{"ً":{"ٌ":133362,"ٍ":"بذل النظر في الأصول","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/bznzusPDF/","files":["bznzusp.pdf|المقدمة","bznzus.pdf|0"]},"ّ":"الكتاب: بذل النظر في الأصول\nالمؤلف: العلاء محمد بن عبد الحميد الأسمندي (٥٥٢ هـ)\nحققه وعلق عليه: الدكتور محمد زكي عبد البر\n(أستاذ الشريعة الإسلامية والقانون المدني، بكليات الشريعة والقانوت بالجامعات العربية، ونائب رئيس محكمة النقض سابقا)\nالناشر: مكتبة التراث - القاهرة\nالطبعة: الأولى، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م\nعدد الصفحات: ٧٠٨\nأعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.1","ٔ":2948,"ٕ":11,"ٖ":1770156191,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"١ - باب - بيان وجوب العلم بأصول الفقه. وكيفية وجوبه.","level":2,"page":2},{"title":"٢ - باب- ماهية أصول الفقه. وكيفية الاستدلال به.","level":2,"page":2},{"title":"٣ - باب- قسمة أصول الفقه","level":2,"page":6},{"title":"١ - كتاب الله تعالى","level":1,"page":8},{"title":"٤ - باب- حقيقة الكلام وأقسامه","level":2,"page":9},{"title":"١ - باب الحقيقة والمجاز","level":3,"page":11},{"title":"أ- الحقيقة","level":4,"page":13},{"title":"٥ - باب في: إثبات الحقائق المشتركة","level":5,"page":13},{"title":"٦ - باب في: إثبات الحقائق العرفية","level":5,"page":15},{"title":"٧ - باب في: إثبات الحقائق الشرعية","level":5,"page":17},{"title":"ب- المجاز","level":4,"page":20},{"title":"٨ - باب في: إثبات المجاز في اللغة","level":5,"page":20},{"title":"٩ - باب في: حسن دخول المجاز في كلام الله تعالى","level":5,"page":22},{"title":"١٠ - باب في: ذكر ما يفصل بين الحقيقة والمجاز","level":5,"page":24},{"title":"١١ - باب بيان طريق المجاز ووجوهه","level":5,"page":26},{"title":"٢ - باب في- بيان أن اللغات توقيفية أو اصطلاحية","level":3,"page":30},{"title":"٣ - باب الحروف","level":3,"page":34},{"title":"حرف الواو","level":4,"page":35},{"title":"ومنها- حرف \"أو\"","level":4,"page":37},{"title":"ومنها- حرف \"الفاء\"","level":4,"page":39},{"title":"ومنها- حرف \"الباء\"","level":4,"page":40},{"title":"٤ - باب حقيقة الأمر واختصاصه بالقول","level":3,"page":47},{"title":"١٢ - باب في- ما يقع عليه قولنا \"افعل\"","level":4,"page":50},{"title":"١٣ - باب في: أن صيغة \"افعل\": هل هي مشتركة بين الفائدتين على سبيل التحقيق أم لا؟","level":4,"page":54},{"title":"١٤ - باب في: أن صيغة الأمر، هل تفيد الوجوب أم لا؟","level":4,"page":55},{"title":"١٥ - باب في: أن الأمر الوارد بعد حظر سمعي أو عقلي ما الذي يفيده؟","level":4,"page":65},{"title":"١٦ - باب في: الأمر بالأشياء على سبيل التخيير-[هل] يفيد وجوب واحد منها غير عين، أو يفيد وجوب الكل على طريق البدل؟","level":4,"page":69},{"title":"١٧ - باب في: أن الأمر بالفعل، هل يدل على الإجزاء؟","level":4,"page":76},{"title":"١٨ - باب في: أن الأمر بالشيء، هل هو أمر بما لا يتم الواجب إلا به؟","level":4,"page":78},{"title":"١٩ - باب في: أن الأمر بالشيء، هل هو نهي عن ضده؟","level":4,"page":81},{"title":"٢٠ - باب في: أن الأمر المطلق، هل يقتضي تكرار الفعل المأمور به أم لا؟","level":4,"page":83},{"title":"٢١ - باب في: أن الأمر المعلق بالشرط والصفة، هل يقتضي تكرار الفعل المأمور به إذا تكرر الشرط والصفة؟","level":4,"page":87},{"title":"٢٢ - باب في: أن الأمر المطلق، هل يقتضي تعجيل الفعل المأمور به أم لا؟","level":4,"page":91},{"title":"٢٣ - باب في: أن الأمر الموقت بوقت، متى يجب الفعل فيه؟","level":4,"page":100},{"title":"٢٤ - باب في: الأمر الموقت بوقت، هل يدل على غيجاب الفعل فيما عدا الوقت أم لا؟","level":4,"page":105},{"title":"٢٥ - باب في: أن الآمر هل يدخل تحت الأمر أم لا؟","level":4,"page":108},{"title":"٢٦ - باب في: الأوامر الواردة من النبي ﵇: هل هي متوجهة إلى من نشأ بعده من أهل الخطاب أم لا؟","level":4,"page":109},{"title":"٢٧ - باب في: أمر المعدوم","level":4,"page":110},{"title":"٢٨ - باب في: الأمر بالموجود","level":4,"page":111},{"title":"٢٩ - باب في: الأمر بالأمر بالشيء، هل يكون أمرا بذلك الشيء أم لا؟","level":4,"page":112},{"title":"٣٠ - باب في: الأمر المقيد بشرط زوال المنع","level":4,"page":113},{"title":"٣١ - باب في: أمر المتمكن من الفعل، القادر عليه في الحال، والمعلوم عند الله تعالى: أنه لو أراد الفعل يخرم","level":4,"page":115},{"title":"٣٢ - باب في: الأمر المقيد بالشرط وغيره- هل يدل على أن الحكم فيما عداه بخلاف أم لا؟","level":4,"page":116},{"title":"أما الأول: [التقييد بالشرط]","level":5,"page":116},{"title":"وأما الفصل الثاني: [التقييد بالغاية]","level":5,"page":121},{"title":"وأما الفصل الثالث: [التقييد بالعدد]","level":5,"page":122},{"title":"وأما الفصل الرابع: [التقييد بالاسم]","level":5,"page":125},{"title":"وأما الفصل الخامس: [التقييد بالصفة]","level":5,"page":126},{"title":"وأما الفصل السادس: [التقييد بكلمة: إنما]","level":5,"page":134},{"title":"٣٣ - باب في: الأمر الوارد عقيب أمر بحرف العطف وغيره","level":4,"page":135},{"title":"٣٤ - باب في: كيفية إيجاب الأمر فروض الكفايات","level":4,"page":139},{"title":"٣٥ - باب في: أن الواجب هل يكون أوجب من واجب","level":4,"page":140},{"title":"٣٦ - باب في: شرائط حسن الأمر","level":4,"page":141},{"title":"٥ - باب الكلام في النواهي","level":2,"page":144},{"title":"٣٧ - النهي عن المشروعات، هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟","level":3,"page":144},{"title":"٣٨ - باب في: ذكر ما يفصل به بين ما يفسد بالنهي وبين ما لا يفسد","level":3,"page":149},{"title":"٦ - أبواب العموم","level":2,"page":153},{"title":"٣٩ - [باب الكلام في العموم]","level":3,"page":153},{"title":"أما الفصل الأول [اسم العموم هل يقع على المعاني على سبيل الحقيقة أو يختص بالأسماء والألفاظ؟]","level":4,"page":153},{"title":"الفصل الثاني [اسم العموم إذا وقع على الأسماء والألفاظ ما الذي يفيده؟]","level":4,"page":154},{"title":"وأما الفصل الثالث وهو قسمة الألفاظ العامة","level":4,"page":157},{"title":"وأما الفصل الرابع وهو الكلام في إثبات العموم في اللغة","level":4,"page":160},{"title":"٤٠ - باب في: الألف واللام إذا دخلا على الاسم","level":3,"page":173},{"title":"أما الأول: [في اسم الجمع المشتق وغيره، إذا دخله الألف واللام، والمضاف بدون الألف واللام]","level":4,"page":173},{"title":"وأما الثاني: وهو اسم الفرد المعرف بالألف واللام، كقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة﴾.","level":4,"page":177},{"title":"٤١ - [باب في: الجمع المنكر]","level":3,"page":179},{"title":"٤٢ - باب في: أن أقل الجمع: ما هو؟","level":3,"page":180},{"title":"٤٣ - باب في: أن نفي مساواة الشيء الشيء- هل يقتضي نفي اشتراكهما في جميع الصفات أم لا؟","level":3,"page":183},{"title":"٤٤ - باب في: أن خطاب الذكور- هل يتناول الإناث أم لا؟","level":3,"page":184},{"title":"٤٥ - باب في: أن العبد هل يدخل تحت الخطاب بالعبادات أم لا؟","level":3,"page":187},{"title":"٤٦ - باب في: أن الكافر هل يخرج عن الخطاب بالشرعيات أم لا؟","level":3,"page":188},{"title":"٧ - باب الخصوص","level":2,"page":197},{"title":"٤٧ - [تعريفات]","level":3,"page":197},{"title":"٤٨ - باب ما ينتهي إليه التخصيص من الغاية","level":3,"page":199},{"title":"٤٩ - باب في: استعمال لفظة العموم في الخصوص","level":3,"page":201},{"title":"٥٠ - باب- ما يصير العام به خاصا","level":3,"page":203},{"title":"٥١ - باب- ما يعلم به تخصيص العام","level":3,"page":203},{"title":"[أ] [تخصيص العام بالأدلة المتصلة]","level":4,"page":204},{"title":"١ - أما الصفة","level":5,"page":204},{"title":"٢ - وأما الغاية","level":5,"page":204},{"title":"٣ - وأما المقيد بالشرط","level":5,"page":205},{"title":"٤ - باب- في تخصيص العام بالاستثناء","level":5,"page":206},{"title":"[ب] تخصيص العام بالأدلة المنفصلة","level":4,"page":218},{"title":"[١ - العقل]","level":5,"page":218},{"title":"[٢ - الكتاب]","level":5,"page":219},{"title":"[٣ - السنة]","level":5,"page":221},{"title":"[٤ - الإجماع]","level":5,"page":224},{"title":"٥٢ - باب في: بناء العام على الخاص","level":3,"page":225},{"title":"٥٣ - باب في: أن العام إذا دخله الخصوص- هل يصير مجازا أم لا؟","level":3,"page":232},{"title":"٥٤ - باب في: أن العام المخصوص- هل يصح الاستدلال به فيما عدا المخصوص أم لا؟","level":3,"page":235},{"title":"٥٥ - باب في: تخصيص العام بالعادة","level":3,"page":240},{"title":"٥٦ - باب في: أن العام: هل يخص لوروده على سبب خاص أم لا؟","level":3,"page":241},{"title":"٥٧ - باب في: تخصيص عموم الابتداء بخصوص الانتهاء، وتخصيص عموم الانتهاء بخصوص الابتداء","level":3,"page":245},{"title":"٥٨ - باب في: أن المعطوف- هل يجب أن يضمر فيه جميع ما يجب إضماره في المعطوف عليه أم لا؟ وهل إذا وجب ذلك وكان المضمر في المعطوف مخصوصا وجب أن يكون في المعطوف عليه مخصوصا ام لا؟","level":3,"page":249},{"title":"٥٩ - باب في: أن ذكر بعض ما شمله العام هل يوجب تخصيص العام أم لا؟","level":3,"page":251},{"title":"٦٠ - باب العمومين إذا تعارضا","level":3,"page":253},{"title":"٨ - باب في: المطلق والمقيد","level":2,"page":255},{"title":"٦١ - [باب في: تعريف المطلق]","level":3,"page":255},{"title":"٦٢ - باب في: أن المطلق إذا دخله قيد- هل يصير مجازا، وهل يصح التعلق به في الباقي؟","level":3,"page":257},{"title":"٦٣ - باب في: حمل المطلق على المقيد","level":3,"page":257},{"title":"٩ - باب المجمل والمبين","level":2,"page":264},{"title":"٦٤ - [تعريفات]","level":3,"page":264},{"title":"٦٥ - باب في: معرفة ما يحتاج إلى البيان وما لا يحتاج إليه","level":3,"page":267},{"title":"٦٦ - باب: ما أخرج من المجمل وهو منه- نحو إرادة المعنيين بعبارة واحدة","level":3,"page":271},{"title":"٦٧ - باب في: ما ألحق بالجمل وليس منه","level":3,"page":277},{"title":"٦٨ - باب: ما يكون بيانا للأحكام الشرعية","level":3,"page":281},{"title":"٦٩ - باب في: تقديم القول على الفعل في البيان","level":3,"page":282},{"title":"٧٠ - باب في: أن البيان هل يكون كالمبين","level":3,"page":283},{"title":"٧١ - باب في: جواز تأخير بيان المجمل والعام (والنسخ)","level":3,"page":285},{"title":"٧٢ - باب في: من يجب له البيان وفيمن لا يجب","level":3,"page":299},{"title":"٧٣ - باب في: إسماع العام المكلف، دون إسماع ما يخصه","level":3,"page":300},{"title":"١٠ - باب النسخ","level":2,"page":302},{"title":"٧٤ - [باب- فائدة النسخ]","level":3,"page":302},{"title":"٧٥ - باب في: حقيقة الناسخ والمنسوخ","level":3,"page":303},{"title":"٧٦ - باب في: الفصل بين البداء والنسخ","level":3,"page":306},{"title":"٧٧ - باب في: جواز نسخ الشرعيات","level":3,"page":307},{"title":"٧٨ - باب في: نسخ الشيء قبل فعله","level":3,"page":312},{"title":"٧٩ - باب في: نسخ الفعل إذا كان الأمر مقيدا بلفظ التأييد","level":3,"page":318},{"title":"٨٠ - باب في: أن إثبات بدل العبادة ليس بشرط لجواز النسخ","level":3,"page":320},{"title":"٨١ - باب: نسخ العبادة إلى بدل هو أشق","level":3,"page":322},{"title":"٨٢ - باب في: نسخ التلاوة والحكم جميعا. أو نسخ التلاوة دون الحكم أو نسخ الحكم دون التلاوة","level":3,"page":325},{"title":"٨٣ - باب في: نسخ الأخبار","level":3,"page":327},{"title":"٨٤ - باب في: نسخ الكتاب بالكتاب والسنة بالسنة","level":3,"page":329},{"title":"٨٥ - باب: نسخ السنة بالكتاب","level":3,"page":331},{"title":"٨٦ - باب: نسخ الكتاب بالسنة (المتواترة)","level":3,"page":333},{"title":"٨٧ - باب في: نسخ الكتاب والسنة المتواترة [بأخبار الآحاد]","level":3,"page":338},{"title":"٨٨ - باب: في: نسخ الإجماع، ووقوع النسخ به","level":3,"page":341},{"title":"٨٩ - باب في: نسخ القياس، ووقوع النسخ به","level":3,"page":344},{"title":"٩٠ - باب: النسخ بالإقرار [من الرسول ﷺ]","level":3,"page":347},{"title":"٩١ - باب: الزيادة على النص هل هو نسخ أم لا؟","level":3,"page":348},{"title":"٩٢ - باب في: بيان أن نقصان شرط العبادة وجزء منها - هل يكون نسخا لما عداه أم لا؟","level":3,"page":355},{"title":"٩٣ - باب في: الطريق إلى معرفة كون الحكم منسوخا","level":3,"page":357},{"title":"٢ - الأخبار","level":1,"page":360},{"title":"[أ] باب الأخبار","level":2,"page":361},{"title":"٩٤ - فالقسم الأول - هو الكلام في اسم الخبر، وبما به يصير الخبر خبرا، وفي حده، وأقسامه: الصدق والكذب.","level":3,"page":361},{"title":"٩٥ - باب في: الأخبار التي يعلم صدقها، والتي يعلم كذبها، والتي لا يعلم كلا الأمرين فيها [- في أخبار الآحاد]","level":3,"page":366},{"title":"٩٦ - باب في: وقوع العلم بالتواتر. وبيان صفة العلم الواقع بالتواتر","level":3,"page":372},{"title":"٩٧ - باب في: ما الحق بالمتواتر من الأخبار","level":3,"page":375},{"title":"٩٨ - باب في: بيان شرط وقوع العلم بالتواتر","level":3,"page":381},{"title":"٩٩ - باب في: أن خبر الواحد هل يوجب العلم أم لا؟","level":3,"page":387},{"title":"١٠٠ - باب في: ما يقبل فيه خبر الواحد، وما لا يقبل فيه ذلك","level":3,"page":390},{"title":"١٠١ - باب في: جواز ورود التعبد بخبر الواحد","level":3,"page":394},{"title":"١٠٢ - باب في: ورود التعبد بأخبار الآحاد","level":3,"page":401},{"title":"١٠٣ - باب في: ما يرد له الخبر وما لا يرد","level":3,"page":418},{"title":"١٠٤ - باب في: ذكر فصول الرواي","level":3,"page":425},{"title":"١٠٥ - باب في: - ما يراد الخبر إذا كان رواية واحد","level":3,"page":433},{"title":"١٠٦ - باب في: نقل الحديث بالمعنى","level":3,"page":438},{"title":"١٠٧ - باب في: طريق رواية الحديثة","level":3,"page":440},{"title":"١٠٨ - باب- القول في المراسيل","level":3,"page":443},{"title":"١٠٩ - باب في: التدليس","level":3,"page":453},{"title":"١١٠ - باب في: الخبر الواحد إذا كان مقتضاه خلاف ما اقتضى العقل","level":3,"page":454},{"title":"١١١ - باب في: خبر الواحد إذا ورد رافعا لحكم الكتاب والسنة المتواترة","level":3,"page":455},{"title":"١١٢ - باب في: الحكم إذا اقتضي عموم الكتاب فيه، خلاف ما اقتضاه خبر الواحد","level":3,"page":456},{"title":"١١٣ - باب في: الحكم إذا اقتضي عموم القياس فيه، خلاف ما اقتضاه خبر الواحد","level":3,"page":462},{"title":"١١٤ - باب في: فائدة الخبر إذا كان البلوى به عاما- هل يقبل فيه خبر الواحد أم يرد؟","level":3,"page":468},{"title":"١١٥ - باب في: قول الصحابي: \"أمرنا أن نفعل كذا\" ونحو ذلك","level":3,"page":471},{"title":"١١٦ - باب في: الراوي إذا روى حديثا لخلاف مذهبه- هل يترك روايته أم لا؟","level":3,"page":475},{"title":"١١٧ - باب في: تعارض الخبرين","level":3,"page":477},{"title":"١١٨ - باب في: ما يترجح [به] أحد الخبرين على الآخر","level":3,"page":478},{"title":"[ب] باب الأفعال","level":2,"page":489},{"title":"١١٩ - [أقسامها]","level":3,"page":489},{"title":"[١ - القبيح]","level":4,"page":490},{"title":"[٢ - الحسن]","level":4,"page":491},{"title":"١٢٠ - باب في: ذكر القادرين الذين يجوز عليهم الفعل الحسن والقبيح","level":3,"page":493},{"title":"١٢١ - باب في: ذكر معنى: التأسي، والمتابعة، والموافقة، والمخالفة، والائتمام.","level":3,"page":495},{"title":"١٢٢ - باب في: دلالة أفعال النبي ﵇ على الأحكام","level":3,"page":498},{"title":"١٢٣ - باب في: طريق معرفة الجهة التي تقع أفعال النبي ﵇ عليه","level":3,"page":504},{"title":"١٢٤ - باب في: التأسي بالنبي ﵇","level":3,"page":505},{"title":"١٢٥ - باب في: قسمة أفعال النبي صلي الله عليه وسلم وتروكه","level":3,"page":506},{"title":"١٢٦ - باب في: أفعال النبي ﵇ إذا اختلفت أو تعارضت مع أقواله","level":3,"page":508},{"title":"٣ - أبواب الإجماع","level":1,"page":511},{"title":"١٢٧ - [تقسيم الكلام فيه]","level":2,"page":512},{"title":"١٢٨ - أما معنى الإجماع لغة","level":2,"page":512},{"title":"١٢٩ - باب في: كون الإجماع حجة","level":2,"page":513},{"title":"١٣٠ - باب في: أن الإجماع بماذا يكون","level":2,"page":527},{"title":"١٣١ - باب في: من يعتبر في الإجماع ممن بعث إليه النبي ﵇","level":2,"page":528},{"title":"١٣٢ - باب في: أن إجماع أهل كل عصر هل هو حجة وصواب أم لا؟","level":2,"page":529},{"title":"١٣٣ - باب في: اعتبار المجتهدين، كلهم، في العصر الواحد، في الإجماع","level":2,"page":532},{"title":"١٣٤ - باب في: ما يكون فيه الإجماع حجة","level":2,"page":540},{"title":"١٣٥ - باب في: الإجماع الصادر عن اجتهاد","level":2,"page":541},{"title":"١٣٦ - باب في: الاختلاف بعد الاتفاق. والاتفاق بعد الاختلاف","level":2,"page":543},{"title":"١٣٧ - باب في: انقراض العصر هل هو شرط في كون الإجماع حجة أم لا؟","level":2,"page":546},{"title":"١٣٨ - باب في: ما أخرج من الإجماع، وهو منه","level":2,"page":549},{"title":"١٣٩ - باب في: أن أهل العصر إذا أولوا الآية بتأويل","level":2,"page":553},{"title":"١٤٠ - باب في: أن الأمة لا تجتمع إلا عن طريق","level":2,"page":555},{"title":"١٤١ - باب في: جواز الإجماع عن اجتهاد","level":2,"page":557},{"title":"١٤٢ - باب في: الطريق إلى معرفة الإجماع","level":2,"page":560},{"title":"٤ - باب في: تقليد الصحابي","level":1,"page":564},{"title":"١٤٣ - اعلم أن الصحابي إذا قال قولا، وانتشر، ولم يظهر له مخالف","level":2,"page":565},{"title":"٥ - باب القياس","level":1,"page":570},{"title":"١٤٤ - [تعريفات]","level":2,"page":571},{"title":"١٤٥ - باب: جواز ورود التعبد بالقياس، عقلا وشرعا.","level":2,"page":574},{"title":"١٤٦ - باب في: أنه هل يجوز أن يجب العمل بالقياس في جميع الشرعيات أم لا","level":2,"page":579},{"title":"١٤٧ - باب في: أنا متعبدون بالقياس الشرعي","level":2,"page":580},{"title":"١٤٨ - باب في: أن النص على علة الحكم في الأصل- هل هو تعبد بالقياس بها أم لا؟","level":2,"page":593},{"title":"١٤٩ - باب في: أن النبي ﵇- هل كان متعبدا بالقياس والاجتهاد أم لا؟","level":2,"page":596},{"title":"١٥٠ - باب في: أن من عاصر النبي ﵇- هل كان متعبدا بالاجتهاد والقياس أم لا؟","level":2,"page":599},{"title":"١٥١ - باب في: أن القياس- هل هو مأمور به ودين أم لا؟","level":2,"page":600},{"title":"١٥٢ - باب: شروط القياس وما يصححه ويفسده","level":2,"page":601},{"title":"١٥٣ - باب: الطريق إلى معرفة العلل الشرعية، وبيان أقسامه","level":2,"page":606},{"title":"[أ- إبطال أقوال المخالفين]","level":3,"page":611},{"title":"[ب- طريق معرفة العلة المستنبطة]","level":3,"page":612},{"title":"١٥٤ - باب في: تعليل أصول العبادات والتقديرات وغير ذلك. والفرق بين القياس والاستدلال","level":2,"page":613},{"title":"١٥٥ - باب في: تعليل الأصل الواحد بعلل مختلفة","level":2,"page":617},{"title":"١٥٦ - باب في: حكم الفرع إذا تقدم على الأصل","level":2,"page":618},{"title":"١٥٧ - باب في: العلة هل هي دلالة على اسم الفرع، ثم تعلق به حكم شرعي- أم تدل ابتداء على الحكم؟","level":2,"page":618},{"title":"١٥٨ - باب في: تخصيص العموم ونسخه، بالقياس","level":2,"page":620},{"title":"١٥٩ - باب في: تخصيص العلة. وتخريج النقوض التي ترد على العلل المستنبطة","level":2,"page":625},{"title":"٦ - أبواب","level":1,"page":635},{"title":"(أ) باب القول في: الاستحسان","level":2,"page":636},{"title":"١٦٠ - أعلم أن المحكي عن أصحاب أبي حنيفة ﵀ القول بالاستحسان.","level":3,"page":636},{"title":"(ب)","level":2,"page":639},{"title":"١٦١ - باب في: تعارض العلل، والقول في تنافيها. وترجيح البعض على البعض","level":3,"page":639},{"title":"(ج)","level":2,"page":647},{"title":"١٦٢ - باب في: أن المجتهد- هل يجوز أن يعتدل عنده الأمارات في المسألة؟ وإذا اعتدل فما حكمه؟","level":3,"page":647},{"title":"(د)","level":2,"page":650},{"title":"١٦٣ - باب في: القول بالقولين","level":3,"page":650},{"title":"(هـ)","level":2,"page":652},{"title":"١٦٤ - باب الكلام في الحظ والإباحة. وأن الأشياء قبل الشرع على الحظر أو على الإباحة.","level":3,"page":652},{"title":"٧ - أبواب","level":1,"page":660},{"title":"(أ) باب في: استصحاب الحال","level":2,"page":661},{"title":"١٦٥ - أعلم أن استصحاب الحال هو أن يكون [حكم] ثابتا في حالة من الحالات","level":3,"page":661},{"title":"(ب)","level":2,"page":665},{"title":"١٦٦ - باب في: ما يعلم بأدلة العقل، وما يعلم بأدلة الشرع","level":3,"page":665},{"title":"(ج)","level":2,"page":667},{"title":"١٦٧ - باب في: تعبد النبي الثاني بشريعة الأول","level":3,"page":667},{"title":"(د)","level":2,"page":677},{"title":"١٦٨ - باب في: الصفة التي معها يجوز للإنسان أن يفتى نفسه ويفتى غيره","level":3,"page":677},{"title":"١٦٩ - باب في: كيفية فتوى المفتي","level":3,"page":680},{"title":"(هـ)","level":2,"page":682},{"title":"١٧٠ - باب في: إصابة المجتهدين. وأن الحق عند الله تعالى في المجتهدات واحد أو حقوق","level":3,"page":682}],"ٛ":{"1,3":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,198":194,"1,199":195,"1,200":196,"1,201":197,"1,202":198,"1,203":199,"1,204":200,"1,205":201,"1,206":202,"1,207":203,"1,208":204,"1,209":205,"1,210":206,"1,211":207,"1,212":208,"1,214":209,"1,215":210,"1,216":211,"1,217":212,"1,218":213,"1,219":214,"1,220":215,"1,221":216,"1,222":217,"1,223":218,"1,224":219,"1,225":220,"1,226":221,"1,227":222,"1,228":223,"1,229":224,"1,230":225,"1,231":226,"1,232":227,"1,233":228,"1,234":229,"1,235":230,"1,236":231,"1,237":232,"1,238":233,"1,239":234,"1,240":235,"1,241":236,"1,242":237,"1,243":238,"1,244":239,"1,245":240,"1,246":241,"1,247":242,"1,248":243,"1,249":244,"1,250":245,"1,251":246,"1,252":247,"1,253":248,"1,254":249,"1,255":250,"1,256":251,"1,257":252,"1,258":253,"1,259":254,"1,260":255,"1,261":256,"1,262":257,"1,263":258,"1,264":259,"1,265":260,"1,266":261,"1,267":262,"1,268":263,"1,269":264,"1,270":265,"1,271":266,"1,272":267,"1,273":268,"1,274":269,"1,275":270,"1,276":271,"1,277":272,"1,278":273,"1,279":274,"1,280":275,"1,281":276,"1,282":277,"1,283":278,"1,284":279,"1,285":280,"1,286":281,"1,287":282,"1,288":283,"1,289":284,"1,290":285,"1,291":286,"1,292":287,"1,293":288,"1,294":289,"1,295":290,"1,296":291,"1,297":292,"1,298":293,"1,299":294,"1,300":295,"1,301":296,"1,302":297,"1,303":298,"1,304":299,"1,305":300,"1,306":301,"1,307":302,"1,308":303,"1,309":304,"1,310":305,"1,311":306,"1,312":307,"1,313":308,"1,314":309,"1,315":310,"1,316":311,"1,317":312,"1,318":313,"1,319":314,"1,320":315,"1,321":316,"1,322":317,"1,323":318,"1,324":319,"1,325":320,"1,326":321,"1,327":322,"1,328":323,"1,329":324,"1,330":325,"1,331":326,"1,332":327,"1,333":328,"1,334":329,"1,335":330,"1,336":331,"1,337":332,"1,338":333,"1,339":334,"1,340":335,"1,341":336,"1,342":337,"1,343":338,"1,344":339,"1,345":340,"1,346":341,"1,347":342,"1,348":343,"1,349":344,"1,350":345,"1,351":346,"1,352":347,"1,353":348,"1,354":349,"1,355":350,"1,356":351,"1,357":352,"1,358":353,"1,359":354,"1,360":355,"1,361":356,"1,362":357,"1,363":358,"1,364":359,"1,365":360,"1,367":361,"1,368":362,"1,369":363,"1,370":364,"1,371":365,"1,372":366,"1,373":367,"1,374":368,"1,375":369,"1,376":370,"1,377":371,"1,378":372,"1,379":373,"1,380":374,"1,381":375,"1,382":376,"1,383":377,"1,384":378,"1,385":379,"1,386":380,"1,387":381,"1,388":382,"1,389":383,"1,390":384,"1,391":385,"1,392":386,"1,393":387,"1,394":388,"1,395":389,"1,396":390,"1,397":391,"1,398":392,"1,399":393,"1,400":394,"1,401":395,"1,402":396,"1,403":397,"1,404":398,"1,405":399,"1,406":400,"1,407":401,"1,408":402,"1,409":403,"1,410":404,"1,411":405,"1,412":406,"1,413":407,"1,414":408,"1,415":409,"1,416":410,"1,417":411,"1,418":412,"1,419":413,"1,420":414,"1,421":415,"1,422":416,"1,423":417,"1,424":418,"1,425":419,"1,426":420,"1,427":421,"1,428":422,"1,429":423,"1,430":424,"1,431":425,"1,432":426,"1,433":427,"1,434":428,"1,435":429,"1,436":430,"1,437":431,"1,438":432,"1,439":433,"1,440":434,"1,441":435,"1,442":436,"1,443":437,"1,444":438,"1,445":439,"1,446":440,"1,447":441,"1,448":442,"1,449":443,"1,450":444,"1,451":445,"1,452":446,"1,453":447,"1,454":448,"1,455":449,"1,456":450,"1,457":451,"1,458":452,"1,459":453,"1,460":454,"1,461":455,"1,462":456,"1,463":457,"1,464":458,"1,465":459,"1,466":460,"1,467":461,"1,468":462,"1,469":463,"1,470":464,"1,471":465,"1,472":466,"1,473":467,"1,474":468,"1,475":469,"1,476":470,"1,477":471,"1,478":472,"1,479":473,"1,480":474,"1,481":475,"1,482":476,"1,483":477,"1,484":478,"1,485":479,"1,486":480,"1,487":481,"1,488":482,"1,489":483,"1,490":484,"1,491":485,"1,492":486,"1,493":487,"1,494":488,"1,495":489,"1,496":490,"1,497":491,"1,498":492,"1,499":493,"1,500":494,"1,501":495,"1,502":496,"1,503":497,"1,504":498,"1,505":499,"1,506":500,"1,507":501,"1,508":502,"1,509":503,"1,510":504,"1,511":505,"1,512":506,"1,513":507,"1,514":508,"1,515":509,"1,516":510,"1,517":511,"1,519":512,"1,520":513,"1,521":514,"1,522":515,"1,523":516,"1,524":517,"1,525":518,"1,526":519,"1,527":520,"1,528":521,"1,529":522,"1,530":523,"1,531":524,"1,532":525,"1,533":526,"1,534":527,"1,535":528,"1,536":529,"1,537":530,"1,538":531,"1,539":532,"1,540":533,"1,541":534,"1,542":535,"1,543":536,"1,544":537,"1,545":538,"1,546":539,"1,547":540,"1,548":541,"1,549":542,"1,550":543,"1,551":544,"1,552":545,"1,553":546,"1,554":547,"1,555":548,"1,556":549,"1,557":550,"1,558":551,"1,559":552,"1,560":553,"1,561":554,"1,562":555,"1,563":556,"1,564":557,"1,565":558,"1,566":559,"1,567":560,"1,568":561,"1,569":562,"1,570":563,"1,571":564,"1,573":565,"1,574":566,"1,575":567,"1,576":568,"1,577":569,"1,579":570,"1,581":571,"1,582":572,"1,583":573,"1,584":574,"1,585":575,"1,586":576,"1,587":577,"1,588":578,"1,589":579,"1,590":580,"1,591":581,"1,592":582,"1,593":583,"1,594":584,"1,595":585,"1,596":586,"1,597":587,"1,598":588,"1,599":589,"1,600":590,"1,601":591,"1,602":592,"1,603":593,"1,604":594,"1,605":595,"1,606":596,"1,607":597,"1,608":598,"1,609":599,"1,610":600,"1,611":601,"1,612":602,"1,613":603,"1,614":604,"1,615":605,"1,616":606,"1,617":607,"1,618":608,"1,619":609,"1,620":610,"1,621":611,"1,622":612,"1,623":613,"1,624":614,"1,625":615,"1,626":616,"1,627":617,"1,628":618,"1,629":619,"1,630":620,"1,631":621,"1,632":622,"1,633":623,"1,634":624,"1,635":625,"1,636":626,"1,637":627,"1,638":628,"1,639":629,"1,640":630,"1,641":631,"1,642":632,"1,643":633,"1,644":634,"1,645":635,"1,647":636,"1,648":637,"1,649":638,"1,650":639,"1,651":640,"1,652":641,"1,653":642,"1,654":643,"1,655":644,"1,656":645,"1,657":646,"1,658":647,"1,659":648,"1,660":649,"1,661":650,"1,662":651,"1,663":652,"1,664":653,"1,665":654,"1,666":655,"1,667":656,"1,668":657,"1,669":658,"1,670":659,"1,671":660,"1,673":661,"1,674":662,"1,675":663,"1,676":664,"1,677":665,"1,678":666,"1,679":667,"1,680":668,"1,681":669,"1,682":670,"1,683":671,"1,684":672,"1,685":673,"1,686":674,"1,687":675,"1,688":676,"1,689":677,"1,690":678,"1,691":679,"1,692":680,"1,693":681,"1,694":682,"1,695":683,"1,696":684,"1,697":685,"1,698":686,"1,699":687,"1,700":688,"1,701":689,"1,702":690,"1,703":691,"1,704":692,"1,705":693,"1,706":694,"1,707":695,"1,708":696},"ٜ":{"1":[3,708]},"ٝ":["1,3","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,579","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708"],"ٞ":{"2":[1,2,3],"6":[4],"8":[5],"9":[6],"11":[7],"13":[8,9],"15":[10],"17":[11],"20":[12,13],"22":[14],"24":[15],"26":[16],"30":[17],"34":[18],"35":[19],"37":[20],"39":[21],"40":[22],"47":[23],"50":[24],"54":[25],"55":[26],"65":[27],"69":[28],"76":[29],"78":[30],"81":[31],"83":[32],"87":[33],"91":[34],"100":[35],"105":[36],"108":[37],"109":[38],"110":[39],"111":[40],"112":[41],"113":[42],"115":[43],"116":[44,45],"121":[46],"122":[47],"125":[48],"126":[49],"134":[50],"135":[51],"139":[52],"140":[53],"141":[54],"144":[55,56],"149":[57],"153":[58,59,60],"154":[61],"157":[62],"160":[63],"173":[64,65],"177":[66],"179":[67],"180":[68],"183":[69],"184":[70],"187":[71],"188":[72],"197":[73,74],"199":[75],"201":[76],"203":[77,78],"204":[79,80,81],"205":[82],"206":[83],"218":[84,85],"219":[86],"221":[87],"224":[88],"225":[89],"232":[90],"235":[91],"240":[92],"241":[93],"245":[94],"249":[95],"251":[96],"253":[97],"255":[98,99],"257":[100,101],"264":[102,103],"267":[104],"271":[105],"277":[106],"281":[107],"282":[108],"283":[109],"285":[110],"299":[111],"300":[112],"302":[113,114],"303":[115],"306":[116],"307":[117],"312":[118],"318":[119],"320":[120],"322":[121],"325":[122],"327":[123],"329":[124],"331":[125],"333":[126],"338":[127],"341":[128],"344":[129],"347":[130],"348":[131],"355":[132],"357":[133],"360":[134],"361":[135,136],"366":[137],"372":[138],"375":[139],"381":[140],"387":[141],"390":[142],"394":[143],"401":[144],"418":[145],"425":[146],"433":[147],"438":[148],"440":[149],"443":[150],"453":[151],"454":[152],"455":[153],"456":[154],"462":[155],"468":[156],"471":[157],"475":[158],"477":[159],"478":[160],"489":[161,162],"490":[163],"491":[164],"493":[165],"495":[166],"498":[167],"504":[168],"505":[169],"506":[170],"508":[171],"511":[172],"512":[173,174],"513":[175],"527":[176],"528":[177],"529":[178],"532":[179],"540":[180],"541":[181],"543":[182],"546":[183],"549":[184],"553":[185],"555":[186],"557":[187],"560":[188],"564":[189],"565":[190],"570":[191],"571":[192],"574":[193],"579":[194],"580":[195],"593":[196],"596":[197],"599":[198],"600":[199],"601":[200],"606":[201],"611":[202],"612":[203],"613":[204],"617":[205],"618":[206,207],"620":[208],"625":[209],"635":[210],"636":[211,212],"639":[213,214],"647":[215,216],"650":[217,218],"652":[219,220],"660":[221],"661":[222,223],"665":[224,225],"667":[226,227],"677":[228,229],"680":[230],"682":[231,232]},"ٟ":[],"numbers":{"1":2,"2":2,"3":6,"4":9,"5":13,"6":15,"7":17,"8":20,"9":22,"10":24,"11":26,"12":50,"13":54,"14":55,"15":65,"16":69,"17":76,"18":78,"19":81,"20":83,"21":87,"22":91,"23":100,"24":105,"25":108,"26":109,"27":110,"28":111,"29":112,"30":113,"31":115,"32":116,"33":135,"34":139,"35":140,"36":141,"37":144,"38":149,"39":153,"40":173,"41":179,"42":180,"43":183,"44":184,"45":187,"46":188,"47":197,"48":199,"49":201,"50":203,"51":203,"52":225,"53":232,"54":235,"55":240,"56":241,"57":245,"58":249,"59":251,"60":253,"61":255,"62":257,"63":257,"64":264,"65":267,"66":271,"67":277,"68":281,"69":282,"70":283,"71":285,"72":299,"73":300,"74":302,"75":303,"76":306,"77":307,"78":312,"79":318,"80":320,"81":322,"82":325,"83":327,"84":329,"85":331,"86":333,"87":338,"88":341,"89":344,"90":347,"91":348,"92":355,"93":357,"94":361,"95":366,"96":372,"97":375,"98":381,"99":387,"100":390,"101":394,"102":401,"103":418,"104":425,"105":433,"106":438,"107":440,"108":443,"109":453,"110":454,"111":455,"112":456,"113":462,"114":468,"115":471,"116":475,"117":477,"118":478,"119":489,"120":493,"121":495,"122":498,"123":504,"124":505,"125":506,"126":508,"127":512,"128":512,"129":513,"130":527,"131":528,"132":529,"133":532,"134":540,"135":541,"136":543,"137":546,"138":549,"139":553,"140":555,"141":557,"142":560,"143":565,"144":571,"145":574,"146":579,"147":580,"148":593,"149":596,"150":599,"151":600,"152":601,"153":606,"154":613,"155":617,"156":618,"157":618,"158":620,"159":625,"160":636,"161":639,"162":647,"163":650,"164":652,"165":661,"166":665,"167":667,"168":677,"169":680,"170":682},"number_max":170,"number_pages":{"2":2,"6":3,"9":4,"13":5,"15":6,"17":7,"20":8,"22":9,"24":10,"26":11,"50":12,"54":13,"55":14,"65":15,"69":16,"76":17,"78":18,"81":19,"83":20,"87":21,"91":22,"100":23,"105":24,"108":25,"109":26,"110":27,"111":28,"112":29,"113":30,"115":31,"116":32,"135":33,"139":34,"140":35,"141":36,"144":37,"149":38,"153":39,"173":40,"179":41,"180":42,"183":43,"184":44,"187":45,"188":46,"197":47,"199":48,"201":49,"203":51,"225":52,"232":53,"235":54,"240":55,"241":56,"245":57,"249":58,"251":59,"253":60,"255":61,"257":63,"264":64,"267":65,"271":66,"277":67,"281":68,"282":69,"283":70,"285":71,"299":72,"300":73,"302":74,"303":75,"306":76,"307":77,"312":78,"318":79,"320":80,"322":81,"325":82,"327":83,"329":84,"331":85,"333":86,"338":87,"341":88,"344":89,"347":90,"348":91,"355":92,"357":93,"361":94,"366":95,"372":96,"375":97,"381":98,"387":99,"390":100,"394":101,"401":102,"418":103,"425":104,"433":105,"438":106,"440":107,"443":108,"453":109,"454":110,"455":111,"456":112,"462":113,"468":114,"471":115,"475":116,"477":117,"478":118,"489":119,"493":120,"495":121,"498":122,"504":123,"505":124,"506":125,"508":126,"512":128,"513":129,"527":130,"528":131,"529":132,"532":133,"540":134,"541":135,"543":136,"546":137,"549":138,"553":139,"555":140,"557":141,"560":142,"565":143,"571":144,"574":145,"579":146,"580":147,"593":148,"596":149,"599":150,"600":151,"601":152,"606":153,"613":154,"617":155,"618":157,"620":158,"625":159,"636":160,"639":161,"647":162,"650":163,"652":164,"661":165,"665":166,"667":167,"677":168,"680":169,"682":170}},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nرب تمِّم\nالحمد لله كما هو أهله ومستحقه. والصلاة على رسوله محمد وآله.\nقال الإمام الأجل الكبير، الأستاذ شيخ الإسلام علاء الدين عالم علماء الشرق والصين، محمد بن عبد الحميد ﵀:\nوبعد- فإني كنت جمعت \"طريقة الخلاف\" وأدرجت في أثناء مسائلها قدر ما يحتاج فيها من أصول الفقه على وجه الاقتصار والاقتصاد، ثم إن بعض الأعزة من أصحابي لم يقنع بذلك، وسألني أن أؤلف فيه جمعًا مفردًا، يأتي على جميع أبوابها، وأستوفى الكلام في كل باب منها، على الرسم المعهود في مثله- فأجبتهم إلى ذلك، وسألت الله تعالى التوفيق لإصابة الحق، والعصمة عن الخطأ، إنه على ذلك قدير.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>[المقدمة]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>١ - باب - بيان وجوب العلم بأصول الفقه. وكيفية وجوبه</span>.\nأما وجوبه:\nفلتعلق دفع أعلى المضار به، وهو العقاب في الآخرة.\nبيانه: أن دفع العقاب في الآخرة إنما يحصل بالجري على قضايا الأحكام الشرعية. ولا حصول للعلم بالأحكام الشرعية إلا بالعلم بأصول الفقه. فصار العلم بأصول الفقه شيئًا لا مدفع للعقاب بدونه، وما هذا حاله، فهو واجب عقلًا وشرعًا.\nوأما كيفية وجوبه:\nفهو واجب على التعيين في حق من تعين لذلك وتصدى به لفتوى العوام وتقليدهم إياه: إما بتعيين النبي ﵇ إياه، أو بتعيينه نفسه بالتصدي لذلك، لأن المقصود لا يحصل بدونه.\nوفي حق العوام واجب على البدل، لأن المقصود يحصل بدونه، وهو تقليد العالم وإتباع فتواه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>٢ - باب- ماهية أصول الفقه. وكيفية الاستدلال به</span>. وما يتبع كيفية الاستدلال [بها]:\n[ماهية أصول الفقه]:\nفنتكلم أولًا في الفقه، وأصوله- لأن قولنا \"أصول الفقه\" مشتمل عليهما.","vol":"1","page":5},{"text":"أما الفقه:\nففي اللغة عبارة عن الفهم والمعرفة- فقال الله تعالى: ﴿لَاّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أي لا يفهمون. وقال تعالى: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ أي يفهموا. ومنه قول القائل \"فقهت كلامك\" أي عرفت غرضك ومقصودك.\nغير أنـ[ـه] في عرف الفقهاء يفيد جملة من العلوم بأحكام شرعية، وهي الأحكام المستفادة بالشرع، لا الأحكام المدركة بالعقل، فإن للأفعال: أحكامًا عقلية نحو: كون الفعل عرضًا ويفتقر إلى محل يقوم به، ومخالفًا للجوهر،","vol":"1","page":6},{"text":"وكونه كونًا وحركة وسكونًا ونحو ذلك. وأحكامًا شرعية من نحو: كونه حسنًا ومباحًا ومندوبًا وواجبًا وقبيحًا وحرامًا ومحظورًا ومكروهًا: فالحَسن هو المختص بحال يقتضي استحقاق المدح عليه. والمباح ما أزيل عنه الحظر والمنع ممن يتوقع منه ذلك. والمندوب ما بُعث المكلف عليه من غير إيجاب. والواجب هو المختص بحال يقتضي استحقاق الذم على الإخلال به. والقبيح هو المختص بحال يقتضي استحقاقه الذم عليه. والحرام هو المختص بحال يقتضي المنع منه والذم عليه. والمحظور ما منع عنه بالزجر لا بالحبس، فإن من قبض على يد غيره لا يقال \"حظر عليه البطش\". والمكروه ما الأولى أن لا يفعل- فالفقه عبارة عن معرفة هذه الأحكام دون العقلية.","vol":"1","page":7},{"text":"وأما الأصل:\nففي اللغة عبارة عما يبتني عليه غيره ويتفرع عليه سواه، كأساس الجدار وساق الشجر ونحو ذلك.\nفقولنا \"أصول الفقه\":\nعلى موجب اللغة يفيد ما يتفرع عليه الفقه. وذلك يوجب أن يكون العلم بالله تعالى وبصفاته وبالنبوات من أصول الفقه، لما أن الفقه يتفرع عليه. غير أنـ[ـه] في عرف الفقهاء يفيد ما يؤدي إلى الفقه من الطرق. وذلك ضربان: دلالة وأمارة.\nفالدلالة- هي التي النظر الصحيح فيها يفضي إلى العلم بالمدلول قطعًا، ككتاب الله تعالى والخبر المتواتر وإجماع الأمة.\nوالأمارة- هي التي النظر الصحيح فيها يفضي إلى غالب الظن، كخبر الواحد والقياس.\nفالعلم الذي يوصلنا إلى الدلالة- هو الأمر الذي يوجب كون من قام به عالمًا. أعني يوجب التفرقة المعلومة بالضرورة بين المتيقن بالشيء المستبين له والجاهل به والشاكِّ فيه- على ما مرَّ في موضعه.\nوالظن- هو غلبة أحد التجويزين على الآخر في القلب والاعتقاد.\nثم كلامنا في طرق الفقه إنما يسمى كلامًا في أصول الفقه لو تكلمنا فيه","vol":"1","page":8},{"text":"على الإجمال. والمعنيُّ بذلك أنها غير معينة، فإنَّا متى تكلَّمنا متى تكلَّمنا في أن الأمر للوجوب لا نشير إلى أمر معين. وكذا النهي، والقياس. فأما الدلالة المعيَّنة التي يتكلم فيها الفقهاء، نحو قوله ﵇: \"الأعمال بالنيَّات\" فالكلام فيه لا يكون كلامًا في أصول الفقه، وإن كان طريقًا إلى الفقه.\nوأما كيفية الاستدلال بها:\nفالمعنيُّ بها الشروط والمقدمات وترتيبها، التي معها يُستدل بالطرق على الفقه.\nوأما ما يتبع كيفية الاستدلال بها:\n[فـ] مما يلزم المجتهد من الحكم بكونه مخطئًا أو مصيبًا، لما أن ذلك يتبع استدلاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>٣ - باب- قسمة أصول الفقه:</span>\nولمَّا ثبت أن أصول الفقه طرق إلى الأحكام الشرعية، وكانت الأحكام تلزم المجتهد وغير المجتهد، فلا بدَّ أن يكون لهذا طريق، ولذلك طريق.\nفطريق غير المجتهد -فتوى المجتهد، وذلك يوجب أن نتكلم في صفة المفتي والمستفتي، وما يدخل فيها من الأبواب- على ما سيجيء بيانه.","vol":"1","page":9},{"text":"وطريق المجتهد ضربان:\nأحدهما- الرجوع إلى حكم العقل، لأنا متعبدون بالبقاء على حكم العقل إلى أن يرد الشرع بالنقل عنه. وذلك يوجب أن نتكلم في أن الحظر والإباحة ثابتان بقضية العقل، ليصح لنا التمسك بهما إلى أن يرد الشرع بالنقل عنهما.\nفلذلك صار الكلام في الحظر والإباحة من أصول الفقه.\nوالآخر- ضربان: أفعال وأقوال.\nفالأقوال- هو القول الصادر: من الله تعالى وهو الكتاب، ووجه الدلالة فيه أنه كلام حكيم غني لا يجوز عليه الكذب والهذيان والمغالطة. أو من الرسول وهو الخبر، ووجه الدلالة فيه: أنه كلام مخبر صادق مؤيَّد بالمعجزة لا يكذب فيما يؤدي عن الله تعالى ولا يقصر في تبليغ الرسالة. أو من الأمة وهو الإجماع، ووجه الدلالة فيه: أنه عقائد قوم لا يجتمعون على ضلال: عرف ذلك بكتاب الله وخبر رسوله.\nوالأفعال- هي الأقيسة والاجتهادات.\nفهذه جملة أصول الفقه وأقسامها.","vol":"1","page":10},{"text":"فنبدأ بـ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>١\nكتاب الله تعالى</span>\nإذ هو الأصل.\nفيحتاج إلى: معرفة الحقيقة والمجاز، ليصح منا حمل كلام الله تعالى على الحقيقة إذا تجرد عن القرينة. وعلى المجاز إذا جامع القرينة.\nوذلك يوجب أن نتكلم في حقيقة الكلام أولًا. لأن الحقيقة والمجاز من أقسام الكلام.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>٤ - باب- حقيقة الكلام وأقسامه:</span>\nاعلم أن اسم الكلام يقع على أمرين:\nأحدهما- كلام النفس، وهو المعني الذي يقوم بالمتكلم، فيوجب كونه متكلمًا، وينافي الخرس والسكوت والآفة.\nهذا هو حقيقة الكلام. وقد عرف ذلك في موضعه.\nوالتالي- هذه العبارات التي تقع دلالة على مراد المتكلم، وهو المراد هنا، وبه يتعلق غرض الكتاب.\nوحدُّه ما انتظم من الحروف المسموعة المتميزة. وقد دخل في هذا الحدِّ جميع ما هو كلام كالحرفين فصاعدًا. وانفصل عما ليس بكلام: لأنه انفصل عما ليس بحروف، بذكر الحروف. وانفصل عن حروف الكتابة، لأنها ليست بمسموعة. وانفصل عن الحرف الواحد، لأنه لا يوجد فيه الانتظام. وانفصل عن أصوات كثير من البهائم والطير، لأنها ليست بمتميزة.","vol":"1","page":13},{"text":"وبعضهم شرطوا في كون هذه الحروف كلامًا وقوع الاصطلاح عليها، حتى إن كل ما لم يصطلح على استعماله في المعنى لا يكون كلامًا- وهذا بعيد، لأن أهل اللغة قسموا الكلام إلى مهمل ومستعمل: فالمهمل ما لم يوضع لشيء، والمستعمل ما وضع ليُستعمل في معنى. فالأول لا يدخله الحقيقة والمجاز. والثاني يدخله الحقيقة والمجاز، فلا بد من بيانهما.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>١\nباب\nالحقيقة والمجاز</span>\nاعلم أن الحقيقة- هي ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع فيه التخاطب.\nوإنما حدَّدنا الحقيقة بهذا ليدخل فيه جميع أقسام الحقيقة، لأن الحقيقة قد تكون لغوية، وقد تكون عرفية، وقد تكون شرعية. فاللفظ إذا أفيد به معنى وضع له في اللغة فإنما يكون حقيقة في ذلك. [أي] لو كان الاسم في مخاطبات الناس يُستعمل بناء على مواضعه أهل اللغة. أما إذا كان الاسم في مخاطبات الناس يُستعمل بناء على مواضعة أهل الشرع، [فـ] لا يكون حقيقة في ذلك المعنى، بل في المعنى الثاني، وهو ما تواضع عليه أهل الشرع.\nوأما المجاز- فهو ما أفيد به معنى مصطلحًا عليه، غير ما اصطلح عليه في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب فيه.\nوقيل: إن الحقيقة هي ما أُفيد بها ما وثَعت له، والمجاز غير ما وُضع له. وهذا غير صحيح، لأنه: يقتضي أن اسم الصلاة إذا استعمل في اصطلاح أهل الشرع وأريد به الدعاء، دون الأركان المعهودة، يكون حقيقة، لأنه أُفيد به ما وضع له في الجملة، أعني بمواضعة أهل اللغة، وليس كذلك.","vol":"1","page":15},{"text":"وبمقتضى أيضًا أن من أطلق اسم السماء على الأرض ودل على مراده فقد تجوز به، لأنه أُفيد به غير ما وضع له، وهذا بعيد.\nوقال بعضهم: الحقيقة هي ما انتظم لفظه معناها من غير زيادة ولا نقصان ولا نقل عن موضوعه. والمجاز ما انتظم لفظه معنا، إما لزيادة أو نقصان أو نقل عن موضوعه. أما الذي لا ينتظم لفظه معناه لزيادة -[فـ] هو ما انتظمه إذا أسقطت الزيادة- مثاله قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ والكاف هنا زائدة، فإذا أسقطناها صار الكلام منتظمًا معناه. وأما الذي لا ينتظم لفظه معناه لنقصان-[فـ] هو ما انتظمه إذا زيد في الكلام ما نقص عنه- مثاله قوله تعالى: ﴿واسْأَلِ القَرْيَةَ﴾ فإذا زدنا \"الأهل\" في الكلام صار الكلام منتظمًا معناه. ومثال النقل- قول القائل: \"رأيت الأسد\" وهو يعني به الشجاع -إلا أن هذا غير صحيح، لأن لاذي لا ينتظم لفظه معناه لزيادة أو نقصان ففيه نقل أيضًا، فلا معنى لجعلهما قسمين آخرين- بيانه: إن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ظاهره يقتضي نفي مثل المثل، وذلك غير مراد، إنما المراد نفي المثل، فصار الكلام منقولًا عن معناه إلى معنى آخر. وكذلك قوله تعالى: ﴿واسْأَلِ القَرْيَةَ﴾ ظاهره يقتضي السؤال عن الحيطان","vol":"1","page":16},{"text":"والجدران، وذلك غير مراد، إنما المراد هو السؤال عن الأهل، فصار الكلام منقولًا عن معناه إلى معنى آخر.\n* * *\nإذا عرفنا حدَّ الحقيقة والمجاز -[فـ] لا بد من بيان أقسامهما، فنقول:\nالحقيقة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: حقيقة لغوية، وحقيقة غرفية، وحقيقة شرعية. وكل ذلك داخل تحت الحدِّ الذي ذكرناه. لن اللفظ إذا أُفيد به معنى: إن أُفيد بمواضعة أهل اللغة سمَّيناه حقيقة لغوية، وإن أُفيد به بمواضعة أهل الشرع سمَّيناه حقيقة شرعية.\nوكذلك المجاز، لأن المجاز قد يكون في اللغة، وقد يكون في العرف، وقد يكون في الشرع.\nوالله أعلم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>[أ- الحقيقة]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>٥ - باب في: إثبات الحقائق المشتركة:</span>\nاعلم أنه يجوز أن يكون اللفظ الواحد موضوعًا للشيئين على سبيل الاشتراك، كما يجوز أن يكون موضوعًا للشيء الواحد على سبيل الانفراد- وهذا عند أكثر الناس.\nوذهبت طائفة إلى منع جواز ذلك.\nواستدلوا في ذلك بأن قالوا: إن الأسامي وضعت أعلامًا على المسميات وعلى المعاني ليمتاز البعض بها عن البعض، فيقع بها الإفهام. ولو كان اللفظ الواحد","vol":"1","page":17},{"text":"موضوعًا للشيئين على سبيل الاشتراك لا يقع الإفهام بواحد منهما، وفيه نقض الغرض بالمواضعة.\nلكنا نستدل على جواز ذلك، فنقول:\nإن الإفهام على سبيل الإجمال قد يكون مقصود العقلاء، كما أن الإفهام على سبيل التفصيل مقصود العقلاء، فإن واحدًا منا قد يشاهد سوادًا فيريد أن يخبر غيره عمَّا شاهده على سبيل التفصيل، فيقول: \"شاهدت سوادًا\". وقد يريد أن يخبره على سبيل الإجمال فيقول: \"شاهدت لونًا\". ومتى جاز تعلق الغرض بكل واحد من الإهامين، جاز أن يضعوا اسمًا يطابق كل واحد من الإفهامين، ليكون كل واحد منهما وصلة إلى الغرض المطلوب منه. وفي هذا جواب عمَّا قالوه. وهذا دليل الجواز. والدليل على ثبوت ذلك -أن أهل اللغة قالوا في كتبهم: إن قولنا \"شفق\" من أسماء الأضداد وهو مشترك بين البياض والحمرة، وكذا اسم \"القرء\" من أسماء الأضداد، وهو مشترك بين الحيض والطهر- فدل [ـت] أقوالهم على ثبوت الأسماء المشتركة.\nفإن قيل: ما أنكرتم أن \"القرء\" في الأصل موضوع لفائدة مخصوصة، ثم يقع ذلك في الحيض والطهر، لوجود تلك الفائدة. فإذن الاسم من الأسماء المشتقة لا من الأسماء المشتركة- قلنا: إنما يصار إلى هذا التكلف إذا لم يجز أن يكون اللفظ الواحد موضوعًا للشيئين على سبيل الاشتراك- أما إذا جاز ذلك، ونقل عن أهل اللغة أن هذه الأسامي مشتركة، [فـ] لا يصار إلى هذا التكلف، وقد دللنا على جواز ذلك، فلا يُصار إلى ما قلتم، لأنه قول لا دليل عليه.","vol":"1","page":18},{"text":"فيثبت بما ذكرنا جواز الأسماء المشتركة، وورود اللغة بها.\nإلا أنه مع هذا خلاف الأصل، أعني أنه على خلاف قضية الدليل المقتضي لوضع الكلام.\nوبيانه -أن الغرض من وضع الكلام والأسامي إفهام ما وضع له. هذا معلوم بالضرورة. فالاسم إذا كان مشتركًا بين شيئين: إما أن يكون موضوعًا لكل واحد منهما على التعيين والانفراد، أو يكون موضوعًا لأحدهما غير عين، أو يكون موضوعًا لأحدهما عينًا دون الآخر، أو يكون موضوعًا لهما على الجمع فكانا جميعًا مسمى واحدًا لهذا الاسم: لا وجه إلى الثاني لأنه لا قائل به، فإن أحدًا لم يقل بأن المطلقة مأمورة بالاعتداد بالحيض أو الطهر غير عين، ولأنه لو كان كذلك لكان، إذا أرايد به أحدهما عينًا، مجازًا فيه، وليس كذلك. ولا وجه إلى الثالث، لأنه لا قائل به أيضًا، ولأنه لو كان كذلك لكان يفهم عند إطلاقه أحدهما عينًا، ولما جاز استعماله في كل واحد منهما في حالين إلا بطريق المجاز، والأمر بخلافه. ولا وجه إلى الرابع، لأنه لا قائل به أيضًا: فإن أحدًا لم يقل إن المطلقة مأمورة بالاعتداد بهما على الجمع، ولأنه لو كان كذلك لكان يسبق إلى الفهم عند إطلاقه كلاهما، ولما جاز استعماله في أحدهما إلا على طريق المجاز، والأمر بخلافه. وإذا بطلت هذه الأقسام ثبت أنه موضوع لكل واحد منهما على التعيين والانفراد. فقضية الوضع أن يفيد إفهام ما وضع له، وأنه لا يفيد إفهام أحدهما إلا بقرينة، وكان مخالفًا لقضية الأصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>٦ - باب في: إثبات الحقائق العرفية:</span>\nاعلم أن الحقيقة العرفية هي اللفظة المفيدة لمعناها، باصطلاح طارئ من أهل اللسان على ما مرَّ. وذلك نحو: اسم \"الدابة\"، فإنه في اللغة اسم لكل","vol":"1","page":19},{"text":"ما يدبُّ على وجه الأرض، وفي العرف صار اسمًا للفرس أو الحمار. وكذلك اسم \"الراوية\": موضوع في اللغة للجمل، وفي العرف صار اسمًا للمَزادَة. وكذا اسم \"الغائط\": في اللغة موضوع للمكان المطمئن من الأرض، وفي العرف صار اسمًا للحدث المعتاد -حتى لا يفهم عند إطلاق هذه الأسامي إلا هذه المعاني.\nفإن قيل: اسم \"الدابة\" في اللغة يفيد الفرس، لأنه اسم لكل ما يدبُّ على وجه الأرض، والفرس ممَّا يدب على وجه الأرض، فإذن لم يختلف فائدته الوضعية- قلنا: اسم \"الدابة\" في اللغة يفيد الفرس لاشتقاقه من الدبيب، وفي العرف يفيد الفرس لا على سبيل الاشتقاق من الدبيب، فإذن أفاد اللفظ في العرف معنى لم يكن أفاده في اللغة.\nفإن قيل: أكثر ما في الباب أنهم استعملوا هذه الأسامي في هذه المعاني، ولم يجب كونها حقيقة منقولة إليها- قلنا: أمارة كون الاسم حقيقة في الشيء عرفًا أن يسبق إلى فهم السامع معنى [و] لم يسبق ذلك المغني في اللغة، وقد وجد ههنا: فاللفظ إذا صار مستعملًا في معنى بحيث يسبق إلى فهم السامع","vol":"1","page":20},{"text":"المعنى الثاني دون الأول كان حقيقة فيه منقولًا إليه، وإذا كان يتردد فهم السامع بين المعنى الأول والثاني، صار اللفظ حقيقة لهما على سبيل الاشتراك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>٧ - باب في: إثبات الحقائق الشرعية:</span>\nاعلم أن الحقيقة الشرعية هي اللفظة المفيدة لمعناها بمواضعة أهل الشرع- على ما مرَّ.\nوقد دخل فيه ما وُضع له الاسم ابتداء، ودخل فيه أيضًا ما نقل الاسم عن غيره إليه.\nفالأول- لا خلاف فيه.\nوالثاني- اختلفوا في جوازه:\nذهب الأكثرون إلى جواز ذلك.\nوحكى عن بعضهم منع جوازه. وقالوا: إن اللفظ متى كان حقيقة في الشيء وسُلب عن معناه وعُوِّض غيره لانقلبت الحقيقة، وقلب الحقيقة لا يجوز.\nلكنا نستدل على جواز ذلك، فنقول:\nإن كون الاسم اسمًا للشيء ليس بواجب، بل هو تابع للاختيار- ألا ترى أن الاسم منتف عنه قبل المواضعة، وحالة المواضعة جائز أن يسمى الشيء باسم غيره، فيسمى السواد بياضًا والبياض سوادًا. ومتى كان تابعًا للاختيار، جاز أن يختار مختار سلب الاسم عن معنى ونقله إلى معنى آخر.\nوقوله: بأن هذا قلب الحقيقة- قلنا: إن عنيت به خروج الاسم عن","vol":"1","page":21},{"text":"أن يكون حقيقة في الشيء بعد أن كان حقيقة فيه وصيرورته حقيقة لشيء آخر، فذلك جائز، لأنه لا مانع للاختيار على ما مرَّ. وإن عنيت به شيئًا آخر، فنحن لا نعقل ذلك الشيء.\nفإن قيل: لمَّا كان الله تعالى قادرًا على وضع اسم له ابتداء، فلا معنى لنقل الاسم من غيره إليه- قلنا: الشريعة جاءت بعبادات لم تكن معهودة بين أهل اللغة، فلا بد من وضع اسم لها، ليمتاز به عن غيرها، كما يجب ذلك في ولد يُولد للإنسان وآله يتخذها بعض الصناع. ومتى لم يكن من ذلك بدٌّ، فلا يمتنع أن تتعلق المصلحة بنقل الاسم من غيرها إليها، كما لا يمتنع أن تتعلق المصلحة بوضع اسم لها ابتداء، وإذا جاز ذلك جاز ورود الشر عبه- هذا دليل الجواز.\nوالدليل على ثبوت ذلك- أن اسم \"الصلاة\" في اللغة لم يكن موضوعًا لمجموع هذه الأفعال، ثم صار اسمًا له بالشرع، حتى لا يفهم عند إطلاقه سوى مجموع هذه الأفعال.\nفإن قيل: ما أنكرتم أن \"الصلاة\" في الأصل موضوع للاتباع، ولهذا يسمون الطائر \"مصليًا\" لأنه يتبع السابق، فكذلك إنما سمى مجموع هذه الأفعال \"صلاة\" لأنها اتباع الإمام -فإذن لا تختلف فائدته الوضعية- قلنا: هذا يقتضي أن لا يسمى صلاة الإمام وصلاة المنفرد \"صلاة\" لأنه ليس فيها اتباع الإمام، ولكان يجب فيمن تكلم بهذه الصيغة أن يعني به الاتباع ويفهم السامع منه ذلك، ومعلوم أنه لا يخطر ببال السامع ولا ببال المتكلم عند إطلاق هذا الاسم إلا مجموع هذه الأفعال.\nفإن قيل: ما أنكرتم أن الصلاة في اللغة عبارة عن الدعاء- قال القائل:","vol":"1","page":22},{"text":"\"صَلَّى على دَنِّها وارتسمْ\"، أي دعا عليه، وفي الشرع جعل علمًا على مجموع هذه الأفعال لأن فيها دعاء، فإذن لم يختلف فائدته الوضعية- قلنا: إن عنيتم بهذا الكلام أن اسم \"الصلاة\" واقع على مجموع هذه الأفعال، لأن فيها دعاء- فقد سلمتم ما نريده من نقل الاسم عن معنى إلى غيره، فبعد ذلك لا يضرنا أن تعللوا ذلك بما ذكرتم من العلة وهو أن فيه دعاء. وإن عنيتم به أن اسم \"الصلاة\" واقع على الدعاء من جملة هذه الأفعال دون مجموعها- فهذا باطل، لأن المفهوم من هذا الاسم عند الإطلاق مجموع هذه الأفعال لا البعض- ألا ترى أن قائلًا لو قال: \"فلان في الصلاة\" فُهم منه أنه في جزء منها، أي جزء كان، دعاء أو غ ير دعاء. ولو قال: \"فلان خرج من الصلاة\" يُفهم منه أنه فارق مجموع هذه الأفعال لا البعض. ولو كان الأمر كما ذكرتم، يجب أن قائلًا لو قال: \"خرج نم الصلاة\" يُفهم منه أنه فارق الدعاء، ولو عاد إلى الدعاء يستقيم أن يقال: \"عاد إلى الصلاة\" والأمر بخلافه. وكذا هذا في اسم الزكاة والحج وغيرهما- فدلَّ ذلك على ثبوت الحقائق الشرعية.\nفإن قيل: نقل الاسم اللغوي عن معناه في الشرع يؤدي إلى الإغراء بالجهل والحمل على اعتقاد قبيح، وذلك لا يجوز- وبيانه: وهو أن الشرع إذا استعمل الاسم اللغوي في معنى، [فـ] لا بد أن يتعلق به حكم وتكليف، فالسامع إذا كان قد عرف كون الاسم حقيقة في شيء، يسبق إلى فهمه ذلك ويعتقد التكليف به، فإذا أراد الشرع غير ذلك [فإنه] يؤدي إلى ما ذكرنا من القبيح- قلنا: نحن، وإن جوزنا نقل الاسم في الشرع عن معناه إلى غيره،","vol":"1","page":23},{"text":"فإنما تجوزه بشرط إشعار سابق أو بيان مقارن وغير ذلك، فلا يؤدي إلى ما ذكرتم من الحمل على القبيح.\nوالله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>[ب- المجاز]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>٨ - باب في: إثبات المجاز في اللغة:</span>\nذهب الأكثرون إلى ثبوت ذلك.\nوحكى عن بعضهم منع ثبوته.\nواختلافهم في ذلك إما أن يكون اختلافًا في المعنى أو في العبارة.\nأما الاختلاف في المعنى- فمن وجهين:\nأحدهما- أن يقولوا: إن أهل اللغة ما استعملوا هذه الأسامي فيما نقول إنه مجاز فيه، كاسم الأسد في الشجاع واسم الحمار في البليد - وهذه مكابرة لا يرتكبها أحد.\nوالآخر- أن يقولوا إن أهل اللغة استعملوا اسم الحمار في البليد لكنهم قالوا إن اسم الحمار كما هو موضوع للبهيمة المخصوصة، فهو موضوع للبليد. وهو أيضًا بعيد، لأنا نعلم- كما نعلم باضطرار أن أهل اللغة استعملوا اسم الحمار في البلد- نعلم باضطرار أيضًا أنهم استعملوه في البليد تبعًا وتشبيهًا له بالبهيمة،","vol":"1","page":24},{"text":"وأن استحقاق البليد هذا الاسم ليس كاستحقاق البهيمة، فالبهيمة تستحق هذا الاسم لكونه موضوعًا لها، والبليد يستحقه لأنه شابهها، فاستحق اسمها- دلَّ عليه أن قائلًا لو قال \"رأيت حمارًا\" فهم منه البهيمة المخصوصة دون البليد، ولو كان الاسم موضوعًا لهما لكان لا يسبق إلى فهم السامع عند الإطلاق أحدهما دون الآخر.\nفإن قيل: لما كانت الحقائق تعم المسميات، فلماذا تجوزوا بها عن محالها- قلنا لوجوه:\nمنها -أن في المجاز من الفصاحة والمبالغة في الوصف ما ليس في الحقيقة- ألا ترى أنه متى وصفنا الرجل البليد بأنه حمار، كان أبلغ في الإبانة عن معنى البلادة، من وصفنا له بأنه بليد.\nومنها- أن المجاز قد يكون بضرب حذف، فيستعمل طلبًا للتخفيف.\nومنها- أن الطباع قد تنفر عن بعض المعاني، فيتجافى الناس عن التصريح بذلك، فيكنون عنه باسم غيره، كالحدث المكني عنه باسم الغائط.\nوغير ذلك.\nوأما الاختلاف في العبارة:\nفبأن سلموا أن أهل اللغة استعملوا اسم الحمار في البليد وأن اسم الحمار غير موضوع للبليد، فاستحقاق البليد لهذا الاسم ليس كاستحقاق البهيمة. لكنهم قالوا: إذا عنى به البليد [فـ] لا نسميه مجازًا، بل نسميه مع القرينة حقيقة- فنقول لهم: لما سلمتم معنى المجاز، لم امتنعتم من تسميته مجازًا؟","vol":"1","page":25},{"text":"فإن قالوا: لأن أهل اللغة لم يسموه بذلك- قلنا: أولًا -هذا ممنوع، فإن أهل اللغة قالوا في كتبهم: هذا الاسم حقيقة، وهذا الاسم مجاز. ثم إن لم يسمه أهل اللغة بذلك، لم يمتنع وضع اسم له، ليمتاز به [عن] غيره- ألا ترى أن أهل النحو سموا الضمَّة المخصوصة \"رفعًا\" والفتحة \"نصبًا\" وإن لم يسمه أهل اللغة بذلك، ولم يلحقهم بذلك عيب، بل حَسُنَ منهم ذلك، ليكون أداة لهم في ضبط لغتهم- فكذا هذا.\nوقوله: إنَّا نسميه مع القرينة حقيقة- قلنا: هذا إن صح، فلا يمنع إطلاق اسم المجاز عليه على الانفراد. على أن وصف الكلام بأنه حقيقة أو مجاز راجع إلى اللفظ، والقرينة قد تكون شاهد حال أو غيره مما لا يكون فعلًا للمتكلم، فلا يجوز وضعه في الحقيقة والمجاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>٩ - باب في: حُسن دخول المجاز في كلام الله تعالى</span>، وأن الله قد تكلم به:\nذهب الأكثرون إلى حُسن ذلك، وثبوته.\nوذهب [بعض] أصحاب الظاهر إلى منع ثبوت ذلك.\nوالدلالة على صحة ما ذهبنا إليه أن الله تعالى أنزل القرآن بلغة العرب وخاطبنا به، فاقتضى إنزاله القرآن بلغة العرب أن يخاطبنا بمثل ما يخاطب به","vol":"1","page":26},{"text":"بعضهم بعضًا، ومعلوم أنه قد يقع في مخاطباتهم المجاز كما يقع فيها الحقيقة، فحَسُنَ من الله تعالى أن يتكلم بالمجاز أيضًا، إلا ما فيه تنفير، كالكلام السخيف الذي ينسب قائله إلى العِيِّ، ومعلوم أن المجاز ليس هذا سبيله، بل أكثر الفصاحة يظهر بالمجاز.\nفإن قيل: المجاز لا ينبئ عن المراد بنفسه، فورود القرآن به يؤدي إلى الالتباس كما ذكرنا، وذلك لا يجوز على الله تعالى- قلنا: نحن لا تجوز التكلم بالمجاز إلا بقرينة، وعند وجود القرينة يزول الالتباس.\nفإن قيل: إن التكلم بالمجاز يشعر بالعجز عن التكلم بالحقيقة، وذا لا يجوز على الله تعالى- قلنا: إنما يشعر بذلك لو لم يجز التكلم بالمجاز مع القدرة على التكلم بالحقيقة، فأما إذا جاز ذلك فلا، وقد دللنا على جواز ذلك، لما في المجاز من زيادة الفصاحة والمبالغة في الوصف والاختصار في الكلام، على ما بيَّنا.\nفإن قيل: لو حَسُنَ من الله تعالى أني تكلم بالمجاز، لجاز أن يسمى الله تعالى متجوِّزًا ومستعيرصا- قلنا: إنما لا يجوز إطلاق اسم المتجوز على الله تعالى من ارتكاب الحرام ومباشرة القبيح، فإن اسم المتجوِّز في العرف مستعمل في ذلك، وكذا إطلاق اسم المستعير، [لا يجوز، لنه] يوهم ما لا يجوز على الله تعالى، وهو أن يستأذن غيره لينتفع بملكه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.\nهذا دليل الجواز.","vol":"1","page":27},{"text":"والدليل على أن الله تعالى قد تكلم بالمجاز- قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِداَرًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾: أطلق اسم \"المريد\" على الجدار، وهذا مجاز من الكلام. وقوله تعالى: ﴿وجَاءَ رَبُّكَ﴾ وهذا مجاز أيضًا، إلى غير ذلك.\nفإن قيل: ما أنكرتم أن هذه الأسامي في اللغة مجاز عن هذه المعاني، لكن لما استعملها الله تعالى فيها صارت منقولة إليها، وصارت حقيقة شرعية، كاسم الصلاة والحج وغيره- قلنا: لو كان الأمر كذلك لكان يسبق إلى أفهام أهل الشرع عند سماع هذه الألفاظ معانيها التي أرادها الله تعالى ولا يحتاج إلى القرينة، كما في اسم الصلاة والحج، ومعلوم أنه لا يسبق إلى أفهام أهل الشرع عند سماع هذه الألفاظ تلك المعاني إلا بقرينة، فعلم أنه مجاز فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>١٠ - باب في: ذكر ما يفصل بين الحقيقة والمجاز:</span>\nاعلم أن الحقيقة تنفصل عن المجاز بحكم يختص كل واحد منهما.\nفمن حكم الحقيقة أن تطرد في فائدتها على الحد الذي يفيدها، إما مطلقة أو مشروطة، إلا أن يمنع من ذلك مانع. مثال المطلقة: قولنا: \"طويل\":","vol":"1","page":28},{"text":"يفيد ما اختص بالطول أي جسم كان. ومثال المشروطة: قولنا \"أبلق\" يفيد ما اجتمع فيه السواد والبياض بعد أن كان في الخيل خاصة.\nوأما المجاز فلا يجب اطراده- ألا ترى أن وصفنا الرجل الطويل بأنه نخلة: لما كان بطريق المجاز، لا يجب اطراده، حتى لا يسمى ما عدا الرجل من الأجسام الطوال نخلة.\nثم الحقيقة إنما يجوز اطرادها دون المجاز لوجهين:\nأحدهما- أن واضع اللغة غنما وضع الاسم لما شاهده من المعاني. فلو قلنا لا يجب اطراده لانقطعت اللغة، وهذا لا يجوز، ولا كذلك المجاز. لأن الحقائق مستوعبة للمسميات، فلا يلزم من نفي اطراد المجاز انقطاع اللغة.\nوالثاني- أنا نعلم أن أهل اللغة إنما وضعوا اسم \"الطويل\" لما شاهدوه من الجسم، لاختصاصه بالطول. وكل جسم حصل فيه الطول يجب اطراد الاسم فيه- هذا معنى قولنا: إن القياس يجري في الحقائق، ولا كذلك المجاز، لن أهل اللغة ما وصفوا الرجل الطويل بأنه نخلة لاختصاصه بالطول فقط، بل لشدة اهتمامهم به، فدعاهم شدة اهتمامهم بذلك إلى المبالغة في وصفه بالتشبيه بغيره، ولا يجب تحقيق ذلك في كل طويل.\nفإن قيل: أليس أن المجاز يطرد في نوعه حتى يسمى كل رجل طويل \"نخلة\"- قلنا: إن عنيت باطراد المجاز هذا، فلا نأبى ذلك، وإنما نعني بنفي","vol":"1","page":29},{"text":"اطراد المجاز أن يقر في نوعه ولا يتعداه، ولهذا لا يسمي كل طويل «نخلة»، ولا كذلك الحقيقة: فإن أهل اللغة متى سموا الرجل الذي حصل فيه السواد\nأسود، بطريق الحقيقة يجب اطراده، حتى يسمي كل الأجسام التي حصل فيها السواد «سودا».\nومما يفصل به بين الحقيقة والمجاز أنه إذا كان يسبق إلى فهم السامع عند سماع اللفظ معني من المعاني دون القرينة، كان حقيقة فيه. وإذا كان لا يسبق إلى فهمه عند سماع اللفظ معنى إلا بقرينة كان مجازة فيه. وإنما كان كذلك، لأن السامع لولا أنه اضطر في أن الواضعين وضعوا الاسم بذلك المعنى، لكان لا يسبق إلى فهمه ذلك المعنى دون غيره، ومن حكم الحقيقة أن يحمل اللفظ على حقيقته ولا يعدل إلى المجاز إلا بقرينة صارفة، لأن الواضع إنما وضع الاسم لمعنى يتوسل به إلى غرضه بالإبانة عن ذلك، فلو لم يحمل عليه بغير قرينة بطل كونه دلالة على الغرض [و] وسيلة إلى المراد بنفسه، وفيه نقض / الغرض بالمواضعة - والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>١١ - باب - بيان طريق المجاز ووجوهه:</span>\nنعنى بطريق المجاز الأمر المصحح للمجاز والمحسن للتكلم به. وذلك هو الاختصاص بين المستعار له والمستعار عنه، أعني اختصاصا لأجله يُعرف المستعار له من المستعار منه، ودلالة ذلك من وجهين:\nأحدهما - أن الفصاحة والبلاغة غرض مطلوب في المجاز، فإنا وجدنا أهل اللغة استعملوا المجاز في أشعارهم وخطبهم ومحاوراتهم لتحقيق معنى البلاغة والفصاحة، ومعنى البلاغة والفصاحة يحصل بتعريف الشيء باسم غيره.","vol":"1","page":30},{"text":"وقد يحتاج إلى ذلك للمبالغة في الوصف، أو للاختصار في الكلام، أو للتحاشي عن التصريح بذكر المستعار له، لما فيه من كراهة الطبع، كما ذكرنا من قبل، وكان تعريف الشيء بذكر غيره بطريق المجاز من وجوه الفصاحة، إلا أنه كل شيء يذكر، لا يعرف به غيره، إذا لم يكن بينهما ضرب اتصال ونوع اختصاص معرِّف. ولهذا لا يحسن إطلاق اسم السماء على الأرض واسم الأرض على السماء. فإذا كان بين الشيئين هذا النوع من الاتصال والاختصاص حَسُنَ استعمال اسم احدهما في الآخر مجازًا، فثبت أن الاختصاص المعرِّف طريقُ المجاز، إلا أن لذلك وجوهًا: منها- المشابهة في المعنى الخاص، كما في الأسد مع الشجاع، والحمار مع البليد. ومنها- المجاورة كما في قولنا: جرى النهر، وسال الميزاب. ومنها- السببية، والمسببية، وغير ذلك.\nوالوجه الثاني- أن للمجاز وجوهًا كثيرة مختلفة الصور اتفقت في الاشتمال على ما ذكرنا من الاتصال والاختصاص، وذلك يدل على أن المصحح للمجاز في الكل هذا. بيان ذلك -أن المجاز قد يكون للمشابهة بين الشيئين. وقد يكون للمجاورة بينهما كما ذكرنا. وقد يكون لأجل السببية والمسببية، فإن اسم السبب قد يُستعار للمسبّب، كما في قوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرارًا﴾ أي المطر. ويقال: سقط السماء أي المطر. وقد يستعمل اسم المسبب للسبب كقوله تعالى: ﴿إنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. وقال تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾: المراد به قلة السرور وكثرة الحزن، لأنهما مسببان","vol":"1","page":31},{"text":"للسرور والحزن. وقوله تعالى: ﴿وامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ أي تعجبت، لأن الضحك مسبب التعجب. وقد يطلق اسم المدلول على الدليل [فـ] يقال: \"سمعت علم فلان\" أي عبارته الدالة على علمه. وقد يطلق اسم الآلة على الفعل كما في قوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾. وقد يطلق اسم الفاعل على الفعل والمصدر كقوله: \"لحقته لائمة\" أي ملامة ولوم. وقد يطلق اسم الفاعل على المفعول كقوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ أي مرضية. وقد يطلق اسم الفعل على المفعول كقولهم: \"هذا الدرهم ضرب فلان\" و\"هذا الثوب نسج فلان\". وقد يطلق اسم المكان على المتمكن فيه بطريق الحذف، كقوله تعالى: ﴿واسْأَلِ القَرْيَةَ﴾. وقد يطلق اسم الشيء على ضده المختص بكونه ضدًّا له، كما يقال للديغ سليم وللأعمى بصير. وقد يطلق اسم بعض الشيء على كله كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. ويقال: \"فلان يملك كذا رأسًا من الغنم\"- فثبت أن المجاز يستعمل في وجوه كثيرة مختلفة الصور، مع اتفاقها في نوع اختصاص معرَّف، فعلم أنه المصحح للمجاز في الكل.\nفإن قيل: ما أنكرتم أن استعمال المجاز ليس له طريق معين، بل هو تابع للاختيار، فكل من اختار استعمال شيء في غيره، يصح منه ذلك- ألا ترى أن الله تعالى أطلق اسم المريد على الجدار بقوله تعالى: ﴿جِداَرًا يُرِيدُ أَن","vol":"1","page":32},{"text":"يَنقَضَّ﴾ وأي اختصاص بين المريد والجدار- قلنا: الدليل على اشتراط ما ذكرنا من الاختصاص المعرِّف للمجاز أنَّ فهم الشيء باسم غيره لا يحصل. وأما ما ذكر من المثال- قلنا: هذا إطلاق اسم المريد على الجدار الذي قرب سقوطه وانهدامه، وبينه وبين المريد اختصاص مشابهة، لأن الإرادة هو المعنى الذي يوجب تخصيص الشيء بالوجود، والجدار الواهي المائل قرب سقوط، وأوجب ذلك اختصاص سقوطه وانهدامه بالوجود، فكأنه أراد انقضاض نفسه وانهدامه، فجاز استعمال المجاز فيه.\nفإن قيل: من جملة وجوه المجاز المشابهة في المعنى الخاص كما ذكرتم، فهل يشترط في هذا الوجه شرط آخر وراء نفس المشابهة، وهو أن يكون المعنى في المستعار منه أبلغ حتى يصح المجاز؟ قلنا: نعم فيه شرائط: بعضها شرط صحة المجاز، وبعضها شرط كمال الفصاحة فيه:\nأما الأول- فمن شروطه أن يكون المعنى خاصًا في المستعار منه أعني أنه يوجد فيه، وعلى الحد الذي يوجد فيه لا يوجد في غيره، كالشجاعة في الأسد.\nومن شرطه- أن يكون المعنى في المستعار منه ظاهرًا، كالشجاعة في الأسد، لا كالبَخَر فيه.\nوأما كون المعنى في المستعار منه أبلغ - فهو شرط كمال الفصاحة والبلاغة، كما في الأسد مع الشجاع، والحمار مع البليد، لا شرط نفس الاستعارة، لما مر ان معنى المجاز والمطلوب منه قد يحصل بدونه، لما مر من الوجوه.\nوالله تعالى أعلم.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>٢\nباب\nفي- بيان أن اللغات توقيفية أو اصطلاحية</span>\nنبين عنى اللغة، ومعنى الكلام، واللفظ، والنطق- أولصا، فنقول:\nاللغة- اسم لضرب مخصوص من ترتيب الحروف الدالة على المعاني، بحكم الوضع.\nوإنما شرطنا كونها حروفًا ودلالتها بحكم الوضع، لأن الضحك والبكاء يدلان على الحزن والفرح، وصياح الديك يدل الدجاجة على استدعائها لالتقاط الحب، ولا يسمى ذلك لغة.\nإذا ثبت هذا-[فـ] نقول: اختلاف اللغات من التركية والهندية والعربية باختلاف ترتيبها، فإن أهل كل لغة رتبوا عين هذه الحروف، لكن ترتيبًا مخالفًا للآخر، وتركيبًا مباينًا لتركيب الآخر.\nوأما الكلام- فهو مأخوذ من الكلم، وهو الجرح الذي يؤثر في نفس المجروح، ومن كلم غيره فقد أثر في قلبه بتفهيم غرضه، فيسمى ذلك كلامًا.\nوأما اللفظ -فأصله الرمي- يقال: \"لفظت الناقة\" إذا رمت من فيها ما التقمت من الحشيش، ويقال: \"لفظ البحر بالجيفة\" إذا رمى بها. فالواحد منا إذا تكلم فكأنه يرمي، فسمى قوله \"لفظًا\". وأما كلام الله تعالى، فلا يوصف به على الحقيقة، إلا أنه اشتهر في العرف إطلاق اسم اللفظ على القول، حتى لا يفهم منه سواه، فيصح قول القائل: \"لفظ الآية كذا\" و\"لفظ القرآن كذا\".","vol":"1","page":34},{"text":"وأما النطق- فهو إحكام العبارة. سميت المِنْطَقة بها، لأن الرجل يشد بها وسطه ويُحكمه. وهذا يتحقق في القول الصادر عن الله تعالى، إلا أنا لا نطلق ذلك عليه، لعدم التعبد به والاستغناء عنه.\n* * *\nإذا ثبت هذا-[فـ] نقول:\nاختلف الناس: أن اللغات توقيفية أو اصطلاحية؟\nقال بعضهم: إنها كلها اصطلاحية.\nوقال بعضهم: إنها كلها توقيفية.\nوقال بعضهم: بعضها توقيفية، وبعضها اصطلاحية.\nفالأولون- ذهبوا في ذلك إلى التعلق بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾: أخبر ان الأسماء كلها تعليم لآدم ﵇ من الله تعالى. ولأن الاصطلاح على إبانة معنى بلفظ، من غير تقدم لغة، محال.\nوأما الفريق الثاني-[فـ] ذهبوا في ذلك إلى التعلق بقوله تعالى: ﴿ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلَاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ - وهذا يستدعي سابقة الاصطلاح على لغة، لأنه لو أخذت الأسامي سماعًا من الرسول لم يتحقق مجئ الرسول بلسانهم،","vol":"1","page":35},{"text":"ولأنه لو لم يكن لهم لغة يتفاهمون بها لا يفهمون قول الرسول، فلا يفيد إرسال الرسول إليهم.\nوأما الفريق الثالث-[فـ] ذهبوا في ذلك إلى أن قدرًا منه يحتاج إليه بالتوقيف ليحصل البنية، والبحث على الاصطلاح. وكان ذلك توقيفًا، والثاني بعده اصطلاحًا.\nهذا بيان الأقاويل- ونحن نقول:\nالكلام في ذلك: إما أن يقع في الجواز، أو الوقوع.\nأما الجواز- فكل هذه المذاهب في حيز الجواز، والإمكان:\nأما الأول- فلأن من الجائز أن يخلق الله تعالى الأصوات والحروف، بحيث يسمعها واحد أو جماعة، ويخلق فيهم العلم الضروري: أنه قصد به الدلالة على المسميات.\nوأما الثاني-[فـ] بأن يجمع الله تعالى دواعي جماعة يصطلحون عليه. وطريق ذلك أن يركب هذه الحروف، ويؤلف العبارات، ويريد به معنى، ويعرف المخاطب بالإشارة معها أو بتكرار اللفظ، كما يفعل الوالدان بالولد الطفل، وكما يفعله الأخرس بإعلام ما في ضميره بالإشارة وغير ذلك.\nوأما الثالث- فإذا ثبت جواز كل واحد من هذين القولين، [فقد] ثبت جواز الثالث، لأنه مشتمل عليهما.\nهذا هو الكلام في الجواز.","vol":"1","page":36},{"text":"وأما الكلام في الوقوع- فالصحيح أن لا يحكم بواحد من الأقاويل في ذلك، لأنه لا يعرف إلا بنقل متواتر أو مشهور، ولم يوجد.\nوأما الآية التي تعلق بها الفرق الأول-[فقد] اختلف أهل التأويل في تفسيرها:\nقال بعضهم: المراد من الأسماء المسميات، يعني: علمه حقائق الأشياء وخواصها.\nوقال بعضهم: المراد منه أسماء أجناس الحيوان من الجن والإنس وغيرهما- دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nوقال بعضهم: المراد منه أسماء الملائكة.\nثم نقول: يحتمل أن المراد إلهامه وتحريك دواعيه إلى وضع الأسماء والهداية إلى اصطلاحها. فيضاف ذلك إلى الله تعالى بجهة التعليم. ولئن كان ذلك تعليمًا للأسامي حقيقة، لكن يحتمل أنها كانت موضوعة باصطلاح من قبله من الملائكة والجن، فعلمه الله تعالى ذلك.\nوأما الآية التي تعلق بها الفريق الثاني -[فـ] قلنا: المراد منها -والله أعلم- رسول أرسل إلى قوم لهم لسان وتقدم لغة، وتقديره: إلا بلسان قومه إن كان لهم لسان. ولأن المراد منه الرسل بعد آدم ﵇، ليكون في كل زمان قوم يرسل إليهم. وأما آدم ﵇، [فـ] حين خلق لم يكن له قوم، وبعد زمان آدم ﵇ ثبتت اللغات، إما توقيفًا أو اصطلاحًا -والله أعلم.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>٣\nباب\nالحروف</span>\nاعلم أن الكلام ينقسم إلى: اسم، وفعل، وحرف.\nفالاسم- ما يدلُّ على معنى غير مقترن بزمان، كقولنا: دار وفرس.\nوالفعل- ما يدل على معنى مقترن بزمان، كقولنا: ضرب يضرب.\nوالحرف- ما يفيد اتصال فائدة بفائدة، كقولنا: \"رأيت زيدًا وعمرًا\". فحرف الواو ههنا يفيد اتصال فائدة قولنا: رأيت زيدًا، بعمرو.\nغير أن كل واحد من الحروف يختص بزيادة فائدة. وهي أنها تنبئ عن كيفية الاتصال.\nوإذا ثبتـ[ـت] هذه القاعدة-[فـ] لا بد أن يتغير فوائد الخطاب بالحروف الداخلة عليه، وكان أكثر الغرض بهذا الكتاب، ذكر الخطاب الذي يستدل به على الأحكام، فأوجب ذلك أن نتكلم في الحروف أولًا. ثم في سائر الخطابات من المر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، وما يتصل بذلك، والناسخ والمنسوخ وما يتعلق بذلك- فنقول:","vol":"1","page":38},{"text":"أما الحروف [فـ] منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>حرف الواو:</span>\n- وهي تستعمل للجمع والاشتراك فقط، كقولك \"رأيت زيدًا وعمرًا\": أفاد أنهما اشتركا في الرؤية.\n- وقد تستعمل للاستئناف، كما في قوله تعالى: ﴿ومَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَاّ اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ﴾ إذا وقع الابتداء بقوله: \"والراسخون\".\n- وقد تستعمل لتحسين النظم وتزيين الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وهَارُونَ الفُرْقَانَ وضِيَاءً﴾ أي ضياء. وليس هو للابتداء وللعطف، بل هو وصف القرآن بكونه ضياء. وقد يسميه بعض أهل اللغة \"واو لغو\"، لكنا كرهنا ذلك، لكونه مستعملًا في القرآن.\n- وقيل: إنه قد يكون بمعنى \"أو\" كما في قوله تعالى: ﴿أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ﴾ ومعناه: أو ثلاث أو رباع. إلا أنا نقول إنه للجمع في هذا الموضع، لأن الله تعالى وصف جنس الملائكة بأنهم أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع، فاقتضى أن يكون البعض على الصفة الثانية والبعض على الصفة الثالثة،","vol":"1","page":39},{"text":"فأفاد الجمع أي اجتمع ذلك في كل الملائكة، ولا خلاف في كل الملائكة، إنما الخلاف في أن الواو العاطفة في الأصل لأي معنى؟ .\nفعندنا- للجمع المطلق من غير التعرض للترتيب والقران.\nوقال بعض الشافعية- إنها للترتيب.\nدليلنا في ذلك: أن من قال لغيره \"رأيت زيدًا وعمرًا\"- هذا لا يفيد تقديم رؤية زيد. على رؤية عمرو- ألا ترى أنه لو قال \"وعمرًا بعده\" أفاد فائدة مجددة. ولأنها لو أفادت الترتيب لكان قوله \"رأيت زيدًا وعمرًا قبله- أو معه\" مجازًا أو مناقضة من الكلام، كقول القائل: \"رأيت زيدًا ثم عمرًا معه- أو قبله\"، وأهل اللغة لم يجعلوا هذا مجازًا من الكلام ولا مناقضة، فدل أنها لا تفيد الترتيب.\nدليل آخر: إن أهل اللغة قالوا إن واو العطف في الأسماء المختلفة يجري مجرى واو الجمع وياء التثنية في الأسماء المتفقة. لنهم متى لم يتمكنوا من الجمع في الأسماء المختلفة بواو الجمع استعملوا واو العطف ليفيد الجمع والاشتراك. ثم قول القائل: رأيت الزيدين\" أو \"جاءني الزيدون\" لا يقتضي الترتيب بل يقتضي الاشتراك والجمع المطلق، فكذا قوله: \"رأيت زيدًا وعمرًا وبكرًا وخالدًا\" يفيد ذلك أيضًا.\nفإن قيل: لا يمتنع أن تكون الواو العاطفة تجري مجرى واو الجمع في إفادة الجمع والاشتراك، ثم تختص بإفادة الترتيب، كـ- ثم والفاء: فإنهما يجريان مجرى واو الجمع في إفادة الجمع، ثم يختصان بزيادة فائدة وهو الترتيب- قلنا: أهل اللغة خصوا الواو العاطفة في أنها تجري مجرى واو الجمع، ولو كانت مفيدة للترتيب، كـ- ثم والفاء، لقالوا ذلك في: ثم والفاء، ولما قالوا ذلك في الواو دون ثم والفاء- عرفنا أنه يفيد الاشتراك فقط.\nوالذاهبون إلى الترتيب قالوا: إن قالوا القائل: \"رأيت زيدًا وعمرًا\" يفيد تقديم رؤية زيد على رؤية عمرو أولًا، لما بدأ بالإخبار برؤية زيد.","vol":"1","page":40},{"text":"دل عليه قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿إنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ للترتيب. فعلم أن الواو في الأصل للترتيب.\nوالجواب:\nأما الأول- قلنا: هذا يقتضي أن يكون الترتيب مستفادًا بالبداية بالإخبار برؤية زيد لا بحرف الواو، والكلام فيه. ولأنه يلزم هذا القائل أن قول القائل \"رأيت زيدًا. رأيت عمرًا\" يفيد الترتيب. ثم نقول: لا يمتنع أن يكون غرضه الإخبار برؤية زيد ثم بدا له أن يخبر برؤية عمرو فأخبر به، أو يحتمل أنه بدأ بافخبار برؤية زيد لمحبته. أو لأن اهتمامه بافخبار برؤية زيد أشد. أو لأن اهتمامه بافخبار برؤيتهما على السواء، إلا أنه بدأ بما اتفق.\nوأما الثاني- قلنا: استفدنا الترتيب في هذه المواضع بدلالة منفصلة- وهو بيان النبي ﵇ قولًا وفعلًا. وكذا في السعي بين الصفا والمروة، فإن الصحابة ﵃ أشكل عليهم ذلك، فسألوا رسول الله ﷺ فقال: \"أبدؤوا بما بدأ الله تعالى\". وهذا دليلنا، لن الواو لو كان للترتيب لما أشكل عليهم ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>ومنها- حرف \"أو</span>\":\nوهي مستعملة:\n- بمعنى التخيير، كقولك: \"جالس زيدًا أو عمرًا\": كنت خيرته في المجالسة مع كل واحد منهما.\n- وبمعنى التشكيك، كقولك: \"للمت على زيد أو عمرو\". وكنت شككت فيمن سلمت عليه.","vol":"1","page":41},{"text":"- وبمعنى \"ولا\"، بأن دخلت بين الشيئين في النفي: قال الله تعالى: ﴿ولا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. معناه: ولا كفورًا.\n- وبمعنى كلمة \"حتى\"، بأن دخلت بين النفي والإثبات- قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. بمعنى حتى يتوب عليهم، وتقول للغريم: \"لا أفارقك أو تعطيني حقي\" بمعنى \"حتى\".\nوحاصلة أن هذه الكلمة في الأصل:\n- للإبانة عن أحد المذكورين لا على التعيين، والتخيير، والتشكيك من مواجب ذلك.\n- وكذا أفاد به نفي الثاني إذا دخل بين النفيين، لأنه متى تناول أحدهما منكرًا في النفي، والنكرة في موضع النفي تعم، أفاد انتفاءهما جميعًا.\n- وكذا معنى الغاية إذا دخلت بين الإثبات والنفي: ففي حق الإثبات يفيد أحدهما، إما الثابت أو النفي، فإذا وجد المثبت انتهى الكلام، وهو معنى الغاية.\nومنها- كلمة \"مع\":\nوهي للقران- يقول: \"رأيت زيدًا مع عمرو\": أفاد رؤيتهما في زمان واحد.","vol":"1","page":42},{"text":"ومنها- كلمة \"بعد\":\nوهي للتأخير من غير تقدير زمان- تقول: \"رأيت زيدًا بعد عمرو\": فإنه أفاد أن رؤية زيد متأخرة عن رؤية عمرو، من غير تقدير زمان.\nومنها- كلمة \"قبل\":\nوهي للتقديم من غير تقدير زمان، كقولك: \"رأيت زيدًا قبل عمرو\" أفاد رؤية زيد متقدمًا على رؤية عمرو، من غير تقدير زمان.\nومنها- كلمة \"ثم\":\nوهي للتراخي. أي للتأخير بزمان يوجب الفصل بينهما كقولك: \"رأيت زيدًا ثم عمرًا\": أفاد رؤية عمرو متأخرة عن رؤية زيد بزمان يمنع اتصاله به عرفًا.\nوقد يتجوز به، فيستعمل مكان حرف الواو، كما في قوله تعالى: ﴿فَإلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾. أي والله شهيد على ما يفعلون، لأنه لا يجوز أن يكون الله شهيدًا بعد أن لم يكن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>ومنها- حرف \"الفاء</span>\":\nوهي للتعقيب مع الوصل، أي لثبوت الثاني عقيب الأول متصلًا به. كقولك: \"رأيت زيدًا فعمرًا\"، إذا كان رؤية عمرو متصلة برؤية زيد أو متأخرة عنه بزمان لا يمنع الوصل في العادة.","vol":"1","page":43},{"text":"ودلالة ذلك أن هذا الحرف يستعمل في مواضع مختلفة الصور اتفقت في إفادة هذا المعنى- فإنه يستعمل في:\n- جزاء الشرط كقولك: \"إن دخلتِ الدار فأنت طالق\".\n- وفي موجب العلة، كقولك: \"كسرته فانكسر\".\n- وفي حكم السبب، كقولك: \"اشتراه فملكه\".\n- وفي موضع لا تتحقق هذه الوجوه، كقوله: \"جاءني زيد فعمرو\".\nواتفقت هذه الصور، مع اختلافها، في إفادة التعقيب مع الوصل: علم أنه حقيقة له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>ومنها- حرف \"الباء</span>\":\n- وهو للإلصاق، كقولك: \"مسحت يدي بالمنديل\": أفاد إلصاقها به.\n- ويستعمل في الآلة، والسبب، والعوض: لإفادة الإلصاق صورة أو معنى. واختلفوا في قوله تعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾:\nقال بعضهم: إنه، على موجب اللغة، يفيد إلصاق المسح بجميع الرأي، لأنه علق المسح بالرأس، والذي يسمى رأسًا هو الكل. إلا أنه في العرف يفيد إلصاق المسح إما بكله أو ببعضه، فإنا نقول: \"مسحت يدي بالمنديل\" إذا مسحت بعضه، كما نقول ذلك أيضًا إذا مسحت كله.\nوقال بعضهم: إن الآية مجملة، لأن هذا الحرف قد يراد به الكل، وقد يراد به البعض، فكان مجملًا، فلا يصح التعلق إلا ببيان.","vol":"1","page":44},{"text":"ومنها- كلمة \"في\":\n- وهي للظرف كقولك: \"زيد فيالدار\" و\"حنطة في الجوالق\" و\"درهم في الكيس\": أفاد كون الدار ظرفًا لزيد، وكون الجوالق والكيس ظرفًا للحنطة والدراهم.\nوقد يقال: \"في الصلاة\" يعني الظرفية، لأنه متى انقطع إلى الصلاة دون غيرها صار كمن انقطع إلى مكان دون غيره.\n- وقد تستعمل كلمة \"في\" للشرط. كقول القائل لامرأته: \"أنت طالق في دخولك الدار\" فتصير مجازًا عن كلمة \"مع\" وعن كلمة \"على\" لمقاربة بينهما في معنى الاتصال والمجاورة، لما عرف.\nومنها- كلمة \"من\":\n- وهي لابتداء الغاية- تقول: \"خرجت من البصرة إلى الكوفة\": أفاد أن بصرة مبدأ خروجك.\n- وقد تستعمل مكان حرف الباء- قال الله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي بأمر الله.\n- وقد تكون صلة في الكلام لتحسين النظم- كما في قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ أي يغفر لكم ذنوبكم.\n- وقد تكون للتبعيض- كقولك: \"أكلت من هذا الرغيف\".","vol":"1","page":45},{"text":"- وقد تكون لبيان الجنس- كقولك: \"باب من حديد\". فهذا ليس للتبعيض، لنه لو لم يكن في العالم إلا الحديد الذي اتخذ منه الباب، صح أن يقال: \"باب من حديد\".\nوالصحيح أن كلمة \"من\" لتمييز الشيء عن غيره. وإنما استعملت في هذه المواضع لإفادة معنى التمييز، حتى لا تختلف فائدة الكلمة باختلاف المواضع. بيانه- أن معنى التمييز حاصل في قوله: \"خرجت من مكة\" لأن الكائن في مكان متصل به ومجاور له، وبعض الشيء حقيقة متصل به. فإذا خرج فكأنه انفصل وتميز منه. وكذا في انفصال الجزء عن كله. وكذا في قوله: \"باب من حديد\" أفاد تمييز الحديد من سائر الأجناس في اتخاذ الباب منه.\nومنها- كلمة \"إلى\":\nوهي لانتهاء الغاية، كقولك: \"خرجت من بصرة إلى الكوفة\": أفاد أن الكوفة منتهى خروجك.\nثم الغاية قد تدخل في الكلام وقد لا تدخل. ولهذا قالوا: إن قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ﴾ مجمل.\nوالصحيح أن الغاية لا تدخل في الكلام، وهذه الآية لا تقتضي وجوب غسل المرافق، لأنها تفيد وجود غسل أيدي نهايتها المرافق، ومن غسل الأيدي إلى أول المرافق صدق [عليه] القول بأنه غسل أيدي نهايتها المرافق، فسقط الأمر به، كمن قال لغيره: \"ادخل الدار\" فإذا فعل فعلًا يصدق عليه اسم دخول الدار يخرج عن العهدة، وهذا لأن سقوط الأمر متعلق بوجود أول الاسم لا بوجود آخره- ألا ترى أن من انتهى إلى أول بغداد صح أن يقال: إنه انتهى","vol":"1","page":46},{"text":"إلى بغداد، وإنما استفدنا وجوب غسل المرافق بدلالة أخرى لا بهذه الدلالة.\nومنها- كلمة \"حتى\":\n- وهي للغاية مطلقًا، ولا تفتقر إلى ابتداء لما ضربت له الغاية.\nوبهذا فارقـ[ـت] كلمة \"إلى\"، فإنها لانتهاء الغاية، فتقتضي ابتداء حتى تكون هي نهايته.\nودلالة ما قلنا: الاستعمال- قال الله تعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ - فهذا أمر بالعبادة إلى حين الموت. وكذا قوله ﵇: \"أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله\" من غير ذكر ابتداء له.\n- وقد تستعمل هذه الكلمة في المجازاة إذا دخلت فيما لا يقبل الغاية ويقبل المجازاة، والمذكور يصلح أن يكون جزاء. كقولك: \"وهبتك حتى تعوضني\" أي لتجازيني بالعوض. لأن جزاء الفعل ينهي أثر الفعل ويجعل كأن لم يكن، وهو معنى الغاية، فيحمل عليه عند تعذر الحمل على حقيقة الغاية.\n- وقد يستعمل مكان حرف \"الفاء\" عند تعذر حمله على حقيقة الغاية والجزاء. كمن يقول لغيره: إن لم آتك اليوم حتى أتغدى عندك فعبده حر- فهو كقوله: \"إن لم آتك اليوم فأتغدى عندك\".\nومنها- كلمة \"على\":\nوهي مشتقة من العلو، يقال: \"زيد على السطح\" و\"درهم على الكف\".\n- وتستعمل في عرف الشرع للإيجاب- قال الله تعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ","vol":"1","page":47},{"text":"حَجَّ البَيْتَ﴾ وهو للإيجاب. وكذا قول القائل: \"لفلان عليَّ ألف درهم\": محمول على الوجوب. وإنما استعمل فيه لتحقق معنى العلو. لأن الوجوب هو السقوط، ولا فرق بين قول القائل: \"سقط عليه\" وبين قوله: \"علاه وارتفع عليه\". وهذا لأن الشيء إذا ارتفع على غيره وقع ثقله عليه. وكذا الفعل: إذا وجب على الإنسان وقع ثقله، والمشقة الحاصلة متحصلة عليه، فلذلك استعمل في الإيجاب.\n- وقد تستعمل في الشرط إذا تعذر حمله على الوجوب- كقول القائل لامرأته: \"أنتِ طالق على ألف درهم\" أي بشرط قبول الألف، لأن الشرط في معنى الموجب للحكم، فيحمل عليه.\n- وقد تستعمل في الأعواض إذا تعذر حمله على الإيجاب والشرط، كقول القائل: \"بعت منك هذا العبد على ألف\"- هذا للمبادلة لا للشرط. لأن تعليق التمليك بالشرط لا يجوز. ولأنه يصح الرجوع عنه قبل القبول. وهذا حكم المبادلة دون الشرط. وإنما حمل عليهـ[ـا]، لأن في المبادلة معنى الوجوب ومعنى الشرط، فيحمل عليها عند تعذر الحمل عليهما.","vol":"1","page":48},{"text":"ومنها- كلمة \"بل\" و\"لا بل\":\nوهو لنفي الأول، وإثبات الثاني مقامه، على وجه تدارك الغلط. كقول القائل: \"اضرب زيدًا لا بل عمرًا\": يفهم من هذا نفي الضرب عن زيد وإقامة عمرو مقامه في الضرب وأنه غلط في الأمر بالضرب.\nإذا ثبت هذا- نقول:\nإن كان الأمر قابلًا للنفي ينتفي الأول، ويثبت الثاني مكانه.\nوإن كان غير قابل للنفي بأن كان طلاقًا ونحو ذلك، يبقى الأول ثابتًا ويثبت الثاني، فيجعل الأول كالمنفي في حقه عملًا بقضية الكلمة بقدر الإمكان.\nومنها- كلمة \"لكن\":\nوهي لاستدراك الغلط، ككلمة \"لا، بل\" و\"بل\" -إلا أن الفرق بينهما أن هذه الكلمة لا تستعمل إلا بعد تقدم النفي، إلا في بيان الوصف، كقولك: \"رأيت زيدًا لكن مريض\"، ولا يصير نفي الأول مستفادًا به. وفي كلمة \"بل\" نفي الأول مستفاد بها، ولا يحتاج إلى تقدم النفي صريحًا.\nمثال كلمة \"لكن\"- قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: نفي الظلم عن الله تعالى استُفيد بصريح النفي لا بكلمة \"لكن\".\nومثال كلمة \"بل\" قول القائل: \"رأيت زيدًا بل عمرًا\" فَنَفْي رؤية زيد استُفيد بكلمة \"بل\".","vol":"1","page":49},{"text":"ومنها- كلمة \"إلا\":\nوهي للاستثناء. يقول: \"جاءني القول إلا زيدًا\": أفاد هذا استثناء زيد عن حكم المجيء.\nومنها- كلمة \"غير\":\nوهي في معنى كلمة \"إلا\" إذا ذكر [ت] بنصب الراء- يقال: \"عليَّ درهم غيرَ دانق\" كان إقرارًا بخمسة دوانيق كقوله: \"إلا دانقًا\".\nفأما إذا ذكر [ت] برفع الراء، [فـ] تقتضي المغايرة بين المذكور الأول والثاني، لا على جهة الاستثناء، كقولك: \"عليَّ درهم غيرُ دانق\": لزمه درهم تام وتصير \"غيرُ\" نفيًا لصفة الدانق للدرهم أي \"عليَّ الدرهم الذي هو غير الدانق\".\nومنها- حروف القسم:\nوهي: \"الباء\" و\"الواو\" و\"التاء\":\nكقولك: \"بالله\" و\"والله\"، \"تالله\". عُرف ذلك بالاستعمال: في كتاب الله تعالى، وكلام الناس.\nومنها- حروف الشرط:\nوهي: \"إن\" و\"إذا\" و\"إ؟ ذا ما\" و\"متى\" و\"متى ما\" و\"كل\" \"وكلما\" و\"من\" و\"ما\".\nكل ذلك عُرف باستعمال أهل اللسان. والله أعلم.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>٤\nباب\nحقيقة الأمر\nواختصاصه بالقول</span>\nاعلم أن اسم الأمر يقع في الأمر الحقيقي، وهو القائم بالنفس الذي يوجب كونه آمرًا، ويقع على غيره.\nومعنى اختصاص الأمر بالقول: أنه الدال عليه دون غيره. وهذا باطل- لأن القول قد يدل عليه. وغير القول، كالإشارة وغيرها، يدل عليه.\nوأما الذي يقع على غير ذلك-[فقد] أجمعوا أنهي قع على القول المخصوص على الحقيقة، وهو قول القائل لمن دونه \"افعل\".\nواختلفوا في أنه: هل يقع على الفعل حقيقة أم لا؟\nذهب أصحابنا وأكثر الناس إلى أنه لا يقع على الفعل حقيقة.\nوقال أصحاب الشافعي: إنه يقع على الفعل حتى قالوا: إن أفعال الرسول ﵇ على الوجوب، لأنها داخلة تحت قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (الآية).\nوالصحيح أن اسم الأمر مشترك بين: الشيء، والشأن، والقول المخصوص:","vol":"1","page":51},{"text":"فإن قائلًا لو قال: \"آمر\" لا يدري السامع أي هذه الأمور أراد، كما إذا قال: \"أدرك\" لا يدري السامع أنه أراد به اللحوق أو الرؤية. فإذا قال: \"آمر بكذا\" يفهم منه القول المخصوص.\nوإذا قال: \"أمر فلان مستقيم\" يفهم منه شئونه وطرائقه.\nوإذا قيل \"جاءني زيد لأمر من الأمور\" يفهم منه شيء من الأشياء.\nوإذا كان مستعملًا في هذه الأشياء الثلاثة [فـ] لا يُحمل على واحد منها إلا بدليل.\nثم الدليل على أن اسم الأمر لا يقع على الفعل حقيقة- أنه: لو كان يقع عليه حقيقة لا طرد فيه، فيسمى كل فعل به: فيسمى الأكل أمرًا، والشرب أمرًا، وليس كذلك. وكان يجب أن لا يصح نفيه عنه. والأمر بخلافه. وأنه يصح أن يقال في كل فعل \"فعل هذا الفعل وما أمر\".\nفإن قيل: أليس أنه يقال للأكل الكثير \"هذا أمر عظيم\"، وهذا إطلاق اسم الأمر على الفعل- قلنا: إنما قيل ذلك لا باعتبار أنه فعل، بل باعتبار أنه شيء- يعني \"هذا شيء عظيم\". وقد ذكرنا أن اسم الأمر حقيقة في الشيء- ألا ترى أنه لا يقال ذلك في الأكل القليل مع أنه فعل.","vol":"1","page":52},{"text":"وقد استدل على ذلك أيضًا بأن اسم الأمر لو كان حقيقة في الفعل لوجب أن يشتق لفاعله منه اسم \"آمر\"، كما في القول المخصوص. إلا أن في هذا الوجه نظرًا، لأن الاشتقاق م الحقائق ليس بواجب- ألا ترى أن اسم \"الرائحة\" حقيقة فيما هو رائحة ثم لا يشتق لمحله منه اسم، وإذا لم يكن ذلك واجبًا لم يكن عدم الاشتقاق دليلًا على أنه ليس بحقيقة في الفعل.\nومن ذهب إلى أن اسم \"الأمر\" يقع على الفعل حقيقة تعلق بقوله تعالى: ﴿ومَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿ومَا أَمْرُنَا إلَاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾: أطلق اسم الأمر على الفعل، فكان حقيقة فيه.\nوالجواب:\n- لا يمتنع أن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿ومَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ هذا القول المخصوص- ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ والإتباع يكون للقول خاصة. ثم إن كان غير القول مرادًا، لكان معناه: وما شئونه وطرائقه برشيدة.\n- وأما الآية الثانية، قلنا: ليس المراد منه الفعل، بل المراد أن من شأنه وصفته أنه إذا أراد شيئًا [فإنه] يقع كلمح البصر في السرعة.\nولئن كان المراد من الآيتين هو الفعل، ولكن مطلق الاستعمال لا يدل على","vol":"1","page":53},{"text":"الحقيقة، كاستعمال اسم المجاز في محالها، بل بشرط أن لا ينتفي الاسم عنه بحال، وقد فقد هذا الشرط ههنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>١٢ - باب في- ما يقع عليه قولنا \"افعل</span>\":\nثم إذا وقع اسم الأمر على القول المخصوص، فإنما يقع عليه عند استجماع شرائط ثلاثة:\nأحدها- أن يكون على هذه الصفة المخصوصة، وهو قوله \"افعل\" أو \"ليفعل\".\nوالثاني- أن يكون القائل أعلى رتبة من المقول له.\nوالثالث- أن يكون القائل طالبًا أن يفعل المقول له الفعل، لا محالة.\n- أما اعتبار الشرط الأول، فظاهر- فإن ما ليس على هذه الصفة المخصوصة، كالخبر والنهي والتمني، لا يسمى أمرًا.\n- وأما اعتبار الشرط الثاني، فبيّن أيضًا- فإن القائل إذا كان أدنى رتبة من المقول له، لا يكون أمرًا بل يكون سؤالًا. وإذا كان مساويًا له في الرتية يكون طلبًا. هكذا قرره المتقدمون. والصحيح أن اعتبار الاستعلاء أولى من اعتبار علو الرتبة- فإن من قال لغيره على سبيل التذلل \"افعل\" لا يكون أمرًا، وإن كان أعلى رتبة منه. ولو قال له ذلك على سبيل الاستعلاء يكون أمرًا وإن كان أدنى رتبة منه. ولهذا يصفون من هذا حالة بالحق والجهل حتى يأمر من هو أعلى رتبة منه.\n- وأما اعتبار الشرط الثالث، فلأن القائل إذا لم يكن طالبًا للفعل، بل يكون غرضه الزجر والتحذير أو لا يكون له غرض أصلًا، بأن كان نائمًا أو ساهيًا،","vol":"1","page":54},{"text":"لا يكون أمرًا. ولو كان طالبًا للفعل وغرضه أن يفعل يكون أمرًا لهذا المعنى.\nفإن قيل: لم قلتم بأن كلام النائم والساهي إنما لم يكن أمرًا لانعدام الطلب حتى يشترط وجوده لكونه أمرًا، بل إنما لم يكن أمرًا، لأن المتكلم ما أراد كونه أمرًا، حتى لو أراد كونه أمرًا كان أمرًا، كما نقوله في الخبر: فإنه خبر لإرادة كونه خبرًا- قلنا: لا شك أن نفس هذه الصيغة لا تكفي في كونه أمرًا، لأن نفس الصيغة موجودة في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم﴾ وليس بأمر، فعُلم أنه لا بد من أمر زائد على الصيغة.\nوإذا ثبت هذا نقول:\nلا خلاف بين أهل اللغة أن الأمر طلب الفعل، فإذا وُجدت الصيغة على وجه الطلب والاستدعاء وُجد الأمر، وإذا انتفى الطلب بدلالة، لم يوجد حقيقة الأمر. فعُلم أن الصيغة إنما تصير أمرًا لمطابقتهـ[ـا] طلب القائل لها الفعل، من المقول له، وإنما ينتفي كونه أمرًا لانتفاء هذه المطابقة.\nقوله: إن الصيغة إنما تكون أمرًا إذا أراد كونها أمرًا- قلنا: نحن في البحث عن ماهية الأمر- أن الأمر ما هو؟ فلا بد وأن نعقل معنى كون الكلام أمرًا، ليصح تعلق الإرادة به، بخلاف الخبر. لأن معنى كون الكلام خبرًا معقول، وهو كونه إعلامًا، فإرادة كون الكلام خبرًا عن كون زيد في الدار، إرادة كونه إعلامًا بكون الزيد في الدار، فأما ههنا: إذا لم نعقل كون الكلام أمرًا، [فـ] كيف نعقل تعلق الإرادة به؟","vol":"1","page":55},{"text":"فإن قيل: معنى كون الكلام أمرًا هو أنه أريد به الفعل المأمور به- قلنا: إن عنيتم بهذه الإرادة الطلب والاستدعاء للفعل الذي تناوله الأمر، فقد صرتم إلى الوفاق. وإن عنيتم به حقيقة الإرادة- فهذا باطل، لأن الله تعالى أمر الكفار بالإيمان، ولم يرد منهم الإيمان، لما عرف المذهب السديد. ولأن الواحد منا قد يأمر عبده العاصي بالفعل ويريد أن لا يفعله، ليظهر عصيانه عند الناس، فلا يمنعونه عن ضربه ولومه، فعلم أن كونه أمرًا لا يقف على إرادة الفعل- دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فإنه ليس بأمر، وإن وجدت الصيغة وإرادة ما تناولته- دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الخَالِيَةِ﴾ [فـ] ليس بأمر، وقد وجدت الصيغة وإرادة تحصيل الفعل منهم.\nفإن قيل: قد شرطتم في كون هذه الصيغة أمرًا أن يكون [القائل] طالبًا للفعل من المقول له- فلم قلتم إنه طالب منه ذلك، وبِمَ يُعرف ذلك منه؟:\nفإن قال بالأمر- قلنا: معرفة كونه أمرًا، متعلق بالطلب، فكيف يمكن إثبات كونه أمرًا بالطلب، والعلم به موقوف على كونه أمرًا؟ - قلنا: نحن لا نستدل على الطلب بالأمر من حيث هو أمر، بل من حيث إنه على هذه الصيغة المخصوصة، لأن هذه الصيغة في الأصل وضعت لطلب الفعل، فنستدل بنفس الصيغة عند فقد القرائن على الطلب، ثم نحكم بكونه أمرًا بعد الوقوف على الطلب.\nفإن قيل: المرجع في كون الصيغة أمرًا نفس الصيغة- إذن، فهلا قلتم بأن","vol":"1","page":56},{"text":"الأمر أمر بصيغة ابتداء كما قال البعض؟ - قلنا: قول القائل الأمر أمر لصيغته، يقتضي أن لا يشترط في كونه أمرًا شيء آخر وراء الصيغة، وقد بينا اشتراط شرط آخر.\nوإذا ثبت هذا- نقول في حد الأمر: إنه القول المقتضي لاستدعاء الفعل بنفسه على جهة الاستعلاء، لا على جهة التذلل. وقد دخل في هذا الحد قولنا: \"افعل\" و\"ليفعل\".\nولا يلزمنا أن نسمي قول القائل: \"أوجبت عليك أن تفعل\" أمرًا، لأنه لا يقتضي طلب الفعل بنفسه بل بواسطة تصريحه بالإيجاب.\nولا يلزمنا النهي عن أضداد الشيء حيث يفقد الطلب وليس بأمر، لأنه لا يدل على الطلب بنفسه، بل بواسطة قبح تلك الأضداد واستحالة انفكاك المكلف عنها إلا إليه.\nولا يلزمنا قول القائل: \"أريد منك أن تفعل\"، لأنه لا يدل على الطلب بنفسه، بل بواسطة تصريحه بالإرادة.\nفإذن سلم الحد عن التناقض.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>١٣ - باب في: أن صيغة \"افعل\": هل هي مشتركة بين الفائدتين على سبيل التحقيق أم لا</span>؟\nذهب أصحابنا وأكثر الناس إلى أن صيغة \"افعل\" حقيقة في الأمر الذي هو طلب الفعل، مجاز في غيره.\nوكذلك قولنا: \"لا تفعل\" حقيقة في النهي الذي هو طلب الترك، مجاز في غيره.\nوذهب بعض الناس إلى أن صيغة \"افعل\" مشتركة بين الأمر الذي هو طلب الفعل، وبين التهديد على الفعل والإيجاب والندب والإرشاد والإباحة، وجعلوها حقيقة في هذه الأشياء. وكذلك قول القائل: \"لا تفعل\": مشتركة بين النهي الذي هو طلب الترك وبين التهديد على الترك.\nواستدلوا على ذلك بالاستعمال- فقالوا: إن قولنا: \"افعل\" كما هو مستعمل في الأمر الذي هو طلب الفعل، مستعمل في الندب والإباحة والإرشاد والتهديد على الفعل، فلما وجب كونه حقيقة في الأمر، وجب كونه حقيقة في هذه الأشياء، لمكان الاستعمال فيها.\nونحن نستدل على صحة ما ذهبنا إليه: [بـ] أن هذه الصيغة لو كانت مشتركة بين الأمر الذي هو طلب الفعل وبين التهديد على الفعل، لكان اقتضاؤه لكل واحد من المعنيين على سواء، ولكان لا يسبق إلى الفهم أحدهما إلا بقرينة، كاسم اللون: لما كان مشتركًا بين السواد والبياض لا يسبق إلى فهم السامع أحدهما إلا بقرينة، ونحن نعلم أن قائلًا لو قال لغيره \"افعل\" كان الأسبق إلى الأفهام طلب الفعل دون غيره- فعلمنا أنه حقيقة فيه مجاز في غيره، كما نعلم أن اسم الحمار لو لم يكن حقيقة في البهيمة ومجازًا في البليد، لما كان الأسبق إلى أفهامنا- عند إطلاق اسم الحمار- البهيمة دون البليد.","vol":"1","page":58},{"text":"وقوله: إن أهل اللغة استعملوها في هذه المعاني- قلنا: بلى، ولكن لم قلتم بأن إطلاق الاستعمال دليل الحقيقة؟:\nفإن قال: استعمال الاسم لا يكون إلا في حقيقته- قلنا: هذا باطل بأسماء المجاز. فإن منع كون اسم الحمار مجازًا في البليد، فقد أبطلناه. وإن سلم ذلك لكنه فصل بين استعماله في البهيمة وبين استعماله في البليد بوجه- فنحن نفصل بين استعمال هذه الصيغة في الأمر وبين استعمالها في التهديد بذلك الوجه. ثم ذلك الوجه هو نفي الاطلاد، فإنه لا يصح أن يقال: \"طلب منه الفعل على جهة الحتم وما أمره به\"، ويصح أن يقال: \"هدده على الفعل أو أباح له أو أرشده، أو ندبه إليه وما أمره به\".\nفإن قالوا: إن الأصل استعمال اللفظ في موضوعه، فنقول: أيش تعني بهذا الأصل؟ فإن قال: أعني به أن الظاهر استعماله في ذلك إلا أن يمنع منه مانع، وفي استعمال المجاز منع من ذلك مانع، وهو علمنا باضطرار أن أهل اللغة تجوزوا بهذه الأسامي في هذه المعاني- قلنا: أيش تعني بهذا الظاهر؟ إن كان تعني به ما يبين لنا ويظهر من فعل أهل اللغة أنه حقيقة فيه، فهو المتنازع فيه. وإن كان تعني به أن الأغلب ذلك، قلنا: لم قلتم إن الأغلب ذلك؟ ولئن كان الأغلب ذلك، ولكن هذا لا يفيد إلا الظن، وأسماء الحقائق لا تثبت بالظنون- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>١٤ - باب في: أن صيغة الأمر، هل تفيد الوجوب أم لا</span>؟:\nذهب أصحابنا وأكثر الناس إلى أنها تفيد الوجوب.\nوذهب بعضهم إلى أنها لا تفيد الوجوب، وإنما تفيد الإباحة.","vol":"1","page":59},{"text":"وذهب بعضهم إلى أنها تفيد الندب.\nوذهب بعضهم إلى أنها تفيد حسن المأمور به، ونتوقف في مله على الوجوب والندب والإباحة على قيام الدليل.\nوذهب جماعة من المتكلمين إلى أنها تفيد إرادة المأمور فقط، وجرى قوله: \"افعل\" مجرى قوله: \"أريد منك أن تفعل\".\n- واستدلوا على صحة مذهبهم- فقالوا:\nإن أهل اللغة لم يفصلوا بين السؤال والأمر إلا من حيث الرتبة، فقالوا: السؤال قول القائل لمن فوقه \"افعل\"، والأمر [قوله] لمن دونه \"افعل\". ولو كان بينهما فصل من حيث الإيجاب لفصلوا بينهما بالذكر، كما فصلوا بينهما بالرتبة. ثم السؤال لما لم يقتض الإيجاب، فكذا الأمر.\nوقالوا: أيضًا: إن الأمر ضد النهي، ثم النهي يقتضي كراهة المنهي عنه، فالأمر وجب أن يقتضي إرادة المأمور تحقيقًا للمضادة.\n- وأما من حمل على الإباحة-[فـ] قال: إن هذه الصيغة وُضعت في الأصل لإزالة الحظر ورفع الحرج، فيُحمل عليه، لأنه متيقن، ولا يحمل على ما وراء ذلك إلا بدليل.\n- ومن حمله على الندب- قال: إن هذه الصيغة وُضعت للطلب، ثم الطلب على مرتبتين: قد يكون إيجابًا وقد يكون ندبًا، فيُمل على أدنى مرتبتيه، لأنه متيقن.\n- ومن حمله على حسن المأمور به وتوقف في قضاياه الأُخر- قال: إن الحكيم لا يأمر بشيء قبيح، فدلَّ على حسنه لا محالة، وما وراء ذلك لا دليل عليه،","vol":"1","page":60},{"text":"ولأن الأمر ضد النهي، ثم النهي يقتضي قبح المنهي عنه، فالأمر وجب أن يقتضي حسن المأمور به.\nلكنا نستدل على صحة ما ذهبنا إليه- فنقول:\nقول القائل \"افعل\" يقتضي أن يفعل المقول له الفعل، لا محالة. ونعني بذلك أنه ينبغي أن يفعل ويمنع من الإخلال به. ولا نعني بوجوب الفعل سوى المنع من الإخلال به، واختصاصه بحال يلام على الإخلال به.\nوإنما قلنا ذلك:\n- أما اقتضاؤه الفعل، فظاهر، لأن قوله \"افعل\" صريح في طلب الفعل واستدعائه. كما أن قول القائل: \"زيد فاعل\" صريح في الإخبار عن كونه فاعلًا.\n- وأما اقتضاؤه الفعل لا محالة على التفسير الذي ذكرنا، فلأن تارك الفعل المأمور به يوصف بالعصيان- قال الله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾، وتقول العرب: \"أمرتك فعصيتني\" أي لم تفعل، وقال الشاعر: \"أمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني\" والعاصي هو المقدم على ما منع منه الآمر، فلولا أن ترك الفعل المأمور به ممنوع بقضية الأمر لما وُصف بالعصيان.","vol":"1","page":61},{"text":"فإن قيل: لم قلتم إن استحقاق اسم العصيان باعتبار مخالفة الأمر؟ ولم قلتم إن مخالفة الأمر هو الإقدام على ما منع منه؟ قلنا:\nأما الأول- فلأن أهل اللغة أعقبوا المعصية على الأمر بحرف الفاء فقالوا: \"أمرتك فعصيتني\"- عرفنا أن لتقدم الأمر تأثيرًا في استحقاق اسم المعصية، كمن قال لغيره: \"إن دخل زيد الدار فأعطه درهمًا\" يقتضي أن لدخول الدار تأثيرًا في استحقاق العطية.\nوأما الثاني- فالدلالة عليه من وجهين:\nأحدهما- أن الله تعالى إذا أمرنا بشيء فلم نفعله كنا عصاة، وإذا ندبنا إلى شيء فقال: \"الأولى أن تفعلوه ولكم أن لا تفعلوه\" فلم نفعله لم نكن عصاة، وما الفصل بينهما إلا من حيث إن الأمر بالفعل يمنعنا عن الإخلال به، وترغيبنا في الشيء مع التخيير لا يمنعنا عنه.\nوالثاني- أن العاصي هو المقدم على مخالفة الأمر، إذ لا فرق بين قول القائل: \"عصى أمري\" وبين قوله: \"خالف أمري\"، ومخالفة الأمر هو الإقدام على ما منع منه الآمر، لأن ما لا يتعرض له الآمر بمنع، فالإقدام عليه لا يكون مخالفة المر، فإن الله تعالى إذا أمرنا بالصلاة غدًا، فتصدقنا اليوم، لم نكن مخالفين للأمر، لأن الأمر بالصلاة غدًا لا يتعرض لتصدقنا اليوم بمنع.\nإذا ثبت هذا [فـ] نقول:\nتارك الفعل المأمور به عاص، والعاصي هو المقدم على مخالفة الأمر،","vol":"1","page":62},{"text":"ومخالفة الأمر هو الإقدام على ما منع من الآمر، فدلَّ أن ترك الفعل المأمور به ممنوع بقضية الأمر، وصار كأن الآمر قال: \"افعل هذا الفعل وأنت ممنوع عن الإخلال به وملوم عليه\" وهذا هو المعنى بالوجوب.\nفإن قيل: أليس أن المستشير إذا ترك ما أشير إليه في الأمر يوصف بالعصيان، فإن المشير يقول: \"أشرتك على كذا فعصيتني\" ثم لا يدلُّ ذلك على الوجوب- قلنا: نحن ندعي في هذه الصيغة أنها طلب للفعل ومنع عن الإخلال به، فأينما وجدت أفادت فائدتها إلا أن يمنع من ذلك مانع. وأما المستشير فقد وجد الطلب والمنع في حقه، فإن المشير إذا قال: \"افعل كيت وكيت من الرأي الجزم\" فقد طلب منه الفعل ومنعه عن الإخلال به، فإذا عدل عنه المستشير يوصف بالعصيان، حتى لو رخصه في الترك بان قال: \"الرأي هذا والأولى أن تفعله وإن لم تفعله فلا بأس به\" لا يصير عاصيًا بتركه، وصار بمنزلة صريح الإيجاب، ثم صريح الإيجاب يفيد الوجوب إذا صدر ممن هو أهل الإيجاب، ولا يفيده إذا صدر ممن ليس بأهل الإيجاب على المأمور- فكذا هذا.\nدليل آخر- العرف. وهو أن السيد إذا قال لعبده \"افعل\" فلم يفعل، لامه العقلاء من أهل اللغة، واستحسنوا لومه من المولى وعقابه- فلولا أنهم عقلوا منه الإيجاب، لما استحسنوا لومه وعقابه.","vol":"1","page":63},{"text":"فإن قيل: إنهم ما عقلوا الإيجاب من نفس الصيغة، بل من دلالة الحال. وبيانه: أنهم علموا باضطراد من حال السيد أنه لا يأمر عبده إلا بما يحتاج إليه في جلب منفعة أو دفع مضرة، وذلك يقتضي أنه كاره من العبد تركه، حتى إنه لو أمره بشيء يعود نفعه إلى العبد خاصة- نقول: لا يجب عليه ذلك- قلنا: العقلاء كما استحسنوا ذمة، بينوا العلة فيه، فقالوا: السيد قال له: \"افعل\" فلم يفعل، ولم يسألوا المولى \"هل قرنت أمرك بدليل يقتضي الإيجاب؟ \" فعرفنا أن علة استحقاق الذم مخالفة أمره لا ما ذكرتم، على أن كون السيد منتفعًا بشيء لا يدل على أنه كره من العبد تركه، لجواز أن يكون قد كره من العبد تركه، وإنما يعرف كونه كارهًا من العبد تركه إذا دلَّ السيد على ذلك، والأمر عندكم لا يدل على الوجوب ولا على كراهة ترك المأمور به، فكيف يعرف كونه كارهًا الترك من العبد خاصة؟ .\nقوله: بأن السيد لو أمره بشيء يعود نفعه إليه خاصة، لا يجب عليه- قلنا: ليس كذلك، بل يجب على العبد امتثال أمر السيد، سواء أمره بشيء يعود نفعه إليه أو إلى السيد، على أن يعود من النفع إلى العبد فهو عائد إلى المولى، لن العبد ملكه، فما يعود إلى العبد بصلاح كان عائدًا إلى المولى بصلاح ملكه.\nفإن قيل: هذا تكلم في غير محل النزاع، لأن النزاع في أن الأمر في اللغة هل وضع للإيجاب؟ وهذا رجوع إلى العرف لا إلى أصل اللغة- قلنا: إذا ثبت أن العرف هذا، [فقد] ثبت أن الوضع في الأصل على هذا، لما مرَّ في الأبواب المتقدمة: أن العرف يكون على وفاق الوضع إلا بدليل معارض، على أن الكلام هنا في تعيين ما يحمل عليه بصيغة الأمر، لا في الجهة، وقد ثبت ذلك بما ذكرناه.\nوقد استدل على أن أوامر الله تعالى وأوامر الرسول ﵇ على الوجوب بأدلة سمعية: منها- قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ","vol":"1","page":64},{"text":"أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: حذر على مخالفة الأمر وتوعد عليه، ومخالفة الأمر هو الإقدام على ما منع منه الآمر- دلَّ على أن ترك الفعل المأمور به محذور متوعد عليه، وهو المعنى بالوجوب، والدليل عليـ[ـه] أنه حذرهم من مخالفة الأمر، فإنه قال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾، فالله تعالى حثهم على الرجوع إلى أقواله والتزام العمل به- قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ - دلَّ أنه إنما حذَّرهم عن مخالفة ما قد دعاهم إليه من الرجوع إلى أقواله والتزام العمل به. وإن كان \"الهاء\" في \"أمره\" راجعًا إلى اسم الله تعالى، فذاك يقتضي الرجوع إلى أوامر الله تعالى ووجوب العمل بها.\nفإن قيل: لم قلتم إن مخالفة الأمر هو الإقدام على ما منع منه الآمر، بل مخالفة الأمر هو إنكار حقيقته. ولئن كان مخالفة الأمر ما ذكرتم، لكن المذكور في الآية ليس مخالفة الأمر بل المخالفة عن الأمر، فإنه قال: ﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، وذلك ما قلنا- قلنا: [أولًا] الدليل على أن مخالفة الأمر هو الإقدام على ما منع منه الامر، لا ما قلتم: إن المخالفة ضد الموافقة. ثم موافقة الأمر فعل ما يطابقه. ومما يوضح ذلك أن موافقة قول القائل \"افعل\" أن يفعل.","vol":"1","page":65},{"text":"فمخالفته: أن لا يفعل ضرورة. وأما الثاني- قلنا: \"عن\" هنا صلة في الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ أي ذنوبكم، وتقديره: فليحذر الذين يخالفون أمره- هذا هو المنقول عن أئمة التفسير.\nومنها- قوله تعالى: ﴿وإذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾: ذمَّهم على ترك الركوع إذا قيل لهم اركعوا، فلولا أن مطلق الأمر يقتضي الوجوب لما ذمَّهم عليه.\nومنها- قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إذْ أَمَرْتُكَ﴾ هذا استفهام خرج مخرج الذمِّ والتوبيخ، فالله تعالى ذمه على ترك السجود المأمور به، فلولا أنه يفيد الوجوب لما ذمَّه عليه. وكان لإبليس أن يقول: \"الذي سوغني ترك السجود هو أنك ما ألزمتنيه بل رخصتني في الترك\" لأن الأمر إذا لم يحمل على الوجوب كان فيه ترخيص الترك.\nوقد استُدل على أن الأمر يقتضي الوجوب بوجه آخر، وهو أن الأمر متعدٍ: لازمُه \"ائتمر\" يقال: \"أمرتُه فائتمر\" كما يقال: \"كسرتُه فانكسر\" فهذا يقتضي أن يكون الائتمار ملازمًا للأمر قطعًا، كالانكسار والكسر- هذا هو قضية اللغة، إلا أنه يتعذر جعله ملازمًا له قطعًا، لتعلقه باختيار الفاعل، فوجب الحمل على الوجوب، لأنه يجعل الائتمار ملازمًا للأمر عادة، قضاء لحق اللفظ بقدر الممكن.\nإلا أن هذا الوجه غير صحيح، والاعتراض عليه:\nأن يقال: لا نسلم أن الائتمار الذي هو فعل المأمور به ملازم للأمر.","vol":"1","page":66},{"text":"قوله: \"الأمر متعدٍ- يقال: أمرته فائتمر\"- قلنا: ما معنى قوله: \"ائتمر\"؟ معنى ذلك أنه صار مأمورًا، كما في قوله: \"كسرته فانكسر\" أي صار مكسورًا. أو معناه: أنه امتثل المأمور به وفعله. [فـ] إن كان الأول: فمسلَّم، وذا لا يتوقف على الوجوب وعلى شيء ما سوى الأمر. وإن كان الثاني: [فـ] ممنوع أنه ملازم للأمر، وإنما يقال ذلك إذا امتثل الأمر. فأما إذا أخلَّ به فلا، بل يقال: \"أمرته فما ائتمر\" فكيف يكون ملازمًا له؟ وإذا لم يكن الامتثال والائتمار ملازمًا للمر، لم يجب ما قلتموه من الوجوب.\nومن وجه آخر، نقول: أهل اللغة يقولون: \"أمرته فائتمر\" قبل وجود الفعل المأمور به أو بعده؟: إن قال: \"قبله\"- فممنوع، وإن قال ذلك كان كذبًا وباطلًا. وإن قال \"بعده\"-[فـ] مسلم، ولكن وجوب الفعل يكون قبل وجوده لا بعده.\nفإن قال: التعلق بهذا الاستعمال من وجه آخر، وهو أن الفعل المأمور به إذا وُجد فأهل اللغة يسمونه \"ائتمارًا\" ويقال: \"أمر فائتمر\". وهذا إنما يستعمل في ملازم الفعل كقولهم: \"كسره فانكسر\". وإذا كان وجود المأمور به على وجه اللزوم له، [فـ] لا بد أن يتحقق فيه كونه ملازمًا للأمر، وذلك يحمل على الوجوب على ما مر- قلنا:\nأولًا- هذا باطل بالندب، فإنه يقال \"ندبه إلى كذا فانتدب بندبه\" أي \"فعل ما ندبه إليه\"، وهو جار مجرى الملازمة كالكسر مع الانكسار. ثم هذا لا يقتضي كون الندب إيجابًا والمندوب إليه واجبًا.\nوالثاني- أن هذا الاستعمال، إذا كان بعد وجود الفعل، يعتقد أن الأمر","vol":"1","page":67},{"text":"الذي اتصل به المأمور به كان، مع تواني حصوله، لكن لا بجهة الوجوب بل بجهة أخرى، وهو أن تعظيم حال الآمر ورعاية جانبه دعاه إلى الفعل، وأثر ذلك في صدور الامتثال والائتمار ملازمًا له، هذا القدر يكفي لتحصيل هذا الاستعمال، فلا حاجة إلى الوجوب- دل عليه أن قول القائل: \"أمره فائتمر بأمره وامتثل أمره\" يستعمل على وجه تعظيم الآمر وذلك فيما قلنا.\nوالثالث- أن هذا يقتضي أن الأمر الذي يتصل به المأمور به ويوجد الامتثال هو المقتضي للوجوب، لا الأمر قبل وجود الفعل، لأنه إنما يقال عند وجود الفعل \"أمره فائتمر\"، فأما عند عدمه، [فـ] لا يقال ذلك، بل يقال: \"أمره فلم يأتمر\"، والكلام في اعتقاد وجوب الفعل المأمور به قبل الفعل.\nوأما شُبه الخصوم:\nأما الاستدلال بالسؤال- قلنا: لا فرق بين السؤال والمر في الحقيقة من حيث إن كل واحد منهما طلب الفعل لا محالة، ومنع من الإخلال به، فإن من قال للأمير: \"اخلع ليَّ\" يجد من نفسه طلب الفعل لا محالة، كما في الأمر، وطلب الفعل لا محالة إيجاب الفعل على ما مرَّ، فجرى قول القائل: \"افعل\" مجرى قوله: \"أوجبت عليك أن تفعل\". ثم السائل إذا قال للمسئول \"أوجبت عليك أن تفعل\" لا يجب عليه شيء، فكذا إذا قال له: \"افعل\". فأما إيجاب الله تعالى وإيجاب الرسول ومن يفترض على المقول له طاعته-[فـ] يقتضي الوجوب، فكذا قوله \"افعل\".","vol":"1","page":68},{"text":"وأما الاستدلال بالنهي- قلنا: النهي لا يقتضي كراهة المنهي عنه ابتداء، بل يقتضي طلب الانتهاء والمنع من الفعل، كما في الأمر على ضده. ثم الكراهة لو ثبتت، ثبتت تبعًا له- فكذا الإرادة في الأمر.\nوأما قولهم: إن هذه الصيغة وضعت للإباحة- قلنا: ليس كذلك، بل قضية الدليل حمله على الوجوب على ما مرَّ.\nوقولهم: إن الأمر يدل على حسن المأمور به- قلنا: بلى، ولكن لا ينفي حمله على الوجوب، وقد دللنا عليه. والاستدلال بالنهي باطل، على ما مرَّ.\nوالله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>١٥ - باب في: أن الأمر الوارد بعد حظر سمعي أو عقلي ما الذي يفيده</span>؟:\nذهب أصحابنا وأكثر الناس إلى أن الأمر الوارد بعد حظر سمعي أو عقلي يفيد ما كان يفيده، لو لم يتقدمه الحظر، من وجوب.\nوذهب بعض الناس إلى أنه يفيد الإباحة إذا ورد بعد حظر سمعي.\nفالحظر العقلي ما دلَّ العقل على حظره ظاهرًا أو غلَّب الظن حظره، لا ما هو محظور بالعقل قطعًا، كالكفر والكذب والظلم: فإنه لا يجوز ورود الأمر به.\nواستدلوا على ذلك بأن قالوا بأن الأمة أجمعت على حمل قوله تعالى:","vol":"1","page":69},{"text":"﴿وإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ على الإباحة، وليس الوجه في ذلك سوى وروده بعد الحظر بالإحرام أو الصلاة، حتى لو ورد قبله يفيد الوجوب. ولأن الظاهر من حال المحظور بالنهي أن لا ينتقل إلى الوجوب، فكان تقدم الحظر دليلًا على أن المتكلم أراد به إزالة الحظر ورفع الحرج، وهذا معنى الإباحة.\nونحن نستدل على صحة ما ذهبنا إليه بأن هذه الصيغة إذا تجردت عن القرينة، فإنها تفيد الوجوب، لكون الصيغة- موضوعة له، ولصدوره من حكيم يريد به ما وُضع له- وهذا الوجه ثابت بعد الحظر، فيحمل على الوجوب.\nفإن قيل:\n-[أولًا] لم قلتم إن هذه الصيغة موضوعة للإيجاب بعد الحظر، وما أنكرتم أنها موضوعة للإباحة، إما لغة وإما عرفًا.\n- والثاني: إن لم تكن موضوعة للإباحة بعد الحظْر، ولكن لِمَ قلتم: إن تقدم الحظر لا يدل على أن المتكلم أراد به الإباحة، بل يدل على ذلك، لما ذكرنا: أن الظاهر من حال المحظور بالنهي أن لا ينتقل إلى الوجوب، والفقه فيه أن سابقة الحظْر دليل على ميل الطبع إليه، إذ لا يَحْسُنُ النهي عن الشيء والتوعيد عليه إذا لم يكن في الطبع داع إليه، وإذا كان في الطبع دعاء إليه، يكفيه الإباحة","vol":"1","page":70},{"text":"ولا يحسن فيه الإيجاب، إذ لا يحسن إيجاب فعل يشتبه الإنسان والتوعيد على تركه.\nقلنا:\n-[الأول] المفهوم من هذه الصيغة- البعث على الفعل والحث عليه على ما مر، وذلك ينافي التخيير، والإباحة فيها تخيير، فكيف تكون موضوعة لها؟ على أن هذا قول لم يشهد به أهل اللغة، وهو جار مجري قول القائل: \"الأمر موضوع للوجوب في مكان دون غيره\" وهذا فاسد.\n- وأما الثاني- قلنا: وروده بعد الحظر إنما يدل على أن المستعمل أراد به ما ذكرتم: أن لو لم يجز أن ينتقل الفعل من الحظر إلى الوجوب، وقد جاز ذلك- فإن الفعل بعد حظر عقلي ينتقل إلى الوجوب، حتى إن الأمر به يفيد الوجوب، فكذا يعد حظر سمعي، فإن الله تعالى نهى الحائض عن الصوم والصلاة، ولا يمتنع وجوبها عليها بعد ذلك بالأمر، ومتى جاز ذلك، لم يكن تقدم الحظر دليلًا على الإباحة.\nوقوله: الظاهر من حال المحظور بالنهي أن لا ينتقل إلى الوجوب- قلنا: لا نسلم بأن الظاهر ذلك.\nوقوله: بأن تقدم الحظر دليل على أن في الطبع دعاء إليه- قلنا: لا نسلم بأن الظاهر ذلك، فإن الله تعالى كما نهانا عما تميل طباعنا إليه، نهانا عما تنفر","vol":"1","page":71},{"text":"طباعنا عنه إذ [اتصف] بوجه من وجوه القبح. ولهذا نهانا عن شرب البول وسائر الخبائث وعن قتل النفس والإيلام وغير ذلك. وهذا لأن أمر الشرع ونهيه يتبع المصلحة، فإن كانت المصلحة بالأمر بالشيء يأمر به وإن كان الطبع يدعو إليه، وإن كانت في النهي ينهي عنه وإن كان الطبع ينفر عنه- وهذا لأن الشيء الذي ينفر عنه الطبع جاز أن يتراءى للعبد حصول مصلحة به، فيقدم عليه مع نفرة الطبع عنه، لتحصيل تلك المصلحة بزعمه، فإذا لم يكن ذلك مصلحة ينهي الشرع عنه. ثم إذا اشتمل على وجه المصلحة يأمر به ويوجبه. وقد يختص الفعل بجهتين: إحداهما ينفر عنه الطبع، والأخرى يدعو إليه الطبع، فإن كانت المصلحة في الامتناع عنه ينهي الشرع عنه، وإن كانت في الإقدام عليه يأمر به ويوجبه. وإذا جاز أن ينتقل المحظور، بالنهي، إلى الوجوب، فتقدم النهي لا يدل على الإباحة.\nوأما حمل قوله تعالى: ﴿وإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ على الإباحة، [فـ] عدول عن ظاهر الأمر بدليل، وليس يجب، إذا عدل عن ظاهر بعض النصوص بدليل، أن يعدل عنه في جميعها من غير دليل، كألفاظ العموم: حمل بعضها على الخصوص بدليل، ولا يجب لأجل ذلك حمل جميعها على الخصوص من غير دليل.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>١٦ - باب في: الأمر بالأشياء على سبيل التخيير-[هل] يفيد وجوب واحد منها غير عين، أو يفيد وجوب الكل على طريق البدل</span>؟:\nذهب الفقهاء إلى أنه يفيد وجوب واحد منها غير عين- وهو أحد قولي الكرخي ﵀.\nوذهب المتكلمون إلى أنه يفيد وجوب الكل على طريق البدل. وهو قوله الاخر. ونظيره الأمر بالكفارات الثلاث.","vol":"1","page":73},{"text":"أما الفقهاء- فقد استدلوا على صحة مذهبهم بوجوه:\nمنها- أن المكلف لا يلزمه فعل جميعها، ويسقط عنه التكليف بفعل واحد منها. ولو كان الكل واجبًا لما كان كذلك.\nومنها- أنـ[ـه] لو كان الكل واجبًا، فلو فعل جميعها معًا، لوقع الكل واجبًا، إذا ليس البعض بأولى من البعض، وفي ذلك إيجاب الكل على طريق الجمع، لا على طريق البدل.\nومنها- أنه لو أخلَّ بجميعها يستحق العقاب بترك واحد منها. ولو كان الكل واجبًا، لكان يستحق العقاب بترك الكل. ولو فعل جميعها [لكان] يستحق ثواب الواجب على كل واحد منها- وهذا فاسد.\nوأما المذهب الثاني:\nفقبل أن يشرع في إقامة الدلالة على صحته، يبحث عن محل الخلاف: إن الخلاف راجع إلى العبارة أو إلى المعنى؟ فنقول:\nإن كان الفقهاء عنوا بكلامهم أن المختص بجهة الوجوب كل واحد منها، والكل متساو في ذلك، إلا أنه يسقط التكليف بفعل واحد منها- فالخلاف يكون في العبارة. وإن عنوا به أن المختص بتلك الجهة واحد منها، وهو متعين عند الله تعالى، غير متعين عند العبد- فالخلاف إذن يكون في المعنى. فنقيم الدلالة على بطلان ذلك- فنقول:","vol":"1","page":74},{"text":"لو كان الواجب واحدًا منها لعيَّنها الله تعالى، لأن تكليف ذلك الواحد، مع ما أنه ليس إلى العبد معرفته سبيل، تكليف ما ليس في الوسع، وذا لا يجوز. ولأن الواجب والمختص بجهة الوجوب، لو كان واحدًا منها، لما جاز التخيير بينه وبين غيره، لأنه حينئذ يكون تخييرًا بين الواجب وغير الواجب، وفي ذلك إباحة الإخلال بالواجب، وذا لا يجوز.\nفإن قيل: إنما جاز التخيير لما أن في علم الله تعالى أنه لا يختار إلا الواجب والمختص بتلك الجهة- قلنا: لو جاز من المكلفين مع كثرتهم وتفرق رأيهم وطول زمانهم وقوع المصلحة دون المفسدة اتفاقًا، لجاز وقوع التصديق بالأنبياء من جملة الكاذبين ممن لا يعرف الفصل بينهما اتفاقًا، ولجاز وقوع الفعل المُحْكَم ممن لا علم له به أصلًا- وهذا فاسد عند العقلاء. ولئن جاز ذلك، لم يخرج هذا من أن يكون تخييرًا من الله تعالى بين الواجب وغير الواجب، وإباحة الإخلال بالواجب- وهذا فاسد أيضًا، فإن الأمة مجمعة على أن المكفر بواحدة من الكفارات الثلاث لو كان قد كفر بغيرها، أجزأه وكان إتيانًا بما تعبد به، فلولا أن الكل واجب، لما جاز، ولما كان آتيًا بما تُعبد به.\nفإن قيل: إنما جاز التخيير، لما أن لاختيار العبد تأثيرًا في جعل الفعل مصلحة وواجبًا، فإذا اختار واحدة منها صارت تلك الواحدة مصلحة وواجبًا، لأن الاختيار صادفها- قلنا: هذا السؤال يقتضي أن لا يكون الفعل مصلحة وواجبًا قبل الاختيار، والإجماع انعقد على ثبوت الوجوب قبل الاختيار، إما في واحدة منها أو في الكل، وكان يجب إذا كفر بغير هذه الأشياء الثلاثة أجزأه، لأن الاختيار صادفه.","vol":"1","page":75},{"text":"فإن قال بأن الاختيار إنما يؤثر في جعل الفعل مصلحة وواجبًا إذا صادف هذه الأشياء الثلاثة، وإذا كفر بغيرها لم يصادف الاختيارُ هذه الأشياء الثلاثة، ولا يؤثر في جعله مصلحة وواجبًا- قلنا: بهذا السؤال سلمتم أن هذه الأشياء الثلاثة اختصت بجهة فَاوَقَت بها ما ليس منها، وهي الجهة التي لأجلها يصير الفعل مصلحة وواجبًا، فقد سلمتم ما نريده من أن كل واحد يسد مسد صاحبها في مصلحة الوجوب. فبعد ذلك يبقى ما قلتموه: أن لاختيار العبد تأثيرًا في جعل الفعل مصلحة، وهذا باطل، لن المكفر بهذه الأشياء عالم بها، والعالم بالفعل لا بد أن يقصد الفعل ويريده. وما لا بد للفعل منه، لا يجوز أن يجعل مؤثرًا في حكم من أحكام الفعل أو شرطًا فيه، إذ لو لم يكن ذلك، لجاز أن يجعل اختيار فعل كل واجب مؤثرًا وشرطًا لصحة وجوبه، وذلك باطل.\nوأما الجواب عن كلمات المخالفين:\nأما الأول- قلنا: الكل واجب عندنا على البدل، ونعني بذلك أن كل واحد منها سادٌّ مسد الآخر في حصول المصلحة التي يجب استيفاؤها. فإذا فعل واحد منها، فقد حصلت المصلحة مستوفاة، فلم يبق شيء تكون الثانية مصلحة فيه، فتسقط ضرورة.\nوأما الثاني- قوله لو فعل جميعها لكان الكل واجبًا- قلنا: إن عنيتم بهذا الكلام أن المكلف يلزمه تحصيلها بعد ما صارت مفعولة- فهذا محال.","vol":"1","page":76},{"text":"وإن عنيتم به أن هذه الأشياء حصلت على صفات [و] لمكان تلك الصفات كان قد لزم المكلف تحصيلها -فنحن نقول به: إن كل واحدة منها صارت على تلك الصفة.\nفإن قيل: إذا فعل المكلف معًا، لا يخلو: إما أن يسقط الواجب بجميعها، أو بكل واحدة منها، أو بواحدة منها: إن قلتم: بجميعها، كان قولًا بوجوب الكل على طريق الجمع لا على طريق البدل. وإن قلتم بكل واحدة منها، كان ذلك حصول الأثر عن مؤثرين، وذا لا سبيل إليه. وإن قلتم بواحدة منها، كانت الواجبة تلك الواحدة- قلنا: الفرض عندنا يسقط بكل واحدة منها، لأن الكل واجبة على البدل، فلم يكن البعض بسقوط الفرض به أولى من البعض، ولا استحالة ثبوت الأثر عن مؤثرين على المقارنة، فإن من ارتد حَالمًا قَتَل عمدًا يستحق قتله بكل واحدة من الردة والقتل. وكذا إذا انكشفت عورته في الصلاة حالمًا تكلم أو أحدث يخرج من الصلاة بكل واحدة من هذه الأسباب.\nوأما الثالث- قلنا: إذا أخل بجميعها-[فـ] عندنا، يستحق العقاب بترك الكل، لأن الكل واجب على البدل على ما مرَّ. غير أنه يستحق على الإخلال بالكل عقاب أدونها عقابًا، لأنه لو فعل تلك الواحدة لا يستحق العقاب بترك الباقي، فكذا إذا استوفى عقاب تلك الواحدة، لنه جرى مجرى فعل تلك الواحدة.\nقوله: لو فعل جميعها ينبغي أن يستحق ثواب الواجب بكل واحدة منها- قلنا: عندنا: يستحق ثواب الواجب بكل واحدة منها، لما مر أن الكل واجب على البدل.","vol":"1","page":77},{"text":"فإن قيل: قد منعتم ورود التعبد بشيء واحد من جملة هذه الأشياء لا بعينه، وقد ورد الشر عبه بالإجماع:\n- منها- إذا باع قفيزًا من صُبرة يجوز، والمعقود عليه قفيز واحد غير عين لا جميع القفزان.\n- ومنها- أن من طلق إحدى نسائه لا يعينها أو أعتق أحد عبيده لا بعينه، فالمطلقة واحدة غير عين والمعتق واحد غير عين، وإليه الخيار في التعيين.\n- ومنها- أن الحانث في يمينه لا يلزمه عتق جميع الرقاب بل عتق رقبة واحدة غير عين ويتعين بتعيينه.\nوالفقه في جميع ذلك: أن الإيجاب ليس بإثبات صفة حقيقية للفعل، حتى يقال إن إثبات صفة في محل، لا يتعين عند المثبت، محال، كإثبات السواد في محل غير عين، إنما هذا من باب الذكر وتعليق الخطاب بالمذكور، فالواجب ما قال الشارع فيه \"افعل\" لا على جهة التخيير، وهذا يتصور في الواحد غير عين، كما ذكرنا من النظائر.\nقلنا:\nنحن لا نجوز وجوب فعل من الأفعال غير عين، والتعبد به محال، لما ذكرنا.\nوما ذكر من الأمثلة: فالمعقود عليه كل القفزان على البدل، لأنه لا اختصاص للعقد بقفيز دون قفيز، فإذا عين المشتري واحدًا منها، تعين ملكه فيه، وصار تعين ملكه فيه كسقوط الفرض في مسألتنا. وكذا إذا طلق إحدى نسائه، أو أعتق أحد عبيده، فكل واحدة منهن صادفها الطلاق، على البدل، لفقد الاختصاص بواحدة منهن، فإذا بين الزوج وعين واحدة للفرقة بعينها تعينت [و] لت له الباقيات. وكذا في العتق. وكذا الحانث في يمينه:","vol":"1","page":78},{"text":"يلزمه عتق كل رقبة يملكها، على البدل، على الوجه الذي ذكرنا.\nوقوله: إن الوجوب ليس صفة للفعل- قلنا: ليس كذلك، لأن أحوال الأفعال واختصاصها بجهات تقتضي الوجوب في البعض والحرمة في البعض، ثابت عند العقلاء، لأن الأفعال في ذواتها، والصفات الذاتية لها، متماثلة، وإنما يوصف البعض بالوجوب عقلًا وشرعًا، والبعض بالحرمة، لاختصاصها باسم يقتضي ذلك، وقد قررنا هذه القاعدة في موضعها.\nوقول الشارع \"افعل\" كاشف عن وجه الوجوب فيه، على جهة الإجمال، لأنه إثبات للوجوب.\nوقوله: إن الإيجاب ليس إلا قول الشارع \"افعل\"، فالواجب ما قيل فيه \"افعل\"- قلنا: هذا يرفع وجوب الواجبات العقلية قبل ورود السمع، كالإيمان بالله تعالى، وشكر المنعم، وغير ذلك، ويقتضي أن الظلم والكفر والكذب العاري عن النفع إذا قيل فيه \"افعل\" أن يصير واجبًا، وكل ذلك يأباه دليل العقل. ثم إن جرينا معه أن الإيجاب هو قول الشارع \"افعل\"، لكن إذا وقع [كان] طلبًا للفعل على جهة الحتم لا على جهة التخيير، وذا إنما يصح إذا كان للمكلَّف سبيل إلى العلم به، وأن لا يدخل التخيير بينه وبين غيره، ولو كان الواجب أحد الأشياء غير عين، لم يكن للمكلَّف سبيل إلى العلم به وكان مخيرًا بينه وبين غيره- على ما مرَّ.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>١٧ - باب في: أن الأمر بالفعل، هل يدل على الإجزاء</span>؟:\nذهب الفقهاء وجماعة من المتكلمين [إلى] أنه يدلُ على الإجزاء.\nوذهب بعض المتكلمين إلى أنه لا يدل على الإجزاء.\nواستدلوا على صة مذهبهم وقالوا: إن المعنى من الإجراء شيئان: أحدهما- أن معنى قولنا: \"هذا الفعل مجزئ\" أن لا يجب قضاؤه. ومعنى قولنا: \"إنه غير مجزئ\" أنه يجب قضاؤه. والثاني- معنى افجزاء انتفاء التكرار. ومعنى كونه غير مجزئ أنه يقتضي التكرار. والأمر لا يدل على الإجزاء بالمعنيين جميعًا، لا بذاته ولا بحكمه: أما بذاته، فإنه لا ينبئ عنه. وأما بحكمه، فلأن حكمه وجوب الفعل، ووجوب الفعل لا ينفي وجوب مثله- دلَّ عليه: أن الماضي في الحَجة الفاسدة مأمور بالمضي فيها، ثم إذا فعل يلزمه القضاء. وكذا الظانُّ على الطهارة في آخر الوقت مأمور بالصلاة مع هذا الظن، ثم لو فعل ذلك وذكر بعده أنه كان محدثًا، يلزمه القضاء. ولو ذكر في الوقت يلزمه مثلما فعل.\nونحن نستدل على صحة ما ذهبنا إليه، فنقول: معنى قولنا: \"هذا الفعل مجزئ\" أي مسقط للتعبد به، وهو مختص بحالة يكتفي به في استيفاء المصلحة المطلوبة بالأمر. ومعنى قولنا: \"غير مجزئ\" أنه غير مسقط التعبد به وغير مختص بحالة يكتفي به في استيفاء المصلحة، إذ لا فرق بين قولنا: \"هذا الشيء يجزئني\" وبين قولنا: \"يكفيني\". ثم معنى قولنا: \"هذا الشيء يكفيني\" هو الاكتفاء به في غرض من الأغراض، فكذا قولنا: \"يجزئني\" أي يكفيني في أمر من الأمور.","vol":"1","page":80},{"text":"إذا ثبت هذا- نقول:\nظاهر الأمر يدل على الإجزاء، على هذا التفسير، لأن المأمور إذا فعل ما اقتضاه على الوجه الذي اقتضاه الأمر، سقط التعبد به، وحصلت المصلحة المطلوبة منه مستوفاة. لنه إذا فعل ذلك صار ممتثلًا للأمر، وإذا صار ممتثلًا للأمر يخرج عن عهدة الأمر، إذ يتناقض قول القائل: \"امتثل الأمر\" و\"بقي عليه عهدة المر\"، فكان مطلق الأمر مقتضيًا للإجزاء، إذ هو المقتضي للامتثال.\nدليل آخر- إن مطلق الأمر لو لم يدل على الإجزاء على هذا التفسير، لكانت الصحابة ﵃ يراجعون النبي ﵇ في كل أمر صدر من الله تعالى ومن الرسول في دلالة الإجزاء، ولكثرت مراجعتهم، ولسنَّة النبي ﵇، ولنُقل إلينا ذلك نقل تواتر ونقل استفاضة لتوفر الدواعي ومساس الحاجة، وحيث لا يُنقل دلَّ أن مطلق الأمر يكفي دلالة على الإجزاء.\nوقوله- معنى قولنا: \"هذا الشيء مجزئ\" أنه لا يجب قضاؤه أو لا يجب تكراره- قلنا: ليس كذلك، لأن القضاء يتبع مشاركة الفعل الثاني الأول في المصلحة، ويجوز أن يكون الفعل مأمورًا به بحالة لا يشاركه فعل آخر في استيفاء المصلحة، فإذا فات لا يجب قضاؤه، [و] إذا فعل لا على الوجه المطلوب لا يقع الإجزاء به، ولا يجب قضاؤه- دلَّ عليه أن من صلَّى في الوقت بغير طهارة ثم مات عقيبه لا يجب عليه القضاء، وهذا الفعل غير مجزئ.\nفإن قال: بأن المجزئ ما لا يجوز له أن يجب قضاؤه، وغير المجزئ ما يجوز له أن يجب قضاؤه- قلنا: حاصل هذا يرجع إلى ما قلناه من تفسير الإجزاء، لأن الذي لا يجوز أن يجب قضاؤه ليس إلا أن يفعل ما تناوله الأمر على الوجه الذي تناوله الأمر، والذي يجوز أن يجب قضاؤه هو أنه فعل ما تناوله الأمر على الوجه الذي تناوله الأمر- فرجع الكلام إلى ما ذكرنا.\nوأما التكرار- فمسألة التكرار غير مسألة الإجزاء، ومعنى الإجزاء غير ذلك،\n[بذل النظر- م ٦]","vol":"1","page":81},{"text":"لأنه جاز أن يقال: هذا الأمر لا يقتضي إيجاب فعل آخر، ولكنه لا ينفيه أيضًا، ومعنى الإجزاء نفي غيره والاكتفاء به في سقوط التعبد.\nوأما قوله بأن الأمر لا ينبئ عن الإجزاء، وحكمه لا يدل عليه- قلنا: في الأمر وجه يدل على الإجزاء على ما مرَّ، وهو حسن المأمور به، فإن الأمر يدل عليه، وإن لم يكن منبئًا عنه.\nوأما الماضي في الحَجة الفاسدة، فمأمور بالحَجة الصحيحة، ولم يفعل ذلك، فبقي الأمر عليه، غير أنه أُمر بالمضي في هذا الحج، بأمر آخر، وقد امتثل ذلك، فيسقط به الأمر. وكذا الظانُّ على الطهارة: مأمور بأداء الصلاة على الطهارة، ولم يمتثل ذلك الأمر، فبقي عليه، غير أنه مأمور بالصلاة مع هذا الظن بأمر آخر، وقد امتثله، فيسقط الأمر- أما ههنا [فـ] بخلافه- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>١٨ - باب في: أن الأمر بالشيء، هل هو أمر بما لا يتم الواجب إلا به</span>؟:\nاعلم أن ما لا يتم المأمور إلا به ضربان:\nأحدهما- ما لا يمكن تحصيله، نحو القدرة والآلات.\nوالآخر- ما يمكن للمكلَّف تحصيله.\nفالأول- لا يرد الأمر به إلا مقيدًا بشرط حصوله، لأنه لو ورد الأمر بدونه لا يخلو: إما أن يقتضي إيجاب الفعل في كل حالة ويقتضي تحصيل القدرة والآلة، وهذا تكليف ما ليس في الوسع، أو يقتضي إيجاب الفعل في كل حال مع فقد القدرة والآلة، وهذا أيضًا تكليف ما ليس في الوسع.\nوأما الآخر- فضربان:\nأحدهما- أن يرد الأمر مقيدًا بشرط حصول ما يفتقر الفعل إليه، نحو أن يقول له: \"اصعد السطح إن كان السلم منصوبًا\" فهذا يقتضي إيجاب صعود","vol":"1","page":82},{"text":"السطح إن كان السلم منصوبًا، ولا يقتضي إيجابه إذا لم يكن السلم منصوبًا.\nوالآخر- أن يرد الأمر به مطلقًا من غير تقييد بشرط. نحو أن يقول \"اصعد السطح\" فالأمر بصعود السطح على هذا الوجه أمر بنصب السلم عندنا. ومعنى ذلك أنه يقتضي إيجاب صعود السطح، ثم إيجاب صعود السطح يقتضي إيجاب نصب السلم، فصار الأمر مقتضيًا ذلك بواسطة، لا أن هذا الأمر يصير أمرًا بنصب السلم حقيقة.\nوذهب بعضهم إلى أنه لا يقتضي وجوب نصب السلم، بل يتقيد الأمر بحال كون السلم منصوبًا.\nدليلنا في ذلك- أن الأمر المطلق يقتضي إيجاب الفعل على كل حال، ثم إيجاب الفعل على كل حال يقتضي إيجاب ما يفتقر إليه من نصب السلم. والدليل على أن الأمر المطلق يقتضي إيجاب الفعل على كل حال أنه لا اختصاص له بوقت دون وقت وحال دون حال، فيقتضي إيجاب الفعل في كل زمان يتمكن من الفعل فيه، إذ لو قلنا إنه يقتضي إيجابه في بعض الأزمان دون البعض كان في ذلك تخصيصه بذلك الزمان، وهو خلاف الظاهر.\nوالدليل على أن إيجاب الفعل يقتضي إيجاب ما يفتقر إليه من نصب السلم، أن الفعل متى وجب عليه في جميع الأحوال: لو قلنا لا يجب عليه نصب السلم، أو مباح له تركه- كان فيه تكليف ما ليس في الوسع، أو إباحة الإخلال بالواجب، وهو باطل.\nفإن قيل: هلا قلتم بأن الأمر بالصعود يتقيد بحال نصب السلم، حتى يجب عليه إذا كان السلم منصوبًا، ولا يجب عليه إذا لم يكن منصوبًا، وهذا أولى مما ذهبتم إليه، لأنا لو أوجبنا الصعود مع فقد السلم، كان تكليف ما ليس","vol":"1","page":83},{"text":"في الوسع، ولو أجبنا عليه الصعود على كل حال ثم أوجبنا عليه نصب السلم كان في ذلك إيجاب ما لا ذكر له في الأمر- قلنا: لا معنى لقول القائل: إن الأمر يتقيد بنصب السلم سوى أنه يلزمه الصعود إذا كان السلم منصوبًا: ولا يلزمه إذا لم يكن منصوبًا، وهذا باطل، لأن الأمر المطلق يقتضي إيجاب الفعل على كل حال، وليس إيجاب الصعود عليه مع فقد السلم تكليف ما ليس في الوسع، لأنه يمكنه أن يتوسل إليه بنصب السلم.\nقوله بأن ذلك إيجاب ما لا ذكر له في الأمر- قلنا: إن لم يكن له ذكر في الأمر، لكن الأمر يدل عليه، ألا ترى أن إيجاب المسبب إيجاب السبب، فإن من أمر عبده بإيلام زيد كان لك أمرًا بالضرب، لأن الألم لا يحصل إلا به. وكذا إيجاب ستر الفخذ، يقتضي إيجاب ستر شيء من الركبة، لأنه لا يحصل إلا به- كذا هذا.\nفإن قيل: لستم بأن تتمسكوا بإطلاق اللفظ وتتوصلوا به إلى إيجاب شيء لا ذكر له في الأمر، بأولى من أن نتمسك بظاهر اللفظ لنفي وجوب ما لا ذكر له في الأمر ونتوسل به إلى تقييد الأمر ببعض الأحوال وإخراج الفعل من أن يكون واجبًا في بعض الأحوال. فإذن قد تساوينا في أن كل واحد منا يعمل بظاهر اللفظ من وجه، ويعدل عن ظاهر اللفظ من وجه، فلم كان ما قلتم أولى؟ - قلنا: بهذا السؤال سلمتم أن ما ذكرتم ترك لظاهر اللفظ، فأما إيجاب ما لا ذكر له في اللفظ، [فـ] لا يكون تركًا لظاهر اللفظ، لأن اللفظ كما لا نتعرض له بالإثبات لا نتعرض له بالنفي، وإيجاب شيء لا يتعرض له الأمر بالنفي، لا يكون تركًا لظاهر الأمر.\nإذا ثبت هذا- نقول: قول القائل \"افعل\" يقتضي إيجاب الفعل على كل حال. فلو قلنا إنه يثبت الوجوب في بعض الأحوال، كان ترك العمل","vol":"1","page":84},{"text":"بظاهر اللفظ. وإذا ثبت الوجوب في جميع الأحوال، ثبت وجوب نصب السلم، كي لا يكون إيجاب ما ليس في الوسع.\nوإذا ثبت هذا- نذكر الأشياء التي لا يتم الأمر إلا بها:\nمنها- أن من ترك واحدة من الصلوات الخمس، ثم نسيها، يجب عليه فعل الخمس، لأن فعل المتروكة واجب عليه، ولا يتمكن من ذلك إلا بفعل الكل، فيجب عليه الكل.\nومنها- إذا وقعت النجاسة في الماس وجب الامتناع عن استعمال المال، لأن الامتناع عن استعمال النجاسة واجب، ولا يتمكن من ذلك إلا بالامتناع عن استعمال الماء، فيجب عليه ذلك.\nومنها- أن ستر الفخذ يقتضي إيجاب ستر شيء من الركبة- على ما مرَّ.\nومنها- أن من طلَّق إحدى نسائه بعينها، ثم ذهبت عليه عينها، يجب عليه الامتناع عن الاستمتاع [بالكل]، لأن الامتناع عن الاستمتاع بالمطلقة واجب، ولا يتمكن من ذلك إلا بالامتناع عن الاستمتاع بالكل- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>١٩ - باب في: أن الأمر بالشيء، هل هو نهي عن ضده</span>؟:\nاعلم أن الخلاف في هذه المسألة إما أن يقع في الاسم، أو في المعنى.","vol":"1","page":85},{"text":"أما الاختلاف في الاسم-[فـ] بأن يقال: إن الأمر بالشيء هل يسمى نهيًا عن ضده؟\nوجوابنا: أنه لا يسمى بذلك، لأن أهل اللغة فصلوا بين الأمر والنهي في الاسم، وفرقوا بين قول القائل \"افعل\" وبين قوله \"لا تفعل\"، فسموا أحدهما \"أمرًا\" والآخر \"نهيًا\".\nفإن قيل: الأمر ليس بأمر لذات الصيغة، ولا النهي نهيًا لذات الصيغة، بل الأمر أمر لإرادة كونه أمرًا ولكونه طلبًا واستدعاء للفعل. والنهي نهي لإرادة كونه نهيًا ولكونه طلبًا واستدعاء للانتهاء. ولا يمتنع أن يراد بالصيغة الواحدة أن يكون أمرًا بشيء ونهيًا عن ضده، ولا أن يكون دلالة على طلب شيء أو على طلب الانتهاء عن ضده، فتكون الصيغة الواحدة أمرًا بالشيء حقيقة ونهيًا عن ضده حقيقة- قلنا:\n- أما كون الأمر أمرًا لإرادة كونه أمرًا، وكون النهي نهيًا لإرادة كونه نهيًا، فقد أبطلناه من قبل.\n- وأما كونه أمرًا لكونه طلبًا واستدعاء للفعل، وكونه نهيًا لكونه طلبًا واستدعاء للانتهاء، فلعمري هو كذلك، لكن بشرط أن يكون طلبًا للفعل بذاته لا بواسطة، وطلبًا للانتهاء بذاته لا بواسطة، كقوله \"افعل\" و\"لا تفعل\". وقوله \"افعل\" طلب للانتهاء عن ضده، بواسطة طلب الفعل. وقوله \"لا تفعل\" طلب لضد المنهي عنه، بواسطة طلب الانتهاء عنه، وعدم انفكاك المكلَّ عن أحدهما إلى الآخر، فإذن لا يتصور كون الصيغة الواحدة أمرًا ونهيًا حقيقة.\nوأما الاختلاف في المعنى فمن وجهين:\nأحدهما- أن يقال: هل في الأمر بالشيء صيغة النهي عن ضده، وهو قوله","vol":"1","page":86},{"text":"\"لا تفعل\"؟ . وجوابنا أنه ليس فيه ذلك، وهذا معلوم بطريق الحس.\nوالآخر- أن يقال: بأن الأمر بالشيء هل يقتضي تحريم ضده والمنع عنه؟ وجوابنا أنه يقتضي ذلك، لما ذكرنا أن الأمر طلب الفعل ومنع من الإخلال به، وكل فعل يوجب الإخلال بالمأمور به يكون ممنوعًا عنه بقضية الأمر، لأنه لو لم يكن كذلك لجاز الإقدام عليه، وفي جواز الإقدام عليه إباحة الإخلال بالواجب، وذا لا يجوز.\nومن نفى الوجوب عن الأمر، لا يمكنه أن يجعل الأمر بالشيء نهيًا عن ضده، لأنه: إن حمله على الندب لا يمكنه ذلك، لأنه لو اقتضى ذلك لكنا منهيين عن البيع وسائر الأفعال المباحة، لما أن أضدادها مأمور بها ندبًا. وإن حملها إرادة المأمور به لا يمكنه أن يجعلها نهيًا عن ضده أيضًا، لأن إرادة الشيء لا تقتضي نهيًا عن ضده. ألا ترى أن النوافل مرادة وأضدادها ليست بمنهية.\nوأما النهي عن الشيء هل هو أمر بضده؟\nفجوابنا: أن النهي عن الشيء يقتضي إيجاب ما لا يصح الإخلال بالمنهي عنه إلا به، لما ذكرنا- فبعد ذلك: إن كان له ضد واحد، بحيث لا يمكن الانصراف عنه إلا إليه، يجب عليه ذلك بعينه. وإن كان له أضداد، بحيث لا يمكنه الانصراف عنه إلا إلى أحدهما، يجب عليه الكل على البدل- على ما مرَّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>٢٠ - باب في: أن الأمر المطلَق، هل يقتضي تكرار الفعل المأمور به أم لا</span>؟:\nذهب أصحابنا ومعظم المتكلمين إلى أنه لا يقتضي التكرار، بل يقتضي فعل المأمور به فقط، وهو الفعل الذي تناول الأمر، مرة واحدة.\nوذهب معظم أصحاب الشافعي ﵀ إلى أنه يقتضي التكرار.","vol":"1","page":87},{"text":"وقال بعضهم: نتيقن باقتضاء الفعل مرة واحدة، ونتوقف في الدوام والتكرار.\nدليلنا في ذلك أن قول القائل \"ادخل الدار\" معناه \"كن داخلًا في الدار\"، لأن من دخل الدار يوصف بكونه داخلًا الدار، فإذا أمره بالدخول فقد أمره بأن يجعل نفسه على هذه الصفة، وهو [بـ] الدخلة الأولى جعل نفسه على هذه الصفة، فيسقط الأمر به. كمن قال لغيره \"اضرب رجلًا\" فضرب رجلًا واحدًا، يوصف بأنه ضارب رجل، ويسقط الأمر به- كذا هذا.\nفإن قيل: هو بالدخلة الثانية يوصف بأنه داخل الدار، فهلَّا قلتم بدخوله تحت الأمر؟ أو توقفتم في دخوله تحت الأمر كما قاله البعض؟ - قلنا: هو بالدخلة الأولى يوصف بأنه داخل الدار على الكمال، فبعد ذلك: الدخلة الثانية تكرار لفائدة الأمر بعد استكمالها، فلا يُستفاد ذلك إلا بدلالة التكرار، أو بدلالة الاستغراق، كمن قال لغيره \"اضرب رجلًا\" فضرب رجلًا واحدًا: يوصف بكونه ضارب رجل على الكمال، فإذا ضرب آخر يكون ذلك تكرارًا لفائدة الأمر بعد استكمالها، فلا يستفاد إلا بدلالة التكرار، أو بدلالة الاستغراق- كذا هذا.\nفإن قيل: ما أنكرتم أن قول القائل \"اضرب\" معناه \"افعل الضرب\"، ولو كان كذلك يقتضي التكرار، لأن اللام للجنس: قلنا: إن قول القائل \"اضرب\" تصريف من \"ضرب\" لا من \"الضرب\" لأنه ليس فيه الألف واللام، ولأنه لو كان تصريفًا من الضرب لكان قول القائل \"ضربَ زيدٌ\" معناه أنه فعل الضرب، ولو كان كذلك لكان من أخبر بضرب زيد أن يفيهم منه تكرار الضرب، وليس كذلك، بل يُفهم منه الضرب مرة واحدة.\nوأما الخصوم فقد تعلَّقوا بأشياء:\nمنها- أنهم قالوا: وجدنا أوامر في كتاب الله تعالى مطلقة، وأنها مقتضية","vol":"1","page":88},{"text":"للتكرار، مثل قوله تعالى: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ إلى غير ذلك.\nومنها- أن الأمر المطلق لا اختصاص له بزمان دون زمان، فيقتضي الفعل في جميع الأزمان لفقد الاختصاص.\nومنها- أن الأمر لو لم يقتض التكرار لما جاز الاستثناء، ولما جاز النسخ، لأن النسخ في المرة الواحدة بَدَاء، والاستثناء من الواحدة نقض الكلام، وحيث صحَّ النسخ والاستثناء علم أنه مفيد للتكرار.\nومنها- أن الأمر المطلق لو لم يقتض التكرار والفعل على الدوام، لكان النهي المطلق لا يقتضي الانتفاء، على سبيل الدوام، لأنه ضده، ولما كان النهي يقتضي الانتهاء على سبيل الدوام- فكذلك الأمر، إذ هو ضده.\nوالجواب:\nأما الأول- قلنا: لا نسلم بأن التكرار في تلك المواضع عُقِل من ظاهر الأمر، بل بدلالة زائدة، وهو التصريح بالدوام والتكرار وما يجري مجراه. وقد أجيب عن هذا بأن التكرار في هذه المواضع استفيد من تكرار أسبابها- ألا ترى أنه لم يثبت التكرار في بعض المواضع، وهو المر بالحج، لنه سببه، وهو البيت، لا يتعدد.","vol":"1","page":89},{"text":"وأما الثاني- قلنا: القائلون بالفور يقولون إن الأمر المطلق يختص بأول وقت الإمكان. والقائلون بالتراخي يقولون بأنه يقتضي إيجاب الفعل في جميع الأزمان، لكن على طريق البدل، وتناول الأمر تارة يكون على سبيل البدل، وفقد الاختصاص لا يدل على أحدهما.\nوأما الثالث- قلنا: عندنا لا يجوز إلا إذا قامت دلالة تدل على أنه أراد به التكرار، فيتبين بالنسخ أن بعض المرات غير مراد. وأما الاستثناء- قلنا: القائلون بالفور لا يجوزون ذلك. والآخرون إنما يجوزون الاستثناء، لما مرَّ أن الأمر يتناول الأوقات لكن على البدل، فبالاستثناء يتبين أن بعض الأوقات غير مراد أصلًا.\nوأما الرابع- قلنا: الأمر يقتضي النهي، لأن قول القائل: \"كن داخلًا\" موجود في قوله: \"لا تكن داخلًا\" وإنما زيد عليه حرف النفي، فجرى الأمر مع النهي مجرى قول القائل: \"ليس في الدار رجل\". ثم قول القائل: \"في الدار رجل\" يقتضي وجود رجل واحد في الدار. وقوله: \"ليس في الدار رجل\" يقتضي انتفاء جميع الرجال عنه، لأنه لو اقتضى نفي بعض الرجال كان فيه جمع بين فائدتيهما مع أنهما ضدان، وذا لا يجوز، فكذا هذا- وهذا:\n[الأول]: لأن الأمر المطلق يقتضي أن المأمور به يوجد به مطلقًا، والنهي المطلق يقتضي أن المنهي عنه لا يوجد مطلقًا، وكلما وجد مرة فقد وجد مطلقًا، وما انتفى مرة فما انتفى مطلقًا.","vol":"1","page":90},{"text":"والثاني: أن العادة فصلت بين الأمر والنهي: فإن السيد إذا قال لعبده: \"لا تدخل\" فهم منه الانتهاء على الدوام. ولو قال له: \"ادخل\" فهم منه الدخول مرة. والفقه في ذلك: هو أن حمل الأمر المطلق على التكرار والاستغراق يؤدي إلى تعطيل الأشغال كلها، لنه لا يتفرغ لغيره من الأفعال، وحمل النهي على الدوام لا يؤدي إلى ذلك، لنه يتفرغ للأشغال كلها مع الامتناع عن فعل معين على الدوام.\nوالثالث: أن النهي يدل على قبح المنهي عنه، والقبيح يجب الكف عنه أبدًا، أما الأمر [فـ] لا يدل على ما يوجب الإقدام عليه، على الدوام.\nوأما من توقف في الحمل على التكرار- قال: إن الأمر المطلق محتمل للدوام والتكرار، بدليل أنه لو أراد به ذلك وقرن به دلالة التكرار يحمل عليه، وما احتمله اللفظ جاز أن يراد به، فيجب التوقف فيه.\nونحن نقول: لا نسلم احتماله للدوام والتكرار، بل الأمر المطلق لا يحتمل إلا الفعل مرة واحدة- على ما مرَّ. ولو قرن به دلالة التكرار، لا يكون بيانًا وتفسيرًا للفظ، بل زيادة متممة للكلام كقوله: \"افعل هذا الفعل عشر مرات\" أو \"على الدوام\" أو على ما يجري مجرى هذا الكلام، فهذه جملة مفيد للعدد والدوام، لا أنه موجب الأمر المطلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>٢١ - باب في: أن الأمر المعلَّق بالشرط والصفة، هل يقتضي تكرار الفعل المأمور به إذا تكرر الشرط والصفة</span>؟:\nاختلف الذاهبون إلى أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار فيه:\nقال بعضهم: يقتضي تكراره عند تكرار الشرط والصفة.","vol":"1","page":91},{"text":"وقال بعضهم: لا يقتضيه- وهو المختار.\nدليلنا في ذلك- أن المقتضى للوجوب هو الأمر دون الشرط والصفة، لن الشرط ليس بمؤثر بل هو ما يقف عليه تأثير المؤثر، والأمر في نفسه لا يقتضي التكرار، بل يقتضي الفعل مرة واحدة، فصار المقتضي للفعل مرة واحدة معلقًا بالشرط، وهو كالمرسل عند وجود الشرط، فلا يلزم تكرار الوجوب بتكرار الشرط- دلَّ عليها أن السيد إذا قال لعبده: \"إذا دخلت السوق فاشتر اللحم\" فإن هذا لا يقتضي تكرار الشراء بتكرار الدخول. وكذا لو قال لامرأته: \"طلقي نفسك إذا دخلت الدار\" أو قال لغيره: \"طلق امرأتي إذا دخلت الدار\": لا يتكرر الأمر بالطلاق بتكرار الدخول. وكذا قول القائل: \"اضرب زيدًا\" إذ كان لا يقتضي التكرار، فقوله: \"اضربه إن كان قائمًا\" لا يقتضيه أيضًا.\nفإن قيل: ليس يمتنع أن يكون ما دخل تحت الشرط مؤثرًا، كما في قوله تعالى: ﴿وإن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، وإذا لم يمنع ذلك [فـ] ليس لكم أن تقطعوا على نفي التكرار عند تكرار الشرط- قلنا: لفظ الشرط لا يدل على أن ما دخل تحته مؤثرًا، والكلام فيما إذا لم توجد دلالة أخرى، حتى لو وجد كان علة يتكرر الحكم بتكرره- يدل عليه: أن الخبر المعلق بالشرط لا يقتضي تكرار المخبر به بتكرره، فكذا الأمر- بيانه: أن قائلًا لو قال: \"زيد سيدخل الدار إن دخلها عمرو\"","vol":"1","page":92},{"text":"فدخل زيد الدار بعد ما دخلها عمرو مرارًا- يعد المخبر صادقًا، فلو كان تكرار الدخول من عمرو يقتضي تكرار الدخول من زيد، لما عُدَّ صادقًا- فثبت أن الخبر المعلق بالشرط لا يقتضي التكرار في المخبر به، بتكرره- فكذلك الأمر. والجامع بينهما أن معنى قول القائل: \"زيد سيدخل الدار\" أي سيكون داخل الدار، ومعنى قول القائل: \"ادخل الدار\" أي \"كن داخلًا الدار\"- ثم الخبر بجعل نفسه على هذه الصفة لا يقتضي تكرار المخبر به. وكذلك الأمر بجعل نفسه بهذه الصفة لا يقتضي تكرار المأمور به.\nوالمخالف في المسألة احتج بأشياء:\nمنها- أنهم قالوا: وجدنا الأوامر الواردة في كتاب الله تعالى معلقة بالشرط، مقتضية للتكرار، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وإن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ - علم أن قضية الأمر المعلق بالشرط هذا.\nومنها- اعتبارهم الشرط بالعلة، فقالوا: إن العلة إذا تكررت، يتكرر معلولها، فكذا الشرط، بل الشرط آكد من قِبَل أن الحكم ينتفي بانتفاء الشرط، ولا ينتفي بانتفاء العلة.","vol":"1","page":93},{"text":"ومنها- أن الأمر المعلق بالشرط لا اختصاص له بالشرط الأول دون الثاني والثالث، فيجب الفعل مع كل شرط لفقد الاختصاص.\nومنها- أن النهي المعلق بالشرط يقتضي الانتهاء مع كل شرط، على سبيل التأبيد- فكذا الأمر المعلق بالشرط.\n[و] الجواب عنها:\nأما الأول- قلنا: ليس في هذه الآي ما يدل على كون التكرار مستفادًا من ظاهرها، بل عرفنا التكرار فيها بدلالة أخرى، كما عرفنا التخصيص في بعض عمومات القرآن، بدلالة مخصصة- دلَّ عليه أن الأمر بالحج لا يقتضي التكرار، وإن علق بشرط متكرر، كقوله تعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾.\nوأما قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي﴾. وقوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ﴾ - قلنا: ثم علم أن السرقة والزنا علة لوجوب الحد، والحكم يتكرر بتكرر العلة.\nوأما الثاني- قلنا: هذا اعتبار فاسد، لأن العلة مؤثرة، والشرط ليس بمؤثر، ولا دليل يدل على وجود المؤثر، فلا يلزم تكرار الحكم بتكرره.\nقوله: الحكم ينتفي بانتفاء الشرط ولا ينتفي بانتفاء العلة- قلنا: عندنا: لا فرق، فكما يجوز أن يثبت الحكم بعلة أخرى مع فقد هذه العلة، يجوز أن يوجد شرط آخر مكان هذا الشرط الأول، فيثبت الحكم معه.","vol":"1","page":94},{"text":"وأما الثالث- فالقائلون بالفور يقولون باختصاص الأمر بالشرط الأول، فلا يلزمهم هذا الكلام.\nوأما القائلون بالتراخي- فلهم تفصيل، وهو أن الشرط الذي علق به الأمر: إما أن يغلب على الظن تجدده، وهو متمكن من الفعل، أو لا يغلب على الظن ذلك. ففي الوجه الثاني، كما في قول القائل: \"أعط زيدًا درهمًا إن دخل الدار\" يجب الفعل عند الدخلة الأولى، لأنه لو لم يجب وفي الدخلة الثانية شك، كان فيه تفويت المأمور به أصلًا. وفي الوجه الأول كما إذا قال: \"أعطه درهمًا إن طلعت الشمس\" يجب الفعل مع كل شرط على البدل لا على الجمع، وفقد الاختصاص عمله في ذلك، إلا أن يقوم دلالة من حيث العرف وغيره على طلب الفعل عند الشرط الأول على التعيين.\nوأما الرابع- قلنا: قال بعض أهل الأصول: إن النهي يقتضي طلب الانتهاء مع الشرط فقط. ولئن سلمنا، فتكرار الانتهاء ثَمَّ، لا لتكرار الشرط، بل لأن مطلق النهي يقتضي الانتهاء على الدوام. فإذا علق بالشرط أفاد أهل هذه القضية عند الشرط، والفرق بين الأمر والنهي على ما مرَّ في الباب المتقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>٢٢ - باب في: أن الأمر المطلق، هل يقتضي تعجيل الفعل المأمور به أم لا</span>؟\nذهب بعض أصحابنا وجماعة من المتكلمين أنه يقتضي تعجيل الفعل المأمور به، ولا يجوز تأخيره عن أول أوقات الإمكان.","vol":"1","page":95},{"text":"وذهب أصحاب الشافعي ﵀ وعامة المتكلمين إلى أنه يجوز تأخيره عن الوقت الأول إلى ما بعده من الأوقات- إلا أن منهم من يجعل العزم على الفعل في الثاني بدلًا عن الفعل في الوقت الأول. ومنهم من لم يجعله بدلًا عنه.\nوالمذهب المختار أنه يقتضي وجوب فعل واحد، والأوقات كلها سواء في إيقاع الفعل المأمور به، بالأمر المطلق.\nأما القائلون بالفور-[فـ] تعلقوا بأشياء:\n١ - منها:\nأن الفعل قد وجب في الوقت الأول، وذلك يمنع جواز التأخير عنه. وإنما قلنا: إن الفعل قد وجب في الوقت الأول، لأن الأمر تناول الفعل في الوقت الأول، بدليل أن المكلف إذا أتى به في الوقت الأول كان إتيانًا بما تعبد به وسقط عنه التكليف، والتكليف إنما يسقط بإتيان ما تناوله الأمر، فلولا أن الأمر تناول الفعل في الوقت الأول، وإلا لم يكن إتيانًا بما تعبد به، ولما سقط عنه التكليف. ومتى تناوله الأمر كان واجبًا، إذ الأمر مقتضاه الوجوب، وإذا وجب الفعل في الوقت الأول [فـ] لا يجوز تأخيره عنه، لأنه لو جاز تأخيره عنه كان في ذلك نقض الوجوب وإلحاقه بالنافلة، ولا يقال بأن الفرق بينه وبين النافلة أن النافلة يجوز الإخلال بها مطلقًا، وهذا مما يجوز الإخلال به في الوقت الأول، إلا أن يغلب على الظن فواته إن لم يفعله، لنا نقول: إنما نلزمكم إلحاقه بالنافلة- بجواز التأخير في الوقت الأول، [لا أنه] كان مخيرًا بين الفعل والترك، وهذا هو حقيقة النافلة. ولا يقال: عندنا يجوز التأخير عن الوقت الأول لكن","vol":"1","page":96},{"text":"إلى بدل يقوم مقامه، وهو العزم على الفعل في الزمان الثاني، ويجوز تأخير الواجب إلى بدل يقوم مقامه.\nوبيانـ[ـه] أن الأمر المطلق يجعل الأوقات كلها سواء في إيقاع الفعل المأمور به فيها، ولن يجعل ذلك إلا بأن يجوز التأخير عن الوقت الأول، والواجب لا يجوز تأخيره عن الوقت الواجب فيه إلا إلى بدل، فجعلنا \"العزم\" بدلًا عنه، لأن الأمة أجمعت أنه لو ترك الفعل في الوقت الأول يجب عليه أن \"يعزم\" على الفعل في الزمن الثاني، فقد قامت الدلالة على كون \"العزم\" بدلًا، ولم يقم على شيء آخر، فجعلنا \"العزم\" بدلًا عنه.\nهذا هو حجة القائلين بجواز التأخير عن الوقت الأول إلى بدل، [و] لا يقال هنا، لأنا نقول: لمَّا سلمتم أن الواجب لا يجوز تركه إلا ببدل، فما الدليل على وجوب \"العزم\" بدلًا، لأن الأبدال لا يجوز إثباتها بالرأي، بل بدليل قاطع؟ وقيام الدليل على وجوب \"العزم\" لا يدل على كونه بدلًا.","vol":"1","page":97},{"text":"ثم الدليل على أن العزم لا يصلح بدلًا: أن البدل وجوبه على حذو الأصل، ليجري فعله مجرى فعله، وفي ذلك بطلان تعيين الوقت للعزم.\nوالدليل عليه أن العزم لو كان بدلًا لا يخلو: إما أن يقوم مقام الواجب ويسدُّ مَسدَّه في حصول المصلحة المطلوبة منه، أو لا يقوم مقامه ولا يسد مسدَّه:\nفإن كان الأول-[فـ] ينبغي أن يسقط عنه الفعل بوجود العزم، لأن المصلحة من الواجب قد استوفيت بالعزم على الفعل.\nوإن كان الثاني- فلا يصلح بدلًا عنه.\nولا يقال بأن \"العزم\" بدل عن الفعل في الزمان الأول، فيبقى الفعل في الزمان الثاني على ما هو عليه من المصلحة، لأنا نقول: الأمر عندكم لا يقتضي وجوب الفعل في جميع الأزمان، على الجمع، لأنه قول بالتكرار، وقد أبطلناه. ولا يمكن القول بأن الفعل في الزمان الأول يسقط بالعزم ويبقى الفعل في الزمان الثاني واجبًا، بل الأمر عندكم يقتضي وجوبَ فعل واحد في زمان غير عين، فإذا وجد في الوقت الأول ما يسد مسده في استيفاء المصلحة، ينبغي أن يسقط عنه التكليف، كما لو فعل المأمور به. وحيث لم يسقط، علم أن \"العزم\" لا يصلح بدلًا أصلًا.\n٢ - ومنها:\nالاستدلال بألفاظ الطلاق والعتاق والنكاح، فإن أحكام هذه الألفاظ تثبت على الفور، فكذلك حكم الأمر. والجامع بينهما أن هذه الألفاظ تفيد أحكامها، والحكم إنما يثبت في الوقت، وليس للوقت فيها ذكر، فيثبت في","vol":"1","page":98},{"text":"أقرب الأوقات إليها. فكذا هنا: الأمر يقتضي إيجاب الفعل، والفعل إنما يقع في وقت، [ووقت] وقوعه [غير] مذكور، فيقع في أقرب الأوقات إليه.\n٣ - ومنها:\nأن جواز التأخير يؤدي إلى أقسام كلها باطلة. وبيانه: أنه لو جاز التأخير إما أن يجوز التأخير لا إلى غاية أو إلى غاية: الأول- باطل، لأنه ينقض الوجوب، والثاني- لا يخلو: إما أن تكون الغاية معينة أو موصوفة. مثال المعينة: أن يقول \"افعل إلى وقت كذا\" أو \"إلى الوقت الفلاني\" وهذا مما لا قائل به، ولم تقم الدلالة عليه، لأن الأمر لا يختص ببعض الأوقات دون البعض. والمراد بالموصوفة: الوقت الذي لو أخر عنه غلب على ظنه فواته. وذلك الظن لا يخلو: إما أن يكون صادرًا لا عن أمارة، أو يكون صادرًا عن أمارة- الأول باطل لأن الظن الذي لا يستند إلى أمارة لا يجوز بناء الحكم عليه، وهو بمنزلة الظن السوداوي. وإن كان صادرًا عن أمارة مثل علو السن أو المرض، فهذا باطل أيضًا، لأنه يؤدي إلى أن من مات فجأة لا شيء عليه، مع أن ظاهر الأمر يتناوله، وأنه يقتضي الإيجاب. فثبت أن جواز التأخير يؤدي إلى أقسام كلها باطلة، فكان باطلًا.","vol":"1","page":99},{"text":"٤ - ومنها:\nأن الأمر بالفعل يوجب الفعل واعتقاد الوجوب والعزم على الامتثال، ثم وجوب الاعتقاد والعزم ثابت على الفور. وكذلك وجوب الفعل، لأن الكل موجب الأمر.\nونحن نستدل على صحة ما ذهبنا إليه، فنقول:\nالأمر المطلق بالفعل يتناول الفعل، وليس فيه تعرض للزمان أصلًا، فإن قول القائل: \"اضرب\" يفهم منه الضرب دون الزمان، لأن الزمان من ضرورة الفعل كالمكان، وهو كالشخص المضروب في الضرب، وآله الضرب. ثم الأمر بالضرب لا يقتضي مضروبًا معينًا ولا آلة معينة، ولا في مكان معين- وكذا الزمان، فيقتضي إيجاب الفعل في زمان ما، ففي أي زمان يأتي به، يصير آتيًا بالمأمور به، وهذا يمنع الفور والتعجيل.\nفإن قيل: للأمر اختصاص بالزمان الأول في حق إفادة الوجوب، لأنه متصل بزمان وجود الأمر، والوجوب فائدة الأمر وثمرته، والشيء إذا صادف وقتًا فثمرته وفائدته تصادف ذلك الوقت، لاختصاصه به وجودًا من بين سائر الأوقات. وصار كالطلاق والعتاق والنكاح مع أحكامها- قلنا:\n- لا نسلم بأن للأمر اختصاصـ[ـًا] بالوقت الأول من أوقات الفعل- بيانه: أن الاختصاص إما أن يكون من حيث الوجود، أو من حيث الذكر والاقتضاء:\n* واختصاص الأمر، من حيث الوجود، بالزمان الذي وجد فيه، وفي الزمان [الذي] وجد فيه الأمر- لا يتصور الوجوب، لأن الفعل إنما يجب ويوجد بعد الأمر، وبعد ذلك انعدم في نفسه، فلا يكون له اختصاص الوجود بزمان آخر.","vol":"1","page":100},{"text":"واختصاصه من حيث الذكر والاقتضاء، بأن يصير بعض الأوقات فيه مذكورًا- فليس في الأمر ذكر واقتضاء لوقت ما على ما مرَّ. [و] ينفي هذا القدر أن الوقت الأول أقرب إلى زمان وجود الأمر، ولكن هذا لم يوجب اختصاص الوجوب به، وهذا هو عين المسألة.\n- وأما ألفاظ الطلاق والعتاق والنكاح- ففيها اختصاص واقتضاء بالزمان الماضي والحال، فإنه قوله: \"أنت طالق\" وصف لها وإخبار عن كونها طالقًا في الماضي أو في الحال، كقوله: \"أنت قائم\" أو \"قاعد\"، والشرع جعله إنشاء في الزمان الذي يقتضيه الوصف لغة.\n- أما قوله \"افعل\" -[فـ] طلب الفعل في المستقبل من غير تعرض لزمان، على ما مرَّ.\n- وقولكم إن المر إذا صادف وقتًا فثمرته تصادف ذلك الوقت- قلنا: قد ذكرنا أنه لا يتصور مصادفة الوجوب في زمان مصادفة الأمر، لأنه يثبت بعده حكمًا له.\n- ثم نقول: الأمر كما ذكرت أن ثمرة الشيء تصادف زمانًا اتصل به، لكن الخلاف في ثمرة الأمر: أن ثمرته الوجوب على الفور أو التراخي؟، فيعود الكلام إلى أول المسألة.\nوأما الجواب عن كلام المخالفين:\nأما الأول- قلنا: أيش عنيتم بقولكم: إن الفعل قد وجب في الوقت الأول؟:","vol":"1","page":101},{"text":"- إن عنيتم به أنه لزم المكلف [فعله فيه] ومنع من التأخر عنه، فهو موضع النزاع، وقد نفيناه بما ذكرنا أن المر المطلق لا اختصاص له بوقت دون وقت.\n- وإن عنيتم به صيرورة الفعل مصلحة مسقطعة للواجب، فمسلم، ولكن لم قلتم بأن هذا يمنع جواز التأخير؟\nقوله: بأنه ينقض الوجوب ويلحقه بالنافلة- قلنا: إنما يلحقه بالنافلة إذا كان يخرجه عن كونه مصلحة مسقطة للفرض، وفعله في الوقت الأول مصلحة مسقطة للفرض، والفعل في الثاني كذلك، وهو بدل عن الفعل في الأول، والواجب يجوز تأخيره إلى ما يسد مسده في المصلحة ولا يلحقه ذلك بالنافلة، كما في الكفارات الثلاث على ما ذكرنا.\nفإن قيل: الأمر متى تناول الفعل في الوقت الأول لم يبق متناولًا للفعل فيما بعده، إذ لو قلنا بأنه يتناول الفعل في الوقت الثاني يكون تكرارًا لمقتضى الأمر، والأمر لا يقتضي التكرار، ومتى لم يكن متناولًا إلا الفعل في الزمان الأول، فجواز التأخير مؤدٍ إلى ما ذكرناه. وليس لكم أن تقولوا إن المفعول في الثاني والثالث [بدل] عن المفعول في الأول، فالتأخير عن الوقت الأول لا يكون تفويتًا للمأمور به- لأنا نقول: إن أفعال العباد [التي] تختص بالأوقات لا يجوز عليها التقدم والتأخر، فما يصح أن يوجد مرة في وقت، لا يصح أن يوجد مرة في وقت آخر. ومتى كان المفعول في الوقت الثاني [بدلًا] عن المفعول في الوقت الأول، لو قلنا بأنه يتناوله في الثاني، يؤدي إلى التكرار- قلنا: الأمر تناول فعلًا واحدًا، لكنه تناول فعلًا، له صورة مخصوصة","vol":"1","page":102},{"text":"من الأفعال، لا الفعل المعين، لأن المكلف لا يميز ذلك، ومتى يتناول فعلًا واحدًا على صورة مخصوصة، والفعل في الزمان الثاني والثالث على صورة مخصوصة، فإذا فعل في أي وقت، فقد فعل فعلًا له صورة مخصوصة، فيسقط الأمر. كما إذا قال لغيره: \"ادفع درهمًا إلى رجل\"، فإذا دفع أي درهم شاء إلى أي رجل شاء، سقط عنه الأمر، لأنه مأمور بدفع شيء له صورة [مخصوص] إلى شخص له صورة مخصوصة، وقد وجد، فكذا هذا. على أن نقول: الأمر عندنا لا يقتضي التكرار: على معنى أنه لا يقتضي وجوب الأفعال على الجمع، بحيث لو فعل الواحد يجب عليه غيره. أما يقتضي التكرار على معنى أنه يقتضي وجوبها على البدل، فأيها فعل يسقط الأمر، وهو بمنزلة قوله: \"افعل في أي وقت شئت\" [فإنه] تناول فعلًا واحدًا، وحكمه ما ذكرنا- كذا هذا.\nوأما الثاني- قد ذكرنا أن هذه الألفاظ موضوعة في اللغة للإخبار، والشرع جعلها إنشاء في الحال، وليس من ضرورة أن يثبت الشرع حكمًا على الفور في موضع، أن يكون المر المطلق، على الفور. على أن هذا إثبات موجب اللفظ بدليل آخر، ولا كلام فيه، إنما الكلام في موجب اللفظ. ولن هذا إثبات موجب اللفظ قياسًا على موجب لفظ آخر، وذلك ممتنع. ولو جاز ذلك، فقياس هذا على الخبر أولى- وبيانه: أن من قال: \"زيد سيدخل الدار\" فدخلها بعد مدة، يعدُّ صادقًا، فكذا الأمر، لأن معنى قول القائل: \"زيد سيدخل الدار\" إخبار عن إيقاع الدخول، كما أن قول القائل: \"ادخل\" حثٌّ على إيقاع الدخول. ثم الخبر عن الإيقاع: لا يقتضي وجود المخبر على الفور، فكذا الحث على الإيقاع: لا يقتضي الفعل على الفور أيضًا.\nوأما الثالث- فنقول: عندنا يجوز تأخير الفعل إلى غاية أن يغلب على الظن فواته بأمارة، وهذا لما مرَّ: أن الأمر تناول فعلًا واحدًا في زمان غير معين، وإذا كان كذلك، فالواجب في الحكمة أن يعين الله تعالى وقتًا يتضيق فيه الوجوب، وإلا لم يكن للعبد سبيل إلى معرفة ما كُلِّف به. فإذا وجدنا الأمارة، نحكم بأن","vol":"1","page":103},{"text":"الله تعالى أراد تضييق الوجوب في هذه. والموت فجأة لا عن أمارة نادر، ولو تحقق ومات عن غير أمارة تبين أن الله تعالى ما أراد بذلك الإيجاب، كما في قوله: \"افعل في أي وقت شئت\".\nوأما الرابع- قلنا:\n[الأول]- هذا استعمال القياس في اللغات، وإنه باطل.\nوالثاني- هو منقوض بقوله: \"افعل في أي وقت شئت\": فغن الاعتقاد والعزم على الفور، دون الفعل.\nثم نقول: وجوب العزم والاعتقاد معلوم بقرينة وأدلة دلَّت على التصديق للشارع والعزم على الانقياد له، لا بمجرد اللفظ- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>٢٣ - باب في: أن الأمر الموقت بوقت، متى يجب الفعل فيه</span>؟:\nاعلم أن الوقت المضروب للفعل لا يخلو: إما أن يزيد على مقدار الفعل، أو لا يزيد على مقدار الفعل-[نقول]:\n- إن كان لا يزيد على مقدار الفعل: [فـ] لا شبهة أن جميع الوقت وقت للوجوب، كاليوم للصوم.\n- وإن كان يزيد على مقدار الفعل، كوقت الظهر للظهر، اختلفوا فيه:\n* قال بعضهم: الوجوب يختص بأول الوقت، وهو قول عامة أهلا لحديث وبعض المتكلمين. واختلفوا في المفعول في آخر الوقت: قال بعضهم: هو قضاء. وقال بعضهم: هو أداء.","vol":"1","page":104},{"text":"* وذهب بعض المتكلمين إلى أن الوجوب يختص بآخر الوقت. واختلفوا في المفعول في أول الوقت:\nقال بعضهم: هو نفل يسقط الفرض، وهو محكي عن أبي الحسن الكرخي ﵀.\nوقال بعضهم: يقع موقوفًا، فإن بقي بصفة المكلفين إلى آخر الوقت وقع واجبًا، وإلا فلا- حكاه أبو بكر الرازي عن الكرخي.\nوقال بعضهم: الوجوب يختص بالوقت كله.\nثم اختلفوا فيما بينهم:\nفمنهم من أثبت للفعل في أول الوقت بدلًا، وهو \"العزم على الفعل في الثاني\".\nومنهم من لم يثبت له بدلًا.","vol":"1","page":105},{"text":"وحكى عن الكرخي ﵀ أيضًا أن الوجوب يتعين بأحد أمرين: إما بالفعل، أو بأن يتضيق عليه الوقت.\nوالمذهب المختار أن الأمر الموقت بوقت، في إفادة الوجوب فيه، كالأمر المطلق في إفادة الوجوب في جميع العمر، فيقتضي إيجاب الفعل المستغرق للوقت والفعل في كل جزء من أجزاء الوقت على طريق البدل كما ذكرنا، وهو بمنزلة قوله: \"افعل في أي جزء شئت من أجزاء هذا الوقت\". ولو مات في أثناء الوقت فجأة فالحكم فيه ما ذكرنا.\nوأما من قال باختصاص الوجوب بأول الوقت -[فـ] ذهب في ذلك إلى أن للوجوب حكم الأمر، والأمر قد وُجد في أول الوقت، فيثبت حكمه- دلَّ عليه أنه لو فعل في أول الوقت سقط عنه الواجب، والواجب إنما يسقط بفعل ما تناوله الإيجاب، فلولا أن الفعل في أول الوقت واجب لما سقط عنه بأدائه.\nوأما من قال باختصاصه بآخر الوقت-[فـ] قال بأن الفعل في الوقت لو كان واجبًا لما جاز تركه، إذ الواجب ما لا يجوز الإخلال به.\nوقوله بأنه يسقط الفرض، قلنا: ليس يمتنع أن يكون الفعل نفلًا ثم يسقط به الفرض، كالوضوء قبل الوقت: نفل، لأن الوضوء إنما يجب لأجل الصلاة، ولا صلاة عليه قبل الوقت. ومع هذا يسقط به الوضوء الواجب في الوقت بقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾. وكذا الزكاة قبل حولان الحول: نفل، يسقط به الفرض. ولا يقال بأن المفعول في أول الوقت لو كان نفلًا","vol":"1","page":106},{"text":"ينبغي أن يؤدَّى بنية النفل، لأن هذه نية مطابقة لما عليه الفعل في نفسه، فكان أولى بالجواز، ولأنه لو كان نفلًا لكان لا يؤدَّى بأذان وإقامة كسائر النوافل، ولأنه لو كان نفلًا لم يكن الفعل في أول الوقت أولى من الفعل في آخره، كسائر النوافل. والإجماع انعقد على أن المغرب في أول الوقت أفضل.\nلا يقال هذا، لأنَّا نقول:\nأما الأول- قلنا: هذا باطل بأداء الزكاة قبل الحول، فإنه نفل، ومع هذا يؤدَّى بدون نية النفل، ولا يؤدى بنية النفل.\nفإن قال: إنه إنما يجوز، بنية كونه نفلًا، زكاة- قلنا: عندنا يجوز أداء الظهر أيضًا بنية كونه ظهرًا نفلًا، فما الشناعة في هذا إلا كالشناعة ثَمَّ!\nوأما الثاني- قلنا: كراهية الأداء بالأذان والإقامة، في النوافل المطلقة، دون النفل المسقط للفرض.\nوأما الثالث- قلنا: النفل إذا كان مسقطًا يجوز تقديمه، كتعجيل الزكاة قبل تمام الحول عند شدة حاجة الفقراء.\nعلى أنا نقول: هذه الأحكام، أحكام النفل المطلق، وهذا ليس بنفس مطلق، لأن النفل المطلق ما يجوز تركه وترك أمثاله، وهذا، إن جاز تركه، لا يجوز ترك أمثاله- هذا تقرير هذا الوجه.","vol":"1","page":107},{"text":"إلا أنَّا نستدل على صحة ما ذهبنا إليه، فنقول: الوجوب يُستفاد بالأمر، والأمر تناول الوقت، ولم يتعرض لجزء من أجزائه مع استواء كل جزء منه لوقوع الفعل فيه، فيقتضي وجوب فعل له صورة مخصوصة في أي جزء كان- على ما ذكرنا في المسألة المتقدمة. الدليل عليه أن المصلحة تصير مستوفاة بالفعل في أول الوقت، والفعل في الثاني يسدَّ مسدَّ الفعل في الزمان الأول في استيفاء المصلحة حتى لا يلزمه شيء، إذ فعل في الزمان الثاني، فلو لم تصر المصلحة مستوفاة به، للزمه فعل آخر لاستيفاء المصلحة.\nفإن قيل: إنما لا يلزمه فعل آخر باعتبار أن المصلحة قد فاتت بالعفل في الزمان الأول، لا لأن المصلحة صارت مستوفاة بالفعل في الزمن الثاني- قلنا: لو كان الأمر كذلك لكان الفعل في الزمان الأول منهيًا عنه، لأن فيه تفويت مصلحة بحيث استيفاؤها وليس كذلك، بل الفعل في الأول قد يكون أولى، كما في [صلاة] المغرب.\nفالحاصل أنه:\nيقال للقائلين باختصاص الوجوب بآخر الوقت: إنه إذا فعل في أول الوقت لا يخلو: إما إن بقيت المصلحة في آخر الوقت، أو فاتت:\nفإن بقيت- يجب أن يبقى الفعل في آخر الوقت واجبًا، وليس كذلك، بالإجماع.\nوإن فاتت- يجب أن يكون الفعل في أول الوقت حرامًا، وليس كذلك، بالإجماع.\nويقال للقائلين باختصاص الوجوب بأول الوقت- ما الذي عنيتم بوجوب الفعل في أول الوقت؟","vol":"1","page":108},{"text":"إن عنيتم: أنه يلزمه فعله في الحال ويمنع من تأخيره، فهو موضع النزاع.\nوإن عنيتم: أنه مصلحة مُسْقطة للفرض، فهذا لا يمنع جواز تأخيره إلى بدل يسدّ مسدَّه.\nويقال للقائلين باختصاص الوجوب بكل الوقت- ما تعنون به؟\nإن عنيتم: أنه يجب استغراق الوقت بفعل الواجب- فهذا باطل بالإجماع.\nوإن عنيتم به: أن الفعل في كله وفي كل جزء منه واجب على البدل، فكل واحد منهما جهة في استيفاء المصلحة. وهو المذهب الذي ننصره.\nوإذا قررنا الكلام على هذا الوجه- لا نحتاج إلى القول بكون الفعل مسقطًا للفرض، وإلى القول بالتوقف في المفعول في أول الوقت، وإلى كون العزم بدلًا عن الفعل- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>٢٤ - باب في: الأمر الموقت بوقت، هل يدل على غيجاب الفعل فيما عدا الوقت أم لا</span>؟\nقال بعض أهل الأصول: إن الأمر الموقت بوقت لا يدل على غيجاب الفعل فيما عدا الوقت، سواء أطاع المكلف فيه أم عصى- وهو المختار. وهو اللائق بفروع أصحابنا، فإنهم وقفوا وجوب القضاء في الواجبات على أمر جديد.\nوقال بعضهم: إن يدل عليه، والقضاء يجب بالأمر السابق.\nوأصحاب الشافعي ﵀ ذكروا أن له قولين- أحدهما هذا، والثاني ما صرنا إليه.\nدليلنا في ذلك: أن الأمر بالفعل في وقت، لا يتناول الفعل، فيما عدا الوقت. فإن السيد إذا قال لعبده: \"صلِّ ركعتين يوم الجمعة هذا\"،","vol":"1","page":109},{"text":"لا يتعرض لما بعد الجمعة. وما لا يتناوله لا يدل على إثباته ونفيه. ولهذا لم يدل على استدعاء الفعل قبل الوقت، فصار نظير الأمر المقيد بالصفة: لا يتناول من لم يختص بتلك الصفة، فإن من قال لعبده: \"اضرب من كان في الدار\" لا يتناول من كان خارج الدار. وهذا الفقه، وهو أن وجوب الفعل يتبع اشتماله على وجه المصلحة، ولا يمنع أن يكون المصلحة في الفعل في هذا الوقت دون غيره، لأن المصالح تختلف باختلاف الأوقات، ولهذا اختصت الصلوات الخمس بأوقاتها وصوم رمضان بشهر رمضان، حتى لا يجوز تقديمها على الوقت، وإذا لم يعرف كون الفعل مصلحة في الوقت الثاني، بالأمر الأول، لا يمكن إيجابه به.\nفإن قيل: ألسنا نعرف أن الله تعالى لو أمرنا بالتصدق بأيماننا، يجب علينا التصدق بشمائلنا إذا تعذَّر علينا التصدق بأيماننا- قلنا: لا نعرف ذلك إلا إذا دلَّ الدليل أن الغرض إيصال النفع إلى الفقير فقط، فنعرف جواز التصدق باليسرى بهذا الاعتبار، لا بالأمر.\nوأما المخالف- فقد ذهب في ذلك إلى أن الأمر بالفعل في وقت أفاد شغل الذمة بالواجب، ففراغها بعد ذلك إنما يكون لحد أمرين: إما أداء الواجب، أو إسقاط من له الحق، وذهاب الوقت ليس من أحدهما من شيء، ولأن الفعل إذا وجب في وقت وامتنع العبد عن أدائه بقى في عهدة الواجب، فيحتاج إلى فعل آخر يخرجه عن العهدة، وذلك بالفعل فيما بعد الوقت.\nوالجواب:\n- أما الأول- قلنا: الأمر أفاد شغل الذمة بالواجب موقتًا إلى انتهاء الوقت، فإذا انتهى الوقت، فات الواجب، وبقي الاثم بالعصيان.\n- وأما الثاني- قلنا: إنما يخرجه عن العهدة بفعل يقوم مقامه في المصلحة الداعية إلى الإيجاب، والأمر لا يدل على كون الفعل بهذه الصفة بعد الوقت. على أن هذا إثبات موجب الأمر بالحاجة والقياس، وذا لا يجوز.","vol":"1","page":110},{"text":"فإن قيل: إذا دل الدليل على إيجاب مثل ما أمر به الوقت- أيكون قضاء أم لا؟ قلنا: نعم إذا وجدت فيه شرائط القضاء:\n- منها- أن يكون القضاء مثل ما فاته، ولهذا لا يكون بالصلاة قضاء عن الصوم ولا على [القُرَب].\n- ومنها- أن يكون المقضي مأمورًا به- إذ لو لم يكن مأمورًا به [و] واجبًا، كان إيجابًا مبتدأ لا قضاء عنه.\n- ومنها- أن يكون سبب وجوب القضاء فوات ما أمر به، فإن من فاته صوم يوم من رمضان فأدرك عدة من الأيام ولم يقض، ثم قضى، يكون قضاء عما فاته في رمضان، لا عما فاته في أيام أخر.\n- ومنها- أن يكون القضاء مأمورًا به، لأنه إذا لم يكن مأمورًا به، بل [كان] نفلًا، فإذا فعله لا يكون قضاء عن شيء.\nفإذا وجدت هذه الشرائط يكون قضاء، وإلا فلا- والله أعلم.","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>٢٥ - باب في: أن الآمر هل يدخل تحت الأمر أم لا</span>؟:\nاعلم بأن المخاطِب بالفعل لا يخلو: إما أن يكون آمرًا بنفسه، أو ناقلًا الأمر عن غيره:\n(أ) فإن كان ناقلًا عن غيره- نظر في الخطاب:\nإن كان الخطاب يتناوله- يدخل تحت الأمر.\nوإن كان لا يتناوله- لا يدخل تحته.\nمثال الأول- قول الواحد لجماعة: \"إن فلانًا يأمرنا بكذا\"- يدخل هو في الخطاب، لأنه تناوله.\nومثال الثاني- أن يقول \"إن فلانًا يأمركم بكذا\"- لا يدخل هو تحت الأمر، لأن الخطاب لم يتناوله، إلا إذا نقل خطاب الله وخطاب الرسول، فحينئذ يدخل هو تحت الأمر، لأن الأصل أن خطاب الشرع يتناول كل مكلَّف، إلا ما استثنى بدليل.\n(ب) وإن أمره بنفسه- بأن يقول: \"افعلوا\" لا يدخل هو تحت المر، لأن فائدة الأمر الاتفاق على إيجاب ما تناوله الأمر، وإرادة المأمور به كما قاله البعض، وهذا حاصل له قبل الأمر، فلا يتحقق فائدة الأمر.\nفإن قيل: لو قال قائل لنفسه \"افعلي\"، وأراد الفعل، أيكون ذلك أمرًا أم لا؟ - قلنا: لا، لأن من شرائط الأمر: علو رتبة القائل على رتبة المقول له، وكونه استدعاء للفعل- وهذا لا يتصور في هذه الصورة.\nفإن قيل: أليس أن المخبِر يدخل تحت الخبر؟ قلنا: إن عنيتم أنه يخبر عن نفسه، فهو جائز، لأن الإنسان قد يتعلق غرضه بالإخبار عن حال نفسه، كما يتعلق غرضه بالإخبار عن حال غيره. وإن عنيتم به أنه مخبر لنفسه، فهذا غير جائز، لأن الإنسان لا يخفى عليه حال نفسه، فلا يستفيد بهذا الإخبار شيئًا.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>٢٦ - باب في: الأوامر الواردة من النبي ﵇: هل هي متوجهة إلى من نشأ بعده من أهل الخطاب أم لا</span>؟:\nذهب بعضهم إلى أنها لم تتوجه إليهم أصلًا، وإنما أمروا بأمثالها.\nوذهب بعضهم إلى أنها متوجهة إليهم يومئذ والآن.\nوذهب بعضهم إلى أنها تتوجه إليهم حال وجودهم واستكمال حالهم- وهو المختار على التفسير الصحيح.\n- فمن قال بعدم توجهها إليهم اصلًا قال بأن وجود المخاطب، وكونه عاقلًا يفهم الخطاب- شرط، وهؤلاء لم يكونوا موجودين حالة الخطاب.\n- ومن قال يتوجهها إليهم يومئذ والآن، قال: إن فهم بعض المخاطبين يكفي، وقد وجد.\nونحن نكشف الغطاء عن وجه الكلام- فنقول:\n* إن عني، بكونها متوجهة إلينا: أنها دلت على إرادة الإيجاب وطلب الفعل منا عند وجودنا واستكمال حالنا، فهذا مما لا امتناع فيه، بل هو ثابت قطعًا، لأنا نعلم باضطراد أن أوامر الله تعالى وأوامر الرسول دالة على وجوب الشرائع على كل من يوجد من الأمة ويصير بصفة المكلفين.\n* وإن عني به: أنها وقعت خطابًا شفاهًا، فالكلام فيه على التفصيل، فنقول:\n- في أوامر الله تعالى: إنها وقعت خطابًا لنا، لكن لا في زمان النبي ﵇، بل عند وجودنا واستكمال حالنا، ولا امتناع في ذلك [إذ] أن صحة الخطاب يعتمد وجود المخاطِب والمخاطَب، والله تعالى موجود","vol":"1","page":113},{"text":"لم يزل ولا يزال، ونحن موجودون الآن، وكلام الله تعالى أزلى لا يقبل العدم، فكان خطابًا لأهل كل عصر عند وجودهم واستكمال حالهم، والتغيير في المخاطَب، لا في المخاطِب والخطاب، وكل واحد منا مأمور بأوامر الله تعالى مخاطبًا بخطابه.\n- فأما أوامر النبي ﵇: [فـ] متوجهة إلينا حال وجودنا، بالمعنى الأول، لا بالمعنى الثاني، لأنا لم نكن عقلاء حال وجودنا وحالة الخطاب، فالنبي ﵇ ليس في عالمنا، فلا يتصور منه خطابنا وأمرنا مشافهة، فصار كل واحد منا مأمورًا بأمر النبي ﵇ بنقل نَقَلة الشرع أوامره إلينا، ولم نصر مخاطبين من جهته مشافهة- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>٢٧ - باب في: أمر المعدوم:</span>\nجوَّزه قوم.\nوأنكره آخرون.\nونحن نقول: الكلام فيه على التفصيل الذي مرَّ في المسألة المتقدمة:\n- إن عني به كون الأمر دلالة على وجوب الفعل وطلبه من الشخص الذي يوجد ويستكمل شرائط التكليف- فهو جائز، وثابت.","vol":"1","page":114},{"text":"- وإن عنى به المشافهة في الخطاب والكلام، وهو محال إلا في أوامر الله تعالى- فإنه يصح أن يقال: هو خطاب لكل مكلف حال وجوده، على ما مرَّ.\nفإن قيل: إذا وقع دلالة على الإيجاب حال وجوده، هل يسمى ذلك آمرًا، وهل يسمى المكلف مأمورًا؟ - قلنا: تكلموا فيه. والصحيح أنه يسمى: فإنه يصح أن يقال فيمن أوصى لأولاده بالتصدق بماله: إنه أمر أولاده بكذا، وإن كان بعض أولاده بعد مُجننًا أو معدومًا. وإذا وجدوا ونفَّذوا وصيته يقال:\nأطاعوه وامتثلوا أمره، مع أن الآمر معدوم حال تنفيذ الوصية. وكذلك نحن الآن: بطاعتنا ممتثلون أمر الرسول ﷺ، وهو معدوم عن عالمنا- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>٢٨ - باب في: الأمر بالموجود:</span>\nجوَّزه قوم.\nوأنكره آخرون.\nونحن نكشف الغطاء عن وجه الكلام، فنقول:\n- إن عَنى به كون الأمر دلالة على طلب عين الفعل الموجود وإيجابه- فهو محال، لأن ما قد وجد لا يتصور إيجاده وطلب تحصيله.\n- وإن عَنى به كونه دلالة على إيجاب أمثاله وطلبها في المستقبل فهذا مما لا امتناع فيه.\nفإن قيل عمَّا هو موجود حالة الأمر: يتصور إيجاده بطريق الإعادة بعد عدمه، فيكون الأمر بإعادته أمرًا بعين الموجود- قلنا: هذا بناء على جواز","vol":"1","page":115},{"text":"الإعادة في أفعال العباد، وقد عرف أن شيئًا من الأعراض وما لا يجوز عليه البقاء، لا يجوز عليه الإعادة، لا سيما أفعال العباد التي تختص بالأوقات، وما يوجد منها في وقت لا يتصور وجوده في وقت آخر. ولو جاز ذلك، فالأمر بالإعادة أمر بتحصيله بعد انعدامه، وهذا مما لا خلاف في جوازه.\nفإن قيل: أليس أن الكافر منهي عن كفره الموجود، فإذا جاز النهي عن الموجود جاز الأمر بالموجود -قلنا: معنى قولنا إنه منهي عن الكفر أنه منهي عن الدوام عليه وتحصيل أمثاله، لا أنه منهي عن الموجود في الحال. إلا أنا لا ننفي عنه النهي احترازًا عن إيهام إطلاق الكفر- دل عليه أن الأمر لا يتعلق بالماضي ولا بالباقي وما لا يصح حدوثه، فكان شرط صحة الأمر جواز حدوث الفعل، وذلك يكون قبل وجوده، لا بعد وجوده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>٢٩ - باب في: الأمر بالأمر بالشيء، هل يكون أمرًا بذلك الشيء أم لا</span>؟\nذهب بعضهم إلى أنه أمر به.\nوعندنا: ليس بأمر به.\nصورة ذلك قوله تعالى لنبيه ﵇: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ - المراد منه الطلب والأمر بالأداء، لا حقيقة الأخذ، فكان أمرًا بالأداء، وهذا ليس بأمر الأداء من الله تعالى، ولا يجب الأداء بمجرده، لكن بدلالة أخرى، وهو أن أمر النبي ﵇ واجب الطاعة، والإذن بترك ما أمر به إخلال بغرض الرسالة، فهذا هو الموجب لفعل ما أمر به، لا ذات الأمر بالأمر. وفي الجملة: كما أن أمر زيد بضرب عمرو لا يطلب من عمرو شيئًا، فكذلك أمر زيد بأمر عمرو لا يطلب من عمرو شيئًا.","vol":"1","page":116},{"text":"ودليلنا في ذلك أن هذه الأوامر تثبت على المصالح، ولا يمتنع تعلق المصالح بالأمر بالشيء على وجه يظهر أثر الأمر في المأمور بالأمر، ولا يتعلق ذلك بالمأمور بالأمر الثاني. وإذا جاز ذلك، لم يكن من موجبات الأمر الأول وضروراته وجوب الفعل على الثاني، بل ربما يتعلق المصلحة بأن يجب على الثاني الامتناع عن الفعل المأمور به، وهو كالسيد يقول لأحد عبيده: \"مر عبدي الآخر فلانًا بكذا\"، وغرضه اختبار حاله أو مصلحة أخرى تعلقت به. ثم يقول لعبده الآخر: فلان إذا أمرك بكذا فلا تطعه\"، وغرضه من ذلك اختبار حال العبد الثاني، أو مصلحة أخرى تعلقت بامتناعه عن الفعل- دل عليه قوله ﵇: \"مُروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعًا\" هذا ليس خطابًا من الشرع للصبيان بالصلاة، بل هو أمر للآباء بالأمر بها لمصلحة أخرى سوى وجوب الصلاة على الصبيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>٣٠ - باب في: الأمر المقيد بشرط زوال المنع:</span>\nجوَّزه قوم.\nوأنكره آخرون.\nوالمختار في ذلك تفصيل نذكره:\nصورة المسألة- أن يأمر الله تعالى من لا يتمكن من الفعل، بشرط أن يتمكن منه، والمعلوم عند الله تعالى أنه لا يتمكن منه.\nفمن ذهب إلى جوازه قال: إنه يجوز أن يأمر الله تعالى العبد بالفعل، مع علمه أنه لا يفعل قطعًا، وأثر المانع ليس إلا في انعدام الفعل.","vol":"1","page":117},{"text":"ومن أنكر ذلك قال: إن فائدة الأمر وجوب المأمور به، وصيرورته بحال: لو أقدم عليه يُثاب، ولو تركه يُعاقب. وهذا لا يحصل مع المنع.\nونحن نقول- الأمر فيه على التفصيل.\nإما أن يراد بهذا الأمر حقيقة الأمر المقتضي للوجوب والطلب، أو يراد به التكلم بهذه الصيغة، لا لإرادة الإيجاب والطلب، بل لغرض آخر وفائدة أخرى:\n- فالأول- لا يجوز أن يريد الله تعالى بالأمر الإيجاب والطلب، مع علمه أنه لا يتمكن منه، لأنه يصير مريدًا للشيء مع علمه أنه لا يحصل قطعًا، لأن إرادة الإيجاب إرادة كون الفعل بحال لو أخلَّ به يعاقب، مع أنه لا يصير الفعل بهذه الصفة، وهذا لا يجوز ممن يعلم بعواقب الأمور، بخلاف الواحد منا: فإنه لا يعلم أن المنع يزول أم لا.\nوهذا بخلاف مَنْ أمر [هـ] الله [تعالى] بالفعل، ويعلم أنه لا يفعل مع التمكن منه، لأن ثبوت هذه الحالة للفعل يقف على التمكن من الفعل، لا على وجود الفعل. فإذا تمكن من الفعل، تحصل بإرادة الله تعالى من كون الفعل بهذه الصفة، وإن كان يعلم أنه لا يوجد، إلا أن يقول قائل: جاز أن يريد الله تعالى ما علم أنه لا يوجد، كما أراد الإيمان من الكفار مع علمه أنهم لا يؤمنون، وهذا خلاف المذهب السديد، وقد عرف في موضعه.","vol":"1","page":118},{"text":"- وأما الثاني- قلنا: يجوز أن يأمر الله تعالى على هذا الوجه ويريد الصيغة غير الإيجاب والطلب. ولا يلزم من ذلك الإغراء بالجهل، لأنه لم يأمره به مطلقًا، بل قيده بشرط زوال المانع، فالمكلف يعتقد الوجوب بشرط أن يزول المانع، وإذا لم يزل المانع يعتقد أنه ما أراد به الإيجاب.\nفإن قيل: إذا لم يرد به الإيجاب فما الذي أراده؟ وما فائدة هذا الأمر مع علمه تعالى أنه لا يتصل به الوجوب؟ - قلنا: فيه فائدة، وهو اختبار حال المكلف: أنهي قبل الأمر، على تقدير زوال المانع، والعزم عليه والاعتقاد لوجوبه إن قدر عليه، وفيه فوائد أخر- وهذا القدر كاف. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>٣١ - باب في: أمر المتمكن من الفعل، القادر عليه في الحال، والمعلوم عند الله تعالى: أنه لو أراد الفعل يُخرم:</span>\nجوَّزه قوم.\nوأنكره آخرون.\nوالكلام في هذه المسألة على التفصيل الذي مرَّ في المسألة المتقدمة:\n- إن أراد به أمر إيجاب حقيقة، فمحال، لما مرَّ من لزوم عدم المراد.\n- وإن أراد به غير الإيجاب، وتبين ذلك من بعد هذا، فلا استحالة فيه لما مرَّ.\nفإن قيل: إذا كان ظاهر الأمر يقتضي الإيجاب، والمكلف لا يعلم أنه يُخرم","vol":"1","page":119},{"text":"عند الفعل، [فإنه] يعتقد الإيجاب. فإذا لم يرد الإيجاب [فإنه] يؤدي إلى الإغراء بالجهل- قلنا: المكلَّف لا يجوز له أن يعتقد ذلك قطعًا لا محالة، بل إنما يعتقد ذلك بشرط أن يبقى متمكنًا إلى آخر وقت الفعل، فلا يؤدي إلى ما ذكرتم. ولهذا قلنا: إن المأمور بالأمر المطلق لا يعلم كونه مأمورًا قطعًا إلا عند التمكن من الفعل، خلافًا لبعض الناس- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>٣٢ - باب في: الأمر المقيد بالشرط وغيره- هل يدل على أن الحكم فيما عداه بخلاف أم لا</span>؟:\nاعلم أن هنا ستة فصول وهي: التقييد بالشرط، والتقييد بالغاية، والتقييد بالعدد، والتقييد بالاسم، والتقييد بالصفة، والتقييد بكلمة \"إنما\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>أما الأول: [التقييد بالشرط]</span>\nفالأمر، وغيره من الخطابات، إذا قيد بالشرط [فإنه] يدل على أن الحكم فيما عداه بخلافه.\nولو علمنا ثبوت الحكم فيما عداه، على كل حال، مع فقد الشرط، علمنا أن ذلك ليس بشرط، ولكنه قد يجوِّزونه.\nوحكى هذا المذهب عن الشيخ أبي الحسن الكرخي ﵀: فإنه منع جواز القضاء بشاهد، لن الشاهد الثاني شرط.","vol":"1","page":120},{"text":"وذهب بعض الناس إلى أنه لا يدل على ذلك.\nدليلنا في ذلك:\n- أن قول القائل لغيره: \"ادخل الدار إن دخلها عمرو\" معناه: شرط دخولك الدار دخول عمرو الدار، لأن كلمة \"إن\" موضوعة للشرط. ولو قال ذلك، علمنا أنه لم يجب عليه الدخول مع فقد دخول عمرو الدار- كذا هذا. وتحقيقه هو أن المفهوم من الشرط هو ما يتوقف الحكم على وجوده. فلو ثبت الحكم مع فقده على كل حال، لجاز أن يجعل كل شيء شرطًا في كل شيء، حتى جاز أن يكون دخول زيد الدار شرطًا لكون السماء فوقنا، مع أنه موجود قبله، وذا لا يجوز.\nفإن قيل: قول القائل: \"ادخل الدار إن دخلها عمرو\" تقديره: دخولعمرو شرط دخولك، لا أن: شرط دخولك دخول عمرو، وفرق بين الكلامين: فقولنا \"شرط دخولك دخول عمرو\" يفيد أن لا شرط سواه كقول القائل: \"مفتي البلدة فلان\" هذا ينفي كون غيره مفتي البلدة، وقولنا: \"دخول عمرو شرط دخولك\" يفيد أنه شرط، ولا ينفي كون غيره شرطًا، كقول القائل: \"فلان مفتي هذه البلدة\" لا ينفي كون غيره مفتي هذه البلدة، فإذا كان كذلك، لا ينفي الحكم عند فقده- دلَّ عليه أن قول القائل لامرأته: \"إن دخلت الدار فأنت طالق\" هذا لا ينفي الطلاق قبل دخول الدار، حتى لو نجَّز الطلاق أو علق بشرط آخر لا يكون تناقضًا منه، ولو كان نافيًا للحكم قبله لكان تناقضًا، كما لو صرح بالنفي عند فقد الشرط- قلنا: لا فرق","vol":"1","page":121},{"text":"بين تقديم لفظ الشرط وتأخيره في توقيف الحكم على ما جعل شرطًا له، فقولنا: \"شرط دخولك الدار دخول عمرو\" كما اقتضى توقيف دخوله على دخول عمرو، وكذا قولنا: \"دخول عمرو شرط دخولك الدار\" يقتضي ذلك أيضًا إذا كان هو الشرط، إلا أن اللفظ الأول يقتضي تعينه شرطًا، واللفظ الثاني لا يقتضي تعينه شرطًا. أما على تقدير كونه شرطًا، دون غيره، فالحكم انتفاء الحكم عند فقده على ما مرَّ. وعندنا تعليقه الحكم بالشرط ينفي الحكم عند فقده إن كان هو الشرط، أما أنه لا ينفي اشتراط شرط آخر، وتعلق الحكم بهما جميعًا، أو بكل واحد منهما، ويقوم الشرط الثاني مقام الأول، فيقف الحكم عليهما، أو على كل واحد منهما، على البدل- على ما نذكره.\nوأما إذا علَّق الطلاق بالدخول ثم نجز: [فـ] إن كان المنجز واحدة أو اثنتين، بقي التعليق والحكم المعلق به، والمنجز غير المعلق، حتى لو تزوجها ودخلت الدار يقع الطلاق. وإن كان المنجز ثلاثًا: فعند الشافعي ﵀: كذلك المنجز غير المعلق، حتى بقي المعلق موقوفًا على دخول الدار، فإذا تزوجت بزوج آخر، وعادت إليه ودخلت الدار، يقع المعلق به. وعندنا: يبطل التعليق بتنجيز الطلاق الثلاث، ونعد ذلك نقضًا وفسخًا لذلك التعليق، ولهذا قلنا: التنجيز يبطل التعليق، نفيًا للمعلق، قبل الشرط من هذا الوجه.\n- دليل آخر- ما روى عن يعلي بن أمية أنه سأل عمر بن الخطاب ﵁ فقال: \"ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمِنَّا\"، فقال عمر ﵁: لقد تعجَّبتُ مثلما تعجبتَ، فسألتُ رسول الله ﷺ فقال: هذه صدقة تصدَّق","vol":"1","page":122},{"text":"الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته\". فلولا انهما عقلًا أن المفهوم من التعليق ما ذكرناه، لم يكن لتعجبهما معنى.\nفإن قيل: لا يمتنع أن يكون تعجبهما لما أنهما عقلا من الآيات الواردة في وجوب إتمامها، وأنَّ حال الخوف مستثناة عنها، فإذا زال الخوف بقي على الأصل- قلنا: الآيات الواردة في وجوب الصلاة لا تتعلق بالإتمام، ولا كان الأصل فيها الإتمام، لما رُوى عن عائشة ﵂ أنها قالت: \"الصلاة في الأصل ركعتان زيدت في الحضر، وأُقرت في السفر\"، وإذا بطل أن يكون الأصل في الصلاة الإتمام، لم يكن تعجبهما إلا لما ذكرنا.\nفإن قيل: لو كان التعليق بالشرط يمنع من ثبوت الحكم مع فقده، لما جاز القصر مع زوال الخوف، لأن القصر معلق به- يقول تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ - قلنا: ظاهر الشرط يمنع من ذلك، إلا أنه لا يمتنع قيام الدلالة على خلاف الظاهر، كما لا يمتنع قيام الدلالة على خلاف ظاهر العموم.\nوأما من ذهب إلى أنه لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه:\nاستدل بأن قال: يجوز أن يكون في التقييد فائدة أخرى غير نفي الحكم عما عداه، نحو أن يقول تعالى: \"ضحُّوا بالشاة إن كانت عوراء\" إذا كان في علم الله تعالى أنه لو أطلق الكلام لتوهَّم مُتوهِّم أن العوراء غير داخل تحت الأمر، فقيد الأمر به لإزالة الإيهام. وإذا جاز ذلك، فالتقييد بالشرط لا يدل","vol":"1","page":123},{"text":"على انتفاء الحكم عما عداه- دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَاءِ إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾: قيد النهي عن الإكراه على البِغاء بشرط إرادة التحصين، ثم حرمة الإكراه لا تتوقف على إرادة التحصين.\nوالجواب:\nإنا لا نقول إن انتفاء الحكم عما عداه من جهة أنه ليس في التقييد فائدة أخرى سوى انتفاء الحكم عما عداه، ليبطل كلامنا بإبرازه فائدة أخرى، بل نقول بانتفائه من جهة اللفظ، لأن كلمة \"إن\" جارية مجرى قول القائل: \"الشرط في الحكم كذا وكذا\" والمفهوم من الشرط توقيف الحكم على وجوده، فلو ثبت الحكم مع فقده، لم يكن الحكم موقوفًا عليه وبطل كونه شرطًا.\nوأما قوله: إن الله تعالى قيد الإكراه على البغاء بشرط إرادة التحصين- قلنا: لا نقول إن أرادة التحصين شرط إلا أن الله تعالى ذكره، لأن الإكراه في العادة عند إرادة التحصين، فكما تخصص الإكراه على البغاء عند إرادة التحصين، خصَّ الله تعالى النهي عنه به، فثبت أن تقييد الحكم بالشرط ينفي الحكم عما عداه، لكنه لا يمنع كون غيره شرطًا، ولا غقامة شرط آخر مقامة. وكون الشرط نافيًا للمشروط بدونه وعند فقد غيره، وكونه نافيًا لكون غيره شرطًا- غير. فلو دلَّ الدليل على ثبوت شرط ثانٍ، علمنا بانتفاء الحكم مع فقدهما، وإذا لم يدل الدليل على ذلك وقطعنا أنه لا شرط إلا الأول، قضينا بانتفاء الحكم مع فقده.\nوإنما قلنا: إنه لا يمنع من إقامة شرط آخر مقامه، لأنه ليس في اللفظ ذكر نفي شرط آخر، فإن قوله: \"أعط زيدًا درهمًا إن دخل الدار\" ليس في اللفظ","vol":"1","page":124},{"text":"ذكر نفي شرط آخر، وما لا ذكر له في اللفظ لا يتعرض له الكلام، لا ينفي ولا بإثبات.\nفإن قيل: الشرط مانع من ثبوت الحكم مع فقده، وإذا ثبت شرط ثانٍ يثبت الحكم مع وجوده عند فقد الأول، فلو كان الشرط مانعًا ثبوت الحكم مع فقده، لوجب أن يكون مانعًا من ثبوت ما يؤدى إلى ثبوت الحكم مع فقده- قلنا: الشرط مانع ثبوت الحكم مع فقده إذا كان هو الشرط وحده، أما إذا كان معه شرط آخر على الجمع، فقضيته انتفاء الحكم عند فقد كل واحد منهما، فتقرر كون كل واحد منهما شرطًا، ولا يثبت الحكم مع فقده أصلًا، ولو كان معه شرط آخر على البدل، فقضيته انتفاء الحكم عند فقدهما، وثبوت الحكم عند كل واحد منهما، فثبت أنه لا مناقضة بين قولنا الشرط مانع من ثبوت الحكم عند فقده وبين إقامة شرط آخر مقامه- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>وأما الفصل الثاني: [التقييد بالغاية]</span>\nاعلم أن الأمر المقيد بالغاية يدل على أن الحكم، فيما عدا الغاية، بخلافه. لأن الغاية ما يكون منهيًا للحكم الممدود إليه، وإذا انتهى الحكم الممدود إليه من كل وجه، ثبت خلافه ضرورة. لأنه لو كان الحكم الأول ثابتًا أو كان احتماله ثابتًا، لو قلنا بالتوقف، فلا يتحقق انتهاء الحكم مطلقًا، فيبطل كونه غاية- دل عليه أن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ معناه: صوموا صومًا غايته ونهايته الليل، لأن كلمة \"إلى\" موضوعة للغاية، ولو نص على ذلك علمنا أنه لا يجب الصوم بعد مجئ الليل، إذ لو وجب لخرج الليل من أن يكون غاية، ودخل في كونه وسطًا، إلا أنه لا يمنع قيام الدلالة على خلاف ظاهر الغاية، فيقتضي وجوب صيام قطعة من الليل، ويدلنا ذلك على أن الله تعالى إنما سمَّاه غاية مجازًا، لكونه قريبًا من الغاية. هـ.","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>وأما الفصل الثالث: [التقييد بالعدد]</span>\nاعلم أن الأمر المقيد بالعدد، نحو حد القذف بالثمانين وحد الزنا بالمائة، لا يدل على أن الحكم فيما عداه بخلافه- وهذا عند أكثر الناس.\nوذهب بعضهم على أنه يدل على ذلك.\nواستدلوا في ذلك بأنه: لو كان الحكم فيما عدا المذكور ثابًا موافقًا للحكم في المذكور، لم يكن للتقييد بالعدد معنى وفائدة. ولأن التقييد بالعدد تقدير للحكم بهذا المقدار، فلو ثبت الحكم فيما زاد عليه لبطل التقدير- دلَّ عليه أن النبي ﵇ عقل من قوله تعالى: ﴿إن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ أن الحكم فيما عدا السبعين بخلافه، حتى قال: \"لأزيدنَّ على السبعين\". وكذا الأُمَّةُ: علمت ظر جلد الزاني فيما زاد على المائة حتى حكموا به.\nوجه ما ذهب إليه الأكثرون-[الأول]: أنه يجوز أن يكون الحكم فيما زاد على العدد المذكور ثابتًا على موافقة المذكور في العدد، والتقييد بالعدد لفائدة أخرى، وراء انتفاء الحكم عما عداه. وإذا جاز ذلك لم يدل التقييد بالعدد إليه. وفي هذا جواب عن كلامه الأول. والثاني- أن ثبوت الحكم فيما زاد على العدد والمقدار منه، والتخصيص لفائدة أخرى.","vol":"1","page":126},{"text":"وأما قوله بأن النبي ﵇ علم من الآية ذلك- قلنا: إنما علم ذلك بالبقاء على حكم الأصل، لا بتخصيص السبعين بالذكر، لأن الأصل جواز العفو والغفران، إلا أن المنع من ذلك يتقيد بالسبعين، فما زاد عليه، [بقى] على حكم الأصل. وكذا الأمَّة: إنما علمت حظْر الجلد بالبقاء على حكم الأصل، لأن الأصل حظر الجلد، إلا أن الإباحة ثبتت مقيدة بالمائة، على ما مرَّ.\nهذا هو تقرير المذهبين.\nوإنا نقول: يجب أن ننظر إلى الحكم المقيد بالعدد: هل يدل على الحكم فيما زاد على العدد المذكور، و[فيما] نقص عنه- ففيه تفصيل:\n[فيما زاد]:\nإن كان الحكم في المذكور نفيًا: [فإنه] لا يدل على انتفاء الحكم عما زاد عليه، بل يدل على ثبوته فيه، نحو قوله ﵇: \"إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل خَبَثًا\": نفى احتمال الخَبَث عن القلتين، وهذا يوجب نفي احتمال الخبث عما زاد على القلتين، لأن القلتين موجودتان في الثلاث وزيادة. ولو حظر علينا جلد الزاني مائة، كان ذلك دليلًا على حظر ما زاد على المائة، لأن المائة موجودة في المائتين وزيادة.\nولو كان الحكم [إيجابًا أو] إباحة، بأن أوجب علينا جلد الزاني مائة أو أباح ذلك، [فإنه] لا يدل على وجوب ما زاد على المائة، [أ] وإباحته، لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى:","vol":"1","page":127},{"text":"أما من جهة اللفظ -فلأنه لا ذكر [فيه] لما زاد على العدد المذكور.\nوكذا من حيث المعني- لأن إيجاب الأدنى [أ] وإباحته، لا يدل على إيجاب الأعلى [أ] وإباحته.\n[فيما نقص]:\nوأما دلالته على حكم ما نقص عنه:\n[فـ] إن كان الحكم المقيد به إيجابًا [فإنه] يدل على إيجاب ما دونه، ويمتنع الاقتصار عليه- نحو: أن وجب علينا جلد الزاني مائة: يدل على إيجاب خمسين، ويمتنع الاقتصار عليه، لأن الأمر يتناول استكمال العدد، والاقتصار عليه يخل باستكمال العدد.\nوإن كان المعلق إباحة: [فإنه] يدل على إباحة ما دونه مما يدخل فيه، ولا يدل على إباحة منا دونه مما لم يدخل تحته- مثاله: إذا أباح جلد الزاني مائة: [فإنه] يدل على إباحة [جلده] ما دونه لأنه دخل تحته. ومثال آخر: إذا أباح لنا استعمال قلتين إذا وقعت فيهما النجاسة: يدل على إباحة استعمال قلة واحدة من هاتين القلتين. ومثال الثاني: إذا أباح لنا استعمال قلتين إذا وقعت فيهما النجاسة بأعيانهما، [فـ] لا يدل على استعمال قلة واحدة وقعت فيها النجاسة، وهي ليست من هاتين القلتين.","vol":"1","page":128},{"text":"وإن كان المعلق به حظرًا: [فـ] لا يدل على حظر ما دونه إلا بطريق الأولى، نحو: إن حظر علينا استعمال قلتين يهما النجاسة: [فـ] لا يدل على حظر استعمال قلة واحدة إلا بطريق الأولى. ولو حظر علينا جلد الزاني مائة: [فـ] لا يدل على حظر خمسين [ولا] على إباحته، بل الأمر فيه موقوف على قيام الدليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>وأما الفصل الرابع: [التقييد بالاسم]</span>\nاعلم بأن الأمر [أ] والخبر المعلق بالاسم، لا يدل على ثبوت الحكم فيما عداه، ولا انتفائه عما عداه، نحو أن يقول قائل: \"زيد في الدار\"- فهذا لا يدل على أن عمرًا ليس في الدار، ولا على أنه فيها.\nوكذلك: لو أمر أحدهما بالقتل: لا يدل على انتفاء الوجوب عن الآخر.\nوذهب بعض الناس إلى أنه يدل على انتفاء الحكم عما عداه.\nواستدلوا في ذلك بأن قالوا: لو كان الحكم ثابتًا على العموم لذكره بلفظة تعم الكل. فلما ذكره باسم يخص البعض، عرفنا أن الحكم منتصف عما عداه- مثال: قوله: \"زكوا عن الغنم\" كان هذا دليلًا على انتفاء الزكاة عن سائر النعم، إذ لو كانت لازكاة واجبة في الغنم وسائر النعم لذكره بلفظة تعمُّ الكل.\nإلا أنا نقول بأن قول القائل: \"زيد آكل\" لا يدل على أن عمرًا غير آكل، إذ لو دل على ذلك لما حسن الإخبار به إلا بعد علمه بأن عمرًا غير آكل، لأن بدون العلم به يكون كاذبًا في خبره. أو لا يأمن كونه كاذبًا.","vol":"1","page":129},{"text":"وفي علمنا، باستحسان العقلاء، [أن] الإخبار عنه، من غير علم به، يدل على أنه لا يدل على ذلك- تحقيقه: إن قول القائل: \"زيد آكل\" لو دل على انتفاء الأكل عن غيره: إما أن يدل على ذلك بلفظه أو بمعناه: لا جائز أن يدل لفظه، لأنه ليس في اللفظ ذكر ما عداه. ولا يدل بمعناه أيضًا، لأن الإنسان قد يعلم بأنهما اشتركا في الفعل، ثم يجوز أن يكون له غرض في الإخبار عن أحدهما دون الآخر. وكذلك نعلم أن الفعل واجب عليهما، ثم يأمر أحدهما به، ويدل الآخر على الوجوب، في وقت آخر، بدليل آخر- فثبت أنه لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه من كلا الوجهين.\nوالجواب عما ذكروه- قلنا:\n- لو انتفى الحكم عن غير المذكور إنما ينتفي لفقد دلالة الوجوب في حقه، لا لتعلق الوجوب بالمذكور.\n- وكذلك الجواب عن كلامه الثاني: إن انتفاء الزكاة عن النَّعَم إنما كان لفقد دلالة الوجوب، لا لتعلق الوجوب بالغنم، لأنه لا يمتنع أن يكون الحكم ثابتًا في الغنم وسائر النَّعَم ثم تتعلق المصلحة في أن يبين حكم الغنم بهذا النص، ويبين حكم سائر النَّعَم بنص آخر، في زمان آخر. وإذا جاز ذلك، لم يكن التقييد بالغنم دليلًا على انتفاء الحكم عما عداه- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>وأما الفصل الخامس: [التقييد بالصفة]</span>\nفنقول:\nاختلف العلماء من الناس في الأمر المقيد بالصفة، نحو قوله ﵇: \"زكُّوا عن الغنم السَّائِمة\"- هل يدل على انتفاء الحكم عما عداه؟","vol":"1","page":130},{"text":"ذهب معظم أصحاب الشافعي ﵀، ومعظم المتكلمين إلى أنه يدل عليه.\nوذهب أصحابنا ومعظم المتكلمين إلى أنه لا يدل على ذلك.\nوقال بعضهم: إنه يدل على انتفاء الحكم عما عداه في حال، ولا يدل عليه في حال:\nأما الحالة التي يدل فيها على انتفاء الحكم عما عداه-[فـ] أمور ثلاثة:\nمنها- أن يكون الخطاب واردًا على سبيل البيان، كقوله: \"زكوا عن الغنم السائمة\".\nومنها- أن يكون واردًا على سبيل التعليم، كخبر التحالف حال قيام السلعة.","vol":"1","page":131},{"text":"ومنها- أن يكون ما عدا الصفة داخلًا تحت الصفة، نحو: جواز القضاء بالشاهدين: يمنع من جواز القضاء بالشاهد الواحد، لأنه داخل في الشاهدين.\nوفيما عدا هذه الوجوه، لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه.\nدليلنا في ذلك أنه لو دل على انتفاء الحكم عما عداه: [فـ] إما أن يدل بلفظه وصريحه، أو بمعناه وفائدته، وليس يدل عليه بكلا الوجهين، فإذن لا يدل عليه أصلًا.\nأما [أنه] لا يدل عليه بلفظه: [فـ] لأنه ليس في اللفظ ذكر لغيره، وما لا ذكر له في اللفظ، لا يتعرض له الكلام بنفي ولا إثبات. ولا يدل عليه بفائدته ومعناه أيضًا، لأن الذي يمكن أن يقال فيه: إن الحكم لو كان ثابتًا","vol":"1","page":132},{"text":"فيما عدا الصفة، لما تكلف لذكر اصفة، لأن التكلف لذكر الصفة- مع أن الحكم ثابت على سبيل العموم -تكلف بما لا فائدة فيه- وهذا باطل، لأنه يجوز أن يكون في التقييد فائدة وراء انتفاء الحكم عما عداه. وبيان تلك الفائدة:\nمنها- أنه لو أطلق الكلام لتوهم متوهم أن الصفة خارجة عن الأمر، فتقييده بالصفة لإزالة الإيهام، وليدل على ثبوت الحكم فيما عداه بطريق الأولى- نحو أن يقول الشارع: \"ضحوا بالشاة إن كانت عوراء\"، فتقييد الأمر- إذا كان في علمه أن لو أطلق الكلام إطلاقًا لتوهم متوهم أن العوراء خارجة عن هذا الأمر- فتقييد الأمر به لإزالة هذا الإيهام، وليدل على جواز الضحية بالشاة الصحيحة بطريق الأولى. وكذا قوله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ لا يمنع أن يعلم الله تعالى أنه لو أطلق الكلام إطلاقًا لتوهم متوهم أن القتل خشية الإملاء غير مراد، فيقيد الله تعالى النهي به لإزالة الإيهام.\nومنها- أنه لا يمتنع أن يكون البلوى واقعة بالصفة، فيبين حكم الصفة بالتنصيص عليه، وما عدا ذلك لا يشتبه، نحو قوله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾: كان لا يشتبه عليهم حرمة القتل، وإنما يشتبه عليهم القتل خشية الإملاق، فقيد الله ﷿ النهي به ليعلم أن الحكم ثابت على سبيل العموم.\nومنها- أنه لا يمتنع أن تكون المصلحة في أن يبين حكم الصفة بالتنصيص عليه، ويثبتها فيما عداه، بالقياس عليه. كما لا يمتنع أن تكون المصلحة في أن يبين حكم الربا في الأشياء الستة، بالتنصيص عليها، ويثبت الحكم فيما عداها بالقياس على ذلك.","vol":"1","page":133},{"text":"ومنها- أنه لا يمتنع أن تكون المصلحة في أن يبين حكم الصفة بهذا النص، وحكم ما عداها بنص آخر. كما لا يمتنع أن يكون الحكم تارة بخطاب وجيز، وتارة بخطاب طويل- مثال الأول: قوله: \"زكوا عن الغنم\"، ومثال الثاني: قوله: \"زكوا عن الغنم السائمة والمعلوفة\"، ولو اقتصر على قوله: \"زكوا عن الغنم\" كفاه. ومع هذا لا يمتنع ذلك- كذا هذا.\nومنها- أنه لا يمتنع أن تكون المصلحة في أن يبين [حكم] الصفة بالتنصيص عليه، ويتعبدنا فيما عدا ذلك، بالبقاء على حكم الأصل، بأن كان حكم الأصل موافقًا لحكم العقل، بأن يقول: \"لا تذبحوا الشاة السائمة\"، فإن حرمة الذبح أصل، فيبين حكم السائمة بالتنصيص عليه، وما عداها [يظل] باقيًا على حكم الأصل.\nوإذا كان في التقييم بالصفة فوائد، لم يدل على انتفاء الحكم عما عداه.\nفإن قيل: إن جاز ما ذكرتموه في تقييد الحكم بالصفة، وراء انتفاء الحكم عما عداه، لكن الظاهر من الفوائد انتفاء الحكم عما عداه، فصحَّ القول بانتفاء الحكم عما عداه بناء على هذا الظاهر- قلنا: ماذا عنيتم بقولكم: إن الظاهر انتفاء الحكم عما عداه؟ إن عنيتم أن المفهوم والمعقول من الفائدة ذلك، فغير مسلم، وهو موضع النزاع. وإن عنيتم به أن الأغلب والأعم من الفائدة،","vol":"1","page":134},{"text":"في تقييد الحكم بالصفة، انتفاء الحكم عما عداه، فهذا دعوى أيضًا، وما أنكرتم على من يقول إن الأمر على العكس، فصار حاصل سؤاله دعوى لا دليل عليه.\nوقد استدل على ذلك بأن تقييد الحكم بالصفة جارٍ مجرى تقييد الحكم بالاسم، ثم تقييد الحكم بالاسم لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه، فكذلك تقييد الحكم بالصفة.\nأما بيان أن تقييد الحكم بالاسم لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه-[فـ] ما ذكرنا في الفصل المتقدم.\nوأما بيان أن تقييد الحكم بالصفة جار مجرى تقييد الحكم بالاسم، فهو أن الاسم وإنما وضع ليمتاز به أحد المسميين عن الآخر، وكذلك الصفة: إنما تضاف إلى الموصوف عند وقوع الاشتراك، ليمتاز أحد المسميين عن الآخر، فإنك إذا قلت \"زيد\" يقع على الكوفي والبصري، فإذا أضفت الاسم إلى البصري [فإنه] يمتاز به، كما يمتاز باسم يختص به لا يشاركه فيه غيره. ثم تقييد الحكم بذلك الاسم، لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه، فكذلك تقييد الحكم بالصفة.\nإلا أن لقائل أن يقول: هذا باطل بالتقييد بالغاية، فإن الغاية تقتضي تمييز ما دخلت عليه من الزمان [وتجري مجرى اسم يختص بذلك الزمان]. ثم التقييد بالاسم، الموضوع لذلك الزمان، لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه، وتقييده بالغاية يدل على انتفاء الحكم عما عداه- فكذا هذا.\nثم نقول: ولم يجب، إذا جرت الصفة مجرى الاسم في التمييز، أن يجري مجراه في عموم الفائدة؟ ولم قلتم إن العلة، في أن تقييد الحكم بالاسم لا يدل على انتفاء","vol":"1","page":135},{"text":"الحكم عما عداه، ما ذكرتم، وما أنكرتم أن العلة فيه شيء آخر؟ فإن قال: إن العلة في التقييد بالاسم هو أنه ليس في اللفظ ذكر لما عدا المسمى، فكذا في الصفة: ليس لما عداها ذكر في اللفظ، فلا يكون دليلًا- قلنا: هذا، رجوع من الكلام الأول إلى دليل آخر.\nثم نقول: هذا يقتضي أن تقييد الحكم بالصفة لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه من جهة اللفظ. أما لا يقتضي أنه لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه من جهة الفائدة والمعنى.\nوأما المخالف فقد استدل في المسألة بأشياء:\nمنها- أن الخطاب المقيد بالصفة جارٍ مجرى الخطاب المقيد بالاستثناء. ثم الحكم المقيد بالاستثناء يدل على انتفاء الحكم عما عداه، فكذلك الحكم المقيد بالصفة.\nومنها- أن الأصل في خطاب الله تعالى أن يُحمل على ما تعممُّ فوائده، وفي جعل التخصيص بالذكر دليلٌ على نفي ما عداه تكثير لفوائده، فيجعل ذلك دليلًا عليه.\nومنها- أن الأمة عقلت وفهمت الأحكام من دلالة التخصيص، حتى رُوي أن الصحابة ﵃ قالوا: إن قوله ﵇: \"الماء من الماء\" منسوخ بقوله ﵇: \"إذا التقى الختانان وغابت الخشفة وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل\". فلولا أن قوله: \"الماء من الماء\" يقتضي نفي وجوب الغسل عما عداه، عندهم، لم يكن الحديث الثاني ناسخًا له.","vol":"1","page":136},{"text":"ومنها- استدلال أبي بكر ﵁ على نفي الإمامة عن الأنصار بقوله ﵇ \"الأئمة من قريش\"- فلولا أن هذا الحديث يقتضي نفي الإمامة عما عدا قريش، لما صح ذلك منه. وروى عن ابن عباس ﵄ نفي الربا [في] النقد بقوله ﵇ \"إنما الربا في النسيئة\"، فلولا أن تخصيص الربا بالنسيئة يدل على نفي الربا عما عداه، لما صح ذلك منه.\nوالجواب:\nأما الأول- قلنا: الحكم المقيد بالصفة جار مجرى الحكم بالاستثناء من جميع الوجوه، أو من وجه دون وجه؟\nالول ممنوع، والثاني مسلم. ونحن نقول بأنهما يجريان مجرى واحدًا: في أن كل واحد منهما يدل على ثبوت الحكم فيما تناوله، إلا أن الحكم المقيد بالاستثناء اختص بزيادة فائدة، وهي الدلالة على نفي الحكم عن المستثنى.\nوأما الثاني- قلنا: الحكم لا يجعل مدلولًا للفظ لتكثير الفوائد، وإنما يجعل مدلولًا إذا كان موضوعًا له، أو موضوعًا لشيء يدل عليه- ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾: هذا لا يجعل دليلًا على نفي قتل غير المشركين، لما أنه غير موضوع له، وإن كان فيه تكثير الفوائد.\nوأما الثالث والرابع- قلنا: قوله ﵇: \"الماء من الماء\" اقتضى أن يكون جميع الغسل في الإنزال، لأن الألف واللام للاستغراق، فاقتضى نفي","vol":"1","page":137},{"text":"وجوب الغسل في غيره، فالحديث الثاني إذا أوجب الغسل بالتقاء الختانين، فقد أثبت ما نفاه الأول، فكان ناسخًا له. وكذا قوله ﵇: \"الأئمة من قريش\" اقتضى أن يكون جميع الأئمة من قريش، ومتى اقتضى ذلك اقتضى نفي الإمامة عن غيرهم، فكذلك صح منه التعلق بهذا الحديث. وكذا قوله ﵇: \"الربا في النسيئة\" اقتضى جميع الربا في النسيئة فاقتضى نفيه عن غيرها. على أنه روى عن النبي ﵇ أنه قال: \"لا ماء إلا من الماء\" وهذا صريح في نفي الغسل بدون الإنزال. وكذا روى عنه أنه قال: \"لا ربا إلا النسيئة\" فلعل ابن عباس ﵄ إنما نفي الربا في النقد بهذا الحديث.\nأما الحكم المقيد بصفة -[فـ] لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه، لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى، فلا يجعل دليلًا عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>وأما الفصل السادس: [التقييد بكلمة: إنما]</span>\nالخطاب المقيد بكلمة \"إنما\" كقوله ﵇: \"إنما الأعمال بالنيات\" وقوله ﵇: \"إنما الشفعة فيما لم يقسم\" وقوله ﵇: \"إنما الولاء لمن أعتق\" و\"إنما الماء من الماء\" و\"إنما الربا في النسيئة\".\nقال بعضهم: يدل على انتفاء الحكم عما عداه، لأن المفهوم منه ذلك، ألا ترى أن من قال لغيره: \"هل في الدار غير زيد\"، فقيل له في الجواب: \"إنما في الدار زيد\": فهم أنه ليس في الدار غير زيد، من حيث العرف.\nوقال بعضهم: لا يدل على نفي الحكم عما عداه، إلا إذا اقترنت به قرينة السؤال وغيرها- والدلالة على ذلك أن كلمة \"إنما\" مركبة من \"إن\" و\"ما\"،","vol":"1","page":138},{"text":"ولو ذكر بكلمة \"إن\" مفردًا وقال: \"إن في الدار زيدًا\"، لا يدل على نفي غيره، فكذا إذا ركب معه غيره وهو كلمة \"ما\"، لأن كلمة \"ما\" دخلت صلة في الكلام، كما في \"إذا ما\" و\"متى ما\" و\"أينما\" أو يحتمل أن تكون صلة، فلا يدل على نفي الحكم عما عداه- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>٣٣ - باب في: الأمر الوارد عقيب أمر بحرف العطف وغيره:</span>\nاعلم أن من قال لغيره \"افعل\" ثم قال له \"افعل\"، لا يخلو: إما أن يتناول الأمر الثاني مثلما تناول الأمر الأول، أو تناول ما يخالف من تناوله الأمر الأول.\n- فإن تناول ما يخالف ما تناوله الأمر الأول، نحو أن قال \"تصدق\"، ثم قال \"صلَّ\"، فلا شبهة في أنه يفيد مأمورًا به آخر، سواء كان بحرف العطف أو لا بحرف العطف، لأنه لا يمكن صرفه إلى ما تناوله الأول لمخالفة بينهما.\n- فإن تناول مثلما تناوله الأول، بأن قال له \"تصدًّق\" ثم قال له \"تصدق\" فلا يخلو: إما إن ذكره بحرف عطف، أو بغير حرف عطف:\n(أ) - فإن لم يكن مذكورًا بحرف عطف، بأن قال له \"تصدق\" ثم قال له \"تصدق\":\nقال بعض المتكلمين: إنه يفيد مأمورًا به آخر، إلا أن يمنع من ذلك العادة، نحو إن قال \"اسقني\" ثم قال \"اسقني\": ينصرف إلى ما تناوله الأول، لأن العادة تمنع من تكرار السقي في حالة واحدة، فحمل على الأول. أو كان معرفًا بالألف واللام، نحو إن قال: \"صلِّ ركعتين- صلِّ الصلاة\"- لأن لام الجنس إذا دخل في الكلام ينصرف إلى المعهود السابق. أما إذا عرى عن هذين القسمين، [فـ] يفيد مأمورًا به آخر.","vol":"1","page":139},{"text":"وقال بعضهم: يحمل على الأول.\nوقال بعضهم بالتوقف فيه، وهو المختار.\nأما الأولون: [فقد] ذهبوا في ذلك إلى أن الأمر للوجوب، الوجوب، تقدمه أمر آخر أو لم يتقدمه.\n- لأن الصيغة لا تختلف، وإنما تفيد الوجوب إذا حمل على مأمور به آخر، أما إذا حمل على الأول، فلا يفيد الوجوب، لأن الأول أفاد الوجوب مرة، فلا يفيده الثاني.\n- ودليل آخر: أن الأصل في الألفاظ إذا تغايرت أن تتغاير معانيها، لنه لو لم تتغاير المعاني كان المراد بالكل واحدًا، وفي ذلك إخلاء بعض الألفاظ عن الفائدة. ولا يقال بأن الثاني لو حمل الأول يفيد فائدة، وهو التأكيد، وذا غير حاصل بالأول، فلم يكن في حمله على الأول إخلاؤه عن الفائدة، لأنا نقول: الأمر يقتضي إيجاب الفعل، وتأكيد إيجاب الفعل غير إيجاب الفعل، فكان حمل الأمر عليه حملًا له على خلاف ما يقتضيه.\nوأما من قال بأنه يحمل على الأول [فـ] نقول: إن تكرار الأمر يحتمل التأكيد، وهو شائع في اللغة: يقال \"عجل عجل- ارم ارم\"، ويحتمل مأمورًا به آخر، فيحمل على التأكيد، لأنه متيقن.","vol":"1","page":140},{"text":"وإنا نقول: الأمر يقتضي إيجاب الفعل مطلقًا، والحمل على مأمور به قولٌ بإيجاب الفعل، والحمل على المأمور به الأول قول بإيجاب الفعل به، لأن إفادة الأمر [هو] الوجوب، بمعنى كونه دلالة على الوجوب أو مقتضيًا للوجوب، لا بمعنى أنه يجعل المأمور به واجبًا، وكون الأمل دلالة على الوجوب ومقتضيًا له لا يمنع كون الثاني دلالة على الوجوب ومقتضيًا له، فإذا صح حمله على كل واحد منهما، ولا دليل يدل على تعيين أحدهما- فنتوقف فيه.\nوفي هذا جواب عما قالوه أولًا وثانيًا، لما مر: أن الحمل على الأول قول بتحدد فائدة اللفظ، لأن فائدة اللفظ وضعًا هو الوجوب، والحمل على مأمور آخر قول بتحدد فائدة اللفظ أيضًا، ولا دليل على تعيين أحدهما، لأن الأمر يقتضي إيجاب الفعل مطلقًا، وفي حمله على الأول تقييد بذلك، فيجب القول بالتوقف إلى أن يقول الدليل على المراد.\n(ب) - هذا كله إذا ذكر الأمر الثاني بغير حرف عطف. فلو ذكر معطوفًا على الأول غير معرف بالألف واللام، فلا شبهة أنه يفيد غير ما أفاده الأول، لأن ظاهر العطف يقتضي المغايرة. وإن كان معطوفًا على الأول معرفًا بالألف واللام، نحو أن قال: \"صلِّ غدًا ركعتين\" ثم قال: \"وصلِّ الصلاة\"، فهو على الوقف، لأنه لو حمله على الأول كان فيه عمل بظاهر لام الجنس وترك للعمل بظاهر العطف، ولو حمل على غير ما أريد بالأول، كان الأمر على العكس وليس أحدهما بالمصير إليه بأولى من الآخر، فنتوقف فيه.\n* * *","vol":"1","page":141},{"text":"هذا [كله] فيما إذا كان الفعل فيما يحتمل التزايد والتكرار، أما إذا كان لا يحتمل التزايد والتكرار بأن قال: \"اقتل زيدًا\" ثم قال: \"اقتل زيدًا\" أو قال: \"صم يوم الجمعة\" ثم قال: \"صم يوم الجمعة\"، يجعل الثاني تأكيدًا للأول كيفما كان، لأنه لا يمكن أن يراد بالثاني غير ما أريد بالأول.\n* * *\nوكذلك إذا ورد الأمران عامين بأن قال: \"اقتل كل إنسان\" أو قال: \"صم كل يوم\" ثم قال: [اقتل كل إنسان، أو قال:] \"صم كل يوم\" لما ذكرنا.\nوأما إذا ورد الأول عامًّا، والثاني خاصًّا، وهو معطوف عليه، بأن قال: \"صم كل يوم وصم يوم الجمعة\":\nذهب بعضهم إلى أن يوم الجمعة غير راد بالأول لظاهر العطف.\nوالصحيح أنه على التوقف، لأنه ليس بأن يترك ظاهر العموم بأولى من أن يترك ظاهر العطف، فتعين القول فيه بالتوقف.\nوإن كان الأول عامًّا، والثاني خاصًّا غير معطوف عليه، يجعل الثاني تأكيدًا للأول، لأن الأول أوجب الاستغراق بلا معارضة، فلم يبق شيء من ذلك الجنس يراد بالثاني، فيجعل تأكيدًا له ضرورة.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>٣٤ - باب في: كيفية إيجاب الأمر فروض الكفايات:</span>\nاعلم أن الأمر إذا تناول جماعة:\n- فإما أن يقتضي وجوب الفعل على كل واحد منهم على الجمع، والمصلحة المطلوبة من فعل كل واحد منهم لا يحصل بفعل غيره، وهذا يسمى واجبًا على سبيل التعيين، كالإيمان بالله ﷿ والصلوات المفروضة، ونحو ذلك.\n- أو يقتضي الوجوب لا على سبيل الجمع، والمصلحة المطلوبة منه تحصل بفعل البعض، وهذا يسمى واجبًا على سبيل الكفاية، كالجهاد وصلاة الجنازة، وغير ذلك.\nواختلفوا: أن الواجب على سبيل الكفاية على هذا الوجه- هل هو واجب على الكل، أو على البعض؟\nقال بعضهم: هو واجب على جماعة، بغير عينها.\nوقال بعضهم: هو واجب على كل من قام به وبادر إليه، ويتبين أنه المراد بالإيجاب.\nوالصحيح أنه واجب على الكل، لأن الإيجاب تناول الكل، إلا أنه إذا قام به البعض سقط عن الباقين، لحصول المقصود به.\nأما القول الأول- فباطل، لأن المكلَّف بالفعل لا بد أن يكون عالمًا بوجوب الفعل عليه، أما إيجاب الفعل على فاعل غير معين، [فـ] غير معقول.\nوكذا القول الثاني- لأنه يقتضي أنه لو لم يقم به أحد، لا يكون واجبًا على أحد، وأن يكون لفعل المكلَّف تأثير في كونه مأمورًا بذلك الفعل، وهو باطل.\nفكان الصحيح هو القول الثالث.","vol":"1","page":143},{"text":"ويجوز أن يكون الفعل واجبًا في نفسه، ثم يسقط لحصول المقصود والمطلوب منه، كما في الكفارات الثلاث على ما مرَّ.\nوإذا ثبت هذا- نقول:\nحكم الواجب:\nأن الكل لو قاموا به صار كل واحد منهم مقيمًا للواجب، وينال ثواب الواجب.\nولو أخلَّ الكل به، من غير الظن بقيام البعض به، أتموا جميعًا.\nولو غلب على ظن طائفة أن غيرها يقوم به، لا يأثم بتركه.\nولو غلب على ظن طائفة أن غ يرها لا يقوم [به] تأثم بتركه.\nوإن غلب على ظن كل طائفة أن غيرها لا يقوم به، يأثم كل واحدة منهم بتركه.\nوإن غلب على ظن كل طائفة أن غيرها يقوم [به] لا يأثم واحدة منهم بتركه، وإن أدى إلى أن لا يقوم به أحد.\nوحد الوجوب لا ينتقض بشيء من هذه التفاصيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>٣٥ - باب في: أن الواجب هل يكون أوجَب من واجب:</span>\nاختلف أهل الأصول فيه.\nونحن نقول:\nإن عني بذلك التزايد في تعلق الأمر بالفعل، على ما قاله الأشعري","vol":"1","page":144},{"text":"وجماعة: إن الواجب هو ما قيل فيه \"افعل\" وليس الوجوب صفة زائدة للفعل- فعلى هذا: لا يكون واجب أوجب منه، لنهما في تعلق الأمر بهما على السواء.\nوإن عني به اختصاص أحد الجانبين بحالة تقتضي أن يستحق على الإخلال به من الذم والعقاب أكثر مما يستحق على الإخلال بالآخر، كما هو حقيقة الوجوب- فهذا مما لا امتناع فيه، والتفاوت بين بعض الواجبات والبعض ثابت معلوم بالضرورة، فإنا نعلم باضطراد أن الإيمان بالله ﷿ وتخليص الغرقى أوجب من غيرها من الواجبات على هذا التفسير، ولا يمتنع أن تقوم دلالة أو أمارة على اختصاص بعض الواجبات بحالة تقتضي استحقاق الذم على الإخلال أبلغ مما يستحق على غيره. هـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>٣٦ - باب في: شرائط حسن الأمر:</span>\nاعلم أن لحسن الأمر شرائط- منها ما يرجع إلى المأمور به. ومنها ما يرجع إلى المأمور. ومنها ما يرجع إلى الآمر. [ومنها ما يرجع إلى الأمر].\n- أما ما يرجع إلى المأموربه، فهو:\n* أن يكون صحيح الوجوب، غير مستحيل، كالجمع بين المتضادين، وإيجاد الفعل في الزمان الماضي، وإيجاد الموجود، وإيجاد أفعال كثيرة في زمان لا يتسع لها.","vol":"1","page":145},{"text":"* وأن يكون المأمور به على صفة زائدة من وجوب أو ندب، لأن مجرد الحسن لا يكفي لحسن الأمر، فإن المباح حسن والأمر لا يحسن به.\n- وأما ما يرجع إلى المأمور، [فـ] هو:\n* أن يكون متمكنًا من الفعل في زمان الفعل، لأنه لو لم يكن متمكنًا منه كان تكليف ما لا يطاق. وإن كان قادرًا في زمان الفعل غير قادر في زمان وجوب الفعل، صح، لأن القدرة إنما يحتاج إليها في زمان الفعل، لا في زمان الوجوب.\n* وأن يكون متردد الدواعي، لن الدواعي لو كانت متوفرة إلى الفعل وانقطع دواعي الترك، صار كالملجأ إلى الفعل، كالجائع إذا وجد الطعام، والعطشان إذا وجد الشراب: لا يحسن أمره بالأكل والشرب.\n- وأما ما يرجع إلى الآمر، فهو:\n* أن يكون عالمًا بحال المأمور والمأمور به على الوجه الذي بيناه.\n* وأن يكون أعلى رتبة من المأمور.\n- وأما ما يرجع إلى الأمر- فهو:\n* أن يكون متقدمًا على المأمور به، مقدار ما يمكن للمأمور الاستدلال به على وجوب أو ندب.\n* وقال بعضهم: ينبغي أن يكون مقارنًا للفعل. وما كان متقدمًا يكون إعلامًا، ولا يكون إلزامًا.\nوالدليل على وجوب هذا القدر من التقدم أنه إذا لم يتقدمه هذا القدر، لا يمكنه إيقاع الفعل على جهة الوجوب أو على جهة الندب، فيكون تكليف ما لا يطاق. والدليل عليه أن أوامر الله تعالى متقدمة على أفعالنا، لأن الأمة أجمعت على [كوننا] مأمورين بالصلاة، بأمر الله تعالى، ولا أمر إلا قوله:","vol":"1","page":146},{"text":"﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾. والدليل عليـ[ـه] أنه يجوز في الشاهد، فإن السيد إذا قال لعبده: \"افعل غدًا كيت وكيت\"، صح، وإذا صح في الشاهد صح في الغائب.\nوأما قوله: إن ما تقدم يكون إعلامًا- قلنا: أيش تعني بهذا الإعلام؟ إن [كنت] تعني به أنه يدل على وجوب الفعل في ذلك الزمان، فهذا مذهبنا. وإن كنت تعني به أنه يدل على وجوب أمر آخر، فليس في اللفظ ذلك.\nوأما الزيادة على هذا القدر-[فـ] هل يجوز؟ إن كان فيه مصلحة، يجوز، لأنه يخرج من أن يكون عبثًا، وعلى هذا أوامر الله تعالى. وإن لم يكن فيه مصلحة، لا يجوز، لنه يكون عبثًا.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>٥\nباب\nالكلام في النواهي</span>\nاعلم بأن النهي لما كان حثًّا على الإخلال بالفعل، كالأمر: حث على الفعل، كان أكثر الكلام في الأوامر يليق بالنواهي. فكذلك لا نحتاج إلى أن نفرد لكل باب من أبواب النواهي كلامًا مبتدأ، وإنما نذكر قدر ما لا بد منه، وهو أن:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>٣٧ - النهي عن المشروعات، هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا</span>؟\nذهب أصحابنا إلى أنه لا يدل على فساد المنهي عنه، وهو الظاهر من مذهب المتكلمين.\nوقال أصحاب الشافعي: إنه يدل على فساد المنهي عنه.\nوقال بعضهم: إنه في العبادات يدل على فساد المنهي عنه، دون العقود والإيقاعات.\nفنبين أولًا معنى وصفنا التصرف بأنه صحيح وفاسد وباطل، وجائز وغير جائز.\nأما معنى وصفنا التصرف بأنه \"صحيح\"-[فـ] هو أنه يفيد الغرض المطلوب منه، وإنما يكون ذلك بوجود ركن التصرف مستوفيًا للشرائط التي يقف عليها حصول الغرض المطلوب فيه.","vol":"1","page":148},{"text":"وقولنا \"فاسد\" و\"باطل\" يفيد نفي ذلك. وإنما يكون كذلك إذا لم يستوف الشرائط التي يقف عليها حصول الغرض المطلوب بالتصرف.\nوقولنا \"جائز\" يجري مجرى قولنا \"مجزئ\"، وهو أن يكفي لحصول الغرض المطلوب بالتصرف.\nوقولنا \"غير جائز\" يفيد نفي ذلك.\nفإذا قلنا \"بيع صحيح\" و\"بيع جائز\" يفيد معنى واحدًا، وهو ما ذكرناه. وقولنا: \"بيع باطل\" و\"بيع فاسد\" يفيد معنى واحدًا، وهو ما ذكرنا.\nوإنما وصفنا البيع المنهي عنه، كبيع الربا وغيره، بالفساد، مع كونه مفيدًا للملك، بطريق التوسع والمجاز، لمجاورة الأمر الفاسد إياه، لا أن عين البيع فاسد.\n* * *\nإذا ثبت هذا نقيم الدلاة على أن النهي عن المشروعات لا يدل على فساد المنهي عنه، بهذا المعنى- فنقول:\nلو دل عليه: [فـ] إما أن يدل عليه بلفظه، أو بمعناه وقضيته.\n- لا وجه إلى الأول، لأن النهي ما وضع للفساد على هذا التفسير، وكيف يجوز أن يقال ذلك وإن العرف قد تنهي عن العبادات والعقود الشرعية، وتعتقد ذلك نهيًا حقيقية، مع اعتقادهم لكونها مفيدة للأغراض المطلوبة منها، كالصلاة في الأرض المغصوبة وغيرها. ولأن الفساد أمر شرعي، والنهي لفظ لغوي، فلا يجوز أن يكون مستفادًا من قضية النهي.\n- ولا وجه إلى الثاني، لأن معنى النهي وجوب الانتهاء، ووجوب الانتهاء","vol":"1","page":149},{"text":"لا يدل على الفساد، فإن الإنسان قد يجب عليه الانتهاء لغرض آخر مع حصول الغرض المطلوب منه، وهو ما يتشاغل به عن واجب آخر، أو ما فيه من ارتكاب محظور، كالبيع وقت النداء، والطلاق حالة الحيض- دل على صحة الجمع بينهما ونفي التناقض عنه، أن الشارع لو قال لواحد: نهيتك عن استيلاد جارية الابن، لكن لو فعلت ملكت الجارية\" و\"نهيتك عن الطلاق حالة الحيض لكن لو فعلت بانت زوجتك\"، و\"نهيتـ[ـك] عن إزالة النجاسة عن الثوب، والتوضؤ بالماء المغصوب، لكن لو فعلت طهر ثوبتك وبدنك\" فشيء من هذا ليس متناقضًا، بخلاف قوله: \"نهيتك عن الطلاق وأمرتك به\" لأن موجب اللفظين متناقض.\nفثبت أن النهي لا يدل على ذلك: لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى- فلا يدل عليه أصلًا.\nفإن قيل: النهي عندنا يدل على فساد المنهي عنه بواسطة القبح، لأن أدنى درجات المشروع أن يكون مباحًا، والقبح ينفي ذلك- قلنا: النهي يدل على أن المنهي عنه اختص بجهة من جهات القبح نحو كونه سببًا للتشاغل عن واجب آخر وغيره على ما مرَّ. واختصاص الفعل بجهة من جهات القبح لا يخرجه من أن يكون مفيدًا للغرض المطلوب منه ومسقطًا للفرض، كالبيع وقت النداء والصلاة في الأرض المغصوبة: فإنهما اختصا بجهة من جهات القبح، وهو التشاغل عن الجمعة وشغل أرض الغير، وذلك لا يخرجه عن كونه محصلًا للغرض المطلوب منه ومسقطًا للفرض.\nوالمانع من سقوط الفرض بالصلاة في الأرض المغصوبة، فهو محجوج بإجماع الأمة على ترك تكليف الظلمة، عند التوبة، قضاء الصلوات المؤداة في الأراضي المغصوبة.","vol":"1","page":150},{"text":"والفقه فيه أنه لا تنافي بين اختصاص الفعل بجهة من جهات القبح لأجله ينهي عنه، واختصاصه بجهة تصير المصلحة المطلوبة من الإيجاب مستوفاة باعتبارها، وكونه منهيًا عنه لا يمنع كونه مفيدًا للغرض ومسقطًا للتكليف بهذه الواسطة.\nوالمخالف احتج بأشياء:\n- منها: إجماع السلف على الاستدلال بالنواهي على الفساد، نحو احتجاجهم على فساد الربا بقوله تعالى: ﴿وذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾، ونحو احتجاج عمر ﵁ [وابنه]، في نكاح المشركات ونكاح المحارم، بالنهي.\n- ومنها: أن الأمر يدل على إجزاء الفعل المأمور به، فالنهي وجب أن يدل على نفيه، لأنه ضده.\n- ومنها قوله ﵇: \"من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو ردٌّ\" والمنهي عنه ليس من الدين، فيجب رده. فمن جعله مثبتًا لحكمه فهو خالف الحديث.","vol":"1","page":151},{"text":"والجواب:\n- أما الأول، قلنا: المنقول احتجاجهم بالنهي للمنع والتحريم، لا للمنع من إفادة الغرض. ولو ثبت ذلك فهو من بعض الأمة لا من جميعهم، فلا يكون إجماعًا.\n- وأما الثاني، قلنا: ولم يجب، إذا دل الأمر على الإجزاء، أن يدل النهي على نفي الإجزاء، بل يجب إذا دل الأمر على الإجزاء أن لا يدل النهي على الإجزاء، لأنه ضده. وعندنا: الإجزاء لا يثبت بالأمر، بل بدليل آخر، على أن كون النهي ضد الأمر يقتضي أن يفيد ضد ما أفاده الأمر، وقد أفاد، لأن الأمر يفيد وجوب الفعل والنهي يفيد حرمته.\nفإن قيل: الأمر إنما يدل على الإجزاء، لأنه أفاد كون الفعل على صفة زائدة على أصل الفعل من وجوب أو ندب، والنهي يمنع ذلك- قلنا: يجوز أن يعرف الإجزاء بدليل آخر، لا بما ذكرتم، وهو أن يقول: \"لا تصلوا في أرض مغصوبة ولو صليتم أجزأتكم\" و\"لا تبيعوا وقت النداء ولو بعتم ملكتم\"، أو يعرف الإجزاء بالبقاء على حكم الأصل، والنهي لم يدل عليه- فثبت أن النهي لا يسد علينا طريق معرفة الإجزاء، فلا يدل على نفيه.\n- وأما الثالث- قلنا: معنى قوله: إن المنهي عنه ليس من الدين- إن عني به أنه غير مفيد لحكمه، فهو موضع النزاع. وإن عني به أنه ليس بحسن ولا مرضي، كالدين، فنحن نقول به، ولا كلام فيه.\n- ثم نقول: إن المراد من قوله \"فهو ردٌّ\" نفي الإثابة، لأن الرد ضد القبول، وقبول الفعل هو الإثابة عليه، فإنا ندعو الله بقبول الطاعات ونطلب منه الإثابة عليها. ونحن نقول: إن المباشر للفعل المنهي عنه لا يثاب عليه.","vol":"1","page":152},{"text":"وأما من فرق بين العبادات والعقود-[فقد] ذهب في ذلك إلى أن الغرض من العبادات إسقاط التعبد بها، وكون الشيء منهيًا عنه يمنع كونه داخلًا تحت التعبد، فكيف يسقط بفعله التعبد؟ ولأن سقوط التعبد بفعل الطاعة يقف على نية القربة والطاعة، ونية التقرب والطاعة بالمنهي عنه محال.\nوالجواب:\n- قلنا: سقوط التعبد [يكون] باستيفاء المصلحة الملطوبة من الإيجاب وتحصيل الغرض المطلوب من التعبد، ولا يمتنع كون الفعل بحال يستوفي به الغرض المطلوب من التعبد والمصلحة المطلوبة من الإيجاب، مع كونه منهيًا عنه واختصاصه بجهة من جهات القبح على ما مرَّ.\n- وأما نية التقرب، قلنا: نية التقرب ليس بشرط في جميع المواضع، بل الشرط فيه نية أداء ما وجب عليه. وإن كان ذلك شرطًا، فالمكلف ينوي به التقرب من حيث اشتمل على استيفاء المصلحة، لا من حيث إنه منهي عنه، كالمصلِّي في أرض مغصوبة ينوي التقرب إلى الله بهذه الأفعال من حيث إنها خضوع وتعظيم لله تعالى، لا من حيث إنها شغل أرض الغير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>٣٨ - باب في: ذكر ما يفصل به بين ما يفسد بالنهي وبين ما لا يفسد:</span>\nولما ثبت أن من مذهبنا أن من الأفعال ما يفسد بالنهي، ومنها ما لا يفسد- فلا بد من ذكر ما يفصل بينهما.\nوالذي حصله المتقدمون من أصحابنا، وهو مروي عن الكرخي ﵀، أن النهي متى ورد لمعنى يختص بالشيء يوجب فساده، ومتى ورد لا لمعنى يختص به لا يوجب فساده.","vol":"1","page":153},{"text":"وهو قريب مما قاله القاضي الإمام أبو زيد ﵀: إن النهي إذا ورد لمعنى في عينه يوجب فساده، ومتى ورد لمعنى في غيره لا يوجب فساده.\nوإنما كان كذلك- لأن النهي، لعينه أو لمعني يخصه، نهى عنه من حيث يفيد الغرض المطلوب منه، فيوجب المنع من الغرض المطلوب منه، وفيه إخراجه من أن يكون مفيدًا للغرض.\nفإن قيل: بماذا يعرف كون النهي واردًا لمعني يخص الشيء أو لعينه، وكونه واردًا لا لمعنى يخصه أو لغيره- قلنا: في ذلك وجهان:\nأحدهما- أن النهي عن الشيء لا يكون إلا لاختصاصه بوجه من وجوه القبح على ما مر. وذلك الوجه قد يكون أمرًا لا بد من وقوع الفعل عليه، حتى يسمى باسمه، كاسم الظلم: فإنه إنما يسمى ظلمًا لوقوعه غير موقعه، وجهة القبح الذي نهى عنه لأجله [هي] هذه الجهة بعينها وهو وقوعه غير موقعه. وكذا الكفر، ونحو ذلك. وقد يكون أمرًا لا تعلق لاسم الفعل به، كالصلاة في الأرض المغصوبة: فإن تسميتها صلاة ما كانت لوقوعها في أرض مغصوبة، وجهة القبح التي نهى عنه لأجلها [هي] هذه الجهة، وهو وقوعها شغلًا لأرض الغير بغير إذنه. فغن كان الفعل قبيحًا ومنهيًا عنه: بجهة يسمى باسمه لوقوعه عليها","vol":"1","page":154},{"text":"سميناه \"حرامًا لعينه\" و\"منهيًا عنه لمعنى يخصه\"، وإن كان بجهة لا تعلق لاسمه به سميناه \"حرامًا لغيره\" و\"منهيًا عنه لا لمعنىيخصه\".\nوالثاني- إنما نعرف ذلك بأن قام الدليل على أن لصحة التصرف شرائط، ثم ورد النهي عنه لفقد شرط منها- علمنا أن ذلك إنما ورد لمعني يختص به، ولمعني في عينه، كبيع الملاقيح والمضامين وبيع الحُر والصلاة بغير طهارة: فإن من شرائط صحة البيع أن يكون المبيع مالًا وقد عدم هذا في الحُر والمضامين. والطهارة شرط للصلاة شرعًا فإذا ورد النهي عن الصلاة بغير الطهارة علمنا أنه إنما ورد لفقد شرطه. ومتى ورد النهي لا لفقد شرطه لم يكن واردًا \"لمعنى يخصه\" أو \"لمعنى في عينه\". مثاله: البيع وقت النداء، والتوضؤ بماء مغصوب، والصلاة في أرض مغصوبة. فإن جميع شرائط صحة البيع موجودة وقت النداء، والنهي ما ورد لفقد شرط من شرائطه وإنما ورد لترك السعي. وكذا التوضؤ بماء مغصوب: فإن شرط صحة الوضوء كون الماء طاهرًا مزيلًا للنجاسة، والمال المملوك والمغصوب في ذلك سواء. وكذا الصلاة في الأرض المغصوبة: فإن أركان الصلاة كلها موجودة بشرائطها من القيام والقراءة والركوع والسجود، وإنما ورد النهي عنه لما فيه من شغل أرض الغير، فكان النهي عنها لغيرها لا لعينها. فإن قيل: صحة الصلاة مختصة بالقيام والركوع والسجود، والشغل يحصل بهذه الأشياء، فكان النهي واردًا لمعنى يخص الصلاة-","vol":"1","page":155},{"text":"قلنا: القيام والركوع والسجود: إن كان يوجد بفعل العبد واختياره، فمن هذا الوجه هي [والشغل] فعل واحد، وأما من حيث إنها صلاة وغصب [فـ] متغايران، فإن هذه [الأفعال] إنما كانت صلاة من حيث إنها منبئة عن الخضوع والخشوع والتذلل لله، لا لكونها شاغلة لأرض الغير، إذ قد يعقل كونه غاصبًا وشاغلًا أرض الغير من [لا] يعلم كونه مصليًّا، ويعلم كونه مصليًّا من لا يعلم كونه غاصبًا وشاغلًا أرض الغير، فهما جهتان مختلفتان لهذا الفعل، فجرى مجرى فعلين منفصلين، فكان النهي واردًا لا لمعنى يخص الصلاة، فلا يوجب فسادها.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>٦\nأبواب\nالعموم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>٣٩ - [باب الكلام في العموم]:</span>\nاعلم أن الكلام في العموم يقع في مواضع:\nمنها- اسم العموم هل يقع على المعاني على سبيل الحقيقة أو يختص بالأسماء والألفاظ؟\nومنها- أنه إذا وقع على الأسماء والألفاظ ما الذي يفيده؟\nومنها- قسمة الألفاظ العامة، والفصل بينها وبين ما ليست بعامة.\nومنها- إقامة الدلالة على إثبات العموم في اللغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>أما الفصل الأول\n[اسم العموم هل يقع على المعاني على سبيل الحقيقة أو يختص بالأسماء والألفاظ</span>؟]\nفلا شبهة في أن وصف الكلام الشامل بالعموم حقيقة، لأنه لا وجه يعلم به كون الاسم حقيقة في الشيء من اطراد وغيره إلا وهو موجود فيه.\nواختلفوا في أن وصف المعاني بالعموم- هل هو حقيقة أم لا؟ .\nذهب بعض الناس إلى أن ذلك حقيقة. واستدلوا على ذلك فقالوا: إن العرب","vol":"1","page":157},{"text":"تقول \"مطر عام\" و\"خصب عام\". ويقال في الشرع \"الكفارة حكم خاص\"- فدل وصفهم المعاني بالعموم على أنها حقيقة فيه.\nوإنا نقول: إن ذلك مجاز، لأن العموم عبارة عن الشمول، والعام هو الشامل، وإنما يكون شاملًا لو كان الموصوف بالموم بجملته متناولًا الجملة ولآحاد تلك الجملة، كقولنا \"المشركون\": فإن هذا اللفظ بجملته يتناول جميع المشركين ويتناول كل واحد منهم، وهذا لا يتصور في المعاني، فإن قولنا \"عمَّهم المطر\" أي كان جميع المطر يتناول جميع الناس، ولكن جميع المطر لا يتناول آحاد الناس، بل أجزاء المطر يتناول آحاد الناس- فصار نظيره من الألفاظ \"اضرب زيدًا وعمرًا وبكرًا وخالدًا\" بخلاف قوله \"اضرب الرجال\"، لأنه بجملته تناول كل واحد من الرجال.\nدليل آخر: إن وصف المعاني بالعموم لو كان حقيقة لكان يجب أن يطرد في جميع المعاني، حتى يجب أن يقال \"عمهم الأكل\" و\"عمهم الشرب\"، وليس كذلك، فدل أنه مجاز، وليس بحقيقة- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>الفصل الثاني\n[اسم العموم إذا وقع على الأسماء والألفاظ ما الذي يفيده</span>؟]\nفقد اختلفوا فيه:\nقال بعضهم: معنى العموم هو الاشتراك في أصل الشمول، والعام هو اللفظ المتناول لشيئين فصاعدًا- وهو قول الأشعري.","vol":"1","page":158},{"text":"وقال بعضهم: معنى العموم هو الاستيعاب والاستغراق.\nواختلف هؤلاء في حد العام:\nقال بعضهم: هو اللفظ المتناول لجميع ما يصلح له.\nوقال بعضهم: هو اللفظ المتناول لجميع ما وضع له.\nوهذه الأقاويل غير صحيحة:\n- أما قول الأشعري- فلأن ينتقض بلفظ التثنية والجمع، فإنه يفيد الاشتراك في أصل الشمول، ولا يقال إنه عام، بل يسمى تثنية وجمعًا. فإن قال بأنه تثنية وجمع وعام أيضًا- قلنا: أهل اللغة فصلوا بين التثنية والجمع والعام، بالاسم، فيجب الفصل بين معانيها والاختلاف بينها، على ما هو قضية الأصل.\n- وأما قول من قال: إنه اللفظ المتناول لجميع ما يصلح له- فباطل أيضًا، لأن اللفظ يصلح للحقيقة والمجاز، فوجب أن لا يكون عامًّا إلا بتناولهما جميعًا. وفيه نفي العموم أصلًا، لأن اللفظ الواحد لا يتناول المجاز والحقيقة معًا. فإن قيل: الحد صحيح، لأن اللفظ الذي يتناول الحقيقة لا يصلح أن يكون متناولًا للمجاز في تلك الحالة فقد تناول جميع ما يصلح له- قلنا: الشرط هو أن يتناول جميع ما يصلح له على البدل لا على الجمع، ولا يلزم أن يكون لفظة التثنية ولفظة العشرة عامًّا، لأنه يتناول جميع ما يصلح له على التقدير الذي ذكرتم، فإن لفظة التثنية ولفظة العشرة عامًّا، لأنه يصلح لهذين ولهذين على الجمع، ولفظة العشرة لا تصلح لجنس العشرات على الجمع، لكن لما كان يصلح للكل على البدل ولم يتناول الكل، لا يكون عامًّا مع تناوله جميع ما يصلح له في هذه الحالة.\nإذا ثبت هذا، نقول: اللفظ العام المتناول للحقيقة يصلح متناولًا للمجاز على البدل، فيشترط تناولهما، لكونه عامًّا، وإنه باطل على ما ذكرنا.\n- وأما قول من قال بأنـ[ـه] اللفظ المتناول لجميع ما وضع له- فباطل،","vol":"1","page":159},{"text":"لأنه يقتضي أن اللفظ إذا استعمل بطريق المجاز أفاد جميع المسمى بذلك الاسم، [و] لا يكون عامًّا، لأنه لم يتناول شيئًا مما وضع له، فضلًا عن الجميع- والأمر بخلافه.\nإذا ثبت بطلان هذه الأقاويل-[فـ] نقول:\nالمذهب المختار أن \"العام هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح أن يتناوله بالجهة التي وقعت متناولًا لما تناوله\". كقولنا \"الرجال\": فإنه يتناول جميع ما يصلح من الرجال:\n- وقولنا \"المستغرق لجميع ما يصلح أن يتناوله\" تحرز عن التثنية والجمع، فإن لفظة التثنية تصلح لهذين ولهذين ثم لا تستغرق الكل. وكذا اسم \"العشرة\" يصلح لجميع العشرات ثم لاي ستغرق جميع العشرات.\n- وقولنا \"بالجهة التي وقعت متناولًا لما تناوله\" أعني جهة الحقيقة أو جهة المجاز، كي لا يلزمنا تناوله الحقيقة والمجاز جميعًا، ليكون عامًّا، بل إذا تناول كل ما يصلح له بطريق الحقيقة كان عامًّا، وإذا تناول كل ما يصلح له بطريق المجاز كان عامًّا.\nفسلم هذا الحد عما ذكرنا من النقوض في الأقاويل الأخر.\nوأما أسماء النكرات- كقولنا \"رجل\" فإنه عام من حيث البدل، دون الجمع. فالحد لا يتناولـ[ـه] من حيث إنه يصلح لهذا ثم يستغرق الكل.","vol":"1","page":160},{"text":"ويتناوله من حيث إنه يتناول الكل على البدل ولا يقف تناوله على واحد بحيث لا يتعدى إلى غيره- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>وأما الفصل الثالث\nوهو قسمة الألفاظ العامة</span>\nفنقول:\n[منها- ما يفيد العموم من جهة اللفظ].\n[و] منها- ما يفيد العموم من جهة اللفظ والمعنى.\nومنها- ما يفيد العموم من جهة المعنى فقط.\n* * *\n(١) - أما الذي يفيد العموم من جهة اللفظ- فضربان:\nأحدهما- يفيده لكونه موضوعًا له.\nوالثاني- يفيده لأنه اقترن به ما يوجب عمومه.\nأ- أما الذي يفيد العموم لكونه موضوعًا له:\n- فمنها كلمة \"أي\": توجب تعميم ما دخل عليه كلمة \"أي\" أي شيء، كأن تقول: \"أي رجل لقيته فسلم عليه\"، و\"أي ثوب رأيته فخذه\".","vol":"1","page":161},{"text":"- ومنها كلمة \"مَن\" في المجازاة والاستفهام، وإنها تختص بمن يعقل: تقول: \"مَن فعل كذا أكرمه\"، وتقول: \"مَن عندك؟ \".\n- ومنها حرف \"ما\" في المجازاة والاستفهام، وإنه يختص بمن لا يعقل، تقول: \"ما أخذت فهو لك\"، وتقول: \"ما عندك؟ \".\n- ومنها ما يختص نوعًا ممن لا يعقل كـ \"متى\" للزمان و\"أين\" للمكان- تقول في الاستفهام: \"متى جاءك بنو تميم؟ \"، كان هذا استفهامًا عن جميع الأزمنة، حتى لو جاءوك في أزمنة متفرقة كان استفهامًا عن الكل. وأما \"أين\" فقولك في الاستفهام: \"أين القوم؟ \" كان استفهامًا عن جميع الأماكن، حتى لو كانوا في أماكن متفرقة كان هذا استفهامًا عن الكل.\nب- وأما الذي يفيد العموم لأنه اقترن به ما يوجب عمومه، فضربان: أحدهما متصل به، والآخر منفصل عنه.\n* فأما المتصل به- فهو كلام الجنس الداخل على اسم الفرد والجمع- على ما نبينه.\n* وأما المنفصل عنه- فضربان:\nأحدهما- يفيد العموم من جهة الإضافة: تقول: \"ضربت عبيدك\": يفيد أنه ضارب جميع عبيده.\nوالثاني- حرف النفي الداخل على النكرة، تقول: \"ما جاءني من أحد\".\n(٢) - وأما الذي يفيد العموم من جهة اللفظ والمعنى:\nفكقوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فإن هذا","vol":"1","page":162},{"text":"يفيد العموم لدخول لام الجنس فيه، ولخروجه مخرج الزجر، فإنه يقتضي العموم.\n(٣) - وأما الذي يفيد العموم من حيث المعنى فقط:\nفهو أن اللفظ إذا كان خاصًا واقترن به ما يوجب عمومه، يثبت العموم بمعناه فقط. وذلك ضروب:\nأحدها- أن يكون اللفظ مفيدًا للحكم وعلته، فيقتضي شياع الحكم كيفما شاعت العلة، كقوله ﵇: \"الهرة ليست بنجسة: إنها من الطوافين والطوافات عليكم\": هذا يقتضي تعميم كل ما كان من الطوافين والطوافات علينا.\nومنها- أن يكون اللفظ خاصًا في محل، وتعدي حكمه إلى غيره بطريق الدلالة بفحوى الخطاب، مثل قوله تعالى ﴿فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾: فإن النهي يتناول التأفيف، ثم يتعدى حكمه إلى الضرب والشتم بطريق الدلالة.\nومنها- ما يفيد العموم لما يرجع إلى سؤال السائل، نحو أن يسأل النبي ﷺ عمن أفطر في نهار رمضان متعمدًا، فقال: \"عليه الكفارة\" فهي تقتضي","vol":"1","page":163},{"text":"تعميم الكفارة بمطلق الفطر، سواء علم النبي ﵇ بما وقع به الفطر أو لم يعلم، لأنه لو لم يكن مقتضيًا تعميم الكفارة بمطلق الفطر، لم يكن جوابًا لسؤاله، ولأنه لو أجاب على ما علم، لبين، كي لا يظن السامع أن الكفارة تلحق مطلق الفطر- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>وأما الفصل الرابع\nوهو الكلام في إثبات العموم في اللغة</span>\nذهب بعض الناس إلى أنه ليس في اللغة لفظ موضوع للاستغراق وحده، بل له ولما دونه، وزعموا أن لفظ \"كل\" و\"جميع\" موضوع للاستغراق ولما دونه من الجموع.\nوذهب بعضهم إلى أنه ليس في اللغة لفظ موضوع للاستغراق أصلًا، وإنما يصير عامًّا بقصد المتكلم، وزعموا أن الألفاظ التي نقول إنها عامة موضوعة للخصوص، مجاز في العموم.\nوذهب معظم المتكلمين إلى أن للاستغراق لفظة موضوعة، وأنها حقيقة في العموم مجاز في غيره- وهو المذهب المختار.\nوالدلالة على ذلك أن الاستغراق معنى ظاهر عند أهل اللغة، والحاجة تمس إلى العبارة عنه، ليفهم السامع مراد المتكلم، وجرى هذا في الظهور وشدة الحاجة إلى العبارة مجرى \"السماء\" و\"الأرض\" في ظهورهما، وشدة الحاجة إلى العبارة عنهما. فكما لا يجوز أن تتوالى الأعصار على أهل اللغة مع هذا الداعي","vol":"1","page":164},{"text":"ولا يضعوا للسماء والأرض اسمًا، فكذلك لا يجوز أن لا يضعوا للعموم لفظًا يعبر عنه به.\nومما يوضح [ذلك] أنهم وضعوا للمعاني الغامضة أسماء، ووضعوا الأسماء الكثيرة لمعنى واحد، فلا يجوز من أمة كثيرة في أعصار مترادفة أن يضعوا الأسماء الكثيرة لمعنى واحد، فلا يجوز من أمة كثيرة في أعصار مترادفة أن يضعوا الأسماء للمعاني الغامضة، والأسماء الكثيرة للمعنى الواحد، ويعدلوا عن وضع الاسم للمعنى الواحد الظاهر.\nفإن قيل: هذا باطل بالروائح والألوان والاعتمادات: فإنهم لم يضعوا لكل واحد منها اسمًا يخصه، مع ظهوره وشدة الحاجة إليه- قلنا: إن الذي يوجبـ[ـه] عند ظهور المعنى وشدة الحاجة إلى العبارة عنه [هو] أن يضعوا لفظًا ينبئ عنه، إما مفردًا وإما مركبًا، وهذه المعاني قد وضع لها في اللغة أسماء منبئة عنها، وهو أسماء الإضافة، فإنه يقال: رائحة الكافور، ورائحة المسك، واعتماد علو، واعتماد سفل.","vol":"1","page":165},{"text":"أما عند خصومنا [فـ] ليس للاستغراق لفظ موضوع ينبئ عنه، لا مفردًا ولا مركبًا، فكانت الحجة لازمة لهم.\nفإن قيل: لا حاجة لهم إلى وضع اسم للاستغراق، فإنه يمكنهم تعديد الأشخاص الذين يريدون تعميمهم بالحكم، واحدًا واحدًا، ويثبت الحكم فيهم بطريق التعميم بالتعليل، بأن يقول: \"من دخل داري ضربته لأنه دخل داري\" فيتعمم بالحكم، لهذه العلة. ثم إن كان لهم حاجة إلى ذلك، وكانت قضية الحكم [وجود] اسم له، فمن أين عصمة واضعي اللغة حتى لا يخالفوا الحكمة في وضعه؟ فكم من حكيم يترك ما لا تقتضي الحكمة تركه! -\nقلنا:\nأما الأول-[فـ] الإنسان قد يحتاج إلى أن يعبر عن جميع الناس، ليدلهم على حكم شملهم، ولا يمكنه تعديدهم واحدًا واحدًا، ولو أمكن ذلك في بعض المواضع [فـ] لا يشك أنه يشق ذلك، فلا بدَّ من وضع الاسم له.\nوأما الثاني- قلنا: ليس كل حكم تعرف له علة، فيعلل بها، فإن الإنسان قد يحتاج إلى أن يخبر عن جميع من في الدار بأنه ضارب أو آكل وإلى غير ذلك مما لا يحصى، فلا يعرف لذلك علة، أو تكون عللهم مختلفة، ولا يمكنه أن يعلل بعلة تشمل الكل، فلا بد من وضع اسم له.\nوأما الثالث- قلنا: نحن لا نقول بوجوب ذلك قضية للحكمة، بل نقول: الحاجة داعية إليه، والمدعو إلى الفعل إذا قدر عليه يفعله عادة، والعادة دليل من الأدلة.\nفإن قيل: هذا الكلام إنما يصح لو كان أصل التوقيف من قبلهم، ليقال إنهم إذا وضعوا الاسم لغرض، فإذا وجد ذلك الغرض في موضع يلزمهم وضع الاسم لذلك، وليس الأمر كذلك، بل أصل الوضع توقيف فلا يمكنهم وضع","vol":"1","page":166},{"text":"الاسم- قلنا: إن ثبت أن أصل الوضع توقيف، لكن لما لم يوقفوا على كلام عند ظهور المعنى وشدة الحاجة إليه بحسب وضع الاسم، [لوجب أن يضعوا له اسمًا]، كالواحد من الصَّنَاعِين إذا استحدث آلة يلتجئ إلى وضع اسم لها، وكما في مولود يولد للإنسان- فإذا جاز ذلك في الواحد، ففي الأمة العظيمة أولى.\nهذا هو الدليل على إثبات العموم في اللغة بطريق الإجمال، ثم نقيم الدلالة في كل لفظ منها- فنقول:\nالدليل على عموم كلمة \"كل\" و\"جميع\" و\"أي\" أنه:\nلو قال قائل \"ضربت كل من في الدار\" يناقضه قوله \"لم أضرب كل من في الدار\"- ألا ترى أن من أراد أن يناقضه ويكذبه يقول: \"لم تضرب كل من في الدار\" فلولا أن قوله \"ضربت كل من الدار\" يقتضي العموم، لم يكن قول الآخر \"لم تضرب كل من في الدار\" مناقضًا له، بل يصدق في ذلك، بأن ضرب البعض دون البعض، فيؤدي على إبطال منافاتهما، ولا وجه له.\nوالدليل على عموم النكرة إذا دخل عليه حرف النفي أن قوله \"ضربت رجلًا\" أفاد ضرب رجل واحد غير عين. وإذا قال \"ما ضربت رجلًا\" كان كالسَّلْب له. وإنما يكون كالسلب له أن لو أفاد نفي ضرب جميع الرجال، لأنه لو لم يفد ذلك لاجتمع ذلك مع ضرب رجل واحد، فلا يكون كالسلب له. ولأن قوله \"ما ضربت رجلًا\" يقتضي نفي ضرب رجل أدنى ما ينطلق عليه هذا الاسم، ولا يتصور نفي ذلك إلا بنفي الضرب عن كل هذا الجنس.","vol":"1","page":167},{"text":"والدليل على عموم كلمة \"مَنْ\" في الاستفهام والمجازاة:\n- أما في الاستفهام، فلأن قول القائل \"من عندك؟ \" يكون استفهامًا عن كل عاقل عنده، حتى حسن من المجيب أن يجيبه بذكر كل عاقل عنده، بل يجب عليه ذلك، ولو اقتصر في الجواب على ذكر البعض، لامه العقلاء من أهل اللغة على ذلك، ويقولون: إن فلانًا قال لك \"من عندك؟ \" فلم أجبته بذكر البعض؟ ومعلوم أن الجواب أبدًا يحسن إذا تناول ما تناوله السؤال، حتى لو أجابه بذكر العقلاء وبذكر الحمير يقبح ذلك- فلولا أن قوله \"من عندك؟ \" استفهام عن كل عاقل عنده، لما حسن أن يجيبه بذكر كل عاقل عنده، لأنه يكون مجيبًا عما سأل وعما لم يسأل، وذلك في القبح يجري مجرى أن يجيبه بذكر العقلاء وذكر الحمير. فلما حسن ذلك منه، فدل على أن قوله \"مَن عندك؟ \" استفهام عن كل عاقل عنده- دل عليه أن الإنسان قد يكون عنده عالم من الناس لا يستطيع ذكر آحادهم فيعتذر عن الجواب، فلولا أنه فهم منه الاستفهام عن الكل لما اعتذر بهذا العذر.\n- وأما في المجازاة، فإنه إذا قال \"من دخل داري ضربته\" ضح منه أن يستثنى أي عاقل شاء، نحو أن يقول \"إلا زيدًا\"، ومن حق الاسثتناء أن يخرج من اللفظ ما لولاه لوجب دخوله فيه، فلولا أنه يقتضي العموم لما صح الاسثتناء منه.\nوهذه الدلالة شاملة لجميع ألفاظ العموم التي ذكرناها، إذ صحة الاستثناء شاملة للكل.\nفإن قيل: ما أنكرتم على من يقول إن من حسن الاستثناء أن يخرج من الكلام ما لولاه لصح دخوله تحته، وهذا لا يقتضي العموم، كما إذا قال: \"اضرب رجلًا إلا زيدًا\" فإن هذا لا يقتضي العموم، وإن كان المستثنى بحال لولاه لصح","vol":"1","page":168},{"text":"دخوله تحته- قلنا: لو جاز ما ذكرتم لجاز أن يقول \"اضرب رجلًا إلا زيدًا\" ويجب أن يكون هذا استثناء، ويجري هذا في الحسن مجرى قوله: \"اضرب كل من في الدار إلا زيدًا\". وأهل اللغة لم يجعلوا هذا استثناء، بل يتأولون ذلك ويقولون: إن قوله \"إلا\" ههنا بمنزلة \"ليس\"- معناه \"اضرب رجالًا ليس زيد منهم\". وليس كقوله \"اضرب كل من الدار إلا زيدًا\" فإنهم يجعلون هذا استثناء، ولا يتأولون مثل هذا التأويل.\nفإن قيل: لو كانت كلمة \"من\" تقتضي تعميم العقلاء، لدخلت الملائكة والجن تحته، لنهم عقلاء، ولو دخلوا في ذلك لصح أن يستثنى ويقول: \"من دخل داري ضربته إلا الملائكة والجن\" وحيث لم يصح، دل أنه لا يقتضي العموم- قلنا: \"إنما لم يدخل الملائكة والجن مع أن اللفظ موضوع للاستغراق، لمانع يمنع من الدخول، وهو علمنا من حال المتكلم أنه ما عناهم بالخطاب، وإذا لم يدخلوا لا يصح الاستثناء، لأن من حق الاستثناء أنه لولاه لوجب دخوله تحته، حتى لو وجب دخوله تحت خطاب الله يصح الاستثناء، نحو أن يقول الله تعالى: \"من عصاني عاقبته إلا الملائكة والجن\".\nوأما المخالف فقد احتج في المسألة بأشياء:\nأ- منها- أن لفظة العموم كما هي مستعملة في العموم، [فهي] مستعملة في الخصوص. فكما وجب كونها حقيقة في العموم، وجب كونها حقيقة في الخصوص- والجواب ما مرَّ في أبواب الأمر.","vol":"1","page":169},{"text":"ب- ومنها- أن ألفاظ العموم لو كانت حقيقة في الاستغراق، لكان الاستثناء نقضًا ورجوعًا، وبيانه من وجهين:\nأحدهما- أن المتكلم قد دل على إرادة الكل عند أول كلامه، ثم بالاستثناء يرجع عن إرادة الكل إلى إرادة البعض، فكان نقضًا، وجرى هذا مجرى ما لو قال \"ضربت كل من في الدار- لم أضرب كل من في الدار\" في كونه نقضًا ورجوعًا.\nوالثاني- أن لفظة العموم لو كانت موضوعة للاستغراق لجرى لفظة العموم مع الاستثناء مجرى، تعديد الأشخاص والاستثناء للواحد منهم بعد ذلك، في القبح، بأن يقول \"ضربت زيدًا- ضربت عمرًا- ضربت خالدًا\" ثم يقول \"إلا زيدًا\"- فدل حسن الاستثناء على أن لفظة العموم غير موضوعة للاستغراق.\nوالجواب:\nقلنا: ولم يجب إذا كان لفظة العموم موضوعة للاستغراق أن يكون الاستثناء رجوعًا ونقضًا؟\n[أما الوجه الأول:] قوله: إن المتكلم قد دل على إرادة الكل في أول الكلام- قلنا: ليس كذلك، لأن الاستثناء إذا اتصل بالكلام يصير جزءًا من الكلام، لأنه لا يستقل بنفسه في الإفادة، فيجب تعليقه بما قد مرَّ، فإذا علقناه به يصير جزءًا من الكلام، فلا يكون للبعض فائدة بدون البعض، بل الفائدة للجملة، وفائدة الجملة إرادة ما عدا المستثني، وليس كقوله: \"ضربت كل من","vol":"1","page":170},{"text":"في الدار- لم أضرب كل من في الدار\" لأن ثمة كل واحد من الكلامين تام في نفسه، فلا حاجة إلى تعليقه بما تقدم، وإذا لم يتعلق به أفاد الأول ضرب جميع من في الدار، وأفاد الآخر نفي ذلك، فكان نقضًا ورجوعًا.\nوأما [الوجه] الثاني- فلم إذا قبح أحدهما قبح الآخر؟ . ثم الفرق بينهما أن الاستثناء إخراج جزء من الكلام واستعمال للفظة \"الكل\" فيما عداه، وإذا قال: \"ضربت زيدًا- ضربت عمرًا\" انصرف قوله \"إلا زيدًا\" إلى زيد لا إلى عمرو، ولأن زيدًا ليس منهم. ليكون الاستثناء إخراج جزء من الكلام واستعمالًا للفظ فيما عداه، وإذا انصرف الاستثناء إلى زيد كان نقضًا ورجوعًا، بخلاف قوله \"ضربت كل من في الدار\" لما مرَّ.\nفإن قيل: يجب أن يجعل الأسامي كاسم واحد، والكلمات كلمة واحدة، ليكون زيد جزءًا من الكلام، فيكون الاستثناء إخراجًا لجزء منه، واستعمالًا للفظ فيما عداه- قلنا: كل اسم تام بنفسه وكل كلام مستقل في الإفادة، فلا حاجة فيه إلى ما ذكرتم، بخلاف قوله: \"ضربت كل من في الدار إلا زيدًا\"- على ما مرَّ.\nج- ومنها- أن ألفاظ العموم لو كانت موضوعة للاستغراق لما حسُن من السامع الاستفسار والاستفهام، لأن الاستفهام طلب الفهم، وطلب فهم ما فهمه عبث، ومعلوم أن من قال: \"ضربت كل من في الدار\" حسُن من السامع أن يقول: \" [أ] ضربتهم أجمعين؟ - أضربت زيدًا؟ \" فدل حُسن","vol":"1","page":171},{"text":"الاستفهام والاستفسار على أن لفظة \"كل\" ليست موضوعة للاستغراق- والجواب: نحن نُلزمهم من العبث ما ألزمونا، فنقول:\n- لفظ \"كل\" و\"من\" كما هو مشترك بين العموم والخصوص عندكم، فكذلك لفظ \"أجمعين\".\n[قوله:] بالاستفهام طلب من المتكلم أن يفهمه المراد [بكلام] هو، كالأول، في أن لا يقع به الإفهام، فيجب أن يكون عبثًا.\nفإن قال [ذلك- قلنا:] إنما صح ذلك طمعًا منه في حصول العلم الضروري، أو في حصول قوة الظن.","vol":"1","page":172},{"text":"فنحن نجيبهم بمثل ذلك. ثم نقول: إنما صح الاستفهام والاستفسار لمطلق الفهم أو لزيادة الفهم: أما زيادة الفهم فلأن الفهم قد يكون ظنًا، وقد يكون عِلمًا: [فـ] إن كان ظنًا فالاستفهام يقوي ظنه، لأن الظن يتزايد قوته كما يتزايد أمارته. وإن كان عِملًا، فالعلم نوعان: ضروري، ومكتسب- فيستفهمه ليضطر إلى علم قصد المتكلم. وأما مطلق الفهم فهو ما إذا اقترن بكلامه ما يقتضي الالتباس، بأن يظن السامع أنه غير متحفظ في خطابه، بل هو كالساهي فيه، فيستفهمه لنزول الشبهة والسهو، فيخبره عن تحفظ ويقين. وقد يقترن بالكلام ما يدل على التخصيص بأن قال: \"ضربت كل من في الدار\" وتغلب على ظن السامع أن فيهم من يجب تعظيمه كأبيه وأمه، واللفظة موضوعة للاستغراق، وهذه الأماة قد تدل على الخصوص، فتقع المعارضة بين الأمارتين، فيستفهم، ليدل بلفظ خاص، ليزول هذا الاحتمال- فعند وجود شيء من هذه المعاني يصح الاستفهام، لا عند فقدها.\nد- ومنها- أن لفظة العموم لو كانت موضوعة للاستغراق، وكذلك تأكيده، يجب أن يكون تأكيده عبثًا، فلما صح التأكيد، عرفنا أنه غير موضوع للاستغراق.\nوالجواب: هذه الشبهة منتقضة بتأكيد الخصوص، وتأكيد ألفاظ العدد، فإنه يقال: \"جاءني زيد نفسُه\" ويقال: \"عشرة كاملة\" و\"هذا ألف تامة\". وقوله: \"ألف\" إنباء عنه بتمامه- فيجب. تأكيده عبثًا.","vol":"1","page":173},{"text":"وكذلك قوله: \"جاءني زيد\" إنباء عن مجئ نفسه- فيجب أن يكون تأكيده عبثًا.\nثم نقول: في التأكيد فوائد:\nمنها- أنه يحصل به قوة الظن، لأن كل لفظ أمارة على المراد، وإذا جمع بين الأمارتين فقد زادنا دلالة على دلالة، فيقوى الظن، ولهذا كثَّر الله الأدلة على مدلول واحد.\nومنها- أن يظن المستمع أن المتكلم ساه ويعرف المتكلم من حاله ذلك، فيؤكده، ليقف السامع على أنه غير ساهٍ.\nومنها- أن يظن المتكلم أن المستمع ساه، فيصله بالتأكيد، ليزول السهو.\nومنها- أن يقترن بكلامه ما يدل على التخصيص كما إذا قال: \"ضربت من في الدار\" وفيهم أبوه أو صديقه كما ذكرنا، فيصل كلامه بالتأكيد، ليزول اللبس.\nومنها- أن يكون أحد اللفظين أكثر استعمالًا في الخصوص، فيؤكد به ما هو أقل استعمالًا، فيحصل بينهما من قوة الظن ما لا يحصل بأحدهما، لأن الأمارة القوية، مع ما دونها من الأمارة، أقوى منها لو انفردت.\nومنها- أن كلمة \"من\" لو كانت موضوعة للاستغراق لاستحال جمعها، لأن الجمع يفيد أكثر مما يفيد الفرد، وليس وراء الاستغراق شيء يفيده الجمع، وقد ورد الجمع بكلمة \"من\" قال الشاعر:\nأتوا ناري، فقلت: منون أنتم؟ فقالوا: الجنُّ، قلت: عموا ظلاما","vol":"1","page":174},{"text":"والجواب- أن هذا ليس بجمع على التحقيق، وإن كانت صورته صورة الجمع، لأن قوله \"منون\" لا يفيد إلا ما أفاده \"من أنتم؟ \" على اختلاف الأصلين: أما عندنا فلما به تكلمه، وكذلك عندكم، لأنه لما كان مشتركًا، لا يفيد أحدهما إلا ما أفاده الآخر.\n* * *\nوإذا ثبت أن ألفاظ العموم موضوعة للاستغراق، فإذا صدرت من الله أو من الرسول ﵇، يجب حملها عليه، سواء كان في الأمر والنهي أو في الخبر.\nوذهب بعضهم إلى أنه يحمل على الاستغراق في الأمر والنهي، ولا يحمل عليه في الخبر.\nوإنما قلنا بحمله على الاستغراق، لأن الله تعالى أراد بخطابه إفهام المخاطب، فلا يجوز، إذ المراد الإفهام بخطاب له ظاهر، إلا أن يكون مراده ما يفيده ظاهر خطابه [غير ذلك]، لأنه لو لم يكن كذلك لكان قد أراد الإفهام بخطاب","vol":"1","page":175},{"text":"لا يحصل الإفهام به، وذلك باطل. وإذا وجب أن يكون مراد الخطاب ما يفيده ظاهره، فلا يعدل عنه إلا إذا قام الدليل.\nوأما من حمله على الاستغراق في الأمر والنهي دون الخبر، [فـ] قال: لو لم يحمل على الاستغراق فثي الأمر والنهي لم يكن المكلف مزاح العلة، فلأجل إزاحة العلة حملناه على الاستغراق مع احتمال إرادة الخصوص، ولا كذلك في الخبر لأن الغرض منه الزجر أو الحمل، وذلك يحصل بتجويز الجزء المختلف أو الحامل.\nوالجواب- ما تقولون: بأن هذه الألفاظ موضوعة للعموم أو تمنعون ذلك؟\nفإن منعتم ذلك، فقد دللنا عليه، فبعد ذلك لا يختلف ما دخل عليه من الحمل، ولأنها لو لم تكن موضوعة للعموم فلماذا حملتموها عليه في الأمر والنهي. وما ذكرتم من العذر لا يصح، لأن المكلف لا يصير مزاح العلة بخطاب مشترك بين الاستغراق وما دونه، بل المخاطب إذا أراد إزاحة العلة أزاحه بدليل يدل عليه.\nوإن قلتم بأنها موضوعة للعموم، يجب حملها عليه أينما وجدت والله أعلم.","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>٤٠ - باب في: الألف واللام إذا دخلا على الاسم:</span>\nاعلم أن هذا على وجهين:\nإما إن دخلا على اسم الجمع المشتق وغيره، كقولنا: \"المشركون\" وكقولنا: \"الناس\".\nأو دخلا على اسم الفرد المشتق وغيره، كقولنا: \"المشرك\" و\"الرجل\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>أما الأول:\n[في اسم الجمع المشتق وغيره، إذا دخله الألف واللام، والمضاف بدون الألف واللام]</span>\n[(١) في اسم الجمع المشتق وغيره إذا دخله الألف واللام، كقولنا: \"المشركون\" و\"الناس\"]:\nذهب عامة الفقهاء وبعض المتكلمين إلى أنه يقتضي الاستغراق.\nوقال بعض المتكلمين: إنه إذا تجرد يتناول الثلاث فصاعدًا.","vol":"1","page":177},{"text":"والدلالة على صحة المذهب الأول أن قول القائل \"رأيت الناس كلهم\" فـ \"كلهم\" فيه للتأكيد- هكذا قاله أهل اللغة. وإنما يكون للتأكيد إذا كان قوله \"رأيت الناس\" مقتضيًا للاستغراق، لأن التأكيد تقرير للمؤكد، وإنما يكون تقريرًا له إذا كان مطابقًا لقضيته.\nفإن قيل: لم قلت بأن وصف ذلك بأنه تأكيد، قول لجماعتهم، حتى يكون حجة؟ ولئن ثبت ذلك، فإنما وصفه بأنه تأكيد، لأن قوله \"رأيت الناس\" يصلح للكل والبعض، فإذا قال: \"رأيت الناس كلهم\" تبين أنه أراد به الكل، وأكد إرادته بكلمة \"كل\"- قلنا:\nأما الأول- فالنقل عن أئمة اللغة ثابتة مطلقًا، ولو كان فيهم من يصف ذلك، بأنه ليس بتأكيد، بل هو بيان، لنقل إلينا، كما هو عادة النقلة، ولما لم ينقل- عرفنا أن ذلك قول لجماعتهم.\nوأما الثاني- فباطل أيضًا، لأنه يقتضي أن كل ما دل على الشيء يكون مؤكدًا، وإنه باطل. ولأن ذلك لو كان بيانًا لأحد المحتملين، يسمى بيانًا، لا تأكيدًا، كقولنا \"شفق\": لما كان محتملًا للبياض والحمرة فقول القائل \"رأيت الشفق الذي هو البياض\" يكون بيانًا لأحد المحتملين، لا تأكيدًا، لأن التأكيد تقرير المؤكد، والبيان كشف المراد- وحيث اتفقوا على حُسْن التأكيد بهذا الكلام، دل على أنه موضوع للاستغراق.\nدليل آخر: إن قول القائل \"رأيت الناس\" يصح أن يستثنى منه أي رجل شاء، وهذا دليل الاستغراق، لما مر، فيما تقدم.\nدليل آخر: إن الألف واللام إذا دخلا في الاسم، صار الاسم معرفة- كذا نقل عن أئمة اللغة، فيجب صرفه إلى ما به تحصل المعرفة، وإنما يحصل","vol":"1","page":178},{"text":"معنى المعرفة، عند إطلاقه، بالصرف إلى الجنس، لأن كل الجنس معلوم للمخاطب، فأما الصرف إلى ما دونه، [فـ] لا يفيد المعرفة، لأن بعض الجموع ليس بأولى من البعض، فكان مجهولًا.\nفإن قيل: إذا أفاد جمعًا من هذا الجنس، فقد أفاد تعريف هذا الجنس وتمييزه عن أجناس أخر، فيحصل معنى المعرفة، فلا حاجة إلى الصرف إلى كل الجنس- قلنا: هذه الفائدة حاصلة بدون الألف واللام، فإنه لو قال \"رأيت رجلًا\" يفيد تعريف هذا الجنس وتمييزه عن غيره، ولا يسمى اسم معرفة، فدل للألف واللام فائدة زائدة في التعريف، وليس ذلك إلا الاستغراق.\nودليل آخر: إن الجمع المعرف بالألف واللام، في اقتضاء الكثرة، فوق الجمع المنكر، حتى صح انتزاع الجمع المنكر من الجمع المعرف، ولا يصح على العكس، فإنه يصح أن يقال \"رجال من الرجال\" ولا يصح أن يقال \"الرجال من رجال\"، ومن المعلوم بالضرورة أن المنتزع منه أكثر من المنتزع. إذا ثبت هذا [فـ] نقول: هذه الكثرة إما أن تكون هو الكل أو ما دون الكل: لا وجه للثاني، لأن ما من عدد دون الكل إلا ويصح انتزاعه من هذا اللفظ، وقد ذكرنا أن المنتزع منه يجب أن يكون أكثر، ومتى بطل كونه موضوعًا لما دون الكل، كان موضوعًا للكل ضرورة.\nوأما المخالف فقد احتج في المسألة بأن قال: إن قول القائل \"جمع الأمير الصَّاغة\" لا يعقل منه أنه جمع صاغة الدنيا، وإنما يعقل منه أنه جمع البعض من هذا الجنس دون غيرهم.","vol":"1","page":179},{"text":"والجواب- أن ظاهر اللفظ يقتضي أنه جمع صاغة بلده ومن عداهم، إلا أنه إنما يثبت ذلك لتعذر الجمع. وعلى أنا لنزمهم جواز الحمل على الكل وصلاحية الصرف إلى الكل، فإن عندهم جواز الحمل عليه غير ثابت مع احتمال اللفظ عندهم، فإن قالوا: إنما لم يثبت ذلك لقرينة، وهو تعذر الجمع- فنحن نجيبهم بمثل ذلك.\nوشبهة أخرى: أن لام الجنس لو كان موضوعًا للاستغراق، لكان إذا استعمل في المعهود يكون مجازًا، لأنه استعمل في بعض الجنس، وحيث لم يكن مجازًا، علم أنه غير موضوع للاستغراق.\nوالجواب:\n[الأول:] إنما لم يكن ذلك مجازًا، لأن لام الجنس وضع في الأصل للتعريف، كما ذكرنا، فينصرف إلى ما السامع به أعرف. فإن كان هناك معهود فالسامع به أعرف، فانصرف إليه. وإن لم يكن هناك عهد كان السامع بالجنس أعرف، فانصرف إليه، وجرى هذا مجرى قول القائل \"من عندك؟ \" كان استفهامًا عن كل عاقل عنده: فإن كانوا كثرة كان استفهامًا عن الكل، وإن كانوا قلة كان استفهامًا عنهم، ولا يكون مجازًا- فكذا هذا.\nفإن قيل: هذا يقتضي أن يكون هذا الاسم مشتركًا بين الجنس والمعهود- قلنا: إنما يكون مشتركًا إذا كان معناهما متباينًا مختلفًا، كما في اسم \"العين\" و\"القرء\"، و[هنا] معنى اللفظ في الموضعين واحد، وهو التعريف على ما مرَّ.","vol":"1","page":180},{"text":"والثاني: لا يمنع أن يقال: إذا أريد به العهد، كان مجازًا فيه. لأنه لا يحمل عليه إلا بقرينة، وهي العهد بين المتخاطبين، وهذا أمارة المجاز. فأما الصرف إلى الجنس فلا يحتاج فيه إلى قرينة، بل عند الإطلاق والتجريد عن القرائن، ينصرف إليه.\n[(٢) اسم الجمع المضاف بدون الألف واللام]:\nهذا الكلام في الجمع المعرف بالألف واللام، وأما اسم الجمع المضاف بدون الألف واللام، كقول القائل \"ضربت عبيد فلان\" فإنه يقتضي الاستغراق أيضًا. بدلالة صحة تأكيده بكلمة \"كل\" و\"جميع\" بأن يقول \"ضربت كل عبيدك\" و\"جميعهم\"، بدلالة صحة الاستثناء على ما قررنا. ولأن الإضافة للتعريف كلام الجنس، فيفيد ما أفاده لام الجنس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>وأما الثاني:\nوهو اسم الفرد المعرف بالألف واللام، كقوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ﴾</span>.\nذهب بعضهم الفقهاء وجماعة من المتكلمين إلى أنه يقتضي الاستغراق.\nوقال بعضهم: يتناول الواحد إلا عند قرينة الاستغراق.","vol":"1","page":181},{"text":"دليلنا في ذلك ما ذكرنا: أن اللام إذا دخل في الاسم يصير اسم معرفة، فيجب تحقيق معنى المعرفة فيه، وذلك بالصرف إلى الجنس. فأما الواحد من الجنس، [فـ] غير معلوم، فلا يصرف إليه.\nفإن قيل: اللام إن كان للتعريف، ورعاية معنى التعريف واجب، فالاسم في نفسه مفرد، فرعاية معنى الفردية واجب، فلم كان ما ذكرتم أولى؟ قلنا: في الصرف إلى الجنس تحقيق معنى المعرفة من كل وجه، وتحقيق معنى الفردية من وجه، لأن الجنس بالإضافة إلى سائر الأجناس فرد، وفي الصرف إلى الفرد تحقيق معنى الفردية من كل وجه. وتعطيل معنى المعرفة من كل وجه، فكان ما قلناه أولى.\nومما يدل على أنه للاستغراق ما حكى عن جعفر بن محمد بن مزاحم أنه سُئل عن اسم الفرد المعرف باللام [فـ] قال: هو اللاستغراق، فطولب بالدليل [فـ] قال: عليه اتفاق أهل اللغة، فكان هذا نقلًا عن أئمة اللغة: أنه للاستغراق، فيثبت كونه موضوعًا له.\nوأما المخالف- فقد احتج بأن قال: هذه اللفظة لا يجوز أن تنعت بلفظة الجمع، فإنه لا يقال \"رأيت الرجل كلهم\" و\"رأيت الإنسان أجمعين\"، ولو كانت موضوعة للاستغراق لجاز أن تنعت بكلمة \"كل\" و\"جميع\"، ككلمة \"من\" في المجازاة والاستفهام، ولا يجوز استثناء الجمع منه، ولو كانت هذه الصيغة للاستغراق لصح ذلك منه، كما في \"من\" والجمع المعرف باللام.\nوالجواب- قلنا: هذا اللفظ ينعت بالجمع، فإنه يقال: \"أهلك الناسَ","vol":"1","page":182},{"text":"الدينار الصفر والدرهم البيض\": نعتوه بنعت الجمع. وكذا استثناء الجمع منه صحيح، وهو موجود في القرآن: قال الله تعالى: ﴿إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ - فالاستثناء والنعت بالجمع صحيح في نفسه، إلا أن الناس لم يتعارفوا ذلك، لأنه استثناء الجمع من الفرد لفظًا، ونعت اللفظ الفرد وتأكيده بلفظ الجمع، لا أنه غير صحيح في نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>٤١ - [باب في: الجمع المنكر]:</span>\nوأما الجمع المنكر العاري عن الإضافة والألف واللام، كقولنا: \"رأيت رجالًا\":\n[فـ] قال بعضهم: يقتضي الاستغراق.\nوقال بعضهم: يتناول الثلاث فصاعدًا إذا تجرد عن قرينة الاستغراق.\nوالدلالة على ذلك أن قوله: \"رأيت رجالًا\": هذا اسم جمع، بدليل أنك ترتقي من التثنية إليه، فتقول: \"رجل\" و\"رجلان\" و\"رجال ثلاثة\"، ومعنى الجمع ثابت في الثلاث، كمن قيل له: \"اضرب رجالًا\" فأتى ثلاثة من الرجال فضربهم، فقد فعل ما يوصف بأنه ضارب رجالًا، فصار ممتثلًا","vol":"1","page":183},{"text":"للأمر، كمن قيل له: \"ادخل الدار\" فإذا دخل من الدار في أولها ولحقه اسم داخل الدار، صار ممتثلًا- كذا هذا.\nوأما من حمله على الاستغراق-[فـ] قال بأن الاستغراق فائدة هذا اللفظ في الجملة، بدليل أنه جاز أن يراد به الاستغراق، ولأنه للجمع، ومعنى الجمع ثابت في الثلاث وفي الكل- فيحمل على الاستغرق، حملًا له على جميع فوائده.\nوالجواب: لم قلتم بأن حمل اللفظ على جميع فوائده واجب؟ وما أنكرتم أنه يحمل على أقل حقيقته وفوائده، لأنه متيقن، وما زاد على ذلك مشكوك فيه.\nوأما قوله: \"افعلوا\" و\"اضربوا\" ونحو ذلك- قال بعضهم: إنه على الخلاف. والصحيح أن يقال: هذا اللفظ لا بد أن يتقدمه اسم أو ما يجرى مجرى الاسم، كالإشارة للحاضرين، لأنه لا يفيد بدونه. فإن تقدمه اسم يستغرق، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، أو إشارة إلى الكل- حمل عليه، وإن كان ما تقدمه من الاسم أو الإشارة غير مستغرق، لا يحمل عليه.\nوالله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>٤٢ - باب في: أن أقل الجمع: ما هو</span>؟:\nاعلم أن الباب مشتمل على مسألتين:\nإحداهما- إن قولنا \"جمع\"- ما الذي يفيده: في اللغة، والعرف؟\nوالثانية- إن الألفاظ التي توصف بأنها جمع- ماذا تفيده؟","vol":"1","page":184},{"text":"أما الأولى:\nفقولنا \"جمع\" من جهة اللغة: الاشتقاق يفيد ضم شيء إلى شيء، لأنه مأخوذ من الاجتماع، وهو الانضمام لغة.\nوأما [في] عرف أهل اللسان: [فـ] يفيد ألفاظًا مخصوصة، وما ارتقيت من التثنية إليه، كالرجال والنساء والدواب.\nوأما الثانية:\nوهو أن الألفاظ التي توصف بأنها جمع- هل تفيد الاثنين على الحقيقة أم لا؟\nذهب الأكثرون إلى أنها لا تفيد ذلك.\nوذهب البعض إلى أنها تفيد، وهي حقيقة في الاثنين فصاعدًا.\nدليلنا في ذلك -أن الجمع ينعت بالثلاث، والثلاث ينعت بالجمع، ولا ينعت الجمع بالاثنين ولا الاثنين بالجمع- يقال: رجال ثلاثة وثلاثة رجال، ولا يقال: رجال اثنان واثنان رجال، فلو كان حقيقة في الاثنين لكان ينعت به، كما ينعت بالثلاث.\nدليل آخر- إن الجمع اختص بألفاظ على حدة، في المصرح والكتابة- يقال: \"رجل\" و\"له\" و\"لك\". و\"رجلان\" و\"لهما\" و\"لكما\". و\"رجال\" و\"لهم\" و\"لكم\"- فكما لا يكون الواحد جماعة، لا يكون الاثنان جماعة، تحقيقًا لتغاير المعاني عند تغاير الألفاظ والأسامي.","vol":"1","page":185},{"text":"وأما المخالف- فقد احتج بالاشتقاق والاستعمال:\nأما الاشتقاق- فهو أن الجمع مأخوذ من الاجتماع والانضمام، وهو حاصل في الاثنين، كما أنه حاصل في الثلاث.\nوأما الاستعمال- فهو قوله تعالى: ﴿ودَاوُدَ وسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ﴾ إلى قوله: ﴿وكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾. وقال تعالى لموسى وهارون: ﴿إنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ وهما يوسف وأخوه. دلَّ عليه قوله ﵇: \"اثنان فما فوقهما جماعة\" أخبر أن الاثنين جمع.\nوالجواب:\nأما الاشتقاق- قلنا: الجمع مأخوذ من اجتماع خلص، وهو اجتماع الثلاث، وموضوع له، لا لمطلق الاجتماع لما ذكرنا، وهذا لا يوجد في الاثنين.\nوأما الاستعمال- قلنا: أولًا: لا نسلم بأن لفظ الجمع في هذه المواضع استعمل في الاثنين، بل في الثلاث وما فوقه.\nوأما قوله تعالى: ﴿وكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي حكمهما مع الجمع المحكوم عليهم. وقوله تعالى: ﴿إنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾ يعني موسى وهارون","vol":"1","page":186},{"text":"وفرعون وقومه. وقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ أراد يوسف وأخاه والأخ الأكبر الذي تخلف عن الإخوة.\nوالثاني: إن أريد به الاثنان، فهو مجاز، بدليل ما ذكرنا.\nوأما الحديث- فمحمول على أن حكمهما حكم الجماعة في انعقاد الصلاة بجماعة وانعقاد الجمعة بهما عند بعض العلماء. [و] المارد من الحديث بيان الحكم الشرعي لا بيان الاسم اللغوي. والخلاف في: الاثنين هل يفيدهما اسم الجمع، في موضوع اللغة، أم لا؟ . والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>٤٣ - باب في: أن نفي مساواة الشيء الشيء- هل يقتضي نفي اشتراكهما في جميع الصفات أم لا</span>؟:\nعندنا: لا يقتضي ذلك.\nوعند أصحاب الشافعي ﵀: أن [النفي] يقتضي ذلك.\nفإنهم استدلوا بقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وأَصْحَابُ الجَنَّةِ﴾ على نفي قتل المسلم بالذمي. وقالوا: لو قُتل المسلم بالذمي كما يقتل الذمي بالمسلم، كان فيه تسوية بينهما، مع أن أحدهما من أصحاب الجنة والآخر من أصحاب النار، والآية تمنع ذلك.\nوإنا نقول: الاستواء بين الشيئين اشتراكهما في جميع الصفات.","vol":"1","page":187},{"text":"فاستواؤهما اشتراكهما في الطول والمقدار .... [فإن] افترقا في بعض الصفات، فما استويا في جميع الصفات، فاستقام أن يقال ما استويا.\nونحن نقول بأن بين المسلم واذمي افترقا في كثير من الصفات، فلا يلزم إثبات الافتراق في أمور القصاص.\nفإن قيل: هلَّا قلتم: إن المراد من قوله: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وأَصْحَابُ الجَنَّةِ﴾ هو نفي اشتراكهما في صفة من الصفات، وهو كقوله: لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة في صفة من الصفات، ولو قال ذلك يقتضي افتراقهما في جميع الصفات، فكذا هذا- قلنا: نفي الاستواء علق بأصحاب النار وأصحاب الجنة، فيقتضي نفي اشتراكهما في جميع الصفات، وإذا افترقا في بعض الصفات [فـ] ما اشتركا في جميع الصفات، فلا يلزم إثبات الافتراق في حق القصاص، وإنما يلزم ذلك إن علق نفي الاستواء بصفة من الصفات، وليس في ذلك ذكر الصفة.\nوالله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>٤٤ - باب في: أن خطاب الذكور- هل يتناول الإناث أم لا</span>؟:\nاعلم أن الخطاب أنواع:\nمنها- ما يختص الذكور ولا يتناول الإناث، كقولنا: \"رجال\".\nومنها- ما يخص الإناث ولا يتناول الذكور، كقولنا: \"نساء\".","vol":"1","page":188},{"text":"ومنها- ما يستعمل في الذكور والإناث، وذلك ضربان:\nأحدهما- ما لا يتبين فيه وجه التذكير والتأنيث، ككلمة \"من\"- فهذا يتناول كل عاقل، كرًا أو أنثى.\nوالآخر- ما يتبين فيه وجه التذكير والتأنيث، كقولنا \"المسلمون\" و\"المسلمات\" و\"قاموا\" و\"قمن\".\nوأجمعوا أن ما يتبين فيه وجه التأنيث لا يتناول الذكور.\nوأما الوجه الذي يتبين فيه وجه التذكير- اختلفوا فيه: أنه هل يتناول الإناث أم لا؟ .\nفالأكثرون على أنه لا يتناولهن إلا إذا اقترنت به قرينة الإرادة.\nوقال بعضهم: يتناولهن.\nوالدليل على صحة المذهب الأول- أن للذكور جمعًا ينفصل عن الإناث، وللإناث جمعًا ينفصل عن الذكور، فلا يجوز أن يدخل احدهما في الآخر، ولهذا لم يدخل الذكور في جمع الإناث، فكذا الإناث لا يدخلن في جمع الذكور.\nودليل آخر- أن الجمع تضعيف الواحد، ولو قال \"قام\" يتناول الذكر خاصة دون الأنثى. فكذلك لفظ الجمع، لنها لا تقتضي إلا تضعيف فائدته. وقد استدل في ذلك بأن النساء شكون إلى رسول الله ﷺ وقلن: \"لا نجد الله ﷾ يخاطنا في كتابه\" فنزل قوله تعالى: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والْمُسْلِمَاتِ﴾،","vol":"1","page":189},{"text":"ولو كان خطاب الذكور يتناولهن، لم يكن لشكايتهن معنى. إلا أن لقائل أن يقول: إن شكايتهن لأنهن لم يفردن بخطاب، تشريفًا لهن، لأن ذلك لا يحصل بدخولهن تحت خطاب الرجال تبعًا.\nوأما المخالف- فقد احتج في ذلك بأن خطابات الشرع تتناولهن، بدليل وجوب الشرائع عليهن، مع أنهن لم يفردن بالذكر. فلو لم يتناولهن خاطب الذكور لما وجب عليهن كذلك.\nوالجواب: أنهن أفردن ببعض خطاب الشرع نحو قوله تعالى: ﴿وأَقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ﴾ و﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي﴾، وقوله تعالى: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والْمُسْلِمَاتِ﴾، وفيما لم يفردن ثبت الحكم ي حقهن بخطاب الذكور بقرائن اقترنت بها لا بحكم الوضع.\nوشبهة أخرى: إن العرب قالوا: إذا اجتمع التذكير والتأنيث غلب التذكير على التأنيث، وهذا يقتضي أنهما إذا اجتمعا كان الاسم الموضوع لهما لفظة التذكير.\nوالجواب: إن المراد به: أنهما إذا اجتمعا وأراد المتكلم أن يعبر عنهما، يجب أن يعبر بلفظة التذكير دون التأنيث.","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>٤٥ - باب في: أن العبد هل يدخل تحت الخطاب بالعبادات أم لا</span>؟:\nاعلم بأن العبد داخل تحت الخطاب الشامل بالعبادات، ولا يخرج عنه إلا لمانع، وهو أن تكون العبادة ما تترتب على ملك المال. فإنه لا يدخل تحت الخطاب بها. لأن ذلك لا يصح منه. فأما ما سوى ذلك فالخطاب شامل، وهو أهل للخطاب، ولا مانع منه، فيدخل فيه.\nفإن قيل: هلا كان المانع من دخوله تحت الخطاب بالعبادات هو ما يثبت من وجوب خدمته لسيده في الأوقات التي يستخدمه، لأن ذلك يمنع اشتغاله بالعبادة؟ - قلنا: إنما يلزمه خدمة سيده إذا فرغ من أدائها، أما قبل الفراغ منه، [فـ] لا يلزمه ذلك، فلا يكون مانعًا له.\nفإن قيل: الدليل الدال على وجوب خدمته لسيده في حكم العام، وهو الملك -فلم كان جعل هذا الدليل مخصوصًا بما دل على وجوب العبادات، أولى من جعل ما دل على وجوب العبادات مخصوصًا به؟ - قلنا: الدليل الذي دل على وجوب خدمته لسيده عام، والدليل الذي دل على وجوب العبادات خاص، لأن كل عبادة يتناولها نص خاص، كآية الصلاة وآية الصيام ونحو ذلك، ومن حق الخاص أن يقضي على العام لما نذكره.\nفإن قيل: كما أن الدليل على وجوب الخدمة لسيده عام بالإضافة إلى الأحوال والأوقات، فالدليل المقتضي لوجوب العبادة عام بالإضافة إلى الأشخاص،","vol":"1","page":191},{"text":"أعني الحرار والعبيد، فلم كان تخصيص العام في حق الأحوال أولى من تخصيص العام في حق الأشخاص- قلنا: التخصيص إخراج ما دل اللفظ على كونه مرادًا من أن يكون مرادًا، واللفظ الشامل للأشخاص أقوى في الدلالة على المراد، لأنه يصرح بذلك الأشخاص، فأما العام في حق الأوقات والأحوال [فـ] لم يذكر فيها الأوقات والأحوال، فكان تخصيص الدليل الموجب لخدمة السيد في الأوقات وحمله على حال فراغه من العبادات، أولى من إخراج أشخاص العبيد عن دليل وجوب العبادات على كل الأشخاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>٤٦ - باب في: أن الكافر هل يخرج عن الخطاب بالشرعيات أم لا</span>؟:\nحكى عن الشيخ أبي الحسن الكرخي ﵀ أن الكافر داخل تحت الخطابات الشاملة للعبادات والشرعيات- وهو مذهب جماعة من الفقهاء وبعض المتكلمين. وقيل: هو مذهب الشافعي ﵀.\nوذهب بعض الفقهاء وبعض المتكلمين إلى انه غير داخل فيه. وقيل: وهو مذهب أصحابنا.\nولم ينقل في هذه المسألة نص عن أصحابنا المتقدمين ﵏، إلا أن مشايخنا المتأخرين ﵏ خرجوها بناء على تفريعاتهم: فإن محمدًا ﵀","vol":"1","page":192},{"text":"قال في كتاب المناسك: إن الكافر إذا دخل مكة ثم أسلم فأحرم وحج لا يلزمه دم ترك الوقت، لأن ذلك ليس عليه. وقال في كتاب الصوم: إن الكافر إذا كان له عبد مسلم فمرَّ عليه. وقال في كتاب الصوم: إن الكافر إذا كان له عبد مسلم فمرَّ عليه يوم الفطر لا يلزمه صدقة فطره، قال: لأن ذلك ليس عليه. وقال في كتاب النكاح: إن المسلم إذا كان تحته امرأة نصرانية عادتها في الحيض دون العشرة فانقطع الدم على عادتها، يحل له وطؤها قبل الاغتسال وقبل أن يمضي عليها وقت الصلاة، بخلاف المسلمة، قال: لأن ذلك ليس عليها- وهذا يدل على أن مذهبهم ما ذكرنا.","vol":"1","page":193},{"text":"وثمرة الخلاف هي العقاب على تركها فقط، فإن الأمة أجمعت على أن الكافر إذا أتى بهذه العبادات لا يثاب عليها، ولو لم يأت بها حتى أسلم، لا يجب عليه القضاء.\nدليلنا في ذلك- أن الكافر لو كُلِّف أداء هذه العبادات: إما أن يكلف أداءها مضافًا للكفر، أو بواسطة ترك الكفر والإتيان بالإسلام، على مثال الجنب: يكلف أداء الصلاة بواسطة الغسل:\nلا وجه الأول- لأنه لا يتصور أداؤها مضافًا للكفر، ولو أدى صورها لا يُقبل منه.\nولا وجه إلى الثاني- لوجهين:\nأحدهما- أنهي صير الإسلام شرطًا لأداء العبادة، وشرط الشيء تبع له كالوضوء للصلاة، ولا يجوز أن يكون الإسلام تبعًا لغيره في الوجوب والفرض. إلا أن هذا الوجه غير صحيح، غذ ليس من ضرورة كون الشيء شرطًا لوجوب شيء أن يكون تبعًا له- ألا ترى أن الإيمان بالله تعالى والإقرار بوحدانيته شرط لأداء الإيمان بالرسل وتصديقهم، ولا يتصور الإيمان بالرسل وتصديقهم إلا بعد الإيمان بالله تعالى، وليس لأحد أن يقول: إن الإيمان بالله تبع الإيمان بالرسل، فكذا هذا.\nوالوجه الثاني- وهو الصحيح، أن وجوب هذه العبادات لا تبقى بعد الإسلام بل تسقط، فإن منع، نستدل بالكتاب والسنة والإجماع:","vol":"1","page":194},{"text":"أما الكتاب- فقوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾. وأما السنة- فقوله ﵇: \"الإسلام يجبٌّ ما قبله\" أي يقطع ويسقط. وأما الإجماع- فلأن الأمة أجمعت على ترك الأمر للكافر الذي أسلم بقضاء العبادات الفائتة حال الكفر، وإذا سقط الواجب بالإسلام، كيف يكون الإسلام شرطًا لأدائه- هذا معنى قول مشايخنا: يستحيل أن يكلف الإنسان يفعل لو أتى به لا يقبل منه، وإذا صار بحال لا يقبل يسقط عنه ولا يكلف، وبهذا فارق تكليف الجنب بالصلاة: فإنه يكلف أداء الصلاة بواسطة الغسل، وإذا اغتسل تصح منه الصلاة ولا تسقط عنه.\nفإن قيل: أثر هذا الوجوب ليس في استحقاق الثواب على الفعل ليشترط إمكان أداء الفعل، بل أثره في استحقاق العقاب على من له الترك، والترك ممكن بأن لا يسلم ولا يأتي بهذه العبادات- قلنا:\n[أولًا]- التكليف والإيجاب طلب تحصيل الفعل، ولا يجوز طلب تحصيل الفعل لغرض يرجع إلى ان لاي فعل ولا يتحقق في فعله غرض، بل لا يتصور ذلك.\nوالثاني- إن استحقاق العقاب على الترك أو على أن لا يأتي بالفعل، إنما يصح إذا كان يمكنه أن يأتي به وأن يترك، حتى يكون الأمر الذي يتعلق به استحقاق اللوم والعقاب متعلقًا باختياره، فإذا كان بحال لا يتمكن من الفعل أصلًا، لأن كون الترك وعدم الفعل باختياره، فكيف يعاقب ويلام عليه؟\nوقد استدل في المسألة بحديث معاذ ﵁: أن النبي ﵇ لمَّا بعثه إلى اليمن فقال له: \"إذا أتيتهم فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله،","vol":"1","page":195},{"text":"فإن أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة\"- علق فرضية الصلاة بالإسلام، والمعلق بالشرط عَدَمٌ قبل وجود الشرط، لما مر في الأبواب المتقدمة. إلا أن لقائل أني قول: الحديث لا يقتضي تعليق فرضية الصلاة بالإسلام، بل تعلق الأمر بالإعلام بفرضية الصلاة، ويجوز أن تكون الصلاة فرضًا في حقهم ولا يجب على الرسول ولا على رسوله الإعلام به قبل الإسلام، لعدم الفائدة في ذلك.\nوقد استدل في المسألة بقوله ﵇: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله\": أنهى إباحة القتال إلى وجود الإيمان، ولم يذكر الشرائع، ولو كان التكليف بها ثابتًا في حقهم لوجب عليهم قبولها، كما يجب قبول الإيمان، ودخل في كونه غاية للقتال. إلا أن لقائل أن يقول: إباحة القتال ليس حكم فرضية الإيمان، بل هو حكم الأمر للنبي ﵇ بإظهاره والدعاء إليه بأبلغ الوجوه. فأما الشرائع، وإن كانت فرضًا عليهم، فالنبي ﵇ غير مأمور بإظهارها والدعاء إليها قبل الإيمان، فإنما لم يدخل في كونه غاية للقتال لهذا.\nوقد استدل في المسألة بامتناع القضاء: فإنا أجمعنا على أنه لو ترك العبادات لا يكلف بالقضاء، ولو كان فرضًا لكلف بالقضاء. إلا أن لقائل أن يقول: القضاء يجب بأمر جديد، لما عرف، فعدم ورود الأمر بالقضاء بأمر جديد لا يدل على عدم الفرضية بالدليل السابق.\nوقد استدل في المسألة بأن التكليف بالفعل إنما يصح إذا كان للمكلف سبيل إلى العلم بكونه مكلفًا، [إذ] لولا ذلك لكان تكليف ما ليس في الوسع، والكافر مع إصراره على الكفر واعتقاده له، لا سبيل له إلى العلم بالتكليف","vol":"1","page":196},{"text":"بالشرائع، فلا يكون مكلفًا بها. إلا أن لقائل أن يقول: هذا باطل، بوجوب الإيمان بالرسل وتصديقهم، فإنه لا يتصور العلم به مع إنكار الصانع والإصرار عليه، وكل كافر يكلف بالإيمان بالله، وبتصديق رسله قبل الإيمان بالله- فإن قال بأن ثمة طريق العلم قائم بأن ينظر في الدليل فيعرف الله تعالى ويعرف صدق رسله والتكليف بالإيمان بهم- فنقول له: طريق العلم ههنا قائم وهو تقديم الإسلام والنظر في الدلائل.\nوأما المخالف فقد احتج في المسألة بأشياء:\nمنها- أن النصوص الشاملة للعبادات، عامة في حق المسلم والكافر جميعًا، نحو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، وقوله تعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾، ولفظة الناس تتناول المسلم والكافر جميعًا.\nوالجواب: أما النص [الأول]- قلنا: هو عام في حق الأشخاص، أما ليس [بـ] عام في حق الأفعال، فإن قوله: ﴿اعْبُدُوا﴾ لا يتناول كل العبادات، بل يتناول ما يسمى عبادة. ونحن نقول بوجوب رأس العبادات على الكافر وهو الإيمان بالله تعالى، وحملناه عليه بدليل ما ذكرنا.\nوأما النص الثاني فهو مشروط بالاستطاعة بقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ والكافر غير مستطيع على ما مر.","vol":"1","page":197},{"text":"ومنها- أن أثر الوجوب استحقاق العقاب على الترك، وهو ثابت:\n- بقوله تعالى: ﴿... يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾: بين أن دخول النار بسبب ترك الصلاة والزكاة. ثم هذا، إن كان إخبارًا عن قول الكفار، وقولهم ليس بحجة، لكن الله تعالى ذكره ولم يعقبه بالإنكار، والحكيم إذا حكى خبرًا عن غيره ولم يعقبه بالإنكار كان تقريرًا لذلك منه.\n- وبقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾، وهذا ذمُّ على ترك الصلاة.\nوالجواب:\n- أما النص الأول-فالجواب عن الاستدلال به من وجوه:\nأحدها أن المراد من قوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ أي من جملة من يصلي، وهم المؤمنون: حملناه على هذا بدليل ما ذكرنا.\nوالثاني- يحتمل أن المراد منه المرتدون الذين أضاعوا الصلاة والزكاة حالة الإسلام ثم ارتدوا وماتوا- حملناه عليه بما ذكرنا.\nوالثالث- أن هذا إخبار عن قول الكفار، وقولهم ليس بحجة.\n- قوله: بأنه لم يعقبه بالإنكار- قلنا: لا نسلم، بل عقبه بالإنكار عليهم على لسان نبيه إن لم يذكره في القرآن، فإنه روى في المشاهير: (أنهم إذا قالوا:\n-","vol":"1","page":198},{"text":"لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، قال لهم خزنة جهنم: كذبتم، فإن من الإنسان من لم يصل وليس معكم هنا، فقالوا: لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، قال لهم الخزنة: كذبتم، فإن من الإنسان من لم يؤد الزكاة وليس معكم هنا، فقالوا: وكنا نخوض مع الخاضئين، وكنا نكذب بيوم الدين، فقالت الخزنة: صدقتم) - وإذا قوبل بالتكذيب لا يبقى حجة.\n- وأما النص الثاني- فالمراد منه قبول الزكاة بالإسلام، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي يقبلوا- حملناه عليه بدليل ما ذكرنا.\nومنها- استدلالهم بالخطاب بالحدود والعقوبات، فإنها متناولة لهم، وكذلك بالمبادات.\nوالجواب:\nما المعنى بقولك: \"إن الكافر مخاطب بالحدود؟ \" [هل] عنيت به أنه يجب عليه التمكين من اللإقامة؟ أو عنيت به أنه إذا زنى أو شرب فالإمام يقيم عليه الحد جبرًا؟:\nإن عني الأول- قلنا: في ذلك وجهان: أحدهما- أنه لا يجب عليه ذلك، وهو غير مكلف بشيء، أما الإمام [ف] مكلف بأن يقيم عليه ذلك جبرًا، بقوله تعالي: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ﴿هذا خطاب الأئمة دون الزاني والسارق.","vol":"1","page":199},{"text":"والثاني- أنه وجب عليه ذلك بحكم قبول الأمان وعقد الذمة، لا بخطاب الشرع ابتداء.\nإن عنيت به الثاني- فهذا لا يكون خطابًا للكافر بشيء، والكلام فيه.\nفإن قيل: إنما يجب على الإمام إقامة الحد على الزاني والسارق إذا وقع ذلك منه حرامًا وقبيحًا، وذلك بمقتضى توجه الخطاب إليه- قلنا: بعض هذه الأفعال مما هو قبيح عقلًا، كالسرقة والغضب والظلم ونحوها. وبعضها يعرف قبحها بتحريم الشرع، وخطاب التحريم متناول للكافر لأنه يمكنه الامتثال، لأن التحريم والنهي طلب الانتهاء، والكافر يمكنه الانتهاء عن القبيح مضافًا للكفر، وبعد الإسلام، بأن لا يزني ولا يسرق، أما الإتيان بالعبادة فهو غير ممكن له، لا مضافًا للكفر ولا بعد الإسلام لما مر.","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>٧\nباب الخصوص</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>٤٧ - [تعريفات]:</span>\nاعلم أن هنا ألفاظًا لابد من معرفة معانيها، وذلك قولنا \"خاص\"، و\"مخصوص به\"، ووصفا المتكلم بكونه \"مُخَصِّصّا\"- فنبين معاني هذه الألفاظ، ونبين الفرق بين التخصيص والنسخ.\n- أما وصفنا الخطاب بأنه \"خاص\"- فيفيد أنه متناول لشيء واحد كقولنا: \"بغداد\" و\"كوفه\" ونحو ذلك.\n- و\"الخصوص\"- عبارة عن كون الخطاب متناولًا لشيء واحد.\n- وأما وصفنا الخطاب بأنه \"مخصوص\"- فمعناه أن المراد به بعض فوائده، وإنما كان مقصورًا على بعض فوائده إذا أريد بعض فوائده.\n- وأما وصفنا المتكلم بأنه \"مخصص\"- فإنه يُستعمل بطريق الحقيقة، والمجاز. فمعناه بطريق الحقيقة أن يجعل الخطاب خاصًا، وإنما يكون كذلك إذا أريد به بعض فوائده. ومعناه بطريق المجاز هو أن يدل على التخصيص أو اعتقد تخصيصه.\n- وأما الفرق بين التخصيص والنسخ- فهو أن: التخصيص إخراج بعض ما تناوله اللفظ فعلًا أو فاعلًا أو زمانًا، بدليل مقارن. والنسخ إخراج بعض","vol":"1","page":201},{"text":"ما تناوله أو كل ما تناوله بدليل متراخٍ. مثاله أن يقول: \"صلوا كل يوم صلوات\"- فهذا عام في الفاعلين والفعل والزمان، فإذا قال متصلًا به: \"إلا زيدا لا يفعل\" أو \"لا تصلوا في الجمعة الفلاني\" أو \"لا تصلوا الصلاة السادسة\"، مقارنًا للخطاب، كان تخصيصًا. وإذا قال ذلك متراخيًا عنه، كان نسخّا.\nإذا عرفنا هذه الجملة، [ف] لابد من: بيان ما يجوز تخصيصه، وما لا يجوز- فنقول:\nالخطاب نوعان: أحدهما ليس فيه معنى الشمول، والآخر فيه معنى الشمول.\n- فالأول- لا يجوز تخصيصه، بل لا يتصور تخصيصه، لأن التخصيص إخراج جزء ما تناوله اللفظ، فمتى لم يكن له جزء لا يتصور تخصيصه.\n- والثاني- على ضربين: أحدهما- أن يكون اللفظ عامًا في نفسه، كالمشركين وغيره. والثاني- أن يكون اللفظ خاصًّا في عين وقضيته عامة، بأن دل الدليل على تعدي حكمه إلى غيره.\n• فالأول- يجوز تخصيصه، لأنه متى تناول أشياء [فإنه] يمكن إخراج جزء منه.\n• والثاني على ضربين:\nأحدهما- أن يكون عموم حكمه بفحوى القول، ويفيد الحكم في غيره بطريق الأولى، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾.\nوالثاني- أن يكون حكمه معلولّا بعلة تتعدى.","vol":"1","page":202},{"text":"فالأول- لا يجوز تخصيصه مع بقاء الأصل، لأنه لو خص الضرب من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ وأبيح مع حظر التأفيف، لكان ما أبيح شارك المحظور في علة الحظر وزاد عليه، فيؤدي إلى التناقض.\nوالثاني- هو تخصيص العلة الشرعية، واختلف فيه أهل الأصول-[ف] نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>٤٨ - باب ما ينتهي إليه التخصيص من الغاية:</span>\nقال بعض أهل الأصول: إنه يجوز تخصيص كلمة \" من\" إلى الواحد، ولا يجوز ذلك في ألفاظ الجمع العامة، كقولنا: \" الرجال\" و\"النساء\" ونهاية التخصيص فيها إلى الثلاث.\nوقال بعضهم: يجوز تخصيص جميع الألفاظ العامة مع اختلافها إلى أن يبقى تحتها واحد.\nوالصحيح من المذهب أن نقول:\n- إن عنى بهذا الجواز صحة الكلام، في مخرجه على موجب اللغة، فهو ثابت إلى الواحد، لأنه يجوز أن يراد باللفظ الموضوع للكل بعضه، وليس بعض بأولى من بعض.\n- وإن عني به الحُسن في الاستعمال عرفّا، فيمنع من ذلك في جميع الألفاظ العامة ويوجب أن يراد بها الأكثر، وإن كان لا يقدر ذلك بتقدير.\nوالدليل عليه أن قائلّا لو قال: \"أكلت جميع ما في الدار من الرمان\" وفيها","vol":"1","page":203},{"text":"ألف رمانة وكان قد أكل رمانة أو رمانتين أو ثلاثة، عابة أهل اللغة ولاموه على ذلك، وإنما يزول اللوم عنه أن لو أكل جمعية أو أكثره وإن كان لا يحد. وكذلك إذا قال: \"أكلت الرمان الذي في الدار\" أو قال: \"أكلت الرمان\"- إلا أن يريد به الجنس كما يقال: \"أكل المريض اللحم\" وإن كان قد أكل منه شيئًا يسيرّا، لكن المراد منه أنه شرع في أكل اللحم. وكذلك إذا قال: \"من عندك؟ \" أو قال: \"من دخل داري ضربته\" ثم يقول: \"عنيت به زيداّ\"- عابه أهل اللغة على ذلك.\nقيل: لو امتنع استعمال لفظ العموم في الواحد، لكان إنما يمتنع لأنه استعمل في غير ما وضع له. وهذا إن كان يمنع من استعماله في الواحد [فإنه] يمنع من استعماله في الكثير- قلنا: ليس المانع من جواز ذلك ما ذكرتم، بل المانع أن أهل اللغة لم يستعملوا لفظ العموم في الواحد.\nوأما المخالف- فقد احتج في المسألة بالاستعمال- قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، ومنزل الذكر هو الله تعالى، وإنه واحد لا شريك له. وقال الشاعر: \"إنا وما أُعني سواي ناسا\". وروى عن عمر ﵁ أنه أنفذ إلى سعد بن أبي وقاص بقعقاع مع ألف فارس ثم كتب","vol":"1","page":204},{"text":"إليه فقال: \" أنفذت إليك ألفى فارس\": سمي قعقاع ألف فارس- فإذا جاز ذلك في ألفاظ العدد، جاز ذلك في الألفاظ العامة.\nوالجواب- أن ذلك خرج مخرج التعظيم، ولإبانة أن الواحد يقوم مقام الجماعة، ونحن نجوز ذلك، ولا كلام فه، إنما الكلام في استعمال لفظ العموم في الواحد على هذا الوجه- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>٤٩ - باب في: استعمال لفظة العموم في الخصوص:</span>\nحكي عن بعضهم أنهم منعوا من جواز استعمال ذلك في الخبر، وجوزوا في الأمر والنهي، فقالوا: لو جاز ذلك في الخبر، أدى إلى توهيم الكذب، والحكمة تمنع من التكلم بمثله. ولأنه لا يجوز نسخة، فلا يجوز تخصيصه، لأنه بمعنى النسخ.\nوعندنا: لا فرق في جواز ذلك في الكل.\nوالدلالة على جوازه ورود القرآن به- قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾","vol":"1","page":205},{"text":"وأهل الذمة غير مراد [ين]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهو لا يوصف بالقدرة على ذاته وصفاته مع إطلاق اسم الشيء عليه. وقال تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مع أنها لم تُؤت من كل شيء. ورُوى عن النبي ﵇: أنه كان لا يدخل بيتا فيه تصاوير وكان يقول: \"إن الملائكة لا تدخل بيتّا فيه تصاوير\" ثم دخل بيتّا فه تصاوير توطّا- وهذا تخصيص في الخبر، دلَّ عليه أن العرب يستعملون لفظة العموم في الخصوص في الخبر، فجاز أن يرد القرآن به، لأنه نزل القرآن بلغة العرب.\nوأما قوله: إن ذلك يوهم الكذب- قلنا: إنما يجوز ذلك إذا لم يقترن به دلالة التخصيص، ومع دلالة التخصيص لا يوهم ذلك. ولأن ما ذكروا يلزمهم المنع من جواز ذلك في الأمر والنهي، لأن ذلك مما يوهم البداء.\nوقوله: لا يجوز نسخه- قلنا: لا كذلك، بل جاز نسخه، فجاز تخصيصه- والله أعلم.","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>٥٠ - باب- ما يصير العام به خاصًّا:</span>\nاعلم أن الذي يفهم من ذلك شيئان:\nأحدهما- ما يصير العام به خاصَّا، عندنا.\nوالآخر- ما يصير به خاصَّا في نفسه.\nفإن أريد به الأول- فنقول: بالأدلة نعرف كونه خاصَّا.\nوإن أريد به الثاني- فنقول: بالإرادة، لأن المفهوم من قول القائل: \"إن الخطاب خاص\" هو أنه استعمل في بعض ما يصلح أن يتناوله على ما مرّ، ولا معنى لذلك إلا أنه أريد به بعض ما يصلح له. وهذا لأن اللفظ قد يقع خاصَّا وقد يقع عامًّا، فلابد من آمر يخصصه بأحدهما، إذا لولاه لم يكن أحدهما بالوقوع أولى من الآخر، وليس ذلك إلا الإرادة- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>٥١ - باب- ما يُعلم به تخصيص العام:</span>\nأعلم أن الذي يُعلم به التخصيص نوعان: أحدهما متصل به، والآخر منفصل عنه.\nأما المتصل به- فنحو: الصفة، والغاية، والشرط، والاستثناء.\nوأما المنفصل عنه-[ف] نوعان: سمعي، وعقلي. والسمعي ضربان: دلالة، وأمارة.\nأما الدلالة- فهو: الكتاب، والسنة المقطوع بها، والإجماع المقطوع به. والأمارة: القياس، وخبر الواحد.","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>[أ]\n[تخصيص العام بالأدلة المتصلة]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>١ - أما الصفة:</span>\nفنحو أن يقول القائل: \"اضرب الرجال الطوال\": لو اقتصر على قوله: \" اضرب الرجال\" يجب عليه ضرب الرجال أجمع، فإذا قيده بالصفة، سقط عنه ضرب من لم يتصف بتلك الصفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>٢ - وأما الغاية:</span>\nفبأن يقول: \"اضرب بني تميم أبدّا إلى أن يدخلوا الدار\": لو اقتصر على قوله: \"اضرب بني تميم [أبدّا] \" يجب عليه ضربهم أبدّا، فإذا قال: \"إلى أن يدخلوا الدار\" سقط عنه وجوب الضرب بعد الدخول، لأنه لو لم يسقط، خرج الدخول من أن يكون غاية ودخل في كونها وسطّا.\nوقد يجعل للحكم غايتان: على البدل، وعلى الجمع:\n• أما على البدل، فأن يقول: \"اضرب بني تميم أبداّ إلى أن يدخلوا الدار أو يسلموا على زيد\". والغاية الثانية تزيد في التخصيص، لأنه لو اقتصر على الغاية الأولى لا يسقط وجوب الضرب إلا إذا وجد الدخول، فإذا ذكر الغاية الثانية سقط وجوب الضرب وإن لم يوجد الدخول، فكان زائدّا في التخصيص.\n• وأما على الجمع، فبأن يقول: \"اضرب بني تميم إلى أن يدخلوا الدار ويسلموا على زيد\". فالثانية هي الغاية في التخصيص، وهي رافعة لبعض","vol":"1","page":208},{"text":"التخصيص، لأنه لو اقتصر على الغاية الأولى سقط وجوب الضرب إذا وجد الدخول، فإذا ذكر الغاية الثانية، لا يسقط إذا وجد الدخول، ما لم يوجد السلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>٣ - وأما المقيد بالشرط:</span>\nفبأن يقول: \"أكرم بني تميم أبدًا إن دخلوا الدار\": لو اقتصر على قوله: \"أكرم بني تميم أبدّا\" يجب الإكرام أبدّا. فإذا قال: \"إن دخلوا الدار\" سقط وجوب الإكرام قبل الدخول على ما مر في أبواب الأوامر: إن التعليق بالشرط يمنع الحكم عند عدم الشرط.\nوقد يجعل للحكم الواحد شرطان: على البدل، وعلى الجمع.\n•أما على البدل- فبأن يقول: \"أكرم بني تميم إن دخلوا الدار، أو إن دخلوا السوق\"، فالشرط الثاني رافع لبعض التخصيص، لأنه لو اقتصر على الشرط الأول سقط وجوب الإكرام مع فقد الدخول، فإذا ذكر الشرط الثاني، يجب الإكرام مع فقد الدخول إذا وجد الشرط الثاني، وهو دخول السوق.\n• وأما على الجمع- فبأن يقول: \"أكرم بني تميم إن دخلوا الدار والسوق\" والشرط يزيد في التخصيص، لأنه لو اقتصر على الشرط الأول لا يخرج عن الإكرام من دخل الدار، فإذا ذكر الثاني يخرج عن الإكرام من دخل الدار إذا لم يدخل السوق- والله أعلم.","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>٤ - باب- في تخصيص العام بالاستثناء:</span>\n(أ) اعلم أن الاستثناء المتصل بالكلام يخص الكلام.\nوذلك نحو قول القائل: \"لفلان علىَّ عشرة دراهم إلا درهماّ\"، فلو لم يقل \"إلا درهماّ\" لزمه عشرة كاملة، فإذا قال \"إلا درهماّ\" خرج عن حكم الإلزام واختص الإلزام بالباقي، وهذا لما ذكرنا أن من حق الاستثناء أن يخرج من اللفظ ما لولاه لدخل فيه، وذلك يوجب ما ذكرنا من التخصيص.\nثم من شرط هذا الاستثناء أن يكون متصلًا بالكلام غير منفصل عنه أو فيحكم المتصل به، وهو أن يكون الاستثناء على وجه لا يدل على أن المتكلم قد استوفى غرضه بالكلام، وهو أن يكون السكوت لانقطاع نفس أو بلع ريق ونحو ذلك.\nوحكي عن ابن عباس ﵁ أنه جوز الاستثناء المنفصل، وقال: هو استثناء على التحقيق. والنقل عنه غير صحيح، إذ لا يليق بمنصبه. ولو صح فتأويله أن نوى الاستثناء أولّا عند الكلام ثم أظهر نيته بعده، فيدين بينه وبين الله تعالى فيما نواه، ومذهبه أن ما يدين فيه العبد يُقبل منه في الظاهر.\nوالدلالة على بطلان المنفصل أنه إذا تجرد لا يفيد فائدة، فإنه لو قال ابتداء \"إلا درهم، إلا خمسة\" يكون لغوّا.","vol":"1","page":210},{"text":"والفقه فيه أن الاستثناء جزء من الكلام، وجزء الكلام وبعضه لا يكون له حكم، كالشرط والخبر والاسم: فإنه إذا انفرد كان لغوّا.\nفإن قيل: لو اقترن به بيان يصير مفيداّ، بأن يستثنى بعد الكلام بشهر، ويقول: \"هذا راجع إلى الكلام الفلاني\"- قلنا: هذا استعمال لم يستعمله أهل اللغة، فلا يجوز، مع أنه متكلم بلغتهم، وإذا لم يصح لم يتعلق به حكم، لأن الشرع علق الأحكام بكلام تعارفه أهل اللغة، وأهل اللغة لم يتعارفوا الاستثناء بعد الكلام بشهر، كما لم يتعارفوا استعمال الشرط والخبر المبتدأ بعد شهر.\nوالمخالف احتج، وقال: أجمعنا على أنه يجوز النسخ وسائر أدلة التخصيص منفصلّا- فكذا الاستثناء، لأن الكل سواء في الدلالة على أن ما تناوله غير مراد بالكلام الأول- قلنا: هذا باطل بالشرط.\nثم الفرق بين الاستثناء والنسخ وأدلة التخصيص، ما ذكرنا: أن النسخ وأدلة التخصيص مفيد عند الانفصال، والاستثناء غير مفيد بل هو بعض الكلام- والله تعالى أعلم بالصواب.\n(ب) باب في استثناء خلاف الجنس:\nجوزه قوم، وقالوا: هو استثناء حقيقة، كاستثناء الجنس.\nونحن نمنع من ذلك إلا بطريق المجاز والإضمار، على ما نذكره.","vol":"1","page":211},{"text":"والدلالة على ذلك ما ذكرنا أن من حق الاستثناء أن يخرج من اللفظ ما لولاه لدخل فيه، وهو ما تناوله اللفظ. فالمستثنى إذا كان بخلاف الجنس لم يتناوله اللفظ فكيف يكون استثناء؟ ولأن الاستثناء بعض الكلام، وهو مع المستثنى منه أحد اسمى الباقي، فقولنا: \"عشرة إلا درهم\" اسم تسعة، وهذا لا يكون إلا عند التجانس.\nوأما المخالف- فقد احتج بالاستعمال في كلام الله تعالى وفي لسان العرب.\nأما في كلام الله فقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ ...﴾، وإنه ليس من جملة الملائكة، وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾.\nوأما الاستعمال في لسان العرب فقول الشاعر:\nوقفتُ فيها أُصيلَالّا أُّسائلُها ... أعيتْ جواباّ وما بالرُّ من أحَدِ\nإلَا أَوَارِيّ لأَياّ ما أُبيِّنها ... والنُّوْي كالحوض بالمظلومة الجَلَدِ\nوالأَوَارِيّ ليس من أحد.","vol":"1","page":212},{"text":"والجواب:\nأما الآية الأولى- فقد قيل إن إبليس من جملة الملائكة، فكان استثناء من الجنس.\nوالثاني- إن ذلك بطريق المجاز.\nوهو الجواب عن التعليق بالآية الثانية: إنه مجاز عن كلمة \"لكن\" وتقديره: لا يسمعون فيها لغواٌ لكن سلاماّ.\nوجواب آخر عن كل هذه الاستعمالات: إن هذا النوع من الاستثناء يخرج من معنى الكلام، ولابد من إضمار شيء فيه، إما في المستثنى أو المستثنى منه. أما في الإضمار في المستثنى، فقول القائل: \"لفلان علىُّ عشرة دراهم إلا ثوبا\" تقديره \"إلا قيمة ثوب\". وأما الإضمار في المستثنى منه، ففيما ذكر من المواضع، كقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ. . .﴾ تقديره: الملائكة ومن أُمر بالسجود إلا إبليس.","vol":"1","page":214},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا ... إِلَّا قِيلًا سَلَامًا ...﴾: تقديره لغواٌ ولا مسموعاُ إلا سلاماّ. وقول القائل: \"وما بالربع من أحد إلا أَوَارِيُ\" تقديره: من أحد ولا أثر إلا أَوَارِيّ. فأما بدون الإضمار فلا يكون استثناء- والله أعلم.\n(ج) باب في استثناء الأكثر من الأقل:\nلا يجوز استثناء الكل من الكل، فلو قال: \"لفلان على عشرة إلا عشرة\" يلزمه عشرة.\nواختلفوا في استثناء الأكثر من الجملة:\n[ف] جوزه قوم، وأنكره الآخرون.\nوالآخر هو التفصيل:\n- إن عنى بهذا الجواز الحُسن المطلق، فنقول: هذا لا يحسن، لأنه مخالف لاستعمال العرب في الغالب، مع أنه متكلم بلغتهم، فإن [ـه] لم ينقل من أهل اللغة الاستثناء على هذا الوجه، بل يستقبحون قول القائل: \"رأيت ألفاّ إلا تسعمائة وتسعة وتسعين\" ويقولون: \"هلَّا قلت: رأيت واحداّ\". بل نقل عن كثير من أهل اللغة أنه لا يستحسن استثناء عَقد صحيح، بأن يقول: \"عندي مائة إلا عشرة دراهم\"- بل \"مائة إلا خمسة\" و\"عشرة إلا دانقا\".","vol":"1","page":215},{"text":"كما قال تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ فلو بلغ المائة لقال: لبث فيهم تسعمائة عام.\n- وإن عنى به وقوعه كلاما مفهوماّ يتعلق الحكم المختص بالاستثناء به، فنقول: هو جائز: لأن الاستثناء على هذا الوجه مفهم للغرض، لأنه يفهم السامع من غير تأمل أنه يريد هذا القدر، والمقصود، من الكلام هو الإفهام، فمتى كان مفهوما جاز التكلم به. ولأن الاستثناء يخرج من اللفظ ما تناوله اللفظ، فكان إخراجه استثناء على موجب اللغة، فجاز التكلم به إلا أن يمنع منه مانع.\nفإن قيل: المانع من ذلك أن أهل اللغة لم يستعملوا [ذلك]. أو لأن الحكمة تمنع من ذلك، لأن الغرض من الاستثناء في أصل الوضع إما الاختصار أو الاستدراك: أما الاستدراك فهو أن يكون لرجل على رجل تسعة دراهم فأراد أن يقَّر بها فأقرَّ بعشرة ثم ذكر في الحال أن له عليه تسعة، فيستدرك ذلك بالاستثناء. وأما الاختصار فهو أن الرجل يستطيل ويستقل [نحو] أن يقول: \"لفلان على تسعة دراهم وخمسة دوانيق\" فيقول: \"له على عشرة دراهم إلا دانقا\". ومتى كان الغرض من الاستثناء هذا، ولم يتحقق هنا، لأنه ليس من الاختصار أن يقول: \"لفلان على ألف درهم إلا تسعمائة وتسعة وتسعين درهما\". وكذلك الاستدراك، لأن العادة لم تجر فيما بين الناس أن يكون على الرجل درهم ويقر أن عليه ألف درهم [ثم يستدرك]- ومتى لم يحصل","vol":"1","page":216},{"text":"ما هو الغرض من الاستثناء لا يصح التكلم به.\n[والجواب:]\nأما الأول-[ف] لا يمتنع أن يكون أصلا ثابتًا، ولم يُنقل إلينا، لأن الحاجة لا تكاد تدعو إليه. أو فعلاّ نادرًا، فلم ينقل إلينا لندرته.\nوأما الثاني- قلنا: نسلم نحن أن الأكثر والأغلب ما ذكرتم، فلا جرم بقينا الحُسن على قضية الغالب والظاهر. ولكن لا يمتنع خلافه، فإنه يجوز أن يكون عليه ألف درهم، فيقضي منها تسعمائة وتسعة وتسعين درهما، ثم نسى فأراد أن يقر بالألف، ثم ذكر القضاء فيستدرك بالاستثناء. وقد يجوز أن يكون لخالد عليه ألف درهم ولزيد عليه درهم فأراد أن يقر لخالد بالألف فسبق على لسانة اسم زيد فيستدرك ذلك بالاستثناء، وإذا جاز، وهو مفهوم في نفسه، جاز تعليق الحكم به- والله أعلم.\n(د) باب في الاستثناء [المتعقب كلمات] معطوفة بعضها على بعض-[هل] ينصرف إلى ما يليه أو إلى جميع ما تقدم؟:\nقال بعضهم: ينصرف إلى ما يليه، دون ما تقدم- وقيل: هو قول أصحابنا.","vol":"1","page":217},{"text":"وقال بعضهم: ينصرف إلى جميع ما تقدم- وقيل: هو قول الشافعي ﵀.\nواتفقوا أن في الشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالى ينصرف إلى جميع ما تقدم.\nوالمذهب الصحيح أنه:\n- إن لم يضمر في المذكور الثاني شيئا مما في الأول، يرجع الاستثناء إلى ما يليه.\n- وإن أضمر في الثاني شيئا مما في الأول، إما الاسم أو الحكم، ينصرف إلى جميع ما تقدم.\nمثال ما لم يضمر في الثاني شيئا مما في الأول، [ف] يُرجع الاستثناء إلى ما يليه، قوله: \"اضرب بني تميم وأكرم بني ربيعة إلا الطوال منهم\"\nومثال ما أضمر في الثاني شيئا مما هو مذكور في الأول: قول القائل: \"اضرب بني تميم واستأجرهم إلا الطوال منهم\" أو يقول: \"أكرم بني تميم وبني ربيعة إلا الطوال منهم\".\nولو قال: \"أكرم ربيعة وسلم على ربيعة\" فهذا إن لم يضمر في الثاني شيئا مما في الأول، فهو مثل ما إذا أضمر، لأن الحكمين جمعهما غرض واحد، وهو إعظام بني ربيعة، فصار كحكم واحد.\nأما الدلالة على عدم رجوع الاستثناء إلى جميع ما تقدم في القسم الأول-[ف] هو أنه لما عدل عن كلام مستقل إلى كلام مستقل، عرفنا أنه استوفى غرضه بالكلام الأول، كما إذا سكت. بل لا شيء أدل على استيفاء الغرض","vol":"1","page":218},{"text":"بالكلام من العدول عنه إلا كلام مستقل. ومتى استوف غرضه بالكلام، [ف] لو قلنا الاستثناء إليه لا ننقض قولنا: إنه استوفى غرضه به.\nوأما الدلالة على رجوع الاستثناء إلى الكل في القسم الثاني- وهو ما إذا قال: \"اضرب بني تميم واستأجرهم\" عرفنا أنه لم يستوف غرضه بالكلام الأول حيث عاد إليه وأضاف إلى ذلك الاسم حكما. وكذلك إذا قال: \"أكرم بني تميم وبني ربيعة\": عرفنا أنه لم يستوف غرضه بالكلام الأول حيث عاد إليه وعدى حكمه إلى اسم آخر.\nوإذا ثبت هذا، صار الكلامان [ككلام واحد وذلك] يرجع إلى حرف العطف، ومع أنه لم يعدل عن الأول ككلام واحد، فيرجع الاستثناء إلى الكل، بخلاف ما إذا ميز، لأنه لا يمكن أن يجعل الكلامان ككلام واحد، لانعدام حرف العطف- دل عليه: أن في الشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالي،","vol":"1","page":219},{"text":"ينصرف إلى جميع ما تقدم بالإجماع، لما ذكرنا من المعنى: أنه لم يعدل من كلام مستقل إلى كلام مستقل- فكذا هذا.\nفإن قيل: إنما يرجع الشرط إلى جميع ما تقدم ذكره، لأن الشرط وإن تأخر عن الكلام، فهو في حكم المتقدم عليه، لوجوب تقدم الشرط على الجزاء، فإن الإنسان إذا قال: \"أكرم بني تميم وربيعة إن دخلوا الدار\" معناه. إن دخل بنو تميم وربيعة الدار فأكرمهم، ولو قال ذلك تعلق الكل بالشرط، فكذا إذا تأخر.\nوكذا الاستثناء بمشيئة الله تعالى، لأن لفظة الشرط فألحق به- وليس كذلك الاستثناء: فإنه لا يجب تقديمه على الكلام- قلنا: يمكن تقديم الشرط على المذكور الأخير، فيصير كأنه قال: \"أكرم بني تميم وإن دخل بنور ربيعة الدار هم فأكرمهم\" فيجعل مقدماّ على الجزاء، وإن رجع إلى ما يليه، ومع هذا انصرف إلى الكل- علم أن المعنى ما ذكرنا.\nوقد استدل بعضهم وقال بأن الكلامين مع حرف العطف ككلام واحد، لأن الواو للعطف وأنه في الأسماء المختلفة يجري مجرى واو الجمع في الأسماء المتفقة. ولو قال: \"جاءني الزيدون إلا الطوال منهم\" رجع الاستثاء إلى الكل، فكذا إذا قال: \"جاءني بنو تميم وبنو ربيعة إلا الطوال منهم\".\nإلا أن لقائل أن يقول: إن واو العطف تجري مجرى واو الجمع في اشتراك الاسمين. أما أن يجري مجرى ذلك في أن يجعل الكلامين ككلام واحد حتى يتعلق الاستثناء بالكل، فمن أين؟ ألا ترى أن واو العطف لا تخرجهما عن كونهما جملتين حقيقة. ثم هذا ينتقض بالجملتين التامتين بأن يقول: \"أكرم بني ربيعة واشرب بني بتميم إلا الطوال منهم\" رجع الاستثناء إلى ما يليه وإن وجد","vol":"1","page":220},{"text":"واو العطف ثم لم يجعلهما ككلام واحد. ثم الوجه في ذلك أنه يجعل ككلام واحد في حق الاستثناء: أن يذكر واو العطف ولا يعدل المتكلم عن كلام مستقل إلى كلام مستقل، أما إذا عدل فلا، لما ذكرنا.\nوقد استدل بعضهم بأن قال: أجمعنا أنه لو أخر الأمر بأن قال: \"بنو تميم وبنو ربيعة أكرمهم إلا الطوال منهم\" رجع الاستثناء إلى الكل، فكذلك إذا قدم الأمر.\nإلا أن لقائل أن يقول: قوله \"أكرمهم\" كتابة عن الكل، وهو اسم للفريقين، فإذا اتصل به الاستثناء أوجب إخراج البعض عن الفريقين، كما لو قال: \"أكرم العرب إلا الطوال منهم\": يقتضى إخراج بعض العرب، فكذا هذا- ولا يقال كذلك إذا قدم الأمر، لأن هناك الاستثناء اتصل ببني ربيعة، وهذا ليس باسم الفريقين حتى يقتضى إخراج البعض من الفريقين، فاقتصر الاستثناء على بني ربيعة.\nوأما من ذهب إلى أنه يرجع إلى ما يليه في القسم الثاني فلأن الاستثناء إنما يجب تعليقه بغيره، ضرورة أنه لا يستقل بنفسه، إذا لو كان مستقلا بنفسه في الإفادة، لا يجب تعليقه بغير [هـ]، فإذا تعلق بما يليه، صار مستقلا في الإفادة مع ما يليه، فلا ضرورة إلى تعليقه بما تقدم، لأن كل كلام يستقل بنفسه لا يجوز صرفه إلى غيره.\nوالجواب:\nما ذكرتم يقتضى منع رجوع الاستثناء إلى ما تقدم، لكن لا يستقل.","vol":"1","page":221},{"text":"أما لا يقتضى منع رجوعه إلى ما تقدم بسبب آخر ويجوز أن يكون للحكم الواحد سبب وأسباب فيثبت الحكم لوجود سبب مع فقد ما عداه من الأسباب، فهنا إن عدم سبب وهو الاستقلال، فلم قلتم بأنه لم يوجد سبب آخر يقتضى رجوع الاستثناء إلى جميع ما تقدم ذكره، وأن لا يدخله الاستقلال بصرفه إلى ما يليه؟\nفإن قال: هناك وجد معنى آخر وراء الاستقلال يقتضى رجوع الاستثناء إلى جميع ما تقدم وهو ما ذكرنا: أن الكلامين مع حرف العطف، ومع أنه لم يعدل عن كلام مستقل إلى كلام مستقل، ككلام واحد، يتعلق الاستثناء بالكل.\nووجه آخر لهم: الاستدلال بالاستثناء من الاستثناء ينصرف إلى ما يليه، حتى لو قال: \"لفلان على عشرة إلا ثلاثة إلا درهم\" ينصرف الاستثناء إلى ما يليه حتى يلزمه ثمانية دراهم، والمعنى فيه أنه لا يفتقر في الاستقلال إلى أكثر مما يليه، وهو المعنى موجود في الاستثناء عقيب الجملة.\nوالجواب:\nأن الاستثناء الثاني غير متصل بالكلام الأول، لأنه متصل بالاستثناء الأول، وليس بين الاستثناء وبين الكلام مما يجعلهما ككلام واحد، من حرف عطف وغيره، فبقى الاستثناء الثاني منفصلا عن الكلام الأول، فلذلك لم يرجع إليه، بخلاف قوله: \"أكرم بني تميم وربيعة إلا الطوال منهم\" على ما مر.\nفإن قيل: هلا جعلتم الاستثناء واحد، حتى يتعلق بالكل، فيكون المستثنى أربعة؟ قلنا: في جعل الاستثناءين واحدا عطف الثاني على الأول، حتى يصير كأنه قال: \"على عشرة إلا ثلاثة وإلا دراهم\"، ولم يوجد حرف العطف هنا، ولا حاجة إلى التقدير، لأن الكلام صحيح بدونه- والله أعلم.","vol":"1","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>[ب]\nتخصيص العام بالأدلة المنفصلة</span>\nاعلم أن الأدلة المنفصلة هي: دلالة العقل، والكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>[١ - العقل]</span>\nأما دلالة [العقل]- مما يخص به الكتاب والسنة- فإنا نحكم بخروج الصبي والمجنون من أن يكونا مرادين بكلام الله تعالى وخطابه وخطاب الرسول، في الحال، بالعبادات. ولا نحكم بخروجهما عنه إذا كل عقلهما، لأن دليل العقل يفصل بين الحالين، ولا شبهة في خروجهما عن كونهما مرادين بالخطاب.\nواختلفوا في خروجهما بدليل العقل:\nفمنهم من منع ذلك وقال بأن دليل العقل متقدم على عموم الكتاب والسنة، والتخصيص لا يثبت، بدليل متقدم، كما في الاستثناء والشرط والنسخ.\nوإنا نقول بأن دليل التخصيص ما يتوصل به إلى العلم بخروج بعض ما تناوله اللفظ عنه، وبالعقل يتوصل إلى العلم بخروج بعض ما تناوله الخطاب عنه، لأنا نعرف بعقولنا قبح إرادة فهم المراد بالخطاب ممن لا يتمكن من الفهم، إما لكونه سفها أو لكونه تكليف ما ليس في الوسع.","vol":"1","page":223},{"text":"إذا ثبت هذا- نقول: الصبي والمجنون لا يتمكنان من فهم المراد بالخطاب، فعرفنا بعقولنا خروجهما عن عمومات الكتاب والسنة.\nفإن قيل: نسلم بأن بالعقل نعرف خروجهما من أن يكونا مرادين بالخطاب، لكن لا نسلم أن التخصيص ثابت به- قلنا: لا نعني بكون الشيء مخصصا إلا أن يكون دليلا على خروج بعض ما تناوله الخطاب عنه، فإذا سلمتم ذلك فقد وافقتمونا في المعنى وخالفتمونا في العبارة، ولا تعويل على العبارة.\nفإن قيل: هلا قلتم: إن دليل العقل دليل بشرط أن لا يعارضه عموم الكتاب، فإن عارضه عموم الكتاب [ف] لا يكون دليلا- قلنا: دليل العقل مطلق في نهي تكليف ما ليس في الوسع وإرادة السفه، ولا يقف وجه الدلالة على أمر آخر، فلا يختلف بين ما إذا عارضه عموم الكتاب أو لم يعارضه، فكان دليلًا على الإطلاق، وعموم الكتاب والسنة يحتمل التخصيص، وكان تخصيصه بدليل العقل، وهو لا يحتمل التخصيص، أولى- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>[٢ - الكتاب]</span>\n(أ) وأما تخصيص الكتاب بالكتاب-[ف] أنكره قوم، وجوزناه.\nوالدليل على جوازه- ما ذكرنا أن المعنى من التخصيص أن يدل على إرادة بعض ما تناوله العام. ولما جاز أن يريد الله تعالى، بخطابه العام، بعض ما تناوله، جاز أن يدلنا على ذلك بالكتاب، فنعقل ذلك- دل على جواز وجوده، فإن الله تعالى خص قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ","vol":"1","page":224},{"text":"أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وخص قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، وخص قوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ بقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾.\nوالمخالف احتج بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: فوض البيان إلى الرسول، فلا يقع ذلك إلا بقوله.\nوالجواب:\nهذا تخصيص بالاسم، وذا لا يدل على نفي الحكم عما عداه، على ما مر. ويعارضه قوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، ولأن تلاوة النبي ﵇ آية التخصيص بيان منه للتخصيص، والآية لا تقتضي إلا ذلك- والله أعلم.\n(ب)","vol":"1","page":225},{"text":"وأما تخصيص السنة بالكتاب-[ف] أنكره قوم، وجوزناه.\nوالدليل عليه ما مر: أن التخصيص بيان أنه أراد بالعام بعض ما تناوله، ولا يمتنع تعلق المصلحة بأن يبين الله تعالى بكتابه أن النبي ﵇ أراد بخطابه بعض ما تناوله- دل عليه قوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ فهو على عمومه، ما لم يخص. ولان سنة الاستقبال إلى بيت المقدس نسخت بالكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. وإذا جاز النسخ، جاز التخصيص بطريق الأولى.\nوالمخالف احتج بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. والجواب عنه ما مر. ولأنه كونه مبينا لا ينفى أن يأتي بسنة محتاجة إلى البيان، فتبين بسنة أخرى، أو [بـ] كتاب الله تعالى.\nواحتج أيضًا بقوله ﵇: \"سنتي تقضى على القرآن والقرآن لا يقضي على سنتي\"، والجواب أنه قال ذلك على الأعم والأغلب، لأن القرآن في أغلب الأحوال يحتاج فيه إلى بيان الرسول ﵇ في عموماته ومجملاته، وقلما تحتاج السنة إلى ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>[٣ - السنة]</span>\n(أ) وأما تخصيص الكتاب بالسنة- فجائز إذا استويا في إيجاب العلم والعمل، لأنه لما جاز أن تدلنا السنة على سائر الأحكام، جاز أن تدلنا على أن الله تعالى أراد بخطابه بعض ما تناوله، وقد خص النبي ﵇ قوله تعالى:","vol":"1","page":226},{"text":"﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ بقوله: ﴿لا يتوارث أهل ملتين شتى﴾، وخص قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ بقوله: ﴿لا قطع في ثمرٍ ولا كَثرٍ﴾.\n(ب) وأما تخصيص السنة بالسنة- فجائز عند الأكثرين. ومنع قوم من جواز ذلك.\nوالدلالة على جوازه، على نحو ما مر، أنه لا يمتنع تعلق المصلحة به، فجاز القول به.\nدل عليه أنا وجدنا سننا خصت بأخرى، نحو قوله ﵇: \"ما سقته السماء ففيه العُشر\" خصه بقوله ﵇: \"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة\". وخص قوله ﵇: \"في الرقة ربع العشر\" بهذا الحديث أيضًا. وروي عنه أنه: نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ثم رخص في السلم.","vol":"1","page":227},{"text":"والمخالف احتج، وقال: إن النبي ﵇ بُعث مبينِّناّ فلا يجوز أن تحتاج السنة إلى بيان- والجواب أن كونه مبيناّ لا يمنع أن يأتي بسنة محتاجة إلى البيان، فيبين سنة بسنة أخرى.\n\n(ج) - وأما تخصيص الكتاب بالسنة بفعل الرسول ﵇-[فقد] وجب أن يعلم أن الخطاب متى ورد عامًا مقتضيًا تحريم أشياء، وقد فعل النبي ﷺ بعض ذلك، [هل] يدل على تخصيص العام، أو يحمل على أنه ﵇ مخصوص بذلك:\nقال بعضهم: يدل على تخصيص العام.\nوقال بعضهم: يدل على أنه مخصوص به.\nوالأول- أصح لأن الأصل مساواته لأمته في الأحكام، لما نذكره من وجوب التآسي بالنبي ﷺ. وإذا كان الأصل ذلك، فالإباحة في حقه تدل على الإباحة في حق غيره، وكان فعله في الدلالة على التخصيص كقوله- فكما جاز تخصيص العام بقوله، جاز تخصيصه بفعله- دل عليه أنه ﵇ أمر باتباع أفعاله، كما أمر باتباع أقواله بقوله: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\"، وقوله ﵇: \"خُذوا عني مناسككم\"، والصحابة ﵃ راجعوا أفعاله كما راجعوا أقواله- دل أنهما في بيان الحكم على السواء.\nوالدليل على جوازه وجوده: فإن النبي ﵇ خص قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ برجم ماعز.","vol":"1","page":228},{"text":"ووجه القول [الثاني]- الأول: أن قوله ﵇ يدل على الإباحة في حقه، لكونه معصومًا، والإباحة في حقه لا تدل على الإباحة في حق غيره، إذ المصالح تختلف باختلاف الأشخاص، والثاني: إن دل على الإباحة في حق غيره ظاهرًا، ولكن جواز كونه مخصوًا، بخلاف الظاهر، ثابت، فلم تكن الإباحة في حقه محكمًا في الدلالة على الإباحة في حق غيره، وظاهر العموم محكم في التحريم، فلا يجوز الاعتراض على المحكم بغير المحكم.\nوالجواب- إن فعله دل على الإباحة في حقه قطعا، ومع قرينة دليل التآسي وسابقة عموم التحريم في حق الكل، يدل على الإباحة في حق غيره، إذ لو لم يكن مباحا في حق غيره وكان مخصوصا بذلك، لبين دلالة كونه مخصوصاّ، كيلا يتوهم المكلف، بدلالة التأسي وسابقة عموم التخصيص في حق الكل، فكان الظاهر ما ذكرنا. يبقى هذا القدر: أن احتمال كونه مخصوصًا، بخلاف الظاهر، ثابت. ولكن هذا لا ينفي الأحكام في كونه دليلًا. ولو كان ينفيه: فهذا النوع من الاحتمال، وهو احتمال الخصوص، ثابت في العام، فجاز تخصيصه به. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>[٤ - الإجماع]</span>\nوأما تخصيص الكتاب والسنة بالإجماع: [ف] أنكره قوم، وجوزناه.\nوالدلالة على جوازه أن الإجماع حجة مقطوع بها، فجاز أن يدل على ذلك كما جاز أن يدل على سائر الأحكام.\nدل عليه أن الأمة أجمعت على أن حد العبيد نصف حد الأحرار، وهذا تخصيص لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾، بالإجماع.","vol":"1","page":229},{"text":"فإن قيل: هذه الآية خُصت بقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ قلنا: هذا لا يصلح مخصصا للعبد، لأن المذكور فيه الإماء دون العبيد- دل عليه أنا خصصنا للعبيد [صدورا] عن قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ بالإجماع.\nوالمخالف احتج بأن الإجماع يستند إلى القرآن والسنة، وهو مرفوع لهما، فكيف يعترض بالفرع على أصله؟ .\nوالجواب- أن الإجماع المخصص لابد أن يصدر عن كتاب أو سنة، وإلا فالأمة لا يجوز منهم الاجتماع على حكم جزافا. وكان الاعتراض على العام بذلك الأصل، لا بنفس الإجماع، إنما الإجماع دليل عليه، ولا نعني بكون الإجماع مخصصا إلا هذا.\nوقالوا: لو جاز التخصيص به، لجاز النسخ به. والجواب: إن عنيت به أن يقع الإجماع دليلًا على ذلك، فهو جائز كالتخصيص. وإن عنيت به أن يقع النسخ بنفس الإجماع، فنحن لا نجوز التخصيص به، كما لا نجوز النسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>٥٢ - باب في: بناء العام على الخاص:</span>\nاعلم أن النصين إذا ما وردا وهما كالمتنافيين: أحدهما عام، والآخر خاص-[ف] لا يخلو: إما أن يُعرف التاريخ بينهما، أو لا يُعرف.\n(أ) فإن عرف التاريخ بينهما- فلا يخلوا: إما أن يُعرف اقترانهما؛ أو عُرف تراخي أحدهما عن الآخر.","vol":"1","page":230},{"text":"أما الخاص أو العام: إذا عُلم اقتران أحدهما بالآخر، فنحو أن يقول النبي ﷺ: \"اقتلوا الكفار- لا تقتلوا اليهود\" أو يقول: \"في الخيل زكاة- ليس في الذكور من الخيل زكاة\".\nوالأصل في ذلك أن نجعل الخاص مخصصاّ للعام ومبينا أن المراد به ما لم يتناوله الخاص، لأن الخاص أشد تصريحا مما يتناوله وأقل احتمالا من العام، فكان العمل به أولى، ولأن في إجراء العام على عمومه إلغاء الخاص، وليس في العمل بالخاص إلغاء واحد منهما، فكان أولى.\nفإن قيل: هلا حملتم قوله ﵇ \"في الخيل زكاة\" على التطوع، وحملتم قوله: \"ليس في الذكور من الخيل زكاة\" على نفي الوجوب، ليكون عملًا بهما جميعا.\nقلنا: قوله: \"في الخيل زكاة\" يقتضي وجوب الزكاة في الإناث، ولو حملناه على التطوع كنا قد عدلنا باللفظ عن ظاهره بدليل لا يتناول الإناث، والعدول عن ظاهر اللفظ بلا دليل لا يجوز، بخلاف التخصيص. وأما إذا أخرجنا الذكور من الخيل عن قوله: \"في الخيل زكاة\"، كنا قد أخرجنا عن اللفظ شيئا بدليل يقتضيه، وذلك جائز.\nهذا إذا عُلم اقتران أحدهما بالآخر.\nأما إذا علم تراخي أحدهما عن الآخر:\n- فإن كان الخاص هو المتأخر- فإنه لا يخلو: إما إن ورد قبل حضور وقت العمل بالعام، أو بعده.\nفإن ورد قبل حضور وقت العمل بالعام: [فـ] يجعل بيانا للتخصيص في قول من أجاز تأخير البيان عن وقت ورود الخطاب. وفي قول من لم يجوز ذلك: يجعل بيانا للنسخ.","vol":"1","page":231},{"text":"وإن كان بعده: [فـ] يجعل بيانًا للنسخ، لأن تأخير بيان التخصيص عن وقت الحاجة لا يجوز، فيجعل بيانًا للنسخ.\n- وإن كان العام هو المتأخر:\nقال أصحابنا وجماعة من المتكلمين: يصير العام ناسخا للخاص.\nوقال أصحاب الشافعي: يبنى العام على الخاص، ويجعل المراد بالعام ما لم يتناوله الخاص، كما لو اقترن أحدهما بالآخر.\nدليلنا في ذلك- أن العام في تناوله لآحاد ما دخل تحته، جرى مجرى خبر خاص يختصه- ألا ترى أنه يصح التمسك به لإثبات الحكم، كما يصح التمسك بالخاص، فجرى العام مع الخاص، في حق تناوله الخاص، مجرى الخبرين الخاصين وردا، وهما متنافيان: أحدهما متقدم، والآخر متأخر: [فـ] يصير المتقدم منسوخا بالمتأخر- كذا هذا.\nوالمخالف- احتج بوجهين من الكلام:\nأحدهما- أن الخبر الخاص، وهو قوله \"لا تقتلوا اليهود\" يقتضي المنع من القتل في عموم الأحوال، وقوله\"اقتلوا الكفار\" يقتضي الإباحة في حالة واحدة، والنهي يمنع من الإباحة في تلك الحالة، فوقع التعارض، والخاص أخص باليهود من العام وأقل احتمالًا منه، وكان العمل به أولى، بخلاف الخبرين الخاصين، لأن الخاص لا يمكن تخصيصه، لأنه لا يتناول إلا شيئا واحدًا، والعام يمكن تخصيصه، لأنه يتناول أشياء، فيمكن إخراج جزء منه.\nوالثاني- أن الخاص مما يعلم دخول ما تناوله قطعا، ودخول ما تناوله الخاص تحت العام مشكوك فيه [إذ] يحتمل أن المراد به وراء ما تناوله الخاص، والعمل لا يترك بالشك.","vol":"1","page":232},{"text":"والجواب:\nأما الأول- قلنا: العام وإن أمكن تخصيصه، لكن في تخصيصه إلغاء له، فيما تناوله الخاص، أصلا، لأنه بقى مستعملا حال وروده، وإن كان لا يبقى في المستقبل، فكان المصير إلى النسخ أولى، بخلاف ما إذا اقترنا، لأنه لا يمكن العمل بهما، والخاص أشد تصريحا، فالعمل به أولى.\nوأما الثاني- قلنا: إن عنيت به أن العام لو انفرد لا يعلم دخول ما تناوله الخاص تحته، فهذا خلاف الإجماع. وإن عنيت به أنه لا يعلم دخول ما تناوله الخاص تحت العام لأجل الخاص، فلم قلتم ذلك وهو موضع النزاع؟ ثم هذا ترك لمذهبكم فإنكم تقطعون بخروج ما تناوله الخاص عن العام، ولا تشكون فيه.\nهذا الذي ذكرنا إذا عرف التاريخ بينهما.\n(ب) أما إذا لم يعرف التاريخ بينهما:\nففي مذهب الشافعي- يبنى الخاص على العام، ويجعل المراد بالعام غير ما تناوله الخاص. وهذا مستقيم على أصله، لأنه ليس للخاص مع العام حالة إلا أن تقارنه أو تتقدمه أو تتراخى عنه، وقد بان من مذهبه وجوب خروج ما تناوله الخاص عن العام في الوجوه الثلاثة.\nوفي مذهب أصحابنا- يجب القول بالتوقف، والرجوع إلى غيرهما، وإلى ما يرجح أحدهما عن الآخر.\nوهذا مستقيم على أصلنا، لأن المذهب عندنا أن العام المتأخر ينسخ الخاص، ويخص بالخاص المقارن والمتأخر. ويجوز أن يكون العام متأخرًا فينسخ الخاص،","vol":"1","page":233},{"text":"ويجوز أن يكون الخاص متأخرا فيوجب خروج ما تناوله عن العام، وليس أحدهما أولى من الآخر، فيجب القول بالتوقف.\nواحتج المخالف بأشياء:\nمنها- أن الفقهاء في أعصارنا يخصون أعم الخبرين أخصهما، مع فقد عملهم بالتاريخ.\nومنها- أنه لما اشتبه حال الخبرين ولا يُعرف التاريخ بينهما، يجعل كأنهما وردا معا، كالغريقين إذا لم يُعرف التاريخ في غرقهما يجعل كأنهما غرقا معا حتى لا يرث أحدهما عن الآخر- فكذا هذا. وإذا جعل كأنهما وردا معا، يجعل الخاص مخصصا للعام، لما ذكرنا.\nومنها- أن القياس مما يجوز أن يعترض به على العام، فالخبر الخاص أولى، لأنه أصل القياس.\nومنها- أنه لو لم يخص العام بالخاص لوقع أحد أمرين: إما نسخ الخاص أو إلغاؤهما، ولا يجوز النسخ مع فقد التاريخ، وإلغاء كلام الحكيم لا يجوز، فوجب تخصيص العام بالخاص.\nوالجواب:\nأما الأول- قلنا: هذا على الإطلاق ممنوع- ألا ترى أن عمر ﵁ لم يخص قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ بحديث ابن الزبير وهو قوله: \"لا تحرم الرضعة والرضعتان\"","vol":"1","page":234},{"text":"وأما الثاني- فنقول ما أجمعت على هذا، فإن من الصحابة ما ورث أحدهما عن الآخر. على أن حكم الغريقين حجة عليه، لأنه لما اشتبه حالهما لم نحكم بإرث أحدهما عن الآخر، فكذا إذا اشتبه حال الخبرين: لا يعترض بأحدهما على الآخر.\nوأما الثالث- قلنا: إن كان القياس على أصل متقدم على العام، كان العام منافيًا له، فلا يجوز تخصيص العام به، نحو أن يقول النبي ﵇: \"لا تبيعوا البُرَّ\" ثم يقول: \"أحللت لكم بيع جميع الأشياء\": لا يجوز تخصيص العام بد ذلك القياس، حتى يقاس الأرز على الحنطة، لأنه قياس على أصل غير متقرر.\nأما إذا كان القياس على أصل متقرر، نحو أن يقول النبي ﵇: \"لا تبيعوا البر\" ثم يقول: \"أحللت لكم بيع ما سوى البر\" جاز قياس الأرز على البر، وتخصيص العام به. وهذا لا يشبه مسألتنا، لأن أصل القياس مقرر، فأما هنا [فـ] الخبر الخاص يحتمل أن يكون منسوخا بالعام، ومع احتمال النسخ لا يجوز التخصيص به.\nوأما الرابع- قلنا: كما أن النسخ محتاج إلى التاريخ، فكذلك التخصيص يحتاج إلى التاريخ، لأن تخصيص العام بالخاص المتقدم لا يجوز، لما مر.\nوأما قوله: لا يجوز إلغاؤهما- قلنا: إن عنيت به ترك استعمالهما في أنفسهما والرجوع إلى غيرهما، أو إلى ما يرجح أحدهما- فلا نأبى ذلك، وإنما لا يجوز","vol":"1","page":235},{"text":"ذلك إذا أمكن العمل بهما، وهنا لا يمكن العمل بهما، لأنه ليس حمل الحال فيهما على التخصيص أولى من حملة على النسخ، فيجب القول بالتوقف.\nثم إذا وجب التوقف والرجوع إلى ما يرجح أحدهما على الآخر، فقد ذكروا وجوه الترجيح:\nومنها- أن يكون أحدهما متفقا على استعماله، والآخر مختلفا فيه، كخبر العشر مع خبر الأوساق.\nومنها- أن يعمل به معظم الأمة، ويعيب على من ترك العمل به، كعيبهم على ابن عباس ﵁ على ترك العمل بحديث أبي سعيد الخدري ﵁، ومنعه جريان الربا إلا في النسيئة.\nومنها- أن تكون الرواية في أحدهما أشهر.","vol":"1","page":236},{"text":"ومنها- أن يكون أحدهما متضمنا للحكم الشرعي، وأن يكون أحدهما بيانا للآخر، كقوله ﵇\"لا قطع [إلا] في ثمن المِجَنَّ- اتفقوا على كونه بيانا لآية السرقة\"\nإلا أنا نقول: هذه الوجوه كلها تدل على تأخر أحدهما عن الآخر، لأنه لو كان متقدما لما اتفقوا على استعماله، لأنه يصير منسوخا بالعام، ولكان لا يعاب على من ترك العمل به، ولما كانت الرواية له أشهر، وكونه متضمنا لحكم شرعي يقتضي كونه متأخرا، لأن حكم العقل مقدم على حكم الشرع، وكذا لولا التقدم لما كان أحدهما بيانا للآخر- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>٥٣ - باب في: أن العام إذا دخله الخصوص- هل يصير مجازًا أم لا</span>؟\nاختلف الناس في ذلك.\nقال بعضهم: لا يصير مجازًا، متصلًا كان أو منفصلًا، لفظًا ومعنى.\n[و] قال بعضهم: يصير مجازا في الأحوال كلها.\nوقال بعضهم: يصير مجازا في حال دون حال. واختلفوا في تفصيله:","vol":"1","page":237},{"text":"منهم من قال: إن كان المخصص لفظًا، لا يصير مجازًا، متصلًا كان المخصص أو منفصلًا.\nومنهم من قال: لا يصير مجازًا إلا إذا كان متصلًا.\nوالصحيح المختار أن القرينة المخصصة: إن كانت مستقلة به، نحو دلالة العقل وقول المتكلم \"أردت به البعض الفلاني\"، يصير مجازًا. وإن لم يستقل، لا يصير مجازًا.\nوالدليل على ذلك أن القرينة إذا كانت مستقلة، كان لفظ العموم مستعملًا وفي غير ما وضع له، لأن اللفظ موضوع للكل، وقد استعمل في البعض، وهذا هو المجاز.\nفإن قيل: المتكلم ما أراد البعض باللفظ وحده، بل باللفظ مع القرينة، فلم يكن استعمال اللفظ في غير ما وضع له.\nولئن قلنا إنه [ما] أراد باللفظ وحده، ولكن لم لا يجوز أن يكون اللفظ مع القرينة موضوعًا للبعض، ومع فقد القرينة موضوعًا للكل؟ - قلنا:\nأما الأول- فباطل، لأن فيه رفع المجاز عن الكلام، بأن يقال في كل مجاز: إنه ما أراد باللفظ وحده بل باللفظ مع قرينة، وقد أبطلنا هذا فيما تقدم. ويلزم أن يكون الكلام المستقل الذي اقترنت به القرينة المستقلة، لا حقيقة ولا مجازًا، لأنه ما عنى به ما وضع له ولا غير ما وضع له، والكلام المستقل لا يخلو: إما أن يكون حقيقة أو مجازًا. ويلزم أيضًا أن تكون المعاني من الحقائق، لأن القرينة قد تكون شاهد حال وغيره، مما لا يجوز وصفه بالحقيقة والمجاز. ولأن القرينة قد تكون فعل غير المتكلم، نحو أن يتكلم النبي ﵇ بلفظه العام","vol":"1","page":238},{"text":"فيخصه الله تعالى، فلا يستقيم أن يقال: إن النبي ﵇ أراد ما أراد باللفظ وبما يحدث بإحداث الله تعالى.\nوأما الثاني- فباطل أيضًا، لأن القرائن كثيرة لا يمكن حصرها، ليضعوا [مع] لفظه العموم القرينة، لما تقتضيه القرينة. ولأن هذا شيء لم يشهد به أهل اللغة [إذ] لم يُنقل عن واحد منهم هذا النوع من الوضع، والحقيقة لا تثبت إلا بالنقل.\nهذا إذا كانت القرينة مستقلة.\nأما إذا لم تكن القرينة مستقلة، نحو الشرط والصفة والاستثناء، [فـ] لا يصير مجازًا، لأن هذه الأمور إذا اقترنت بالكلام تصير من جملة الكلام، وصار الكل كلامًا واحدًا، فلا يكون البعض بانفراده لا حقيقة ولا مجازًا، بل هذه الجملة المركبة حقيقة في الثاني. والدلالة عليه أن قول القائل: \"اضرب الناس الطوال\" أو \"إن كانوا طوالًا\" أو \"إلا من قام منهم\" لا يخلو: إما إن أُريد البعض باللفظ وحده، أو بمجموع الأمرين: لا وجه إلى الأول، لأنه لو أريد باللفظ وحده، لم يكن أريد بهذه الأمور شيئًا، لأن هذه الأمور ما وضعت لشيء مستقل في دلالتها على ذلك، فيقال: أراد [ذلك الشيء] باللفظ وحده، وأراد بهذه الأمور ما يقتضيه هذه الأمور، ولأنه لما أراد البعض باللفظ وحده، لم يبق شيء أراد [هـ] بهذه الأمور.","vol":"1","page":239},{"text":"فإن قيل: أراد البعض باللفظ وحده، لكن عند هذه الأمور تصير هذه الأمور كالقرينة الحالية- قلنا: هذه الأمور من جنس الكلام، فنقول: على ما تدل عليه بالطريق الذي يدل عليه الكلام، لا على مثال قرينة الحال، فتصير هذه الأمور مع اللفظ دلالة على إرادة البعض بجهة واحدة، فلم يكن اللفظ بانفراده لا حقيقة ولا مجازًا، بل الجملة حقيقة في البعض- والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>٥٤ - باب في: أن العام المخصوص- هل يصح الاستدلال به فيما عدا المخصوص أم لا</span>؟\nاختلف أهل الأصول في أن العام المخصوص هل يصح الاستدلال به؟\nقال بعضهم: لا يصح الاستدلال به أصلًا على كل حال.\nوقال بعضهم: يصح على كل حال.\n[و] قال بعضهم: يصح الاستدلال به في حال دون حال، واختلفوا في تفصيل تلك الحالة:\nقال بعضهم: إن خصَّ بدليل متصل به، نحو الشرط والصفة والاستثناء، يصح الاستدلال به. وإن خص بدليل منفصل، لا يصح الاستدلال به- وهو قول أبي الحسن الكرخي ﵀.","vol":"1","page":240},{"text":"وقال بعضهم: إن كان المخصص منع تعليق الحكم بالاسم العام، وأوجب تعليقه بشيء لا ينبئ عنه الاسم: لا يصح الاستدلال به. وإن لم يمنع من تعلق الحكم بالاسم العام: يصح ذلك.\nمثال الأول- آية السرقة، وهي قوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾: فإن قيام الدلالة على اشتراط الحرز والقدر يمنع من تعلق القطع باسم السارق، وأوجب تعليقه بشيء لا ينبئ عنه الاسم.\nومثال الثاني- قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾: فإن قيام الدلالة على المنع من قتل معطي الجزية [لا] يمنع من تعلق القتل باسم المشرك.\nوالمختار- أنه يصح الاستدلال به فيما وراء المخصوص مطلقًا.\nوالدلالة على ذلك وجهان:\nأحدهما- أن معنى قولنا: \"يصح الاستدلال\" هو أن يتوصل به إلى العلم بحكم ما عدا المخصوص، وهو قائم بعد التخصيص، لأن اللفظ متناول لما عدا المخصوص، أعني أنه دليل على إرادته بأصل الوضع، لأن اللفظ في الأصل","vol":"1","page":241},{"text":"موضوع للاستغراق وللكل، والكل ليس إلا آحاد [أ] اجتمعت، فجرى اللفظ في تناوله الآحاد مما دخل تحته، مجرى ألفاظ موضوعة لكل واحد من آحاده. فإذا خص البعض، بقي دليلًا على إرادة الباقي، بحكم الوضع. ولهذا المعنى صح الاستدلال قبل التخصيص، فصح قولنا: إنه يتوصل به إلى الحكم فيما عداه.\nفإن قيل: العام بعد التخصيص يصير مجازًا على ما ذكرنا، فلا يصح التمسك فيما تناوله بحكم الوضع، لأن ذلك حمل له على حقيقته، ومحال أن يكون اللفظ مقررًا في موضوعه حائدًا عن موضوعه. ولأن اللفظ بالتخصيص يصير مجملًا، والتعلق بالجمل لا يصح. وبيان الإجمال أن الحكم قبل التخصيص كان متعلقًا بظاهر الاسم، وبعد التخصيص لم يبق متعلقًاب ظاهره- ألا ترى أن المخصوص شارك ما عدا المخصوص في الاسم وفارقه في الحكم، وجرى العام بعد التخصيص مجرى اسم الصلاة في أنه لما دخل فيها أفعال لا ينبئ عنها الاسم لغة، لا يصح التمسك به لإيجاب الصلاة الشرعية، فكذا هذا- قلنا: اللفظ إنما صار مجازًا من حيث إنه لم يوضع لما عدا المخصوص على الانفراد، لا أنه لم يوضع له أصلًا، وهذا النوع من المجاز لا يمنع من صحة الاستدلال به، على ما ذكرنا: أنه يدل على إرادة ما عداه.\nوأما قوله: بأنه صار مجملًا- قلنا: لا كذلك، لأن المجمل ما لا يعرف مراده، وقد ذكرنا أن التخصيص يُعلم أن المراد منه الباقي، لأنه متناول له بحكم الوضع.\nقوله: المخصوص شارك غير المخصوص في ظاهر الاسم- قلنا: فلو خلينا وظاهر الاسم، لكنا لا نفصل بينهما، إلا أنا امتنعنا من تعليق الحكم به في المخصوص، لمانع، ولا مانع فيما عداه، فيتعلق به، بخلاف اسم \"الصلاة\"،","vol":"1","page":242},{"text":"لأنه ليس من الصلاة ما ينبئ عنه الاسم لغة، بل المراد منه الأفعال المعهودة، فلا يصح التمسك به، لإثبات حكمه فيما هو المراد باللفظ، لنه غير معلوم باللفظ لغة.\nوالوجه الثاني- إجماع الصحابة ﵃- فإنه رُوي عن علي ﵁ أنه قال: نتمسك في الجمع بين الأختين المملوكتين بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ويقول: \"أحلتهما آية وحرمتهما آية فالتحريم أولى\". ومعلوم أن قوله ﷿: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ خصَّ منه البنت والأخت من الرضاع. وعن عثمان ﵁ أنه كان يتمسك على هذا الوجه. وعن ابن عباس ﵁ أنه كان يتمسك بقوله تعالى: ﴿وأُمَّهَاتُكُمُ اللَاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ في التحريم بالرضعة الواحدة، وردَّ لذلك خبر ابن الزبير ﵁ وهو قوله: \"لا تُحرِّم الرضعة والرضعتان\"- إلى غير ذلك من وجوه الاستدلال بالعمومات المخصوصة. ولم يُنقل عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، فكان إجامعًا.\nوأما من فصل بين ما يمنع تعلق الحكم باسم عام وبين ما لا يمنع-[فـ] قال بأن قيام الدليل على اشتراط الحرز والمقدار أوجب تعليق الحكم","vol":"1","page":243},{"text":"بأمر لا ينبئ عنه الاسم- ألا ترى أنه لا يجوز لنا أن نُقدم على قطع السارق إلا بعد أن نعرف أنه سرق مالًا مقدرًا من حرز، ولو شككنا فيه لا يجوز قطعه. فلم يكن ظاهر لفظ العموم كافيًا في الدلالة على الحكم، فلا يصح التعلق به، بخلاف سائر العمومات المخصوصة، لأن ظاهر اللفظ دليل عليه، إلا أن دلالة التخصيص أوجبـ[ـت] خروج بعض المسمى، فبقي ظاهر اللفظ معمولًا به فيما وراءه.\nوالجواب:\nقلنا: لا فرق بينهما، فإن قوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ﴾ يتناول كل سارق، سرق قليلًا أو كثيرًا، من حرز أو غيره- فيصح الاستدلال به على وجوب القطع على كل من اختص بهذين الشرطين، لأنه سارق، ولا مانع يمنعه من قطعه- ألا ترى أنا لو خلينا وظاهر النص، لكنا نجوز قطع سارق لم يختص بهذين الشرطين، فكان الحكم متعلقًا بما ينبئ عنه السام.\nقوله: لا يجوز لنا أن نُقدم على قطع السارق إلا بعد أن نعرف هذين الشرطين- قلنا: إنما لا يجوز ذلك لنعرف دليل أنه غير داخل تحت التخصيص، لا لنعرف أنه داخل تحت القطع.\nوالقول في هذا، وفي سائر العمومات المخصوصة، سواء، فإن قوله تعالى:","vol":"1","page":244},{"text":"﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ لما قامت الدلالة على منع قتل معطي الجزية، لا يجوز لنا أن نقتل مشركًا إلا بعد أن نعرف أنه [من] غير معطي الجزية، ومتى شككنا فيه لا نعوز قتله، ومع هذا: صح الاستدلال بها، بالطريق الذي قلنا- كذا هذا.\nهذا كله إذا كان المخصوص معلومًا، فإن كان مجهولًا [فـ] لا يصح التعلق به فيما وراءه، لأنه يوجب جهالة في الباق، لأنه بيان كالاستثناء، فيصير كأنه قال: \"اقتل المشركين إلا رجلًا\". والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>٥٥ - باب في: تخصيص العام بالعادة:</span>\nاعلم أن العادة التي هي خلاف العموم على ضربين: عادة في الفعل، وعادة في الاستعمال.\n- أما العادة في الفعل- فعلى ضربين:\nأحدهما- جرت من غير استحسان من الأمة. وهذا لا يجوز تخصيص العام به. نظيره: أن يعتاد الناس شرب بعض الدماء، ثم يحرم الله تعالى الدماء كلها، بلغت عام: [فـ] لا يجوز تخصيصه بتلك العادة، لأن العام دليل، والعادة ليست بدليل، لن الناس كما يعتادون الحسن يعتادون القبيح.\nوالثاني- جرت مع استحسان من الأمة، نحو الاستصناع فيما فيه تعامل الناس، وهو تخصيص نهي النبي ﵇ عن بيع ما ليس عند الإنسان.","vol":"1","page":245},{"text":"ولقائل أن يقول: هذا تخصيص بإجماع الأمة على جواز ذلك وحُسْنه، ولا بالعادة.\n- وأما العادة في الاستعمال:\nفبأن كان الاسم الدابة: فإنه اسم لكل ما يدبُّ على وجه الأرض والناس تعارفوا استعماله في الفرس، فلو تعبدنا الله تعالى بشيء في الدابة، ينصرف التعبد إلى ما تعارفه الناس.\nولقائل أن يقول: هذا ليس بتخصيص على الحقيقة، لأن الناس لما تعارفوا استعماله في الفرس صار حقيقة فيه، وصار كالموضوع له، وكالمجاز فيما وضع له في الأصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>٥٦ - باب في: أن العام: هل يخص لوروده على سبب خاص أم لا</span>؟\nاعلم أن سبب الخطاب هو ما يدعو إلى الخطاب. وذلك ضربان:\nأحدهما- دنو وقت العبادة، ووقوع الحاجة إلى بيان الحكم.\nوالآخر- سؤال السائل، وهو على ضربين:\nأحدهما- أن يستقل الخطاب الذي خرج جوابًا له بنفسه.\nوالآخر- لا يستقل بنفسه.","vol":"1","page":246},{"text":"-[أما الذي لا يستقل بنفسه]- فبأن كان بحال لا يفهم منه شيء لو انفرد، نحو قوله ﵇ حين سُئل عن بيع الرُّطب بالتمر: \"أوَ ينقص [الرُّطب] إذا جفَّ؟ فقيل: نعم، فقال: لا- إذن\".\nوالحكم فيه أن يقتصر على سببه، ولا يتعدى إلى غيره، لأن قوله: \"لا- إذن\" نفي للمذكور، ولا مذكور في كلام الرسول، ولا كلام السائل إلا بيع الرطب بالتمر، فاقتصر نفي الجواز عليه.\nفإن قيل: هلَّا كان هذا نفيًا لجواز [بيع] كل ما ينقص إذا جفَّ بما قد جفَّ، فيصير كأنه قال: إذا كان الحال هكذا [فـ] لا يجوز بيعه- قلنا: إن عنيت بهذا أن انتفاء جواز بيع ما ينقص إذا جفَّ معقول بطريق القياس، فلا نأبى ذلك. وإن عنيت به أن قوله: \"فلا إذن\" ينفيه بنفسه، فباطل، لأن السؤال لم يقع عنه.\n- وأما الذي يستقل بنفسه- نحو قوله ﵇: \"الخراج بالضمان\": فإن هذا ورد على سبب خاص، وهو السؤال عن عبد بعينه.\nوالحكم فيه، وفي كل سبب خاص غير السؤال، عندنا أن لا يقتصر عليه. بل يتعدى إلى كل ما يتناوله العام، إلا إذا دلَّ الدليل [على قصره على سببه]،","vol":"1","page":247},{"text":"نحو العادة في قوله: \"تَغدَّ معي\" فقال: \"لا أتغدى والله\": يتقيد اليمين بالغداء المدعو إليه بالعادة- وهذا عندنا.\nوقال الشافعي ﵀: يقتصر على سببه في جميع المواضع.\nوالدلالة على صحة ما ذهبنا إليه أن اللفظ العام إذا ورد ابتداء على سبب، إنما يجب العمل بعمومه لتناول اللفظ الكل لغة لما مرَّ، وهذا لا ينعدم إذا كان السبب الذي ورد عليه خاصًا، فيجب العمل بعمومه أيضًا، إذا الحكم يثبت باللفظ لا بالسبب.\nوالمخالف احتج بأشياء:\nمنها- أن العادة تقتضي قصر الخطاب على سببه، كما في قول القائل: \"تغدَّ معي\" فقال: \"لا أتغدى والله\".\nومنها- أنه لو أجرى اللفظ على عمومه، لكان جوابًا وابتداء، والقصد في الجواب ينافي القصد إلى الابتداء، لأن الجواب ما يكون بناء، والابتداء لا يكون بناء، والقصد إلى البناء مع القصد إلى ترك البناء يتنافيان.","vol":"1","page":248},{"text":"ومنها- أنه لو تعدى إلى غيره لما أخر البيان إلى هذه الحالة، لأن هذه الحالة وما قبلها من الخلاف في حق الحاجة إلى البيان سواء.\nومنها- أن الجواب يجب أن يكون مطابقًا للسؤال، وإنما يكون مطابقًا إن لو كان مساويًا له، وإذا تعدى إلى غيره لم يكن مساويًا له، فلم يكن مطابقًا- ألا ترى أنه لا يجوز أن يكون أنقص من السؤال لانعدام المطابقة.\nوالجواب:\nأما الأول- قلنا: لا نسلم أن العادة في حق النبي ﵇ أن يكون المراد من خطابه ما وقع السؤال عنه.\nأما مسألة الغداء -فمن عادة الناس أنهم يدرون ذلك. ولم يجب- إذا غيَّر قبل الحف ما دعى إليه من الغداء- أن يغير خطاب النبي ﵇، فلا نغير.\nوأما الثاني- قلنا: إن عنيت بالابتداء والبناء- أنه جواب عما وقع السؤال عنه، وابتداء فيما لم يقع عنه السؤال، فنحن هكذا نقول. لكن القصد إلى ذلك لا يتنافيان، ألا ترى أنه لا يتنافى القصد إلى ذلك في خطاب يتعدى إلى غيره، نحو قوله ﵇ حين سئل عن ماء البحر فقال: \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\"- فكذا هذا.\nوأما الثالث- قلنا: لا يمتنع أن تكون المصلحة في أني بين حكم ما عدا ما وقع السؤال عنه، ألا ترى أنه يجوز أن يبين الحكم ابتداء ولا يقال إنه","vol":"1","page":249},{"text":"لو كان الحكم ثابتًا لما أخر البيان إلى هذه الحالة، ولأن مثل هذا لا يمتنع في خطاب يتعدى إلى غيره مما ليس من جنسه- فكذا هذا.\nوأما الرابع- قلنا: إن عنيت بالمطابقة المساواة، فلا نسلم أنها شرط. وإن عنيت به أنه يجب أن يكون متضمنًا لجميع ما وقع السؤال عنه، فمسلم. ولكن هذا كما يحصل بالمساواة وحدها، يحصل بالمساواة مع المجاوزة، كما في خطاب يتعدى إلى غيره مما ليس من جنسه- فكذا هذا.\nقوله: لا يجوز أن يكون الجواب أخص من السؤال- قلنا: إنما لا يجوز ذلك، لأن السؤال لما وقع عن جملة: فإذا اقتصر في الجواب على البعض، فقد أخل ببيان واجب، ولا كذلك إذا كان الجواب أعم، لأنه ما أخ ببيان واجب، حتى إن كان السائل من أهل الاجتهاد، وفي الوقت سعة، جاز أن يقتصر على البعض، ونبَّه على الباقي بالقياس عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>٥٧ - باب في: تخصيص عموم الابتداء بخصوص الانتهاء، وتخصيص عموم الانتهاء بخصوص الابتداء:</span>\nاعلم أن ألفاظ العام إذا تعقَّبها تقييد، بصفة أو باستثناء أو بشرط أو بحكم، وكان ذلك لا يتأتى إلا في بعض ما تناوله اللفظ العام- اختلف الناس فيه:\nذهب الأكثرون إلى أنه يُحمل على الكل.\nوذهب بعضهم إلى أنه يُحمل على البعض.\nوالمختار أنه يُتوقف فيه.","vol":"1","page":250},{"text":"مثال التقييد بالاستثناء- قوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن طَلَّقْتُمُ﴾ إلى قوله: ﴿إلَاّ أَن يَعْفُونَ﴾: علَّق العفو بكناية راجعة إلى النساء، ومعلوم أن العفو إنما يصح من المالكات لأمورهن، دون الصغيرة والمجنونة والأمّة، فالمراد من النساء المذكورات في صدر الكلام: [هل] اللواتي يصح منهن العفو أو الكل؟ - فهو على هذا الخلاف.\nومثال التقييد بالصفة- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾","vol":"1","page":251},{"text":"يعني الرغبة في مراجعتهن، ومعلوم أن الرغبة في المراجعة يتأتى في المطلقات الرجعيات، دون البائنات.\nومثال التقييد بالحكم- قوله: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ وأراد به الرجعة، ومعلوم أن ذلك لا يصح إلا في المطلقات الرجعيات دون البائنات، فالمراد من العام: [هل] الكل أو المطلقات الرجعيات: فهذا على الخلاف الذي ذكرنا.\n- أما الأكثرون-[فـ] ذهبوا إلى أن الأصل في اللفظ العام أن يجري على عمومه إلا أن يضطرنا دليل إلى أن تخصصه، وخصوص آخره لا يضطرنا إلى تخصيص أوله، لجواز أن يكون المراد بالأول عامًّا وبالثاني خاصًا، فبقى اللفظ عامًّا، فيجب العمل بعمومه.\n- واحتج الفريق الثاني بأن المذكور في آخر الكلام كناية، كما في قوله تعالى: ﴿إلَاّ أَن يَعْفُونَ﴾ أو جارْ مجرى الكناية. ومن حق الكناية أن يرجع إلى جميع ما تقدم ذكره، لأن الكناية تنصرف إلى المذكور السابق، والمذكور السابق هو النساء المطلقات، فانصرفت الكناية إليهن، فصار الكل موصوفًا بهذا الوصف، وهو كونهن مالكات لأمورهن- ألا ترى أن قائلًا لو قال: \"من دخل من","vol":"1","page":252},{"text":"عبيدي الدار فاضربهن إلا أن يتوبوا\" انصرفت الكناية إلى جميع ما تقدم ذكره، وجرى ذلك مجرى قوله: \"إلا أن يتوب عبيدي الداخلون الدار\"- كذا هذا، وصار كأنه قال: \"إلا أن يعفو النساء المطلقات\".\n- والدليل على صحة المذهب المختار هو أن ظاهر العموم يقتضي التعميم، وظاهر الكناية يقتضي التخصيص، وليس التمسك بأحدهما أولى من الآخر، فيجب التوقف.\nفإن قيل: التمسك بظاهر العموم أولى، لأنه اسم ظاهر، وذلك كناية- قلنا: هذا ليس بأولى من قول القائل: التمسك بالكناية أولى، لأنه كناية.","vol":"1","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>٥٨ - باب في: أن المعطوف- هل يجب أن يضمر فيه جميع ما يجب إضماره في المعطوف عليه أم لا؟ وهل إذا وجب ذلك وكان المضمر في المعطوف مخصوصًا وجب أن يكون في المعطوف عليه مخصوصًا ام لا</span>؟\n- قال عامة الأصوليين بأنه يجب ذلك فيه.\n- وقال أصحاب الشافعي- إنه لا يجب ذلك، ويبقى المعطوف عليه عامًّا.\n- والمختار أنه على التفصيل:\n* إن كان المعطوف مقيَّدًا بزيادة في الكلام، يقتصر في الإضمار على القدر الذي يصير الكلام به مستقلًا ولا يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره.\n* وإن لم يكن مقيدًا بزيادة، يجب إضمار جميع ماي مكن إضماره فيه، فيجب التوقف في عموم صدر الكلام وخصوصه.\nأما إذا كان المعطوف مقيدًا بزيادة:\nفمثاله قول القائل: لا تقتلوا اليهود بالحديد ولا النصارى في الأشهر الحرم- يقتضي الإضمار على القدر الذي يصير الكلام به مستقلًا، حتى يصير كأنه قال: لا تقتلوا اليهود بالحديد ولا [تقتلوا] النصارى في الأشهر الحرم، وإنما كان كذلك، لأنه مني قيده بزيادة علمنا أنه قصد به أن يخالف بينهما في كيفية القتل وجهته ويشركه في أصل القتل.","vol":"1","page":254},{"text":"وأما إذا لم يكن مقيدًا بزيادة:\nذهب عامة الأصوليين في ذلك أن قضية عطف الشيء على غيره أن يضمر فيه جميع ما هو مضمر في المعطوف عليه إذا أمكن- ألا ترى أن من قال لعبده: \"لا تشتر اللحم بالدراهم الصحاح ولا الخبز\"، لا يقتصر في الإضمار على الشراء بل يضمر الشراء بالدراهم الصحاح حتى يصير معنى الكلام: \"لا تشتر اللحم بالدراهم الصحاح ولا تشتر الخبز بالدراهم الصحاح\". وإنما وجب ذلك، لأن ظاهر العطف يقتضي اشترك المعطوف عليه في الحكم مطلقًا، لأن الواو للجمع مطلقًا على ما عرف. والحكم في هذا المثال ليس المنع من مطلق الشراء، بل هو المنع من الشراء بالدراهم الصحاح، فيصير مذكورًا في شراء الخبز تحقيقًا للعطف والاشتراك.\nفإن قيل، وهو شبهة المخالفين: الداعي إلى الإضمار في المعطوف فقد الاستقلال، إذ لو كان مستقلًا بنفسه لا حاجة إلى الإضمار، فيجب إضمار هذا القدر دون الزيادة- قلنا: هذا يوجب الإضمار، أما لا يمنع كون غيره موجبًا، وهو ما ذكرنا من قضية الجمع والاشتراك مطلقًا.\nإذ ثبت هذا بطل الاستدلال لأصحاب الشافعي ﵀ بقوله ﵇: \"لا يُقتل مؤمن بكافر\" على نفي قتل المؤمن بالذمي. لأنا نقول: المراد منه الكافر الحربي، لأن النبي ﷺ عطف عليه قوله: \"ولا ذو عهد في عهده\"،","vol":"1","page":255},{"text":"والمعطوف يجب أن يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره مما في المعطوف عليه، والمظهَر في المعطوف [عليه] قتل بكافر، فيجب أن يضمر كلاهما في المعطوف، فصار معنى الكلام: ولا يقتل ذو عهد بكافر، ولا يقتصر على قوله: \"ولا يُقتل ذو عهد\" لأن المظهَر في المعطوف [عليه] ليس مطلق القتل بل قتل المؤمن بالكافر، ومعلوم أن ذا العهد يقتل بالكافر الذميِّ، ولا يقتل بالكافر الحربي، فكذلك المضمر في المعطوف: يجب أن يكون مخصوصًا بالكافر الحربي، لأن المضمر في المعطوف ما هو المظهَر في المعطوف عليه، فلو جعلنا الكافر في المعطوف عليه عامًّا وفي المعطوف خاصًّا لم نكن قد أشركنا المعطوف والمعطوف عليه في الحكم.\nإذا ثبت هذا نقول: لما كان الكافر في المعطوف مخصوصًا بالحربي، فكذلك في المعطوف عليه: هذا هو تقرير هذا المذهب- إلا أنَّا نقول بأن المعطوف في هذا الحديث تقيد بزيادة وهو قوله: \"ولا ذو عهد في عهده\" أي لأجل عهده، وما دام تمسكًا بعهده، وقد ذكرنا أن في مثل هذا الموضع لا يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره فيه، فلو وجب الإضمار كان الأولى فيه الوقف، كما اختران من المذهب [القول] بالوقف- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>٥٩ - باب في: أن ذكر بعض ما شمله العام هل يوجب تخصيص العام أم لا</span>؟\nاعلم أن الخبر العام إذا ورد واقتضى تعليق الحكم بأشياء، ثم ورد خبر خاص يقتضي تعليق الحكم ببعض تلك الأشياء- لا يدل ذلك على أن ما عداه خارج عن حكم العام.","vol":"1","page":256},{"text":"مثاله- قوله ﵇، في شاة ميمونة، لميمونة، لميمونة: \"دباغها طهورها\"، فإن هذا لا يجعل مخصصًا لقوله ﵇: \"أيُّما إهابٍ دُبغَ فقد طَهُرَ\".\nوبعض الناس جعلوه مخصصًا.\nوالدلالة على بطلان ذلك:\nأما على قول من لا يجعل تخصيص الشيء بالذكر نفيًا لما عداه: فظاهر، لأنه لا يتعرض لما عداه أصلًا.\nوعلى قول من يجعل ذلك: إنما يكون تخصيصًا لو استوى الخاص والعام","vol":"1","page":257},{"text":"في القوة، ولا تساوى هنا، لأن العام صريح فيما تناوله، والخاص دليل على انتفاء الحكم عما عداه، ولا شك أن الصريح أقوى من الدلالة.\nوالله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>٦٠ - باب العمومين إذا تعارضا:</span>\nاعلم أن العمومين إذا تعارضا: إما أن يمكن الجمع بينهما بوجه من الوجوه، أو لا يمكن العمل بهما أصلًا.\nفإن أمكن: يعمل بكل واحد منهما، من الوجه الذي أمكن.\nفإذا تعذر الجمع بينهما.\nفإن عُرف التاريخ: يُجعل المتأخر ناسخًا للمتقدم.\nوإن جُهل التاريخ: يُرجح أحدهما على الآخر إذا أمكن.\nفإن تعذر الترجيح أصلًا: قال بعضهم بالتساقط. وقال آخرون: يُخير [المكلَّف] في العموم بأيهما شاء- وهو المختار.","vol":"1","page":258},{"text":"والدلالة عليه- هو أن الوجوه الممكنة أربعة:\n- العمل بهما وهما متناقضان، و[هو] محال.\n- أطراحهما وتساقطهما. وهو باطل، لأن فيه إهمال الدليل، لأن أحدهما لا بدَّ أن يكون متأخرًا وإن لم نعرفه، وهو إخلاء الواقعة عن الحكم مع قيام الدليل المقتضي للحكم.\n- أو استعمال أحدهما دون الآخر بغير مرجَّح، وهو تحكم بلا دليل.\n- وإذا بطلت هذه الأقسام لم يبق إلا التخيير، الذي يجوز ورود التعبُّد به ابتداء، فإن الله تعلاى لو كلَّفنا واحدًا بعينه لنصب عليه أمارة وجعل لنا سبيلًا إليه.\nوتقرير هذا الكلام، وبيان وجوه الترجيح، وجواز القول بالتخيير عند تعذر الترجيح، ويجئ في مسألة تعادل الأمارتين في باب القياس إن شاء الله تعالى.\n[والله أعلم].","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>٨\nباب\nفي: المطلق والمقيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>٦١ - [باب في: تعريف المطلق]:</span>\nاعلم أن اللفظ المطلق هو اللفظ المتناول لفرد غير معين، غير متعرض لصفة من الصفات- كقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾: فلفظة \"الرقبة\" مطلقة، لأنها تناولت فردًا من الرقاب غير متعرضة لصفة فيها، كالكفر والإيمان، والسواد والبياض، ونحو ذلك.\nوحكمه:\nعند بعض الفقهاء: إيجاب الفعل في واحد غير معين، وإنما يتعين ذلك بالفعل واختيار المكلِّف.\nوعندنا: إيجاب الفعل في كل الرقاب على البدل. وهذا على مثال الأمر بالأشياء على وجه التخيير، وقد قررنا الكلام فيه في باب الأوامر.","vol":"1","page":260},{"text":"والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه أن قوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ لا تناولت [اللفظة] الرقبة ولم تتعرض للصفات، دل على أن المعول عليه والمؤثر في استيفاء المصلحة وكونه تكفيرًا، هو كونه رقبة فقط، لأن الله تعالى علَّق الأمر وكونه تكفيرًا، به لا بصفة أخرى، وكل ذات يسمى رقبة، فالفعل فيه يقع واجبًا وتكفيرًا، ولهذا لا يصح نفي واحد من الرقاب عنه.\nلا يقال: هذا بعينه، أو ذلك، غير مراد بالنص، إلا أن الفعل في الكل واجب على البدل لا على الجمع، فإذا وجد الفعل في واحد منهما حصلت المصلحة مستوفاة، فيسقط الثاني- هذا معنى قولنا: إن المطلق عامٌّ معنى إن كان خاصًا صورة.\nفإن قيل:\n- قوله: \"رقبة\" تناول فردًا واحدًا، والعام ما يكون مستغرقًا، فكيف يمكن دعوى العموم فيه؟ .\n- والثاني- إن الرقبة المطلقة على هذا التفسير لا وجود لها في العالم، فلا يتصور إيقاع التحرير فيها، لن الذات الموصوف بكونها رقبة، ولا يوجد فيها صفة أخرى، لا وجود لها في العالم- فكيف يجب إيقاع التجويز فيها؟ .\nقلنا:\n- قوله \"رقبة\": إن كان فردًا ولكنه نبَّه على المعنى الذي لأجله تناوله وتعلق الحكم به، وهو كونها رقبة فقط، فكان متناولًا لكل ما هو رقبة معنى، بمنزلة قوله \"تحرير الرقبة كفارة\" لكونها رقبة فقط، ولو كان لفهم منه العموم على البدل- فكذا هذا.\n- وقوله: الذات المطلق على هذا التفسير لا وجود له- قلنا: بلى،","vol":"1","page":261},{"text":"لكن اللفظ المطلق ليس ما يتناول ذاتًا لا صفة له في الوجود، بل اللفظ المطلق ما يتناول ذاتًا له صفات في الوجود، لكنه تعرض لذاته في الحكم المتعلق به لا بشيء من صفاته، والذات الذي يتعرض النص لذاته ويتعلق الحكم بذاته لا بصفاته، لها وجود، ولا نعني باللفظ المطلق والرقبة المطلقة إلا هذا- فلم يكن إيجابًا للفعل فيما لا وجود له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>٦٢ - باب في: أن المطلق إذا دخله قيد- هل يصير مجازًا، وهل يصح التعلق به في الباقي</span>؟\nاعلم أن الكلام في هذا الفصل كالكلام في العام إذا دخله تخصيص، لأنًّا متى بيّنا أن المطلق عام معنى، كان دخول القيد فيه كإخراج بعض ما تناوله العام.\nوالكلام في ذلك وصيرورته مجازًا، وصحة التعلق به في الباقي، كما بيَّنا- فكذا هذا. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>٦٣ - باب في: حمل المطلق على المقيد:</span>\nاعلم أن الكلامين إذا وردا وأحدهما مطلق والآخر مقيد، [فـ] لا يخلو: إما إن وردا في حادثة واحدة، أو في حادثتين.\nفإن وردا في حادثة واحدة:\nوذلك نحو قوله ﵇ في كفارة اليمين: \"إذا حنثتم فأعتقوا رقبة\" ثم يقول: \"إذا حنثتم فأعتقوا رقبة مؤمنة\": لو خُلينا وظاهر النص لكنا نوجب إعتاق رقبتين","vol":"1","page":262},{"text":"إذ كان الأمر المتكرر يقتضي تكرار المأمور به. وإن علمنا، بدلالة الإجماع، أن المأمور به واحد، [فـ] يجب حمل المطلق على المقيد، لأن الأمر المقيد يقتضي اعتبار هذا الوصف، فلو جوزناه بدونه، كان فيه إبطال قضية النص، وإنه لا يجوز.\nفإن قيل: وكذلك لو حملنا المطلق على المقيد، لأبطلنا الإطلاق عن المطلق، فلم كان ذلك أولى من هذا؟ بل يجب أن يحمل المقيد على الندب والمطلق على الوجوب عملًا بهما- قلنا: الأمر المقيد يقتضي اشتراط هذا الوصف، والمطلق يقتضي تعلق الجواز به، بدلالة أنه لو انفرد لا يجوز بدون هذا الوصف، والمطلق يقتضي أن لا يتعلق الجواز به، فوقع التعارض بينهما، والعمل بالمقيد أولى، لأنه أشد اختصاصًا بما تناوله من المطلق وأقل احتمالًا منه، فكان العمل به أولى، كالخبر الخاص مع العام، على ما ذكرنا من قبل.\nهذا إذا وردا في حادثة واحدة.\nوأما إذا وردا في حادثتين مختلفتين:\nنحو إطلاق الرقبة في كفارة الظهار، وتقييدها في كفارة القتل بصفة الإيمان:\nذهب أصحابنا ﵏ إلى أنه لا يحمل المطلق على المقيد بل يجري كل واحد منهما على ما هو عليه من التقييد والإطلاق.\nوذهب أصحاب الشافعي ﵀ إلى أنه يحمل المطلق على المقيد ويجعل صفة الإيمان شرطًا في كلا الموضعين.","vol":"1","page":263},{"text":"ونحن نقول: الخصم لا يخلو: إما أن يرجع في تقييد المطلق إلى نفس التقييد في المقيد، أو يرجع إلى تقييده بالقياس على المقيد:\n(أ) - فإن رجع إلى نفس التقييد- فالدلالة على بطلانه أن المطلق نص على حدة، والمقيد نص على حدة، ولكل واحد منهما قضية يجب ترتيبها عليه لو انفرد، فلماذا نترك العمل بأحدهما عند الاجتماع مع إمكان العمل بهما- وهذا لأن الكلامين إذا وردا وأحدهما مطلق والآخر مقيد، فتييد أحدهما إنما يدل على تقييد الآخر: إما لوصلة بينهما من جهة اللفظ، أو لوصلة بينهما من جهة الحكم. أما الوصلة من جهة اللفظ فبأن يكون أحدهما معطوفًا على الآخر مع إضمار شيء على ما تقدم ذكره، ولم يوجد ههنا. وأما الوصلة من جهة الحكم فبأن يمتنع اختلافهما في الإطلاق، ولا يمتنع ههنا، لأنه كما جاز أن تكون المصلحة فيهما في أن يتفقا في التقييد، جاز أن تكون المصلحة فيهما في أن يختلفا في التقييد- ألا ترى أنهما في البدل مختلفان: فإن الإطعام جُعل [بدلًا] في كفارة الظهار، ولم يُجعل بدلًا في كفارة القتل، فثبت أنه لا وُصلة بينهما","vol":"1","page":264},{"text":"أصلًا، ولو جاز التقييد مع فقد الوُصلة- لجاز تخصيص أحد العمومين باعتبار أن الآخر مخصوص، وهنا لا يجوز.\nفإن قيل، وهو شبهة الخصم: الكفارات كلها جنس واحد، وهذا القدر يكفي للتعلق وتقييد البعض بالبعض، ألا ترى أن الله تعالى قيد الشهادة بالعدالة في موضع وأطلقها في موضع آخر، فإنه قال: ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ وقال: ﴿وأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، ثم جعل صفة العدالة شرطًا في الشهادات كلها. وكذا أطلق اليد في آية التيمم وقيدها بالمرافق في آية الوضوء. ثم حمل المطلق على المقيد بالإجماع. ولأن القرآن كله ككلمة واحدة، فإذا ثبت التقييد في البعض يثبت في الكل- ألا ترى أن الله تعالى قيَّد الذكر بالله تعالى","vol":"1","page":265},{"text":"في قوله: ﴿والذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ وأطلقها في قوله: ﴿والذَّاكِرَاتِ﴾ ثم حمل المطلق على المقيد- كذا هذا.\nولنا:\n- إن الكفارات، وإن اشتركت في الاسم، لكن اختلفت أسبابها وأحوالها، فجاز اختلافها في الإطلاق والتقييد -ألا ترى أنها اختلفت في البدل لاختلاف أسبابها- فكذا هذا.\n- وأما الشهادة: فلا نقول: يحمل المطلق على المقيد، بل شرطنا العدالة في كل الشهادات، بدليل يقتضي ذلك.\n- وأما تقييد اليد بالمرفق في باب التيمم-[فإنه] لا يحمل المطلق على المقيد، بل بدليل آخر، وهو بيان النبي ﷺ بالفعل، أو لأن بين التيمم والوضوء وُصْلة، لأن التيمم خلف عن الوضوء، فلا يخالفه فيما جعل خلفًا عنه.\n- وقوله بأن القرآن كله ككلمة واحدة، قلنا:\n* إن عنيت به أنه ككلمة واحدة في أنه يجب تقييد البعض بما قيد به البعض، فلسنا نسلم ذلك، وكيف يستقيم هذا وإنه لا يجب تقييد البعض بما قيد به البعض مخالفًا له في الحكم.\n* وإن عنيت به أنه ككلمة واحدة في أنه لا تناقض فيه، وأن الكل صحيح فمسلم، ولكن لم يوجب هذا تقييد البعض بالبعض.","vol":"1","page":266},{"text":"- وأما قوله تعالى: ﴿والذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. قلنا: هذا التقييد ثبت بدليل، وهو أنه خرج مخرج المدح والحث عليه: ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وأَجْرًا عَظِيمًا﴾ فينصرف إلى ذكر الله تعالى لهذا المعنى. ولأنه ذكر معطوفًا على قوله تعالى: ﴿والذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ وهذا يوجب التعليق والتقييد به.\nأما ههنا-[فـ] أحدهما غير معطوف على الآخر، فلم يكن التقييد في البعض دليلًا على التقييد في البعض، فلا يقيد به.\nفإن قيل: المطلق محتمل للمقيد، وفيه نوع احتمال وإجمال، والمقيد مفسّر ومحكم، فيجب حمل المحتمل والمجمل على المفسر والمحكم- قلنا: لا إجمال ولا احتمال في المطلق، بل له قضية محكمة معلومة على ما ذكرنا من قبل.\nهذا إذا رجع في تقييد المطلق إلى نفس التقييد في المقيد.\n(ب) - فأما إن رجع إلى ذلك بالقياس- فالكلام فيه من وجوه:\nأحدها- إن تقييد المطلق نسخ لحكمه، وهو الإجزاء. لأن النص المطلق يقتضي الإجزاء بالفعل في مطلق الرقبة، أي رقبة كانت، على ما مرَّ. فإذا قيد بصفة الإيمان لم يبق الإجزاء بالفعل في مطلق الرقبة، ونسخ النص بالقياس لا يجوز. وهذا لأن قبل التقييد كان الإجزاء متعلقًا به لأجل أنه اعتاق رقبة. وبعد التقييد تعلق الإجزاء، لأنه إعتاق رقبة مؤمنة، فجرى التقييد بالصفة مجرى التقييد بإعطاء العشرة في أنه زيادة على النص، وإنه نسخ، لأن قبله يقتضي الإجزاء مع فقد هذه الزيادة، وبعده يرتفع هذا الحكم، وإزالة حكم شرعي نسخٌ له.","vol":"1","page":267},{"text":"وثانيها- إن لم يكن هذا نسخًا بالقياس، لكنه قياس المنصوص على المنصوص، وهو باطل.\nوثالثها- إن كان هذا تخصيصًا للعام بالقياس، لكن تخصيص العام ابتداء لا يجوز، وإنما يجوز إذا كان قد خُصَّ منه بعضه، وبعض الكفارة لم يخصَّ منه شيء.\nولو كان مطلقًا قيد بعضه، وبين الخصم قياسًا صحيحًا يقتضي تقييده بوصف الإيمان، فنحن تجوز ذلك- إنما الكلام في حمل المطلق على المقيد لا بهذا الطريق.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>٩\nباب\nالمجمل والمبين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>٦٤ - [تعريفات]:</span>\nنحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ تُستعمل في هذا الباب، نحو قولنا: \"مُجْمَل\" و\"مُبيَّن\" و\"بيان\" و\"مُفسَّر\" و\"نَصٌّ\" و\"ظاهر\".\nأما قولنا \"مُجْمَل\"- فيراد به ما يفيد جملة من أشياء. ومنه قولهم: \"أجملت الحسابَ\" أي جمعتُ. وعلى هذا المعنى يسمى العام \"مجملًا\" لأنه قد أجمل تحته المسميات.\nوقد يراد به ما لا يُعرف [به] مراد المتكلم.\nوحدُّه الصحيح في عرف الفقهاء أن \"المجمل ما يراد به شيء معين في نفسه واللفظ لا يُعيِّنه\".\nولا يلزم على هذا قوله: \"اضرب رجلًا\"، لأن هذا لا يسمى \"مجملًا\"، لأنا قلنا: يفيد شيئًا معينًا في نفسه. وثمَّة ما أفاد ضرب رجل معين، فإنه لو ضرب أي رجل شاء كان ممتثلًا. ولا كذلك قوله: \"قرء\"، لأنه أفاد شيئًا معينًا: إما \"الحيض\" أو \"الطهر\"، ولا يعينه. وكذلك اسم \"الصلاة\":\nيفيد أفعالًا معينة واللفظ لا يعينها.","vol":"1","page":269},{"text":"وأما \"البيان\"- فعلى نوعين. قد يكون عامًّا وقد يكون خاصًّا.\nأما العام: فهو الدلالة على المراد، إما القول أو الفعل. ومنه قول القائل: \"بيَّن لي فلان [كذا وكذا] بيانًا ظاهرًا\": سمَّى كشف المراد بيانًا. ويقال: \"دللتُ فلانًا على الطريق وبيَّنته له\".\nوأما الخاص: فهو، فيما تعارفه الفقهاء، \"هو الدالُّ على المراد بخطاب لا يستقل بنفسه في الإفادة\".\nوأما \"المُبيَّن\"- فقد يُستعمل في خطاب يفتقر إلى البيان ولحقه البيان. وقد يستعمل في خطاب مبتدأ مُستغنٍ عن البيان.\nوكذلك \"المُفسر\"- وهو والمبين سواء، لأن معناه الكشف والإبانة. وقد يستعمل في خطاب مفتقر إلى التفسير، وقد ورد عليه التفسير. وقد يُستعمل في خطاب مبتدأ مستغن عن التفسير.\nوأما \"النص\":\n[فـ] قال بعضهم: هو كل خطاب عُرف مراده، سواء كان مستقلًا أو عُرف مراده بغيره.\nوعلى هذا: يسمى \"المجمل\" الذي لحقه البيان نصًّا.\nوحدُّه الصحيح: أن يشتمل على ثلاثة أشياء: أن يكون كلامًا. وأن يكون إفادته لمعناه ظاهرًا. وأن لا يتناول إلا ما هو نص فيه. وإن كان متناولًا لشيء واحد، كان نصًّا فيه. وإن كان متناولًا لأشياء، كان نصًّا فيها.","vol":"1","page":270},{"text":"- أما اشتراط كونه كلامًا- فلأن أدلة العقول والأفعال لا تسمى نصوصًا.\n- وأما اشتراط إفادته معناه على سبيل الظهور- فلأن النص عبارة عن الظهور: يسمى منصّه العروس \"منصّة\" لارتفاعها وظهورها.\n- وأما اشتراط تناوله لما هو نص فيه -فلأن قول القائل \"اضرب عبيدي\" لم يقل أحد إنه نص في وجوب ضرب سالم منه، لأنه مُتناوَلٌ مع غيره.\nإذا ثبت هذا، قلنا في حد النص: هو كلام يفيد معناه ظاهرًا ولا يتناول أكثر مما هو نص فيه.\nفإن قيل: ألسنا نقول إن الله تعالى نص على إيجاب الصلاة وإن كان قوله \"أقيموا الصلاة\" مجملًا. قلنا: قوله: \"أقيموا\" ليس بمجمل في حق الإيجاب، فكان نصًا على الوجوب، لكنه مجمل في حق الصلاة، فلا جرم لا يسمى \"نصًّا\" في حق الصلاة بعد البيان.\nوأما \"الظاهر\":\nفما يفيد معناه على سبيل الظهور، سواء كان متناولًا له وحده أو مع غيره، وكان محتملًا للتأويل على بعض الوجوه.","vol":"1","page":271},{"text":"وهو مفارق للنص من هذه الجهة، وإن كان مشاركًا له في اشتراط كونه كلامًا، واختصاصه بالكشف والظهور.\nوالله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>٦٥ - باب في: معرفة ما يحتاج إلى البيان وما لا يحتاج إليه:</span>\n- اعلم أن من البيان ما يكون عامًا، وهو الدلالة المطلقة.\n- ومنه ما هو خاص وهو الدلالة على المراد بأدلة شرعية. وهذا القسم يعرفه الفقهاء.\nفإن كان الكلام في الأول، فنقول:\nكل ما يصح أن يعلم ولا يعلم باضطرار- يحتاج إلى البيان. لأن ما يصح أن يعلم ولا يعلم باضطرار لا سبيل للعبد إلى العلم به إلا بالبيان، فاحتيج إلى البيان. وما يعلم باضطرار فذاك مستغنٍ عن البيان، لأن العبد مستغن عن تحصيل ما هو حاصل له.\nوإن كان الكلام في القسم الثاني [: الخاص] فنقول:\n[إن الدلالة الشرعية فيه ضربان: مستنبطة وغير مستنبطة]:","vol":"1","page":272},{"text":"إن الأدلة التي هي مستنبطة [كالقياس، فلا إجمال فيها، فيقال: إنه يحتاج إلى بيان. وأما الدلالة غير المستنبطة فهي] ضربان: أقوال وأفعال.\n- وأما الأفعال- فكلها محتاج إلى دلالة تدل على الجهات التي تقع عليها:\nفمنها- ما يقترن بها دلالة تدل على الجهة التي تقع عليها، نحو صلاة النبي ﵇ بأذان وإقامة: تدل على وقوعها فرضًا.\nومنها- ما لا يقترن بها دلالة فيحتاج إلى بيان آخر.\n- وأما الأقوال- فضربان:\nأحدهما- ما يكفي نفسه وصريحه على المراد في الدلالة على جهة الغرض.\nوالآخر- لا يكفي نفسه وصريحه في الدلالة على المراد.\nأما الذي يكفي نفسه وصريحه في الدلالة على المراد- فلا يحتاج إلى البيان، لأنه لو احتاج إلى البيان لانتقض قولنا: إنه يكفي نفسه وصريحه في الدلالة على المراد.\nوأما الذي لا يكفي نفسه وصريحه في الدلالة على المراد- فضربان:\nأحدهما- لا يكفي نفسه وصريحه في الدلالة على المراد بوضع أهل اللغة.\nوالآخر- لا بوضع أهل اللغة.","vol":"1","page":273},{"text":"فالول:\nنحو الأسماء المشتركة- فإن قولنا: \"قرء\" غير موضوع لهما ولا لأحدهما بعينه، فنحتاج إلى البيان. وكذا قوله تعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فإن اسم \"الحق\" يقع على أشياء مختلفة الصفة، واللفظ لا يعينها واحتاج إلى البيان.\nوأما الضرب الثاني:\nفهو أن لا يكون مجملًا في نفسه، ولكن المتكلم استعمله في غير ما وضع له- وذلك ضروب:\nمنها- أن يُستعمل لفظ العموم في الخصوص، وذلك لا يخلو: إما إن خص منه شيء معلوم، أو خص منه شيء مجهول:\nفالأول- يحتاج إلى بيان ما أريد منه وإلى بيان ما لم يُرد منه، وذلك نحو قوله: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ وتناوله قوله: \"لم أُرِدْ قتل بعضهم\"، وليس دخوله تحت أحد النصين أولى من دخوله تحت الآخر، فيحتاج إلى البيان في ذلك. ومنها قوله تعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكُم مَّا ورَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم","vol":"1","page":274},{"text":"مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾: فهذه الآية لو اقتصرت على قوله: ﴿وأُحِلَّ لَكُم مَّا ورَاءَ ذَلِكُمْ﴾ لا تحتاج إلى البيان، فإذا قيد بصفة الإحصان، وهي مجهولة، صار ما تناوله الإحلال مجهولًا. ومنها قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إلَاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: لما قيده بالاستثناء، والمستثنى -وهو ما يتلى- مجهول، صار ما تناوله صدر الكلام مجهولًا محتاجًا إلى البيان.\nومنها- المطلق الذي أريد به بعض المدة: يحتاج إلى البيان، لأن ظاهر اللفظ يقتضي ثبوته في كل المدة، فإذا أريد به البعض يحتاج إلى البيان.\nومنها- النكرة في موضع الإثبات، إذا أريد به بعض معين، نحو أن يقول: \"اضرب رجلًا\"، لأنه لا يدري أي رجل أراد، فيحتاج إلى البيان.\nومنها- الأسماء المنقولة عن معانيها إلى المعاني الشرعية.\nومنها- ألفاظ المجاز كاسم الأسد والحمار: إذا أُريد به الشجاع والبليد.\nفهذه جملة ما يحتاج إلى البيان، وما لا يحتاج إلى البيان.","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>٦٦ - باب: ما أخرج من المجمل وهو منه- نحو إرادة المعنيين بعبارة واحدة:</span>\nاعلم أن اللفظ المستعمل لا يخلو: إما إن أفاد فائدة واحدة، أو أكثر من فائدة واحدة.\n[فـ] إن أفاد فائدة واحدة -فلا خلاف في جواز إرادتها كلها بعبارة واحدة.\nوإن أفاد أكثر من فائدة واحدة- اختلفوا فيه:\nذهب جماعة من أهل الأصول إلى المنع من جواز إرادتهما بعبارة واحدة، في حالة واحدة.\nوذهب بعض الفقهاء وجماعة من المتكلمين إلى جواز ذلك، إلا أن يتنافى الإرادتان، نحو استعمال صيغة \"افعل\" في الأمر والتهديد، لأن استعمالها في التهديد يوجب الكراهية وفي الأمر يوجب الإرادة، وبين الإرادة والكراهة تناف.\nوالمختار من المذهب: أن اللفظ إذا تناول شيئين على سبيل الحقيقة، أو أحدهما على سبيل الحقيقة والآخر على سبيل المجاز، أو كلاهما على سبيل المجاز- جاز أن يراد [أ] في الإمكان بعبارة واحدة، ولا يجوز ذلك في اللغة.\nوالدلالة على جواز ذلك في الإمكان أنه ليس بين إرادة الاعتداء من المرأة بالحيض وبين إرادة الاعتداد منها بالأطهار ما يمتنع [معه] اجتماعهما إذا لم يكن متكلمًا باسم \"القرء\". وكذلك يجب أن لا يكون بينهما ما يمنع اجتماعهما","vol":"1","page":276},{"text":"إذا كان متكلمًا باسم \"القرء\"، لأن اللفظ لا يجعل ما ليس يمتنع ممتنعًا. وكذا ليس إرادة العقد بالنكاح وإرادة الوطء به ما يمنع من اجتماعهما إذا لم يكن متكلمًا باسم \"النكاح\". وكذا إذا كان متكلمًا باسم \"النكاح\".\nفإن قيل: إن لم يكن بين معنيين منافاة- لم قلتم: إنه يجوز اجتماعهما واجتماع إرادتهما. وهذا لأن المانع من اجتماع الشيئين ليس هو المنافاة فقط، بل يجوز أن يمتنع اجتماعهما لأمر يرجع إلى الغير. ألا ترى أنه يتعذر على واحد منا إرادة تعظيم زيد والاستخفاف به بفعل واحد في حالة واحدة، وإن لم يكن بين هذين الفعلين منافاة، إذ لا منافاة بين القيام عند حضور زيد وبين شتمه مثلًا، وكذا هذا: امتنع اجتماع الإرادتين لأجل العبارة- وبيان التعذر من وجهين:\nأحدهما- أن المستعمل للكلمة في المعنيين المختلفين قد استعملها فيما وضع لها، وعدل بها عن موضعها إلى غيره. واستعمال الكلمة في موضوعها مع العدول بها إلى غير موضوعها متنافيان، كإرادة الاقتصار على الشيء مع إرادة المجاوزة عنه.\nوالثاني- أن المستعمل للكلمة في غير موضوعها لا بد أن يضمر فيها \"كاف\" التشبيه أو ما يجري مجرى الكاف، لأن قول القائل: \"رأيت الأسد\" وهو يريد الشجاع معناه: \"رأيت ما هو كالأسد\" والمستعمل لها في موضوعها لا يضمر كاف التشبيه، ومحال أن يضمر فيه كاف التشبيه ولا يضمر فيه ذلك.\nقلنا:\nإذا ثبت أنه ليس بين المعنيين تناف-[فـ] لا يمتنع اجتماعهما لأجل العبارة، لأن العبارة ليست إلا الكلام الدال على المراد بالشيء، ويجوز أن يكون الشيء الواحد دلالة على شيء واحد وعلى أشياء. ألا ترى إلى قوله ﵇: \"الفخذ عورة\" دلَّ على وجوب ستر الفخذ وستر بعض الركبة،","vol":"1","page":277},{"text":"بخلاف إرادة [تعظيم زيد] مع إرادة استخفافه، لأنـ[ـه] بين التعظيم والاستخفاف تناف، لأن التعظيم ينبئ عن ارتفاع حاله والاستخفاف ينبئ عن اتضاع حاله، وبين كونه مرتفع الحال وبين كونه متّضع الحال تناف- ألا ترى أنه يتعذر اجتماعهما على فعلين. وإذا ثبت أنـ[ـه] بين وجوديهما تناف، تعذر اجتماع الدواعي إليهما، فيتعذر الجمع بين إرادتيهما، لأن الإرادة تمنع الداعي. أما هنا [فـ] ليس بين الانتهاء عن العقد وبين الانتهاء عن الوطء تناف. وكذا ليس بين الاعتداد بالأطهار وبين الاعتداد بالحيض تناف، فلا يتصور إرادتهما في حالة واحدة.\nقوله: المستعمل للكلمة في المعنيين استعملهما في موضوعها وعدل بها عن موضوعها: إن عنى به أنه أراد إيقاعه دليلًا على غير ما وضع له، كما أراد إيقاعه دليلًا على ما وضع له- لم قلت إن ذلك ممتنع، وفيه وقع النزاع؟ .\nوإن عنى به أنه أراد استعمالها في غير ما وُضع له، وقصد ترك استعمالها فيما وُضع لها، فلا نسلم أنه عدل عن موضعها إلى غير موضعها على هذا التفسير، بخلاف إرادة الاقتصار وإرادة المجاوزة، لأن الاقتصار على الشيء ليس إلا ترك المجاوزة، والمجاوزة هي ترك الاقتصار، وفيه منافاة -أما هنا [فـ] بخلافه- على ما مرَّ.","vol":"1","page":278},{"text":"وأما البيان الثاني- قلنا: نعني بإضمار \"كاف\" التشبيه أن يقصد بالاسم إلى ما هو كالأسد، فلا يمتنع أني قصد بالاسم إلى الأسد، إلى ما هو كالأسد، فلا يوقع الاسم دليلًا عليهما. وإن عني به شيئًا آخر فلا نسلم الإضمار، على ذلك التفسير.\nهذا هو الكلام في الجواز والإمكان العقلي.\nوالدليل على أنه لا جواز له من جهة اللغة- أن أهل اللغة وضعوا اسم الحمار للبهيمة وحدها وتجوزوا به في البليد وحده، ولم يستعملوه في كلا المعنيين أصلًا، بدلالة أنه لا يفهم من اسم \"الحمار\" البليد والبهيمة جميعًا. ولو كان مستعملًا فيهما جميعًا لكان يجب أن يفهم ذلك. وإذا لم يكن الاسم مستعملًا فيهما لا يجوز للمتكلم أن يستعمله فيهما لأنه خلاف أهل اللغة، ولا يجوز ذلك مع أنه يتكلم بلغته. وكذا اسم \"القرء\": غير موضوع للحيض والطهر جميعًا، لأنه لو كان كذلك لكان المستعمل في أحدهما متجوزًا، وإجماع أهل اللغة على خلاف ذلك. وكذلك لو قال \"قرءان\" لا يفهم منه أربعة: اثنان من الطهر واثنام من الحيض، ولا يفهم من الثلاثة ستة. وإذا لم يكن موضوعًا لهما لا يجوز للمتكلم أن يستعمله فيهما مع أنه متكلم بلغتهم. فإن قيل اسم \"القرء\" يصلح لكلا المعنيين فيجوز حمله عليهما جميعًا كقوله: \"اضرب رجلًا\" لما صلح هذا الاسم لكل واحد نم آحاده على البدل -فكذا هذا- قلنا: إن عنيت به الصلاحية: [أي] أن الاسم موضوع لهما أو يستعمل فيهما جميعًا، فقد أبطلناه. ولا كذلك قوله \"اضرب رجلًا\" لأن اللفظ أفاد فائدة واحدة، وهو ضرب","vol":"1","page":279},{"text":"من اختص بهذا الاسم، وهذه الفادة سائغة في الكل، فصح أن يراد به الكل على البدل. أما هنا [فقد] اختلفت فائدة اللفظ، لأن فائدته في الحيض الحيضُ وفي الطهر الطهرُ، فلا يجوز أن ينتظمهما اسم واحد. نظير هذا: من ذلك أن يقال للمرأة \"اعتدي [بـ] ما يُسمَّى قرءًا\" وهذا [تخيير] لها أن تعتد بكلا المعنيين، لأنه علق الاعتداد بما يسمى \"قرءًا\" وكلا المعنيين يتفقان في فائدة وضعت له، وجرى ذلك مجرى قولنا: \"اضرب رجلًا\" بخلاف قوله: \"اعتدى بقرء\" لأنه اختلف فائدة اللفظ في الموضعين، لأنه تناول الحيض لأنه حيض، وتناول الطهر لأنه طهر، فلا يجوز أن ينتظمهما لفظ واحد.\nوأما المخالف:\n- فقد احتج بما روى عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: \"قبلة الرجل لامرأته توجب نقض الوضوء\" وأوجب التيمم على الجنب- وهذا يدل على أنه حمل قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ على الجماع على المسَّ باليد.\n- واحتج أيضًا بأن قوله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أريد به الاعتداد بالحيض والطهر جميعًا، حتى جاز لها تقليد من يرى الاعتداد بالحيض","vol":"1","page":280},{"text":"وتقليد من يرى الاعتداد بالطهر، وأيًّا ما فعلت فقد فعلت ما أراد الله تعالى. وإن كانت من أهل الاجتهاد، فأيهما أدى اجتهادها إليه، كان المطلوب منها ذلك.\nوالجواب:\nأما الأول- قلنا: لا يمتنع أن ابن عمر ﵄ إنما أوجب التيمم على الجنب بالسنة، لا بهذه الآية. أو حمل الآية على مطلق المسَّ، وفي الجماع مسٌّ، فكانت فائدة الاسم فيهما متجددة.\nوأما الثاني- فالجواب عنه من وجوه:\nأحدها- أن مراد الله تعالى واحد، وليس كل مجتهد أو مقلد للمجتهد مصيبًا للحق وكما هو مراد الله تعالى، إلا أنه إذا أخطأ يعذر في ذلك، لما نذكر في باب القياس إن شاء الله تعالى.\nوثانيها- أن الله تعالى تكلم بالآية مرتين: فمرة أراد الطهر ومرة أراد الحيض [عند] من أدى اجتهاده إليه أو يقلد من أدى اجتهاده إليه.\nوثالثها- إن صح أنه أرادهما بلفظة واحدة، فيكون قيام الدلالة على ذلك دليلًا على أن الاسم انتقل عن موضوعه بالشرع، وصارت حقيقة شرعية- والله أعلم.","vol":"1","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>٦٧ - باب في: ما أُلحق بالجمل وليس منه:</span>\nفمن ذلك- التحليل والتحريم المضافان إلى الأعيان نحو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وبَنَاتُكُمْ ...﴾. وقوله: ﴿وأُحِلَّ لَكُم مَّا ورَاءَ ذَلِكُمْ ...﴾. وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ...﴾.\nذهب جماعة من المتكلمين إلى أنه مجمل لا يصح التمسك به.\nوذهب أصحابنا وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه ليس بمجمل، [فـ] يصح التعلق به.\nفالأولون ذهبوا في ذلك إلى أن ظاهر النص يقتضي تحريم فعل الأمهات وفعل الميتة والدم، لأن التحريم يختص بالأفعال، لأنه عبارة عن المنع. ومعنى ذلك أن الفعل بحاله ليس لفاعله أن يفعله- كتحريم الأكل والشرب وغير ذلك: منع من تحصيل هذه الأفعال، فكذا هذا. وإيجاد الأعيان ليس في وسع العباد إذا كانت معدومة، فكيف بعد وجودها، وكان المراد غير ما اقتضاه الظاهر، فكان مجملًا.","vol":"1","page":282},{"text":"فإن قال بأن المراد من تحريم العين تحريم الفعل فيه- قلنا: هذا خلاف اللفظ، ولأن العين تقبل عدة من الأفعال، ولا يمكن حمله على الكل، وليس البعض أولى من البعض، فكان مجملًا.\nإلا أنَّا نقول: اللفظ إنما يكون مجملًا إذا لم يكن له معنى معلوم، في اللغة أو في العرفز والمراد من تحريم الأعيان معلوم عرفًا، وهو تحريم الأفعال المختصة بها، فتحريم الأم تحريم الاستمتاع بها، وتحريم الميتة والدم تحريم أكلها، وتحريم الثوب تحريم لبسه، وتحريم الدار تحريم الدخول والسكنى فيها- هذا هو المفهوم عرفًا من غير سابقة بيان. ولا يمتنع أن لا يكون اللفظ للشيء في اللغة ثم يفيده من جهة العرف، كاسم الغائط: يفيد المكان المطمئن في اللغة، ثم يفيد قضاء الحاجة في العرف.\nومنها- حرف النهي الداخل على الفعل إذا لم يكن على صفة. نحو قوله ﵇: لا صلاة إلا بطهور -ولا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل- ولا نكاح إلا بشهود -ولا شهادة لمتهم- والأعمال بالنيات -ولا عمل إلا بالنية- ونظائر هذا كثيرة.\nقال بعض المتكلمين: إنه مجمل لا يصح التعلق به، لأن ظاهره يقتضي نفي صورة هذه الأفعال حقيقة، وإنها لا تنتفي، فكان المراد نفي حكمه، وحكمه شيئان: أحدهما: الإجزاء، والثاني الكمال والفضيلة، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فكان مجملًا. ولا يقال إنه يحمل على الكل، لأنا نقول: الحكم غير مذكور لا على سبيل العموم ولا على سبيل الخصوص، فلا يمكن حمله على الكل، لأنه ليس البعض بأولى من البعض، ولأن الحمل على نفي الكمال","vol":"1","page":283},{"text":"يناقض الحمل على نفي الإجزاء، لا أن في نفي الكمال إثبات أصل الأجزاء، فكان مجملًا.\nإلا أنا نقول: لا إجمال في هذه الأفعال، لأن المراد بها معلوم. وبيانه- هو أن اللفظ يقتضي نفي كل صلاة بدون الطهور، ونفي كل صوم بدون النية، ونفي كل نكاح بدون الشهود، ونفي كل شهادة صدرت عن المتهم، ونفي كل عمل لمن لم يقترن به النية -لأنها نكرة في محل النفي- إلا أن الحاصل من هذه الأفعال نوعان: نوع هو مشروع أي موصوف بالاعتبار الشرعي المقتضي لحكمه، ونوع هو غير مشروع أي غير معتبر في اقتضاء الحكم. إلا أن النوع الثاني غير مراد بالإجماع فصار النوع الأول مرادًا. فكان هذا من باب التخصيص، لا من باب الإجمال. ففي باب الصلاة والطهور: الصلاة الفاسدة غير مرادة، فتعينت الصلاة الجائزة. وفي الصوم والنية من الليل: الصوم الذي لا كمال له ولا فضيلة غير مراد، فتعين الموصوف بوصف الكمال. وفي النكاح: النكاح الفاسد غير مراد، فيتعين الصحيح. وفي الشهادة: الشهادة التي لا اعتبار لها ولا أثر لها في وجوب القضاء ليسـ[ـت] بمراد، فتعين النوع الآخر مرادًا. وفي العمل مع النية: العمل العاري عن اعتباره في اقتضاء الأجر والثواب غير مراد، فتعين النوع الآخر مرادًا. وفي العمل مع النية: العمل الحسي العاري عن اعتباره في اقتضاء الثواب والأجر غير مراد، فتعين النوع الآخر.\nويمكن التعلق بهذا الوجه في قوله ﵇: \"لا ضرر ولا ضرار في الإسلام\"- إن الضرر نوعان: نوع هو حرام، ونوع ليس بحرام.","vol":"1","page":284},{"text":"فالنوع الأول ليس بمراد فيتعين النوع الآخر، فكان نفيًا لكل ضرر مباح، وكان تحريمًا لكل ضرر حرام.\nومنها- قوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾: زعم بعض الناس أنه مجمل، وبيان الإجمال فيه من وجهين: أحدهما -أن قطع اليد يحتمل القطع من المنكب، ويحتمل القطع من المرفق، ويحتمل القطع من الكف، فكان مجملًا. والثاني- أن القطع يُذكر ويُراد به الإبانة. ويُذكر ويُراد به اتصال القطع به، كما يقال: \"بريت القلم فقطعت يدي\" وإن لم ينفصل، وإنما يعرف الإبانة إذا قيد بالقطع من الجملة. وكما يقال: قطعت يد فلان من الجملة، وقطعت الغصن من الشجرة.\nإلا أنا نقول: لا إجمال فيه، لأن قطع اليد يتناول القطع من المنكب، بدليل أنه لو قطع من الكف لا يقال: قطع يد فلان كله. ويصح أني قال: قطع بعضها. واسم اليد تتناول الكل إلا إذا اريد به البعض بدليل، فيصير مجملًا قبل البيان. وأما الثاني- قلنا: القطع عبارة عن الإبانة، فعند الإطلاق يتناول ما يسمى إبانة اليد، والشق الحاصل في الجلد ليس بإبانة اليد حقيقة. وبهذا تبين أن فيما ذكر من المقال مجاز، وذكر القطع بقولنا: \"يبري القلم\" قرينة المجاز، لأن العادة لم تجر بقطع كل اليد عند ذلك.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>٦٨ - باب: ما يكون بيانًا للأحكام الشرعية:</span>\nاعلم أن بيان الأحكام الشرعية إنما يكون بكل ما يقع به التبيين. وذلك ضروب:\nمنها- القول. [والقول] بوقوع البيان به أكثر من أن يُحصى.\nومنها- العقد بالأصابع. ووقوع البيان به لا يشتبه على احد. فإن عقد الأصابع بعد الكلام بيان له.\nومنها- الكتابة. وقد بين رسول الله ﷺ بها، فإنه كتب إلى بعض عماله في أمر الصدقات.\nومنها- الفعل. وهو مختلف فيه:\nقال قوم: إن الفعل لا يصلح بيانًا. وقالوا: إن البيان إنما يقع بكشف المراد، والفعل لا يصلح كاشفًا للمراد بنفسه، إلا بانضمام قول يُعلق هذا بذاك، فيؤول الأمر إلى أن البياني قع به، لا بالفعل. ولن الفعل قد يمتد مدة حصوله، فتعليق البيان به تأخير للبيان عن مورد الخطاب، والبيان ما يكون مقارنًا.\nإلا أنا نقول: إن القول إنما يصلح بيانًا لأنه يقع به التبين، والفعل قد يقع بحال يقع به التبين، فصلح بيانًا، بل أولى، لأن القول إنما يكون كاشفًا بطريق الإخبار، والفعل كاشف بطريق المشاهدة، وللمشاهدة من المزية ما ليس للخبر. ولأن النبي ﵇ بيَّن أركان الحج وأفعال الصلاة بالفعل حيث قال: \"خذوا عني مناسككم\". وقوله: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\". وكذلك الصحابة ﵃ بينوا أوامر الوضوء وغير ذلك بالفعل وهو معروف.\nقوله: لا بد من قول يعلق هذا بذاك- قلنا: ليس كذلك، فإن فعل النبي ﷺ عقيب الكلام المجمل قد يقع بحال لأجله يقع بيانًا بدون قول آخر. ولئن كان لا يصلح بيانًا إلا بواسطة قولية، لكن البيان يقع بالفعل لا بتلك الرابطة، والفعل يصير مبينًا بتلك الرابطة، كقوله ﷺ: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\":","vol":"1","page":286},{"text":"لا يقع به البيان قبل فعله، وإذا صلى يقع البيان بها.\nقوله: فيه تأخر البيان عن مورد الخطاب- قلنا: ولم لا يجوز ذلك؟ ثم هذا باطل بخطاب طويل، فإن البيان به جائز مع القدرة عليه بخطاب قصير.\nومنها- الإشارة. وقد بين النبي ﷺ بها حيث قال: \"الشهر هكذا وهكذا\": أشار بيده.\nوالله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>٦٩ - باب في: تقديم القول على الفعل في البيان:</span>\nاعلم أن الآية إذا وردت مجملة، وورد عقيبها قول وفعل، [و] يصلح كل واحد منهما بيانًا له:\n- إن علم تقدم أحدهما على الآخر- يجعل المتقدم بيانًا، والمتأخر تأكيدًا له- لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فيجعل ما هو الأقرب إلى المجمل بيانًا.\n- وإن لم يعلم تقدم أحدهما على الآخر:\n* [فـ] إن لم يتناف حكمهما: يجوز في كل واحد منهما أنه هو المتقدم، وهو البيان.\n* وإن [كان] يتنافى حكمهما، يجعل القول بيانًا.\nمثاله- آية الحج مع قوله ﵇: \"من قرن حجة إلى عمرة فليطف لهما طوافًا واحدًا ويسعى سعيًا واحدًا\"، وقد ثبت أن النبي ﷺ قرن بين حجة وعمرة وطاف لهما طوافين وسعى سعيين. فإن كان البيان هو القول،","vol":"1","page":287},{"text":"لم يكن الطواف الثاني واجبًا بل كان مندوبًا. وإن كان البيان هو الفعل، كان الطواف الثاني واجبًا. لأن الآية سيقت لأفعال هي واجبة.\nفإن عُرف تقدم أحدهما على الآخر، يجعل المتقدم بيانًا لما مرَّ.\nوإن لم يُعلم التاريخ، فالبيان من القول، لأن الفعل في كونه بيانًا يحتاج إلى قول يُعلقه بالمبين، والقول المتعلق للفعل غير مذكور، فإثباته لا يكون إلا عند الضرورة، ولا ضرورة، لأنه أمكن أن يُجعل القول بيانًا، وليس غرضنا من مسألة الطواف إلا التمسك به، لأنه ثبت عن رسول الله ﷺ قول تعلق فعله بالمبين، وهو قوله ﵇: \"خذوا عني مناسككم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>٧٠ - باب في: أن البيان هل يكون كالمبين:</span>\nاعلم أن هذا الباب يشتمل على مسألتين:\nإحداهما- أن البيان هل يجب أن يكون في قوة المبين؟","vol":"1","page":288},{"text":"فذهب الشيخ أبو الحسن الكرخي ﵀ إلى أنه يجب ذلك. وإذا لم يكن في قوة المبين لا يُقبل. ولهذا لم يُقبل خبر الأوساق في مقابلة قوله ﵇: \"ما سقته السماءُ ففيه العُشر\" لأن هذا الخبر معلوم.\nوالصحيح أن البيان والمبين يجوز أن يكونا معلومين، ويجوز أن يكونا مظنونين. ويجوز أن يكون المبين معلومًا والبيان مظنونًا، كما في تخصيص العام بخبر الواحد.\nودلالة ذلك أن قوة الخبر بقوة النقل وكثرة النقلة، ولا يمتنع أن تكون الحاجة إلى نقل المبين أمسَّ وأعم منا لحاجة إلى نقل البيان. أو يسمع المبين بعض من لم يسمع البيان، فيتواتر نقل المبين دون البيان.\nوالثانية- أن البيان هل يكون كالمبين في صفة الوجوب؟\nوالصحيح:\nإن أريد بذلك: أن البيان إذا كان واجبًا، [فـ] يجب أن يكون البيان بيانًا بصفته، فدل البيان على أن المبين واجب- فهذا صحيح.\nوإن أريد به: أن البيان هل يدل على الوجوب كالمبين، فنقول: لا يدل عليه، لأنه ليس في البيان لفظ يدل على الوجوب.\nفإن أريد بذلك: أن المبين إذا كان واجبًا، فالبيان يكون واجبًا، وإذا لم يكن واجبًا فالبيان لا يكون واجبًا- فهذا باطل، لأن البيان واجب سواء","vol":"1","page":289},{"text":"كان المبين واجبًا أو لم يكن، لأن ترك البيان يجعل الخطاب سفهًا، فيجب البيان، ليخرج عن كونه سفهًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>٧١ - باب في: جواز تأخير بيان المجمل والعام (والنسخ):</span>\n١ - أما [تأخير] بيان المجمل\nاعلم أن المراد بالمجمل هنا اللفظ الذي لا يعرف مراد المخاطب به بنفسه. وذلك ضروب:\nمنها- أن يتكلم بكلام لا يفيد فائدة وضع لها، لا على الإجمال ولا على التفصيل، كخطاب الإنسان بلغة لا عهد له بها أصلًا، كخطاب التركي بلغة العرب وغيره.","vol":"1","page":290},{"text":"ومنها- أن يتكلم بكلام يفيد ظاهره الفائدة التي وضع لها على الجملة، دون التفصيل، كاسم القرء واسم الشفق وغيرهما.\nومنها- أني تكلم بكلام ظاهره يفيد الفائدة التي وضعت له على التفصيل وأراد المخاطب غيره. كما يذكر اسم الصلاة ويريد به غير الدعاء الذي وُضع له في الأصل.\nوأجمع أهل الأصول أنه لا يجوز تأخير البيان عن \"وقت الحاجة\" في كل هذه الوجوه. والمعنى من \"وقت الحاجة\" هو الوقت الذي لو أخر الباين عنه، لا يتمكن المكلف من أداء ما كلف به، في الوقت الذي كلف.\nوالدلالة على المنع من جواز تأخير البيان عنه: لأنه لو جاز تأخير البيان عنه يكون هذا تكليف ما ليس في الوسع، لأن المكلف لا يتمكن من أداء ما كلف به والحالة هذه، وتكليف ما ليس في الوسع ساقط عن العباد.\nوأما التأخير عن \"وقت الخطاب\":\n(أ) ففي الوجه الأول- لا يجوز تأخير البيان عنه أصلًا، لأن المتكلم لا يخلو: إما أن يريد به الإفهام أو لم يرد به الإفهام.\n- فإن لم يرد [به الإفهام]: كان عبثًا وإغراء للمخاطب بالجهل واعتقاد القبيح، لأنه يعتقد أنه قصد به ما وضع له.\n- وإن أراد به الإفهام، ولم يحصل به الإفهام، لا على الجملة ولا على التفصيل، يخلو عن الفائدة ولا يليق ذلك بالحكيم.","vol":"1","page":291},{"text":"فإن قيل: السامع إن لم يعلم فائدته، يعلم أنه لا بَّد فيه من فائدة ما، فيحصل له حالة لم تكن قبل ذلك- قلنا: الذي يُخرج الكلام عن كونه عبثًا وسفهًا حصول فائدة وضع لها الكلام، إما على الجملة أو على التفصيل: [فـ] لا يعتبر حالة في الجملة. ولو جاز ذلك، لجاز أن يضرب الحكيم منا إحدى يديه على الأخرى ثم يقول بعد مدة: أردت بذلك أن أفهمك معنى من المعاني المطلوبة بالكلام بالتصفية، فكما أن ذلك سفه وقبيح- فكذا هذا.\n(ب وجـ) -وفي الوجه الثاني والثالث- اختلفوا:\nقال بعضهم: لا يجوز تأخير البيان فيهما.\nوقال بعضهم: يجوز تأخير البيان فيهما.\nوالمختار: أنه يجوز في الوجه الثاني في حال، ولا يجوز في حال. ولا يجوز في الوجه الثالث بكل حال.\n(ب) أما الوجه الثاني: فهو على وجهين: إما أن يريد المتكلم أحد المعنيين غير عين، أو يريد أحدهما على التعيين.\n* ففي الوجه الأول- يجوز تأخير البيان. والدلالة على ذلك أن هذا الخطاب يفيد فهم المراد على الإجمال، لأنه موضوع لكل واحد منهما على سبيل الانفراد. فهذا يقتضي في اللغة أن المتكلم أراد به أحد المعنيين: إما هذا وإما ذاك. فإن عني به ذلك والسامع من جهة اللغة فهم هذا النوع من التردد، لا يجب عليه البيان، لأنه يجوز أن يكون للمخاطب غرض من أن يفهم غير مراده على وجه الإجمال، كما يجوز أن يكون له غرض في أن يفهم مراده على سبيل التفصيل، فلا يستقبح منه ذلك، ولهذا حسن وضع الأسماء المشتركة.","vol":"1","page":292},{"text":"فإن قيل: الغرض من التعبد إنما هو الفعل، والفعل لا يمكن إقامته إلا بعد البيان على وجه التفصيل، فيجب البيان في الحال- قلنا: الغرض، قبل حضور وقت العمل به، التمكين من العلم، إما مجملًا أو مفصلًا، وهو حاصل. أما الفعل فهو مطلوب عند حضور وقته، ونحن لا نجوز تأخير البيان عن ذلك الوقت.\nفإن قيل: لو جاز أن يخاطبنا الله تعالى بالمجمل ولم يبين في الحال، لجاز أن يخاطب العرب بلغة الزنج، والجامع بينهما عدم فهم المخاطب مراده.\nولا يقال بأن الفارق بينهما أن العرب لا يفهم من لغة الزنج شيئًا ويفهم من المجمل شيئًا في الجملة- لأنا نقول: آعتبرتم في حُسن الخطاب: معرفة المراد بكماله، أو معرفة شيء من المراد؟ إن قال بالأول لزم المنع من تأخير البيان، لأن كمال المعرفة لا يحصل مع الإجمال. وإن قال بالثاني لزمه خطاب العرب بلغة الزنج، لأن العربي متى عرف حكمة الزنجي، يعرف أنه أراد بخطابه إما الأمر أو الخبر أو غير ذلك- قلنا: المعتبر في حُسن الخطاب تمكين المكلَّف لمعرفة","vol":"1","page":293},{"text":"ما وضع له الخطاب، والعربي يفهم ما وضع له اللفظ المجمل، فحسن الخطاب به، ولا يفهم ما وضع له خطاب الزنج، فلا يحسن خطابه به.\n* وأما [الوجه الثاني] إذا أراد أحدهما على التعيين- فلا يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب لما نذكره في الوجه الثالث.\n(جـ) وفي الوجه الثالث- لا يجوز تأخير البيان عن \"مورد الخطاب\". والدلالة عليه أن قوله تعالى: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ إذا كان موضوعًا للدعاء، يفيد ظاهره إيجاب الدعاء، فيعتقد السامع، عند سماعه، ذلك. وكذلك في كل لفظ موضوعه لشيء إذا أريد به غيره. فإذا كان مراد المخاطب غير ذلك، ولم يبين في الحال، كان إغراء بالجهل وحملًا له على الاعتقاد القبيح، وهذا لا يجوز.\nفإن قيل: قوله: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أفاد وجوب هذه الأفعال المعهودة دون الدعاء، ولم ينقل إلينا أنه ورد معه بيان مقارن له، فدل على جواز التأخير- قلنا: الجواب عنه من وجهين:\nأحدهما- أن الآية حين نزلت، نزلت عن النبي ﷺ وقد اقترن به البيان في حقه، إما بقول آخر أو بفعل ضروري خلقه الله تعالى فيه: أن المراد به هذه الأفعال- فالنبي ﵇ نقل إلى الأمة [الأمر] مع البيان، إما قولًا أو فعلًا.\nوالثاني- أنه إن لم يكن البيان مقترنًا به، وجب حمله على إيجاب الدعاء فقط، ثم زيدت هذه الأفعال في الوجوب بدلائل أخر، وبين الله تعالى ذلك بيانًا بطريق النسخ الأول.\nوأما من جوَّز تأخير البيان عن \"مورد الخطاب\"-[فـ] تعلق بأشياء بعضها عقلية وبعضها سمعية:","vol":"1","page":294},{"text":"أما العقلية- فهي من وجوه:\nمنها- أن البيان إنما نحتاج إليه ليتمكن المكلف من أداء ما كُلِّف به في الوقت الذي كلِّف، وهذا إنما يجب عند الفعل، فلا يجب تقديمه عليه، كما لا يجب تقديم القدرة على الفعل.\nومنها- أنه لو لم يجز تأخير البيان إذا طالت المدة، لما جاز تأخير البيان إذا قصُرت المدة. ولما جاز [عطف] جملة على جملة، ويبين الأولى عقيب الثانية. ولما جاز البيان بخطاب طويل مع القدرة على خطاب قصير، لأن التأخير ثابت في الكل.\nومنها- أنه لوقبح تأخير بيان المجمل، لقبح تأخير بيان النسخ، ولقبح تأخير بيان كون المكلف غير مراد بالفعل، نحو أن يكون المعلوم من حال المكلف أنه يموت أو يعجز عن الفعل قبل وقته.\nوالجامع بين الكل أن التأخير يخل بالعلم ببعض المراد، فكما لم يقبح ذلك، فكذلك ههنا.","vol":"1","page":295},{"text":"والجواب:\nأما الأول- قلنا إنما يحتاج إلى البيان لما ذكروه، ويحتاج إليه أيضًا لخروج الخطاب عن كونه عبثًا وإغراء بالجهل على ما مرَّ. ويبين ذلك أن البيان لو لم يفتقر إليه إلا لما ذكروه، لجاز أن يخاطبنا الله تعالى بما لا نفهمه أصلًا، كخطاب الزنج بلغة العرب.\nوأما الثاني- قلنا: إنما منعنا تأخير البيان عن مدة يخرج الفعل فيها عن كونه مترقبًا يرجو السامع إلحاق الزيادة به ويقيده بالصفة. أما دون ذلك، فلا- لأن هذا القدر من المدة جرت العادة به، فلا يؤدي إلى ما ذكرنا. ولهذا جاز أن يخاطبنا الله تعالى بخطاب لا نفهمه ثم يبينه في تلك الحالة، فلا يجب من جهة القياس: إذا جاز في مدة قصيرة أن يجوز في مدة طويلة.\nوأما جواز العطف وإلحاق البيان به- قلنا: لا تأخير ثمة، لأن الجملة إذا عطف بعضها على بعض، صار الكل ككلمة واحدة، والبيان ملحق بالكل.\nوأما البيان بخطاب طويل، فإنما يجوز إذا كان فيه مصلحة. فأما إذا لم يكن، فلا يجوز.\nوأما الثالث- فالجواب عنه من وجهين:\nأحدهما- أن تأخير بيان النسخ إنما يجوز مع الإشعار [النسخ]. نحو أن يقول: اعلموا أن هذا الحكم يرتفع ولا يدوم. ومع الإشعار يجوز","vol":"1","page":296},{"text":"تأخير البيان. و[كـ] ذلك تجويز [كون] المكلف أنه يموت أو يعجز، بمنزلة الإشعار، ولا كلام فيه، إنما الكلام في غيره.\nوالثاني- إن جاز تأخير بيان النسخ مطلقًا، فإنما يجوز لأنه لا يخل بالعلم بمراد المخاطب به ولا يؤدي إلى الإغراء بالجهل. أما هنا [فـ] يؤدي إلى ذلك، لما مرَّ.\nفإن قيل: تأخير بيان النسخ يؤدي إلى الإغراء بالجهل أيضًا، لأن المخاطب يعتقد دوام الحكم- قلنا: لا يجوز له هذا الاعتقاد، لأن اللفظ لا يقتضي الدوام، وجواز النسخ ثابت، فوجب أن يعتقد لزوم الحكم إلى أن يرد النسخ، فلا يؤدي إلى ما ذكرنا.\nوأما ما استدلوا به من جهة السمع:\n١ - فمنه- قوله تعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ (١٧) فَإذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ وكلمة \"ثم\" للتراخي- أخبر أن البيان يجب أن يكون متراخيًا عن الإنزال، لأن قوله: ﴿فَإذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي أنزلناه، لأنه أمر بالاتباع عقيب ذلك، والاتباع يعقب الإنزال دون الجمع.\n٢ - ومنه- قوله تعالى: ﴿إنَّكُمْ ومَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ","vol":"1","page":297},{"text":"جَهَنَّمَ﴾ قال ابن الزبعري: عبدت الملائكة والمسي-[أ] هؤلاء","vol":"1","page":298},{"text":"حصب جهنم؟ فأنزل الله تعالى قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾: أخر البيان إلى وقت السؤال.\n٣ - ومنه -أن الله تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرة موصوفة ولم يبين لهم حتى سألوا سؤالًا بعد سؤال- وإنما قلنا: إنهم أمروا بذبح بقرة موصوفة لأن قوله تعالى: ﴿إنَّهَا بَقَرَةٌ لَاّ فَارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ ﴿إنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾ ﴿إنَّهَا بَقَرَةٌ لَاّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ - فهذه الكنايات راجعة إلى البقرة التي أُمِروا بذبحها.\n٤ - ومنه- أن الملائكة قالوا لإبراهيم ﵇: ﴿إنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ ولم يبينوا له أنهم لم يريدوا لوطًا والمؤمنين حتى ﴿قَالَ إنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وأَهْلَهُ إلَاّ امْرَأَتَهُ﴾: أخَّر البيان إلى وقت السؤال.\n٥ - منه- أن جبرئيل قال للنبي ﷺ \"اقرأ\" ثلاث مرات، ولم يبين. ثم قال: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.\n٦ - ومنه- أن النبي ﷺ سُئل عن الصلاة ولم يبين، حتى حضر وقت الصلاة فبين بالفعل ثم قال: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\". وكذلك في أمر الحج: أخَّر البيان بالفعل ثم قال: \"خذوا عني مناسككم\".","vol":"1","page":299},{"text":"٧ - ومنه- أن النبي ﵇ لما أنفذ معاذًا إلى اليمن لبيان الزكاة وغيرها سألوه عن الوَقَص فقال: \"لم أسمع عن رسول الله ﵇ في ذلك شيئًا، فأرجعُ إلى رسول الله وأسأله\"- عرفنا أن البيان لم يكن متقدمًا.\nوالجواب:\nأما الأول- فعله جوابان:\nأحدهما- أن الآية محمولة على \"بيان التفصيل لا على بيان المراد بالخطاب ونحوه. ونحن قائلون به.\nوالثاني- أن المراد من هذا \"البيان\" الإظهار. والتنزيل: معناه \"ثم إن علينا إنزاله\" ويجب حمله على هذا، لأن \"الهاء\" في قوله: \"بيانه\" كناية عن جميع القرآن، ومعلوم أن جميع ما في القرآن لا يحتاج إلى البيان الذي اختلفنا فيه، فيجب حمله على بيان يرجع إلى جميع القرآن، وذلك بيان الإنزال، لأن الله تعالى يجمعه في اللوح المحفوظ ثم يُنزله علينا، فصار إظهارًا وبيانًا لنا.\nفإن قيل: في حمله على الإنزال عدول عن ظاهر الاسم، لأن اسم \"البيان\" لا يُطلق على الإنزال ولا يفهم ذلك منه، فكان خلاف الحقيقة، لأن البيان متأخر عن الإنزال، لأن كلمة \"ثم\" للتراخي، فكيف يحمل على الإنزال؟ - قلنا:","vol":"1","page":300},{"text":"[أولًا]- لا نسلم أن الإنزال ليس ببيان، بل هو نوع بيان وإظهار- على ما مرَّ.\nوالثاني- إن كان في حمله على الإنزال ترك الحقيقة، ولكن في حمله على ما ذكرتم ترك العمل بظاهر الكناية، فلستم- بأن تتمسكوا بظاهر اسم البيان وتعدلوا على ظاهر الكناية- بأولى من أن نتمسك بظاهر الكناية ونعدل عن ظاهر اسم البيان.\nوقوله- بأن كلمة \"ثم\" للتراخي، قلنا: فائدة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ متأخرة عن فائدة قوله: ﴿إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ وتقدير الآية والله أعلم: إن علينا جمعه وقرآنه في اللوح المحفوظ. ثم علينا إنزاله. فإذا أنزلناه فاتبع إنزاله- وإنما جعلنا هكذا عملًا بظاهر الكناية.\nوأما الثاني- قلنا: البيان كان حاضرًا عند القوم، إلا أنهم لم يتنبهوا لعنادهم، فإن الله تعالى قال: ﴿إنَّكُمْ ومَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وكلمة \"ما\" لا تتناول العقلاء، فلا تتناول المسيح ﵇.\nوأما الثالث- قلنا: يحتمل أن موسى ﵇ أشعرهم بذلك [و] لولاه لما خفى عليهم أنها مطلقة. أو يحتمل أنه بين إلا أنهم لم يتبينوا.\nوأما الرابع- قلنا: البيان كان مقرونًا بالخطاب، فإنه قال: ﴿إنَّ أَهْلَهَا","vol":"1","page":301},{"text":"كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ أو نقول: يحتمل أن الملائكة أرادوا البيان إلا أنه ابتدر [هم] بالسؤال.\nوأما الخامس- قلنا: هذه الراوية من جملة أخبار الآحاد، فلا يحتج به في هذا الباب.\nثم نقول: إن كان الأمر يقتضي الفور فهذا تأخير البيان عن وقت الفعل، وذا لا يجوز. وإن كان لا يقتضي الفور، فهذا تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأن الزمان الثاني زمان جواز الفعل، فلزمنا وإياهم ترك هذا الظاهر.\nوأما السادس- قلنا: النبي ﵇ بين ذلك بالقول وأخر التأكيد إلى زمان الفعل، لا أنه أخر البيان أصلًا. وكذا بين أمر الحج بأن أبا بكر ﵁ حج قبل حج الرسول ﵇: عرفنا أن أمر الحج كان معلومًا قبل فعله.\nوأما السابع- قلنا: البيان كان مقدمًا إلا أنه لم يُسمع.\nوجواب أخر عن التعلق بكل النصوص: إن دلالة العقل تمنع جواز تأخير البيان على ما مرَّ. فوجب القطع بأن البيان كان مقترنًا بالكل، وإن لم يعرف فيه رواية.\n٢ - وأما تأخير بيان العموم\nاعلم أن قولنا: \"بيان العموم\" يحتمل وجوهًا:","vol":"1","page":302},{"text":"١ - إما أن يراد به ما يبين أن المراد به، ما وُضع له من الاستغراق الذي وضع.\n٢ - وإما أن يراد به ما يبين أنه ما أراد به، بعض ما يصلح له وضعًا، مع أن اللفظ دل على إرادته.\n٣ - وإما إن أراد ما يبين أن الفعل لم يبق مرادًا بذلك الخطاب في الزمان الثاني، مع أنه كان مرادًا في الأول، بظاهر اللفظ.\nأما الأول فما لا وجود له. فضلًا عن التقدم والتأخر. لأن لفظة العموم تفيد الاستغراق لمجردها، فكان تبين المراد ملازمًا للفظ المتجرد عن القرينة، فلا يتصور حصول البيان لعيره.\nوأما الثاني-[فـ] اختلفوا فيه. والأصح أنه لا يجوز تأخيره عن العام، لأن للفظ العام دلالة قاطعة أو ظاهرة في إرادة العموم. فأما إذا أراد به البعض، فقد استعمله لا على الوجه الذي وُضع له اللفظ، فيكون إغراء بالجهل وحملًا على القبيح، لأن السامع يسبق إلى فهمه ما وُضع له ويعتقد ذلك، وإنه لا يجوز.\nفإن قيل: الواجب في العمومات إجمال الاعتقاد إلى وقت الفعل، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الفعل- قلنا: هذا تلبيس، لأنا نقول: لفظة العام هل هي موضوعة للاستغراق أم لا؟: [فـ] إن قال: لا، فقد أقمنا الدلالة عليه من قبل. وإن قال: هي موضوعة للاستغراق: [فـ] إن كان إيجاب الفعل في الحال-[فإنه] يسبق إلى فهمه الإيجاب على العموم في الحال. وإن كان إيجابًا للفعل في الثاني [فإنه] يسبق إلى فهمه إيجابه على العموم في الثاني.","vol":"1","page":303},{"text":"فيعتقد الاستغراق في الحال بناء على كونه موضوعًا له، فلو أراد به غيره، مع عدم البيان، أدى إلى ما ذكرنا مع القبيح، إلا أن يُشعره بذلك، فيقول: أردت به الخصوص فسأبينه من بعد، فحينئذ يجوز، لزوال الإغراء بالجهل والحمل على القبيح. ونحن نجوز تأخير البيان عن \"مورد الخطاب\"، في كل هذه الوجوه إذا كان مقرونًا بلإشعار.\nوأما الثالث- فهو نسخ لبعض ما تناوله اللفظ. لأنا عرفنا ثبوت الحكم في الكل مع توهم الدوام في الكل. فإذا لم يبق البعض مرادًا في المستقبل، كان نسخًا، وتأخير النسخ واجب فضلًا عن الجواز. وقد مرَّ الكلام فيه. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>٧٢ - باب في: من يجب له البيان وفيمن لا يجب:</span>\nاعلم أن البيان إنما يجب لمن أريد منه فهم المراد بالخطاب، دون من لم يرد منه ذلك.\n- ثم الذي أريد منه فهم المراد بالخطاب- قد يكون مكلفًا بفعل ما تضمنه الخطاب، وقد لا يكون مكلفًا:\nأما الأول:\nفهم العلماء في حق أحكام الصلاة: فإنه أريد منهم فهم المراد بالخطاب، وأريد منهم فعل ما تضمنه الخطاب، وهو القيام بالصلاة.","vol":"1","page":304},{"text":"وأما الثاني:\nفهم العلماء في حق أحكام الحيض. فإنه أريد منهم فهم الخطاب، ولم يرد منهم فعل ما تضمنه الخطاب، وهو الاعتداد ونحو ذلك.\n- وأما من لم يُرَد منه فهم المراد بالخطاب-[فـ] قد يراد منه فعل ما تضمنه الخطاب، وقد لا يراد.\nأما من لم يُرَد منهم ذلك، كاتباع الكتب السالفة- فإنهم غير مكلفين فهم المراد ولا فعل مقتضى الخطاب.\nوأما من أريد منه، فنحو النساء- فإنهن لم يُرَد منهن فهم المراد بالخطاب، ويلزمهن أحكام الحيض، وجُعل لهن إلى ذلك سبيل، وهو الرجوع إلى الأئمة، فلا جرم لا يجب عليهن سماع أخبار الحيض والفحص عن مجملها ومفصلها- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>٧٣ - باب في: إسماع العام المكلف، دون إسماع ما يخصه:</span>\nاعلم أن الله تعالى إذا أراد بلفظة العموم الخصوص، ونصب دلالة الخصوص- لا يخلو: إما إن كانت تلك الدلالة عقلية أو سمعية.\n- فإن كانت عقلية- جاز أن يُسمع المكلَّفَ العامَ، من غير أن يُسمعه أن دلالة العقل مخصِّصة له، لأن دلالة العقل متى كانت صارفة للفظ عما يقتضيه ظاهره،","vol":"1","page":305},{"text":"والمكلَّف يتمكَّن من الاستدلال به- لم يصر به، مُغْرَى بالجهل ومحمولًا على القبيح، لأنه يمكنه الوصول إليه بالنظر، فلا يصير معتقدًا لما يقتضيه ظاهره، إلا إذا قصر وأعرض عن النظر، فحينئذ يحصل هذا القبيح باختياره، لا بإغراء المخاطب إياه.\n- وإن كانت سمعية:\nقال بعض المتكلمين: يجوز إسماع العام المكلف دون تلك الدلالة.\nوقال بعضهم: لا يجوز.\nوالمختار: أنه يجوز في حال، ولا يجوز في حال:\n* أما الحالة التي يجوز فيها ذلك-[فـ] هو أن يكون العام مقرونًا بالإشعار، أو أن يُخطر الله ببال المكلف تجويز إرادة الخصوص، لأنه متى كان كالخطاب مقرونًا بالإشعار وأُخطر بباله ذلك، وجوزوا أنه أراد به الخصوص- يصرفه ذلك عن اعتقاد ما اقتضاه ظاهر العام وينبعث على طلب ذلك، لأنه لو اعتقد، [ذلك] لا نأمن أن يكون هذا الاعتقاد قبيحًا لتجويزه إرادة غيره، وصار كانبعاثه على النظر المؤدي إلى العلم بالله تعالى عندما يخطر بباله أن له ربًّا: إن لم يعرفه يعاقبه- على ما عُرف في موضعه. وإذا كان الأمر بهذه الصفة انتفى الإغراء بالجهل والحمل على الاعتقاد الفاسد في إسماع العام دون دلالة الخصوص.\n* وأما الحالة التي لا يجوز فيها ذلك-[فـ] هو أن لا يقترن به الإشعار ولا يُخطر الله بباله تجويز إرادة الخصوص، فيصير إسماع العام إغراء بالجهل، لأنه يعتقد ما اقتضاه العام، وهو أراد خلافه، فيصير عندها على اعتقاد هو جهل وقبيح، وذا لا يجوز.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>١٠\nباب\nالنسخ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>٧٤ - [باب- فائدة النسخ]:</span>\nاعلم أن النسخ متى كان مستعملًا في اللغة وفي الشريعة، [فـ] لا بد أن ننظر: أن فائدتهما في الموضعين متحدة أو مختلفة- فنقول:\nأما فائدة الاسم في اللغة:\nفهو مستعمل في الإزالة والنقل جميعًا- يقال: \"نسخت الشمس الظل\" أي أزالته. فإن الظل لا يوجد في مكان آخر، ليُظن أنه انتقل إليه. ويقال: \"نسخت الرياحُ آثارَهم\" أي أزالتها. وفي النقل قول القائل: \"نسخت الكتاب\" أي نقلت ما فيه إلى غيره.\nهذا بيان الاستعمال. والصحيح أنه حقيقة في الإزالة، مجاز في النقل، لأن ما في الكتاب لا يُنقل إلى غيره حقيقة. ومتى لم يكن حقيقة في أحدهما، كان حقيقة في الآخر، لأن الاسم لا يُستعمل في سواهما، فلو لم يكن حقيقة في أحدهما لم يكن لهذا الاسم حقيقة في اللغة.\nفإن قيل: ما في الكتاب متى لم ينقل إلى غيره حقيقة، عرفنا أنهم وصفوا الكتاب بأنه منسوخ تشبهًا بالمنقول، لأنه إن كان لا يحصل عينه يحصل مثله فيجري حصول مثله كحصوله، فدل ذلك على أنه حقيقة في النقل، حتى تجوز به إلى ما له شبه بالنقل- قلنا: ليس يمتنع أن يكون الاسم حقيقة في الإزالة،","vol":"1","page":307},{"text":"ثم يُستعمل في النقل بطريق المجاز، لما أن في النقل معنى الإزالة، لأن النقل يزيل الشيء عن محله، وإن كان يثبته في محل آخر. ويُستعمل في الكتابة تشبيهًا بالنقل، فكان استعماله في النقل تشبيهًا بالإزالة، واستعماله في الكتابة تشبيهًا بمعنى المجاز، ويجب الحمل على هذا، كي لا يؤدي إلى الاشتراك.\nوأما فائدته في الشريعة:\nذهب بعض المتكلمين إلى أن الاسم نقل عن معناه إلى معنى آخر، كاسم الصلاة والصوم وغيرهما.\nوذهب بعضهم إلى أنه يفيد في الشرع ما يفيده في اللغة، لأنه في اللغة يفيد الإزالة مثل الحكم الثابت على ما نذكره في بيان حدِّه، غير أن الشرع قصير الإزالة على إزالة مثل الحكم الثابت بطريق شرعي على وجه مخصوص، ولا يكون ذلك نقلًا للاسم، كاسم الدابة: فإنه غير منقول عن محله، بل هو مخصوص ببعض مما يدبُّ على الأرض- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>٧٥ - باب في: حقيقة الناسخ والمنسوخ:</span>\nاعلم أن غرضنا من هذا الباب أن نحدَّ طريق الناسخ.\nولما كان اسم الناسخ يقع على الطريق وغيره، [فـ] لا بد أن نذكر ذلك","vol":"1","page":308},{"text":"ثم نعمد إلى الطريق فنحده- فنقول: بأن الناصب للدلالة الناسخة يوصف [بأنه] ناسخ- يقال: نسخ الله تعالى التوجه إلى بيت المقدس، فهو ناسخ.\nويوصف الحكم بأنه ناسخ- يقال: القرآن ينسخ السنة.\nإذا ثبت هذا- نقول:\nبعض الناس حدوا الطريق الناسخ: بما دل على إزالة مثل الحكم الثابت بالنص، بحيث لولاه لكان الحكم ثابتًا مع تراخيه- إلا أن هذا غير صحيح، لأنه أدخل فيه ما ليس منه، وأخرج عنه ما هو فيه على ما نبيِّنه في الحد الثاني.\nوالصحيح أن يحد الطريق الناسخ بأنه:\nنص صادر من الله تعالى أو من الرسول ﵇ أو فعل منقول عنه، يفيد إزالة مثل الحكم الثابت، بنص صادر من الله تعالى أو من الرسول أو فعل منقول من النبي ﵇، مع تراخيه، على وجه لولاه لكان الحكم ثابتًا.\n- وإنما شرطنا أنه \"نص صادر من الله تعالى أو نص أو فعل من الرسول\" لأن العجز عن أداء العبادة يدل على إزالة مثل الحكم الثابت بالنص ولا يوصف بأنه نسخ.\n- وإنما شرطنا \"إزالة مثل الحكم الثابت بالنص\"، لأن إزالة عين الحكم الثابت لا يكون نسخًا، بل يكون بَدَاءً على ما نبينه.","vol":"1","page":309},{"text":"- وإنما شرطنا \"بنص ثابت من الله تعالى أو بنص أو بفعل من الرسول ﵇\"، لأن الحكم الثابت بدليل العقل إذا أُزيل بالنص لا يوصف بأنه نسخ.\n- وإنما شرطنا \"مع تراخيه\"، لأن الحكم إذا كان ثابتًا ممتدًا إلى غاية فرفع لوجود الغاية لا يكون نسخًا، لأن المزيل مقارن له.\n- وإنما شركنا أنه \"لولاه لكان الحكم ثابتًا\"، فإن الله تعالى إذا أمرنا بفعل واحد ثم نهانا عن مثل ذلك في وقت آخر، لا يكون ذلك نسخًا، لأنه لولا ذلك الحكم، لم يكن الحكم ثابتًا.\nوأما المنسوخ- فهو الحكم المزال بالنص إذا اختص بهذه الشرائط.\nوأما الناسخ- فهو إزالة مثل الحكم الثابت بالنص، إذا اختص بالشروط التي ذكرناها.\nفإن قيل: شرطتم في هذه الحدود إزالة مثل الحكم الثابت، والإزالة إنما تكون لشيء ثابت، والحكم في المستقبل أو مثله لم يثبت بعدُ، فالنسخ يكون منعًا من ثبوته لا إزالة له- قلنا: النص المقتضي لثبوت الحكم إذا كان مطلقًا أو مشروطًا بالدوام يقتضي ثبوت الحكم فيجميع الأزمان، فكان الحكم ثابتًا في كل زمان في ظن المخاطب، نظرًا إلى الدليل على وجه لولا الناسخ لكان ثابتًا في المستقبل، فيتحقق معنى الإزالة في ظن المخاطب نظرًا إلى الدليل- هذا القدر من الأدلة يمكن تحقيقه في النسخ، فيجب تحقيقه تقريرًا لمعنى الاسم لغة.\nومن حد النسخ بأنه: \"بيان مدة الحكم الذي في التوهم والتقدير بقاؤه\" يلزمه أن الله تعالى إذا أخبر أن \"زيدًا سيعجز بعد مدة\"- أن يكون ذلك نسخًا، وليس كذلك. فيظل هذا الحد- والله أعلم.","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>٧٦ - باب في: الفصل بين البداء والنسخ:</span>\nاعلم أن البداء هو الظهور في اللغة- يقال: \"بدا لنا سور المدينة\" إذا ظهر. وإنما يظهر الشيء إذا انجلى وانكشف وصار بحيث يعلمه أو يظنه.\nوالأمر والنهي ليسا من البَداء في شيء، لكنهما يدلان على البداء. فالآمرُ إذا نهى المأمورَ الواحد عن فعل ما أمره في الوقت الذي أمره أن يفعله فيه، على الوجه الذي أمره أن يوقعه عليه. نحو أن يقولزيد لعمرو \"صل ركعتين عند الزوال من هذا اليوم عبادة لله تعالى\" ثم قال له: \"لا تصل ركعتين عند الزوال من هذا اليوم عبادة لله تعالى\"، لتعلق النهي بما أمره على الحد الذي أمره به، من غير تغاير بين متعلقهما [بحي] يصح أن تثبت المصلحة في أحدهما والمفسدة في الآخر. وذلك يدل: إما على أنه خفى عليه من المصلحة ما كان ظاهرًا عند الآمر. أو ظهر له من الفساد ما كان خافيًا عنه وقت الأمر، وهو البَدَاء. أو لم يخف عليه عنه شيء ولا ظهر له شيء، ولكنه عالم بكونه مصلحة ومفسدة، ومع ذلك قصد الأمر بالقبيح والنهي عن الحسن- وكل ذلك لا يجوز على الله تعالى.","vol":"1","page":311},{"text":"فإذا لم تتكامل هذه الشرائط، فلا يكون بداء. لأنه لو نهى عن صورة ذلك الفعل، لا على غير تلك الجهة، نحو أن يأمرنا بالصلاة بالطهارة وينهانا عنها بغير طهارة، أو نهي عن ذلك الفعل غير ذلك المأمور، أو نهي ذلك المأمور عن غير ذلك الفعل، كما لو أمره بالصوم ونهاه عن الصلاة، فلا يكون ذلك بداء، لأنه وجد بين المتعلقين تغاير [بحيث] يصح أن تكون المصلحة في أحدهما والمفسدة في الآخر، فيأمر بما هو مصلحة في ذلك الوقت وينهي عما هو مفسدة في وقت آخر، فلم يكن ظهر له ما كان خافيًا عنه، ولم يخف عنه ما كان ظاهرًا له، ولا التعبد بالقبيح ولا النهي عن الحسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>٧٧ - باب في: جواز نسخ الشرعيات:</span>\nاتفق المسلمون على جواز نسخ الشرعيات، إلا حكاية شاذة عن بعضهم: أنهم منعوا ذلك.\nإنما الخلاف مع اليهود- وهم ثلاث فرق:\nفمنهم من منع ذلك عقلًا وسمعًا.\nومنهم من منع ذلك سمعًا، وأجازه عقلًا.\nومنهم من أجاز ذلك عقلًا وسمعًا.\nولكنهم أنكروا نسخ شريعة موسى ﵇، لإنكارهم نبوة محمد ﵇. والحجة عليهم تتعلق بإثبات نبوة نبينا ﵇، وإثبات إعجاز القرآن- وقد عُرف في موضعه.\nوأما الكلام من [من] منع ذلك:\nفالدلالة لنا في ذلك أن مثل الفعل المأمور به في وقت، يجوز أن يقبح في المستقبل.","vol":"1","page":312},{"text":"وإذا جاز ذلك، جاز ورود النهي عنه، لأن النهي عن القبيح حسن، وهو النسخ بعينه.\nوإنما قلنا: إنه يجوز أن يقبح مثل الفعل المأمور به في المستقبل، لأن الفعل إنما يقبح لكونه مفسدة ويحسن لكونه مصلحة، ولا يمتنع أن يكون الفعل مصلحة في وقت ومثله مفسدة في وقت آخر. كالرفق بالصبي: مصلحة في وقت، مفسدة في وقت آخر. وكذلك الغنى والفقر، والصحة والمرض. وإذا جاز ذلك، جاز أن يكون التمسك بالسبت: مصلحة في وقت، مفسدة في وقت آخر.\nوالخصوم تعلقوا بوجوه من الشبه:\nأحدها- أنه لو جاز أن ينهي عن صورة ما أمر به في وقت آخر، لكان يدل على أنه إما إن خفى عليه من صلاح ما أمر به ما كان ظاهرًا عنده، أو ظهر له من فساد ما كان خافيًا عليه، وذلك صورة البداء. أو لم يظهر له شيء ولا خفى عنه شيء، لكن قصد التعبد بالقبيح والنهي عن الحسن، وذلك لا يجوز على الله تعالى.","vol":"1","page":313},{"text":"وثانيها- وهو مبني على الأمر المقيد بالتأبيد. فإن الأمر بالفعل أبدًا يقتضي وجوبه في جميع الزمان بشرط الإمكان. فإن الله تعالى إذا أمرنا بالفعل على سبيل التأبيد، فلا يخلو: إما إن أراد وجوبه في جميع الأحوال، أو لم يرد وجوبه في جميع الأحوال:\nفإن لم يرد في جميع الأحوال- فلقد لبس الأمر علينا، حيث لم يدل على خلاف هذا الظاهر. ولو جاز ذا، لجاز ذا، لجاز تأخير بيان التخصيص والمجمل، وذلك باطل. ولأنه لو جاز ذلك، لم يكن في الإمكان طريق للنبي ﵇ في تعريفه إيانا تأبيد شريعته. لأن غاية ما يمكن للنبي ﵇ أن يقول: \"شريعتي مصلحة ما بقي التكليف والإمكان\" أو يقول: \"الوحي منقطع بعدي\". وكما أن الخبر يدل على أن شريعته مصلحة ما بقي التكليف باعتبار هذا الظاهر، فالأمر يقتضي ذلك أيضًا، لأن الحكيم لا يأمر بالشيء إلا إذا كان مصلحة في ذلك الوقت. وإذا جاز النسخ في أحدهما، جاز في الآخر- فيتعذر طريق التعريف.\nوإن أراد الفعل في جميع الأزمان- كان واجبًا في جميع الأزمان. فإذا نهى عنه في بعض الأزمان، فقد نهى عن عين ما أمر به. وهذا يدل إما على البداء أو على تعبد قبيح، وذا لا يجوز.\nوثالثها- أن الأمر بالشيء يتضمن الإخبار بكونه مصلحة، والنهي يتضمن الإخبار بكونه مفسدة. فإذا نهى عن الشيء الذي سبق الأمر به لكان أخبر عن الحسن بأنه قبيح، وعن المصلحة بأنه مفسدة. وذاك كذب، فلا يجوز على الله تعالى.","vol":"1","page":314},{"text":"ورابعها- أن الله تعالى قادر على الكمال، حكيم على الكمال. وفي قدرته أن يأمر بالفعل الذي فيه صلاح إلى الأبد، فلا يحسن منه أن يأمر بما هو صلاح إلى مدة.\nالجواب:\nأما الأول- قلنا: إنما يؤدي إلى ما ذكرتم إذا لم يجز أن يكون الفعل مصلحة في وقت، مفسدة في وقت آخر. فإذا جاز ذلك ثبت أن ههنا قسم آخر. وهو أنه كان عالمًا في الأزل: أن الفعل مصلحة في وقت مفسدة في وقت آخر، فبطل قوله: إن ذلك يؤدي إلى البداء، أو إلى تعبد قبيح.\nوأما الثاني- قلنا: الأمر المقيد بالتأبيد لا يجوز نسخه عندنا إلا مع تأخير البيان. فكذلك لا يتعذر على النبي ﵇ التعريف بدوام شريعته إيانا، بأن يخلى أمره عن الإشعار [النسخ]. وقيام الدلالة على نبوة محمد ﷺ دالة أن الله تعالى أشعرهم نسخ السبت، وهو نحو الإخبار بمجئ نبي آخر وغيره.","vol":"1","page":315},{"text":"وأما الثالث- قلنا: أليس يجوز من الله تعالى أن يصرح بأن هذا الفعل مصلحة إلى وقت كذا ثم فيه مفسدة بعد ذلك، ولا يكون كذبًا وتناقضًا. فكذا إذا أمر به في وقت، وأشعر بالنسخ وأخر البيان إلى ذلك الوقت.\nوأما الرابع- قلنا: ما أنكرتم أن الله تعالى لا يحيي الميت ولا يميت الحي، لأنه قادر على أنه يحيي جسمًا يكون صلاحه في الحياة أبدً.\nوكذا هذا في التسويد والتبييض والتحريك والتسكين وغير ذلك.\nفإن قال: بأن الله تعالى قادر على فعل يكون الصلاح فيه أبدًا، وقادر على فعل يكون الصلاح فيه إلى مدة، فيفعل أيهما شاء، فلا يتحكم عليه في أن يفعل أحدهما- فكذلك نقول في الأمر والنهي.\nوأما من منع جواز النسخ من أهل ملتنا-[فـ] لا يخلو:\n- إما أن ينفي حسنه أصلًا. وما ذكرنا على اليهود، وما يوجد من النسخ- يبطل قولهم.\n- وإما إن أنكروا ذلك ما لم يقترن به الإشعار، وجوزوا ذلك إذا اقترن به الإشعار ولم يسموا ذلك منسوخًا- فهذا خلاف في العبارة.\n- وإن أنكروا وجود النسخ أصلًا، نُلزمهم: بنسخ ثبات الواحد للعشرة [بثبات الواحد لاثنين] بقوله تعالى: ﴿إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا﴾","vol":"1","page":316},{"text":"﴿مِائَتَيْنِ﴾ ... ﴿وعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. وينسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة. وبنسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان- فإن لم يسموا هذا \"نسخًا\"، يلزمهم أن لا يكون رفع شريعتنا شريعة من قبلنا أيضًا \"نسخًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>٧٨ - باب في: نسخ الشيء قبل فعله:</span>\nاعلم أن نسخ الشيء قبل فعله ضربان:\nأحدهما- بعد تقضي وقت الفعل.\nوالآخر- قبل تقضي وقته والتمكن من فعله.\nفالأول:\nلا شبهة في جوازه. لأن قبل الفعل يجوز أن يقبح في المستقبل.","vol":"1","page":317},{"text":"ومتى جاز ذلك، جاز ورود النهي عنه. ولا فرق بين ما إذا عصى المكلف فيه أو أطاع.\nوالثاني:\nاختلف الناس في جوازه:\nفذهب بعض أصحابنا وبعض أصحاب الشافعي وبعض المتكلمين إلى المنع من جوازه.\nوذهب بعض أصحابنا وبعض أصحاب الشافعي إلى جوازه.\nوالدلالة على صحة المذهب الأول من وجهين:\n(أ) - أحدهما- أن النهي عن الفعل المأمور به قبل وقته والتمكن من فعله، يتناول ما تناوله الأمر على الحد الذي تناوله الأمر في الوقت والجهة. وتناول النهي عين ما تناوله الأمر على الحد الذي تناوله الأمر يؤدي إلى البداء، أو يؤدي إلى تعبد قبيح من الوجه الذي بينا. وإنما قلنا: إن النهي تناول ما تناوله الأمر على الحد الذي تناوله الأمر [وذلك] يؤدي أن الله تعالى لو قال صبيحة يومنا \"صلوا ركعتين عند الزوال بطهارة\"، ثم قال وقت الضحوة: \"لا تصلوا ركعتين عند الزوال بطهارة\" لا نعقل بين فعل المأمور به وبين فعل المنهي عنه مغايرة، من حيث إن كل واحد منهما تناول الصلاة على جهة واحدة وكان متعلق الأمر والنهي واحدًا.\nفإن قيل: لم قلتم بأن النهي تناول عين ما تناوله الأمر، وما أنكرتم على من يقول إنه تناول مثل ما تناوله الأمر- قلنا: الجواب عنه من وجوه:","vol":"1","page":318},{"text":"أحدها- أن المكلف لا يميز بين المأمور به والمنهي عنه، ولا يعقل بينهما مغايرة، فالتكليف بأحدهما بعينه والنهي عن أحدهما بعينه، والحالة هذه، تكليف ما ليس في الوسع.\nوالثاني- إن كان بينهما مغايرة، فينبغي أن يبقى المأمور به واجبًا بعد ورود النهي عنه، فلا يكون ناسخًا له- وهذه ليست مسألتنا.\nوالثالث- إن تغايرا لكن يستحيل أن يكون الفعل مصلحة في وقت، ومثله من كل وجه مفسدة- كالرفق بالصبي: لا يجوز أن يكون مصلحة ومفسدة في حالة واحدة.\nفإن قيل: ما أنكرتم أن الأمر والنهي تعلقًا بفعلين مختلفين: فالأمر تناول العزم على الصلاة واعتقاد وجوبه، والنهي تناول عين الصلاة، والمقصود من الأمر هو الاعتقاد والامتثال به فحسب- قلنا: أنكرناه لوجهين:\nأحدهما- أن اسم الصلاة لا يفيد العزم والاعتقاد في اللغة ولا في الشريعة، فلا يجوز استعماله فيهما إلا ببيان مقارن، على ما مر من قبل.\nوالثاني- أنه لا يحسن إيجاب العزم على الفعل واعتقاد وجوبه، والمعزوم ليس بواجب، بل هو منهي.\nفإن قيل: يحسن اعتقاد ما ليس بواجب، والعزم عليه بشرط أن يكون واجبًا- قلنا: هذا لا يتعلق بالأمر، وليس حكمه، بل كل مسلم يجب عليه العزم على ما يوجب عليه الشرع، والكلام في نسخ حكم الأمر هنا.","vol":"1","page":319},{"text":"فإن قيل: سلمنا أن الأمر والنهي تناولا فعلًا واحدًا، لكن على جهتين مختلفتين. فإن الأمر تناول صلاة لا ينهى عنها، فإذا جاء النهي عرفنا أن الفعل على هذه الجهة غير داخل تحت الأمر- قلنا: [الوجه الأول]- النهي ليس بوجه يقع عليه الفعل ليقال إنه قبح لأجله، بل لا بد في صحة النهي عن الشيء من كونه واقعًا على جهة لهـ[ـا] تأثير في القبح. وكذلك الأمر: ليس بوجه يقع عليه الفعل ليقال إنه حسن لأجله، بل لا بد من جهة لها تأثير في الحسن، ولا مغايرة بينهما في تلك الجهة.\n(ب) - والوجه الثاني- إن الآمر إما إن أراد حصول المأمور به على ما ذهب إليه البعض، أو أراد إيجاب المأمور به على ما هو مذهبنا. وعلى كلا الوجهين: لو جوَّزنا النسخ قبل التمكن وحضور وقت الفعل، يؤدي إلى امتناع حصول ما أراده الله تعالى، وذلك لا يجوز. بيانه: أن الله تعالى متى أراد حصول المأمور به، لا بد أن يحصل، كي لا يلحقه بذلك نقص- على ما عرف. فلا يتصور حصول فعل الواجب قبل وقته. وكذلك: إن أراد وجوب المأمور به، لأن الوجوب عبارة عن كون الفعل بحالة لو فعله المكلف يستحق المدح، ولو أخل به يستحق الذم. فمتى أمره بالفعل في وقت بعينه أو مقيدًا بحالة الإمكان- لا يقتضي كونه بهذه الحالة قبل الوقت والإمكان. فلو نسخ قبل وقته، لا يتصور حصوله بهذه الحالة في الوقت، بل على خلافه، فلا يحصل ما أراده الله تعالى أصلًا، وهو محال. ولأنه يؤدي إلى البَدَاء، لأن البداء هو إرادة الشيء في وقت وكراهيته في ذلك الوقت بعينه، على التعاقب، وهذا نسخ يؤدي إلى ذلك- على ما مرَّ.\nفإن قيل: الأمر يقتضي إرادة وجوب المأمور به في ظن المأمور، وقد صار الفعل على ظن المأمور بحالة لو لم يفعله في وقته، يستحق الذم- قلنا: إنما يغلب","vol":"1","page":320},{"text":"على ظن المكلف صيرورته بهذه الصفة في وقته إذا لم ينسخ، فإذا جوزتم نسخه قبل الوقت، يجوز نسخه قبل الفعل، فلا يغلب على ظنه ذلك. على أن الأمر هو إرادة كون الفعل بهذه الحالة حقيقة، وظن المكلف ليس من الإرادة في شيء فالأمر أمر لإرادة الإيجاب، لا لإرادة ظن المأمور الإيجاب. ولهذا إذا لم يظن المأمور به واجبًا، لا يمتنع وجوبه وكونه مأمورًا به.\nفإن قيل: إذا نسخ قبل التمكن وقبل الوقت، تبين أنه لم يُرد به الإيجاب فلا يلزمنا ما قلتم- قلنا: هذا لا يكون نسخًا، والكلام في النسخ. ولأن تأخير هذا النوع من البيان عن مورد الخطاب لا يجوز- على ما مرَّ.\nوأما من جوز ذلك فقد استدل فيه بأشياء:\n١ - منها- أن إبراهيم صلوات الله عليه كان مأمورًا بذبح الولد، لأن معنى قوله: ﴿إنِّي أَرَى فِي المَنَامِ﴾ أي إني أمرت به، بدليل جواب الذبيح ﵇: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ ثم نسخ ذلك قبل فعله.\n٢ - ومنها- أن الله تعالى أمر بتقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي ﵇ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ وكان قد نسخه قبل الفعل.","vol":"1","page":321},{"text":"٣ - ومنها- أن النبي ﷺ صالح قريشًا على أن يرد إليهم من هاجر منهم إليه، ثم نسخ قبل الفعل بقوله تعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الكُفَّارِ﴾.\n٤ - ومنها- أن النبي ﵇ لما عُرج به إلى السماء فرض الله تعالى عليه خمسين صلاة، فلما أتى موسى ﵇ أشار إليه بالرجوع بأن يشفع في ذلك، فرجع وشفع حتى عادت إلى خمس صلوات، وكان ذلك نسخًا قبل الفعل وقبل التمكن.\nوالجواب:\nأما الأول- فالجواب عنه من وجوه:\n-[الأول] أن الخليل صلوات الله عليه كان مأمورًا بمقدمات الذبح، وقد فعل.\n- والثاني- أنه كان مأمورًا بصورة الذبح، وهو قطع الحلقوم وإجراء السكين على الأوداج، لا بمعنى الذبح وهو الإماتة، وقد فعل ذلك: فإنه رُوي: أنه كلما قطع جزءًا أوصل الله تعالى ما تقدم من قطعه.","vol":"1","page":322},{"text":"- والثالث- أن الأمر بذبح الولد لم ينسخ بل أفاد موجبه وتحقق فعله وهو ذبح الشاة، لأن الشاة جُعلت فداءً عنه. والأمر المضاف إلى محل له فداء، موجبه الفعل في الفداء، لا فيه- وقد عُرف تمامه في موضعه.\nوأما الثاني- قلنا: يحتمل أن نسخ ذلك إنما كان بعد مضي مدة يتصور أن يهاجرن إليه، فلا يكون قبل وقته.\nوأما الرابع- قلنا: هذا من أخبار الآحاد ورد في باب العلم والاعتقاد، فلا يكون حجة. على أن هذا نسخ قبل علم المكلَّف. وأجمعنا على أن نسخ الحكم قبل علم المكلَّف لا يجوز، فنحن والخصم في تأويل الحديث على السواء- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>٧٩ - باب في: نسخ الفعل إذا كان الأمر مقيدًا بلفظ التأييد:</span>\nذهب بعض الناس إلى المنع من جوازه.\nوعندنا: يجوز ذلك.\nوالدلالة عليه- هو أن النسخ إنما يرد على الألفاظ المفيدة للاستمرار،","vol":"1","page":323},{"text":"وما دل الدليل على أن المراد منه الاستمرار- لأن المراد لو كان هو الفعل مرة واحدة: فقيل هجوم وقته، لا يجوز نسخه- لما مرَّ. وبعد انقضاء وقته، لم يبق الأمر فكيف يتصور نسخه؟\nإذا ثبت هذا نقول:\nالأمر المقيد بلفظة التأبيد كغيره من الألفاظ والأدلة المفيدة للاستمرار: لما جاز نسخ الألفاظ المفيدة للاستمرار، فكذلك الأمر المفيد للتأييد.\nفإن قيل: لو جاز ورود النسخ على الأمر المقيد بلفظة التأييد، كما جاز قبل ذلك، لم يبق للتقييد فائدة- قلنا: هذا باطل، بتخصيص ألفاظ العموم المؤكدة بالتعميم.\nثم نقول: التقييد بلفظة التأييد قد يكون للمبالغة في الحث على الفعل، وقد يكون لتأكيد الاستمرار. فإذا ورد النسخ علمنا أنه ما أراد به الاستمرار، وإنما أراد منه المبالغة في الحث على الفعل، كما يقال: \"لازم الغريم أبدًا -أو- امض إلى السوق أبدًا\".\nوأما من ذهب إلى المنع من جواز ذلك:\n[فقد] استدل بأن قال: إن الأمر المقيد بلفظة التأبيد يفيد الفعل في جميع الأوقات ما بقي الإمكان، وجرى ذلك مجرى ألفاظ موضوعة للفعل في كل وقت من الأوقات. ولو نص على الفعل في كل وقت، لا يجوز ورود النسخ عليه - فكذا هذا.\nوالجواب:\nاللفظ المفيد للفعل في جميع الأوقات، أمكن إخراج جزء منه واستعماله في الثاني. أما اللفظ المفيد للفعل في وقت واحد مرة واحدة، [فـ] لا يمكن إخراج جزء منه.","vol":"1","page":324},{"text":"إذا ثبت هذا نقول:\nاللفظ إذا أفاد الفعل مرة واحدة في وقت واحد، فورود النسخ عليه يؤدي إلى ما ذكرنا من الفساد. بخلاف اللفظـ[ـة] الواحد [ة] المفيد [ة] للفعل على سبيل الاستمرار -فإنها وإن جرت مجرى ألفاظ موضوعة للفعل في كل وقت من الأوقات في حق التناول، لكنها ما جرت مجراها في امتناع ورود النسخ عليها وصارت كلفظة العموم: فإنها في تناولها لآحاد ما دخلـ[ـت] عليه، جار [ية] مجرى ألفاظ موضوعة لكل واحد مما دخل تحتهـ[ـا] ولم تجر مجراها، في حق جواز التخصيص- فكذا هذا.\nعلى أن هذه الشبهة تؤدي إلى المنع من جواز النسخ أصلًا، لأن من شرط جواز النسخ أن يكون اللفظ المنسوخ مفيدًا للاستمرار، ومتى كان مفيدًا للاستمرار يجرى مجرى ألفاظ موضوعة للفعل في كل وقت من الأوقات، ولو نص على الفعل في كل وقت، لا يجوز ورود النسخ عليه، فيؤدي إلى امتناع النسخ أصلًا، وهذا لا يجوز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>٨٠ - باب في: أن إثبات بدل العبادة ليس بشرط لجواز النسخ:</span>\nاعلم أن نسخ العبادة جائز إلى بدل، ولا إلى بدل.\nوالبدل على ضربين: بدل ينافي المبدل، وبدل لا ينافي المبدل.\nفالأول- نحو التوجه إلى بيت المقدس مع التوجه إلى الكعبة، فإنه لا يمكن الجمع بينهما في صلاة واحدة.\nوالثاني- نحو صوم عاشوراء مع صوم شهر رمضان: فإنه يمكن الجمع بينهما.","vol":"1","page":325},{"text":"وذهب بعض الناس إلى أنه لا يجوز نسخ العبادة إلا إلى بدل يقوم مقامها.\nوالدلالة على جوازه- أن مثل ما تعبدنا الله تعالى به، يجوز أن يكون مفسدة في الوقت الثاني، ل [فينسخ] لا إلى بدل، كما يجوز أن يكون مفسدة [فينسخ] إلى بدل، إذ لا فرق بينهما في العقل، فجاز ورود النسخ عليه إلى بدل ولا إلى بدل.\nوالدليل على جوازه- وقوعه: فإن الله تعالى نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي ﵇ لا إلى بدل. وكذا النهي عن ادخار لجوء الأضاحي: نسخ لا إلى بدل.\nوأما من منع جوازه-[فـ] استدل بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ والآية تمنع جواز النسخ لا إلى بدل.\nوالجواب:\n[الأول]: أن الآية تناولت اللفظ والتلاوة دون الحكم، والخلاف فيه.","vol":"1","page":326},{"text":"والثاني: إن تناولت الحكم، فمعنى الآية -والله أعلم- ما يُزيل التعبد عن عبد في وقت كانت العبادة فيه مفسدة إلا ويأتي بمصلحة هي خير من ذلك، وهو مصلحة إسقاط التعبد- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>٨١ - باب: نسخ العبادة إلى بدل هو أشق:</span>\nذهب بعض أصحاب الظاهر إلى أنه لا يجوز ذلك.\nوعندنا: يجوز ذلك.\nوالكلام في موضعين: أحدهما جوازه. والآخر وقوعه.\nأما الدلالة على جوازه- هو أن مثل الفعل الذي تعبدنا الله تعالى به، يجوز أن يكون مفسدة في المستقبل. وإذا جاز ذلك، جاز أن تنتقل مصلحته إلى بدل هو أشق. كما يجوز أن تنتقل مصلحته إلى شيء أخف منه. وإذا جاز ذلك، جاز نسخه إلى بدل هو أشق منه.\nوأما الدلالة على وقوعه- أن الله تعالى نسخ الإمساك في البيوت بالجلد: فإن حد الزنا في الأصل كان هو الإمساك في البيوت لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ الآية. ثم بين ذلك بالجلد، وبيان الغاية المجملة نسخ، وهذا النسخ","vol":"1","page":327},{"text":"إلى بدل هو أشق. وكذا التخيير بين الفداء والصوم نسخ لتعيين الصوم، وهذا أشق. وكذا نسخ تأخير الصلاة ع ند الخوف إلى إيجابها في أثناء القتال. وكذا نسخ صوم عاشوراء وبصوم رمضان- وكل ذلك نسخ إلى ما هو أشق منه.","vol":"1","page":328},{"text":"ومن خالف- تمسك:\n- بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ الآية: وجد ما هو أخف منها أو مثلها وما يجرى مجراها في السهولة، والآية تمنع جواز النسخ إلى بدل هو أشق منه.\n- وبقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ وإرادة الأشق إرادة العسر.\n- ويقول تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾.\nوالجواب:\n- إن الآية [الأولى]- تناولت التلاوة على ما ذكرنا. ولئن تناولـ[ـت] الحكم فمعناه والله أعلم: ما صلح منها وأكثر ثوابًا وأبلغ في التحرز عن المضار.\n- وأما الآية الثانية- قلنا: ظاهرها يمنع من جواز التعبد بالمشاق أصلًا، وهذا خلاف الإجماع. ولأن إرادة ما هو أكثر مصلحة وأنفع في حقه وأبلغ في التحرز عن المضار، وإن كان أشق على البدن في الحال، إرادة اليسر باعتبار المال.\n- وأما الآية الثالثة- ليس فيها صيغة العموم، فيحمل على الوجه الذي بينا- والله أعلم.","vol":"1","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>٨٢ - باب في: نسخ التلاوة والحكم جميعًا. أو نسخ التلاوة دون الحكم أو نسخ الحكم دون التلاوة:</span>\n(أ) - أما نسخ الحكم دون التلاوة:\nفالدلالة عليه ما مرَّ من قبل.\nوبيان وقوعه- أن قوله تعالى: ﴿مَّتَاعًا إلَى الحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ﴾: انتسخ حكمه وبقيت التلاوة.\n(ب) - وأما نسخ التلاوة دون الحكم:\nفلأن التلاوة فعل يجوز أن يصير فعله مفسدة في الثاني، فجاز ورود النهي عنه مع بقاء المصلحة في حكمه.\nوبيان وقوعه- ما تظاهرت به من الأخبار عن النبي ﵇: \"إن مما أنزل الله تعالى: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالًا من الله\": نُسخت تلاوته وبقي حكمه.\nولقائل أن يقول: هذا لم يثبت كونه من الكتاب، لأنه يحتمل أنه صدر وحيًا، ولم يكن من القرآن، لأنه ﵇ قال: \"إن مما أنزل الله تعالى\" ولم يقل من القرآن: دل عليه قول عمر ﵁: \"لولا أن الناس يقولون: إن عمر زاد في كتاب الله لكتبت على حاشية المصحف: الشيخ والشيخة ... إلى آخره\" ولو كان قرآنًا لما قال ذلك، فصار معناه: \"مما أنزل الله وحيًا عليَّ\".","vol":"1","page":330},{"text":"(جـ) - وأما نسخ التلاوة والحكم جميعًا:\nفالدلالة عليه- أن التلاوة والفعل حكمان يجوز أن يصير فعلهما مفسدة في المستقبل، فجاز ورود النسخ عليهما- على ما مرَّ.\nوبيان وقوعه: ما رُوي عن عائشة ﵂: \"أن مما أنزل الله تعالى: \"عشر رضعات يُحرمن\" فهذا نسخ تلاوته وحكمه.\nوأما المخالف في جواز نسخ التلاوة دون الحكم، والحكم دون التلاوة- فقد استدل بأن قال: إن التلاوة دالة على الحكم، ونسخ التلاوة دون الحكم إبقاء المدلول بلا دليل، وفي نسخه إبقاء الدليل بلا مدلول، وفيه تناقض.\nوالجواب: التلاوة إنما تدل على الحكم بشرط أن لا يعارضه مانع يمنع من مدلوله، كالعام دليل الاستغراق بشرط أن لا يعارضه دليل الخصوص. وأما بقاء المدلول بلا دليل فجائز -ألا ترى أن النبي ﵇ لو أخبر أن زيدًا يعيش [مائة] سنة ثم انعدم القول بموته ﵇، لا يجب علينا بطلان العلم بحياته- فجاز أن يزول الدليل ويبقى العلم بالمدلول.\nفإن قيل: الغرض من التعبد بالتلاوة هو الحكم دون نفس التلاوة، وإذا انتسخ الحكم لم يبق في بقاء التلاوة فائدة- قلنا: يجوز أن يرد التعبد بالتلاوة لمصلحة: إما لتعلق جواز الصلاة بها، أو لمصلحة أخرى كتلاوة أخبار الأمم الماضية وغير ذلك- والله أعلم.","vol":"1","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>٨٣ - باب في: نسخ الأخبار:</span>\nذهب أكثر الناس إلى المنع من جواز ذلك.\nوجماعة من المتكلمين ذهبوا إلى جوازه.\nوإنا نقول: إن نسخ الأخبار على ضربين: أحدهما- أن ينسخ عنا تلاوة الخبر. والآخر- أن ينسخ نفس الخبر.\n(أ) - أما نسخ تلاوة الخبر:\nفجائز لما ذكرنا- وهو كنسخ تلاوة أخبار التوراة.\n(ب) - وأما نسخ ابتداء الخبر:\n[فـ] بطريقين:\nأحدهما- أن يأمر الله تعالى بأن تخبر عن شيء ثم ينهانا عنه. أو يدلنا على قبحه.\nوالاخر- أن يأمرنا بالإخبار عن إثبات الشيء ثم يأمرنا [بالإخبار] عن نفيه.\nأما الأول- فيجوز ورود النسخ عليه، سواء كان مما يصح [فيه] التغيير كالعبادات، أو لا يصح فيه التغيير نحو الإخبار عن الصفات الذاتية. والدلالة على ذلك أنه يجوز أن تتعلق المفسدة بالإخبار عن الشيء مع بقاء المخبر عنه","vol":"1","page":332},{"text":"على حالة، فجاز ورود النهي عنه، كما جاز ورود النهي عن تلاوة القرآن للجنب والحائض.\nوأما الثاني- فإن كان فائدة الخبر مما يصح فيه التغيير، جاز ورود النسخ عليه. وإن كان لا يصح فيه التغيير، لا يجوز ورود النسخ به.\nمثاله- أني أمر الله تعالى أن نخبر بأنه عالم قادر، ثم يأمرنا أن نخبر بأنه ليس بعالم ولا قادر- فهذا لا يجوز، لأنه كذب محض.\nوأما الآخر- فنحو الإخبار عن وجوب الحج: فإنه يجوز ورود النسخ عليه، لأن الأمر بالحج يجوز ورود النسخ عليه- فكذا الخبر عنه. والجامع أنه يجوز أن يخرج الحج عن كونه مصلحة إلى كونه مفسدة- هذا المعنى موجود في الخبر.\nفإن قال: ورود النسخ بالأمر يؤذن بالبداء- قلنا: لا يؤذن بالبداء، لأن النهي دل على أن الأمر تناول غير ما تناوله النهي- قلنا: وكذلك الخبر: فإن الخبر الثاني دل على أن الخبر الأول تناول غير ما تناوله الخبر الآخر.\nوأما من ذهب إلى المنع من جواز ذلك- قال: إن القائل إذا قال: \"أهلك الله عادًا\"، ثم قال: \"يهلكهم\" كان هذا تناقضًا.\nوالجواب: إنما كان كذلك، لأن إهلاك عاد مما لا يدوم ولا يرد عليه التكرار، بل وُجد مرة واحدة، دفعة واحدة، والإثبات والنفي يتناولان شيئًا واحدًا، فكان تناقضًا، ولا كذلك مسألتنا، لأن كلامنا في الإخبار عن شيء يرد عليه التوالي والتكرار، وهو قابل للتغيير في المستقبل-[والله أعلم].","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>٨٤ - باب في: نسخ الكتاب بالكتاب والسنة بالسنة:</span>\nأما الكتاب فمساوٍ للكتاب في حق وجوب العمل به، والعلم.\nوكذلك السنة المتواترة مع السنة المتواترة.\nوأما السنن المنقولة بالآحاد فمتساوية في كونها أمارات على لزوم العمل.\nفلو لم يجز نسخ أحدهما بالآخر مع تساوي الناسخ والمنسوخ في القوة، لبطل ما علمناه من جواز النسخ، وذلك باطل.\nإذا ثبت هذا- نقول:\n(أ) -[نسخ الكتاب بالكتاب]:\nإذا وجد [نا] آيتين أو خبرين أحدهما متأخر، وحكمهما متناف، لم يكن ذلك إلا النسخ. وقد نسخ الله تعالى الاعتداد بالحول بقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ﴾ الآية. ونسخ الكف عن القتال بقوله تعالى:","vol":"1","page":334},{"text":"﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ﴾. ونسخ ثبات الواحد للعشرة بقوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾. ونسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة رسول الله ﵇ بقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا﴾ الآية.\nفإن قيل: تفويض البيان إلى النبي ﷺ بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ يمنع من نسخ الكتبا بالكتاب- قلنا: هذا معارض بقوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ وبقوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾. ولأن تلاوة النبي ﵇ الآية الناسخة على الآية بيان منه.","vol":"1","page":335},{"text":"(ب) - وأما نسخ السنة بالسنة:\nفلقوله ﵇: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها\". وعنه ﵇ أنه قال في شارب الخمر: \"من شرب الرابعة فاقتلوه\"، ثم حُمل إليه شارب الرابعة فلم يقتله- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>٨٥ - باب: نسخ السنة بالكتاب:</span>\nذهب الشافعي وجماعة معه إلى المنع من جواز ذلك.\nوذهب أصحابنا وجماعة من المتكلمين إلى جوازه ووقوعه.\nوذهب بعض أصحاب الشافعي إلى جوازه والمنع من وقوعه.\nوالدلالة على جوازه- أنه لو امتنع لكان إنما يمتنع من جهة الحكمة.\nوإلا فجوازه من حيث الإمكان ثابت، لأن الله تعالى قادر أن يتكلم بكلام ناسخ للسنة. ولو أتى بكلام هذا سبيله لم يخرج من أن يكون دالًا على موضوعه.\nولا يمتنع من جهة الحكمة، لنه لا وجه يقال فيه إلا وهو موجود في نسخ الكتاب بالكتاب، لأن السنة إنما صدرت من الوحي من الله تعالى، فجرى ذلك مجرى كلام ينزَّله الله، ثم نسخ الكتاب بالكتاب جائز بالإجماع- فكذا هذا.\nفإن قيل: لو جاز ذلك لكان فيه تنفير عن النبي ﵇، لأنه يوهم أن الله لم يرض بما سنَّه- قلنا: النسخ إزالة الحكم بعد استقرار مثله، والدليل الناسخ يزيل مثل هذا الوهم، لأنه لو لم يكن راضيًا بما سنَّه لما أقره عليه. ولأن مثل هذا موجود في نسخ السنة بالسنة، وذلك جائز بالإجماع- فكذا هذا.","vol":"1","page":336},{"text":"والمخالف احتج بقوله تعالى: ﴿وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ وهذا يدل على أن كلامه كله بيان. فلو جاز نسخ السنة بالكتاب، لخرج من أن يكون بيانًا.\nوالجواب: كونه بيانًا لا يمنع من نسخه بسنة مثله، فلا يمنع من نسخه بالكتاب- ألا ترى أن القرآن أنزل بيانًا، وذا لا يمنع نسخ بعضه ببعض- فكذا هذا.\nواحتج بقوله ﵇: \"سنتي تقضي على القرآن. والقرآن لا يقضي على سنتي\" ونسخ السنة بالقرآن قضاء القرآن على السنة، وذلك منفي. ولأن من شرط الناسخ أن يكون من جنس المنسوخ، ولذلك لم يجز نسخ الحكم الثابت بدلالة العقل بالنص، لأنه لا مجانسة بينهما، ولا مجانسة بين السنة والكتاب.\nوالجواب:\nأما الحديث-[فـ] خرج مخرج العادة الغالبة، لأن كثيرًا من آيات القرآن يحتاج فيها إلى بيان النبي ﵇. فأما أقوال النبي ﵇ وأفعاله، [فـ] قلَّما تحتاج إلى بيان الكتاب، لأنها أسهل مأخذًا وأيسر تحصيلًا من علم ما في الكتاب.\nوأما قوله: المجانسة شرط- قلنا: هذا مجرد دعوى.\nوأما نسخ الحكم بدلالة العقل إذا كان قابلًا للتغيير- فجائز، لأن النسخ ليس إلا إزالة الحكم بعد استقراره، وهو موجود، إلا أن ذلك لا يسمى نسخًا، وكلامنا في المعاني لا في الأسامي. على أن السنة إنما تصدر بوحي من الله، فكانت بمنزلة الكتاب، وبينهما مجانسة من الوجه الذي تثبت بهما الأحكام- والله أعلم.","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>٨٦ - باب: نسخ الكتاب بالسنة (المتواترة):</span>\nأعلم أن السنة على ضربين: متواترة ومنقولة بالآحاد.\nأما المنقولة بالآحاد - فالكلام في نسخ الكتاب والسنة المتواترة، بها - نذكره بعد هذا.\nوأما السنة المتواترة -[فقد] اختلفوا في نسخ الكتاب بها:\nفذهب بعض أصحابنا والشافعي إلى المنع من جوازه.\nوذهب بعض أصحابنا وجماعة من المتكلمين إلى جوازه. واختلف هؤلاء في وقوعه: منهم من أنكر وقوعه، ومنهم من قال بوقوعه.\nأما الدلالة على جوازه - أن النبي ﵇ إنما ينسح الكتاب اتباعًا للوحى وامتثالًا للأمر الذي أمره الله به من إزالة حكم الكتاب، فجرى مجرى نسخ الكتاب بالكتاب، وذلك جائز بالإجماع - فكذا هذا.\nفإن قيل: لو جاز نسخ الكتاب بالسنة، لكان في ذلك تغريرًا للناس، لأنه يوهم أنه جاء من تلقاء نفسه. ولذلك أمر الله تعالى أن يقول عند تبديل آية بآية: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ إزالة لما يقع لهم من وهم الافتراء حيث قالوا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾. بخلاف نسخ الكتاب بالكتاب، لأن القرآن معجز فلا يتوهم أنه جاء به من عند نفسه - قلنا: النسخ في كلا الصورتين يتلقى من الرسول ﵇، إلا أنه في إحدى الصورتين أخبر أنه أوحى اليه بكلام ناسخ، وفي الصورة الأخرى أخبر أنه أوحى إليه أن يتكلم","vol":"1","page":338},{"text":"بكلام ناسخ، وإن كان في نسخ الكتاب بالسنة تنفير من حيث إنه أزال حكم الكتاب، وأخبر أنه أوحى إليه أن يتكلم بكلام ناسخ - فكذلك في نسخ الكتاب بالكتاب: تنفير من حيث إنه أزال حكم الكتاب، وأخبر أنه أوحى إليه بكلام ناسخ.\nوأما قوله بأن القرآن معجز - قلنا: النسخ لا يتوقف على ما ظهر فيه الإعجاز. ولذلك نسخ السنة بالسنة جائز، وإن لم يظهر فيه الإعجاز.\nفإن قيل: النبي ﵇ لما كان ينسخ الكتاب بوحي أوحى إليه، فهلا أنزلت إليه آية ناسخة دون السنة، وهلا أضيف النسخ إلى دليل الوحي وإن لم يظهر لنا ذلك - ألا ترى أن الأمة إذا أجمعت على النسخ لا يضاف النسخ إليهم، وإنما يضاف إلى ما دلهم على النسخ، وإن لم يظهر لنا ذلك - قلنا: إنما يستقيم هذا الكلام، وإنما يجب هذا لو لم يجز نسخ الكتاب بالسنة، وأما إذا جاز ذلك، فلا ينفى، بل يجوز أن ينزل الله آية ناسخة، ويجوز أن يوحى إليه بكلام ناسخ.\nوأما قوله: يجب أن يضيف النسخ إلى ذلك الوحي - قلنا: فيما ذكرتم تسليم أنه يجوز نسخ الكتاب بالسنة، وإن لم يظهر لنا الوحي، ولكن نازعتمونا في تسمية السنة ناسخة، وفي إضافة النسخ إليه - فنقول: لا يمتنع أن تفارق السنة الإجماع في إضافة النسخ إليهما، لأن الأمة إذا أجمعت على ثبوت حكم لا يضيفه الشرع إليهم، فكذا إذا اجتمعت على نسخه لا يضاف إليهم - أما هنا [ف] ثبوت الحكم يضاف إليه، فجاز أن يضاف نسخ الكتاب إلى سنته.\nوأما المخالف فقد استدل في المسألة بأشياء:\n(أ) - ١ - منها - قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾:","vol":"1","page":339},{"text":"وصفه الله تعالى بكونه مبينًا للكتاب. فلو جاز نسخ الكتاب بالسنة، يخرج من أن يكون بيانًا له.\n٢ - ومنها - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ﴾ فالمفهوم من هذه الآية أن الله تعالى يبدل آية بآية. فلا يجوز تبديل الآية بغيرها.\n٣ - ومنها - قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ فالاستدلال بالآية من وجوه:\n* منها- أن الآية تقتضي أن ما يأتي به هو خير منه من جنسه. كقول القائل: «ما أخذت منك من ثوب آتيك بخير منه» يعنى: آتيك بثوب هو هير منه.\n* وثانيها- أن الآية تقتضي أن الله تعالى هو المتفرد بإتيان ما هو خير. وهذا يتقضى أن الناسخ هو القرآن.\n* وثالثها- أن الآية تقتضي أن الناسخ خير من المنسوخ أو مثله على الإطلاق، والسنة لا تكون خيرًا من الآية أو مثلها في الفصاحة والإعجاز.\n(ب) - ومما استدلوا به قوله ﵇: «إذا روى لكم عنى حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق فاقبلوه وما خالف الكتاب فردوه» والناسخ لا بد أن يكون منافيًا للمنسوخ ومخالفًا له.\nوالجواب:\n(أ) - أما الآية الأولى - قلنا: النسخ نوع بيان، لأنه لما اقتضى رفع الحكم الثابت بالكتاب كان بيانًا: أن المراد بالآية ثبوت الحكم إلى هذه الغاية، كالتخصيص: بيان من حيث إنه اقتضى خروج [بعض] ما تناوله العام،","vol":"1","page":340},{"text":"فكان بيانًا: أن المراد به وراء ما تناوله الخاص. على أنه ليس في وصف الله لنبيه، لكونه مبينًا، ما يمنع أن يكون على صفة أخرى، فإنه يجوز أن يكون على صفة أخرى، وهي كونه ناسخًا.\nوأما الآية الثانية - قلنا: الآية تفيد أن الله تعالى إذا بدل آية بآية، قالت الكفرة: كيت وكيت، وليس فيها بيان أنه لا يجوز تبديل الكتاب بالسنة.\nوأما الآية الثالثة:\n* أما الوجه الأول من الاستدلال - قلنا: لا نسلم أن الآية تفيد ما ذكرتم، بل تفيد أن يأتي به خير منه في النفع والصلاح. ولا نسلم أن معنى قول القائل: «ما أخذت منك من ثوب آتيك بخير منه» أي (آتيك بثوب خير منه» بل «بشيء - فإن قال: يجب أن يضمر الثوب، لأنه تقدم ذكره - قلنا: إن انصرف إلى المعهود في لام العهد، لم يدل على أنه ينصرف هنا إلى ما تقدم ذكره، وهما بابان مختلفان لا يجوز أن يستدل بأحدهما على الآخر.\n* وأما الوجه الثاني - قلنا: السنة متى دلت على النسخ، فإن الآتي بما هو خير منه هو الله تعالى، لأن الله تعالى هو الموحى إلى نبيه بالناسخ.\n* وأما الوجه الثالث - قلنا: ليس في الآية ما يقتضي تعميم وجوه الخير، فكان المراد منه: ما هو خير في المصلحة والنفع.","vol":"1","page":341},{"text":"وجواب آخر يشتمل [على] جميع هذه الوجوه. وهي: أن قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ يحتمل أن المراد منه: نأت بما هو خير منها في حادثة أخرى وفي حكم آخر، ويكون الناسخ غير ذلك.\n(ب) - وأما ما رووا من الحديث: قلنا: المراد ما يروى بطريق الآحاد، فإنه قال: «إذا روى لكم عنى حديث» ولم يقل «إذا سمعتم عنى حديثًا» أو «صح عندكم حديث». وبمجرد الرواية لا يثبت التواتر، ولا يجوز نسخ الكتاب به - دل عليه أن الله تعالى أمر بطاعته، أعنى النبي ﵇ فيما يأمر وينهى من غير تقييد [ب) العرض على الكتاب، فيجب [أن] يحمل الحديث المروى على المروى على الآحاد.\nوهذا كله دليل الجواز.\nوأما الدلالة على وقوعه:\n١ - فهو أن حد الزنا في حق الزانية هو الإمساك في البيت، ثم انتسخ بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ثم انتسخ آية الجلد في حق المحصن بالرجم، والرجم ثبت بالسنة، وهو قوله ﵇: «الشيخ والشيخة","vol":"1","page":342},{"text":"إذا زنيا فارجموهما نكالًا من الله». فإن قيل: هذا كله كان قرآنًا بدليل قوله ﵇ «إن مما أنزل الله تعالى: الشيخ والشيخة ....». وهذا يقتضي كونه قرآنًا، والجواب ما ذكرنا في باب نسخ التلاوة بدون الحكم.\n٢ - وقوله تعالى: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ نسخ بقوله ﵇: «لا وصية للوارث». فإن قيل: هذا نسخ بآية المواريث لا بالنسبة - قلنا: إنما يقع النسخ إذا كان الناسخ والمنسوخ متنافيين حكمًا، ولا يمكن العمل بهما على الجمع. والعمل بآية الوصية وآية المواريث ممكن - فكيف يكون ناسخًا له؟ فإن قيل: لا، بل هو جار مجرى التواتر، لأن الأمة تلقته بالقبول، فيجوز نسخ الكتاب به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>٨٧ - باب في: نسخ الكتاب والسنة المتواترة [بأخبار الآحاد]:</span>\nلا خلاف في جواز ذلك عقلًا. ولورود السمع به، لا يكون محالًا.\nواختلفوا في ورود التعبد بالمنع منه.\nفذهب أكثر الناس إلى أنه ورد التعبد بالمنع من ذلك.\nوذهب أصحاب الظاهر إلى أنه لم يرد التعبد بالمنع منه.","vol":"1","page":343},{"text":"والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه - أن قضية الكتاب والخبر المتواتر معلوم قطعي، وقضية خبر الواحد مظنون ظاهر. والشرع منعنا من رفع المعلوم بالمظنون.\nوالدليل عليه - أن الصحابة ﵃ كانت تترك العمل بخبر الواحد إذا كان ناسخًا للكتاب والسنة - فإنه عن عمر ﵁ أنه قال، حيث قالت بنت قيس: «لم يجعل لي النبي ﵇ نفقة ولا سكني عند الطلاق»: «لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بحديث امرأة لا ندرى صدقت أم كذبت» - وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعًا.\nوأما المخالف فقد احتج في المسألة بأشياء\n١ - منها - أن وجوب العمل بأخبار الآحاد معلوم، بدليل مقطوع، فار كحكم الكتاب والخبر المتواتر.\n٢ - ومنها - أنه يجوز تخصيص الكتاب والسنة بخبر الواحد، فكذلك النسخ، بل أولى - لأن النسخ إزالة الحكم بعد أن كان ثابتًا مرادًا بالخطاب، والتخصيص بيان أن ما تناوله الخاص لم يتناوله العام أصلًا.\n٣ - ومنها - أن كثيرًا من القرآن قد انتسخ بخبر الواحد، فإن قوله تعالى:","vol":"1","page":344},{"text":"﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ فهذا يقتضي نفى الحرمة عما عدا المذكورات في هذه الآية. ثم انتسخ بما روى عن النبي ﵇: أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع. وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ انتسخ بقوله ﵇: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها». وقوله تعالى: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ انتسخ بقوله ﵇: «لا وصية لوارث» - وهذه أخبار الآحاد.\nوالجواب: قلنا:\nأما الأول - ما مر من الإجماع: يمنع أن يكون حكم الخبر الواحد مقطوعًا به. على [أن] الدليل الموجب للعمل بالخبر، يتناول أخبارًا لم تكن ناسخة للكتاب، فلا يمكن والحالة أن يدعى أن حكمه ثابت بدليل مقطوع به.","vol":"1","page":345},{"text":"وأما الثاني - قلنا: ما ذكرتن من دليل [يخص] جواز النسخ به في قضية العقل، ولا كلام فيه، إنما الكلام في التعبد بالمنع من ذلك، وقد ذكرنا الدليل عليه.\nوأما الثالث - قلنا: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ يعنى هذه الحالة. فلم تكن الآية متناولة لما بعده، فلم تكن منسوخة به. ويحتمل أنه ورد مقارنًا للكتاب فيكون مخصصًا لا ناسخًا.\nوأما قوله ﵇: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها». وقوله ﵇: «لا وصية للوارث» -[فهو] بمنزلة المتواتر لتلقى الأمة إياهما بالقبول. فجاز ورود نسخ الكتاب بهما. على أنه يحتمل أنه كان في ابتداء الإسلام حين كان يجوز نسخ السنة المتواترة بخبر الواحد، ثم نسخ، كانتساخ التوجه إلى بيت المقدس في حق أهل قباء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>٨٨ - باب: في: نسخ الإجماع، ووقوع النسخ به:</span>\nأما نسخ الإجماع:\nاعلم أن الإجماع لو نسخ، إنما ينسخ بدليل شرعي: من كتاب، أو سنة، أو إجماع أو قياس -[فنقول]:\n- أما نسخه بالكتاب والسنة:\n[ف] لا يتصور، لأن الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاة النبي ﵇. وبعد وفاته لا يتصور ورود كتاب أو سنة ينسخان الإجماع.","vol":"1","page":346},{"text":"فإن قيل: يجوز أن تظفر الأمة بنص كان قد خفي عليهم، فيزول إجماعهم بذلك - قلنا: هذا لا يجوز. لأنه لو كان في الشريعة نص، كان العمل بمقتضى النص هو الحق، وإجماع الأمة على خلاف ما اقتضاه يكون عدولًا عن الحق. ولا يجوز أن الأمة بأسرهم ذهبوا عن الحق.\nفإن قيل: إنما كان العمل بالنص حقًا بشرط أن تظفر الأمة به. وأما إذا لم تظفر به، فالعمل بالاجتهاد هو الحق. فإذا عملت بالاجتهاد ثم ظفرت بالنص، ارتفع الحكم الثابت بالإجماع، فيكون نسخًا - قلنا: إن جاز أن تكلف الأمة العمل بالنص بشرط أن تظفر به، وبالاجتهاد مع فقده، فإذا ظفرت بالنص زال الحكم الثابت بالاجتهاد لزوال شرطه، والحكم إذا زال لزوال شرطه، لا يكون نسخًا.\nفإن قيل: يجوز أن ينعقد الإجماع على عهد النبي ﵇، فيرد كتاب أو سنة ينسخانه - قلنا: الإجماع حال حياة النبي ﵇ إنما ينعقد بتوقيف من جهة النبي ﵇، وهو بمنزلة النص، فيجوز ورود النسخ عليه - إنما الكلام في انعقاد الإجماع بعد وفاة النبي ﵇، حيث كان المعتبر هو الإجماع، فيرد عليه نسخ، وإنه ممتنع - على ما مر.\n- وأما نسخ الإجماع [بالإجماع]:\nفلا يجوز. لأن الإجماع الثاني لا يخلو: إما أن دل على فساد الإجماع الأول، أو لم يدل، بل كان حقًا. فالأول باطل لما ذكرنا. وإن كان الأول حقًا لكنه حرم القول: فإما إن حرم القول بدليل متجدد أو بدليل كان قد خفي عليهم. وقد أفسدنا كلا الوجهين.","vol":"1","page":347},{"text":"فإن قيل: الأمة إذا اختلفت في المسألة على قولين، فقد سوغت للعامي الأخذ بكل واحد من القولين أيهما شاء، وجاز للمجتهد أن يعمل لما أدى إليه اجتهاده. وإذا اتفقت على قول واحد بعد ذلك، [ف] لا يجوز للعامي أن يأخذ بالقول الآخر، ولا يجوز العمل بالاجتهاد فيه - وهذا نسخ الإجماع بالإجماع - قلنا: إنما يجوز للعامي أن يأخذ بأي القولين، وللمجتهد العمل بما أدى إليه اجتهاده، بشرط أن تكون المسألة من مسائل الاجتهاد، وبشرط بقاء الخلاف. فإذا اتفقت على قول واحد، زال جواز التقليد والاجتهاد، لزوال شرطه، وذا لا يكون نسخًا، كالحكم المقيد بالغاية إذا انتهى لوجود غايته، لا يكون نسخًا.\n- وأما نسخ الإجماع بالقياس:\n[ق] لا يجوز. لأن لا يخلو: إما أن يكون قياسًا على أصل متقدم، وذلك لا يجوز، لأن الإجماع دل على فساده. وإن كان قياسًا على أصل متأخر، فالحكم لا يتجدد دليله. والدليل إما الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس. وتجدد الكتاب أو السنة لا يتصور بعد وفاة النبي ﵇. وإن كان قياسًا على الإجماع، لا يجوز أيضًا، لأن القياس على ذلك الإجماع لو كان صحيحًا، لكان دليلًا على فساد الإجماع الأول، ولا يجوز من الأمة بأسرها الذهاب عن الحق.\n- وأما وقوع النسخ بالإجماع:\nاعلم أن النسخ بالإجماع لو وقع: إما أن ينسخ كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو قياسًا.\n- أما نسخ الإجماع بالإجماع، فقد مر.","vol":"1","page":348},{"text":"- وأما نسخ الكتاب والسنة بالإجماع -[ف] لا يجوز، لأن الإجماع لا ينعقد على مخالفة الكتاب والسنة، لأنه ذهاب عن الحق، فلو انعقد الإجماع مع هذا، كان ذلك دليلًا على تقدم ما نسخ من نص الكتاب والسنة، فيكون النسخ مضافًا إلى ذلك النص، كإجماعهم على أنه لا غسل على من غسل الميت، وتكون الأمة كالناقلين للدليل الناسخ، والناقل للدليل الناسخ لا يكون ناسخًا.\n- وأما نسخ القياس بالإجماع -[ف] تذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>٨٩ - باب في: نسخ القياس، ووقوع النسخ به:</span>\nاعلم أن القياس الثابت عن أمارة لو نسخ، إما أن ينسخ بكتاب أو سنة أو إجماع أو قياس. والقياس المنسوخ لا يخلو: إما أن يكون على عهد النبي ﵇، أو بعد وفاته.\nفإن كان في حال حياته - جاز نسخه بالنص وبالقياس:\nأما بيان نسخه بالنص:\n[ف] نحو أن ينهى النبي ﵇ عن بيع البر بالبر، وبين أن العلة فيه الكيل، ثم نسخ [تحريم] بيع الأرز بالأرز ويمنعنا من القياس عليه - فهذا نسخ القياس بالنص.","vol":"1","page":349},{"text":"وأما بيان نسخه بالقياس:\n[ف] نحو أن تكون المسألة على حالها، إلا أنه ينسخ [تحريم] بيع بعض المأكولات، وبين أن العلة فيه كونه مأكولًا، بأمارة أقوى من الأول، فيلزمنا العمل بالقياس الثاني وترك العمل بالقياس الأول، وذلك جائز.\nوأما نسخ القياس: بعد وفاة النبي ﵇ -[ف] على ما مر.\nويجوز نسخه بالقياس والإجماع بطريق المعنى، لا بطريق الحقيقة - نحو أن يحرم الإنسان شيئًا بالاجتهاد بعد طلب النص، فلم يجد، ثم أجمعت الأمة على خلاف ذلك القياس، أو وجد قياس أمارته أقوى من أمارة الأول، فإنه يدفع الحكم الثابت بالقياس الأول، لكن لا يسمى ذلك نسخًا، لأن العمل بالاجتهاد إنما يجوز بشرط أن لا يكون هناك إجماع أعلى منه ولا قياس أمارته أقوى منه. فإذا ظفر به زال الحكم الأول بزوال شرطه، وذلك لا يسمى نسخًا - على ما مر.\nوأما وقوع النسخ بالقياس:\nاعلم أن النسخ بالقياس لو وقع: [ف] إما أن ينسخ كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو قياسًا.\nأما نسخ الإجماع بالقياس أو نسخ القياس بالقياس - فعلى ما مر.","vol":"1","page":350},{"text":"وأما نسخ الكتاب والسنة بالقياس، فلا يجوز، لأنه رفع المعلوم بالمظنون. ولأن الصحابة ﵃ كانت تترك آراءها بكتاب أو سنة. وكذلك صوب النبي ﵇ معاذًا في رجوعه إلى الاجتهاد بعد أن لم يظفر بكتاب أو سنة. وهذا هو الجواب عن قياسهم النسخ بالقياس على التخصيص بالقياس، لأن الصحابة ﵃ منعت من أحدهما ولم تمنع من الآخر.\nوكذلك الجواب عن قياسهم نسخ النص بالقياس، على نسخ الخبر بالخبر.\nوأما فحوى الخطاب:\nجاز نسخه ووقوع النسخ به، لأن قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ إما إن دل على حرمة الضرب والشتم من جهة اللغة، أو من جهة العرف بطريق الأولى. فكل لفظ موضوع للشيء لغة يجوز ورود النسخ عليه. وإن كان الثاني، فكذلك. لأنه أقوى في الدلالة من النص، لأنه لا يحتمل التخصيص والنص يحتمله، ويجوز نسخ الأصل والفحوى إذا كان مما يجوز ورود النسخ عليهما. وورود النسخ على الأصل يوجب ارتفاع الفحوى، لأنه ثابت تبعًا له.\nويجوز نسخ الأصل وبقاء الفحوى، لكن بدليل مستأنف.\nوهل يجوز نسخ الفحوى مع بقاء الأصل؟ الصحيح أنه لا يجوز، لأنه يؤدى إلى نقض الغرض بالكلام. وبيانه أن الغرض من حرمة التأفيف إعظام الوالدين، وفي إباحة الضرب مع حرمة التأفيف نقض هذا الغرض - والله أعلم.","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>٩٠ - باب: النسخ بالإقرار [من الرسول ﷺ]:</span>\nوصورة المسألة أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ يفعل فعلًا بخلاف أصل من الأصول، بمشهد الرسول ﵇، ولم ينكر النبي ﵇ - فهل يكون ترك الإنكار عليه نسخًا لذلك الحكم، بالأصل المعلوم أم لا؟ .\nقال قوم: لا يكون نسخًا.\nوقال آخرون: يكون نسخًا.\nونحن نقول: إن كان ترك الإنكار على وجه التقرير والتصويب، بأن عرى عن الموانع، نحو اشتغاله بما هو أوجب من الإنكار عليه وأهم منه، أو أن يخاف على الفاعل الوقوع في حرام آخر هو أقوى منه، بأن كان الحال حالة الغضب فيما يريد النبي ﵇ إنكاره ولا يمتنع بمنعه، وغير ذلك من الموانع - يكون نسخًا للحرمة الثابتة قبله.\nوالدلالة عليه - أنا إذا عرفنا كون الفعل حرامًا، ثم رأينا أحدًا يفعل ذلك بمشهد النبي ﵇ -[ف] لا يخلو: إما إن كان الفعل مباحًا في حقه، أو حرامًا. فإن كان مباحًا، فقد وقع الانتساخ. ولو كان حرامًا لأنكر النبي ﵇ ذلك، لأن الإنكار واجب عليه، لكون مبعوثًا لبيان الحلال والحرام، ولكونه آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، ولا يظن به صلوات الله عليه أنه يترك الواجب - فدل ترك إنكاره، على انتساخ الحرمة، من هذا الوجه. وهذا لأن الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى بوحيه، إلا أن بيانه يفوض إليه ﷺ: تارة يبينه بتلاوة القرآن، والأخرى بسنته قولًا، ومرة بسنته فعلًا، فلا يمتنع أن يبين ذلك بترك الإنكار والتقرير، ووجه البيان فيه ما مر.","vol":"1","page":352},{"text":"ومثال هذا - ما روى عن معاذ ﵁ أنه دخل المسجد وكان النبي ﷺ قد صلى بالناس بعض صلاته، فاقتدى به معاذ وأتم الصلاة مع الإمام ثم أخذ في قضاء ما سبق به. فكان الحكم في ذلك الوقت قضاء ما سبق به أولًا، ثم الإتمام بالإمام فيما بقي، فلما فرغ النبي ﵇ من الصلاة قال: «سن لكم معاذ سنة حسنة فاتبعوه» - ولا شك أن ذلك إنما نسخ بوحي من الله تعالى، إلا أنه فعل [هـ] معاذ قبل نزول الوحي - فلو لم يقل النبي ﵇ ذلك، ولم ينكر على معاذ ما فعله، كان ذلك بيانًا للنسخ، على ما مر.\nفإن قيل: ما فعله معاذ ﵁: إن كان عن اجتهاد فكيف يباح له ذلك مع وجود النص بخلافه؟ وإن كان على وفاق ما نزل من الناسخ فكيف وقف ولم يسمعه من النبي ﵇ - قلنا: يحتمل أن معاذًا ﵁ لم يكن علامًا أن الحكم قضاء الفائت قبل الإتمام، لأنه كان مواظبًا على الجماعات مع النبي ﵇، ولم يسبق في شيء من الصلوات قبل ذلك، فعمله باجتهاده، واتفق نزول الناسخ عند فعله، أو يحتمل أنه فعل ذلك إلهامًا من الله تعالى [و] وافق ذلك نزول الناسخ على النبي ﵇.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>٩١ - باب: الزيادة على النص هل هو نسخ أم لا</span>؟:\nذهب الشافعي ﵀ وجماعة من المتكلمين إلى أن الزيادة على النص لا تكون نسخًا على كل حال.\nوذهب الشيخ أبو الحسن الكرخي وجماعة من أصحابنا إلى أن الزيادة","vol":"1","page":353},{"text":"على النص: إن كانت مغيرة حكم المزيد عليه تكون نسخًا. وإن لم تكن مغيرة حكم المزيد عليه، بل تكون مقررة له، لا تكون نسخًا. وجعلوا إيجاب التغريب مع الجلد، وإيجاب زيادة عشرية جلدة على الثمانين في حد القذف، نسخًا.\nوذهب بعضهم: إن الزيادة إن غيرت حكم المزيد عليه تغيرًا شرعيًا، بحيث لو فعل على حد ما كان يفعل قبله لم يكن معتدا به بل يجب استئنافه، يكون نسخًا، نحو ضم ركعة إلى ركعتي الفجر. وإن لم تغير حكم المزيد عليه بحيث لو فعل على حد ما كان يفعل قبلها يكون معتدًا به ولا يجب استئنافه، لم يكن نسخًا. ولم يجعلوا إيجاب التغريب مع الجلد، وإيجاب عشرين جلدة زائدة في حد القذف - نسخًا. وكذا إثبات زيادة شرط ينفصل عن العبادة، لا يكون نسخًا، نحو إيجاب الوضوء في شرائط الصلاة. ولو خير الله تعالى بين فعلين وزاد فعلًا ثالثًا، يكون نسخًا، لصحة تركهما.\nولم يختلفوا أن إيجاب زيادة عبادة على عبادة، كإيجاب الزكاة بعد إيجاب الصلاة، لا يكون نسخًا.\nولم يختلفوا أيضًا أن إيجاب صلاة سادسة على الصلوات الخمس لا يكون نسخًا.\nونحن نقول: إن الكلام في الزيادة في ثلاثـ[ـة] مواضع: أحدها في المعنى. والثاني في الاسم. والثالث في الحكم.","vol":"1","page":354},{"text":"(أ) - أما الكلام في المعني:\nفبأن يقال: هل الزيادة على النص تفيد معنى النسخ؟ .\nفنقول: إنه يفيده، لأن معنى النسخ هو الإزالة، وكل زياد تزيل حكمًا عن المزيد عليه، وهو كونه معتدًا به على وجه لا يجب استئنافه، كما في زيادة ركعة في ركعتي الفجر. أو كونه كل الحكم ومجزئًا وحده، على مثال زيادة التغريب في حد الزنا، وزيادة عشرين جلدة على ثمانين في حد القذف، فيتحقق معنى النسخ.\nفإن قيل: إيجاب زيادة التغريب على الجلد، وزيادة عشرين على ثمانين في حد القذف، لا تغير حكم المزيد عليه ولا أزالت عنه حمكًا شرعيًا من وجوب أو جواز، فإن الجلد يبقى على ما كان عليه من وجوب أو جواز، إلا أنه ارتفع نفى وجوب التغريب، وهذا ليس بحكم شرعي، لأن إيجاب الجلد لا يتعرض لما عداه، لا بنفي ولا إثبات، بل هو معدوم بالبقاء على حكم العقل، لأن الأصل عدم الوجوب، لوم ينقل عنه بدليل، فبقي على ما كان. وإذا لم يكن انتفاء غيره حكمًا شرعيًا لم تكن إزالته نسخًا - قلنا: لا، بل هو مغير لحكم المزيد عليه ويزيل حكم الثابت بالشرع، لأن الجلد قبل زيادة التغريب كان كمال الحد وكان مجزئًا وحده، وبعد الزيادة لم يبق كمال الحد مجزئًا وحده، وهذا حكم شرعي، لأن كل الحد أو بعضه وكونه مجزئًا وحده، فالزيادة عليه تكون نسخًا - فكذا هذا. وكذلك الزيادة على ثمانين جلدة في حد القذف لما ذكرنا - دل عليه أنه تعلق بالثمانين رد الشهادة، وبعد الزيادة لم يبق رد الشهادة متعلقًا به، فيكون نسخًا.","vol":"1","page":355},{"text":"فإن قيل: قولكم بأن الجلد كمال الحد أو مجزئ وحده، عبادة، فلا بد من الكشف عنها - فنقول: معنى قولنا «كمال الحد» أنه لا يجب ضم شيء إليه. وكذا قولنا «مجزئ وحده». وهذا في الحقيقة نفى وإثبات يرجع إلى الزيادة دون المزيد عليه، فلم تكن مغيرة للمزيد عليه، فلا يكون نسخًا. وكذلك زيادة عشرين على ثمانين في حد القذف.\nقوله: بالثمانين رد الشهادة - قلنا: هذا مذهبكم، وأما على أصلنا: رد الشهادة يتعلق بالقذف الموجب للفسق، كما يتعلق بسائر الأسباب الموجبة للفسق. على أن رد الشهادة متعلق بما يسمى حدًا، فلم يكن نسخًا، كما لو زيد في مدة العدة: لا يكون نسخًا لأحكام العدة، لأنها متعلقة بما يمسي «عدة»، وبعد الزيادة بقيت كذلك. وكذلك إذا زيد في فرائض الصلاة فرض: لا يكون نسخًا لفرائض الصلاة. وإن كان قبول الشهادة موقوفًا على أداء الصلوات الخمس وبعد الزيادة توقفت على أداء السادسة، لأن قبول الشهادة متعلق بأداء كل الفرائض، وبعد الزيادة هو موقوف على أداء الفرائض، فلا يكون نسخًا.\nقلنا: ليس معنى كمال الحد وكنه مجزئًا ما ذكرتم، بل معناه أنه كاف في حصول الغرض المطلوب من الحد، وهو الزجر والتكدير وغير ذلك. ومعنى قولنا «بعض الحد» أنه غير كاف في حصول الغرض المطلوب منه، والمجزئ هو الكافي في استيفاء المصلحة المطلوبة من الحكم. وهذا التفسير راجع إلى نفس","vol":"1","page":356},{"text":"المزيد عليه، لأنه حتى الآن كان محصلًا للغرض واستيفاء المصلحة المطلوبة منه شرعًا، والآن لم يبق بهذه الصفة، وهذا حكم شرعي، فإزالته تكون نسخًا. وكذلك زيادة عشرين على ثمانين في حد القذف، وعذره لا يستقيم، لأن الزيادة لما منعت تعلق رد الشهادة بالثمانين، فقد أخرجت الثمانين من أن تكون حدًا، فكان نسخًا. وكذلك في مدة العدة: نسخ لأحكامها، على ما مر وكذا في الزيادة على الفرائض، لأن قبول الشهادة متعلق بأداء تلك الفرائض وحدها، والآن تعلق قبولها بأداء الفرض السادس، فكان نسخًا.\nفإن قيل: كون الجلد كمال الحد أو كونه مجزئًا وحده، إنما ثبت تبعًا لانتفاء وجوب غيره، بدليل أنه لو وجب مع غيره لم يكن كماله ولا مجزئًا، فلما ثبت هذا الوصف تبعًا لانتفاء غيره، يزول أيضًا تبعًا لانتفاء زوال غيره وإزالته لانتفاء غيره، لا يكون نسخًا، لأنه ليس بحكم شرعي، بل هو معلوم بالبقاء على حكم الأصل. بخلاف ما إذا نص على أن الجلد كمال الحد، لأن التنصيص على ذلك تعرض لبقاء ما عداه، فكان حكمًا شرعيًا. وكذلك إذا زيدت ركعة في ركعتي الفجر، خرجت الركعتان عن كونهما مجزئتين، ولكن كونهما مجزئتين ثبت تبعًا لانتفاء وجوب الركعة الزائدة، فيزول بزوال انتفائها، فلا يكون نسخًا. وكذلك إذا أسرنا الشرع بفعل ثم أمرنا بفعل آخر على سبيل التخيير، لا يكون نسخًا للأول. وصورت - الأمر بغسل القدمين، ثم أمرنا بالمسح على الخفين: فإنه لا يكون نسخًا لغسل القدمين، لأن الفعل الأول","vol":"1","page":357},{"text":"باق بحكمه من وجوب أو جواز، وحظر تركه على التعيين عن ارتفع، لكن هذا الوصف ثبت تبعًا لانتفاء غيره، وانتفاء وجوب غيره ليس بحكم شرعي، فرفعه لا يكون نسخًا. وكذلك إذا أمرنا بفعلين، على سبيل التخيير، ثم زاد فعلًا آخر، لا يكون نسخًا لقبح تركهما - مثاله: التخيير باستشهاد رجلين أو رجل وامرأتين، [و] وبالقضاء بشاهد ويمين هل يكون نسخًا؟ فهو على الخلاف. وكذلك الزيادة في شرط منفصل عن الصلاة: نحو ما إذا زيد في غسل الأعضاء الأربعة عضوًا آخر، والنية المقارنة للوضوء - فإنه لا يكون نسخًا، وإن ارتفع كون الأول مجزئًا، ولكنه ثبت تبعًا لانتفاء غيره، فرفعه بثبوت غيره لا يكون نسخًا.\nقلنا: إذا ثبت أن كون الجلد كمال الحد ومجزئًا، [هو] وصف المزيد عليه، وهو الجلد أو الثمانون في حد القذف، وهو حكم شرعي، فرفعه يكون نسخًا ضرورة.\nقوله: يثبت تبعًا لانتفاء وجوب غيره - قلنا: ليس كذلك، لأن كونه كمال الحد أو مجزئًا ثبت لاختصاصه بوجه يتقضى كونه كافيًا في استيفاء الغرض ومجزئًا في المصلحة المطلوبة منه، لا لانتفاء غيره، لأن انتفاء غيره عبارة عن انعدام غيره، وانعدام غيره كيف يؤثر في ثبوت حقه له؟ إلا أن وجوب غيره لو ثبت يبطل كونه كمال الحد ومجزئًا بطريق المعارضة، لا أن عدمه مؤثر في ثبوته، فصار كما إذا نص على [أن] الجلد أو الثمانين كمال الحد وكونه مجزئًا - وهذا هو الوجه في كون زيادة الركعة الواحدة على الركعتين وفي كون التخيير بين الفعلين بعد الأمر بأحدهما على التعيين، نسخًا، وكل ذلك زيادة فعل بعد الأمر بفعلين على التخيير، وتحقيقه ما مر.\nوكذلك الزيادة في شرط منفصل عن الصلاة: نسخ للحكم الأول","vol":"1","page":358},{"text":"وهو الأجزاء بالصلاة بدون الزيادة، إلا أنه لا يسمى نسخًا للصلاة بعينها، كأنه يرتفع أصل الصلاة.\nهذا هو الكلام في معنى النسخ في الزيادة.\n(ب) - وأما الكلام في الاسم:\nهو أن يقال: هل الزيادة على النص تسمى نسخًا أم لا؟ فنقول:\nكلامنا في زيادة هي زيادة شرعية. فإن كانت مغيرة حكم المزيد عليه، كما ذكرنا، وكان حكم المزيد [عليه] ثابتًا بدليل شرعي، والدليل الموجب للزيادة متراخيا عنه، يسمى نسخًا.\nوإن كان الحكم الذي أزلته الزيادة ثابتًا بدليل [عقلي]، لا يسمى نسخًا.\n(جـ) - وأما الكلام في الحكم:\nفبأن يقال: إن الزيادة على النص هل يقبل فيها خبر الواحد والقياس أم لا؟ فنقول:\nإن كان المزيد ثابتًا بدلالة العقل: يقبل فيه خبر الواحد والقياس.\nوإن كان ثابتًا بدلالة سمعية:\n[ف] إن كان ثابتًا بالكتاب والسنة المتواترة: لا يقبل فيها خبر الواحد والقياس.","vol":"1","page":359},{"text":"وإن كان ثابتًا بخبر الواحد: يقبل.\nولو اتفقوا على قبول خبر الواحد في القسم الأول، علمنا أنه ورد مقارنًا، فيكون مخصصًا لا ناسخًا - والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>٩٢ - باب في: بيان أن نقصان شرط العبادة وجزء منها - هل يكون نسخًا لما عداه أم لا</span>؟\nاعلم أنه لما كان الغرض بهذا الباب بيان حكم نقصان شرط العبادة وجزء منها -[ف] لابد أن نذكر ما شرط العبادة وما جزؤها؟ فنقول:\nشرط العبادة ما يتوقف عليه صحة العبادة - وذلك ضربان: أحدهما - منفصل عنها، نحو الوضوء للصلاة والآخر متصل بها [كالتوجه نحو القبلة].\nوجزؤها - ما يكون واحدًا مما هو المفهوم من جملة ذلك. والمفهوم من الصلاة الأفعال المعهودة، فجزؤها ما يكون واحدًا من الأفعال المعهودة من الركوع والسجود وغير ذلك.\nولا خلاف في أن نقصان شرط العبادة، يكون نسخًا لما أسقط.\nواختلفوا في أنه هل هو نسخ لما عداه أم لا؟","vol":"1","page":360},{"text":"ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخى ﵀ إلى أن نقصان شرط العبادة لا يكون نسخًا، منفصلًا كان الشرط أو متصلًا.\nوذهب بعض المتكلمين إلى أن نقصان شرط منفصل عن الصلاة لا يكون نسخًا لها، ونقصان جزء منها يكون نسخًا لها.\nونحن نقول: الكلام في المعنى، والاسم.\n- أما المعنى - فبأن يقال: هل يتحقق معنى النسخ، وهو إزالة حكم شرعي في نقصان الشرط والجزء أم لا؟ فنقول:\nيتحقق فيه ذلك فإن الطهارة التي هي شرط الصلاة لو قدرنا إسقاطها، بتحقق إزالة حكم شرعي، وهو في إجزائها مع فقد الطهارة: فإنها كانت لا تجزئ مع فقد الطهارة، والآن تجزئ مع فقد الطهارة. وكذلك نقصان جزئها، لأنه ارتفع نفى إجزائها بدون الركعة مثلًا: فإنها كانت لا تجزئ مع فقد هذه الركعة، والآن تجزئ. وهذا هو معنى النسخ. وكذلك نسخ التوجه إلى بيت المقدس في الصلاة: لأن الصلاة إليه كانت تجزئ، والآن لا تجزئ.\n- وأما الاسم - فبأن يقال: هل يسمى هذا نسخًا للصلاة أم لا؟ فنقول: لا يسمى بذلك، لأن المفهوم من ذلك خروجها من أن تكون عبادة","vol":"1","page":361},{"text":"مجزئة أصلًا، وهذا غير ثابت، بل يسمى نسخًا لحكم من أحكامها أو نسخًا للصلاة على بعض الوجوه، والى بعض الجهات لا على الإطلاق.\nوالله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>٩٣ - باب في: الطريق إلى معرفة كون الحكم منسوخًا:</span>\nاعلم أن الطريق إلى معرفة كون الحكم منسوخًا شيئان:\nأحدهما - لفظ النسخ.\nوالثاني - التاريخ مع التنافي\n(أ) - أما لفظ النسخ:\nفهو أن يقول النبي ﵇: اعلموا أن هذا الحكم منسوخ.\nأو يقول: هذا نسخ. وهذا كقوله: «صوم عاشوراء منسوخ بصوم رمضان».\n(ب) - وأما التاريخ:\nفقد يعلم بلفظ ينبئ عن التقدم. وقد يعلم بإسناده إلى شيء يعرف تقدمه نحو أن يسند أحدهما إلى السنة الفلانية والثاني إلى السنة الفلانية. أو يسند أحدهما إلى حادثة غير حادثة الآخر ويعرف تقدم إحداهما على الأخرى.","vol":"1","page":362},{"text":"أو كان راوي أحد الحديثين تقدمت رؤيته [للنبي ﷺ] على رؤية راوي الحديث الآخر. أما إذا دامت رؤيته إلى رؤية راوي الحديث الآخر، فإن ذلك لا يوجب التقدم.\nوقال بعضهم: إن كان أحدهما موافقًا للعقل، فإن هذا يوجب التقدم إلا أن هذا ضعيف، لأنه يجوز أن يكون ابتداء الشرع مخالفًا لدليل العقل ثم انتسخ بما هو موافق للعقل. وإذا جاز ذلك، لم يكن هذا دليل التقدم.\nوأما الذي استقل في إفادة التقدم، [ف] نحو قوله ﵇: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها».\nوأما إذا قال واحد من الصحابة: «إن هذا ورد متقدمًا»، فإنه يقبل قوله، وإن كان لا يقبل في حق أصل النسخ، ولكن يجوز أن يقبل فيما يوقف عليه النسخ، كشهادة الشاهدين: لا تقبل في حق الزنا وإثبات الحد، وتقبل على الإحصان وإن كان الحد متعلقًا به.\nولو قال واحد من الصحابة: «كان هذا الحكم ثم نسخ» لا يقبل - نحو قول ابن مسعود ﵁: «التحيات الزاكيات - كان مرة ثم نسخ».\nوكذلك إذا قال: «هذا منسوخ بهذا» - نحو قول بعض الصحابة: إن قوله ﵇: «الماء من الماء - نسخ بحديث التقاء الختانين» فإنه لا يقبل.","vol":"1","page":363},{"text":"قال الشيخ أبو الحسن الكرخى ﵀: لو قال: «هذا نسخ [هذا]» لا يقبل، لجواز أنه إنما قال ذلك باجتهاده - ولو قال: «هذا منسوخ»: يقبل، لأنه لولا أنه ظهر عنده دليل الناسخ لما أطلق القول به.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":364},{"text":"[ثم: ٢ - السنة]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>٢\nالأخبار</span>\n[أ] باب الأخبار\n[ب] باب الأفعال","vol":"1","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>[أ]\nباب\nالأخبار</span>\nاعلم أن الكلام في الأخبار ينقسم أقسامًا - نذكر كل قسم منها في موضعه إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>٩٤ - فالقسم الأول - هو الكلام في اسم الخبر، وبما به يصير الخبر خبرًا، وفي حده، وأقسامه: الصدق والكذب</span>.\n(أ) - أما الكلام في اسم الخبر - فنقول:\nبأن اسم الخبر واقع على التكلم بصيغة مخصوصة، وليس يقع على الإشارة والدلالة على سبيل الحقيقة - ألا ترى أن من وصف غيره بأنه «مخبر» يسبق إلى الفهم أنه متكلم بصيغة مخصوصة ولا يسبق إلى الفهم أنه فعل الإشارة والدلالة.\n(ب) - وأما ما به يصير الخبر خبرًا:\nفهو الإرادة. لأن صيغة الخبر قد ترد وتكون خبرًا. وقد ترد ولا تكون خبرًا، بأن ترد من النائم والساهي، فلا بد من محصص بأحد الأمرين، وليس ذلك إلا الإرادة.\nدل عليه أنه إذا أراد كونه خبرًا، يعنى أراد استعماله في فائدة، يكون خبرًا. وإذا لم يرد كونه خبرًا لا يكون خبرًا.","vol":"1","page":367},{"text":"(جـ) - وأما حده:\nفقد قيل فيه: هو ما يدخله الصدق والكذب.\nفإن قيل: قول القائل: «محمد ومسيلمة صادقان» فهذا خبر، وليس بصدق ولا كذب. والجواب عنه من وجوه:\nأحدها - أن هذين خبران في الحقيقة لتعدد المخبر به: أحدهما صدق، والآخر كذب.\nوالثاني - أن مرادنا بما ذكرنا أنه يصح أن يقال للمتكلم به: «صدقت - أو - كذبت» من حيث اللغة - وهذا هو صورة هذا الخبر، فكان داخلًا تحت الحد.\nوالثالث - أن هذا الخبر كذب، لأنه يفيد إضافة الصدق إليهما، والصدق غير مضاف إليهما بل إلى أحدهما - ألا ترى أنه إذا قال قائل: «جميع الناس سود»، كان ذلك كذبًا، لما ذكرنا: أنه يفيد حصول السواد في الكل، وإنه غير حاصل في الكل، فالخبر المقيد حصوله في الكل يكون كذبًا.\nفإن قيل: أنتم إذا حددتم الخبر بما يدخله الصدق والكذب، وحددتم الصدق والكذب بما هو الخبر عن الشيء على ما هو به، والخبر عن الشيء على خلاف ما هو به، فقد حددتم المجهول بالمجهول، وإنه باطل، لأن الغرض من التحديد هو التعريف - قلنا: مرادنا بذلك أنه إذا قيل للمتكلم به «صدقت» أو «كذبت» لا يخطئه أهل اللغة، وهذا المعنى لا يتوقف على معرفة الصدق والكذب، بل يرجع إلى ما تعارفه أهل اللغة من الصيغة.","vol":"1","page":368},{"text":"هذا هو تقرير هذا القول - إلا أن القائل إن يقول: أهل اللغة إنما سوغوا آن يقال للمتكلم به: صدقت أو كذبت، بعد أن عرفوا معنى الصيغة وميزوها عما لا يصح أن يقال فيه ذلك، فيجب أن يكون الحد لما ينبئ عن تلك الصفة.\nوقال بعضهم: إن حقيقة الخبر هو الصدق دون الكذب، لأنه مأخوذ من الخبر وهو العلم الذي يتناول الشيء على ما هو به، والإخبار هو الإعلام، والخبير هو العالم، والكذب لا يقع به الإعلام، وإنما يقع بالصدق - إلا أن هذا غير صحيح، وهو خلاف عرف أهل اللغة، فإنهم يصفون الكذب بأنه خبر، كما يصفون الصدق به - يقولون: «أخبر صادقًا - وأخبر كاذبًا - وهذا خبر صدق - وهذا خبر كذب» ولأن قول القائل: «زيد في الدار» وهو ليس فيها خبر، لأنه قسم من أقسام الكلام، وأقسام الكلام محصورة في الأمر والنهى والاستخبار والإخبار والفتى -وليس هذا داخلًا في الاستخبار والتمني والأمر والنهى، وكان خبرًا ضرورة.\nوقوله بأنه «مشتف من الخبر والإعلام» - قلنا: الجواب عنه من وجوه: أحدها - أن استعمالهم إياه فيما لا يتحقق فيه العلم دليل على أنه غير مأخوذ منه.\nوالثاني - إن كان كذلك، لكن معنى كونه إعلامًا، كونه نبئًا عنه مفضيًا إلى العلم بالمخبر به. وقوله: «زيد في الدار» ينبئ عن كونه فيها، مقتضيًا حصول العلم به، وإن كان كذبًا في نفسه.\nوالثالث - إن لم يتحقق معنى الإعلام في الكذب، فلا يتحقق فيه معنى الخبر على قضية أصل اللغة، لكن تعارف أهله وجعلوه حقيقة لهما جميعًا،","vol":"1","page":369},{"text":"على مثال قول القائل: يقال أمر بالحركة من سفل إلى علو في أصل اللغة، ثم في العرف جعل ذلك أمرًا بالحركة من أية جهة كانت - فكذا هذا.\nوالصحيح في حد الخبر أنه: كلام يفيد بنفسه إضافة أمر من الأمور إلى أم امن الأمور، نفيًا كان أو إثباتًا.\nوإنما قلنا: «بنفسه» فإن الأمر يفيد وجوب الفعل وحسنه، وليس بخبر، لأنه لا يفيد ذلك بنفسه، بل بواسطة استدعاء الفعل لا محالة، ولا كذلك قول القائل: هذا الفعل واجب وحسن، لأنه بنفسه وصريحه يفيد ذلك.\n(د) - وأما أقسام الخبر:\nفهو الصدق والكذب عند عامة العلماء.\nوقال بعضهم: إن الخبر المتناول للشيء على ما هو به من شرط كونه صدقًا، أن يعتقد فاعله أنه كذلك أو يظنه. والخبر المتناول للشيء، على خلاف ما هو به - من شرط كونه كذبًا أن يعتقد فاعله أو يظن أنه كذلك. ومتى لم يعتقد أنه على ما هو به، أو على خلاف ما هو به ولم يظنه، فهذا خبر، ولا يوصف بأنه صدق ولا كذب.\nوحجتهم - أن قائلًا لو قال: «زيد في الدار» وهو فيها، وهو يعتقد أنه خارج الدار، يوصف في العرف بأنه كاذب. ولو قال: «زيد في الدار» وهو فيها، وهو يعتقد أنه فيها، يوصف بأنه صادق. ولو قال: «ليس زيد في الدار» وهو فيها، ويعتقد أنه فيها، فهو يوصف بكونه كاذبًا - فبان أن الخبر عن الشيء على ما هو به، ليس بصدق على كل حال، بل يشترط في ذلك الظن أو الاعتقاد.","vol":"1","page":370},{"text":"إلا أنا نقول بأن الخبر عن الشيء على ما هو به لا يكون إلا صدقًا في نفسه، والخبر عن الشيء على خلاف ما هو به لا يكون إلا كذبًا في نفسه. لأن كل من سمع خبرًا، ويعلم أن الخبر به كما أخبر يقول: «صدق». ولو علم أنه على خلافه يقول: «كذب»، ولا يخطر بباله كونه معتقدًا أو غير معتقد، ولا يتفحص عن حاله في ذلك -دل عليه أنه لا يثبت بأحد اللفظين، وينتفى بالآخر. [و] لا يصح أن يقال: هذا خبر تناول مخبرًا كما هو تناوله وليس بصدق وكذا على القلب.\nوالدليل على أن الاعتقاد والظن ليس بشرط أن يهوديًا لو قال: «محمد ليس بنبي» لم يمتنع أحد من وصفه بأنه كاذب، وإن جاز أن يكون معتقدًا خلاف ما قال أو ظانًا له. ولو قال مسلم: «محمد رسول الله» لم يمتنع أحد","vol":"1","page":371},{"text":"من وصفه بأنه صادق، وإن جاز أن يكون معتقدًا خلاف ما قال.\nوأما ما ذكر من العرف - قلنا: معنى ذلك أنه ليس بصادق عن قصد، وليس بكاذب عن قصد. أو لم يقصد الصدق وغيره ولم يقصد الكذب به، لا أن خبره صدق وكذب حقيقة، كمن رأى طائرًا فقال: «هو غراب» وقال آخر: «هو حمام» ولا يقال لأحدهما صادق أو كاذب، لأنه أخطاء في ذلك ولم يقصد إليه.\nفلو قال قائل: إن المخبر عن الشيء على ما هو به إذا ظن خلاف ذلك، والمخبر عن الشيء على خلاف ما هو به إذا اعتقد خلاف ذلك، لا يوصف بأنه صادق ولا كاذب، بهذا المعنى توسعًا، فنحن لا نأبى ذلك - والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>٩٥ - باب في: الأخبار التي يعلم صدقها، والتي يعلم كذبها، والتي لا يعلم كلا الأمرين فيها [- في أخبار الآحاد]:</span>\n(أ) - أما التي يعلم صدقها - فوجوه:\nمنها - ما يعلم صدقها باضطرار، كالخبر بأن السماء تعلو الأرض.\nومنها - ما يعلم صدقها باستدلال عقلي، أو سمعي. مثال الأول: الخبر بحكمة الله تعالى. ومثال الثاني: الخبر بوجوب الصوم والصلاة ونحو ذلك.\nومنها - ما يعلم بأمر راجع إلى المخبر. نحو أن يكون المخبر ممن لا يجوز عليه الكذب وذلك ضربان:\nأحدهما - لا يجوز عليه الكذب أصلًا.\nوالآخر - لا يجوز عليه الكذب فيما أخبر، ويجوز في غيره.","vol":"1","page":372},{"text":"- أما الذي لا يجوز عليه الكذب أصلًا -[ف] نحو أن يكون المخبر حكيمًا لا يجوز عليه الكذب، لعلمه بقبحه واستغنائه عنه، وهو الله سبحانه. أو كان معصومًا عن الكذب كالنبي المؤيد بالمعجزة، والأمة التي يشهد الله ورسوله لها بالعدالة.\n- وأما الذي لا يجوز عليه الكذب فيما أخبر به -[ف] نحو أن يكون المخبر مما لا داعي له إلى الكذب. وإنما يعلم أنه لا داعي له إلى الكذب، بأن يكون المخبرون كثرة لا يتصور معها أن ينظمها داع واحد إلى الكذب.\nومنها - ما يعلم صدقه من جهة السامع. نحو أن يخبر بحضرة من أدعى عليه العلم ولم ينكر عليه، فإن ذلك يدل على صدقه من جهة الحكمة ومن جهة العادة: أما من جهة الحكمة، فبأن يكون من أدعى عليه العلم يصدقه تبيًا، فإن الحكمة تقتضي الإنكار عليه. وأما من جهة العادة فبأن يكون من أدعى عليه العلم بصدقة جماعة [كثيرة] لا يمسكها عن الإنكار رغبة ولا رهبة، فإن العادة في مثلها الإنكار على من يخبر بالكذب بحضرتهم.\n(ب) - وأما التي يعلم كذبها فوجوه:\nمنها - ما يعلم كذبه بأضرار.\nومنها - ما يعلم كذبه باستدلال عقلي أو سمعي، على مثال ما قلنا في الصدق.","vol":"1","page":373},{"text":"ومنها - ما يعلم كذبه بأمر راجع إلى الخبر، وهو كيفية النقل بأن ينقل نقلًا خفيًا، وكان من حقه أن ينقل نقلًا ظاهرًا، وقد قويت دواعي الدين أو العادة أو كلاهما، إلى نقله.\nمثال الأول - الخبر عن أصول الشرائع.\nومثال الثاني - نحو أو وقعت واقعة في الجامع يوم الجمعة، فلم ينقلها إلا واحد أن اثنان، فإنه يدل على كذبه، لأن داعي العادة قد قوى بنقل مثل هذا.\n[والثالث]- وأما ما اجتمع فيه كلاهما، [ف] كمجزة النبي ﷺ، فإنه قوى الداعي إلى نقله عادة ودينًا. فأما داعي العادة فإنه أمر عجيب. وأما داعي الدين فلأنه أصل الدين.\nوأما كون المخبر به ظاهرًا، فليس بموجب نقل الخبر. فإنه ليس شيء أظهر من ارتفاع الشمس، ولم تجر العادة بنقله. فأما أن لا ينقل الشيء نقل نظيره، فليس بموجب كذب الخبر، إلا إذا كانت [الدواعي] قوية إلى نقله، أما إذا لم تكن كذلك فلا يمتنع أن ينقل نقلًا ظاهرًا، ولا ينقل هو مثل ذلك.\nمثال الأول - نقل جهر النبي ﵇ [ب] «بسم الله»: فإنه لو كان على حد جهره بالفاتحة لنقل، كما نقل جهره بالفاتحة، لأن الداعي إلى نقلهما واحد، وحيث لم ينقل، علم أن الأمر بخلافه.","vol":"1","page":374},{"text":"وأما الخبر إذا فتش عن أهل العلم فلم يظفروا به في جملة الأخبار، كان ذلك دليلًا على كذبه، لأن الأخبار قد دونت وسطرت، فبعد ذلك رواية الأخبار [تكون] لما دون وسطر. فإذا لم يظفروا به، كان ذلك دليل كذبه.\nوأما إذا ورد الخبر الواحد فيما يعم به البلوى: فإن كان متضمنًا للعلم، فالكلام فيه قد تقدم. وإن كان غير متضمن للعلم، فالكلام فيه سيأتي من بعد.\n(جـ) - وأما التي لا يعمل صدقها ولا كذبها - فهي أخبار الآحاد المروية ن النبي ﵇، وإنها لا تخلو: إما إن وردت متضمنة للعمل أو العلم.\nفإن وردت متضمنة للعمل: فإن لم يتكامل فيها الشروط التي معها يجب العمل بها، لا يجب العمل بها. وإن تكاملت الشروط التي معها يجب العمل [بها، يجب العمل بها]، سواء ورد [الخبر] موافقًا لمتقضي العقل كخبر المعاملات، أو ورد\nموافقًا لمتقضي السمع كخبر الشرائع والشهادات.\nأما إذا ورد متضمنًا للعلم: فإن ورد موافقًا لمتقضي العقل: [يجوز أن يكون النبي ﷺ قاله. وإن ورد غير موافق لمتقضي العقل]: [ف] إن أمكن تأويله من غير تعسف، يجوز أن يكون النبي ﵇ قد قال ذلك.","vol":"1","page":375},{"text":"وإن لم يمكن تأويله إلا بتعسف شديد، لم يجز أن يكون النبي ﵇ قد قاله على ذلك الحد [وإنما] يجوز أن يكون النبي ﵇ قد قال ذلك بزيادة أو نقصان أو حكاية عن غيره.\nوالحاصل أن جملة أخبار الآحاد المروية عن النبي ﵇: لا يجوز أن تكون كلها كذبًا، لأن العادة تمنع، في الأخبار الكثيرة، من الكذب من رواتها، مع كثرتهم واختلافهم. ولا يجوز أن تكون كلها صدقًا أيضًا، لما روى عن النبي ﵇ أنه قال: «سيكذب على من بعدي»، ولأن السلف كانوا ينكرون كثرة الرواية، حتى روى شعبة أنه قال: «ثلث الأخبار كذب»، ولأن كثيرًا من الأخبار وردت متضمنة للجبر والتشبيه،","vol":"1","page":376},{"text":"ولا يمكن تأويله إلا بتعسف شديد، [و] لا يتعذر مثل ذلك في كل كلام متناقض. ولأنه لا يمتنع أن يكون من رواه من المتأخرين قد تعمد فيه الكذب. ولا يمتنع أيضًا أن يثبت أن الصحابة ﵃ [الذين] رووا أن يدخلهم الغلط والسهو. وحكى النبي ﷺ عن غيره فظن الراوي أنه قال بنفسه. أو خرج على سبب يغير فائدته. وكذلك كان النبي ﵇ إذا دخل عليه داخل وهو في الحديث يبتدئ، لأن فائدة الحديث تتغير بحسب أوله. ولما قلتاه. قالت عائشة ﵂ فيما روى عن النبي ﷺ أنه قال: «التاجر فاجر وولد الزنا» [إنما عن النبي ﷺ: تاجرًا دلس، وولد زنا سب أمه]. وقالت عائشة ﵂ فيما روى عن النبي ﵇ أنه قال: «الشؤم في الثلاث: الزوجة والدار والفرس - وقيل: في الدابة» إنما قال ذلك حكاية عن غيره. فظن الراوي أنه قال بنفسه. ولهذا أنكرت عائشة ﵂ ما يورى عنه ﵇ أنه قال: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه».\nفثبت أنه لا يجوز أن تكون كلها صدقًا ولا كذبًا.\nهذا الذي ذكرنا في أخبار الآحاد.\nوأما الخبر المتواتر - فموجب للعلم على ما نذكر - والله أعلم.","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>٩٦ - باب في: وقوع العلم بالتواتر. وبيان صفة العلم الواقع بالتواتر:</span>\nاعلم أن خبر الله تعالى وخبر رسوله وخبر الأمة أن يكون موجبًا للعمل. لأن حكمة الله تعالى تقتضي صدقه في خبره، وصدق خبر من ظهرت المعجزة على يديه، وصدق من شهد له بالعدالة.\n(أ) - واختلفوا في وقوع العلم بالتواتر:\nحكى عن قوم - أنهم منعوا من وقوع العلم إلا بالحواس الخمس، دون الإخبار.\nوهذا باطل. لأنا نجد أنفسنا معتقدة من وجود مصر وخراسان ساكنة، [وما] إليها، لتواتر الخبر عليها، وجرى ذلك مجرى وقوع العلم بالمشاهدة. ومن منع ذلك فقد دفع ما يجده من نفسه، فلا وجه لمكالمته.\nفإن قيل: العلم يقع بتكرار الخبر على السمع - فوجب أن يقع بأول المرة، كما في المدركات - قلنا: من قال إن العلم الواقع بالمتواتر مكتسب، شرط التواتر في كونه سببًا. ومن قال: إنه ضروري - قال: إن الله تعالى أجرى إيقاع العلم عند التواتر. على أن ما ذكروه يجرى مجرى الشبهة، والعلم الحاصل قطعًا لا ينتفي بالشبة، كالعلم الحاصل بالمشاهدة.","vol":"1","page":378},{"text":"(ب) - ثم اختلفوا في صفة العلم الحاصل بالتواتر:\nفذهب بعضهم إلى أن العلم الواقع به مكتسب.\nوقال بعضهم: هو ضروري.\nوموضوع الاستقصاء فيه أصول الكلام، إلا أنا نذكر هنا طرفًا منه.\n- أما من قال إنه مكتسب - فحجته في ذلك أن العلم المكتسب ما يحصل بالاستدلال، والاستدلال ترتيب علوم يتوصل به إلى العلم الآخر، وما يتوقف حصوله على ترتيب علوم، كان مستدلًا عليه لا محالة، والعلم الحاصل بالتواتر هذا سبيله.\nوإنما قلنا: إن الاستدلال ترتيب علوم، لأن الاستدلال هو ما يتوصل به إلى العلم بالمدلول، وما وقف حصوله على علوم مرتبة، كان طريق معرفته ترتيب تلك العلوم.\nوإنما قلنا: إن العلم الحاصل بالتواتر هذا سبيله، لأنا إنما نعلم ما أخبرنا به إذا كنا نعلم أن المخبر لم يخبر عن رأى، وإنما أخبر عما لا لبس فيه، فإنه لا داعي له إلى الكذب، لأنا إذا علمنا أنه لا داعي له إلى الكذب، علمنا أن لا يعتمد الكذب. وإذا علمنا أنه لا لبس فيه، لا يقع منه الكذب من غير عمد، وإذا زال توهم الكذب، علم كونه صدقًا، لأن الخبر إما أن يكون صدقًا أو كذبًا. وإذا اختل شرط من هذه الشروط لم يحصل العلم، فعلم أنه مكتسب.\n- وأما من قال بأنه ضروري - قال: ١ - بأن الواحد منا يعلم وجود الصين، وإن لم يعلم أن من أخبره بذلك جماعة كثيرة يمتنع معها اتفاق الكذب منهم، وأنه لا داعي لهم إلى الكذب. فلو كان مكتسبًا لتوقف حصوله على ذلك.","vol":"1","page":379},{"text":"٢ - وأيضًا- قالوا: إن العلم الحاصل بالبلدان لا ينتفي بالشك والشبهة - وهذا هو أمارة كون العلم ضروريًا.\n٣ - وأيضًا - إن العلم الحاصل بالبلدان حاصل لمن ليس من أهل النظر والاستدلال، نحو العوام والمراهقين. فلو كان نظريًا، لتوقف على النظر.\n٤ - وأيضًا - فإن من قال بأنه ضروري يعتقد الاستغناء عن النظر، وذلك بصرفه عن النظر، ويوجب انعدام النظر. وفي ذلك استحالة كونهم عالمين بالبلدان، والمعلوم بخلافه، فإن الكل مشتركون في ذلك.\nوالجواب:\nأما الأول - قلنا: الاستدلال ليس إلا ترتيب علوم بأحوال المخبرين. ومن علم وجود الصين، علم أن من أخبره بذلك لا داعي له إلى الكذب، وإن لم يعرف أعيانهم، وعلم أنهم أخبروا عما لا لبس فيه، فلذلك علم به.\nوأما الثاني - قلنا: من العلوم المكتسبة ما لا ينتفي بالشك والشبهة.\nوأما الثالث - قلنا: لا يمتنع أن يجد هؤلاء من نفوسهم ترتيب علوم يحصل به علم آخر، وإذا جاز ذلك، جاز أن يكونوا عالمين بها بناء على ذلك.\nوأما الرابع - قلنا: الاستدلال ما هو إلا ترتيب علوم بأحوال المخبرين على ما مر. ومن سمع الخبر عن البلدان، علم أنه لا داعي لهم إلى الكذب، وعلم [أنهم] كثرة يمتنع اتفاق الكذب منهم، وعلم أنهم أخبروا عما لا لبس فيما أخبروا عنه، من غير استئناف نظر، فبذلك حصل العلم بها.\nهذا هو وجه الدلالة في الجانبين.","vol":"1","page":380},{"text":"ونحن نقول: هذه العلوم تشبه سائر العلوم الضرورية في أنه لا يحتاج كل أحد فيه إلى كثير تأمل واستئناف نظر، ولو شكك فيه نفسه لا يتشكك، ولا يمكنه دفعه عن نفسه، [و] لو سماه البعض بأنه «ضروري» فله ذلك. ويشبه العلوم الاستدلالية في أنا لو أزلنا عن أنفسنا هذه المقدمات، وهي أن لا داعي إلى المخبرين إلى الكذب لكثرتهم، ولا لبس في المخبر عنه، وغير ذلك، لا يحصل لنا العلم بالخبر، وكان حصوله بسبب ودليل. ولو سماه البعض بأنه «استدلالي» فله ذلك - فهذا اختلاف في العبارات، ولا مشاحة في العبارات - والله اعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>٩٧ - باب في: ما الحق بالمتواتر من الأخبار:</span>\n١ - منها:\nإذا أخبر الواحد بحضرة جماعة لا يعتمد مثلها الكذب، وادعى مشاهدتها لذلك، وليس لها صارف يصرفها عن تكذيبه، من دين أو رغبة أو رهبة، فتسكت عن تكذيبه - فإن ذلك يدل على صدقه، لأن استشهاده بها طلب لإخبارها بمثل ما أخبر، أو طلب لسكوتها عن تكذيبه، فسكوتها عن تكذيبه، كالخبر بصدقه. وكما لا يجوز أن تخبر بصدقه مع علمها بأنه كاذب، لا يجوز أن تسكت عن تكذيبه مع علمها أنه كاذب. ولأن النفوس محمولة على تكذيب الكذاب سيما إذا استشهادها به، فإن كفت وامتنعت، وجدت في نفسها ضررًا وأذى، فلا بد من وجود التكذيب إذا لم يكن في مقابلته صارف، إما من الكل أو من البعض. وأما إذا دعها، بدين أو رغبة، فإن الجماعة العظيمة لا يتساوون في إيثارها على الخبر الكذب. وألأما رهبة السلطان، فإنها إن منعت في الحال، فإنها لا تمنع في المستقبل. وأيضًا لا تمنع من إظهاره لإخوانه وأصدقائه، فلا يلبث القول إن يشيع ويظهر. وكذلك لا يطمع السلطان في أهل بغداد","vol":"1","page":381},{"text":"أن تستمر بهم الحال بتركه تكذيب من أخبر أن بين بصرة وبغداد بلدة أعظم منها.\n٢ - ومنها:\n- إذا أخبر بحضرة النبي ﷺ: وادعى مشاهدته لذلك، فسكت النبي ﵇ عن تكذيبه، فإن ذلك يدل على صدقه. لأن سكوته عن تكذيبه يوهم صدقه، ولا يجوز ذلك، مع علمه أنه كاذب. لأن في ذلك إيهام الباطل، ولأن فيه ترك ما وجب عليه فعله من إنكار المنكر، فلا يجوز ذلك.\n- وأما من لم يدع مشاهدته لذلك، فلا يخلو: إما إن علم من شرعه خلاف ذلك، أو لم يعلم:\n* فإن لم يعلم من شرعه خلاف ذلك، فإن ذلك يدل على صدقه، لما ذكرنا من المعنيين.\n* وإن علم من شرعه خلاف ذلك -[ف] لا يخلو: إما إن كان مما يجوز أن يتغير، أو لا يجوز.\nفإن كان مما يجوز أن يتغير وسكت عن تكذيبه، فإن ذلك يدل على أنه قد تغير، لأن سكوته عن تكذيبه يوهم تغيره، فلا يجوز ذلك، مع أنه لم يتغير. لأن فيه إيهام الباطل. ولما فيه من ترك إنكار المنكر.\nوإن كان مما لا يجوز أن يتغير:\nفإن علم أن إنكاره لا يؤثر: [ف] لا يجب عليه الإنكار. لأنه ليس في ذلك","vol":"1","page":382},{"text":"إيهام الباطل. لأنه مما لا يجوز أن يتغير، ولا ترك ما وجب عليه فعله من إنكار المنكر، لأن إنكاره لا يؤثر فيه - ألا ترى أنه لا يجب عليه ولا على غيره مواصلة الإنكار على اليهود والنصارى عما يتعاطون، بخلاف دين الإسلام، لأنه لا يؤثر.\nوإن علم أن إنكاره يؤثر فيه: يجب عليه الإنكار، كإنكاره بعض المعاصي على أمته، لأنه لا بد أن يؤثر إنكاره [على من] اعتقد نبوته.\n- وإن كان من أمور الدنيا، فسكت عن تكذيبه، فإن ذلك يدل: إما على أنه عالم بصدقه، أو غير عالم بصدقه ولا بكذبه، فإنه لو كان عالمًا بكذبه يجب عليه الإنكار، لما مر.\n٣ - ومنها:\nإذا أخبر الواحد خبرًا، وأجمعت الأمة على العمل بموجبه، وحكمت بصحته - فإنه يدل على أن النبي ﵇ قال ذلك، لأنه لا يجوز أن تجمع الأمة على الخطأ.\nوأما إن عمل بموجبه، ولم يحكم بحصته:\nذهب جماعة من المتكلمين: أنه يقطع على أن النبي ﵇ قد قال ذلك - وهو قول الشيخ أبى الحسن الكرخى ﵀.\nوقال غيرهم: إنه لا يقطع على ذلك.","vol":"1","page":383},{"text":"وقالوا بأن الأمة بأجمعها اعتقدت وجوب العمل بخبر الواحد، فلا يمتنع أن يروى لهم خبر كامل، فيه شرائط العمل، فعمل به، لأن العمل تابع للاعتقاد - ألا ترى أنها لما اعتقدت وجوب العمل بالاجتهاد، جاز أن يعمل على موجب الاجتهاد.\nفإن قيل: لما اجتمعت على وجوب الاجتهاد، قطعنا على الاجتهاد - فكذلك إذا أجمعت على موجب الخبر، يجب أن يقطع عليه - قلنا: إن أردتم بهذا أن الأمارة قبل الإجماع مقطوع على حكمها، فهذا باطل، لأنه حينئذ تصير الأمارة دلالة، والأمارة لا تكون دلالة. وإن أردتم به أن الأمارة، بعد الإجماع، مقطوع على تعلق الحكم بها، فهذا ما ليس [له] معنى سوى أن حكم الأمارة ثابت مقطوع به لا يجوز خلافه - وهكذا نقول فيما إذا أجمعوا على موجب الخبر: صار حكم الخبر مقطوعًا به لا يجوز خلافه.\nوأما من قال: يقطع على ثبوته، وعلى أن النبي ﵇ قد قال ذلك -[ف] احتجزا بأن العادة من الاجتهاد أنها لا تجتمع على خبر إلا وقد قامت الحجة به، وما لم تقم الحجة به ما أجمعوا على موجبه - ألا ترى أن خبر عائشة ﵂ عن النبي ﵇ «أنه كان يطيب لإحرامه قبل أن يحرم» - لما لم تقم","vol":"1","page":384},{"text":"الحجة به، [وخبر] بروع بن واشق الأشجعية لما لم تقم الحجة به، ما أجمعوا على موجبه، بل قبله ابن مسعود، ورده على ﵄. والأخبار الواردة في الصلوات والزكوات لما قامت الحجة بها أجمعت على موجبها. وهنا لما أجمعت على موجب الخبر علم أن الحجة قامة على أن النبي ﵇ قد قال ذلك - والجواب: لا نسلم أن العادة مستمرة بأن الخبر إذًا لم يقم به الحجة لا يجمع على موجبه، وإنا يجمع إذا قامت الحجة - ألا ترى أن كثيرًا من الأخبار أجمعت على موجبها وإن لم تقم بها الحجة، نحو خبر عبد الرحمن في أخذ الجزية من اليهود والمجوس، ونحو خبر حمل بن مالك في الجنين،","vol":"1","page":385},{"text":"ونحو قوله ﵇: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها (الحديث»).\nفإن قيل: إن هذه الأخبار قد قامت الحجة بها، بأن ذهب ذلك على الصحابة ﵃. فإذا روى الراوي يذكر ذلك عن النبي ﵇ - قلنا: هذا باطل، لأنه لا دليل عليه، وكيف يستمر هذا، وأنهم أجمعوا على موجب هذه الأخبار عند سماعها من غير تجدد سبب آخر. ولأنهم لو كانوا أجمعوا على موجب هذه الأخبار وقيام الحجة بها، لما جاز أن يستدل بإجماعهم على العمل بموجب هذ الأخبار، على وجوب العمل بأخبار الآحاد، لأن إنما يعرف وجوب العمل بأخبار الآحاد، استدلالًا بإجماعهم على العمل، بموجب هذه الأخبار - لما نذكره.","vol":"1","page":386},{"text":"وأما إذا ورد خبر الواحد وعمل به أكثر أهل العصر وعابوا على من لم يعمل به، كعيبهم على ابن عباس في ترك العمل بحديث أبى سعيد الخدري:\nقال بعضهم: يقطع على أن النبي ﵇ قال ذلك.\nوالصحيح أنه لا يقطع، لأن قول بعض أهل العصر لا يكون إجماعًا، فلا يكون حجة.\nوكذلك إذا عمل به البعض وتأوله الباقون، فإنه لا يقطع عليه، لأنهم ما أجمعوا على أن النبي ﵇ قد قال ذلك، وإنما أجمعوا على ترك الرد. وذلك يرجع إلى تجويز أن النبي ﵇ قال ذلك، لأن الخبر إذا جاز أن يكون النبي ﵇ قد قاله، يجب على الأمة العمل به أو تأويله، ولا يجوز رده - والله اعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>٩٨ - باب في: بيان شرط وقوع العلم بالتواتر:</span>\nاعلم أن من شرط وقوع العلم بالتواتر:\n- أن يكون للمخبرين كثرة يمتنع معها اتفاق الكذب منهم أو التواطؤ عليه.\n- وأن يكونوا مخبرين عما علموه بالضرورة عن مشاهدة.","vol":"1","page":387},{"text":"وإنما شرطنا [الأول]: ذلك لأنه لو جاز أن يشترك الكل في الكذب، اتفاقًا أو تواطؤًا أو مراسلة لم نأمن أن يكونوا كاذبين.\nوإنما شرطنا الثاني - لأنه لو جاز أن يكونوا قد ألبس عليهم ما أخبروا عنه، فظنوا أنهم محقون ولم يكونوا محقين، فلا نثق بصحة قولهم - دل عليه أن المسلمين بأجمعهم أخبروا اليهود بنبوة محمد ﵇ ولم يحصل لهم العلم. ولو أخبر بعضهم عن مشاهدة يحصل لهم العلم، ولا فرق إلا فيما ذكرناه.\nوإنما قلنا: إن ما كان فيه هذه الشرائط يوجب العلم، لأن خبر المخبرين لو كان كذبًا لا يخلو: إما إن اعتقدوا ذلك وتعمدوا كذبه، أو لم يتعمدا ذلك، ولكن ظنوا أنه صدق وهو على خلاف ذلك.\nوالآخر لا يتأتى فيما إذا كن المخبر به معلومًا باضطرار لا لبس فيه ولا اشتباه.\nوأما إذا تعمدوا الكذب، [ف] لا يخلو: إما إن تعمدوا ذلك لداع أو لغير داع. والآخر باطل لأن العاقل المخبر، لا سيما الجماعة العظيمة، لا يفعل فعلًا إلا لداع. وأن تعمدوا ذلك لداع [ف] لا يخلو: إما أن يرجع الداعي إلى نفس الخبر أو إلى غيره. أما الذي يرجع إلى الخبر فهو كونه كذبًا، وكونه كذبًا ليس بداع، بل هو صارف، بخلاف الصدق فإنه داع. وأما الراجع إلى غيره [ف] لا يخلو: إما إن كان دينًا أو دنيا من رغبة أو رهبة. فلا يخلو: إما إن تعمدوا ذلك لداع واحد، أو بعضهم لداع وبعضهم لآخر:\nأما الدين المؤدى إلى الخبر عن النبي ﵇ أو على خلاف ما هو به وعلموه، فهو ظاهر الفساد، ولا يشترك الخلق الكثير في إثبات ما هو ظاهر","vol":"1","page":388},{"text":"الفساد على ما في قلوبهم من عيب الكذب والنفرة عنه، ولا فرق بين ما إذا دخلت عليه شبهة أو لم تدخل، لأن الجماعات العظيمة لا يتساوون في ترجيح الشبهة على ما ظهر في عقولهم من استقباح الكذب، كما لا يتساوون في مأكل واحد وسلوك طريق واحد.\nوأما الرغبة واعتقاد المنفعة- فقد يكون رجاء عوض عن الكذب أو غير ذلك، ولا يشترك الخلق العظيم في إيثار هذا الداعي على تجنب الكذب، لأنهم لا يتساوون في الافتقار إلى ما وقعت الرغبة فإن كثيرًا منهم لا يحتاجون، وكثيرًا منهم يحتاجون ولا يؤثرون، وكثيرًا منهم يحتاجون ويؤثرون، فلا يتصور اشتراكهم في إيثار هذا الداعي على الصدق.\nوأما الرهبة- فإنها لا تجمع العظيم على الكذب لوجوه: أحدها- أنهم مع كثرتهم لا يجتمعون على إيثار الكذب على ذلك. وثانيها- أن الرهبة لا تمنحهم عن التحدث بحقيقة الأمر بين الأصدقاء والخاصة، فلا يلبث القول أن يشيع ويظهر. وثالثها- أن الجمع العظيم لا يحيط بهم أخذ السلطان، فلا يتصور أن يصير كل واحد منهم مضطرًا إلى الكذب، ورابعها- أن السلطان لو دعاهم إلى الكذب بالرهبة لظهرت الرمية. وحيث لم تظهر علمنا أنه لا رهبة، إلا أن هذا الوجه ضعيف، لأنه لا يمتنع أنه كما دعاهم إلى الكذب بالرهبة، دعاهم إلى كتمان الرهبة بالرهبة. وكذلك لا يتصور اشتراكهم في الكذب وفي قوة الداعي وإيثاره على الصدق.","vol":"1","page":389},{"text":"فثبت بما ذكرنا أنه لا يشترط في وقوع العلم بالتواتر، أن يكون المخبرون كلهم مؤمنين أو بعضهم مؤمنين، لأن خبر المخبرين إنما يوجب العلم، لأنه لا داعي لهم إلى الكذب، ولا لبس فيما أخبروا عنه، ومجموع هذين الشرطين يمكن حصوله في الكفار، ولأن أهل بلاد الكفر يعرفون بتواتر أهل مقالاتهم في طلبهم، ويعرفون أحوال البلدان كما نعرفه نحن، فلا معنى لاشتراط الإيمان.\nفإن قيل: يلزم هذا صدق النصارى في نقل التثليث عن عيسى ﵇ وصدقهم في قتله- قلنا: أما الثليث فلم ينقلوه عن عيسى ﵇ بنص صريح لا يحتمل التأويل، لكنهم توهموا ذلك بألفاظ موهمة اتفقوا عل معناها، كما فهم المشبهة من آيات وأخبار لم يفهموا معناها، والتواتر ينبغي أن يصدر عن محسوس، كما ذكرنا. وأما قتل عيسى ﵇، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾.\nفإن قيل: لا يجوز التشبيه في المحسوس، ولو جوزنا ذلك لشك كل واحد منا في زوجة وولده إذا رآهما، فلعله شبه لهم- قلنا: يجوز ذلك في زمان خرق العادة، وهو زمان النبوة، لإثبات صدق النبي ﵇، وذلك لا يورث الشك في غير ذلك الزمان، إذ لا خلاف في قدرة الله تعالى على قلب العصا حية،","vol":"1","page":390},{"text":"وقد فعله لتصديق موسى ﵇، ونحن لا نشك في ذلك في زماننا، ولا نخاف من أخذ العصا ثقة العادات- كذا هذا.\n* * *\nولا يشترط في التواتر عدد معين. وبعضهم قطعوا على أنه لا يقع التواتر بخبر أربعة، لتكليف الشرع القاضي بالسؤال عنحالهم إذا شاهدوا بالزنا. وتوقفوا في الخمسة، وهو الحكم، إذ لا معنى يوجب التوقف وعدم العلم بخبر الأربعة والخمسة إلا وهو قائم في خبر الستة والعشرة وكل عدد معين. وإنما المعتبر جماعة يعلم استحالة تواطؤهم وتواقفهم على الكذب.\nفإن قيل: كيف نعلم حصول العلم يخبر عدد، ونحن لا نعلم العدد الذي يحصل العلم بخبرهم- قلنا: كما نعلم أن الخبز مشبع والماء مرو والخمر مسكرة، وإن كنا لا نعلم أقل مقدار يحصل له منه ذلك. ونعلم أن القرائن تفيد العلم بالأحوال، وإن لم نقدر على حصر أجناسها.\nوبعضهم شرطوا أن يكون المخبرون عشرين. وهذا باطل أيضًا، لأنه دليل عليه. ولأن الأظهر أنه لا يمكن تحقيق شروط الاستدلال في العشرين. واحتجوا في ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾: أوجب الجهاد على عشرين. وفائدة تخصيصهم أن يخبروا المشركين شرع محمد ﷺ فيحصل لهم العلم- والجواب: أن في الآية إيجاب الجهاد على عشرين، لا نفيه عما نقص عنه، فإن الأمة مجمعة على وجوب الجهاد على عشرين لكن لا يمتنع أن تخصيصهم بذلك لوجوه من وجوه المصلحة التي علم الله تعالى، لا لوقوع العلم بخبرهم.","vol":"1","page":391},{"text":"وبعضهم شرطوا أن يكونوا سبعين- وهذا باطل، لما مر. ومن شرط ذلك تعلق باختيار موسى ﵇ سبعين رجلا من قومه ليصيروا معه إلى مناجاته. وفائدة ذلك ليخبروا قومهم، فيحصل لهم العلم- والجواب: لا يمتنع أنه إنما اختار ذلك لغرض لا يحصل فيما دونهم.\nوبعضهم شرطوا أن يكونوا ثلاثمائة- وهو باطل، لما مر. واحتجوا بأن عدد أهل بدر كانوا ثلاثمائة، لأن العلم بشرع النبي ﵇ يقع بخبرهم- والجواب: أنه لا يمتنع أن اختيار النبي ﵇ اتفق على ذلك، أو من يقوى على الجهاد ويتفرغ له لم يكن أكثر من ذلك.\nهذا هو الكلام في شرط التواتر.\n* * *\nومن حكمه- أنه إذا حصل العلم بخبر جماعة، يحصل بخبر من يساويهم في العدد. ومتى حصل العلم لعاقل يحصل العلم لكل عاقل.\nأما الأول- فلأن خبر المخبرين إنما يوجب العلم، لأنهم اختصوا بشرائط تؤدي إلى العلم بصدق خبرهم. فإذا حصلت هذه الشرائط في غيرهم، يجب أن تؤدي إلى العلم بصدق خبرهم أيضًا. ولأنه لو جاز خلاف ذلك، لجاز أن يخبر جماعة بمكة فيحصل لنا العلم به، وجماعة منهم تخبرنا عن بلدة أخرى، فلا يحصل لنا العلم به، [و] في ذلك وقوع الشك في العلم بالبلدان، وهذا باطل.","vol":"1","page":392},{"text":"وأما الثاني- فلأن ما يوجب العلم للعاقل من الشروط قائم في كل عاقل ولأنه لو جاز أن يحصل العلم بخبرهم لعاقل ولا يحصل لكل عاقل، لكان من العقلاء من لا يحصل له العلم بالخبر المتواتر، وفي ذلك أن يكون من العقلاء منا من لا يعلم وجوده له مع سماعه الخبر المتواتر كسماعنا، وهذا باطل- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>٩٩ - باب في: أن خبر الواحد هل يوجب العلم أم لا</span>؟:\n- ذهب أكثر الناس إلى أنه لا يوجب العلم أصلًا.\n- وذهب أصحاب الظاهر إلى أنه يوجب العلم.\n[و] اختلف هؤلاء فيما بينهم:\n- قال بعضهم: يوجب العلم من غير اقتران قرينة به.\n- وقال بعضهم: لا يوجب إلا إذا اقترنت به قرائن. ومثال القرائن نذكرها من بعد.\n- وقال بعضهم: يوجب علم الظاهر. وعنوا به غلية الظن.\n(أ) - أما من قال بأنه لا يوجب العلم أصلًا:\nفحجته أن خبر الواحد لو كان يقتضي العلم، لكان كل خبر واحد اقتضاه، كما في الخبر المتواتر. فلما لم يقتضه كل خبر واحد، علمنا أنه لا يوجب العلم.\nإلا أن لقائل أن يقول: هذا اقتصار على مجرد الدعوى، فلابد من علة جامعة بينها:\nفإن قالوا: إن العلة، في وقوع العلم بالمتواتر، هي أنه من قبيل ما يقع العلم عنده، وهذه العلة موجودة في أخبار الآحاد لو كان فيها ما يوجب العلم-","vol":"1","page":393},{"text":"قيل له: لا نسلم أن العلة ما ذكرتم، وما أنكرتم على قائل يقول إن العلة الواقع ثمة إن كان ضروريًا، فهو من فعل الله تعالى، فما يؤمنكم أن الله تعالى اختار فعله عند كل خبر متواتر لاقتضاء المصلحة لذلك، ولم تقتض المصلحة فعله عند كل خبر واحد، وإن كان مكتسبًا، فشروط الاستدلال به تتساوى فيه الأخبار المتواترة دون الآحاد.\nفإن قالوا بأن العادة مستمرة بأن ما اقتضى وقوع العلم بالخبر المتواتر، اقتضى وقوعه بكل خبر متواتر، ولو كان في الآحاد ما يفيد العلم لأفاده كل خبر، استدلالًا بالعادة- قيل لهم: ولم يجب إذا استمرت العادة في الخبر المتواتر أن تستمر في أخبار الآحاد؟\nوالوجه الصحيح في ذلك أن نقول لهم: أتزعمون أن خبر كل مخبر يوجب العلم أم بعض منها؟:\nفإن قالوا: كل خبر واحد- فذلك ظاهر البطلان، لأن كثيرًا من الناس من يخبرنا بما لا نظنه فضلا من أن نعلمه.\nوإن قالوا: بعض منها- فنقول لهم: عرفتم ذلك اضطرارًا أو استدلالًا؟:\nفإن قالوا: اضطرارًا، فباطل، لاختلاف حال العقلاء فيه. ولأن مجرد الخبر لا يوقفنا على المخبر به من غير أن يلاحظ أمورًا كثيرة فيه، وما وقف حصوله على ملاحظة أمور كان مستدلًا عليه لا محالة.\nوإن قالوا: بالاستدلال باقتران قرائن، ومثال القرائن نحو: ما إذا أخبر إنسان بموت زيد وبسمع الصراخ من داره وترى الجنازة على بابه ويعلم أنه ليس في الدار","vol":"1","page":394},{"text":"مريض سواه. أو كان رجلًا شديد التحفظ عن الكذب نافرا عنه فيخبر بخبر يعلم صدقه استدلالا بظاهر حاله من تجنب الكذب. أو كان رجلا مهتما بأمر مشتغلا به فيسأل عن غيره فأجابه من غير تفكر، فإنه يعلم أنه لم يتعمد الكذب لداع. أو كان المخبر رسولا من جهة السلطان يخبر الجيش بأنه أمرهم بالخروج إليه [و] علمنا أنه لم يتعمد الكذب، لأن عقوبة السلطان مانعة من الكذب عليه- قلنا: ليس لهم فيما ذكروه من القرائن ما يقتضى العلم، لأنه: يجوز أن يكون غرض أهله من الصراخ وإحضار الجنازة إيهام السلطان موته ليسلم منه. ويجوز أن أغمى عليه فظنوا موته. ويجوز أن يكون غيره مات ممن في الدار فجاءة. وقد يكون الرجل شديد التحفظ عن الكذب في الظاهر دون الباطل، وقد يعدل عنه في بعض الأشياء دون البعض، وقد يكون الرجل مهتما بما سئل عنه مشتغلا به فيظهر من نفسه أنه مشتغل بغيره، وإذا سئل عنه أظهر من نفسه أنه نبه عليه وكان ساهيا قبل ذلك، ليعلم أنه لم يتعمد الكذب، أو لأن اشتغاله بغير ذلك وشدة اهتمامه يمنعه عن التأمل في المسئول عنه، فأخبر جزافا عن غفلة، فوقع كذبا لا على التعمد. وقد يرغب رسول السلطان بمال جزيل ليخبر الجيش أنه يأمرهم بالخروج إليه، وقد يأمره السلطان بالكذب عليه استهزاء واختبارا لطاعته- وإذا احتمل هذه الوجوه، لم يكن موجبا للعلم، لأن العلم لا يحصل مع جواز الكذب.","vol":"1","page":395},{"text":"(ب) - وأما أصحاب الظاهر- فقد احتجوا بأن الله تعالى منعنا أن نقول عليه بما لا نعلم، بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ثم تعبدنا بالعمل بخبر الواحد. فلو لم يقع العلم به، لكان في جواز التعبد به جواز القول على الله بما لا نعلم.\nوالجواب: ليس في جواز التعبد بخبر الواحد، جواز القول على الله بما لا نعلم. لأنا وإن ظننا صدق الراوي، لكنا علمنا وجوب العمل به، بدليل قاطع، وهو الإجماع. فإذا قلنا إن الله تعالى تعبدنا بخبر الواحد، فقد قلنا على الله تعالى ما نعلمه لا ما لا نعلمه- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>١٠٠ - باب في: ما يقبل فيه خبر الواحد، وما لا يقبل فيه ذلك:</span>\nاعلم أن الخبر لا يخلو: إما إن تضمن إضافة شرع إلى النبي ﵇، أو لا يتضمن ذلك.\n(أ) - فإن تضمن إضافة شرع إلى النبي ﵇-[ف] لا يخلو: إما إن ورد التعبد به بالعلم، أو بالعمل.\nفإن ورد التعبد [فيه] بالعلم- فلا يقبل.\nوإن ورد التعبد بالعمل فيه-[ف] يجب العمل به إذا تكاملت فيه شرائط العمل، سواء كان التعبد به ابتداء عبادة، أو ركنا في عبادة، أو ابتداء نصاب، أو تقديرا، أو حدا- وهو المروى عن أبي يوسف ﵀.","vol":"1","page":396},{"text":"وحكى عن بعضهم أنه منع قبول خبر الواحد فيما يندريء بالشبهات.\nوقال بعضهم: لا يقبل خبر الواحد في إيجاب الحد، وفي أركان العبادة، وفي ابتداء النصاب. ويقبل في سقوط الحد، وليتوافى النصاب. فيقبل خبر الواحد فيما زاد على خمس أواق وهو قوله: \"وفي الزيادة بحساب ذلك\". ولم يقبل في الفصلان وفي العجاجيل، لأن هذا ابتداء النصاب، وذلك زيادة على النصاب.","vol":"1","page":397},{"text":"والأظهر أنه يقبل في جميع ذلك، لأنه لا وجه يفصل به بين البعض والبعض إلا من حيث إنه ينفي الشبهة، وهذا غير مانع، كما في الشهادة: فإنه يقبل الشهادة في ذلك، فكذا هذا.\nوكذا ما يجرى مجرى إضافة شرع إلى النبي ﵇، كإضافة الفتوى إلى المفتي.\n(ب) - وأما ما لا يتضمن إضافة شرع إلى النبي ﵇- فهو على ضربين: إما إن كان يفتقر إلى حكم حاكم، أو لا يفتقر إليه.\n- فإن كان لا يفتقر إلى حكم حاكم- فهو على وجهين: إما إن كان من أمور الدنيا أو من أمور الدين.\n- مثال الأول- كالهدايا والخبر في المعاملات: فيقبل فيه خبر الواحد إذا غلب على ظننا صدقه، سواء كان المخبر بالغا أو غير بالغ، عدلا كان أو فاسقا.\nوكذا ما يجرى مجرى الخبر في اقتضاء [غالب] الظن، كوضع الماء","vol":"1","page":398},{"text":"على الطريق على بعض الوجوه: فإنه يبيح شربه، كالخبر عن إباحته. وكوضع الصدقة على يد الفقير.\n- وأما [الثاني]: إذا كان من أمور الدين- كالخبر عن نجاسة الماء، وكون الشيء ميتة، فإنه يقبل فيه خبر الواحد. ولتعلقه بالدين، لا يقبل فيه خبر المشرك.\n- واختلفوا في خبر الفاسق- بعضهم قالوا: يقبل. وبعضهم قالوا: لا يقبل. لأن له شبها بأمور الدين وبأمور الدنيا، فلذلك اختلفوا فيه.\n- وأما الذي يفتقر إلى حكم حاكم- فإن لم يكن حكما على شخص معين، ولا يتعلق به الخصومة، كالخبر عن هلال رمضان وهلال شوال:\nقال بعضهم: لا يقبل فيه خبر الواحد، بل يشترط فيه العدد، لأن له شبها بأمور الدين، وشبها بأمور الدنيا، من حيث إنه بدخل تحت حكم الحاكم.\nوقال بعضهم: يقبل:\nوإن كان حكما على شخص معين ويتعلق به الخصومة- فإنه لا يقبل خبر الواحد إلا لضرورة أنه لا يمكن الوقوف عليه للأكثر من واحد، كإخباره المرأة بانقضاء العدة في مدة تحتمل. أو كان يمكن الوقوف عليه ف بالجملة، لكن يشق ذلك، كشهادة القابلة على الولادة. فأما ما سوى ذلك، فإنه لا يقبل فيه إلا خبر الاثنين.","vol":"1","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>١٠١ - باب في: جواز ورود التعبد بخبر الواحد:</span>\nذهب أكثر الناس إلى جواز ذلك، ومنه منه آخرون.\nوالدلالة على جواز ذلك- أن الفعل الشرعي إنما يجب لكونه مصلحة. ويجوز أن يكون الفعل مصلحة إذا فعلناه ونحن على صفة وحالة مخصوصة، ولا يكون مصلحة إذا فعلناه ونحن على خلاف تلك الحالة. كما في المسافر مع المقيم، والمريض مع الصحيح، والحائض مع الطاهر. وكوننا ظانين صدق الراوي حالة من حالاتنا، فدخلت تحت جملة أحوالنا التي يجوز أن يكون الفعل مصلحة عندها.\nوإذا جاز كونه مصلحة، جاز ورود الشرع بالتعبد به.\nوالذي يؤيد ما ذكرناه- من حيث العقل والشرع:\n- أما العقل- فهو أن المسافر إذا اشتبه عليه حال الطريق، فأخبره من غلب على ظنه صدقه بسلامة الطريق، يباح له سلوك ذلك الطريق في العقل. ولو أخبره باختلاف حال الطريق، لزمه الامتناع عن سلوكه.\n- وأما الشرع- فلأن الإمام يجب عليه إقامة الحد والقطع والقتل إذا شهد بالزنا أو السرقة أو القتل اثنان أو أربعة ظاهرهم العدالة. فلما جاز أن يقف ثبوت الحكم على الظن في باب الشهادة، جاز أن يقف على ذلك الظن في باب الخبر.\nفإن قيل: الفرق بين الشهادة والخبر: أن في باب الشهادة الحكم يثبت عند الشهادة بدليل قاطع، والشهادة شرطه، ولا كذلك الخبر: فإنكم تجعلونه دليلا على ثبوت الحكم، لا شرطا له- والجواب: لا فرق عندنا. كما أن هناك الحكم","vol":"1","page":400},{"text":"يثبت عند الشهادة بدليل قاطع، فكذلك في باب الخبر: الحكم يثبت عنده بدليل قاطع. وتسمية الخبر دليلا أو شرطا كلام في العبارة.\nوقوله: إنكم جعلتم دليلا لا شرطا- قلنا: لا فرق، فإنه كما لا بد في وجوب العمل بالشهادة من دليل قاطع، لابد في وجوب العمل بالخبر من دليل قاطع. ولا يضرنا لو امتنعنا من تسمية الخبر دليلا إذا كان الغرض ما ذكرنا، وهو توقف الحكم على الظن.\nفإن قيل: الفرق بين الشهادة والخبر أنه: ليس في الشهادة على زيد بأنه قتل أو سرق إثبات ابتداء، فإن شرع القتل كان متقدما على ذلك. أما في تعليق الحكم بخبر الواحد، [ف] إثبات شرع ابتداء- قلنا: لا فرق، فإنا نعلم أن نقتل المشهود عليه شرع بالشهادة. والدليل على ذلك هو ما دل على وجوب العمل بالشهادات. كما نعلم ثبوت التعبد بخبر الواحد. والدليل على ذلك هو ما دل على وجوب العمل بأخبار الآحاد، فلا فرق بينهما في توقف ثبوت الحكم على الظن.\nوأما المخالف- فقد احتج في المسألة بأشياء:\n١ - منها- أن الأفعال الشرعية كلها مصالح، ولا يمتنع أن يكذب الواحد فيما يخبر عنه من فعل أو قول. وإذا لم يمتنع ذلك لا نأمن أن يكون ما تضمنه الخبر مفسدة. وإذا لم نأمن ذلك، لا يجوز ورود التعبد به، لأن التعبد بما لا نأمن من كونه مفسدة قبيح. وليس لكم أن تقولوا: إن قيام الدلالة على وجوب العمل بأخبار الآحاد دلالة على صدق الراوي، لأن على هذا يلزمكم أن تقطعوا بصدقه، ولا تجوزوا كذبه. ويلزمكم أن تجوزوا قيام الدلالة على وجوب العمل بكل ما يريده الإنسان. فإن قلتم: ليس يجب أن يتفق الصواب في كل ما يريده الإنسان- فنقول: ليس يجب أن يتفق الصواب في كل ما يظن فيه صدق المخبر من فعل أو ترك.","vol":"1","page":401},{"text":"٢ - ومنها- أنه لو جاز أن يجب العمل بما يخبر به الواحد عن النبي ﵇، ويحكم بكونه مصلحة إذا غلب على الظن صدقه، لجاز أن يجب العمل بما يخبره الواحد أن الله تعالى أوجب عليكم هذا الفعل إذا غلب الظن [صدقه]، إذ لا فرق بينهما إلا أن المخبر يخبر عن الله تعالى بلا واسطة، والمحدث يخبر عن الله تعالى بواسطة [نبي].وليس لكم أن تقولوا إنه لابد في وجوب العمل بخبر الواحد من دليل قاطع، وهذا لا يتم إذا كان صدق المدعين للنبوات مظنونًا غير مقطوع به. لأن الدليل القاطع إما كتاب الله تعالى أو سنة متواترة أو إجماع الأمة. وإجماع الأمة لابد أن يستند إلى قول الله تعالى أو إلى قول الرسول، وقول الله تعالى إنما يعرف بقول الرسول. فإذن الدليل الشرعي لا يكون مقطوعا به، إلا إذا عرف صدق المدعى للنبوه، [ويكون] ثابتا بالمعجزة، لأنا ما ألزمناكم أن يكون صدق جميع المدعين للنبوة مظنونا، وإنما يلزمكم أن يكون صدق بعضهم مظنونا، وصدق بعضهم ثابتا بمعجزة، ثم يخبر ذلك الرسول [الذي] تثبت نبوته بالمعجزة أن لو أخبركم إنسان \"أن الله تعالى بعثه بالشرائع\" وغلب على ظنكم صدقه، فاعلموا بأن ذلك مصلحة لكم واعملوا به.","vol":"1","page":402},{"text":"فإذن تصور أن يكون الدليل على وجوب العمل بأخبار الآحاد مقطوعا في هذه الصورة.\n٣ - ومنها- أنه لو جاز أن يجب العمل بأخبار الآحاد في الفروع، لجاز أن يجب العمل بها في الأصول والأدلة والأخبار. حتى لو أخبر واحد أن أهل اللغة وضعوا هذا الاسم للعموم، جاز لنا أن نقطع بأنه موضوع للعموم. وكذلك لو أخبر واحد بكون زيد في الدار، جاز لنا أن نخبر بكونه في الدار قطعًا.\nكما جاز لنا أن نخبر بوجوب الفعل إذا أخبر النبي ﵇ بوجوبه- فلما لم يخبر ذلك، فلا يجوز هذا.\nوالجواب:\nأما الأول- قلنا: قد ذكرنا أنه يجوز أن يكون الفعل مصلحة إذا فعلناه ونحن على حالة مخصوصة، وكوننا ظانين صدق الخبر، بأمارة حالة من حالاتنا، فجاز كون الفعل عندنا مصلحة، صدق الراوي أو كذب. إذا ثبت هذا لم يجب ما قالوه من أن تجويز كذب الراوي يجوز كون ما تضمنه الخبر مفسدة، لأن كوننا ظانين صدق الراوي ثابت في الحالتين جميعًا، وجواز كون الفعل مصلحة مبنى على هذه الحالة، كما في الحكم بالبينات: فإن تجويز كذب الشاهد لا يقتضي تجويز إقدام الإمام على ما لا يحل له فعله من قطع يد لا يستحق قطعها وغير ذلك.\nفإن قيل: ظنكم صدق الراوي لا يخلو: إما أن جعلتموه طريقًا إلى العلم بكونه مصلحة، أو شرطا في جواز كون الفعل مصلحة: [ف] إن جعلتموه طريقا، لا يجوز أن يجعل طريقا إلى القطع على أن الفعل مصلحة. ولو جاز ذلك، لجاز أن يجعل ذلك طريقا إلى العلم بالاعتقادات، ولجاز ورود التعبد بها","vol":"1","page":403},{"text":"بخبر الواحد. وإن جعلتموه شرطا في جواز كونه مصلحة، لزمكم أن تحكموا بجواز كون الفعل مصلحة إذا ظننا كذب الراوي أو ااشتهينا فعله أو اخترناه لأن هذه حالة من حالاتنا- قلنا: بعضهم قالوا: يجوز أن يكون الفعل مصلحة عند هذه الحالة، كما يجوز أن يكون مصلحة عند ظننا صدق الراوي- إلا أنا نجيب بجواب آخر، وهو أنا إنما جوزنا أن يكون الفعل مصلحة إذا فعلناه ونحن على هذه الحالة، لأنها من جملة الأحوال التي شهد العقل بجواز كون الفعل مصلحة عندها بما ذكرنا من التصرف في الأسفار والعمل بالبينات. وكما أن العقل يشهد بجواز كون الفعل مصلحة عند هذه الأحوال، [فإنه] يشهد بأنه لا يجوز أن يكون الفعل مصلحة عند ظننا كذب الراوي، أو اشتهينا فعله أو اخترناه- مثاله: المسافر إذا خاف على نفسه سلوك طريق فإخبره من يثق بقوله بسلامة بعض الطريق، لزمه العمل بما ظنه صلاحا دون ما ظنه فسادا. ولو أخبره من يغلب على ظنه كذب، لا يباح له سلوك ذلك الطريق. وكذلك عند الخوف واشتباه حال الطريق. ولا يجوز له أن يعمل بما يشتهيه ويختاره- فبأن أن العقل فصل في الحالين.\nوأما الثاني- قلنا: قد ذكرنا أن العقل إنما يجوز أن يكون مصلحة إذا غلب على ظننا صدق الراوي، وهذا لا يمتنع فيما إذا أخبر أنه شاهد النبي ﵇ وسمع كلامه، لأن ذلك كثير جرت به العادة. وأما سماع كلام الله تعالى بغير واسعله [ف] لم تجر العادة به، وما يحصل في النبوة من الرئاسة العظيمة","vol":"1","page":404},{"text":"التي لا تدانيها رئاسة قد يدعو الإنسان إلى ادعائها. فإذا اجتمع للعاقل تجويز كذب مدى النبوة مع أنه مخبر بما لا تجرى العادة بذلك، فلا يغلب على ظن العاقل صدقه، كان في الاقتصار على الظن في باب النبوة أعظم مفسدة، لما فيها من الرئاسة العظيمة التي يطلبها كل أحد. فلو تعبدنا بالأخذ بالظن لتعمد أكثر الناس التظاهر بالصدق والصلاح ليحصل له هذه الرئاسة، فيكثر المدعون للنبوة الواردون بالشرائع المختلفة، فيؤدي إلى تغير الشريعة في كل حال، وفيه من الفساد ما لا يخفى. ولا كذلك إذا أخبر الواحد عن النبي ﵇، لأنه ليس في ذلك مثل هذه الرئاسة، لان كلام النبي ﵇ لا يتجدد بعد وفاته، وما تكلم به في حال حياته منحصر لا يحتمل الزيادة.\nفلو زيد على ذلك لعلم كذبه، ورد-[وهذا] بيان الفرق بين الخبرين.\nوأما الثالث- قلنا: ماذا تريدون بالأصول؟\nإذا ردتم به أصول الشرع، كالصوم والصلاة وغير ذلك، فنقول: كان يجوز ورود التعبد بها بأخبار الآحاد، لكن حينئذ لا تكون [من] أصول الشرع، لأن أصول الشرع ما ثبت وجوبها بدليل مقطوع به.","vol":"1","page":405},{"text":"وإن أردتم إثبات القديم تعالى وصفاته- فنقول: بأنه لا يقبل فيه خبر الواحد، لأنا لو قبلناه فيه لقبلناه في الاعتقادات، ولا يجوز قبول خبر الوحد في الاعتقادات، لأن الواحد إذا أخبر أنه سمع النبي ﵇ قال: \"إن الله تعالى على صفة كذا\" فنحن لا نعلم أن الله تعالى على تلك الصفة، لأنا لم نكن عالمين بدليله، فلو اعتقدنا كونه على تلك الصفة لا نأمن من أن يكون هذا الاعتقاد جهلًا وقبيحًا، والإقدام على الاعتقاد قبح، ولا نأمن كونه جهلًا.\nولا كذلك الفرع. لأنها ليست اعتقادا ليكون المقدم عليها مقدما على اعتقاد لا نأمن كونه جهلا قبيحا بل هو من قبيل العمل فجاز أن يقبل فيه خبر الواحد.\nفإن قيل: أليتم تقطعون وتعتقدون وجوب العمل عليكم عند خبر الواحد، وهذا رجوع إلى الخبر الواحد في الاعتقادات- قلنا: هذا اعتقاد نأمن كونه جهلا، لان الدليل قد دل على وجوب العمل بخبر الواحد، ولا يجوز أن يدل دليل قاطع على وجوب العمل بخبر الواحد في الاعتقادات، لما ذكرنا أن الفعل يجوز أن يكون مصلحة إذا فعلناه ونحن على حالة مخصوصة، وهو كوننا ظانين صدق المخبر، فإذا جاز أن يكون مصلحة فإذا الدليل على وجوب العمل به","vol":"1","page":406},{"text":"قطعنا على كونه مصلحة. فأما كون القديم على صفة، فليس مما يحصل بحسب ظننا، بل هو أمر حاصل في نفسه، ظننا صدق الراوي أو لم نظنه، فليس يجب إذا أخبر الواحد أنه سمع النبي ﵇ يقول: \"إن الله تعالى على صفة كذا\" أن تكون تلك الصفة ثابتة له. ومتى لم يجب ذلك لو اعتقدنا كونه على تلك الصفة لا نأمن أن يكون هذا الاعتقاد جهلًا، والإقدام على اعتقاد لا نأمن كونه جهلا قبيح، ولا كذلك الفرع على ما مر- وهو الجواب عما إذا أخبر إنسان عن كون زيد في الدار، فإنا لا نعلم أنه فيها قطعا، لأن كونه في الدار ليس مما يحصل بحسب ظننا، بل هو أمر حاصل في نفسه، ظننا صدق المخبر به أو لم نظن. فلوا اعتقادنا كونه في الدار قطعا لا نأمن من أن يكون هذا الاعتقاد جهلا، وذلك قبيح، فيجوز أن يرد التعبد بالخبر، [كما يرد] عن كونه في الدار، على حسب الظن. وكذل لو أخبر الواحد أن أهل اللغة وضعوا هذا الاسم للعموم، لأنا لا نعلم أنهم وضعوه قطعا، لان كونهم واضعين ليس مما يحصل بحسب ظننا، بل هو أمر حاصل في نفسه على ما مر. فلو اعتقدنا أنهم وضعوه للعموم قطعا لا نأمن كونه جهلا وقبيحا. ويجوز أن يرد التعبد بالاستدلال به على شمول الحكم وعمومه، لأنه من باب العمل، فجاز كونه مصلحة إذا ظننا صدقه- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>١٠٢ - باب في: ورود التعبد بأخبار الآحاد:</span>\nاختلف مجيزو ورود التعبد بأخبار الآحاد في الشرعيات، في ورود التعبد بها:\n-","vol":"1","page":407},{"text":"[ف] قال بعضهم: ورد التعبد بها.\n- وقال بعضهم: لم يرد. واختلف هؤلاء:\n-[ف] قال بعضهم: لم يرد التعبد بها، ولا ورد التعبد بالمنع منها.\n- وقال بعضهم: ورد التعبد بالمنع منها.\nواختلف الأولون:\n- قال بعضهم: العقل يدل على التعبد بها.\n- وقال بعضهم: لا يدل.\nوالدليل على أن العقل يدل على وجوب العمل بأخبار الآحاد- أن العقلاء يعرفون بعقولهم وجوب العمل بأخبار الآحاد في العقليات، لعلة: وهي أنهم ظنوا بخبر الواحد تفصيل جملة معلومة بالعقل، وهذه العلة موجودة في الشرعيات.\nبيانه: أنا نعلم بعقولنا وجوب التحرز عن المضار وحسن اجتلاب المنافع في الجملة، فإذا أخبر واحد أن علينا مضرة إذا لم نفتصد ولم نشرب الدوار أو لم نسلك في سفرنا هذا طريقة مخصوصة، وغلب على ظننا صدقه، فقد ظننا تفصيل جملة معلومة بالعقل، وهو وجوب التحرز على المضار-[و] هذه العلة موجودة في الشرعيات: فإننا نعلم وجوب الانقياد للنبي ﵇ فيما دعانا إليه فيما أخبر أنه مصلحة، والتحرز عن ضرر مخالفته في الجملة. فإذا أخبرنا واحد أن النبي ﵇ دعانا إلى فعل أخبر أنه مصلحة، وظننا صدق الراوي، فقد ظنن تفصيل جملة معلومة.","vol":"1","page":408},{"text":"وبيان أن العلة في الأصل هدا: أن الحكم يوجد بوجوده وينعدم بعدمه، فإنا إذا علمنا وجوب التحرز عن المضار، وظننا أن في هذا الفعل مضرة، بخبر الواحد إذا ظننا صدقه، ولا يمكننا الوقوف على ذلك- حصل لنا العلم بوجوب التحرز، إذا أزلنا عن أنفسنا اعتقاد ما سوى ذلك، وإذا لم نعلم وجوب التحرز، أو علمنا ذلك ولكن لا نظن صدق الراوي، لا يحصل لنا العلم بوجوب التحرز. وكذلك إذا ظننا صدقه، لكن لنا طريق إلى معرفة ذلك قطعا، لا يجب التحرز- ثبت أن العلة في الأصل هذا، وإنها موجودة في المتنازع فيه.\nفإن قيل: قياسكم قبول خبر الواحد في الشرعيات على قبوله في العقليات لا يستقيم، لأن بينهما مفارقة مع وجوه:\nأحدها- أن الخبر في العقليات إنما ورد بما نعلم جملته بالعقل، وفي الشرعيات إنما يرد بما نعلم جملته بالشرع.\nوثانيها- أن في الشرعيات أمكن يفضى إلى العلم بها، وهو الكتاب والسنة المتواترة وإجماع الأمة، أو البقاء على حكم العقل، فلا يجوز الاقتصار على الظن. ولا كذلك العقليات، لأن هناك تعذر طريق يفضى إلى العلم بها، فجاز الاقتصار على الظن.\nوثالثها- أن الشرعيات تبتنى على المصالح، فجواز كذب المخبر يدل على كون ماتضمنه الخبر مفسدة. وذلك مانع من قبول الخبر، إلا إذا ورد التعبد به شرعا. ولا كذلك العقليات، لأنه لا يمكن أن يرد التعبد به شرعا، فاقتصرنا على الظن.\nقلنا:\nأما الأول- قلنا: وجوب الانقياد للنبي ﵇ فيما دعانا إليه، والتحرز عن ضرر مخالفته معلوم بالعقل والشرع. كما أن وجوب التحرز عن المضار","vol":"1","page":409},{"text":"الدنيوية معلوم بالعقل والشرع. ثم إن كان التحرز عن المضار الدنيوية معلوما بالعقل فقط، فالتحرز عن المضار الشرعية معلوم بالشرع فقط- فهذا الاختلاف راجع إلى طريق العلم بوجوب التحرز، فلا يقدح في الاستدلال، لأن الجملة إذا صارت معلومة بأي طريق كان، فيما يظن تفصيلا للجملة، كان داخلا في الجملة.\nوأما الثاني- قلنا: لو كان في المسألة نص أو خبر متواتر أو إجماع يخالف قضية خبر الواحد، لا يجوز العدول عنها إلى مقتضى خبر الواحد، وإنما مسألتنا في خبر لا يخالف شيئا من ذلك. وأما البقاء على حكم العقل فممكن في العقليات والشرعيات جميعا، فإنا نعلم بعقولنا التحرز عن إيلام النفس بالافتصاد وشرب الأدوية الكريهة والسلوك في الطريق، فإذا أخبرنا واحد أن في ترك هذه الأشياء مضرة، وغلب على ظننا صدقه- لا يجوز البقاء على حكم العقل، فثبت أن البقاء على حكم العقل مما يجوز تركه إذا غلب على ظننا صدق المخبر به.\nوأما الثالث- قلنا: كما أن المصالح هي المعتبرة في الشرعيات، فكذلك المنافع والمضار هما المعتبران في العقليات، لأنا إنما نقصد بما نفعله في العقليات تحصيل المنافع والخلاص عن المضار، كما نقصد في الشرعيات تحصيل المصالح.\nفلما جاز أن يقام الظن مقام العلم في المضار العقلية مع تجويز الكذب في الخبر، جاز ذلك في المصالح الشرعية.\nوقوله: إن ورود التعبد يدل على المصلحة- قلنا: لما جاز ذلك، مع تجويز الكذب في الخبر، لم يكن كذب المخبر دليلا على أن مصلحتنا غير ذلك، فلا يجوز التعويل عليه، لمنع قبول خبر الواحد. فإن قال: إن المخبر به إن جاز كونه مصلحة، لكن لا نعرف ذلك إلا بتعبد شرعي.","vol":"1","page":410},{"text":"قلنا:\nألسنا نعرف كون المخبر به مصلحة في باب العقليات بدون تعبد شرعي، فما بالنا لا نعرف هنا بدون تعبد شرعي؟ فإن قال أحدهما عقلي والآخر شرعي، فهذا فرق يرجع إلى نفس المسألة.\nعلى أنا نقول:\nإن جاز لكم أن تقولوا: إن قيام الدلالة الشرعية يدلنا على أن مصلحته هي العمل بما تضمنه الخبر، جاز لنا أن نقول إن قياسنا الشرعيات على العقليات يدلنا على أن مصلحتنا هي العمل بما تضمنه الخبر.\nدليل آخر: قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ فالله تعالى تعبدنا بقبول خبر طائفة خرجت للتفقه في الدين ثم أنذروا قومهم، وهذا صورة خبر الواحد. بيانه- أن الله تعالى تعبد كل طائفة من كل فرقة بالخروج إلى التفقه، والثلاث فرقة والطائفة من الثلاث واحد أو اثنان. فإذا رجعت إليهم وأخبرتهم بوجوب العبادات وحذرتهم على تركها، فقد أنذرتهم، فصاروا متعبدين بالرجوع إلى قولهم. وإذا صاروا متعبدين بالرجوع إلى قولهم. وإذا صاروا متعبدين بالرجوع إلى قولهم إذا خرجت للتفقه، صاروا متعبدين به إذا خرجت لغرض آخر، لأن أحدا من الأمة لم يفصل بينهما، وإنما قلنا إنهم صاروا متعبدين بالرجوع إلى قولهم، لأن الله تعالى لما تعبد كل طائفة بإنذار قومها لكي يحذروا، لزمهم الحذر بإنذارها، وذلك بالرجوع إلى قولها.","vol":"1","page":411},{"text":"فإن قيل: الاعتراض على الاستدلال من وجوه:\nأحدها- أن المراد من الحذر هو الحذر بالفحص عن أحوال الخبر، بالخروج عن الأوطان، ليعرفوا الخبر الصحيح من الفاسد.\nوثانيها- أنه ليس المراد منه خبر الواحد، لأن الله تعالى تعبد مجموع الطوائف بالإنذار، وليس بممتنع أن يخبر مجموع الطوائف، فيتواتر الخبر بنقلهم.\nوثالثها- أن المراد بالإنذار هو الإنذار بالفتوى، لأنه علق الإنذار بالتفقه، والإنذار الذي يتعلق بالتفقه هو الإنذار بالفتوى.\nورابعها- يحتمل أن المراد بالتفقه في الدين التفقه في الأصول، فلا يصح الاحتجاج به.\nوخامسها- لا يمتنع أن يجب على الطائفة إنذار قومهم ثم لا يجب على القوم الرجوع إلى قولهم، كما في قول الشاهد الواحد، فإنه يجب على الشاهد الواحد أداء الشهادة ولا يجب على الحاكم قبولها والحكم بها. وكذلك كل واحد من المتواترين يجب عليه أن يخبر، ولا يجب على من سمع أن يقول على خبرة [وحده] فيما طريقه العلم. وكذلك من خوف بالقتل لدفع المال، يجب عليه المبادرة إلى الدفع، وحرام على المخوف أخذه. وكذلك الذي يجب عليه دعوة الخلق إلى الإقرار بنبوته، ولا يجب عليهم، بل لا يجوز الإقرار به قبل إقامة المعجزة- كذا هذا.\nوسادسها- لا يمتنع أن يجب على الطائفة الإنذار، ولا يجب عليهم أن يحذروا ما لم ينضم إلى المنذر غيره، فيتواتر الخبر، فيجب عليهم قبوله.","vol":"1","page":412},{"text":"قلنا:\nأما الأول- فهو باطل، لأن أحدا من الأمة في عصر النبي ﵇ ولا من بعده لم يوجب على أهل القرى ولا على أكثرها، الخروج من الأوطان، لاشتباه الخبر في الآفاق، ولأن هذا يؤدي إلى أنهم لا يستقرون في أوطانهم قبل استقرار السنن وانتشارها، فكلما سمعوا حديثا خرجوا عن أوطانهم في الآفاق لفحصها، وفيه من الفساد ما لا يخفى.\nوأما الثاني- قلنا: لا يجوز أن يكون المراد منه أن ينذر مجموع الطوائف كل فرقه، لأن مجموع الطوائف، لا يكون عند كل فرقة، لتكون راجعة إليها.\nوكان مقتضى الآية أن كل طائفة تنذر قومها، وهذا إنما يتم في كل طائفة مع فرقتها.\nوأما الثالث- قلنا: ليس من منع قبول خبر الواحد، منع العامي الأخذ بالفتوى. فهذه الشبهة غير لازمة والآية حجة. ثم نقول: التفقه قد يكون بسماع الأخبار وتدبرها. وهكذا التفقه في الزمن الأول، والله تعالى لم يفصل بين الإنذارين، فيحمل عليهما. كقول القائل: \"فلنضربهم\": هذا شائع في الضرب بكل خشبة على أي صفة كانت من اللين والشدة، لأن الله تعالى لم يفصل بين ما إذا كان في القوم مجتهد وبين ما إذا لم يكن، فالإنذار بالفتوى","vol":"1","page":413},{"text":"إنما يلزم قبوله غير المجتهد، فيجب أن يصرف إلى إنذار يشترك فيه المجتهد وغير المجتهد، وليس ذلك إلى الإنذار بالخبر.\nفإن قيل: قوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ يدل على أنه ليس في القوم مجتهد، إذا لو كان فيهم مجتهد، لم يجب على بعضهم أن ينفر للتفقه- قلنا: حصول المجتهد في القوم لا يغنى من أن ينفر طائفة للتفقه وسماع الأحاديث التي لم تبلغهم، خصوصًا في عصر النبي ﵇، والأعصار المتقاربة منه قبل استقرار السنن، فإن الأخبار تحدث في زمان النبي ﵇ حالا فحالا ومنها الناسخ والمنسوخ.\nوأما الرابع- قلنا: التفقه إذا أطلق يفهم منه التفقه في الفروع، فيحمل كلام الله تعالى عليه، إذ هو المتفاهم.\nوأما الخامس- قلنا: في الآية بيان أن الإنذار لأجل القبول والعمل به، فإنه قال: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ أي لكي يحذروا، والأمر بالإنذار للقبول، إيجاب القبول. على أنا لا نستدل بوجوب الإنذار على وجوب الحذر وإنما نستدل بقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ فإن هذا يجري مجرى الأمر بالحذر بالإنذار.","vol":"1","page":414},{"text":"وأما الإقرار عند دعوة النبي ﵇، قلنا: النبي لا تلزمه الدعوة، إلا إذا كانت له معجزة بها يلزم الخلق الإقرار به، وعند ذلك يجب الإقرار به.\nوأما السادس- قلنا: الله تعالى علق الحذر بالإنذار وحده، فظاهره يقتضى وقوع الحذر بالانذار وحده، كقول القائل: \"جالس فلانا لعلك تصلح\": ظاهره يقتضى أن المجالسة سبب للصلاح، ويقع الصلاح بها وحده، وفيما ذكرتم تعليق الحذر بالإنذار، وبتواتر الخبر، فكان مخالفا للنص- والله أعلم.\nدليل آخر- إجماع الصحابة ﵃. فإن الصحابة بأجمعهم علموا بأخبار الآحاد، وإجماع الصحابة حجة قاطعة- بيانه:\nأنه لما اشتبه عليهم حكم الغسل في التقاء الختانين، رجعوا إلى أزواج النبي ﵇ وعملوا بما سمعوا منهن.\nوعن أبي بكر ﵁ أنه قبل خبر المغيرة بن شعبة في توريث","vol":"1","page":415},{"text":"الجد [ة] بعد ما طلب الحكم فيه:\nوعند ﵁ أنه حكم في حادثة، فروى له بلال عن النبي ﷺ خلافه، فنقض حكمه ورجع إلى قوله.\nوعن عمر ﵁ أنه قال: لا أدري ما أقول في أمر المجوس، وكثر مسألته، فروي له عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﵇ في مجوس هجر:\n\"سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم\" فرجع إلى قوله.\nوعنه ﵁ أنه كان يرى في الجنين \"أن لا شيء إذا خرج ميتا وفيه الدية إذا خرج حيا\"، حتى روى له حمل بن مالك حديث الغرة إلى آخرة.\nوعنه ﵁ أنه كان يرى في الأصابع نصف الدية ويفصل بينها","vol":"1","page":416},{"text":"فيجعل للإبهام خمسة عشر من الإبل وللخنصر ستة وللبنصر تسعة وللباقيتين عشرا عشرا، فلما روى له الذي كتبه النبي ﷺ لعمرو بن حزم وجعل في الأصابع نصف الدية، في كل إصبع عشرا عشرا رجع عن ذلك.\nوعنه ﵁ أنه كان لا يرى توريث المرأة من دية زوجها، فروى ضحاك بن [سفيان] له خبرا بخلافة، فرجع.\nوعن علي ﵁ أنه قال: إذا سمعت حديثا من النبي ﵇ نفعني الله به ما شاء الله أن ينفعني، وإذا حدثني به غيره استحلفه، فإذا حلف لي صدقته. وحدثني أبو بكر فصدق.\nوعنه ﵁ أنه أمر مقداد بن الأسود ليسأل النبي ﵇ عن الذي فسأله وأخبر بجوابه فعمل به.\nولأن الصحابة ﵃ بأجمعهم قبلوا حديث أبي سعيد الخدري","vol":"1","page":417},{"text":"﵁ [في ربا الفضل].\nفكل واحد من هذه الأخبار واحد في نفسه، لكن جملتها متواترة، لأنه مع كثرتها لا يتصور أن تكون كذبا، كالأخبار الواردة في سخاء حاتم:\nفإن تفاصيلها آحاد وجملتها متواترة.\nوالذي يتوجه على هذا الدليل من الاعتراض وجهان:\nأحدهما- لم قلتم: إن الصحابة ﵃ عملوا على موجب هذه الأخبار لأجلها، وما أنكرتم أنهم إنما عملوا لأمر آخر من اجتهاد حدث لهم، أو ذكروا شيئا [سمعوه] من النبي ﷺ فعملوا به- ألا ترى أنهم ردوا الأخبار الواردة بطريق الآحاد في الحوادث الشرعية، فإن أبا بكر ﵁ لم يقبل حديث مغيرة بل طلب منه شاهدا آخر. وعن عمر ﵁ أنه رد حديث فاطمة بنت قيس وقال: \"لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بحديث امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت\". وعن علي ﵁ أنه رد حديث","vol":"1","page":418},{"text":"معقل بن يسار وقال: \"ما نصنع بحديث أعرابي بوال على عقيبه\". ولستم بأن تقولوا: إنهم إنما ردوا لأمر آخر لا لأنه خبر واحد، بأولى من أن نقول: إنهم إنما قبلوا ما قبلوا لأمر آخر لا لأنه خبر واحد.\nوالوجه الثاني: لم قلتم إن الصحابي ﵃ بأجمعهم عملوا على موجب خبر الواحد، فما لم تبينوا ذلك لا تتم حجتكم لأن الحجة هو الإجماع.\nوالجواب:\nالدليل على أنهم عملوا على موجب هذه الأخبار، لأجلها، أنهم لو عملوا لأمر آخر، لكان يجب من جهة العادة والدين أن ينقلوا ذلك الأمر:\n- أما العادة: فلأن الجماعة العظيمة إذا اشتد اهتمامهم بأمر قد التبس عليهم فزال الالتباس بأمر، ذكروا [هـ] عن النبي ﵇، أو برأي حدث لهم، فلابد من إظهارهم الاستبشار بما ظفروا به. والتعجب من ذهاب ذلك عليهم. وإن كان يجوز تركه من واحد منهم ولكن لا يجوز من كل واحد من آحاد الجماعة.\n- وأما الدين: فلأنهم لما سكتوا وحملوا على موجب هذه الأخبار، يوهم الناس أنهم علموا لأجل هذه الأخبار، وهذا الإيهام باطل قبيح، كما قال لهم قائل:","vol":"1","page":419},{"text":"\"احكموا لشهوتي\" فحكموا بأمر ذكروه عن النبي ﷺ، فلا يحسن من جهة الدين أن لا يثبتوا ذلك الأمر الذي سمعوا من النبي ﷺ وحكموا لأجله.\nوحيث لم ينقل، عرفنا أنهم إنما عملوا على موجب هذه الأخبار لأجلها، ولأنه يبعد من الجماعات العظيمة أن يتفق لهم ذكر شيء من النبي ﷺ أو حدوث اجتهاد في حالة السماع، وإن جاز ذلك في الواحد. والدليل عليه أن أبا بكر ﵁ لما طلب من المغيرة شاهدًا آخر ما كان يعلم أنه سيحدث لهم رأي، أو يذكر شيئًا من النبي ﵇ بخبر شاهد آخر، إلا أنه طلب ذلك للتأكيد وزيادة الظن بثبوت الحديث. وأما رد عمر ﵁ حديث فاطمة بنت قيس إنما كان لأنه ورد معارضًا لكتاب الله تعالى إما بالنسخ أو بالتخصيص، وكثير من قال: خبر الواحد لا نقبله في تخصيص الكتاب.\nولأن قوله: \"لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا\" يدل على ترك الكتاب أصلًا وذلك النسخ، ولأن قوله: \"ما ندري أصدقت أم كذبت\" يدل على أنه اعتقد فيما أنها غير ضابطة. وأما علي ﵁ إنما رد الخبر لأمر يختص بالراوي، وهو كونه جاهلًا.\nفإن قيل: أليس أنهم قبلوا خبر الواحد لنسخ حكم معلوم، فإن أهل قباء قبلوا خبر الواحد لنسخ توجه القبلة إلى بيت المقدس، ولا يجوز أن يستدل به لإثبات النسخ- كذا هذا- قلنا: عنه جوابان:","vol":"1","page":420},{"text":"أحدهما- أن نسخ الكتاب بخبر الواحد جائز عقلا، وقد كان يجوز ذلك في الصدر الأول، [و] لولا منع الصحابة من ذلك، لكنا نجوزه.\nوالثاني- يحتمل أن النبي ﵇ أخبرهم بأنه سينسخ التوجه إلى بيت المقدس وأنه يبعث إليهم فلانا ويعلمهم بصدقه، فكانوا قاطعين على صدقه.\nوكان نسخا لحكم معلوم بدليل معلوم.\nوأما الجواب عن الوجه الثاني- قلنا: الصحابة ﵃ كانوا بين عامل بأخبار الآحاد وبين ساكت عن التنكير على عامليها، فدل سكوتهم على كذبهم، [على كونهم] راضين بالعمل بها.\nفإن قيل: لعل الساكت ناظر ومتوقف، فلا يثبت الرضا بذلك- قلنا: لو لم يكن ثمة دليل على كون الخبر الواحد حجة لكان العمل به منكرا، ومن لا يترك قيام الدلالة عليه، فالعمل به منكر عنده، وترك النكير عليه حرام، فلا يجوز أن يتفق الصحابة بأجمعهم على ذلك. وحيث اتفقوا على ترك النكير، دل أن العمل بخبر الواحد غير منكر.\nدليل آخر- ما تواتر به النقل من إنفاذ النبي ﵇ سعاته ونوابه إلى المدن والقبائل لتعليم الشرائع وأخذ الزكوات، كإنفاذه معاذا إلى اليمن ليبين لهم ما يحتاجون إليه من أمور دينهم وأخذ زكواتهم وأوجب عليهم الرجوع إلى روايته. وإنقاذه عليا ﵁ إلى البحرين. وإنفاذه عتاب بن أسيد إلى مكة.","vol":"1","page":421},{"text":"وكان يرى الحجة قائمة بقولهم، كقيامها المشافهة. وقد يرد اثنان [و] واحد إلى النبي ﷺ ويخبرانه عن إسلامهما وإسلام قومهما ويسألانه ﵇ أن ينفذ إليهم من يعلمهم الشرائع. ورسول الله ﵇ كان ينفذ الرجل الواحد، كإنفاذه [أبا] عبيدة بن الجراح. وهذا ظاهر لمن قرأ الأخبار والسنن [و] لا يمكن رده، والنبي ﵇ ما كان ينفذ الجماعات، إذ لو فعل كذلك لم يكن أهل المدينة ليفوا لذلك، وما كان يوجب عليهم الرجوع إلى نفسه، ليعرفوا شرعه، بل أوجب عليهم الرجوع إلى ما يرويه رسله عنه.","vol":"1","page":422},{"text":"فإن قيل: أليس أن العمل بخبر الواحد لا يجوز إلا عند قيام الدلالة عليه، ولم تقم الدلالة عندهم، فكيف عملوا به؟ فإن قلتم: بأنه تواتر عندهم العمل بأخبار الآحاد فما يؤمنكم أن بتواتر شرعه فلم يكونوا عملوا على موجب الآحاد؟ - قلنا: لو كان العمل بخبر الواحد معلوما بالعقل، كانت الحجة معهم. وإن لم يكن معلوما بالعقل، فقد تواتر عندهم إنفاذ النبي ﷺ آحاد الناس إلى القبائل، لأنه تواتر ذلك عندنا، فتواتره عندهم أولى، ولا كذلك الشرع، لأنه [لو] تواتر شرعه لما احتاجوا إلى إنفاذ آحاد الناس.\nفإن قيل: في أول ما أنفذ النبي ﵇، من أين عملوا أن النبي ﵇ أوجب عليهم الرجوع إلى قول الرسول.- قلنا: بخبر قومهم الذين وفدوا على رسول الله ﷺ، لأنه لا يمتنع أن يكونوا عددا يحصل لهم العلم بخبرهم: أن النبي ﵇ تعبدهم بقبول قول رسوله.\nهذا من تقرير هذا الوجه.\nإلا أن لقائل أن يقول: نحن إنما نمنع المجتهد من الرجوع عن حكم العقل إلى خبر الواحد، أما لا نمنع العامي من الرجوع إلى قول العالم المفتي والأخذ بقوله، وهل تواتر عندكم أن الذين بعث إليهم الرسل كانوا من أهل الاجتهاد وأن الرسل كانوا يخبرونهم أو يكلون إليهم الاجتهاد فيما أخبروا، وليس معكم على ذلك دليل، بل الظاهر أن من تجدد إسلامه لم يكن من أهل الاجتهاد، فإن الرسل كانوا يعلمونهم الشرائع كما يعلم العالم العامي، والوالد الولد لصلاة وغيرها.","vol":"1","page":423},{"text":"فإن قال: بم عرفتم لزوم العامي الأخذ بفتوى العالم. قلنا: بتواتر إنفاذ النبي ﵇ آحاد الناس إلى القبائل، كما قلتم أنتم في الخبر: إذا قيل لكم بم عرفتم وجوب قبول خبر الواحد؟ قلتم: بتواتر إنفاذ النبي ﷺ آحاد الناس إلى القبائل والمدن.\nفإن قيل: متى لزم العامي، لزم المجتهد قبول خبر الواحد؟ قلنا: هذا رجوع إلى المقايسة، وانتقال عما ذكرتم من الاستدلال بإنفاذ النبي ﵇ آحاد الناس. ثم لابد من علة جامعة بينهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>١٠٣ - باب في: ما يرد له الخبر وما لا يرد:</span>\nخبر الواحد إنما يقبل إذا استجمع شرائط القبول. ويرد لفقدها. وقد يحصل الاشتباه فيه.\nوجملة ذلك ترجع إلى:\n١ - نفس الخبر.\n٢ - أو إلى ما له تعلق بالخبر من الرواي.\n٣ - وكيفية النقل.\n٤ - والمخبر عنه.","vol":"1","page":424},{"text":"١ - أما ما يرجع إلى نفس الخبر\n١٠٣ - مكررا-[فـ] بأن يرد الخبر بزيادة لم تذكر في رواية أخرى:\nاعلم أن الخبر إذا ورد بزيادة لم يتضمنه [ب] غيره:\n[ف] لا يخلو: إما إن لم يرو الزيادة غيره. أو هو لم يروها مرة أخرى.\n[أولا] فإن كان الذي لم يرو الزيادة غيره.\n[ف] لا يخلو: إما إن أسنداه إلى مجلس، أو أسنداه إلى مجلسين، أو لا يعلم ذلك:\n(أ) - فإن أسنداه إلى مجلسين:\nتقبل الزيادة، لأنه لا يمتنع أن النبي ﷺ قيد كلامه بزيادة في مجلس، ولم يقيده في مجلس آخر، والراوي ممن يقبل روايته، فوجب قبولها.\n(ب) - وإن أسنداه إلى مجلس واحد:\n[ف] لا يخلو:\n- أما إن كان الراوي الذي لم يرو الزيادة [عددا لا يجوز أن يغفلوا عن تلك الزيادة التي رواها الواحد.\n- وإما أن يكون الراوي لها] عددا كثيرا لا يجوز عليهم توهم رواية ما لم يكن.\n- وإما أن يجوز على كلا الفريقين ذلك. [ويجوز] خلافه.","vol":"1","page":425},{"text":"ففي الوجه الأول- لا تقبل الزيادة، ويحمل على أن الراوي الزيادة سمع من غير النبي ﵇، فظن أنه سمع من النبي ﵇.\nوفي الوجه الثاني- تقبل الزيادة. ويحمل على أن من لم يرو الزيادة اعترته غفلة، فلم يسمع الزيادة أو نسيها.\nوفي الوجه الثالث- الأمر لا يخلو: إما إن كانت الزيادة مغيرة لبناء الكلام وإعرابه، أو لم تكن مغيرة:\nففي الوجه الأول: وهو نحو قوله ﵇: \"نصف صاع من بر\" مع قوله: \"أو صاعا من بر\" وكل واحد من الراويين بروى ما ينفي رواية الآخر، لأن أحدهما رواه منصوبا والآخر رواه مجرورا، وهما إعرابان، فيتنافيان: [ف] الحكم فيه أنه: إن علم تفاضلهما في الضبط، يحمل على رواية الأضبط منهما، لأنه مما يوجب الترجيح. وإن علم تساويهما في الضبط أو لم يعلم ذلك. يصار إلى الترجيح من وجه آخر.\nوفي الوجه الثاني- وهو قوله ﵇: \"صاعا من بر\" مع قوله: \" [أو صاعا] من بر بين اثنين\"- الحكم فيه: أنه مقبول عندنا، وعند أصحاب الحديث غير مقبول.\nدليليا في ذلك- أن راوي الزيادة ممن تقبل روايته، ولا معارض لروايته- فتقبل، كما لو تفرد بالحديث. وإنما قلنا إنه \"ممن تقبل روايته\"، لأنه اختص بالعدالة والضبط وجميع الصفات المطلوبة في باب الرواية. وإنما قلنا إنه \"لا معارض لروايته\" لأن رواي الزيادة قد رواها، والذي لم يروها لم ينفها","vol":"1","page":426},{"text":"لا لفظا ولا معنى: أما لفظا فظاهر. وكذا معنى، لأن الذي لم يرو إنما [لم] يرو لغفلة اعترته حين تكلم النبي ﵇، أو لشغل قلبه أو تشاغله عن سماعها بإصغاء [إلى] كلام الناس أو بالعطاس أو غير ذلك.\nفإن قيل: لم حمل ترك الزيادة على هذه المعاني، أولى من حمل رواية الزيادة على تصور أنه سمع من غيره لا من الرسول- قلنا: لأن تشاغل الإنسان عن سماع ما جرى بمشهد منه أكثر من توهم الإنسان سماع ما لم يسمع، لأنه لا سبب لذلك، إلا أنه سمع من غيره، فظن أنه سمع معه شيئا له علقة وشبه به. وإما لترك ما جرى بمشهد منه [ل] أسباب كثيرة قد ذكرناها، فكان ترك رواية ما جرى بمشهد منه أكثر من توهم سماع ما لم يجر.\nفإن قيل: على قضية ما ذكرتم يجب أن يكون قوله ﵇ \"نصف صاع من بر\" أولى بالقبول من قوله \"صاعا من بر\" لأنه تضمن زيادة وهو النصف- قلنا: لو لم يكن في الحديث إلا هذه الزيادة كان أولى بالقبول، إلا أن في الخبرين ما يتعارضان، من إعرابين متنافيين، فلم يكن أحدهما بالقبول أولى من الآخر. فلذلك صرنا إلى الترجيح، وهذا لأنه لا يمكن أن يقال: لهل الذي لم يرو الزيادة إنما لم يروها لأنه سمع قوله \"صاعا\" ولم يسمع \"النصف\"، لأنه لو كان كذلك لرواه مجرورا وسمعها مجرورا، وحيث رواه منصوبا علم أنه لم يرو الزيادة لأنها ما كانت ثابتة.","vol":"1","page":427},{"text":"والمخالف احتج بأشياء:\n١ - منها- أن ضبط الإنسان إنما يعرف لموافقة المعروفين بالضبط له، فإذا لم يوافقوه في الزيادة، لا يعرف ضبطه، فلا يقبل.\n٢ - ومنها- أنه [لو] وافقه ضابط آخر قويت روايته. فإذا خالفه، ضعفت روايته، فلا تقبل.\n٣ - ومنها- أن القصر حكم، والزيادة حكم يخالفه، فجرى مجرى خيرين متعارضين، فلا تثبت الزيادة.\nوالجواب:\nأما الأول- قلنا: لو لم يعرف ضبط الإنسان إلا بموافقة ضابط آخر له، يؤدي إلى ما لا نهاية له. ولم يعرف ضبط أحد. وإنما يعرف ذلك لمعنى يوجد فيه، ولأن اختلاف ضبط الإنسان إنما يعرف إذا خالفه [من يضبط] مرارًا، فأما في المرة الواحدة والمرتين [ف] لا يمتنع أن يضبط فيهما ويسهو من هو أضبط منه.","vol":"1","page":428},{"text":"وأما الثاني- قلنا: بأنه بإمساكه [عن الزيادة] لا يخالفه، كما لو أمسك عن حديث آخر.\nثم نقول: إذا وجب قوة روايته إذا وافقه ضابط آخر، فإذا لم يوافقه لم تحصل تلك القوة- أما لا تبلغ في الضعف مبلغا لا تقبل أصلا- ألا ترى أن راوي الحديث إذا شارك [هـ] جماعة في الروايات، قويت روايته، وإذا لم يشاركه، لا تبلغ في الضعف حدا لا تقبل أصلا- كذلك هذا.\nوأما الثالث- قلنا: لا تعارض بل يجريان مجرى خبرين، تنفرد إحدى الروايتين بنقل أحدهما، ويرويهما الآخر. فلا تعارض من قبل أن راوي الأصل لم يذكر الزيادة. بل أمسك عنها، والآخر روى الأصل والزيادة- فجرى مجرى الخبرين على ما مر.\n(ج) - فأما إذا لم يعلم أنهما أسنداهما إلى مجلس واحد أو مجلسين:\nفالصحيح أن يحمل على أنهما جريا في مجلسين. إذ لو جريا في مجلس واحد لجريا على لفظ واحد وسمعاهما على لفظ واحد. فالظاهر من ضبطهما وعدالتهما أنهما لا يختلفان.","vol":"1","page":429},{"text":"[ثانيهما] وأما إذا كان الذي [روى]، لم يرو هو مرة أخرى:\n- فإن رواه بدون الزيادة مرارًا، ورواه مع الزيادة مرة واحدة- لا تقبل هذه الزيادة، ويحمل على أنها سها في إثبات الزيادة في تلك المرة، لأن سهو الإنسان مرة واحدة أكثر من سهوه مرارًا.\n- فأما إذا رواها مرة وأخل بها مرة:\n-[ف] إن كانت مغيرة لبناء الكلام وإعرابه، فلا شبهة في وقوع التعارض.\n- وإذا لم تكن كذلك، جاز أن يقال بالتعارض. لأنه يحتمل أنه سمع من النبي ﵇ ونسبها حين لم يروها. وذكرها حين رواها. ويحتمل أنه وهم أنه سمع منه ﵇ ولم يسمع منه، وليس قول الإنسان بأن ضبط الإنسان يمنع من سماع ما لا أصل له بأولى من قول القائل بأن ضبطه يمنع من وهم سماع ما لم يسمع. والصحيح أنه يحمل على النسيان، لأن نسيان ما سمع عند تطاول الزمان أكثر من وهم سماع ما لم يسمع.\n- فإذا روى الزيادة مرة ولم يروها مرة أخرى، استهانة [ب] الخبر وقلة التحفظ، سقطت عدالته، فلا تقبل روايته.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":430},{"text":"[٢ - ما له تعلق بالخبر من الرواي]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>١٠٤ - باب في: ذكر فصول الرواي:</span>\nاعلم أن عدالة الرواي شرط قبوله الرواية.\nوالمعنى بالعدالة هنا كونه مجتنبا الكبائر والكذب والمستخفات من المعاصي والمباحات.\nولا اختلاف في اعتبار هذه الأمور فيمن يروى عن النبي ﵇، لأن الله تعالى منع من قبول خبر الفاسق، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ - أمر بالتوقف، وإه ينفي القبول. ولأن خلاف ذلك يقدح في الثقة بقوله، لأنه متى أقدم على الكذب، مع علمه بأنه كذب، لا نأمن أن يكذب في جميع ما يرويه عن النبي ﵇.\nوكذلك إذا أقدم على كبيرة مع العلم بأنها كبيرة، لا نأمن أن يقدم على الكذب فيما يرويه عن النبي ﵇.\nوكذلك إذا أقدم على المستخفات من المعاصي، كالتطفيف. والمباحات كالأكل على الطريق والبول على الطريق، وصحبة الأرذال- فإن من أقدم","vol":"1","page":431},{"text":"على هذه الأفعال، مع أنه يثمر النقص، فلا نأمن من أن يقدم على الكذب، مع أنه أثمر النقص عنده.\nوكذلك مشارطة الأجرة على رواية الحديث، بل هو أبلغ في الدناءة من الأكل على الطريق، فجرى ذلك مجرى أخذ الأجرة على صلاة النافلة.\nوأما الفسق بتأويل، فهو الفسق في الاعتقادات، إذا كان فاعله متحرجا في أفعاله:\n[ف] بعضهم يمنع قبول الرواية.\nوعند عامة الفقهاء لا يمنع.\nوالدلالة على ذلك: أن السلف ﵃: بعضهم قبلوا رواية البعض بعد الفرقة. وكذلك التابعون: قبلوا رواية كلا الفريقين. ولأن من هذا حاله يقوى الظن بصدق روايته، فتقبل روايته.\nوالمخالف احتج، فقال: بأن الفسق في أفعال الجوارح إنما يمنع قبول الرواية، لا لأنه من أفعال الجوارح- ألا ترى أن المباحات من أفعال الجوارح ولم يمنع قبولها، وإنما منع لأنه فسق. وهذه العلة موجودة في الاعتقادات إذا كان فسقا. ولأنه إذا فسق وهو يعلم أنه فسق: يمنع قبول الحديث، فإذا فسق وهو لا يعلم أنه فسق: فقد ضم إلى هذه الخطيئة، خطيئة أخرى، فأولى أن يمنع.","vol":"1","page":432},{"text":"الجواب:\nأما الأول- قلنا الفسق في أحوال الجوارح إنما يمنع قبول الحديث، لأن فاعله علم أنه فسق، وذل يمنع قوة الظن بصدق روايته. فأما الفسق في الاعتقاد، إذا لم يعلمه فسقا، وهو متحرج في أفعاله، [فإنه] لا يمنع قوة الظن بصدق روايته، فتقبل روايته.\nوأما الثاني- قلنا: إذا لم يعتقد أنه فسق، لم يقدح ذلك في تحرجه وتنزهه عن الكذب، فيقوى الظن بصدق روايته، فتقبل. ولا كذلك إذا علم، لما مر.\nوأما الكفر الذي يخرج عن جملة المسلمين، كاليهودية والنصرانية-[فإنه] يمنع من قبول الرواية بالإجماع، لأن الخارج عن دين الإسلام يدعوه اعتقاده إلى تحريف ما يرويه، فلا يقوى الظن بصدقه.\nوأما الكفر بتأويل- إذا كان فاعله متحرجا في أفعاله:\nقال بعضهم: إنه يمنع قبول الرواية بالإجماع، [لاتفاق] الأمة على أن رواية الكافر لا تقبل.\nوالفقهاء إنما قبلوا لاعتقادهم بأنه ليس بكفر.","vol":"1","page":433},{"text":"والأولى أن فاعله إذا كان متحرجا في أفعاله، لا يمنع قبول روايته إذا لم يخرج عن أهل القبلة، لأن الظن بصدق خبره غير زائل. ودعواهم الإجماع في ذلك عن الإطلاق لا يستقيم، لأن كثيرا من أهل الحديث قبلوا رواية من خالفهم في مذاهبهم مع علمهم بمذاهبهم.\nوأكثرهم يقول بقبولها إلا إذا تدين بالكذب، ويفتخر لنصرة مذهبه، كالخطابية من الروافض، فحينئذ لا يقبل، لأن الظن لا يقوى لصحة روايته.\n\nوكذا التساهل في الحديث، وترك التحفظ من الزيادة والنقصان فيه، يمنع قبول الرواية، لما مر.\n\nوأما الرواي إذا كان غير ضابط ويعتريه سهو فيما سمعه- فله ثلاثة أحوال:\nإما أن يكون الأغلب من حاله السهو واختلال الضبط. أو يتساوى اختلال ضبطه وحاله ضبطه. أو الأغلب من حاله الضبط وجودة الحفظ.","vol":"1","page":434},{"text":"فالأول-[من الأغلب من حاله السهو واختلال الضبط]:\nلا تقبل روايته، لأنه لا يقوى الظن بصحتها. فإن قيل: الأصل في العاقل الضبط، فيجب التمسك به إلى أن يعلم خلافه- قلنا: العقلاء متفاوتون في الضبط، فلا يجوز أن يستدل بظاهر العقل على ذلك، كيف وقد ظهر بخلاف هذا الأصل، وهو الغالب من حاله السهو. فإن قيل: الظاهر من حال المعتدل أن لا يروى وهو يعلم أنه غير ضابط أو ساه- قلنا: إن من لا يضبط يظن أنه ضابط، ومن يسهو يظن أنه لا يسهو، فيروى على حسب ظنه.\nوفي الوجه الثاني-[من يتساوى اختلال ضبطه وحاله ضبطه]:\nقال بعضهم: تقبل روايته، لأن الأصل في الرواية هو الصحة، فيجب التمسك بالأصل، إلى أن يعلم خلافه.\nوالصحيح: أنه لا يقبل، لأنه لما تساوى ضبطه واختلال ضبطه، لا يقوى الظن بصدقه، لتعاون الأمارتين.\nفإن قيل: الصحابة ﵃ أنكروا على أبي هريرة ﵁ كثرة الرواية، لاختلال ضبطه، ومع هذا قبلت روايته- قلنا: ما أنكروا عليه لقلة ضبطه، بل لكثرة الرواية، لأن كثرة الرواية يعترض فيها السهو والغلط، فاحتاطوا عليه بالإنكار، مع أنه أهل لقبول الرواية.","vol":"1","page":435},{"text":"وفي الوجه الثالث-[من الأغلب من حاله الضبط وجودة الحفظ]:\nلا خلاف في قبول روايته إلا إذا علم أنه ساه، فحينئذ لا تقبل- لما مر.\n\nوإذا ثبت أنه يجب اعتبار العدالة وغيرها من الشروط التي ذكرناها.\nفإن كان لها ظاهر، يجب التمسك به. وإلا لزم المصير إلى اختبار حاله وما يدل عليه.\nولا خلاف في الزمان الأول، وهو زمن النبي ﷺ: [فقد] كانت العدالة منوطة بظاهر الإسلام، وكان الظاهر أن نسلم عدالته. ولذلك اقتصر النبي ﵇ في قبول خبر الأعرابي في رؤية الهلال على إسلامه. واقتصرت الصحابة في قبول خبر الأعراب على إسلامهم.\nفأما في الزمن الذي كثرت الخيانات ممن يعتقد الإسلام-[ف] لم يكن الظاهر من حال المسلم العدالة، فيجب المصير إلى اختبار حاله والفحص عنه.","vol":"1","page":436},{"text":"وأما جهل الرواي بمعنى ما ينقله، كالعجمي يروى الحديث ولا يعلم معناه، فإن ذلك لا يوجب رد خبرة، لأنه لا يمنع من حفظه- ألا ترى أنه يمكن للعجمي حفظ القرآن، وإن لم يعرف معناه. وكذلك الصحابة قبلوا أخبار الأعراب وإن كانوا لا يعرفون كثيرًا من معاني الكلام الذي يحتاج فيه إلى أنواع استدلال، ولأن بدون العلم يحفظه. وإذا ثبت الحفظ وقوى الظن بصدقه، يقبل- لما مر.\n\nوأما رواية الصبي إذا سمعه وهو صبي، ورواه وهو صبي، فإنه يقبل، لأن الصحابة ﵃ قبلوا رواية ابن عباس ﵄ ما سمعه من النبي ﷺ وهو صبي، لما كان وراه وهو بالغ، ولأنه لا خلل في حفظه وتحرجه، فتقبل.\n\nوأما رواية الأعمى والمرأة والعبد- فإنها تقبل، لأن الظن يقوى بصحتها، ولم يرد الشرع بالمنع من قبولها، بل ورد الشرع بقولها. فإن الصحابة ﵃ قبلوا رواية ابن عباس ﵁ وكان ضريرًا، وقبلوا رواية أزواج النبي ﷺ، ورواية العبيد من الصحابة.\n\nوأما رواية من لم يكاثر أهل العلم، ولا أطال مجالسة أهل النقل، فهي مقبولة، لأن كل خصلة لم تقدح في ظننا صدق الرواية، لا تمنع من قبولها: وكونه غير مجالس لأهل العلم لا يقدح في ذلك.","vol":"1","page":437},{"text":"ولا يلزم على هذا: الاستفتاء، لأن جواز الاستفتاء موقوف على كون المفتى من أهل الاجتهاد، ولن يصير الإنسان من أهل الاجتهاد إلا بالتعلم ومجالسة أهله.\nغير أن الخبرين إذا وردا، وأحدهما برواية من جالس أهل العلم، والآخر برواية من لم يجالس أهل العلم، كانت رواية من جالسهم أولى، لأن المكثر من مجالسة أهل الصنعة أعرف بها وأعلم بتفاصيلها، فكان أولى بقبول روايته.\n\nوأما من اختلف في اسمه: [ف] تقبل روايته، بعد أن عرفت عدالته لما مر.\nوأما إذا روى زيد عن عمرو خبرا، وقال عمرو: \"إني لا أذكر أني رويت لك\"- فهذا على وجوه:\n١ - إما أن يقول: إني لا أذكر أني رويت لك.\n٢ - أو يقول: ما رويت لك.\n٣ - أو يقول: أعلم أني ما رويت لك.\nففي الوجه الأول- اختلفوا:\nذهب الشيخ أبو الحسن الكرخى ﵀ أنه لا يقبل. ولذلك رد حديث \"فنكاحها باطل باطل\"- لأن الزهري أنكر أنه رواه.","vol":"1","page":438},{"text":"وذهب غيره من أهل الأصول إلى قبوله، وهو مذهب الشافعي ﵀. والدلالة على أن ثقة الراوي توجب قبول خبره إذا أمكن، وهنا أمكن، لأن المروي عنه يحتمل أنه رواه ثم نسيه. ولا يقال بأنه لو كان كذلك لتذكر إذا روى عنه وذكره، لأنا نقول: يحتمل أنه نسيه ولا يتذكر روايته، كما في الشاهد: فإن الإنسان قد يحدث بأمر من الأمور الدنيوية، ثم ينسي ذلك، فيذكر له، فلم يذكر إلا بعد زمان، وربما لا يذكر أصلا. وإذا جاز ذلك، والراوي يروى من غير شك، يقبل منه.\nوفى الوجه الثاني- يقبل أيضًا، لأن المروى عنه جاز أنه قال ذلك على حسب ظنه، وقد نسى روايته.\nوفى الوجه الثالث- تعارض القولان، فلا يقبل بهما. لأن كل واحد منهما ثقة، فيحتمل أنه رواه ثم نسيه. فيحتمل أنه لم يرو، والراوي سمع من غيره ممن ليس بثقة، فأسند إليه تشهيرًا للحديث، أو سمع من ثقة غيره فظن أنه سمع منه- والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>١٠٥ - باب في: - ما يراد الخبر إذا كان رواية واحد:</span>\nذهب جل القائلين بقبول أخبار الآحاد إلى قبول الخبر إذا رواه واحد.\nوذهب جماعة منهم أن الخبر إذا رواه عدلان يحمل عليه.","vol":"1","page":439},{"text":"وقيل: إذا رواه واحد لم يحمل عليه. ولم يقبل إلا بشرط: أن يعضده دليل ظاهر، أو اجتهاد، أو عمل به بعض الصحابة، أو كان منتشرًا.\nوحكي عنهم أنه لا يقبل في باب الزنا إلا خبر أربعة، كما في الشهادة. ولا تقبل شهادة القابلة الواحدة.\nوالدلالة على صحة المذهب الأول- قياس هذا الخبر على الأخبار الواردة في المعاملات، وقد ذكرنا الكلام فيه على الاستقصاء. ولأن الصحابة ﵃ أجمعوا على العمل بخبر الواحد، فإنه روي عن أبي بكر ﵁ أنه قبل خبر بلال ﵁ ونقض حكمه. وقبل عمر ﵁ خبر حمل بن مالك في الجنين، وعملت الصحابة ﵃ حديث أبى سعيد الخدرى، وحديث رافع بن خديج ﵄ في المخابرة. ولا يقال إنهم إنما قبلوا ما قبلوا، لأنه عاضده اجتهاد، لأنهم كانوا يتركون اجتهادهم ببعض هذه الأخبار، فإنهم كانوا لا يرون بالمخابرة بأسًا حتى روى لهم نهى النبي ﵇ عن ذلك.","vol":"1","page":440},{"text":"وأما المخالف فقد احتج في ذلك بأن النبي ﵇ لم يقبل خبر ذي اليدين حتى سأل أبا بكر وعمر. وكذا الصحابة ﵃ اعتبروا العدد في باب الأخبار: فإنه روى أن أبا بكر ﵁ لم يقبل خبر مغيرة بن شعبة ﵁ في ميراث الجد [ة] حتى أخبر بن محمد بن مسلمة. ولم يقبل عمر ﵁ خبر أبي موسى الأشعرى في الاستئذان حتى شهد معه أبو سعيد الخدرى ﵄. وكذلك لم يقبل خبر فاطمة بنت قيس في السكنى.","vol":"1","page":441},{"text":"ولم يقبل أبو بكر وعمر ﵄ حديث عثمان بن عفان فيما رواه من استئذانه رسول الله صلي الله عليه وسلم في رد الحكم بن العاص وطالباه. لمن شهد له بذلك فقالا له: \"أنت شاهد واحد\". ولأن هذا إخبار عن الغير، يجب العمل عنده، فيشترط العدد فيه، كالشهادة.\nوالجواب:\nأما توقف النبي صلي الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين: لو دل، [في] إنما يدل على اعتبار الثلاثة، وإنه لا يقول به.","vol":"1","page":442},{"text":"ثم نقول: إن توقف النبي صلي الله عليه وسلم لظهور أمارة الغلط فيه، وهو تفرده بذلك من الجمع الكثير- ونحن نقول به.\nوأما طلب الصحابة مخبرًا ثانيًا-[في] لا يدل على أنهم اعتقدوا أن العمل بخبر الواحد لا يجوز، بل طلبوا ذلك لقوة الظن، أو لإزالة الوهم الثابت لبعض العوارض- دل عليه أن الذين طلبوا مخبرًا ثانيًا هم الذين لم يطلبوا ذلك وعملوا بخبر الواحد على ما ذكرنا.\nثم نقول:\nأما توقف أبي بكر ﵁ في حديث مغيرة-[ف] يحتمل أنه كان ليعلم أنه مستقر أو منسوخ، أو ليعلم: هل عند غيره مثله أو خلافه.\nوأما خبر أبي موسى الأشعري ﵁ في الاستئذان- فقد كان محتاجًا إليه، ليدفع سياسة عمر ﵁ عن نفسه لما انصرف عن بابه بعد أن تقع ثلاثًا كالمرتفع- دل عليه أنه لما رجع مع أبي سعيد الخدري وشهد له، قال له عمر: إني لم أتهمك لكنى خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلي الله عليه وسلم- يعنى يروى كل إنسان حديثًا على حسب غرضه.\nوأما رد حديث فاطمة بنت قيس- قلنا: ذكر عمر ﵁ أنه معارض بالكتاب: إما بالنسخ أو بالتخصيص، حيث قال: \" لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندرى صدقت أم كذبت\".","vol":"1","page":443},{"text":"وأما رد حديث عثمان ﵁ في حق الحكم بن العاص- فلأنه خبر عن إثبات حق لشخص، كالشهادة. ولذلك سمياه شاهدًا وقالا: \"أنت شاهد واحد\"، ويشترط فيه العدد. أو يحتمل أنهما توقفا لأجل قرابة عثمان للحكم، وقد كان معروفًا بأنه كلف بأقاربه، فتوقفا تنزيهًا لعرضه أن نقول: متعنت، إنما قال ذلك لقرابته.\nوأما قياس رواية الخبر على الشهادة- قلنا: هذا باطل: بالفتوى، فإنه لا يشترط فيه العدد، وإن وجد فيه ما ذكرتم. وباطل باشتراط الحرية والذكورة في الشهادة دون الرواية. وهذا لأن الشرع شرط في الشهادة شروطًا لم يشترطها في غيرها، احتياطًا لصيانة حقوق الناس.\n٣ - ما يرجع إلى كيفية النقل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>١٠٦ - باب في: نقل الحديث بالمعنى:</span>\nاعلم أن اللفظ المنقول عن النبي ﵇ نوعان:","vol":"1","page":444},{"text":"أحدهما- ما يشتبه الحال فيه، حتى يكون فيه موضع اجتهاد.\nوالثاني- ما لا يشتبه الحال فيه.\nفالأول- لا يجوز العدول عنه إلى غيره، لأنه لا يمتنع أن الراوي لو نقل لفظ النبي ﵇ إلى غيره، لكان يقع في اجتهاد غيره، خلاف ما يقع في اجتهاده. فلا يدين فيه من اعتقاد زيادة أو نقصان، ولأنه لا يجوز.\nوالثاني- جاز العدول عنه إلى لفظ يسد مسده، كقوله: \"جلس\" مع قوله: \"قعد\" وقوله: \"علم\" مع قوله: \"عرف\". بشرط أن يكون الراوي فقيهًا عالمًا بمواقع الخطاب وحقائق الألفاظ.\nإليه ذهب أصحابنا وعامة أهل الأصول.\nوحكي عن بعض أصحاب الشافعي ﵀ أن ذلك لا يجوز بحال.\nوالدلالة على جواز ذلك ما اشتهر من الصحابة ﵃ نقل الحديث بالمعنى، نحو قوله ﵇: \"نهى عن بيع وشرط\" و\"نهى عن بيع غرر\" و\"نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان\" و\"أمر النبي ﵇ بكذا\" و\"رخص في كذا\" وكل ذلك نقل بالمعنى، لأنهم لم ينقلوا اللفظ الذي تلفظ به النبي ﵇- دل عليه أن النبي ﵇ قال في هذا \"إذا أصبتم المعنى فلا بأس\". وعن عائشة ﵂ نحو ذلك. وعن ابن مسعود ﵁ أنه كان يروى ويقول: \"قال النبي ﵇ أو نحوه\". ولأن المتعبد به في الأخبار العمل به، دون تلاوة الألفاظ: دل عليه أن سفراء النبي ﵇ ينقلون أوامره ونواهيه بلغاتهم المختلفة، إذ لا يفهمون إلا ذلك. وإذا جاز ذلك، فلأن يجوز بقرينة، أولى وأحرى.\nوالمخالف احتج بقوله ﵇: \"نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها. فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه- ورب حامل فقه ليس بفقيه\".","vol":"1","page":445},{"text":"وإنما يكون مؤديًا ما سمع كما سمع إذا نقل لفظ النبي ﵇. ولأن احتمال الخطأ في النقل بالمعنى ثابت، والنقل بعين اللفظ ممكن، فيجب التحرز عنه.\nوالجواب- قلنا: فيه ترغيب في نقل ألفاظ النبي ﵇، ونحن به نقول: إن الأولى ذلك. وهذا لا يمنع جواز النقل بالمعنى.\nثم نقول: الحديث حجة لنا، فإنه قال: \"فوعاها وأداها كما سمعها\" أي ضبطها، وذلك يكون للمعنى دون الألفاظ [إذ] لا يقال \"وعى اللفظ\".\nوأما قوله \"أدى كما سمعها\"- قلنا: الناقل للحديث بالمعنى ناقل لما سمع كما سمع، كالمترجم من لغة إلى لغة: مؤد لما سمع كما سمع. ولأن الحديث لو منع من نقل الحديث بالمعنى فإنما يمنع إذا كان يشتبه الحال فيه، ويختلف اجتهاد الناس فيه- ألا ترى أنه قال: \"فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه- ورب حامل فقه غير فقيه\" وهذا إشارة إلى ما يختلف بالاجتهاد. فأما الذي لا يشتبه الحال فيه، فقد يستوي فيه الكامل الفقه والناقص الفقه، والفقيه وغير الفقيه.\nوأما قوله: احتمال الخطأ ثابت فيه- قلنا: إنما يحتمل الخطأ فيما يشتبه ويختلف الاجتهاد فيه، ونحن لا نجوز النقل بالمعنى في مثل ذلك- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>١٠٧ - باب في: طريق رواية الحديثة:</span>\nوهى على خمس مراتب:\nالأولى- سماعه من الشيخ، بأن قرأ الشيخ عليه في معرض الإخبار.","vol":"1","page":446},{"text":"ويجوز للراوي أن يقول: \"أخبرنا\" و\"حدثنا\" و\"قال فلان\" و\"سمعته يقول\"- وهذا ظاهر.\nوالثانية- وهو أن يقرأ على الشيخ، وهو ساكت. وهذا جار مجرى قوله: \"هذا صحيح\" فتجوز الرواية، لأنه لو لم يكن صحيحًا لكان سكوته وتقريره فسقًا قادحًا في عدالته. ولو جاز ذلك، لجاز في صريح قوله. وهذا يجوز للراوي أن يقول: \"حدثنا- وأخبرنا- فلان، قراءة عليه\". أما قوله: \"حدثنا\" مطلقًا و\"سمعته\"- اختلفوا فيه. والصحيح أنه لا يجوز، لأنه يشعر بالنطق والتصريح بالقول وهو كذب، إلا إذا قرنه بقرينة دالة أنه يريد به القراءة عليه. أو يقول عند الفراغ: \"هو كما قرأناه\"- فقال الشيخ: \"نعم\" إلا أن يجوز أن يقول: \"حدثنا\".\nوالثالثة: الإجازة- وهو أن يقول: \"أجزت لك أن تروى عني الكتاب الفلاني-أو- ما صح عندك من مسموعاتي\" وهذا يجوز للراوي أن يقول: \"حدثنا- وأخبرنا إجازة\" إذا كان المجيز والمجاز له يعلمان ما في الكتاب. أما قوله: \"حدثنا- وأخبرنا\" مطلقًا- فهو على نحو ما ذكرنا في القراءة على الشيخ.\nوهذا كله عند أصحابنا.\nومنع مالك ﵀ صحة الإجازة وقال: لو صحت الإجازة لارتفعت الرحلة.\nوالصحيح ما ذكرناه، والوجه فيه ما بينا.\nوالرابعة- الكتاب، وهو أن يرى خطه في كتاب، وهذا على ثلاثة أوجه:\n١ - إما أن يعلم أنه سمع أو يظن أنه سمع.","vol":"1","page":447},{"text":"٢ - أو يجوز من نفسه سماعه وعدم سماعه على سواء.\n٣ - وإما أن لا يذكر أنه سمع أو قرأ، ولكنه غلب على ظنه سماعه أو قراءته.\nففي الوجه الأول: يجوز له الرواية والأخذ بروايته. وهذا مما لا شبهة فيه.\nوفي الوجه الثاني: لا يجوز. لأنه لا يجوز للإنسان أن يخبر بما يعلم كذبه أو يشك في ذلك.\nوفى الوجه الثالث، اختلفوا:\nروى عن أبي حنيفة ﵀: أنه لم يجوز روايته والأخذ بها.\nوعن أبي يوسف ومحمد والشافعي ﵏: أنهم جوزوا روايته والأخذ بها.\nوهو على مثال اختلافهم في الشاهد: إذا رأى خطه في صك، وهو لا يتذكر.\nوالصحيح ما قاله أبو حنيفة ﵀، لأن الرواية عن الغير حكم عليه أنه حدثه به، فلا يجوز ذلك إلا عن علم. ولأن الخط يشبه الخط، فكان احتمال الكذب ثابتًا، فيجب التحرز عنه.\nوالخامسة- الوجود. وهى كالتصانيف المعروفة والكتب المشهورة إلى أقوام مشهورين معروفين، ككتب محمد بن الحسن ﵀ ونحوها. وهذا مما يجوز لمن وقف عليه أن يقول: \"هذا مذهب فلان\"، و\"قال فلان كذا\" لأنه ثابت بالتواتر.","vol":"1","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>١٠٨ - باب- القول في المراسيل:</span>\nاعلم أن الخبر المرسل- ما أضرب الراوي عن ذكر من سمعه منه، وقال: قال رسول الله.\nواختلفوا في قبوله إذا فعل ذلك من يقبل روايته مسندًا.\nذهب أبو حنيفة ومالك رحمهما الله وعامة من المتكلمين إلى أنه يقبل على كل حال.\nوذهب أصحاب الظاهر وأهل الحديث إلى أنه لا يقبل على كل حال.\nوذهب الشافعي ﵀ إلى أنه لا يقبل إلا بشرط، وهو أن يكون قد أسند [هـ] غيره، أو هو مرة أخرى، أو عمل به الصحابة أو أكثر أهل العلم.\nوذهب عيسي بن أبان إلى أنه لا يقبل إلا إذا كان المرسل صحابيا أو تابعيًا. وحكي ذلك عن الشافعي ﵀.\nوالدلالة على صحة ما ذهبنا إليه أن إرسال الراوي الحديث مع عدالته جار مجرى أن يذكر الراوي ويقول: \"هو عدل عندي\" في الدلالة على العدالة. ولو ذكر الراوي وقال ذلك، يجب قبوله والعمل به- فكذا هذا.\nوإنما قلنا: إن إرساله مع العدالة جار مجرى ما ذكرنا، لأن الإنسان مع عدالته لا يستجيز من نفسه أن يخبر عن النبي ﵇، وفيه إلزام الناس عبادة أو اطراح عبادة، إلا إذا علم ذلك أو ظن ثبوته، لأنه حرام وقبيح.","vol":"1","page":449},{"text":"وقال ﵇: \"من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب، فهو عند الله أحد الكاذبين\". وذا لا يحصل إلا بعدالة من سمع منه، وكذا الثاني والثالث إلى أن يتصل بالرسول ﵇.\nوأما إذا ذكر الراوي وقال: \"هو عدل عندي\"، فالقبول متفق عليه بين أبي حنيفة والشافعي رحمهما الله. ويجب أن يكون مقبولًا، لأنه ثبت الحديث من النبي ﵇، غالبًا وظاهرًا، فيجب العمل به.\nفإن قيل: العدالة إنما تثبت باستجماع أسباب العدالة وانتفاء أسباب الجرح، وذا لا يعرف إلا بالذكر- قلنا: هذا مذهب الشافعي ﵀: أن ذكر أسباب العدالة والجرح شرط التزكية. والصحيح خلاف ذلك، لأن أصحاب الحديث وغيرهم يزكون الرجل من غير أن يذكروا أسباب العدالة والجرح، ولأن أسباب العدالة إنما تتم باجتناب الكبائر وعدم الإخلال بالواجبات. وذكر أعيان ذلك في طول الزمان مخافة أن يكون فيها ما لا تسلم معه العدالة عند الشافعي ﵀، يؤدى إلى إيجاب ما يشق علينا إحصاؤه بل يتعذر ذلك، وهذا لا يجوز.\nفإن قيل: إذا كان في ذكر أسباب العدالة مشقة يسقط، أما لا مشقة في ذكر الراوي فلا يسقط ذكره- قلنا: ذكر الراوي غير مقصود لذاته، بل ليعرف كونه عدلًا، فيثبت الحديث من النبي ﵇، وذا يحصل بعدالة الراوي عنه، لما مر.","vol":"1","page":450},{"text":"فإن قيل: الراوي يخبرنا على عدالة تثبت عنده، وذا لا يوجب سقوط النظر، في حاله، عمن سمعه. لأنه مما يختلف فيه حال الناس، وصار كشهود الفرع، إذا شهدوا على شهادة الأصول: يجب ذكر الأصول وتعديلهم، ولا يكتفي بعدالة الفروع. وكذلك إذا ثبتت عدالة الشهود عند قاض وحكم بشهادتهم: يجب على قاض آخر النظر في حالهم وعدالتهم، ولا يسقط وجوب النظر عنه، كذا هذا- قلنا:\nالعدالة متى تثبت عند شخص تثبت عند الكل ظاهرًا، لأن الراوي إنما يعتقده عدلًا، لأنه وجده مجتنبًا الكبائر مقدمًا على الواجبات، ولولا ذلك لما حل له الرواية عنه. وإذا ثبت ذلك تثبت عدالته عند السامع ظاهرًا وغالبًا.\nوهذا بخلاف شهادة الفروع على شهادة الأصول، لأنه لا يجرى مجرى تعديلهم، لأن الشهادة على الشهادة، نقل الفروع شهادة الأصول وإخبارهم أنهم شهدوا بذلك، ونقل شهادة الغير لا يكون تعديلًا له. أما هنا بخلافه- على ما مر. على أنا نقول: قضية ما ذكرنا من الدليل أن يجب على الحاكم الحكم بشهاداتهم، وإن لم يذكروا له الأصول شهود الفروع ولم يعدلوهم، إلا أن الدلالة قد قامت على اشتراط ذكرهم وتعديلهم، وذا لا يدل على الاشتراط هنا،","vol":"1","page":451},{"text":"كاشتراط الحرية والذكورة وغيرهما- دل عليه أنه يشترط تحميل شهود الأصول الفروع شهادتهم والأمر بأدائها ولم يشترط التحميل هنا- فكذا الراوي. وأما إذا حكم الحاكم بشهادة شاهد- قلنا: نحن نسعى في إلحاق الإرسال من العدل يذكر اسم الراوي وتعديله. وثمة لو ذكر الشاهد وعدالته لا يسقط عن القاضي الآخر النظر في حاله، وهنا يسقط إذا ذكر ذلك- فعلم أن بين الرواية والشهادة مفارقة في الشروط. ثم الفارق بينهما أن من كان مقدم العصر","vol":"1","page":452},{"text":"يتعذر معرفة عدالته بالاجتهاد في أقواله وأفعاله، بل الرجوع في ذلك إلى أخبار غيره، ورواية العدل عنه جار مجرى ذلك، على ما مر. فأما الحاكم [ف] لم يمكنه النظر في حال الشاهد والتعرف عن أحواله وأفعاله وأقواله- والله أعلم.\nدليل آخر- إجماع الصحابة ﵃، فإنه روى عن البراء بن عازب أنه قال: \"ليس كل ما حدثناكم [به] سمعناه من النبي ﵇ ولكنا لا نكذب\". وعن أبي هريرة ﵁ أنه كان يروى عن النبي ﵇ أنه قال: \"من أصبح جنبًا فلا صوم له\". ثم سئل عن ذلك فأسنده إلى الفضل بن عباس. وعن ابن عباس ﵁ أنه كان يروى عن","vol":"1","page":453},{"text":"النبي ﵇ أنه قال: \"إنما الربا في النسيئة\". ثم سئل عن ذلك فأسنده إلى أسامة بن زيد. وروى عنه أنه كان يروى عن النبي ﵇: \"أنه كان لم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة\" ثم أسنده إلى أخيه الفضل بن عباس- فلو لم تكن المراسيل حجة يجب العمل بها، لكان المرسل، إذا لم يبين، جاريًا مجرى من يروى، عمن لا تقبل روايته، على وجه يوهم أنه يجب قبوله. وكونه منكرًا [يوجب] الإنكار، ولا يجوز أن يجمعوا على ترك الإنكار. ومعلوم أنه لم [يحصل] الإنكار ممن أرسل و[ممن] لم يرسل، فكان إجماعًا.\nفإن قيل: أليس روى عن على ﵁ أنه كان يستحلف الراوي، فكان هذا إنكارًا معنى؟ ثم نقول: ما رويتم أخبار آحاد، فلا يصح التمسك بها في موضع العلم.\nقلنا: [الأول]- أما استحلاف على ﵁-[ف] ما كان على أنه سمعه من النبي ﵇ أو من غيره، بل يكتمل أنه استحلف أنه: هل سمع [الحديث] في الجملة؟ ويحتمل أنه استحلف استظهارًا وطلبًا لقوة الظن،","vol":"1","page":454},{"text":"ولذلك لم يستحلف أبا بكر ﵁. على أن هذا لا يعارض دليلنا، لأن دليلنا أنهم عرفوا أن بعض الصحابة أرسلوا ولم ينكروا عليه [م]، ولم يرو عن على ﵁ إنكاره. وأما الثاني- قلنا: كل واحد من هذه الأخبار، إن كان خبر واحد، لكن مجموعها في المعنى صار في معنى التوتر.\nولقائل أن يقول: إن هذه الأخبار يسيرة، و[و] لا يصير المعنى متواترًا بهذا القدر- ألا ترى أن الخبر الواحد إذا رواه ثلاثة أو أربعة لا يصير متواترًا، فالأخبار الثلاثة أولى. إلا أن يقال: يجب قبوله فيما يوجب العمل دون العلم.\nوأما من أبي قبول المراسيل فقد احتج بأشياء:\n١ - منها- أن ترك الراوي ذكر من يروى عنه يتضمن جهالة عينه وصفته. ولو عرف السامع عين الراوي وجهل صفته، بأن يقول: \"حدثني فلان، ولم يقل: \"هو عدل عندي\" فإنه لا يجب قبوله، فكذا إذا جهل عينه وصفته، بل أولى.\nوقولهم- إن عدالته تعرف برواية العدل- قلنا: [الأول] ليس كذلك، فإن العدل قد يروى عن غيره، ثم إذا سئل عنه يتوقف في عدالته. والثاني- أن روايته تدل على كونه عدلًا عنده. ويجوز أن يكون الإنسان عدلًا عند إنسان، ولا يكون عدلًا عند غيره.\n٢ - ومنها- أنه لو وجب العمل بالمراسيل، لم يكن في ذكر أسماء الرواة والفحص عن عدالتهم معنى وفائدة.","vol":"1","page":455},{"text":"٣ - ومنها- أنه لو وجب العمل بالمراسيل، لوجب العمل بإرسال من أرسل في عصرنا، بأن [قال]: قال النبي صلي الله عليه وسلم، والأمر بخلافه.\nوالجواب:\nأما الأول- قلنا: لا نسلم بأن ترك الراوي ذكر من يروى عنه، يتضمن ما قلتم، لما ذكرنا أن ثقة الراوي تشهد بعدالة من يروى عنه.\nوقوله- بأن العدل قد يروى عن عدل، أو يجوز أن يكون عدلًا عنده ولا يكون عدلًا عند غيره- قلنا: إن جاز ذلك، لكنه خلاف الظاهر والغالب، لما ذكرنا. والغالب لا يبطل بالجواز النادر- ألا ترى أنه لو ذكر الراوي، وقال: هو عدل عندي، لا يمتنع، لو تفحصنا عن حاله، أن لا يكون عدلًا في نفسه، ولا يمنع ذلك قبول روايته- كذا هذا.\nوقوله: إن ذكر اسمه ولم يقل هو عدل عندي، لا يقبل. قلنا: بعضهم قالوا: يقبل، وذكر اسمه والرواية عنه تعديل. إلا أن هذا غير صحيح، لأنه يوجب سقوط النظر في أحوال المحدثين، لأن عدالة الراوي تشهد بعدالة من يروى عنه، وعدالة من يروى عنه تشهد بعدالة من روى عنه، إلى أن يتصل بالنبي ﵇، وفى ذلك سقوط النظر في أحوال المحدثين مع الفساد فيما بينهم- وهذا مذهب رديء. والصحيح أنه إذا أرسل سقط وجوب النظر.","vol":"1","page":456},{"text":"وإذا ذكر الراوي لا يسقط. ووجه الفرق أنه إذا أرسل وقال: \"قال رسول الله صلي الله عليه وسلم\" هذا حكم على النبي، وإلزام الناس تلك العبادة، وليس له ذلك إلا إذا علم أو ظن. ولأنه إذا أرسل لا يمكننا النظر في أحوال الراوي، سقط وجوب النظر. ولا كذلك إذا ذكر الراوي، لأنه إذا لم يحكم [به] على النبي ﵇، ولا فوت إمكان النظر في أحوال الراوي، فلا يسقط وجوب النظر في حاله.\nوأما الثاني- قلنا: فيه فائدة من وجهين:\nأحدها- أنه إذا ذكر أسماء الرواة أمكن للسامع النظر في عدالتهم والفحص عن حالهم، فيكون ظنه بعدالتهم أقوى، لأن طمأنينة الإنسان وسكون النفس إلى ما حصل له لخبرته وفحصه أقوى من طمأنينته وسكونه إلى ما حصل له الخبرة غيره. وهذا الوجه يقتضى أن تكون المسانيد أقوى من المراسيل.\nوالثاني- أنه قد يشتبه على الراوي حال من روى عنه، فلا يقدم عل تزكيته ولا على جرحه، فيذكر اسمه ليفحص السامع عن حاله. وإذا عرفه أرسل الحديث. وهذا الوجه يقتضى أن يكون المرسل أقوى من المسند أيضًا.","vol":"1","page":457},{"text":"وأما الثالث- قلنا: إن كان الحديث معروفًا، وقد عرفت رواته، يجب قبوله. وإن لم يكن، لا يجب قبوله، لا لأنه مرسل، بل لأن الأخبار دونت وسطرت وضبطت، فما لم يعرفه أهل النقل، كان كذبًا. وإن [كان] عصرًا لم تضبط فيه السنن يقبل ويعمل به.\nوأما ما قال الشافعي ﵀: إن المرسل يقبل إذا أسنده غير مرسله، أو هو بنفسه مرة أخرى- قلنا:\nإن أراد به أن الحجة هو المسند، فهو صحيح على مذهبه، ولا تأثير للمرسل في ذلك.\nوإن أراد به أن المرسل يصير حجة عند المرسل، فباطل، لأن ما ليس بحجة لا يصير حجة بضم الحجة إليه، كخبر الواحد: لما لم يكن طريقًا إلى العلم، لا يصير طريقًا إليه إذا عضدته آية أو خبر متواتر.\nوكذا قوله: إن المرسل يصير حجة إذا عضده قول بعض الصحابة أو فتوى أكثر أهل العلم- لأن قبول بعض الصحابة وفتوى أكثر أهل العلم ليس بحجة، وإن كان قول بعض الصحابة حجة عنده. فما ليس حجة لا يصير حجة بضم الحجة إليه.\nوأما من خص مراسيل الصحابة بالقبول-[ف] يقال له: لم خصصتم الصحابة بذلك؟ .\nفإن قال: لأن ظاهر حال الصحابي أن لا يقول: \"قال النبي ﵇\" إلا وقد سمعه منه، أو حدثه عنه من هو ثقة عنده- قلنا: ومن أين نخبر بذلك؟: فإن قال: لأنه عدل، قلنا: هذه العلة موجودة في غيره، فلا معنى لتخصيصه.","vol":"1","page":458},{"text":"فإن قال: الظاهر أن الصحابي لا يطلق القول بأن النبي ﵇ قال ذلك إلا وقد سمعه منه، قلنا: هذا قبول المسند دون المرسل. على أنه يمكن للصحابي أن يقول: \"بلغني أن النبي ﵇ قال ذلك- أو سمعت أن النبي ﵇ قال كذا\"، وهذا اللفظ لا يدل على أنه قد سمعه من النبي ﵇.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>١٠٩ - باب في: التدليس:</span>\nاعلم أن التدليس هو أن يروى عن رجل له اسم يعرف به ولا يذكره بذلك الاسم، بل باسم لا يعرف به. أو يذكر راويًا ويترك راويًا بينه وبين ذلك الراوي. وهذا:\n- إن فعله لضعف الراوي ولكونه ممن لا تقبل روايته، فقد غش الناس وخانهم، وذلك يقدح في أمانته، فلا تقبل روايته.\n- وإن فعل ذلك لصغر منه، ولغير ذلك من الوجوه:\n* فمن لا يقبل المراسيل- لا يقبل هذا الحديث، لأنه لا يتمكن من الفحص عن عدالته مع جهالة عينه، كما لا يتمكن من ذلك مع الإرسال.\n* ومن قبل المراسيل- يقبل هذا الحديث، لأن إرساله مع عدالته يدل على أنه ما ترك ذكر اسمه المعروف ومنع من الفحص عن عدالته إلا لاعتماده على عدالته وثقته في ذلك، فجرى ذلك مجرى تعديله صريحًا.","vol":"1","page":459},{"text":"٤ - ما يرجع إلى المخبر عنه\nوأما الذي يرجع إلى المخبر به مما لا يؤثر في الخبر، ففيه أبواب أيضًا- والله أعلم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>١١٠ - باب في: الخبر الواحد إذا كان مقتضاه خلاف ما اقتضى العقل:</span>\nاعلم أن العقل إذا منع من شيء فإما أن يمنع بشرط، أو بغير شرط.\n- فإن منع بشرط- نحو إيلام الحيان، فإن إيلام الحيوان يمنع منه، بشرط أن يكون ضررًا محضًا لا نفع فيه. فإذا ورد الخبر الواحد بإباحته يجب قبوله، ويعلم أن الشرط زائل، وهو كونه ضررًا محضًا.\n- وإن منع من غير شرط- كمنعه من جنس الظلم وتكليف ما لا يطاق:\nفإذا ورد الخبر فيه بالإباحة أو بحسنه- فإن أمكن تأويله من غير تعسف شديد، جاز أن يكون النبي ﵇ قال ذلك، وعنى به التأويل الصحيح. وإن لم يكن تأويله من غير تعسف شديد، لا يجوز قبوله وتأويله، لأنه لو جاز قبوله وتأويله مع التعسف، لبطل التناقض عن الكلام أصلًا، فيجب القطع في مثل هذه الصورة: أن النبي ﵇ لم يتكلم به، وإنما تكلم به على سبيل الحكاية عن الغير، أو بزيادة أو نقصان يخرج الكلام به عن الإحالة.","vol":"1","page":460},{"text":"وإنما قلنا ذلك، لأنا علمنا بعقولنا قبح الظلم، فلو قبلنا خبر الواحد بإباحته لا يخلو: إما أن نعتقد صدق النبي ﵇ في ذلك، أو لا نعتقده: فالأول- يؤدى إلى اجتماع النقيضين أو دفع ما علمناه قطعًا، وهو قضية العقل، وذلك محال. والثاني- يؤدى إلى العدول عن مدلول المعجزة، وذلك محال أيضًا- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>١١١ - باب في: خبر الواحد إذا ورد رافعًا لحكم الكتاب والسنة المتواترة:</span>\nاعلم أن الخبر إنما يكون رافعًا لحكم الكتاب إن لم يقم ما أثبته الكتاب على الحد الذي أثبته، أو أثبت ضد ما أثبته على الحد الذي أثبته.\nمثال الأول- أن يقول في أحدهما: ليصل فلان اليوم الفلاني.\nومثال الثاني- أن يأمر بذلك، في مكان آخر، في ذلك الوقت بعينه.\nإذا عرفنا هذا- نقول:\n- إذا ورد خبر الواحد رافعًا لحكم الكتاب-[لا] على وجه النسخ، بأن يكون مقارنًا أو لا يعرف التاريخ بينهما- لا يقبل، لأنا علمنا أن الله تعالى قد تكلم بالآية، والنبي ﵇ قد تكلم بما تواتر به النقل. فلو قلنا بقبول خبر الواحد","vol":"1","page":461},{"text":"في نفى حكمهما، لكنا قد عدلنا عن الذي علمنا أن الله تعالى تكلم به والنبي ﵇ قد تكلم به، إلى ما لا يعلم أن النبي قاله- وهذا لا يجوز.\nوكذلك الكلام إذا ورد معارضًا للإجماع، لأن الإجماع، حجة، بالكتاب والسنة المتواترة.\nفأما إذا ورد معارضًا للكتاب على وجه النسخ، [ف] يجوز أن يقبل من جهة العقل، إلا أن الشرع ورد بالمنع عنه عند أصحابنا، وقد عرف في أبواب النسخ.\nوقيل إن هذه المسألة مختلفة بين الشافعي وعيسي بن أبان: أن الخبر الواحد إذا ورد على مخالفة الكتاب هل يقبل؟ والصحيح أن الخلاف بينهما في اشتراط العرض على كتاب الله تعالي: فعند الشافعي: لا يجب العرض على كتاب الله تعالى، بل إذا تكامل شرط القبول فيه، يقبل. وعند عيسى بن أبان: يجب العرض، لأن الخبر إنما يجب قبوله بتكامل شرائط القبول فيه، ومن شرائطه أن لا يكون مخالفًا لكتاب الله تعالى، وإنما يعرف ذلك بالعرض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>١١٢ - باب في: الحكم إذا اقتضي عموم الكتاب فيه، خلاف ما اقتضاه خبر الواحد:</span>\nاختلف مثبتو ورود التعبد بأخبار الآحاد في جواز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد:\n- ذهب معظم الفقهاء إلى جواز ذلك، على كل حال.","vol":"1","page":462},{"text":"- وذهب بعضهم إلى المنع عنه، على كل حال.\n- وقال بعضهم: يجوز في حال دون حال. واختلفوا في تفصيل تلك الحالة:\n* قال عيسى بن أبان: إن دخلهما التخصيص جاز، وإلا فلا.\n* وقال بعضهم: إن خصا بدليل متصل، لا يجوز. وإن خصا بدليل منفصل، يجوز.\nوالدلالة على جوازه بكل حال- أن خبر الواحد يوجب الظن، والعقل اقتضى وجوب العمل بالظن في المنافع والمضار- على ما مر. فوجب العمل به، وإن خص عموم الكتاب. وإنما قلنا إنه يوجب الطن في هذه الحالة لأن الوجه الموجب للظن، وهو ما ذكرناه في باب التعبد بخبر الواحد، ليس في معارضته عموم الكتاب ما يحيل وقوع الظن بصحته.\nفإن قيل: لم قلتم بأنه ليس في معارضة الكتاب له ما يحيل وقوع الظن بصحته، بل فيه ذلك، لأن عموم الكتاب يقتضى العلم بشموله، وخبر الواحد يقتضى الظن بصحته، ولا يجوز ورود التعبد بما يوجب الظن عند معارضة ما يوجب العلم، وإذا لم يجز ورود التعبد به لا يحصل الظن بصحته.","vol":"1","page":463},{"text":"ولا يقال بأن الخبر الواحد، وإن كان يوجب الظن بصحته، لكن العمل به معلوم، كما أن العمل بالكتاب معلوم، والتعارض إنما يقع بين حكم الكتاب وحكم الخبر، فإذا كان حكم كل واحد منهما معلومًا، جاز ورود التعبد به، وإذا جاز ذلك جاز أن النبي ﵇ قال ذلك، لأنا نقول: العمل بالخبر، إن كان معلومًا بدليل آخر، لكنه مبني على الظن، والعمل بالكتاب مبنى على العلم، والعقل يمنع من العدول عن المعلوم إلى المظنون- قلنا: معارضة الحديث عموم الكتاب لا يحتمل وقوع الظن بصحته، لما ذكرنا: أن العمل به معلوم، كما أن العمل بالكتاب معلوم.\nوقوله: إن عموم الكتاب معلوم شموله- قلنا: إن أراد بهذا أن عموم الكتاب معلوم شموله حالة الانفراد، فالأمر كذلك. وإن أراد به عند معارضة الخبر له، فلا نسلم، لما ذكرنا: أن العلم بعموم الكتاب لا يمنع من وقوع الظن بصحة الخبر. وإذا لم يمنع من ذلك جاز أن النبي صلي الله عليه وسلم قال ذلك، ومع تجويز أن يكون النبي ﵇ قال ذلك، لا يقع العلم بعموم الكتاب.\nفإن قيل: إذا كان العمل بخبر الواحد معلومًا، كالعمل بالكتاب والخبر المتواتر، فلماذا لا يصلح رافعًا لحكم الكتاب، بأن كانا خاصين وقد اقترنا، أو لا يعلم التاريخ بينهما- قلنا: لما ذكرنا: أن فيه عدولًا عما علمناه أن الله تعالى قد تكلم به، إلى ما لا يعلم أن النبي ﵇ قد تكلم به. أما هنا [ف] يؤدى إلى ذلك، لأنا نعتقد أن الله تعالى قد تكلم بالعام وأراد به البعض، فإن ذلك جائز في الكلام.\nفإن قيل: فهذا يقتضي إرادة احتمال الخصوص من اللفظ العام، فلا يكون عمومه معلومًا، وأنتم ساعدتمونا على أن حكم العام معلوم- قلنا: حكم العام وهو الشمول معلوم إذا تجرد، فلا يجوز أن يراد به البعض عند تجرده عن القرينة.","vol":"1","page":464},{"text":"وإنما يجوز ذلك عند اقتران القرينة به، وخبر الواحد الذي حكمه معلوم من القرائن بهذا، كاللفظ الخاص من الكتاب: فإنه يوجب العلم بما تناوله، وإن كان جواز إرادة المجاز ثابتًا، لكن عند القرينة، وذا لا يمنع وقوع العلم به عند عرائه عن القرينة- كذا هذا. والله أعلم.\nدليل آخر: إجماع الصحابة ﵃ بأنهم خصوا قول الله ﷿: [يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ] بقوله ﵇: \"إنا معاشر الأنبياء لا نورث\" وبقوله ﵇: \"لا يرث القاتل\". وخصوا هذه الآية بما روى عن النبي ﵇ \"أنه جعل للجدة السدس\" وهذا تغيير فرض ما تضمنته الآية. وخصوا قوله تعالى: [وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ] بقوله ﵇: \"لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها\" الحديث. وخصوا قوله تعالى: [فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ] بحديث عبد الرحمن بن عوف في مجوس هجر: \"سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم\". وخصوا قوله تعالى: [وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ] بما روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﵇ \"أنه نهى عن بيع الدرهم بالدرهمين. وعن بيع الصاع بالصاعين\"- فهذه الأخبار آحاد، وتخصيص الصحابة بها ظواهر الكتاب وعدم إنكار الباقين عليه، أمر ظاهر.","vol":"1","page":465},{"text":"فإن قيل: إنما خصوا هذه الآيات بدليل آخر، لا لأجل هذه الأخبار: دل عليه أن عمر ﵁ رد خبر فاطمة بنت قيس في أمر النفقة والسكنى ولم يجوز نسخ الكتاب به حيث قال: \"لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بحديث امرأة\"- قلنا: المروى في التخصيص هذه الأخبار لا دليل آخر، فلا يجوز أ، لا يرووا ما خصرا بها ويرووا ما لم يخصوا بها. وأما رد عمر ﵁ حديث فاطمة بنت قيس فلكونه ناسخًا لكتاب الله تعالى لا لكونه مخصصًا، لأن ظاهر قوله: \"لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا\" يفيد ترك الكتاب أصلًا، لأن من خص آية من القرآن لا يقال إنه ترك القرآن أصلًا، ولا كلام فيه، إنما الكلام في التخصيص.\nفإن قيل: هلا قبلوه في حقها خاصة، فأخرجوها عن حكم الآية، دول غيرها، حتى يكون تخصيصًا لا نسخًا؟ قلنا: إنها روت الحديث ليعمل به في حق غيرها، لا في حق نفسها، لأن حكمها قد تقضي، وإنما ردوه في حق غيرها.\nوأما المانعون من ذلك فقد احتجوا وقالوا: إن عموم الكتاب يقتضي العلم بشموله، وخبر الواحد يقتضى الظن بصحته، ولا يجوز ترك العلوم بالظن.\nوالجواب ما ذكرنا أنه: إن عموم الكتاب معلوم شمول حكمه، وخبر الواحد مظنون ثبوت حكمه، فهذا ممنوع بل خبر الواحد معلوم ثبوت حكمه، لما مر من الإجماع عليه.","vol":"1","page":466},{"text":"وإن عنوا به أن عموم الكتاب معلوم أن الله تعالى قد تكلم به، وخبر الواحد مظنون أن النبي ﵇ قد تكلم به- فهذا مسلم، ولكن ذلك لا يمنع تخصيص الكتاب به- لما مر.\nفإن قيل: متى لم يعلم أن النبي ﵇ قال ذلك، بل ظنناه-[ف] لا يجوز أن يعلم وجوب العمل به- قلنا: هذا يقتضى أن لا يعلم وجوب العمل به، بأن لم يعارضه عموم الكتاب.\nعلى أنا نقول: إن الطريق إلى العلم بوجوب العمل به إجماع الصحابة، وشرطه ليس كونه كلام النبي ﵇ مطلقًا، بل ظننا بكونه كلام النبي ﵇، وقد حصل الأمران هنا، فيجب العمل به قطعًا، كما يجب العمل بعموم الكتاب قطعًا، فتعارضا- إلا أنا رجحنا الخبر على عموم الكتاب، لأنه أخص.\nوأما من جوز ذلك إذا لحقه التخصيص:\nقال: إنه لما دخله التخصيص، صار مجازًا أو مجملًا، فلم يكن في قبول خبر الواحد عدولًا عن ظاهر الكتاب، ولا كذلك إذا لم يدخله التخصيص.\nوالجواب:\nالعام الذي خص معلوم صدوره من الحكيم، وتناوله لما تناوله التخصيص، كالذي لم يخص أصلًا، فإجماع الصحابة ﵃ على جواز تخصيص العموم الذي دخله الخصوص إجماع منهم على جواز تخصيص عموم لم يدخله الخصوص.\nوقوله: صار مجازًا أو مجملًا- قلنا: ليس كذلك لما مر في أبواب العموم: في العام إذا خص منه شيء، وتحقيقه: أن لفظة العموم موضوعة للاستغراق، وهذا أمر معلوم. ونعلم أن اللفظ إذا صدر من الحكيم يريد به ما وضع له، إلا بقرينة التخصيص.","vol":"1","page":467},{"text":"وأما من فعل بين ما إذا خصا بدليل منفصل وبين ما إذا خصا بدليل متصل:\nقال: لفظ العموم إذا اقترن به الاستثناء بمنزلة العدد إذا اتصل به الاستثناء. ثم لفظ العدد إذا اتصل به الاستثاء بقى حقيقة لما عدا المتثني، فكذا هذا. وإذا بقى حقيقة لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد، لأن فيه ترك حقيقة الكتاب بظاهره. بخلاف ما إذا خص بدليل متصل، لأنه صار مجازًا أو مجملًا.\nوالجواب-[إن دليل] وجوب العمل به إجماع الصحابة. وشرطه ليس كونه كلام النبي ﵇، لأنه لا فرق بينهما. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>١١٣ - باب في: الحكم إذا اقتضي عموم القياس فيه، خلاف ما اقتضاه خبر الواحد:</span>\nاعلم أن القياس على أصل من الأصول إذا عارض خبر الواحد لا يخلو:\n- إما أن تعذر العمل بهما أصلًا، بأن يكون الخبر اقتضي إيجاب أشياء، والقياس اقتضى حظر جميعها على الحد الذي اقتضى الخبر إيجابها.\n- أو يكون الخبر مخصصًا لعلة القياس.\n- ففي الوجه الثاني:\nمن أجاز تخصيص العلة الشرعية جمع بينهما في العمل.","vol":"1","page":468},{"text":"- ومن لم يجز ذلك، أجرى الثاني مجرى الأول، وهو ما إذا كانت المعارضة ثابتة في الكل، فتكلم فيه- فنقول:\nالأمر لا يخلو: إما إن كان علة القياس منصوصًا عليها، أو مستنبطة.\nوالنص عليها لا يخلو: إما إن كان مقطوعًا به، أو لم يكن.\n[العلة منصوص عليها]:\n- فإن كان [النص عليها] مقطوعًا به: فالأخذ بالقياس أولى، لأن التنصيص على العلة، كالتنصيص على الحكم، ومعلوم أن خبر الواحد لا يعمل به إذا رفع حكمًا ثابتًا بدليل مقطوع به، ولا فرق بين التنصيص على الشيء بواسطة، وبين التنصيص عليه بغير واسطة.\n- وإن لم يكن النص على العلة مقطوعًا به- فهو على وجهين:\nإما إن كان الحكم في أصل القياس ثابتًا بدليل مقطوع به، أو بدليل غير مقطوع به.\nففي الوجه الثاني- هما خبرا واحد تعارضا، والأخذ بالخبر الدال على الحكم أولى، لأنه دال عليه بنفسه وصريحه. والآخر يدل عليه بواسطة العلة.\nوالوجه الأول- داخل في القسم الذي نريد أن نتكلم فيه الآن: وهو ما إذا كانت العلة مستنبطة، فنقول:\nالعلة إذا كانت مستنبطة:\nلا يخلو الحكم في أصل القياس: إما إن كان ثابتًا بدليل مقطوع به، أو لم يكن ثابتًا بدليل مقطوع.","vol":"1","page":469},{"text":"- فإن لم يكن، كان الأخذ بالخبر أولى، لما ذكرنا.\n- وإن كان ثابتًا بدليل مقطوع، ففيه خلاف:\n* قال بعض أهل الأصول: إن الأخذ بالخبر أولى، وإليه ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخى ﵀.\n* وقال بعضهم: الأخذ بالقياس أولى. وحكي ذلك عن مالك ﵀.\n* وقال بعضهم: إنهما يتساويان ويتعارضان، فيطلب الترجيح بالاجتهاد، وإن كان [في] أمارة القياس. وهو المختار، فكان العمل به أولى. وهو يزيد على ضبط الراوي وعدالته.\nأما الذاهبون إلى ترجيح الخبر على القياس-[ف] تعلقوا بأشياء:\n١ - منها- إجماع الصحابة ﵃، فإنه روى عن أبي بكر ﵁ [أنه نقض حكمًا حكم به برأيه لحديث سمعه من بلال. وعن عمر ﵁]","vol":"1","page":470},{"text":"أنه ترك رأيه في الجنين، وفي تفضيل الأصابع في الدية بخبر واحد، ولم ينكر عليه أحد، فكان ذلك إجماعًا.\nولقائل أن يقول: يحتمل أن حكميهما بالرأي كان قياسًا على أصل حكمه غير مقطوع به، فلا خلاف فيه.\n٢ - ومنها- أن خبر الواحد أصل القياس، لأن القياس قد يكون على أصل ثبت حكمه بخبر الواحد، ولا يجوز ترك الأصل بالفرع. ولقائل أن يقول: نحن ما تركنا الخبر الذي هو أصل القياس بالقياس، وإنما تركنا خبرًا عارض هذا القياس، ولأن هذا إنما يلزم من يرجح قياسًا على حكم ثبت بخبر الواحد، ونحن إنما رجحنا قياسًا على حكم ثبت بدليل مقطوع به.\n٣ - ومنها- أن خبر الواحد قد يجرى مجرى ما ثبت من النبي ﵇، ولو سمعنا من النبي ﵇، كان الأخذ به أولى- فكذا هذا. ولقائل أن يقول له: إنما جرى مجرى ما سمع من النبي ﵇ في حق العمل، فكذا القياس: جار مجرى ما سمع من النبي ﵇ في حق العمل. على أنه إن جرى مجراه في حق العمل، لم يجب أن يجرى مجراه في حق الأمور أجمع- ألا ترى أنه لم يجر مجراه في نسخ الكتاب، فكذا في تقديمه على القياس.\n٤ - ومنها- أن إثبات الحكم بخبر الواحد يستند إلى قول النبي ﵇ بلا واسطة. وبالقياس مستند إليه بواسطة، فكان الأخذ بالخبر أولى.\nولقائل أن يقول له: إن كان لإثبات الحكم بالخبر مزية من هذا الوجه، فلإثبات الحكم بالقياس مزية، من حيث إنه يستند إلى أصل معلوم.","vol":"1","page":471},{"text":"وأما الذاهبون إلى ترجيح القياس على الخبر [ف] تعلقوا بأشياء:\n١ - منها- أن القياس مما لا يجوز تخصيصه، والخبر يجوز تخصيصه، فكان القياس محكمًا في الدلالة، فالأخذ به أولى.\nولقائل أن يقول له: هذا يقتضى تقديم القياس على الكتاب والسنة المتواترة. على أنه إن كان للقياس مزية من هذا الوجه، فللخبر مزية من حيث إن دلالة الألفاظ غير مستنبطة، ودلالة القياس مستنبطة من الألفاظ.\n٢ - ومنها- أن القياس أثبت من الخبر، لأن الخبر يجوز فيه الكذب على مخبره. ولقائل أن يقول له: جواز الكذب في الخبر كجواز كون الحكم غير متعلق بأمارة القياس، فإن كل واحد منهما جائز، وإن كان الغالب خلافه.\n٣ - ومنها- أن القياس يخص به العموم من الكتاب، فلأن يجوز ترك الخبر به أولى، لأن خبر الواحد أضعف في الدلالة من عموم الكتاب.\nولقائل أن يقول: ليس بأن يترك الخبر بالقياس، لأجل أن القياس مما يخص به عموم الكتاب، بأولى من أن يترك القياس بالخبر، لأجل أن الخبر مما يخص به عموم الكتاب. على أنا إذا خصصنا عموم الكتاب بالقياس، لم نكن تاركين العمل بالكتاب أصلًا، فإنه يبقى معمولًا به فيما وراء التخصيص، ولو رجحنا القياس على الخبر كان فيه ترك الخبر أصلًا.\n٤ - ومنها- ما روى عن ابن عباس ﵄ أنه رد حديث أبي هريرة ﵁، وهو قوله ﵇: \"إذا استيقظ أحدكم من منامه","vol":"1","page":472},{"text":"فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا\" وقال: ما نصنع بمهراسنا؟ والمهراس اسم لحجر عظيم منصوب على رأس البئر يوضع الماء فيه ويتوضأ منه، حتى قال أبو هريرة: \"يا ابن أخي، إذا رويت لك خبرًا: قال النبي ﵇- فلا تضرب لي الأمثال\". وإنما رده، لأنه خالف قياس الأصول، لأن قياس الأصول يقتضى إباحة غسل اليد من الإناء، لأنه لا يمكن غسل الأيدي من هذا الإناء قبل إدخال اليد فيه.\nولقائل أن يقول له: لا نسلم أنه إنما رد هذا الخبر، لأنه خالف قياس الأصول، وأي قياس يقتضى إباحة الغسل في الإناء؟ وإنما رد الأخذ به باستعمال هذا النوع من الإناء [في] غسل اليد.","vol":"1","page":473},{"text":"والصحيح هو المذهب المختار. وهو أن يطلب الترجيح بالاجتهاد، على ما ذكرنا: أن الخبر مع القياس تساويا في أن العمل بكل واحد منهما استند إلى دليل معلوم، وهو ما دل على وجوب العمل بالقياس وخبر الواحد يشترط غلبة الظن بوجود وجه القياس وصحة الخبر.\nفإن قيل: العمل بالقياس يفتقر إلى الاجتهاد في أمارة القياس- قلنا: والعمل بخبر الواحد يفتقر إلى الاجتهاد في عدالة الراوي والثقة به، فإذا تساويا يجب المصير إلى الترجيح- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>١١٤ - باب في: فائدة الخبر إذا كان البلوى به عامًا- هل يقبل فيه خبر الواحد أم يرد</span>؟\nذهب أصحاب أبي حنيفة ﵀ أنه لا يقبل خبر الواحد فيما يعم به البلوى- وإليه ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخى ﵀.\nوجماعة من المتكلمين ذهبوا إلى قبوله- وقيل: هو قول الشافعي.\nدليلنا في ذلك- أن عدم اشتهار الحديث فيما يعم به البلوى يدل على عدم ثبوته من النبي ﵇، فلا يعمل به. كما إذا اختل بعض شروطه من إسلام الراوي وعدالته وغير ذلك. وإنما قلنا ذلك لأن ما يعم به البلوى لا بد أن يبينه النبي ﵇ بيانًا شائعًا، إذ هو المتعين لذلك، وواجب عليه بيان شريعة الإسلام، فلا يظن به ترك الواجب. وبيانه بطريق الشيوع بطريقين: أحدهما أن يبين النبي ﵇ بملأ من الناس حين سمموه جميعًا، [والثاني] أن يسأله كل من يحتاج إليه فيبينه له، حتى عم الكل بالبيان. وإذا كانت كذلك يشتهر، فلا يبقى في حيز الآحاد.\nفإن قيل: لم لا يجوز أن النبي ﵇ بين ذلك بيانًا ظاهرًا، إلا أنهم لم ينقلوه نقلًا مستفيضًا، فلم يشتهر؟ - قلنا: لا نظن بالصحابة ﵃","vol":"1","page":474},{"text":"أنهم تغافلوا عن نقل ذلك، وقد تعلق به حكم الشرع، مع ما قد عرفنا من جدهم في أمر الشريعة وحرصهم على بسطها. ولو كان ذلك جائزًا فما يؤمننا أن من سور القرآن ما تغافلوا عن نقله ومن أصول الدين ما هذا حاله؟ ولما لم يجز ذلك، صح ما قلناه.\nفإن قيل: إنما يقدمون على نقله إذا وجب عليهم ذلك، وإنما يجب عليهم ذلك إذا وجب العمل بالحديث، ووجوب العمل بالحديث موقوف عل بلوغ الحديث. فمن لم يبلغه الحديث الواحد لا يجب العمل به، فلا تتوفر الدواعي إلى نقله، فلا يشتهر- قلنا: كما أن وجوب العمل بالحديث داع إلى نقله، فبسط الشريعة ونشر الأحكام داع إليه، على أن البلوى إذا كان عامًا فكل أحد يحتاج إلى معرفة حكم [هـ]، حتى لو وقعت الحادثة يمكنه الخروج عن عهدتها، فينبعث كل واحد إلى نقله، حتى يتمكن من احتاج إليه من معرفة حكمه. وبهذا الطريق تواتر نقل أصول الشريعة، كالصوم والصلاة والحج والزكاة. فمتى لم يشتهر النقل عند توفر الدواعي، علم أنه غير ثابت.\nفإن قيل: ما قولكم في الأخبار الواردة فيما يخص به البلوى: أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يبين بيانًا ظاهرًا مع تعينه لذلك، أو بين ولم ينقله السامعون، فكل ما تذكرونه في ذلك فنحن نذكره في المختلف- قلنا: لكل ذلك وجه، إذ لا يمتنع أن يكون النبي ﵇ بين لمن علم اختصاصه بالحاجة إليه، ولا يكون ذلك كتمانًا وتقصيرًا في البيان، ولا يمتنع أيضًا أن النبي ﵇ بين بيانًا شائعًا إلا أنهم اقتصروا على نقله بسبب الحاجة: فأما ما يعم به البلوى فمحال أن يتقاعدوا عن نقله لتوفر الدواعي إليه- على ما مر.","vol":"1","page":475},{"text":"وأما المخالف فقد احتج في المسألة بأشياء:\n١ - منها- أن التعبد بخبر الواحد إنما ثبت بكونه من عند النبي ﵇، وذلك إنما يعرف بعدالة الرواة. فإذا وجدت عدالة الرواة هنا وجد ما يجب به القبول، فيجب القبول بحقيقة أن من نقل الحديث فيما يخص به البلوى، فهو الذي ينقله فيما يعم به البلوى. فإذا وجب قبول روايته في أحدهما، فكذلك في الآخر. ولو لم يقبله فيما يعم به البلوى لاتهمناه، وهذا لا يجوز.\n٢ - ومنها- أنه لا يمتنع أن يسأل النبي ﵇ واحد أو نفر يسير من الناس، دون غيرهم، فيبين لهم دون الجميع، ثم نقل ذلك السائل، فبقى خبر واحد ولم يشتهر.\n٣ - ومنها- ما قد علم أن النبي ﵇ كان يرسل الرسل والكتب إلى الأمصار لتعليم الشرائع، وكان يلزمهم الحجة، بالآحاد، فيما يعم به البلوى ويحص.\nوالجواب:\nأما الأول-[ف] ما ذكرتم إن كان دليلًا على الثبوت، فعدم الاشتهار دليل على عدم الثبوت من الوجه الذي بينا، فلا يثبت مع الشك.\nوأما قوله: إن الناقل للحديث فيما يعم به البلوى هو الناقل له فيما يخص به البلوى- قلنا: تعديله فيما يرويه بغالب ظنوننا، وذلك لا يمنع وقوع الغلط والنسيان في بعض ما يرويه، بل يجوز إنه زور عليه في بعض ذلك.","vol":"1","page":476},{"text":"على أنه يجوز أن يكون ألإنسان عدلًا مقبول القول في بعض أقواله، ولا يكون كذلك في البعض، كشهادة الأب: لا تقبل لابنه وتقبل للأجنبي، لتمكن الشبهة في أحدهما دون الآخر.\nوأما الثاني- قلنا: إن كان ما سأل النبي ﵇ عنه ما يعم به البلوى، لا بد أن يعم الكل بيانه، وأن يتكرر منه السؤال، بحسب تكرر الحاجة، فيصير شائعًا، على ما مر.\nوأما الثالث- قلنا: حال ابتداء الشرع يخالف حالة الانتهاء في هذا الحكم، لأن الشريعة لم تكن مستقرة حينئذ، ولم يمتنع أن ينتهي خبر البيان إلى البعض دون البعض. فأما اليوم فقد استقرت الشريعة فمحال أن يبقى في خبر الآحاد ما يعم به البلوى، كالحوادث الواقعة فيما بين الناس: يخالف حال ابتدائها وحال انتهائها في الاشتهار- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>١١٥ - باب في: قول الصحابي: \"أمرنا أن نفعل كذا\" ونحو ذلك:</span>\nأولًا- لا بد أن نعرف من الصحابي. وما الطريق إلى معرفة كونه صحابيًا- فنقول:\nأما الصحابي- فهو الشخص الذي يجتمع فيه أمران:\nأحدهما- أن يكون أطال مجالسة النبي ﵇، لأن من رآه من الوافدين عليه وغيرهم ممن لم يطل المكث معه لا يسمى صحابيًا.\nوالثاني- أن يكون أطال المكث معه على سبيل الأخذ منه والإتباع له. لأن من أطال مجالسة عالم، لا على سبيل الاستفادة منه والإتباع له، لا يوجب جريانه مع أصحابه.","vol":"1","page":477},{"text":"وأما طريق معرفة كونه صحابيًا-[ف] شيئان:\nأحدهما- يوجب العلم، وهو الخبر المتواتر بأنه صاحب النبي صلي الله عليه وسلم.\nوالآخر- يوجب الظن، وهو إخبار الثقة: إما هو أو غيره.\n[ثانيًا-] إذا عرفنا ذلك- نقول: هنا فصول:\n١ - منها- قوله: \"أمرنا أن نفعل كذا\" أو \"أوجب علينا\" أو \"أبيح لنا\" أو \"حظر علينا\" أو \"من السنة كذا\".\n٢ - ومنها- أن يقول: \"قلت [هذا] عن النبي ﵇\". أو يقول: \"كنا نفعل كذا\". أو يقول: \"كانوا يفعلون كذا\".\n٣ - ومنها- أن يقول قولًا لا مجال للاجتهاد فيه.\nأما إذا قال: \"أمرنا أن نفعل كذا\":\n* وذهب بعضهم إلى أنه محتمل: يحتمل أمر النبي ﵇ وأمر غيره- وإليه ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخى ﵀. وعلى ذلك حمل حديث","vol":"1","page":478},{"text":"الراوي: \"أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة\".\nوالمختار أن الناقل إن كان أبو بكر ﵁ يحمل على أنه قول النبي ﵇، وإن كان غيره فهو محتمل.\nوالدلالة عليه أن من لزمته طاعة رئيس أو التزم طاعته ثم يقول: \"أمرنا أن نفعل كذا\" يفهم منه من جهة العادة أن الآمر هو من التزم طاعته دون غيره، كواحد من أولياء السلطان إذا قال: \"أمرنا أن نفعل كذا\" فهم منه أمر السلطان دون غيره، ولأن غرض القائل بهذا القول إعلام الشرع وإفادة الحكم، فيحمل على من تعين لذلك. وهو في حق أبي بكر ﵁: ليس إلا الرسول ﵇، فيحمل على أمره. وفى حق غير [هـ]: الرسول والخليفة بعده، وهو أبو بكر، فإنه إمام مفترض الطاعة أو غيره من الأئمة، فإن طاعتهم لازمة وإليهم بيان الأحكام والشرائع، فلا يتعين الحمل على أمر النبي ﵇.\nفإن قيل: لم لا يحمل على أمر الله تعالى، أو على أمر الأمة، وهو إجماعهم عليه؟ - قلنا: لأن أمر الله تعالى ظاهر لا نستفيد [هـ] من الصحابي. وأمر الأمة بأمر جميع الأمة، وجميع الأمة لا تأمر نفسها بشيء.\nوأما إذا قال: \"أوجب علينا\" أو \"أبيح لنا\" أو \"حظر علينا\" يفيد أن الموجب والمبيح والحاظر هو النبي ﵇، لأن الإيجاب والحظر والإباحة على التحقيق لا يكون من بشر سواه، بخلاف الأمر: فإنه قد يأمر الإمام","vol":"1","page":479},{"text":"بما أوجبه الشرع. أما لا يقال: \"أوجب الإمام ما أوجبه الشرع\". يقال: \"أمرنا السلطان أن نقيم الجمعة\". أما لا يقال: \"أوجب علينا ذلك\".\nوأما إذا قال: \"من السنة كذا\" يحمل عند الإطلاق على سنة النبي ﵇، كما إذا قال: \"هذا الفعل طاعة- أو- قربة\" فهم منه طاعة الله وطاعة رسوله.\nفإن قيل: أليس أنه روى عنه ﵇: \"من سن سنة حسنة\". وكذا قال ﵇: \"سن لكم معاذ سنة حسنة\" إلى غير ذلك- فعلم أنه لا يختص بالنبي ﵇- قلنا: نحن لا ننكر إطلاق اسم السنة على غير سنة النبي ﵇، مع ضرب تقييد، لكنا ننكر أن يكون المفهوم من السنة عند الإطلاق سنة غيره، وليس فيما ذكرتم دليل على خلاف ذلك.\nوأما من قال: \"قلت: عن النبي ﵇، فظاهره يفيد أنه قال ذلك عنه ﵇. ويحتمل أنه سمع منه ﵇. لكن الظاهر ما ذكرنا، نظرًا إلى العرف، فإن قائلًا لو قال: \"أقول هذا القول من الأستاذ\" يفهم منه أنه سمع منه.\nوأما إذا قال: \"كنا نفعل كذا\" وغرضه أن يعرفنا أحكام الشرع، اقتضي ظاهره أن جميع الصحابة فعلوا ذلك على عهد النبي ﵇ عل وجه ظهر عليه النبي ﵇ ولم ينكر عليهم ذلك، لأن تعريف الحكم يقع به.","vol":"1","page":480},{"text":"وأما إذا قال: \"كانوا يفعلون كذا\" يفيد أنه: جميع الأمة فعلت ذلك- أو: فعل البعض وسكت الباقون- أو: فعلوا بأجمعهم فعلًا على وجه ظهر للنبي ﵇ ولم ينكر عليهم- نحو قول عائشة ﵂: \"كانوا [لا] يقطعون الأيدي في الشيء التافه\".\nوأما إذا قال قولًا بنفسه: فإن كان في محل الاجتهاد، فلا يلزمنا تقليده، لأنه محتمل أنه قال عن اجتهاد، واجتهاده لا يترجح على اجتهاد غيره، لما نذكره في أبواب القياس. وإن كان فيما لا مجال للاجتهاد فيه، فحسن الظن يقتضي أنه ما قال ذلك إلا عن طريق، وإذا بطل الاجتهاد تعين السماع من النبي صلي الله عليه وسلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>١١٦ - باب في: الراوي إذا روى حديثًا لخلاف مذهبه- هل يترك روايته أم لا</span>؟\nاعلم أن الراوي إذا روى حديثًا وعمل بخلافه- فهذا على وجهين:\nأحدهما- أن لا يكون الخبر الذي رواه محتملًا للتأويل.\nوالثاني- أن يكون محتملًا للتأويل والتخصيص، بما هو مذهبه.\nنظير الأول- حديث أبي هريرة ﵁ في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، ومذهبه الاقتصار على الثلاث.\nونظير الثاني- حديث ابن عمر ﵁: \"المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا\"، ومذهبه الحمل على تفرق الأبدان.","vol":"1","page":481},{"text":"ففي الوجه الأول- ظاهر مذهب أصحابنا أن الأخذ بمذهبه أولى، ويحمل ذلك على أنه عرف نسخه أو علم بدلالة الحال أن النبي ﵇ لم يرد به ذلك الحكم، بأن كان [ب] صيغة أمر ولم يرد به الإيجاب إلى غير ذلك من الوجوه. وعلى هذا حملنا حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﵇ أراد به الاستحباب.\n[و] ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخى ﵀ إلى أن الأخذ بروايته أولى.\nوفي الوجه الثاني- عندنا: يؤخذ بروايته ولا يلتفت إلى مذهبه. وعند الشافعي: الأخذ بمذهبه أولى. ولهذا اخذ بقول ابن عمر ﵁ في القول بتفرق الأبدان.\nأما الكلام في الوجه الأول- فالدليل على صحة ما ذهبنا إليه: أن مذهب الراوي بخلاف روايته، إذا لم يكن للتأويل والاجتهاد فيه مجال، لا يخلو: إما إن كان لسهوه وغفلته، أو لترك العمل به تعمدًا، أو لأنه عرف نسخه، أو اضطر إلى العلم بقصد النبي ﵇ انه ما أراد ذلك.\nفإن كان الأول- فهو خلاف الظاهر. ولو ثبت صار مغفلًا، ورواية المغفل لا تقبل.\nولا وجه للثاني- لأنه لا يظن بالصحابي ذلك.\nفيتعين القسم الثالث والرابع، وأيهما ثبت صح مذهبنا.\nووجه ما ذهب إليه الكرخى ﵀- أن الخبر حجة، ومذهب الراوي ليس بحجة، ولا يجوز العدول عما هو حجة إلى ما ليس بحجة.","vol":"1","page":482},{"text":"والجواب:\nأن مذهب الراوي، بخلاف روايته، جرى مجرى روايته النسخ، أو إرادة صرفه عما اقتضاه، وذلك حجة.\nفإن قيل: هلا نقل الناسخ، وقصد النبي ﵇ إلى خلاف ذلك صريحًا- قلنا: مذهبه مع روايته إذا كان يجرى مجرى النقل لذلك، جاز الاكتفاء به، من غير صريح النقل.\nفإن قيل: يحتمل أنه وهم من قصد النبي ﵇ ما لا أصل له، فظن أنه علم ولم يعلم- قلنا: الظاهر من حاله خلاف ذلك، كما أن الظاهر من حال السامع الضابط المتيقظ أنه لا يخطئ سمعه، وإن جاز أن يكون قد وهم من قول النبي ﵇ خلاف ذلك، ثم لم يعتبر ذلك- فكذا هذا.\nوأما الوجه الثاني- فالوجه فيه: أنه متى كان للاجتهاد فيه مجال، يحمل مذهب الراوي على الرجوع إلى ما قامت عنده من الدلالة، وتلك الدلالة مفقودة في حق الغير، والواصل إلى الغير لفظ الحديث، فكأن متعبدًا به، ما لم تقم الدلالة بخلافه- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>١١٧ - باب في: تعارض الخبرين:</span>\nاختلفوا في جواز تعارض الخبرين، بحيث ينعدم جميع وجوه الترجيح:\nأنكره بعض- ونقل ذلك عن الكرخى ﵀، وزعم أنه لا بد من رجحان أحدهما على الآخر، على بعض الوجوه. وإن جاز أن يخفى ذلك على بعض المجتهد [ين].\nوجوزه الآخرون.","vol":"1","page":483},{"text":"وقد ثبت من مذهب أبي حنيفة ﵀ جواز ذلك، كما قال في سور الحمار: إنه مشكوك فيه، لتعارض الأخبار فيه.\nفمن أنكر ذلك قال: إن ذلك تلبيس من الشرع، وهو محال.\nوالجواب عنه- أنه إنما يكون تلبيسًا إذا لم يكن الحكم فيه معلومًا، وحكم تعارض الخبرين معلوم، فإن عند البعض الحكم هو التوقف، وعندنا الحكم هو التخيير- وقد مر وجه ذلك في أبواب العموم في: العمومين إذا تعارضا. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>١١٨ - باب في: ما يترجح [به] أحد الخبرين على الآخر:</span>\nوالجملة في ذلك أن ترجح أحد الخبرين على الآخر: إما أن يرجع إلى مسنده، أو إلى حال راويه، أو إلى متن الحديث، أو إلى ما سوى ذلك.\nأ- أما الذي يرجع إلى مسنده- فوجوه:\n١ - منها- أن يكون أحدهما منقولًا بطريق الاستفاضة، والآخر بطريق الآحاد.","vol":"1","page":484},{"text":"فالذي نقل بطريق الاستفاضة أولى، لما أنه يقتضي العلم أو ظنًا قريبًا من العلم، فالعمل به أولى.\n٢ - ومنها- كثرة الرواة. وقد اختلفوا فيه:\nفذهب بعضهم إلى أنه لا يقع بها الترجيح- قالوا: الخبر إذا انحط ناقلوه عن عدد التواتر، فالواحد والأكثر فيه سواء.\nوذهب عامة أهل الأصول إلى أنه يقع به الترجيح، وهو مذهب الكرخى والشافعي رحمهما الله.\nوالدلالة عليه- أن أحد الخبرين إنما يترجح على الآخر بقوة يتميز [بها] أحدهما عن الآخر، والكثرة توجب القوة. وإنما قلنا إن الترجيح يقع بالقوة، لأن خبر الواحد إنما يقع موجبًا للعمل بغلبة الظن، والقوة في غلبة الظن توجب قوة في وقوعه موجبًا للعمل. وإنما قلنا إن الكثرة توجب قوة الظن، لأن سكون النفس بخبر الجماعة أبلغ منه بخبر الواحد. ولأن الرواة إذا بلغوا التواتر يقع العلم بخبرهم، وكلما قاربوا تلك الكثرة، كان الظن بصدقهم أقوى، لأن السهو والغفلة مع الكثرة أقل، ولأن الإنسان قد يستحى عن الكذب إذا اطلع عليه غيره [و] لا يستحى إذا لم يشعر به غيره.\nوالمخالف- احتج بأن الخبر إذا لم يوجب العلم، فدرجات الظنون فيه غير معتبرة، وصار كالشهادة. والجامع بينهما أن كل واحد منهما خبر يتعلق به حكم. ثم الشهادة لا تترجح بالكثرة، فكذا الخبر. والدليل عليه أن الفتوى لا تترجح بكثرة المفتين، فكذا الخبر.\nوالجواب- الظن القوى مع الظن الذي هو أضعف منه، بمنزلة العلم","vol":"1","page":485},{"text":"مع الظن، من حيث إن في كل واحد منهما زيادة ليست في الآخر، فكما يترجح العلم على الظن، فكذا هذا.\nوأما الشهادة-[ف] من الفقهاء من رجح بالكثرة، وهو مالك ﵀. على أن العمل بالشهادة لا يقف على الظن فقط، فإن خبر الواحد قد يكون أغلب في تغليب الظن من خبر جماعة. وشهادة النساء وحدهن، وإن كثرن، لا تكون حجة مع غلبة الظن، بل يشترط فيها شرائط أخر، نحو لفظ الشهادة والعدل وغير ذلك، فجاز أن يعدل عنها عن درجات الظنون، أما هنا فبخلافه.\nوأما الفتوى- قلنا: لو قال قائل: إن الفتوى تترجح بكثرة العدد، فله وجه. ولو قيل بعدم الترجيح بالكثرة، فهو خارج عن قضية ما ذكرنا من الدليل. فإن قوة الفتوى بقوة الاجتهاد والأمارات، لا بالعدد، أما هنا [ف] بخلافه.\n٣ - ومنها- أن يكون أحدها منقولًا من جهة السماع، والآخر من جهة الكتاب. فالمنقول من جهة السماع أولى، لأن الكتاب يحتمل من التغيير والزيادة ما لا يحتمله السماع، ولأن الخط يشبه الخط.\n٤ - ومنها- أن يكون أحدهما متفقًا عليه: أنه قول الرسول ﵇، والآخر مختلف فيه: أنه قول الرسول أو قول الصحابي. فالمتفق عليه أن قول الرسول ﵇ أولى، لأنه أقوى.\n٥ - ومنها- أن يكون أحدهما مرسلًا والآخر مسندًا.\nقال بعضهم: ها سيان، لأن الراوي ما لم يعرف عدالته لا يسند، كما أنه ما لا يعرف عدالته لا يرسل.","vol":"1","page":486},{"text":"وقال بعضهم: المسند أولى، لأنه متى ذكر اسم الراوي أمكن للسامع الفحص عن عدالته، فيقوى ظنه به.\nوقال بعضهم: المرسل أولى. وهو المنقول عن مالك ﵀. وإليه ذهب عيسى بن أبان.\nوالدلالة عليه- أن من أسند الحديث فقد قلد العهدة غيره. ومن أرسل فقد تقلد العهدة. فالظاهر أنه لا يقول \"قال النبي ﵇\" إلا وقد علم أنه ﵇ قد قاله.\n٦ - ومنها- أن أحدهما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، والآخر يحتمل وجهين: فالذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا أولى، لأنه أقوى. مثاله: ما روى أنس ﵁ \"أن النبي ﵇ كان يلبى بحجة وعمرة\" فهذا يقتضي أن يكون القرآن أفضل. وروى ابن عمر ﵁ \"أن النبي ﵇ أفرد بحجة\" وهذا يقتضى أن الإفراد أفضل. ورواية أنس أولى، لأنه لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، ورواية ابن عمر ﵄ تحتمل وجهين، لأنه يجوز أن الراوي لم يسمع الزيادة، ويحتمل أنه سمع النبي ﵇ قال: \"لبيك بحجة\" والقارن قد يقول ذلك.\nب- وأما الذي يرجع إلى حال الراوي- فوجوه:\n١ - أحدهما- وحاصله: إن \"كمل\" حال الراوي، كان الظن بروايته أقوى، والسهو والغلط عنه أبعد، [ف] كان أولى.","vol":"1","page":487},{"text":"٢ - ومنها- أن يكون أحدهما أعدل وأورع وأضبط، لأن غلبة الظن بروايته أقوى.\n٣ - ومنها- أن يكون أحدهما أفقه وأصلح. وهذا إذا كان يروى الحديث على المعنى. فأما رواية اللفظ فيستوي فيه الفقيه وغيره، لأنه مما لا يلتبس الحال فيه.\n٤ - ومنها- كون الراوي من أكابر السلف. وكونه أقدم هجرة. فقد رجح قوم الراوية بهذا، لأن من هذا سبيله كان أعرف بأحوال النبي ﵇ وأشد خبرة من غيره.\n٥ - ومنها- الذكورة والحرية. أما الحرية: فلا تأثير لها في قوة الضبط. وأما الذكورة: [ف] إن كان الضبط معها أشد يقع بها الترجيح، وإلا فلا.\nج- وأما الذي يرجع إلى متن الحديث:\nفوجوه أيضًا:\n١ - منها- أن [يكون] في أحدهما اختلال في اللفظ أو المعنى، والآخر سليمًا- فالأخذ به أولى، لبعده عن الخطأ والسهو.\nفإن قيل: ما اختل لفظه أو معناه ينبغي أن لا يقبل، ولا معنى للترجيح عليه- قلنا: قد يقبل ذلك، إذا أمكن تصحيحه بالتأويل، على بعض الوجوه.\n٢ - ومنها- أن يكون أحدهما قولًا، والآخر فعلًا، فالقول أولى، لأن الفعل قد يتفق لمصلحة اتفقت. وأما القول فيفيد الحكم مطلقًا- مثاله ما روى عن النبي","vol":"1","page":488},{"text":"﵇ أنه قال: \"أسفروا بالفجر\" فهذا يقتضى أن الإسفار أفضل. وروى عنه، أنه يصلى بغلس\" وهذا يقتضى أن التغليس أفضل، لما ذكرنا.\n٣ - ومنها- أن يكون أحدهما مما عمل به الخلفاء الراشدون أو أحدهم، والآخر لم يعمل به، نحو ما روى أن أبا بكر ﵁ أسفر بالفجر ودوام عليه، فذلك يدل على أن النبي ﵇ داوم عليه، وقد علم ذلك، فيجب الترجيح به.\n٤ - ومنها- أن يكون أحدهما متفقًا على استعماله، والآخر مختلفًا فيه. فزعم بعض أن المتفق على استعماله أولى.\nوالأصح أن يقال: إن أمكن بناء أحد الخبرين على الآخر، بأن يجعل أحدهما مخصصًا للآخر أو ناسخًا له، يجعل كذلك، لما فيه من أعمالهما جميعًا، وإلا فالمتفق على قوله أولى، لأنه أقوى [من المختلف فيه].\n٥ - ومنها- أن يعمل أكثر السلف بأحد الخبرين ويعيبوا على من خالف- كخبر الربا. وقد رجح به عيسى بن أبان وجماعة، لأن الأغلب أن يكون","vol":"1","page":489},{"text":"الصواب مع الأكثر. والأصح أنه لا يترجح به، لأن عمل الأكثر ليس بحجة، ويجوز الغلط عليهم، كجوازه على الأقل.\n٦ - ومنها- أن يوافق أحد الخبرين حكم العقل الذي لا يجوز الانتقال عنه، كحرمة ذبح الحيوان وغير ذلك. وقد رجح به قوم. والأصح أنه لا يترجح به، لأن العقل لا يقتضى قبحه إلا بشرط أن لا يوجد فيه مصلحة بدليل شرعي وأحد الخبرين يدل عليه، فلا يترجح الآخر عليه.\n٧ - ومنها- أن يكون أحد الخبرين مقتضيًا إيجاب حد، والآخر يقتضى نفيه. فالمسقط للحد أولى، لأن الحد يسقط بالشبهات وبتعارض البينتين، فوجب إسقاطه بتعارض الخبرين.\n٨ - ومنها- أن يكون أحدهما متضمنًا للحرية والآخر متضمنًا للرق- قال بعضهم: إنهما سيان. والصحيح أن المثبت للحرية أولى، لأن الحرية لا يعرض فيها من الأسباب المبطلة لها ما يعرض للرق، فلا تبطل الحرية بعد ثبوتها، كما يبطل الرق بعد ثبوته، فكانت الحرية آكد.\n٩ - ومنها- أن يقتضى أحدهما الحظر والآخر الإباحة، فقد اختلفوا فيه: قال بعضهم: بالتساوي والتساقط، فيطرحان، ويرجع المجتهد إلى غيرها من الأدلة الشرعية أو البقاء على حكم العقل، وإليه ذهب عيسى بن أبان.\nوقال بعضهم: المبيح أولى.","vol":"1","page":490},{"text":"وقال بعضهم: الخاطر أولى.\nوحكي عن الكرخي ﵀ أن الحاظر أولى، فيما كان أصله الإباحة.\nوقيل: المبيح أولى فيما كان أصله الحظر.\nونحن نقول: إذا اقتضي أحد الخبرين الحظر واقتضي الآخر الإباحة، فإن أحدهما لابد أن يكون مطابقًا لما يقتضيه العقل، فيكون الناقل عنه أولى، لكونه متأخرًا، لأن الظاهر أن الأول هو المقرر لقضية النقل، لأن فيه تقليل النسخ، لأنه نسخ بقضية الأصل والخبر المطابق له مرة واحدة. ولو كان الناقل عن قضية العقل هو المتقدم كان ناسخًا لها، ثم الموافق لقضية العقل يرد بعد ذلك، فيكون ناسخًا للناقل عنها فيؤدى إلى النسخ مرتين، ولا شك أن الأول أولى.","vol":"1","page":491},{"text":"فإن قيل: قد يكون قضية العقل الوجوب، وأحد الخبرين مبيح والآخر حاظر، فلا يكون أحدهما بأن يجعل ناقلًا أولى من الآخر- قلنا: ليس كذلك، لأن الخبر الحاظر هو الناقل عن قضية العقل الذي هو الوجوب، لأن المبيح لا يقتضى إلا مجرد الحسن، وإنه لا ينافى الوجوب. وأما الحاظر فإنه ينافى الوجوب- هذا هو تقرير هذا الوجه، إلا أنا نتكلم مع هذا: إن الحظر هل هو وجه مرجح كما أن كونه ناقلًا وجه مرجح- فنقول: الدلالة على ذلك أن العمل على الحاظر أحوط، لأن الفعل إن كان محظورًا فقد تجنبه المكلف، وإن كان مباحًا لم يضره تركه. ولا كذلك إذا استباحه وفعله، لأنه يحتمل أنه محظور، فيلزمه بفعله ضرر.\nفإن قيل: في حمله على الحظر ضرر، لأنه ربما يكون مباحًا، فإذا اعتقده محظورًا كان مقدمًا على اعتقاد هو جهل وقبيح- قلنا: إذا كان الفعل محظورًا كان بحمله على الإباحة مقدمًا على قبيحين: أحدهما فعله، والآخر اعتقاده. وإن كان مباحًا يكون تركه قبيحًا وكان مقدمًا على قبيح واحد، وكان التجنب عنه أولى. وإذا ثبت أن تجنب الفعل أولى من الإقدام عليه، وهو الذي تعارض فيه الخبران قطعًا، دل على أن اعتقاد تجنبه وحظره ليس بجهل ولا قبيح.\nوأما من قال بالتساقط- قال: بأنا علمنا تقدم أحد الخبرين على الآخر، ولم نعلم أيهما المتقدم، جاز كون كل واحد منهما هو المتأخر الذي يجب العمل به بدلًا عن صاحبه، ولا يمكن استعمالهما لتنافى حكميهما، ولا يجوز","vol":"1","page":492},{"text":"العمل بأحدهما، لأنه ليس بأولى من الآخر، فلم يبق إلا اطراحهما وجريا مجرى [عقدي وليين على امرأة] ولا نعلم تقدم أحدهما، فإنهما يبطلان. ومجرى موت الغرقى من أنه إذا لم يعلم تقدم موت أحدهم على الآخر، يبطل حكم الإرث بينهم.\nوالجواب- أنه إذا جاز أن يكون كل واحد من الخبرين هو المتأخر، [ف] لم يكن العمل بأحدهما أولى من الآخر، هو نفس الخلاف، لأن المخالف يقول: بل العمل بالحاظر أولى. ووجهه ما مر. ولا يشبه ذلك عقدي الوليين، لأنه ليس أحد الفعلين حاظرًا والآخر مبيحًا، فلا تعارض بينهما، بل وقع الشك في سبب الحل في كل واحد منهما، فلا يثبت. وكذلك الغرقى لما تدافع موتهم، لأنه ليس فيهم جهة ما، تخصه [ب] الإباحة، وجهة ما تخصه [ب] الحظ، بل وقع الشك في سبب الإرث في كل واحد منهما.\nوأما من قال إن المبيح أولى- قال: إن الأصل في الأشياء الإباحة، فقد عاضده الأصل، وفيه كلام: إن الحظر هو الأصل، أو الإباحة؟ وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.\n١٠ - ومنها- أن يكون أحدهما مثبتًا والآخر نافيًا.\nوقال بعضهم: إنهما سواء.\nوإنا نقول: الكلام فيه على نحو ما ذكرنا في الحاظر والمبيح، لأنه لا بد أن يكون أحدهما مطابقًا لحكم العقل، لأنه لا فعل من الأفعال إلا وله في العقل","vol":"1","page":493},{"text":"حكم: إما الحسن أو القبح أو الوجوب، فلا يكون أحد الخبرين نفيًا والآخر إثباتًا، إلا والنفي منهما نفى لواحد من هذه الأحكام، والإثبات منهما إثبات لبعضهما، وإذا كان أحدها مطابقًا لقضية العقل، كان الناقل أولى- على ما مر.\nد- وأما الذي رجع إلى ما سوى ذلك:\nفهو قياس الأصول إذا شهد بما دل عليه أحد الخبرين، لأن قياس الأصول إذا تفرد بنفسه يعمل به. فإذا ثبت الترجيح بما لا يكفى في نفسه لإثبات الحكم، فلأن يثبت، بما يكفى بنفسه لإثبات الحكم، أولى.\nفإن قيل: هذا ترجيح بكثرة الدليل، والترجيح لا يثبت بكثرة الأدلة- قلنا: القياس ليس بحجة في مقابلة الحديث، فجاز أن يجعل كالصفة الزائدة، فيتقوى به. على أن الترجيح يثبت بكثرة الأدلة إذا اختلف جنس الدليل، وهنا اختلف.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>[ب]\nباب\nالأفعال</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>١١٩ - [أقسامها]:</span>\nاعلم أن الفرض من الكلام في الأفعال أن ينظر: إن أفعال رسول الله صلي الله عليه وسلم هل تدل على حكم ما؟ وإن دلت [فهل] على حكم فعل أو حكم ترك؟ وذلك يقتضى أن نقسم الأفعال أقساها على حسب أحكامها في الحسن والقبح، وما يتفرع عليهما- فنقول:\nالأفعال الصادرة عن الإنسان لا تخلو: إما إن صد [ت] وهو ليس على حكم التكليف، أو صدر [ت] وهو على حالة التكليف.\nفالأول- نحو أفعال النائم والساهي والطفل والمجنون. وهذه الأفعال لا حكم لها في المدح والذم. وربما يتعلق بها الضمان عند الإتلاف في المال والنفس. والمخاطب بإخراج المال، في حق الصبي والمجنون، الولي.\nوالثاني- ضربان:\nأحدهما- ما صح للقادر عليه المتمكن من فعله أن يفعله، وهو الحسن. والآخر- ما ليس للقادر عليه، المتمكن من فعله أن يفعله، وهو القبيح.","vol":"1","page":495},{"text":"وقد ذكرنا حد الحسن والقبيح في صدر الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>[١ - القبيح]:</span>\nولا نحد القبيح بأنه فعل يستحق عليه الذم والعقاب، لأن الفعل قد لا يستحق عليه الذم والعقاب لمانع، مع كونه قبيحًا.\nوقد يوصف القبيح بأوصاف:\nمنها- وصفنا إياه بأنه محظور- هو عند الإطلاق يفيد أنه خلاف موجب أمر الله تعالى أو ما يجرى مجرى الأمر.\nومنها- وصفنا إياه بأنه محظور. وقد ذكرنا معناه في صدر الكتاب. وكذلك المحرم.\nومنها- وصفنا إياه بأنه ذنب. وهو فعل يتوقع عليه العقاب. ولهذا لا يوصف فعل الصبي والمجنون بأنه ذنب، لأنه لا يتوقع عليه العقاب. أما فعل المراهق فقد يوصف بأنه ذنب، لما يلحقه من التأديب.\nومنها- وصفه بأنه مكروه. وهو عند الإطلاق يفيد أن الله تعالى كرهه. وفقهاء العراق يقسمون القبيح إلى: المحظور، وما الأولى أن لا يفعل،","vol":"1","page":496},{"text":"وإلى المكروه، وما لا بأس به.\n- أما المحظور-[ف] كأكل الميتة والدم وكل ما طريق قبحه مقطوع به.\n- وأما المكروه-[ف] كاستعمال سور كثير من السباع وكل ما طريق قبحه مجتهد فيه.\nوأما الأولى أن لا يفعل-[ف] كسور الهرة عند أبي حنيفة ﵀.\n- وأما ما لا بأس به-[ف] هو [ما فيه أدنى شبهة كاستعمال أسآر كثير مما يؤكل لحمه. فأما ما لا شبهة فيه كالماء فإنه لا يقال: لا بأس به].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>[٢ - الحسن]:</span>\nالقسم الثاني- وهو ما القادر عليه المتمكن من الفعل أن يفعله- فهو على ضربين:\n(أ) أحدهما- ما ليس له صفة زائدة على حسنه، وهو المباح، وحده ما مر في صدر الكتاب.","vol":"1","page":497},{"text":"ومعني إباحة الشرع الفعل- أن الله تعالى أعلمنا ذلك أو دلنا عليه. وكذا يوصف بأنه طلق وحلال. ومعناه الإباحة. ولذلك لا يوصف أفعال الله تعالى الحسنة نحو تعذيب من يستحقه- بأنها مباحة. ومن حق المباح أن لا يستحق الثواب على فعله، إذ لو استحق عليه الثواب لكان بصفة يترجح بها فعله على تركه. وما يروى أن الرجل ليثاب على وطء امرأته حيث قال: \"أرأيت لو وضعته في الحرام لكنت تعاقب عليه؟ \". فهذا يشير إلى أنه يستحق الثواب بعدوله عن الحرام وقصر نفسه على الحلال.\n(ب) وأما الضرب الثاني- فعلى ضربين:\nأحدهما- ما ليس للإخلال به تأثير في استحقاق الذم، وهو المندوب. وحده ما ذكرناه في صدر الكتاب. فقد يوصف بأنه مرغب فيه. ومعناه عند الإطلاق أنه مرغب فيه بالثواب. وقد يوصف بأنه مستحب، ومعناه عند الإطلاق أن الله تعالى أحبه. وقد يوصف بأنه نفل، ومعناه أنه طاعة غير واجبة. ويوصف بأنه تطوع، ومعناه انقياد المكلف لأمره طوعًا من غير لزوم. ويوصف بأنه سنة، ومعناه عند البعض أنه \"طاعة\" عرفت بفعل الرسول غير واجبة. ولهذا يذكر في مقابلة الواجب- يقال: واجب وسنة. وقال بعضهم: اسم \"السنة\" لا يختص بما ليس بواجب، بل يطلق على كل ما عرف وجوبه أو كونه مندوبًا بأمر الرسول ﵇ وبإدامته عليه، ولهذا يسمى الختان سنة ولا يراد به أنه غير واجب.\nومن حق المندوب أن لا يستحق العقاب على الإخلال به، إذ لو استحق لدخل تحت الواجبات.\nوالفقهاء إنما ذموا على ترك السنة، لاستدلالهم بذلك على الاستهانة بالخبر وزهده فيه. وكان الذم على فعل القبيح، لا على ترك المندوب.","vol":"1","page":498},{"text":"والضرب الثاني- ما للإخلال به مدخل في استحقاق الذم، وهو الواجب. وقد ذكرناه في صدر الكتاب. وقد دخل فيه الواجب المعين والمخبر والواجب على الكفاية. لأن الواجب المخير هو المختص بحالة تقتضى استحقاق الذم على الإخلال به ويبدله. ثم الواجبات المعينة لا يقف استحقاق الذم على الإخلال بها على ظن إخلال الغير بها كالصلوات الخمس. وأما الواجبات على سبيل الكفاية [ف] يقف استحقاق الذم على الإخلال بها على ظن إخلال الغير بها، كالجهاد ونحوه.\nفأما ماهية الوجوب- وهى الصفة المقتضية لاستحقاق الذم على الإخلال به-[ف] ثابتة في الكل.\nولما ذكرنا من حد النقل والفرض، يستحيل أن يوصف الفعل الواحد بأنه نفل وفرض. والفقهاء إذا وصفوا الحج والصوم بأنها نافلة، والمضي فيهما واجب، فإنما عنوا به أن ابتداءهما نفل والمضي فيهما واجب، فيرجع وصفهم بأنه نفل وواجب إلى فعلين، لا إلي فعل واحد- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>١٢٠ - باب في: ذكر القادرين الذين يجوز عليهم الفعل الحسن والقبيح:</span>\nاعلم أن كل قادر- فإنا نجوز وقوع الأفعال الحسنة منه، إلا ما أخبر الله تعالى أو رسوله أنه لا يفعل.\nوأما الأفعال القبيحة- فإنه لا تجوز على الله تعالى لحكمته واستغنائه.\nوكذلك لا تجوز على جماعة الملائكة، لأنهم معصومون عن ذلك بإخبار","vol":"1","page":499},{"text":"الله تعالى في قوله: [لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ].\nوكذلك لا تجوز على جماعة الأمة، لإخبار الله تعالى ورسوله عن ذلك على ما نحن نقرره في باب الإجماع.\nوأما الأنبياء- فلا يجوز عليهم ما يوجب خللًا في أداء الرسالة والتعليم والقبول:\nفالأول- وهو ما يخل بالأداء: هو الكذب والكتمان والسهو فيما يؤدى، لأن تجويز ذلك يوجب ارتفاع الثقة ويؤدى إلى الإغراء بالجهل والقبيح، وذا لا يجوز على الله تعالى. ويجوز عليهم السهو في غير حالة الأداء، لكن على وجه لا يؤدى إلى التباس.\nوالثاني- وهو ما يخل بالتعليم، وهو الجهل. فيجب أن يعرف من أمور الدين [ما] لو سئل [عنه] لكان عنده جوابه، أو يمكنه إبراز جوابه.\nوالثالث- وهو الذي يخل بالقبول: الكبائر والصغائر والكذب في غير ما يؤدى، لأن ذلك ما يوجب التنفير ويرفع الثقة. وكذا الفظاظة والغلظة، لأنه يوجب التنفير. وكذلك المباحات المستخفة القادحة في التعظيم الصارفة عن القبول، إلا ما يشعر باللطف والتواضع ولا يوجب التنفير- يعرف ذلك بدلالة الحال، كما روى عنه ﵇: أنه ركب الحمار معروريًا،","vol":"1","page":500},{"text":"وأردف غيره دابته. ونحو ذلك. وكذلك الكتابة والشعر، إذ كانت معجزته الفصاحة والإخبار عن الغيوب. وقد عرف تمام ذلك في موضعه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>١٢١ - باب في: ذكر معنى: التأسي، والمتابعة، والموافقة، والمخالفة، والائتمام</span>.\nاعلم أنا متى تعبدنا بالتأسي وإتباع النبي ﵇، وكانت الموافقة والمخالفة تذكران في الاحتجاج في ذلك- فيوجب ذلك أن نذكر هذه الألفاظ وتعلقها- فنقول:\nالتأسي:\nقد يكون في الفعل، وقد يكون في الترك.\nأما التأسي في الفعل-[ف] هو أن نفعل مثلما فعل النبي ﵇، في صورته، على الوجه الذي فعله، لأجل أنه فعله.\nوإنما شرطنا المماثلة- في الصورة- لأن النبي ﵇ إذا صلى فصمنا، أو إذا صام فصلينا، لم نكن متأسين به.\nوأما اعتبار الوجه- فنعنى به الأغراض. فكل شيء عرفناه في الفعل، اعتبرناه في التأسي، و(إلا فلا نعتبره. ومن جملة ذلك النية: فإن النبي ﵇ إذا تنفل فافترضنا، أو افترض بفعل فتنفلنا، لم نكن متأسين به.","vol":"1","page":501},{"text":"وأما المكان والزمان- إذا عرفناهما غرضين في الفعل اعتبرناها في التأسي. وإذا لم نعرف لا نعتبره. مثال الأول- الوقوف بعرفة وصوم شهر رمضان والجمعة في وقتها. ومثال الثاني- أن اتفق من النبي صلي الله عليه وسلم التصدق في زمان مخصوص في مكان مخصوص بيده اليمني، فإذا تصدقنا في غير ذلك المكان، في غير ذلك الزمان باليد اليسرى، كنا متأسين، لأنا عرفنا أن المكان والزمان لا يعتبر بهما في باب الصدقة.\nوأما اعتبار المعنى الثالث- فلأن النبي ﵇ إذا صلى، فصلى رجلان من أمته، وصف كل واحد منهما بأنه متأس بالنبي ﵇، لا بصاحبه، لأن كل واحد منهما فعل لأجل أن النبي ﵇ فعل، لا لأجل أن صاحبه فعل.\nوأما التأسي في الترك-[ف] هو أن النبي ﵇ إذا ترك الصلاة عند طلوع الشمس، فإذا تركنا على الوجه الذي ترك، لأجل أنه ترك، كنا متأسين به، ﵇. وليس شرط التأسي أن يستفيد المتأسي وجوب الفعل وصورته من جهة من يتأسي به، فإنا موصوفون بأنا متأسون بالنبي ﵇ بالصبر على الشدائد والشكر على النعم، إذا كنا فعلنا على الوجه الذي فعل، وإن كنا لا نعرف وجوبه من جهته. وهذا ليس بممتنع: أن نفعل مثلما فعل النبي ﵇، لأجل أنه فعل، لعلمنا حسنه. وإذا لم يمتنع ذلك، فلا يمتنع وقوع التأسي، وإن عرف وجوبه بدليل آخر.\nوأما المتابعة:\n[ف] قد تكون في القول، وقد تكون في الفعل.","vol":"1","page":502},{"text":"أما الإتباع في القول- فهو المصير إلى ما اقتضاه القول من وجوب أو ندب أو حظر لأجله.\nوأما الإتباع في الفعل- فهو إيقاع مثله في صورته، على وجهه الذي فعله، لأجله.\nوإنما شرطنا في الإتباع ما شرطنا في التأسي، لأنه ﵇ إذا صلى فصمنا، أو صلى فرضًا فتنفلنا بالصلاة، أو صلينا الفرض، لا لأجل أنه فعل، لم نكن متبعين له.\nوأما الموافقة:\nفقد تكون في القول، وقد تكون في الفعل.\nفالأول- هو المشاركة فيما قيل: \"إن الموافقة حصلت فيه\"، وإن اختلف دليلهما. فإنه يقال: \"وافق زيد عمرًا في مسألة كذا\": أفاد أنهما اشتركا في المذهب والقول به فقط. وليس شرطه أن يعتقد لأجل أنه اعتقد: فإنه يصح أن يقال: وافق فلان فلانًا في مسألة الرؤية، وإن كان قد يعتقده لقيام الدلالة عليه.\nو[الثاني]: أما الموافقة في الفعل فهو إيقاع مثله في صورته، على وجهه. ولا يشترط أن يكون لأجله، لأنه يستقيم أن يقال: \"وافق فلان فلانًا إذا فعل مثلما فعل على الوجه الذي فعل\"، وإن لم يكن فعله لأجله.","vol":"1","page":503},{"text":"وأما المخالفة:\n[ف] قد تكون في القول، وقد تكون في الفعل.\nفالأول- هو العدول عما اقتضاه القول من إقدام أو إحجام.\nو[الثاني]: أما المخالفة في الفعل- فهو العدول عن إتباع مثله في صورته إذا وجب عليه امتثاله. لأنه إذا لم يجب عليه ذلك، لا يوصف بذلك كله- ألا ترى أن إخلال الحائض بالصوم والصلاة لا يسمى مخالفة النبي ﵇، لأنه لم يجب عليها إتباعه في ذلك.\nوأما الائتمام:\nفهو الاقتداء والإتباع- يقال: \"ائتم فلان فلانًا في الصلاة\"- أفاد أنه اقتدى به واتبعه، في فعلها، على الوجه الذي أوقعها عليه.\n* * *\nهذا هو معنى هذه الألفاظ- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>١٢٢ - باب في: دلالة أفعال النبي ﵇ على الأحكام:</span>\nاعلم أنه لا خلاف بين الأمة في جواز الاستدلال بأفعال النبي ﵇ على الأحكام. لكنهم اختلفوا:\n١ - فذهب قوم إلى أن مجردها دلالة على الأحكام. ثم اختلفوا فيما بينهم:\n* قال بعضهم: إنها تدل على الوجوب.\n* وقال بعضهم: إنها تدل على الندب.\n* وقال بعضهم: إنها تدل على الإباحة.\n٢ - وذهب آخرون إلى أن مجردها لا يدل على الأحكام إلا إذا عرف وجه إيقاعها عليه. فإذا عرفنا [وقوعها على] وجه وجوبها: [فإنها] تدل على","vol":"1","page":504},{"text":"وجوب مثلها علينا. وإذا عرفنا وقوعها على جهة النفل: كنا متعبدين بالتنفل بها. وإذا عرفنا وقوعها على جهة الإباحة: كنا متعبدين باعتقاد الإباحة فيها.\nأما جهة الحظر- فهي منتفية عن أفعال النبي ﵇ أصلًا، على ما مر، فلا تحتمله.\nفنتكلم أولًا في: أن مجرده يدل على الوجوب وغيره، مما ذكرنا من الأحكام. ثم [ثانيًا] نبين وجوب التأسي به إذا عرفنا وقوعها على جهة من هذه الجهات.\nأما الأول:\n(أ) - فالدلالة عليه أن الوجه في وجوب الشرعيات، أو التعبد بها نفلًا، كونه مصالح في حق العبادة، وفعله ﵇ يدل على الحسن، وانتفاء الحظر عنه في حقه لعصمته. أما لا يدل على كونه مصلحة في حق غيره، لأن المصالح تختلف باختلاف أحوال المكلفين- ألا ترى أن المقيم مع المسافر، والحائض مع الطاهر، يختلفان في حكم الشرع، لاختلاف أحوالهما. ومتى لم يعرف كونه مصلحة في حق غيره، لكونه مصلحة في حقه، فلا نعلم وجه الوجوب، أو وجه الندب، والإباحة، في حق غيره، والحكم، في حقه.\n(ب) - والخصوم تعلقوا بأشياء بعضها عقلي وبعضها سمعي [في القول بالوجوب]: أما العقلي:\n١ - فمنه- أنه لو لم يلزمنا إتباعه في الأفعال ولا يجب علينا فعل ما فعله، لكان تنفيرًا عنه، وهذا قبيح.","vol":"1","page":505},{"text":"٢ - ومنه- أنه لو لم يكن منا الإتباع في أفعاله، لا يلزمنا الإتباع في أقواله، وذلك تنفير عنه، والجامع بينهما أن في ذلك تجويز مخالفته، فيجب علينا إتباع أفعاله وأقواله، حتى لا نكون مخالفين له.\nوأما السمعي:\n٣ - فمنه- تعلقهم بقوله تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ ...] فالله تعالى أوجب التأسي، وهدد على تركه، فدل ذلك على وجوب التأسي به.\n٤ - ومنه- قوله تعالى: [فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ]: حذر من مخالفة أمره، وذا يقتضي وجوب ترك المخالفة. واسم الأمر يتناول القول والفعل جميعًا، فيلزمه ترك المخالفة في الأمرين جميعًا.\n٥ - ومنه- قوله تعالى: [وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ] أمرنا بطاعة الرسول ﵇، وطاعة الرسول ﵇ في طاعته [ف] قوله وفعله، وذلك بإتباع قوله وفعله.\n٦ - ومنه- قوله تعالى: [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]. والإيتاء يقع على القول والفعل جميعًا. ولأن الإيتاء هو الإعطاء،","vol":"1","page":506},{"text":"والنبي ﵇ يعطينا مصالح ديننا بفعله، كما يعطينا ديننا بقوله، فيجب الأخذ به.\n٧ - ومنه- أن النبي صلى الله عليه خلع نعله في صلاته، فخلع الناس نعالهم. فلولا أنهم عرفوا وجوب الإتباع في فعله لما فعلوا ذلك.\n٨ - ومنه- أن الوجوب أعلى مراتب الفعل، فيجب حمل أفعاله ﵇ عليه- تعظيمًا لشأنه.\n(ج) - وأما من حمله على الندب، فقال: إن للفعل مراتب: وهو الوجوب أو الندب أو الإباحة، والندب هو المتوسط، والحمل عليه أولى من حمله على الإباحة.\n(د) - وقيل: إن الإباحة أدنى المراتب، وهو المتيقن، فالحمل عليه أولى.\nوالجواب:\nأما شبه القائلين بالوجوب [فمردودة بما يلي]:\nأما الأولى- قلنا: مفارقته إيانا لم توجب التنفير، أليس أنا فارقناه في كثير من الأفعال من المناكح وصلاة الليل وغيرهما، ولا يوجب ذلك التنفير- كيف وإنه لو صرح بنفي المساواة وقال: \"اعلموا أنى رسول الله إليكم: أعلمكم مصالح دينكم، ولا يلزمكم إتباعي في أفعالي\" لا يكون تنفيرًا- فهذا كذلك.\nوأما الثانية- قلنا: المفارقة بين الأفعال والأقوال ظاهرة. وهى أن الأقوال وضعت لمعان: فالأمر وضع للإيجاب، والنهى للحظر، والخبر وضع لإبانة ما جعل خبرًا عنه، والحكمة تقتضي أن من خاطب قومًا بلغتهم يعنى بخطابه","vol":"1","page":507},{"text":"ما عنوه، فيجب حمل كل لفظ على ما وضع له. وهذه الطريقة منعدمة في الأفعال، لما أنها غير موضوعة لمعنى من المعاني.\nوقوله: لو لم يجب إتباعه في الفعلين، كنا محالفين له- قلنا: إنما كنا مخالفين إذا فعلنا ما حرم علينا، أو تركنا ما وجب علينا، لما ذكرنا في بيان معنى المخالفة. فعليهم أن يبينوا أن فعله دل على الوجوب، حتى كنا مخالفين له، إذا لم نفعل- ألا ترى أنا لا نوصف بأنا مخالفين له إذا لم نفعل مثلما فعل من المناكح وغيره، لما أنه لم يجب علينا- فكذا هذا.\nوأما الثالثة- قلنا: الآية تدل على وجوب التأسي بالنبي ﵇. والتأسي هو أن نفعل مثلما فعله، على الوجه الذي فعله، لأجل أنه فعله، ونحن قائلون به: إذا عرفنا جهة الوجوب في فعله، يجب علينا إتباعه على تلك الجهة. وكذلك إذا عرفنا جهة الندب والإباحة، نفعله على ذلك الوجه. وأما أن يجب علينا أن نفعل كل ما فعله الرسول ﵇، فليس هذا قضية الآية.\nوهو الجواب عن التمسك بقوله تعالى: [فَاتَّبِعُوهُ].\nوأما الرابعة- قلنا: اسم الأمر لا يقع على الفعل إلا مجازًا، لما مر في صدر الكتاب.","vol":"1","page":508},{"text":"ثم نقول: إنه لا يتناوله الفعل هنا، لأنه راجع إلى الدعاء المذكور في صدر الآية، بقوله تعالى: [لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا] واسم الدعاء لا يطلق إلا على القول، على أنا نقول: القول مراد بهذا النص، فلا يبقى الفعل مرادًا، كي لا يؤدي إلى اجتماع معنيين مختلفين في لفظ واحد.\nوأما الخامسة- قلنا: طاعة الرسول هو أن نفعل ما أمر به وأراده منا، فعليكم أن تبينوا أن النبي ﵇ أراد بفعله أن نفعل ما فعله، من غير أن نعقل وجه الوجوب فيه، حتى ندخل تحت ظاهر الآية.\nوأما السادسة- قلنا: المراد من الآية الأمر، لأنه ذكر بمقابلة النبي، حيث قال: [وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]، ولأن الإعطاء إنما يتحقق في القول دون الفعل، لأن القول يتعدى إلينا بلزوم الفعل علينا، فكأنه أعطانا ذلك، حيث أمرنا به، وكانا بالامتثال نأخذ منه، والفعل لا يتعدى إلينا.\nفإن قالوا: الفعل يتعدى إلينا بلزوم الفعل علينا، قلنا: هنا موضع النزاع، فدلوا أنه كذلك.\nوأما السابعة- قلنا: ليس فيه دليل على أنهم فعلوا ذلك، على جهة الوجوب. على أن النبي ﵇ أنكر عليهم ذلك حيث قال: \"لن خلعتم نعالكم؟ فقالوا: خلعت فخلعنا- فقال ﵇: أخبرني جبرئيل أن به أذى\" فهذا يدل على أنه يجب عليهم أن يعرفوا الوجه الذي يوقع النبي ﵇ الفعل عليه، حتى يجب عليهم مثل ذلك- وهذا دليلنا.\nوأما الثامنة- ولم إذا كان الوجوب أعلى مراتب الفعل يجب أن يحمل عليه؟ فإن قالوا: لمكان الاحتياط، لأن الفعل إذا كان واجبًا: فإذا حملناه على","vol":"1","page":509},{"text":"[غير] الوجوب لزمنا ضرر، فأما إذا لم يدل على الوجوب فقد أمنا من تركه، على أن في حمله على الإيجاب ترك الاحتياط من وجه آخر، وهو التحرز عن اعتقاد لا نأمن كونه جهلًا وقبيحًا على ما عرف.\nوأما قولهم: إن الندب هو الدرجة المتوسطة، والإباحة هي الأدنى- قلنا: إن كان كذلك، لم يجب الحمل عليه، مع احتمال جهة أخرى فيه؟ بل يجب الرجوع إلى الجهة المقتضية للوجوب أو الندب أو الإباحة، وإلا فنفس الفعل لا يدل على شيء من ذلك، على ما مر- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>١٢٣ - باب في: طريق معرفة الجهة التي تقع أفعال النبي ﵇ عليه:</span>\nأما الطريق إلى معرفة جهة الوجوب فأشياء:\n١ - منها- أن يقول النبي ﵇: هذا الفعل واجب.\n٢ - ومنها- أن يقع امتثالًا لدلالة تدل على الوجوب.\n٣ - ومنها- أن يكون بيانًا لكلام يدل على الوجوب.\n٤ - ومنها- أن يضطر إلى قصده: أنه أوقعه واجبًا.\nوأما الطريق إلى معرفة كونه مندوبًا إليه:\nفهذه الأشياء الأربعة. ووجه آخر، وهو أن يدل دلالة، من قول أو غيره، أن له صفة زائدة على أصل الحسن، ولا يدل على وجوبه دلالة.\nوأما الطريق إلى معرفة كونه مباحًا:\nفهذه الوجوه الأربعة. ووجه آخر وهو أن يدل دلالة على حسنه، ولا يدل على صفة زائدة عليه.","vol":"1","page":510},{"text":"[والثاني:]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>١٢٤ - باب في: التأسي بالنبي ﵇:</span>\n- اعلم أن النبي ﵇ إذا فعل فعلًا، وعرفنا وجه وجوبه، يجب علينا أن نفعله مثلما فعله.\n- وإن عرفنا كونه متنفلًا به، كنا متعبدين بالتنفل به.\n- وإن عرفنا كونه مستبيحًا له، يجب علينا اعتقاد إباحته، وجاز لنا فعله على الإطلاق.\nوقال بعضهم- إن التأسي به واجب في الأفعال العبادة، دون المباحة من المناكح وغيرها.\nوالدلالة على صحة ما ذهبنا إليه:\n١ - قوله تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]. والتأسي به هو أن يفعل مثلما فعله، على الوجه الذي فعله، لأجل أنه فعله، والله تعالى أمر به مطلقًا من غير تقييد بالعبادات والمباحات.\nفإن قيل: الآية تفيد وجوب التأسي به مرة واحدة، كقول القائل: \"لك في الدار ثوب حسن\" يفيد أن له في الدار ثوبًا واحدًا- كذا هذا. على أن الآية تقتضى كونه قوة لنا على الإطلاق من غير تعيين فعل. والإنسان لا يوصف","vol":"1","page":511},{"text":"بكونه قدوة لزيد مطلقًا إذا كان ينبغي له أن يقتدي به في أمر واحد، بل في جميع أموره- فكذا هذا- والله أعلم.\n٢ - دليل آخر- قوله تعالى: [فَاتَّبَعُوهُ]: أمر بإتباع النبي ﵇ مطلقًا، والإتباع قد يكون في القول وقد يكون في الفعل، فيدخل كل واحد منهما تحت إطلاق الآية.\nفإن قيل: أليس في الآية عموم، فما الدلالة على أن المراد منه الفعل دون القول أو كلاهما؟ قلنا: نحن نتعلق بإطلاق النص دون عمومه- فنقول: أمرنا بالإتباع المطلق، وهذا إتباع مطلق، فيدخل تحت إطلاق النص.\n٣ - دليل آخر- إجماع الصحابة ﵃: فإنهم كانوا يراجعون إلى أفعال النبي ﵇ في تعرف الأحكام، نحو مراجعتهم إلى زوجات النبي ﵇ في القبلة للصائم، وفيمن أصبح جنبًا وهو صائم، وفي نكاح ميمونة وهو محرم أو حلال، وغير ذلك؟ وهذا إجماع منهم على وجوب إتباعه في أفعاله المباحة، وإجماع الصحابة حجة- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>١٢٥ - باب في: قسمة أفعال النبي صلي الله عليه وسلم وتروكه:</span>\nاعلم أن أفعال النبي ﵇ ضربان:","vol":"1","page":512},{"text":"أحدهما- يخصه، كالصوم والصلاة وغيرها.\nوالآخر- يتعلق بالغير، كإقامة الحدود والتعزيز على غيره.\nوكذلك تروكه على ضربين:\nأحدهما- يخصه، كترك الجلسة على الركعة الثانية وغيرها.\nوالآخر- يتعلق بالغير، كترك إقامة الحد والتعزيز على مباشرة جريمة، وترك الإنكار على غيره.\nأما الأول من الأفعال- فقد ذكرنا حكمه: إنه إن عرف وجه وجوبه، كنا متعبدين بمثله، وإلا فلا. وكذلك تروكه.\nوأما القسم الآخر من الأفعال- فإقامته الحد والتعزيز على غيره: دليل على أنه مقدم على كبيرة، مستحق لذلك.\nوأما الترك الذي يتعلق بالغير- فهو ضربان:\nأحدهما- ما تقدمه دليل على قبحه. وأقر النبي صلى الله عليه صاحبه على ذلك. كاختلاف أهل الكتاب إلى كنائسهم، فإن ترك النكير في مثل هذا الموضع لا يدل على استحسانه وجوازه.\nوالآخر- أنه لا يصلح من دين النبي ﵇ الإقرار عليه، فترك النكير في مثل ذلك يدل على استحسانه وجوازه وزوال الحظ، سواء تقدم دليل القبح أو لم يتقدم:\n* أما إذا لم يتقدم، فلأن الإنكار على القبيح واجب. فإن النهي عن المنكر واجب خصوصًا في حق النبي ﵇، فإن له الحظ الأوفر من ذلك، فدل ترك النكير على استحسانه.","vol":"1","page":513},{"text":"* وأما إذا تقدم دليل القبح:\nقال بعضهم: إن ذلك لا يدل على زوال الحظر واستحسانه، لأن مع تقدم الحظر لا يحتاج إلى النكير على من شاهد أن يفعله. إلا أن الصحيح أن يدل على ذلك، لأن دليل الحظر يحتمل الزوال، وترك النكير دليل على الزوال من الوجه الذي ذكرنا.\nفإن قيل: النهى عن المنكر إنما يجب إذا غلب على ظنه أنه يؤثر فيه. فأما إذا غلب على ظنه أن إنكاره لا يؤثر فيه، فمطلق ترك النكير لا يدل على استحسانه- قلنا: الدليل المقتضي للنهى عن المنكر مطلق، وإنكار النبي ﵇ يؤثر لا محالة، لأنه لا يكون كإنكاره غيره، إلا إذا قام دليل معارض يمنع من ذلك. ونحن نقول: إذا دل الدليل أن عدم النكير لا يؤثر أو لعذر آخر، لا يدل ترك النكير على استحسانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>١٢٦ - باب في: أفعال النبي ﵇ إذا اختلفت أو تعارضت مع أقواله:</span>\nاعلم أن التعارض بين الشيئين إنما يقع بالتضاد والتنافي ينهما، ولا تضاد ولا تنافى في نفس الأفعال، لأن التضاد بين الشيئين إنما يتصور في وقت واحد، ولا يتصور ذلك في الأفعال.\n(أ) - وإذا فعل النبي ﵇ فعلًا في وقت، وفعل ضده في وقت آخر، كنا متعبدين بمثله في ذلك الوقت، وبضده في وقت آخر، وإنما يقع التعارض بين الأفعال بغيرها، وهو أن النبي ﵇ إذا فعل فعلًا في زمان، وعرفنا من ظاهر حاله أنه أراد إيجابه علينا، ثم رأينا النبي ﵇ أقر بعض القوم على ضده، فإنا نعلم كونهم مخصوصين عن حكم ذلك الفعل.","vol":"1","page":514},{"text":"وكذلك إذا فعل النبي ﵇ فعلًا وعرفنا وجوب أمثاله عليه في تلك الأوقات، ثم رأيناه فعل ضده في بعض تلك الأوقات- دل على أنه نسخ.\nومعنى قوله: إنه نسخ الفعل- هو زوال وجوب مثله في المستقبل من الزمان.\nومعنى قولنا: إنه لحقه التخصيص، أن بعض المكلفين غير مراد في حكم ذلك الفعل.\n(ب) - وأما التعارض بين الأقوال والأفعال:\n- إن كان من كل وجه- إن عرف التاريخ ينهما، فالمتأخر قاض على المتقدم. وإن لم يعرف، فالمصير إلى القول أولى، لما مر في أبواب الأخبار وأبواب البيان.\n- وأحكام التعارض من وجه- نحو نهى النبي ﵇ عن استقبال القبلة واستدبارها في بول أو غائط، وجلوسه مستقبلًا إلى بيت المقدس لقضاء الحاجة. فيحتمل أن النبي خاص في الصحارى لكل واحد، والفعل في البيت خاص لكل أحد. ويحتمل أن يكون النهي عامًا في الصحارى والبيوت في حق كل أحد، وفعله خاص في حقه في بيته.\nواختلفوا في هذه الصورة:\n١ - قال الشافعي ﵀: إن النهى يخص بالفعل، فيجعل النبي خاصًا في الصحارى لكل واحد، وفعله خاصًا في البيوت لكل أحد.\n٢ - وقال الشيخ أبو الحسن الكرخى ﵀- بأن الفعل يخص بالنهي، فيجعل النهي عامًا في الصحارى والبيوت لكل أحد، وفعله في البيوت خاص في حقه.","vol":"1","page":515},{"text":"وجه القول الأول- أن الفعل أخص، فالعمل به أولى.\nووجه القول الثاني- ما ذكرنا في الأبواب المتقدمة: أن الفعل لا يتعدى إلينا بنفسه، والقول يتعدى بنفسه، فالعمل بالقول أولى.\nوالصحيح أنه يتوقف فيه، ويطلب الترجيح بوجه آخر.\nوالدلالة عليه قوله تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] وقوله تعالى: [فَاتَّبَعُوهُ]. [و] استقباله إلى بيت المقدس لقضاء حاجته، معارض للنهى، فلا ينبغي أن يعترض على الآخر بأحدهما.\nوقوله: القول يتعدى بنفسه والفعل لا يتعدى- قلنا: إذا اعترضنا بالنهى على الفعل، كان التخصيص واقعًا في قوله تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]. وهذا قول يتعدى إلينا بنفسه. وإذا تعذر الترجيح من حيث هو قول وفعل، بطل الترجيح من وجوه أخر. وفي هذه الصورة وجه ترجيح، وهو أن النهى أخص من قوله تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]، والأخص أقوى، فكان أولى.\nفإن قيل: التخصيص واقع على الفعل، لأن الفعل [هو] الذي دل على وجوب مثله علينا، والفعل أخص من النهى- قلنا: الفعل لا يدل على وجوب مثله علينا بنفسه، بل بغيره، وهو القول- على ما مر. وكان التخصيص واقعًا على القول، بخروج هذا الفعل عن كونه واجب الإتباع فيه بحكم الآية، والنهى أخص منه.\n[والله أعلم].","vol":"1","page":516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>٣\nأبواب\nالإجماع</span>","vol":"1","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>١٢٧ - [تقسيم الكلام فيه]:</span>\nاعلم أن الكلام في الإجماع في مواضع:\nأحدها- في معنى الإجماع لغة وشرعًا.\nوالثاني- في كون الإجماع حجة.\nوالثالث- في أن الإجماع: بماذا يقع؟\nثم الكلام في كل وجه من الوجوه على الترتيب الذي نذكره إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>١٢٨ - أما معنى الإجماع لغة:</span>\nقال بعضهم- إنه مأخوذ من الجمع والاجتماع. ولا فرق بين قول القائل: \"أجمعت على كذا\" وبين قوله: \"جمعت\" وهذا غلط، فإن قومًا لو اجتمعوا في مكان لا يقال: إنهم أجمعوا فيه، وإنما يقال اجتمعوا. وإذا جمعهم فيه جامع لا يقال: أجمعهم، وإنما يقال: جمعهم- دل عليه صحة إضافة الإجماع إلى الواحد وامتناع إضافة الاجتماع إلى الواحد- يقال: \"أجمعت عل كذا\" ولا يقال: \"اجتمعت عليه\".\nوالصحيح أنه الإبرام وقطع العزم على إمضاء أمر من الأمور من قولهم: \"أجمعت على كذا\" أي \"قطعت عزمي عليه\"- قال الله تعالى: [فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ] معناه: أبرموا وأحكموا. وقال ﵇: \"لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل\": يعنى يقطع عزمه على إمضائه. فالجماعة إذا قطعوا عزمهم على إمضاء أمر وأبرموه، فقد اجتمعوا عليه.","vol":"1","page":519},{"text":"هذا هو معنى الإجماع لغة.\nويتحقق الإجماع من اليهود والنصارى ومن العوام على هذا. [وشرعًا]:\nإلا أنه في عرف الشرع اختص بإجماع علماء أمة محمد ﵇ عن أمر من الأصول الشرعية- على ما نذكره إن شاء الله تعالى. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>١٢٩ - باب في: كون الإجماع حجة:</span>\nاعلم أن إجماع أهل كل عصر من الأمة حق وصواب.\nوذهب جماعة إلى أن الإجماع ليس بحجة.\nوقالت الإمامية: الإجماع حجة لوجود الإمام فيه. والحجة قول الإمام دون غيره.\n(أ) - والدليل على كون الإجماع حجة- قول الله تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (الآية)]: الله تعالى أخبر بأنه جعلهم عدولًا، لأن الوسط هو العدل لغة: أوجب قبول قولهم، لأنه سماه شهادة، والشهادة لا تكون إلا واجب القبول، والحكيم لا يخبر بعدالة قوم ولا يوجب قبول قولهم، مع علمه أنهم يرتكبون القبيح ويكذبون في مقالتهم- فدل ذلك على أن ما شهدوا به صدق، وما حكموا به صدق وصواب.\nفإن قيل: الاعتراض على التعلق بالآية من وجوه:\nأحدها- أنه ليس فيها لفظ عموم حتى يقتضى أن يكونوا عدولًا في كل ما يشهدون. فما أنكرتم أن المراد منه الشهادة في دار الآخرة، وهو شهادتهم على سائر الأمم بتبليغ الأنبياء الرسالة إليهم، دون شهادتهم في الدنيا.","vol":"1","page":520},{"text":"والثاني- إن كان المراد شهادتهم في الدنيا، فهي الشهادة على من بعدهم بإيجاب النبي ﵇ الشرائع عليهم، لا في غيره، ونزاعنا في غير ذلك، وهو إجماع على حكم حادثة.\nوالثالث- أن الأمة المذكورة في الآية إما أن يكون المراد بها جميع من صدق النبي ﵇ إلى يوم القيامة، أو جميع من كان حاضرًا وقت نزول الآية:\n* فإن كان الأول- فهذا يقتضى أن لا يكون الإجماع حجة، لأنه لا تكليف ولا مكلف بعدهم، ليشهدوا عليهم، بوجوب شيء.\n* وإن كان الثاني- فهذا يمنع من التعلق بالإجماع، إلا إذا علم أن من كان حاضرًا وقت نزول الآية قال بهذا القول، وهذا مما لا يعلم، ولو علم [فإنا] نقول به.\nوالجواب:\nأما الأول- قلنا: لا يجوز حمل الآية على الشهادة في الآخرة، لوجوه ثلاثة:\n* أحدها- أنه قال: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا]، ولو كان المراد به ذلك لقال: \"سيجعلكم أمة وسطًا\" لأنه وصف منتظر.\n* وثانيها- أن سائر الأمم شاهدوا من الأنبياء تبليغ الرسالة إليهم، فيكون علمهم أقوى، فلا يجوز منهم الاستشهاد على من كان علمه أضعف.\n* وثالثها- أن الناس كلهم عدول في دار الآخرة، لا يكذبون ولا يقدمون على قبيح، فلا معنى لتخصيص هذه الأمة بالعدالة.","vol":"1","page":521},{"text":"وأما الثاني- قلنا: الله تعالى أخبر أنه جعلهم عدولًا لغرض أن يشهدوا وتقبل شهادتهم، وإخبارهم بإيجاب الشارع لا يفتقر إلى ذلك، فإن الأمة بأسرهم إذا أخبروا عن شيء على سبيل التواتر يحصل العلم به، وإن لم يكونوا عدولًا في ذلك. ولا يجوز أن يكون الغرض من جعلهم عدولًا أن يخبروا بالآحاد لا بالتواتر، لأن كل واحد بالانفراد ليس بعدل، ولا يقبل قوله، فثبت أن المراد شهادتهم على حكم حادثة وإجماعهم أنه من الدين.\nوأما الثالث- قلنا: ليس المراد منه القسم الأول، لما ذكرنا. وليس المراد منه القسم الثاني أيضًا. لأنه لا سبيل إلى العلم به، والله تعالى طلب منهم الشهادة، وذلك يقتضى وجوب قبول قولهم علينا، ولا يجوز أن يقف وجوب قبول قولهم علينا على ما لا سبيل له إلى العلم به، فكان المراد به عصر الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه، لأن الإجماع حال حياته لا يعتد به، إنما الاعتداد بتوفيقه وتقريره. وكان الإجماع المعتد به الإجماع بعد وفاته ﵇. والله أعلم.\n(ب) - دليل آخر- قوله تعالى: [وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ]: دلت الآية على قبح إتباع غير سبيل المؤمنين، فدلت على وجوب إتباعه، لأنه لا يمكن التحرز عن هذا القبيح إلا به، فوجب القول بقبوله، وما أجمعوا عليه من الحكم صار سبيلًا لهم، فيجب إتباعهم فيه، ولا يجوز مخالفتهم، لأن في مخالفتهم إتباع غير سبيلهم. وإنما قلنا: إن الآية دلت على قبح إتباع غير سبيل المؤمنين، لأن الله تعالى جمع بين إتباع غير سبيل المؤمنين وبين مشاقة النبي ﵇ في لحوق الوعيد، ولا يجوز من الحكيم الجمع بين المباح والمحظور في إلحاق الوعيد-","vol":"1","page":522},{"text":"ألا ترى أنه لا يجوز أن يقول لغلامه: \"إن زنيت وشربت الماء أعاقبك\"، ولما جمع بينهما، دل أن إتباع غير سبيل المؤمنين قبيح.\nفإن قيل: على وجه التعلق بالآية [اعتراض] من وجوه:\nأحدها- لا نسلم بأن إتباع غير سبيل المؤمنين قبيح وحرام. أما قوله: إن الله تعالى جمع بينهما في إلحاق الوعيد- قلنا: هذا إلحاق الوعيد بمن اتبع غير سبيل المؤمنين ووجدت قرينة مشاقة النبي ﵇، وهذا لا يدل على إلحاق الوعيد بإتباع غير سبيل المؤمنين بدون مشاقة النبي ﵇.\nوالثاني- أن هذا إلحاق الوعيد بمن اتبع غير سبيل المؤمنين بشرط تبين الهدى له، واللام في الهدى لام الجنس، فتستفيد جميع الهدى. ومما أجمعوا عليه من الحكم، من الهدى، فيجب تبين ذلك بدليل سوى قولهم، كمن قال لغيره: إذا تبين صدق فلان فاتبعه: يقتضى تبين صدقه، بدليل سوى قوله. ونحن نقول: إذا ظهر وتبين أن ما أجمعوا عليه حق وصواب بدليل آخر، يجب القول به.\nوالثالث- إن سلمنا أن إتباع غير سبيل المؤمنين حرام وقبيح، ولكن من أين لكم وجوب إتباع سبيل الدين؟ وهذا لأنه ليس من ضرورة المنع من إتباع غير سبيل المؤمنين، إيجاب إتباع سبيلهم، فإنه يجوز أن لا يتبع غير سبيل المؤمنين، ولا [يتبع] سبيلهم، بل يقف ويشك فيه.","vol":"1","page":523},{"text":"والرابع- أن ظاهر النص إن كان يقتضى ذلك، لكن ما سبيل المؤمنين الذي يجب الإتباع فيه؟ فإن السبيل هو الطريق، وليس المراد هو ما استطرقوه من الطرق التي يمشون فيها، لأنه لا يحرم على الإنسان أن يمشي في طريق لا يمشون فيه، وكان المراد منه ما استطرقوه من الطرق التي [دلتهم] إلى ما يحكمون به، وهو الاجتهاد.\nونحن نقول: على كل من هو أهل الاجتهاد والاستدلال، الاستدلال- والاجتهاد واجب إذا لم يظفر بالنص.\nوالخامس- إن سلمنا أن اسم السبيل يقع على الحكم، لكنه يقع على الاستدلال أيضًا، لأن المجمعين لما صاروا إليه فيما أجمعوا، فإن ذلك سبيل لهم. كما أن الحكم الذي حكموا به صار سبيلًا لهم، فلم كان الحمل على وجوب إتباعهم في الحكم أولى من الحمل على وجوب إتباعهم في الاستدلال على الحكم.\nالسادس- أن المراد من هذا السبيل سبيلهم في أصل الإيمان، لأن سبيل المؤمنين ما صاروا به مؤمنين، وهو الإيمان بالله تعالى. وهذا كمن يقول لغيره، \"اتبع سبيل الصالحين\": يفهم منه: اتبع سبيلًا صاروا به صالحين.\nوالسابع- أن المراد منه إتباع سبيلهم في ترك مشاقة النبي ﵇، لأن سبيلهم ترك مشاقة النبي ﵇، فيفهم منه ذلك، كقول القائل: \"من منع المال وسلك طريقة البخلاء، فعليه كذا وكذا\": يفهم منه سلوك طريقهم من منع المال، فكذا هذا.\nونحن نقول: إن إتباعهم في ترك مشاقة النبي ﵇ والانقياد واجب.","vol":"1","page":524},{"text":"والجواب- قلنا:\n[الأول]- فيما ذكرتم وجوب إتباع سبيل المؤمنين مع مشاقة النبي ﵇. ومع مشاقة النبي ﵇ لا يمكن معرفة وجوب إتباع سبيل المؤمنين، لأن وجوب إتباع سبيل المؤمنين إنما يعرف لصحة السمع، ولا يمكن معرفة صحة السمع مع مشاقة النبي ﵇ ومعاندته وتكذيبه وإنكار نبوته. ومع ذلك لا يمكن معرفة صحة السمع. وإذا لم يعرف ذلك، لا يعرف وجوب إتباع سبيل المؤمنين. ومن لا يعرف وجوب إتباع سبيلهم لا يجوز أن يؤمر بإتباع سبيلهم- على أنا نقول: المراد منه إلحاق الوعيد بكل واحد منهما على الانفراد، لأنه عطف إتباع غير سبيل المؤمنين على مشاقة الرسول ﵇، ثم ألحق الوعيد. وليس المراد تعليق الجزاء بهما جميعًا، بل بكل واحد منهما، فإنا أجمعنا على أن مشاقة النبي ﵇ وحدها يدخله في ... الوعيد، ولا يقف على شيء آخر. فعطف إتباع غير سبيل المؤمنين عليه مع استقلاله في إلحاق الوعيد دليل على أن المراد إلحاق الوعيد بكل واحد منهما.\nوأما الثاني- فالجواب عنه من وجوه:\n* أحدها- أن تبين الهدى شرط في لحوق الوعيد بمشاقة الرسول، لا في إتباع غير سبيل المؤمنين، لأنه دخل عليها لا غير، فإنه قال: [وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى] ومشاقة الرسول ﵇ لا تتحقق إلا بعد تبين الهدى ومعرفة أصل الإيمان، أما إتباع غير سبيل المؤمنين [ف] ممكن من غير تبين الهدى، فيجب أن يكون هذا الشرط مقصورًا على مشاقة الرسول ﵇.","vol":"1","page":525},{"text":"* والثاني- أن الشرط في لحوق الوعيد بمشاقة النبي ﵇ تبين الهدى بعرفة الله تعالى وصفاته ومعرفة النبي وصدقه، دون العلم بأحكام الفروع- ألا ترى أن من عرف الله تعالى بصفاته وعرف النبي ﵇ وصدقه ثم حاد عن نبوته كان مشاقًا للنبي صلي الله عليه وسلم، وإن لم يعرف أحكام الفروع، فلما كان الشرط هذا في لحوق الوعيد، لمشاقة النبي ﵇، فكذلك في إتباع غير سبيل المؤمنين، لأن الشرط واحد فيهما.\n* والثالث- أن الآية خرجت إعظامًا للمؤمنين- فلو شرطنا تبين ما أجمعوا عليه من الحكم في وجوب الإتباع، لبطل معنى الإعظام. فإن غير سبيل المؤمنين إذا عرفنا قولًا من أقاويلهم هذا حاله، يجب علينا القول بذلك.\nوأما الثالث- قلنا: كلمة \"غير\" إما أن تكون بمعنى كلمة \"إلا\"، أو بمعنى \"الصفة\". فإن كان الأول: صار معنى الآية: ومن يتبع إلا سبيل المؤمنين- فدخل تحت الآية: من لم يتبع سبيلهم بأن يشك ويقف في ذلك، ومن اتبع غير سبيلهم أيضًا- فصارت الآية حجة من هذا الوجه. وإن كان الثاني: فالآية تقتضى المنع من القول بإباحة ما أجمعت الأمة على حظره، ويحظر ما أجمعت الأمة على إباحته. [و] الخصم لا يقول به.\nقوله: بأنه يشك ويتوقف- قلنا: بالشك يتبع غير سبيل المؤمنين، لأن سبيلهم القطع دون الشك، على أن المفهوم من النهى عن إتباع غير سبيل المؤمنين، الأمر بإتباع سبيلهم، كالنهى عن إتباع غير سبيل الصالحين: أمر بإتباع سبيل الصالحين.","vol":"1","page":526},{"text":"وأما الرابع- قلنا: نحن لما أمرناهم بالمصير إلى ما يحكمون به، فقد أوجبنا عليم الإتباع في الحكم الذي هو سبيلهم، وفى الاجتهاد أيضًا. لأن كل من يتبع الإجماع فقد استدل به على الحكم واجتهد. إلا أن المستدل به مختلف، فيجب الحمل عليه عملًا بإطلاق النص.\nوهو الجواب عن الخامس: أن الآية بإطلاقها تقضى إتباع سبيلهم، في الحكم والاجتهاد جميعًا.\nوأما السادس والسابع- قلنا: هذا عدول عن ظاهر الآية لأنها تقتضى المنع من إتباع سبيل غير سبيل المؤمنين، على العموم والإطلاق، كمن قال لغيره: \"إن دخلت غير دارى عاقبتك\" كان هذا منعًا من دخول كل دار غير داره هو، على العموم- كذا هنا.\nوقوله: إن المفهوم منه ذلك- قلنا: عند الإطلاق ممنوع، إلا إذا قام الدليل الصارف عن الإطلاق، فمن ادعاه فعليه البيان- والله أعلم.\n(ج) - دليل آخر- قوله عليه وسلم: \"لا تجتمع أمتي على الخطأ\" وفي رواية \"على ضلالة\" فالنبي ﵇ نفى جميع الخطأ عما اجتمعت عليه الأمة، لأن هذه نكرة في موضع النفي، فتعم. فالحديث يقتضى أن كل ما اجتمعت عليه الأمة حق وصواب.\nفإن قيل: قبل أن نجيء إلى الاعتراض على وجه التعلق بالحديث، هذا خبر واحد في موضع العلم والاعتقاد، فلا يكون حجة. وبيانه: أن ظاهره لا يقتضى","vol":"1","page":527},{"text":"وجوب العمل علينا، وإنما يقتضى العلم بنفي الخطأ عما اجتمعت عليه الأمة، ثم لزوم العمل بناء عليه.\nثم الاعتراض على وجه التعلق بالحديث من وجوه:\nأحدها- أن المراد من نفى الخطأ، السهو الذي هو ضد القصد، لا الخطأ الذي هو ضد الصواب.\nوثانيها- أن معنى قوله: \"لا تجتمع أمتي على الخطأ \"أي\" لا يجمعهم الله على الخطأ\". كما روى في بعض الراويات مصرحًا \"لم يكن الله ليجمعكم على الخطأ\"، ونحن نقول به: إن الله تعالى لا يدعو عباده إلى الخطأ، ولا يجمعهم عليه.\nوثالثها- أن المراد من هذا الخطأ والضلال، الكفر والخطأ في أصول الدين، دون الفروع، لأن الضلال المطلق ذلك.\nورابعها- أن المراد من الأمة المذكورة فيه: إن كان جميع من بعث النبي ﵇ إليهم من المؤمنين والكافرين جميعًا، فإجماعهم على الأحكام لا يتصور. وإن كان المراد هو من صدقه، كان المراد بيع من صدقه إلى يوم القيامة، وهذا يقتضى أن لا يكون الحديث دليلًا على كون الإجماع حجة، لأنه لا تكليف ولا مكلف بعدهم، فكان فائدة الحديث تمييز هذه الأمة من بين سائر الأمم من حيث إن سائر الأمم يجتمعون على الخطأ، وهذه الأمة لا، فصار كأنه قال: لا يجتمع جميع من صدقني إلى يوم القيامة على الخطأ، ولو قال ذلك لم يكن إجماعهم حجة، لأنه لا تكليف ولا مكلف بعدهم.\nوخامسها- إن سلمنا أن ما اجتمعت عليه الأمة حق وصواب، لكن لم يجب أن لا يجوز مخالفت [هـ]، وهذا لأنه لا يمتنع أن يكون الشيء وما خالفه حقًا وصوابًا، كما في سائر المجتهدات عند البعض.","vol":"1","page":528},{"text":"قلنا:\n- أما الجواب عن كلامه الأول فمن وجوه:\n* أحدها- أن الحديث بصيغه إن نقل بالآحاد، لكن معناه منقول على سبيل التواتر. فإن معنى هذا الحديث نقله الثقات من الصحابة بألفاظ مختلفة على وجه يبلغ حد التواتر. أما الصحابة [ف] نحو عمر وابن مسعود وأبى سعيد الخدرى وأنس بن مالك وأبى هريرة وحذيفة بن اليمان وغيرهم ممن يطول ذكرهم. وأما الألفاظ [ف] نحو قوله ﵇: \"لا تجتمع أمتي على الخطأ- ولا تجتمع أمتي على الضلال- وسألت الله تعالى أن لا يجمع أمتي على الضلالة وأعطانيها- ومن سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد- ويد الله مع الجماعة- ولا يبالي الله بشذوذ من شذ-","vol":"1","page":529},{"text":"ولا يزال طائفة من أمتي على الحق حتى يظهر أمر الله- ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم خلاف من خالفهم- ومن خرج عن الجماعة وفارق الجماعة قيد شبر فقد خلع الله الإسلام من عنقه- ومن فارق الجماعة ومات فميتته جاهلية- عليكم بلزوم الجماعات- عليكم بالسواد الأعظم- وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن\"- فجرت هذه الأخبار على التفاصيل، مجرى ما نقل من الآحاد، من تفاصيل سخاء حاتم وشجاعة على ﵁، في أن مجموع ذلك ومعناه منقول بالتواتر، وإنه يوجب العلم.\n* والثاني- أن التابعين أجمعوا على صحة هذا الخبر، لأنهم على صحة الإجماع، وعلى كونه حجة، وإنما أجمعوا لأجل هذا الخبر. ومن عادة الأمة أنها لا تجتمع على موجب خبر إلا إذا قامت الحجة بصحته.\nأما إجماعهم فمعلوم، لأنه لم ينقل عنهم خلاف ذلك.\nوالدلالة على أنهم أجمعوا لأجل هذا الخبر- فلأنه قد ظهر هذا الحديث عندهم، وظهر العمل على موجبه، فيجب أن يحال عليه. إذ لو جاز أن يقال إنهم عملوا على موجب الكتاب، لا لأجل الكتاب، وعلى موجب الخبر الواحد لا لأجله- وهذا ظاهر الفساد.\nوأما بيان أن من عادتهم أن لا يجتمعوا على موجب الخبر إلا إذا قامت الحجة بصحته- أنا رأيناهم أجمعوا على موجب بعض الأخبار، ولم يجمعوا على موجب البعض، وما أجمعوا [ف] لأنه قامت الحجة بصحته، وما لم يجمعوا فإنما لم يجمعوا لأنه لم تقم الحجة بصحته. وههنا أجمعوا على الكل، [و] به علم أنهم إنما أجمعوا، لقيام الحجة على صحته.","vol":"1","page":530},{"text":"فإن قيل: إنكم بنيتم صحة الإجماع على الإجماع، وأثبتم كون الإجماع حجة بالإجماع، وهذا ظاهر البطلان- قلنا: ليس كذلك، لأنا [لا] نثبت كون الإجماع حجة بالإجماع، بل نستدل بالإجماع على صحة الحديث من الوجه الذي بينا، ثم نثبت كون الإجماع حجة بالحديث وبقول النبي ﵇.\n* والثالث- إن كان هذا من أخبار الآحاد، لكن لما رواه العدول والثقات، غلب على ظننا صدق الراوي. وظننا أن ما اجتمعت عليه الأمة حق وصواب. فلو جاز مخالفتهم مع ذلك، لحقهم الضرر من جهة العدول عن الحق، بحكم غالب الحق، فيجب المصير إلى ما أجمعوا عليه تحرزًا عن الضرر، لأن الضرر المظنون بمنزلة الضرر المقطوع به، في وجوب التحرز عنه. كمن خرج إلى سفر فأخبره ثقة أن في الطريق لصًا أو سبعًا، أو حائطًا مائلًا [و] غلب على ظنه سقوطه- يجب عليه التحرز عن ذلك، فكذا ههنا. إلا أن هذا الوجه يصح التعلق به لإيجاب العمل بموجب الإجماع، لإفادت [هـ] العلم بكونه حقًا وصوابًا.\nوأما الجواب عن الاعتراضات:\nأما الأول- قلنا: لا يجوز الحمل على نفى السهو لوجهين:\n* أحدهما- أنه لا يفيد، لأن الجماعة العظيمة لا يتصور إجماعها على السهو عادة، كما لا يتصور إجماعها على مأكل واحد، ويصير كأنه قال: \"لا تجتمع أمتي على مأكل واحد\" وإنه لا يفيد.","vol":"1","page":531},{"text":"* والثاني- أنه كما لا يتصور إجماع هذه الأمة على السهو، لا يتصور إجماع سائر الأمم عليه. فلو حملناه على نفى السهو، لم يكن لتخصيص هذه الأمة معنى.\nوأما الثاني- الخطأ هو العدول عن الصواب، والضلال هو العدول عن الحق. وهذا يكون بالكفر وغيره. ويتحقق في الأصول والفروع جميعًا، فيحمل على نفى الكل: إما لأنه نكرة في محل النفي، أو لأنه مذكور بلام الجنس.\nوأما الثالث- قلنا نعمل بظاهر الحديث، فنقول: لا تجتمع الأمة على الخطأ، فلم يكن الله ليجمعهم عليه. على أن الله تعالى كما لا يشرع الخطأ والضلال، ولا يحمل عليه في حق هذه الأمة، لا يفعل ذلك في سائر الأمم، فلم يكن لتخصيص هذه الأمة فائدة.\nوأما الرابع- قلنا: قال بعضهم: أمة النبي ﵇ كل من بعث إليه. وقال بعضهم: هو من صدقه. وهذا هو الصحيح، لأن المفهوم من الأمة عند الإطلاق هذا- ألا ترى أنا ندعو لأمة محمد ﵇، وإنما ندعو لمن صدقه، لا لمن كذبه. فهذا يقتضى أن إجماع من صدقه ﵇ ممن كان موجودًا في ذلك الوقت حجة، لا من يكون بعدهم، لأنه لم يوجد التصديق منهم في الحال، فالأمة، في كل زمان، كل من صدقه في ذلك الزمان، فكان ما أجمعوا عليه في ذلك الزمان حقًا وصوابًا.","vol":"1","page":532},{"text":"وأما الخامس- قلنا: متى ثبت أن ما أجمعوا عليه حق وصواب، فلو أجمعوا على تحريم شيء فقد منعوا من إحلاله. ولو أجمعوا على إحلال شيء، فقد منعوا من تحريمه، فيجب أن يكون ذلك هو الصواب في الطرفين جميعًا، وإنما لا يقولون به. وهكذا نقول في المجتهدات: ما ثبت حقًا وصوابًا ثبت كون المنع من ضده حقًا وصوابًا- والله تعالى أعلم.\nوالمخالف احتج بأشياء:\n١ - منها- أنه لا يمكن إحاطة العلم بالإجماع، لتفرق الأمة في البلدان، فكيف يكون حجة؟\n٢ - ومنها- أن إجماعهم على الباطل غير محال، لأنه مقدور لهم.\n٣ - ومنها- أنه يجوز الخطأ على كل واحد، فكذا على الكل، لأن الكل ليس إلا جمع الآحاد عليهم.\n٤ - ومنها- أن الأمة في بعض الأحوال كان على النصف مما هم عليه، بل على عشره. فإذا جاز الخطأ على نصف هذا العدد، جاز عليهم.\nوالجواب:\nأما الأول- قلنا: هذا إنكار الضرورة، لأنا عرفنا إجماعهم على أشياء. ولأن الدواعي متوفرة على نقلها لإظهار الأحكام، ونقل قول العلماء يتعرف الإجماع به.\nوأما الثاني- قلنا: إن كان الخطأ مقدورًا لهم، ودلائل العصمة ما مرت.","vol":"1","page":533},{"text":"وأما الثالث- قلنا: إنما تثبت لهم العصمة بشرط الاجتماع، لما ذكرنا وحكم الآحاد قد يخالف حكم الجماعة- ألا ترى أنه يجوز أن ينسى كل واحد من الناس أن يومه يوم السبت، ولا ينسى الكل.\nوأما الرابع- قلنا: امتناع إجماعهم على الضلال مشروط بكونهم كل الأمة وكل المؤمنين، بالنصوص، والعدد القليل في عصرهم كل الأمة، كالعدد الكثير في عصر آخر. فالحجة إجماع الأمة في كل عصر، وهى كل الأمة فيه والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>١٣٠ - باب في: أن الإجماع بماذا يكون:</span>\nاعلم أن الإجماع قد يكون بالفعل. وقد يكون بالقول. وقد يكون بالرضا.\n١ - أما الإجماع بالفعل- فبأن يفعلوا بأجمعهم فعلًا، فيدل ذلك على حسنه من وجهين:\nأحدهما- أن فعلهم بأجمعهم يدل على اعتقادهم حسنه. واعتقادهم حسن ذلك، دليل على كونه حسنًا.\nوالثاني- إجماعهم على نفس الفعل- دليل على حسنه، كما مر في الباب الأول.\n٢ - وأما الإجماع بالقول- فبأن يجمعوا على القول بوجوب شيء، أو بحسنه.\n٣ - وأما الرضا فبطريقين:\nأحدهما- أن يخبروا عن أنفسهم: أنهم راضون بذلك.","vol":"1","page":534},{"text":"والثاني- أن يشتهر الفعل أو القول في شيء، فسكتوا، ولم يظهروا من أنفسهم كراهة ونكيرًا، مع زوال التقية. وهذا مما فيه خلاف نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>١٣١ - باب في: من يعتبر في الإجماع ممن بعث إليه النبي ﵇:</span>\nاعلم أن من بعث إليهم النبي ﵇ هم المكلفون، من مؤمن وكافر، ومجتهد وغير مجتهد.\nولا اعتبار بقول الكافر، في الإجماع، لأنه لا يعرف الأحكام، ولا تتناوله الأدلة التي ذكرناها.\nوكذا لا اعتبار بقول جميع المؤمنين إلى انقضاء التكليف، لما مر أنه لا مكلف بعدهم، حتى يكون إجماعهم حجة عليهم.\nفإن قيل: إجماعهم حجة على من اجتمع معهم ثم يريد مفارقتهم- قلنا: هذا لا يتصور، لأنا لا نأمن أن يحدث بعد كل عصر من يخالفهم، فلم يكن بيع المؤمنين أجمعوا عليه.","vol":"1","page":535},{"text":"وهل يعتبر قول العامة فيه؟\nقال بعضهم: يعتبر. ولا يكون إجماع العلماء في كل عصر حجة على العصر الثاني، إلا إذا اتبعهم عوامهم، لأن الإجماع إنما صار حجة لعصمة الأمة عن الخطأ، وهم من جملة الأمة.\nوالصحيح أنه لا اعتبار بذلك، لأن العامة تابعة للعلماء. وهم كالمتصرفين فيهم بتنفيذ الفتاوى والأحكام عليهم. ولأن الإجماع إنما يكون حجة إذا صدر عن دليل، إما اجتهاد أو غيره، لأنه لا يجوز أن تحكم الأمة بلا دليل. والعصمة الثابتة للأمة هي العصمة عن الخطأ في الاستدلال والاجتهاد، لا في القول بلا دليل، وهذا النوع من العصمة لا يتصور ثبوته للعامة. وهذا جواب عن شبهتهم- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>١٣٢ - باب في: أن إجماع أهل كل عصر هل هو حجة وصواب أم لا</span>؟\nذهب أصحاب الظواهر إلى أن إجماع الصحابة هو الحجة، دون غيرهم.\nوذهب عامة أهل الأصول إلى أن إجماع أهل كل عصر حجة.\nوالدلالة على ذلك- أن أدلة الإجماع لا تختص بالصحابة، فإن قوله تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا] يتناول كل عصر إلى يوم القيامة. وكذلك قوله تعالى: [وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ]. وكذا قوله ﵇: \"لا تجتمع أمتي على الضلالة- وعلى خطأ\" [يتناول] أهل كل عصر إلى يوم القيامة- عل ما مر.","vol":"1","page":536},{"text":"والخصوم تعلقوا [بأشياء]:\n١ - منها- أن أدلة الإجماع تخص الصحابة. لأن قوله تعالى: [جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا] هذا خطاب مواجهة يتناول من كان حاضرًا وقت نزول الوحي. وكذلك قوله تعالى: [وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ]. وقوله [صلي الله عليه وسلم] \"لا تجتمع أمتي على خطأ\" يتناول الصحابة، فأما لا يتناول التابعين وحدهم، لأنهم ليسوا بجميع المؤمنين، بل تناولهم مع [من] تقدمهم من مؤمني الصحابة ﵃، لأنهم وصفوا بأنهم مؤمنون، وليس لهم في ذلك قول. فلم يكن المخالف لإجماع التابعين، داخلًا تحت الوعيد، بخلاف الصحابة، لأنهم في زمانهم وصفوا بأنهم جميع المؤمنين، لأنه لم يتقدمهم مؤمن، فكان إجماعهم جميع المؤمنين، فمخالفتهم تدخل تحت الوعيد.\n٢ - ومنها- قوله ﵇: \"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديهم اهتديتم\"، وهذا يدل على أنهم المتعينون بظواهر الإجماع.\n٣ - ومنها- أن الصحابة اختصوا بمشاهدة النبي ﵇، وبالحضور وقت نزول الوحي- فكان لهم مزية على غيرهم، فكانت الحجة قولهم دون غيرهم.\n٤ - ومنها- أن التابعين ﵏ لو اجتمعوا على حكم، لكان إنما صاروا إليه بنص متواتر، أو بأمارة اجتهدوا فيها. ولو كان في ذلك نص أو أمارة مجتهد فيها، لما ذهب على الصحابة، لأنهم ليسوا بأدنى من التابعين، فلا يذهب عليهم ما ظفر به التابعون.","vol":"1","page":537},{"text":"والجواب:\nأما الأول- قلنا: قوله تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا] خطاب لجميع الأمة، واسم الأمة لا يختص بمن هو في عصر النبي ﵇، فيتناول أهل كل عصر، وقد ذكرناه من قبل.\nوأما قوله بأن التابعين ليسوا جميع المؤمنين- قلنا: ليس كذلك، بل هم جميع المؤمنين في عصرهم، لأن اسم المؤمن مشتق من التصديق، فلا ينطلق على من ليس بمصدق في الحال، عن تقدم موته. ولا يطلق القول بأنهم ليسوا بمؤمنين، لأنه يوهم أنهم ما كانوا مؤمنين، فلم يكن داخلًا تحت مطلق الاسم في الحال. ولأن الأمر لا يخلو: إما أن يكون المراد بالمؤمنين جميع من كان موجودًا وقت حدوث الحادثة، دون من تقدم موته. أو من كان موجودًا مع من تقدم موته: فإن كان الأول، فهو كلامنا. وإن كان الثاني، فذلك يمنع كون إجماع الصحابة حجة- قلنا: [لما] كان إجماعهم حجة، عرفنا أن المراد به من كان موجودًا وقت حدوث الحادثة.\nوأما الثاني- قلنا: ما في الحديث من الدليل على أن إجماع غيرهم ليس بحجة، ولأن هذا النص يقتضى أن الاقتداء بكل واحد سبب الاهتداء، وليس كذلك، لأن قول بعض الصحابة ليس بحجة على المجتهدين. فعلم أن المراد من الحديث حث العامة على الاستفتاء من كل واحد من الصحابة.\nوأما الثالث- قلنا: ولم يجب، إذا كانوا بهذه الصفة: أن لا يكون قول غيرهم حجة؟ فلا بد من دليل آخر.","vol":"1","page":538},{"text":"وأما الرابع- قلنا: يحتمل أن الحادثة لم تحدث في زمن الصحابة، فلم يتفحصوا عن النص والأمارة، وحدثت في زمن التابعين فتفحصوا وظفروا به. ويحتمل أن تكون المسألة مختلفة بين الصحابة، ثم اتفق التابعون [على] أحد القولين، وظفروا بما لم تظفر به الطائفة الأخرى، لأن قول بعض الصحابة ليس بحجة- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>١٣٣ - باب في: اعتبار المجتهدين، كلهم، في العصر الواحد، في الإجماع:</span>\nهذا الباب يتضمن فصولًا:\nأحدها- أن إجماع أهل كل عصر هل هو حجة إذا خالفهم واحد أو اثنان؟ .\nوالثاني- اعتبار المجتهد من التابعين إذا عاصر الصحابة.\nوالثالث- اعتبار من لم يشتهر بالفتوى من المجتهدين [في الإجماع].\nوالرابع- اعتبار أهل الأمصار كلهم.\nأما الفصل الأول\n[إجماع أهل كل عصر هل هو حجة إذا خالفهم واحد أو اثنان؟].\n[ذهب أكثر الناس أن أهل العصر إذا اتفقوا على قول، إلا الواحد والاثنين من المجتهدين، لا يكون حجة].\n[و] ذهب بعضهم إلى أنه حجة.\nوالدلالة على صحة المذهب الأول- أن أدلة الإجماع لم تتناول أهل العصر","vol":"1","page":539},{"text":"إذا خالفهم واحد أو اثنان، لأن قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يتناول جميع أهل العصر، لأن اللام في \"المؤمنين\" لام الجنس، ولأنه لو لم يصرف إلى الجنس كان متناولًا للثلاثة والأربعة، وقول الثلاثة والأربعة ليس بحجة - علم أن النص تناول جميع المؤمنين. ومع خلاف الواحد، لا يكون قول جميع المؤمنين. وكذلك أسم الأمة، لأنه إذا خالفهم واحد لا يطلق القول بأنه قول جميع الأمة، بل يقال هو قول بعض الأمة - دل عليه أن من الصحابة من تفرد بأقاويل لم توافقه الجماعة [عليها]، كتفرد ابن عباس ﵁ بمسائل [في] الفرائض نحو إنكاره العول وغير ذلك، وتفرد ابن مسعود ﵁ [و] غيرهما- ولم ينكر عليه أحد. وكذا لو كان قول الباقين حجة بدونه، لكان قوله ضلالًا ولأنكروا عليه.\nفإن قيل: اسم المؤمنين يتناول الأكثر على سبيل الحقيقة- ألا ترى أنه يقال: \"رأيت بقرة سوداء\" وإن كان فيه شعرات بيض. وكذلك \" أكلت الرمانة\"","vol":"1","page":540},{"text":"وإن كانت قد سقطت منها حبات لم يأكلها، وهذا إطلاق بطريق الحقيقة. وكذلك أسم المؤمنين الأكثر.\nوالجواب- أن اسم المؤمنين لا يتناول الأكثر، إلا على طريق المجاز، بدليل أنه يستقيم أن يقال: في المؤمنين إلا واحدًا منهم: إنهم ليسوا جميع المؤمنين، وفي الأمة إلا واحدًا منهم: ليسوا كل الأمة. فثبت أن الاسم للأكثر مجاز، حيث صح النفي عنه. وهكذا القول فيما ذكر من المواضع: أنه مجاز، أو استعمل فيه بتعارف الناس. أما هنا فبخلافه.\nوأما المخالف- احتج بأشياء:\n١ - منها - قوله ﵇: \"عليكم بالسواد الأعظم\" وأهل العصر، إلا واحدًا منهم: \"السواد الأعظم\". وقوله ﵇: \"عليكم بالجماعة\"، وأكثر أهل العصر\"جماعة\".\n٢ - ومنها- أن الحجة قول المؤمنين. ونحن لا نتبين إيمان الواحد أو الاثنين، ونتيقن بإيقاع الجماعة الكثيرة.\n٣ - ومنها- أن خلاف الواحد والاثنين، لو كان مانعًا من الإجماع، لبطل كون الإجماع حجة أصلًا، لأنا لا نأمن أن [يكون] ببعض الأطراف واحد. أو اثنان يخالف قولهم، فيمتنع انعقاد الإجماع أصلًا.\nوالجواب:\nأما الأول- قلنا: هذه أخبار آحاد، فلا يصح التعلق بها في هذا الباب.","vol":"1","page":541},{"text":"ثم نقول:\nالسواد الأعظم هو جميع أهل العصر، لأنه ليس وراءه سواد أعظم منه- دل عليه: أنه لو لم يكن كذلك، لدخل تحت النص أحد النصفين إذا زاد على النصف الآخر، بواحد أو اثنين. ولما لم يدخل علم أن المراد هو إجماع كل أهل العصر.\nوكذا\" اسم الجماعة\": المراد منه جميع الأمة - دل عليه: أنه لو لم يكن كذلك كان متناولًا للثلاثة والأربعة، وقول الثلاثة والأربعة ليس بحجة، فعلم أن المراد كل الأمة.\nفإن قيل: قوله ﵇: \" عليكم بالسواد الأعظم، أو بالجماعة\" يقتضي أن يكون قولهم حجة على غيرهم من المجتهدين. وهذا يقتضي أن لا يجمع مع أهل العصر واحد أو اثنان، حتى يكون قولهم حجة- قلنا: ليس كذلك، لأن قولهم يكون حجة على من يأتي بعدهم ممن هو أقل عددًا منهم، أو يكون إجماعهم حجة على آحادهم حتى يمنعهم الرجوع عما قالوه.\nوأما الثاني- قلنا: إن كان يتناول النص بناء على ظاهر الإيمان، فقد وجد في حق الكل. وإن كان بناء على حقيقة الإيمان، فلا يمكن القول بإيمان كل واحد من الجماعة قطعًا على التعيين، كما لا يمكن القطع بإيمان الواحد أو الاثنين إلا أنا نقطع أن في جملتهم مؤمن قطعًا، وربما يكون ذلك هذا الواحد، أو هذان المختلفان.\nوأما الثالث- قلنا: إن الله تعالى لما جعل الإجماع حجة وكلفنا العمل به، وذلك يقتضي أن يكون لنا إلى معرفته سبيل، وذلك بأن يكون بحال لو كان لهم مخالف يظهر قوله [فإنه] يجرى ذلك مجرى أن ضمن الله تعالى إظهار قول من يخالف لو كان صوابًا. فلما لم يظهر ذلك، دل ذلك على بطلانه. على [أن]","vol":"1","page":542},{"text":"من في الأقطار من المجتهدين يعرف قولهم، بخلاف الإجماع، لو كان تتوفر الدواعي إلى النقل والإظهار، وحيث لم يظهر، علم بالعادة أنه ليس له مخالف.\nوأما الفصل الثاني\nوهو أن المجتهد من التابعين إذا حضر وق حدوث الحادثة مع الصحابة - هل يكون قول الصحابة مع مخالفته حجة؟\nعندنا- لا يكون حجة.\nوقال بعض أصحاب الشافعي - حجة.\nوالدليل على صحة ما ذهبنا إليه- أن أدلة الإجماع تناولت هذا الواحد، لأنه من جملة المؤمنين ومن جملة الأمة، فكان قوله مؤثراُ ومعتبراُ في الإجماع، كما ذكرنا، في الفصل الأول- دل عليه أن الصحابة ﵃ اعتبروا قول التابعي إذا خالفهم: فإن عمر ﵁ استقضى شريحًا وكان يخالفه في مسائل ولم ينكر عليه. وكذا علي رضي الله استقضاه، وكان يخالفه. وسئل أنس بن مالك","vol":"1","page":543},{"text":"عن مسألة فقال: سلوا مولانا الحسن. وسئل ابن عمر ﵁ عن مسألة فقال: سلوا سعيد بن جبير، فأنه أعلم منا. وأمثال هذا كثيرة.\nوالمخالف احتج لما روى عن عائشة ﵂ أنها أنكرت على أبى سلمه ابن عبد الرحمن بن عوف خلاف الصحابة في بعض المسائل، ولو لم يكن إجماعهم بدونه حجة، لما أنكرت عليه.","vol":"1","page":544},{"text":"والجواب:\nيحتمل أنها أنكرت، لأنه لم يكن من أهل الاجتهاد، على أن قول عائشة ﵂ لا يكون حجة.\nوأما الفصل الثالث\nوهو اعتبار من لم يشتهر بالفتوى من المجتهدين في الإجماع.\nفعندنا: الإجماع لا ينعقد مع مخالفت.\nوقال بعض الناس: ينعقد، ولا اعتبار بقوله.\nوالدلالة على صحة ما ذهبنا إليه أن أدلة الإجماع تتناوله، لأنه من جملة المؤمنين ومن جملة الأمة، والدلائل تناولت المؤمنين والأمة مطلقًا، إلا أنا أخرجنا العامة عنها، لأنهم ليسوا من أهل الاجتهاد الذي هو طريق معرفة الأحكام، فبقى المجتهد داخلًا، وبهذا فارق النحاة، فإنهم ليسوا من أهل الاجتهاد في الإحكام الشرعية فلا يؤثر قولهم في الإجماع.\nوالمخالف احتج بأن قال: إن الواجب في مسائل الاجتهاد الرجوع إلى من هو من أهل الاجتهاد، فمن لم يشتهر بالفتوى، لم يعرف أنه من أهل الاجتهاد، فلا يؤثر قوله، ولا يعتبر في الإجماع- ألا ترى أنا إذا أردنا أن نعرف تقويم شيء، فإنا نرجع في ذلك إلى أهل الخبرة، ومن اشتهر بمعرفة الأسعار- فكذا هذا.","vol":"1","page":545},{"text":"والجواب:\nقلنا: هذا حجة عليكم، لأن الواجب في مسائل الاجتهاد الرجوع إلى من هو من أهل الاجتهاد، لا إلى من اشتهر بالاجتهاد، كما أن الرجوع في معرفة القيم إلى أهل الخبرة بالأسعار، وإن لم يشتهر بالتقويم، ولا كان قد انتدب للتقويم.\nوأما الفصل الرابع\nوهو اعتبار أهل الأمصار كلهم في العصر الواحد في الإجماع:\nذهب أكثر الناس إلى أن الحجة أجماع جميع أهل الأمصار من المجتهدين.\nوحكي عن مالك وجماعة أنهم جعلوا أجماع أهل المدينة وحدهم حجة.\nوقال بعضهم: إنما جعلوا روايتهم أولى من رواية غيرهم.\nوالدلالة على صحة ما ذهبنا إليه- أن أدلة الإجماع لم تتناول أهل المدينة وحدهم، لأنهم ليسوا بجميع المؤمنين، ولا كل الأمة. ولأن كون الإجماع حجة يبتني على أمور لا تختص ببعض الأماكن، فجعل بعض الأماكن مؤثرًا في الإجماع، فيكون باطلًا.\nوالمخالف احتج وقال: بأن المدينة مهبط الوحي، فيجعل إجماع أهلها حجة.\nولهذا قلنا: إن روايتهم أولى من رواية غيرهم. وبقوله ﵇: \" المدينة طيبة تخرج خبثها كما يخرج الكير خبث الحديد\"، وفيه تزكية أهلها، ودلالة كون إجماعهم حجة.","vol":"1","page":546},{"text":"والجواب: أن كونها مهبط الوحي لم يدل على أن إجماعهم وحدهم حجة.\nوأما الحديث- فظاهره متروك، لأن ظاهر الحديث يقتضي أن يكون الخروج منها مذمومًا، وليس كذلك بالإجماع، فإن من كبار الصحابة ﵃ من فارق المدينة ورجع إلى وطنه. ولئن لم يكن متروك الظاهر، فليس فيه ما يدل على إن إجماعهم وحدهم حجة. وأما روايتهم- فعندنا لا فرق بين ما إذا روي الواحد وهو بالمدينة، وبين ما إذا رواه وهو خارج المدينة، لأنه لا تأثير للمكان، في جعل الأقوال حجة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>١٣٤ - باب في: ما يكون فيه الإجماع حجة:</span>\nأعلم أن كل ما لا يمكن معرفة صحة الإجماع قبل صحة معرفته- فالإجماع فيه لا يكون حجة. نحو العلم بأن الله تعالى حكيم عادل، وأن محمدًا ﵇ صادق- لأنا أنما نعرف صحة الإجماع بعد أن نعرف أن الله تعالى ورسوله شهدا بأنه حق، والله تعالى ورسوله لا يشهدان بشيء إلا وهو كما شهدا به. وإنما يعرف ذلك بعد أن عرف أن الله تعالى حكيم لا يكذب، وأن محمدًا ﵇ صادق، وأن القرآن كلام الله تعالى- ليعلم أن ما فيها من الآيات الدالة على كون الإجماع حجة، من الله تعالى. فإذا لم يعرف صحة الإجماع قبل معرفة صحته، لا يكون الإجماع حجة فيه، لأن من شرط الدليل أن يعرفه المستدل على الوجه الذي يدل، قبل معرفته المدلول.","vol":"1","page":547},{"text":"وأما ما يمكن معرفة صحة الإجماع، قبل معرفة صحته-[فـ] نوعان: أحدهما أمور دنيوية، والآخر أمور دينية.\n-فالأول- نحو أن يجمعوا أن الحرب أو التجارة في مكان، لا يجوز. قال بعضهم: أنه لا يجوز مخالفتهم، ولا يكون ذلك حجة، لأن حالهم في ذلك ليس بأعلى من حال النبي ﵇، ولو أن رسول الله ﷺ رأى في الحرب رأيًا جازت مراجعته، والنقض عليه- فهذا أولى.\nوقال بعضهم: يكون حجة، ولا يجوز مخالفتهم، لأن الدلائل على صحة الإجماع، تمنع مخالفتهم من غير فصل.\nوأما رأي النبي ﵇ في الحرب، فإنما جاز خلافه، لأن الذي يمنع من ظهور الخطأ عليه، قيام المعجزة على يده، وذا لا يتعلق بالأمور الدنيوية.\n- وأما الثاني- فلا يجوز مخالفة الإجماع فيه، وأنه حجة: عقليًا كان نحو رؤية الله تعالى لا في جهة، ونفي ثان له. أو شرعيًا كأحكام الحل والحرمة- لأنه يعلم صحة الإجماع قبل معرفة صحته، فإن الشك في هذه الأشياء لا يخل بالعلم بأن الله تعالى حكيم، وأن محمد ﵇ رسوله- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>١٣٥ - باب في: الإجماع الصادر عن اجتهاد:</span>\nزعم بعضهم أن أهل العصر إذا أجمعوا على حكم عن اجتهاد، لا يكون حجة،","vol":"1","page":548},{"text":"وجاز لغيرهم مخالفتهم- ونقل عن الحاكم الشهيد صاحب المختصر. وعندنا- ذلك حجة لا يجوز مخالفتهم.\nوالدلالة على صحة مذهبنا- أن دلائل الإجماع تناولته، نحو قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله ﵇: \"لا تجتمع أمتي على الضلالة\" من غير فصل.\nفإن قيل: خلاف ما أجمعوا عليه إنما يكون غير سبيل المؤمنين، إذا كان قولًا لا عن اجتهاد. أما إذا كان عن اجتهاد، كان سبيل المؤمنين، لأن ما اتصل به الاجتهاد سبيل المؤمنين، لأن اجتهادهم غير اجتهاد العصر الأول- قلنا: هذا شرط لا دليل عليه، بل إنما صار غير سبيل المؤمنين، لأنه خلاف ما أجمعوا عليه. وبعد ما أدى الاجتهاد إليه، بقى خلاف ما أجمعوا عليه، فكان أتباع غير سبيلهم.\nأما المخالف- فقد قاس القول المتفق عليه عن اجتهاد، على القول المختلف فيه عن اجتهاد، لعلة أن كل واحد منهما صدر عما لا يوجب العلم، وهو الاجتهاد، فإذا جازت مخالفة أحدهما، تجوز الأخرى.\nوالجواب: العلة في الأصل أنه قول لم يتصل به دليل مقطوع به، وهو الإجماع. وهنا قد اتصل به الإجماع. وهذا لأنه يجوز أن يكون الحكم غير لازم، ثم يصير لازمًا إذا اتصل به دليل مقطوع به، كالاجتهاد إذا اتصل به","vol":"1","page":549},{"text":"حكم الحاكم، يصير لازمًا- كذا هذا. على أنا نعارضه بمثله، بأن نقيس القول المتفق عليه عن اجتهاد، على القول المتفق عليه عن استدلال، بعلة أن كل واحد منهما متفق عليه، فلما حرمت المخالفة في أحدهما، حرمت في الآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>١٣٦ - باب في: الاختلاف بعد الاتفاق. والاتفاق بعد الاختلاف:</span>\nأما الأول:\nأعلم أن أهل العصر إذا اتفقوا على حكم من الأحكام، جاز أن يتفق من بعدهم عليه، وذلك هو الواجب- على ما مر.\nويجوز من بعض من بعدهم أن يخالفهم في ذلك، لأنه لا يستحيل من بعض الأمة العدول عن الحق، ولكن لا يحل لهم ذلك.\nولا يجوز أن يجتمع جميع أهل العصر الثاني على مخالفتهم، لأنه إتباع غير سبيل المؤمنين، وإنه حرام. وذلك لا يجوز على جميع الأمة- على ما مر.\nوأما الثاني:\nوهو أن أهل لعصر إذا اختلفوا في المسألة على قولين:\n١ - هل لأهل العصر الثاني أن يجمعوا على أحدهما.\nو٢ - هل كان إجماعهم محرمًا للأخذ بالقول الآخر؟\nففي كل واحد منهما خلاف.\nأما [الفصل] الأول\nفقد منع بعضهم من جواز اتفاقهم على أحد القولين. وعندنا- يجوز ذلك.","vol":"1","page":550},{"text":"والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه- أن كل واحد من القولين مجتهد فيه، ويجوز أن يكون الحق فيه، وهو الصواب. فإذا قامت الدلالة على أحدهما أنه الحق، حسن من الأمة الإجماع عليه- دل عليه أن الصحابة ﵃ توقفوا في الإمامة زمانًا ثم اتفقوا على إمامة أبى بكر ﵁. فكما لم يكن إجماعهم في التوقف مانعًا من الإجماع بعد ذلك. فكذا اختلافهم: لا يكون مانعًا من إجماعهم على أحد القولين. وكذلك التابعون: أجمعوا على تحريم بيع أمهات الأولاد، مع أن الصحابة اختلفوا في ذلك.\nوأما المخالف فقد احتج بوجهين:\n-أحدهما- أن في ضمن اختلاف المختلفين في المسألة على قولين، إجماع منهم على جواز الأخذ بكل واحد منهما. فلو صح الإجماع الثاني بعد ذلك، وحرم القول بالآخر-[فـ] لا يخلو: إما أن يكشف عن تحريمه في الماضي، أو في المستقبل. وإن كان يكشف عنه في المستقبل، كان نسخًا، والنسخ بعد انقطاع الوحي ممتنع. وإن كان يكشف عنه في الماضي [فإنه] يدل على خطأ من تقدم في إجماعهم، وهذا لا يجوز.\n- والثاني- أنه لو جاز لأهل العصر الثاني أن يجمعوا على أحد القولين مع أنه في ضمن اختلاف المختلفين اتفاق على جواز الأخذ بكل واحد من القولين،","vol":"1","page":551},{"text":"لكان إذا اختلفت الصحابة في المسألة على قولين، ثم اتفقوا على أحدهما، جاز لأهل العصر الثاني أن يجمعوا على القول الآخر، فيؤدي إلى أن لا يستقر الإجماع، وهذا فاسد.\nوالجواب:\n-أما الأول- قلنا: القائلون بأن الحق في واحد منهما، لم يجمعوا على جواز الأخذ بكل واحد منهما، بل أوجبوا على المجتهد الأخذ بالحق منهما، وعلى العامي تقليد من يُفتيه. فإذا أجمعوا تبين أن الحق فيه، ولم يبق من يفتي بالآخر. وأما القائلون بأن \"كل مجتهد نصيب\"، فإنما سوغوا الأخذ بكل واحد من القولين، بشرط أن تكون المسألة اجتهادية- ألا ترى أنهم لو سئلوا عن علة جواز الأخذ بكل واحد، لعللوا بكون المسألة من مسائل الاجتهاد، فعلى الخصم أن يبين أن المسألة بعد الإجماع على أحد القولين من مسائل الاجتهاد، لتتم الدلالة، ونحن بينا أنهم لما أجمعوا، تناولتهم أدلة الإجماع، فلم تبق المسألة من مسائل الاجتهاد، وزوال الحكم بزوال شرطه، فلا يكون نسخًا.\nفإن قيل: نعارضكم بمثله- فنقول: كون الإجماع حجة مشروطة بشرط أن لا يتقدمه اختلاف- قلنا: ما ادعيناه من الشرط مدلول عليهم من جهتهم، فإنهم يعللون ذلك. وما ادعيتم لا دليل عليه لأنهم لم يصرحوا بذلك عند الإجماع.\n- وهذا هو الجواب عن الثاني، لأن المختلفين في المسألة إنما أجمعوا على جواز الأخذ بكل واحد من القولين، بشرط كون المسألة اجتهادية، وبعد إجماع أهل العصر الثاني، لم تبق اجتهادية. ولا كذلك أجماعهم على أحد القولين، لأن أجماعهم على أحد القولين غير مشروط بشرط، ولو صح الإجماع الثاني، تضمن بطلان الأول، فيكون باطلًا- والله أعلم.","vol":"1","page":552},{"text":"وأما الفصل الثاني\nوهو أنهم إذا أجمعوا على أحد القولين- هل يصير إجماعهم حجة محرمة للأخذ بالقول الآخر؟\nذهب بعضهم إلى أنه ل يجوز الأخذ بالقول الآخر.\nوذهب أبو الحسن وجماعة من المتكلمين إلى أن لا يحرم الأخذ بالقول الآخر. والدلالة عليه- فإنهم لما أجمعوا على أحد القولين، تناولتهم أدلة الإجماع. وهو قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله ﵇: \"لا تجتمع أمتي على الخطأ\" وغير ذلك. والأخذ بالقول الآخر أتباع غير سبيل المؤمنين وتخطئة الأمة.\nفإن قالوا: كما أجمع هؤلاء على أحد القولين، فقد اتفق المختلفون على تجويز الأخذ بكل واحد من القولين - فالجواب عنه ما مر. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>١٣٧ - باب في: انقراض العصر هل هو شرط في كون الإجماع حجة أم لا</span>؟\n-ذهب بعض الناس إلى أنه شرط. واختلفوا فيما بينهم:\n* فمنهم من جعله شرطًا لانعقاد الإجماع.\n* ومنهم من جعله شرطًا في كونه حجة، لا في نفس الإجماع.\n- وعندنا: إذا اتفق فتوى الأمة، على حكم واحد، ولو في لحظة، كان إجماعًا وحجة.","vol":"1","page":553},{"text":"أما الكلام في نفس الإجماع- فتقول:\nانقراض عصر المجتهدين لا يقف عليه إطلاق اسم الإجماع على فتواهم، لأن أهل اللغة والعرف يقولون: هؤلاء أجمعوا على هذا الحكم، ولا يقف عليه تحقق معنى الإجماع، لأنه مأخوذ من الاجتماع أو العزم والإبرام- على ما مر. وهو حاصل قبل انقراض العصر. وإذا لم يقف عليه، تحقق ذات الإجماع- لا يقف عليه كونه حجة، لأن دلائل الإجماع تناولته مطلقًا- على ما مر.\nفإن قيل: ماداموا في الأحياء، فرجوعهم متوقع، وفتواهم غير مستقر [ة]، فلا يتم الإجماع- قلنا: الكلام في رجوعهم، فنحن لا نجوز رجوع جميعهم، لأنه يؤدي إلى خطأ أحد الإجماعين، ودلائل الإجماع تمنع منه، ورجوع البعض متصور، وهو حرام، ومخالفة للحجة- على ما مر.\nفإن قيل: دلائل الإجماع تناولت سبيل كل المؤمنين وكل الأمة، لا أهل عصر واحد- قلنا: وبانقراض هذا العصر لا يصير هؤلاء كل الأمة وجميع المؤمنين، ومع هذا يكون حجة. على أن المراد منه جميع المؤمنين وكل الأمة في كل عصر لا في جميع الأعصار- على ما مر في الأبواب المتقدمة.\nوقد استدل بوجه آخر- وهو: اشتراط انقراض العصر في كون الإجماع حجة، يخرج الإجماع من أن يكون حجة أصلًا، لأنا نعلم أن عصر الصحابة ﵃ لا ينقرض إلا وقد وجد من التابعين من هو أهل الاجتهاد، فتجوز مخالفتهم، لأنه لو لم ينقرض عصرهم، لم يعلم أن عصر التابعين لا ينقرض إلا وقد وجد من تابعهم ممن هو من أهل الاجتهاد، فكذا إلى يوم القيامة، فلا يكون الإجماع حجة أصلًا.\nإلا أن لقائل أن يقول: إنا نشترط انقراض عصر من كان مجتهدًا وقت حدوث الحادثة، فلا يؤدي إلى ما ذكرتم.","vol":"1","page":554},{"text":"وأما المخالف- فقد استدل بما روي عن علي ﵁ أنه سئل عن بيع أمهات فقال: \"رأيي ورأي عمر أن لا يبعن، ثم رأيت جواز بيعهن\" فقال عبيدة السلماني: \"رأيك مع الصحابة أحب إلى من رأيك وحدك\". وقوله: \"رأيك مع الصحابة\" دليل على سبق الإجماع، ثم استجاز على مخالفيه. وبما روى عن أبى بكر ﵁ أن كان يرى تسوية العطايا في القسمة، ولو ينكر عليه أحد، فيكون إجماعًا. ثم لما آل الأمر إلى عمر ﵁ فضل ولم ينكر عليه أحد، فجل أن انقراض العصر شرط كونه حجة.\nوالجواب- أن جابرًا ﵁ كان يرى بيع أمهات الأولاد،","vol":"1","page":555},{"text":"ومع مخالفته ل ينعقد الإجماع، وقول عبيدة: \" رأيك مع الجماعة أحب إلي\" يدل على أنه كان معه جماعة من الصحابة، فرجح قولهم بكثرة القائلين.\nوأما الثاني- قلنا: إن عمر ﵁ خالف أبا بكر ﵁ وناره، فإنه قال: \" أتجعل من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه كمن دخل في الإسلام كرهًا\"، فقال أبو بكر ﵁: \" إنما عملوا لله وإنما أجرهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ\"، فلم يكن إجماعًا، إلا أن انقراض العصر شرط كونه حجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>١٣٨ - باب في: ما أخرج من الإجماع، وهو منه:</span>\nاعلم أن أهل العصر إذا اختلفوا في الحادثة على قولين أو أكثر، اختلفوا في جواز إحداث قول آخر خارج عن أقاويلهم:\nبعضهم - جوزوا ذلك مطلقًا\nوبعضهم- منعوا ذلك مطلقًا\nونحن نفصل الكلام فيه، فنقول:\nإن اختلافهم على قولين: إما إن كان في مسألة واحدة أو في مسألتين: مثال الأول- اختلافهم في الجد مع الأخ في الميراث: بعضهم قال: المال كله للجد. وبعضهم قال: الجد يقاسم الأخ. فلو قال قائل: كله للأخ، فهو إحداث قول ثالث في مسألة واحدة.","vol":"1","page":556},{"text":"ومثال الثاني- اختلاف العلماء في فساد الصوم بالأكل ناسيًا وبالجماع ناسيًا: قال بعضهم بالفساد فيهما. وقال بعضهم بمنع الفساد فيهما. فمن قال أن الأكل ناسيًا لا يوجب فساد الصوم، والجماع ناسيًا يوجب، فقد أحدث قولًا ثالثًا.\nأما الأول [في مسألة واحدة]\nفلا يجوز إحداث القول الثالث فيه، لأنه أتباع غير سبيل المؤمنين. وإتباع غير سبيل المؤمنين ممنوع عنه لما مر. ووجه آخر- أن اختلافهم على هذه الأقاويل إجماع منهم على المنع من قول ثالث، لأن كل طائفة توجل الأخذ بقولهـ[لـ]، وتمنع الأخذ بغيره. فقد أجمعوا على المنع من القول الثالث. وقد قال ﵇: \"لاتجتمع أمتي على الخطأ\".\nفإن قيل: إن المختلفين في المسألة [منعوا] من الأخذ بغير ما قالوه، لأنه لو يؤد اجتهاد غيرهم إليه. فإذا أدى اجتهاد غيرهم إليه، زال المنع، كما قلتم: إنهم سوغوا الأخذ بكل واحد من القولين، بشرط أن تكون المسألة اجتهادية، فإذا أجمعوا على أحدهما زال الشرط- قلنا: كما منعوا من القول الثالث، أجمعوا أن القول الثالث مما لا يقتضيه الاجتهاد أولًا، ولكن لما منعوا الأخذ به، فالأخذ به مخالف للإجماع.\nوالمخالف استدل في المسألة بأشياء:\n١ - منها- أن الممنوع عنه مخالفة الإجماع، ولا إجماع مع الاختلاف. دل عليه: ما روى عن ابن سيرين أنه قال في امرأة وأبوين: للأم ثلث جميع المال،","vol":"1","page":557},{"text":"وفي زوج وأبوين: للأم ثلث ما بقى. ومن تقدمه من الصحابة: بعضهم قالوا: إن لها ثلث ما بقى في المسألتين جميعًا، وبعضهم قالوا: لها ثلث جميع المال فيهما جميعًا- فهذا قول ثالث، ولم ينكر عليه أحد. وعن سفيان أنه قال: الأكل ناسيًا لا يفطر، والجماع ناسيًا لا يفطر، ومن تقدمه من الصحابة: منهم من فطره فيهما، ومنهم من لم يفطره فيهما- وهذا إحداث قول ثالث، ولم ينكر عليه أحد.\n٢ - ومنها- أنه وحرم إحداث قول ثالث: إما أن يحرم من حيث إنه خلاف للمخطئ، أو من حيث أنه خلاف للمصيب. لا وجه إلى الأول، لأن خلاف المخطئ واجب. ولا وجه إلى الثاني، لأنه لو كان كذاك، لوجب أن يحرم الخلاف على أهل العصر، وليس كذلك.\n٣ - ومنها- أن إحداث القول الثالث مما أباحه كل واحد من الفريقين، لأن الذي ذهب إلى هذا القول، أباح ترك ذلك القول. والذي ذهب إلى ذلك القول، أباح ترك هذا القول، فإذا ترك القولين فقد ترك ما أباحه الفريقان جميعًا.\nوالجواب:\nأما الأول - فما ذكرنا أنه مخالفة الإجماع، لأن اختلافهم على قولين يتضمن أجماعهم على أبطال القول الثالث.\nوأما ما روى عن ابن سيرين وسفيان، فدال [على] إحداث قول ثالث في مسألتين، وسنذكر الكلام فيه.","vol":"1","page":558},{"text":"وأما الثاني- قلنا: إنما يحرم إحداث قول ثالث، لأنه مخالفة الإجماع، لا كما ذكر.\nوأما الثالث- قلنا: هذا مصير إلى ما حرمه جميع الأمة، على ما مر. وما ذكر من البيان ضرب تلبيس، لأن كل فريق لا يجوز ترك قول صاحبه ابتداء، بل يوجب الأخذ بقول نفسه، فيتضمن ذلك ترك قول صاحبه. فأما إحداث قول ثالث، [فـ] ترك الأخذ بقوله وقول صاحبه، وقد أجمعوا على المنع منه.\nوأما الثاني [في مسألتين]:\nوهو إحداث قول ثالث في مسألتين، فبعض الناس جوزوا ذلك مطلقًا. وبعضهم منعوه مطلقًا. ونحن نفصل فنقول:\nبعض أهل العصر إذا قالوا بتحليل شيئين، وبعضهم قالوا بتحريمهما- لا يخلو: إما إن علم أنهم قصدوا التسوية بينهما، وأثبتوها بعلة واحدة، إما بالتنصيص أو بما يجري مجرى التنصيص، أو لم يعلم ذلك- مثال الأول: الحكم في المسكر التمري والزبيبي: حرمهما بعض، وأحلهما بعض، فلا يجوز لغيرهم أن يحرم أحدهما ويحلل الآخر. وهذا لأن الفريقين أجمعوا على الجمع بين المسألتين في الحكم وعلة الحكم- فالتفريق بينهما خلاف الإجماع. ومثال الثاني- الحكم بإرث القاتل والعبد: لو حكم بعض بإرث القاتل والعبد جميعًا، وبعضهم منعوا من إرثهما، فلو حكم غيرهما بإرث أحدهما دون الآخر، كان جائزًا، لأنهم ما أجمعوا على التسوية في الحكم وفي العلة، إذ لا تعلق لأحدهما بالآخر، بل اتفق الحكم فيهما، لأن الدليل اتفق على هذا الوجه. ولهذا كما لو أوجب بعض الأمة النية في الوضوء، وأوجب غسل النجاسة عن الثوب- لا يقال: إنهم اعتقدوا التسوية بينهما.","vol":"1","page":559},{"text":"وأما ما حكي عن ابن سيرين في التفريق بين زوج وأبوين وامرأة وأبوين، وعن سفيان الثوري من التفريق بين الجماع ناسيًا والأكل ناسيًا: فإن كان طريقة الذين جمعوا بينهما متغايرة، فيما فعلاه، جاز، وإلا لم يجز. وعلى أن ابن سيرين عاصر بعض الصحابة، فلا يمتنع أن يكون حاضرًا حين اختلفوا، فلا ينعقد الإجماع مع مخالفته- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>١٣٩ - باب في: أن أهل العصر إذا أولوا الآية بتأويل</span>، أو استدلوا على المسألة بدليل، أو اعتلوا بعلة- هل يجوز لم بعدهم إحداث تأويل أو دليل أو علة أخرى؟\nفنقول: الأولون لا يخلو: ١ - إما أن نصوا على فساد تأويل، أو دليل آخر، أو علة أخرى. أو ٢ - نصوا على صحته. أو ٣ - لم ينصوا على الصحة ولا على الفساد.\nففي الأول- لا يجوز إحداثه، لأنه خلاف الإجماع.\nوفي الوجه لثاني- يجوز ولا يشكل.\nوفي الوجه الثالث- اختلفوا: منعه قوم، وجوزه الأكثرون.","vol":"1","page":560},{"text":"والدلالة عله أن الناس في كل عصر يستخرجون عللًا وأدلة، والتابعون من بعدهم يحدثون تأويلات لم يذكرها السلف، ولم ينكر عليهم ذلك- فدل على صحتها. ولأنه لو امتنع، إنما يمتنع لأجل مخالفة الإجماع، وهم ما نصوا على فساده، ولا في صحة ما اعتلوا به وأولوه فساد غيره، إذ لا يمتنع أن يكون على حكم واحد أدلة، وله علل أخرى. [و] يجوز أن كون كلا التأويلين مراد الله تعالى: أراد من عباده أن يقيموا إما هذا وإما ذاك أو كلاهما. فإذا فهم أحدهما، سقط عنه التكليف به، وبقى التكليف الثاني على سبيل التطوع.\nوالمخالف احتج بأشياء.\n١ - منها- قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾: الآية دلت على أنهم أمروا بكل معروف، لأنه دخل لام الجنس، ولو كان الثاني صحيحًا لأمروا به.\n٢ - ومنها- قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذا غير سبيلهم.\n٣ - ومنها- قوله ﵇: \" لا تجتمع أمتي على خطأ\"، والأمة بأجمعهم ذهبت عن الدليل الثاني، فيجب أن لا يكون خطأ، وإنما يقتضي الخطأ إذا كان الدليل الثاني باطلًا.\n٤ - ومنها- أن الدليل الثاني والتأويل الثاني، لو كان صحيحًا لما ذهب على الصحابة، مع تقدمهم في العلم.","vol":"1","page":561},{"text":"أما الأول- فهو معارض بقوله تعالى: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَر﴾، ولو كان الثاني باطلًا لأنكروا.\nوأما الثاني- قلنا: المراد بإتباع [غير سبيل المؤمنين ما] نصوا على فساده أو حكم حكموا بخلافه، لأن الآية خرجت مخرج الذم، وذلك فيما قلناه- دل عليه أن الحادثة إذا لم تحدث في زمنهم وحدثت في زمن هؤلاء، جاز أن يكون لهم قول في ذلك. ولا يقال أنه إتباع لغير سبيلهم- كذا هذا.\nوأما الثالث- قلنا: إن عني بذهابهم عنه، ترك الاستدلال به، فعندنا هو ليس بخطأ، لاستغنائه عنه بدليل آخر، وهذا لا يوجب بطلانه.\nوأما الرابع- قلنا: إنما ذهبوا عنه، لأنه لم يطلبوه، لاستغنائهم بما ظفروا به.\nفإن قيل: أو كلف الأول طلب الدليل الثاني أم لا؟ إن قلتم: كلفوا، فلم قصروا في طلبه؟ وإن قلتم: لم يكلفوا، دل على فساده- قلنا: كلفوا الدليل على سبيل البدل، فإذا ظفروا بالواحد سقط التكليف، وصار طلب الآخر تطوعًا، وترك التطوع جائز- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>١٤٠ - باب في: أن الأمة لا تجتمع إلا عن طريق:</span>\nذهب أكثر الناس إلى أنه لا يجوز إجماع الأمة إلا عن دلالة أو أمارة وأجاز بعضهم ذلك توفيقًا، بأن يوفقهم الله تعالى الإجماع على الصواب.","vol":"1","page":562},{"text":"والدلالة على منع جواز ذلك- أن الوصول إلى الحق مع فقد الدلالة أو الأمارة غير واجب، بل هو اتفاقي، وكان جواز الخطأ ثابتًا، والإجماع لا ينعقد على ما يجوز فيه الخطأ، لأن حالهم لا يكون أعلى من حال النبي ﷺ، والنبي ﵇ لا يجوز أن يحكم من غير وحي أو دلالة، فغيره أولى.\nوالمخالف:\nاحتج بأن قال: ١ - \" الإجماع بنفسه حجة\". فلو لم ينعقد إلا عن دلالة، كانت الدلالة هي الحجة، ولم يكن في الإجماع فائدة. و٢ - لأنا وجدنا الإجماع قد انعقد بلا دليل، وهو بيع المراضاة وأجرة الحمام والاستصناع.\nوالجواب:\nأما الأول- فهو باطل، بقول النبي ﵇، فإنه حجة، ولا يقول إلا عن دليل. ثم نقول: يجوز أن يكون الإجماع حجة، والذي صدر عنه الإجماع حجة، فيكون في المسألة حجتان.\nوأما الفائدة في الإجماع-[فـ] أن يسقط عنا وجوب البحث وطلب الدليل،","vol":"1","page":563},{"text":"ونقل الدليل إلى من بعده، وأن تحرم المخالفة، وإن كانت المسألة اجتهادية، وقبل ذلك لا يحرم.\nوأما الثاني- قلنا: لما دللنا على أن الإجماع لا يقع إلا عن دليل، ففي كل موضع انعقد الإجماع، علمنا أنه انعقد عن دليل، إلا أنه لم ينقل إلينا، اكتفاءً بالإجماع. على أن بيع المراضاة كان في زمن النبي ﵇ ولم ينكر عليهم، وذلك دليل جوازه، على أن الأخذ والإعطاء دلالة الرضا بالتمليك والتملك، فجرى ذلك مجرى القول، وكذلك أجرة الحمام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>١٤١ - باب في: جواز الإجماع عن اجتهاد:</span>\nمنعه قوم.\nوجوزناه.\nوالدلالة على جوازه- أن الاجتهاد طريق إلى الحكم، كالدلالة والخبر، فجاز أن يحكم كلهم بأمارة واحدة، أو كل واحد بأمارة على حدة.","vol":"1","page":564},{"text":"والدلالة على جوازه- وقوعه: فإن الصحابة ﵃ أجمعوا على أن حد شارب الخمر ثمانون عن اجتهاد. لأنه لو كان فيه نص لنقل، على أنهم بينوا وجه الاجتهاد، وقالوا: إذا شرب السكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفترين في كتاب الله تعالى ثمانون. وكذلك أجمعوا على قتل المرتدين ومانعي الزكاة، حتى روي عن أبى بكر ﵁ أن قال: \" لا نفرق بين ما جمع الله في كتابه\" وقاس الصلاة على الزكاة. وأوجب القتل على من أخل بهما. وكذلك أجمعوا على إمامة أبى بكر ﵁ عن اجتهاد بتقديم النبي ﵇ إياه في الصلاة، وبينوا العلة فيه، فقالوا: \"رضينا لدنيانا ما رضيه النبي ﵇ لديننا\".\nوأما المخالف فقد احتج بأشياء:\n١ - منها- أن الجماعة العظيمة، مع كثرتهم واختلاف هممهم وأغراضهم، يتعذر أن تستجمعهم أمارة واحدة، مع خفاء وجه الدلالة فيها، واختلافهم وتفاوتهم في الوقوف عليها.\n٢ - ومنها- أن الأمة: منهم من يعتقد بطلان القياس والاجتهاد، وذلك يصرفهم عن الحكم بالأمارة، فلا يتصور منهم الاتفاق على ذلك.","vol":"1","page":565},{"text":"٣ - ومنها- أن الحكم الصادر عن اجتهاد يجوز خلافه، ولا يفسق مخالفه، ولا يجعل أصلًا لغيره. والحكم الثابت بالإجماع على ضد ذلك. فلو جوزنا انعقاد الإجماع عن الاجتهاد، لاجتمعت هذه الأحكام المتنافية، وذلك لا يجوز.\nوالجواب:\nأما الأول- قلنا: لا يمتنع أن الأمارة الواحدة أو الأمارات داعية لجميعهم إلى الحكم بها، لأنهم اتفقوا على اعتقاد وجوب العمل بالأمارة. فإذا ظهرت لهم الأمارة، وقد اعتقدوا وجوب العمل بها، حكموا [بها]. ولذلك جاز اتفاق الجمع العظيم على الخروج إلى الأعياد، لأنه تقرر في اعتقادهم الخروج إليها.\nأما الثاني- قلنا: الخلاف في صحة القياس لم يكن في زمن الصحابة، وحدث بعدهم، فيلزمهم جواز أجماع الصاحبة عن اجتهاد. ثم نقول: لا يمتنع فيمن يعتقد بطلان الحكم [بالأمارة أن] يعتقد في الأمارة أنها دلالة، فيحكم بها، كما لا يمتنع أن يحكم بعض الأمة في الأصول والفروع بالشبهة، لاعتقادهم أنها دلالة. وكذلك لا يمتنع أن يناقض هذا القائل مذهبه، فيحكم بالأمارة إذا لم يجد غيره.\nوأما الثالث- فلا نسلم أنه يؤدي إلى اجتماع هذه الأحكام، فإن جواز الخلاف ليس حكم الاجتهاد مطلقًا، بل هو حكم اجتهاد لم يقترن به الإجماع.","vol":"1","page":566},{"text":"كما أن ذلك حكم الاجتهاد إذا لم يقترن به تصويب النبي ﵇، حتى إن من غاب عن النبي ﵇ وحكم باجتهاده، جاز خلافه، ولو بلغ النبي ﵇ فصوبه لا يجوز خلافه. ولأن الخصم يجوز وقوع الإجماع عن خبر الواحد، وإن كان يجوز خلافه. وهو الجواب عن قوله: إنه لا يفسق مخالفه، ولا يجعل الحكم الثابت به أصلًا. فإن ذلك حكم اجتهاد لم يقترن به الإجماع- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>١٤٢ - باب في: الطريق إلى معرفة الإجماع:</span>\nأعلم ان الطريق إلى معرفة الإجماع قد يكون الإدراك بالسمع، بأن نسمع أقاويلهم المتفقة، عنهم أو ممن ينقل عنهم ممن نثق به. وقد يكون الإدراك بالبصر، بأن نراهم فعلوا، بأجمعهم، فعلًا واحدًا، يدل على أن اعتقادهم ذلك.\nوأما إذا قال بعض الأمة قولًا وسكت الباقون- هل هو طريق إلى معرفة الإجماع؟\nقال بعضهم: ليس بطريق أصلًا.\nوعندنا: هو طريق يقع به الإجماع إذا كان السكوت مع زوال التقية، وبشرط اشتهار ذلك القول عند الكل، ومضى زمان التأمل. إلا أن هذا الإجماع ليس بحجة قطعية، لاختلاف الأمة في صحته.\nوالدلالة على صحة ما ذهبنا إليه، أن العادة من أهل الاجتهاد، أنهم إذا سمعوا الحادثة وطال بهم الزمان، تفكروا فيها: فإن أدى اجتهادهم إلى موافقة قولهم،","vol":"1","page":567},{"text":"كان ذلك إجماعًا. وإن أدى إلى مخالفته أظهروه، لوجود الداعي إليه، وهو بيان الصواب فيما اجتهد فيه، ووجود الصارف الطبيعي والشرعي عن الانقياد لغير الصواب، فدل سكوتهم، والحالة هذه، على الموافقة والإجماع.\nفإن قيل: ما أنكرتم أنهم امتنعوا عن إظهار المخالفة، لموانع:\n١ - منها- الخوف والمهابة ممن ظهر قوله. كما سئل ابن عباس ﵄ عن حجته على رد العول في الفرائض، فذكرها، فقيل له: هلا ذكرتها لعمر، فقال: مهابة منه.\n٢ - منها- تعلق غرض من الأغراض، لعدم الاعتراض والإظهار.\n٣ - ومنها- أن يكون مذهبه تصويب كل مجتهد في الفروع، فمنعه ذلك عن الرد على صاحبه.\nقلنا:\nأما الأول- إنما ينعقد الإجماع عند زوال التقية- على ما مر. ولأنه لو كان الإخفاء تقية، لأظهر مع أصدقائه وخاصته، فلا يلبث القول أن يظهر ويشيع. ولأنه إن مات المتقي قبل من يتقيه، فقد انعقد الإجماع، لأنه زال الخلاف. وإن مات من يتقيه قبله، يظهر الخلاف لزوال التقية.\nوأما حديث ابن عباس، فلم يصح، لأن عمر ﵁ كان يقدمه على كثير من الصحابة، وكان يسأله، ويستحسن اجتهاده، وقد ظهر رده عليه في كثير من المسائل. ولأن ما كان راجعًا إلى أمر الدين لا يظن بابن عباس","vol":"1","page":568},{"text":"الامتناع عن إظهاره، ومن عمر ﵁ من إظهاره، مع اتفاقهم على تجويز الاجتهاد والحكم به.\nوأما الثاني- قلنا: الداعي إلى إظهار الخلاف قائم وتعلق الغرض به وهم لا أمارة عليه، فلا يترك العمل بالداعي لأجله. على أنا نقول: إن الله تعالى جعل الإجماع حجة يعرف به الحق، فيجب أن يكون لنا طريق إلى العلم به. ولو اعتبرنا هذا الوهم لا نسد باب العلم إلى معرفة الإجماع، وذا لا يجوز.\nوأما الثالث- قلنا: من صوب كل مجتهد، فإنه يصوبه على شرط أنه استوفى شرائط الاجتهاد وتم نظره في الإمارة. وإذا كان الحق عنده، بخلاف ما أظهر صاحبه، جوز أنه لم يتم نظره ولم يستوف شرائط الاجتهاد، فيظهر الخلاف ردًا لقوله. على أنه إن صوب خصمه، فالداعي إلى إظهار قوله، لو كان حقًا، ثابت، لأن عنده أن ما اعتقده صواب أيضًا، فيظهر قوله، ليعلم أن في الحادثة حقًا، غير ما قاله خصمه، فدل ترك الإظهار على الموافقة.\nوالمخالف احتج بأن قال: ١ - إن الإجماع ل ينعقد إلا باتفاق الكل، والموجود من البعض السكوت، وهو محتمل: يحتمل الرضا ويحتمل السخط ويحتمل التوقف، فلا يدل على الموافقة بالشك. و٢ - لأن من الجائز أن يكون ببعض أطراف العالم مخالف لأقوالهم لم يلغه أقاويلهم، ولم يصل إليهـ[ـم] خلافه، ومع تجويز هذا، لا ينعقد الإجماع.\nوالجواب:\nوأما الأول- فقد ذكرنا أن السكوت في هذه الحالة دليل الرضا والموافقة، وإن كان في نفسه محتملًا، وهو كامتناع الكفار وسكوتهم عن معارضة القرآن","vol":"1","page":569},{"text":"والمعجزات، فإنه دليل على وجود العجز لتحقق الداعي عليه، لولا العجز- فكذا هذا.\nوأما الثاني- قلنا: اعتبار هذا يسد باب معرفة الإجماع، بالقول أيضًا، لأن ما ذكرتم من الوهم قائم في كل صورة، على أن المعتبر في ذلك ما توقف عليه، ولنا سبيل إلى العلم به [إذ] إتباع سبيل المؤمنين يقتضى أن يكون لنا طريق العلم- وقد مر هذا في الأبواب المتقدمة.","vol":"1","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>٤\nباب\nفي: تقليد الصحابي</span>","vol":"1","page":571},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>١٤٣ - اعلم أن الصحابي إذا قال قولًا، وانتشر، ولم يظهر له مخالف</span>، كان إجماعًا- على ما مر.\nولو عرف له مخالف، لا يكون حجة، إذ لو كان أحدهما حجة، لكان الآخر حجة، لكونه قول الصحابي، فيؤدي إلى التناقض.\nفأما إذا قال قولًا، ولم ينتشر، ولم يعرف له مخالف:\n- فإن لم يكن من أهل العلم والاجتهاد، لا يكون قوله حجة.\n- وإن كان من أهل العلم والاجتهاد:\n* فإن كان في حكم لا يدرك بالقياس:\nفهو حجة، لأنه لا يظن به القول جزافًا، ولا مجال للقياس فيه، فتعين السماع من النبي ﵇، فيحمل عليه، وعلى هذا التقدير يجب الأخذ به. فإن قيل: هذا باطل، بقول من بعدهم من المجتهدين: فإنه لا يظن به أنه قال ذلك جزافًا، ولا سبيل إل القياس، فتعين سماع حديث فيه. وعلى هذا التقدير يجب الأخذ به- قلنا: علم السماع من النبي ﵇ منقطع في حق غير الصحابي، فلا يمكن الحمل على السماع من النبي ﵇، ولا كذلك الصحابي، لأنه أمكن حمله على السماع من النبي ﵇ بغير واسطة. وهذا لأن المسموع من النبي ﵇ بغير واسطة ليس فيه من الاحتمال ما في المنقول بواسطة، لأن احتمال الكذب والغلط في الواسطة قائم.\nفإن قيل: هذا الاحتمال قائم في حق الصحابي، لأنه يحتمل أنه سمع من صحابي آخر، لا من الرسول ﵇- قلنا: هذا خلاف الظاهر، لأنه متى أمكنه الرجوع إلى النبي ﵇ من غير واسطة، والحكم بما لا يهتدي إليه الرأي،","vol":"1","page":573},{"text":"فالظاهر هو الرجوع إليه. وفي الرجوع إليه. وفي الجملة: الاحتمال هنا أقل من الاحتمال في حق غير الصحابي، فالمنع من لزوم تقليد غير الصحابي لا يوجب المنع من لزوم تقليد الصحابي.\n* وأما إذا كان في حكم يدرك بالقياس- فقد اختلفوا فيه:\n- ذهب أبو الحسين وجماعة من أصحاب الشافعي: [أنه] لا يلزمه تقليده. وهو مذهب الشافعي ﵀.\nوقال بعض أصحابنا: يلزمه تقليده. وإليه ذهب الكرخي. والجصاص قال: كثيرًا ما رأيت أبا يوسف ﵀ في أثناء مسائله يقول: القياس هكذا، إلا أنى تركت القياس للأثر من الصحابي. وعن محمد ﵀: أن شراء ما باع، بأقل مما باع، قبل نقد الثمن، لا يجوز، واحتج بحديث عائشة ﵂، والقياس يجوزه. وقال: إن الحامل تطلق ثلاثًا للسنة، قياسًا.","vol":"1","page":574},{"text":"ولكني تركت القياس لأثر بن مسعود. [و] في هذا إشارة إلى أنهما كانا يريان تقليد الصحابي.\nأما من منع منه- فقد احتج بأن قال:\nإن الصحابي غير معصوم عن الخطأ، وكان احتمال الخطأ في اجتهاده قائمًا، واحتمال أنه قال ذلك باجتهاده ثابت، فلا يلزم تقليده. ولأن الله تعالي متى نصب الأمارات على الأحكام، فقد كلف المجتهد بالاستدلال بها، ولا يختص ذلك ببعض المجتهدين دون البعض، فيجب على كل مجتهد العمل باجتهاده، وذلك يمنع من تقليد غيره. بخلاف العامي، لأنه مكلف بالرجوع إلى قول المفتي- دل عليه أن أحدًا من الصحابة لم يدع الناس إلى قوله، ولم يحذر أحدًا على ترك مخالفته، بل جوزوا مخالفة قولهم، نحو ما روي عن زيد ﵁ أنه قضى بقضية وقال: \" ليس برأيي حقًا على المسلمين\" وأمثال ذلك، ولو كان قولهم حجه على غيرهم، لفعلوا لك.","vol":"1","page":575},{"text":"وأما من قال بلزوم تقليد الصحابي- فقد احتج بأشياء:\n١ - منها- الأحاديث الواردة فيهم، وهي قوله ﵇: \" أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\"، وقوله ﵇: \" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي\"، وقوله: \"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر\"، وقوله: \"الحق من بعدي مع عمر\"، وقوله: \"اللهم أدر الحق مع على حيثما أداره\".\n٢ - ومنها- أن بعض الصحابة كان يرجع إلى قول بعض، عن سماعه، من غير أن يسأله عن دليله، نحو ما روى عن عمر ﵁: أنه رجع إلى قول علي ومعاذ ﵄، ولم ينكر عليه أحد.\n٣ - ومنها- أن قول الصحابي لا يكون جزافًا، ما لم يكن لحديث سمعه من النبي ﵇، أو قال باجتهاده: فإن كان الأول فهو حجة. وإن كان الثاني فاجتهاده وقياسه أقوى من اجتهاد غيره وقياسه، فالأخذ به أولى.\nالجواب:\n[الأول]- أما الأحاديث- فالمراد من الحديث الأول: ليس كل الصحابة، فإن فيهم من لا يجوز تقليده، وهم الأعراب العوام. وإنما المراد: الاجتهاد والرأي، معناه: اعلموا بالرأي والاجتهاد، بعد الكتاب والسنة، كما عملت الصحابة، اقتداء بهم، واطلبوا الصواب بالرأي من أقوالهم دون التقليد، ألا ترى أنه شبهم بالنجوم، وإنما يهتدي بالنجوم بعد الاستدلال، فكذا هذا.","vol":"1","page":576},{"text":"على أن نقول: هذا الحديث والثاني والثالث خطاب مواجهة لمن كان في ذلك العصر ممن ليس في الصحابة: أن تقلد الصحابي وتتبعه. ومن لم يكن صحابيًا [و] لم يكن من أهل الاجتهاد، فجاز له أن يقلد الصحابي، ولا كلام فيه.\nثم نقول: ليس في هذه الأحاديث بيان وجوه الاقتداء، فيحتمل أن الاقتداء بهم في روايتهم، لأنه يقال لمن اتبع رواية غيره: إنه اقتدي به.\nوأما قوله ﵇: \"الحق بعدي مع عمر\" ودعاؤه لعلي ﵄، فليس فيه ما يدل على لزوم تقليد ما، لمجتهد آخر، فأن قولهما واجتهادهما قد كون حقًا، واجتهاد غيرهما قد يكون حقًا. على أن هذه أخبار آحاد، لا يجوز إثبات أصل من الأصول بها.\nوأما الثاني- قلنا: الصحابة كان يرجع بعضهم إلى قول بعض، بعد ظهور الحق في قوله، باجتهاد من رجع، لا تقليدًا. ورجوع عمر إلى قول علي ومعاذ ﵃ كان بعد التنبه على وجه قولهما، والصحابة لم ينكروا عليه، مع أنه لم يبين ذلك الوجه لحسن ظنهم به.\nوأما الثالث- فهو بناء على أن اجتهاد غير الصحابي دون اجتهاد الصحابي، وهذا مما لا سبيل إليه، لاختلاف الحوادث وأحوال المجتهدين فيه والله اعلم.\n\nتمت أبواب الإجماع وبالله تعالى التوفيق","vol":"1","page":577},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>٥\nباب\nالقياس</span>","vol":"1","page":579},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>١٤٤ - [تعريفات]:</span>\nيحتاج إلى:\n- بيان معنى الاسم لغة.\n- وإلى بيان حده شرعًا.\nليتضح الكلام فيه، نفيًا وإثباتًا.\nفنقول:\n- أما معنى الاسم لغة- فتقدير الشيء بغيره موازنة واعتبارًا. من قولهم \"قس النعل بالنعل\" أي احذه وقدره به.\n- وأما حده شرعًا- فقد اختلف الناس فيه:\n* قال بعضهم- القياس استخراج الحق. وهذا غير صحيح. لأنه يلزم منه، أن يكون الاستدلال بالنصوص والظواهر، قياسًا. وبهذا يبطل قول من يقول بأنه: استدلال على الحكم.\n*والصحيح في حد القياس- أنه تحصيل مثل حكم الأصل، في الفرع، لمشاركة بينهما في العلة، رأيًا واجتهادًا.\nوإنما قلنا: \"رأيًا واجتهادًا\" لأن المجتهد إذا ظن بين الشيئين مشاركة، وأثبت حكم أحدهما في الآخر، ولم يكن بينهما مشاركة، كان ذلك قياسًا. وإنما حددنا القياس بهذا، لأن المعقول من القياس الشيء على غيره،","vol":"1","page":581},{"text":"فإنما من قال: \" قست هذا الشيء\"، يقال: \" على ماذا قسته؟ \" ومن أثبت حكم الشيء في غيره، من غير مشاركة بينهما في العلة، لا يكون قائسًا، بل مبتدئًا في إثبات الحكم. فإذن لا بد في القياس من: أصل، وفرع، وعلة يشتركان فيها، ومن حكم يثبت بهذه المشاركة- فنبين:\nمعنى كل واحد من هذه الألفاظ.\nثم نبين جواز ورود التعبد به في الشرع.\nوما يتصل بذلك من الأبواب، على الترتيب إن شاء الله تعالى.\nأما الأصل:\nفهو ما يتفرع عليه غيره، كما ذكرنا في صدر الكتاب.\nوتكلم العلماء في: أصل القياس:\nقال بعضهم: هو الدليل الدال على الحكم، في الموضع المقيس عليه، كحديث الربا في البر.\nوقال بعضهم: هو الشيء الذي يثبت حكم القياس فيه بالنص والإجماع. وهو كالبر في حكم الربا.\nوقال بعضهم: هو الحكم الثابت في موضع النص، كجرمه الربا في البر.\nوكل ذلك صحيح: جاز أن يراد بذكر أصل القياس.\nأما الحديث الدال على قبح بيع الربا في البر- فلأن قبح بيع الأرز متفرع عليه.","vol":"1","page":582},{"text":"وكذلك وصف البر بأنه \" أصل\"- لأن حكم الأرز متفرع على حكم البر على معنى أنا إذا نظرنا فيه وظننا، أمكننا إثبات الحكم في الأرز، ثم البر \"أصل\" لحكمه، لأن الشيء أصل لوصفه.\nوكذلك وصفنا الحكم بأنه \"أصل\"، لأن حكم الأرز متفرع على حكم البر. وكل واحد من هذه الأقاويل صحيح، وإن كان الأولى أن يكون \" الأصل\" هو \" الحكم\".\nوأما الفرع:\nقال بعضهم: هو الشيء الذي طلب حكمه بالتعليل. وهو نحو الأرز في الربا.\nوقيل: هو الشيء الذي يعتدي حكم غيره إليه.\nوقيل: هو الشيء الذي يتأخر العلم بحكمه، عن العلم بحكم غيره.\nوالأولى- أن يكون\"الحكم\" هو: الفرع، لأن نفس الأرز لا يتفرع على غيره، وإنما يتفرع حكمه.\nوأما العلة:\nففي اللغة- ما أثر في أمر من الأمور، نفيًا كان أو إثباتًا، كقولهم: مجيء زيد علة لخروج عمرو، أو في أن لا يخرج عمرو. ولهذا يسمون المرض علة، لأنه يؤثر في فقد قدرة التصرفات.\nوفي عرف الفقهاء: ما أثرت حكمًا شرعيًا. وإنما يعرف ذلك إما بالتنصيص عليه، كالطوف في الهرة، أو بالمناسبة والملائمة، بأن يكون بحال لو عرض","vol":"1","page":583},{"text":"على العقل، يغلب على الظن الحكم بوجوده، في الجملة.\nوأما الحكم:\nفالمراد به الأحوال الثابتة لأفعال المكلفين، ككون الفعل حلالًا وحرامًا، وكون البيع جائزًا وفسادًا، ونحو ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>١٤٥ - باب: جواز ورود التعبد بالقياس، عقلًا وشرعًا</span>.\n- منع بعضهم جواز ورود التعبد بالقياس. واختلفوا فيما بينهم:\n*فمنهم- من منع منه عقلًا.\n*ومنهم- من جوزه عقلًا، ومنع منه شرعًا.\n- وعامة أهل الأصول- جوزوا التعبد به عقلًا، وشرعًا.\nوالدلالة على ذلك- أن القياس إذا تم أوجب غلبة الظن. أما مشاركة الفرع الأصل في علة الحكم، وكوننا ظانين مشاركة الفرع الأصل، حالة من حالاتنا فلا يمتنع ورود التعبد به، إذ لا يمتنع أن يتعلق مصلحتنا بذلك، لما عرف أن المصالح تختلف باختلاف الأحوال والأوقات، كما في السفر والإقامة، وغير ذلك. وإذا جاز تعلق المصلحة به، جاز ورود الشرع بالتعبد به.\n- أما عقلًا-فلأن العقل يوجب القيام من تحت حائط مائل يخشى سقوطه لفرط ميله، وإن جاز أن تكون السلامة في القعود والهلاك في النهوض.","vol":"1","page":584},{"text":"وكذلك العقل: يمنع من الخروج إلى السفر عند ظن الخسران وغلبة اللصوص، وإن جاز خلافه.\n-وأما شرعًا- فلأن الشرع ورد بالعمل بالشهادات عند ظننا صدق الشاهد، وبالأيمان. وكذلك شرعًا: ورد بالعمل بالظن في تقدير النفقات وقيم المتلفات وأروش الجنايات والتحري في أمر القبلة، وإن جاز خلاف ما ظنناه في هذه المواضع.\nوأما المخالف- فقد احتج في المسألة بأشياء:\n١ - منها- أنه لو جاز التعبد بالقياس في الفروع الشرعية، لجاز في أصولها، لأن الكل بني على المصالح، وهذا محال.\n٢ - ومنها- أنه لو جاز إثبات الشرعيات، التي هي المصالح، بالظن الذي يجوز فيه الخطأ، لجاز الإخبار عن كون زيد في الدار بالأمارات لتي [ق] تخطئ- وذلك غير جائز.\n٣ - ومنها- أن الأمارة والظن قد يخطئان، ولا يجوز من الحكيم أن يتعبدنا في المصالح بما [قد] يخطئ المصالح.\n٤ - ومنها- أن القياس فعلنا، ولا يجوز أن يتوصل إلى المصلحة، بفعلنا.\n٥ - ومنها- أنه لو كانت للشرعيات علل، لكانت كالعلل العقلية، في استحالة انفكاكها عن الأحكام. وفي ذلك إثبات الشرع قبل الشرع.","vol":"1","page":585},{"text":"٦ - ومنها- أنه لو جاز أن يتعبدنا الشرع بتحريم [شيء لـ] ظننا شبهه بأصل محرم عن أمارة، لجاز أن يتعبدنا بتحريم شيء [إذا] ظننا شبهه بأصل محرم من غير أمارة، أو اشتهينا تحريمه، أو اخترنا تحريمه، أو شككنا في تحريمه، لأنه كما جاز أن يكون العمل على حسب الظن مصلحة، جاز أن يكون العمل بما اشتهيناه أو اخترناه، أو شككنا [أن] فيه مصلحة، وذلك باطل.\n٧ - ومنها- أن القياس لو كان حجة في نفسه، لكان حجة مع النص، وليس كذلك، بالإجماع.\nوالجواب:\nأما الأول- قلنا: هذا الكلام يحتمل وجوهًا:\n- جاز أن يراد به إلزام قياس بيع البر بالبُر متفاضلًا، الذي هو أصل، على أصل آخر عرف حكم الربا فيه بالنص.\n- وجاز أن يراد به إلزام قياس بيع البُر لا على أصل.\n- وجاز إلزام استعمال القياس في أصول الدين كالتوحيد والنبوات.\nفإن أراد به الأول- فنحن نلزمه ونجوزه. غير أن قبح بيع البُر متفاضلًا والحالة هذه، فرع لغيره، لأنه عُرف بالرد على غيره.","vol":"1","page":586},{"text":"وإن أراد به الثاني- فقد ألزم ما لا يعقل، لأنه قياس شيء لا على شيء معقول.\nوإن أراد به الثالث- قلنا: الفرق أن فائدة القياس في الفروع العمل. ويجوز أن يكون العمل عند الظن مصلحة إذ المصالح تختلف بأحوال الأفعال، على خلاف ما هو به. فأما فائدته في الأصول-[فـ] الإقرار والاعتقاد. وذا لا يحسن إلا على حسب العلم. وهذا لأن الإقرار والاعتقاد قبحه (؟)، لكون المقر به والمعتقد على خلاف ما هو به. ولا يقع الأمن عن ذلك إلا بالعلم واليقين. فأما قبح الفعل وحسنه لجهات تختلف، فجاز أن يثبت حسنه عند الظن.\nوأما الثاني- قلنا: بعض أهل الأصول سووا بينهما، فقالوا: كما جاز أن يتعبدنا الله بإثبات الحكم في الفرع عند ظننا شبه الفرع بالأصل، جاز أن يتعبدنا بالإخبار عن كون زيد في الدار إذا ظننا كونه فيها. ثم الفرق ما ذكرنا: أن حسن الخبر لكونه متناولًا للمخبر به على ما هو به، وذا لا يختلف بالظن، وحسن الفعل قد يحصل عن الظن.\nوأما الثالث- قلنا: لا نقول إن المصلحة ما ظنناه، فلزمنا ذلك، بل نقول: المصلحة هو العمل على ظننا، وهو ثابت، بدلالة التعبد بالقياس.\nفإن قيل: الإلزام قائم، لأن كون العمل، على ما ظنناه مصلحة، مبني على الظن، والظن قد يخطئ، والمصلحة أيضًا جاز الخطأ فيها- قلنا: التعبد على","vol":"1","page":587},{"text":"العمل بالظن مبني على نفس الظن، لا على ما ظنناه. ولا تردد في الظن، سواء كان المظنون على ما ظنناه أو لم يكن.\nوأما الرابع-قلنا: فعلنا في القياس النظر في الدلالة والأمارة، ولا يمتنع أن يتوصل بذلك إلى المصلحة، كالنظر في النصوص والدلائل العقلية. على أن من أفعال العباد ما نثبته بالمصلحة، كالنكاح والعتق والبيع ونحوها.\nوأما الخامس- قلنا: هذا جمع بين العلل العقلية والشرعية، من غير جامع. ثم نقول: العلة العقلية موجبة للحكم بذاتها، فلا يجوز أن يقف إيجابه على شرط. وأما العلل الشرعية [فـ] مصالح تتعلق بالأفعال أو الأمارة على المصلحة، وذلك يقف على تعريف الشرع.\nوأما السادس- قلنا: كما تقرر في العقول حسن التصرف في منافع الدنيا ومضارها إذا ظنناه بأمارة صحيحة، تقرر فيها قبح ذلك بناء على مجرد الشهوة، وهو الاختيار والظن، لا عن إمارة وعند الشك في وجه القبح والحسن. ووجه ذلك أن الظن، عن أمارة مبنية على المصلحة على بعض الوجوه، ولا كذلك هذه الأشياء والظن لا عن أمارة.\nوأما السابع- إن عني به أنه يجب أن يكون حجة مع النص بخلافه في الفرع،","vol":"1","page":588},{"text":"فالكلام فيه في الخبر الواحد إذا ورد على خلاف قياس الأصول. وإن عنى به أنه، مع النص على مثل حكمه في الفرع: فإن كان ذلك النص خبر الواحد، فهو حجة معه مطلقًا. وإن كان الكتاب أو الخبر المتواتر فهو حجة على معنى أنه لولا النص لا يمكننا إثبات الحكم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>١٤٦ - باب في: أنه هل يجوز أن يجب العمل بالقياس في جميع الشرعيات أم لا:</span>\nلا خلاف في أنه يجوز أن يجب العمل بالنص في جميع الشرعيات. بأن ينص الله تعالى على صفات المسائل في الجملة، فندخل تفاصيلها فيها. نحو أن ينص على حكم الربا في كل موزون. ويجوز أن تكون مصلحتنا في ذلك.\nفأما العمل بالقياس في جميع الشرعيات، فيمتنع. لأنه: أما أن يقاس بعضها على بعض، أو يقاس على غيرها: لا وجه إلى الأول، بأن يقاس شيء على شيء، ويقاس ذلك على فرعه، لأنه فيه تبيين الشيء بنفسه، وهو محال. ولا وجه للثاني، لأن غير الشرعيات، العقليات، ونحن لا نجد، في العقليات، أصلًا، كوجوب الصلاة وأعداد الركعات وشروطها وأوقاتها، فتعذر القياس فيها.","vol":"1","page":589},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>١٤٧ - باب في: أنا متعبدون بالقياس الشرعي:</span>\n- ذهب الأكثرون إلى إثبات التعبد بالقياس:\n-[و] منهم من منع من التعبد. واختلف هؤلاء:\n* فمنهم من قال: إن السمع والعقل لا يدلان عليه.\n* ومنهم من قال: إن السمع يدل عليه دون العقل.\n[دلالة العقل]:\nوالدلالة على [أن] العقل يقتضي التعبد بالقياس. أنا إذا ظننا، بأمارة شرعية، علة حكم الأصل، ثم علمنا، بالعقل أو الحس، ثبوتها في شيء آخر، فالعقل يوجب قياس ذلك الفرع، على ذلك الأصل، بتلك العلة. أما جواز قيام أمارة شرعية على حكم الأصل، [فـ] هو أنا إذا علمنا أن تحريم شرب الخمر يثبت، عند شدتها، ويتنفى عند عدم شدتها، كان ذلك أمارة تقتضي الظن بكون الشدة علة تحريمها، والشدة معلوم ثبوتها في النبيذ. وإنما قلنا: إن العقل يوجب قياس النبيذ على الخمر عند ذلك، لأن العقل يقتضي تحريم ما ظننا فيه أنه أمارة المضرة، وأمارة التحريم أمارة المضرة. ألا ترى أن العقل يقتضي تحريم الجلوس عند حائط مائل، لوجود أمارة المضرة، وهو فرط الميل.\nفإن قيل: العقل إذا انفرد يقتضي إباحة شرب النبيذ، فلا يجوز الانصراف عنه لأجل الأمارة.","vol":"1","page":590},{"text":"قيل له: العقل لو انفرد يقتضي إباحة الجلوس تحت الحائط، فيجب أن لا ينتقل إلى التحريم بالأمارة، ومع ذلك انتقلنا.\nفإن قيل: العقل لا يقتضي إباحة الجلوس تحت الحائط مطلقًا، بل مشروطًا بشرط أن لا يحصل فيه أمارة المضرة، فإذا حصلت المضرة لا يقتضي ذلك - قلنا: كذلك نقول في النبيذ: إن العقل يقتضي إباحة شربه، بشرط أن لا يحصل فيه أمارة المضرة، فإذا حصلت، لا يقتضي ذلك.\nوأما الأدلة السمعية:\n(أ) - فمنها- إجماع الصحابة. فإنها قالت بالاجتهاد في مسائل اختلفت فيها، ولم يوجد من بعضهم نكير. وما قالت الصحابة من غير نكير، كان حقًا. فمن ذلك:\n١ - قول الزوج لامرأته\"أنت على حرام\": قال أبو بكر وعمر ﵄: هذا يمين. وقال زيد بن ثابت ﵁: هو طلاق ثلاث. وقال ابن مسعود: هو طلقة واحدة. وقال ابن عباس: هو ظهار. وقال غيرهم: إنه إيلاء- هذا اختلاف مشهور. وإنما قالوا فيها، قياسًا، لأنه لا يخلو: إما إن قالوا فيها عن طريق أو لا عن طريق: لا وجه إلى الثاني، لأن ذلك اتفاق منهم على الخطأ، لأنه من أعظم الخطأ أن يقال في دين الله من غير طريق، فتعين الأول. والطريق إما: النص الجلي أو الاستدلال بالنص أو القياس- لا وجه إلى الأول والثاني، لأنه لو كان كذلك لاحتج البعض به، وأظهره، ليقيم عذر نفسه وليرد غيره عن الخطأ- هذا هو العادة فيمن قال قولًا خالفه في ذلك من يريد مباحثته بطل الحق فيه. ولأنهم كانوا يكرهون مخالفة النصوص ومخالفة الاستدلال بها، ويعظمون موقعها، وذلك يدعوهم إلى الإظهار والاحتجاج.","vol":"1","page":591},{"text":"ولو احتجوا وأظهروا لما أنكتم ولنقل أيضًا، لشدة الحاجة إلى النقل، لما يتعلق به من الحكم الشرعي. ولا يلزم على هذا ما أجمعوا عليه، فإنهم لا يجمعون إلا عن طريق. ثم لم ينقل إلينا ذلك، لأن إجماعهم أغناهم عن نقل ما أجمعوا على الحكم لأجله، لأن الإجماع حجة، ولو تعلق لاشتهر ولما خفي على الفقهاء، مع شدة اهتمامهم في طلبه. وحيث لم يشتهر، دل أنهم قالوه عن اجتهاد.\nفإن قيل: لو حكموا فيه بالاجتهاد والقياس، لصرحوا بعلة القياس. كما يجب عليهم أن ينقلوا النص إذا حكموا فيها بالنص- قلنا: إن ذلك واجب في النص من جهة الدين والعبادة، لأن مخالفة النص حرام. فأما القياس فالتنبيه عليه يكفى، لأن مخالفته ليس بحرام على غيره. وكذلك الفقهاء: اقتصروا في جواب المسائل على ذكر مواضع القياس، ولم يصرحوا بذكر العلة، وقد وجد التنبيه من كل واحد منهم على العلة.\n- أما من قال: \"أنه طلاق ثلاث\" فإنما قال ذلك، لأن التحريم المطلق يقتضي غاية الحرمة، ثم ألحقها بالثلاث، لأن كل واحد منهما يفيد غاية الحرمة.\n- ومن قال: \"إن طلاق واحد\" فلأن هذا يقتضي التحريم، وهي نفس موصوفة بالحرمة، بأقل الحرمة، ثم ألحقه بالطلاق الواحد، لأنه يفيد أقل الحرمة.\n- ومن قال بأنه\"إيلاء\" قال: لأنه يقتضي المنع من الوطء، فكان إيلاءً.\n- ومن قال بأنه\"ظهار\" قال: بأنه تحريم لا بالإيلاء، ولا بالطلاق، فكان ظهارًا.\n- وإنما قلنا: إنه ليس منهم نكير، لأنه لو كان منهم نكير، لظهر لما أنكتم.\n- وإنما قلنا: إن ما قالوه من غير نكير يكون حقًا، لأنه لو لم يكن حقًا لكان باطلًا، فيجب عليهم الإنكار. وحيث لم ينكروا، فقد أجمعوا على ترك الواجب،","vol":"1","page":592},{"text":"وذلك اتفاق على الخطأ، والأمة لا يجوز أن تجتمع على الخطأ.\n٢ - ومما اختلفوا فيه وشبهوه بغيره- مسألة الجد:\nقال ابن عباس: \"أما يتقي الله زيد بن ثابت حيث يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أب الأب أبًا\".\nولم يذهب ابن عباس إلى تسمية الجد أبًا حقيقة، لأنه، مع تقدمه في اللغة، لا يذهل عليه ذلك، وإنما أراد به جعل أب الأب بمنزلة الأب، كما جعل ابن الابن بمنزلة الابن. وهذا قياس منه واعتبار من حيث إن كل واحد منهما يدلى إلى الميت بالولاد، بواسطة، وأن لا فرق في الولادة من جهة العلو والسفل.\nوعن علي وزيد بن ثابت ﵄ أنهما شبها الجد مع الأخ بغصني شجرة وبجدولي نهر، ليعرفا قربهما من الميت، فيشركاهـ[ـما] في الميراث.\nفإن قيل: من أين صح هذا التشبيه منهم؟ قلنا: من نقل فتاويهم، نقل معها، هذا التشبيه. فلما صار أحدهما معلومًا، صار الآخر معلومًا. ولأن المتقدمين من المخالفين بين متأول لهذا التشبيه وبين مخطئ لهما، وليس فيهم من يجحد [ها]. وإنما تجاسر أهل زماننا على جحدها. ولو عرفوا أن الإقرار","vol":"1","page":593},{"text":"بفتاويهم يضرهم، لجحدوها. ولأنهم لو لم يقرنوا ذلك بما ذكرنا من التشبيه، لقالوا ذلك عن طريق آخر، وذلك غير ثابت- على ما مر.\n٢ - وعن عمر ﵁ في المسألة الحمارية: أن أعط الميراث للإخوة لأم دون الإخوة لأب وأم، حتى قالوا: \"هب أن أبانا كان حمارًا ألسنا من أم واحدة\" فرجع ﵁ وشركهم في الميراث. وهذا قياس واعتبار، فإنهم قالوا: إنما أعطيت الإخوة لأم لولادة الأم، ونحن شاركناهم في ولادة الأم وزدنا عليهم بولادة الأب. ولا يقال: إنما ورث عمر ﵁ الإخوة لأب وأم بدخولهم تحت قوله تعالى ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ لا لأجل الاعتبار، لأن قوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ منصرف إلى الإخوة لأم بدليل قوله تعالى: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾.","vol":"1","page":594},{"text":"(ب) - ومما يدل على ورود التعبد بالقياس ما ظهر من الصحابة ﵃ من غير نكير:\n- ما روى عن أبي بكر ﵁ أن قال: \" أقول في الكلالة برأيي فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان\" وعن عمر ﵁ أن كتب إلى بعض عماله وقال: \"هذا ما رأى عمر\" وعن علي ﵁ انه قال: \"رأيي ورأى عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن، ثم رأيت","vol":"1","page":595},{"text":"بعد ذلك [أن] يبعن\". وعن ابن مسعود ﵁ أن قال في بروع بنت واشق الأشجعية: \"أقول برأيي، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمن ابن أم عبد\".\nوالرأي عبارة عن ظن أو اعتقاد، يتوسل إليهما، باستنباط أو اعتبار بدلالة عقلية أو أمارة ظنية. فأما ما يتوسل إليه بالاستدلال بنص جلي أو خفي لا يسمى رأيًا-[فـ] لا يقال إن حرمة الميتة ثبتت برأي المسلمين. ولا يقال إن أبا حنيفة ﵀ أثبت الربا في الأشياء الستة برأيه، ويقال أثبت الربا في الجص برأيه. ولهذا مخالفونا يذمون الرأي وأهله، وإنما يذمون القائمين من دون القائلين بالنقل. فثبت أن الرأي عبارة عن ظن أو اعتقاد يتوسل إليه باستنباط أو اعتبار، بدلالة عقلية أو أمارة ظنية، وليس على الأحكام الشرعية دلالة قطعية، فتعينت الأمارة الظنية.\nوعن عمر ﵁ أنه قال في الرسالة المشهورة إلى أبى موسى الأشعري:","vol":"1","page":596},{"text":"\" [ثم] اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور عند ذلك\" وهذا صريح في الأمر بالقياس.\nفإن قيل: فقد روي عن الصحابة ﵃ ذم الرأي- فإنه روي عن أبى بكر ﵁ انه قال: \" أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي\". وعن عمر ﵁ أن قال: \" أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي\". وعن علي ﵁ أن قال: \" لو كان الدين رأيًا لكان المسح بباطن لخف أولى من المسح ظاهره\". وعن ابن مسعود ضي الله عنه: \" يذهب قراؤكم وصلحاؤكم فيتخذ الناس رؤساء جهالًا فيقيسون الأمور برأيهم\"- فوقع التعارض في أقاويلهم فلا يصح الاحتجاج بها- قلنا:\nلما كان الذين ذموا الرأي هم الذين قالوا به، يجب حمل ذمهم الرأي، على رأي مع وجود النص أو مع تركهم طلب النص، كما يجب ذلك إذا روي عن النبي ﵇ ذم الرأي والقول به- كيف وإن قول كل واحد منهم ينبه على ما ذكرنا. أما حديث أبى بكر ﵁: أراد به تفسير القرآن. ولعمري ينبغي للإنسان أن يفسر القرآن بما تعارفه أهل اللغة، وبما نقل عن النبي ﵇ [وأما قول عمر غنما هو ذم لم عدل إلى الرأي ولم يطلب الأحاديث ولم يحفظ ما وجد منها]. وأما حديث علي ﵁: [فقد] أراد","vol":"1","page":597},{"text":"به جميع الدين. وغرضه بذلك أن يبين أنه ليس كل ما جاءت به السنة مما يقتضيه الرأي وبين ذلك بالمسح على الخف. وكذلك حديث ابن مسعود ﵁ محمول على ما ذكرنا [فإنما ذم بذلك الرأي قبل طلب السنن والنظر فيها].\n(جـ) - ومما يدل على كون القياس حجة: ما روي عن النبي ﵇ أنه قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: \" بم تقضي يا معاذ؟ قال: بكتاب الله تعالى. قال: فإن لم تجد. قال: فبسنة رسوله. قال: فإن لم تجد. قال: أجتهد فيه رأيي. فقال ﵇: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله\": صوبه النبي ﵇ في اجتهاد بعد الانتقال من الكتاب والسنة، وإنما أراد به الحكم بالاجتهاد.\nوعنه ﵇ أنه قال لمعاذ ولأبى موسى الأشعري حين أنفذهما إلى اليمن\"بم تقضيان؟ قالا: إن لم نجد الحكم في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله قسنا الأمر بالأمر، فما كان أقرب إلى الحق، قلنا به\".\nوعنه ﵇ أنه قال لابن مسعود ﵁: \"فإن لم تجد في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله، اجتهد رأيك\".\nفإن قيل: إنما عني قول معاذ: \"أجتهد رأيي\": أجتهد [في] الاستدلال بمعنى النصوص، أو معناه: اجتهد في طلب الحكم من الكتاب والسنة- قلنا:\n[أولًا] من اجتهد في الاستدلال بالنصوص، لا يقال اجتهد رأيه، ولأنه علق الاجتهاد بنفي وجدان النص مطلقًا، الجلي والخفي جميعًا، فلا يمكن حمله على ذلك.","vol":"1","page":598},{"text":"وأما الثاني- قلنا: طلب الحكم من الكتاب والسنة لا يقال فيه: إنه اجتهاد للرأي. ولأن علق ذلك بنفي وجدان الكتاب والسنة، وذلك لا يكون إلا بعد الطلب.\nفإن قيل: أتقطعون بصحة خبر معاذ ﵁، أو لا تقطعون به وتنزلونه منزلة أخبار الآحاد؟\nفإن قلتم بالأول- فهو غير ثابت. واحتجاج بعض العلماء به وتأويل بعضهم، لا يدل على صحته قطعًا، لأن من تأول فإنما تأول لأنه لم يعرف وجه البطلان. والمخالف إذا أمكنه تأويل الخبر [و] لا يعرف وجهة للبطلان، يجب تأويله ولا يجب رده، فلا يدل ذلك على صحة الحديث عند الكل.\nوإن قلتم بالثاني- نقول: كيف تستدلون بخبر الواحد على صحة القياس قطعًا، وهو غير مقطوع به؟ - قلنا: لا نقطع على صحة خبر معاذ. ومع هذا يجوز إثبات صحة القياس به، لأن القياس من باب العمل، وخبر الواحد مقبول في باب العمل. ونقطع بوجوبه، لأجل الدليل الدال على وجوب العمل بأخبار الآحاد. كما نقطع به على وجوب العمل بأخبار الآحاد لما تتضمنه الأخبار من فروع الشريعة. ولا فرق بين أن يظن أن النبي ﵇ أمرنا باستعمال ما يفضى إلى وجوب النية في الوضوء وبين أن كل واحد منهما واجب- ألا ترى أنه لا فرق بين أن يخبرنا إنسان بوجود سبع أو لص في الطريق في وجوب تجنبه علينا إذا ظننا صدقه، وبين أن يأمرنا من ظاهره النصح والسداد بسؤال رجل، ويقول هو أعرف بحال الطريق في أنه يجب علينا سؤاله إذا خفنا الطريق، وإذا أخبرنا بشيء وظننا صدقه، يجب العمل به- كذا [هذا].","vol":"1","page":599},{"text":"وعن النبي ﵇ انه قال لعمر ﵁ حين سأله عن القبلة للصائم: \"أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته\": شبه القبلة من غير إيلاج بمضمضة من غير ابتلاع، في نفي فساد الصوم. وهذا محض قياس [إذ] كان قوله: \"أرأيت\" يدل على أنه يمهد أمر القياس.\nوعنه ﵇ أنه قال للخثعمية حين سألته عن الحجة عن أبيها: \" أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضيه؟ فقالت: نعم. قال ﵇: دين الله أحق\" وهذا يدل على تمهد أمر القياس.\n(د) - ومما استدل به على التعبد بالقياس قول الله تعالى: \"الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ\" هكذا نقل عن ثعلب وغيره من أئمة اللغة. وقال ابن عباس ﵁ في الأسنان: \" اعتبرها بالأصابع\" في أن ديتها متساوية.","vol":"1","page":600},{"text":"يقال: إن فيه عبرة- أي ما يقتضي حمل غيره عليه، وإجراء حكمه عليه، نحو أن يعاجل من ظلم بالهلاك، فيقال: \"إن فيه عبرة\". ولا يقال إن معنى قوله: \"فيه عبرة\" أي اتعاظ وانزجار، لأنا نقول: لا كذلك، فإنه يقال: اعتبر لتتعظ وتنزجر، فيجعل الاتعاظ والانزجار غاية للاعتبار، فكان غيره.\nفإن قيل: \"ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ\" فصار المعنى منصوصًا عليه وهو مخالفة الله ورسوله، ولا كلام فيه، إنما الكلام فيما ظنه المجتهد وظفر برأيه- قلنا: النص مطلق لا تقييد ظهور المعنى وخفائه. بل الاعتبار بحالة الخفاء أليق، فتصرف إلى كل اعتبار. وإن وجود النص في حادثة، ظهر فيه المعنى، لإطلاق اللفظ.\nهذا وجه التعليق بهذه الآية. إلا أن لقائل أن يقول: قوله\"فاعتبروا\" ليس فيه ما يقتضي جميع وجوه الاعتبار. ونحن نعتبر الفروع بالأصول المنصوص عليها. فكما لا يثبت الحكم في الأصول إلا بالنص أو بالبقاء على حكم العقل، فكذلك لا يثبت الحكم في الفروع إلا بالنص أو بالبقاء على حكم العقل.\nوأما المخالف فقد احتج بأشياء:\n١ - أحدها- أن الله تعالى دل بوضع الشريعة على منعنا من القياس، حيث فرق بين المتفقين، وجمع بين المختلفين في الحكم فإنه أباح النظر إلى شعر الأمة الحسناء وحرم النظر إلى شعر الحرة الشوهاء. وأوجب الغسل في المنى دول البول والمذى. وأوجب على الطاهرة من الحيض قضاء الصيام دون الصلوات.","vol":"1","page":601},{"text":"ولا يقال بأن القياس إنما يقتضي الجمع بين الشيئين إذا اشتركا في علة الحكم، ولم توجد المشاركة في هذه المواضع، لأنا نقول: الشريعة لو حظرت النظر إلى شعر الحرة ولم تذكر شعر الأمة، لعلم أنها حظرت لخوف الفتنة، وهذه العلة قائمة في شعر الأمة، ولكان أقوى ما يذكرون من الأمارة في القياس. فلما شهدت الشريعة بإبطال هذه الأمارة، علمنا أن وضعنا يمنع القياس.\n٢ - ومنها- أنه لو ورد التعبد بالقياس، [فإنه] يؤدي إلى أحكام متضادة، لأن الفرع قد يشبه أصلين متضادي الحكم، فاقتضي إثباتهما في الفرع، وذلك محال.\n٣ - ومنها- أن ورود التعبد بالقياس باعتبار الحاجة، ولا حاجة بنا إلى ذلك، لأن النصوص العامة والخاصة متناولة للحوادث كلها. وكذلك دليل العقل شامل للحوادث كلها.\nوالجواب:\nأما الأول - فليس فيه أكثر من وجود الأمارة وعدم حكمها. وبهذا تخرج عن كونها دلالة. أما لا يخرج عن كونها أمارة، كالغيم الرطب في زمان الشتاء: أمارة المطر، ثم ليس ينقض كونه أمارة بوجود غيم في زمان الشتاء ولا مطر معه- فكذا هذا. ونحن لا ندعي إلا كونه أمارة.\nوأما الثاني- الفرع إذا أشبه أصلين مختلفين. فإما أن يختبر في الفرع في العمل بأيهما شاء، والتخيير حكم من الله تعالى، كما في أخبار الآحاد إذا تعارضت. أو نقول: لابد أن يكون شبه الفرع بأحدهما أقوى،","vol":"1","page":602},{"text":"والله تعالى جعل لنا طريقًا إلى معرفته، فعلى المجتهد أن يراجع النظر حتى ظفر بالأقوى، فلا يؤدي إلى تعطيل الأمارة.\nوأما الثالث- قلنا: لا نسلم أن النصوص متناولة للحوادث كلها، إذا لو كانت متناولة للحوادث كلها، لكانت متناولة للحوادث التي اختلف فيها الصحابة، ولاحتجوا بها. وحيث لم يحتجوا، علم أنها لم تتناول كل الحوادث.\nوأما دليل العقل، فإنما يعمل به لو لم ينقل عنه دليل شرعي، فبينوا أن القياس ليس بدليل شرعي- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>١٤٨ - باب في: أن النص على علة الحكم في الأصل- هل هو تعبد بالقياس بها أم لا</span>؟\n- ذهب بعضهم إلى أنه لا يكون تعبدًا بالقياس. ويجوز من الله تعالى أن ينص على علة حكم، ثم ينهي عن القياس عليه وإن شاركه غيره في علته.\n- وذهب أكثر الفقهاء وبعض المتكلمين إلى أنه تعبد بالقياس.\n- وذهب بعض المتكلمين إلى أن التنصيص على علة الحكم، يجري مجرى التنصيص على كل ما وجدت فيه علة الحكم، وهو محكي عن أبى الحسن الكرخي ﵀.","vol":"1","page":603},{"text":"وذكر بعضهم أن المنصوص إذا كان علة للتحريم يكون تعبدًا بالقياس بها. وإن كان علة للإيجاب أو الندب لا يكون [النص عليها تعبدًا بالقياس بها].\n(أ) - والدلالة على صحة مذهبنا- أن العمل بالإشارة واجب- على ما مر. وعلة القياس أمارة، فدل التنصيص عليها، على وجوب تعليق الحكم بها. دل عليه العرف. فإن من قال لعبده: \"لا تدخل دار فلان لأنه عدوى\" فدخل دار غيره من أعدائه لامه العقلاء عليه. ولو قال له: \"أوجبت عليك أو أبحت لك الدخول دار فلان لأنه صديقي\" فدل دار صديق آخر، لا يلام عليه، ولو لامه غيره، يلومه العقلاء على ذلك.\n(ب) - أما المخالف- فقد استدل بقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ علل وجوب الصلاة بكونها مانعة عن الفحشاء والمنكر. وهذه العلة قائمة في صلاة الضحى، ولا يجوز قياسها عليها في الوجوب- دل عليه العرف، فإن من قال: \"أعتقت سالمًا من عبيدي لأنه أسود\" لا يعتقد السامعون عتق جميع السود. وكذلك لو وكل وكيلًا بأن يعتق سالمًا من عبيده لأنه أسود، لا يجوز أن يعتق جميع عبيده السود فكذا هذا.\nوالجواب:\n- أما الآية فمعنى كونها ناهية عن الفحشاء والمنكر، كونها لطفًا","vol":"1","page":604},{"text":"في التقريب إلى فعل الواجبات والتجنب عن القبائح. وهذا مما لا يستيقن بوجوده في صلاة الضحى، فلهذا لم يجز قياسها على غيرها.\n-وأما العرف- لو قال قائل: \"أعتقت زيدًا من عبيدي، لأنه أسود\" ناقضه كل عاقل فيقول له: إن عبيدك الأخر سود، فلم خصصته بالعتق؟ وكذلك في الدليل: هذه المناقضة ثابتة- ألا ترى [أنه] لم يجز للوكيل الإقدام على إعتاق أعبد له، لأن الوكالة لا تثبت إلا بتنصيصه، والشرع منع من إبطال ملك الغير إلا بصالح القول. ولأن الموكل جاز عليه البدوات والمناقضات، فالاحتياط المنع من الحكم بعتق مماليكه إلا بصريح الإعتاق. ومنع الوكيل من إتلاف ماله إلا بصريح القول.\n(جـ) - وأما من فرق بين علة التحريم والإيجاب- قال: أن تعليل الفعل بعلة تنبئ عن حسنه، فليس كل حسن واجب التحصيل. فأما تعليل الترك [بعلة] تنبئ عن قبحه، فكل قبيح يجب تركه.\nوالجواب:\nإن تعليل الوجوب ينبئ عن جهة مقتضية للوجوب. كما أن التعليل للحرمة ينبئ عن جهة مقتضية للحرمة، فتجب المقايسة في كل واحد منهما والله أعلم.","vol":"1","page":605},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>١٤٩ - باب في: أن النبي ﵇- هل كان متعبدًا بالقياس والاجتهاد أم لا</span>؟\nذهب بعض المتكلمين إلى أنه لم يكن متعبدًا بالاجتهاد في شيء عن الشرعيات. وحكي عن أبى يوسف ﵀ أنه كان متعبدًا به.\nوحكي عن الشافعي ﵀ انه جوز أن يكون في الأحكام الشرعية ما قال النبي ﵇ بالاجتهاد.\nوالمختار من المذهب أنه يجوز أن يتعبد النبي ﵇ بالقياس. ولكنا لا نقطع أنه كان متعبدًا به أم لا.\nوالدلالة على جواز ذلك:\n١ - أنه لا يمتنع أن تكون مصلحة النبي ﵇ في العمل بالنص تارة وفي العمل بالاجتهاد أخرى، كما حق الأمة. وهذا لأن الاجتهاد ليس إلا العمل بالأمارة والظن، ولا يمتنع أن تكون المصلحة في العمل به في حق النبي ﵇- ألا ترى أنه يجب عليه العمل بالرأي والاجتهاد في المنافع الدنيوية ومضارها، فكذا في الشرعيات.\nفإن قيل: اجتهاد النبي ﵇ اختص بوجه، وهو أن ذلك تنفير عنه- وبيانه من وجهين:\nأحدهما- أنه إذا علم أنه يقول برأيه ومن تلقاء نفسه، ففيه تنفير عنه.\nوالثاني- أنه يجوز لغيره من المجتهدين مخالفته، وهذا أبلغ في التنفير.\nقلنا: المجتهد يثبت حكم الله تعالى بتنبيهه، أي تنفير [عند] تنبيه الله تعالى [إيانا] على مراده.","vol":"1","page":606},{"text":"وقوله: يجوز لغيره أن يخالفه- قلنا: لا يجوز ذلك، وإن صدر الحكم عن اجتهاد، على ما مر.\nفإن قيل: لو جاز للنبي ﵇ أن يجتهد، يجب علينا القطع على أن ما قاله حق، لأنه يجب علينا أتباعه، ولا يقطع هو على ذلك، لأنه مجتهد- قلنا: كما يقطع أن ما قاله حق وصواب، فهو يقطع على ذلك أيضًا إذا أفضى إليه اجتهاده، لأن ذلك يوجب قيام الدليل على عصمته، وحال الدليل لا يختلف، فكما نعلم كونه معصومًا، فهو يعلم ذلك.\nوأما عدم القطع على أن كان متعبدًا أو لم يكن- أنه ليس في العقل ولا في السمع ما يدل على [نفي] ذلك، أو على تعبد، وإنما يتضح ذلك بإفساد أدلة القاطعين على أنه كان متعبدًا، وأدلة القاطعين على أنه لم يكن متعبدًا به. كما احتج به القائلون إنه متعبد: [بـ] أن في الاجتهاد زيادة ثواب، ولا يجوز أن يحرم عنها النبي ﵇.\n٢ - ومنها- أن العقل يقتضي العمل بالقياس، فالرسول ﵇ وغير الرسول، فيه سواء.\nوالجواب- قلنا:\n[الأول]- هذا لا يتم إلا بعد بيان أن ثواب المجتهد في الإمارات أكثر من ثواب المستدل بالدلالات، مع أن المشقة موجودة فيهما، وليس إلى ذلك سبيل، لأنا نعلم [أن] التفاضل بينهما في مزيد الثواب.\nوأما الثاني- قلنا: العقل إنما يوجب ذلك، إذا لم يكن في الحادثة نص، وإذا لم يدل الشرع على أن في القياس مفسدة، فما يؤمننا أن الله تعالى نص على الأحكام في حقه ونبهه أن في القياس مفسدة؟","vol":"1","page":607},{"text":"وأما المانعون من كونه متعبدًا به- احتجوا بأشياء:\n١ - منها- قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ولا يقال لما صدر عن اجتهاد، إنه وحي- ألا ترى أنه لا يقال: إن قول المجتهد منا وحي - فكذا هذا.\n٢ - ومنها- أنه لو كان في الأحكام ما قاله الني ﵇ عن اجتهاد، جاز أن يجعل أصلًا لغيره، ولجاز لغيره مخالفته، ولا يكفر مخالفه- إذ كل ذلك من حق الاجتهاد، والأمر بخلافه.\n٣ - ومنها- أنه لو كان متعبدًا به، لأظهره.\n٤ - ومنها- أنه لو تعبد بالاجتهاد لما توقف على الوحي، ومعلوم أن كان يتوقف عليه.\nوالجواب:\nأما الأول- قلنا: الآية تناولت ما نطق به، لا ما ظهر عنه فعلًا. ومن أين لكم أن كل ما فعله النبي ﵇ كان وحيًا؟\nثم نقول: الحكم بالاجتهاد ليس حكمًا عن هوى، بل هو حكم عن دليل نصبه الله تعالي.\nوأما الثاني- قلنا: ليس ذلك حكم الاجتهاد مطلقًا، بل حكم اجتهاد","vol":"1","page":608},{"text":"لم يقترن به دليل قطعي، كما أنـ[ـه] في الإجماع الصادر عن اجتهاد- على ما مر.\nوأما الثالث- قلنا: لا يمتنع أن تكون المصلحة في عدم الإظهار، ولم يظهر.\nوأما الرابع- قلنا: لم يثبت أنه توقف في جميع الأحكام على الوحي، فربما حكم في بعضها بالاجتهاد في الحال- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>١٥٠ - باب في: أن من عاصر النبي ﵇- هل كان متعبدًا بالاجتهاد والقياس أم لا</span>؟\nأثبته قوم على الإطلاق.\nومنعه قوم على الإطلاق.\nوالمذهب المختار- أن من كان بحضرة النبي ﵇ وقدر على سؤال حكم الحادثة عند [هـ] لا يجوز له الاجتهاد، لأنه بمنزلة واجد النص في الحادثة. إلا إذا خصه النبي ﵇ بالأمر به. كما روي عن النبي ﵇ أن أمر عمرو بن العاص بالحكم بين المتخاصمين برأيه ووعده إياه بالثواب عليه، وأخطأ أو أصاب.","vol":"1","page":609},{"text":"أما من غاب عن النبي ﵇، وعجز عن السؤال عنه- فيجوز له ذلك: لمساس الحاجة وفقد النص. ولما روى من حديث معاذ ﵁، وهو حديث صحيح على ما روينا، وقد تلقته الأمة بالقبول- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>١٥١ - باب في: أن القياس- هل هو مأمور به ودين أم لا</span>؟:\n(أ) - أما كونه دينًا- إن عنى به أنه ليس ببدعة، بل هو من الشرع، فلا شبهة فيه. وإن عنى به تسميته دينًا- فقد اختلفوا فيه:\n- ذهب بعضهم إلى المنع من ذلك. لأنهم جوزوا الاختلاف في الدين. ولأن للقياس أحكامًا مختلفة. فلو كان دينًا، لكان لله تعالى أديانًا مختلفة، وهذا لا يجوز.\n- وذهب آخرون إلى إطلاق ذلك عليه، لأنه لو لم يكن دينًا، لكان فيه إحلال الفروج، وإباحة الدماء بغير دين الله تعالى، وهذا لا يجوز.\nوقولهم: يؤدي إلى أن يكون لله تعالى أديانًا مختلفة- قلنا: يشكل هذا في الأحكام الثابتة بالنصوص، فإنها تختلف باختلاف أحوال المكلفين، كالصلاة في حق المقيم والمسافر والصحيح والمريض، ولا يؤدي إلى ما ذكرتم.\n(ب) - وأما كونه مأمورا به:\n[فـ] إن عنى به أنه مبعوث عليه بأدلة، فصحيح.","vol":"1","page":610},{"text":"وإن عنى أن صيغة الأمر تناولته- فصحيح أيضًا، عند من يحتج بقوله تعالى: \"فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ\". ومن لم يحتج إلا بأدلة العقل وأحكام الصحابة، فلا يقول به.\nثم القياس الشرعي ضربان: أحدهما واجب، والآخر مندوب:\n- والواجب ضربان: أحدهما على التعيين، والآخر على الكفاية.\nوالأول- هو قياس من نزلت به الحادثة من المجتهدين، إذا كان قاضيًا أو مفنيًا، ولم يقم غيره مقامه.\nوالثاني- قياس من يقوم غيره مقامه.\n- وأما المندوب- فهو القياس فيما لم يحدث من المسائل مما يجوز حدوثه، ليكون الجواب بعد وقت السؤال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>١٥٢ - باب: شروط القياس وما يصححه ويفسده:</span>\nاعلم أن جملة شروط القياس، الصحيح- أربعة:\nأحدها- أن يكون الأصل غير مخصوص حكمه بنص آخر.\nوثانيها- أن يكون الحكم موافقًا للقياس، غير معدول به عن القياس.\nوثالثها: أن يتعدى الحكم الشرعي الثابت في الأصل، إلى فرع هو نظيره، ولا نص فيه من غير زيادة ونقصان.\nورابعها- أن يبقى الحكم في الأصل بعد التعليل، كما كان قبل التعليل.","vol":"1","page":611},{"text":"أما الأول- فلأنه متى ثبت اختصاص الحكم بالأصل بالنص، كان في استعمال القياس إبطال تلك الخصوصية بالقياس، والقياس ليس بحجة في معارضة النص.\nمثاله- قضاء رسول الله ﷺ بشهادة خزيمة وحده، مع أن عموم قوله تعالى: \"وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ\" يقتضى اشتراط العدد، فلما كان ذلك بتخصيص النبي ﵇ إياه بهذه الكرامة، لا يجوز غيره عليه، لأنه إبطال هذه الخصوصية بالرأي.\nوأما الثاني- فلأن حكم النص متى ثبت على وجه يرده القياس الشرعي، لا يجوز مخالفته، إلا فيما ورد فيه دليل فوقه وهو النص.\nمثاله- بقاء الصور مع الأكل ناسيًا: ثبت بخلاف القياس، إذ القياس ينفي بقاءه معه، لأن الأكل ضد الصوم، ويستحيل بقاء الشيء مع وجود ضده، وهو كترك الصلاة والحج والزكاة ناسيًا، وكان معدولًا به عن القياس، فلا يجوز قياس المكره والخاطئ عليه.","vol":"1","page":612},{"text":"فإن قيل: أليس قد جوزتم قياس الجماع ناسيًا عليه، فإنه لا يوجب فساد الصوم أيضًا، فجوزوا قياس المكره والخاطئ عليه. والعلة في الكل أن الفاعل ما قصد به الإفطار- قلنا: ما حكمنا ببقاء الصوم مع الجماع ناسيًا بالقياس، بل بالاستدلال بالمنصوص. لأن الكف عن الأمل الوقاع ركن واحد للصوم، فكان حكمهما واحدًا، كالأكل ناسيًا مع الشرب ناسيًا، ولا كذلك الخطأ مع النسيان. وما ذكر من العلة- قلنا: الحكم ببقاء الصوم مع الأكل ناسيًا ما كان لعدم القصد، بل لمعنى آخر.\nوأما الثالث- قلنا: ما ذكرنا أن المقايسة اعتبار الشيء بغيره والمحاذاة بينهما، ولا يتصور ثبوته في شيء واحد، ومتى لم يتعد حكم الأصل إلى الفرع، لا يكون النظر فيه لإثبات الحكم مقايسة.\nوأما كون الحكم شرعيًا- فلأن القياس على الأصول الشرعية لا يكون بإثبات أحكام اللغة وغيرها.\nوأما عدم النص في الفرع، فهو شرط عندنا.\nوعند الشافعي ليس بشرط.\nوالخلاف فيه موضعين:\n(أ) - أحدهما- أنه قال: يجوز أن يكون في الفرع نص ويزداد بالقياس بيان حكم النص، ولا يجوز أن يكون مخالفًا للنص، لأن الكلام، وإن ظهر معناه، يحتمل البيان الزائد ولا يحتمل الخلاف. فإذا جاء موافقًا قبل، وإن جاء مخالفًا بطل.","vol":"1","page":613},{"text":"ونحن نقول: القياس اعتبار الشيء بغيره. فإذا كان في الفرع نص، فالقائس إما أن يثبت ذلك الحكم أو خلافه:\nالأول- لا يجوز، لأنه ثابت. قبله بدليل فوقه، فكيف يتصور إثباته بدليل هو دونه.\nولا وجه إلى الثاني- لأن مخالفة النص بالقياس، لا يجوز- دل عليه حديث معاذ وغيره من الأحاديث التي فيها توقيف الاجتهاد على عدم النص بقوله: \"فإن لم تجد كتابًا ولا سنة\"- لم يجز الاجتهاد إلا عند عدم النص.\n(ب) - والموضع الثاني- أنه يجوز تعليل حكم الأصل، لا للتعدية، بل على وجه يقتصر الحكم عليه.\nوعندنا: لا يجوز المقايسة إلا للتعدية بحكم التعليل، [و] الأصل عندنا تعدية الحكم إلى الفرع عند تعلق الحكم بتلك العلة في الأصل، والتعدية من ثمراته.\nومنهم من فرق بين العلة المنصوصة والعلة المستنبطة، فجوز كون العلة المنصوصة موقوفة، وأوجب كون المستنبطة متعدية.\nوالدلالة على صحة ما ذهبنا إليه ما ذكرنا أن المقايسة والاعتبار لا يتحقق إلا بإثبات حكم الشيء في غيره، فإذا لم يتعد حكم الأصل إلى غيره لا يكون مقايسة. ولأن حكم المقايسة والاجتهاد إما أن يكون وجوب العلم أو وجوب العمل. والتعليل بالرأي لا يوجب العلم، وكان حكمه وجوب العمل. فإذا لم يتعد، لا يثبت له حكم أصلًا، لا فيما تناوله النص، لأن ثابت بدليل فوقه، ولا في غير ما تناوله النص، لأنه لم يتعد.","vol":"1","page":614},{"text":"فإن قيل: لهذا التعليل فائدة أخرى غير ما ذكرتموه- بيانه من وجهين:\nأحدهما- الوقوف على علة الحكم. وهي فائدة مخصوصة للعقلاء. فإن من عرف وتحصل [له] معناه يزداد قلبه بذلك طمأنينة [إلى] الحكم والمعنى في المنصوص لما ذكرنا من الفائدة. وإنما الكلام في التعليل وبيان وجه العلة للحكم، وفائدته ما ذكرناه. على أن نقول: التعليل لا يفيد العلم وإنما يفيد الظن، والتعليل لفائدة الظن بدون الحكم لم يرد به الشرع، فلا يجوز التعليل لأجله.\nوأما الثاني- قلنا: هذه الفائدة تحصل إذا لم نعلل النص أصلًا، ولأن التعليل بعلة قاصرة، لا يمنع التعليل بعلة أخرى متعدية، فلا يفيد هذه الفائدة.\nاحتج الشافعي ﵀ وقال بأن تعلق الحكم بالعلة لا يعرف بالتقدم، وإنما يعرف لاختصاصها بوجه يوجب تعلق الحكم. فإذا دل الدليل على اختصاصها بذلك الوجه، يجب تعليله وتعليقه به.\nوالجواب:\nنعم، تعلق الحكم بالعلة لما ذكرتم. لكن التعليل واستخراج العلة إنما يجوز لوجوب العلم والعمل، فكان ذلك متيقنًا هنا، على ما مر.","vol":"1","page":615},{"text":"وأما من فرق بين العلة المنصوصة والمستنبطة، قال: لا فائدة في استخراج العلة واستنباطها إلا تسويغ القياس والتعدية. فأما المنصوص ففائدتها تعلق الحكم بها في الأصل، فلا يلزم التعدية فيها.\nوالجواب: كما لابد في المسنبطة من فائدة سوى الاستنباط، لابد في المنصوصة من فائدة سوى النص عليها، لأن ثبوت حكم النص لا يستفاد من العلة، لما مر، فبطل الفرق.\nوأما شرطنا التعدية من غير زيادة ولا نقصان في الحكم، [فـ] لأنه لو زاد أو نقص، صار الفرع مخالفًا للأصل.\nوأما الرابع- فلأنه [إ] لم يبق الحكم في الأصل بعد المقايسة، أو تغير عما كان عليه، كان فيه إبطال النص أو تغييره بالقياس، الذي هو دونه، وهذا لا يجوز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>١٥٣ - باب: الطريق إلى معرفة العلل الشرعية، وبيان أقسامه:</span>\nاعلم أن الطريق معرفة العلل الشرعية هو الشرع. لأن أحكام الشرع وكيفية ثبوتها بحسب العلل، لا يحصل إلا بالشرع.\nثم الطرق الشرعية في نفسها إما لفظ أو استنباط. و[إذا] كانت الطرق الشرعية إما لفظًا أو استنباطًا- فنبين كل واحد منها.\nأما اللفظ- فنقول:\nالألفاظ الدالة على صحة العلة إما صريحة، أو منبهة.\n(أ) - فالصريحة- إما أن يكون لفظها لفظ العلة، أو ما يقوم مقام لفظ العلة.","vol":"1","page":616},{"text":"فالأول- كقول القائل: أوجبت عليك كذا بعلة كذا.\nوالثاني- قوله: كذا لأنه كذا، أو لأجل كذا، أو لكي لا يكون كذا، قال الله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾.\n(ب) - وأما الألفاظ المنبهة فأربعة أقسام:\nأحدهما- أن يكون في الكلام لفظ غير لفظ التعليل، ولكن يقتضي تعلق الحكم بعلته، كتعليق الحكم بحرف الفاء، سواء دخل على السبب والعلة، أو على الحكم-[الأول] كقوله ﵇ في ذلك المحرم: \" لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبًا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا\". والثاني- كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. وكقول الراوي: \" سها النبي ﵇ فسجد\"- و\" ماعز زنى فرجم\".","vol":"1","page":617},{"text":"والقسم الثاني- أن يصدر القول من النبي ﵇ عند علمه بصفه المحكوم فيه فيعلم أنها علة، نحو: أن يسأل النبي ﵇ عن شيء ويذكر السائل صفة لذلك الشيء مما يجوز كونه علة مؤثرة فيه، فيجيب النبي ﵇، فيعلم أنها لو لم تكن مؤثرة في ذلك لم يجب. كقول القائل: \"أفطرت يا رسول الله\"، فيقول النبي ﵇: \" عليك الكفارة\" فعلم أن الكفارة وجبت لأجل الإفطار. ولو لم يكن الإفطار مؤثرًا في ذلك، لما أوجبها عند سماعه.\nوالقسم الثالث- هو أن تكون الصفة مذكورة على حد [فـ] لولا كونها علة، لم يكن في ذكرها فائدة- وهو على أنواع:\n١ - منها- أن يكون مذكورًا بلفظ\"إن\" كما روى أن النبي صلى الله عليه امتنع من الدخول على قوم عندهم [كلب]، فقيل: \"إنك تدخل على آل فلان وعندهم هرة\"- فقال ﵇: \" إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات\" فلو لم يكن للطواف تأثير في طهارتها، لم يكن لذكرها فائدة، عقيب حكمه بطهارتها.\n٢ - ومنها- أن يوصف المحكوم فيه بصفة قد كان يمكن الإخلال بذكرها وذكر ما يجرى مجراها، فيعلم أنها ما ذكرت إلا لأنها مؤثرة، كما في قوله ﵇: \" تمرة طيبة، وماء طهور\".\n٣ - ومنها- التقرير على وصف الشيء. وهو نوعان:\n* أحدهما- أن يقرر النبي ﵇ وصف الشيء المسئول عنه، كقوله","vol":"1","page":618},{"text":"﵇ عقيب السؤال عن بيع الرطب بالتمر: \" أو ينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم- فقال ﵇: لا إذن\" فهذا يدل على كونه علة.\n- وأما الثاني- أن يقرر النبي عليه السلاك ما يشبه المسئول عنه ويثبته عل وجه التشبيه، كقوله ﵇ لعمر حين سأله عن القبلة للصائم: \"أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته؟ \" فعلم أنه إنما لم يفسد الصوم في المضمضة والقبلة، لأنه لم يحصل بهما ما يتبعهما من الإنزال والإرواء.\n٤ - ومنها- أن يفرق النبي ﵇ بين شيئين في الحكم بذكر صفة، فيعلم أن لو لم تكن الصفة علة لم يكن لذكرها في موضع الفرق معنى، نحو قوله ﵇: \" القاتل لا يرث\"، ففرق بينه وبين جميع الورثة بذكر القتل الذي يجوز كونه مؤثرًا في نفي الإرث- علمنا أنه علة نفي الإرث. وكقوله ﵇ عقيب أمر القاضي بالقضاء: \" لا يقضي القاضي وهو غضبان\" يدلنا أن الغضب علة المنع منه.\nوأما القسم الرابع- فهو النبي عن فعل يمنع الواجب، فيعلم أن العلة من كونه محرمًا، كونه مانعًا من الواجب، وإن لم يصرح به. وهو كقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾: يعلم أن علة كونه مانعاَ من [البيع] وجود واجب تقدم وجوبه. وكقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ\"","vol":"1","page":619},{"text":"لما نهى عن ذلك بعد وجوب إعظام الأبوين، وإنه مناف له- علم أن العلة فيه ذلك، فيقتضي تحريم الضرب بطريق الأولى، لأن المنافاة بينه وبين الإعظام أكثر. وبعض الناس قالوا بأن المنع من ضربهما معقول من جهة اللفظ، لا من جهة القياس، وهذا غير صحيح، لأنه لو كان كذلك، لكان اللفظ موضوعًا له لغة، ولا يجوز أن يكون موضوعًا له عرفًا، لأن العلم بحرمة ضربهما بهذه الآية موقوف على قياس الأولى، وهو ما ذكرنا من وجوب الإعظام، ومناقاة الضرب إياه أكثر من منافاة التأفيف، فمن لم يحصل هذه الجملة، لا يحصل له العلم بحرمة ضربهما بهذه الآية- إلا أن لقائل أن يقول: نحن لا نقول بأن حرمة الضرب مستفادة بصريح اللفظ، حتى يشترط كونه موضوعًا له لغة أو عرفًا بطريق الدلالة، لما نذكره في حد الاستدلال.\nوأما طريق العلل المستنبطة- فقد تكلم الناس فيها:\nبعضهم اعتبر المشابهة بين الأصل والفرع طريقًا وعلة للحكم.\nوبعضهم اعتبر الإخالة.\nوبعضهم اعتبر الاطراد في جميع المعلولات.\nوعندنا- طريق معرفة العلة المستنبطة ثلاثة أشياء: التأثير، والملازمة بين الحكم والوصف، وإبطال جميع الأوصاف إلا الوصف الذي هو علة.\nونحن نبطل أقاويل المخالفين، ثم نقرر كل واحد من هذه الطرق الثلاثة.","vol":"1","page":620},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>[أ- إبطال أقوال المخالفين]</span>\n١ - أما من اعتبر مجرد الشبه:\nيقال له: اعتبرت الشبه في وصف هو علة، أو في وصف ليس بعلة؟\n[فـ] إن قال بالأول- لزمه بيان كونه علة بالدليل.\nوإن قال بالثاني- فهو باطل، لأنه ما من شيء من المحدثات إلا وبينها مشابهة في وصف ما، حتى المختلفات والمتضادات، فيصح قياس كل شيء على طل شيء، وهذا باطل.\n٢ - وأما من اعتبر الإخالة:\nيقال له: إن الإخالة أمر باطن لا يمكن تعليق الحكم به. ولأنه في حيز المعارضة، لأن المجيب لو قال قائل لي: إن علتي صحيحة وعلة السائل باطلة.\nفللسائل أن يقول: مثل ذلك.\n٣ - وأما من اعتبر الاطراد:\nيقال له: عنيت بالاطراد ملازمة الحكم الوصف الذي هو علة على ما نذكره، أو شيئًا آخر؟\n[فـ] إن قال بالأول- فهو الملازمة، وهي طريق صحة العلة، لما نذكر.","vol":"1","page":621},{"text":"وإن قال بالثاني- فلابد من بيانه، وبيان كونه طريقًا لمعرفة العلة، ولا سبيل إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>[ب- طريق معرفة العلة المستنبطة]</span>\nوأما الدلالة على صحة ما ذهبنا إليه:\n١ - أما التأثير:\nفالمعني به اختصاص الوصف بحالة تناسب الحكم، ولو عرض على العقل، فالعقل يقضي بثبوت الحكم به. ولا نعني بالعلة إلا هذا.\nوالتأثير بهذا التفسير تارة يثبت بالنص على طريقة الإجمال، وتارة يثبت بالإجماع، وتارة بنظر العقل بطريق التفصيل.\nفالثابت بالنص- كتأثير الطوف في سقوط نجاسة الهرة، فيقاس عليه سائر سكان البيوت.\nوالثابت بالإجماع- كتأثير التهمة في منع قبول الشهادة. فإنهم أجمعوا على رد الشهادات بالتهم، فيقاس عليه شهادة أحد الزوجين لصاحبه.\nوالثابت بنظر العقل- كقياس التفاوت بين اليد الصحيحة واليد الشلاء، في منع وجوب القصاص، فإن استيفاء الزيادة ظلم، وهو ضرر، وذلك منفى عقلًا، فيقاس عليه التفاوت بين الأيدي واليد الواحدة، من حيث العدد، فيمنع وجوب القصاص بطريق الأولى.\n٢ - أما الملازمة:\nفالمعنى بها أن الحكم، ويوجد عند وجود الوصف، وينتفي عند انتفائه عادة. وذا يقتضي كون الوصف علة للحكم، لأن علل الشرع أمارات،","vol":"1","page":622},{"text":"والأمارة ما تقتضي غلبة الظن. والملازمة على هذا التفسير تقتضي غلبة الظن.\n٣ - وأما إبطال سار الأوصاف:\nفإن الوصف الذي هو علة هذا- هو أن تجمع الأمة أو القائون على تعليل أصل، ويختلفون في علته، ونبطل جميعها إلا وصفًا واحدًا، فيكون هو العلة، لأنه لو لم يكن كذلك، لخرج الحق عن أقاويل الأمة.\nفإذا لم يجمعوا على تعليل الأصل، بل علل بعضهم، واختلف من علل، فمنهم من علل بعلة ومنهم من علله بأخرى، وفسدت إحداهما، لا يجب صحة الأخرى، لأنه ليس في فسادها ذهاب جميع الأمة عن الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>١٥٤ - باب في: تعليل أصول العبادات والتقديرات وغير ذلك. والفرق بين القياس والاستدلال:</span>\nاختلف الناس في إثبات أصول العبادات وغيرها من المقدرات، كالحدود والكفارات، بالقياس:\n[فـ] ذهب الكرخي وجملة من المتكلمين- إلى المنع منه. وحكاه الكرخي عن أبى حنيفة ﵀.\nوذهب الشافعي وأصحابه- إلى جواز ذلك كله، بالقياس.\nوحكي عن أبى يوسف ﵀ أنه قبل خبر الواحد في إثبات الحدود، كما تقبل الشهادة. وهذا يقتضي أنه يثبت الحد بالقياس أيضًا لأنه كخبر الواحد، في إفادة الظن- فإن لم يمنع إثباته بأحدهما، وإن كان يدرأ بالشبهة، فكذلك الآخر.","vol":"1","page":623},{"text":"والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه- أن القياس إثبات الحكم بأمارة يغلب على الظن ثبوت الحكم بها إذا عرض على العقل، والعقل لا يهتدي إلى إيجاب صلاة سادسة، وإلى كون نصاب الإبل مقدراُ بخمس، ونصاب الغنم بأربعين، وإلى كون الزنا موجبًا لمائة جلدة، وإلى كون الكفارة مقدرة بإطعام عشرة مساكين، من غير زيادة ونقصان، فلا يمكن إثباتها بالقياس.\nفإن قيل: نحن نثبت أصل المقدر بالقياس، وأصل هذا المقدر مما يعرف بالعقل، فأما التقدير [فـ] يثبت بالنص، لا بالقياس. كإيجاب الجلدات مثلاُ بالزنا: معقول، لأنه جناية، وهذه عقوبة، فكان ملائمًا له، إلا أن كونه مقدرًا بمائة لا يدرك بالقياس. فنحن نعلل أصل الحد المقدر بالقياس، دون التقدير. وكذا في سائر المقدرات - قلنا: أثبتم بالتعليل والمقايسة أصل العقوبة، أو هذه العقوبة المقدرة المعينة؟\n(أ) - إن قال بالأول- فنحن نقول: كل جناية تستحق بها العقوبة إما عاجلًا أو آجلًا، ولا كلام فيه. إنما الكلام في إيجاب هذه العقوبة المعينة المقدرة، وهذا لأن الجنابة إن كانت مؤثرة في استحقاق العقوبة، وقد وجبت هذه العقوبة المقدرة، ولكن يحتمل أنها وجبت، لأن هذه الجناية ما أوجبت إلا هذا القدر من العقوبة، ويحتمل أنها أوجبت عقوبة ما مقدرة بمقدار ما، إلا أن تعيين هذه العقوبة والتقدير بهذا لمصلحة أخرى لا نقف عليها، فلا يمكن إثبات التعليل بكونها جناية. وكذا هذا الكلام في تكفير اليمين بإطعام عشرة مساكين، وغير ذلك. وكذا هذا في كون النصاب المقدر سببًا لمال مقدر، بعلة كونه شكرًا: يحتمل أن شكر هذا المقدار من النعمة [يكفيه] هذا القدر، ويحتمل أن التقدير بهذا القدر لمصلحة أخرى، فلا يمكن إيجاب شيء من ذلك، بالقياس.\nفإن قيل: أليس أن أبا حنيفة وأصحابه ﵏ أثبتوا الكفارة على المفطر. بالأكل والشرب في رمضان بالقياس، وأنهم قالوا إنما وجبت الكفارة بالوقاع","vol":"1","page":624},{"text":"في حديث الأعرابي، لأنه مفسد للصوم بجهة التعمد، وهذا المعنى موجود في الأكل والشرب، فيوجب الكفارة، وهذا محض قياس- قلنا: لا نوجب الكفارة بالقياس، بل بالاستدلال بموضع النص:\nبيانه- أنا لا نقول إن الكفارة ثمة وجبت بهذه العلة، وهي موجودة هنا- لكنا نقول: النص تناول إفساد الصوم، وهذا إفساد الصوم. بيانه- أن الكفارة تعلقت بمواقعه هي إهلاك، فإن الأعرابي قال: هلكت وأهلكت، فقال ﵇: \"ماذا صنعت؟ \" فقال: واقعت امرأتي في نهار رمضان. والمواقعة ما كانت متعلقة بإفساد الصوم، وهذا بعينه إفساد الصوم. وهو على مثال الضرب مع التأفيف في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فإن النص لا يقتضي حرمة التأفيف لذاته، بل من حيث أنه إيذاء أحد الأبوين، وترك إعظامهما، والضرب في ذلك أعظم، فيجب تحريمه بطريق الاستدلال لا بالقياس.\nفإن قيل: هذا لا يخليكم عن عهدة الإلزام، لأنا نقول: المنصوص عليه في حديث الأعرابي الوقاع، دون الأكل والشرب، والجماع بعين النص،","vol":"1","page":625},{"text":"أو لأنه شاركه في المعنى، وهو كونه إفسادًا للصوم ومنافيًا تعظيم الوالدين؟ إن قال بالأول- فقد أبعد، لأن اللفظ غير موضوع له لغة ولا عرفًا.\n(ب) - وإن قال بالثاني- فهو عين القياس.\nقلما: نحن نثبت حرمة الضرب والكفارة بالأكل والشرب بالنص، لا بالمقايسة، لكن لا بصريح النص، ليحتاج فيه إلى كونه موضوعا له لغة أو عرفًا؟ بيانه- هو بيان طريق الاستدلال: أن الكفارة في حديث الأعرابي ما تعلقت بعين الوقاع لما مر، وإنما تعقلت بالإهلاك بإفساد الصوم، فصار كأن النبي ﵇ قال: عليك الكفارة بإفساد الصوم. هذا هو المفهوم من النص عند وجود هذه القرائن، وإن لم يكن اللفظ موضوعًا له. وهذا إفساد الصوم، فيكون متناولًا بالحديث. وكذا قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ لم يتناول عين التأفيف، بل أذى الوالدين وترك إعظامهما، فصادر كأن الله تعالى قال: \" ولا تؤذوهما ولا تفعلوا فعلًا ينافي إعظامهما\"، ولو قال ذلك، كان الضرب متناولًا بالنص، إلا أن هذا النوع من التناول يعرف بنظر دقيق ويبتني على مقدمات خفية، فسميناه \" استدلالًا\"، وجعلنا الثابت به ثابتًا بدلالة النص، لا بالقياس. ولهذا لم يجز دفع حرمة الضرب مع بقاء حرمة التأفيف. وفي القياس يجوز أن يرتفع حكم الفرع ويبقى الأصل، كحرمة البيع في الأرز مع الحرمة في البر.\nوأما المخالف- احتج بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ وغيره من الدلائل الموجبة للقياس، على سبيل الإطلاق.\nوالجواب أن هذه الدلائل تقتضي التعبد بالقياس، فيما تعرف علة القياس فيه، وأمكن تعديته فيه بالمشاركة في العلة، وهنا لا يمكن- والله أعلم.","vol":"1","page":626},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>١٥٥ - باب في: تعليل الأصل الواحد بعلل مختلفة:</span>\nذهب أصحاب الشافعي ﵀ إلى المنع من ذلك.\nو[نحن] نجوزه، سواء كان لحكم واحد أو لأحكام مختلفة.\nمثال التعليل لحكم واحد- تعليل الله تعالى حرمة الخمر بإيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله تعالى والصلاة.\nومثال التعليل لأحكام- تعليل الصلاة بكونها عبادة، لاشتراط النية في الوضوء وبكونها حق الله تعالى.\nوالدلالة على صحة ما ذهبنا إليه- أن العلة إما إن كانت أمارة على الحكم أو وجه المصلحة في الحكم:\n- فإن كانت أمارة- جاز اجتماع الأمارات على حكم واحد وعلى أحكام، كاجتماع الأدلة على وحدانية الله تعالى وعلمه وقدرته.\n- وإن كان وجه المصلحة- جاز أن يكون الشيء الواحد صلاحًا من وجهين بل من وجوه كثيرة. دل عليه أن الله تعالى علل تحريم الخمر بعلل على ما ذكرنا-[و] دل عليه العرف، فإنه يصح أن يقول القائل: أعط درهمًا فلانًا لأنه فقير ولأنه متعفف ولأنه قريبي. وهذه علل مختلفة.\nفإن قيل: إذا عرف الحكم بعلة واحدة، فالتعليل بالأخرى لا يفيد- قلنا:\n- إن كان التعليل لحكم واحد، [فهو] كالأدلة المتظاهرة على مدلول واحد.\n- وأن كان لأحكام كثيرة، [فهو] يفيد تعدد الحكم في الفروع- مثاله ما قلنا: إذا قال لغيره: أعط فلانًا لأنه فقير ولأنه فاضل ولأنه متعفف،","vol":"1","page":627},{"text":"يثبت حكم الإعطاء في أشخاص اتصفوا بهذه الصفات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>١٥٦ - باب في: حكم الفرع إذا تقدم على الأصل:</span>\nمثاله- قياس الوضوء على التيمم، في اشتراط النية- لأن الوضوء وجب بمكة، والتيمم بعد الهجرة.\nوقد منع من ذلك قوم، لأن شرط ما تقدم وجوبه، [لا] يجوز أن يكون بما تأخر وجوبه، لأن الدليل [لا] يتأخر عن المدلول [عليه].\nونحن نقول ذلك على التفصيل:\n- إن كان الفرع الذي تقدم حكمه بحال لم يدل الدليل على ثبوت حكمه إلا القياس على ذلك المتأخر- لا يصح ذلك القياس، لأنه لا يكون على الحكم الذي تعبدنا به دليل في الحال.\n- وإن دل على حكم الفرع دليل آخر متقدم- لا يبطل ذلك القياس، لأنه يجوز أن يدلنا الله تعالى على حكم بأدلة مترادفة، كالمعجزة المقارنة بابتداء الدعوة- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>١٥٧ - باب في: العلة هل هي دلالة على اسم الفرع، ثم تعلق به حكم شرعي- أم تدل ابتداء على الحكم</span>؟\nقال بعضهم: الثابت بالقياس في الفروع، الأسامي، ثم تعلق بها حكم شرعي-","vol":"1","page":628},{"text":"قالوا: ثبت بالقياس أن الشفعة تركة ثم تبث الإرث فيها. وأن اللواطة زنا ثم تعلق بها الحد. وثبت بالقياس كون خمرًا ثم يحرم بالآية.\nوأكثر الفقهاء متفقون على أن العلل تثبت بها الأحكام- فهم:\n- إن منعوا من إثبات الأحكام في الفروع بالقياس، فذلك باطل، لما ذكرنا من كون العلل أمارات على الأحكام.\n- وإن أرادوا بالعلل العلل الشرعية، وبالأسماء اللغوية، فهو باطل، لأن اللغة سابقة على الشرع، [و] لتقدمها خاطبنا الشرع بها، فلا يجوز أن تثبت [بـ] ما يتأخر عنها.","vol":"1","page":629},{"text":"وإن أرادوا أن الأسامي اللغوية تثبت بقياس [غير] شرعي، فهذا جائز، لما مر في صدر الكتاب.\nوإن أرادوا أن [من] الأسماء الشرعية ما يثبت بعلل، فهو غير بعيد أيضًا، لأنا نعلم أن الشريعة إنما سمت هذه الأفعال المخصوصة\"صلاة\" لاختصاصها بصفة متى انتفت عنها لم تسم بهذا الاسم، فما شاركها في تلك الصفة يسمى صلاة- والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>١٥٨ - باب في: تخصيص العموم ونسخه، بالقياس:</span>\n- ذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز ذلك أصلًا.\n- وذهب الشافعي ﵀ إلى جواز ذلك على كل حال. وهو قول أكثر الفقهاء ومذهب أبى الحسن الكرخي.\n- وقال بعضهم: يجوز في حال دون حال. واختلفوا في تفصيل تلك الحالة:\n* بعضهم جوزوا بالقياس الجلي دون الخفي\n* وبعضهم جوزوا ذلك إذا خص منه شيء، ولو يجوزوا إذا لم يخص منه شيء. أما جواز نسخه بالقياس، فنذكره في تضاعيف التعبد.","vol":"1","page":630},{"text":"وأما جواز تخصيصه به- فالدلالة على ذلك، على كل حال: فإن الصحابة ﵃ أجمعوا على تخصيص قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ بالقياس، لأنهم اختلفوا في مسألة الجد: فمنهم من جعل الجد أولى بالمال من الأخ بنوع قياس. وبعضهم قاسم بين الجد والأخ بنوع قياس، فلم يعط جميع المال للأخ، وهو تخصيص بهذه الآية، ولم يعط الأخت نصف مال الأخ مع الجد.\nوهذه الدلالة تفسد قول من أجاز تخصيصه إذا خص، ولم يجوزوا إذا لم يخص. ولأنا قد ذكرنا في باب الأخبار أن العام إذا خص منه كالذي لم يخص، فإجماعهم على جواز تخصيص أحدهما، إجماع على جواز تخصيص الآخر.\nفإن قيل: التخصيص في معنى النسخ، من حيث إن كل واحد منهما يخرج بعض ما تناوله الخطاب. ثم إجماعهم على جواز تخصيصه بالقياس، لا يكون إجماعًا نسخه، فكذا هذا - قلنا: كل مسألتين إذا كان معناهما واحدًا ولا تفاوت بينهما، فالإجماع على جواز أحدهما يكون إجماعًا على جواز الآخر. وهو كإجماعهم على جواز القياس في مسألة: يدل على صحة القياس في مسألة أخرى تجرى مجراها. فإجماعهم على جواز التخصيص [بالقياس، دليل على جواز نسخه بالقياس] الذي هو بمعناه. ويجوز أن يرد التعبد بأحدهما دون الآخر لمصلحة يفترقان فيها، لا يعلمها إلا الله تعالى.","vol":"1","page":631},{"text":"دلالة أخرى- إن وجوب العمل بالقياس مقطوع به، كما أن وجوب العمل بالعموم مقطوع به. وإذا كان أحدهما أخص من الآخر، يجوز أن يخص الأعم به.\nوقد مر تقرير هذه الأدلة في باب الأخبار في جواز تخصيص العام بخبر الواحد.\nوالمخالف احتج بأشياء:\n١ - منها- أن عموم الكتاب دليل معلوم، والقياس أمارة مظنونة، فلا يجوز أن يعترض بالمظنون على المعلوم.\n٢ - ومنها- أن القياس إنما يعمل به لضرورة، ومع عموم الكتاب لا ضرورة.\n٣ - ومنها- أن عموم الكتاب أصل والقياس فرع. ولا يجوز أن يعترض بالفرع على الأصل.\n٤ - ومنها- قوله عليه اليلام لمعاذ ﵁: \"بم تقضي؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسوله. قال: فإن لم تجد؟","vol":"1","page":632},{"text":"قال: أجتهد فيه برأيي- جعل رسول الله الاجتهاد مشروطًا بأن لا يجد الحكم في كتاب الله ولا في السنة. والحكم الذي تناوله العموم موجود في كتاب الله تعالى والسنة.\n٥ - ومنها- أن شرط صحة القياس أن لا يرده النص. فإذا كان عموم الكتاب يرده، لا يصح.\nوالجواب:\nأما الأول- فالجواب عنه ما مر في باب تخصيص الكتاب بخبر الواحد.\nوأما الثاني- قلنا: إنما يكون العمل بالقياس لضرورة: أن لو لم يكن القياس حجة عند معارضة عموم الكتاب- وهذا نفس المسألة.\nفإن قيل: تناول لفظ العموم الحادثة يدل على أنها مراده بالنص. وثبوت الحكم بالنص يغني عن القياس. قلنا: إنما يمكنكم أن تعلموا أن تناول اللفظ الحادثة دالة على ذلك، إذا أثبتم أنه ليس من شرط كون اللفظ دلالة على ذلك: أن لا يعارضه قياس مخصوص، وإنما يمكنكم ذلك إذا أثبتم أن القياس العارض ليس بحجة، وهذا نفس المسألة.\nوأما الثالث- قلنا: أصل القياس ما يقع رد الفرع إليه، كالبر في باب الربا، أو ما يدل على ثبوت الحكم في الأصل، أو ما يدل على صحة القياس. وتخصيص بيع الأرز عن عموم قوله تعالى: \"وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ\"","vol":"1","page":633},{"text":"لا يكون اعتراضًا على شيء من ذلك، فلا يكون اعتراض الفرع على الأصل.\nوأما الرابع- قلنا النبي ﵇ أراد بذلك أن لا يجد الحكم في كتاب الله تعالى الذي ليس بعام، وفي سنة الرسول التي ليست بعامة- عرفنا ذلك بدلالة متصلة ودلالة منفصلة:\nأما المنفصلة- فما ذكرنا أن العمل بالقياس واجب عند معارضة عموم الكتاب.\nوأما المتصلة ٠ فما ذكرنا أنه كما جعل الاجتهاد مشروطًا، بأن لا يجد الحكم في كتاب الله تعالى [ولا سنة رسول الله و] جعل العمل بالسنة مشروطًا بأن لا يجد الحكم في الكتاب الذي ليس بعام، لإجماعنا أنه يجوز تخصيص عموم الكتاب بالسنة القاطعة- كذا هذا.\nوأما الخامس- قلنا: إن عنى برد النص أن القياس يرفع حكم النص أصلًا، فغير موجود هنا- وإن عنى به أنه يرفع بعض ما تناوله اللفظ، ففساد هذا القياس غير مجمع عليه.","vol":"1","page":634},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>١٥٩ - باب في: تخصيص العلة. وتخريج النقوض التي ترد على العلل المستنبطة:</span>\nصورة تخصيص العلة أن توجد العلة بحدها تامة بركنها، مختصة بالوجه الذي لأجله يقتضي ثبوت الحكم، ولا يثبت الحكم في بعض المواضع.\n(أ) - عقلية- وهي التي توجب الحكم بذاتها قطعًا. وهذا النوع لا يجوز تخصيصه بالإجماع. وهو محال عقلاُ، فإن الحركة متى كانت علة لتحرك الجوهر، والسواد علة كون الجسم أسود، لا يتصور وجودهما ولا يصير الجوهر متحركًا والجسم أسود.\n(ب) -[و] علة شرعية- وهذا الوصف المختص بحالة يقتضي ثبوت الحكم الشرعي. نحم كون الفعل واجبًا وحرامًا، وكون العقد جائزًا وفاسدًا، وغير ذلك. وهو على نوعين: منصوص عليها، ومستنبطة:\n- فالأولى- يجوز تخصيصها، لأن كونها علة يعرف بالنص، والنص يقبل التخصيص. وهو نظير قوله ﵇: \"الهرة ليست نجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات\"- جعل الطواف علة لسقوط النجاسة، ثم يجوز أن يخص منه بعض الطوافين، كالكلب ونحوه.","vol":"1","page":635},{"text":"والثانية- اختلفوا في جواز تخصيصها:\nقال أصحابنا ﵏: لا يجوز تخصيصها.\nوذهب أصحاب الشافعي وبعض المتكلمين إلى جوازه. ونسبوا ذلك إلى أبى حنيفة ﵀. قالوا: روى الكرخي عن أبى حنيفة رحمهما الله أنه جوز تخصيص العلة، إلا أنه غير صحيح.\nوالدلالة على صحة ما ذهبنا إليه- وجوه أربعة قريب بعضها من بعض:\nأحدها- إن جواز تخصيص العلة طريق معرفة الأحكام الشرعية من أن يكون [طريقًا] إليها، وذا لا يجوز- بيانه: إنا نعرف ثبوت الأحكام الاجتهادية بوجود وصف يقتضي غلبة الظن بثبوتها. فلو جوزنا وجود الوصف المقتضي لغلبة الظن، على الحد الذي اقتضى غلبة الظن بثبوتها في الأصل، في بعض المواضع، ولا يثبت الحكم خرج من أن يكون طريقًا إلى معرفة الحكم، وهو مما لا يجوز القول به، مع ورود التعبد بالقياس وإثبات الأحكام بالاجتهاد.\nوثانيها- إن تجويز تخصيص العلة، يمنع تعلق الحكم بالوصف الذي تعلق به الحكم، والأصل الذي توافقنا على كونه علة فيها- بيانه: أن الحكم إنما تعلق بالعلة الشرعية في الموضع الذي ثبت الحكم به، لكونه على الظن ثبوته، لا بكونه موجبًا له، لأن العلل الشرعية أمارات لا موجبات. فإذا وجدت العلة مقتضية غلبة الظن، وغلب على الظن ثبوت الحكم به ولم يثبت، فقد بطل تعلق الحكم بهذا الوصف، وهذا لا يجوز.","vol":"1","page":636},{"text":"وثالثها- إن جواز تخصيص العلة يسد باب إثبات الأحكام في الفروع الاجتهادية- بيانه: أنا إذا جوزنا امتناع ثبوت الحكم في بعض المواضع، مع وجود ما هو علة في الأصل، وفي كل موضع يعلل المجيب لإثبات الحكم- فلقائل أن يقول: جواز امتناع الحكم هنا مع وجود العلة، لأنه متى جاز ذلك في موضع، فلا وجه لفرق بينه وبين موضع آخر. فلابد من دليل آخر يوجب اتصال الحكم بها في هذا الموضع، مع جواز انفصاله عنها، وذلك مما لا سبيل إليه.\nورابعها- إن جواز تخصيص العلة يبطل كونها علة- بيانه: أنه إذا وجد الوصف الذي أدعى المجيب كونه علة للحكم بحده في موضع، ولم يثبت الحكم، علم أنه ليس بعلة، لأن العلة ما يقتضي ثبوت الحكم، أو المؤثر في ثبوته. والأصل أن المقتضي والمؤثر إذا وجد، يوجد المقتضي والأثر، فإذا امتنع ثبوت الحكم هنا، دل ذلك على أن [الوصف] الذي ذكره المجيب ليس بعلة، وإن أبرز المجيب وجه الاقتضاء والتأثير، فهذا يبطل كونه علة، بطريق المعارضة، فيبطل كونه علة.\nفهذه الوجوه الأربعة مختلفة الصور، وإن كانت معانيها متقاربة. ولهذا أمثلة أوضحها أن واحدًا لو أخبر بعشرة أشياء، والمعلوم من اله في الظاهر السداد والأمانة والتجنب عن الكذب، يغلب على ظننا وجود كلها، وتثبت الحكم المتعلقة بها، ومحال أن يغلب على ظنوننا بعضها دون بعض، وحاله في السداد والأمانة ما ذكرناه.\nفإن قبل: تجويز تخصيص العلة لا يؤدي إلى ما ذكرتم، لأن للمجيب أن يقول: هذه العلة إنما تثبت الحكم عندي بشرائط أخر، أو عند أوصاف غير ما ذكرته-","vol":"1","page":637},{"text":"عرف ذلك معقول المعنى أو غير معقول المعنى، كاشتراط العدد ولفظة الشهادة في العمل بها، فإنما ذكرت هذه الأوصاف وقيدت العلة بها، ولم توجد هذه الأوصاف فيما أوردته من النقض، وخصت العلة فيه، فلا يؤدي إلى ما ذكرتم- قلنا: الوصف الذي قيدت العلة به، أو الشرط الذي وقف عمل العلة عليه-[هل] من الأوصاف المؤثرة في ثبوت الحكم، أو المؤثرة في جعل العلة علة للحكم أو هو من قيبل ما لا أثر [له] في الحكم والعلة أصلًا؟ .\nإن قال بالأول- فهو من أوصاف العلة ويقف عليه تمام العلة عليه، فلا تكون العلة بدونه علة، وامتناع الحكم عند فقده في موضع لا يكون تخصيص العلة، والكلام فيه.\nوإن قال بالثاني- فهذا لا يدفع ما ذكرناه من المحالات، لأنه متى وجد ما هو المؤثر في الحكم والمغلب على الظن، ولا يثبت الحكم، أدى إلى ما ذكرناه من المحالات وذكر أوصاف لا تأثير لها في الحكم أصلًا، ضائع ولغو، وما هو إلا كقول القائل: إن الزنا علة الرجم، بشرط كون الزاني محصنًا، والفضل على المساواة علة تحريم الربا لكون المبيع برا، وغير ذلك. فلو فتحنا هذا الباب لامتنع إيراد النقض أصلًا، لأن الفرع المختلف فيه لابد أن يكون مفارقًا للأصل بوصف ما، وإلا يكون عينه، فيذكر المجيب تلك المفارقة مع أنه لا دخل لها في إثبات الحكم أصلًا. وهذا واضح البطلان جدًا.\nفإن قيل: هذا باطل بجواز تخصيص النص العام، لأن الحكم إنما يعرف ثبوته، بكونه عامًا، فإذا جوزنا تخصيصه لا يمكن معرفة الأحكام، أو يمتنع تعلق","vol":"1","page":638},{"text":"الحكم بما هو متعلق به، كما ذكرتم هنا- قلنا: لا كذلك، لأن النص إنما يثبت الحكم، لكونه دلالة على مراد المتكلم، فقبل اقتران المخصص به دليل إرادة الكل، فيفيد الحكم في الكل، وعند اقتران المخصص به دليل إرادة الباقي، فيفيد الحكم. فأم العلة-[فـ] تفيد الحكم لاختصاصها بوجه يقتضيه، وهذا لا يتخصص ببعض المواضع دون البعض.\nوالمخالف احتج بأشياء:\n١ - [منها- أن العلة الشرعية أمارة، فجاز وجودها قبل الشرع وليس معها ذلك الحكم].\n٢ - [و] منها- أن العلة الشرعية إنما صارت علة بجعل جاعل، فجاز أن يجعله علة في بعض المواضع دون البعض.\n٣ - ومنها- أن العلة الشرعية أمارة على الحكم، فوجودها من دون حكمها لا يخرجها عن كونها أمارة، لأن الأمارة لا يجب أن يوجد حكمها معها على كل حال، بل الغالب مواصلة الحكم لها، وهذا الحكم لا يبطل بتخلف الحكم عنها في موضع- ألا ترى أن وقوف مركوب القاضي على باب دار الأمير أمارة كونه فيها، ولا يخرج من كونه أمارة، بأن لا يكون فيها على بعض الأحوال، حتى لو شهدنا كونه على باب الأمير مرة أخرى، نظن كونه فيها- فكذا هذا.\nوالجواب:\nأما الأول- قلنا: إن جاز وجودها من دون حكمها، قبل أن صارت","vol":"1","page":639},{"text":"أمارة-[فـ] لم جاز ذلك بعد أن صارت أمارة؟ ومتى أنكرتم أنها متى صارت أمارة ثارت طريقًا، والتخصيص يمنع كونه طريقًا على ما مر. ألا ترى أن قبل الشرع [جاز] أن يوجد ولا يتعلق به حكم أصلًا، وبعد ما صارت أمارة لا يجوز ذلك.\nوأما الثاني- قلنا: لا نسلم أن العلة الشرعية إنما صارت علة بجعل جاعل- بيانه: أن وجه كونها علة: إما وجه المصلحة فيها، أو كونها أمارة في وجه المصلحة وذا لا يقف على جعل جاعل.\nوأما الثالث- قلنا: جواز انفصال الحكم عنها، يبطل كونها أمارة، أو يمنع تعلق الحكم بها على الوجه الذي ذكرنها. وهكذا نقول فيما ذكر من المثال، والوجه فيه ما مر ..\nفإن قيل: فإذا لم يجز تخصيص العلة- فما طريق الدفع النقوض التي ترد على العلل المستنبطة- قلنا: طريقه من وجوه ستة:\nأحدها- أن يبين المجيب أن بعض الأوصاف التي تركبت منها العلة وصارت بمجموعها مؤثرة في الحكم، لم توجد في مسألة النق، لتكون مفارقة بينه وبين الفرع، فيما هو علة مؤثرة- مثاله: إنا أجرينا الربا في الجص لعلة القدر والجنس، لأنهما مؤثران في ظهور الفضل على المساواة، فلو أورد علينا التفاحة بالتفاحتين نقول: ثم لم يوجد الوصفان، وهو القدر، لعدم المعيار الشرعي.","vol":"1","page":640},{"text":"والثاني- أن في وجود الأوصاف التي هي علة، خلل. ومعنى ذلك أنه موجود من وجه دون وجه، ليكون مفارقة فيما هو المؤثر من وجه. مثاله: إنا أثبتنا حل الوطء بعد الطلاق الرجعي لقيام النكاح، فلو أورد علينا الطلاق البائن في العدة. فنقول: النكاح قائم ثم أيضًا، ولهذا قلتم إنه يحرم عليه نكاح أختها، لأنه جمع بينهما في النكاح، أو نقول: ثم النكاح زائل من وجه، فامتنع حل الوطء.\nوثالثهما- أن نبين أن وصف العلة موجود في مسألة النقض بأصله، لا بقدره. فتكون مفارقة في الوصف المؤثر أيضًا، لأن المؤثر هو المقدر بالمقدار الموجود في موضع التعليل. مثاله: إنا أوجبنا الكفارة بالإفطار بالأكل والشرب في نهار رمضان، لكونه جنابة إفساد الصوم. فإذا أورد علينا الإفطار بالحصاة والنواة، نقول: ثمة وجدت جناية إفساد الصوم بأصله، لا بقدره، لأنه لم يوجد إفساد معنى الصوم. وكذا قلنا بوجوب الزكاة في الحلي بوصف كونه نعمة وبوصف كونه شكرًا، فإذا أورد علينا ما دون النصاب أو [كونه] مالًا غير نام، كثياب البذلة، فنقول: ثم وجد أصل النعمة، لا قدرها.\nورابعها- أن نبين أن الوصف الذي ذكره في معرض العلة لم يختص بالوجه الذي لأجله يؤثر في ثبوت الحكم، أو فيه ضرب خلل ونقصان، لأن العلة الشرعية إنما تكون علة، لوقوعها على وجه يقتضي غلبة الظن، بثبوت الحكم.","vol":"1","page":641},{"text":"فإذا لم يقع مختصًا بتلك الجهة لا يكون علة- مثاله: لو أخبرنا مخبر بعشرة أشياء، وهو معروف بالسداد والديانة والتجنب عن الكذب، يغلب على الظن [عدم] ذلك، لأنه لم يقع على وجه يقتضي غلبة الظن بصدقه، لأن مهتم فيه. ومثاله في الشرعيات: أنا عللنا قبول شهادة الذمي على الذمي بكونه مؤثرًا في تغليب الظن، لصدروه عن عقل ودين يعتقد فيه قبح الكذب. فلو أورد علينا شهادته على المسلم، نقول خبر [هـ] عليه لا يؤثر في تغليب الظن، لأنه متهم في حقه، إلى غير ذلك من النظائر.\nوخامسها- أن نبين الوصف الذي هو علة مع وجوده واختصاصه بذلك الوجه حقيقة، وأعدمه الشرع أي ألحقه بالعدم، فلا تكون العلة موجودة حكمًا، إن كانت موجودة حقيقة. مثاله- قول القائل: إن كون الشخص حيًا مكلفًا علة لبقاء أملاكه وعصمة نفسه وأمواله، ليتمكن به من دفع حوائجه. فلو أورد علينا المرتد والحربي، نقول هو حي حقيقة لكن الشرع جعله ميتًا حكمًا وألحقه بالأموات. ومعنى ذلك انه خصه بحالة: تقتضي تلك الحالة أن تجري عليه أحكام الأموات، وأبطل عليه الحالة التي تقتضي إجراء أحكام الأحياء عليه، لأنه أجرى عليه أحكام الأموات فقط، فلا تكون العلة موجودة حكمًا، فلا يكون تخصيص العلة. وكذا قلنا: إن شهادة الفاسق مقبولة، لكونها مؤثرة في تغليب الظن، لصدروها عن عقل ودين، فيورد علينا شهادة المستأمن والعبد فنقول: الشرع ألحق أهلية المستأمن والعبد وخبرهما بالعدم حكمًا- إلى غير ذلك من النظائر- إلا أن في هذا الوجه نظرًا.\nوسادسها- أن نبين أن الوصف الذي ذكره موجود حقيقة وحكمًا، لكنه عارضه علة فوقها وأقوى منها في موضع النقل في تغليب الظن، فيجب تعليق","vol":"1","page":642},{"text":"الحكم بتلك العلة، ويخرج هذا من أن يكون علة في ذلك الموضع. مثاله- لو أخبرنا مخبر بعشرة أشياء وحاله في السداد والأمانة ما ذكرناه، يغلب على الظن ثبوت كلها، فلو كان بعض ذلك محالًا أو مخالفًا للعادة، كصعود السماء ونحو ذلك، أو أخبرنا صادق، لا يثبت ذلك الحكم، لا لخلل في الخبر أو في أوصاف الخبر، لكن لمعارضة دليل فوقه وهو استحالة الفعل في العادة وفى الشرعيات، فلا نعرف ذلك بطريق التفصيل.\nمثال الأول- أنا عللنا جواز شراء ما لم يره ونحو ذلك بكون البيع مشتملًا على المصلحة، فلو أورد علينا البيوع المشتملة على الربا- فنقول: ثم وجد فساد أقوى من هذه المصلحة، فألحقت هذه المصلحة بالعدم: عرف ذلك بطريق الإجمال، بتحريم الشرع للربا.\nومثال الثاني- أنا عللنا ثبوت الملك للكافر في أموالنا في دار الحرب بكونه مصلحة دافعة للحاجة. فإذا أورد علينا الغصب في دار الإسلام، نقول: ثم مفسدة عارضة، وهى إزالة إمكان المالك المسلم وتفويت مصلحته، ولم يوجد هذا المعنى هنا، لأن المسلم لا يتمكن من الانتفاع به بعد الإحراز بدار الحرب. وهذا كثير النظير في الشرع. وهو، كما قاله محمد ﵀ في القياس والاستحسان في الكتب- معناه: ليس إلا هذا، وهو أن العلة الفاسدة عارضتا علة أقوى منها، فيمنع العمل بها، إلا أن هذا الوجه فيه نظر أيضًا.\nفهذه طرق دفع النقوض إن أمكن للمجيب شيء منها. وإلا فالنقض واقع وتخصيص العلة لازم.\nفإن قيل: يمكن دفع النقوض بوجه آخر، وهو أن يقول المجيب ما ذكرته علة مؤثرة في إثبات الحكم، إلا أن الشرع متى لم يثبت الحكم مع وجودها","vol":"1","page":643},{"text":"في ذلك الموضع وانعقد الإجماع عليه- دل ذلك، على الإجمال، أن ثم مفسدة أقوى من هذه المصلحة، أو معارض آخر، أو شيء من الوجوه المانعة للحكم، ولم يوجد الإجماع في الفرع، فيجب العمل به- قلنا: لا يمكن دفع النقض بهذا الطريق، ولا التقصي عما يوجب فساد العلة، لأن للسائل أن يقول: لا نسلم انعقاد الإجماع على امتناع الحكم، يدل على ما ذكرتم، بل يدل على فساد العلة، وأن هذا القدر ليس بمؤثر فيه. وليس ما قاله الخصم أولى من هذا- لما مر: أن عدم الأثر المختص بالشيء يدل على عدم ذلك، إلا إذا بين شيئًا من الوجوه التي ذكرناها: إما بطريق الإجمال أو بطريق التفصيل، كما ذكرنا من البيع المشتمل على الربا، وغير ذلك. فأما الإجماع على عدم الحكم من غير أن يستند إلى ما ذكرنا من الوجوه، مجملًا أو مفصلًا، فمردد بين أن يكون دليلًا على ذلك وبين أن يكون دليلًا على فساد العلة.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":644},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>٦\nأبواب</span>\nأ- الاستحسان.\nب- تعارض العلل وتنافيها. وترجيح البعض على البعض.\nج- اعتدال الأمارات عند المجتهد في مسألة. وحكمه.\nد- في القول بالقولين.\nهـ- في الحظر والإباحة.","vol":"1","page":645},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>(أ)\nباب القول\nفي: الاستحسان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>١٦٠ - أعلم أن المحكي عن أصحاب أبي حنيفة ﵀ القول بالاستحسان</span>.\nوقد ظن كثير أنهم عنوا بذلك الحكم بغير دلالة.\nوهذا باطل، لأنه لا يليق بأهل العلم المجتهدين الإعراض عن الدليل، ١٩٧/ ١ وإثبات الحكم بغير دليل:\nدل عليه أنهم نصوا في كثير من المسائل: \"أنا استحسنا هذا الأمر لوجه كذا وكذا\"، وهذا لا يكون بغير دليل.\n- فنبين حد الاستحسان.\n- ونبين أن تسميته استحسانًا وجه صحيح.\n(أ) -فأما حده- فقد اختلف فيه:\n- قال بعضهم: إنه العدول عن موجب القياس إلى قياس أقوى منه. وهذا غير صحيح- لأن العدول إلى النص يسمى استحسانًا، كقولنا:\nلا قضاء على الأكل الناسي في رمضان قياسًا، إلا أنا استحسنا أن عليه القضاء للخبر.\n-وقال بعضهم: إنه تخصيص قياس، بدليل أقوي منه.\nوهذا أيضًا غير صحيح، لأنهم قد يعدلون في الاستحسان عن قياس","vol":"1","page":647},{"text":"و[عن] غير قياس. ولأن تخصيص القياس لا يجوز- لما مر.\n- وقال بعضهم: إنه ترك طريقة الحكم إلى أولي منها، لولاها لوجب الثبات على الأولي. وهذا قريب مما قاله الشيخ أبو الحسن الكرخى ﵀: إن الاستحسان أن يعدل الإنسان عن أن يحكم في المسألة مثلما هو حكم في نظائرها، لوجه هو أقوى من الأول يقتضي العدول عن الأول. ويلزم عليه أن يكون العدول عن العموم إلى التخصيص، استحسانًا.\n- والقول المختار: أن الاستحسان هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد، غير شامل شمول الألفاظ، لوجه هو أقوى منه.\nوهو في حكم الطارئ على الأصل.\nولا يلزم على هذا شيء مما ذكرنا.\nولا يلزم قولهم: تركنا الاستحسان، لأن القياس الذي ترك الاستحسان لأجله، ليس هو في حكم الطارئ، بل هو الأصل. فلذلك لم يوصف بأنه استحسان، وإن كان أقوى منه في ذلك الموضع.\nوأما الوجه في تسميتهم استحسانًا- أن الاستحسان، وإن وقع على الشهوة والاستحلاء، فقد يقع على العمل بحسن الشيء- يقال: فلان يستحسن","vol":"1","page":648},{"text":"القول بالتوحيد. وقد يقع على الاعتقاد والظن بحسن الشيء. فإذا ظن المجتهد الأمارة وأفضي به ذلك إلى أن يعتقد حسن مدلولها، جاز أن يقول: استحسنت هذا الحكم.\n(ب) - فتصح فائدة الاسم، وجاز الاصطلاح عليه.","vol":"1","page":649},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>(ب)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>١٦١ - باب في: تعارض العلل، والقول في تنافيها. وترجيح البعض على البعض:</span>\nأولًا- أما تعارض العلل وتنافيها- فلسنا نعنى به أنها متضادة لا يتصور اجتماعها، لأن الأكل والاقتيات والكيل التي هي مسألة الربا باختلاف العلماء فيها، لا تتضاد. ولكنا نعني به أنه لا تجتمع عللًا. وذلك ضربان:\n-أحدهما- لا يجتمع كونها عللًا- لتنافى أحكامها.\n-والآخر- لا يجتمع كونها عللًا، لتنافي أحكامها، فالمتنافية أحكامها لا بد أن يكون أصلها أكثر من واحد، ويستحيل أن يكون أصلها واحدًا، لأنه يؤدى إلى أن يجتمع في أصل واحد [حكمان] متنافيان، وذلك محال، فلا بد أن يكون أصلها أكثر من واحد.\nومثاله- وجوب النية في التيمم، ونفي وجوبها في إزالة النجاسة، ورد الوضوء إلى إزالة النجاسة بعلة أنها طهارة بالماء، ورده إلى التيمم بعلة أنه طهارة عن الحدث.\nوأما الذي لا يجتمع، كونها عللًا، لوجه سوى تنافي الحكمين- فبأن لا يكون في الأمة من علل ذلك الحكم بعلتين في الأصل، بل كل واحد منهم علله بعلة- كتعليلهم تحريم التفاضل في البر بكونه مكيلًا أو مأكولًا أو مقتاتًا،","vol":"1","page":650},{"text":"وليس فيهم من علل بكل واحد منها. ومتى تنافت العلة، واشتبه القول في فروعها، وجب الترجيح- فنبين:\nأولًا- ما الترجيح؟، وما الفائدة فيه؟ ثم نبين وجوه الترجيح.\n[ثانيًا- الترجيح في العلل]\n(أ) - أما معني الترجيح- في اللغة: إظهار الزيادة لأحد المثلين على الآخر، بإثبات وصف فيه. من ذلك: أرجحت الوزن، إذا زدت جانب الموزون حتي مالت كفته على كفة السنجات، وضده التطفيف.\nفكذا ترجيح العلة على العلة: هو تقوية إحدى العلتين على الأخرى.\nولهذا لا يصح الترجيح بين الشيئين، إلا بعد تكامل كونهما علتين لو انفرد كل واحد منهما، لأنه لا يصح ترجيح علة [على] ما ليس بعلة.\n(ب) - وأما الفائدة في الترجيح- هو أن يقوى الظن الصادر عن إحدى الأمارتين عند تعارضهما. ولذلك لا يصح الترجيح من الأدلة، لأن الأدلة لا تتعارض، ولأن الأدلة لا تقتضي الظن، وإنما تقتضي العلم والتزايد في العلم.\n(ج) - وأما وجوه الترجيح- فجملتها من وجوه أربعة:\nأحدهما- يرجع إلى طريق الملة.\nوالثاني- يرجع إلى الحكم الذي هو طريقه.\nوالثالث- يرجع إلى مكانها، وهو الأصل أو الفرع.\nوالرابع- يرجع إليها جميعًا.","vol":"1","page":651},{"text":"١ - أما الذي يرجع إلى طريقها:\nفمنه- ما يرجع إلى طريقها في الأصل.\nومنه- ما يرجع إلى طريقها في الفرع.\n(أ) - أما الأول [الذي في الأصل]: فنوعان:\n-أحدهما- أن يكون طريق وجودهما في الأصل أقوي. وذلك بأن يعلم وجود أحدهما في الأصل بالحس والضرورة، نحو كون البر مكيلًا أو مطعومًا، ويكون الآخر معلومًا بالاستدلال وجوده فيه. أو أحدهما معلوم وجوده في الأصل بدليل، والآخر مظنون وجوده فيه بأمارة. أو يكونا جميعًا مظنونين بأمارتين، غير أن أمارة أحدهما أقوي. وذلك وجه في الترجيح، لأن الوصف لا يكون علة في الأصل إلا وهو موجود فيه. فإذا كان علمنا أو ظننا بوجوده فيه أقوى من علمنا وظننا وجود الآخر فيه، صار ظننا، بكونه علة حكم الأصل، أقوي.\n-والنوع الثاني- أن يكون طريق كونها علة حكم الأصل أقوى. وذلك بأن يكون طريق كونها علة حكم الأصل نص، وطريق الآخر استنباط، أو أمارة أحدهما أقوى من الأخرى. وذلك يوجب الترجيح، لأن ما قوى طريقه قوى الظن به أو الاعتقاد له.\n(ب) -[والثاني- الذي في الفرع]:\nوكذا الذي طريق وجودهما وكونها علة في الفرع، أقوى من طريق وجود الأخرى، وكونها علة في الفرع، لأن ثبوت الحكم في الفرع تبع لوجود علته، فإذا قوى علمنا أو ظننا بوجودها في الفرع، قوى علمنا أو ظننا بالحكم فيه.","vol":"1","page":652},{"text":"٢ - أما الراجع إلي الحكم:\nفضربان:\nأحدهما- يتعلق بحكمها في الأصل.\nوالآخر- يتعلق بحكمها في الفرع.\n(أ) - أما التعلق بالأصل، فضربان:\nأحدهما- أن يكون طريق ثبوت أحد الحكمين في الأصل أقوى من طريق ثبوت حكم الآخر في الأصل نحو أن يدل على حكم أصل دليل قاطع، ويدل على حكم الأصل الآخر أمارة، وذلك وجه الترجيح، لأن الوصف لا يكون علة للأصل إلا وحكمه ثابت فيه. فإذا كان أحد الأصلين أقوى ثبوتًا، كان ما يتبعه، من العلة ومن حكم الفرع، أقوى ثبوتًا.\nوالآخر- أن يكون أحد الحكمين شرعيًا والآخر عقليًا. وهو وجه الترجيح، لأن القياس دلالة شرعية. والأولي من الأدلة الشرعية أن تكون أحكامها شرعية، لأنها أشد مطابقة للأدلة.\nفإن قيل: كيف يجوز أن نستخرج من أصل عقلي علة شرعية؟ قلنا: يجوز ذلك إذا لم ينقلنا عنه شرع، فنستخرج العلة التي لم ينقلها عنه الشرع.\nفأما إذا كان أحد الحكمين نفيًا والآخر إثباتًا، وكانا شرعيين:\nقال بعضهم: لا يكون أحدها أولى من الآخر. وقد ذكرنا في باب ترجيح الأخبار: أنه لا بد في النفي والإثبات من أن يكون أحدها عقليًا والآخر سمعيًا.\n(ب) - وأما المتعلق بالفرع- فمن وجوه:\n١ - منها- اليسر والعسر: بأن يكون أحد الحكمين فيه يسر والآخر فيه عسر:","vol":"1","page":653},{"text":"فبعضهم- رجحوا باليسر.\nوبعضهم- رجحوا بالعسر.\nوبعضهم قالوا: يطلب الترجيح بوجه آخر.\nونحن نقول: الكلام فيه كالكلام في النفي والإثبات، إذ لا بد أن يكون أحدهما عقليًا والآخر شرعيًا.\n٢ - ومنها- أن يكون أحد الحكمين في الفرع حظرًا والآخر إباحة: فإن كان الحظر شرعيًا، كان أولى، وكانت علته أولى، ولأن الأخذ بالحظر أحوط.\nوإن كان الحظر عقليًا، فكونه حظرًا جهة ترجيح.\nوكون الإباحة شرعية، [جهة] ترجيح الإباحة.\nقالوا: يجب الرجوع إلى ترجيح آخر. فلا بد في الحظر والإباحة من أن يكون أحدهما عقليًا والآخر شرعيًا، على ما بينا في الأخبار.\n٣ - ومنها- أن يكون حكم إحدى العلتين العتق، وحكم الآخر الرق.\nفالمثبتة للعتق أولى، لأن تعلق الحرية بالقول ثابت في الشرع، لا بالعقل. وهو من هذه الجهة حكم شرعي. ولأن العتق في الشريعة قوة [لأنه]","vol":"1","page":654},{"text":"لا يلحقه الفسخ، فكانت علته أقوى.\n٤ - وأما إذا كان حكم إحداهما في الفرع إسقاط الحد، وحكم الأخرى إثباته، فالمسقطة أولي، لوجهين:\nأحدهما- أنه أخذ علينا إسقاط الحدود.\nوالثاني- أنها تقتضى الحظر، وهو أولى.\n٥ - وأما الترجيح بكون أحد حكمي العلة أزيد من الأخرى، وهو أن يكون حكم إحداهما الإباحة، وحكم الأخرى الندب، فالتي حكمها الندب أولى، لأن الندب يتضمن شيئًا من معنى الإباحة الذي هو الحسن، ويزيد عليه، فكان أولى، إذا كانت الزيادة شرعية، ولأنه لا تعارض في اقتضاء الزيادة.\n٦ - وأما الترجيح بشهادة الأصول- فهو من وجهين:\nأحدهما: أن يكون حسن ذلك ثابتًا في الأصول، مثل تحريم المثلة [في الجملة] فالعلة المحرمة لمثلة مخصوصة أولى، لأن الشريعة في الجملة تشهد لها.\nوالثاني- أن يراد بها: الكتاب والسنة والإجماع. وهذه إن كانت صريحة،","vol":"1","page":655},{"text":"فهي الأصل في الدلالة، ولا يجوز وقوع الترجيح بها. وإن مسها احتمال شديد، جاز ترجيح القياس بها، لو ترجحت دلالة القياس على دلالتها.\n٧ - وأما قول الصحابي فيقع الترجيح به، لأنه أعرف بمقاصد النبي ﵇.\n٨ - وكذلك إذا عضدت علة علة، كما ترجح أخبار الآحاد بعضها ببعض. وكما يرجح الخبر [على خبر آخر] بكثرة الرواة.\n٩ - وكذا العلة التي لا تخص العموم أولى من التي تخصه، لأن لفظة العموم شهدت لها.\n٣ - وأما الذي يرجع إلى مكانها، وهو الأصل أو الفرع\n(أ) - وأما الترجيح بما يرجع إلى الأصل:\nفهو أن يكون إحدى العلتين منتزعة من أصول كثيرة، والأخرى منتزعة من أقل من تلك الأصول. أو إحداهما منتزعة من أصول، والأخرى من أصل واحد.\nفمن الناس من لم يرجح بذلك.\nومنهم من يرجح به، وهو الأولى، لأن كثرة الأصول شاهدة لإحدى العلتين، فيكون حكمها أكثر ثبوتًا في الأصول، من حكم الأخرى، وذلك مقو للظن.","vol":"1","page":656},{"text":"وقال بعضهم: إنما يرجح بذلك إذا كانت الأصول بعلل من طرق مختلفة. أما إذا كانت الأصول تعليلها من طريقة واحدة، فلا رجحان بكثرة أصولها.\n(ب) - وأما الترجيح بما يرجع إلى الفرع:\nوهو أن يكون فروع إحدى العلتين أكثر من فروع الأخرى:\nرجح بذلك قوم، وقالوا: إنها إذا كثرت فروعها، كثرت فائدتها، فكان أولى.\nوالصحيح خلاف ذلك. لأن إفادتها للفروع لا يحصل إلا بعد ثبوتها عليه، فكيف يستفاد كونها علة من كثرة فروعها؟ ولأن كثرة الفروع إشارة إلى كثرة الحوادث التي يحكم فيها بهذا الحكم، وهذا أمر حقيقي يحدث لخلق الله تعالى، لا [ب] أمر شرعي، فلا يترجح به العلة.\n٤ - وأما الترجيح بما يرجع إلى الأصل والفرع\nفهو أن تكون إحدى العلتين يرد بها الفرع إلى ما هو من جنسه، كرد كفارة إلى كفارة. والأخرى يرد بها الفرع إلى ما ليس من جنسه، كرد كفارة إلى غير كفارة، فيكون الأول أولى، وهو مذهب الشيخ أبى الحسن الكرخى ﵀. وأكثر الشفعوية، لأن الشيء أكثر بجنسه منه بخلاف جنسه،","vol":"1","page":657},{"text":"فيو<span data-type=\"title\" id=toc-215>ج</span>ب ذلك تقويه وإن [لم] تكن علة في نفسها فتوجب الترجيح- والله أعلم.\n\n(ج)\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>١٦٢ - باب في: أن المجتهد- هل يجوز أن يعتدل عنده الأمارات في المسألة؟ وإذا اعتدل فما حكمه</span>؟\n- منع بعضهم من جواز ذلك، وقال: لا بد أن تترجح إحداهما على الأخرى، وإن لم يقدر عليه المجتهد في بعض الأحوال- وإليه ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخى ﵀.\n-وأجاز الباقون ذلك، وقالوا: يكون المجتهد، عند تساوى الأمارتين، مخيرًا بين حكميهما.\nوالدلالة على جواز ذلك:\nأن تعارض الأمارتين [يكون] لاستوائهما في الجهة المقتضية للحكم ونفيه، وذلك إما [لتساوى] وجه المصلحة أو التأثير، لمشابهة الفرع الأصل في المقتضي للحكم. ولا يمتنع أن تتعلق المصلحة بإثبات الحكم من وجه، وتتعلق بنفيه","vol":"1","page":658},{"text":"من وجه آخر، ويتساوى الوجهان عند المجتهد. وكذا المشاركة في الوصف المقتضي للحكم: جاز أن يكون في الفرع وجه يشارك أصلًا يثبت الحكم فيه، بناء على وصف، ووجه آخر يشارك أصلًا ينفى الحكم بناء على وصف آخر. وعند ذلك تتعادل الأمارتان، ولا يمكن الترجيح ينهما.\nونظيره أن يخبر اثنان بإثبات الشيء ونفيه، ويستوي عنده عدالتهما وصدق لهجتهما. وكذا قد تتعارض الأمارات الدالة على جهة القبلة عند الاشتباه بحيث يتعذر الترجيح.\nفإن قيل، وهو شبهتهم: لو تعادلت الأمارتان، لم يكن الحكم بإحداهما أولى من الحكم بالأخرى. وفى ذلك إثبات حكميهما على الجمع، وهو محال [أ] وإبطال حكميهما، لوقوع الشك في كل واحد منهما، وذلك باطل- قلنا: هنا حكم آخر، وهو تخيير المجتهد في الحكم بأيهما شاء.\nوبيان ذلك أن للأقسام هنا خمسة:\n- إما العمل بالدليلين جميعًا. أو ٢ - إسقاطهما. أو ٣ - التوقف في الحكم. أو ٤ - تعيين أحدها للعمل به. أو ٥ - التخيير.\n١ و٢ - لا وجه إلى الجمع عملًا وإسقاطًا، لأنه متناقض.\n٣ - ولا وجه إلى التوقف، لأن في التوقف إلى غاية تعطيل حكم الحادثة، وحاجة المكلف.\n٤ - ولا وجه إلى تعيين أحدهما، لأنه تحكم من غير دليل.","vol":"1","page":659},{"text":"٥ - فلا يبقى إلا الوجه الخامس، وهو التخيير. وصار كاجتماع المفتيين على العامى في الفتوى.\nفإن قيل: كما استحالت هذه الأقسام، استحال التخيير أيضًا، لأنه جمع بين النقيضين- قلنا: المحال ما لو صرح الشرع به لم يفعل. فلو قال الشرع: خيرت المجتهد في أن يحكم في هذه الحادثة بأي الحكمين شاء، لا يكون محالًا- ألا ترى أنه خير من اشتبهت عليه أمارات القبلة، وخير من هو داخل الكعبة، في الصلاة إلى أي جهة شاء.\nفإن قيل: التخيير إنما يثبت بلفظة موضوعة له، كما في المسائل التي ذكر، ولم يوجد هنا- قلنا: تعادل الأمارتين كلفظ التخيير في الدلالة عليه، إذا لم يكن حكم إحداهما أولى من الأخرى، ولم يمكن الجمع، فليس إلا التخيير. وقد يثبت التخيير من غير لفظه، لأن من ملك مائتين من الإبل السائمة هو مخير بين أداء أربع حقاق أو خمس بنات لبون. وليس في ذلك لفظ التخيير، وإنما قال ﵇: \"في كل أربعين بنت لبون. وفى كل خمسين حقة\" فإن قال: هذا يقوم مقام لفظ التخيير- قلنا: وكذلك تعادل الأمارتين.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":660},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>(د)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>١٦٣ - باب في: القول بالقولين:</span>\nجوزه أصحاب الشافعي ﵀. ورجحوا أن له قولين في كثير من المواضع.\nوأنكره عامة الفقهاء ﵏.\nونحن نقول: إن ذلك ينقسم إلى خمسة، وهى باطلة.\nبيانه- أن القول في المسألة بالقولين:\n١ - إما أن يراد به أنه قال في أول عمره قولًا، ونقل عنه آخر.\n٢ - أو روى عنه أحد القولين في وقت وموضع، والآخر في وقت آخر وموضع آخر.\n٣ - أو أنه أدى اجتهاده إلى قولين مختلفين، ثم رجع أحدهما.\n٤ - أو أنه تساويا عنده، ولم يحكم فيه بشيء.\n٥ - أو أنه تعادلت الأمارتان عنده، فقال فيه بالتخيير.\nأما الأول- فهو باطل. لأن قوله الصحيح قوله الأخير المرجوع إليه. وكان قوله واحدًا. كما أن عمر ﵁ كان كافرًا ثم آمن، وكان له في كل حال دين واحد.\nوأما الثاني- فباطل أيضًا، لأن من اختلفت عنه الروايات في المسألة، كان الصحيح هو الأخير، والأول رجوع عنه- عرفنا التاريخ أو لم نعرفه.","vol":"1","page":661},{"text":"وأما الثالث- فباطل أيضًا، لأنه حينئذ إذا رجح أحدهما كان هو القول الصحيح.\nوالرابع- لا يكون له قول أصلًا، لأنهما إذا تساويا عنده، وتوقف فيه، لم يكن في المسألة قول أصلًا، بمنزلة العامي غير المجتهد.\nوأما الخامس- فالقول بالتخيير عند تعادل الأمارتين غير جائز عند البعض- على ما مر.\nوعندنا: إن جاز ذلك، ولكن لا يقال إن له فيه قولين، بل قول واحد، وهو التخيير، فإن أحدًا لم يقل إن للمسلمين في كفارة اليمين ثلاثة أقاويل: أحدها أنه يكفر بالعتق، والثاني أنه يكفر بالكسوة، والثالث أنه يكفر بالإطعام. وأن لهم في الصلاة في الكعبة أقاويل كثيرة. وفى الخروج من دار مغصوبة ذات بابين قولان.\nفهذا هو حاصل الكلام في هذا الباب.","vol":"1","page":662},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>(ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>١٦٤ - باب الكلام في الحظ والإباحة. وأن الأشياء قبل الشرع على الحظر أو على الإباحة</span>.\nاختلفوا في ذلك:\nقال بعضهم: إنها على الإباحة- وإليه ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخى.\nوقال بعضهم: إنها على الحظ. وهو مذهب أكثر الفقهاء.\nوبعضهم توقفوا في حظرها وإباحتها.\nوقال إمام الهدى أبو منصور الماتريدى ﵀: التكلم في هذه المسألة ضائع، لأن زمانًا ما لم يخل عن الشرع. لأن أول البشر آدم ﵇، وهو كان نبيًا، وقد ثبت بقوله إباحة ما أبيح وحظر ما حظر. وبعد لم يخل زمان عن نبي أو ممن يقوم مقامه.\nإلا أنا نقول: هذه المسألة تقديرية. ومعناه: لو قدرنا خلو زمان عن شرع- ما قضية العقل فيها؟ وتحقيقه من وجهين:\nأحدهما- إن أزمنة الفترة بين بعثة نبيين يخلو عن الشرائع، فما حكم العقل فيما؟ .","vol":"1","page":663},{"text":"والثاني- إن لم يخل زمان عن شرع، لكن إباحة ما أبيح من هذه الأشياء وحظر ما حظر- استفيد بالشرع وحده، أو به وبالعقل؟\nثم إنما اختلفوا فيما ليس يعلم قبحه بالعقل قطعًا، ضرورة أو استدلالًا، كالظلم والكذب والكفر والجهل. ولا حسنه ووجوبه، كالعلم بالله تعالى وشكر المنعم والصدق وغير ذلك. وهى كالانتفاع بالمآكل والمشارب ونحو ذلك.\n(أ) - والدليل على أن الانتفاع بهذه الأشياء مباح في العقل: أن الانتفاع به منفعة ومصلحة في حق المكلف، ولا يعلم فيه شيء من وجه القبح. أعنى ما يعلم قبحه قطعًا. وكل ما هذا سبيله، فالعقل يقضى بحسنه وإباحته. أما كونه نفعًا ومصلحة، فلا شبهة فيه. وأما عراؤه عما ذكرنا من وجوه القبح، فلأنا لا نعلم قطعًا أن فيها وجه قبح، كما في الكفر والكذب والجهل.\nوإذا ثبت هذا- فكل فعل فيه مصلحة المكلف قطعًا ولا يعلم فيه مفسدة قطعًا، فالعقلاء يستحسنونه ويلومون على المنع منه، كما في الشاهد: إذا منع المولى عبده عن شيء ينفعه ولا يضر المولى ولا أحدًا غيره.\nفإن قيل، وهو شبهة القائلين بالحظر: لا نسلم أنا لا نعلم فيه وجه قبح، بل إنا نعلم ذلك فيه، وهو:\n[الأول]- أنه تصرف في ملك الغير، لأن هذه المخلوقات كلها ملك الله تعالى، وكون الفعل تصرفًا في ملك الغير جهة قبح، كما في الشاهد.\nوالثاني- إن لم يكن هذا جهة القبح والمفسدة، لكن جواز كونه ضررًا","vol":"1","page":664},{"text":"ومفسدة ثابت، وهذا يكفى للقبح، لأن التحرز عن الضرر المحتمل واحتمال الفساد، واجب، والامتناع عنه قبح.\nقلنا: نحن ادعينا أنه ليس في الانتفاع بهذه الأشياء وجه قبح معلوم قطعًا، كعلمنا بوجه النفع فيه، وهذا لا يمكن إنكاره. فمن ادعى أن فيه وجه القبح دون ذلك في العلم، وإنه يكفى للحظر- فعليه الدليل.\nأما ما ذكر من الوجهين:\nأما الأول- فالجواب عنه من وجوه:\nأحدها- أن معنى كون الشيء ملك لنا، يخالف معنى كونه ملكًا لله تعالى، فلا يجوز الاستدلال بالشاهد على. الغالب.\nبيانه- أن معنى كون الشيء ملكًا لواحد منا، هو أنه اختص به من غيره، بجهة الانتفاع، وهذا مستحيل في حق الله تعالى. بل معنى كون الأشياء ملكًا له، أنه القادر على إيجادها وإثباتها، وهذا لا يمنع من الانتفاع بها. فإن قال: معنى كونه ملكًا له، ليس ما قلتم، بل هو أنه ليس لغيره التصرف فيما إلا بإذنه- قيل له: هذا تعليل الحكم بنفسه، ومع ذلك ممنوع.\nوثانيها- أن الانتفاع بملك الغير إنما يحرم في الشاهد، لا لكونه ملكًا للغير، بل لأنه يستضر به المالك، ألا ترى أن الانتفاع على وجه لا يستضر به المالك لا يمنع، كالنظر في مرآة الغير والاستظلال بظل حائط الغير، وهذا لا يتصور فى حقه تعالى.\nوثالثها- أن الانتفاع بملك الغير إنما يحرم بغير إذنه، وخلق هذه الأشياء مشتملة على وجوه المنافع وإباحة الانتفاع في العقل، يجرى مجرى الإذن من الله تعالى بذلك.\nورابعها- أن الامتناع من الانتفاع بها إضرار بالنفس، وهى ملك الله تعالى،","vol":"1","page":665},{"text":"وكان الامتناع عنه قبيحًا، فوقع التعارض، فسقط الاحتجاج بجهة الملك.\nوأما الثاني- فالجواب عنه من وجوه أيضًا:\n-أحدها- أنه ليس في الانتفاع بها احتمال ضرر ومفسدة لوجهين:\nأحدهما- أن الأصل في النفع أن يكون خالصًا، لأن الأصل انتفاء اجتماع الجهتين المتنافيتين، وجهة الضرر مخالفة لجهة النفع.\nوالثاني- لو كان فيه مفسدة لنبهه الله تعالى وأظهره، كما نبه على جهة النفع وأظهره.\nهذا قضية الحكمة.\n-وثانيها- إن كان فيه احتمال الضرر والمفسدة، لكن الأمارة على ذلك ووجه النفع فيه ثابت بأمارة، والمعتبر هو أمارة الضرر والنفع، لأن الاحتمال بغير أمارة، دل عليه أن العقلاء يلومون من امتنع من الفعل لتجويز الضرر بلا أمارة، ويعذرونه إذا كان فيه أمارة- ألا ترى أنهم يلومون من قام [من] تحت حائط لا ميل فيه لجواز سقوطه، لفساد في أساسه وباطنه، ولا يلومونه إذا كان مائلًا؟ ولا يلومون من امتنع من أكل طعام شهى لأمارة دلت على أنه مسموم، ويلومونه من جهة العقل إذا امتنع منه لتجويز كونه مسمومًا.\nوثالثها- أنه لو قبح الإقدام على المنافع لتجويز كونه [ا] مفسدة، لقبح الامتناع عنها لتجويز كونه مفسدة، وذلك وجوب ما لا يطاق، فبطل أن يكون تجويز كون الفعل مفسدة وجه قبح- والله أعلم.","vol":"1","page":666},{"text":"(ب) - دليل آخر- خلق الله تعالى الطعوم في الأجسام، مع إمكان أن لا يجعلها فيها، فيقتضى أن يكون [له فيها] حكمة وغرض يخصها، وإلا كان عبثًا وسفهًا. ويستحيل أن يعود إليه ذلك الغرض بنفع أو دفع ضرر، لاستحالتهما على الله تعالى. فبعد ذلك- الأمر لا يخلو: إما إن كان لغرض نفع يعود إليهم: إما بأن يدركها، وإما بأن يجتنبها، فيستحق الثواب، وإما أن يستدل بها على الصانع وتوحيده [فيباح له أن] يدركها. ولا جائز أن يكون الغرض ضرر العباد، لأنه قد لا يكون فيه ضرر. ولأنه لا يحسن الإضرار الخالص لمن لا يستحقه. ولأنها إنما يضرها بإدراكها. وفى ذلك إباحة إدراكها. وأما استحقاق الثواب بتجنبها، فإنما يكون إذا دعت النفس إلى إدراكها، وفى ذلك تقدم إدراكها. وكذلك الاستدلال، لأنه إنما يستدل بها إذا عرفت، والمعرفة بها موقوفة على إدراكها. وهذا لأن الله تعالى لم يخلق فينا العلم بهذه الطعوم دون إدراك، والاستدلال بها لا يكون بدون العلم، فدل ما ذكرناه على أنه لا فائدة فيها إلا إباحة الانتفاع بها. وذلك يقتضى أن يركب الله تعالى في العقول","vol":"1","page":667},{"text":"إباحة الانتفاع بتلك الأجسام، ليعلم حصول الطعوم فيها، فينتفع بها بأحد هذه الوجوه، فنزل ذلك منزلة الاستنشاق بالهواء والتنفس فيه، فإنه مباح بإجماع العقلاء، والوجه فيه ما بين.","vol":"1","page":668},{"text":"وأما من ذهب إلى التوقف -[فـ] تعلق بأشياء:\n١ - منها قوله تعالى: [قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ]- أنكر على من أحل شيئًا أو حرمه بغير إذنه.\n٢ - ومنها- أن بالعقل لا يعرف أن فيه مصلحة أو مفسدة، فيجب التوقف فيه.\n٣ - ومنها- أنه لو اقتضى العقل في هذه المنافع إباحة أو حظرًا، لكان الشرع إذا أباح شيئًا أو حرمه يقتضيه العقل، وذك لا يجوز.\nوالجواب:\n[الأول]- أما الآية- قلنا: هذا إنكار على من استبد بذات نفسه في تحليل شيء أو تحريمه من غير دليل وحجة، ولأن في الآية دلالة الإباحة في هذه الأشياء، لأنه قال: [مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ] وإنزال الرزق فيما يفهم منه إطلاق الانتفاع به، إلا أنه أنكر على من حرم بعض ذلك من تلقاء نفسه ويعتقد حل البعض، وفيه تأكيد الإباحة.\nوأما الثاني- فجوابه ما مر: أن جهة الإباحة فيها معلومة.","vol":"1","page":669},{"text":"وأما الثالث- قلنا: إنما يؤدى إلى ما ذكرتم أن لو قضى العقل بالحظر أو الإباحة مطلقًا عامًا، وليس كذلك. بل اقتضاؤه ذلك مشروط بشرط أن لا يلوح فيها مفسدة بالشرع. فإذا لاحت لا يقتضى ذلك، فلا يتحقق النسخ.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":670},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>٧\nأبواب</span>\nأ- في استصحاب الحال.\nب- فيما يعلم بأدلة العقل، وما يعلم بأدلة الشرع.\nج- في تعبد النبي الثاني بشريعة الأول.\nد- في صفة المفتى، وفى كيفية فتوى المفتى.\nهـ- في إصابة المجتهدين.","vol":"1","page":671},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>(أ)\nباب\nفي: استصحاب الحال</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>١٦٥ - أعلم أن استصحاب الحال هو أن يكون [حكم] ثابتًا في حالة من الحالات</span>، وتتغير الحالة ولا دليل على بقائه ولا على زواله، فيستصحب الإنسان ذلك [الحكم] بعينه مع الحالة المتغيرة- فنقول: من ادعى تغير الحكم فعليه الدليل.\nوهذا ليس بحجة عند عامة العلماء.\nوذهب قوم من أصحاب الظواهر إلى الاحتجاج به.\nمثاله:\nقول القائل: المتيمم إذا رأى الماء قبل الصلاة، يجب عليه الوضوء، وكذلك بعد دخوله في الصلاة. ومن زعم أن فرض الوضوء يتغير بالدخول في الصلاة، فعليه الدليل.\nوكذا قول القائل: التبر سبب لوجوب الزكاة بشرط تمام الحول،","vol":"1","page":673},{"text":"فكذا بعد اتخاذه حليًا- فمن ادعى أن اتخاذه حليًا يغير فرض الزكاة- فعليه الدليل.\nوالدليل على بطلانه- أن المستصحب للحال: ١ - إما أن يجمع بين الحالتين لاشتراكهما في دليل الوجوب من نص وغيره، أو لاشتراكهما في علة الوجوب، أو ٢ - يجمع بينهما من غير دلالة ولا علة.\nإن قال بالأول:\nفهو إثبات الحكم بدليله، وليس باستصحاب [الحال] الذي ذكروه.\nوإن قال بالتالي:\nفهذا جمع من غير دليل، وليس بأن يجمع بينهما بأولى من أن لا يجمع، أو بأن يجمع بين المسألة وغيرها.\nفإن قيل: هذا إثبات الحكم بالدليل، أعنى بأمارة شرعية، لأن الأمارة الشرعية ما يوجب غلبة الظن، وقد وجد، لأنا إذا عرفنا الحكم ثابتًا في حالة، ولم نعلم وجود المزيل له بعد تغير الحالة وبعد بذل المجهود في البحث والطلب، غلب على ظننا إبقاه- قلنا: لا نسلم غلبة الطن بالقدر الذي ذكرتم ثمة- بيانه: أن الدليل النافي للحكم إذا لم يكن ثابتًا، وقد تغيرت الحالة، والحكم قابل للزوال بمزيل، والمزيل جائز الثبوت، يحتمل بقاء الحكم وزواله، ووقع الشك في ثبوته في هذه الحالة، ومع وقوع الشك- كيف يثبت الظن؟","vol":"1","page":674},{"text":"فإن قيل: إذا احتمل بقاء الحكم وزواله كما ذكرتم، ولكن جانب البقاء راجح، لأن الأصل في الموجود البقاء- قلنا: الأصل في الموجود البقاء بشرط عدم المزيل، وفى المزيل احتمال، فكان في البقاء احتمال على السواء.\nأقصى ما في الباب أن الخصم يقول: ما عثرت على المزيل بعد الطلب والبحث- ولكن هذا لا يلزم الخصم، فكيف يصلح للدفع؟ هذا معنى قول مشايخنا: إن استصحاب الحال حجة للدفع لا للإلزام.\nوالمخالف احتج بأشياء:\n١ - منها- ما روى عن النبي ﵇ أنه قال: \"إن الشيطان يأتي أحدكم، فيخيل إليه أنه قد أحدث، فلا يصرفه حتى يجد ريحًا أو يسمع صوتًا\"- أوجب استدامة الحكم مع تغير الحال.\n٢ - ومنها- أن الفقهاء أجمعوا على ذلك، لأنهم قالوا: حكم الشاك في الحدث بعد تيقن الطهارة، كحكمه قبل الشك. وإذا اختلف العلماء في المسألة على أقاويل، أخذوا بالأقل منها، وتمسكوا في نفى الزيادة بالنفي الأصلي.\n٣ - ومنها- أن حدوث الحوادث لا تأثير له في تغيير الأحكام الشرعية.\n٤ - ومنها- أنه لو لم يتعد الحكم من حالة إلى حالة، يوجب ذلك قصره على الزمان الواحد.\nوالجواب:\nأما الأول- قلنا: نحن لا نمنع من تعدى الحكم من حالة إلى حالة، لدلالة. وإنما نمنع ذلك لا لدلالة، وقوله ﵇ في ذلك الحكم دلالة.","vol":"1","page":675},{"text":"وأما الثاني- قلنا: المتكلمون خالفوا الفقهاء في الشك في الحدث، وأوجبوا عليه تجديد الطهارة. وأما الفقهاء فإنما قالوا ذلك، لأن الأصل في الوضوء أن لا يجب إلا بدليل شرعي. فإذا لم يدل على وجوبه على الشاك دليل شرعي، فالواجب البقاء على حكم الأصل، لأنه لو كان واجبًا لدل الله عليه. ولا كذلك وجوب الوضوء، على من رأى الماء، لأن وجوب الوضوء ليس هو حكم العقل حتى يلزم البقاء عليه.\nوأما الأخذ بالأقل من الأقاويل، فلأنه متفق عليه، والزيادة عليه حكم شرعي، ولم يدل عليها دليل.\nوأما الثالث- قلنا: ثبوت الأحكام الشرعية بناء على المصالح، فلا يمتنع تبدل المصالح بتغير الأحوال.\nوأما الرابع- قلنا: الأمر كذلك، إلا أن يكون دليل الحكم وعلته قد عم الأزمنة كلها.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":676},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>(ب)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>١٦٦ - باب في: ما يعلم بأدلة العقل، وما يعلم بأدلة الشرع:</span>\nاعلم أن الأشياء المعلومة بالدليل- إما أن يصح أن تعرف بالعقل فقط، وإما بالشرع فقط، وإما بالشرع والعقل جميعًا.\nفالأول- كل ما كان في العقل دليل عليه، وكان العلم بصحة الشرع موقوفًا على العلم به، كالمعرفة بالله تعالى وصفاته وأنه غنى لا يفعل القبيح.\nوإنما قلنا: \"إن العلم بصحة الشرع موقوف على العلم بذلك\" لأنا إنما نعلم صحة الشرع إذا علمنا أنه لا يجوز أن يظهره الله تعالى على [يد] كذاب، وإنما يعلم ذلك إذا علمنا أن إظهاره قبيح، وأنه لا يفعل القبيح، وإنما علمنا أنه لا يفعل القبيح إذا علمنا أنه عالم بقبح القبيح عالم باستغنائه عنه، والعلم بذلك، فرع على علمنا المعرفة به ﷿، فيجب تقدم هذه المعارف على المعرفة بالشرع، فلا يجوز كون الشرع طريقًا إليها.\n[والثاني]- وأما ما يصح أن يعرف بالشرع والعقل، فهو كل ما كان في العقل دليل عليه، ولم تكن المعرفة بصحة الشرع موقوفة على المعرفة [به]، كالعلم بأن الله تعالى واحد لا ثاني له في حكمته، وأنه تعالى جائز الرؤية،","vol":"1","page":677},{"text":"لأنه إذا ثبتت حكمته لا يجوز أن يرسل من يكذب. فإذا أخبر الرسول أن الإله واحد لا قديم سواه، وأنه يراه المؤمنون في الآخرة- ثبت ذلك بقوله. وكذلك وجوب رد الودائع والغصوب والانتفاع بما لا مضرة فيه على أحد.\n[والثالث] وأما ما يعلم بالشرع وحده- فهو ما كان في السمع دليل عليه دون العقل، كوجوب الأفعال التي تعبدنا الله تعالى بها أو بتركها، كوجوب الصلاة والصوم وترك شرب الخمر ونحو ذلك، فإنا لا نعقل استحسان الذم على من أخل بصوم أول يوم من شهر رمضان دون الذي قبله، أو أخل بأداء أربع بعد الزوال دون ما قبله، أو شرب الخمر دون الخل. وهذا لأن وجوب الأفعال، لما فيها من المصالح ودفع المضار، وذلك لا يعلم بمجرد العقل، فيقف على ورود الشرع.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":678},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>(ج)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>١٦٧ - باب في: تعبد النبي الثاني بشريعة الأول</span>. وأن نبينا ﵇ لم يكن متعبدًا قبل النبوة ولا بعدها بشريعة من تقدم، لا هو ولا أمته:\n(أ) - أما جواز تعبد النبي ﵇ الثاني بشريعة الأول:\nفالدلالة عليه- أن شرع هذه الشرائع لمصلحة العباد. [و] كما لا يمتنع في العقل أن تكون مصلحة النبي الثاني مع أمته، مخالفة لمصلحة الأول، لذلك لا يمتنع أن تكون مصلحة [الثاني] موافقة لمصلحة [الأول] في كل ما شرعه أو في بعضه.\nفإن قيل: مجيء الثاني بعين شريعة الأول لا يفيد وكان عبثًا- قلنا: لا يمتنع أن يتعبد الثاني بالرجوع إلى ما جاء به الأول، ويوحي إليه بعبادات زائدة على العبادات التي علمها من الأول، أو يوحى إليه بشريعة الأول، لأنها قد درست، أو يوحى إليه بها ويبعث إلى غير من بعث إليه الأول. ومع هذه الوجوه لا يحصل العبث.","vol":"1","page":679},{"text":"ومن منع جواز ذلك تعلق بقوله تعالى: [لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا] خص كل نبي بشريعة على حدة.\nوالجواب- أن الآية تقتضى أن كل نبي يختص بطريقة لم تكن للأول. أما لا يقتضى انتساخ شريعة الأول كله، لأن ذلك سبب نقض الأحكام. ألا ترى أنهم أجمعوا على طريقة واحدة في الإيمان بالله تعالى وتوحيده والطاعة له على أوامراه.\n(ب) - وأما كون نبينا ﵇ متعبدًا بشريعة من قبلنا قبل البعثة- فقد منح منه قوم. وتوقف فيه آخرون.\nواختلفوا بعد البعثة- قال بعضهم: كان متعبدًا بشريعة من قبله، إلا ما استثني بدليل وعرف نسخه.\nوقال آخرون: ما كان متعبدًا بذلك.\nواختلف من قال: كان متعبدًا بذلك قبل النبوة وبعدها:\nقال بعضهم: كان متعبدًا بشريعة نوح ﵇.\nوقال بعضهم: بشريعة إبراهيم ﵇.\nوقال بعضهم: بشريعة موسى ﵇.\nوالدلالة على أنه لم يكن متعبدًا قبل البعثة بذلك- أنه لو كان متعبدًا بذلك، لكان يفعل ما تعبد به ولو فعل ذلك، لكان يخالط من ينقل ذلك الشرع","vol":"1","page":680},{"text":"من النصارى وغيرهم، ويفعل فعلهم، إذ لا طريق لمعرفته إلا ذلك. وقد نقلت أفعاله قبل البعثة وعرفت أحواله ولم ينقل أنه كان يفعل ما كان يفعله النصارى، ولا كان يخالطهم، ولا يخالط غيرهم ويسألهم عن شرعهم.\nواحتج المخالف- بأنه كان قبل البعثة يحج ويعتمر ويطوف بالبيت ويذكي ويأكل اللحم ويركب البهائم ويحمل عليها- وكل ذلك لا يحسن إلا شرعًا.\nوالجواب- أنه [لم يثبت أنه] حج واعتمر قبل البعثة، وتولى التذكية بنفسه ولا أمر بها. وأما أكل اللحم المذكي فحسن في العقل، إذ هو نوع نفع ليس فيه ضرر، على ما مر تقريره في باب الحظر. وأما ركوب البهائم والحمل عليها فحسن أيضًا في العقل، لأنه ضرر يؤدى إلى نفع أعظم منه، وهو القيام بمصالحها وإيصال النفع إليها. وأما الطواف بالبيت: فيحتمل أنه فعل ذلك ليتشاغل به، كما يتشاغل الإنسان بالمشي ويستروح إليه إذا كان مفكرًا. وأما تعظيمه البيت: فيحتمل أنه كان [يعظمه]، لأن إبراهيم ﵇ عظمه، والعقل يقتضى حسن تعظيم أماكن الأنبياء وتمييزها وتعظيم ما عظموه ما لم يعرف نسخه.","vol":"1","page":681},{"text":"(ج) - وأما الدلالة على أنه ما كان متعبدًا بشرع من قبله بعد البعثة فمن وجوه:\n١ - منها- أن النبي ﵇ لما قال له معاذ: \"أحكم بكتاب الله وسنة رسوله\". وقال من بعد: \"أجتهد رأيي\"- صوبه، ولم يعرفه أنه يجب [عليه] الحكم بما في التوراة والإنجيل.\nفإن قيل: إنما لم يعرفه لوجهين:\nأحدهما- أن التوراة والإنجيل اندرجا تحت قوله: \"أحكم بكتاب الله تعالى\": فإنه اسم يعم لكل كتاب الله تعالى.\nوالثاني- إنما لم يذكر التوراة والإنجيل لأن في الكتاب آيات تدل على الرجوع إليها، لما نذكره.\nقلنا:\nأما الأول- فكتاب الله تعالى إذا أطلق لا يسبق إلى فهم المسلم إلا القرآن. ألا ترى أن المفهوم من قولنا \"قرآنًا\" كتاب الله تعالى. و\"حكمنا بكتاب الله تعالى\" هو \"القرآن\". ولأن معاذًا ﵁ لم يعهد منه تعلم التوراة والإنجيل، والعناية بتمييز المعرف عن غيره، كما عهد منه تعلم القرآن-","vol":"1","page":682},{"text":"فكيف يقول: أحكم بالتوراة والإنجيل؟\nوأما الثاني- قلنا سنبين بطلان تعلقهم بتلك الآيات. ثم نقول: في الكتاب ما يدل على إتباع السنة والقياس. وكان ينبغي أن يقتصر على ذكر الكتاب، فإن شرع في التفصيل كانت الشريعة السابقة أولى بذلك.\n٢ - ومنها- أنه ﵇ لو كان متعبدًا بها للزمه مراجعتها وحفظها والبحث عنها. وكان لا ينتظر الوحي في الحوادث، لا سيما أحكام هي ضرر في كل أمة. ولم يقل أنه فعل ذلك. فإن لم يراجعها لاندراسها وتحريفها. فهذا يمنع التعبد. وإذ كان ممكنًا ولم يراجع- دل على أنه لم يكن متعبدًا به.\n٣ - ومنها- أنه لو كان متعبدًا بذلك، لكان تعلمها وحفظها ونقلها من فروض الأعيان أو الكفايات، كالقرآن والأخبار، وأوجب على الصحابة ومن بعدهم ذلك، ولنقلوا. وحيث لم ينقل من أحد ذلك، علم أنه لم يكن متعبدًا بها.\n٤ - ومنها- إجماع الأمة على أن هذه الشريعة بجملتها شريعته ﵇. ولو كان متعبدًا بشرع من سلف، لم ينسب جميع شرعه إليه، كما لا ينسب شرعه ﵇ إلى بعض أمته، لما كانت أمته استفادت شرعه منه ﵇.\nوالمخالف احتج في المسألة بآيات وأخبار:\nأما الآيات:\n١ - منها قوله تعالى: [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ]","vol":"1","page":683},{"text":"وشرعهم من هداهم، فيجب علينا إتباعه.\n٢ - ومنها- قوله تعالى: [إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا] بين أنها منزلة ليحكم بها الأنبياء، ونبينا ﵇، إذ هو من جملة الأنبياء ﵈.\n٣ - ومنها- قوله تعالى: [إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ].\n٤ - ومنها- قوله تعالى: [ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا].\n٥ - ومنها- قوله تعالى: [شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ... الآية].\nوأما الأخبار:\n١ - فمنها- قوله ﵇: \"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها\". وقوله تعالى: [وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي] وهذا خطاب موسى ﵇.","vol":"1","page":684},{"text":"٢ - ومنها- أنه ﵇ قضى في سن كسرت فقال: \"كتاب الله يقضى بالقصاص\" وليس في القرآن قصاص السن، إلا ما حكي عن التوراة قوله: [وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ].\n٣ - ومنها- مراجعة النبي ﵇ التوراة في رجم اليهوديين.\nوالجواب:\nأما الآية الأولى- فالمراد منها التوحيد، لأنه أمر بهدى مضاف إلى كل الأنبياء، وذلك هو التوحيد، دون الشرائع التي لم يجمعوا عليها.\nوأما الآية الثانية- فظاهرها يقتضى أن يحكم بها كل النبيين ﵈. وذلك يوجب حمله على الحكم بالتوحيد والإيمان بالبعث ليدخل فيه جميع النبيين ﵈. فأما الشرائع [ف] لا يمكن دخول كل النبيين فيها، لأن بعضهم قد نسخ بعض ما في التوراة.\nوأما الآية الثالثة- قلنا: الله تعالى لم يقل: أوحينا إليك \"ما\"","vol":"1","page":685},{"text":"أوحينا إلى نوح، وإنما قال: \"كما أوحينا\" وهو لإزالة تعجب من تعجب بأن يوحى إليه، كمن يقول لغيره: كيف راسلني فلان بك؟ فيقول: كما راسلك بفلان؟ دل عليه أنه قال في آخر الكلام: \"وكلم الله موسى تكليمًا\"- بين أن إرساله الرسل غير منكر ولا مستطرف.\nوأما الآية الرابعة- قلنا: اسم \"الملة\" لا يقع إلا على الأصول من التوحيد والإخلاص لله تعالى بالعبادة دون الفروع. ولهذا لا يقال: ملة أبى حنيفة وملة الشافعي، [ويقال مذهبهما] دل عليه قوله تعالى: [أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ].\n[وأما الآية الخامسة- قلنا: \"إن اسم \"الدين\" يقع على الأصول دون الفروع. ولهذا لا يقال: \"دين الشافعي\" ويراد به مذهبه. ولا يقال: \" دينه ودين أبي حنيفة مختلف\".","vol":"1","page":686},{"text":"على أن قوله: [... أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ...] دلالة على أن الذي شرعه لنا مما وصى به نوحًا هو ترك التفرق وأن نتمسك بما شرع. ولو دلت الآية على أنه ﵇ تعبد بشرع من قبله، لدلت على أنه تعبد بذلك بأمر مبتدأ\"].\nوأما الأخبار:\nأما الأول- قلنا: إنه ﵇ ما ذكر قوله تعالى: [وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي] تعليلًا للإيجاب عليه: [بل] أوجب بما أوحى إليه، ونبه على أنهم أمروا كما أمر موسى ﵇. وقوله \"لذكري\" أي لذكر [أن عليك] الصلاة. ولولا الخبر لكان أسبق إلى الفهم. إنه لذكر الله بالقلب أي لذكرى الصلاة بالإيجاب.\nوأما الحديث الثاني- قلنا في القرآن: قوله تعالى: [فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ","vol":"1","page":687},{"text":"فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ] فدخل السن تحت عمومه.\nوأما الحديث الثالث-[\" يقال لهم: ولم قلتم إنه رجع إليها ليستفيد الحكم منها؟ وهلا قلتم إنه رجع إليها ليقررهم على صدقه في حكايته أن الرجم مذكور فيها؟ ولو رجع ليستفيد الحكم منها، لرجع إليها في غير ذلك من الأحكام، ولرجع إليها في شرائط الرجم كالإحصان وغيره، ولما اعتمد على من أخبره في تلك الحال، لأنهم لم يكونوا بصورة المتواترين. وأخبار آحاد الكفار غير معمول بها. وأيضًا فكون التوراة محرفة يمنع من الرجوع إليها ومن استفادة الحكم منها\"].","vol":"1","page":688},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>(د)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>١٦٨ - باب في: الصفة التي معها يجوز للإنسان أن يفتى نفسه ويفتى غيره:</span>\nاعلم أن هذه الصفة هي التي يكون الإنسان بها أهلًا للاجتهاد.\nوإنما يكون من أهله إذا عرف الأدلة السمعية، وأمكنه الاستدلال بها على الأحكام. والأدلة السمعية كما ذكرنا في صدر الكتاب أربعة: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ويندرج فيه الأقوال المروية والأفعال المنقولة عنه ﵇، وإجماع الأمة، والقياس. فلا بد من معرفة هذه الأدلة في نفسها، ومعرفة كونها حجة، ومعرفة كيفية الاستدلال بها، ليكون من أهل الفتوى والاجتهاد. ولهذا أصل وكمال.\nأما الكمال- فهو:\nأن يحفظ كتاب الله تعالى، والأحاديث التي تتعلق بها الأحكام، قولًا وفعلًا. ويحفظ أقاويل السلف: ما أجمعوا عليه وما اختلفوا فيه، حتى لا يفتى بخلاف الإجماع، كما يلزمه حفظ النصوص، حتى لا يفتى بخلافها. ويعرف أركان القياس وشرائطه ووجه استعماله في الأحكام. ويعرف أن هذه الدلائل حجة في الأحكام.\nومعرفة هذه الجملة تقف على:\n- معرفة الصانع القديم وصفاته، وأنه غنى حكيم لا يجوز عليه الكذب- فيعرف ذلك بالدليل ليعرف صدق كلامه.\n- ويعرف رسالة الرسول ﵇ وعصمته عن الكذب بإقامة المعجزة،","vol":"1","page":689},{"text":"لأن الله تعالى إذا كان حكيمًا غنيًا لا يصدق الكاذب بالمعجزة، ولا يخبر بعصمته.\n- ويعرف كون الإجماع حجة، لأنه تثبت عصمتهم عن الخطأ بقول الله تعالى وقول الرسول ﵇.\n- ويعرف من اللغة والنحو القدر الذي يفهم منه خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال إلى حد يميز بين صريح اللفظ وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه ومحكمه ومتشابهه ومطلقه ومقيده، ليمكنه حمل خطاب الله تعالى ورسوله على ما اقتضاه.\n- ويعرف الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة.\n- ويعرف الرواة ونقلة الحديث. ويميز بين المقبول منهم والمردود.\n[و] في الاستدلال بأفعال النبي ﵇ يحتاج إلى العلم بأنها حجة، والعلم بالوجه الذي يقع الفعل عليه.\n- وأما القياس- فمن شرط الاستدلال به: أن يكون المستدل به غير عارف [بحكم الفرع] ليصح منه أنه يطلبه، ويثبته في الفرع بالقياس. وأن يكون عارفًا بالأصل وبحكم الأصل، وظانًا لعلته، وعالمًا ثبوتها في الفرع، أو ظانًا لذلك، ليصح أن يطلب الحكم في الأصل فيعديه إلى الفرع، لأجل وجود العلة فيه. ويعرف الفرع نفسه ليصح أن يعرف ثبوت العلة وحكمها فيه.","vol":"1","page":690},{"text":"فمن استجمع هذه المعاني- فهو من أهل الاجتهاد والفتوى على الكمال.\nأما أصلها- فهو ما لابد منه في ذلك وهو:\n- أن يحفظ من كتاب الله تعالى ما يتعلق به من الأحكام، وهى مقدار خمسمائة آية. ألا وإن كان لا يحفظها وراء ظهره، يكفيه أن يكون عالمًا بمواضعها حتى يطلب منه الآية المحتاج إليها في وقت الحاجة.\n- وأن يحفظ الأحاديث التي يتعلق بها الأحكام. فإن لم يحفظ يكفيه أن يكون عنده أصل مصحح يجمع أحاديث الأحكام. كسنن أبى داود وغيره. ويعرف مواضع كل باب، فيراجعه عند الحاجة.\n- وفى الإجماع: إن لم يحفظ جميع أقاويل السلف، يكفيه أن يعلم أن قوله في المسألة التي يفتى فيها ليس مخالفًا للإجماع: إما بأن يعلم أنه يوافق مذهب ذي مذهب من العلماء، أو يعلم أن هذه واقعة حدثت في هذا العصر لم يكن للإجماع فيه خوض.\n- وأما العلم بالله تعالى وصفاته ورسالته- فيكفى فيه الاعتقاد الجزم بهذه الأمور. ولا يشترط الوقوف على دقائق الكلام، إذ بهذا القدر يصير مسلمًا، وإنه كاف.\n- وأما علم اللغة والنحو- فيكفيه أن يعرف القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة، ويقف على مواقع خطاب العرب.\n- وأما معرفة الناسخ والمنسوخ-[ف] يكفيه أن يعلم أن الآية التي أفتى بها أو الحديث الذي أفتى به ليس بمنسوخ، وإن لم يعرف جميع ذلك.\n- وأما معرفة الرواة والنقلة- فإن كان المنقول بطريق التواتر، فلا حاجة فيه إلى العلم بعدالة الرواة. وإن كان بطريق الآحاد، [ف] يفتقر إلى الفحص عن عدالة الراوي: فمن كان مشهورًا بالعدالة بين النقلة يعتمد عليه.","vol":"1","page":691},{"text":"فهذه جملة لا بد منها في أهلية الاجتهاد مطلقًا، فيصير الإنسان بحال يفتى به في جميع الشرع.\nويجوز أن ينال العالم منصب الاجتهاد والفتوى في بعض الأحكام دون بعض. فيفتى في مسألة من الفرائض مثلًا إذا كان عالمًا بالفرائض وإن لم يعرف [ما عداه] من أبواب الفقه، لأن الظاهر أن أحكام الفرائض لا يستنبط من غيرها إلا نادرًا، والذهاب عن النادر لا يقدح في الاجتهاد- ألا ترى أن المجتهد قد يخفى عليه من النصوص اليسير، ولا يقدح ذلك في كونه أملًا للاجتهاد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>١٦٩ - باب في: كيفية فتوى المفتي:</span>\nاعلم أن المفتي إذا سئل عن حكم، ولم يتقدم منه اجتهاد وقول في المسألة- يجب عليه الاجتهاد فيها، قبل القول، ليعلم أنه يصيب في فتواه.\nوإن تقدم منه اجتهاد وقول فيها، وكان ذاكرًا لذلك القول وطريقة الاجتهاد، لم يجب عليه تجديد الاجتهاد، لأنه كالمجتهد في الحال- وإن لم يذكر طريقة الاجتهاد، يجب عليه تجديد الاجتهاد، لأنه في حكم [من لا اجتهاد] له.","vol":"1","page":692},{"text":"ومن أفتى باجتهاد ثم مات- هل يجوز الأخذ بقوله؟\nقال بعضهم: لا يجوز، لأنه لا يدرى أنه، لو كان حيًا، لكان ذاكرًا لطريقة الاجتهاد، راضيًا بذلك القول.\nوالصحيح أنه يجوز ذلك القول، لأن الظاهر من ذلك القول أنه قول ذلك الفقيه إلى أن مات، وموته قد أزال عنه التكليف، ولا يلزمنا إعادة الاجتهاد.\nوإذا أفتى المجتهد باجتهاده، ثم تغير اجتهاده، لم يلزمه تعريف المستفتى بتغير اجتهاده إذا كان قد عمل به. وإن لم يكن قد عمل به، فينبغي أن يعرفه، إن تمكن منه، لأن العامي إنما يعمل به، لأنه قول المفتى، وليي له قول في تلك الحال. وإذا أفتاه بقول مجمع عليه، لم يخيره في القبول منه. وإن كان فيه خلاف خيره بين أن يقبل منه أو من غيره، لأن كل واحد منهما صدر عن اجتهاد.\nوإذا اعتدل القولان عند المفتى- اختلفوا فيه:\nقال بعضهم: يفتى بأيهما شاء.\nوقال بعضهم: يخير المستفتى بين القولين.\nوجه هذا القول- أنه إنما يفتيه بما يراه والذي يراه هو التخيير، لما ذكرنا في باب تعادل الأمارتين.","vol":"1","page":693},{"text":"وج<span data-type=\"title\" id=toc-231>ه </span>القول الأول- هو أنه كما يجوز للمفتى أن يعمل بأي القولين شاء، جاز له أن يفتى بأيهما شاء، فيفتى غيره كما يفتى نفسه- والله أعلم.\n\n(هـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>١٧٠ - باب في: إصابة المجتهدين. وأن الحق عند الله تعالى في المجتهدات واحد أو حقوق:</span>\nاعلم أن الاجتهاد نوعان:\nأحدهما- في الأصول. أعنى به معرفة الله تعالى بصفاته القديمة، ورسالة رسله، وما يجرى هذا المجرى.\nوالثاني- في الفروع. أعنى به الشرائع، من العبادات والمعاملات والعقوبات ونحو ذلك.\nأما في الأصول:\n١ - قال بعضهم: المجتهد فيها مصيب على كل حال. وهو قول أهل الإلحاد.\n٢ - وقال بعضهم: إنه يخطئ ويصيب، إلا أن المخطئ فيه معذور.\n٣ - وقال أهل الحق: إنه يخطئ تارة ويصيب أخرى. فالمصيب فيه ناج، والمخطئ مؤاخذ غير معذور.\nوالدليل على فساد قول الأولين- أن أقاويل أهل الملل متناقضة. وهو سلب وإيجاب، ونفى وإثبات. كإثبات الصانع ونفيه وتوحيده وثنيته. وصدق الرسل وكذبهم. والقول بصحة الكل محال عقلًا. ولأنه لا أحد من أهل الملل إلا وهو","vol":"1","page":694},{"text":"مخطئ غيره، فوجب أن يكون مصيبًا في تخطئته، فيكونان بأجمعهم مخطئين مصيبين، وهو محال.\nوالدليل على فساد قول الفريق الثاني- أن أدلة الإصابة في أصل الدين ظاهرة. وهي قاطعة لا ظنية. فإن الآيات الدالة على حدث العالم وقدم الصانع والمعجزات الدالة على صدق الرسل واضحة قطعية، فلا يعذر من لا يعتبرها. ولأنه قد تواتر من النبي ﵇ وكافة المسلمين أن سائر أهل الملل في النار إلا واحدة.\nوأما في الفروع:\nقال عامة أصحابنا: أن كل مجتهد مصيب في حق العمل، حتى يجوز له العمل باجتهاده. فإن أصاب الحق كان مأجورًا. وإن أخطأ كان معذورًا، وهو مأجور على اجتهاده- لقوله ﵇: \"المجتهد إن أصاب الحق فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد\".\nوهو قول بعض المتكلمين: إلا أن بعضهم قالوا كما قلنا. وقال بعضهم: إن أخطأ فهو مأزور غير معذور.\nوقال عامة المتكلمين: كل مجتهد مصيب، لما هو الحق في الحقيقة، والحق عند الله تعالى حقوق.\nوقيل: هذا أحد قولي الأشعري. والقول الثاني ما قلناه. وفى المسألة أقاويل آخر ووجوه كثيرة من الكلام. لكنا نذكر المذهب المختار المرضى الملخص من الجملة، فنثبت أن الله تعالى في كل حادثة حكمًا واحدًا، وهو الحق الذي","vol":"1","page":695},{"text":"يطلب بالاجتهاد. وإذا ثبت ذلك، يثبت بالضرورة أن من أصاب ذلك، فهو المصيب. ومن لم يصبه فهو المخطئ، لأنه قد فاته الحق الذي هو حكم الله تعالى.\nفنقول:\nالأمر لا يخلو:\n١ - إما أن لا يكون لله تعالى في كل حادثة من الحوادث الاجتهادية التي يحتاج إليها المكلفون قبل اجتهاد المجتهد حكم أصلًا. وإما أن يحكم فيه بعد الاجتهاد.\n٢ - أو يكون له في كل حادثة أحكام مختلفة، بحسب اختلاف الاجتهادات.\n٣ - أو يكون له في كل حادثة حكم معين، كلف المجتهد طلبه وإصابته.\nوالقسم الأول والثاني- باطل، فتعين الثالث ضرورة.\nوالدلالة على بطلان [القسم] الأول- وجهان:\nأحدهما- أن المجتهد مأمور بطلب حكم الحادثة. لأنه مأمور بالاجتهاد، والاجتهاد ليس إلا بذل الجهود في طلب الشيء، والطلب لا بد له من مطلوب لولاه لكان لغوًا، والله تعالى لا يأمر باللغو- فدل الأمر بالاجتهاد وطلب الحكم، على أن لله تعالى حكمًا قبل الاجتهاد.\nفإن قيل: لم قلتم بأن المجتهد مكلف بطلب الحكم، بل هو مكلف بطلب شيء آخر. وبيانه من وجوه:\nأحدها- أنه مكلف بطلب الأجر والثواب من الله تعالى بالاجتهاد.\nوثانيها- أنه مكلف بطلب غلبة الظن، كالمتحرى في القبلة: يطلب غلبة الظن بأشياء أخر.\nوثالثها- أن المطلوب هو الأشبه بالأصول، لا ما هو حكم الله تعالى من الحقيقة.","vol":"1","page":696},{"text":"ورابعها- أن المطلوب أن يعلم أو يظن أن الله تعالى فيه حكمًا أم لا؟ لا أن فيه حكمًا هو يطلبه.\nقلنا: [الأول]- الاجتهاد طلب الشيء بالنظر والفكر، وذا يقتضي منظورًا فيه، يستكشف عنه نظره، وهو الحكم المجتهد فيه. ثم الثواب قد يبتنى عليه، لا أن الاجتهاد طلب الثواب.\nوأما الثاني- قلنا: الظن لا بد له من مظنون. وليس ذلك إلا حكم الحادثة.\nوكذا المتحرى يجتهد في أمور القبلة، فيظن أن القبلة إلى الجهة التي توجه إليها.\nوأما الثالث- قلنا: [هل] الأشبه هو واجب العمل به والمصير إليه، وهو أولى من غيره أم لا؟ إن قال: لا، فما الفائدة في طلبه؟ وإن قال: نعم- فهو حكم الله تعالى، إذ لا معنى له إلا ما يجب إتباعه دون غيره.\nوأما الرابع- قلنا: إن اجتهد وغلب على ظنه، تبين أن الحكم كان ثابتًا، أو يثبت الآن.\n[والوجه] الثاني- باطل [لوجهين]:\n[الوجه الأول]- لأنه لا يكون طلبا مكان الأول، وهو الذي نريده: أن لله تعالى حكمًا يعرف بالاجتهاد.\nوالوجه الثاني- القول بأن لا حكم لله تعالى قبل الاجتهاد أصلًا، يؤدى إلى تعطيل الأحكام في الحوادث المحتاج إليها. لأن ثبوت الحكم: إذن كان يقف على الاجتهاد في حق المجتهد والمستفتى من المجتهد، فلو لم يجتهد لا يثبت الحكم،","vol":"1","page":697},{"text":"كمن لا يحنث لا تلزمه الكفارة، ومن لا يكتسب المال لا يجب عليه الزكاة. أو ربما يجتهد فيتعارض عنده الأمارات، ولا يغلب على الظن شيء، فلا يثبت حكم الحادثة، فيؤدى إلى ما ذكرناه.\nفإن قيل: ما أنكرتم أن لله تعالى في الحوادث حكمًا متروكًا، كما قاله البعض. قلنا- معنى حكم الله تعالى ما يجب إتباعه أولى من غيره. وغير المستدل لا يتأتى منه ذلك، فلا يكون حكمًا.\nوالدلالة على بطلان القسم الثاني:\nأنه مؤدى إلى اجتماع أمور متنافية- بيانه: هو أن أحد المجتهدين قد اجتهد في حادثة، وغلب على ظنه ثبوت الحل، وغيره اجتهد وغلب على ظنه ثبوت الحرمة، أو أفضى اجتهاد واحد إلى الحل في حالة وإلى الحرمة في حالة أخرى. فيجتمع الحل والحرمة في فعل واحد، من شخص واحد، في حالة واحدة. وهذا ليس كذلك، لأن أحد المجتهدين إذا غلب على ظنه الحل، صار الحكم في حقه الحل دون غيره. وإذا غلب على ظن مجتهد آخر الحل، في زمان، صار الحكم في حقه الحل في ذلك الزمان دون غيره. وإذا غلب على ظنه الحرمة، صار الحكم في حقه الحرمة دون غيره. وإذا غلب على ظن مجتهد آخر الحرمة في زمان آخر، صار الحكم في حقه الحرمة، في ذلك الزمان، دون غيره. ويجوز أن تكون مصلحة هذا المجتهد في ثبوت الحل، ومصلحة المجتهد الآخر في ثبوت الحرمة، ومصلحة المجتهد الآخر الحل في زمان والحرمة في زمان آخر- فالمصالح تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، والأحكام الشرعية تتبع المصالح.\nهذا هو تقرير قاعدة الخصوم. وهذا إشكال هذا الوجه- قلنا: هذا إنما يستقيم أن لو صح كون الاجتهاد مفضيًا إلى الحل في حق المجتهد دون غيره. وذلك غير صحيح، لأن الاجتهاد إنما يفضى إلى الحكم، بقوة الأمارة وغلبة الظن","vol":"1","page":698},{"text":"بثبوت الحكم. وهذا نفع صفة في أمارة المنظور فيها، لأن الاجتهاد رد الفرع إلى الأصل، بمعنى جامع بينهما، هي العلة، وذلك لا يختص ببعض المجتهدين دون البعض. فأحد المجتهدين إذا قويت عنده أمارة الحل، غلب على ظنه ثبوت الحل في حق الكل، فلزم الحكم، فيؤدى إلى ما ذكرناه من المحال. مثاله- إن من حرم لحم الخيل يعتبر فيه كونه مركوبًا لقوله تعالى: [وَزِينَةً]، وكونه مركوبًا لا يختص بشخص دون شخص [ومن أجله] يعتبر فيه جهة كونه غذاء، وتعلق البقاء، وهذا لا يختص بشخص دون شخص. فلو كان كل واحد منهما مصيبًا لزم الحل والحرمة في حق الكل على ما ذكرناه، وإنه محال. على أن الحكم قد يكون حكمًا يتعلق بالمجتهدين، بأن قال الرجل لامرأته \"أنت بائن\"، ثم أراد مراجعتها. وهما مجتهدان، وأحدهما يرى أن الكنايات بوائن، والآخر أنها رواجع- كان الحكم في هذا النكاح صحة المراجعة وبطلانها معًا- وكذلك المفتى إذا أفتاه أحد المجتهدين بحكم والآخر بخلافه، وكل واحد منهما حكم الله تعالى، لزم الحل والحرمة معًا، وإنه محال.\nوإذا بطل هذان القسمان ثبت أن الله تعالى في كل واحدة حكم واحد، والمجتهد قد يصيب ذلك الحكم وقد يخطئ- على ما مر. والله أعلم.\nوقد استدل في المسألة بوجوه أخر:\n١ - منها- قوله تعالى: [وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ- إلى قوله تعالى: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ]، فلو كانا مصيبين، لما خص","vol":"1","page":699},{"text":"[سليمان] بأنه فهم الحكم، وكان داود ﵇ قد فهم من الصواب ما فهمه سليمان ﵉. إلا أن لقائل أن يقول: إن الله تعالى لم يقل: إنه \"فهمه الصواب\"- فيحتمل: ففهمناها سليمان مثلما فهم داود، ويحتمل: فهمناه الناسخ ولم يفهم داود، لأنه لم يبلغه، وكل واحد منهما مصيب فيما يحكم به. [على أن] أكثر ما في الباب أن الآية تدل على أن داود وسليمان ﵉ ما كانا مصيبين جميعًا، وذلك لا يوجب كون المجتهدين في مسألتنا غير مصيبين- ولله أعلم.\n٢ - ومنها- إجماع السلف. وروى عن أبى بكر ﵁ أنه قال في الكلالة: \"أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله تعالى وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان\". وقال عبد الله بن مسعود ﵁ في قصة بروع بنت واشق: \"أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله تعالى، وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان\". وقال عمر ﵁ لكاتبه: اكتب: \"هذا ما رآه عمر. فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمن عمر\". وقال على ﵁ في مسألة أفتى فيها جماعة من الصحابة بحضرة عمر ﵁ فقال: \"إن كانوا قد اجتهدوا فقد أخطأوا\". وقال ابن عباس ﵄: \"أما يخشى الله زيد: يجعل ابن الابن ابنًا،","vol":"1","page":700},{"text":"ولا يجعل أب الأب أبًا\" وهذا مبالغة في التخطئة- هذا شيء نقل عنهم، ولم ينقل عنهم خلافه. ولا يجوز تأويله وحمله على المجاز بغير دليل.\nفإن قيل: لم قلم بأن المراد من هذه الأخبار الخطأ في الحكم المجتهد فيه؟ بيانه من وجوه:\nأحدها- أن المراد منه أنه أخطأ نصًا لو ظفر به أوجب عليه حكمه، لكنهم إنما أخطأوا وقصروا في النظر، ولم يبالغوا فيه، ولم يستوفوا شرائط الاجتهاد، فلذلك أخطأوا فيها.\n[أو معناه: أخطأوا حكمًا لو حكم به كان ثوابه أكثر].\nوالثاني- إن أخطأوا مع تمام الاجتهاد، فهذا يدل على أن الحق في هذه المسائل واحد- وبه نقول.\nقلنا:\nأما الأول- قلنا: المفهوم من قولنا: \"أخطأ فلان\" عند الإطلاق العدول عما طلبه وكلف به. والمطلوب والمكلف به إصابة الحكم، فيحمل عليه قوله إنه أخطأ نصًا فيه. قلنا: هذا باطل، لأن المجتهد: إن كان استقصي طلب النص، فلم يظفر به، فهو مصيب عندكم، لأنه لا يلزمه أن يحكم بما لم يبلغه من النصوص، ولا سبيل إلى الوصول إليه. وإن لم يستقص النظر كان مخطئًا في الحكم والاجتهاد جميعًا. والصحابة ﵃ اجتهدوا ولم يمنع واحد منهم صاحبه من الاجتهاد في هذه المسائل.","vol":"1","page":701},{"text":"وأما قوله: أخطأ حكمًا ثوابه أكثر- قلنا: العدول عما ثوابه أكثر إلى ما ثوابه أقل، لا يسمى خطأ مطلقًا. ولا يقال: \"هو من الشيطان\"، [وقد أضاف الصحابة الخطأ في ذلك إلى الشيطان].\nعلى أن إطلاق قولنا: \"أخطأ\"، يفهم منه العدول عن المقصود- على ما مر.\nوأما الثاني- قلنا: المخالف يقول في هذه المسائل: إن المختلفين في هذا مصيبون فلا نفصل بينها وبين نحوها من المسائل الاجتهادية، فلا نظن بالصحابة الكبار أنهم لم ينظروا وحكموا فيها جزافًا.\nوأما الثالث- فهو باطل، لأن من يقول: \"كل مجتهد مصيب\" يجعل هذه المسائل من مسائل الاجتهاد.\nهذا وجه الاستدلال بهذه الأحاديث.\nإلا أن لقائل أن يقول: كل واحد من هذه الأخبار خبر واحد، ولم يبلغ في الكثرة إلى حد يصير معه متواترًا في المعنى، فلا يصح الاحتجاج بها في أصل من الأصول المعلومة- والله أعلم.\n٣ - ومنها- قوله ﵇: \"إذا اجتهد الحاكم وأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ نقله أجر واحد\": حكم على بعض المجتهدين بالخطأ.","vol":"1","page":702},{"text":"فإن قيل: المراد منه من الوجوه التي بيناها: دل عليه أنه أوجب الأجر مع الخطأ، وكيف يستحق الأجر مع الخطأ في الحكم- قلنا: أما الأول فجوابه ما مر. وأما استحقاق الأجر فلأنه يصيب فيما فعله من الاجتهاد المكلف به مغفور له ما وراء ذلك، إلا أن الاعتراض على التعلق به ما مر.\n٤ - ومنها- أن تصويب المجتهدين أجمع لا يتم إلا بتناقض صريح. فإن من المجتهدين من يخطئ تصويب المجتهدين، ليلزمكم تصويبه: تصويب من يخطئ، المصوب للكل، وهو تخطئة الشيء مع تصويبه، وهذا تناقض صريح. إلا أن لقائل أن يقول: نحن نصوب المجتهد في الفروع، وهذا من الأصول، فلا يلزمنا التصويب، فلا يؤدى إلى التناقض.\n٥ - ومنها- أنه لو كان المجتهدون على اختلافهم مصيبين لم يكن في مناظرة بعضهم بعضًا معنى، لأن كل واحد منهم يعتقد أن الآخر قد أدى اجتهاده إلى ما كلف به، واختار حكم الشرع، فما وجه مناظرته لهم. ونحن نعلم أن كل واحد منهم يناظر صاحبه ليرده عما هو عليه: فلو كان مصيبًا به لكان ذلك مردودًا عن الصواب.\nإلا أن لقائل أن يقول: في المناظرة فوائد مع تصويب المجتهدين كلهم:\nأحدهما- أنه يجوز أن يكون في المسألة دليل قاطع من نص أو ما هو في معنى النص أو دليل عقلي قاطع فيما يتنازع فيه من تحقيق نقاط الحكم، وبالمناظرة يكشف انتفاء ذلك.","vol":"1","page":703},{"text":"والثاني- أن يتعارض عنده دليلان ويعسر عليه الترجيح، فيستقصي بالمناظرة والمباحثة على طلب الترجيح.\nوثالثها- أن ينبه الخصم على طريقة الاجتهاد، حتى لو أفسد ما عنده لا يتوقف، ولا ينجبر ويرجع إلى طريقه.\nورابعها- أن يعتقد أن مذهبه أثقل وأشق، وهو لذلك أفضل وأجزل ثوابًا، ويسعى في استخراج الخصم من الفاضل إلى الأفضل.\nوخامسها- أن يستفيد هو وخصمه طريق النظر في الدلائل القاطعة حتى يستوفى بالظنيات إلى ما الحق فيه واحد، من الأصول والكلام، فيتمكن به من النظر الذي هو فرض عين في حقه، أو فرض كفاية- على ما عرف.\nوسادسها- أن كل مجتهد من المجتهدين غلب على ظنه أن أمارته أقوى من أمارة خصمه، فيتناظران في ذلك. وإن كان فرض خصمه ما هو عليه. ولكن إذا أبان له أن أمارة من ناظره أقوى تغير فرضه وصارت مصلحته قران الحكم بالأمارة الأخرى. فإن قيل: فما فائدة من ناظره في أن يتغير فرضه- قلنا: كثرة الثواب بإرشاد خصمه إلى أقوى الأمارتين.\nوالمخالف احتج في المسألة بأشياء:\n١ - منها- قوله تعالى: [وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ- إلى قوله: وَكُلًاّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا] فلو كان أحدهما مخطئًا، لم يكن الذي قاله عن علم.","vol":"1","page":704},{"text":"٢ - ومنها- أن الصحابة ﵃ صوب بعضهم بعضًا، فيما اختلفوا فيه من الفروع. فلو كان بعضهم مخطئًا، لكان تصويبه كذبًا، والأمة لا تجتمع على الكذب. ولأن بعضهم [كان] يعظم بعضًا، ولو لم يصوبه لما عظمه. ولأنه لو لم يصوبوا كل المجتهدين لأنكروا قول المخطئ، لأنه لا يجوز أن يتركوا إنكار المنكر.\n٣ - ومنها- قولهم: لو كان الحق واحدًا من الأقاويل، وما عداه خطأ- لكان الله تعالى قد كلفنا العدول إليه، ولوجب أن ينصب دلالة قاطعة. ولو كان عليه دليل قاطع، لفسق مخالفه ومنع من أن يفتى به ولمنع [العامي] من استفتائه، ولنقض حكمه، وليس كذلك.\n٤ - ومنها- أن المجتهد كلف بالاجتهاد لإصابة الحق. فإذا أتى بما كلف به، وبذل مجهوده، ولم ينل مقصوده- كان ذلك تكليف ما ليس في الوسع.\nوالجواب:\nأما الأول- قلنا: الله تعالى لم يقل، [إن كلا] آتيناه حكمًا وعلمًا بما يحكم، ويجوز أن يكون آتاه علمًا بوجوه الاجتهاد وطرق الأحكام.","vol":"1","page":705},{"text":"على أنه ليس يجب إذا كانا قد أصابا، أن يكون كل مجتهد في الشريعة مصيبًا.\nوأما الثاني- قلنا: لا نسلم أن بعضهم صوب بعضًا في الفروع، ولا يمكن إقامته الدلالة على ذلك [أي] على أن كل واحد منهم قال لصاحبه \"أصبت في ذلك\".\nوأما تعظيم بعضهم بعضًا [فإنه] لم يدل على التصويب، بل إنما عظم بعضهم بعضًا، لأن فيه معاني موجبة للتعظيم، والخطأ الذي وقع فيه مغفور غير مانع من التعظيم.\nوقوله بأنه يجب الإنكار عليه- قلنا: إن أريد به التبرئ والذم، فقد ذكرنا أنه غير واجب، لأنه مغفور. وإن أريد المنع والتخطئة والمناظرة، فكل ذلك قد جرى بينهم على ما ذكرنا. وقال ابن عباس ﵄: \"أما يتقى الله زيد بن ثابت؟ \" وقال: \"من شاء باهلته\" وهذه مبالغة في الإنكار.\nوأما الثالث- قد نصب الله تعالى على الحق في المجتمعات دلالة. إلا أنها غامضة يعذر الإنسان في الذهول عنها. بخلاف الدلالة على الحق في الأصول، لأنها ظاهرة لا عذر فيها. على أنا نقول: قد دلنا الله تعالى على الحكم الذي كلفنا به بدلالة ظاهرة. وإن لم يدلنا بدلالة قاطعة على أن العلة هي علة حكم الأصل. وذلك أنه تعالى إنما كلفنا العمل على أولى العلل وأقوى الأمارات.","vol":"1","page":706},{"text":"فقد جعل لنا طريقًا إلى ذلك، فيلزمنا العمل به. إلا أنا نعذر في الخطأ لغموضه.\nوقولهم: لو كان عليه دليل لفسق مخالفه ومنع من الفتوى ونقض الحكم به- قلنا: لا يلزم ما ذكرتموه، وإن كان على الحكم دلالة قاطعة. ألا ترى أن كثيرًا من المسائل يستدل عليها بالنصوص نحو الترتيب في الوضوء، وغيره. لأن كل فريق يستدل بالآية. ففريق يقول: إن الواو للترتيب. وفريق يقول: أن الواو لا توجب الترتيب. وكل ذلك طريقه العلم، ولا يفسق قائله وساغ الفتوى بكل واحد من القولين. على أنه ليس كل خطأ دل الدليل عليه، فهو فسق، بل قد لا يكون فسقًا لغموض الدليل عليه.\nوأما المنع من الفتوى ونقض الحكم، فذلك بالمناظرة والإيضاح والاجتهاد: يناظر بعضهم بعضًا.\nوأما الرابع- قلنا: المكلف يكلف بالاجتهاد لا بإصابة الحق. وهو واحد. وقد نصب الله تعالى عليه الدلائل ومكنه من الوصول إليه. فإذا اجتهد وأصاب الحق فله أجران: أجر بذل المجهود في طاعة الله تعالى بالاجتهاد، وأجر إصابة الحق. وإن أخطأ فله أجر واحد، وهو أجر بذل المجهود في طاعة الله تعالى، وهو مغفور في الذهاب عن حكم الله تعالى كما نطق به الحديث الذي رويناه.\nوالله تعالى أعلم.","vol":"1","page":707},{"text":"تم كتاب الميزان في أصول الفقه\nوالحمد لله رب العالمين\nوصلواته على سيدنا محمد وآله\nفي أواخر ربيع الآخر لسنة تسع وستين وستمائة\nبمدينة السلام عمرها الله تعالى\nكتبه محمد بن محمد بن محمود السمرقندى\nمولدًا ومنشأ والحمد لوليه\nوقد بينا في المقدمة (ص ٤٢ - ٤٣) أن الصحيح أن اسم الكتاب:\n\"بذل النظر في الأصول\"\nوالله الموفق","vol":"1","page":708}]}