبياء»، أي فإن ذلك دخول في خوض لا يحسن داخله الخروج منه.\nويحتمل أن يكون النهي تعلق بالتفضيل المطلق في سائر الأمور. ويدل لهذا قوله: «فإن الناس يصعقون» إلخ، الدال على أن لموسى مزية اختص بها. والمزية تقتضي الأفضلية الجزئية ولا تقتضي الأفضلية الكلية.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>باب قول الله تعالى:</span>\n﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾\nوقع فيه قول البخاري [٤: ١٩٧، ١١]:\n(عفريت متمرد من إنس أو جان مثل زبنية جماعتها الزبانية).","vol":"1","page":110},{"text":"قال ابن حجر: مراد المصنف به أن قيل في عفريت: عفرية. وهي قراءة في الشواذ. أهـ. وهو بعيد؛ إذ لا وجه للاشتغال بميزان كلمة لم تجر في الحديث المتكلم عليه، وهبها جرت في قوله تعالى: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [النمل: ٣٩] على قراءة شاذة فهي لم تجر هنا على أنه لا وجه للاشتغال بالقراءة الشاذة وترك المشهورة.\nفالصواب أن البخاري أراد التنبيه على أن كلمة «عفريت» مخففة من كلمة (عفرية)؛ لأن معناهما واحد، فتعين أن الأخف منهما هو الفرع. وبين أن جمعهما جمع تكسير لا جمع سلامة؛ فلذلك تغيرت حركة فاء الكلمة فيه مثل: زبنية وزبانية. وأشار إلى أنها مشتقة من العفر، وهو التمرد في التراب، كما أن زبنية مشتق من الزبن، فجئ فيه بوزن فعليه للإلحاق بشرذمة.\n* *\nووقع فيه قول أبي ذر - ﵁ -[٤: ١٩٧، ١٨]:\n(أي مسجد وضع أول) إلى آخره.\nومطابقته للترجمة التنبيه على أن المسجد الأقصى كان مسجدًا من زمن إبراهيم قبل أن يبنيه سليمان ثم اندثر، وأن سليمان بنى في موضعه الهيكل المعروف بالمسجد الأقصى.\n* *\nووقع فيه حديث أبي هريرة [٤: ١٩٨، ٢]: (أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا» إلخ.\nووجه ذكره في هذا الباب، مع خبر الذئب الذي عوى على ابن إحدى المرأتين، يحتمل أن أبا هريرة سمع الخبرين من رسول الله - ﷺ - في وقت واحد فحدث بهما، أو أن الأعرج سمعهما من أبي هريرة جميعًا فحدث بهما جميعًا.\n* *\nوقع فيه قول أبي هريرة [٤: ١٩٨، ٧]:\n«والله إن سمعت بالسكين إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية».","vol":"1","page":111},{"text":"وقع في أحاديث ابن وهب عن مالك في جامع العتبية قال مالك: بلغني أن أبا هريرة قال: ما كنا نسمي السكين إلا المدية حتى أنزل الله في كتابه: «وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا». فلعل أبا هريرة تكرر منه هذا الخبر، وإلا فإن ما في رواية ابن وهب أظهر؛ لأن شهرة القرآن أكثر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>باب قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾</span>\nفيه حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -[٤: ١٩٨، ١١]:\n(قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قال أصحاب النبي - ﷺ -: أينا لم يلبس إيمانه بظلم، فنزلت ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. فقد جاء في تلك الرواية بالحديث على وجهه البين في أن الآية معروفة من قبل ذلك. وعليه فقوله هنا: «فنزلت ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ سهو من الراوي عن الأعمش إما من أبي الوليد وإما من شعبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾</span>\nوقع فيه حديث عبد الله بن عمر - ﵃ - عن النبي - ﷺ - وفيه [٤: ٢٠٢، ٢٠]:\n«وأراني الليلة عند الكعبة في المنام، فإذا رجل آدم، كأحسن ما يرى من أدم الرجال، تضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعًا يديه على منكبي رجلين وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا","vol":"1","page":112},{"text":"المسيح ابن مريم، ثم رأيت رجلًا وراءه جعدًا قططًا أعور عين اليمنى كأشبه من رأيت بابن قطن واضعًا يده على منكبي رجل يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح الدجال».\nتمثيل الطواف بالبيت مع أحوال الدجال في رؤيا النبي - ﷺ - يمكن أن يكون تمثيلًا لتدجيل الدجال وتظاهره بخلاف باطن حاله.\nوأما وضع يده على منكبي رجل واحد، فلعله تمثيل لتمويهه بأنه المسيح ابن مريم، فمثل ذلك في شبه الحالة التي رئي عليها عيسى - ﵇ - في تلك الرؤيا.\nوكونه واضعًا يدًا واحدة لا يديه معًا، وعلى منكب رجل واحد لا على منكبي رجلين، تمثيل لدقة الاختلاف بين حاله وحال عيسى التي أراد تمويهها لمن كان ذا اهتداء إلى تبين حال تمويهه. فرؤيا النبي - ﷺ - حق، ويكون حقها تارة في ظاهرها وتارة في تأويلها، فلا ينافي هذا ما صح في الحديث: أن الدجال لا يدخل مكة.\nوأما رؤيا عيسى - ﵇ - متوكئًا في طوافه على منكبي رجلين، فلعله لإكثاره من الطواف بالبيت حصل له إعياء، فاستعان بالتوكؤ حقيقة أو تمثيلًا. وأما توكؤ الدجال فرياء وتمويه.\nوإن للرؤيا النبوية أسرارًا لا يعبرها إلا صاحبها -﵊- وما ذكرناه هو إبداء بعض ما تحتمله، والله ورسوله أعلم.\n* *\nوفيه حديث [٤: ٢٠٤، ١]:\n(أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «رأى عيسى ابن مريم - ﵇ - رجلًا يسرق، فقال له: أسرقت؟ قال: كلا والله الذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني».\nلم يكن عيسى - ﵇ - شاكًا في أن الرجل سرق؛ لأنه قد رآه سرق، فلما أقسم الرجل على أنه ما سرق الذي هو مدلول قوله: «كلا» أراد عيسى أن يوقع في نفس ذلك الرجل حرمة اليمين بالله بعد أن استخف بها، فأتى بكلام موجه يوهم الرجل أنه صدقة في يمينه وتشكك في رؤيته فقال: «آمنت بالله»، وهو كلام حق، وقال: «وكذبت عيني» أي: جعلت ما رأته عيني كالشيء الذي لم يقع؛ إذ أعرض عن","vol":"1","page":113},{"text":"مؤاخذة السارق، وهو يوهم السامع أنه شك فيما رآه. وهذا من دواء نفس السارق. ولعله أصلح الله به حاله.\nوإطلاق اسم الكذب على ذلك مجاز؛ لأن ما تؤديه العين إلى العلم بمنزلة الخبر، فالخطأ فيه مثل مخالفة الخبر للواقع على نحو قوله - ﷺ -: «وكذب بطن أخيك» [٧: ١٥٩، ١٧]. وقوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١].\nفمعنى «كذبت عيني» الشك في صحة رؤيتها، وفي حديث الهجرة: «فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة»، أي لم تنقضه.\nويجوز أن يكون عيسى - ﵇ - قد تعارض عنده صدق الحالف في حلفه، واحتمال الغلط في الرؤية، فرجح صدق الحالف لعظم الإقدام على الحلف كذبًا.\n* * *","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>كتاب المناقب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>باب نسبة اليمن إلى إسماعيل [</span>٤: ٢١٩، ١١]\n(منهم أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة).\nجزم البخاري بأن أسلم من بني إسماعيل - ﵇ -؛ لأنه دل عليه الحديث المخرج هنا، وهو قول النبي - ﷺ - لقوم من أسلم يتناضلون «ارموا بني إسماعيل» فهذا قاطع في أنهم من بني إسماعيل، وأن أسلم كانوا من عرب اليمن، فهم عدنانيون وليس بقحطانيين، فقول البخاري: «نسبة اليمن إلى إسماعيل» أراد به نسبة بعض أهل اليمن؛ إذ لا دليل على أن جميع عرب اليمن من ذرية إسماعيل - ﵇ -.\nهذا وإن بعض قبائل العرب العدنانية قد نزلوا بسروات اليمن مثل أنمار وخثعم وبجيله فعدوا في اليمانية بالجوار.\nوأما سياقة نسبهم، فالمعروف أنهم من أسلم بن أفصى بن عامر بن قمعة بن إلياس ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.\nوالظاهر أن ذكر حارثة بن عمرو هنا غير جار على المعروف في سياقة النسب؛ لأن حارثة هو ابن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس. وهذا نسب قحطاني، على ولذلك وقع الخلاف في قبائل كثيرة منهم خزاعة، والصحيح أنهم عدنانيون. ومنهم قضاعة وفيهم خلاف قوي.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>باب علامات النبوءة في الإسلام</span>\nوقع في حديث عمران بن حصين - ﵁ - قوله [٤: ٢٣٣، ٥]:\n(فجمع لها من الكسر)\nالكسر- بكسر الكاف وفتح السين- جمع كسرة- بكسر فسكون- وهي القطعة من الخبزة، وأصل الكسرة في اللغة: القطعة من الشيء، ثم غلبت في الاستعمال على القطعة من الخبزة؛ ولذلك استغني في الحديث عن تقييدها بأنها من الخبز.","vol":"1","page":115},{"text":"وقع فيه في حديث أنس - ﵁ - قوله [٤: ٢٣٣، ١٤]:\n«حتى توضؤوا من عند آخرهم».\nوهذا تركيب غريب من غرائب الاستعمال الفصيح في العربية، قد أهمل بيانه صاحب لسان العرب وصاحب القاموس وصاحب تاج العروس وابن الأثير في النهاية وابن مالك في مشكل الجامع الصحيح. وكتب عليه بعض شراح الصحيحين ما لا تطمئن له نفس اللبيب.\nوالمراد من هذا التركيب بيان اكتفاء جميع الناس بالوضوء حتى لم يحرم منه أحد، فالمراد الإحاطة والوسع. فالمراد بـ «آخرهم» من جاء آخر القوم رائما الوضوء من ذلك الماء، وهو من أبطأ في المجيء؛ لأن شأن الأشياء المقترة المضيقة أن يكتفي منها من يتناولها ابتداء وجاء مسرعًا، وأن من أبطأ لم ينل منها شيئًا أو نال ما لا يغنيه، وبعكسه الشيء الغزير الذي هو أكثر من حاجة القوم.\nفقوله: «توضؤوا من عند آخرهم» (من) فيه للابتداء. جُعل آخر القوم كأنه مبدأ للوضوء، أي توضأ جميعهم من الماء الذي هو عند آخرهم، أي أن المتوضئ آخرًا من القوم قد بقي لديه من الماء ما لو رام جميع القوم أن يتوضؤوا منه أيضًا لكفاهم.\nفالمراد من هذا التركيب لازم معناه، وليس المراد صريحة؛ إذ لا معنى لتوضؤ المتوضئين الأولين متوضئين من عند آخرهم، كيف وهو آخرهم. فالكلام كناية تلويحية رمزية؛ لأنها اشتملت على كثرة الوسائط مع خفاء. وهي أيضًا غير مراد منها ملزوم المعنى الكنائي بل أريد اللازم فقط، وبذلك تعين أنه لا يلزم تقدم المعنى الصريح في ظاهره.\nوقد توهم بعض الشارحين أن (من) هنا بمعنى (إلى) وأن كلمة (عند) مقحمة. وإنما ألجأهم إلى ذلك عدم استقامة المعنى الصريح وغفلتهم عن كون المقصود الكناية.\n* *\nووقع فيه في حديث أنس بن مالك - ﵁ -[٤: ٢٣٧، ٢]:\n«ثم أرسلت السماء عزاليها».\nهو جمع: عزلاء، بالمد. والعزلاء: فم القربة الذي يكون من أسفلها، ومنه","vol":"1","page":116},{"text":"يستفرغ ما فيها من الماء، فهو -بفتح العين واللام مكسورة- بوزن فعالي في جمع فعلاء، مثل: صحاري، والياء هنا مفتوحة لظهور الفتحة على الياء، ولا يجوز غير ذلك هنا.\nومعنى «أرسلت» حلت وفتحت، وأصل الإرسال الإطلاق من الربط، أي: أزالت وكاء القرب. شبه شدة المطر بانصباب الماء من قرب كثيرة، وحذف المشبه به ورمز إليه بذكر لازمه، وهو العزالي، على طريقة المكنية، والإرسال ترشيح.\n* *\nووقع في حديث أبي هريرة - ﵁ -[٤: ٢٤٩، ٣]:\n«سمعته يقول وقال بيده هكذا»\nيعني النبي - ﷺ -، ومعنى «قال بيده»: أشار. ولم أر من وصف كيفية هذه الإشارة.\n* *\nوفيه حديث ابن عباس - ﵁ -[٤: ٢٤٧، ٧]:\n(فقال رسول الله - ﷺ -: «لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها ولن تعدو أمر الله فيك ولئن أدبرت ليعقرنك الله»).\nأي: قال لمسيلمة. ومعنى «لئن أدبرت ليعقرنك الله»: لئن أعرضت عن الإسلام الذي جئت لأجله ليغلبنك الله. وقد جاء التركيب على طريقة الاستعارة التمثيلية؛ إذ شبه الهيئة الحاصلة من إعراضه عن الإسلام بعد اقترابه منه ووشكه عليه يعرض للقناص فيكاد يقع في سوطه ثم يدبر حين يلوح له الصائد فيرميه الصائد برمحه فيعقره فيحسبه عن السير ويمسكه.\nوقد حذف بعض أجزاء المركب الدال على الهيئة المشبه بها كما هو الشأن في التمثيلية غالبًا اكتفاء بمعظم أجزائه، وهما الإدبار والعقر؛ إذ لا إدبار في الحقيقة. والعقر: قطع قائمة من الوحش، قال تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ [الأعراف: ٧٧] وقال امرؤ القيس:\nتقول وقد مال الغبيط بنا معًا ... عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل\n\nوالتشبيه بأحوال حمار الوحش فاش في كلام البلغاء والشعراء، قال الله تعالى:","vol":"1","page":117},{"text":"﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ [المدثر: ٥١]. ولما غفل الشارحون عن هذا التمثيل لم يفسروا موقع «ليعقرنك الله» تفسيرًا رشيقًا. وإسناد العقر إلى الله؛ لأن الله هو المدافع عن دينه ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]، وهو كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٨].\nوقريب من هذا التمثيل المكني قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ [النازعات: ٢٢] فهو وجه اختيار فعلي» ﴿أَدْبَرَ﴾ [المعارج: ١٧] و﴿يَسْعَى﴾ [النازعات: ٢٢].\nوليس المراد تشبيه مسيلمة بحمار وحش على طريقة الاستعارة المكنية.\nوذكر العقر تخييل؛ إذ لا رشاقة في تشبيهه بذلك على الانفراد. وذلك مما يمنع اعتبار الإفراد في التشبيه، ويعين اعتبار التمثيل كقول التنوخي:\nكأنما المريخ والمشتري ... قدامه في شامخ الرفعه\nمنصرف بالليل من دعوة ... قد أسرجت قدامه شمعه\n\nإذ لو قيل: شبه المريخ بمنصرف عن دعوة بدون ملاحظة كون المشتري قدامه لما حسن ذلك.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>باب سؤال المشركين النبي - ﷺ - أن يريهم آية</span>\nوقع فيه حديث معاوية - ﵁ -[٤: ٢٥٢، ٢]:\n(عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» إلخ.\nوأن مالك بن يخامر قال [٤: ٢٥٢، ٦]: «قال معاذ بن جبل وهم بالشام».\nيحتمل أن معاذًا قاله من عند نفسه، يتأول الوصف الذي وصف رسول الله - ﷺ - به الطائفة. ومراد معاذ بهم أصحاب رسول الله - ﷺ - الذين كانوا في جنود فتح دمشق؛ لأنهم كانوا يقاتلون أمة الروم التي هي يومئذ أقوى الأمم وأوفرها حضارة.\nويحتمل أن معاذًا سمعه من رسول الله - ﷺ - على هذا المعنى أيضًا. وقد روى الطبراني ذلك عن أبي هريرة مرفوعًا.\nوقد استبشر معاوية بقول معاذ، من جهة أن رسول الله لم يخصه بزمن دون آخر لاسيما مع قوله - ﷺ -[٤: ٢٥٢، ٦]: «إلى أن يأتيهم أمر الله وهم على ذلك»، فإن","vol":"1","page":118},{"text":"ظاهره أن المراد بأمر الله قيام الساعة، ولكن رسول الله - ﷺ - أبهم هذه الغاية.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>باب مناقب أبي بكر - ﵁ </span>-\nوقع فيه رواية موسى بن إسماعيل عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال [٥: ٥، ٩]:\n(«لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذته خليلًا (يعني أبا بكر) ولكن أخوة الإسلام أفضل»).\nوقد انفرد موسى بن إسماعيل بزيادة قوله: «أفضل». ولم يروها وهيب عن أيوب في هذا الحديث، ولا رواها أبو سعيد الخدري في حديثه السابق: «ولكن أخوة الإسلام ومودته». فتعين أنها وهم من الراوي؛ لأن الخلة التي ذكرها النبي - ﷺ - هي التي اختص بها منه الله سبحانه، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، فلا تكون أخوة الإسلام أفضل منها.\nوقد روى الترمذي حديث أبي سعيد الخدري من طريق عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن أبي النضر عن بسر بن سعيد بدون زيادة «أفضل».\n* *\nوقع فيه حديث جبير بن مطعم عن أبيه - ﵃ -[٥: ٥، ١٥]:\n(أتت النبي - ﷺ - امرأة فأمرها أن ترجع إليه. قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك. كأنها تقول الموت. قال: «إن لم تجديني فأتي أبا بكر».\nفقولها: «إن جئت ولم أجدك»، وأنها تعني به احتمال الموت، لعل ذلك كان من أجل أنها جاءت رسول الله - ﷺ - في حال مرضه، فخافت وفاته - ﷺ -، أو من أجل أنها كانت بعيدة المكان، فلا تستطيع الرجوع إليه إلا بعد زمن طويل يمكن أن يحدث فيه الموت.\n* *\nوفيه حديث أبي هريرة - ﵁ -[٥: ٧، ١٣]:\n(قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من أنفق زوجين من شيء من","vol":"1","page":119},{"text":"الأشياء في سبيل الله دعى من أبواب -يعني الجنة- يا عبد الله هذا خير.\nفمن كان من أهل الصلاة دُعى من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد. ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الصيام باب الريان». فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يُدعى من تلك الأبواب من ضرورة. وقال: هل يُدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: «نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر»).\nلا شك أن المراد بـ «سبيل الله» في قوله الرسول - ﷺ - «من أنفق زوجين في سبيل الله» هو الجهاد؛ ولذلك أخرجه البخاري مختصرًا تحت ترجمة باب فضل النفقة في سبيل الله من كتاب الجهاد [٤: ٣٢، ٥].\nفالمراد بـ «زوجين»: إما مثلان من أي صنف ينفع الناس في الجهاد، نحو فرسين أو بعيرين أو سيفين أو درعين، فالزوجان تثنية زوج، وهو العدد المثني لعدد آخر، فكل من العددين هو زوج؛ لأن به صار الفرد زوجًا.\nوإما ذكر وأنثى من أصناف الحيوان النافعة في الجهاد للركوب؛ وهي: الخيل والبغال والحمير والإبل، وللزاد؛ مثل: الغنم والبقر، فقد جاء في حديث رافع ابن خديج: «إنا نرجو أن نلقى العدو غدًا وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب»، فالزوج حينئذ هو الحيوان الذي يزدوج مع الآخر وهما الذكر والأنثى، كقوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٣].\nفأما على الأول فوجه فضل إنفاق المثلين أنه يدل على سخاء المنفق وحبه تقوية عدة المجاهدين؛ لأن إعطاء شيء واحد يكون بمنزلة اقتصار في امتثال الأمر الوارد في قوله تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الانفال: ٧٢].\nوأما على الثاني فلأن إنفاق الزوجين فيه قضاء حق الإعانة بأسباب القتال بالركوب وتناسل المراكب، وبأسباب القوت في الجهاد؛ لأن بعض الإناث من الزوجين ينتفع أيضًا بشرب لبنها.\nومن العلماء من فسر إنفاق الزوجين بتكرير الإنفاق في سبيل الله، وهو خطأ؛ لأن كلمة ﴿زَوْجَيْنِ﴾ [هود: ٤٠] صريحة في أنها مفعول به وليست مفعولًا مطلقًا، بخلاف نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾. [الملك: ٤].","vol":"1","page":120},{"text":"وقوله: «فمن كان من أهل الصلاة» إلخ، تفصيل قصد منه بيان فضيلة من يُدعى من جميع أبواب الجنة لأجل إنفاق زوجين في سبيل الله.\nوقوله: «ومن كان من أهل الجهاد»، أي: من أهل المقاتلة بنفسه.\n* *\nووقع في حديث عروة عن عائشة - ﵁ - ذكر أمر سقيفة بني ساعدة فقال [٥: ٨، ٣]:\n(فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله - ﷺ - ... وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم).\nإنما حلف عمر على اعتقاد أن الرسول لا يموت حتى يشهد على جميع أمته لقوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\nوقوله: «فليقطعن أيدي رجال» يعني المنافقين؛ لأن عمر علم أن المنافقين قد تحفزوا عند موت النبي لإثارة البغي والفتنة، وجزاء ذلك هو قطع الأيدي والأرجل.\nومن هؤلاء المنافقين من الأعراب الذين أوقدوا نار حرب الردة، وقال عروة [٥: ٨، ١٣]:\n(فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر).\nإن الذي دعا أبا بكر إلى إسكات عمر هو خيفة أن يصدر من عمر من الإغلاظ في القول للأنصار ما يهيج غضبهم إذ كانت في عمر حدة في القول، وكان عمر يومئذ في حال حيرة وجزع من وفاة رسول الله - ﷺ -، فخاف أبو بكر أن يصدر من عمر ما يبعد سبيل الوفاق، وقد وفق الله أبا بكر للسداد فحصل بكلامه إجماع الأمة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان</span>\nوقع في حديث عمرو بن ميمون عن مقتل عمر وبيعة عثمان قول عمر بن الخطاب لعبد الله ابنه [٥: ٢٠، ١٨]:\n(انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل:","vol":"1","page":121},{"text":"أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا) إلخ.\nأراد عمر أن يتجنب ما من شأنه أن يحمل عائشة على إجابة مطلبه مما يخالطه ضرب من الإلجاء يخالط طيب نفسها؛ إذ لعل ذكر الوصف بأمير المؤمنين يعرض بحق له على سائر المؤمنين في إجابة رغبته وفاء بحق الطاعة والبر، ثم زاد فقال:\n«فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا»؛ أي لأنه صار غير قادر على أن يدير شؤون الأمة، فاختل منه شرط الإمارة اختلالًا لا يرجى عوده بعد.\nولعله قصد إبلاغ مقالته تلك إلى عائشة حتى يزيدها طوعًا في الجواب عما سأله منها؛ ولكن قد بقي له من حق إمارة المؤمنين ما يبقى للمشرف على الموت من الحق في الأمور كلها وهو حق الوصية. فعمر رأى أن الحالة التي بلغت به قد عطلت أن يدير أمور الأمة، وإنما بقي له حق الوصية في أمر الخلافة؛ ولذلك لما قيل له [٥: ٢١، ٨]:\n«أوص ... استخلف» لم يقل لهم: إني لست اليوم للمؤمنين أميرًا، ولكنه أوصى وأجمعت كلمة أهل العقد والحل على تنفيذ وصيته في ذلك.\n* *\nووقع في ذلك الحديث قول عبد الرحمن بن عوف لعلي وعثمان [٥: ٢٢، ٥]: «أيكما يتبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه».\nفالإشارة بقوله: «من هذا الأمر» إلى الخلافة.\nوالضمير في قوله فـ «نجعله» راجع إلى تعيين الخليفة، ففي الضمير استخدام قريب، والمعنى: أن الذي يتبرأ من الولاية، يعني أحد الرجلين الباقيين للخلافة.\nوالضمير في قوله: «أفتجعلونه إليّ» راجع لتعيين الخليفة تبعًا لضمير «فنجعله إليه»، والمعنى: أتجعلون التعيين إلي، أي أنه يعين أحدهما لظهور أنه لا يعين نفسه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>باب مناقب عمار وحذيفة</span>\nوقع فيه قول أبي الدرداء [٥: ٣١، ١٥]:\n(والله لقد أقرأنيها رسول الله - ﷺ - من فيه إلى في).\nفقد أضاف لفظ الفم إلى ياء المتكلم ومع ذلك أجراه على الإعراب بالياء إعراب","vol":"1","page":122},{"text":"الأسماء الستة وإنما تعرب كذلك إذا أضيفت إلى غير ياء المتكلم. فالوجه أن يقول: من فيه إلى فمي.\nوهذا الاستعمال الذي جاء هنا خاص بلفظ الفم من بين الأسماء الستة، فالعرب إذا أضافوه إلى ياء المتكلم ربما أبقوه في حال الجر على الإعراب بالياء النائبة عن الكسرة تطلبًا لحصول التخفيف بإدغام ياء الإعراب في ياء التكلم. قال الفرزدق:\nعلى حلفة لا أشتم الدهر مسلمًا ... ولا خارجًا من في زور كلام\n\nومن كلام العرب: كلمته فاه إلى في؛ ولذلك لم يستعملوه مرفوعًا بالواو ومنصوبًا بالألف حال الإضافة إلى ياء المتكلم، فلم يقولوا: نطق فوي ولا فتحت فاي، فدلنا ذلك على أنهم ما قصدوا من الجمع بين الإضافة إلى ياء المتكلم وبين إعرابه إعراب الأسماء الستة إلا التخفيف في حالة الجر خاصة.\nومن أحسن مواقع هذا الاستعمال وقوعه في المزاوجة مع مثله المعرب بالحروف في نحو قولهم: كلمته فاه إلى في، فإن العرب تراعي المزاوجة في إخراج الكلمات عن موازينها المألوفة لأجل اقترانها بنظير في الوزن، كما ورد في قول النبي - ﷺ - لوفد عبد القيس [١: ٣٢، ١٤]، [٨: ٥٠، ١٧]: «مرحبًا بالوفد غير خزايا ولا ندامى» فجمع (النادم) على (ندامى)، وإنما جمعه: ندم؛ لأجل مزاوجته مع قوله: خزايا. وكذا قول الشاعر:\nهتاك أخبية ولاج أبوبه ... يخالط البر منه الجد واللينا\n\nفجمع (بابا) على (أبوبه)، وإنما يجمع على (أبواب)؛ لأنه زاوج قوله: (أخبية)، ولذلك فمن أحسن استعمال الفم هذا الاستعمال وقوعه مع مماثل مجرور، كما ورد في قول أبي الدرداء: «من فيه إلى في» وقد أسكت النحاة عن بيان هذا الاستعمال. وزعم الرضي أن الياء الأولى في مثل هذا عوض عن الميم المحذوفة، وهو من تحكماته العارية عن الدليل، على أنه لم يعتذر عن حالتي الرفع والنصب.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل</span>\nوقع فيما حدث ابن عمر - ﵃ -[٥: ٥٠، ١٠]:\nإن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين، فلقي عالمًا من","vol":"1","page":123},{"text":"اليهود. فقال له: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. ثم لقي عالمًا من النصارى، فقال له: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله).\nلا شك أن عبد الله بن عمر تلقى ذلك ممن يأثره عن زيد بن عمرو بن نفنل، فإن زيدًا كان صهرًا لعمر بن الخطاب؛ إذ كانت ابنة زيد تحت عمر بن الخطاب، فإذا صح الخبر عن هذين العالمين اليهودي والنصراني فلا أحسب المراد بذلك إلا أن كل دين من دينيهما كان من أصوله رموز لا تفهم يتلقاها أتباعه ساذجًا دون تفهم.\nولعله كان من أصل من اليهود الاعتراف بأن الله غاضب عليهم، وأن سلب ملكهم، وسبيهم، وإخراجهم من الأرض المقدسة، كل ذلك من آثار غضب الله عليهم، وأن من يريد الدخول في دينهم يجب عليه أن يعترف بنصيب من غضب الله ليكون ذلك داعيًا إياه للسعي في التوبة والاستغفار وطلب الرضى من الله إلى يوم الخلاص الذي يزعمونه.\nولعل من أصل النصرانية أيامئذ اعتقاد أن الله لعن الإنسان لأجل خطيئة آدم - ﵇ - وفي سفر التكوين إيذان بلعنة الأرض من أجل وجود آدم بها، فجعله سبب لعنة.\nويزعم النصارى اليوم أن عيسى - ﵇ - فدى النوع بنفسه، فصلب لخلاص الخطيئة المكتوبة على الإنسان.\nوحين قال زيد لكل واحد منهما: «فهل تدلني على غيره؟» قال له كلاهما: «ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا» فهو ضرب من ضروب اختلال العقيدة واضطرابها، كما قدمنا في قول اليهود: «إن جبريل عدوهم» فكلا الحبرين أشار على زيد؛ إذ أبي التزام دينه أن يكون حنيفًا، كأنهما يريان أن معاملة الله أتباع الأديان السماوية تختلف باختلاف ما يلتزمه معتنقو الدين، وأنه لا يتعين الحق في واحد.\nوهذا يشبه مذهب المصوبة في العقائد الإسلامية، وممن نسب إليه العنبري.\nولعل ذلك لأن اليهودي يرى اليهودية متعينة على بني إسرائيل واختيارية لغيرهم، والنصراني يرى دين المسيح متعينًا على اليهود والذين اتبعوه، واختياريًا لغيرهم؛ فلذلك أرشده كلاهما إلى اتباع الحنيفية إن شاء، ليخرج من الشرك إلى التوحيد، بناء على أنه لما لم يجئه رسول فهو مخير في اتباع أي أديان الحق شاء.\n* * *","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>باب بنيان الكعبة</span>\nفيه حديث جابر بن عبد الله - ﵃ -[٥: ٥١، ٩]:\n(لما بنيت الكعبة ذهب النبي - ﷺ - وعباس ينقلان الحجارة، فقال عباس للنبي - ﷺ -: اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء، ثم أفاق فقال: «إزاري إزاري» فشد عليه إزاره).\nأراد: فخر إلى الأرض كالمغمى عليه، بدليل قوله عقبه: «ثم أفاق». وكان ذلك الإغماء حفظًا إلهيًا. وألهم محمد - ﷺ - عند الإفاقة إلى أن سببه هو انكشاف العورة، فلذلك قال: «إزاري إزاري».\nويحتمل أنه أخذ بإشارة عمه، استحياء من عمه فعرض له عارض استحياء من انكشاف عورته حتى أغمي عليه من شدة الخجل؛ فلذلك قال: «إزاري إزاري» ليعلم عمه أن ما عرض له كان من الحياء، فلا يعيد عليه الأمر بجعل إزاره على رقبته.\nوعلى كلا الاحتمالين فقد حصل الحفظ الإلهي من انكشاف العورة. وذلك إن لم يكن في الجاهلية نقيصة ولا كان يومئذ شرع، فإن الله حفظه منه، كيلا يراه أحد على تلك الحالة التي هي ليست أكمل أحوال أهل المروءة، حتى لا يرمقه أحد من قومه بعد بعثته بما يذكره ذلك المنظر الأدنى. لاسيما وأنه سيكون كشف العورة محرمًا في الدين الذي سيبعث به، فلا يقول أحد من أعدائه: إنه قد كان كشف عورته يوم كذا، ولا يجد أحد من أتباعه ممن شهده يومئذ في نفسه بعد إسلامه مخيلة ذلكالمشهد.\nوقد ظهر من هذا أن الإغماء اعتراه بمجرد وضع إزاره على رقبته قبل أن يراه أحد والله أعلم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>باب ما لقي النبي - ﷺ - وأصحابه</span>\nمن المشركين بمكة\nفيه قول سعيد بن جبير [٥: ٥٧، ١٦]:\n(أمرني عبد الرحمن بن أبزى أن أسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين ما أمرهما؟:","vol":"1","page":125},{"text":"﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ ... [النساء: ٩٣] فقال: لما أنزلت التي في الفرقان قال مشركو أهل مكة: فقد قتلنا النفس التي حرم الله، ودعونا مع الله إلهًا آخر، وقد أتينا الفواحش، فأنزل الله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ﴾ الآية [مريم: ٦٠]، فهذه لأولئك. وأما التي في النساء الرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم خالدًا فيها، فذكرته لمجاهد فقال: إلا من ندم).\nوقع سهو للراوي في ذكر الآية الأولى؛ إذ قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾، [الانعام: ١٥١] فإن هذه الآية من سورة الإسراء وبعدها: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ [الإسراء: ٣٣] إلخ. وهي ليست المسؤول عنها إذ لا تعارض بينها وبين آية النساء، إذ ليس في آية الإسراء ذكر التوبة وإنما الآية المسؤول عنها هي قوله تعالى: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]؛ ولذلك قال ابن عباس؛ ولذلك قال ابن عباس: «لما أنزلت التي في الفرقان».\nومعنى قول المشركين: «فقد قتلنا» أنهم قصدوا إفحام رسول الله - ﷺ - حتى يكف عن دعوتهم إلى الإسلام، فقصدوا أنه على حسب ما أنزل عليه هنا لا تكون لهم فائدة في الإسلام؛ إذ قد وجب عليهم الخلود بما أتوه من الشرك والجرائم في الجاهلية.\nومن هنا يظهر وجه ذكر هذا الخبر في «ما لقي النبي - ﷺ - من المشركين»، أي من الأذى والتكذيب وقصد الإفحام.\nومعنى تأويل ابن عباس أنه جعل قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ﴾ [الفرقان: ٧٠] استثناء من مجموع الجمل المذكورة قبله. وتأوله ابن عباس بأنه راجع إلى المجموع لا إلى الجميع، أي ليس الاستثناء راجعًا إلى كل جملة على حدة.\nوقصده من ذلك أن يكون الأهم هو التوبة من الشرك، وأن ما ذكر معه من الفواحش إنما هو لتشويه حال الذين يدعون مع الله إلهًا آخر.\nوهذا التأويل الذي نقله ابن جبير عن ابن عباس تأويل بعيد؛ لأنه خلاف الفواحش إنما هو لتشويه حال الذين يدعون مع الله إلهًا آخر.\nوهذا التأويل الذي نقله ابن جبير عن ابن عباس تأويل بعيد؛ لأنه خلاف المعروف في استعمال الاستثناء الوارد بعد الجمل؛ إذ هو يرجع إلى جميعها، أي إلى مدلول كل جملة منها.","vol":"1","page":126},{"text":"على أن ذكر هذه الأمور كلها لا يظهر، إلا أن كل واحد منها مقصود بالذم ومرفوع بالتوبة.\nوالذي دعا ابن عباس إلى هذا التأويل هو حمله آية قتل النفس التي في سورة النساء على ظاهرها، وجعلها أصلًا في عدم قبول توبة قاتل النفس فألجأه ذلك إلى تأويل ما يعارضها، وهو قول شاذ؛ إذ هو غير جار على إجماع المسلمين من قبول التوبة في سائر المعاصي.\nوإذا كان ابن عباس يجعل التوبة التي في آية الفرقان مرادًا منها التوبة من الشرك، ويمنع أن تقبل التوبة من قتل النفس، لزم أن يكون الشرك أحسن حالًا من المعصية مع الإسلام؛ ولذلك أنكره مجاهد فقال: «إلا من ندم».\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>باب إسلام سعيد بن زيد - ﵁ </span>-\nفيه قول سعيد بن زيد [٥: ٦٠، ١٢]:\n(ولو أن أحدًا ارفض لما صنعتم بعثمان لكان محقوقًا أن يرفض).\nأي لم يكن ارفضاضه، أي انقلاعه من مكانه واندكاكه عجبًا؛ لأنه حقيق به. ففي الكلام إيجاز، حيث ذكر علة الجواب وجعلها دليلًا عليه؛ إذ ليس جواب (لو) هنا هو كون أحد حقيقًا بأن يرفض، ضرورة أن شرط (لو) هو أنه ارفض فلا يكون جوابها أنه حقيق بأن يرفض؛ لأنه يقال: هو حقيق بكذا، أي: جدير بأن يقع فلا يكون فيما قد وقع، ألا ترى قول الأعشى:\nوإن امرأ أسرى إليك ودونه ... من الأرض موماء وبيداء سملق\nلمحقوقة أن تستجيبي لصوته ... وأن تعلمي أن المعان موفق\n\nووقع في رواية أبي ذر الهروي الاقتصار على قوله: «لكان» دون قوله: «محقوقًا أن يرفض» فيكون من الحذف اقتصارًا بدون دليل، فيقدر بما يفرضه السامع لعظم المقام؛ أو أراد بالفعل الماضي الواقع شرطًا لـ (لو) معنى المستقبل على خلاف الشائع في (لو) بقرينة المقام كقول توبة بن الحمير:\nولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... عليَّ ودوني جندل وصفائح","vol":"1","page":127},{"text":"و(كان) تامة، وفاعلها المصدر المأخوذ من قوله: «ارفض»، أي لو كان يرفض الجبل لحصل الارفضاض. والكلام جار على المبالغة كقول أبي بن سلمى من الحماسة:\nفلو طار ذو حافر قبلها ... لطارت ولكنه لم يطر\n\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>باب هجرة الحبشة</span>\nوقع فيه قول عثمان [٤: ٦٣، ٦]:\n«وهاجرت الهجرتين الأوليين».\nوهو يريد الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة؛ لأنه لم يهاجر غيرهما. فوصفهما بـ «الأوليين» باعتبار أن كل هجرة منهما قد كان هاجرها فريق من أصحاب رسول الله - ﷺ - سبق بعضهم بعضًا، فكان عثمان من الذين سبقوا في كلتا الهجرتين، فالوصف بـ «الأوليين» راجع إلى هجرتيه باعتبار وصفهما الراجع إلى اعتبار هجرة كل مهاجر بمنزلة هجرة مستقلة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>باب المعراج</span>\nوقع في حديث مالك بن صعصعة - ﵁ -[٥: ٦٨، ٦]:\n«فلما خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما جاوزت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكى لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي».\nكلمة (غلام) عربية، فليست من كلام موسى بل هي معبرة عن مرادفها من العبرانية، أو عن المعنى الذي هو قائم بروح موسى - ﵇ - الدال على معنى الشباب وإقبال العمر، فيكون ذلك بمعنى فتى، أو بمعنى زعيم. وهو من استعمالات لفظ (غلام) في العربية أيضًا.","vol":"1","page":128},{"text":"قال رشيد العنزي:\nباتوا نيامًا وابن هند لم ينم ... بات يقاسيها غلام كالزلم\n\nوقالت ليلى الأخيلية تمدح الحجاج:\nشفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا خز القناة سقاها\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>باب هجرة النبي - ﷺ </span>-\nفيه حديث عائشة - ﵁ -[٥: ٧٧: ١٩]:\n«فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله - ﷺ - يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله - ﷺ - فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله - ﷺ - عند ذلك».\nتعني - ﵁ - أن الذين جاؤوا من الأنصار كانوا ممن لم ير رسول الله من قبل، أي ليسوا من أهل العبقتين، وأن المهاجرين لم يقدم منهم أحد. وذلك أن دخول رسول الله - ﷺ - كان على حين غفلة، وكان نزوله بقباء بعيدًا عن المدينة التي هي مأوى أهل العقبتين، والمهاجرين.\nويظهر أن تحيتهم أبا بكر لم يكن يصحبها كلام يدل على أنهم يحسبونه الرسول؛ لأنهم لو صدر منهم ما يقتضي ذلك لنفاه أبو بكر. ولعل أبا بكر - ﵁ - لم يدلهم على رسول الله - ﷺ - من أول ساعة قصدًا لإراحة رسول الله - ﷺ - من تعب السفر.\n* *\nووقع في حديث أنس بن مالك - ﵁ - في ذكر سراقة [٥: ٧٩، ١٨]:\n«وكان آخر النهار مسلحة له»\nفالمسلحة -بفتح الميم وفتح اللام- اسم لمحل السلاح، أي المحل الذي يقيمه أهل السلاح للحراسة، وجمعه: المسالح، أطلق على سراقة اسم المسلحة للمبالغة، كما يقال: هو مأوى لقومه، وهو مستودع سر القبيلة.","vol":"1","page":129},{"text":"ووقع في حديث ابن عمر - ﵃ -[٥: ١٨١، ١]:\n«كان (عمر - ﵁ -) فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف في أربعة».\nفكلمة (في) هنا للتكرير. وهي التي تستعمل في الحساب بمعنى الضرب. فأراد أنه فرض لهم أربعة آلاف لكل واحد منهم أربعة؛ لئلا يظن السامع أنه جعل أربعة آلاف بين جميع المهاجرين.\n* *\nوقع فيه قول أبي عثمان النهدي [٥: ٨١، ٢٠]:\n«سمعت ابن عمر إذا قيل له: هاجر قبل أبيه يغضب».\nوجه غضبه أن ذلك مخالف للواقع وأنه يمدح بما فيه تنقيص لأبيه؛ إذ لا يكون تأخر الهجرة إلا عن فتور في المبادرة إلى عمل من الخير عظيم. والواقع أن هجرتهما كانت في يوم واحد، وإنما تأخر لقاؤه النبي - ﷺ -. وهذه المبايعة هي التي كان النبي - ﷺ - يأخذها على المسلمين بعد أن هاجر. وهي غير بيعة الرضوان فإن المبايعة تكررت.\n* *\nووقع في حديث البراء بن عازب - ﵁ - عن أبي بكر - ﵁ -[٥: ٨٢، ١٠]:\n«فإذا أنا براع قد أقبل في غنيمة يريد من الصخرة مثل الذي أردنا. فسألته: لمن أنت يا غلام؟ فقال: أنا لفلان».\nإنما سأله أبو بكر خشية أن يكون لبعض أهل مكة ممن يراح بغنمه قربها، فلعله يتحدث بما لقي في طريقه فيعرف أهل مكة أمر رسول الله - ﷺ - فإذا وجده كذلك لا يطيل معه الكلام حتى لا يرى من شأنهما.\nوقد ورد في هذا الحديث في باب علامات النبوءة [٤: ٢٤٥، ١٤]: «فقال لرجل من أهل المدينة أو مكة». وجزم في رواية مسلم: «لرجل من أهل المدينة» وذلك أظهر لاطمئنان أبي بكر - ﵁ -.\n* * *\nووقع في حديث عائشة - ﵁ -[٥: ٨٣، ٦]:\n(هذا الشاعر الذي قال هذه القصيدة رثى كفار قريش:","vol":"1","page":130},{"text":"وماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزى تزين بالسنام\nوماذا بالقليب قليب بدر ... من القينات والشرب الكرام\n\nالشاعر هو أبو بكر، واسمه شداد بن الأسود بن شعوب -بضم الشين المعجمة- الليثي الكناني.\nأراد أن الذين ردموا بقليب بدر كانوا ممن يطعم الأضياف في الجفان المصنوعة من شجر الشيزى مزينة تلك الجفان بأسنمه الجزر، وكانوا ممن تغنيهم القيان وتحضرهم الندامى، وأن بموتهم قد ذهبت تلك المكارم فكأنها دفنت معهم، فشبه ذهابها وانقطاعها بموت أهلها على طريقة المكنية، ورمز إليه بالدفن في القليب؛ إذ الدفن من لوازم الموت. وخص قليب بدر للإشارة إلى أن سبب انقطاعها هو موت أولئك الذين ردموا بالقليب. ومن هذا المعنى قول الشيخ محمود قبادو الشريف في رثاء الشيخ جدي:\nواروا علومًا ينادي من يؤرخها ... ودائع العلم في قبر ابن عاشور\n\nوقوله: «يخبرنا الرسول» استعمل وصف الرسول على وجه التهكم بقرينة قوله: «وكيف حياة أصداء وهام».\nفإن الاستفهام إنكاري، فهو كالتهكم الذي حكاه القرآن عن كفار قريش: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾.\n* *\nووقع في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -[٥: ٨٣، ١٦]: «جاء أعرابي إلى رسول الله - ﷺ - فسأله عن الهجرة. فقال: ويحك إن الهجرة شأنها شديد فهل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: فتغطي صدقتها؟ قال: نعم. قال: فتحلبها يوم ورودها؟ قال: نعم، قال: فأعمل من وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئًا».\nقوله: «شأنها شديد» أي لأنها مفارقة الأهل والديار وسكنى البلد. والأعراب لا يطيقون ذلك.\nوقوله: «فتحلبها يوم ورودها» أي تحلبها للفقراء والمساكين والضعفاء يوم نوبة شربها. وقد كانوا اعتادوا أن يجتمع الفقراء لأمثال هذه المواضع مثل يوم شرب","vol":"1","page":131},{"text":"الإبل ويوم صرام الثمار من النخل. وفي القرآن: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣]، وكان أهل الشح لا يسمحون ببذل ذلك الفقراء؛ ولذلك سأل رسول الله - ﷺ -: «أهو ممن يجود بذلك أم يشح؟».\nوالبحار جمع بحرة -بفتح الباء وسكون الحاء- وهي الأرض المنخفضة. والمراد بها هنا حرتا المدينة. وإنما جمعها مع أن للمدينة حرتين إطلاقًا لاسم الجمع على المثنى. مثل قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَ﴾ [التحريم: ٤]. وليس هو جمع بحر؛ إذ ليس بين المدينة وبين منازل الأعراب بحر. والمدينة يثرب تسمى البحرة لوقوعها في بحرة كما جاء في حديث طويل ذكر في تفسير آل عمران [٦: ٥٠، ٥] وفي اللباس والأدب والطب [٨: ٥٧، ٦]، [٧: ١٥٩، ٢٠]: قول سعد بن عبادة للنبي - ﷺ - في الاعتذار عن عبد الله بن أبي بن سلول: «لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك وقد اصطلح أهل هذه البحرة على أن يتوجوه ويعصبوه» إلخ.\nوتسمى البحيرة بالتصغير كما ورد في رواية في حديث سعد بن عبادة المتقدم. وفي كتب السيرة في ذكر خبر الهجرة أن بني سالم قالوا للنبي - ﷺ -: «أقم عندنا في العزة والمنعة، كان الرجل من العرب يدخل هذه البحيرة خائفًا فليجأ إلينا».\nونظير ذلك تسمية مكة بـ «الوادي» لوقوعها في واد بين جبلين.\n* * *","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>كتاب المغازي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-151><span data-type=\"title\" id=toc-153>باب </span>قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [</span>الانفال: ٩].\nفيه حديث ابن مسعود أن المقداد بن الأسود [٥: ٩٣، ٧] (أتى النبي - ﷺ - وهو يدعو على المشركين) إلخ.\nمحل مطابقة الحديث لترجمة الباب أن ذلك الدعاء على المشركين هو الاستغاثة التي قال الله تعالى: ﴿إذ تستغيثون ربكم﴾ الآية\nوكان ذلك في يوم بدر كما صرح به في رواية سفيان عن طارق بن شهاب من كتاب التفسير.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>باب قتل أبي جهل</span>\nفيه قول علي بن أبي طالب - ﵁ -[٥: ٩٥، ١٢]:\n«أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة».\nيحمل على أنه سمع ذلك من النبي - ﷺ -؛ لأن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي، ومع ذلك فالمراد الخصومة على القتل في سبيل الله؛ لأن وقعة بدر هي أول جهاد في الإسلام، ولعل عليًا كان أول من بارز يومئذ.\nوأما الخصومة في الدين فقد كانت من قبل ذلك بسنين مثل ما عذب بلال وعمار وما فتن أبو بكر والسابقون إلى الإسلام. وأما قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] فالمراد بالخصومة فيها المبارزة يوم بدر لا خصومة يوم الحساب.\n* * *\nباب\nهذا الباب في أحاديث لها مساس بقصة بدر.","vol":"1","page":133},{"text":"وقع فيه حديث أبي هريرة في قتل المشركين خبيبًا [٥: ١٠١، ١٨]:\n«قال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين فتركوه فركع ركعتين، فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت».\nيعني أن خبيبًا كان آيسا من حدثان ما يصرف المشركين عن قتله بعد أن أزمعوه وخرجوا به من الحرم لذلك، فلم يكن يرجو من الزيادة في الصلاة ورود نجدة تنقذه، فلا يقال: إنه كان عليه أن يزيد في الصلاة لعله يحدث له ما ينقذه.\nوقوله: «لولا أن تظنوا أن ما بي جزع ...» إلخ، هو مقصد ديني أيضًا؛ لئلا يؤثر عن أحد المسلمين الجزع من الموت فيفسد على المسلمين سمعتهم التي عرفوا بها بين المشركين من الشجاعة وصدق اللقاء ورباطة الجأش. وذلك مما يلقي الرعب في قلوب أعدائهم عند لقائهم، وقد قال رسول الله - ﷺ -[٧: ٦٥، ١٥]: «نصرت بالرعب» فحصل من مجموع الأمرين عدو له عن تطويل الصلاة مع أن في التطويل استبقاء الحياة.\nوفي فعل خبيب ما يستروح به لقول ابن القاسم من أصحاب مالك: إن القاتل لا يجبر على أن يعطي مالًا لأولياء المقتول إذا رضوا بالصلح وقبول المال.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>باب [</span>٥: ١٠٣، ١٨]\nقال الشراح: هو كالفصل لما قبله، وهو «باب شهود الملائكة بدرًا»، ولكن الظاهر أن البخاري ترك هذا الباب بلا ترجمة؛ لأنه قصد منه تخريج الأخبار الدالة على إحصاء أهل بدر ليكون مقدمة لجريدة أسمائهم الواردة بعد ذلك.\nوقع فيه قول عروة [٥: ١٠٤، ١٠]:\n(أن رسول الله - ﷺ - سأل الزبير العنزة التي طعن بها في عين عبيدة بن سعيد).\nهذه هي العنزة التي كانت توضع بين يدي النبي - ﷺ - إذا صلى في المصلى أو في السفر، ولعل سؤال رسول الله الزبير إياها أنها صارت غير صالحة للقتال فاتخذها سترة؛ لئلا يعطل عنزة أو رمحًا صالحًا للاستعمال في الحرب، ولأجل أنها كانت توضع بين يديه استردها الخلفاء من بعده؛ لأنها صارت من أدوات ولي أمر المسلمين، وتبركًا بأثر نبوي، وأثر من آثار الجهاد ومن آثار يوم بدر، وهو يوم الفرقان، ففيها تذكير بأيام الله","vol":"1","page":134},{"text":"ونعمته، وعبر عظيمة من الاعتبار بنصره، قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾.\n* *\nوقع فيه حديث الربيع بنت معوذ [٥: ١٠٥، ٢]:\n(دخلي علي النبي - ﷺ - غداة بني علي فجلس على فراشي كمجلسك مني وجويريات يضربن بالدف يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال لها النبي: «لا تقولي هكذا وقولي ما كنت تقولين»).\nقال الشراح: كره منها نسبة معرفة الغيب إلى المخلوق.\nوأقول: الظاهر أن النهي قصد منه أن لا يدخل الجد وأمور الدين في أثناء اللهو بقرينة قوله لها: «لا تقولي هكذا» أو «لا تقولي هذا وقولي ما كنت تقولين» ولم يقتصر على قوله: «لا تقولي هكذا».\n* *\nووقع فيه حديث شعيب عن الزهري عن عروة عن أبي مسعود الأنصاري قوله [٥: ١٠٧، ١٠]:\n(لقد علمت أن جبريل نزل فصلى).\nضبطت التاء من «علمت» بضمة في نسخ خمس مغربية معتمدة منسوخ بعضها عن نسخة فيها خط أبي علي الصدفي عن أبي الوليد الباجي، فيكون تأكيدًا للخبر وتثبتًا في نقله. وقد ضبطه سائر الشارحين هنا بفتح التاء مقتصرين على الفتح، وهو الموافق لرواية مالك عن ابن شهاب هذا الحديث.\nومن العجيب عدم اطلاع شراح الصحيح على هذه الرواية.\n* *\nووقع في حديث عمرو بن عوف [٥: ١٠٨، ١٣]:\n(وكان رسول الله - ﷺ - هو صالح أهل البحرين).\nلم يبينوا وجه وقوع ضمير الفصل في قوله: «هو صالح»، والذي يظهر أن هذا","vol":"1","page":135},{"text":"الفصل لكراهية توالي فعلين؛ وهما (كان وصالح)، وهو استعمال عربي فصيح كقوله في حديث خبيب المتقدم: (وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر).\n* *\nووقع فيه قول سعيد بن المسيب [٥: ١١٠، ١١]:\n(وقعت الفتنة الأولى -يعني مقتل عثمان- فلم تبق من أصحاب بدر أحدًا).\nفالظاهر أن العناية من كلام يحيى بن سعيد الأنصاري أو من كلام سعيد بن المسيب نفسه.\nوالمراد بمقتل عثمان تلك الحادثة الشنيعة لا قدس من آثاروها، ثم ما تسلسل عقبها من الحوادث، مثل وقعة الجمل، ووقعة صفين، وخروج الحرورية، ومقتل علي - ﵁ -، وتنازل الحسن - ﵁ -، وبذلك انتهت الفتن فلم يبق من أصحاب بدر حينئذ أحد.\nوقد تحير الشراح هنا وتوهموا الوهم في الراوي، وأنه غلط أن يقول: مقتل الحسين، وهذا وهم من الشراح؛ لأن فتنة الحسين لم يشهدها أحد من أهل بدر فكيف يصح وصفها بالأولى، وبأنها تسببت في فناء أهل بدر.\nثم إن مراد سعيد بن المسيب في حديثه من كان من أهل بدر أو من أهل أحد أو من أهل الحديبية بالمدينة؛ لأنه اقتصر على ذكر فتن ثلاث خرج لأجلها أهل المدينة للقتال. فلا يرد عليه أن بعض أهل بدر توفي في مدة خلافة معاوية مثل الأرقم بن أبي الأرقم وجبر بن عتيك وحارثة بن النعمان، رضي الله عن أصحاب رسول الله - ﷺ -.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>باب غزوة أحد</span>\nوقع فيه حديث عقبة بن عامر [٥: ١٢٠، ١٠]:\n(صلى رسول الله - ﷺ - على قتلي أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات).\nمعنى توديعه الأموات أن يودع أجسادهم، فإن رسول الله - ﷺ - كان يأنس برؤية قبور أصحابه، كما كان يتمنى أن يرى من يجئ بعده من أمته، كما ورد في","vol":"1","page":136},{"text":"حديث الموطأ. فلما قرب انتقاله فصلى عليهم وودعهم جميعًا، فأما أرواحهم فتلتقي مع رسول الله - ﷺ - كما قال بلال: «غدًا نلقى الأحبة محمدًا وصحبته».\nوالله أعلم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾</span>\nوقع فيه قول جابر بن عبد الله - ﵃ -[٥: ١٢٣، ١٥]:\n(فقال: اذهب فبيدر كل تمر).\nوقوله [٥: ١٢٣، ١٧]: (أطاف حول أعظمها بيدرا).\nالبيدر للتمر كالأندر للقمح، كما في «المشارق»، وهو خاص بالتمر.\nوقد غفل في «النهاية» عن تفسيره، وفسره الجوهري في «الصحاح» بما فيه إبهام أو قصور. وتبعه صاحب «اللسان» وصاحب «القاموس». وأهمله الشراح هنا، وهو- بفتح الباء الموحدة وفتح الدال. وقوله: «فبيدر» فعل أمر مشتق من اسم جامد وهو البيدر. يقال: بيدر تمره، إذا جمعه في البيدر.\n* *\nفيه قول سعد بن أبي وقاص - ﵁ -[٥: ١٢٤، ٩]:\n(جمع لي رسول الله - ﷺ - أبويه يوم أحد)، يعني قوله له: «ارم فداك أبي وأمي».\nومقصد سعد: أن رسول الله - ﷺ - انتهى في إكرامه إلى هذا الحد؛ وذلك لأن التفدية في كلام العرب دليل على معزة المفدى، فأدناها أن يقول: فديتك. وإذا زاد قال: فداك أبي. وأعلاها أن يقول: فداك أبي وأمي.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>باب غزوة الرجيع</span>\nوقع فيه حديث عزم رسول الله - ﷺ - على الهجرة قول أبي بكر - ﵁ -[٥: ١٣٦، ١]: (يا رسول الله الصحبة، فقال النبي - ﷺ -: «الصحبة»).","vol":"1","page":137},{"text":"فلفظ «الصحبة» الأول منصوب على الإغراء بفعل محذوف كثير حذفه حيث لا عطف ولا تكرار، أي ارع الصحبة التي لي.\nولفظ «الصحبة» الثاني الواقع في كلام رسول الله - ﷺ - مرفوع على الابتداء مع حذف الخبر لظهوره، أي الصحبة مرعية.\n* *\nووقع فيه قوله [٥: ١٣٦، ١٤]:\n(وأصيب فيهم يومئذ عروة بن أسماء فسمي عروة به).\nأي فسمي عروة بن الزبير به. فـ «عروة» نائب فاعل لفعل «سمي» على أن المراد به الذات المسماة لا اللفظ. وقوله: «به» متعلق بـ «سمي»، والضمير المجرور عائد إلى «عروة بن أسماء» أي باسمه، فالضمير عائد إلى الاسم لا إلى المسمى، كما في قولهم: عندي درهم ونصفه. والمجرور في موضع المفعول الثاني لـ (سمي)؛ لأنه يقال: سميت المولود محمدًا. ويقال: سميت المولود بمحمد.\nويجوز نصب «عروة» على أنه مفعول ثان لـ (سمي)، أي سمي هذا الاسم، فالمراد لفظ (عروة) لا ذاته. ويكون النائب عن الفاعل ضميرًا عائدًا إلى الراوي وهو عروة بن الزبير.\n* *\nوقوله فيه [٥: ١٣٦، ١٥]:\n(ومنذر بن عمرو سمي به منذر).\nأي وأما منذر بن عمرو فسمي به منذر. فيتعين أن يكون «منذر بن عمرو» مبتدأ خبره جملة «سمي به منذر» وأن يكون «منذر» الثاني المراد به منذر بن الزبير نائب فاعل «سمي» لعدم صلوحية تقدير ضمير منذر بن الزبير في «سمي» إذ لم يتقدم له ذكر، ويكون «به» في موقع المفعول الثاني.","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>باب غزوة الخندق</span>\nوقع فيه خبر ابن عمر - ﵃ - من حديث [٥: ١٤٠، ١٩]:\n(معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر)، وحديث: (ابن طاووس عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر قال: دخلت على حفصة ونسواتها تنطف، قلت: قد كان من أمر الناس ما ترين فلم يجعل لي من الأمر شيء فقالت: الحق فإنهم ينتظرونك وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة. فلم تدعه حتى ذهب فلما تفرق الناس خطب معاوية قال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه فلنحن أحق به منه ومن أبيه. قال حبيب بن مسلمة: فهلا أجبته؟ قال عبد الله: فحللت حبوتي وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدم ويحمل عني غير ذلك فذكرت ما أعد الله في الجنان. قال حبيب: حفظت وعصمت).\nحمل ابن حجر والعيني والقسطلاني قول عبد الله بن عمر لحفصة: «قد كان من أمر الناس ما ترين»، على أنه عنى ما وقع يوم التحكيم في صفين، وأن أهل قتال صفين راسلوا بقايا الصحابة من الحرمين وغيرهما، وتواعدوا على الاجتماع لينظروا في التحكيم، فشاور ابن عمر أخته حفصة في الذهاب، وذكروا أن ابن عمر كان حاضرًا في صفين يوم التحكيم.\nوظاهر كلامهم أن حفصة كانت ساعتئذ في المدينة إذ لو كانت في صفين لذكروا ذلك، على أنه من البعيد جدًا أن تحضر إحدى أزواج النبي - ﷺ - وهن كن عاتبن عائشة - ﵁ - على الخروج إلى البصرة يوم الجمل.\nوهذا مشكل فإن قول ابن عمر: «ما ترين» ظاهر في أنه عنى حدثًا شاهدته حفصة، وقولها: «فالحق بهم فإنهم ينتظرونك» واضح في أنها أرادت لحاقًا بمكان قريب، وأنها علمت أنهم استبطؤوا حضوره.\nوقول الراوي: «فلم تدعه حتى ذهب» أوضح في أنه ذهاب إلى مكان قريب، وأنه ذهاب غير سفر؛ إذ لم يقل: حتى ارتحل، ولم يذكر أنه تجهز لذلك، فإن صفين بعيد جدًا عن المدينة.","vol":"1","page":139},{"text":"وينافي هذا المحمل قول الراوي: «فلما تفرق الناس خطب معاوية فقال ...» إلخ؛ لأنه لم يتم لمعاوية الأمر يوم التحكيم، والذي يناسب أن يكون قول ابن عمر: «فحللت حبوتي وهممت أن أقول له» أن يكون ذلك وقع في سنة ورود معاوية المدينة سنة ست وخمسين. فقد ذكر ابن الأثير في الكامل أن معاوية أرسل إلى معظم الصحابة بالمدينة ليحضروا عنده. فلعله لم يرسل إلى ابن عمر فذلك معنى قوله: «فلم يجعل لي من الأمر شيء»، ومعنى قول حفصة له: «الحق بهم فإنهم ينتظرونك».\nلكن يعكر على هذا أن وفاة حفصة - ﵁ - كانت سنة خمس وأربعين، وقيل: سنة إحدى وأربعين، أي قبل سنة ورود معاوية المدينة. فيحتمل أن ما جرى بين حفصة وأخيها وقع في صفين يوم التحكيم فإن ابن عمر حضر يومئذ كما في ابن الأثير، وذلك سنة سبع وثلاثين من الهجرة؛ وأن أقول ابن عمر: «فحللت حبوتي وهممت أن أقول ...» إلخ، وقع عام ستة وخمسين بعد وفاة حفصة. فيظهر أن راوي هذا الخبر خلط بين خبرين أو خلط رواية راويين، وأن البخاري ساق رواية الخبر كما سمعها؛ لأن مقصده من تخريجه هذا الخبر هنا ما فيه من فضيلة ابن عمر - ﵁ -، فإن الشارح العيني قال: «إن ذكر هذا الخبر هنا لا مناسبة له وهو استطراد».\nوقد ذكر ابن حجر في فتح الباري [٨: ٤٠٧] عن ابن الجوزي في كشف المشكل: «إن قول ابن عمر: «ولم يجعل لي من الأمر شيء» حكاية الحال التي جرت قبل حين جعل عمر الأمر شورى ولم يجعل لابنه من الأمر شيئًا، وأن أقوله: «فلما تفرق الناس خطب معاوية ....» إلخ. كان هذا لما أراد معاوية أن يجعل ابنه يزيد وليًا للعهد». وهو كلام وجيه وإن كان ابن حجر استبعده.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>باب مرجع النبي - ﷺ - من الأحزاب</span>\nفيه حديث أنس [٥: ١٤٣، ٨] قال: (كان الرجل يجعل للنبي - ﷺ - النخلات حتى افتتح قريظة والنضير وإن أهلي أمروني أن آتي النبي - ﷺ - فأسأله الذين كانوا أعطوه أو بعضه وكان النبي قد أعطاه أم أيمن) الحديث.","vol":"1","page":140},{"text":"قوله: «يجعل للنبي» أي يجعله له مجعل مال الله تعالى فيواسي به رسول الله - ﷺ - ضعفاء المهاجرين وينفق منه، وقد أعطى نخلات آل أنس أم أيمن كما رأيت.\nوقوله: «وأن أهلي أمروني»، أي بعد أن أعلن رسول الله للأنصار بأن من كان أعطاه نخلًا فليأت ليرجعه إليه.\nووقع فيه قوله: «الذين»؛ فالموصول صادق على النخلات، أعاد عليها ضمير جماعة الذكور على النادر، وروي «الذي» وكذلك القول في ضمير «لا يعطيكهم»\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>باب غزوة ذات الرقاع [</span>٥: ١٤٤، ١٧]\nظاهر التبويب وما أخرجه فيه من الأحاديث أن غزوة ذات الرقاع تسمى غزوة محارب، وغزوة غطفان، وغزوة نخل، وغزوة قبل نجد؛ وغزوة ذات القرد. وأنها التي شرعت فيها صلاة الخوف. ويستدل لذلك من تكرر الحديث عن سلمة بن الأكوع وجابر بن عبد الله وابن عباس وأبي موسى الأشعري وسهل بن أبي حثمة وأبي هريرة؛ لأن جميعهم حدث حديث صلاة الخوف، وكلهم ذكر غزاة، فلو كانت صلاة الخوف قد وقعت في عدة غزوات لحدثوا بذلك.\nثم إن البخاري جزم بأنها بعد خيبر؛ لأن أبا موسى الأشعري حدث أنه شهد ذات الرقاع، وإنما جاء أبو موسى الأشعري بعد خيبر، فيقتضي أن يكون ذات الرقاع في سنة سبع.\nثم إن البخاري ترجم لغزوة ذي قرد ترجمة خاصة. وجزم بأنها قبل خيبر بثلاث سنين. وأخرها في الترتيب عن غزوة بني المصطلق وعن غزوة الحديبية. مع أن كونها قبل خيبر بثلاث سنين يقتضي أن تكون قبل الحديبية. فالظاهر أن البخاري لم يحصل له الجزم بترتيب هذه الغزوات بعضها مع بعض.\nوتحديث الجمع من الصحابة بحديث صلاة الخوف في غزوات ذات أسماء مختلفة لا يقتضي اتحاد مسمياتها؛ لأن صلاة الخوف من شأنها أن تتكرر بعد أن شرعت؛ ولأجل هذا أخرج حديث الأعرابي الذي اخترط السيف في هذا الباب [٥: ١٤٧، ٧]، وفي باب غزوة بني المصطلق [٥: ١٤٨، ٧].\n* *","vol":"1","page":141},{"text":"ووقع فيه قول البخاري [٥: ١٤٥، ١٨]:\n(قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف).\nوالإشارة إلى حديث مالك عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات.\nولعل البخاري أخذ ذلك من رواية قتيبة بن سعيد في الموطأ، والذي في موطأ يحيى بن يحيى الليثي حديث يزيد بن رومان بن صالح الذي رواه البخاري، وحديث يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات، وحديث نافع عن ابن عمر في صفة صلاة الخوف. وبإثر ذلك قال مالك: «وحديث القاسم ابن محمد عن صالح بن خوات أحسن ما سمعت إليّ في صلاة الخوف». وبين حديث يزيد بن رومان عن صالح بن خوات وحديث القاسم بن محمد عنه اختلاف.\nفحديث القاسم صرح بأن الإمام يسلم من صلاته إذا صلى الركعة بالطائفة الثانية ولا ينتظر فراغ الطائفة الثانية. وحديث يزيد صرح بأن الإمام ينتظر فراغ الطائفة الثانية من الركعتين، ثم يسلم من صلاته وتسلم معه الطائفة الثانية.\nفقول مالك في رواية يحيى، وحديث القاسم عن صالح: «أحسن ما سمعت إليَّ في صلاة الخوف» يخالف ما رواه عنه البخاري هنا، من رواية قتيبة بن سعيد عن مالك ﵀. ولذلك قال ابن عبد البر: إن مالكًا رجح أولًا حديث يزيد بن رومان ثم رجع فرجح حديث القاسم.\nواعلم أن البخاري إنما اختار رواية يزيد بن رومان؛ لأنها أقرب سندًا وأصرح في الرفع إلى رسول الله - ﷺ -.\n* *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>باب غزوة بني المصطلق</span>\nوقع فيه قول ابن إسحاق [٥: ١٤٧، ١٤]:\n(إنها سنة ست)\nوقول موسى بن عقبة: (إنها سنة أربع).\nأقول: وقال البيهقي سنة خمس، وسيذكر البخاري في حديث عروة في باب تفسير سورة النور أن سعد بن معاذ شهد قصة الإفك [٦: ١٣٠، ٤]، مع الجزم بأن","vol":"1","page":142},{"text":"سعدًا توفي عقب غزوة الخندق، فتعين أن تكون غزوة بني المصطلق في السنة التي فيها غزوة الخندق، وأنها متقدمة على الخندق.\nوالصحيح أن الخندق وقعت سنة أربع، كما دل عليه حديث ابن عمر، وأنها في شوال وأن غزوة المصطلق كانت في شعبان، فتعين أنها في سنة أربع، وأن تأخير البخاري إياها عن غزوة الخندق خلاف الأولى.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>باب حديث الإفك</span>\nوقع فيه قول عائشة [٥: ١٥٠، ٢٠]:\n(فقلت له: (أي لرسول الله - ﷺ -) أتأذن لي أن آتي أبوي).\nأي أن أزورهما. وليس المراد أنها تنتقل عندهما مغاضبة؛ لأن ذلك لم يكن من دأبهم في ذلك العصر، ولأن رسول الله - ﷺ - لا يأذن لها بمثله.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>باب قصة عكل وعرينة</span>\nقوله في حديث أنس [٥: ١٦٤، ٢٠]:\n(واستوخموا المدينة فأمرهم رسول الله - ﷺ - بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا فيه ....) إلخ.\nيعني أنهم أسلموا وجاؤوا مهاجرين؛ لأن قومهم لم يسلموا. وكانت الهجرة واجبة على الأعراب، فلما لم يطيقوا سكنى المدينة وحدث لهم الوخم وعلموا أنهم لاحقون بقومهم ارتدوا عن الإسلام. والأظهر أن إسلامهم كان مكيدة ليتذرعوا به إلى المسلمين في سرحهم.\n* * *","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>باب غزوة خيبر</span>\nوقع فيه قول عامر بن الأكوع في رجزه الذي يحدر به [٥: ١٦٦، ١٥]: (فاغفر فداء لك ما أبقينا).\nوهو دعاء الله تعالى لا محالة. واستعمال كلمة «فداء لك» هنا استعمال كنائي في لازم معنى هذا المركب. وهو بذل النفس والنفيس في مرضاة المخاطب بها مع عدم إرادة المعنى الملزوم لتعذره؛ لأن الله لا يؤسر ولا يخشى عليه الهلاك حتى يفدى بمال أو بنفس. وهذه العبارات تجري على كلام العرب في لوازم معانيها لا غير. من ذلك قولهم: لا أبا لك. وقولهم: فدى لك، وفداك أبي وأمي، ونفديك، وقولهم للميت عند دفنه: لا تبعد.\n* *\nووقع فيه قول عبد الله بن أبي أوفى في لحوم الحمر الإنسية [٥: ١٧٣، ١٢]:\n(وقال بعضهم: نهى عنها البتة).\n«ألبتة» مصدر على وزن الفعلة التي أصلها الدلالة على المرة. وقد يجئ المصدر على وزن الفعلة بالفتح، والفعلة بالكسر، وليس مرادًا به المرة ولا الهيئة. ومنه الحديث [٦: ١١١، ٥]: «فأمسك الله عن الحوت جرية الماء»، نصب على المفعولية المطلقة، أي بت النهي عنها بتة. والبت: القطع، أي قطع أمر النهي، أي لم يبق فيه تردد ولا شك، واستعارة ما يدل على القطع إلى تحقق العلم ونفي الشك موجود في الاستعمال؛ كقولهم: قتل الخبر علمًا، وفرى الدهر خبرة، وجزم فلان بكذا، وقطع بكذا.\nوتعريف المصدر هنا تعريف الجنس كما هو في قولهم: أرسلها العراك، وقوله تعالى: «الحمد لله» في قراءة من قرأ بنصب «الحمد».\nوبهذا تعلم أن همزة «ألبتة» هي همزة أل المعرفة، وهي همزة وصل حيثما وقعت.\nونقل عن صاحب «اللباب» وشارحه صاحب «العباب»: أن همزة البتة شذت عن الأصل فوردت مقطوعة سماعًا، قال في تاج العروس نقله الدماميني في شرح التسهيل. قال الدماميني: ولم يأت عليه ببرهان.","vol":"1","page":144},{"text":"أقول: لعله وهم جرى لبعض من طالع اللباب. فلعله قال: ألبتة بهمزة: القطع. فقرأها الناسخ: بهمزة القطع، بالإضافة، فإن علماء اللغة لم يذكروا هذا عن اللباب مع غرابته. ولو كان في اللباب لذكروه؛ لأن «اللباب والعباب» كلاهما من أصول كتب اللغة. وهذا كتاب لسان العرب يوجد فيه هذا النقل وكذلك القاموس.\n* *\nووقع فيه قول عمر بن الخطاب [٥: ١٧٦، ١١]:\n(لولا أن أترك آخر الناس ببانا ليس لهم شيء ما فتحت علي قرية إلا قسمتها ...) إلخ.\nفقوله: «بيانا» هو بباءين موحدتين مفتوحتين وثانيتهما مشددة.\nذكرها الجوهري في مادة (ببب) المضاعف، وتبعه في القاموس، فهو بوزن فعلان. وقيل: أصله بين فهو بوزن فعال. وفي هذه المادة ذكره صاحب اللسان فهو فعال، كما اختاره أبو علي الفارسي في التذكرة.\nقال أبو عبيدة وأبو سعيد الضرير هو غير عربي. وقال الأزهري: كأنها لغة يمنية لم تفش في كلام معد، يعني أنها من كلام الأزد الذين منهم الأوس والخزرج، فتكلم بها المضريون بعد أن هاجروا إلى المدينة. وذكر في القاموس أنها قد تخفف باؤها.\nواختلفوا في معناها على ثلاثة أقوال:\nالأول: قول أكثر أهل اللغة: إنها الشيء الواحد والضرب الواحد.\nالثاني: أنها الجماعة.\nالثالث: قال عياض: إنها المعدم الذي لا شيء له، وعزاه إلى الطبري. وقال: إنهم أغفلوه تقصيرًا.\nوعلى القول الثالث فقول عمر عقبه: «ليس لهم شيء» تفسير لمعنى الببان، كقول أوس بن حجر:\nالألمعي الذي يظن بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا\n\nوعلى القولين الآخرين فالجملة حال أو مفعول ثان لـ «أترك».\n* *","vol":"1","page":145},{"text":"وقع في حديث عائشة - ﵁ - عن قصة بيعة علي أبا بكر - ﵃ -[٥: ١٧٨، ١٠]:\n(وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكارًا للذي فضله الله به).\nوقع في أكثر النسخ بنصب «نفاسة وإنكارًا» ولا وجه للنصب. وفي بعض النسخ برفعهما وهو الصواب؛ لأنهما فاعل «يحمله».\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>باب عمرة القضاء</span>\nوقع في حديث البراء قوله [٥: ١٨٠، ٣٠]:\n(فأخذ رسول الله - ﷺ - الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب: هذا ما قاضى محمد بن عبد الله ...) إلخ.\nقول البراء: «وليس يحسن يكتب» مع قوله: «فكتب» بقرب من النص في أن رسول الله - ﷺ - كتب ذلك بيده على الحقيقة لا الاستنابة. وبذلك فسره أبو الوليد الباجي. واستدل على أن رسول الله - ﷺ - كتب وأن كتابته مع كونه أميًا معجزة أخرى. وأنكره على الباجي كثير من العلماء، ونصره آخرون. وقد استوفاها القاضي أبو الفضل عياض في الشفاء وفي المدارك. وقال السهيلي: مستحيل أن يدفع بعض المعجزات بعضًا. وأجاب شيخنا العلامة الوزير عن ذلك بأن الأمية تقررت بالتواتر وشهد بها العرب. وتقررت المعجزة بنزول القرآن على النبي الأمي - ﷺ -. فلما تقرر جميع ذلك كان صدور الكتابة منه مع تقرر الأمية معجزة ثانية، كما كان مجيئه بالكتاب مع الأمية معجزة.\n* *\nووقع فيه قوله [٥: ١٨٠، ٤]:\n(لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أحب أن يتبعه وأن لا يمنع من أصحابه أحدًا إن أراد أن يقيم بها).\nوإنما شارطهم رسول الله - ﷺ - على هذه الشروط؛ لئلا يجعلوا امتناعه منها أو من بعضها عذرًا لأنفسهم في صده عن العمرة. فكان ما فعله رسول الله - ﷺ -","vol":"1","page":146},{"text":"تنازلًا لأجل تحصيل العمرة ودخول مكة بأصحابه لما في ذلك من الصالح، على أن تلك الشروط ليس فيها ضرر على المسلمين؛ لأن الشرط الأول لا ضير فيه؛ إذ لم يكن رسول الله - ﷺ - مظنة للغدر بهم بعد دخول مكة.\nوالشرط الثاني قد كان حاصلًا من قبل، فإنهم كانوا يمنعون من أراد الهجرة إلى المدينة منهم فليس في اشتراطه ما يزرأ المسلمين شيئًا.\nوأما الشرط الثالث فقد يثير إشكالًا؛ إذ فيه ذريعة إلى إعانة من يريد الارتداد أو ترك الهجرة. ودفعه أن رسول الله - ﷺ - علم من صدق إيمان أصحابه وبيعتهم إياه تحت الشجرة من قبل أن أحدًا منهم لا يرتد عن الإسلام ولا يترك الهجرة.\n* *\nوقوله [٥: ١٨٠، ٦]:\n(فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليا فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنا فقد مضى الأجل).\nإنما تباطأ رسول الله - ﷺ - عن الخروج عند مضى الأجل؛ لأن ذلك من حقوق المشركين، فلو رضوا أن يزيد فيها بعد مضي الأجل لزاد؛ لأنه في قربة فلا يقطعها حتى يرى منهم العزم على تنفيذ الأجل الذي اشترطوه فيوفي لهم بالعهد حتى لا يكون رسول الله - ﷺ - منصرفًا عن تلك القربة من تلقاء نفسه. وهذا معنى شريف في الاعتذار إلى الله من ظلم أهل مكة ومنعهم المسجد الحرام وما كانوا أولياءه، وإقامة للحجة عليهم عند الله وعند الناس.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>باب قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة: ٢٥]</span>\nقول البخاري [٥: ١٩٦، ٣]:\n(حدثنا أبو النعمان ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر ...) إلخ.\nهكذا وقع في معظم الروايات من الصحيح، فهو حديث منقطع. قال الشارحون: ووقع في الفرع «عن نافع عن ابن عمر».\nوأقول: هو غير صواب؛ إذ لا خلاف أن الذي سأل النبي - ﷺ - هو عمر لا ابن عمر،","vol":"1","page":147},{"text":"كما وضحه الحديث الذي رواه عقبه.\nوأشار البخاري إلى أن أحمد الضبي وهم فيه بقوله [٥: ١٩٦، ٦]:\n«وقال بعضهم: حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر» ثم بقوله: (ورواه جرير بن حازم ...) إلخ.\nقول البخاري [٥: ١٩٦، ٢٠]: (قال الليث: حدثني يحيى ...) إلخ.\nجعله هنا تعليقًا ولم يروه عن الليث. فلعله أخذه من كتب الليث بن سعد، ورواه المؤلف عن الليث في كتاب الأحكام [٩: ٨٦: ١٦] عن قتيبة عن الليث مختصرًا؛ فلذلك ذكر هذه الرواية المطولة هنا تعليقًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>باب سرية عبد الله بن حذافة السهمي</span>\nفيه حديث علي - ﵁ -[٥: ٢٠٣، ٢٠]:\n(بعث رسول الله - ﷺ - سرية فاستعمل عليها رجلًا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب. فقال: أليس أمركم النبي - ﷺ - أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: فاجمعوا لي خطبًا، فجمعوا، فقال: أوقدوا نارًا، فأوقدوها. فقال: ادخلوها، فهموا، وجعل بعضهم يمسك بعضًا ويقولون: فررنا إلى النبي - ﷺ - من النار.\nفما زالوا حتى خمدت النار فسكن غضبه، فبلغ النبي فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة إنما الطاعة في المعروف»).\nقوله - ﷺ -: «لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة». أي لنقل الله أرواحهم من عذاب تلك النار إلى نار جهنم يعذبون فيها إلى يوم القيامة، عقوبة لهم على إلقائهم بأنفسهم في النار أحياء لأمر رجل خالف في أمره الشريعة الناهية عن إتلاف النفس في غير سبيل الله؛ إذ لا عذر لهم بقصد طاعة الأمير، لظهور أن الطاعة التي أمروا بها له إنما هي فيما أمر عليه من مصالح مأموريه، لا في إرضاء ثائرة غضبه. فهو لما أراد استعمال أمر رسول الله الناس بطاعته في قضاء غرض غير شرعي كان معتديًا وظالمًا، وهم لو أطاعوه لكانوا قد نفذوا ظلمه واعتداءه، فكانوا مشاركين له.\nولكون هذا المقصد واضحًا قريبًا من المدرك بالبداهة لا يتردد في فهمه أهل","vol":"1","page":148},{"text":"العقول كان عذرهم منفيًا شرعًا؛ إذ ليس مجالًا للاجتهاد، ولو فرض أن إدراك هذا نظري فهم مأمورون بأن لا يقدموا على الامتثال حتى ينظروا؛ لأن معارض امتثال أمر أميرهم قائم واضح، والمجتهد مأمور بالبحث عن المعارض إن لم يكن ظاهرًا، بله المعارض الواضح، فلو دخلوا النار كانوا آثمين بترك النظر في المعارض حتى يتبين لهم إعماله على معارضه الآخر وهو أمر رسول الله الأهم لطاعة أميرهم، بحيث يخصص به عموم أحوال الأمر بالطاعة، أو يقيد به إطلاق الأمر، فيتبين لهم وجوب عصيان أميرهم فيما أمر به من المنكر.\nوقول بعضهم: «فررنا إلى النبي من النار» توفيق جرى على لسانه، عصمهم الله به من الوقوع في هذا المحظور. وتقريره: أنهم آمنوا خوفًا من عذاب النار التي جعلها الله وعيدًا للكافرين، فلا يكون دخول النار مأمورًا شرعًا؛ إذ جنسه محذر منه.\nوهذا من باب ما يسمى في أصول الفقه بالملائم، وقد اعتبروا جنس التحذير في جنس الاقتحام في النار، فقاسوا تحذير النهي على تحذير الوعيد، وقاسوا نار الدنيا على نار الآخرة.\nوهذا الحديث من غرر الأدلة على وجوب الاجتهاد والنظر فيما يقدم عليه المسلم، وعلى ضابط طاعة الرعية لولاة أمورها، ومقدار مشاركتهم إياهم في أعمالهم إن أمسكوا عن الإنكار عليهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>باب غزوة ذي الخلصة [</span>٥: ٢٠٨، ١١]\nذو الخلصة صنم. والخلصة- بفتح الخاء المعجمة وفتح اللام- وهي واحدة الخلص: شجرة تشبه الكرم تتعلق بالأشجار وتعلو معها. ولورقها ريح عطرة، وتثمر حبًا مثل خرز العقيق. وسمي بها هذا الصنم؛ لأنه كان حجرًا فيه صورة هذه الشجرة، وكان صنمًا في بلاد اليمن في منازل خثعم وبجيله ودوس وجرم وزبيد على أربع مراحل من مكة إلى اليمن.\nوقع فيه قوله عن جرير [٥: ٢٠٨، ١٢]: (كان بيت في الجاهلية يقال له: ذو الخلصة والكعبة اليمانية والكعبة الشامية).","vol":"1","page":149},{"text":"فقوله: «والكعبة الشامية» مبتدأ وخبر. والتعريف في «الكعبة» للعهد. والواو عاطفة للجملة، أي وأما الكعبة المشهورة فهي الكعبة الشامية أي كذلك كان يقول خثعم وبجيله وغيرهم من مشركي اليمنيين.\nوليس قوله: «والكعبة الشامية» عطفًا على «الكعبة اليمانية»، ولا قوله: «الشامية» نعتًا للكعبة، ولا الواو عاطفة مفردًا على مفرد. هذا وجه هذا التركيب. ومن حاول غير ذلك فيه فقد أخطأ أو تعسف؛ إذ ليس ذو الخلصة بمنسوب إلى الشام بحال، ولا كان يعرف الكعبة الشامية عند العرب، بل هو بيت كائن في أول بلاد اليمن مما يلي تهامة في أرض تبالة بينه وبين مكة أربع مراحل للسائر على طريق الطائف.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>باب غزوة سيف البحر</span>\nوقع في حديث ابن الزبير عن جابر - ﵁ - قوله [٥: ٢١٢، ١]:\n(فأتاه بعضهم).\nثبت في بعض الروايات بمد «آتاه» ولم يزد على قوله: «بعضهم»، أي فأعطاه بعض القوم شيئًا من ذلك الحوت.\nووقع في بعض الروايات: «فأتاه بعضهم فأكله» بدون مد (أتاه)، أي وبدون ذكر متعلقة، أي أتاه بشيء منه. ووقع في بعض الروايات «فأتاه بعضهم ببعض منه فأكله» قال عياض: وهي الأظهر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>باب وفد بني تميم</span>\nفيه حديث عمران بن حصين [٥: ٢١٢، ١٢]:\n(أتى نفر من بني تميم النبي - ﷺ - فقال: «اقبلوا البشرى يا بني تميم».\nقالوا: يا رسول الله قد بشرتنا فأعطنا فرئي ذلك في وجهه، فجاء نفر من اليمن فقال: «اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم». قالوا: قد قبلنا يا رسول الله).\nأراد رسول الله - ﷺ - البشرى بالجنة ورضا الله تعالى، وهي التي تقابل النذارة في","vol":"1","page":150},{"text":"اصطلاح الشريعة في قوله تعالى:\n[الأحزاب: ٤٥]، وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٧] ونحو ذلك.\nوقد كان القوم جفاة وحريصين على الدنيا، فبادروا بما دل على حرصهم، وعلى أنهم أعرضوا عن الغرض الذي جاؤوا لأجله من الإسلام والتفقه في الدين إلى طلب العرض العاجل، وحملوا البشرى على معنى الوعد بالعطاء، وذلك أن لفظ البشرى يستعمل عند العرب في الوعد القريب بالعطاء وطمأنة السائل بقرب عطائه. وقد تقدم في حديث أبي موسى الأشعري في غزوة أوطاس: (أتى أعرابي النبي - ﷺ - فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟ فقال له: «أبشر ....») إلخ.\nومنه ما في حديث عمرو بن عوف أن (أبا عبيدة قدم بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدومه فوفوا صلاة الصبح مع رسول الله - ﷺ -، فلما انصرف من الصلاة تعرضوا له فتبسم وقال: أظنكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة وأنه جاء بشيء؟ قالوا: أجل، قال: «فأبشروا وأملوا ما يسركم ...») إلخ [٤: ١١٧، ١٤].\nوقد بقيت هذه الكلمة مما بقي من فصيح الكلام في بيان أهل تونس؛ إذا وقف سائل على أبوابهم وكان عندهم ما يعطونه يقولون له: (أبشر)، كيلا ينصرف. وتكون كلمة (أبشر) في الوعد بالنجدة العاجلة كما ورد في حديث قسمة أموال هوازن (أن رسول الله - ﷺ - نادى: «يا معشر الأنصار» فأجابوه: لبيك أبشر نحن بين يديك)، فلما لم تنصرف أفهام بني تميم إلى المعنى المقصود من البشرى كره منهم رسول الله - ﷺ - ذلك، وبشر أهل اليمن بتلك البشرى، فسبق لهم الفوز. فما كانت كراهية رسول الله - ﷺ - لما بدر منهم إلا غضبًا من أجل قلة حرصهم على الفوز في الآخرة، وإلا فقد كان رسول الله يجيز الوفد ويحب العطاء ويسخو بما عنده، فأراهم الغضب وصرف البشارة إلى غيرهم تربية لنفوسهم، فلا يتنافى هذا مع ثنائه عليهم الوارد في هذا الباب.\n* *\nووقع في حديث أبي هريرة - ﵁ -[٥: ٢١٢، ٢٠]:\n(وجاءت صدقاتهم، فقال: «هذه صدقات قوم» أو «قومي»).","vol":"1","page":151},{"text":"شك في حكاية لفظ رسول الله - ﷺ -. والظاهر أن الشك ممن رواه عن أبي هريرة.\nولفظ: «قوم» الأول بكسر الميم دون تنوين على حذف ياء المتكلم في حال الإضافة دون نداء وهو نادر لكنه مستعمل. وفي القرآن ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>باب وفد عبد القيس</span>\nفيه حديث ابن عباس من طريق أبي قرة عن أبي جمرة أن رسول الله - ﷺ - قال لهم [٥: ٢١٣، ١٣]:\n«آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله، هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس ...».\nقوله: «وإقام الصلاة» وما عطف عليه هي مجرورة عطفًا على «الإيمان بالله» الواقع بدلًا من قوله: «بأربع»، وليست مرفوعة بالعطف على «شهادة أن لا إله إلا الله» الواقع بدلًا من الإيمان بالله الذي هو خبر مبتدأ دل عليه الاستفهام على تقدير اعتبارها من جملة الإيمان؛ لأنها من قواعد الإسلام لضعف ذلك الاعتبار، ولأن عد إعطاء خمس المغانم معها يمنع منه؛ إذ لا قائل بأن إعطاء الخمس هو من قواعد الإسلام.\nويدل لذلك ما وقع في رواية حماد عن أبي جمرة عن ابن عباس [٥: ٢١٣، ٢٠]: «شهادة أن لا إله إلا الله وعقد واحدة». وقد ضبط في بعض نسخ البخاري برفع «وإقام الصلاة» وما عطف عليه فيتعين أن يضبط قوله: «الإيمان بالله» بالرفع على الابتداء لا بالجر على البدلية من قوله: «بأربع» ليصح أن يعطف عليه ما بعده بالرفع. وأما الجمع بين جر «الإيمان بالله» ورفع «إقام الصلاة» وما بعده فهو خطأ إذ لا يقطع العطف.\n* *\nووقع في حديث ابن عباس من طريق حماد [٥: ٢١٣، ١٩]:\n(فمرنا بأشياء نأخذ بها).\nيجوز في «نأخذ» الرفع على أن الجملة صفة لـ «أشياء». ويجوز فيه الجزم على","vol":"1","page":152},{"text":"أنه جواب الأمر في قوله: «فمرنا».\n* *\nفيه حديث ابن عباس [٥: ٢١٤، ١٧]:\n(أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله - ﷺ - في مسجد عبد القيس بجواثي- يعني قرية من البحرين).\nلعل ذل كان لأن عبد القيس أسلموا قبل فتح مكة. فيكون وفدهم قبل سنة الوفود. ويحتمل أن مكة تأخرت إقامة الجمعة فيها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة [</span>٥: ٢١٤، ١٨]\nجمع حديث ثمامة مع خبر وفد بني حنيفة ليشير إلى أن الإسلام دخل اليمامة قبل أن يفد بنو حنيفة، فإن خبر ثمامة كان قبل فتح مكة، ووفد بني حنيفة كان بعد فتح مكة. وقد دل على هذا قول ثمامة لأهل مكة [٥: ٢١٥، ١٣]: (ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبه حنطة حتى يأذن فيها النبي - ﷺ -).\n* *\nووقع فيه قوله [٥: ٢١٥، ٤]:\n(حتى كان الغد).\nفـ (الغد) مرفوع على أنه فاعل (كان) التامة. ويجوز نصبه على أن يكون الفاعل لـ (كان) ضمير (ثمامة) و(الغد) ظرف.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن [</span>٥: ٢١٩، ١٥]\nلم يسمه البخاري هنا وفدًا للإشارة إلى أن الأشعريين وفدوا على النبي - ﷺ - عقب فتح خيبر، وأن هذا الحديث الذي أخرجه هنا يدل على قدوم جماعة منهم في سنة الوفود، فقد اجتمعوا مع وفد بني تميم. وذلك أن القبائل كانوا ربما كرروا الوفادة","vol":"1","page":153},{"text":"بعد المرة التي يسلمون فيها لتلقي الشريعة وأخذ العطاء، وهو الجائزة، كما دل عليه قول وفد عبد القيس [٥: ٢١٣، ١١]: (إنَّا لا نصل إليك إلا في شهر حرام وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر). وبذلك يتضح ما يزيل إشكال بعض الشراح في التقاء أهل اليمن، وهم الأشعريون، مع وفد بني تميم كما في حديث الباب.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>باب حديث كعب بن مالك</span>\nوقع فيه قول كعب بن مالك [٦: ٨، ٣]:\n(يقولون: لتهنك التوبة).\nفقوله: «لتهنك» هو -بفتح التاء الفوقية وسكون الهاء وكسر النون- مشتق من الهناء بالهمز الممدود، وهو ارتياح النفس والباطن بالأمر. يقال: هنئ وهنأ وهنؤ –بكسر النون وفتحها وضمها -والمضارع يهنأ ويهنؤ- بفتح النون وضمها- لا غير. والأصل فيه أنه فعل لازم، فيقال: هنئ لي الطعام، ثم توسعوا فيه فحذفوا الجار ووصلوا الفعل لكثرة الاستعمال على سبيل الحذف والإيصال فقالوا: هنأني الطعام، وهنأني الخبر، أي كان لي هنيئًا. ويقولون في الدعاء: ليهنئك الأمر، أي ليكن لك هنيئًا. ومن كلام العرب في التهنئة بالمولود: ليهنئك الفارس. فتبين لك أن أصل الفعل الهمز ثم إن العرب خففوا الهمزة بعد الكسر فجعلوا مكان الهمزة ياء، فقالوا: ليهنيك، بإظهار الياء بعد النون؛ لأنها عوض عن الهمز وليست ياء المنقوص فلا تحذف للجازم، ولذلك قال صاحب اللسان: «ولا يجوز: ليهنك، كما تقول العامة»، أي بحذف الهمزة. والصواب: أن العرب إذا حولت الهمزة في آخر الفعل إلى حرف علة أنهم يعاملونه معاملة الفعل المعتل فيحذفون حرف العلة عند الجزم كما ثبتت الرواية هنا «ليهنك» بدون ياء وجهًا واحدًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>باب نزول النبي - ﷺ - الحجر</span>\nفيه حديث سالم عن ابن عمر [٦: ٩، ٨]:\n(لما مر النبي بالحجر قال: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن","vol":"1","page":154},{"text":"يصيبكم مثل ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين» ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي).\nيحتمل أن يكون قوله: «أن يصيبكم مثل ما أصابهم» متعلقًا بقوله: «باكين» قُدم عليه في رواية عبد الرزاق للاهتمام؛ لأنه ثبت هنا من رواية ابن بكير عن بكير عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر هنا، وفي رواية عبد الله بن المبارك عن معمر في باب قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] من كتاب بدء الخلق تقديم: «إلا أن تكون باكين» على قوله: «أن يصيبكم ...» إلخ، فيكون النهي عن دخول مساكن المعذبين في حال هزء أو الأسف على فقدهم. كما كانت تفعله الجاهلية أسفًا على أسلافهم في مثل قوله:\nوماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزى تُزين بالسنام\n\nفالمعنى: إلا أن يكون دخول اتعاظ واعتبار. وهو معنى قوله: «إلا أن تكونوا باكين»، أي خائفين خاشعين لله من أن تصيبكم مثل ما أصابهم، فأطلق البكاء على الضراعة والخشوع كقوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الحجر: ١٠٩] وإلا فإن مجرد الدخول لديارهم لا يقتضي أن يصيب الداخل مثل ما أصابهم؛ لأنه لم يأت من الجرم ما أتوا به.\nويحتمل أن يكون قوله: «أن يصيبكم» تعليق للنهي عن الدخول إلى ديارهم، وأن «إلا أن تكونوا باكين» استثناء لحالة الترخيص في الدخول.\n* * *\nووقع في باب ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾ [الحجر: ٨٠] من كتاب التفسير رواية معن عن مالك عن عبد الله بن دينار [٦: ١٠١، ١٨]: (لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يُصيبكم مثل ما أصابهم).\nولا شك أن في ذلك تقديمًا وتأخيرًا إلا أنه أخف مما في رواية سالم عن ابن عمر. ويكون ذلك ناظرًا إلى قوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [القصص: ٥٨] وأن الله لغضبه عليهم قدر أن تبقى ديارهم خرابًا لا يسكنها قوم آخرون إلا قليلًا، أي قليلًا من السكنى. وهو استثناء منقطع. أريد بالمستثنى إقامة المسافرين والمتعظين،","vol":"1","page":155},{"text":"كما كان الشيخ محرز بن خلف ينزل بأطلال قرطاجنة قرب تونس للموعظة. فلو رام قوم سكنى ديار العذاب لخيف أن يهلكهم الله بما سبق من قدره؛ فلذلك حذر رسول الله منه.\nويتحصل من مجموع الروايات ما يتضح به أن قوله: «أن يصيبكم» مرتبط بقوله: «باكين».\nواعلم أن هذا الحديث غير موجود في موطأ يحيى بن يحيى الليثي عن مالك.\nوأما تقنع رسول الله - ﷺ - فذلك زيادة في الإعراض عن ملاحظة أماكن العذاب؛ لأن كمال رسول الله - ﷺ - في كراهية آثار الظالمين يناسبه قطع النظر عن رؤيتها كلها، ولذلك لم يأمر الناس بالتقنع.\nوقد جاء في حديث ابن عمر من رواية عبد الله بن دينار في باب قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] أن رسول الله - ﷺ - نهاهم عن الشرب من آبار الحجر عدا البئر التي تشرب منها ناقة صالح. وقد بينا ذلك عند الكلام عليه في كتاب بدء الخلق.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته</span>\nوقع في حديث عائشة وابن عباس [٦: ١٤، ٩]: (لما نُزل برسول الله - ﷺ -).\n«فنزل» مبني للمجهول، ونائب الفاعل هو المجرور، والفاعل المحذوف هو الموت. وهذا كقولهم: حُضر واحتُضر. وقد أغفله في اللسان، والقاموس، وصاحب المنهل المأهول بالمبني للمجهول، وابن الأثير في النهاية، والشارحون للصحيح، عدا العيني فقد نبه عليه.\nوقال القسطلاني: بفتح النون والزاي. وهو خطأ فقد ثبتت في نسخ الصحيح بضم النون.\n* *\nووقع فيه قول عائشة [٦: ١٤، ١١]:\n(لقد راجعت رسول الله - ﷺ - في ذلك وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه","vol":"1","page":156},{"text":"لم يقع في قلبي أن يُحب الناس بعده رجلًا قام مقامه أبدًا ولا كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله - ﷺ - عن أبي بكر).\nأرادت بقولها: (في قلبي) في اعتقادي وظني. وقد سمى العلماء أفعال الظن والعلم أفعال القلوب، وإذا لم يقع في ظنها محبة الناس من يقوم بعد رسول الله وقع لا محالة في ظنها ضد ذلك، وهو أن يكره الناس من يقوم بعده. وقد بينت ذلك بقولها: «ولا كنت أرى أنه لن يقوم أحد ....» إلخ.\nوقولها: «إلا تشاءم الناس به» فيتنازع ذلك المستثنى كل من (أرى) و(يقوم) المنفيين.\nوقولها: «تشاءم» جملة في موضع الحال تفرغ لها الفعلان السابقان. وقد تأكدت الجملة الأولى بالثانية وحصل إيجاز دل عليه الكلام. فالتقدير: ولا كنت أرى أن أحدًا يقوم مقامه إلا تشاءم الناس به، لن يقدم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، فحصل التأكيد مع إيجاز لطيف.\nوقولها: «فأردت أن يعدل ذلك رسول الله - ﷺ - عن أبي بكر» ثبت في الرواية بنصب لفظ «رسول». وكان الوجه أن يكون مجرورًا بالياء؛ لأن فعل (عدل)، الذي هو بمعنى أعرض، فعل قاصر يتعدى إلى مفعوله المعرض عنه بـ (عن) وإلى غيره بما يناسب من حروف الجر بالأولى. فلما لم يجر بالباء تعين أنه منصوب بنزع الخافض.\nومرادها بالتشاؤم أن يكون ذلك الرجل ذكرى لحادث محزن تنقبض له النفوس عند رؤيته. وليست تريد الشؤم بالمعنى المراد في الجاهلية، وأن يكون وجود بعض الذوات مجلبة شر لغيره، فإن ذلك من عقائد الجاهلية. وقد بين الرسول - ﷺ - نفيه، ولا يظن بأصحاب رسول الله معاودة اعتقاده. وإنما أرادت أن تجنب أباها هذا الثقل على الناس في ظنها قاطعة النظر عن وقوع رجل آخر في مثل ذلك؛ لأن الذي يدفع عن نفسه بدون تعيين أحد للضرر لا حرج عليه، إذ على غيره أن يجنب نفسه ما يحذره إن كان يحذر شيئًا.\nويفهم من قولها: «إلا أنه لم يقع في قلبي ....» إلخ، أن الأمر تبين على خلاف ما ظنت، فقد تلقى المسلمون المصاب برسول الله - ﷺ - بالصبر وتلقوا خليفته بالرضا والتيمن.","vol":"1","page":157},{"text":"ووقع فيه قول العباس لعلي - ﵃ -[٦: ١٥، ٦]:\n(اذهب بنا إلى رسول الله فلنسألنه فيمن هذا الأمر، إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه، فأوصى بنا، فقال علي: إنا لله لئن سألناها رسول الله - ﷺ - لو منعهما الخلافة بعده، أو منع آل بيته الخلافة، على اختلاف الاحتمال في المراد من ضمير المتكلم وغيره في قوله: «سألناها» وما بعده. فإنما يفعل ذلك رسول الله - ﷺ - لأجل وجود الأرجح منهما لولاية أمور المسلمين، فيتوهم الناس أو كثير منهم أن ذلك المنع لعدم أهليتهما لذلك بالنسبة إليهما، أو أنه لإبعاد آل بيته عن الدخول بين المسلمين ليكونوا مع الأمة مظاهر رأفة لا غير، فيظن أن الولاية لا تليق بآل الرسول - ﷺ - كما مُنعوا من أخذ الصدقات. فيصير ذلك باعثًا للناس على إبعادهما أو إبعاد آل بيت النبي عن الولاية، وذلك لا خير فيه ولا في ظنه.\nفهذا مراد علي - ﵁ -؛ وليس مراده التحيل على إخفاء مقصد الرسول - ﷺ -، إذ قد علم علي أن لو أراد رسول الله - ﷺ - أمرًا لأظهره؛ ولكن الحكمة كانت في عدم التعرض لهذا الأمر.\n* * *","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>كتاب التفسير</span>\n[٦: ٢٠، ٦]:\n\nاصطلح البخاري ﵀ في كتاب التفسير على أن يخرج في تفسير كل سورة ما صح عن النبي - ﷺ - والسلف في معاني بعض الآيات، أو في أحكامها ونسخها، أو في أس<span data-type=\"title\" id=toc-178>باب </span>نزولها. وربما افتتح كل سورة بتفسير غريب كلماتها على حسب القراءة التي كان يقرأ بها البخاري، وهي قراءة عاصم بن أبي النجود. وربما ذكر قراءة غيره. ولا يلتزم في ذكر كلمات القرآن ترتيب مواقعها من الآي.\nوقد اعتمد في تفسير غريب اللغة على أقوال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبي عبيدة معمر بن المثنى البصري اللغوي. وكل ما لم يعزه فهو عن ابن عباس؛ ولذلك يكثر أن يقول: وقال غيره من دون أن يتقدم ذكر ابن عباس.\nواعتمد في تفسير المعاني على ما يروى عن ابن عباس غالبًا من رواية السدى وعطاء وعلي بن أبي طلحة. ولم يتقص القراءات، ولا ذكر الاختلاف بين القراء إلا نادرًا.\nباب\nوقع فيه قوله [٦: ٢٢، ت (٣)]:\n(راعنا من الرعونة إذا أرادوا أن يُحمقوا إنسانًا قالوا: راعنا).\nسكت الشارحون عنه. وهذه الجملة لم تضبط في النسخ الصحيحة بوضوح.\nفقوله: «إذا أرادوا أن يحمقوا» هو بتشديد الميم، أي أن ينسبوه إلى الحماقة، فالتفعيل هنا للنسبة.\nوقوله: «قالوا: راعنا» يجوز في «راعنا» التنوين، أي أنه اسم فاعل من الرعن- بفتح العين- وهو الحمق، وفعله مثلث\nويجوز عدم التنوين إما على أن الألف التي في آخره حرف لمد الصوت على أنه منادى محذوف حرف النداء، أي نووا نداءه بـ «يا راعنا»، أو على أن الألف للوقف على التنوين المنصوب.\n* * *","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>باب ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ </span>...﴾ [البقرة: ١٤٢] إلخ\nفي حديث البراء - ﵁ -[٦: ٢٥، ١٣]:\n(أنه صلى أو صلاها صلاة العصر).\nهكذا ثبت بـ (أو) التي للشك، فقيل: الشك من الراوي. أهـ. ويتعين أن يكون الشك من أبي نعيم الذي سمعه من زهير بن معاوية؛ لأن هذا الحديث ثبت في كتاب الإيمان من رواية عمرو بن خالد عن زهير بلفظ: «وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر». فمعنى الشك هنا أن أبا نعيم شك في لفظ البراء بين أن قال: «وأنه صلى صلاة العصر» وبين أن قال: «وأنه صلاها صلاة العصر» على الإضمار قبل المعاد. والشك من أبي نعيم احتياط في لفظ الراوي، وإلا فإن الأظهر أن يكون: «وأنه صلى صلاة العصر».\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>باب ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [</span>البقرة: ١٨٥]\nوقع فيه قوله [٦: ٣١، ١]:\n(قال أبو عبد الله مات بكير قبل يزيد).\nالمقصود التنبيه على أن بُكيرًا مات قبل شيخه يزيد. وليس لذلك فائدة غير هذه تتعلق بمعنى الحديث أو بسنده.\nولعل هذه الجملة أخبر بها الفربري بعض من روى عنه عن البخاري فأثبتها الراوي هنا، وهي لا توجد في غير رواية المستملي.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>باب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [</span>البقرة: ٢٣٤]\nوقع فيه قوله [٦: ٣٧، ١]:\n«فالعدة كما هي واجب عليها».","vol":"1","page":160},{"text":"أي لم تنسخ بوصية سكنى الحول، ولكن زيد عليها حكم الوصية بالسكنى، فإن الزيادة على النص ليست نسخًا كما هو قول الجمهور، وهو الحق خلافًا للحنفية.\n* *\nوقوله [٦: ٣٧، ٢]:\n(قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها).\nأي نسخت آية ﴿وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] سكناها عند أهلها في مدة العدة، فتعتد في بيت زوجها إذا أوصى لها ورضيت، أو لا تقبل فتخرج فتعتد حيث شاءت. وسمى هذا نسخًا بناء على أن الزيادة على النص نسخ؛ إذ ليس الاعتداد عند أهلها بثابت بنص ولكنه مجرد عمل، أو لأنه لما أقره عمل المسلمين تقرر حكمًا، فنسخ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>باب ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ [</span>البقرة: ٢٦٦]\n(قال عمر - ﵁ - يومًا لأصحاب النبي - ﷺ -: فيم ترون هذه الآية نزلت: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾؟ [البقرة: ٢٦٦] قالوا: الله أعلم. فغضب عمر، فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم).\nكان مما شاع عندهم في زمن رسول الله - ﷺ - أن يقولوا كلمة: «الله ورسوله أعلم» كناية عن عدم علم المسؤول بما سئل عنه، كما ورد ذلك في أخبار كثيرة منها حديث خطبة حجة الوداع. فعل سبب غضب عمر - ﵁ - من جوابهم بها أنه كان يرى تلك الكلمة لا تقال إلا لرسول الله - ﷺ - تأدبًا وترقبًا للعلم المعصوم. فأما بعد رسول الله فلا وجه لجواب المسؤول بها؛ لأنه إن كان يعلم فليقل، وإن كان لا يعلم فليقل: لا أعلم.\nووجه عدم الاكتفاء منهم بها أن فيها احتمالًا أن يكون المجيب يعلم علمًا في شأن ما سئل عنه، ولكنه يجوز على نفسه الخطأ، فلذلك رام عمر منهم الصراحة بالعلم على ما هو عليه أو بعدم العلم، وبدون هذا لا يظهر وجه للغضب. وسكوت الشارحين عنه من العجب. وقد نقل عن أبي الريحان البيروني العالم الرياضي أنه قال: إن كلمة «الله أعلم» لا تدل على سابق في العلم.","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>باب ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [البقرة: ٩٢]</span>\nوقع فيه قوله [٦: ٤٦، ١١]:\n(ذلك مال رايح).\nفقال الشراح: بالمثناة التحتية، وهذا سهو منهم، فالصواب أنه بهمزة بعد الألف على حكم إبدال حرف العلة الواقع عينًا للكلمة في زنة اسم الفاعل. وإنما تكتب الياء لتوضع الهمزة تحتها في الرسم، وأما النطق بالياء فلحن؛ ولذلك لا ينقطعون هذه الياء تفرقة بينها وبين الياء المنطوق بها. وقد حكى ابن جنى أن أبا علي الفارسي ذهب مع صاحب له إلى بعض المتسمين بالعلم يزورانه فوجدا بين يديه جزءًا كتب فيه لفظ (قايل) بياء نقط تحتها بنقطتين. فقال له أبو علي: خط من هذا؟ قال: خطي. فالتفت أبو علي إلى صاحبه وقال: لقد أضعنا خطواتنا في زيارة مثله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>باب ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ [آل عمران: ٩٣]</span>\nوقع فيه قول عبد الله بن عمر - ﵁ -[٦: ٤٧، ٣]:\n(فوضع مدراسها الذي يُدرسها منهم كفه على آية الرجم).\nسمى الفقرة من التوراة آية؛ لأنهم غلب على ألسنتهم تسمية جمل القرآن آيات، فأطلقوا ذلك على الجمل التي في التوراة على وجه التشبيه، وإلا فإن كلام التوراة ليس بآيات؛ إذ ليس فيها إعجاز.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>باب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ</span>\nوَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]\nفيه قول عبد الله بن عباس - ﵁ -[٦: ٥٧، ١٩]: (نزلت في عبد الله بن حُذافة ... إذ بعثه النبي - ﷺ - في سرية).\nهي سرية الأنصار، وقد ذكر المؤلف حديثها في كتاب المغازي عن علي بن أبي طالب.","vol":"1","page":162},{"text":"ومعنى قول ابن عباس يحتمل أنها نزلت حين أمره النبي - ﷺ - على السرية ليطيعوه، فيكون هذا الأمر هو الذي دفعه إلى أمر جيشه أن يطيعوه بأن يدخلوا النار التي أوقدها، فيكون قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] هو المقصود الأول ويكون قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ [النساء: ٥٩] تنبيهًا على ما سيقع بينهم وبين أميرهم.\nويحتمل أن الآية نزلت بعد أن رجعت السرية وبلغ النبي ما أمرهم به أميرهم فيكون قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] كالمقدمة؛ لئلا يظن أحد أن الأمر بالطاعة قد نُسخ، ويكون المقصود منها هو قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ ....﴾ [النساء: ٥٩] إلخ، ويكون في قول الرسول [٥: ٢٠٤، ٥]: «إنما الطاعة في معروف» بيانًا لمعنى ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [البقرة: ٥٩] في هذه الجزئية.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>باب ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥]</span>\nفيه قول عروة [٦: ٥٨، ٥]:\n(واستوفى النبي - ﷺ - للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة).\nليس مراد عروة أن الغضب هو الذي دعا النبي - ﷺ - إلى الشدة على الأنصاري في الحكم؛ ولكن المقصود أن النبي - ﷺ - دعاهما إلى صلح فيه رفق بالأنصاري ونقص من حق الزبير. فلما لم يفهم الأنصاري حسن مقصد الرسول استوفى الرسول حق الزبير وقضى بينهما بوجه الحق والمشاحة. وغضب رسول الله - ﷺ - لا يمنعه من القضاء لأنه معصوم.\nوقد يكون الضمير في «أحفظه» عائدًا إلى الزبير، أي حين أغضبه الأنصاري بالامتناع من الصلح ونسبته إلى الإدلال بالقرابة من رسول الله - ﷺ -.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>باب ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]</span>\nفيه حديث زيد بن ثابت [٦: ٥٩، ٣]:\n﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] رجع ناس من أصحاب النبي - ﷺ -","vol":"1","page":163},{"text":"وكان الناس فيهم فرقتين فريق يقول: اقتلهم، وفريق يقول: لا، فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨].\nيعني بأصحاب النبي من أظهروا الصحبة، وهم منافقون، وهم: عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه الذين انخزلوا يوم أحد ليدخلوا الوهن في المسلمين. ومعنى اختلافهم في قول فريق: اقتلهم، وقول فريق: لا تقتلهم، أنه الاختلاف في لازم ذلك، وهو تحقيق نفاقهم؛ لأن الذين قالوا: اقتلهم، أرادوا أنهم كفار أبطنوا الكفر. والذين قالوا: لا تقتلهم، أرادوا أنهم مسلمون، اغترارًا بظاهر حالهم. فمورد اللوم في قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] هو لازم القولين، أي ما كان ينبغي التردد في نفاقهم بعد أن ظهرت ظواهر الكفر عليهم حين انخزلوا بدون إذن الرسول. فمورد اللوم هو اللوم على سوء النظر والتوسم، وإلا فإن الإشارة بعدم القتل مع اعتقاد إسلامهم جرى على مقتضى الحكم الشرعي، فلا يُلام من أشار بذلك، إنما يلام على اغتراره بإسلامهم. فهذا تحقيق معنى الحديث.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>باب ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]</span>\nوقع فيه قول ابن عباس [٦: ٥٩، ١٢]:\nأراد أنها محكمة، وأن الآيات التي فيها توبة قاتل النفس منسوخة أو مؤولة على الكفار، كما سيأتي في باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] ونبينه هنالك.\nويجب تحرير هل النظر في هذه الآية بأن القاتل يتعلق به حقان: حق الله تعالى، وحق المقتول، فأما حق المقتول فلا تعمل فيه التوبة ولا يسقطه إلا إسقاط المقتول حقه وعفوه قبل موته.\nوأما حق الله فهو عظيم وهو دون الكفر، وتشمله التوبة التي شملت الكفر، وهو أعظم الذنوب. فمراد ابن عباس يحتمل أنه خشي توهم الناس أن التوبة تسقط حق","vol":"1","page":164},{"text":"القاتل. ويحتمل أنه خاف استخفاف الناس بالقتل اعتمادًا على التوبة في آخر الأمر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>باب ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]</span>\nوقع فيه [٦: ٦٥، ٨]:\n(عن أبي قلابة أنه كان جالسًا خلف عمر بن عبد العزيز فذكروا وذكروا فقالوا وقالوا: قد أقادت بها الخلفاء ...) إلخ.\nهذا الحديث وقع مختصرًا في رواية ابن عون عن أبي رجاء مولى أبي قلابة اختصارًا غمض به معناه هنا في كتاب التفسير.\nوسبب ذلك لعله لأن ابن عون أورده لمجرد إثبات حد الحرابة. وقد ورد مطولًا ومبينًا في رواية الحجاج بن أبي عثمان عن أبي رجاء مولى أبي قلابة في باب القسامة من كتاب الديات فانظره هنالك [٩: ١١، ٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>باب ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥]</span>\nفيه حديث زيد بن ثابت [٦: ٦٠، ٢]:\n(أن رسول الله - ﷺ - أملى عليه ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥]، فجاءه ابن أم مكتوم وهو يُملها علي. قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان أعمى، فأنزل الله على رسوله - ﷺ - وفخذه على فخذي فثقلت علي حتى خفت أن ترُض فخذي ثم سري عنه، فأنزل الله ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]).\nظاهره أن الآية نزلت بدون قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]. وقد صرح بذلك في الروايتين اللتين بعد هذه، وقد كانت الآية غير محتاجة إلى البيان؛ لأن صريحها نفي الاستواء بين القاعدين والمجاهدين في تحصيل فضل الجهاد. وهو حكم لم يتطرقه ما يخالف ذلك؛ لأن أجر الجهاد على عمل لا يناله غير عامله. فلم ينزل الله قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] إبطالًا لنفي الاستواء بين القاعد والمجاهد إذا كان القاعد غير قادر","vol":"1","page":165},{"text":"على الجهاد. ولكن بقي الاستواء لما كان يصدق بحالتين:\nإحداهما: أن يكون القاعد آثمًا لعدم عذر له في القعود.\nوالثانية: أن يكون غير آثم لعذر له في القعود.\nوكان نفي الاستواء قد يستعمل كناية عن المؤاخذة بالاعتبار الأول كما في قوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] جاء البيان بقوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] لنفي هذا الاحتمال، وإن كان احتمالًا مرجوحًا، لكنه قد خطر لبعض السامعين، كما دل عليه اعتذار عبد الله بن أم مكتوم. فهذا نظير نزول قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] بعد نزول: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].\nوإنما أقحمت إثر قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] دون أن يكون في آخر الآية ليكون قوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥] الآية، على عمومه في جميع المجاهدين والقاعدين، فهو كالحد الجامع المانع. فتعين أن الاستثناء في قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] تخصيص للمعنى الكنائي.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>باب ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]</span>\nفيه قول حذيفة لأهل حلقة ابن مسعود [٦: ٦٢، ١٣]:\n(لقد أُنزل النفاق على قوم خير منكم).\nيحتمل أن يكون حذيفة أراد مجرد الموعظة تحذيرًا للناس من أسباب التفريط في الإيمان، فيكون كلامه من أسلوب الترهيب. وهذا هو الذي يؤذن به قوله لهم حين رأى استعظامهم كلامه فقال: (ثم تابوا فتاب الله عليهم) على طريقة تعقيب الترهيب بالترغيب.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>باب ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤]</span>\nفيه قول ابن مسعود - ﵁ -[٦: ٦٥، ١]:\n(قال المقداد: يوم بدر).","vol":"1","page":166},{"text":"«يوم بدر» من رواية سفيان عن طارق، وليست من رواية إسرائيل عن طارق؛ لأن البخاري في رواية إسرائيل في المغازي. وليس فيها لفظ «يوم بدر» فعلمنا أنها هنا من رواية سفيان خاصة دون ما يوهمه ظاهر تحويل الإسناد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ</span>\nوَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]\nوقع فيه قول البخاري [٦: ٦٧، ١]:\n(والاستقسام أن يُجيل القداح) ثم قال: (وفعلت منه قسمت، والقسوم المصدر).\nقال القسطلاني: «بضم القاف». أهـ. وقال العيني: «أشار إلى أن مصدر (قسمت) الذي هو إخبار عن نفسه من الثلاثي المجرد (أي والقاصر) يأتي قسومًا على وزن فعولًا، أي مثل قعود. وقد جاء لفظ القسوم في قول الشاعر:\nولم أقسم فتحبسني القسوم\nوالاحتجاج بهذا على أن لفظ «القسوم» مصدر، وفيه نظر؛ لأنه يحتمل أن يكون جمع قسم بكسر القاف». أهـ.\nولم يقل غيرهما من الشراح شيئًا.\nوهذا الذي ذكره البخاري أن الفعل منه «قسمت» لم نقف عليه ولم نجده في كتب اللغة: الصحاح واللسان والقاموس وشرحه والأساس.\nوالمصراع الذي ذكره العيني لا يعرف قائله ولا ما قلبه حتى يظهر مراده ووقوع «فتحبسني» بالمثناة الفوقية يقتضي أن القسوم جمع وليس مصدرًا مفردًا.\nفإذا ثبت أن للاستقسام بالأزلام فعلًا مجردًا على فعلت، كما قال البخاري، تعين أن يكون مصدره القسوم؛ لأن وزن فُعول يطرد في مصدر فَعَل اللازم مثل القعود والغدو. لكن هذا لم ينص عليه أهل اللغة ولا المفسرون بل المعروف أن فعله","vol":"1","page":167},{"text":"استقسم. نعم، إن استقسم فعل مزيد يقتضي سبق فِعل مجرد له، مثل استقر واستمسك، لكن عدم ذكرهم إياه يدل على أنه مُمات؛ ولذلك لم يذكروا القسوم مصدرًا. فتدبر في هذا، فإنه معضل. وعقدة الإشكال قوله: «وفعلت منه قسمت».\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>باب قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١]</span>\nفيه حديث ابن عباس [٦: ٦٨، ١٢]:\n(كان قوم يسألون رسول الله - ﷺ - استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] حتى فرغ من الآية كلها).\nقال الكوراني: إن قلت: الاستهزاء برسول الله - ﷺ - كفر، فكيف صدرت الآية بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [المائدة: ١٠١]، أو خوطبوا بناءً على ادعائهم الإيمان، كما تقول لمن يلحن في الإعراب ويزعم أنه نحوي: (يا نحوي لا تلحن). أهـ.\nأقول: الحديث صريح في أن الآية نزلت بالمدينة؛ لأن في بعض رواياته أن رسول الله - ﷺ - خطب خطبة، وإنما كان يخطب بالمدينة، ولذلك فالظاهر أن الذين كانوا يسألون، منهم من يسأل قاصدًا الاستهزاء وهم من المنافقين، ومنهم من يسأل على قصد الجد.\nففي رواية: أن حذافة سأل، فقال: من أبي؟ فأطلع الله رسوله - ﷺ - على قصد المستهزئين، وحذر المؤمنين من ذلك لقطع أصل السؤال.\nوفي بعض رواياته عن أنس أن رسول الله - ﷺ - أكثر من أن يقول: «سلوني» وهو على المنبر فأشفق أصحابه. قال أنس: «فجعلت لا ألتفت يمينًا ولا شمالًا إلا وجدت كلا لافًا رأسه في ثوبه يبكي، ثم قام عمر فقال: رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا عائدًا بالله من شر النفس».","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>باب ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ</span>\nإِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]\nوقع فيه قول رسول الله - ﷺ -[٦: ٧٥، ١٤]:\n«أما صاحبكم هذا فقد غامر».\nوفسره البخاري بقوله [٦: ٧٥ ت (٩)]: (قال أبو عبد الله: غامر: سبق بالخير).\nالمشهور أن «غامر» بمعنى خاصم، وأما ما فسر به البخاري فهو مما رواه المستملي.\nوقد اختلفت الروايات في لفظ «الخبر» فالذي في نسخة صحيحة من البخاري «بالخبر» بباء موحدة. وكذلك ثبت في كتاب «المشارق» لعياض، فيكون معناه: أن «غامر» بمعنى سبق، ويكون ذكر المتعلق، وهو قوله: «بالخبر» بيانًا لمتعلق السبق، وليس المراد منه أن معنى «غامر» خصوص السبق بالخبر بل مطلق السبق، فيكون مجازًا؛ لأن أصل المغامرة المدافعة والمخاصمة ومن لوازمها المسارعة، وهذا تفسير غريب.\nوفي الفتح عن المحب الطبري أنه نقل مثله عن أبي عبيدة.\nوفي النسخ التي شرح عليها الشراح: «بالخير» بالمثناة التحتية. فيكون تأويلًا لكلام الرسول بأنه على طريقة التورية، إذ أطلق «غامر» بمعنى سبق إلى الخير، وهو أنه جاء بطلب من الرسول أن يسترضي عمر، فيكون أبو بكر سبق إلى طلب المسامحة التي هي خير، فيكون تفضيلًا لموقف أبي بكر، وبشارة له بأنه خير الرجلين لما في الحديث: «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام».\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>باب قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]</span>\nوقع فيه قول أنس [٦: ٧٨، ٩]:\n(قال أبو جهل: الله إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم).\nيحتمل أن يكون أبو جهل قال هذا بنصه، فيكون من الكلام البليغ البالغ حد","vol":"1","page":169},{"text":"الإعجاز؛ لأن حكاية القرآن إياه بلفظه تقتضي أنه مساوٍ لما في القرآن من كلام بالغ الطرف الأعلى في البلاغة، فيكون الفرق بين نحو هذا الكلام وبين إعجاز القرآن أن القرآن كل كلام تام منه هو معجز، وأما كلام غير القرآن فقد يقع فيه المعجز في جملة أو جملتين؛ ولذلك كان التحدي بمعارضة أقصر سورة منه لا بمعارضة مطلق كلام منه تام.\nويحتمل أن يكون مراد أنس، أن أبا جهل قال ما يرادف هذا الكلام من كلام خلي عن بلوغ حد الإعجاز، فحكاه القرآن بمعناه بتركيب معجز، كما هو الغالب في حكايات القرآن كلام القائلين من العرب وغيرهم.\nكان أهل الجاهلية يحسبون أن الله كواحد من الناس يأنف من المخاطرة والمكافحة، وينزل على تحدي الخصوم كيلا يظهر بمظهر المغلوب، فإذا تحدوه وتخلف ما تحدوه به جعلوا ذلك أمارة لهم على أنهم على الحق. ومنه قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] فقال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨].\nوالحقيقة أن الله واسع عليم، وأنه يتحدى الناس ولا يتحدونه، وأن هذا من كفر أهل الجاهلية، وأن من يفعله من المسلمين أو يقاربه فقد جهل وأساء الأدب، وأن تأخير العقاب عن العاصي، وتأخير نزول العذاب بالمعاندين والطغاة لا يدل على أنهم على الحق.\nقال الشيخ ابن عطاء الله الاسكندري: خف من دوام إحسانه إليك ودوام إساءتك معه أن يكون ذلك استدراجًا من جهل المريد أن يعصي فيؤخر العقاب عنه فيقول: لو كان هذا معصية لعُجل العقاب، فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر ولو لم يكن إلا منه المريد، وقد يقام مُقام البعد من حيث لا يدري ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>باب ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]</span>\nوقع فيه قول الراوي [٦: ٨٢، ٥]:\n(فقال أعرابي: إنكم أصحاب محمد تخبروننا فلا ندري).","vol":"1","page":170},{"text":"انتصب «أصحاب» على الاختصاص. وقوله: «فلا ندري» أي فلا ندري كيف نتأول؛ يعني أنكم تخبروننا بما نحسبه مخالفًا لما هو معلوم بين الناس، وذلك أنه استبعد قول حذيفة: «لم يبق من أصحاب هذه الآية ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] إلا ثلاثة، ولا من المنافقين إلا أربعة، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويشرقون أعلاقنا»، أي فهو يحسب أنه لا يؤذي المسلمين إلا من كان كافرًا. فهؤلاء عنده إما من أئمة الكفر وإما من المنافقين؛ فلذلك قال له حذيفة: «أولئك الفساق».\nثم قال: «أجل لم يبق منهم إلا أربعة» فهذا عود إلى كلامه الأول وتصميم عليه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>باب: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠]</span>\nفيه قول أبي بكر - ﵁ -[٦: ٨٣، ٨]:\n(قلت: يا رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا).\nأي أن المشركين كانوا يتسلقون جبل ثور ويمرون من شعابه، يصلون إلى المنازل الواقعة في سفحه من الجهة الأخرى كدأب سكان جهتي الجبال.\nوالمعنى أنهم كانوا يمرون على سقف الغار، فعله قد كان في سقفه شقوق تحت أقدام المارة، فلو رفع أحد قدمه ونظر ما تحت قدمه رأى أسباحًا في الغار، فاكتفى بقوله: «رفع قدمه»؛ لأنه لا يرفع قدمه إلا أن يقف قصد التأمل، فلا تتوهم أن المشركين كانوا يفتشون في الجبل؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لدخلوا الغار، ولا أن الجبل كان طريقًا لهم؛ لأن الغار مرتفع في الجبل.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>باب قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]</span>\nفيه حديث ابن عمر - ﵁ -[٦: ٨٥، ٨]:\n(فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله تصلي علنه، وقد نهاك ربك أن تصلي علنه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «إنما خيرني الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وسأزيده على السبعين»).","vol":"1","page":171},{"text":"قول عمر: «وقد نهاك الله أن تصلي عليه»، أي نهاك أن تصلي على المنافقين، وهو واحد منهم. وقد وقع التصريح بذلك في بعض رواياته: «وقد نهاك ربك أن تصلي على المنافقين». والظاهر أن عمر - ﵁ - فهم النهي من عموم قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] فإنه رأى المنافقين من جملة المشركين إذ الاعتبار بالاعتقاد. وقد تظافرت الأمارات على أن عبد الله بن أبي كان منافقًا وما الصلاة على الميت إلا ضرب من الاستغفار.\nوقول رسول الله - ﷺ -: «إنما خيرني ربي» هو قصر قلب لإبطال قول عمر: «وقد نهاك ربك» أي أن الله لم ينهني عن ذلك؛ لأن المنافق مغاير للمشرك؛ إذ المنافق مظهر للإيمان غير معاند؛ فلا تدخل هذه الماهية في ماهية الإشراك حتى يشملها عموم اللفظ الدال على الإشراك. فالتخيير يقتضي الإذن بقطع النظر عن المغفرة؛ لأنه قد يكون في الاستغفار فوائد أخرى، منها: تألف قلوب بقية المنافقين.\nثم إن رسول الله - ﷺ - حمل لفظ «السبعين» في الآية على ظاهره دون معنى الكثرة، وإن كان ظاهره مرجوحًا، استقصاء للرأفة بالأمة ولو في ظاهر الحال رجاء بركة صورة الإسلام حتى نزل ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤].\nووقع في رواية ابن عباس عن عمر عقب هذا أن رسول الله - ﷺ -[٥: ٨٥، ١٨] قال: «لو أعلم أني إن زدت على السبعين يُغفر له لزدت عليها».\nووقع فيه قول عمر [٦: ٨٦، ١]:\n(فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله - ﷺ -، والله ورسوله أعلم).\nإنما عجب من جرأته لأن ما صدر منه كان بدافع كراهية أن يصلي رسول الله - ﷺ - على رأس المنافقين مع بعضه للرسول، فحجبه ما اعتراه من الكراهية عن التأمل ليعلم أن الله لا يقر رسوله - ﷺ - على ما لا يرضى به، ولو تأمل في سعة من أمره لعلم من دلائل أحوال رسول الله - ﷺ - أن الله أراد أن يصلي الرسول على عبد الله بن أبي ثم يرد النهي بعد ذلك فيكون أوقع وأقطع لمعاذير المنافقين.\n* * *","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>باب قوله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول﴾ [التوبة: ١٢٨]</span>\nوقع فيه رواية شعيب ويونس عن ابن شهاب قول زيد بن ثابت [٦: ٩٠، ٤]: (حتى وجدت آيتين من سورة التوبة مع خُزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره).\nمع ما روى عبد الرحمن بن خالد عنه، وموسى بن إسماعيل، ويعقوب بن إبراهيم عن إبراهيم بن سعيد عنه قول زيد بن ثابت: (وجدتهما مع أبي خزيمة الأنصاري).\nفهذا اضطراب من رواة ابن شهاب. وخزيمة هو خزيمة بن ثابت بن الفاكه. وأبو خزيمة هو أبو خزيمة بن أوس بن أصرم.\nوقد روى البخاري في تفسير سورة الأحزاب [٦: ١٤٦، ٨]: عن شعيب عن ابن شهاب أن آية الأحزاب وجدت مع خزيمة الأنصاري. ولا يمكن الجمع بأن خزيمة وجدت عنده آيات السورتين، وأبا خزيمة وجدت عنده آية الأحزاب؛ لأن ذلك ينافيه قول زيد بن ثابت في الموضعين: «لم أجدها مع أحد غيره»، ولذلك جزم ابن حجر بان آية الأحزاب وجدت عند خزيمة وحده وأن آية التوبة وجدت عند أبي خزيمة، فتعين أن رواية شعيب ويونس عن ابن شهاب: أن آية التوبة وجدت عند خزيمة وهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٢]</span>\nووقع فيه [٦: ١٠٥، ١٢]:\n(عن أبي هريرة قال: أُتي رسول الله - ﷺ - بلحم فرُفع إليه الذراع وكانت تُعجبه فنهس منها نهتة ثم قال: «أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذلك؟ يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد» وساق حديث الشفاعة بطوله).\nقول أبي هريرة: «أُتي رسول الله - ﷺ - بلحم» ظاهر في أن أبا هريرة حضر المجلس الذي أتي فيه رسول الله - ﷺ - بلحم. فهو مجلس طعام ضيافة أعدت لرسول الله - ﷺ -.","vol":"1","page":173},{"text":"فأخذ رسول الله - ﷺ - في التحديث بالحشر والشفاعة جري على عادة العرب في القرى أن يُحدثوا الضيفان بأخبار. قال راجزهم:\nورب ضيف طرق الحي سُرى ... صادف زادًا وحديثًا ما اشتهى\n\n* *\nوقع فيه [٦: ١٠٥، ٢٠]:\n(«فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله»).\nحصل العلم لآدم ولغيره من الرسل - ﵇ - بذلك يومئذٍ بوحي من الله بأنه لا يغضب في المستقبل، أو لعلمهم بأن ذلك اليوم هو مظهر الغضب على جميع المغضوب عليهم؛ لأنه يوم الجزاء على المعاصي فيعقبه الأمر بإلقاء المغضوب عليهم في العذاب وينتهي الغضب، وهذا يقتضي أن الغاضب إذا عاقب المغضوب عليه ينتهي الغضب؛ إذ لا موجب له بعد. والله تعالى حكيم.\n* *\nووقع فيه [٦: ١٠٧، ٣]:\n(«فيُقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب»).\nالظاهر أن الباب الأيمن مختص بهم أو بعباد الله المقربين. وهذا كناية عن الإسراع بدخولهم كما هو شأن الأبواب الخاصة والأبواب العامة.\nوالظاهر أن المراد بكونهم شركاء الناس أن حقهم ثابت في بقية الأبواب، لكن حصول مقصودهم بالدخول من الباب الأيمن يجعلهم في غنية عن الدخول من الأبواب المشتركة؛ إذ لا فائدة في تكرر الدخول. هذا ما ظهر في معنى الحديث.\nووقع فيه [٦: ١٠٧، ٥]:\n(«والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير أو كما بين مكة وبصرى»).","vol":"1","page":174},{"text":"الظاهر أن الجميع من كلام رسول الله - ﷺ -، وأن (أو) للتخيير في تقدير المسافة بحيث يعلمه من كان من أهل الجنوب ومن كان من أهل الشمال، أو من كان من أهل المشرق عن مكة ومن كان من أهل المغرب عنها.\nوليست (أو) من كلام الراوي للشك فيما سمعه؛ إذ لا تلتبس حمير ببصرى في السمع ولا في الجهة.\nووقع في صحيح مسلم: «كما بين مكة وهجر»، أو «كما بين هجر ومكة»، فذلك شك من الراوي لا محالة بالتقديم والتأخير. ولعل رسول الله - ﷺ - حدث به غير مرة فقدر في كل تحديث ببلد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>باب ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الإسراء: ٥٦]</span>\nوقع فيه قول ابن مسعود - ﵁ -[٦: ١٠٧، ١٢]:\n(كان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجن).\nفيه إطلاق ناس على الجن مع أن ناسًا مأخوذ من الإنس. وأصله: أناس، فأطلاقه على الجن؛ لأنه شاع استعماله بمعنى طائفة أو فريق، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>باب ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]</span>\n(عن ابن عباس - ﵁ -[٦: ١٠٩، ٨] في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قال: نزلت ورسول الله - ﷺ - مختف بمكة كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، أي بقراءتك ....) إلخ.\nليس تجنب سب المشركين القرآن ومن أنزله ومن جاء به بكراهية لسبهم، أو لأن ذلك يؤذي الله ورسوله، فإنهم كفروا بما هو أشد من ذلك وأفظع من قول وفعل، ولكن النهي عن ذريعة السب؛ لأن سبهم ذلك يزيدهم كفرًا، ويزيد قلوبهم قسوة","vol":"1","page":175},{"text":"ونفرة عن الإسلام، فنهى الرسول عن ذريعة ذلك؛ لئلا يكون سببًا في زيادة تفرقهم، فإنه بُعث مرغبًا لا منفرًا. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ﴾ [الأنعام: ١٠٨] مع أن سب آلهتهم قربة إلى الله تعالى، وقد نهى عنها؛ لأنها ذريعة لازدياد كفرهم وتصلبهم فيه. هذا هو حق معنى الحديث وتفسير الآيتين.\nوقوله: «ورسول الله مختف بمكة» أي منزو هو وأصحابه قبل أن ينزل عليه قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤، ٩٥].\nوإطلاق الاختفاء على الانزواء والاستضعاف استعارة هي عكس إطلاق (ظهر) على معنى (انتصر) يقال: ظهر بنو فلان على بني فلان، وليس المراد حقيقة الاختفاء؛ لأنه ينافي قوله: «فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته».\n* * *\nوقع في بعض نسخ الصحيح إثر هذا الحديث ما نصه:\n(قال الفريزي: قال محمد بن عياش: إن أبا عبد الله لم يجيء من أحاديث هشيم في هذا الكتاب إلا بالخير. وذكر أن هشيمًا كان صاحب تدليس).\nولم أعرف ابن عياش هذا ولا تحققت أهو بمثناة وشين معجمة، أم هو بموحدة وسين مهملة، بعد مراجعات في كتب الرجال والمشتبه وذيله والقاموس وفي أسماء الذين رووا عن البخاري، وهو من أصحاب البخاري لا محالة.\nولعله أعلى طبقة من الفربري الذي هو من صغار أصحاب البخاري - ﵁ -، وأحسب سبب إغفاله أن الناس انحصر اعتمادهم في رواية صحيح البخاري على الفربري وما تفرع عنه.\n* * *\nسورة الكهف\nوقع فيه قوله [٦: ١١٠، ١١]:\n(﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ﴾ [الكهف: ٤٤] مصدر الولي).","vol":"1","page":176},{"text":"[٦: ١١٠ ت (٦)] في رواية ذر الهروي مصدر (ولي) بصيغة الفعل الماضي، وهي الأظهر.\nووقع في رواية: (هذه مصدر الولي) بألف ولام ولم يضبط، فالظاهر أن مراده أنه مصدر الفعل الذي اشتق منه الولي فيكون بتشديد المثناة. ويجوز أن يكون بتخفيفها، ويكون مراده أنه مرادف الولي الذي هو مصدر ولي. ووقع في رواية (مصدر ولي الولي ولاء) وهي غير رشيقة.\n* *\nووقع فيه [٦: ١١٠، ١٥]:\n(إن نوفا البكالي).\n«نوف» بنون وفاء، وهو ابن فضالة «وبكال» بوزن كتاب بطن من حمير. وكان نوف هذا قصاصًا بالكوفة، كما سيأتي في الباب الموالي لهذا [٦: ١١٥، ١٠]، سكن الشام وكان ربيبًا لكعب الأحبار.\n* *\nووقع فيه قوله [٦: ١١٠، ١٦]:\n(يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل).\nقال الشراح: أي بل هو موسى بن ميشا بن أفرايم بن يوسف بن يعقوب. أهـ.\nولم يذكروا ماذا كان. ورأيت في معجم البلدان لياقوت في ذكر الرس أن بعض المفسرين قال في قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان: ٣٨]: هو وادي أذربيجان. ويقال: إنه بأران على عليه ألف مدينة بعث الله إليهم نبيًا، فقال له موسى، وليس بموسى ابن عمران ... إلخ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>باب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ [الكهف: ٦٠]</span>\nوقع فيه قوله [٦: ١١١، ١٣]:\n«وأني بأرضك السلام».","vol":"1","page":177},{"text":"أي بهذه الأرض، فأضافها إلى ضمير المخاطب؛ لأنه ظنه من أهل تلك الأرض، أو الإضافة لأدنى ملابسة.\n* *\nووقع فيه قوله [٦: ١١٢، ١١]:\n(فقال الخضر: فأقامه بيده).\nكذا في رواية أبي ذر الهروي، فتكون (قال) فعلًا مستعملًا في الدلالة على الشروع، وكثير من الأفعال يستعمله العرب في معنى الشروع. قال أبو حية النميري:\nفألقت قناعًا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين كف ومعصم\nوقالت فلما أفرغت في فؤاده ... وعينيه منها السحر قلن لها انعم\n\nووقع في رواية غير أبي ذر «فقام الخضر» فيحتمل أن فعل (قام) مستعمل في معناه. ويحتمل أنه مستعمل في معنى الشروع وهو الأظهر كقوله، من شواهد اللغة:\nفقام يذود الناس عنها بسيفه ... وقال ألا لا من سبيل إلى هند\n\nإذ لم يرد أنه كان قاعدًا، ولكنه أراد أنه شرع وأخذ، وهذا كقولهم: ذهب يفعل كذا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩]</span>\nوقع فيه حديث أبي أسامة أن عائشة قالت [٦: ١٣٥، ١٤]:\n(وقد جاءت امرأة من الأنصار فهي جالسة بالباب فقلت: ألا تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئًا).\nلم تقع هاته الجملة في رواية من روايات حديث الإفك عن هشام غير رواية أبي أسامة حماد بن أسامة الكوفي عنه التي ذكرها البخاري في هذا الباب تعليقًا بقوله: «وقال أبو أسامة وقد رواها عنه أحمد بن حنبل في مسنده». وهي زيادة","vol":"1","page":178},{"text":"غريبة لا يوثق بصحتها لانفراد أبي أسامة بها دون جميع من روى خبر الإفك. وأبو أسامة وثقة أحمد بن حنبل. واحترز منه البخاري فلم يسند عنه هذا الحديث.\nوهذه الجملة مشكلة فقوله: «فقلت» الظاهر أنها أرادت: فقلت في نفسي؛ لأنها ذكرت في هذا الحديث وغيره أنها لم تستطع الجواب، فقلت لأبي بكر: أجب رسول الله، وقالت لأم رومان أجيبي رسول الله. والمعنى: فقلت في نفسي متأسفة لعل هذه المرأة تذكر للناس شيئًا مما تسمعه ظانة أن رسول الله - ﷺ - استيقن خبر الإفك.\nوقولها: «ألا تستحي» خطاب لنفسها، لتحمل نفسها على الغضب، فتجيب رسول الله - ﷺ - حيث وجدت نفسها لا تستطيع الكلام. وقد يدل على صحة هذا التفسير قولها بعد ذلك: «وكنت أشد ما كنت غضبًا».\nوقال الشارحون: الخطاب منها لرسول الله - ﷺ -، أي على سبيل العتاب تقول: ألا تترك الكلام في هذا بمسمع من امرأة أجنبية لعلها تذكر للناس شيئًا على حسب فهمها لا يليق ببراءة أهلك.\nوعندي على هذا الاحتمال في الخطاب أن عائشة لصغر سنها قاست تصرفات الرسول - ﷺ - على تصرفات الناس في معتادهم؛ إذ يسكتون عن الحق بدافع الحياء أو توقع السمعة، وغاب عنها أن الرسول - ﷺ - لا يستحي من الحق؛ لأن له في مثل هذه الحالة صفتين؛ صفة خاصة، وهي كونه زوجًا، وصفة عامة، وهي صفة الإرشاد والموعظة. وقد أمره الله أن يقول ما قاله؛ لأن في ذلك إظهار براءة عائشة - ﵁ - بمبرات كثيرة، وما عليه أن تذكر المرأة الأنصارية ذلك أو لا تذكره، وقد كان كلام رسول الله - ﷺ - ذلك مقدمة لنزول الوحي ببراءة عائشة في ذلك المجلس. والله أعلم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>باب ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]</span>\nفيه قول سعيد بن جبير [٦: ١٣٨، ١١]:\n«سألت ابن عباس - ﵁ - عن قوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] قال: لا توبة له».","vol":"1","page":179},{"text":"يتعين أن ابن عباس قال ذلك تغليظًا لانزجار الناس عن القتل؛ وإلا فإن علم ابن عباس لا يترك في نفسه شكًا في أن كل ذنب من المسلم يقبل التوبة إن تاب من ذنبه وأقلع عنه. وإذا كان الكفر وهو أعظم الذنوب يقبل التوبة بالإيمان فإن ما دونه من الكبائر أولى بالتوبة وإلا لصار الإيمان لصاحبه أسوأ حالًا من الكفر، ولأصبح قاتل النفس آيسًا من رحمة الله فلا يكون له داع إلى الإقلاع عن ذنبه.\nولا شك أن المراد بالخلود في آية القتل هو طول أمد العذاب خلافً لما تقل هنا عن ابن عباس. ولو أُخذ ذلك على ظاهره لما كان وجه لتخصيص القتل بهذا الحكم. فقد جاءت آيات كثيرة في الجزاء بالخلود في النار على ذنوب كثيرة وكلها قابلة للتوبة إجماعًا من المسلمين. فلا نظن بابن عباس مخالفة الإجماع، وما تأول به آية سورة الفرقان وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩، ٧٠] بانه نزل في أهل مكة فتأول التوبة بالإيمان بعد الكفر، فذلك تأويل غير صحيح؛ لأن الآية جمعت ذنوبًا كثيرة، فإما أن يكون الاستثناء راجعًا إلى كل ذنب فهو حجة على بطلان تأويله؛ وإما أن يرجع إلى مجموع تلك الذنوب فهو يقتضي أن بعضها أولى بالاستثناء، فهو حجة على بطلان تأويله أيضًا.\nوبعد، فيجيء على تأويله أن الله كما أنزل قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠] لئلا ييأس المشركون من قبول إيمانهم، كذلك تكون الآية مفيدة في كل ذنب من أولئك بقوله: ﴿مَنْ تَابَ وَآَمَنَ﴾، فإن الإيمان السابق على الذنب أفضل من الإيمان اللاحق بالذنب.\n* * *\nسورة الروم\nوقع فيه قول مسروق [٦: ١٤٢، ١٩]:\n(بينما رجل يحدث من كندة).\n«كندة» هذه، محلة بالكوفة، دعيت باسم كندة لنزول جماعة من كندة بها، وهي التي ينسب إليها أبو الطيب المتنبي.","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>باب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٢] الآية</span>\nوقع فيه قوله [٦: ١٤٨، ٩]:\n(يقال: إناه إدراكه، أني يأني أناء).\nيعني أن «إناه» مصدر مضاف إلى ضمير «طعام» يقال: إني- بكسر الهمزة والقصر، وبفتح الهمزة والقصر- وأما قوله: «أناة» فقد روى بهاء تأنيث. ولعله أراد به المرة من أنى. وروى بمد في آخره، ولم أجده في كتب اللغة.\nومعنى الآية: غير منتظرين تمامه وتهيؤه وهو بالنسبة إلى الطعام نضجه وحضوره للأكل.\nوالمقصود من هذا الاستثناء؛ الاستثناء من عموم أحوال الإذن المستثنى هو أيضًا من عموم النهي عن دخول بيوت النبي - ﷺ -، أي إلا أن يؤذن لكم إذنًا لطعام، لم يكن ذلك الإذن عن انتظار سبق منكم تنتظرون به تمام طبخ الطعام، أي إذنًا عن مجرد اختيار وطيب نفس لا عن تعريض وتردد حول البيوت عند وقت غرف الطعام من القدور. فانتظار الإنى كناية عن التعريض بالفعل وهو ملازمة البيت وقت الطعام حتى يضطر صاحب البيت إلى الإذن للملازم في أن يطعم عنده.\n* * *\nسورة ص\nوقع فيه قول مجاهد [٦: ١٥٥، ١١]:\n(سألت ابن عباس: من أين سجدت؟ (أي في ص) فقال: أو ما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾؟ [الأنعام: ٩٠] فكان داود ممن أُمر نبيكم - ﷺ - أن يقتدي به فسجدها رسول الله - ﷺ -).\nيريد أن رسول الله - ﷺ - سجدها فنسجدها، فأبعد الاستدلال واستنبط أن رسول الله - ﷺ - ما سجدها إلا لأن الله أمره بأن يقتدي بأنبياء عددهم، منهم داود، وقد سجد داود فاقتدى به رسول الله - ﷺ - عند ذكر موضع سجوده.","vol":"1","page":181},{"text":"هذا حاصل مطوي كلامه، وهو استيناس وليس باستدلال؛ لأن الله أمر رسوله بأن يقتدي بالأنبياء في أعمالهم وهديهم لا في محاكاة أعمالهم إذا حكيت عنهم، وإلا لعمل كل عمل قصه الله عن بعض أنبيائه.\nوقد روى النسائي بسنده إلى ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال: «سجدها داود توبة ونسجدها شكرًا» أي: شكرًا لله على أن قبل توبة داود، إذ قال: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ﴾ [ص: ٢٥]؛ وذلك أن قبول الله توبته منة من الله على رسول من رسله، فحقيق لرسوله أن يشكرها؛ لأنها عناية من الله برسول من رسله إزلافًا لمرتبة الرسالة. وذلك يبشر جميع الرسل بأنهم بمراتب القرب. فعند قراءة تلك الآية يتذكر الرسول نعمة الله على رسول مثله، ومن شأن الأماثل أن يستبشروا بما ينال أهل الفضل، كما قال النابغة:\nوكنت أمرأ لا أمدح الدهر سوقه ... فلست على خير أتاك بحاسد\n\n* * *\nسورة المؤمن\nوقع فيه قوله [٦: ١٥٨، ١٥]:\n(ويُقال: بل هو اسم لقول شُريح بن أوفى:\nيذكرني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم).\n\nوجه الاستدلال أن شريحًا عربي، وقد أجرى في شعره إعراب النصب على لفظ (حاميم)، فلولا أنه علم انه اسم للسورة لما أعربه؛ لأن حكم الحروف إذا هُجيت أن تُحكى بحال الوقف، نحو: ألف، لام، ميم.\nوهذا الاستدلال غير ناهض؛ لأن تلك الحروف لما اشتهرت بها السورة جاز أن يعامل مجموعها معاملة الاسم، وأن تجري عليها أحكام الأسماء في تلك الحالة، أو هو ضرورة.\n* * *","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>باب ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ فأَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣]</span>\nوقع فيه قول ابن مسعود [٦: ١٦١، ١٣]:\n(اجتمع عند البيت قرشيان وثقفي؛ كثيرة شحم بطونهم قليلة فقه قلوبهم فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ وقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا).\nوجه قلة فقه قلوب هؤلاء الثلاث:\nأن أولهم: كان شاكًا في إحاطة علم الله بالواقعات.\nوالثاني: كان أجهل من الأول؛ لأنه قصر علم الله على الجهر من الكلام دون السر مع أن الجهر لا أثر له في ذلك.\nوالثالث: كان أقل منهما جهلًا؛ لأنه علم أن الجهر والسر سواء بالنسبة إلى علم الله؛ إذ ليس ثمة قرب مكان، ولكن قلة فقه قلبه أنه أبطل التفرقة بين الجهر والسر ولم يتوصل إلى الجزم بأن الله يعلم قولهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>باب قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]</span>\nفيه قول طاوس [٦: ١٦٢، ٧]:\n(أن ابن عباس سُئل عن قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فقال سعيد بن جُبير: قربى آل محمد، فقال ابن عباس: عجلت إن النبي - ﷺ - لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة).\nقوله لابن جبير: «عجلت»، أي عجلت في الجواب عن غير تأمل فأخطأت.\nوكان سبب عجلة سعيد أنه قد شاع بين العامة المتشيعين لعلي وابنيه - ﵃ - أن فهموا قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] أن الله أمر نبيه أن يوصي الناس بأن يودوا أقاربه.\nوإنما عده ابن عباس عجلة مذمومة؛ لأنه لم يُجد النظر في موقع حرف (في) الذي هو للتعليل. وأن الخطاب للكافرين الذين تكرر الخطاب لهم في تلك السورة","vol":"1","page":183},{"text":"إلى قوله: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾. ثم قال: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ إلى قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. فكان من إعذار الله إلى المشركين أن نبَّههم إلى أن الرسول - ﷺ - لا يطلب منهم نفعًا لنفسه إلا أن يودوه لأجل قرابته من بطون قريش ومن حولهم. وذلك من دأبهم فقد دعاهم إلى ما يعرفون، أي لا أسألكم إلا المسالمة وترك الأذى فالمراد بالمودة ترك ضدها.\nولو كان المراد مودة المؤمنين لآل النبي لسمج الكلام؛ لأن المؤمنين لا يظن بهم أن يتوهموا أن النبي يرجو منهم نفعًا، فإن كان يرجوه فإنما يرجو أن ينصروا الله ويخلصوا الإيمان.\nوأيضًا فإن «القربى» اسم للمعنى الذي به يكون القريب قريبًا، فالمودة لأجلها.\nولما لم تضف «القربى» إلى ما يعين نسبتها تعين أن المراد الجنس الذي بين المتكلم والمخاطب. وأما لو كان المراد قربى الرسول، أي أهل قرابته، أي أقاربه، فلا يحسن جلب حرف (في)؛ لأن القريب مودود لا مودود لأجله.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>باب ﴿ونَادَوْا يَا مَالِك﴾</span>\nفيه حديث يَعْلى بن أمية [٦: ١٦٣، ٩]:\n(سَمِعْتُ رَسُول الله - ﷺ - يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ ﴿ونَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّك﴾).\nمراده بهذا الحديث توهين قراءة من قرأ (نَادَوْا يَا مَال) بالترخيم وهي قراءة علي وابن مسعود. فأراد يعلى بن أمية توهينها من جهة السند.\nوكان ابن عباس ردَّها أيضًا من جهة المعنى، فقال: ما كان أغنى أهل النار عن الترخيم، يعني أن الترخيم تفنُّن وتلطف في الكلام، والذين في النار في النار هم في شاغل عظيم عنه. واعلم أن كلا الأمرين لا يردُّ صحة القراءة؛ لأن النبي - ﷺ - قد يقرأ بالقراءتين وبأكثر، كما جاء في حديث اختلاف عمر مع هشام بن حكيم في سورة الفرقان، واختلاف أُبَيِّ بن كعب مع عبد الله بن مسعود في سورة الحواميم. وصوب رسول الله - ﷺ - كّلًا منهم.\nوأما من جهة المعنى فقد يكون مخاطبتهم مالكًا خازن النار بالترخيم تزلُّفًا إليه وترقيقًا له على حالهم.","vol":"1","page":184},{"text":"سورة الجاثية\nفيه حديث أبي هريرة [٦: ١٦٦، ٩]:\n(قال رسول الله - ﷺ -: «قال الله ﷿: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»).\nالأذى: المعاملة بما يكرهه المعامَل، وهو دون الضرِّ، مثل العجرفة وسوء الأدب. فمعنى «يؤذيني ابن آدم» يسيء الأدب الذي تقتضيه الربوبية؛ إذ يعتقد أن الدهر، وهو الزمان، متصرف في حوادث العالم. فإذا لاقى من أحداث العالم ما لا يلائمه سبَّ الدهر غضبًا.\nوليس يريد من يسب الدهر أنه يسبُّ الله تعالى وإلا لكان سبُّه أشدَّ من الأذى فموقع جملة «يسبُّ الدهر» موقع الاستئناف البياني لأذى ابن آدم ربه؛ لأن الإخبار عن ابن آدم بأنه يؤذي الله خبر غريب يثير في نفس السامع تساؤلًا عن هذا الأذى.\nوالظاهر أن المراد بابن آدم ما يشمل المسلمين، إذ يقول أحدهم: «يا خيبة الدهر» مثلًا، فكان هذا الحديث القدسي تعليمًا للمسلمين وتربية لهم. وقد روي عن النبي - ﷺ -: «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر» رواه البخاري [٨: ٥١، ١١] ومسلم. وعنه: «لا تقولوا: يا خيبة الدهر» رواه مسلم.\nويجوز أن يكون معنى «يؤذيني» أنه يسب الدهر. وذلك يؤول إلى السخط على تصرف الله. فإذا تأمل فيه المتأمل وجد الدهر ليس شيئًا موجودًا فشعر بأنه سبَّ المتصرف الحقيقي في العالم.\nوإنما كان هذا أذى لله ولم يكن سبًّا له؛ لأن سبَّ الدهر السبب دال بالمطابقة على غير الله. وإنما دلالته على الجرأة على الله بالالتزام غير البين، فكان بذلك أذى وعجرفة.\nومعنى «وأنا الدهر» وأنا فاعل ما نسبه ابن آدم إلى الدهر، وهذا تنبيه على لازم قول الناس: خيبة للدهر، ونحوه، وجملة «بيدي الأمر» مبينة لجملة «وأنا الدهر».\nوجملة «أقلب الليل والنهار» بدل من جملة «بيدي الأمر» بدل بعض من كلٍّ؛ لأن تقليب الليل والنهار من أعظم أحوال هذا العالم.\n* * *","vol":"1","page":185},{"text":"سورة الأحقاف\nوقع فيه قول عائشة - ﵁ -[٦: ١٦٧، ٤]:\n(مَا أَنْزَلَ اللهُ فِينَا شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ إِلا أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عُذْرِي).\nضمير المتكلم المشارك مراد به آل أبي بكر - ﵁ - بقرينة قول مروان لعبد الرحمن بن أبي بكر: «هذا الذي أنزل فيه ﴿والَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا ﴿الآية»؛ ولذلك لا يكون أبو بكر مرادًا من الضمير فإنه قد نزل فيه ثلاث آيات:\nقوله تعالى: ﴿والَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿إذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الغَارِ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿ولا يَأْتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنكُمْ والسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي القُرْبَى والْمَسَاكِينَ﴾ الآية.\n* * *\nسورة الفتح\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>باب ﴿إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾</span>\nوقع فيه قول عبد الله بن عمرو بن العاص [٦: ١٦٩، ١٨]:\n(أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي فِي القُرْآنِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾) إلخ.\nهذا صريح في أن عبد الله بن عمرو بن العاص أراد آية سورة الأحزاب؛ لأنها التي فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾. وأما التي في سورة الفتح فأولها ﴿إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾. وآية سورة الأحزاب أقوى شبهًا بما حكاه عبد الله بن عمرو من عبارات التوراة فكيف ذكر البخاري هذا الحديث في تفسير سورة الفتح وكان ذكره في تفسير سورة الأحزاب أحق. وقد غفل عن هذا جميع الشارحين لصحيح البخاري: ابن حجر والعيني والقسطلاني وزكريا والكوراني.\n* * *","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>باب ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن ورَاءِ الحُجُرَاتِ﴾ الآية</span>\nوقع فيه قول الراوي [٦: ١٧١، ١٢]:\n(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلَى خَلاَفيِ أَوْ إِلا خِلافِي).\nشكٌّ من الراوي. فإن كان بحرف (إلى) فـ (ما) اسم استفهام مستعمل في اللوم والتوبيخ، أي ما الذي أردت تبلغ إلى خلافي، أي ما الذي أوصلك إلى خلافي؟ ففي الكلام تضمين «أردت» معنى فعل يتعدى بـ (إلى).\nوإن كان بحرف (إلا) الاستثنائية فـ (ما) نافية، أي ما كان لك مراد من الإشارة بتأمير الأقرع بن حابس إلا مجرد مخالفتي.\nفعلى الوجه الأول يكون أبو بكر مخبرًا بأنه لم يظهر له ما حمل عمر على الإشارة بتأمير الأقرع.\nوعلى الوجه الثاني يكون قد جزم بأن عمر لا وجه له في تأمير الأقرع وأنه ممن لا يشبه في كونه دون القعقاع بن معبد.\n* * *\nسورة النجم\nوقع قوله [٦: ١٧٥، ١٧]:\n(سَامِدُونَ البَرطَمَةُ).\nرواه الجمهور –بميم بعد الطاء– ووقع لأبي ذر عن الكشميهني –بنون بعد الطاء – ونسبها في «المشارق» للأصيلي والقابسي وعبدوس. وهي رواية ضعيفة إذ لم يذكر أحد من علماء العربية البرطنة بالنون، ولا ذكرها ابن الأثير في النهاية. ولا عزاها عياض في المشارق للغة، ولكنه قال: فسره الحمَوي بضرب من اللَّهو؛ ولعلها من قبيل إبدال الميم نونًا، إلا أن هذا القلب لا يعهد له نظير ولا هو قياسي فلا يقبل إلا عن سماع من العرب. وعلى قبوله فيتعين أن يكون مرادفًا للبرطمة بالميم.\n* * *","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>باب «ومناة الثالثة الأخرى»</span>\nوقع فيه قول عائشة [٦: ١٧٧، ٥]:\n(كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يَهِلُّ لِمَنَاةَ وَمَنَاةُ صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ قَالُوا: يَا بَنِيَّ اللهِ كُنَّا لَا نَطُوفُ بِيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ).\nوقع في الحديث اختصار، أي تعظيمًا لمناة أن تشرك معها غيرها من الأصنام في الطواف، لأنهم كانوا يحسبون الطواف بين الصفا والمروة تقربًّا للصنمين اللذين كانا موضوعين عليهما، وهما: إساف على الصفا، ونائلة على المروة، وليسا من أصنام أهل يثرب.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>باب قوله ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ الآية</span>\nفيه قول ابن عباس [٦: ١٧٩، ١٢]:\n(فأخذ أبو بكرٍ بيده فقال: حسبُك يا رسول الله ألححت على ربِّك، وهو يثبُ في الدِّرع، فخرج وهو يقول: «﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾»).\nفقوله: «وهو يثب في الدرع» لم يفسره الشارحون بما يقبل، وأهمله صاحب النهاية. وقال عياض في المشارق: أي يمشي فيها بقوة وطاقة وينزوي في مشيه. اهـ.\nوكنت علقت عليه أن معناه حكاية هيئة رسول الله - ﷺ - حين لبسه للدرع: بأنه يعالج أن يدخلها في جسده، فهو يتمطى لذلك لصلابة الحديد. وهذا أحسن مما في المشارق. واعلم أن هذه الجملة أعني قوله: «وهو يثب في الدرع» لم تقع إلا في هذه الرواية.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>باب ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾</span>\nفيه حديث أم عطية قولها [٦: ١٨٧، ٨]:\n(ونهانا عن النِّياحة فقبضت امرأةٌ يدها فقالت: أسعدتني فلانةُ أريد أن أجزيها، فما قال لها النَّبيُّ - ﷺ - شيئًا. فانطلقت ورجعت فبايعها).","vol":"1","page":188},{"text":"أشكل على الناظرين وجه سكوت النبي - ﷺ - على منكر. وفي روايات أخرى لغير البخاري أنه قال لها: «إلا آل فلان». وفي رواية: «فلما قالت له ذلك أَبَى، قالت: فراجعته مرارًا فأذن لي». وفي رواية قال: «اذهبي فكافئيهم» حتى قال بعضهم: لعل النياحة كانت مباحة، ثم كرهت كراهة تنزيه، ثم تحريم؛ فيكون الإذن المحكي في الروايات وقع لبيان الجواز مع الكراهة.\nوأنا أرى: أن النهي صريح في التحريم. وحسبك أنه قد أخذ عليهن العهد على تركه في عداد محرمات، وأن التحريم ورد ساعتئذ، وقد سبقه موت الذي كان أهله أسعدوا القائلة بنياحة من قبل، وكان في تخلفها عنهم بلوغ تحريم النياحة واشتهاره يوقع في نفوس أهل الميت على المرأة المتحدث عنها، وظنًّا أنها تخلَّفت عنهم لأمر ما، فرأى رسول الله - ﷺ - أن يرخص لها ولهم تلك الساعة استصحابًا لحال الإباحة حتى يبلغهم التحريم ويستقر الحكم، وإلا فلا حَدَّ للآتي سَاعَدْنَ وَسُوعِدْنَ على النياحة، فلا يكون الإذن لهذه المرأة في هذه المرة مجديًا لها في حادثة أخرى ولا لغيرها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>باب قوله ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُم﴾ الآية</span>\nوقع فيه قول الراوي [٦: ١٩٢، ٣]:\n(وكانت الأنصارُ أكثر من المهاجرين حين قدمُوا المدينة، ثمَّ إنَّ المُهاجرين كثُرُوا بعدُ).\nزاد الراوي هذا الكلام ليتضح معنى الآية؛ لأن العزة هي الكثرة، كما قال الشاعر:\nوإنما العزة للكاثر\nفهذا معروف عندهم. قال السَّموأل:\nتُعَيِّرنَا أَنَّا قَلِيلٌ عَدِيدُنَا ... فَقُلَتُ لَهَا إِنَّ الكِرَامَ قَلِيلُ\nوَمَا ضَرّنَا أَنَّا قِليلٌ وَجَارُنَا ... عزيز وَجَارُ الْأّكثَرِينَ ذَلِيلُ\n\nوأما تكاثر المهاجرين بعد ذلك فمصداق قول رسول الله - ﷺ -[٥: ٤٣، ٢٠]: «يكثر الناس وتقِلُّ الأنصار».","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>باب ﴿وأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ الآية</span>\nوقع فيه قول ابن سيرين [٦: ١٩٤، ٤]:\n(فَضَمَّر لي بَعْضُ أصْحَابِهِ).\nاختلفت النسخ والروايات في قوله: «فضمز لي» فكتبوها على سبعة أشكال، والصحيح منها رواية أبي ذر\" «فضمز لي» بزاي بعد الميم وبتخفيف الميم وبلام وياء بعد ذلك – يقال: ضمز، بمعنى أخفى صوته، من باب نصر. قال كعب بن زهير في صفة الأسد:\nمنه تظلُّ سباع الجو ضامزة ... ولا تمشِّى بواديه الأراجيلُ\n\nومعنى «ضمز لي» أشار إليَّ أن اسكت. وقال في المشارق: أصوبها: ضمز لي – بتشديد الميم وبالزاي – أي أسْكَتني. اهـ. وهذا لا يلاقي قول ابن سيرين «فَفَطِنْتُ له».\n* * *\nسورة المدثر\nذكر حديث يحيى بن أبي كثير أنه سأل أبا سَلْمَةَ [٦: ٢٠٠، ١٧]:\n(عن أول ما نزل فقال: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّر﴾ وأن أبا سلمة حدثه عن جابر بن عبد الله».\nوقد أخرج البخاري حديث جابر من رواية يحيى بن أبي كثير من طريق علي بن المبارك وطريق حرب بن شداد، وليس عن أحد منهما ما يشهد لما قاله أبو سلمة أن ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّر﴾ هي أول ما أنزل.\nثم أخرج البخاري حديث جابر من طريقي معمر وعقيل عن الزهري، فإذا فيه أن جابرًا قال: (سمعت رسول الله - ﷺ - وهو يحدث عن فترة الوحي). وهذا يبين أن ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّر﴾ نزلت بعد فترة الوحي فلا تكون أول ما أنزل؛ وبذلك يتبين أن أبا سلمة أخذ من حديث جابر ما لا يدل عليه؛ لأن جابر لم يخبره بأن سورة المدثر هي أول ما نزل.","vol":"1","page":190},{"text":"فيه قول البخاري [٦: ٢٠١، ٨]:\n(مثل حديث عُثمان بن عُمر عن علي بن المُبارك).\nهذا لفظ محمد بن بشار شيخ البخاري. ذكره البخاري بلفظه مع أنه لم يخرج هنا رواية عثمان بن عمر عن علي بن المبارك، ولكنه أخرج رواية وكيع عن علي ابن المبارك، وهو مثل حديث عثمان بن عمر، فلما لم يَرْوِه البخاري عن عثمان ابن عمر، وروى عن محمد بن بشار حديثه أثبت لكلام محمد بن بشار بلفظه مع العلم بأن لفظ حديثه مماثل للفظ حديث وكيع؛ إذ كلاهما رواه عن علي بن المبارك.\n* * *\nسورة اقرأ باسم ربك\nفيه قول الحسن [٦: ٢١٤، ٤]:\n(اكتُب في المُصحف في أوَّل الإمام بسم الله الرَّحمن الرَّحيم).\nوجه ذكر هذا القول في تفسير هذه السورة أن الحسن جعل الأمر في قوله تعالى: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴿دالًاّ على طلب التسمية عند ابتداء القراءة للقرآن لكل قارئ، فليس الأمر خاصًّا بالنبي - ﷺ -؛ لأن كل حكم خوطب به النبي - ﷺ - فأمته مثله فيه ما لم يدل على الخصوصية دليل. ولما كان أول المصحف هو أول ما يقرؤه القارئ وضع له البسملة علامة على الابتداء، وليس الحسن مما يرى أن البسملة آية في أول الفاتحة؛ لأنه لو كان كذلك ما كان لذكر قوله في أول سورة العلق وجه.\n* * *\nسورة الصمد\nفيه حديث أبي هريرة [٦: ٢٢٢، ١٠]:\n(عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «قال اللهُ: كذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك»).\nالمراد التكذيب بلسان الحال، فإن الخلق الأول دالٌّ على أنه من صنع الله، فهو ناطق بدلالة الحال بأن الله صانعه. ولم ينكر المشركون أن الله خالق الخلق الأول،","vol":"1","page":191},{"text":"فلما أنكر ابن آدم البعث كان كمن أنكر الخلق الأول، فليس المراد بالتكذيب الكفر والجحد لما جاء به الرسول - ﷺ -؛ لأن ذلك غير مختص بهذا كما هو بيِّنٌ.\nومعنى قوله: «ولم يكن له ذلك» أنه لا شبهة له فيه، كما دل عليه قوله: «فأما تكذيبُه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون عليِّ من إعادته» بل هو في متعارف الناس أسهل وهو بالنسبة إلى الله تعالى سواء والإعادة؛ ولذلك قال: «ليس بأهون عليّ من إعادته».\n«وأما شَنْمُهُ إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفؤًا أحد».\nجعل نسبة الولد إلى الله تعالى شتمًا لما يلزمه من توقع الفناء، ومن الاحتياج عند الهرم؛ لأن الله جعل الذرية ناموسًا من نواميس البقاء بعد العدم، لتكون الذرية خلفًا للأصول عند انعدامها حتى لا ينعدم النوع، والناس اتخذوا من الذرية عونًا لهم على المتاعب وعند العجز، فنسبة الذرية إلى الله يستلزم الأمرين، فكان شتمًا؛ لأنه تنقيص.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>باب «كيف نزل الوحي</span>؟»\nفيه حديث أبي هريرة - ﵁ -[٦: ٢٢٤، ٥]:\n(قال النَّبيُّ - ﷺ -: «ما من الأنبياء نبيٌّ إلاَّ أُعطي من الآيات ما مثلُهُ آمن عليه البشر وإنَّما كان الَّذي أوتيت وحيًا أوحاه اللهُ إليَّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة»).\nمعنى «آمن عليه البشر» أنهم يجدونه خارقًا للعادة فيما هو أعظم شيء عندهم، فإذا وجدوه كذلك علموا أنه من عند الله.\nوإنما يحصل ذلك العلم لهم بمعجز أعلم الناس منهم بنوعه عن الإتيان بمثله، كعجز السحرة عن الإتيان بمثل حية موسى، وعجز الأطباء عن الإتيان بمثل شفاء عيسى، وعجز الحكماء عن تعبير الرؤيا بمثل تعبير يوسف.\nفموقع «على» في قوله: «آمن عليه البشر» هو الاستعلاء المجازي، شبهت الآيات بحمولة تسير بهم إلى الإيمان، والمراد بالبشر الناس، أي بشر عصرهم.","vol":"1","page":192},{"text":"وقوله: «وإنَّما كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا» صيغة قصر تقتضي انحصار معجزة النبي - ﷺ - في الوحي الذي أوحاه الله إليه، أي القرآن. والقصر هنا للمبالغة؛ لأن القرآن هو المعجزة العامة لسائر البشر في سائر الأزمان، فغيره من المعجزات خاص ببعض الناس الذين شهدوها، وليسوا هم جميع البشر الذين أريد منهم الإيمان بمحمد - ﷺ -؛ ولذلك لم يقع التحدي بغير القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَإن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾.\nوقوله: «وحيًا أوحَاهُ الله إليَّ» أي كلامًا؛ إذ الوحي من ضروب الكلام.\nوقوله: «أوحاه الله» تأكيد لمعنى الوحي، حتى لا يتوهم أنه إلقاء معانٍ في النفس، فلذلك بينه بقوله: «أوحاه الله إليَّ» أي أرسله إلي بلفظه.\nوفيه بيان فضيلة معجزة القرآن على سائر المعجزات؛ لأن جميع المعجزات كانت من أعمال الرسل بتأييد الله إياهم، والتأييد أمر خفي. وكانت معجزة القرآن لفظًا من لغة يعجز أهل تلك اللغة عن مثله، فهو لفظ منزل من عند الله لا عمل للرسول فيه إلا تلاوته كما نتلوه نحن. وهو معجزة في وقت تلاوة الرسول إياه، ومعجزة في وقت تلاوتنا إياه.\nومعنى قوله: «وإنما كان الذي أوتيت وَحْيًا أوحاه الله إليَّ» أنه كلام ينقل ويحفظ ويتأمله المتَحَدُّون به في سائر الأحوال فلا يستطيعون أن يدَّعُوا أنهُمْ سُحِرُوا أو استُرْهِبوا؛ لأن لهم من مكنة التأمل ما يدفع عنهم الشك في نفوسهم أن يكونوا في وقت تلقي المعجزة متأثرين بسحر أو برهبة وتأثير من قوة الرسول بخلاف المعجزات التي تنقضي بانقضاء وقت حدوثها ويتطرق الشك في ناقليها والمحدِّثين عنها.\nوإذ قد كان قوله: «وَحْيًا» مرادًا منه قرآنًا فقد شملت آية القرآن ما فيه أيضًا من الإعجاز العقلي باشتماله على علوم جمة لا قِبَل لأهل ذلك العصر بها ولا قِبَل للأميِّ بمعرفتها. وهي تتجلى للناس عصرًا فعصرًا بمقدار ازدياد علومهم واتساع أفهامهم؛ ولذلك لم يقل: وإنما كان الذي أوتيت بلاغة أو فصاحة، بل قال: «وحيًا» ليشمل كل ما دل عليه القرآن من دلائل صدق رسالة محمد - ﷺ -.\nوقوله: «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» موقع الفاء التفريعية فيه رشيق؛ لأنه إذا كانت آيته وحيًا فهي أقرب إلى إطلاع الناس عليها بأنفسهم دون واسطة، وأقرب إلى تمكينهم من مدارستها وتفهمها، وأجدر بدلالتها مختلف أصناف العقلاء","vol":"1","page":193},{"text":"والمفكرين على ما تشتمل عليه ألفاظها ومعانيها من دلائل كونها من عند الله، وأن لا قِبَل لواحد من البشر أن يأتي بمثلها ألفاظًا وتراكيب ومعاني وهديًا.\nولا جرم أن ذلك كله مستكثر للموقنين بدلالتها، الذين يؤمنون بصدق الرسول الذي أتى بها؛ فيكون أتباعه أكثر من أتباع غيره، ضرورة أنهم يتزايدون على طول الزمان.\nوقد انحصر عدد أتباع الرسل الآخرين بانتهاء مدد شرائعهم، وأن لا يقبل من أحد إتباع واحد منهم بعد انتهاء أمد شريعته بالنسخ، فالناس بعد بعثة محمد - ﷺ - قسمان: قسم هم أتباعه، وقسم لم يتبعوه، فهم لا يلحقون بأحدٍ من الرسل؛ إذ لا ينفع أتباع أحد من الرسل الماضين بعد مجيء الرسول العاقب - ﷺ - كما قال عيسى ﵇ في الإنجيل: «لكن الذي يصبر إلى المنتهى فهو يخلص ويكرز ببشارة الملكوت ثم يكون المنتهى».\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>باب تأليف القرآن</span>\nوقع فيه قوله [٦: ٢٢٨، ١٠]:\n(لعلِّي أُؤلِّفُ القرآن عليه فإِنَّه يُقرأُ غير مؤلَّفٍ).\nالظاهر أن ذلك قبل أن يرسل عثمان بن عفان - ﵁ - بالمصاحف إلى الآفاق؛ لأنه أرسل مصحفًا إلى العراق، والسائل يقول فإنه: «يقرأ غير مؤلف»، وأراد بالتأليف ترتيب السور بالمصحف لقول عائشة له: «وما يضرك أيَّه قرأت قبل» أي: القرآن، أي أيَّ سورة، وروى (أية) بالتأنيث، أي أيَّة سورةٍ قرأت.\n* * *\nووقع فيه قول عائشة [٦: ٢٢٨، ١٣]:\n(ولو نزل أوَّل شيءٍ: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا).\nيحتمل أنها أرادت: لقال المشركون: لا ندع الخمر أبدًا، أي لامتنعوا من الدخول في الإسلام؛ لئلا يتركوا شرب الخمر، وليست تريد أن المسلمين يقولون ذلك؛ لأنهم منزهون عن معصية الرسول - ﷺ -.","vol":"1","page":194},{"text":"ويحتمل أن المعنى: لقالوا في نفوسهم ذلك وخواطرهم من شدة ثقل تلك التكاليف عليهم فأراد الله الرفق بهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي - ﷺ </span>-\nفيه التعليق عن فاطمة - ﵁ -[٦: ٢٢٩، ٦]:\n(أسرَّ إليَّ النَّبيُّ - ﷺ -: «أنَّ جبريل كان يُعارضُني بالقرآن كلَّ سنةٍ، وإنَّهُ عارضني العام مرَّتين ولا أُراه إلاَّ حضر أجلي»).\nووجه دلالة تكرير العرض على اقتراب الأجل أن التكرير استكثار من العمل الصالح، وقد ورد في الصحيح [٣: ٦٧، ٤] أنه اعتكف عشرين ليلة في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف في كل عام عشرًا، وشأن المودع أن يكثر من التمتع بما يحب إذا استشعر فراقه، كما قال:\nتمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار\n\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>باب من لم يتغن بالقرآن</span>\nوقوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [٦: ٢٣٥، ١٦].\nوجه إدخال الآية في الترجمة التمهيد لتأويل الحديث الآتي «بأن يتغنى» بمعنى يستغني بالقرآن، أي عن غيره من الكتب؛ وذلك رأي البخاري فاستأنس لهذا التأويل بآية فيها هذا المعنى.\n* * *\nأخرج فيه حديث أبي هريرة [٦: ٢٣٦، ٢]:\n(عن النَّبيِّ - ﷺ - ما أذن الله لشيء ما أذن للنَّبيِّ - ﷺ - أن يتغنَّى بالقرآن. قال سفيان: تفسيره يستغني به).\nهذا هو رأي البخاري كما أسلفناه. والحق أن هذا المحل للحديث بعيد،؟؟؟؟","vol":"1","page":195},{"text":"قوله فيه: «ما أذن الله لنبي ما أذن للنبي أن يتغنى بالقرآن» ينبئ بأن المأذون فيه جنسه غير مأذون فيه للأنبياء.\nوإنما أذن لهم في التغنِّي بالقرآن؛ لأنه يعين على الازدياد من الخشية، ففيه تحقيق مقصد ديني، وإن كان غالب جنسه لا يراد منه ذلك، بل يراد منه اللَّهو؛ ولذلك سمي الغناء لهوًا في حديث الوليمة فإن الأنصار يعجبهم اللَّهو؛ فإذن الله للأنبياء في التغني بالقرآن حكم غلب فيه النادر على الغالب.\nونظير هذا قول رسول الله - ﷺ - لبعض الصحابة وقد خرج إلى الحرب يتبختر: «هذه مشية يكرهها الله إلا في هذا المكان».\n* * *","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>كتاب النكاح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>باب نكاح الأبكار</span>\nوقع فيه قول عائشة - ﵁ -[٧: ٦، ٣]:\n(يا رسول الله، أرأيت لو نزلت واديًا وفيه شجرةٌ قد أكل منها، ووجدت شجرة لم يُؤكل منها في أيِّها كنت ترتع بعيرك؟).\nضربَتْ مثلًا للزوجة بِمَرْعى الإبل، فإن البعير إذا رعى شجرة أكل أطيب ورقها وترك أيبسه، ولأن الدواب تكره أن تأكل من مواقع أفواه دواب أخرى؛ لأن الراعية تترك في الورق والعشب رائحة اللعاب ونحوه، فجاء مثلًا كاملًا صالحًا لتفريق التشبيه؛ لأن الزوجة البكر كالشجرة التي لم يرتع منها، والثيب كالتي رتع منها، والزوج كالسائمة؛ فكان التمثيل شعريًّا تقريبيًّا وليس بحقيقي.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>باب الثيبات</span>\nوقع فيه قول رسول الله - ﷺ - لجابر [٧: ٦، ١٨]:\n(ما لك وللعذارى).\nهكذا ثبت في الروايات ولعله تحريف من الراوي، والصواب: (ما لك عن العذارى؛ لأن كلمة «ما لك ولكذا» تفيد النهي عن مقاربته، كما في حديث ضالة الإبل [٣: ١٦٣، ٦]: «ما لك ولها معها حذاؤها ...» إلخ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>باب اتخاذ السراري</span>\nوقع فيه حديث أنس في وليمة صفية أم المؤمنين وقوله [٧: ٨، ٣]:\n(فقال المُسلمون: إن حجبها فهي إحدى أمَّهات المؤمنين وإن لم يحجبها فهي ممَّا ملكت يمينه) إلخ.","vol":"1","page":197},{"text":"توقف الشارحون في مطابقة هذا الحديث للترجمة، وتكلفوا لبيان وجه المطابقة.\nوالذي عندي: أن وجه المطابقة أن صفية كانت أَمَة لرسول الله - ﷺ - ثم صيَّرها زوجًا وجعل عتقها صداقها، فهو مطابق لقوله في الترجمة: «ومن أعتق جارية ثم تزوجها» فإن رسول الله - ﷺ - لما حجبها بعد أن كانت غير محجوبة قد نقلها من حال الإماء إلى حال أمهات المؤمنين.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>باب ما يُتَّقَى من شؤم المرأة [</span>٧: ١٠، ١٤]\nانظر ما حررته في حديث مالك ﵀ في كتابي كشف المغطى.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>باب ﴿وأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾</span>\nوقع فيه قول رسول الله - ﷺ - لأم حبيبة [٧: ١٢، ١١]:\n(«فلا تعرضن عليّ بناتكُنَّ ولا أخواتِكُنَّ»).\nنهاهُنَّ عن ذلك لعدم جدواه، فالخوض فيه إضاعة لنفيس الوقت: فالنهي هنا ليس نهي تكليف، ولكنه مستعمل في الإرشاد، كما تستعمل صيغة الأمر في الإرشاد والمشورة، فليس النهي نهي تحريم ولا كراهة؛ إذ لا تترتب على المنهي مفسدة ولا ما يشبهها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>باب النهي عن نكاح المتعة</span>\nوقع فيه قول عكرمة [٧: ١٦، ١٣]:\n(إنَّما ذلك في الحال الشَّديدة وفي النِّساءِ قِلَّةٌ).\nمعناه في شدة العزبة وحين يكون ما معهم من أزواجهم قليلًا في الجهاد والسفر؛ إذ يقل أن يخرج الرجل معه زوجته يريد أنه رخصة.","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>باب حسن المعاشرة مع الأهل</span>\nوقع فيه قول السادسة من نساء حديث أُمِّ زَرْعِ [٧: ٣٥، ٢]:\n(ولا يُولِجُ الكفُّ، ليعلمَ البثَّ).\nجرت أسجاع كلامها على حرف الفاء أخت القاف، ولكن قولها: «ليعلم البث» خالف الأسجاع؛ إذ جاء على حرف الثاء المثلثة، فإما أن يكون السجع جرى على اعتبار قرب المخارج، فيكون بمنزلة فواصل القرآن، وإما أن تكون جرت على لغة من ينطق بالثاء المثلثة فاء أخت القاف، كمن يقول في جدث جدف، وفي ثوم فوم، وهي لغة معروفة بقي منها في بلادنا في لسان أهل صفاقس.\n* * *\nووقع فيه قول العاشرة [٧: ٣٥، ٦]:\n(لهُ إبلٌ كثيراتُ المبارك، قليلاتُ المسارحِ).\nكذا في هذه الرواية، ووقع في بعض الروايات: (قليلات المسارح كثيرات المبارك)، وهي الأولى لتجريَ الأسجاع كلها في كلامها على حرف الكاف.\n* * *\nووقع فيه قول الحادية عشرة أيضًا [٧: ٣٥، ١٦]:\n(خرج أبُو زرع والأوطابُ تُمخض فلقيَ امرأةً ...) إلخ.\nلم يتعرض الشارحون لفائدة الاعتراض بجملة «والأوطاب تمخض» بما يشفي، وأراه لقصد الكناية عن وقوع الطلاق دون موجب يقتضيه من ضيق الحال وقلة الأقوات، وأن أبا زرع ذو خطرات؛ فلما أعجبته المرأة التي لقيها طلق أمَّ زرع وتزوج المرأة العارضة له، وقد كان ضيق العيش من موجبات الطلاق، قال الأحوض:\nيا أبجر يا ابجر يا أنتا ... أنت الذي طلقت عام جُعتا\n\nوقال الشاعر – أنشده الفراء ولم يعزه:\nفلو أنَّكِ في يوم الرخاء سألتِني ... طلاقَكِ لم أبخل وأنتِ صديق\n\nوكأنها حكت تطليق أبي زرع إياها، تريد أن المرأة لا تغيَّر بمحبة الرجل إياها،","vol":"1","page":199},{"text":"فإنه قد يكون من خلق بعض الرجال زوال محبة المحبوبة بسبب الميل إلى امرأة أخرى؛ لأنها ذكرت إكرامه لها ثم انقلاب أمره في غدوة بدون حدوث ما يقتضيه إلا لُقْيَا امرأة في طريقه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>باب إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها</span>\nفيه قول أبي هريرة [٧: ٣٩، ٥]:\n(عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «إذا دعا الرَّجلُ امرأتهُ إلى فراشه، فأبت أن تجيء لعنتها الملائكةُ حتَّى تُصبحَ»).\nخصَّ ذلك بالليل لقوله في هذا الحديث: «حتى تصبح»، وقوله في رواية زرارة [٧: ٣٩، ٧]: «إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها».\nووجه ذلك أنه وقتُ المضاجعة والأنس بالمرأة عادة؛ لأن النهار وقتُ شغلها، فهي محمولة على العذر فيه.\nوالمراد من الحديث أنها امتنعت لغير عذر ولا مغاضبة منه إياها، فهو الامتناع المشعر بالنشوز عنه؛ ولذلك كانت عقوبته لعن الملائكة إياها؛ لأن النشوز كبيرة، ولذلك كانت له عقوبة شرعًا، وهي الهجران أو الضرب؛ لأن النشوز تنشأ عنه مفاسد جمة بين الزوجين، وجنايات مع المرغوب إليه، فهذا تأويل الحديث؛ لأن ظاهره مشكل.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه</span>\nوقع فيه قول رسول الله - ﷺ -[٧: ٣٩، ١١]:\n«وما أُنفقت من نفقةٍ عن غير أمرهِ فإنَّهُ يُؤدَى إليه شطرُهُ».\nالمراد من أنفقته مما يعرف لأمثاله إنفاقه مع عدم إذنه بأنها في إنفاقه كالوكيل عن زوجها في ماله فلها حكم الوكيل في ذلك؛ فلذلك كان لها نصف الثواب؛ لأنها تسببت لزوجها في ذلك الثواب، فإنها لو لم تنفقه لتعطل ذلك النفع؛ لأن الزوج","vol":"1","page":200},{"text":"لم يأمر بإنفاقه، ولو لم يكن هذه المراد لكانت المرأة آثمة في صرف مال زوجها بدون إذنه.\nونظير هذا المعنى ما ورد في الحديث الآخر: «وللخازن مثل ذلك»؛ لأنه من التعاون على البر، أما لو نهاها الزوج عن الإنفاق فإنها تكون آثمة بمخالفة نهيه، كالوكيل الذي ينهاه موكِّله عن تصرف خاص، ولو كان مصلحة.\nوقد دل على هذا حديث هند بنت عتبة، إذ قال لها رسول الله - ﷺ -: «لا إلا بالمعروف» [٧: ٨٥، ٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>باب كفران العشير</span>\nوقع فيه قول البخاري [٧: ٣٩، ١٧]:\n(فيه عن أبي سعيدٍ عن النبي - ﷺ -).\nوهو الحديث الذي أخرجه البخاري في باب ترك الحائض الصوم من كتاب الطهارة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>باب ذم المتشبع لما لم ينل</span>\nوقع فيه قول رسول الله - ﷺ -[٧: ٤٥، ٣]:\n«المُتشبِّعُ بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زُور».\nإنما شبهه بلابس ثوبين، ولم يشبهه بلابس ثوب واحد زورًا، أنه جرى على الغالب في عرف الناس، أنَّ لباس الزور هو لباس المرء ثيابًا مستعارة يُوهم الناس أنها ثيابه. والشأن أن الثياب إنما تستعار إذا كانت متماثلة صنفًا ولونًا، وهي المسماة الحُلَّة، وهي ثوبان: رداء وإزار، فلو استعار المرء أحد ثوبين فلَبِسَهُ مع ثوبه القديم لظهر الاختلاف بين الثوبين، فعلم أن أحدهما مستعار. وفي حديث أبي ذَرٍّ في لباسه ولباس عبده وقول الناس له ما يدل على هذا المعنى.","vol":"1","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>باب الغيرة</span>\nفيه حديث سعد بن عبادة [٧: ٤٥، ٤]:\n(لو رأيتُ رجلًا مع امرأتي لضربتهُ بالسَّيفِ غير مُصفح فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «أتعجبون من غيرة سعدٍ لأنا أغير منه واللهُ أغير منِّي»).\nمحل كلام رسول الله - ﷺ - بيان المشاركة في صفة الغيرة التي هي من المحامد، إذا كانت بعدل وتعقُّل.\nوسيجيئ شرح هذا الحديث لنا مستوفى في كتاب الحدود في: «باب من رأى مع امرأته رجلًا فقتله».\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة</span>\nوقع فيه حديث المسور بن مخرمة [٧: ٤٧، ١٣]:\n(سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول وهو على المنبر: «إنَّ بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن يُنكحِوا ابنتهم عليَّ بن أبي طالبٍ فلا آذن ثمَّ لا آذن ثمَّ لا آذن إلاَّ أن يريد ابن أبي طالبٍ أن يُطلِّق ابنتي وينكح ابنتهم فإنَّما هي بضعةٌ منِّي يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها»).\nمعناه أن منع رسول الله - ﷺ - من الجمع بين ابنته وابنة أبي جهل في عصمة علي، هو أن ذلك يؤذي فاطمة لغيرتها، وأن أذاها يفضي إلى أذى رسول الله - ﷺ -، وأن ذلك لا يُؤذَن فيه لمسلم لقول الله تعالى: ﴿ومَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﴿، وأن غيره فاطمة من ابنة أبي جهل كانت لأجل عداوة أبي جهل الشديدة لأبيها - ﷺ - المتجاوزة المقدار الذي تقتضيه ملَّته في الكفر، فكان حال أبي جهل كحال ما يقول فقهاؤنا فيمن سبَّ رسول الله - ﷺ - من أهل الذمة بغير ما به كُفْر دون ما به كَفَر، فعلم رسول الله - ﷺ - أن ذلك يؤذي ابنته أذىً شديدًا.\nوقد أشار إلى ذلك في رواية هذا الحديث من طريق ابن شهاب عن علي بن حسين","vol":"1","page":202},{"text":"عن المسور عند المصنف في «باب درع النبي - ﷺ - من كتاب الجهاد»: أن رسول الله قال: «وإنَّي لست أحرَّم حلالًا ولا أحلُّ حرامًا، ولكن والله لا تجتمع بنتُ رسول الله وبنت عدو الله أبدًا» فإنه صريح في أن تزوج علي بابنة أبي جهل ليس محرَّمًا؛ لأن النبي افتتح كلامه بقوله: «لستُ أحرِّم حلالًا»، أي ليس تزوج المسلم بابنة المشرك حرامًا، ولا الجمع بين المرأة الفاضلة والمفضولة حرامًا.\nفالكلام تمهيد لما يجيء بعده من النهي عن تزويج علي ابنة أبي جهل.\nوقوله: «ولكن» استدراك عما تضمنه ذلك الاحتراس مما يوهم الإذن لعلي في أن يتزوج زيجة مباحة شرعًا بالأصالة.\nوقوله: «وَاللهِ لا تَجتْمِعُ بنتُ رسول الله وبنتُ عدو الله» نهي عن ذلك من وجه العارض الذي عرض لهذه الزيجة، وهو ما فيها من غيرة فاطمة - ﵁ -؛ لأن رسول الله - ﷺ - يعلم أن آل هشام بن المغيرة لا يزوجونها بدون إذن رسول الله، وأن عليًّا لا يتزوجها بدون إذن رسول الله، وأكد رسول الله - ﷺ - امتناعه عن الإذن بالقَسَم.\nوالمقصد من ذلك هو تحقق غيرة فاطمة، وذريعة ذلك إلى أذى رسول الله - ﷺ -؛ ولأجل ها ترجم المصنف هذا الحديث بقوله: «ذب الرجل عن ابنته في الغيرة»، وقد دل على ذلك قوله في رواية حديث هذا الباب: «إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي».\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>باب خروج النساء لحوائجهن</span>\nفيه حديث عائشة - ﵁ -[٧: ٤٩، ٤]:\n(قالت: خرجت سودة بنتُ زمعة ليلًا فرآها عمرُ فعرفها، فقال: إنَّكِ واللهِ يا سودة ما تخفين علينا، فرجعت إلى النَّبيِّ - ﷺ - فذكرت ذلك له وهو في حجرتي يتعشَّى، وإنَّ في يده لعرقًا فأنزل اللهُ عليه فرُفع عنه وهو يقول: «قد أذن اللهُ لكُنَّ أن تخرجن لحوائجكنَّ»).\nالحوائج: جمع حاجة، وأصل معنى الحاجة في اللغة ما يحتاج إليه المرء من عمل أو أشياء، وأطلق بوجه الكناية على البراز، فقالوا: ذهب لقضاء الحاجة، وقالوا: حاجة الإنسان؛ وذلك تكنيًّا لاستقباح التصريح بالاسم الصريح.","vol":"1","page":203},{"text":"إلا أنه لا يعرف في الاستعمال أن الحاجة بمعناها الكنائي ترد جمعًا؛ فلذلك كان قول النبي - ﷺ - «أنَ تَخْرُجْن لِحَوَائِجِكُنَّ» ظاهرًا في أن المراد به الإذن للنساء في الخروج لأجل أمور يحتجن إليها بمقدار الحاجة.\nوذلك أن أزواج رسول الله - ﷺ - أمرن بقوله تعالى: ﴿وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴿، وهو أمر خاص بهن لا يجب على غيرهن من النساء. وفهم منه عمر أنهن يُمْنَعْنَ من الخروج؛ فلذلك قال لسودة: «والله مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا» تعريضًا بتغيير ذلك عليها، ظنًّا منه أنها خرجت متسترة. وقصد عمر أن يبلُغ ذلك النبي - ﷺ - فلما قال رسول الله: «أن تخرجن لحوائجكن» عَلِمْنَ أنهن مرخَّص لهن في مقدار الحاجة.\nوقد حمله البخاري على أن المراد من ضمير النسوة جميع النساء؛ فلذلك عمم في الترجمة، فيكون ذلك حكمًا عامًّا تقرر للنساء غير أمهات المؤمنين على وجه العزيمة، وأبيح لأمهات المؤمنين على وجه الرخصة، فيكون المراد بالإذن في الحديث مطلق الإباحة.\nويحتمل أن المقصود بالضمير خصوص أمهات المؤمنين فيكون رخصة لهن، ويكون الإذن مرادًا به الإباحة بعد النهي، فيكون الكلام تخصيصًا للعموم الملزوم لقوله تعالى: ﴿وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أو بيانًا له.\nومن الشارحين من فسر الحوائج بالبراز، وهذا التفسير باطل من جهة اللغة لما علمت من أن الحاجة المكنَّى بها عن البراز لم ترد في كلامهم بصيغة الجمع؛ وباطل من جهة المعنى؛ لأن الخروج للبراز لا يتصور توهم تحريمه؛ لأنه مضطر إليه إذ لم تكن يومئذ في بيوتهم كنف كما ورد في حديث عائشة في قضية الإفك من قولها: «ولم تَكُنْ عندنا يومئذ كُنُفٌ وأمرُنا أمرُ العرب الأُوَل».\nعلى أنه ليس في طرق هذا الحديث ما يقتضي أن سودة خرجت للبراز؛ لأن طريق البراز لا يجلس فيه الناس حتى يرى عمر فيه سودة؛ ولكن الظاهر أنها خرجت لزيارة أو نحوها، وكان النساء يتوخَّيْن الخروج لأمورهن ليلًا استقصاء للستر؛ فأراد عمر بقوله لها أن يحرِّمَ عليهن الخروج للحوائج دون الخروج للبراز.\nوليس في طرق هذا الخبر ما يدل على أن خروج سودة كان للبراز بل وقع من طريق أبي أسامة عن هشام بن عروة في هذا الحديث في تفسير سورة الأحزاب [٦: ١٥٠، ١١]: «فدَخَلَتْ زينب فقالت: يا رسول الله خرجتُ لِبَعْض حاجتي","vol":"1","page":204},{"text":"فقال لي عمر كذا وكذا». فقولها: «لبعض حاجتي» ظاهر في أنها أرادت بعض حوائجها مما تحتاج إليه، ولو أرادت البراز لقالت: لحاجتي.\nولعل الذين زعموا ذلك شبه عليهم حديث الزهري عن هشام عن أبيه عن عائشة في كتاب الاستئذان كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله - ﷺ -: «احجب نساءك»، فلم يفعل، وكان أزواج النبي يخرجن ليلًا إلى ليل قِبَل المناصع (وهو موضع بالمدينة تذهب إليه النساء للحاجة البشرية)، فخرجت سودة بنت زمعة فرآها عمر فقال: «عرفتك يا سودة» فأنزل الله آية الحجاب.\nفهذا الحديث كان سبب الحجاب والقصة مع سودة، وحديث بابنا كان سبب الرخصة والقصة فيه مع زينب.\n* * *","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>كتاب الطلاق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>بابا إذا طُلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق</span>\nوقع فيه قول أنس بن سيرين [٧: ٥٢، ١٩]:\n(قُلت – لابن عمر: تُحتسب ... قال: أرأيت إن عجز واستحمق).\nقوله: «إن عجز» لم يُبْدِ الشارحون في تفسيره معنى ترتاح له النفس؛ إذ لا علاقة للعجز بأحكام الطلاق.\nوالذي يظهر لي أنه يحتمل معنيين:\nأحدهما: ليس قوله: «إن عجز» قسيمًا لقوله: «أو استحمق» بل جزءًا منه، أي إن عجز عن إمساك غضبه فاستحمق فطلق امرأته؛ فإنها تُعدُّ عليه طلقة ولا يعذر بحمقه، فكذلك إذا طلَّق في الحيض تحسب عليه تطليقة ولا يعذر، وهذا المعنى لم يذكره أحد.\nالثاني: أن يكون قسيمًا، وتكون (الواو) بمعنى (أو) التقسيمية، فالمراد من العجز الجهل، وهذا الوجه الثاني قاله الكوراني وهو تكلف.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>باب من أجاز طلاق الثلاث</span>\nوقع فيه قول البخاري [٧: ٥٤، ٧]:\n(وقال الشَّعبيُّ: ترثه، وقيل لابن شبرمة: أتزوَّج إذا انقضت العدَّة؟ قال: نعم، قال: أرأيت إن مات الزَّوج الآخر فرجع عن ذلك).\nحكى البخاري هذه المناظرة بين الشعبي وابن شبرمة باختصار.\nوحاصلها: أن الشعبي قال في الرجل يطلق امرأته ثلاثًا أو يطلقها طلقة صادفت آخر الثلاث: إنها ترثه إذا مات في مرضه ذلك ولو خرجت من العدة، فألزمه ابن شُبرمة بأنها إذا خرجت من العدة قد تتزوج زوجًا آخر فيموت هذا الثاني فترثه ولم يزل مطلقها الأول مريضًا فيموت فترثه؛ لأن الشعبي جعل سبب ميراثها إياه أن","vol":"1","page":206},{"text":"يكون مات من ذلك المرض، فتكون قد ورثت زوجين؛ وذلك يستلزم أنها اعتبرت زوجة لمطلقها الزوج الأول.\nدليله: ميراثها منه بعد موته في حين أنها يومئذ متزوجة بالزوج الثاني، قالوا: فرجع الشعبي وقال: لا ترث مطلِّقها المريض إلا إذا كانت في العدة.\nولعمري إن استدلال ابن شُبْرمة لَمُغالَطَةٌ وإن رجوع الشعبي عن قوله لأجلها لعجيب وضعفٌ في التفقه؛ لأن إثبات الميراث للمبتوتة في المرض بناء على تهمته بأنه طلقها ليحرمها من الميراث، فعومل بنقيض مقصده بعلة المظنة، وإذا كان كذلك لم يكن تعدد ميراثها من الأزواج ناقضًا لعلة حكم الميراث؛ لأنها إنما ورثت بسبب العصمة الأُولى. ولم يعتبر الطلاق الواقع في المرض مانعًا من تأثير السبب في الميراث، فحقها في الإرث ثبت بموجب عصمة سابقة، وإباحة التزوج لها بثانٍ مقتضى للطلاق والخروج من العدة.\nوالحاصل أن الطلاق في المرض يرفع حكم العصمة بالنسبة لإباحة التزوج بثانٍ، ولا يرفع حكم العصمة في كونها سبب ميراث.\nولا يهولنا أنها ورثت زوجين؛ إذ قد ترث ثلاثة أزواج، كما إذا طلقت في المرض فخرجت من العدة فتزوجت بثانٍ، ثم طلقها بعد بنائه بها بيوم ومات وهي في العدة، فتزوجت بثالث فمات ليلة بنائه بها، ثم مات الزوج الذي طلقها في مرضه ذلك.\n* * *\nووقع فيه قول امرأة رفاعة [٧: ٥٥، ٤]:\n(إنَّ رفاعة طلَّقني فبتَّ طلاقي، وإنِّي نكحت بعده عبد الرَّحمن بن الزُّبير القُرظيِّ، وإنِّما معه مثل الهدبة).\nفقولها: «وإنما معه» هو بكسر الهمزة، ووصل (ما) بـ (إنَّ) خلافًا لما في بعض نسخ البخاري فهي (إنما) أداة الحصر.\nوالمعنى: ما معه إلا مثل الهُدبة، وليس الحصر راجعًا إلى شيء من أشياء؛ ولكنه راجع إلى حالة من أحوال شيء، وهو ذَكَره، أي ليس معه إلا مثل الهدبة، أي لا يكون معه شيء له حالة إلا حالة مماثلة للهُدْبة، وقد أفادت كلمة (مع) هذا المعنى.\n* * *","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>باب الطلاق في الإغلاق</span>\nوقع في قول البخاري [٧: ٥٨، ٩]:\n(وما لا يجوز من إقرار المُوَسْوِسِ).\nفـ «المُوَسْوِسُ» هو بكسر الواو الثانية اسم الفاعل من وسوس، والوسوسة: الكلام الخفي، قال رؤبة يصف الصائد:\nوسوس يدعو مخلصًا رب الفلق ... سرًّا وقد أوَّنَ تأوين العُقق\n\nوأطلقت على حديث النفس؛ لأن المرء إذا فكر تخيَّل نفسه تناجيه، قال تعالى: ﴿ونَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ فالمرء مُوَسْوِس؛ لأن نفسه هي فاعل الوسوسة، قال ابن الأعرابي: ولا يقال مُوِسْوَس – بفتح الواو الثانية.\n* * *\nووقع فيه قول الزهري [٧: ٥٨، ١٨]:\n(وعَقَدَ عليهِ قلبُهُ).\nفـ (قلبُهُ) بالرفع هو فاعل (عقد)، ومعنى (عقد) لزم وثبت على كذا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>باب الخلع</span>\nوقع فيه قوله: [٧: ٦٠، ٦]:\n(ولم يَقُل قول السُّفهاء: لا يحلُّ حتَّى تقول: لا أغتسل لك من جنابةٍ).\nظاهره أنه من كلام البخاري يبرئ طاوسًا من أن يقول مثل هذا القول، وهذا بعيد أن يكون البخاري يصف من قال: (لا يحلُّ الخلع حتى تقول المرأة: لا أغتسل لك من جنابة)، أي حتى تصرَّ على منعه من وطئها فتكون ناشزًا؛ لأن هذا القائل هو الحسن البصري والشعبي.\nفكيف يوصف بأن قولَهُ من قول السفهاء؛ ولذلك تردد ابن حجر في نسبة هذا إلى البخاري، فقال: لعل هذا من كلام ابن طاوس الذي روى عن أبيه طاوس: إباحة الخلع إذا خافا أن لا يقيما حدود الله، فتكون تبعة هذا اللمز على ابن طاوس.","vol":"1","page":208},{"text":"والذي يظهر لي: أن ضمير «ولم يقل» للزوج المخالع، يعني: ولا يتوقف جواز الخلع على أن يقول الزوج هذا القول الذي يقوله السفهاء، ويكون قوله: «حتى يقول» بالياء التحتية لا بالتاء الفوقية، فتأمل.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>باب يبدأ الرجل بالتلاعن</span>\nووقع فيه حديث [٧: ٦٩، ٥]:\n(هشام بن حسَّان عن عكرمة عن ابن عبَّاس أنَّ هلال بن أميَّة قذف امرأته ...). الحديث\nهكذا وقع هذا الحديث هنا، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿ويَدْرَأُ عَنْهَا العَذَابَ﴾ من تفسير سورة النور أن الذي لاَعَنَ امرأته هو هلال بن أمية.\nووقع في حديث سهل بن سعد هنا في اللعان أن الذي لاَعَنَ امرأته هو عويمر العجلاني، وهو الحديث المروي في الموطأ بوجه صريح؛ فلذلك جزم المحققون أن ذكر هلال بن أمية في قصة اللعان وَهَمٌ من هشام بن حسان، جزم بذلك أبو عبد الله ابن أبي صفرة (أخو المهلب) والطبري وابن العربي والواحدي وعياض وقالوا: كان هشام بن حسان ضعيفًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>باب ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾</span>\nوقع فيه قول عطاء [٧: ٧٨، ٢٠]:\n(ثُمَّ جاء الميراثُ فَنَسَخَ السكنى).\nأي لأن فرض الميراث نسخ جميع الوصايا التي كانت واجبة، ومنها الوصية للزوجة بالسكنى إلى الحول؛ إذ أبطل الميراث جميع الوصايا للورثة.\nفهذا وجه تعلق آية الميراث بحكم سكنى المعتدة، وقد غفل عنه الكاتبون.","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>كتاب النفقات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>باب وجوب النفقة على الأهل</span>\nوقع فيه قول أبي صالح [٧: ٨١، ١٠]:\n(قَالُوا: يا أبا هُرَيْرَةَ سمعت هذا مِنْ رسُول الله - ﷺ -؟ قَالَ: لا، هذا مِنْ كِيسِ أبي هُريرةَ).\nوقد اختلف في محمل كلام أبي هريرة فقيل بحمله على ظاهره، أي أنه لم يسمع من رسول الله - ﷺ - زيادة «تقول المرأة: إما أن تُطْعِمني وإما أن تطلقني ...» إلخ، فتكون نهاية كلام النبي - ﷺ - هو قوله: «وابدأ بمن تعول»، ويكون ما زاده تعليلًا للحكم الذي تضمنه اللفظ النبوي.\nويؤيد هذا الظاهر سؤال السامعين أبا هريرة عن هذه الزيادة، أسمعها من رسول الله أم لا؟ لأن السؤال ما نشأ إلا عن غرابتها وعدم سماعها من غيره.\nوقيل بحمله على الإنكار على السائلين، فيكون استعمال الخبر في ضد مدلوله، بناء على اعتقاد المخاطب لينتقل من ذلك إلى إنكار اعتقاده، فيكون كناية مرادًا بها اللازم وحده، والقرينة على تعيين المراد هو السياق.\nوعلى هذا المحمل حمله كثير من العلماء منهم ابن العربي في أحكام القرآن؛ إذ قال: (وفي البخاري عن النبي - ﷺ - «تقول لك المرأة: أطعمني ....») إلخ.\nوقد رواه الدارقطني عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، وإن كان هذا خلاف ظاهر قول أبي هريرة؛ لأن مقام التحديث ليس مقام تهكم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>باب حبس الرجل قوت سنة على أهله</span>\nوقع فيه قول مالك بن أوس بن الحَدَثَانِ - ﵁ -[٧: ٨٢، ٩]:\n(فأقبلَ عُمرُ على عليٍّ وعبَّاس، فقال: أنشُدُكَمَا باللهِ هل تعلمان أنَّ رسول الله - ﷺ - قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك).","vol":"1","page":210},{"text":"قد يشكل قولهما: «قد قال ذلك» مع نزاعهما ومطالبتهما بالميراث، ودفع الإشكال بأنهما قد حصل لهما العلم بأن رسول الله - ﷺ - قال ذلك بخبر عمر، والرهط الذين معه من أصحابه في ذلك المجلس، أو بخبر أولئك أو غيرهم في المجلس الذي كان دفع فيه عمر لهما ما تركه رسول الله - ﷺ -؛ لأنهما إنما جاءا في هذا المجلس الأخير متنازعين في كيفية التصرف. ويؤيد ذلك ما جاء في آخر كلام عمر من قوله: «وأنتما حينئذ تزعمان أن أبا بكر كذا وكذا» أي تنسبانه إلى الخطأ في الاجتهاد في منعكما؛ مما يدل على أن ذلك زال من اعتقاد علي وعباس - ﵁ -.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>باب نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها</span>\nفيه حديث عائشة - ﵁ -[٧: ٨٤، ٢]:\n(جاءت هند بنتُ عُتبة فقالت: يا رسول اللهِ، إنَّ أبا سُفيان رجلٌ مسِّيكٌ فهل عليَّ حرجٌ أن أُطعم من الَّذي لهُ عيالنا؟ قال: «لا، إلاَّ بالمعروف»).\nقوله - ﷺ -: «لا» أي لا تطعمي، بدليل قوله: «إلا بالمعروف»، والمعروف هو ما يحمله مثل مال أبي سفيان من الإنفاق على مثل عياله ووقع في بعض الروايات أنها قالت: «بدون إذنه».\nووجه إذن رسول الله - ﷺ - لها بالإنفاق دون علم أبي سفيان أن الإنفاق المعروف واجب عليه لعياله، فليس له منعهم منه، وأنه لشدة شُحِّه لو توقفوا على إذنه لما أذنهم، ولو شَكوْه إلى الرسول - ﷺ - في كل حاجة لشق ذلك عليهم، ولَحَدَث بذلك بينه وبينهم شنآن.\nووجه منعه إياها من تجاوز المعروف أن ما زاد على المعروف لا حقَّ لها ولا لعيالها فيه إلا برضا صاحبه.\nوقد أقام النبي - ﷺ - المرأة مقام الوكيل على أبنائها وعيال بيتها؛ لأنها راعية المنزل، فهو لها رخصة.\nوبهذا تعلم أن ما رخًّصَهُ النبي - ﷺ - لهند هو تشريع يعمُّ أمثالها من أزواج الأشحة؛ لأن قوله لها فتوى وتشريع، وهو الأصل فيما يصدر من الرسول ﵊.\nومن ظن أنه قضاء على الغائب فقال: إنه لا يشمل غيرها إلا بعد الرفع إلى","vol":"1","page":211},{"text":"الرسول أو القاضي فقد وَهَم من جهتين:\nإحداهما: أن حالها حال المستفتية لا حال المدعية؛ لأنها عرضت ذلك على الرسول حين أسلمت يوم الفتح، ولأن إحضار زوجها كان ممكنًا فلا يقضي عليه وهو غائب.\nالوجه الثاني: أنه على تسليم كونه قضاء، فإن قضاء الرسول - ﷺ - هو من جهة: قضاء بالنسبة إلى الخصمين، وهو تشريع بالنسبة إلى غيرهما ممن يساويهما في الوصف المؤثر، سواء جاء في خصومة أو مستفتيًا.\nومما تبيَّن تعلم أن ليس لصاحب حق عند آخر منعه منه أن يعمد إلى أخذ حقه بنفسه بغصب أو خلسة؛ لأن ذلك ينافي المقصد الشرعي من إقامة القضاة والحكام ويؤول إلى التقاتل والتهارج، فلا تتجاوز الرخصة محل العذر، وهو عسر الرفع إلى القاضي، أو توقع ضرر من الخصومة هو أعظم من ضرر ترك الإنفاق.\nفالمأخذ المنقول عن الشافعي من هذا الحديث بتسويغ أخذ صاحب الحق حقه خلسة أو غصْبًا مأخذ ضعيف.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>باب ﴿وعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [</span>٧: ٨٦، ٨]\nأي باب في بيان قوله تعالى: ﴿وعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، وقد أخرج البخاري ما رآه من الآثار صالحًا لتأويل الآية، وهما حديث أم سلمة وحديث هند بنت عتبة.\nوقوله [٧: ٨٦، ٨]: (وهل على المرأة منه شيء)، أي المرأة المرضع، فإنها تكون من جملة الوارث. والخطاب تعلق بالوارث لأجلها، فهل تكون هي من جملة المخاطب بإعطاء الرزق والكسوة، أي باعتبار حظها منهما يسقط ذلك الحظ عن بقية الورثة، أو هي لما كان الخطاب لأجلها لا تدخل في عموم الخطاب.\nوهذه المسألة شبيهة بمسألة: هل الآمِر بالأمر بالشيء أمر للمأمور الأول بذلك الشيء، وينبغي أن تعنون بأن الآمِر بفعل متعلق بأحد، هل يكون آمِرًا لذلك الأحد إذا شمله لفظ المأمور؟\nوقد وقع تردد العلماء في تأويل قوله تعالى: ﴿وعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فمنهم من جعله على معنى الندب، وشهد له حديث أم سلمة [٧: ٨٦، ١١] فإن لفظ الرسول - ﷺ -","vol":"1","page":212},{"text":"دل على أنه ليس بواجب عليها إنفاق بني أبي سلمة منها.\nومنهم من حمله على أنه يجب على الوارث في مال الميت بقرينة وصف القريب بأنه وارث، ولم يقل: وعلى العاصب أو المولي مثل ذلك، فالمعنى: وعلى وصي الرضيع مثل ما كان واجبًا على أبيه في ماله، ويشهد له حديث هند بنت عتبة؛ إذ جعل رسول الله - ﷺ - لها أن تأخذ من مال أبي سفيان وهو غائب، فيقاس عليه الأخذ من مال الميت بعلة المالية والغيبة في كُلٍّ.\nومنهم من حمله على الوجوب على قريب القرابة، وسماه وارثًا باعتبار أنه لو كان للميت مال لكان هو وارثه.\nوالظاهر أن البخاري تعارض عنده الدليلان، فلم يترجم بما يؤخذ منه رأي له في هذا الحكم، وأخرج تحت الترجمة الحديثين وقال: إن الآية منسوخَة.\n* * *\nووقع فيه سوق البخاري قوله تعالى [٧: ٨٦، ٩]:\n﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ﴾ الآية.\nولم يتضح وجه ذكر ذلك هنا. والذي عندي أن الآية مقدمة من تأخير وأن موقعها عقب قول النبي - ﷺ -[٧: ٨٦، ١٦]: «مَنْ تَرَكَ كلأ أو ضياعًا فإليَّ» لتكون تفسيرًا لقول النبي: «من ترك كلأ» أي من ترك حقًّا عليه لأحد. ومن جملة الحقوق حق الإرضاع الذي فرضه الله على مال الميت بقوله: ﴿وعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴿، فأشار البخاري إلى أن حكم الآية منسوخ بأن ذلك كان قبل أن تنتظم جماعة المسلمين ويصير لهم بيت مال؛ لأن قول رسول الله - ﷺ -: «من ترك كلأ أو ضياعًا فإليَّ» صريح في أن من لا مال له يوفي بحقوق عليه أن تكون توفية الحقوق من بيت المال.\nوهذا الرأي مروي عن مالك أيضًا في رواية أسد بن الفرات؛ فيحتمل أن المصنف نسي فكتب الآية قبل سوق الحديث، ويحتمل أن ذلك من صنع الرواة؛ ولذلك يتعين أن يكون قوله: (قول النبي: «من ترك كلأ ....») إلخ، من بقية هذا الباب وليس ترجمة مستقلة، وأن ما وقع في رواية أبي ذر من جعله بابًا ليس على ما ينبغي.\n* * *","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>كتاب الأطعمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>باب القديد</span>\nوقع فيه قول عائشة - ﵁ -[٧: ١٠٢، ٥]:\n(ما فعله إلا في عامٍ جاع النَّاسُ).\nثبت في أكثر النسخ قولها: «جَاعَ النَّاسُ» بدون زيادة كلمة (فيه)، وفي بعض النسخ: «جاع الناس فيه»، وهو مختصر من حديثها المتقدم في باب ما كان السلف يدَّخرون [٧: ٩٨، ١٦]، فقد ثبتت فيه كلمة (فيه)، وعليه فلفظ (عام) منون على رواية إثبات كلمة (فيه)؛ لأن الجملة حينئذ صفة لـ (عام)؛ وكذلك يكون منوَّنًا على الرواية التي لم تثبت كلمة (فيه) وتكون مقدرة دلَّ عليها أن الموصوف مجرور بمثل الحرف المحذوف؛ وذلك سائغ في الصفة مثل الصلة.\nولا يجوز بناء (عام) على الفتح باعتبار إضافته إلى جملة «جاع الناس»؛ لأن الإضافة تجعل العام معيَّنًا، وكلاهما يدل على أنه غير معين وإنما أرادت عامًا من الأعوام.\n* * *","vol":"1","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>كتاب الذبائح والصيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>باب صيد المعراض</span>\nوقع فيه قوله [٧: ١١١، ٢]:\n(وقال ابن عُمَرَ في المقتُولةِ بالبُندقَةِ).\nالبُندقة – بضم الموحدة بعدها نون ساكنة – كرة صغيرة من طين تجفف ويرمى بها بالمعراض، وربما اتخذت من الحجر.\n* * *\nووقع فيه قول النبي - ﷺ -[٧: ١١١، ٧]:\n«فإذا أصابَ بِعُرضِهِ فقتل فهو وقيذٌ».\nالعُرض بضم العين: عرض السيف، وهو صفحُه، والصفح هو الجانب غير المحدد من السيف، وأصله أن عُرض الشيء وسطه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>باب قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ﴾</span>\nوقع فيه [٧: ١١٦، ٨]:\n(على سرْجٍ مِنْ جُلود كلابِ الماءِ).\nكلب الماء حيوان من الفصيلة ذوات الثدي يعيش في الماء وفي الأرض ويكون على شطوط البحار، ويسمى أيضًا: عجل البحر، له جلد يشبه جلد البقر، وشعر جلده أقصر من شعر جلود البقر، ولونه أربد إلى السواد، ورأسه كرأس الهرِّ في عظم رأس شبل الأسد، يمشي على بطنه بيدين قصيرتين، وينتهي بشبه ذنب يسميه أهل تونس: أبا مُنير.","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>باب ما ندَّ من البهائم</span>\nفيه قول رسول الله - ﷺ -[٧: ١٢٠، ٢٠]:\n(«اعجَلْ أوْ أرِنْ»).\nإن كانت (أو) من كلام الرسول، كما هو الظاهر، كان هذا التركيب جاريًا مجرى المثل أرسله رسول الله - ﷺ -.\nويحتمل أنه تمثل بها، ويتعين حيئنذ أن يكون معنى «أرِنْ» ضد معنى «اعْجَل»، فيكون بمعنى أَبْطِئْ، ويكون الكلام خطابًا لرافع بن خديج؛ لأن سؤال دلَّ على أنهم يُحبُّون أن يتعجلوا ذبح ما ينالونه من المغانم، وأنهم أظهروا ذلك للرسول - ﷺ - تطلبًا للرخصة منه في الذبح بما تيسر إذ ليست معهم مُدى.\nوفي كلام الرسول - ﷺ - على هذا ضرب من التعجب من حرص السائل وعجلته، فالمعنى: سواء عجلت أو أبطأت، فالحكم لا يختلف لأجل ذلك بما أنهر الدم فاذبح به وكُلْ، فيكون «أرِنْ» مشتقًّا من الريْن بمعنى الغَشْي؛ لأن في الغشي ثقلًا، وتكون الهمزة بمعنى الصيرورة، أي تصير ذا رَيْن كذي الغشي، أي مبطئًا متثاقلًا.\nوإن كان حرف (أو) شكًّا من الراوي، كما استظهره النووي وهو بعيد؛ فـ «أرِنْ» بمعنى «اعْجَلْ»، فالراوي يتوخى اللفظ النبوي، والمعنى: أعجل للذبح بكل ما يسرع بقطع الحلقوم والأوداج. ويكون الكلام إيماء إلى وجه النهي عن الذبح بالسنِّ والظفر.\nوقد وقع اضطراب عظيم في تحقيق معنى هذا اللفظ، كما ذكره عياض في المشارق، والخطابي في شرح أبي داود وابن الأثير في النهاية، وقد علمت التحقيق فاسلك سواء الطريق.\n* * *\n[٧: ١٢٠، ٢٠] «ما أنْهَرَ الدَّم وذُكر اسمُ الله عليهِ فكل ليس السنَّ والظُّفرَ».\nالظاهر أن الاستثناء متصل، أي أن السنَّ والظفر مما أنهر الدم، ولكنهما نهِيَ عن الذبح بهما.\n* * *","vol":"1","page":216},{"text":"[٧: ١٢١، ١] «وسأحدِّثُكَ أمَّا السنُّ فعظم وأما الظُّفر فمُدَى الحبشة».\nوقع في فهم هذا التعليل إشكال؛ إذ الوصفان المذكُورَانِ للسن والظفر لا يظهر فيهما ما يقدح في صحة الذبح.\nوالذي يظهر لي أن قوله: «أما السنُّ فَعَظْم» معناه أنه ليس له حدٌّ صُلب، فهو يبدو محدَّدًا في مبدأ الذبح فإذا صادف الحلقوم تقَّلل حدُّه، فكان في الذبح به تعذيب الحيوان.\nوقوله: «وأما الظُّفْر فمُدَى الحَبَشة» فقد وقع فيه حذف، تقديره: وأما الظفر فكذلك وهو مدى الحبشة، فحذف المقدر لظهوره؛ لأنَّ الظفر من جنس العظم، وهو أضعف حدة من العظم.\nوقوله: «مُدَى الحَبَشة» تنفير منه؛ لأن بعض المسلمين قد خالطوا الحبشة في الهجرة الأولى ورأوا أن ذبحهم بالظفر ليس على ما ينبغي.\n* * *","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>كتاب الأشربة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>باب الخَمْر من العِنَب [</span>٧: ١٣٦، ٥]\nترجمةٌ مشكلةٌ؛ لأنها تقتضي أن الخمر لا يسمَّى بها إلا شراب العنب، والآثار التي أخرجها عقب الترجمة تقتضي خلاف ذلك.\nفالوجه أن يكون سقط من الترجمة لفظ «وغيره» كما ثبت عند ابن بطال في نقل ابن حجر عنه، وبدون ذلك لا تستقيم التكلفات التي تكلفوها.\nومراد البخاري الرد على أبي حنيفة؛ إذ خص معظم حكم الخمر بشراب العنب، فاقتضى أنه لا يرى غيره خمرًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>باب الانتباذ في الأوعية والتَّور [</span>٧: ١٣٨، ١٠]\nاعلم أن الآثار الواردة في الانتباذ في الأوعية والأسقية والحنتم ونحو ذلك لا يظهر معناها إلا بعلم عادة العرب في النبيذ، وتلك أنهم كانوا ينتبذون البُسر والتمر والزبيب في الماء لشرب مائها عوضًا عن الماء القراح استعذابًا له وتطلبًا للصحة من ذلك، وكان يلزم لحصول طعم الأشياء المنتبذة في الماء المنتبذ به زمن غير قليل، فكانوا يجعلون ذلك في الليل، كما دلَّ عليه حديث أبي أسيد الساعدي [٧: ١٤٧، ٩]: أنه دعا رسول الله - ﷺ - في عرسه فسقت العروس رسول الله - ﷺ - نبيذًا أنقعت له تمرات من الليل؛ ذلك أنهم يحبُّون أن يجدوا ذلك النبيذ في النهار يشربون منه، وكانت الأوعية الضيقة الأفواه والمطلية قد يسرع إليها الاختمار في مدة الليل في زمن الحرِّ، فلذلك نُهُوا عن الانتباذ في المزفَّت والحَنتم؛ لأنه مطلي، وفي الدُّبَّاء؛ لأن ذلك يسرع إليه الاختمار، وهو نهي تنزيه للاحتياط؛ لأن الاختمار حالة تظهر إذا حصلت في النبيذ؛ ولذلك رخص لهم رسول الله - ﷺ - في الانتباذ في الظروف والأسقية غير المزفتة بعد أن نهاهم عنها.","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>باب الشرب بنَفَسَيْن</span>\nوقع فيه قول ثمامة بن عبد الله [٧: ١٤٦، ٦]:\n(كان أنسٌ ينتفَّسُ في الإناءِ مرَّتينِ أو ثلاثًا).\nفقوله: «في الإناء» تقدير، أي في مقدار الإناء من الماء حين يشربه فـ (في) للظرفية الزمانية، وليس المراد أنه يدفع نَفَسَه في وسط الإناء؛ لأن ذلك منهي عنه، كما في أبي قتادة قال رسول الله - ﷺ -: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء»، فـ (في) التي في الحديث للظرفية المكانية.\n* * *","vol":"1","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>كتاب الطب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>باب أشد الناس بلاء الأنبياء [</span>٧: ١٤٩، ١٩]\nهذه الترجمة لفظ حديث رواه الترمذي عن مصعب بن سعد قال: (قلت: يا رسول الله، أيُّ الناس أشدُّ بلاء؟ قال: «الأنبياء ثم الأَمثَلُ فالأَمْثَل»، وقد ترجم به البخاري ولم يروِه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>باب عيادة النساءِ الرجالَ</span>\nوقع فيه قول عائشة - ﵁ -[٧: ١٥١، ١٣]:\n(وكان بلالٌ إذا أقلعتْ عنهُ الحُمَّى).\n«أقلعت»: زالت، يقال: قلعه فأقلع مطاوع قلع، ومنه ﴿ويَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾.\n* * *\nووقع فيه قولها [٧: ١٥١، ١٦]:\n(فجئتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - فأخبرتُهُ).\nأي ولم تكن يومئذ زوجته وإنما جاءت تخبره بخبر أبيها، كما يدل عليه قولها: «فجِئْتُ رَسُولَ اللهِ) أنها جاءته من بيت أبيها - ﵁ -.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>باب الدواء بألبان الإبل</span>\nوقع فيه قول الحسن [٧: ١٦٠، ٤]:\n(فَوَدِدْتُ أنَّهُ لم يُحدِّثهُ بهذا).\nأي وددت أن أنسًا لم يحدث الحجاج بهذا، أي لأنه لا يُحسن وضعه في موضعه من الفهم، وإنما يأخذ بظاهره في شدة العقوبة، ولا يتفطَّن لشدة الجرم الذي اجترحه العِرْنيُّون.","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>باب الحجامة على الرأس</span>\nوقع فيه [٧: ١٦٢، ٨]:\n(احْتجمَ بِلحي جَمَلٍ).\nوذكر في بعض رواياته أنه اسم ماء، والظاهر أن كلمة «لَحْي» - بفتح اللام وسكون الحاء المهملة وياء تحتية – كلمة سامية قديمة، أو عبرية معناها الماء أو البئر، فقد وقع في سفر التكوين من التوراة أن المكان الذي رأت فيه هاجر الملك كانت فيه بئر تسمىَّ «لَحْيَ رُئِي»؛ لأن هاجر رأت الملك في طريقها عند تلك العين.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>باب ما يذكر في الطاعون</span>\nوقع فيه قول عمر [٧: ١٦٩، ٣]:\n(إحداهما خصبةٌ).\nيقال –بفتح الخاء وكسر الصاد–ويقال –بكسر الخاء وسكون الصاد– وهي الكثيرة الكلأ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>باب الفَال</span>\nوقع فيه قول رسول الله - ﷺ -[٧: ١٧٥، ٣]:\n«لا طيرة وخيرها الفألُ» قالوا: وما الفألُ؟ قال: «الكلمةُ الصالحةُ يسمعها أحدكم».\nالطيرة في لسان العرب مشتقة من اسم الطير؛ لأنهم كانوا يزعمون أن اختلاف كيفية طير بعض الطيور إذا لاقى السائر أو الخارج من منزله تنبئه ببعض ما يعرض له في سيره أو في يومه، وإذا أراد أحد معرفة وجهته زجر الطير، أي تعرض لها فأهاجها فاذا طارت تعرف منها بعض ما يريد. وذلك عندهم في أصناف معروفة من الطير كالغراب والصرد والحمام والبوم والعقعق، ثم ألحقوا بالطير بعض الوحوش","vol":"1","page":221},{"text":"كالظباء وبقر الوحش وبعض دواب الأرض كالثعلب وابن آوى، فيسمى كل ذلك الطِّيَرة – بكسر الطاء وفتح الياء – فأصل الطيرة تطلق على استفادة الخير والشر من حركات الطير، ثم ألحقوا بها التفاؤل والتشاؤم، وهو فيما يزعمون تتبُّع مقارنات بعض ما يلابس الإنسان من امرأة أو بيت أو فرس أو أمة، فإذا قارنه الخير قالوا: هو ميمون، وإذا قارنه الشر قالوا: هو مَشْؤَوُم، قال أبو الأسود:\nكضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدًا وبغضًا إنه لمشوم\n\nوقد أبطل الإسلام هذه العقائد الوهمية المبنية عليها خرافات وتكاذيب، ومن ذلك هذا الحديث: «لا طيرة» فهو نفي للجنس، أي هذا الجنس المزعوم لا وجود له في نفس الأمر، وإنما هو تخيُّلات يتخيَّلها الناس ومصادفات تبنى عليها أكذوبات.\nوقوله: «وخَيْرُهَا الفَأل» الضمير عائد إلى «الطيرة» المنفية، أي خير الطيرة، أي خير ما فيها فيما كانوا يزعمونه الفأل المفسر بأنه الكلمة الصالحة يسمعها المرء.\nوالمراد بالصالحة التي لو أخبر السامع بمثلها لكان ذلك خبر خير عنده؛ كمن يخرج إلى سفر، فتكون أول كلمة يسمعها في طريقه أن يقول قائل لآخر ... تحظَى بطلبتك، وإنما كان هذا خير الطيرة؛ لأنه كان فيه انشراح لنفس السامه ومسرَّة له، بخلاف ضد ذلك فكانت خير الطيرة التي كانوا عليها لما لها من أثر صالح في النفس.\nوليس في هذا ما يقتضي أن ذلك يتحقق، وإنما هو بيان لكون بعض ما كانوا يعتقدونه لم يخل من نفع لهم؛ ولكنه مع ذلك داخل تحت نفي الجنس، وهو اعتقاد أن ذلك له آثار تتحقق.\nوأما ما ورد من أن رسول الله - ﷺ - كان يعجبه الفأل الحسن، فلعل ذلك خصوصية له جعل الله له من طرق الوحي والإنباء أن يسمع كلامًا حسنًا يناسب غرضًا تحدثه فيه نفسه، فيكون ذلك له خطابًا ملكيًّا أو إلهيًّا وُجِّه إليه على لسان بعض عباد الله تعالى، كما كانت رؤيا الأنبياء وحيًا فلا يشاركه في اطراد ذلك أحد؛ لأن ذلك بالنسبة إليه معصوم من التخلف، وليس هو كذلك بالنسبة إلى غيره.\nوقد ورد أن الله تعالى خلق كلامًا في شجرة كلَّمت موسى كلامًا علم أنه من تلقاء عالم القُدُس، فكذلك قد يخلق خطابًا قدسيًّا على ألسنة بعض عبيده؛ ولذلك صح الفرق بين الشؤم إذ نفاه النبي - ﷺ - وبين الفأل؛ إذ نقل عنه أنه كان يعجبه.","vol":"1","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>باب هل يستخرج السِّحر</span>\nوقع فيه حديث عروة عن عائشة - ﵁ -[٧: ١٧٧، ١٨]:\n(أن رجلًا من بني زُريقٍ اسمه لبيد بن الأعصمِ سحر رسول الله - ﷺ - حتَّى كان يُخيَّل إليه أنَّه يأتي النَّساء ولا يأتيهنَّ) الحديث.\nهذا الحديث من مشكلات الآثار، ليس من جهة أنه يثير شكًّا في تبليغ الرسول - ﷺ - الواقع في مدة هذا السحر الذي أصابه؛ لأن العوارض البدنية لا علاقة لها بالاتصال النبوي في الوحي والتبليغ، وأن العالم وصاحب الصناعة يعتريه المرض في جسده والضعف في حافظته ولا يقدح ذلك في صحة ما يتذكره، وقد بسط عياض في «الشفا» كشف ذلك.\nولكن الإشكال في تسلُّط السحر على نفس الرسول – ﵊ – وكيف ينال منه الساحر، وهو الذي علَّمه الله التعوُّذ من السحر وغيره، وهو القائل [٧: ١٧٩، ٣]: «من تصبَّح سبعَتمرات من عجوة لم يضره سحر ولا سُمِّ».\nوالروايات في هذا الحديث مضطربة؛ فأما ما في البخاري ففي رواية عيسى ابن يونس وأبي أسامة وأبي الزناد وهي أنها قالت له [٧: ١٧٨، ١٧]: (أفَلا اسْتَخْرَجْتَهُ؟ قال: «قَدْ عَافَانِي الله فكرهْتُ أنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاس فيِهِ شَرًّا»).\n* * *\nوفي رواية ابن جريج أنها قالت [٧: ١٧٨، ٤]:\n(فأتى النَّبيُّ البئر حتَّى استخرجه ثُم دفنه)، ولعله توهم من ابن جريج، وإنما أتى رسول الله البئر ووجدها على الوصف الذي أريه في المنام ولم يخرج ما قذفه فيها لبيد بن الأعصم من السحر في البئر.\nوالذي يظهر لي أن رسول الله - ﷺ - أصابه مرض في مدة قارنه فيها محاولة لبيد ابن الأعصم أن يسحره، وأن الله بشره في المنام بالشفاء، وجعل له علامة على ذلك أن أطلعه على ما حاوله لبيد بن الأعصم، ليكون ذلك خاسئًا لليهود؛ إذ كانوا يرهبون المسلمين بأنهم يسحرونهم، وكانوا زعموا مبدأ الهجرة أنهم سحروهم، فلا يولد لهم حتى ولد للزبير ابنه عبد الله، وكانت تلك العلامة كعلامة نسيان","vol":"1","page":223},{"text":"الحوت لموسى على موضع لقاء الخضر ﵇، وأن الراوي خلط الخبرين فجعلهما خبرًا واحدًا، فشفى رسوله وشفى قلوب المؤمنين من خوفهم سحر اليهود.\nوأما قوله تعالى عن موسى: ﴿فَإذَا حِبَالُهُمْ وعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ فذلك تخييل بسبب اضطرابات من عقاقير ونحوها كما يخيل لناظر من يدير جمرة بشدة السرعة أن بيده دائرة من نار؛ وذلك جائز لأنه يعلم أنه ليس كذلك.\nهذا قصارى ما يتأول به ظاهر هذا الخبر.\nوبعد، فهو حديث غريب لم يروه غير هشام بن عروة عن أبيه لا غير عن عائشة لا غير، مع أنه مما توفر الدواعي على نقله لأنه حادث عظيم، على أنه روي أن عائشة قالت: «فأتى رسول الله بئر ذَرْوَانَ في جمع من أصحابه» فكيف لم يروِ هذا الخبر أحد مِمَّن حضره، والحديث الغريب لا يقبل في الأمور التي تتوفَّر الدواعي على نقلها.\nوأيضًا هو يقتضي تأثر عقل رسول الله - ﷺ - بالسحر؛ وذلك لا يجوز عليه؛ وقد غضب رسول الله - ﷺ - من قول بعض أصحابه في مرضه الذي مات فيه: (إنَّ رسول الله هَجَر» وأمرهم بأن يقوموا عنه.\nولا بد في هذا الحديث من آفة من وَهَم أو سقوط ما يزيل الوهم، وأن الخبر إذا خالف أصول التشريع وما يجب لمقام النبوة يجب رده ودحضه.\n* * *","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>كتاب اللباس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>باب جيب القميص</span>\nوقع فيه قول أبي هريرة [٧: ١٨٥، ١٦]:\n(فأنا رأيتُ رسول الله - ﷺ - يقولُ بإصبعه «هكذا في جيبه»).\nاستعمل «يَقُولُ» بمعنى يدل عليه التشبيه في قوله: «هكذا في جَيْبِهِ». وهو تشبيه بفعلٍ فَعَله أبو هريرة حينما حدَّث بهذا الحديث يحاكي بفعله فِعْلَ النبي - ﷺ -. والسياق يدلُّ على أن ذلك الفعل هو وضع الأصبع على طرف الجيب، كهيئة من يريد أن يجذب جيبه ليوسعه أو يمزِّقه.\nواستعارة القول للعمل شائعة عند البلغاء، ومنها ما في حديث أبي ذرٍّ قول النبي - ﷺ -[٨: ١١٧، ٢٠]: «إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة» إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا بين يديه وعن يمينه وعن شماله. أي إلا مَنْ أنفق المال وبذل، ومنه قول أبي حية النميري وهو في ديوان الحماسة:\nفألقت قناعًا دونه الشمسُ واتقت ... بأحسن موصُولين كفٍّ ومعصم\nوقالت فلما أفرغَتْ في فؤاده ... وعينَيه منها السِّحر قُلْنَ لها انعَم\n\nأي ونظرت إليه نظرة فاتنة، فعبَّر عن النظر بقرينة قوله: «فلما أفرغت فؤاده» .... إلخ.\n* * *\nوقوله [٧: ١٨٥، ١٧]:\n(«فَلوْ رأيتهُ يُوسِّعها ولا تتوسَّعُ»).\nهو من كلام رسول الله - ﷺ -.\n* * *","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>باب ما كان النبي - ﷺ - يَتَجَوَّزُ من اللباس</span>\nوقع فيه قول عمر بن الخطاب في ذكر حديث الإيلاء ومحاورته مع أم سلمة قال عمر - ﵁ -[٧: ١٩٦، ١١]:\n(فَرَدَّدَتْ).\nرُوي هذا اللفظ بوجوه أربعة «فَرَدَّدَتْ» بِدَالَيْن مع تشديد الأولى منهما، وبِدَالَيْنِ بدون تشديد أحدهما، وبدال واحد. ورواية «فَبَرَزَت».\nفأما رواية «فردَّدَتْ» بدالين أحدهما مشدَّد فهي تناسب تسكين التاء، أي قالت كلامًا جعلتني به مترددًا، أي متحيرًا في نفسي في تدخلي في شأنها، ويجوز ضم التاء أيضًا، أي فَرَدَّدتُ نفسي بكلامها، أي ترددت في أني محقٌّ فيما لمتها عليه.\nوأما رواية «فرددت» بدالين دون تشديد فتناسب ضم التاء لا غير، أي فأجبتُ، أي أجبتها بكلام، أجْمَل ذكره هنا.\nورواية الدال الواحدة تناسب سكون التاء لا غير، أي ردت عليَّ بكلام لم يحضره حين حدَّث بهذا الحديث، أي قالت لي [٧: ١٩٦، ١٠]: (فلم يبق إلا أن تدْخُل بين رسول الله - ﷺ - وأزواجه) وكلامًا آخر من الردِّ مثل أن تقول له: أقبل على شأنك أو نحو ذلك.\nوأما رواية «فَبَرَزْتُ» فهي بمعنى فخرجتُ، ووقع في كتاب التفسير «فأخَذَتْني والله أخذًا كسرتْني به عن بعض ما كنتُ أجد»، أي كنت زائدًا في اللوم لولا أنها رَدَّتني بكلامها.\nوهذا اللفظ لم يذكر في المشارق ولا في النهاية ولا وفاه الشارحون حقه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>باب لبس القسي</span>\nوقع فيه حديث البَرَاء بن عازب [٧: ١٩٥، ٧]:\n(نهانا النَّبيُ - ﷺ - عن المياثر الحُمر).\nوصف «الحُمر» خرج مخرج الغالب؛ لأن المياثر كانت تتخذ من اللون الأحمر، وليس للألوان تأثير في الأحكام الشرعية.","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>باب قصّ الشارب</span>\nفيه قول البخاري [٧: ٢٠٥، ٢٠]:\n(حدَّثنا المكِّي بن إبراهيم عن حنظلة عن نافع قال أصحابُنا عن المكَّي عن ابن عمر ...) إلخ.\nمعنى هذا أن البخاري روى الحديث عن المكي عن نافع مرسلًا عن النبي - ﷺ -، فاستشهد لسنده بأن أصحابه، أي أصحاب البخاري رووه عن المكي بسنده إلى نافع عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -. فقوله: «قال أصحابنا» تعليق.\nواختصر البخاري العبارة فتردَّد الشارحون في فهمها ... ولا ينبغي أن يُفهم غير ما قررته، وهو مختار ابن المُلقِّن شيخ ابن حجر.\nواعلم أن ممَّن عناه البخاري «بأصحابنا» يعقوب بن سفيان، كما سيشير إليه في باب الجعد [٧: ٢٠٧، ٩] بُعَيد هذا.\n* * *","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>كتاب الأدب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>باب من أحق الناس بحُسن الصحبة</span>\nفيه قول أبي هريرة [٨: ٢، ١٠]:\n(جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: من أحقُّ الناسِ بحسن صحابتي؟ قال: «أُمُّكَ» قال: ثمَّ من؟ قال: «ثمَّ أمُّك» قال: ثمَّ من؟ قال: «ثمَّ أمُّك» قال: ثمَّ من؟ قال: «ثمَّ أبوك»).\nهذا الحديث أخرجه مسلم، وأخرج أبو داود والترمذي قريبًا من لفظه، وكلها راجعة إلى معاوية بن حَيْدَة القشيري راوي الحديث عن النبي - ﷺ -، وهو السائل كما في جامع الترمذي.\nوقد أهمل العلماء تحقيق الكلام على معنى هذا الحديث فذهب أكثرهم إلى أنه رجع جانب الأم على جانب الأب في البِرِّ، حتى قال جماعة منهم أبو بكر بن العربي في العارضة وابن بطال في شرح البخاري وابن عطية في تفسير قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلَى وهْنٍ﴾ الآية في سورة لقمان، إلى تحديد ذلك بتكسير البر إلى أربعة كسور ثلاثة منها للأم وواحد للأب، وهذا عجيب من أمثالهم.\nوقد ذكر شهاب الدين القرافي في الفرق الثالث والعشرين كلامهم، وأورد عليه شكوكًا، كأنه يحاول إرجاع هذا اللفظ النبوي إلى نوع المتشابه، ثم أوله بأن المقصود منه إظهار تأكيد حق الأم في البرِّ ثم أتى بكلام تشمُّ منه حيرته في ذلك.\nوالذي يجب الاعتماد عليه: أن هذا الحديث إذا كان قد حكاه الراوي بلفظ النبي - ﷺ - دون تصرف، فمعناه وتأويله: أن النبي - ﷺ - علم من السائل أنه يرمي إلى الإذن منه بحسن صحبة غَيْر أمه، على ما جرت به عادة أهل الجاهلية من التسامح في برِّ الأم بما للأبناء من إدلال عليها، وبما وُقر في نفوسهم من الإقبال على جانب الأب لاعتزازه بالرجولة والبطولة، فأراد النبي - ﷺ - أن يظهر له الاهتمام بجانب الأم للحذر من التفريط في حقها، فلا يقتضي الحديث إلا الاهتمام بها، وأنها جديرة بالبرِّ مثل الأب قَلْعًا لآثار الجاهلية من نفوس المسلمين، فالأبوان في البرِّ سواء، كما أشار له قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي ولِوَالِدَيْكَ﴾، وقوله: ﴿ووَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾، وقوله:","vol":"1","page":228},{"text":"﴾ وصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ فسوى بينهما فيما أمر به، وعلى هذا يكون مساق الحديث نظير مساق قوله تعالى في سورة لقمان: ﴿ووَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلَى وهْنٍ وفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ﴿؛ إذ علل الوصاية بهما بذكر موجبات هي مختصة بالأم إيقاظًا للأبناء عن الغفلة عن جانب الأم؛ لأنه معرَّض للغفلة؛ وبذلك يتضح سر جمعهما في الوصاية بهما مع تخصيص للتعليل لما هو من شؤون الأم، ثم جمعهما في الأمر بالشكر لهما في قوله عقب التعليل: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي ولِوَالِدَيْكَ ﴿.\nومما يزيد هذا كشفًا أن برَّ الأم وبرَّ الأب لا يتعارضان غالبًا، فالخشية إنما هي من الاشتغال ببرِّ أحدهما عن برِّ الآخر وهو الجانب الضعيف.\nفأما إذا عرض تعارض بين حق الأبوية في البرِّ مثل أن يأمر أحد الأبوين ولده بعكس ما يأمره به الآخر، فهنا عليه أن يسعى في إرضائهما معًا أو التوفيق بين أمريهما، فإن أمكن له ذلك فذاك، وإلا فهو من تعارض الدليلين دون إمكان الجمع، فيجب الوقف. وعلى هذا جاء قول مالك للذي قال له: إن أبي في السودان كتب إليَّ أن أَقدِمَ عليه ومنعتني أمي، فقال له مالك: أطِع أباك ولا تعْصِ أمك، ذكره القرافي في الفرق الثالث والعشرين عن مختصر الجامع.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>باب إجابة دعاء مَنْ بَرَّ والديه</span>\nوقع فيه قول النبي - ﷺ - فيما يحكيه [٨: ٣، ١٣]:\n«اللَّهمَّ إنَّه كان لي والدان شيخانِ كبيرانِ».\nكذا وقع في النسخ التي علق عليها الشارحون، ورأيت في نسخة صحيحة من صحيح البخاري «شيخين كبيرين» بالنصب على الحال بخط أبي علي الصدفي.\n* * *\nووقع فيه [٨: ٣، ١٦]:\n(كَما كُنتُ أحلُبُ).\nوهو بضم اللام وبكسرها.\n* * *","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>باب فضل صلة الرحم</span>\nفيه حديث أبي أيوب [٨: ٦، ٤]:\n(أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، أخبرني بعملٍ يدخلني الجنَّة، فقال القوم: ما له، ما له؟ ! فقال رسول الله - ﷺ -: «أربٌ ما له: تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصَّلاة، وتؤتي الزِّكاة، وتصل الرَّحم، ذرها»، قال: كَأَنَّهُ كَانَ عَلَ رَاحِلَتِهِ).\nلم يتبين الشارحون وجه قول القوم: «مَا لَه، مَا لَه؟ !».\nوأقول: إن قوله: «ذَرْهَا» يسفر عن وجه ذلك؛ بأن يكون هذا الرجل قد اعترض النبي - ﷺ - في سيره وأخذ بزمام راحلته، فقال القوم: «مَا لَه، مَا لَه؟ !» يعني حيث لم يُمْهِلْ حتى ينزل النبي - ﷺ - في بعض منازله فيسأله.\nوالظاهر أن الرجل كان من جملة القافلة، وجواب النبي - ﷺ - للقوم لدفع تعجبهم، أي أنه ما فعل ذلك إلا لِأَرَبٍ عظيم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>باب المِقَةِ من الله</span>\nفيه حديث أبي هريرة [٨: ١٧، ١٣]:\n(عن النَّبيَّ - ﷺ - أنَّهُ قال: «إذا أحبَّ الله عبدًا نادى جبريل إنَّ الله يحبُّ فلانًا فأحبَّهُ فيُحبُّه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إنَّ الله يُحبُّ فلانًا فيُحبُّه أهل السَّماءِ، ثمَّ يوضع له القبول في أهل الأرض»).\n* * *\nترجمة البخاري بـ «باب المقة في الله» ليشير إلى أن المراد بالقبول في أهل الأرض هو المحبة في ذات الله تعالى، كما ورد في الحديث الآخر في علامات الإيمان [١: ١٢، ٤]: «وأن يحبَّ المرءَ لا يُحبُّهُ إلاَّ لله».\nفالمراد بالقبول أن تقبل عليه نفوس الناس وقلوبهم. والمراد بالناس المؤمنون الكاملون.","vol":"1","page":230},{"text":"وهذا القبول هو الذي أعطاه الله الرسل وأهل الخير من الصالحين ومن سبق لهم الهدى. وهو الذي لا سبب له من إحسان وقرابة وغيرهما، ولا معارض له من خصام أو شنآن كالحرب وغيره؛ فإن الكافرين كانوا لا يحبون الرسول - ﷺ - كما قال تعالى: ﴿وإذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ إلى قوله: ﴿إن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وإن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ وقال: ﴿إن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وإن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ الآية.\nويشرح هذا حديث هند بنت عتبة حين أسلمت؛ إذ قالت لرسول الله - ﷺ -[٥: ٤٩، ١٧]: (ما كان أهل خباء أحبَّ إليَّ أن يذلُّوا من أهل خبائك، واليوم ما أهل خباءٍ أحبُّ إليَّ أن يَعِزُّا من أهل خبائك).\nووقع في بعض روايات هذا الحديث في غير الصحاح: «وإذا أبغض الله عبدًا نَادى جِبريل ...» إلخ، مثل: حديث المحبة: «.... فيبغضه أهل الأرض»، والظاهر أنها زيادة باطلة؛ لأن المشاهدة تنافيها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>باب ما يكره من التمادح</span>\nفيه حديث أبي بكرة [٨: ٢٢، ٧]:\n(أنَّ رجلًا ذُكِرَ عند النَّبيِّ - ﷺ - فأثنى عليه رجلٌ خيرًا، فقال النَّبيُّ: «ويحك قطعت عُنُق صاحبك»).\nوفي حديث أبي موسى [٨: ٢٢، ٦]: («قطعتُمْ ظهرَ الرَّجُلِ»).\nهذا من بليغ الكلام النبوي، ولم أعرف سابقًا له في كلام العرب، فهو مما انفرد به الرسول - ﷺ -، وهو تمثيل بديع؛ لأن فيه تشبيه الهيئة الحاصلة من ثناء الرجل على الآخر، وما يحصل للممدوح إذا كان حاضرًا أو إذا بلغه ذلك من الازدهاء والإعجاب بالنفس فيظن نفسه بلغت الكمال، فإن كان الثناء صادقًا ربما عاد عليه بضُرِّ الزهادة في طلب الكمال، أو التفريط في بعض ما عنده من المحامد، وإن كان في الثناء مبالغة، أي كان بأكثر مما في الممدوح فذلك يغرُّ ويُخيَّل إليه أنه ساوى الكُمَّل فيريد أن يجري في مضمارهم ويسمو إلى طبقتهم عن غير جدارة فيظهر سقطه.\nوكل ذلك تشبيه هيئته بهيئة راكبٍ فرسًا يلحُّ عليه بالركض ويستزيده الجري","vol":"1","page":231},{"text":"بنحو المسح على رقبته والتذبذب له بالسوط والكلام المعتاد، فإن كان جوادًا أوسع في السير حتى يتجاوز حدَّ طاقته فيوقعه ذلك في تقطيع أوصال عنقه أو ظهره؛ إذ هما آلة حركة سير الخيل وفيهما تظهر آلام شدة الإعياء على الدَّابة، أي فيهجن ويصيرُ فِسْكِلًا بعد أن كان جوادًا؛ وإن كان الفرس غير جواد فقد كلفه ذلك التلطف به ما ليس في وسعه فلا يلبث أن يحسر عنه ويظهر إعياؤه.\nولذلك كله عبَّر في التمثيل مرة بالعنق ومرة بالظهر رمزًا إلى المشبه به؛ لأن العرب يقولون للفرس الجواد: تقطعت أعناق الخيل عليه فلم تلحقه، وهو مبالغة.\nولذلك كله عبَّر في التمثيل مرة بالعنق ومرة بالظهر رمزًا إلى المشبه به؛ لأن العرب يقولون للفرس الجواد: تقطعت أعناق الخيل عليه فلم تلحقه، وهو مبالغة.\nومن كلامهم: فلان تُقَطَّع إليه أعناق الإبل، أي يسارع الناس في الرحلة إليه، وقد قال عمر ذلك في حق أبي بكر - ﵁ - حين ذكر بيعته في بعض خطبه.\nوهذه الاستعارة تمثيلية مكنية، ثم إنك إذا اعتبرت فيها حضور الممدوح أو تقدير بلوغ المدح إليه، فالتمثيل صالح لأن يجعل فيه كل جزء من أجزاء الهيئة المشبهة مشبهًا بجزء من أجزاء الهيئة المشبه بها، وهو أحسن صفات الاستعارة التمثيلية: أن تكون صالحة للجمع والتفريق في التشبيه؛ وإن كان الممدوح غير حاضر ولا خطر بالبال بلوغ ذلك إليه حين النطق بها، فالتمثيل لحال المادح فقط ولا يجعل التشبيه فيه مفرق الأجزاء.\n* * *\n[٨: ٢٢، ٨]: («إن كان أحدكم مادحًا لا محالة فليقل: أحسب كذا وكذا»).\nلأن في ذكر فعل الحسبان إشعارًا بأنه إنما مدحه بما بدا له من ظاهر حاله، ففيه احتراس؛ وذلك ينبه الممدوح إلى محاسبة نفسه على محامده ونقائصه.\n* * *\n[٨: ٢٢، ١٠]: («ولا يُزكَّى على اللهِ أحَدٌ»).\nفائدته: أنه لما ذكر ما يدلَّ على عدم العلم ببواطن الأمور أو بعواقبها وتفويضه إلى علاَّم الغيوب، ففيه زيادة تنبيه الممدوح إلى تذكر نقائصه وتنبيهه إلى الجهل بعواقب انتقاص محاسنه ليحرص على إقلال الأولى ويدأب على الاستكثار من الثانية.\nوفي هذا التأديب تربية للأمة على الصدق، وتوخِّي الحقائق، وطرح المبالغات","vol":"1","page":232},{"text":"والمجازفة، ودحض الغرور؛ وذلك من أصالة الرأي، وحكمة معرفة الحقائق.\nوبهذا تعلم أن ليس كلام الرسول - ﷺ - خاصًّا بالمدح المخالف للواقع كما خصه به بعض شراح صحيح مسلم.\nففي الإكمال لعياض: «قال أهل العلم: هذا كله في التفاوت في المدح ووصف الإنسان بما ليس فيه أو لمن يخشى عليه العجب والفساد بسماع المدح؛ وإلا فقد مدح رسول الله - ﷺ - ومدح غيره بحضرته بالنثر والنظم فلم يُنكر». اهـ.\nوقد روي: «ولا يُزَكِّي على الله أحدًا» بالبناء للمعلوم ونصب «أحدًا»، أي يزكي أحدكم إن كان مادحًا أحدًا بما يدل على الجزم واليقين؛ لأن باطنه لا يعلمه إلا الله، فمن زكاه فقد زكَّى على الله، أي أخبر بما شأنه أن لا يخبر به إلا الله تعالى، فضمن «يزكِّي» معنى (يتقول).\nوروي بالبناء للمجهول ورفع «أحد» على أنه نائب فاعل، وهي بمعنى الأولى؛ ولكن على هذه الرواية تحتمل أن تكون هذه الجملة معطوفة على «أحسب»، فتكون من المقول، وأن تكون معطوفة على «فليقل».\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>باب الهجران</span>\nوقع فيه قول عوف بن الطُّفَيْل [٨: ٢٥، ٩]:\n(فَأَقْبَلَ به المسور وعبد الرَّحمن ابن الأسود مُشتملين بأرديتهما).\nذكر هذه الحال ليدلَّ على أنهما لبسا رداءيهما لئلا يظهر شخص ابن الزبير من ورائهما حين يدخلان به على عائشة - ﵁ -.\nوالاشتمال: الالتفاف بالثوب، أي إدارته على البدن كله بحيث لا يخرج منه يديه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>باب ما يجوز من الهجران لمن عصى [</span>٨: ٢٦، ٤]\nالظاهر أن قوله: «لِمَنْ عَصَى» ذكر في الترجمة سهوًا ليظهر وجه دخول حديث عائشة في قولها: «لا أهجر إلا اسمك» تحت الترجمة، فيكون الهجران الجائز نوعين: نوع هو الهجران المعروف، وهو جائز لمن عصى. ونوع هو مغاضبة وليس بهجران،","vol":"1","page":233},{"text":"وهو ما وقع من عائشة - ﵁ - مع رسول الله - ﷺ -، ويكون محل الاحتجاج قولها: «لا أهجر إلا اسمك» حيث نفت أن يكون ذلك هجرانًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>باب الحياء</span>\nفيه قول بُشَيْر بنُ كَعْب العدوي لعمران بن حصين [٨: ٢٥، ٩]:\n(مكتُوبٌ في الحكمةِ ...) إلخ.\nوقول عمران له [٨: ٣٥، ١٠]:\n(أُحدِّثك عن رسول اللهِ - ﷺ - وتُحدِّثُني عن صحيفتك).\nلم يبين أحد ما هذه الصحيفة التي فيها الحكمة، ولعلها أوراق جمعها بُشَيْر بن كعب أثبت فيها حِكَمًا مأثورة عن العرب وغيرهم، أو لعلها مما ترجم إلى العربية من كتب بني إسرائيل مثل أمثال سليمان وجماعته.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>باب إكرام الضيف</span>\nوقع فيه قول البخاري [٨: ٣٩، ت ١]:\n(وهو زورٌ وهؤلاء زورٌ وضيفٌ، ومعناهُ أضيافُه وزوَّارهُ لأنَّها مصدرٌ، مثل: قومٍ، رضًا، وعدلٍ).\nيعني أن قولهم: «زور» ليس من أسماء الجموع الواردة على وزن فَعْل مثل: سَفْر ورَكْب وصَحْب وشَرْب، بل هو من المصدر الواقع وصفًا وحذف موصوفه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>باب ما يجوز من الشِّعر</span>\nوقع فيه قول رسول الله - ﷺ -[٨: ٤٤، ٤]:\n«إنَّهُ لجاهدٌ مُجاهدٌ».","vol":"1","page":234},{"text":"معنى «جاهد» أنه جادٌّ في الخير. وفعله: جَهَد يَجْهَد كمنع يمنع.\n* * *\nووقع فيه قول أبي قِلابة [٨: ٤٤، ٧]:\n(فتكلَّمَ النَّبيُّ - ﷺ - بكلمةٍ لو تكلَّم بها بعضكم لعبتموها عليه، قولهُ: «سوقَكَ بالقواريرِ»).\nأراد أبو قلابة أن أهل العراق قد ضعفت ملكة اللسان فيهم وصاروا لبعدهم عن استعمال العرب وبلاغتهم يستثقلون الأفانين الكلامية لعسر فهمها عليهم، والنوادر المروية في ازدراء أهل العراق بالنحاة وقواعد النحو كثيرة في كتب الأدب. وهذا نظير ما يتشدِّق به بعض المتطفَّلين على صناعة الإنشاء في تونس في هذا العصر من ذمهم السجع، وإنحائهم على الأدب القديم، وعدِّهم ذلك عيبًا.\n«والذنب للعين لا للنجم في الصِّغر».\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>باب قول الرجل: ويلك</span>\nفيه قول أنس [٨: ٤٨، ١٥]:\n(فمرَّ غلامٌ للمغيرة وكان من أقراني فقال: «إن أخِّر هذا فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة»).\nسلك رسول الله - ﷺ - في شأن توقيت الساعة مع السائلين عنها مسلك الأسلوب الحكيم الرمزي ليجدوا في العمل الصالح ولا يتكلوا على طول المدة؛ فأراد بالساعة في أجوبتهم منتهى عمر أحدهم أو منتهى الجيل الذي هو فيه. فقوله في شأن هذا الغلام قد كان ذلك بوحي: أن ذلك الغلام يعمَّر؛ لأن مجرد كونه أحدثهم سنًّا لا يكفي في صدق الخبر الصادق، فلا بد مع ذلك من كونه مقدرًا طول عمره، وإنما اختار أحدثهم سنًّا ليكون العمر تامًّا، فتستوعب مدته مُدَته أعمار أهل جيله باعتبار أطولهم عُمُرًا، ويُعلم منه أنه لا يكون أترابه أطول منه عُمُرًا.\n* * *","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>باب «لا يقل: خَبُثَت نفسي»</span>\nفيه قول رسول الله - ﷺ -[٨: ٥١، ٨]:\n«لا يقولنَّ أحدكم: خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي».\nيظهر أن وجه كراهية لفظ الخبث دون مرادفه هو أنَّه قد شاع استعمال الخبث في القذر والنجاسة، فصار مشتملًا على كراهة السمع كما قالوا في قول الرضي: «مقاعد العُواد».\nولما كان المقصود من قول الرجل: «خبثت نفسي» الخبث المعنوي كان الأولى التعبير عنه بلفظ غير مشهور في الخبث الحسيِّ تباعدًا عن الكراهة في السمع بقدر الإمكان.\nهذا، والأظهر عندي أن (لقِس) ليس بمعنى خبُث، ولكنه بمعنى ساء، وهو سوء الخُلُق؛ فليس مرادفًا لِخبُث كما هو ظاهر كتاب لسان العرب؛ وبذلك يظهر وجه اختيار «لقست» على «خبثت».\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>باب اسم الحَزْن</span>\nفيه قول حزن بن أبي وهب [٨: ٥٣، ٨]:\n(لا أغيِّرُ اسمًا أسمانيهِ أبي).\nقال ذلك لأنه علم أن مراد رسول الله - ﷺ - من قوله له: «أنْتَ سَهْل» أنه يريد تغيير اسمه، وأنه يخيره في ذلك ولم يعزم عليه، فكان له أن لا يقبل أفضل الاسمين، ولا يقدح ذلك في إيمانه ولا في أدبه مع رسول الله - ﷺ -، ولكنه حُرم بركة اسم اختاره له النبي - ﷺ -.\nوقول سعيد بن المسيب: «فما زالت الحُزونة فينا» علم سعيد أن تأثير مسمى الاسم في جدِّه كان تأديبًا من الله له حيث أعرض عن الاسم المختار له فصارت الحُزونة خُلقًا له، وبقيت موروثة في بنيه.","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>باب قول الرجل للشيء: ليس بشيء [</span>٨: ٥٨، ١١]\nتنظيره ذلك بقول النبي - ﷺ - للقبرين [١: ٦٥، ٤]: «يُعذَّبان بلا كبير وإنَّه لكبيرٌ» هو أن النفي وراد على حالة والإثبات وارد على حالة أخرى، فكما صحَّ ذلك بين خبرين كما في اللفظ النبوي يصح ذلك بين خبر وبين نسبته الخارجية المستقرة في نفس الأمر لظهور انتفاء الكذب؛ فيكون قرينة على أن المراد أنه ليس بشيء، أي ليس بشيء كامل وهو الحق.\n* * *","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>كتاب الاستئذان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>باب السلام اسم من أسماء الله تعالى</span>\nفيه حديث عبد الله بن مسعود [٨: ٦٣، ٢٠]:\n(كنَّا إذا صلَّينا مع النَّبيِّ - ﷺ - قلنا: السَّلام على الله قبل عباده، السَّلام على جبريل، السَّلام على ميكائيل، السَّلام على فلانٍ، فلمَّا انصرف النَّبيُّ - ﷺ - أقبل علينا بوجهه فقال: «إنَّ الله هو السَّلام فإذا جلس أحدكم في الصَّلاة فليقل: التَّحيَّات لله ...») إلخ.\nيظهر منه أن النبي - ﷺ - علَّمهم أن يحيُّوا في تشهدهم الله تعالى والملائكة، فوضعوا كلمات اصطلحوا عليها فقالوها أو قالها بعضهم، فلما سمعها النبي - ﷺ - قال لهم ما قال وعلَّمهم ما يقولون.\nفقوله - ﷺ -: «إن الله هو السلام» صدر مصدر التخطئة لهم في قولهم: «السلام على الله» بقرينة قوله بعده: «فليقل: التحياتُ للهِ» ... إلخ.\nويشكل هذا إشكالًا عظيمًا؛ لأنه إذا كان لفظ «السلام» مستعملًا في كلام العرب بمعنى التحية فلا يظهر وجه للعدول عنه إلى لفظ التحية مع أنهما مترادفان في الاستعمال، وكون السلام اسمًا من أسمائه تعالى لا يقتضي عدم إطلاقه على معنى التحية لله، غاية ذلك أنه من استعمال المشترك في بعض معانيه؛ وذلك ليس بعزيز في استعمال اللفظ المشترك وليس هناك تعارض؛ بمعنى لا يليق بالله تعالى حتى يكره لأجله هذا الاستعمال.\nوقد سكت الكاتبون عن بيان معنى هذا الحديث، والذي بدا لي في دفع هذا الإشكال: أن لفظ «السلام» الواقع في التحية لا يتعدى إلا بحرف (على)، فهو منقول من المصدر الذي هو بمعنى الأمن والمسالمة الذي جعل نائبًا عن الفعل لإنشاء التحية، فأصله أن المار بقوم يؤمنهم من بأسه فيقول لهم: السلام عليكم، أي عليكم الأمان، وإن العرب كانوا أهل حرب وترات، فإذا رأى أحدهم أحدًا لا يعرفه لم يدْر ماذا يلاقي منه، فاصطلحوا أن يقولوا: السلام عليكم، تأمينًا من بعضهم لبعض، فكان قولهم: «السلام على الله» موهمًا بأصل تركيبه: أن قائله","vol":"1","page":238},{"text":"يؤمِّن الله تعالى، والله قوي عزيز، فلذلك كره لهم هذا القول.\nوذلك هو معنى تعليل النهي بقوله: «إن الله هو السلام»، أي أن الله هو الذي يؤمِّن الحائفين، فالأمان كله منه، فاختار لهم الرسول - ﷺ - من صيغ التحية قول: «التحيات لله»؛ لأن أصل وضعه أنه دعاء للمخاطب بالحياة؛ لأنهم كانوا يقولون: حيَّاك الله، وأحياك الله، ثم أطلقوا مصدر حيَّاهُ، وهو التحية عِوضًا عن الفعل، ثم نقلوه إلى إنشاء التعظيم والتكريم، ولما أريد دفع إيهام أن يكون المقصود الدعاء لله بالحياة المستلزم أنه محتاج إلى الدعاء كسائر من يخشى الموت عُدي باللام الدالة على الاستحقاق ليكون متعينًا لمعنى التعظيم، أي أن التحيات كلها مختصة بالله حقيقة؛ لأنه أهل التعظيم المطلق؛ فكان هذا اللفظ موفيًا بواجب الأدب مع الله ومنتفيًا عنه إيهام احتياج الله إلى تأمين خلقه إياه؛ فهذا وجه الفرق بين الصيغتين من جهة أصل الوضع ومن جهة التفاضل في الاستعمال.\nوهناك وجه آخر لترجيح صيغة «التحيات لله» على صيغة «السلام على الله»، وهو أنَّ كلتا الجملتين وإن كانتا مستعملتين في إنشاء التعظيم والتكريم إلا أن الإنشاء الذي في قولهم: «السلام على الله» فيه شائبة الإكرام والمنَّ؛ لأن أصل وضعه أنه إنشاء أمان، فاستعماله في إنشاء الإكرام مشعر بأنه إكرام الأكفاء بعضهم بعضًا، بخلاف صيغة «الحيَّات لله» فإن أصلها لإنشاء الدعاء بالحياة؛ وذلك مشعر بأن حياة المدعو له نافعة مرغوب فيها، كما قال النابغة:\nفإن تحيا لا أملل حياتي وإن تمت ... فما في حياة بعد موتك طائل\n\nفإذا نقل إلى إنشاء التعظيم كان مشعرًا بأنه تعظيم من الدُّون إلى الأعلى، ففيه مناسبة للعظمة الإلهية لا سيما بعد قرنه بلام الاستحقاق، فصار بمنزلة صيغة الحمد التي أُمرنا بها، وهي «الحمد لله».\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>باب التسليم والاستئذان ثلاثًا</span>\nفيه قول أُبَيَّ بن كعب لأبي موسى الأشعري [٨: ٦٧، ١٦]:\n(والله لا يقومُ معكَ إلا أصغرُ القوم).\nأراد بذلك إنباء عمر بن الخطاب بشهرة حديث الاستئذان ثلاثًا، وإلا رجع شهرة","vol":"1","page":239},{"text":"بين الأنصار بحيث علمه صغارهم بله كبارهم، وفي شبه عتاب على ما صنعه عمر من تخريج أبي موسى حتى ألجأه إلى تطلب البيَّنة على ما رواه عن النبي - ﷺ -، ويدل لذلك ما في صحيح مسلم أن أبا موسى أخبر عمر أن أُبَيَّ بن كعب يشهد بذلك وأن عمر سأل أُبَيًّا فشهد أُبَيُّ لأبي موسى ثم قال لعمر: لا تكن عذابًا على أصحاب رسول الله.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارَّة</span>\nوقع فيه قول رسول الله - ﷺ -[٨: ٨٠، ١١]:\n«إذا كنتم ثلاثةً فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتَّى تختلطوا بالنَّاس أجل أن يحزنهُ».\nقوله «أجْلَ» بالنصب على نزع الخافض، أي من أجل، كما صرح به صاحب الكشاف عند قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ﴾. ومنه قول عدي بن زيد:\nأجْلَ أن الله قد فضَّلكم ... فوق من أحْكَأ صُلبًا بإزار\n\nأي فوق من شدَّ صلبه بإزار، أيْ فَوْق كل رجل.\n* * *","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>كتاب الدعوات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>باب الضجع على الشِّقِّ الأيمن [</span>٨: ٨٤، ١٣]\nإدخاله في أبواب كتاب الدعوات، لعله رأى أن الاضطجاع على الشق الأيمن من خصال دعاء النوم مثل رفع اليدين عند الدعاء؛ ولذلك أخرج فيه حديث اضطجاع النبي - ﷺ - بعد صلاة الفجر؛ لأن أحوال الرسول دعاء، وسيترجم البخاري أيضًا: «بباب وضع اليد اليمنى تحت الخد» [٨: ٨٥، ١٣]، و«باب النوم على الشق الأيمن» [٨: ٨٤، ١٣].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>باب التكبير والتسبيح عند المنام</span>\nوقع فيه قول علي - ﵁ -[٨: ٨٧، ٧]:\n(فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبتُ أقوم فقال: «مكانك»).\nروي - بفتح كاف الخطاب - وهو ظاهر، وبكسرها على أن الخطاب لفاطمة - ﵁ - لا قول علي «وَقَدْ أخذْنَا مَضَاجِعَنَا» يعني نفسه وفاطمة، فيكون الرسول - ﷺ - قال لكليهما: «مكانك» فحكاه عليٌّ مرة بالفتح ومرة بالكسر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>باب التعوذ من عذاب القبر</span>\nوقع فيه قول عائشة - ﵁ -[٨: ٩٨، ٢]:\n(فما رأيتهُ بعد في صلاةٍ إلاَّ تعوَّذ من عذاب القبر).\nأي أنها لما سمعت ذلك من رسول - ﷺ - صارت تلقي بالها إلى ذلك فتسمعه، ولم تكن قبل ذلك تلقي إليه بالًا كشأن كل من يتفطَّن لأمر أنه يكثر عروضه له بعد التفطن له، وليس المراد أن رسول الله - ﷺ - صار يتعوذ من عذاب القبر لأجل قول اليهودية.","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>باب الدعاء للمتزوج</span>\nوقع فيه قول أنس - ﵁ -[٨: ١٠٢، ١١]:\n(أو قال: مَهْ).\nأي على أن (ما) استفهامية وقف عليها، فحذفت ألفها لكونها – أي (ما) – مركبة من حرف صحيح واحد وألف مَدَّة، فَحَذْف هذه الألف في الوقف وتعويضها بهاء أجدر فيها منه في حالة جرها باسم مضاف إليها، لاشتراك الحالين في عدم اتصال حرف بـ (ما) مع عدم اقتضاء عامل لها في هذه الحالة، وهذا لم يذكره النحاة وهو مهمٌّ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>باب فضل ذكر الله تعالى</span>\nوقع فيه حديث أبي هريرة قول رسول الله - ﷺ - فيما يرويه عن ربه [٨: ١٠٨، ١٣]:\n«هُمْ الجُلساء لا يشقى بهمْ جليسُهُمْ».\nأي لا يكون جليسهم دونهم؛ لأن التميز على الجليس في المجلس يؤذيه، فعبر عنه بالشقوة؛ لأن أصل الشقوة أنها ضد السعادة، فهي عدم الإسعاد وعدم الملاءمة.\nوقوله: (لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» تركيب جرى مجرى المثل، هو ونظائره مما فيه فعل الشقاوة، وهو في الأصل أنهم لا يكونون سببًا في تعب جليسهم وإعناته وأذاه؛ لأن أصل الباء بعد فعل (شقي) أن تكون للسببية، كقول الطِّرِمَّاحِ:\nوإني شقي بالأنام ولا ترى ... شقيًّا بهم إلا كريم الشمائل\n\nثم توسع فيها فجعلت الباء لمعنى الملابسة، كما في قوله تعالى: ﴿ولَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًا﴾، أي لم أكن شقيًّا مع دعائك، أي لم أعهد عدم استجابة دعائي، فالشقاوة في باب الدعاء هي خيبته وعدم استجابته.\nوكذلك أصل «لا يشقى بهم جليس» أنهم لا يكونون سببًا في أذاه وشقوته، ثم توسع فيه فصار يطلق بمعنى انتفاع جليسهم بهم على وجه الكناية، بناء على أن السلامة من الأذى إكرام، قال الشاعر:\nوكنتُ جليس قعقاع بن شَوْر ... ولا يشقى بقعقاع جليس","vol":"1","page":242},{"text":"أراد أن جليسه مكرَّم سعيد، فجرى هذا التركيب مجرى المثل في هذا المعنى.\nولذلك صار معناه أنهم لا يختصون عن جليسهم بمزية ولا يستأثرون عليه بخير، فلما أكرمهم الله بالمغفرة أكمل لهم الكرامة فلم يحرم منها جليسهم حتى لا تُثلم كرامتهم بحرمان جليسهم من المغفرة التي أعطوها، فكأنهم أهل مجلس دعاهم داع إلى مأدبة فلم يستثن من وجده جالسًا معهم.\nوالتعريف في «الجلساء» للتعظيم كقوله:\nهمُ القومُ كُلُّ القوم يا أم مالك\nوهو تمهيد لقوله: «لا يشقى بهم جليسهم»؛ لأن ذلك من توابع نهاية الكمال الذي يستحقون به مزيد الإكرام.\n* * *","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>كتاب الرقاق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>باب في الأمل وطوله</span>\nوقع فيه قول عبد الله بن مسعود [١١٠: ٨، ٢٠]:\n(وخط خططًا صغارًا إلى هذا الَّذي في الوسط من جانبه الَّذي في الوسط).\nيعني إلى جميع جانبه؛ لأن الراوي لم يقل إلى بعض جانبه، فيكون من الخطوط ما هو داخل في المربع ومنه ما هو خارج عنه ليتم التمثيل؛ لأن بعض الآمال يحصل في الحياة وبعضها تحول دونه الوفاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>باب ما يُتَّقَى من فتنة المال</span>\nفيه قول أُبَيِّ بن كعب [١١٥: ٨، ١٨]:\n(كنَّا نرى هذا من القرآن حتَّى نزلت ألهاكم التَّكاثر).\nالإشارة إلى قوله [١١٥: ٨، ١٦]: «لو أن لابن آدم واديًا من ذهب ...» إلخ.\nوقوله: «كنا نرى» إن ذلك صريح في أنهم ظنوا ذلك من تلقاء أنفسهم ولم يكن حاصلًا لهم بخير، ولا بما يقوم مقامه من قراءته مع القرآن في الصلاة أو نحو ذلك.\nويحتمل أنهم ظنوا ذلك؛ لأنهم سمعوا رسول الله - ﷺ - يكثر من ذكرها حتى أن عبد الله بن عباس - وهو من صغار الأصحاب، ولم يكن كثير الملازمة لرسول الله - ﷺ - لصغره - حدَّث أنه سمعه من رسول الله - ﷺ -، فيظهر أن تكرر سماعهم ذلك من رسول الله - ﷺ - مع عدم وجود ما هو بمعناه في القرآن أوجب ظنهم أنه من القرآن.\nوقوله: «حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾» غاية لقوله: (نَرَى)، أي فعند نزولها زال ذلك الظن وثبت أن ما ظنوه قرآنًا ليس من القرآن.\nولعل وجه ذلك أنهم لما سمعوا ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ أدركوا بلوغ تلك الآية حدَّ الإعجاز في البلاغة بما فيها من إيجاز وغيره، فتفطنوا لخلو قوله: «لو أن لابن آدم","vol":"1","page":244},{"text":"واديًا من ذهب ...» إلخ، عن مثل ذلك الإعجاز بظهور موازنته بما هو بمعناه، فإن التفاوت بين المتماثلات من وجوه التمييز، فكان قوله: «لولا أن لابن آدم واديًا من ذهب ...» إلخ، كلامًا تمكن معارضته فعلموا أنه ليس بقرآن.\nويحتمل أنهم لما سمعوا ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ واهتدوا للفرق بين الكلامين في البلاغة استثبتوا من رسول الله - ﷺ - ذلك فأخبرهم بأنه ليس بقرآن.\nواعلم أن الجمهور على أن سورة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ مكية، فيقول أُبَيُّ، وهو من الأنصار، حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ معناه أنها نزلت بمكة قبيل الهجرة، وكان الأنصار يومئذ قد أسلموا، وكانوا يستقرئون القرآن، ويتتبعون أقوال الرسول -﵊ - حين يذهبون إليه بمكة، أو يأتيهم بذلك من يقرئهم، مثل مصعب بن عمير والمهاجرين الأولين قبل هجرة رسول الله - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>باب المكثرون هم المقلُّون</span>\nوقع فيه قول المؤلف [١١٧: ٨، ١٠]:\n(قال أبو عبد الله: حديث أبي صالحٍ عن أبي الدَّرداء مرسلٌ لا يصحُّ إنَّما أردنا للمعرفة، والصَّحيح حديث أبي ذرٍّ).\nهذا الكلام ساقط من معظم النسخ، وثبت في بعضها، والوجه حذفه؛ لأنه إنما ثبت في بعض الأصول مع ذكر حديث أبي الدرداء، فلذلك قال فيه: «إنما أردنا للمعرفة»، وحُذِفَ حديث أبي الدرداء في معظم النسخ، وبقي هذا الكلام الذي هو توهين له فصار كلامًا مبتورًا.\nوحديث أبي الدرداء رُوي من طريق عطاء بن يسار عن أبي الدرداء أنه سمع النبي - ﷺ - على المنبر: «﴿ولِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾»، فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ قال: «وإن زنى وإن سرق»، فأعاد، فقال في الثالثة: قال: «نعم، وإن رَغِمَ أنف أبي الدرداء». اهـ.","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>باب كيف كان عيش النبي - ﷺ </span>-؟\nوقع فيه قول البخاري [١١٩: ٨، ١٧]:\n(حدَّثني أبو نعيمٍ بنحوٍ من نصف هذا الحديث). اهـ.\nأشكل على الشارحين والمشتغلين بهذا الكتاب قوله: «هذا» لأنه لم يذكر الذي حدثه ببقية الحديث.\nوالظاهر أن البخاري سها فلم يعقب الحديث بذكر من حدَّثه ببقيته، وقد ذكر بعضًا منه في صدر كتاب الأطعمة [٨٧: ٧، ١٧]: عن يوسف بن عيسى عن محمد ابن فضيل عن أبيه عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: (أصابني جَهْد شديد فلقيِتُ عمر بن الخطاب فاستقرأته آية من كتاب الله فدخل داره وفتحها عليَّ فمشيتُ غير بعيد فخررت لوجهي من الجَهْد والجوعِ فإذا رسول الله - ﷺ - قائم على رأسي فقال: «يا أبا هريرة»، فقلت: لبَيَّكَ رسولَ الله وسعْدَيْك، فأخذ بيدي فأقامني وعرف الذي بي فانطلق بي إلى رحله فأمر لي بِعُسٍّ من لبن فشربتُ منه، ثم قال: «عُدْ فاشرب يا أبا هرٍّ»، فعُدت فشربت ثم قال: «عُد»، فعدت فشربت حتى استوى بطني فصار كالقدح، قال: فلقيتُ عمر وذكرت له الذي كان من أمري وقلت له: تولى الله ذلك من كان أحقَّ به منك يا عمر، والله لقد استقرأتك الآية ولأنا أقرأ لها منك، قال عمر: والله لأن أكونَ أدخلتك أحبُّ إليَّ من حُمْر النَّعَم).\nوذكر بعضًا منه في «باب إذا دعي الرجل فجاء» من كتاب الاستئذان، فقال [٦٧: ٨، ٢٠]:\n(حدثنا أبو نعيم ثنا عمر بن ذرٍّ وحدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله أخبرنا عمر بن ذرٍّ أخبرنا مجاهد عن أبي هريرة قال: دخلت مع رسول الله - ﷺ - فوجد لبنًا في قَدَح، فقال: «أبا هرٍّ الْحَقْ أهل الصفة فادْعُهم إليَّ»، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاسْتأذنوا فأذن لهم فدخلوا).\nفتعين أن الحديث اختصره في كتاب الأطعمة وفي كتاب الاستئذان وطوَّله في كتاب الرقاق [١١٩: ٨، ١٧]، ويكون حدَّثه أبو نعيم معظمه، وحدثه يوسف بن عيسى ومحمد بن مقاتل بقيته، وهو حديث واحد؛ لأن في الجزء الذي حدثه يوسف بن عيسى ذكرَ ما أصابه من الجَهْد، وذكر استقرائه الآية من عمر، ودخوله","vol":"1","page":246},{"text":"مع رسول الله - ﷺ - ووجدان القدح وشربه منه مرارًا.\nوفي الجزء الذي حدثه عن محمد بن مقاتل ذكر دخوله مع رسول الله، ووجدان قدح اللبن، ودعاء أهل الصفة ودخولهم.\nوفي الحديث المطول ذكر ذلك كله مع زيادة أنه استقرأ آية من أبي بكر، وذكر شرب أهل الصفة كلهم، وشرب أبي هريرة بعدهم، وشرب رسول الله - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>باب حفظ اللسان</span>\n[١٢٥: ٨، ٩]:\n(عن أبي شريحٍ الخزاعيِّ قال: سمع أذناي ووعاه قلبي النَّبيَّ - ﷺ - يقول: «الضِّيافة ثلاثة أيَّامٍ جائزته»، قيل: ما جائزته؟ قال: «يومٌ وليلةٌ»).\nفقوله - ﷺ -: «جائزته» ابتداء كلام، فيكون قد قال: «الضيافة ثلاثة أيام» ثم سكت ثم قال: «جائزته» تنبيهًا عليها واهتمامًا بها كيلا يتغافل الناس عنها.\nيعني أنها زيادة على الضيافة تكون بعدها زيادة في إكرام الضيف.\nفيجوز في قوله «جائزته» الرفع، وهو الأظهر، فيكون مبتدأ وسكت بعده النبي - ﷺ - تشويقًا إلى الخبر زيادة في الاهتمام بالمحافظة على الجائزة؛ فلذلك سألوه لأنهم ما سألوه إلا بعد أن سكت ولم يذكر خبرًا. فقول النحاة في تعريف الكلام: هو ما أفاد فائدة يحسن سكوت المتكلم عندها، مخصوص بغير مقام التشويق.\nويحتمل أن الجائزة كانت معروفة عندهم، وأن رسول الله - ﷺ - ذكرها على وجه التنبيه، فيقدر خبر، أي حائزته لازمة.\nوإنما سألوه عنها مع أنها معروفة، زيادة في الاستعلام لاحتمال أن يكون قد تغير مقدارها شرعًا.\nويجوز نصب «جائزته» على الإغراء، أي أعطوه جائزته، والسؤال لذلك السبب.\nوقد وقع هذا الحديث في الموطأ عن أبي شريح أيضًا بلفظ: «فَلْيُكْرم ضيفه جائزته يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام».\nوكذلك أخرجه البخاري في كتاب الأدب [٣٩: ٨، ٧].","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>باب رفع الأمانة</span>\nوقع فيه حديث حذيفة يرفعه [١٢٩: ٨، ١٨]:\n(أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرِّجال).\nوقوله [١٣٠: ٨، ٣]: (ويقال للرَّجل ما أعقله وما أظرفه وما أجلده وما في قلبه مثقال حبة خردلٍ من إيمان).\nصنيع البخاري هنا وفي كتاب الفتن [٦٦: ٩، ٣] يقتضي أنَّهُ يفسر الأمانة بما هو المتبادر من معناها لا بالأمانةِ الواقعة في قوله تعالى: ﴿إنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ الآية. واستظهر الشارح أن المراد بها الإيمان واقتصر عليه في: «باب إذا بقي في حثالة من الناس» من كتاب الفتن؛ وإنما ألجأه إلى ذلك قوله في آخر الحديث: «وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان».\nوالأظهر أن تفسر بالمعنى المتبادر منها، ويكون قوله: «مثقال حبة خردل من إيمان» محمولًا على أنه مصدر آمنه إيمانًا، أي وما في قلبه شيء من خُلق الأمانة بحيث يقتضي إيمان الناس إياه، أو تحمل الأمانة على القدر المشترك الشامل للأمانِ والوفاء، جمعًا بين التبويب وبين كلام حذيفة في قوله: «وما أبالي أيَّكم بايعتُ»، وهو بنصب أيٍّ على نزع الخافض أو على تضمين «أبالي» معنى أحذر، والضمير في قوله: «أيَّكم» غير مراد به معيَّن وإنما المراد أي الناس.\nوقوله: «إلا فلانًا وفلانًا» لم يُرد شخصين معينين سماهما أو لم يسمهما بل أراد الكناية عن المعروف باسمه وشخصه، أي لا أبايع إلا من أعرفه أمينًا؛ لأن الناس غلب عليهم الخيانة. فقوله: «فلانًا وفلانًا» هو لفظ حذيفة وليس إيهامًا من الراوي ناشئًا عن عدم تذكر الاسم، أو عن قصد ستره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>باب (من أبواب الساعة)</span>\nوقع فيه قول النبي - ﷺ -[١٣٢: ٨، ٧]:\n«فلا يطعمه».\nيقال: طَعِمَ الشيء، بمعنى ذاقه: قال تعالى: ﴿ومَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ وهو","vol":"1","page":248},{"text":"مشتق من الطَّعْم -بفتح فسكون - وهو ما يدركه الذوق في الشيء الذي يمرُّ على اللسان، يقال: هذا العسل فيه طَعْم العرفط، أي صار ذوقه كذوق العرفط، ومنه قولهم: تغير طعم الماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>باب «من أحَبَّ لِقَاءَ اللهِ»</span>\n[١٣٢: ٨، ١٠] قال رسول الله - ﷺ -:\n(«من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه»).\nهو قضية كلية لافتتاحه بأداة من أدوات العموم، وهي «مَنْ» الموصولة، ولعلَّ هذا الكلام صدر من رسول الله ﵇: إما في مقام ترغيب في الجهاد؛ لأن الجهاد أظهر الأحوال لمحبة العبد لقاء الله تعالى إذا خرج للجهاد غير عابئ بالموت في سبيله مثل أنس ابن النضر حين قال يوم أحد [٢٣: ٤، ١٢]: (إني لأجد ريحَ الجنة دون أحد).\nوإما في مقام تعليم أمارات الإيمان الكامل من المؤمن حتى يكون رغبته في الحياة الآخرة أشد من رغبته في البقاء في الدنيا، فيكون غير جازع من حلول الموت وقت حلوله، للتفرقة بين حال المؤمنين الكاملين ومن يلحق بهم من المؤمنين على تفاوتهم في مراتب اليقين، وبين حال المشركين والمنافقين، كما قال تعالى في نظير هذا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، فالأمر بتمنِّي الموت استدلال على مقدار محبة لقاء الله.\nفتبين أن كلية الحديث تندرج تحتها صور.\nوأما قول عائشة: «إنا لنكره الموت» فهو شبيه باستفسار على نقض القضية الكلية، أي هل تعَدُّ كراهة الأحياء الموت المرتكزة في الطبع منافية لمحبة المؤمن لقاء الله، وجواب النبي - ﷺ - بيان لعدم المنافاة، وأن المؤمن لابد أن يختم له بما يقتضي محبته لقاء الله.\nوليس الجواب مقصودًا به اقتصار الخبر على هذه الصورة خاصة، كما وقع في أوهام كثيرين، فأثيرت لهم إشكالات من جهة أصل فائدة هذه الأخبار، أي أن يكون هذا الحديث من أصله غير مرتب عليه عمل؛ إذ يرجع إلى أحوال مغيبة تحصل عند الموت، وسياق الحديث يقتضي أن يكون القصد منه ترغيبًا وترهيبًا.","vol":"1","page":249},{"text":"وقوله: «ومن كره لقاء الله» مقابل قوله: «من أحب لقاء الله» وقوله فيهما: «أحب الله لقاءه وكره الله لقاءه» كنَّى بمحبة الله لقاء المؤمن عن كرامته عند الله؛ لأن الإكرام من لوازم لقاء الحبيب، وكنَّى بكراهة الله لقاء الكافر عن حرمانه من الكرامة؛ لأن الحرمان والإعراض من لوازم لقاء المرء المكروه.\nوما بيَّنه رسول الله - ﷺ - لعائشة أشار إلى محبة المؤمن لقاء الله تستمر حتى يختم له برؤية مقعده من الجنة، فيكمل بذلك له ما كان ناقصًا من محبة لقاء الله، وهو ما كان يخالطه من كراهة الحيِّ الموت، بحيث تكون خاتمته محبة خالصة للقاء، وبعكس ذلك حال الكافر والمنافق، فإن الكراهة التي عاش عليها تزداد في خاتمة عمره فتنتقل من كراهة اللقاء عن تخوف وتوقع وعن تمحض التعلق بالحياة إلى كراهية أشد تَنشأ عن مشاهدة أهوال ما أُعِدَّ له، فتكون خاتمته كراهة محضة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>باب كيف الحشر</span>؟\nفيه حديث عبد الله بن مسعود [١٣٧: ٨، ١]:\n(كنَّا مع النَّبيِّ - ﷺ - في قبَّةٍ فقال: «أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة ...») إلخ.\nالخطاب لأصحابه باعتبارين: باعتبار أنه يحدثهم، وباعتبار أنهم الأمة الإسلامية يومئذ، فقوله: «أترضون» خطاب لأصحابه، وقوله: «أن تكونوا»، أي أن يكون المسلمون بقرينة قوله بعد ذلك: «إن الجنة لا تدخلها إلا نفسٌ مُسلمة وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشَعْرَة البيضاء في جِلْد الثَوْر الأسْود».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>باب قول الله تعالى: ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾</span>\nوقع فيه قوله: [١٣٧: ٨، ١٦]:\n«يقول: أخرج بعث النَّار قال: وما بعث النَّار؟ قال: من كلِّ ألفٍ تسع مائةٍ وتسعةً وتسعين».","vol":"1","page":250},{"text":"كذا ثبت في الرواية «وتسعين» بالياء على النصب، فيكون على تقدير البيان أو البدل من قوله: «بَعْثَ النار»، كأنه قال: أخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، ويكون ما حكي من قول آدم: «وما بعث النَّار؟» تلقينًا للمتكلم للبيان أو الإبدال؛ وذلك أغنى عن جواب سؤاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>باب الصراط</span>\nوقع فيه حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -[١٤٧: ٨، ٧]:\n«وتبقى هذه الأمَّة فيها منافقوها فيأتيهم الله ...» إلخ.\nذكر فيه المنافقون، ولم يذكر في بقية الحديث أمر يخصهم ذكروا لأجله، ووقع قريب من هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري عند مسلم: «حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بَرٍّ أو فاجر أتاهم رب العالمين في أدنى صورة ...» إلخ.\nفإذا كان الحديثان حكاية كلام واحد أو كانا حكاية كلامين، فلعل حديث أبي هريرة وقع فيه اختصار من أحد رواته فيما يخص المنافقين من الأحوال، أو لعل رسول الله - ﷺ - أعرض عن ذكر أحوالهم؛ لأن الغرض من الكلام بيان ثبات المؤمنين على معرفة الله تعالى.\nوإنما ذكر المنافقون في أثناء الكلام للإشارة إلى مزية الإسلام أن أهله مُبَرَّءون من عبادة الأصنام سواء في ذلك مؤمنوهم الحق ومنافقوهم؛ لأن حالة المنافقين كانت حالة رفض لعبادة الأصنام وتردد في الإيمان بالنبي - ﷺ -، لاسيما وكثير منهم قد كان من أهل دين اليهودية أو شديد المخالطة لليهود. ويكون قوله: «فيأتيهم الله» خاصًّا بالمؤمنين؛ لأنهم المسوق لأجلهم الكلام، فيكون قوله «فيها منافقوها» جملة معترضة في الكلام، كما يدل عليه حديث أبي سعيد الخدري إذ وقع فيه: «حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بَرٍّ أو فاجر» أي من صالحين وعصاة. ويؤخذ حال المنافقين من عَرض الكلام وأواخره؛ إذ قال فيه: «فيعرفونهم بعلامة آثار السجود»، فتأمله فإنه لم يشرحه أهل التأويل بما يشفي الغليل.","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>كتاب الأيمان والنذور</span>\nفيه قول أبي موسى: [١٥٩: ٨، ١٢]:\n(أتيت رسول الله - ﷺ - في رهطٍ من الأشعريِّين أستحمله فقال: «والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه ...» ثمَّ أتي بثلاث ذودٍ غرِّ الذُّرى فحملنا عليها فلمَّا انطلقنا قلنا: والله لا يبارك لنا، أتينا النَّبيَّ - ﷺ - نستحمله فحلف أن لا يحملنا ثمَّ حملنا فارجعوا بنا إلى النَّبيِّ - ﷺ - فنذكِّره، فأتيناه فقال: «ما أنا حملتكم بل الله حملكم وإنِّي لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيرًا منها إلَّا كفَّرت عن يميني وفعلت الَّذي هو خيرٌ»).\nتقدم هذا الحديث في المغازي [٢١٩: ٥، ٤] ووقع في بعض رواياته:\n(ووافقناه في ساعة غضب).\nوقد يشكل قول النبي - ﷺ -: «وما أنا حملتكم بل الله حملكم» بأنه إن كان المراد نفي أن يكون النبي - ﷺ - هو الذي أعطاهم الحمولة بحسب المعتاد الظاهر لم يصح نفي أن يكون هو الحامل، وإن كان المراد نفي كونه هو المعطي في الحقيقة وباطن الأمر فإن كل فعل كذلك فلا يحنث حالف على نفي فعله؛ إذا فعله لأن الله هو الذي فعله ويسَّره.\nأو يقال: إنه لما كان الله هو المعطي، فكذلك يقال: إن الله هو الحالف.\nوأما ما أجاب به الشارحون من أن يكون قوله: «وما أنا حملتكم» قصد به دفع المنة عليهم، وأن محل التأويل هو قوله: «وإني والله لا أحلف على يمين ...» إلخ فغير متجه؛ لأن كلام الرسول وقع جوابًا عن قولهم: «حلفت أن لا تحملنا فنسيت»، وفي رواية: «ثم حملتنا» فهم إنما راجعوه في شأن بَرِّ يمينه ولم يجيئوا شاكرين فضله.\nفالذي يتجه عندي في دفع الإشكال أن النبي -﵊ - أراد أن يبيِّن لهم أن يمينه جرت على بساط خاص، وهو مراعاة ما لديه من الإبل وقت أن سألوه الحُملان فمنعهم؛ إذ ليس لديه حمولة زائدة على حاجة الجيش، فحلف أن لا يحملهم، لييأسوا من ذلك فيستعِدُّوا لأنفسهم لرغبتهم في الجهاد بقرينة قوله: «وما عندي ما أحملكم عليه»، ولم يكن النبي مترقبًا أن تأتيه إبل، فلما جاءه ذود","vol":"1","page":252},{"text":"على غير ترقب حملهم وأعلمهم بأن ذلك من عناية الله بهم؛ إذ ساق لرسوله إبلًا ويسَّر لهم الحمل.\nفالمعنى: ما أنا حملتكم من الإبل الكائنة عندي حين اليمين؛ ولكن الله يسَّر لكم إبلًا أخرى؛ فذلك معنى قوله: «ولكن الله حملكم».\nوأما قوله: «وإني لا أحلف على يمين ...» إلخ، فذلك تَرقٍّ في بيان أحوال اليمين، يعني: ومع ذلك فأنا سأكفِّر عن يميني، وهذا من الورع؛ إذ رأى الأولى له أن يكفر عن يمينه نظرًا إلى ظاهر لفظ يمينه دون استعانة بالبساط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>باب يمين النبي - ﷺ </span>-\nفيه حديث ابن عمر - ﵁ -[١٦٠: ٨، ١٤]:\n(كانت يمين النَّبيِّ - ﷺ -: «لا ومقلِّب القلوب»).\nكذا أخرجه هنا وفي باب يحول بين المرء وقلبه من كتاب القدر [١٥٧: ٨، ١٩].\nوالمراد أن هذا اليمين من أيمان النبي - ﷺ - لا أنها انحصر فيها حلفه فإنه رواه ابن المبارك عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر: (كثيرًا ما كان النَّبيُ يحلف: «لا ومقلِّب القلوب»).\nثم إن الشارحين لم يذكروا موقعًا من مواقع هذه اليمين، ولعلهم لم يقفوا على ذلك، والمتعين: إما أنها يمين على إبطال كلام قبلها، فتكون (لا) في أول اليمين نافية لكلام سابق، وجملة القسم بعدها، وجواب القسم محذوفًا دلت عليه (لا) النافية.\nوإما أنها يمين على امتناع أو خبر بنفي، فتكون (لا) في أولها زائدة لتأكيد حاصل النفي الذي في الجواب كقوله تعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾.\nفيه حديث عبد الله بن هشام [١٦١: ٨، ٣]:\n(قال: كنَّا مع النَّبيِّ وهو آخذٌ بيد عمر فقال له عمر: يا رسول الله لأنت","vol":"1","page":253},{"text":"أحبُّ إليَّ من كلِّ شيءٍ إلَّا من نفسي فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «لا والَّذي نفسي بيده حتَّى أكون أحبَّ إليك من نفسك». فقال له عمر: فإنَّه الآن والله لأنت أحبُّ إليَّ من نفسي).\nالظاهر أن الله فتح على عمر في تلك الساعة ففرض في نفسه أن يكون في مقام يدفع فيه عن النبي - ﷺ - ضررًا بنفسه، فرأى أنه يفديه بنفسه، فأخبر به حينئذ بعد أن لم يكن يعلم ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>باب لا يحلف باللات</span>\nفيه قول رسول الله - ﷺ -[١٦٥: ٨، ١٦]:\n«ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدَّق».\nأي من قال ذلك بحدثان تحريم القمار والميسر، أي نسي التحريم، فقال عند لقاء أحد أيساره: تعال أقامرك؛ إذ كانوا يقولون ذلك في أوقات فراغهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>باب قوله تعالى: ﴿وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾</span>\nفيه قول رسول الله - ﷺ - لأبي بكر [١٦٦: ٨، ١٢]:\n«لا تقسم».\nومعناه أنه جعل قول أبي بكر: «فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأتُ في الرؤيا» من قبيل اليمين اللغو على رأي البخاري؛ ومن قال مثله في معنى يمين اللغو. وأردفه بقوله: «لا تقسم» أي لا تُعِد اليمين؛ لأنها تصير حينئذ يمينًا فيها الحنث؛ لأن يمين اللغو على رأي هؤلاء إنما تكون في أول الكلام أو أثنائه مرة واحدة؛ فحذره رسول الله - ﷺ - من أن يعيد اليمين؛ لأنه لا يحب له الحنث، وما هو بمخبره بما أخطأ في تعبيره.","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>باب إذا حَنَث نَاسيًا</span>\nأخرج فيه حديث عبد الله بن عمرو: أن النبي - ﷺ - قَالَ يَوْم النَّحْرِ لكل من سأله عن شيء قدمه أو أخره ناسيًا [١٦٩: ٨، ٣]:\n«افعل ولا حرج».\nووجهُ مطابقته للترجمة هو التجاوز عن النسيان في الطاعات، فقد استدل بالآية والحديث السابق على التجاوز عن النسيان في الخطأ في المخالفات والمعاصي، واستدل بهذا الحديث على التجاوز عن النسيان في الطاعات ليؤخذ من ذلك استقراء الشريعة في العفو عن النسيان فيتسنى قياس النسيان في الحنث.\nووقع فيه حديث أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - في قوله للرجل الذي صلى [١٦٩: ٨، ١٠]:\n«ارجع فصلِّ فإنَّك لم تصلِّ».\nومطابقته للترجمة أن رسول الله - ﷺ - لم يؤاخذه على الخطأ فيوبخه أو ينذره بوعيد ولكنه اقتصر على أمره بالتدارك.\nومقصد البخاري استقراء الشريعة في معاني العفو عن الخطأ لتحصيل قاعدة كلية يمكن إدخال النسيان والخطأ في الأيمان تحت عمومها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>باب صاع المدينة</span>\nفيه قول البخاري [١٨١: ٨، ٨]:\n(قال أبو قتيبة: قال لنا مالكٌ: مدُّنا أعظم من مدِّكم ...) إلخ.\nكلام أبي قتيبة يؤذن بأنه قال لمالك كلامًا يقتضي أن إخراج الزكاة والكفارة بمدِّ هشام المستعمل في البصرة، أو بمد عمر بن عبد العزيز أفضل؛ لأنه أعظم فهو أوفر للفقير، فقال له مالك: «مدُّنا أعظم من مدكم».","vol":"1","page":255},{"text":"فلفظ (أعظم) جرى لمشاكلة كلام أبي قتيبة المطوي، فأبو قتيبة أراد العِظَم الحقيقي وهو الكِبَر، ومالك أراد العِظَم المجازي، وهو بركة الاقتداء بالنبي - ﷺ - والاحتفاظ بأعماله وتقديراته؛ لأنه إذا فُتح باب إتباع المكاييل المُحْدَثة، لأجل كونها أوفر، يوشك أن تتبع مكاييل تُحدَث في المستقبل تكون أصغر من مد النبي - ﷺ -، فإذا كنتم يومئذ ترجعون إلى مد النبي - ﷺ - فارجعوا إليه في كل حال.\nوالمقصد الشرعي من التقديرات إتباعها، ومن أراد زيادة الثواب فليأت بقُرَب أخرى ولا يزد فيما قدره الشرع.","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>كتاب الفرائض</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>باب تعليم الفرائض</span>\nفيه قول عقبة بن عامر الجُهَني - ﵁ -[١٨٥: ٨، ٥]:\n(تعلَّموا قبل الظَّانِّين، قال البخاري: يعني الذين يتكلمون بالظن). اهـ.\nفمعنى «قبل الظَّانين» قبل أن يوجدوا، كما يقال: كان هذا قبل المسيح، أي قبل وجوده، أي تعلموا العلم من السنن قبل أن يجيء ناس جهال يتكلمون في الدين بالظن، وقد عَلم أنهم يجيئون من إخبار النبي - ﷺ - بذلك، كما في حديث [٣٦: ١، ١١].\n«إن الله لا ينزع العلم انتزاعًا ولكن ينتزعه بموت العلماء حتَّى إذا لم يبق عالم اتَّخذ النَّاس رؤوسًا جهَّالًا فأفتوا بغير علمٍ فضلُّوا وأضلُّوا».\nوالمراد بالظن في اصطلاح المتقدمين الرأي المخالف للدليل الشرعي، وهو الظن المسمى بالهوى، وقد تكرر في القرآن والسنة التحذير منه، وأما القياس على أصل شرعي فليس من الظن المذموم؛ فقد قاس أبو بكر الجدة للأب على الجدة للأم بطريق تحقيق المناط.\nوأما إخراج البخاري حديث: «إيَّاكم والظَّنَّ» عقب كلام عُقْبة فللإشارة إلى المراد من الظن المذموم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>باب قول النبي - ﷺ -: «لَا نُورَثُ ما تركناه صدقة»</span>\nفيه قول عائشة - ﵁ -[١٨٥: ٨، ١٤]:\n(جرته فاطمة).\nأي لأنها كانت تؤول قول رسول الله: «لا نورث» بتخصيصه ببعض المتروكات دون نحو حظه من خُمُس المغانم والفيء، كما كان يتأوله علي والعباس، وقضى أبو بكر بما رأى من عموم الحديث، وإنما هجرته فاطمة مبالغة في إنكار تأويله؛ لأنها","vol":"1","page":257},{"text":"رأته مخالفًا للحق في اجتهادها فكانت ممن غضب لله، وكان أبو بكر ممن احتمل ذلك في ذات الله.\nووقع فيه قول عمر لعلي والعباس [١٨٦: ٨، ١٦]:\n(إن شئتما دفعتها إليكما بذلك).\nفقوله: «بذلك» إشارة إلى ما كان رسول - ﷺ - يفعل في ذلك، أي بأن ينفقا على آلهما، فإنهم آل رسول الله - ﷺ - ويجعلا الباقي مجعل مال الله فيعطياه الفقراء ونحوهم.\nوالظاهر أن العباس وعليًّا جاءا مختصمين في قسمة التصرف، وأنهما أدمجا في كلامهما معاودة طلب ميراثهما لقول عمر لهما: «فتلتمسان مني قضاء غير ذلك» فإنهما كانا يريان حقًا لهما في الميراث، ويحاولان الاستظهار على عمر في رأيه لعله أن يرجع إليهما؛ فلذلك أخبرهما بأنه لا يقضي بغير ما قضى به قبل، أي أنه ثابت على اجتهاده وذلك من شدة تمكنه من دليله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>باب ميراث الأخوات مع البنات عَصَبَةٌ</span>\nفيه قول الأسود بن يزيد [١٨٩: ٨، ١٧]:\n(قضى فينا معاذ بن جبلٍ على عهد رسول الله - ﷺ -).\nيريد قضى وهو باليمين، وزاد قوله: «على عهد رسول الله» لينبه على أنه قضى عن علم بسنة ميراث الأخوات مع البنات تلقاه عن رسول الله - ﷺ -.\nفإن قلت: إن معاذًا لما بعثه رسول الله - ﷺ - إلى اليمين قال له: «بِمَ تقضي؟» قال: بكتاب الله وسنة رسوله قال: «فإن لم تجد؟»، قال: أجتهد رأيي وأقيس الشيء بالشيء، فَصَوَّبه رسول الله - ﷺ -، فلعله قضى في ميراث الأخوات بالاجتهاد.\nقلنا: كان شأنهم أن لا يجعلوا المواريث مجالًا للاجتهاد كما علم من سيرة الخلفاء فيها، وهذا هو وجه اعتناء البخاري بتحقيق رواية الأعمش في زيادة إسناد قوله: «على عهد رسول الله - ﷺ -».","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>كتاب الحدود</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>باب إذا أقرَّ بالحدِّ وَلَمْ يُبيِّن</span>\n[٢٠٧: ٨، ١]:\n(عن أنسٍ كنت عند النَّبيِّ - ﷺ - فجاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله إنِّي أصبت حدًّا فأقمه عليَّ. قال: ولم يسأله عنه، قال: وحضرت الصَّلاة فصلَّى مع النَّبيِّ - ﷺ - فلمَّا قضى النَّبيُّ الصَّلاة قام إليه الرَّجل فقال: يا رسول الله إنِّي أصبت حدًّا فأقم فيَّ كتاب الله، قال: «أليس قد صلَّيت معنا؟» قال: نعم، قال: «فإنَّ الله قد غفر لك ذنبك أو حدَّك»).\nأقر الرجل إقرارًا بمجمل فأعرض رسول الله - ﷺ - عن استفساره.\nوالظاهر أن رسول الله - ﷺ - علم ما يريد الرجل، ولعله قذف أو شرب خمرًا.\nكما أنه يحتمل أن يكون الرجل ممن يظن به العلم بالحدود، وأن يكون ممن لا يظن به. فلعله يحسب ما ليس في كتاب الله مذكورًا في الكتاب وإسقاط إقامة الحدِّ عليه عفو من الإمام لمصلحة أو خصوصية، أو كان ذلك في صدر الإسلام ثم نسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>باب رجم الحبلى من الزنا</span>\nوقع فيه قول عمر بن الخطاب [٢١٠: ٨، ٨]:\n(فلا يبايع هو ولا الَّذي بايعه تغرَّة أن يقتلا). قوله «تغرة» مفعول لأجله متعلق بالفعل المنهي عنه، والمعنى أن المسلمين لا يرضون بمن يُولَّى عليهم من غير شورى، فهم يبايعون من يرضونه، فيبقى ذلك الذي بايعه رجل عن غير مشورة مغترًّا ببيعته، ويبقى معه الذي بايعه، كلاهما يأنف أن ينقض ما جعل له، فيصبحان خارجين عن الجماعة، فربما أوجب ذلك قتلهما باعتبارهما باغيين مُفَرِّقَين للجماعة.","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>باب من رأى مع امرأته رجلًا فقتله</span>\nيظهر من هذه الترجمة أن البخاري استخلص من قول سعد بن عُبادة [٢١٥: ٨، ١٠]:\n(لو رأيت رجلًا مع امرأتي لضربته بالسَّيف غير مصفحٍ).\nوقول النبي - ﷺ -: «أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير منِّي» - أن الذي يجد رجلًا يزني بامرأته له أن يقتله؛ لأن النبي - ﷺ - لم يصرح بالإنكار على سعد؛ ولعل البخاري يتأول ظاهر القصة بأن تلك حالة لا يملك المرء فيها نفسه من شدة الغيرة، وقد جرت عادة العرب في مثل ذلك أن ينتقموا من الرجل الزاني دون المرأة.\nوالأحسن أن لا ننسب للبخاري فقهًا في هذه الترجمة، وأنه ساقها لمجرد النظر فيما استخرج منها من الفقه للناظر، وأن الحق أنه ليس في الحديث دليل للإذن في القتل، وأن قول النبي - ﷺ -: «لأنَا أغيرُ منه واللهُ أغيرُ مِنِّي» إبطال لقول سعد أنه يقتله؛ لأن الله الذي هو أغير لم يأذن له في ذلك، فقد قال تعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ الآية. وذلك لدفع حد القذف فيما لا يرى أن يلزم الإشهاد لتوجه الرجم أو الجلد على الزاني.\nوقوله: «لأنا أغير منه» معناه: وقد جئت مخبرًا عن حكم الله بخلافه، فالنبي - ﷺ - سكت عن حكم ما فرضه سعد ولا يُعَدُّ ذلك من التقرير؛ لأن التقرير المعتبر حجة هو تقرير الواقعات لا المفروضات؛ لأن للمفروض حكمه عند وقوعه، والأحكام غير مجهولة.\nواعلم أن قول النبي - ﷺ -: «أتعجبون من غيرة سعد؟» استفهام إنكار للتعجب الذي هو بمعنى الإعجاب، أي أيعجبكم قول سعد فتعجبون منه عجب استحسان؟ ولا ينبغي لكم ذلك؛ لأنه من شؤون الجاهلية.\nوأن قوله: «لأنَا أغْير منه والله أغيرُ مني» بيان لفساد غيرة سعد فإنها غيرة مشوبة بتهور واعتداء. وأما غيرة الله وغيرة رسوله فهي غيرة معصومة من شائبة العدوان، وقد روي هذا الحديث مطولًا في سنن أبي داود بما يزيد هذا المعنى تقريرًا.\nثم بعد كتابتي هذا بسنين رأيت في كتاب ابن المواز عن ابن وهب عن يحيى ابن أيوب عن عمر مولى ... أن سعد بن عبادة قال عند رسول الله وذكر النساء: (والله لو وجدتُ مع امرأتي رجلًا ما فرقت بينهما إلا بالسيف، فقال رسول الله - ﷺ -:","vol":"1","page":260},{"text":"«فأين الشهداء الأربعة؟ إنما جعل الله الشهداء الأربعة ليستر بعضكم عورة بعض»، أو نحو هذا، ثم قال: «والله لله أغير منِّي وأنا أغير منك ولكن الله أعلم منِّي وأنا أعلم منك») انتهى من جامع الجنايات من كتاب ابن المواز.","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>كتاب الدّيّات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>باب إذا قتل نفسه خطأ فلا دية له [</span>٩: ٩، ٨]\nأي فلا تدفع عاقلته دية لأهله؛ لأن مشروعية الدية أنها غرم عن الجناية، وحقها أن تكون في مال الجاني، وإنما جعلت على العاقلة تخفيفًا عن القاتل؛ ولذلك يكون دية الجراح في مال الجاني إذا كانت دون ثلث الدية الكاملة.\nوحديث موت عامر بن الأكوع دليل على ما أراده البخاري؛ لأن الرواة لم يذكروا أن الرسول - ﷺ - أمر بدية لأهله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>باب من اطلع في بيت قوم</span>\nففقؤوا عينه فلا دية له [٣١: ٩، ٩]\nجعل البخاري هذه الترجمة فقهًا، وهو تفقه بعيد، وليس في السنة ما يشهد له ولا يجوز للمطلع عليه إلا أن يسد المنفذ، وأما المطلع فتختلف أحوال تأديبه.\nوقول أنس - ﵁ -: (وجعل يَخْتِلُه ليطعنه) مُبْهم منه، ولم يَروِ أن ذلك وقع، وقول رسول الله - ﷺ -[١٣: ٩، ١٥]: «لطعنتُ به في عينيْك» خارج مخرج التهديد، فلا يعارض الأدلة التي ثبت بها حرمة أطراف المسلم وجوارحه، ودفع المعتدي لا يكون بأكثر مما يردعه.\nثم إن المعتدى عليه إذا دفع بدفع مشروع فأصاب ما لا يقصد كان ذلك من باب قولهم: المأذون فيه لا يتغير بالسلامة، كما قال رسول الله - ﷺ - فيما رواه أبو هريرة [١٣: ٩، ١٨]: «لو أن امرأً اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح»، أي بخلاف ما يقصد منه الإتلاف.","vol":"1","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>كتاب المرتدين</span>\nفيه عن ابن مسعود [١٧: ٩، ١٩]:\n(قال رجلٌ: يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهليَّة؟ قال: «من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهليَّة ومن أساء في الإسلام أخذ بالأوَّل والآخر»).\nوظاهره مشكل لتظافر الأدلة على أن الإسلام يُجِبُّ ما قبله فوجب تأويله.\nوتأويله عندي: المراد بالإحسان في الإسلام أن يسلم إسلامًا صادقًا لا نفاق فيه، فقد كانوا يقولون: أسلم فلان وحسن إسلامه.\nوالمراد بالإساءة النفاق أو الارتداد.\nويمكن أن يُؤوَّل بأن المؤاخذة المسؤول عنها مؤاخذة الحساب يوم القيامة، وعد السيئات على فاعلها، وليس المراد العقاب عليها.\nوالحاصل أن الحديث روي بالمعنى، ولم يُوفِ الراوي بلفظ الرسول الذي لا يحتمل معنًى يخالف ما تظافرت عليه الأدلة.","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>كتاب الحيل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>باب</span>\nفيه حديث [٣٢: ٩، ١٠]:\n«إنَّكم تختصمون إليَّ وإنَّما أنا بشرٌ».\nولعلَّ البخاريَّ لم يترجم هذا الباب بعنوان؛ لأن الحديث الذي أخرجه فيه صالح للاحتجاج به في أبواب كثيرة من نفي الحيل، وسيترجم له فيما يأتي بـ «باب من قضي له بحق أخيه فلا يأخذه».","vol":"1","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>كتاب التعبير</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>باب نزع الماء مِنَ البئر حَتَّى يروي الناس</span>\nوقع فيه نافع عن ابن عمر قول النبي - ﷺ -[٤٨: ٩، ٢٠]:\n«بينا أنا على بئرٍ» إلى قوله: «فأخذ أبو بكرٍ الدلو فنزع ... وفي نزعه ضعفٌ فغفر الله له».\nإن الرؤيا جاءت على حال الرمز عن المعاني بالأعمال المحسوسة، كما هو الغالب في الرؤى. فرُمز بالدلو عن سعة بلاد الإسلام، ورمز بالنزع عن إدارة أمر بلاد الإسلام، وبالشدة والضعف عن مطاوعة البلاد؛ لأن الضعف يأتي من غلبة الدلو لقوة النازع من البئر.\nفالمعنى المرموز إليه هو حال مدة خلافة أبي بكر، فإنه أدار أمور المسلمين في حال اضطراب أكثر البلاد وعدم طواعيتها بسبب ردة من ارتدَّ من العرب، فليس في ذلك إثبات ضعف حقيقي لأبي بكر. وكيف وقد أخذ المرتدين بالشدة والقتال، وأرجعهم إلى حظيرة الإسلام؛ ولكن تلك الردة أوجبت اضطراب الأمر في مدته، فلم يتمكن من توسيع البلاد الإسلامية ولا من إقامة نُظُم كثيرة لاشتغاله بالأهم، أو اشتغال المسلمين بالتجهُّز لِقتال المُرْتَدين.\nوأما قوله: «فغفر الله له» على هذه الرواية فواضح، أي فلم يؤاخذه الله بالاشتغال عن كثير من تقوية أمر المسلمين؛ لأنه صرف شغله إلى الأهم.\nووقع في رواية همام عن أبي هريرة في هذا الباب [٤٩: ٩، ١٢]: «والله يغفر له» والمعنى واحد.\nوصيغت الجملة على تقديم المسند على الخبر الفعلي للاهتمام بصنع الله معه، أي هذا ما صنعه وصنع الله معه أنه غفر له؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.\nووقع في رواية ابن المسيب عن أبي هريرة في كتاب المناقب من البخاري [٧: ٥، ٥]: «والله يغفر له ضعفه»، والمعنى على نحو ما في رواية همام، إلا أن قوله: «ضعفه» معناه ذلك الضعف الرمزي، وهو اضطراب الأمور، وإضافته إلى أبي بكر لأدنى","vol":"1","page":265},{"text":"ملابسة لوقوعه في زمنه، مثل قولهم: كوكب الخرقاء، وقد اتضح معنى الحديث وإن كان قد أشكل على كثير للغفلة عما فيه من الرمز.","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>كتاب الفتن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه [</span>٦١: ٩، ١٨]\nترجم البخاري ﵀ هذا الباب باللفظ الوارد عن النبي - ﷺ - في حديث أنس الذي أخرجه تحت هذه الترجمة ليترك للناظر تأويل معنى هذا الحديث.\nوالذي يظهر أن المراد بالزمان الأزمنة التي يحضرها أصحاب رسول الله - ﷺ - لقوله -﵊ - في خطابهم: «حتى تَلْقَوا ربكم»؛ ذلك أن الصحابة كانوا في زمن النبي - ﷺ - وهو أسعد الأزمنة، ثم كانوا بعده في زمن الخليفتين أبي بكر وعمر ومدة من زمن عثمان، ثم أقبلت الفتن وذهبت تتزايد إلى أن انقرض الصحابة - ﵁ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة [</span>٦٥: ٩، ٣]\nفيه حديث حذيفة عن النبي - ﷺ -، والظاهر أن المراد بالشر الأول هو ردة العرب، وبالدَّخَن في الخيْر الثاني ما حدث من الأحداث السيئة في الإسلام بعد قتل عمر، ومحاولة الخروج على عثمان، فإن الناقمين عليه كانوا يدَّعون الغيرة على الإسلام وينكرون على بعض الولاة في زمنه مناكر، بعضها جدير بالإنكار، إلا أن معظمها غلوٌّ وإفراط، فهم يهدون بغير هدي ويقولون معروفًا ومنكرًا.\nوالظاهر: أنه أراد بالشر الذي بعد ذلك فتنة الخروج على عثمان وما حدث بعده من الخروج على عليٍّ بعد أن بايعوه، وكلا الفريقين الخارجين على الخليفتين دعاة على أبواب جهنم؛ لأنهم يَدْعُون المسلمين إلى القتال وشَقِّ العصا ومفارقة الجماعة، وهم كلهم من العرب؛ ولذلك قال: «هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا».\nوكأن رسول الله - ﷺ - وقف عند هذا الحدِّ؛ لأنه الذي يحصل في حياة حذيفة القاصد من سؤاله عن الشرِّ اتقاء الوقوع فيه.\nوأما ما ذهب إليه عياض في تفسير ذلك مما هو في الشرح فغير مستقيم؛ لأنه أهمل الردة، وهي أعظم شرٍّ وقع بعد وفاة النبي - ﷺ -، وجعل خلافة عمر بن عبد العزيز هي","vol":"1","page":267},{"text":"المراد بالخير الثاني مع أنها حادث جزئي في الإسلام، وكلام النبي - ﷺ - على الحوادث العامة المؤثرة في معظم بلاد الإسلام، وخلافة عمر بن عبد العزيز لم تدم غير عامين؛ وكذلك بقية كلام عياض غير مناسبة للتقسيم الذي في الحديث، فأَجِد فيه تأملًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334><span data-type=\"title\" id=toc-335>باب </span>إذا بقي في حثالة من الناس</span>\nفيه حديث حذيفة [٦٦: ٩، ٣]:\n(حدَّثنا رسول الله - ﷺ - أنَّ الأمانة نزلت في جذر قلوب الرِّجال ...) إلخ.\nالظاهر أن المراد بالأمانة القدر المشترك في معنى أمانة النفس الشاملة لأمانة الاعتقاد وهو التوحيد، وأمانة العمل، أي الطاعة، وأمانة المعاملة، وهي الوفاء بما قِبَل الشخص من حقوق الناس ليلتئم معنى الحديث في قوله: [٦٦: ٩، ٤]: «ثم علموا من القرآن» وفي قوله: [٦٦: ٩، ٩]: «وما في قلبه مثقال حبَّة خردلٍ من إيمان» مع قوله [٦٦: ٩، ٧]: «فلا يكاد أحدٌ يؤدِّي الأمانة» وفي قول حذيفة [٦٦: ٩، ٩]: «وما أبالي أيَّكم بايعت»، وقوله [٦٦: ٩، ١١]: «وأمَّا اليوم فما كنت أبايع إلا فلانًا وفلانًا».\nوقوله: «وأمَّا اليوم فما كنت أبايع إلا فلانًا وفلانًا» لم يرد به أشخاصًا معيَّنين أبهمهم أو أبهمهم الراوي، بل إنما أراد الكناية عمن يُعرف من الناس، أي لا أبايع إلا مَنْ أعرف أمانته لما غلب على الناس من قلة الأمانة فإذا بايعتُ مَنْ لا أعرف خشيتُ الدخول في الخصومات.\nووقع فيه قوله: «وَمَا أُبالي أيكم بَايَعْت».\nوهو بنصب أيكم على نزع الخافض، أو على تضمين (أبالي) معنى (أحذر).\nباب\nوقع فيه قوله عمار - ﵁ -[٧٠: ٩، ١٢]:\n(ليعلم إيَّاه تطيعون أم هي).","vol":"1","page":268},{"text":"كذا وقع في الرواية «أم هي» بضمير الرفع مع أن المعطوف عليه بـ (أمْ) ضمير نصب.\nوالوجه فيه أن الضمائر المنصوبة المنفصلة ثقيلة لتركبها من كلمتين؛ فلذلك عدل عن تكرير ضمير النصب المنفصل إلى ضمير الرفع، وقد وقع قريب من هذا في قول مالك في الموطأ: «أو شاة إن لم يجد إلا هي»، وقد بينته في كشف المغطي في من نذر مشيًا إلى مكة من كتاب النذور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>باب تغير الزمان حتى تعبد الأوثان</span>\nفيه حديث أبي هريرة [٧٣: ٩، ٦]:\n(أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا تقوم السَّاعة حتَّى تضطرب أليات نساء دوسٍ على ذي الخلصة»).\nتكرر هذا الحديث في الصحيح وهو مشكل؛ فإما أن يكون النبي - ﷺ - قاله قبل فتح بلاد دوس وهدم ذي الخَلَصَة على يد جابر بن عبد الله فيكون وعدًا بأن الله يفتح بلاد دوس ويمحو ذا الخلصة، ويكون المراد باضطراب ألْيات نساء دوس الكناية على تفجعهن على الصنم حين يجيء المسلمون لهدمه، فتكون كالكناية في قول عنترة:\nمتى ما تلقني فردين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا\n\nوإما أن يكون صدور هذا القول بعد هدم ذي الخلَصة، فيكون إنذارًا بردَّة دَوْس، وأن نساءهم يرجعن إلى زيارة موضع ذي الخلَصَة؛ لأن نفس الصنم وبيته قد هُدِمَا في وقت الفتح.\nوعلى هذين الوجهين فذكر قيام الساعة إبهام للوقت؛ لأن المقصود التبشير أو التحذير من الفعل لا تحديد الوقت.\nويحتمل أن الكلام خرج مخرج الوعيد للنساء اللائي ذَهَبْن في زمن الشرك، وأنه وقع فيه وهَم للراوي نشأ من اختصاره، والمعنى: لا تقوم الساعة حتى يعجِّل الله العذابَ لنساء الشرك باحتراق أليَاتِهِنَّ على حجارة الأصنام في نار جهنم؛ فيكون","vol":"1","page":269},{"text":"من معاني قوله تعالى: ﴿وقُودُهَا النَّاسُ والْحِجَارَةُ﴾، وقوله: ﴿إنَّكُمْ ومَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾.\nوليس من البعيد على هذا أن يكون اللفظ «حتى تضطرم» بالميم عوض الباء، فوقع اشتباه في لفظ أبي هريرة؛ إذ لعله حدَّث به في وقت هرمه وسقوط أسنانه.\nوبدون هذه التأويلات يكون الحديث مشكلًا؛ لأن ذا الخلصة مُحي أثره، وقبيلة دَوْس لا تعرف الآن ولا يحصرها موطن ولا جماعة نسب حتى تعود إلى عبادة ذي الخلصة في آخر الزمان.","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>كتاب الأحكام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>باب ما يكره من الحرص على الإمارة</span>\nفي حديث أبي موسى الأشعري [٨٠: ٩، ٢]:\n(دخلت على النَّبيِّ - ﷺ - أنا ورجلان من قومي فقال أحد الرَّجلين: أمِّرنا يا رسول الله، وقال الآخر مثله، فقال - ﷺ -: «إنَّا لا نولِّي هذا من سأله ولا من حرص عليه»).\nهذا الحديث تقدم في أول كتاب الإجارة وأخرتُ الكلام عليه إلى هذا الباب؛ لأنه به أنسب.\nاعلم أن الظاهر أن مراد رسول الله - ﷺ - بقوله: «إنا لا نولِّي هذا مَنْ سأله» وفي رواية: «إنا لا نستعمل على عملنا من أراده» - أنه لا يجيب من سأل الولاية حيث لا تكون فيه أهلية لها؛ لأن الرسول - ﷺ - أعلم بمن يصلح للولاية فسؤاله إياها إحراج له؛ لأنه كان لا يحب ردَّ السائل، فلذلك أعلمهم أن ردَّ مثل هذا السؤال لا ينافي السماحة، وأن الإجابة إلى ذلك ليست من السماحة والكرم؛ لأنه إن كان السائل غير أهل كان في إجابة سؤاله ضرر على الرغبة، وليس إعطاء مصالح المسلمين من السخاء، ولا أظن الرسول -﵊ - أراد أن سؤال الإمارة موجب للحرمان منها ولو كان السائل أهلًا؛ إذ لا وجه لحرمان المستحق، كما لا وجه لإعطاء غير المستحق، فإن المرء قد يسأل الولاية لعلمه أنه مضطلع بها وقادر على إجراء مصالح الأمة وإعانة الرسول - ﷺ - على ذلك، وقد سأل يوسف ﵇ الولاية بقوله: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. ولأن المستحق قد يسأل الولاية للانتفاع بما فيها من الرزق المعين المأذون فيه شرعًا في نحو قوله تعالى: ﴿والْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾.\nوبهذا تعلم أن ليس سؤال الولاية بجرحة ولا تهمة كما ظنه بعض المتفقهين أخذًا من ظاهر هذا الحديث، وقد سأل أبو ذرٍّ من النبي - ﷺ - الإمارة فقال له النبي - ﷺ -: «إن فيك ضعفًا» ولم ينهَهُ عن سؤالها. أخرجه مسلم في صحيحه.\nوأخرج المصنف في باب قول النبي ﵇ للأنصار: «اصبروا» عن أسيد بن","vol":"1","page":271},{"text":"حُضير أن رجلًا من الأنصار قال: يا رسول الله، ألا تستعملني كما استعملت فلانًا؟ فقال: «ستلقون بعدي أَثَرَةً فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» [١١٥: ٤، ٢]، ولم ينهه عن ذلك.\nوقد قيل: إن السائل هو أسيد بن حُضير، وقد قال رسول الله - ﷺ - لعبد الرحمن ابن سَمُرة: «لا تسأل الإمارة فإنك إن أعْطيتها عَنْ مسألةٍ وُكِّلتَ إليها»، فدل قوله: «إن أعْطيتها عن مسألة» على جواز إعطاء الإمارة عن مسألة؛ لأن رسول الله - ﷺ - لا يفرض الأمر المنهي.\nفيؤول معنى الحديث: إنَّا لا نولِّي هذا الأمر كل من سأله، وانظر كلام عياض في الإكمال في الجزء الرابع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>باب كتاب الحاكم إلى عماله</span>\nوقع فيه قول النبي - ﷺ -[٩٣: ٩، ٢٠]:\n«وإمَّا أن يؤذنوا بحرب».\nوهو - بفتح الذال المعجمة - يقال: آذنه بكذا: أعلمه، فأذن، هو يَأذَن إذا علم، وقد قُرئ قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ بسكون الهمزة وفتح الذال، على أنه بمعنى فاعلموا أن الله يحاربكم. وقرئ بمد الهمزة وكسر الذال بمعنى فأعلموا الله أنكم حاربتموه.\nوقد أهملته في المشارق والنهاية وأجمله الراغب في مفردات القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>باب بيعة الأعراب</span>\nفيه حديث الأعرابي الذي أسلم وهاجر إلى المدينة [٩٨: ٩، ٨]:\n(فأصابه وعك ...) إلخ.\nيشكل هذا بأن رسول الله - ﷺ - دعا للمدينة بأن تنقل حُمَّاها إلى الجحفة. ويُدفع الإشكال بأن إسلام هذا الأعرابي كان قبل أن يدعو الرسول - ﷺ - بنقل الحُمَّى إلى","vol":"1","page":272},{"text":"الجحفة بأن يكون إسلامه في الزمن الذي وُعِك فيه أبو بكر وبلال.\nأو أن الحُمَّى التي أصابت الأعرابي ليست هي الحُمَّى المستوبئة التي كانت في المدينة قبل الهجرة بل هي حُمَّى مرضٍ توهمها الأعرابي أنها حُمَّى المدينة.\nأو ظن أنه وَخِم من سكني الحضر؛ فلذلك استقال النبي بيعته، وهي البيعة المتضمنة الهجرة، فَرَام الرجوع إلى وطنه من دون كفر، وتكون إباية الرسول - ﷺ - من إقالته من أجل علمه أن الحُمَّى التي أصابته ليست من جراء سكنى المدينة أو من أجل أن الهجرة كانت شرطًا في الإسلام قبل فتح مكة إلا للأعراب النازلين حوالي المدينة؛ مثل مزينة وجُهينة وغفار وأسلم؛ ولذلك لم يقل الراوي: إن الأعرابي قد ارتدَّ بل اقتصر على كونه خرج من المدينة، ولم يقل الرسول - ﷺ - في شأنه إلا أن المدينة تنفي خَبثها، ولم يعبه بكفر فلعله بقي مؤمنًا غير متشبع من الإيمان مثل كثير من ضعفاء المؤمنين الذين يصفهم القرآن بأن في قلوبهم مرضًا، وهم الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ﴾ الآية.\nويحتمل أن يكون الأعرابي تشاءم بالإسلام على عادتهم في الجاهلية من التشاؤم بالمقارنات، فيكون المراد من الاستقالة الرجوع عن الإسلام، وهو ظاهر قوله في الرواية: «أنه بايع رسول الله على الإسلام».\nوهذا الاحتمال هو الأظهر عندي؛ لأنه لو كان إنما كره المقام بالمدينة؛ لأنه استوخمها لأذن له رسول الله - ﷺ - بالخروج إلى البادية كما أذن للعِرْنيين؛ إلا أن يكون ذلك الزمن لم تكن فيه بادية مسلمون بأن يكون صدر أيام الهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>باب الاستخلاف</span>\nوقع فيه قول عمر [١٠٠: ٩، ١٦]:\n(لا أتحمَّلها حيًّا ولا ميِّتًا).\nكذا في رواية أبي ذرٍّ بزيادة (لا) النافية قبل قوله: (ميتًا) وسقطت (لا) من رواية الجميع. ولا وجه لزيادة (لا)؛ لأن زيادتها تقتضي أنه لا يتحمل عهدة الخلافة في الحياة ولا يتحملها بعد الممات، وليس ذلك بمراده، وإنما مراده أنه لا يتحملها في الحالتين وأنه يكفي أنه تحملها حيًّا فلا يتحملها بالاستخلاف، فيكون تقصير الخليفة بعده محمولًا عليه.","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>كتاب التمني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>باب ما يجوز من اللو</span>\nفيه قول رسول الله - ﷺ -[١٠٥: ٩، ٩]:\n«لو كنت راجمًا امرأة بغير بيَّنةٍ».\nذِكْر هذا في هذا الباب لما يدل عليه التعليق بـ (لو) من ترجيح أن يكون راجمها لو كانت بينة، فيدل على أنه إنما كَفَّ عن رجمها لانعدام البينة مع تمني أن تكون ثمة بينة تثبت حق الرجم.\nووقع فيه قول رسول الله - ﷺ -[١٠٥: ٩، ١٢]:\n«لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتهم بالصَّلاة هذه السَّاعة».\nحمله البخاري على أن (لولا) الشرطية مركبة من (لو) الشرطية و(لا) النافية، وأن (لولا) التحضيضية مركبة من (لو) التي للتمني و(لا) النافية وهو رأي لبعض أئمة اللغة.\nووقع فيه قول النبي - ﷺ -[١٠٦: ٩، ١٨]:\n«لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار».\nهو أيضًا بناء على أن (لولا) مركبة من (لو) و(لا) النافية.\nوأما اندراجه في كتاب التمني فدلالته على أن وصف الأنصارية صفة جليلة بحيث تمنَّى النبي - ﷺ - أن تكون له لولا أنه متصف بأفضل منها وهو وصف المهاجرية.","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>كتاب الاعتصام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ </span>-\nوقع فيه مجاهد في قوله تعالى: [١١٣: ٩، ١٧]:\n﴿واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَامًا﴾ قال: (أئمة نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا).\nفسره بأنهم يقتدون بمن قبلهم وليس ذلك بمدلول صريح لدعوتهم؛ لأنهم دعوا أن يكونوا مقتدى بهم لا أن يكونوا مقتدين.\nولعل مجاهدًا فسره بمدلول كنائي؛ لأن اقتداء المتقين بهم لا يكون إلا بعد تحقق هديهم وتقواهم. وأصل ذلك أن يتلقوا العلم والفقه عن أسلافهم ويهتدوا بهدي من قبلهم، وأنهم لما دعوا الله أن يكونوا أئمة للمتقين من الناس فقد دلُّوا على أنهم قدروا قدر أئمة التُّقَى الذين كانوا قبلهم وَرَجوْا أن يكونوا مثلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>باب ما يكره من كثرة السؤال</span>\nفيه قول النبي - ﷺ -[١١٧: ٩، ٧]:\n«إنَّ أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيءٍ لم يحرَّم فحرِّم من أجل مسألته».\nهذا الأثر من مشكل السنة فإن الأحكام الشرعية تجيء على وفق ما في الأفعال الثابتة هي لها من مصالح ومفاسد، فالفعل المحرم جدير بالتحريم، والواجب جدير بالإيجاب. وإذا كان كذلك فسيثبت للفعل حكمه من تحريم أو غيره عندما تتعلق حكمة الله بذلك، فكيف يكون السؤال عن الحكم مقتضيًا ورود تحريمه؟ ولذلك لم تظهر تبعة للسائل من جراء سؤاله، ولعله يكون مستأهلًا للثناء شرعًا؛ إذ يكون سؤاله سببًا في دفع مفسدة فعل بتحريمه أو جلب مصلحة آخر بإيجابه.\nوالذي يدفع هذا الإشكال فيما لاح لي ولم أره لأحد أن بعض الأفعال قد يشتمل على مفسدة عارضة، وقد تَتَفاوت مفسدته بالقوة والضعف باختلاف الأوقات","vol":"1","page":275},{"text":"أو باختلاف أحوال الناس، فيسكت الشارع عن تحريمه في وقت عروض المفسدة له، ويكل الانكفاف عن فعله للناس؛ إذ يكفون عنه من تلقاء أنفسهم لتحرجهم منه، مثل ما كانوا يفعلون في الجماع ليل رمضان، فكانوا يَرَوْنه حرامًا أو قريبًا منه، وكان بعضهم يفعله ويتحرج منه، كما كشفه قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾، وقد كان الناس في زمن رسول الله -﵊ - ناسًا صالحين فهو يكل بعض الأحكام العارضة إلى ما يعلم من زهدهم عن المشبهات.\nويفوض ذلك إلى أفهام الفقهاء في الدين بعد وفاة الرسول - ﷺ -، فإذا سأل السائل عن فعل من الأفعال التي هذا حالها تعين بيان حكمها بالقول، فإذا ورد فيها قرآن أو سنة تناقله الناس في العصور، فيستمر الحكم الوارد في شأنها ويعم سائر المسلمين في سائر العصور؛ لأنهم يستعظمون مخالفة ما جاء في القرآن أو صريح سنة الرسول - ﷺ - وقد يتعذر تحديد كيفية تحريمه لكثرة صور التحريم ودقة الفروق التي توقت التحريم، وعسر وضع عموم الناس تلك الصور في مواضعها، فإذا حرم تحريمًا غير مفصل دخل على الناس حرج بذلك، وإذا فُصل فُتح لأصحاب الأفهام الضعيفة باب التقصيد فيه؛ وذلك لا يناسب مدة حياة المشرع، فكان سؤال السائل عن ذلك الحكم موقعًا للناس في حرج ومغلقًا في وجوه العلماء باب التفصيل والتأويل.\nويدل لهذا المعنى ما ورد في مواضع من السنة من كراهية الرسول - ﷺ - أن يتناقل الناس أنه حرم أو حلل غير ما حرمه القرآن أو حلَّله، وهذا يفتح بابًا في أصول الفقه من الفرق بين الأحكام الثابتة بالكتاب والأحكام الثابتة بالسنة غير المتواترة وغير المعلومة بالضرورة.\nهذا إذا أريد بالجرم في كلام النبي - ﷺ - الذنب، وهو ظاهر قوله «منْ أعْظم الناس جُرْمًا» أنه تسبب في حرج مستمر على المسلمين.\nومثال هذا ما روي في النهي عن كِرَاء الأرض بما يخرج منها، ومثاله تحريم عود المرأة إلى زوجها بعد الملاعنة، فقد صار قول العجلاني: «كذبت عليها إن أمسكتها» سببًا في سنة تحريم عود الملاعنة إلى الذي لَاعَنَهَا لتحرج الناس من ذلك وتعيرهم به ولذلك قال الراوي: «فكانت تلك سنة المتلاعنين من بعد»؛ وكذلك الرجم في الزنا فقد أعرض رسول الله - ﷺ - عن المُقِرِّ على نفسه ثلاث مرات لعله ينصرف.\nويحتمل أن يراد بالجُرْم الشيء المكدر للناس لا الذنب، فيكون المعنى أن السائل","vol":"1","page":276},{"text":"الذي يُحرَّم شيء بسبب سؤاله أعظم الناس إحراجًا لقومه بسؤاله؛ إذ كان مثير حرج عليهم، فإن الأشياء تأخذ حكم مقارنها في المحبة والكراهية.\nوقع فيه قوله [١١٧: ٩، ٩]:\n(عن زيد بن ثابتٍ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - اتَّخذ حجرةً في المسجد من حصيرٍ فصلَّى رسول الله - ﷺ - فيها ليالي حتَّى اجتمع إليه ناسٌ ففقدوا صوته ليلةً فظنُّوا أنَّه قد نام فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم فقال: «ما زال بكم الَّذي رأيت من صنيعكم حتَّى خشيت أن يكتب عليكم ولو كتب عليكم ما قمتم به»). الحديث.\nهذا الحديث من مشكلات السنة، ووجه إشكاله أن الله إذا أراد أن يكتب على الأمة فريضة لا يتوقف مراده على ظهور حرص الأمة على فعل شيء فيكتب عليهم؛ لأن الله يشرع الأحكام على حسب ما فيها من المصالح والمفاسد التي نعلم بعضها ولا نعلم بعضًا، فلا يؤثِّر حرص ولا زهادة في فعل من الأفعال حكمًا يقتضي تشريع ذلك الفعل.\nوجواب هذا الإشكال أنه قد يكون النبي - ﷺ - قد نصب الله له علامات على أنه سيكتب على الأمة عملًا، منها أن تقبل الأمة على عمل من الأعمال الحسنة، فقد يجعل الله ذلك الإقبال تيسيرًا منه وتهيئة لنفوس المسلمين لقبول ما سيكتب عليهم، فلما رأى النبي - ﷺ - شدة حرصهم على صلاة الليل خشي أن يكون ذلك تسخيرًا من الله إياهم لتلقي ما سيفرضه عليهم.\nكما يجوز أن تكون كراهية المسلمين للشيء القبيح أمارة على تهيئة نفوسهم لتلقي تحريمه، كما ظهر من كراهتهم شرب الخمر بعد واقعة حمزة مع علي، ثم مع رسول الله - ﷺ -، وبعد واقعة الإمام الذي قرأ في صلاته «قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)».\nووقع فيه قول رسول الله - ﷺ -[١١٨: ٩، ت (٣)]: «أوْلَى».\nوكتبت في النسخ بالإمالة، وما كتبت كذلك إلا أنها ليست مركبة من (أو) العاطفة و(لا) النافية، فلا اعتداد بزعم من قال ذلك.","vol":"1","page":277},{"text":"والذي يظهر أنها «أوْلى» الذي هو أفعل تفضيل من الولي، وهي كلمة تقولها العرب في مقام التحذير وفي مقام التهويل، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾، فيكون مراد النبي - ﷺ - حين بدا من عمر الخوف أن ينبهه إلى أن المقام مقام حذر وخوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم</span>\nوقع فيه قوله [١١٩: ٩، ١٤]:\n(لقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾).\nبناءً على أن كل ما ذمه الله في أهل الكتاب كان محذرًا منه المسلمون أن يتلبسوا بمثله، نقل ذلك عن ابن عباس في غير هذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>باب ما ذكر النبي - ﷺ - وحضَّ على اتفاق أهل العلم</span>\nوقع فيه [١٢٧: ٩، ٦]:\n(وما أجمع عليه الحرمان مكَّة والمدينة).\nاعلم أنه إذا فرض القول بحجية إجماع أهل بلد فإنما ينظر إلى ما لأهل ذلك البلد في عصر أو عصور من حرِّيَّة في العلم. والسنة تقتضي الاقتداء بإجماعهم على غيرهم وليس ذلك نظرًا إلى البلاد وما فيها من معالم مقدَّسة. وليس لأهل بلد من هذه المزية إلا لأهل المدينة في القرون الثلاثة الأولى قبل تغير حالة أهلها عن السيرة التي تركهم عليها رسول الله - ﷺ -، فقد كانت سيرتهم جارية على سنن رسول الله - ﷺ - والخلفاء الراشدين وأهل العلم من الصحابة وكانوا ما بين صحابيِّ وأبناء الصحابة، فلا جرم أنهم أهلٌ لأن يتعرف من سيرتهم وهديهم بيان يُفزع إليه عند المشكلات في الدين.\nوقد أخبر رسول الله - ﷺ - عن المدينة بأنها تنفي خَبَثَها؛ وذلك يقتضي أن الله عصمها من أن يستقر فيها الباطل استقرارًا يصيره عادة وسنة.\nولذلك قال مالك بالاحتجاج بإجماع أهل المدينة فيما طريقه النقل وارتسام السنة،","vol":"1","page":278},{"text":"أو إلى ما يرجع إلى فهم مغلق أو بيان مجمل أو نحو ذلك، لا فيما طريقه الاجتهاد والرأي، ولا أحسب أن يكون لِمِصْر من أمصار الإسلام هذه المزية الخصوصية.\nوأما مكة فقد استمرت بلد كفر إحدى وعشرين سنة منذ مجيء الإسلام، وفارقها رسول الله - ﷺ - والمؤمنون، ثم فتحها الله وطهرها، وقد بارك الله فيها من قبل وردَّها إلى حرمتها من بعد؛ فإن كان في سيرة أهلها بعد الإسلام حجة فتوشك أن تكون مقصورة على تعيين مشاهد ظهور الإسلام فيها، وما لقيه الرسول والمسلمون من أهل الشرك، ومذكرات تذكِّر المسلمين ما دار بينهم وبين المشركين في أمر الدين؛ ففي ذلك مرجع في ظهور أمور الإسلام ومذكر بمنبته دون ما يعدو ذلك؛ فإن أهلها قد فاتهم أصلان عظيمان من أصول البيان:\nأحدهما: ما نسخ من الأحكام التي عهدوها في صدر الإسلام.\nوثانيها: ما أنزل من تفاصيل الأحكام.\nوهذان الأصلان هما جماع معظم الدين والشريعة، فلذلك تعيَّن أن يكون أهلها تبعًا لأهل المدينة.\nفلعل البخاري نظر إلى وجه الاحتجاج بأهلها ولو في الجملة والندرة، أما ما سوى هذين من أمصار الإسلام فلا مزية به؛ لأن أصحاب رسول الله - ﷺ - تفرقوا من بعد في الأمصار، فصارت الحجة في أقوالهم ولم يكن مِصْرٌ أحرى من غيره بالحجية من حيث عدد سكانه.","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>كتاب التوحيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>باب «وكان عرشه على الماء»</span>\n[١٥٢: ٩، ٢]: (عن عمران بن حصينٍ قال: إنِّي عند النَّبيِّ - ﷺ - إذ جاءه قومٌ من بني تميمٍ فقال: «اقبلوا البشرى يا بني تميم» قالوا: بشَّرتنا فأعطنا فدخل ناسٌ من أهل اليمن فقال: «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميمٍ» قالوا: قبلنا). الحديث.\nفسَّره الشارحون بما لا أحسبك تطمئن إليه، والذي عندي في تفسيره أن البشرى في عادة العرب هي العِدَة بالعطاء؛ فكان الوافد إذا وفد على ملك أو عظيم بشره بقضاء لُبَانته، وقد قال رسول الله - ﷺ - للأنصار لما بلغهم مجيء مال، فتعرضوا للرسول في صلاة الصبح: «أبْشِرُوا وأمِّلُوا»، فكان هذا معروفًا عندهم.\nوأما بشرى النبي - ﷺ - فهي الوعد بما من شأنه أن يفد الناس إليه لأجله؛ وذلك هو ما فيه النجاة والصلاح، كما قال تعالى: ﴿ولَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ وهي قول الملائكة في حق لوط: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وأَهْلَهُ﴾ وقولهم في حق آله: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ﴾، فلما قال النبي - ﷺ - لبني تميم: «اقبلوا البشرى» كان شأنهم أن يفهموا مراده ويعلموا أنهم لم يجيئوا عافين وإنما جاؤوا مؤمنين تائبين، فالبشرى المناسبة لمقدمهم هي بشرى القبول عند الله تعالى، ولكنهم غلبت عليهم جفوة الأعراب ساعتئذ فذهب وهمهم إلى أنها بشرى بالعطاء، وزادوا جفوة، فاستعجلوا ما توهموه؛ فلذلك كره منهم النبي - ﷺ - ذلك، وجعلهم غير قابلين البشرى، أي غير قابلين البشرى المقصودة ولا منتظرين العطاء المحسوب، فقالوا (بشرتنا فأعطنا)، فكانت حالهم من يخشى عدم الوفاء بالبشرى، وهذه جفوة ثانية، وكان أهل اليمن أرجح أحلامًا وأكرم أخلاقًا فقالوا: (قد قبلنا).\nووقع فيه قوله [١٥٣: ٩، ٦]:\n(«هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه الَّتي ولد فيها»).","vol":"1","page":280},{"text":"وظاهره أن المراد الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام لمقابلته بقوله: «أو جلس في أرضه»، وقد كانت الهجرة واجبة في أول ما هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة، فالمقصود بيان أن ترك الهجرة لا يسلب الإيمان عن تاركها ولكنه يكون تاركًا واجبًا، فيكون بيانًا لقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن ولايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾.\nوأما قوله عقبه: «فإن في الجنة» فإنه درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله فهو لتفصيل أحوال الهجرة فإن الجهاد من الهجرة لأنه سفر في سبيل الله، فيكون التصريح بأفضل أحوال الهجرة إشارة إلى أن دون ذلك مراتب كثيرة وهي المائة درجة.\nويجوز أن يكون المراد بقوله: «هاجر في سبيل الله» الجهاد، فعبر عنه بالهجرة بمعنى السفر، ويكون قوله عقبه: «أعدها الله للمجاهدين» بيانًا للمراد.\nووقع فيه قوله [١٥٣: ٩، ١٤]: (ثم قرأ «ذلك مستقرٌ لها» في قراءة عبد الله).\nأي ثم قرأ الأعمش أو أبو معاوية عنه، وقراءته الآية قصد منها جعل الأثر تفسيرًا للآية، وهذا رأي من الراوي وليس توقيفًا من النبي - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>باب قوله تعالى: ﴿وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾</span>\nوقع فيه قوله [١٦٠: ٩، ٨]:\n(«فتجعل في رقابهم الخواتيم»).\nتمثيل لما هو متعارف في الدنيا؛ فقد كانوا يجعلون في رقاب أهل الذمة، علامة على أنه موفٍ بما عليه من الجزية، ويجعلون خواتيم في رقاب العبيد إذا عتقوا لكي لا يُتَّهَمُوا بالإبَاق، قال بشَّار:\nعقد الحب لها في عنقي ... موضع الخاتم من أهل الذمم\n\nفكانت هذه الخواتيم في الآخرة شرفًا لأهلها بشرف من أضيفوا إليه حيث يدعون عتقاء الرحمن.\nوقريب من هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وكُلَّ إنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾.\nووقع فيه قوله [١٦٠: ٩، ١١]:\n(«يحبس المؤمنون يوم القيامة حتَّى يهمُّوا بذلك»).","vol":"1","page":281},{"text":"الحبس بمعنى عدم الإذن بالانصراف، ومنه قوله في الحديث: (إن أم ... حبست رسول الله على خزيرة صنعتها له).\nوقوله: «يُهِمُّوا» وقع للشارحين في ضبطه اضطراب، والصواب عندي أنه -بضم التحتية وفتح الهاء - من أَهمَّه، إذا أصابه بِهَمٍّ، أي كرب وحزن، أي حتى يطول انتظارهم فيدخلهم الضجر والهمُّ.\nويجوز فيه - فتح التحتية وكسر الهاء - على أنه من الهمِّ، أي العزم، أي حتى يترددوا فيما ذا يصنعون ثم يعزمون على أن يستشفعوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>باب قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾</span>\nوقع فيه قول رسول الله - ﷺ -[١٧٧: ٩، ٩]:\n(«خلق الله الخلق فلمَّا فرغ منه قامت الرَّحم فقال: مه»).\nوقد فسر الشارحون «مَهْ» أنه اسم فعل بمعنى كُفَّ، وهو تفسير غير مستقيم إذا لا يلاقي الغرض.\nوالصواب أن «مَهْ» هي (ما) الاستفهامية حذفت ألفها وعوض عنها الهاء في الوقف، كما تعوض في حالة دخول جارٍّ عليها، وحذف المستفهم عنه لظهوره، أي ما شأنك؟\nوقريب منه قول النبي - ﷺ - لعبد الرحمن بن عوف وقدْ رَأَى عليه وضرًا من صفرة، أي خَلوق: «مهيم» قال: تزوجت. فقوله: «مهيم» هي (ما) الاستفهامية.\nووقع فيه قوله [١٧٨: ٩، ٦]:\n(«فقال ربُّه: أعلم عبدي أنَّ له ربًّا يغفر الذَّنب ويأخذ به غفرت لعبدي» وقال في الثالثة: «فليعمل ما شاء»).\nفتعين أن يكون هذا العبد المخبر عنه من الذين لم تجئهم الرسل، وقد اهتدى إلى معرفة الله بأدلة النظر فكان منفردًا بالإيمان من بين أمته، كما يقتضيه قول الله تعالى: «علم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب» فإنه لو كان ذلك أمرًا معروفًا لم يكن لقوله:","vol":"1","page":282},{"text":"«علم عبدي أن له ربًّا» موقع.\nثم إنه اهتدى إلى صفات الله التي منها أنه يغفر الذنب، ثم اهتدى إلى معرفة الأعمال التي لا يرضى بها الله تعالى، فاستغفر من اقترافها؛ فلذلك كان أفضل أمته وجازاه الله على ذلك بالمغفرة، ثم بأن يعمل ما شاء، أي فكلما عمل ما يستحق أن يكون ذنبًا غفره الله له.\nوفي هذا بيان لفضل الإيمان، وفضل النظر، وفضل الاستغفار وقد تحير شارحو الحديث في تأويله وقد كشف لك قناعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>باب كلام الرب تعالى يوم القيامة</span>\nوقع فيه قوله [١٨١: ٩، ٤]:\n(«فيقول له ذلك ثلاث مرَّاتٍ كلَّ ذلك يعيد عليه: الجنَّة ملأى»).\nانتصب «كُل» على النيابة عن المفعول فيه، والإشارة بذلك إلى القول الذي تضمنه فعل «فيقول له ذلك» أي كل ذلك القول يعيد، أي في كل وقت لذلك القول يعيد عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>باب قوله: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾</span>\nوقع فيه حديث شق صدر النبي - ﷺ - ففيه [١٨٢: ٩، ١٢]:\n(«فأتي بطستٍ من ذهبٍ فيه تورٌ من ذهبٍ محشوًّا حكمةً وإيمانًا»).\nوهذا تمثيل في الوحي فقد رأى رسول الله - ﷺ - وأحس بهذه الحالة، وتلك حالة تطور في حواسه الباطنة ومهيئاتها لتستعد تلك الجوارح الباطنة للاتصال بالعالم الملكي، وتلقي الوحي الرباني، وإفاضة العلم والحكمة.\nوتقريبه ما يحدث من التطور في الملامح والصفات عند الانتقال من طور الطفولة إلى طور الشباب حين تتمدَّد البشرة والعروق والأعضاء فيصير جميلًا ما كان منها غير جميل، ورشيقًا ما كان غير رشيق، وتامًّا ما كان ناقصًا.","vol":"1","page":283},{"text":"ووقع فيه قوله [١٨٣: ٩، ٦]:\n(فقال: «ما هذان النَّهران يا جبريل؟» قال: هذان النِّيل والفرات عنصرهما.\nثمَّ مضى به في السَّماء فإذا هو بنهرٍ آخر عليه قصرٌ من لؤلؤٍ وزبرجدٍ فضرب يده فإذا هو مسكٌ. قال: «ما هذا يا جبريل؟» قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربُّك).\nهذا رمز بشارة بأن النِّيل والفرات يصيران من جُملة مملكة أمته قريبًا، وينتشر حولهما دينه. وقد نبه إلى ذلك قول جبريل في «هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك»، فعلم أن ما عرض عليه من الأنهار ما عرض عليه إلا لأنه صائر إليه وإلا لم يكن وجه للعرض.\nوإنما خصَّ جبريل بالبشارة نهر الكوثر دون النيل والفرات؛ لأن الهمة الملكية والهمة النبوية أشد تهممًا بخير الآخرة منها بخير الدنيا وفي كل ذلك خير.\n* * *\nوهذا آخر ما لاح لي التنبيه عليه من شرح ما أغلق من أحاديث صحيح البخاري وسأقفيه بما عسى أن يلوح لي مما لم أذكره إن شاء الله تعالى.\n* * *","vol":"1","page":284}]}