{"ً":{"ٌ":133367,"ٍ":"الناسخ والمنسوخ - ابن العربي","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم القرآن/الناسخ والمنسوخ فى القرآن الكريم - ابن العربي - ت المدغري - ط الثقافة الدينية 1=2","files":["00_4133.pdf|الغلاف","01_4133.pdf","02_4134.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم\nالمؤلف: أبو بكر بن العربي المعافري\nالمحقق: الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري\nتقديم: د عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)\nأصل التحقيق: رسالة دكتوراة للمحقق\nالناشر: مكتبة الثقافة الدينية\nالطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م\nعدد الأجزاء: ٢\nأعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":22,"ٕ":4,"ٖ":1770153685,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["2"],"ٚ":[{"title":"سورة البقرة","level":1,"page":9},{"title":"ذكر تعداد الآيات","level":2,"page":17},{"title":"الآية الأولى: ﴿قوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خير الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف، حقا على المتقين﴾.","level":3,"page":17},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين﴾ هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ لأن الله سبحانه فرض رمضان وأباح الفدية. يروى عن معاذ وغيره.","level":3,"page":20},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ إلى قوله: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم﴾.","level":3,"page":24},{"title":"الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ هذه الآية نص في تحريم القتال في الأشهر الحرم لا خلاف فيه. وردت","level":3,"page":26},{"title":"الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾.","level":3,"page":28},{"title":"الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف﴾.","level":3,"page":31},{"title":"الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير﴾.","level":3,"page":33},{"title":"ابتداء الآيات المخصوصة","level":2,"page":38},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿الذين يومنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾. قال قوم: هي الزكاة. منهم يزيد بن القعقاع وابن عباس رحمهما الله. وقال قوم: هي كل نفقة وهو الضحاك. والصحيح أنه مدرج للنفقة طلقا. ثم إن الله تعالى بين درجات الإنفاق في التكليف وأحكامه في الثواب في سائر الآيات وعلى لسان رسوله - ﷺ -. وقول من قال إن هذه الآية وكل آية تضمنت النفقة في القرآن منسوخة بالزكاة جهل فإن المخصوص لا يدخل في سيما ولا تعارض فيه.","level":3,"page":38},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون﴾. قد بينا في غير موضع كتبنا أن الإيمان هو التصديق بالقول لما يكنه القلب وبالفعل لما يقتضيه القول ولا يختص بالقلب دون القول والفعل، وجربنا في طلق البيان فيه بما يظهر لمن اطلع عليه في (المشكلين، والمقسط). وإذا كان كذلك، فهؤلاء الذين آمنوا هم الذين صدقوا. وأما الذين هادوا ففيهم ثلاثة أوجه.","level":3,"page":39},{"title":"الآية الثالثة: قوله ﷿ ﴿وقولوا للناس حسنا﴾.","level":3,"page":42},{"title":"الآية الرابعة: قوله عزوجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لاتقولوا راعناوقولا انظرنا واسمعوا﴾. كان المسلون يقولون للنبي ﷺ. راعنا استدعاءالرعاية لهم، فاتخذها الكافرون دخلا فكانوا يقولون للنبي ﷺ راعنا، منادى فاعلامن الرعونة، كما تقول: يارجلا، ثم تحذف حرف النداء فتقول: رجلا. فلما اطلعالله تعالى على سهرهم نهى المسلمين عن ذكر هذا حتى يقطع بذلك تذرع الكفار إلى سب رسول الله ﷺ، فجعل قوم هذا نسخا لأنه نهى بعد إباحة. ولكن لم تكنالإباحة بنص. وإنما كانت داخلة في عموم التعزيز والتوقير، فلما توصل بها الكفار إلى","level":3,"page":43},{"title":"الآية الخامسة: قوله تعالى، ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي اللهبأمره﴾.قال السدي في هذه الآية: إنها منسوخة بالأمر بالقتال، وقد بيناأن الحكم الممدود إلى غاية لاتكون الغاية ناسخةله، فمن ظن ذلك من الجهال فقدسبق بياننا له، ولم يقل ذو تحصيل بنسخ في ذلك فاعلموه من هنالك.","level":3,"page":44},{"title":"الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾.اختلفالناس في هذه الآيةعلى سبعة أقوال","level":3,"page":44},{"title":"الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وبكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ قال بعض أهل النسخ: إن آية القتال نسختهااعلمواوفقكم الله أن قوله تعالى: ﴿قل أتحاجوننا في الله﴾ لا يدخله النسخ لأنهتقرير على وقوع الحاجة بين المسلمين والكفار ونهى عنها فلا يصح رده ولا يجوزرفعه إذ النسخ إنما يدخل في الأحكام لا في التوحيد. وكذلك قوله تعالى: ﴿وهوربنا وربكم﴾ مثله. وأما في قوله تعالى: ﴿ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ فهو","level":3,"page":48},{"title":"الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ قال بعضهم، هي ناسخة لصلة النبي ﷺ إلى بيت المقدس وهو أول حكم نسخه اللهلرسوله ﵇، فتناولت على أحد الأقوال قوله: ﴿ولله المشرق والمغربفأين ما تولوا فثم وجه الله﴾ وليس بصحيح كما قدمناه.","level":3,"page":49},{"title":"الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية. قال بعض القاصرين: معنى قوله تعالى: ﴿فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ فلا يطوف بهما. وكان على الصفا صنم يقال له (أساف) وعلى المروة آخر يقال له نائلة، وكانا رجلا وامرأة زنيا في الكعبةفمسخا فوضعهما المشركون هنالك وعبدوهما من دون الله تعالى، فلماأسلمتالأنصار (رضي) لله عنهم (تحرجوا أن يطوفوا بينهما) فأنزل الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾.ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿ومن","level":3,"page":50},{"title":"الآية العاشرة قوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ إلى قوله: ﴿الرحيم﴾ قال بعض الغافلين: إن قوله: ﴿إن الذين يكتمون﴾ إلى قوله: ﴿اللاعنون﴾ نسخها قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾.","level":3,"page":51},{"title":"الآية الحادية عشرة قوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم﴾.","level":3,"page":52},{"title":"الآية الثانية عشرة قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾.","level":3,"page":53},{"title":"الآية الثالثة عشر قوله تعالى: ﴿يا أيها الذي آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. أياما معدودات﴾.","level":3,"page":55},{"title":"الآية الرابعة عشرة قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾.","level":3,"page":57},{"title":"الآية الخامسة عشرة قوله تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾.","level":3,"page":58},{"title":"الآية السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم﴾ قال بعض من اعترض لهذا الفن: هذا من الأخبار التي معناها الأمر وتقديره فاعفوا عنهم واصفحوا عنهم، ثم نسخ ذلك بآية السيف.","level":3,"page":60},{"title":"الآية السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص﴾. قد قدمنا في غير موضع من كتاب الأحكام أن الآية نزلت في قضاء النبي ﷺ العمرة سنة القضية عما كما صده المشركين عام الحديبة فقال الله لنا أن الشهر الحرام عام القضية قصاص بالشهر الحرام عام الحديبية ذو القعدة كذي القعدة وحرمة كحرمة، وزمان كزمان- وقيل إن المشركين أرادت أن تقاتل النبي ﷺ في الشهر الحرام حين احترمه النبي ﷺ وامتنع من القتال فيه فأنزل الله في ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص﴾ المعنى إن استحلوا فيكم الشهر الحرام فاستحلوا فيه، ومن استحل دما أو مالا فاستحلوا دمه وماله، وهذا لا كلام فيه على تفصيل بيناه في كتاب الأحكام والمسائل","level":3,"page":61},{"title":"الآية الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾.","level":3,"page":63},{"title":"الآية التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾.","level":3,"page":68},{"title":"الآية الموفية عشرين قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ الآية.","level":3,"page":72},{"title":"الآية الواحدة والعشرون: قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾ اعلموا، علمكم الله مراتب الشريعة أن الشريعة كلها مكتوبة والدين بأجمعه مسطور وكل كائن في لوح محفوظ، بيد أن لفظ كتب جرت في عرف الشرع عما انحتم فعله وحق أمره وشأنه، فلذلك كان قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال﴾ عبارة عن فرض وجب وألزم وحتم. وقد اختلف المعترضون لهذا الباب في هذه الآية، فمنهم من قال: إنها ناسخة للإعراض والصفح والغفران والعفو الكائن في صدر الإسلام. وقال آخرون هي منسوخة بعد كونها ناسخة بقوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾ وقال قوم منهم عطاء إن الذين خوطبوا بها هم الصحابة رضوان الله عليهم، وقال قوم هي على الندب. فأما من قال إنها مندوبة فهو باطل لأنه عدول عن ظاهر اللفظ بغير دليل، وأما من قال إنها منسوخة فضعيف من الرأي لأن النسخ إنما يكون مع التعارض وتعذر الجمع ولا","level":3,"page":73},{"title":"الآية الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾.","level":3,"page":75},{"title":"الآية الثالثة والعشرون: قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾.","level":3,"page":76},{"title":"الآية الرابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة﴾","level":3,"page":79},{"title":"الآية الخامسة والعشرون قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو اذى﴾ قال بعضهم: هذه الآية ناسخة لشريعة من قبلنا لأن شريعة اليهود كانت على مجانبة الحائض في البيت فضلا عن غيره ونسخ الله تعالى ذلك بإباحة كل شيء حتى النكاح، وهذا على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا وهو صحيح عندنا وهو صريح مذهبا وقد ثبت من رواية الأئمة عن أنس بن مالك قال: كانت اليهود إذا حاضت امرأة منهم لم يواكلوها ولم يشاربوها ولم يجاعوها في البيوت فسئل النبي ﷺ عن ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء﴾ الآية فأمرهم ﵇ أن يواكوهن وأن يشاربوهن وأن يكونوا في البيوت معهن وأن يفعلوا كل شيء ما خلا النكاح، فقالت اليهود: ما يريد محمد أن يدع شيئا من أمرنا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن","level":3,"page":83},{"title":"الآية السادسة والعشرون قوله تعالى: ﴿للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ الآية، قال بعضهم عن ابن عباس: كان إيلاء الجاهلية سنة أو سنتين أو أكثر فوقت الله من ذلك أربعة أشهر. وليس هذا من كتابنا في ورد ولا صدر لأن فعل الجاهلية ليس بحكم فيرفعه آخر، وإنما هو كله باطل فنسخ الله الباطل بالحق ونصر الدين على لسان رسوله بالصدق.","level":3,"page":84},{"title":"الآية السابعة والعشرون، قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾.","level":3,"page":84},{"title":"الآية الثامنة والعشرون: قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾.","level":3,"page":86},{"title":"الآية التاسعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾.","level":3,"page":94},{"title":"الآية الموفية ثلاثين: قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾. قال بعضهم منهم هبة الله المفسر، ثم استثنى فقال: ﴿فإذا أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾ فصارت هذه الآية إرادة بالاتفاق ناسخة للحولين الكاملين.","level":3,"page":96},{"title":"الآية الحادية والثلاثون، قوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ ثبت في الأسدية عن مالك بن أنس من رواية عبد الرحمن بن القاسم قال: لا يلزم الرجل نفقة أخ ولا ذي قرابة ولا رحم منه.","level":3,"page":97},{"title":"الآية الثانية والثلاثون: قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء﴾.","level":3,"page":99},{"title":"الآية الثالثة والثلاثون: قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾.","level":3,"page":100},{"title":"الآية الرابعة والثلاثون: قوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾.","level":3,"page":100},{"title":"الآية الخامسة والثلاثون: قوله تعالى: ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ ذكر الله هذا الحكم عقيب ذكر الربا وأمره برد رأس المال عند التوبة فقال قوم أنه مقصور على دين الربا، وقد روي أن رجلا خاصم آخر إلى شريح","level":3,"page":101},{"title":"الآية السادسة والثلاثون: آية الدين.","level":3,"page":105},{"title":"سورة آل عمران","level":1,"page":111},{"title":"الآية الأولى: ﴿فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن﴾ قال فيها بعضهم إنه مسوخ بقوله: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ قال حاكيه: وهذا إنما يجوز على قول من قال إن قوله في النحل: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا﴾ إلى آخر الأية، مدني قاله قتادة، وأكثر الناس على أن السورة مكية إلا ثلاث) آيات نزلن بين أحد والمدينة فعلى القول بأنها مكية لا يجوز أن ينسخ قوله تعالى: ﴿فقل أسلمت وجهي لله﴾ لأنه مدني وعلى قول قتادة يجوز لأن المدني ينسخ المدني والصحيح أنه لا نسخ فيه لأن قوله: ﴿فقل أسلمت﴾ وهو من المجادلة بالتي هي أحس.","level":2,"page":111},{"title":"الآية الثانية قوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ قال بعضهم: إن هذه الآية ناسخة للقنوت في الصلاة واحتج بما روى سالم عن ابن عمر أن النبي ﷺ لعن في صلاة الفجر بعد الركوع فقال اللهم العن فلانا وفلانا ناسا من المنافقين فأنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ وهذا إسناد مستقيم.","level":2,"page":113},{"title":"ذكر آيات العام والمخصوص","level":2,"page":116},{"title":"الآية الأولى قوله تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين﴾ قال بعضهم نسختها آية السيف.","level":3,"page":116},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿رب إني نذرت لك ما في بطني محررا﴾ ظن بعضهم أنه كان في شرح من قبلنا جواز استرقاق الأحرار باختيارهم وكان الآباء يملكون أبناءهم فيتصرفون فيهم تصرفهم في الذين ملكت أيمانهم بإرادتهم وأن ذلك ليس في شرعنا فكان ذلك نسخا له.","level":3,"page":119},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾.","level":3,"page":120},{"title":"الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق﴾ الآيات الثلاث: زعم بعضهم أن ما استثنى الله منهم بقوله ﴿إلا الذين تابوا﴾ ناسخ لما تقدم.","level":3,"page":123},{"title":"الآية الخامسة قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ قال السدي قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ عموم ثم استثني من استطاع إليه سبيلا فصار ناسخا لها.","level":3,"page":124},{"title":"الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾.","level":3,"page":125},{"title":"الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿لن يضروكم إلا أذى﴾ قال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾.","level":3,"page":132},{"title":"الاية الثامنة: قوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء، أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ زعم بعضهم أن هذه الآية ناسخة للقنوت في الركوع بحديث ابن عمر الله عنهما أن رسول الله ﷺ لعن في صلاة الفجر بعد الركوع في الركعة الآخرة فقال: اللهم العن فلانا وفلانا، ناسا من المنافقين، فأنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم﴾ الآية.","level":3,"page":133},{"title":"الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها﴾ قال بعضهم: نسخها قوله تعالى: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾.","level":3,"page":135},{"title":"الآية العاشرة قوله تعالى: ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من","level":3,"page":135},{"title":"سورة النساء","level":1,"page":137},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾","level":2,"page":137},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانك فأتوهم نصيبهم﴾.تكلم علها محاولو هذا الشأن بكلام طويل لبابه في ثلاثة أقوال","level":2,"page":140},{"title":"الآية الثالثة قوله تعالى: ﴿إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ إلى قوله: ﴿سبيلا﴾.","level":2,"page":142},{"title":"ذكر آيات العموم والخصوص وعددها ست وعشرون آية.","level":2,"page":143},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ وزعم المتكلمون في هذا الفن أن هذه الآية منسوخة بقوله تعلى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾. وقال أبو يوسف لعله نسخها قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾.","level":2,"page":143},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾.","level":2,"page":145},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه، وقولوا لهم قولا معروفا﴾ ذكر أصحاب التفسير أن في هذه الآية قولين","level":2,"page":146},{"title":"الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا﴾.","level":2,"page":147},{"title":"الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ قال بعضهم: لما نزلت قوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا﴾ عزل الأنصار اليتامى فلم يخالطوهم فأضر ذلك بهم لأن اللبن إذا لم يحلب والدابة إذا لم تركب إدى ذلك إلى الاضرار بصاحبها فنزلت: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف﴾ الآية، فرخص الله فيما فيه الضرورة ولم يرخص في الظلم.","level":2,"page":148},{"title":"الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ آيات الفرائض: قال بعضهم هي منسوخة في الكوافر إذ قال النبي ﷺ: لا يرث المسلم الكافر.","level":2,"page":149},{"title":"الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾ إلى قوله سبيلا ﴿رحيما﴾ ذكر علماؤنا فيها أربعة أقوال","level":2,"page":149},{"title":"الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار، أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما﴾.","level":2,"page":154},{"title":"الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين","level":2,"page":157},{"title":"الآية العاشرة: قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤك من النساء إلا ما قد سلف﴾ قال بعضهم: الناس قائلان: قالت طائفة هي محكمة وقيل هي منسوخة. فمن جعلها محكمة قال: معناها لكن ما سلف فقد عفوت عنه، ومن قال إنها منسوخة، قال: يكون معناها ولا ما قد سلف فأنزلوا عنه، وعلى هذا القول العمل.","level":2,"page":158},{"title":"الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ قال بعضهم: معناه ولا ما قد سلف ولم يزد على ذلك في آيات النسخ.","level":2,"page":161},{"title":"الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ قال بعضهم: لولا ما جاء فيه من النسخ لم يكن تحريم سوى ما في الآية، ولكن حرم الله على لسان رسوله من لم يذكر في الآية وذلك تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها، ومن حرم من جهة الرضاع غير الأم والأخت.","level":2,"page":162},{"title":"الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة﴾.","level":2,"page":167},{"title":"الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ الآية. قال بعضهم هذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم﴾ فأباح الله لك أن تأكل من مال غيرك من قريب أو صديق، وروى مثله عن ابن عباس ﵄.","level":2,"page":171},{"title":"الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ قال بعضهم: حرم الله الخمر على الناس في أوقات الصلاة، ثم نسخ ذلك بآية المائدة، وقال آخرون: نسخها ما روى النسائي عن ابن عباس أنه نسخها قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ لأنهم أمروا بأن لا يقربوا الصلاة وهم سكارى،","level":2,"page":172},{"title":"الآية السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم﴾ إلى قوله بليغا. قال بعضهم: هذا مؤخر ومقدم تقديره فعظهم وأعرض عنهم، وقل له، ثم صار ذلك كله منسوخا بآية السيف.","level":2,"page":174},{"title":"الآية السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله﴾ الاية. قال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ فقال رسول الله ﷺ: (لأزيدن على السبعين) فنزلت ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ فصار هذا ناسخا لما كان قبله.","level":2,"page":176},{"title":"الآية الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا﴾ قال بعضهم الثبات الصف المتفرقون، صارت الآية التي في سورة التوبة ناسخة لها، وهي قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم﴾.","level":2,"page":177},{"title":"الآية التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا﴾ نسخها في رأي بعضهم آية السيف.","level":2,"page":177},{"title":"الآية الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك﴾ قال بعضهم نسختها آية السيف.","level":2,"page":179},{"title":"الآية الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿ستجدون آخرين﴾ الآية. قال بعضهم نسختها آية السيف.","level":2,"page":180},{"title":"الآية الثالثة والعشرون: قوله تعالى: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾ قال بعضهم نسخها: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾.","level":2,"page":180},{"title":"الآية الرابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه﴾ الآية.","level":2,"page":181},{"title":"الآية الخامسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ قال بعضهم قصر النبي ﷺ الصلاة في الأمن نسخ لقصرها مع شرط الخوف.","level":2,"page":186},{"title":"الآية السادسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ قال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾.","level":2,"page":188},{"title":"سورة المائدة","level":1,"page":189},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام﴾ الآية قال الشعبي وقتادة: لم تنسخ من المائدة إلا هذه الآية: ﴿لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد﴾ زاد قتادة: كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من","level":2,"page":191},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام﴾ الآية قال ابن زيد، هذا منسوخ بآية القتال، وقتلهم وجهادهم من اعظم الاعتداء وهو مأمور به فيهم. وقال مجاهد وغره: الآية مخصوص محكمة، نزلت في مطالبة المسلمين للمشركين بدخول الجاهلة لأجل أن صدوهم عن المسجد الحرام أن تطالبوهم بما مضى في الجاهلية. وقد قال النبي ﵇: (لعن الله من قتل بذحل كان في الجاهلية) وهذا القول بالآية أولى.","level":2,"page":193},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ قال بعضهم روى عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت، ﵄، أنهما قالا: هذا ناسخ لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾.","level":2,"page":194},{"title":"الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ من الناس من قال: إنها ناسخة لقوله تعالى: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ ومنهم من قال: إنها ناسخة لما كانوا عليه، لأن النبي عله السلام إذا أحدث لم يكن أحدا حتى يتوضأ وضوءه للصلاة فنسخ هذا وأمرنا بالطهارة عند القيام إلى الصلاة، ومنهم من قال: هي منسوخة لأنه لو لم تنسخ لوجب على كل قائم إلى الصلاة الطهارة وإن لم يكن محدثا، ومنهم من قال: كتب على كل قائم إلى الصلاة أن يتوضأ، كان محدثا أو طاهرا، يروى هذا عن علي وعكرمة، وابن سيرين ومنهم من قال: الآية مخصوصة بمن قام من النوم. ومنهم من قال: ذلك محمول على الندب، ومنهم من قال: المراد بالآية المحدثون.","level":2,"page":195},{"title":"الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ قال بعضهم: زعم قوم أن هذا نسخ للمسح على الخفين. وقال قوم في قراءة الخفض: إنها منسوخة بفعل النبي ﷺ وقوله.","level":2,"page":197},{"title":"الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿فاعف عنهم واصفح﴾ الآية. قال بعضهم فيها خمسة أقوال: الأول قال قتادة هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ الآية.","level":2,"page":200},{"title":"الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ قال بعضهم قال ابن عباس ﵁\" هذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿وأن أحكم بينهم بما أنزل الله﴾ وإنما كان ردهم إلى أهل دينهم في أول الإسلام باتساقهم، وهذا قول مجاهد وقتادة وعطاء الخراساني وعكرمة، والزهري، وعمر بن عبد العزيز والكوفيين وأحد قولي الشافعي.","level":2,"page":201},{"title":"الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ قال بعضهم: هذا ناسخ لقوله تعالى: ﴿ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها﴾ فعم كل يمين أن تنقض ثم أجاز نقضها بالكفارة تخفيفا ورحمة في أحد القولين.","level":2,"page":203},{"title":"الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ قال بعضهم: ظن ظان أن قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ ناسخ لقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ وليس كذلك، وإنما هو تبيين له وتخصيص لقوله: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾.","level":2,"page":204},{"title":"الآية العاشرة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا هتديتم﴾ زع بعضهم أن هذه الآية منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وقال آخرون: لم يأت زمان هذه الآية بعد: وقيل إن الآية مسقطة لفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).","level":2,"page":204},{"title":"الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾.","level":2,"page":207},{"title":"سورة الأنعام","level":1,"page":210},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قل لست عليكم بوكيل﴾.","level":2,"page":210},{"title":"الآية الثانية قوله تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا﴾","level":2,"page":211},{"title":"لآية الثالثة وهي قوله تعالى: ﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء﴾","level":2,"page":211},{"title":"الآية الرابعة قوله تعالى: ﴿وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا﴾.","level":2,"page":212},{"title":"الآية الخامسة: ﴿قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون﴾","level":2,"page":212},{"title":"الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿وأعرض عن المشركين﴾.","level":2,"page":212},{"title":"الآية السابعة قوله تعالى: ﴿وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل﴾.","level":2,"page":212},{"title":"الاية الثامنة: قوله تعالى: ﴿فذرهم وما يفترون﴾ وقد بينا أن الأمر بالقتل والقتال نسخ الترك فإنه ضده.","level":2,"page":213},{"title":"الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿اعملوا على مكانتكم﴾.","level":2,"page":213},{"title":"الآية العاشرة قوله تعالى: ﴿فذرهم وما يفترون﴾.","level":2,"page":213},{"title":"الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ليست منهم في شيء، إنما أمرهم إلى الله﴾ نسخها الأمر بالقتال. لأن قوله تعالى: ﴿لست منهم في شيء﴾ إخبار بأنه لا يجمعهم معه معنى، لأنهم أضداد هذا اجتماع قلب وفعل وصحة عقيدة وانتظام جملة وأولائك على الرد، فقال الله لنبيه ﵇، أمرهم إلى الله والأمر كله لله، ثم جعل إليه بعد ذلك قتالهم، فرمى","level":2,"page":213},{"title":"الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿قل انتظروا إنا منتظرون﴾.","level":2,"page":214},{"title":"ذكر الآيات الخارجة عن النسخ إلى التخصيص وهي أربع آيات","level":2,"page":214},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، وإنه لفسق﴾ قال بعضهم: قال عكرمة: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ فأحل لنا طعامهم وهم لا يسمون على ذبائحهم وقيل: هي محكمة ولا توكل ذبيحة لم يذكر عليها اسم الله، وقد أجمع على أكل ذبيحة الناسي لذكر الله عند الذبح، وقيل: الآية مخصوصة محكمة، والمراد بها المتعمد لترك التسمية، وقد انعقد الإجماع، على أن المراد به الذبائح وليس ذلك بنسخ وإنما هو تخصيص.","level":3,"page":214},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾.","level":3,"page":217},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه﴾ الآية.","level":3,"page":218},{"title":"الآية الرابعة: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن.","level":3,"page":220},{"title":"سورة الأعراف","level":1,"page":221},{"title":"الآية الأولى: قوله: ﴿وأملي لهم إن كيدي متين﴾","level":2,"page":221},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ قال بعضهم: العفو الفضل من أموالهم، نسخ ذلك من الزكاة، وهذه الآية من غريب المنسوخ لأن أولها وآخرها منسوخان ووسطها محكم. آخرها (وأعرض عن الجاهلين) وهو أيضا منسوخ.","level":2,"page":221},{"title":"سورة الأنفال","level":1,"page":224},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾ قال بعضهم: روى عن ابن عباس وغيره، أن هذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسة﴾ وقال الأكثر: إنها محكمة على تفصيل طويل فات فيه التحصيل.","level":2,"page":224},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾","level":2,"page":224},{"title":"ألاية الثالثة: قوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن تكن منكم مائة يغلبوا ألفا﴾ قال ابن عباس ﵁: لما نزلت ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال﴾ الآية، كتب عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ولا عشرون من مائتين. ثم نزلت ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ فكتب عليهم ألا يفر مائة من مائتين قال البخاري في حديثه","level":2,"page":226},{"title":"ذكر آيات الخصوص","level":2,"page":228},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة﴾ الآية: قال \" عطاء\" هي منسوخة بقوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ ثم نسخ أيضا هذا بقوله تعالى: ﴿فإن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾.","level":3,"page":228},{"title":"الاية الثانية قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ قال الحسن: قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ ثم نزلت بعدها آية نسختها، وهي قوله تعالى: ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾.","level":3,"page":229},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه﴾ قال قتادة: هذا ناسخ لقوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ فإن الغنيمة في صدر الإسلام كانت تعطي في الأصناف الذين في سورة الحشر ثم نزلت: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ فقسمها الله على الوجه المذكور فيها، وهذا فاسد قد بينا أن الفيء نوع والغنيمة نوع وأنهما مالآن مأخوذان بشيئين مختلفين جعل الله لهما اسمين مختلفين: فالغنيمة ما أخذ بقهر وهو لمن سمى الله، والفيء ما أخذ بغير قتال وهو للنبي ﷺ. ثم قال تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ وهي آية معضلة خفيت على العلماء وتباينت فيها الأقوال بين المحدثين والقدماء. وقد حققنا القول في معناها في الأحكام. وذلك أنها ثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾ فهذه بنو النضير وما جرى مجراها فهي لرسول الله خالصة، كما قال عمر بن الخطاب ﵁ في الحديث الصحيح والآية الثانية قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه﴾ فهذه آية القتال الذي يؤخذ بالقهر والاستعلاء والغلبة بالمدافعة والمحاربة فالخمس منها لمن ذكر الله تعالى والأربعة الأخماس لمن تناول ذلك فيها، على تفصيل بيانه في كتاب الأحكام ومسائل الفقه.","level":3,"page":232},{"title":"الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ قيل نسختها آيات القتال، وروى عن ابن عباس ﵁، أنه قال: ينسخها قوله تعالى: ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم﴾.","level":3,"page":233},{"title":"الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ قال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾.","level":3,"page":234},{"title":"الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكممن ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ الآية، قال بعضهم هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾.","level":3,"page":236},{"title":"سورة براءة","level":1,"page":238},{"title":"قوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله﴾","level":2,"page":238},{"title":"الاية الثانية قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ قال بعضهم هذه الآية ناسخة للعفو عن المشركين من أهل الكتاب وغيرهم، وقيل: هي ناسخةلقوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين﴾ فأمر بقتال المشركين خاصة دون أهل الكتاب ثم أمر بقتال المشركين من أهل الكتاب وغيرهم. فنسخت تخصيص الأمر بالقتال للمشركين، وهذا القول غير صواب لأنه يلزم فيه ترك قتال المشركين، ولكن إنما نسخت مفهوم الخطاب في قوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين﴾ فمفهومه ترك قتال أهل الكتاب ثم نسخ ذلك بهذه الآية وأباح قتال أهل الكتاب. فالمفهوم في الآية الأولى ترك قتالهم حتى يطعوا الجزية فكل كتابي مشرك وليس كل مشرك كتابيا فالمراد بقوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين﴾ يعني الذين ليسوا من أهل الكتاب.","level":2,"page":244},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما﴾.","level":2,"page":246},{"title":"الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ قال بعضهم: قال ابن عباس ﵁: نسخها قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا","level":2,"page":246},{"title":"الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ الآية قال بعضهم: قال ابن عباس ﵁: نسخ هذه الآيات: ﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم﴾ وقال الحسن وعكرمة، لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله، نسخ قوله تعالى: ﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم﴾ وعن ابن عباس: الآيات الثلاث محكمات وإنما هي تعيير للمنافقين حين استأذنوا النبي في القعود عن الجهاد لغير عذر وعذر الله المؤمنين قال: ﴿فإذا استأذنونك لبعض شأنهم فأذن لمن شيئت منهم﴾ وهذا قول حسن لأن استئذان المؤمنين كان لعذر وفي بعض حاجتهم، واستئذان المنافقين كان لغير عذر ليتخلفوا عن الجهاد.","level":2,"page":248},{"title":"الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات﴾ الآية. وقال بعضهم هذه الآية نسخت كل صدقة في القرآن.","level":2,"page":252},{"title":"الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾.","level":2,"page":254},{"title":"الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا معه أن يستغفروا للمشركين، ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾.","level":2,"page":256},{"title":"الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ قد تقدم ذكرها في قوله تعالى: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ فلا وجه لإعادته.","level":2,"page":257},{"title":"ذكر آيات الخصوص وهي ست آيات.","level":2,"page":257},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾.","level":3,"page":257},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم، ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾.","level":3,"page":258},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر﴾ قال ابن حبيب نسختها الآية التي بعدها: ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله﴾.","level":3,"page":259},{"title":"الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ قال قوم: نسخت كل صدقة في القرآن، وقال آخرون: نسختها الزكاة.","level":3,"page":260},{"title":"الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم﴾ قال بعضهم: هذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم﴾.","level":3,"page":261},{"title":"الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾ الآية، قال ابن زيد: نسخها قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ الآية.","level":3,"page":261},{"title":"سورة يونس","level":1,"page":263},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم﴾ نسختها آية السيف.","level":2,"page":263},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ وهذا نحو من الأول والقول فيه قريب منه، فإن الله تعالى أعلمنا بأنه لو شاء لآمن من في الأرض كلهم جميعا بهداه لهم وخلقه للقدرة على الإيمان فيهم، فلا تنس أنه ليس لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله، وأنت يا محمد من وراء النصرة فلم يجعل إليك الإيمان ولا كلفناك الإكراه والإلجاء، ثم أمره بعد ذلك بالقتال والقتل حتى يؤمنوا وذلك هو الإلجاء المحض، والإكراه الخالص.","level":2,"page":263},{"title":"الاية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فمن اهتدي فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل﴾ قد تقدم شرحه وأنه منسوخ.","level":2,"page":263},{"title":"الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿واصبر حتى يحكم الله﴾ هذا مثله في النسخ، وقد بيناه من نسخ الصبر والإعراض والصفح والترك، والله أعلم.","level":2,"page":263},{"title":"سورة هود ﵇","level":1,"page":266},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إنام أنت نذير والله على كل شيء وكيل﴾ قالوا: نسختها آية السيف.","level":2,"page":266},{"title":"الآية الثانية والثالثة: قوله تعالى: ﴿اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون﴾ قالوا: نسختها آية السيف، وقد تقدم القول في نظيرها وهذه مثلها فلا وجه لإعادة القول فيها.","level":2,"page":267},{"title":"سورة يوسف","level":1,"page":269},{"title":"قوله تعالى: ﴿توفني مسلما وألحقني بالصالحين﴾","level":2,"page":269},{"title":"سورة الرعد","level":1,"page":271},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾","level":2,"page":271},{"title":"سورة إبراهيم","level":1,"page":273},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ إلى قوله: ﴿إن الإنسان لظلوم كفار﴾","level":2,"page":273},{"title":"سورة الحجر","level":1,"page":274},{"title":"الأية الأولى: قوله تعالى: ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا﴾ الاية هذه الآية منسوخة بالأمر بالقتال على ما تقدم بيانه. أخبر الله تعالى أن همتهم في نهمتهم وأنهم في الأنام بمنزلة الأنعام لاستيلاء الغفلة عليهم، والختم بالكفر على قلوبهم، فأمر الله ورسوله بتركهم ووعده بالظفر بهم. وأوعدهم بما يؤول في العاقبة إليه أمرهم.","level":2,"page":274},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾ الصفح العفو، حيثما وقع في القرآن منسوخ كله بالأمر بالقتال. وقد كان ﷺ يعفو عفوا جميلا، ويصفح صفحا كريما وهو الصفح الذي لا يذكر معه الذنب. وقيل هو الذي يعتذر به عن الذنب. ولقد بالغ في ذلك ﷺ حين قال ذلك بعد أن أمر بالقتال. فإنه لما شج يوم أحد وجهه وكسرت رباعيته، جعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: (كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله؟) وذكر نحوا منه عن بعض الأنبياء فعله به قومه وهو يقول اللهم: اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وقد بينا تأويله في شرح الحديث.","level":2,"page":274},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وأعرض عن المشركين﴾ وقد تقدم ذكره في مثله، وهذه آية غريبة لأن نصفها محكم وهو قوله تعالى: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ ونصفها منسوخ وهو قوله: ﴿وأعرض عن المشركين﴾ نسختها آية الأمر بقتالهم.","level":2,"page":274},{"title":"سورة النحل","level":1,"page":277},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين﴾ وقد تقدم.","level":2,"page":277},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ نسختها آية القتل في قولهم.","level":2,"page":277},{"title":"ذكر ما فيها من آيات التخصيص: وهي ثلاث آيات.","level":2,"page":278},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾ قال بعضهم نسخا آية المائدة ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصار والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾.","level":3,"page":278},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ قال بعضهم: نسخ آخرها وهو الاستثناء أولها وقيل نسختها آية السيف.","level":3,"page":280},{"title":"الآية الثالثة قوله تعالى: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ قالوا نسختها آية السيف.","level":3,"page":280},{"title":"سورة بني إسرائيل","level":1,"page":282},{"title":"الآية الأولى قوله تعالى: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ قال بعضهم هذا منسوخ في الكفار، والصواب أنه مخصوص فيمن كفر مأمور به فيمن آمن حسب ما سبق بيانه في سورة براءة وغيرها.","level":2,"page":282},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ تقدمت.","level":2,"page":282},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا﴾ يعني في قول السدي يسأل عن العهد ثم يدخل الجنة، حتى نسخها قوله تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة﴾ الآية.","level":2,"page":282},{"title":"الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وزنوا بالقسطاس المستقم ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ قال السدي: نسخ ذلك، بقوله: ﴿ويل للمطففين﴾ الآية.","level":2,"page":283},{"title":"الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ ذكر بعضهم أنه ناسخ لفرض قيام الليل في سورة المزمل.","level":2,"page":283},{"title":"الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ قالوا: نسختها الآية التي في الأعراف وهي قوله تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك","level":2,"page":283},{"title":"سورة الكهف","level":1,"page":285},{"title":"قوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾","level":2,"page":285},{"title":"سورة كهيعص","level":1,"page":286},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة﴾ قال بعضهم نسخ الإنذار آية السيف.","level":2,"page":287},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فسوف يلقون غيا﴾ قال بعضهم: نسخها قوله تعالى: ﴿إلا من تاب﴾ قال ابن العربي: هذا معنى قد بينا فساده من قبل في مواضع فتكراره عي.","level":2,"page":287},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ قال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ الآية.","level":2,"page":287},{"title":"الآية الرابعة قوله تعالى: ﴿قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا﴾ قال قوم: نسختها آية السيف.","level":2,"page":289},{"title":"الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿فلا تعجل عليهم﴾ قال قوم: نسختها آية السيف.","level":2,"page":290},{"title":"سورة طه","level":1,"page":292},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾ قال بعضهم: نسخها فرض الصلاة لأنه كان قبل أن تنزل الفرائض ثم نزلت بعد.","level":2,"page":292},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قل كل متربص فتربصوا﴾ قال بعضهم: هي منسوخة بآية السيف.","level":2,"page":293},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾.","level":2,"page":293},{"title":"ذكر آيات التخصيص: وهما آيتان","level":2,"page":294},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقي﴾ قال بعضهم: هذا ناسخ لقيام الليل المفروض عليه في سورة المزمل.","level":3,"page":294},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ولا تجعل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه﴾ قال بعضهم هذا محكم وذلك أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه وقرأ لهم سورة النجم فانتهت قراءته إلى قوله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى﴾ فقال تلك الغرانقة العلى وشفاعتهن ترتجي ثم مضى في قراءته حتى ختم السورة فقالت قريش: قد صبأ إلى ديننا. فسجد وسجدوا حتى لم يبق بمكة إلا ساجد غير الوليد","level":3,"page":295},{"title":"سورة الأنبياء ﵈","level":1,"page":299},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما﴾ قال بعضهم: هذا منسوخ بقوله ﷺ جرح العجماء جبار.","level":2,"page":299},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ الآيات الثلاث قال بعضهم: نسختها الآيات الثلاث بعدها: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ وذلك أن قريشا لما سمعت الآيات الثلاث الأولى إلى قوله تعالى: ﴿وهم فيها لا يسمعون﴾ قالت قريش قد خصمنا محمدا فإن عيسى والملائكة قد عبدت من دون الله. فأنزل الله: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ إلى قوله: ﴿توعدون﴾ فبين","level":2,"page":300},{"title":"سورة الحج","level":1,"page":302},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير﴾","level":2,"page":302},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون﴾.","level":2,"page":303},{"title":"ذكر آيات الخصوص وهي","level":2,"page":303},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا﴾ قال بعضهم ذبح الضحية ناسخ لكل ذبح كان قبله، حتى قال محمد بن الحسن، إنه ناسخ لذبح العقيقة الذي كان في صدر الإسلام وقال بعضهم: إن الأمر بالأكل نسخ ما كانوا عليه مما يعتقدونه من تحريم لحوم الضحايا على أنفسهم.","level":3,"page":303},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ نسختها قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾.","level":3,"page":305},{"title":"سورة المؤمنين","level":1,"page":306},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فذرهم في غمرتهم حتى حين﴾ هذا منسوخ بآية القتال.","level":2,"page":306},{"title":"الآية الثانية: ﴿ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون﴾ هذا منسوخ بآية القتال وفيه رد على القدرية الذين يجعلون الحسن والقبيح صفتين ذاتيتين للشي، وهو فاسد فإن الإعراض والصفح عن الكفار كان حسنا، ثم لما أمر بالقتال صار قبيحا، فدل على أن الحسن والقبح صفتان شرعيتان، وأن الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه.","level":2,"page":306},{"title":"سورة النور","level":1,"page":308},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ وقال أيضا ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ فأجمعت الأمة على تخصيص قوله الزانية والزاني في المماليك بإسقاط نصف العدد عنهن، وعلى إسقاط الرجم عنهن لأنه لا ينتصف.","level":2,"page":308},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين﴾ قال ابن المسيب نسخت هذه الآية التي بعدها ﴿وأنكحوا الأيامي منك والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾.","level":2,"page":308},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ الآية: قالوا: نسخها الله بقوله: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ الآية.","level":2,"page":310},{"title":"الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة ابدا وأولئك هم الفاسقون﴾ قالوا نسخها قوله تعالى بعد ذلك، ﴿إلا الذين تابوا﴾ فاقتضي ذلك قبول الشهادة من القاذف إذا تاب. وهذا ليس بنسخ وإنما هو استثناء وذلك ليس بنسخ بإجماع كما بيناه في غير موضع.","level":2,"page":311},{"title":"الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة﴾ قال بعضهم: نسخت هذه الآية قوله: ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾.","level":2,"page":313},{"title":"الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا﴾ قالوا: روى عن ابن عباس ﵁ أنه نسخا قوله تعالى: ﴿ليس عليكمجناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة﴾.","level":2,"page":314},{"title":"الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ قال بعضهم: أمر الله المؤمنات جميعا بذلك. قال ابن عباس: نسخها قوله تعالى: ﴿والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا﴾ الآية. وأباح لهن الجلابيب التي تستر الزينة.","level":2,"page":315},{"title":"الآية الثامنة قوله تعالى: ﴿يا ايها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر﴾ الآية.","level":2,"page":316},{"title":"الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج﴾ قال بعضهم فيها خمسة أقوال: الأول قال ابن زيد من قوله تعالى: ﴿ولا على أنفسكم﴾ منسوخة بقوله: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ وبالإجماع على تحريم مال المسلم إلا بإذنه. وقاله أبو عبيد.","level":2,"page":317},{"title":"سورة الفرقان","level":1,"page":319},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ قال بعضهم: أكثر الناس على أن قوله سلاما منسوخ بآية القتال، وقوله: سلاما من التبرؤ وليس من التحية","level":2,"page":319},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون من الله إلها آخر﴾. الآيتين. قد بينا أنها خاصة بمن تاب خاصة لمن قتل متعمدا على كل الوجوه في هذا الكتاب والأحكام، فإن كان قوله: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم﴾ عاما في تلك الآية، فقوله هنا: ﴿إلا من تاب﴾ تخصيص له في هذه الآية ويحمل المطلق على المقيد فينتظم المعن. وإن نظرنا إلى هاتين الآيتين خاصة فالأية الأولى عامة، لكن الاستثناء خص منها التائب، فإن قيل: هو وإن كان بصيغة الاستثناء فإنه نسخ لأن الآية الثانية تأخرت عن الآية الأولى سنة، قلنا وتأخرها عنها لا يوجب صفة النسخ لها، لأنها لا تعارضها، فإن المخصوص لا يعارض العام وما لم يستوف شروط النسخ فليس بمنسوخ، والله أعلم.","level":2,"page":320},{"title":"سورة الشعراء","level":1,"page":321},{"title":"قوله تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾","level":2,"page":321},{"title":"سورة النمل","level":1,"page":322},{"title":"قوله تعالى: ﴿فقل إنما أنا من المنذرين﴾","level":2,"page":322},{"title":"سورة القصص","level":1,"page":323},{"title":"قوله: ﴿سلام عليكم لا ينبغي الجاهلين﴾","level":2,"page":323},{"title":"سورة العنكبوت","level":1,"page":325},{"title":"الأولى: قوله تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾","level":2,"page":325},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وإنما أنا نذير مبين﴾.","level":2,"page":325},{"title":"سورة الروم","level":1,"page":326},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاصبر إن وعد الله حق، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون﴾","level":2,"page":326},{"title":"سورة لقمان ﵇","level":1,"page":327},{"title":"قوله تعالى: ﴿أن أشكر لي ولوالديك﴾","level":2,"page":327},{"title":"سورة المضاجع","level":1,"page":328},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأعرض عنهم﴾","level":2,"page":328},{"title":"سورة الأحزاب","level":1,"page":329},{"title":"الأية الأولى: قوله تعالى: ﴿ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم﴾ هذا من تركهم وإذايتهم منسوخ بآيات القتال. فإن قيل: كف يكون هذا منسوخا بآيات القتال وإنما نزلت هذه الآية بالمدينة؟ قدم عكرمة بن أبي جهل، وأبو سفيان ابن حرب، على النبي صلى الله عليهم بالمدينة، فنزلوا على عبد الله بن أبي سرح وقد أعطاهم النبي الامان على أن يكلموه ويتكلموا معه وساعدهم ابن أبيرق فقال له: اترك ذكر آلهتنا اللات والعزي وقل إن لها شفاعة وندعك وربك. فشق ذلك على النبي ﷺ فقال عمر: دعني أضرب أعناقهم، فقال النبي: قد أعطيتهم الأمان – وذكر الحديث.","level":2,"page":329},{"title":"الاية الثانية: قوله تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾ هذه الآية ناسخة لما سبق من الناس وأقرته الشريعة في نسبة الابن من التبني إلى","level":2,"page":329},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ قال بعضهم: هـ من غريب المنسوخ، نسختها الآية التي بعدها في اللفظ وهي قوله تعالى: ﴿إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي أتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك، وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك﴾ وعن عائشة ﵂ أنها قالت: ﴿ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء﴾ وروى أن التي تزوج بعد نزول هذا النهي: ميمونة مليكة بنت كعب، وصفية بنت حي","level":2,"page":330},{"title":"الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام﴾ الآية. قال بعضهم: هذا ناسخ لما كانوا عليه من رؤية النساء والجلوس معهن، قال القاضي محمد بن العربي ﵀: هذه الآية بديعة نزلت لسبب صحيح: روى أبو عثمان الجعد عن أنس بن مالك ﵁ قال: تزوج رسول الله ﷺ فدخل بأهله فصنعت أم سليم حيسا فجعلته في تور فقالت: يا أنس اذهب بها إلى رسول الله فقل","level":2,"page":332},{"title":"سورة سبأ","level":1,"page":335},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون﴾","level":2,"page":335},{"title":"سورة الملائكة","level":1,"page":336},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن أنت إلا نذير﴾","level":2,"page":336},{"title":"سورة يس","level":1,"page":337},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلا يحزنك قولهم﴾","level":2,"page":337},{"title":"سورة والصافات","level":1,"page":338},{"title":"قوله تعالى: ﴿فتول عنهم حتى حين﴾","level":2,"page":338},{"title":"سورة ص","level":1,"page":341},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿اصبر على ما يقولون﴾ نسختها آيات القتال وقد تقدم ذكر ذلك.","level":2,"page":341},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فطفق مسحا بالسوق والأعناق﴾ قال بعضهم: نسخ قطع سليمان ﵇ الأعناق والخيل السنة المانعة من قتل البهائم. وهذا لا يحسن لأنه خبر عما فعل سليما فإن صح ذلك فهي شريعة كانت نسختها شريعة الإسلام.","level":2,"page":341},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث﴾ قال بعضهم: هذا الفعال في كفارة اليمين، منسوخ بشريعة الإسلام ولا يجزيء ذلك في اليمين، قال القاضي محمد بن العربي: قال مجاهد وغيره: هذا للناس عامة، وقال عطاء: هذا لأيوب خاصة. وقال مالك: يحينث من فعل ذلك. قال خاصي من أصحابه: لقول الله تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ وها هنا نكتة بديعة وهي أن النبي ﷺ لما قال: الأعمال بالنية ركب مالك اليمين على النية فلعل أيوب ﵇ اقتضت نيته ما أمر به من جمع الضغث، والذي نراه أن نيته لو كانت على أي صفة تصورت وقدرت، فإن جمع مائة سوط وضربة واحدة تجزيه في ذلك لكل حالف، والأيمان إنما","level":2,"page":343},{"title":"الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿إن يوحي إلي إلا أنما أنا نذير مبين﴾ وقد تقدم ذكر أمثالها فأغني ذلك عن إعادته.","level":2,"page":344},{"title":"سورة الغرف","level":1,"page":345},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم﴾ وهاتان الآيتان، وإن كانتا في العدد آيتين. فإنهما في المعنى واحدة لأن قوله من يأتيه مفعول لقوله تعلمون. فهو كلام مرتبط بعضه ببعض وهذا ليس بأمر تكليف وإنماهو أمر تهديد، ولفظه افعل في لسان العرب تأتي على وجوه كثيرة ذكرناها في كتاب التمحيص وغيره: منها الوجوب كقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة﴾ ومنها الندب كقوله تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ والإشاد كقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ والإباحة كقوله تعالى: ﴿فاصطادوا﴾ والأدب كقوله ﵇: ﴿فكل مما يليك﴾ والامتنان كقوله تعالى: ﴿فكلوا مما رزقكم الله﴾ والإكرام كقوله تعالى: ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾ والتهديد كقوله تعالى: ﴿اعملوا","level":2,"page":345},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾ نسختها آية السيف وقد تقدم الأنعام وغيرها ذكرها وتحقيق النسخ في معناها.","level":2,"page":346},{"title":"ذكر آيات الخصوص: وهي خمس آيات.","level":2,"page":346},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون﴾.","level":3,"page":346},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ قال بعضهم: نسخا ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾","level":3,"page":347},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فاعبدوا ما شئتم من دونه﴾ قال بعضهم نسختها آية القتال.","level":3,"page":348},{"title":"الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون﴾ قالوا نسخ معناها لا لفظها آية السيف.","level":3,"page":348},{"title":"الآية الخامسة قوله تعالى: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ قال قوم نسخها قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه﴾ الآية. وقد بينا في سورة النساء ذلك فلا وجه لإعادته، بيد أنا نقول: لو كانت آية القتال أيضا والجزاء فيها واقعا، ما كانت نسخا وإنما كانت تكون تخصيصا، فكيف والمغفرة فيها مرجوة والجزاء فيها لم يذكر وقوعه ولا تبين وجوبه وإنما هو وعيد مطلق وجزاء مذكور، ومالك الجزاء إن شاء استوفاه وإن شاء تركه، ولو قلنا من وجه آخر، إنه لا يغفر للقاتل المتعمد، لدخل القتل في قوله تعالى: ﴿يغفر الذنوب جميعا﴾ للكفار ولمن عفا من المسلمين فصارت الآية من جميع هذه الوجوه ساقطة في باب النسخ، ضعيفة في باب التخصيص، والله أعلم.","level":3,"page":348},{"title":"سورة المؤمن","level":1,"page":349},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك﴾.","level":2,"page":349},{"title":"الآية الثانية قوله تعالى: ﴿فبئس مثوى المتكبرين فاصبر إن وعد الله حق﴾","level":2,"page":349},{"title":"وفيها من الخصوص","level":2,"page":349},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويستغفرون للذين آمنوا﴾","level":3,"page":349},{"title":"سورة حم السجدة","level":1,"page":350},{"title":"قوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾","level":2,"page":350},{"title":"سورة الشورى","level":1,"page":352},{"title":"الأية الأولى: قوله تعالى: ﴿الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل﴾ نسختها آية القتال. وقد تقدم ذكر ذلك في سورة الأنعام وغيرها.","level":2,"page":352},{"title":"الآية الثانية قوله تعالى: ﴿لنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ منسوخ بآية القتال وقد بينا ذلك في سورة يونس وغيرها، وقد قيل أن هذه الآية مخاطبة لليهود، أي لا حجة بيننا وبينكم، وكيف ما كان الحال فإن انقطاع الحجة والاستبداد بالعمل، ذلك كله منسوخ بآيات القتال فإن الحجة قد ظهرت والعمل الصالح من الطالح قد تبين، فوجب الدعاء إليه بالحرب والإلجاء إليه بالقتال، والله أعلم.","level":2,"page":352},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ﴾ قد تقدم ذكر أنها منسوخة بآية القتال، حيثما وردت. وان عليه القتال بعد البلاغ، والحرب بعد البيان، والإكرام بالقتل على الدخول في الدين بعد الإعراض عنهم.","level":2,"page":352},{"title":"ذكر آيات الخصوص: وهي خمس آيات","level":2,"page":352},{"title":"الآية الأولى قوله تعالى: ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾ وقد تقدم ذكرها في سورة المؤمن، ومن شرف الآدمي تسخير الملائكة للاستغفار له ودعائهم إلى الله تعالى في إقالة عثرته وعموم رحمته وسعة مغفرته، بعد تعجبهم من خلق الله","level":3,"page":352},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه﴾ قال بعضهم نسختها الآية التي في بني اسرائيل: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ وقد تقدم تحقيق ذلك في سورة بني إسرائيل فلا وجه لإعادته.","level":3,"page":353},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾ قال بعضهم منسوخة بقوله تعالى: ﴿قل ما سألتكم من أجر فهو لكم﴾ وقيل إنها محكمة.","level":3,"page":353},{"title":"الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله، إنه لا يحب الظالمين﴾ إلى قوله: الأمور.","level":3,"page":354},{"title":"سورة الزخرف","level":1,"page":356},{"title":"قوله تعالى: ﴿فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون﴾","level":2,"page":356},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاصفح عنهم وقل سلام، فسوف تعلمون﴾","level":2,"page":356},{"title":"سورة الدخان","level":1,"page":357},{"title":"﴿فارتقب إنهم مرتقبون﴾","level":2,"page":357},{"title":"سورة الشريعة","level":1,"page":358},{"title":"قوله: ﴿قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله﴾","level":2,"page":358},{"title":"سورة الأحقاف","level":1,"page":359},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وما أنا إلا نذير مبين﴾ فحصر أمره في النذارة، وقد بينا فيما قبل أن آيات القتال نسخ هذا كله وأنه مع كونه نذيرا قتولا.","level":2,"page":359},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل﴾ قالوا نسختها آيات القتال.","level":2,"page":359},{"title":"سورة محمد ﵇","level":1,"page":370},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾","level":2,"page":370},{"title":"سورة الفتح","level":1,"page":372},{"title":"سورة ق","level":1,"page":372},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فاصبر على ما يقولون﴾ قد تقدم أن هذا منسوخ بآيات القتال، وفيها أن الله أمر رسوله بالصبر على ما يقولون من الكفر وأمره بأن يقابل ذلك بالتسبيح والتقديس والصلاة والطاعات.","level":2,"page":372},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وماأنت عليهم بجبار﴾ أي بمسلط، هذا منسوخ بالأمر بالقتال. وقد بينه ﷺ بقوله: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله﴾.","level":2,"page":372},{"title":"سورة الذاريات","level":1,"page":373},{"title":"قوله تعالى: ﴿فتول عنهم فما أنت بملوم﴾","level":2,"page":373},{"title":"سورة الطور","level":1,"page":374},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قل تربصوا فإني معكم من المتربصين﴾","level":2,"page":374},{"title":"والآية الآخرى قوله تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾","level":2,"page":374},{"title":"سورة والنجم","level":1,"page":376},{"title":"قوله: ﴿فأعرض عمن تولى عن ذكرنا﴾","level":2,"page":376},{"title":"سورة القمر","level":1,"page":378},{"title":"قوله تعالى: ﴿فتول عنهم﴾","level":2,"page":378},{"title":"سورة الواقعة","level":1,"page":378},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثلة من الأولين وقليل من الآخرين﴾","level":2,"page":378},{"title":"سورة المجادلة","level":1,"page":379},{"title":"الآية الأولى: النازلة في الظهار قال بعضهم نسخت ما كان عليه أهل الجاهلية من اعتقاد الظهار طلاقا حتى رفع الله لما شرع من الكفارة في الظهار.","level":2,"page":379},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾.","level":2,"page":379},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم﴾ إلى آخر الآية عارضها قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين﴾ فقالت طائفة: هذه ناسخة لآية سورة الممتحنة. والصحيح أن آية الممتحنة لأهل الذمة والأمان، وآية المجادلة لأهل الحرب والمعاندة فمن عاند الله وعاند أولياءه فلا مبرة له ولا كرامة، ومن سالم عن اعتقاده وبر أكرم بظاهر حاله. قالت أسماء، يا رسول الله إن امي قدمت علي وهي مشركة، أفأصلها؟ قال: نعم صلي أمك.","level":2,"page":380},{"title":"سورة الحشر","level":1,"page":381},{"title":"قوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول﴾","level":2,"page":381},{"title":"سورة الممتحنة","level":1,"page":383},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن﴾ الآية، هذا قرآن نسخ سنة. وكان النبي ﵇ في عمرة الحديبية قد شارط الكفار على أن من جاءنا منهم رد إليهم ومن جاءهم منا لم رد إلينا فأشفق من ذلك المسلمون وشق عليهم، وتكلم في ذلك عمر بن الخطاب وغيره رضوان الله عليه، ثم ثبت الله الإسلام والمسلمين ورضوا، ووفي النبي ﷺ بشرطه فرد من جاءه من الرجال، فلما جاء النساء وأراد ردهن إليهم بحكم الشرط، أنزل الله تعالى هذه الآية في منع ذلك فحبسهن عنهم، فمن آيات النبي صلوات الله عليه ومعجزاته أن الله تعالى قبض ألسنة الكفار عن رسوله فلم ينسبه أحد من الكفار إلى الغدر، ولا أضاف إليه نكثا في العهود.","level":2,"page":383},{"title":"الآية الثانية: وهي بعض من الأولى قوله تعالى: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ قال القاضي محمد بن العربي ﵁: هذه مسألة قريبة من النسخ وهي أن المشركين كانوا ينكحون المسلمات ويمسكون بعصمهم حتى كانت","level":2,"page":383},{"title":"الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا﴾.","level":2,"page":384},{"title":"الاية الثانية قوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ قال بعضهم: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ وهذا ليس بنسخ وإنما هو تخصيص إن كان قوله","level":2,"page":385},{"title":"سورة المنافقين","level":1,"page":388},{"title":"قوله تعالى: ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾","level":2,"page":388},{"title":"سورة التغابن","level":1,"page":388},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾","level":2,"page":388},{"title":"سورة النساء القصرى","level":1,"page":389},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾","level":2,"page":389},{"title":"سورة الملك","level":1,"page":396},{"title":"قوله تعالى: ﴿آمنتم من في السماء﴾","level":2,"page":396},{"title":"سورة ن والقلم","level":1,"page":397},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاصبر لحكم ربك﴾","level":2,"page":397},{"title":"سورة المعارج","level":1,"page":398},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاصبر صبرا جميلا﴾","level":2,"page":398},{"title":"قوله تعالى: ﴿فذرهم يخوضوا﴾","level":2,"page":398},{"title":"سورة الزمل","level":1,"page":399},{"title":"قوله تعالى: ﴿قم الليل إلا قليلا نصفه﴾","level":2,"page":399},{"title":"الاية الثالثة: قوله تعالى: ﴿واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا وذرني والمكذبين﴾ نسخ الصبر والترك بآيات القتال: ونسخ الهجر","level":2,"page":401},{"title":"سورة المدثر","level":1,"page":404},{"title":"قوله تعالى: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدا﴾.","level":2,"page":404},{"title":"سورة القيامة","level":1,"page":405},{"title":"قوله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك﴾","level":2,"page":405},{"title":"سورة الإنسان","level":1,"page":406},{"title":"قوله: ﴿فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفروا﴾","level":2,"page":406},{"title":"سورة الطارق","level":1,"page":409},{"title":"قوله تعالى: ﴿فمهل الكافرين أمهلهم رويدا﴾","level":2,"page":409},{"title":"سورة الأعلى","level":1,"page":409},{"title":"قوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾","level":2,"page":409},{"title":"سورة الغاشية","level":1,"page":411},{"title":"﴿فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر﴾","level":2,"page":411},{"title":"سورة ألم نشرح","level":1,"page":412},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب﴾","level":2,"page":412}],"ٛ":{"2,1":1,"2,2":2,"2,3":3,"2,4":4,"2,5":5,"2,6":6,"2,7":7,"2,8":8,"2,9":9,"2,10":10,"2,11":11,"2,12":12,"2,13":13,"2,14":14,"2,15":15,"2,16":16,"2,17":17,"2,18":18,"2,19":19,"2,20":20,"2,21":21,"2,22":22,"2,23":23,"2,24":24,"2,25":25,"2,26":26,"2,27":27,"2,28":28,"2,29":29,"2,30":30,"2,31":31,"2,32":32,"2,33":33,"2,34":34,"2,35":35,"2,36":36,"2,37":37,"2,38":38,"2,39":39,"2,40":40,"2,41":41,"2,42":42,"2,43":43,"2,44":44,"2,45":45,"2,46":46,"2,47":47,"2,48":48,"2,49":49,"2,50":50,"2,51":51,"2,52":52,"2,53":53,"2,54":54,"2,55":55,"2,56":56,"2,57":57,"2,58":58,"2,59":59,"2,60":60,"2,61":61,"2,62":62,"2,63":63,"2,64":64,"2,65":65,"2,66":66,"2,67":67,"2,68":68,"2,69":69,"2,70":70,"2,71":71,"2,72":72,"2,73":73,"2,74":74,"2,75":75,"2,76":76,"2,77":77,"2,78":78,"2,79":79,"2,80":80,"2,81":81,"2,82":82,"2,83":83,"2,84":84,"2,85":85,"2,86":86,"2,87":87,"2,88":88,"2,89":89,"2,90":90,"2,91":91,"2,92":92,"2,93":93,"2,94":94,"2,95":95,"2,96":96,"2,97":97,"2,98":98,"2,99":99,"2,100":100,"2,101":101,"2,102":102,"2,103":103,"2,104":104,"2,105":105,"2,106":106,"2,107":107,"2,108":108,"2,109":109,"2,110":110,"2,111":111,"2,112":112,"2,113":113,"2,114":114,"2,115":115,"2,116":116,"2,117":117,"2,118":118,"2,119":119,"2,120":120,"2,121":121,"2,122":122,"2,123":123,"2,124":124,"2,125":125,"2,126":126,"2,127":127,"2,128":128,"2,129":129,"2,130":130,"2,131":131,"2,132":132,"2,133":133,"2,134":134,"2,135":135,"2,136":136,"2,137":137,"2,138":138,"2,139":139,"2,140":140,"2,141":141,"2,142":142,"2,143":143,"2,144":144,"2,145":145,"2,146":146,"2,147":147,"2,148":148,"2,149":149,"2,150":150,"2,151":151,"2,152":152,"2,153":153,"2,154":154,"2,155":155,"2,156":156,"2,157":157,"2,158":158,"2,159":159,"2,160":160,"2,161":161,"2,162":162,"2,163":163,"2,164":164,"2,165":165,"2,166":166,"2,167":167,"2,168":168,"2,169":169,"2,170":170,"2,171":171,"2,172":172,"2,173":173,"2,174":174,"2,175":175,"2,176":176,"2,177":177,"2,178":178,"2,179":179,"2,180":180,"2,181":181,"2,182":182,"2,183":183,"2,184":184,"2,185":185,"2,186":186,"2,187":187,"2,188":188,"2,189":189,"2,190":190,"2,191":191,"2,192":192,"2,193":193,"2,194":194,"2,195":195,"2,196":196,"2,197":197,"2,198":198,"2,199":199,"2,200":200,"2,201":201,"2,202":202,"2,203":203,"2,204":204,"2,205":205,"2,206":206,"2,207":207,"2,208":208,"2,209":209,"2,210":210,"2,211":211,"2,212":212,"2,213":213,"2,214":214,"2,215":215,"2,216":216,"2,217":217,"2,218":218,"2,219":219,"2,220":220,"2,221":221,"2,222":222,"2,223":223,"2,224":224,"2,225":225,"2,226":226,"2,227":227,"2,228":228,"2,229":229,"2,230":230,"2,231":231,"2,232":232,"2,233":233,"2,234":234,"2,235":235,"2,238":236,"2,239":237,"2,240":238,"2,241":239,"2,242":240,"2,243":241,"2,244":242,"2,245":243,"2,246":244,"2,247":245,"2,248":246,"2,249":247,"2,250":248,"2,251":249,"2,252":250,"2,253":251,"2,254":252,"2,255":253,"2,256":254,"2,257":255,"2,258":256,"2,259":257,"2,260":258,"2,261":259,"2,262":260,"2,263":261,"2,264":262,"2,265":263,"2,266":264,"2,267":265,"2,268":266,"2,269":267,"2,270":268,"2,271":269,"2,272":270,"2,273":271,"2,274":272,"2,275":273,"2,276":274,"2,277":275,"2,278":276,"2,279":277,"2,280":278,"2,281":279,"2,282":280,"2,283":281,"2,284":282,"2,285":283,"2,286":284,"2,287":285,"2,288":286,"2,289":287,"2,290":288,"2,291":289,"2,292":290,"2,293":291,"2,294":292,"2,295":293,"2,296":294,"2,297":295,"2,298":296,"2,299":297,"2,300":298,"2,301":299,"2,302":300,"2,303":301,"2,304":302,"2,305":303,"2,306":304,"2,307":305,"2,308":306,"2,309":307,"2,310":308,"2,311":309,"2,312":310,"2,313":311,"2,314":312,"2,315":313,"2,316":314,"2,317":315,"2,318":316,"2,319":317,"2,320":318,"2,321":319,"2,322":320,"2,323":321,"2,324":322,"2,325":323,"2,326":324,"2,327":325,"2,328":326,"2,329":327,"2,330":328,"2,331":329,"2,332":330,"2,333":331,"2,334":332,"2,335":333,"2,336":334,"2,337":335,"2,338":336,"2,339":337,"2,340":338,"2,341":339,"2,342":340,"2,343":341,"2,344":342,"2,345":343,"2,346":344,"2,347":345,"2,348":346,"2,349":347,"2,350":348,"2,351":349,"2,352":350,"2,353":351,"2,354":352,"2,355":353,"2,356":354,"2,357":355,"2,358":356,"2,359":357,"2,360":358,"2,361":359,"2,362":360,"2,363":361,"2,364":362,"2,365":363,"2,366":364,"2,367":365,"2,368":366,"2,369":367,"2,370":368,"2,371":369,"2,372":370,"2,373":371,"2,374":372,"2,375":373,"2,376":374,"2,377":375,"2,378":376,"2,379":377,"2,380":378,"2,381":379,"2,382":380,"2,383":381,"2,384":382,"2,385":383,"2,386":384,"2,387":385,"2,388":386,"2,389":387,"2,390":388,"2,391":389,"2,392":390,"2,393":391,"2,394":392,"2,395":393,"2,396":394,"2,397":395,"2,398":396,"2,399":397,"2,400":398,"2,401":399,"2,402":400,"2,403":401,"2,404":402,"2,405":403,"2,406":404,"2,407":405,"2,408":406,"2,409":407,"2,410":408,"2,411":409,"2,412":410,"2,413":411,"2,414":412,"2,415":413},"ٜ":{"2":[1,415]},"ٝ":["2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415"],"ٞ":{"9":[1],"17":[2,3],"20":[4],"24":[5],"26":[6],"28":[7],"31":[8],"33":[9],"38":[10,11],"39":[12],"42":[13],"43":[14],"44":[15,16],"48":[17],"49":[18],"50":[19],"51":[20],"52":[21],"53":[22],"55":[23],"57":[24],"58":[25],"60":[26],"61":[27],"63":[28],"68":[29],"72":[30],"73":[31],"75":[32],"76":[33],"79":[34],"83":[35],"84":[36,37],"86":[38],"94":[39],"96":[40],"97":[41],"99":[42],"100":[43,44],"101":[45],"105":[46],"111":[47,48],"113":[49],"116":[50,51],"119":[52],"120":[53],"123":[54],"124":[55],"125":[56],"132":[57],"133":[58],"135":[59,60],"137":[61,62],"140":[63],"142":[64],"143":[65,66],"145":[67],"146":[68],"147":[69],"148":[70],"149":[71,72],"154":[73],"157":[74],"158":[75],"161":[76],"162":[77],"167":[78],"171":[79],"172":[80],"174":[81],"176":[82],"177":[83,84],"179":[85],"180":[86,87],"181":[88],"186":[89],"188":[90],"189":[91],"191":[92],"193":[93],"194":[94],"195":[95],"197":[96],"200":[97],"201":[98],"203":[99],"204":[100,101],"207":[102],"210":[103,104],"211":[105,106],"212":[107,108,109,110],"213":[111,112,113,114],"214":[115,116,117],"217":[118],"218":[119],"220":[120],"221":[121,122,123],"224":[124,125,126],"226":[127],"228":[128,129],"229":[130],"232":[131],"233":[132],"234":[133],"236":[134],"238":[135,136],"244":[137],"246":[138,139],"248":[140],"252":[141],"254":[142],"256":[143],"257":[144,145,146],"258":[147],"259":[148],"260":[149],"261":[150,151],"263":[152,153,154,155,156],"266":[157,158],"267":[159],"269":[160,161],"271":[162,163],"273":[164,165],"274":[166,167,168,169],"277":[170,171,172],"278":[173,174],"280":[175,176],"282":[177,178,179,180],"283":[181,182,183],"285":[184,185],"286":[186],"287":[187,188,189],"289":[190],"290":[191],"292":[192,193],"293":[194,195],"294":[196,197],"295":[198],"299":[199,200],"300":[201],"302":[202,203],"303":[204,205,206],"305":[207],"306":[208,209,210],"308":[211,212,213],"310":[214],"311":[215],"313":[216],"314":[217],"315":[218],"316":[219],"317":[220],"319":[221,222],"320":[223],"321":[224,225],"322":[226,227],"323":[228,229],"325":[230,231,232],"326":[233,234],"327":[235,236],"328":[237,238],"329":[239,240,241],"330":[242],"332":[243],"335":[244,245],"336":[246,247],"337":[248,249],"338":[250,251],"341":[252,253,254],"343":[255],"344":[256],"345":[257,258],"346":[259,260,261],"347":[262],"348":[263,264,265],"349":[266,267,268,269,270],"350":[271,272],"352":[273,274,275,276,277,278],"353":[279,280],"354":[281],"356":[282,283,284],"357":[285,286],"358":[287,288],"359":[289,290,291],"370":[292,293],"372":[294,295,296,297],"373":[298,299],"374":[300,301,302],"376":[303,304],"378":[305,306,307,308],"379":[309,310,311],"380":[312],"381":[313,314],"383":[315,316,317],"384":[318],"385":[319],"388":[320,321,322,323],"389":[324,325],"396":[326,327],"397":[328,329],"398":[330,331,332],"399":[333,334],"401":[335],"404":[336,337],"405":[338,339],"406":[340,341],"409":[342,343,344,345],"411":[346,347],"412":[348,349]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"المنزلة الثالثة:\nوإذ انتهيت إلى هذا المقام، فللنسخ شرائط أمهاتها ستة:\nالأول: أن يكون شرعيا غير عقلي، فإن الموت لا ينسخ التكليف مثلا.\nالثاني: أن يكون منفصلا غير متصل، ونحن نعلم أنه لما قال: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ لم يكن نسخا. فلا خلاف فيه إذا كانت الغاية معلومة كما قدمنا. فإن كانت مجهولة كقوله تعالى: ﴿حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا﴾، فاختلف الناس فيه: هل هو نسخ او لا؟ والصحيح أنه نسخ، لأن معاني النسخ فيه موجودة وقد بيناه في الأصول.\nالثالث: أن يكون المقتضى بالمنسوخ غير المقتضى بالناسخ حتى لا يكون منه البدل، ولذلك قال كثير من علمائنا: إن النسخ هو النص (الدال) على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل (في الاستقبال) على وجه لولاه لثبت. وقال \"أبو المعالي\": النسخ ظهور ما ينافي شرط استمرار الحكم، فقوله: افعل، طلب إلا أنه مشروط في المعنى بأن لا ينهى عنه. وحقيقة النسخ إنما تصادف (الظاهر) في اعتقادنا، فأما (عند الله) فالأمر أولا وآخرا على ما ظهر.\nالرابع: أن يكون الجمع بين الدليلين غير ممكن.\nالخامس: أن يكون الناسخ في العلم والعمل مثل المنسوخ، وذلك مما اختلف الأوائل فيه، وسنبينه (في موضعه) إن شاء الله تعالى.\nالسادس: معرفة (المتقدم من المتأخر).","vol":"2","page":1},{"text":"المنزلة الرابعة:\nوكذلك ليس من شرطه أن يكون إلى بدل، خلافا لما ظنه قوم من المقصرين في ذلك لقول الله تعالى (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها). فإن ذلك مفهوم (حسب) ما يأتي، إذ ترك البدل (كثير) فقد نسخ الله ترك تقديم الصدقة في النجوى (ونسخ التربص حولا كاملا بالنص) على أربعة أشهر وعشرا. كل ذلك إلى غير بدل. ولكنه قد يكون النسخ إلى بدل وهي:\nالمنزلة الخامسة:\nوهو على خمسة أوجه:\nالأول: أن الله تعالى نسخ وجوب ثبوت العشرة للمائة في القتال، إلى ثبوت الواحد للأثنين، وبقي ثبوت العشرة ندبا، أو مباحا، أو ممنوعا، على ما يأتي بيانه إن شاء الله.\nالثاني: نسخ قيام الليل بالصلوات الخمس على قول، أو (وضع) الندب موضع الوجوب على (آخر).\nالثالث: نسخ التخيير (بالإلزام) في الصوم.","vol":"2","page":2},{"text":"الرابع: نسخ القبلة بالقبلة.\nالخامس: نسخ التحريم بالإباحة في المباشرة من بعد النوم، والفطر إلى الفطر الآخر، وكذلك زيارة القبور بعد المنع من زيارتها لقوله ﷺ: \"إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فالآن زوروها ولا تقولوا هجرا\" وكذلك بإباحة لحوم الأضاحي مدخرة، بعد النهي عن ادخارها. وليس من شرطه وهي:\nالمنزلة السادسة:\nأن يعلم أن الأخف قد نسخ بالأشد، لما يعلم الله ذلك، فإن قيل: وكيف هذا؟ قلنا قد ينسخ التخيير في الصوم بالإلزام. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ قلنا: اعتراض على الله الذي لا يُسأل عما يفعل. فإن قيل: إنما هو سؤال إيضاح مشكل، وتأليف متعارض، قلنا: إلزام الصوم لا حرج فيه، والتخيير دونه، فانتقل عما لاحرج فيه إلى ما لا حرج فيه.\nالمنزلة السابعة:\nإذا انتهى بدء التنزيل إلى هذه المنزلة فلا بد من معرفة الناسخ بعد معرفة النسخ، والناسخ فاعل من نسخ، وذلك بالحقيقة لله وحده. زكون كلامه ناسخا مجاز ثان للحقيقة، وكون الشيء المخبر عن الكلام ناسخا مجاز ثالث لهما وجاز إطلاقه على غير الله مع معرفة الحقيقة، قصدا إلى تعريف البيان، وإذا عرفتم فأقسامه أربعة:\nالأول: كتاب ينسخ كتابا.\nالثاني: سنة تنسخ سنة.\nالثالث: كتاب ينسخ سنة.\nالرابع: سنة تنسخ كتابا.","vol":"2","page":3},{"text":"والكل من عند الله ينسخ بعضه بعضا. وقيل عن قوم \"إنه لا ينسخ الكتاب إلا الكتاب، ولا تنسخ السنة إلا السنة، إذ لا ينسخ الشيء إلا بمثله\". وأجل من حُكِيَ عنه ذلك الشافعي في صحيح أقواله، وغاية متعلقهم شيئان: أحدهما أن الرسول ﷺ كان له أن يجتهد واجتهاده واجب الإتباع. فلا يجوز أن يبين الرسول باجتهاده ما يخالف الكتاب.\nأما الثاني (في) قوله أن الكتاب لا ينسخ السنة فإن فيه تقرير الرسول ﷺ على الخطأ ما بين العمل بالسنة ثم ورود الكتاب بعدها. وهذا ضعيف جدا. إنما الكل من عند الله (وقد) استوت في العلم، فالعمل بها واجب (وإن اختلفوا في) خبر الواحد (كأن) يأتي خبر الواحد بخلافه فإن الاجماع قد انعقد على أن القرآن لا ينسخ به (...) وقد ظن قوم أن السنة نسخت القرآن في الوصية","vol":"2","page":4},{"text":"للوالدين والأقربين. نسختها السنة. قلنا: ما نسختها غلا آية المواريث على ما نبينه. وكذلك قالوا: الامساك في البيوت قرآن نسختها الرجم سنة، وقد قال قوم: نسختها آية الرجم ثم نسخ لفظها وبقي حكمها، كما قال عمر ﵁، وكذلك قوله تعالى: ﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم﴾، مثله، على ما يأتي بيانه إن شاء الله. ونسخ الإجماع من هذا القبيل فإن الإجماع إما أن يكون عن خبر أو عن نظر، والنظر لا يرفع النص والخبر قد يظهر وقد يطمسه الإجماع.\nالمنزلة الثامنة:\nفإذا تقرر النسخ فقد ينسخ الحكم مع بقاء التلاوة، ويجوز نسخ التلاوة ويقاء الحكم، ومنعته المعتزلة، وقالوا: كيف ينسخ الأصل ويبقى الفرع؟ قلنا: الحكم وإن ثبت بالتلاوة، إذا استقر ساوى كل حكم ثبت بغير نص، ومنها نسخ الحكم مع بقاء التلاوة ومنها نسخ ما ليس متلوا بما ليس بمتلو، كقول عائشة ﵂ (كان مما أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس رضعات معلومات) إلى أقسام كثيرة أعدادها نضعها في مواضعها.\nوقد ينسخ الأمر أصلا فلا يبقى له ذكر لا في اللفظ ولا في المعنى. فقد روي عن أبي موسى الأشعري أنه قال: إن سورة نحوا من التوبة نزلت ثم رفعت. فهذه منازل النسخ الثمانية التي يتنزل المرء فيها، وتعرض بعد هذا مغالطات نبهنا عليها في كتب الأصول، أمهاتها خمس:","vol":"2","page":5},{"text":"المغالطة الأولى:\nقول طائفة إن الناس اختلفوا في الزيادة على النص هل هي نسخ أو لا؟ ولا شك في أنها نسخ وقد بيناها في أصول الفقه، وفي تصويرها عسر وستراه في موضعه إن شاء الله. والذي يحقق ذلك أن الأجزاء دون الزيادة حكما ثم طرأ على الأجزاء زيادة نفته فكانت نسخا.\nالمغالطة الثانية:\nزيادة الشرط في الشيء هل يكون نسخا أولا يكون نسخا؟ وإنما يكون نسخا كزيادة الإيمان في وصف رقبة الظهار تخصيص لا نسخ. وقد بينا الفرق بين التخصيص والنسخ. وكذلك النقصان نسخ وقد بيناه في الأصول، وكل ما تسمع فيه من التطويل ليس وراءه تحصيل.\nالمغالطة الثالثة:\nمتى يثبت حكم النسخ: إذا نزل أو بلغ المكلف؟ ولا شك أن حكمه إنما يثبت مع البلوغ فأما قبل ذلك فلا مؤاخذة به سمعا وإن جازت عقلا ولم يرد بذلك سمع فبقينا على أصل النفي.","vol":"2","page":6},{"text":"المغالطة الرابعة:\nظن قوم أن الإجماع نسخ في نفسه وينسخ به، ولا يتصور ذلك فيه لأنه لا دليل يستقر بعد الوحي. فإن قيل: فإذا أجمعت الأمة على قول من قولين تقدما في القرن السابق؟ قلنا: لا يكون نسخا لأن من يقول بأن الخلافلا يرتفع به قد بان ذلك فيه، ومن قال يرتفع الخلاف لم يكن هذا من باب النسخ، فإن الاجتهاد كان سابقا وتردد النظر على قولين ثم انحذف أحد الاجتهادين وبقي الثاني. ولو كان صحيحا لكان القياس نسخا عند النظر به أو فيه، ولا يصح ذلك لجواز الرجوع في كل حال عنه وإنما هي فسحة أذن الشرع فيها ورحمة خص هذه الأمة بها، وضوعف (الأجر) لها عليها.\nالمغالطة الخامسة:\nظن قوم أن النسخ في جميع القرآن ([طمس]) وهو باطل والذي أوقعهم فيه قوله تعالى: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك). وهذه الآية من المشكلات وقد استوفينا النظر فيها في كتابها ولبابه أن المعلومات على أقسام فيما يتعلق بغرضنا هذا:\nمنها المحال كاجتماع الضدين.\nومنها خلاف المعلوم الذي وقع الإخبار بعلم الباري فيه وعنه.\nومنها الجائز المطلق الذي لم يتعلق علم عندنا في علمنا به.\nفأما المطلق إذا علقت به الإرادة فقال ربنا: لو شئت لكان كذا، فهذا مطلق وإرادة مطلق ومعنى موضح لا إشكال فيه. وإذا علق الإرادة سبحانه بالمحال المعلوم الذي أخبر به، فذلك المشكل الذي يفسره التأويل كقوله تعالى: ﴿لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه﴾ فهذا إن حمل اللفظ فيه على الولد حقيقة كان تقديره: لو أراد الله أن يتخذ ولدا حقيقة لاتخذه.","vol":"2","page":7},{"text":"وذلك لا يتصور فيؤول القول إلى أن معناه لو أراد الله مالا يتصور ولا يصح أن يوجد لوجد فكان ينفي أول الكلام آخره ولا يبقى له معنى، ولو كان معناه لو أراد الله أن يتبنى ولدا لاصطفاه من خلقه باستحالته وتبين بأخباره أن ذلك لا يكون.\nوهذا القدر هو الذي جهله المبطلون فقالوا: إن الله قادر على أن يجعل له ولدا.\nسبحانه وتعالى عما يقولون. وكقوله تعالى: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾ إذ كان جائزا ألا يبعث رسولا وإذ بعثه فقد كان جائزا أن يذهب به وبما أرسله به، ولكنه قد أخبر سبحانه أنه لا يفعل ذلك وأبان أنه مبعوث بالرحمة إلى يوم القيامة، فامتنع ذلك بخلاف المعلوم فعلق الارادة به جائز في ذاته وامتناعه من جهة الخبر ظاهر بوروده. ومن أراد الشفاء من داء الغوامض فعليه بكتابها والله الموفق.\nوإذ قد بلغ القول إلى هذا المنتهى فلنشرع بعد بعون الله في بيان أعداد الآي المنسوخة والمخصوصة على ترتيب السور كما وعدنا إن شاء الله تعالى، مع ما يتبعها من عوارض ولواحق بحول الله تعالى.","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>﴿سورة البقرة﴾</span>\nمدنية بإجماع ومعرفة المدني من المكي أمر عسير لم تبلغ إليه معرفة العلماء على التحقيق ولا ثبت فيه النقل على الصحيح. وإنما أراد الله أن يكون كذلك في سبيل الاحتمال حتى تختلف بالمجتهدين الأحوال، وأمثل ما تحصل لي في ذلك ما أورده على خلافه.\nذكر ما نزل من القرآن بمكة.\nروى محمد بن علي عن أبيه: نزل بمكة: أربع وثمانون سورة وسائره بالمدينة، وعن ابن المسيب نحوه، وقال القاسم بن محمد عن عائشة ﵂: نزلت بمكة ست عشرة سورة قبل الهجرة: (اقرأ باسم ربك، ون والقلم، وتبت يدا أبي لهب، والكوثر، والأعلى، وألم نشرح، والفجر، ولم يكن الذين كفروا، وعبس وتولى، وإنا أنزلناه في ليلة القدر، والرحمن والجن، ويس، ومريم،","vol":"2","page":9},{"text":"والواقعة). وقال مجاهد (نزل بمكة خمس وثمانون سورة. اقرأ باسم ربك، ثم ن والقلم، ثم يا أيها المزمل، وآخرها بطريق مكة ــ ثم تبت يدا، ثم الأعلى، ثم ألم نشرح لك صدرك، ثم العصر، ثم الفجر، ثم الضحى، ثم الليل إذا يغشى، ثم العاديات ضبحا، ثم الكوثر،ثم ألهاكم، ثم أرأيت، ثم قل يا أيا الكافرون، ثم الفيل، ثم قل هو الله أحد، ثم قل أعوذ برب الفلق، ثم قل أعوذ برب الناس، ويقال إنها مدنية ــ ثم عبس، ثم إنا أنزلناه في ليلة القدر، ثم الشمس وضحاها، ثم والسماء ذات البروج، ثم والتين والزيتون، ثم لإيلاف قريش، ثم القارعة، ثم لا أقسم بيوم القيامة، ثم ويل لكل همزة، ثم المرسلات، ثم ق والقرآن المجيد، ثم لا أقسم بهذا البلد، ثم الرحمن، ثم قل أوحي، ثم يسن، ثم (الفرقان)، ثم ص، ثم المدثر، ثم تبارك، ثم الحمد لله فاطر، ثم سائر الملائكة، ثم مريم، ثم طه، ثم الشعراء، ثم طس، ثم القصص، ثم بني اسرائيل، ثم هود، ثم يونس، ثم يوسف، ثم سبأ، ثم الزمر، ثم الحجر، ثم الصافات، ثم لقمان ــ آخرها مدني ــ ثم الأنبياء، ثم حم المومن، ثم حم السجدة، ثم حم عسق، ــ منها آي مدني ـثم حم الزخرف، ثم حم الدخان، ثم حم الشريعة ثم الأحقاف - (فيها) مدني _ثم","vol":"2","page":10},{"text":"الذاريات، ثم الغاشية، ثم الكهف، ثم الأنعام، ثم النحل ــ آخرها مدني ــ ثم سورة نوح، ثم سورة إبراهيم، ثم سورة المؤمنون، ثم التنزيل السجدة، ثم الطور، ثم سورة الملك، ثم الحاقة، ثم المعارج، ثم عم يتساءلون، ثم النازعات، ثم الانشقاق، ثم البروج، ثم العنكبوت، ثم ويل للمطففين ــ ويقال إنها مدنية ــ ثم اقتربت، ثم الطارق. انتهى كلام مجاهد بلفظه.\nقال القاضي أبو بكر ﵀: هذا الذي قاله الراوي عن مجاهد. أو مجاهد، لا سبيل إلى علمه، وفيها ما صح فساده، فإن الصحيح قد نقل أن الذي نزل من القرآن أولا إما القلم وإما المدثر إحداهما تالية الأخرى وثانيتها، فكيف تجعل هاهنا بعد كثير من سور القرآن؟ وليتنا علمنا ما نزل بالمدينة فكيف بنا أن نعلم ترتيب النزول واحدة بعد أخرى؟ هذا ما لا سبيل لمعرفته إلى أحد وقد روي عن أم (عامر) الأشلية ﵂ قالت: \"قرأت (قبل) أن يقدم رسول الله ﷺ من مكة للهجرة احدى وعشرين سورة. قلت ماهن؟ قالت: سورة مريم، وطه، وعبس وتولى، وإنا أنزلناه في ليلة القدر والشمس وضحاها، والسماء ذات البروج، والتين والزيتون، ولإيلاف قريش، والقارعة، ولا أقسم بيوم القيامة، وويل لكل همزة، والمرسلات، وق والقرآن، ولا أقسم بهذا البلد، والرحمن، وتبارك الذي بيده الملك، ويوسف حم المومن، وحم السجدة، وحم عسق، وحم (الجاثية)، وثبت عن عبدالله بن مسعود ﵁ أنه قال: \" الكهف وبنو اسرائيل، وطه، وسورة الأنبياء، من تلادي الأول\".","vol":"2","page":11},{"text":"وروى كريب عن ابن عباس ﵁ أنه قال: \"وجدنا في كتاب ابن عباس ــ وكان الكتاب عند كريب ــ أول ما نزل من القرآن بمكة: اقرأ باسم ربك، والليل إذا يغشى، ون والقلم، ويا أيها المزمل، ويا أيها المدثر، وتبت يدا أبي لهب، وإذا الشمس كورت، والأعلى، والضحى، وألم نشرح، والعصر، والعاديات، والكوثر، والتكاثر، والدين، والكافرون، والفيل، ثم الفلق ثم الناس، ثم قل هو الله أحد، ثم النجم، ثم عبس، ثم القدر، ثم الشمس وضحاها، ثم البروج، ثم التين والزيتون، ثم قريش، ثم القارعة، ثم لا أقسم بيوم القيامة، ثم ويل لكل همزة، ثم والمرسلات عرفا، ثم قاف والقرآن المجيد، ثم البلد، ثم الطارق، ثم اقتربت الساعة، ثم ص، ثم المص، ثم قل أوحي إلي، ثم يس، ثم الفرقان، ثم فاطر، ثم مريم، ثم طه ثم الواقعة، ثم الشعراء، ثم النمل ثم القصص، ثم بني اسرائيل، ثم هود، ثم يوسف، ثم الحجر، ثم الأنعام، ثم الصافات، ثم لقمان، ثم سبأ، ثم الزمر، ثم (المومن)، ثم السجدة ثم حم عسق، (ثم) حم الزخرف، ثم حم الدخان، ثم الجاثية، ثم الأحقاف، ثم الذاريات ثم الغاشية، ثم الكهف، ثم النحل ثم نوح، ثم ابراهيم، ثم الأنبياء، ثم (المومنون)، ثم تنزيل السجدة، ثم الطور، ثم تبارك الذي بيده الملك، ثم الحاقة، ثم سأل سائل، ثم النبأ، ثم النازعاتو ثم إذا السماء انفطرت، ثم ويل للمطففين.\nذكر ما نزل بالمدينة:\nقال: \"كريب\" في كتابه عن ابن عباس ﵁: \" نزل على رسول الله ﷺ حين هاجر: البقرة: والأنفال، وآل عمران، والأحزاب، والمائدة، والممتحنة، والنساء، واذا زلزلت، ثم الحديد، ثم الذين كفروا، ثم سورة الرعد، ثم الرحمن، ثم﴾ هل أتى على الأنسان ﴿ثم الطلاق، ثم﴾ لم يكن الذين كفروا ﴿ثم الحشر ثم﴾ إذا جاء نصر الله ﴿، ثم سورة النور، ثم سورة الحج، ثم المنافقون، ثم المجادلة، ثم","vol":"2","page":12},{"text":"الحجرات، ثم التحريم، ثم الجمعة ثم التغابن، ثم الحواريون، ثم ﴿إنا فتحنا لك﴾، ثم التوبة. فذلك ثماني وعشرون سورة\". وكذلك يروى عن ابن الزبير ﵁: \" نزل بالمدينة ثمان وعشرون سورة وسائرها بمكة\". زاد عبدالله بن عياش بن أبي ربيعة: \"والمائدة والممتحنة والحديد، والحج والرعد، واقتربت الساعة\".\nواتفق كثير من المفسرين على أن قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾ مكي وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ مدني. وروي عن ابن مسعود ﵁: قرأنا المفصل حججا ليس فيه: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾. وقال \"يزيد بن رومان: ربما نزل أول السورة بمكة وآخرها بالمدينة. وسورة الأنعام بعضها مكي وبعضها مدني، وسورة النحل والتطفيف كذلك، وروي عن مجاهد في تعداد سور المدينة نحو مما قال كريب، وقد روي أن سورة الأنعام نزلت جملة ليلا على النبي \" معها سبعون ألف ملك وخمسون ألف ملك لهم زجل وتسبيح، ولقد جمعت لها الشياطين وجاءني بها جبريل حتى أقرها في صدري كما يقر الماء في الحوض، ولقد","vol":"2","page":13},{"text":"أعزني الله تعالى وإياكم بها عزا لا يذلنا بعه ابدا، فيها دحض حجج المشركين ووعد الله جل ثناؤه لا يخلفه\".\nذكر آخر ما نزل من القرآن: قوله تعالى: ﴿اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ الآية. نزلت على النبي ﷺ بعرفة في حجة يوم الجمعة، وثبت أن آخر سورة نزلت التوبة، وآخر آية نزلت ﴿قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ رواه البراء.\nوثبت أنه روي عن عمرو بن العاص ﵁: آخر سورة نزلت المائدة.\nوروي عن ابن عباس ﵁: \" آخر آية نزلت: الربا \"وقد ثبت ذلك ايضا من غير طريقة، وروى عن ابن عباس ﵁: آخر سورة نزلت سورة الفتح\" ولم يصح.\nمدرجة:\nتعرض بعض المفسرون لتنويع السور في الناسخ والمنسوخ فقال: سورة الفتح، والحشر، والمنافقين والتغابن، والطلاق، والأعلى، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ فهذه","vol":"2","page":14},{"text":"ست. وسورة الأنعام، والأعراف ويونس، وهود، والرعد، والحجر، وبنو إسرائيل، والكهف، وطه، والمومنون، والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والمضاجع، والملائكة، والصافات، وص، والزمر، والمصابيح، والزخرف، والدخان، والجاثية، والاحقاف، وسورة محمد ﵇، والباسقات والنجم والقمر، والامتحان، ون، والمعارج، والمدثر، و(القيامة)، والإنسان، وعبس، والطلاق، والغاشية، و(التين)، والكافرون، فهذه أربعون سورة فيها منسوخ وليس فيها ناسخ. وأما البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، و(الأعراف الأنفال) والتوبة وابراهيم، والنحل، والأنبياء والحج والنور، والفرقان، والشعراء، والأحزاب وسبأ، والمومن والشورى، والذاريات، والطور، والواقعة والمجادلة، والمزمل، والكوثر، والعصر، فيدخلها الناسخ والمنسوخ.\nقال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: وفي هذا تجاوز عظيم، سترى تحقيقها واردة على السور إن شاء الله، على مدارج كمدارج النجوم، جارية","vol":"2","page":15},{"text":"على ما ينبغي معرفته فيها من العلوم، والذي علمناه على الجملة من القرآن في هذه الطريق، أن منه مكيا ومدنيا، وسفريا وحضريا، وليليا ونهاريا، وسمائيا أرضيا، وما نزل بين السماء والأرض، وما نزل تحت الأرض في الغار.\nأخبرنا أبو بكر الفهري قرأته عليه: اخبرنا التميمي، أخبرنا هبة الله المفسر أنه قال: القرآن نزل بين مكة والمدينة إلا ست آيات لم تنزل في الأرض ولا في السماء: ثلاثة في سورة الصافات وهي قوله تعالى: ﴿وما منا إلا له مقام معلوم﴾ إلى آخر الثلاث الآيات، وواحة في الزخرف ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا، أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾. والآيتان الآخرتان من سورة البقرة.\nقال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: في صحيح مسلم عن ابن عباس قال: \" بينا جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليم فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يوتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته\".","vol":"2","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>ذكر تعداد الآيات:</span>\nقال الإمام القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: ذكر أصحاب التفسير في هذه السورة نحوا من ثلاثين آية، الداخل منها في قسم النسخ سبع آيات، ومنها في قسم المخصوص والمحكم ما بقي بعد هذا العدد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>الآية الأولى: ﴿قوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خير الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف، حقا على المتقين﴾</span>.\nقال علماؤنا وابن القاسم عن مالك\": هذه الآية نزلت قبل الفرائض ثم أنزل الله الفرائض في المواريث فنسخت الوصية للوالدين ولكل وارث إلا أن تأذن الورثة في شيء فيجوز\".\nاتفق الكل على أنها منسوخة واختلفوا في ناسخها على أربعة أقوال:\nالأول: أن ناسخها آية المواريث.","vol":"2","page":17},{"text":"الثاني: أن ناسخها قوله تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا﴾.\nالثالث: أنه نسخها أن الله أعطى كل ذى حق حقه لا وصية لوارث.\nالرابع: أنه نسخها بإجماع الأمة على إبطالها وأن الوصية لا تجوز لأحد ممن سمى الله له فرضامعروفا او جعل له النبي ﷺ حقا مفروضا.\nقال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: قد بينا في شروط النسخ استحالة الجمع بين الدليلين، وشرطنا أيضا معرفة التأخر والتقدم، وليس بين آية الوصية وآية المواريث هاتين تعارض، ولا عندنا من معرفة المتقدمة منهما من المتأخرة أصل ولا سيما والوصية مشروعة لبعض الأقربين. وأما من قال إن ناسخها قوله تعالى في سورة النساء ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾ فلا يصح لأنه لا مضادة بينهما أصلا. وقد (بينا) أن القسمة تكون بين الورثة فمن حضرها من غيرهم ففيهم تكون القسمة من ذي القربى وغيره.\nوقد بيناه في الأحكام وأما من قال إنه نسخها (لا وصية لوارث) فنقول بذلك لو كان خبرا صحيحا متواترا حتى يماثل الناسخ المنسوخ ي العلم والعمل كما شرطناه بيد أنه ليس له في الصحة اصل، وأما من قال نسخها إجماع الأمة، فقد","vol":"2","page":18},{"text":"اتفق علماؤنا على أن الإجماع لا ينسخ لأنه ينعقد بعد موت النبي ﷺ وتجديد شرع بعده لا يتصور. هذا الظاهر على الجملة، بيد أن فيه تفصيلا بديعا: وذلك أن الإجماع ينعقد على أثر ونظر، فأن كان ناسخا، ويكون الناسخ الخبر الذي انبنى عليه الإجماع، وهذه مسألتنا بعينها، فإن الأمة إنما جمعت رأيها على اسقاط الوصية للوالدين لقول النبي ﷺ لكنه درس وبقي الاجماع الممهد المقطوع بصحته. أما أنه قد بقي ما يدل عليه في الحديث الصحيح وهو قول النبي ﷺ (ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت القسمة فهو لأولى عصبة ذكر).\nتكملة:\nلما نسخت الوصية للوالدين بالمواريث بقيت الوصية فيمن لم يرث من القرابة مندوبا فنسخ من الآية حتم الوصية بالمال للقرابة ونسخ جوازها أصلا لمن يرث وبقي ندبها فيمن لا يرث وهذا تحقيق بالغ. فأما فرض الوصية على المسلمين فقد بيناها في موضعها والله أعلم.","vol":"2","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين﴾ هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ لأن الله سبحانه فرض رمضان وأباح الفدية. يروى عن معاذ وغيره</span>.\nقال: \" ثم أوجب الله على الصحيح المقيم بقوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وثبت الإطعام على من لم يطق الصيام إذا أفطر من كبر\" وهو قول ابن عمر، وعكرمة، والحسن، وقتادة، ﵃ وروي عن عائشة ﵂ مثله وقرأته \" وعلى الذين يطوقونه\" وبه قال","vol":"2","page":20},{"text":"مالك في إحدى رواياته فهذا قول الثاني أن الإطعام يستحب للكبير. قاله مالك، والحامل تفطر وتقضي دون فدية وتفطر المرضع وتفدي.\nالثالث: قال وهب عنه: المراد بهذه الآية الرجل يفطر لمرض أو سفر ثم لا يقضي حتى يأتي عام آخر فيصومه ثم يقضي ما فاته من العام قبله ثم يفتدي عن التأخير وهذا قول زيد بن أسلم.\nالرابع: قراءة مجاهد (يطوقونه) وروى عن ابن عباس أنه قرأها (يطيقونه) وهو نحو من الأول.\nالخامس: المعنى بقوله (يطيقونه) يعني يطيقون الإطعام ولا يقدرون على الصيام وقد يرجع الضمير على ما بعده كما قال: ﴿فأصلح بينهم﴾ فرجع الضمير على متقدم الذكر قاله ابن الأنباري قال القاضي أبو بكر رحمه","vol":"2","page":21},{"text":"الله: أما القول بأن الضمير يرجع إلى الإطعام فهو قول ضعيف لن الضمير إنما يرجع إلى ما بعده لضرورة لا يمكن غيرها كقول الشاعر:\nجزى ربه عني عدي بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل\nفصرف الضمير في الرب إلى المتأخر الذكر لأنه لم يمكن غيرة وإن كان جاء ذكره بعد ذلك، وأما قوله تعالى: ﴿فأصلح بينهم﴾ فإنما يرجع إلى متقدم الذكر في الكلام لأنه قال: ﴿فمن خاف من موص جنفا﴾ فاقتضى قوله سبحانه ﴿من موص﴾ موصى عليه وموصى به، والموصى إليه المقتضى هاهنا هم الوالدان والأقربون الذين تقدم ذكرهم، فرجع الضمير إليهم في قول: (بينهم) وهذا لا خفاء به على الشاذين فضلا عن الراسخين.\nوأما من قال يطوقونه بضم الياء وبفتحها وكذلك ما ينسب إلى ابن عباس ﵁ فلا يعول عليه لأنه شاذ لا (يوجب علما ولا) عملا لاتفاق الأمة على رفضه في ذلك.\nوأما من قال إنه مبين لحكم القادرين الأصحاء الحاضرين أن من شاء صام منهم ومن شاء أفطر ثم نسخه قول: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ لأنه معارض له إذ الناس على قسمين: مسافر وحاضر، والحاضر على قسمين: مريض وصحيح. فخرج البيان في المريض والمسافر بعدة من أيام أخر، وبقي الصحيح القادر المقيم على رسم الازام، فهذا بحكم","vol":"2","page":22},{"text":"المعارضة، وأما بحكم التأخير فثبت برواية البخاري وغيره عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال لما نزلت: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين﴾ كان من أراد أن يفطر يفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها، وأما من قال إنه يستحب الإطعام للشيخ الكبير فليس من الآية لأن المنسوخ لا يؤخذ منه حكم.\nوأما قوله: ﴿فمن تطوع خيرا فهو خير له﴾ فإنما هو إشارة إلى زيادة على قدر طعام مسكين في الفدية، على هذا يدل ظاهر الآية ومساقها. وإنما يؤخذ الاستحباب من دليل آخر حسب ما نبهنا عليه في كتب الفقه. ولهذا تفطن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضوان الله عليه فقال: إن هذه الآية منسوخة إلا الحامل والمرضع فإنهما يفطران ويطعمان. وهو أحد أقوال مالك. والصحيح أن الحامل في حكم المريض ولذلك كانت أفعالها في (الثلث والمرضع) هي التي يصح أن يبقى الحكم فيها ويتناول لفظ الآية أمرها لأنها قادة على الصيام ولأنها تفطر لأجل الغير.\n\nوأما قول ابن وهب: \"أن المراد بالآية\" من فاته قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر فلا وجه له في الفقه، ولا يدل عليه ظاهر الآية، فتعين الإعراض عنه فلم يبق إلا قول ابن عباس ﵁ وفيه نوع من التحقيق بديع، وذلك.","vol":"2","page":23},{"text":"أن إخراج القادرين عن الآية خلا المرضع وحدها أو الحامل والمرضع كلتيهما تخصيص غير نسخ في بادي الرأي. إلا أن النكتة العظمى فيه أن التخصيص هو إخراج ما تناوله اللفظ ولم يكن به عمل، فبين المراد به والتكليف فيه. فأما أنه أوقع العمل بالعموم ثم جاء التخصيص فهو نسخ ظاهر فيما خرج، تخصيص فيما بقي، وذلك من غرائب الآيات والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ إلى قوله: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم﴾</span>.\nهذه الآية في كتاب الأحكام، وهو القسم الثالث من علوم القرآن، بيانها على التفصيل، وهي ناسخة للآية التي قبلها وهي قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾.","vol":"2","page":24},{"text":"وذلك أن المفسرين قالوا: إن المراد بقوله: ﴿كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. هم أهل الكتاب، وكان من شأن صومهم إذا جاء وقت الفطر فأفطر من أفطر وترك من ترك إذا نام لا يحل له وطء ولا أكل إلى حين الفطر من اليوم الثاني، فكان صوم المسلمين على هذا (السبيل) حتى جاءت هذه الآية فثبت حكم الصوم والفطر في هذه المسألة من قوله تعالى: ﴿من الفجر﴾، وكان سبب ذلك فيما نقلوه أن عمر بن الخطاب ﵁ وروي (عن صرمة) بن قيس وهو أصح ــ نام فاختان نفسه (بعد) النوم ووطئ أهله. فنزلت الرخصة فيهم (والجميع) الآية من أجلهم. والجملة الصحيحة في ذلك ما رواه البخاري وغيرة عن البراء بن عازب، قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء (رمضان) كله وكان رجال يخونون أنفسهم \"فأنزل الله تعالى\" ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ الآية. فجاء قول البراء هكذا مطلقا صحيحا وما تقدم تفسير له والله أعلم.\nوعلى مساق قول (البراء) المطلق تكون هذه الآية ناسخة للسنة وعلى ما روى المفسرون تكون الآية ناسخة لآية أخرى وهو الصحيح، وفي مضمون الآية ما يدل على ما في السنة من طريق البراء وما روى المفسرون وهو قوله تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾، فإخبار الله بالخيانة دليل على ما تقدم من فرض الإمساك عن النساء ليلة الصيام وكذلك قوله: ﴿فالآن باشروهن﴾ دليل عليه","vol":"2","page":25},{"text":"وهذا الذي قلنا هو الذي روى \"ابن القاسم\" عن مالك: \"كان أول الإسلام من رقد قبل أن يطعم لم يطعم شيئا من الليل فأنزل الله تعالى﴾ فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ﴿وعرض هاهنا تخصيصان:\nأحدهما قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ خصتها السنة في الحائض لا تصوم وتقضي.\nالثاني قوله تعالى: ﴿وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ خصها في الحائض قوله: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ وخصها النهي عن نكاح المحرمة فلا يحل وطء الحائض ولا المحرمة. وذلك كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ هذه الآية نص في تحريم القتال في الأشهر الحرم لا خلاف فيه. وردت</span>","vol":"2","page":26},{"text":"الشريعة على تعظيم الشهر الحرم عند الناس وتحريم القتل والقتال فيها، فأقرت الشريعة حرمتها وعظمت القتل والقتال فيها. ثم نسخت في القتل التحريم وأبقت فيه الحرمة والتعظيم. فأما إبقاء الحرمة والتعظيم، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال في حجة الوداع: \"إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض. السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان\" فنص على إبقاء الحرمة والتعظيم، ثم انزل الله تعالى سورة براءة سنة تسع بعد نزول آية البقرة هذه بثمانية أعوام وهي قوله سبحانه: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾. إلى قوله ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ فرجع ذكر الأشهر إلى ما تقدم من ذكرها لينتظم معنى الآية ويكون آخرها مرتبطا بأولها ويكون الكلام مقيدا بها وفيها. وقد روى المفسرون عن عطاء أنه قال: إن هذه الآية محكمة، وأن القتال في الأشهر الحرم لا يجوز، وهذا القول من عطاء مسبوق بالإجماع من الصحابة والأخبار الواردة عن النبي ﷺ بقتاله في الأشهر الحرم وإرساله سراياه فيها، وعليه يدل قوله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾. فنهى عن ظلم النفس فيها وأمر بقتال المشركين كافة. فإن قيل إنما يعتقد عطاء ومن قال بقوله أن قوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ يعني به ذا القعدة وذا الحجة والمحرم ورجب. قلنا لو كلن هذا لكان قوله: (مضمنا بمعنى) هو سيحوا في الأرض ثمانية أشهر: أربعة تسيير النبي للكفار وأربعة بحكم التحريم. وقال النبي ﷺ","vol":"2","page":27},{"text":"لصفوان: انزل أبا وهب. قال: على أن تسير في شهرين. قال: \"بل لك أربعة أشهر\" فمن الحكم أن تكون أشهر السياحة الأربعة متصلة من يوم النداء بها وهو يوم النحر ولا يكون قبلها تحريم ولا بعدها وهذا بالغ (فيه).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾</span>.\nاختلف الناس في عذه الآية أهي ناسخة أو منسوخة؟ فمن قال إنها ناسخة التفت إلى قوله تعالى: ﴿فيهما إثم كبير﴾ فأثبت لها صفة الإثم وقد كانت مباحة لا إثم فيها، ومن قال منسوخة التفت إلى قوله تعالى: ﴿ومنافع للناس﴾ وذلك منسوخ، فإنها لما حرمت لم تبق فيها منفعة.\nوتحقيق القول أن الله تعالى ألزم الشرائع بشرا متفرقا حكما بعد آخر ووظيفته تتلو أخرى، والناس قبل ذلك مسترسلون على أفعالهم مستمرون في أحوالهم فجرى أمر الخبر على صفة مروية وهي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء. فنزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾. وكان منادي رسول الله ﷺ ينادي وقت الصلاة: لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بينا شافيا.","vol":"2","page":28},{"text":"فنزلت: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾.\nفدعي عمر فقرئت عليه فقال: انتهينا انتهينا. ففي الصحيح أن منادي رسول الله ﷺ خرج ينادي: (ألا إن الخمر حرمت فكسرت الدنان حتى جرت الخمر في سكك المدينة).\nوتحقيق المعاني التي توقف فيها \"عمر ﵁\" أنه لما نزلت ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾. علم عمر ﵁ أن الإثم فيها ما يتعلق بها من زوال العقل والوقوع فيما لا ينبغي بذهابه من قول قبيح وفعل سيء. وقد روي عن (علي) رضوان الله عليه أنه قال: \"إذا سكر هذى وإذا هذى افترى (فاجلدوه) حد المفتري\". وكما روى \"النسائي\" وغيره أن عثمان ﵀ ورضي عنه قال: \"اجتنبوا الخمر فغنها أم الخبائث، إنه كان رجل ممن خلا قبلكم يتعبد فعلقته امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها فقالت له إنا ندهوك للشهادة. فانطلق مع جارتها فطفقت كلما دخل عليها بابا أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر فقالت: إني والله ما دعوتك للشهادة، ولكني دعوتك لتقع علي، أو تشرب من هذه الخمر كأسا، أو تقتل هذا الغلام. قال: فاسقني من هذا الخمر كأسا، فسقته فقال: زيدوني. فلم يرم حتى وقع عليها وقتل النفس. فاجتنبوا الخمر فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا أوشك أن يخرج أحدهما صاحبه\"","vol":"2","page":29},{"text":"وهذا حديث صحيح. فكان الناس مرخصا لهم في الشراب مالم ينته إلى هذا الحد، وقد قيل لهم ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ فروي أن أحدهم كان يصلي العشاء الآخرة ثم يشرب ويقوم فيصلي الفجر ثم يشرب إن شاء بعد صلاة الفجر فيصحو عند صلاة الظهر ثم لا يشرب حتى يصلي العشاء الآخرة. ثم نزل بسعد ابن أبي وقاص ما روى مصعب ابنه عنه قال: \"مررت بنفر من المهاجرين والأنصار فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمرا ــ وذلك قبل أن تحرم الخمر ــ فأتيتهم في حش ــ قال: والحش البستان ــ فإذا عندهم رأس جزور مشوي و(زق) خمر فأكلنا وشربنا، فذكرت الأنصار فقلت: المهاجرون خير من الأنصار. فاخذ رجل منهم أحد لحيي الرأس فجرح به أنفي. فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾. وأما المنافع فكان جواز شربها ــ (والتجارة) بها قبل نزول هذه الآية. وكان الإثم فيما يحدث عنها أعظم من المنفعة التي تقع، فلما حرمها الله تعالى وأمر باجتنابها سقطت المنفعة بها. وقال النبي ﷺ: \"إن الذي حرم شربها حرم ثمنها\" وروي عنه ﷺ أنه نهى عن ثمن الخمر ولم يبق بعد قوله تعالى: ﴿فاجتنبوه﴾ فيما منفعة ولا علاقة لذي تعلق في تطبب ولا غيره. لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \" ليست بدواء ولكنها داء\" فليست بدواء ولا غذاء بل تجتنب من كل طريق. وجوز ابن","vol":"2","page":30},{"text":"شهاب. وأبو الدرداء. المدي الذي يصنع من الخمر والحيتان ويوضع في الشمس حتى تطبخه وقالوا ذبح الخمر النيتان والشمس وذلك ظن قائل ليس له طائل وقد قدمنا ما يدل على التحريم فيه ويقيم البرهان عليه فليعد الناظر إليه يجده كذلك إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف﴾</span>.\nقال القاضي أبو بكر محمد بن العربي ﵀: هذه آية مشكلة وبيانها في الحكام. والمتعلق بهذا القسم منها أنها منسوخة. ثبت أن ابن الزبير قال لعثمان رضي عنهما ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا﴾ نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها قال: ابن أخي لا أغير منه شيئا وروى عطاء","vol":"2","page":31},{"text":"عن ابن عباس ﵄ (نسخت) هذه الآية عدتها عند أهلها فتعتد حيث شاءت وقال مجاهد: قوله تعالى ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا﴾ قال: كانت هذه المعتدة تعتد عند أهل زوجها واجب فأنزل الله تعالى: ﴿وصية لأزواجهم﴾ إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت وهو قوله تعالى: ﴿غير إخراج﴾ جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية إن شاءت على الوجه الأول، فجعلها مجاهد على هذا القول ثابتة، وذر قوم أن الحرة كانت إذا توفى عنها زوجها خيرت أن شاءت أن تقيم في بيت زوجها وينفق عليها من ماله سنة، فغن أبت إلا الخروج لم يكن لها شيء فنسخ ذلك بآية المواريث.\nوتحقيق القول فيه ما ثبت في الصحيح من (أن المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها كانت تدخل حفشا وتلبس شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا ثم تمر بها سنة ثم توتي بداية حمار أو طائر فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمى بها، ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره. فلما جاء الإسلام أبقى الله تعالى التربص كما كانوا يفعلون ثم أسقط الله ذلك إلى أربعة أشهر وعشر فكان هذا نسخا. وإن كان من نقصان فعندما أن الزيارة والنقصان نشخ كما تقدم إيضاحه وتفصيله، فهذا مقتضى صحيح الحديث وظاهر القرآن.\nفأما الأخذ من مال الزوج فليس في قرآن ولا حديث وكذلك السكنى في المنزل لا يؤخذ من هذه الآية بنص، لأن قوله ﴿يتربصن﴾ لا يعطي مقتضاه لزوم المسكن وإنما استفيد اللزوم من آية النساء الصغرى وستراه مبينا في هذا القسم وفي قسم الأحكام هناك إن شاء الله، وقد استغرب الناس كن الناسخ قبل المنسوخ في (الخطاب) وليس ذلك بغريب فإن إثبات (الاي والسور) في الكتاب لم يكن على الترتيب في النزول وربك أعلم (بترتيب الإنزال) وترتيب الكتاب وهو بكل شيء عليم.","vol":"2","page":32},{"text":"ثم جاء حديث (سبيعة) الأساسية أنها ولدت بعد وفاة زوجها بليال فاستأذنت رسول الله - ﷺ - فقال لها: \"انكحي من شئت فقد حللت\" فخص من المتربصات للمدة الحوال في سقوط العدة، فصات هذه الآية ناسخة لغيرها مخصوصة بالسنة (في) نفسها، وخفي هذا على جماعة منهم ابن عباس - ﵁ - فقال: \"إن المتوفى عنها زوجها تعتد أخر الآجلين إما الوضع وإما انقضاء مائة ليلة وثلاثين ليلة\" ولو بلغهم هذا الحديث ما تخلفوا عنه وإذ لم يبلغهم فالذي يقتضيه القياس ما ذكروه والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير﴾</span>.\nاختلف الناس في هذه الآية على خمسة أقوال:\nالأول: أن عائشة ﵂ سئلت عن قوله الله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنقسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ وعن قوله تعالى: ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ فقالت: \"ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله - ﷺ - \" فقال: \"هذه معاتبة العبد فيما يصيبه من الحمى والنكبة حتى البضاعة يضعها في كم قميصه فيفقدها فيفزع لها، حتى إن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير\".","vol":"2","page":33},{"text":"الثاني: أن كل أحد يحاسب بما أبدى وما أخفى فيغفر للمؤمنين ويعاقب الكفار والمنافقون.\nالثالث: أنها في كتمان الشهادة الواجبة وإظهار مالم يكن (منها) روي ذلك كله عن ابن عباس ﵀.\nالرابع: روي عن مجاهد أنه قال: إنها منسوخة.\nفقال القاضي أبو بكر ﵀:\nالصحيح لما ثبت أن هذه الآية لما نزلت جاء أصحاب رسول الله - ﷺ - إلى النبي فجثوا بين يديه للركب وقالوا: يا رسول الله إن كنا نؤاخذ بما أبدينا وأخفينا لقد هلكنا. فقال رسول الله - ﷺ -: أتريدون أن تقولوا كما قال من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ قولوا سمعنا وأطعنا. فلما اقترأوها وذلت بهم ألسنتهم أنزل الله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمومنون﴾ إلى قول: ﴿وقالوا سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وأليك المصير. لا يكلف الله نفسها إلا وسعها، لها ما كسبت عليها ما اكتسبت. ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾. قال: قد فعلت ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا﴾. قال: قد فعلت ﴿ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾. قال: قد فعلت. وفي رواية: نعم. وهذا نص صريح فإن قيل: وكيف يدخل النسخ في الأخبار؟ قلنا: إن كان الخبر عن الشرع فيدخل فيه النسخ، لدخوله في المخبر عنه، غنما يكون على وفق المخبر عنه، وإن كان القول في الوعد والوعيد فلا يدخل فيه النسخ بحال لآنه لا يحتمل التبديل إذ التبديل (فيه) كذب ولا يجوز ذلك على الله سبحانه، على أن هذه الآية خارجة عن ذلك لأنه الله","vol":"2","page":34},{"text":"سبحانه أخبر في هذه الآية أنه يحاسب العبد بما أبدى وبما أخفى وهذا خبر واقع لا محالة، ثم أخبر أنه يغفر ذلك لمن يشاء ويعذب من يشاء، ثم رفع من ذلك عن الأمة مالا طاقة (لها به بسؤالها) ذلك منه وكان هذا تخصيصا لولا أن النبي - ﷺ - أقرها على العموم حتى قال لهم: أتريدون أن تقولوا كما قال من قبلكم \"سمعنا وعصينا؟ قولوا: سمعنا وأطعنا\" فقالوها، وهي مربوطة بمشيئة (المغفرة فأنبأ الله بمغفرة البعض) وهو ما لا يمكن العبد دفعه من ذلك عن قبله من حديث النفس و(في) الصحيح: \"يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا من خلق كذا؟ فيقول: الله. حتى يقول له: من خلق (الله)؟ فإذا وجد ذلك أحدكم (فليقل لا إله) إلا الله\" فأمر - ﷺ - برفع حديث النفس باعتقاد التوحيد. وفي الصحيح أيضا أن الصحابة (رضوان الله عليهم) قالوا للنبي - ﷺ -: إنا نجد في أنفسنا شيئا لأن نخر من السماء فتخطفنا الطير أحب إلينا من أن نجده. فقال لهم النبي - ﷺ - (أو قد وجدتموه؟) قالوا نعم. قال: \"ذلك محض الإيمان\". يعني دفعه عن النفس وكراهيته، إذ لا يمكن دفع ترداده لأنه قضاء الله في قلوب عباده.\nوفي الصحيح \"قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن\" ثم زادنا من فضله تعالى جدة، ففي الصحيح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"إذا هم العبد بحسنة كتبت له حسنة وإذا هم بسيئة لم تكتب عليه\" وفي معارضه: \"إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال","vol":"2","page":35},{"text":"المقتول؟ قال لآنه كان حريصا على قتل صاحبه\". وفي رواية: \"لأنه أراد قتل صاحبه\" فأخبر بأن العبد يؤاخذ بالإرادة وهي فعل (القلب)، وقد أجاب بعضهم عنه بأن الذي برز للقتال فعل إشهار السلاح ومحاولة القتل بالدفع والضرب فقد وقع منه الفعل فيؤاخذ بما وقع من فعله لا بما أخفى من اعتقاده، وهذا يرده قوله: \"لأنه أراد قتل صاحبه\" فعلق العقوبة على الإرادة وهي من أفعال القلوب، وليست من أفعال الجوارح. والصحيح في الاعتقاد من ذلك كله أن للخواطر على القلب اضطرابا وهي الوسوسة قال الشاعر (الأعشى):\n(تسمع) للحلي وسوسا إذا انصرفت ... كما استعان بريح عشرق زجل\nفهذه حالة أولى لابد للقلب منها. ثم تطرأ عليه حالة ثانية وهي التياح بعض الخواطر من بين جملتها إن كان خيرا أو هجومه في حالة واحدة إن كان شرا فذلك الهم تكتب له الأولى ولا يكتب عليه الثاني (بفضل الله وبرحمته وبه فلتفرحوا فذلكم خير لكم مما تظنون)، ثم تطرأ على القلب حالة ثالثة وهي حذف جميع الخواطر إلا واحدا وتلك هي الإرادة، فإن انقطعت عوارضها جملة صارت نية مأخوذة من النوى وهو البعد، وذلك هو الإخلاص لتجردها عن عوارضها وبعدها عن عوائقها وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾ وقوله تعالى: ﴿فادعوا الله مخلصين له الدين﴾ ولا يمتنعان يغفر الله لعبده بعض ذلك من اعتقاده بمقاساة من السموم والأوصاب كما","vol":"2","page":36},{"text":"تقدم في حديث عائشة ﵂ أو بفضل (مبتدأ) كما ورد في الصحيح من حديث ابن عمر: أن الرب تعالى يدني عبده منه حتى يضع عليه كفنه فيقول له: عبدي، أتذكر يوم كذا حين فعلت كذا، فلا يزال يقرره على ذنوبه حتى يرى أنه قد هلك، ثم يقول: عبدي سترتها عليك في الدنيا وأنا أغرها لك اليوم\".\nصلة: قال رجل من أهل الجفاء: من قال إن قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ نسخه قوله: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ لا يصح لأنه أهل القبلة مجمعون على أن الله تعالى لم يكلف أحدا إلا ما يطيقه، والقول بذلك تجوير للباري والله أحكم وأرحم من أن يكلف أحدا فوق وسعه ثم ينسخ ذلك بالتخفيف فيكون ذلك قبل النسخ جورا وليس في شيء من الروايات أن الله نسخها.\nهداية: أما قوله أن الله تعالى لم يكلف أحدا إلا ما يطيقه، فإنما عرف ذلك بخبره في هذه (الآية) وإلا فجائز في حكم الله سبحانه أن يكلف الخلق ما لا طاقة لهم به وذلك عدل منه لكنه أخبر (أنه) لا يفعله بفضله فعرف ذلك بخبره وليس في القول بذلك تجوير بل هو توحيد. (وفي القول بأن) ذلك لا يجوز حجر على (الله) في فعله (وتحكم عليه) في حكمه وإلزام له مالا يلزمه، وللباري أن يمتحن الخلق بمالا طاقة لهم به من البلاء وأن يكلفهم مالا يطيقون من الأعمال ويكون ذلك عذلا منه، ثم ينسخه ويكون ذلك فضلا منه،\nوقد كلف خمسين صلاة كل يوم وليلة وذلك مما لا يطيقه الخلق ثم نسخه (قبل الفعل) وقد بينا حديث ابن عباس ﵁ في الصحيح أن الله كلف ذلك (ثم نسخه) و(من هنا) قال: إن ذلك لا يصح، فنقول له: تزحزح عن ذلك فليست لك معرفة بالحديث إنما شانك أن تحتج بما ليس له أصل إنما تلقفته من","vol":"2","page":37},{"text":"أشياخك المبتدعة وتترك الأصول في الصحاح. وقوله: الأخبار لا تنسخ قلنا قد يدخلها على وجهها النسخ وسيأتي في ذلك مزيد بيان. فهذا تحقيق هذه الآية وبها انتهت الآيات التي خرجت عن حكم الناسخ والمنسوخ إلى التخصيص وهي تسع وعشرون آية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>ابتداء الآيات المخصوصة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿الذين يومنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾. قال قوم: هي الزكاة. منهم يزيد بن القعقاع وابن عباس رحمهما الله. وقال قوم: هي كل نفقة وهو الضحاك. والصحيح أنه مدرج للنفقة طلقا. ثم إن الله تعالى بين درجات الإنفاق في التكليف وأحكامه في الثواب في سائر الآيات وعلى لسان رسوله - ﷺ -. وقول من قال إن هذه الآية وكل آية تضمنت النفقة في القرآن منسوخة بالزكاة جهل فإن المخصوص لا يدخل في سيما ولا تعارض فيه</span>.","vol":"2","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون﴾. قد بينا في غير موضع كتبنا أن الإيمان هو التصديق بالقول لما يكنه القلب وبالفعل لما يقتضيه القول ولا يختص بالقلب دون القول والفعل، وجربنا في طلق البيان فيه بما يظهر لمن اطلع عليه في (المشكلين، والمقسط). وإذا كان كذلك، فهؤلاء الذين آمنوا هم الذين صدقوا. وأما الذين هادوا ففيهم ثلاثة أوجه</span>.\nالأول: تابوا يعني من عبادة العجل، وذلك لقوله تعالى: ﴿إنا هدنا إليك﴾.\nالثاني: قيل: نسبتهم إلى يهوذا وعرب فقيل: يهود، ثم حذفت الياء فقيل هود.\nالثالث: أنه اسم \"علم\" وهو اصحه حسب ما بيناه في (الملجئة).\nوأما النصارى ففيه خمسة أقوال: الأول أنه جمع نصران كندمان وندامى وأنشدوا:\nكما سجدت نصرانة لم (تحنف)\nالثاني: قال الخليل ﵀: واحدهم نصري وقيل في الثالث: واحدهم نصراني.\nالرابع: سموا بذلك نسبة إلى ناصرة قرية كان ينزلها عيسى ﵇.\nالخامس سموا بذلك لقولهم (نحن أنصار الله) وأنشدوا *لما رأيت نبطا أنصارا*.","vol":"2","page":39},{"text":"وأما الصابئون فواحدهم صابيء، وهو الذي خرج من دين إلى دين وهو قول الخليل، سموا بذلك لخروجهم عن اليهودية والنصرانية، وقيل: هو مأخوذ من صبأ إلى كذا أي مال وهذا لا (...) فهذا اشتقاقهم: وأما تفسيرهم ففيه ثلاثة أقوال: الأول أنهم قوم يعبدون الملائكة قاله \"قتادة\" الثاني: أنهم طائفة من أهل الكتاب قاله \"السدي\" الثالث: أنهم نصارى وقبلتهم جهة الجنوب ويزعمون أنهم على دين نوح ﵇.\nفأما (الذين آمنوا) فقيل في سلمان وأصحابه كان يطلب (الدين ويسعى في درك الحق) قال السدي وقيل: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾.\nقال القاضي أبو بكر ﵀:\nوالصحيح (أنها محكمة) لأنه لا يعارض قوله: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا﴾ ومعناها أن المومنين واليهود والنصارى من آمن بالله منهم وعمل صالحا فلهم أجرهم وأمنهم وسرورهم. فإن قيل: كيف جمع بين المحق والمبطل في خبر واحد، وذلك تناقض والمخبران المتضادان لا يجتمع بينهما في خبر واحد، كما لو قال محمد - ﷺ - ومسيلمة صادقان أو كاذبان فهما خبران باطلان بجمعهما بين المتضادين، قلنا عنه: إن هذا إنما كان يتضاد ويتناقض لو قال: ﴿إن الذين آمنوا","vol":"2","page":40},{"text":"والذين هادوا والنصارى والصابئين﴾ لهم أجرهم ولا خوف عليهم ولاحزن (ولكنه عقب ذكر ذلك بقوله) ﴿من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا﴾ فرجع الجواب بثبوت الأجر ونفي الخوف والحزن إلى الإيمان والعمل الصالح، فإن قيل وأي فائدة في تكرار الإيمان وقد كان الآخر منه يكفي ذكره عن الأول ويرتفع التشابه؟ قلنا لو ورد القول كذلك لخرجت عنه فائدتان: الأولى من آمن بالله ممن لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا صابئا فأدرج معهم في الخطاب الأولوميز الحكم في الخطاب الثاني بحقيقته الجامعة للكل. الثانية أنه كان يخرج منهم أهل الفترة كقس بن ساعدةوزيد بن عمروابن نفيل والمحترق: أما، قس، ﵁ ففهم التوحيد وعرف حدوث العالم وأنذر بالنبي ﷺ فترحم عليه ﷺ وقال: (إنه يبعث أمة وحده). وأما زيد بن عمرو بن نفيل فحديثه في الصحيح أنه: كان يطلب الحنيفية ويفر من اليهودية والنصرانية ويوحد وينتظر النبي ﷺ، وأما المحترق فحديثه في الصحيح (أيضا) أن رجلا لم يعمل خيرا قط قال: إذا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم أذروا في يوم رايح نصفي في البر ونصفي في البحر، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين، وفي رواية: لعلي أضل الله. فلما أعاده الله خلقا سويا قال له: ما حملك على مافعلت؟ قال: مخافتك. فما تلافاه غيرها، فهذ رجل جهل صفات وعرف صفاتِ وكان ذلك في زمان الفترة، فعذره الله تعالى وغفر له ما جهل بما علم. بخلاف من يجهل الله اوشيئا من صفاته في زمان البيان والنبوة، فإنه لايغفر له إلا الذنوب العملية خاصة دون الاعتقادات السيئة","vol":"2","page":41},{"text":"(في الإلهية). فأما ورقةبن نوفل ﵀، فمؤمن حقابما جرى له معالنبي ﷺ في الحديث الصحيح، واقراره به وشهادته له، وقد بينا ذلك كله في (المشكلين)، فلما كان لهؤلاء أجوال في الإيمان قبل النبي صلى الله عليه وسلام وابتعاثه، أخبره اللهتعالى أن الطوائف كلها قبل المبعث من آمن منهم بالله، ولو بالوجود وبعض الصفات، وعمل صالحا يعني اجتنب الفواحش والموبقات بالبعث الذي يعدله العملالصالح، فإن الله يأجره ويؤمنه ويسره أجر المؤمن بالنبي (القابل لشريعته) ويومنه ويسره أمنه وسروره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>الآية الثالثة: قوله ﷿ ﴿وقولوا للناس حسنا﴾</span>.\nالحسُن والحسَن كالرشد والرشد وقد (قرئ) بهما. والحسن ع وزن فُعلهو الجاري على مصدر الفعل، مثال العمل، هو الجاري على وصف الاسم، وهو على أقسام بيناها في (كتاب المشكلين)، ومن جملتها أن الحسن ينطلق علىلمعتاد (المألوف) وعلى ما حسنه الشرع بالدعاء إليه وندب بالحث عليه. وقد\nقال\"محمد بن علي أبو جعفر\": هي محكمة ومعناها قولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقال عطاء: معناها قولوا للناس ماتحبون (أن يقال) لكم. وقال (ابن جريج): قلت لعطاء: لا، ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾.","vol":"2","page":42},{"text":"وقالت (الجماعة): هي منسوخة بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث\nوجدتموهم﴾ وقال \"قتادة\" مثله. قال القاضي ابن العربي ﵁: والصحيح انها (محكمه)\nلأن العلماء بين قائلين: أحدهما أنها عامة موقوفة، وهم القائلون بالوقف في العموميات، فما دل الدليل\nعليه من ذلك قلنا به. والثاني: أن العموم صحيح فتكون مخصوصه في الكفار والمجاهر بالمعاصي، وتغيير المنكر مع الخوف ودفع الإنسان عن نفسه بالقول الحسن فيما يحذر ممن يحذر. وفي الصحيح قال النبي ﷺ: (اتقو النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوافبكلمة طيبة) وعلى نحو ما قدمناه جاء قوله تعالى: ﴿فقولا له قولا لينا لعلهيتذكر أو يخشى﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>الآية الرابعة: قوله عزوجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لاتقولوا راعناوقولا انظرنا واسمعوا﴾. كان المسلون يقولون للنبي ﷺ. راعنا استدعاءالرعاية لهم، فاتخذها الكافرون دخلا فكانوا يقولون للنبي ﷺ راعنا، منادى فاعلامن الرعونة، كما تقول: يارجلا، ثم تحذف حرف النداء فتقول: رجلا. فلما اطلعالله تعالى على سهرهم نهى المسلمين عن ذكر هذا حتى يقطع بذلك تذرع الكفار إلى سب رسول الله ﷺ، فجعل قوم هذا نسخا لأنه نهى بعد إباحة. ولكن لم تكنالإباحة بنص. وإنما كانت داخلة في عموم التعزيز والتوقير، فلما توصل بها الكفار إلى</span>\nإذاية النبي ﷺ نهى عنها، فكانت تخصيصا من عموم التعزيز والتوقير","vol":"2","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الآية الخامسة: قوله تعالى، ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي اللهبأمره﴾.قال السدي في هذه الآية: إنها منسوخة بالأمر بالقتال، وقد بيناأن الحكم الممدود إلى غاية لاتكون الغاية ناسخةله، فمن ظن ذلك من الجهال فقدسبق بياننا له، ولم يقل ذو تحصيل بنسخ في ذلك فاعلموه من هنالك</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾.اختلفالناس في هذه الآيةعلى سبعة أقوال:</span>\nالأول أن معناها: صلوا كيف شئتم فإن الله قصدكم وهو تلقاء وجوهكم لايحويه مكان كما لا يشتمل عليه زمان ولا يخلو منه بعلمه موضع، قال معناه\" قتادة\".\n\nالثاني قال ابن زيد: \"هذه الآية اقتضت إباحة الصلاة لهم إلى أي جهةشاءوا، فقال لهم النبي ﷺ، هذه يهود تصلي إلى بيت من بيوت الله فصلوا إليه، فلمانسخ قالت يهود: ما اهتدوا حتى هديناكم، فكبر ذلك على النبي ﷺ ورفع رأسه إلىلسماء فنزلت ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ماكنتم فولوا وجوهكم\nشطره﴾ لئلا يكون للناس عليكم حجة\".\n\nالثالث أن معناه: إلى أي جهة أممتم فثم وجه الله أي جهته التي أمركم أنتتوجهوا إليها وهي الكعبة.","vol":"2","page":44},{"text":"الرابع قال \"إبراهيم النخعي\": نزلت في ليلة مطر أظلمت القبلة علىلناس فيها فصلى كل واحد إلى جهة أمها فلما أصبحوا وجدوا أنفسهم إلى غير القبلة،\nفأنزل الله هذه الآية، عذرهم فيها وجوز لهم فعلهم.\n\nالخامس: أن النبي ﷺ صلى على النجاشي (حين) مات فقالالناي (كيف) (صلى عليه وهو يصلي (إلى غير قبلتنا) فأنزل الله هذهالآية.\n\nالسادس: أنها نزلت في الدعاء.\n\nالسابع: أنها نزلت في صلاةالنبي ﷺ في السفرعلى راحلته إلى غير (القبلة).\n\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nأما القول الأول فهو باطل، فإن الله ما أباح قط الصلاة لأحد حيث شاء، ولاأوقف أمر القبلة على إرادة أحد، ولا أجراها باختيار مكلف، فهذا ممتنع عادة شرعيةمعدوم رواية. أما إن العبد وإن قصد جهة الكعبة فليس الباري بحال في موضع. وأما القول الثاني فإذا أسقطت منه قوله: ثم نسخ، أفتقر إلى نقل وحينئذيعول عليه، وإذا قرنته بقوله ثم نسخ انقلب المعنى مالم ينقل من ذلك (فلا) يلتفت\nإلى قوله. وأما سبب صلاة النبي ﷺ إلى بيت المقدس ففيه قولان: أحدهما أن\nالنبي ﷺ فعل ذلك (تألفا لليهود) وليسهلعليهم اتباع الدين لاستوائهما في","vol":"2","page":45},{"text":"القبلة قاله الطبري. الثاني: أن الله تعالى أراد أن يمتحن العرب بالصلاة إلىغير البيت الذي كانت ألفته، ليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، والأول أصح ويشهد له قوله ﷿ ﴿وماجعلنا القبلة التي كنت عليها﴾ يعني الصلاة إلى بيت المقدس ﴿إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب علىعقبيه﴾ يعني فلا عبرة بقول السفهاء (من الناس) ﴿ما ولاهم عن قبلتهمالتي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب﴾ (أي الجهات) ﴿يهديمن يشاء إلى صراط مستقيم﴾ في كل ما أمر به من استقبال (القبلة) واستدبار أو إعراض وإقبال، وهذا إخبار من الله تعال فإن النبي ﷺ إلىبيت المقدس بأمر منه (لأن هذا) مما لايدرك بالاجتهاد وكان هذا أمرا منالله تعالى بما كان النبي ﵇ مال إليه غبة في استدعاء اليهود منه، فلما رآهنعلى غلوائهم متمادين أراد الرجوع إلى قبلته (فاستحي) أم يسأل أخيرا خلاف ماسأل أولا، فكان يرفع بصره إلى السماء ليسأل فيصرفه الحياء، حتى نزلت عليه:\n﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ الآية، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلمأنهصلى إلى بيت المقدس بمك مرة فكان يجمع بين القبليتين فلما هاجر إلى المدينة صلىإلى بيت المقدس خاصة تسعة عشر شهرا أو ستة عشر شهرا في رواية البراء وابن عباس ﵃ وهوالصحيح، وثلاثة عشر شهرا في رواية معاذ، وعشرة أشهر في روايةأنس، وقد كان كبر على جماعة ممضى من صلاتهم إلى بيت المقدس","vol":"2","page":46},{"text":"وتأسف قوم على من مات وهو يصلي إليها فأنزل الله عزوجل: ﴿وإن كانتلكبيرة الا على الذين هدى الله﴾ لامتثالهم أمره ﴿وما كان الله ليضيعإيمانكم﴾ أي صلاتكم أليها المفعولة لتصديقكم بالأمر بها.\nوأما قول من قال إن معناه فثم جهة الله أي الكعبة فهذا محال عقلا وشرعاوإنما المعنى ﴿فأين ماتولوا فثم وجه الله﴾ أي جهته التي أمركم بها سواء كانتالكعبة أو بيت المقدس.\n\nوأما من قال إنها نزلت في الليلة المطيرة فلم يصح نقله، والصحيح فيها حديثابن عمر ﵄ في صلاة النبي ﷺ في السفرالنافلة على الراحلة كماتقدم بيانه.\n\nوأما م قال: الدعاء، فيفتقر إلى نقل (ولم يصح) والسماء قبلة الدعاءوالكعبة قبلة الصلاة تعبدا شرعا وتكليفا، وقد قال لنا شيخنا الإمام الزاهدالصوفي ظبيان الدمشقي: بها قال لنا دانشمند_ ثم لقيته ببغداد فأخبرني","vol":"2","page":47},{"text":"به وحققته معه_ وقاله لنا الإمام الدهستاني وغيره (عن) القاضي أبيزيد الدبوسيوقد قررته في غير موضع،معناه أن الله تعالىليس في جهة مخصوصة ولا في بقعة معينة كيف ما قدرتها، مرتفع أو منخفضة، شرقية أو غربية، سمائية أو أرضية، وإنما النفس شأنها التشوف والاسترسال، فقصرت على حالة واحدةفي الصلاة والدعاء ليكون أثبت لها وأوقع للتكليف فيها. ولكن العبد إنما يقرب من ربه بالذلة لأنه العزيز، وأذل الأحوال السجود بالوجه الذي هو أرفع الجوارح علىلأرض التي هي أهون الموجودات، وخصت له جهة السماء باستقبالها بالدعاء إشارةإلى تعظيم علو المسافة المحسوسة التي تكسب القلب علو المكانة (المعقولة) ولأنهامحل الأرزاق وموضع الاستقرار في دار النجاة وقد مهدنا ذلك في (كتاب المشكلين)\nقال القاضي ابن العربي ﵁: وإذ قد انتهى القول إلى هذاالحد فالمتحصل في الباب المتصدي له من الآية ثلاثة أقوال:\nأحدهاأنها ناسخة.\nالثاني أنها منسوخة كما تقدمت الإشارة في سرد الأقوال إليه.\nالثالث أنها محكمة وهو الصحيح كما تقدم من رواية ابن عمرفيها والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وبكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ قال بعض أهل النسخ: إن آية القتال نسختهااعلمواوفقكم الله أن قوله تعالى: ﴿قل أتحاجوننا في الله﴾ لا يدخله النسخ لأنهتقرير على وقوع الحاجة بين المسلمين والكفار ونهى عنها فلا يصح رده ولا يجوزرفعه إذ النسخ إنما يدخل في الأحكام لا في التوحيد. وكذلك قوله تعالى: ﴿وهوربنا وربكم﴾ مثله. وأما في قوله تعالى: ﴿ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ فهو</span>","vol":"2","page":48},{"text":"كلام صحيح، لأن عمل كل أحد له حقيقة في الوجود حقيقة في العادة. فوجود منفعةالعمل أو مضرته، وألمه أو لذته، حقيقة شرعا يلقى ثوابه أو عقابه، وهو ايضا خبر لايدخله نسخ. وكذلك أخبر الله عن محمد ﷺ ﴿فقل لي عملي ولكم عملكم﴾ وقوله تعالى: ﴿فعلي اجرامي وأنا برئ مما تجرمون﴾ خبر عن قول نوح ﵇. وهذه كلها حقائق لاتدفع ولاترد. لكنه بقيفي الآية أنها إشارة (إلى المتاركة) وتنبيه على المسألة لمفهومها من الخطاب وقد نسخت المتاركةبالقتال فجاء النسخ في مفهوم الآية وفحواها لا في نصها ومعناها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ قال بعضهم، هي ناسخة لصلة النبي ﷺ إلى بيت المقدس وهو أول حكم نسخه اللهلرسوله ﵇، فتناولت على أحد الأقوال قوله: ﴿ولله المشرق والمغربفأين ما تولوا فثم وجه الله﴾ وليس بصحيح كما قدمناه</span>.\nوإنما نسخت الأمر الواقع لرسول الله ﷺ بالتوجه الى بيت المقدس وهو أمر لمينقل قولا وأن كان قد وقع فعلا. أما أنه قد قال تعالى: ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾ وذلك اشارة، على أظهر التأويلات، إلى الصلاة إلى بيت المقدستارة وإلى الكعبة أخرى، وفي الصحيح عن ابن عمر ﵄ ما لفظه: بينما الناس في الصبح بقباء، إذ جاءهم رجل فقال: قد أنزل الليلة قرآن فأمر أن","vol":"2","page":49},{"text":"تستقبل القبلة فاستقبلوها. فاستداروا كهيئتهم فتوجهوا إلى الكعبة وكانت وجوههم إلى الشام).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية. قال بعض القاصرين: معنى قوله تعالى: ﴿فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ فلا يطوف بهما. وكان على الصفا صنم يقال له (أساف) وعلى المروة آخر يقال له نائلة، وكانا رجلا وامرأة زنيا في الكعبةفمسخا فوضعهما المشركون هنالك وعبدوهما من دون الله تعالى، فلماأسلمتالأنصار (رضي) لله عنهم (تحرجوا أن يطوفوا بينهما) فأنزل الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾.ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿ومن</span>\nيرغب عن ملة ابراهيم إلا من سفه نفسه﴾.\nقال القاضي محمد ابن العربي ﵀:\nهذا جهل بالمعنى وجهل بالسنة والنقل. أما جهل المعنى فقد بينته عائشة ﵄ لأبن أختها عروة ﵀. ثبت أن عروة بن الزبير رحمهما الله قال لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم_قال، وأنا يومئذ حديث السن_ أرأيت قول الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا","vol":"2","page":50},{"text":"جناح عليه أن يطوف بهما﴾، فما أرى على أحد شيئا أن لا يطوف بهما؟ فقالت عائشة رحمها الله: لو كانت كما تقول كانت ﴿فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما﴾ وإنما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلون لمناة، وكان مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فأنزل الله ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾، فهذا عروة إنما أشكل عليه وعلى غيره وجوب السعي بين الصفا والمروة مع قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ فأما النهي عن الطواف فلا يقتضيه ذلك اللفظ حسبما بينته عائشة رحمها الله. وأما الجهل بالنقل فإنه ثبت أن النبي ﷺ لما طاف في حجته بالكعبة وخرج عن المسجد وقف على الصفا وقال: \" نبدأ بما بدأ الله به\".\nفنص على العمل بمقتضى الآية ولو كانت منسوخة لفعل نسكه ول يستشهد بالآية، وهي مرتبطة بعضها ببعض بحرف الربط وهو الفاء فدل على أن الآية في كون الصفا والمروة من شعائر الله بمقتضي أن يكون آخرها الأمر بالطواف ليس النهي عنه، وهذا ظاهر فتأمله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>الآية العاشرة قوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ إلى قوله: ﴿الرحيم﴾ قال بعض الغافلين: إن قوله: ﴿إن الذين يكتمون﴾ إلى قوله: ﴿اللاعنون﴾ نسخها قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾</span>.","vol":"2","page":51},{"text":"وهذا باطل من ثلاثة أوجه: أحدهما أن هذا وعيد ولا نسخ في الوعد والوعيد وإنما تنسخ الأحكام كما قدمنا بيانه. الثاني أن من شرط الناسخ أن يتأخر عن المنسوخ فأما إن اتصل به فلا يكون نسخا. الثالث أن قوله: ﴿إن الذين يكتمون﴾ عام وقوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾ تخصيص وهو أمر خارج عن النسخ كما بيناه فلا معنى لهذا القول بحال، ولا يعجب. في هذا من وهم المفسرين وإنما أعجب من غلط ابن حبيب فيه وهو من الفقهاء، وظني والله أعلم أنه سامح في تسمية التخصيص نسخا على عادة على المفسرين، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>الآية الحادية عشرة قوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم﴾</span>.\nقال بعضهم: نسخ الله من ذلك بالسنة السمك والجراد والكبد والطحال، ونسخ من ذلك ومن قوله: ﴿وما أهل لغير الله به﴾ قوله: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ أكل المضطر. وهذا من تخصيص العام المتقدم في قوله: \" أحلت لكم ميتتان ودمان\" وإما قوله تعالى: ﴿فمن اضطر﴾ فهو أيضا تخصيص ويمتنع أن يكون نسخا لاتصاله وعدم التأخر فيه كما بيناه وبيان الآية في قسم الأحكام.","vol":"2","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>الآية الثانية عشرة قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nهذه الآية من أمهات الأحكام وقد بيناها في قسمها.\nفأما الذي علق بالنسخ (فيها) فوجهان:","vol":"2","page":53},{"text":"أحدهما ما كانت الجاهلية تفعله من إرادتها (الربا والتعدي بأخذ) الجماعة (عن) الواحد والحر عن العبد والشريف عن الدنيء فأوجب الله تعالى المثل عن المثل (ومنع) من الزيادة والتعدى.\nوالوجه الثاني ما كانت عليه شريعة بني إسرائيل من التعيين للقصاص في جزاء القاتل دون الفداء بشيء من مال. ثم من الله تعالى على هذه الأمة بالدية فقال النبي ﷺ: من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفادي وإما أن يقتل\". وعن ابن عباس ﵀: كان في بني إسرائيل القصاص ول تكن فيهم الدين فقال الله تعالى لهذه الأمة ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ يعني مما كتب على من كان قبلكم (فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم) يعني بعد قبول الدية.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀: وهذا نص من قول ابن عباس ﵁ صحيح نقله: وشريعة محمد ﵇ نسخت شريعة موسى صلوات الله على نبينا وعليه وعلى جميع النبيين. وقبول الدية في هذه الآية نسخت على الخصوص (انختام) القصاص على من سبق من الأمم فهذا نسخ صحيح بشرائطه المتقدمة وفيه خلاف كثير بين العلماء بيناه في قسم الأحكام الثالث، فلأجل هذا الإشكال جعلناها في قسم الخصوص، ورجح مالك وأصحابه العطاء لأن العفو إذا كان بمعنى الإسقاط وصل بكلمة (عن) كقوله تعالى: ﴿واعف عنا﴾.\nورواية أشهب أظهر لوجهين: أحدهما الأثر والآخر النظر، أما الأثر فقوله ﵇: فمن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفادي وإما أن يقتل.","vol":"2","page":54},{"text":"وأما طريق المعنى والنظر فإن الولي أو القاتل إذا وقع العفو منهما بالدية فإنه واجب على القاتل قبوله دون اعتبار رضا القاتل لأنه عرض عليه بقاء نفسه من مثله كما لو عرض عليه بقاء نفسه في المخمصة بقية الطعام للزمة.\nوأما الذي كانت العرب تفعله من الربا في القصاص والاعتداء فليس من النسخ في شيء لأنه لم يكن حكما أحكم ولا شرعا ولا دينا مهد وإنما كان باطلا يفعل وحقا يجهل فقذف الله بالحق على الباطل فدمغه وأعلم الصحيح في ذلك وبلغه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>الآية الثالثة عشر قوله تعالى: ﴿يا أيها الذي آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. أياما معدودات﴾</span>.\nقال أهل التفسير فيها خمسة أقوال:\nالأول أنها ناسخة لصوم عاشوراء، وقد كان يصام في الجاهلية ويصومه اليهود.\nالثاني قال عطاء: كان فرض في صدر الإسلام صوم ثلاثة أيام من كل شهر.\nالثالث قال أبو العالية وغيره: كان (فرض في صدر الإسلام صوم ثلاثة) الله قد فرض على من كان قبلنا إذا نام بعد المغرب لم يأكل ولم يشرب ولم يقرب النساء ثم كتب ذلك علينا ذلك قوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾.\nالرابع: أن الله تعالى كتب علينا الصيام شهرًا قاله مجاهد وقتادة كما كتب على من كان قبلنا.","vol":"2","page":55},{"text":"الخامس أن الله تعالى كتب على النصارى صوم شهر فمرض رجل منهم فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدن عشرا، ثم كان آخر فأكل لحما فأوجع فاه فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدين سبعًا، ثم كان ملك آخر فقال: لنتمن هذا السبع ولنجعلنه في الربيع. فصار خمسين.\nقال القاضي ابن العربي ﵀: أما من قال إنه صوم عاشوراء فمتعلقه ما روي عن النبي ﷺ لما قدم على اليهود وجدهم يصومون عاشوراء فسألهم فقالوا: هذا يوم أنجى الله فيه موسى وغرق فرعون فقال لهم النبي ﷺ: نحن أحق بموسى منكم\" فصامه النبي ﵇ وأمر بصيامه حتى فرض رمضان فقال النبي ﷺ: (هذا) \" يوم عاشوراء لم يكتب الله عليكم صيامه فمن شاء صام ومن شاء أفطر\".\nوهذا لا حجة فيه لوجهين: أحدهما أن الله تعالى لم يكتب على اليهود صوم عاشوراء وإنما صاموه من قبل أنفسهم شكرا لله تعالى على ما منح قومهم من خلاصة من فرعون وسلامتهم: الثاني أن الله تعالى قال في هذه الآية: ﴿أياما معدودات﴾ وعاشوراء واحد، فخرج بذلك من الآية وأما من قال إنه صوم ثلاثة أيام من كل شهر فلم يصح سنده فلا يشتغل به. وأما قول أبي العالية فهو الصحيح لما ثبت عن البراء ﵁ أنه قال: كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾.","vol":"2","page":56},{"text":"التكليفية على نحو ما كان على ما قبلنا ثم خص الله الليل كله بقوله: ﴿أحل لكم ليلة الصيام﴾ فكان تخصيصا للعموم في صوم الزمان كله، نسخا لما كان عليه من قبلنا، وهذا تحقيق بالغ والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>الآية الرابعة عشرة قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾</span>.\nاختلف المفسرون فيها على قولين:\nأحدهما أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ كان فرض القتال أولا لمن قاتل ثم جعل عاما لمن قاتل ولمن لم يقاتل بقوله: ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ وقال ابن زيد وأشار بقوله: ﴿ولا تعتدوا﴾ إلى أن معناه ولا تقاتلوا من لم يقاتلكم من الكفار. الثاني أن المراد بذلك لا تعتدوا أي لا تقاتلوا امرأة ولا وليدًا ولا راهبا، روى عن ابن عباس وعمر بن عبد العزيز، ﵃ وغيرهما. والأول أقوى في النظر وإن كان في الكلام محتمل للقول الآخر وإنما دخل التخصيص في قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ ولم يدخل في قوله: ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾","vol":"2","page":57},{"text":"يقاتلونكم كافة﴾ لأن المرأة والصغير والراهب لا يقاتلون حتى إذا قاتلوا قتلوا بعض القرآن في قتل من قاتل ويكون بقوله: ﴿ولا تعتدوا﴾ (مماثلا) لقوله: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا﴾ المعنى أن من كف عن قتالكم فكفوا عنه. ويدخل من أراد الصلح بوجه من المعنى فيعطي له كما بيناه في كتاب الأحكام ومسائل الفقه والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>الآية الخامسة عشرة قوله تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾</span>.\nاختلف المعترضون لهذا الباب في هذه الآية على قولين: أحدهما أن الآية منسوخة نسخها قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ قال آخرون: هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿اقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ ثم نسخ هذه الآية الناسخة قوله في ﴿براءة﴾ ﴿قاتلوا المشركين﴾ والصحيح أن الآية محكمة ليست ناسخة ولا منسوخة إذ لا يصح النسخ بين العام والخاص بل الخاص يقضى على العام إجماعا، وقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾.","vol":"2","page":58},{"text":"و﴿حيث ثقفتموهم﴾ صحيح على عمومه لا تعترض آية على أخرى، وقوله: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام﴾ خاص في منع القتل والقتال في الحرم فهو على خصوصه لا يعترض عليه قرآن ولا سنة بل تعضده السنة في الحديث الصحيح أن سعد بن عبادة قال يوم الفتح: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الكعبة. فقال أبو سفيان: يا عباس اليوم يوم الذمار، فلما مر رسول الله ﷺ بأبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد قال: ما قال؟ قال: قال كذا وكذا وكذا، فقال: \" كذب سعد ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة وتكسى فيه الكعبة\" وثبت أنه قال ﷺ إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله (لم حل) لأحد قبلي ولا يحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من النهار (لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها).\nوقد ذكرنا (في كتاب تحفة الخواطر) وقسم الأحكام كلام الإمام حسين الصاغاني الحنفي فيها بمدرسة أبي عقبة من بيت المقدس طهره الله وقد","vol":"2","page":59},{"text":"ثبت أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح، وعلى رأسه المغفر قال ابن شهاب: ولم يكن رسول الله ﷺ يومئذ محرما. وذلك قوله ﵇: وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإذا كان القتال يحل لي فيها فاللباس أولى لأنه إنما تعدى من دخلها بالأمن وأما من دخلها محاربا .. فإنما يدخل شاكا بهمة وقد أمن النبي ﷺ يوم الفتح كل الناس إلا خمسة: ابن خطل ومقيس بن صبابة الكناني والقينتان (أمنتا أيضا إحداهما أم سارة، وقيل في الخامس إنه عبد الله بن سعد بن أبي سرح حتى أخذ له الأمان عثمان بن عفان ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>الآية السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم﴾ قال بعض من اعترض لهذا الفن: هذا من الأخبار التي معناها الأمر وتقديره فاعفوا عنهم واصفحوا عنهم، ثم نسخ ذلك بآية السيف</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي: هذا قول باطل من ثلاثة أوجه: الأول أن الخبر لا يكون بمعنى الأمر بحال ولا الأمر بمعنى الخبر أبدًا فإنهما قسمان متغايران ذاتا وحقيقة.","vol":"2","page":60},{"text":"الثاني أن الخبر إنما يتقدر في المآل بمعنى الأمر إذا كان في الأحكام التلكيفية فأما المعنى الذي يتعلق بالوعد والوعيد فلا سبيل إلى ذلك فيه – الثالث: أن المراد بقوله: ﴿إن انتهوا﴾ إن آمنوا، بدليل أنه علق على هذا الشرط من الخبر المغفرة والرحمة، ولا يكون ذلك لكافر وإن كف عن القتال حتى يعتقد التوحيد ويعترف بالإيمان. وهذا يدل على أنها على معناها الصحيح من كونها خبرا عن الغفران لمن أمن من الكفار والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>الآية السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص﴾. قد قدمنا في غير موضع من كتاب الأحكام أن الآية نزلت في قضاء النبي ﷺ العمرة سنة القضية عما كما صده المشركين عام الحديبة فقال الله لنا أن الشهر الحرام عام القضية قصاص بالشهر الحرام عام الحديبية ذو القعدة كذي القعدة وحرمة كحرمة، وزمان كزمان- وقيل إن المشركين أرادت أن تقاتل النبي ﷺ في الشهر الحرام حين احترمه النبي ﷺ وامتنع من القتال فيه فأنزل الله في ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص﴾ المعنى إن استحلوا فيكم الشهر الحرام فاستحلوا فيه، ومن استحل دما أو مالا فاستحلوا دمه وماله، وهذا لا كلام فيه على تفصيل بيناه في كتاب الأحكام والمسائل</span>","vol":"2","page":61},{"text":"الفقهية، ثم قال بعد ذلك: ﴿فمن اعتدى عليك فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم﴾ فروى أهل التفسير عن ابن عباس أن إباحة الاعتداء من المعتدى عليه على المعتدى منسوخ برد ذلك إلى الإمام وذلك موجود في قوله: ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾ فنسخ ذلك السنة المتواترة أو هذه الآية.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nليس في الشريعة سنة نصية بأن أحدا لا يقتضي حقه لنفسه إنما هو إجماع الأمة وأما الآية المذكورة فقد قيل إن الولي ها هنا القريب وليس المراد به الوالي، وقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه﴾ أي جازوه كما فعل بكم وسمى الأول باسم الثاني كما قال تعالى. ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ وليس الجزاء بسيئة سيئة وإنما حسنة محضة ولكنه لما كانت جزاء لها سماها باسمها وعلى هذا جاء قوله: ﴿الله يستهزيء بهم﴾ والمراد بذلك من قاتلكم في الحرم فقاتلوه فيه ولا تنشئوا القتال ابتداء كما تقدم بيانه،","vol":"2","page":62},{"text":"وكفوا عن الأموال والأنفس إلا لمن طلب أنفسكم وأموالكم مستبيحا لذلك فإن دمه وماله مباح لكم، بتفاصيل بيانها في كتاب الأحكام.\nالقسم الثالث: وفي كتب الفروع وليس للنسخ إلى ذلك طريق.\nفأما اقتضاء الإمام حقوق العدوان فإنما كان ذلك لأن الخلق لو تركوا يتهارجون ويتناصفون بالاقتدار والتعاون من ذات أنفسهم لكانت فيه (فتنة عمياء) وجاهلية جهلاء وعاقبة مفسدة حال الدهماء، فنصب الإمام ليفصل بالقانون الشرعي ويكف عادية الباغي وعدوان البغية والبغي حسب ما اقتضته المصلحة الإيالية والسياسة الدينية والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>الآية الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾</span>.\nقد بينا القول في وجوب الحج وشرع العمرة في قسم الأحكام بما يغني على إعادته ها هنا، وقد قرأها ابن مسعود ﵁: \"وأتموا الحج والعمرة للبيت\" وقرأها الشعبي: العمرة، بالرفع وقرأها: العمرة لله إلى البيت، وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية ناسخة لفسخ الحج إلى العمرة","vol":"2","page":63},{"text":"(الذي) أمر النبي ﷺ أصحابه، به فإن الأمر بالاتمام لما وقع به الابتداء يمنع من نسخه ورده إلى غيره. وقد أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على أن ذلك مخصوص بالنبي ﵇ وزمانه وحجته تلك الأخيرة، حاش ابن عباس ﵀ فإنه رأي ذلك باقيا إلى يوم القيامة وروى أبو عبيد أن الناسخ لذلك فعل الخلفاء الراشدين. وأطالوا النفس في ذلك وهو كله سقط من القول غلط في الاعتقاد وإنما الأمر بإتمام الحج والعمرة في هذه الآية ما قدمنا بيانه في مجالسنا بأنوار الفجر في مجالس الذكر، وبيناه مختصرا في أحكام القرآن.\nفأما الذي جرى في حجة النبي ﷺ فلا يصح أن تكون هذه الآية ناسخة له لوجهين: أحدهما أن هذه الآية نزلت في عمرة الحديبية وما جرى من النبي ﵇ في حجة الوداع بعده، والمتقدم لا ينسخ المتاخر عقلا ولا شرعا. وما قال أبو عبيد من أن فعل الخلفاء نسخه، ساقط أيضا فإن القرآن لا","vol":"2","page":64},{"text":"ينسخه فعل أحد، نعم ولا ينسخ القرآن والسنة الإجماع وحسب ما بيناه، وما روى عن ابن عباس ليس بناسخ للآية فإن إتمام الحج هو البلوغ إلى البيت بما انعقد في أصل النية والقصد ولا يؤثر في ذلك اختلاف الصفة بنقل الحج إلى العمرة إذ هو كله إتمام بلوغ القاصد إلى البيت حسب ما نوي بقلبه وشخص إلى فعله.\nوبقيت بعد هذا مسألة من الفقه لا تعلق لها بالنسخ وهي جواز نقل نية العمرة إلى نية الحج ونقل نية الحج إلى نية العمرة، والاتيان بعمل بدلا من عمل هذا كم نوى في عقد الصلاة أربع ركعات ثم صلى ركعتين في النفل وكمسافر نوى صلاة الظهر حصرية أربعا ثم انتقل فصلى ركعتين سفرية، وفي ذلك اختلاف كثير بيانه في مسائل الفقه وهو من باب نقل النيات من فعل إلى فعل من جنسه فرأى ابن ابن عباس ﵁ خاصة جواز نقل نية الحج وهو الأكثر إلى العمرة وهي الأقل، وقد روى ابن أبي مليكة أن عروة قال لابن عباس: أضللت الناس، فقال بم ذلك يا عرية؟ قال بفتواك أن من طاف بالبتي حل، وقد حج أبو بكر وعمر فلم يحل أحد منهما إلا يوم النحر. فقال له ابن عباس: قال الله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ أقول لك: قال الله، وتقول قال أبو بكر وعمر وقد أمر رسول الله ﷺ بالفسخ ورضي الله عن السلف ليس في قول ابن أبي مليكة عن عروة حجة كما قدمنا في أفعال الصحابة وإجماع الأمة أنه ليس بنسخ للقرآن ولا للسنة، وليس في قول ابن عباس ثم محلها إلى البيت العتيق حجة.\nوقد بينا ذلك في موضعه من الأحكام والناسخ والمنسوخ.","vol":"2","page":65},{"text":"فإن قيل فاكشف غطاء ذلك حتى يتجلى في منصة البيان، قلنا قد فعلنا ذلك في موضعه ونحن نشير إليه فنقول:\nلما خرج رسول الله ﷺ إلى الحج وكان بذي الحليفة قال: من شاء أن يهل بالحج فليهل ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل فلولا إني أهديت لأهللت بعمرة قالت عائشة رضي اله عنها: وكنت ممن أهل بالعمرة فلما كنا في بعض الطريق حضت فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقال: ما يبكيك؟ قلت وددت أني لم أكن خرجت العام، قال: إقضي عمرتك. وانفضي شعرك وامتشطي وأهلي بالحج. فلما كان ليلة الصدر أمر عبد الرحمن بن أبي بكر فذهب بي إلى التنعيم فأهللت بعمرة\" وقد أبدى الصريح عن الرغوة على لسان ابن عمر في الصحيح واللفظ للبخاري قال: تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج في حجة الوداع وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى ومنهم من لم يهد فلما قدم النبي ﵇ مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر بالبيت وليحل ثم ليهل بالحج\".\nوفي الصحيح عن النبي ﷺ واللفظ لمسلم قال جابر: قدمناه مع رسول الله ﷺ ونحن نقول: لبيك بالحج، فأمرنا أن نجعلها عمرة حتى","vol":"2","page":66},{"text":"كان آخر طواف على العمرة قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة فقام سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله ألقامنا هذا ام للأبد؟ فقال بل للأبد، إنه دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. وشبك بين أصابعه. وفيه عن ابن عباس ﵁ قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويقولون إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ الصفر حلت العمرة لم اعتمر.\nقال القاضي ﵁: بين ابن عباس في روايته المعنى الذي لأجله أمرهم النبي ﷺ بنسخ الحج إلى العمرة ليبين لهم جواز الاعتمار بأبلغ وجوه البيان وهو ترك الذي كانوا يرونه جائزا وجعله الله واجبًا إلى العمرة التي كانوا يرونها حراما.\nوهذا نحو ما روي عنه ﷺ أنه قال لعائشة في شأن بريرة: اشتريها واعتقيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق\" ثم خطب الناس فقال: ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليس في كتاب الله؟ من اشترط شرطًا ليس في","vol":"2","page":67},{"text":"كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط. فرده رسول الله ﷺ، بعد شرطه ليبين بذلك أن من أعتق فله الولاء وأن من شرطه لا ينفعه شرطه. وتحقيق هذا ما روى مسلم عن أبي ذر ﵁ أنه قال: كان المتعة في الحج لأصحاب محمد خاصة. ولفظ آخر: لا تصح المتعتان إلا لنا، يعني متعة النساء ومتعة الحج، وعن عمر ﵁ أنه قال: إن نأخذ بكتاب الله، فإن الله أمرنا بالاتمام فقال: وأتموا الحج والعمرة لله، وإن نأخذ بسنة رسول الله فإن رسول الله ﷺ \" لم يحل حتى بلغ الهدي محله\" فإن قيل نأخذ بسنة رسول الله ﷺ في أمره لأصحابه بنسخ الحج إلى العمرة، قلنا إذا عاد الكلام إلى (أوله وقد أوضحنا معناه وتمامه) في شرح الحديث وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>الآية التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾</span>.\nقد بينا في كتاب الأحكام والمسائل أن الحلاق نسك خلافا لمن يقول إنه القاء تفث، وحققناه بأدلته وبقي القول في بقاء هذه الآية أو نسخها وقد نزلت باتفاق في الصحيح وغيره في كعب بن عجرة، قال: حملت إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، وفي رواية: مر بي النبي ﷺ، وأنا أوقد","vol":"2","page":68},{"text":"تحت قدر لي والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، أما تجد شاة؟ قلت: لا، قال: صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك، ونزلت هذه الآية في خاصة وهي لكم عامة\". وهي نص في أنه لا يكون الحلق إلا بعد النحر للهدي، والقول فيه طويل وحيزه الذي يفعل يوم النحر أربعة أشياء: الرمي والنحر، والحلق والطواف، والمستحب أن يأتي بهذه الأشياء على الترتيب لما روي أنس ﵀ أن النبي ﷺ رمى جمرة العقبة يوم النحر ثم رجع إلى منزله بمنى فدعا بذبح فذبح ثم دعا بالحلاق فأخذ شق رأسه الأيمن فحلقه فجعل يقسم بين الناس ثم أخذ شق رأسه الآخر فحلقه ثم قال: ها هنا. فدفعه إلى أبي طلحة\".\nوهذا الترتيب مستحب غير واجب فإن قدم منه شيئا على آخر يشبه أن يكون بعده فإنه يجزئه، وسواء كان عامدا أو ناسيا أو جاهلا لما روى الأئمة في الصحاح عن عبد الله بن عمرو وغيره أن النبي ﷺ جاءه رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. فقال: ولا حرج، وجاءه آخر فقال: يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال: ارم ولا حرج، وقال أبو حنيفة: إن قدم الحلاق على الذبح لزمه دم لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا","vol":"2","page":69},{"text":"رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ وقد نفي النبي ﷺ عنه الحرج ولو كان فيه دم لبينه لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة أو السؤال لا يجوز. وقد كان تكون هذه الآية نصا في تقديم الذبح قبل الحلق فيهل ولا هذا الحديث الصحيح، فدل على أن ذلك محمول على الاستحباب ولا يجعل نسخا بحال.\nأما أن مالكا قال: من حلق قبل أن يرمي فعليه دم خلافا للشافعي فقد ثبت أن النبي قيل له: نحرت قبل أن أرمي. قال: ارم ولا حرج.\nوتعلق مالك بفعل النبي ﵇ وفعله محمول على الاستحباب بدليل رفع الحرج عمن قدم أو أخر، وفي الحديث الصحيح فما سئل النبي ﵇ عن شيء قدمه رجل أو أخره إلا قال افعل ولا حرج، وكذلك أيضا ثبت عن النبي ﷺ قال: يرحم الله المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله. قال: يرحم الله المحلقين والمقصرين. فأفاد هذا الحديث أن ذكر الحلاق في الرأس في الحج أفضل وأن التقصير جائز. وقد ثبت أن النبي ﷺ أخذ عنه معاوية ﵁ بمشقص على المروة. وليس في ذلك خلاف والله أعلم. فلأجل ذلك لم تكن هذه الآية محمولة على النسخ وإنما تلقاها العلماء على أنها محمولة على الأفضل والاستحباب لا على الإيجاب، والله برحمته الموفق للصواب.","vol":"2","page":70},{"text":"مزيد بيان: قال بعض من تعاطى هذا الفن: نزلت ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ في كعب بن عجرة الأنصاري. قال: نزلنا مع النبي ﷺ بالحديبية فمر بي وأنا أطبخ قدرا لي والقمل تتهافت على وجهي فقال النبي ﷺ يا كعب بن عجرة أتؤذيك هوام رأسك؟ فقلت: نعم يا رسول الله فقال لي: ادع حلاقا يحلق رأسك، فنزلت ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية﴾ التقدير فحلق ففدية.\nقال القاضي أبو بكر بن العربي: يريد أن هذا راجع لقوله تعالى: ﴿ولا تلحقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾ فهذا حالق قبل أن يبلغ الهدى محله بأمر الشرع فيجب أن يكون نسخا لما تقدم، وهذا جهل إنما هو تخصيص لهذا العموم وبيان أن المراد به من كان صحيحا لم ينزل به مرض ولا أدركه أذى.\nوأغفل البائس ما كان عليه أوكد من هذا، وذلك أن النبي ﵇ سئل عمن حلق قبل أن يذبح فقال: ولا حرج، وهذا مخالف للآية لا يجتمع معها بحال فإنه تقديم المؤخر منها وتأخير المقدم، وهو خبر واحد جاء معارضا لنص القرآن ولم يعتده أحد من العلماء نسخا ولا كتبه في ديوانه، وإنما اختلفوا هل يلزم من فعل دم أم لا، في تفصيل طويل لبابه ان من فعل ذلك مخطئا أو جاهلا فقال ابن القاسم: لا شيء عليه، وقال ابن الماجشون وأبو حنيفة: عليه الهدي، فإن فعله عمدا ففي رواية عنه أنه لا شيء عليه، وبه قال الشافعي جوز تقديم الحلق على النحر وهو الصحيح لقول النبي ﷺ لمن قدم الحلق النحر: انحر ولا حرج، فرفع الحرج في موضع التعليم مطلقا من غير أن يفصل بين لزوم هدي أو سقوطه. فلا سؤال عن جهل وقع من الفاعل عن خطأ أو عمد، ولو كان الحكم يختلف لاستفحل حتى إنه ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال لا حرج في كل شيء سئل عنه في ذلك اليوم من التقديم والتأخير، يعني عما يختص بذلك اليوم من","vol":"2","page":71},{"text":"المناسك من رمي وحلق ونحر وطواف، وعلى كل حال فلا يكون نسخا لأن معنى قوله: ﴿حتى يبلغ الهدي محله﴾ محتمل لأن يريد به موضعه الذي ينحر فيه أو زمانه أو حله لتناول الكل، فبين النبي ﷺ في هذا الحديث أن ذلك كله مراد بالآية مطلق في الاحتمال بالمراد منه أو من بعضه، أما أن النبي ﷺ نحر هديه ثم حلق رأسه فكان ذلك بيانا بفعله للأفضل وكان قوله: (اذبح ولا حرج) بيانا لجواز ذلك الفعل حسشب ما قررناه من ترتيب التنزيل والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>الآية الموفية عشرين قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ الآية</span>.\nقال قوم، هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها﴾.\nقال القاضي: وقبل وبعد، فلو علمنا المتاخر من هاتين الآيتين من المتقدمة لتكلمنا على الناسخ منها من المنسوخة فلما خفي ذلك حملنا هذه الآية على صدقة التطوع وحملنا الآية الأخرى على صدقة الفرض جمعا بين الأمرين، وقد قال النبي ﷺ يوما للنساء: تصدقن ولو من حليكن، فقال زينب امرأة عبد الله لزوجها: إني أراك خفيف ذات اليد فإن أجزت عني فيك صرفتها إليك، فسألت النبي ﷺ عن ذلك فقال لها زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم، وقد روى النسائي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: يد المعطي العليا أمك وأباك، وأختك وأخاك، وأدناك فأدناك، وهذا كله في صدقة التطوع.","vol":"2","page":72},{"text":"فأما صدقة الفرض فإنها حق عام في الأباعد، والأقارب فمن لزمتك نفقته من الأقارب فلا يجوز لك صرف صدقتك إليه لأنك تكون منتفعا بها عائدا على نفسك بعطائها والعائد في صدقته كالكلب يعود في قيئة وأما من لا تلزمك نفقته فجائز لك أن تعطيه من صدقتك، بيد أن مالكا ﵀ كره أن تتناول ذلك بيدك خوف قصد المحمدة، وتناول ذلك باليد عندي أولى في ذلك من القيام بحق الفرض علينا وصلة الرحم ظاهرا واستجلاب المودة.\nوإن كانت هذه محمدة فالله يحب الحمد على نعمه والخلق، كذلك لكن الباري تعالى يمن بعطائه ولا يجوز ذلك للعباد بحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>الآية الواحدة والعشرون: قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾ اعلموا، علمكم الله مراتب الشريعة أن الشريعة كلها مكتوبة والدين بأجمعه مسطور وكل كائن في لوح محفوظ، بيد أن لفظ كتب جرت في عرف الشرع عما انحتم فعله وحق أمره وشأنه، فلذلك كان قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال﴾ عبارة عن فرض وجب وألزم وحتم. وقد اختلف المعترضون لهذا الباب في هذه الآية، فمنهم من قال: إنها ناسخة للإعراض والصفح والغفران والعفو الكائن في صدر الإسلام. وقال آخرون هي منسوخة بعد كونها ناسخة بقوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾ وقال قوم منهم عطاء إن الذين خوطبوا بها هم الصحابة رضوان الله عليهم، وقال قوم هي على الندب. فأما من قال إنها مندوبة فهو باطل لأنه عدول عن ظاهر اللفظ بغير دليل، وأما من قال إنها منسوخة فضعيف من الرأي لأن النسخ إنما يكون مع التعارض وتعذر الجمع ولا</span>","vol":"2","page":73},{"text":"معارضة ها هنا لأن قوله: ﴿كتب عليكم القتال﴾ نزل مجملا أو عامًا كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ قول مجمل أو عام فإن كان مجملا فقد فسره النبي بقوله (وإن كان عاما) فقد خصه أيضا بكلامه، وبما في القرآن من أوصافه فلا سبيل إلى الحكم بالنسخ، وأما من قال إنها فرض على الصحابة خاصة فهو قول باطل لأن كل خطاب في كتاب الله أو سنة رسوله للناس هو مسترسل على الصحابة وعلى باقي الأمة إلى يوم القيامة لا يقال في خطاب إنه مقصور على الصحابة دون غيرهم فذلك تحكم لا دليل عليه ولا معنى له. فبهذا القانون تجري كل مسألة إلى بابها وتستقر كل قاعدة من الشرع (في موضعها) ونصابها والله أعلم. وأما من قال إنها محمولة على الندب فساقط، فإن الجهاد فرض بإجماع الأمة لكن فريضته (تتنوع تارة) على الأعيان بنزول العدو على موضع أو تضييقه على أرض فلزم جميع الخلق النفير إليه والنصر وتارة على الكفاية. وأما اليوم فهو على الأعيان لأن العدو في كل قطر قد استولى على بلاد الإسلام واستفاء أموال أهلها فيتعين دفعه عما بقي واستخراج بما استطال عليه من يده، ولكن ذنوب الخلق غلبت عليهم فتقاعدت بهم حتى. تكون الغلبة للكفار بوعيد الله تعالى النافذ في الناس حتى لا يبقى في الأرض من يقول الله بالرفع وبغلبة الباطل حتى لا يبقى من يقول الله بالنصب. ونسأل الله الهداية فالآية على الخصوص إذ يستحيل وقوعها على العموم والحمد لله رب العالمين.\nتم الجزء الأول من القسم الثاني في معرفة الناسخ والمنسوخ ويتلوه في الجزء الثاني الآية الثانية والعشرون.","vol":"2","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>الآية الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁: هذه الآية بالأحكام أقعد منها بالناسخ والمنسوخ وبيانها فيها وقد ذكرها المفسرون وغيرهم في قسم الناسخ وليس منه. وقد قال قوم إنها منسوخة بالزكاة قاله ابن عباس وسواه، وقال آخرون إنها محكمة المراد بها الزكاة، الثالث أنها مخصوصة بالزكاة أيضا.\nفأما النسخ فلا سبيل إليه لعدم شرطه من التعاون والتقديم والتأخير وغير ذلك. وتحقيق العفو وأقسامه في اللغة في الأحكام مشروح. ومن معانيه اليسير والكثير ولا يصح أن يكون المراد به ها هنا الكثير لأن الله تعالى لم يسأل من الناس أكثر أموالهم وإنما سأل أقلها ولذلك قال الحسن وعطاء وطاووس العفو اليسير ما لم يكن إسرافا وإقتارا وقال مجاهد: العفو ما كان من الصدقة عن ظهر غني وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غني وأبدأ بمن تعول.","vol":"2","page":75},{"text":"وكأن هذه الآية مركبة على الآية التي قبلها لأن الله تعالى مدح قوما فقال ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ فسألوا: ماذا ينفقون فقيل لهم: ﴿العفو﴾ وهو اليسير من أموالكم وما فضل منها، وصار هذا مجملا لا يتحصل به مقدار، أو عاما يجري فيه القليل والكثير وهو الأصح، ثم بين الله وجوه الانفاق من فرض وهي الزكاة فقدرها ورتبها ومن ندب وهي صدقة التطوع وليس فيها تقدير بل أقلها الظلف المحرق وليس لأكثرها قدر تحقق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>الآية الثالثة والعشرون: قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾</span>.\nزعم قوم أنها ناسخة لقوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ وذلك أن هذه الآية لما نزلت تحرج الناس أن يخالطوا اليتامى وشق عليهم عزل أموالهم عن أموالهم وعزل طعامهم عن طعامهم وإفرادهم بمعاشهم ورياشهم فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير﴾ يعني أن قصد الإصلاح لهم والرفق بهم خير من إبعادهم وإعتزالهم.\nقال القاضي ﵀: وهذه جهالة عمن صحت عنه فليس بين الآيتين تعارض يوجب نسخا ولا هناك تاريخ يتحقق له وقتا وإنما المعنى فيه أن الله نهى عن ظلم اليتيم في ماله بأكله بغير حق وإضافته إلى مال الغير قصد التكثر به والاستئثار بمنفعته فيحتمل أنه لما سمع ذلك الناس أرادوا مباعدة الأيتام وثقل على كل واحد ما كان يفعله مع يتيمه من خلط الأمور معهم والمشاركة لهم، في مأكلهم مخافة التزيد منهم والأثرة عليهم وذلك وإن لم يكن يقصد في الحال مباشرة فربما كان التسبب بالخلط إليهم قصدًا في العادة فإن","vol":"2","page":76},{"text":"التعرض للسبب تعرض للمسبب، والحمي أول: ما يحمى فتوقفوا فيهم وسألوا رسول الله عنهم فأنزل الله هذه الآية: ﴿يسألونك عن اليتامى﴾ المعنى قل لهم يا محمد: القصد إلى إصلاحهم لمخالطتهم هو الخير وإذا كان أصل نيتكم على هذا فلا حرج عليكم. في مخالطتهم في الظاهر والله يعلم المفسد نيته من المصلح بها، وإن كان الظاهر حسنا فالأعمال إنما روحها النيات وعلى حكمها تنبني الأحكام في العبادات وفي المعاملات تتميم: قوله تعالى: ﴿فإخوانكم﴾ معناه يجمعكم نسب الإسلام فإنما المؤمنون إخوة، الدين أبوهم. والملة أمهم فهم أولاد أعيان ليسوا بعلات ولا أخياف. قال النبي ﷺ الأنبياء أولاد علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد. فأخبر تعالى أن اليتيم أخوك، المسلم لا تسلمه ولا تظلمه أما إنك تحكم عليه وتحكمه إذا كان حضينك وتحت حضنك ينفذ فعلك عليه ويمضى قضاؤك فيه، وقد ورد النبي ﷺ المدينة فقال يا بني النجار ثامنوني بحائطم فقالو: لانطلب ثمنه إلا من الله، وكان لا ينام تحت حائطهم فكلمهم النبي ﷺ في ابتياعه منهم إذ الحكم لهم عليهم. وهذا نص في المسألة وقد أوضحناه في شرح الحديث والأحكام، وكتب الفروع، فصار هذا بيانا لحال الأيتام في المخالطة ورفع الظنة والتقية، عن ملابستهم وهو حكم مبين منشأ ليس برافع لغيره ولا مرتفع بسواء.\nمجهلة: قال بعضهم: قوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ وعيد والوعيد لا يدخله نسخ.","vol":"2","page":77},{"text":"مبهة: قوله: (إن الوعيد لا يدخله نسخ كلام رواه وما وعاه) وهي مسألة من قواعد العقائد عظيمة اختلف الناس فيها، فمنهم من قال (إن الوعد محك كما أن الوعيد مبرم) ومنهم من قال إن الوعيد قد يسقط معناه والوعد لا سبيل إلى تغيير حكمه، ثقة بعفو الكريم وعطائه، وهي سيرة العرب وعادة كرمائهم وبلغتهم، نزل القرآن، وقد قال شاعرهم.\nإني إذا أوعدته أو وعدته ... لأخلف إيعادي وأنجز موعدي\nوالصحيح أن الوعيد والوعد من أنواع الكلام لا يتطرق إلى انتظامه اخترام ولابد من نفوذهما معا، لكن أكثر الناس لم يفهموا عتها أن الوعد حيث جاء محكم والوعيد متشابه بينه المحكم، وآية الأحكام العظمى قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ وقد تتبعنا الاي في كتاب المشكلين بالبيان وإنه لا آية في الوعيد إلا محتملة بيانها في غيرها وفيما عينت السنة الصحيحة فيها. وهذا كله إنما هو في العقائد التي لا يدخلها تبديل. وأما الأحكام في الأفعال فإن الوعيد يرد على الفعل المحرم ثم يرفع الله التحريم بحق ذلك الفعل. بإباحته فيذهب الوعيد بذهاب الوصف الذي ترتب عليه من التحريم، وهذا واضح في التعليم والتعلم. والوعيد في هذه الآية إنما ترتب على أكل مال اليتيم المنوع، وليس يمتنع عقلا أن يكون مباحًا فيرتفع عنه ما تعلق","vol":"2","page":78},{"text":"به من الوعيد، وإنما علمنا ذلك بانقطاع النسخ بموت النبي ﷺ وانعقاد الإجماع على بقاء تحريم أكل مال اليتيم ما بقي، بقاء الوعيد عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>الآية الرابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة﴾</span>\nذكر أهل التفسير فيها ثلاثة أقوال:\nالأول: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ روى عن ابن عباس وغيره وعزي إلى مالك.\nالثاني: أنها ناسخة لآية المائدة فلا يجوز نكاح مشركة كانت كتابية أو غيرها، ويعزي هذا القول إلى ابن عمر، فمن حديث الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر أنه سئل عن نكاح المسلم اليهودية والنصرانية قال: حرم الله المشركات على المؤمنين، ولا أعرف شركا أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى أو عبد من عبيد الله.\nالثالث: أن الآية محكمة يراد بها نساء غير أهل الكتاب.\nقال القاضي محمد بن العربي: تحقيق المسألة ينبني على حرفين الحرف الأول معرفة المراد بالنكاح.","vol":"2","page":79},{"text":"الحرف الثاني معرفة الشرك من الكفر.\nفأما معرفة الحرف الأول وهو المراد بالنكاح فإن أصله الذي يؤخذ منه في اللغة هو الجمع والضم، ولذلك تقول العرب أنكحنا الفرى فسرى أي ضممناه إلى الأنثى وبه سمى التزويج نكاحا، قال ابن دريد: وهو كناية عن الجماع، قال الأعشى.\nفلا تقربن جارة إن سرها ... عليك حرام فانكحن أو تأبدا\nويروى: فلا تنكحن جارة، فجاء في الأول كناية عن الوطء وجاء في الثاني عبارة عن التزويج وسمى تزويجا لما قلناه من أن المرء يكون فردًا فإذا عقد على المرأة كان زوجا لها. وهي له، ويقال ناكح لمن بلغ سن النكاح، وقال الزجاج وقطرب كل نكاح في كتاب الله تزويج وهذا ممكن عند التتبع إلا أنه لا يفيد في مقصودنا شيئا فإنه إن كان لم يرد في كتاب الله فقد ورد في حديث رسول الله ﷺ وكلاهما من مشكاة","vol":"2","page":80},{"text":"واحدة، وإذا ثبت هذا فإنما يكون حمل اللفظ فيه على أحد المعنيين بحسب ما يقتضيه مساق الكلام وتعضده قوانين القول أو يأتي من الأدلة عليه في موضع آخر.\nوأما الحرف الثاني وهو معرفة الشرك فإن حقيقته في اللغة النصيب، قال تعالى: ﴿فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فما آتاهما﴾ أي نصيبا وقد غلط قوم من أهل اللغة فيه فقال بعضهم الشركة مخالطة الشريكين وقال بعضهم الشركة استواء النصيبين، وليس لشيء من هذا في حقيقة اللفظ وإنما المخالطة من ضرورة اجتماع النصيبين فأما الاستواء فقد يكون في النصيبين وقد يتفاضلان، وكل منهما يقع له اسم اشتراك وهذا ضروري لا مدفع فيه. وفي الحديث الصحيح إني لا أقبل عملا أشرك معى فيه غيري أنا أغني الأغنبياء عن الشرك، والمراد به بالإجماع من قصد به في الظاهر وجه الله وفي الباطن وجها من وجوه الدنيا وإن لم يستويا. وقال تعالى: ﴿أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه﴾ فجعلهم شركاء بالمساواة في الخلق التي زعموها دون الاستواء في سائر الصفات فإذا تبين لكم معرفة هذين الحرفين نظرنا بعد هذا في المراد من الآية فنقول: إن قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا﴾ عام في كل نكاح على أي وجه تصرف إطلاقه سواء قلنا إن اللفظ الواحد يحمل على معنيين مختلفين وعلى الحقيقة والمجاز وكل مختلف ومتفق، أو لمنقل ذلك لأنها قد بينا في أصول الفقه أن العام يتناول الحقيقة والمجاز وكل مختلف ومتفق لأنه لس في كل ذلك","vol":"2","page":81},{"text":"تناف وإنما التنافي في اجتماع الذوات فأما المعاني تجتمع تحت الألفاظ فلا تضاد فيه. على أنه إذا نهي عن العقد فالوطء نهي عنه. وتحقيقه أن الخطاب بنفي النكاح إذا ورد على المنكوحة يتناول الوطء حقا، وإذا ورد على الأجنبية تناول العقد والوطء. فأما الوطء الصادر عن العقد فيتناول من طريق الأولى، وأما وطء لا يصدر عن العقد ويكون لسبب آخر فهذا موضع الكلام وهي آيتنا هذه فإن الله تعالى قال: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ فتناول ذلك العقد قطعا. وقلنا نحن أنه يتناول الوطء أيضا، والمعنى لا تعقدوا عليهن نكاحا ولا تطؤوهن بسبب غير النكاح، وهو ملك اليمن أو يكون المعنى لا تطؤوهن بنكاح ولا بملك يمين ويجري العموم في ذلك مجراه لكن وقع التخصيص في ملك اليمين بالسنة الصحيحة وهي إباحة النبي ﷺ الوطء في كل سبي حصل مع العرب وهم عبدة أوثان يشركون بالله ويدعون معه إلها غيره حسبما أخبر الله تعالى عنهم.\nوأما قوله تعالى: ﴿المشركات﴾ فاليهود والنصارى مشركون بالله داخلون تحت لفظ الشرك إلا أن لهم اسما خاصا وهو أهل الكتاب، قال الله تعالى: ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم﴾ وقال تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين﴾ فغاير بينهم وخص كل واحد باسمه تنبيها على ذلك فيه فصار اطلاق لفظ المشركين على عبدة الأوثان عرفا فيجري اللفظ على عرف الشرع كما يجري على عرف اللغة، وهذه طريقة أخرى صحيحة في معنى الآية.\nفعلى الطريقة الأولى يكون اللفظ عاما يتناول الجميع من أصناف الكفر وتخص جواز الوطء بملك اليمين السنة حسب ما أوضحناه.\nوعلى القول الثاني تكون الآية محمولة على عرف الشرع وهم عبدة الأوثان، وقد أبان الله تفصيل ذلك في سورة المائدة، فقال تعالى: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ فأباح نكاح الحرائر من","vol":"2","page":82},{"text":"المؤمنات والكافرات ها هنا وأباح نكاح الإماء من المؤمنات خاصة وقد بيناه في الأحكام فإنه في غاية الإشكال ويعضده قوله ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ فأباح نكاح الإماء بشرط الإيمان، وأطلق إباحة نكاح الحرة كانت مؤمنة أو كتابية، وحرم نكاح المشركة كانت حرة أو أمة وذلك كله محقق في الأحكام ومسائل الخلاف والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>الآية الخامسة والعشرون قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو اذى﴾ قال بعضهم: هذه الآية ناسخة لشريعة من قبلنا لأن شريعة اليهود كانت على مجانبة الحائض في البيت فضلا عن غيره ونسخ الله تعالى ذلك بإباحة كل شيء حتى النكاح، وهذا على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا وهو صحيح عندنا وهو صريح مذهبا وقد ثبت من رواية الأئمة عن أنس بن مالك قال: كانت اليهود إذا حاضت امرأة منهم لم يواكلوها ولم يشاربوها ولم يجاعوها في البيوت فسئل النبي ﷺ عن ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء﴾ الآية فأمرهم ﵇ أن يواكوهن وأن يشاربوهن وأن يكونوا في البيوت معهن وأن يفعلوا كل شيء ما خلا النكاح، فقالت اليهود: ما يريد محمد أن يدع شيئا من أمرنا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن</span>","vol":"2","page":83},{"text":"الخضير وعباد بن بشر إلى النبي ﷺ فقالا: يا رسول الله، ألا نخالف اليهود فنطأ النساء في المحيض؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أنه قد وجد عليهما فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ فبعث في آثارهما فسقاهما، فعلمنا أنه لم يجد عليهما\"، فكان فعل اليهود مشهورا في عملهم لكنا لا نعلم هل كان حكما في التوراة أو كان فيما ابتدعوه، فسألت الصحابة عن ذلك رسول الله ﷺ فأمر باعتزال النساء، في الوطء خاصة، فإن كان ما فعلته اليهود شرعا فقد نسخه حديث النبي ﷺ لأنه نص في خلافه، ليس الآية لأنها لا تتعارض معه، وإن كان ذلك من اليهود ابتداء ورهبانية اختراعا فهذا شرع مستأنف بيانه في ديننا والكلام على هذه الآية في الأحكام على نظام من العجب العجاب في لباب الألباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>الآية السادسة والعشرون قوله تعالى: ﴿للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ الآية، قال بعضهم عن ابن عباس: كان إيلاء الجاهلية سنة أو سنتين أو أكثر فوقت الله من ذلك أربعة أشهر. وليس هذا من كتابنا في ورد ولا صدر لأن فعل الجاهلية ليس بحكم فيرفعه آخر، وإنما هو كله باطل فنسخ الله الباطل بالحق ونصر الدين على لسان رسوله بالصدق</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>الآية السابعة والعشرون، قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾</span>.","vol":"2","page":84},{"text":"فنسخ الله من هذه الآية المطلقات اللواتي لم يدخل بهن فقال: ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nهذا تخصيص وليس بنسخ قال قتادة: ونسخ الله من ذلك أولات الأحمال فقال: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾.\nقال القاضي:\nأوامر الله لعباده وتكليفه خلقه على قسمين: منها ما هو عبادة لا يعقل معناها ولا يفهم المقصود منها وإنما هو تعبد مطلق، ومنها ما يعقل معناها ويفهم المقصود منه. فإذا كان لا يعقل معناه تعين (الامتثال) ووجب الانقياد إليه ولزم فعله، وإذا كان معقول المعنى تعين اتباعه ووجب مراعاة ذلك المعنى فيه وبناء الأحكام عليه، وهكذا حكمة الشريعة وحكمها. فإذا تقررت هذه القاعدة وسمعنا قول الله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ فهمنا أن المراد بذلك استبراء الرحم من الماء المتقدم ليرد الماء المتأخر بعده على رحم فارغة لئلا تختلط الأنساب وقد تفسد الفرش، فإذا كان العقد ولم يكن دخول هنالك للاستبراء معنى، وإذا وقع الوضع من الحامل تيقنا براءة الرحم قطعا عادة فلم يكن سبيل إلى العادة. فلو لم نسمع قول الله تعالى بنفي العدة عن","vol":"2","page":85},{"text":"المطلقة قبل الدخول ولا سمعنا عن النبي ﷺ بقطع العدة عند وضع الحمل لحكمنا بما قلنا على المعنى فعلمنا الله نصا ما فهمناه عنه معنى، ولله الحكمة البالغة في أن ينص على الموضع البين ويسكت عن المشكل ليكل العلماء إلى النظر ويرفعهم بالعلم درجات. فمثل هذا لا يقال فيه نسخ ولكنه تخصيص عضده المعنى وشهدت له أصول الشريعة.\nفإن قيل: فإذا كانت العدة ساقطة عن التي لم يدخل بها للمعنى الذي أشرتم إليه فلم قلتم أن الولد يلحق به وإن لم يعلم دخول؟ قلنا حكمنا بذلك لقول النبي ﷺ الولد للفراش وللعاهر الحجر. فأتبع الولد الفراش حيث ما كان، والمراد بالفراش الزوج كنى به عنه لأنه له.\nقال الشاعر:\nباتت تضاجعني وبات فراشها ... خلق العباءة في الدماء قتيلا\nوكانت الحكمة في ذلك أن النكاح لما انعقد على المرأة والحل للرجل لما ثبت فيها وظهر كنا بين ثلاثة خطط: إما أن تجعلالحمل لغوا وذلك لا يجوز لأنه موجودًا حسا والوجود الحكمي مترتب على الوجود الحسي، وإما أن نجعل الحمل غير منسوب فنحكم بزنا المرأة فنقطع النسب وننفي الرحم ونوجب الحد، وذلك إنما يكون عند انحسام الأسباب وقد وجدنا سببا عظيما وهو الزوج الموجود والحل القائم فألحقناه به وهي الخطة الثالثة ونسبناه إليه وكل ذلك هو الواجب فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>الآية الثامنة والعشرون: قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾</span>.","vol":"2","page":86},{"text":"قال بعضهم: هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه في الجاهلية وفي أول الإسلام، كان الرجل يطلق ثم يراجع امرأته قبل أن تنقضى عدتها ما شاء الله من الطلاق فنسخ الله ذلك بأنه إذا طلقها ثلاثا لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nلو ثبت بنقل صحيح أن هذا الحكم كان من النبي ﷺ في صدر الإسلام قائما لكان من باب نسخ السنة بالقرآن وأما إن كان في أيام الجاهلية فلا يكون ذلك نسخا كما قدمناه والذي يقول إنها منسوخة بقوله: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ أبعد من الصواب، فإن قوله هذا بيان لوقت الطلاق وقوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ فليس بينهما تعارض يوجب نسخا والصحيح أنها محكمة في بيان عدد الطلاق وأنه ثلاث: هذه المنصوص عليها طلقتان والثالثة قوله تعالى: ﴿أو تسريح بإحسان﴾ وقيل هي قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ والأقوى في النظر أنها قوله: ﴿أو تسريح بإحسان﴾ عند تمام ملك الطلاق ومدة العدة، ويكون قوله: ﴿فإن طلقها﴾ معناه فإن سرحها بإحسان. بوقوع الثالثة فلا تحل له بابتداء نكاح حتى تنكح زوجا غيره إرغاما لأنفه وتحذيرا لغيره عن الوقوع في مثله ولله الحكمة البالغة.\nغائلة: لما قال تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ زل قوم في آخر الزمان فقالوا: إن الطلاق في كلمة لا يلزم وجعلوه واحدة ونسبوه إلى السلف الأول وحكوه عن علي والزبير وعبد","vol":"2","page":87},{"text":"الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عباس ﵃، وعزوه إلى الحجاج بن أرطاة الضعيف المنزلة المغمور المرتبة ..\nورووا في ذلك حديثا ليس له أصل. وغوى قوم من أهل المسائل فتبعوا لهؤلاء المبتدعة فيه وقالوا: إن قوله أنت طالق ثلاثا كذب لأنه لم يطلق ثلاثا كما لو قال طلقت ثلاثا ولم يطلق إلا واحدة وكما لو قال أحلف ثلاثا يمينا واحدة.\nمنبهة: قد طوفت في الآفاق ولقيت من علماء الإسلام وأرباب المذاهب كل صفاق آفاق فما سمعت لهذه المقالة بخبر ولا أحسست لها بأثر إلا الشيعة من الذين يرون نكاح المتعة جائزا ولا يرون الطلاق واقعا، ولذلك قال فيهم ابن سكرة السني الهاشمي:\nيا من يرى المتعة في دينه ... حلالا وإن كانت بلا مهر\nولا يرى سبعين تطليقة ... تبين منه ربة الخدر\nمن ها هنا طابت مواليدكم ... فاغتنموها يا بني (صخر)","vol":"2","page":88},{"text":"وقد اتفقوا علماء الإسلام وأرباب الحل والعقد في الأحكام على أن الطلاق الثلاث في كلمة وإن كان حرامًا في قول بعضهم وبدعة في قول الآخرين لازم.\nوأين هؤلاء البؤساء من عالم الدين وعلم الإسلام محمد بن إسماعيل البخاري وقد قال في صحيحه باب جواز الثلاث لقوله: ﴿الطلاق مرتان﴾ وذكر حديث اللعان: فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ولم يغير عليه النبي ولم يقر على الباطل ولأنه جمع ما فسح له في تفريقه فألزمته الشريعة حكمه.\nوما نسبوه إلى الصحابة كذب بحث لا أصل له في كتاب ولا رواية له عن أحد، وقد أدخل مالك في موطئه عن علي أن الحرام ثلاث لازمة في كلمة فهذا في معناها فكيف إذا صرح بها.\nوأما حديث الحجاج بن أرطان فغير (مقبول) في الملة ولا عند أحد من الأئمة، فإن قيل: في صحيح مسلم عن ابن عباس أنه قال: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول لله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدة، فلما تتابع الناس في الطلاق قال عمر: لا أرى هؤلاء إلا وقد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه، قلنا: هذا لا متعلق فيه من خمسة أوجه:\nالأول: أنه حديث مختلف في صحته فكيف يقدم على إجماع الأمة ولم يعرف في هذه المسألة خلاف إلا عن قوم انحطوا عن مرتبة التابعين وقد سبق","vol":"2","page":89},{"text":"العصران الكريمان والإصفاق على لزوم الثلاث، فإن رووا لك عن أحد مذهبهم فلا تقبل منهم إلا ما يقبلون منك: نقل العدل عن العدل ولا تجد هذه المسألة منسوبة إلى أحد من السلف الأول أبدًا.\nالثاني أن هذا حديث لم يرو إلا عن ابن عباس ولم يرو عن ابن عباس إلا من طريق طاووس، فكيف يقبل مالم يروه أحد من الصحابة إلا واحد وما لم يروه عن ذلك الصحابي إلا واحد، وكيف خفي هذا على جميع الصحابة أو سكتوا عنه إلا ابن عباس وكيف خفي على جميع أصحاب ابن عباس إلا طاوسا؟\nالثالث: يحتمل أن يراد به قبل الدخول كذلك تأوله النسائي فقال: باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة، وذكر هذا الحديث عن طاوس بنصه.\nالرابع: أنه يعارضه حديث محمود بن لبيد خرجه النسائي وغيره، ولفظ النسائي: قال محمود بن لبيد: أخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟ فهذا ولم يرده رسول الله ﷺ بل أمضاه في حديث عويمر وسيأتي بعد هذا إن شاء الله.\nالخامس: وهو قوي جدًا في النظر والتأويل أن قوله: كانت الطلاق الثلاث على عهد، رسول الله ﷺ واحدة، تحتمل أن يريد به كان حكم الثلات إذا","vol":"2","page":90},{"text":"وقعت على عهد رسول الله تجعل واحدة، ويحتمل أن يريد به كانت عادة الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ أن تذكر واحدة فلما تتابع الناس في الطلاق وذكروا الثلاث بدل الواحدة أمضى ذلك عليهم عمر لإمضاء رسول الله ﷺ ذلك على عويمر حين قال: كذبت عليها يارسول الله إن أمسكتها. فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ فكانت تلك سنة المتلاعنين، وبعد هذا لا يبقي في المسألة مشكل والله أعلم.\nمجهلة: قال بعضهم قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ نسخها قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ وذلك أن الرجل كان يطلق المرأة وهي حالم فيكون بالخيار في مراجعتها ما لم تضع فقام رجل من أشجع ويقال من بني غفار، يعرف بإسماعيل بن عبد الله طلق امرأته وهي حامل ثم لم يطل حكمها كما طال حكم المنسوخ فلم تضع امرأته حتى نسخت.\nمعرفة: لولا أن هذا الكلام سودت به القراطيس وخط ببطون الأقلام على ظهور الأوراق ورواه الأئمة وتداولته أيدي الأشياخ ما ذكرناه لسفسفته وبطلانه أما الرواية لحديث الغفاري فلا أصل لها وأما المعنى فجلي لأن الله سبحانه جعل المطلقة في استبراء الرحم ثلاثة أقراء أو وضع الحمل، وجعل الأزواج أحق بردهن منهن ما دمن في عدة الطلاق إما بالإقراء وإما بالحمل لقوله تعالى: ﴿وأولادت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ فهذا عقد مبرم وأمر محكم وشرع متمم بيان وهدى، فأي مدخل هنا لناسخ أو لمنسوخ، أو لعام أو مخصوص والله أعلم.\nوهم: لقوم في قوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ فيها غلطان لرجلين: أحدهما بكر بن عبد","vol":"2","page":91},{"text":"الله المزني، قال إذا خالع الرجل امرأته لا يحل له أن يأخذ منها شيئا قيل له فأين قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ قال: نسخت بقوله: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا﴾ والثاني روينا عن أبي عبيد ﵀: باب الطلاق وما جاء فيه من ناسخ ومنسوخ: وقال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا﴾ ثم استثنى ﴿إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح علهما فيما افتدت به﴾ وقد قيل عن قوم إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾.\nتنبيه عليهم: اعلموا وفقكم الله أن ها هنا فائدة قوية وهي أن الباري تعالى لم يظهر الشريعة جملة على لسان نبيه ﷺ وإنما أنزل القرآن نجوما وبين الأحكام جملة وتفصيلا وظيفة بعد اخرى وعبادة تتلو عبادة ورسما يقفو آخر، ذلك بحكمته البالغة ولطفه الخفي الاظهر، فقد بين بعض الأمر في آية أو أشار ثم يعقبه تماما ببيان ثان ثم يتلوه بشرط ثالثا ثم يعقبه بتفصيل رابعا هكذا حتى ينتهي منتهاه وتنتظم أولاه مع أخراه فيكون هذا الترتيب أسرع إلى القبول وأثبت في النفوس. ومن روى من عليل الجهالة بشر بالعلم، تحقق هذا في مقاطع","vol":"2","page":92},{"text":"الشريعة وفهم مواردها. فإذا فهمتم هذا فاعلموا أن الله تعالى شرع النكاح حكمة وأذن في الطلاق فيه رحمة إذ الزوجان قد يتفقان ويلتئمان وقد يختلفان، فإن لم يكن فراق كان حسرة الأبد وذهاب الدين وفقد طيبة العيش. ولهذا ضلت الرهبانية في ابتداعها على دين عيسى أنه لا فرقة في النكاح إلا بالموت وإنما وضعوه حيلة ليفر الناس عنه فتكثر المعتزلة في الصوامع ويغلب بزعمهم الزهاد على الطامعين ففاتهم في هذا الموضع من الزوائد ما لم يتحصل لهم. ولم يخل قط شرع من الطلاق وقد ثبت في صحيح الحديث باتفاق من الأئمة أن إبراهيم الخليل صلوات الله عليه لما ورد ليطلع تركته بمكة شرفها الله قال: أين إسماعيل؟ قال له امرأته: ذهب يصيد، أو قالت: يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشتهم فقالت: نحن بشر في ضيق وشدة، قال: فإذا جاء زوجك إقرئي ﵇ وقولي له يغير عتبة بابه. ولما جاء إسماعيل ﵇ كأنه آنس شيئا فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم شيخ كذا وكذا، فسألني عنك فأخبرته وسألني كيف عيشتنا. فأخبرته أنا في جهد وشدة. قال هل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول: غير عتبة بابك، قال: ذلك أبي وقد أمرني أن أفارقك، إلحقي بأهلك: فطلقها وتزوج منهم امرأة أخرى، وذكر الحديث ولم يأت بعد ذلك شرع إلا جرى على هذه السنن وفتح هذا الباب وسلك هذا السبيل. فجاءت الشريعة في الطلاق على هذا المنحى فقال الله تعالى مبينا لحكم الشريعة في النكاح ما قال في كتابه وعلى لسان رسوله، وشرع أيضا في الطلاق ما شرع منها قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ فجعله للرجال، مطقا وأذن فيه مفسرا قال: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وأتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا﴾ فحرم أخذ ما أصدقه المرأة لأنه حق وجب لها من أشرف ما لها وقال تعالى: ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين","vol":"2","page":93},{"text":"بفاحشة مبينة﴾ وكما حرم أخذ شيء من كل ما أعطيته المرأة على النكاح أو من أجله وحرمته، حرم مضارتها حتى يأخذ بعض ما أعطاها فضلا عن أخذ جميعه. ثم استثنى من ذلك إتيان المرأة بفاحشة مبينة فحينئذ يجوز له استنقاذ بعض ما أخذت منه او كله على قدر الفاحشة من زنا وإيذاء، وحرم أيضا أخذ شيء من ذلك إلا عند وقوع النفرة وتعذر الألفة والخوف من التقصير في حقوق الله وعدم الإقامة لحدوده، فيجوز حينئذ أخذ ذلك كله أو بعضه حسب قوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا إلا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ وجاء بيان ذلك وتفصيله نصا، فروى ابن عباس ﵁ أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس جاءت النبي ﷺ فقالت يا رسول الله ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق إلا أني أخاف الكفر، فقال رسول الله ﷺ، أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، قال رسول الله ﷺ: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة، فهذا تحقيق القول في الايات والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>الآية التاسعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾</span>.","vol":"2","page":94},{"text":"بيان لحال الإحلال الذي أذن الله فيه بعد التحري الواقع بالطلاق وربط له بنكاح مستأنف من غيره، فاحتمل قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ وقوع لفظ النكاح على العقد واحتمل أن يكون على الوطء، والذين قالوا: إن لفظ النكاح حيث ورد في القرآن إنما هو العقد ليس الوطء يرون أن السنة زادت شرطا آخر هو وطء الثاني بعد تزوجه لحديث عائشة الصحيح في الصحاح قالت: جاءت امرأة رفاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسل فقالت: إن رفاعه طلقني فأبت طلاقي وإني تزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وما معه إلا مثل الهدبة. فضحك رسول الله ﷺ وقال: تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك. فيكون هذا من باب الزيادة على النص. وقد اختلف العلماء في ذلك فمنهم من قال: هي نسخ، ومنهم من قال ليست بنسخ، ومنهم من قال إن غيرت حكم المزيد فإنها نسخ وإن لم تغيره فليست بنسخ، وقد بيناها في أصول الفقه، ونحن الذين نقول إن النكاح ينطلق على العقد والوطء انطلاقا واحدا، نرى أن القرآن يقتضي وجوب الوطء لأنه آخذ بأواخر الأسماء واستيفاؤها بمعانيها، وهو مذهب مالك ﵀. والذين يرون الزيادة على النص نسخا وهم أصحاب أبي حنيفة يعسر عليهم هذا المأخذ ويلزمهم أن هذه زيادة بخبر الواحد، وخبر الواحد لا ينسخ القرآن إجماعًا، وعن هذا قال سعيد بن المسيب: إن المطلقة","vol":"2","page":95},{"text":"ثلاثا تحل بالعقد أخذا بأوائل الأسماء ولعله لم يبلغه الحديث، على أنه مدني مداره على عروة عن عائشة. وقد رواه القاسم بن محمد عنها، وقد رواه سليمان بن يسار عن ابن عباس وسالم عن ابن عمر وفي رواية، سالم عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر وهو غريب، وإنما سقنا هذا لاعتقاد قوم أن الزيادة على النص نسخ، فلو كان ذلك صحيحا لما عمل بحديث العسيلة في الزيادة على القرآن، فدار الأمر على حرفين إما أن لفظ النكاح يقتضي الوطء وإما أن الزيادة على النص ليست نسخا وبيان ذلك في كتاب الأحكام والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>الآية الموفية ثلاثين: قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾. قال بعضهم منهم هبة الله المفسر، ثم استثنى فقال: ﴿فإذا أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾ فصارت هذه الآية إرادة بالاتفاق ناسخة للحولين الكاملين</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁: هذا كلا من لا بصر له بالحقائق لأنه قال: ثم استثني أولا، ثم قال فصارت هذه الآية ناسخة للحولين فجعله أولا استثناء وهذا ينفي النسخ، وجعله آخرا ناسخًا وهذا إثبات لما ينفي أولا.","vol":"2","page":96},{"text":"ولو لم يكن هناك عندنا قوله: ﴿فإن أرادا فصالا﴾ لاقتضاه الأول في قوله: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ فلم يجعله تقديرا شرعيا، ولا حتما مقضيا وإنما أوقفه على الإرادة لينظر الأبوان في حال المولود واحتماله للفطم وانفصاله ودوام الرضاع واتصاله فجاءت الآية الثانية مؤكدة للأولى ونظيرة لها في الحك لا رادة ولا ناسخة والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>الآية الحادية والثلاثون، قوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ ثبت في الأسدية عن مالك بن أنس من رواية عبد الرحمن بن القاسم قال: لا يلزم الرجل نفقة أخ ولا ذي قرابة ولا رحم منه</span>.\nوقول الله ﷿: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ منسوخ ولم يبين ما الناسخ.","vol":"2","page":97},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي: أصل هذا القول في الآية أن قول الله تعالى في هذه الآية تضمن أربعة أحكام: رضاع الوالدة مدتة للمولود، والنفقة والكسوة ونفي المضارة ثم قال: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ فقال قوم: يرجع قوله ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ إلى جميع ما تقدم، وقال قوم: يرجع إلى نفي المضارة خاصة ولو كان قوله: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ نصا لكان لنا أن نبديء القول في ذلك ونعيده ولكنه محتمل أن قوله ذلك يحتمل أن يرجع إلى الجميع ويحتمل أن يرجع إلى بعضه وإن كان الظاهر أن يرجع إلى الجميع ولكن نتبع الأدلة فنسير حيث سارت وتقف حيث وقفت.\nوقد اختلف العلماء في جريان النفقة بين ذوي القرابات اختلافا كثيرا واضطربت الآراء المالكية فيه بأنواع، وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف، وسنشير إليه في القسم الثالث من الأحكام، وحققنا في موضعه أن الدليل يقتضي وجوب النفقة على الأب دون غيره فبقي الحكم دائرا على نفي المضارة وهو الحكم العام الثابت بين القرابات بل بين جميع المسلمين والمسلمات وهذا كاف في هذا الموضوع.\nفأما قول مالك إنه منسوخ فهو تسامح في تسمية المخصوص منسوخا لأن التخصيص نسخ لغة ولكنه ليس به عرفا، فأجراه مالك على الأصل في الاقتضاء اللغوي، وقد قيل إنه أراد بذلك أصلا آخر من أصول النفقة وهو أن الحكم في صدر الإسلام كان بوجوب النفقة والسكنى للمتوفي عنها زوجها حولا ثم نسخ على ما يأتي بيانه بعد إن شاء الله، فإذا ارتفع ذلك عن الأصل فارتفاعه عن الوارث","vol":"2","page":98},{"text":"الذي هو فرضه أولى وهذا أصل محقق من مسائل الأصول، والأول أقوي فعليه المعول والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>الآية الثانية والثلاثون: قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء﴾</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي: روى عن سعيد بن المسيب أنه قال: كانت المتعة واجبة لمن لم يدخل بها من النساء في سورة الأحزاب ثم نسختها الآية التي في البقرة، قال الراوي: الآية التي في الأحزاب قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالك عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا﴾ والآية التي في البقرة ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ وقد بينا في الأحكام حقائق هذه الآية ومعانيها فإنها منها ليست من النسخ في سبيل، لأنه أوجب في سورة البقرة للمطلقة قبل الدخول نصف المفروض ولم يذكر سواه، وأمر في سورة الأحزاب بمتعتها ولم يذكر المفروض فصار ذكرا لحكمين مختلفين في آيتين في نازلة واحدة وهي المطلقة قبل الدخول فاحتمل ذلك أن يكون إيجابا للمفروض والمتعة بقوله: ﴿وللمطلقات متاع﴾ وبقوله: ﴿ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾ واحتمل أن يكون ذلك في هذه النازلة بيانا لحالين إحداهما مطلقة لم يفرض لها والأخرى مطلقة فرض لها، وجاء العموم للمطلقات مطلقا فاختلف لذلك الناس في المتعة وجوبا ومقدارا ووقتا، ولم يكن في شيء ممن ذلك نسخ وإنما كان حملا لمطق على مقيد وعملا بخاص على عام، وتحقيق ذلك في الأحكام فلينظر هنالك إن شاء الله.","vol":"2","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>الآية الثالثة والثلاثون: قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي: أدخل قوم هذه الآية في سبيل النسخ لأجل ما ثبت عن عائشة انها أمرت كاتبا لها بكتب مصحف وقالت له: إذا بلغت هذه الآية حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فآذني، فلما بلغها آذنها فأملت عليه (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر) وقالوا في هذا منسوخ أو كتب للقرآن على التفسير على ما يروى عن ابن مسعود، وقد بينا في أصول الفقه أن خبر الواحد لا يثبت به قرآن، وإنما يثبت بالخبر المتواتر الذي يوجب العلم ويقطع العذر فأما هذا المروي من طريق الآحاد فليس به اعتبار في قراءة ولا ثبوت حكم لأن ثبوت الحكم فرع مبني على كونها قرآنا وكونها قرآنا لم يثبت، فالحكم الذي ترتب عليه لا ثبوت له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>الآية الرابعة والثلاثون: قوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾</span>.\nقال سليمان بن موسى: نسخها قوله: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين﴾.\nقال القاضي محمد بن العربي: أن بينهما من التعارض في وجه ما يوجب أن يكون نسخا لو تحققنا تاريخيهما، وإذا جهل التاريخ بطلت دعوى النسخ بكل حال فلا معنى لتتبع ذلك فيها، أما أنه قد روى النسائي وغيره واللفظ للنسائي:","vol":"2","page":100},{"text":"حدثنا محمد بن بشار عن ابن أبي عدي عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال: كانت المرأة تجعل عن نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار قالت الأنصار: لا ندع أبناءنا فأنزل الله تعالى: ﴿لا أكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾ وهذا نص صريح، فأما معنى الدين والإكراه وأحكامه فبيانه في القسم الثالث من الأحكام إن شاء الله فلينظر هنالك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>الآية الخامسة والثلاثون: قوله تعالى: ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ ذكر الله هذا الحكم عقيب ذكر الربا وأمره برد رأس المال عند التوبة فقال قوم أنه مقصور على دين الربا، وقد روي أن رجلا خاصم آخر إلى شريح</span>","vol":"2","page":101},{"text":"القاضي في دين له فقيل: يعذر صاحب فإنه معسر وقد قال الله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ فقال شريح: كان هذا في دين الربا وإنما كان في الأنصار وإن الله يقول: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ ولا يأمر الله بشيء ثم يخالفه، احبسوه إلى جنب السارية حتى يوفيه فجعله شرح مخصوصا. وقال قوم إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لايؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما﴾ فيرى أن يلازم الغريم مديانه حيثما كان. حتى يضجر منه (ويأخذ ما) عليه منه. وقال آخرون: إن قوله: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ ناسخ لما كان عليه الأمر في شرع من قبلنا وفي صدر الإسلام من بيع الأحرار في الدين المتعين عليهم، فقد روى مطلقا أن النبي ﷺ باع حرًا في دين وروى مفسرا أن عبد الله بن البيلماني قال: كنت بمصر فقال لي رجل: ألا أدلك على رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فقلت: بأبي أنت، فأشار إلى رجل فجئته فقلتك من أنت يرحمك الله؟ فقال: أنا سرق، فقلت: سبحان الله ما ينبغي لك أن تسمى بهذا الاسم وأنت رجل من أصحاب النبي ﷺ، فقال: إن رسول الله سماني سرقا فلن ادع ذلك ابدا، قلت ولم سماك سرقا؟ قال: لقيت رجلا من أهل البادية ببعيرين ليبيعهما فابتعتهما منه قلت انطلق معي حتى أعطيك. فدخلت بيتي ثم خرجت من خلف آخر وقضيت بثمن البعيرين حاجة وتغيبت حتى ظننت أن الأعرابي خرج والأعرابي مقيم، فأخذني فقدمني إلى رسول الله ﷺ.","vol":"2","page":102},{"text":"فأخبرته الخبر فقال رسول الله ﷺ: وما حملك على ما صنعت؟ قلت: قضيت منهما حاجتي يا رسول الله؟ قال: فاقضه قلت ليس عندي، قال: أنت سرق، إذهب يا أعرابي فبعه حتى تستوفي حقك، قال فجعل الناس يسومونه في ويلتفت إليهم فيقول ماذا تريدون؟ فيقولون: نريد ابتياعه منك، قال فوالله إن منكم من أحد أحوج إليه منى: إذهب فقد أعتقتك.\nوقد روي أن الخضر ﵇ باع نفسه لرجل تصدق بثمنه عليه حتى نسخ الله ذلك بقوله: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁: لو ثبت أن شيئا من هذه الأحاديث على رسم الصحة لكان لقائل أن يقول: إن ذلك منسوخ بهذه الآية. وقد قال الزهري: أدان معاذ فباع النبي ماله حتى قضى دينه، ولم يعرض لغيره وروى ان رجلا ابتاع تمرا في عهد النبي ﷺ فأصيب به فقال النبي ﷺ تصدقوا عليه، فتصدق عليه فلم يبلغ وفاء دينه فقال: (خذوا ما معه ليس لكم غيره) وقال عمر بن الخطاب بمحضر سادة الصحابة رضوان الله عليهم: (ألا إن الأسيفع) رضي من دينه وأمانته أن يقال سبق الحاج فأدان معرضا فأصبح وقد رين به، ألا وإنا بايعو ماله وقاسموه بين غرمائه، فلم يرد عليه فصار إجماعا، كما أن قول شريح أن هذا مخصوص بدين الربا لا يصح لأن خصوص أول الآية يقضى على عموم آخرها، وقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ عام في كل معسر بكل دين.\nفإن قيل / هذا إثبات في نكرة يعم النفي في النكرات تقول: رأيت رجلا فهذا خاص وتقول لم أر رجلا هذا عام قلنا: هذا وإن كان","vol":"2","page":103},{"text":"خصوصا فإن معناه العموم كقوله: ﴿إن رأيت﴾ فقيرا فاعطف عليه، لا يراد بهذا فقير مخصوص معين وإنما هو عام في كل فقير.\nوأما قول من قال إنه منسوخ بقوله: ﴿إلا ما دمت عليه قائما﴾ فإنما يصح هذا على حال إذا كانت هذه الآية بعد قوله: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ وقد ثبت أن آية الربا من آخر آية نزلت وهذا حرف من ذلك، فقد ثبت تأخره ولو لم يثبت ذلك لم تكن فيه حجة لأن قوله تعالى: ﴿لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما﴾ إنما معناه لا يؤده إليك إلا أن تكون ملازما من حين العطاء إلى حين الأداء، فإن فارقته، قال: ليس لك عندي شيء، وهذا محتمل يسقط التعلق به لأبي حنيفة، وأصحاب الملازمة\nتوحيد: لما قال الله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك﴾ وجب صدق الله في خبره وصدق النبي في تبليغه، وقد شاهدنا من ذلك بثغر الإسكندرية دليلا وذلك أن على الروم في تعشيرهم بها من الذهب الثلث، فخرج بعضهم بجملة عظيمة من الذهب على اختفاء فرأى رجلا عليه شارة بهية من عمة عليه وصفحة وضية وكسرة نية فالتزمه وعرض عليه ما عنده من تلك الجملة من الذهب وسأله أن يدخله متسترا به حتى لا يمكس فيه فقبله واحتمله وسار إلى البلد ورجع الرومي إلى باقي رحله فأخرجه ثم رفعه على الحمالين وجاء به إلى باب البلد ووقف بين يدي المكاس في ديوان المكس حتى يأخذ من رحله ما يجب له، فلا مثل بين يديه إذا به صاحب الوديعة فسقط في يده واستسلم إليه وحاسبه على الواجب في رحله، فلما وفاه إياه قال له: خذ واجبك من تلك الوديعة وسلمها إلي. فقال له: خذها كلها لا يلزك فيها شيء لأنا إنما أخذنا","vol":"2","page":104},{"text":"منك على الأمانة والاختفاء لا على التغريم والاقتضاء فطارت له منقبة وثبت لرسول الله ﷺ معجزة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>الآية السادسة والثلاثون: آية الدين</span>.\nقال بعض المفسرين هذا منسوخ، وروى عن أبي سعيد الخدري قال: يا أيها الذين أمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه. إلى ﴿فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن أمانته﴾ قال: نسخت هذه التي قبلها.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nهذه غفلة لا تصح نسبتها إلى أبي سعيد لأن هذا ليس بنسخ والله تعالى بين حكم المداينة وحض فيها على الكتابة والشهادة عند الكتابة معينا وعند الابتياع مطلقا، تحصينا للحقوق ونظرًا إلى العواقب، ثم قال في الآة الأخرى ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾، فالمنى إذا تعذر الكتب وابتغينا المعاملة فليأخذ صاحب الدين رهنا بإزاء دينه وثيقة له نظرا إلى العواقب ثم قال تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا﴾ فلم يكتب ولم يشهد ولم يرتهن ﴿فليؤد الذي أؤتمن أمانته﴾ فبين تعالى أن ما تقدم من لفظ الأمر بالكتابة والإشهاد ليس على الحتم والوجوب وإنما هو للإرشاد والتحضيض.","vol":"2","page":105},{"text":"فإن قيل إنما يرجع قوله: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا﴾ إلى أخذ الرهن خاصة في السفر دون ما تقدم من مطلق القول في المداينة والكتابة والشهادة فيها والشهادة عند المبايعة ولا تدخل آية في آية.\nقلنا بل يرجع قوله: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا﴾ إلى جميع ما تقدم في الإشهاد في الإية التي قبلها، وفي الكتابة وفي الإشهاد عند المبالغة مطلقا وإنما هذه الأوامر تحضيض وإرشاد ليس للوجوب فيها أثر، والدليل عليه كثير قد أوردناه في مسائل الخلاف ويختص منها بهذا الموضع ثلاثة أدلة:\nالدليل الأول: حديث الإسرائيلي قال النبي ﷺ إن رجلا فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل سأل رجلا أن يسلفه قال له ائتني بالشهود قال له: كفى بالله شهيدًا، قال فائتني بالكفيل، قال كفى بالله كفيلا، قال صدقت: فدفعها إليه إلى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركبا يركبها يقدم عليها للاجل الذي أجله فلم يجد مركبا فأخذ خشبة فنقرها فأدخل بها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه ورجح موضعها ثم أتى إلى البحر بها فقال: اللهم إنك تعلم أني تسلقت فلانا ألف دينار فسألني كفيلا فقالت كفى بالله كفيلا فرضي بذلك وسألني شهيدًا فقلت كفى بالله شهيدا فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أقدر وإني أستودعتكها فرمي بها في البحر حتى ولجت فيه ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده فخرج الرجل الذي كان أسفله ينظر لعل مركبا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطبا فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسفله فأتاه بالألف الدينار فقال: والله مازلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الذي جئت به، قال إن الله قد أدى عنك الذي بعثت والخشبة فانصرف بالألف الدنيار راشدا، فهذا نص في إسقاط الإشهاد في شرع من قبلنا وهو شرع لنا.","vol":"2","page":106},{"text":"الدليل الثاني أن الأئمة رووا أن النبي ﷺ رهن درعه في ثلاثين وسقا من شعير عند يهودي ولم يذكر شهادة.\nالدليل الثالث حديث الزهري عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عمه وكان من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ اشترى فرسا من أعرابي ثم استتبعه ليدفع إليه ثمنه فأسرع المشي فساوم قوم الأعرابي بالفرس ولم يعلموا فصاح الأعرابي بالنبي ﵇: اتبتاعه مني أم أبيعه؟ فقال: أليس قد ابتعته منك؟ قال لا والله ما ابتعته مني، فأقبل الناس يقولون: ويحك إن رسول الله ﷺ، لا يقول إلا حقا، فقال هل من شاهد فقال خزيمة أنا أشهد، فقال النبي بم تشهد؟ فقال أشهد بتصديقك، فجعل النبي شهادته شهادة رجلين، ويعضد هذا ما أخبرنا أبو الحسين الصيرفي بالكرخ، أخبرنا القاضي أبو الطيب الطبري أخبرنا الدارقطني حدثنا أبو عبيد القاسم بن إسماعيل قال حدثنا أحمد","vol":"2","page":107},{"text":"بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان حدثنا ابن نمير عن يزيد، زياد بن أبي الجعد حدثنا أبو صخرة جامع بن شداد عن طارق بن عبد الله المحاربي قال رأيت النبي ﷺ مر بسوق ذي المجاز وأنا في بياعة لي أبيعها فمر وعليه حلة حمراء وهو ينادي بأعلى صوته: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. ورجل يتبعه بالحجارة قد أدمى كعبية وعرقوبيه وهو يقول: يا أيها الناس لا تطيعوه لأنه كذاب، قلت: من هذا؟ قالوا هذا غلام من بني عبد المطلب؟ قلت من هذا الذي يتبعه يرميه؟ قالوا هذا عمه عبد العزي وهو أبو لهب لعنة الله عليه، فلما ظهر الإسلام وقدم المدينة أقبلنا في ركب الربذة وجنوب الربذة حتى نزلنا قريبا من المدينة ومعنا ظعينة لنا فبيا نحن قعود إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان فسلم فرددنا عليه فقال: من أين أقبل القوم قلتا من الربذة وجنوب الربذة قال ومعنا جمل أحمر، قال: تبيعوني جملكم قلنا نعم قال بكم؟ قلنا بكذا وكذا صاعا من تمر، قال فما استوضعنا شيئا وقال: قد أخذته ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة فتوارى عنا فتلاومنا بيننا وقلنا: أعطيتكم جملكم من لا تعرفونه، فقال الظعينة، لا تلاوموا فقد رأيت وجه رجل ما","vol":"2","page":108},{"text":"كان ليخفركم، ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، فلما كان العشى أتانا رجل فقال: السلام عليكم، إني رسول رسول الله إليكم وإنه امركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا وتكتالوا حتى تستوفوا فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا حتى استوفينا، فلما كان من الغد دخلنا المدينة فإذا رسول الله ﷺ قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول: يد المعطى العليا وابدأ بمن تعول، أمك وأباك فأختك وأخاك وأدناك فأدناك، فقام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع قتلوا فلانا في الجاهلية فخذ لنا بثأرنا، فرفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه، وقال: ألا لا يجني والد على ولده.\nولو كان الإشهاد واجبا لكان اعظم الخلق إليه انقيادا رسول الله ﷺ وأولهم امتثالا له وقد كتب النبي ﷺ في البيع ولم يشهد، كما أخبرنا أبو طاهر البغدادي أخبرنا ابن زوح الحرة أخبرنا أبو علي أخبرنا أبو العباس أخبرنا أبو عيسى.\nوأخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار أخبرنا ابو الطيب الطبري أخبرنا الدارقطني واللفظ له حدثنا محمد بن أحمد بن أبي الثلج: حدثنا أبو بدر عباد بن الوليد، قال حدثنا عباد بن ليث صاحب الكرابيس وحدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، حدثنا أبو خالد عبد العزيز بن معاوية القرشي حدثنا عباد بن","vol":"2","page":109},{"text":"ليث صاحب الكرابيس، حدثنا عبد المجيد ابن وهب أبو وهب قال قال لي العداء بن خالد بن هوذة: ألا أقرئك كتابا كتبه لي رسول الله ﷺ؟ هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله عبدًا أو أمة شك عباد، ليث لأداء ولا غائلة ولا خبثة، بيع المسلم للمسلم، وقال ابن أبي الثلج فأخرج لي كتابا: هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة بن محمد رسول الله اشترى منه عبدًا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم المسلم، فهكذا جاء ذكر الكتاب باختلاف الروايات ولم يكن فيه ذكر اشهاد ولكن فيه من الفقه كتب البائع خطه للمبتاع بالبيع.\nوإن كتب الكاتب المخصوص بالرجل حكم على صاحب الكتاب فيتعين به عليه الحق فإن أنكره حلف أنه ما أمره به ولو كان خط البائع نفسه أو المقر لكان أصلا. وفي تفصيله خلاف بيانه في كتب المسائل والله أعلم.","vol":"2","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>سورة آل عمران</span>\nمدنية كلها، فيها من النسخ آيتان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>الآية الأولى: ﴿فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن﴾ قال فيها بعضهم إنه مسوخ بقوله: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ قال حاكيه: وهذا إنما يجوز على قول من قال إن قوله في النحل: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا﴾ إلى آخر الأية، مدني قاله قتادة، وأكثر الناس على أن السورة مكية إلا ثلاث) آيات نزلن بين أحد والمدينة فعلى القول بأنها مكية لا يجوز أن ينسخ قوله تعالى: ﴿فقل أسلمت وجهي لله﴾ لأنه مدني وعلى قول قتادة يجوز لأن المدني ينسخ المدني والصحيح أنه لا نسخ فيه لأن قوله: ﴿فقل أسلمت﴾ وهو من المجادلة بالتي هي أحس</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nوالمعنى إن أتوك بحجة في أن مع الله غيره فقل لهم إني مع الله وحده أسلمت كلي أيه، وذكر الوجه إما لأنه أشرف افيه فإذا انقاد إليه وذل عليه فغيره تبع له وإما لأنه يعبر بالوجه على الجملة وعن هذا وقع التعبير بقول النبي ﷺ في سجود: سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره فتبارك الله أحسن","vol":"2","page":111},{"text":"الخالقين\" ويحتمل أن ذكر الوجه في الموضعين عبارة عن الظاهر وهي الجملة وعن الباطن وهو القصد والنية فإنه يجب إسلام الكل لله وأن لا تكون نية إلا فيه ولا عمل إلا له وذلك قوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ هذا في الظاهر بالعمل وفي الباطن بالقصد إليه فهو مقابلة اعتقاد باعتقاد دون معارضة مذهب بمذهب. فأما الدليل فلابد منه لأنه إنما بعث ليدعو إلى الله ويوحد ويدل عليه ببراهينه وآياته ولم يكن هنالك وقت لا يستدل فيه على الكفار ثم نسخ بعد ذلك بالمحاجة والمجادلة وذكر الأدلة وإنما هي آيات مجتمعة المعاني منتظمة المباني وليس يمتنع أن يكون النبي ﷺ قيل له: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ فإن استمروا على محاجتك ومعارضتك بعد سرد دليلك وذكر براهينك ﴿فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أسلمتم فإن اسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد﴾ ولا يكون على هذا بين الآيات تعارض ويكون ذلك منسوخا بالقتال وهذا يكون إحكام لقول.\nأما إن المحاجة لا تنقطع إلى يوم القيامة في موضعين: أحدهما عند ضعف الملل وظهور البدعة، الثاني عند وجوب الدعوة واستحبابها، فإنه يبين لهم الحق ويسرد لهم الدليل ويخلق الله لمن شاء القبول.\nمزيد بيان: مما يحقق النسخ فيه أن قوله تعالى: ﴿فإنما عليك البلاغ﴾ كلمة حصر وإثبات ونفي وتقديره ليس عليك إلا البلاغ، وقد بينا ذلك في أصول الفقه. وكأن الله في صدر الإسلام لم يلزم رسوله إلا البلاغ للخلق","vol":"2","page":112},{"text":"ودليله والإنذار بما أنزل عليه من مذهب وبرهان حتى أعذر في ذلك إلى العباد ولا أحد أحب إليه العذر من الله. فلما قامت الحجة ووضحت المحجة أمر بالقتال وسيأتي في ذلك مزيد بيان في سورة الرعد إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>الآية الثانية قوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ قال بعضهم: إن هذه الآية ناسخة للقنوت في الصلاة واحتج بما روى سالم عن ابن عمر أن النبي ﷺ لعن في صلاة الفجر بعد الركوع فقال اللهم العن فلانا وفلانا ناسا من المنافقين فأنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ وهذا إسناد مستقيم</span>.\nقال القاضي ﵀:\nترك القنوت في الصلاة مذهب ابن المبارك وأبي حنيفة. وقال أحمد: لا يقنت في الصلاة إلا إذا نزلت نازلة بالمسلمين، وقال مالك والشافعي: يقنت في صلاة الصبح لكن الشافعي يقنت بعد الركوع ومالك يقنت قبل الركوع، كنت بالثغر المحروس حين زحف العدو إلى المسجد الأقصى فجعلت بعد الركوع، في الصبح أقنت جهرًا، وأدعو للمسلمين وعلى الكفار كما كان النبي ﷺ يفعل وقد ثبت في الصحيح واللفظ لمسلم عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة جميعا عن","vol":"2","page":113},{"text":"أبي هريرة كان رسول الله ﷺ يقولحين يفرغ في صلاة الفجر من القراءة وهو يكبر ويرفع رأسه، سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. ثم يقول وهو قائم: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيان ووعلا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله، ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ وعن ابن عمر واللفظ للبخاري قال: إنه سمع رسول الله يقول: حين يرفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر بعدما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد: اللهم العن فلانا وفلانا، فأنزل الله تعالى ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾.","vol":"2","page":114},{"text":"وهذا نص في نسخ هذا الدعاء.\nوأما دعاء غيره فإنه حسن لما ورد من الأدلة واستفاض من الأخبار في دعاء النبي ﷺ قديما وحديثا حتى استأثر الله به.\nوهذا بين لمن تأمله والقرآن ينسخ السنة بغير شك.\nفأما القنوت في صلاة الفجر فقد بيناها في مسائل الخلاف وهو أثر ضعيف ولأجل ضعف خرج مالك في موطئه عن ابن عمر أنه كان لا يقنت في شيء من الصلاة وهو كان من أعظم الصحابة اقتداء برسول الله ﷺ واقتفاء لآثاره وارتساما لأفعاله.\nأما أن النبي ﷺ، كان يدعو مرة في الظهر ومرة في المغرب، ومرة في العشاء حسب ما ورد في الحديث الصحيح.\nوقد ذكر بعضهم حديثا ضعيفا عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ جاءه رجل من قريش فحول قفاه إلى النبي ﷺ، وكشف عن استه في وجه النبي ﷺ فلعنه ودعا عليه فأنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ والصحيح عن سالم عن ابن عمر ما قد قدمناه من لعنة المنافقين والله أعلم.","vol":"2","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>ذكر آيات العام والمخصوص</span>\nفيها من ذلك عشر آيات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>الآية الأولى قوله تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين﴾ قال بعضهم نسختها آية السيف</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nفي معني هذه الآية أربعة أقوال: الأول لا يظهر لهم اللطف من القول الثاني لا تتخذوهم بطانة.\nالثالث قال السدي: أما موالاتهم فيوالي ولكن لا يطلعهم على عورات المسلمين فمن فعل مشرك وقد بريء الله منه ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ فيظهر لهم الموالاة في دينهم والبراءة من المؤمنين قاله ابن عباس ﵁، وذلك في التكلم باللسان لا بالقلب. قال عكرمة ما لم يرق دم مسلم أو يستحل ماله.\nالرابع قال قتادة: معناه تقية الرحم من المشرك.\nهذا منتهى جملة الأقوال. والمعنى في الآية أن الله تعالى نهى عن اتخاذ الكفار أولياء نعم ونهي عن اتخاذ الهوى وليا فقال: ﴿أرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾ وقال تعالى: ﴿ونهى النفس عن الهوى﴾ فأول من يلزم أن تعادي نفسك فإنها تقول: لي وبي ومني، وليس لها ولا بها ولا منها، وإنما ذلك لله وبالله ومن الله، فإذا خلصت من هذا المقام كنت من أولياء الله وجانبت أعدى الأعداء إليك وأقربهم منك وهو نفسك وهواك، وبعد ذلك تجتنب الأعداء من غيرك","vol":"2","page":116},{"text":"باعتقادك وبقولك ثانيا وبعملك ثالثا وبمخالطتك رابعا إلا أن تحذرهم على نفسك وأهلك ومالك فيجوز لك أن تتكلم بما لا يحل، والقلب مطمئن بالإيمان، وهذا كله محكم فإن الاستثناء ليس بنسخ باتفاق من العقلاء وأرباب اللغة، وكانت التقية في أول الإسلام عمومًا ثم صارت بعد ذلك خصوصا، ولا تزال كذلك إلى يوم القيامة تدعيها كل أمة وتحتج بها كل طائفة، والحق بين فيها واضح منها حتى لقد زعمت الرافضة أن عليا بايع أبا بكر تقية مغلوبا؟ قيل لهم: فلم غزا تحت رايته قالوا: مغلوبا. قيل لهم: فلم أخذ سهمه من الغنيمة وهي حرام عندكم قالوا مغلوبا. قيل لهم فلم استولد من سبي وهي الحنفية فبهتوا.\nفأما من قال لا يظهر لهم اللطف فذلك في المحاربين فأما من أمرت بقتله كيف تلطف به، وأما أهل العهد فلا تظهر لهم الغلظة قال الله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾.\nوهذا واضح جدًا، وأما اتخاذهم بطانة فإن ذلك لا يجوز وهي نهاية الولاية فأن أول الولائة ملاطفة في القول وآخرها مصافاة بالقلب، وشيء من الولاية لا يجوز فكيف بنهايتها فتبين أن القول الأول أولى من الثاني وأجلب للمعنى منه وأكثر طبقا له.\nوأما إشارة السدي إلى أن معناه لا يظهرونهم على عورات المسلمين فهو شرك وقد بريء الله منه، فلم يصح سندًا ولا يصح متنا فإن المعاصي لا يكفر مرتكبها.","vol":"2","page":117},{"text":"على أصول أهل السنة حسب ما بيناه في كتاب الاعتقاد ورتبناه عليه من الأدلة. وإنما يكون كافرًا باعتقاد الكفر وذلك مثلا بأن يطلعه على عورات المسلمين مستحلا بذلك من حرمتهم مستهينا بهم، فأما مجرد إطلاعه للكفار على عورات المسلمين فإنه لا يكون بذلك مشركًا عند أحد من أهل السنة، لكن اختلفوا هل يكون بذلك مباح الدم أم لا؟ قال مالك: يقتل حدًا وبه قال أصبغ وقال مالك أيضا: يجتد الإمام أيضا فيه، وقال عبد الملك إن كانت تلك عادته قتل وإن كانت فلتة لم يقتل. واختار ابن القاسم وأشهب، أن يجتهد الإمام فيه، وبيان ذلك في سورة الممتحنة من كتاب الأحكام وغيره.\nوأما من قال إنه يظهر لهم الولاية والبراءة من المؤمنين عند التقية فذلك جائز من غير خلاف ما لم يكن في ذلك قتل مسلم أو أخذ ماله فلا تحل له","vol":"2","page":118},{"text":"الموالاة فيه إلا أن يخاف على نفسه فيجوز له أن يفديها بأن يطلعه على مال الغير فأما إراقة دم الغير فلا يجوز أن يفدي نفسه بها إجماعًا، وليصبر على ما أصابه.\nوأما قول قتادة: (إلا أن تتقوا منهم تقاة)، يعني تقية الرحم من المشرك فليست مواساة الرحم المشرك تقية وإنما ذلك صلة وهو بين في قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم﴾ كما تقدمت الإشارة إليه وهو أيضا بين في حديث أسماء قالت يا رسول الله: إن أمي قدمت على راغبة وهي مشركة أفاصلها؟ قال: نعم صلى أمك، وهذا كله يبين لك أن الآية محكمة ليس للنسخ إليها طريق والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿رب إني نذرت لك ما في بطني محررا﴾ ظن بعضهم أنه كان في شرح من قبلنا جواز استرقاق الأحرار باختيارهم وكان الآباء يملكون أبناءهم فيتصرفون فيهم تصرفهم في الذين ملكت أيمانهم بإرادتهم وأن ذلك ليس في شرعنا فكان ذلك نسخا له</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nهذا ظن باطل، إنما حقيقة الآية أن الله سبحانه أخبر عن أم مريم أنها حين بشرت بالولد وتبين لها الحمل به علمت أن الولد أنس الدنيا، وعضد فيها وعون لها، وزينة عليها، فالتزمت أن تتركه لله يتعبد له وينفرد بطاعته ولا يكون لها حظ الوالدة فيه، وقد بينا ذلك على التمام في الأحكام فلينظر هنالك إن شاء الله.","vol":"2","page":119},{"text":"وقد مضى قوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار﴾ في آية تأخير المعسر فلا وجه لإعادته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾</span>.\nقال بعضهم كانت شريعة من قبلنا فكان لنا أن نستعملها فنسخت بحديث جابر عن النبي ﷺ \" لا صمت يوما إلى الليل.\nوقال غيره: هذه الآية حكاية والحكاية لا تنسخ لأن الخبر لا يدخله النسخ ثم قال: إنما يدخل هذا النسخ على قول من قال إن شريعة من قبلنا يلزمنا العمل بها.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nقوله تعالى: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾ اختلف الناس في تأويلها حسب ما أوردناه في الأمالي من أنوار الفجر، لبابة أن زكرياء ﷺ لما دعا في الولد نادته الملائكة بالإجابة فلما سمع زكرياء النداء قال له الشيطان إن هذا الصوت ليس بصوت ملك وإنما هو كلام الشيطان يسخر بك ولو كان من الله أوحي إليك كما يوحي في غيره من الأمور فشك مكانه وقال: ﴿أني يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر﴾ فقال: ﴿رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾ فمنع الكلام عقوبة له وأعلمه أن الله يفعل ما يشاء وأنه قد قدر على أكثر من ذلك وهو خلقه ولم يك شيئا.\nقال شيخنا أبو عبد الله النحوي ﵀: هذا الذي سمي شكا في رواية السدي ليس يحمل على الشك الصريح الذي يضاد اليقين وإنما هو من باب","vol":"2","page":120},{"text":"الخواطر التي لا تضر الصالحين وقد شكا ذلك الصحابة إلى النبي ﵇ وقالوا: أحدنا يخطر بقلبه الشيء لأن يكون حممة أحب إليه من أن ينطق به أو أن يخر من السماء فتخطفه الطير أحب إليه من أن ينطق به.\nقال القاضي ابن العربي:\nهذا ضعيف في نفسه لا ينبغي أن يلتفت إليه، وإنما الصحيح ما قاله الطبري وغيره من العلماء أن زكرياء لما دعا ربه في الذرية عجلت له الإجابة ﴿فنادته الملائكة وهو قائم يصلى في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحضورا ونبيا من الصالحين﴾ فتيقن الإجابة وتحقق سؤال المسألة مأتيا، ولم يشك قط في وعد الله وصدقه ولا دخله ريب في قدرة الله على خلقه وإنما طلب معرفة الكيفية فقال: أني يكون لي غلام وإنا قد كبرت عن الولد وامرأتي عاقر لم تلد؟ فسأل علم كيفية خرق العادة ومعرفة الطريق إلى وجودها بولادة فكان الجواب أن الله يفعل ما يشاء وأنه عليه هين بدليل أنه خلقك من قبل ولم تك شيئا وهذا كقوله تعالى في قصة إبراهيم ﵇ ﴿آلد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب﴾ فقالوا لها: (أتعجبين من أمر الله، رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت أنه حميد مجيد) فسألت المرأة في هذه القصة عما سأل الرجل عنه وقيل لها ما قيل له فقال زكرياء ﷺ اجعل لي آية على وقت تيسير ذلك وتهيئته قال له: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾ سويا متواليات قدرات عليه الأوقات حتى أراد أن","vol":"2","page":121},{"text":"يتكلم على عادته في حواره فمنع وبقي ذكر الله ممكنا فكان لا يستطيع كلام الناس إلا بالرمز وهي الإشارة وكان ذكر الله يجري على لسانه سويا كما كان ..\nوهكذا نقل أهل التفسير أن موسى ﵇ كان إذا أراد أن يتكلم في شأن تعقد لسانه فإذا قرأ أو بلغ عن الله انطلق لسانه كيف شاء. فهذا تحقيق القول فيه.\nوأما من قال إن الشيطان شككه، وقال: من أين تعلم أن هذا صوت ملك إنما هو الشيطان سخر بك؟ فقد بينا في كتاب الأصول والمشكلين وغيرهما أن النبي لا يجوز أن يلتبس عليه الملك بالشيطان في طريق البلاغ عن الله ﷿، ولو جاز ذلك ما وثقنا بالشريعة، وإنما يخلق الله العلم للنبي بالملك ووحيه ضرورة أو دليلا.\nوأما قول شيخنا أبي عبد الله أن ذلك من الخواطر التي لا تدفع فلو كان ذلك ما أجيب بأن يجعل له آية عليه لأن الخواطر المذكورة لا يتعلق بها حكم ولا يكون عليها جواب.\nتتميم للمقصود: وأما من قال إن هذه شريعة من قبلنا فإنما يصح هذا لو كانت هذه الآية مكتسبة لزكرياء ﵇، وقد بينا أنها كانت ملقاة عليه قهرا فلا يصح التكليف بها. ولو كانت شريعة لقيل له آتيك إذا أمرناك ألا تكلم الناس، وهو إنما قيل له (آيتك ألا تكلم الناس) فالآية إنما جعلت في نفي الكلام لا في الأمر بتركه.\nوأما حديث \" جابر\" فضعيف جدا في السند ضعيف في المعنى لأنه لا صمت يوما إلى الليل ولا أقل منه ولا أكثر.\nوأما من قال إنه خبير والأخبار لا تنسخ، فقد بينا أن الخبر ينسخ إذا دخله التكليف لأنه يكون حينئذ خبرا عن الشرع فينسخ الخبر بنسخ المخبر وإنما يمتنع نسخ الذي لا ينسخ مخبره.","vol":"2","page":122},{"text":"وأما قوله لا يدخله النسخ إلا على قول من قال إن شريعة من قبلنا شريعة لنا، فهذا يناقض قوله قبله وها هنا أن الخبر لا يدخله النسخ لذاته. وهو كله تسور منه على العلوم وتصور بصورة العلماء، ولا يصح ذلك بالادعاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿كيف يهدي الله قومًا كفروًا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق﴾ الآيات الثلاث: زعم بعضهم أن ما استثنى الله منهم بقوله ﴿إلا الذين تابوا﴾ ناسخ لما تقدم</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nهذا باطل فإن الاستثناء ليس بنسخ، وقد حققنا ذلك في السابق من القول ها هنا وفي غيره. وسبب هذه الآية فيما ذكره المفسرون أن رجلا يقال له الحارث بن سويد من بني عمرو بن عوف كان أسلم ثم لحق بأرض الروم وتنصر ثم أرسل إليه قومه فندم وسأل قومه رسول الله ﷺ هل له توبة؟ فتزلت هذه الآيات. وقيل نزلت في أبي عامر الراهب والحارث بن سويد ووحوح بن الأسلت. وقيل هم أهل الكتاب الذين آمنوا بمحمد وبشروا به واستفحوا به فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين إلا من تاب. وهذا يصح أن يكون متناولا للآيات ومعناه أن الباري تعالى يقلب الأفئدة والأبصار كما يقلب الليل والنهار ويغير الحالات ولا يتغير في الذات والصفات فلا ثبات إلا كل","vol":"2","page":123},{"text":"ما يثبت لمن يثبت ولهذا كان يدعو ﵇ في دعائه بأن يهدي لما اختلف فيه من الحق ويقول في يمينه: \" لا ومقلب القلوب\" وقال تعالى معلما لنا: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة﴾ يعني تثبيتا (ويديم ذلك لنا) وبين تعالى بعد النجعة في قوم قد كفروا بعد المعرفة وجحدوا بعد الإقرار وارتدوا على الأدبار ثم تدارك من سبق في علمه النجاة له ورزقه الهداية بفضله فأخبر أنه يغفر للذين تابوا بردهم إلى ما سبق لهم ومبدأ التوبة منه وذلك بين في قوله: ﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا والكل منه وله عدلا وحكما فصلا ومنة وفضلا، فهذا تفصيل الأحوال وتأصيل في تقلب القلوب والأعمال وليس مما نسخ ولا مما ينسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>الآية الخامسة قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ قال السدي قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ عموم ثم استثني من استطاع إليه سبيلا فصار ناسخا لها</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nوهذا وهم عظيم فإن قوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾ في حكم اللغة بدل من قوله (الناس) وهو بدل البعض من الكل أحد الأقسام التي ضربها أهل اللغة للبدل، وليس هذا في حكم اللغة من النسخ في ورد ولا صدر. هذا وقد كان استقر في الشريعة أن الله لا يكلف أحدا إلا ما استطاع ولا كان مالا يطاق مما يدخل تحت التكليف شرعا. فكانت هذه الصفة والبدلية بيانا لما قد تقرر أصله في","vol":"2","page":124},{"text":"الشريعة تأكيدًا له فكيف يعد هذا من التخصيص فضلا عن أن يقال فيه إنه من النسخ؟ وقد قال الشافعي: إن الحج يلزم من استطاع إليه سبيلا ومن لم يستطع للحديث الصحيح واللفظ للبخاري، ومداره على ابن عباس ﵁ قال: أردف رسول الله ﷺ يوم النحر الفضل بن العباس خلفه على راحلته وكان الفضل رجلا وضيئا، فوقف للناس يفتيهم وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله ﷺ فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها فالتفت النبي والفضل ينظر إليها فأخلف يده وأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة فهل يقضى أن أحج عنه؟ قال: نعم، فرأى لذلك وجوب الحج عليه. وليس في لفظ الحديث الصحيح ما يوجب ذلك. وقد بيناه في كتاب الأحكام ومسائل الخلاف فلينظر هنالك إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾</span>.","vol":"2","page":125},{"text":"قال قتادة والسدى وابن زيد والربيع بن أنس هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾.\nوقال أكثرهم على أنها محكمة لأن الأمر بتقوى الله لا ينسخ، قال بعضهم: وهو أحسن لأن معنى ﴿اتق الله حق تقاته﴾ اتقوه بغاية الطاقة فهو قوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ بعينه إذ لا يجوز أن يكلف الله أحدًا إلا ما يطيقه وتقاه الله واجبة فلا يجوز نسخها لأن في ذلك إجازة التقصير من الطاعة وهذا لا يجوز.\nوقال قتادة قوله: ﴿حق تقاته﴾ أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر، وقال ابن عباس ﵁ قوله: ﴿حق تقاته﴾ معناه أن يجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذكم في الله لومة لائم وأن تقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين من الآباء والأبناء فمن سواهم. وهذا كله لا يحسن النسخ فيه.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nقد بينا في غير ما موضع حقيقة التقوى وأنها من: وقي يقي أي يجعل بين نفسه وبين المعاصي حاجزًا وهي الوقاية، وذلك كما قال ابن مسعود في قوله حق تقاته. أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر. وقد أسندوه إلى النهي ﷺ ولم يصح، وقد استبعد ذلك قوم من الأولين والآخرين فجاءوا مستأخرين وظنوا في أنفسهم أن هذا لا يقوم به أحد ورأوا أن قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ملائم في الظاهر لكل أحد فحملوا الأمر عليه ونسبوا النسخ إليه. وحقيقة ذلك أن الله تعالى أمرنا بأشياء، ونهانا عن أشياء، فلزم","vol":"2","page":126},{"text":"امتثال ما أمر به، واجتناب ما نهي عنه، وجعل الامتثال في الأوامر وقاية دون العقاب على الترك، والاجتناب في النواهي وقاية دون العقاب على الفعل، وذلك هو تقوى الله حق تقاته، وتقواه بما استطاع لأنه تعالى أخبر أنه لا يكلف أحدًا ما لا طاقة له به كما بيناه، فإذا امتثل ما أمر به في كل شيء إلا في واحد واجتنب كل ما نهى عنه إلا واحدًا لم يتقه حق تقاته، وإلى هذا المعنى مرجع الآيتين وعليه يتركب قوله: ﴿أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر﴾ يعني عند الأمر والنهي، فلا ينسى وأن يشكر باستعمال النعم في الطاعة ولا تكفر النعمة بتصريفها في المعاصي. ومن قال من الناس: إنها منسوخة إنما حمل الأمر فيها على أنها نزلت في معرض قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ ثم رفع بقوله: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ وقد بينا أنها ليست منها، وما ذكرنا عن ابن عباس في تفسير حق التقاة ممكن فلا وجه لرفعه والآية تناولت ذلك كله. وأما من قال: إن تقاة الله واجبة فلا يجوز نسخها فقول جاهل: لا إشكال في أن تقاة الله عما نهي عنه، ويجوز أن يأمر بما نهى عنه بعد النهي وينهى عما أمر به بعد الأمر به، ويكون ذلك نسخا للمتقى فينسخ بذلك التقوى.\nغواية: قال بعضهم: هذه الآية ليست بمنسوخة للدلائل الدالة على ذلك، إذ غير جائز في حكمة الله وعدله ورأفته وفضله أن يتعبد خلقه بما لا تبلغه قدرتهم لأن هذا جور لا عدل، تعالى الله عن ذلك، بل قد أخبر أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، فالآيتان متفقتان وكيف يأمرنا أن نطيعه ولا نعصيه والنبي المعبر عن الله يقول: استقيموا ولن تحصوا، أي لن تحيطوا بالاستقامة إلى جميع الطاعات فإذا كان هو لا يطيق أن يتقي الله حتى لا يعصيه فمن ذا الذي كان يقدر على ذلك؟","vol":"2","page":127},{"text":"وقد أخبر الله أنه كانت له ذنوب متقدمة ومتأخرة بقوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ والله يتعالى بفضله عن تكليف مالا يطاق لخلقه.\nهداية: لقد أصاب هذا البائس قدر سوء فإنه رحل إلى ديار المشرق معدن العلم، وحظيرة المعرفة فقيض له بسابق القدر السيء أبو هاشم الجبائي في الاعتقاد وهو أرذل المبتدعة وأدناهم اعتقادا ولقي في المسائل أصحاب داوود فزاد اعتقاده لجهالة الجميع وسخافة الكل، وعاد إلى هذه البلاد وقد ملأ حقائبه بدعا وسخافات معتزليا في الاعتقاد داوديا في العمل لم يتحقق بفهم ولا حصل على علم.\nأما قوله أن الآية ليست بمنسوخة فياليته سكت ها هنا ولم يتعرض لدليل فإنه جاء ببدعة وتضليل.\nوقوله غير جائز في حكمة الله وعدله ورأفته وفضله أن يتعبد خلقه بما لا تبلغه قدرهم باطل. بل جائز أن يكلف الله عباده ما لا يطيقون وذلك عين الحكمة ونفس العدل. وجمعه بين الحكمة والعدل والرأفة والفضل جهل لأن أحكامها متغايرة:\nالحكمة هي علم الله بما حكم، والعدل فعله لما يشاء، والرأفة هي إرادة الإنعام، والفضل هو جلال الصفات أو منح الهبات فكيف تجع هذه الأحكام في منع تكليفه بما لا يطاق مع تغايرها وكيف يعلق حكم واحد بمعان متغايرة؟","vol":"2","page":128},{"text":"وقوله: لأن هذا جور في الاعتقاد وجهل أن الله سبحانه لو خلق جميع الخلق للنار لكان عدلا كما لو خلقهم أجمعين للجنة لكان فضلا، وإذا قسمهم فريقين كانت حكمة ولا يبالي، بالأحوال كلها. إنما الجائز من فعل ما لم يؤمر به وليس فوقه، أمر يخالفه فيكون بذلك جائزا وخارجا عن العدل بفعله ما لم يجز له، وقوله قد أخبر أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها حق، ولكن علمنا ذلك بخبره وفضله وقد كان له أن يفعل ذلك بعدله وهو جائز في حكمه ثم رفعه فضلا من عنده وكان ذلك أوقع في المنة، وأعظم في النعمة وقد كلف بني إسرائيل أن تقتل أنفسها عند التوبة، ولم يكن ذلك جورا وهو أعظم من هذا التكليف. وقوله ﷺ استقيموا ولن تحصوا فيه فائدة عظيمة ليس هذا البائس لها أهلا، وهي إخبار الله تعالى بأن العباد أمروا بالاستقامة وأنه لا يخلق لهم القدرة عليها فإن الباري تعالى يأمر العبد بالفعل ويخلق له القدرة عليه فيوجد الفعل وقد يأمره ولا يخلق له القدرة عليه فلا يوجد أبدا، كما أنه ينهي عن الفعل ويخلق له القدرة على الاجتناب فيكون التقوى وقد يخلق له القدرة على فعل المنهى عنه فتكون المعصية ألا ترى أنه أمر إبليس بالسجود لآدم ولم يخلق له القدرة عليه فلم يوجد منه، ونهى آدم عن أكل الشجرة، وخلق له القدرة على المنهي عنه، وهو الأكل؟ وإنما يأمر الله العبد بالفعل لتقوم عليه الحجة ولا يخلق له القدرة لينفذ فيه القدر ويكون ممن يسر للعسىرى، فالباري خالق القدرة وخالق المقدور وإليه تصير الأمور. وقد قال النبي ﷺ سيد الاستغفار اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت","vol":"2","page":129},{"text":"خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت وأبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.\nوقوله: فإذا كان هو ﷺ لا يطيق أن يتقى الله حتى لا يعصيه فمن ذا الذي يقدر على ذلك؟ طامة كبرى وعدم توقير للنبي ﵇، وكيف تنسب إليه المعصية ويسلب التقوى وهو يقول: إني لأرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمكم بحدوده، وما نسبه الله قط إليه والأنبياء عبيد الله، فإذا قال عن أحد منهم إنه عصى فلا نقوله نحن إلا إذا تلونا قرآنا عن النبي ﷺ أو ذكرنا عن النبي ﷺ أثرا، فإما أن نصرح بذلك في كلامنا ونطلقه على ألسنتنا ونخبر به في محاورتنا فذلك لا يحل لنا، ولا يعيد في جملة الأدب أن يخبر بذلك الرجل عن أبيه أو عن شيخه فكيف عن نبيه؟ نعم كان النبي ﷺ يقول: اغفر لي خطئي وعمدي وكل ذلك عندي\" وكان يقول\" إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله مائة مرة\" وقال ﷺ: إني لأتوب إلى الله في اليوم مائة مرة، رواه مسلم، وهذا لم يكن فيما اشترك فيه معنا من الأوامر والنواهي وساوانا في الأفعال وانتظم معنا فيه من التكليف إنما كان ذلك فيما يختص به مما يقتضيه شريف منزلته ويوجبه رفيع درجته، ولا يعد في ذنوب الأنبياء إلا ما كان من حسناتنا ألا ترى ما عد نوح ﵇ ذنبا لنفسه، من دعائه على قومه ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ وإلى ما عنده إبراهيم ﵇ ذنبا لنفسه من حجته على قومه في قوله: ﴿هذا ربي﴾ وفي قوله: ﴿بل","vol":"2","page":130},{"text":"فعله كبيرهم هذا﴾ وفي دله امرأته بقوله: (هذه أختي) وعد لموسى ﵇ قتله لنفس لم يؤمر بقتلها، وليس لعيسى ﵇ ذنب مذكور، فكيف يجوز لمسلم بعد هذا أن يعد لمحمد ذنبا، وهو معصية وهو أفضل من هؤلاء؟ وقد قال في قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ (هي أمته) عبر عنهم به لقربه منهم وكونه بينهم كما قالوا ذلك في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ فيكون معنى الآية ليغفر الله ذنوب من سلف قبلك من الناس وذنب من يأتي بعدك من الأمة في حرمتك، وقال غلاة الصوفية: إن ذنب آدم إنما غفر له مجرمة محمد ﵇، فأين هؤلاء في التعظيم للنبي من هؤلاء في وصفه بالمعصية، لقد ساء أدبه وضل عقله وعزب حلمه، وإذا تأدب رسول الله صلى الله عليه وسلممع ربه والتزم حكم العبودية ونسب الذنب إلى نفسه، يريد الجاهل أن ينسب ذلك إليه، وإنما بعد في ذنوب النبي ﵇ ميله يوم بدر إلى الفداء ومخالفته رأي من رأي القتل في الأسرى حتى قال (لو نزلت نار من السماء لأحرقتنا إلا عمر) وقد قال المحققون من علمائنا إنما قيل للنبي ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ ليلقى الله طيب النفس رفيع المقدار سليما من الخجل مقلا في المسألة مجيرا للأمة.\nوأما قول البائس: تعالى الله عن تكليف عباده ما لا يطاق فكلام باطل منكور وهو مذهب المعتزلة والقدرية، ونحن تقول: تعالى الله ألا يكلق عباده ما لا يطيقون ويعذبهم كما يريد ويبتليهم كما يشاء ويقضي عليهم من القضاء السيء بما أراد فإن الكل ملكه لا يتألم ولا يتضرر بضرهم ولا يتلذذ بنفعهم","vol":"2","page":131},{"text":"وليس فوقه من يأمره ويحجر عليه ولو شاء لم يخلقهم وإذ خلقهم فلو شاء لم يكلفهم وإذ كلفهم فلو شاء لحملهم ما لا يطيقون. وقد قال علماؤنا: إن الباريء تعالى ما كلف الخلق إلا ما لا يطيقون فإذا شاء خلق لهم القدرة فأطاقوا ما كلفوا، وقد كلف الله الملائكة الإنباء لآدم بأسماء المسميات وأمر أبا لهب أن يجمع بين الإيمان والعلم بأنه لا يؤمن.\nقال القاضي أبو بكر بن الطيب، إذا قيل لنا هل كلف الله عباده ما لا تطيقون؟ قيل له: سؤلك محتمل، فإن اردت بعدم الطاقة عدم القدرة على الفعل فلذلك جائز، وإن أردت به وجود ضدها من العجز فلا وجه له. وقال ابن فورك ﵀: قد كلف الله العدل بين النساء ثم أخبر أنه لا يستطاع فقال تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ ولله الحجة البالغة والحكمة الماضية والنعمة السابغة ولولا حسن تكليف ما لا يطاق وجوازه ما حسن دعاء الباري في أن لا يفعله، وإنما سئل في صرف ما امتحن به وما له الامتحان به. وهذا كله قاطع بين في معرفة المسألة، واستيفاؤه، في كتب الأصول وفي كتاب شرح المشكلين فليطلب هنالك بحول الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿لن يضروكم إلا أذى﴾ قال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nقوله تعالى: ﴿لن يضروكم إلا أذى﴾ يعني به اهل الكتاب الذين قد تقدم ذكرهم. وقال قوم إن إذايتهم بألسنتهم في قولهم عزير بن الله، والمسيح بن الله","vol":"2","page":132},{"text":"وتعظيمهم للصليب وسبهم إذا سمعوا نداء الصلاة، والذي عندي أن المراد به في الأصل يهود المدينة أخبر الله تعالى عنهم أنه لا يصل منهم إلى المؤمنين ضرر إلا ما يلحقهم من الإذاية بألسنتهم، يريد بالسب للدين ولهم كما قال تعالى: ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا﴾ فإذا جاء القتال ولوا الأدبار، وليس يمنع قتالهم سبهم لنا حتى يكن ذلك نسخا. والذي يوجب أن يكون المراد به يهود الحجاز قوله تعالى: ﴿وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار﴾ وخبر الله صدق لا محالة، والذين ولونا الأدبار اليهود بالحجاز، فأما غيرهم من الكفار فلم يوجد ذلك فيهم، فلا تحمل الآية إلا على ما يصح فيها ويوجب الصدق لها ويتوجه المعنى فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>الاية الثامنة: قوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء، أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ زعم بعضهم أن هذه الآية ناسخة للقنوت في الركوع بحديث ابن عمر الله عنهما أن رسول الله ﷺ لعن في صلاة الفجر بعد الركوع في الركعة الآخرة فقال: اللهم العن فلانا وفلانا، ناسا من المنافقين، فأنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم﴾ الآية</span>.\nقال القاضي ابن العربي ﵀:\nهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد وجعله الشافعي سنة وخفف مالك الآمر فيه، وقد بينا أن القرآن ينسخ السنة وأن السنة تنسخ القرآن بما يغني عن إعادته ويغني من تحصن بالعلم من جهالته على ترتيب ذلك ودرجاته، وهذه الآية ناسخة من غير شك لما كان النبي ﷺ يفعله في الصلاة من الدعاء بعد الركوع. ففي الصحيح، واللفظ لمسلم، قال أبو هريرة ﵁: كان رسول الله ﷺ يقول: حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة يكبر ويرفع رأسه من الركوع يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم يقول وهو قائم، اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام، وعياض بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على","vol":"2","page":133},{"text":"مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف، اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله\" ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ وفي رواية: ثم رأيت رسول الله ترك الدعاء بعد فقلت: أي رسول الله ترك الدعاء لهم فقيل أو ما تراهم قدموا؟ وفي رواية ذلك كان في صلاة العشاء وفي رواية وفي الظهر، وعن أنس ﵁ (أن النبي ﷺ قنت شهرًا يلعن رعلا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله) وكذلك ثبت عن النبي ﷺ واللفظ للبخاري: (قال سالم عن أبيه: إنه سمع رسول الله إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من صلاة الفجر يقول: اللهم العن فلانا وفلانا بعدما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. فأنزل الله تعالى: ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) وهذا أصح من قوله يدعو على ناس من المنافقين فإنه لم يثبت وهذا نص في أن رسول الله ﷺ دعا مرة على الكفرة في الصلاة ثم تركه لقوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ فتركه لما كان يفعله نسخ له بشروطه كاملا لما فيه من المعارضة وتحقيق التاريح/ فإن قيل هو نسخ فعل بقول. قلنا: قد حققناه في موضعه والفعل كان بأمر، وتركه بأمر، والترك نسخ الفعل، والفعل نسخ الترك، فأما القنوت في الصلاة فقد بيناه في موضعه.\nتنبيه: أما من ظن أن هذا نسخ القنوت ففي غفلة، إنما نسخ دعاء كان على معينين ولقوم معينين من المستضعفين، فأما ما نسخ القنوت في الجملة فلا يقتضيه هذا الحديث، لقوله: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم﴾ فأمر أن يسلم أمرهم إلى الله، فأما سنة الدعاء في القنوت فقد روى مسلم في الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: لأقربن لكم صلاة رسول الله ﷺ فكان يقنت في الظهر والعشاء الآخرة والصبح ويلعن الكفرة ويدعو للمؤمنين. وعن البراء أنه صلى","vol":"2","page":134},{"text":"الله عليه كان يقنت في الصبح والمغرب. فهذا تجويز للعنة الكفرة في الجملة مطلقا ودعاء للمؤمنين وبيان أن النهي إنما كان عن قوم معينين وأن والمتروك كان ذلك الخصوص والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها﴾ قال بعضهم: نسخها قوله تعالى: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾</span>.\nقال القاضي ابن العربي رحمة الله:\nقال علماؤنا قوله تعالى: ﴿من كان يريد ثواب الدنيا نؤت منها﴾ يعني ما قسم له من رزق، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ما سبق له من وعد. وأما قوله: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ فمن قرأ ما نشاء، بالنون فذلك يوجب أن يؤتى منها ما شاء الله وهو الذي قسم له فيعطي ما شاء الله تعالى لا ما شاء العبد، ومن قرأها بالياء كان معناه أعطيناه ما يريد أردناه نحن وهو الذي قسم له بعينه، فالقراءتان بمنى واحد والآيتان بمعنى واحد وليس فيها تعارض ولا فيها عموم ولا خصوص، وقد بسطناها في سورة سبحان، وكذلك تناسب أيضا الآية التي في سورة حم عسق فإن الله يؤتي الذي يريد حرث الآخرة زيادة في عمله إذ الحسنة مضاعفة. وعد الصدق ويؤتى الذي يريد ثواب الدنيا ما قسم له منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>الآية العاشرة قوله تعالى: ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من</span>","vol":"2","page":135},{"text":"عزم الأمور﴾ قال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخرة﴾ آية السيف.\nقال القاضي ابن العربي ﵁:\nإنما كان حقه أن يقول على طريقته: نسخها آية الجزية وآية السيف أما أية الجزية فنسخت حكم أهل الكتاب وأما آية السيف فهي قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ فنسخت الحكم في قوله: ﴿ومن الذين أشركوا﴾ وهذه الآية نزلت في بني قينقاع وفي كعب بن الأشرف وما كان المسلمون يسمعون منهم وهم أهل عهد فأمر الله تعالى بالصبر على ما يسمع منهم حتى يثبت ذلك فيهم فيقام الحكم عليهم. فأما بنو قينقاع فنقضوا عهدهم بالحديث المعروف في غزوتها وأما كعب فبإذايته للنبي وهجائه له حتى قال النبي ﷺ: (من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله)؟ فخرج النفر من الأنصار منهم محمد بن سلمة، وأبو عبس فقتلوه. والله أعلم.","vol":"2","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>سورة النساء</span>\nفيها تسع وعشرون آية، ثلاث نسخ، وباقيها تخصيص:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>قوله تعالى: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ </span>الآية. اعلموا علمكم الله من علمه وأوسعكم من حلمه أن هذه الآية على مذهب جماعة من الفقهاء ناسخة ما كانوا عليه في الجاهلية وبرهة من الإسلام، يتزوج الرجل ما شاء من الحرائر فنسخ الله ذلك بالقرآن والسنة والعمل فلا يحل للرجل أن يتزوج فوق أربع. فسألوا رسول الله ﷺ عن اليتامى فنزلت: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ أي كما خفتم في اليتامى فخافوا في نكاح النساء. وقال آخرون: هذا مما لا يجب أن يذكر في الناسخ والمنسوخ لأنها لم تنسخ قرآنا وإنما نسخت أمرا كانوا عليه في الجاهلية وفي اول الإسلام قبل أن يؤمروا بشيء، وعلى هذا يكون القرآن ناسخًا لكفرهم وعبادتهم الأصنام.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nروى الأئمة الأثبات واللفظ للبخاري أن رجلا كانت له يتيمة فأنكحها من نفسه وكان لها عذف وكان يمسكها، عليه ولم يكن لها من نفسه شيء فنزلت فيه: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾ أحسبه قال: وكانت تشركه في ذلك العذق والمال. رواه هشام عن عروة. وروى عن ابن شهاب عن عروة","vol":"2","page":137},{"text":"أنه سأل عائشة ﵂ عن قول الله تعالى: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾ فقالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه جمالها ومالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فأنزل الله تعالى: ﴿ويستفتونك في النساء﴾ قالت عائشة: وقول الله تعالى في آية آخرى: ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ هي رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله من يتامى النساء إلا أن يقسطوا من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلا المال والجمال.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nفكان المقصود بهذه الآية في البيان حكمين: أحدهما أن ينكح الرجل اليتيمة من نفسه إذا أقسط فيه فإن لم يرد ذلك فله نكاح ما سواها من النساء من واحدة إلى أربع، وهو الحكم الثاني وهو ناسخ لما كانوا عليه في صدر الإسل من الاسترسال في نكاح النساء من غير حصر بعدد، لا لما كانوا عليه في الجاهلية فإن أحكام الجاهلية ليست بشرع حتى يأتي بعده ما ينسخه. فأما الذي أقر عليه الشرع ولم يغيره ثم جاء بعده غيره فإنه ناسخ له، والأول منسوخ، لأن سكوت النبي عن الشيء والإقرار له بعد المبعث عد له في الجملة الشرع حتى يأتي عليه النكير وذلك فيما تتغير فيه الأحكام ويتقلب عليه الحلال والحرام بله الكفر. وعبادة الأصنام، فإنه لا يأتي شرع إلا بإنكارها ولا يصح في المعقول أن يأتي نبي بها، وهذا القدر هو الذي جهلته هذه الطائفة القاصرة فاسترسلت عليه في قولها وقالت بالتسوية بين ما يجوز أن يكون شرعا من قبيل الأحكام وبين ما لا يصح أن يكون شرعا من الكفر والباطل وهو جهل عظيم. وكذلك سوت بين ما كانت الجاهلية تفعله قبل المبعث وبين ما أقر","vol":"2","page":138},{"text":"عليه الشرع بعد وروده وهو أيضا جهل بين، فإن ما كانت العرب تفعله وإن كان من طريق الأحكام لا يعد من الشرع، وما كان الناس يفعلونه بعد المبعث ولا ينكره النبي فإنه شرع إذ سكوت النبي ﷺ كإذنه، وتركه النكير كقوله لا حرج، وجات هذه الفرقة بطامة فقالت إن الله نسخ ما كانوا عليه في الجاهلية وبرهة من الإسلام من الأحكام بالقرآن والسنة والعمل.\nفأما قولها إن القرآن نسخ فصحيح وهو الناسخ الأول الأولى ولكن إنما نسخ ما كان شرعا فأما ما تصرف الناس فيه بعقولهم فلا نسخ، بينه وبينه إذ لا ينسخ المنقول إلا المنقول.\nوأما قولهم: والسنة فصحيح على الوجه الذي تقدم بيانا له في القرآن فإن السنة شرع والشرع ينسخ الشرع.\nوأما قولها: والعمل، فإن كل قول وعمل كان بعد النبي فإنه لا يجوز أن يكون ناسخا ولو كان إجماعا كما بيناه في السوابق.\nتكملة: وقد عضدت السنة ذلك فروى ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر أن غيلان الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي ﷺ: أمسك أربعا وفارق سائرهن. وروى خميصة بن الشمردل عن قيس بن الحارث قال: أسلمت وتحتى في الجاهلية ثمان نسوة فأتيت رسول الله ﷺ وأخبرته فقال: اختر منهن أربعا وخل سائرهن، خرجه النسائي وغيره، وما أذن الله تعالى لأحد في نكاح","vol":"2","page":139},{"text":"فوق أربع إلا لرسول الله ﷺ خاصة فإنه اجتمع عنده عدد كثير منهن ومات عن تسع نسوة لأن الله تعالى قال للخلق حين قصرهم على الأربع: ﴿ذلك أدن أن لا تعولوا﴾ وكان النبي قادرا عليهن فخص لذلك بهن، وقد كان ابن أبي هاشم القائم بمكة تزوج أكثر من أربع نسوة كلهن علويات ويقول: ما جاز لحدي جاز لي، ومن الجهال من أجاز ذلك وقد بيناه في أحكام القرآن ومسائل الخلاف وأوضحنا إجماع الأمة فقها، وأهل اللغة نقلا على بطلانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانك فأتوهم نصيبهم﴾.تكلم علها محاولو هذا الشأن بكلام طويل لبابه في ثلاثة أقوال:</span>\nالأول: أنها ناسخة قاله سعيد، ومعناها عنده الخلفاء في الجاهلية والذين كانوا يتبنون في الجاهلية فكانوا يرثون على ذلك حتى نزلت: ﴿والذين عاقدت أيمانكم فأتوهم نصيبهم﴾ فنزع الله ميراثهم وأثبت لهم الوصية ..","vol":"2","page":140},{"text":"الثاني: أنها منسوخة، قال الحسن في قوله تعالى: ﴿والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ قال: كان الرجل يعاقد الرجل على أيهما مات ورثه الآخر فنسختها آية المواريث.\nوقد قتادة، نسخها قوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ ونحوه عن ابن عباس ﵄.\nالثالث: أنها محكمة ويكون معناها فآتوهم نصيبهم من العقد والمشورة والرفد قاله سعيد بن جبير.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nكل من تكلم على هذه الآية إنما نظر إلى أن حكمها ساقط من التوارث فقال: أسقطه قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ وقال آخرون: نسخها (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) وقال قوم: إن حكمها باق وإنه يتوارث بالمعاقدة، والمعاقدة إنما هي اجتماع الاسم في الديوان ..\nولم يرد عن النبي ﷺ في ذلك شيء يعول عليه، فلم يبق إلا التعويل على ما ذكره ابن عباس ﵁، القدوة في علوم التنزل والموقوف عليه فقه الدين والتأويل.\nوقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ كان المهاجرون حين قدموا المدينة ترث الأنصار دون ذوي الرحم للاخوة التي آخي النبي ﷺ بينهم حتى نزلت: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون﴾ قال: فنسختها: ﴿والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ من النصح والنصر والرفادة ويوصى له ولا يرث أخرجه","vol":"2","page":141},{"text":"البخاري وغيره من الأئمة واللفظ للنسائي وقال: إسناده صحيح فبين الآية نسخت السنة التي كان النبي ﵇ قررها بينهم وجعل للحلف حقه مر الواصلة والرفد والنصرة، والوصية، وليس بعد هذا مطلع لطالب ولا مرتقى لعالم. وتقدير الأية على فهم ابن عباس وقوله: ولكل جعلنا أولياء يرثونه مما ترك، هم الوالدان والأقربون، وأما الذين عاقدت أيمانكم فآتوهم من الوصية والنصح والرفادة، ليس النصيب الذي شرطتم لهم. ويحقق ذلك قوله ﷺ ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت فهو لأولى عصبة ذكر. وقول ابن عباس هذا خبر عن الشريعة وليس بخير عن نظر وتأويل رآه، فلأجل ذلك لزم الوقوف عنده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>الآية الثالثة قوله تعالى: ﴿إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ إلى قوله: ﴿سبيلا﴾</span>.\nقال أهل الكلام في هذا الفن: هذا منسوخ: واختلفوا في وجه نسخه، فمهم من قال نسخها قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ قاله ابن عباس ﵄.\nالثاني قال قتادة ﵀: كان هذا ثم نبذ إلى كل ذي عهد عهده وأمر أن يقاتل المشركين، حتى يقولوا لا إله إلا الله وقال تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾.","vol":"2","page":142},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nلما أمر الله النبي ﵇ بالقتال وانقسمت الحال بالمشركين إلى مباين ومتقارب بالعهد، أمر الله نبيه أن كل من أوى إلى معاهد ووصله فله حكم عهده، وأذن له فيمن أراد الانقراد بنفسه فلا يقاتل المسلمين ولا يصل ذا عهد من الكافرين أن يكف عنهم، واستمر الأمر على ذلك حتى أنزل الله براءة بعد الفتح، فأرسل بها رسول الله ﷺ أبا بكر وعليا وأبا هريرة ﵃ لينبذ إلى كل ذي عهد عهده، وكان ذلك أمرا من الله انقاد إليه الكل ورغمت به نفوس الكافرين وخرست ألسنتهم عن أن يقولوا: إن محمدًا اتفق معنا على العهد وحله وحده من غير حدث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>ذكر آيات العموم والخصوص وعددها ست وعشرون آية</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ وزعم المتكلمون في هذا الفن أن هذه الآية منسوخة بقوله تعلى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾. وقال أبو يوسف لعله نسخها قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾</span>.","vol":"2","page":143},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nهذه الآية محكمة نهى الله تعالى عن أكل الأموال للناس عموما وأكد النهي في أموال اليتامى خصوصا فقال تعالى: ﴿ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا﴾ وعظم أمرها بالوعيد فقال: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ وهذا فيمن كان في حيز منهم، فأما من كان مال اليتيم بيده فتجوز له مخالطته كما تقدم بيانه، وإن كان غنيا فليستعفف عن ماله، وإن كان فقيرا أكل بالمعروف، يريد بمقدار عمله فيه في قول، أو بمقدار الحاجة في قول آخر. ويقضى إذا وجد.\nوقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (أنزلت مال الله منى بمنزلة مال اليتيم إن استغنيت استعففت وإن احتجت اكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت) وجعلوا على هذا ذكر المعروف عبارة عن القرض، وهو مروي عن ابن عباس ﵀ ايضا، وقد روى عنه أنه قال له رجل: في حجري أموال أيتام وهو يستأذنه أن يصيب منه شيئا. قال ابن عباس ألست تهنأ جرياها وتبغي ضالتها وتلوط حوضها؟ قال بلى: قال ألست تفرط عليها يوم وردها؟ قال بلى؟ قال: فأصب من رسلها يعني من لبنها غير مضر بنسل، ولا ناهك في الحلب. واعجب لمن يقول لعل نسختها قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أمواكم بينكم بالباطل﴾ فيحكم على الناسخ بالظن وربما لم يصح عمن نسب إليه. والذي يقتضيه اللفظ ويوجبه الحكم أن يأكل وإلى اليتيم من ماله بمقدار عمله (أما إنه إن كان غنيا فالأفضل أن يعف فإن كان فقيرا لم يجز له أن يأخذ زيادة على مقدار خدمته وهو المعروف) والله أعلم.","vol":"2","page":144},{"text":"وقد بينا في الأحكام كثيرا من معنى هذه الآية، وتحقيقها أن المعروف في الاشتقاق ها هنا العادة فلم يبق إلا أن يحمل على الحسن الجائز الذي يضاد المنكر ذلك بأن يأكل منه على مقدار عمله والله الموفق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾</span>.\nقال من ألف في هذا الشأن: إن الآية نزلت في أم كجة وابنة كجة وثعلبة وأوس بن سويد وهم من الأنصار كان أحدهم زوجها والآخر عم ولدها فقالت: يا رسول الله توفي زوجي وتركني وابنته، وفي رواية وابنتيه فلم نورث فقال عم ولدها: يا رسول الله ولدها لا يركب فرسًا ولا يحمل كلا ولا ينكأ عدوا. فنزلت هذه الآية.","vol":"2","page":145},{"text":"وعن ابن زيد: كان النساء لا يورثن في الجاهلية فنزلت الأية. قال ابن نصر: ثم نسخت بعد قوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ فبين معناها، وحد القسم كم يكون فيها.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nهذا لا يصح فإن حكم الجاهلية لا يصح أن يكون منسوخًا فإنه ليس بشرع كما تقدم، ولا يصح أن يكون قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ ناسخًا بتفسيره للنصيب المجمل في تلك الآية لأن المفسر لا يقضى على المجمل بنسخ إنما هو بيان له. ولكن القوم يستعملون ألفاظا ولا يوفونها معانيها حتى توجب الإشكال على من لا بصر له، والله الموفق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه، وقولوا لهم قولا معروفا﴾ ذكر أصحاب التفسير أن في هذه الآية قولين:</span>\nأحدهما أنها منسوخة، والثاني أنها محكمة، والذين قالوا إنها محكمة قال بعضهم إنها واجبة وقال آخرون إنها مستحبة، وقد قال سعيد بن جبير: هذه آيات يتهاون","vol":"2","page":146},{"text":"الناس بها، وإنما هما وليان أحدهما يرث، فالذي يرث هو الذي أمر برزقه، والذي لا يرث هو الذي قبل له القول المعروف.\nقال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀:\nليس فيها نسخ لأنها لا تعارض آية المواريث أن الله قد أعطى كل ذي حق حقه وقسم لكل حظه ولم يعم الميراث جميع القرابات، وإنما خص به أعيانا منهم، وبقي سائر أهل القربى مسكوتا عنهم في آية المواريث فإن تناولهم قول في آية أخرى حملت على معناها. ووجه الجمع بينهما ظاهر وهو أن يقال: إن الميراث للمعين من ذوي القربى ومن ليس له في آية المواريث اسم كان المراد بالإرضاخ له عند القسمة، وعلى هذا المعنى حمل الآية السلف فقالوا: إن القاسم بن محمد روى أن عبد الله بن عبد الرحمن قسم ميراث أبيه وعائشة حية فلم يبق في الدار أحد إلا أعطاه وتلا هذه الآية.\nقال القاسم فذكرت ذلك لابن عباس فقال ما أصاب إنما هذه الوصية. يريد أن يوصي الميت لقرابته. وقال ابن زيد: القسمة ها هنا الوصية.\nوالقول ما فعله عبد الله بن عبد الرحمن لا ما أشار إليه ابن زيد ولا ما روى عن ابن عباس فإن القسمة هي فصل المال المتروك بين أهل الميراث والعادة جارية بحضور، القرابة والناس لذلك، فيستحب لهم أن يواسوهم ويجملوا القول ويحسنوه لهم.\nوأما من قال إن ذلك واجب فلو كان واجبا ما خص به من حضر من القرابة دون من غاب والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا﴾</span>.","vol":"2","page":147},{"text":"قال بعضهم إن الله تعالى أمر الأوصياء بإمضاء الوصية على ما رسم الموصى ثم نسخها الله بالآية التي في سورة البقرة فقال تعالى: ﴿فمن خاف من موص جنفا أو إثما﴾ أي علم من موص جورا أو إثما فلا إثم عليه أي لا حرج عليه يعني إليه أن يأمر الوصي بالعدل في ذلك فكانت هذه ناسخة لقوله: ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم﴾.\nقال القاضي ابن العربي ﵀:\nقوله خاف يحتمل أن يريد به تيقن وعلم وقد ورد بذلك القرآن، واللغة معنى، ويحتمل أن يكون المراد به توقع أي انتظر أن يقع ولم يقع بعد، فإن وجد الموصى قد جار ردت وصيته وإن خيف منه الجور مثل أن يوصي لزوج ابنته أو لولد ولده فالصلح بين الورثة إن اختلفوا خير من تخاصمهم وتقاطهم، حتى تتصل رحمهم ويرتفع شغبهم. وما يجري من القول في مراوضة الصلح إنما ينبغي أن يكون سديدًا كان ورثة الميت ضعافا صغارا أو أقوياء كبارا لا يختص سداد القول بإحدي الحالتين دون الأخرى بل هو عام فيهما وفي كل معنى سواهما فلا تعارض بين الآيتين، والخطاب بالإصلاح هو لكل أحد من وصي أو أمير أو ساع في خبر مبتدأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ قال بعضهم: لما نزلت قوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا﴾ عزل الأنصار اليتامى فلم يخالطوهم فأضر ذلك بهم لأن اللبن إذا لم يحلب والدابة إذا لم تركب إدى ذلك إلى الاضرار بصاحبها فنزلت: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف﴾ الآية، فرخص الله فيما فيه الضرورة ولم يرخص في الظلم</span>.","vol":"2","page":148},{"text":"قال القاضي ابن العربي ﵀:\nهذا تهافت من القول في تفاوت من المعنى، لأن الآيات الثلاث محكمات كل واحدة مستقلة بمعناها لا تعارض الأخرى، والظلم معلوم حده وحقيقته وطريقته، وكذلك الإفساد والإصلاح، وكذلك المعروف وقد بينا كل واحد منهما في موضعه، والله يعلمنا ما لم نكن نعلم برحمته فلا يحل لأحد أن يأكل مال أحد ظلما وذلك متأكد من النهي في اليتيم حسب ما سبق بيانه، ولا يحل لأحد أن يفسد على أحد والنهي في الإفساد على اليتيم أشد، والإصلاح محمود شرعا وفي مال اليتيم ومعه أوكد والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ آيات الفرائض: قال بعضهم هي منسوخة في الكوافر إذ قال النبي ﷺ: لا يرث المسلم الكافر</span>.\nقال القاضي ابن العربي:\nلا يقال في هذا نسخ وإنما هو تخصيص للعموم، وكذلك قال أهل التحقيق من علمائنا، ومن متحققي المتأخرين من قال: إن الكافرين لم يدخلوا تحت هذا الخطاب قط لأن قطع المواريث وإيجاب السهام صلات بين المسلمين ولا صلة بين المسلم والكافر ولا موالاة فلا يدخلون في ذلك، وقد حققنا، هذا المقصد في أصول الفقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾ إلى قوله سبيلا ﴿رحيما﴾ ذكر علماؤنا فيها أربعة أقوال:</span>","vol":"2","page":149},{"text":"الأول: أن قوله تعالى: ﴿واللذان يأتيانها﴾ نسخت قوله: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة﴾ ثم نسخ ذلك بالجلد والرجم.\nالثاني: أن الحبس للثيب والأذى للبكر ثم نسخ ذلك. قاله قتادة واختاره الطبري.\nالثالث: أن الآية الأولى للنساء والثانية للرجال، وهو قول مجاهد وروى عن ابن عباس.\nالرابع: الآية الأولى منسوخة بحديث عبادة والثانية منسوخة بآية النور.\nقال القاضي ابن العربي ﵀:\nهذه الآية عضلة بجميع متعلقاتها ونحن نشرح القول فيها شرحا كافيا بعون الله إن شاء الله فنقول: لو صح نقل صريح كيف كانت الحال في الزناة قبل البيان للحدود لكنا على صبر أمر يحلو لنا ورده ويشتد عقده بيد أن الحال فيها مجهولة وإنما أخذت بالظنون، بدليل اختلاف السلف على قرب عهد الأولية في الدين، ولو كنا مفتقرين إلى ما كانت عليه الحال قبل بيان الحدود لأسفنا أن يفوتنا بيان ذلك، فأما ونحن غير مفتقرين إلى معرفة ذلك في ترتيب حكم أو إثبات معنى فلا معنى لتعب القلب في البحث عنه، وهذا نموذج نفيس فيما يفتقر إليه الطالب لمسالك الإجتهاد، إنما المشكل الذي يفتقر إلى بيانه حديث عبادة قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة","vol":"2","page":150},{"text":"والرجم، فاقتضي مطلق هذا القول أن البكر إذا زني بالبكر جلد مائة، والثيب إذا زني بالثيب رجم، وبقي زنا البكر بالثيب أو الثيب بالبكر مفهوما من متضمن اللفظ فإن البكر بالبكر يجلد مائة لأنه بكر والثيب بالثيب يرجم لأنه ثيب فإذا وجد ثيب ببكر أخذ كل واحد حكمه ولم يتغير بما اقترن به وهذه قوة لفظية عربية فهمتها الصحابة بالفصاحة. وقد قال بعضهم إن الحكم الذي كان للزناة كان ممدودا إلى غاية فبينت السنة تلك الغاية وهي السبيل، ولا يكون النسخ في حكم بينت نهايته ومد إلى غاية ثباته، فإن قيل هذا حكم كل منسوخ بأن يمتد، إلى غاية، ثم يبين انقطاعه. قلنا هذا الذي ذكرتموه في حكم كل منسوخ مستفاد من الدليل، وهذا الحكم في هذه الآية مستفاد من اللفظ وإنما المعتمد في ذلك على اللفظ ألا ترى أن النسخ هو تخصيص الأزمان كما أن المخصوص تخصيص الأعيان وحكمهما مختلف لاختلاف اللفظ والدليل؟\nقال القاضي ابن العربي ﵁:\nكل حكم من الشريعة معرض في حياة النبي للزوال جائز عليه فيها النسخ، وإنما يرتفع هذا التجويز بموت النبي ﷺ فلا فرق في هذه الحقيقة بين أن يكون الحكم إلى غاية أو مطلقا، وإنما انتفى في الغاية حكم النسخ إذا كانت بيانا لمقدار الحكم كقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾.\nفإن هذا بيان لمقدار العبادة فإنه قال: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ فصار حكم الفطر والصوم مقدرين بما حد فيهما، وكذلك قال تعالى: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ حسب ما بيناه فجعل التحريم مقدرا. فأما قوله تعالى: ﴿أو","vol":"2","page":151},{"text":"يجعل الله لهن سبيلا﴾ فليس بمقدار للحكم وإنما هو خبر عما كان يجوزحكمه ويثبت علمه لو لم يعلمه، والله أعلم. فإن قيل فقوله تعالى: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾ ليس موضوعا لمقدار العبادة وقد قلتم: إنه ليس بنسخ: قلنا كان هذا امرًا منتظرا متوقعا، موعودا به قد جاءهم الله في مواضع منها قوله: ﴿ألا إن نصر الله قريب﴾ ومنها قوله هنا: ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ ثم أنجزه بقوله: ﴿وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم﴾ الآية.\nوهم: قال بعض الناس الحبس منسوخ بآية الرجم ثم نسخت آية الرجم لفظا وبقي حكمها علما، روى عن عمر ﵁ أنه قال: (لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبت على حاشية المصحف) الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، فإنا قرأناها على عهد رسول الله ﷺ.\nتنبيه: قد بينا أن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد في ذاته ولا يثبت به غيره فلا وجه للتعلق به إذ طريق القرآن النقل المتواتر به صحت المعجزة وقامت لله الحجة.\nتكلمة: ليس في الآية إشكال لا فيها ولا في دليلها حسب ما أشرنا إليه وإنما وقع النسخ في الحديث المتعلق بها إذ قال في حديث عبادة (خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم).","vol":"2","page":152},{"text":"فجمع للثيب بين الجلد والرجم، ثم إنه ﷺ رجم ماعزا من أسلم والعامرية والجهنية وغيرهم ولم يجلدوهم. وما روى عن علي ﵁ أنه جلد شراحة الهمذانية يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة وقال: رجمتها بكتاب الله وجلدتها بسنة رسول الله، فيحتمل أن يكون رجمها يوم الجمعة ثيبا وقد كان جلدها يوم الخميس بكرا. وقد خالف لعلي عمر. وحديث النبي وفعله أولى من فعل علي فهذا نسخ خبر بخبر وسنة بسنة وفعل بقول وقد قال النبي ﷺ في حديث العسيف، واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها وذلك بين، والله أعلم\nفإن قيل: وكيف ينسخ الفعل القول ولا معارضة بينهما، قلنا قد تكلمنا في أصول الفقه على مسألة تعارض الأقوال والأفعال وبينا أن الحكم إذا اختلف من قول","vol":"2","page":153},{"text":"النبي وفعله في نازلة واحدة فإنه تعارض يقضي بآخره على أوله لا سيما إذا تكرر ذلك من خلاف الفعل للقول فإنه أقوى وأولى، وقد قال النبي ﵇ إن حد البكر جلد مائة وتغريب عام وإن حد الثيب جلد مائة والرجم، ثم لم يحكم بالرجم على أحد إلا ولم يجلده فدل على أنه حكم مرتفع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار، أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما﴾</span>.\nقال بعضهم: روى أنه قيل للنبي ﵇ ما حد التائبين؟ قال من تاب قبل موته بسنة قبل الله توبته. ثم قال: ألا وإن ذلك لكثير، من تاب قبل موته بنصف سنة تاب الله عليه، ثم قال: ألا وإن ذلك لكثير، من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه. ثم قال: ألا وإن الشهر لكثير، من تاب قبل موته بجمعة تاب الله عليه، ثم قال: الا وإن ذلك لكثير، من تاب قبل موته بيوم قبل الله توبته، ثم قال: ألا وإن اليوم كثير، من تاب قبل موته بساعة؛ تاب الله عليه، ثم قال: ألا وإن ذلك لكثير، من تاب قبل أن يغرغر؛ تاب الله عليه. ثم تلا قوله تعالى: ﴿ثم يتوبون من قريب﴾ كل ما كان قبل الموت فهو قريب\". فكان في هذه الآية عاما ثم احتجر التوبة ف الآية الأخرى فصارت ناسخة لبعض حكمها في اهل الشرك ثم قال: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما﴾ فنسخت لأهل الشرك وبقيت محكمة في أهل الإيمان.\nوقال قوم قوله تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات﴾ الآية منسوخة على أهل التوحيد بقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن","vol":"2","page":154},{"text":"يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فحرم المغفرة على أهل الشرك وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nذكر المفسرون في هاتين الآيتين أقوالا مختلفة. أما الآية الأولى وهي قوله ﴿ثم يتوبون من قريب﴾ ففيها ثلاثة أقوال:\nالأول: ثم يتوبون في صحتهم.\nالثاني: قبل المعاينة لملك الموت.\nالثالث: قبل الموت.\nوأما الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿وليست التوبة﴾ فقيل إنها في غضاة المسلمين وقيل في المنافقين والكافرين، وهذه الأقوال التي ذكرت في معنى النسخ مع أتبعناها به في معنى التأويل قاصرة عن المراد فاسدة في العمل والاعتقاد. وتحقيق القول فيه إن شاء الله أن الله تعالى نصب الأدلة على المعرفة وشرع التكليف للتعبدات وأوعز بذلك على ألسنة الرسل وغيرهم وآخرهم محمد ﷺ فبشر به وأنذر ونهي وأمر وتوعد وألزم والتزم، وسبق في علم الله وحكمه أن الخلق يتقاعدون عن القبول ويتعامون عن الدليل ففسح لهم في المهل وأرخي لهم الطول وأعلمهم بأقالة العثرة لمن كبا وبقبول التوبة لمن خالف وأبى، وجعل مدة قبول الإنابة وصحة التوبة مدة الدنيا، فقال تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة، أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك، يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾ فأخبر الله تعالى ان الإيمان لا ينفع ولا كسب الخير معه لا ينفع إذا ظهر بعض آيات الله، يعني المؤذنة بانقراض الدنيا وبين ذلك في الحديث الصحيح من طريقين: أحدهما من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة عن النبي ﵇، قال: (ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: الدجال،","vol":"2","page":155},{"text":"والدابة، وطلوع الشمس من مغربها) أخرجه مسلم، وغيره. والثاني من طريق مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: منتاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه، وروى زر عن صفوان بن عسال حديثه في المسح على الخفين والهوى قال زر: فما زال يحدثني حتى حدثني أن الله تعالى جعل بابا بالمغرب عرضة مسيرة سبعين عاما للتوبة، لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله وذلك قوله: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها﴾ وهذا حديث صحيح غريب. وكانت الحكمة في ذلك أن الله إنما وعد الثواب للذين يؤمنون بالغيب فمن تاب من كفر أو ذنب في غيب من أمر الاخرة قبل ذلك منه، ومن شاهد أمر الآخرة ولم يكن مؤمنا بالغيب فلا يستحق عليه ثوابا وينفذ فيه حكم المقدار. والمعاينة العامة لجميع الخلائق بظهور الآيات، والمعاينة الخاصة ظهور من يقبض الروح للعبد، فبين الله هذا في هاتين الآيتين بيانا شافيا فقال إنما التوبة المضمونة على الله يعني قبولها بوعده الصادق لمن تاب من قريب يعني من وقت القبول فأولئك يتوب الله عليهم أي يقبل توبتهم، والباري سبحانه هو التواب أولا بخلق التوبة وثانيا بقبولها، ثم بين وقت القبول العام لجميع الخلائق وهو إلى ظهور الآية حسب ما أشار إليه في القرآن مجملا وفي الحديث مفصلا، وبين ها هنا وقت القبول الخاص بكل إنسان قبل ذلك الوقت وهو إلى حضور الموت بمشاهدة الملك القابض للنفس ويعبر بالموت عن سببه كما قال:","vol":"2","page":156},{"text":"يا أيها الراكب المزجي مطيته ... سائل بني أسد ما هذا الصوت\nوقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا ... قولا يبن لكم أني أنا الموت\nفإذا كان كذلك لم تقبل توبة عاص ولا قبلت توبة كافر وهؤلاء أعد الله لهم العذاب الأليم. فإن قيل فالمعاصي يعذب العذاب الأليم، قلنا هذا عموم في العصاة والكفار لكن خصصته آية المغفرة في قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ وخصصته أحاديث الشفاعة على ما بيناه في كتب الأصول وشرح الحديث وهذا غاية في البيان ليس وراءها مرمى للأذهان، والله أعلم.\nوبعد هذا فاعرض ما سبق من الأقوال للطائفتين النسخة والمفسرة، تر من التقصير ما لا يخفى على بصير والحمد لله الذي علم.\nوأما الحديث الذي أوردوه في تقدير آماد التوبة من سنة إلى ساعة فضعيف، وكذلك حديث يقبل الله توبة العبد ما لم يغرغر، ضعيف ومعناه صحيح ولا يغرغر حتى يعاين جذب الملك لروحه أو سلها من بدنه على حال الرفق أو العنف في الإيمان أو الكفر وعلى صفة الرضي أو الغضب.\nوأما من قال: إن قبلو التوبة مشروط بالصحة فقول مردود بإجماع الأمة، وأما من قال إن الآية الآخرة نزلت في الكافرين والمنافقين فهو تحكم بغير دليل فلا يلتفت إليه. بلى إن التوبة مع القدرة والصحة أكمل وأفضل من التوبة مع المرض والمعجزة وذلك مبين في شرح الحديث والله الموفق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين</span>","vol":"2","page":157},{"text":"بفاحشة مبينة﴾ قال بعضهم عن عطاء: هذا منسوخ بالحدود فإن الرجل إذا تزوج بالمرأة فأتت بفاحشة كان له أن يأخذ منها ما ساقه إليها.\nقال القاضي ابن العربي:\nقد شرحنا في سورة البقرة موقع هذه الآية ومعناها وهو أن المعنى فيها: لا يحل لأحد أن يكره امرأة على الحبس دون نكاح حتى يأخذ مالها، أو كانت زوجة لا غرض له فيها فلا يحبسها قسرا لتفتدي منه إلا أن يطلع منها على فساد فراشه أو تسيء عشرته فجائز له أن يتمسك بها حتى تفتدي منه، وبيانها على التمام في الأحكام، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>الآية العاشرة: قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤك من النساء إلا ما قد سلف﴾ قال بعضهم: الناس قائلان: قالت طائفة هي محكمة وقيل هي منسوخة. فمن جعلها محكمة قال: معناها لكن ما سلف فقد عفوت عنه، ومن قال إنها منسوخة، قال: يكون معناها ولا ما قد سلف فأنزلوا عنه، وعلى هذا القول العمل</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nهذه الآية لا نسخ فيها بحال لأن الاستثناء لا يكون نسخا كما قدمناه فيما قررناه وإنما يكون النسخ بشروطه التي فصلتها. وإنما إشكالها من طريق الأحكام في ثلاثة مواضع:\nالأول: قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا﴾.\nالثاني: قوله تعالى: ﴿ما نكح آباؤكم﴾.\nالثالث: قوله تعالى: ﴿إلا ما قد سلف﴾ وهو أشكلها لأجل أنها استثناء لا يظهر وجهه بداهة النظر حتى تنضجه نار الفكر وتنقده يد الاعتبار والسبر. وقد قال علماء هذا الفن: إن معناه إلا ما قد سلف فإنه عفو لكم وأنتم غير مؤاخذين به","vol":"2","page":158},{"text":"وليس هذا بمنعطف على ما تقدم لأن استثناء الماضي من المستقبل محال والنهي عن المستقبل محال والنهي عن الماضي محال فوجب أن يكون النهي في قوله: ﴿ولا تنكحوا﴾ للاستقبال ووجب أن يكون الثنيا في الماضي بنصها في لفظها. ولأجل هذا الإشكال قال المتكلمون في التفسير: هذا استثناء منقطع ولم يلوكوه هذا اللوك ولا لفظوه هذا اللفظ ولا حبروه هذا التحبير. ولقد وهم فيه عالمان في فنين أحدهما القاضي أبو إسحاق في فنه والثاني أبو العباس بن يزيد في فنه وقد بينا ذلك في ملجئه المتفقهة وفي كتاب الأحكام فهناك ترونه إن شاء الله ولكنه في غريب من مقاطع الكلام لتركيب المعنى على المعنى على اللفظ فإن قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ نهي عن النكاح على نحو ما كانت الآباء تفعله والنهي مقتض للقبح المقتضي للاجتناب ولما يلحق في ذلك الأبناء من عار فعل الآباء ومقتهم، قيل فيه تطيبا لأنفسهم ﴿إلا ما قد سلف﴾ فعاد ذلك من الاستثناء إلى ما يتعلق بمعنى اللفظ\nتكرمة: وكان ذلك لأجل ما جرى من ذلك في عمود نسب رسول الله ﷺ فإن برة أخت تميم بن مر كانت تحت خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر فخلف عليها ابنة كنانة بن خزيمة فولدت له النضر بن كنانة وغيره من ولده إلا عبد مناة بن كنانة. وكذلك كانت ناجية بنت جرم بن زبان من قضاعة تحت سامة بن لؤي فولدت له غالب بن سامة ثم هلك عنها فخلف عليها ابنه الحارث بن سامة. وكذلك كانت واقدة من بني مازن بن صعصعة عند عبد مناف، ولدت له نوفلا وأبا عمرو فهلك عنها وخلف عليها ابنه هاشم بن عبد مناف فولدت له ضعيفة وخلدة، فأنبأنا الله تعالى أن ما جرى من ذلك لا يذكر قولا ولا","vol":"2","page":159},{"text":"يمثل فعلا لا أنه عفو، بل هو مأخوذ به كل من فعله كائنا من كان، إلا أن يراد بكونه عفوا إسقاط ذكره وامتثال فعله فربما كان ذلك صحيحا وهذا هو مراد العلماء والله أعلم.\nوفي ذلك من آيات النبي ﵇ وخصائصه ما أوردناه في كتاب المعجزات، من أن الواقع من ذلك في عمود نسب النبي ﷺ من الآباء، كان ما يتعلق منه بالأبناء ساقطا وإنما وقع في خالفه عمود النسب لا في سالفته، حتى لا يرتقي النبي ﵇ إلى آدم صلوات الله عليه إلا عن صلب نقي ورحم طاهرة، فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، بن هاشم بن عبد مناف، بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.\nفالنضر بن كنانة ولد برة بنت مر أخت تميم بن مر هو المقصود بقوله: ﴿إلا ما قد سلف﴾ وغيرها من ناجية وواقدة وما شاكلها تبع لذلك وزيادة عليه، وليس في تزويج من لا يجوز تزويجه درك من عار أو نار إلا من جهة الشرع، فإن العقول لا تحسن ولا تقبح لذواتها وإنما الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه. ولو كان الحسن حسنا لذاته والقبيح قبيحا لذاته لكان الزنا حسنا والنكاح قبيحا والقتل اعتداء حسنا والقتل قصاصا قبيحا، فإن القتل الواقع اعتداء يجانس القتل المستوفي قصاصا في الذات والصفات بدليل أن الغافل عن السبب فيهما لا يميز بينهما وكذلك الزنا والنكاح، مثلهما في ذلك كله، وإنما فرق بينهما في الحسن والقبح الشرع، الأمر والنهي لا الذوات والصفات فدل على أن المعتبر في ذلك الأمر","vol":"2","page":160},{"text":"والنهي فإذا نهي الشرع عما نهي فمن وقت نهيه كان المنهي عنه قبيحا وما وقع قبل ذلك مما لا نهي عنه لا يتعلق به حكم والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ قال بعضهم: معناه ولا ما قد سلف ولم يزد على ذلك في آيات النسخ</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nحرم الله تعالى الجمع بين الأختين مطلقا، وكثير من الناس على كراهة ذلك لم يحرموه، وقال قتادة: إذا أراد أن يطأ الأخرى اعتزل الأولى فإذا انقضت عدتها وطيء الثانية، ويعتقد بقلبه ألا يطأ الأولى.\nوقال الآخرون: يخرج الأولى عن ملك ويطأ الثانية.\nوالصحيح عند المحصلين من أهل العلم أنه إذا وطيء إحداهما لم يحل له ان يطأ الأخرى على حال حتى يحرم الأولى ببيع أو نكاح\nوقوله تعالى: ﴿إلا ما قد سلف﴾ إخبار عن أن ما سلف من الجمع بين الأختين لم يكن حرامًا إنما كان بشرع مبيح لذلك، وقد جمع يعقوب ﵇ بين أختين: إحداهما راحيل أم يوسف ﵉، وقد وقفنا على قبرها ما بين إيلياء وبين لحم، والثانية أم يهوذا، وقيل غيره .. جينل ﵉، فأنبأ الله تعالى أن ذلك كان على شرع ودين ولم يكن تعديا. أو يكون معناه كما تقدم إلا ما قد سلف فلا ذكر لكم فيه. وليس هذا من باب النسخ في ورد ولا صدر فلا معنى لذكر الآية في عدده وصنفه ولا في تسطيرها في موضعه ورقمه.","vol":"2","page":161},{"text":"وأما قوله: إن معناه ولا ما قد سلف فهو ساقط لغة ومعنى: أما جهة اللغة فلا يصح أن يكون فيها معنى (إلا) معنى (ولا) لتضادهما وضعا وإعرابا، وأما من جهة المعنى فإن قوله: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ معطوف على ما سبق من المنهيات، كلفناه وحملنا عليه، والماضي لا يتعلق به تكليف وكان هذا القول لغوا ساقطا من الجهتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ قال بعضهم: لولا ما جاء فيه من النسخ لم يكن تحريم سوى ما في الآية، ولكن حرم الله على لسان رسوله من لم يذكر في الآية وذلك تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها، ومن حرم من جهة الرضاع غير الأم والأخت</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nقد بينا في قسم الأحكام هذه الآية بغاية البيان إملاء في أنواع الفجر وجمعا في الأحكام، وذكرنا خفاءها على العلماء وعلى من تعاطي التفسير في القرآن حتى لقد قال بعضهم: إنه أراد بقوله: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ القرابة. وقال آخرون: أراد ما دون الأربع وقال ثالثون: أراد ملك اليمين، وهذه كلها أقوال ضعيفة صدرت عن رأي ضعيف. فإن المحرمات في الشريعة أكثر من هذا الذي حصروا وأضعاف ما ذكروا، وليس يقتضي عموم، قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ منع تحريم غيره وتخصيص هذا العموم به كما لم يتقض قوله ﷺ: \" لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث\" زنا، بعد إحصان، أو كفر، بعد إيمان، أو قتل نفس بغير نفس. قتل المسلم بغير ذلك من الأسباب، بل هذا","vol":"2","page":162},{"text":"أولى بتأكيد المنع، لأن ذلك عموم محتمل للتخصيص وهذا نفي وإثبات فيقتضي بظاهره استغراق النفي وتخصيص المنفي، لم لم يمنع ذلك من قتله بغير ذلك من أسباب القتل العشرة التي عددها علماؤنا فكيف يمنع تحريم ما وراء من ذكر من المعينات في هذه الآيات؟ وقد قال لي بعض الجهابذة: إن المعدد في هذه الآية هو الذي تأبد تحريمه لعينه، لا جرم ما وراءه حلال بحال في وقت وعلى وجه، . وهذا كان يحسن لولا أنه تعترض عليه معان: أقواها أن المعين في المعدد من جهة الصهر في الرضاع أم وأخت وقد قال النبي ﷺ في صحيح الحديث (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وهذا عموم في إلحاق فرع الرضاع بأصل النسب لم يدخله تخصيص بحال، وهو مخصص بعموم قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ قطعا في البنت من الرضاع والعمة والخالة وبنات الأخ وبنات الأخت منه، وكانت الحكمة في ذلك على ما سطره (النظار أن أصل التحريم إنما هو في مراعاة البعضية) فمن كان بعضا للمرء حرم عليه نكاحه وللبعضية مراتب قريبة وبعيدة ومتأكدة وضعيفة، وأصل البعضية، ما يختلف من جرم، الرجل وأجزائه وهو ماؤه، وفرعها ما ينشر من الارتضاع لحمه وعظمه، فالمنى سبب وجود أصله واللبن سبب وجود وصفه، وكلاهما بعضية فألحق الشرع الفرع في التحريم بالأصل، ويصح في التدقيق أن يقال: إن ذكر الأم والأخت من الرضاع كاف لإلحاق للفرع في المحرم من اللبن بالأصل من الاستيلاد، فلو لم يبين النبي ﷺ أن الارتضاع يحرم ما يحرم الاستيلاد لاقتضاه ذكر الأم والأخت لما فيه من التنبيه على بعض الأصل في الأم والفرعية في الأخت، والأول أقرب إلى الإفهام وأجرى في مأزق الكلام وأبعد في النظر عن الملام.\nتقص واستيفاء: وأما قوله: وذلك تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها فذلك عائد إلى مقصود الزيادة على قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ فإن الله قسم التحريم في هذه الآية إلى ثلاثة أقسام:","vol":"2","page":163},{"text":"الأول: تحريم نكاح في قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ وقوله تعالى: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾.\nالثاني تحريم العين لذاتها وهو قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ إلى آخرهن.\nالثالث: تحريم جمع محللتين وهو قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ ثم ألحق بتحريم العين بسبب نكاح غيرها أعيانا كالخامسة والمتزوجة والمستبرأة وما يشاكل ذلك. وألحق بالجمع بين الأختين ما روى في الحديث الصحيح الذي أخرجه الأئمة: مالك والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ نهي عن اربع نسوة أن يجمع بينهن المرأة وعمتها والمرأة وخالتها وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵀ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تنكح العمة على ابنة الأخ ولا ابنة الأخت على الخالة) وفي كتاب أبي داود والترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: \" لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها، لا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى\". وهذا الاختلاف آت في سياق الحديث مما يحتمل أن يكون أبو هريرة ﵁ سمعها في أوقات مختلفة فنقل لفظ كل وقت، أو سمع ما فهم منه ما اختلفت عبارته عنه، ونقله لما فهم بما يرى من العبارة جائز عند أكثر العلماء وبه أقول. ولكن للصحابة","vol":"2","page":164},{"text":"خاصة، فأما من سواهم فلا يجوز له نقله على المعنى، لأن العيان له معنى في فهم المسموع بقرائن الأحوال والأقوال لا يلحق غير الشاهد فيها بالشاهد أبدًا. ولذلك لم يكن الخبر كالمعاينة، ولذلك أنشدنا القاضي المرشد النسوي، بالمسجد الأقصى طهره الله.\nلئن أصبحت مرتجلا بشخصي ... فروحي عندكم أبدًا مقيم\nولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المعاينة الكليم\nوالمقصود من هذا أنه قد التحق بالجمع المحرم في القرآن جمع محرم بالسنة ولم يكن هذا نسخا ولكنه تخصيص لعموم قوله: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ وأما المعدد المعين المحرم لذاته فقد وقع مستوفي في الكتاب العزيز فلم يلتحق به سواه، وقد استوفينا ذلك بتفصيله في الأحكام والحديث والفقه بما يراه الراغب فيه هناك إن شاء الله تعالى.\nتفريع: ومما يلحق بهذا المنصوص عليه في الحديث، الجمع بين العمتين، والجمع بين الخالتين، والجمع بين العمة، والخالة فإنه محرم أيضا وحقيقته في الأولى وهي العمية بأن يتزوج أم رجل ويتزوج الآخر أمه ويولد لكل واحد منهام ابنة فابنة كل واحد منهما عمة الأخرى.\nوفسره أن يتزوج بشر بن الخنساء الشماء أم يزيد، ويتزوج يزيد بن الشماء أم بشر فتلد الشماء من بشر البيضاء وتلد الخنساء من يزيد الرباب فكل واحدة منهما عمة الأخرى وهذه صورته:\nالخنساء أم بشر الشماء أم يزيد\nأبو البيضاء من الشماء، أبو الرباب من الخنساء.","vol":"2","page":165},{"text":"وحقيقته في الثانية وهي الخالية أن يتزوج رجل ابنة رجل ويتزوج الآخر ابنته ويأتي لكل واحد من زوجه بنت، فكل واحدة منهما خالة الأخرى وفسره أن يكون لخالد ابنة تسمى سعاد فيتزوجها بكر فتلد له بثينة. ويكون لبكر بنت اسمها أمامة فيتزوجها خالد فتلد له بنتا تسمى ليلى، فإن كل واحدة منهما خالة الأخرى، وهذه صورته:\nخالد\nسعاد ابنة خالد زوج بكر\nأم\nبثينة\n==\nبكر\nأمامة بنت بكر زوج خالد\nأم\nليلى\nوحقيقته في الثالثة وهي الجمع بين العمة والخالة، أن يتزوج رجل وابنه امرأتين تكونان بنتا وأما فيتزوج الأب البنت الصغرى ويتزوج الابن الأم الكبرى عكس العادة ويولد لكل واحد منهما بنت، فابنة الأب عمة ابنة الابن، وابنة الابن خالة ابنة الاب.\nوفسره أن يكون زيد أبا عمرو وتزوج عاتكة بنت هند، وتزوج عمرو هندا أم عاتكة فولدت عاتكة أسماء وولدت هند زينب، فأسماء عمة زينب لأنها أخت عمرو للأب، وزينب خالة أسماء لأنها أخت عاتكة لأمها، وهذه صورتها:\nزيد = أبو = عمرو\nعاتكة زوج زيد = بنت = هند زوج عمرو\nأسماء بنت عاتكة = زينب بنت هند\nمن زيد = من عمرو\nولما طال ذلك عليهم بالتفريع والتصوير والدليل، حرروا ذلك عقدا يجمع التأصيل والتفصيل فقالوا: كل امرأتين لو قدرنا إحداهما رجلا لم يجز التناكح بينهما فإنه لا يجوز في الحل جمعهما وأول من نطق بهذا العقد وفصل هذا الحكم سفيان","vol":"2","page":166},{"text":"الثوري ﵁ بعظيم علمه) وقد روي في هذا حديث مرفوع إلى النبي ﷺ عن ابن عباس ﵁ أنه نهي أن يجمع بين العمة والخالة وبين العمتين والخالتين. فقال بعضهم: إن قوله بين العمتين أراد بين المرأة وعمتها وبين الخالتين أي المرأة وخالتها وإن كان هذا بعيدًا من المجاز وتكرارا في اللفظ، وقال بعضهم: أراد به بين امرأتين إحداهما عمة الأخرى والأخرى خالة الأخرى وفسروه بما ذكرناه، والحديث موضوع مركب على التفسير الذي ذكرناه، لا أصل له فلا يعول عليه إلا من ليست له بصيرة في الآثار بالزيف المردود من المختار، وإنما ركب العلماء هذا كله على قوة لفظ الذي أوتى جوامع الكلم صلوات الله عليه وسلامه في قوله: \" لا تنكح المرأة على عمتها ولا المرأة على خالتها\" وهذا بقوته في التقدير يعطي ما أشرنا إليه من التصوير، ويشهد له عند العلماء ما شببوا به من التعليل في أن المراعي في ذلك تقطع الأسباب بين القرابات بالاجتماع في الغيره على الأزواج، وأعطيت الزوجة في ذلك فضل منزلة على زوجها في لحاقها به، حين حرم عليه عين بنت الأخ وعين بنت الأخت فصينت المرأة عن مشاركة بنت اختها وأخيها لها نوعا من الإلحاق به. وهذا كله من باب التخصيص والتعليل ليس للنسخ فيه مجال، وقد أفضنا فيه نفسا واضأنا عليه قبسا يبصر به ذو البصيرة ما وراءه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة﴾</span>.","vol":"2","page":167},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي:\nهذا حكم من آية أفردناه للاختلاف في العدد ولكونه خارجا عما تقدمه من المعنى. وقد قال قوم إن هذه الآية منسوخة. وقال قوم هي محكمة. والذين قالوا إنها منسوخة قالوا إنها نسخها ثلاث آيات: آية الطلاق في قول، وآية الميراث في آخر، وآية حفظ الفرج في آخر وهو قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾ وهذه ليست بزوجة ولا ملك يمين فوجب حفظ الفرج عنها قالها الشافعي. ومن جعل الطلاق والميراث ناسخا نزع بأن نكاح المتعة ساعة أو يوما أو شهرا ليس فيه طلاق ولا ميراث، وإنما ينقطع بمضى المدة. وقد قال أبو إسحاق القرطبي من علمائنا: إن الذين أجازوا نكاح المتعة من الصحابة رضوان الله عليهم: جابر بن عبد الله، وزيد بن ثابت وأبو مسلم سلمة بن الأكوع الأسلمي وعمران بن الحصين، وابن عباس وابن مسعود ومعاوية ﵃. ومن التابعين عطاء وطاوس وسعيد بن جبير وجابر بن زيد.","vol":"2","page":168},{"text":"قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵁:\nوقد روي ذلك عن أبي بن كعب قال حبيب بن أبي ثابت: أعطاني ابن عباس مصحفا وقال هذه قراءة أبي ومصحفه، فقرأت: ﴿فما استمتعتم به منهن إلى أجل فأتوهن أجورهن فريضة﴾ وكذلك روى أنه قرأ بها ابن عباس. وقد بينا في غير موضع أن هذه الرواية ضعيفة وأن القراءة شاذة لا تعتبر في رسم ولا يبنى عليها حكم. وإنماشغف بها الذين أرادوا الاشتغال عن التفقه في القرآن بحروفه الصحيحة، فما أقنعهم ذلك حتى صور عليهم من لا يتقى الله كل ما يجوز في اللغة. وقد كان ذلك جائزا حياة النبي ﷺ على ما بيناه في المشكلين وغيره، عند الأكثر. فأما وقد استقر القرآن بنقل الصحابة أجمعين لفظا وكتبهم خطا فما وراء ذلك مطرح قرآنا وحكما بما حفظ الله علينا كتابنا وفضلنا به على جميع الأمم، وقد كنت أيام الطلب جمعت من ذلك عظيما وياليتني أفنيت الزمان في غيره وتركته ولكن الرشد لا يتبين ببادي الرأي لكل أحد حتى تحكمه المعرفة وتحنكه التجربة.\nوأما ما ذكره القرطبي وغيره عن الصحابة رضوان الله عليهم فلقد كان نكاح المتعة فيهم فاشيا جائزا ثم نسخ. وأمر نكاح المتعة من غريب الشريعة فهو من ناسخ الحديث ومنسوخه لا من ناسخ القرآن ومنسوخه، فإنه ليس له في القرآن ظاهر يعول عليه، وخذ هذه الآية مثلا في التبين فإن قوله تعالى في القرآن: ﴿فما استطعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة﴾ لا يقتضي جواز التأجيل وإنما فيه ذكر الاستمتاع والأجر من المرأة مطلقا لكن على سبيل النكاح وله شروط شرعية قد استقرت فيه وانتظمت به قرآنا وسنة. فأما شأنها في","vol":"2","page":169},{"text":"الحديث فقد كانت المتعة في النكاح الأجلي مباحة صدر الإسلام ثم نسخت يوم خيبر بالحديث الصحيح، ثم ثبت بالحديث الصحيح أن النبي ﵇ أباحها في غزوة حنين ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ حرمها بعد ذلك. فروى الأئمة مسلم والنسائي وغيرهما أن سبرة الجهني كان مع النبي ﷺ يعني غزوة أوطاس فقال: (يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في المتعة بالنساء وإن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا) وقد بينا ذلك في شرح الحديث بيانا مرتبا شافيا فلينظر هنالك إن شاء الله، والذي يصح أن يقال فيما تقدم من قول المفسرين أن المراد بهذا الاستمتاع استمتاع وقع فيه الميراث وانتظم به الطلاق. فأما أن يكون ذلك نسخا فليس بصحيح وإنما هو بيان للمراد به. وقد أجمعت الأمة على تحريم نكاح المتعة بعد موت النبي ﷺ، وهذا يدل على أنه أمر ثابت عنه ﷺ دينا","vol":"2","page":170},{"text":"أو نقلا. حتى لقد بالغ في ذلك العلماء منهم مالك قال: لا يجوز نكاح المتعة بالنية مثل أن يتزوج الرجل المرأة يقصد بذلك في نفسه مدة وإن لم يتلفظ بذلك في قوله وأجازه سائر العلماء. وعلى هذا النية هو نكاح المسافرين في بلاد الغربة فإنهم لا يقصدون به الأبدية وإنما هو للعصمة مدة إقامتهم. وعندي أن النية لا تؤثر في ذلك. فأما لو ألزمناه أن ينوي بقلبه النكاح الأبدي حتى لا مثنوية فيه لكان نكاحا نصرانيا، فإذا سلم لفظه لم تضره نيته. ألا ترى أن الرجل يتزوج على حسن العشرة ورجاء الأدمة فإن وجدها وإلا فارق؟ كذلك يتزوج على تحصيل العصمة فإن اغتبط ارتبط وإن كره فارق، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ الآية. قال بعضهم هذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم﴾ فأباح الله لك أن تأكل من مال غيرك من قريب أو صديق، وروى مثله عن ابن عباس ﵄</span>.\nقال القاضي ابن العربي:\nقد بينا أن الباطل هو الذي لا يفيد شيئا فالعدم باطل حقيقة لأنه لا يفيد شيئا شرعا. وما لا يفيد شيئا شرعا فهو باطل، فنهى الله الخلق عن أن يأخذوا من أحد على وجه لا يجوز من التعدي عليه ابتداء أو من التسبب إليه بما لا يحلله الشرع ولا يعززه وإن طابت به أنفسهما معا. فالمقصود في","vol":"2","page":171},{"text":"هذه الآية نهي الناس عن اخذ مال الغير بغير إذنه إلا بمعاملة يرتضون بها. كما نهى في سورة البقرة من أن يأخذ مال الغير بغير إذنه بما لا يجوز ثم إنكار ذلك عند الحكام عند المرافعة والطلب، وإنما كان يصح ما زعمه هذا القائل لو كان معنى قوله بالباطل بغير إذن خاصة، وبشرط أن تكون تلك الآية في النور نزلت بعد هذه في النساء. وقد قال قوم إن آية النور منسوخة بهذه. ولما لم يعلم التاريخ أستوي القولان. والتحقيق أن هذه الآية جاءت لبيان التجارة، ونفي أكل مال الغير بالشرع مأخوذ من أدلة أخر ليست هذه الآية في التي في النور منها في ورد ولا صدر. منها قوله تعالى: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ وقوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون، قل العفو﴾ وقوله تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ وقوله تعالى: ﴿وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾ وأمثاله وتمام الكلام تراه في سورة النور، إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ قال بعضهم: حرم الله الخمر على الناس في أوقات الصلاة، ثم نسخ ذلك بآية المائدة، وقال آخرون: نسخها ما روى النسائي عن ابن عباس أنه نسخها قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ لأنهم أمروا بأن لا يقربوا الصلاة وهم سكارى</span>،","vol":"2","page":172},{"text":"ثم أمروا بالصلاة، وإن كانوا لا يعقلون ما يقرؤون وما يفعلون فعليهم الإعادة، وإن كانوا يعقلون صلوا، وهذا قبل التحريم فأما بعد التحريم فينبغي أن لا يشربوا فإن شربوا فالحكم في الصلاة واحد إلا في المضمضة من المسكر لأنه لما حرم صار نجسا.\nوقال الضحاك، وغيره: أراد وأنتم سكارى من النوم.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nأما هذه الآية فلا يصح نسخها بحال لأن التكليف مقرون بصحة العقل، والصلاة من أجل وظائف التكليف فلا يمكن إقامتها إلا مع وجود العقل الذي يرتبط معه الأقوال والأفعال وينعقد بالنيات والمقاصد، ومن أصاب أقل من ذلك مما يشغل البال ولا يذهب التحصيل كالغثيان والقرقرة والحقنة، لم تجز الصلاة معه. فكيف بما يذهب أصل التحصيل؟ وقد روى جماعة واللفظ للترمزي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون، قال فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nوكان هذا إبان حلت الخمر فلما حرمت بقي النهي عليها، في هذه الآية واشتد أصل النهي بما زاد من تحريم شربها في كل الأحوال. فالتحريم عضد هذا النهي ولم ينسخه.","vol":"2","page":173},{"text":"وأما من قال إنه نسخها آية المائدة فقول ضعيف جدًا لأنا قد بينا مما لا يخفى على أحد أن أقوى شروط النسخ أولاها أولها المعارضة ولا معارضة في آية المائدة وهي قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ وبين هذه الآية التي نحن فيها، في شيء بحال، وهذا مما لا يفتقر إلى بيان، وأما قول الضحاك وأنتم سكارى من النوم، فبعيد لفظا صحيح معنى: أما بعده من جهة اللفظ فلأن النائم لا يسمى سكرانا. وأما صحته من جهة المعنى فلأن سبب الآية ما بيناه من أن النهي إنما وقع عن سكر الخمر.\nتكملة: قال أصحاب الشافعي: المراد بهذه الآية لا تقربوا موضع الصلاة يعني المسجد، وهي مسألة اختلف فيها الصحابة ﵃ فمنهم من أضمر هذا ومنهم من حمله على ظاهر الآية وقد بينا ذلك في كتاب الأحكام وفي مسائل الخلاف، والذي يتعلق بقسم النسخ الذي نحن فيه الآن أن القول بالنسخ لا يتصور فيها كان المراد به نفس الصلاة أو موضعها حسب ما أشرنا إليه والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>الآية السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم﴾ إلى قوله بليغا. قال بعضهم: هذا مؤخر ومقدم تقديره فعظهم وأعرض عنهم، وقل له، ثم صار ذلك كله منسوخا بآية السيف</span>.","vol":"2","page":174},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nتحصيل معنى هذه الآية يتبين في مأخذين من النظر: المأخذ الأول في معناها المطلق وهو أن الآية نزلت في المنافقين، وفي سبب نزولها قولان: أحدهما أن منافقا لم يرض بحكم النبي فقتله: عمر، فجاء أولياؤه طالبين لدمه، ثم حلفوا ما أردنا بالمطالبة بدمه إلا إحسانا إلينا وما يوافق الحق في أمرنا. القول الثاني: (أنهم لما طلبوا القود) من صاحبهم اعتذروا إلى رسول الله ﵇ في المحاكمة إلى غيره، في قصة طويلة دخل في ذكر بعضها اليهود فقالوا ما أردنا في العدول عنك إلا توفيقا بين الخصوم وإحسانا في الحكم دون الحمل على مر الحق، فقال سبحانه لرسوله: ﴿أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم﴾ يعني من النفاق. فلما جمع الله بين الإعراض عنهم والوعظ لهم وهما يتنافيان في الظاهر تكلم في ذلك علماؤنا على خمسة أقوال:\nالأول: أن فيه تقديما وتأخيرا معناه، فعظهم وأعرض عنهم\nالثاني: معناه أعرض عنهم بالعداوة لهم وعظهم.\nالثالث: أعرض عن عقابهم إلى وعظهم.\nالرابع: أعرض عن قبول الأعذار منهم وعظهم.\nالخامس: أعرض عنهم بعدم المبالاة بعلمك بهم وعظهم بلسانك لهم. والتحقيق فيها أن الله تعالى أمره ﷺ بدعاء المنافقين إلى الدين ووظائفه والإعراض عما يرى من ردهم وإبايتهم، حتى لا يكسله ذلك عن دعائهم ولا يزهده في ترغيبهم، وقوله تعالى: وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا﴾، يعني وعيدهم بالقتل إن أظهروا ما يضمرون أو الزجر بأبلغ وجوهه.\nالمأخذ الثاني: أنكم إذا علمتم أن المراد بالآية المنافقون فإن الإعراض عنهم والصبر عليهم لم ينسخ قط بشيء إلى أن توفي رسول الله ﷺ ولا يجوز نسخ حكم من الشريعة بعد استئثار الله به، فلم يبق لتطرق النسخ إلى هذه الآية وجه، والحمد لله وحده.","vol":"2","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>الآية السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله﴾ الاية. قال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ فقال رسول الله ﷺ: (لأزيدن على السبعين) فنزلت ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ فصار هذا ناسخا لما كان قبله</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nهذه جهالة عظمى. قال الله في المنافقين خصوصا: ﴿لو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾ وقال في عموم الخلق ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾ وقال النبي ﷺ في الصحيح: لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم، ولا خلاف عند الأمة أن هذه حال كل عبد مذنب عظم ذنبه أو صغر كثر أو قل فأما قوله تعالى: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ ﴿وقوله سواء عليهم أستغفرت لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ ﴿وقوله سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ فإنما ذلك بعد الموت فحينئذ لا ينتفع أحد باستغفار له إن كان كافرا بإجماع وينتفع بذلك إن كان مؤمنا مذنبا عند أهل السنة. وآية النساء هذه إنما نزلت في عبد الله بن أُبي بن سلول","vol":"2","page":176},{"text":"وصنفه، حين سأل أن يستغفر له بعد موته، ونعلقه في ذلك بما سبق من استغفار إبراهيم ﵇ لأبيه وقد بينا ذلك في كتاب الأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>الآية الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا﴾ قال بعضهم الثبات الصف المتفرقون، صارت الآية التي في سورة التوبة ناسخة لها، وهي قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم﴾</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nقوله تعالى: ﴿فانفروا ثبات أو انفروا جميعا﴾ يقتضي بمطلقه أن يخرج الناس معا أو متفرقين كيفما تيسر لهم وليس فيه خروجهم بكليتهم حتى ينسخه ما يقتضي خروج بعضهم وإنما فيه خروج أصلي، فأما قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ فقد بيناه في موضعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>الآية التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا﴾ نسخها في رأي بعضهم آية السيف</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nاختلف المفسرون في هذه الآية على أربعة أقوال: الأول أنها نزلت في قوم من الصحابة استأذنوا النبي ﵇ في قتال المشركين، وهم بمكة فلم يأذن لهم، فلما كتب عليهم القتال، وهم بالمدينة قال فريق منهم ما ذكره الله عنهم، روى عن ابن","vol":"2","page":177},{"text":"عباس، وقتادة، وعكرمة، والسدي، وقد أسنده بعضهم عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف، وأصحابه أتوا النبي ﷺ فقالوا: كنا في عز ونحن مشركون، فلما أسلمنا صرنا أذلة. فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا. فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال كفوا فنزلت الآية.\nالثاني: قال مجاهد نزلت في اليهود.\nالثالث: قال الحسن المراد بها المؤمنون والإشارة بهذا إلى ما طبع عليه البشر من خافة الموت وتقية الحرب قاله الحسن.\nالرابع: أنها نزلت في المنافقين.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nهذا منتهى الأقوال: وهي كلها محتملة، خصص المراد منها بقوله تعالى: ﴿إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية﴾ إلى قوله: ﴿من نفسك﴾ وليس هذا من كلام أحد من الصحابة ﵃، وإنما هو من كلام المنافقين أو اليهود. والأول أصح وأقرب إلى مساق الكلام، وليس للكفار فيها مدخل، بين الله فيها حال المبادرة إلى الأمر والوقوف عند الطاعة فمن يطع الرسول فقد أطاع الله كما قال ﷺ: (من أطاع أميري فقد أطاعني ومن أطاعني فقد أطاع الله ومن عصى أميري فقد عصان ومن عصاني فقد عصى الله) ومن تولى عن الطاعة بعذر أو إلى المعصية بإفصاح فلست يا رسول الله حافظا إنما أنت رسول مبلغ (والحافظ هو المانع عن الشيء) والمحصي له حسب ما بيناه في","vol":"2","page":178},{"text":"الأمد الأقصى، وليس النبي بمانع من المعصية ولا ذلك في قدرته. وإنما هو لله وحده، وليس هو أياض بمحص للاعمال إنما المحصي لها خالقها سبحانه، وإن كان في إقامة الحدود نوع من المنع عن المعاصي ولكنه ﷺ، كما قدمنا أمر بالاعراض عن المنافقين وقبول المعذرة منهم. وترك العقوبة لهم، ذلك قوله تعالى بعد ذلك ﴿فأعرض عنهم﴾ في الآية الموفية عشرين وليس بمنسوخ كما قدمناه بل كان باقيا إلى استئثار الله برسوله ﵇.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>الآية الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك﴾ قال بعضهم نسختها آية السيف</span>.\nقال القاضي ابن العربي ﵀:\nهذه غباوة. إن الله تعالى لم يقل، فقاتل في سبيل الله لا تكلف أحدا القتال إلا نفسك فحينئذ كان يمكن لمقصر أن يقول: نسختها آية السيف. ولا يتفوه به محقق. فأما وقد قال تعالى: ﴿لا تكلف إلا نفسك﴾ فقد علم كل أحد أن المرء لا يكلف إلا فعل نفسه ولا يكلف أحد فعل غيره، لا النبي ولا سواه، لا يجوز ذلك عقلا ولا شرعا، ومعنى الآية ظاهر لكل ذي تأمل صادق صاف: يا محمد قد أمرناك وأمرنا الناس بالقتال ودعوناهم إلى الإجابة وامتثال الأمر بالطاعة فقاتل أنت في سبيل الله، لا تكلف إلا فعل نفسك، وحرض المؤمنين فليس لك إلا دعاؤهم إلى مجاهدة الكفار ووعدهم ووعيدهم. فأما كفاية الأعداء فعسى الله أن يكف بأسهم والله أشد بأسا وأشد تنكيلا.","vol":"2","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>الآية الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿ستجدون آخرين﴾ الآية. قال بعضهم نسختها آية السيف</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nهذه غفلة ظاهرة. كيف يقول الله ﴿ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها، فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم، ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ وهذا نص في القتل إن لم يجيبوا إلى ما طلب منهم من العزلة وإلقاء السلم فأي نسخ ها هنا؟ وهذا حكم جميع الكفار، وإنما يبقى هنا أن دليل الخطاب في هذه الآية يقتضي أن من اعتزل وألقى السلم لم يقاتل. وإنما يحكم بالدليل ما لم يقترن به نطق، وقد زال النطق بهذا الدليل في الآيات كلها فلم يكن لذكر هذا وجه. وقد بينا في أصول الفقه دليل الخطاب ومعناه وحكمه المفيد له. ونظيره الذي يكشف لكم قناعه أن النبي ﷺ لما قال: في سائمة الغنم الزكاة، وسكت عن المعلوفة صار الحكم في المعلوفة دليل الخطاب، اختلف الناس فيه، فقال بعضهم: لا زكاة في المعلوفة لتخصيص النبي السائمة بالذكر. وقال آخرون: في المعلوفة الزكاة بما اقتضاه من الأدلة المذكورة في مسائل الخلاف، ولو قال ﷺ لا زكاة في المعلوفة والزكاة في السائمة، لسقط التعلق بالدليل لوجود النطق به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>الآية الثالثة والعشرون: قوله تعالى: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾ قال بعضهم نسخها: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾</span>.","vol":"2","page":180},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي:\nهذا حرف فيه إشكال، وذلك أن الله تعالى أخبر أنه من له عهد من الكفار تجب بقتله الدية والكفارة. وهذا حكم دائم إلى القيامة بإجماع من الأمة، فأما العهود التي كانت بين النبي ﵇ وبين الكفار فقد اسقطتها براءة فسورة براءة أسقطت عهدا معينا وهو الذي عقده النبي ﷺ للعرب بعموم إسلامها فأما من كان له عقد التزمه الخلفاء والمسلمون، فحكم الآية فيه باق أبدًا على رسم ما بيناه في كتاب الأحكام، القسم الثالث. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>الآية الرابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه﴾ الآية</span>.\nواختلف الناس في هذه الآية على قولين: أحدهما أنها محكمة لم تنسخ: الثاني أنها منسوخة واختلف في ناسخها على قولين:\nالأول أن عليا ناظر ابن عباس ﵄ فيها فقال له علي: من أين لك أنها محكمة؟ قال: لتكاثف الوعيد فيها. وقال علي نسختها آية قبلها وهي قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما﴾ وآية بعدها وهي قوله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله قد ضل ضلالا بعيدا﴾ والثاني: (أن ناسخها آية الفرقان وذلك) قوله تعالى: ﴿إلا من تاب﴾ وذلك أنه روى أن الله أنزل قوله: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا﴾ وحبست خاتمتها في السماء سنة","vol":"2","page":181},{"text":"وفي رواية شتة أشهر ثم أنزلت: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما﴾ ومنهم من قال وروى عن ابن عباس، أن آية الفرقان نزلت بعدها، وقد روى عن الترمذي، وغيره عن ابن عباس، واللفظ للترمذي عن النبي ﷺ قال: يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة وأوداجه تشخب دما، يقول: يارب هذا قتلني. حتى يدنيه من العرش، قال فذكروا لابن عباس التوبة فتلا هذه الآية: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدًا﴾، قال: ما نسخت هذه الآية ولا بدلت وآنى له التوبة؟ قال أو عيسى: هذا حسن غريب، ومن الناس من تأولها فقال: معناه، ومن يقتل مؤمنا متعمدا، يعني مستحلا لدمه فيكون بذلك كافرا والكافر لا يغفر. وقال آخرون: تأويلها ظاهرها لأنه قال فجزاؤه، يعني إن جازاه، وروى عن ابن عباس وغيره وروى مسندًا إلى النبي ﷺ ومنهم من قال: لم يقرن بالتخليد التأبيد، فهذا يخففها ويلحق المغفرة بها. وقد روى عن ابن عباس ﵁ أن السائل إذا جاءه فذكر له هذه الآية نظر: فإن كان لم يقتل قال لا توبة للقاتل، وإن كان قتل قال: له توبة، فكان يغلظ على من لم يقتل ليكف، وكان يخفف على من قتل لئلا ييأس. وقال بعضهم ممن نسب نفسه إلى التحقيق إن قوله: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾ وقوله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ خبر، ولا يصح دخول النسخ في الأخبار كيفما ترددت، وإنما معناه جزاؤه إن جازاه، أو يكون معناه، من قتله مستحلا، أو يكون المراد به رجلا بعينه من الأنصار قتل وارتد في قصة طويلة.","vol":"2","page":182},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nهذا منتهي ما ورد للمفسرين في هذه الآية على الاختصار. وتحقيق القول في هذا الأصل أن الله تعالى غفور ذو انتقام شديد العقاب ذو الطول يعفو وينتقم ويرضى ويغضب، له الصفات العلى والأسماء الحسنى. فالخلق مترددون بين أحكام صفاته وجودًا وعدما رضي وغضبا، عطاء ومنعا، عذابا ونعيما، غني وفقرا، صحة وسقما، جاها وخمولا، خفاء وظهورا، إلى غير ذلك من أصناف الخلق التي ترجع إلى أحكام صفات الخالق، فالوعد والوعيد للرغب والرهب اللذين يتردد بينهما نظام التكليف، ولم يتفطن له إلا أهل الحق، فأما الوعيدية، فقالوا: إن الله لا يغفر ذنبا، وأما المرجئة فقالوا: إن الله تعالى لا يؤاخذ بذنب مع الإيمان. فأبطلت الأولى رسم التوحيد وأبطلت الثانية وجه التكليف وعلطت حكم صفتين عاليتين واسمين حسنين للباري سبحانه، وكأنها لم تقرأ قوله تعالى: ﴿حم تنزل الكتاب من الله العزيز العليم، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير﴾ وكذلك لم تفهم شيئا من أحكام الإرادة العالية والمشيئة النافذة والحجة الدامغة والحكمة البالغة. وقد قصر كثير من العلماء في هذا الباب فقالوا: \" إن الله تعالى لا يخلف الميعاد وينجز الوعيد ويعد \" أشرف المنزلة عند العرب فقد قال شاعرهم.\nوإني إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي\nوهذا قصور عن معرفة الإله، فإن لكام الباري سبحانه صدق لا يتصور فيه خلف، كيفما ورد من وعد أو وعيد، وأشراف العرب إنما تمدحت بخلف الإيعاد وإنجاز الوعد لما في ذلك من شرف العفو وفضيلة الصفح الذي يغطي على قبح الخلف، وهذا لا يتصور في حق الإله الواجب الصدق. وإنما الآيات وردت مطلقة متشابهات، منها أمهات وبنات: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون","vol":"2","page":183},{"text":"ما تشابه منه ابتغاء الفتنة﴾ ولئن جاء قوله تعالى: ﴿ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾ ولقد جاء ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ وقد كشف القناع في ذلك حديث الشفاعة، في كيفية المغفرة للمذنبين ومراتب إخراجهم من النار عموما، وورد في الحديث الصحيح خصوصا، واللفظ لمسلم قال أبو سعيد الخدري ﵁: قال النبي ﷺ: إن رجلا ممن كان قبلكم قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض قال فدل على راهب فأتاه فقال له: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل من توبة له؟ فقال: لا فقتله، فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت ملائكة الرحمة فيه وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فأتوهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد. فقبضته ملائكة الرحمة: وفي رواية له: فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها\" وهذا نص في المسألة، وهو قدر كاف في الإشارة إلى نكتة المسألة، واستيفاؤها، في كتب الأصول والمشكلين.","vol":"2","page":184},{"text":"تنقيح: فأما ما نسب إلى ابن عباس، ﵁ من أن هذه الآية تكاثف الوعيد فيها فدل ذلك على إحكامها، ففيه قولان أحدهما أن الوعيد لم يتكاثف بل نقص منه التأبيد وهو أكثره. الثاني أن الوعيد وغايته سواء في وجوب الصدق وجواز العفو. وما ينسب من الاحتجاج إلى علي بآيات المغفرة فهو العلم. وآية الفرقان حسن، ولا يضرها إن تأخرت عن آية النساء أو تقدمت عليها فإنها قاضية بقبول التوبة قطعا، وإن قبلت التوبة من الكفر فأحرى أن تقبل من ذنب دونه. أما إنه تبقى ها هنا نكتة: وهي أن الكافر القاتل للمسلم إذا آمن سقط عنه كل ذنب قطعا، والمسلم القاتل للمسلم إذا تاب سقط عنه حق الله قطعا وبقيت قبله حقوق الآدميين يقع القول فيها بين يدي الله في القيامة، وأول ما يتكلم فيه أمر الدماء. بيد أنه من الجائز أن يبقى حق المقتول عنده حتى يطرح عليه من ذنوبه ويعذب عليها، ومن الجائز أن يغفر الله كل ذنب ويرضى عنه غريمه، وعليه يدل حديث مسلم في قبض ملائكة الرحمة لنفس القاتل المائة رجلا، ويحتمل أن يكون قبضته ملائكة الرحمة لأجل الإيمان، ويبقى القول في حق القتل بينه وبين المقتولين، وقول ابن عباس وأنى له التوبة؟ أرد وأنى له بإسقاط التوبة لحق، المقتول: وأما من قال: أراد به مستحلا، فلا معنى له، لأن ذلك يكون كفرا والكفر لا يغفر، واما من قال إن معنى ذلك إن جازاه، فلقد طبق المفصل ولكنه تجاوز حتى ضرب في الأرض وفلل الحديد فإن هذا لا يحتاج إليه، فإن قول القائل جزاء فلان كذا، ليس فيه استيفاؤه وإنما يقتضي ذكر الجزاء مطلقا فإن شاء استوفاه وإن شاء تركه. وأما من قال إنه لم يقرن بالتخليد التأييد فتخففت فلو قرن بها التأييد ما ثقلت مع آيات","vol":"2","page":185},{"text":"المغفرة. فقد قال النبي ﷺ في الصحيح واللفظ لمسلم: من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ، بها في نار جهنم، خالدا فيها مخلدا ابدًا، ومن تحسى سما فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها مخلدا) فهذه أحاديث صحيحة في نظائر لها بالخلود والتأييد على الإطلاق في عموم الآثار ويعارضه في صحيح الآثار جمل من الأحاديث منها من كان آخر كلامه لا إله إلا الله حرمه الله على النار والحكمة في تعارض ذلك تردد القلوب بين الخوف للمعاصي والرجاء للرحمة، وينفذ حكم الله على الكل والعاقبة للمتقين. وهذا كله ليس من الأحكام في شيء، وإنما هو التوحيد. بيد أن المفسرين لما ذكروها في الناسخ والمنسوخ، نسجنا على منوالهم في ذكرها وبينا المراد منها لئلا يغتر مبتديء، أو غافل بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>الآية الخامسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ قال بعضهم قصر النبي ﷺ الصلاة في الأمن نسخ لقصرها مع شرط الخوف</span>.\nقال القاضي ﵀:\nقد بينا أن دليل الخطاب لا يقبل نسخا لو أوجب حكما، فكيف ولا يوجب عند أكثر العلماء؟ وذلك أن للصلاة حالين: حال أمن وحال خوف، فلما شرط الله في القصر حال الخوف قال من يرى دليل الخطاب: إن هذا يقتضي وجوب إتمامها مع الأمن، وقال من لا يرى القول بدليل الخطاب إن حالة الأمن مسكوت","vol":"2","page":186},{"text":"عليها مطلوب حكمها بالدليل. والذي بيناه في الأحكام مغن عن ذكره ها هنا.\nأما أنه يحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿أن تقصروا﴾ عبارة عن قصر العدد أو عن قصر الصفة. فروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄ فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة. وغاير النبي ﷺ في صلاة الخوف وصف الصلاة على وجوه كثيرة قد أتينا على المراد منها في شرح الحديث والأحكام فلينظر هنالك ففيه شفاء الغليل وبرء العليل إن شاء الله ﷿.","vol":"2","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>الآية السادسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ قال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nقد بينا فساد عد الاستثناء في باب النسخ بما يغني عن إعادته.","vol":"2","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>سورة المائدة</span>\nفيها آية واحد من النسخ وفيها من التخصيص إحدى عشرة آية.\nأما آية النسخ فهي قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا﴾ الآية إلى آخرها.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nقال: قتادة، وابن سيرين: هذه الآية ناسخة لما كان رسول الله ﷺ فعله في أمر العرنيين من التمثل بهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا. وقد روى حديث العرنيين جماعة من الأئمة الصحاح وغيرهم ومنه عن أبي قلابة عن أنس ﵁ أن نفرا من عُكل قدموا على النبي ﷺ فأسلوا فاجتووا المدينة فأمرهم النبي ﵇ أن يخرجوا إلى إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا فقتلوا راعيها واستاقوها، فببعث النبي ﵇ في","vol":"2","page":189},{"text":"آثارهم قافة فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم ولم يحسمهم وسمل أعينهم وألقوا في الحرة، حتى ماتوا فأنزل الله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا﴾ الآية. ومن صحيح حديث سليمان التيمي عن أنس أن النبي ﵇ إنما سمل أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاء. والحديث متفق عليه من الأئمة. إلا ذكر نزول الآية عليه فلم يخرج في الصحيحين.\nقال القاضي ابن العربي ﵀:\nلا خلاف في صحة الحديث بجميع ألفاظه من طريقه، ولم تتفق الرواة على آية الحرابة نزلت لأجل هذا (وإنما الثابت) أن النبي ﵇ فعل هذا بالعرنيين فأنزل الله تعالى آية الحرابة. وقد ثبت من هذا الطريق أن الآية نزلت بعد الفعل فيكون الحد فيه، ناسخًا لما فعله النبي ﵇ بالرعاء. وقد اختار الطبري أن هذه الاية إنما نزلت في اليهود وكانوا أهل موادعة لرسول الله ﵇ فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض فأخبر الله نبيه بالحكم فيهم وعرفه ذلك وهذا مما لم يصح، والصحيح حديث أنس ﵁. وقد قال بعضهم: إنها نزلت في المشركين وهو أولى من قول الطبري لأن هؤلاء النفر الذين قدموا على النبي ﷺ واجتووا المدينة لما خرجوا إلى الإبل وشربوا من ألبانها وأبوالها وصحوا ارتدوا وقتلوا الرعاء واحتربوا الإبل ومثلوا برعاتها. ولكن الاحتمال يتطرق إلى قول","vol":"2","page":190},{"text":"الراوي أنهم ارتدوا وذلك أن الكفرة لا يلزم صلبهم ولا تقطع أيديهم وأرجلهم ولا ينفون، وإن تابوا قبل القدرة بالإسلام سقط عنهم القتل، بخلاف المحارب في ذلك كله. ولعله رآهم قد فعلوا هذا كله فحكم بالردة، لما رأى من قبيح الفعل الذي لا يرضى به مسلم وإنما هو فعل الكفار. فإن قيل فقد قال تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ وذلك حال الكافرين، فأما المؤمنون فليسوا لله بمحاربين.\nفالجواب أن الحرابة تكون بالعقيدة الفاسدة بالكفر، وتكون بالفعل الفاسد بالمعصية، وقد قال الله تعالى في أكلة الربا: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ ومحاربة المربي جائزة إذا فعله وإن لم يعتقد جوازه، وإذا كانوا سملوا أعين الرعاء فيكون سمل أعينهم قصاصا، وكذلك لو كانوا قطعوا ايدي الرعاء وأرجلهم لكان ذلك أيضا قصاصا فيهم، وكذلك تركهم في الحرة حتى ماتوا عطشا مما يجوز أن يكون قصاصا لعلهم فعلوا كذلك بالرعاء، فإن من قتل بالغرق أو بالحرق أو بالعطش قتل بمثله وهي مسألة بديعة في رزمة الجراح قد بيناه في مسائل الخلاف والأحكام: ولهذا متى حارب أحد وفعل من القتل والقطع ما فعل امتثل فيه مثل ذلك وصلب آخرا والله أعلم.\nذكر آيات التخصيص وهي إحدى عشرة آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام﴾ الآية قال الشعبي وقتادة: لم تنسخ من المائدة إلا هذه الآية: ﴿لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد﴾ زاد قتادة: كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من</span>","vol":"2","page":191},{"text":"السمر فلم يعرض له فإذا رجع تقلد قلادة شعر فلا يعرض له وكان المشركين يومئذ لا يصد عن البيت وأمروا ألا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت فنسخها: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ (وقيل لم ينسخ) منذلك إلا القلائد التي كان يتقلد أهل الجاهلية من السمر. قال الطبري: والصحيح أن المنسوخ ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام، لإجماع جميعهم على أن قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها جائز، وكذلك المشرك لو تقلد ما تقلد ولم تكن له ذمة، مأمور بقتله في قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nاختلف الناس في المائدة وبراءة أي السورتين نزلت قبل صاحبتها فعلى هذا إذا جهلنا التاريح أو لم نقطع به، لم يصح الكلام في النسخ، ويبقى القول في معنى الآية وقد بيناه في الأحكام، ومختصره أن شعائر الله معالمه وحدوده في الحج وغيره فهذه مما لا يستحل بحال ما احترم الله منها وقوله تعالى: ﴿ولا الشهر الحرام﴾ لا خلاف في جواز القتال وأنه صار حلالا بعد أن كان حراما. لكن بقيت حرمة","vol":"2","page":192},{"text":"الشهر في نفسه محترمة معظمة، وكذلك حرمة الهدى والقلائد باقية إلى يوم القيامة، لكنها لا تعصم أحدا ممن وجب عليه حد أو قتل. وقوله تعالى: ﴿ولا أمين البيت الحرام﴾ خص منه المشركون الذين كانوا يخرجون باسم الحج فلا يعرض لهم، وبقيت حرمة كل قاصد للبيت معظمة زيادة على حرمة إيمانه، ووجب قتل المشرك، كان آما للبيت أو غير أم أو جاز على حسب حاله. فإن قيل وكيف يدخل الكفار في هذه الآية مع قوله تعالى في آخرها: ﴿يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا﴾ والكافر لا يبتغي فضل الله ولا رضوانه؟\nقلنا أما فضل الله فهي التجارة ها هنا، وقد روى عن ابن عمر ﵄ في الرجل يحج ويحمل معه متاعا، قال لا بأس وتلا هذه الآية: ﴿يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا﴾ وأبين من هذا قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ فأما قوله ورضوانا فإن كل أمة فيما تأتيه تعتقد أنه رضي الله وطاعته، فخرج الكلام على المقاصد والباري تعالى، يمييز الخبيث من الطيب ويفصل الحق من الباطل ويقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام﴾ الآية قال ابن زيد، هذا منسوخ بآية القتال، وقتلهم وجهادهم من اعظم الاعتداء وهو مأمور به فيهم. وقال مجاهد وغره: الآية مخصوص محكمة، نزلت في مطالبة المسلمين للمشركين بدخول الجاهلة لأجل أن صدوهم عن المسجد الحرام أن تطالبوهم بما مضى في الجاهلية. وقد قال النبي ﵇: (لعن الله من قتل بذحل كان في الجاهلية) وهذا القول بالآية أولى</span>.","vol":"2","page":193},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nقوله تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنئان قوم﴾ آية نزلت على سبب بيناه في كتاب الأحكام، من أن قوما من الصحابة ﵃ هموا بأن يغيروا على قوم بسبب آخرين جنوا عليهم، فمنعهم الله من ذلك، وهذا مما لا يتطرق إليه نسخ بحال لأنه حكم اقتضته الحكمة واتفقت عليه الملل، فلا يأمر الله بغيره لأنه من الفحشاء، والله لا يأمر بالفحشاء إنما فيه نكتة لطيفة: وهي أن غارة الصحابة على القوم الذين أرادوا أن يغيروا علهم بسبب الغير الذي اعتدى عليهم، كانت محرمة في ذلك الوقت ثم انتسخها إحلال القتال في الشهر الحرام فصار من معنى الآية وجه منسوخ بتضمين لا يقصد تعد به في ذلك القسم وليس قول مجاهد بصحيح، لأن المطالبة بذحول الجاهلية ليس مما ينسخ لأنه لم يكن حكما فيرتفع بغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ قال بعضهم روى عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت، ﵄، أنهما قالا: هذا ناسخ لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾</span>.","vol":"2","page":194},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي:\nهذه الآية محكمة في قسم الأحكام، فلتنظر هنالك ففيها غاية الإعلام ونخبة القول ها هنا: إن قلنا إن طعام أهل الكتاب يؤكل وإن ذكر عليه غير الله فهو مخصوص من آية الأنعام، وإن قلنا لا يوكل إلا ما سمى أهل الكتاب عليه الله، فالآية التي في الأنعام على عمومها، ويكون فائدة تخصيص أهل الكتاب بالذكر في أكل طعامهم الرخصة في ذلك مع عدم توقيهم لنجاسات الدم ونحوه مما يرونه في ديهم حلالا، فأذن لنا فيه منهم ومعهم، وحرم علينا مفردًا عنهم، وهذه نكتة الآية والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ من الناس من قال: إنها ناسخة لقوله تعالى: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ ومنهم من قال: إنها ناسخة لما كانوا عليه، لأن النبي عله السلام إذا أحدث لم يكن أحدا حتى يتوضأ وضوءه للصلاة فنسخ هذا وأمرنا بالطهارة عند القيام إلى الصلاة، ومنهم من قال: هي منسوخة لأنه لو لم تنسخ لوجب على كل قائم إلى الصلاة الطهارة وإن لم يكن محدثا، ومنهم من قال: كتب على كل قائم إلى الصلاة أن يتوضأ، كان محدثا أو طاهرا، يروى هذا عن علي وعكرمة، وابن سيرين ومنهم من قال: الآية مخصوصة بمن قام من النوم. ومنهم من قال: ذلك محمول على الندب، ومنهم من قال: المراد بالآية المحدثون</span>.","vol":"2","page":195},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي:\nأما من روى أو قال بأنها ناسخة لقوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ فقد بينا فساده فيما تقدم، وحققنا أن من وكيد شروط النسخ أولادها التاريخ والمعارضة، ولا تاريخ يعلم ها هنا، ولا معارضة بينها، فدعوى النسخ لا معنى لها.\nوأما من قال إنها ناسخة لما كانوا عليه من ترك الكلام إلا على وضوء، فهذا مما لم يكن قط ولا روي، إنما الذي ثبت في الصحيح، واللفظ للبخاري قال أبو جهيم، أقبل النبي ﵇ من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح وجهه ويديه ثم رد ﵇.\nقال القاضي ﵀:\nوهذا من باب أن لا يذكر الله إلا على طهارة لا من باب أن لا يتكلم إلا على طهارة، وفي صحيح مسلم أن ابن عامر قال لابن عمر ﵁: ألا تدعولي؟ فقال له ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول. وفي الصحيح واللفظ للبخاري أن أبا موسى","vol":"2","page":196},{"text":"الأشعري ﵁ قال: قال يعني أبا عامر الأشعري حين قتل يوم اوطاس: يا ابن أخي، اقرأ على النبي ﵇ وقل له استغفر لي. قال فجئت النبي فأخبرته فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه وقال: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر. الحديث. أما أنه روى عن علقمة بن الفغواء قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد البول نكلمه فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا يسلم علينا حتى يأتي منزله فيتوضأ كوضوئه للصلاة، حتى نزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ والمعنى فيه مبادرة النبي ﵇ إلى العبادة، فأما كلامه على غير طهارة، فقد كان كثيرا في كل وقت. وأما من قال إنها منسوخة عن كل قائم إلى الصلاة إلا المحدث، فإن قلنا المراد به المحدثون لم يصح ذلك. وقد ذكرناه في الأحكام وإن قلنا إنها عامة في كل قائم. فلا يقال، إن خروج المتطهرين عنها أنه نسخ، إنما هو تخصيص، وأما من قال إنه يجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة محدثا كان أو طاهرا فلم يصح ذلك عن علي، ﵁ وقد سقط بإجماع الأمة. وأما من قال إنه محمول على الندب فصحيح فإن الوضوء على الوضوء نور على نور، ولكن إذا توضأ وصلى به نفلا أو فرضا، ولو لم يصل بالوضوء لكان تحديده بدعة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ قال بعضهم: زعم قوم أن هذا نسخ للمسح على الخفين. وقال قوم في قراءة الخفض: إنها منسوخة بفعل النبي ﷺ وقوله</span>.","vol":"2","page":197},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nهذا الحرف بعض آية ولكن عظم قدره فأفرد بآية، وبعض الآية آية، وقد جمعنا فيها جزءا، وإنما كان كذلك لأني ابتليت بها كثيرا سافرت في النيل ومعنا بعض الشيعة فكان يتوضأ فيمسح رجليه ويديه بواحدة، فرأيت أمرا ما كنت عهدته فأعظمته ثم تافنت الناس وقرأت مع العلماء فعقرني حين رأيت الطبري يسوي بين المسح والغسل ويخير بينهما، على عظم قدره في العلم وسعة روايته في الحديث. وما كان ينبغي لو شاء الله أن يخفى عليه فساد مثل هذه البدعة، وربكم أبى أن يعطي الكمال لأحد، وفي هذه الآية ثلاث قراءات: وأرجلكم برفع اللام، قرأناها لنافع. وأرجلِكم بالخفض: قرأنها لأنس وأبي جعفر وعاصم والأعمش وحمزة، ورويناها لابن عامر، وأرجلك بنصب اللام مشهور قراءة ورواية، ولا يعد ذلك في شيء من النسخ ولا له إليه","vol":"2","page":198},{"text":"طريق، إنما هو من باب التأويل للمعاني المشكلة. فأما من قرأها بالرفع فقد قطعها عن جميع ما تقدم وأبقاها للبيان. فقد بين الشارع صلوات الله عليه فيها الغسل. وأما من قرأها بالنصب فقد عطفها على الوجه واليدين وحمل الرأس بينهما لفظا لدخوله بينهما عملا، فجاء بالترتيب ذكر للترتيب عملا ولكل عضو سنته، وأما من قرأها بالخفض فهي بحر إشكال: قال الطبري ﵀: القراءتان كالخبرين يعمل بهما جميعا. وهذا إنما يصح إذا تساوتا، وقراءة الخفض محتملة وأحاديث النبي ﵇ نص في تحريم المسح وإيجاب الغسل، إذ رأي قومًا توضأوا وعراقيبهم تلوح فقال: (ويل للعراقيب من النار) ويحتمل من قرأ بالخفض أن يريد به حالة للرجلين وهي كونهما في الخفين، فيكون ذلك معنى الآية لا ناسخًا لها ولا منسوخًا ويحتمل أن يعطفها لفظا ويخرجها معنى كماجاء في لغة العرب قال الشاعر:\nأعلفتها تبنا وماء باردا\nوشراب ألبان وتمر وأقط\nورأيت زوجك في الوغا متقلدا سيفا ورمحا\nوأطفلت بالجهلتين ظباؤها ونعامها\nوالماء لا يعلف، والأقط لا يشرب، والرمح لا يتقلد، والنعام تفرخ لا تطفل، ولكنه حمل الثاني على الأول لفظا، اتكالا على المعنى المفهوم، وها هنا يعطف عليه تعويلا على بيان المبلغ، ولقد بين وأوعد ووعد صلوات الله عليه وسلامه.","vol":"2","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿فاعف عنهم واصفح﴾ الآية. قال بعضهم فيها خمسة أقوال: الأول قال قتادة هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ الآية</span>.\nالثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة﴾.\nالثالث: قال ابن عباس: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾.\nالرابع: أنها مخصوصة نزلت في قوم من اليهود أرادوا الغدر بالنبي ﷺ فنجاه الله منهم وأمر بالعفو ما داموا على الذمة، وهو الصواب.\nالخامس: أنها مخصوصة في الزمان، التقدير فاعف عنهم ما دام بينكم وبينهم عهد.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nلا إشكال في أن هذه الآية نزلت في اليهود من قوله: ﴿ولقد أخذ افلله ميثاق بني إسرائيل﴾ إلى قوله تعالى: ﴿المحسنين﴾ ولا خلاف أن النبي ﷺ لما ورد المدينة عقد العهد بينه وبين قريظة والنضير وبني قينقاع يهود المدينة بأجمعهم وبعد أن نفذت العهود بينه وبينهم كان منهم من يفي بعهده ومنهم من يخيس به وينافق عليه كما فعل من أظهر الإسلام من الأنصار، فقد كان جلهم مخلصا في إيمانه وقد كان منهم من ينافق بدينه فأمر النبي ﷺ بالصبر على خيانة","vol":"2","page":200},{"text":"من أظهر الإيمان فدام إلى الموت) وأما صبره الذي أمر به على خيانة يهود فكانت إلى حين فأجلى جماعة من المدينة وقتل جماعة ولم يبق حالهم إلى نزول الآيات اللواتي ذكر أشياخنا المتقدمون بل نفذ القتل والجلاء عليهم قبل نزول الآيات بسنوات ولا يصح أن يقال إن فيها نسخا إنما كان القوم أولى عهد فلما نقضوا العهد زال عهدهم. ومثل هذا لا يكون نسخا، وكان النبي ﷺ أمر بالصبر على دفائن خوائن كان بعضهم يأتيها. حتى إذا خفت المعاني الكلية المؤثرة لم يكن صفح، كقتله لابن الأشرف، ولأبي رافع اليهوديين، وحكم على بني النضير بنقض العهد لما هموا بوضع الحجر عليه. وأما من قال إنها نزلت في قوم من اليهود أرادوا الغدر بالنبي ﵇ فنجاه الله منهم وأمره بالعفو عنهم ما داموا على عهدهم فلم يصح ذلك نقلا ولا معنى، فإنهم إذا غدروا لم يبق لهم عهد فلا يصح أن يقال يعفو عنهم ما داموا في عهدهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ قال بعضهم قال ابن عباس ﵁\" هذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿وأن أحكم بينهم بما أنزل الله﴾ وإنما كان ردهم إلى أهل دينهم في أول الإسلام باتساقهم، وهذا قول مجاهد وقتادة وعطاء الخراساني وعكرمة، والزهري، وعمر بن عبد العزيز والكوفيين وأحد قولي الشافعي</span>.","vol":"2","page":201},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nالذي أعرف يقينا أن السدي قال: إن النبي ﵇ كان مخيرًا بين أن يحكم بين أهل الكتاب إن تحاكموا إليه، وهذا قول ضعيف جدًا كما أن القول في الآية بأنها منسوخة ضعيف أيضا، وكيف يصح دعوى النسخ فيها ويمكن الجمع بينهما، فإن الله تعالى قال لنبيه ﷺ: \" إن حكموك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، والقسط هو الذي أنزل الله، وهو قوله بعينه: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ فإن قيل: فإذا حكم بينهم بما أنزل الله، فكيف قضى بالرجم على اليهوديين وهما عندكم غير محصنين فإن المالكية لا ترى مع الكفر إحصانا؟ فهذا يدل على أنه حكم عليهم بدينهم ثم أمر بعد ذلك بأن يحكم بما أنزل الله أي بما يقتضيه شرعه. قلنا: هذا ظن باطل، لا يجوز أن يقال: إن النبي حكم بغير ما أوجبه شرعه: وذلك قول عظيم من ذاكره نبرأ إلى الله منه، فإنه لا يجوز لأحد أن يحكم إلا بدين الإسلام فكيف بالنبي الذي هو الإمارة نبوة وحكما؟ فإن قيل: فارجموا الكافرين إذا زنيا كما رجمهما قلنا قال محمد من علمائنا: إنما حكم النبي بينهم لأن الحدود لم تكن نزلت بعد، ولا يحكم الحاكم اليوم إلا بحكم الإسلام، وقال عيسى عن ابن القاسم حكم النبي صلى الله عليه عليهم بشريعة موسى النبي ﵇، إذ شريعة من قبلنا شرع لنا يلزم العمل بها حتى يقوم الدليل على تركها، وقد بينا ذلك في أصول الفقه وهو الصحيح.","vol":"2","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ قال بعضهم: هذا ناسخ لقوله تعالى: ﴿ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها﴾ فعم كل يمين أن تنقض ثم أجاز نقضها بالكفارة تخفيفا ورحمة في أحد القولين</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nأما قوله تعالى: ﴿ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها﴾ فقد اختلف الناس فيها وقد بيناه في كتاب الأحكام فقيل: إن المراد به العهود، والعهود التي لم تشرع فيه كفارة وقد قال النبي ﵇ فيها ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته فيقال: (هذه غدرة فلان) ويسمى يمينا لأنه عقد واليمين هي العقد بالقلب كما قررناه في الخلاف والأحكام، وقد يحتمل أن يريد به كل يمين لا كفارة فيها تعقد على الفعل والإقدام على مذهب المحققين من أهل الإسلام، خلافا للعامة الأغنبياء، الذين يرون أنه لا ينعقد يمين إلا بالله سبحانه. ويحتمل أن يريد لا تخالفوا اليمين دون أن تفعلوا الكفارة التي جعلها الله تعالى بدلا عن البراء","vol":"2","page":203},{"text":"وغاية لها. ومن العجب ما يأتي به هذه الطائفة من ذكر النسخ في موضع لا تعارض فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ قال بعضهم: ظن ظان أن قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ ناسخ لقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ وليس كذلك، وإنما هو تبيين له وتخصيص لقوله: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nهذا جهل من وجهين، أحدهما: أن الآية الأولى في النهي عن قتل الصيد لا عن صيده، والآية الثانية في حل صيد البحر وتحريم صيد البر، فالأولى أفادت النهي عن قتل الصيد، والثانية أفادت تحريم أصل الصيد، فهو بيان في وجهين إذ كان من الجائز أن يجوز صيد وتحرم ذكاته فمنع الله، الوجهين وحرم الفعلين، فكان بيانا لحكمين، فأما صيد البحر فهو مبين في الجواز قبل ذكر تحريم صيد البر، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>الآية العاشرة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا هتديتم﴾ زع بعضهم أن هذه الآية منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وقال آخرون: لم يأت زمان هذه الآية بعد: وقيل إن الآية مسقطة لفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)</span>.","vol":"2","page":204},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nروي عن النبي ﵇ حديثان: أحدهما رواه قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر الصديق، رضوان الله عليه أنه قال: أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الناس إذا راوا ظالما فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب) وهو حديث صحيح صححه الترمذي الحديث الثاني: روى الترمذي وغيره عن أبي أمية الشعباني أنه قال لأبي ثعلبة الخشني كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت رسول الله ﷺ عنها فقال: (بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام فإن من ورائكم أياما، الصبر فيهن كالقبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم) قال عبد الله بن المبارك، وزادني غير عتبة، قيل: يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم؟ وهذا حديث حسن غريب، وقد روى عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: لم يجيء تأويل هذه الاية بعد، إن القرآن أنزل حيث أنزل ومنه ما","vol":"2","page":205},{"text":"مضى تأويله قبل أن ينزل، ومنه ما مضى تأويله على عهد النبي ﵇، ومنه ما وقع تأويله بعد النبي ﵇، ومنه ما يقع تأويله عند الساعة ومنه ما يقع تأويله عند الحساب، فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء فأمرؤ نفسه عند ذلك. وقال بعض الناس: إن آخر هذه الآية نسخ أولها وهو قوله تعالى: ﴿إذا اهتديتم﴾ نسخ ﴿عليكم أنفسكم﴾ ولا يكون الاهتداء إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوتحقيق القول في ذلك كله، أن قوله تعالى: ﴿عليكم أنفسكم﴾ أمر بإصلاح النفس وتقواها وتزكيتها وهدايتها، وذلك بأن يمتثل ما أمر به ويجتنب ما نهى عنه، ومن جملة ما أمر به هو ركن الدين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا امتثل أمر ربه واجتنب نهيه ووفي هو بعهده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جملة ما وظف عليه فقد اهتدى فلا عليه من ضل إذا لم يقبله منه، ومعاني الآية منتظمة، وآخرها يعضد أولها، وهكذا فسرها الصديق، رضي اللهل عنه حسبما تقدم بيانه وكذلك روى عن حذيفة رضي الله في تفسيرها، قال لا يضركم من ضل إذا أمرتم ونهيتم، وقد يكون من معناها حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ فإن الباطل إذا غلب والحق إذا اندثر وخاف الأمر بالمعروف على نفسه أو ماله جاز له السكوت، وقيل له اهتديت في نفسك ودع إلى ربك غيرك: فتكون الآية عامة بمعنى هو الأول في حديث أبي بكر، وتكون خاصة في زمان دون زمان بالمعنى الثاني في حديث أبي ثعلبة.","vol":"2","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾</span>.\nقال ابن العربي:\nهذه الآية في التفسير عضلة من العضل. وقد أفضنا في القسم الثالث من الأحكام القول فيها على غاية البيان ونصرنا فيها قول جمهور الفقهاء في نفي شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر، وبينا أنه لا نسخ فيها، وإنما هو تأويل معناها وشرح المقصود منها والمراد بها قال أحمد بن حنبل من الفقهاء والطبري من المفسرين: إن هذه الآية دليل على قبول شهادة أهل الذمة في السفر في الوصية ضرورة عند عدم المسلمين وأن الله ألزم الوصيين اليمين في هذه القضية حين ادعى عليهما ورثة الميت ما ادعوا ثم لم يلزم المدعي عليهما شيئا إذا حلفا حتى اعترف","vol":"2","page":207},{"text":"الورثة في أيديهما، الجام فزعما أنهما اشترياه من ميتهم، فحينئذ ألزم النبي ﵇ ورثة الميت اليمين لأن الوصيين صارا مدعيين للشراء فاحتاجا إلى بينة وصار ورثة الميت أولى منهما باليمن، وذلك قوله: ﴿فإن عثر على أنهما استحقا إثما﴾.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nهذا جهل بالآية ومعناها، وإنما المراد بالآية في ذكر الشهادة اليمين، واليمين تسمى شهادة في كتاب الله، وذلك في مسألة اللعان نص. وما تأوله الطبري من أنهما صارا بعد أداء الشهادة مدعيين إنما يصح على إحدى الروايات، وسائر الروايات بخلافه حسب ما سردناه في الأحكام. وينبغي أن ينظر إلى ما جاء من الروايات فما ساعده ظاهر القرآن فهو أولى مما يخرج عن ظاهره. فحفظ الظاهر من كتاب الله لصحته أولى من حفظ رواية لم يصح طريقها، والباري تعالى قد أتانا بحكمة عظيمة في هذه الآية وهو أنه ساقها في البيان مساق الإشارة إلى قصة تميم، ولذلك قال: (حين الوصية اثنان) وربما كان الوصي واحدًا، وقال: (فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما) وقد يكون المدعي واحدًا وقد يكون عشرة فليس قوله اثنان ولا قوله فآخران جاريا مجرى الشرط، وإنما هو كناية عا جرى من العدد في القصة، والواحد كالاثنين في ذلك. فالذي اقتضي الإشكال على النظار في هذه الآية طلبهم الاقتصار على ظاهر العدد في الآية. وكذلك ذكر العدالة تنبيها على ما يجب في الشهادة إن كانت، وفي الوصية إن احتيج إليها، فإن إسناد الوصية إلى غير العدل لا تجوز ولو أسندها إلى مسخوط عزله الحاكم ولم يقره، فإن أسندها إلى عبد أو ذمي فقد اختلف العلماء في ذلك، والصحيح ردها وقد بيناه في","vol":"2","page":208},{"text":"المسائل وفي كتب الخلاف، والعجب أنه ليس في الآية ما يدل على قبول شهادتهم في الوصية حسبما أشار إليه أحمد والطبري، ونحن إنما قلنا شهادة العدول في الوصية واشترطنا ولايته فيها بغير هذه الآية من الأدلة\nوإن تعجبوا فعجب قول أصحاب أبي حنيفة أن هذه الآية تدل على جواز شهادة الكفار على وصايا المسلمين، فكان ذلك دليلا على شهادتهم على وصاياهم من طريق الأولى، ثم نسخت شهادتهم عنا بانقطاع الولاية بيننا وبينهم وبقيت فيما بينهم لأن بعضهم أولياء بعض، قلنا: ولا يصح أن نقول إن انقطاع الولاية بيننا وبين الكفار نسخ قبول شهادتهم علينا، لأنا لا نعلم أي الآيتين جاءت بعد الأخرى.\nجواب آخر: وذلك أن الانقطاع في الآية عموم، وقبول شهادة الكفار علينا في السفر في الوصية خصوص.\nجواب ثالث: وذلك أن الفرع إذا ترتب على أصل ونسخ الأصل استحال بقاء الفرع بعده، فإن قيل: فقولوا بجواز ذلك، قلنا: قد بينا وجه رد شهادتهم عنا وحققنا تأويل الآية، وكلما يعرضكم من الأشكال بعد هذه فشفاؤه في كتاب الأحكام: القسم الثالث، والله أعلم.","vol":"2","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>سورة الأنعام</span>\nمكية كلها إلا آيات تسعا نزلت بالمدينة، وهي سورة عظيمة القدر نزلت جملة ليلا على النبي ﷺ معها سبعون ألف ملك يحفون بها لهم زجل بالتسبيح تضمنت التوحيد، من حدوث بالعالم إلى القول في الخلافة. والأحكام فيها قليل لعارض بينا وجهه في ترتيب أي القرآن وهو كتاب أخفيناه بعد أن جمعناه لما رأينا فيه من علوه على أقدار أهل الزمان، وأنه ليس له في هذه الأقطار حفي فوضعناه في سرب خفي.\nوفيها من الناسخ والمنسوخ اثنتا عشرة آية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قل لست عليكم بوكيل﴾</span>.\nقال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ وروى ذلك عن ابن عباس ﵁، قال/ وفي ذلك ضعف لأن هذا خبر ومثله وما","vol":"2","page":210},{"text":"جعلناك عليهم حفظيا وما أنت عليهم بوكيل) وهذا المعنى صحيح لأن النبي ﷺ ليس بحفيظ على من أرسل إليه بحفظ أعماله وإنما هو مبلغ والحساب والعقاب إلى الله ﷿.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nالوكيل في اللغة هو من ألقيت إليه مقاليد الأمور وملك المعاني التي تكون للموكل فقال الله تعالى لنبيه ﵇. لم تملك أمورهم ولا ألقيت بيدك مقاليدهم، خبرا عن التخلي عنهم وتركهم والاسترسال على أفعالهم حتى يأتي مستقر النبأ المراد بهم، وعيد مطلق لا إلى غاية، وتهديد بما يجري عليهم من القتل والقهر والاستعلاء والغلبة، وهذا خبر عن حكم من أحكام الشرع. وقد بينا أن الخبر إذا كان عن حكم جاز نسخه فالآية منسوخة على كل حال بكل آية فيها القتل والقتال والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>الآية الثانية قوله تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا﴾</span>. إلى آخر ا<span data-type=\"title\" id=toc-106>لآية الثالثة وهي قوله تعالى: ﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء﴾ </span>قال بعضهم في قوله: ﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء﴾ أباح الله بمكة الجلوس مع المشركين إذ لا يلزمهم من كفرهم شيء. وذكر عن ابن عباس ﵄ أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ والذي عليه أهل التفسير أنه لا ينسخ لأنه خبر والايتان محكمتان ومعنى الآية أنه إذا نهي عن المنكر فليس عليه حساب من فعله.\nقال القاضي محمد بن العربي.\nهذه غباوة ظاهرة. ليس هذا بخبر بل هو صريح أمر لأن الله تعالى قال لرسوله ﷺ، وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في","vol":"2","page":211},{"text":"حديث غيره\" فإن نسيت فتذكرت فقم ساعة تذكارك عنهم ولا تقعد بعد ذلك معهم. وهذا منسوخ بأمره بالقتل والقتال بلا إشكال، والآية التي في النساء مثلها، فإنه نهاهم الله أن يجالسهم إذا سمعهم يكفرون. وهذه أيضا منسوخة بالأمر بالقتال إذ كان مأمورا أن يقوم عنهم إذا سمعهم يستهزئون بآيات الله ويكفرون وصار بعد ذلك مأمورا بأن يقاتلهم ويقيم الحد بالقتل في ذلك عليهم وهذا نسخ بين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>الآية الرابعة قوله تعالى: ﴿وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا﴾</span>.\nقال بعضهم: قال قتادة هي منسوخة بآية القتل. وأكثر الناس على أنها محكمة تهديد ووعيد ليس فيها معنى الإلزام وذلك لا ينسخ.\nقال محمد بن العربي ﵀:\n\nهذه و<span data-type=\"title\" id=toc-108>الآية الخامسة: ﴿قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون﴾ </span>مسنوختان بآيات القتال، لأن القتل المأمور به في آيات القتال يضاد الترك المأمور به في هذه الآيات، لأن من يقاتل ويقتل لا يترك، وحيث وقع ذرهم في القرآن فهو منسوخ، مثل هذا. وهذا أبين من إطناب فيه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿وأعرض عن المشركين﴾</span>.\nهذا منسوخ بآية السيف أيضا على الطريقة المتقدمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>الآية السابعة قوله تعالى: ﴿وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل﴾</span>.\nقال بعضهم: المعنى فيه لم نبعثك، لتحفظ أعمالهم وتجزيهم بها: ﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾ أي بقيم برزقهم وتعذيبهم، وليس ذلك إلا إلى الله، واختار الطبري ﵀.","vol":"2","page":212},{"text":"قال القاضي ابن العربي:\nقد بينا في كتاب الأمد معنى الحفيظ، وحقيقته منع الآفات. والباري تعالى حافظ السماوات والأرض أن تزولا، وحافظ الذكر أن يبدل، وحافظ الأنبياء أن يعصوا، وحافظ المؤمنين أن يزيفوا، والباريء تعالى لم يرسل محمدًا ﵇ ليصدهم عن الكفر أولا، وإنما أمر بالبلاغ، ثم أمره الله تعالى بالقتال والقتل وهو أشد المنع وأبلغ الزحر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>الاية الثامنة: قوله تعالى: ﴿فذرهم وما يفترون﴾ وقد بينا أن الأمر بالقتل والقتال نسخ الترك فإنه ضده</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿اعملوا على مكانتكم﴾</span>.\nهذا منسوخ بآية القتال فإنه تهديد وإن كان بصيغة الأمر والوعيد، قد سقط بالفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>الآية العاشرة قوله تعالى: ﴿فذرهم وما يفترون﴾</span>.\nنسخ الترك القتل المأمور به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ليست منهم في شيء، إنما أمرهم إلى الله﴾ نسخها الأمر بالقتال. لأن قوله تعالى: ﴿لست منهم في شيء﴾ إخبار بأنه لا يجمعهم معه معنى، لأنهم أضداد هذا اجتماع قلب وفعل وصحة عقيدة وانتظام جملة وأولائك على الرد، فقال الله لنبيه ﵇، أمرهم إلى الله والأمر كله لله، ثم جعل إليه بعد ذلك قتالهم، فرمى</span>","vol":"2","page":213},{"text":"وقتل وما رمي ولكن الله رمى، ولم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وقاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، وهذا تحقيق بالغ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿قل انتظروا إنا منتظرون﴾</span>.\nهذا إمهال نسخه تعجيل القتل والقتال، فإن قيل هذا إنما هو وعيد بالقيامة لقوله تعالى قبله: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسها إيمانها لم تكن آمنت من قبل﴾ الآية: ﴿قل انتظروا﴾ يعني ذلك ﴿إنا منتظرون﴾ قلنا توعدهم الله بالانتظار وقال لنبيه قل هم: ﴿إنا منتظرون﴾ يعني نفوذ الحكم فيهم في الدنيا، والوعيد في الآخرى، ثم نسخ ذلك كله القتال والقتل. وقد ذكر بعضهم ان الأمر بالقتال نسخ مائة آية وأربع عشرة آية. وإن لم تبلغ في التحقيق هذا فإنها تقاربه وبيان ذلك في هذا الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>ذكر الآيات الخارجة عن النسخ إلى التخصيص وهي أربع آيات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، وإنه لفسق﴾ قال بعضهم: قال عكرمة: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ فأحل لنا طعامهم وهم لا يسمون على ذبائحهم وقيل: هي محكمة ولا توكل ذبيحة لم يذكر عليها اسم الله، وقد أجمع على أكل ذبيحة الناسي لذكر الله عند الذبح، وقيل: الآية مخصوصة محكمة، والمراد بها المتعمد لترك التسمية، وقد انعقد الإجماع، على أن المراد به الذبائح وليس ذلك بنسخ وإنما هو تخصيص</span>.","vol":"2","page":214},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي:\nهذه الآية نزلت على سبب وهو أن قوما أتوا النبي ﵇ فقالوا أنأكل مما نقتل ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله هذه الآية إلى قوله تعالى: ﴿إنكم لمشركون﴾ رواه الترمذي، عن ابن عباس عن النبي ﵇، قال: والصحيح أنه مرسل فبين الله وجه الحكمة وصحة الحجة فيما فصل مما حلل وحرم فقال: كلوا مما ذكر اسم الله عليه مما ذبحتم وقتلم ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه فحرم الميتة وبين سبب تحريمها، وهذا ظاهر قوي في تحريم الميتة، ويقتضي هذا تحريم ما ذكر اسم غير الله عليه بالعموم في أنه لم يذكر اسم الله عليه، وزاد أنه ذكر عليه اسم غير الله. وهذا تنبيه في أنه إذا كان مالم يذكر اسم الله عليه لا يوكل فأولى أن لا يوكل ما ذكر اسم غير الله عليه، وهذا التنبيه هو المنصوص في قوله تعالى: ﴿وما أهل لغير الله به﴾ ولذلك أدخل العلماء فيه تحريم أكل كل متروك التسمية عمدًا حسبما بيناه في الأحكام، وكتب الحديث فإذا العلماء اختلفوا قديما","vol":"2","page":215},{"text":"وحديثا فيمن ذبح من أهل الكتاب. باسم غير الله من نبي أو كنيسة كمن ذبح لعيسى ﵇ أو يذبح لسرجس كنيسة معظمة عندهم فمنهم من منع أكلها لقوله تعالى: ﴿وما أهل لغير الله به﴾ ولقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ والآية الأولى أخص بدليله (لكونها نصا) كما قدمنا. ومنهم من قال هي رخصة مستثناه مخصوصة بقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ مع علم ربنا بأنهم يذبحون لغيره، ويذكرون على مناسكم سواه، ولكنه سبحانه يحرم ما يشاء ويحلل ما يشاء. وقد سألت عنها شيخنا أبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي، الإمام الزاهد فقال: يوكل ما ذبحوا وإن سموا غير الله، قد أباح طعام أوائلهم وهؤلاء من أبنائهم. فإن قلنا: إنه لا يوكل من طعام أهل الكتاب ما ذبحوا لغير الله فآية الكتابيين مخصوصة بقوله تعالى: ﴿وما أهل لغير الله به﴾ وإن قلنا إنه يوكل فقوله: ﴿وما أهل لغير الله به﴾ مخصوص بقوله: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾.\nوفيه نظر عظيم فإنه عموم خص عموما، وإنما يخص العموم بالمخصوص لا بعموم مثله ولكن العلماء اعتمدوا في هذا المعنى على ما يعضد كل عموم من المعنى، فمن عضد معنى التحريم غلب عمومه، في قوله: ﴿وما أهل لغير الله به﴾ ومن غلب عموم التحليل فيما يعضده من طريق الرخصة والمعنى وهو الصحيح عندنا، فإن أهل الكتاب وإن دعوا الله فإنهم يعتقدون أنهم ذبحوا لرب له زوجة وولد وذلك ذبح لغير الله، فلما كان مآل جميع ذبحهم لغير الله لم تبال سموا ربهم الباطل أم سموا الرب الحق وهم يعتقدون أنه ذلك، وإليه مرجع قولهم ولهذا قال علماؤنا: إذا قلنا بتكفير القدرية لم تأكل ذبائحهم، فإنهم إذا قالوا باسم الله فإن الله عندهم لعنهم الله هو الذي ليس له علم ولا قدرة ولا كلام، ويخلق عبادة ما أردوا ولا يقدر على","vol":"2","page":216},{"text":"صرفهم عنه. وأما قول هذا المفسر: فإنه أجمع على أكل ذبيحة الناسي لذكر الله، فباطل بل فيه ستة أقوال: الأول أنها توكل، الثاني أنها لا توكل بحال سواء ترك التسمية عمدًا، أو سهوًا قاله ابن سيرين وأحمد بن حنبل، وقد استوفينا الأقوال فيها في كتاب الأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾</span>.\nقال بعضهم قال ابن جبير: هي منسوخة بآية الزكاة. وقال ابن عباس ﵀. هي منسوخة بإيجاب العشر ونصف العشر. وقال أنس بن مالك وجماعة هي محكمة. وقد قال مالك، إن المراد بها الزكاة، والأنعام مكية والزكاة فرضت بالمدينة فكيف يصح هذا.\nقال محمد بن العربي ﵀:\nهذه آية محكمة لم تنسخ، محكمة لم تشكل وذلك أن قوله تعالى: ﴿وآتوا﴾ مبين في الإعطاء، وقوله: ﴿حقه﴾ مفسر في المعطى نص فيه مجمل في مقداره، حتى بينه النبي ﵇ بقوله: فيما سقت السماء العشر وفيما سقى بنص أو سانية نصف العشر. وبقوله ﵇: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة فاقتضت الآية وجوب الحق فيما أنعم الله به من بركات الأرض، وبين النبي ﵇ مقدار ذلك الحق كما بين كيفية الصلاة والصيام وأعداد الكل، فإذ قد بين النبي ﵇ ذلك الحق وعينه فلا وجه لذكر حق سواه وقد قال تعالى: ﴿وفي أموالهم حق﴾ ثم قال في موضع آخر ﴿في أموالهم حق","vol":"2","page":217},{"text":"معلوم﴾ ذلك قد علمناه. المبين المبلغ المعلم الثابت، صلوات الله عليه وسلامه، فلا يصح مع هذا أن يقال: إن آية الزكاة نسختها وهي الزكاة بعينها، ولا معارضة بينهما (فإنه قد قال تعالى: ﴿آتوا الزكاة﴾ وهي في أجناس من الأموال، وبين في هذه الآية بعض أجناس الأموال الزكاتية، فاتفقنا واطردنا وانتظمتا ولم تتعارضا. وكما لا يصح أن يقال أنه نسخها إيجاب العشر لأن ذلك بيان للمقدار، فيكف يكون بيان مقدار الشيء نسخا له، وهذا بين لمن تأمله والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه﴾ الآية</span>.\nهذه آية مدنية مكية لأنها نزلت بعد الهجرة يوم عرفة في حجة الوداع، فقيل إنه لم ينزل بعدها ناسخ لها. وقيل إنها منسوخة بالسنة، حرم النبي ﵇ لحوم الحمر الأهلية وحرم كل ذي ناب من السياع وذي مخلب من الطير، خرجه الأئمة كلهم. منهم من خرجه: نهي ومنهم من خرجه: حرم كل ذي ناب من السباع على القول بذلك وهو الصحيح.\nومما يجب أن تحيطوا به علما ما بيناه في كتب الأصول أنه لو ثبت نزول هذه الآية متى ثبت وثبت قول النبي ﷺ بما تقدم لم يكن ذلك نسخا لأن الزيادة في التكليفات بعد حصرها بالنفي والإثبات لا تعد نسخا. قال النبي ﷺ لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث. رجل زنى بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان أو قتل","vol":"2","page":218},{"text":"نفسا بغير نفس)، ثم ذكر علماؤنا أن أسباب القتل عشرة، منها متفق عليه ومنها مختلف فيه ولم يعد ذلك نسخا وإنما هو زيادة بيان، وكما لم تعد الزيادة في التكليفات من أركان الديانات والأجناس المختلفات نسخا، إذ لم تأت الشريعة جملة واحدة وإنما وضعت نوعا نوعا وفوجا فوجا، هذا كما لم يعد جواز أكل الكبد والطحال وتخصيص ذلك من الدم نسخا، مع أن تحريم كل ذي ناب من السباع لم يرد في الصحيح التحريم، وإنما جاء بلفظه نهي المحتملة للتحريم والتنزيه، وفي اختلاف أحوال السباع في الأفتراس دليل على الكراهية، ألا ترى إلى الكلب والهر والضبع فإنها سباع ولكن وقع الأنس بالهر ودعت الحاجة إلى الكلب، وروى جابر ﵁ عن النبي ﷺ في الضبع أنها صيد، وفي قتلها في الحرم في الحرم كبش بيد أنه يبقى إشكال، وهو أنه لو قدرنا على التحقيق نزول الآية يوم عرفة وتحققنا أن ما حرم النبي ﵇ من الأشياء خلا باقيها كان قبل ذلك كان ذلك نسخا وقد قال عمرو بن دينار، قلت لجابر بن زيد، إن النبي ﵇ نهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية قال قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري. ولكن أبي ذلك البحر يعني ابن عباس وقرأ: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طعام يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحًا أو لحم خنزير﴾ وقد روي مثل ذلك عن عائشة، ﵂، وقرأت الآية أيضا. وقد تأول الشافعي الآية على الخصوص فقال: معناها قل لا أجد فيما أوحي إلي مما كنتم تجتنبونه إلا أن يكون ميتة فأما غير ذلك من المحرمات فلا، بدليل أن الله تعالى حرم أشياء، منها المنخنقة والموقودة والمتردية والنطيحة، هذا قوله.، ورأينا","vol":"2","page":219},{"text":"نحن أن الخمر محرمة والآدمي محرم إجماعا، فدارت الآية بين الزيادة على ما فيها قطعا، وبين الاحتمال لما قاله الشافعي والتخصيص كما قدمناه في الدم النقصان الكبد والطحال فيه إلى زيادات معاني من المتممات بيناها في كتاب الأحكام والخلاف فجاء من هذا أن الآية في خل الاجتهاد بالتخصيص بها أو التعميم، والزيادة عليها أو الاقتصار إلى غير ذلك من وجوه الاحتمال، ومع هذا كله لا يصح دعوى نسخ فيها إذ لا يمكن إثباته منها والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>الآية الرابعة: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن</span>.\nقال بعضهم: نسخها قوله تعالى: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾.\nقال القاضي ابن العربي:\nهذا تقصير، فإن قوله تعالى: ﴿إلا بالتي هي أحسن﴾ هو نفسه ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ يعني فإن الإصلاح لمال اليتيم من باب الأحسن مع الخلطة ظاهر، والمصلحة فيه موجودة، فصار معنى الاثنين فيه واحدا، والله أعلم","vol":"2","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>سورة الأعراف</span>\nقال المفسرون: هي مكية إلا قوله: ﴿وسألهم عن القرية﴾ فإنها مدنية، فيها آيتان موضع نظر.<span data-type=\"title\" id=toc-122> الآية الأولى: قوله: ﴿وأملي لهم إن كيدي متين﴾ </span>أي خل عنهم ودعهم نسختها آية السيف.\nقال محمد بن العربي ﵀:\nقوله تعالى: ﴿وأملي لهم﴾ أي أؤخرهم حينا من الدهر من الملاوة بضم الميم وفتحها وكسرها وهي حين من الزمان، كقوله تعالى: ﴿إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار﴾ يريد بالعقوبة، يريد أؤخرهم بها حتى يظنوا أنها لا تدركهم وهذا هو المكر والكيد يفعل ما يظن المفعول معه أنه خير وهو شر في الباطن، فإن الباريء أنعم على الكفار بالصحة والسلامة وجعلها أسبابًا للمعصية فكانت غاية المضرة، وهو محمود من الباري تعالى، محمود منا إذا فعله المسلم مع الظالم ليتخلص منه به من ظلمه. وهذا كله إذا عرفتم الحقيقة فيه مما لم ينسخ ولا نسخ فإنها مشيئة، نافذة وحكمة بالغة أخبر الله تعالى عنها وأنفذ حكمه بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ قال بعضهم: العفو الفضل من أموالهم، نسخ ذلك من الزكاة، وهذه الآية من غريب المنسوخ لأن أولها وآخرها منسوخان ووسطها محكم. آخرها (وأعرض عن الجاهلين) وهو أيضا منسوخ</span>.","vol":"2","page":221},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nقد تقدم تفسيرنا لهذه الآية وسردنا أقوال العلماء فيها وما يؤثر من النسخ عنها وبينا أن العفو على أقسام كثيرة وأن المراد به ها هنا الفضل من أموالهم، وما خف عليهم. وهو الزكاة التي بين الله حكمها وأوجب فعلها فالآية محكمة وأما الإعراض عن الجاهلين فإنه مخصوص في الكفار الذين أمر بقتالهم، باق فيمن عداهم. ثبت في الصحيح واللفظ للبخاري عن ابن عباس ﵁ قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحر بن قسيس وكان من النفر الذين يدنيهم عمرو وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباس فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر قال: قال فلما دخل قال: هي يا ابن الخطاب، فهو الله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه، ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه وكان وقافا عند كتاب الله رضوان الله عليه. وروى جابر بن سليم، ﵁ قال: ركبت","vol":"2","page":222},{"text":"قعودي ثم أتيت إلى مكة فطلبت رسول الله عله السلام فأنخت قعودي بباب المسجد فدلوني على رسول الله صلوات الله عليه فإذا هو جالس، عليه برد من صوف فيه طرائق حمر فقلت: السلام عليك يا رسول الله فقال: عليك السلام، فقلت: إنا معشر البادية قوم فينا الجفاء، فعلمني كلمات ينفعني الله بها قال: أذن منى فدنوت فقال: أعد علي فأعدت: قال اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه منبسط، وأن تفرغ من دلوك، في إناء أخيك، وإن امرؤ سبك بما يعلم فيك فلا تسبه بما تعلم فيه. فإن الله جاعل لك أجرًا وعليه وزرا، ولا تبن شيئا مما خولك الله. فو الذي نفسي بيده ما سببت بعده ولا شاة لا بعيرا.","vol":"2","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>سورة الأنفال</span>\nفيها من النسخ ثلاث آيات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾ قال بعضهم: روى عن ابن عباس وغيره، أن هذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسة﴾ وقال الأكثر: إنها محكمة على تفصيل طويل فات فيه التحصيل</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\n\nقد قيل إن سورة الأنفال مدينة إلا قوله تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ و<span data-type=\"title\" id=toc-126>قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ </span>فإنها مكيتان. فإن كان هذا بنقل صحيح فبها ونعمت. وإن كان بحكم الظن فإن هاتين الآيتين جرت قصتهما بمكة فلا يصح هذا. لأن القصة قد تجري بمكة وتذكر بالمدينة. على أن هذا لا يحتاج إليه لأنه ليس في الآيتين حكم يفتقر إلى العمل به فيقال هذا فيه أولا. وإنما الذي نزل بمكة في الصحيح قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي حسبك الله﴾ والأصل في هذه الاية ما رواه مصعب بن سعد، عن أبه ﵄ أنه قال: لما كان يوم بدر جئت بسيف، فقلت:","vol":"2","page":224},{"text":"يا رسول الله إن الله قد شفى صدري من المشركين، أو نحو هذا – هب لي هذا السيف. فقال: هذه ليست لك ولا لي. فقلت: عسى أن يعطي هذا من لا يبلى بلائي. فجاءني الرسول ﷺ فقال: إنك سألتني وليست لي، وقد صارت لي وهو لك، فنزلت: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ - الآية، رواه الترمذي وصححه وجاء من طرق عديدة.\nوالصحيح أن هذه الآية ناسخة لما سبق من حكم الله، في تحريم الغنائم على الخلق، فأحلها الله على هذه الأمة لما رأي من ضعفها وعجزها. وفي الصحيح عن جابر بن عبد الله وغيره: أحلت لي الغنائم. وثبت عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ من طرق عديدة، واللفظ للبخاري، قال رسول الله ﷺ غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبنى بها ولما بين بها، ولا أحد بني بيوتا ولما يرفع سقوفها ولا أحد اشترى غنما أو خلفات، وهو ينتظر ولادها. فغزا، فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا. فحبست حتى فتح الله عليه فجمع الغنائم فجاءت – يعني النار – لتأكلها فلم تطعمها، فقال: إن فيكم غلولا، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده فقال: فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك. فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعوها، فجاءت النار فأكلت ثم أحل الله لنا الغنائم، رأي ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا، وهذا صحيح لا طعن فيه، وبين لا غبار عليه، وقوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ هو قوله: ﴿واعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول﴾ لأن المعنى: فإن الحكم لله وحده وللرسول يحكم فيه ﵎ وبحكمه عند الرسول ﷺ بما تبين له.","vol":"2","page":225},{"text":"قوقع فيه القول في أول السورة بمطلق، الحكم لله ولرسوله ووقع البيان في الآية الثانية بوجه الحكم للخمس، وأربع الأخماس: فقال الرسول ﷺ في الصحيح: (مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم) إشارة إلى أنه ﷺ لم يجعل له في الخمس ملك، وإنما جعل إليه فيه النظر، ويحتمل أنه جعل له ﵇ ملكا، ثم صرفه على الناس فضلا. وطرد ذلط وشرحه وتحقيقه ذلك كله في الأحكام.\nتتميم: النفل في اللغة هو الزيادة، والغنيمة نفل لأنها زيادة في الحلال. وأما الغنيمة فهي ما أخذ بقهر وغلبة، والفيء ما عاد إلى المسلمين بغير مؤنة إلا بمجرد الرعب. ويصح أن يكون المراد بالنفل جميعه ثم بين بعد ذلك كل حكم، وخص كل واحد باسم، والمعنى واحد في الكل، واسم النفل واقع على الجميع، فأخبر الله أنها لله والرسول، ثم بين كل حكم كما قدمنا لكل اسم كما شرحنا. وخص الغنيمة بالبيان في هذه السورة فقال: فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا. فكان هذا أيضا رافعا لما كان قبل ثابتا وهي الآية الثانية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>ألاية الثالثة: قوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن تكن منكم مائة يغلبوا ألفا﴾ قال ابن عباس ﵁: لما نزلت ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال﴾ الآية، كتب عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ولا عشرون من مائتين. ثم نزلت ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ فكتب عليهم ألا يفر مائة من مائتين قال البخاري في حديثه</span>","vol":"2","page":226},{"text":"وزاد: قال ابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل ذلك، هذا أبين ما يكون من النسخ، فأما قول ابن شبرمة: وأرى المعروف والمنكر مثله، فإنه قياس المعاصي) على الكفر، ويعتضد هذا بالحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: من رأي منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان. فمقامات تغيير المنكر ثلاثة:\nالأول باللسان، وذلك في ثلاثة وجوه: الوعظ والتخويف، والسب على الترتيب الذي ذكرنا.\nالمقام الثاني: اليد، وذلك بكسر آنية الخمر مثلا والدفع أو الضرب، فهذان وجهان أيضا فإن احتاج إلى تغييره بالسلاح فله أن يظهرها وذلك في تخليص امرأة مثلا أو رجل من قتل أو مال عن نهب إن كان كثيرا بلا خلاف، وإن كان نزرا يسيرا فلا فإن احتاج إلى من يعينه في استنقاذ المال والفرج والدم فليبادر إليه أعوانه، وإن كان مع فاعل المنكر أعوان، وإن أدي إلى أن يتقاتل الصفان، فقد اختلف العلماء في ذلك: فمنهم من قال: لابد من إذن الإمام لأنه ربما آل ذلك إلى استبحار الفتنة، وقال آخرون: لا يحتاج إلى إذن الإمام، وهو اختيار الطوسي، وهو الصحيح عندي إذا كان استئذان الإمام يؤول إلى فوت التغيير، وهذا ما كان المنكر من آحاد الناس. فأما إن كان من الوالي فلا يجوز","vol":"2","page":227},{"text":"تغيير عليه بالقتال والخروج. والصبر عليه جائز. وما جرى لابن الأشعث والقول في جهة الحجاج خطأ ظاهر. وقد علمتم مآله وسمعتم على ألسنة الرواة حالة، وقد كان القراء دعوا الحسن ابن أبي الحسن البصري إلى الخروج معهم على الحجاج فقال لهم الحسن: إن الحجاج عقوبة الله في أرضه، وعقوبة الله لا تقابل بالسيف، وإنما تقابل بالتوبة، فهذا ما أراد ابن شبرمة والله أعلم.\nالمقام الثالث التغيير بالقلب وقد بيناه في موضعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>ذكر آيات الخصوص</span>\nوهي ستة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة﴾ الآية: قال \" عطاء\" هي منسوخة بقوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ ثم نسخ أيضا هذا بقوله تعالى: ﴿فإن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾</span>.\nقال بعضهم: والنسخ في هذا لا يجوز لأنه وعيد والوعيد لا ينسخ لأنه خبر.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nاختلف الناس في المراد بهذه الآية على قولين أحدها، أنها في يوم خاصة، وهو اختيار الحسن وروى عن ابن عباس ﵀، وقيل هي عامة في","vol":"2","page":228},{"text":"الآزمة مخصوصة في العدد، لقوله تعالى: ﴿فإن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله﴾ والصحيح عمومها لوجهين: أحدهما: أنه ظاهر القرآن قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا فلا تولوهم الأدبار. ومن يولهم يومئذ دبره. يعني به يوم الزحف. وثبت عن النبي ﵇، أنه عد الكبائر فقال: والفرار من الزحف وهذا نص لا غبار عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>الاية الثانية قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ قال الحسن: قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ ثم نزلت بعدها آية نسختها، وهي قوله تعالى: ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nهذا وهم في النقل عنه والقول منه. روى البخاري عن أنس بن مالك ﵀ قال: قال أبو جهل لعنه الله: ﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ايتنا بعذاب أليم﴾ فنزلت: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون. ومالهم ألا يعذبهم الله﴾ الآية. فأخبر أنس أن الايتين نزلتا معا وما نزل في فور واحد لا يصح النسخ من بعضه إلى بعض، وقد روى المفسرون أن النضر بن","vol":"2","page":229},{"text":"الحارث قال هذا، فنزلت: ﴿سأل سائل بعذاب واقع. للكافرين﴾ الآية. والأول أصح. ورووا عن ابن عباس أنه قال: معنى الآية (وما كان الله ليعذبهم) يعني جميع الكفار وقد علم أن فيهم من يسلم، وما لهم ألا يعذبهم الله إذا أسلم من يسر له الإسلام، وقيل معناها (وما كان الله ليعذبهم) في الدنيا (وهم يستغفرون) لأنهم كانوا يقولون غفرانك. (وما لهم ألا يعذبهم الله) يعني في الآخرة. وقال الضحاك معناه (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) يعني المسلمين، (وما لهم ألا يعذبهم الله) يعني الكفار، فجعل الضمير لمضمرين مختلفين.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nالذي أوجب هذا الاختلاف في التفسير عدم فهم الآية، ومعناها على التحقيق (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) (بتمنيهم العذاب) كما فعل (في سائر) الأمم قبلهم، مراعاة لك. فإنا أرسلناك رحمة للعالمين. فرفع العذاب عن كفار هذه الأمة في سؤالها إياه لحرمة محمد ﷺ ثم قال: وإذا راعيناهم في حرمتك فإنا نراعيهم في استغفارهم. فإذا استغفروا لم يعذبهم، يريد به الاستغفار الصحيح الصادر عن الاعتقاد الصريح، فإنه الذي ينتفع به المستغفر، أنشدني بعض علمائنا:\nأستغفر الله من أستغفر الله ... لفظة صدرت خالفت معناها\nوكيف أرجو إجابات الدعاء وقد ... سددت بالذنب عند الله مجراها\nوقد سمع الربيع بن خيثم، رجلا يقول: أستغفر الله، فقال: هذه كذبة، وهذه لأنه خفي عليه لسان العرب فإن استفعل في لسان العرب ينطلق على","vol":"2","page":230},{"text":"معاني منها استفعلت بمعنى سألت الفعل كقولك استقيت ماء أي سألت السقيا، وكذلك استغفرت سألت المغفرة، وقد بينا ذلك في كتاب الأحكام، في سورة هود بيانا شافيا، إن شاء الله، قد روى عن أبي موسى الأشعري نحو من هذا قال قال رسول الله ﷺ: أنزل الله علي أمانين لأمتي: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة. وهذا معنى صحيح في سند ضعيف يحققه الحديث الصحيح لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) فوعده بالمغفرة مع الاستغفار. ومن غفر له لم يعاقب. ثم قال تعالى: ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ المعنى أنهم مستحقون العذاب لصدهم عن المسجد الحرام ولكن صرفناه عنهم لكونك فيهم، فعندهم سبب موجب للعذاب وهو صدهم عن المسجد الحرام، ولهم وسيلة مقتضية لصرفه وهي كونك فيهم. وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، لأن الصد عن المسجد الحرام معصية، فبين تعالى أن الكفار معاقبون على المعاصي وهذا نص.","vol":"2","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه﴾ قال قتادة: هذا ناسخ لقوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ فإن الغنيمة في صدر الإسلام كانت تعطي في الأصناف الذين في سورة الحشر ثم نزلت: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ فقسمها الله على الوجه المذكور فيها، وهذا فاسد قد بينا أن الفيء نوع والغنيمة نوع وأنهما مالآن مأخوذان بشيئين مختلفين جعل الله لهما اسمين مختلفين: فالغنيمة ما أخذ بقهر وهو لمن سمى الله، والفيء ما أخذ بغير قتال وهو للنبي ﷺ. ثم قال تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ وهي آية معضلة خفيت على العلماء وتباينت فيها الأقوال بين المحدثين والقدماء. وقد حققنا القول في معناها في الأحكام. وذلك أنها ثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾ فهذه بنو النضير وما جرى مجراها فهي لرسول الله خالصة، كما قال عمر بن الخطاب ﵁ في الحديث الصحيح والآية الثانية قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه﴾ فهذه آية القتال الذي يؤخذ بالقهر والاستعلاء والغلبة بالمدافعة والمحاربة فالخمس منها لمن ذكر الله تعالى والأربعة الأخماس لمن تناول ذلك فيها، على تفصيل بيانه في كتاب الأحكام ومسائل الفقه</span>.","vol":"2","page":232},{"text":"قوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ وفيها ثلاثة أقوال: الأول أنها ملحقة بآية بني النضير، والثاني أنها ملحقة بآية الأنفال، الثالث أنها منفردة بنفسها. والذي يقول إنها ملحقة بالأولى يسمى السورة سورة بني النضير، وقد ترددت فيها مرارا وتفاوضت فيها مع النظار والافتكار سرا وجهارا، والإشكال يجذبها حينا والبيان يجلوها حينا.\nوقد اختلف فيها قول إمام العلماء مالك بن أنس، فروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك: أن الأولى من سورة الحشر في بني النضير، والثانية في بني قريظة وكانت قريظة والخندق في يوم واحد، وهي آية ثانية، ومعنى ثان غير الأول لمستحق غير الأول، معقبة بالناس إلى يوم القيامة، يشترك فيها من حضر ومن غاب، مملوكة لمن وجد وعدم، ولأجل هذا قال كثير من العلماء: (إن الأرض لا تقسم) وقال مالك تارة: تقسم. وهي محل الاجتهاد والله بمنه يوافق فيها للسداد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ قيل نسختها آيات القتال، وروى عن ابن عباس ﵁، أنه قال: ينسخها قوله تعالى: ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم﴾</span>.\nقال ابن العربي: قد بينا في غير موضع أن من شروط النسخ التعارض وهو الأول من شروط، والأولى، وليس بين هاتين الآيتين تعارض لأن تقدير الكلام فيها يجيء على صورة صحيحة لا تعارض معها، وهو بأن يقال: قاتلوهم (ولا تهنوا بدعائهم) إلى الصلح فإن طلبوا هم ذلك فأجبهم. وبعد ذلك اختلف العلماء","vol":"2","page":233},{"text":"في العقد للصلح على أقوال بيانها في أصول الفقه مجتمعة. وتحقيقه عندنا أن السلمين إذا احتاجوا إلى الصلح جاز لهم عقده حتى على مال يبذلونه كما بذله النبي ﵇ يوم الخندق حين قال لعيينة يوم الأحزاب أعطيك نصف ثمار المدينة على أن تتخلي عن قريش. وإن كانت يد المسلمين عالية ونجدتهم ظاهرة فليس للصلح وجه. فإنه إنما يعقد لحاجة. إذ المقصود عموم الدعوة وإعلاء كلمة الإسلام إلا بعارض وبيان ذلك في كتب الفقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ قال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾</span>.\nقال القاضي محمد العربي:\nوهذا قول من لم يفهم كلام من تقدم. روى عن ابن عباس ﵁ أنه قال في قوله تعالى: ﴿حتى يثخن في الأرض﴾ ذلك يوم بدر والمسلمون قليلون فلما كثروا قال الله: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ فخيرهم تعالى، ولو صح هذا لما كان فيه جلاء للمراد الذي حاولوه من النسخ. والذي جرى من الأمر أنه لما","vol":"2","page":234},{"text":"كان يوم بدر وجيء بالأسرى فقال رسول الله ﵇: (ما يقولون فيهم؟ فقال أبو بكر ﵁: قومك فاستبقهم لعل الله أن يتوب عليهم. قال عمر ﵁: كذبوك وأخرجوك قربهم واضرب أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة ﵁: يا رسول الله، انظر واديا كثير الحطب فاجعلهم فيه ثم أضرمه عليهم نارا. قال له العباس ﵁: قطعت رحمك. فدخل رسول الله ولم يجبهم، فقال الناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال آخرون: يأخذ بقول عمر، وقال ناس يأخذ بقول ابن رواحة، ثم خرج رسول الله ﷺ، فقال: (إن الله ليلين قلوب قوم حتى تكون ألين من اللين ويشد قلوب قوم حتى تكون أشد من الحجارة. وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم إذ قال: (فمن تبعني فإنه منى ومن عصاني فإنك غفور رحيم) ومثل عيسى حين قال: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) ومثلك يا عمر مثل نوح إذ قال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) ومثل موسى إذ قال: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) ثم قال النبي ﵇: أنتم اليوم عالة فلا يفلتن رجل منهم إلا بفداء أو ضربة عنق، قال عبد الله بن مسعود ﵁: فقلت يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام. قال فسكت رسول الله عليه","vol":"2","page":235},{"text":"السلام قال: فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع على حجارة (من السماء من ذلك اليوم) حتى قال رسول الله ﷺ: إلا سهيل بن بيضاء. قال: ونزل القرآن بقول عمر: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، تريدون عرض الدنيا، والله يريد الآخرة، والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم، فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا، واتقوا الله إن الله غفور رحيم) وهذا ينفي النسخ لصورة القصة ونزوله جملة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكممن ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ الآية، قال بعضهم هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\n(لا خلاف ولا إشكال في) أن الميراث كان في صدر الإسلام بالولاية ثم صار في آخره بالقرابة، إلا أن هذه الآية محتملة أن يكون المراد بنفي الولاية نفي النصرة ويحتمل أن يكون المراد بها نفي الميراث، فتكون منسوخة والأول أظهر لقوله فيها: ﴿والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض﴾ فمزج الهجرة والنصرة بالولاية، فهي ولاية. ذلك في الظاهر","vol":"2","page":238},{"text":"فلا تبالوا أي ذلك كان، لأن من كان مهاجرًا وكان مقيما بمكة لم يكن ذلك معتدا له به ولا مثابا عليه، حتى نسخ الله ذلك بالفتح فجرت الأحكام في ذلك بما هي اليوم عليه وبين ذلك قوله في آخر الآية: ﴿والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم﴾ يعني في الولاية والوفادة والنصرة وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في الميراث والله أعلم.","vol":"2","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>سورة براءة</span>\nمدنية فيها من النسخ تسع آيات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>قوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ </span>قال بعضهم: هذه السورة من آخر ما نزل، فقوله تعالى: ﴿فسيحوا في الأرض أبعة أشهر﴾ هذه الآية والتي تليها نزلت فيمن كان بينه وبينهم موادعة، جعل الله مودتهم من يوم النحر إلى عشرين من ربيع الآخر وجعل مودة من لم يكن له عهد خمسين يوما من يوم النحر إلى آخر المحرم، وهو تفسير قوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ يعني المحرم. ثم صار ذلك منسوخًا بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حين وجدتموهم﴾.\nالآية الثالثة وهي ناسخة لمائة وأربع وعشرين آية، ثم صار آخرها ناسخا لأولها وهي قوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾.\nالآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿إلا الذين عاهدتهم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ ثم نسخت بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾.","vol":"2","page":240},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nلم يبق أحد من أرباب التأليف ممن جمع في هذا الفن إلا وقد حطب ليلا وجر على العلم ذيلا واستوجب ويحا أو قل ويلا. ونحن بتوفيق الله تعالى نتتبع بالبيان جميع الآيات ونظهر في أثناء ذلك ما أتى به هؤلاء القوم من الغفلات فنقول: قد بينا في كتاب قانون التأويل، وجوب تنزيل الألفاظ على معانيها الظاهرة فيها اللائقة بها فإن، جاء من الحديث الصحيح ما يبين المراد منها فهي السبيل المهيع والمراد الأنجع فننظر إلى الآيات ونركب علىها أظهر المعاني المحتملات. قال الله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ وهذا يقتضي ألا يبقى مشرك له عهد إلا وقد بريء الله منه بالعموم الظاهر التعميم ولا يدخل في هذا العموم اليهود لما بيناه في أصول الفقه فإن الله تعالى إنما بريء من العهد الذي كان على موادعة في الحرب وكف عن القتال وهو عهد المشركين من العرب. فأما عهد اليهود فإنما كان عهد قهر وغلبة وصغار وذلة حين رأيت من كان حليفا لها قد صار عدوا لها واليا مع النبي ﷺ عليها. ثم قال تعالى: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ فسحة لهم في المهل وإرخاء في الطول ونبذ على سواء حسبما وقع الأمر من الله له به، وهي غاية الآجال عند العلماء في استيفاء الحقوق. ثم قال وهذا الأذان من الله ورسوله إلى الناس يكون يوم الحج الأكبر، يريد: يوم النحر عند اجتماعهم بمنى لتقوم الحجة عليهم بالسماع ويقوم العذر في الإبلاغ. ثم قال: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾.\nفأخبر الله تعالى في الآية الأولى أنه بريء من المشركين ثم قال في الآية التي بعدها ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين﴾ فلو وقف ها هنا بالكلام لدفع","vol":"2","page":241},{"text":"أخره أوله، وكان بمنزلة قول القائل: جاء القوم إلا القوم ورأيت قريشا إلا قريشا فلما قال تعالى: ﴿ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا﴾ فكان تقدير الآية: براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ممن تخافون خيانتهم بنقص عهد أو مظاهرة أحد عليكم إن وقع ذلك منهم فخصت الآية الثانية وبينت المراد منها وبقي من أوفي من المشركين بعهده لنص القرآن على حكم عصمته إلى مدته ثم تلحقه البراءة بعد ذلك ثم قال بعد ذلك (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) وفيها أربعة أقوال:\nالأول أنها الأشهر المعلومة: رجب، والثلاثة المتصلة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم. الثاني أنها سوال من سنة تسع إلى المحرم من سنة عشر. الثالث أنها أربعة من يوم النحر من سنة تسع. الرابع: أنها تمام تسعة أشهر كانت بقيت من عهدهم.\nفأما الأول ففاسد بالإجماع وبالمعنى على ما تقدم من نسخ تحريم القتال فيها، وأما من قال أنها من شوال سنة تسع فباطل لأن الأجل إنما يكون من يوم الإنذار قطعا ويقينا، وأما القول الرابع. فباطل قطعا، لأن الله تعالى يقول: ﴿أربعة أشهر﴾ وهذا يقول تسعة أشهر، مع أنه لا يقتضيه نظر ولا يعضده خبر. وأما الثالث فهو الصحيح لأنه قال: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ فاقتضي ذلك أن تكون المدة عقيب الإعلام، فيه وقع وعليه ترتب حل العهد وتبين منتهى الأجل، واقتضي عموم قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ قتل كل مشرك بعد تمام مدة السياحة المضروبة إعذارا، ولحق به الأمر بقتل من بقي عهده إلى مدته مالم يتب. فإن تاب فهو خير له، ومن تولي فلن يعجز الله حيث ساح ولا أين سار، فإن الله تعالى يصبح أمام الساري ويمنح كل سائح ومسيح وهو قوله بعد","vol":"2","page":242},{"text":"ذلك ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ ونحوه ﴿فإخوانكم في الدين﴾ ومن نكث عهده قبل تمام مدته وجب قتله قال: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع﴾ ما عندك (فإن قبله) وإلا رده إلى موضع يأمن فيه منك ثم قال تعالى: ﴿كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم﴾ والمراد بهذا الاستثناء قوم فووا بعهدهم يقال منهم خزاعة وبنو مدلج، وإلا فيكون الكلام عاريا عن الفائدة لأنه إن لم يكن ذلك تقديره، يقال لمن قال كيف يكون للمشركين عهد عند الله ورسوله: نعم يكون له عهد عنده بالعقد لذلك والالتزام له فنقول فقد خاس بعهده.\nفيقال له: فكيف يكون له عهد عندنا وهو خاس بعهده معنا؟ ثم قال تعالى: ﴿إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام﴾ تقديره: فإنهم وفوا لكم وكانوا أبدا معكم ولم يظاهروا عليكم أحدا ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ فبين أن هذه المدة المضروبة نسخت كل مدة، وأن الأمر بالقتل نسخ كل عفو وصفح وإعراض وترك حيث وقع في القرآن. وفي الحديث الصحيح آخر سورة نزلت براءة وآخر آية نزلت، ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ فأما الحديث الصحيح، ففيه عن أبي هريرة ﵁ قال بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم، يوم النحر يؤذنون بمنى: ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، ثم أردف رسول الله ﷺ بعلي بن أبي طالب","vol":"2","page":243},{"text":"﵁ فأمره أن يؤذن ببراءة، قال فأذن علي معنا يوم النحر في أهل منى ألا يحج، بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، وروى الناس عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: لما نزلت براءة على رسول الله ﵇، كان بعث أبا بكر الصديق ليقيم للناس الحج، قيل له: يا رسول الله لو بعثت به إلى أبي بكر؟ فقال: لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي، ثم دعا عليا فقال له: أخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى لأنه لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عند رسول الله عهد فهو له إلى مدته. فخرج على ناقة رسول الله ﷺ حتى أدرك أبا بكر فقال له أبو بكر حين رآه: أمير أم مأمور؟ فقال بل مأمور. ثم مضى\" قال الأستاذ أبو المظفر شاه فور الأسفرايني\": كانت العرب لا يحل عقدها إلا رجل منها، فقطع النبي ﵇ معاذيرهم بأن أرسل بحل عقده رجلا من أهل بيته. وهذا نفيس في المعنى وقد بينه سماك بن حرب فروي الترمذي عنه عن أنس بن مالك ﵁ قال: بعث النبي ﵇ براءة مع أبي بكر ثم دعاه، قال: لا ينبغي لأحد أن يبلغ عني إلا رجل من أهلي، فدعا علي بن أبي طالب فاعطاه إياه\" وهذا حديث حسن غريب، وقد روى الترمذي وغيره أيضا عن زيد بن يثيغ قال سألت عليا ﵁ بأي شيء بعثت في الحجة؟ قال: بعثت بأربع: ألا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي عهد فعهده إلى مدته، ومن لم يكن","vol":"2","page":244},{"text":"له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا، رواه عنه ابو إسحاق وقد رواه أبو إسحاق عن بعض أصحاب علي عن علي ﵁ والحديث مشهور برواية سفيان بن عيينة وشعبة معا عن أبي إسحاق.\nقال القاضي ابن العربي: فذكر في هذه الأحاديث ما في سورة براءة وزاد ألا يطوف بالبيت عريان وبين الأربعة أشهر لمن لا عهد له بنقضه إياه (ومن بقي عهده فوفي به استوفاه إلى أقصى أمده) فأما قول هذا المفسر من لم يكن بينه وبيننا موادعة فجعل أجله خمسين يوما فدعوى لم تصح وقد بينا فساد قول من جعل آخر الأربعة المحرم، وأما قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ فناسخ لا إشكال فيه كما بيناه. وأما قوله أن آخرها نسخ أولها بقوله: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ فهذا جهل محض بل هو تحقيق لكم القتل وبيان لسببه وهو الكفر وتعريف بوجه التكليف. ثم زاد جهلا فقال: إن قوله تعالى: ﴿إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام﴾ منسوخ بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ وقد بين سبحانه أن الله ورسوله بريء من المشركين من كل مشرك. إلا من عاهد إلى مدة حدها أربعة أشهر فإذا انقضت قتل كل مشرك ثم لم يقل أحد بأن المستثني داخل في حكم المستثنى منه ولاتخليط اعظم من هذا.\nقال القاضي ﵀: وقد قال بعض من تكلم في هذا المعنى بأن حق هذا أن لا يدخل في الناسخ والمنسوخ لأنه لم ينسخ قرآنا متلوا وإنما نسخ أمرا رأه النبي ﷺ، وهذا ساقط فإن القرآن ينسخ السنة، وما رآه النبي ﵇ هو","vol":"2","page":245},{"text":"السنة فإنه لا يعتقد ولا يعهد ولا يأمر ولا ينهي ولا يفتي ولا يقضي إلا بوحي من الله سبحانه. ومن الغريب ما روى عن الحسن أنه قال إن قوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ منسوخ بقوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ وقال: لا يحل قتل أسير صبرا، ومن شروط النسخ معرفة التاريخ، ومن له بأن آية سورة محمد نزلت بعد براءة، وقد ثبت أن براءة من آخر ما نزل؟ ومع الاحتمال يسقط هذا المقال، وأغرب منه ما روي بعضهم عن ابن حبيب أنه قال قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ منسوخة بقوله: ﴿فإن تابوا﴾ وقد بينا فساده في قول (غير) وإنما تعجبنا لخفاء هذا عليه مع علمه ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>الاية الثانية قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ قال بعضهم هذه الآية ناسخة للعفو عن المشركين من أهل الكتاب وغيرهم، وقيل: هي ناسخةلقوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين﴾ فأمر بقتال المشركين خاصة دون أهل الكتاب ثم أمر بقتال المشركين من أهل الكتاب وغيرهم. فنسخت تخصيص الأمر بالقتال للمشركين، وهذا القول غير صواب لأنه يلزم فيه ترك قتال المشركين، ولكن إنما نسخت مفهوم الخطاب في قوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين﴾ فمفهومه ترك قتال أهل الكتاب ثم نسخ ذلك بهذه الآية وأباح قتال أهل الكتاب. فالمفهوم في الآية الأولى ترك قتالهم حتى يطعوا الجزية فكل كتابي مشرك وليس كل مشرك كتابيا فالمراد بقوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين﴾ يعني الذين ليسوا من أهل الكتاب</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nالذي تقتضيه هذه الآية في التحقيق الأصولي الجاري على القانون الكلي قتال أهل الكتاب، وليس لغيرهم ذكر لا في قتالهم ولا في نفي قتالهم إلا على القول بدليل الخطاب، فإنه يقتضي الكف عن قتالهم، ولا نرتضي ذلك ولا تقول به فهي موجبة للعفو عن بعض الكفار وهم أهل الكتاب فيكون ذلك تخصيصا في التحقيق لا نسخا فيه. وإيضاحه أن المشرك اسم ينطلق على كل كفر وهما على اختلاف ألفاظهما يرجع إلى أصل معنى الجهل بالله والإنكار له الموجبين إباحة الدم والمال في","vol":"2","page":246},{"text":"الدنيا والخلود في النار في الآخرة، فإن الكفر هو الستر والتغطية والحجب، والشرك هو التسوية بين الموجودين في المعنى (وإذا كان التشريك) بينهما معدوما فهو جهل. فما قولك فيما إذا كان التشريك بينهما مستحيلا؟ فبين أن ذلك كله يرجع إلى معنى اوحد ويعبر أن بمعنى واحد معا فلا فرق بين قوله: ﴿قاتلوا المشركين﴾ أو قاتلوا الكفار وإنما خصص العرب الكفار بالشرك لأنهم كانوا يقولون في تلبيتهم:\nلبيك لا شريك لك ... إلا شريكا هو لك\nتملكه وما ملك\nولهذا قلنا: (إن المعتزلة) والقدرية كفار، فإنهم يقولون إن العباد شركاء الله يخلقون كما يخلق، إلا أنه يملك خلقهم بخلق القدرة لهم. فهو شركاؤه بما ملكهم وجعل إليهم. وأما القول بأن الآية نسخت مفهوم الخطاب فقد قلنا إن الخطاب لا مفهوم له كما يزعمون فإن قوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين﴾ ليس مفهومه: لو لم يكن أهل الكتاب مشركين ترك قتالهم، إنما مفهومه السكوت عنهم حتى يطلب دليل للحكم فيهم، فكيف وهم مشركون كما بيناه؟ بل نقول إن قوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ عموم بين في العرب واليهود والنصاري والمجوس والصليبيين وكل جاهل بالله سبحانه، وتقول إن كافة حال من المشركين المفعول من ضمير قاتلوا الفاعل وتقدير الكلام قاتلوا المشركين كلهم كما يقاتلونكم كلهم، لا معنى له غيره. ومعنى قاتلوا المشركين، واقتلوا المشركين، اقتلوا كل كافر كان ذا كتاب او غير ذي كتاب. وقوله تعالى: ﴿من أهل الكتاب﴾ تخصيص لمن أوتى الكتاب بتأكيد الحجة عليه حين رأى ذكر النبي فه، فكان أحق بسرعة الإجابة له وفسح له في أحد الأقوال دون غيره من الكفار بأخذ الجزية منه وتركه في الدار معنا مهلة ما لعله يعود إلى الأولى، ويتذكر","vol":"2","page":247},{"text":"ما أخذ من الميثاق أولا وقد حققنا ذلك في قسم الأحكام وفي أصول الفقه والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما﴾</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ قال بعضهم: قال ابن عباس ﵁: نسخها قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا</span>","vol":"2","page":248},{"text":"كافة﴾ وهذا في قوله تعالى: ﴿إلا تنفروا﴾ لا يحسن نسخه، لأنه خبر عن الوعيد، والمعنى: إذا احتيج إليهم نفروا كلهم، فهي محكمة.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nمن لم يعلم أصول الدين لم يحكم فروعه، ولا علم تأويل القرآن. فإن علم الأصول معظم فصوله. ومقصوده. والتكليف إنما ينتظم ويرتبط بالوعيد والوعد، ولا يعرف الوجوب بمجرد الأمر فإنه يتناول الفرض والمندوب وإنما يتعرف بالوعيد والتهديد والذم، فقوله تعالى: ﴿إلا تنفروا يعذبكم﴾ أفاد الوجوب والفرضية في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لك إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض﴾ فإن لم تنفروا يعذبكم عذابا أليما. فحقق الوجوب بالتهديد والذم بذكر التثاقل عن امتثال الأمر وبيع الآخرة بالدنيا. وهذه الأخبار التي وقفت على رسم التكليف مترتبة على التكليف تثبت بثبوته وترتفع بارتفاعه. وهذه الآيات كلها إنما نزلت في غزوة تبوك. دعاهم النبي ﵇ إلى الخروج على العموم وألزمهم المشي معه وقصد سفرًا بعيدًا وانتخى زمنا شديدًا يعظم فيه القيظ ويشتد العطش ويحلو الظل، ولم يتخلف عنه فيها إلا منافق خلا الثلاثة الذين تيت عليهم حين صدقوا الله في خبرهم ونزلت بعد ذلك: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ فقسم في هذه الآية النفير إلى عزو وعلم بعد أن كان خلصه للغزو، وقد كان ذلك رفعا للمتقدم، وبعدها للمحقق أن يقول: إن الإمام إذا دعا جميع الناس عند الحاجة إلى الغزو وجبت إجابته على","vol":"2","page":249},{"text":"الجميع وإذا دعاهم لإقامة رسم الجهاد فإن الفرض يتعلق ببعضهم على غير طريق التعيين فتكون الآيتان على حالتين أو يكون ذلك العموم للنبي وحده إذ قال الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ وتكون الحال المنقسمة لغيره من الخلق إذ لا يتعين إجابتهم، وهذا كله يحتمل والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ الآية قال بعضهم: قال ابن عباس ﵁: نسخ هذه الآيات: ﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم﴾ وقال الحسن وعكرمة، لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله، نسخ قوله تعالى: ﴿فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم﴾ وعن ابن عباس: الآيات الثلاث محكمات وإنما هي تعيير للمنافقين حين استأذنوا النبي في القعود عن الجهاد لغير عذر وعذر الله المؤمنين قال: ﴿فإذا استأذنونك لبعض شأنهم فأذن لمن شيئت منهم﴾ وهذا قول حسن لأن استئذان المؤمنين كان لعذر وفي بعض حاجتهم، واستئذان المنافقين كان لغير عذر ليتخلفوا عن الجهاد</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nهذه الآية من الأمهات في الاعتقاد والمشكلات إلا على الآحاد، فإن قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك﴾ يوهم ارتكاب المحظور، وقد بينا أنه ﷺ وسائر الأنبياء لا يرتكبون ذلك ولا يقع منهم، وأن ما نسب إليهم من ذلك باطل، وما ورد في القرآن صحيح لا محظور في شيء منه، وإنما هي تأويلات واجتهادات، وقع فيها تقصير منحوا فيه العفو لما تقدم فيه من الصفو وحفظا للمرتبة الخلافية التي وضعها","vol":"2","page":250},{"text":"الله فيهم ونصبها لهم ونصبهم لها، فلينظر في كتاب المشكلين والأصول، وللعلماء في هذه الآية وأمثالها منازع ملخصة ومخلصة.\nأولها: قال عمرو بن ميمون، فعله بغير أمر كما فعل بالأسرى في يوم بدر فعاتبه الله تعالى في ذلك.\nثانيها: قال الطبري قال الله تعالى لنبيه، ﴿عفا الله عنك لما أذنت لهم﴾ حتى تعلم من له عذر صحيح ممن هو كاذب.\nثالثها: أمره الله تعالى بإخراج الجميع فأذن للبعض.\nرابعها: أمرهم الله بالخروج معه فسار إليه بعضهم واعتذر بعضهم فأذن له في التخلف، وهذا خلاف مطلق الأمر، فعفا الله له عن ذلك، ثم عاتبه فيه وقد أتى العفو، قبل العتاب إظهارا لكرامته ومراعاة لطيب نفسه، قاله محمد بن زيد.\nخامسها أنه ﷺ لم يرتكب محظورا وإنما ترك الأولى فعاتبه الله تعالى وقدم لكرامته العفو عن الخطاب الذي جاء في صورة العتاب، ومن جوز الخطأ على الأنبياء قال: قابله بالعفو قبل أن وقفه للعذر، لمحبته فيه، فإن حسنات الأعداء مردودة وسيئات الأحباب مغفورة وقد قال:\nمن ذا يعاتب من يحب فيذنب ... وله شفيع في الفؤاد محبب.\nسادسها: أنه يحتمل أنه أمره بعموم الخروج فاجتهد النبي في تخصيص البعض بالإذن على قول من يرى تخصيص العموم بالاجتهاد.","vol":"2","page":251},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nوالذي يقتضيه النظر في هذا كله، أن الله قال لرسوله يوم الخندق، ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنونك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم﴾ وفي الحديث الصحيح، قال أبو سعيد ﵁: خرجنا مع النبي ﵇ إلى الخندق فكان فتى منا قريب عهد بعرس يستأذن رسوله الله ﷺ بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله. وذكر حديث قتل الجنان بطوله. فلما كان في غزوة تبوك واستنفر الله الناس للخروج إلى الغزو مع رسول الله ﷺ أنزل على رسوله آيات براءة: ﴿يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله﴾ إلى آخرها. قال كعب بن مالك في الصحيح: ولم يكن رسول الله غزا غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله ﷺ في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا وعدوا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم وأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان فما رجل يريد ان يغيب إلا ظن أنه سيخفي مالم ينزل، فيه قرآن. وذكر حديثه بطوله ﴿وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم﴾ وقريء المعذرون بإسكان العين وكسر الذال تخفيفا، واختلف في ذلك اختلافا كثيرا بيانه في قسم الأحكام وأفاد ذلك كله أن الناس انقسموا أربعة أقسام: قسم خرج","vol":"2","page":252},{"text":"مع رسول الله وهم الأكثر، وقسم اعتذر صادقا منهم المقداد بن الأسود وكان سمينا ومنهم غني ومن القوم ضعيف، ومنهم مريض، وقسم اعتذر كاذبا ولم يستأذن وهو الأقل نفاقا وكفرا وكراهية لله ولرسوله، كأن يرى أنه على حال قد أذن لمن هو على مثلها بالقعود إن قيل لي: لم قعدت؟ قلت: حالي حال فلان وقد أذن له وقيل النبي ﵇ عذر من اعتذر لحسن أخلاقه وعظم حيائه، وما تقدم من إذن ربه له في قوله تعالى: ﴿فأذن لمن شئت منهم﴾ ولأنمنهم من كان يكره أن يراه في المدينة موضع الأمن، فكيف أن يكون معه في موضع الخوف؟ يزهد فيه ويرغب عنه ويفشل أصحابه ويرجف به ويعظم أمر عدوه، فاغتنم منه أن يقعد بإذن أو بغير إذن. ولقد سافر معه طائفة من المنافقين تأذى بهم وأرادوا الفتك به، ومنهم من قال ائذن في القعود ولا تفتني بحملك لي إلى بنات الأصفر كما أخبر الله تعالى عنهم النبي ﵇ بظاهر القول وأذن للكل جريا على التأليف وابتدأه تعالى ببيان الحال بعد رجوعه فقال: ﴿لو كان عرضا قريبا﴾ من الدنيا (وسفرًا قاصدًا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون) أنهم لو استطاعوا لخرجوا كاذبين (يهلكون أنفسهم)","vol":"2","page":253},{"text":"باليمين الفاجرة. ثم فاتحه بالتحية مخافة خجلة العتاب فقال تعالى: ﴿عفا الله عنك﴾ لطيب نفسه الكريمة بسماع العفو ويذوق حلاوة المغفرة. وعاتبه بعد ذلك فقال له (لم أذنت لهم) حتى يتبين لك الصادق من الكاذب. وجلى له الحقيقة فقال تعالى: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم﴾ وسبقت الكلمة بقعودهم وقيل لهم ﴿اقعدوا مع القاعدين﴾ ثم بين له أن الصواب فيما فعل من الإذن لهم في القعود، فإنهم لو خرجوا ما زادوا إلا خبالا ولسعوا في الفتنة ومشوا في شتات العسكر. وكأنه قوي قلب نبيه ﵇ على الصرامة في الخروج معه بأن يقول لمن استأذنه في القعود وهو غني صحيح: لا آذن لك ولابد لك من الخروج. كما فعل ذلك في تقوية نفسه والتصريح له بأمره ﴿فقل لن تخرجوا معي أبدًا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين﴾ ولكنه أراد أن يجري الأمر مجرى التمحيص وإخراج ما في القلوب وتمييز الخبيث من الطيب، تعويلا على سابق الإذن له في الإذن لمن شاء منهم فشاء أن يأذن لمن بقي أن يبقى، وشاء الله ذلك صوابا وخيرا بما ظهر من إخبار لله له بأن قعودهم كان أصوب من إخراجهم فأي ذنب ها هنا وأي تقصير؟ بل هو محض التصويب والتمحيص، وأصوب التأويلات ما ذكره الطبري، وتمامه ما شرحناه والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات﴾ الآية. وقال بعضهم هذه الآية نسخت كل صدقة في القرآن</span>.","vol":"2","page":254},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي:\nهذا ليس بأمر بصدقة فيقابل به غيره من أوامر الصدقات والأنفاق، فيقال هو أو غيره، فيكون تأكيدًا في الأول أو نسخا في الثاني أو زيادة فرض على الأول. وإنما هو بيان مصارف الصدقات وذكر مستحقيها الذين يؤخذ لهم وقد فرضت من أجلهم فإن الله تعالى ضمن للخلق الرزق ونعم الوكيل والكفيل وملك بعضهم دون بعض وأحال الفقير على الغني في الذي ضمن له من الرزق، وقدر الأموال في علمه والمحتاجين، ففرض لهم قدر الكفاية ليبلوا الأغنياء في فضلة المال، ويبلو الفقراء في تدبير المأخوذ على الأقوات، فلا الفقير دبر قوته فربما احتاج اكثر، ولا الغني أفضل من فاضلة ماله فيعطي عشره الفقير في ضعف تدبيره واحتياله، وذلك بتدبير العزيز العليم. فاختلف العلماء: إذا عظمت حاجة الفقراء بعد أخذهم الزكاة هل يجب عليهم إغناؤهم وإنفافهم مما في أيديهم من الفضلات ام لا؟ والصحيح أن ذلك واجب عليهم وكانت هذه المسألة في صدر الإسلام فأما اليوم وقد استأثرت الأملاك بالزكوات وبقي المسكين صفر اليدين فواجب على كافة الخلق إغناؤهم من أموالهم. وقد قررت في نفسي بالاجتهاد مما يلزمني من ذلك. فخصصت به معارف هم أقرب صقبا ولو فعل ذلك غيري لم تر في بلدك بائتا لا يملك بيتا ولا عريانا وجاره كاسيا، والله ولي التوفيق.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nأما إنه بقيت في الآية نكتة، وهي أن الله جعل من مصارف الزكوات المؤلفة قلوبهم، وهم في قول، أمة أظهرت الإسلام ولم تعتقده، وأوت إلى النبي ﵇","vol":"2","page":255},{"text":"طمعا في النيل من جاهه وماله. وفي قول آخر أمة كفار أعطاهم النبي ليرجعوا عنه أو معه على غيره، والصحيح أنهم قوم أظهروا الإسلام وقد بيناهم في قسم الأحكام، وبطلوا بموت النبي ﵇ فكان ارتفاع حكمهم لارتفاع محلهم، ومن حكم المنسوخ إذا ارتفع الحكم أن يبقى محله فإذا ذهب الحكم بذهاب محله لم يكن نسخا والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾</span>.\nقال الشعبي دعا الحباب بن عبد الله بن أبي بن سلول رسول الله ﵇ إلى جنازة أبيه فقال له النبي من أنت؟ قال: الحباب: قاله له إن الحباب هو الشيطان. أنت عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، ثم قال النبي ﵇ إنه قد قيل لي: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ فسأزيد عن السبعين، وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: لأستغفرن لهم أكثر من سبعين، لعل الله أن يغفر لهم فقال الله من شدة غضبه: ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾.","vol":"2","page":256},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nهذه أحاديث المفسرين. وأحاديث الصحيح أن النبي ﵇ لما توفي عبد الله بن أبي جاءه ابنه عبد الله بن عبد الله فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه إياه، ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﵇، فقال: يا رسول الله، تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله: إنما خيرني ربي فقال: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ وسأزيد على السبعين، فقال: إنه منافق، فصلى عليه رسول الله، فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره، إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ قال: فعجبت بعد ذلك من جرأتي على رسول الله، والله أعلم.\nفهذا نص في أن آية براءة الأولى نسخت بالأخرى وآية المنافقين يحتمل أن تكون ناسخة أيضا لأن النبي احتج في الصلاة على ابن أبي بأن قال في الصحيح لعمر: أخر عني يا عمر فإني خيرت فأخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت، فصلى فنزلت، الآيتان من براءة ﴿ولا تصل","vol":"2","page":257},{"text":"على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره﴾ إلى آخرها، وآية المنافقين (إياس والإياس يضاد) التخيير فيرفعه والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا معه أن يستغفروا للمشركين، ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nفي الصحيح أن أبا طالب لما دعاه النبي ﵇ فقال له: أنا على ملة عبد المطلب ومات على ذلك قال النبي: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فنزلت هذه الآية ناسخة لاستغفار النبي لعمه، فإنه اقتدى في ذلك بأبيه إبراهيم حين قال لأبيه: (سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا) وحين قال لمحمد ﵇: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ فلما كان عنده أن أبا طالب كافر وكان عنده أن إبراهيم ﵇ قد استغفر لكافر، اقتدي به واستغفر لأبيه حنانا وحضانة وعمه نسبا، اقتداء بالأب المكرم المعظم إبراهيم، فنسخ الله ذلك من فعله بالآية المتقدمة وقال لمحمد ﵇: (وما كان استغفار ابراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه) وأنت يا محمد قد علمت أن أبا طالب من أعداء الله فتبرأ منه أيضا، ثم رعي الله لمحمد ﵇ مزية النصرة من أبي طالب والحماية، فقال النبي حين قيل له إن عمك أبا طالب كان يحوطك ويحميك فهل نفعته بشيء؟ فقال: سألت له ربي فحذاه نعلين من نار يغلي منها دماغه ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار.","vol":"2","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ قد تقدم ذكرها في قوله تعالى: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ فلا وجه لإعادته</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>ذكر آيات الخصوص وهي ست آيات</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nقال عمر بن عبد العزيز وغيره: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ فلم يوجب إنفاق الأموال كليا. وقال جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء رضوان الله عليهم فيها أقوالا سردناها في الأحكام، أمثلها قول ابن عمر: كل ما أديت زكاته فليس بكنز. وأضعفها قول أبي ذر في الصحيح بشر الكانزين برضف يحمي عليهم في نار جهنم ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نفض كتفه ويوضع على نفض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل. ثم إن رسول الله ﷺ قال: (أحب أن يكون لي مثل أحد ذهبا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير) يقال فرع الكتف ناغض ونفض","vol":"2","page":259},{"text":"وأوسطها قول علي: أربعة آلاف فما دونها نفقة وما زاد عليها فهو كنز وفي الصحيح عن ابن عمر قال في هذه الآية: كان هذا قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت جعلها الله مطهرة للأموال. فكان هذا تخصيصا للمزكي المفعول من لمزكي المحل، وقد قال النبي ﵇: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة وليس فيما دون خمسة أواق صدقة وليس فيما دون ذلك صدقة وفي الصحيح: (إذا قالوا لا إله إلا الله، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم، ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nقد بينا في كتاب أنوار الفجر تفسير هذه الآية، والأشهر الحرم ومعنى الظلم وتحقيق وقوله فيهن (وتوجيه) خلق السنة اثني عشرا شهرا من أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، وبينا أولها في التعديد وآخرها فيه، وقد قطع ذلك الخلاف وأوضح مدرجة الإنصاف والإنتصاف صاحب الشريعة ﵇ قال في الحديث الصحيح إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب","vol":"2","page":260},{"text":"الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان وذلك في حجة الوداع، فأبقي عليها اسمها بعد حل القتال فيها، وبين أن حرمتها تتضاعف بقتل الكفار فيها، وبزيادة حرمتها ينبغي ألا يظلم أحد نفسه فيها. فإن الإثم يتضاعف بحرمة الزمان والمكان إلى حرمة الشهر الحرام، وقد بينا في سورة البقرة نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم، وبينا أن آية براءة وهي قوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ نسخ تحريم القتال المشروع في الأشهر الحرم في صدر الإسلام ولم يبق احترام إلا الدين ولا عاصم سوى الإيمان، والأزمان لغو في ذلك. وما كان في الجاهلين وصدر الإسلام منه، قد عوض الله منه كلمة الدين واخوة المسلمين والحمد لله رب العالمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر﴾ قال ابن حبيب نسختها الآية التي بعدها: ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله﴾</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nلقد مني ابن حبيب بالوهم أو بنقل ما لم يقل عنه ومنى بالرد ممن لا يعلم: قال بعضهم: وهذا خبر لا ينسخ. ومتى بلغنا إلى هذا الحد وليست الآية في شيء من هذا الغرض! إنما سميت براءة: الفاضحة، لأنه لم يزل ينزل، ومنهم، ومنهم، .. حتى ظننا أنها لا تبقي احدًا، فقال تعالى: ﴿ومنهم من يقول ايذن لي﴾","vol":"2","page":261},{"text":"﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾ ﴿ومنهم الذين يوذون النبي﴾ ﴿ومنهم من عاهد الله﴾ ومن الأعراب من يكره الغزو يرى أن الذي ينفقه مغرم، ومنهم من يرى أن الذي ينفقه قربة. ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار﴾ خاتمة بالثناء وتشريف الأولياء، فأي نسخ في هذا لولا التسور على الدين والتصور بصورة علماء المسلمين والله ينصرنا بالحق ويشرح صدورنا للعلم برحمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ قال قوم: نسخت كل صدقة في القرآن، وقال آخرون: نسختها الزكاة</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nاختلف الناس في هذه الصدقة على أقوال: الأول أنها صدقة الفرض أجملها الله وبينها رسوله.\nالثاني أنها صدقة مطلقة زيادة على الفرض كما كان النبي ﵇ يندب إليها حين كان يرد عليه المحتاجون.\nالثالث أنها عبارة عن قوم تيب عليهم فرأوا أن من توبتهم أن يتصدقوا. ومع هذا الاحتمال لا يصح دعوى النسخ فيه، وقد بينا معنى الاية في الأحكام والله أعلم.","vol":"2","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم﴾ قال بعضهم: هذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم﴾</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي وفقه الله:\nيستحيل هذا أن يكون منسوخًا فإنه لا تعارض بينهما، ولكنه يحتمل أن يكون مخصوصا في المنافقين، قيل له: ولا تصل على أحد منهم مات لكفره، فكذلك إذا جاء أحد منهم بصدقة فلا تصل عليه أياض للعلة التي سبقت من الصلاة عليه إذا مات، وهو الكفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾ الآية، قال ابن زيد: نسخها قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ الآية</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nقال قوم: يحتمل أن يكون النفير في هؤلاء خاصة دون غيرهم فعوتبوا لتخلفهم. وقيل إنه (إنما خصوا لقرب دارهم) ومصاقبة جوارهم وأنهم أحق برسول الله ممن بعد عنه، فيجوز أن يقول لهؤلاء: لا تتخلفوا عن رسول الله، ويقال لغيرهم، انفروا للتفقه في دين الله. وأعجب منه أنه يحتمل أن يكون قوله/ ﴿ما","vol":"2","page":263},{"text":"كان لأهل المدينة﴾ الآية هي بعينها قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ وهم الذين، لم يتخلفوا عن رسول الله فيكونون معه يسمعون العلم، فإذا رجعوا أنذروا قومهم بما سمعوا منه، ويحتمل أن يكون نسخت الآية المقتضية للتفقه والإنذار قوله: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ ولم يتعرض لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب، والله أعلم.","vol":"2","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>سورة يونس</span>\nمكية كلها، فيها من النسخ أربع آيات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم﴾ نسختها آية السيف</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nقدمنا أن هذا الكلام ونحوه يقتضي التخلي والترك، فبذلك المعنى هو المنسوخ بالأمر بالقتال، فقيل له أولا: إن كذبوك فتبرأ منهم وأسلمهم إلى أنفسهم وعرفهم أنه لا يجزي أحد بعمل أحد، وقيل له بعد ذلك: إن كذبوبك فقاتلهم واقتلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ وهذا نحو من الأول والقول فيه قريب منه، فإن الله تعالى أعلمنا بأنه لو شاء لآمن من في الأرض كلهم جميعا بهداه لهم وخلقه للقدرة على الإيمان فيهم، فلا تنس أنه ليس لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله، وأنت يا محمد من وراء النصرة فلم يجعل إليك الإيمان ولا كلفناك الإكراه والإلجاء، ثم أمره بعد ذلك بالقتال والقتل حتى يؤمنوا وذلك هو الإلجاء المحض، والإكراه الخالص</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>الاية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فمن اهتدي فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل﴾ قد تقدم شرحه وأنه منسوخ</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿واصبر حتى يحكم الله﴾ هذا مثله في النسخ، وقد بيناه من نسخ الصبر والإعراض والصفح والترك، والله أعلم</span>.","vol":"2","page":265},{"text":"وهم: قال بعضهم: قوله تعالى: ﴿قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ نسخها قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ يريد فقد أمن النبي ﵇ من العذاب.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nقوله تعالى: ﴿قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ كلام صحيح ثابت محكم معلوم، وذلك أن قريشا قالت للنبي ﵇: هذا كلام تسب فيه آلهتنا وتعاب آباؤنا، فأتنا بقرآن غيره لا يكون فيه هذا فنكون أقرب إلى اتباعك فقال له سبحانه قل ليس لي أن أفعل ذلك فإني ﴿أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ وهذا كما قال: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين﴾ وهذا لا يدفعه ما وعد به من المغفرة فإن من قيل له: غفرنا لك ما فعلت وما تفعله لكرمك إنما يقابل هذا بعظم الطاعة والوعد بالامثال أبدًا ما بقي من عمره، فأما أن يقول إني قد أمنت فالآن أعصي لأن ذلك مغفور، فذلك سبب هلاكه وحط منزلته، ولهذا قيل للنبي ﵇ وقد قام حتى تورمت قدماه: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: (أفلا أكون عبدًا شكورا) وإنما غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر مع عصمته فيما يستقبل من عمره وموافاته على أفضل أحواله. وقد تكلم","vol":"2","page":266},{"text":"علماء المعاني في ذلك علي أقوال عمادها أن الله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه (وما تأخر من ذنبك) وما تأخر. لشرفك على جميع الخلق، ويكون سيد ولد آدم (في يوم) الحق. وتحقيقه أن الباريء (غفور) ومن الناس من يغفر له جميع الذنوب وهو محمد، ﷺ والناس بعده درجات في ذلك والله أعلم.","vol":"2","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>سورة هود ﵇</span>\nمكية كلها غير عشر آيات: نزلت في نبهان التمار وقيل في أبي اليسر كعب بن عمرو في الصحيح عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة حرام فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فنزلت (هذه الآية) ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات﴾، فقال الرجل: إلى هذه؟ قال: بل (لمن عمل بها من أمتي) فيها من النسخ ثلاث آيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إنام أنت نذير والله على كل شيء وكيل﴾ قالوا: نسختها آية السيف</span>.","vol":"2","page":268},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nقد تقدم القول في أمثالها ويحق لكم وعليكم أن تعلموا أن الله خلع على عبده من صفاته، فهو سبحانه رؤوف وعبد رؤوف وهو تعالى رحيم وعبده رحيم، وهو سبحانه يعفو ويصفح وكذلك في صفة عبده أنه يعفو ويصفح، وهو سبحانه غافر الذنب شديد العقاب. وعبده هو الضحوك القتال، وهو نبي الرحمة وهو نبي الملحمة، فأخبر عن أحواله بصفاته وكل صدق وصحيح في صفته مضاف إلى وقته، وقد كان نذيرا في وقت وصار بعد ذلك محاسبا، وكان عفوا صفوحا وصار بعد ذلك منتقما قالت عائشة ﵂: ما انتقم رسول الله لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله فيكون أشد الناس انتقاما له\" ..\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>الآية الثانية والثالثة: قوله تعالى: ﴿اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون﴾ قالوا: نسختها آية السيف، وقد تقدم القول في نظيرها وهذه مثلها فلا وجه لإعادة القول فيها</span>.\nوهم وتنبيه: قال بعضهم في قوله تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها﴾ قالوا نسختها قوله تعالى: ﴿من كان يريد العاجلة علجنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nليس هذا بنسخ وإنما هو تخصيص عموم في غير تكليف، فلا يدخل في عرضنا وإنما يقتضي أن الباريء تعالى ينعم على العباد مومنهم وكافرهم بنعم الدنيا، وأما نعم الآخرة بالنيات الخالصة والأعمال الصالحة فيخص بها المؤمنين، وقوله تعالى: ﴿نوف إليهم أعمالهم فيها﴾ إخبار من الله لنا بأنه يعد نعمه عليهم في جزاء","vol":"2","page":269},{"text":"أعمالهم التي هي بصورة الأعمال الصالحة حتى لا يلقي أحد منهم ربه وله حجة في حسنة. لا في طريق المعنى لعدم النية ولا من طريق الصورة لأنه يعد النعم في مقابلتها. وعلى هذا خرج قوله ﷺ لحكيم بن حزام وقد قال له: (يا رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة وصلة رحم أفيها أجر؟ فقال رسول الله: أسلمت على ما أسلفت من خير) المعنى أن الإسلام جاء على ما تقدم أي غلبه وظهر عليه، وتلك النية المتقدمة في فعل الخير فأدت إليه وهو أصل الخير كله.","vol":"2","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>سورة يوسف</span>\nذكر بعضهم أن<span data-type=\"title\" id=toc-161> قوله تعالى: ﴿توفني مسلما وألحقني بالصالحين﴾ </span>منسوخ بقوله ﷺ لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به. وهذا فاسد من القول وجهل من أشد الجهل فإن يوسف ﵇ رمي في الجب فلم يقل توفني مسلما ونودي عليه بالبيع فيمن يزيد فلم يقل توفني مسلما، وحبس في السجن سنين، فلم يقل: توفني مسلما، فلما حصل له الملك واستقام الأمر واجتمع الشمل وسجد الإخوة ورفع أبويه على العرش وصدقت الرؤيا وظهرت المزية وتبين للإخوة أن الذين سعوا في رده جاء المقدار به على حده، علم أنه ليس بعد الكمال إلا الزوال فقال ﵇: (توفني مسلما) أخبرنا الشيخ المعدل أبو الفضل ابن طوق أخبرنا الأستاذ جمال الإسلام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن، وسمعت أبا علي الدقاق يقول: قال يوسف ليعقوب ﵉: علمت أنا نلتقي في الآخرة بعد الموت فلم بكيت ذلك البكاء كله؟ فقال: يا بني إن هناك طريقين فخفت أن تسلك طريقا وأسلك طريقا فقال عند ذلك يوسف ﵇: توفني مسلما وألحقني بالصالحين.","vol":"2","page":271},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي:\nعجبت للأستاذ أبي القاسم مع جلالة قدره في العلم يعول على مثل هذا الخير الذي فيه الجهل بأحكام الأنبياء. وقد بينا في كتبنا معلوما وأوضحنا مفهوما أن الأنبياء إذا كوشفوا بالرسالة واصطفاهم الله بالوحي وبعثهم إلى الخلق يعلمون قطعا حسن الخاتمة، أما أن يعقوب حين فارق يوسف ﵉ صغيرا فيجوز، في العقل أن يخاف عليه مما يجري على الصغار من التبديل فأما وقد أتم الله عليه نعمته وضاعف حرمته فلا يصح توقي ذلك فيه، والله أعلم، وقد حققنا القول في ذلك في كتاب المشكلين، وبينا وجه خوف الأنبياء من الخاتمة مع منزلتهم التي نزلوها.","vol":"2","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>سورة الرعد</span>\nفيها آية واحدة من النسخ،<span data-type=\"title\" id=toc-163> قوله تعالى: ﴿وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾ </span>قالوا نسختها آية السيف.\nقال القاضي ابن العربي:\nقوله تعالى: ﴿فإنما عليك البلاغ﴾ حصر لكل ما ألزمه الله فيهم ومعهم، لأن كلمة إنما للحصر كما بيناه في غير موضع من (شرح الحديث والأحكام) وهي مقتضية لنفي ما ليس عليه وإثبات ما عليه: تقول العرب إنما الكريم يوسف وإنما الشجاع عنتر إثباتا لكرمهما وشجاعتهما ونفي ما عداهما إما على الأصالة وإما على الكمال. وعبارة أهل سمر قند فيها: إنها لتحقيق المتصل وتمحيق المنفصل. كأنه قال: إن البلاغ عليك ما عليك غير البلاغ فطال الكلام مجمعا في وصل واحد وربط بالجملة فقوي المعنى على المراد، وأفاد من ذلك ما افاد، فنسخ هذا النفي من غير البلاغ آية السيف وصار المعنى عليك البلاغ وغيره من الإلزام والإلجاء والإكراه واستخراج ذلك بالسيف، وقوله تعالى: ﴿وعلينا الحساب﴾ كلمة صحيحة المعنى لم يتطرق إليها نفي ولا دخلها نسخ، قال تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء﴾ قالوا يريد بالحساب الجزاء، وبناء، (ح، س، ب) للعدد في أصالة الوضع ومقتضي الاشتقاق، تقول حسبت أي (ظننت فإنه يعد ما) حصل له من العلم أو الاعتقاد، وحسبت بمعنى قدرت وهي تعديد وحاسبت أي عددت ماله وما عليه، وفلان حسيب لأنه يعدد مآثره، والجزاء حساب لأنه تعد أعماله ويركب عليها ثواب.","vol":"2","page":273},{"text":"وفيها أية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم﴾ على شركهم. قالوا نسختها ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nالذي أوجب هذا الكلام على قائله الحديث الصحيح أنه لما نزلت ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ شق ذلك على أصحاب محمد ﵇، فنزلت ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾ وإن كان الشرك ظلما فإنه غاية الظلم، وهو درجات، وأصله وضع الشيء في غير موضعه، فكل من كفر هو ظالم وكل من أذنب فهو ظالم، وكل درجات. وقوله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن﴾ من كونهم أصحاب النار وليس لهم الأمن من أصل العقاب وقوله تعالى: ﴿إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم﴾ قال بعضهم أراد بالناس أهل مكة وأوقعه في هذا أنه فسر الظلم بالشرك. وفسر الناس بأهل مكة لأنهم كفار ولو أتبع كلامه أصله لقال: يريد بالناس الكفار. ويحتمل أن يريد ما قال، ويحتمل أن يريد بالناس المذنبين ويحتمل أن يريد بالمغفرة ها هنا الإمهال بالعقوبة، ويحتمل أن يريد به ما مضى بإصلاح العمل فيما يأتي. وإذا احتمل هذا كله لم يكن للتخصيص معنى، وما احتملته الآية من ذلك كله، فإن السنة خصته بأحاديث الشفاعة وغير ذلك من أخبار المغفرة وقد حققنا ذلك في كتاب المشكلين.","vol":"2","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>سورة إبراهيم</span>\nفيها آية واحدة وهي من<span data-type=\"title\" id=toc-165> قوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ إلى قوله: ﴿إن الإنسان لظلوم كفار﴾</span>.\nقالوا: نسختها من قوله في سورة النحل ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. إن الله لغفور رحيم﴾.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nهذا باطل من وجهين: الأول أنه لا تعارض بينهما فإن الله غير الإنسان، الثاني أن الجمع بينهما ممكن فإن الإنسان ظلوم لنفسه كفور بنعمة ربه، وفي الصحيح قال ﷺ: واطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء بكفرهن. قيل أيكفرون بالله؟ قال يكفرون الإحسان ويكفرون العشير، وفي كتاب مسلم صلى النبي الصبح على إثر سماء كانت بالحديبية. ثم قال: أتدرون ماذا قال ربكم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي شاكر لي وكافر، أما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك شاكر الحديث وتصريف الإنسان لنعمة ربه في غير طاعة ظلم، لأنه وضع النعمة في غير موضعها وسترها عن وجهها بما عدل به عن طريقها، ومع هذا فإن الله يغفر له فإنه لا يسلبها ويرحمه بإمهاله بالعقوبة عليها، فأي نسخ في هذا والكلام محقق والنظام متسق؟ فقد وهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فيما قال من ذلك، إن صح النقل عنه به. والسورة مكية عندهم والله أعلم.","vol":"2","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>سورة الحجر</span>\nفيها من النسخ ثلاث آيات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>الأية الأولى: قوله تعالى: ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا﴾ الاية هذه الآية منسوخة بالأمر بالقتال على ما تقدم بيانه. أخبر الله تعالى أن همتهم في نهمتهم وأنهم في الأنام بمنزلة الأنعام لاستيلاء الغفلة عليهم، والختم بالكفر على قلوبهم، فأمر الله ورسوله بتركهم ووعده بالظفر بهم. وأوعدهم بما يؤول في العاقبة إليه أمرهم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾ الصفح العفو، حيثما وقع في القرآن منسوخ كله بالأمر بالقتال. وقد كان ﷺ يعفو عفوا جميلا، ويصفح صفحا كريما وهو الصفح الذي لا يذكر معه الذنب. وقيل هو الذي يعتذر به عن الذنب. ولقد بالغ في ذلك ﷺ حين قال ذلك بعد أن أمر بالقتال. فإنه لما شج يوم أحد وجهه وكسرت رباعيته، جعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: (كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله؟) وذكر نحوا منه عن بعض الأنبياء فعله به قومه وهو يقول اللهم: اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وقد بينا تأويله في شرح الحديث</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وأعرض عن المشركين﴾ وقد تقدم ذكره في مثله، وهذه آية غريبة لأن نصفها محكم وهو قوله تعالى: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ ونصفها منسوخ وهو قوله: ﴿وأعرض عن المشركين﴾ نسختها آية الأمر بقتالهم</span>.","vol":"2","page":276},{"text":"وهم: في تأويل قوله تعالى: ﴿لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم﴾ قال بعضهم هذا المعنى نسخ بالأمر بالقتال.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nهذا كلام من بينه وبين فهم القرآن حجاب. قال ابن عيينة في قوله ﵇: ليس منا من لم يتغن بالقرآن: ألا تراه قد قال: ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم. لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم﴾ فأمره بالاستغناء عن المال بالقرآن ولله در هذا الإمام فلقد استقبل المعنى من الامام، ألا ترى إلى قوله تعالى في سورة طه: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه﴾ فبين أنه نهاه عن امتداد عينيه إلى متاعهم لأنه دنيا لا لأنه لهم، ولعمر الهكم لقد نهي المكلف عن الامتداد إلى متاع غيره بالنظر في انتقاله إليه نهيا جزما ونهي عن الامتداد بالنظر إليه على وجه التمني لمثله نهيا جزما ونهي عنه النبي ﷺ تشريفا وتكريما لرفع المنزلة وجلالة المرتبة وتمكين المكانة فإنه ملك الآخرة، وقيل لنا نحن نصحا وتنبيها: كونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا. فلما جهل المغبون هذا كله قال إن معنى الآية منسوخة وأنه لما أمر ﷺ بقتالهم جاز أن يتمنى انتقالهم أموالهم إليه. وهذا فاسد فإن النهي باق كما كان بدليل سورة طه، لأن هذا التمنى لم ينه قط عنه لا قبل القتال ولا بعده لأمر يتعلق بالملاك، وإنما كان يتعلق بالأملاك وهي كونها زينة الحياة الدنيا، قال لنا الفقيه أبو الفضائل بن طوق","vol":"2","page":277},{"text":"المعدل: قال لنا الأستاذ الإمام جمال الإسلام أبو القاسم الصوفي: غار على عينه أن يستعملها في النظر إلى المخلوقات وأين هذا من مرتبة موسى ﵇ حين قال له: ﴿أرني أنظر إليك، قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل﴾ فأباح له النظر إلى الجبل، ومنع محمدًا من النظر إلى المخلوقات.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nعجبا لهذا الإمام مع جلالته في علم الإسلام كيف جازت عليه هذه النكتة أن محمدا وموسى في هذه الأمر سواء؟ نهي محمد عن النظر إلى المخلوقات لذاتها وأمر بالعبرة فيها والاستدلال على الله تعالى بها. وكذلك موسى ﵇ إنما أحيل على الجبل ليستدل به على ما سأل، وقيل له: فإن استقر مكانه فسوف تراني (والله أعلم).\nوهم في تأويل: قوله تعالى: ﴿وقل إني أنا النذير المبين﴾ قال بعضهم نسخها الأمر بالقتال.\nقال القاضي ابن العربي ﵀:\nهذا وهم شنيع، إن النذارة لو نسخت لانتسخت النبوة فإنها خطط لازمة كريمة قائمة ﴿إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾ ولقد أنذر وحذر وبشر (وأوعد ووعد) وتهدد، وأمر بعد ذلك بالقتال والقتل، فبقي ذلك كله موجودا فكان ﵇ ينذر، ويقتل ويحذر ويبشر ويعد ويوعد ويتهدد، والقتل المفعول المشاهد كان ذلك كله فيه موجودًا وبه مقتضي، والقول نذير، والفعل نذير، ولذلك قال ﷺ: (إني أنا النذير العريان) فأخبر أنه نذير بقوله نذير بحاله.\nوقال الشاعر:\nونشتم بالأفعال لا بالتكلم","vol":"2","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>سورة النحل</span>\nفيها من النسخ آيتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين﴾ وقد تقدم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ نسختها آية القتل في قولهم</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nاختلف في قوله تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ على ثلاثة أقوال: الأول جادلهم بكتاب الله. الثاني: جادلهم بحجة لاتخالفها كما قال تعالى: ﴿مخبرا﴾ عن شعيب ﵇: ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾ الثالث هي المجالة بالصفح عمن نالوا من عرضه وإذايته. والمجادلة هي المحاجة، وهي مأخوذة من الجدل وهو الشد والقتل كأنه يحاجه بأقوى ما عنده. وقيل من الجدالة. وهي الأرض كأن كل واحد منهما يريد أن يغلب صاحبه مصارعة فيلقيه بالجدالة. وكانت المجادلة في صدر الإسلام كل عمل النبي ﵇ فلما أمر الله بالقتال نسخت المجادلة الأصلية وبقيت المحاجة مع من دعا إلى ذلك. قال الله تعالى في آخر ما نزل من القرآن. ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ وحاج النبي ﷺ بأمر الله تعالى النصارى فقال: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم ققال له كن فيكون﴾ وحاج اليهود والنصارى فقال سبحانه: ﴿وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء","vol":"2","page":279},{"text":"الله وأحباؤه، قل فلما يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق﴾ وحاج النبي ﷺ حصينا أبا عمران، فقال له: (يا حصين، كما إلها تعبد اليوم؟ قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال له الذي في السماء) وذكر الحديث وسيأتي بقية التحقيق في سورة العنكبوت إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>ذكر ما فيها من آيات التخصيص: وهي ثلاث آيات</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرًا ورزقا حسنا﴾ قال بعضهم نسخا آية المائدة ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصار والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nهذا بناء على أن السكر الخمر وقد اختلف العلماء فيه في تأويله على خمسة أقوال:\nالأول: أن معناه تتخذون منه ما حرم الله قاله ابن عباس، ﵀، الثاني: أنه الخل، قاله الحسن، الثالث: أنه كل ما يتطعم منه. الرابع: أنه خمور الأعاجم، الخامس: أنه ما يسد الجوع. وأما الرزق الحسن ففيه ثلاثة أقوال:","vol":"2","page":280},{"text":"الأول: أنه ما أحل الله. الثاني: الأول بعينه. الثالث: أنه النبيذ الحلو والخل. فإذا لم يقل إن السكر الخمر لم يتصور في الآية نسخ، وإذا قلنا إن المراد به الخمر وتقديره، وتتخذون منه ما حرم الله، فيكون معناه التوبيخ تقديره، أنعم الله عليكم بثمرات النخيل والأعناب فاتخذتم منه الخمر التي حرم الله وإذا قلنا إن المنة وقعت بالخمر، فحينئذ يكون النسخ، ولا أقول به ولا أصوبه لقائله فإنه لو أراد، الخمر لصرح باسمها وكان أولى من أن يقول ذلك بلفظ السكر المذموم، والمنة لا تقع بمكروه، وما يذهب العقل لا يقع فيه مدح ولم يكن السكر محللا في ملة وسكت الله عنه مدة في صدر الإسلام لفساد جميعه ودعاء قليله إلى كثيره فسكت عنه إلى أن رأوا فساده واستدعوا تحريمه فجاء كما أرادوا مع هذا كله، فقد تهافتوا عليه تهافت الفراش وسقطوا فيه سقوط الذباب.","vol":"2","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ قال بعضهم: نسخ آخرها وهو الاستثناء أولها وقيل نسختها آية السيف</span>.\nقال القاضي ﵁:\nهذه غباوة والاستثناء لا يعد نسخا بإجماع من العقلاء وإنما هو نوع من التخصيص وقد بينا ذلك في موضعه والله أعلم.\nومن قال نسختها آية السيف، فقد أبعد المقال عن الصواب جدًا، لأن الآية لم تأت لبيان حكم فيدخلها النسخ، وإنما تهديد بعذاب الآخرة ووعيد بعقاب القيامة على ذنب هو الكفر، وذلك محتوم قطعا قال الله تعالى: ﴿فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>الآية الثالثة قوله تعالى: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ قالوا نسختها آية السيف</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nهذا وهم، ليس من باب الصبر على إذاية المشركين قبل الأمر بالإنتصار وإنما هو من باب الصبر على المصائب التي تنزل بالمرء، والأصل في ذلك أن القتال نزل","vol":"2","page":282},{"text":"بمكة بإجماع وهؤلاء الآيات مما نزل بالمدينة بإجماع، في غزوة أحد حين أصيب من الأنصار أربعة وستون ومن المهاجرين ستة فمنهم حمزة، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما لنربين عليهم، وقال النبي ﷺ، لأمثلن بسبعين منهم، فنزل. والنبي واقف. في أصح الروايات، جبريل ﵇ بخواتم النحل، فصبر النبي ﵇ وكفر عن يمينه.","vol":"2","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>سورة بني إسرائيل</span>\nفيها آية واحدة من النسخ، وهي قوله تعالى: ﴿ربك أعلم بك إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم، وما أرسلناك عليهم وكيلا﴾ وقد تقدم معناها في الأنعام وغيرها.\nذكر ما فيها من التخصيص: وهي ست آيات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>الآية الأولى قوله تعالى: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ قال بعضهم هذا منسوخ في الكفار، والصواب أنه مخصوص فيمن كفر مأمور به فيمن آمن حسب ما سبق بيانه في سورة براءة وغيرها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ تقدمت</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا﴾ يعني في قول السدي يسأل عن العهد ثم يدخل الجنة، حتى نسخها قوله تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة﴾ الآية</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nهذا باطل من وجهين: إحدهما أن قوله تعالى: ﴿إن العهد كان مسؤولا﴾ عنه لا يمنع إذا سئل عنه أن يعفي أو يعاقب، ثم جاء العقاب فكان بيانا لمسكوت عنه.\nالثاني: أن قوله: (يسأل عن العهد ثم يدخل الجنة، كذلك يقال بعد نزول الوعيد) لا يكلمه الله ولا ينظر إليه وله عذاب أليم ثم يدخل الجنة. وهذا واضح لمن تأمله والله أعلم.","vol":"2","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وزنوا بالقسطاس المستقم ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ قال السدي: نسخ ذلك، بقوله: ﴿ويل للمطففين﴾ الآية</span>.\nقال القاضي ابن العربي:\nوهذا فاسد بالمعنى المتقدم حرفا بحرف فإن قول القائل الإيمان خير من الكفر والطاعة أفضل من المعصية والوفاء في الكيل خير من البخس، لا يمنع من توجه العقاب عليه من بعد وهذا واضح أيضا والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ ذكر بعضهم أنه ناسخ لفرض قيام الليل في سورة المزمل</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nاختلف الناس في دخول النبي ﵇ في خطاب التكليف فمن لم يدخله فيه لم يتصور أن ينسخ ما في سورة المزمل من قوله: ﴿فتاب عليكم﴾ كما قوله له ﵇: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) ومن قال: إنه يدخل وهو الصحيح كما بيناه في الأصول قال إن قوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة﴾ معناه زيادة لك في فعلك، لتنال به المقام المحمود عند ربك، إذ لا يصادف ذلك ذنبا يكفر ولا سيئة تغفر، لأن المغفرة قد سبقت وذلك من خصائصه ﷺ على ما بيناه في سورة الأحزاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ قالوا: نسختها الآية التي في الأعراف وهي قوله تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك</span>","vol":"2","page":285},{"text":"تضرعا وخيفة، قال القاضي محمد بن العربي: قد بينا أن من شروط النسخ معرفة التاريخ والمعارضة، ولسنا نعلم ها هنا للآيتين تاريخا فنحكم فيها بالنسخ، ولا تعارض فإن الكلام على قسمين في النفس وهو الكلام حقيقة، وقسم باللسان وهو على ثلاثة أقسام: قسم خفي، وهو ما يسمع به المرء نفسه وهو السر، وقسم آخر يسمع به من يليه، وقسم عال وهو الجهر. والعالي من هذه الثلاثة هو المذكور في سورة بني إسرائيل هذه وقسم النفس هو المذكور في سورة الأعراف ودون الجهر من القول الذي يسمع به المرء نفسه وهو الثاني المذكور في سورة بني إسرائيل والآيتان واردتان موردًا واحدًا والله أعلم.","vol":"2","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>سورة الكهف</span>\nمكية بإجماع محكمة، جهل بعضهم فقال فيها آية واحدة منسوخة وهي<span data-type=\"title\" id=toc-185> قوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ </span>قال بعضهم: الآية عدها تخييرا والجماعة عدتها تهديدا.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nلا خلاف بين العقلاء في أنها تهديد يستحيل التخيير فيها، لأن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء شرعا ولا يأمر بالكفر عقلا ولا شرعا، لأن الأمر بالكفر محال إذ الأمر بالشيء يقتضي معرفة الأمر ضرورة والكفر هو الجهل، بالأمر والجمع بينهما محال فيستحيل الأمر بهما. أما أن معناها من التهديد هو الذي رفعه الأمر بالقتال لأن الله تعالى قال لنبيه ﵇ قل لهم: هذا الحق من ربكم فمن شاء قبله ومن شاء رده، ورده كفر، ثم قال لهم بعد ذلك، هذا الحق فإن لم تقبلوه قاتلتكم ويقاع المهدد به رفع للتهديد.","vol":"2","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>سورة كهيعص</span>\nمكية فيها من النسخ آية واحدة.\nقوله تعالى: ﴿إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ قد بينا في سورة آل عمران، من هذا القسم وقسم الأحكام أيضا، أن شرع قبلنا شرع لنا، وهذه الآية تدل على أن من قبلنا كان في صومه ترك الكلام ولكن لم يكن ذلك مشروعا عندنا ولا دخل في قوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ وشرع الله لنا الصوم ابتداء بتحريم الجماع والأكل والشرب في ايام الصوم خاصة، وأباح الكلام، فكان ذلك نسخا لشرب من قبلنا في جعل الصمت من جملة أركان الصوم فارتفع عنا ما كان مفروضا على من قبلنا والحمد لله.\nوهم: قال قتادة إنما جعل الله ذلك آية لمريم وابنها، ولا يحل لأحد ينذر صمت يوم.\nتذكرة: قال القاضي محمد بن العربي، قوله إنه لا يحل لأحد أن ينذر صمت يوم صحيح، فقد ثبت عن النبي ﷺ، واللفظ للبخاري عن ابن عباس رضي","vol":"2","page":288},{"text":"الله عنه، قال: (بينما النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا أبو اسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال النبي ﵇ فليتكلم، وليستظل وليتم صومه) فأبطل نذر الصمت، وبين أنه ليس ذلك في شرعنا. وقوله: إن جعل ذلك آية لمريم غير صحيح إنما جعل الله ذلك آية لزكرياء في يحيى حسبما تقدم بيانه في سورة آل عمران، فأما مريم فكان فيها نذرا صحيحا وارتفع ذلك كما بيناه آنفا في سورة آل عمران، والأحكام فلينظر هنالك والله أعلم.\nذكر ما فيها من آيات التخصيص، وهي خمس آيات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة﴾ قال بعضهم نسخ الإنذار آية السيف</span>.\nقال القاضي: الإنذار بالآخرة لا ينسخه الأمر بالقتال، فإنه ينذر ويقاتل وليس التخويف بالآخرة مرفوعا، بشيء، حتى إن الإيمان لا يرفعه والخوف والتخويف من الله لا يرده شيء ولا يرفعه إلى حين لقائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فسوف يلقون غيا﴾ قال بعضهم: نسخها قوله تعالى: ﴿إلا من تاب﴾ قال ابن العربي: هذا معنى قد بينا فساده من قبل في مواضع فتكراره عي</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ قال بعضهم نسخها قوله تعالى: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ الآية</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nليست هذه الآية من النسخ في شيء، وإنا هي من مشكل آيات الوعيد وذلك لأنا لو قلنا: إن الخلق كلهم يدخلون النار ثم يخرجون منها المتقون لم يكن ذلك","vol":"2","page":289},{"text":"بموجب نسخها لأن النسخ لا يكون إلا في التكليف لا في العذاب، ولو قلنا إن المتقين مستثنون من الواردين، لم يكن ذلك أيضا نسخا، وإنما يكون تخصيصا للعموم المقتضي بظاهره لورد الكل على النار. وبعد هذا فلا بد من الإشارة إليها ببعض كلامنا فيها لئلا يبقى الإيهام في قلوبكم منها.\nاختلف الناس في معنى هذه الآية على ثلاثة أقوال:\nالأول: قال ابن عباس ﵁، يدخل الخلق بأجمعهم النار ثم يخرجون منها، قال له نافع بن الأزرق، الم يقل الله ﴿لا يسمعون حسيسها﴾ فغضب ابن عباس وقال له: ويلك يا مجنون أين أنت عن قوله تعالى: ﴿فأوردهم النار﴾ وقال تعالى: ﴿حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ وقال تعالى: ﴿يقدم قومه يوم القيام فأوردهم النار﴾ أما أنا وأنت فسند خلها فانظر هل تخرج منها أم لا وما أرى الله بمخرجك منها لتكذيبك، فضحك نافع.\nالثاني: قال ابن رواحة وغيره ورودها المرورد عليها.\nالثالث: أن المراد بورود الكل لها عموم أخذ الحمى لكل أحد وهي حظه من النار. وقد روي عن ابن عباس ﵁ أن الورود هو المرو عليها وهو الصحيح، فأما الدخول فلا سبيل إليه من جهة الشرع، وقد قال الله تعالى:","vol":"2","page":290},{"text":"﴿أنتم لها واردون﴾ ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ فخصت الآية الثانية الأولى، وبينت السنة ذلك: ففي الصحيح أن أهل بدر والحديبية لا يدخل أحد منهم النار. وقال فيه ﷺ يوضع الصراط على متن جهنم أرق من الشعر وأحد من السيف، عليه كلاليب مثل شوك السعدان يخطف الناس بأعمالهم فيمر عليه الخلق كالريح المرسلة وكالبرق الخاطف وكاجاويد الخيل فناج مسلم ومخدوش مرسل، ومكردس في النار وذكر حديث الشفاعة وأنه يخرج منها من قال لا إله إلا الله، وآخر رجل يخرج منها صاحب الشجرة، وقد قال الله العظيم لنبيه ﵇: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ ومن أخذ القرآن دون السنة أو السنة دون القرآن فقد جهل وهما نور على على نور يهدي الله لنوره من يشاء هذا وكلمة ورد إنما تقتضي الوصول إلى المكان لا دخوله وأبعد الوجوه أن الكلمة تقتضي الدخول وهي مجاز في الوصول فإن لم تقتض الدخول فلا حجة فيها وإن اقتضت الدخول كنا بين مسألتين واضحتين إحداهما أن تحمل الكلمة على المجاز بدليل السنة أو تبقى حقيقتها وتخص هذا العموم في المتقين بقوله تعالى: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ وبقوله: ﴿لا يسمعون حسيسها﴾ وبنصوص أحاديث الشفاعة الجلية المفسرة للمشكل. هذا لباب النظر وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>الآية الرابعة قوله تعالى: ﴿قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا﴾ قال قوم: نسختها آية السيف</span>.","vol":"2","page":291},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nليس يخفي على كل متأمل أن قوله تعالى: ﴿فليمدد له الرحمن مدا﴾ دعاء المعنى من كان في الضلالة فطول الله في طغيانه، ولا خلاف بين الأمة أن الدعاء لا ينسخ بالقتال إنما ينسخ بدعاء يخالفه فإن قيل: فما معنى دعائه بذلك وبمثله قال نوح ﵇ في زوال الشفاعة عنه يوم القيامة: إني دعوت على قومي فالجواب أن نوحًا ﵇ لم يدع حتى قال تعالى: ﴿لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾ ومع هذا فإنه حمله الغضب عليهم، بما كانوا تولوا من إذايته واستمروا عليه من الكفر المدد الطويلة أن دعا عليهم ولم يصبر حتى ينفذ حكم الله فيهم، فكأنه استحي من أن يكون عليهم قاسيًا ثم سعود شافعًا، كما استحي عيسى ﵇ من أن يشفع لهم وقال إني عبدت مندون الله فكره أن يكون شافعا لمن كان على الله مقدما أدبا يليق بمرتبته ويقتضيه شريف منزلته والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿فلا تعجل عليهم﴾ قال قوم: نسختها آية السيف</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nليس في قوله تعالى: ﴿فلا تعجل عليهم﴾ معنى أكثر من أن الله تعالى أمره (بتأخير غرضه من) العذاب فيهم، وأعلمه أنه يعد أنفاسهم كما يعد سنيهم وآجالهم، وهو بعد ذلك آخذهم ومواخذهم يوم يحشر المتقين إليه في كرامة وشرف منزلة. أو","vol":"2","page":292},{"text":"أو يتم الكلام عند قوله تعالى: ﴿نعد لهم عدا﴾ فتكون فائدته إخباره أن ما يستعجله فيهم ويريده بهم أولهم، له وقت محدود وأجل معدود، فلا تعجل به قبل وقته. وقد أعرف النبي ﷺ عن ذلك نفسه بأمر ربه فقال: (ما عندي ما تستعجلون به) لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين. وهذا واضح لمتأمله والله أعلم.","vol":"2","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>سورة طه</span>\nهي مكية عنده بإجماع وفيها من النسخ ثلاث آيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾ قال بعضهم: نسخها فرض الصلاة لأنه كان قبل أن تنزل الفرائض ثم نزلت بعد</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nهذه غباوة وهذا أمر يتعلق بوصفين أحدهما بالتسبيح وهذا لا يجوز نسخه عقلا ولا شرعا، الوصف الثاني: التأقيت فيه وذلك مما يجوز نسخه، ولكن النبي ﷺ قد أخبر في رواية جرير هو من آخر من أسلم من الصحابة رضوان الله عليهم قال: كنا جلوسا مع النبي ﵇ ليلة فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال إنكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته (فإن استطعتم أن لا تناموا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) ثم قرأ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، وفيه وقرأ جرير فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ولعله أراد بالمنسوخ الأر بالصبر وهذا صحيح والله أعلم.","vol":"2","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قل كل متربص فتربصوا﴾ قال بعضهم: هي منسوخة بآية السيف</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nهذا المعنى، ومعنى قوله تعالى: ﴿فلا تعجل عليهم﴾ سواء، فإن التربص هو ترك العجلة بعينه ولا وجه لإعادته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾</span>.\nقال القاضي ابن العربي: هذه آية أولى في الترتيب النظامي الذي سطرنا قبلها ثالثة في الترتيب المعنوي لإشكال النسخ فيها وكونها سنة نسخت قرآنا، وذلك أن الله تعالى أخبر عن قوله لموسى أقم الصلاة لذكري، ومهما اختلفت الناس في أن شرع من قبلنا شرع لنا فلم يختلف أحد في هذه الآية أنها متوجهة إلينا لقول النبي ﷺ في الصحيح يوم الوادي: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ وهذا نص صريح في الزامنا العمل بها: ثم إنه ﷺ لما استيقظ وقد طلعت الشمس وخرج وقت صلاة الصبح فلم يبادر إلى الوضوء والصلاة لكنه أمر بالإرتحال ومشى حتى تعالى النهار وابيضت الشمس وذلك تأخير عن وقت الذكر المأمور به في الآية، فقال قوم:","vol":"2","page":295},{"text":"ذلك نسخ من الحديث للقرآن، وقال آخرون، لا ينسخ خبر الأحاد القرآن، وقال آخرون إنما آخرها لعذر، واختلفوا في العذر فنهم من قال إنما أخرها للشغل بالرحيل وكانت فائدة الرحيل احتراسا من العدو وخوفا مما أصابه من الناس من نائم لم يستيقظ بعد أو لأن هذا واد به شيطان كما قال في الحديث. وقد بينا في الأحكام أن معنى الآية أقم الصلاة لذكري فيها وذكري لديها، وقال أصحاب أبي حنيفة إن الآية مخصوصة بقوله ﷺ لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وقال إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع. وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب وقد بينا فساد ذلك من قولهم في شرح الحديث ومسائل الخلاف. وأما علماؤنا فقالوا إن تأخير النبي ﵇ الصلاة بعد الذكر نسخ لما في الآية ولا علينا لأي وجه كان التأخير ولا ينتفع به في التعليل لثبوت الحكم يقينا بفساد تأخير الصلاة بعد ذكر، وذلك مشهور مستفيض تلقته الأمة بالقبول حتى صار كالتواتر للإتفاق عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>ذكر آيات التخصيص: وهما آيتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقي﴾ قال بعضهم: هذا ناسخ لقيام الليل المفروض عليه في سورة المزمل</span>.\nقال القاضي ابن العربي:\nوذكر بعد ذلك تخليطا ليس من هذا الباب أعرضنا عن ذكره وهذا جهل، يروى عن مجاهد أن هذا في الصلاة مثل قوله تعالى: ﴿فاقرأوا ما تيسر","vol":"2","page":296},{"text":"منه﴾ كانوا يعلقون الحبال لصدورهم في الصلاة. وهذا لو صح أخف من الأول في الخطأ. وأجله قوله قتادة ما جعل الله القرآن شقاء وإنما جعله شفاء ورحمة ونورا ودليلا إلى الجنة. والذي عندنا أنه مثل قوله تعالى: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ فالقرآن منزل ليرتفع شقاء الدنيا الذي كان في رهبانية الكفر وشقاء الآخرة، في النار وأما الشقاء بقيام الليل فلا يقال فيه شقاء بحال. وقد كان ﷺ يقوم حتى تورم قدماه فيقال له أتفعل هذا وقد غفر الله لك ماتقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: أفلا أكون عبدًا شكورًا. فجعله شكرا ورحمة ولم يجعله شقاء وكلفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ولا تجعل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه﴾ قال بعضهم هذا محكم وذلك أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه وقرأ لهم سورة النجم فانتهت قراءته إلى قوله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى﴾ فقال تلك الغرانقة العلى وشفاعتهن ترتجي ثم مضى في قراءته حتى ختم السورة فقالت قريش: قد صبأ إلى ديننا. فسجد وسجدوا حتى لم يبق بمكة إلا ساجد غير الوليد</span>","vol":"2","page":297},{"text":"بن المغيرة فإنه أخذ كفا من حصى المسجد فرفعه إلى وجهه تكبرا وأنزل الله جبريل ﵇ فقال للنبي: ما هكذا أنزلت عليك؟ فقال: كيف أنزلت علي فأخبره بالقرآن على حقيقته. فاغتم ﷺ وحزن لذلك فأنزل الله تعالى يسليه ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم﴾ بأمره إلى بعيد فينسخ الله ما يلقي الشيطان فيرفعه، ثم يحكم الله آياته، ويبينها ويثبتها والله عليم بأمره حكيم بصنعته وتدبيره. فكان النبي إذا جاء جبريل بالقرآن يسابقه بلفظه ليقرأه على جبريل مرتين فأنزل الله، ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ونزل ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرآناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه﴾ فبقي بين بين، لا يقدر أن يقرآه مع جبريل، ولا يمكن أن يخالف الأمر حتى أنزل الله الأمان الأعلى سنقرئك فلا تنسى فصار هذا ناسخا لما كان قبله فلم ينس شيئا حتى لقي ربه.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nهذا الكلام كله فاسد، منه باطل قطعا وهو مازعم أن النبي ﷺ قاله من مدح الآلهة، ومنه باطل مطلقا، وهو هذا الترتيب في نزول الآيات وأسبابها فليس لشيء منه أصل وقد بينا في كتاب المشكلين وفي رسالة تنبيه الغني على مقدار النبي ما يغني عن كل أحد ولا يجد إليه سبيلا ملحد. والنبي ﷺ معصوم بإجماع الآمة عن الخطأ في التبليغ والكذب مطلقا لا سيما في القرآن منزه عن التباس الملك","vol":"2","page":298},{"text":"بالشيطان، أما إن الذي وقع أن النبي ﵇ كان يترسل في قراءته كما كان يتمهل في حديثه حتى لو شاء العاد أن يعده لأحصاه، فلما قرأ ﷺ النجم ألقي الشيطان في تلاوته وحاكاه فافتتن المشركون دون المؤمنين، وظنوا أن ذلك من كلامه ﵇ فحزن النبي لذلك فسلاه الله تعالى بأن قال: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى﴾ أي تلا القى الشيطان في تلاوته أي زاد على ما يتلوه، وهذا نص في أنه لم يقله ولكن الشيطان ألقاه في كلامه وزاده عليه. فتسلى النبي بذلك حين أتته الحقيقة فيه، وكشف الغطاء عنه، وانقضى الحديث كما وقع من غير زيادة فيه. فأما قوله تعالى: ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه﴾ فليس من هذا في شيء بل معناه: لا تمله على أحد حتى نبينه لك، في قول الطبري وغيره. ولو كان معناه معنى لا تحرك به لسانك، لتجل به\" فليس في ذلك معارضة لقوله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾ في ورد ولا صدر، روى ابن عباس ﵁ في الصحيح كان النبي ﵇ يقاسي في التنزيل شدة مما يحرك شفتيه، فأنزل الله: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه﴾ أي علينا جمعه في صدرك وتقرأه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه أي استمع قراءته ثم علينا بيانه أي نبينه لك، فكان رسول الله ﷺ يستمع إلى جبريل فإذا انطلق قرأه كما وعده الله تعالى فلعل، الله تعالى قال له أيضا: ﴿لا تعجل بالقرآن حتى يتم الملك من قراءته﴾ وأما قوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله﴾ فلا يصح أن يكون ناسخا لشيء من ذلك كله، لأنه لم يتقدم أنه نسى فيرفعه","vol":"2","page":299},{"text":"أو يدفعه قوله تعالى: ﴿فلا تنسى﴾ وإنما أخبر الله تعالى أنه سيقرئه وأنه لا ينسى إذا قرأه إلا ما شاء الله أن يرفعه من صدره، مما يذكره به بعد ذلك كما روى أنه قال في قاريء استمع إليه: لقد أذكرني كذا وكذا آية نسيتها. وما لا يذكره بعد فيكون رفعا محضا كنسيانه لليلة القدر ونحوها، وهذا إكرام منه له ومنة وتشريف له ﷺ.","vol":"2","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>سورة الأنبياء ﵈</span>\nنزلت بمكة، قالوا: ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nفيها آية منسوخة وهي قوله تعالى: ﴿فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء﴾ وهذه مسالمة نسختها الأر بالقتال. وقد أشكل فيها على الضعفاء معنى آيتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما﴾ قال بعضهم: هذا منسوخ بقوله ﷺ جرح العجماء جبار</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nهذا نبأ على معرفة حكم سليمان وداوود ﵉ في النازلة ولا سبيل إلى معرفته إلا بطريق صحيحة، وإذا لم يصح الطريق فلا وجه للقول فيه بحال، ثم نقول: لو صح لنا أن حديث ابن عباس ﵁ ثابت وهو أن الغنم أفسدت الكرم فقضي داوود ﵇، بالغنم لصاحب الكرم، لقرب ثمنها مما أفسد، فقال سليمان ﵇ غير هذا أرفق، وهو أن تكون الغنم بيد صاحب الكرم يستغلها ويأخذ صاحب الغنم الكرم فيقوم عليها حتى يعود إلى حاله ويرجع إلى كل أحد ماله، لم يعترض عليه قول محمد ﷺ جرح العجماء جبار لإجماع الأمة على أن جرحها لا يكون جبارا مع كون صاحبها معها، راكبا أو قائدا أو سائق. وإنما يكون جبارا مع انفرادها على وجه الإنفراد دون أن ينفرد على وجه التعدي","vol":"2","page":301},{"text":"والإهمال، ألا ترى إلى ما روى مالك في الموطأ وغيره أن ناقة لآل البراء أفسدت حائطا لقوم فقضى رسول الله ﷺ أن على أصحاب الثمار حفظها بالنهار وضمن أصحاب الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل اختلف الناس في ذلك اختلافا كثيرا بيناه في كتاب الأحكام، ومسائل الخلاف. فإن كان داوود وسلمينا صلوات الله عليهما ضمنا على وجه، فقد ضمن محمد ﷺ على وجه، فيكون النسخ لو صح وجه حكم سليمان وداوود بخلاف حكم محمد ﵈. فأما وقد خفي علينا لعدم الطريق الصحيحة بكيفية ذلك فلا نقول فيه بنسخ ولا موافقه والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ الآيات الثلاث قال بعضهم: نسختها الآيات الثلاث بعدها: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ وذلك أن قريشا لما سمعت الآيات الثلاث الأولى إلى قوله تعالى: ﴿وهم فيها لا يسمعون﴾ قالت قريش قد خصمنا محمدًا فإن عيسى والملائكة قد عبدت من دون الله. فأنزل الله: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ إلى قوله: ﴿توعدون﴾ فبين</span>","vol":"2","page":302},{"text":"الله تعالى المراد وأفسد الانتقاد وحسم داء العناد، وأذعنت لذلك قريش وهذا يبطل أن يكون ناسخا من وجهين ظاهرين:\nأحدهما: أن الأول عموم والثاني خصوص، والخصوص لا ينسخ العموم وإنما يخصه كما بيناه في غير موضع، الثاني أن هذا ليس بتكليف بحكم ولا بفعل تعلق بأمر ونهي، وإنما هو وعيد ووعد وليس فيها نسخ إلا على الوجه الذي قدرناه من ارتفاع سبب الوعيد ليرتفع الوعيد بارتفاع سببه، وهذا بين لمن تأمله، والله أعلم.\nاسترسال:\nلما كثر القول من المتسورين على علوم القرآن فيها انتهى ذلك بقوم إلى أن يقولوا إنه روي عن النبي ﷺ أنه قال لقريش: عجبت من جهلكم بلغتكم أن حملتكم على كفركم، قال الله: ﴿إنكم وما تعبدون﴾ ولم يقل إنكم ومن تعبدون، لأن ما خطاب لما لا يعقل، ومن خطاب لمن يعقل.\nتقييد: هذا خبر موضوع لا أصل له في السقيم فكيف في الصحيح، ولا في الضعيف فضلا عن القوي، ويدفعه القرآن، فإنه لو كان كما وضع هذا الملحد لما افتقرنا إلى الجواب بالآيات الثلاث، ولكان فيما وبخهم به كفاية. وأيضا فإنه كان يجب أن يقال، إن من سبقت لهم منا الحسنى، فتكون الآية مطابقة للحديث، ولكنه جاء بكلمة الذين التي هي معنى كلمة ما فيكون معنى الآية الأولى أنكم والذين تعمدون من دون الله وتكون الآية الثانية تخصيصا صحيحا باللفظ للفظ وبالمعنى للمعنى، ونحن لا نحتاج إلى هذا كله ونعوذ بالله من التكلف للحق فكيف بالتكلف للباطل؟","vol":"2","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>سورة الحج</span>\nمن فواضل القرآن وغرائبه، جمعت من أنواع القرآن ليليا ونهاريا ومكيا ومدنيا وسفريا وحضريا وحربيا وسلميا وناسخا ومنسوخا ومحكما ومتشابها فيها سجدتان، واختلف في عدد آيها اختلافا كثيرا بيانه في موضعه، فيها من النسخ آيتان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير﴾</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nهذه الآية ناسخة لكل آية في القرآن تقتضي التوقف على القتال من ترك وإعراض وصفح ونحوه. ويروى عن الصديق ﵁ أنه قال: لما سمعت هذه الآية علمت أنه سيكون هناك قتال \" خرجه أهل السنة والتفسير.\nغفلة: روى بعضهم عن ابن زيد أنه قال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾.\nتنبيه: قال القاضي محمد بن العربي: بل الآية بإذن في القتال نسخت هذه الآية لأنها نسخت أمثالها بإجماع من الأمة، ويستحيل أن يبقى الترك مع الأمر بالقتال فكل ما في القرآن من نظائره فإنه جميعه منسوخ به حتى قوله: ﴿ذرهم","vol":"2","page":304},{"text":"يأكلوا ويتمتعوا﴾ وقوله تعالى: ﴿ثم ذرهم في خوضهم يلعبون﴾ كله منسوخ بالإذن في القتال والأمر به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون﴾</span>.\nقال القاضيك هذه مسالمة نسختها آية القتال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>ذكر آيات الخصوص وهي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا﴾ قال بعضهم ذبح الضحية ناسخ لكل ذبح كان قبله، حتى قال محمد بن الحسن، إنه ناسخ لذبح العقيقة الذي كان في صدر الإسلام وقال بعضهم: إن الأمر بالأكل نسخ ما كانوا عليه مما يعتقدونه من تحريم لحوم الضحايا على أنفسهم</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nلم تكن شريعة من لدن آدم إلى محمد ﵉ إلا والذبح فيها مشروع حتى جاءت ملة إبراهيم فشرع الله فيها القربان يوم عشر من ذي الحجة، فصارت سنة إلى يوم القيامة، ثم اتخذ الناس ذبائح في أوقات مختلفة منها ذبيحة رجب. واختلف العلماء في ذلك ففي صحيح مسلم عن النبي ﵇ أنه قال: على أهل كل بيت في كل عام (اضحاة وعتيرة) وشرعت الهدايا حتى في ملة الإسلام، وصارت ذبائح الإسلام أربعا: أضحية، رجيبة، هدي، نذر. فأما الأضحية فاختلف العلماء فيها على قولين: أحدهما أنها واجبة وقيل مستحبة، وأما الرجبية فمنسوخة بما بيناه في كتاب الأحكام، والعمدة فيه قوله ﷺ: لا فرع ولا عتيرة أتدرون ما العتيرة؟","vol":"2","page":305},{"text":"هي الرجيبة. وأجمعت الأمة على نفيها فكان عملا بأحد الحديثين فسقط الآخر ويعتضد هذا بأن النبي ﷺ وأصحابه لم يذبحوا رجيبة قط. وأما العقيقة فهي سنة مؤكدة. قال النبي ﵇ واللفظ لأبي داوود: مع الغلام عقيقته فأهرقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى، وعن أم كرز الكعبية في المصنفات: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (عقوا عن الغلام بشاتين متكافيتين وعن الجارية بشاة، لا يضركم اذكرانا كن أم إناثا) وقد روى النسائي عن علي ﵁ أن النبي ﵇ عق عن الحسن بشاة.\nوأما الأكل من الضحايا فروى علي وابن عمر ﵄ أن النبي ﵇ نهى عن أكل الضحايا بعد ثلاث. وروت عائشة أن النبي قال: إنما نهيتكم من أجل الدافة فكلوا وتصدقوا وادخروا، وقال جابر عن النبي ﵇ مثله، فثبت النهي وثبت النسخ وعلة النهي الذي زال بزوالها وهي الدافة التي دفت. وروى ثوبان أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع وقد ذبح ضحيته: أصلح لحم هذه. فلم أزال أطعمه منها حتى قدم المدينة\". وهذا صحيح كله ولفظه لمسلم.","vol":"2","page":306},{"text":"وأما الهدايا فهي أقسام: منها ما يوكل باتفاق ومنها ما لا يوكل باتفاق، ومنها مختلف فيه. وقد بينا ذلك في الأحكام والمسائل وليس هذا من باب النسخ في الآية بحال، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ نسختها قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nقد تكلمنا عن قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ بما يغني عن إعادته، فأما قوله تعالى: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ فحق جهاده أن يفعل ما أمره به ويتجنب ما نهى عنه، فهذا هو حق الجهاد، وهذا مما لا يصح أن ينسخ وذلك معنى يتحقق، فإن العبد كسلان والنفس خوانة والقلب رواغ، فيجب على العبد أن ينشط لما كلف ويتحرز من خائنة الغرور ونفوذ الرواغ إلى الحق قودا لا يوجد سبيلا إلى العدول عن الظاهر، وهي غاية التوفيق ومنه من الله تعالى على عبده.\nوتحتمل هذه الآية أن تكون مكية ويكون حق الجهاد في مجاهدة الأعداء بالجدال، ويحتمل أن تكون مدنية فتكون مجاهدة الكفار بالقتال. ومجاهدة الأعداء بالجدال لم يزال ولا يزال، وأعدى عدو لك نفسك وزوجك وولدك. والمرء مفتقر إلى مجاهدة الجميع وسياستهم على الطاعة وليهم على الاسترسال على الشهوات والإنهماك في اللذات والخلود إلى الراحات: وفي الأثر: ليس عدوك الذي إن قتلك أدخلك الجنة، إنما أعدى الأعداء إليك نفسك، ويقال: الجهاد الأصغر جهاد الكفار، والجهاد الأكبر جهاد الأنفس، وهو عندهم قوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ والله أعلم.","vol":"2","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>سورة المؤمنين</span>\nفيها من المنسوخ آيتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فذرهم في غمرتهم حتى حين﴾ هذا منسوخ بآية القتال</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>الآية الثانية: ﴿ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون﴾ هذا منسوخ بآية القتال وفيه رد على القدرية الذين يجعلون الحسن والقبيح صفتين ذاتيتين للشي، وهو فاسد فإن الإعراض والصفح عن الكفار كان حسنا، ثم لما أمر بالقتال صار قبيحا، فدل على أن الحسن والقبح صفتان شرعيتان، وأن الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه</span>.\nذكر آيات الخصوص: وهي آية واحدة:\nقوله تعالى: ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ ذكروا عن ابن سيرين أن النبي صلى الله عله وسلم كان ينظر إلى السماء في صلاته فلما نزلت هذه الآية ترك ذلك ونظر حيث يسجد. وروى عن غيره أن المؤمنين كانوا يلتفتون في الصلاة ويتكلمون فنسخ الله ذلك.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nالخشوع هو سكون القلب على المقصود من غير التفات إلى غيره، وسكون الجوارح عن التقلب في غير المفعول قصد القربة في الوجهين. وليس النظر إلى السماء","vol":"2","page":308},{"text":"مما ينفي الخشوع، لأنه محل الأرزاق وقلبه الدعاء، والنظر إلى السماء في الصلاة ممنوع شرعا، قال النبي ﷺ في الصحيحين لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم، قال: علماؤنا: لأن السماء قبلة الدعاء، والكعبة قبلة الصلاة، فإذا رفع رأسه إلى السماء في الصلاة فقد نبذ قبلته وخالف عقد نيته في أول صلاته، وسمعت بعض الأشياخ يقول: إن خطف البصر هو صرفه عن الإعتبار. وحديث ابن سيرين باطل، وما روى غيره لا أصل له، إنما روى في الصحيحن: إنا كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت. فالقتوت هو ترك الكلام، والخشوع هو ترك التلفت بقلبه أو بجوارحه إلى غير ما هو بسبيله. فلم تنسخ الآية شيئا ولكنها بينت أصلا. وقد روى الترمذي والنسائي أن النبي ﷺ كان يلتفت في صلاته ولا يلوي عنقه خلف ظهره. وقد نظر إلى خميصة ونظر إلى قدام عائشة ﵂. وهذا كله مما لا يؤثر في الخشوع وقد بيناه في المسائل وشرح الحديث.","vol":"2","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>سورة النور</span>\nفيها من النسخ آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم﴾ هذا منسوخ بآيات القتال، المعنى: قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل من التبليغ وعليكم ما حملتم من القبول. وقد جعل عليه بعد ذلك أكثر من التبليغ وهو القتال، فقال ﵇: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.\nذكر آيات الخصوص: وهي تسع آيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ وقال أيضا ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ فأجمعت الأمة على تخصيص قوله الزانية والزاني في المماليك بإسقاط نصف العدد عنهن، وعلى إسقاط الرجم عنهن لأنه لا ينتصف</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين﴾ قال ابن المسيب نسخت هذه الآية التي بعدها ﴿وأنكحوا الأيامي منك والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾</span>.","vol":"2","page":310},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي:\nهذه الآية من مفضلات القرآن. فإنه بلفظ الخبر، وإذا أخبر الله عن أمر فلا يقع إلا كما أخبر، فلما رأى الناس الزاني يتزوج العفيفة والزانية تتزوج العفيف أعظموا أن يتعارض الوجود والخبر، فقالوا إن معناها الأمر، إذ يوجد مأمور الله بخلاف أمره ولا يصح أن يوجد خبره بخلاف مخبره وقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين﴾ عام في إنكاح كل أيم كانت زانية أو لم تكن فرفع ذلك الأمر ذلك النهى. ومن عجب القضاء وكله عجب، أنه لا يعلم أي آية نزلت قبل الأخرى، ولا يصح نسخ إلا بعد هذا، وأعجب منه: وأغرب أن قوله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ عام وقوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية﴾ خاص فكيف يصح في معقول أحد أو ينتظم على لسان محصل أن العام يرفع الخاص ويدفعه وينفيه ويزيله لولا الحرمان. وهذا الإشكال هو الذي أوقع ابن مسعود ﵁ في أن يرى أنه إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها فهما زانيان ما عاشا، وأوقع الحسن في أن يقول إن الزاني المحدود لا ينكح إلا زانية محدودة وقد شرحنا في الأحكام معناها، وتحريره أن النكاح ها هنا لا يخلو أن يراد به العقد أو يراد به الوطء، كما روي عن ابن عباس الحبر البحر فإن معناه لا يكون زنا إلا بزانية ويعد أنه زنى من الجهتين. فإن قيل فإن زنى عاقل بمجنونة أيكون زنى من الجهتين؟ قلنا: نعم لكن يسقط الحد من الجهة الواحدة والأثم. فإن قيل: فبأي وجه يكون زنى وقد زالت فائدته؟ قلنا بالاسم، ويبقى الحكم على بابه، وإن أريد به العقد كان معناه أن يتزوج الزاني زاني ويتزوج الزاني زان. وتزويج الزانية إما أن يكون قبل استبراء رحمها فيكون زنى لا حد فيه لاختلاف العلماء، أو يكون بعد الإستبراء فذلك جائز ولا يكون زنى، فيحمل الآية على أن النكاح بمعنى الوطء أو بأحد معنى العقد والله أعلم.","vol":"2","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ الآية: قالوا: نسخها الله بقوله: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ الآية</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nليس هذا بنسخ إنما هو إخراج بعض ما يتناوله العموم لصلاحية اشتماله عليه أو بوجوب اشتماله عليه عند آخرين. والصحيح خروجه بعد تناوله. ثبت في الصحيح واللفظ للبخاري عن ابن عباس ﵁، أن هلال بن أمي قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال له النبي ﷺ البينة أو حد في ظهرك، قال: يا رسول الله، إذا راي أحدنا على امرأته رجلا، ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول له: البنية، وإلا حد في ظهرك. فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق فلينزلن الله ما يبريء ظهري من الحد، فنزل جبريل ﵇ وأنزل عليه: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿إن كان من الصادقين﴾ فانصرف النبي ﵇ فأرسل إليها فجاء هلال فشهد والنبي يقول: إن الله يعلم إن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا إنها موجب. قال ابن عباس:","vol":"2","page":312},{"text":"فتكلمت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت وقال النبي ﷺ: ابصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين، خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء، فجاءت كذلك، فقال النبي: لولا ما مضى من كتاب الله كتاب لي ولها شأن، فحكم النبي ﵇ عليه بحكم العموم، فإنه يحد للقذف إن لم يأت بالبينة على الزنا حتى أخرج الله تعالى بالآية الأخرى الأزواج على الجملة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة ابدًا وأولئك هم الفاسقون﴾ قالوا نسخها قوله تعالى بعد ذلك، ﴿إلا الذين تابوا﴾ فاقتضي ذلك قبول الشهادة من القاذف إذا تاب. وهذا ليس بنسخ وإنما هو استثناء وذلك ليس بنسخ بإجماع كما بيناه في غير موضع</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nاختلف الناس في هذه الآية اختلافا كثيرا وقد بيناه في غير موضع ومنه في كتاب الأحكام ومعظمه في ملجئة المتفقهين من طريق الإعراب، وهذا وإن لم يكن من باب النسخ، لكن القلوب تتشوف إليه لعسر الكلام فيه، فتذكر منه ما ينبه على المقصود فيه: وذلك أن الناس اختلفوا في كيفية رد شهادة القاذف، فمنهم من ردها قبل الحد وبعده وهو قول شريح ومنهم من ردها بعد الحد وهو قول أبي حنيفة وغيره، ومنهم من ردها قبل التوبة وقبلها بعد وهومالك والشافعي وجماعة واجتمعت الأمة على أن الحد واجب بكل حال، فأما أبو حنيفة فرأي أن رد الشهادة من جملة الحد، ويحتج بأن قبول الشهادة ولاية قد انعزل عنها بالحد فإنه تنفيذ قول الغير على الغير بمنزلة القضاء وجعلت العقوبة على القذف في محل الجناية، وهو اللسان تغليظا لأمرها. ورأي علماؤنا أن رد الشهادة لعلة الفسق وقد زال بالتوبة، والحكم يزول بزوال العلة كما في سائر المعاصي ويتعلق","vol":"2","page":313},{"text":"بالمسألة مما عدوه من أصول الفقه: أن الاستثناء بقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ هل يرجع إلى الجمل المتقدمة أو إلى أقرب مذكور؟ وقد بيناه في أصول الفقه، والذي نذكر الآن منه أن المتكلم بالاستثناء بعد الجمل يحتمل أن يرده إلى الجميع ويحتمل أن يرده إلى الجملة التي تليه، ويقف ذلك على الدليل، وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ وهو رأس اللغات والأحكام يقول لأبي بكرة بعدما جلده على شهادته على المغيرة بن شعبة بالزنا: تب أقبل شهادتك، فيقول له أبو بكرة: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن المغيرة بن شعبة زنى بجارية بني فلان وبذلك أقول: وقال أصحاب الرد للشهادة: كيف يرجع الاستثناء إلى الكل وذلك ختلف لفظا وإعرابا ومعنى: أما اختلافه لفظا فلأن بعضه اسم وبعضه فعل، وأما اختلافه معنى فلأن بعضه نهي وبعضه خبر، وأما تباينه إعرابا فلأن قوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾ إن رجع إلى الضمير في قوله: ﴿لهم شهادة﴾ كان موضعه خفضا، وإن رجع إلى قوله: ﴿الفاسقون﴾ كان موضعه نصبا، والخفض والنصب ضدان لا يجتمعان وأما اختلافهما حكما فإن الجلد لا يدخله الاستثناء شرعا، والفسق دخله الاستثناء.\nقلنا: قد بينا في رسالة الملجئة تحقيق ذلك، ومهما كان في ذلك اختلاف أو كانت له أمثلة فإنه إذا عطف فعل على اسم فإنه جائز لغة مسموع شرعًا، وإذا عطفت الجمل على الجمل فلا تبال باختلاف المعاني فيها، وإنما يراعي ما قلتم في المفردات على صفات، وجمع جملة النهي إلى جملة الخبر ها هنا من أفصح وجود الكلام، ويعضد هذا أن قوله تعالى: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ تعليل لرد الشهادة، لأن الفسق علة توجب الرد للشهادة، وزوال العلة يوجب توالي الحكم، وإذا انعطف الإستثناء على العلة انعطف على المعلول. وأما اختلاف الإعراب فقد بيناه في الملجئة، والمعتمد عليه ها هنا أن قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾","vol":"2","page":314},{"text":"يرجع الاستثناء إليه، ويكون موضعه نصبا، وإن شئت رفعا، كما قال: جاءني القوم إلا زيدًا وإلا زيد، والجلد لم تسقطه التوبة بالإجماع عليه، وقوله: ﴿أبدًا﴾ لا يوجب التمادي على الآباد كما قال أبو حنيفة في قوله: المتلاعنان لا يتناكحان أبدًا. ثم قال إذا أكذب نفسه جاز له ردها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة﴾ قال بعضهم: نسخت هذه الآية قوله: ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nقد بينا أن الحنث بالكفارة لا يكون نقضا لليمين، في سورة النحل، وغيرها، أما إن الناس اختلفوا فيمن خلف أنه لا يفعل طاعة أو أن يفعل معصية، هل تنعقد يمينه أم لا؟ وقد بينا ذلك في الأحكام ومسائل الخلاف وفي الصحيح لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم، وفي حديث عمرو بن شعيب واللفظ لأبي داود: (ولا في قطيعة رحم) وذلك داخل في المعصية","vol":"2","page":315},{"text":"وكان ابو بكر ﵁ يصل رحمه بما ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه فلما تكلم في شأن عائشة حلف ألا ينفعه أبدا فعاتبه الله فيه، فرجع أبو بكر إليه بما كان ينفقه عليه. وكذلك قال العلماء في يمين أبي بكر ﵁ ألا يأكل الطعام مع أضيافه حين تلبث عند النبي ﷺ حتى أبهار الليل وجاء وألفاهم لم يفطروا فحلف الا يأكله، ثم ربا الطعام فلم يكف عنه ولكن شيئا من الأثرين لم تجر فيه كفارة وسواء جرت الكفارة فيه أو لم تجر، لم يكن ذلك نقضا لليمين لما بيناه هناك. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا﴾ قالوا: روى عن ابن عباس ﵁ أنه نسخا قوله تعالى: ﴿ليس عليكمجناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة﴾</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nوعجبا لهذه الطائفة: يقول الله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ ثم يقول: ﴿ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة﴾ فلا يجوز أن تكون هذه الآية خاصة للتي قبلها فكيف ناسخة؟ لأنه قال في الآية الأولى: ﴿لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ هذا تقديره قطعا، ثم قال: ﴿لا جناح عليكم أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة﴾ فهو بيان لحكمين مختلفين في حادثين","vol":"2","page":316},{"text":"مختلفين، فأي معارضة بينهما حتى يقال إنها تخص أو تنسخ؟ وهذا أوضح من بيان له. وفي كتاب الأحكام فسرت هاتين الآيتين على المراد. إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ قال بعضهم: أمر الله المؤمنات جميعا بذلك. قال ابن عباس: نسخها قوله تعالى: ﴿والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا﴾ الآية. وأباح لهن الجلابيب التي تستر الزينة</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nقال بعضهم: آية القواعد خصصتها، وتحقيق القول المتنخل في المسألة أن ينظر إلى معنى الآيتين ويقابل كل واحد منهما بصاحبه فتظهر الموافقة والمعارضة، فنقول: قد بينا في كتاب الأحكام أن الزينة على ضربين: خلقية وكسبية، فالخلقية الوجه، والكسبية الحلي والثياب والكحل والخضاب. ولما قال الله تعالى: ﴿ما ظهر منها﴾ علمنا أن منها باطنا، واختلف في الظاهرة على اربعة اقوال:\nالأول: أنها الثياب.\nالثاني: أنها الحلي.\nالثالث: أنها الخاتم ونحوه\nالرابع: أنه الوجه والكفان.\nوالزنية الباطنة عند مالك هي الخضاب وقال غيره: هو القرط والدملج والخلخال، فهذا ما قيل في هذه الآية، وأما وضع القواعد لثيابهن، فقال ابن مسعود","vol":"2","page":317},{"text":"﵁: هو الجلباب، وقيل هو الخمار، فأذن الله لمن لا يتعلق بال الرجال بهن لكبرهن، أن يضعن جلابيبهن غير قاصدات لإظهار زينة بهن ومنع الفتيات اللاتي يتعلق بال الرجال بهن وهن موضع لشهواتهم من إبراز زينتهن بحال، إلا ما ظهر منها وذلك الوجه والكفان، الذي لا يستر في الصلوات، ويطلع عليه في الشهادات ويكون الإحرام به في الحج. فمعنى الآيتين محتلف والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>الآية الثامنة قوله تعالى: ﴿يا ايها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر﴾ الآية</span>.\nقال ابن المسيب: هي منسوخة، ولم يذكر ناسخها، وقال ابن عباس ﵁: هذه الآية إنما نزلت إذ كانت البيوت دون غلق، فلما اتخذ الناس الأغلاق زالت. يريد أن الغلق يوجب الإذن إذ لا يدخل حتى يستفتح.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nإن الله سبحانه أمرنا بالإذن في البيوت كما تقدم في بيان قوله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم﴾ كما بينا في غير موضع وإنما كان الاستئذان لئلا يطلع البصر على ما لا ينبغي وما لا يحل، ثم قال سبحانه بعد ذلك: ﴿أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾ فأباح النظر إلى ظاهر النساء لهن. فلما لم يلزم غض البصر، لهذين الصفين، لم يلزم الإذن لهما لقول النبي ﷺ إنما","vol":"2","page":318},{"text":"جعل الاستئذان من أجل البصر، فإذا أطلق البصر لهما عليهن لم يلزم الاستئذان فيهن. ثم قال تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا﴾ فيهن بالنطق، حكم من بلغ في الاستئذان، وقد كان تبين بدليل الخطاب حين قال: ﴿والذين لم يبلغوا الحلم﴾ ولكن دليل الخطاب لما كان مختلفا فيه ومشكلا في معانيه بينه بالنطق، الذي لا إشكال فيه وكل ذلك محكم على حاله، وإذا كان للباب غلق فالغلق يلزم الإذن، وإن كان مفتوحا وجب الإذن بالنص، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج﴾ قال بعضهم فيها خمسة أقوال: الأول قال ابن زيد من قوله تعالى: ﴿ولا على أنفسكم﴾ منسوخة بقوله: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ وبالإجماع على تحريم مال المسلم إلا بإذنه. وقاله أبو عبيد</span>.\nالثاني: قال ابن عباس ﵁: لما نزلت: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ امتنع الناس أن يأكل أحد طعام أحد، فنزلت هذه الآية رخصة نسخت ذلك.\nالثالث: انها ناسخة لتحرجهم الأكل مع الأعمى.\nالرابع: أن الآية محكمة نزلت في المجاهدين يخلفون ويضعون مفاتيحهم عند الناس لعذرهم وعند قرابتهم فأذن الله لهم في الأكل منها.\nالخامس: أن قوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج﴾ نزل في التخفيف لعذر الجهاد وهو محكم.","vol":"2","page":319},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي:\nهذه الآية مشكلة ليس للنسخ فيها طريق وإنما هي محكمة لبيان معان من الشريعة بديعة، وبسط ذلك في الأحكام فلينظر فيه. ومختصره أن الأقوال المتقدمة فيها بعض ما قيل فيها، ومنها ما ينتظم ومنها ما لا ينتظم، ولو سكت من لا يعلم لقل التلكم وظهر الحق معجلا، وتحقيق القول أن الله نفي عن الأعمى والأعرج والمريض الحرج، وذلك لا يختص بحكم دون غيره مما تعطيه أحوالهم فكل تكليف يتعلق بالبصر فقد سقط عن الأعمى، وكل تكليف يتعلق بالأعرج قبل عرجه، ولا يمكنه فعله معه فقد سقط عنه فعله، وكل فعل يتعلق بالمريض أي مرض كان ولا يمكن معه فقد سقط عنه تكليفه. وقوله تعالى: ﴿ولا على أنفسكم﴾ يريد به جميع الناس، واجتمع مخاطب بالقول وغير مخاطب فغلب المخاطب ليطرد القول وينظم المعنى جميع من ذكر من أعمي وأعرج ومريض وأصحاب السن ومنه وقوله تعالى: ﴿من بيوتكم﴾ يعني ما كان للرجل وعياله ومن يختصه من أولاده، وقوله تعالى: ﴿من بيوت آبائكم﴾ إلى آخره، يعني إذا كان الطعام مبذولا فإن كان محتزنا لم يجز لأحد منهم التعرض له. وفي تلك البلاد عادة من الاسترسال بين من ذكر ليس في بلادنا هذه، ورأيت ذلك بالشام خصوصا، كثيرا وقوله تعالى: ﴿أو ما ملكتم مفاتحه﴾ يريد ما كنتم خزنة عليه، فلا بأس عند محاولة الأخذ منه والإعطاء من الأكل، وقوله تعالى: ﴿أو صديقكم﴾ فالأصدقاء أكثر من الآباء، وذلك في المبذول اليسير، وأهل بلادنا هذه لا يفهمون هذه الآية لأنه ليس فيهم صديق ولا صديق، وقوله تعالى: ﴿جميعا أو أشتاتا﴾ نفي الحرج فيه عما يخطر ببال الآكل من الجماعة من زيادة واحد عن آخر فذلك جائز ما لم يقصد الزيادة، وقد قال ابن عمر ﵁ في قوم يأكلون تمرا: نهى النبي عن الإفراز إلا أن يستأذن الرجل أخاه وتكملته حيث قلناه، فلينظر فيه والله أعلم.","vol":"2","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>سورة الفرقان</span>\nليس فيها نسخ، لكن فيها آيتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ قال بعضهم: أكثر الناس على أن قوله سلاما منسوخ بآية القتال، وقوله: سلاما من التبرؤ وليس من التحية</span>\nقال القاضي محمد بن العربي:\nقد بينا في الإملاء لأنوار الفجر، والأحكام، معنى الآية على التمام، ومذهب سيبويه فيها أن السلام من البراءة لا من التحية. والذي يصح في ذلك أن الظاهر ها هنا بقول سلاما يحتمل التحية ويحتمل القول السداد، ولم يتعين أحدهما، وأي الوجهين كان فإن الآية مخصوصة في الحديثين بالأمر بالقتال باقية في أهل الذمة ومن جهل من المسلمين على المسلمين فإن من الحسن حمل جفاء المسلم للمسلم، ما لم يعد ذلك عليه بذلة أو مضرة، ولا بأس بأن يسلم عليه بالتحية ويقابله بالقول الحسن. وأما الذمي فقد أذن الله في ملاينته وبره، لا في احتمال جفائه فإن ذلك لا يجوز لمسلم بحال.","vol":"2","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون من الله إلها آخر﴾. الآيتين. قد بينا أنها خاصة بمن تاب خاصة لمن قتل متعمدًا على كل الوجوه في هذا الكتاب والأحكام، فإن كان قوله: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾ عاما في تلك الآية، فقوله هنا: ﴿إلا من تاب﴾ تخصيص له في هذه الآية ويحمل المطلق على المقيد فينتظم المعن. وإن نظرنا إلى هاتين الآيتين خاصة فالأية الأولى عامة، لكن الاستثناء خص منها التائب، فإن قيل: هو وإن كان بصيغة الاستثناء فإنه نسخ لأن الآية الثانية تأخرت عن الآية الأولى سنة، قلنا وتأخرها عنها لا يوجب صفة النسخ لها، لأنها لا تعارضها، فإن المخصوص لا يعارض العام وما لم يستوف شروط النسخ فليس بمنسوخ، والله أعلم</span>.","vol":"2","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>سورة الشعراء</span>\nليس فيها نسخ:\n\nوقد ذكر الناس فيها<span data-type=\"title\" id=toc-225> قوله تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾ </span>قالوا نسخها قوله تعالى: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ وقد بينا أن الاستثناء ليس بنسخ.","vol":"2","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>سورة النمل</span>\nفيها آية واحدة وهي<span data-type=\"title\" id=toc-227> قوله تعالى: ﴿فقل إنما أنا من المنذرين﴾ </span>نسختها آية القتال، وقد تقدم.","vol":"2","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>سورة القصص</span>\nفيها آية واحدة وهي<span data-type=\"title\" id=toc-229> قوله: ﴿سلام عليكم لا ينبغي الجاهلين﴾</span>. قالوا: نسختها آية القتال.\nوالصحيح أنها محكمة، معناها التبرؤ وليس التحية.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nقد قدمنا من قولهم أن قوله في سورة الفرقان قالوا سلاما معناه التبرؤ، فاستوي في المعنى المنصوب والمرفوع عندهم، ويشبه أن يكون ذلك لأن الفعل اتصل بالمصدر هنالك، فاختار النصب، وبعدها هنا عن الفعل وحالت بينهما جملتان فاستأنف القول. ونحن نقول في هذه الآية ما قلناه في الأخرى: إن المعنى إن كان التحية فهي مخصوصة في الكفار باقية في بغاة المسلمين. وإن كانت بمعنى التبرؤ فذلك باق من البراءة مع القتال فإنها لا يتنافيان بل يعتضدان، والله أعلم.\nوهم: قال بعضهم: يدخل في هذا الباب من هذه السورة قصة موسى ﵇ وتزوجه على أحد الأجلين وذلك غير معمول به، وتزويجه بأجرة بدنه ولم يعمل بها بعد وذلك غير معمول به، وتزويجه إحدى المرأتين غير معينة ولايعمل به وتزويجه بغير تقديم شيء من النقد وذلك يختلف في جوازه.\nذكرى: قال ابن العربي ﵁: ليس في جميع ما ذكر من النسخ حرف، وإنما هو من الأحكام، أما قوله: إنه زوج على أحد الأجلين، فلم يكن ذلك، إنما زوج على أجل معلوم، وقال له: إن زدتني كذا فمن عندك تطوع. وأما تزويجه بأجرة بدنه فمعمول به، وكذلك ترك تقديم شيء من النقد قبل الدخول فمعمول به،","vol":"2","page":325},{"text":"وذلك كله مما اختلف فيه العلماء، والصحيح جواز ذلك كله: وأما قوله: إنه زوجه إحدى ابنتيه غير معينة فلم يكن شيئا من ذلك لا في نص القرآن ولا فيما نقل من الأخبار، أما القرآن ففيه إعلامه بإرادته أن يزوجه إحدى ابنتيه، فإذا قال له موسى ﵇: نعم وأنا أريد ذلك، كان النكاح للمعينة منهما، وأما النقل فكذلك جاء في الآثار، وقد استوفينا هذه المسألة في الأحكام من تفسير القرآن والله الموفق للصواب برحمته.","vol":"2","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>سورة العنكبوت</span>\nفيها آيتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>الأولى: قوله تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾ </span>قد تقدم بيانها في النحل وغيرها وبينا أن أصل الجدال في اول الشريعة منسوخ بآية القتال وبقي مع من يحتاج معه فيه من كافر أو مبتدع، لا يقدر عليهما إلا بذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وإنما أنا نذير مبين﴾</span>.\nوقد تقدم بيان نسخها بآيات القتال.","vol":"2","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>سورة الروم</span>\nفيها آية واحدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>قوله تعالى: ﴿فاصبر إن وعد الله حق، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون﴾ </span>قد تقدم أن الأمر بصبره عليهم منسوخ بآيات القتال فيهم، وقد كان ﷺ يضجر من عنادهم حتى قيل له: ﴿لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين﴾ وقال: ﴿لوأن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيي وبينكم والله أعلم بالظالمين﴾ وقيل له: ﴿أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ إلى غير ذلك من نحو ما ذكرناه.","vol":"2","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>سورة لقمان ﵇</span>\nفيها آية واحدة وهي فيها بعضهم فقال:<span data-type=\"title\" id=toc-236> قوله تعالى: ﴿أن أشكر لي ولوالديك﴾ </span>منسوخ بقوله ﷺ: (لا تقولوا ما شاء الله وشت ولكن قولوا ما شاء الله ثم شئت) والصحيح أن النبي ﵇ سمع رجلا يقول: (من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوي) فأنكر ذلك وإنكاره إنما كان لجمعهما في الضمير فأما إفرادهما بالذكر سواء عطف بالواو أو بالفاء، أو ثم فجائز صحيح، والحديث الذي ذكروه ليس بصحيح.\nوهم: ذكر بعضهم أن قوله تعالى: ﴿ومن كفر فلا يحزنك كفره﴾ نسخ معناه بآيات القتال.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nليس في هذا القول معنى منسوخ لأن النبي ﵇ كان يشفق من كفرهم ويحزن من عنادهم وذلك دائم له موجود منه في أول المبعث وفي آخره، وقبل القتال وبعده.","vol":"2","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>سورة المضاجع</span>\nفيها آية واحدة وهي<span data-type=\"title\" id=toc-238> قوله تعالى: ﴿فأعرض عنهم﴾ </span>نسخها آيات القتال.","vol":"2","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>سورة الأحزاب</span>\nفيها من النسخ أربع آيات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>الأية الأولى: قوله تعالى: ﴿ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم﴾ هذا من تركهم وإذايتهم منسوخ بآيات القتال. فإن قيل: كف يكون هذا منسوخا بآيات القتال وإنما نزلت هذه الآية بالمدينة؟ قدم عكرمة بن أبي جهل، وأبو سفيان ابن حرب، على النبي صلى الله عليهم بالمدينة، فنزلوا على عبد الله بن أبي سرح وقد أعطاهم النبي الامان على أن يكلموه ويتكلموا معه وساعدهم ابن أبيرق فقال له: اترك ذكر آلهتنا اللات والعزي وقل إن لها شفاعة وندعك وربك. فشق ذلك على النبي ﷺ فقال عمر: دعني أضرب أعناقهم، فقال النبي: قد أعطيتهم الأمان – وذكر الحديث</span>.\nفالجواب: أن هذا لا يصح سندًا فلا تجعله في الكلام معتمدًا، إذ أصلنا الذي لا ينبغي أن يعدل عنه أحد أن لا يشغل المرء قلبه ولا زمانه ولا يرهقه، إلا بالصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>الاية الثانية: قوله تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾ هذه الآية ناسخة لما سبق من الناس وأقرته الشريعة في نسبة الابن من التبني إلى</span>","vol":"2","page":331},{"text":"الأب، كنسبة الابن من البنوة إلى الأب وكانوا يقولون في زيد بن حارثة حين تبناه النبي ﷺ زيد بن محمد، فنسخ الله ذلك من إقرارهم عليه إلى نفي الدعوة في النسب إلا لمن كان له أصل في الولادة، وقد بينا الآية في الأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ قال بعضهم: هـ من غريب المنسوخ، نسختها الآية التي بعدها في اللفظ وهي قوله تعالى: ﴿إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي أتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك، وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك﴾ وعن عائشة ﵂ أنها قالت: ﴿ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء﴾ وروى أن التي تزوج بعد نزول هذا النهي: ميمونة مليكة بنت كعب، وصفية بنت حي</span>","vol":"2","page":332},{"text":"وجويرية بنت الحارث. وقال آخرون: نسخها قوله: ترجى من تشاء منهن. الآية.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nلا يصح القول على نسخ آية وإحكامها إلا بعد فهم معناها، وذلك أن قوله: (لا يحل لك النساء) مفهوم وقوله: (من بعد محتمل لأنه يحتمل) ثلاثة أوجه:\nأحدها: لا يحل لك النساء من بعد من عندك.\nوالثاني: لا يحل لك النساء من غير المسلمات.\nالثالث: لا يحل لك النساء من بعد ما أحللنا لك في الاية المتقدمة.\nفأما هذا القول الثالث فداخل تحت القولين المتقدمين إذ الآية لا تحتمل إلا القولين: أحدهما وهو قول ابن عباس ﵁ قال معناه: لا يحل لك النساء من بعد من عندك اللواتي اخترنك على الدنيا فقصرك الله عليهن. يعني مقارضة لهن، الثاني هو قول أبي بن كعب: فإذا قلنا إنه لا يحل له إلا من عنده أو من كان في الآية المذكورة فقد روى عن عائشة وأم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ لم يمت حتى أحل الله له النساء، كأنه كان قصر عليهن كما قصرت عليه، ثم أحل الله تعالى له النساء حتى يكون ذلك من قبل نفسه مجازة لهن على اختيارهن له من قبل أنفسهن. ولو كان حديث عائشة وأم سلمة صحيحا، لكان أصلا مختلفا فيه. فإنه خبر واحد وأخبار الآحاد لا ينسخ بها القرآن المتواتر وإنما يخص بها","vol":"2","page":333},{"text":"العموم. وإذا كان هذا الخبر لا يصلح للنسخ كيفما ترددت حاله لم يبق إلا الآيات الثلاث المتعاقبة: قوله: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك﴾ الثانية قوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ والأمر فيها بين وإن الله تعالى أحل له ما أحل في الأولى وبدأ بأزواجه وأتبعهن من جاء ذكره بعدهن ثم قال له ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء﴾ يعني في قسمه المعاشرة والإيواء، لا في أصل النكاح والطلاق لأن الآية الأولى قد أفادته. وقد أفاد بيان ذلك قوله: ﴿ذلك أدنى أن تقر أعينهن﴾ يريد أن الأمر إذا كان النبي ﵇ يفعل فيه ما أراد باختياره دون إجرامه ذلك كان أقرب لرضي من يفعل معه منه، إذا علم أن الفعل واجب له. ثم قال له: ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ يعني من بعد من عندك ﴿ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك﴾ فقصر على من عنده، ومات عليهن. فهذا تحقيق القول في المعنى وفي النسخ والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام﴾ الآية. قال بعضهم: هذا ناسخ لما كانوا عليه من رؤية النساء والجلوس معهن، قال القاضي محمد بن العربي ﵀: هذه الآية بديعة نزلت لسبب صحيح: روى أبو عثمان الجعد عن أنس بن مالك ﵁ قال: تزوج رسول الله ﷺ فدخل بأهله فصنعت أم سليم حيسا فجعلته في تور فقالت: يا أنس اذهب بها إلى رسول الله فقل:</span>","vol":"2","page":334},{"text":"بعثت به إليك أمي وهي تقرئك السلام وتقول إن هذا لك منا قليل يا رسول الله، قال فذهبت بها إلى رسول الله ﷺ فقلت: إن أمي تقرئك السلام وتقول لك إن هذا قليل منا لك، فقال: ضعه، ثم قال: اذهب فادع لي فلانا ومن لقي وسمى رجالا – قال: فدعوت من سمى ومن لقيت. قال: قلت: لأنس، عددكم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة. قال فقال لي: رسول الله، يا أنس هات التور، قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة فقال رسول الله ﷺ: ليتحلق عشرة عشرة وليأكل كل إنسان مما يليهز قال: فأكلوا حتى شبعوا: قال: فخرجت طائفة ودخلت طائفة، حتى أكلوا ثلثه، قال لي: يا أنس ارفع، قال فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت. قال: وجلس منهم طوائف يتحدثون في بيت رسول الله ﷺ ورسول الله جالس وزوجته مولية وجهها إلى الحائط. فثقلوا على رسول الله فخرج رسول الله ﷺ فسلم على نسائه ثم رجع، فلما رأوا رسول الله ﷺ قد رجع ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه. قال: فابتدروا الباب فخرجوا كلهم وجاء رسول الله ﵇ حتى أرخي الستر ودخل وأنا جالس في الحجرة. فلم يلبث إلا يسيرا حتى خرج علي، وأنزلت هذه الآية فخرج رسول الله ﷺ يقرؤها على الناس: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين﴾ إلى آخر الآية قال الجعد: قال أنس: أنا أحدث الناس عهدا بهذه الآيات: وحجب نساء رسول الله ﷺ.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nفأبان هذا الخبر أن الآية جاءت لبيان الحجاب. وكذلك روى أنس عن عمر في الصحيح أنه قال: (قلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر، والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟ فنزلت هذه الآية. وتحقيقه أن الله تعالى أكد الأمر بابتداء تحريم الدخول في بيوت النبي ﵇ إلا بإذن ليحتجب نساؤه","vol":"2","page":335},{"text":"وحينئذ يؤذن لهم وهذا معلوم من الحديث لا من القرآن، ثم قيل لهم إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فلا تجلسوا للحديث، وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب فإن ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهن لما يطلع في القلوب من رؤية النساء فوجب التنزيه عن ذلك كله لكلهن وخاصة بحرمات رسول الله ﷺ.\nغفلة: ظن بعضهم أن قوله تعالى في هذه السورة: ﴿فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا﴾ منسوخ بقوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ وقد بينا ذلك على التمام في القسم الثاني في سورة البقرة، وبينا بقية معاني الآيات في الأحكام فلينظر هناك فيها إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>سورة سبأ</span>\nفيها آية واحدة، وهي<span data-type=\"title\" id=toc-245> قوله تعالى: ﴿قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون﴾ </span>قالوا: نسختها آية السيف.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nلما كان معنى هذا الكلام البراءة والإنحياز دون المنازعة والقتال، نسختها آيات القتال فصار ناسخًا لمفهوم هذا الكلام لا للفظه، وإلا فكل أحد لا يسئل عن ذنب أحد لا قاتله ولالم يقاتله.","vol":"2","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>سورة الملائكة</span>\nفيها آية واحدة<span data-type=\"title\" id=toc-247> قوله تعالى: ﴿إن أنت إلا نذير﴾ </span>وقد تقدم أنه نذير وأنه نبي الملحمة وأن هذا التخصيص منسوخ بآية القتال بآية القتال.","vol":"2","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>سورة يس</span>\nقال قوم إن فيها آية واحدة وهي<span data-type=\"title\" id=toc-249> قوله تعالى: ﴿فلا يحزنك قولهم﴾ </span>منسوخة بآيات القتال.\nقال القاضي ابن العربي وفقه الله: معنى هذه الآية من غريب القرآن وذلك أن من الفرض المؤكد على كل مؤمن إذا سمع الكفر بالله أن يهتم لذلك ويحزن، وهذا لا ينسخ أبدًا ولا ينهى عنه أحد، ولكن معنى الآية: لايحزنك قولهم المستطير في المجالس بحضرة من يكرهه ولا يقدر على تغييره، فإنا نعلم سرهم وعلانيتهم، يريد: وسنحكم فيهم.","vol":"2","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>سورة والصافات</span>\nفيها آيتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>قوله تعالى: ﴿فتول عنهم حتى حين﴾ </span>في موضعين قالوا إنها منسوختان.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nإن كان الحين الذي جعل غاية التولي الموت، فلا نسخ فيه. وإن كان الحين فيه قبل الموت، كما قال الطبري يوم بدر، وقال غيره يوم العقوبة التي تحل بهم من الله، فإن ذلك منسوخ بآيات القتال، فإن القتل من أعظم عقوبات الله إذا وقع جزاء على ذنب، ومن أفضل الميتات إذا وقع نصرا لدين الله.\nجهالة: من العجب اتفاق جمهور العلماء على مساعدة القدرية ومن قال بقولهم في مسألة نسخ العبادة بعد الأمر بها وقبل فعلها، ومناظرتهم لهم واحتجاجهم عليهم، فلا علماؤنا أحسنوا الاستدلال ولا المبتدعة أحسنت الاعتراض والرد. قال علماؤنا: إن نسخ العبادة بعد الأمر بها وقبل الفعل جائزة فإن الله امر إبراهيم بذبح ولده ثم نسخه قبل أن يذبحه وجعل له فداء ذبحا عظيما. وقالت المبتدعة: ما نسخ الله ذبحه (قط) بل ذبح إبراهيم ولكنه كلما قطع التأم المقطوع من عنقه حتى كمل القطع وكمل الالتئام فامتثل الأمر ووقع الجبر، وقال منهم قائل: إنه لما","vol":"2","page":340},{"text":"أخذ في الذبح جعل الله خلق الذبيح نحاسا حتى لم تجر فيه الشفرة. وعظم التخليط وكثر الخطب وتشعبت والأجوبة وسودت الأوراق. وقد بينا في مسائل الخلاف والأحكام والمشكلين، وغيرها أن الله سبحانه ما أمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده نصا، ولا كلفه ذلك قطعا، وإنما أراه في المنام أنه يذبحه، وعلم إبراهيم أن رؤيا الأنبياء وحي، وأن هذا ليس بتلعب الشيطان فإنه لا سبيل له إليه في يقظة ولا في منام، وتحقق أنه ليس بحديث نفس فإن أحدا لا يحدث نفسه بذبح ولده، فلم يبق إلا أنه وحي من الله سبحانه وتحقق إبراهيم أن للرؤيا اسما وكنى وأنها تحمل على الأسماء حتى يدل الدليل على الكنى كما تحمل الأحكام على ظاهر الأمر والنهي حتى يدل الدليل على التأويل قال النبي ﷺ لعائشة ﵂: رأيتك في سرقة من حرير، فقال لي الملك: هذه زوجتك فقلت: إن يك هذا من عند الله يمضه، وقد علم أنه من عند الله، لأنه قال: قال لي الملك.\nولا يقول الملك إلا من عند الله، لأنه رسول الله، وهذه حقيقة اسمه وصفة فعله، ولكن النبي صلى الله عله وسلم أراد ان يكن هذا القول اسما صريحا لا كنية كنى بها عن سميتها أو جارتها أو قرينتها أو شبيهتها فسيظهر بذاته وعينه فكذلك فعل إبراهيم ﵇ لما رأى أنه يذبح ولده بادر إلى الأخذ بالظاهر، وشرع في امتثال هذا الأمر مع سائر الأوامر، فلما جاء بطاعته وبادر إلى الشروع بامتثاله، قيل له: صدقت الرؤيا بالمقدمات من إعداد الآلآلت وتوطين النفس على التقرب بامتثال الأمر في المأمور، وهذا هو المأمور وهو كنية عن الولد فامتثل ذلك فيه بفعل وتقرب به وأبقاه في عقبه، وهم المسلمون كلهم من ذريته وغيرهم تبع لهم في مثله. ولذلك امتثل هذا الذبح بنو إسماعيل الذبيح من لدنه إلى زمان محمد عليه","vol":"2","page":341},{"text":"السلام حتى أقره الله في شريعته. ولا يعرف اليهود هذا، ولو كان الذبيح اسحاق ﵇ ما ذبح اليهود في يوم النحر إلا أبناءهم بدلا عن مشايتهم لابتداع رهبانيتهم.","vol":"2","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>سورة ص</span>\nفيها أربع آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿اصبر على ما يقولون﴾ نسختها آيات القتال وقد تقدم ذكر ذلك</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فطفق مسحا بالسوق والأعناق﴾ قال بعضهم: نسخ قطع سليمان ﵇ الأعناق والخيل السنة المانعة من قتل البهائم. وهذا لا يحسن لأنه خبر عما فعل سليما فإن صح ذلك فهي شريعة كانت نسختها شريعة الإسلام</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nقال المفسرون في هذه الآية، إن سليمان ضرب أعناق خيله بالسيوف وعرقبها، وقالوا إنه مسحها بردائه برابها كما فعل رسول الله ﷺ بفرسه، وقالوا إنه وسمها وحبسها في الغزو والجهاد والصحيح أنه قلتها، وغير ذلك عدوان على القرآن والمسألة مشهورة في بني إسرائيل منصوصة في كتاب الله. عرض النبي الخيل بالعشي فألهته عن الذكر حتى غابت يعني الشمس ولم يذكرها اكتفاء بدلالة العشى عليها، فعلم أنه امر شغله عن طاعة الله وكأنه طاعة شغلت عن أخري أكبر منها فتبرأ لله عنها، فإن قيل كيف عرقبها وهي منهي عنها؟ قلنا هذا سؤال فاسد والعلم بالسؤال من أكبر أنواع العلم، وقد رأيت من يعرف الجواب جما غفيرا","vol":"2","page":343},{"text":"ولم أر من يعرف السؤال إلا قليلا، كما أني رأيت ألف رجل يحفظون أجوبة المدونة وما رأيت من يحفظ اسولتها إلا ابن أبي حبيب المهدوي وابن شاس الطرابلسي.\nوكان ابن أبي حبيب يزيد عليها بحفظ أسولة كتاب محمد، ووجه فساد هذا السؤال يظهر بتفسيره كأنه يقول كيف عرقبها سليمان في شريعته، وذلك منهي عنه في شريعتا؟ ولا يلزم تركيب شريعة على شريعة في معرفة حكم فيما افترقت فيه، وإنما تتركب شريعتنا على شريعة من قبلنا فيما لم ينص لنا فيه على حكم، وقد قيل إنه فعل ذلك بها للأكل، وقد ذبحت الصحابة على عهد رسول الله ﷺ فرسا وأكلوه، رواه مسلم عن جابر. فإن قيل: العرقبة تعذيب وذلك لا يجوز، قلنا: بل ذلك جائز في شريعتنا إذا اردنا أن لا نمكن أحدا من الانتفاع بها في الغزو، وقد قال الحسن قطع سوقها وأعناقها فعوضه الله خيرًا منها: (الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب) فهذه شريعة مستقرة وحكم ثابت منعه الله في شريعتنا بما ثبت من النهي عن قتل البهائم صبرا أو عن إفناء المال وإن فتن، وقد نظر النبي ﷺ إلى أعلام خميصة فقال: اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم، وإيتوني بكردنه وفي الصحيح بأنبجانية وأما من قال إنه وسمها للحبس فبعيد","vol":"2","page":344},{"text":"عن الظاهر والنقل، وأما من قول البائس أنه لا يحسن أن ينسخ هذا النهي عن قتل البهائم لأنه خبر عما فعل سليمان ﵇، ولم يعلم أن افعال الأنبياء شريعة كما أن أقوالهم شريعة، ولا خلاف في ذلك وقد بيناه في أصول الفقه، فإن قيل النهي عن قتل البهائم خبر واحد، وخبر الاحاد لا ينسخ القرآن، قلنا: قد بيناه حقيقة وتفصيلا في اصول الفقه، وإذا اجتمعت الأمة على نقله أو على معناه جاز نسخ القرآن به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث﴾ قال بعضهم: هذا الفعال في كفارة اليمين، منسوخ بشريعة الإسلام ولا يجزيء ذلك في اليمين، قال القاضي محمد بن العربي: قال مجاهد وغيره: هذا للناس عامة، وقال عطاء: هذا لأيوب خاصة. وقال مالك: يحينث من فعل ذلك. قال خاصي من أصحابه: لقول الله تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ وها هنا نكتة بديعة وهي أن النبي ﷺ لما قال: الأعمال بالنية ركب مالك اليمين على النية فلعل أيوب ﵇ اقتضت نيته ما أمر به من جمع الضغث، والذي نراه أن نيته لو كانت على أي صفة تصورت وقدرت، فإن جمع مائة سوط وضربة واحدة تجزيه في ذلك لكل حالف، والأيمان إنما</span>","vol":"2","page":345},{"text":"يراعى فيها الأرفق بالخلق، فإن كان الأرفق في البر أخذ به وإن كان الأرفق في الحنث أخذ به.\nويمال إلى الحنيفية السمحة في كل حالة، ولا يؤخذ على الناس بالتغليظ ففيه التنفير عن الدين الوقوع في المحظور وذلك قوي جدًا في الأيمان التي أحدثها الناس، فقد قال مالك إمام الأئمة في قوله: ﴿الحلال عليه حرام﴾، إنه إن حاشى زوجه بقلبه يلزمه حنث وليس يبقى تحت اليمين بعدها شيء، فإن سائر الأعيان الحلية غير الزوجة لا يحرم شي منها بهذه اليمين، فتبقي اليمين لغوا وتكون نيته في ثنيا الزوج بقلبه رفعا لليمين ونسخا لها، فصح أن الآية باقية على حالها في شريعتنا كما كانت في شريعة أيوب، ويعضد ذلك ما روى أبو داود، أن رجلا اشتكى حتى ضنى فوقع بجارية فقال رسول الله ﷺ: خذوا مائة شمراخ فاضربوه به ضربة واحدة، فبين بقاء الحكم في هذه الشريعة في الحدود، والأيمان بذلك أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿إن يوحي إلي إلا أنما أنا نذير مبين﴾ وقد تقدم ذكر أمثالها فأغني ذلك عن إعادته</span>.\nوفيها من الخصوص: آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ يحتمل أن يكون يوم القتال، ويحتمل أن يريد به مجموعها وهو الصحيح على ما بيناه في اصول الفقه، فإن كان المراد به مجموعها فهو مخصوص في يوم القتال بالسيف منفي يوم الموت لا نسخ فيه ولا تخصيص في باب التكليف وإنما يقع النسخ في دار الدنيا: إما برفع التكليف وإما بتحقيق الوعد في التهديد كما في هذه الآية.","vol":"2","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>سورة الغرف</span>\nفيها من النسخ آيتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم﴾ وهاتان الآيتان، وإن كانتا في العدد آيتين. فإنهما في المعنى واحدة لأن قوله من يأتيه مفعول لقوله تعلمون. فهو كلام مرتبط بعضه ببعض وهذا ليس بأمر تكليف وإنماهو أمر تهديد، ولفظه افعل في لسان العرب تأتي على وجوه كثيرة ذكرناها في كتاب التمحيص وغيره: منها الوجوب كقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة﴾ ومنها الندب كقوله تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ والإشاد كقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ والإباحة كقوله تعالى: ﴿فاصطادوا﴾ والأدب كقوله ﵇: ﴿فكل مما يليك﴾ والامتنان كقوله تعالى: ﴿فكلوا مما رزقكم الله﴾ والإكرام كقوله تعالى: ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾ والتهديد كقوله تعالى: ﴿اعملوا</span>","vol":"2","page":347},{"text":"ما شئتم﴾ والتعجيز كقوله تعالى: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ والإهانة كقوله تعالى: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ والتسوية كقوله تعالى: ﴿اصبروا أو لا تصبروا﴾ والإنذار كقوله تعالى: ﴿تمتعوا﴾ والدعاء كقوله: ﴿اغفر لي﴾ والتمنى كقول الشاعر:\nألا أيها الليل الطويل ألا انجلي\nوالقدرة كقوله تعالى: ﴿كن فيكون﴾ وحققنا أن مرجعها إلى بعض ذلك وإنما هذا اليسير الذي أوردناه ها هنا من غير ترتيب ولا تنخيل لأنه ليس بابه ولا بابته فلينظر في موضعه وأصولها ستة، والله الموفق للصواب بمنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾ نسختها آية السيف وقد تقدم الأنعام وغيرها ذكرها وتحقيق النسخ في معناها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>ذكر آيات الخصوص: وهي خمس آيات</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون﴾</span>.\nقال بعضهم نسختها آية السيف.","vol":"2","page":348},{"text":"قال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nقد بينا في كتاب الأمد الأقصى في الأسماء الحسنى، أن الله يحكم بقوله فيما فصل من البيان، ويحكم بفعله فيما خلق من الأدلة وقسم من الأرزاق وأولى من النعم وأنزل من النقم، ويحكم في الآخرة بظهور الحقائق وعلم اليقين وكشف الغطاء وإظهار الجزاء. وأوكدها ما كان النبي ﷺ يدعو فيه: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلفوا فيه من الحق، فإنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، وشيء من هذا لا يقع فيه نسخ. ألا ترى أن الأمر بالقتال حكم من جملة الأحكام التي فصل؟ وهذا ظاهر والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ قال بعضهم: نسخا ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾</span>\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nخوف العذاب بالمعصية لا يتعلق به نسخ لأنه معنى الحكمة وفائدة التكليف وركن من أركان الشريعة التي لا تزعزع، كما أن الرجاء في الثواب بالطاعة مثله، فهذان أصلان في طرفي التقابل لا يتزعزعان ولا يرتفعان أبدًا. وقوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ وإن كان وعدا حقا وقولا صدقا وشرفا تاما قطعا فإنه لا يرفع هذا الكلام ولا ينفي هذا الجزاء والشرط بل يحققه، فإنه ليس يقتضي وعد المغفرة لذنب الاسترسال على الذنب بل يقتضي المبالغة في احتنابه جزاء على ما شرف به وقد قال ﵇: (أفلا أكون عبدًا شكورا) إشارة إلى أن هذه المنزلة الشريفة في الغاية تقتضي في امتثال الطاعة واجتناب الذنوب النهاية وليس هذا بخاف إلا على أهل الغباوة.","vol":"2","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فاعبدوا ما شئتم من دونه﴾ قال بعضهم نسختها آية القتال</span>.\nقال القاضي ابن العربي وفقه الله:\nقد بينا من قبل أن هذا تهديد وليس بتكليف، والتهديد وعيد وتحقيقه القتال في الدنيا والعذاب في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون﴾ قالوا نسخ معناها لا لفظها آية السيف</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nقد تقدم القول بمعنى الآية الأولى على نحو معنى هذه فأغني عن إعادته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>الآية الخامسة قوله تعالى: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ قال قوم نسخها قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه﴾ الآية. وقد بينا في سورة النساء ذلك فلا وجه لإعادته، بيد أنا نقول: لو كانت آية القتال أيضا والجزاء فيها واقعا، ما كانت نسخا وإنما كانت تكون تخصيصا، فكيف والمغفرة فيها مرجوة والجزاء فيها لم يذكر وقوعه ولا تبين وجوبه وإنما هو وعيد مطلق وجزاء مذكور، ومالك الجزاء إن شاء استوفاه وإن شاء تركه، ولو قلنا من وجه آخر، إنه لا يغفر للقاتل المتعمد، لدخل القتل في قوله تعالى: ﴿يغفر الذنوب جميعا﴾ للكفار ولمن عفا من المسلمين فصارت الآية من جميع هذه الوجوه ساقطة في باب النسخ، ضعيفة في باب التخصيص، والله أعلم</span>.","vol":"2","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>سورة المؤمن</span>\nوهي أول الحواميم السبع، ديباج القرآن المتوالية في النزول واحدة بعد أخرى وليس في القرآن في ذلك مثلها. وقد روي أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قرأها قبل أن ينام. ولعلها إن صحت كان ذلك في بعض الأوقات. فقد رويت عنه روايات كثيرة أنه كان يقوم إذا أوى إلى فراشه أذكارا إذا أضيفت إلى روايت القيام لصلاة الليل استغرقت الليل كله. فدل أنها كانت مبثوثة على الليالي باختلاف الحالات.\nفيها من النسخ آيتان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك﴾</span>.\nو<span data-type=\"title\" id=toc-268>الآية الثانية قوله تعالى: ﴿فبئس مثوى المتكبرين فاصبر إن وعد الله حق﴾ </span>نسخ ذلك بآيات القتال وقد تقدم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>وفيها من الخصوص:</span>\nآية واحدة، وهي<span data-type=\"title\" id=toc-270> قوله تعالى: ﴿ويستغفرون للذين آمنوا﴾ </span>قالوا: نسخت قوله تعالى: ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nليس هذا نسخا إنما هوتخصيص عموم، والتخصيص يدخل في العموم، كان جزاء أو تكليفا باتفاق. وفي النسخ كلام أشرنا إليه وتحقيقه في موضعه.","vol":"2","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>سورة حم السجدة</span>\nفيها من النسخ آية واحدة، وهي<span data-type=\"title\" id=toc-272> قوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ </span>هو تهديد نسخه آيات القتال كما تقدم. وقد سقط فيها ابن حبيب لليدين وللفم حت تكلم فيها بأمر لم تعلم حقيقته ولم تفهم فقال إن قوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ وقوله: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ وقوله: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ نسخ جميعه قوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ وهذا جهل عظام وخطب جسام، فإن الحقائق لا تنسخ لا سيما إذا كانت في العقائد. وقوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ عقيدة حق، وكلمة صدق، ولم تزل الحقيقة كذلك ولا تزال، ولم يختلف قط هذا بحال حتى يمحى في حاله ويثبت في أخرى، كما أن قوله تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ وقوله: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ عقيدة حق وكلمة صدق، متفقة متسقة، غير مختلفة ولا مفترقة، وقد بينا ذلك في كتاب المشكلين وتحقيقه المختصر لمن أبصر واستبصر، أن لله تعالى مشيئة هي أصل في المخلوقات عنها تصدر خصائص الصفات، وإليها تنسب ثعيين الجائزات، ومن جملتها يصدر عنها إراد المخلوقين ومشيئتهم فإذا شاء الله العبد، يخلق بقدرته العبد ويتقنه بعلمه ويخصص الجائزات عليه فيه بقدرته ويخلق علمه وقدرته ومشيئته","vol":"2","page":352},{"text":"فيصرفها فيه كما يصرفه، فإذا شاء الله أن يخلق ما خلق كان بقدرته وعلمه ومشيئته ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ ثم رد الأمر إلى أصله فقال: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ وقد بينا قوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ في سورة الكهف، وبينا أن قوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ تهديد وكل تهديد في القرآن منسوخ بآيات القتال فإنه تحقيق للوعيد وإنفاذ للتهديد.\nوفيها آية أخرى وهم فيها بعضهم، وهي قوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبنيه عداوة كأنه ولي حميم﴾ قال نسختها آية القتال.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nلا يصح في ذلك نسخ فإن الحسنة ما حسنه الشرع وأعظمه رتبة الإيمان، والسيئة ما قبحه الشرع وأعظمه رتبة الكفر، ولا يزال الرجل يدفع السيئة إذا قوبل بها بالحسنة التي تقابلها، فإذا تبين له دليلا في عقيدة سيئة يراه عليها أو يراجعه مراجعة لطيفة في أمر بمعروف يرى فيه تقصيرا ونهي عن منكر يعاين فيه تعاطيا أو يغضي على كلمة جفاء يسمعها حتى يعود الولي حميما، فذلك أنجع للمراد لا في مواطن تتعين فيها الغلظة وتجب فيها الشدة فيكون العمل في ذلك بحسب ما يظهر، بيد أن الكلام في هذه الآية خرج على الأغلب، وتفصيلها على التعيين وتفسير المجمل منها بالتبيين يتعلق بعلم الذكر وهو النوع الرابع من علوم القرآن والله أعلم.","vol":"2","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>سورة الشورى</span>\nفيها من المنسوخ ثلاث آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>الأية الأولى: قوله تعالى: ﴿الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل﴾ نسختها آية القتال. وقد تقدم ذكر ذلك في سورة الأنعام وغيرها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>الآية الثانية قوله تعالى: ﴿لنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ منسوخ بآية القتال وقد بينا ذلك في سورة يونس وغيرها، وقد قيل أن هذه الآية مخاطبة لليهود، أي لا حجة بيننا وبينكم، وكيف ما كان الحال فإن انقطاع الحجة والاستبداد بالعمل، ذلك كله منسوخ بآيات القتال فإن الحجة قد ظهرت والعمل الصالح من الطالح قد تبين، فوجب الدعاء إليه بالحرب والإلجاء إليه بالقتال، والله أعلم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ﴾ قد تقدم ذكر أنها منسوخة بآية القتال، حيثما وردت. وان عليه القتال بعد البلاغ، والحرب بعد البيان، والإكرام بالقتل على الدخول في الدين بعد الإعراض عنهم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>ذكر آيات الخصوص: وهي خمس آيات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>الآية الأولى قوله تعالى: ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾ وقد تقدم ذكرها في سورة المؤمن، ومن شرف الآدمي تسخير الملائكة للاستغفار له ودعائهم إلى الله تعالى في إقالة عثرته وعموم رحمته وسعة مغفرته، بعد تعجبهم من خلق الله</span>","vol":"2","page":354},{"text":"له عبدًا مذنبا عاصيا هتاكا سفاكا مفسدا معاندا، ولله الحكمة البالغة والعلم السابق والمشيئة النافذة وبه وقعت الحجة في قوله تعالى: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه﴾ قال بعضهم نسختها الآية التي في بني اسرائيل: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ وقد تقدم تحقيق ذلك في سورة بني إسرائيل فلا وجه لإعادته</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾ قال بعضهم منسوخة بقوله تعالى: ﴿قل ما سألتكم من أجر فهو لكم﴾ وقيل إنها محكمة</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nوهو الصواب، لما روي عن طاوس أنه سمع ابن عباس ﵁ وقد سئل عن هذه الآية: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾ فقال سعيد بن جبير. قربى آل محمد. وقال ابن عباس. أعجلت، إن رسول الله ﷺ لم يكز بطن من قريش إلا له فيهم قرابة، فقال: (إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة) المعنى أن الأجرة على الرسالة معدومة حسا منفية شرعاـ، فما سألتكم من أجر فهو لكم وأجري على الله، والمسؤول منكم صلة قرابتي والمحافظة على ما بيني وبينكم من الرحم. فليس الاستثناء بمتصل المعنى وإن كان متصل اللفظ، وهذا النوع يعبر عنه بعضهم بالاستثناء المنقطع. وهو ها هنا متصل، لأن الرحم كانت بينهم مشتبكة موصولة فلما صدع بينهم بالرسالة قطعوه فأعلمهم بما يجب عليهم من الصلة وأن مراده منهم ليس","vol":"2","page":355},{"text":"بمال يسأله لهم، كما روي أنهم قالوا له: إن أردت الإمرة علينا ملكناك وإن أردت المال جمعناه لك، فانتفي من ذلك كله وألزمهم الحق الذي كان يدعو إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله، إنه لا يحب الظالمين﴾ إلى قوله: الأمور</span>.\nقال بعضهم: إن هذه الآيات منسوخات: نسخ قوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة﴾ قوله: ﴿فمن عفا وأصلح﴾ ونسخ قوله تعالى: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه﴾ مع الآية التي بعدها وهي قوله: ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق﴾ قوله تعالى: ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ وقال غيره: هذا كله منسوخ بالجهاد وقوله تعالى: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه﴾ إنما هو للمشركين.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁: هذا قول من لم يعرف النسخ ولا ميز بينه وبين الإحكام واعتقد الحكم والمنسوخ جنسا واحدًا، إن الله تعالى أخبر أن الذي يقابل السيئة سيئة مثلها، فمن أساء إليك فحقك أن تقتص منه بمثل ما أساء إليك، ثم أخبر أنك إن عفوت فأجرك على الله، وهذا إثبات لحقين في الوجهين الدنيا والآخرة، وتحقيق لهم من الطرفين، الاستيفاء أو الترك، وقد استوفينا بيانها في كتاب الأحكام وفي قسم علوم الذكر. ثم بين تعالى أن من انتصر بعد ظلمه فلا حرج عليه ولا سبيل إليه، وأخبر زيادة في البيان، أن السبيل على الذين","vol":"2","page":356},{"text":"يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، وهذا عام في المشركين والمسلمين، جعل الله على الباغين منهم السبيل فهو عام في المشركين حتى يؤمنوا وهو عام في المؤمنين حتى يتوبوا، وكيفية السبيل عليهم يختلف باختلاف أحوال الأعمال التي أوجبت عليهم السبيل ببغيهم فمن سبيل متحتمة الجزاء والاستيفاء، ومن سبيل لم يتحتم استيفاء جزائهاـ، وأخبر تعالى بعد ذلك أن من صبر على ظلمه وغفر لظالمه أن ذلك من قوة الصبر وكثرة الحزم، وجودة العقل وبعود العزم، وذلك فيما تتصور فيه المغفرة، وقد بينا تفصيل ذلك في كتاب الأحكام والله أعلم.","vol":"2","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>سورة الزخرف</span>\nفيها آيتان:\n\nإحداهما<span data-type=\"title\" id=toc-283> قوله تعالى: ﴿فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون﴾ </span>والثانية<span data-type=\"title\" id=toc-284> قوله تعالى: ﴿فاصفح عنهم وقل سلام، فسوف تعلمون﴾ </span>وقد تقدم الكلام على نسخهما في غير موضع.","vol":"2","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>سورة الدخان</span>\nفيها آية واحدة <span data-type=\"title\" id=toc-286>﴿فارتقب إنهم مرتقبون﴾ </span>نسختها آية القتال كما تقدم بيانه في غير موضع، كأنه يقول له، ارتقب العواقب ترى العجائب وهم لا يرون إلا ما يكرهون من النوائب.","vol":"2","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>سورة الشريعة</span>\nفيها أية واحدة وهي<span data-type=\"title\" id=toc-288> قوله: ﴿قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله﴾ </span>وقال بعضهم نسختها آية القتال.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nقوله تعالى: ﴿للذين لا يرجون أيام الله﴾ معناه لا يتعلق لهم بأيام الله بال في رجاء ولا خوف، لجهلهم به وكفرهم بوجوده وهم الكفارـ، أمر الله المؤمنين بان يغفروا للكفار ما ينالهم من الأذى فإنه مجازيهم بأعمالهم. وهذا منسوخ بآيات القتال وإن كان نبي ﵇ قد قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. فقام محمد ﷺ متمثلا لذلك فقال يوم أحد: كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم؟ فنزلت عليه ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ وفي هذه الآية إعراب بيناه في ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين.","vol":"2","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>سورة الأحقاف</span>\nفيها آيتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وما أنا إلا نذير مبين﴾ فحصر أمره في النذارة، وقد بينا فيما قبل أن آيات القتال نسخ هذا كله وأنه مع كونه نذيرا قتولا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل﴾ قالوا نسختها آيات القتال</span>.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nاختلف الناس في تفسير هذه الآية على أقوال عشرة: الأول أن ﴿أولوا العزم من الرسل﴾ جميع الأنبياء فأمر ﵇ بأن يصبر كما صبروا صلوات الله عليهم قاله ابن زيد.\nالثاني: أنهم نوح وهود وإبراهيم فأمر النبي أن يكون رابعهم قاله ابو العالية.\nالثالث: أنهم نوح وإبراهيم وموسى.\nالرابع: أنهم إبراهيم وموسى وداوود وسليمان وعيسى.\nالخامس: ان منهم إسماعيل ويعقوب وأيوب، وليس فيهم يونس ولا سليمان ولا آدم.\nالسادس: أنهم الذين أمروا بالقتال.\nالسابع أنهم العرب.\nالثامن: أنه من أصابه منهم بلاء بغير ذنب.","vol":"2","page":361},{"text":"التاسع: أنهم أولو الحرم.\nالعاشر: انهم أولو الصبر الذين صبروا على إذاية قومهم.\nوهذه الأقوال سردناها لكم كما ترون، لتعلموا أن كل أحد استجرأ على كتاب وتكلم فيه بغير علم، ومن هذه الأقوال دعاوي لا شبهة عليها فضلا عن أن يكون عليها برهان، ومنها ماله متعلق لتفاوت مرتبتها، ومن أفسدها قول من قال: إنهم جميع الأنبياء، وكيف خفي عليه نص قوله تعالى ﴿أولوا العزم من الرسل﴾ فخص منهم من كان له عزم فجسر هو وقال: إنهم الجميع: وأما من قال إنهم الذين أمروا بالقتال، فالصبر الذي ألزموه كان قبل القتال على ما عاينوه من المشركين من باطل وبلغهم من أذى، وكل من عاين منهم ذلك انقسمت حاله فمنهم من أمر بالقتال والانتقام ومنهم من أمر بالترك إلى يوم الحكم.\nوأما من قال إنهم أهل البلاء فممكن. لأن أهل البلاء منهم من صبر وكان ذلك عزما فيدخل ذلك العموم بخلاف آدم ﵇ فإنه لا يدخل تحت هذا الأمر لقول الله تعالى مخبرا عنه: ﴿ولم نجد له عزما﴾ وأما دخول سليمان، فممكن لأنه صبر على النعمة فشكر شكر ايوب على البلاء بصبر والنعمة بلاء وشكرها عسير إلا من مثل سليمان ﵇، فلقد روي عنه أنه كان يأكل في ملكه خبز الشعير قفارا، كما أن من قال إنه يخرج منهم يونس مخطيء، فإنه صبر على إلقاء نفسه في البحر حين تحقق تقصيره في اجتهاده وخروجه من بين ظهراني قومه، وليس يعد من لم يصب في اجتهاده خارجا عن الصبر، وهروبه من قومه الذين كانوا يقتلون من كذبهم لم يكن فرارا من القتل وإنما كان فرارا من التعيير والتنفير، وأما من قال إنهم العرب، فقول لا ورد فيه على الصواب، وأما من قال إنهم أولو الحزم فلم يصب لفظا ولا معنى، الحزم ثمرة العزم فإن الحزم عمل","vol":"2","page":362},{"text":"والعزم اعتقاد والاعتقاد قبل العمل وأعظم منه بطلانا قول من قال إنهم أولو الصبر، إلا أنه لما زاد الإذاية رجع إلى القول الثامن.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nفإذا عرفتم هذا، فالصبر يكون على سماع الباطل، ويكون على رؤيته، ويكون على الإذاية للمأمور به، فإن كان على سماع الكفر ورؤيته من الباطل فهو مخصوص في أهل الحرب بأن أمر بقتالهم، وذلك الصبر عنهم باق في اهل الذمة، مخصوص في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا لم يقدر المكلف على القيام بحقهما في الأمر والنهي، باقي في الذين عجز عن ذلك فيهم للخوف منهم تقية لهم، حسب ما تقدم بيانه في غير موضع.\nوأما قوله تعالى: ﴿ولا تستعجل لهم﴾ فيحتمل بالدعاء علهيم ويرجع معنى الآية إلى قوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم او يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ ويرجع هذا إلى كراهة الدعاء للأنبياء على الكفرة فإنه خارج عن سبيل الصبر وإن كان قد ورد ذلك في مواضع، ولكن الغالب الترك والجري على حكم المقادير وقيل أراد لا تستعجل لهم بالعذاب، فيجري مجرى الوعيد، ومرجع قوله حينئذ إلى أنهم يرون ما يوعدون من العذاب في الدنيا، وقيل أراد به: في قبورهم ويحتمل عند قبض أرواحهم، ويحتمل يوم الحشر ويحتمل الكل، وهو الأولى والأصح لقوله: ﴿لم يلبثوا﴾ التقدير يرون أن مدة الدنيا لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ. حتى هلكوا، وهل يهلك إلا القوم الفاسقون بالبلاغ إليهم والتحذير لهم وإقامة الحجة من الرسل إليهم، وقد قيل إن هذه الآية نزلت يوم أحد حين شج وجهه وكسرت رباعيته ولم يصح، والله أعلم.\nوفيها آية اخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ اعتقدها من ليس من أهل الشأن من الناسخ والمنسوخ فقال. ليس في كتاب الله منسوخ طال حكمه كهذا لأنه أقام بمكة عشر سنين، وعيره به","vol":"2","page":363},{"text":"المشركون وهاجر إلى المدينة. فبقي ست سنين يعيرونهم به المنافقون فلما كان عام الحديبية خرج رسول الله ﷺ على أصحابه ووجهه يتهلل فقال: \" لقد أنزلت على اليوم آية – أو قال: آيات – هي أحب إلى من حمر النعم، أو قال: مما طلعت عليه الشمس\" قال له أصحابه: وما ذاك يا رسول الله؟ فقرأ عليهم ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وكان الله عليما حكيما﴾ فقال له أصحابه. ليهنك ما نزل فيك قد أعلمك الله ما يفعل بك فماذا يفعل بنا؟ فنزلت ﴿وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا﴾ ونزل ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ إلى قوله (عظيما) فقال المنافقون من أهل المدينة والمشركون من أهل مكة، قد أعلمه الله ما يفعله به وما يفعله بأصحابه، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت: ﴿بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما﴾ ونزلت: ﴿ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء، عليهم دائرة السوء﴾ إلى آخر الآية. فقال عبد الله بن أبي: هبه غلب اليهود فكيف له قدرة بفارس والروم؟ فنزلت: ﴿ولله جنود السماوات والأرض﴾ أي هم أكثر من فارس والروم، وليس في كتاب الله كلمات منسوخة نسختها تسع آيات إلا هذه. وقد اختلف المفسرون في قوله: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ فقال الأكثرون ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة وما تأخر بعدها. وقال آخرون ما تقدم من ذنبك أي من ذنب أبيك آدم وما تأخر من ذنوب أمتك لأن به تيب على آدم وهو الشفيع لأمته، فتمنن عليه بذلك وقال","vol":"2","page":364},{"text":"آخرون: ما تقدم من ذنبك، من ذنب أبيك إبراهيم، وما تأخر من ذنب النبيين فيه أيضا تيب عليهم.\nوقال آخرون: ما تقدم من ذنبك يوم بدر وما تأخر من ذنبك يوم هوازن، وذلك أنه قال يوم بدر: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبدًا. فكان هذا الذنب المتقدم، وأما المتأخر فقال يوم هوازن، وقد انهزم أصحابه، لعمه العباس ولابن عمه أبي سفيان ابن الحارث: ناولاني كفا من حصباء الوادي: فناولاه فاستقبل به وجوه المشركين وقال شاهت الوجوه حم لا ينصرون وكانوا أربعين ألف فما بقي منهم رجل إلا امتلأت عيناه رملا وحصى، فانهزم القوم عن آخرهم. فلما رجع أصحابه إليه قال لهم: لو لم أرمهم لم ينهزموا، فنزلت ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ وقيل: هذا معارضة لقائل يقول: أثبت له الرمي ثم نفاه عنه. فالجواب عن ذلك أن الرمي يحتوي على أربعة أشياء، على القبض والإرسال والتبليغ والإصابة فكان القبض والإرسال من رسول الله ﷺ والتبليغ والإصابة من الله تعالى.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nوليس هذا من النسخ في شيء وإنما هومن المشكل وقد أوضحناها في كتاب المشكلين بإيضاح بالغ على طريقة الكتاب ولسنا نخلي هذا المقام من ذكر ما يشفي من دائه لأجل تعرض هذا القائل وأشباهه لما ليس من بابه. وهاتان الآيتان نوضح معناهما على الانفراد، ثم نوضحه تارة أخرى على التركيب، ثم نبين، ما في كلام هذا القائل من الخلل والتشويه.\nأما قوله تعالى: ﴿وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ فللعلماء فيه سبعة اقوال:\nالأول: لا أدري هل أخرج وتخرجون أم لا.\nالثاني: هل أقتل وتقتلون أم لا.","vol":"2","page":365},{"text":"الثالث: أصدق أو أكذب وتصدقون أو تكذبون أم لا.\nالرابع: هل نموت بمكة أو غيرها.\nالخامس: لا ندري ما نكلف به من الشريعة.\nالسادس: في قوله بكم أهي الرمية بالحجارة أم لا.\nالسابع: هل ندخل الجنة أم لا.\nوهذه الأقوال كلها مختلفة وبعضها أقوى من بعض، إلا الآخر ففيه كلام نذكره مشروحا إن شاء الله، فأما قوله: هل أخرج أم لا؟ فقد أضعف هذا كلامه في الحديث الصحيح مع ورقة بن نوفل، حين قال للنبي ياليتني أكون حيا حين يخرجك قومك، فقال له: أو مخرجي هم؟ قال: لم يات أحد بمثل ما جئت به إلا عودي واخرج وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، وأما قوله: هل أقتل أم لا، فمحمل قوي يعضده قوله تعالى: ﴿وكأي من نبي قتل معه ربيون كثير﴾.\nوأما قوله هل أصدق أم أكذب؟ فمحمل صحيح، لأن من تقدمه من النبيين يأتي يوم القيامة وليس معه تابع، ويأتي بعضهم ومعه النفر اليسير، وقد قال الله تعالى في إبراهيم، ﴿فآمن له لوط﴾ والله أعلم ما كان بعد ذلك من زيادة في المؤمنين على زوجه وبنيه وأم ولده. وكذلك يحتمل أن يكون معناه هل أموت بمكة أو بغيرها، ويقرب منه معنى التكليف حتى قيل له: ﴿ملة أبيكم إبراهيم﴾ وقيل له: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ وأما قوله: هل هي الرمية بالحجارة أم لا؟ ففيه بعد من وجوه ذكرناها في كتاب المشكلين ولا يحتاج إليها ها هنا.","vol":"2","page":366},{"text":"وأما قوله: هل يدخل الجنة أم لا؟ فقد استبعده الحسن وقال: معاذ الله، وقد قربه غيره واحتج بما وقع في الصحيح في حديث عثمان بن مظعون إذ دخل عليه رسول الله ﷺ بعد موته فقال له قائل: هنيئا له بالجنة. فقال رسول الله ﷺ، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي، وفي رواية: ما يفعل به، وتجاري علماؤنا في ميدان القول فيه فأحال بعضهم ألا يعلم الرسول حسن الخاتمة يوم الرسالة وقال بعضهم: لا يعلمه إلا بتوقيف غير الرسالة. وأحالت المبتدعة ألا يعلم ذلك الرسول عقلا، وقد بينا أنه لا يدخل العقل في شيء من ذلك. فإن للباري تعالى أن يعذب الملائكة والأنبياء بحق ملكه، ولكنه شرف وعظم بفضله، علمنا ذلك بقوله وبخبره. وقال قال الحسن: معاذ الله أن يكون ذلك في الآخرة فقد علم انه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل فركب إشكال آية على أخرى أشكل منها.\nفإن الله أخذ ميثاق النبيين في صلب آدم ﵇ على احد القولين، وذلك لا يذكره أحد من خلق في التطوير إلا بذكرى مجددة من الله وخبر مبتدأ وعلى القول الثاني أخذه فيهم عند البعث بان يصدقوا محمدا ويبشروا به، فكان محمد آخرهم زمانا، وله عليهم ميثاقا فكل رسول مصدق بجميع الرسل، وكذلك كل أمة، وليس يمتنع على النبي حاله في الآخرة وحال من آمن به لعلمه به بجواز حكم الله بالعذاب لمن أطاعه حتى يبريه من موجب حكمته بمقتضي رحمته، والذي أراه من ذلك أن النبي إذا كوشف بالرسالة واصطفى بالوحي، كان ذلك قطعا له إلى العصمة وبيانا لكونه من أهل الجلالة والرحمة، ولا يصح له شك في العاقبة فإن كان هذا المراد فلا يقال إن آية الفتح نسخت، فإن هذا ليس بنسخ وإنما هو زيادة علم إلى علم وفضل إلى فضل، فإذا قال النبي: لا أدري كذا، ثم عرفه الله به","vol":"2","page":367},{"text":"فلا يقال إن هذا نسخ، إنما هو تعليم بما لم يكن يعلم، وفضل زائد إلى ما تقدم، وأما قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ ففيها ثمانية أقوال: الأول والثاني والثالث والرابع ما تقدم في مسطور ما ذكر، المتقدم، حكايتنا عنه.\nالخامس: ليغفر لك الله الصغائر باجتناب الكبائر.\nالسادس: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر قبل هذه الآية التي أخبرناك فيها بالمغفرة وبعدها.\nالسابع: أن معناه ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر باستغفارك.\nالثامن: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر على العموم وهذه الأقوال إنما تتركب على ما يحتمله لفظ التقديم ولفظ التأخير فصار المتقدم يقتضي القبلية وصار التأخر يقتضي البعدية فلأجل ذلك حمل كل أحد قوله على مقتضي قبل وبعد وانقسم إلى مجاز وإلى حقيقة، فالحقيقة هو أن يغفر له ذنبه والمجاز أن يغفر ذنب غيره بسببه وفي حرمته، كما قالوا إن المغفرة لآدم، ولجميع النبيين بحرمته، والوعاظ يقولون، لولا محمد لم تخلق سماء ولا أرض ولا جنة ولا نار، وكذلك لولا آدم وعيسى على النحو الذي يريدون فإن الله تعالى إنما خلق المقادير التي سبقت في علمه وكتبها بعلمه مرتبة بعضها على بعض ومرتبطة بعضها ببعض ومحمد والأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين من أشرف المخلوقات أو أشرفها كلها ولكن لا حاجة بنا إلى العدول بالكلام عن ظاهره وإنما المعنى ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك قبل الوقت الذي أعلمناك فيه بذلك وبعده إلى الموت.\nوأما قوله: من قبل ما تقدم يوم بدر، فلم يكن يوم بدر ذنب بل كان أفضل الأعمال وأعظم الطاعات من الدعاء والاستكانة والتضرع إلى الله والاستغاثة، وقوله ﵇: إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض أبدا، كلام بديع وإنما فيه ما قال له أبو بكر الصديق رضوان الله عليه حين رآه يدعو بهذه الكلمات، وغيرها: يا رسول الله كفى مناشدتك ربك إنه سينجز لك ما وعدك، فكان","vol":"2","page":368},{"text":"مقام أبي بكر مقام الرجاء وكان مقام النبي مقام الخوف، وقد اختلف الناس في تفصيل المقامين وتفضيلهما، ومقام رسول الله بلا شك أفضل، وقد بينا ذلك في كتاب المشكلين، وغيره. وأما الذي حكوا عنه يوم هوازن فباطل وإنما أخذ النبي ﵇ كفا من حصى فرى به وقال: شاهت الوجوه، فانهزم القوم قال الله تعالى له: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ وفيه للعلماء أقوال كثيرة، بيانها في كتابي المشكلين والأصول، وذكر ما فيها من الأقوال وعمدتها قولان:\nأحدهما: وما عممت برميتك المشركين كلهم إنما دفعت الحصباء من يدك فبلغها الله إلى جميعهم.\nالثاني: أن الفعل وإن كان منسوبا إلى العبد فإنه مجاز وحقيقته لله سبحانه وهو خلق الرامي منا وحياته وعلمه بما يرمي ويرمي به وكيف يرمي وخلق له المرمي به وخلق الإرادة للرمي وخلق الحركة في اليد وخلق سير الرمي إلى المرمي به في الهواء وخلق الوصول إليه وخلق التأثر به. والعبد محل لذلك كله وموضع لجريان مخلوقات الله فيه، ولأجل هذه الحقيقة قالت طائفة بالجبر ولم تفهم حكمة الله ولا حكمه ولا قوله، وأن الباري يقول: شاء العبد، وهم يقولون، أجبر العبد وقد حققنا ذلك في موضعه وفي هذا كفاية فإن الله أخبر أن للعبد مشيئة وإنها تحت مشيئة الله فقلنا كما قال الله وحققنا تدبير مخلوقاته وترتيبها، والله الموفق.\nوأما من قال: ليغفر لك الله الصغائر باجتناب الكبائر. فهذا قول المبتدعة من المعتزلة، وغيرهم يقولون إن الكبائر لا تغفر لأحد إلا باجتناب الصغائر. وإذا كان هذا حكم الخلق أجمعين فما فضل محمد على جميل النبيين؟","vol":"2","page":369},{"text":"وأما من قال: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر بشرط استغفارك فكلام صحيح ولذلك كان النبي ﵇ يتأوله ويفعله فيستغفر ويتعبد ويبكي ويخشع وهذا حكم التوبة والمغفرة، إذا قال الله لعبده تبت عليك، فمن ذلك اليوم يزيد في الطاعة ولو قال: غفر لي فلا أبالي، لكان ذلك هلاكا له.\nوأما من قال: إنه على العموم فصحيح أيضا، ولكن لا يجوز أن يقال للنبي كبيرة، فإن ذلك مستحيل عليه شرعا، وإنما يصح أن تنسب إليه الغفلات والتقصير في المتجهدات والاشتغال بالأهل عن الطاعات، فمن هذا كان يتوب في كل يوم مائة مرة، ومن هذا كان يغان على قلبه الشريف بحكم جبلة الآدمية فيرجع إلى التوبة لأجل النبوة. وإلى ها هنا انتهى تحقيق القول في الآيتين وتبين بذلك الغرض من المعنيين وظهر خروج النسخ عنهما وأنهما في حيز المحكم والمشكل والله أعلم.\nأما جميع ما استشهد به من الأحاديث ورتبه من النزول في الآية واحدة بعد أخرى وما قاله المنافقون والمشركون واليهود وما نزل ترتيب أقوالهم آية بعد آية فأحاديث موضوعة لا أصل لها. وإنما الصحيح منها ما رواه الأئمة بأجمعهم في آية الفتح ونص عليه الصحاح واللفظ للترمذي، عن عمر قال كنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فكلمت رسول الله فسكت ثم كلمته فسكت فحركت راحلتي فتنحيت وقلت ثكلتك أمك يا ابن الخطاب نزرت رسول الله ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك ما أخلقك أن ينزل فيك قرآنا قال: فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي، قال: فجئت رسول الله ﷺ فقال يا ابن الخطاب لقد أنزلت علي هذه الليلة سورة ما أحب أن لي بها ما طلعت عليه","vol":"2","page":370},{"text":"الشمس ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾ زاد الترمذي عن أنس قال: نزلت على النبي ﷺ، ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ مرجعه من الحديبية فقال النبي ﵇ لقد نزلت علي آية هي أحب إلي مما على الأرض، فقرأها النبي ﵇ عليهم، فقالوا للنبي: هنيئا مريئا يا نبي الله قد بين الله لك ما يفعل بك فماذا يفعل بنا، فنزلت عليه: ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما﴾.","vol":"2","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>سورة محمد ﵇</span>\nفيها آية واحدة وهي<span data-type=\"title\" id=toc-293> قوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ </span>قالوا إن ابن جريج يرى أنها منسوخة بآية ﴿اقتلوا المشركين﴾ وهي في أهل الأوثان، من العرب فلا يجوز فداؤهم ولا منهم، وقاله غيره وقيل هي منسوخة بآيات القتال ولا يفادي ولا يمن إلا على من لا يجوز قتله كالصبي والمرأة، وقال الضحاك: هذه الآية هي الناسخة لآيات القتال. وعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﵇ خير في الأسرى بين المن والفداء والقتل والاسترقاق.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nقد بينا هذه الآية في مسائل الخلاف، والآية محكمة ليس للنسخ فيها طريق، لا من آيات القتال ولا من غيرها، لأن النسخ كما بينا إنما يكون بشروط، منها المعارضة ومنها معرفة التاريخ، ولا تاريح ها هنا يعلم، ولا معارضة بين الآيتين لأن آيات القتال هي معنى قوله تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب﴾ فأمر بالقتال ثم قال تعالى: ﴿حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق﴾ ثم منوا بعد ذلك عليهم أو فادوهم. وقد من النبي ﷺ على ثمامة بين أثال وأطلقه. وقال في أسارى بدر: لو كان المطعم ابن عدي حيا وكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له","vol":"2","page":372},{"text":"والإمام مخير في الأسرى بين خمسة أشياء: إما القتل أو المن أو الفداء أو الرق أو إقرارهم على الجزية، وبه قال جماعة، روى ابو حنيفة أن الإمام لا يمن إلا من جهة الآية. ولكن زعم أن في المن إتلاف حق الغانمين. وهذا يبطل بالقتل، فإن له أن يقتل جميعهم وفي ذلك إتلاف حقهم، ويبطل أيضا بما قدمناه من الأدلة والله أعلم.\nوآية ثانية: زعم بعضهم فيها زعما ليس بمزعم، قال في قوله تعالى: ﴿ولا يسئلكم أموالكم إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم﴾ أن قوله تعالى: ﴿فيحفكم﴾ نسخ قوله: ﴿ولا يسئلكم أموالكم﴾ وسبحان المقدر بسطر مثل هذا الهوس، ولولا أنه دون وقريء وأقريء ما لفتنا إليه قلبا، ومن بلغ بسطر مثل هذا الهوس، ولولا أنه دون وقريء وأقريء ما لفتنا إليه قلبا، ومن بلغ به البله إلى أن يعتقد أن سبب الحكم علة لنسخ الحكم، فأي موضع فيه للكلام؟ إن الله سبحانه أخبر أنه لا يسأل الناس أموالهم التي أنعم بها عليهم، لأنه لو سألها لبخلوا وظهرت بواطنهم وما يكنونه في إيثار المال على الدنيا، والدنيا على الآخرة، وأنه تعالى فرض علهم الأقل وهو الزكاة، فما قام بفرضها إلا الأقل وهم الأولياء، فكيف لو سأل جمعها؟ وإن أول من جاء بجميع ماله أبو بكر الصديق ﵁، وحقق ذلك وبينه بقوله تعالى: ﴿هأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل على نفسه، والله الغني وأنتم الفقراء﴾.","vol":"2","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>سورة الفتح</span>\nقد تقدم ذكر ما فيها في سورة الأحقاف وبيانه\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>سورة ق</span>\nفيها آيتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فاصبر على ما يقولون﴾ قد تقدم أن هذا منسوخ بآيات القتال، وفيها أن الله أمر رسوله بالصبر على ما يقولون من الكفر وأمره بأن يقابل ذلك بالتسبيح والتقديس والصلاة والطاعات</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وماأنت عليهم بجبار﴾ أي بمسلط، هذا منسوخ بالأمر بالقتال. وقد بينه ﷺ بقوله: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله﴾</span>.","vol":"2","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>سورة الذاريات</span>\nفيها من النسخ آية واحدة وهي<span data-type=\"title\" id=toc-299> قوله تعالى: ﴿فتول عنهم فما أنت بملوم﴾ </span>قال المفسرون هذا منسوخ بآيات القتال، وقال آخرون هو منسوخ بالإقبال عليهم وتبليغ الرسالة إليهم.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nقوله تعالى: ﴿فتول عنهم﴾ حرف مشكل لأنك تقول توليت فلانا وتوليت عن فلان بمعنيين متضادين، وتقول ولني ظهرك ووليت فلانا ظهري وقولنا تولي وزنه تفعل من ولي وهو الولي من القرب، فإذا قلت توليت فلانا تريد اتخذته قرينا أو وليا، وهو منه، وإن قلت: توليت عنه، كان معناه اتخذت سواه، ففي الآية أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يتخذ أولياء سواهم، وهذا أمر بالإعراض عنهم وذلك منسوخ بأمره بالإقبال بالقتال عليهم، لا بالإبلاغ فإنه أبلغ فلم يقبل فأمر بالإعراض والصبر حتى أذن الله في قتالهم واستخراج الإقرار بالسيف منهم.\nوفيها آية أخرى من المجمل، وهي قوله تعالى: ﴿وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾ أخبر الله تعالى أن في الأموال حقا للسائل والمحروم، ولم يفسر حينه ولا حدد مقداره، فقال قوم إنها منسوخة بالزكاة، وقال آخرون إن في المال حقا سوى الزكاة وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف وفي قسم الأحكام وليس تقدير الزكاة بناسخ لهذا الحق، بل هو مبين له، وكل صدقة أو حق في كتاب الله تعالى مطلق فالزكاة تقيده وتفسره، حسب ما بينا تفصيله في الأحكام والله أعلم.","vol":"2","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>سورة الطور</span>\nاتفقوا على أن فيها من النسخ آيتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قل تربصوا فإني معكم من المتربصين﴾ </span>نسخها قوله تعالى في آيات القتال: ﴿اقتلوا المشركين﴾ وغيرها، وعندي أنه قال في سورة براءة من أخر ما نزل ﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده، أو بأيدينا، فتربصوا إنا معكم متربصون﴾ وهذا خطاب للمنافقين فأوجب هذا أن يكون التربص مخصوصا في آية الطور بالمشركين ممدودا في المنافقين إلى نزول براءة، وذلك لم ينقطع إلى أن استأثر الله برسوله فالآية مخصوصة غير منسوخة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>والآية الآخرى قوله تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ </span>هذا منسوخ بآية القتال كما قدمناه. ثم قال بعد ذلك ﴿وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم﴾ قال بعضهم: هذا المراد به ركعتا الفجر وهو منسوخ بالفرائض.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nهذه دعوى مركبة على دعوى أن قوله في هذه الآية يحتمل وجودها لم يتعين منها واحد بدليل، وقد بيناها في الأحكام وقد قال سفيان: معناه قل سبحان","vol":"2","page":376},{"text":"الله، إذا قمت من نومك. وقيل معناه قل إذا قمت إلى الصلاة: سبحانك اللهم وبحمدك، وقيل المراد بتسبيح الليل صلوات الليل، وقيل إدبار النجوم صلاة الصبح، ولو كان المراد بها ركعتا الفجر فلا يصح فيها دعوى النسخ، لأن ركعتي الفجر لم تشرع حتى شرعت صلاة الصبح. فأما انفراد فرضها دون صلاة الصبح أو فرضها قبلها فلا أصل للنقل فيه وإنما هي دعوى محضة فلا معنى للتعلق بها.","vol":"2","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>سورة والنجم</span>\nفيها من النسخ آية واحدة وهي<span data-type=\"title\" id=toc-304> قوله: ﴿فأعرض عمن تولى عن ذكرنا﴾ </span>هذا منسوخ كما تقدم بآيات القتال.\nوفيها قوله: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ قال بعضهم هو منسوخ بقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم﴾.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nهذه غفلة عظيمة، إن الله تعالى تفضل على العبد بنعم لا تحصى: منها أنه لم يؤاخذه بذنب غيره، ومنها أنه جزاه على عمله، والعمل منة منه عليه، وهو هداه إليه وخلقه له. ومن عمله الذي يؤجر عليه أن يتبعه سواه ويقتدي به غيره ويتذكر برؤيته أو بسماعه ناس نسي ما ذكره به، كما أن عمله الذي يؤاخذه به أنه يأثم على كل معصية كان أصلها المعلم لها والمنبه عليها قال الله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم﴾ وقال النبي صلوات الله عليه: ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه وقال: من سن سنةحسنة في الإسلام كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن سن سنة سيئة في الإسلام كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا، على","vol":"2","page":378},{"text":"أن قوله تعالى: ﴿ألحقنا بهم ذرياتهم﴾ لا يدل على إلحاقه ذريتهم بهم لهم وإنما يقتضي ذلك أنه أمر يختص بالذرية ولو كان على أنه لهم لكان ذلك من باب قوله: ليس لك إلا درهم. ثم له أن يبتديء عطاءك بما شاء أن يفعله وكذلك من وهب شيئا من عمل صالح لغيره يعد ذلك له، ونفعه الله به. ولكن لا يجزي فعل أحد عن أحد في فرضه إلا ما قاله أحمد بن حنبل: أن من مات وعليه صوم صام عنه وليه. وبه قال الحسن وغيره وذلك من باب عطاء الغير للغير، ولا يناقض ذلك أنه ليس له إلا سعيه على ما نبهنا عليه، وقد مهدناه في الأحكام ومسائل الخلاف والله أعلم.","vol":"2","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>سورة القمر</span>\nفيها آية واحدة، وهي<span data-type=\"title\" id=toc-306> قوله تعالى: ﴿فتول عنهم﴾ </span>وهي منسوخة بآيات القتال كما تقدم.\nوقوله تعالى: ﴿يوم يدع الداع إلى شيء نكر﴾ كلام مؤتنف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>سورة الواقعة</span>\nمحكمة بإجماع إلا أن مقاتل بن سليمان نصب مقاتله للخطأ في آية واحده منها وهي<span data-type=\"title\" id=toc-308> قوله تعالى: ﴿ثلة من الأولين وقليل من الآخرين﴾ </span>قال نسخها قوله بعد ذلك: ﴿ثلة من الأولين وثلة من الآخرين﴾ وواجهلاه من غفلته وعماه! وكيف ساغ في علمه هذا وليس فيه من شروط النسخ واحد، وقد قال العلماء، إن قوله تعالى: ﴿ثلة من الأولين﴾ يحتمل أن يريد به أمم الأنبياء ويحتمل أن يريد به الصحابة ﵃: ﴿وقليل من الآخرين﴾ يحتمل أن يريد به أمة محمد ﵇ ويحتمل أن يريد به آخرنا. وقوله تعالى بعد ذلك: ﴿ثلة من الأولين وثلة من الآخرين﴾ يحتمل أن يريد به مثل ما تقدم ويكون قوله تعالى: ﴿وثلة من الآخرين﴾ في أحد القولين من أمة محمد ﵇ ويكون المعنى فيه أن المنافقين يكونون كثيرا في صدر أمة محمد، ويكونون في آخرها قليل لكثرة الظلم والمعاصي وقلة الطائع والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. فأما أصحاب اليمين وهم أهل الثلة الذين يلزمون خويصة أنفسهم فيكونون كثيرا في صدر الأمة وفي آخرها كثير. وهذا كله معنى بين لا إشكال فيه على ذي نحيزه.","vol":"2","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>سورة المجادلة</span>\nفيها ثلاث آيات لا يتحقق النسخ فيها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>الآية الأولى: النازلة في الظهار قال بعضهم نسخت ما كان عليه أهل الجاهلية من اعتقاد الظهار طلاقا حتى رفع الله لما شرع من الكفارة في الظهار</span>.\nقال القاضي ابن العربي وفقه الله:\nولا يصح ذلك لأن أحدًا لم يعمل به في صدر الإسلام فجعل له طلاق، وإنما كان امرًا لم يقع فلما وقع قال النبي ﵇: حرمت عليه. يعني المرأة المظاهر منها، فقالت: إلى الله أشكو. فنزلت الآية وشرع الله فيه الكفارة والقرآن لا ينسخ باطل الجاهلية كما بيناه، وإنما وقع النسخ فيما قال لنا النبي ﷺ وقد مهدنا الاية في قسم الأحكام والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾</span>.\nقال القاضي ﵀:\nوروى عن علي بن أبي طالب ﵁ قال لما نزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾.\nقال القاضي ﵀:\nوروى عن علي بن أبي طالب ﵁ قال لما نزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيم الرسول فقدموا بين نجواكم صدقة﴾ قال لي النبي: ما","vol":"2","page":381},{"text":"ترى؟ دينارا قلت: لا يطيقونه، قال: فنصف دينار؟، قلت: لا يطيقونه. قال: فكم؟ قلت شعيرة، قال: إنك لزهيد. قال: ﴿فنزلت آسفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات﴾ الآية. وهذا مما لم يصح سنده وفي ذلك آثار لا معنى لذكرها لضعفها. وإنما نزلت النجوى ثم نسخت بعدها. وغير ذلك من الأقوال باطلة وما فيها من الروايات ضعيفة كقولهم إنها نسختها آية الزكاة، وكقولهم أن المسلمين عملوا بها فشق عليهم، فلا فائدة في الاشتغال بها ولا بأمثالها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم﴾ إلى آخر الآية عارضها قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين﴾ فقالت طائفة: هذه ناسخة لآية سورة الممتحنة. والصحيح أن آية الممتحنة لأهل الذمة والأمان، وآية المجادلة لأهل الحرب والمعاندة فمن عاند الله وعاند أولياءه فلا مبرة له ولا كرامة، ومن سالم عن اعتقاده وبر أكرم بظاهر حاله. قالت أسماء، يا رسول الله إن امي قدمت علي وهي مشركة، أفأصلها؟ قال: نعم صلي أمك</span>.","vol":"2","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>سورة الحشر</span>\nفيها آية واحدة وهي<span data-type=\"title\" id=toc-314> قوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول﴾ </span>قال بعضهم: قال قتادة هي منسوخة بقوله: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه﴾ وقال آخرون: هي لهم لا خمس فيها، وقال آخرون: الفيء غير الغنيمة ويخمس، وقال آخرون: هي مثل الآية التي قبلها. وقال آخرون: المراد بذلك الخراج.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nتحقيق هذه الآيات على التفصيل والأقسام في قسم الأحكام وهذه الآيات من المشكلات فعند كثير من العلماء أنها آيتان في معنيين، قاله مالك وغيره واعتقدوا أن الأولى في بني النضير والثانية في قريظة، وقيل إنها بمعنى واحد، والأول أصح، وإذا نظرنا في هاتين الآيتين وفي آية الأنفال ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ فإن العلماء اختلفوا: هل هي ثلاثة آيات لثلاثة معان؟ أو ثلاث آيات لمعنيين؟ ولا إشكال عندي في أنها ثلاثة معان، فغير خاف على العالم بالآثار والماهر في ميدان النظار أن آية الحشر الأولى في بني النضير، وبذلك فسرها عمر بن الخطاب ﵁ بمحضر صناديد علماء الصحابة، وأما الآية الثالثة فهي مقتطعة عن الأول لفظا مقتطعة عنهما معنى موضوعة لمستحق غير الأول، وآية الأنفال معنى ثالث لمستحق ثالث، ومأزق النظر في هؤلاء الآيات أن الأولى من الحشر هي فيما أفاء الله بغير قتال، وآية الأنفال هي فيما حصل بالقتال، والآية الثانية من الشحر والثالثة من الثلاث الآيات مسكوت عنها في ذكر القتال، فقال بعض العلماء هي","vol":"2","page":383},{"text":"ملحقة بآية الحشر الأولى، وقالت طائفة هي ملحقة بآية الأنفال، ومن الناس من قال إنها بحكم ثالث وهي مال الجزية والخراج، فإما أن تكون منفردة أو ملحقة بإحدى الآيتين. وهذا الغرض كاف في فصل النسخ وقسمه وتحقيق المراد بالترجيح يكون في قسم الأحكام ومسائل الخلاف ففيها ينظر، والله أعلم.","vol":"2","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>سورة الممتحنة</span>\nفيها من النسخ ثلاث آيات، وآيتان من غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن﴾ الآية، هذا قرآن نسخ سنة. وكان النبي ﵇ في عمرة الحديبية قد شارط الكفار على أن من جاءنا منهم رد إليهم ومن جاءهم منا لم رد إلينا فأشفق من ذلك المسلمون وشق عليهم، وتكلم في ذلك عمر بن الخطاب وغيره رضوان الله عليه، ثم ثبت الله الإسلام والمسلمين ورضوا، ووفي النبي ﷺ بشرطه فرد من جاءه من الرجال، فلما جاء النساء وأراد ردهن إليهم بحكم الشرط، أنزل الله تعالى هذه الآية في منع ذلك فحبسهن عنهم، فمن آيات النبي صلوات الله عليه ومعجزاته أن الله تعالى قبض ألسنة الكفار عن رسوله فلم ينسبه أحد من الكفار إلى الغدر، ولا أضاف إليه نكثا في العهود</span>.\nفإن قيل: ليس هذا بنسخ إنما هذا تخصيص عام، قلنا: هذه نكتة بديعة، وذلك أن إخراج بعض العموم إنما هذا تخصيص ولم يحكم عليه بحكم النسخ لأنه يحتمل أن يكون مراد السائل ما أخرج من العموم، ويحتمل أنه لم يرد به إلا ما بقي فيه فأما إذا كان كل ما يتحمله العمومداخلا فيه مرادا به، فإن إخراج بعضه نسخ وهذه نكته بديعة ومسألة مفيدة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>الآية الثانية: وهي بعض من الأولى قوله تعالى: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ قال القاضي محمد بن العربي ﵁: هذه مسألة قريبة من النسخ وهي أن المشركين كانوا ينكحون المسلمات ويمسكون بعصمهم حتى كانت</span>","vol":"2","page":385},{"text":"زينب بنت رسول الله ﷺ تحت كافر وهو أبو العاصي بن الربعي فنسخ ذلك بهذه الآية وقطع نكاح المشركين المؤمنات وكان هذا نسخا للإقرار بالأقوال وهو من قريب النسخ إذ الإقرار كالقول في إثبات حكم الشرع فنسخ كما نسخ القول لأن له حكم القول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا﴾</span>.\nقال بعضهم: المراد بهذه الآية إن ارتدت امرأة منكم فذهبت منكم إلى الكفار فأعطوا زوجها مثل ما أنفق عليها يعني من صداق ثم نسخ الله ذلك. واختلف في نسخة على ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه منسوخ بقوله: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ الآية\nالثاني: أنه منسوخ بآية القتال.\nالثالث: أن آية براءة نسخت أحكام هذه السورة\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nاختلف في محل إيتاء المسلمين للمشركين ما فاتهم من أزواجهم في هذه الآية على ثلاثة أقوال:\nالأول: أنهم يوتون من مهر إن وجب للكفار أيضا.\nالثاني: أنه يرد من القسمة.\nالثالث: أنه يرد من الخمس.","vol":"2","page":386},{"text":"وقد كنا نعمل البحث ونسير الحال في محل الرد ولو كان الحكم ثابتا وأما وقد نسخ فلا حاجة بنا إلى ذلك لأن الحكم المنسوخ لا فائدة في البحث عن محله وكذلك القول في البحث عن ناسخها، أن ذلك قليل الجدوى ولكنه بالبحث أحرى، والذي يصح أنه الناسخ لها زوال الهدنة ووجوب القتال، فإن ذلك كله حكم أوجبه الصلح فإذا زال زالت أحكامه ولما زالت الهدنة وانقطع الصلح نكث المشركون عهدهم والأمر بقتالهم صح أن يقال في هذا إنه ناسخ ومنسوخ وخرج عن باب زوال الحكم بزوال وقته أو محله، والله أعلم.\nوفيها آيتان:\nإحداهما قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾.\nزعم قتادة أنها منسوخة بآيات القتال، وقد بينا فيما تقدم من سورة المجادلة أنها محكمة والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>الاية الثانية قوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ قال بعضهم: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ وهذا ليس بنسخ وإنما هو تخصيص إن كان قوله</span>","vol":"2","page":387},{"text":"تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ عاما في كل كافرة، وإن كان المراد به الكافرين عبدة الأوثان على مقتضي سياق الآيات وأنها خارجة مخرج أهل المهادنة وهم المشركون فالآية محكمة فأما النسخ، فلا سبيل إليه فيها والتخصيص أقرب إليها والله أعلم.\nوهم: قال بعضهم في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا﴾ الآية، أنه منسوخ، إذ ليس على الإمام أن يشترط في المبالغة هذا.\nذكرى.\nقال ابن العربي ﵁:\nمن زعم أن هذا منسوخ يفتقر إلى بيان الناسخ، وللا يجزيه من ذكره أن يقول ليس على الإمام أن يفعل هذا لأنه كلام لايغني في المقصود، إذ يقال له: ولم ارتفع عن الإمام ما كان فعله إمام الآئمة، وإنما يقال إن النبي ﷺ كان إذا بايع رجلا أو رجالا او امرأة أو نساء بين لهم شرائع الدين وعرفهم بأصول تكليفه ليدخلوا فيه على بيان، وليلتزموه على علم، قال الله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ وأوكده الإيمان وأصوله وأوكدها حالة حين الدخول فيه. وقد قال علماؤنا إنه ﷺ إنما خص الناس ها هنا ببيان المنهيات دون المأمورات لأنهن أوكد وأدوم ولأن النساء يقعن فيهن أكثر. وقد قال لوفد عبد القيس: أنهاكم عن أربع","vol":"2","page":388},{"text":"فخص لهم بالنهي ما كان يعلم منهم أنهم إليه أميل وعندهم الارتكاب له أكثر وعلى الإمام اليوم أن يبين ذلك للداخل في الإسلام إن كان لا يعلم وإن علم أركان الدين وشرائع المسلمين بالمصاقبة لهم والجوار معهم كفى الداخل في الإسلام وهو بهذه الصفة الإقرار بالشهادتين خاصة.","vol":"2","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>سورة المنافقين</span>\nفيها آية واحدة وهي<span data-type=\"title\" id=toc-321> قوله تعالى: ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ </span>نسخت الاستغفار للمشركين وقد تقدم ذلك في سورة براءة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>سورة التغابن</span>\nفيها آية واحدة وهي<span data-type=\"title\" id=toc-323> قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ </span>تقدم ذكرها في سورة آل عمران وغيرها.","vol":"2","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>سورة النساء القصرى</span>\nقيل: إن فيها آية واحدة وهي<span data-type=\"title\" id=toc-325> قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ </span>نسخت قوله تعالى: ﴿أو آخران من غيركم﴾ وقد تقدم الكلام فيها في سورة المائدة.\nإنجاز موعد:\nقوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن﴾ قد بينا في الأحكام هذه الآية على وجه لم يسبق إليه مجموعا من كلام المشيخة برد الله ثراها، بما لبابه مما يتعلق بالنسخ أن الله تعالى قال في سورة البقرة: ﴿والمطلقات يتربصن﴾ ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن﴾ والتربص هو الانتظار، فعل يستدعي زمانا ومكانا، فبين تعالى كل واحد في موضعه مفردا عن صاحبه، فقال في المدة بعد الطلاق ثلاثة قروء، وقال في المدة بعد الوفاة عاما كاملا ثم نسخه إلى أربعة أشهر وعشرا، عاما في كل زوج بعد الوفاة، ثم قرر في هذه السورة حكم اليائشة والصغيرة في الزمان وضعا لكل قرء شهرا ليجتمع فيه مدة الحيض والطهر على اختلافهما في التقدير، لدخول أحدهما على الآخر وخروجه عنه. لكن الشهر يحصرهما وقد ينقصان عنه نقصانا مختلفا، حتى قيل إن العدة تنقضي في الأكثر لمدة من خمس وأربعين ليلة، وقد بيناه في موضعه وأوضحنا (الحق فيه)","vol":"2","page":391},{"text":"مع بيانه سبحانه للزمان في هذه الآية التي ذكرناها، لم يتعرض للمكان بالبيان، إلا أنه قال تعالى في سورة البقرة في الآية المنسوخة في المدة/ ﴿غير إخراج﴾ وهو حكم لم ينسخ، فدل المصدر على زمان الإخراج ومكانه كدلالة فعل التربص وكل فعل عليه ولكنه أكده في سورة البقرة بقوله: ﴿وصية لأزواجهم متاعا﴾ فدل على ان الوصية والمتاع إنما يكونان في المملوك للزوج وهو المكان، فأما الزمان فليس لأحد عليه ملك ولا سلطان. وجاء في هذه السورة في هذه الصورة وهي المطلقة: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن﴾ يعني البيوت التي كن يسكن فيها لأن هذه الإضافة لا يصح أن تكون إضافة ملك وإنما هي إضافة سكنى على ما بيناه في الأحكام وشرح الحديث وكان قوله تعالى في سورة البقرة غير إخراج مصدرا مطلقا يقتضي التعلق بالفاعل وهو الزوج، ويكون أهله بالخيار إن شاءت فرت وإن شاءت قرت، فالزمن في هذه الآية التي في هذه السورة في هذه الصورة وهي المطلقة القرار وحرم عليهن الفرار، كما ألزم الرجال الإقرار وأكد ذلك بقوله تعالى بعد ذلك/ ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم﴾ أي من الجهة","vol":"2","page":392},{"text":"التي سكنتم منها مع القدر في السكنين أو في الثاني ولابد. ومن معانيه: أخرجوا عنهن فإن الرجل إذا سكن مع المرأة كانت تبعا ولم يضف إليها سكنى، فإذا خرج عنها كان السكنى مضافا إليها، وانتهى الأمر بين هؤلاء الآيات، وبهذا الجمع البديع والرصف العظيم من العليم الحكيم، إلى أن الزمان مقرر مقدر في كل مطلقة ومتوفي عنها زوجها، والمكان مقدر في الصورتين جميعا، في المطلقة بهذه الآية في هذه السورة وفي سورة البقرة بآية الحول المنسوخة لأن النسخ إنما وقع في بعض الزمان، فأما الإخراج فلم يتعرض له بنسخ فبقي حكه وهذا مما فات علماءنا وعليه دار الموعد وهو الذي تفردت باستخراجه وقد كنت طويت عليه في هذا الإملاء نفسا ثم ألححتم في الموعد، فأنجزناه دينا وبيناه بثلاثة فصول:\nالفصل الأول: ما قدمناه في إنجاز الموعد.\nالفصل الثاني: تحقيق القول في الآية المنسوخ، بعضها في سورة البقرة قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم﴾ أحلنا عليه الكلام آخرا وأولاد، ها هنا في هذا الكتاب وفي غيره من الأمالي، وكأن هذه الآية تتوقف الأفهام فيها ويغفل العلماء عند تعرضهم لها استيفاء البيان فيها، وإيضاحه.\nإن قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم﴾ جملة، وقوله تعالى: ﴿ويذرون أزواجا﴾ جملة ثانية وقوله: ﴿وصية لأزواجهم﴾ جملة ثالثة، والجمل إذا اتسقت في الكلام لاتبين معناها الأفهام إلا أن ترتبط في النظام، فإن انفصلت لم تتم الفائدة منها، والذي يربط نظامها ويرجح ميزانها وجهان\" إما حرف ضابط أو ضمير عائد حسب ما علم في قانون العربية. وبعد هذا الارتباط لهذين الوجهين، فإن كانت جملة من أفعال وفاعلين، فلها حكمها في الاتصال والانفصال وذلك يتفرع في باب الأخبار عنها. وإن كانت من مبتدأ وخبر فلها قانونها بأن يكون الخبر هو المبتدأ أو غيره فإن كان هو انتظم معه على فائدة فبها ونعمت، وهو كثير، وإن كان غيره فلا","vol":"2","page":393},{"text":"بد من ضمير عائد عليه مقدرا ومقررا، وهذه مقدمة لفهم الآية، إذ قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم﴾ جملة من مبتدأ تقتضي خبرا، واختلفوا فيه على أقوال، أمثلها أن قوله (وصيه مبتدأ نكرة مفيدة ولا خلاف فيه عربية، وقوله لأزواجهم الخبر وهذه الجملة اللاحقة خبر الجملة السابقة وأرسلت بالضمير المصرح به في الثانية عائدا على المذكور به في الأولى. وقيل في القول الثاني إن ها هنا مقدرا صريحة: فعليهم وصية لأزواجهم. وقيل في القول الثالث تقديره: كتب عليهم وصية لأزواجهم قد قرأها البصريون والشاميون بالنصب على تقدير: كتب الله عليهم وصية وهذا القول الرابع.\nقال القاضي ﵁:\nوهذا تطويل يدل على تفصيل سمحنا بذكره في هذه العجالة، مع قصد الاختصار وإن كان له موضع سواه أليق به منه، قصدًا للتفهيم أعني الآية لكم منه وتوقيفكم على تقصير غيركم أو اجتهاده. فأما كون قوله وصية مبتدأ فلابد منه والابتداء بالنكرة جائز شائع ولا يحتاج أن يقال فيه إذا كان مفيدًا لأن الابتداء نصا بالمعرفة لا يجوز أن يكون إلا مفيدًا، ألا ترى أنك إذا قلت: زيد قائم وهو بين يديك تراه لم يكن له معنى إلا أن يتركب على سابقة أو تركب عليه لاحقة من المعنى؟ وأما قوله فعليهم وصية فلا يحتاج إليه، لأن قوله: الذين يتوفون لأزواجهم وصية. كاف دون هذا الاضمار ولما في الألف واللام من معنى الارتباط، يجوز لك أن تؤكدة بالفاء ويجوز ان تفرده عنها ولاينحط المعنى في الوجهين عن مرتبه قال الله: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية فلهم أجرهم﴾ وقال تعالى: ﴿الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى﴾ فذكر الفاء وحذفها والمختار عندي هو الحذف، لما يوجب من الفصحاة والإراحة بحذف الزيادة إذا استقل المعنى دونها.","vol":"2","page":394},{"text":"وقد قال بعضهم: إن معناه كتب عليهم وصية لأزواجهم. وإذا استغني الكلام عن إضمار جار ومجرور فاستغناؤه عن إضماره مع فعل يقدر إليه مضافا أولى. وأما من نصب وصية فإنه إن كان فرارا من الابتداء بالنكرة فقد جا بأغرب منها في إضمار جملة من فعل وفاعل يرتبط الكلام دونها ويستغني الفصيح عنها والله أعلم.\nالفصل الثالث: هذه الاية مفسرة لمشكل وقع في آيات البقرة في سكنى المعتدة للوفاة فإن الناس اختلفوا في المتوفي عنها زوجها. فمنهم من قال تسكن حين شاءت ﴿فإن خرجن فلا جناح عليكم فما فعلن﴾ فرفع الحرج عنهن في خروجهن، الثاني: أن رفع الحرج منسوخ بالإلزام الذي قلتم في نظم الكتاب في قوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ روي الأول عن ابن عباس ﵀، والصحيح نسخها لثلاثة أوجه:\nأحدها حديث عثمان الصحيح وقد تقدم بيانه عند ذكرها، ومنتهى التحقيق فيه أن المتوفي عنها زوجها كانت في الجاهلية تدخل حفشا فتقيم فيه حولا، فلما بعث الله تعالى رسوله ﵇ جعل مقام المتوفي عنها زوجها حولا كما كانوا يفعلون وليس في الآية نص على محل المقام هل هو بيتها مع زوجها أم غيره وإنما فيه أنه فرض عليها ألا تخرج ولم ينص على المكان الذي لا تخرج منه. وإنما هو ظاهر وبينه على أن من له حق في هذا المسكن لا يخرج منه. ثم بين تعالى فقال: ﴿فإن خرجن﴾ يعني الأزواج ﴿فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن﴾ إذا خرجت من مسكن إلى مسكن تلتزم فيه العدة، لقوله تعالى: ﴿من معروف﴾ فكان على الملازمة، للأزواج في البيوت على هذا التقدير وصية لهن، وللموصى له قبول الوصية أو ردها، ثم نسخ الله ذلك من الوصية والمدة بقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون﴾ على ما تقدم من قول عثمان ﵁ وعضد به حديث الفريعة ونصه، أنها جات رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني","vol":"2","page":395},{"text":"خدرة فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان بطريق القدوم لحقهم فقتلوه، فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي، في بني خدرة فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة. فقال رسول الله ﵇: نعم، فلما كنت في الحجرة نادى أو نوديت له فقال: كيف قلت؟ فرددت عليه القصة فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله، قالت فلما اعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا فلما كان عثمان بن عفان ﵀ أرسل إلي يسألن عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به، وأكد ذلك حديث زينب قالت سمعت أمي أم سلمة زوج النبي ﵇ تقول: جاءت امرأة إلى النبي فقالت:\nيا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ، لا مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول، لا، وقد كانت إحداكن ترمي في الجاهلية البعرة على رأس الحول وقالت زينب في تفسير ذلك: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر سنة ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر فتقتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج، فتعطي بعرة فترمي بها ثم تراجع بعدما شاءت من طيب وغيره.","vol":"2","page":396},{"text":"قال القاضي ابن العربي ﵀:\nوكان هذا عندهم بقية من شرع في تربص المعتدة، بدله الشيطان وصرفه برأيه فانقادوا إليه فيه، وعضد هذا كله قوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن﴾ ﴿ولا يخرجن﴾ في هذه السورة وهي وإن كانت في عدة الطلاق فه في المتوفي ألزم من طريق الأولى الذي هو أصل من أصول الفقه متفق عليه في الأصل، لان السبب في عدة الطلاق له حائط وفي عدة الوفاة هو هالك، فكان الاحتياط عليه أوجب، وقد اندرج الوجهان في هذا الكلام عن الثلاثة الأوجه الموعود بها مع إنجاز الموعد الأصل وهو شاف وكان في الغرض، والله أعلم.","vol":"2","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>سورة الملك</span>\nغفلة: عجبا لابن حبيب، مع جلالة قدره في النسخ، من الكلام بالنسخ قال إن<span data-type=\"title\" id=toc-327> قوله تعالى: ﴿آمنتم من في السماء﴾ </span>منسوخ بقوله تعالى: ﴿بل الساعة موعدهم﴾ فتوعدهم بالخسف ثم أرجأ عذابهم إلى الآخرة.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nوهذا قول من لم يفهم قوله: ﴿بل الساعة موعدهم﴾ وذلك ليس برافع لعقوبة الدنيا فإن الله قال: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ فأخبر أنه يعاقبهم بالقتل والهزيمة وهذه نقمة الدنيا ثم قال تعالى: ﴿بل الساعة﴾ بعد ذلك ﴿موعدهم﴾ وعذابها وعقوبتها أشد من عذاب الدنيا وكلاهما مجموع عليهم وهم يواخذون بهما وتمامه في المشكلين والله أعلم.","vol":"2","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>سورة ن والقلم</span>\nفيها آية واحدة وهي<span data-type=\"title\" id=toc-329> قوله تعالى: ﴿فاصبر لحكم ربك﴾ </span>نسختها آيات القتال كما تقدم.\nوهم:\nقال بعضهم: فيها آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾ قال: نسختها آية السيف.\nتنبه:\nإن الباري تعالى يملي للكافر يؤخر عنه العقوبة في رغد من العيش ونعمة حتي يظن أنه لا يدركه فيأخذه على غفلة، وفي أثناء ذلك يستدرجه أي يبين له درجة بعد درجة، في حكمه وقضائه حتى يبلغ ما يريد منه وهذا لا نسخ فيه.","vol":"2","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>سورة المعارج</span>\nفيها آيتان منسوختان: وهما<span data-type=\"title\" id=toc-331> قوله تعالى: ﴿فاصبر صبرا جميلا﴾ </span>و<span data-type=\"title\" id=toc-332>قوله تعالى: ﴿فذرهم يخوضوا﴾ </span>نسختا بآيات القتال.\nوالصبر الجمل مالا شكوى فيه إلا إلى الله، كما قال يعقوب ﵇: ﴿فصبر جميل﴾ ولم يفته ذلك بقوله: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون﴾.\nوقوله تعالى: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم﴾ وقد تقدم في الذاريات وغيرها.","vol":"2","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>سورة الزمل</span>\nفيها ثلاث آيات<span data-type=\"title\" id=toc-334> قوله تعالى: ﴿قم الليل إلا قليلا نصفه﴾</span>\nقال القاضي محمد بن العربي:\nهو خطاب للنبي ﵇ والمراد بذلك الأمة. وكان رسول الله ﷺ كثيرا ما يخص بالخطاب لفظا ويراد به دخول من معه وربما خص به لفظا ومعنى وقد بينا ذلك فيما تقدم. فأمر الله الخلق في هذه الآية وأولهم وأفضلهم الرسول بأن يقوموا الليل فرضا ولم يقدر لهم الوقت منه. بل وكله إلى اجتهادهم وقصره على نظرهم، فدل على أن القياس أصل في الشريعة، ردا على المبتدعة في الدين الذين ينكرونه على المسلمين المتسننين وقد بيناه في قسم الأحكام فلينظر هناك، وفي أصول الفقه أن قوله تعالى: ﴿قم الليل إلا قليلا نصفه﴾ بدل الأقل من الأكثر وأن قوله تعالى: ﴿قليلا﴾ بدل من قوله نصفه ويكون (تقدير الكلام) قم الليل إلا نصفه أو أقل من نصفه أو أكثر من نصفه فيكون الأكثر مستني من الأقل، أو يكون بدلا من قوله: ﴿الليل﴾ ويكون تقدير الكلام: قم نصف الليل أو زد عليه أو انقص منه وهذا أصح، وفي الصحيح واللفظ لمسلم أن سعد بن هشام بن عامر أراد أن يعزو في سبيل الله فقدم المدينة فأراد ان يبيع عقارا","vol":"2","page":401},{"text":"بها فيجعله في السلاح والكراع ويجاهد الروم حتى يموت. فلما قدم المدينة لقي أناسا من أمثل المدينة فنهوه عن ذلك وأخبروه أن رهطا ستة أرادوا ذلك في حياة النبي ﷺ فنهاهم عن ذلك وقال: أليس لكم في اسوة؟ فلما حدثوه بذلك راجع امرأته وقد كان طلقها وأشهد على رجعتها فأتي ابن عباس ﵀ فسأله عن وتر رسول الله ﷺ فقال ابن عباس: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ؟ قال: من؟ قال: عائشة: فأتها فسلها، ثم ايتني فأخبرني بردها عليك، فانطلقت إليها فأتيت على حكيم بن أفلح فاستلحقته إليها، فقال: ما أنا بقاربها، لأني نهيتها في هاتين الشيعتين شيئا فأبت فيها إلا مضيا.\nقال: فأقسمت عليه، فجاء فانطلقنا إلى عائشة ﵂ فاستأذنا عليها فأذنت فدخلنا عليها فقالت: أحكيم؟ فعرفته فقال: نعم فقالت: من معك؟ قال: سعد بن هشام، قال: من هشام؟ قال ابن عمر: فترحمت عليه وقالت خيرا. قال قتادة: وكان أصيب يوم أحد - فقلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ قالت: أليس تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: كان خلق النبي ﷺ القرآن، قال: فيممت أن أقوم ولا أسأل أحدًا شيئا حتى أموتن ثم بدا لي فقلت: أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ فقالت: أليس تقرأ يا أيها المزمل، قلت: بلى، قالت فإن الله ﷿ افترض قيام الليل في أول هذه السورة فقام نبي الله ﷺ وأصحابه حولا، فأمسك الله ﷿ خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة، قلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ فقالت: كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ويتوضأ ويصلي سبع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ﷿ ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله ﷿ ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما سلم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني فلما أسن نبي الله ﷺ وأخذ اللحم، أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول، فتلك تسع يا بني وكان نبي الله ﷺ إذا صلى صلاة أحب أن","vol":"2","page":402},{"text":"يداوم عليها وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة ولا أعلم نبي الله ﷺ قرآن القرآن كله في ليلة، ولا صلى ليلة إلى الصبح ولا صام شهرا كاملا غير رمضان، قال: فانطلقت إلى ابن عباس فحدثته بحديثها فقال: صدقت لو كنت أقربها وأدخل إليها لأتيتها حتى تشافهني به. قال: لو علمت أنك لا تدخل عليها ما حدثتك حديثها فهذا نص في أن قيام الليل كان فرضا في صدر الإسلام بأول سورة المزمل ثم نسخه الله بآخرها فصار منسوخا عن الأمة بنص القرآن، بعد ان كان مفروضا عليهم بمعنى القرآن وصريح السنة من حديث عائشة ﵂ المذكور آنفا، وهل بقي على رسول الله ﵇ لم ينسخ؟ في ذلك خلاف بين العلماء والصحيح بقاؤه عليه بأدلة بيناها في المتقدم من كلامنا وفي الأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>الاية الثالثة: قوله تعالى: ﴿واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا وذرني والمكذبين﴾ نسخ الصبر والترك بآيات القتال: ونسخ الهجر</span>","vol":"2","page":403},{"text":"والإعراض وأمر بالإقبال بالقتال والقتل، والهجر الجميل الذي كان مأمورا بها هو الإعراض المجرد من غير تعرض لإذاية ولا إشارة إلى ولاية.\nجهالات:\nالأولى: قال قوم في قوله تعالى: ﴿إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا﴾ قال بعضهم: نسخا، يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا.\nقال ابن العربي ﵀: قوله تعالى: ﴿إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا﴾ اختلف الناس في تأويله على خمسة أقوال: الأول أن المراد به ثقل التكليف.\nالثاني: أن المراد به ثقل الثواب.\nالثالث: أن المراد به ثقل السماع له والحفظ والتحصيل.\nالرابع: أنه كمل لا إله إلا الله.\nالخامس: أنه ثقيل القيل على من سمعه وكلفه. ومن هذه الأقوال قريب في المعنى ومنها بعيد وفي الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ كيف يأتيك الوحي؟\nفقال: أحيانا يأتيني مثل صلصة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال\" قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه ذلك في اليوم الشديد البرد فيفصهم عنه وإن جبيبنه ليتفصد عرقا. وعن ابن عباس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه وكان يعرف منه فأنزل الله الآية التي في لا اقسم: (لا تحرك به لسانك) إلى بيانه خرجهما","vol":"2","page":404},{"text":"الآئمة، واللفظ للبخاري، وروى أن النبي ﵇ إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها فما تستطيع ان تتحرك يسرى عنه. خرجه الترمذي وغيره.\nفأي وجه من هذه الوجوه ظنننت أنه يثقل منه فلا نسخ فيه. وأن أردت أنه ثقيل من جهة التكليف فإنه خفيف من تلك الجهة، فإن الله تعالى وضع عنا الأمر وحملنا ما هو الأخف من الأمر، ولم يكلفنا ما لا طاقة لنا به ولكن المرء خلق كسلان قابلا إلى الشهوات متطارحا على الراحات واللذات. ولقد تثقل تلاوته على قوم ولقد تخف على آخرين. وفي الصحيح أن الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام والذي يقرأه وهو يشق عليه له أجران، وقد رأيت من أصحابي من كان يختمه معنا في السفر مرة في النهار وأخرى في الليل، إلى معاني وكيفيات بينتها في موضعها.\nالثانية قوله تعالى: ﴿إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا﴾ قال قوم: نسخها قوله تعالى: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾ وقد تقدم بيان هذه الجهالة.","vol":"2","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>سورة المدثر</span>\nفيها<span data-type=\"title\" id=toc-337> قوله تعالى: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدًا﴾</span>.\nلا خلاف بين المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة، كان له مال أربعة آلاف دينار وعشرة من الولد وقيل غير ذلك فكان يقول: ما خلقت الجنة إلا لي. وكان يعاند رسول الله ﷺ ويظاهر عليه. فقال الله لرسوله ﵇ وقد اهتم لأمره: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدًا، وجعلت له مالا ممدودا، وبنين شهودا﴾ أي لا منفعة له في مال ولا ولد، بل له فيهم مضرة فالوحدة خير منهم.","vol":"2","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>سورة القيامة</span>\nقالوا فيها:<span data-type=\"title\" id=toc-339> قوله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك﴾ </span>نسخها قوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾.\nوليس هذا بنسخ وإنما هو بيان صدق ووعد حق، كان النبي كما قدمنا إذا سمع القرآن خاف أن يذهب عنه جبريل ﵇ فيتفلت له ما ألقي عليه، فكان يشتد عليه تحريك لسانه به وإصغاؤه إليه، حتى وعده الله بما تقدم بيانه فقال له: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه﴾ في صدرك ﴿وقرآنه﴾ أن تقرأه ﴿فإذا قرأناه﴾ أي قرأه جبريل رسوله ﴿فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بانه﴾ إذا ذكرته بلساك فحق الوعد ونفذ كما وعده، وقوله بعد ذلك ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ خبر عن الذي يكون بعد حفظه لما يلقى جبريل إليه ويورده عليه، أنه يبقى أبدًا معه إلا ما شاء الله أن يذهب عن ذكره، فلا سبيل له إليه إلا بفضله، وخلق الذكرى إن شاء الله بعد ذلك.","vol":"2","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>سورة الإنسان</span>\nفيها آية واحدة وهي<span data-type=\"title\" id=toc-341> قوله: ﴿فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفروا﴾ </span>نسخ الصبر بآيات القتال كما تقدم.\nوفيها وهم: قال هبة الله المفسر في قوله تعالى: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا﴾ فقوله وأسيرا، من هذه الجملة منسوخ المراد به أسير المشركين. أخبرنا الطرطوشي قراءة عليه أخبرنا عبد الوهاب التميمي قال: لما قرأنا كتاب الناسخ والمنسوخ لهبة الله بن سلامة الضرير المفسر وانتهينا بالقراءة إلى هذه الآية فلما سمعت قوله هذا ابنته قالت له: يا أبت، أخطأت في هذا المكان. قال لها وكيف يا بنية؟ فقالت: أجمع المسلمون على أن الأسير يطعم ولا يقتل جوعا. قال التميمي: وصدقت.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nفي هذه الآية ثلاثة أقوال: أحدهما أن الأسير المسجون، قاله مجاهد، الشاني أنه العبد، قاله عكرمة، الثالث أنه المشرك، قاله الحسن وسعيد بن جبير قال جماعة غير هبة الله أنه منسوخ في الأسير المشرك فإنه قتل فلا يبقى محل للإطعام، وقد قال الطبري أنه عام في كل أسير كان مسلما أو مشركا.\nوتسمية العبد أو المسجود أسيرا بعيد، وإنما الأسير في عرف اللغة الكافر الذي يتخير فيه الإمام ويأسره القتال: الغارة، وإطعامه إلى أن يقتل فرض، وكذلك إسقاؤه، وقد قال النبي ﵇ في اليهود وقد شكوا العطش: (لا تجمعوا","vol":"2","page":408},{"text":"عليهم حز السيف وحز العطش فسقوا وقتلوا، ولا يعذب بغير القتل إلا الله، وإنما قال الطبري إن الآية عامة لينهي الخلاف ويقطع الجدال وينهي الكلام وإلا فالتحقيق ما ذكرناه.\nوفيها إشكال في قوله تعالى: ﴿ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا﴾.\nقال: ابن زيد، نسخه قوله: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nأما قوله تعالى: ﴿ومن الليل فاسجد له﴾ فيحتمل الفرض وذلك المغرب والعشاء ويحتمل النفل فلا يتطرق إليه النسخ، وأما قوله تعالى: ﴿وسبحه ليلا طويلا﴾ فهو عبارة عن قيام الليل ويحتمل أن يكون الخطاب به للنبي ﵇ وأمته كما تقدم في سورة المزمل فيدخله التخصيص بإخراج الأمة منه خاصة أو أو يدخله النسخ بإخراج النبي ﵇ وحده فيكون عندهم ناسخة قوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ وهذا لا يصح، والله أعلم.\nوفيها وهم، في قوله تعالى: ﴿فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا﴾.\nقال بعضهم نسخها: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾.","vol":"2","page":409},{"text":"قال القاض محمد بن العربي ﵀:\nقد تقدم بيان فساد هذا. وقوله في سورة عبس: ﴿كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره﴾ وقوله في سورة التكوير: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ هو عندهم مثل الأول منسوخ. والقول في الكل واحد على الوصف الذي بيناه فيما تقدم والله أعلم.","vol":"2","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>سورة الطارق</span>\nفيها آية واحدة وهي<span data-type=\"title\" id=toc-343> قوله تعالى: ﴿فمهل الكافرين أمهلهم رويدا﴾ </span>نسختها آية السيف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>سورة الأعلى</span>\nقال بعضهم<span data-type=\"title\" id=toc-345> قوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ </span>ناسخ وقد تقدم بيان فساده.\nوقوله تعالى: ﴿قلد أفلح من تزكي﴾. قال بعضهم: هي زكاة الفطر نسخت بالزكاة.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵀:\nقوله: ﴿تزكى﴾ تفعل من الزكاة وهي النماء فيحتمل أن يكون تزكى باعتقاده وقوله وفعله، أو بكل ذلك من شأنه ومن جملته زكاة الفطر وقد قال جماعة إن قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكي وذكر اسم ربه فصلى﴾ أن معناه أدى زكاة الفطر ثم صلى صلاة العيد، ونسب ذلك إلى ابن عباس رضي","vol":"2","page":411},{"text":"الله عنه، وأبي سعيد الخدري، وقد ذكر المفسرون أنها الزكاة وقد بيناها في الأحكام ولو كان المراد بها زكاة الفطر، لما كان للنسخ إليها سبيل لأن زكاة الفطر واجبة، عندنا أو مشروعة باتفاق، وكيفما قررت التنزيل فيها فإن النسخ لا يتطرق إليها.","vol":"2","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>سورة الغاشية</span>\nفيها آية واحدة <span data-type=\"title\" id=toc-347>﴿فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر﴾ </span>قالوا: هذه منسوخة بآية القتال وهو ﷺ مذكر وقتال ومسلط على الأمم ما عدا دين الإسلام، ومع الغلظة عليهم فإنه رحمة لهم وقد قالوا: معنى بمسيطر بمسلط والذي عندي أن مسيطر بياء زائدة من سطر، أي كتب وحصل، فأخبر الله تعالى نبيه ﵇ بأنه مذكر لهم ومنبيء لهم وطالب قبول التذكرة والإنذار بالبيان وإجابة الدعوة، وليس عليه بعد ذلك كشف سرائرهم ومحصل صدروهم، التي إليها ترجع أعمالهم وعليها ينبيء مرادهم. والدليل على صحة ذلك ما ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، ثم قرأ ﴿فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر﴾ يوضحه أنه تعالى قال: ﴿إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم﴾ وهذا قوله تعالى: ﴿لست عليهم بمسيطر﴾ بعينه، لنبيه ﷺ والله أعلم.","vol":"2","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>سورة ألم نشرح</span>\nقال بعضهم:<span data-type=\"title\" id=toc-349> قوله تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب﴾ </span>المعنى إذا فرغت من اشتغالك فانصب في قيام الليل وقد نسخ قيام الليل.\nقال القاضي قد ذكر العلماء فيها أربعة أقوال:\nالأول: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل.\nالثاني: إذا فرغت من صلاتك فانصب في دعائك.\nالثالث: إذا فرغت من الجهاد فانصب للعبادة\nالرابع: إذا فرغت من أمر دنياك فانصب في أمر آخرتك. وهذا الآخر أقواها، فما الذي يخصها بقيام الليل؟ ولو كانت نصا فيه أو ظاهرًا لما كانت منسوخة كما تقدم بيانه.\nوهم: وقال بعضهم: إن قوله تعالى: ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾ منسوخ بآية السيف.\nقال القاضي محمد بن العربي:\nقال بعضهم في هذا إضمار تقديره: فلم تنكرون مع هذه الحجج الجزاء؟ وهذا المعنى لا يصح نسخه.\nوربما توهم مقصر أنه بمعنى يا أيها الإنسان ما يكذبك بعد هذا البيان بالدين والله يحكم عليك وهذا إن قدرته ظاهر في الثبوت لا في النسخ معناه أليس","vol":"2","page":414},{"text":"الله بأحكم الحاكمين فيحكم عليك بالقتل في الدنيا والنار في الأخرى. وفي تسميته بالحكيم أحكام: منها أنه العالم والمخير والمحك الذي يحسن لكل شيء خلقه وكونه أحكم الحاكمين بمعنى أنه علمه لا يلحقه سهو وحكمه لا يتطرق إليه نقص وليس في هذا كله وجه للنسخ والله أعلم.\nقال القاضي محمد بن العربي ﵁:\nانتهى الحاضر في الحاضر من القسم الثاني من علوم القرآن وهو الناسخ والمنسوخ مختصر الألفاظ موعب المعاني سالما من أيدي الأهوال مخترعا من كثرة الأوهال بعون الله ونعمته وبفضله ورحمته.\nويليه .. القسم الثالث من علوم القرآن وهو معرفة أحكام أفعال المكلفين والحمد لله رب العالمين.\nكمل كتاب الناسخ والمنسوخ من تأليف الفقيه الأجل الإمام القاضي الحافظ شيخ الإسلام أبي بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن العربي المعافري على يدي العبد الفقير إلى رحمة مولاه الغني به عمن سواه انتسخه لنفسه ولمن شاء الله من بعده، حكم بن علي بن إبراهيم السكوني ثم الكرناني وفقه الله تعالى لما يحبه ويرضاه وذلك بمالقة حرسها الله في يوم الخميس الثالث وعشرين .. من عام ستة وثمانين وستمائة، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد نبينا المصطفى الكريم وعلى آله وأصحابه المنتخبين وسلم تسليما كثيرا. وكتب ذلك من أصل بخط الفقيه الأجل المحدث العالم أبي عمرو سالم بن صالح بن علي بن صالح ونقل المذكور من أصل صحيح وقابله بأصل قريء وصحح على المؤلف ﵁ ورحمه.","vol":"2","page":415}]}