{"ً":{"ٌ":133372,"ٍ":"الاستدراك الأصولي دراسة تأصيلية تطبيقية","َ":4,"ُ":3,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/FPistdusu/istdusu.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الاستدراك الأصولي دراسة تأصيلية تطبيقية على المصنفات الأصولية من القرن الثالث إلى القرن الرابع عشر هجريا\nإعداد: إيمان بنت سالم قبوس\nرسالة: دكتوراه في أصول الفقه - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة أم القرى، المملكة العربية السعودية\nإشراف: أ. د/ محمود بن حامد عثمان\nالعام الجامعي: ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م\nعدد الصفحات: ٩٥١\n[كتاب إلكتروني بترقيم الشاملة]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2950,"ٕ":11,"ٖ":1770156191,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"ملخص الرسالة","level":1,"page":3},{"title":"الإهداء","level":1,"page":5},{"title":"إشراقات","level":1,"page":6},{"title":"المقدمة","level":1,"page":8},{"title":"أسباب اختيار الموضوع","level":2,"page":10},{"title":"الدراسات السابقة","level":2,"page":11},{"title":"حدود الدراسة الزمنية","level":2,"page":12},{"title":"أهداف البحث","level":2,"page":13},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":13},{"title":"منهج البحث","level":2,"page":19},{"title":"رموز البحث","level":2,"page":23},{"title":"وأما عن صعوبات البحث","level":2,"page":24},{"title":"الفصل الأول مبادئ الاستدراك الأصولي","level":1,"page":29},{"title":"تمهيد المراد بالمبادئ","level":2,"page":30},{"title":"المبحث الأول حد الاستدراك الأصولي","level":2,"page":34},{"title":"المطلب الأول حد الاستدراك الأصولي باعتبار مفرديه","level":3,"page":35},{"title":"أولا: الجانب الاشتقاقي","level":4,"page":35},{"title":"ثانيا: جانب المعنى اللغوي","level":4,"page":35},{"title":"ثالثا: الجانب الصرفي","level":4,"page":37},{"title":"المطلب الثاني حد الاستدراك الأصولي باعتبار كونه لقبا","level":3,"page":64},{"title":"المنهج الأول: تعريف \"الاستدراك الأصولي\" بالنظر إلى موضوعه","level":4,"page":64},{"title":"المنهج الثاني: تعريف \"الاستدراك الأصولي\" بالنظر إلى فائدته","level":4,"page":65},{"title":"الفرق بين الاستدراك الأصولي بالاعتبار الأول والثاني من وجهين","level":4,"page":67},{"title":"المبحث الثاني موضوع الاستدراك الأصولي","level":2,"page":68},{"title":"المبحث الثالث حكم الاستدراك الأصولي","level":2,"page":71},{"title":"المبحث الرابع استمداد الاستدراك الأصولي","level":2,"page":76},{"title":"أولا: استمداده من علم الكلام.","level":3,"page":76},{"title":"ثانيا: استمداده من علوم اللغة العربية.","level":3,"page":82},{"title":"ثالثا: استمداده من أصول الفقه.","level":3,"page":85},{"title":"رابعا: استمداده من تصور الأحكام الشرعية.","level":3,"page":86},{"title":"خامسا: استمداده من علوم القرآن","level":3,"page":87},{"title":"سادسا: استمداده من علوم الحديث.","level":3,"page":88},{"title":"سابعا: استمداده من علم الجدل","level":3,"page":89},{"title":"ثامنا: استمداده من علم المنطق","level":3,"page":93},{"title":"المبحث الخامس نسبة الاستدراك الأصولي","level":2,"page":97},{"title":"المبحث السادس فضل الاستدراك الأصولي","level":2,"page":98},{"title":"المبحث السابع الثمرة من الاستدراك الأصولي","level":2,"page":99},{"title":"المبحث الثامن الواضع للاستدراك الأصولي","level":2,"page":101},{"title":"المبحث التاسع مسائل الاستدراك الأصولي","level":2,"page":103},{"title":"الفصل الثاني أركان الاستدراك الأصولي، وأسبابه، وشروطه.","level":1,"page":107},{"title":"المبحث الأول أركان الاستدراك الأصولي، وتطبيقاته.","level":2,"page":108},{"title":"تمهيد المراد بأركان الاستدراك الأصولي","level":3,"page":109},{"title":"المطلب الأول المستدرك عليه","level":3,"page":110},{"title":"المطلب الثاني المستدرك فيه","level":3,"page":137},{"title":"المطلب الثالث المستدرك","level":3,"page":138},{"title":"أولا: شروط قبول الاستدراك.","level":4,"page":139},{"title":"ثانيا: شروط صحة الاستدراك.","level":4,"page":140},{"title":"المطلب الرابع المستدرك به","level":3,"page":145},{"title":"المبحث الثاني أسباب الاستدراك الأصولي، وتطبيقاته.","level":2,"page":146},{"title":"تمهيد المراد بأسباب الاستدراك الأصولي","level":3,"page":147},{"title":"المطلب الأول أسباب الاستدراك الناشئة من المستدرك عليه","level":3,"page":149},{"title":"السبب الأول: نسيان المستدرك عليه","level":4,"page":150},{"title":"السبب الثاني: وهم المستدرك عليه","level":4,"page":162},{"title":"السبب الثالث: خطأ المستدرك عليه","level":4,"page":168},{"title":"السبب الأول: النقل من مصادر غير أصيلة.","level":5,"page":169},{"title":"السبب الثاني: أن ينقل عن العالم قول قاله بعض أصحابه وغلط فيه.","level":5,"page":174},{"title":"السبب الثالث: أن يفهم من كلام العالم ما لم يرده، أو ينقل عنه ما لم يقله","level":5,"page":178},{"title":"السبب الرابع: أن يجعل كلام العالم عاما أو مطلقا وهو خلاف ذلك.","level":5,"page":184},{"title":"السبب الخامس: أن يجعل كلام العالم خاصا أو مقيدا وليس كذلك.","level":5,"page":185},{"title":"السبب السادس: أن يكون عن العالم في المسألة اختلاف فيتمسك بالقول المرجوح.","level":5,"page":185},{"title":"السبب السابع: الاختصار المخل للمصنفات.","level":5,"page":188},{"title":"السبب الثامن: التصحيف في النسخ.","level":5,"page":193},{"title":"المطلب الثاني أسباب الاستدراك الناشئة من المستدرك","level":3,"page":200},{"title":"السبب الأول: استدراك بسبب التكميل.","level":4,"page":200},{"title":"السبب الثاني: استدراك بسبب التنبيه.","level":4,"page":214},{"title":"السبب الثالث: الاستدراك بسبب نقد المستدرك فيه","level":4,"page":217},{"title":"السبب الرابع: الاستدراك لسبب تقرير مذهب المستدرك.","level":4,"page":230},{"title":"السبب الخامس: الاستدراك بسبب تفرد المستدرك بآراء جديدة.","level":4,"page":240},{"title":"المبحث الثالث شروط الاستدراك الأصولي","level":2,"page":249},{"title":"تمهيد المراد بشروط الاستدراك الأصولي","level":3,"page":250},{"title":"المطلب الأول شروط الاستدراك الأصولي","level":3,"page":252},{"title":"المطلب الثاني ما لا يشترط في الاستدراك الأصولي","level":3,"page":263},{"title":"الفصل الثالث أقسام الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها.","level":1,"page":268},{"title":"تمهيد أقسام الاستدراك باعتبارات مختلفة","level":2,"page":269},{"title":"أولا: الاستدراك الأصولي باعتبار حقيقته، وينقسم بهذا الاعتبار إلى سبعة أقسام","level":3,"page":269},{"title":"ثانيا: الاستدراك الأصولي باعتبار المستدرك عليه، وينقسم بهذا الاعتبار إلى خمسة أقسام","level":3,"page":269},{"title":"ثالثا: الاستدراك الأصولي باعتبار المستدرك فيه، وهو بهذا الاعتبار ينقسم إلى ثمانية أقسام","level":3,"page":269},{"title":"رابعا: الاستدراك الأصولي باعتبار المستدرك به، وهو بهذا الاعتبار ينقسم إلى قسمين","level":3,"page":270},{"title":"المبحث الأول أقسام الاستدراك الأصولي باعتبار حقيقته، وتطبيقاتها.","level":2,"page":271},{"title":"المطلب الأول استدراك التصحيح، وتطبيقاته","level":3,"page":272},{"title":"أولا: تصحيح خطأ المستدرك عليه في تصور القضية الأصولية.","level":4,"page":273},{"title":"ثانيا: تصحيح خطأ المستدرك عليه في تصديق القضية الأصولية.","level":4,"page":274},{"title":"ثالثا: تصحيح خطأ المستدرك عليه في نسبة القول","level":4,"page":276},{"title":"رابعا: تصحيح خطأ المستدرك عليه في الدليل.","level":4,"page":278},{"title":"خامسا: تصحيح خطأ المستدرك عليه في الاستدلال.","level":4,"page":281},{"title":"المطلب الثاني استدراك التكميل، وتطبيقاته","level":3,"page":296},{"title":"القسم الأول في التكميل: تكميل الكمية.","level":4,"page":297},{"title":"١ - تكميل القيود في الحدود؛","level":5,"page":297},{"title":"٢ - تكميل الأركان،","level":5,"page":300},{"title":"٣ - تكميل الشروط؛","level":5,"page":301},{"title":"٤ - تكميل الأنواع والتقسيمات؛","level":5,"page":301},{"title":"٥ - تكميل الفروق","level":5,"page":302},{"title":"القسم الثاني في التكميل: تكميل الكيفية.","level":4,"page":303},{"title":"١ - تكميل صيغة التفضيل","level":5,"page":303},{"title":"٢ - تكميل ذكر الفوائد","level":5,"page":303},{"title":"٣ - تكميل الترتيب","level":5,"page":304},{"title":"٤ - تكميل الاختصار","level":5,"page":305},{"title":"٥ - تكميل حذف المكررات","level":5,"page":308},{"title":"٦ - تكميل حذف الزيادات","level":5,"page":308},{"title":"٧ - تكميل الشرح","level":5,"page":309},{"title":"٨ - تكميل الحاشية","level":5,"page":310},{"title":"المطلب الثالث استدراك الفرق، وتطبيقاته","level":3,"page":313},{"title":"المطلب الرابع استدراك التنبيه، وتطبيقاته","level":3,"page":317},{"title":"المطلب الخامس استدراك النقد، وتطبيقاته","level":3,"page":319},{"title":"المطلب السادس استدراك التحرير، وتطبيقاته","level":3,"page":320},{"title":"المطلب السابع استدراك التنقيح، وتطبيقاته","level":3,"page":330},{"title":"أمثلة استدراك التنقيح","level":4,"page":333},{"title":"المبحث الثاني أقسام الاستدراك الأصولي باعتبار المستدرك عليه، وتطبيقاتها.","level":2,"page":337},{"title":"المطلب الأول استدراك الأصولي على نفسه، وتطبيقاته","level":3,"page":338},{"title":"المطلب الثاني: استدرك الأصولي على موافق له في المذهب، وتطبيقاته","level":3,"page":343},{"title":"أولا: استدراك الأصولي على موافق له في المذهب العقدي،","level":4,"page":343},{"title":"ثانيا: استدراك الأصولي على موافق له في المذهب الفقهي","level":4,"page":347},{"title":"المطلب الثالث: استدراك الأصولي على مخالف له في المذهب، وتطبيقاته","level":3,"page":350},{"title":"المطلب الرابع: استدراك الأصولي على شخص مقد ر، وتطبيقاته","level":3,"page":351},{"title":"المطلب الخامس: استدراك الأصولي على المستدرك، وتطبيقاته","level":3,"page":352},{"title":"المبحث الثالث أقسام الاستدراك الأصولي باعتبار المستدرك فيه، وتطبيقاتها","level":2,"page":353},{"title":"المطلب الأول: الاستدراك الأصولي على ترجمة المسألة الأصولية، وتطبيقاته","level":3,"page":354},{"title":"المطلب الثاني: الاستدراك الأصولي على الحدود، وتطبيقاته","level":3,"page":360},{"title":"المثال الأول: من استدراكات القاضي أبي يعلى على الحدود","level":4,"page":361},{"title":"المثال الثاني: من استدراكات الباجي على الحدود","level":4,"page":362},{"title":"المثال الثالث: من استدراكات الجويني على الحدود","level":4,"page":363},{"title":"المثال الرابع: من استدراكات الآمدي على الحدود","level":4,"page":364},{"title":"المطلب الثالث: الاستدراك الأصولي على الدليل، وتطبيقاته","level":3,"page":367},{"title":"المطلب الرابع: الاستدراك الأصولي على الاستدلال، وتطبيقاته","level":3,"page":371},{"title":"المطلب الخامس: الاستدراك الأصولي على نسبة الأقوال، وتطبيقاته","level":3,"page":375},{"title":"المطلب السادس: الاستدراك الأصولي على التقسيمات والشروط، وتطبيقاته","level":3,"page":376},{"title":"أولا: استدراك الأصولي على التقسيم","level":4,"page":376},{"title":"ثانيا: استدراك الأصولي على الشروط","level":4,"page":376},{"title":"المطلب السابع: الاستدراك الأصولي على التمثيل، وتطبيقاته","level":3,"page":379},{"title":"المطلب الثامن: الاستدراك الأصولي على التخريج، وتطبيقاته","level":3,"page":385},{"title":"أولا: تخريج الأصول من الأصول","level":4,"page":386},{"title":"ثانيا: تخريج الأصول من الفروع","level":4,"page":390},{"title":"السبب الأول: التقصير في الاستقراء","level":5,"page":391},{"title":"السبب الثاني: الوهم في فهم كلام الإمام","level":5,"page":392},{"title":"السبب الثالث: وجود أدلة أخرى يبنى عليها الفرع الفقهي،","level":5,"page":395},{"title":"المبحث الرابع أقسام الاستدراك الأصولي باعتبار المستدرك به، وتطبيقاتها.","level":2,"page":398},{"title":"المطلب الأول الاستدراك النقلي","level":3,"page":399},{"title":"أمثلة الاستدراك النقلي من الكتاب","level":4,"page":399},{"title":"أمثلة الاستدراك النقلي من السنة","level":4,"page":400},{"title":"أمثلة الاستدراك النقلي من الإجماع","level":4,"page":404},{"title":"أمثلة الاستدراك النقلي من كلام الصحابة","level":4,"page":406},{"title":"أمثلة الاستدراك النقلي من كلام علماء اللغة","level":4,"page":408},{"title":"المطلب الثاني الاستدراك العقلي","level":3,"page":415},{"title":"القسم الأول: الاستدراك العقلي المباشر، وينقسم إلى قسمين","level":4,"page":415},{"title":"أولا: الاستدراك بمقتضى التناقض العقلي.","level":5,"page":415},{"title":"أمثلة الاستدراك بالتناقض العقلي","level":6,"page":416},{"title":"ثانيا: الاستدراك بمقتضى أحكام العكس.","level":5,"page":418},{"title":"أمثلة هذا القسم من الاستدراك","level":6,"page":419},{"title":"القسم الثاني: الاستدراك العقلي غير المباشر","level":4,"page":422},{"title":"القسم الأول: استدراك عقلي مادته القياس المنطقي.","level":5,"page":422},{"title":"القسم الثاني: استدراك عقلي بالاستقراء.","level":5,"page":441},{"title":"القسم الثالث: استدراك عقلي بالتمثيل (القياس الأصولي).","level":5,"page":442},{"title":"الفصل الرابع الاستدراك في عصر التشريع، وتاريخه في المصنفات الأصولية، ومنهجه.","level":1,"page":456},{"title":"المبحث الأول الاستدراك في عصر التشريع","level":2,"page":457},{"title":"تمهيد المراد بعصر التشريع","level":3,"page":458},{"title":"المطلب الأول: أمثلة للاستدراكات الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية","level":3,"page":460},{"title":"أولا: أمثلة للاستدراكات الواردة في القرآن الكريم.","level":4,"page":460},{"title":"القسم الأول: استدراكات بأداة الاستدراك (لكن)","level":5,"page":460},{"title":"القسم الثاني: أمثلة لورود استدراكات بغير أداة الاستدراك (لكن)","level":5,"page":466},{"title":"ثانيا: أمثلة للاستدراكات الواردة في السنة النبوية","level":4,"page":469},{"title":"القسم الأول: مثال لورود الاستدراك في السنة بسبب نسيان المستدرك عليه","level":5,"page":469},{"title":"القسم الثاني: أمثلة لورود الاستدراك في السنة بسبب دفع الوهم المتوقع من السامع","level":5,"page":471},{"title":"القسم الثالث: أمثلة لورود الاستدراك في السنة بسبب تصحيح خطأ المستدرك عليه","level":5,"page":474},{"title":"المطلب الثاني أمثلة لاستدراكات الصحابة والتابعين - ﵃ -","level":3,"page":479},{"title":"أولا: أمثلة للاستدراكات الصحابة - ﵃ -.","level":4,"page":479},{"title":"ثانيا: أمثلة لاستدراكات التابعين - ﵃ -.","level":4,"page":484},{"title":"القسم الأول: استدراكات التابعين على الصحابة.","level":5,"page":485},{"title":"القسم الثاني: استدراك التابعين بعضهم على بعض","level":5,"page":487},{"title":"المبحث الثاني تاريخ الاستدراك الأصولي.","level":2,"page":490},{"title":"تمهيد في بيان وجه تقسيم تاريخ الاستدراك الأصولي","level":3,"page":491},{"title":"المطلب الأول مرحلة الاستدراك التأسيسي","level":3,"page":492},{"title":"المطلب الثاني مرحلة الاستدراك التقعيدي","level":3,"page":498},{"title":"المطلب الثالث مرحلة الاستدراك التنقيحي","level":3,"page":505},{"title":"المطلب الرابع مرحلة الاستدراك الموسوعي","level":3,"page":528},{"title":"المطلب الخامس مرحلة الاستدراك المقصدي","level":3,"page":529},{"title":"المبحث الثاني منهج الاستدراك الأصولي، وتطبيقاته.","level":2,"page":535},{"title":"تمهيد المراد بمنهج الاستدراك الأصولي","level":3,"page":536},{"title":"المطلب الأول منهج الاستدراك الاستقرائي، وتطبيقاته","level":3,"page":538},{"title":"المطلب الثاني منهج الاستدراك التحليلي، وتطبيقاته","level":3,"page":546},{"title":"المطلب الثالث منهج الاستدراك النقدي، وتطبيقاته","level":3,"page":550},{"title":"المطلب الرابع منهج الاستدراك الحجاجي، وتطبيقاته","level":3,"page":551},{"title":"الفصل الخامس مادة وصيغ الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها.","level":1,"page":554},{"title":"المبحث الأول مادة الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها.","level":2,"page":555},{"title":"تمهيد المراد بمادة الاستدراك الأصولي","level":3,"page":556},{"title":"المطلب الأول مادة القواعد الأصولية، وتطبيقاته","level":3,"page":558},{"title":"القسم الأول: الاستدراك بقوادح العلة","level":4,"page":558},{"title":"أولا: الاستدراك بقادح (فساد الاعتبار)","level":5,"page":559},{"title":"ثانيا: الاستدراك بقادح (المنع)","level":5,"page":562},{"title":"ثالثا: الاستدراك قادح (التقسيم)","level":5,"page":564},{"title":"رابعا: الاستدراك بقادح (المطالبة)","level":5,"page":568},{"title":"خامسا: الاستدراك بقادح (النقض)","level":5,"page":571},{"title":"سادسا: الاستدراك بقادح (الكسر)","level":5,"page":573},{"title":"سابعا: الاستدراك بقادح (القلب)","level":5,"page":578},{"title":"ثامنا: الاستدراك بقادح (المعارضة)","level":5,"page":580},{"title":"تاسعا: الاستدراك بقادح (القول بالموجب)","level":5,"page":584},{"title":"عاشرا: الاستدراك بقادح (الفرق)","level":5,"page":586},{"title":"القسم الثاني: الاستدراك بمادة القواعد الأصولية الأخرى","level":4,"page":596},{"title":"الاستدراك بمادة القواعد الأصولية المتعلقة بالحكم الشرعي؛","level":5,"page":596},{"title":"الاستدراك بقاعدة (انتفاء الحرمة لا يوجب الإباحة)","level":6,"page":596},{"title":"الاستدراك بقاعدة (القضاء يجب بأمر ثان)","level":6,"page":596},{"title":"الاستدراك بقاعدة (الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة؟)","level":6,"page":597},{"title":"الاستدراك بمادة القواعد الأصولية المتعلقة بالأدلة","level":5,"page":598},{"title":"الاستدراك بـ (خبر الواحد)","level":6,"page":598},{"title":"الاستدراك بـ (اختلاف المناط يمنع القياس)","level":6,"page":600},{"title":"الاستدراك بـ (لا قياس في مقابلة النص)","level":6,"page":600},{"title":"الاستدراك بـ (ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية)","level":6,"page":601},{"title":"الاستدراك بـ (التقسيم الحاصر)","level":6,"page":601},{"title":"الاستدراك بـ (الدوران)","level":6,"page":603},{"title":"الاستدراك بقاعدة (شرع من قبلنا)","level":6,"page":604},{"title":"الاستدراك بـ (دليل العادة والعرف)","level":6,"page":605},{"title":"الاستدراك بـ (دليل الحس)","level":6,"page":608},{"title":"الاستدراك بالقواعد الأصولية المتعلقة بدلالات الألفاظ؛","level":5,"page":609},{"title":"الاستدراك بقاعدة (صيغة الأمر المجردة عن القرائن تفيد الوجوب)","level":6,"page":609},{"title":"الاستدراك بقاعدة (الآمر هل يدخل تحت الأمر؟)","level":6,"page":610},{"title":"الاستدراك بقاعدة (دلالة النهي المجردة عن القرائن)","level":6,"page":610},{"title":"الاستدراك بقاعدة (هل للعموم صيغ؟)","level":6,"page":611},{"title":"الاستدراك بقاعدة (الفعل في سياق الإثبات لا يعم)","level":6,"page":612},{"title":"الاستدراك بقاعدة (معيار العموم جواز الاستثناء)","level":6,"page":613},{"title":"الاستدراك بقاعدة (تقييد المطلق خلاف الأصل)","level":6,"page":614},{"title":"المطلب الثاني مادة العلوم الأخرى، وتطبيقاتها","level":3,"page":615},{"title":"مثال الاستدراك بـ (علوم القرآن)","level":4,"page":615},{"title":"مثال الاستدراك بـ (علم القراءات)","level":4,"page":616},{"title":"الاستدراك بـ (علم التفسير)","level":4,"page":625},{"title":"أمثلة الاستدراك بـ (علوم الحديث)","level":4,"page":630},{"title":"الاستدراك بعلم الحديث رواية","level":5,"page":630},{"title":"الاستدراك بعلم الحديث دراية (مصطلح الحديث)","level":5,"page":633},{"title":"الاستدراك بـ (علم أحوال رواة الأحاديث)","level":5,"page":634},{"title":"الاستدراك بـ (علم الكلام)","level":4,"page":638},{"title":"الاستدراك بـ (التحسين والتقبيح العقلي)","level":4,"page":638},{"title":"الاستدراك بـ (وجوب رعاية المصالح)","level":4,"page":640},{"title":"أمثلة الاستدراك بـ (القواعد الفقهية)،","level":4,"page":642},{"title":"الاستدراك بقاعدة (اليقين لا يزول بالشك)","level":5,"page":642},{"title":"الاستدراك بقاعدة (لا عبرة بالظن البين خطؤه)","level":5,"page":643},{"title":"الاستدراك بقاعدة (التابع يأخذ حكم المتبوع)","level":5,"page":644},{"title":"أمثلة الاستدراك بـ (الفقه)","level":4,"page":645},{"title":"الاستدراك بـ (اللغة العربية)،","level":4,"page":647},{"title":"الاستدراك بما في معاجم اللغة","level":5,"page":647},{"title":"الاستدراك بعلم (الصرف)","level":5,"page":650},{"title":"الاستدراك بعلم (النحو)","level":5,"page":651},{"title":"الاستدراك بكلام العرب","level":4,"page":653},{"title":"الاستدراك بعلم (التاريخ)","level":4,"page":653},{"title":"المبحث الثاني صيغ الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها.","level":2,"page":657},{"title":"المطلب الأول صيغ الاستدراك الصريحة، وتطبيقاتها","level":3,"page":658},{"title":"المجموعة الأولى: صيغة الاستدراك وأداتها وما يرادفها، وفيها أربع صيغ.","level":4,"page":658},{"title":"أولا: صيغة (استدرك).","level":5,"page":658},{"title":"ثانيا: صيغة (تعقيب)","level":5,"page":659},{"title":"ثالثا: صيغة (تتبع)","level":5,"page":663},{"title":"رابعا: صيغة (لكن)","level":5,"page":665},{"title":"المجموعة الثانية: صيغ العنونة والتصدير؛ وفيها ست صيغ.","level":4,"page":669},{"title":"أولا: التصدير بـ (اعلم)","level":5,"page":669},{"title":"ثانيا: العنونة بـ (التنبيه)","level":5,"page":670},{"title":"ثالثا: العنونة بـ (تتمة)","level":5,"page":670},{"title":"رابعا: العنونة بـ (تذنيب)","level":5,"page":670},{"title":"خامسا: العنونة بالتكميل وتكملة","level":5,"page":672},{"title":"سادسا: العنونة بـ (فائدة)","level":5,"page":675},{"title":"المجموعة الثالثة: صيغ أسباب الاستدراك، وفيها أربع صيغ.","level":4,"page":675},{"title":"أولا: التعبير بـ (النسيان والسهو والذهول والهفوة)","level":5,"page":675},{"title":"ثانيا: التعبير بـ (الوهم)","level":5,"page":682},{"title":"ثالثا: التعبير بـ (الخطأ والغلط والزلل)","level":5,"page":682},{"title":"رابعا: التعبير بـ (ضعيف وباطل وفاسد)","level":5,"page":684},{"title":"المجموعة الرابعة: صيغ الترجيح، وفيها ثلاث صيغ.","level":4,"page":690},{"title":"أولا: التعبير بـ (الصواب والصحيح)","level":5,"page":690},{"title":"ثانيا: التعبير بصيغ التفضيل؛ كـ (الأولى، والأصح، والأصوب، والأحسن، والأليق)","level":5,"page":692},{"title":"ثالثا: التعبير بـ (الحق والمختار)","level":5,"page":694},{"title":"المجموعة الخامسة: صيغ الجدل، وفيها ثلاث صيغ.","level":4,"page":696},{"title":"أولا: أسلوب الفنقلة","level":5,"page":696},{"title":"ثانيا: صيغة السؤال","level":5,"page":697},{"title":"ثالثا: صيغة الجواب","level":5,"page":698},{"title":"المجموعة السادسة: صيغ النفي، وفيها ثمان صيغ.","level":4,"page":699},{"title":"أولا: التعبير بنفي الصحة","level":5,"page":699},{"title":"ثانيا: صيغة (ليس بجيد)","level":5,"page":700},{"title":"ثالثا: صيغة (غير سديد، ليس بسديد)","level":5,"page":702},{"title":"رابعا: صيغة (ليس بقوي)","level":5,"page":703},{"title":"خامسا: صيغة (ليس بشيء)","level":5,"page":707},{"title":"سادسا: صيغة (غير مرضي، ليس بمرضي)","level":5,"page":708},{"title":"سابعا: صيغة (غير مستقيم)","level":5,"page":710},{"title":"ثامنا: صيغة (لا ينبغي)","level":5,"page":712},{"title":"المجموعة السابعة: صيغة (كان ينبغي)، (فيه نظر)، (عجيب)، (بعيد)","level":4,"page":714},{"title":"أولا: صيغة (كان ينبغي)","level":5,"page":714},{"title":"ثانيا: صيغة (فيه نظر)","level":5,"page":717},{"title":"ثالثا: صيغة (عجيب)","level":5,"page":720},{"title":"رابعا: صيغة (بعيد)","level":5,"page":723},{"title":"المجموعة الثامنة: صيغ التذييل، وفيها خمس صيغ.","level":4,"page":725},{"title":"أولا: التذييل بـ (التدبر)","level":5,"page":725},{"title":"ثانيا: التذييل بـ (التأمل).","level":5,"page":727},{"title":"ثالثا: التذييل بـ (فليتنبه)","level":5,"page":729},{"title":"رابعا: التذليل بـ (الفهم)","level":5,"page":732},{"title":"خامسا: التذييل بـ (بالعلم)","level":5,"page":734},{"title":"المطلب الثاني صيغ الاستدراك غير الصريحة، وتطبيقاتها","level":3,"page":737},{"title":"الصيغة الأولى: ترتب لازم باطل أو ممتنع يدل على الرد وأن الصواب خلافه.","level":4,"page":737},{"title":"الصيغة الثانية: ترتب المحال، يدل على الرد وأن الصواب خلافه.","level":4,"page":740},{"title":"الفصل السادس مظان وآثار وآداب الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها.","level":1,"page":745},{"title":"المبحث الأول مظان الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها.","level":2,"page":746},{"title":"تمهيد المراد بمظان الاستدراك الأصولي","level":3,"page":747},{"title":"المطلب الأول: مظان الاستدراك الأصولي باعتبار الأصوليين وتطبيقاتها","level":3,"page":749},{"title":"أولا: الوصف بالإمام","level":4,"page":750},{"title":"ثانيا: الوصف بشيخ الإسلام","level":4,"page":750},{"title":"ثالثا: الوصف بالتجديد.","level":4,"page":753},{"title":"رابعا: الوصف بالاجتهاد المطلق.","level":4,"page":754},{"title":"خامسا: الوصف بالعلامة.","level":4,"page":755},{"title":"سادسا: الوصف بالقاضي.","level":4,"page":755},{"title":"سابعا: الوصف بالتحقيق.","level":4,"page":756},{"title":"ثامنا: الوصف بالتدقيق.","level":4,"page":758},{"title":"تاسعا: الوصف بالتنقيح.","level":4,"page":759},{"title":"عاشرا: الوصف بالنظار والجدلي.","level":4,"page":759},{"title":"حادي عشر: الوصف بأكثر من علم.","level":4,"page":762},{"title":"ثاني عشر: تعدد المدارس العلمية؛","level":4,"page":767},{"title":"ثالث عشر: التحول عن مذهب لآخر.","level":4,"page":768},{"title":"المطلب الثاني: مظان الاستدراك الأصولي باعتبار الكتب وتطبيقاتها","level":3,"page":770},{"title":"الأول: مطالعة الكتب التي يحوي عنوانها الألفاظ التالية: \"المآخذ\"، \"التنقيح\"، \"النقد\"، \"التصحيح\"، \"التقييد\"، ونحو ذلك.","level":4,"page":770},{"title":"ثانيا: النظر في كتب الحواشي؛ فإن الاستدراك من مهام المحشي.","level":4,"page":771},{"title":"ثالثا: تصفح المختصرات والشروح؛","level":4,"page":771},{"title":"المطلب الثالث: مظان الاستدراك الأصولي باعتبار الموضوعات الأصولية وتطبيقاتها","level":3,"page":773},{"title":"فمن مظان الاستدراكات في مسائل الاتجاه الأول -الخلاف مع مذهب عقدي-","level":4,"page":773},{"title":"ومن مظان الاستدراكات في مسائل الاتجاه الثاني -الخلاف مع مذهب فقهي-","level":4,"page":774},{"title":"المبحث الثاني آثار الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها","level":2,"page":775},{"title":"تمهيد المراد بآثار الاستدراك الأصولي","level":3,"page":776},{"title":"المطلب الأول الآثار الإيجابية للاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها","level":3,"page":777},{"title":"أولا: الأثر المتولد","level":4,"page":777},{"title":"ثانيا: الأثر المعدل","level":4,"page":779},{"title":"ثالثا: الأثر المقارب","level":4,"page":781},{"title":"رابعا: الأثر التطبيقي","level":4,"page":784},{"title":"خامسا: الأثر التجديدي","level":4,"page":785},{"title":"المطلب الثاني الآثار السلبية للاستدراك الأصولي وتطبيقاتها","level":3,"page":790},{"title":"المبحث الثالث آداب الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها.","level":2,"page":793},{"title":"تمهيد اهتمام العلماء بآداب العلم عموما","level":3,"page":794},{"title":"المطلب الأول: آداب الاستدراك الأصولي المشتركة بين المستدرك والمستدرك عليه، وتطبيقاتها","level":3,"page":796},{"title":"أولا: الإخلاص لله تعالى","level":4,"page":796},{"title":"ثانيا: قصد نصرة الحق","level":4,"page":796},{"title":"ثالثا: التواضع","level":4,"page":798},{"title":"رابعا: التثبت والتأمل وعدم الاستعجال.","level":4,"page":801},{"title":"خامسا: مراعاة حرمة الأعراض.","level":4,"page":805},{"title":"سادسا: الصدع بالحق متى ظهر له.","level":4,"page":806},{"title":"سابعا: دعاء كل منهما للآخر.","level":4,"page":809},{"title":"المطلب الثاني: آداب الاستدراك الأصولي الخاصة بالمستدرك، وتطبيقاتها","level":3,"page":813},{"title":"أولا: العدل والإنصاف للمستدرك عليه","level":4,"page":813},{"title":"ثانيا: المحافظة على قول المستدرك عليه.","level":4,"page":814},{"title":"ثالثا: تحديد خلل المستدرك عليه.","level":4,"page":816},{"title":"رابعا: الشجاعة في إبداء الاستدراك.","level":4,"page":817},{"title":"خامسا: النظر في مآلات الاستدراك ومراعاة المصلحة.","level":4,"page":818},{"title":"سادسا: الاعتراف بفضل المستدرك عليه.","level":4,"page":821},{"title":"سابعا: التماس العذر للمستدرك عليه.","level":4,"page":824},{"title":"ثامنا: عدم القطع بصحة الاستدراك فيما يدخله الاجتهاد.","level":4,"page":830},{"title":"المطلب الثالث: آداب الاستدراك الأصولي الخاصة بالمستدرك عليه، وتطبيقاتها","level":3,"page":833},{"title":"أولا: النظر في شخصية المستدرك.","level":4,"page":833},{"title":"ثانيا: الاهتمام بكلام المستدرك.","level":4,"page":834},{"title":"ثالثا: الصبر على المستدرك.","level":4,"page":834},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":837},{"title":"وأما أهم نتائج البحث فهي","level":2,"page":837},{"title":"آفاق البحث وتوصياته","level":2,"page":840},{"title":"ثبت المصادر والمراجع","level":1,"page":843},{"title":"القرآن الكريم (جل منزله وعلا)","level":2,"page":843},{"title":"(أ)","level":3,"page":843},{"title":"(ب)","level":3,"page":850},{"title":"(ت)","level":3,"page":852},{"title":"(ث)","level":3,"page":861},{"title":"(ج)","level":3,"page":861},{"title":"(ح)","level":3,"page":862},{"title":"(خ)","level":3,"page":864},{"title":"(د)","level":3,"page":864},{"title":"(ذ)","level":3,"page":865},{"title":"(ر)","level":3,"page":865},{"title":"(ز)","level":3,"page":866},{"title":"(س)","level":3,"page":867},{"title":"(ش)","level":3,"page":868},{"title":"(ص)","level":3,"page":872},{"title":"(ض)","level":3,"page":873},{"title":"(ط)","level":3,"page":874},{"title":"(ع)","level":3,"page":875},{"title":"(غ)","level":3,"page":877},{"title":"(ف)","level":3,"page":877},{"title":"(ق)","level":3,"page":881},{"title":"(ك)","level":3,"page":882},{"title":"(ل)","level":3,"page":884},{"title":"(م)","level":3,"page":885},{"title":"(ن)","level":3,"page":896},{"title":"(هـ)","level":3,"page":898},{"title":"(و)","level":3,"page":899},{"title":"المواقع الإلكترونية","level":2,"page":900}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227,"1,228":228,"1,229":229,"1,230":230,"1,231":231,"1,232":232,"1,233":233,"1,234":234,"1,235":235,"1,236":236,"1,237":237,"1,238":238,"1,239":239,"1,240":240,"1,241":241,"1,242":242,"1,243":243,"1,244":244,"1,245":245,"1,246":246,"1,247":247,"1,248":248,"1,249":249,"1,250":250,"1,251":251,"1,252":252,"1,253":253,"1,254":254,"1,255":255,"1,256":256,"1,257":257,"1,258":258,"1,259":259,"1,260":260,"1,261":261,"1,262":262,"1,263":263,"1,264":264,"1,265":265,"1,266":266,"1,267":267,"1,268":268,"1,269":269,"1,270":270,"1,271":271,"1,272":272,"1,273":273,"1,274":274,"1,275":275,"1,276":276,"1,277":277,"1,278":278,"1,279":279,"1,280":280,"1,281":281,"1,282":282,"1,283":283,"1,284":284,"1,285":285,"1,286":286,"1,287":287,"1,288":288,"1,289":289,"1,290":290,"1,291":291,"1,292":292,"1,293":293,"1,294":294,"1,295":295,"1,296":296,"1,297":297,"1,298":298,"1,299":299,"1,300":300,"1,301":301,"1,302":302,"1,303":303,"1,304":304,"1,305":305,"1,306":306,"1,307":307,"1,308":308,"1,309":309,"1,310":310,"1,311":311,"1,312":312,"1,313":313,"1,314":314,"1,315":315,"1,316":316,"1,317":317,"1,318":318,"1,319":319,"1,320":320,"1,321":321,"1,322":322,"1,323":323,"1,324":324,"1,325":325,"1,326":326,"1,327":327,"1,328":328,"1,329":329,"1,330":330,"1,331":331,"1,332":332,"1,333":333,"1,334":334,"1,335":335,"1,336":336,"1,337":337,"1,338":338,"1,339":339,"1,340":340,"1,341":341,"1,342":342,"1,343":343,"1,344":344,"1,345":345,"1,346":346,"1,347":347,"1,348":348,"1,349":349,"1,350":350,"1,351":351,"1,352":352,"1,353":353,"1,354":354,"1,355":355,"1,356":356,"1,357":357,"1,358":358,"1,359":359,"1,360":360,"1,361":361,"1,362":362,"1,363":363,"1,364":364,"1,365":365,"1,366":366,"1,367":367,"1,368":368,"1,369":369,"1,370":370,"1,371":371,"1,372":372,"1,373":373,"1,374":374,"1,375":375,"1,376":376,"1,377":377,"1,378":378,"1,379":379,"1,380":380,"1,381":381,"1,382":382,"1,383":383,"1,384":384,"1,385":385,"1,386":386,"1,387":387,"1,388":388,"1,389":389,"1,390":390,"1,391":391,"1,392":392,"1,393":393,"1,394":394,"1,395":395,"1,396":396,"1,397":397,"1,398":398,"1,399":399,"1,400":400,"1,401":401,"1,402":402,"1,403":403,"1,404":404,"1,405":405,"1,406":406,"1,407":407,"1,408":408,"1,409":409,"1,410":410,"1,411":411,"1,412":412,"1,413":413,"1,414":414,"1,415":415,"1,416":416,"1,417":417,"1,418":418,"1,419":419,"1,420":420,"1,421":421,"1,422":422,"1,423":423,"1,424":424,"1,425":425,"1,426":426,"1,427":427,"1,428":428,"1,429":429,"1,430":430,"1,431":431,"1,432":432,"1,433":433,"1,434":434,"1,435":435,"1,436":436,"1,437":437,"1,438":438,"1,439":439,"1,440":440,"1,441":441,"1,442":442,"1,443":443,"1,444":444,"1,445":445,"1,446":446,"1,447":447,"1,448":448,"1,449":449,"1,450":450,"1,451":451,"1,452":452,"1,453":453,"1,454":454,"1,455":455,"1,456":456,"1,457":457,"1,458":458,"1,459":459,"1,460":460,"1,461":461,"1,462":462,"1,463":463,"1,464":464,"1,465":465,"1,466":466,"1,467":467,"1,468":468,"1,469":469,"1,470":470,"1,471":471,"1,472":472,"1,473":473,"1,474":474,"1,475":475,"1,476":476,"1,477":477,"1,478":478,"1,479":479,"1,480":480,"1,481":481,"1,482":482,"1,483":483,"1,484":484,"1,485":485,"1,486":486,"1,487":487,"1,488":488,"1,489":489,"1,490":490,"1,491":491,"1,492":492,"1,493":493,"1,494":494,"1,495":495,"1,496":496,"1,497":497,"1,498":498,"1,499":499,"1,500":500,"1,501":501,"1,502":502,"1,503":503,"1,504":504,"1,505":505,"1,506":506,"1,507":507,"1,508":508,"1,509":509,"1,510":510,"1,511":511,"1,512":512,"1,513":513,"1,514":514,"1,515":515,"1,516":516,"1,517":517,"1,518":518,"1,519":519,"1,520":520,"1,521":521,"1,522":522,"1,523":523,"1,524":524,"1,525":525,"1,526":526,"1,527":527,"1,528":528,"1,529":529,"1,530":530,"1,531":531,"1,532":532,"1,533":533,"1,534":534,"1,535":535,"1,536":536,"1,537":537,"1,538":538,"1,539":539,"1,540":540,"1,541":541,"1,542":542,"1,543":543,"1,544":544,"1,545":545,"1,546":546,"1,547":547,"1,548":548,"1,549":549,"1,550":550,"1,551":551,"1,552":552,"1,553":553,"1,554":554,"1,555":555,"1,556":556,"1,557":557,"1,558":558,"1,559":559,"1,560":560,"1,561":561,"1,562":562,"1,563":563,"1,564":564,"1,565":565,"1,566":566,"1,567":567,"1,568":568,"1,569":569,"1,570":570,"1,571":571,"1,572":572,"1,573":573,"1,574":574,"1,575":575,"1,576":576,"1,577":577,"1,578":578,"1,579":579,"1,580":580,"1,581":581,"1,582":582,"1,583":583,"1,584":584,"1,585":585,"1,586":586,"1,587":587,"1,588":588,"1,589":589,"1,590":590,"1,591":591,"1,592":592,"1,593":593,"1,594":594,"1,595":595,"1,596":596,"1,597":597,"1,598":598,"1,599":599,"1,600":600,"1,601":601,"1,602":602,"1,603":603,"1,604":604,"1,605":605,"1,606":606,"1,607":607,"1,608":608,"1,609":609,"1,610":610,"1,611":611,"1,612":612,"1,613":613,"1,614":614,"1,615":615,"1,616":616,"1,617":617,"1,618":618,"1,619":619,"1,620":620,"1,621":621,"1,622":622,"1,623":623,"1,624":624,"1,625":625,"1,626":626,"1,627":627,"1,628":628,"1,629":629,"1,630":630,"1,631":631,"1,632":632,"1,633":633,"1,634":634,"1,635":635,"1,636":636,"1,637":637,"1,638":638,"1,639":639,"1,640":640,"1,641":641,"1,642":642,"1,643":643,"1,644":644,"1,645":645,"1,646":646,"1,647":647,"1,648":648,"1,649":649,"1,650":650,"1,651":651,"1,652":652,"1,653":653,"1,654":654,"1,655":655,"1,656":656,"1,657":657,"1,658":658,"1,659":659,"1,660":660,"1,661":661,"1,662":662,"1,663":663,"1,664":664,"1,665":665,"1,666":666,"1,667":667,"1,668":668,"1,669":669,"1,670":670,"1,671":671,"1,672":672,"1,673":673,"1,674":674,"1,675":675,"1,676":676,"1,677":677,"1,678":678,"1,679":679,"1,680":680,"1,681":681,"1,682":682,"1,683":683,"1,684":684,"1,685":685,"1,686":686,"1,687":687,"1,688":688,"1,689":689,"1,690":690,"1,691":691,"1,692":692,"1,693":693,"1,694":694,"1,695":695,"1,696":696,"1,697":697,"1,698":698,"1,699":699,"1,700":700,"1,701":701,"1,702":702,"1,703":703,"1,704":704,"1,705":705,"1,706":706,"1,707":707,"1,708":708,"1,709":709,"1,710":710,"1,711":711,"1,712":712,"1,713":713,"1,714":714,"1,715":715,"1,716":716,"1,717":717,"1,718":718,"1,719":719,"1,720":720,"1,721":721,"1,722":722,"1,723":723,"1,724":724,"1,725":725,"1,726":726,"1,727":727,"1,728":728,"1,729":729,"1,730":730,"1,731":731,"1,732":732,"1,733":733,"1,734":734,"1,735":735,"1,736":736,"1,737":737,"1,738":738,"1,739":739,"1,740":740,"1,741":741,"1,742":742,"1,743":743,"1,744":744,"1,745":745,"1,746":746,"1,747":747,"1,748":748,"1,749":749,"1,750":750,"1,751":751,"1,752":752,"1,753":753,"1,754":754,"1,755":755,"1,756":756,"1,757":757,"1,758":758,"1,759":759,"1,760":760,"1,761":761,"1,762":762,"1,763":763,"1,764":764,"1,765":765,"1,766":766,"1,767":767,"1,768":768,"1,769":769,"1,770":770,"1,771":771,"1,772":772,"1,773":773,"1,774":774,"1,775":775,"1,776":776,"1,777":777,"1,778":778,"1,779":779,"1,780":780,"1,781":781,"1,782":782,"1,783":783,"1,784":784,"1,785":785,"1,786":786,"1,787":787,"1,788":788,"1,789":789,"1,790":790,"1,791":791,"1,792":792,"1,793":793,"1,794":794,"1,795":795,"1,796":796,"1,797":797,"1,798":798,"1,799":799,"1,800":800,"1,801":801,"1,802":802,"1,803":803,"1,804":804,"1,805":805,"1,806":806,"1,807":807,"1,808":808,"1,809":809,"1,810":810,"1,811":811,"1,812":812,"1,813":813,"1,814":814,"1,815":815,"1,816":816,"1,817":817,"1,818":818,"1,819":819,"1,820":820,"1,821":821,"1,822":822,"1,823":823,"1,824":824,"1,825":825,"1,826":826,"1,827":827,"1,828":828,"1,829":829,"1,830":830,"1,831":831,"1,832":832,"1,833":833,"1,834":834,"1,835":835,"1,836":836,"1,837":837,"1,838":838,"1,839":839,"1,840":840,"1,841":841,"1,842":842,"1,894":843,"1,895":844,"1,896":845,"1,897":846,"1,898":847,"1,899":848,"1,900":849,"1,901":850,"1,902":851,"1,903":852,"1,904":853,"1,905":854,"1,906":855,"1,907":856,"1,908":857,"1,909":858,"1,910":859,"1,911":860,"1,912":861,"1,913":862,"1,914":863,"1,915":864,"1,916":865,"1,917":866,"1,918":867,"1,919":868,"1,920":869,"1,921":870,"1,922":871,"1,923":872,"1,924":873,"1,925":874,"1,926":875,"1,927":876,"1,928":877,"1,929":878,"1,930":879,"1,931":880,"1,932":881,"1,933":882,"1,934":883,"1,935":884,"1,936":885,"1,937":886,"1,938":887,"1,939":888,"1,940":889,"1,941":890,"1,942":891,"1,943":892,"1,944":893,"1,945":894,"1,946":895,"1,947":896,"1,948":897,"1,949":898,"1,950":899,"1,951":900},"ٜ":{"1":[1,951]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738","1,739","1,740","1,741","1,742","1,743","1,744","1,745","1,746","1,747","1,748","1,749","1,750","1,751","1,752","1,753","1,754","1,755","1,756","1,757","1,758","1,759","1,760","1,761","1,762","1,763","1,764","1,765","1,766","1,767","1,768","1,769","1,770","1,771","1,772","1,773","1,774","1,775","1,776","1,777","1,778","1,779","1,780","1,781","1,782","1,783","1,784","1,785","1,786","1,787","1,788","1,789","1,790","1,791","1,792","1,793","1,794","1,795","1,796","1,797","1,798","1,799","1,800","1,801","1,802","1,803","1,804","1,805","1,806","1,807","1,808","1,809","1,810","1,811","1,812","1,813","1,814","1,815","1,816","1,817","1,818","1,819","1,820","1,821","1,822","1,823","1,824","1,825","1,826","1,827","1,828","1,829","1,830","1,831","1,832","1,833","1,834","1,835","1,836","1,837","1,838","1,839","1,840","1,841","1,842","1,894","1,895","1,896","1,897","1,898","1,899","1,900","1,901","1,902","1,903","1,904","1,905","1,906","1,907","1,908","1,909","1,910","1,911","1,912","1,913","1,914","1,915","1,916","1,917","1,918","1,919","1,920","1,921","1,922","1,923","1,924","1,925","1,926","1,927","1,928","1,929","1,930","1,931","1,932","1,933","1,934","1,935","1,936","1,937","1,938","1,939","1,940","1,941","1,942","1,943","1,944","1,945","1,946","1,947","1,948","1,949","1,950","1,951"],"ٞ":{"3":[1],"5":[2],"6":[3],"8":[4],"10":[5],"11":[6],"12":[7],"13":[8,9],"19":[10],"23":[11],"24":[12],"29":[13],"30":[14],"34":[15],"35":[16,17,18],"37":[19],"64":[20,21],"65":[22],"67":[23],"68":[24],"71":[25],"76":[26,27],"82":[28],"85":[29],"86":[30],"87":[31],"88":[32],"89":[33],"93":[34],"97":[35],"98":[36],"99":[37],"101":[38],"103":[39],"107":[40],"108":[41],"109":[42],"110":[43],"137":[44],"138":[45],"139":[46],"140":[47],"145":[48],"146":[49],"147":[50],"149":[51],"150":[52],"162":[53],"168":[54],"169":[55],"174":[56],"178":[57],"184":[58],"185":[59,60],"188":[61],"193":[62],"200":[63,64],"214":[65],"217":[66],"230":[67],"240":[68],"249":[69],"250":[70],"252":[71],"263":[72],"268":[73],"269":[74,75,76,77],"270":[78],"271":[79],"272":[80],"273":[81],"274":[82],"276":[83],"278":[84],"281":[85],"296":[86],"297":[87,88],"300":[89],"301":[90,91],"302":[92],"303":[93,94,95],"304":[96],"305":[97],"308":[98,99],"309":[100],"310":[101],"313":[102],"317":[103],"319":[104],"320":[105],"330":[106],"333":[107],"337":[108],"338":[109],"343":[110,111],"347":[112],"350":[113],"351":[114],"352":[115],"353":[116],"354":[117],"360":[118],"361":[119],"362":[120],"363":[121],"364":[122],"367":[123],"371":[124],"375":[125],"376":[126,127,128],"379":[129],"385":[130],"386":[131],"390":[132],"391":[133],"392":[134],"395":[135],"398":[136],"399":[137,138],"400":[139],"404":[140],"406":[141],"408":[142],"415":[143,144,145],"416":[146],"418":[147],"419":[148],"422":[149,150],"441":[151],"442":[152],"456":[153],"457":[154],"458":[155],"460":[156,157,158],"466":[159],"469":[160,161],"471":[162],"474":[163],"479":[164,165],"484":[166],"485":[167],"487":[168],"490":[169],"491":[170],"492":[171],"498":[172],"505":[173],"528":[174],"529":[175],"535":[176],"536":[177],"538":[178],"546":[179],"550":[180],"551":[181],"554":[182],"555":[183],"556":[184],"558":[185,186],"559":[187],"562":[188],"564":[189],"568":[190],"571":[191],"573":[192],"578":[193],"580":[194],"584":[195],"586":[196],"596":[197,198,199,200],"597":[201],"598":[202,203],"600":[204,205],"601":[206,207],"603":[208],"604":[209],"605":[210],"608":[211],"609":[212,213],"610":[214,215],"611":[216],"612":[217],"613":[218],"614":[219],"615":[220,221],"616":[222],"625":[223],"630":[224,225],"633":[226],"634":[227],"638":[228,229],"640":[230],"642":[231,232],"643":[233],"644":[234],"645":[235],"647":[236,237],"650":[238],"651":[239],"653":[240,241],"657":[242],"658":[243,244,245],"659":[246],"663":[247],"665":[248],"669":[249,250],"670":[251,252,253],"672":[254],"675":[255,256,257],"682":[258,259],"684":[260],"690":[261,262],"692":[263],"694":[264],"696":[265,266],"697":[267],"698":[268],"699":[269,270],"700":[271],"702":[272],"703":[273],"707":[274],"708":[275],"710":[276],"712":[277],"714":[278,279],"717":[280],"720":[281],"723":[282],"725":[283,284],"727":[285],"729":[286],"732":[287],"734":[288],"737":[289,290],"740":[291],"745":[292],"746":[293],"747":[294],"749":[295],"750":[296,297],"753":[298],"754":[299],"755":[300,301],"756":[302],"758":[303],"759":[304,305],"762":[306],"767":[307],"768":[308],"770":[309,310],"771":[311,312],"773":[313,314],"774":[315],"775":[316],"776":[317],"777":[318,319],"779":[320],"781":[321],"784":[322],"785":[323],"790":[324],"793":[325],"794":[326],"796":[327,328,329],"798":[330],"801":[331],"805":[332],"806":[333],"809":[334],"813":[335,336],"814":[337],"816":[338],"817":[339],"818":[340],"821":[341],"824":[342],"830":[343],"833":[344,345],"834":[346,347],"837":[348,349],"840":[350],"843":[351,352,353],"850":[354],"852":[355],"861":[356,357],"862":[358],"864":[359,360],"865":[361,362],"866":[363],"867":[364],"868":[365],"872":[366],"873":[367],"874":[368],"875":[369],"877":[370,371],"881":[372],"882":[373],"884":[374],"885":[375],"896":[376],"898":[377],"899":[378],"900":[379]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الاستدراك الأصولي\nدراسة تأصيلية تطبيقية على المصنفات الأصولية من القرن الثالث إلى القرن الرابع عشر هجريا\nرسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في أصول الفقه\n\nإعداد الطالبة\nإيمان بنت سالم قبوس\nالرقم الجامعي: ٤٣٢٧٠٠٩١\n\nإشراف فضيلة الشيخ\nأ. د/ محمود بن حامد عثمان\n\n١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م","vol":"1","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>ملخص الرسالة</span>\nالحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن بنهجه قد اقتفى، وبعد:\nفهذا بحث مقدم لنيل درجة الدكتوراه في أصول الفقه من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.\nعنوانه: الاستدراك الأصولي دراسة تأصيلية تطبيقية على المصنفات الأصولية من القرن الثالث إلى القرن الرابع عشر هجريًّا.\nوالهدف منه: تأصيل مبادئ الاستدراك الأصولي استنباطًا من كتب الأصول، مع بيان أركانه، وشروطه، وأسبابه، وأقسامه، ونشأته، وتطوره، ومعاييره، وصيغه، ومظانه، وآثاره، وآدابه.\nحققت هذه الأهداف من خلال خطة انتظمت في مقدمة وستة فصول.\n• ذكرت في المقدمة: أسباب اختيار الموضوع، والدراسات السابقة، وحدود الدراسة الزمنية، وأهداف البحث، وخطته، ومنهجه، ورموزه، وختمتها بالشكر لكل من أعانني.\n• أما الفصل الأول: فجعلته في مبادئ الاستدراك الأصولي.\n• والفصل الثاني: في أركان الاستدراك الأصولي، وأسبابه، وشروطه.\n• وكان الفصل الثالث: في أقسام الاستدراك الأصولي.\n• والفصل الرابع: في الاستدراك مِنْ عصر التشريع إلى تدوين أصول الفقه، وتطوره في المصنفات الأصولية، ومنهجه، ومادته.\n• وأتى الفصل الخامس: في معايير، وصيغ الاستدراك الأصولي.\n• وختمت الفصول بالفصل السادس: في مظان وآثار وآداب الاستدراك الأصولي.\nمع العناية بالجانب التطبيقي لما يذكر من تقسيم، ثم التذييل بالفهارس للتسهيل.\nوالله نسأل الأجر الجزيل، والذكر الجميل، والهداية إلى سواء السبيل.\n\nالطالبة\nإيمان بنت سالم قبوس\nالمشرف\nأ. د. محمود بن حامد عثمان\nعميد الكلية\nأ. د. غازي بن مرشد العتيبي","vol":"1","page":3},{"text":"Thesis abstract\nPraise to Allah and peace be upon prophet Muhammad، his family، companions، and those who follow his path.\nThis thesis is presented to attain the PhD. degree majoring in the fundamentals of Jurisprudence from the faculty of Sharia and Islamic Studies at Umm Ul-Qura University in Makkah Mukarama.\nThesis title: Commenting on fundamentalist misconceptions ; an applied concentrated study on the fundamentalist writings from the ٣ rd Higri century to the ١٤ th Higri Century.\nThesis objectives: an attempt to concentrate on the principles of commenting on fundamentalist misconceptions by means of deducing from the fundamentalist books and pointing out their main pillars، conditions، reasons، sections، starting point،development، criteria، forms، potentials، effects and conducts.\nI managed to achieve these objectives through a plan in terms of in an introduction and six chapters.\n- In the introduction، I mentioned the reasons behind the topic selection، the previous studies، the chronicle study limits، the thesis objectives، plan، approach، symbols concluded by my appreciation to those who assisted me.\n- Chapter one: I dealt with the principles of commenting on fundamentalist misconceptions\n- Chapter two: I dealt with the pillars of commenting on fundamentalist misconceptions.، its conditions and reasons.\n- Chapter three: I dealt with the parts of commenting on fundamentalist misconceptions.\n- Chapter four: I dealt with commenting on fundamentalist misconceptions from the age of legislation till the one of composing the fundamentals of jurisprudence، its development in the fundamentalist writings، its approach and material.\n- Chapter five: dealt with the criteria and forms of fundamentalist realization.\n- Chapter six: The last chapter in which I dealt with the potentials، effects and conducts of fundamentalist realization.\nI gave due attention to the applied aspect of the above mentioned classification، then I concluded this with indexes for easy browsing.\nI beg my Lord's pardon to reward me and guide me to the best route.\n\nBy Student/ EMAN SALEM QABOS\nSupervisor/ Prof. Dr. MAHMOUD HAMID OTHMAN\nFaculty Dean: Prof. Dr. GHAZI MURSHID ALOTEBI.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الإهداء</span>\nإلى والدتي الحنون -حفظك الله-:\nكم فلقت دعواتك مغاليق الأبواب، وبرقت كلماتك في سُهاد (١) الصعاب!\n\nإلى والدي الحبيب -رحمك الله-:\nما كان برك لينقطع برحيلك، فما رحل إلا جسدك تاركًا خلفه قلوبًا تتفطر أسى، وألسنة تدعو لك.\nوَلكِنِّي أُصَبِّرُ عَنْكَ نَفْسِي ... مَخَافَةَ أَنْ أُعَدَّ من الجُنَاة\nعَلَيْكَ تَحِيَّةُ الرحمَنِ تَتْرَى ... بِرِحْمِاتٍ غَوادٍ رَائِحِاتِ (٢)\n\nإليكما أمي وأبي هذا البحث، جعله الله أثرًا لكما، فما أنا إلا بقية منكما، وامتداد لكما.\n﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤].\n_________\n(١) السُّهاد: الأرق. يُنظر: الصحاح (ص: ٥١٩)؛ لسان العرب (٧/ ٢٨٦) مادة: (سهد).\n(٢) من مرثية أبي الحسن الأنباري للوزير ابن بقية البغدادي. يُنظر: أسرار البلاغة (ص: ٣٠١).","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>إشراقات</span>\n\"ومن نظر في كلام الفضلاء من المتأخرين والقدماء، وما وقع في آثارهم العلمية من الخَلَل والنقص، وما أبدى بعضهم من كلام بعض؛ مهَّد العذر لمن بعدهم في الخطأ والزَّلل، وإنما يفعل ذلك من في فضله كمل، لا جاهل يُهمِل في تحصيل الفضائل، ويشري نفسه لنقص الأفاضل\".\nنجم الدين سليمان الطوفي الحنبلي، شرح مختصر روضة الناظر (٣/ ٧٥٢).\n\" ... متيقن بأن غيري قد يطلع ما أخفي علي من معنى أدق، ووجه أحق، وتفسير أوضح، وتقرير أفصح، ومعترف بأن بعض الآحاد فضلًا عن الأفراد قد يقف فيه على عثرات، أو يعثر على زلات، فإذا التصون عن الخطأ والخلل في التصنيف، والتحرُّز عن الهفوة والزلل في التأليف نجزت عن إحاطة القوى والقدر، ويعجز عنه كافة البشر، إلا من اختص بالهداية إلى مسالك الرشد والسداد، والوقاية عن مهالك الغي والفساد، فالمتوقع ممن نظر فيه وعثر على ما لا يرتضيه أن يكون عاذرًا لا عاذلًا، وناصرًا لا خاذلًا، فيسعى في إصلاح ما عثر عليه من الفساد، متجنبًا في ذلك طرق التحاسد والعناد، راجيًا حسن الثواب من الملك العزيز الوهاب\".\nعلاء الدين عبدالعزيز البخاري الحنفي، كشف الأسرار (٤/ ٦٦٨).\n\" والمأمول من حسن أخلاق من هو منصف، وعن مشرب الحق مغترف: أنه إذا اطلع على خطأ وسهو أن يصحِّحَه مصلحًا لا مفسدًا، ومعاونًا لا معاندًا، ومعاضدًا لا محاسدًا\".\nشمس الدين أبو الثناء محمود الأصفهاني الشافعي، بيان المختصر (١/ ٧).\n\" ... ووجب قبول ما حواه، والاعتبار بصحة ما أبداه والإقرار، حاشا ما يطرأ على البشر من الخطأ والزلل، ويطرق صحة أفكارهم من العِلل؛ فالسعيد من عُدَّت سقطاته، والعالم من قلَّت غلطاته، وعند ذلك فحقَّ على الناظر المتأمل إذا وجد فيه نقصًا أن يُكمل، وليحسن الظنَّ بمن حالف الليالي والأيام، واستبدل التعب بالراحة، والسهر بالمنام؛ حتى أهدى إليه نتيجة عُمره، ووهب له يتيمة دهره؛ فقد ألقى إليه مقاليد مالديه، وطوقه طوق الأمانة التي في يديه، وخرج عن عُهدة البيان فيما وجب إليه ... \".\nإسحاق بن إبراهيم الشاطبي المالكي، الموافقات (١/ ١٣).","vol":"1","page":6},{"text":"المقدمة","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المقدمة</span>\nالحمد لله الذي استدرك بالتوبة ذنوبنا، وكشف بالرحمة غمومنا، وصفح عن جرمنا بعد جهلنا، وأحسن إلينا في جميع أحوالنا. والصَّلاة والسَّلام على من أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد:\nفإنَّ من توفيق الله، وأمارَاتِ إرادته الخير بعبده: أن يَسْلُكَ به سبيل طلب العلم الشرعي، فيحوز الخير الذي أخبر عنه رسول الله - ﷺ - بقوله: «مَنْ يُرِدْ اللهُ بِهِ خَيرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (١). فمن رُزِقَ الفقه في الدين فقد رُزِقَ خيرًا عظيمًا، ومن حُرمه فقد حُرم حظًا وفيرًا؛ إلا أن الفقه في الدين ليس دعوى يدعيها كل أحدٍ؛ بل هو مضبوط بأصول وقواعد متينة، ومن حُرم هذه الأصول حُرم الوصول.\nولما كان علم أصول الفقه مثار الأحكام الشرعية، ومنار الفتاوى الفرعية، والمعين للفقيه على الاستنباط الصحيح للأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية؛ أجمع على عموم فضله العلماء.\nوقد منّ الله تعالى عليّ بسلوك طريق طلب العلم الشرعي عن طريق مؤسسة عريقة، وكلية عتيدة، وتلك نعمة ينبغي التحدث بها، فالتحقت بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى، ولما كان على كل طالبة من طالبات الدراسات العليا الشرعية أن تتقدم ببحث في مجال تخصصها لنيل درجة الدكتوراه؛\n_________\n(١) صحيح البخاري، ك: العلم، ب: من يُردْ الله به خيرًا يُفَقّهْهُ في الدِّين، (١/ ٣٩/ح: ٧١)، ك: الجهاد والسير، أبواب الخمس، ب: قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٣/ ١١٣٤/ح: ٢٩٤٨)، ك: الاعتصام بالكتاب والسنة، ب: قول النبي - ﷺ - «لا تزَالُ طَائفَةٌ من أمَّتِي ظَاهرِينَ على الحَقِّ ...»، (٦/ ٢٦٦٧/ح: ٦٨٨٢)؛ صحيح مسلم، ك: الزكاة، ب: النَّهي عن المسألة، (٢/ ٧١٨ - ٧١٩/ح: ١٠٣٧).","vol":"1","page":8},{"text":"دعوت الله أن يوفقني إلى موضوع أخدم به الأمة، وأنال به الحسنى، فأخذت أتأمل ما كتبته أيدي العلم، وخطته أنامل المعرفة، وأقلب صفحات أُودِعت خُلاصة علمهم، وروح فكرهم، أسهرت لياليهم، وأشغلت نهارهم.\nوكان أول ما وجهتُ وجهي، ويممت شطري إليه: كتاب الرسالة للشافعي؛ حيثُ كان هذا العلم في أول أمره جملًا متفرقة، وعبارات مجملة؛ حتى جاء الإمام المجتهد محمد بن إدريس الشافعي فأظهر دفائنه وكنوزه، وأوضح إشاراته ورموزه؛ حتى نور بعلم الأصول دجى الآفاق، وأعاد سوقه بعد الكساد إلى نَفَاق (١).\nوكان - ﵀ - يكتب على سجيته، ويملي بفطرته، لا يتكلف ولا يتصنع (٢)، ولم يكن في عرضه للموضوعات الأصولية مسترسلًا فحسب؛ بل كان أسلوبه مزيجًا من الاسترسال والحوار، اتخذ فيه أسلوب المحاور المستدرك لمعالجة ومناقشة الموضوعات الأصولية وتقريرها.\nثم جاء علماء الأصول من بعده، فصنفوا التصانيف العديدة، وَوسعوا العبارات، وفكوا الإشارات، وبينوا الإجمال، ورفعوا الإشكال (٣).\nفكان المتأخرون من العلماء يعترضون لكتب المتقدمين بالاستدراكات؛ من تعقيبات وتنبيهات وتصويبات، وهذا واضح بيِّنٌ في مصنفاتهم، ولِمَا للقول المستدرَك عليه والمستدرِك من قيمة علمية في تطوير علم أصول الفقه؛ أحببتُ أن يكون موضوعُ بحثي للدكتوراه في الاستدراك الأصولي، أحتسب العمل به طلبًا للتحصن بالعلم، وخدمةً له، ونفعًا للعباد، على هدى الدليل، وسلامة التعليل، المتسم بالتأصيل، ودقة التحليل، وجعلت عنوانه: (الاستدراك الأصولي -دراسة تأصيلية تطبيقية على\n_________\n(١) يُنظر: البحر المحيط (١/ ٦).\n(٢) يُنظر: تحقيق الشيخ أحمد شاكر للرسالة (ص: ١٤).\n(٣) يُنظر: البحر المحيط (١/ ٦).","vol":"1","page":9},{"text":"المصنفات الأصولية من القرن الثالث إلى القرن الرابع عشر هجريًا-)، والله أسأل التَّوفيق والسَّداد، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل؛ إنه جواد كريم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-5> أسباب اختيار الموضوع:</span>\n١ - دافع نفسي هو ما يعبر عنه بترك المطروق وطرق المتروك؛ لأن تكرار الجهود على عمل واحد مما تأباه النفوس السليمة، فضلًا عن ضياع الوقت، وإهدار الجهد؛ لأجل ذلك كانت نفسي تواقة للبحث في موضوع لم أسبق إليه بعد السؤال والتتبع.\n٢ - الحاجة إلى تأصيل معنى الاستدراك الأصولي، وبيان مبادئه، وأركانه، وشروطه، وأسبابه، وأقسامه، ونشأته، وتطوره، ومعاييره، وصيغه، ومظانه، وآثاره، وآدابه؛ حيث إني لم أقف - على حد اطلاعي القاصر- على دراسة تأصيلية أو تطبيقية للاستدراكات الأصولية رغم كثرة إيرادها في المصنفات الأصولية.\n٣ - في هذا البحث تظهر علاقة علم الأصول بالعلوم الأخرى؛ كالعقيدة والمنطق واللغة العربية، واعتمادها مواد في الاستدراك الأصولي.\n٤ - أن بدراسة هذا الموضوع إبطالًا لزعم الناقمين على علم أصول الفقه وَوصفهم إياه بأنه علم جامد يُذكر فيه قول السابقين دون مناقشة واستدراك وإضافة.\n٥ - إظهار فضل علماء الأصول وجهدهم في التحقيق والتدقيق.\n٦ - هذه الدراسة تسلط الضوء على أثر الاستدراك في المصنفات الأصولية في أطوار مختلفة من القرن الثالث وحتى القرن الرابع عشر الهجري.\n٧ - أن موضوع الاستدراك يثبت أن القواعد الأصولية بنيت على أسس محررة، وتواصل أجيال في تدارس هذا العلم وتقريره وتنقيحه.\n٨ - تعلقه بأكثر أبواب الأصول، فليس البحث فيه منحصرًا على موضوع معين، فيكون الباحث مقيدًا به، مغلقًا عليه، لا يُطالع غيره، فهو يحوي جملة من قواعد","vol":"1","page":10},{"text":"الأصول، وبهذا تتحقق تنمية الملكة الأصولية لدى طالب العلم.\n٩ - هذه الدراسة - بإذن الله - ذات قيمة علمية ونتائج حميدة ومفيدة للطالبة في تفتيح مداركها؛ وذلك نظرًا لكثرة الاستدراكات الأصولية وتنوعها.\n١٠ - إثراء المكتبة الإسلامية عامة ومكتبة الأصول خاصة ببحث متواضع في تأصيل الاستدراك الأصولي.\nتلك عشرة كاملة دفعتني إلى استشارة شيخي ومشرفي الأستاذ الدكتور محمود عثمان، الذي أبدى استحسانًا قوى عزمي، وشد رغبتي؛ فأتبعته باستخارة انشرح الصدر بها، فأجمعت أمري على أن ألج رِتَاج (١) هذا الموضوع، وأزف خَوْدًا (٢) لم تزف لمحبوبها من قبل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-6> الدراسات السابقة:</span>\nلم يتطرق أحد من الباحثين - بحسب ما نالته يدي، وأبصرته عيني- إلى بيان الاستدراكات الأصولية؛ سواء من الجانب التأصيلي أو التطبيقي؛ إلا أن هناك دراسات تطبيقية عند المفسرين والمحدثين والفقهاء.\nوجاء في إفادة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية ما يُفيد بتسجيل أربع رسائل ماجستير بعنوان: \"الاستدراكات الأصولية على جمع الجوامع\"، فهذه الرسائل في طور الإعداد، ويتضح من عنوانها أنها خاصة بالاستدراكات على كتاب معين؛ وهو \"جمع الجوامع\" لابن السبكي، أما البحث الذي أرغب فيه فهو بحث تأصيلي للاستدراكات الأصولية مع التطبيق عليها بنماذج مختلفة من كتب الأصول.\n_________\n(١) الرتاج: الباب العظيم. يُنظر: الصحاح (ص: ٣٩٠)؛ لسان العرب (٦/ ٩٤) مادة: (رتج).\n(٢) الخَوْدُ: الفتاة الحسنة الخَلق الشابة. وقيل: الجارية الناعمة. والجمع خَوْدات وخُود -بضم الخاء-. يُنظر: الصحاح (ص: ٣٢٢)؛ لسان العرب (٥/ ١٧٤) مادة: (خود).","vol":"1","page":11},{"text":"وأما الجانب التأصيلي فلم أقف إلا على رسالة نُوقِشتْ قريبًا في جامعتنا بعنوان: \"الاستدراك الفقهي تأصيلًا وتطبيقًا\" للأخت مجمول الجدعاني، ومع سبقها وفضلها إلا أنها تخالف بحثي بفارق جوهري؛ ألا وهو موضوع الدراسة، فموضوع الدراسة في البحث المشار إليه يُخالف موضوع دراستي؛ حيثُ إنها تناولت الاستدراك الفقهي، في حين أن بحثي في الاستدراك الأصولي.\nكما أنني لا أوافق الباحثة في كثير مما جاء في رسالتها؛ ومن ذلك معنى الاستدراك؛ حيث أرى أنه أعم مما أشارت إليه، وكذلك في الأركان وفي التطبيق، وكما قال ابن السبكي (١): \"إن السابق وإن كان له حق الوضع والتأسيس؛ فللمتأخر الناقد حق التهذيب والتكميل، وكل موضوع على الافتتاح فقد يتطرق إلى مبادئه بعد التسبيح، ثم يندرج الناقد إلى التهذيب والتكميل، فيكون المتأخر أحق أن يتبع، وهذا واضح في الحِرَف والصناعات؛ فضلًا عن العلوم ومسالك الظنون\" (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-7> حدود الدراسة الزمنية:</span>\nتتناول هذه الدراسة - بإذن الله تعالى- صفوة من المصنفات الأصولية من القرن الثالث الهجري ابتداءً من مصنف \"الرسالة\" للإمام الشافعي - ﵀ - إلى القرن الرابع عشر هجريًا.\n_________\n(١) هو: أبو نصر، عبدالوهاب بن علي بن عبدالكافي بن علي السبكي، تاج الدين، ابن الإمام تقي الدين، كان شديد الذكاء، وحصل من العلوم الكثير، فكان أصوليًا، فقيهًا، محدثًا، أديبًا، ذا بلاغة وطلاقة لسان، وكان مهيبًا كريمًا. من مصنفاته: \"تكملة الإبهاج\"، \"جمع الجوامع\"، \"رفع الحاجب شرح مختصر ابن الحاجب\"، (ت: ٧٧١ هـ) بالطاعون في دمشق.\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية لابن شهبة (٣/ ١٠٤)؛ الدرر الكامنة (٢/ ٤٥٢)؛ شذرات الذهب (٦/ ٢٢١).\n(٢) يُنظر: الإبهاج (٧/ ٢٧١٤).","vol":"1","page":12},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-8> أهداف البحث:</span>\nيهدف البحث إلى ما يلي:\n١ - تأصيل مبادئ الاستدراك الأصولي استنباطًا من كتب الأصول.\n٢ - بيان أركان الاستدراك الأصولي، وشروطه، وأسبابه، وأقسامه، ونشأته، وتطوره، ومعاييره، وصيغه، ومظانه، وآثاره، وآدابه.\n٣ - الخروج بمجموعة من التوصيات التي تسهم في تطوير الاستدراك الأصولي.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-9> خطة البحث:</span>\nاقتضت طبيعة البحث إلى تقسيمه إلى مقدمة وستة فصول:\n- المقدمة، وتشمل:\n- أسباب اختيار الموضوع.\n- الدراسات السابقة.\n- حدود الدراسة الزمنية.\n- أهداف البحث.\n- خطة البحث.\n- منهج البحث.\n- صعوبات البحث.\n- رموز البحث\n- الشكر.","vol":"1","page":13},{"text":"- الفصل الأول: مبادئ الاستدراك الأصولي. وفيه تمهيد، وتسعة مباحث:\n- تمهيد: المراد بالمبادئ.\n- المبحث الأول: حد الاستدراك الأصولي.\n- المبحث الثاني: موضوع الاستدراك الأصولي.\n- المبحث الثالث: حكم الاستدراك الأصولي.\n- المبحث الرابع: استمداد الاستدراك الأصولي.\n- المبحث الخامس: نسبة الاستدراك الأصولي.\n- المبحث السادس: فضل الاستدراك الأصولي.\n- المبحث السابع: الثمرة من الاستدراك الأصولي.\n- المبحث الثامن: الواضع للاستدراك الأصولي.\n- المبحث التاسع: مسائل الاستدراك الأصولي.\n- الفصل الثاني: أركان الاستدراك الأصولي، وأسبابه، وشروطه. وفيه ثلاثة مباحث:\n- المبحث الأول: أركان الاستدراك الأصولي. وفيه تمهيد، وأربعة مطالب:\n- تمهيد: المراد بأركان الاستدراك الأصولي.\n- المطلب الأول: المستدرَك عليه.\n- المطلب الثاني: المستدرك فيه.\n- المطلب الثالث: المستدرِك.\n- المطلب الرابع: المستدرك به.","vol":"1","page":14},{"text":"- المبحث الثاني: أسباب الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها. وفيه تمهيد، ومطلبان:\n- تمهيد: المراد بأسباب الاستدراك الأصولي.\n- المطلب الأول: أسباب ناشئة من المستدرَك عليه، وتطبيقاتها.\n- المطلب الثاني: أسباب ناشئة من المستدرِك، وتطبيقاتها.\n- المبحث الثالث: شروط الاستدراك الأصولي. وفيه تمهيد، ومطلبان:\n- تمهيد: المراد بشروط الاستدراك الأصولي.\n- المطلب الأول: شروط الاستدراك الأصولي.\n- المطلب الثاني: أمور لا تشترط في الاستدراك الأصولي.\n- الفصل الثالث: أقسام الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها. وفيه تمهيد، وأربعة مباحث:\n- تمهيد: أقسام الاستدراك باعتبارات مختلفة.\n- المبحث الأول: أقسام الاستدراك الأصولي باعتبار حقيقته، وتطبيقاتها. وفيه سبعة مطالب:\n- المطلب الأول: استدراك التصحيح، وتطبيقاته.\n- المطلب الثاني: استدراك التكميل، وتطبيقاته.\n- المطلب الثالث: استدراك الفرق، وتطبيقاته.\n- المطلب الرابع: استدراك التنبيه، وتطبيقاته.\n- المطلب الخامس: استدراك النقد، وتطبيقاته.\n- المطلب السادس: استدراك التحرير، وتطبيقاته.\n- المطلب السابع: استدراك التنقيح، وتطبيقاته.","vol":"1","page":15},{"text":"- المبحث الثاني: أقسام الاستدراك الأصولي باعتبار المُستدرَك عليه، وتطبيقاتها. وفيه خمسة مطالب:\n- المطلب الأول: استدراك الأصولي على نفسه، وتطبيقاته.\n- المطلب الثاني: استدراك الأصولي على موافق له في المذهب، وتطبيقاته.\n- المطلب الثالث: استدراك الأصولي على مخالف له في المذهب، وتطبيقاته.\n- المطلب الرابع: استدراك الأصولي على شخص مُقدَّر، وتطبيقاته.\n- المطلب الخامس: استدراك الأصولي على المُستدرِك، وتطبيقاته.\n- المبحث الثالث: أقسام الاستدراك الأصولي باعتبار المستدرَك فيه، وتطبيقاتها. وفيه ثمانية مطالب:\n- المطلب الأول: الاستدراك الأصولي على ترجمة المسألة، وتطبيقاته.\n- المطلب الثاني: الاستدراك الأصولي على الحدود، وتطبيقاته.\n- المطلب الثالث: الاستدراك الأصولي على الدليل، وتطبيقاته.\n- المطلب الرابع: الاستدراك الأصولي على الاستدلال، وتطبيقاته.\n- المطلب الخامس: الاستدراك الأصولي على نسبة الأقوال، وتطبيقاته.\n- المطلب السادس: الاستدراك الأصولي على التقسيمات والشروط، وتطبيقاته.\n- المطلب السابع: الاستدراك الأصولي على التمثيل، وتطبيقاته.\n- المطلب الثامن: الاستدراك الأصولي على التخريج، وتطبيقاته.\n- المبحث الرابع: أقسام الاستدراك الأصولي باعتبار المستدرك به، وتطبيقاته وفيه مطلبان:\n- المطلب الأول: الاستدراك النقلي.\n- المطلب الثاني: الاستدراك العقلي.","vol":"1","page":16},{"text":"- الفصل الرابع: الاستدراك في عصر التشريع، وتاريخه في المصنفات الأصولية، ومنهجه، وفيه ثلاثة مباحث:\n- المبحث الأول: الاستدراك في عصر التشريع. وفيه تمهيد، ومطلبان:\n- تمهيد: المراد بعصر التشريع.\n- المطلب الأول: أمثلة للاستدراكات الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية.\n- المطلب الثاني: أمثلة لاستدراكات الصحابة والتابعين.\n- المبحث الثاني: تاريخ الاستدراك الأصولي، وفيه تمهيد، وخمسة مطالب:\n- تمهيد: في بيان وجه تقسيم تاريخ الاستدراك الأصولي.\n- المطلب الأول: مرحلة الاستدراك التأسيسي.\n- المطلب الثاني: مرحلة الاستدراك التقعيدي.\n- المطلب الثالث: مرحلة الاستدراك التنقيحي.\n- المطلب الرابع: مرحلة الاستدراك الموسوعي.\n- المطلب الخامس: مرحلة الاستدراك المقصدي.\n- المبحث الثالث: منهج الاستدراك الأصولي، وتطبيقاته. وفيه تمهيد وأربعة مطالب:\n- تمهيد: المراد بمنهج الاستدراك الأصولي.\n- المطلب الأول: منهج الاستدراك الاستقرائي، وتطبيقاته.\n- المطلب الثاني: منهج الاستدراك التحليلي، وتطبيقاته.\n- المطلب الثالث: منهج الاستدراك النقدي، وتطبيقاته.\n- المطلب الرابع: منهج الاستدراك الحجاجي، وتطبيقاته.","vol":"1","page":17},{"text":"- الفصل الخامس: مادة وصيغ الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها. وفيه مبحثان:\n- المبحث الأول: مادة الاستدارك الأصولي، وتطبيقاتها. وفيه تمهيد، ومطلبان:\n- تمهيد: المراد بمادة الاستدراك الأصولي.\n- المطلب الأول: مادة القواعد الأصولية، وتطبيقاته.\n- المطلب الثاني: مادة العلوم الأخرى، وتطبيقاته.\n- المبحث الثاني: صيغ الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها. وفيه مطلبان:\n- المطلب الأول: صيغ الاستدراك الصريحة، وتطبيقاتها.\n- المطلب الثاني: صيغ الاستدراك غير الصريحة، وتطبيقاتها.\n- الفصل السادس: مظان وآثار وآداب الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها. وفيه ثلاثة مباحث:\n- المبحث الأول: مظان الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها. وفيه تمهيد، وثلاثة مطالب:\n- التمهيد: المراد بمظان الاستدراك الأصولي.\n- المطلب الأول: مظان الاستدراك الأصولي باعتبار الأصوليين، وتطبيقاتها.\n- المطلب الثاني: مظان الاستدراك الأصولي باعتبار الكتب، وتطبيقاتها.\n- المطلب الثالث: مظان الاستدراك الأصولي باعتبار الموضوعات الأصولية، وتطبيقاتها.\n- المبحث الثاني: آثار الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها. وفيه تمهيد، ومطلبان:\n- التمهيد: المراد بآثار الاستدراك الأصولي.\n- المطلب الأول: الآثار الإيجابية للاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها.","vol":"1","page":18},{"text":"- المطلب الثاني: الآثار السلبية للاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها.\n- المبحث الثالث: آداب الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها. وفيه تمهيد، وثلاثة مطالب:\n- تمهيد: اهتمام العلماء بآداب العلم عمومًا.\n- المطلب الأول: آداب الاستدراك الأصولي المشتركة بين المستدرِك والمستدرَك عليه، وتطبيقاتها.\n- المطلب الثاني: آداب الاستدراك الأصولي الخاصة بالمستدرِك، وتطبيقاتها.\n- المطلب الثالث: آداب الاستدراك الأصولي الخاصة بالمستدرَك عليه، وتطبيقاتها.\n- الخاتمة: وتشتمل على أهم نتائج البحث وآفاقه.\n- ملحق الخرائط الذهنية لفصول البحث.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-10> منهج البحث:</span>\nويتضمن جانبين:\n• الجانب الأول: المنهج العام للبحث.\nاستخدمت في بحثي هذا عدة مناهج لتحقيق الأهداف المرسومة سابقًا؛ وهي:\n- المنهج الاستقرائي: والمراد به الاستقراء الجزئي لمصنفات هذا العلم، فقلبتُ فيه بعض صفحاته، وعشت في رحاب مؤلَّفاتِهِ، وفي ضيافة علمائه.\n- المنهج التحليلي: ويظهر جليًا في دراسة تعريفات الاستدراك السابقة للتعريف المختار، وفي دراسة الأمثلة التطبيقية.\n- المنهج النقدي: وظهر جليًا في التعليق على التعريفات المتقدمة لحد الاستدراك المختار، وفي بعض حواشي البحث.","vol":"1","page":19},{"text":"- المنهج التطبيقي: ويظهر في الأمثلة التطبيقية على مدار البحث.\n- المنهج الاستنتاجي: وهو أساس هذا البحث؛ حيث بُني البحث على استنتاجات من الأمثلة التطبيقية، وظهرت في استنتاج حد الاستدراك، وجميع ما صغته من حدود، وفي أركان الاستدراك، وشروطه، ومعاييره، وصيغه، وغير ذلك.\n• الجانب الثاني: المنهج الخاص، وينقسم إلى قسمين:\n• القسم الأول: المنهج الخاص بالأمثلة التطبيقية، وسرتُ فيه على ضوء النقاط الآتية:\n١ - مادة البحث \"التطبيقية\" هي استدراكات الأصوليين منذُ القرن الثالث الهجري إلى القرن الرابع عشر هجريًا.\n٢ - تعمدت في الجانب التطبيقي إقصاء جمع الجوامع والأعمال عليه؛ لوجود رسائل خاصة للتطبيق عليه.\n٣ - مادة البحث \"التطبيقية\" إنما هي من قبيل التمثيل لما يذكر من التقاسيم؛ لأن الأمثلة تساعد على فهم المراد وإثبات المقصود، فليس المراد منها الحصر.\n٤ - بيان بعض الاستدراكات الغامضة، وكنت في بداية البحث أعلق على كل الاستدراكات، فوجدت أن ذلك يؤدي إلى التطويل الممل؛ وخاصة أن كثيرًا من الاستدراكات واضح، فاكتفيت بما أشرت وبما وجهني إليه مشرفي الفاضل؛ لاسيما في بيان الاستدراكات في عصر التشريع.\n٥ - التزمت في الأمثلة التطبيقية بلفظ الأصوليين؛ حتى يتحقق الاستشهاد بما أستنتجه.\n٦ - لم اكتفِ بمثال واحد، ولم أتقيد بعدد معين من الأمثلة التطبيقية؛ وإنما حرصت على الموضع الذي يظن أن الاستدراك فيه قليل والأمر خلاف ذلك من إكثار أمثلته؛ كالاستدراك على عناوين المسألة الأصولية.","vol":"1","page":20},{"text":"٧ - عند ذكر أكثر من مثال فإني قمت بترتيبها حسب تاريخ وفاة المستدرِك، فمثلًا: جعلت المثال الأول لاستدراك الجويني، والمثال الثاني لاستدراك الإسنوي. وإن كان المثال فيه أكثر من مستدرِك فإن أنظر في ترتيب الأمثلة لوفاة المستدرِك الأول في المثال. واتبعت ذلك في كل الرسالة إلا في المبحث الأول من الفصل السادس المعنون له بمبحث: \"مادة القواعد الأصولية\"؛ حيث اقتضى المقام ترتيبها على الموضوعات الأصولية؛ فبدأت بمسائل الحكم الشرعي، ثم الأدلة، ثم دلالات الألفاظ.\n٨ - لا أرجح في التمثيل للتطبيقات وأكتفي بمجرد ذكر الاستدراك الذي ورد أو قد يرد على عبارة المستدرَك عليه، بصرف النظر عن اعتباره أو لا؛ وذلك لأن الترجيح يستدعي سرد الأدلة ومناقشتها، وهذا بدوره يؤدي إلى الخروج عن موضوع البحث؛ إذ موضوع البحث تأصيل الاستدراك الأصولي.\nوالشأن لا يُعترضُ المثالُ ... إذ قد كفى الفرضُ والاحتمالُ (١)\n٩ - عند ذكر عنوان المسألة في الأمثلة التطبيقية أختار العنوان المناسب فيما يظهر لي؛ وخاصة أن بعض العناوين في الكتب الأصولية من وضع المحققين.\nالأمر الثاني: المنهج الخاص بمتن البحث والتعليق والتهميش، وسأسير فيه على ضوء النقاط الآتية:\n١ - عزو الآيات القرآنية؛ بذكر اسم السورة ورقم الآية مباشرة بعد ذكر الآية في المتن. وكتبت الآيات بنسخ الرَّسم العثماني.\n٢ - تخريج الأحاديث النبوية، والآثار المروية عن الصحابة - ﵃ -، فإن كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما فسأكتفي بالعزو إليهما، وإن كان في غيرهما ذكرت من خرجه، واجتهدت في ذكر حكم العلماء عليه متى وجد.\n_________\n(١) البيت من مراقي السعود، لعبدالله العلوي الشنقيطي، يُنظر البيت في: مراقي السعود إلى مراقي السعود (ص: ٣٨٧)؛ نثر الورود (٢/ ٥٥٥).","vol":"1","page":21},{"text":"٣ - ضبط أكثر الأحاديث النبوية والأبيات الشعرية.\n٤ - ترجمة الأعلام الوارد ذكرهم في البحث عند أول موضع يرد فيه العلم، ولن أترجم للمشهورين؛ كالرسل والخضر - ﵈ -، وأمهات المؤمنين - ﵃ -، والخلفاء الأربعة - ﵃ -، والأئمة الأربعة - ﵏ -.\n٥ - لم ألتزم ذكر تواريخ وفيات الأعلام في متن البحث إلا في المبحث الأول من الفصل الرابع، مطلب: الاستدراك الأصولي وتطوره في المصنفات الأصولية حتى القرن الرابع عشر هجريًا؛ وذلك لكي يستحضر القارئ المسار التاريخي للاستدراك.\n٦ - التعريف بالطوائف والقبائل التي وردت في البحث تعريفًا موجزًا من الكتب المعتمدة في هذا المجال.\n٧ - التعريف بالأماكن غير المشهورة وفق وضعها في الوقت الحاضر.\n٨ - التعريف بالكتب الواردة في البحث؛ إلا الكتب الحديثة، وأما الكتب الأصولية فعرفت غير المطبوعة منها فقط.\n٩ - التعريف بالمصطلحات والكلمات الغريبة.\n١٠ - لا أذكر اسم المؤلف مع الكتاب غالبًا إلا في الكتب المتشابهة في الاسم (١)، أو في حالة الإحالة على المجلات العلمية، أو الكتب التي يُنصح بالاطلاع عليها في موضوع ما.\n١١ - تحبير أسماء الأعلام والكتب.\n_________\n(١) كالإحكام للآمدي وابن حزم، التمهيد لأبي الخطاب والإسنوي، والتنقيح للقرافي والمحبوبي والتبريزي، والتوضيح شرح التنقيح للمحبوبي وحلولو، كشف الأسرار للنسفي والبخاري، فتح القدير لابن الهمام والشوكاني، الفتح المبين للمراغي والحفناوي. وكذلك أيضًا المحصول للرازي وابن العربي، فقيدت الثاني _محصول ابن العربي_ بذكر اسم المؤلف، وأطلقت الأول -محصول الرازي-، والكاشف للذهبي قيدته باسم المؤلف تمييزًا له عن الكاشف للأصبهاني. وكتب الطبقات؛ كطبقات الفقهاء للشيرازي ولابن الصلاح، وطبقات الشافعية لابن السبكي ولابن قاضي شبهة، وطبقات المفسرين للسيوطي ولأدنة وي والداودي.","vol":"1","page":22},{"text":"١٢ - وضعت فهارس تفصيلية عامة في آخر البحث على النحو التالي:\n- فهرس الآيات القرآنية.\n- فهرس الأحاديث النبوية.\n- فهرس الآثار.\n- فهرس الأعلام المترجم لهم.\n- فهرس الطوائف والقبائل.\n- فهرس المصطلحات والألفاظ الغريبة.\n- ثبت المصادر والمراجع.\n- فهرس الموضوعات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-11> رموز البحث:</span>\nب: الباب الذي ذكر فيه الحديث.\nت: تاريخ الوفاة.\nح: رقم الحديث.\nط: رقم الطبعة.\nك: الكتاب الذي ذكر فيه الحديث.\nم: ميلادي.\nن: الناشر.\nهـ: هجري.\n...: إشارة للحذف.\n[] للتعقيب على النسخ؛ كوجود إضافة من نسخة أخرى ونحوه.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>وأما عن صعوبات البحث:</span>\nفلا أكاد أجد لها ذكرًا؛ فضلًا عن تعدادها، وما هذا إلا بفضل من الله، وتيسيرٍ منه - ﷾ -، فأحمده وأشكره على منِّه وإحسانه وتوفيقه على إتمام هذا البحث بهذه الصورة المتواضعة، وأسأله - ﷾ - أن يتقبّله مني، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم.\nوانطلاقًا من قول الرسول - ﷺ -: «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشكُرِ الله» (١) فإني أتوجه بالشُّكر الجزيل والدعاء الجميل لوالدتي الحبيبة، وأسأله سبحانه أن يَمُدَّ في عمرها، ويحسن عملها ويحفظها، ويغفر لوالدي، ويجعلني وإخوتي من العمل الصالح له بعد موته.\nوأُثنِّي بالشكر لزوجي الحبيب أبي مصعب الذي مافتئ يشجعني على طلب العلم وعمل الخير، فكم تجاوز عن تقصيري، وعفا عن هفوتي، فجزاه الله عني خير الجزاء.\nكما أن من الواجب العلمي عليّ أن أوفي صاحب الحق حقه، وذا الفضل فضله، وإن صاحب هذا الحق والفضل بعد الله - ﷿ - هو شيخي الفاضل المشرف على هذه الرسالة، الأستاذ الدكتور محمود بن حامد عثمان -حفظه الله تعالى-، فقد سعدت بإشرافه، واستفدت من علمه وخلقه وتواضعه الجم، وكان لتشجيعه أثر كبير في استنهاض همتي، وبعث الثقة في نفسي، فكان يضعني دائمًا في مكان أعلى مما أنا فيه. وأما توجيهاته فكانت عقدًا فريدًا قلّدتُ به جِيد بحثي، فوقف القلم حائرًا أمام جمائله، وعجز عن\n_________\n(١) حديث أبي هريرة، يُنظر: مسند أحمد (٢/ ٢٥٨/ح: ٧٤٩٥) (٢/ ٢٩٥/ح: ٧٩٢٦) (٢/ ٣٠٢/ح: ٨٠٠٦)؛ (٢/ ٣٨٨ / ح: ٩٠٢٢) (٢/ ٤٦١ /ح: ٩٩٤٥) (٢/ ٤٩٢ / ح: ١٠٣٨٢)؛ سنن أبي داود، ك: الأدب، ب: في شُكرِ المعروف، (٤/ ٢٥٥/رقم: ٨٤١١)؛ سنن الترمذي، ك: البر والصلة، ب: ما جاء في الشُّكرِلمن أحسن إليك، (٤/ ٣٣٩/ح: ١٩٥٥)؛ صحيح ابن حبان، ذكر ما يجب على المرء من الشكر لأخيه المسلم عند الإحسان إليه (٨/ ١٩٨/ح: ٣٤٠٧). قال الترمذي - ﵀ -: (حسن صحيح). يُنظر: سنن الترمذي. (٤/ ٣٣٩) ..","vol":"1","page":24},{"text":"خَطِّ فضائله، فكم من معضلات ومشكلات رفع نقابها، وكشف أسرارها، فجزاه الله عني خير ما يُجزى به شيخ عن تلميذه، وأمد في عمره، وأصلح عمله.\nكما لا يفوتني أن أتوجه بالشُّكر إلى كل من ساعدني أثناء إعداد هذا البحث بتوجيه، أو إعارة كتاب؛ وأذكر فأشكر من يخجل المرء أمام نبل خُلُقه، ويعجز اللفظ عن بيان جمائل تعامله؛ فضيلة الشَّيخ الأستاذ الدكتور عبدالرحمن بن محمد القرني، مرشدي الأول، وشيخي الذي استرشدت بعلمه، واستنرت بفكره، فكم عدتُ إليه عندما أغلقت العبارات في ذهني، وأقفلت الإشارات في فهمي، فيفتح لي أبواب الوصول، بطريقة سهلت الحصول، تأخذ بلباب العقول، كتب الله له القبول، وجمعه في زمرة الرسول - ﷺ -.\nوأشكر كذلك فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور غازي بن مرشد العتيببي، الذي حكم جزءًا من الفصل الأول من رسالتي في بحث المؤتمر الطلابي الخامس، فكان ناقدًا حاذقًا، وموجهًا أمينًا، جاءت ملحوظاته كالنجم اللامع، والبدر الطالع. ومع مشاغله بعمادة كلية الشريعة وغيرها، وكثرة طرق باب علمه، أجد لديه منتهى السول والأمل، من غير ضجر أو ملل، فأسدى إلي نصحه، وأرشدني إلى كنوز علمه، فأحطه إلهي عما يَهُمُّه، وأتحفه بما يَلُمُّه.\nكما أزجي جميل الوفاء، وجليل الثناء، لسعادة الأستاذة الدكتورة أفنان بنت محمد تلمساني، التي كانت تحرص على حضوري مناقشاتها العلمية، فتخبرني بموعد المناقشة؛ ومن هذه المناقشات: مناقشة الأخت مجمول الجدعاني (الاستدراك الفقهي) والتي كانت وميض هذا البحث.\nوأتوجَّهُ بالشكر كذلك للأخت مجمول الجدعاني التي سارعت في إهدائي نسخة من رسالتها بعد طباعتها.\nولا أنسى من بادر بالعطاء قبل السؤال، وبالتوجيه قبل التيه، فكن أخوات ناصحات، وللبذل سباقات: سعادة الدكتورة فتحية مشعل، والدكتورة مريم الحربي، والدكتورة أريج الجابري، والدكتورة خلود العتيبي، والأستاذة لطيفة السلمي،","vol":"1","page":25},{"text":"والأستاذة سارة عروسي، والأستاذة مريم منشي، والأستاذة عواطف الحازمي، والأستاذة هيفاء السروري، والأستاذة شيماء بنت عبدالملك، والأستاذة بسمة السالمي.\nويطيب لي أن أتقدم بعظيم الامتنان والدُّعاء إلى القائمين على هذه الجامعة المباركة -جامعة أم القرى- على كلِّ ما قدمته وتقدمه لطلاب العلم من عون ورعاية، وأخص بالشكر قسم الشريعة؛ وفي مقدمتهم: رئيس القسم فضيلة الشيخ الدكتور رائد بن خلف العصيمي، ووكيلته سعادة الدكتورة نورة بنت مسلم المحمادي، ووكيلة الدراسات العليا بكلية الشريعة سعادة الدكتورة ازدهار بنت محمود المدني، وجميع منسوبي ومنسوبات هذا القسم المبارك على ما بذلوا ويبذلون في سبيل نشر العلم، فلهم جميعًا جزيل الشكر والعرفان، والدعاء من المولى الديان أن يتقبلهم ويجزل مثوبتهم.\nوإنَّ من آلاء الله عليَّ أنْ يسر لي عالمين جليلين تشنَّف الأسماع لالتقاط درر ألفاظهم، وتشغف الأفئدة لاقتطاف كنوز معانيهم، فالشُّكر موصول إلى الأساتذة أعضاء هيئة المناقشة: معالي الشيخ الأستاذ الدكتور سعد بن ناصر الشثري - المستشار بالديوان الملكي-، وفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور غازي بن مرشد العتيبي - عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى-؛، فبارك الله سعيهم، ونفع بنصحهم.\nوما أصعب امتطاء مركب تعداد المحاسن وأهلها! فمن وجب شكره يعجز حصرهم، ومن ذكر يقصر اللفظ بحقهم، وما يضرهم تغييب أسمائهم، وعدم إيفائهم حقهم، فإن الله علمهم، والْمُقَل حفظتهم، والمهج أناخت على ركابهم.\nفالله أسأل أن يجزيني وإياهم وقارئ هذا الكلمات خير الجزاء، وأن يوفقنا لما يحبّه ويرضاه.","vol":"1","page":26},{"text":"وفي الختام: الله أسأل بمنه وفضله، وجوده وكرمه، أن يتقبل مني ما كتبته، ويجعله خالصًا لوجهه الكريم، فهذا الجهد وعليه التكلان، فإن وفقت فيه إلى الصَّواب -وهو ما أنشد- فمن فضل الله عليّ، وإن كانت الأخرى فمني وأستغفر الله منه، وألتمس لنفسي عزاءً فعل الأسلاف من ختم مصنفاتهم بالاعتذار، وطلب حسن الاستدراك.\nوَمَا بِها من خَطأٍ ومن خَلَلْ ... أَذِنْتُ فِي إصلاحِه لمن فَعَلْ\nلكنْ بشرطِ العلمِ والإنصافِ ... فَذَا وذَا من أَجمَلِ الأوصَافِ (١)\n\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وأهل بيته الطيبين، وأصحابه المنتخبين، وتابعيهم بالإحسان إلى يوم الدين.\n\nالباحثة\nإيمان بنت سالم قبوس\nمكة المكرمة- ١٤٣٦ هـ\n_________\n(١) من نظم مرتقى الوصول إلى علم الأصول لابن عاصم (ت: ٨٢١ هـ). يُنظر: مرتقى الوصول إلى علم الأصول (ص: ٢٤).","vol":"1","page":27},{"text":"الفصل الأول","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الفصل الأول\nمبادئ الاستدراك الأصولي</span>.\nوفيه تمهيد، وتسعة مباحث:\n- تمهيد: المراد بالمبادئ.\n- المبحث الأول: حد الاستدراك الأصولي.\n- المبحث الثاني: موضوع الاستدراك الأصولي.\n- المبحث الثالث: حكم الاستدراك الأصولي.\n- المبحث الرابع: استمداد الاستدراك الأصولي.\n- المبحث الخامس: نسبة الاستدراك الأصولي.\n- المبحث السادس: فضل الاستدراك الأصولي.\n- المبحث السابع: الثمرة من الاستدراك الأصولي.\n- المبحث الثامن: الواضع للاستدراك الأصولي.\n- المبحث التاسع: مسائل الاستدراك الأصولي.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>تمهيد\nالمراد بالمبادئ</span>\nالمبادئ: جمع مبدأ، ومبدأ الشيء: أوله ومادته التي يتكون منها (١).\nومبادئ أي علم أو فن: قواعدهُ الأساسية التي يَقُوم عليها، ولا يخرج عنها (٢).\nوهي ليست مقصودًا بالذات؛ بل يتوقف عليه المقصود (٣)، فهي ليست من أجزاء العلم؛ لاشتمالها على حد العلم، وبيان غايته واستمداده، وليس هذا بشيء من أجزاء العلم (٤).\nوقد نظمها العلامة الصبان (٥)\nبقوله:\n_________\n(١) يُنظر: معجم مصطلحات أصول الفقه (ص: ٣٨٢).\n(٢) يُنظر: المعجم الوسيط (١/ ٧٢).\n(٣) يُنظر: بيان المختصر (١/ ١٢)؛ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (١/ ٢٣٩)؛ شرح العضد على مختصر المنتهى (١/ ٢٣).\n(٤) يُنظر: الردود والنقول (١/ ٩٢).\n(٥) هو: أبو العِرفان، محمد بن علي المصري الحنفي، المعروف بالصبان. من مصنفاته: إتحاف أهل الإسلام بما يتعلق بالمصطفى وأهل بيته الكرام\"، و\" حاشية على شرح الأشموني لألفية ابن مالك\"، و\"حاشية على شرح الملوي للسلم\"، (ت: ١٢٠٦ هـ).\nتُنظر ترجمته في: هدية العارفين (٦/ ٣٤٩)؛ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (٢/ ٣٤٧).\nيُنظر النظم في حاشيته على شرح شيخه الْمَلَّوِي على السُّلَّم المنورق (ص: ٣٥).\n\nوقد نظم هذه المبادئ أكثر من واحد؛ منهم: ابن ذكري في كتابه \"تحصيل المقاصد\" كما نقل ذلك ابن عابدين عنه في حاشيته (١/ ٣٦)؛ والمقري في إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة (ص: ٢٣ - ٢٧).","vol":"1","page":30},{"text":"إنّ مبادئ كلِّ فنٍ عشرهْ ... الحدُّ والموضوعُ ثم الثَّمرهْ\nونسبةٌ وفضلهُ والواضعْ ... الاسمُ الاستمدادُ حكمُ الشارعْ\nمسائلٌ، والبعضُ بالبعض اكتفى ... ومَنْ درى الجميعَ حاز الشرفا\n\nفهذه المبادئ العشرة بحسب ترتيبها المنطقي: الاسم، الحد، الموضوع، حكم الشارع، الاستمداد، النسبة، الفضل، الثمرة، الواضع، المسائل.\nووجه هذا الترتيب: أنك إذا أرادت أن تدرس أي علم فأول ما تبدأ به هو معرفة اسمه، فإذا عرفت اسمه فإنك بحاجة إلى تصور ماهية هذا العلم وحقيقته، فتحتاج إلى معرفة حده، ثم بعد ذلك تحتاج إلى أن تعرف ما الذي يتم بحثه في هذا العلم إجمالًا، وهذا هو موضوع العلم، فإذا تحقق ذلك ناسب أن تعرف حكم الشارع؛ وذلك لأن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصورهِ، فلا تنشغل بعلم مندوب قبل الواجب، أو فرض كفاية قبل فرض عين عليه، وبعد ذلك ينبغي أن تعرف إن كان هذا العلم يستمد بعض مسائله من علوم أخرى، وما هي هذه العلوم، وهذا ما يعرف باستمداد العلم، ويتعلق به الكلام على ما إذا كانت هنالك علوم أخرى تُستمد من هذا العلم، وهو ما يعرف بإمداد العلم، يلي ذلك معرفة موقع هذا العلم من العلوم الأخرى، ونسبته إلى الشرع أو غيره، وهذا ما يعرف بنسبة العلم، ثم بعد ذلك تحتاج إلى أن تعرف فضل هذا العلم وشرفه من بين سائر العلوم؛ فإن العلوم المنسوبة للشرع تتفاضل وإن كانت كلها فاضلة، ثم بعد ذلك تعرف ثمرة هذا العلم وفائدته؛ كي تتشوف نفسك إلى تعلمه، وتتشجع على دراسته، وتعقبها معرفة مَنْ أخرج هذا العلم من الصدور إلى السطور؛ بأن تعرف أول من ألف فيه، وهو ما يعرف بالكلام على الواضع.\nوأخيرًا وبعد أن تُتْقنَ المبادئ التسعة بقي عليك العاشر وهو أطولها: أن تدرس مسائله تفصيلًا، وهو الكلام على مسائل الفن (١).\n_________\n(١) ومما يجدر التنويه إليه: أن بعض طلبة العلم يعكس في أخذه بهذه المبادئ؛ فيبدأ بدراسة المسائل قبل أن يأخذ =","vol":"1","page":31},{"text":"فهذه هي المبادئ العشرة لأي علم، من علمها جميعًا فقد تصور العلم تصورًا جيدًا؛ مما يؤهله للدخول في دراسته دراسة متمكنة.\nوهذه المبادئ أشار إليها عدد من علماء الأصول (١) في مقدمة كتبهم؛ وفي مقدمتهم: إمام الحرمين الجويني (٢) إذ يقول: (حق على كل من يحاول الخوض في فن من فنون العلوم أن يحيط بالمقصود منه، وبالمواد التي منها يُستمد ذلك الفن، وبحقيقته، وفنه، وحدِّه، إن أمكنت عبارةٌ سديدة على صناعة الحد، وإن عَسُر فعليه أن يحاول الدَّرْك بمسلك التقاسيم، والغرض من ذلك: أن يكون الإقدام على تعلمه مع الحظ من العلم الجُملي بالعلم الذي يحاول الخوض فيه) (٣).\nوبتطبيق هذه المبادئ على \" الاستدراك الأصولي\" (٤) كمدخل له نستطيع أن نلم به إلمامًا جيدًا.\n_________\n= المبادئ التسعة السابقة، وهذا خطأ، فالواجب على طالب العلم أن يعرف المبادئ التسعة أولًا، ثم يشرع في دراسة المسائل.\n(١) كالآمدي، وصفي الدين الهندي، وابن مفلح، والزركشي، وابن عبدالشكور، وعبدالعلي الأنصاري. يُنظر بالترتيب المذكور: الإحكام للآمدي (١/ ١٩ - ٢٢)؛ نهاية الوصول (١/ ١٥ - ٢٧)؛ أصول ابن مفلح (١/ ١٠ - ١٨)؛ البحر المحيط (١/ ١٥ - ٣٢)؛ مسلم الثبوت وفواتح الرحموت (١/ ٨ - ١٢).\n(٢) هو: أبو المعالي، عبدالملك بن عبدالله بن يوسف بن محمد بن عبدالله الجويني، أحد كبار فقهاء الشافعية، وعلماء أصول الفقه، تفقه على والده وعلى القاضي الباقلاني. من مصنفاته: \"نهاية المطلب\" في الفقه، و\"البرهان\" في أصول الفقه، و\"الشامل\" في أصول الدين، (ت: ٤٧٨ هـ).\nتُنظر ترجمته في: العبر (٣/ ٢٩٣)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ١٦٥)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦).\n(٣) البرهان في أصول الفقه (١/ ٨٣).\n(٤) على الرغم من وفرة المجال التطبيقي للاستدراك الأصولي؛ إلا أنني لم أقف على دراسة تُؤصله كعلم قائم بنفسه، فتبين حدوده، وموضوعه، ومباحثه؛ لذلك رأيت الكتابة في هذا الموضوع بإقامة دعامة له ومحاولة إثبات مبادئه العشرة، وقوى عزمي في ذلك ما ذكره د. عبدالفتاح أبو غدة: \"أن فرط النضج في علم من =","vol":"1","page":32},{"text":"المبدأ الأول: الاسم؛ فما لا يُعرف اسمه لا يَحْسن طلبه، فاسم هذا الجزء من البحث الأصولي: \"الاستدراك الأصولي\" أو \"التعقيبات الأصولية\".\nوأما بقية المبادئ فسأذكرها في المباحث التالية.\n_________\n= العلوم لا يفضي إلى احتراقه؛ وإنما يفضي - في الغالب - إلى إفراد بعض مباحثه بالبحث، فإذا اتسع الأمر في مبحث منها صار فنًا مستقلًا بنفسه وإن كان متفرعًا عن غيره، وكثيرًا ما يكون الفن المتفرع من غيره واسع الأطراف جدًا \" لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث (ص: ٧٤).","vol":"1","page":33},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-15> المبحث الأول\nحد الاستدراك الأصولي</span>\nإن بيان حد أي علم يُعدُّ من الأمور المهمة عند العلماء، وقد أوْلَوْه عنايتهم، وجعلوه في أول مباحث كتبهم؛ وسبب ذلك يعود لأمرين:\nالأول: أن يكون الطالب على بصيرة فيما يطلبه (١)؛ وذلك لأن الخوض في أي علم من العلوم لا يكون إلا بعد تصوره، والتصور يستفاد من التعريفات (٢).\nالثاني: أن مَنْ عرف ما يطلبه هان عليه ما يبذله.\nإذا تقرر هذا فمصطلح الاستدراك الأصولي مركب من كلمتين: \"الاستدراك\" و\"الأصول\"، وقد جرت عادة العلماء في تعريف المركب بتعريف أجزائه التي تركب منها أولًا، ثم تعريفه باعتباره لقبًا على علم معين، وجريًا على عادة العلماء فإني سأعرفه أولًا باعتباره مفرديه، ثم باعتباره لقبًا لهذا الفن، فاقتضى ذلك جعل المبحث في مطلبين:\nالمطلب الأول: حد الاستدراك الأصولي باعتبار مفرديه.\nالمطلب الثاني: حد الاستدراك الأصولي باعتباره لقبًا.\n_________\n(١) يُنظر: الإحكام للآمدي (١/ ١٩).\n(٢) يُنظر: نهاية السول (١/ ٧)؛ شرح الأخضري على السلم المنورق (ص: ٢٨)؛ ضوابط المعرفة (ص ٢٤، ٥٩).","vol":"1","page":34},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-16>المطلب الأول\nحد الاستدراك الأصولي باعتبار مفرديه</span>\nالمراد بمفرديه: جزآه؛ وهما: كلمة \"استدراك\"، وكلمة \"أصول\".\nأما الاستدراك في اللغة فالبحث فيه يتطلب ثلاثة جوانب؛ وهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>أولًا: الجانب الاشتقاقي: </span>فالاستدراك: مصدر من الفعل الثلاثي \"دَرَكَ\"، وأرجعَ ابن فارس (١) مادة الكلمة (الدال والراء والكاف) إلى أصلٍ واحد؛ وهو: لُحوق الشيء بالشيء، ووصوله إليه، يُقال: أدْرَكْتُ الشَّيء أُدْرِكُه إدراكًا. (٢)\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>ثانيًا: جانب المعنى اللغوي: </span>ذكرت المعاجم لجذر \"دَرَكَ\" معاني ومدلولات متعددة ومختلفة أذكر منها ما يناسب المقصود في هذا المقام:\n١ - التَّبَع والتَّتابعُ والاتباع، ومنه: سميت التَّبِعة بالدَّرَك -ضمان الدَّرَك-، فيقال: ما لَحِقَكَ من دَرَك فعليَّ خلاصه. ودارك فلان الشيء: اتبع بعضهُ على بعض، ودَرَّك المطر: تابع قطره. (٣)\n٢ - بلوغ الشيء حده ومنتهاه وغايته، ومنه: أدرك الغلام والجارية: إذا بلَغَا،\n_________\n(١) هو: أبو الحسين، أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب، اللغوي، أحد علماء خراسان، كان نحويًا على طريقة الكوفيين، وغلب عليه علم الفقه ولسان العرب، فشهر به، كان شافعيًا ثم تحول مالكيًا. من مصنفاته: \"كتاب غريب إعراب القرآن\"، و\"فقه اللغة\"، و\"مقاييس اللغة\"، قيل عن هذا الكتاب: كتاب جليل لم يصنف مثله، (ت: ٣٩٥ هـ).\nتُنظر ترجمته في: ترتيب المدارك وتقريب المسالك (٢/ ٢٢٠)؛ معجم الأدباء (١/ ٥٣٣)؛ بغية الوعاة (١/ ٣٥٢).\n(٢) يُنظر: مقاييس اللغة (٣/ ٢٦٩).\n(٣) يُنظر: الصحاح (ص: ٣٤٠)؛ لسان العرب (٥/ ٢٤٨)؛ المصباح المنير (١/ ١٩٢)؛ القاموس المحيط (ص: ٩٣٨)؛ أقرب الموارد (١/ ٣٣٠) مادة: (درك).","vol":"1","page":35},{"text":"وأدرك الثمر: إذا نضج. (١)\n٣ - الاطلاع على حقيقة الشيء، ومنه: أدركته ببصري: أي رأيته، وأدركت المسألة: علِمتُها (٢)، ومنه قوله تعالى: (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) [الأنعام: ١٠٣] (٣).\n٤ - التلافي والإصلاح (٤)، ومنه قول زهير (٥):\nتَدَاركْتُما عَبْسًا وذُبْيانَ بَعْدَما ... تَفَانَوا وَدقوا بَيْنَهم عِطَر مَنْشَمِ (٦)\nأي: تلافيتما أمر عبسٍ وذبيان بالصلح بعد ما تفانوا بالحرب (٧).\n_________\n(١) يُنظر: يُنظر: الصحاح (ص: ٣٤٠)؛ لسان العرب (٥/ ٢٤٨)؛ المصباح المنير (١/ ١٩٢)؛ القاموس المحيط (ص: ٩٣٨)؛ أقرب الموارد (١/ ٣٣٠) مادة: (درك).\n(٢) يُنظر: الصحاح (ص: ٣٤٠)؛ أقرب الموارد (١/ ٣٣٠)؛ قطر المحيط (١/ ٦٢٤)؛ المعجم الوسيط (ص: ٢٨١) مادة: (درك).\n(٣) يُنظر: تفسير الطبري (٧/ ٢٩٩)؛ أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٦٩)؛ تفسير البحر المحيط (٤/ ١٩٨).\n(٤) يُنظر: أقرب الموارد (١/ ٣٣٠)؛ قطر المحيط (١/ ٦٢٣) مادة: (درك).\n(٥) هو: زهير بن أبي سُلمى ربيعة بن رياح المزني، من بني مزينة؛ ولكنه أقام عند بني غطفان؛ لأنه تزوج امرأة منهم، وقيل: إنه غادر قومه لخلاف وقع بينه وبينهم، وهو من عائلة يحيط به الشعر من جميع أطرافه، وكان له ابنان شاعران؛ هما: بجير، وكعب أدركا الإسلام. قيل عنه: كان ينظم القصيدة في شهر، وينقحها ويهذبها في سنة، فعرفت قصائده بـ \"الحوليات\"، (ت: ١٤ قبل الهجرة).\nتُنظر ترجمته في: طبقات فحول الشعراء (١/ ٥١)؛ الشعر والشعراء (ص: ١٣٧)؛ الأعلام (٣/ ٥٢).\n(٦) هذا البيت من معلقته التي مطلعها: أَمِنْ أمِّ أَوفَى دِمْنَةٌ لم تَكلَّمِ ...، وقالها في مدح الحارث بن عوف بن أبي حارثة، وهرم بن سنان، وذكر سعيهما بالصلح بين عبس وذبيان. يُنظر: شرح ديوان زهير بن أبي سلمى المزني للشمنتري (ص: ٦)؛ شرح المعلقات العشر للزوزني (ص: ١٤٠)؛ شرح المعلقات العشر وأخبار شعرائها (ص: ٨٠)؛ شرح ديوان زهير بن أبي سلمى للأستاذ حسن فاعور (ص: ١٠٦).\n(٧) يُنظر: المراجع السابقة.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>ثالثًا: الجانب الصرفي:</span>\nالجانب الصرفي لمادة \"دَرَكَ\" يأتي على عدة أوزان لازمة ومتعدية (١)، والذي يناسب ما نحن بصدده من تقرير هو المعنى المتعدي، فتقول: استدرك كذا بكذا واستدرك عليه كذا.\nومن الأوزان المتعدية لمادة \"درك\": افتعل، تفاعل، استفعل، فأدْرك الشيء وتداركه واستدركه بمعنى واحد؛ وهو: لحقه ووصل إليه. (٢)\nولكل وزن معانٍ متعددة أذكر منها ما يناسب ويضيف فائدة للمعنى:\n١ - وزن \"افْتَعَلَ\"، ومنه ادَّرَك، واشتهر في هذا الوزن ستة معان، وما يناسب البحث:\n- الاجتهاد والطلب: فالمستدرِك اجتهد وطلب الصواب ليُظهره في المستدرك فيه. (٣)\n- الإظهار: فالمستدرِك يظهر بالمستدرك به الصواب، فيُكمل نقصًا كان مخفيًا، ويظهر إيضاحًا من قول مبهم ونحو ذلك مما يُظهره المستدرِك بالعملية الاستدراكية. (٤)\n٢ - وزن \"تَفَاعَلَ\"، ومنه تدارك، واشتهر فيه أربعة معان، وما يناسب البحث:\n- مطاوعة فاعل: داركته فتدارك (٥)، ويأتي \"تدارك\" بمعنى الطلب (٦).\n_________\n(١) يُنظر: تهذيب اللغة (١٠/ ١٣٣)؛ لسان العرب (٥/ ٢٤٩)؛ تاج العروس (٢٧/ ١٤٠) مادة: (درك)؛ ويُنظر كذلك: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص: ٢٧٦).\n(٢) يُنظر: تهذيب اللغة (١٠/ ١١٣)؛ أقرب الموارد (١/ ٣٣٠) مادة: (درك).\n(٣) شذا العرف في فن الصرف (ص: ٢٥)؛ دروس التصريف (ص: ٧٧).\n(٤) يُنظر: شذا العرف في فن الصرف (ص: ٢٥).\n(٥) يُنظر: شذا العرف في فن الصرف (ص: ٢٦)؛ دروس التصريف (ص: ٨٠).\n(٦) يُنظر: أقرب الموارد (١/ ٣٣٠).","vol":"1","page":37},{"text":"٣ - وزن \"استَفْعَلَ\"، ومنه استدرك، اشتهر فيه ستة معان، وما يناسب البحث:\n- الطلب، والطلب في \"استَفْعَلَ\" طلب حقيقي ومجازي، والمراد به هنا الطلب المجازي؛ كقولك: استدركت المسألة، أو استدركت القول، وسميت الممارسة والاجتهاد في الحصول عليه طلبًا؛ حيث لا يمكن الطلب الحقيقي. (١)\n- مُطاوعة \"أفعل\": أدركته فاستدرك. (٢)\nهذا حاصل ما يُقال في معنى الاستدراك لغة.\nأما الاستدراك اصطلاحًا:\nفقد عرف بعدة تعريفات، يمكن إرجاعها إلى منهجين:\nالأول: تعريف الاستدراك مصطلح عام.\nالثاني: تعريف الاستدراك مصطلح خاص بعلم معين.\nولما كان العلم بالخاص موقوفًا على العلم بالعام (٣)؛ ناسب أن أبدأ بذكر تعريف الاستدراك مصطلح عام، وله عدة تعريفات:\nالتعريف الأول: رفع توهُّمٍ تولَّد من كلام سابق (٤).\nالتعريف الثاني: تعقيب الكلام برفع ما يوهم ثبوته (٥).\nويلحظ على هذين التعريفين أنهما غير جامعين؛ حيثُ قصرا موضوع الاستدراك على الكلام، وذكرا سببًا من أسباب الاستدراك؛ وهو: رفع التوهم، في حين أن\n_________\n(١) يُنظر: شذا العرف في فن الصرف (ص: ٢٧)؛ دروس التصريف (ص: ٨٣).\n(٢) يُنظر: دروس التصريف (ص: ٨٣).\n(٣) يُنظر: شرح الشمسية في المنطق للتفتازاني (ص: ١١٣)؛ شرح الكوكب المنير (١/ ٣٣).\n(٤) التعريفات (ص: ٣٤)؛ وبنحوه في الكليات (١/ ١٧٥)؛ دستور العلماء (ص: ٧٧).\n(٥) التوقيف على مهمات التعاريف (ص: ٥٦).","vol":"1","page":38},{"text":"الاستدراك له أسباب أخرى كما سيأتي بيانها.\nالتعريف الثالث: تعقيب اللفظ بما يشعر بخلافه (١).\nوهذا التعريف أيضًا غير جامع؛ لأنه قصر موضوع الاستدراك على اللفظ. وأشار إلى سبب الاستدراك؛ وهو: الخلاف والتغايير في اللفظ، في حين أن موضوع الاستدراك يشمل اللفظ وغيره كما سيأتي.\nالتعريف الرابع: ما ذكره أهل العلم -بطلب أو بدون طلب- مخالفة للطعن في رأي المخالف (٢).\nوهذا التعريف أيضًا غير جامع؛ لأنه قصر موضوع الاستدراك على الاستدراك العلمي -وإن كان هو المقصود في البحوث العلمية إلا أن المراد تعريف الاستدراك مصطلح عام-، وأشار إلى سبب الاستدراك؛ وهو: الخلاف والتغاير في الرأي.\nالتعريف الخامس: إتباع القول الأول بقول ثانٍ يُصلح خطأه، أو يكمل نقصه، أو يُزيل عنه لَبسًا (٣).\nالتعريف السادس: إصلاح خطأ، أو إكمال نقص، أو إزالة لبس وقع فيه الغير؛ بغية الوصول إلى الصواب (٤).\nوالتعريف الخامس والسادس ذكرا عددًا من أسباب الاستدراك؛ وهي: إصلاح خطأ، إكمال نقص، إزالة لبس.\nوموضوع الاستدراك في التعريف الخامس خاص بالأقوال، فهو غير جامع.\n_________\n(١) المطلع على أبواب المقنع (ص: ٤١٦).\n(٢) استدراكات الإمام القرطبي على ابن العربي في التفسير (ص: ١٦).\n(٣) استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى دراسة نقدية مقارنة (ص: ١٦).\n(٤) كشف الغطاء عن استدراكات الصحابة النبلاء - ﵃ - بعضهم على بعض من خلال الكتب الستة جمعًا ودراسة (ص: ٤).","vol":"1","page":39},{"text":"وأما التعريف السادس فموضوع الاستدراك فيه عام من وجه وخاص من وجه، فهو عام للأقوال والأفعال؛ حيثُ عبر بـ\"وقع فيه الغير\"، وخاص من جهة المستدرِك، فهو يفيد كون المستدرِك غير المستدرك عليه، وهذا القيد ليس بلازم؛ إذ قد يكون المُستدرِك هو نفسه المُستدرَك عليه، فاللغة والواقع لا يمنعان ذلك.\nأما اللغة فكقول القائل: استدركت ما فات وتداركته (١)، وتدارك الخطأ بالصواب، والذنب بالتوبة (٢).\nوأما الواقع الشرعي: فإن المسلم يستدرك الخلل الواقع في صلاته بسجود السهو، ويستدرك كذلك الخلل في الحج بالفدية، ونحو ذلك.\nوكذلك الواقع العلمي لا ينافي كون المستدرِك نفس المستدرَك عليه، فكثيرًا ما تجد عالمًا يستدرك على قولٍ سابقٍ له. (٣)\nالتعريف السابع: عملية يقوم بها شخص تكون مكملة لنشاط قام به غيره في المجال نفسه (٤).\nوموضوع الاستدراك في هذا التعريف عام في الأقوال والأفعال؛ حيث عبرَ بـ\"قام به غيره\"، وخاص بتكميل نشاط في المجال نفسه، وبالتالي تكميل النشاط في التعريف يكون في الأقوال والأفعال في المجال نفسه.\nوخاص أيضًا من جهة المستدرِك، فهو يفيد كون المستدرِك غير المستدرك عليه، وهذا القيد ليس بلازم -كما ذكرت سابقًا-.\n_________\n(١) يُنظر: الصحاح (ص: ٣٤٠)؛ المصباح المنير (١/ ١٩٣) مادة: (درك).\n(٢) يُنظر: المعجم الوسيط (ص: ٢٨١).\n(٣) وسأذكر لك نماذج من استدراك علماء الأصول على أنفسهم في الفصل الثالث (ص: ٣٣٨)\n(٤) قراءة في استدراكات أم المؤمنين عائشة على روايات الصحابة، (ص: ١٩١)، بحث منشور في مجلة إسلامية المعرفة للباحثة ليلى رامي، السنة العاشرة، العدد ٣٩.","vol":"1","page":40},{"text":"ويظهر لي أن عبارة (مكملة لنشاط) يُراد بها إتمام النقص؛ لأن التكميل والإكمال هو: الإتمام (١)، فهو قد أتى بنشاط ولكنه ناقص يحتاج لإتمام؛ بيد أن تكميل النقص لا يكون دائمًا استدراكًا؛ كوفاة المصنف قبل تمام تصنيفه، فإكماله من مصنف آخر لا يعد استدراكًا؛ فمثلًا: كتاب \"الإبهاج شرح المنهاج\" صنفه علي بن عبدالكافي السبكي (٢) في شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول للقاضي عبدالله بن عمر البيضاوي (٣)؛ ولكن المنية وافته قبل إتمام الكتاب؛ حيثُ وصل فيه إلى \"مقدمة الواجب\" (٤)، فأكمله ولده تاج الدين عبدالوهاب السبكي؛ حيث قال: \" ... وقد وصل والدي الشيخ الإمام - جزاه الله الخير- إلى مسألة: مقدمة الواجب، ونحن نتلوه والله الموفق المعين بخفي ألطافه، والمحقق لرجاء العبد بإسعاده وإسعافه\" (٥). فإكمال التاج السبكي لشرح المنهاج لا يُعد استدراكًا على والده.\nوإذا تقرر هذا فينبغي تقييد الإكمال في الاستدراك إذا كان الإتمام متعلقًا بالمستدرك فيه، فالإكمال في المصنفات العلمية إذا كان لذات عبارة المصنف؛\n_________\n(١) يُنظر: الصحاح (ص: ٩٢٤)؛ المصباح المنير (٢/ ٥٤١)؛ القاموس المحيط (ص: ١٠٥٤) مادة: (كمل).\n(٢) هو: علي بن عبدالكافي بن علي السبكي، تقي الدين، شيخ الإسلام، كان متكلمًا فقيهًا أصوليًا ومحدثًا ومفسرًا، من أهم مصنفاته: \"أول الإبهاج في شرح المنهاج\"، \"الدرر النظيم في تفسير القرآن العظيم\"، (ت: ٧٥٦ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: معجم المحدثين (ص: ١٦٦)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (١٠/ ١٣٩)؛ بغية الوعاء (٢/ ١٧٦).\n(٣) هو: أبو الخير، عبدالله بن عمر بن محمد البيضاوي، ناصر الدين، كان إمامًا عابدًا، تولى قضاء شيراز، تفوق في الأصول والفقه، وجمع بين المعقول والمنقول. من مصنفاته: \"أنوار التنزيل\"، \" شرح المطالع\"، \" منهاج الوصول إلى علم الأصول\". وأثنى العلماء على كتابه \" المنهاج \" فقالوا: لو لم يكن له غير المنهاج لكفاه، (ت: ٦٨٥ هـ) بتبريز.\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٢٧٣)؛ بغية الوعاة (٢/ ٥٠)؛ طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٢٤٨).\n(٤) يُنظر: الإبهاج شرج المنهاج (٢/ ٢٨٨).\n(٥) الإبهاج شرح المنهاج (٢/ ٣٠١).","vol":"1","page":41},{"text":"كتكميل النقص في الأقوال والمذاهب التي اقتصر المصنف على البعض منها؛ سمي استدراكًا، أما إذا كان تكميل شيء لم يذكره المصنف فهذا لا يسمى استدراكًا.\nالتعريف الثامن: تلافي خلل واقع أو مقدر؛ لإنشاء نفعٍ أو تكميله في نظر المتلافي (١).\nفكلمة: \"تلافي\" غير جامع؛ لأن الاستدراك لا يشترط فيه التلافي، فقد يكون كذلك، وقد لا يكون؛ كالاستدراك النقدي (٢)، والاستدراك لإضعاف دليل الخصم ببيان خطئه (٣) وتخليطه ومغالطته.\nموضوع الاستدراك في التعريف: \"الخلل الواقع أو المقدر\"؛ فهو عام في الأقوال والأفعال الواقعة والمقدرة؛ ولكن لفظة \"الخلل\" لا أرها مناسبة في تعريف الاستدراك كمصطلح عام يشمل جميع العلوم؛ لأن الاستدراك بمعناه البلاغي ثبت في القرآن والسنة فلا يليق تعريف الاستدراك كمصطلح عام بأنه \"تلافي خلل\"، فالاستدراك\n_________\n(١) الاستدراك الفقهي تأصيلًا وتطبيقًا (ص: ٤٠).\n(٢) والباحثة في موضوع الاستدارك الفقهي ترى أن الاستدراك إصلاح وتلافٍ يقتضي وجود نقد قبله، أما النقد فلا يقتضي تلافيًا في ذاته وإن كان ينبغي أن يكون هدفًا له، وعليه فكل استدراك يلزم نقد، ولا يلزم من النقد استدراك، فالنقد خطوة سابقة للاستدراك، ولازمة له، ولا يلزم من النقد أن يلحقه استدراك. (ص: ٥٢).\nوأرى أن كل نقد يلزم استدراكًا؛ وليس كل استدراك يلزم نقدًا، فالاستدراك خطوة سابقة للنقد، وهذا ما يؤكده المعنى اللغوي؛ فإن الاستدراك معناه: اللحوق والتتبع والتعقيب، والنقد بمعنى: ناقش، يقال: نقدت فلانًا إذا ناقشته في الأمر. ويأتي أيضًا بمعنى إبراز المعايب؛ وهذا لا يكون إلا بعد التتبع للقول المراد نقده. فكل نقد فيه تتبع وتعقيب؛ وليس كل استدراك فيه نقد. يُنظر: لسان العرب (١٤/ ٣٣٤)؛ تاج العروس (٩/ ٢٣٤ - ٢٣٥)؛ المعجم الوسيط (ص: ٩٤٤) مادة: (نقد). وبالمثال يتضح المراد، فكتاب \" المستدرك على الصحيحين \" للحاكم النيسابوري استدرك فيه ما فات البخاري ومسلمًا من الأحاديث الصحيحة، فتتبع ذلك وأثبته، ولا يقال إنه نقدهما. فمصطلح (الاستدراك) أعم من مصطلح (النقد)، فكل نقد استدراك؛ وليس العكس - والله أعلم -.\n(٣) ومن ذلك: استدرك عليه قوله: خطّأه، فهو مستدرك عليه. يُنظر: أقرب الموارد (١/ ٣٣٠) مادة: (درك).","vol":"1","page":42},{"text":"يستخدمه العرب كمحسن بلاغي (١).\nكما أن تقييد موضوع الاستدراك بالخلل يخرج الاستدراك بصيغة (أفعل) للتفضيل؛ كقولهم: الأصوب، الأرجح، الأولى.\nوقولها: \"في نظر المتلافي\" هذا القيد غير لازم؛ لأن المستدرِك قد يستدرك على المستدرَك عليه بلازم له في مذهبه وهو لا يرى ذلك اللازم، بعبارة أخرى: الخصم قد يستدرك على المستدل في دليله بلازم مذهبه -أي مذهب المستدل-، فإن نفى المستدل هذا اللازم انتفى مذهبه؛ لأن انتفاء اللازم انتفاء للملزوم، في حين أن هذا اللازم لو نفاه الخصم لا يترتب عليه شيء؛ لأنه ليس بلازم في مذهب الخصم، وبعبارة الباحثة هذا اللازم خلل للمستدل، وليس بخلل للخصم، وبالتالي ثبت أن تلافي الخلل لا يشترط فيه نظر المتلافي؛ لأن المتلافي هنا الخصم.\nكما أن صور الاستدراك الفقهي في العبادات التلافي فيها ليس من نظر المتلافي؛ بل من نظر الشارع؛ فمثلًا: سجود السهو والفدية والكفارات استدراك في نظر الشارع؛ وليس من نظر المتلافي.\n_________\n(١) ومن ذلك: قول زهير: أخو ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يُهلك المالَ نائلُه\nفلو اقتصر زهير في بيته على صدر البيت لدل على أن ماله موفور ولأوهم البخل وهي صفة ذم؛ ولكنه استدرك ما يزيل هذا الاحتمال ويخلص الكلام للمدح بالشطر الثاني. يُنظر: عقود الجمان (ص: ١٣٢)؛ معجم المصطلحات البلاغية (١/ ١٢٥).\nودليل وقوع الاستدراك كمحسن بلاغي في القرآن قول السيوطي - ﵀ -: \"الاستدراك والاستثناء شرط كونهما من البديع: أن يتضمَّنا ضربًا من المحاسن زائدًا على ما يدلُّ عليه المعنى اللُّغوي؛ مثال الاستدراك: ﴿* قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]؛ فإنه لو اقتصر على قوله: ﴿لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾ لكان منفرًا لهم؛ لأنهم ظنوا الإقرار بالشهادتين من غير اعتقاد إيمانًا، فأوجبت البلاغة ذكر الاستدراك لِيُعلمَ أن الإيمان موافقة القلب واللسان، وأن انفراد اللسان بذلك يُسمَّى إسلامًا؛ ولا يُسمَّى إيمانًا، وزاد ذلك إيضاحًا بقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، فلما تضمن الاستدراك إيضاح ما عليه ظاهر الكلام من الإشكال عُدَّ من المحاسن\". الإتقان في علوم القرآن (٥/ ١٧٤٦).","vol":"1","page":43},{"text":"المنهج الثاني: تعريف الاستدراك كمصطلح خاص بعلم معين:\nتعريفه عند النحويين:\nرفع التوهم المتولد من كلام سابق بلفظة (لكنّ) أو (لكنْ) أو (على) أو ما يقوم مقامها من أدوات الاستثناء (١). (٢)\nتعريفه عند البلاغيين:\nرفع توهم يتولد من الكلام السابق رفعًا شبيهًا بالاستثناء؛ وهو معنى (لكن)، على أن تكون هناك نكته طريفة لتحسنه وتدخله في البديع؛ وإلا فلا يُعد منه (٣).\nوقيل: هو العود على الكلام السابق بالنقض (٤).\nوبعض علماء البلاغة يسمي هذا النوع من البديع بالرجوع (٥)، ومنهم من يطلق عليه الاسمين-الاستدراك والرجوع- (٦)، ومنهم من يجمع بين الاستدراك والاستثناء ويذكر الفرق بينهما (٧).\n_________\n(١) موسوعة النحو والصرف والإعراب (ص: ٤٧)؛ وبنحوه في: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (١/ ١٥٠).\n(٢) يُنظر: مغني اللبيب (١/ ٣٨٣)؛ الجنى الداني (ص: ١٠٥)؛ رصف المباني (ص: ٢٧٤ - ٢٧٨).\n(٣) يُنظر: معجم المصلحات البلاغية (١/ ١٢٤).\n(٤) كأن يثبت المنفي، أو ينفي المثبت؛ لنكتة تزيد المعنى حسنًا. يُنظر: كتاب الصناعتين (ص: ٣٩٥)؛ القول البديع في علم البديع (ص: ١٣٠).\n(٥) كابن المعتز في البديع (ص: ٦٠)؛ والعسكري في كتاب الصناعتين (ص: ٣٩٥)؛ والشيخ مرعي الحنبلي في القول البديع (ص: ١٣٠).\n(٦) كالتبريزي في الوافي (ص: ٢٨٠)؛ وابن المصري في بديع القرآن (ص: ١١٧)؛ وفي تحرير التحبير (ص: ٣٣١).\n(٧) كابن الأثير في جوهر الكنز (ص: ٢٤٧)؛ والسيوطي في معترك الأقران (١/ ٣٩٠)؛ والإتقان (٢/ ٨٨)؛ إلا أن السيوطي فصل بينهما - أي الاستدراك والاستثناء- في شرح عقود الجمان (ص: ١٣٢).","vol":"1","page":44},{"text":"تعريفه عند الأصوليين (١):\nرفع التوهم الناشئ من الكلام السابق (٢).\nوقيل أيضًا في حده: أنْ تنسب لما بعد \"لكن\" حكمًا مخالفًا لحكم ما قبلها، ولذلك لا بد أن يتقدمها كلام مناقض لما بعدها (٣).\nتعريفه عند الفقهاء:\nإصلاح ما حصل في القول أو العمل من خلل، أو قصور، أو فوات (٤).\nويُلاحظ من التعريف السابق أن الاستدراك عند الفقهاء على قسمين: قولي وعملي.\n•فالاستدراك العملي يذكره الفقهاء في باب العبادات، وله عدة صور؛ كاستدراك القضاء والإعادة والفدية والكفارة وسجود السهو (٥).\nومن أمثلة ذلك ما جاء في البحر الرائق (٦):\n\"فالحاصلُ أَنَّ قولهم: إنَّ الْمُعتَمِرَ يُعِيدُ الطَّواف مَحَلُّهُ ما إذا لم يكن قَارِنًا، أَمَّا في الْقَارِنِ إذا دخل يوم النَّحرِ فلا إعادة،\n_________\n(١) يذكر الأصوليون الاستدراك عند حديثهم عن معاني الحروف -حرف لكن -. يُنظر: قواطع الأدلة (١/ ٥٩)؛ أصول السرخسي (١/ ٢٢١)؛ شرح الكوكب المنير (١/ ٢٦٦).\n(٢) مثل: ما جاءني زيد لكن عمرو. يُنظر: البحر المحيط (١/ ٣٠٥)؛ كشف الأسرار للنسفي (١/ ٣٠٥)؛ مسلم الثبوت وشرحه فواتح الرحموت (١/ ٢٣٧).\n(٣) التحبير شرح التحرير (١/ ٦٦٥)؛ شرح الكوكب المنير (١/ ٢٦٦).\n(٤) الموسوعة الفقهية الكويتية (٣/ ٢٦٩) مادة: \"استدراك\".\n(٥) يُنظر وسائل استدراك النقص في العبادة بالأمثلة في: الموسوعة الفقهية الكويتية (١/ ٢٧٥).\n(٦) (٣/ ٢٤).","vol":"1","page":45},{"text":"وعلَّل له مُحَمَّدٌ (١) كما نَقَلَهُ ابن بَدَّارٍ (٢) في شرح الجامع الصغير بأنه لو أعاده لانتقضت عمرته؛ لأنه يصير رَافِضًا لها بالوقوف وقد تأكَّدت، فلا يمكن استدراك النَّقص بجنسه فيُجبَرُ بالدَّمِ\" (٣).\nوما جاء أيضًا في شرح منتهى الإرادات (٤): \"فصلٌ: ومَنْ ترك ركنًا غير تكبيرة الإحرام سهوًا؛ كركوع، أو سجود، أو رفع من أحدهما، أو طمأنينة، فذكره - أي الركن المتروك- بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى غير التي تركه منها؛ بطلت الركعة التي تركه منها وقامت التي تليها مقامها؛ لأنه لا يمكنه استدراك المتروك؛ لتلبسه بفرض قراءة الركعة الأخرى، فلغت ركعته\".\n• وأما الاستدراك القولي فيذكره الفقهاء في باب المعاملات والأحوال الشخصية والعقوبات.\nفنجدهم في هذه الأبواب يذكرون لفظ (استدراك المكلف) وأثر استدراكه على\n_________\n(١) هو: أبو عبدالله، محمد بن الحسن بن فَرْقَد الشيباني بالولاء، صاحب الإمام أبي حنيفة، وناشر مذهبه، وأخذ أيضًا عن الثوري، والأوزاعي، ومالك، وأخذ عنه الشافعي، إمام في الفقه والأصول، له مصنفات جليلة أعتنى بها الحنفية منها: \"المبسوط\"، و\" الجامع الصغير\"، و\" الزيادات\"، (ت: ١٨٩ هـ).\nتُنظر ترجمته في: أخبار أبي حنيفة وأصحابه (ص: ١٢٥)؛ الانتقاء في فضائل الأئمة الفقهاء (ص: ١٧٥)؛ تاج التراجم (ص: ٢٣٧).\n(٢) لم أقف له على ترجمة.\n(٣) توضيح المسألة: أن المحرم عند الحنفية إذا طاف لعمرته محدثًا ولم يعدها حتى رجع إلى بلده لازمته شاه؛ لترك الطهارة في طواف الفرض، فيجبر هذا النقص بالدم، أما لو كان بمكة فيعيد الطواف. وإعادة الطواف في حالة لو كانت هذه العمرة ليست عمرة المحرم بالحج قارن؛ أما القارن إذا أحرم بالطواف لعمرته وهو محدث؛ يعيد طواف العمرة قبل يوم النحر، ولا شيء عليه؛ لجبر الطواف بجنسه في وقته، فإن لم يعيد الطواف حتى طلع فجر يوم النحر لزمه دم لفوات وقت القضاء؛ وذلك لأنه لو أعاد عمرته بعد الوقوف بعرفة أصبح رافضًا لها؛ لأنه أدخل العمرة على الحج، والقارن يدخل الحج على العمرة.\n(٤) (١/ ٢٢٦)، ومثله في مطالب أولي النهى (١/ ٥٢١).","vol":"1","page":46},{"text":"عقده؛ ومن أمثلة ذلك ما ذكره السَرَخْسِي (١): \"ولو قال: مئة درهم؛ لا بل مائتان؛ في القياس يلزمه ثلاثمائة، وبه قال زفر (٢) - ﵀ -. وفي الاستحسان يلزمه مائة درهم.\nوجه القياس: أن كلمة (لا بل) لاستدراك الغلط بالرجوع عن الأول وإقامة الثاني مقام الأول، فرجوعه عن الإقرار بالمائة باطل، وإقراره بالمائتين على وجه الإقامة مقام الأول صحيح، فيلزمه المالان؛ كما لو قال: له علي مائة درهم؛ لا بل مائة دينار، أو قال لامرأته: أنت طالق واحدة؛ لا بل اثنين، يقع ثلاث تطليقات.\nوجه الاستحسان: أن الإقرار إخبار، والغلط يتمكن في الخبر، والظاهر أن مراده بذكر المال الثاني استدراك الغلط بالزيادة على المال الأول؛ لا ضم الثاني إلى الأول .... \" (٣).\nوقال المرداوي (٤): \"قوله: وإِنْ قال: غصبت هذا العبد من زيد؛ لا بل من\n_________\n(١) هو: أبو بكر، محمد بن أحمد بن سهل السرخسي، يلقب بشمس الأئمة، كان فقهيًا أصوليًا مجتهدًا، سجن في جب بأوزجند بسبب نصيحة لبعض الأمراء، فأملى\" المبسوط \" من خاطره وهو في السجن وأصحابه في أعلى الجب. من مصنفاته: \"المبسوط\"، \" شرح السير الكبير \" وكلاهما في الفقه، \" أصول الفقه \" واشتهر باسم \" أصول السرخسي\"، (ت: ٤٨٣ هـ)، وقيل غير ذلك.\nتُنظر ترجمته في: الجواهر المضيئة (٣/ ٧٨)؛ تاج التراجم (ص: ٢٣٤ - ٢٣٥)؛ الفوائد البهية (ص: ٢٠٦ - ٢٠٧).\n(٢) هو: أبو الهذيل، زفر بن الهذيل بن قيس العنبري، كانت ولادته عام (١١٠ هـ)، فقيه كبير من أصحاب أبي حنيفة، ولي القضاء بالبصرة، وتوفي بها سنة (١٥٨ هـ).\nتُنظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص: ١٤١)؛ تاريخ أصبهان (١/ ٣٧٣)؛ تاج التراجم (ص: ١٦٩).\n(٣) المبسوط (١٨/ ٩).\n(٤) هو: أبو الحسن، علي بن سليمان بن أحمد المرداوي، العلامة المحقق، شيخ المذهب، وإمامه، ومصححه، ومنقحه، صنف التصانيف الكثيرة منها؛ \" الإنصاف\"، و\" التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع\"، و\" التحبير شرح التحرير\" في أصول الفقه، (ت: ٨٨٥ هـ).\nتُنظر ترجمته في: مختصر طبقات الحنابلة (ص: ٧٦)؛ شذرات الذهب (٧/ ٣٤٠).","vol":"1","page":47},{"text":"عمرو، أو ملكه لعمرو وغصبته من زيد؛ لا بل من عمرو؛ لزمه دفعه إلى زيد ويغرم قيمته لعمرو على الصَّحيح من المذهب .... وقيل: لا إقرار مع استدراك متصل، واختاره الشيخ تَقِيُّ الدِّينِ (١) - ﵀ -، وهو الصواب\" (٢).\nوقال المَاوَرْدِيُّ (٣): \"فأما إن قال: لا والله، وبلى والله، فجمع بينهما؛ كان الأول لغوًا؛ لأنها غير مقصودة، وكانت الثانية منعقدة؛ لأنها استدراك فصارت مقصودة\" (٤).\nوأيضًا جاء في تعريف الاستدراك الفقهي: أنه تلافي خلل واقع أو مقدر بعمل فقهي؛ لإنشاء نفعٍ أو تكميله في نظر المتلافي (٥).\n_________\n(١) هو: أبو العباس، أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن عبدالله النميري الحراني ثم الدمشقي، الإمام الحافظ المجتهد شيخ الإسلام، أفتى ودرس وهو دون العشرين؛ من أهم مصنفاته: \"اقتضاء الصراط المستقيم\"، و\"العقيدة الواسطية\"، و\"منهاج السنة\" وغيرها كثير، (ت: ٧٢٨ هـ) معتقلًا بقلعة دمشق.\nتُنظر ترجمته في: الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٨٧)؛ تذكرة الحفاظ (٢/ ١٤٩٦)؛ الأعلام (١/ ١٤٠ - ١٤١).\n(٢) الإنصاف (١٢/ ١٩٧).\n(٣) هو: أبو الحسن، علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري، شيخ الشافعية، تفقه على أبي حامد الإسفراييني، وحدث عنه أبو بكر الخطيب. له مصنفات كثيرة في الفقه، والتفسير، والأصول، والأدب، ولي القضاء ببلاد كثيرة، ودرس بالبصرة وبغداد سنين. من مصنفاته: \"الأحكام السلطانية\"، و\" الإقناع\"، و\"الحاوي\"، (ت: ٤٥٠ هـ).\nتُنظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص: ١٣٨)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ٢٦٧)؛ طبقات المفسرين للسيوطي (ص: ٨٣).\n(٤) الحاوي (١٥/ ٢٨٩)؛ ونقله عنه الشربيني في الإقناع (٢/ ٦٠٣)؛ وفي مغني المحتاج (٤/ ٣٢٥).\n(٥) الاستدراك الفقهي تأصيلًا وتطبيقًا (ص: ٤٧).","vol":"1","page":48},{"text":"الفرق بين استخدام الاستدراك عند الأصوليين والفقهاء (١):\nهناك تباين في المنهجين:\nفالأصوليون: يُريدون الاستدراك في النصوص الشرعية؛ فالبحث الأصولي لكلمة (الاستدراك) يُراد به الاستدارك في النص الشرعي؛ كصيغة (لكن) ونحوها.\nأما الفقهاء: يستعملون كلمة (الاستدراك) الذي هو من عمل المكلف.\nتعريفه عند المفسرين:\nاتباع المفسر قولًا يذكره في بيان معنى في القرآن بقول آخر يصلح خطأه، أو يكمل نقصه (٢).\nوعرفوه أيضًا بأنه: تعقب مفسر متأخر مفسرًا متقدمًا في بعض آرائه المتعلقة بالتفسير، ويُتبع ذلك التعقيب -غالبًا- بالتصحيح وترجيح ما يراه المتأخر، وقد يرد المستدرِك على المستدرَك عليه، وقد لا يرد (٣).\nومن خلال ما تقدم من التعريفات يتضح لنا أن سمات الاستدراك هي:\n١ - ارتباط عمل المستدرِك بعمل سابق، فلا بد من وجود سابق مستدركٍ عليه، ولاحق مستدركٍ به.\n٢ - المخالفة بين المستدرك فيه -العمل الأول- والمستدرك به -العمل اللاحق-، فالاستدراك لا يكون على مطابق.\n٣ - اتحاد متعلق المستدرك به بالمستدرك فيه، فمورد الاستدراك يكون على محل واحد.\n_________\n(١) ذكر هذا الفرق معالي الشيخ سعد الشثري - حفظه الله تعالى -.\n(٢) يُنظر: استدراكات السلف في التفسير (ص ٣٤).\n(٣) استدراكات ابن عاشور على الرازي والبيضاوي وأبي حيان في تفسيره التنوير والتحرير دراسة نظرية تطبيقية (ص: ٧٢).","vol":"1","page":49},{"text":"٤ - تعدي فعل الاستدراك.\nوعلى هذا فأي تعريف تحققت فيه هذه السمات فهو مؤد للمقصود.\nالتعريف المختار للاستدراك في الاصطلاح:\nقبل ذكر التعريف المختار لمصطلح (الاستدراك) أحدد ضوابطه:\nالضابط الأول: لم أَتَكَلَّفْ إنشاء هذا الحد على ما يرسمُه المناطقة (١)؛ فرارًا من التَّعَقُّبِ اللامتناهي أولًا، ولأن الغرض - وهو التصوير- يحصل بما ذكرت ثانيًا. (٢)\nالضابط الثاني: راعيتُ تعدية فعل (الاستدراك).\nالضابط الثالث: جعلت موضوع الاستدراك عامًا، ليشمل الاستدراك الأقوال والأفعال.\nالضابط الرابع: جعلت سبب الاستدراك عامًا، فيشمل جميع أسباب الاستدراك.\nالضابط الخامس: راعيت لازم تأخير الاستدراك عن المستدرك عليه.\nالضابط السادس: راعيتُ ما أفاده الجانب الصرفي من معانٍ.\nومن خلال الضوابط السابقة وما تقدم من التعريفات اللغوية والاصطلاحية يمكن صياغة تعريف للاستدراك - بعد الاستعانة بالله - بأنه:\nتعقيب الشيء بما يخالفه في نفسه.\n_________\n(١) قسم المناطقة المعرِّفات إلى قسمين رئيسين: القسم الأول: الحدود، وهي التي تشتمل على الذاتيات، وأما القسم الثاني: فالرسم، وهو الذي يشتمل على العرضيات - اللوازم الخارجية-. وكل منهما ينقسم إلى تام وناقص. يُنظر: شرح الحضري على السلم المنورق (ص: ٢٨)؛ شرح التفتازاني على شمسية المنطق (ص: ١٩٤ - ١٩٥)؛ حاشية الصبان على شرح السلم المنورق (ص: ٨٢ - ٨٣)؛ ضوابط المعرفة (ص: ٦٢ - ٦٣).\n(٢) وأشار إلى هذا المعنى أ. د. عبدالوهاب أبو سليمان في كتابه \" منهج البحث في الفقه الإسلامي \" (ص: ١٧٨).","vol":"1","page":50},{"text":"شرح التعريف وبيان محترزاته:\nالتعريف بـ \"التعقيب\" للأسباب التالية:\n١ - أن الحد به أعم من الحد برفع التوهم، أو إصلاح الخطأ، أو إكمال النقص، أو تلافي الخلل؛ وذلك لما يلي:\nأ- أن التعقيب لازم للاستدراك، فلا يخلو الاستدراك من التعقيب بمعنى التَّتَبُّع، بخلاف التعريفات المذكورة -رفع توهم، إصلاح خطأ، إكمال نقص، تلافي خلل-؛ لأنها وإن كانت مقصودة في بعض صور الاستدراك -كما سيأتي- إلا أنها غير لازمة للاستدراك؛ فالاستدراك النقدي والاستدراك على الخصم لا يحصل فيهما إصلاح، أو إكمال، أو تلافٍ.\nب- أن المعاجم تذكر معاني تلازم التعقيب زيادة على أصل المادة: من التَّتَبُّعِ، والطلب، والتدبر، والنظر ثانية، والتفحُّص (١)، وهذه المعاني من صفات المستدرِك، ولا توجد في التعريفات الأخرى؛ كرفع توهم، وإصلاح خطأ، وإكمال نقص، وتلافي خلل. كما أن هذه المعاني تحقق الإضافة التي أفادها الجانب الصرفي لمادة \"درك\".\n٢ - المعاجم ذكرت في تعريف التعقيب: أن يأتي بشيء بعد آخر (٢)، فيتحقق في التعريف بالتعقيب لازم تأخير المستدرِك عن المستدرَك عليه.\n٣ - عبرت بلفظ \"التَّعقيب\" بدلًا عن لفظ \"التَّعَقُّب\" لمراعاة الفرق الذي جاء في معجم لغة الفقهاء (٣)؛ حيثُ عرف (التَّعقُّب) بـ\"التتبع لإظهار الخطأ أو الخلل\". وعرف (التَّعقيب) بـ\"ما يُثبتُه بعد التتبع. وهو إصلاح الخطأ، أو سد الخلل\". (٤)\n_________\n(١) يُنظر: لسان العرب (١٠/ ٢١٨) مادة: (عقب).\n(٢) يُنظر: التوقيف على مهمات التعاريف (ص: ١٨٨). ويُنظر كذلك: الصحاح (ص: ٧٢٢)؛ لسان العرب (١٠/ ٢١٤ - ٢١٥) مادة: (عقب).\n(٣) (ص: ١٣٦).\n(٤) الاستدراك يطلق على الفعل الذي هو المصدر، فيقال: استدراك فلان: أي وقت فعله؛ فيكون: تعقيبًا. كما يطلق أيضًا على المفعول؛ فيكون تعقيبًا. والمراد به هنا المفعول: أي آثر فعل الاستدراك.","vol":"1","page":51},{"text":"٤ - الوزن الصرفي للتعقيب: (تَفعيل)، وهو وزن قياسي من الفعل (فعَّل)، ويأتي بعدة معانٍ، والمناسب للتعقيب: التكثير في الفعل (١). فالمستدرِك يُكثر من النظر والتدبر والتفحص في عبارة المستدرَك عليه.\nفإن قلت: تعريف الاستدراك بالتعقيب تعريف الشيء بمرادفه، وهذا فيه الدَّوْر (٢)، والدور لا يصح في التعريفات.\nفالجواب: لا أسلم أن التعقيب مرادف للاستدراك؛ لأن الاستدراك لغة: اللُّحوق، واللُّحوق والتعقيب لفظان لكل منهما معنى يخالف الآخر، فلا ترادف بينهما وإن اشتركا في بعض اللوازم. (٣)\nوجواب ثانٍ: سلمتُ أن التعقيب مرادف للاستدراك، فيجوز تعريف الشيء بلفظ يرادفه إذا كان أوضح منه، ولا شك أن لفظ (التعقيب) أوضح من لفظ (الاستدراك) بالنسبة للسامع، فعرف به زيادة في البيان والإيضاح (٤)، وهذا يسمى (التعريف اللفظي) (٥).\nالتعبير بـ\" الشيء \": يعم القول والفعل، ويعم أيضًا الشيء الواقع والمقدر؛\n_________\n(١) يُنظر: شذا العرف في معاني الصرف (ص: ٢٤، ٤٣)؛ دروس التصريف (ص: ٧٣، ٨٦).\n(٢) الدَّوْرُ: توقف العلم بكل واحدٍ من الشيئين على العلم بالآخر. يُنظر: التعريفات (ص: ١٤٠) الكليات (ص: ٤٤٧).\n(٣) جاء في المعاجم تفسير كل من الاستدراك والتعقيب بعدة معانٍ مختلفة، واتفقوا في معنى: التتبع. يُنظر: مقاييس اللغة (٤/ ٧٩)؛ لسان العرب (١٠/ ٢١٨)؛ أقرب الموارد (٢/ ٨٠٦)؛ المعجم الوسيط (ص: ٦١٣) مادة: (عقب). ويُنظر: الصحاح (ص: ٣٤٠)؛ لسان العرب (٥/ ٢٤٨)؛ المصباح المنير (١/ ١٩٢)؛ القاموس المحيط (ص: ٩٣٨)؛ أقرب الموارد (١/ ٣٣٠) مادة: (درك).\n(٤) وممن عرف الاستدراك بالتعقيب: البعلي في المطلع (ص: ٤٦١)؛ والمناوي في التوقيف على مهمات التعاريف (ص: ٥٦).\n(٥) التعريف اللفظي: تعريف اللفظ بلفظ آخر مرادف له، معلوم عند المخاطب؛ كتعريف البر بالقمح، والقسورة بالأسد، والعُقَارُ بالخمر. يُنظر: مختصر ابن الحاجب (١/ ٢٠٨)؛ إيضاح المبهم من معاني السلم في المنطق (ص: ٩)؛ روضة الناظر (١/ ٦٥)؛ ضوابط المعرفة (ص: ٦٦).","vol":"1","page":52},{"text":"وذلك لأن \"الشيء\" (١) مفرد محلى بـ\" أل\" وهو من صيغ العموم (٢).\nالتعبير بـ\"بما\": \"بما\" جار ومجرور متعلق بالمصدر \"تعقيب\". و\"ما\" من صيغ العموم (٣)، فتعم الاستدراك على الأقوال والأفعال، ولا مانع من تصور ذلك _أي وقوع الاستدراك على الأقوال والأفعال_ وجوازه؛ بدليل الوقوع في لغة العرب؛ إذ الوقوع دليل الجواز.\nفمثال استعماله في القول عند أهل اللغة: قولهم: استدرك عليه القول: أصلح خطأه، أو أكمل نقصه، أو أزال لَبْسًا. (٤)\nوأما استعماله في الفعل عند أهل اللغة فمنه قول زهير:\nتَدَاركْتُما عَبْسًا وذُبْيانَ بَعْدَما ... تَفَانَوا وَدقوا بَيْنَهم عِطَر مَنْشَمِ (٥)\nأي تلافيتما أمر هاتين القبيلتين بالصلح بعدما تفانوا بالحرب. (٦)\n_________\n(١) مثل المعتزلة للعام المطلق - وهو العام الذي لا أعم منه - \" بالشيء \"؛ لأنه يعم الموجودات والمعدومات في نظرهم، واعترض عليهم الجمهور بأن \" الشيء \" لا يتناول المعدوم، فالأعم المطلق عندهم \" المعلوم\". وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يوجد عام مطلق؛ بل كل عام لابدَّ أن يكون هناك ما هو أعم منه. يُنظر: المستصفى (٣/ ٢١٣)؛ المعتمد (١/ ١٩٢)؛ مختصر الروضة (٢/ ٤٦١ - ٤٦٢)؛ الكافي شرح البزدوي (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩)؛ شرح الكوكب المنير (٣/ ١٠٤ - ١٠٥). وعلى أية حال فالتعبير \" بالشيء \" في الاستدراك صحيح؛ لأن الاستدراك لا يتصور على المعدوم، فالمستدرِك إنما يستدرك على موجود.\n(٢) يُنظر: التبصرة (ص: ٦٤)؛ القواطع (١/ ٣١٢ - ٣١٥)؛ المسودة (ص: ٨٤)؛ العقد المنظوم في الخصوص والعموم (٢/ ١٩).\n(٣) يُنظر: اللمع (ص: ٦٩)؛ قواطع الأدلة (١/ ٣١٥ - ٣١٦)؛ المسودة (ص: ٧٩)؛ العقد المنظوم في الخصوص والعموم (١/ ٣٧٣).\n(٤) يُنظر: المعجم الوسيط (ص: ٢٨١).\n(٥) يُنظر: شرح المعلقات العشر وأخبار شعرائها (ص: ٥٩)؛ شرح ديوان زهير بن أبي سلمى المزني (ص: ٦)؛ العقد الفريد (٢/ ٢٦٦).\n(٦) يُنظر: شرح ديوان زهير بن أبي سلمى المزني (ص: ٦)؛ موسوعة الشعر العربي (الشعر الجاهلي) (٢/ ٣١٦).","vol":"1","page":53},{"text":"وكذلك التعبير بـ\"ما\" يشمل الاستدراك الواقع من الخصم، والمقدر من المستدِل، فالاستدراك الواقع من الخصم يكون بتعقيب يرفعه، وأما الاستدراك المقدر من المستدِل فيكون بتعقيب يدفعه.\nوالتعبير بـ\"يخالفه\" الهاء في الفعل \"يخالف\" ضمير يعود على \"الشيء\"، فلا يتصور الاستدراك بلا مخالفة بين المستدرك فيه والمستدرك به.\nوالتعبير بالفعل \"يخالف\" يدل على الإطلاق؛ لأن الأفعال نكرات (١)، فيصدق على مطلق المخالفة، وبالتالي يتناول جميع أسباب الاستدراك؛ وذلك لأن المخالفة قد تكون كلية؛ كتصحيح خطأ، أو دفع توهم في الفهم، أو نقد خصم، أو تخطئته، فالمستدرك به هنا مخالف بالكلية للمستدرك عليه. ومثالها في الأفعال الفقهية: الفدية والكفارة فهي استدراك مخالف لذات العمل.\nوقد تكون المخالفة جزئية؛ كإكمال النقص، وما كان على صيغة \"أفعل\"؛ كبيان الأصوب والأولى، فالمستدرك به هنا موافق للمستدرك عليه في جزء - وهو المذكور-، مخالف له في جزء آخر - وهو ما ذكره بالتكميل وبصيغة أفعل-. ومثالها في الأفعال الفقهية: سجود السهو، استدراك لنقص واجب؛ كترك التشهد الأول، فسجود السهو إكمال نقص، وهو مخالف جزئي للتشهد الأول؛ لأنه ليس كهيئته؛ إلا أنه موافق له من حيث أنه من جنس الصلاة.\nكما ينبه أيضًا بأن المخالفة قد تكون صورية (استدراك صوري (٢»،\n_________\n(١) قال الزجاجي: \" ... إجماع النحويين كلهم من البصريين والكوفيين على أن الأفعال نكرات، ولم يكونوا ليجتمعوا على الخطأ، ولايُعِيَّنَه واحد منهم على ذلك مع كثرة علماء الفريقين وفحصهم عن دقائق النحو وغوامض المسائل\". الإيضاح في علل النحو (ص: ١١٩). وقال أبو الحسن الوراق: \"الأفعال مع فاعلها جُمَلٌ، والجمل نكرات\". علل النحو (ص: ٣٦٤).\n(٢) استفدت عبارة \" الاستدراك الصوري \" من تصريح بعض علماء الشافعية لها في كتب الفقه ومن ذلك مثلًا قول النووي: \"قوله: (لكن ينبغي إلخ) أي يجب، وهو استدراك صوري من كونها تصح منهم \" يُنظر: روضة الطالبين (٢/ ٥٥). ويُنظر أيضًا هذه العبارة في: إعانة الطالبين (١/ ٦٢) (٢/ ١٥٤)؛ حاشية البجيرمي (٢/ ٢٤١) (٣/ ٨١)؛ حاشية الشرواني (٦/ ٣٥٧)؛ (٧/ ٢٥٣).","vol":"1","page":54},{"text":"وهذا كالاستدراكات في المسائل ذات الخلاف اللفظي، وأذكر لتقرير هذا قول السمعاني (١) في آخر مسألة (الأمر الوارد على التخيير بين شيئين أو أشياء) بعد أن ذكر أدلة كل فريق والاستدراكات الواردة على أدلتهم قال: \"واعلم أنه لا يتحصل خلاف معنى في هذه المسألة؛ وإنما الخلاف خلاف عبارة ... \" (٢).\nوقوله في الاستحسان: \"واعلم أن مرجع الخلاف معهم (٣) في هذه المسألة إلى نفس التسمية؛ فإن الاستحسان على الوجه الذي ظنه بعض أصحابنا من مذهبهم لا يقولون به، ولا الذي يقولونه لتفسير مذهبهم: إنه العدول في الحكم من دليل إلى دليل هو أقوى منه، فهذا لا ننكره ... وعلى الجملة: لا معنى لهذه التسمية، وهي تسمية لا يمكن حدّها بحدّ صحيح تختص به، وأما تفسيرهم الذي يفسرونه نحن قائلون بذلك؛ وليس مما يتحصل فيه خلاف\" (٤).\nوالتعبير بـ\"في نفسه\" جار ومجرور متعلق بالفعل \"يخالف\" والهاء ضمير يعود على الشيء. والمراد بـ\"في نفسه\": أي في نفس موضوع ومتعلق المستدرك فيه.\nواحترزتُ بهذا القيد من أمرين:\n_________\n(١) هو: منصور بن محمد بن عبدالجبار، أبو المظفر السمعاني، كان عالمًا زاهدًا ورعًا، إمام عصره، صنف التصانيف الكثيرة منها؛ \"منهاج أهل السنة\"، و\"البرهان في الخلاف\"، (ت: ٤٨٩ هـ).\nتُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٩/ ١١٤)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ٣٣٥)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ٢٧٣).\n(٢) قواطع الأدلة (١/ ١٧٨). وممن قرر أن الخلاف في هذه المسألة خلاف عبارة: أبو الحسن البصري في المعتمد (١/ ٨٧)؛ الشيرازي في اللمع (ص: ٥٤)؛ الجويني في البرهان (١/ ٢٦٨). ويُنصح في هذا الباب الاطلاع على كتاب الخلاف اللفظي عند الأصوليين للدكتور عبدالكريم النملة.\n(٣) أي مع الحنفية.\n(٤) قواطع الأدلة (٤/ ٥٢٠ - ٥٢٢).","vol":"1","page":55},{"text":"الأول: مطلق المخالفة، فالمخالفة في الاستدراك ليست مطلقة؛ بل مقيدة في نفس متعلق المستدرك فيه.\nالثاني: تكميل التأليف لعمل سابق، لا يسمى استدراكًا؛ لأن التكميل ليس في نفس متعلق المستدرك فيه، بيد أن التكميل في الأقوال والمذاهب يدخل في مسمى الاستدراك؛ لأن التكميل لنفس المستدرك فيه.\nوأما الكلمة الثانية من المركب فهي \"الأصولي\":\nوأبحثها من الجانب اللغوي في نقطتين:\nالأولى: الجانب الاشتقاقي: فالأصول: جمع أصل، وأرجعَ ابن فارس مادة الكلمة إلى الهمزة والصاد واللام، ثلاثة أصول متباعد بعضها من بعض؛ أحدها: أساس الشيء، والثاني: الحيَّة، والثالث: ما كان من النهار بعد العشي. (١) والمراد به هنا المعنى الأول.\nالثانية: جانب المعنى اللغوي: ذكرتْ المعاجم لجذر \"أصل\" معاني ومدلولات متعددة ومختلفة، أذكر منها ما يناسب المقصود في هذا المقام:\nفالأصول جمع أصل؛ وهو أسفل الشيء وأساسه (٢)، وأصل كل شيء: ما يستند وجود ذلك الشيء إليه (٣).\nإلا أن الأصوليين لما ذكروا تعريف الأصول في اللغة لم يذكروا هذا القول في كتبهم، ولا ضير في ذلك؛ فالأصوليون يتعرضون لأشياء لم يتعرض لها أهل اللغة،\n_________\n(١) مقاييس اللغة (١/ ١٠٩).\n(٢) يُنظر: لسان العرب (١/ ١١٤)؛ القاموس المحيط (ص: ٩٦١) مادة: (أصل).\n(٣) يُنظر: المصباح المنير (١/ ١٦).","vol":"1","page":56},{"text":"وأما العرف فالأصل مستعمل في ذلك. (١)\nفنجدهم عرفوا الأصل في اللغة بتعريفات كلية؛ منها:\n١ - ما ينبني عليه غيره. (٢)\nواستُدرك عليه بأنه منتقض بالوالد؛ فإنه أصل للولد ولا يقال: الولد ينبني عليه. (٣)\n٢ - المحتاج إليه. (٤)\nاستدرك عليه بأنه إن أُريد بالاحتياج: ما يعرف في علم الكلام من احتياج الأثر إلى المؤثر، والموجود إلى الموجِد؛ لزم إطلاق الأصل على الله، وإن أريد ما يتوقف عليه الشيء؛ لزم إطلاقه على الجزاء والشرط وانتفاء المانع، وإن أريد ما يفهمه أهل العرف من الاحتياج؛ لزم إطلاقه على الأكل واللُّبْس ونحوهما، وكل هذه اللوازم باطلة. (٥)\n٣ - ما منه الشيء. (٦)\nاستُدرك عليه باشتراك \"مِنْ\" بين الابتداء والتبعيض، وبأنه لا يصحُّ هنا معنى\n_________\n(١) يُنظر: التحبير شرح التحرير (١/ ١٥٠).\n(٢) يُنظر: المعتمد (١/ ٥)؛ شرح المحلى على الورقات (ص ٣١)؛ العدة (١/ ٧٠)؛ التمهيد لأبي الخطاب (١/ ٥)؛ نهاية السول (١/ ٨)؛ فواتح الرحموت (١/ ٨)؛ شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (١/ ٦٢).\n(٣) يُنظر: الإبهاج (٢/ ٤٩)؛ البحر المحيط (١/ ١٥)؛ التحبير شرح التحرير (١/ ١٤٨).\n(٤) يُنظر: المحصول (١/ ٩١)؛ التحصيل (١/ ١٦٧).\n(٥) وهذا اعتراض القرافي في نفائس الأصول (١/ ١١٤)؛ ونقله عنه الزركشي في البحر المحيط (١/ ١٥)؛ وذكره ابن السبكي والمرداوي دون نسبته للقرافي، يُنظر على التوالي: الإبهاج (٢/ ٥٠)؛ التحبير شرح التحرير (١/ ١٤٩).\n(٦) يُنظر: الحاصل (١/ ٦)؛ نهاية الوصول (١/ ٢١)؛ شرح مختصر الروضة (١/ ١٢٣).","vol":"1","page":57},{"text":"من معانيها. (١)\n٤ - ما يتفرع عنه غيره. (٢)\nاستُدرك عليه بأن من أصول الشرع ما هو عقيم لا يقبل الفرع، كدية الجنين والْقَسَامَةِ (٣)،\nوتحمل العاقِلةِ (٤)، فهذه أصول ليست لها فروع. (٥)\n٥ - ما يقع التَّوصُّل به إلى معرفة ما وراءَه.\nاستدرك عليه بما استدرك على سابقه بوجود أصول في الشريعة لا يقعُ بها التَّوصُّل إلى ما وراءه بحال. (٦)\n_________\n(١) وهذا اعتراض القرافي في نفائس الأصول (١/ ١١٥)؛ الإبهاج (٢/ ٤٩)؛ البحر المحيط (١/ ١٥)؛ التحبير شرح التحرير (١/ ١٤٩).\n(٢) يُنظر: الإبهاج (٢/ ٤٩)؛ البحر المحيط (١/ ١٦)؛ التحبير شرح التحرير (١/ ١٤٨).\n(٣) القسامة في اللغة: بمعنى القَسَم وهو اليمين، وأقسم بالله: حلف به، وتقاسم القومُ: تحالفوا. يُنظر: لسان العرب (١٢/ ١٠٤) مادة: (قسم).\n\nوشرعًا: أيمان متكررة يقسم بها على أهل محلة أو دار وجد فيها قتيل به أثر، كل منهم يقول: مافعلت ولا علمت له قاتلًا. يُنظر: أنيس الفقهاء (ص: ٢٩٥). وقال الأزهري: (إذا اجتمعت الجماعة من أهل القَتِيلِ فَادَّعَوْا على رَجُلٍ أنَّهُ قَتَلَ صاحبهم ومعهم دلائل دون البينة، فَحَلَفُوا خمسين يمينًا أنَّ المُدَّعَى عَلَيْه قَتَلَ صَاحِبَهُمْ؛ فهولاء الذين يُقْسِمُونَ على دَعْوَاهُمْ هم القَسَامَة. سموا قسامة بالاسم الذي أقيم مقام المصدر من أقسم وقسمًا وقسامة) الزاهر (ص: ٣٧٢).\nويُنظر كتب الفقه: الوسيط (٦/ ٣٩٨)؛ بدائع الصنائع (٧/ ٢٨٦)؛ جامع الأمهات (ص: ٥٠٨)؛ المحرر في الفقه (٢/ ١٥٠).\n(٤) العاقلة: جمعها عواقل، وعاقلة الرَّجل: عَصَبتُهُ؛ وهم القرابة من قبل الأب الذين يعطون دية من قتله خطأ. يُنظر: لسان العرب (١٠/ ٢٣٤)؛ المصباح المنير (٢/ ٤٢٢ - ٤٢٣) مادة: (عقل)؛ القاموس الفقهي لغة واصطلاحًا (ص: ٢٥٩).\n(٥) وهذا اعتراض الإمام السمعاني في قواطع الأدلة (١/ ١٢ - ١٣)؛ ونقله الزركشي عنه في البحر المحيط (١/ ١٦).\n(٦) يُنظر: المرجعان السابقان.","vol":"1","page":58},{"text":"و\"الأصل\" في الاصطلاح مشترك بين عدة معانٍ (١)؛ منها:\n١ - الدليل؛ كقولهم: أصل هذه المسألة من الكتاب والسُّنَّةِ أي: دليلها، ومنه أصول الفقه أي: أدلته.\n٢ - الراجح؛ كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة، أي: الراجح عند السامع هو الحقيقة لا المجاز.\n٣ - القاعدة المستمرة؛ كقولهم: إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل، أي: على خلاف الحالة المستمرة.\n٤ - المقيس عليه؛ وهو ما يقابل الفرع في باب القياس.\n٥ - استمرار الحكم السابق (المستصحب)؛ كقولهم: الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يوجد المزيل له.\nوالمراد بالأصول في موضوع البحث: علم أصول الفقه، وحيث اختلفت عبارات الأصوليين في تعريفه؛ لاختلاف زاوية النظر التي اعتبرها واضع كل تعريف، أذكر لك - أيها القارئ الكريم - أهمها في أربعة مناهج:\nالمنهج الأول: تعريف علم أصول الفقه بالنظر إلى المعنى اللُّغوي\nوالمراد به التعريف بما جاء في المعنى اللُّغوي للأصل: ما ينبني عليه غيره، والضمير في \" غيره \" عائد إلى الفقه، ومن هذه التعريفات:\n١ - تعريف القاضي أبي يعلى (٢)؛ حيث قال: \"وأما أصول الفقه فهو: عبارة\n_________\n(١) يُنظر هذه المعاني في: البحر المحيط (١/ ١٦ - ١٧)؛ نهاية السول (١/ ٩)؛ التحبير شرح التحرير (١/ ١٥٢ - ١٥٣)؛ شرح الكوكب المنير (١/ ٣٩ - ٤٠)؛ إرشاد الفحول (١/ ٤٦).\n(٢) هو: أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء، قاضي الحنابلة، وعالم زمانه، تفقه على أبي عبدالله بن حامد وغيره، انتشر على يديه مذهب الإمام أحمد، كان إمامًا في الأصول والفروع، زاهدًا ورعًا عفيفًا. من مصنفاته: \"كتاب الروايتين\"، و\" العدة في أصول الفقه\"، و\" المجرد في المذهب\"، (ت: ٤٥٨ هـ) من شهر رمضان.\nتُنظر ترجمته في: تاريخ بغداد (٢/ ٢٥٦)؛ العبر في خبر من غبر (٣/ ٢٤٥)؛ طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣).","vol":"1","page":59},{"text":"عما تبنى عليه مسائل الفقه، وتعلم أحكامها به\" (١).\n٢ - تعريف أبي الوليد الباجي (٢): \"أصول الفقه: ما انبنت عليه معرفة الأحكام الشرعية\" (٣).\n٣ - تعريف ابن عقيل (٤):\n\"وأصوله هي: ما تبنى عليه الأحكام الفقهية من الأدلة على اختلاف أنواعها ومراتبها\" (٥).\nالمنهج الثاني: تعريف علم أصول الفقه بالنظر إلى المعنى الاصطلاحي\nوالمراد به التعريف بما جاء في المعنى الاصطلاحي للأصل: الدليل، ومن هذه التعريفات:\n_________\n(١) العدة في أصول الفقه (١/ ٧٠).\n(٢) هو: أبو الوليد، سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب الباجي، أحد علماء الأندلس وحفاظها، تتلمذ على أبي الأصبغ، ثم انتقل إلى المشرق، وبقي فيها ثلاثة عشر عامًا، درس فيها الفقه والحديث، ولقي أبا الطيب الطبري وأبا إسحاق الشيرازي، ودرس عليهما، حصلت بينه وبين الإمام ابن حزم مناظرات. من مصنفاته: \"إحكام الفصول\"، و\"الحدود\"، و\" المنتقى\"، (ت: ٤٧٤ هـ).\nتُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٥٣٥)؛ الديباج المذهب (١/ ٣٣٠)؛ نفح الطيب (٢/ ٦٧).\n(٣) الحدود في الأصول (ص: ٣٦).\n(٤) هو: أبو الوفاء، علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبدالله البغدادي الظَّفَري الحنبلي، الأصولي المتكلم الفقيه الواعظ، وصف بالذكاء. من مصنفاته: \"الفنون\" وهو كاسمه، جمع فيه فنونًا كثيرة من الوعظ والتفسير والفقه وأصول الدين وأصول الفقه واللغة والنحو، \" كفاية المفتي\" في الفقه، \" الواضح \" في أصول الفقه، (ت: ٥١٣ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٤٣)؛ ذيل طبقات الحنابلة (١/ ١٤٢)؛ شذرات الذهب (٤/ ٣٥).\n(٥) الواضح في أصول الفقه (١/ ٧ - ٨).","vol":"1","page":60},{"text":"١ - تعريف الشيرازي (١): \"وأما أصول الفقه فهي: الأدلة التي ينبني عليها الفقه، وما يتوصل بها إلى الأدلة على سبيل الإجمال\" (٢).\n٢ - تعريف الغزالي (٣): \"أصول الفقه: عبارة عن أدلة هذه الأحكام وعن معرفة وجوه دلالتها على الأحكام من حيث الجملة؛ لا من حيث التفصيل\" (٤).\n٣ - تعريف ابن بَرْهان (٥): \"أصول الفقه عبارة عن: جُمل أدلة الأحكام\" (٦).\n_________\n(١) هو: أبو إسحاق، إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي الفَيرُوزآباذي، جمال الدين، الفقيه الشافعي الأصولي، سكن بغداد، وصحب أبا الطيب الطبري، تولى التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد، كان ورعًا، وكان يضرب به المثل في الفصاحة والمناظرة، تتلمذ عليه أبو الوليد الباجي. من مصنفاته: \"اللمع وشرحه \"، و\" التبصرة \" كلاهما في أصول الفقه، \" المهذب \" في الفقه، (ت: ٤٧٦ هـ).\nتُنظر ترجمته في: وفيات الأعيان (١/ ٢٩)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٤/ ٢١٥)؛ طبقات الشافعية لقاضي شهبة (١/ ٢٣٨).\n(٢) اللمع (ص: ٣٥).\n(٣) هو: أبو حامد، محمد بن محمد بن محمد الغزالي - نسبته إلى صناعة الغزل عند من يقوله بتشديد الزاي، أو إلى غزالة من قرى طوس لمن قال بالتخفيف - الطوسي، حجة الإسلام، فيلسوف، متصوف، رحل إلى نيسابور، ثم إلى بغداد، فالحجاز، فبلاد الشام، فمصر، وعاد إلى بلدته. له نحو مئتي مصنف؛ منها: \"المستصفى من علم الأصول \"، و\" المنخول من علم الأصول \"، و\" الوجيز \" في الفقه، وله كتب بالفارسية، (ت: ٥٠٥ هـ).\nتُنظر ترجمته في: البداية والنهاية (١٢/ ١٧٣)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٦/ ١٩١)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٢٩٣).\n(٤) المستصفى (١/ ٩).\n(٥) هو: أبو الفتح، أحمد بن علي بن محمد بن بَرهان بن الحامي البغدادي، الحنبلي، ثم الشافعي، تفقه على الغزالي، وإِلْكيَّا الهراسي، وبرع في المذهب والأصول حتى رجحوه على الشاشي، وكان حاذق الذهن، لا يكاد يسمع شيئًا إلا حفظه، وولي تدريس النظامية مدة يسيرة. من مصنفاته: \"الأوسط\"، و\"الوجيز\"، و\" الوصول إلى الأصول\"، (ت: ٥١٨ هـ).\nتُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٥٦)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٦/ ٣٠)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٢٧٩).\n(٦) الوصول إلى الأصول (١/ ٥١).","vol":"1","page":61},{"text":"٤ - تعريف الطوفي (١): \"أصول الفقه: أدلته\" (٢). ثم ذكر بعد ذلك مناسبة المعنى الاصطلاحي للمعنى اللُّغوي فقال: \"وهو موافق لما سيأتي - إن شاء الله- في تعريف الأصل من أنه: ما منه الشيء، أو استند الشيء في وجوده إليه؛ لأن الفقه مأخوذٌ من الأدلة، وهو مستندٌ في وجوده إليها\" (٣).\n\nالمنهج الثالث: تعريف علم أصول الفقه بالنظر إلى موضوعه\nوالمراد به التعريف الحاصر لموضوع علم أصول الفقه؛ ومن هذه التعاريف:\n١ - تعريف الإمام الرازي (٤): \"أصول الفقه: عبارة عن مجموع طرق الفقه على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال بها، وكيفية حال المستدل بها\" (٥).\n٢ - تعريف السيف الآمدي (٦): \"فأصول الفقه: هي أدلة الفقه، وجهات\n_________\n(١) هو: أبو الربيع، سليمان بن عبدالقوي بن عبدالكريم، نجم الدين الطوفي الحنبلي، تفنن في شتى العلوم. من مصنفاته: \"الإكسير في قواعد التفسير\"، و\"دفع التعارض عما يوهم التناقض\"، و\"مختصر روضة الناظر\"، (ت: ٧١٦ هـ).\nتُنظر ترجمته في: ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٣٦٦)؛ الدرر الكامنة (٢/ ٢٤٩)؛ شذرات الذهب (٦/ ٣٩).\n(٢) شرح مختصر الروضة (١/ ١١١).\n(٣) شرح مختصر الروضة (١/ ١١١).\n(٤) هو: أبو عبدالله، محمد بن عمر بن الحسين القرشي الطبري، الرازي، فخر الدين، ابن خطيب الري ضياء الدين، كان إمام وقته في العلوم العقلية، وأحد الأئمة في العلوم الشرعية، برع في الفقه والتفسير والأصول والجدل. من أشهر مصنفاته: \"التفسير الكبير \"، و\"المحصول في أصول الفقه\"، و\"المعالم في أصول الفقه\"، (ت: ٦٠٦ هـ).\nتُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٢١/ ٥٠٠)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٨/ ٨٣)؛ طبقات المفسرين للسيوطي (١/ ١١٥).\n(٥) وهذا تعريف الرازي في المحصول (١/ ٨٠)؛ ومثله في التحصيل (١/ ١٦٨).\n(٦) هو: أبو الحسن، علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي، سيف الدين الآمدي - نسبة إلى مدينة آمد-، الأصولي المتكلم أحد أذكياء العالم، كان حنبليًا ثم انتقل إلى مذهب الشافعية. من مصنفاته: \"الأبكار في أصول الدين\"، و\"الإحكام في أصول الفقه\"، (ت: ٦٣١ هـ).\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٨/ ٣٠٨)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ٧٩)؛ شذرات الذهب (٥/ ١٤٤).","vol":"1","page":62},{"text":"دلالاتها على الأحكام الشرعية، وكيفية حال المستدل بها من جهة الجملة؛ لا من جهة التفصيل\" (١).\n٣ - تعريف التاج الأرموي (٢):\n\"معرفة دلائل الفقه إجمالًا، وكيفية استفادة الأحكام منها، وحال المستفيد\" (٣).\n\nالمنهج الرابع: تعريف أصول الفقه بالنظر إلى فائدته\nوالمراد به التعريف لأصول الفقه بالنظر إلى ثمرته؛ ومن هذه التعريفات:\nالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية (٤).\n• تنبيه:\nذهب بعض الأصوليين (٥) إلى أن أصول الفقه: العلم بالقواعد، وليست القواعد أو الأدلة نفسها، ولكل منهما وجه. (٦)\n_________\n(١) الإحكام للآمدي (١/ ٢١).\n(٢) هو: أبو الفضائل، محمد بن الحسين بن عبدالله الأرموي، تاج الدين، من أكبر تلاميذ الإمام الرازي، وكانت له حشمة وثروة ووجاهة، وفيه تواضع، قيل: إنه عاش ثمانين سنة. من مصنفاته: \"الحاصل من المحصول في أصول الفقه \" اختصر فيه المحصول للرازي، (ت: ٦٥٣ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣٣٤)؛ طبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٤٥١)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ١٢٠).\n(٣) وهذا تعريف تاج الدين الإرموي في الحاصل (١/ ٨)؛ ومثله في المنهاج (١/ ١٩).\n(٤) يُنظر: أصول ابن مفلح (١/ ١٥)؛ التحبير شرح التحرير (١/ ١٧٣)؛ شرح الكوكب المنير (١/ ٤٤).\n(٥) كابن الحاجب والطوفي وصدر الشريعة المحبوبي. يُنظر بالترتيب المذكور: مختصر ابن الحاجب (١/ ٢٠١)؛ شرح مختصر الروضة (١/ ١٢٠)؛ التوضيح شرح التنقيح للمحبوبي (١/ ٥١).\n(٦) يُنظر: الإبهاج (٢/ ٦٠)؛ التحبير شرح التحرير (١/ ١٧٣، ١٧٧ - ١٨٠)؛ التلويح على التوضيح (١/ ٥١ - ٥٢).\nويُنصح بالنظر في هذه المسألة في كتاب: \"كتاب أصول الفقه الحد والموضوع والغاية\" للدكتور يعقوب الباحسين (ص: ٩٥).","vol":"1","page":63},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-20>المطلب الثاني\nحد الاستدراك الأصولي باعتبار كونه لقبًا</span>\nلما فرعنا من تعريف \"الاستدراك الأصولي\" باعتبار مفرديه نشرع الآن -بعون الله- في تعريفه باعتباره لقبًا لهذا الفن، واتخذت في ذلك منهجين، وهما:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-21> المنهج الأول: تعريف \"الاستدراك الأصولي\" بالنظر إلى موضوعه:</span>\nهو: تعقيب اللفظ أو المعنى الأصولي بمخالف له في نفسه.\nشرح التعريف وبيان محترزاته:\nتعقيب: جنس يدخل فيه الفعل واللفظ - وقد تقدم بيان ذلك (١) -.\nاللفظ أو المعنى، يتناول الألفاظ والمعاني الأصولية، وكل ما يذكر حقيقة أو تقديرًا، فيشمل الاستدراك الواقع حقيقة من الخصم، والمقدر من المستدرِك.\nفالاستدراك الواقع حقيقة من الخصم يكون بتعقيب يرفعه، وأما الاستدراك المقدر من المستدرِك فيكون بتعقيب يدفعه.\nو(أو) هنا للتقسيم وليست للشك.\nويخرج بـ (اللفظ أو المعنى) الاستدراك بالفعل.\nالأصولي: يتناول الاستدراك على الألفاظ والمعاني في الكتب الأصولية؛ وكذلك الاستدراك على المسائل الأصولية المذكوره في غير المصنفات الأصولية؛ فإن الاستدراك عليها يسمى استدراكًا أصوليًا وإن لم يذكر في كتاب أصولي.\n_________\n(١) يُنظر: (ص: ٥٢).","vol":"1","page":64},{"text":"بمخالف له في نفسه: فلا يتصور الاستدراك بلا مخالفة بين المستدرك فيه والمستدرك به.\nوهذه المخالفة على ثلاث صور:\nالصورة الأولى: مخالفة كلية؛ كتصحيح خطأ، أو دفع توهم في الفهم، أو نقد خصم، أو تخطئته، فالمستدرك به هنا مخالف بالكلية للمستدرك عليه.\nالصورة الثانية: مخالفة جزئية؛ كإكمال النقص، وماكان على صيغة أفعل؛ كبيان الأصوب والأولى، فالمستدرك به هنا موافق للمستدرك عليه في جزء مخالف في جزء آخر.\nالصورة الثالثة: المخالفة الصورية، وهو الخلاف اللفظي.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-22> المنهج الثاني: تعريف \"الاستدراك الأصولي\" بالنظر إلى فائدته:</span>\nهو: ما يمكن التوصل به إلى تصويب ما يذكره الأصوليون في مصنفاتهم الأصولية، أو تكميله، أو دفع لبس عنه، أو نقده، أو توجيه لمعنى أولى.\nشرح التعريف وبيان محترزاته:\n\"ما\": عامة تشمل أي شيء يمكن التوصل بواسطته، فتشمل الأفعال والأقوال.\nيمكن التوصل به: يُفيد عدم التلازم بين عملية الاستدراك والفائدة، فقد يصل المستدرِك باستدراكه للتصويب، أو دفع اللَّبْس، أو توجيه لأولى، ونحو ذلك، وقد لا يصل.\nوإذا ثبت هذا فقد يكون ما استَدرك به المُستدرِك مستدرَكًا عليه من مُستدرِك ثالث.\nتصويب: وهذه أول فوائد الاستدراك، وهو تصويب الخطأ.","vol":"1","page":65},{"text":"ما يذكره: يشمل الألفاظ والمعاني التي يذكرها الأصوليون، وهو قيد يخرج به التصويب بالفعل.\nالأصوليون: قيد ثانٍ يخرج به غير الأصوليين.\nفي مصنفاتهم الأصولية: قيد ثالث يخرج به المصنفات غير الأصولية - وسبق أنه قيد أغلبي-.\nأو تكميله، أو دفع لبس عنه، أو نقده، أو توجيه لمعنى أولى.\nإلحاق بقية فوائد علم الاستدراك الأصولي، فالضمير - الهاء- يرجع على ما يذكره الأصوليون. و\"أو\" هنا للتقسيم؛ وليست للشك؛ كما يُقال في حد الكلمة: اسمٌ أو فعلٌ أو حرفٌ. (١)\n_________\n(١) \" أو \" التي للتقسيم ممنوعة في الحدود، وجائزة في الرسوم، أما \" أو \" التي للشك فممنوعة مطلقًا؛ لانتفاء التميز مع الشك. جاء في السلم المنورق:\nوَلا يَجُوزُ فِي الحد ذِكْرُ أَوْ ... وَجَائِزٌ فِي الرَّسْمِ فَادْرِ ما رَوَوْا.\nوتعريف الاستدراك الأصولي بالنظر إلى فائدته تعريف بالرسم، فجاز دخول \" أو \" التي للتقسيم. يُنظر: شرح الأخضري على السلم المنورق (ص: ٢٩)؛ شرح الدمنهوري على السلم المنورق (٩)؛ حاشية الصبان على السلم المنورق (ص: ٨٧).","vol":"1","page":66},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-23> الفرق بين الاستدراك الأصولي بالاعتبار الأول والثاني من وجهين:</span>\nأحدهما: أن اللقبي هو العلم، والإضافي موصل إلى العلم. (١)\nالثاني: أنه باعتبار مُفرديه مركب يُنظر فيه لحال الجزأين؛ كما في قول عيسى - ﵇ -: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]، فيُنظر فيه لكلمة (عبد) وكلمة (الله).\nوأما باعتباره لقبًا فلا ينظر فيه لحال الجزأين؛ كجواب المسمى بعبدالله عند سؤاله عن اسمه: إني عبدالله، فلا يُنظر للجزأين؛ بل لكونه علمًا على هذا الشخص المعين. (٢)\n_________\n(١) اقتبست هذا الفرق بالقياس على الفرق بين أصول الفقه باعتبار كونه مركبًا إضافيًا واعتبار كونه لقبًا من نهاية السؤال (١/ ٧).\n(٢) اقتبست هذا الفرق بالقياس على الفرق بين أصول الفقه باعتبار كونه مركبًا إضافيًا واعتبار كونه لقبًا من تقريب الحصول على لطائف الأصول من علم الأصول (ص: ٢٠).","vol":"1","page":67},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-24> المبحث الثاني\nموضوع الاستدراك الأصولي</span>\nإن معرفة موضوع العلم يُعد من الأمور المهمة عند العلماء؛ لذلك جعلوه أحد المبادئ العشرة للعلوم.\nوالمراد بموضوع العلم: ما يبحث فيه ذلك العلم عن عوارضه الذاتية (١). (٢) وشبهوا ذلك بمادة حسية يضعها إنسان بين يديه ليُوقع فيها أثرًا ما؛ كالخشب الذي يُؤثر فيه النجار حتى يصير سريرًا، أو بابًا، وكالفضة التي يُؤثر فيها الصائغ حتى يصير خاتمًا أو سِوارًا ونحوه. (٣)\nوتكمن أهمية البحث في موضوع العلم؛ لأن العلم لا يتميز عند العقل إلا بعد العلم بموضوعه؛ وذلك لأن جنس العلوم واحد، وإنما تنوعت وتميزت بتغاير الموضوعات، حتى لو لم يكن لهذا العلم موضوع مغاير بالذات أو الاعتبار لم يكونا عِلمين، ولم يصح تعريفهما بتعريفين مختلفين. (٤)\n_________\n(١) العوارض الذاتية: هي التي تلحق الشيء لذاته؛ كالتعجب اللاحق لذات الإنسان، أو تلحق الشيء لجزئه؛ كالحركة بالإرادة اللاحقة للإنسان بواسطة أنه حيوان، أو تلحقه بواسطة أمر خارج عنه مساوٍ له؛ كالضحك العارض للإنسان بواسطة التعجب. يُنظر: تحرير القواعد المنطقية (ص: ٢٣)؛ شرح الشمسية في المنطق للتفتازاني (ص: ١١٤).\n(٢) يُنظر: المرجع السابق، ويُنظر أيضًا: الإحكام للآمدي (١/ ١٩)؛ التحرير شرح التحبير (١/ ١٣٩)؛ البحر المحيط (١/ ٢٦)؛ التوضيح للمحبوبي وشرحه التلويح (١/ ٥٦).\n(٣) يُنظر: البحر المحيط (١/ ٣٠ - ٣١).\n(٤) يُنظر: تحرير القواعد المنطقية (ص: ٦)؛ شرح الشمسية في المنطق للتفتازاني (ص ٩٤).","vol":"1","page":68},{"text":"وتوضيح ذلك بالأمثلة: موضوع علم الطب: بدن الإنسان؛ فإنه يبحث فيه عن الأمراض اللاحقة له، ووصف الدواء لها.\nوموضوع علم النحو: الكلمة؛ إذ يُبحث فيه عما يعرض لها من حيثُ الإعراب والبناء، وأنواع الإعراب؛ من رفع ونصب وجر وجزم.\nوموضوع علم أصول الفقه على الراجح: الأدلة؛ إذ يُبحث فيه عما يعرض لها من حيث الحجية وعدمها. (١)\nإذا تقرر هذا فيمكن أن يُقال: إن موضوع الاستدراك الأصولي هو الخلل فيما يذكره الأصوليون، ويُستأنس لهذا بقول أبي عبدالله الأصفهاني (٢) بعد أن ذكر تعريف الرازي للفقه في الاصطلاح بأنه: عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية العملية، المُسْتَدَلِّ على أعيانها؛ بحيث لا يعلم كونها من الدين بالضرورة. قال: \"لا يقال: هذا التعريف فاسد، وبيانه من وجوه:\nالأول: ما ذكره المصنف؛ وهو قوله: \"الفقه من باب الظنون؛ فكيف جعلته علمًا؟ ! ... والجواب عن الأول: مذكور في المتن، فلنشرحه أولًا، ثم نبيِّن ما فيه من الخلل ... \" (٣).\n_________\n(١) يُنظر: البحر المحيط (١/ ٣١)؛ التحبير شرح التحرير (١/ ١٣٩ - ١٤٠)؛ فواتح الرحموت (١/ ١٦).\n(٢) هو: أبو عبدالله، محمد بن محمود بن محمد بن عباد الأصبهاني، شمس الدين، القاضي، انتهت إليه الرئاسة في معرفة أصول الفقه، وله معرفة جيدة بالنحو والأدب والشعر؛ لكنه قليل البضاعة من الفقه والسنة والآثار، وولي تدريس الصاحبية وغيرها، ورحل إليه الطلبة، فتخرج به خلق. من مصنفاته: \"شرح المحصول\"، و\"الفوائد في الأصلين\"، و\"الخلاف والمنطق\"، (ت: ب ٦٨٨ هـ)، وقيل غير ذلك، بالقاهرة.\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٨/ ١٠٠)؛ عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان (٣/ ٣٨٧)؛ بغية الوعاة (١/ ٢٤٠).\n(٣) الكاشف عن المحصول في علم الأصول (١/ ١٣٥، ١٤٠، ١٤٤).","vol":"1","page":69},{"text":"وقال أبو الثناء الأصفهاني (١)\nفي استدراكه على من أرجع ضمير \"ينحصر (٢) \" في قول ابن الحاجب (٣) في مختصره على العمل بالأحكام فقال: \" ... وهذا وإن كان أقرب إلى الصواب، ولكن فيه خلل ... \" (٤).\nفالخلل شامل لإكمال نقص، أو دفع وهم، أو تصحيح خطأ، أو نقد، وبالتالي لا يدخل فيه ما ذكره الأصوليون بصيغة \"أفعل التفضيل\"؛ مثل: هذا أولى، أو أصح ...؛ لأنه لا يُعدُّ خللًا؛ بل هو صحيح أو يخالف الأولى.\nوالذي يترجح لدي أن موضوع \" الاستدراك الأصولي\" هو ما يذكره الأصوليون في مصنفاتهم الأصولية من ألفاظ ومعانٍ، وما يعرض لها من جهة إكمال نقص، أو دفع وهم، أو تصحيح خطأ، أو نقد، أو توجيه لأولى.\nوالذي يؤكد هذا ما جاء في أصل مادة \"الاستدراك\" والتعريف اللُّغوي بأنه: اللحوق والتتبع، وما جاء بصيغة \"أفعل\" التفضيل لا يخلو من اللحوق والتتبع للسابق.\n_________\n(١) هو: أبو الثناء، محمود بن عبدالرحمن بن أحمد الأصفهاني، شمس الدين، كان إمامًا متميزًا في شتى الفنون، فقيه شافعي، أصولي. من مصنفاته: \"بيان مختصر ابن الحاجب\"، و\"شرح المنهاج الوصولي\"، و\"شرح الطوالع\"، (ت: ٧٤٩ هـ) بالطاعون.\n\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (١٠/ ٣٨٣)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ٧١)؛ شذرات الذهب (٦/ ١٦٥).\n(٢) وعبارة ابن الحاجب في مختصره منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل: \"وينحصر في المبادئ، والأدلة السمعية، والاجتهاد، والترجيح\". (١/ ٢٠٠).\n(٣) هو: أبو عمرو، عثمان بن عمرو بن أبي بكر الرويني المصري، جمال الدين، الفقيه المالكي، كان أصوليًا متكلمًا عالمًا باللغة العربية، كان محبًّا للشيخ عز الدين بن عبدالسلام الشافعي. من أهم مصنفاته: \"مختصره في أصول الفقه\"، ومختصره في الفقه المعروف\" بجامع الأمهات\"، و\" الكافية \" في النحو، (ت: ٦٤٦ هـ).\nتُنظر ترجمته في: بغية الوعاة (٢/ ١٣٤)؛ البداية والنهاية (١٣/ ١٧)؛ وفيات الأعيان (٣/ ٢٤٨).\n(٤) بيان المختصر (١/ ١١).","vol":"1","page":70},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-25> المبحث الثالث\nحكم الاستدراك الأصولي</span>\nمعرفة حكم الشارع تُعد من أهم المبادئ العشرة؛ وذلك لأن الطالب ربما يقع في الممنوع أو المكروه، فإذا علم حكمه أحجم، وقد يعرض له المندوب والواجب فإذا علم حكمه قدم ما يجب تقديمه.\nولم أجد من علماء الأصول من تكلّم عن حكم الاستدراك الأصولي، وقبل الخوض في بيان حكمه أقرر مشروعيته من خلال النقاط التالية:\nالنقطة الأولى: أدلة الشورى:\nفالشريعة الإسلامية جاءت بتقرير هذا المبدأ قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وعن أبي هُريْرَةَ (١) قال: «ما رأيت أحَدًا أكْثَرَ مشُورَةً لِأصْحَابِهِ من رسول اللهِ - ﷺ -» (٢).\nوالشورى فيها إبداء الرأي ومناقشة الآراء الأخرى، وهذه المناقشة لا تخلو من الاستدراكات. (٣)\n_________\n(١) هو: أبو هريرة، عبدالرحمن بن صخر الدَّوسي، وقيل: إن اسمه كان عبد شمس ثم لما أسلم سُمي عبدالرحمن. صحابي جليل، أسلم سنة سبع للهجرة، ولازم النبي - ﷺ - منذ أسلم فلم يفارقه في حضر ولا سفر، كان حريصًا على سماع الحديث، فروى (٥٣٧٤) حديثًا، وهو أكثر الصحابة رواية لحديث النبي - ﷺ -، (ت: ٥٩ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الاستيعاب (٤/ ٢٠٢)؛ أسد الغابة (٣/ ٣٥٧)؛ الإصابة (٤/ ٢٠٢).\n(٢) يُنظر: مسند الإمام أحمد (٤/ ٣٢٨/ح: ١٨٩٤٨)؛ سنن الترمذي، ك: الجهاد، ب: ما جاء في المَشُورَةِ، (٤/ ٢١٣/ح: ١٧١٤).\n(٣) يُنظر: نظرية النقد الفقهي (ص: ٢٦ - ٢٧).","vol":"1","page":71},{"text":"النقطة الثانية: أدلة النصيحة:\nقال - ﷺ -: «الدّينُ النّصِيحَةُ. قُلنَا: لِمنْ؟ قال: لِلّهِ، ولِكِتَابِهِ، ولِرَسُولِهِ، ولأئمة المُسْلِمِينَ، وعَامَّتِهِمْ» (١).\nفواجب النصح من أهم بواعث الاستدراك، فكان الأئمة يستدركون على بعضهم من باب التناصح (٢).\nالنقطة الثالثة: قاعدة تجويز الخطأ على المجتهدين (٣):\nقال - ﷺ -: «إذا حكَمَ الحَاكِمُ فَاجتَهَدَ ثمَّ أصَابَ فلَهُ أَجرَانِ وإذا حكَمَ فَاجتَهَدَ ثمَّ أَخطَأَ فلَهُ أجْرٌ» (٤). فجوز الخطأ على الحاكم المجتهد فيقاس عليه كل مجتهد، والاستدراك من الطرق المعينة على معرفة الخطأ؛ لأن معرفة ذلك عند الله - ﷿ - متعذر بعد انقطاع الوحي، ويدل عليه قوله - ﷺ -: «وإذا حَاصَرتَ أَهلَ حصْنٍ فَأَرَادوكَ أنْ تنْزِلَهُمْ على حكْمِ اللهِ فلا تنْزِلْهُمْ على حكْمِ اللهِ وَلَكنْ أَنْزِلْهمْ على حكْمِكَ فَإنَّكَ لا تَدْري أَتصِيبُ حكْمَ اللهِ فيهِمْ أمْ لا» (٥). (٦)\n_________\n(١) يُنظر: صحيح البخاري، ك: الإيمان، ب: قول النبي - ﷺ - الدين النصيحة ...، (١/ ٣٠) وذكره معلقًا؛ صحيح مسلم، ك: الإيمان، ب: بيان أن الدين نصيحة، (١/ ٧٤/ح: ٥٥).\n(٢) وسيأتي - بإذن الله - استدراك الإمام مالك على الليث بقصد النصح له في (ص: ٧٩٧).\n(٣) تُنظر هذه القاعدة في: قواطع الأدلة (٥/ ١٦)؛ شرح تنقيح الفصول (ص: ٤٣٩)؛ شرح الكوكب المنير (٤/ ٤٩٠)؛ كشف الأسرار للبخاري (٤/ ٣٢).\n(٤) يُنظر: صحيح البخاري، ك: الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، ب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، (٦/ ٢٦٧٦/ح: ٦٩١٩)؛ صحيح مسلم، ك: الأقضية، ب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، (٣/ ١٣٤٢/ح: ١٧١٦).\n(٥) يُنظر: صحيح مسلم، ك: الجهاد والسّيَرِ، ب: تَأميرِ الإمام الأمراء على البعوث ...، (٣/ ١٣٥٧/ح: ١٧٣١).\n(٦) يُنظر: نظرية النقد الفقهي (ص: ٢٤ - ٢٥).","vol":"1","page":72},{"text":"النقطة الرابعة: قاعدة لا يجوز للمجتهد تقليد مجتهد أخر (١):\nفمتى بان للمجتهد أمر يوجب الاستدراك فعليه بيانه، ولا يجوز له تقليد السابق؛ بل يجب عليه أن يقدم اجتهاده على اجتهاد غيره.\nنقل القرافي عن أبي الحسين البصري في شرح العمد: \"أنه لا يجوز التقليد في أصول الفقه، ولا يكون كل مجتهدًا فيه مصيبًا؛ بل المصيب واحد\" (٢).\nفهذا دافع للبحث في المسألة الأصولية ومعرفة الصواب، ومما يعين على ذلك الاستدراك.\nالنقطة الخامسة: قاعدة الوقوع دليل الجواز:\nوقد وقع الاستدراك في الشرع، فاستدرك الله تعالى في كتابه على أقوام، واستدرك النبي - ﷺ - على الصحابة، واستدرك الصحابة على بعضهم، واستدرك التابعون على الصحابة وعلى بعضهم. (٣)\nوأما حكم الاستدراك الأصولي فيمكن تقريره من خلال النقاط التالية:\nالنقطة الأولى: أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:\nوهو أصل عظيم تضافرت النصوص بتأييده؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].\nولا شك أن من عمل المستدرِك: إصلاح ما يراه خطأ؛ أو تبين ما أغفله\n_________\n(١) تُنظر هذه القاعدة في: البرهان (٢/ ١٣٣٩)؛ مختصر ابن الحاجب (٢/ ١٢٣٢)؛ شرح مختصر الطوفي (٣/ ٦٢٩)؛ تيسير التحرير (٣/ ١٣٤).\n(٢) يُنظر: نفائس الأصول (١/ ١٦١). ويُنظر: المعتمد (٢/ ٣٧٠).\n(٣) يُنظر: الفصل الرابع، المبحث الأول: الاستدراك في عصر التشريع (ص: ٤٥٨ - ٤٨٩).","vol":"1","page":73},{"text":"المستدرَك عليه، أو إرشاد إلى ما هو أولى من المذكور؛ وكل ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات (١).\nالنقطة الثانية: التابع يأخذ حكم المتبوع (٢):\nوالاستدراك الأصولي مبنيٌّ على علم أصول الفقه؛ وتعلم أصول الفقه يُعد عند جمهور العلماء من فروض الكفاية (٣).\nالنقطة الثالثة: أن كل ما كان فيه مصلحة عامة مقصودة منه لا غير فهو فرض كفاية (٤).\n_________\n(١) وممن صرح بذلك أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (٢/ ٢٩)؛ والماوردي في الأحكام السلطانية (ص: ٢٤٠)؛ وأبو يعلى في الأحكام السلطانية (ص: ٢٨٤)؛ والغزالي في إحياء علوم الدين (٢/ ٣٠٧)؛ وابن العربي في أحكام القرآن (١/ ٢٩٢)؛ والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (٤/ ١٦٥)؛ والنووي في شرحه على مسلم (٢/ ٢٣)؛ وابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٥/ ٦٧)؛ والشوكاني في شرح فتح القدير (١/ ٣٣٧)؛ والألوسي في روح المعاني (٣/ ٢١). ويرى بعض العلماء أن الحسبة فرض عين، ومن هؤلاء ابن حزم في المحلى (١٠/ ٥٠٥)؛ وابن كثير في تفسيره (١/ ٤١٨ - ٤١٩)؛ ومحمد رشيد رضا في تفسير المنار (٤/ ٢٦ - ٣٨).\n(٢) تُنظر القاعدة في: الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص ١٢٠)؛ الأشباه والنظائر للسيوطي (١١٧).\n(٣) يُنظر: المحصول (١/ ١٧١)؛ أصول ابن مفلح (١/ ١٧)؛ التحبير شرح التحرير (١/ ١٨٩).\n(٤) قال الطوفي: وقولنا: (هي المقصود منه لا غير) احتراز من فرض العين؛ فإن المقصود من فرض العين ليس حصول المصلحة فقط؛ بل حصول مصلحته وتعبد أعيان المكلفين به، فكل فعل فيه مصلحة وتعبد الشرع أعيان المكلفين على انفراد كل واحد منهم بتحصيل تلك المصلحة فهو فرض عين؛ كالصلوات وسائر الأركان، وإن لم يتعبد به أعيان المكلفين بل كان قصده مجرد حصول تلك المصلحة فهو فرض كفاية؛ كالجهاد ونحوه. يُنظر: علم الجذل في علم الجدل (ص: ٧ - ٨).\nفالحاصل: أن فرض العين: النظر فيه إلى الفعل والفاعل. أما فرض الكفاية: فالنظر فيه إلى الفعل، أما الفاعل فمنظور له لكن ليس بالأصالة. يُنظر: البحر المحيط (١/ ٢٤٢)؛ شرح الكوكب المنير (١/ ٣٧٤)؛ مذكرة في أصول الفقه (ص: ١٤).","vol":"1","page":74},{"text":"والاستدراك الأصولي فيه مصلحة عامة؛ لأن فيه إظهار الحق، وتكميل النفع.\nومما سبق يمكن تقرير حكم الاستدراك الأصولي بأنه فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يؤده أحد فإن الإثم يلحق جميع المتخصصين؛ لأن هذا من كتمان العلم المنهي عنه -والله أعلم-.\nإلا أنه يرتفع إلى فرض العين في حق من تفرد بالعلم في موضع لا يعلم به إلا هو.\nويُستأنس لهذا بقول أبي الحسن الباقُولي (١): \"هذه مسائلُ من كتاب الحجة (٢) وقع فيها خللٌ وتحريفٌ؛ فلم يُسوِّ أحدٌ من أصحاب أبي علي (٣) هذا التَّحريفَ، ولم يسألوه عنه حين كانوا يقرؤُونه عليه، فرأينا إصلاح ذلك من الواجبات\" (٤).\n_________\n(١) هو: أبو الحسين، علي بن الحسين بن علي الأصبهاني الباقولي، الملقب بـ (جامع العلوم)، نحوي، مُفسر. من مصنفاته: \"الاستدراك على أبي علي\"، و\" البيان في شواهد القرآن\"، و\" كشف المشكلات\"، (ت: ٥٤٣ هـ).\nتُنظر ترجمته في: معجم الأدباء (٤/ ٨٦)؛ الوافي بالوفيات (٢١/ ١٠)؛ بغية الوعاة (٢/ ١٦٠).\n(٢) كتاب الحجة لأبي علي حسن بن أحمد الفارسي النحوي (ت: ٣٧٧ هـ)، وهو شرح لكتاب القراءات السبع للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن العباس المعروف بابن مجاهد التميمي المقري (ت: ٣٢٤ هـ)، وقد اختصر كتاب الحجة لأبي علي أبو محمد مكي بن أبي طالب المقري (ت: ٤٣٧ هـ)، واختصره أيضًا أبو طاهر إسماعيل بن خلف الأندلسي (ت: ٤٥٥ هـ). يُنظر: كشف الظنون (٢/ ١٤٤٨). وكتاب الحجة مطبوع.\n(٣) هو: أبو علي، الحسن بن أحمد بن عبدالغفار الفارسي الفسوي، النحوي، كان فيه اعتزال، درس على الزجاج، وتخرج به أئمة، وكان الملك عضد الدولة يقول أنا غلام أبي علي في النحو. ومن تلامذته أيضًا: أبو الفتح بن جني. ومصنفاته كثيرة نافعة؛ منها: \"الحجة في علل القراءات\"، وكتابا \" الإيضاح\" و\" التكملة\"، (ت: ٣٧٧ هـ).\nتُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٨٠)؛ معجم الأدباء (٢/ ٤١٢)؛ وفيات الأعيان (٢/ ٨٠).\n(٤) الاستدراك على أبي علي في الحجة (ص: ٣).","vol":"1","page":75},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-26> المبحث الرابع\nاستمداد الاستدراك الأصولي</span>\nأولى العلماء عنايتهم ببيان العلوم التي يستمد منها كل علم؛ وذلك لصحة إسناده عند روم تحقيقه إليه. (١)\nوالعلوم التي يستمد منها \"الاستدراك الأصولي\" بحسب النظر في طبيعته واستقراء ما تيسر الوقوف عليه علوم شتى؛ وهي: علم الكلام، واللغة العربية، وأصول الفقه، والأحكام الشرعية، وعلوم القرآن، وعلوم الحديث، وعلم الجدل، وعلم المنطق.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-27> أولًا: استمداده من علم الكلام </span>(٢).\nويمكن إبرازه من جهتين:\nالجهة الأولى: أن علم أصول الفقه مادة الاستدراك الأصولي، وقد أُقحم فيه مسائل من علم الكلام غَصَّتْ بها الكتب الأصولية وشَرِقَتْ؛ ومن أمثال هذه المسائل: مسألة الحاكم، والتحسين والتقبيح العقليين، وشكر المنعم، وحكم الأفعال قبل ورود الشرع، والتكليف بما لا يطاق، وتكليف المعدوم، والمجتهد يخطئ ويصيب،\n_________\n(١) الإحكام للآمدي (١/ ١٩).\n(٢) علم الكلام: علمٌ يتضمن الحِجَاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف والسنة. مقدمة ابن خلدون (ص: ٤٥٨). وقريب منه في مفتاح السعادة (٢/ ١٣٢). وفي حقيقة الأمر أن مصطلح (علم الكلام) يطلق على معنين:\nالأول: استمداد العقائد من طرائق اليونان ومن وافقهم؛ وهذا مذموم.\nالثاني: اطلاقه على علوم العقائد بالإجمال، وبالتالي يشمل العقيدة المستمدة من الكتاب والسنة، وهذا ممدوح.","vol":"1","page":76},{"text":"وشرط الإرادة في الأمر، ونحو ذلك (١).\nالجهة الثانية: لا يخفى عليك أن كثيرًا من الذين كتبوا في علم أصول الفقه كانت لهم مصنفات في علم الكلام؛ كالباقلاني (٢) له في أصول الفقه كتاب \"التقريب والإرشاد\"، وله في علم الكلام \"الانتصار\" (٣) وغيره. والجويني له في الأصول \"البرهان\"، و\"التلخيص\"، و\"الورقات\"، وله في علم الكلام \"الشامل\" (٤)، و\"الإرشاد\" (٥)، و\"لمع الأدلة\" (٦)، و\"العقيدة النظامية\" (٧).\n_________\n(١) وينصح في هذا المجال بالاطلاع على كتاب المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين للدكتور محمد العروسي، ومسائل أصول الدين المبحوثة في علم أصول الفقه عرض ونقد على ضوء الكتاب والسنة للدكتور خالد عبداللطيف محمد نور.\n(٢) هو: أبو بكر، محمد بن الطيب بن محمد الباقلاني، من كبار المتكلمين، يلقب بـ (القاضي) و(شيخ السنة) و(لسان الأمة)، أصولي فقيه، من أتباع أبي الحسن الأشعري في المرحلة الثانية، شيخ الأشاعرة في زمانه، ووقد اختلفوا في مذهبه في الفروع؛ فقيل: شافعي، وقيل: مالكي. كان في غاية الذكاء والفطنة. من أبرز تلاميذه: إمام الحرمين الجويني. من مصنفاته: \"التقريب والإرشاد\"، \" إعجاز القرآن\"، \" مناقب الأئمة\"، (ت: ٤٠٣ هـ) في بغداد.\n\nتُنظر ترجمته في: تاريخ بغداد (٥/ ٣٧٩)؛ البداية والنهاية (١١/ ٣٥٠)؛ الدبياج المذهب (٢/ ٢١١)\n(٣) لم يضف حاجي خليفة وإسماعيل باشا معلومة زائدة عن اسم الكتاب والمصنف. يُنظر: كشف الظنون (١/ ١٧٣)؛ هدية العارفين (٦/ ٥٩).\n(٤) الشامل في أصول الدين: خمس مجلدات لإمام الحرمين عبدالملك بن عبدالله الجويني، (ت: ٤٧٨ هـ). يُنظر: كشف الظنون (٢/ ١٠٢٤)؛ هدية العارفين (٥/ ٦٢٦).\n(٥) الإرشاد في علم الكلام: للإمام أبي المعالي عبدالملك بن عبدالله الجويني، الشهير بإمام الحرمين، (ت: ٤٧٨ هـ). شرحه تلميذه أبو القاسم سلمان بن سليمان بن ناصر الأنصاري، (ت: ٥١٢ هـ). يُنظر: كشف الظنون (١/ ٦٨)؛ هدية العارفين (٥/ ٦٢٦).\n(٦) لمع الأدلة: للإمام عبدالملك بن عبدالله الجويني، المعروف بإمام الحرمين، (ت: ٤٧٨ هـ)، أوله: (الحمد لله القادر العليم الفاطر الحكيم) إلخ، وهو مختصر على فصول. يُنظر: كشف الظنون (٢/ ١٥٦١).\n(٧) لم يضف حاجي خليفة وإسماعيل باشا معلومة زائدة عن اسم الكتاب والمصنف. يُنظر: كشف الظنون (٢/ ١١٥٩)؛ هدية العارفين (٥/ ٦٢٦).","vol":"1","page":77},{"text":"والبزدوي (١) له مصنف في أصول الفقه (٢)، وفي أصول الدين (٣). والغزالي له في الأصول \"المستصفى\"، و\"المنخول\"، وله في علم الكلام \"الاقتصاد\" (٤) وغيره. والرازي له في أصول الفقه \"المحصول\"، و\"المعالم\"، وله في علم الكلام \"نهاية العقول في دراية الأصول\" (٥)، و\"المطالب العالية\" (٦) وغيرها. والآمدي له في أصول الفقه \"الإحكام في أصول الأحكام\"، وله في علم الكلام \"أبكار\n_________\n(١) هو: أبو الحسن، علي بن محمد بن الحسين بن عبدالكريم البزدوي، فخر الإسلام، أبو العسر، من كبار فقهاء وأصوليي الحنفية. من مصنفاته: \"تفسير القرآن\"، و\" شرح الجامع الصغير\"، و\" كنز الوصول\"، (ت: ٤٨٢ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: الجواهر المضيئة (٢/ ٩٩٧)؛ تاج التراجم (ص: ٢٠٥ - ٢٠٦)؛ الفوائد البهية (ص: ٢٤).\n(٢) واسمه \" كنز الوصول إلى معرفة الأصول \" الشهير بـ\" أصول البزدوي\"، وهو كتاب عظيم، وعليه شروح كثيرة؛ من أشهرها: \"كشف الأسرار لعبدالعزيز البخاري\". يُنظر: كشف الظنون (١/ ١١٢)؛ إيضاح المكنون (٤/ ٣٨٨)؛ معجم المؤلفين (٧/ ١٩٢)؛ تاريخ الأدب العربي (٦/ ٦٦٠ - ٦٦١).\n(٣) واسمه \" الميسَّرُ في الكلام \" ذكره بروكلمان في تاريخ الأدب العربي (٦/ ٦٦٢)، وذكر وجود نسخة منه في جامعة الملك سعود بالرياض (٢٥٧٨)، وفي مكتبة ولي الدين بإستانبول برقم (١٤٥٤)، وفي رأمبور أول (٣٢٣ رقم: ٣١٢).\n(٤) الاقتصاد في الاعتقاد: للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي، (ت: ٥٠٥ هـ). يُنظر: كشف الظنون (١/ ١٣٥).\n(٥) نهاية العقول في دراية الأصول- يعنى أصول الدين-: للإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي، (ت: ٦٠٦ هـ)، رتبه على عشرين أصلًا، وأول الكتاب: \"أما بعد حمدًا لله على تسابق آلائه، وتلاحق نعمائه \" إلخ. يُنظر: كشف الظنون (٢/ ١٩٨٨).\n\nوالكتاب مخطوط، له نسخ خطية في خزانات كثيرة؛ منها دار الكتب المصرية برقم (٧٤٨) علم الكلام.\n(٦) المطالب العالية (في الكلام): للإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي، (ت: ٦٠٦)، وشرحه: عبدالرحمن المعروف بحلبي زادة. يُنظر: كشف الظنون (٢/ ١٧١٤).","vol":"1","page":78},{"text":"الأفكار (١) \"، و\"غاية المرام\" (٢). والبيضاوي له في أصول الفقه \"منهاج الوصول إلى علم الأصول\"، وله في علم الكلام \"طوالع الأنوار\" (٣) وغيره. والإيجي (٤) له في أصول الفقه \"شرح مختصر ابن الحاجب\"، وله في علم الكلام \"المواقف\" (٥) وغيره. والتفتازاني (٦) له في أصول الفقه \"التلويح إلى كشف حقائق التنقيح\"، و\"حاشية\n_________\n(١) رتبه على ثمان قواعد متضمنة جميع مسائل الأصول؛ وهي:\n١ - العلم، ٢ - النظر، ٣ - الموصل إلى المطلوب، ٤ - انقسام المعلوم، ٥ - النبوات، ٦ - المعاد، ٧ - الأسماء، ٨ - الإمامة. ثم اختصره في رموز الكنوز. يُنظر: كشف الظنون (١/ ٤).\n(٢) غاية المرام في علم الكلام، للإمام سيف الدين الآمدي، (ت: ٦٣١)، أوله: \"الحمد لله الذي زلزل بما أظهر من صنعته \" إلخ، ورتبه على ثمانية قوانين. يُنظر: كشف الظنون (٢/ ١١٩٣).\n(٣) طوالع الأنوار (مختصر في الكلام): للقاضي عبدالله بن عمر البيضاوي، (ت: ٦٨٥)، أوله: \"الحمد لمن وجب وجوده \"إلخ، وهو متن متين، اعتنى العلماء في شأنه، فصنف عليه أبو الثناء شمس الدين محمود بن عبدالرحمن الأصفهانى (ت: ٧٤٩ هـ)، شرحًا نافعًا. يُنظر: كشف الظنون (٢/ ١١١٦).\n(٤) هو: أبو الفضل، عبدالرحمن بن أحمد بن عبدالغفار الإيجي - نسبة إلى إيج بفارس-، عضد الدولة، قاضي قضاة الشرق، وشيخ العلماء بتلك البلاد، عالم بالأصول والمعاني والعربية، إمام في علوم متعددة، محقق مدقق، وكان صاحب ثروة وجود وإكرام للوافدين وطلبة العلم، ذا تصانيف مشهورة منها؛ \" شرح المختصر لابن الحاجب\"، و\" المواقف\"، و\" الجواهر\" وكلاهما في الكلام، (ت: ٧٥٦ هـ) في السجن.\n\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى (١٠/ ٤٦)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ٢٧)؛ بغية الوعاة (٢/ ٧٥).\n(٥) المواقف في علم الكلام: للعلامة عضد الدين عبدالرحمن بن أحمد الإيجي، القاضي، (ت: ٧٥٦ هـ)، ألفه لغياث الدين وزير خدابنده، وهو كتاب جليل القدر، رفيع الشأن، اعتنى به الفضلاء، فشرحه عدد؛ منهم: السيد الشريف علي بن محمد الجرجاني، (ت: ٨١٦ هـ). يُنظر: كشف الظنون (٢/ ١٨٩١).\n(٦) هو: مسعود بن عمر بن عبدالله التفتازاني، سعد الدين، العلامة الشافعي، برع في الأصول، والتفسير، والنحو، والأدب، وعلم الكلام، والمنطق. له مصنفات مشهورة منها؛ \" التلويح في كشف حقائق التنقيح \" في أصول الفقه، \"تهذيب المنطق\"، \"مقاصد الطالبين\"، (ت: ٧٩١ هـ)، وقيل: (٧٩٣ هـ) بسمرقند.\n\nتُنظر ترجمته في: شذرات الذهب (٦/ ٣١٩)؛ الدرر الكامنة (٦/ ١١٢)؛ الفتح المبين للمراغي (٢/ ٢٠٦).","vol":"1","page":79},{"text":"على شرح العضد الإيجي\"، وله في علم الكلام \"المقاصد\" (١) وغيره. والأمثلة كثيرة، وفيما ذكر كفاية (٢)، \"والفطام عن المألوف شديد\" (٣)؛ لذلك تجدهم يكثرون من العزو إلى كتبهم الكلامية أو إلى علم الكلام عمومًا أثناء بحث المسألة الأصولية (٤)، فنشأت كثير من المصنفات الأصولية التي بين أيدينا في جحور المتكلمين، وبين أكنافهم، فصبغت بنزعات أشعرية (٥) وماتردية (٦) ومعتزلية (٧)، فيدور النزاع بين هذه الفرق، وتكثر الاستدراكات، مما ألقى بظلاله على الصياغة الأصولية، فصيغت بحروفهم،\n_________\n(١) المقاصد في علم الكلام: للعلامة سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني، (ت: ٧٩١ هـ)، أوله: \"حمدًا لمن تفوح نفحات الإمكان \" إلخ، رتبه على ستة مقاصد، وفرغ من تأليفه سنة (٧٨٤ هـ)، وقد شرحها الفضلاء، وعليها حاشية لعلي القاري في مجلد. يُنظر: كشف الظنون (٢/ ١٧٨٠).\n(٢) يُنظر: مسائل أصول الدين المبحوثة في علم أصول الفقه (ص: ٤٨ - ٤٩).\n(٣) مقولة الغزالي في المستصفى (١/ ٢٨).\n(٤) يُنظر مثلًا: الإمام الباقلاني في مختصر التقريب والإرشاد (١/ ٢٤٦)؛ والجويني في البرهان (١/ ٢٧٠)؛ والرازي في المحصول (٣/ ٢٢٨) (٤/ ٢٥٧، ٢٧٩) (٦/ ١٧، ٩٣، ١١٠)؛ والآمدي في الإحكام (١/ ٢٥ - ٢٦، ٧٧).\n(٥) الأشاعرة: فرقة نسبت إلى أبي الحسن الأشعري في مرحلته الثانية، ويُسمون \" السبعية \"؛ لأنهم يثبتون لله تعالى سبع صفات، ويؤولون ما عداها. ومن العجيب أن أبا الحسن رجع في الجملة عن هذا المذهب في حين بقي أتباعه عليه. يُنظر: الملل والنحل (١/ ٧٤)؛ فرق معاصرة (٣/ ١٢٠٥).\n(٦) الماتردية: فرقة تنسب إلى أبي منصور الماتريدي- نسبة إلى ما تريد من بلدان سمرقند -، نفت الماتريدية جميع الصفات الخبرية الثابتة بالكتاب والسنة، واكتفوا بثمان صفات، هي: الحياة، القدرة، العلم، الإرادة، السمع، البصر، الكلام، التكوين. يُنظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب (١/ ٩٥)؛ فرق معاصرة (٣/ ١٢٢٧) ..\n(٧) المعتزلة: فرقة ظهرت في أواخر العصر الأموي، جاءت في بدايتها بفكرتين مبتدعتين: الأولى: القول بأن الإنسان يخلق أفعاله بنفسه. الثانية: القول بأن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنًا ولا كافرًا؛ بل هو بمنزلة بين المنزلتين. وسبب تسميتهم بالمعتزلة: أن واصل بن عطاء اعتزل مجلس الحسن البصري، فقال الحسن: اعتزلنا واصل. يُنظر: الملل والنحل (١/ ٤٣١)؛ الفرق بين الفرق (ص: ٩٣)؛ الموسوعة الميسرة في الأديان (١/ ٦٤).","vol":"1","page":80},{"text":"ونوقشت بحبرهم؛ حتى نُسب جزء من هذا العلم إليهم، فقيل: طريقة المتكلمين (١).\nيقول الإمام الغزالي موضحًا سبب إقحام مواضيع من علم الكلام في علم الأصول: \"وإنما أكثر فيه المتكلمون من الأصوليين؛ لغلبة الكلام على طبائعهم، فحملهم حُبُّ صناعتهم على خَلْطِه بهذه الصنعة\" (٢).\nوأذكر لك من كلام الأصوليين ما يقرر وجود مسائل من علم الكلام:\nقال الرازي في ختام مسألة (عصمة الأنبياء): \"وقد سيقت هذه المسألة في علم الكلام ومن أراد الاستقصاء فعليه بكتابنا في عصمة الأنبياء (٣)، والله أعلم\" (٤).\nوذكر الآمدي في مسألة (حد الأمر): \"وليقنع بهذا هاهنا عما استقصيناه من الوجوه الكثيرة في علم الكلام\" (٥).\n_________\n(١) والأصوب أن يقال في هذه الطريقة: طريقة الجمهور؛ لأن ممن كتب على هذه الطريقة من يُنابذ علم الكلام؛ كالإمام السمعاني - ﵀ -؛ بل وصف المتكلمين بالأجانب؛ إذ قال في مقدمة كتابه القواطع: \"وما زلت طول أيامي أطالع تصانيف الأصحاب في هذا الباب وتصانيف غيرهم، فرأيت أكثرهم قد قنع بظاهر من الكلام، ورائق من العبارة، لم يداخل حقيقة الأصول على ما يوافق معاني الفقه، وقد رأيت بعضهم أوغل وحلل وداخل غير أنه حاد عن محجة الفقهاء في كثير من المسائل، وسلك طريق المتكلمين الذين هم أجانب عن الفقه ومعانيه؛ بل لا قبيل لهم فيه ولا دبير، ولا نقير ولا قطمير، .... \" قواطع الأدلة (١/ ٦). وفي هذا يقول الدكتور موسى القرني: \"إن علم الكلام الذي يُنسب إليه المتكلمون علم مذموم عند السلف، وهو شعار لمن ترك الاستدلال بالكتاب والسنة، ومال إلى أقوال الفلاسفة وقواعد المنطقيين، فإطلاق هذه التسمية على من عدا الأحناف من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وغيرهم إطلاق يحمل في لفظه ما يقتضي رفضه، ويدل معناه على ما يستوجب نقضه\". مرتقى الوصول إلى تاريخ علم الأصول (ص: ٣٧).\n(٢) المستصفى (١/ ٢٧).\n(٣) قال حاجي خليفة: \"عصمة الأنبياء لفخر الدين الرازي، أوله: الحمد لله المتعالي بجلال أحديته عن مسارح الخواطر إلخ، وهو مختصر مرتب على فصول\". يُنظر: كشف الظنون (٢/ ١١٤١).\n(٤) يُنظر: المحصول (٣/ ٢٢٨).\n(٥) يُنظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٢/ ١٧١). وكثير ما يُحيل إلى كتابه \" أبكار الأفكار\".","vol":"1","page":81},{"text":"ويقول الإسنوي (١) في مسألة (المستفتى فيه) عندما تكلم على الاستفتاء في الأصول كوجود الصانع، ووحدته،، وإثبات الصفات، ودلائل النبوة: \"وهذه المسألة محلها علم الكلام؛ فلذلك اختصر فيها المصنف (٢) \" (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-28> ثانيًا: استمداده من علوم اللغة العربية</span>.\nموضوع علم أصول الفقه الذي يعد مادة \"الاستدراك الأصولي\" هو: الأدلة، والأدلة عربية، والاستدلال بها يتوقف على معرفة طرق دلالة النص (٤) على ما يحمله من معنى، والمعنى الذي يحمله النص في علوم اللغة العربية على ثلاثة أنواع:\n١ - المعنى الحقيقي: وهو المعنى الذي وضع له اللفظُ أصالة، وهذا من مباحث علم المعجم.\n٢ - المعنى الاستعمالي: وهو الذي تجاوزت فيه اللغة المعنى الحقيقي إلى معنى\n_________\n(١) هو: أبو محمد، عبدالرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي - نسبة إلى إسنا من صعيد مصر- المصري الشافعي، جمال الدين، كان فقيهًا أصوليًا مفسرًا نحويًا، اتصف بالبر والتواضع والتودد إلى الناس. من مصنفاته: \"التمهيد في تخريج الفروع على الأصول\"، و\" الكوكب الدري\"، و\" نهاية السول\"، (ت: ٧٧٢ هـ).\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ١٧١)؛ النجوم الزاهرة (١١/ ١١٤)؛ شذرات الذهب (٦/ ٢٢٣).\n(٢) أي: البيضاوي، يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع نهاية السول - (٢/ ١٠٥٣). وسبقت ترجمة البيضاوي (ص: ٤١).\n(٣) يُنظر: نهاية السول (٢/ ١٠٥٤).\n(٤) لعلماء الأصول في تقسيم طرق دلالة اللفظ على الأحكام منهجان: الأول: منهج الجمهور، والثاني: منهج الحنفية. فالجمهور يقسمون طرق دلالة اللفظ على الأحكام إلى قسمين أساسين هما: المنطوق والمفهوم. يُنظر: شرح تنقيح الفصول (ص: ٢٧١)؛ شرح مختصر الروضة (٢/ ٧٠٤)؛ البحر المحيط (٤/ ٥).\nأما الحنفية فقسموا طرق دلالة اللفظ على الأحكام إلى أربعة أقسام: دلالة العبارة، ودلالة الإشارة، ودلالة النص، ودلالة الاقتضاء. يُنظر: أصول السرخسي (١/ ٢٣٦)؛ كشف الأسرار للبخاري (١/ ١٧١ - ١٩٥).","vol":"1","page":82},{"text":"آخر على سبيل المجاز أو الكناية، وهذا من مباحث علم البلاغة.\n٣ - المعنى الوظيفي: ما تؤديه الكلمة - بما لها من معنى حقيقي أو استعمالي - أثناء تركيبها مع غيرها؛ ككونها حدثًا صدر عن الذات، أو فاعلًا صدر عنه الحدث، أو مفعولًا وقع عليه الحدث، أو تميزًا لمبهم لما قبلها، أو استثناءً من حكم سابق، أو شرطًا لحكم لا حق، أو غير ذلك من معانٍ وظيفية لا تفهم إلا عند التركيب، وهذا المعنى من مباحث علم النحو.\nوالأصوليون بحثوا فيما يساعدهم في فهم معنى النص في المعاني الثلاثة ... -الحقيقي والاستعمالي والوظيفي- في مباحث الألفاظ (١)، فتكلموا عن الأمر والنهي، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والحقيقة والمجاز، والاستثناء والاشتراك، والمنطوق والمفهوم، ومعاني الحروف، وغيرها. (٢)\nوكانوا أثناء عرض هذه المواضيع تحدث بينهم مخالفة في الرأي ينتج عنها استدراكات، كما أن الأصوليين يستدرك بعضهم على بعض في كثير من المسائل التي لا تشترك مع علم النحو والبلاغة بما ثبت في اللغة العربية.\nوأذكر لك - أيها القارئ الكريم - مقولات عن بعض الأصوليين تشير إلى استمداد علم أصول الفقه من اللغة العربية:\nيقول الإمام الشيرازي: \"واعلم أن الكلام في هذا الباب كلام في باب من أبواب النحو؛ غير أنَّه لما كثر احتياج الفقهاء إليه ذكرها الأصوليون\" (٣).\nويقول إمام الحرمين: \"اعلم أن معظم الكلام في الأصول يتعلق بالألفاظ\n_________\n(١) يُنظر: البحث النحوي عند الأصوليين (ص: ٩).\n(٢) يُنصح في هذا المجال بالاطلاع على \" البحث النحوي عند الأصوليين \" للدكتور: مصطفى جمال الدين، و\"البحث البلاغي عند الأصوليين\" لحسن هادي التميمي.\n(٣) اللمع في أصول الفقه (ص: ١٣٨).","vol":"1","page":83},{"text":"والمعاني ... وأما الألفاظ فلا بد من الاعتناء بها؛ فإن الشريعة عربية، ولن يستكمل المرء خِلال الاستقلال بالنظر في الشرع مالم يكن ريَّانًا من النحو واللغة ... \" (١).\nويقول في موضع آخر: \"ثم تكلموا في أمور هي محض العربية، ولست أرى ذكرها هنا؛ ولكن أذكر منها ما تكلم فيه أهل النظر من الفقهاء والأصوليين، ثم لا أَجدُ بُدًّا من ذكر معاني الحروف، وهي كثيرة الدوران في الكتاب والسنة\" (٢).\nويقول أيضًا: \"فهذه جمل اعتاد الأصوليون الكلام عليها، فحرصنا على التنبيه على مقاصد قويمة عند أهل العربية، مع اعترافنا بأن حقائقها تتلقى من فن النحو\" (٣).\nويقول الغزالي: \"كما حَمَلَ حُبُّ اللغة والنحو بعض الأصوليين على مزج جملة من النحو بالأصول، فذكروا فيه من معاني الحروف، ومن معاني الإعراب جملًا، هي من علم النحو خاصة\" (٤).\nويقول القرافي (٥): \" ... فإن الشريعة المحمدية - زاد الله تعالى منارها شرفًا وعُلوًّا - اشتملت على أصول وفروع. وأصولها قسمان: أحدهما المسمى: بأصول الفقه، وهو غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية\n_________\n(١) البرهان في أصول الفقه (١/ ١٦٩).\n(٢) البرهان في أصول الفقه (١/ ١٧٩ - ١٨٠).\n(٣) المصدر السابق (١/ ١٩٦).\n(٤) المستصفى (١/ ٢٧).\n(٥) هو: أبو العباس، أحمد بن إدريس بن عبدالرحمن بن عبدالله ابن يَلِّين الصَّنْهَاجي البَفْشِيمي، القرافي، المصري، شهاب الدين، الإمام العلامة، انتهت إليه رئاسة الفقه على مذهب مالك، تتلمذ على العز بن عبدالسلام وابن الحاجب وغيرهما، كان بارعًا في الأصول والفقه والحديث والتفسير والعلوم العقلية وعلم الكلام والنحو. من مصنفاته: \"التنقيح\" وشرحه، \"نفائس الأصول\" شرح محصول الرازي، \"العقد المنظوم في الخصوص والعموم\"، (ت: ٦٨٤ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الدبياج المذهب (١/ ٦٢)؛ شجرة النور الزكية (ص: ١٨٨)؛ الفتح المبين للمراغي (٢/ ٨٦).","vol":"1","page":84},{"text":"خاصة، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح؛ نحو: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، والصيغة الخاصة للعموم، ونحو ذلك ... \" (١).\nبل حتى علماء اللغة العربية أشاروا إلى العلاقة بين علم اللغة العربية وعلم أصول الفقه، يقول الأنباري (٢): \" ... فإن علوم الأدب ثمانية: النحو، واللغة، والفقه، والتصريف، والعروض، والقوافي، وصنعة الشعر، وأخبار العرب، وأنسابهم. وألحقنا بالعلوم الثمانية علمين ووضعناهما؛ وهما: علم الجدل في النحو، وعلم أصول النحو، فيعرف به القياس وتركيبه وأقسامه، من قياس العلة، وقياس الشبه، وقياس الطرد، إلى غير ذلك على حد أصول الفقه؛ فإن بينهما من المناسبة ما لا يخفى؛ لأن النحو معقول من منقول؛ كما أن الفقه معقول من منقول، ويعلم حقيقة هذا أرباب المعرفة بهما\" (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-29> ثالثًا: استمداده من أصول الفقه</span>.\nاستمداد \"الاستدراك الأصولي\" من أصول الفقه واضح بين؛ إذ هو يتناول من تلك الأصول التعقيبات على الحدود، والتقسيمات والأنواع والشروط، ونسبة الأقوال، والأدلة والاستدلال، والتخريج، وكل ما يذكره الأصوليون في مصنفاتهم\n_________\n(١) الفروق (١/ ٦٢).\n(٢) هو: أبو البركات، عبدالرحمن بن محمد بن عبيد الله بن أبي سعيد الأنباري، كمال الدين، النحوي، الرجل الصالح، برع في الأدب حتى صار شيخ العراق في عصره، وأقرأ الناس، ودرّس النحو بالنظامية، ثم انقطع في منزله مشتغلًا بالعلم والعبادة والورع وإفادة الناس. بلغت مصنفاته مائة وثلاثين مصنفًا، أكثرها نحو، وبعضها في الفقه والأصول، والتصوّف، والزهد. من مصنفاته: \"أسرار العربية\"، و\" الإنصاف في مسائل الخلاف\"، و\" نزهة الألبّاء في طبقات الأدباء\"، (ت: ٥٧٩ هـ).\nتُنظر ترجمته في: تاريخ الإسلام (٤٠/ ٢٣٨)؛ البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (١/ ١٣٣)؛ النجوم الزاهرة (٦/ ٩٠).\n(٣) نزهة الألباء في طبقات الأدباء (ص ٧٦).","vol":"1","page":85},{"text":"الأصولية؛ من تصويب، أو إكمال، أو دفع لبس، أو تخطئة، أو تضعيف، أو نقد، أو توجيه لمعنى أولى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-30> رابعًا: استمداده من تصور الأحكام الشرعية</span>.\nيمكن إبراز الاستدركات من جهتين:\nالجهة الأولى: تصور الأحكام الشرعية؛ وذلك لأن الناظر في علم أصول الفقه الذي يعتبر مادة الاستدراك إنما ينظر في أدلة الأحكام الشرعية؛ فلا بد أن يكون متصورًا لمعانيها؛ ليتصور القصد إلى إثباتها أو نفيها، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بضرب الأمثلة الفقهية (١). ولا يخفى عليك وقوع الخلاف في مباحث الحكم مما فاء بالاستدراكات.\nالجهة الثانية: الاستدراكات على ذات الأحكام الشرعية الواقعة في كتب التخريج، وعلى الأمثلة والشواهد الفقهية في كتب الأصول المصنفة على الطرق الأخرى.\nيقول الغزالي: \"وكما حَمَلَ حُبُّ الفقه جماعة من فقهاء ما وراء النهر _كأبي زيد (٢) - ﵀ - وأتباعه_ على مزج مسائل كثيرة من تفاريع الفقه بالأصول؛ فإنهم وإن أوردوها في معرض المثال، وكيفية إجراء الأصل في الفروع؛ فقد أكثروا فيه\" (٣).\n_________\n(١) الإحكام للآمدي (١/ ٢٢)؛ شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (١/ ١٠٦).\n(٢) هو: أبو زيد، عبدالله بن عمر بن عيسى الدبوسي، نسبة إلى دبوسة بلدة بين بخارى وسمرقند، وقيل: اسمه: عُبيد الله، شيخ الحنفية بما وراء النهر، كان إمامًا قاضيًا فقهيًا نحويًا، وهو أول من وضع علم الخلاف وأبرزه. من مصنفاته: \"الأسرار في الفقه\" - حقق في رسائل دكتوراه في جامعة أم القرى -، و\" تأسيس النظر\"، و\"تقويم الأدلة\" في الأصول، (ت: ٤٣٠ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الأنساب (٢/ ٤٥٤)؛ البداية والنهاية (١٢/ ٤٦ - ٤٧)؛ الجواهر المضيئة (٢/ ٣١٩، ٤٩٩).\n(٣) المستصفى (١/ ٢٧ - ٢٨).","vol":"1","page":86},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-31> خامسًا: استمداده من علوم القرآن </span>(١):\nويمكن إبرازها من جهتين:\nالجهة الأولى: أن موضوع الاستدراك داخل في أصول الفقه، وتوجد مسائل مشتركة بين أصول الفقه وعلوم القرآن؛ ومن أمثال هذه المسائل: النسخ، المحكم والمتشابه، الحقيقة والمجاز، الظاهر المؤول، المجمل والمبين، العام والخاص، المطلق والمقيد، المنطوق والمفهوم.\nإلا أن الأصوليين بحثوا هذه المسائل بتوسع لعنايتهم بالأدلة ودلالاتها، فكان بحثهم متميزًا عن بحث علوم القرآن، كما أضافوا مسائل لها أثر في التفسير لم تبحث في علوم القرآن؛ كمسألة الزيادة على النص هل هي نسخ؟، وحكم العمل بالظاهر، وأقسام التأويل وشروطه وفيما يدخل، وأنواع المجمل وما يقع به البيان، وهل للعموم صيغة؟ وتعارض العام والخاص، وحكم العمل بالعام قبل البحث عن المخصص، وغيرها من المسائل.\nالجهة الثانية: لا يخفى عليك أن من أشهر الذين كتبوا في علوم القرآن: الإمام الطوفي، والزركشي (٢)، والإمام السيوطي (٣)، ولهم مصنفات في أصول الفقه،\n_________\n(١) المراد بعلوم القرآن: العلوم التي تتناول الأبحاث المتعلقة بالقرآن؛ من حيث معرفة أسباب النزول، وجمع القرآن وترتيبه، ومعرفة المكي والمدني، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، إلى غير ذلك مما له صلة بالقرآن. وتسمى هذه العلوم أيضًا بـ (أصول التفسير)؛ لأنها تتناول المباحث التي لا بد للمفسر من معرفتها للاستناد إليها في تفسير القرآن. يُنظر: مباحث في علوم القرآن (ص: ١٢).\n(٢) هو: أبو عبدالله، محمد بن عبدالله بن بهادر الزركشي، الشافعي، بدر الدين، من علماء التفسير والحديث والفقه والأصول، لقب بـ (المصنف) لكثرة تصانيفه؛ والتي منها: \"البحر المحيط في أصول الفقه\"، و\"سلاسل الذهب\" في الأصول أيضًا، و\"المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر\"، (ت: ٧٩٤ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ١٦٧)؛ النجوم الزاهرة (١٢/ ١٣٤)؛ الدرر الكامنة (٣/ ٣٩٧).\n(٣) هو: عبدالرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضيري السيوطي، جلال الدين، إمام حافظ ومؤرخ أديب، أعلم أهل زمانه بعلم الحديث، له (٦٠٠) مصنف؛ منها: \"الإتقان في علوم القرآن\"، و\" ترجمان القرآن\"، وله نظم على جمع الجوامع، (ت: ٩١١ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الضوء اللامع (٤/ ٦٥)؛ شذرات الذهب (١٠/ ٧٤)؛ الأعلام (٣/ ٣٠١).","vol":"1","page":87},{"text":"واختلفت طريقة دراستهم للمسائل المشتركة. فالإمام الطوفي له في علوم القرآن \"الإكسير في علم التفسير (١) \"، وله في الأصول \"شرح مختصر الروضة\". والزركشي له في علوم القرآن \"البرهان في علوم القرآن\"، وله في الأصول \"البحر المحيط في أصول الفقه\" و\"سلاسل الذهب\". والسيوطي له في علوم القرآن \"الإتقان في علوم القرآن\"، وله في الأصول \"شرح الكوكب الساطع نظم جمع الجوامع\". (٢)\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-32> سادسًا: استمداده من علوم الحديث</span>.\nاهتم المحدثون بالسنة النبوية، فنقلوا أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله وتقريراته وسيرته وشمائله؛ حتى يتسنى الاقتداء به. كما اهتم الأصوليون بالسنة النبوية؛ باعتبارها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، فبحثوا في حجيتها ودلالتها على الأحكام، وهذا بطبعه أدى إلى وجود عدد من المسائل المشتركة بين العلِمين وإن اختلفت طريقة البحث بينهما؛ ومن أمثلة هذه المسائل: تعريف الخبر وأقسامه، خبر الواحد، شروط الراوي، الجرح والتعديل، كيفية التحمل والأداء، المرسل، رواية مجهول الحال والعين والمستور، رواية الصبي، زيادة الثقة، إنكار الأصل، رواية الفرع، رواية الحديث بالمعنى، المراد بالصحابي، وغيرها من المواضيع. (٣)\n_________\n(١) ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ١٤٣)، والكتاب مطبوع.\n(٢) يُنصح في هذا المجال بالاطلاع على كتاب \" المسائل المشتركة بين علوم القرآن وأصول الفقه وأثرها في التفسير\" للدكتور: فهد بن مبارك الوهبي.\n(٣) يُنصح في هذا المجال بالاطلاع على \" القواعد والمسائل الحديثية المختلف فيها بين المحدثين وبعض الأصوليين وأثر ذلك في قبول الأحاديث وردها \" للدكتورة أميرة بنت علي الصاعدي.","vol":"1","page":88},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-33> سابعًا: استمداده من علم الجدل </span>(١):\nأدرج ابْنُ خَلدُون (٢) الجدل ضمن متعلقات علم أصول الفقه (٣).\nوفرعه الطوفي عن أصول الفقه فقال: \"واعلم أن مادة الجدل: أصول الفقه؛ من حيث هي إذ نسبته إليها نسبةَ معرفة نظم الشعر إلى معرفة أصل اللغة، فالجدل إذن: أصول فقه خاص، فهي تلزم الجدل وهو لا يلزمها؛ لأنها أعم منه، وهو أخص منها\" (٤).\nووافقه طَاشْ كُبْرَى زَادَه (٥) فقال: \"واعلم أنه يمكن جعل علم الجدل\n_________\n(١) علم الجدل: علم أو آلة يتوصل بها إلى فتل الخصم عن رأيه إلى غيره بالحجة. ويقال أيضًا في حده: قانون صناعي يعرف أحوال المباحث من الخطأ والصواب على وجه يدفع عن نفس الناظر والمناظر الشك والارتياب. يُنظر: الجدل على طريقة الفقهاء (ص: ١)؛ الواضح في أصول الفقه (١/ ٢٩٧)؛ علم الجَذَل في علم الجدل (ص: ٣)؛ مفتاح السعادة (١/ ٢٨١).\n(٢) هو: أبو زيد، عبدالرحمن بن محمد بن محمد الحضرمي الإشبيلي المالكي، المعروف بابن خلدون، برع في العلوم، وتقدم في الفنون، ومهر في الأدب والكتابة، ولي قضاء المالكية بمصر، وعزل ثم أعيد. من مصنفاته: \"التاريخ الكبير \" في سبع مجلدات ضخمة، \" العبر ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر\"، أوله \" المقدمة\"، و\"رسالة في المنطق\"، (ت: ٨٠٨ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: النجوم الزاهرة (١٣/ ١٥٥ - ١٥٦)؛ الضوء اللامع (١١/ ٢٤٦)؛ نفح الطيب (٤/ ٤١٤).\n(٣) مقدمة ابن خلدون (ص: ٤٥٧).\n(٤) علمُ الجَذَل في علمِ الجدل (ص: ٤).\n(٥) هو: أبو الخير، أحمد بن مصلح الدين، المشتهر بـ (طاش كبرى زادة)، عصام الدين، درس بعدة مدارس، ثم قلد قضاء قسطنطينية، فأجرى الأحكام الدينية إلى أن رمد رمدًا شديدًا انتهى إلى أن عميت عيناه فاستعفى عن المنصب. من مصنفاته: \"المعالم في الكلام\"، و\" حاشية على حاشية التجريد للشريف الجرجاني\"، و\"مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم\"، (ت: ٩٦٨ هـ).\nتُنظر ترجمته في: شذرات الذهب (٨/ ٣٥٢)؛ طبقات المفسرين للأدنه وي (ص: ٣٨٧)؛ كشف الظنون (٢/ ١٧٦٢).","vol":"1","page":89},{"text":"والخلاف من فروع علم أصول الفقه\" (١).\nويمكن إبراز تأثير الجدل في علم أصول الفقه - الذي هو مادة الاستدراك الأصولي- في النقاط التالية:\nأولًا: إضافة مقدمة في علم الجدل ضمن مقدمات علم أصول الفقه، وتفرد بهذا ابن عقيل في كتابه \"الواضح في أصول الفقه\"، وعلل ذلك بقوله: \" ... رأيتُ أن أُشْفِعَها بذكر حدود الجدل، وعقوده، وشروطه، وآدابه، ولوازمه؛ فإنه من أدوات الاجتهاد ... فجمعتُ بذلك بين قواعد العِلمين: أصول الفقه والجدل\". (٢)\nثانيًا: إضافة مسائل وموضوعات علم الجدل في علم أصول الفقه؛ كقوادح القياس والاعتراضات الواردة على القياس، وفي هذا يقول الغزالي: \" ... وراء هذه اعتراضات؛ مثل: المنع (٣)، وفساد الوضع (٤)، وعدم التأثير (٥)،\n_________\n(١) مفتاح السعادة (١/ ٢٨٤).\n(٢) (١/ ٢٩٥).\n(٣) سيأتي التعريف به عند الحديث عن معايير الاستدراك في (ص: ٥٦٢).\n(٤) فساد الوضع: أن يعلق على العلة ضد ما تقتضيه. يُنظر: الواضح في أصول الفقه (٢/ ٢٨٨)؛ تشنيف المسامع (٣/ ٢٧١ - ٣٧٣)؛ فواتح الرحموت (٢/ ٣٤٦)؛ نشر البنود (٢/ ٢٣٣).\nمثاله: أن يقول المستدل الحنفي أو الحنبلي في عدم وجوب الكفارة في القتل العمد: القتل العمد كبيرة من الكبائر فلا يُوْجِب الكفارة قياسًا على الردة. فيقول المعترض الشافعي: قياسكَ فاسد الوضع؛ لأن العلة _وهي كون القتل كبيرة_ تقتضي التغليظ في العقوبة لا التخفيف، وإيجاب الكفارة تغليط، وإسقاطها تخفيف. يُنظر: الواضح في أصول الفقه (٢/ ٢٨٨)؛ تشنيف المسامع (٣/ ٢٧١ - ٣٧٢).\n(٥) عدم التأثير: اشتمال الكلام على لفظ لا أثر له، وله خمسة أقسام: الأول: عدم التأثير في الوصف، الثاني: عدم التأثير في الأصل، الثالث: عدم التأثير في الحكم، الرابع: عدم التأثير في محل النزاع، الخامس: عدم التأثير في الأصل والفرع معًا. يُنظر: البرهان في أصول الفقه (٢/ ١٠٠٧)؛ شرح الكوكب المنير (٤/ ٢٦٤ - ٢٧٥)؛ فواتح الرحموت (٢/ ٣٣٨)؛ نثر الورود (٢/ ٥٢٤ - ٥٢٩).\n\nمن أمثلته - عدم التأثير في الأصل-: أن يقول المستدل في عدم صحة بيع الغائب: مبيع غير مرئي فلا يصح بيعه قياسًا على الطير في الهواء. فيقول المعترض: الوصف - غير مرئي- عديم التأثير؛ وذلك لأن الحكم يثبت بدونه؛ فإن الطير في الهواء لا يصح بيعه ولو كُنَّا نراه. يُنظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٤٨)؛ شرح الكوكب المنير (٤/ ٢٢٦)؛ فواتح الرحموت (٢/ ٣٣٨)؛ نثر الورود (٢/ ٥٢٦).","vol":"1","page":90},{"text":"والكسر (١)، والفرق (٢)، والقول بالموجَب (٣)، والتَّعْدِيَة (٤)، والتَّرْكِيب (٥).\nوما يتعلق فيه تصويب نظر المجتهدين قد انطوى تحت ما ذكرناه، وما لم يندرج تحت ما ذكرناه فهو نظر جدلي يتبع شريعة الجدل التي وضعها الجدليون باصطلاحهم، فإن لم يتعلق بها فائدة دينية فينبغي أن نشح على الأوقات أن نضيعها بها وتفصيلها، وإن تعلق بها فائدة؛ من ضم نشر الكلام، ورد كلام المناظرين إلى مجرى الخصام؛ كيلا يذهب كل واحد عرضًا وطولًا في كلامه، منحرفًا مقصد نظره؛ فهي ليست فائدة من جنس أصول الفقه؛ بل هي من علم الجدل، فينبغي أن تفرد بالنظر، ولا تمزج بالأصول التي يقصد بها تذليل طرق الاجتهاد للمجتهدين\" (٦).\n_________\n(١) سيأتي التعريف به عند الحديث عن معايير الاستدراك في (ص: ٥٧٣).\n(٢) سيأتي التعريف به عند الحديث عن معايير الاستدراك في (ص: ٥٨٦).\n(٣) سيأتي التعريف به عند الحديث عن معايير الاستدراك في (ص: ٥٨٤).\n(٤) التعدية: معارضة وصف المستدل بوصف آخر متعدِّ. مثاله: أن يقول المستدل: بكر فجاز خيارها كالصغيرة. فيقول المعترض: البكارة وإن تعدت إلى البكر البالغة؛ فالصغر متعد إلى الثيب الصغيرة. يُنظر: مختصر ابن الحاجب (٢/ ١١٥٦ - ١١٥٧)؛ شرح الكوكب المنير (٤/ ٣١٤)؛ إرشاد الفحول (٢/ ٢٣٧).\n(٥) التركيب: إبداء أن قياس الخصم مركب من مذهبين مختلفين، وشرط حكم الأصل أن لا يكون ذا قياس مركب. يُنظر: مختصر ابن الحاجب (٢/ ١٠٣٨ - ١٠٣٩، ١١٥٦)؛ شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٥٢ - ٥٥٤)؛ إرشاد الفحول (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨).\n\nمثاله: أن يقول المستدل الحنبلي في عدم صحة نكاح البكر البالغة بلا ولي: أنثى فلا تزوج نفسها بغير ولي كابنة خمس عشرة سنة. فيقول المعترض الحنفي: أنت عللت المنع في البالغة بالأنوثة، والمنع في بنت خمس عشرة عندي مُعلل بالصغر؛ فإن وافقتني على ذلك وإلا أجزتُ نكاح ابنة خمسة عشر سنة بلا ولي، فما اتفقت علة الأصل والفرع؛ فلا يصح قياسك. يُنظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٥٢ - ٥٥٣).\n(٦) المستصفى (٣/ ٧٤٦ - ٧٤٧).","vol":"1","page":91},{"text":"ثالثًا: استخدام الأسلوب الجدلي؛ كالفنقلة، وابتداء الأجوبة بالمنع أو التسليم، ووصف القائل بالمذهب المقابل بالخصم والمخالف، وهذا يظهر جليًّا في الكتب المصنفة على طريقة الجمهور مما يغني عن التمثيل. (١)\nرابعًا: اقتران علم الجدل بعلم الأصول في بعض المصنفات الأصولية مما يدل على العلاقة بينهما؛ ككتاب \"منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل\" لابن الحاجب. كما صنف علماء الأصول مصنفات في علم الجدل؛ ككتاب \"المنهاج في ترتيب الحِجاج\" للباجي، و\"المعونة في الجدل\" لأبي إسحاق الشيرازي، و\"الكافية في الجدل\" لإمام الحرمين الجويني، و\"الجدل على طريقة الفقهاء\" لابن عقيل، و\"علم الجَذَل في علم الجدل\" للطوفي، وغيرها كثير. (٢)\nوأما عن تأثير الجدل في الاستدراك الأصولي فيظهر جليًّا في النقطة الثانية -إضافة مسائل وموضوعات علم الجدل في علم أصول الفقه-؛ حيث استخدمت قوادح العلة موادًا للاستدراك (٣). ويظهر التأثير كذلك في النقطة الثالثة: استخدام الأسلوب الجدلي في الاستدراك (٤).\n_________\n(١) يُنظر: علاقة علم أصول الفقه بعلم المنطق (ص: ٤٦٠ - ٤٦١).\n(٢) يُنظر: الجدل عند الأصوليين (ص: ١١٤ - ١١٨).\n(٣) يُنظر: (ص: ٥٥٨ - ٥٨٠).\n(٤) يُنظر: (ص: ٦٩٦).","vol":"1","page":92},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-34> ثامنًا: استمداده من علم المنطق </span>(١):\nيُعد علم المنطق من العلوم المشاركة للاستدراك الأصولي؛ وذلك بسبب إقحام جملة من الموضوعات والألفاظ المنطقية إلى علم الأصول، ويمكن إبرازها في النقاط التالية:\nأولًا: إضافة المقدمة المنطقية ضمن مقدمات علم أصول الفقه (٢)، ومن ذلك مناقشة فكرة الحد وتعريفها، وذكر شرطها وغرضها، أو تقسيم العلم إلى ضروري ونظري، ونحو ذلك من المسائل التأصيلية التي جعلت في مقدمة الكتب الأصولية (٣)\n_________\n(١) علم المنطق: علم يتعرف منه كيفية اكتساب المجهولات التصورية أو التصديقية من معلوماتها. يُنظر: مفتاح السعادة (١/ ٢٧٢). وقيل في حد المنطق: قانون تعصم مراعاته الذهن عن الخطأ في فكره. يُنظر: شرح الأخضري على السلم المنورق (ص: ٢٣ - ٢٤)؛ إيضاح المبهم من معاني السلم في المنطق (ص: ٤).\n(٢) كما فعل الغزالي في كتاب المستصفى (١/ ٣٠ - ١٧٥)، وتبعه بعض الأصوليين في ذلك؛ كابن قدامة في الروضة (١/ ٥٦ - ٩٦)، وابن الحاجب في مختصره (١/ ٢٠٦ - ٢٢٣)؛ والأصفهاني في الكاشف عن المحصول (١/ ١٢٥)؛ والقرافي في شرح تنقيح الفصول (ص: ٤ - ١٥).\n(٣) افتتح القول في تقرير صناعة الحدود في كتب أصول الفقه القاضي الباقلاني في كتابه \" مختصر التقريب والإرشاد \" حيث عقد بابًا وعنونه \" بالقول في حدِّ الحد \" (١/ ١٩٩)، ثم تابعه في ذلك عدد من الأصوليين؛ كالقاضي أبي يعلى في العدة (١/ ٧٤)؛ أبي الخطاب الكلوذاني في التمهيد في أصول الفقه (١/ ٣٣)؛ والباجي في إحكام الفصول (١/ ١٧٤). كما عقد الباجي مصنفًا مفردًا بعنوان \" الحدود في الأصول \" ذكر فيه معنى الحد (ص: ٢٣ - ٢٥)، وكما تعرض الشيرازي لبعض مسائل الحد في اللمع (ص: ٢٩)، وشرح اللمع (١/ ١٤٥)، وإمام الحرمين الجويني في التلخيص (١/ ١٠٧)، والإمام السمعاني مع غلبة الأثر والفقه عليه إلا أن غلبة المصنفات المتقدمة لم تمكنه من الانفكاك عن مناقشة حد الحد وشروطه في قواطعه (١/ ٤٤ - ٤٥)، وابن قدامة في الروضة (١/ ٥٨ - ٦٧)؛ والقرافي في شرح تنقيح الفصول (ص: ٤ - ١٥)؛ وابن الحاجب في مختصره (١/ ٢٠٧ - ٢١٠) وتبعه جميع الشراح للمختصر، المحبوبي في التلويح (١/ ٢٨ - ٣٠)؛ وابن عقيل في الواضح (١/ ١٤ - ١٧)؛ والمرداوي في التحبير شرح التحرير (١/ ٢٧٠ - ٢٧٩)؛ والزركشي في البحر المحيط (١/ ٩٢ - ١٠٩).","vol":"1","page":93},{"text":"والتي محلها كتب المنطق.\nثانيًا: إدراج المباحث اللفظية في علم المنطق ضمن المبادئ اللغوية في كتب الأصول؛ كالكلي (١) والجزئي (٢)، والذاتي (٣) والعرضي (٤)، وبحث الكليات الخمس وغيرها (٥). كما استخدموا بعض المصطلحات المنطقية في شرح التعريفات؛ كمصطلح \"الجنس (٦) \" و\"الفصل (٧)\n\"، وهذا من الكثرة ما يغني عن التمثيل له.\n_________\n(١) الكلي: كل مفهوم ذهني لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه. ومن أمثلته: الإنسان، الشمس، وينفسم الكلي باعتبار وجود أفراده في الخارج وعدم وجودها وباعتبار الكم والكيف إلى ستة أقسام مفصلة في كتب المنطق. يُنظر: معيار العلم (ص: ٣٩ - ٤١)؛ ضوابط المعرفة (ص: ٣٥ - ٣٦).\n(٢) الجزئي: كل مفهوم ذهني يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه. ومن أمثلته: قولك: زيد، هذا فرس. يُنظر: معيار العلم (ص: ٣٩)؛ ضوابط المعرفة (ص: ٣٥).\n(٣) الذاتي: وهو ما كان جزءًا من الذات. وعرف بتعريفات آخرى. يُنظر: شرح الملوي على السلم مع حاشية الصبان (ص: ٦٥ - ٦٦).\n(٤) العرضي: وهو ما كان خارجًا عن الذات. وعرف بتعريفات آخرى، يُنظر: المرجع السابق. وقيل في حده أيضًا: الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى موضع أي محل يقوم به؛ كاللون المحتاج في وجوده إلى جسم يحله ويقوم به. يُنظر: التعريفات (ص: ١٩٢). ويُنظر الفرق بين الذاتي والعرضي في آدب البحث والمناظرة (ص: ٥١).\n(٥) ذكر الفخر الرازي ذلك في المحصول (١/ ٢٢١ - ٢٢٤)؛ والآمدي في الإحكام (١/ ٧٦)؛ والبيضاوي في المنهاج (ص: ١٩٩)، وتابعه على ذلك شُرَّاح منهاجه.\n(٦) الجنس: ما يكون جزءًا من الماهية ومشتركًا بين الماهية وغيرها. وقيل أيضًا في حده: لفظ كلي يشتمل على أنواع كثيرة مختلفين في الحقيقة. مثال الجنس: (الحيوان) يتناول: الإنسان، الفرس، الغزال ... إلخ وهذه الأنواع مختلفة في حقيقتها، إذ حقيقة الإنسان غير حقيقة الفرس والغزال. يُنظر: شرح الملوي على السلم مع حاشية الصبان (ص: ٦٨)؛ ضوابط المعرفة (ص: ٣٩).\n(٧) الفصل: ما يكون جزءًا من الماهية خاصًا بها .. وقيل في حده أيضًا: لفظ كلي يتناول من الماهية الجزء الذي يميز النوع عن سائر الأنواع المشاركة في الجنس. مثال الفصل: (الناطق) كلي يتناول جزء ماهية الإنسان الذي يميزه عن غيره. يُنظر: شرح الملوي على السلم مع حاشية الصبان (ص: ٦٩)؛ ضوابط المعرفة (ص: ٤٠).","vol":"1","page":94},{"text":"ثالثًا: إعمال صور وأشكال الأدلة المنطقية في الاستدلالات الأصولية كالتلازم (الشرطي المتصل) (١)، وقياس الخُلْف (٢)، ودليل السَّبْر والتقسيم (الشرطي المنفصل) (٣)، وصور القياس الاقتراني (٤). (٥)\nفكل هذه النقاط كانت محلًاّ للاستدراك، فنجد مثلًا استدراك بعض الأصوليين على بعضهم في الحدود (٦) والاستدلالات باستخدام الأساليب المنطقية؛ مثل: السبر والتقسيم، والتلازم، وصور القياس الاقتراني.\nوأختم بمقولة الطوفي التي تدل على إقحام موضوعات من علم المنطق في علم\n_________\n(١) \"التلازم\" عند المتكلمين، أما المنطقيون فيسمونه \"الشرطي المتصل\". وسيأتي تعريفه في (ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.).\n(٢) قياس الخلف: أحد صور القياس الشرطي المتصل عند المنطقيين. وسيأتي تعريفه أيضًا في (ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.)، وهذا القياس يستخدمه الأصوليون كثيرًا في تقرير القواعد الأصولية. يُنظر مثلًا: المحصول (٢/ ٥٢٧) (٦/ ٢٤٢).\n(٣) \" السبر والتقسيم\" عند المتكلمين، أما المنطقيون فيسمونه \" الشرطي المنفصل\". وسيأتي أيضًا تعريفه في (ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.). ويُنصح في هذا المجال بالاطلاع على السبر والتقسيم وأثره في التقعيد الأصولي، دراسة نظرية مع التطبيق على مسائل الحكم الشرعي والأدلة، رسالة دكتوراه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية للدكتور: سعيد بن متعب القحطاني.\n(٤) وسيأتي تعريفه في (ص: ٤٢٣)، وهذا القياس أيضًا يستخدمه الأصوليون في تقرير القواعد الأصولية. يُنظر: المحصول (٦/ ١١٣).\n(٥) ينصح في هذا المجال بالاطلاع على كتاب \"طرق الاستدلال ومقدماتها عند المناطقة والأصوليين\" للدكتور يعقوب الباحسين؛ \"علاقة علم أصول الفقه بعلم المنطق\" رسالة ماجستير من جامعة أم القرى للأستاذ وائل بن سلطان الحارثي؛ \"الصلة بين أصول الفقه الإسلامي وعلم المنطق\" للدكتور: رافع طه الطيف الرفاعي العاني.\n(٦) ظاهرة نقد الحدود نشأت متأثرة بنظرية الحدود المنطقية كأثر تطبيقي نتيجة لإعمال ضوابط وشرائط الحد. يُنظر: علاقة أصول الفقه بعلم المنطق (ص ٣٩٠).","vol":"1","page":95},{"text":"الأصول: \" ... العالم بأصول الفقه دون فروعه؛ ككثير من الأعاجم تتوفر دواعيهم على المنطق والفلسفة والكلام، فيتسلطون به على أصول الفقه؛ إما عن قصد، أو استتباع لتلك العلوم العقلية؛ ولهذا جاء كلامهم عريًّا عن الشواهد الفقهية المقربة للفهم على المشتغلين، ممزوجًا بالفلسفة؛ حتى إنَّ بعضهم تكلف إلحاق المنطق بأوائل كتب أصول الفقه، لغلبته عليه، واحتج بأنه من موادِّه ... \" (١).\n_________\n(١) شرح مختصر الروضة (٣/ ٣٧).","vol":"1","page":96},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-35> المبحث الخامس\nنسبة الاستدراك الأصولي</span>\nبنسبة العلم يُعرف مراتب العلوم، فيقدم ما حقه التقديم في الطلب على غيره.\nوالاستدراك يُنسب إلى المستدرك فيه، فالاستدراك في التفسير ينسب إلى علم التفسير، والاستدراك في الحديث ينسب إلى علم الحديث، والاستدراك في الفقه ينسب إلى علم الفقه، وإذا تقرر هذا فالاستدراك الأصولي ينسب إلى أصول الفقه، فمادة الاستدراك الأصولي: أصول الفقه، فالاستدراك الأصولي أصول فقه خاص، فالعلاقة بينهما علاقة اللازم والملزوم (١)، فأصول الفقه لازم للاستدراك الأصولي، وهو لا يلزم أصول الفقه؛ لأن أصول الفقه أعم من الاستدراك (٢)، وعليه فأصول الفقه سابق للاستدراك الأصولي ولازم له، ولا يلزم من أصول الفقه أن يلحقه استدراك.\n_________\n(١) علاقة اللازم والملزوم هي: أن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم، ووجود الملزوم يقتضي وجود اللازم، ولا يلزم من وجود اللازم وجود الملزوم. يُنظر: إيضاح المبهم من معاني السلم في علم المنطق (ص: ١٦).\n(٢) يلزم من ثبوت الأخص ثبوت الأعم، ومن نفي الأعم نفي الأخص، بخلاف العكس. يُنظر: شرح الأخضري على السلم المنورق (ص: ٣٦).","vol":"1","page":97},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-36> المبحث السادس\nفضل الاستدراك الأصولي</span>\nمعرفة فضيلة العلم من دواعي الإقبال على طلبه وتحصيله، وفضيلة كل علم بحسب شرف معلومه وفائدته (١)، ويمكن تقرير فضل الاستدراك في النقاط التالية:\n١ - فضل الاستدراك الأصولي من فضل علم الأصول؛ لأن التابع له حكم المتبوع.\n٢ - الاستدراك على كلام العلماء ومصنفاتهم عملٌ منيف، ومطلبٌ شريف، وما زال هذا دأب العلماء، وعمل الشرفاء، فالعلم موصول بين أهله، رحم بين ذويه.\n٣ - الاستدراك يساعد على تطور ونمو العلوم، وتلافي ما عساه يكون خطأ، فتسلم بذلك العلوم من الغث والدخيل، وما كان كذلك فهو علم فاضل.\n_________\n(١) يُنظر: النشر الطيب (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦).","vol":"1","page":98},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-37> المبحث السابع\nالثمرة من الاستدراك الأصولي</span>\nاهتم العلماء ببيان ثمرة وفائدة العلوم؛ حتى لا يكون سعي الطالب فيها عبثًا، ولبيان الاستدراكات وبحثها فوائد كثيرة أذكر لك بعضها:\n١ - إن من أهم ما يستفاد من دراسة الاستدراكات الأصولية: إثراء مباحث علم الأصول، فكم من الاستدراكات كانت تصويبًا لخطأ، أو تكميلًا لنقص، أو دفعًا للبس، أو توجيهًا لأولى، أو تنقيحًا لعلم الأصول بما شابه، وهذا كله ساعد على تطوير علم أصول الفقه، كما أنه يُساعد على الخروج من ظاهرة تضخيم التراث، فمن يستدرك على غيره هو سالك لإحدى مسالك وطرق التصنيف، فلا يخلو التصنيف عن تأليف، أو تصحيح، أو إكمال، أو اختصار، أو شرح، أو جمع (١)، وربما تفنن المستدرك في استدراكه فنال من مقاصد التصنيف مسالك عدة.\n٢ - دراسة الاستدراكات الأصولية تُمكِّن المتعلم من الوقوف على شيء من جهد علماء الأصول ومناهجهم في النقد والتصويب، والتحقيق والتدقيق، وفي هذا إثراء لثقافة المتعلم، وإكسابه ملكة النقد الهادف.\n٣ - إن دراسة الاستدراكات الأصولية يُبطل زعم الناقمين على أصول الفقه بوصفهم إياه بأنه علم جامد.\n٤ - دراسة الاستدراكات الأصولية خير معين على تحصيل علم أصول الفقه، وتمكنه وقراره في نفس المتعلم، ففهم المصنفات الأصولية لا يتم إلا بالخوض في غمار\n_________\n(١) يُنظر: الفتح المبين في حل رموز ومصطلحات الفقهاء والأصوليين للحفناوي (ص: ١٨١ - ١٨٢).","vol":"1","page":99},{"text":"مفهومها، والغوص في منطوقها، واستخراج ما بها من درر، فكم من الاستدراكات كانت إجابة عن تساؤل في ذهن القارئ، أو حلًاّ لمعضلة استحكمت على فهمه.\n٥ - دراسة الاستدراكات الأصولية فيه مُدارسة لعلم أصول الفقه، وثمرة مدارسة العلوم غير خافية، ناهيك عن حصول سعة في الأفق، وتوسع في المدارك، وهو بعينه ما يحتاجه المتخصص.\n٦ - دراسة الاستدراكات الأصولية تُعين على فهم كثير من العلوم الأخرى؛ كالعقيدة والتفسير والحديث والفقه والنحو وغيرها، فيحقق في الدارس قوة الإدراك لحقائق هذه العلوم، والكشف عن دفائنها، وكيفية النظر فيها، والاستفادة منها.\n٧ - دراسة الاستدراكات الأصولية تُعين على الموازنة والمقارنة بين المذاهب والآراء الأصولية لبيان الأرجح والأولى بالقبول.\n٨ - إن الغرض الحقيقي من دراسة الاستدراكات الأصولية إظهار الحق وإيضاح الصواب لِيُتبع، دون قصد الاعتراض على ماضٍ، أو الاعتداد على باقٍ.\n٩ - إن دراسة الاستدراكات الأصولية فيه دليل على علو شأن عدد من علماء الأصول في العلم والدين (١)، حيث احتوى على نماذج رائعة للرجوع إلى الحق عند ظهوره كما هو دأب القوم - ﵏ -.\nإذا استدرك الإنسانُ مَا فاتَ مِن عُلًا ... فلِلْحَزْمِ يُعزَى لا إلى الجهلِ يُنسَبُ (٢)\n١٠ - إن دراسة الاستدراكات الأصولية تُجَلِّي صورة مشرقة من أدب الخلاف بين علماء الأصول، وحسن البيان في الاعتراض.\n_________\n(١) وسأذكر بيان ذلك - بإذن الله - في الفصل الثالث \" استدراك الأصولي على نفسه\" (ص: ٣٣٨).\n(٢) البيت لأبي محمد، أحمد بن عبدالقادر بن أحمد بن مكتوم القيسي، تاج الدين الحنفي النحوي، (ت: ٧٤٩ هـ). يُنظر: الدرر الكامنة (١/ ٢٠٥)؛ بغية الوعاة (١/ ٣٢٧)؛ الطبقات السنية في تراجم الحنفية (١/ ٣٨٢).","vol":"1","page":100},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-38> المبحث الثامن\nالواضع للاستدراك الأصولي</span>\nذكر حَاجِي خَلِيفَة (١):\nأن القاضي سراج الدين الأرموي (٢) أورد أسئلة في كتابه \"التحصيل\" على \"المحصول\"، فقام أحد نساخ التحصيل بجمعها في آخر النسخة (٣) وتكلم عليها، ثم شرحها محمد بن يوسف الجزري (٤)\n_________\n(١) هو مصطفى بن عبدالله بن محمد القسطنطيني، الشهير بحاجي خليفة، وكاتب جلبي، أديب فاضل، من الحنفية، تول أعمالًا كتابية في الجيش العثماني. من مؤلفاته: \"تحفة الأخيار في الحكم والأمثال والأشعار\"، و\"سلم الوصول إلى طبقات الفحول\"، و\" كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون\"، (ت: ١٠٦٧ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: التعليقات السنية (ص ١٩)؛ هدية العارفين (٦/ ٤٤٠)؛ الأعلام (٧/ ٢٣٦).\n(٢) هو: أبو الثناء، محمود بن أبي بكر بن أحمد الأرموي، نسبة إلى أُرمية - بلدة بأذريجان -، من علماء الشافعية، ولي القضاء بقونية. له عدة مصنفات منها؛ \" التحصيل \" اختصر فيه محصول الرازي، \" البيان \" في المنطق، وقيل: شرح الوجيز للغزالي، (ت: ٦٨٢ هـ).\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٨/ ٣٧١)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ٢٠٢)؛ الأعلام (٧/ ١٦٦).\n(٣) وهذه النسخة موجودة في مكتبة ولي الدين جار الله أفندي الملحقة بالمكتبة السليمانية العامة بإستانبول، رقم (٤٤٤) (ص: ٢٤) من الفهرس، كتبت سنة (٧٠٧ هـ). يُنظر: قسم الدراسة من التحصيل (١/ ١٢٩).\n(٤) هو: أبو عبدالله، محمد بن يوسف بن أبي بكر بن هبة الله الجزري، شمس الدين، الخطيب، الفقيه الشافعي، النحوي، كان عالمًا بالفقه والأصول والنحو والمنطق والأدب والرياضيات، وولي خطابة الجامع الصالحي بمصر ثم الطولوني، وقرأ عليه التقي السبكي، وروى عنه، وكان حسن الصورة، حلو العبارة، كريم الأخلاق؛ ساعيًا في حوائج الناس. من مصنفاته: \" شرح ألفية ابن مالك\"، وشرح أسئلة القاضي سراج الدين في التحصيل، و\" شرح منهاج البيضاوي\" ومات قبل إكماله، (ت: ٧١١ هـ) وقد جاوز الثمانين.\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٩/ ٢٧٥)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ٢٣٦)؛ بغية الوعاة (١/ ٢٧٨).","vol":"1","page":101},{"text":"في كتاب مستقل (١).\nوهذه الأسئلة ما هي إلا استدراكات. فبالتالي أقرر أن شرح أسئلة القاضي سراج الدين لمحمد بن يوسف الجزري هو أول تصنيف مستقل للاستدراك الأصولي التطبيقي.\nولم أقف بعده على مصنف للاستدراك الأصولي؛ إلا أن الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية جاء في إفادتها تسجيل مشروع علمي بعنوان \" الاستدراكات الأصولية على جمع الجوامع\".\nوهذا المشروع من قبيل الدراسة التطبيقية، فلم توجد له دراسة تأصيلية قبل هذا البحث، فكان لي قصب السَّبْق في ذلك، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.\nإلا أن الاستدراك الأصولي التطبيقي ظهر مع أول مصنف في الأصول وهو \"الرسالة\"؛ حيثُ استخدام الإمام الشافعي - ﵀ - أسلوب الاستدراك التقديري لتقرير القواعد الأصولية، ثم تتابع الأصوليون في الاستدراك على بعضهم، فكان الاستدراك الأصولي يظهر ممزوجًا مع أغراض أخرى للتصنيف، فتجد المصنف يجمع بين التأليف والاستدراك، أو الشرح والاستدراك، ونحو ذلك.\n_________\n(١) يُنظر: كشف الظنون (١/ ٩٣) (٢/ ١٦١٥)، ولم يقف على هذا الشرح محقق التحصيل د. عبدالمجيد أبو زنيد، يُنظر: قسم الدراسة في التحصيل (١/ ١٢٩).","vol":"1","page":102},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-39> المبحث التاسع\nمسائل الاستدراك الأصولي</span>\nمسائل العلوم: هي القضايا التي يطلب في ذلك العلم نسبة محمولاتها إلى موضوعاتها بالبرهان، فهي نفس العلم، ولا يصح عدها من المبادئ؛ وإنما الذي يعد من المبادئ ضبطها بوجه إجمالي؛ لتقوية البصيرة في طلبها. (١)\nقال الزركشي: \"وأما مسائل كل علم فهي مطالبه الجزئية التي يطلب إثباتها فيه؛ كمسائل العبادات والمعاملات ونحوها للفقه، ومسائل الأمر والنهي، والعام والخاص، والإجماع والقياس، وغيرها لأصول الفقه \" (٢).\nويمكن القول إن مسائل الاستدراك الأصولي ذات صلة وثيقة بموضوعه؛ لأن موضوعات المسائل هي نفسها موضوعات العلم.\nولما كان موضوع العلم - كما سبق - هو ما يبحث فيه عن الأحوال العارضة له؛ فإن مسائله هي معرفة هذه الأحوال.\nوسبق في موضوع الاستدراك أنه الخلل الواقع فيما يذكره الأصوليون، أو هو ما يذكره الأصوليون في مصنفاتهم الأصولية من جهة ما يعرض لها من إكمال نقص، أو دفع وهم، أو تصحيح خطأ، أو نقد، أو توجيه لأولى.\nإذا تقرر هذا فإن مسائل الاستدراك الأصولي بالاعتبار الأول هي:\n_________\n(١) يُنظر: نشر الطيب (١/ ٢٥٤ - ٢٥٦).\n(٢) البحر المحيط (١/ ٣١).","vol":"1","page":103},{"text":"١ - الخلل في عنوان المسألة.\n٢ - الخلل في الحدود.\n٣ - الخلل في تحرير محل الخلاف.\n٤ - الخلل في منشأ الخلاف.\n٥ - الخلل في التقسيم.\n٦ - الخلل في الأقوال.\n٧ - الخلل في الدليل.\n٨ - الخلل في الاستدلال.\n٩ - الخلل في الأمثلة.\n١٠ - الخلل في التخريج.\nفهذه المسائل يستدرك فيه الخلل بالتصويب، أو التكميل، أو دفع اللَّبْس، أو النقد.\nومسائله بالاعتبار الثاني هي:\n١ - عنوان المسألة.\n٢ - الحدود.\n٣ - تحرير محل الخلاف.\n٤ - منشأ الخلاف.\n٥ - التقسيم.\n٦ - الأقوال.\n٧ - الدليل.\n٨ - الاستدلال.","vol":"1","page":104},{"text":"٩ - الأمثلة.\n١٠ - التخريج.\nفهذه المسائل يستدرك عليها بالتصويب، أو التكميل، أو دفع اللَّبْس، أو النقد، أو التوجيه للأولى.\nهذا آخر المبادئ العشرة، وبعد معرفتها ناسب الحديث عن أركانه، وشروطه، وأسبابه، وهو عنوان الفصل التالي.","vol":"1","page":105},{"text":"الفصل الثاني","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>الفصل الثاني أركان الاستدراك الأصولي، وأسبابه، وشروطه</span>.\nوفيه ثلاثة مباحث:\n- المبحث الأول: أركان الاستدراك الأصولي، وتطبيقاته.\n- المبحث الثاني: أسباب الاستدراك الأصولي، وتطبيقاته.\n- المبحث الثالث: شروط الاستدراك الأصولي، وتطبيقاته.","vol":"1","page":107},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-41> المبحث الأول أركان الاستدراك الأصولي، وتطبيقاته</span>.\nوفيه تمهيد، وأربعة مطالب:\n- تمهيد: المراد بأركان الاستدراك الأصولي.\n- المطلب الأول: المُستدرَك عليه.\n- المطلب الثاني: المستدرك فيه.\n- المطلب الثالث: المُستدِرك.\n- المطلب الرابع: المستدرك به.\n\n* * ... * ** * ... * *","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>تمهيد\nالمراد بأركان الاستدراك الأصولي</span>\nالأركان: جمع ركن، وأرجع ابن فارس (الراء والكاف والنون) إلى أصل واحد يدلُّ على القوة. (١)\nفالركن في اللغة: الجانب الأقوى من الشيء، فركن الرجل: قومه وعَدَدُه ومادته، وفي التنزيل: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]. (٢)\nوفي الاصطلاح: ركن الشيء: هو جزؤه الداخل في حقيقته. (٣)\nفمثلًا: السجود ركن في الصلاة، فهو جزء من الصلاة، داخل في حقيقتها.\nوسبق تعريف الاستدراك الأصولي بأنه: تعقيب ما يذكره الأصوليون في مصنفاتهم الأصولية بمخالف له في نفسه.\n• وعلى هذا فالمراد بأركان الاستدراك الأصولي: ما لا يقوم تعقيب اللفظ أو المعنى الأصولي إلا به.\nوالاستدراك له ركن واحد؛ وهو: المستدرك به؛ إلا أن هذا الركن له متعلقات تسبقه ناسب الحديث عنها قبل الولوج في الركن، وهذه المتعلقات:\n١ - المُستدرَك عليه. ٢ - المستدرك فيه. ٣ - المُستدِرك.\nوتفصيلها في المطالب التالية:\n_________\n(١) مقاييس اللغة (٢/ ٤٣٠).\n(٢) يُنظر: الصحاح (ص: ٤٢٦)؛ لسان العرب (٦/ ٢١٨)؛ أقرب الموارد (١/ ٤٢٩) مادة:: \"ركن\".\n(٣) يُنظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٢٢٦). ويُنظر كذلك: الحدود الأنيقة (ص: ٧١)؛ التعريفات (ص: ١٤٩).","vol":"1","page":109},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-43> المطلب الأول\nالمُستدرَك عليه</span>\nوهو الأصولي صاحب القول، أو المعنى الأول في عملية الاستدراك.\nويمكن حده بأنه: المُتعقَّب عليه في لفظه أو معناه الأصولي.\nوالمُستدرَك عليه له ثلاث حالات:\n١ - مُستدرَك عليه معلومًا في العملية الاستدراكية، فيسميه المستدرِك؛ ومن أمثلة ذلك:\nأولًا: استدراك الشُّراح على أصحاب المتون؛ كاستدراك القرافي على الرازي في النفائس (١)، واستدراك الإسنوي على البيضاوي في نهاية السول (٢)، واستدراك البَابَرْتِي (٣)\nعلى ابن الحاجب في الردود والنقود (٤).\n_________\n(١) جاء في مقدمته: \" ... أضع شرحًا أودعه بيان مشكله، وتقييد مهمله، وتحرير ما اختل من فهرسة مسائله، والأسئلة الواردة على متنه ... \". (١/ ٩١).\n(٢) جاء في مقدمته: \" ... منبهًا فيه على أمور أخرى مهمة: أحدها: ذكر ما يرد عليه من الأسئلة التي لا جواب عنها أو عنها جواب ضعيف. الثاني: التنبيه على ماوقع فيه من الغلط في النقل. الثالث: تبين مذهب الشافعي بخصوصه ... السابع: التنبيه على كثير مما وقع فيه الشارحون من التقريرات التي ليست مطابقة ... \" نهاية السول (١/ ٣ - ٥).\n(٣) هو: أكمل الدين محمد بن محمد بن محمود بن أحمد الرومي البابرتي الحنفي، الفقيه، الأصولي، الأديب، النحوي، المتكلم، المفسر، عرض عليه القضاء مرارًا فامتنع. من مصنفاته: شرح الهداية المسمى\" العناية\"، وشرح أصول البزدوي المسمى \"التقرير\"، وله الحاشية على تفسير الكشاف، (ت: ٧٨٦ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: النجوم الزاهرة (١١/ ٣٠٢ - ٣٠٣)؛ تاج التراجم (ص: ٢٧٦ - ٢٧٧)؛ الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة (٤/ ٢٥٠).\n(٤) جاء في مقدمته: \" ... ومنهم الإمام المختصر المدقق جمال الدين ابن الحاجب، اختصر الإحكام اختصارًا كاد أن يخرجه عن الإفهام، فأغرب به بما أعجب ذوي الأوهام ... وها أنا قد كشفت عن ساعدي نقد (للمختصر) يُنَبِّه الفطن على ما غفلوا من ماجد الأصحاب، وتعسفوا فتركوا إلى القشر ما هو محض اللباب ... \" (١/ ٨٧ - ٨٨).","vol":"1","page":110},{"text":"ومثال ذلك: استدراك الأصفهاني والقرافي على الرازي في أن دلالة الإجماع قطعية، فقال الأصفهاني: واعلم أن المشهور أن الإجماع حجة قاطعة، وأنه يقدم على الأدلة كلها، ولا يعارضه دليل أصلًا. والمصنف خالف في هذه المسألة؛ فإنه يرى أن الإجماع لا يفيد إلا الظن، ومن المعلوم أن ذلك يظهر بالأدلة الدالة على كون الإجماع حجة، فإن كان فيها قاطع حصل المقصود؛ وهو القطع، وإن لم يكن فيها قاطع استحال القطع) (١).\nوقال القرافي: (... فإن المصنف قد أكثر التشنيع في هذا المقام، وأداه صعوبة هذا الموضع إلى أن قال: الإجماع ظني، وهو خلاف إجماع من تقدمه كما حكاه هو هاهنا، ...) (٢).\nثانيًا: استدراك أصحاب الحواشي على الشراح؛ مثل: استدراك التفتازاني (٣) على العضد، واستدراك المُطِيْعِي (٤) على الإسنوي.\n_________\n(١) الكاشف عن المحصول (٥/ ٣٦٨).\n(٢) النفائس (٦/ ٢٥٨٤).\n(٣) جاء في مقدمته: \" ... وكأنهم احتظوا مني في بعض مظان اللَّبْس ومواقع الارتياب بما يفيد المرام، ويميط الحجاب، فالتمسوا تعليق حواش تزيل فضل القناع ... \". حاشية التفتازاني على شرح العضد (١/ ١٦).\n(٤) هو: محمد بن بخيت بن حسين المطيعي - نسبة إلى بلدة المطيعة في أسيوط مصر- الحنفي، درس على كبار علماء الأزهر - ومنهم الشيخ الشربيني-، كان عالمًا بالأصول والفقه والتوحيد والتفسير والمنطق والفلاسفة وغيرها، وكان واسع الصدر، زاهدًا في المال، من مصنفاته: \"إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة\". وله في الأصول: \"البدر الساطع على مقدمة جمع الجوامع\"، و\" تعليقات على نهاية السول\"، (ت: ١٣٥٤ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الفتح المبين للمراغي (٣/ ١٨١ - ١٨٧)؛ معجم المطبوعات العربية والمعربة (١/ ٥٣٨ - ٥٣٩)؛ الأعلام (٦/ ٥٠).\nجاء في مقدمته: \" ... طلب مني بعض أفاضل أهل العلم أن أكتب على شرح الإسنوي المسمى (بنهاية السول على منهاج الوصول) للعلامة القاضي البيضاوي، تقييدات لطيفة، وتحقيقات شريفة، توضح ما أشكل على الطلاب في هذا العصر من معانيه، وتشمل الجواب على عما استشكله على المنهاج ولم يجب عنه فيه، مع بيان ما كان حقًّا من الاعتراض، بدون ميل عن الحق والاعتراض، وغير ذلك مما تدعو إليه حاجة الناظرين لإحقاق الحق، وتمييز الصواب من الخطأ\". سلم الوصول لشرح نهاية السول (١/ ٣).","vol":"1","page":111},{"text":"مثال ذلك: ما ذكره الإسنوي من اعتراض الخصم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] على حجية القياس بقوله: \"إنه لا يلزم من الأمر بالاعتبار الذي هو القدر المشترك الأمر بالقياس؛ فإن القدر المشترك معنى كلي، والقياس جزئي من جزئياته، والدال على الكلي لا يدل على الجزئي\" (١).\nوذكر جواب البيضاوي على هذا الاعتراض، ثم أضاف جوابه فقال: \"وقد يجاب بجواب آخر؛ وهو: أن الأمر بالماهية المطلقة وإن لم يدل على وجوب الجزئيات؛ لكنه يقتضي التخيير بينهما عند عدم القرينة، والتخيير يقتضي جواز العمل بالقياس، وجواز العمل به يستلزم وجوب العمل به؛ لأن كل من قال بالجواز قال بالوجوب\" (٢).\nفاستدرك المطيعي على جواب الإسنوي فقال: \"قال الإسنوي: (وقد يجاب بجواب آخر؛ وهو: أن الأمر بالماهية المطلقة وإن لم يدل على وجوب الجزئيات إلى آخره). أقول: يرد على هذا أن للخصم أن يقول: إن كونه يقتضي التخيير بينها عند عدم القرينة إنما يتم إذا لم نحمل الآية على الاتعاظ دون القياس الشرعي، وأما إذا حملناه على ذلك بقرينة صدر الآية فلا يقتضي التخيير؛ بل يتعين حمله على الاتعاظ، فيضطر أن يقول: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، ويلغو هذا الجواب.\nوأما قول الإسنوي: (وجواز العمل به يستلزم وجوب العمل به إلى آخره)،\n_________\n(١) نهاية السول - مطبوع مع حاشية المطيعي- (٤/ ١٤).\n(٢) المرجع السابق.","vol":"1","page":112},{"text":"فهو مسلم؛ لكنه لا يقطع عرق الإشكال إلا بالنظر لهؤلاء القائلين بذلك؛ لا بالنظر لمن لا يسلم هذا الاستلزام؛ لأنه ليس استلزاما عقليًا؛ بل هو اتفاقي فقط\" (١).\nثالثًا: استدراك المختصرين على أصحاب المتون؛ كاستدراك سراج الدين الإرموي (٢) والتبريزي (٣) على الرازي في محصوله، وابن رشيق (٤)\nعلى الغزالي،\n_________\n(١) سلم الوصول - حاشية المطيعي - (٤/ ١٤).\n(٢) جاء في مقدمته: \" ... ثم إن بعض من صدقت فيه رغبته، وتكاملت فيما يحتويه محبته، التمس مني أن أسهل طريق حفظه بإيجاز لفظه، ملتزمًا بالإتيان بأنواع مسائله، وفنون دلائله، مع زيادات من قبلنا مكملة، وتنبيهات على مواضع منه مشكلة، ... \" التحصيل (١/ ١٦٣).\n(٣) جاء في مقدمته: \"فهذا كتاب (تنقيح محصول ابن الخطيب في الأصول) حذفت زوائده، ورصعت فوائده، فتقرر معانيه، وتحرر مبانيه، وما صادفت في مطاويه من قول لا أرتضيه قررت الحق فيه على ما يقتضيه، من غير تزييف لمقاله، إلا إذا خفت وبالًا من أهماله، فهو على التحقيق وإن سمي تنقيحًا، تضمن تهذيبًا وتوشيحًا \" تنقيح محصول ابن الخطيب في أصول الفقه (١/ ١ - ٢).\nوالتبريزي هو: أبو الخير، المظفر بن أبي محمد، وقيل: ابن أبي الخير، ابن إسماعيل بن علي الرَّاراني التبريزي، كان أصوليًا فقيهًا شافعيًا، زاهدًا، صاحب عبادة كثيرة، وكان مقدمًا في العلوم. من مصنفاته: \"التنقيح \" اختصر فيه المحصول، كما صنف في الفقه \" المختصر\"، و\" سمط المسائل\"، (ت: ٦٢١ هـ) بشيراز.\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٨/ ٣٧٣)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٤٠٩)؛ كشف الظنون (٢/ ١٠٠٢).\n(٤) وجاء في مقدمته: \"فقصدت إلى تلخيص معانيه، وتحرير مقاصده ومبانيه، وحذف ما يوجب الملال، ويقتضي الكلال والإملال، رغبة في تقليل حجمه، وإعانة للطالب على حفظه بصغر جرمه، مع التنبيه على ما يتعين التنبيه عليه، والتنكيت بما لابد من الإشارة إليه، وسميته: لباب المحصول في علم الأصول\". لباب المحصول في علم الأصول (١/ ١٨٨).\n\nوابن رشيق: أبو علي الحسين بن أبي الفضائل عتيق بن الحسين ابن رشيق الربعي، شيخ المالكية في وقته، كان عالمًا بأصول الفقه وأصول الدين والخلاف. من مصنفاته: \"لباب المحصول في علم الأصول\"، توفي بمصر سنة (٦٣٢ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الدبياج المذهب (١/ ١٠٥)؛ شجرة النور الزكية (ص: ١٦٦)؛ حسن المحاضرة (١/ ٣٧٩).","vol":"1","page":113},{"text":"والطوفي (١) على ابن قدامة (٢).\nومثال ذلك: استدراك ابن رشيق على الغزالي في مسألة (إذا دار اللفظ بين المعنى اللغوي والشرعي)، وكان حال المخاطَب يقتضي تعذر وقوع الفعل على الوضع الشرعي هل يكون ذلك قَرِينة تَصرِفَهُ إلى الوضع اللغوي؟ قال ابن رشيق: \"اختار أبو حامد (٣) حمله على موجب الوضع اللغوي؛ كقوله: «دعِي الصّلَاةَ أيَّامَ إقرائك» (٤)، و«من باعَ حرًّا وأَكَلَ ثمَنَهُ» (٥)، فإن الصلاة، وبيع الحر لا ينعقد شرعًا.\nوهذا ليس بصحيح؛ فإن النهي لا يستدعي إلا إمكان وقوع الفعل المنهي عنه؛ ليتصور الانتهاء عنه بموجب النهي.\n_________\n(١) جاء في مقدمة كتابه: \" ... مع تقريب الإفهام، وإزالة اللَّبْس عنه مع الإبهام ... \" مختصر الروضة (١/ ٩٦).\n(٢) هو: أبو محمد، عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، ثم الدمشقي، الصالحي، موفق الدين، الفقيه الأصولي، الزاهد الِإمام، شيخ الحنابلة في وقته. من مصنفاته: \"روضة الناظرة وجنة المناظر \" في أصول الفقه، و\" المغني\"، و\" الكافي \" في الفقه، (ت: ٦٢٠ هـ).\nتُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٦٥)؛ ذيل طبقات الحنابلة (٣/ ٢٨١)؛ شذرات الذهب (٧/ ١٥٥).\n(٣) يُنظر: المستصفى (٣/ ٥٣).\n(٤) بهذا اللفظ رواه الدراقطني من حديث فاطمة بنت أبي حبيش، يُنظر على الترتيب المذكور: ك: الحيض، (١/ ٢١٢/ح: ٣٦)، وأصل الحديث في الصحيحين؛ يُنظر: صحيح البخاري، ك: الحيض، ب: إذا حاضت في الشهر ثلاث حيض ...، (١/ ١٢٤/ح: ٣١٩)؛ صحيح مسلم، ك: الحيض، ب: المستحاضة وغسلها وصلاتها، (١/ ٢٦٢/ح: ٣٣٣).\n(٥) جزء من حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «قال الله: ثلَاثَةٌ أنا خَصمُهُمْ يوم القِيَامَةِ: رجُلٌ أَعطَى بي ثمَّ غدَرَ، ورَجُلٌ باعَ حرًّا فأَكَلَ ثمَنَهُ، ورَجُلٌ استَأْجَرَ أجِيرًا فَاستَوْفَى منه ولم يُعطِ أَجرَهُ». يُنظر: صحيح البخاري، ك: البيوع، ب: إثم من باع حرًّا، (٢/ ٧٧٦/ح: ٢١١٤)، ك: الإجارة، ب: إثم من منع أجر الأجير، (٢/ ٧٩٢/ح: ٢١٥٠).","vol":"1","page":114},{"text":"فأما الحكم بانعقاده وشرعيته فمحال؛ لأنه يلزم منه الجمع بين المشروعية ونفيها\" (١).\n\nرابعًا: استدراك على أصولي مسمى؛ ومن أمثلة ذلك:\n• المثال الأول:\nقال ابن قدامة في مسألة (حكم انعقاد الإجماع (٢) بقول الأكثر): \"ولا ينعقد الإجماع بقول الأكثرين من أهل العصر في قول الجمهور.\nوقال محمد بن جرير (٣) وأبو بكر الرازي (٤):\nينعقد. وقد أومأ إليه\n_________\n(١) لباب المحصول (٢/ ٤٨٣ - ٤٨٤).\n(٢) الإجماع في اللغة يطلق على معنيين: الأول: العزم على الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١].\nالثاني: الاتفاق، يقال: أجمع القوم على كذا: إذا اتفقوا عليه. يُنظر: لسان العرب (٣/ ١٩٨)؛ المصباح المنير (١/ ١٠٩)؛ القاموس المحيط (ص: ٧١٠) مادة: (جمع).\nوفي الاصطلاح: اتفاق أهل الحَلِّ والعقد من أمة محمد - ﷺ - على أمر من الأمور. منهاج الوصول - مطبوع مع شرح الإسنوي- (٢/ ٧٣٥). ويُنظر تعريف الإجماع في: المحلى على جمع الجوامع مع حاشية البناني (٢/ ١٥٦)؛ البحر المحيط (٤/ ٤٣٥ - ٤٣٦)؛ شرح الكوكب المنير (٢/ ٢١٠).\n(٣) هو: أبو جعفر، محمد بن جرير بن يزيد الطبري، الإمام الجليل، أحد كبار الأئمة ومجتهديهم، أكثر من الترحال، ولقي نبلاء الرجال، كان من أفراد الدهر علمًا، وذكاء، وكثرة تصانيف. من مصنفاته: \"كتاب التفسير\"، و\"التاريخ\"، و\"اختلاف العلماء\"، (ت: ٣١٠ هـ).\nتُنظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص: ١٠٢)؛ تذكرة الحفاظ (٢/ ٧١٠)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ١٢٠).\n(٤) هو: أبو بكر، أحمد بن علي الرازي، المعروف بالجَصَّاص، من كبار أئمة الحنفية، وانتهت إليه رئاستهم في زمانه، تفقه على أبي الحسن الكرخي، كان ورعًا زاهدًا. من مصنفاته: \"أحكام القرآن\"، وكتاب في \"أصول الفقه\"، و\" شرح مختصر الطحاوي\"، (ت: ٣٧٠ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: الجواهر المضيئة (١/ ٢٢٠)؛ تاج التراجم (ص: ٩٦)؛ الفتح المبين للمراغي (١/ ٢٠٣).","vol":"1","page":115},{"text":"أحمد - ﵀ -.\nووجهه: أن مخالفة الواحد شذوذ، وقد نهي عن الشذوذ، قال - ﵇ -: «عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الأَعْظَمِ» (١). وقال: «الشَّيْطَانُ مَعَ الوَاحِدِ وهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ» (٢) \" (٣).\nفاستدرك عليهما ابن قدامة بقوله: \"والشذوذ يتحقق بالمخالفة بعد الوفاق. ولعله أراد به: الشاذ من الجماعة، الخارج على الإمام، على وجه يثير الفتنة؛ كفعل الخوارج (٤) \" (٥).\n_________\n(١) من حديث أبي أمامة الباهلي - ﵁ -، وله طرق أخرى، يُنظر: مسند الإمام أحمد (٤/ ٢٧٨/ح: ١٨٤٧٣ - ١٩٣٧٠). وقال ابن عبدالهادي الحنبلي: \" ليس بصحيح\". يُنظر: تنقيح تحقيق أحاديث التعليق (١/ ٢٨٠)؛ ويُنظر: تذكرة المحتاج (١/ ٦٩)\n(٢) من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -، مسند أحمد (١/ ١٨/ح: ١١٤) (١/ ٢٦/ح: ١١٧)؛ سنن الترمذي، ك: الفتن، ب: ما جاء في لزُومِ الْجمَاعَةِ، (٤/ ٤٦٥/ح: ٢١٦٥)؛ سنن النسائي الكبرى، معاشرة النساء، ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر عمر فيه، (٥/ ٣٨٧ - ٣٨٨/ح: ٩٢١٩ - ٩٢٢٢)؛ المستدرك على الصحيحين (١/ ١٩٧/ح: ٣٨٧) (١/ ١٩٩/ح: ٣٩٠). قال الترمذي: \"هذا حَديثٌ حسَنٌ صَحيحٌ غَريبٌ\". يُنظر: (٤/ ٤٦٥). وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين\". يُنظر: (١/ ١٩٧). ويُنظر: نصب الراية (٤/ ٢٤٩).\n(٣) روضة الناظر (١/ ٤٠٢ - ٤٠٣).\n(٤) الخوارج: من اعتقد جواز الخروج على الإمام الحق الذي اتفقت عليه الجماعة، أو استحل قتال أهل الإسلام، وأصل هذه الفرقة الذين خرجوا على علي - ﵁ -. وينقسم الخوارج إلى عشرين فرقة، يجمعهم القول بتكفير عثمان وعلي وأصحاب الجمل. ومن معتقدات هذه الفرقة: وجوب الخروج على الإمام الجائر. يُنظر: مقالات الإسلاميين (ص: ٨٦)؛ الفَرْق بين الفِرَق (ص: ٥٤)؛ الملل والنحل (١/ ١١٤).\n(٥) روضة الناظر (١/ ٤١٠ - ٤١١).","vol":"1","page":116},{"text":"• المثال الثاني:\nقول الإسنوي في مسألة المطلق (١) والمقيد (٢): \"واعلم أن مقتضى إطلاق المصنف (٣) أنه لا فرق في حمل المطلق على المقيد بين الأمر والنهي؛ فإذا قال: لا تعتق مُكَاتَبًا، وقال أيضًا: لا تعتق مُكَاتَبًا كافرًا؛ فإنا نحمل الأول على الثاني، ويكون المنهي عنه هو: إعتاق المكاتب الكافر.\nوصرح به الإمام في المنتخب، وذكر في المحصول (٤) والحاصل (٥) نحوه أيضًا.\nلكن ذكر الآمدي في الإحكام (٦) أنه (لا خلاف في العمل بمدلولهما، والجمع بينهما في النفي؛ إذ لا تعذر فيه) هذا لفظه، وهو يريد أنه يلزم من نفي المطلق نفي المقيد فيمكن العمل بهما، ولا يلزم من ثبوت المطلق ثبوت المقيد.\n_________\n(١) المطلق لغة: المرسل، يقال: أطلقت القول: إذا أرسلته من غير قيد ولا شرط، وناقة طالق: أي مرسلة ترعى حيث شاءت. يُنظر: لسان العرب (٩/ ١٣٦ - ١٣٧)؛ المصباح المنير (٢/ ٣٧٦) مادة: (طلق).\nوفي الاصطلاح: ما دل على الماهية بلا قيد. يُنظر: المحلى على جمع الجوامع مع حاشية البناني (٢/ ٣٩)؛ البحر المحيط (٣/ ٤١٣)؛ إرشاد الفحول (٢/ ٣).\nوقيل في حده أيضًا: اللفظ الدال على شائع في جنسه. يُنظر: روضة الناظر (٢/ ١٠١)؛ الإحكام للآمدي (٣/ ٥)؛ كشف الأسرار للبخاري (٢/ ٥٢١)؛ بيان المختصر (٢/ ٣٤٩).\n(٢) المقيد لغة: خلاف المطلق، وقيَّدته تقييدًا: جعلت القيد في رجله، ومنه تقييد الألفاظ بما يمنع الاختلاط، ويزيل الالتباس. يُنظر: لسان العرب (١٢/ ٢٣٣)؛ المصباح المنير (٢/ ٥٢١) مادة: (قيد).\nاصطلاحًا: ما دل على الماهية بقيد من قيودها. وقيل: اللفظ الدال على معنى غير شائع في جنسه. يُنظر: كشف الأسرار للبخاري (٢/ ٥٢١)؛ بيان المختصر (٢/ ٣٥٠)؛ إرشاد الفحول (٢/ ٤).\n(٣) أي البيضاوي.\n(٤) (٣/ ١٤٤).\n(٥) (٢/ ٣٨٣).\n(٦) (٣/ ٨).","vol":"1","page":117},{"text":"وتابعه ابن الحاجب وأوضحه فقال: (فإن اتحد موجبهما مثبتين فيحمل المطلق على المقيد)، ثم قال: (فإن كانا منفيين عمل بهما (١) .... وقد غلط الأصفهاني (٢) المذكور في فهم كلام الآمدي وابن الحاجب، فادعى أن المراد منه: حمل المطلق على المقيد\" (٣).\n٢ - مُستدرَك عليه مجهول في العملية الاستدراكية، فلا يسميه المستدرِك ويعبر عنه بـ: قيل، قال قوم، قال بعضهم، قال بعض أصحابنا، قال بعض الشافعية، قال بعض أصحاب الشافعي ... وأذكر أمثلة فيما يلي:\nأولًا: التعبير بـ (قيل):\nقال الإسنوي في مسألة (تقسيم المأمور به إلى مُعَيَّن ومُخيَّر): \"المذهب الثالث: أن الواجب مُعيَّن عند الله تعالى غير مُعيَّن عندنا، وهذا القول يسمى قول التراجم؛ لأن الأشاعرة ترويه عن المعتزلة (٤)، والمعتزلة ترويه عن الأشاعرة (٥)، كما قال في المحصول (٦)، ولما لم يعرف قائله عبَّر المصنف عنه بقوله: (وقيل).\nوهذا المذهب باطل؛ لأن التكليف بمعين عند الله تعالى غير معين للعبد، ولا طريق له إلى معرفته بعينه؛ من التكليف بالمحال\" (٧).\n_________\n(١) مختصر ابن الحاجب (٢/ ٨٦٢).\n(٢) المراد به شمس الدين محمد بن محمود الأصفهاني الشافعي، شارح المحصول - وسبق ترجمته في (ص: ٦٩). ويُنظر قوله في الكاشف على المحصول (٥/ ١٢).\n(٣) نهاية السول (١/ ٥٥١ - ٥٥٢).\n(٤) يُنظر مثلًا: الإبهاج (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨).\n(٥) يُنظر: المعتمد (١/ ٧٩).\n(٦) (٢/ ١٦٠).\n(٧) نهاية السول (١/ ٨٢).","vol":"1","page":118},{"text":"ثانيًا: التعبير بـ (قال قوم):\nومن ذلك ما ذكره الآمدي في تعريف المباح: \"وأما في الشرع فقد قال قوم: هو ما خُيِّر المرء فيه بين فعله وتركه شرعًا، وهو منقوض (١) بخصال الكفارة المخيرة؛ فإنه ما من خصلة منها إلا والمكفر مخير بين فعلها وتركها، وبتقدير فعلها لا تكون مباحة؛ بل واجبة. وكذلك الصلاة في أول وقتها الموسع مخير بين فعلها وتركها مع العزم، وليست مباحة؛ بل واجبة.\nقال قوم: هو ما استوى جانباه في عدم الثواب والعقاب. وهو منتقض بأفعال الله تعالى؛ فإنها كذلك وليست متصفة بكونها مباحة\" (٢).\nثالثًا: التعبير بـ (قال بعضهم):\nمثاله: ما قاله الآمدي عند حديثه عن المنطوق: \"أما المنطوق فقد قال بعضهم: هو ما فهم من اللفظ في محل النطق. وليس بصحيح؛ فإن الأحكام المضمرة في دلالة الاقتضاء (٣) مفهومة من اللفظ في محل النطق، ولا يقال لشيء من ذلك: منطوق اللفظ؛ فالواجب أن يقال: المنطوق: ما فهم من دلالة اللفظ قطعًا في محل النطق ... \" (٤).\nرابعًا: التعبير بـ (بعض أصحابنا):\nمثاله: ما ذكره السمعاني في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أو\n_________\n(١) النقض في الحدود: وجود الحد دون المحدود، وهو مفسد في الحدود. يُنظر: تقريب الوصول إلى علم الأصول (ص: ٣٧٩)؛ القاموس المبين (ص: ٢٩٢).\n(٢) الإحكام للآمدي (١/ ١٦٥).\n(٣) دلالة الاقتضاء: دلالة اللفظ على معنى يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته عقلًا أو شرعًا. وسميت بذلك لأن استقامة الكلام تقتضي هذا المعنى وتستدعيه. يُنظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٨١)؛ كشف الأسرار للبخاري (١/ ٤٣٨)؛ معجم مصطلحات أصول الفقه (ص: ٢٠٢).\n(٤) المرجع السابق (٣/ ٨٣ - ٨٤).","vol":"1","page":119},{"text":"المرة؟): \"وقد قال بعض أصحابنا في الفرق بين الأمر والنهي: إن في حمل الأمر على التكرار ضيقًا وحرجًا يلحق الناس؛ لأنه إذا كان الأمر يقتضي الدوام عليه لم يتفرغ لسائر أموره، وتتعطَّل عليه جميع مصالحه. وأما النهي لا يقتضي إلا الكف والامتناع، ولا ضيق ولا حرج في الكف والامتناع؛ وهذا لأن الوقت لا يضيق عن أنواع الكف، ويضيق عن أنواع الفعل.\nوهذا الفصل يضعف؛ لأن الكلام في مقتضى اللفظ في نفسه، وأما التضايق وعدم التضايق معنى يوجد من بعد، وربما يوجد وربما لا يوجد، فلا يجوز أن يعرف مقتضى اللفظ منه ... \" (١).\n\nخامسًا: التعبير بـ (قال بعض الشافعية):\nكما قال المحبوبي (٢): \"مسألة: قال بعض الشافعية: لا عموم للمجاز (٣)؛ لأنه ضروري يصار إليه توسعة، فيقدر بقدر الضرورة.\nقلنا: لا ضرورة في استعماله؛ لأنه إنما يستعمل لأجل الداعي الذي يأتي من بعد، وإذا لم تكن الضرورة الترديد في استعماله؛ بل يكون معنى الضرورة أنه إذا استعمل\n_________\n(١) قواطع الأدلة (١/ ١٢١ - ١٢٢).\n(٢) هو: عبيد الله بن مسعود بن محمود بن أحمد المحبوبي البخاري، صدر الشريعة الأصغر ابن صدر الشريعة الأكبر، من علماء الحنفية، عالم محقق، وحبر مدقق، برع في الفقه وأصوله، وأصول الدين. من مصنفاته: \"التنقيح \" في أصول الفقه، وشرحه \" التوضيح\"، و\" شرح الوقاية \" في الفقه، توفي ببخارى سنة (٧٤٧ هـ).\nتُنظر ترجمته في: تاج التراجم (ص: ٢٠٣)؛ الطبقات السنية (٤/ ٤٢٩)؛ الفوائد البهية (ص: ١٠٩).\n(٣) المجاز: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له؛ لعلاقة بينه وبين ما وضع له. يُنظر تعريف المجاز في: أصول السرخسي (١/ ١٧٠)؛ الإحكام للآمدي (١/ ٤٧)؛ شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: ٤٤ - ٤٥)؛ شرح الكوكب المنير (١/ ١٥٤).","vol":"1","page":120},{"text":"اللفظ يجب أن يحمل على المعنى الحقيقي (١)، فإذا لم يمكن فعلى المجازي، فهذه الضرورة لا تنافي العموم، بل العموم إنما يثبت إن استعمله المتكلم وأراد به المعنى العام، ولا مانع لهذا؛ لأنه ما وجد في الاستعمال ضرورة، وهو أحد نوعي الكلام؛ بل فيه من البلاغة ما ليس في الحقيقة\" (٢).\n\nسادسًا: التعبير بـ (قال بعض أصحاب الشافعي):\nمثاله: قال الغزالي: \"لا يجوز نسخ (٣) النص القاطع المتواتر (٤)\nبالقياس (٥)\n_________\n(١) أي يحمل على الحقيقة، والمراد بالحقيقة: اللفظ المستعمل فيما وضع له. يُنظر تعريف الحقيقة في: الإحكام للآمدي (١/ ٤٧)؛ إحكام الفصول (١/ ١٧٦)؛ أصول السرخسي (١/ ١٧٠)؛ شرح الكوكب المنير (١/ ١٤٩).\n(٢) التوضيح شرح التنقيح للمحبوبي (١/ ١٩٥ - ١٩٦).\n(٣) النسخ في لغة العرب يطلق على ثلاثة معانٍ:\n١ - الإزالة، ومنه نسخت الشمس الظلَّ؛ أي: أزالته. ٢ - التغيير، ومنه: نسخت الريح آثار الديار؛ أي: غيرتها. ٣ - النقل، ومنه نسخُ الكتاب؛ أي: نقله، والمنقول يمسمى: نُسخة. يُنظر: الصحاح (ص: ١٠٣٧)؛ المصباح المنير (٢/ ٦٠٣) مادة: (نسخ).\nوفي الاصطلاح عرف بتعريفات متعددة؛ منها: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه. يُنظر تعريفات النسخ عند الأصوليين في: روضة الناظر (١/ ٢١٩)؛ مختصر ابن الحاجب (٢/ ٩٧١)؛ البحر المحيط (٤/ ٦٤)؛ فواتح الرحموت (٢/ ٥٣).\n(٤) المتواتر في اللغة: المتتابع، ولا بد في التواتر - لغة- أن يحصل بين المتتابعين فترة، فإذا لم تحصل فهي مواصلة ومداركة. يُنظر: الصحاح (ص: ١١٢٢)؛ المعجم الوسيط (ص: ١٠٠٩) مادة: (وتر).\n\nوفي الاصطلاح: خبر جمع يمنع تواطؤهم على الكذب من حيث كثرتهم على المحسوس. البحر المحيط (٢/ ٢٣١). ويُنظر كذلك: التعريفات (ص: ٢٥٦).\n(٥) القياس في اللغة: التقدير، قست الشيء بالشيء: قدرته على مثاله. يُنظر: الصحاح (ص: ٨٩٥)؛ لسان العرب (١٢/ ٢٣٤) مادة: (قيس).\nوفي الاصطلاح الأصولي عرف بتعريفات كثيرة لا يكاد يسلم تعريف منها من اعتراض، وأذكر تعريف البيضاوي للقياس؛ حيث صرح محمود الأصفهاني بأنه أنفع تعريف للقياس. يُنظر: شرح المنهاج للأصفهاني (٢/ ٦٣٤).\nالقياس في الاصطلاح: إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر؛ لا شتراكهما في علة الحكم عند المُثْبِت. يُنظر: منهاج الوصول مطبوع مع نهاية السول (٢/ ٧٩١).","vol":"1","page":121},{"text":"المعلوم بالظن (١) والاجتهاد (٢) ... وقال بعض أصحاب الشافعي: يجوز النسخ بالقياس الجلي (٣) \" (٤).\n• تنبيه: قد يكون المُستدرَك عليه معلومًا لدى المستدرِك؛ ولكنه لا يصرح باسمه في العملية الاستدراكية؛ كالإمام الغزالي مثلًا في كتابه المستصفى في أصول الفقه تجده في كثير من المواقع لا ينسب الأقوال إلى أصحابها بل يستعمل كلمة \"قال قوم\" أو \"قيل\"، وصنيعه هذا لا يدل على عدم معرفته بأصحابها؛ ولا يدل أيضًا على عدم اهتمامه بهم؛ بل الأظهر أنه يتبع في ذلك منهجه العام الذي يُنادي به دائمًا\n_________\n(١) الظن لغة: خلاف اليقين، وقد يستعمل في اليقين. يُنظر: المصباح المنير (٢/ ٣٨٦)؛ القاموس المحيط (ص: ١٢١٣) مادة: (ظنن).\nوفي الاصطلاح: تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر. يُنظر: العدة (١/ ٨٣)؛ إحكام الفصول (١/ ١٧٥)؛ الورقات (ص: ١٨).\n(٢) الاجتهاد في اللغة: بذل الوسع والطاقة؛ ليبلغ مجهوده ويصل إلى نهايته، قال بعضهم: بفتح الجيم وضمها: الطاقة، وقيل: المضموم: الطاقة، والمفتوح: المشقة. يُنظر: الصحاح (ص: ١٩٤)؛ المصباح المنير (١/ ١١٢) مادة: (جهد).\n\nوفي الاصطلاح: استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية. وهذا تعريف التاج الأرموي والبيضاوي، قال التاج السبكي: \"وهو من أجود التعاريف\". يُنظر التعريف في: الحاصل (٣/ ٢٦٥)؛ منهاج الوصول _مطبوع مع الإبهاج_ (٧/ ٢٨٦٣)، ويُنظر قول التاج السبكي في الإبهاج (٧/ ٢٨٦٤).\n(٣) القياس الجلي: هو أحد قسمي القياس باعتبار درجة اقتضاء العلة للحكم في الفرع، ويسمى بالقياس في معنى الأصل، ويسمى أيضًا: القياس بنفي الفارق. وهو ما كان الفرع فيه أولى بالحكم من الأصل أو مساويًا له. يُنظر: الإحكام للآمدي (٤/ ٦)؛ شرح الكوكب المنير (٤/ ٢٠٧)؛ فواتح الرحموت (٢/ ٣٢٠)؛ القاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين (ص: ٢٤٣).\n(٤) المستصفى (٢/ ١٠٩).","vol":"1","page":122},{"text":"في كتبه؛ وهو \"لا تعرف الحق بالرجال، واعرف الحق تعرف أهله\" (١). (٢)\nومن أمثلة ذلك قوله: \"ولا يُنسخ حكم بقول الصحابي (٣): (نُسخ حكم كذا) ما لم يقل: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (نسخت حكم كذا) ... وقال قوم: إن ذكر لنا ما هو الناسخ عنده لم نقلده (٤)؛ لكن نظرنا فيه، وإن أطلق فنحمله على أنه لم يطلق إلا عن معرفة قطعية\" (٥).\nفهذا القول ينسب إلى أبي الحسن الكَرْخِي (٦)، ولم يصرح به الغزالي.\nكما أن من أسباب عدم التصريح بالمستدرَك عليه: اشتهار القول عنه؛ مثل: قول الغزالي في مسألة الزيادة على النص قال: \"الزيادة على النص (٧) نسخ\n_________\n(١) يُنظر: إحياء علوم الدين (١/ ٢٣).\n(٢) يُنظر مقدمة تحقيق د. حمزة حافظ لكتاب المستصفى (١/ ٦٦).\n(٣) قول الصحابي: هو مذهبه في المسألة الفقهية الاجتهادية؛ سواء أكان ما نقل عن الصحابي قولًا أم فعلًا. يُنظر: القاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين (ص: ٢٤١).\n(٤) التقليد لغة: من القلادة، وهي وضع الشيء في العنق مع الإحاطة به. ومن التقليد: تقليد العامل: توليته، كأنه جعل قلادة في عنقه. يُنظر: لسان العرب (١٢/ ١٧٢)؛ المصباح المنير (ص: ٥١٢) مادة: (قلد).\n\nوفي اصطلاح الأصوليين: قبول قول الغير من غير دليل. يُنظر: المنخول (ص: ٤٧٢)؛ المسودة (ص: ٣٠٨)؛ تقريب الوصول (ص: ٤٤٤)؛ فواتح الرحموت (٢/ ٤٠٠).\n(٥) المستصفى (٢/ ١١٥).\n(٦) يُنظر: المعتمد (١/ ٤١٨)؛ المحصول (٣/ ٣٨١)؛ نهاية السول (١/ ٦١٧).\nوالكرخي هو: أبو الحسن، عُبيدُ اللهِ بن الحسن بن دلاَّل الكرخي، انتهت إليه رئاسة الحنفية، تفقه عليه أبو علي الشاشي والجصاص، كان كثير الصوم والصلاة، صبورًا على الفقر، واسع العلم، وكان مع ذلك رأسًا في الاعتزال. من مصنفاته: \"شرح الجامع الصغير\"، و\" شرح الجامع الكبير\"، و\" المختصر\"، أصابه الفالج في آخر عمره، (ت: ٣٤٠ هـ).\nتُنظر ترجمته في: البداية والنهاية (١١/ ٢٢٤ - ٢٢٥)؛ طبقات المعتزلة (ص: ١٣٠)؛ لسان الميزان (٤/ ٩٨).\n(٧) الزيادة على النص: إفادة خبر الآحاد حكمًا زائدًا على مقتضى نص قطعي من القرآن أو السنة المتواترة؛ بحيث لا تكون هناك دلالة ظاهرة على هذا الحكم الزائد في ظاهر النص المزيد عليه، وليس فيه ما ينفيه. ولا تخلو هذه الزيادة من:\n- ألا تتعلق بحكم النص أصلًا؛ كزيادة إيجاب الصوم بعد إيجاب الصلاة؛ فإنه ليست نسخًا لإيجاب الصلاة بالإجماع.\n- أن تتعلق الزيادة بحكم النص المزيد عليه؛ بأن تكون جزءًا أو شرطًا له؛ مثال كونها جزءًا له: زيادة ركعة في الصبح، أو عشرين سوطًا في الحد القذف. ومثال كونها شرطًا له: زيادة النية في الطهارة؛ حيث إن الشارع أمر بالطهارة مطلقًا بناء على أن النية ليست مستفادة من الآية؛ وإنما من الحديث.\n- أن تتعلق الزيادة بحكم النص المزيد عليه ولا تكون شرطًا ولا جزءًا له؛ كزيادة التغريب على الجلد في زنى البكر.\n\nووقع الخلاف في القسم الثاني والثالث؛ حيث قال الجمهور بأن الزيادة في القسمين ليست نسخًا بخلاف الحنفية. يُنظر: شرح مختصر الروضة (٢/ ٢٩١ - ٢٩٢)؛ البحر المحيط (٤/ ١٤٣)؛ معجم مصطلحات أصول الفقه (ص: ٢٢٦ - ٢٢٧).","vol":"1","page":123},{"text":"عند قوم ... \" (١). ومعلوم أن أصحاب هذا القول هم الحنفية (٢).\nوكذلك ابن الحاجب في مختصره يذكر قول الإمام الرازي بلفظ \"قيل\" فلا يسميه تبعًا للآمدي. (٣)\n٣ - مُستدرَك عليه مقدرٌ عند المُستدرِك، ويعبر عنه في العملية الاستدراكية بصيغة الجملة الشرطية؛ مثل: \"فإن قيل\"، أو \"فإن قال قائل\"، أو \"لقائل أن يقول\"، وهذا النوع من المُستدرَك عليه يكثر وجوده في المصنفات الأصولية؛ لأن الغرض منه زيادة تقرير المذهب وتأكيده برفع ما يمكن أن يرد عليه من اعتراضات.\n• ومن أمثلة \"فإن قيل\":\n_________\n(١) المستصفى (٢/ ٧٠).\n(٢) يُنظر: أصول السرخسي (٢/ ٨٢)؛ التوضيح شرح التنقيح للمحبوبي (٢/ ٨٥)؛ التقرير والتحبير (٣/ ٩٩)؛ فواتح الرحموت (٢/ ٩١ - ٩٢).\n(٣) المعتبر (ص: ٣٠٢).","vol":"1","page":124},{"text":"• المثال الأول:\nما ذكره السرخسي في (فصل: في بيان الكتاب وكونه حجة) بعد أن ذكر أن \"الكتاب هو: القرآن المنزل على رسول الله - ﷺ -، المكتوب في دفات المصاحف، المنقول إلينا على الأحرف السبعة (١)\nالمشهورة نقلًا متواترًا؛ لأن ما دون المتواتر لا يبلغ درجة العيان ولا يثبت بمثله القرآن مطلقًا\" (٢). ثم أورد تقدير استدراك عليه فقال:\n\"فإن قيل: فقد أثبتم بقراءة ابن مسعود (٣) - ﵁ - ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ (٤) كونه قرآنًا في حق العمل به، ولم يوجد فيه النقل المتواتر، ولم تثبتوا في التسمية مع النقل المتواتر كونها آية من القرآن في حكم العمل؛ وهو وجوب الجهر بها في الصلاة، وتأدي القراءة بها.\n_________\n(١) اختلف العلماء بالمراد بالأحرف السبعة على أقوال كثيرة؛ منها: أنها سبعة أوجه من وجوه الاختلاف في اللغة العربية؛ كالاختلاف في الإبدال، والاختلاف بالزيادة والنقص، والاختلاف بالتقديم والتأخير، والاختلاف في تصريف الأفعال، والاختلاف في وجوه الإعراب، واختلاف الأسماء بالإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، والاختلاف في اللهجات؛ كالتفخيم والترقيق والإمالة. يُنظر: الإتقان في علوم القرآن (١/ ٣٠٦ - ٣٣٣)؛ الجامع لأحكام القرآن (١/ ٧٧ - ٨٢)؛ أصول الفقه الميسر (١/ ٦٨ - ٧٨).\n\nولعل الإمام السرخسي - ﵀ - قصد القراءات السبع؛ بدليل قوله (المشهورة نقلًا متواترًا). وقد ذكر في معنى الأحرف السبع أنها القراءات السبع؛ ولكن هذا المعنى ضعفه عدد من العلماء. يُنظر: المراجع السابقة.\n(٢) أصول السرخسي (١/ ٢٧٩).\n(٣) هو: أبو عبدالرحمن، عبدالله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، الإمام الحبر، أحد القراء، كان من السابقين الأولين، شهد بدرا، وهاجر الهجرتين، كان كثير الملازمة للنبي - ﷺ -، وشهد بعده مشاهد كثيرة منها: اليرموك، ومناقبه غزيرة، روى علمًا كثيرا، (ت: ٣٢ هـ)، وأوصى أن يدفن بجنب قبر عثمان بن مظعون، فصلى عليه الزبير بن العوام، ودفن بالبقيع.\nتُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١/ ٤٦١)؛ مشاهير الأمصار (١/ ١٠)؛ الإصابة (٤/ ٢٣٣).\n(٤) والقراءة المتواترة بدون لفظ \"متتابعات\" [المائدة: ٨٩]، ويُنظر قراءة ابن مسعود في: أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٢١)؛ الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٢٦٤ - ٢٦٥)؛ فتح القدير للشوكاني (٢/ ٩٥).","vol":"1","page":125},{"text":"قلنا: نحن ما أثبتنا بقراءة ابن مسعود كون تلك الزيادة قرآنًا؛ وإنما جعلنا ذلك بمنزلة خبر رواه عن رسول الله - ﷺ -؛ لعلمنا أنه ما قرأ بها إلا سماعًا من رسول الله - ﷺ -، وخبره مقبول في وجوب العمل به، وبمثل هذا الطريق لا يمكن إثبات هذا الحكم في التسمية؛ لأن برواية الخبر وإن علم صحته لا يثبت حكم جواز الصلاة، ولأنه ليس من ضرورة كونها آية من القرآن وجوب الجهر بها على ما بينا أن الفاتحة لا يجهر بها في الأخريين، وما كان ثبوته بطريق الاقتضاء يتقدر الحكم فيه بقدر الضرورة؛ لأنه لا عموم للمقتضى (١) \" (٢).\n_________\n(١) عموم المقتضى: أن يكون المقام الذي يقدَّر فيه اللفظ المزيد يحتمل عدة تقديرات يستقيم الكلام بواحد منها، فيقدر ما يعم تلك الأفراد كلها.\nفالمقتضِي - بكسر الضاد- هو اللفظ الطالب للإضمار؛ بمعنى أن اللفظ لا يستقيم إلا بإضمار شيء، وهناك مضمرات متعددة، فهل له عموم في جميعها أو لا يعم فيكتفى بواحدٍ منها؟\nوأما المقتضَى - بفتح الضاد- فهو ذلك المضمر نفسه، هل نقدره عامًّا، أم نكتفي بخاص منه؟\nمثاله قوله - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عن أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وما اسْتُكْرِهُوا عليه»، فيقدر ما يتوقف عليه صدق الخبر وهو لفظ (حكم)، وهذا اللفظ - المقتضَى - له عموم؛ حيث يشمل الحكم الدنيوي من حيث الصحة شرعًا، والحكم الأخروي من حيث المؤاخذة على الخطأ والنسيان والإكراه. واختلف الأصوليون في هذا العموم؛ فمنهم من يرى أن للمقتضَى عموم، ومنهم من يرى أن ليس له عموم مطلقًا. يُنظر: أصول السرخسي (١/ ٢٤٨)؛ الإحكام للآمدي (٢/ ٣٠٦)؛ البحر المحيط (٣/ ١٥٤)؛ إرشاد الفحول (١/ ٤٧٢)؛ معجم مصطلحات أصول الفقه (ص: ٣٠٢).\n\n- وحديث «إن الله تجاوز عن أمتي ..» له طرق كثيرة؛ أصحها حديث ابن عباس رواه ابن حبان وابن ماجة والحاكم في المستدرك وقال: على شرط الشيخين. يُنظر: نصب الراية (٢/ ٦٤ - ٦٥) (٣/ ٢٢٣). ويُنظر: صحيح ابن حبان، ك: إخباره - ﷺ - عن مناقب الصحابة رجالهم ونسائهم، ذكر الأخبار عما وضع الله بفضله عن هذه الأمة (١٦/ ٢٠٢/ج ٧٢١٩)؛ سنن ابن ماجه، ك: الطلاق، ب: طلاق المكره والناسي (١/ ٦٥٩/ح ٢٠٤٣)؛ مستدرك الحاكم، ك: الطلاق (٢/ ٢١٦/ح ٢٨٠١).\n(٢) أصول السرخسي (١/ ٢٨١).","vol":"1","page":126},{"text":"• المثال الثاني:\nما ذكره ابن العربي (١) في مسألة (تكليف الكفار بفروع الشريعة): \" ... فأما الجواز فظاهر؛ لأنه لا يمتنع أن يقال للكافر: صَلِّ، ويتضمن الأمر بالصلاة الأمر بشرطها في الإيمان؛ إذ لا يتوصل إلى فعلها إلا به، ... فالدليل على وجود ذلك في الشرع ظواهر الكتاب، وأمثلها في التعليق قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٤].\nفإن قيل: أراد تعالى: لم تك على اعتقاد المصلين.\nقلنا: إنما يعدل عن الظاهر لضرورة داعية، ولا ضرورة ها هنا؛ لما تقدم من الجواز\" (٢).\n• المثال الثالث:\nما ذكره الشاطبي (٣)\nفي فصل العموم والخصوص عند حديثه عن المسألة الأولى: \"إذا ثبتت قاعدة عامة أو مطلقة؛ فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان (٤)\n_________\n(١) هو: أبو بكر، محمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالله بن أحمد المعافري الأندلسي، الإمام ابن العربي، الحافظ أحد الأعلام، ولد في إشبيلية، ورحل إلى المشرق، والتقى بالغزالي، ولي قضاء إشبيلية. صنف كتبًا في التفسير والحديث والفقه والأصول والأدب والتاريخ، ومن مصنفاته: \"أحكام القرآن\"، و\" المحصول \" في أصول الفقه، و\" عارضة الأحوذي في شرح الترمذي\"، (ت: ٥٤٣ هـ) بقرب فاس.\nيُنظر: الديباج المذهب (ص: ٢٨١)؛ طبقات الحفاظ (١/ ٤٦٨)؛ نفح الطيب (٢/ ٢٦).\n(٢) المحصول لابن العربي (ص: ٢٧).\n(٣) هو: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي، الغرناطي، كان عالمًا بالفقه والأصول، حريصًا على اتباع السنة، من أئمة المالكية. من مصنفاته: \"أصول النحو\"، و\" الاعتصام\"، و\" الموافقات\"، (ت: ٧٩٠ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: نيل الابتهاج (ص: ٤٨)؛ الفتح المبين للمراغي (٢/ ٢٠٤)؛ الأعلام (١/ ٧١).\n(٤) قال الشيخ دراز: (قوله: قضايا الأعيان) كما ورد مسحه - ﷺ - على عمامته، فلا يؤثر ذلك في قاعدة وجوب مسح نفس الرأس في الوضوء، ويكون مسح العمامة متى كانت روايته قوية مستثنى للعذر بجرح أو مرض بالرأس يمنع من مباشرة المسح عليها. يُنظر: هامش (١) في الموافقات (٤/ ٨). - وحديث المسح على العمامة أخرجه مسلم، ك: الطهارة، ب: المسح على الناصية والعمامة، (١/ ٢٣٠ - ٢٣١/ح: ٢٧٤) -.\n\nوذكر الزركشي والشوكاني مثالًا على تخصيص العموم بقضايا الأعيان إذنه - ﷺ - بلبس الحرير للحكة. يُنظر: البحر المحيط (٣/ ٤٠٥)؛ إرشاد الفحول (١/ ٥٧٨). - وهذا الإذن من حديث أنس - ﵁ - قال: «رَخَّصَ النبي - ﷺ - لِلزُّبَيْرِ وَعَبْدِالرحمن في لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحِكَّةٍ بِهِمَا». يُنظر: صحيح البخاري، ك: اللباس، ب: ما يرخص للرجال من الحرير للحكة (٥/ ٢١٩٦/ح: ٥٥٠١)؛ صحيح مسلم، ك: اللباس والزينة، ب: إباحة لباس الحرير للرجل إذا كان به حكة أو نحوها (٣/ ١٦٤٦ - ١٦٤٧/ح: ٢٠٧٦) -.","vol":"1","page":127},{"text":"ولا حكايات الأحوال (١).\nوالدليل على ذلك أمور:\nأحدها: أن القاعدة مقطوع بها بالفرض؛ لأنا إنما نتكلم فى الأصول الكلية القطعية وقضايا الأعيان مظنونة أو متوهمة، والمظنون لا يقف للقطعي ولا يعارضه .... الرابع: أنها لو عارضتها؛ فإما أن يُعملا معًا، أو يهملا، أو يعمل بأحدهما دون الآخر-أعني في محل المعارضة-؛ فإعمالهما معًا باطل (٢)، وكذلك إهمالهما؛ لأنه إعمال للمعارضة فيما بين الظني والقطعي (٣)، وإعمال الجزئي دون الكلي ترجيح له على الكلي، وهو خلاف القاعدة، فلم يبق إلا الوجه الرابع؛ وهو إعمال الكلي\n_________\n(١) قال الشيخ دراز: كالحكايات عن عثمان وعمر - ﵄ - من تركهما في بعض الأحيان ما هو مشرع بالاتفاق _كالأضحية_ خوفًا من اعتقاد الناس فيه غير حكمه؛ كالوجوب مثلًا. يُنظر: هامش (٢) من الموافقات (٤/ ٨).- أثر ترك الأضحية عن أبي سريحة الغفاري قال: «أدركت أبا بكر أو رأيت أبا بكر وعمر - ﵄ - كانا لا يضحيان -في بعض حديثهم- كراهية أن يقتدى بهما». وأبو سريحة الغفاري هو: حذيفة بن أسيد صاحب رسول الله - ﷺ -. يُنظر الأثر في: مصنف عبدالرزاق، ك: المناسك، ب: الضحايا (٤/ ٣٨١/ح: ٨١٣٩)؛ سنن البيهقي الكبرى، ك: الضحايا، ب: الأضحية سنة نحب لزومها ونكره تركها (٩/ ٢٦٥/ح: ١٨٨١٣) -.\n(٢) قال الشيخ دراز: \"لأنه يستلزم التكليف بالضدين معًا، وهو لا يجوز\". هامش (٢) الموافقات (٤/ ٩).\n(٣) والقاعدة: أن المظنون لا يقف للقطعي ولا يعارضه. الموافقات (٤/ ٨). وقال الإسنوي: التعارض بين القطعي والظني ممتنع؛ لكون القطعي مقدمًا دائمًا. يُنظر: نهاية السول (٢/ ٩٧٣).","vol":"1","page":128},{"text":"دون الجزئي، وهو المطلوب\" (١).\nثم أورد تقدير استدراك عليه فقال:\n\" فإن قيل: هذا مُشْكِل على بابي التخصيص (٢) والتقييد؛ فإن تخصيص العموم (٣) وتقييد المطلق صحيح عند الأصوليين بأخبار الآحاد وغيرها من الأمور المظنونة (٤)، وما ذكرت جار فيها؛ فيلزم إما بطلان ما قالوه، وإما بطلان هذه القاعدة؛ لكن ما قالوه صحيح؛ فلزم إبطال هذه القاعدة.\nفالجواب من وجهين:\nأحدهما (٥): أن ما فرض في السؤال ليس من مسألتنا بحال (٦)؛ فإن ما نحن فيه\n_________\n(١) الموافقات (٤/ ٨ - ٩).\n(٢) التخصيص: إخراج بعض ما يتناوله الخطاب عنه. وقيل في حده أيضًا: قصر العام على بعض مسمَّياته. يُنظر: المحصول (٣/ ٧)؛ مختصر ابن الحاجب (٢/ ٧٨٦)؛ شرح الكوكب المنير (٣/ ٢٦٧)؛ فواتح الرحموت (١/ ٣٠٠).\n(٣) العموم: تناول اللفظ لما صلح له. يُنظر: إحكام الفصول (١/ ١٧٦)؛ تقريب الوصول (ص: ١٣٧)؛ البحر المحيط (٣/ ٧).\n(٤) يُنظر مسألة تخصيص العام بخبر الواحد والقياس عند الجمهور في: العدة (٢/ ٥٥٠ - ٥٦٩)؛ البرهان (١/ ٤٢٦ - ٤٢٩)؛ مختصر ابن الحاجب (٢/ ٨٣٤ - ٨٣٩، ٨٥٢ - ٨٥٨).\nخلافًا للحنفية؛ فإنهم لا يجوزون تخصيص العموم من الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد والقياس؛ وذلك لأن دلالة العام عندهم قطعية، وخبر الواحد والقياس ظني، والظني لا يخصص القطعي؛ إلا إن خص العام القطعي بدليل قطعي فإنه يجوز تخصيصه بالظني كخبر الواحد والقياس؛ لأن دلالة العام بعد تخصيصه بقطعي دلالة ظنية، فيجوز تخصيصه بظني. يُنظر: أصول السرخسي (١/ ١٣٣ - ١٣٤)؛ الكافي شرح البزدوي (٢/ ٦٦٦ - ٦٧٩)؛ المغني في أصول الفقه للخبازي (ص: ١٠٠ - ١٠٤)؛ شرح منار الأنوار (ص: ٧٦ - ٧٨).\n(٥) ولم يذكر الوجه الثاني. أنظر حاشية رقم (٥) من الموافقات (٤/ ٩).\n(٦) يقصد بالمسألة (إذا ثبتت قاعدة عامة أومطلقة؛ فلا يؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان، ولا حكايات الأحوال).","vol":"1","page":129},{"text":"من قبيل ما يتوهم فيه الجزئي معارضًا وفي الحقيقة ليس بمعارض؛ فإن القاعدة إذا كانت كلية ثم ورد في شيء مخصوص وقضية عينية ما يقتضي بظاهره المعارضة في تلك القضية المخصوصة وحدها مع إمكان أن يكون معناها موافقًا لا مخالفًا؛ فلا إشكال في أن لا معارضة هنا، وهو هنا محل التأويل (١) لمن تأول، أو محل عدم الاعتبار إن لاق بالموضع الاطراح والإهمال ... وأما تخصيص العموم فشيء آخر؛ لأنه إنما يعمل بناء على أن المراد بالمخصِّص ظاهره من غير تأويل ولا احتمال، فحينئذ يعمل ويعتبر كما قاله الأصوليون، وليس ذلك مما نحن فيه\" (٢).\n• ومن أمثلة \"فإن قال قائل\":\n• المثال الأول:\nما ذكره الإمام الشافعي في (ابتداء الناسخ والمنسوخ) بعد أن قرر أن السنة لا تنسخ الكتاب؛ وإنما هي تبع للكتاب، ومفسرة معنى ما أنزل الله منه جُملًا (٣). ثم أورد تقدير استدراك عليه فقال: \"فإن قال قائل: فقد وجدنا الدلالة على أن القرآن يَنسخُ القرآن، لأنه لا مِثْلَ للقرآن، فأوجدنا ذلك في السنة.\nقال الشافعي: فيما وصفت من فرض الله على الناس اتباع أمر رسول الله دليل على أن سنة رسول الله إنما قبلت عن الله، فمن اتبعها فبكتاب الله تبعها، ولا نجد خبرًا ألزمه الله خلقه نصًّا بيِّنًا إلا كتابه ثم سنة نبيه، فإذا كانت السنة كما وصفتُ لا شبه\n_________\n(١) التأويل لغة: من آل الشيء يؤول أولًا ومآلًا: رجع، فالتأويل: تفسير ما يؤول إليه الشيء بمعنى: يرجع. يُنظر: الصحاح (ص: ٦٣)؛ المصباح المنير (١/ ٢٩) مادة: (أول).\nوفي الاصطلاح: صرف الكلام عن ظاهره إلى وجه يحتمله. يُنظر: البرهان (١/ ١١٥)؛ إحكام الفصول (١/ ١٧٦)؛ روضة الناظر (١/ ٥٠٨)؛ تيسير التحرير (١/ ١٤٤).\n(٢) الموافقات (٤/ ٩ - ١١).\n(٣) الرسالة (ص: ١٨١).","vol":"1","page":130},{"text":"لها من قول خلق من خلق الله؛ لم يجز أن ينسخها إلا مثلها، ولا مثل لها غير سنة رسول الله؛ لأن الله لم يجعل لآدمي بعده ما جعل له؛ بل فرض على خلقه اتباعه، فألزمهم أمره، فالخلق كلهم له تبع، ولا يكون للتابع أن يخالف ما فرض عليه اتباعه، ومن وجب عليه اتباع سنة رسول الله لم يكن له خلافها، ولم يقم مقام أن ينسخ شيئًا منها\". ثم قال بعد ذلك: \"فإن قال قائل: هل تنسخ السنة بالقرآن؟\nقيل: لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي فيه سنة تبيِّن أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة، حتى تقوم الحجة على الناس، بأن الشيء ينسخ بمثله\" (١).\n• المثال الثاني:\nما ذكره الجَصَّاص في فصل جواز نسخ السنة بالقرآن: \"والدليل على جواز نسخ السنة بالقرآن قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، فإذا كان النسخ بيانًا لمدة الحكم على ما بينا؛ اقتضى عموم الكتاب جواز نسخ السنة به (٢) ...\nفإن قال قائل: إن هذا القول الذي عارضت به ما حكيت يرده ظاهر الكتاب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]، فقد أفصح الكتاب بأن بعضه ينسخ بعضًا.\nقيل له: نقول لك: إنما أفصح الكتاب بوجود النسخ في القرآن ولا دلالة فيه على أنه نسخه بقرآن مثله أو بغيره؛ لأنه لا يمتنع أن يكون مراده: ما ننسخ من آية بسنة نوحي بها إليك نأت بخير منها\" (٣).\n_________\n(١) الرسالة (ص: ١٨٣).\n(٢) الفصول في الأصول (٢/ ٣٢٤).\n(٣) المرجع السابق (٢/ ٣٢٧).","vol":"1","page":131},{"text":"• المثال الثالث:\nما ذكره ابن حزم (١) في فصل إبطال القول بالعلل: \"قال أبو محمد (٢): فإن قال قائل: أنتم تنكرون القول بالعلل وتقولون بالأسباب فما الفرق بين الأمرين؟\nفالجواب - وبالله تعالى التوفيق -: أن الفرق بين العلة وبين السبب وبين العلامة وبين الغرض فروق ظاهرة لائحة واضحة وكلها صحيح في بابه، وكلها لا يوجب تعليلًا في الشريعة، ولا حكمًا بالقياس أصلًا، فنقول- وبالله تعالى التوفيق -:\nإن العلة هي: اسم لكل صفة توجب أمرًا ما إيجابًا ضروريًّا، والعلة لا تفارق المعلول ألبتة؛ ككون النار علة الإحراق، والثلج علة التبريد، الذي لا يوجد أحدهما دون الثاني أصلًا، وليس أحدهما قبل الثاني أصلًا ولا بعده.\nوأما السبب فهو: كل أمر فعل المختار فعلًا من أجله لو شاء لم يفعله؛ كغضب أدى إلى انتصار، فالغضب سبب الانتصار، ولو شاء المنتصر ألا ينتصر لم ينتصر، وليس السبب موجبًا للشيء المسبب منه ضرورة، وهو قبل الفعل المتسبب منه ولا بد\" (٣).\n• ومن أمثلة \"لقائل أن يقول\":\n• المثال الأول:\nذكر الآمدي في مسألة (الغاية التي يقع التخصيص إليها) قول أبي الحسين: \"ومنهم من جعل نهاية التخصيص في جميع الألفاظ العامة جمعًا كثيرًا يعرف\n_________\n(١) هو: أبو محمد، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، الفقيه المجتهد، الحافظ، العالم بعلوم جمة، كان شافعيًا ثم انتقل إلى مذهب أهل الظاهر. من مصنفاته: \"الإحكام في أصول الأحكام\"، و\" الفصل في الملل والأهواء والنحل\"، و\"المحلى بشرح المجلّى بالحجج والآثار\"، (ت: ٤٥٦ هـ).\nتُنظر ترجمته في: البداية والنهاية (١٢/ ٩١)؛ طبقات الحفاظ (ص: ٤٣٦)؛ شذرات الذهب (٣/ ٢٩٩).\n(٢) المراد به ابن حزم.\n(٣) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٨/ ٥٦٣).","vol":"1","page":132},{"text":"من مدلول اللفظ وإن لم يكن محدودًا، وهو مذهب أبي الحسين البصري (١) \".\nثم ذكر حجته فقال: \"وأما حجة أبي الحسين البصري فإنه قال: لو قال القائل: قتلت كل من في البلد، وأكلت كل رمانة في الدار. وكان فيها تقدير ألف رمانة، وكان قد قتل شخصًا واحدًا أو ثلاثة، وأكل رمانة واحدة أو ثلاث رمانات؛ فإن كلامه يعد مستقبحًا مستهجنًا عند أهل اللغة. وكذلك إذا قال لعبده: من دخل داري فأكرمه، أو قال لغيره: من عندك، وقال: أردت به زيدًا وحده، أو ثلاثة أشخاص معينة أو غير معينة؛ كان قبيحًا مستهجنًا. ولا كذلك فيما إذا حمل على الكثرة القريبة من مدلول اللفظ فإنه يعد موافقًا مطابقًا لوضع أهل اللغة.\nوهذه الحجة وإن كانت قريبة من السداد، وقد قلده فيها جماعة كثيرة؛ إلا أن لقائل أن يقول: متى يكون ذلك مستهجنًا منه، إذا كان مريدًا للواحد من جنس ذلك العدد الذي هو مدلول اللفظ وقد اقترن به قرينة، أو إذا لم يكن الأول ممنوع والثاني مسلم.\nوبيان ذلك النص وصحة الإطلاق:\nأما النص فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وأراد بالناس القائلين: نعيم بن مسعود الأشجعي (٢)\n_________\n(١) هو: أبو الحسين، محمد بن علي بن الطيب البصري، من أئمة المعتزلة الكبار، وتلميذ القاضي عبدالجبار، إمام وقته في الأصول، ومن أذكياء زمانه. من مصنفاته: \"المعتمد \" في أصول الفقه، و\" تصفح الأدلة\"، و\" نقض الشافعي في الإمامة\"، (ت: ٤٣٦ هـ).\nتُنظر ترجمته في: فِرق وطبقات المعتزلة (ص: ١٢٥)؛ طبقات المعتزلة (ص: ١٠٥)؛ وفيات الأعيان (٤/ ٢٧١).\nيُنظر: المعتمد (١/ ٢٣٦).\n(٢) هو: أبو سلمة، نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي، صحابي مشهور، أسلم ليالي الخندق، وهو الذي خذل المشركين وبني قريظة. قتل نعيم في أول خلافة علي قبل قدومه البصرة في وقعة الجمل، وقيل: مات في خلافة عثمان.\nتُنظر ترجمته في: الاستيعاب (٤/ ١٥٠٨)؛ الإصابة (٦/ ٤٦١)؛ تهذيب التهذيب (١٠/ ٤١٥).","vol":"1","page":133},{"text":"بعينه، ولم يعد ذلك مستهجنًا؛ لاقترانه بالدليل.\nوأما الإطلاق فصحة قول القائل: أكلت الخبز واللحم وشربت الماء والمراد به واحد من جنس مدلولات اللفظ العام، ولم يكن ذلك مستقبحًا؛ لاقترانه بالدليل.\nنعم إذا أطلق اللفظ العام وكان الظاهر منه إرادة الكل وما يقاربه في الكثرة، وهو مريد للواحد البعيد من ظاهر اللفظ من غير اقتران دليل به يدل عليه؛ فإنه يكون مستهجنًا\" (١).\n• المثال الثاني:\nقال السراج الأرموي في مسألة (وقوع النسخ) في أدلة القائلين المثبتين للنسخ: \"والمعتمد قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].\nوجه الاستدلال: أن صحة التمسك بالقرآن إن توقفت على صحة النسخ وقد صح لصحة نبوته - ﵇ -؛ فيصح النسخ وإن لم يتوقف تمسكنا بالآية المذكورة.\nولقائلٍ أن يقول: ملزومية الشيء لغيره لا تقتضي وقوعه ولا صحة وقوعه\" (٢).\n• بيان الاستدراك:\nاحتج المثبتون للنسخ بأن الاستدلال بالقرآن متوقف على ثبوت نبوة محمد - ﷺ - وكونها ناسخة لما قبلها، وحينئذ يقال: نبوته - ﷺ - إن توقفت على نسخ الشرائع السابقة فقد حصل المطلوب، وإن لم تتوقف عليه فالآية تدل على جواز النسخ.\nفاستدرك السراج الأرموي على هذا الاستدلال: بأن قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ جملة شرطية معناها: إن ننسخ نأت، وصدق الملازمة بين الشيئين لا يقتضي\n_________\n(١) يُنظر: الإحكام للآمدي (٢/ ٣٤٧ - ٣٤٩).\n(٢) التحصيل (٢/ ١١).","vol":"1","page":134},{"text":"وقوع أحدهما، ولا صحة وقوعه؛ لجواز اللزوم بين المحالين (١)، وذلك بأن يكون الشرط والجزاء محالين.\n• المثال الثالث:\nقال ابن السبكي في شروط المجتهد: \"وشرط الإمام (٢): أن يكون عارفًا بالدليل العقلي، وعارفًا بأننا مكلفون به.\nوقد اتبع في ذلك الغزالي؛ فإنه ذكر ذلك ولم يذكر القياس (٣)، وكأنهما (٤) تركاه لكونه متفرعًا عن الكتاب والسنة.\nولكن لقائل أن يقول: الإجماع والعقل أيضا كذلك، فَلِمَ ذكرا قوله\" (٥).\n- فائدتان:\n١ - كان السراج الأرموي إذا بدا له تدوين استدراك على المحصول ابتدأها بقوله: \"ولقائل أن يقول\" تمييزًا لها عما ورد في الكتاب، وعبارته هذه تدل على ذوق سليم وأدب رفيع كان يتحلى بها السراج الأرموي؛ حيث نسب الاستدراك لمجهول تواضعًا منه. (٦)\n٢ - ذكر القرافي فرقًا في دلالة \"لقائل أن يقول\" و\"فإن قيل\" أو \"فإن قلت\" عند الإمام الفخر الرازي:\n_________\n(١) نهاية السول (١/ ٥٨٨).\n(٢) أي الرازي، يُنظر: المحصول (٦/ ٢٥).\n(٣) يُنظر: المستصفى (٤/ ٥ - ١١).\n(٤) أي الغزالي والرازي.\n(٥) يُنظر: الإبهاج (٧/ ٢٩٠١).\n(٦) من كلام د. عبدالمجيد أبو زنيد في تحقيقه للتحصيل (١/ ١٣١).","vol":"1","page":135},{"text":"فمتى قال: (ولقائل أن يقول) فهو عنده قوي؛ لأنه ابتدأه بلام الاختصاص التي هي للثبوت، فهو متمكن القدم في الثبوت.\nومتى قال: (فإن قيل، أو فإن قلت) فهو عنده متقارب في البعد من ظهور الفساد وللصحة؛ لأن (إِن) في لسان العرب للشك، فلا تدخل ولا يعلق عليها إلا المشكوك فيه، فلا تقول: إن زالت الشمس أكرمتك. (١)\n_________\n(١) نفائس الأصول (١/ ١٥٥).","vol":"1","page":136},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-44> المطلب الثاني\nالمستدرك فيه</span>\nوهو اللفظ أو المعنى الأصولي الأول الصادر من المُستدرَك عليه.\nوالمراد تصويبه، أو تكميله، أو دفع اللَّبْس عنه، أو نقده، أو تخطئته، أو توجيهه لأولى.\nويمكن حده بأنه: المُتعقب فيه من اللفظ أو المعنى الأصولي الواقع أو المقدر.\nوالمستدرك فيه على قسمين:\nالأول: مستدرك فيه واقع: وهذا يصدر من المُستدرَك عليه المعلوم أو المجهول في العملية الاستدراكية، والاستدراك عليه يكون بدفعه. وأمثلة ذلك ما سبق ذكره في المستدرَك عليه المعلوم والمجهول (١).\nالثاني: مستدرك فيه مقدر: وهذا يصدر من المُستدرَك عليه المقدر - الذي يُقدره المُستدرِك -، والاستدراك عليه يكون برفعه. وأمثلة ذلك ما سبق ذكره في المستدرَك عليه المقدر. (٢)\n_________\n(١) يُنظر: (ص ١١٠ - ١٢٤).\n(٢) يُنظر: (ص: ١٢٤ - ١٣٦). وسيأتي -بإذن الله- مزيد من الأمثلة في (ص: ٢٣٨ - ٢٤٠).","vol":"1","page":137},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-45>المطلب الثالث\nالمستدرِك</span>\nوهو فاعل الاستدراك، ويمكن حده: بالْمُعقِب للفظ أو المعنى الأصولي الواقع أو المقدر بما يخالفه في نفسه.\nوشروط المستدرِك هي ذاتها شروط المجتهد إذا اعتبرنا الاستدراك نوعًا من الاجتهاد أو الخلاف، فيشترط له ما يشترط لهما؛ إذ لا يستحق المخالف أن يعتد بخلافه إلا إذا حاز أهلية الاعتداد بالخلاف، ومن لم يبلغ رتبة الاجتهاد مقلد، وليس للمقلد أن يستدرك على المجتهد؛ بيد أن الشروط التي يذكرها الأصوليون في باب الاجتهاد (١) لا تلزم في كل استدراك، والذي يضبط ذلك موضوع الاستدراك وطبيعته، ونستدل على ذلك بقول الإمام الغزالي بعد عرضه العلوم التي لا بد للمجتهد منها: (اجتماع هذه العلوم الثمانية إنما يشترط في حق المجتهد المطلق (٢)\nالذي يفتي في جميع الشرع.\n_________\n(١) عند النظر في شروط الاجتهاد يلحظ الناظر تطورًا وتوسعًا في تلك الشروط، وهذا أمر طبيعي مع تغير العصور ونمو العلوم، فالأدوات العلمية المقدمة هي الأصل المستصحب في كل عصر؛ إلا أنه قد يزاد عليها بالقدر الذي تقتضيه ظروف ذلك العصر، فما قرره الشافعي - ﵀ - في القرن الثاني من شروط ليست كافية للنظر الاجتهادي في القرن الثالث؛ حيث كان الاختلاف السائد في القرن الثاني خلافًا فقهيًا، في حين كان الخلاف السائد في القرن الثالث خلافًا كلاميًا بين الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية، وامتزج الفكر الأصولي بشيء من هذا الخلاف، مما جعل علماء الأصول المتأخرين يشترطون في المجتهد أن يكون على قدر معرفي من علم الكلام. يُنظر: الفتوى وأثرها في حماية المعتقد وتحقيق الوسطية، للدكتور فهد بن سعد الجهني، بحث في مجلة البحوث الإسلامية، العدد ٨٠، سنة ١٤٢٧ هـ-١٤٢٨ هـ، (ص: ١٧٢).\n(٢) المجتهد قسمان: مستقل، وغيره .. فالمستقل: المجتهد المطلق؛ وهو القائم بمعرفة أدلة الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وما التحق بها على التفصيل، العالم بما يشترط في الأدلة، ووجوه دلالتها، وكيفية اقتباس الحكم منها، العارف بعلوم القرآن والحديث، والناسخ والمنسوخ، والنحو واللغة، واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن به من الوفاء بشروط الأدلة والاقتباس منها.\nالقسم الثاني: مجتهد ليس بمستقل؛ وهو المجتهد المنتسب إلى أئمة المذاهب المتبوعة، وله أربعة أحوال. يُنظر: المسودة (ص: ٣٦٠)؛ صفة الفتوى (ص: ١٦)","vol":"1","page":138},{"text":"وليس الاجتهاد -عندي- منصبًا لا يتجزأ؛ بل يجوز أن ينال العالم منصب الاجتهاد في بعض الأحكام دون بعض، فمن عرف طريق النظر القياسي؛ فله أن يفتي في مسألة قياسية وإن لم يكن ماهرًا في علم الحديث ... وقس عليه ما في معناه) (١).\nوذهب الإمام الشاطبي في تقريره القدر الذي يجب على المجتهد تحصيله من هذه العلوم والمعارف: أنه ليس واجبًا على العالم أن يتعمق في كل علم من العلوم المذكورة في شروط الاجتهاد حتى يصل لدرجة الاجتهاد فيها؛ بل يكفيه أن يمتلك القدرة العلمية على الاستفادة من كل فن ما يساعده في بناء الفتوى بناء صحيحًا؛ سواء كان في الحديث أو اللغة أو غيرهما من العلوم ... ولو كان مشترطًا في المجتهد الاجتهاد في كل ما يفتقر إليه الحكم؛ لم يصح لحاكم أن ينتصب للفصل بين الخصوم حتى يكون مجتهدًا في كل ما يفتقر إليه الحكم الذي يوجهه على المطلوب لطالب، وليس الأمر كذلك بالإجماع. (٢)\nويمكن تقسيم الشروط التي يجب توفرها في المستدرِك إلى قسمين؛ الأول منهما: شروط قبول الاستدراك. والثاني: شروط صحة الاستدراك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>أولًا: شروط قبول الاستدراك</span>.\nويراد بها: الشروط التي يجب أن تتوفر في المستدرِك، وبدونها لا يقبل استدراكه وإن كان قادرًا على الفهم والاستنباط.\n١ - الإسلام: يشترط في المستدرِك أن يكون مسلمًا؛ لأن الاستدراك الأصولي من فروض الكفاية - كما تقدم -، فهو إذًا عبادة، والإسلام شرط لصحة العبادة،\n_________\n(١) المستصفى (٤/ ١٥ - ١٦).\n(٢) ينظر: الموافقات (٥/ ٤٦ - ٤٧).","vol":"1","page":139},{"text":"فهو شرط لقبول استدراكه، وليس شرطًا في قدرة المرء على الاستدراك؛ فقد يستطيع الكافر أن يستدرك، ولكن لا عبرة لاستدراكه؛ لأن الاستدراك الأصولي من علوم الشريعة، فمن لم يكن متشبعًا بالشريعة لا يسوغ له الاستدراك على علومها.\n٢ - التكليف: فيشترط في المستدرِك أن يكون بالغًا عاقلًا؛ حتى يتمكن من فهم نصوص وعبارات الأصوليين على الوجه الصحيح، وهذا لا يتم للصغير والمجنون؛ لعدم اكتمال ملكاتهم العقلية التي يتم بها الإدراك والتمييز.\n٣ - العدالة (١): فمن كان عدلًا اطمأن القلب إلى استدراكه؛ لأن غرضه في ذلك مرضاة الله، ونشر العلم، ومن لم يكن كذلك لم يطمئن القلب إلى استدراكه كأن يكون غرضه الخصومة مع المستدرَك عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>ثانيًا: شروط صحة الاستدراك</span>.\nالمراد بها الشروط التي تُكَوِّن الملكة (٢) التي يقتدر بها المستدرِك على الاستدراك. وإن شئت أن تطلق عليها الآلات التي يشترط أن تتوفر في المستدرِك، وأقرر ذلك\n_________\n(١) العدالة: استقامة السيرة والدين. ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا. يُنظر: المستصفى (٢/ ٢٣١).\nوالحنفية قسموها إلى قسمين: عدالة كاملة: اجتناب الكبائر، وعدم الإصرار على الصَّغائر.\nوأمَّا العدالة القَاصِرة: فتكفي بظاهر الإسلام، واعتدال العقل، مع السلامة عن فسق ظاهر. يُنظر: كشف الأسرار للبخاري (٢/ ٧٤٠ - ٧٤٢).\nوالعدالة الكاملة من موجبات قبول الشهادة والرواية، وأما القاصرة فهي أقل من مرتبة الكاملة، ويعتد بها في حالة عدم وجود من تتحقق فيه صفات العدالة الكاملة. يُنظر: معجم مصطلحات أصول الفقه (ص: ٢٨٠).\n(٢) الْمَلَكَةُ: صفة راسخة في النفس. وتحقيقه أنه تحصل للنفس هيئة بسبب فعل من الأفعال، ويقال لتلك الهيئة: كيفية نفسانية، وتسمى \"حالة \" ما دامت سريعة الزوال؛ فإذا تكررت ومارستها النفس حتى رسخت تلك الكيفية فيها وصارت بطيئة الزوال فتصير ملكة. التعريفات (ص: ٢٩٦)؛ ومثله في: التعاريف (ص: ٦٧٥).","vol":"1","page":140},{"text":"بكلام الإمام الشافعي عندما قال: (ولا يقيس إلا من جمع الآلة التي له القياس بها ...) (١).\nوعلى غِرارِه أقول: لا يستدرك إلا من جمع الآلة التي له الاستدراك بها، وهذه الآلات يمكن تقسيمها إلى قسمين: الآلات العامة، والآلات الخاصة.\nأما الآلات العامة فهي التي تشترط في جميع الاستدراكات، وهي:\n١ - العلم بأصول الفقه: وهذا من أهم الشروط التي يجب أن تتوفر في المستدرِك؛ إذ كيف يستدرك على علم لا يفقهه؟ !\nوقد نص على هذا الشرط ابن عاصم (٢) في منظومته مرتقى الوصول إلى علم الأصول (٣) فقال:\nوما بِها من خطأٍ ومن خَلَلْ ... أَذِنْتُ في إصلاحه لمن فَعَلْ\nلكن بشرط العلم والإنصافِ ... فذا وذا من أَجمَلِ الأوصَاف\n\nفالاستدراك الأصولي ينطلق من مقدمات علمية أساسية، وينتهي إلى نتائج قيمة تسهم في بناء المعرفة الأصولية وتطورها؛ فلذلك يتطلب الإحاطة بكل ما يتعلق بالجوانب العلمية للموضوع المستدرك فيه.\n_________\n(١) الرسالة (ص: ٤٩٨).\n(٢) هو: أبو عبدالله، محمد بن محمد بن عاصم القيسي، الغرناطى، الأندلسي، المالكي، المعروف بـ (ابن عاصم)، الإمام، الوزير، الكاتب الجليل، البليغ الخطيب، الشاعر المفلق، الناثر الحجة، قاضي الجماعة، بها كان يكنى، من أكابر فقهائها وعلمائها. من تصانيفه: \"إيضاح الغوامض في الفرائض\"، و\" مرتقى الوصول إلى الضروري من الأصول الصغرى\"، و\" مهيع الوصول في علم الأصول\"، (ت: ٨٢١ هـ).\nتُنظر ترجمته في: نفح الطيب (٦/ ١٤٨)؛ أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض (١/ ١٤٥)؛ هدية العارفين (٦/ ١٨٥).\n(٣) (ص: ٢٤).","vol":"1","page":141},{"text":"فيجب على المستدرك أن يكون واسع الاطلاع في المسألة المستدرك فيها، واقفًا على أقوال الأصوليين فيها، فاهمًا لدلالات عباراتهم.\nومن العلم بأصول الفقه: العلم بالمسائل المجمع عليها حتى لا يخالفها؛ كتقديم المنطوق على المفهوم، والنص على الظاهر، ونحو ذلك.\n٢ - العلم باللغة العربية: بالقدر الذي يمكن صاحبه من فهم كلام الأصوليين، ومعرفة دلالات ألفاظهم، وسياق كلامهم؛ حتى يسلم له الاستدراك.\nالآلات الخاصة: وهي التي تشترط في بعض الاستدراكات لا جميعها؛ ومنها:\n١ - العلم بالمنطق: بأن يعرف شرائط الحدود (١) والبراهين (٢)، وكيفية تركيب المقدمات، وغير ذلك.\nوهذا يحتاج إليه في الاستدراك على البراهين والحدود والتعريفات، ولا يحتاج إليه في الاستدراك على إكمال الأقوال أو دفع توهم.\nمثاله: (قال الرازي: أما النظر: فهو ترتيب تصديقات في الذهن؛ ليتوصل بها إلى تصديقات أخرى) (٣).\nفاستدرك عليه القرافي بقوله: (قوله: \"ترتيب تصديقات\" هو صيغة جمع، مع أن البرهان القاطع قد قام على أن الدليل يستحيل أن يتركب من أكثر من مقدمتين تامتين، وحيث احتاج الدليل أو المطلوب إلى مقدمات كثيرة فإنما ذلك لعدم تمام\n_________\n(١) الحد: قول دال على ماهية الشيء. وهو على قسمين: تام وناقص؛ فالحد التام: ما يتركب من الجنس والفصل القريبين؛ كتعريف الإنسان بالحيوان الناطق. وأما الحد الناقص: ما يكون بالفصل القريب وحده أو به وبالجنس البعيد؛ كتعريف الإنسان بالناطق، أو بالجسم الناطق يُنظر: التعريفات (ص: ١١٢)؛ إيضاح المبهم (ص: ٨).\n(٢) البرهان هو: القياس المؤلف من اليقينيات. يُنظر: التعريفات (ص: ٦٤)؛ إيضاح المبهم (ص: ١٨).\n(٣) المحصول (١/ ٨٧).","vol":"1","page":142},{"text":"المقدمتين أو إحداهما، والمقدمات الزائدة لتمامها أو تمام إحداهما. وبيانه: أن المحكوم به إذا كان مجهول الثبوت للمحكوم عليه فلا بد من واسطة بينهما، يكون ثبوتها لأحدهما معلومًا، وثبوت الآخر لها معلومًا، فيلزم ثبوت المجهول للمعلوم، كما إذا جهلنا ثبوت الحدوث للعالم فيتوسط بينهما التغير. فنقول: التغير ثابت للعالم، والحدوث ثابت للمتغير، فالحدوث ثابت للعالم؛ لأن لازم اللازم لازم، فمن المحال أن تعلم هاتين الملازمتين ولا يحصل العلم، نعم قد لا تعلمان فنحتاج في كل مقدمة إلى دليل مركب من مقدمتين، وقد يحتاج الدليل الثاني لذلك أيضًا، فتكثر المقدمات، فظهر أنه يستحيل الزيادة في الدليل على مقدمتين تامتين\" (١).\nفيلحظ أن استدراك القرافي على الرازي في حده للنظر كان مستمدًّا من علم المنطق، وما يذكر فيه من مقدمات القياس المنطقي، وقواعد المنطق؛ كقوله: (لازم اللازم لازم).\n٢ - العلم بالمسائل الكلامية المبحوثة في أصول الفقه: وهذا يحتاج إليه في الاستدراك على تلك المسائل؛ كاستدراك النقد، أو تصويب الخطأ، ولا يحتاج إليه في الاستدراك على الحدود.\nمثال: مسألة تكليف المعدوم، وأصل هذه المسألة من مسائل علم الكلام (٢)؛ هل يصح أن يخاطب الله المعدوم بطلب فعل شيء أو تركه بشرط وجوده، أم لا يصح أن يخاطب به إلا بعد وجوده؟\nقال إمام الحرمين: \"وهذه المسألة إنما رسمت لسؤال المعتزلة؛ إذ قالوا: لو كان الكلام أزليًا لكان أمرًا، ولو كان أمرًا لتعلق بالمخاطب في عدمه\" (٣).\n_________\n(١) نفائس الأصول (١/ ١٩٦ - ٢٠٧).\n(٢) ولما أدرك الآمدي أن الأصولي لا شأن له بهذه المسألة؛ أوجب عليه أن يقلد فيها قول المتكلمين، فقال: (وقد حققنا ذلك في الكلاميات بما يجب على الأصولي تقليد المتكلم فيه). الإحكام للآمدي (٢/ ٢٠٥).\n(٣) البرهان (١/ ٢٧٤).","vol":"1","page":143},{"text":"وقال ابن برهان: \"وهذه المسألة رسمت لإثبات كلام الله تعالى؛ فإن الله تعالى متكلم بكلام قديم أزلي، آمر بأمر قديم، وليس هناك مأمور، والمعتزلة تنكر ذلك (١) \" (٢).\nوكل مذهب كان يستدل بأدلة، ويستدرك عليه الخصم ما استدل به؛ فمن ذلك مثلًا: ما استدل به المانعون لتكليف المعدوم حيث قالوا: إن الأمر: هو استدعاء الفعل بالقول من الدون، والمعدم غير موجود، فالفعل منه لا يقع؛ فلا يتعلق الأمر به. (٣)\nاستدرك عليهم: بأن المحال خطابه بإيجاد الفعل حال عدمه، ولا يستحيل منه الفعل إذا وجد مستجمعًا شرائط التكليف. (٤)\n_________\n(١) كلام الله عند المعتزلة حادث مخلوق، فلا يجيزون خطاب المعدوم.\nومذهب أهل السنة والجماعة: إثبات قدم نوع الكلام وتجدد آحاده، فالله تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وهو - ﷻ - يتكلم بصوت يُسمع. يُنظر مسألة كلام الله في: شرح العقيدة الطحاوية (١/ ١٧٢ - ٢٠٦)؛ شرح مختصر الروضة (٢/ ٩ - ٢٠)؛ كتاب القرآن كلام الله حقيقة في مجموع الفتاوى (١٢/ ٥ وما بعدها)؛ شرح الكوكب المنير (٢/ ٩ - ١١٤).\n(٢) الوصول إلى الأصول (١/ ١٧٦).\n(٣) لم أقف على هذه المسألة في المعتمد، وذكر هذا الدليل لهم في: العدة (٢/ ٣٩٠)؛ التمهيد لأبي الخطاب (١/ ٣٥٦).\n(٤) المراجع السابقة.","vol":"1","page":144},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-48>المطلب الرابع\nالمستدرك به</span>\nوهو اللفظ أو المعنى الأصولي الصادر من المُستدرِك، والذي حصل به التصويب، أو التكميل، أو دفع اللَّبْس، أو النقد، أو التخطئة، أو التوجيه للأولى.\nويمكن حده بأنه: المُعقَّب به على اللفظ أو المعنى الأصولي الواقع أو المقدر.\nمثاله: قال الغزالي في حد النسخ: \"الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا به مع تراخيه عنه\" (١).\nفاستدرك عليه ابن رشيق بقوله: \"والتحقيق في ذلك: أن هذا ليس حدًّا للنسخ؛ بل للناسخ، والنسخ غير الناسخ على ما سيأتي تحقيقه في أركان النسخ وشروطه.\nوأما حد النسخ: فهو قطع استمرار مؤاخذة المكلف بموجب الخطاب الأول بسبب دليل شرعي مستقل نقلي\" (٢).\nفالمستدرك به هو قول ابن رشيق: \"والتحقيق في ذلك ... \" إلى قوله: \"مستقل نقلي\".\n_________\n(١) المستصفى (٢/ ٣٥).\n(٢) لباب المحصول في علم الأصول (١/ ٢٩٠).","vol":"1","page":145},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-49> المبحث الثاني\nأسباب الاستدراك الأصولي، وتطبيقاته</span>.\nوفيه تمهيد، ومطلبان:\n- تمهيد: المراد بأسباب الاستدراك الأصولي.\n- المطلب الأول: أسباب ناشئة من المستدرَك عليه.\n- المطلب الثاني: أسباب ناشئة من المستدرِك.\n\n* * ... * ** * ... * *","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>تمهيد\nالمراد بأسباب الاستدراك الأصولي</span>\nالأسباب في اللغة: جمع سبب، وذكر ابن فارس أنه ممكن أن يكون شاذًّا عن أصل الباب القطع، وممكن أن يُقال: إنه أصلٌ آخر يدلُّ على الطول وامتداد. (١)\nويطلق (السبب) في اللغة على عدة معان؛ منها:\nالمعنى الأول: الطريق (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥] أي: أخذ طريقًا فسار. (٣)\nالمعنى الثاني: الحبل، وسمي سببًا لكونه يتوصل به إلى المقصود؛ كنزح الماء من البئر. (٤)\nالمعنى الثالث: الباب، ومنه قوله تعالى: ﴿لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] أي: أبوابها (٥).\nوكلها ترجع إلى معنى واحد، فيطلق السبب على كل ما يتوصل به إلى مقصود ما. (٦)\n_________\n(١) مقاييس اللغة (٣/ ٦٤).\n(٢) أساس البلاغة (ص: ٢٨٢) مادة: (سبب).\n(٣) يُنظر: تفسير السمرقندي (٢/ ٣٦٠).\n(٤) يُنظر: لسان العرب (٧/ ١٠٠ - ١٠١)؛ المصباح المنير (١/ ٢٦٢)؛ القاموس المحيط (ص: ٩٥) مادة: (سبب).\n(٥) التبيان في تفسير غريب القرآن (ص: ٣٦٧).\n(٦) يُنظر: الصحاح (ص: ٤٦٨)؛ لسان العرب (٧/ ١٠٠)؛ المصباح المنير (١/ ٢٦٢) مادة: (سبب).","vol":"1","page":147},{"text":"وفي الاصطلاح الأصولي: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته. (١)\nوعلى هذا يمكن حد أسباب الاستدراك الأصولي بأنها: ما يلزم من وجودها وجود الاستدراك، ومن عدمها عدم الاستدراك.\nفالمراد بالأسباب في هذا البحث: دراسة الدوافع التي أدت ببعض الأصوليين للاستدراك.\nإن منشأ الاستدراك متعدد ومتنوع، ومن خلال ما سبق وما تبين لي أثناء البحث يمكن تقسيم أسباب الاستدراك إلى مطلبين:\nالمطلب الأول: أسباب ناشئة من المستدرَك عليه.\nوالمطلب الثاني: أسباب ناشئة من المستدرِك.\n_________\n(١) عرف السبب بتعريفات كثيرة؛ ولعل من أفضلها ما سقته، وهو تعريف القرافي في تنقيح الفصول (ص: ٨١)؛ الفروق (١/ ١٧٢) (٤/ ٣٠٢)؛ نفائس الأصول (١/ ٣٠٣).","vol":"1","page":148},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-51>المطلب الأول\nأسباب الاستدراك الناشئة من المستدرَك عليه</span>\nوهي ثلاثة أسباب: الوهم، والخطأ، والنسيان، وأقرر ذلك بقول أم المؤمنين عائشة - ﵂ - في استدراكها على ابن عمر (١)\n- ﵄ - في الميت يُعذب ببكاء أهله (٢)؛ حيثُ جمعت أسباب الاستدراك الناشئة من المستدرَك عليه في مقولتها: \"وَهِم أبو عبدالرحمن، أو أخطأ، أو نسي\" (٣).\nوسأبدأ في تقريرها بالنسيان؛ وذلك لأنه من العوارض الفطرية، والفطري مقدم على المكتسب، أما الوهم والخطأ فمن العوارض المكتسبة.\nوأخرت الخطأ عن الوهم؛ لأن الوهم من أسباب الوقوع في الخطأ، فناسب تقديم السبب.\n_________\n(١) هو: عبدالله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبدالعزى القرشي العدوي، الصحابي الجليل، هاجر للمدينة وعمره عشر سنين، من أكثر الناس عبادة وزهدًا واتباعًا للرسول - ﷺ -، ومن المكثرين في الرواية، وعرض على النبي - ﷺ - ببدر فاستصغره، ثم بأحد فكذلك، ثم بالخندق فأجازه وهو يومئذ ابن خمس عشرة سنة، (ت: ٧٥ هـ) وقيل غير ذلك.\n\nتُنظر ترجمته في: الاستيعاب (٣/ ٩٥٠)؛ تقريب التهذيب (١/ ٣١٥)؛ الإصابة (٤/ ١٨١).\n(٢) والحديث في الصحيحين، يُنظر: صحيح البخاري، ك:، الجنائز، ب: قَولِ النبي - ﷺ -: «يُعذَّبُ المَيِّتُ بِبَعضِ بُكاءِ أَهلِهِ عليه ...، (١/ ٤٣٢/ح: ١٢٢٦)، ك: الجنائز، ب: ما يُكْرهُ من النِّياحَةِ على الْميِّتِ ...، (١/ ٤٣٤/ح: ١٢٣٠)، ك: الجنائز، ب: البكاء عند المريض، (١/ ٤٣٩/ح: ١٢٤٢)؛ صحيح مسلم، ك:، ب: الْميِّتِ يُعذَّبُ بِبُكاءِ أهْلِهِ عليه، (٢/ ٦٣٨ - ٦٤٣/ح: ٩٢٧/ ح: ٩٢٩/ح: ٩٣١/ح: ٩٣٢).\n(٣) بهذا اللفظ يُنظر: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٨٥)، وأصله في صحيح مسلم، وسيأتي ذكر لفظ صحيح مسلم وتخريجه في الفصل السادس، المبحث الأول (ص: ٨١٠) من البحث.","vol":"1","page":149},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-52> السبب الأول: نسيان المستدرَك عليه:</span>\nأصل مادة النسيان: النون والسين والياء أصلان صحيحان يدل أحدهما على إغفال الشيء، والثاني على ترك الشيء. (١)\nوهو في اللغة: ضد الذُّكر والحفظ. والنِّسيانُ أيضًا: الترك، قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ (٢)﴾ [التوبة: ٦٧]، وقال: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة، ٢٣٧]. (٣)\nوأما في الاصطلاح فعرف بعدة تعريفات؛ منها: غيبة الشيء عن القلب؛ بحيث يحتاج إلى تنبيه جديد (٤).\nوذكر علماء الأصول للنسيان عدة تعريفات؛ منها:\nجهل الإنسان بما كان يعلمه ضرورة مع علمه بأمور كثيرة لا بآفة. (٥)\nومن علماء الأصول من يجعل النسيان والسهو معنى واحدًا كالتفتازاني (٦)، ومنهم من يفرق بينهما كالعطار (٧)؛ حيثُ قال: \"السهو: الذهول؛ أي الغفلة\n_________\n(١) مقاييس اللغة (٥/ ٤٢١) مادة: (نسي).\n(٢) قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ معناه: تركوا الله أن يطيعوه ويتبعوا أمره، فتركهم الله من توفيقه وهدايته ورحمته. يُنظر: تفسير الطبري (١٠/ ١٧٥)؛ زاد المسير (٣/ ٤٦٧).\n(٣) يُنظر: الصحاح (ص: ١٠٣٥)؛ لسان العرب (١٤/ ٢٥٠) مادة: \"نسا\". ويُنظر كذلك: المطلع (ص: ٤٠٨).\n(٤) الكليات (ص: ٥٠٦).\n(٥) يُنظر: كشف الأسرار للبخاري (٤/ ٤٥٥).\n(٦) التلويح (٢/ ٣٦٣).\n(٧) هو: حسن بن محمد بن محمود العطار، من علماء مصر، أصله من بلاد المغرب، وولد وتوفي بالقاهرة، أخذ العلم عن شيوخ الأزهر، وتولى مشيخته، من مصنفاته: \"حاشية على شرح المحلى على جمع الجوامع\"؛ و\"حاشية على التهذيب في المنطق\"، (ت: ١٢٥٠ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الفتح المبين للمراغي (٣/ ١٤٦)؛ الأعلام (٢/ ٢٣٦)؛ أصول الفقه تاريخه ورجاله (ص: ٥٣٣).","vol":"1","page":150},{"text":"عن المعلوم الحاصل، فيتنبه له بأدنى تنبيه. بخلاف النسيان؛ فهو زوال المعلوم فيستأنف تحصيله\" (١).\nوجمعت بينهما لحصر الأسباب في النقاط الثلاثة التي ذكرتها أم المؤمنين عائشة - ﵂ -، ولأن اللغة لا تفرق بين النسيان والسهو (٢)، ولم يظهر لي فرق في استعمال الأصوليين للكلمتين.\nودونك أمثلة توضح هذا السبب:\n• المثال الأول:\nما ذكره ابن حزم في فصل (تمام الكلام في تعارض النصوص): \"وقالوا: ونرجح أحد الخبرين بأن يكون راوي أحدهما باشر الأمر الذي حَدَّث به بنفسه، وراوي الآخر لم يباشره، فتكون رواية من باشر أولى. ومثلوا ذلك بالرواية عن ميمونة: «نكحني رسول الله - ﷺ - ونحن حلالان» (٣). وبالرواية عن ابن عباس «نكح رسول الله - ﷺ - ميمونة وهو محرم» (٤).\nقال علي (٥): وهذا ترجيح صحيح؛ لأنا قد تيقنا أن من لم يحضر الخبر إنما نقله غيره، ولا ندري عمن نقله، ولا تقوم الحجة بمجهول، ولا شك في أن كل أحد أعلم بما شاهد من أمر نفسه.\n_________\n(١) حاشية العطار على جمع الجوامع (١/ ٢١٦)؛ وكذلك الكفوي في الكليات فرق بينهما، يُنظر (ص: ٥٠٦).\n(٢) سبق بيان النسيان في اللغة، وأما السهو: فأصل السين والهاء والواو يدل على الغفلة، يقال: سهوت في الصلاة أسهو سهوًا. يُنظر: مقاييس اللغة (٣/ ١٠٧) مادة: (سهو).\n(٣) الحديث في صحيح مسلم، بلفظ: «عن يَزيدَ بن الْأصَمِّ حَدَّثَتْني ميْمُونَةُ بنت الْحَارثِ أن رسُولَ اللهِ - ﷺ - تزَوَّجَهَا وهو حلَالٌ. قال: وكَانَتْ خَالَتي وخَالَةَ بن عبَّاسٍ» يُنظر: صحيح مسلم، ك: النكاح، ب: تحريم نكاح المُحرم وكراهة خِطبَتِه، (٢/ ١٠٣٢/ح: ١٤١١).\n(٤) يُنظر: صحيح البخاري، ك: المغازي، ب: عُمْرةِ الْقضَاءِ، (٤/ ١٥٥٣/ح: ٤٠١١)؛ صحيح مسلم، ك: النكاح، ب: تحريم نكاح المُحرم وكراهة خِطبَتِه، (٢/ ١٠٣١ - ١٠٣٢/ح: ١٤١٠).\n(٥) المراد به: ابن حزم.","vol":"1","page":151},{"text":"قال علي: إلا أن قائل هذا قد نسي نفسه، فتناقض وهدم ما بنى في قوله: نرجح الخبر بأن يكون راويه أضبط وأتقن، وتركوا ذلك في هذا المكان، وقد قال الأكابر من أصحاب ابن عباس -رحمة الله عليه- إذا حدثوا بحديث ميمونة المذكور: وإنما رواه عنها يزيد بن الأصم (١)، فقالوا: كلا، لا نترك حديثًا حدثناه البحر عبدالله بن العباس لحديث رواه أعرابي بوال على عقبيه!\nقال علي: فإن كان كون أحد الرواة أعدل وجب أن نترك له رواية من دونه في العدالة؛ فليتركوا ها هنا رواية يزيد بن الأصم لرواية ابن عباس، فلا خلاف عند من له أدنى مسكة عقل أن البون بين ابن عباس وبين يزيد بن الأصم كما بين السماء والأرض، وإن كان لا معنى لذلك فلا ترجحوا بكون أحد الراويين أعدل.\nقال أبو محمد (٢): ونسوا أنفسهم أيضًا، فتركوا ما رجحوا به ها هنا من تغليب رواية من باشر على رواية من لم يباشر في قول أنس (٣): «أنا سمعت رسول الله - ﷺ - وركبتي تمس ركبته، وأنا إلى جنبه رديف لأبي طلحة (٤) وهو - ﵇ - يقول: لبيك عمرة\n_________\n(١) هو: أبو عوف، يزيد بن الأصم، واسمه: عمرو بن عبيد بن معاوية البكّائي، مدني، تابعي، ثقة، وهو ابن خالة ابن عباس - ﵁ -، خالتهما ميمونة زوج النبي - ﷺ -، (ت: ١٠٣ هـ).\nتُنظر ترجمته في: تقريب التهذيب (١/ ٥٩٩)؛ معرفة الثقات (٢/ ٣٦٠)؛ مشاهير الأمصار (١/ ٧٤).\nوروايته عنها المذكورة في صحيح مسلم السابق تخريجه (ح: ١٤١١).\n(٢) أي ابن حزم.\n(٣) هو: أبو حمزة، أنس بن مالك بن النضر النجّاري الخزرجي الأنصاري، صاحب الرسول - ﷺ - وخادمه، وأحد المكثرين من الرواية عنه، أسلم صغيرًا، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة سنة (٩٣ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الاستيعاب (١/ ١٠٩)؛ سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٩٥)؛ الإصابة (١/ ١٢٦).\n(٤) هو: أبو محمد، طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو القرشي التيمي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذي أسلموا على يد أبي بكر - ﵁ -، وأحد الستة أصحاب الشورى، (ت: ٣٦ هـ) في موقعة الجمل.\n\nتُنظر ترجمته في: مشاهر الأمصار (١/ ٧)؛ تقريب التهذيب (١/ ٢٨٢)؛ الإصابة (٣/ ٥٢٩).","vol":"1","page":152},{"text":"وحجًّا، لبيك عمرة وحجًّا» (١). وفي قول البراء بن عازب (٢) إذ يقول: «سألت رسول الله - ﷺ - عن كيفية حجه، فقال له رسول الله - ﷺ -: إني سقت الهدي وقرنت» (٣).\nوفي قول حفصة أم المؤمنين له: «لم تحِلَّ من عُمرَتِكَ؟ فصدقها النبي - ﷺ - في ذلك، وبين لها لِمَ فعل ذلك (٤)» (٥). فتركوا ما سمع أنس بن مالك من لفظ رسول الله - ﷺ -، وما أخبر به رسول الله - ﷺ - عن نفسه، لكلام عن عائشة لم تدع أنها سمعته، وقد اضطرب عنها أيضا فيه، فروي عنها مثل ما قال أنس والبراء وحفصة -رضي الله عن جميعهم- (٦)، ولكلام عن جابر (٧)\nلم يدع أنه سمعه، وهو مع ذلك أيضًا يحتمل التأويل،\n_________\n(١) أصله في صحيح مسلم، ك: الحج، ب: إهْلَالِ النبي - ﷺ - وَهَدْيهِ، (٢/ ٩١٥/ح: ١٢٥١).\n(٢) هو: أبو عمارة، البراء بن عازب بن الحارث الحارثى الأنصاري، صحابي جليل، لم يشهد بدرًا؛ وذاك أن النبي - ﷺ - استصغره يوم بدر فرده، غزا مع النبي - ﷺ - خمس عشرة غزوة، (ت: ٧٢ هـ).\nتُنظر ترجمته في: تاريخ بغداد (١/ ١٧٧)؛ الإصابة (١/ ٢٧٨)؛ تهذيب التهذيب (١/ ٣٧٢).\n(٣) سنن أبي داود، ك: المناسك، ب: في الْإقْرَانِ، (٢/ ١٥٨/ح: ١٧٩٧)؛ سنن النسائي الكبرى، ك: الحج، ب: إفراد الحج، (٢/ ٣٤٦/ح: ٣٧٠٥)، ك: الحج، ب: الْحجُّ بِغيْرِ نِيّةٍ يقْصِدُهُ الْمحْرِمُ، (٥/ ٣٥٢/ح: ٣٧٢٦). قال الألباني: صحيح. يُنظر: صحيح سنن أبي داود (١/ ٥٠٥).\n(٤) وهو قوله: «إني لَبَّدتُ رأسي، وَقَلَّدتُ هديي، فلاَ أحِلُّ حتى أَنحَرَ». يُنظر: صحيح البخاري، ك: الحج، ب: من لبَّدَ رأسه عند الإحرامِ وحَلَقَ، (٢/ ٦١٦/ح: ١٦٣٨)، ك: اللباس، ب: التّلْبِيدِ، (٥/ ٢٢١٣/ح: ٥٥٧٢). قوله: لبَّدْتُ رأسي: أيْ شعْرَ رَأْسي وهو أن يُجْعلَ فيه شيء مُلْتَصقٌ. يُنظر: نيل الأوطار (٥/ ٣٤).\n(٥) يُنظر التخريج في المراجع السابقة.\n(٦) حيث نقل عن أنس والبراء وحفصة أنه - ﷺ - حج قارنًا. وروت عائشة ذلك في الصحيحين. يُنظر: صحيح البخاري، ك: الحج، ب: كيْفَ تُهلُّ الْحَائضُ والنُّفَسَاءُ ...، (٢/ ٥٦٣/ح: ١٤٨١)؛ صحيح مسلم، ك: الحج، ب: بيان وجُوهِ الْإحرام ...، (٢/ ٨٧٠/ح: ١٢١١).\n(٧) هو: أبو عبدالله، وقيل: أبو عبدالرحمن، وقيل: أبو محمد، جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام بن كعب بن غنم ابن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي، أحد المكثرين عن النبي - ﷺ - وروى عنه جماعة من الصحابة، وله ولأبيه صحبة، كان مع من شهد العقبة، (ت: ٧٨ هـ)، وقيل غير ذلك، وهو آخر أصحاب رسول الله - ﷺ - موتًا بالمدينة، وكان عمره عند موته (٩٤) سنة.\n\nتُنظر ترجمته في: الاستيعاب (١/ ٢١٩)؛ مشاهير الأمصار (١/ ١١)؛ الإصابة (١/ ٤٣٤).","vol":"1","page":153},{"text":"وقد اضطرب عنه أيضًا في ذلك (١)، ولا شك عند ذي عقل أنه - ﵇ - أعلم بأمر نفسه من جابر وعائشة، وأن أنسًا والبراء وحفصة الذين ذكروا أنهم سمعوا من لفظه - ﷺ - ذلك وباشروه يقول ذلك أيقن من جابر فيما لم يدع أنه سمعه؛ ولكن هكذا يكون من اعتقد قولًا قبل أن يعتقد برهانه\" (٢).\n• بيان الاستدراك\nاستدرك ابن حزم على القائلين بتعارض النصوص، والتخلص من هذا التعارض بعدة طرق؛ منها:\nالترجيح: بأن يكون راوي أحد الخبرين باشر الأمر الذي حدث به بنفسه، والآخر لم يباشره، فتكون رواية من باشر أولى. ومثّل ذلك بالرواية عن ميمونة «نكحني رسول الله - ﷺ - ونحن حلالان». وبالرواية عن ابن عباس: «نكح رسول الله - ﷺ - ميمونة وهو محرم»، بأن قولهم هذا نسيانٌ؛ لترجيحهم الخبر الذي راويه أضبط وأتقن؛ حيثُ رجحوا في هذا الخبر حديث ميمونة الذي يرويه يزيد بن الأصم، وتركوا رواية ابن عباس، وابن عباس أحفظ وأتقن من ابن الأصم.\n_________\n(١) روي عن جابر وعائشة أن نسكه - ﷺ - في الحج الإفراد. يُنظر حديث عائشة في: صحيح البخاري، ك: ب: التَّمَتّعِ وَالْإقْرَانِ وَالْإفْرَادِ بالْحَجِّ ...، (٢/ ٥٦٧/ح: ١٤٨٧)؛ صحيح مسلم، ك: الحج، ب: بيان وجُوهِ الْإحرام ...، (٢/ ٨٧٦/ح: ١٢١١). ويُنظر حديث جابر في: صحيح البخاري، ك، ب:، (٣/ ٥٦٨/ح: ١٤٩٣)؛ صحيح مسلم، ك: الحج، ب: بيان وجُوهِ الْإحرام ...، (٢/ ٨٨٤/ح: ١٢١٦)، ك: الحج، ب: حجة النبي - ﷺ -، (٢/ ٨٨٧/ح ١٢١٨).\nويُنظر مسألة نوع نسكه - ﷺ - في نيل الأوطار (٥/ ٣٩)؛ حيث فصل فيها وذكر الروايات وطرق الجمع بينها.\n(٢) الإحكام لابن حزام (٢/ ١٧٨ - ١٧٩).","vol":"1","page":154},{"text":"واستدرك عليهم أيضًا نسيانهم ما رحجوا به هنا من تغليب رواية من باشر على رواية من لم يباشر في قول أنس: «أنا سمعت رسول الله - ﷺ - وركبتي تمس ركبته وأنا إلى جنبه رديف لأبي طلحة وهو - ﵇ - يقول: لبيك عمرة وحجًّا، لبيك عمرة وحجًّا». وفي قول البراء بن عازب إذ يقول: «سألت رسول الله - ﷺ - عن كيفية حجه فقال له: رسول الله - ﷺ - إني سقت الهدي وقرنت».\nوفي قول حفصة أم المؤمنين له: «لم تحل من عمرتك؟ فصدقها النبي - ﷺ - في ذلك وبين لها لم فعل ذلك».\nفتركوا ما سمع أنس بن مالك من لفظ رسول الله - ﷺ -، وما أخبر به البراء وحفصة، لخبر عن عائشة التي لم تباشر الرواية ولم تدع أنها سمعته.\n• المثال الثاني:\nما ذكره ابن حزم في عدم حجية عمل أهل المدينة حيث قال: \" ... وبالسند المذكور ... حدثنا عمرو بن مُسْلِمِ بن عَمَّار اللَّيْثِيِّ (١) قال: كنا في الحمام (٢) قُبيل الأضحى، فأطلى (٣) فيه ناس، فقال بعض أهل الحمام: إن سَعِيدَ بن الْمُسَيَّبِ (٤)\nيكره\n_________\n(١) عمرو بن مسلم بن عمار بن أكيمة الليثي، قال عنه ابن معين: ثقة. وفي رواية: لا بأس به، (ت: ١٠١ هـ)، وهو ابن (٧٩) سنة.\nتُنظر ترجمته في: مشاهير الأمصار (١/ ٧٢)؛ تهذيب الكمال (٢٢/ ٢٤٠)؛ تهذيب التهذيب (٨/ ٩١).\n(٢) الحمام: مشتق من الحميم، وهو الماء الحار. يُنظر: شرح النووي على صحيح مسلم (١٣/ ١٤٠).\n(٣) قوله: \"فأطلى فيه أناس \": أي أزالوا شعر العانة بالنورة. يُنظر: شرح النووي على صحيح مسلم (١٣/ ١٤٠).\n(٤) هو: أبو محمد، سعيد بن المسيب المخزومي، سيد التابعين، ومن الأئمة الأعلام وفقهاء المدينة، كان محدثًا ومفسرًا وفقيهًا وورعًا، اختلفوا في سنة وفاته، والذي عليه أكثر المحدثين أنه في سنة (١٠٥ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: حلية الأولياء (٢/ ١٦١)؛ سير أعلام النبلاء (٤/ ٢١٧)؛ تذكرة الحفاظ (١/ ٥٦).","vol":"1","page":155},{"text":"هذا (١) وينهى عنه. فلقيت سَعِيدَ بن الْمُسَيَّبِ فذكرت ذلك له. فقال: يا ابن أخي، هذا حديث قد نسي وترك، حدثتني أُمُّ سَلَمَةَ زوج النبي - ﷺ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: -فذكرت- «من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي» (٢)، أو كلاما هذا معناه.\nقال علي: عمرو بن مُسْلِمٍ هذا هو ابن أُكَيْمَة الذي يروي عنه مَالِك وغيره.\nقال عَلي: فإن كان عمل أهل المدينة الذين يحتجون به ويتركون له كلام رسول الله - ﷺ - من هذا الباب الذي ذكرنا؛ فنحن نبرأ إلى الله تعالى من هذا العمل، ونحن متقربون إلى الله تعالى بعصيان هذا العمل ومضادته، ولا شك أنهم يريدون عمل الجمهور الذي وصفنا من نحو إنكار عامة أهل المدينة على أزواج النبي - ﷺ - المرور في المسجد (٣)، وبيع أهل سوق المدينة الوَرْق (٤) بالوَرْقِ أو بالذهب نسيئة، ولا ينكر ذلك\n_________\n(١) قوله: \"إن سعيدًا يكره هذا \": أي يكره إزالة الشعر فى عشر ذى الحجة لمن يريد التضحية؛ لا أنه يكره مجرد الإطلاء، ودليل ذلك: احتجاجه بحديث أم سلمة وليس فيه ذكر الإطلاء؛ إنما فيه النهي عن إزالة الشعر. يُنظر: شرح النووي على صحيح مسلم (١٣/ ١٤٠).\n(٢) صحيح مسلم، كتاب الأضاحي، باب نهي من دخل عليه عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ وهو مُرِيدُ التَضحِية أَنْ يأخذ من شعره أو أظفارهِ شيئًا (٣/ ١٥٦٥ - ١٥٦٦/ح: ١٩٧٧).\n(٣) إشارة إلى حديث عائشة - ﵂ -: «أنها لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي - ﷺ - أن يمروا بجنازته فيصلين عليه، ففعلوا، فوقف به على حجرهن يصلين عليه، وأخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد. فبلغ ذلك عائشة - ﵂ - فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به! عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد وما صلى رسول الله - ﷺ - على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد». رواه مسلم، في كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة في المسجد (٢/ ٦٦٨/ح ٩٧٣).\n(٤) الورق: بكسر الراء، والإسكان للتخفيف، الدراهم المضروبة. يُنظر: الصحاح (ص: ١١٣٤)؛ المصباح المنير (٢/ ٦٥٥) مادة: (ورق).","vol":"1","page":156},{"text":"أحد منهم (١).\nومثل تركهم ونسيانهم أمر النبي - ﷺ - في ألا يمس الشعر والظفر من أراد أن يضحي إذا أَهلَّ ذو الحجة بشهادة سَعِيد بن الْمُسَيَّبِ -فقيه أهل المدينة- عليهم بذلك. (٢)\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك ابن حزم على المالكية احتجاجهم بعمل أهل المدينة وأن لا دليل لهم فيه، وأوجب أن لا حجة إلا بما ثبت عن النبي - ﷺ -؛ وذلك لأن أهل المدينة قد نسوا بعض الأحاديث؛ ومن ذلك: ما استشهد به من نسيانهم أمر النبي - ﷺ - لمن أراد أن يضحي بأن لا يمس شيئًا من شعره وظفره، ونسيانهم هذا الأمر بشهادة شاهد من أهلها؛ وهو سَعِيد بن الْمُسَيَّبِ، وإنكارهم على أزواج النبي - ﷺ - مرور الجنازة بالمسجد؛ وذلك بسبب نسيانهم صلاة النبي على سهيل بن بيضاء (٣) في المسجد. وعدم إنكارهم على من باع الوَرْقَ بالوَرْقِ أو بالذهب نسيئة بسبب نسيانهم الحكم.\n_________\n(١) إشارة إلى حديث عمرو بن دينار عن أبي المنهال قال: باع شريك لي ورقًا بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج، فجاء إلي فأخبرني، فقلت: هذا الأمر لا يصلح. قال: قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك علي أحد. فأتيت البراء بن عازب فسألته، فقال: قدم النبي - ﷺ - المدينة ونحن نبيع هذا البيع. فقال: ما كان يدًا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا. وائت زيد بن أرقم؛ فإنه كان أعظم تجارة مني، فأتيته فسألته، فقال مثل ذلك» .. رواه مسلم، كتاب المساقاة، باب النهي عن بيع الوَرِقِ بالذهب دينًا، (٣/ ١٢١٢/ح ١٥٨٩).\n(٢) الإحكام لابن حزم (٢/ ٢٣٩).\n(٣) هو: سهيل بن بيضاء القرشي الفهري، وبيضاء أمه، وهو لقب لها واسمها دعد، واسم أبيه: وهب بن ربيعة بن هلال ابن الحارث بن فهر، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، ثم رجع فهاجر من مكة إلى المدينة، وشهد بدرًا وغيرها، ومات بالمدينة سنة تسع، وصلى عليه النبي - ﷺ - في المسجد.\nتُنظر ترجمته في: الإصابة (٣/ ٢٠٨)؛ تعجيل المنفعة (١/ ١٧٠)؛ الجرح والتعديل (٤/ ٢٤٥).","vol":"1","page":157},{"text":"• المثال الثالث:\nما ذكره ابن حزم في إبطال القياس: \"واحتج بعضهم بقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] قالوا: وإنما قال ذلك تعالى في الطلاق والرجعة - يعني اشتراط العدالة-، واشترط تعالى الرضا في الرجل والمرأتين في الديون فقط، فكان ذلك في سائر الأحكام قياسًا على الطلاق والرجعة.\nقال أبو محمد: وهذا الاحتجاج من غريب نوادرهم؛ فأول ذلك: أن المحتج بهذا إن كان مالكيًّا فقد نسي نفسه في إباحتهم شهادة الطبيب الفاسق (١)، وفي شهادة الصبيان في الدماء والجراحات خاصة (٢)، وهم غير موصوفين بعدالة، ولم يقس على ذلك الصبايا ولا تحريق الثياب.\nوإن كان حنفيًّا فقد نسي نفسه في قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض (٣)، ونقضهم كلهم هذا الأصل في رد شهادة العبيد العدول (٤)، والأقارب العدول (٥) \" (٦).\n_________\n(١) لم أقف على هذا في كتب المالكية؛ بل نقل ابن رشد الاتفاق على أن شهادة الفاسق لا تقبل. يُنظر: بداية المجتهد (٤/ ١٧٧٢). ويُنظر قول المالكية في رد شهادة الفاسق في التلقين (٢/ ٥٣١).\n(٢) يُنظر: التلقين (٢/ ٥٤١)؛ القوانين الفقهية (ص: ٢٠٢)؛ حاشيتا قليوبي وعميرة (٤/ ٣١٩).\n(٣) المبسوط (١٦/ ١٤١)؛ تبيين الحقائق (٥/ ١٨٢).\n(٤) يُنظر: المدونة (١٦/ ٢٨٥)؛ رسالة القيرواني (ص: ١٣٣)؛ المبسوط (١٦/ ١٣٥)؛ بدائع الصنائع (٦/ ٢٦٧).\n(٥) يُنظر: القوانين الفقهية (ص: ٢٠٣)؛ بدائع الصنائع (٦/ ٢٧٢)؛ البحر الرائق (٧/ ٥٧)؛ حاشية العدوي (٢/ ٤٥٠).\n(٦) الإحكام لابن حزم (٧/ ٤٠٦).","vol":"1","page":158},{"text":"• بيان الاستدراك:\nاستدرك ابن حزم على الجمهور القائلين بحجية القياس قياسهم سائر الأحكام على الطلاق والرجعة في اشتراط العدالة فقال: إن كان المحتج بالقياس مالكيًّا فقد نسي اشتراط العدالة في شهادة الطبيب الفاسق، وشهادة الصبيان في الدماء والجراحات خاصة؛ حيث قبلوا شهادتهم وهم ليسوا عدول.\nوإن كان المحتج بالقياس حنفيًّا فقد نسي اشتراط العدالة في شهادة الكفار بعضهم على بعض.\n• المثال الرابع:\nما ذكره البيضاوي في مسألة (التعليل بالوصف المركب): \"قيل: لو عُلِّلَ بالمُرَكَّبِ فإذا انتفى جزء تنتفي العِلِّيَّة، ثم إذا انتفى جزء آخر يلزم التخلف، أو تحصيل الحاصل. قلنا: العلة عَدَمِيَّة فلا يلزم ذلك\" (١).\nفاستدرك عليه الإسنوي: \"وأجاب المصنف (٢) بأن العِليَّة صفة عدمية ... ولم يجب الإمام (٣) به عن هذه الشبهة؛ وإنما أجاب به عن شبهة أخرى ... فترك صاحب الحاصل (٤) ذكر هذه الشبهة، ونقل جوابها إلى الشبهة الأولى، وتبعه المصنف، والظاهر أنه إنما حصل عن سهو\" (٥).\n• بيان الاستدراك:\nتعليل الحكم بالوصف المركب؛ كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد\n_________\n(١) منهاج الوصول - مطبوع مع شرح الإسنوي- (٢/ ٩١٦).\n(٢) المراد به البيضاوي.\n(٣) المراد به الرازي، ويُنظر: المحصول (٥/ ٣٠٥ - ٣٠٨).\n(٤) المراد به تاج الدين الأرموي، يُنظر: الحاصل (٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤).\n(٥) نهاية السول (٢/ ٩١٧ - ٩١٨).","vol":"1","page":159},{"text":"العدوان، وهو جائز عند الأكثرين من علماء الأصول، وقال قوم: لا يجوز التعليل بالوصف المركب؛ بحجة أنه لو صح التعليل به لكان عدم أي جزء من المركب عدمًا لتلك العلية، فانعدام الجزء الآخر بعد ذلك لا يترتب عليه انعدام العلية؛ لأن العدم حصل عند انعدام الجزء الأول، فلا يحصل مرة أخرى عند انعدام الجزء الثاني؛ وذلك لامتناع تحصيل الحاصل.\nفأجاب البيضاوي على دليلهم هذا بناء على أن كون العِلِّيَّة صفة وجودية، في حين أنها صفة عدمية لا وجود لها في الخارج؛ وإنما يعتبرها العقل، وإذا كانت العِلَّيَّة عدمية كان انتفاؤها وجوديًّا؛ لأن أحد النقيضين لابد أن يكون وجوديًّا.\nفاستدرك الإسنوي على البيضاوي هذا الجواب، بأن الرازي لم يذكره جوابًا لهذه الشبهة وإنما أجاب به عن شبهة أخرى.\nوالذي أوقع البيضاوي في هذا الخلل متابعته للتاج الأرموي عند اختصاره للمحصول؛ حيث ذكر هذه الشبهة للمانعين، ونقل جواب الرازي لشبهة أخرى، والظاهر أنه كان سهوًا منه.\n• المثال الخامس:\nما ذكره الإمام البيضاوي في شروط الأصل المختلف فيها: \"وزعم عثمان البَتّي (١) قيام ما يدل على جواز القياس عليه\" (٢).\n_________\n(١) هو: أبو عمرو، عثمان بن مسلم البتي البصري، من أهل الكوفة وانتقل إلى البصرة. وسمي البتي لأنه كان يبيع البتوت، وهي الكساء الغليظ من وبر أو صوف. روى عن أنس بن مالك والشعبي وغيرهما، وروى عنه شعبة والثوري، (ت: ١٤٣ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الكاشف للذهبي (٢/ ١٣)؛ طبقات الفقهاء للشيرازي (ص: ٩١)؛ الطبقات الكبرى (٧/ ٢٥٧).\n(٢) منهاج الوصول - مطبوع مع نهاية السول - (٢/ ٩٢٧).","vol":"1","page":160},{"text":"فاستدرك عليه الإسنوي بقوله: \"وعبر صاحب الحاصل (١) عن هذا بقوله: (وزعم عثمان البَتّي اشتراط قيام ما يدل على جواز القياس)، فتبعه المصنف على عبارته؛ ولكنه نسي لفظة (اشتراط) ولا بد منها\" (٢).\n• بيان الاستدراك:\nبعد أن ذكر البيضاوي شروط الأصل المتفق عليها أردفها بالشروط المختلف فيها، وذكر زعم عثمان البتي أنه لا يقاس على أصل حتى يقوم دليل على جواز القياس على ذلك الأصل.\nفاستدرك عليه الإسنوي إسقاط كلمة (اشتراط) الواردة في الحاصل بسبب النسيان وأنه لابد منها.\n• المثال السادس:\nذكر محب الله بن عبدالشكور (٣) في مسألة (الزيادة على النص): \"وأما رفع مفهوم مخالفة كـ (في المعلوفة زكاة) بعد (في السائمة) فنسبته إلى الحنفية سهو من ابن الحاجب (٤) إلا تقديرًا\" (٥).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك محب الله على ابن الحاجب ما نسبه إلى الحنفية من أن رفع مفهوم\n_________\n(١) المراد به التاج الأرموي، يُنظر الحاصل (٣/ ٢٢٤).\n(٢) نهاية السول (٢/ ٩٢٨).\n(٣) هو: محب الله بن عبدالشكور البهاري الهندي، نسبة إلى بهار من بلاد الهند، كان مشهورًا بالتقوى والصلاح، انتصب للتدريس والإفتاء. من مصنفاته: \"سلم العلوم\" في المنطق، و\" مُسَلَّم الثبوت\" في أصول الفقه، (ت: ١١١٩ هـ). تُنظر ترجمته في: الأعلام (٥/ ٢٨٣)؛ الفتح المبين للمراغي (٣/ ١٢٢).\n(٤) مختصر ابن الحاجب (٢/ ١٠١٩ - ١٠٢٠).\n(٥) مسلم الثبوت (٢/ ٩٢).","vol":"1","page":161},{"text":"المخالفة يُعد نسخًا عندهم؛ وذلك لأن الحنفية لا يقولون بمفهوم المخالفة (١) حتى يكون رفعه نسخًا؛ إلا إن كان من باب التقدير؛ بأن يقال: لو كان المفهوم عند الحنفية ثابتًا كان رفعه نسخًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-53> السبب الثاني: وَهَمُ المستدرَك عليه:</span>\nالوهم: قال ابن فارس: \"الواو والهاء والميم كلمات لا تنقاس؛ بل أفراد؛ منها: .... الوهم: وَهْمُ القلب، ... ووهمت: غلطت\" (٢).\nوتوهم الشيء: تخيله وتمثله. ويجمع على أوهام (٣).\nوفي الاصطلاح: الحكم بالشيء مع احتمال نقيضه احتمالًا راحجًا. (٤)\nوالوهم عند الأصوليين: تردد بين الاحتمالين مع تجويز مرجوح. (٥)\nويتضح من السابق أن مراد أم المؤمنين عائشة - ﵂ - بالوهم في استدراكها على ابن عمر - ﵄ - في الميت يُعذب ببكاء أهله: \"وَهِم أبو عبدالرحمن، أو أخطأ، أو نسي\"، المعنى اللُّغوي للوهم؛ وليس المعنى الاصطلاحي، وهو ما يطلق عليه علماء الأصول \"الجهل المركب\"؛ وهو: اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به. (٦) وعُرف أيضًا:\n_________\n(١) يُنظر: أصول السرخسي (١/ ٢٥٥)؛ كشف الأسرار للبخاري (٢/ ٤٦٥)؛ فواتح الرحموت (١/ ٤١٤).\n(٢) يُنظر: مقاييس اللغة (٦/ ١٤٩) مادة: \"وهم\".\n(٣) يُنظر: لسان العرب (١٥/ ٢٩٢)؛ مادة: \"وهم\".\n(٤) يُنظر: الحدود الأنيقة (ص: ٦٨)؛ شرح الكوكب المنير (١/ ٧٤)؛ نثر الورود (١/ ٤٩)؛ الكليات (ص: ٥٢٨).\n(٥) يُنظر: شرح مختصر الروضة (١/ ١٧٥)؛ إرشاد الفحول (١/ ٥٣).\n(٦) يُنظر: الورقات (ص: ١٧)؛ اللمع (ص ١/ ١٥١)؛ إحكام الفصول (١/ ١٧٥)؛ كشف الأسرار للبخاري (٤/ ٥٣٤).","vol":"1","page":162},{"text":"بالاعتقاد الجازم غير المطابق. (١)\nفالمراد بالوهم في الأمثلة التالية: الجهل المركب.\nأمثلة دفع وهم المستدرَك عليه:\n• المثال الأول:\nما ذكره القرافي في تعريف الفقه اصطلاحًا: \"وافق الإمام في دعوى أن الأحكام الشرعية معلومة شيخ الأصوليين القاضي أبا بكر الباقلاني (٢) ... وخالفه التبريزي، فقال: من الأحكام ما يعلم، ومنها ما يظن (٣)، ووقع في الوهم الذي وقع فيه غيره\" (٤).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك القرافي على التبريزي مخالفته للرازي في حد الفقه اصطلاحًا؛ حيث عرف الإمام الفقه بأنه: \"العلم بالأحكام الشرعية العملية المستدل على أعيانها؛ بحيث لا يعلم كونها من الدين بالضرورة\" (٥)، فغير التبريزي كلمة \"العلم\" إلى \"الفهم\"؛ وذلك لأن الفقه منه ما هو مستفاد من الأدلة القطعية فيفيد العلم، ومنه ما يستفاد من الأدلة الظنية فيفيد الظن، فلا يصح أن يقال في تعريف الفقه: العلم بالأحكام.\n_________\n(١) يُنظر: المحصول (١/ ٨٤)؛ نهاية السول (١/ ٢٢).\n(٢) عرف الباقلاني الفقه: \"العلم بأحكام أفعال المكلفين الشرعية التي يتوصل إليها بالنظر دون العقلية\"، فنجده عرف الفقه بالعلم. مختصر التقريب والإرشاد (١/ ١٧١).\n(٣) يُنظر: تنقيح المحصول للتبريزي (١/ ٥).\n(٤) نفائس الأصول (١/ ١٥٢ - ١٥٣).\n(٥) المحصول (١/ ٧٨).","vol":"1","page":163},{"text":"وما قاله التبريزي وهم وقع فيه؛ فإن مراد الإمام أن كل حكم شرعي ثابت بمقدمتين قطعيتين:\nالأولى: وجدانية - أي يقطع المجتهد بالظن في نفسه -.\nالثانية: إجماعية، وهي: كل مظنون يجب العمل به.\nوكل حكم شرعي ثابت بمقدمتين قطعيتين، وكل ما هو ثابت بمقدمتين قطعيتين فهو معلوم، وبالتالي كل حكم شرعي فهو معلوم. (١)\n• المثال الثاني:\nما ذكره القرافي عن السيف الآمدي: \"قال سيف الدين: المحرم: هو ما ينتهض فعله سببًا للذم شرعًا بوجه ما من حيث هو فعل له. قال: فالقيد الأول (٢) لخروج الواجب والمندوب، والثاني (٣) لإخراج المخير كما تقدم في الواجب، والثالث (٤) لإخراج المباح إذا استلزم تركه واجبًا؛ فإنه يذم عليه؛ لكن من جهة أنه ترك واجبًا (٥)، وقد تقدم أن المخير لا يدخل في هذا الباب، ووافقه على دخول المخير أبو عمرو بن الحاجب\n_________\n(١) يُنظر: المحصول (١/ ٧٨ - ٧٩)؛ نفائس الأصول (١/ ١٣٩ - ١٤٠).\nوجواب الرازي لم يسلم به المحققون من علماء الأصول، وأجابوا بأنه فاسد؛ لأنه يقتضي حد الفقه بأنه: العلم بوجوب العمل، وهذا فيه تغيير لحقيقة الفقه وإفساد معناه.\nوممن رد جواب الرازي: شيخ الإسلام ابن تيمية، والإسنوي، وابن الهمام. يُنظر على الترتيب المذكور: مجموع الفتاوى (١٣/ ١١٢ - ١٢٠)؛ نهاية السول (١/ ٢٦)؛ التحرير (ص: ٤).\n(٢) وهو: ما ينتهض فعله سببًا للذم شرعًا.\n(٣) وهو: بوجه ما.\n(٤) وهو: من حيث هو فعل له.\n(٥) يُنظر: الإحكام للآمدي (١/ ١٥٣).","vol":"1","page":164},{"text":"في مختصره (١)، وهو وهم لما تقدم (٢) \" (٣).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك القرافي على السيف الآمدي وابن الحاجب إيراد القيد الثاني؛ وهو: (بوجه ما) للاحتراز عن ترك المحرم المخير؛ فإنه سبب للذم بتقدير فعل البدل؛ وليس سببًا له بتقدير ترك البدل.\nفالتخيير لا يدخل في هذا الباب، فما فيه التخيير لا تحريم فيه، فحيث وجد المحرم ذم فاعله على كل الوجوه، فلا معنى للاحتراز عن هذا القيد.\n• المثال الثالث:\nما ذكره الإسنوي عند حديثه في الأدلة المختلف فيها، فذكر قول الصحابي، وما حكاه البيضاوي من أربعة أقوال في حجية قوله على غيره؛ وهي: الأول: أنه حجة مطلقًا. والثاني: أنه إن خالف القياس كان حجة؛ وإلا فلا. والثالث: أنه يكون حجة بشرط أن ينتشر ولم يخالفه أحد. والرابع وهو المشهور عن الشافعي وأصحابه: أنه لا يكون حجة مطلقًا، واختاره الإمام والآمدي وأتباعهما؛ كابن الحاجب والبيضاوي.\nثم قال: \"واعلم أن حكاية الأقوال على الوجه الذي ذكره الإمام غلط، ولم ينتبه\n_________\n(١) يُنظر: مختصر ابن الحاجب (١/ ٢٨٣).\n(٢) إشارة إلى قوله: \"الخامس: أن الواجب والمخير والموسع وعلى الكفاية يرجع إلى الواجب المعبر في التحقيق: الذي يذم تاركه على كل الوجوه. وتحريره: أن مفهوم إحدى الخصال أو الأزمان أو الطوائف هو متعلق الوجوب، ولا تخيير فيه، والخصوصيات هي متعلق التخيير لا وجوب فيها، فالواجب واجب مطلقًا من غير تخيير، وما فيه التخيير لا وجوب فيه، فحيث وجد الوجوب ذم تاركه على كل الوجوه، فلا معنى للاحتراز عنها، وسيأتي بسطه في الواجب المخير\". نفائس الأصول (١/ ٢٤٦).\n(٣) المرجع السابق (١/ ٢٧١).","vol":"1","page":165},{"text":"له أحد من الشارحين؛ وسببه: اشتباه مسألة بمسألة؛ وذلك أن الكلام هنا في أمرين:\nأحدهما: أن قول الصحابي هل هو حجة أم لا؟ وفيه ثلاثة مذاهب:\nثالثها: إن خالف القياس كان حجة؛ وإلا فلا. (١)\nالأمر الثاني: إذا قلنا: إن قول الصحابي ليس بحجة فهل يجوز للمجتهد تقليده؟\nفيه ثلاثة أقول للشافعي: الجديد (٢): أنه لا يجوز مطلقًا.\nوالثالث - وهو قول قديم (٣) -: أنه إن انتشر جاز؛ وإلا فلا (٤). هكذا صرح به الغزالي في المستصفى (٥)، والآمدي في الإحكام (٦)، وغيرهما، وأفردوا لكل حكم مسألة، وذكر الإمام في المحصول (٧) نحو ذلك أيضًا.\n_________\n(١) ذكر القول الثالث، والقول الأول: قول الصحابي حجة مطلقًا، والقول الثاني: قول الصحابي ليس بحجة. وهناك قولان آخران في المسألة: أن قول أبي بكر وعمر - ﵄ - حجة فقط، والقول الآخر: أن قول الخلفاء الأربعة إذا اتفقوا حجة. يُنظر: المستصفى (٢/ ٤٥٠)؛ المحصول (٦/ ١٢٦)؛ الأحكام للآمدي (٤/ ١٨٢)؛ الحاصل (٣/ ٣١٦ - ٣١٧).\n(٢) المراد بقول الشافعي الجديد: ما قاله الشافعي بمصر تصنيفًا؛ كالأم، والإملاء، ومختصر المزني، ومختصر البويطي، أو إفتاء. ومن أشهر رواته: المزني، والبويطي، والربيع المرادي، والربيع الجيزي. يُنظر: تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي (١/ ٢١٢)؛ مغني المحتاج (١/ ٣٨)؛ نهاية المحتاج (١/ ٥٠)؛ حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١٤ - ١٥).\n(٣) المراد بقول الشافعي القديم: ما قاله الشافعي بالعراق قبل انتقاله إلى مصر تصنيفًا؛ وهو كتاب الحجة، أو أفتي به. وأشهر رواته: أحمد بن حنبل، والزعفراني، والكرابيسي، وأبو ثور، وقد رجع الشافعي عنه وقال: لا أجعل في حل من رواه عني. يُنظر: المرجع السابق.\n(٤) ذكر قولين، والقول الثالث: يجوز وإن لم ينتشر قوله. يُنظر: المستصفى (٢/ ٤٥٨)؛ المحصول (٦/ ١٣٢)؛ الأحكام للآمدي (٤/ ١٩٠)؛ الحاصل (٣/ ٣١٨).\n(٥) (٢/ ٤٥٨).\n(٦) (٤/ ١٩٠).\n(٧) (٦/ ١٣٢).","vol":"1","page":166},{"text":"فتوهم صاحب الحاصل (١) أن المسألة الثانية أيضًا في كونه حجة؛ لكون المحصول في الصراحة ليس كالإحكام، فصرح بما توهمه.\nفرأى المصنف (٢) حالة اختصاره أن تفريق أقوال الحكم الواحد لا معنى له، فأخذ حاصل المسألتين من الأقوال وجمعه في هذا الموضع؛ فلزم منه أن القول المفصل بين الانتشار وعدمه: تفصيل في الاحتجاج به، وليس كذلك؛ بل إنما هو تفصيل في جواز التقليد، مع تسليم عدم الاحتجاج به، فافهمه.\nوالعجب إنما هو من فهم صاحب الحاصل؛ فإنه كيف يترجم مُصنف مسألة واحدة مرتين متواليتين بترجمتين مستقلتين؟ \" (٣).\n• بيان الاستدراك\nاستدرك الإسنوي على التاج الإرموي توهمه أن الأقوال في مسألة: تقليد الصحابي تابعة للأقوال في مسألة: حجية قول الصحابي، وبين سبب التوهم؛ وهو عدم صراحة لفظ المحصول.\nوبين أن هذا التوهم كان سببًا للخطأ الذي وقع فيه البيضاوي عند اختصاره للحاصل؛ حيثُ رأى أن تفريق أقوال المسألة الواحدة لا داعي له، فجمع حاصل المسألتين من الأقوال في موضع واحد؛ وهو القول في حجية قول الصحابي؛ فلزم منه أن القول المفصل بين انتشار قول الصحابي وعدمه: تفصيل في الاحتجاج به، والأمر ليس كذلك؛ بل هو تفصيل في جواز تقليد الصحابي في حالة التسليم بعدم حجية قوله.\n_________\n(١) يُنظر: (٣/ ٣١٦ - ٣١٨).\n(٢) أي الإمام البيضاوي.\n(٣) نهاية السول (٢/ ٩٥٢ - ٩٥٣).","vol":"1","page":167},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-54> السبب الثالث: خطأ المستدرَك عليه:</span>\nأصل مادة الخطأ: الخاء والطاء والحرف المعتل والمهموز يدل على تعدي الشيء، والذهاب عنه، يقال: خطوت أخطو خطوة، والخُطوة ما بين الرجلين (١). والخطأ من هذا؛ لأنه مجاوزة حد الصواب، يقال: أخطأ إذا تعدى الصواب.\nوفرق أهل اللغة بين الخَطَأ، والخِطْء، فالأول: ما لم يُتَعمَّد، والثاني: ما تُعُمِّد. (٢)\nوذكر علماء الأصول في حد الخطأ: فعل أو قول يصدر عن الإنسان بغير قصده؛ بسبب ترك التثبت عند مباشرة أمر مقصود سواه. (٣)\nوالوقوع في الخطأ له عدة أسباب (٤) منها:\nالأول: النقل من مصادر غير أصيلة.\nالثاني: أن ينقل عن العالم قولٌ قاله بعض أصحابه عنه وغلط فيه.\nالثالث: أن يفهم من كلام العالم ما لم يرده، أو ينقل عنه ما لم يقله.\nالرابع: أن يجعل كلام العالم عامًّا أو مطلقًا وهو خلاف ذلك.\nالخامس: أن يجعل كلام العالم خاصًّا أو مقيدًا وليس كذلك.\nالسادس: أن يكون عن العالم في المسألة اختلاف فيتمسك بالقول المرجوح.\nالسابع: الاختصار المخل للمصنفات.\nالثامن: التصحيف في النسخ.\n_________\n(١) يُنظر مقاييس اللغة (٢/ ١٩٨) مادة: (خطأ).\n(٢) يُنظر: لسان العرب (٥/ ٩٦)؛ القاموس المحيط (ص: ٣٩) مادة: (خطأ)؛ الفروق اللغوية (ص: ٥٤).\n(٣) يُنظر: كشف الأسرار للبخاري (٤/ ٦٢٥).\n(٤) اقتبست هذه الأسباب من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - عندما ذكر أنواع المنحرفين من أتباع الأئمة في الأصول والفروع، وأضفت أسبابًا أخرى ظهرت لي أثناء البحث. يُنظر: مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٨٤ - ١٨٦).","vol":"1","page":168},{"text":"إذا تقرر هذا فسأذكر ما يسره الله لي من نماذج استدراك تصحيح خطأ المستدرَك عليه مع بيان سبب الخطأ فيما يلي:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-55> السبب الأول: النقل من مصادر غير أصيلة</span>.\nمن خصائص المنهج العلمي: أن من نقل عن أحد قولًا أو مذهبًا وثق ذلك من كتبه إن كان له مصنف، وإن لم يوجد فمن كتب مذهبه أو من أحد المعروفين من أصحابه بالعلم.\nأما نقل قول لم يقله الإمام ولا أحد من المعروفين من أصحابه بالعلم، والنقل عن كتب المخالفين لهم؛ فهذا قصور في البحث العلمي، وسبب للوقوع في الخطأ.\nوأذكر لهذا السبب الأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nما ذكره إمام الحرمين الجويني في مسألة (حد العلم): \"وعن ذلك نقل\nالنقلةُ عن عبدالسلام بن الجبائي - وهو أبو هاشم (١) - أنه كان يقول: العلم بالشيء والجهل به مثلان. وأطال المحققون ألسنتهم فيه، وهذا عندي غلط عظيم في النقل، فالذي نص عليه الرجل في كتاب الأبواب (٢): أن العقد الصحيح مماثل للجهل. وعَنَى بالعقد: اعتقاد المقلد\" (٣).\n_________\n(١) هو: أبو هاشم، عبدالسلام بن محمد بن عبدالوهاب بن سلام الجبائي، يعتبر من رؤوس المعتزلة. من مصنفاته: \" تفسير القرآن \" و\" الجامع الكبير\"، (ت: ٣٢١ هـ).\nتُنظر ترجمته في: فرق وطبقات المعتزلة (ص: ١٠٠)؛ طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٣٠٧)؛ شذرات الذهب (٢/ ٢٨٩).\n(٢) ذكر د. عبدالعظيم الديب - محقق البرهان-: أنه لم يعثر على كتاب الأبواب للجبائي، ولم ينسبه إليه أحد. يُنظر: هامش رقم (٥) من تحقيق البرهان (١/ ١٢١).\n(٣) البرهان (١/ ١٢١).","vol":"1","page":169},{"text":"• المثال الثاني:\nقال الجويني في تقسيم العلل والأصول في القسم الرابع: \" ... وذهب مالك - ﵀ - في طوائف من السلف إلى وجوبها (١)، وإسعاف العبد إذا طلبها، ووجد فيها خيرًا ... \" (٢).\nفاستدرك عليه الأبياري (٣): \"وأما قوله: إن مالكًا - ﵀ - ذهب إلى وجوبها، وإسعاف العبد إذا طلبها؛ فليس الأمر كذلك، وليس هذا مذهب مالك - ﵀ - ولا أحد من أصحابه فيما علمناه، نعم تردد أصحابنا هل هي مباحة نظرًا إلى جانب المعاوضة، أو مندوب إليها، أو سبب إلى العتق؟ وأما الوجوب فلا ذاهب إليه بحال (٤) \" (٥).\n• المثال الثالث:\nما ذكره الإمام الجويني في استدراكه على الإمام مالك - ﵁ - في إباحته قتل ثلث الأُمة لصلاح الثلثين حيثُ قال: \" ... ومالك التزم مثل هذا في تجويزه لأهل الإيالات القتل في التهم العظيمة؛ حتى نقل عنه الثقات أنه قال: أنا أقتل ثلث الأُمة لاستبقاء ثلثيها\" (٦).\n_________\n(١) أي: وجوب الكتابة.\n(٢) البرهان (٢/ ٩٤٨).\n(٣) هو: أبو الحسن، علي بن إسماعيل بن علي بن عطية الأبياري، المالكي، شمس الدين، عالم بالفقه والأصول والحديث. من مصنفاته: \"التحقيق والبيان في شرح البرهان\" و\"سفينة النجاة\" سار في تصنيفها على طريقة الغزالي في الإحياء، (ت: ٦١٨ هـ).\nتُنظر ترجمته في: تاريخ الإسلام (٤٤/ ٣٠٥)؛ الدبياج المذهب (١/ ٢١٣)؛ شجرة النور الزكية (١/ ١٦٦).\n(٤) يُنظر مذهب المالكية في المكاتبة في: المدونة (٧/ ٢٣٠)؛ التلقين (٢/ ٥٢٢)؛ القوانين الفقهية (ص: ٢٤٩)؛ بداية المجتهد (٤/ ١٦١٥).\n(٥) التحقيق والبيان (٣/ ٥٧١ - ٥٧٢).\n(٦) البرهان (٢/ ١١٣٣). ويُنظر كذلك (٢/ ١٢٠٦ - ١٢٠٧).","vol":"1","page":170},{"text":"فتعقبه الأبياري مستدرِكًا: \"أما قوله: إن مالكًا - ﵀ - التزم مثل هذا؛ حيث جوَّز لأهل الإيالة القتل في التهم العظيمة، وهذا الذي ذكره عن مالك لم يقف عليه، ولا يعترف به أصحابه ... \" (١).\nوتعقبه كذلك القرافي بقوله: \" ... وكذلك ما نقله (٢) عن الإمام في البرهان من أن مالكًا يُجيز قتل ثلث الأُمة لصلاح الثلثين، المالكية ينكرون ذلك إنكارًا شديدًا، ولم يوجد في كتبهم؛ إنما هو في كتب المخالف لهم ينقله عنهم، وهم لم يجدوه أصلًا\" (٣).\n• بيان الاستدراك:\nهذا الاستدراك مركب من استدراكين؛ وهما:\nالاستدراك الأول: استدرك الإمام الجويني على الإمام مالك فتواه: قتل ثُلث الأُمة لصلاح الثلثين بطريق المصلحة المرسلة (٤)، فاستدرك عليه الجويني بأن هذه مصلحة مُلغاة (٥)؛ لأن السلف يتحرزون من القتل، ولا يُريقون دمًا حتى يشهد أصل من الشريعة بجوازه.\nالاستدراك الثاني: استدراك الأبياري والقرافي على الإمام الجويني عدم صحة النقل، فاستدراك الجويني لم ينقله من كتب الإمام مالك أو كتب المالكية\n_________\n(١) التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه (٤/ ١٧٦).\n(٢) أي التبريزي، فكلام القرافي تعليقًا على حكايته، ولم أجد نقل التبريزي لكلام إمام الحرمين في تنقيح المحصول.\n(٣) نفائس الأصول (٩/ ٤٠٩٢).\n(٤) المصلحة المرسلة: هي التي لم يشهد الشارع لها بالاعتبار ولا بالإلغاء بدليل خاص، ويعبر عنها بالمناسب المرسل. يُنظر: الأحكام للآمدي (٤/ ١٩٥)؛ نهاية السول (٢/ ٨٥٩)، ويعبر عنها بعض الأصوليين بالاستصلاح، والمناسب المرسل، والقياس المرسل. يُنظر: المستصفى (٢/ ٤٧٨)؛ روضة الناظر (١/ ٤٧٨).\n(٥) المصلحة المُلغاة: هي المصلحة الموهومة التي ألغاها الشارع، ولم يعترف بها، وشهد لها بالبطلان. يُنظر: المستصفى (٢/ ٤٧٩)؛ نهاية السول (٢/ ٨٥٦)؛ معجم مصطلحات أصول الفقه (ص: ٤١٤).","vol":"1","page":171},{"text":"وإنما من كتب المخالف لهم، فاستدراك الجويني على الإمام مالك لا وجه له.\n• المثال الرابع:\nقال ابن رشيق في مسألة (إجماع أهل المدينة): \"نسب أبو حامد (١) وغيره من الشافعية إلى مالك - ﵁ - أنه يقول: لا حجة إلا في إجماع أهل المدينة عن رأي واجتهاد، وجعلوا ذلك سببًا للطعن في مقاله، والإزراء من مذهبه.\nوهذا جهل عظيم بمذهب هذا الإمام الحَبر العظيم القدر عند الله وعند سائر الفضلاء. وكيف يجوز أن ينسب إلى هذا الإمام أو غيره ما لا يثبت نقله من طريق صحيح.\nقال القاضي أبو محمد عبدالوهاب (٢): هذا المذهب ما نعلمه مذهبًا لأحدٍ؛ فضلًا عن مالك بن أنس. ونحن نبين مذهبه في إجماع أهل المدينة، ونبين أنه الحق الذي يتعين على كل عاقل التمسك به.\nفالذي احتج به مالك بن أنس من إجماع أهل المدينة ما كان يدل على النقل والتقرير من النبي - ﷺ - ... \" (٣).\n• بيان الاستدراك:\nوهذا الاستدراك -كالسابق - يتكون من استدراكين:\n_________\n(١) يُنظر: المستصفى (٢/ ٣٤٨).\n(٢) هو: أبو محمد، عبدالوهاب بن علي بن نصر التَّغْلبِيُّ، أحد أئمة المالكية ومصنفيهم في الفروع والأصول، تفقه على ابن القصار، وابن الجلاب، قال الخطيب: (كتبت عنه وكان ثقة، لم ألق من المالكيين أفقه منه)، تولى القضاء في بغداد، ثم انتقل إلى مصر. من مصنفاته: \"التلقين \" و\" عيون المسائل \" و\" المعونة لمذهب عالم المدينة\"، (ت: ٤٢٢ هـ).\nتُنظر ترجمته في: البداية والنهاية (١٢/ ٣٢)؛ الديباج المذهب (١/ ١٥٩)؛ شجرة النور الزكية (١/ ١٠٣).\n(٣) يُنظر: لباب المحصول (١/ ٤٠٣ - ٤٠٦).","vol":"1","page":172},{"text":"الأول: استدراك أبي حامد الغزالي وغيره من الشافعية على الإمام مالك قول: لا حجة إلا في إجماع أهل المدينة.\nالثاني: استدراك ابن رشيق على أبي حامد وغيره من الشافعية أن هذا النقل ليس بصحيح عن الإمام مالك، فلم يقل به أحد من نظار مذهبه؛ فضلًا عن الإمام، وأوضح المراد بإجماع أهل المدينة عند المالكية بأنه: ما كان يدل على النقل والتقرير من النبي - ﷺ -.\n• المثال الخامس:\nما ذكره الزَّركشي في مسألة (هل يجب العمل بالعام (١) قبل البحث عن المخصص؟): \"اختلاف الأصوليين في تحديد مذهب الصَّيْرَفِيِّ (٢)، وإنما حكيت كلام الصَّيْرَفِيِّ بنصه لعزة وجود هذا الكتاب (٣)، ولأنه قد وقع أغلاط لجماعة من الأكابر\n_________\n(١) العام لغة: الشامل، وسميت العِمَامةُ عِمَامةً؛ لأنها تشمل جميع الرأس. يُنظر: المصباح المنير (٢/ ٤٣٠)؛ القاموس المحيط (ص: ١١٤١) مادة: (عمم)\nاصطلاحًا: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد. وهو تعريف الرازي في المحصول (٢/ ٣٠٩ - ٣١١). وقال عنه الشوكاني: \"وإذا عرفت ما قيل في حد العام علمت أن أحسن الحدود المذكورة هو ما قدمنا عن صاحب المحصول؛ لكن مع زيادة قيد (دفعة)، فالعام: هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد دفعة\".إرشاد الفحول (١/ ٤١٨). ويُنظر تعريف العام كذلك في: المعتمد (١/ ١٨٩)؛ أصول السرخسي (١/ ١٢٥)؛ التمهيد لأبي الخطاب (٢/ ٥)؛ تقريب الوصول (ص: ١٣٧).\n(٢) هو: أبو بكر، محمد بن عبدالله، المعروف بالصيرفي، أصولي متكلم، وفقيه شافعي، قيل: إنه أعلم الناس بالأصول بعد الشافعي، كان تلميذًا لابن سريج. من مصنفاته: \"شرح رسالة الشافعي\"، وله كتاب في الإجماع، وكتاب في الشروط، (ت: ٣٣٠ هـ) بمصر.\nتُنظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص: ١١١)؛ طبقات الشافعية للإسنوي (٢/ ١٢٢)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ١٨٦).\n(٣) يقصد به كتاب \" دلائل الأعلام\"، جاء في كشف الظنون عندما تكلم على الرسالة: \" ... وتنافسوا في شرحها، فشرحها ... وأبو بكر محمد بن عبدالله الصيرفي (ت: ٣٣ هـ)، واسمه: \"دلائل الأعلام\". يُنظر: كشف الظنون (١/ ٨٧٣).","vol":"1","page":173},{"text":"في النقل عنه، فأردت الاستظهار في ذلك وبيانه ... \" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-56> السبب الثاني: أن ينقل عن العالم قولٌ قاله بعض أصحابه وغلط فيه</span>.\nمن أسباب الخطأ: أن ينقل عالم قولًا عن غيره فيقلده غيره في نقل هذا القول، ويكون الأول قد أخطأ، فيتبعه من بعده في هذا الخطأ.\nوأقرره بالأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nما ذكره ابن حزم في (الباب التاسع والثلاثون: في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين): \"ذهب القائلون بالقياس من المتحذلقين المتأخرين إلى القول بالعلل، واختلف المبطلون للقياس؛ فقالت طائفة منهم: إذا نص الله تعالى على أنه جعل شيئًا ما سببًا لحكم ما فحيثما وجد ذلك لسبب وجد ذلك الحكم. وقالوا: مثال ذلك: قول رسول الله - ﷺ - إذ نهى عن الذبح بالسِّنِّ: «وأمَّا السّنُّ فَعَظمٌ» (٢). قالوا: فكل عظم لا يجوز الذبح به أصلًا، قالوا: ومن ذلك قول رسول الله - ﷺ - في السمن تقع فيه الفأرة: «فإن كان مائعًا فلا تقربوه» (٣).\nقالوا: فالميَعَان سببٌ ألا يُقرب، فحيثما وجد مائع\n_________\n(١) يُنظر: البحر المحيط (٣/ ٤٤).\n(٢) يُنظر: صحيح البخاري، ك: الشركة، ب: قِسْمةِ الْغنَمِ، (٢/ ٨٨١/ح: ٢٣٥٦)، ك: الشركة، ب: من عدَلَ عَشرًا من الغنم بِجزُورٍ في الْقسْمِ، (٢/ ٨٨٦/ح: ٢٣٧٢)، ك: الجهاد والسِّيَر، ب: ما يكره من ذبح الإبل والغنم في المَغَانِمِ، (٣/ ١١١٩/ح: ٢٩١٠)، ك: الذبائح والصيد، ب: التسمية على الذبيحة ومن ترك متعمدًا ...، (٥/ ٢٠٩٨/ح: ٥١٩٠)، ك: الذبائح والصيد، ب: إذا أصَابَ قوْمٌ غَنيمَةً ...، (٥/ ٢١٠٦/ح: ٥٢٢٣)؛ صحيح مسلم، ك: الأضاحي، ب: جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن والظفر وسائر العظام، (٣/ ١٥٥٨/ح: ١٩٦٨).\n(٣) بهذا اللفظ عن مَعمَرٍ عن الزّهْرِيِّ عن ابن الْمسَيِّبِ عن أبي هرَيْرَةَ. يُنظر: سنن أبي داود، ك:، ب: في الفَأْرَةِ تقَعُ في السَّمنِ:، (٣/ ٣٦٤/ح: ٣٨٤١ - ٣٨٤٢)؛ سنن النسائي الكبرى، ك:، ب:، (٣/ ٨٨/ح: ٤٥٨٦)؛ صحيح ابن حبان (٤/ ٢٣٨/ح: ١٣٩٤). قال الترمذي: \"هذا خطَأٌ أَخطَأَ فيه مَعمَرٌ. قال: وَالصَّحيحُ حَديثُ الزّهْرِيِّ عن عبيد اللهِ عن ابن عبَّاسٍ عن مَيْمونَةَ\". يُنظر: سنن الترمذي (٤/ ٢٥٦) .. ويُنظر: خلاصة البدر المنير (٢/ ٥٠).","vol":"1","page":174},{"text":"احلَّت فيه نجاسة فالواجب ألا يُقرب.\nقال أبو محمد: وهذا ليس يقول به أبو سليمان (١) - ﵀ - ولا أحدٌ من أصحابنا؛ وإنما هو قولٌ لقومٍ لا يُعتدُّ بهم في جملتنا؛ كالقاساني (٢) وضربائه\" (٣).\n• المثال الثاني:\nما ذكره الإسنوي في مسألة (العلم الحاصل من التواتر هل هو ضروري (٤) أو نظري (٥)؟) فقال: \"ذهب الجمهور إلى أن العلم الحاصل عقب التواتر ضروري\n_________\n(١) هو: أبو سليمان، داود بن علي بن خلف الأصبهاني الظاهري، أخذ العلم عن إسحاق ابن راهوية، وأبي ثور، كان زاهدًا، بصيرًا بالفقه، عالمًا بالقرآن، حافظًا للأثر، رأسًا في معرفة الخلاف، له ذكاء خارق، (ت: ٢٧٠ هـ).\nتُنظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص: ١٠٢)؛ سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٠٢)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٧٧).\n(٢) هو: أبو بكر محمد بن إسحاق القاساني - نسبة إلى قاسان بلدة عند قم في إيران - وقيل: القاشاني، أخذ العلم عن داود؛ إلا أنه خالفه في مسائل كثيرة في الأصول والفروع. وذكر ابن نديم أنه كان أولًا داوديًّا ثم انتقل إلى مذهب الشافعي وصار رأسًا فيه. من مصنفاته: \"كتاب الرد على داود في إبطال القياس\"، وكتاب\" إثبات القياس\"، و\" الفتيا الكبير\"، (ت: بعد الثلاثمائة من الهجرة).\nتُنظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص: ١٧٦)؛ الفهرست (ص: ٣٠٠)؛ أصول الفقه تاريخه ورجاله (ص: ٩٨).\n(٣) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٨/ ٥٤٦).\n(٤) العلم الضروري: كل علم لم يقع عن نَظَر واستدلال؛ كالعلم الواقع عن الحواس الخمس. يُنظر: الحدود في الأصول (ص: ٢٥ - ٢٧)؛ شرح اللمع (١/ ١٤٨ - ١٤٩).\n(٥) العلم النظري: كل علم وقع عن نظر واستدلال؛ كالعلم بأنصبة الزكاة. يُنظر: المراجع السابقة.","vol":"1","page":175},{"text":"-أي لا يحتاج إلى نظر وكسب-، واختاره الإمام وأتباعه (١) وابن الحاجب (٢).\nوذهب إمام الحرمين (٣) والكعبي (٤) وأبو الحسين البصري (٥) إلى أنه نظري.\nونقله المصنف تبعًا للإمام عن حجة الإسلام الغزالي، وفيه نظر؛ فإن كلامه في المستصفى (٦) مقتضاه موافقة الجمهور، فتأمله\" (٧).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الإسنوي على البيضاوي عدم صحة النقل عن الغزالي في المسألة؛ حيث نقل عنه أن العلم الحاصل عقب التواتر نظري، وهذا القول مخالف لمقتضى ما ذكره الغزالي في المستصفى، والذي أوقع البيضاوي في هذا الخطأ أنه لم يرجع إلى كتب الغزالي؛ وإنما نقل كلام الغزالي تبعًا لما ذكره الإمام الرازي.\n_________\n(١) يُنظر: المحصول (٤/ ٢٣٠)؛ الحاصل (٣/ ١٢)؛ التحصيل (٢/ ٩٧)؛ تنقيح المحصول للتبريزي (٢/ ٤٠٢).\n(٢) يُنظر: مختصر ابن الحاجب (١/ ٥٢٢).\n(٣) يُنظر: البرهان (١/ ٥٨٤).\n(٤) هو: أبو القاسم، عبدالله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي المعتزلي، إليه تنسب طائفة الكعبية من المعتزلة، كان رأسًا في علم الكلام على مذهب المعتزلة. من مصنفاته: \"تفسير القرآن\"، و\" طبقات المعتزلة\"، (ت: ٣١٩ هـ).\nتُنظر ترجمته في: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة (ص: ٢٩٧)؛ وفيات الأعيان (٣/ ٤٥)؛ البداية والنهاية (١١/ ٢٨٤).\nويُنظر قول الكعبي في: البرهان (١/ ٥٧٩)؛ البحر المحيط (٤/ ٢٣٩).\n(٥) يُنظر: المعتمد (٢/ ٨١).\n(٦) (٢/ ١٣١).\n(٧) نهاية السول (٢/ ٦٧٠).","vol":"1","page":176},{"text":"• المثال الثالث:\nما ذكره الإسنوي في مسألة (رواية الحديث بالمعنى): \"أقول: اختلفوا في جواز نقل حديث الرسول - ﷺ - بالمعنى، -أي: بلفظ آخر غير لفظه-؛ فجوزه الأكثرون، واختاره الإمام (١)، والآمدي (٢)، وأتباعهما (٣)، ونص عليه الشافعي، وممن نقله عنه صاحب المحصول.\nوقال ابن سيرين (٤) وجماعة: لا يجوز. وغلط صاحب التحصيل في اختصاره للمحصول فعزاه للشافعي (٥) \" (٦).\n• المثال الرابع:\nقال البيضاوي في مسألة (الواجب الموسع): \" ... وقالت الحنفية: يختص بالأخير، وفي الأول تعجيل\" (٧).\n_________\n(١) يُنظر: المحصول (٤/ ٤٦٦).\n(٢) يُنظر: الإحكام (٢/ ١٢٥).\n(٣) يُنظر: الحاصل (٣/ ٨٩)؛ التحصيل (٢/ ١٥٠)؛ مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد (٢/ ٤٧٠).\n(٤) هو: أبو بكر، محمد بن سيرين الأنصاري، البصري، مولى أنس بن مالك، كان مولده لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ابن عفان - ﵁ -، من كبار التابعين، رأى ثلاثين من أصحاب رسول الله - ﷺ -، كان إمامًا في التفسير والحديث والفقه، (ت: ١١٠ هـ) بالبصرة.\nتُنظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص: ٩٢)؛ تذكرة الحفاظ (١/ ٧٧)؛ سير أعلام النبلاء (٤/ ٦٠٦).\n(٥) ونص التحصيل: \"يجوز نقل الخبر بالمعنى، وهو مذهب الحسن البصري وأبي حنيفة والشافعي، خلافًا لابن سيرين؛ وذلك أن محقق التحصيل اعتمد في إثبات النص نسخة مختلفة لباقي النسخ، أما باقي النسخ: \"خلافًا للشافعي\"، وهذه النسخ موافقة لنقل الإسنوي عن التحصيل. يُنظر التحصيل (٢/ ١٥٠ - ١٥١).\n(٦) نهاية السول (٢/ ٧٢٧).\n(٧) يُنظر: المنهاج - مطبوع مع نهاية السول - (١/ ٩٢).","vol":"1","page":177},{"text":"فاستدرك عليه عبدالعلي الأنصاري (١) بقوله: \"وروي عن بعض الحنفية العراقيين: ليس كل الوقت وقتًا للوجوب؛ بل آخره وقته، فإن قدمه فنفل يسقط به الفرض؛ كالوضوء قبل الوقت، ونسب في المنهاج هذا القول إلى الحنفية، وهذه النسبة غلط ... \" (٢).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الأنصاري على ما جاء في المنهاج من نسبته تعلق الوجوب بآخر الوقت إلى الحنفية، فهذه النسبة غلط؛ فليس كل الحنفية يقولون بها؛ وإنما قول بعض الحنفية العراقيين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-57> السبب الثالث: أن يفهم من كلام العالم ما لم يرده، أو ينقل عنه ما لم يقله</span>.\n(أن يفهم من كلامه ما لم يرده) يدخل فيه الوهم؛ فلا حاجة لتكراره.\nوأما أن ينقل عنه ما لم يقله فكنقل الرازي (٣) والآمدي (٤) وابن الحاجب (٥)\n_________\n(١) هو: أبو العباس، عبدالعلي بن محمد بن نظام الدين محمد اللَّكْنَوي الأنصاري الحنفي، يلقب بـ (بحر العلوم)، فقيه أصولي منطقي، كان من نوابغ القرن الثاني عشر، وكان الطلاب يقبلون على دروسه. من مصنفاته: \"تنوير المنار\" شرح منار الأصول، \" فواتح الرحموت \" شرح مسلم الثبوت، (ت: بعد ١١٨٠ هـ).\nتُنظر ترجمته في: معجم المطبوعات (١/ ٥٣١)؛ الفتح المبين للمراغي (٣/ ١٣٢)؛ أصول الفقه تاريخه ورجاله (ص: ٥١٩).\n(٢) يُنظر: فواتح الرحموت (١/ ٧٤).\n(٣) يُنظر: المحصول (٣/ ١٢٥).\n(٤) يُنظر: الإحكام للآمدي (٢/ ٢٩٣).\n(٥) يُنظر: مختصر ابن الحاجب (٢/ ٧٢٨).","vol":"1","page":178},{"text":"وغيرهم (١) عن الشافعي أنه يقول بأن العبرة بخصوص السبب، معتمدين في ذلك على قول إمام الحرمين الجويني في البرهان، وفي هذا يقول الإسنوي: \"ونقل الآمدي وابن الحاجب وغيرهما عن الشافعي: أنه يقول بأن العبرة بخصوص السبب، معتمدين على قول إمام الحرمين في البرهان (٢): إنه الذي صح عندي من مذهب الشافعي. ونقله عنه (٣) في المحصول.\nوما قاله الإمام (٤) مردود؛ فإن الشافعي قد نص على أن السبب لا أثر له، فقال في الأم - في باب ما يقع به الطلاق، وهو بعد باب طلاق المريض- ما نصه: (ولا يصنع السبب شيئًا؛ إنما تصنعه الألفاظ؛ لأن السبب قد يكون ويحدث الكلام على غير السبب، ولا يكون مبتدأ الكلام الذي له حكم فيقع، فإذا لم يصنعه بما بعده ولم يمنع ما بعده أن يصنع ما له حكم إذا قيل) (٥) هذا لفظه بحروفه، ومن الأم نقلته.\nفهذا نص بين دافع لما قاله؛ ولا سيما قوله: (ولم يمنع ما بعده) إلخ ... \" (٦).\n• المثال الثاني:\nقال الإسنوي في مسألة (الاحتجاج بالقراءة الشاذة (٧»: \"القراءة الشاذة\n_________\n(١) يُنظر: الحاصل (٢/ ٣٧٣)؛ التحصيل (١/ ٤٠١)؛ تنقيح المحصول للتبريزي (٢/ ٢٩١).\n(٢) (١/ ٣٧٢).\n(٣) أي: نقل الرازي في المحصول عن إمام الحرمين قول الشافعي العبرة بخصوص السبب.\n(٤) أي: إمام الحرمين الجويني.\n(٥) الأم (٥/ ٢٥٩).\n(٦) نهاية السول (١/ ٥٤٠). وينظر كذلك الإبهاج (٤/ ١٥١٠).\n(٧) حقيقة الشاذ لغة المنفرد. يُنظر: الصحاح (ص: ٥٣٩)؛ المصباح المنير (١/ ٣٠٧) مادة (شذذ).\n\nوالشاذ في الاصطلاح: عكس المتواتر. والمراد بالقراءة المتواترة: كل قراءة ساعدها خطُّ المصحف، مع صحة النقل فيها، ومَجِيئُهَا على الفصيح من لُغةِ العرب. فمتى اخْتلَّ أحد هذه الأركان الثلاثة أطلق على تلك القراءة بأنها شاذَّة. يُنظر: البحر المحيط (١/ ٤٧٤). ويُنظر: النشر في القراءات العشر (١/ ٩).","vol":"1","page":179},{"text":"كقراءة ابن مسعود في كفارة اليمين: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ هل تنزل منزلة الخبر أم لا؟\nوالصحيح عند الآمدي (١) وابن الحاجب (٢) أنه لا يحتج بها، ونقله الآمدي عن الشافعي - ﵁ -.\nوقال إمام الحرمين في البرهان (٣): إنه ظاهر مذهب الشافعي؛ لأن الراوي لم ينقلها خبرًا، والقرآن يثبت بالتواتر؛ لا بالآحاد.\nوخالف أبو حنيفة - ﵁ -، فذهب إلى الاحتجاج بها، وبنى عليه وجوب التتابع في كفارة اليمين؛ لقراءة ابن مسعود: ﴿ثلاثة أيام متتابعات﴾.\nوجزم النووي (٤) في شرح مسلم (٥) بما قاله الإمام، ذكر في الكلام على قوله - ﵇ -: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر» (٦) وفي غيره أيضًا.\n_________\n(١) يُنظر: الأحكام للآمدي (١/ ٢١٦).\n(٢) يُنظر: مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٨١).\n(٣) (١/ ٦٦٦).\n(٤) هو: أبو زكريا، يحيى بن شرف بن مري بن حسن النووي، محي الدين، شيخ الإسلام، وشيخ المذهب الشافعي، وكبير الفقهاء في زمانه، ولي مشيخة دار الحديث الأشرفية، وكان لا يضيع شيئًا من أوقاته، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر للملوك، له مصنفات كثيرة في فنون مختلفة؛ منها: \"شرح صحيح مسلم\"، و\" المجموع شرح المهذب \" ولم يكمله، و\" الأسماء واللغات\"، (ت: ٦٧٦ هـ) بنوى.\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٨/ ٣٩٥)؛ البداية والنهاية (١٣/ ٢٧٨)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ١٥٣).\n(٥) (٥/ ١٣٠ - ١٣١).\n(٦) الحديث في الصحيحين، واللفظ المذكور لمسلم. يُنظر: صحيح البخاري، ك: الجهاد والسير، ب: الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة (٣/ ١٠٧١/ح: ٢٧٧٣)، ك: الدعوات، ب: الدعاء على المشركين، (٥/ ٢٣٤٩/ح: ٦٠٣٣)؛ صحيح مسلم، ك: المساجد ومواضع الصلاة، ب: الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، (١/ ٤٣٧/رقم: ٦٢٨).","vol":"1","page":180},{"text":"وما قالوه جميعه خلاف مذهب الشافعي، وخلاف قول جمهور أصحابه، فقد نص الشافعي في موضعين من مختصر البويطي (١) على أنها حجة، ذكر ذلك في باب الرضاع (٢)، وفي باب تحريم الحج (٣)، وجزم به الشيخ أبو حامد (٤) في الصيام وفي الرضاع، والماوردي (٥) في الموضعين أيضًا (٦)، والقاضي أبو الطيب (٧) في موضعين من\n_________\n(١) جاء في الفهرست: \"وللبويطي من الكتب: \"كتاب المختصر الكبير\"، و\" كتاب المختصر الصغير\". يُنظر: الفهرست (ص: ٢٩٨). ومختصر البويطي حقق في رسائل علمية في السعودية ومصر ولم يطبع.\nالبويطي هو: أبو يعقوب، يوسف بن يحيى المصري البويطي، صاحب الشافعي، وقام مقامه في الدرس والفتوى بعد وفاته، وكان صالحًا متنسكًا عابدًا زاهدًا، حمل في أيام الواثق بالله من مصر إلى بغداد في مدة المحنة وأريد على القول بخلق القرآن الكريم فامتنع من الإجابة إلى ذلك، فحبس ببغداد ولم يزل في السجن والقيد حتى مات (٢٣١ هـ)\nتُنظر ترجمته في: تاريخ بغداد (١٤/ ٢٩٩)؛ وفيات الأعيان (٧/ ٦١)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٧٢).\n(٢) يُنظر: مختصر البويطي (ص: ٤١٦).\n(٣) لم أقف على قوله في نسخة المختصر التي بين يدي.\n(٤) المراد به: أبو حامد الإسفرائيني.\n(٥) هو: أبو الحسن، علي بن محمد بن حبيب البصري، الشافعي، القاضي، تفقه على أبي حامد الإسفرائيني، وكان الماوردي من كبار الشافعية، كان حليمًا وقورًا أديبًا. من مصنفاته: \" الحاوي\"، و\" الإقناع \" في الفقه، و\"أدب الدين والدنيا\"، (ت: ٤٥٠ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٦٤)؛ وفيات الأعيان (٣/ ٢٨٢)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ٢٦٧).\n(٦) يُنظر: الحاوي الكبير (١١/ ٤١٥) (١٥/ ٣٢٩).\n(٧) هو: أبو الطيب، طاهر بن عبدالله بن طاهر بن عمر الطبري الشافعي، فقيه بغداد، الإمام العلامة شيخ الإسلام، درس وأفتى وأفاد، وولي قضاء ربع الكرخ بعد القاضي الصيمري، وهو أحد تلاميذ أبي حامد الإسفرائيني. من مصنفاته: \"شرح مختصر المزني\"، وصنف في الخلاف والمذهب والأصول والجدل كتبًا كثيرة، (ت: ٤٥٠ هـ) وهو ابن مئة وسنتين، لم يختل عقله، ولا تغير فهمه، يفتي مع الفقهاء، ويستدرك عليهم الخطأ، ويقضي ويشهد، ويحضر المواكب، إلى أن مات.\nتُنظر ترجمته في: تاريخ بغداد (٩/ ٣٥٨)؛ طبقات الفقهاء للشيرازي (ص: ١٣٥)؛ سير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٦٨).","vol":"1","page":181},{"text":"تعليقته؛ أحدهما: الصيام، والثاني: في باب وجوب العمرة، والقاضي الحسين (١) في الصيام، والمحاملي في الأيمان من كتابه المسمى: عدة المسافر وكفاية الحاضر (٢)، وابن يونس (٣) - شارح التنبيه (٤) - في كتاب الفرائض في الكلام على ميراث الأخ\n_________\n(١) هو: أبو علي، حسين بن محمد بن أحمد المروذي، وهو المراد بقول الشافعية في كتبهم الفقهية: (القاضي)، كان من أوعية العلم، غواصًا في الدقائق، أخذ عن القفال وكان من أنجب تلامذته. من مصنفاته: \" التعليقة \"، و\" أسرارا لفقه\".\nتُنظر ترجمته في: الطبقات الكبرى للشافعية لابن السبكي (٤/ ٣٥٦)؛ طبقات الشافعية لابن الإسنوي (١/ ٤٠٧)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٢٤٤).\n(٢) عدة المسافر وكفاية الحاضر، لأبي الحسن أحمد بن محمد المحاملي (ت: ٤١٥ هـ)، في الخلاف بين الحنفية والشافعية في مجلد، منها نسخة موقوفة بالمدرسة الفاضلية بالقاهرة. كشف الظنون (٢/ ١١٣٠).\n\nوالمحاملي هو: أبو الحسن، أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم الضبي، البغدادي، الشافعي، المعروف بـ (بالمحاملي)، شيخ الشافعية، درس الفقه على الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وكان غاية في الذكاء والفهم، وبرع في المذهب، وولي قضاء الكوفة ستين سنة. من مصنفاته: \"المجموع\"، و\" المقنع \" و\" اللباب \" في الفقه الشافعي، وله تعليقة عن شيخه أبي حامد، (ت: ٤١٥ هـ).\nتُنظر ترجمته في: البداية والنهاية (١١/ ٢٠٣)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٤/ ٤٨)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ١٧٤).\n(٣) هو: أبو الفضل، أحمد ابن الشيخ كمال الدين موسى بن يونس، كان إمامًا حافظًا، كثير الحفظ، غزير المادة، جميل المنظر، درس بالمظفرية. من مصنفاته: \"شرح التنبيه\"، و\" مختصر الإحياء للغزالي\"، (ت: ٦٢٢ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٨/ ٣٦)؛ الوافي بالوفيات (٨/ ١٣١)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ٧٢).\n(٤) ذكر حاجي خليفة أن له شرحًا على التنبيه ولم يسمه. يُنظر: كشف الظنون (١/ ٤٩١). وبعد البحث علمت أن الكتاب حقق في رسائل في الجامعة الإسلامية، وعنوانه: \"غنية الفقيه في شرح التنبيه\"، ولم يتيسر لي الوقوف على الرسالة التي تناولت كتاب الفرائض.","vol":"1","page":182},{"text":"للأم، وجزم به الرافعي (١) في باب حد السرقة (٢).\nوالذي وقع للإمام فقلده فيه النووي مستنده: عدم إيجابه للتتابع في كفارة اليمين بالصوم مع قراءة ابن مسعود السابقة، وهو وضع عجيب؛ فإن عدم الإيجاب يجوز أن يكون لعدم ثبوت ذلك من الشافعي أو لقيام معارض\" (٣).\n• المثال الثالث:\nنسب ابن قدامة القول بالعبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ للإمام مالك (٤)، فاستدرك عليه الشيخ الأمين الشنقيطي (٥) في مذكرته فقال: \"والتحقيق عن مالك يوافق الجمهور في هذه المسألة خلافًا لما ذكره المؤلف. وأشار في المراقي\n_________\n(١) هو: أبو القاسم، عبدالكريم بن محمد بن عبدالكريم القزويني الرافعي، الإمام العلامة، تفقه على والده، كان ذا فنون، متضلعًا من علوم الشريعة تفسيرًا وحديثًا وأصولًا، من مصنفاته: \"شرح الوجيز للغزالي\"، و\"المحرر\"، و\"شرح مسند الشافعي\"، (ت: ٦٢٣ هـ).\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٨/ ٢٨١)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ٧٥)؛ طبقات المفسرين للسيوطي (١/ ٧٠)\n(٢) يُنظر: فتح العزيز شرح الوجيز للرافعي (١/ ٢٦٠)، رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى تخصص الفقه، إعداد الطالب: محمود عبدالحميد محمود طهماز، إشراف الدكتور: الشافعي عبدالرحمن السيد عوض، العام: ١٤١٨ هـ.\n(٣) التمهيد للإسنوي (ص: ١١٨ - ١١٩).\n(٤) يُنظر: روضة الناظر (٢/ ٣٦).\n(٥) هو: محمد الأمين بن محمد المختار بن عبدالقادر بن محمد الجَكَنِي الشنقيطي، كان زاهدًا حكيمًا. من مصنفاته: \"آداب البحث والمناظرة\"، و\"أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن\"، و\"مذكرة في أصول الفقه\"، (ت: ١٣٩٣ هـ). تُنظر ترجمته في: مقدمة أضواء البيان (١/ ٩ - ٢٦)؛ علماء ومفكرون عرفتهم (ص: ١٧١ - ١٩١)؛ ترجمة الشيخ الأمين الشنقيطي للشيخ عبدالرحمن السديس (ص: ٩).","vol":"1","page":183},{"text":"إلى أن السبب لا يخصص عموم اللفظ عند مالك بقوله:\nوالعرف حيث قارن الخطابا ... ودع ضمير البعض والأسبابا\" (١)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-58> السبب الرابع: أن يجعل كلام العالم عامًّا أو مطلقًا وهو خلاف ذلك</span>.\nومن أمثلة ذلك ما ذكره الإسنوي في مسألة (تعارض نصيين متساويين): \"وحاصلها أن النصين المتعارضين على قسمين:\nأحدهما: أن يكونا متساويين في القوة والعموم.\nوالثاني: ألا يكونا كذلك.\nوالمراد بتساويهما في القوة: أن يكونا معًا معلومين، أو مظنونين.\nوبتساويهما في العموم: أن يصدق كل منهما على كل ما صدق عليه الآخر.\nوأما قول كثير من الشارحين: إن التساوي في القوة لا يدخل فيه ما كان معلوم السند والدلالة؛ لاستحالة التعارض في القطعيات؛ فباطل؛ لأن المراد من التعارض هنا ما هو أعم من النسخ؛ ولهذا قسموه إليه.\nوقد صرح في المحصول (٢) بذلك في مواضع من المسألة - أعنى: بدخول المقطوع به في هذه الأقسام-، وصرح أيضًا بأن التعارض والترجيح قد يقع في القطعيات على وجه خاص يأتي ذكره، فدل على أن إطلاق المنع مردود\" (٣).\n_________\n(١) مذكرة الأمين على روضة الناظر (ص: ٢٠١)؛ وينظر: مراقي السعود (ص: ٢٢٢ - ٢٢٤)؛ نثر الورود شرح مراقي السعود (١/ ٢٥٥ - ٢٥٧).\n(٢) جاء في المحصول: \"المسألة السابعة: إذا تعارض دليلان ... القسم الأول: أن يكونا عامين. فإما أن يكونا معلومين، أو مظنونين، أو أحدهما معلومًا والآخر مظنونًا. النوع الأول: أن يكونا معلومين ... \" المحصول (٥/ ٤٠٨).\n(٣) نهاية السول (٢/ ٩٧٧).","vol":"1","page":184},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-59> السبب الخامس: أن يجعل كلام العالم خاصًّا أو مقيدًا وليس كذلك</span>.\nومن أمثلة ذلك: ما ذكره الزَّركشي في مسألة (هل يجب العمل بالعام قبل البحث عن المخصص؟): \"الأمر الثاني: أن إمام الحرمين صوَّر محلَّ الخلاف في صورة خاصة فقال: إذا وردت الصيغة الظاهرة في اقتضاء العموم، ولم يدخل وقت العمل بموجبها؛ فقد قال أبو بكر الصَّيْرَفِيُّ: يجب على المتعبدين اعتقاد عمومها على جزم، ثم إن كان الأمر على ما اعتقدوه فذاك، وإن تبين أن الخصوص تغير العقد (١). انتهى.\nوالصواب في النقل عنه: إطلاق العموم؛ سواء قبل حضور وقت العمل به أو بعده؛ بل هو مصرح بالعمل به قبل البحث عن المخصص، ونقل ذلك أيضًا في كتابه البيان في أصول الفقه (٢)، وكذلك نقله عنه الجمهور - كما سبق التصريح به في كلامهم -، ولم يقيد أحدٌ منهم النقل عنه بهذه الحالة\" (٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-60> السبب السادس: أن يكون عن العالم في المسألة اختلاف فيتمسك بالقول المرجوح</span>.\nقد يكون للإمام أكثر من قول في المسألة، وهذا دليل على علو شأنه في العلم؛ حيث كان طول عمره مشتغلًا بالطلب والبحث؛ إلا أن بعض أتباعه قد يخفى عليه القول المتأخر له فيرجح المرجوح، وهذا سبب للاستدراك عليه، وأقرره بالأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nما ذكره أبو الوليد الباجي في مسألة (دلالة الأمر المجرد): \"فصل: وذهب\n_________\n(١) يُنظر: البرهان (١/ ٤٠٦).\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) البحر المحيط (٣/ ٤٥).","vol":"1","page":185},{"text":"أبو الحسن المُنتاب المالكي (١) إلى أن الأمر يحمل على الندب بمجرده، وإليه ذهب أبو الفرج (٢)، وحكاه القاضي أبو محمد (٣) عن الشيخ أبي بكر الأبهري (٤) أن أوامر الباري تعالى على الوجوب، وأوامر النبي - ﷺ - على الندب دون تفصيل. والمشهور عنه ما قدمناه من أن ظاهره الوجوب، وقد تقدمت أدلتنا في ذلك\" (٥).\n• المثال الثاني:\nما نقل عن القاضي العنبري (٦) في تصويبه لكل المجتهدين في الأصول؛\n_________\n(١) هو: أبو الحسن، عبيد الله بن المنتاب بن الفضل بن أيوب البغدادي، ويعرف بالكرابيس أيضًا، وقيل في اسمه غير هذا، قاضي مدينة النبي - ﷺ -، وقيل: إنه ولي قضاء مكة، وقيل: ولي القضاء بالشام أيضًا، من شيوخ المالكيين، وفهماء أصحاب مالك، وحذاقهم ونظارهم وحفاظهم، وأئمة مذهبهم، وعدده في البغداديين من أصحاب القاضي إسماعيل، وبه تفقه. من مصنفاته: \"مسائل الخلاف والحجة لمالك \"نحو مائتي جزء، و\"فضائل مالك ومناقبه\"، لم تذكر سنة وفاته.\nتُنظر ترجمته في: الديباج المهذب (ص: ١٤٥)؛ ترتيب المدارك (١/ ٩) (٢/ ٥).\n(٢) هو: أبو الفرج، عمرو بن محمد بن عبدالله البغدادي، الإمام الفقيه، كان فصيحًا لغويًّا، تفقه بالقاضي إسماعيل. وتتلمذ على أبي الفرج أبو بكر الأبهري وغيره. من مصنفاته: \"الحاوي في مذهب مالك\"، و\" اللمع في أصول الفقه\"، (ت: ٣٣٠ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الدبياج المذهب (ص: ٣٠٩)؛ شجرة النور الزكية (ص: ٧٩)؛ الفهرست (ص: ٢٨٣).\n(٣) المراد به القاضي عبدالوهاب البغدادي، وسبقت ترجمته (ص: ١٧٢).\n(٤) هو: أبو بكر، محمد بن عبدالله بن صالح بن عمر بن حفص الأبهري، كان إمام أصحابه في وقته، وانتهت إليه الرئاسة في مذهب مالك. تفقه على القاضي أبي الفرج وابن الجهم وغيرهما. من مصنفاته: \"شرح المختصر الكبير لعبدالله بن عبدالحكم\"، و\" كتاب الأصول\"، و\" كتاب إجماع أهل المدينة\"، (ت: ٣٧٥ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: تاريخ بغداد (٥/ ٤٦٢)؛ الديباج المذهب (ص: ٣٥١)؛ شجرة النور الزكية (ص: ٩١).\n(٥) إحكام الفصول في أحكام الأصول (١/ ٢٠٤).\n(٦) هو: عبيدالله بن الحسن بن حصين العنبري، قاضي البصرة، محدث فقيه، أخرج له مسلم حديثًا واحدًا في صحيحه، توفي سنة (١٦٨ هـ).\nيُنظر ترجمته في: حلية الأولياء (٩/ ٦)؛ تقريب التهذيب (١/ ٥٣١)؛ تهذيب التهذيب (٧/ ٨).","vol":"1","page":186},{"text":"والحق أنه رجع عن هذه الرواية. (١)\nقال الجويني في مسألة (هل كل مجتهد مصيب؟): \"فإذا عرفت ما هو الأصل؛ فلا تقل فيما هذا سبيله إن كل مجتهد مصيب؛ بل المصيب واحد ومن عداه جاهل مخطئ. وهذا ما سار إليه كافة الأصوليين؛ إلا عبيدالله بن الحسن العنبري؛ فإنه ذهب إلى أن كل مجتهد مصيب في الأصول؛ كما أن كل مجتهد مصيب في الفروع.\nثم اختلفت الرواية عنه، فقال في أشهر الروايتين: أنا أصوب كل مجتهد في الدين تجمعهم الملة، وأما الكفرة فلا يُصَوَّبون.\nوغلا بعض الرواة عنه: نصوِّب الكفافة من المجتهدين دون الراكنين إلى البدعة، والمعرضين عن أمر الاجتهاد \" (٢).\nوقال السمعاني: \"فأما أصول الدين؛ فالحق في قول واحد منها، والثاني باطل قطعًا.\nوحُكِى عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه قال: كل مجتهد في الأصول مصيب، وكان يقول مثبتي القدر: هؤلاء عظموا الله، ويقول في نافي القدر: هولاء نزهوا الله.\nوقد قيل: إن هذا القول منه في أصول الديانات التي يختلف فيها أهل القبلة، ويرجع المخالفون فيها إلى آيات وآثار محتملة للتأويل؛ كالرؤية وخلق الأفعال، وما أشبه ذلك. فأما ما اختلف فيه المسلمون وغيرهم من أهل الملل كاليهود والنصارى والمجوس؛ فإن في هذا الموضع نقطع بأن الحق فيما يقوله أهل الإسلام.\n_________\n(١) وكان رجوعه بناء على كلام إمام أهل الحديث في المشرق عبد الرحمن بن مهدي. تُنظر: المراجع السابقة.\n(٢) يُنظر: التلخيص (٣/ ٣٣٥).","vol":"1","page":187},{"text":"وينبغي أن يكون التأويل على هذا الوجه؛ لأنا لا نظن أن أحدًا من هذه الأمة لا يقطع بتضليل اليهود والنصارى والمجوس، وأن قولهم باطلًا قطعًا؛ لأن الدائل القطعية قد قامت لأهل الإسلام في بطلان قول هؤلاء الفرق، والدلائل القطعية توجب الاعتماد القطعي، فلم يكن بُد من القول بأنهم ضالون مخطئون قطعًا \" (١).\n• المثال الثالث:\nما ذكره الإسنوي في مسألة (تقليد المجتهد للصحابي): \"الأمر الثاني: إذا قلنا: إن قول الصحابة ليس بحجة فهل يجوز للمجتهد تقليده؟ فيه ثلاثة أقوال للشافعي: الجديد: أنه لا يجوز مطلقًا. والثالث -وهو القديم-: أنه إن انتشر جاز؛ وإلا فلا، هكذا صرح به الغزالي في المستصفى (٢)، والآمدي في الإحكام (٣)، وغيرهما ... واعلم أن القول بجواز التقليد نص عليه في الأم في مواضع متعددة؛ فهو إذن جديد لا قديم\" (٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-61> السبب السابع: الاختصار المخل للمصنفات</span>.\nاختصار المتون من أغراض التأليف؛ بيد أن هذا الاختصار قد يعتريه خلل من حذف شيء مهم، أو تغيير صياغة تؤدي إلى الوقوع في الخطأ.\nوأذكر لتقرير هذا السبب قول البابرتي في مقدمة كتابه الردود والنقود (٥): \" ... منهم الإمام المحقق سيف الدين الآمدي صنف كتاب الإحكام، وجمع فيه اللطائف في العلل والأحكام، ولم يأل جهدًا في التهذيب والإحكام إلى حيث يصل إليه\n_________\n(١) يُنظر: قواطع الأدلة (٥/ ١١ - ١٢).\n(٢) (٢/ ٤٥٨).\n(٣) (٤/ ١٩٠).\n(٤) نهاية السول (٢/ ٩٥٣).\n(٥) (١/ ٧٨).","vol":"1","page":188},{"text":"منهم الإفهام. ومنهم الإمام المختصر المدقق جمال الدين ابن الحاجب، اختصر الإحكام اختصارًا كاد أن يخرجه عن الإفهام، فأغرب به بما أعجب ذوي الأوهام\".\n• المثال الأول:\nما ذكره الإسنوي في مسألة (تقسيم الحكم باعتبار الوقت المضروب للعبادة): \"وقوله: (ووجد فيه سبب وجوبها) مردود من وجهين: ... الثاني: أن دخول الوقت هو السبب في الوجوب، وقد ذكر عند قوله: (والقضاء يتوقف على السبب لا الوجوب)، فكيف يجعله مغايرًا له حتى يشترطه أيضًا مع مضي الوقت؟\nفإن كان مراده أنه لا يوصف بالقضاء إلا ما كان أداؤه واجبًا فهو فاسد؛ لأنه سيُصرح بعد هذا بقليل عكسه، وقد وقع صاحب التحصيل (١) فيما وقع فيه المصنف فقال: وإن أديت خارج وقتها المضيق أو الموسع سميت قضاء إن وجد سبب وجوب الأداء.\nوالمحصول (٢) والحاصل (٣) سالمان من هذا الاعتراض؛ وذلك لأن الإمام ذكر في أول التقسيم أن الواجب إذا أُدي بعد خروج وقته المضيق أو الموسع سُمي قضاء، ولم يذكر غير ذلك، ثم قال بعد ذلك: وههنا بحثان، فذكر الأول، ثم قال: الثاني: أن الفعل لا يسمى قضاء إلا إذا وجد سبب وجوب الأداء مع أنه لم يوجد الأداء. ثم تارة يجب الأداء، وتارة يمتنع عقلًا، وتارة يمتنع شرعًا. إلى آخر ما قال.\nفذكر أولًا أن القضاء هو ما فعل بعد خروج وقته، وعبر عنه ثانيًا بتقدم سبب الوجوب؛ ولكن عبر بذلك ردًّا على من قال: إن القضاء يتوقف على الوجوب.\nفضم المصنف الثاني إلى الأول حالة الاختصار وعطفه عليه، وكذلك صاحب\n_________\n(١) (١/ ١٧٩).\n(٢) (١/ ١١٦ - ١١٨).\n(٣) (٢/ ٣٨).","vol":"1","page":189},{"text":"التحصيل؛ ظنًّا منهما أنه قيدا في المسألة وهو غلط بلا شك\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الإسنوي على السراج الإرموي والبيضاوي في حدهم للقضاء بعبارة: \"تقدم سبب الوجوب\" وجعلها قيدًا في الحد؛ إذ إن النوافل تقضى على مذهب الرازي، وبهذا القيد تخرج من الحد، وهذا اختصار مخل للمحصول، فالرازي ذكر في أول التقسيم أن العبادة توصف بالأداء والقضاء والإعادة، ولم يخصها بالواجب.\n• المثال الثاني:\nذكر الإمام البيضاوي في مسألة (حكم الأفعال الاختيارية قبل البعثة) توقف الأشعري وتفسير الرازي لهذا التوقف بعدم الحكم. (٢)\nفاستدرك عليه الإسنوي: بقوله: \"فأما قوله: (وفسره الإمام بعدم الحكم) فممنوع؛ فإن عبارته في أول هذه المسألة (ثم هذا الوقف تارة يفسر بأنه لا حكم، وهذا لا يكون وقفًا؛ بل قطعًا بعدم الحكم، وتارة بأنا لا ندري هل هناك حكم أو لا، وإن كان هناك حكم فلا ندري أنه إباحة أو حظر) (٣). هذه عبارته، وليس ههنا اختيار شيء من هذه الاحتمالات التي نقلها.\nثم إنه في آخر المسألة اختار تفسيره بعدم العلم فقال: (وعن الأخير أن مرادنا بالوقف: أنا لا نعلم أن الحكم هو الحظر أو الإباحة)، هذا لفظ الإمام في المحصول بحروفه (٤)، وذكر مثله أيضًا في المنتخب.\nولعل الذي أوقع المصنف في هذا الغلط هو صاحب الحاصل؛ فإنه قال في\n_________\n(١) نهاية السول (١/ ٧١).\n(٢) يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع شرح الإسنوي- (١/ ١٣١).\n(٣) المحصول (١/ ١٥٩).\n(٤) المرجع السابق (١/ ١٦٥).","vol":"1","page":190},{"text":"اختصاره للمحصول: (ثم التوقف مرة يفسر بأنا لا ندري الحكم، ومرة بعدم الحكم وهو الحق) (١) هذه عبارته\" (٢).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الإسنوي على البيضاوي الخطأ في نقل كلام الإمام الرازي، وكان سبب هذا الخطأ الاختصار المخل من صاحب الحاصل لعبارة الإمام الرازي في المحصول.\n• المثال الثالث:\nما ذكره الإسنوي عند الحديث عن (أقسام المناسب)، فذكر المؤثر وقال:\n\" والمؤثر هو: ما أَثَّر جنسه في نوع الحكم لا غير؛ كالمشقة مع سقوط الصلاة على ما مرَّ.\nهكذا ذكره المصنف، وهو خلاف ما في أصلية الحاصل والمحصول.\nفأما المحصول (٣) ففيه قبيل الكلام على الشبه: أن المؤثِّر: هو ما أثَّر نوعه في جنس الحكم. قال: كامتزاج النسبين (٤) مع التقديم -كما تقدم إيضاحه -. وهذا عكس ما ذكره المصنف.\nوأما الحاصل (٥) ففيه في الموضع المذكور أيضًا: أن المؤثِّر: هو ما أثَّر جنسه في\n_________\n(١) الحاصل (٥/ ٥٨).\n(٢) نهاية السول (١/ ١٣٣ - ١٣٤).\n(٣) يُنظر: المحصول (٥/ ١٩٩).\n(٤) يقصد به: تقديم الأخ من الأب والأم على الأخ من الأب في الميراث، فيقاس عليه تقديمه في ولاية النكاح، فجنس الحكم واحد وهو التقديم، والنوع مختلف؛ إذ التقديم في ولاية النكاح مغاير للتقديم في الإرث. يُنظر: المحصول (٥/ ١٩٩)؛ نهاية السول (٢/ ٨٥٧).\n(٥) (٣/ ١٦٢).","vol":"1","page":191},{"text":"جنس الحكم.\nوالظاهر اشتبه عليه كلام الإمام، فغلط في اختصاره له\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الإسنوي على البيضاوي تعريفه للمؤثر بأنه: ما أثر جنسه في نوع الحكم لا غير مخالف لأصل المنهاج الذي هو الحاصل والمحصول. وسبب هذه المخالفة: اشتباه كلام الرازي على على التاج الإرموي؛ فغلظ في اختصاره له، وكذلك فعل البيضاوي؛ فكان تعريف المؤثر الذي ذكراه على خلاف ما عند الرازي.\n• المثال الرابع:\nذكر الإسنوي والزركشي: \"إذا تعارض قياسان كل منهما يدل بالمناسبة على تقديم مصلحة إحداهما متعلقة بالدين والثانية بالدنيا؛ فالأول مقدم؛ لأن ثمرة الدينية هي السعادة الأبدية التي لا يعادلها شيء، كذا جزم به الإمام فخر الدين (٢) والآمدي (٣)، وحكى ابن الحاجب (٤) قولًا: إن المصلحة الدنيوية مقدمة؛ لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة، ولم يذكر الآمدي ذلك قولًا؛ بل ذكره سؤالًا\" (٥).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الإسنوي والزركشي على ابن الحاجب إيراده قولًا بتقديم المصلحة الدنيوية على الدينية، وذكرا منشأ الخطأ في ذلك؛ وهو ما أورده الآمدي من اعتراض على المسألة التي قررها فأخطأ ابن الحاجب في اختصاره وجعله قولًا مستقلًا.\n_________\n(١) نهاية السول (٢/ ٨٦١).\n(٢) المحصول (٥/ ٤٥٨).\n(٣) الإحكام (٤/ ٣٣٨).\n(٤) مختصر ابن الحاجب (٢/ ١٣٠٥).\n(٥) يُنظر: التمهيد للإسنوي (ص: ٥١٥)؛ البحر المحيط (٦/ ١٨٩). ويُنظر كذلك: نهاية السول (٢/ ١٠١٦)","vol":"1","page":192},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-62> السبب الثامن: التصحيف في النسخ</span>.\nمن أسباب الوقوع في الخطأ: الاعتماد على نسخ مصحفة بسبب عيوب النظر، أو سبق القلم. وأقرر الخطأ بهذا السبب بالأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nقال الرازي في (التقسيم الثالث للفظ المفرد): \"وأما إذا كان اللَّفظ موضوعًا للمعنيين جميعًا، فإمَّا أن تكون إرادة ذلك اللفظ لهما على السويَّة، أو لا تكون على السويَّة، فإن كانت على السويَّة سُمِّيت اللَّفظة بالنسبة إليهما معًا (مُشتركًا)، وبالنسبة إلى كل واحد منهما (مجملًا)؛ لأن كون اللَّفظِ موضوعًا لهذا وحده ولذاك وحده معلوم؛ فكان مشتركًا من هذا الوجه\" (١).\nفذكر القرافي استدراكًا على ما جاء في بعض النسخ من خطأ فقال: \"تنبيه: وقع في بعض النسخ: يسمى (مشتركًا) بالنسبة إلى كل واحد منهما، و(مجملًا) بالنسبة إليهما)، والصحيح: (مشتركًا) بالنسبة إليهما، و(مجملًا) بالنسبة إلى كل واحد منهما؛ لأن الشركة من الأمور النسبية، فلا يصدق على الدار أنها مشتركة بالنسبة إلى زيد وحده؛ بل لا بد من آخر معه في تلك الدار، والإجمال يرجع إلى عدم الفهم، وعدم الفهم يمكن نسبته إلى واحد فيقال: زيد لم يفهم من اللَّفظ؛ فلذلك تعينت النسبة للشركة، والإفراد بقولك: لكل واحد منهما الإجمال\" (٢).\n• المثال الثاني:\nقال أبو عبدالله الأصفهاني في مسألة: (إثبات الحدود والكفارات (٣)\n_________\n(١) المحصول (١/ ٢٢٩ - ٢٣٠).\n(٢) نفائس الأصول (٢/ ٦١٠).\n(٣) الكفارات: جمع كفارة؛ وهي في اللغة: الخصلة التي من شأنها أن تُكَفِّرَ الخطيئة، (أي تمحوها وتسترها). يُنظر: لسان العرب (١٣/ ٨٧) مادة: (كفر).\nشرعًا: ما وجب على الجاني جبرًا لما وقع منه، وزجرًا عن مثله. التَّعاريف (ص: ٦٠٦).","vol":"1","page":193},{"text":"والرخص (١) بالقياس): \"واعلم أنه قال: وجدت في جملة النسخ (شهود الزنا)، وهو تصحيف من الناسخ (٢)، والقائل معذور؛ حيث لم يجد ما وصل إليه من النسخ إلا كما ذكره، ونحن وجدنا النسخة الصحيحة، وصورته: (شهود الزوايا) (٣) \" (٤).\n• المثال الثالث:\nما ذكره الإسنوي في مسألة (ترجيح الأخبار بوقت الرواية): \"وقد وقع كذلك في نسخة بعض الشارحين (٥) فشرحه، ثم استدرك عليه: بأن هذا ترجيح بوقت التحَمُّل، وكلامه (٦) في الترجيح بوقت الرواية. والنسخة التي وقعت لهذا الشارح غلط\" (٧).\n_________\n(١) الرخصة لغة: التسهيل في الأمر والتيسير. يُنظر: المصباح المنير (١/ ٢٢٣)؛ القاموس المحيط (ص: ٦٢٠)، مادة: (رخص).\nاصطلاحًا: الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر هو المشقة والحرج. يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع الإبهاج - (٢/ ٢١٨)؛ التمهيد للإسنوي (ص: ٦٠) وقريب منه في القواعد والفوائد (ص: ٩٩) .. ويُنظر تعريفات أخرى للرخصة في تقريب الأصول (ص: ٢٣٧)؛ روضة الناظر (١/ ١٨٩)؛ التوضيح شرح التنقيح للمحبوبي (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨).\n(٢) يُنظر: هامش (٢) من تحقيق المحصول (٥/ ٣٥٠).\n(٣) المراد بشهود الزوايا: أن يشهد أربعة على أنه زنى بها؛ ولكن يشهد كل شاهد على أنه زنى بها في زاوية معينة من الدار، ويشهد آخر أنه زنى بها في زاوية أخرى، ويشهد الثالث على الزنى في زاوية أخرى، وكذلك الشاهد الرابع. يُنظر: الكاشف على المحصول (٦/ ٦١٠).\n(٤) الكاشف عن المحصول (٦/ ٦١٠).\n(٥) أي الشارحين لمتن \" منهاج الوصول \" للبيضاوي.\n(٦) أي البيضاوي.\n(٧) نهاية السول (٢/ ٩٩٢).","vol":"1","page":194},{"text":"وقال أيضًا عند شرحه لقول البيضاوي في ترجيح الأقيسة: \"وهي بوجوه: الأول: بحسب العلة، فترجح المظنة، ثم الحكمة، ثم الوصف العدمي ....\nفقال الإسنوي: وفي بعض النسخ زيادة (الإضافي) بين الحكمة والعدمي، فقال: ثم الحكمة، ثم الوصف الإضافي، ثم العدمي.\nوهذه النسخة مخالفة لأكثر النسخ التي اعتمد عليها الشارحون، ومخالفة لما في المحصول (١)؛ فإن المذكور فيه ما ذكرناه أولًا\" (٢).\nكما ذكر في هذه المسألة قوله: \"وقد وقع في بعض نسخ الكتاب هنا تغيير من النساخ\" (٣).\n• المثال الرابع:\nقال البيضاوي في مسألة (إعمال المشترك (٤) في جميع مفهوماته): \" ... جوز\n_________\n(١) والذي في المحصول تقديم الوصف العدمي على الإضافي، ونصه: \" الحكم الشرعي إما أن يكون معلَّلًا بالوصف الحقيقي، أو بالحكمة، أو بالحاجة، أو بالوصف العدمي، أو بالوصف الإضافي، أو بالوصف التقديري، أو بالحكم الشرعي \". المحصول (٥/ ٤٤٤).\n\nوقال ابن السبكي في شرح المنهاج: \" قوله: (ثم الوصف الإضافي) اعلم أن هذا ساقط في بعض النسخ، ولاسقاطه وجه وجيه؛ لدخوله تحت العدمي، إذ الإضافات من الأمور العدمية، وقد قررنا أن التعليل بها مرجوح. ولإثباته وجه من جهة أنه مختلف في كونه وجوديًا، فيكون مرجوحًا بالنسبة إلى المتفق على كونه وجوديًا \". يُنظر: الإبهاج (٧/ ٢٨٣٥).\n(٢) نهاية السول (٢/ ١٠١٢).\n(٣) المرجع السابق (٢/ ١٠١٣).\n(٤) المشترك: لفظ كلي يطلق على معانٍ متعددة وضع اللفظ لكل منها وضعًا خاصًا؛ مثاله: \"قُرء\" فهي تطلق في اللغة على الحيض، وتطلق أيضًا على الطهر. و\"عين\" فهي موضوعة لعدة معان في اللغة؛ فمن معانيها: الحاسة التي يكون الإبصار بها، ومن معانيها: الشمس، والذهب، ونبع الماء، وذات الشيء. يُنظر: شرح الأخضري على سلمه (ص: ٢٧)؛ آداب البحث والمناظرة (ص: ٣١)؛ ضوابط المعرفة (ص: ٥٣). وكذلك يُنظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: ٢٩)؛ شرح الكوكب المنير (١/ ١٣٧).","vol":"1","page":195},{"text":"الشافعي والقاضيان (١) وأبو علي (٢) إعمال المشترك في جميع مفهوماته غير المتضادة، ومنعه أبو هاشم والكرخي والبصري (٣) والإمام.\nلنا: الوقوع في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، والصلاة من الله مغفرة، ومن غيره استغفار\" (٤).\nفذكر التاج السبكي في شرحه: \"واعلم أنه وقع في بعض نسخ المنهاج: (والصلاة من الله مغفرة) -كما أوردناه-، وهو الذي أورده الغزالي (٥)، وفي بعضها: (رحمة). وكذلك ذكر الإمام (٦). والتعبير (بمغفرة) أحسن؛ لأن الصلاة في اللغة: الدعاء بخير، وهو محال من الله تعالى، فحمل على المغفرة. وأما حمله على (الرحمة) فغير ممكن؛ لأن حقيقة (الرحمة): رقة القلب، وهي مستحيلة في حق الله تعالى، ولا يطلب عليه إلا مجازًا (٧)، ومن فسر الصلاة (بالرحمة) فرارًا من تفسيرها بالدعاء وقع في هذا\n_________\n(١) أبو بكر الباقلاني وعبدالجبار الهمذاني.\n(٢) هو: أبو علي، محمد بن عبدالوهاب بن سلام الجبائي البصري، من شيوخ المعتزلة، وإليه تنسب فرقة الجبائية. من مصنفاته: \"تفسير القرآن\"و\"متشابه القرآن\"، (ت: ٣٠٣ هـ).\nتُنظر ترجمته في: فرق وطبقات المعتزلة (ص: ٨٥)؛ وفيات الأعيان (٣/ ٣٩٨)؛ البداية والنهاية (١١/ ١٢٥).\n(٣) هو: أبو الحسين البصري، ذكر هذا ابن السبكي (٣/ ٦٥٥)، والإسنوي فقال: \"والبصري: أي أبو الحسين، كما قاله في المحصول، ... \". يُنظر: المحصول (١/ ٢٦٩)؛ نهاية السول (١/ ٢٦٢). ويُنظر قول أبي الحسين في المعتمد (١/ ٣٠٠ - ٣٠١).\n(٤) يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع الإبهاج- (٣/ ٦٥٢، ٦٦٢).\n(٥) المستصفى (٣/ ٢٩٣).\n(٦) المحصول (١/ ٢٧١).\n(٧) هذا الكلام بناء على عقيدة الأشاعرة الفاسدة في صفات الله تعالى؛ حيث لم يثبتوا لله تعالى إلا سبع صفات يسمونها \"صفات المعاني\"؛ وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر. وأما صفات الله تعالى الفعلية؛ كالنزول والاستواء والرضى والرحمة والغضب؛ فأنكروها، وعللوا إنكارهم لصفة الرحمة: بأن (الرحمة) رقة وضعف، وهذا لا يليق بالله تنزيهًا له تعالى، وقالوا: المراد بالرحمة: إرادة الإحسان، أو الإحسان نفسه، أي: إما النعم، أو إرادة النعم. أما أهل السنة والجماعة فأمنوا بكل ما جاء عن الله وعن رسوله - ﷺ -، فنفوا عنه كل ما نفاه، وأثبتوا له كل ما أثبته، بلا تأويلات باطلة، ومن ذلك: إثباتهم صفة (الرحمة) له - ﷾ - بما يليق بجلاله. يُنظر: تفسير المنار (١/ ٦٤ - ٦٥)؛ شرح العقيدة الواسطية للشيخ ابن عثيمين (١/ ٢٤٨ - ٢٥٩)؛ فرق معاصرة (٣/ ١٢١٨ - ١٢٢٤).","vol":"1","page":196},{"text":"الخطأ العظيم ... \" (١).\n• المثال الخامس:\nقال أَمِيرُ بَادْشَاه (٢) في (فصل في بيان عوارض الأهلية): \" (وأما النسيان) وهو: (عدم الاستحضار) للشيء (في وقت حاجته) أي الحاجة إلى استحضاره (فشمل) هذا التعريف (النسيان عند الحكماء والسهو) هكذا وجدنا عبارة المتن (٣) في نسخة الشارح (٤)، والنسخة التي اعتمادنا عليها غالبًا؛ غير أنه كانت فيها الواو قبل السهو أولًا فمحيت، والصواب إثباتها؛ لأن السهو على تقدير عدم واو العطف شامل للنسيان عند الحكماء وهو غير صحيح؛ لأن النسيان عندهم: زوال الصورة عن المدركة والحافظة، فيحتاج في حصولها إلى سبب جديد.\nوالسهو عندهم: زوالها عن المدركة مع بقائها في الحافظة. وقيل: النسيان: عدم ذكر ما كان مذكورًا. والسهو: غفلة عما كان مذكورًا وما لم يكن مذكورًا. اللهم إلا أن\n_________\n(١) يُنظر: الإبهاج (٣/ ٦٦٣ - ٦٦٤).\n(٢) هو: محمد أمين بن محمود البخاري، المعروف بـ (أمير بادشاه)، الفقيه الحنفي، المفسر، الأصولي، من أهل بخارى، كان نزيلًا بمكة. من مصنفاته: \"تيسير التحرير\"، و\" تفسير سورة الفتح\"، و\" رسالة في الحج، في أن الحج المبرور يكفر الذنوب\"، (ت: ٩٧٢) تقريبًا.\nتُنظر ترجمته في: كشف الظنون (١/ ٣٥٨)؛ ومعجم المؤلفين (٣/ ١٤٨)؛ الأعلام (٦/ ٤١).\n(٣) أي كتاب التحرير لابن الهمام. يُنظر: التحرير (ص: ٢٧٣).\n(٤) المراد به: ابن أمير حاج صاحب كتاب \" التقرير والتحبير \". يُنظر: التقرير والتحبير (٢/ ٢٣٦).","vol":"1","page":197},{"text":"يكون ذكر السهو بعد النسيان على سبيل التعداد، ولا يخفى ما فيه؛ لأن اللغة لا تفرق بين النسيان والسهو؛ يعني أن النسيان المبحوث عنه في هذا المقام الذي يترتب عليه الأحكام الآتية هو المذكور في السنة، وقد استعمل هناك في المعنى اللغوي، واللغة لا تفرق بينهما\" (١).\n• تنبيه: لا يمتنع اجتماع أكثر من سبب للخطأ، ولعلك فطنت لذلك في بعض الأمثلة السابقة، وأقرره بمثال توضيحي:\nقال ابن السبكي في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أو المرة؟): \"ونقل بعض الشارحين تبعًا للأصفهاني في شرح المحصول (٢) عن الآمدي أنه قال: (وإليه (٣) ميل إمام الحرمين والواقفية). ثم خَطَّأ هذا الشارحُ الآمدي: بأن إمام الحرمين إنما يرى الوقف، ولا يَقضي في الزيادة بالنفي ولا إثبات.\nواعلم أن الآمدي لم ينقل في الإحكام عن إمام الحرمين إلا الوقف كما هو الواقع، وهذه عبارة الآمدي: (ومنهم (٤) من نفى احتمال التكرار، وهو اختيار أبي الحسن البصري وكثير من الأصوليين. ومنهم من توقف في الزيادة ولم يقضِ فيها بنفي ولا إثبات، وإليه مال إمام الحرمين (٥) والواقفية). انتهى.\nوالظاهر أن نسخة الأصفهاني وكذلك الشارح من الأحكام سقيمة سقط منها\n_________\n(١) تيسير التحرير (٢/ ٢٦٣ - ٢٦٤).\n(٢) يُنظر: الكاشف عن المحصول (٣/ ٢٨٨).\n(٣) فتكون عبارة النسخة السقيمة: (وذهب آخرون إلى أنه للمرة الواحدة، ومحتمل التكرار، ومنهم من نفى احتمال التكرار، وهو اختيار أبي الحسن البصري وكثير من الأصوليين، [...] وإليه ميل إمام الحرمين والواقفية). [...] إشارة إلى مكان السقط في النسخة.\n(٤) أي من القائلين بدلالة الأمر للمرة الواحدة؛ إذ عبارة الآمدي: \" ... وذهب آخرون إلى أنه للمرة الواحدة، ومحتمل للتكرار، ومنهم من نفى احتمال التكرار ... \" الأحكام للآمدي (٢/ ١٩٠ - ١٩١).\n(٥) يُنظر: البرهان (١/ ٢٢٩).","vol":"1","page":198},{"text":"من قوله: (ومنهم) إلى قوله: (وإليه)، وهذه النسخة التي عندي صحيحة مقروءة على الآمدي وعليها خطه\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nهذا الاستدراك من ابن السبكي كان لتصحيح الخطأ، وأسبابه متعددة؛ وهي:\n- السبب الأول للوقوع في الخطأ: أن يفهم من كلام العالم ما لم يرده، أو ينقل عنه ما لم يقله (٢)؛ حيث فهم الأصفهاني من كلام الآمدي ما لم يرده، ونقل عنه ما لم يقله.\n- السبب الثاني للوقوع في الخطأ: النقل من مصادر غير أصلية (٣)، فالشارح نقل عبارة الآمدي من كتاب الأصفهاني دون الرجوع لكتاب الإحكام.\n- السبب الثالث للوقوع في الخطأ: تصحيف النسخ (٤)، فرداءة النسخة عند الأصفهاني والشارح والتي بها سقط من كلام الآمدي كانت السبب الظاهر في هذا الخطأ كما ذكره ابن السبكي.\n_________\n(١) الإبهاج (٤/ ١٠٩٦ - ١٠٩٧).\n(٢) وهو السبب الرابع من أسباب الوقوع في الخطأ.\n(٣) وهو السبب الأول من أسباب الوقع في الخطأ.\n(٤) وهذا السبب الثامن من أسباب الوقوع في الخطأ.","vol":"1","page":199},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-63>المطلب الثاني\nأسباب الاستدراك الناشئة من المستدرِك</span>\nوالمراد بها: الأسباب الدافعة للمستدرِك على الاستدراك مع سلامة عبارة المستدرَك عليه من الوهم والنسيان والخطأ.\nويندرج تحتها الأسباب التالية:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-64> السبب الأول: استدراك بسبب التكميل</span>.\nأي تكميل وإتمام عبارة المستدرَك عليه، ويندرج تحته الأسباب التالية:\n١ - استدراك باقي الأقوال والمذاهب.\n٢ - استدراك صيغة التفضيل.\n٣ - استدراك الفوائد.\n• أولًا: استدراك باقي الأقوال والمذاهب.\nوالغرض منه: تكميل عبارة المستدرَك عليه بذكر الأقوال والمذاهب التي لم يذكرها في المسألة الأصولية.\nوأقرره بالأمثلة الآتية:\n• المثال الأول:\nقال الرازي في المحصول (١) في مسألة (تعليل الحكم الواحد بعلتين): \" ... المسألة الأولى: يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين منصوصتين خلافًا لبعضهم\".\nفذكر مذهبين في المسألة، وأكمل الأصفهاني مستدركًا بقية المذاهب فقال في\n_________\n(١) (٥/ ٢٧١).","vol":"1","page":200},{"text":"شرحه: \"اختلف علماء الأصول والجدل والفقهاء في أن الحكم الواحد هل يجوز تعليله بعلتين مختلفتين؛ كنواقض الوضوء إذا اجتمعت، والقتل ظلمًا والردة والزنا إذا اجتمعت، والحيض والعدة والإحرام في تحريم الوطء، والجامع والفارق إذا اجتمعا في الأصل، أم لا؟ (١) على مذاهب: الأول: أنه يجوز مطلقًا. الثاني: أنه لا يجوز مطلقًا. الثالث: أنه يجوز في المنصوصة، ولا يجوز في العلة المستنبطة، وهو اختيار القاضي والمصنف (٢). الرابع: عكسه. الخامس: مذهب إمام الحرمين: أنه جائز غير واقع، وأن الواقع في اجتماع العلل أحكام مختلفة (٣)، ووافقه الغزالي في تعدد الأحكام؛ حيث يقول: يجوز اجتماع العلل، وبنى مذهبه على تفسير العلة وقال: إن فسرنا العلة بـ (الأمارة) أو (الباعث)؛ جاز اجتماع علتين على حكم واحد؛ وإلا فلا (٤)، وذاك إذا فسرنا العلة بـ (الموجِب)؛ وهو: الذي جعله الشارع موجبًا على وزان الموجبات العقلية، وإليه ميل الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني (٥)،\n_________\n(١) هذا الاستدراك ناشي من عدم تحرير محل النزاع في المسألة؛ وذلك لأن المراد بتعليل الحكم الواحد بعلتين: أي الثابت بدليل واحد. فلو كان ثابت بدليلين فإنه يصح تعليله بعلتين بالإتفاق. فمثلًا: نقض الوضوء حكم واحد جاءت فيه أدلة تثبت أن الخارج من السبيلين ناقض، واللمس ناقض، فهذه أدلة مختلفة؛ وبالتالي يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين؛ لأن كل حكم منها وارد بدليل مستقل. لكن لو كان الحكم ثابت بدليل واحد فهل يصح أن يعلل بعلتين، هذا محل الخلاف؟\n\nوذكر إمام الحرمين أن تعليل الحكم الواحد بعلتين جائز عقلًا؛ ولكن غير واقع في أحكام الشرع؛ إنما الواقع هو في أحكام مختلفة، ليس حكم واحد. يُنظر: البرهان (٢/ ٨٣٢).\n(٢) أي الفخر الرازي.\n(٣) يُنظر: البرهان (٢/ ٨٣٢).\n(٤) يُنظر: شفاء الغليل (ص: ٤١٥ - ٤١٨)؛ المستصفى (٣/ ٧٢٣).\n(٥) هو: أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الإسفرائيني، الملقب بركن الدين، فقيه شافعي، وأصولي متكلم، قرين الباقلاني في الأخذ على تلاميذ أبي الحسن الأشعري، كان بحرًا في العلوم، تتلمذ على يده عامة مشايخ نيسابور. من مصنفاته: \"تعليقة في الأصول\"، و\" جامع الحلي في أصل الدين والرد على الملحدين\"، (ت: ٤١٨ هـ) في يوم عاشوراء.\nتُنظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص: ١٣٤)؛ طبقات الشافعية لابن شهبة (١/ ١٤٧ - ١٤٨)؛ أصول الفقه تاريخه ورجاله (ص: ١٥١ - ١٥٢).","vol":"1","page":201},{"text":"وهذا ما يتعلق بنقل المذاهب\" (١).\n• المثال الثاني:\nقال القرافي في التنقيح (٢) في مسألة (موضوع صيغة: افعل): \"وأما اللفظ الذي هو مدلول الأمر فهو موضوع عند مالك وعند أصحابه للوجوب، وعند أبي هاشم للندب، وللقدر المشترك بينهما عند قوم، وعند آخرين لا يعلم حاله\".\nفالقرافي اكتفى بذكر أربعة أقوال في المسألة، فأكمل الرَّجْرَاجِيّ (٣) باقي المذهب في شرحه حيث قال: (وأما اللفظ الذي هو مدلول الأمر) أي: أما الصيغة التي هي موضوع الأمر فهي موضوعة عند مالك وعند أصحابه للوجوب، ذكر المؤلف هاهنا أربعة أقوال في موضوع صيغة (افعل):\nأحدها: الوجوب ... القول الثاني: أنه موضوع حقيقة للندب ... القول الثالث: أنه موضوع للقدر المشترك بين الوجوب والندب؛ أي هو موضوع للطلب المشترك بينهما، وهو رجحان الفعل على الترك ... القول الرابع: أنه حقيقة في أحدهما من غير تعين وجوب ولا ندب ... هذه أربعة أقوال ذكرها المؤلف هاهنا، وذكر المؤلف في الشرح سبعة مذاهب ونصه: في الأمر سبعة مذاهب: للوجوب، وللندب، للقدر المشترك بينهما، مشترك بينهما لأحدهما لا يعلم حاله، للإباحة، للوقف في ذلك كله،\n_________\n(١) الكاشف عن المحصول (٦/ ٥١٠).\n(٢) (ص: ١٢٦).\n(٣) هو: أبو علي، حسين بن علي بن طلحة الرجراجي الشوشاوي، الفقيه الأصولي. من مصنفاته: \"الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة\"، و\" شرح على تنقيح القرافي\"، و\" النوازل في الفقه\"، (ت: ٨٩٩ هـ).\nتُنظر ترجمته في: نيل الابتهاج (ص: ١٦٣)؛ الإعلام بمن حل مراكش من الأعلام (٣/ ١٤٨)؛ كشف الظنون (٢/ ١٢٩٦).","vol":"1","page":202},{"text":"ذكر الإمام فخر الدين في المحصول (١) والمعالم (٢) بعضها هاهنا وبعضها هاهنا (٣)؛ انتهى نصه.\nوذكر قطب الدين الشيرازي (٤) قولًا ثامنًا: بأنه موضوع بالاشتراك اللفظي (٥) بين ثلاثة أشياء: الوجوب، والندب، والإباحة.\nوذكر أيضًا قولًا تاسعًا: بأنه موضوع بالاشتراك المعنوي (٦)، وهو القدر المشترك، وهو مطلق الإذن بين الوجوب، والندب، والإباحة.\nوذكر قولًا عاشرًا: بالاشتراك اللفظي بين أربعة أشياء؛ وهي: الوجوب، والندب، والإباحة، والتهديد. وهو مذهب الشيعة.\n_________\n(١) (٢/ ٤٤ - ٤٥).\n(٢) (١/ ٢٤١ - ٢٤٢).\n(٣) يُنظر: شرح التنقيح للقرافي (ص ١٢٧).\n(٤) هو: محمود بن مسعود بن مصلح الفارسي، قطب الدين الشيرازي، الشافعي، العلامة الكبير، برع في المعقولات، وتعلم الطب، واشتغل في آخر حياته بالحديث والنظر في \"جامع الأصول\" و\"شرح السنة للبغوي\"، وولي القضاء. من مصنفاته: \"شرح مختصر ابن الحاجب\" و\"شرح المفتاح للسكاكى\" و\"شرح الكليات لابن سينا\"، (ت: ٧١٠ هـ) في شهر رمضان.\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (١٠/ ٣٨٦)؛ بغية الوعاة (٢/ ٢٨٢)؛ البدر الطالع (٢/ ٢٩٩).\n\nقلت: وشرحه على مختصر ابن الحاجب حقق في رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية، ولم يتيسر لي الوقوف عليها.\n(٥) الاشتراك اللفظي: ما تعدد معناه ووضعه. يُنظر: فتح الغفار بشرح المنار (ص: ١٣٤). وهو المراد باللفظ المشترك عند علماء الأصول عند الإطلاق، ويمثلون له بلفظ \" القرء \" فإنه موضوع للدلالة على معنيين، وهما: الطهر والحيض. يُنظر: معجم مصطلحات أصول الفقه (ص: ٤٠٩).\n(٦) الاشتراك المعنوي: ما تعدد معناه دون وضعه؛ كلفظ (الإنسان) فإنه مشترك ينطبق على جميع بني آدم. يُنظر: المرجعان السابقان.","vol":"1","page":203},{"text":"فهذه عشرة أقوال ذكر المؤلف منها هاهنا أربعة أقوال؛ وهي: الوجوب، والندب، والقدر المشترك، والوضع لأحدهما لا بعينه\" (١).\nوذكر حلولو (٢) هذه الأقوال في شرحه وزاد عليها ثلاثة أقوال: \"الثامن: أنه مشترك بين الثلاثة (٣) والتهديد. التاسع: أنه مشترك بين الأربعة (٤) والإرشاد أيضًا. العاشر: أنه مشترك بين الأحكام الخمسة. الحادي عشر: أن أمر الله تعالى حقيقة في الوجوب، وأمر النبي - ﷺ - حقيقة في الندب إذا كان مبتدأً - أي ليس ببيانٍ لمجمل، ولا موافق لنص من كتاب، فإن كان كذلك فهو للوجوب - حكاه القاضي عبدالوهاب عن الأَبْهَري، وحكى المازري (٥) عنه أيضًا أنه للندب مطلقًا (٦) \" (٧).\n_________\n(١) يُنظر: رفع النقاب عن تنقيح الشهاب (٢/ ٤٥٢ - ٤٥٦).\n(٢) هو: أبو العباس، أحمد بن عبدالرحمن بن موسى بن عبدالحق الأزليتني ثم القروي المغربي المالكي، الشهير بـ (حلولو)، أحد الأئمة الحافظين لفروع المذهب، ولي قضاء طرابلس سنين ثم عزل عنها، ورجع إلى تونس فتولى مشيخة مدارس أعظمها المنسوبة للقائد تنبك عوضُا عن إبراهيم الأخضري. من مصنفاته: \"شرح مختصر خليل\" في الفقه، و\" شرح جمع الجوامع\" و\" شرح التنقيح للقرافي \" و\" شرح الإشارات للباجي \" وكلها في الأصول، ولم تذكر المصادر سنة وفاته وإنما ذكرت أنه في سنة (٨٩٨ هـ) كان حيًّا.\n\nتُنظر ترجمته في: الضوء اللامع (٢/ ٢٦٠)؛ نيل الابتهاج (ص: ١٢٧)؛ شجرة النور الزكية (ص: ٢٥٩).\n(٣) المراد بالمشترك بين الثلاثة: مشترك بين الوجوب، والندب، والإباحة.\n(٤) المراد بالمشترك بين الأربعة: مشترك بين الوجوب، والندب، والإباحة، والتهديد.\n(٥) هو: محمد بن علي بن عمر التميمي، المازري، المالكي، كان جامعًا متفننًا في كثير من العلوم، مع حسن خلق، وأنس مجلس. من مصنفاته: \"شرح التلقين \" في الفقه المالكي، و\" شرح البرهان \" في الأصول، و\"المعلم بشرح صحيح مسلم\"، (ت: ٥٣٦ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الدبياج المذهب (٢/ ٢٣١)؛ شذرات الذهب (٤/ ١١٤)؛ الأعلام (٦/ ٢٧٧).\n(٦) يُنظر: إيضاح المحصول (ص: ٢٠٢).\n(٧) يُنظر: التوضيح شرح التنقيح لحلولو (ص: ٣٣٢ - ٣٣٣).","vol":"1","page":204},{"text":"• المثال الثالث:\nقال الصدر المحبوبي في مسألة (الزيادة على النص): \"فقد اختلفوا أن الزيادة على النص نسخ أم لا؟ وذكروا أنها إما بزيادة جزء كزيادة ركعة على ركعتين مثلًا، أو شرط كالإيمان في الكفارة، وإما برفع مفهوم المخالفة؛ كما لو قال: (في المعلوفة الزكاة) بعد قوله: (في السائمة زكاة). وهي نسخ عندنا. ويجب استثناء الثالث؛ إذ لا نقول بالمفهوم (١).\nوعند الشافعي - ﵀ - لا مطلقًا. (٢) وقيل: نسخ في الثالث (٣).\nوقيل: نسخ إذا غيرت الأصل؛ حتى لو أتي به كما هو قبل الزيادة تجب الإعادة، كزيادة ركعة في الفجر، وعشرين في حد القذف مثلًا، والتخيير في الثلاثة بعد ما كان في الاثنين؛ كالشاهد واليمين (٤) \" (٥).\nفزاد التفتازاني مذهبين؛ وهما: \"الخامس: إن اتحدت الزيادة مع المزيد عليه -\n_________\n(١) أي يجب استثناء الثالث؛ وهو الزيادة بما يرفع مفهوم المخالفة فلا تكون نسخًا عند أبي حنيفة بناء على أنه لا يقول بمفهوم المخالفة. يُنظر: التوضيح شرح التنقيح للمحبوبي (٢/ ٨٥).\n(٢) يُنظر: المحصول (٣/ ٣٦٣ - ٣٦٤)؛ الإحكام للآمدي (٣/ ٢١١)؛ جمع الجوامع مع حاشية البناني (٢/ ٩٢).\n(٣) أي قيل: إن رفع مفهوم المخالفة نسخ عند الشافعي.\n(٤) وهو رأي القاضي عبدالجبار الهمداني المعتزلي. يُنظر: المعتمد (١/ ٤٠٥).\nوالمراد بقوله: (التخيير في الثلاثة بعد ما كان في الاثنين؛ كالشاهد واليمين) أن الشهادة في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ فيه تخيير بين أمرين: استشهاد رجلين أو رجل وامرأتين، ثم ثبت في السنة أن النبي - ﷺ - «قضَى بيَمِينٍ وَشَاهدٍ» فهذا زيادة في التخيير، فأصبح التخيير في الشهادة ثلاثة بعد ما كان في الاثنين. يُنظر: المعتمد (١/ ٤١٢ - ٤١٣).\n- وحديث «قضَى بيَمِينٍ وَشَاهدٍ» في صحيح مسلم، ك: الأقضية، ب: القضاء باليمين والشَّاهد، (٣/ ١٣٣٧/ح: ١٧١٢) -.\n(٥) التنقيح للمحبوبي (٢/ ٨٥).","vol":"1","page":205},{"text":"بحيث يرتفع التعدد والانفصال بينهما - فنسخ؛ وإلا فلا. (١)\nالسادس: أن الزيادة إن رفعت حكمًا شرعيًا بعد ثبوته بدليل شرعي فنسخ؛ وإلا فلا (٢) \" (٣).\n• ثانيًا: استدراك صيغة التفضيل.\nوالغرض منه: تكميل عبارة المستدرَك عليه بتوجيهها للأولى والأصوب والأصح.\nوأقرره بالأمثلة التالية:\n• مثال صيغة (الأولى):\n• المثال الأول:\nقال البزدوي في أصوله في (باب موجب الأمر): \" ... ولعامة العلماء أن صيغة الأمر لفظ خاص من تصاريف الفعل، وكما أن العبارات لا تقصر عن المعاني؛ فكذلك العبارات في أصل الوضع مختصة بالمراد، ولا يثبت الاشتراك إلا بعارض، فكذلك في صيغة الأمر لمعنى خاص ... \" (٤).\n_________\n(١) أي: إن كانت الزيادة متصلة بالمزيد عليه اتصال اتحاد رافع للتعدد والانفصال كزيادة ركعتين فنسخ، وإن لم تكن الزيادة كذلك - كزيادة عشرين جلدة - فلا تعد هذه الزيادة نسخًا. وهذا رأي الغزالي. يُنظر: المستصفى (٢/ ٧٠ - ٧١).\n(٢) وهذا اختيار ابن الحاجب. وضرب مثالًا لذلك فقال: \"لو قال: (في السائمة الزكاة) ثم قال: (في المعلوفة الزكاة) فلا نسخ، فإن تحقق أن المفهوم مراد فنسخ؛ وإلا فلا. ولو زيد ركعة في الصبح فنسخ؛ لتحريم الزيادة ثم وجوبها، والتغريب على الحد كذلك) يُنظر: مختصر منتهى السول والأمل (٢/ ١٠٢١).\n(٣) التلويح (٢/ ٨٥ - ٨٦).\n(٤) يُنظر: أصول البزدوي (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩).","vol":"1","page":206},{"text":"استدرك عليه البخاري (١) بقوله: \"قوله: (ولعامة العلماء) أي الذين قالوا بأن للأمر موجبًا متعينًا (أن صيغة الأمر لفظ خاص من تصاريف الفعل) والأولى أن يقال: صيغة الأمر أحد تصاريف الفعل كما قال شمس الأئمة (٢)؛ لأن النزاع وقع في خصوصه، فلا يستقيم أن يجعل مقدمة الدليل، ... \" (٣).\n• بيان الاستدراك:\nذكر البزدوي أن للعلماء في موجب الأمر قولين: منهم من يرى للأمر موجبًا متعينًا، وهو قول عامة الفقهاء. ومنهم من قال: إنه مجمل، لا يجب به حكم إلا بدليل. ثم ذكر دليل الفريق الثاني، وأردفه بذكر أدلة الفريق الأول القائلين: إن للأمر موجبًا متعينًا، فذكر أن صيغة الأمر لفظ خاص من تصاريف الفعل، فاستدرك عليه البخاري في عبارته بأن الأولى أن يقال: صيغة الأمر أحد تصاريف الفعل؛ لأن الخلاف مع الخصم في خصوص صيغة الأمر لمعنى خاص، فلا يصح أن يجعل الخلاف مقدمة للدليل؛ لأن من شروط المقدمة: أن تكون متفقًا عليها بين الخصمين.\nومعنى الدليل الذي ذكره البزدوي: أن كل عبارة لها معنى خاص باعتبار أصل الوضع، ولا يثبت الاشتراك في المعنى إلا بعارض، فكذلك صيغة الأمر؛ لأنه أحد تصاريف الكلام، ويلزم من ذلك أن يكون لها معنى خاص في أصل الوضع، ولا يثبت الاشتراك في صيغة الأمر إلا بعارض مغير له ولم يوجد.\n_________\n(١) هو: عبدالعزيز بن أحمد بن محمد البخاري، علاء الدين، من علماء الحنفية الأجلاء. من مصنفاته: \"كشف الأسرار\" شرح فيه أصول البزدوي، وهو من أعظم الشروح وأكثرها فائدة، وله \" غاية التحقيق \" وهو شرح أصول الأخسيكثي، وله شرح على \" الهداية \" وصل فيه إلى النكاح، (ت: ٧٣٠ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الجواهر المضِيَّة (٢/ ٤٢٨)؛ الفوائد البهية (ص: ٩٤ - ٩٥)؛ تاج التراجم (ص: ١٨٨ - ١٨٩).\n(٢) يُنظر: أصول السرخسي (١/ ١٦).\n(٣) كشف الأسرار للبخاري (١/ ٢٥٩).","vol":"1","page":207},{"text":"• المثال الثاني:\nقال الزَّركشي في تعريف الاستثناء: \"واصطلاحًا: الإخراج بإِلَّا أو إحدَى أخواتها من مُتَكَلِّمٍ واحد؛ ليخرج ما لو قال اللهُ - سبحانه -: اقتلوا المشركين، فقال - ﵇ -: إلا زيدًا، فإنه لا يسمَّى استثناء كما قاله الْقَاضِي (١) ...\nوالأولى أَنْ يُقَالَ: الحكم بإخراج الثاني من الحكم الأول بواسطةٍ موضوعةٍ لذلك.\nفقولنا: (الحكم) جنس؛ لأن الاستثناء حكم من أحكام اللفظ، فيشمل المتصل والمنقطع. وخرج بـ (الوسائط الموضوعة له) نحو: قام القوم وأستثني زيدًا، وخرجوا ولم يخرج زيد\" (٢).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الزركشي على من عرف الاستثناء بـ (الإخراج بإلا أو إحدى أخواتها من متكلم واحد)، وهذا الاستدراك ليس استدراكًا مخالفًا؛ بل استدراك الأولى، فقال الزكشي: الأولى أن يقال في حد الاستثناء: \"الحكم بإخراج الثاني من الحكم الأول بواسطةٍ موضوعةٍ لذلك\".\nفقوله: (الحكم) جنس يشمل الاستثناء المتصل والمنقطع.\n- الاستثناء المتصل: ما كان المستثنى جزءًا من المستثنى منه؛ كقولهم: قام القوم إلا زيدًا. (٣)\n- والاستثناء المنقطع: هو الاستثناء من غير الجنس، ويعبر عنه بالمنفصل أيضًا،\n_________\n(١) لم أقف على قول القاضي في مختصر التقريب والإرشاد المطبوع. يُنظر: التلخيص (٢/ ٢٥).\n(٢) البحر المحيط (٣/ ٢٧٥).\n(٣) وذكرت له تعاريف أخرى. يُنظر: البحر المحيط (٣/ ٢٧٧).","vol":"1","page":208},{"text":"كقولهم: قام القوم إلا حمارًا. (١)\nولعل تقييد الإخراج بقوله: (الحكم بإخراج) لأن الاستثناء حكم من أحكام اللفظ، فيخرج بذلك من استدراك مقدر: بأن الإخراج في إطلاقه ينبني عن فعل لا يضاهي الأقوال (٢).\nوقوله في تعريف الاستثناء: (بواسطة موضوعة لذلك) حتى يخرج قول القائل: (قام القوم وأستثني زيدًا) وقول: (خرج القوم ولم يخرج زيد)؛ فإن هذا القول لا يعد استثناء لعدم وجود أداة الاستثناء.\n• مثال صيغة (الأصح):\n• المثال الأول:\nقال ابن الحاجب في مسألة (وقوع التعبد بالقياس شرعًا): \"القائلون بالجواز قائلون بالوقوع، إلا دَاوُدَ، وابنه (٣)، والقَاسَانِي، والنَّهْرَوَانِي (٤) \" (٥).\n_________\n(١) وذكرت له تعاريف أخرى. يُنظر المرجع السابق.\n(٢) يُنظر: التلخيص (٢/ ٦١).\n(٣) هو: أبو بكر، محمد بن داود بن علي بن خلف الظاهري الأصفهاني، والده إمام أهل الظاهر، فسار على مذهب والده، وخلفه في التدريس، كان أديبًا، مناظرًا، شاعرًا ظريفًا، ويعد من أذكياء العالم. له مصنفات عديدة؛ منها: \"الوصول إلى معرفة الأصول\"، و\" الإنذار\"، و\" الانتصار على محمد بن جرير وعبدالله بن شرشير وعيسى الضرير\"، (ت: ٢٩٧ هـ) تاسع شهر رمضان.\n\nتُنظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص: ١٧٥)؛ وفيات الأعيان (٤/ ٢٥٩)؛ المحمدون في الشعراء (١/ ٤٣٠).\n(٤) قال الزركشي: \"القاساني والنهرواني ذكرهما في المختصر في القياس. قال بعضهم: لا يعرف لهما ترجمة. وسألت الحافظين: أبا الحسن السبكي وأبا عبدالله الذهبي فقالا: لا نعلم لأحد منهما ترجمة ... ثم قال: وأما النهرواني فالظاهر أنه محرف، وأصله الياء لا الواو؛ فإن الشيخ أبا إسحاق - أي الشيرازي- ذكر الحسن بن عبيد النهرياني من جملة أصحاب داود؛، إلا أنه خالفه في مسائل قليلة، وكذا ذكر الإمام أبو بكر الصيرفي في كتاب الدلائل في جملة منكري القياس وكناه فقال: أبو سعيد النهرياني، وذكر السمعاني (نَهْريين) من قرى بغداد\". المعتبر (ص: ٢٧٨)، ويُنظر كذلك: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص: ١٧٦)؛ الأنساب (١٣/ ٢١٨).\n(٥). مختصر ابن الحاجب (٢/ ١١١٧ - ١١١٨).","vol":"1","page":209},{"text":"فاستدرك عليه ابن السبكي بقوله: \" (القائلون بالجواز قائلون بالوقوع إلا دَاوُدَ، وابنه، والقَاسَانِي والنَّهْرَوَانِي) كذا أطلق المصنف النقل عنهم، وسبقه إلى ذلك ابن السمعاني (١)، والآمدي ذكر أنهم وافقوا على وقوع ذي العلة المنصوصة (٢)، أو المومئ إليها (٣)، وهو الأصح في النقل عنهم، وكذلك لا ينكرون قياس الأولى (٤)، ولا يصح عن أحد من القائلين بالجواز إنكار وقوع القياس بجملته إلا عن أبي محمد بن حزم من أئمة الظاهرية (٥) \" (٦).\n• المثال الثاني:\nقال البزدوي في تعريف الخاص: \"أما الخاص: فكل لفظ وضع لمعنى واحد على\n_________\n(١) يُنظر: قواطع الأدلة (٤/ ١٠).\n(٢) العلة المنصوصة: التي ثبتت بالنص. يُنظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٧١٦)؛ التقرير والتحبير (٣/ ٣٠٤). مثل لها الجويني: \" كقوله ﵊: «لا يبُولَنَّ أحدكم في المَاءِ الدّائِمِ» فقالوا: لو جمع البول في كوب وصبه في الماء الراكد؛ لكان في معنى البول في الماء. يُنظر: البرهان (٢/ ٧٧٥).\n- والحديث في صحيح البخاري، ك: الطهارة، ب: البول في الماء الدائم، (١/ ٩٤/ح: ٢٣٦)؛ صحيح مسلم، ك: الطهارة، ب: النهي عن البول في الماء الرَّاكد، (١/ ٢٣٥/ح: ٢٨٢).-\n(٣) يُنظر: الأحكام للآمدي (٤/ ٣١)، وسيأتي نص كلامه (ص: ٢٨٠).\n\nمثال العلة المؤمى إليها: ما دل عليه كلام الشارع على التعليل به، سهى فسجد، زنى ماعز فرجمه، وربما يلحقون به الفحوى -مفهوم الموافقة-. يُنظر: البرهان (٢/ ٧٧٤).\n(٤) قياس الأولى: ما كان الجامع فيه باقتضاء الحكم في الفرع أولى منه في الأصل. كتحريم ضرب الوالدين أولى بالحكم من تحريم التأفيف لهما. يُنظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٥).\n(٥) يُنظر: الإحكام لابن حزم (٨/ ٥٤٦). وسبق ذكر نص كلامه في (ص: ١٧٥) من البحث.\n(٦) رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (٤/ ٣٧٤ - ٣٧٥).","vol":"1","page":210},{"text":"الانفراد وانقطاع المشاركة، وكل اسم وضع لمسمى معلوم على الانفراد ... فصار الخصوص عبارة عما يوجب الانفراد ويقطع الشركة\" (١).\nفقال البخاري: \" ... ثم ذكر ههنا (لمعنى واحد)، وذكر شمس الأئمة - ﵀ - (لمعنى معلوم) (٢) مكان (واحد)، فعلى ما ذكر هنا يكون المجمل (٣)\nداخلًا فيه؛ لأن اللفظ خاص؛ سواء كان معلومًا أو مجهولًا؛ لأن خصوصية اللفظ بالنسبة إلى الواقع؛ لا بالنسبة إلى القائل والسامع، فلا يشترط فيه العلم. وعلى ما ذكر شمس الأئمة - ﵀ - لا يدخل وهو الأصح؛ لأن الشيخين (٤) اتفقا في بيان حكم الخاص أنه لا يحتمل التصرف فيه بيانًا؛ لأنه بين بنفسه، والمجمل لا يعرف إلا بالبيان، فيكون خلاف الخاص\" (٥).\n• بيان الاستدراك:\nلم يكتفِ البخاري بشرح تعريف البزدوي للخاص؛ بل ذكر التعريف الأصح؛ وهو تعريف السرخسي؛ وذلك لأن البزدوي استعمل عبارة (لمعنى واحد) فدخل المجمل في حد الخاص، في حين أن عبارة السرخسي (لمعنى معلوم) لا يدخل المجمل في حد الخاص، وهذا هو الصحيح؛ حيث اتفق الشيخان أن الخاص بين بنفسه بخلاف المجمل.\n_________\n(١) أصول البزدوي (١/ ٨٨ - ٩٠).\n(٢) قال السرخسي: \"فالخاص: كل لفظ موضوع لمعنى معلوم على الانفراد\". أصول السرخسي (١/ ١٢٤).\n(٣) المجمل في اللغة: يطلق على معان؛ ومنها: الجمع، يُقال: أجملت الشيء إجمالًا: جمعته من غير تفصيل. يُنظر: المصباح المنير (١/ ١١٠)؛ القاموس المحيط (ص: ٩٧٩) مادة: (جمل).\n\nوفي اصطلاح الأصوليين: ما لا يفهم المراد به من لفظه، ويفتقر في بيانه إلى غيره. يُنظر: الحدود (ص: ٤٥)؛ أصول السرخسي (١/ ١٦٨)؛ الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٣/ ١١).\n(٤) المراد بهما: البزدوي والسرخسي.\n(٥) كشف الأسرار للبخاري (١/ ٩١ - ٩٢).","vol":"1","page":211},{"text":"• مثال صيغة (الأصوب):\nقال الزركشي عند ذكره لأدوات التعليل الصريحة: \"رابعها: كيْ، كذا جعَلَهَا الإِمام في البرهان (١) من الصريح، وخالفه الرّازِي (٢)، والأول أصوب\" (٣).\n• ثالثًا: استدراك الفوائد.\nوالغرض منه تكميل عبارة المستدرَك عليه بذكر فوائد للمسألة الأصولية لم يذكرها.\nوأقرره بالأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nبعد أن ذكر القرافي مسألة (أقل الجمع) قال: \"فائدة: ضابط جمع القلة: اللفظ الموضوع لضم الشيء إلى مثله، أو إلى أكثر منه؛ على خلاف في أصل مسماه، بوصف كونه لا يتعدى العشرة.\nوضابط مسمى جمع الكثرة: أنه اللفظ الموضوع للأحَدَ عَشَر فما فوقها من غير حصر.\nوهذا علة ما لم يُعرف من الجموع، فإذا عُرفت صارت كلها للعموم، ولا تعتبر بعد ذلك عشرة ولا غيرها؛ لذلك نص عليها إمام الحرمين في البرهان (٤)، وأفرد لها مسألة تختص بالجمع بين قول الأدباء: جمع القلة: للعشرة فما دونها، وقول الأصوليين:\n_________\n(١) يُنظر: (٢/ ٨٠٦).\n(٢) لم يذكر صيغة (كي) في المحصول ولا في المعالم. يُنظر: المحصول (٥/ ١٣٩ - ١٤١)، يُنظر المعالم (٢/ ٣١٠ - ٣١١).\n(٣) البحر المحيط (٥/ ١٨٨).\n(٤) (١/ ٣٣٤).","vol":"1","page":212},{"text":"هو للعموم، وجمع بالتعريف والتنكير. وقال: هو من المهمات. (١)\nفائدة: قال إمام الحرمين في البرهان (٢): يُستثنى عن هذه المسألة بالإجماع ضميرُ المتكلم المتصل والمنفصل؛ نحو: نحن، وفعلنا؛ فإنه يكفي المتكلم وآخر معه إجماعًا، ولا يشترط الثلاثة؛ ولذلك لا يصح الاستدلال به على أن أقل الجمع اثنان؛ لأن اللغة لا تُوجد قياسًا\" (٣).\n• المثال الثاني:\nقال ابن السبكي بعد شرح مسألة (حكم الاستثناء الواقع عقيب جمل عطف بعضها على بعض (٤»: \"فائدة: الخلاف المتقدم في أن الاستثناء هل يختص بالأخيرة، أو يعود إلى الجميع، أو غير ذلك؟ إنما هو فيما إذا لم يقم دليل على واحد بعينه ... \" (٥).\n_________\n(١) خلاصة الكلام: أن أئمة النحو جعلوا جمع السلامة - جمع المذكر السالم، والمؤنث السالم- من أبنية جمع القلة، وجعلوا جمع التكسير من أبنية جمع الكثرة، فقولهم في جمع السلامة يتعارض مع قول الأصوليين القائلين بالعموم في حملهم جمع السلامة المتجرد عن القرائن على الاستغراق، فجمع إمام الحرمين بين قول علماء النحو والأصول فقال: إن جمع السلامة المنكر يفيد جمع القلة، فيحمل على أقل الجمع، وأما جمع السلامة المعرف بأل فإنه يفيد العموم، فيحمل على الاستغراق. يُنظر أبنية جمع القلة في كتب النحو: اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣٢١)؛ توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٣٧٨)؛ همع الهوامع (٢/ ٣٤٨).\n(٢) (١/ ٣٥٠ - ٣٥١).\n(٣) نفائس الأصول (٤/ ١٨٧٠ - ١٨٧١).\n(٤) ذكر له مثالًا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٥)﴾ [النور: ٤ - ٥]، فالاستثناء وقع بعد ثلاث جمل: الأولى: أمره بجلدهم. الثانية: ناهية عن قبول شهادتهم. الثالثة: مخبرة بفسقهم. فهل يعود الاستثناء على الجميع، أم يختص بالجملة الأخيرة؟ . يُنظر: الإبهاج (٤/ ١٤١٣ - ١٤١٤).\n(٥) المرجع السابق (٤/ ١٤٢٣).","vol":"1","page":213},{"text":"• المثال الثالث:\nقال ابن السبكي بعد شرح مسألة (تأخير البيان عن وقت الحاجة): \"فائدة: ثمرة مسألة: تأخير البيان عن وقت الخطاب أن الفقيه إذا عثر على عموم القرآن، ثم عثر على خبر يرفع بعض ذلك العموم، وعلم أن تأخير الخبر متراخٍ عن نزول الآية؛ فإنه إن اعتقد إحالة تأخير البيان قضى بكون الخبر نسخًا، فلم يأخذ به إلا أن يكون متواترًا؛ إذ النسخ لا يكون بأخبار الآحاد\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-65> السبب الثاني: استدراك بسبب التنبيه</span>.\nوالغرض منه: إيقاظ من غفلة؛ بإعلام القاري بما في ضمير المستدرِك مما سكت عنه الأوائل.\nوللتنبيه ثلاث صور:\nالأولى: التنبيه على شيء لو تأمل المتأمل الكلام السابق فهمه منه؛ ومثاله:\nقول القرافي بعد أن ذكر الأسئلة الواردة على حد الواجب- ما يذم تاركه شرعًا على بعض الوجوه-: \"تنبيه: وافقه التحصيل (٢) والمنتخب، وقال الحاصل: ما يذم تاركه مطلقًا (٣)، ولم يقل: بعض الوجوه، فيندفع عنه السؤال الرابع\" (٤).\nويقصد بالسؤال الرابع: \"أن قيد (بعض الوجوه) يخرج ما يذم تاركه على كل الوجوه؛ لأن كل قيد في حد إنما نحترز به عن ضده، فقيد (البعض) ينافي الكل،\n_________\n(١) رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (٣/ ٤٣٧).\n(٢) يُنظر: التحصيل (١/ ١٧٢).\n(٣) يُنظر: الحاصل (٢/ ٢٨).\n(٤) نفائس الأصول (١/ ٢٦٢).","vol":"1","page":214},{"text":"فيخرج أكثر الواجبات من الحد، وهي الواجبات المعينة التي لا توسعة فيها\" (١).\nالثانية: التنبيه لدفع اللَّبْس؛ ومثاله: قول القرافي: \"تنبيه: وهم كثير من الأصوليين فقالوا في حد الواجب: ما يذم تاركه، ويثاب فاعله، فضموا قيد (الثواب) إلى الحد، وهو غير مستقيم؛ فإن الحد يصير غير جامع.\nوتقريره: أن ليس كل واجب يثاب فاعله، ولا كل محرم يثاب على تركه.\nأما الأول: فكنفقات الزوجات، والأقارب، ورد المغصوب، ودفع الديون والأجر والأثمان إذا فعلت من غير قصد امتثال أمر الله -تعالى- وقعت واجبة مع أنه لا ثواب فيها؛ لعدم القصد لطاعة الله -تعالى-؛ بل لو لم يشعر بأن الله -تعالى- أوجبها عليه وقعت واجبة، ولا ثواب مع عدم الشعور بالإيجاب.\nوأما الثاني: فلأن المحرمات تخرج الإنسان عن عهدتها بمجرد تركها وإن لم يشعر بتحريمها عليه، ولا ثواب مع عدم الشعور بالتحريم؛ لانتفاء طاعة الله -تعالى- بعدم الشعور بتكليفه، وإذا اقترن قصد الطاعة بجميع ذلك حصل الثواب. فظهر أن التحديد بالثواب في فعل الواجب وترك المحرم غير مستقيم؛ وإنما يلزم في الواجب ذم تاركه، أو استحقاق العقاب، ففي المحرم استحقاق العقاب على الفعل، أما الفعل الواجب وترك المحرم فلا\" (٢).\nمثال آخر: قال التاج السبكي بعد أن ذكر تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بالإجماع: \"تنبيه: معنى قولنا: تخصيص الكتاب بالإجماع: أنهم يجمعون على تخصيص العام بدليل آخر، فالمخصص سند الإجماع، ثم يلزم من بعدهم متابعتهم وإن جهلوا المخصص؛ وليس معناه: أنهم خصوا العام بالإجماع؛ لأن الكتاب والسنة المتواترة موجودان في عهده - ﵇ -، وانعقاد الإجماع بعد ذلك على خلافه خطأ، فالذي جوزناه\n_________\n(١) نفائس الأصول (١/ ٢٤٥).\n(٢) المرجع السابق (١/ ٢٦٣ - ٢٦٤).","vol":"1","page":215},{"text":"إجماع على التخصيص؛ لا تخصيص بالإجماع - والله اعلم -\" (١).\nالثالثة: التنبيه فيما يكون الحكم المذكور بعده بديهيًّا، مثاله: ما ذكره ابن أمير حاج (٢) في مسألة (لا يشترط لحجية الإجماع انتفاء سبق خلاف مستقر لأهل عصر سابق (٣»: \"تنبيه: ثم غير خاف أن هذا كله بناء على عدم اشتراط انقراض العصر (٤)، أما على اشتراطه فجائز وقوعه ويكون حجة؛ إذ ليس فيه ما يوهم تعارض الإجماعين، ولأن اختلافهم على قولين ليس بأكثر من إجماعهم على قول واحد، وإذا جاز الرجوع في الواحد المتفق عليه ففي المختلف فيه أولى ... \" (٥).\n_________\n(١) الإبهاج (٢/ ١٨٣).\n(٢) هو: أبو عبدالله، محمد بن محمد بن محمد المعروف بابن أمير الحاج، ويقال له: ابن الموفق، شمس الدين، فقيه أصولي، من علماء الحنفية، من أهل حلب. من مصنفاته: \"التقرير والتحبير\"، و\" حلية المجلي \" في الفقه، و\"ذخيرة القصر في تفسير سورة العصر\"، (ت: ٨٧٩ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: الضوء اللامع (٩/ ٢٠٩)؛ الأعلام (٧/ ٤٩)؛ أصول الفقه تاريخه ورجاله (ص: ٤٣٨).\n(٣) المراد بانتقاء سبق خلاف مستقر لأهل عصر سابق: كما إذا اختلف أهل العصر السابق على قولين، ثم اتفق الذين من بعدهم على قول من القولين؛ كاختلاف الصحابة في بيع أمهات الأولاد على قولين: الجواز، وعدمه، ثم اتفاق التابعون على أحد القولين؛ وهو عدم جواز بيعهن، فهل يعد اتفاق التابعين إجماعًا، أو لا؟ إذا قلنا باشتراط انتقاء سبق خلاف مستقر لأهل عصر سابق؛ فإن اتفاق التابعين لا يعد إجماعًا. فلو قضى القاضي ببيع أم الولد؛ كان القضاء نافذًا؛ لأن الخلاف السابق منع انعقاد الإجماع المتأخر. وإذا قلنا: لا يشترط لحجية الإجماع انتفاء سبق خلاف مستقر لأهل العصر؛ فإن اتفاق التابعين يكون إجماعًا. وعلى هذا القول لو قضى القاضي ببيع أم ولد لا يصح قضاؤه وينقض؛ لأنه قضاء على خلاف الإجماع. يُنظر: التقرير والتحبير (٣/ ١١٨).\n(٤) المراد بانقراض العصر: موت جميع أهل الاجتهاد في وقت نزول الحادثة بعد اتفاقهم على حكم فيها؛ وليس المراد موت جميع أهل العصر؛ لأنه لا ينحصر، وتتداخل الأعصار. يُنظر: التلويح على التوضيح (٢/ ١٠٦)؛ البحر المحيط (٤/ ٥٢٠).\n(٥) المرجع السابق (٣/ ١٢٢).","vol":"1","page":216},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-66> السبب الثالث: الاستدراك بسبب نقد المستدرَك فيه</span>\nالنقد من أسباب الاستدراك، ويندرج تحته الأسباب التالية:\n• أولًا: نقد الموضوع:\nنقد بعض الأصوليين إقحام مواضيع ليست من أصول الفقه، وأقرر ذلك بالأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nنقد ابن حزم إدراج مسألة: النسخ قبل التمكن في أصول الفقه؛ لأنه لا ينبني عليها فروع فقهية عنده، فقال: \"وما ندري أنَّ لطالب الفقه إليه حاجة\" (١).\n• المثال الثاني:\nنقد الإمام الغزالي إقحام موضوع (قوادح العلة (٢» وموضوع (تصويب المجتهدين) في علم الأصول حيث قال: \" ... ووراء هذه اعتراضات: مثل المنع، وفساد الوضع، وعدم التأثير، والكسر، والفرق، والقول بالموجَب، والتعدية والتركيب.\nوما يتعلق فيه تصويب نظر المجتهدين قد انطوى تحت ما ذكرناه وما لم يندرج تحت ما ذكرناه فهو نظر جدلي يتبع شريعة الجدل التي وضعها الجدليون باصطلاحهم، فإن لم يتعلق بها فائدة دينية، فينبغي أن نشح على الأوقات من أن نضيعها بها وتفصيلها، وإن تعلق بها فائدة؛ من ضم نشر الكلام، ورد كلام المناظرين إلى مجرى الخصم؛ كيلا يذهب كل واحد عرضًا وطولًا في كلامه منحرفًا عن مقصد نظره؛ فهي ليست فائدة من جنس أصول الفقه؛ بل هي من علم الجدل، فينبغي أن تفرد\n_________\n(١) الإحكام لابن حزم (٤/ ٤٩٩).\n(٢) قوادح العلة: مبطلاتها. يُنظر: التحبير شرح التحرير (٧/ ٣٥٤٤).\nوسبق تعريف بعض هذه القوادح، وسيرد تعريف بعضها في الفصل الخامس: معايير الاستدراك الأصولي.","vol":"1","page":217},{"text":"بالنظر ولا تمزج بالأصول التي يقصد بها تذليل طرق الاجتهاد للمجتهدين\" (١).\n• المثال الثالث:\nنقد المازري على الجويني الحديث عن إعراب ما بعد (إلا) فقال: \"وهذا كله مستقصى من كتب النحاة، وكان الأليق الإضراب عنه في مثل هذا التأليف، وإحالة بسطه إلى أهله وكتبهم\" (٢).\n• المثال الرابع:\nذكر ابن رشد (٣) أثناء حديثه عن حد الحكم، وتعرضه لمسألة التحسين والتقبيح، فاستدرك إدراج هذه المسألة في علم الأصول فقال: \" ... والقول في هذه المسألة ليس من هذا العلم الذي نحن بسبيله\" (٤). ثم ختم المسألة بقوله: \"وهذا كله ليس من هذا العلم\" (٥).\nكما نقد إدراج مسألة (تقسيم الواجب إلى معين ومخير) في علم الأصول فقال: \"والكلام في هذه المسألة ليس من هذا العلم الذي نحن بسبيله؛ بل يكفي من ذلك\n_________\n(١) المستصفى (٣/ ٧٤٦ - ٧٤٧).\n(٢) إيضاح المحصول من برهان الأصول (ص: ٢٩٥).\n(٣) هو: أبو الوليد، محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد، الشهير بالحفيد، من أهل قرطبة، وقاضي الجماعة بها، العلامة فيلسوف وقته، درس الفقه والأصول وعلم الكلام والطب، وبرع في اللغة العربية، وقيل: كان يحفظ شعر أبي تمام والمتنبي. من مصنفاته: \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\" في الفقه ذكر فيه أسباب الخلاف، وكتاب \" الكليات في الطب\"، و\" مختصر المستصفى\" في الأصول، (ت: ٥٩٥ هـ).\nسير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٠٧)؛ تاريخ الإسلام (٤٢/ ١٩٦)؛ الديباج المذهب (١/ ٢٨٤).\n(٤) يُنظر: الضروري في أصول الفقه (ص: ٤٢).\n(٥) الضروري في أصول الفقه (ص: ٤٣).","vol":"1","page":218},{"text":"ههنا أن نقول: إن وقوع مثل هذا شرعًا موجود كخصال الكفارة ... \" (١).\n• المثال الخامس:\nنقد ابن رشيق إدراج مسألة (مبدأ اللغات) فقال: \"وهذه المسألة إن جرت عادة الأصوليين بالخوض فيها فهي عديمة الجدوى والفائدة\" (٢).\n• المثال السادس:\nنقد الطوفي إلحاق المنطق بأوائل أصول الفقه، واستخدام أساليب علم الكلام والفلسفة بدلًا عن الشواهد الفقهية، فقال: \" ... ككثيرٍ من الأعاجم تتوفر دواعيهم على المنطق والفلسفة والكلام، فَيَتَسَلَّطُون به على أصول الفقه؛ إمَّا عن قصدٍ، أو استتباع لتلك العلوم العقلية؛ ولهذا جاء كلامهم فيه عريًّا عن الشواهد الفقهية المُقَرِّبة للفهم على المشتغلين، ممزوجًا بالفلسفةٍ؛ حتى إنَّ بعضهم تكلَّف إلحاق المنطق بأوائل كتب أصول الفقه؛ لغلبته عليه، واحتج (٣) بأنه من موادِّه؛ كما ذكر في صدر هذا الشرح، فتركوا ما ينبغي، وذكروا ما لا ينبغي\" (٤).\n• المثال السابع:\nقال الشاطبي: \"كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية، أو آداب شرعية، أو لا تكون عونًا فى ذلك؛ فوضعها في أصول الفقه عاريَّة. والذي يوضح ذلك: أنَّ هذا العلم لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيدًا له، ومحققًا للاجتهاد فيه، فإذا لم يفد ذلك فليس بأصل له. ولا يلزم على هذا أن يكون كل ما انْبَنى عليه فرع فقهي من جملة أصول الفقه؛ وإلا أدى ذلك إلى أن يكون سائر العلوم من\n_________\n(١) الضروري في أصول الفقه (ص: ٤٥).\n(٢) لباب المحصول (٢/ ٤٦٥).\n(٣) ويقصد به الإمام الغزالي، يُنظر: شرح مختصر الروضة (١/ ١٠٠). وينظر كذلك: المستصفى (١/ ٣٠).\n(٤) شرح مختصر الروضة (٣/ ٣٧).","vol":"1","page":219},{"text":"أصول الفقه: كعلم النحو، واللغة، والاشتقاق، والتصريف، والمعاني، والبيان، والعدد، والمساحة، والحديث، وغير ذلك من العلوم التي يتوقف عليها تحقيق الفقه، وينبني عليها من مسائله، وليس كذلك، فليس كل ما يفتقر إليه الفقه يُعدُّ من أصوله، وإنما اللازم أن كل أصلٍ يُضاف إلى الفقه لا ينبنى عليه فقه فليس بأصل له. وعلى هذا يخرج عن أصول الفقه كثير من المسائل التي تكلم عليها المتأخرون وأدخلوها فيها؛ كمسألة ابتداء الوضع، ومسألة الإباحة هل هي تكليف أم لا؟، ومسألة أمر المعدوم، ومسألة هل كان النبي - ﷺ - متعبدًا بشرع أم لا؟، ومسألة لا تكليف إلا بفعل. كما أنه لا ينبغي أن يُعدَّ منها ما ليس منها، ثم البحث فيه في عمله وإن انبنى عليه الفقه كفصول كثيرة من النحو؛ نحو: معاني الحروف، وتقاسيم الاسم والفعل والحرف، والكلام على الحقيقة والمجاز، وعلى المشترك، والمترادف (١)، والمشتق (٢)،\nوشبه ذلك\" (٣).\nوكذلك نقده لإدراج مسائل ينبني عليها فقه؛ إلا أنه لا يحصل من الخلاف فيها خلاف في فرع من فروع الفقه، فقال: \"وكل مسألة في أصول الفقه ينبني عليها فقه؛ إلا أنه لا يحصل من الخلاف فيها خلاف في فرع من فروع الفقه، فوضع الأدلة على صحة بعض المذاهب أو إبطاله عارية أيضًا؛ كالخلاف مع المعتزلة في الواجب المخير، والمحرم المخير؛ فإن كل فرقة موافقة للأخرى في نفس العمل؛ وإنما اختلفوا في الاعتقاد بناء على أصل محرر في علم الكلام، وفي أصول الفقه له تقريرٌ أيضًا؛ وهو: هل الوجوب والتحريم أو غيرهما راجع إلى صفة الأعيان أو إلى خطاب الشارع؟،\n_________\n(١) المترادف: ما تعدد فيه اللفظ واتحد المعنى. مثل: إنسان وبشر، فالمعنى واحد، واللفظ متعدد. وكقولك: قمح وبر وحنطة. يُنظر: إيضاح المبهم (ص: ٨)؛ التعريفات (ص: ٢٥٣).\n(٢) ذكر البيضاوي في تعريف الاشتقاق: رد لفظ إلى لفظ آخر؛ لموافقته له في حروفه الأصلية، ومناسبته له في المعنى. يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع شرح الإسنوي - (١/ ٢١٥).\n\nوعليه يمكن تعريف المشتق بأنه: اللفظ المرتد إلى لفظ آخر؛ لموافقته له في حروفه الأصلية، ومناسبته له في المعنى.\n(٣) الموافقات (١/ ٣٧ - ٣٨).","vol":"1","page":220},{"text":"وكمسألة تكليف الكفار بالفروع عند الفخر الرازي، وهو ظاهر؛ فإنه لا ينبني عليه عمل، وما أشبه ذلك من المسائل التي فرضوها مما لا ثمرة له في الفقه\" (١).\n• ثانيًا: نقد الأسلوب:\nتميز بعض العلماء بصعوبة عبارته التي استلزمت غموض المعنى، وممن اشتهر بذلك: فخر الإسلام البزدوي؛ حتى كني بأبي العسر.\nوقد أشار إلى هذا عدد من علماء الحنفية؛ منهم: الصدر المحبوبي؛ إذ يقول: \"لما رأيت فحول العلماء مُكبين في كل عهد وزمانٍ على مُباحثةِ أصول الفقه للشيخ الإمام مقتدى الأئمة العظام فخر الإسلام علي البزدوي -بوأه الله دار السلام- وهو كتاب جليل الشأن، باهر البرهان، مركوز كنوز معانيه في صخور عباراته، ومرموزٌ غوامض نكته في دقائق إشارته، ووجدت بعضهم طاعنين على ظواهر ألفاظه؛ لقصور نظرهم عن مواقع ألحاظه\" (٢).\nوعبدالعزيز البخاري في مقدمة شرحه بقوله: \" ... وهو كتاب عجيب الصنعة، رائع الترتيب، صحيح الأسلوب، مليح التركيب، ليس في جودة تركيبه وحسن ترتيبه مِرْيَة (٣)، وليس وراء عبادان (٤) قرية؛ لكنه صعب المرام، أبيُّ الزمام، لا سبيل إلى الوصول إلى معرفة لفظه وغرايبه، ولا طريق إلى الإحاطة بطرقه وعجايبه\n_________\n(١) الموافقات (١/ ٣٩ - ٤١).\n(٢) التنقيح للمحبوبي (١/ ٢٥).\n(٣) المرية: - بكسر الميم وضمها- الشك والجدل. يُنظر: الصحاح (ص: ٩٧٨)؛ لسان العرب (١٤/ ٦٣) مادة: (مرا).\n(٤) عبادان: مدينة خوزستانية، تقع في مقاطعة خوزستان جنوب غرب إيران على جزيرة عبدان في نهر شط العرب في إقليم الأحواز. عرفت المدينة في العصر العباسي على أنها ميناء رئيسي، وهي موطن قبيلة كعب العربية .. وإنما قالوا: ليس وراء عبادان قرية لأن وراءها بحرًا. يُنظر: معجم البلدان (٤/ ٧٤)؛ ويكيبيديا الموسوعة الحرة على الرابط:\nhttp://ar.wikipedia.org/wiki/%D ٨%B ٩%D ٨%A ٨%D ٨%A ٧%D ٨%AF%D ٨%A ٧%D ٩%٨٦","vol":"1","page":221},{"text":"إلا لمن أقبل بكليته على تحقيقه وتحصيله، وشد حيازيمه (١) للإحاطة لجملته وتفصيله ... \" (٢).\nبل إن العنوان الذي اختاره شارحه يدل على صعوبة عبارته: \" ... ولما كان هذا الكتاب كاشفًا عن غوامض محتجبة عن الأبصار؛ ناسب أن سميته: كشف الأسرار\" (٣).\nكما أن الاختصار يكون سببًا أحيانًا لقصور البيان المستلزم غموض المعنى، الموصل إلى حد الألغاز أحيانًا.\nيقول حَاجِي خَلِيفَة عن مختصر ابن الحاجب: \"هو مختصر غريب في صنعه، بديع في فنه؛ لغاية إيجازه يضاهي الألغاز، وبحسن إيراده يحاكي الإعجاز\" (٤).\nوقال أبو الثناء الأصفهاني في مقدمة شرحه للمختصر: \"فتصديت لأن أشرحه شرحًا يُبين حقائقه، ويوضِّح دقائقه، ويُذلِّل من اللفظ صعابه، ويكشف عن وجه المعاني نقابه، مقتصدًا غير مختصر اختصارًا يُؤدي إلى الإخلال، ولا مطنبًا إطنابًا يفضي إلى الإملال؛ ساعيًا في حل مشكلاته، وفتح معضلاته، وتقرير معاقده، وتحرير قواعده، ودفع الشبهات الواردة على مقاصده\" (٥).\nكما أن العناوين التي اختارها شُرَّاحه تدل على صعوبة أسلوبه (٦).\n_________\n(١) جمع حيزوم؛ وهو وسط الصدر وما يُضم عليه الحِزام. وقيل: ضلوع الفؤاد، واشدد حيزومك وحيازيمك للأمر: أي وطن عليه. يُنظر: الصحاح (ص: ٢٣١)؛ لسان العرب (٤/ ١٠٨) مادة: (حزم).\n(٢) كشف الأسرار للبخاري (١/ ١٦).\n(٣) المرجع السابع (١/ ١٨).\n(٤) كشف الظنون (٢/ ١٨٥٣).\n(٥) بيان المختصر (١/ ٥، ٧).\n(٦) شرحه ضياء الدين الطوسي (٧٠٦ هـ) وسماه \" كاشف الرموز ومظهر الكنوز\"، وشرحه ركن الدين الأسترآبادي (٧١٧ هـ) سماه \"حل العقد والعقل في شرح مختصر السول والأمل\"، وشمس الدين الأصفهاني (٧٤٩ هـ) في كتاب سماه \" بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب\"، والتاج السبكي (٧٧١ هـ) في كتاب سماه: \" رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب \" وغيرهم. يُنظر: كشف الظنون (٢/ ١٨٥٥).","vol":"1","page":222},{"text":"وأقرر ذلك بالأمثلة الآتية:\n• المثال الأول:\nقال ابن الحاجب في مختصره: \"وأما حده مضافًا: فالأصول الأدلة، والفقه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية بالاستدلال\" (١).\nفاستدرك عليه البابرتي في عبارته ناقدًا له: \"واعلم أن قوله: (وأما حده مضافًا) ليس بمستقيم لا لفظًا ولا معنى.\nأما لفظًا فلأن ضمير (حده) لأصول الفقه، فيكون تقديره: وأما حد أصول الفقه من حيث إنه مضاف إلى شيء، وأصول الفقه ليس بمضاف إلى شيء، وإن جعلت (مضافًا) مصدرًا بمعنى الإضافة كان المعنى: أصول الفقه من حيث إضافته إلى شيء، أو من حيث إضافة شيء إليه، وكلاهما ليس بمراد ولا صحيحًا. وإن جعلت تقديره: (حد أصول الفقه) أي هذا اللفظ المركب من حيث إضافة بعض أجزائه إلى بعض لا يصح.\nقوله: (فالأصول: الأدلة) لأن الأدلة ليست حده من حيث إن بعض أجزائه مضاف إلى بعض آخر؛ بل من حيث إن المتكلم أراد من هذا اللفظ مدلول الآخر، فليس إلا تعريفًا لفظيًا، كتعريف الغضنفر بالأسد.\nوأما المعنى فلأن حد أصول الفقه من حيث إنه مضاف على أي وجه كان ليس ما يحتاج إلى ذكره في هذا المختصر\" (٢).\n_________\n(١) مختصر ابن الحاجب (١/ ٢٠١).\n(٢) الردود والنقود (١/ ١٠٥ - ١٠٦).","vol":"1","page":223},{"text":"• المثال الثاني:\nقال ابن الحاجب: \"وأما حده مضافًا: فالأصول: الأدلة. والفقه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال.\nوَأُورِدَ: إن كان المراد بالبعض لم يطرد؛ لدخول المقلد. وإن كان الجميع لم ينعكس؛ لثبوت (لا أدري).\nوأُجيب بالبعض، ويطِّرد؛ لأن المراد بالأدلة: الأمَارات، وبالجميع وينعكس؛ لأن المراد تهيُّؤُه للعلم بالجميع\" (١).\nفاستدرك عليه البابرتي بنقد عبارته فقال: \"أجيب عن هذا الإيراد على كل واحد من الشقين؛ فقيل: المراد: البعض، والمقلد ليس بداخل؛ لأن المراد البعض الحاصل من الأدلة التفصيلية بالاستدلال، وما للمقلد ليس كذلك؛ وإلا لم يكن مقلدًا.\nوعبارة المصنف قاصرة عن البيان على هذا الوجه، وتقدير كلامه: بأن المراد بالأدلة الأمارات، وعلم المقلد ليس بأمارات، ليس بكاف؛ لأنه يفيد أن المراد بالأدلة ليس علم المقلد، وليس بمراد؛ بل المراد: أن المراد بالأحكام ما كان حاصلًا بالأمارات، وفقه المقلد ليس كذلك.\nوالتكلف الزائد في تصحيحه يُفضي إلى كونه من الألغاز ... \" (٢).\n• المثال الثالث:\nقال ابن الحاجب: \"والعلم: قيل: لا يُحَدُّ. قال الإمام (٣): لِعُسره.\n_________\n(١) مختصر ابن الحاجب (١/ ٢٠١).\n(٢) الردود والنقود (١/ ١٠٨).\n(٣) المراد إمام الحرمين الجويني. قال الزركشي: \"فائدة: حيث وقع الإمام في المختصر فالمراد إمام الحرمين، وأما فخر الدين فلم يُسَمَّه بل يُعبر عنه بقيل تبعًا للآمدي\". المعتبر (ص: ٣٠٢). ولم يحد العلم في البرهان وقال: (... ليس كل من يدرك حقيقة شيء تنتظم له عبارة عن حده) يُنظر: حد العلم وحقيقته في البرهان (١/ ١١٥ - ١٢٣). ولكنه حده في الورقات فقال: (والعلم معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع). الورقات (ص: ١٧).","vol":"1","page":224},{"text":"وقيل (١): لأنه ضروري من وجهين، أحدهما: أن غير العلم لا يعلم إلا بالعلم، فلو عُلِمَ العلم بغيره كان دورًا، وأجيب: بأن توقف تصور غير العلم على حصول العلم بغيره؛ لا على تصوره، فلا دور\" (٢).\nفاستدرك البابرتي عليه بقوله: \"ليس دليل الإمام (٣) ولا الجواب عنه صحيحًا ... وأما الجواب فعدم صحته من جهة اللفظ والمعنى، أما الأولى فلأن ما ذكره المصنف ألغاز وتعمية؛ فإن المقصود بيان جهة التوقف لدفع الدور، وذلك يحتاج إلى ذكر الجهتين، ولم يذكر إلا جهة واحدة؛ حيث قال: (توقف تصور غير العلم على حصول العلم بغيره؛ لا على تصوره). يريد بذلك أن غير العلم إذا علم بالعلم كان تصوره موقوفًا على حصول العلم بغير العلم؛ لا على تصور العلم، وذلك ليس بكافٍ حتى يقول: (والعلم إذا عُرِفَ بغيره كان تصوره موقوفًا على تصور ذلك الغير؛ لا حصوله؛ ليعلم أنه موقوف عليه من إحدى الجهتين هو الحصول، وهو ليس بالموقوف؛ بل الموقوف غيره؛ وهو التصور، فيندفع الدور) \" (٤).\n• ثالثًا: نقد المنهج.\nدرج بعض الأصوليين في مناقشة الموضوعات الأصولية على منهج شاق، كما أن بعضهم لم يراعِ منهجية علمية في ترتيب المسائل الأصولية.\nوأقرر هذا النوع من الاستدراك بالأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nفرض السمعاني في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي الفور أم لا؟) استدراكًا\n_________\n(١) القائل الرازي. يُنظر: المحصول (١/ ٨٤ - ٨٥).\n(٢) مختصر ابن الحاجب (١/ ٢٠٥).\n(٣) أي: الرازي.\n(٤) الردود والنقول (١/ ١٢٦ - ١٢٧).","vol":"1","page":225},{"text":"مقدرًا للقائلين إنه للفور: \"فإن قلتم: لأنه إن كان واجبًا في أوَّل الوقت وجاز التأخير أدى إلى نقض وجوبه وإلحاقه بالنوافل\".\nفأجاب عن هذا الاستدراك، وزاد جوابًا آخر لبعض الحنفية، فقال: \"وقد سلك بعض أصحابنا طريقًا آخر في الجواب وقال: إنما جاز التأخير إلى بدل وهو العزم، وزعم أن الإنسان إنما يجوز له التأخير بشرط يكون عازمًا على فعله الثاني.\nوذكر القاضي أبو الطيب وجهين للأصحاب في وجوب العزم، وهذه الطريقة صعب تمشيتها، شاق مسلكها للمسائل التي ذكرناها، وما ذكرنا من الجواب معتمد، وهو كاف\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك السمعاني على أبي الطيب منهجه في تقرير وجوب العزم بأن هذه الطريقة صعب تمشيتها، شاق مسلكها مع الأدلة التي استدل بها القائلون بوجوب الفور، والتي تنفي كون العزم بدلًا، وأن ما ذكره من الجواب معتمد وكاف عن هذه الطريقة الصعبة.\nوجاء في هامش إحدى النسخ تعليق؛ وهو: \"مطلب: أن في وجوب العزم على من أخر الواجب الموسع عن أول الوقت وجهين، وأن الوجه القائل بالإيجاب طريقة صعبة شاقة، وقد قال - ﵇ - «لا حرج في الدين» (٢) \" (٣).\n_________\n(١) القواطع (١/ ١٤٥ - ١٤٦).\n(٢) لم أقف على حديث بهذا اللفظ وإن كان المعنى صحيحًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. ولما ثبت عنه - ﷺ - من أحاديث تقديم وتأخير أعمال يوم النحر، فكان يجيب بقوله: «لا حرج». يُنظر هذه الأحاديث في صحيح البخاري، ك: الحج، ب: إذا رمَى بعد ما أمسى أو حلق قبل أنْ يذبح ناسيًا أو جاهلًا، (٢/ ٦١٨/ح: ١٦٤٧ - ١٦٤٨)؛ صحيح مسلم، ك: الحج، ب: من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي، (٢/ ٩٥٠/ح: ١٣٠٧).\n(٣) القواطع، تحقيق: د. عبدالله الحكمي، هامش (٣) (١/ ١٤٥).","vol":"1","page":226},{"text":"• المثال الثاني:\nقال ابن رشد في مسألة (الحرام ضد الواجب): \"والعجب من أبي حامد كيف جعل النظر في هذه المسألة في هذا لجزء من الكتاب\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدراك نقدي من ابن رشد على الغزالي في ترتيبه موضوعات المستصفى، ووضعه هذه المسألة في الجزء الأول من الكتاب المتضمن النظر في الأحكام.\nوهذه المسألة يعبر عنها بعض الأصوليين - ومنهم الغزالي (٢) - بـ\" الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده أم لا؟، ويذكرها علماء الأصول في باب الأوامر (٣).\n• المثال الثالث:\nذكر القرافي مسألة (تقديم الإجماع على النص والقياس) في مبحث الإجماع (٤)، فاستدرك عليه حلولو ذلك بقوله: \"الصواب ذكر هذه المسألة في الترجيح كما فعل غير المصنف\" (٥).\n• المثال الرابع:\nقال ابنُ الهُمَامِ (٦) عقب مسألة (الفور ضروري للقائل بالتكرار): \"تنبيه: قيل:\n_________\n(١) الضروري في أصول الفقه (ص: ٤٩).\n(٢) المستصفى (١/ ٢٧٠).\n(٣) يُنظر: البرهان (١/ ٢٥٠)؛ القواطع (١/ ٢٢٨)؛ إحكام الفصول (١/ ٢٣٤)؛ العدة (٢/ ٣٦٨).\n(٤) يُنظر: تنفيح الفصول (ص: ٣٣٧).\n(٥) التوضيح في شرح التنقيح لحلولو (ص: ٤٨٥).\nولعل ما ذكره حلولو أولى؛ لأن هذه المسألة تتعلق بترتيب الأدلة عند بيان معرفة حكم الحادثة. وممن اختار ذكرها في الترجيح: ابن قدامة في الروضة. يُنظر: روضة الناظر (٢/ ٣٨٩).\n(٦) هو: محمد بن عبدالواحد بن عبدالحميد بن مسعود السيواسي الإسكندري، الشهير بابن الهُمَام، كان إمامًا، فقيهًا، محدِّثًا، مناظرًا. من أشهر تلاميذه: سيف الدين الشهير بابن أمير حاج. من مصنفاته: \"التحرير\" في الأصول، و\" فتح القدير\" شرح على الهداية، (ت: ٨٦١ هـ).\nتُنظر ترجمته في: النجوم الزاهرة (١٤/ ٢٨٥)؛ بغية الوعاة (١/ ١٦٦ - ١٦٧)؛ الفوائد البهية (ص: ٢٣٥ - ٢٣٧).","vol":"1","page":227},{"text":"مسألة الأمر للوجوب شرعية؛ لأن محمولها الوجوب وهو شرعي. وقيل: لغوية ... \" (١).\nفاستدرك عليه أمير بادشاه هذا التنبيه في هذا الموضع فقال: \"كان الأولى ذكره في ذيل مسألة: صيغة الأمر خاص في الوجوب\" (٢).\n• رابعًا: نقد لإضعاف دليل الخصم:\nقال البابرتي في مقدمة شرحه على مختصر ابن الحاجب: \"وها أنا قد كشفت عن ساعدي نقد المختصر، يُنَبِّه الفطن على ما غفلوا من ماجد الأصحاب، وتعسفوا فتركوا إلى القشرة ما هو محض اللباب، فمن رزق الفطنة الوقادة عرفها، ومن اتبع الفاعة (٣) والعادة فعن الحقائق صرفها\" (٤).\nوهذا النوع من النقد كثير، وأقرره بالأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nقال القاضي أبو يعلى في مسألة (العلة القاصرة (٥» مستدركًا على الخصم من\n_________\n(١) التحرير في أصول الفقه (ص: ١٤٨).\n(٢) التقرير والتحبير (١/ ٣٩٠).\n(٣) أي الشر، يُقال: أفعى الرجل إذا صار ذا شرٍّ بعد خيرِ. يُنظر: الصحاح (ص: ٨١٧)؛ لسان العرب (١١/ ٢٠٢) مادة:: \"فعا\".\n(٤) الردود والنقول (١/ ٨٨).\n(٥) العلة القاصرة - ويقال لها أيضًا: العلة الواقفة- هي: التي لم تتعد الأصل إلى الفرع. يُنظر: العدة في أصول الفقه (٥/ ١٣٧٩)؛ الحدود في الأصول (ص: ٧٣ - ٧٤)؛ قواطع الأدلة (٤/ ١٢٤).\nمثل قول الأصولي: بيع الذهب بالذهب متفاضلًا والورق بالورق متفاضلًا حرام؛ وعلة ذلك: أنها أصول الأثمان، وقيم المتلفات، وهذه العلة معدومة فيما سواهما. يُنظر: الحدود في الأصول (ص: ٧٣ - ٧٤).","vol":"1","page":228},{"text":"الشافعية القائلين بجواز التعليل بها، عند استدلاله بأن هذه أمارة شرعية، فجاز أن تكون عامة وخاصة؛ كالنص يكون عامًّا؛ كقوله: اقتلوا المشركين، ويكون خاصًّا؛ كقوله: اقتلوا المرتد.\n\" والجواب: أنه إنما كان حجة في العموم والخصوص لأنه يفيد في الموضعين جميعًا إثبات الحكم في الموضوع المنصوص عليه، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإنها تفيد في العموم، ولا تفيد الخصوص من الوجه الذي بيَّنَّا\" (١).\nويستمر في ذكر أدلة الخصم والاستدراك عليها.\n• المثال الثاني:\nقال الباجي في مسألة (الأمر له صيغة تختص به)، دليل الخصم: \"احتجوا بأن إثبات الصيغة للأمر لا يخلو إما أن تكون بالعقل ولا مجال له في ذلك، أو بالنقل، ولا يخلو أن يكون آحادًا فلا يقبل في أصل من الأصول، أو تواترًا ولا أصل له؛ لأنه لو كان لعلمناه كما علمتم، ولما لم نعلمه دل على أنه لا أصل له، فلا معنى لإثبات الصيغة\".\nفانتقد كلامهم هذا بقلب الدليل عليهم فقال: \"والجواب: أن هذا ينقلب عليكم في إثبات الاشتراك في لفظة (افعل)؛ فإنه لا يخلو أن يكون بالعقل ولا مجال فيه، أو بالنقل ولا يخلو أن يكون آحادًا، فلا يجوز إثبات مسائل الأصول بأخبار الآحاد، أو تواترًا ولا أصل له لما ذكرتم، فلا معنى لدعوى الاشتراك. وكل جواب لكم عن هذا فهو جوابنا عما استدللتم به\" (٢).\n_________\n(١) العدة (٥/ ١٣٨٤).\n(٢) إحكام الفصول (١/ ١٩٨ - ١٩٩).","vol":"1","page":229},{"text":"المثال الثالث:\nقال القرافي مستدركًا على كلام الرازي في مسألة (المصلحة المرسلة): \"قوله: (لا نحكم بالمصلحة المرسلة في محل الحاجة والتتمة؛ لأنه إثبات شرع بالرأي) (١).\nقلنا: عليه سؤالان:\nأحدهما: المنع؛ بل ما ثبت ذلك إلا باجتهاد صحيح، وإن الاستقراء دل على أن الشرائع مصالح، وإن الرسل - ﵈ - إنما بعثوا بالمصالح ودرء المفاسد، فمن أثبت ضرورة، أو حاجة، أو تتمة بالمصالح؛ فقد اعتمد على قاعدة الشرائع، فلا يكون إثباتًا للشرع بالهوى.\nوثانيهما: أنه إن كان إثباتًا بالهوى فينبغي أن يمنع ذلك في الضرورة بطريق الأولى؛ فالضروريات أهم الديانات، فإذا منعنا اتباع الهوى فيما خف أمره؛ أولى أن نمنعه فيما عظم أمره\" (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-67> السبب الرابع: الاستدراك لسبب تقرير مذهب المستدرِك</span>.\nمن أسباب الاستدراك: الرد على الخصوم لتقرير مذهب المستدرِك.\nوالخصوم على قسمين: خصم في الواقع، وخصم مقدر. وكل منهما ينقسم إلى قسمين:\nخصم مخالف في المذهب العقدي، وخصم مخالف في المذهب الفقهي.\nفصارت الأقسام أربعة:\n١ - خصم في الواقع مخالف في المذهب العقدي.\n٢ - خصم في الواقع مخالف في المذهب الفقهي.\n_________\n(١) يُنظر: المحصول (٦/ ١٦٣).\n(٢) نفائس الأصول (٩/ ٤٠٨٦ - ٤٠٨٧).","vol":"1","page":230},{"text":"٣ - خصم مقدر مخالف في المذهب العقدي.\n٤ - خصم مقدر مخالف في المذهب الفقهي.\nأما الاستدراك على الخصم في الواقع المخالف في المذهب العقدي فتظهر بصورة واضحة في استدراكات الأشاعرة على المعتزلة، والعكس صحيح، كما تظهر في استدراكات أهل السنة عليهما.\nويمكن تمثيلها بمسائل أصول الدين المبحوثة في علم أصول الفقه؛ كمسألة التحسين والتقبيح، ومسألة أول ما يجب على المكلف، ومسألة هل كل مجتهد مصيب أم المصيب واحد وما عداه مخطئ؟ وغيرها من المسائل التي يستدرك فيها الخصوم على بعض لتقرير مذهبهم. (١)\nوأكتفي بمثال على ذلك: قال ابن قدامة في مسألة (التكليف بالفعل الذي ينتفي شرط وقوعه عند وقته (٢»: \"ويجوز الأمر من الله سبحانه بما في معلومه أن المكلف لا يتمكن من فعله.\nوعند المعتزلة (٣): لا يجوز ذلك إلا أن يكون تعلقه بشرط تحققه مجهولًا عند الآمر، أما إذا كان معلومًا أنه لا يتحقق الشرط؛ فلا يصح الأمر به؛ لأن الأمر طلب، فكيف يطلب الحكيم ما يعلم امتناعه؟ ! وكيف يقول السيد لعبده: خط ثوبي إن صعدت السماء؟ !\n_________\n(١) ويُنصح في هذا الباب الاطلاع على: المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين للدكتور محمد عبدالقادر؛ ومسائل أصول الدين المبحوثة في علم أصول الفقه للدكتور خالد عبداللطيف محمد نور؛ وآراء المعتزلة الأصولية دراسة وتقويمًا للدكتور علي بن سعد الضويحي.\n(٢) ومثلوا لهذه المسألة: بما إذا أمر الله بصوم رمضان، وهو يعلم موت المأمور في رمضان، فهل يصح التكليف به؟ يُنظر: البحر المحيط (١/ ٣٦٩).\n(٣) وهو اختيار إمام الحرمين، يُنظر: البرهان (١/ ٢٨٢).","vol":"1","page":231},{"text":"وبهذا يفارق أمر الجاهل؛ لأن من لا يعرف عجز غيره عن القيام يتصور أن يطلبه منه.\nأما إذا علم امتناعه فلا يكون طالبًا، وإذا لم يكن طالبًا لم يكن آمرًا. ولأن إثبات الأمر بشرط يفضي إلى أن يكون وجود الشيء مشروطًا بما يوجد بعده، والشرط ينبغي أن يقارن، أو يتقدم، أما أن يتأخر عن المشروط فمحال (١) ...\nثم ذكر في الاستدراك على أدلتهم: \"وقولهم: الأمر طلب، وطلب المستحيل من الحكيم محال، قلنا: الأمر إنما هو قول الأعلى لمن دونه: (افعل) مع تجردها عن القرائن، وهذا متصور مع علمه بالاستحالة.\nوعلى أنَّا لو سلمنا أن الأمر طلب؛ فليس الطلب من الله تعالى كالطلب من الآدميين؛ وإنما هو استدعاء فعل لمصلحة العبد، وهذا يحصل مع الاستحالة؛ لكي يكون توطئة للنفس على عزم الامتثال، أو الترك؛ لطفًا به في الاستعداد، والانحراف عن الفساد، وهذا متصور.\nويتصور من السيد أيضًا أن يستصلح عبده بأوامر ينجزها عليه، مع عزمه على نسخ الأمر قبل الامتثال (٢)؛ امتحانًا للعبد، واستصلاحًا له.\nولو وكل رجلًا في عتق عبده غدًا مع عزمه على عتق العبد صح، ويتحقق فيها المقصود؛ من استمالة الوكيل، وامتحانه في إظهار الاستبشار بأوامره، والكراهية له، وكل ذلك معقول الفائدة، فكذا هاهنا.\nوقولهم: (يفضي إلى تقديم المشروط على الشرط).\nقلنا: ليس هذا شرطًا لذات الأمر؛ بل الأمر موجود وجد الشرط أم لم يوجد؛\n_________\n(١) يُنظر: المعتمد (١/ ١٣٩ - ١٤١) وجعل عنوان المسألة: في الأوامر الواردة بالشيء على شرط زوال المنع.\n(٢) ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذه المسألة تشبه مسألة النسخ قبل التمكن من الفعل؛ لأن ذلك رفع للحكم بالخطاب، وهذا رفع للحكم بتعجيز. يُنظر: المسودة (ص: ٤٤).","vol":"1","page":232},{"text":"وإنما هو شرط لوجوب التنفيذ، فلا يفضي إلى ما ذكروه\" (١).\nوأما الاستدراك على الخصم في الواقع المخالف في المذهب الفقهي فتظهر بصورة جلية في المسائل الأصولية التي وقع فيها الاختلاف بين الجمهور والحنفية؛ كمسألة خبر الواحد فيما تعم به البلوى (٢)، ومسألة عموم المقتضى، ومفهوم المخالفة، وغيرها من المسائل.\nوكالمسائل التي حصل فيها الخلاف بين الجمهور والمالكية؛ كمسألة إجماع أهل المدينة.\nبل إن هذا النوع من الاستدراكات كان سببًا في التصنيف، فقد ذكر ابن السبكي في حديثه عن البرهان: \" ... وهذا الكتاب من مفتخرات الشافعية، وأنا أعجب لهم؛ فليس منهم من انتدب لشرحه، ولا للكلام عليه إلا مواضع يسيرة تكلم عليها أبو المظفر السمعاني في كتاب القواطع وردها عليه، وإنما انتدب له المالكية، فشرحه الإمام أبو عبدالله المازري شرحًا لم يتمه (٣)، وعمل عليه أيضًا مشكلات، ثم شرحه أيضًا أبو الحسن الأبياري (٤) من المالكية، ثم جاء شخص مغربي يقال له:\n_________\n(١) روضة الناظر (١/ ٦٠٠ - ٦٠٤)، ويُنظر المسألة في: العدة (٢/ ٣٩٢ - ٣٩٥)؛ المستصفى (٣/ ١٨٦ - ١٩٧)؛ شرح مختصر الروضة (٢/ ٤٢٣ - ٤٢٧).\n(٢) المراد بعموم البلوى: أن كل أحد يحتاج إلى معرفته. وقيل أيضًا: ما كان مشتركًا غير خاص. يُنظر: البحر المحيط (٤/ ٣٤٧).\nوالمراد بخبر الواحد فيما تعم به البلوى: أي يحتاج الكل إليه حاجة متأكدة مع كثرة تكرره، ولا يرويه إلا واحد، كخبر: «من مس ذكره فليتوضأ» الذي روته بُسْرَة ابنَةُ صَفوَانَ. يُنظر: تيسير التحرير (٣/ ١١٢). وخبر بُسْرة سبق تخريجه (ص: ٢٥٩).\n(٣) وهو كتاب إيضاح المحصول من برهان الأصول، طبع جزء منه بتحقيق د. عمار الطالبي على نسخة واحدة فيها كثير من السقط.\n(٤) وهو كتاب التحقيق والبيان في شرح البرهان، حقق نصفه في رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى بتحقيق د. علي بسام، ثم أكمل تحقيقه بعد ذلك وطبع.","vol":"1","page":233},{"text":"الشريف أبو يحيى (١) جمع بين الشرحين (٢)، وهؤلاء كلهم عندهم بعض التحامل على الإمام من وجهين:\nأحدهما: أنهم يستصعبون مخالفة الإمام أبي الحسن الأَشْعَرِي (٣) ويرونها عظيمة، والإمام لا يتقيد بالأشعري ولا بالشافعي ...\nالثاني: أنه ربما نال من الإمام مالك - ﵁ -؛ كما فعل في مسألة الاستصلاح والمصالح المرسلة (٤)، وغيرها (٥).\n_________\n(١) لم أقف له على ترجمة؛ إلا أن ابن السبكي في \" رفع الحاجب \" ذكر اسمه: الشريف أبو يحيى زكريا بن يحيى الحسيني المغربي. يُنظر: رفع الحاجب (١/ ٢٣٤).\n(٢) وهو كتاب \" كفاية طالب البيان شرح البرهان\"، مخطوط، توجد منه نسخة بمكتبة القيروان بفاس برقم (١٣٩٧) مبتور أولها، كما توجد منه نسخة أخرى بمكتبة بريل هوتسيما بهولندا برقم (٨٠٧). يُنظر: تحقيق د. عمار الطالبي لإيضاح المحصول (ص: ١٦)\n(٣) هو: أبو الحسن، علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبدالله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى عبدالله بن قيس الأشعري، كان آية في الذكاء وقوة الفهم، وكان مع هذا تقيًّا ورعًا مجتهدًا في العبادة، اشتغل في أول حياته بمذهب المعتزلة ثم تاب منه، وقال بمذهب الأشاعرة ونسب إليه فرقة الأشاعرة، ثم تاب من هذا المذهب والتحق بمذهب أهل السنة والجماعة. من مصنفاته: \"إثبات القياس \" في أصول الفقه، و\" اللمع في الرد على أهل البدع\"، (ت: ٣٢٤ هـ).\nتُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٨٥)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ٣٤٧)؛ طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح (٢/ ٦٠٤).\n(٤) المصلحة المرسلة: ويعبر عنها بعضهم بالمناسب المرسل، وبعضهم بالاستصلاح، وبعضهم بالاستدلال.\nوهذه التعريفات وإن كانت تبدو مترادفة؛ إلا أن كل إطلاق كان لنظر من جهة معينة؛ وذلك أن كل حكم يقوم على أساس المصلحة يمكن أن ينظر إليه من ثلاثة جوانب:\nأحدها: جانب المصلحة المترتبة عليه.\nثانيهما: جانب الوصف المناسب الذي يستوجب ترتيب الحكم عليه تحقيق تلك المصلحة.\nثالثها: بناء الحكم على الوصف المناسب أو المصلحة (أي المعنى المصدري).\nفمن نظر إلى الجانب الأول عبر بالمصلحة المرسلة، (وهي التسمية الشائعة).\nومن نظر إلى الجانب الثاني عبر بالمناسب المرسل؛ كابن الحاجب.\nومن نظر إلى الجانب الثالث عبر بالاستصلاح أو الاستدلال. وممن عبر بالاستصلاح: الغزالي في المستصفى، وممن عبر بالاستدلال: إمام الحرمين الجويني في البرهان، وابن السمعاني.\nوجعل بعضهم اسم \" الاستدلال \" شاملًا لما عدا دليل الكتاب والسنة والإجماع والقياس؛ كالاستحسان والاستصحاب، فعبر هؤلاء عن المصالح المرسلة بالاستدلال المرسل؛ ومنهم الزركشي في البحر المحيط.\nيُنظر: ضوابط المصلحة (ص: ٣٢٩ - ٣٣٠). ويُنظر: البرهان (٢/ ١١١٣)؛ (المستصفى (٢/ ٤٧٨)؛ مختصر ابن الحاجب (٢/ ١٠٩٨)؛ البحر المحيط (٦/ ٧٦).\nوقال في المراقي (ص: ٣٥٦):\nوالوصف حيث الاعتبار يجهل ... فهو الاستصلاح قل والمرسل.\n(٥) شنع =","vol":"1","page":234},{"text":"وبهاتين الصفتين يحصل للمغاربة بعض التحامل عليه، مع اعترافهم بعلو قدره، واقتصارهم -لا سيما في علم الكلام- على كتبه، ونهيهم عن كتب غيره\" (١).\nويؤكد كلام ابن السبكي ما جاء في التحقيق والبيان للأبياري من استدراكات على الجويني هدفها الدفاع عن الإمام مالك؛ ومن ذلك (٢):\nما ذكره إمام الحرمين في مسألة (هل العبرة بعموم اللفظ أو خصوص السبب؟): \" ... مستمسك إمام دار الهجرة مالك - ﵁ - يقتضي تحليل الحشرات والقاذورات والعذرات وغيرها من النجاسات. فلا يستمر إجراء الآية (٣) على العموم\n_________\n= عدد من العلماء على الإمام مالك أخذه بالمصلحة المرسلة مع أن مذهبه لا يختلف عن بقية المذاهب في المصلحة؛ حيث وافقهم على عدم اعتبار المصلحة المخالفة للنص. يُنظر مذهب المالكية في المسألة في: شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: ٤٤٦)؛ مفتاح الوصول (ص: ٧٠٤)؛ تقريب الوصول (ص: ٤٠٩ - ٤١٠).\n(١) يُنظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ١٩٢).\n(٢) وسيأتي في الفصل الثالث، المبحث الثاني، استدراك الأصولي على مخالف له في المذهب.\n(٣) المراد بالآية قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥].","vol":"1","page":235},{"text":"مع اعتقاد هذا الذي ادعيناه وقطع السلف بالتحريم فيه، فإن أنكر منكر هذا، واندفع في تحليل هذه الأشياء، علم قطعًا انسلاله عن ضبط المسألة، واستبطاؤه مركب العقوق ... \" (١).\nفقال الأبيَارِي مستدركًا عليه: \" ... أما كونه يدعي على السلف القطع بالتحريم؛ فيا لله ويا للمسلمين أيكون الإمام (٢) أعرف من مالك بمواضع إجماع الصحابة واختلافهم مع قرب عصره، ومحل ولادته وتربيته، ودوام اشتغاله بالبحث عن أحوالهم وأقوالهم؟ ! هذا والله محال؛ غير أنه قد نقل عن القوم خلاف ما ذكره، «سئل ابن عباس عن الحشرات، فأفتى بحِلَّها، وتلا الآية» (٣). ثم إنه اقتصر في نسبة مالك - ﵀ - إلى خرق الإجماع على التمسك بعادة الصحابة، ولم ينقل في ذلك شيئًا أصلًا؛ غير أنه قال: (قطع السلف بالتحريم فيه) ... ثم أطلق لسانه في مالك - ﵀ - ونسبه إلى استيطاء (٤) مركب العقوق، فيا ليت شعري ما الذي عنى بكونه عاقًا؟ هل عقه؟ فهو -بحمد الله- غير ملتفت إلى أصحاب هذه المقالة حتى يعقهم؛ إذ هو مجتهد يعمل بما أراه الله تعالى، أم عق صاحب الشريعة؟ وهذا هو الذي أراده صاحب الكتاب؛ لأنه نسبه إلى جحد الأدلة القاطعة، ومعاذ الله أن يكون الأمر كذلك! وما ينبغي أن تطلق\n_________\n(١) البرهان (١/ ٣٧٦).\n(٢) أي: الجويني.\n(٣) لم أقف على هذا الأثر عن ابن عباس، والذي وجدته في سنن أبي داود أن ابن عمر سئل عن القنفذ، فتلا الآية. يُنظر: سنن أبي داود، ك: الأطعمة، ب: في أكل حشرات الأرض، (٣/ ٣٥٤/ح: ٣٧٩٩). وأما الحشرات فعن الملقام بن تلب عن أبيه قال: «صحبت النبي - ﷺ - فلم أسمع لحشرة الأرض تحريمًا». يُنظر: سنن أبي داود، ك: الأطعمة، ب: في أكل حشرات الأرض، (٣/ ٣٥٤/ح: ٣٧٩٨).\n(٤) يقال: فلان قد استوطأ المركب، أي وجده وطيئا: أي لينا. يُنظر: الصحاح (ص: ١١٤٦)، القاموس المحيط (ص: ٥٥) مادة: (وطأ).","vol":"1","page":236},{"text":"الألسنة في الأئمة على هذا الوجه، فإن هذا يقبح من العوام فيما بينهم! ... \" (١).\nواستدرك عليه في موضع آخر: \"قال الإمام (٢) - ﵀ -: (ونحن نضرب في ذلك مثالًا ثم نذكره بحسبه لمالك) إلى قوله: (أنا أقتل ثلث الأمة استبقاء لثلثيها). قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام ظاهر الفساد، وذلك أنه ألزم القول بالاستدلال على خلاف الإجماع، وذلك أن الأعضاء إنما أباح الشرع إيلامها في القصاص دون التَّعْزِيْر (٣). وإذا كانت الأعضاء مصانة عن التعزير بالتوقيف؛ فكيف يصح أن يلزم إتلافها في التَّعْزِيْرِ على القول بالاستدلال؟\nالوجه الثاني: أنه يعترف بأنه لو فعل ذلك لكان على خلاف الإجماع، فكيف يلزم خصمه الذي يشترط في القول بالاستدلال ألا يخالف أصلًا من أصول الشريعة؟ !\nوأي شيء أعظم من الفساد من اتباع مصلحة تفضي خرق الإجماع؟ !\nفهذا الإلزام بعيد عن الصواب\" (٤).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الأبياري على الجويني إلزامه للمالكية بلازم فاسد؛ وذلك أن الجويني ضرب مثالًا بافتراض وقوع واقعة نازلة لا عهد بمثلها، فلو رأى ذو نظر إيلام الأعضاء في هذه النازلة كجدع الأنف، وأيد رأيه بأن العقوبات مشروعة لحسم الفواحش، وهذه العقوبة -وهي جدع الأنف- مناسبة لهذه النازلة. فالجويني يقول: إن رأيه هذا مردود، والإمام مالك يخالفنا في تجويز مثل هذه العقوبة بناء على قوله\n_________\n(١) التحقيق والبيان (٢/ ٧٥ - ٧٩).\n(٢) أي: إمام الحرمين في البرهان، يُنظر قوله في البرهان (٢/ ١١٣٢ - ١١٣٣).\n(٣) التَّعزير لغة: المنع، يقال: عزرته: إذا منعته. يُنظر: لسان العرب (١٠/ ١٣٣) مادة: (عزر).\nواصطلاحًا: التَّأديب الذي دون الحد؛ لأنه يمنع الجاني من معاودة الذنب. يُنظر: المطلع (ص: ٣٧٤).\n(٤) التحقيق والبيان (٤/ ١٧٥).","vol":"1","page":237},{"text":"بالاستدلال -الاستصلاح-، ويلتزم مثله في تجويزه لأهل الإيالات القتل في التهم العظمى.\nفاستدرك الأبياري على الجويني إلزامه هذا فاسد من وجهين:\nالأول: أن فيه إلزامًا بالقول بالاستدلال على خلاف الإجماع؛ وذلك لأن الإجماع انعقد على أن الأعضاء مصانة عن التعزير، فكيف يصح أن يلزم المالكية إتلافها في التعزير على قولهم بالاستدلال؟ !\nالثاني: أن الجويني يقر بأن المالكية لو قالوا بإتلاف الأعضاء بالتعزير بناء على قولهم بالاستدلال؛ لكان ذلك منهم خلاف الإجماع، فكيف به يلزمهم ذلك وهم يشترطون في صحة القول بالاستدلال ألا يخالف أصلًا من أصول الشريعة، والإجماع أصلٌ عظيم من أصول الشريعة؟ !\nوأما الاستدراك على الخصم المقدر؛ فذلك بأن يقدر المستدرِك استدراكًا من الخصم لأجل تقوية مذهبه العقدي أو الفقهي، وهو ما يعرف بأسلوب الفنقلة، وهذا مما يكثر في كتب الأصول؛ وخاصة في المصنفات على طريقة الجمهور.\nوأقرر ذلك بالأمثلة التالية:\n• المثال الأول: الاستدراك على الخصم المقدّر المخالف في المذهب العقدي:\nقال القاضي أبو يعلى في مسألة (الواجب المخير): \"إذا ورد الأمر بأشياء على طريق التخيير؛ كالكفارات الثلاثة ونحوها؛ فالواجب واحد منها بغير عينه، فيتعين ذلك بفعله، فيصير كأنه الواجب عليه بنفس السبب ... وذهب المعتزلة إلى أن الجميع واجب على طريق التخيير (١) \" (٢).\nثم ذكر في استدلاله بمذهبه: \" ... وأيضًا: لو فعل الجميع لم يكن الواجب إلا واحدًا من الجملة، فلو كان الجميع واجبًا قبل الإيقاع؛ لكان متى تعين بالفعل وقع\n_________\n(١) المعتمد (١/ ٧٧ - ٩٠).\n(٢) العدة في أصول الفقه (١/ ٣٠٢).","vol":"1","page":238},{"text":"على الصفة التي كان عليها قبل الإيقاع، ألا ترى الذي تعين فعله لا يجوز أن تخالف صفته حال الإيقاع لما تعلق به الأمر، مثل سائر الواجبات التي ثبتت من غير تخيير، ولما ثبت أن الواحد منها يقع واجبًا دل على أن الواجب واحد منها\" (١).\nثم قدر سؤالًا من الخصم وأجاب عليه لتقوية مذهبه فقال: \"فإن قيل: إنما يقع جميعها واجبًا؛ لأنها كانت واجبة على التخيير.\nقيل: المفعول يقع عن الواجب كما يقع لو لم يكن مخيرًا فيه، ألا ترى أن من خير في تعيين الحرية في أحد عبديه وأداء الصلاة في أول الوقت؛ فإنه واجب مخير فيه، ولو فعله لوقع ذلك عن الواجب، كما يقع لو لم يكن مخيرًا فيه\" (٢).\nويستمر في ذكر استدراكات مقدرة من الخصم ويجيب عنها، وكل ذلك لغرض تقوية دليله ومذهبه. (٣)\n• المثال الثاني: الاستدراك على الخصم المقدّر المخالف في المذهب الفقهي:\nما ذكره السرخسي في (فصل في بيان حكم العام)؛ حيث ذهب الحنفية إلى أن العام موجب للحكم فيما يتناوله قطعًا بمنزلة الخاص موجب للحكم فيما تناوله (٤)، فقدر استدراكًا من الخصم بقوله: \"فإن قال قائل: إن الخاص أيضًا لا يوجب موجبه قطعًا لاحتمال إرادة المجاز منه، وإنما يوجب موجبه ظاهرًا ما لم يتبين أنه ليس المراد به المجاز بدليل آخر، بمنزلة النص في زمن رسول الله - ﷺ - فإن بقاء الحكم الثابت بالنص يكون ظاهرًا لا مقطوعًا به؛ لاحتمال النسخ وإن لم يظهر الناسخ بعد.\nقلنا: هذا فاسد؛ لأن مراد المتكلم بالكلام ما هو موضوع له حقيقة، هذا معلوم، وإرادة المجاز موهوم، والموهوم لا يعارض المعلوم، ولا يؤثر في حكمه، وكذلك\n_________\n(١) العدة في أصول الفقه (١/ ٣٠٤).\n(٢) المرجع السابق.\n(٣) يُنظر: المرجع السابق (١/ ٣٠٤ - ٣٠٦).\n(٤) أصول السرخسي (١/ ١٣٢).","vol":"1","page":239},{"text":"المجاز لا يعارض الحقيقة؛ بل ثبوت المجاز بإرادة المتكلم؛ لا بصيغة الكلام، وهي إرادة ناقلة للكلام عن حقيقته، فما لم يظهر الناقل بدليله يثبت حكم الكلام مقطوعًا به بمنزلة النص المطلق يوجب الحكم قطعًا وإن احتمل التغيير بشرط تعلقه به أو قيد بقيده؛ ولكن ذلك ناقل للكلام عن حقيقته، فما لم يظهر كان حكم الكلام ثابتا قطعًا، بخلاف النص في زمن رسول الله - ﷺ - فإن النص يوجب الحكم، فأما بقاء الحكم ليس من موجبات النص ولكن ما ثبت؛ فالأصل فيه البقاء حتى يظهر الدليل المزيل، فكان بقاؤه لنوع من استصحاب الحال (١) وعدم الناسخ، وهذا المعدوم غير مقطوع به؛ فلهذا لا يكون بقاء الحكم مقطوعًا به في ذلك الوقت؛ حتى إن بعد وفاة رسول الله - ﷺ - لما انقطع احتمال النسخ كان الحكم الذي لم يظهر ناسخه باقيًا قطعًا\" (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-68> السبب الخامس: الاستدراك بسبب تفرد المستدرِك بآراء جديدة</span>.\nعلم أصول الفقه بحرٌ زاخرٌ يغوص في أعماقه كل عالم بحسب طاقته، وكان لعدد من علماء الأصول آراء جديدة استدركوا فيها على من سبقهم؛ وذلك بسبب اطلاعهم الواسع، واجتهادهم المستمر، واعتمادهم على التحليل العلمي الدقيق الذي كان نتيجته إثراء علم الأصول؛ ومن أمثال هؤلاء:\nأولًا: أبو الحسين البصري المعتزلي، فكان يخالف شيخه القاضي\n_________\n(١) الاستصحاب لغة: استفعال من الصُّحبة؛ وهي: الملازمة. يُنظر: الصحاح (ص: ٥٨٠)؛ القاموس المحيط (ص: ١٠٤) مادة: (صحب).\nوفي الاصطلاح: استدامة إثبات ما كان ثابتًا، أو نفي ما كان منفيًا.\nوله صور متعددة ذكر علماء الأصول أحكامها، وحرروا فيها محل الوفاق والنزاع.\nيُنظر: أصول السرخسي (٢/ ٢٢٣)؛ قواطع الأدلة (٣/ ٣٦٧)؛ شرح مختصر الروضة (٣/ ١٤٧)؛ تقريب الوصول (ص: ٣٩١)؛ البحر المحيط (٦/ ٢٠)؛ بديع النظام (٢/ ٦١١).\n(٢) أصول السرخسي (١/ ١٣٨).","vol":"1","page":240},{"text":"عبدالجبار (١) وكبار أئمة الاعتزال، ويتخذ رأيًا جديدًا؛ فمن ذلك مثلًا: قوله في مسألة (النهي هل يقتضي فساد المنهي عنه أم لا؟): \"اختلف الناس في ذلك؛ فذهب بعض أصحاب أبي حنيفة (٢) وبعض أصحاب الشافعي (٣) إلى أنه يقتضي فساده. وزعم غيرهم من الفقهاء: لا يقتضيه، وهو مذهب الشيخ أبي الحسن (٤)، وأبي عبدالله (٥)، وقاضي القضاة (٦)، وذكر أنه ظاهر مذهب شيوخنا المتكلمين؛ وأنا أذهب إلى أنه يقتضي فساد المنهي عنه في العبادات دون العقود والإيقاعات\" (٧).\nفهو بهذا اتخذ موقفًا مباينًا للفريقين وأورد أدلته، ثم أورد أدلة الفريقين واستدرك عليها؛ فمن ذلك مثلًا: استدراكه على استدلال القائلين إن النهي يدل على فساد المنهي عنه بقوله - ﷺ -: «من أدخل في دييننا ما ليس منه فهو رَد» (٨)، فقال:\n_________\n(١) هو: أبو الحسين، عبدالجبار بن أحمد بن عبدالجبار بن أحمد بن خليل الهمداني، شيخ المعتزلة، من كبار فقهاء الشافعية، عمر دهرًا طويلًا؛ حتى ظهر له الأصحاب، وبعد صيته، ورحلت إليه الطلاب، وولى قضاء الري وأعمالها، صنف تصانيف كثيرة، (ت: ٤١٥ هـ) بالري، ودفن في داره.\nتُنظر ترجمته في: فرق وطبقات المعتزلة (ص: ١١٨)؛ طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح (١/ ٥٢٣)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ٩٧).\n(٢) يُنظر: الفصول في الأصول (٢/ ١٧١)؛ أصول السرخسي (١/ ٩٧)؛ فواتح الرحموت (١/ ٤٣٨).\n(٣) يُنظر: شرح اللمع (١/ ٢٩٧)؛ المستصفى (٣/ ١٩٩)؛ الإحكام للآمدي (٢/ ٢٣١).\n(٤) المراد به أبو الحسن الكرخي. يُنظر: البحر المحيط (٢/ ٤٤٣).\n(٥) المراد به أبو عبدالله البصري.\n(٦) المراد به القاضي عبدالجبار الهمذاني المعتزلي.\n(٧) المعتمد (١/ ١٧٠ - ١٧١).\n(٨) لم أجده بهذا اللفظ، والمروي عن عائشة - ﵂ - بلفظ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وبلفظ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».\nوالحديث باللفظ الأول في صحيح البخاري، ك: الصلح، ب: إذا اصْطلَحُوا على صلحِ جوْرٍ فالصلح مردود، (٢/ ٩٥٩/ح: ٢٥٥٠)؛ وصحيح مسلم، ك: الأقضية، ب: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، (٣/ ١٣٤٣/ح: ١٧١٨).\nوالحديث باللفظ الثاني ذكره البخاري في صحيحه معلقًا، ك: الاعتصام، ب: إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول من غير علم فحكمه مردود ...، (٦/ ٢٦٧٥)، ك: البيوع، ب: النجس ...، (٢/ ٧٥٣)؛ صحيح مسلم، ك: الأقضية، ب: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، (٣/ ١٣٤٣/ح: ١٧١٨).","vol":"1","page":241},{"text":"\"واحتجوا بأن النبي - ﷺ - قال: «من أدخل في دييننا ما ليس منه فهو رَد». قالوا: والمنهي عنه ليس من الدين، فيجب كونه مردودًا، ولو كان مجزئًا ثبتت أحكامه لما كان مردودًا!\nوالجواب: أن الإنسان إنما يكون مُدخلًا للفعل في الدين إذا اعتقد أنه من الدين، ألا ترى أن الزاني وفاعل المباح لا يكون مُدخلًا للزنا والفعل المباح في الدين، فليس يخلو إما أن يعنوا أن الفاعل لما نُهي عنه مُدخل للفعل في الدين، أو مدخل لأحكامه في الدين، فإن أرادوا الأول (١) لم يثبت؛ لأن المصلي في الدار المغصوبة لا يعتقد أن ذلك في الدين. وإنما يقول: إنه يسقط به الفرض، وكذلك المطلق في حال الحيض لا يعتقد أن ذلك من الدين؛ إذ اعتقد أن ذلك بدعة.\nوإن أرادوا الوجه الثاني (٢) لم يُسلّم الخصم أن ذلك من الدين\" (٣).\nويستمر مع هذا الفريق في نقاش هذا الاستدلال، ثم ينتقل إلى استدراك أدلة الفريق الآخر القائلين بأن النهي لا يدل على فساد المنهي عنه، واخترتُ من ذلك استدراكه على قولهم: \"إن لفظ (النهي) لغوي، و(فساد العبادة) شرعي، فلا يجوز أن يكون موضوعًا له.\nوالجواب: أنّا لا نقول: إنه موضوع للفساد فيلزم ما ذكروه، وإن علمنا عنده على التدريج المذكور، كما يقولون: إن الأمر وضع للندب على التدريج.\n_________\n(١) وهو: أن الفاعل لما نُهي عنه مُدخل للفعل في الدين.\n(٢) وهو: أن الفاعل لما نُهي عنه مُدخل لأحكامه في الدين.\n(٣) المعتمد (١/ ١٧٤).","vol":"1","page":242},{"text":"ولو قلنا: إنه موضوع للفساد لم يبطل بما ذكروه؛ لأن فساد الفعل هو: انتفاء الأغراض المقصودة بالفعل عن الفعل، أو وجوب إعادته على قول قاضي القضاة، وذلك معقول قبل الشرع، فلا يمتنع أن يوضع النهي له، كما وضعوا له أن هذا الفعل يجب إعادته، فإن الأغراض لا تتعلق به مع أن هذه ألفاظ لغوية\" (١).\nثم ذكر مذهبه في النهي في العقود والإيقاعات، وأن ذلك لا يدل على فسادها، وأورد أدلة المخالف له واستدراكه عليه، وأعقب ذلك بذكر استدراك يمكن للمخالف أن يحتج به عليه فقال: \"ويمكن للمخالف أن يحتج فيقول: إنكم بفصلكم بين العبادات وبين العقود والإيقاعات قد قلتم ما لم يَقُله أحد؛ لأن الأُمة مُجمعة على التسوية بين الموضعين، فمنهم من سوّى بينهما في دلالة النهي على فسادهما، ومنهم من جمع بينهما في دلالة النهي على نفي فسادهما.\nوالجواب: أن الذين جمعوا بينهما في نفي دلالة النهي على فسادهما لم يعنوا بالفساد ما عنيناه (٢)؛ وإنما أرادوا بالفساد وجوب القضاء بعد خروج الوقت، ولو فصل لهم ما فصلناه لما اختلفوا فيه، ولو خالفوا لم يكن ما قلناه مخالفًا للإجماع؛ لأنه إنما يكون تفرقنا بين الموضعين مخالفة للإجماع إذا نظمت الموضعين طريقة واحدة، وقد بينا أن ليس ينظمها طريقة واحدة\" (٣).\nثانيًا: إمام الحرمين الجويني؛ حيث خالف الإمام الشافعي في البرهان في خمس وعشرين مسألة (٤)، وبلغ عدد مخالفته لأبي الحسن الأشعري ثلاث\n_________\n(١) المعتمد (١/ ١٧٦).\n(٢) معنى الفاسد عنده: عدم حصول الغرض المقصود بالفعل، وإنما يكون ذلك بعدم استيفاء الفعل شرائطه التي يقف عليها حصول الغرض المقصود به. يُنظر: المعتمد (١/ ١٧١).\n(٣) المعتمد (١/ ١٧٧ - ١٧٨).\n(٤) يُنظر فِهرس المسائل التي خالف فيها إمام الحرمين الشافعي في البرهان (٢/ ١٤٤٣ - ١٤٤٤). ويوجد رسالة علمية بعنوان: (المسائل الأصولية التي خالف فيها الجويني الإمام الشافعي في كتاب البرهان) رسالة ماجستير تخصص أصول الفقه بجامعة أم القرى.","vol":"1","page":243},{"text":"مسائل (١)، وأما مخالفته للقاضي الباقلاني فكانت في إحدى وأربعين مسألة (٢). (٣)\nوكان من طريقته في اختيار ما يراه صوابًا: أنه يعرض الأقوال في المسألة، ثم يخترع قولًا وسطًا قد استفاده من الآراء التي عرضها، قال في بعض المواطن: \"والمسلك الحق عندي في ذلك، الجامع لمحاسن المسالك، الناقض لمساويها، أن نقول ... \" (٤). وقال في موطن آخر: \"فلينظر الناظر كيف لقطنا من كل مسلك خياره\" (٥).\nوحيث إن هذا البحث ليس مجال استقصاء لكل اجتهادات إمام الحرمين؛ وإنما القصد عرض نموذج لاجتهاده الذي استدرك به على السابقين؛ فأكتفي بمسألة (إنكار راوي الأصل رواية الفرع (٦».\n_________\n(١) يُنظر: فِهرس المسائل التي خالف فيها إمام الحرمين الأشعري في البرهان (٢/ ١٤٤٥).\n(٢) يُنظر: فِهرس المسائل التي خالف فيها إمام الحرمين القاضي الباقلاني في البرهان (٢/ ١٤٤٧ - ١٤٤٩).\n(٣) يُنظر: الفكر الأصولي (ص: ٣١١ - ٣١٦).\n(٤) البرهان (١/ ٩١).\n(٥) المرجع السابق (١/ ٤٩٦).\n(٦) ومثال المسألة: ما رواه سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل». ثم روي أن ابن جريح سأل الزهري عن هذا الحديث فلم يعرفه. يُنظر: أصول البزودي مع شرحه كشف الأسرار للبخاري (٣/ ١٢٩ - ١٣٠)؛ أصول السرخسي (٢/ ٣)؛ تخريج الفروع على الأصول (ص: ٢٢٥).\n-والحديث في مسند الإمام أحمد (٦/ ٦٦/ح: ٢٤٤١٧) (٦/ ١٦٥/ح: ٢٥٣٦٥)؛ سنن أبي داود، ك: النكاح، ب: في الولي، (٢/ ٢٢٩/ح: ٢٠٨٣)؛ سنن الترمذي، ك: النكاح، ب: ما جاء لا نِكاحَ إلا بِولِيٍّ، (٣/ ٤٠٧/ح: ١١٠١)؛ سنن النسائي الكبرى، ك: النكاح، ب: الثيب تجعل أمرها لغير وليها، (٣/ ٢٨٥/ح: ٥٣٩٤)؛ المستدرك على الصحيحين (٢/ ١٨٢/ح: ٢٧٠٦).\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن\". يُنظر: سنن الترمذي (٣/ ٤٠٧)، وقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين) يُنظر: المستدرك على الصحيحين (٢/ ١٨٢). وقال الألباني: \"صحيح\". يُنظر: إرواء الغليل (٦/ ٢٤٣). ويُنظر كذلك: نصب الراية (٣/ ١٩٥).-","vol":"1","page":244},{"text":"فالذي ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة وطوائف من المحدثين: أن ذلك يوهي الحديث، ويمنع العمل به. (١)\nوأطلق الشافعي القول بقبول الحديث وإيجاب العمل به.\nوذكر القاضي (٢) في ذلك تفصيلًا ونزل مطلق كلام الشافعي - ﵀ - عليه فقال: إن قال الشيخ المرجوع إليه: كذب فلان الراوي عني، أو قال: غلط وما رويت له قط ما ذكر؛ فإذا جزم الرد عليه أوجب ذلك سقوط تلك الرواية.\nفإن رد الشيخ قوله ولم يثبت الرد على الراوي عنه؛ ولكنه قال: لست أذكر هذه الرواية؛ فهذا يتضمن ردًّا للرواية إذا كان الراوي عن الشيخ موثوقًا به\" (٣).\nثم ذكر في آخر المسألة قوله: \"وهذا إذا لم يصرح الشيخ بالرد، فأما إذا كذبه، أو قطع بنسبته إلى الغلط؛ فقد يظهر انخرام الثقة في هذه الحالة.\nوادعى القاضي على الشافعي أنه قال: ترد الرواية في مثل هذه الصورة.\nوالذي أختاره فيها: أن ينزل قول الشيخ القاطع بتكذيب الراوي عنه مع رواية الثقة العدل عنه منزلة خبرين متعارضين على التناقض، فإذا اتفق ذلك فقد يقتضي الحال سقوط الاحتجاج بالروايتين، وقد يقتضي ترجيح رواية على رواية بمزيد العدالة في إحدى الروايتين، أو غير ذلك من وجوه الترجيح، فلا فرق بين ذلك وبين تعارض\n_________\n(١) ما ذكره الجويني عن الحنفية هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، أما محمد بن الحسن فكان يوافق الشافعي. يُنظر: أصول البزودي مع شرحه كشف الأسرار للبخاري (٣/ ١٢٤ - ١٣١)؛ أصول السرخسي (٢/ ٣).\n(٢) أي الباقلاني، يُنظر هذا التفصيل في التلخيص (٢/ ٣٩٢).\n(٣) البرهان (١/ ٦٥٠ - ٦٥١).","vol":"1","page":245},{"text":"قولين من شيخ وراوٍ عنه\" (١).\nثالثًا: حجة الإسلام الإمام الغزالي، وأذكر لتفرده المثال التالي:\n\"مسألة: الاسم المشترك بين مسميين لا يمكن دعوى العموم فيه عندنا، خلافًا للقاضي (٢) والشافعي (٣)؛ لأن المشترك لم يوضع للجميع.\nمثاله: (القرء) للطهر والحيض، و(الجارية) للسفينة والأمة، و(المشتري) للكوكب السعد وقابل البيع.\nوالعرب ما وضعت هذه الألفاظ وضعًا يستعمل في مسمياتها إلا على سبيل البدل، أما على سبيل الجمع فلا.\nنعم نسبة المشترك إلى مسمياته متشابهة، ونسبة العموم إلى آحاد المسميات متشابهة؛ لكن تشابه نسبة [العموم في الدلالة، وتشابه نسبة المشترك والمجمل في الصلوح لأن يراد به كل واحد على سبيل البدل] (٤)، وتشابه نسبة المفهوم في السكوت عن الجميع؛ لا في الدلالة، وتشابه نسبة الفعل في إمكان وقوعه على كل وجه؛ إذ الصلاة المعينة إذا تلقيت من فعل النبي - ﵇ - أمكن أن تكون فرضًا، ونفلًا، وأداءً، وقضاءً، وظهرًا، وعصرًا، والإمكان شامل بالإضافة إلى عِلمنا، أما الواقع في نفسه وفي علم الله تعالى واحد متعين لا يحتمل غيره.\n_________\n(١) البرهان (١/ ٦٥٥).\n(٢) لم أقف على قوله في مختصر التقريب ولا في التلخيص، ونقل عنه الجويني في البرهان أنه عظم النكير على من يرى الحمل على الحقيقة والمجاز جميعًا. يُنظر: البرهان (١/ ٣٤٤). ونقل عنه الرازي والآمدي ما ذكره الغزالي بالقول بعموم المشترك، يُنظر: المحصول (١/ ٢٦٨)؛ الإحكام للآمدي (٢/ ٢٩٧).\n(٣) يُنظر: البرهان (١/ ٣٤٤)؛ المحصول (١/ ٢٦٨)؛ الإحكام للآمدي (٢/ ٢٩٧).\n(٤) في نسخة بولاق (٢/ ٧٢) [كل واحد من آحاد العموم على الجمع، ونسبة كل واحد من آحاد المشترك على البدل].","vol":"1","page":246},{"text":"فهذه أنواع التشابه، والوهم سابق إلى التسوية بين المتشابهات، وأنواع هذا التشابه متشابهة من وجه.\nفربما يسبق إلى بعض الأوهام أن العموم كان دليلًا لتشابه نسبة اللفظ إلى المسميات، والتشابه ههنا موجود، فيثبت حكم العموم، وهو غفلة عن تفصيل هذا التشابه، وإن تشابه نسبة العموم إلى مسمياته في دلالته على الجميع بخلاف هذه الأنواع.\nاحتج القاضي: بأنه لو ذكر اللفظ مرتين وأراد في كل مرة معنى آخر جاز، فأي بُعْدٍ في أن يقتصر على مرة واحدة ويريد به كلا المعنيين مع صلاح اللفظ للكل، بخلاف ما إذا قصد بلفظ (المؤمنين) الدلالة على المؤمنين والمشركين جميعًا؛ فإن لفظ (المؤمنين) لا يصلح للمشركين بخلاف اللفظ المشترك.\nفنقول: إن قصد باللفظ الدلالة على المعنيين جميعًا بالمرة الواحدة فهذا ممكن؛ لكن يكون قد خالف الوضع؛ كما في لفظ (المؤمنين)؛ فإن العرب وضعت اسم (العين) للذهب والعضو الباصر على سبيل البدل؛ لا على سبيل الجمع.\nفإن قيل: اللفظ الذي هو حقيقة في شيء مجاز في غيره هل يطلق لإرادة معنييه جميعًا؛ مثل: (النكاح) للوطء والعقد، و(اللمس) للجس وللوطء؛ حتى يحمل قوله: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] على وطء الأب وعقده جميعًا، وقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣/ المائدة: ٦] على الوطء والمس جميعًا؟\nقلنا: هذا عندنا كاللفظ المشترك وإن كان التعميم فيه أقرب قليلًا.\nوقد نقل عن الشافعي - ﵀ - أنه قال: أحمل آية اللمس على المس والوطء جميعًا. (١)\n_________\n(١) مذهب الشافعي المذكور في الأم وأحكام القرآن: حمل الملامسة في الآية على اللمس باليد والقبلة دون الجماع. يُنظر: الأم (١/ ١٥)؛ أحكام القرآن للشافعي (١/ ٤٦). وذكر الجويني في البرهان أن ظاهر اختيار الشافعي حمل المشترك على جميع معانيه؛ وذلك لأنه قال في مفاوضة جرت له في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣/ المائدة: ٦]، فقيل له: قد يراد بالملامسة المواقعة. قال: هي محمولة على اللمس باليد حقيقة، وعلى الوقاع مجازًا. يُنظر: البرهان (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤).","vol":"1","page":247},{"text":"وإنما قلنا: إن هذا أقرب لأن المس مقدمة الوطء، والنكاح أيضًا يراد للوطء، فهو مقدمته، ولأجله استعير للعقد اسم (النكاح)، الذي وضعه للوطء، واستعير للوطء اسم (اللمس)، فلتعلق أحدهما بالآخر ربما لا يبعد أن يقصدا جميعًا باللفظ المذكور مرة واحدة؛ لكن الأظهر عندنا: أن ذلك أيضًا على خلاف عادة العرب\" (١).\nفهو بهذا يتخذ موقفًا مخالفًا للشافعي والباقلاني في قولهم بالعموم في الاسم المشترك.\n_________\n(١) المستصفى (٣/ ٢٩٠ - ٢٩٢).","vol":"1","page":248},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-69> المبحث الثالث\nشروط الاستدراك الأصولي</span>\nوفيه تمهيد، ومطلبان:\n- تمهيد: المراد بشروط الاستدراك الأصولي.\n- المطلب الأول: شروط الاستدراك الأصولي.\n- المطلب الثاني: ما لا يشترط في الاستدراك الأصولي.\n\n* * ... * ** * ... * *","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>تمهيد\nالمراد بشروط الاستدراك الأصولي</span>\nالشروط في اللغة: جمع شرط، وأرجع ابن فارس أصل (الشين والراء والطاء) إلى أصل يدلُّ على عَلَمٍ وعلامة، وما قارب ذلك من عَلَم. (١)\nو(الشرَط) بفتح الراء: العلامة، والجمع أشراط، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] أي علاماتها.\nوبتسكين الراء: الإلزام، ومنه شرط البيع أي: إلزام الشيء والتزامه في البيع. (٢)\nوأما في الاصطلاح الأصولي فعرف بعدة تعريفات؛ منها:\n• ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود، ولا عدم لذاته. (٣)\nمثال الشرط: الحول في الزكاة يلزم من عدمه عدم وجوب الزكاة، ولا يلزم من وجوده وجوبها؛ لاحتمال عدم النصاب، ولا عدم وجوبها لاحتمال وجود النصاب.\nأما إذا قارن الشرط وجود السبب -بلوغ النصاب- فإنه يلزم وجوب الزكاة؛ ولكن لا لذات الشرط؛ بل لذات وجود السبب، وكذلك لو قارن الشرط قيام المانع -الدين- فيلزم عدم وجوب الزكاة؛ وذلك لذات المانع لا لذات الشرط، فالشرط بالنظر إلى ذاته لا يلزم من وجوده شيء؛ وإنما يتأتى اللزوم\nمن الأمور الخارجية. (٤)\n• وقيل أيضًا في حده: ما يمتنع وجود عمل العلة إلا بوجوده؛ لا لما تجب به\n_________\n(١) مقاييس اللغة (٣/ ٢٦٠).\n(٢) يُنظر: الصحاح (ص: ٥٤٢ - ٥٤٣)؛ لسان العرب (٨/ ٥٦ - ٥٧)؛ القاموس المحيط (ص: ٦٧٣) مادة: \"شرط\".\n(٣) وهذا تعريف القرافي في تنقيح الفصول (ص: ٨٢)؛ الفروق (١/ ١٧٣).\n(٤) يُنظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: ٨٢).","vol":"1","page":250},{"text":"العلة أو يجب به الحكم. (١)\nوعليه فيمكن حد شرط الاستدراك الأصولي بأنه: ما يلزم من عدمه عدم الاستدراك، ولا يلزم من وجوده وجود الاستدراك ولا عدم لذاته.\nشرح التعريف:\nما يلزم من عدمه عدم الاستدراك: فإذا عدم شرط من شروط الاستدراك عدم المشروط وهو: الاستدراك.\nولا يلزم من وجوده وجود الاستدراك ولا عدم لذاته: فشرط الاستدراك لا يلزم منه وجود الاستدراك ولا عدمه؛ وإنما لزوم الوجود أو العدم يكون بأمر خارجي ليس لذات الشرط.\nوهو احتراز عن مقارنة شرط الاستدراك وجود سببه، فيلزم وجود الاستدراك؛ لكن لا لذاته- وهو كونه شرطًا -؛ بل لأمر خارجي؛ وهو: مقارنة السبب للشرط.\nواحترازًا أيضًا عن مقارنة قيام المانع؛ فيلزم عدم الاستدراك؛ لكن لا لذاته - وهو كونه شرطًا -؛ بل لأمر خارجي وهو: قيام المانع (٢).\n_________\n(١) وهذا تعريف الغزالي في شفاء الغليل (ص: ٥٥٠).\n(٢) قال الطوفي: \" وعكس الشرط المانع- وهو ما يلزم من وجوده عدم الحكم - ... ووجه العكس فيه أن الشرط ينتفي الحكم لانتفائه، والمانع ينتفي الحكم لوجوده. فوجود المانع وانتفاء الشرط سواء في استلزامهما انتفاء الحكم، وانتفاء المانع ووجود الشرط سواء في أنهما لا يلزم منهما وجود الحكم ولا عدمه \" شرح مختصر الروضة (١/ ٤٣٣). وبالتالي: موانع الاستدراك هي عكس شروط الاستدارك؛ فانتفاء شرط من شروط الاستدراك معناه قيام مانع يمنع الاستدراك.","vol":"1","page":251},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-71>المطلب الأول\nشروط الاستدراك الأصولي </span>(١)\n١ - أن يكون الاستدراك في العبارة الأصولية.\nوغالبًا ما تكون العبارة الأصولية واردة في كتب الأصول، فلو استدرك على عبارة أصولية في غير كتب الأصول؛ فإنها تسمى \"استدراكًا أصوليًّا\".\nأما إذا ورد قول المستدرَك عليه في كتب غير أصولية، ولم تكن المسألة أصولية؛ فلا يسمى الاستدراك استدراكًا أصوليًّا؛ بل ينسب إلى العلم الذي تم به الاستدراك.\nوهذا الشرط إفادة تقيد الاستدراك بـ (الأصولي)، ويُعلم منه دخول الاستدراكات في الشأن غير الأصولي الواردة في الكتب الأصولية؛ كاستدراك شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) على الرازي في المحصول في مباحث كلامية؛ حيث درست هذه المباحث في الكتب المستدرك عليها بأنها من مسائل الأصول.\n٢ - تعدي فعل الاستدراك: فلا يطلق الاستدراك الأصولي على فعل الاستدراك اللازم؛ بل لابد فيه من التعدي إلى المفعول؛ حتى تتحقق أركان الاستدراك الأربعة.\n_________\n(١) استفدت هذه الشروط من الاستدراك الفقهي (ص: ١٢٩)، وزدت الشرط الثاني وغيرت في صياغة الشروط.\n(٢) هو: أبو العباس، أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن عبدالله تَيْميَّة الحراني، ثم الدمشقي، تقي الدين، الإمام الفقيه، المجتهد، المحدث، الحافظ المفسر، الأصولي الزاهد، شيخ الإسلام، كثير المحاسن، كان موصوفًا بفرط الشجاعة والكرم، وشهرته تغني عن الإطناب. له مصنفات كثيرة؛ منها: \"العقيدة الوسطية\"، و\"درء تعارض العقل والنقل\"، و\"الإيمان\"، (ت: ٧٢٨ هـ) بدمشق محبوسًا في قلعتها، واجتمع في جنازته خلق كثير.\nتُنظر ترجمته في: الذيل على طبقات الحنابلة (٤/ ٤٩٢)؛ طبقات الحفاظ (١/ ٥٢٠)؛ شذرات الذهب (٦/ ٨٠).","vol":"1","page":252},{"text":"فيقال مثلًا: استدرك الجويني على الشافعي قوله كذا بكذا.\n٣ - تأخر المستدرك به عن المستدرك فيه: فالاستدراك لا يكون إلا على محل سابق، فلا يتصور تقدمه على المستدرَك فيه؛ سواء كان المستدرَك فيه واقعًا أو مقدرًا، فالواقع تأخيره ظاهر، وأما المقدر فلأن المستدل يقدره سابقًا على المستدرك به، فيكون تقدمه تقديرًا.\n٤ - المخالفة بين المستدرك فيه -العمل الأول- والمستدرك به -العمل اللاحق-، فلا يتصور إطلاق الاستدراك الأصولي على العمل اللاحق إذا كان موافقًا للعمل الأول.\n٥ - اتحاد متعلق المستدرك به بالمستدرك فيه: فمورد الاستدراك يكون على محل واحد، ولا يتصور تغاير المحل، فإذا تغير المحل فلا يسمى استدراكًا؛ وإنما زيادة.\n٦ - اتحاد مادة الاستدراك (١) بين المستدرك فيه والمستدرك به: فلا يتصور التعقيب على المستدرك فيه لُغويًّا بأصل عقدي.\nوهناك شرط خاص باستدراك نقد إضعاف دليل الخصم:\nفإن استخدم المُستدرِك في إضعاف دليل خصمه الإلزام (٢)؛ فيشترط له أن يكون الدليل الملزم به مُسلمًا عند الخصم، فإن لم يكن كذلك لم يفد الإتيان به.\nيقول الشاطبي: \"ومقصود المناظرة: رد الخصم إلى الصواب بطريق يعرفه؛\n_________\n(١) يُنظر معايير الاستدراك من هذا البحث (ص: ٥٥٢ - ٦٥٦)\n(٢) الإلزام في اللغة: من لزم الشيء يلزم لزومًا: ثبت ودام، ويتعدى بالهمزة فيقال: ألزمته: أي أثبته وأدمته، ولزمه المال: وجب عليه. يُنظر: المصباح المنير (٢/ ٥٥٢)؛ المعجم الوسيط (ص: ٨٢٣) مادة (لزم).\nوفي الاصطلاح: انتهاءُ دليلِ المستدل إلى مقدمات ضرورية أو يقينية مشهورة يلزمُ المعترضَ الاعتراف بها، ولا يمكنه الجحدُ، فينقطع بذلك. يُنظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ٣٥٦ - ٣٥٧). وقيل أيضًا: إبطال قول المخالف بناء على ما هو أصله. يُنظر: الإلزام دراسة نظرية وتطبيقية (ص: ١٣٠).","vol":"1","page":253},{"text":"لأن رده بغير ما يعرفه من باب تكليف ما لا يطاق، فلا بد من رجوعهما إلى دليل يعرفه الخصمُ السائلُ معرفة الخصمِ المستدِلِّ، وعلى ذلك دلَّ قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] الآية؛ لأن الكتاب والسنة لا خلاف فيهما عند أهل الإسلام، وهما الدليل والأصل المرجوع إليه في مسائل التنازع، وبهذا وقع الاحتجاج على الكفار؛ فإنَّ الله تعالى قال: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]، فقرَّرَهم بما به أقرُّوا، واحتج بما عرفوا؛ حتى قيل لهم: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ أي فكيف تخدعون عن الحق بعد ما أقررتم به، فادعيتم مع الله إلهًا غيره ... \" (١).\nوأقرر ذلك بالأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nما ذكره الجَصَّاص في (باب القول في تخصيص العموم بالقياس): \"كل ما لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد لا يجوز تخصيصه بالقياس؛ وذلك لأن خبر الواحد مقدم على القياس، فما لا يجوز تخصيصه فبالقياس أحرى ألا يخص، وهذا مذهب أصحابنا\" (٢).\nثم ذكر استدراكًا مقدرًا من الخصم فقال: \"فإن قال: لما اتفقنا على جواز تخصيص العموم بالقياس العقلي (٣)؛ وجب أن يكون كذلك حكمه في القياس الشرعي\".\n_________\n(١) الموافقات (٥/ ٤١٥).\n(٢) الفصول في الأصول (١/ ٢١١).\n(٣) يطلق القياس العقلي على معنيين:\nأ - قياس المنطقي- نتيجة المقدمتين العقليتين-؛ كقولنا: النبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، فالقياس: النبيذ حرام، وهو المراد هنا.\nب - قياس القضايا في أصول الدين ومسائل العقيدة إلى مقتضى العقل دون النظر في النصوص.\nيُنظر: قواطع الأدلة (٤/ ١)؛ الواضح في أصول الفقه (١/ ٤٣٩)؛ شرح الكوكب المنير (٤/ ١٢، ٥٣٦).","vol":"1","page":254},{"text":"فقدر أن الخصم يلزمه بدليل هو مسلم به؛ وهو جواز تخصيص العموم بالقياس العقلي.\nفأجاب عن هذا بقوله: \"قيل له: هذا صحيح على ما أصلنا؛ لأن القياس العقلي لما كان مفضيا بنا إلى العلم بصحة ما أدانا إليه، ولم يكن يجوز فيه التخصيص، وكان الحكم بموجب العموم من طريق يوجب العلم إذا أطلق؛ كان القياس العقلي قاضيًا على العموم؛ لأنه يفضي إلى العلم بموجباته في سائر الأحوال، والعموم لا يوجب العلم بموجباته في سائر الأحوال؛ إذ جائز إطلاق لفظ العموم والمراد الخصوص (١).\nوأما القياس الشرعي فإنما هو اجتهاد وغالب ظن لا يفضي إلى العلم بحقيقة الحكم (٢)، وقد يوجب عندنا أيضًا فيه التخصيص، وكان الحكم بالعموم الموجب للعلم أولى من تركه بقياس لا يوجب العلم، وهذا صحيح على ما قدمنا من أصول أصحابنا في هذا الباب مستمرًا عليها\" (٣).\n• المثال الثاني:\nقال القاضي أبو يعلى في مسألة (تعلق الأمر بالمعدوم): \"الأمر يتعلق بالمعدوم، وأوامر الشرع قد تناولت جميع المعدومين إلى قيام الساعة ....\n_________\n(١) العام المراد به الخصوص: أن يطلق اللفظ العام ويراد به بعض ما يتناوله، فلم يرد عمومه لا من جهة تناول اللفظ ولا من جهة الحكم؛ بل كلي استعمل في جزئي. يُنظر: البحر المحيط (٣/ ٢٤٩ - ٢٥١)؛ تشنيف المسامع (٢/ ٧٢١)؛ شرح الكوكب المنير (٣/ ١٦٦ - ١٦٧)؛ إرشاد الفحول (١/ ٥٠٣ - ٥٠٥). ومثاله: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] والقائل واحد: نعيم بن مسعود. يُنظر: البحر المحيط (٣/ ٢٤٧)، وللاستزادة في الأمثلة يُنظر: الإتقان في علوم القرآن (٤/ ١٤١٦ - ١٤١٧).\n(٢) ليس هذا على الإطلاق، فالقياس قد يكون قطعيًا؛ كالقياس الجلي في معنى الأصل.\n(٣) الفصول في الأصول (١/ ٢٢١).","vol":"1","page":255},{"text":"وذهب المعتزلة (١) وجماعة من أصحاب أبي حنيفة (٢) فيما ذكره أبو عبدالله الجرجاني (٣) في أصوله إلى أن الأمر لا يتعلق بالمعدوم، وأن أوامر الشرع الواردة في عصر النبي - ﷺ - تختص بالموجودين في وقته، فأما من بعدهم فإنه دخل في ذلك بدليل\" (٤).\nثم ذكر إلزامًا مقدرًا من الخصم بأصول الحنابلة فقال: \"فإن قيل: كيف تصح هذه المسألة على أصولكم وعندكم أن المعدوم ليس بشيء، وتدللون عليه بقوله: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩]، وقوله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١]؟ !\nقيل: يصح على أصلنا من الوجه الذي بيَّنا، وهو أنه أمر بشرط وجوده على صفة من يصح تكليفه، وعلى أصل المخالف فهو لازم؛ لأن عندهم المعدوم شيء (٥) \" (٦).\n• المثال الثالث:\nما ذكره الآمدي في مسألة (تعليل الحكم الواحد في صورة واحدة بعلتين\n_________\n(١) يُنظر: المعتمد (١/ ١٤٠).\n(٢) يُنظر: مذهب الحنفية في: تيسير التحرير (٢/ ١٣١)؛ فواتح الرحموت (١/ ١٤٦)؛ حاشية المطيعي (١/ ٣٠٤).\n(٣) هو: أبو عبدالله، محمد بن يحيى بن مهدي الجرجاني، تفقه على أبي بكر الرازي، وتفقه عليه أبو الحسين القدوري، كان يدرس بمسجد \" قطيعة الربيع \" ببغداد. من مصنفاته: \"ترجيح مذهب أبي حنيفة\"، و\"القول المنصور في زيارة القبور\"، (ت: ٣٩٧ هـ) ودفن إلى جانب قبر أبي حنيفة.\nتُنظر ترجمته في: الجواهر المضِيَّة (٣/ ٣٩٧)؛ الفوائد البهية (ص: ٢٠٢)؛ الأعلام (٨/ ٥).\n(٤) يُنظر: العدة في أصول الفقه (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧).\n(٥) يذهب المعتزلة إلى أن (الشيء) يعم الموجودات والمعدومات. يُنظر: المعتمد (١/ ١٩٢).\n(٦) يُنظر: العدة في أصول الفقه (٢/ ٣٩١ - ٣٩٢).","vol":"1","page":256},{"text":"معًا (١»، بعد أن ذكر الأقوال في المسألة، واختار منع التعليل مطلقًا، فقال: \"وذلك لأنه لو كان معللًا بعلتين لم يخل: إما أن تستقل كل واحدة بالتعليل، أو أن المستقل بالتعليل إحداهما دون الأخرى، أو أنه لا استقلال لواحدة منهما؛ بل التعليل لا يتم إلا باجتماعهما.\nلا جائز أن يقال بالأول؛ لأن معنى كون الوصف مستقلًا بالتعليل أنه علة الحكم دون غيره، ويلزم من استقلال كل واحدة منهما بهذا التفسير امتناع استقلال كل واحدة منهما، وهو محال.\nوإن كان الثاني أو الثالث فالعلة ليست إلا واحدة، وعلى هذا فلا فرق بين أن تكون العلة في محل التعليل بمعنى الباعث أو بمعنى الأمارة (٢) \".\n_________\n(١) تعليل الحكم الواحد بعلتين كما لو أن شخصًا قَتَلَ وارتد - والعياذ بالله- هل يعلل الحكم بالعلتين؟\n\nوكما لو أحدث شخص أحداثًا مختلفة - كبول وريح -، ثم نوى حالة الوضوء رفع بعضها، هل ترفع مجموع الأحداث؟ يُنظر: التمهيد للإسنوي (ص: ٣٩٠).\n(٢) للعلة أسامٍ في الاصطلاح؛ وهي: السبب، والأمارة، والداعي، والمستدعي، والباعث، والحامل، والمناط، والدليل، والمقتضي، والموجب، والمؤثر.\nأما تسميتها سببًا فلأنها طريق إلى معرفة الحكم، وهو يثبت عند وجودها؛ لأنها إنما المثبت لها الشارع.\nوأما تسميتها أمارة فظاهر؛ لأن الأمارة - بفتح الهمزة - العلامة، والعلة الشرعية علامة على ثبوت الحكم.\nوأما تسميتها الباعث فلأنه الباعث للشارع لوضع الحكم عند وجودها.\n\nوالفرق بين الباعث والأمارة المحضة: هو أن الباعث يكون مناسبًا لحكمه، ومقتضيًا له على وجه يحصل من اقتضائه إياه مصلحة ; بحيث يصح في عرف العقلاء أن يقال: إنما فعل كذا لكذا؛ كقولنا: إنما قتل المرتد لتبديله الدين، أو تقليل عدد المسلمين، أو إعانة الكافرين. وإنما وجب الحد بشرب الخمر لإفساده العقل. بخلاف الأمارة المحضة؛ كزوال الشمس وطلوع الهلال؛ إذ لا يناسب أن يقال: وجبت الصلاة لأن الشمس زالت، والصوم لأن الهلال ظهر، وإن صح ذلك في التخاطب العرفي؛ لكنه من جهة الاستدلال؛ لا من حيث التعليل، أي: زوال الشمس وطلوع الهلال دليل على وجوب الصلاة والصوم؛ لا علة لهما. وكذلك الأسباب الموجبة للتعبدات؛ كأسباب الحدث للوضوء هي أمارات لا بواعث؛ لعدم المناسبة. يُنظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٣١٥ - ٣١٧).","vol":"1","page":257},{"text":"فقدر استدراكًا إلزاميًا من الخصم بدليل مُسَلَّم به بينهما؛ وهو: جواز تعليل الحكم الواحد بعلل في كل صورة بعلة، فقال: \"فإن قيل: نحن لا نفسر استقلال العلة بأن الحكم ثبت بها لا غير ليلزمنا ما قيل؛ بل معنى استقلالها أنها لو انفردت لكان الحكم ثابتًا لها ولا أثر لانتفاء غيرها، ولا يخفى وجه الفرق بينه وبين القسمين الآخرين.\nسلمنا دلالة ما ذكرتموه على امتناع تعليل الحكم بعلتين على وجه تكون كل واحدة مستقلة بالحكم؛ لكنه معارض بما يدل على جوازه بالنظر إلى ما هو الواقع من أحكام الشرع؛ وذلك أنا قد اتفقنا على ثبوت الحكم الواحد عقيب علل مختلفة، كل واحدة قد ثبت استقلالها بالتعليل في صورة، وعند ذلك فإما أن يقال: العلة منها واحدة، أو الكل علة واحدة ذات أوصاف، أو أن كل واحدة علة مستقلة، لا جائز أن يقال بالأول،؛ وإلا فهي معينة أو مبهمة، والقول بالتعيين ممتنع؛ لعدم الأولوية، ولما فيه من خروج الباقي عن التعليل مع استقلال كل واحدة به، وبهذا يبطل الإبهام، والقسم الثاني أيضًا؛ فلم يبق سوى القسم الثالث؛ وهو الاستقلال، ودليل ثبوت مثل هذه الأحكام الإجماع على إباحة قتل من قتل مسلمًا قتلًا عمدًا عدوانًا وارتد عن الإسلام، وزنى محصنًا وقطع الطريق معًا ... \" (١).\nفأجاب الآمدي عن هذا: بأن الكلام مفروض في حالة الاجتماع لا في حالة الانفراد، والتقسيم في حالة الاجتماع فعلى ما سبق، وأما الأحكام التي ذكرتموها فالعلل وإن كانت متعددة؛ فالحكم أيضًا متعدد شخصًا وإن اتحد نوعًا. (٢)\nفإن لم يكن الدليل الملزم به مُسلمًا عند الخصم، كان الاستدراك ساقطًا؛ وأمثلة ذلك:\n_________\n(١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٣/ ٢٩٦ - ٢٩٧).\n(٢) يُنظر: المرجع السابق (٣/ ٢٩٧).","vol":"1","page":258},{"text":"• المثال الأول:\nقال الجصاص في (باب القول في الوجوه التي يعلم بها النسخ): \"قال أبو بكر: وأما طرق الاستدلال على الحكم الناسخ منهما من جهة الأصول فعلى وجوه كثيرة يتعذر وصف جميعها؛ ولكنا نذكر منها جملًا يعتبر بها نظائرها، وتدل على أمثالها، فنقول - وبالله التوفيق-: إن مما يجب اعتباره في حكم الخبرين المتضادين إذا لم يعلم تاريخهما وجاز على أحدهما أن يكون منسوخًا بالآخر: أن ما كان من ذلك مباح الأصل ثم ورد فيه خبران أحدهما يوجب الإباحة، والآخر الحظر؛ فحكم الحظر أولى، ويصير خبر الحظر رافعًا للإباحة\" (١).\nثم ذكر إلزامًا من الخصم للحنفية بقوله: \"فإن قال قائل: يلزمك على هذا الأصل أن تقضي بخبر إيجاب الوضوء من مس الذكر (٢) على الخبر النافي له (٣)؛\n_________\n(١) الفصول في الأصول (٢/ ٢٩٦).\n(٢) المراد به خبر بُسْرَة ابنَةِ صَفوَانَ: «من مس ذكره فليتوضأ». يُنظر: سنن أبي داود، ك: الطهارة، ب: الوضوء من مس الذكر، (١/ ٤٦/ح: ١٨١)؛ سنن الترمذي، ك: أبواب الطهارة، ب: الوضوء من مس الذكر، (١/ ١٢٦/ح: ٨٢)؛ سنن النسائي المجتبى، ك: الطهارة، ب: الوضوء من مس الذكر، (١/ ٢١٦/ح: ٤٤٧)؛ صحيح ابن حبان، ك: الطهارة، ب: نواقض الوضوء، (٣/ ٤٠٠/ح: ١١١٦)؛ المستدرك على الصحيحين، ك: الطهارة، (١/ ٢٣١/ح: ٤٧٤ - ٤٧٥)؛ قال الترمذي عنه: (هذا حديث حسن صحِيح). يُنظر: سنن الترمذي (١/ ١٢٧). وقال الألباني: صحيح. يُنظر: إرواء الغليل (١/ ١٥٠). ويُنظر طرق تخريجه في: نصب الراية (١/ ٥٤ - ٥٥).\n(٣) المراد به خبر قيس بن طلق بن علي عن أبيه عن النبي - ﷺ - أنه سئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة فقال: «هل هو إلا بضعة منك؟ !». أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٢٢ - ٢٣/ح: ١٦٣٢٩، ١٦٣٣٨)؛ سنن أبي داود، ك: الطهارة، ب: الرخصة في ذلك، (١/ ٤٦/ح: ١٨٢)؛ سنن ابن ماجة، ك: الطهارة وسننها، ب: الرخصة في ذلك، (١/ ١٦٣/ح: ٤٨٣)؛ سنن الترمذي، ك: أبواب الطهارة، ب: ما جاء في ترك الوضوء من مسِّ الذكر، (١/ ١٣١ - ١٣٢/ح: ٨٥)؛ صحيح ابن حبان، ذكر البيان بأن حكم المتعمد والناسي في هذا سواء، (٣/ ٤٠٣/ح: ١١٢٠)؛ سنن النسائي (المجتبى)، ك: الطهارة، ب: ترك الوضوء من ذلك، (١/ ١٠١/ح: ١٦٥). وقال الترمذي عنه: (وهذا الْحديث أحسن شيء روي في هذا البابِ). سنن الترمذي (١/ ١٣٢).","vol":"1","page":259},{"text":"لأن خبر النفي وارد على الأصل، وخبر الإيجاب ناقل عنه، فوجب حظر الصلاة قبل إحداث الطهارة بعد المس.\nقيل له: لا يلزمنا ذلك؛ لأن خبر الوضوء من مس الذكر لو انفرد عن معارضة خبر النفي لما لزمنا قبوله على أصلنا؛ لأنه مما بالناس إلى معرفته حاجة عامة (١)، فلا يقبل فيه أخبار الآحاد، وإنما ذكرنا الاعتبار الذي وصفنا في الخبرين إذا توازيا وتساويا في النقل ووجه الاستعمال، فأما إذا كانا على غير هذا الوجه فلهما حكم آخر\" (٢).\n• المثال الثاني:\nقال التاج السبكي: \"وألزم إمام الحرمين مالكًا - ﵁ - إن قال بالتمسك بكل رأي من غير قرب ومداناة بأن العاقل ذا الرأي العالم بوجوه الآيات إذا أرجع المفتين في واقعة، فأعلموه أنها ليست بمنصوصة، ولا أصل يضاهيها، بأن يسوغ له والحالة هذه أن يعمل بالصواب عنده، والأليق بطرق الاستصلاح.\nقال (٣): وهذا مَرْكَبٌ صعب، مساقه ردّ الأمر إلى عقول العقلاء، واحتكام الحكماء، ونحن على قطع نعلم أن الأمر بخلاف ذلك. ثم وجوه الرأي تختلف بالبقاع والأصقاع (٤) والأوقات، وعقول العقلاء تتباين، فيلزم اختلاف الأحكام باختلاف\n_________\n(١) يقصد بذلك: أن خبر بُسْرة بنت صفوان في إيجاب الوضوء من مس الذكر خبر واحد فيما تعم به البلوى، وهذا النوع من الأخبار عند الحنفية ليس بحجة. وأما ما ذكر من ترجيح خبر الحظر على خبر الإباحة؛ فإنما هو في الخبرين المتساويين في النقل ووجه الاستعمال.\n(٢) يُنظر: الفصول في الأصول (٢/ ٢٩٩).\n(٣) أي إمام الحرمين.\n(٤) الأصقاع: جمع صُقع: الناحية من البلاد، والجهة أيضًا والمَحَلَّةُ، وهو في صُقْعِ بني فلان: أي في ناحيتهم ومحلِتهم. يُنظر: الصحاح (ص: ٥٩٥)؛ المصباح المنير (٢/ ٣٤٥) مادة: (صقع).","vol":"1","page":260},{"text":"كل ذلك، وهذا لا يلزم فيما له أصل وتقريب.\nقال: ولو ساغ هذا لاتخذ العقلاء أيام كسْرَى أنُوشرْوَان (١) في العدل والإيالات (٢) معتبرهم، وهذا يجر خبالًا الاستقلال به. (٣)\nوهذه الجملة التي أوردناها مجموعة من كلام إمام الحرمين في البرهان، وهذا الإلزام الذي ذكره أخيرًا لا يلزم مالكًا؛ لأنه يشترط في اتباع المصلحة أن لا يناقض أمرًا مفهومًا من الشريعة، والعامي من أين يعلم هذا؟ وما المانع من مناقضة ما يراه من الرأي لقواعد الشريعة؟ \" (٤).\nوكذلك إن استخدم المُستدرِك في إضعاف دليل خصمه قادح النقض (٥)؛ فيشترط أن لا يستدرك عليه بأصل نفسه؛ بل يستدرك عليه بأصله -أي بأصل المستدرَك عليه-.\nجاء في المسودة: \"مسألة: لا يقبل على الخصم أن ينقض علل المستدل بأصل نفسه، ذكره أصحابنا والشافعية ... \" (٦).\n_________\n(١) هو: كسرى أنوشروان بن قباذ بن فيروز، اعتلى العرش بعد أبيه قباذ الأول، من ملوك فارس، كانت الإمبراطورية الساسانية في قمة مجدها إبان حكمه، فوضع الأسس لمدن وقصور وبناء العديد من الجسور والسدود، وازدهرت الفنون والعلوم، وكان فيلسوفًا وله شعبية في الثقافة الإيرانية، (ت: ٥٧٩ م) - قبل الهجرة بـ ٥٤ سنة -. تُنظر ترجمته في: الكامل في التاريخ (١/ ٣٣٦)؛ ويُنظر ترجمة له وافية على ويكيبيديا الموسوعة الحرة على الرابط التالي: http://ar.m.wikipedia.org/wiki\n(٢) الإيالات: جمع إيالة، وهي السياسة. يُنظر: لسان العرب (١/ ١٩٤ - ١٩٥)؛ القاموس المحيط (ص: ٩٦٣) مادة: (أول).\n(٣) البرهان (٢/ ١١٢٠ - ١١٢١).\n(٤) الإبهاج (٦/ ٢٦٥٢ - ٢٦٥٣).\n(٥) سيأتي تعريف قادح النقض في الفصل الخامس: معايير الاستدراك الأصولي (ص: ٥٧١).\n(٦) (ص: ٢٨٨). ويُنظر كذلك: إحكام الفصول (٢/ ٦٦٥)؛ التمهيد لأبي الخطاب (٤/ ١٥٨)؛ البحر المحيط (٥/ ٢٦٨).","vol":"1","page":261},{"text":"ومثال ذلك: ما ذكره الشيرزي في مسألة (أن الأمر بالشيء هو نهي عن ضده من طريق المعنى) فقال: \"الأمر بالشيء نهي عن ضده من طريق المعنى على سبيل التبع للأمر فيكون معتبرًا به، فإن كان الأمر على الوجوب اقتضى النهي عن ضده على سبيل التحريم، وإن كان على الاستحباب اقتضى النهي عن ضده على سبيل الكراهة والتبرئة.\nوقال المعتزلة: لا يقتضي النهي عن ضده (١)، وهو قول بعض أصحابنا\".\nإلى أن قال: \"فإن قيل: هذا يبطل بالنوافل؛ فإن الأمر بها يقتضي إرادتها وحُسنها، ثم لا يقتضي ذلك قُبح ضدها وكراهته.\nفالجواب: أن هذا الشيء ألزمناهم على أصلهم، فلا يلزمنا الاعتذار عن النقض المتوجه عليه. وعلى أصلنا يقتضي استدعاء الفعل في النوافل على سبيل الاستحباب، فلا جرم أن يكون مقتضيًا للنهي عن ضده على سبيل الكراهة\" (٢).\n_________\n(١) يُنظر: المعتمد (١/ ٩٧).\n(٢) شرح اللمع للشيرازي (١/ ٢٦٢)؛ ويُنظر كذلك التبصرة (ص: ٤٨).","vol":"1","page":262},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-72>المطلب الثاني\nما لا يشترط في الاستدراك الأصولي</span>\nإن قلت -أيها القارئ الكريم-: إنَّ كل ما لم يذكر في شروط الشيء يلزم بالضرورة عدم اشتراطه، فذكر الشروط يغني عن هذا البحث، فلا فائدة في عقد هذا المطلب.\nفالجواب: أنَّ هذا حق؛ غير أنَّ ثمة لبسًا أحوج الباحثة إلى بيان طائفة من المعاني التي لا تشترط دفعًا لما قد يقع؛ ومن ذلك:\nأولًا: لا يشترط كون المستدرِك أعلم من المستدرَك عليه (١)، وأقرر ذلك باستدراك الجويني والغزالي على الشافعي.\nثانيًا: لا يشترط اتحاد أو اختلاف مذهب المستدرِك والمستدرَك عليه (٢). (٣)\nثالثًا: لا يشترط التلازم بين الاستدراك والصحة، فالحكم على الاستدراك _بقبوله أو رده_ مسألة خاضعة للبحث والمدارسة، فيبقى مدار قبولها على قوة حجتها، وحسن تقريرها. (٤)\nرابعًا: لا يشترط في استدراك إلزام الخصم أن يكون المستدرِك مُسلِّمًا بالمستدرك به؛ لأنه قد يذكره من باب إفحام الخصم وإلزامه؛ لا من باب التسليم به.\n_________\n(١) يُنظر: الاستدراك الفقهي تأصيلًا وتطبيقًا (ص: ١٢٩).\n(٢) يُنظر: المرجع السابق.\n(٣) وسأذكر في الفصل القادم - بإذن الله - نماذج من استدراك المستدرِك الموافق للمذهب، ونماذج أخرى للمستدرِك المخالف في المذهب.\n(٤) يُنظر: استدراكات أبي شامة في إبراز المعاني على الإمام الشاطبي في \" أبواب الأصول \" من حرز الأماني جمعًا ودراسة، إعداد: أحمد بن علي بن عبدالله السديس، مجلة جامعة أم القرى، العدد (٤٥) (ص: ١٦ - ١٧).","vol":"1","page":263},{"text":"قال ابن عقيل: \"وكلُّ سؤالٍ كان للإفساد جاز أن يكون على أصل المُستدِلِّ خاصة دون المُلزِمِ\" (١).\nوجاء في المسودة: \"مسألة: قال القاضي وأبو الطيب: لا يجوز لأحد يلزم خصمه ما لا يقول به إلا النقض، فأما غيره - كدليل الخطاب (٢) أو القياس أو المرسل (٣)\nونحو ذلك - فلا، ولم يذكر خلافًا. وكذلك قال أبو الخطاب (٤):\n_________\n(١) الجدل على طريقة الفقهاء (ص: ٦٩).\n(٢) دليل الخطاب: إثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه، ويسمى أيضًا بمفهوم المخالفة. يُنظر: البرهان (١/ ٤٤٩)؛ روضة الناظر (٢/ ١١٤)؛ تقريب الوصول (ص: ١٦٩)؛ فواتح الرحموت (١/ ٤١٤).\n(٣) المرسل لغة: المطلق، اسم مفعول من أرسل الشيء: أطلقه. يُنظر: لسان العرب (٦/ ١٥٤)؛ المصباح المنير (١/ ٢٢٦) مادة: (رسل).\nوفي اصطلاح المحدثين: قول التابعي: قال رسول الله - ﷺ - كذا ...، وبعضهم خصصه بقول كبار التابعين. يُنظر: مقدمة ابن الصلاح (ص: ٥١)؛ نزهة النظر شرح نخبة الفكر (ص: ٨٩ - ٩٠)؛ تدريب الراوي (ص: ١٢٣).\nوأما في اصطلاح الأصوليين: قول من لم يَلْقَ النبي - ﷺ -: قال رسول الله - ﷺ - كذا ...\nيُنظر: تقريب الأصول (ص: ٣٠٥)؛ الإحكام للآمدي (٢/ ١٤٨)؛ شرح مختصر الروضة (٢/ ٢٢٨)؛ تيسير التحرير (٣/ ١٠٢).\n\nوبذلك يكون تعريف الأصوليين للمرسل أعم من تعريف المحدثين؛ إذ يدخل في تعريف الأصوليين المنقطع - ما سقط منه اثنان غير متواليين في موضعين، وكذا لو سقط منه أكثر من اثنين بشرط عدم التوالي-. ويدخل فيه أيضًا المعضل - ما سقط منه اثنان فصاعدًا من موضع واحد -. يُنظر تعريف المنقطع في: مقدمة ابن الصلاح (ص: ٥٦)؛ نزهة النظر (ص: ٩٢)؛ تدريب الراوي (ص: ١٣٣). ويُنظر تعريف المعضل في: مقدمة ابن صلاح (ص: ٥٩)؛ نزهة النظر (ص: ٩١)؛ تدريب الراوي (ص: ١٣٧).\n(٤) هو: أبو الخطاب، محفوظ بن أحمد بن الحسن الكَلْوَذاني - نسبة إلى كَلْواذي: قرية قرب بغداد- البغدادي، من كبار الحنابلة، من أشهر تلاميذ القاضي أبي يعلى، كان خَيِّرًا صادقًا. من مصنفاته: \"التمهيد في أصول الفقه\"، و\"الهداية\" في الفقه، و\"التهذيب\" في الفرائض، (ت: ٥١٠ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ١١٦)؛ سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٤٨)؛ البداية والنهاية (١٢/ ١٩٧).","vol":"1","page":264},{"text":"ليس للمعترض أن يلزم المعلل ما لا يقول به إلا النقض والكسر على قول من التزمهما، فأما بقية الأدلة - مثل: المرسل، ودليل الخطاب، والقياس، وقول الصحابي - فلا يجوز أن يلزمه ذلك وهو يعتقد فساده\" (١).\nوجاء في موضع آخر: \"وأما المستدلُّ إذا استدلَّ بما هو دليل عند مُناظرِه فقط؛ فهو في الحقيقة سائلٌ معارضٌ لمُناظرِه بمذهبه، وهو سؤالٌ واردٌ على مذهبه، وهو استدلالٌ على فسادِ أحدِ الأمرين؛ إما دليله أو مذهبه، فينبغي أن يعرف وجوه الأدلة والأسئلة، وهذا في الحقيقة استدلال على فساد قولِ المنازع بما لا يستلزم صحة قول المستدِل بمنزلة إظهار تناقضه، وهو أحد مقاصد الجدل\" (٢).\nوأذكر لتقرير ذلك الأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nقال ابن حزم: \"وقال بعضهم: هذا قياس منكم؛ فإنكم ترومون إبطال القياس بالقياس، فأنتم كالذين يرومون إبطال حجة العقل بحجة العقل!\nقال أبو محمد: فيقال لهم - وبالله تعالى التوفيق -: لم نحتج عليكم بهذا تصويبًا منا له، ولا للقياس، لكن أريناكم أن قولكم بالقياس ينهدم بالقياس، ويبطل بعضه بعضًا، وليس في العالم أفسد من قول من يفسد بعضه بعضًا، فأنتم إذا أقررتم بصحة القياس فنحن نلزمكم ما التزمتم به، ونحجكم به؛ لأنكم مصوبون له، مصدقون لشهادته، وهو قولكم بالفساد، وعلى مذاهبكم بالتناقض أقررتم به أو أنكرتموه، وأما نحن فلم نصوبه قط ولا قلنا به، فهو يلزمكم ولا يلزمنا، وكل أحد فإنما يلزمه ما التزم ولا يلزم خصمه. كما أن أخبار الآحاد المتصلة بنقل الثقات لازم لنا للاحتجاج بها علينا في المناظرة، ولا نلزم من أنكرها، فمن ناظرنا بها لم ندفعه\n_________\n(١) (ص: ٢٨٨)؛ ويُنظر: التمهيد لأبي الخطاب (٤/ ١٨٠).\n(٢) المسودة (ص: ٢٨٩).","vol":"1","page":265},{"text":"عما يلزمنا بها، وهذا هو فعلنا بكم في القياس\" (١).\n• المثال الثاني:\nقال ابن حزم: \"وقال من سلف من أصحابنا - ﵏ -: يقال لمن قال بالقياس: قد أجمعتم -أنتم وجميع المسلمين بلا خلاف من أحد منهم- على أن الأحكام كلها في الديانة جائز أن تؤخذ نصًّا، واتفقوا كلهم-بلا خلاف من واحد منهم لا من القائلين بالقياس ولا من غيرهم- على أن أحكام الديانة كلها لا يجوز أن تؤخذ قياسًا، ولا بد عندهم من نص يقاس عليه، فيقال لأصحاب القياس: إن كان القياس عندكم حقًّا فمن ههنا ابدؤوا به، فقيسوا ما اختلفنا فيه من المسائل التي جوزتم القياس فيها ومنعنا نحن منها على ما اتفقنا عليه من المسائل التي أقررتم أنها لا يجوز أن تؤخذ قياسًا، فإن لم تفعلوا فقد تركتم القياس، وإن فعلتم تركتم القياس، ولسنا نقول: إن هذا العمل صحيح عندنا؛ ولكن صحيح على أصولكم، ولا أبطل من قول نقض بعضه بعضًا\" (٢).\n• المثال الثالث:\nوقال الآمدي: \"قولهم: (هذا منكم لا يستقيم) قلنا: إنما ذكرنا ذلك بطريق الإلزام للخصم؛ لكونه قائلًا به\" (٣).\nهذا؛ والاستدراك الأصولي له أقسام باعتبارات مختلفة، فلنعقد لكل اعتبار منها مبحثًا في الفصل القادم.\n_________\n(١) الإحكام لابن حزم (٧/ ٤٧٦).\n(٢) المرجع السابق (٨/ ٤٩١).\n(٣) الإحكام للآمدي (١/ ١٢٤).","vol":"1","page":266},{"text":"الفصل الثالث","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>الفصل الثالث\nأقسام الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها</span>.\nوفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:\n- تمهيد: أقسام الاستدراك باعتبارات مختلفة.\n- المبحث الأول: أقسام الاستدراك الأصولي باعتبار حقيقته، وتطبيقاتها.\n- المبحث الثاني: أقسام الاستدراك الأصولي باعتبار المُستدرَك عليه، وتطبيقاتها.\n- المبحث الثالث: أقسام الاستدراك الأصولي باعتبار المستدرك فيه، وتطبيقاتها.\n- المبحث الرابع: أقسام الاستدراك الأصولي باعتبار المستدرك به، وتطبيقاتها.","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>تمهيد\nأقسام الاستدراك باعتبارات مختلفة</span>\nيمكن تقسيم الاستدراك إلى عدة أقسام باعتبارات مختلفة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>أولًا: الاستدراك الأصولي باعتبار حقيقته، وينقسم بهذا الاعتبار إلى سبعة أقسام:</span>\n١) - استدراك التصحيح، ٢) - استدراك التكميل، ٣) - استدراك الفرق، ٤) -استدراك التنبيه، ٥) -استدراك النقد، ٦) -استدراك التحرير، ٧) -استدراك التنقيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>ثانيًا: الاستدراك الأصولي باعتبار المُستدرَك عليه، وينقسم بهذا الاعتبار إلى خمسة أقسام:</span>\n١) -استدراك الأصولي على نفسه، ٢) - استدراك الأصولي على موافق له في المذهب، ٣) -استدراك الأصولي على مخالف له في المذهب، ٤) - استدراك الأصولي على شخص مُقدَّر، ٥) - استدراك الأصولي على المُستدرِك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>ثالثًا: الاستدراك الأصولي باعتبار المستدرك فيه، وهو بهذا الاعتبار ينقسم إلى ثمانية أقسام:</span>\n١) -الاستدراك الأصولي على ترجمة المسألة، ٢) -الاستدراك الأصولي على الحدود، ٣) -الاستدراك الأصولي على الدليل، ٤) - الاستدراك الأصولي على الاستدلال، ٥) -الاستدراك الأصولي على نسبة الأقوال، ٦) - الاستدراك الأصولي على التقسيمات والشروط، ٧) - الاستدراك الأصولي على التمثيل، ٨) - الاستدراك الأصولي على التخريج.","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>رابعًا: الاستدراك الأصولي باعتبار المستدرك به، وهو بهذا الاعتبار ينقسم إلى قسمين:</span>\n١) - الاستدراك النقلي. ٢) - الاستدراك العقلي.\nوهذه الأقسام ليست مختلفة اختلاف تضادٍّ وتناقضٍ؛ وإنما اختلاف تنوع، فيمكن أن يكون الاستدراك: استدراك تصحيح بالاعتبار الأول، واستدراكًا على أصولي موافق في المذهب بالاعتبار الثاني، واستدراكًا على نسبة الأقوال بالاعتبار الثالث.","vol":"1","page":270},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-79> المبحث الأول\nأقسام الاستدراك الأصولي باعتبار حقيقته، وتطبيقاتها</span>.\nوفيه سبعة مطالب:\n- المطلب الأول: استدراك التصحيح، وتطبيقاته.\n- المطلب الثاني: استدراك التكميل، وتطبيقاته.\n- المطلب الثالث: استدراك الفرق، وتطبيقاته.\n- المطلب الرابع: استدراك التنبيه، وتطبيقاته.\n- المطلب الخامس: استدراك النقد، وتطبيقاته.\n- المطلب السادس: استدراك التحرير، وتطبيقاته.\n- المطلب السابع: استدراك التنقيح، وتطبيقاته.\n\n* * ... * ** * ... * *","vol":"1","page":271},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-80>المطلب الأول\nاستدراك التصحيح، وتطبيقاته</span>\nالتصحيح في اللغة: تفعيل من صحَّح، بمعنى صيَّر الشيء صحيحًا (١).\nوأصل المادة (الصاد والحاء) يدل على البراءة من المرض والعيب (٢).\nوتصحيح الكتاب: إصلاح خطئه (٣).\nوالتصحيح في الاصطلاح: إزالة الخطأ، ومنه تصحيح الكتاب (٤).\nفالمراد باستدراك التصحيح: التعقيب بإزالة خطأ المستدرَك عليه.\nشرح التعريف:\nالتعقيب: جنس يدخل فيه كل تعقيب، وسبق الكلام عنه في حد الاستدراك.\nبإزالة خطأ: الباء سببية، أي سبب التعقيب هو إزالة الخطأ. وإزالة: نوع في التعريف، أي نوع هذا التعقيب إزالة الخطأ، وهو مستفاد من المعنى الاصطلاحي للتصحيح.\nوقد مر معنا أن من أسباب الاستدراك: الخطأ. فالمستدرِك إذا وجد الخطأ في عبارة المستدرَك عليه كان استدراكه هذا تصحيحًا لتلك العبارة.\n_________\n(١) وذلك لأن التصحيح تفعيل من فعَّل الذي من معانيه: التصيير. يُنظر: الطرة شرح لامية الأفعال (ص: ١٠٠).\n(٢) يُنظر: مقاييس اللغة (٣/ ٢٨١) مادة: (صح).\n(٣) يُنظر: لسان العرب (٨/ ٢٠٢)؛ المعجم الوسيط (ص: ٥٠٧) مادة (صحح).\n(٤) يُنظر: معجم لغة الفقهاء (ص: ١٣٢).","vol":"1","page":272},{"text":"وتصحيح خطأ المستدرَك عليه له صورتان؛ هما:\nالصورة الأولى: تصحيح كلي لعبارة المستدرَك عليه (وهو ما إذا كان المستدرِك معارضًا تمامًا لعبارة المستدرَك عليه).\nومحله: تصحيح خطأ المستدرَك عليه في تصور القضية (١) الأصولية، أو تصحيح خطأ المستدرَك عليه في تصديق القضية الأصولية، أو تصحيح خطأ المستدرَك عليه في نسبة القول، أو تصحيح خطأ المستدرَك عليه في الدليل، أو تصحيح خطأ المستدرَك عليه في الاستدلال، أو تصحيح خطأ المستدرَك عليه في المثال.\nالصورة الثانية: تصحيح جزئي لعبارة المستدرَك عليه (وهو ما إذا كان المستدرِك معارضًا لجزء من عبارة المستدرَك عليه).\nومحله: إطلاق مقيد عبارة المستدرَك عليه، أو تقييد مطلق عبارة المستدرَك عليه.\n• التصحيح الكلي: وتحصل لي ست صور؛ هي:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-81> أولًا: تصحيح خطأ المستدرَك عليه في تصور القضية الأصولية</span>.\nالتصور: إدراك معنى المفرد؛ كإدراك معنى (زيد) (٢).\nويمكن تطبيق هذا الفرع على الاستدراك الوارد على تصحيح خطأ الحدود.\nومن ذلك قول الفخر الرازي في حد الأمر: \"ذكروا في حد الأمر بمعنى القول وجهين:\n_________\n(١) القضية في اللغة: مشتقة من القضاء، والقضاء: هو الحكم. يُنظر: مقاييس اللغة (٥/ ٩٩)؛ الصحاح (ص: ٨٦٧)؛ قطر المحيط (ص: ١٧٣٢) مادة: (قضى).\nوفي الاصطلاح المنطقي: مرادفة للخبر، فهي: ما يحتمل الصدق والكذب لذاته. فكل جملة خبرية لابد وأن تتضمن حكمًا موجبًا أو سالبًا. يُنظر: شرح التفتازاني على الشمسية في المنطق (ص: ٢٠٠)؛ إيضاح المبهم (ص: ٩)؛ ضوابط المعرفة (ص: ٦٨ - ٦٩).\n(٢) يُنظر: تحرير القواعد المنطقية (ص: ٧)؛ إيضاح المبهم (ص: ٦)؛ ضوابط المعرفة (ص: ١٨).","vol":"1","page":273},{"text":"أحدهما: ما قاله القاضي أبو بكر وارتضاه جمهور الأصحاب أنه هو: القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به (١).\nوهذا خطأ؛ أما أولًا: فلأن لفظتي (المأمور، والمأمور به) مشتقتان من (الأمر) فيمتنع تعريفهما إلا بالأمر، فلو عرَّفنا (الأمر) بهما لزم الدور.\nوأما ثانيًا: فلأن الطاعة عند أصحابنا موافقة الأمر، وعند المعتزلة موافقة الإرادة (٢)؛ فالطاعة على قول أصحابنا لا يمكن تعريفها إلا بالأمر، فلو عرفنا الأمر بها لزم الدور.\nوثانيهما: ما ذكره أكثر المعتزلة وهو: أن الأمر هو قول القائل لمن دونه: افعل، أو ما يقوم مقامه (٣).\nوهذا خطأ من وجوه: .... وإذا ثبت فساد هذين الحدين فنقول: الصحيح أن يقال: الأمر: طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء. ومن الناس من لم يعتبر هذا القيد الأخير\" (٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-82> ثانيًا: تصحيح خطأ المستدرَك عليه في تصديق القضية الأصولية</span>.\nالتصديق: إدراك وقوع النسبة بين مفردين فأكثر. وهذه النسبة إما موجبة أو سالبة، فإدراك وقوع الثبوت في الموجَبة مثل: (زيد كاتب)، وإدراك عدم وقوعه في القضية السالبة مثل: (زيد ليس بكاتب). (٥)\n_________\n(١) يُنظر مختصر التقريب والإرشاد (٢/ ٥).\n(٢) لم أقف عليه في المعتمد. ويُنظر: المجموع في المحيط بالتكليف (١/ ٢٩٩).\n(٣) يُنظر: المعتمد (١/ ٤٣).\n(٤) المحصول (٢/ ١٦ - ١٨).\n(٥) يُنظر: تحرير القواعد المنطقية (ص: ٧)؛ إيضاح المبهم (ص: ٦)؛ ضوابط المعرفة (ص: ١٨).","vol":"1","page":274},{"text":"قال السبكي الكبير عند تقسيم العبادة باعتبار وقت فعلها: \"هذا تقسيم آخر للعبادة التي هي مُتَعَلَّق الحكم، ويصح جعله تقسيمًا للحكم من جهة أن الأمر قد يكون بالأداء (١)، وقد يكون بالقضاء (٢)، وقد يكون بالإعادة (٣). وقوله (٤): (العبادة) يشمل الفرض والنفل، فكل منهما إذا كان مؤقتًا يوصف بالثلاثة، وزعم بعضهم أنه لم يوصف بشيء من الثلاثة إلا الواجب، وزعم بعضهم أن القضاء لا يوصف به إلا الواجب، وكل ذلك [خَلْط] (٥)، والصواب: أن الواجب والمندوب كل منهما يوصف بالأداء والإعادة والقضاء\" (٦).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك السبكي الكبير على من قال: إن القضاء لا يوصف به إلا الواجب، وكان استدراكه تصحيحًا لهذا الخطأ في تصديق القضية الأصولية من حيث نسبة القضاء إلى الواجب فقط، والصواب: أن القضاء ينسب إلى الواجب والمندوب.\n_________\n(١) الأداء: إيقاع العبادة في وقتها المقدر لها شرعًا مع كونها لم تسبق بأداء مختل. يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع الإبهاج - (٢/ ١٩٩)؛ شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: ٧٢)؛ شرح الكوكب المنير (١/ ٣٦٥)؛ فواتح الرحموت (١/ ٨٥).\n(٢) القضاء: إيقاع العبادة بعد وقتها المعين لها شرعًا. يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع الإبهاج- (٢/ ١٩٩)؛ شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: ٧٦)؛ شرح الكوكب المنير (١/ ٣٦٧)؛ فواتح الرحموت (١/ ٨٥).\n(٣) الإعادة: إيقاع العبادة في وقتها المقدر لها شرعًا مع سبقها بأداء مختل. يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع الإبهاج- (٢/ ١٩٩)؛ شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: ٧٦)؛ شرح الكوكب المنير (١/ ٣٦٨)؛ فواتح الرحموت (١/ ٨٥).\n(٤) أي: البيضاوي في المنهاج.\n(٥) في النسخة التجارية (خطأ)، يُنظر: الإبهاج (١/ ٧٤) بتحقيق د. شعبان إسماعيل.\n(٦) الإبهاج (٢/ ١٩٩ - ٢٠٠).","vol":"1","page":275},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-83> ثالثًا: تصحيح خطأ المستدرك عليه في نسبة القول</span>، ومن أمثلته:\n• المثال الأول:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة (دلالة أفعال النبي - ﷺ -): \"واعلم أن مسألة (الأفعال) لها ثلاثة أصول:\nأحدها: أن حكم أمته كحكمه في الوجوب والتحريم وتوابعهما إلا أن يدل دليل يخالف ذلك، وهذا لا يختص بالأفعال؛ بل يدخل فيه ما عرف حكمه في حقه بخطاب من الله أو من جهته؛ ولهذا ذكرت هذه في الأوامر - أعني مسألة الخطاب-.\nوقد ذكر عن التميمي (١) وأبي الخطاب (٢) التوقف في ذلك، وأخذا من كلام أحمد ما يشبه ذلك رواية.\nوالصواب عنه العكس (٣)، وعلى هذا فالفعل إذا كان تفسيرًا لمجمل شملنا وإياه، وامتثالًا لأمر شملنا وإياه، ولم يحتج إلى هذا الأصل، وقد يكون هذا من طريق الأولى بأن يعلم سبب التحريم في حقه، وهو في حقنا أشد، أو سبب الإباحة أو الوجوب\" (٤).\n_________\n(١) هو: عبدالعزيز بن الحارث بن أسد التميمي، صحب أبا القاسم الخرقي وأبا بكر بن عبدالعزيز، كان من أعيان علماء الحنابلة، له مصنفات في الأصول والفروع، (ت: ٣٧١ هـ).\nتُنظر ترجمته في: طبقات الحنابلة (٢/ ١٣٩)؛ ميزان الاعتدال (٢/ ٦٢٤ - ٦٢٦)؛ النجوم الزاهرة (٤/ ١٤٠).\nويُنظر نقل هذا القول عنه في: العدة في أصول الفقه (١/ ٣٢٤)؛ روضة الناظر (١/ ٥٨٧)؛ شرح مختصر الروضة (٢/ ٤١٣).\n(٢) يُنظر: التمهيد (٢/ ٣١٧ - ٣١٨)، ويُنظر المسألة في: روضة الناظر (١/ ٥٨٧)؛ شرح مختصر الروضة (٢/ ٤١٣)؛ شرح الكوكب المنير (٢/ ١٨٨).\n(٣) يُنظر الروايات عن الإمام أحمد في هذه المسألة في: العدة في أصول الفقه (١/ ٣٢٠ - ٣٢٣).\n(٤) المسودة (ص: ٦١).","vol":"1","page":276},{"text":"• بيان الاستدراك:\nاستدرك شيخ الإسلام على التميمي وأبي الخطاب أخذهما من كلام الإمام أحمد القول بالتوقف في مسألة دلالة (فعل النبي - ﷺ - المجرد (١» حتى يقوم دليل على حكم ذلك الفعل، وأن الصواب عن الإمام: أن فعله إذا كان تفسيرًا لمجمل القرآن، أو امتثالًا لأمر؛ شمل الأمة والنبي - ﷺ -؛ بل قد يكون شمول الأمة من باب أولى.\n• المثال الثاني:\nقال ابن السبكي في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أو المرة؟): \" ... وهذه عبارة الآمدي (ومنهم (٢) من نفى احتمال التكرار، وهو اختيار أبي الحسين البصري (٣) وكثير من الأصوليين. ومنهم من توقف في الزيادة ولم\nيقضِ فيها بنفي ولا إثبات، وإليه مال إمام الحرمين (٤) والواقفية) (٥) انتهى ... واعلم أن صفي الدين الهندي (٦) نقل عن أبي الحسين وكثيرٍ من الأصوليين المذهب المختار (٧)،\n_________\n(١) أي فعله الذي ليس مختصًا به، ولا جِبليًا، ولا مترددًا بين الجبلي وغيره، ولا بيانًا. يُنظر: شرح الكوكب المنير (٢/ ١٨٧).\n(٢) أي من القائلين بدلالة الأمر للمرة الواحدة. إذ عبارة الآمدي: \" ... وذهب آخرون إلى أنه للمرة الواحدة، ومحتمل للتكرار، ومنهم من نفى احتمال التكرار ... \" الإحكام للآمدي (٢/ ١٥٥).\n(٣) يُنظر: المعتمد (١/ ٩٨).\n(٤) يُنظر: البرهان (١/ ٢٢٩).\n(٥) يُنظر: الإحكام للآمدي (٢/ ١٩٠ - ١٩١).\n(٦) هو: محمد بن عبدالرحيم الأرموي الهندي، من علماء الشافعية، ولد بالهند، وهو تلميذ سراج الدين الأرموي، من مصنفاته: \"نهاية الوصول في دراية الأصول\"، و\"الفائق في أصول الفقه\"، (ت: ٧١٥ هـ).\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٩/ ١٦٢)؛ طبقات ابن قاضي شهبة (٢/ ٢٢)؛ الفتح المبين للمراغي (٢/ ١١٥).\n(٧) أنه لا يدل بذاته لا على التكرار ولا على المرة؛ وإنما يفيد طلب الماهية من غير إشعار بالوحدة والمرة، ولكن لما لم يكن تحصيلها بدون المرة؛ لزمت المرة بحسب الدلالة المعنوية. يُنظر: نهاية الوصول (٣/ ٩٢٣).","vol":"1","page":277},{"text":"وهو خلاف ما نقله الآمدي كما رأيت، والذي رأيته في المعتمد (١) يقتضي موافقة ما نقله الهندي أو يصرح؛ بل لم يحك هذا القول الذي نقله عنه الآمدي بالأصالة\" (٢).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك ابن السبكي على الآمدي مصححًا له نقله عن أبي الحسين البصري القول بأن الأمر المطلق يفيد المرة ولا يحتمل التكرار، فهو لم يحكِ هذا القول في المعتمد؛ بل حكى قولين: قول من يقول: إن ظاهره يفيد التكرار، وقول من يقول: إنه يفيد إيقاع الفعل فقط، والمرة الواحدة ضرورية لذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-84> رابعًا: تصحيح خطأ المستدرَك عليه في الدليل</span>.\nالدليل في اللغة: ما يستدل به (٣)، ويطلق أيضًا على المرشد والكاشف (٤).\nوعند الأصوليين: ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري. (٥)\n• المثال الأول:\nقال الآمدي بعد أن ذكر تفصيل المذاهب في مسألة (مفهوم الصفة (٦»:\n_________\n(١) (١/ ٩٨).\n(٢) الإبهاج (٤/ ١٠٩٧ - ١٠٩٨).\n(٣) يُنظر: الصحاح (ص: ٣٥٢)؛ لسان العرب (٥/ ٢٩١) مادة: (دلل).\n(٤) المصباح المنير (١/ ١٩٩) مادة (دلل).\n(٥) يُنظر: الإحكام (١/ ٢٣)؛ مختصر ابن الحاجب (١/ ٢٠٣)؛ شرح مختصر الروضة (٢/ ٦٧١)؛ التحرير (ص: ١٠). علمًا بأن بعض علماء الأصول جعلوا الدليل خاصًا بما أوصل إلى قطعي، وأما ما أوصل إلى ظني فإنهم لا يطلقون عليه اسم الدليل؛ بل الأمارة، وممن ذهب إلى ذلك: المعتزلة، وإمام الحرمين، والغزالي، والرازي، والآمدي. يُنظر على الترتيب المذكور: المعتمد (١/ ٥)؛ التلخيص (١/ ١٣١)؛ المستصفى (٣/ ٦١)؛ المحصول (١/ ٨٨)؛ الإحكام (١/ ٢٣). والتحقيق: أن الدليل يطلق على ما أفاد العلم وعلى ما أفاد الظن؛ لأن ذلك اسم لغوي، وأهل اللغة لا يفرقون بينهما، كما أوضح ذلك القاضي أبو يعلى والشيرازي. يُنظر: العدة (١/ ١٣١)؛ شرح اللمع (١/ ١٥٦).\n(٦) مفهوم الصفة: تقيد اللفظ العام بصفة خاصة؛ نحو: «في سائمة الغنم الزكاة» خص عموم الغنم بصفة السوم، فلا تجب الزكاة إلا في الغنم السائمة. يُنظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٩١)؛ القاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين (ص: ٢٧٩). وحديث «سائمة الغنم الزكاة» قال فيه ابن الملقن: \"لا أعرفه هكذا، نعم معناه موجود في الحديث الآتي: حديث أنس: «وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة» رواه البخاري\". يُنظر: خلاصة البدر المنير (١/ ٢٩١). ويُنظر: صحيح البخاري، ك: الزكاة، ب: زكاة الغنم، (٢/ ٥٢٧/ح: ١٣٨٦).","vol":"1","page":278},{"text":"\"وإذا أتينا على تفصيل المذاهب من الجانبين؛ فلا بد من ذكر حجج الفريقين، والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار\" (١).\nثم أورد أدلة القائلين بمفهوم الصفة، واستدرك عليها، وقال في ختام أدلتهم: \"وإذا أتينا على حجج القائلين بدليل الخطاب وتتبع ما فيها؛ فلا بد من ذكر حجج عول عليها القائلون بإبطال دليل الخطاب، والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار\" (٢).\nوأعقب ذلك بذكر أدلة القائلين بعدم حجية مفهوم الصفة، واستدرك على أدلتهم، ثم قال: \"وإذا أتينا على ما أوردنا من التنبيه على إبطال الحجج الواهية؛ فلا بد من إشارة إلى ما هو المختار في ذلك، وأقرب ما يقال فيه مسلكان ... \" (٣).\n• المثال الثاني:\nقال الآمدي في مفهوم اللقب: \"اتفق الكل على أن مفهوم اللقب ليس بحجة، خلافًا للدَّقاق (٤) وأصحاب الإمام أحمد بن حنبل (٥) - ﵀ -.\n_________\n(١) الإحكام للآمدي (٣/ ٩٢).\n(٢) المرجع السابق (٣/ ١٠١ - ١٠٢).\n(٣) المرجع السابق (٣/ ١٠٨).\n(٤) هو: أبو بكر، محمد بن محمد بن جعفر البغدادي، المعروف بالدقاق، ويلقب بالخياط، فقيه أصولي، تفقه في علوم كثيرة على مذهب الشافعي، من مصنفاته: \"شرح المختصر\"، و\"كتاب في أصول الفقه\"، و\"فوائد الفوائد\"، (ت: ٣٩٢ هـ) في شهر رمضان.\nتُنظر ترجمته في: تاريخ بغداد (٣/ ٢٢٩)؛ طبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٥٥٢)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ١٤٢).\n(٥) ليس هذا مذهب جميع أصحاب الإمام أحمد، فذهب القاضي أبو يعلى إلى أن مفهوم اللقب حجة، وحكاه عن الإمام أحمد، وكذلك الفتوحي، وخالف ابن قدامة والطوفي؛ حيث ذهبا إلى أن مفهوم اللقب ليس بحجة. يُنظر: العدة (٢/ ٤٧٥)؛ روضة الناظر (٢/ ١٣٧)؛ شرح مختصر الروضة (٢/ ٧٧٢)؛ شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٠٩ - ٥١٠).","vol":"1","page":279},{"text":"وصورته: أن يعلن الحكم إما باسم الجنس؛ كالتخصيص على الأشياء الستة بتحريم الربا (١)، أو اسم علم؛ كقول القائل: زيد قائم أو قام.\nوالمختار إنما هو مذهب الجمهور؛ لكن احتج بعض القائلين بإبطاله بحجج لابد من الإشارة إليها، والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار\". ثم بعد أن ذكر أدلة القائلين بإبطاله، واستدراكه عليها، قال في ذكر الدليل الصحيح: \"والمختار في إبطاله ما سبق في المسائل المتقدمة (٢) \" (٣).\n• المثال الثالث:\nوقال أيضًا في مسألة (وقوع التعبد بالقياس شرعًا): \"الذين اتفقوا على جواز التعبد بالقياس عقلًا اختلفوا؛ فمنهم من قال: لم يرد الشرعي به؛ بل ورد بحظره؛ كداود بن علي الأصفهاني وابنه (٤)، والقاشاني، والنهرواني، ولم يقضوا بوقوع ذلك إلا فيما كانت علته منصوصة أو مومى إليها.\nوذهب الباقون إلى أن التعبد الشرعي به واقع بدليل السمع، واختلفوا في وقوعه بدليل العقل، ... ثم الدليل السمعي هل هو قطعي أو ظني؟ اختلفوا فيه؛ فقال الكل:\n_________\n(١) المراد بالأصناف الستة المذكورة في حديث عُبادَة بن الصّامِتِ قال: «سمعت رسُولَ اللهِ - ﷺ - ينْهَى عن بيْعِ الذّهَبِ بِالذّهَبِ، والْفِضَّةِ بِالْفِضّةِ، والْبُرِّ بِالْبرِّ، والشَّعِيرِ بِالشّعِيرِ، والتَّمْرِ بِالتّمْرِ، والْمِلْحِ بالْمِلْحِ، إلا سوَاءً بِسوَاءٍ، عيْنًا بِعيْنٍ، فمَنْ زادَ أو ازْدادَ فقَدْ أرْبَى». يُنظر: صحيح مسلم، ك: المساقاة، ب: الصّرْفِ وبَيْعِ الذّهَبِ بالْوَرِقِ نقْدًا، (٣/ ١٢١٠/ح: ١٥٨٧).\n(٢) أي: المسلكين في مفهوم الصفة، تُنظر في الإحكام للآمدي (٣/ ١٠٨ - ١١٠).\n(٣) يُنظر: المرجع السابق (٣/ ١٢٠).\n(٤) أي: محمد بن داود، سبقت ترجمته (ص: ٢٠٩).","vol":"1","page":280},{"text":"إنه قطعي سوى أبي الحسين البصري؛ فإنه قال: ظني (١)، وهو المختار، وقد احتج على ذلك بحجج ضعيفة لابد من الإشارة إليها، والتنبيه على ضعفها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار\" (٢).\nوحاصل الاستدراك على الأدلة يكون في النقطتين التاليتين:\nأولًا: كون الأدلة في غير محل النزاع.\nثانيًا: ضعف الأدلة المستدل بها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-85> خامسًا: تصحيح خطأ المستدرَك عليه في الاستدلال</span>.\nالاستدلال لغة: طلب دلالة الدليل؛ لأنها استفعال من الدلالة (٣).\nواستدلّ عليه: طلب أن يُدَلَّ عليه، واستدل بالشيء على الشيء: اتخذه دليلًا عليه. (٤)\nوفي الاصطلاح: النظر في الدليل، والتأمل المطلوب به العلم بحقيقة المنظور فيه. (٥)\nومن أمثلة تصحيح الخطأ في الاستدلال: ما جاء في مختصر الروضة عند ذكر أدلة القائلين بحجية القياس: \"القياس اعتبار، والاعتبار مأمور به؛ فالقياس مأمور به.\n_________\n(١) يُنظر: المعتمد (٢/ ٢١٥).\n(٢) الإحكام للآمدي (٤/ ٣٠ - ٣١).\n(٣) يُنظر: الطرة شرح لامية الأفعال (ص: ١٠٢)؛ شذا العرف في فن الصرف (ص: ٢٧).\n(٤) المعجم الوسيط (ص: ٢٩٤) مادة: (دلل).\n(٥) يُنظر: مختصر التقريب والإرشاد (١/ ٢٠٨).","vol":"1","page":281},{"text":"أما الأولى فلغوية (١) -كما سبق (٢) -، وأما الثانية (٣) فلقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا) [الحشر: ٢] ... \" (٤).\nفاستدرك في شرح المختصر على الاستدلال بالآية فقال: \" ... لكن هناك سؤال آخر يُفسد الاستدلال بالآية، وتقريره: أن الأمر بالاعتبار في الآية فعل في سياق الإثبات، والفعل في سياق الإثبات مطلق لا عموم فيه، فالتقدير: اعتبروا اعتبارًا ما، وذلك يحصل بفردٍ من أفراد الاعتبار، ولا يتعيَّن القياس؛ وإنما يصح الاستدلال بها لو كانت عامة ليندرج فيها محل النزاع، وليس الأمر كذلك، وغالب الأصوليين ... - خصوصًا المتأخرين (٥) - يحتجون بالآية على إثبات القياس، وعليها من الإشكال ما قد رأيت\" (٦).\n• سادسًا: تصحيح خطأ المستدرَك عليه في المثال؛ ومن أمثلته:\n• المثال الأول:\nاستدرك البخاري على البزودي في أمثلة الشرط الرابع من شروط القياس،\n_________\n(١) أي: المقدمة الأولى؛ وهي: أن القياس اعتبار، فهي لغوية (أي: طريق معرفتها اللغة). يُنظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٢٥٩).\n(٢) كما سبق، أي: في أول الكلام على القياس، وأنه التقدير والاعتبار. وأيضًا فإن الاعتبار مشتق من العبور؛ وهو المجاوزة، ومنه المعبر؛ لأنه يجاوز بالناس من أحد جانبي البحر إلى الآخر، وعابر المنام؛ لأنه يعبر حال المنام إلى ما يشبهه في اليقظة، وكذلك القياس يجاوز بحكم المنصوص إلى غيره، ويعبر منه إليه، فكان القياس اعتبارًا بحكم الاشتقاق. يُنظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٢٦٠).\n(٣) أي: المقدمة الثانية؛ وهي: أن الاعتبار مأمور به. يُنظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٢٦٠).\n(٤) مختصر الروضة (٣/ ٢٥٩).\n(٥) وممن استدل بهذه الآية الرازي في المحصول (٥/ ٢٦)، واستدرك عليه القرافي في شرح التنقيح (ص: ٢٨٥)، والآمدي في الإحكام (٤/ ٣٧ - ٤١).\n(٦) شرح مختصر الروضة (٣/ ٢٦٠).","vol":"1","page":282},{"text":"وهو: أن يبقى حكم النص المعلل على ما كان قبل التعليل، فقال: \"واعلم أن الأمثلة المذكورة في هذا الفصل ليست بملائمة؛ لأن في جميع هذه الأمثلة حصل تغيير حكم النص الذي في الفرع لا يعتبر حكم النص المعلل في المقيس عليه، فإن طعام الكفارة لم يتغير حكم النص في المقيس عليه؛ وهو الكسوة، وفي قبول شهادة القاذف بعد التوبة لم يتغير حكم المقيس عليه أيضًا، وكذا البواقي.\nفالنظير الملائم ما ذكر في كتاب الحج [المبسوط] (١) في باب جزاء الصيد (٢): أن الشافعي ألحق السباع التي لا يؤكل لحمها بالخمس الفواسق (٣)؛ حتى لو قتل المحرم شيئًا منها ابتداء لا يجب عليه شيء؛ لأن النبي - ﵇ - إنما استثنى الخمس (٤)؛ لأن طبعهن الإيذاء، وكل ما يكون من طبعه الإيذاء كان مستثنى من النص بمنزلة الخمس.\nوقلنا: هذا التعليل باطل؛ لأنا لو جعلنا الاستثناء باعتبار معنى الإيذاء؛ خرج المستثنى من أن يكون محصورًا بعدد الخمس، فكان تغيرًا لحكم النص المعلل بالتعليل.\nوما ذكر المصنف (٥) في شرح الجامع الصغير (٦) أن اشتراط الخيار فوق الثلاثة\n_________\n(١) مضافة من تحقيق رسالة الدكتوراه لكشف الأسرار للبخاري (ص: ٨٧٢).\n(٢) لم يذكر البخاري كتاب المبسوط لمن، وبعد البحث وجدت قول لحاجي خليفة: (المراد بالمبسوط إذا أُطلق في شروح الهداية وغيرها مبسوط السرخسي). يُنظر: كشف الظنون (٢/ ١٣٧٨)، ويُنظر: المبسوط (٤/ ١٣٩).\n(٣) وهي: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور، لحديث عائشة التالي. ويُنظر: الأم (٢/ ١٨٢).\n(٤) الحديث أخرجه البخاري من حديث عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"خمس من الدواب كلهن فاسق، يقتلن في الحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور\". يُنظر: صحيح البخاري، ك: الحج ب: ما يقتل المحرم من الدواب (٢/ ٦٤٩ - ٦٥٠/ح: ١٧٣١ - ١٧٣٢).\n(٥) أي البزدوي، يُنظر: شرح الجامع الصغير للبزدوي (ص: ٤٥٠ - ٤٥٢).\n(٦) الجامع الصغير في الفروع، للإمام محمد بن الحسن الشيباني (ت: ١٨٧ هـ) من كتب ظاهر الرواية عند الحنفية، قال حاجي خليفة: (وهو كتاب قديم مبارك مشتمل على ألف وخمسمائة واثنتين وثلاثين مسألة). كشف الظنون (١/ ٥٦١). وقال اللَكْنَوِيُّ: (لم يزل كتاب مُحَمَّدٍ هذا مطمحًا لأنظار الفقهاء، ومنظرًا لأفكار الفضلاء، فلا يدرى كم من شارح له ومحشّ، ومرتب ومنظم) النافع الكبير (ص: ٤٦).\nوعليه شروح كثيرة منها شرح البزدوي، وقد حقق في رسائل ماجستير في جامعة أم القرى.","vol":"1","page":283},{"text":"أيام يجوز عند أبِي يُوسُفَ (١) ومحمد - رحمهما الله -؛ لأن الخيار للنظر والناس يتفاوتون في الحاجة إلى مدة النظر، فوجب أن يكون ذلك مفوضًا إلى رأيهم. وقال أبو حنيفة - ﵀ - هذا التعليل باطل؛ لأن فيه إبطال حكم النص، وهو التقدير بثلاثة أيام، فلم يكن تعدية لحكم النص مع أن هذه المدة تامة صالحة لاستيفاء النظر ودفع المعين فإذا زيدت المدة ازداد الخطر مع قلة الحاجة إلى النظر. وذكر الشيخ في بيوع الجامع الصغير (٢) أيضًا: أن عبدًا أبق فقال رجل: إن عبدك قد أخذه فلان؛ فبعنيه وصدقه فلان؛ فباعه؛ فالبيع باطل؛ لأن النهي عن بيع الآبق، وإن كان معللًا بالعجز عن التسليم، إلا أنا لو جوزنا بيعه باعتبار أنه مقدور التسليم لكان التعليل مبطلًا للنص؛ لأن هذا العبد آبق في حق المتعاقدين والحكم في المنصوص عليه ثابت بالنص لا بمعناه.\nورأيتُ في بعض نسخ أصول الفقه أن تعليل حرمة الربا في الأشياء الأربعة بالقوت، كما قال مالك - ﵀ - من هذا القبيل (٣)؛ لا قتضائه عدم الحكم\n_________\n(١) هو: أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، صاحب أبي حنيفة، ولي القضاء لثلاثة من الخلفاء: المهدي والهادي والرشيد، وكان إليه تولية القضاء في المشرق والمغرب، وهو أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة وأملى المسائل ونشرها، من مصنفاته: \"الأمالي\"، و\"الرد على مالك بن أنس\"، وكتاب رسالته في \" الخراج\"إلى الرشيد، (ت: ١٨٢ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: الانتقاء في فضائل الأئمة الفقهاء (١٧٢ - ١٧٣)؛ تاريخ الإسلام (١٢/ ٤٩٧ - ٥٠٣)؛ أخبار القضاة (٣/ ٢٥٤ - ٢٦٤).\n(٢) يقصد بالشيخ البزدوي، يُنظر: شرح الجامع الصغير للبزدوي (ص: ٣٩١)\n(٣) اختلف المالكية في علة الربا في الأصناف الستة على أقوال: القول الأول: أن العلة هي الاقتيات والادخار. والمراد بالاقتيات: أن يكون الطعام مقتاتا أي تقوم به البنية، وأما الادخار فيراد به: أن لا يفسد بتأخيره إلا أن يخرج التأخير عن العادة.\nوهذا القول عليه أكثر المالكية، وقال بعض المتأخرين وهو المعول عليه في المذهب، وقال بعضهم: هو المشهور من المذهب.\nوالقول الثاني: أن العلة الاقتيات والادخار وكونه متخذا للعيش غالبا. والقول الثالث: العلة في ذلك كونه مقتاتًا فقط. وهناك أقوال أخرى في المذهب المالكي. يُنظر: تهذيب المسالك (٤/ ٢٣٢ - ٢٣٣)؛ بداية المجتهد (٣/ ١١٦٨ - ١١٦٩)؛ مواهب الجليل (٤/ ٣٤٥ - ٣٤٦).","vol":"1","page":284},{"text":"في الملح\" (١).\n• المثال الثاني:\nاستدرك الإسنوي على البيضاوي في مسألة (أقسام الرخصة) تمثيله للرخصة المباحة بقوله: \"وتمثيل المباح بالفطر لا يستقيم؛ لأنه إن تضرر بالصوم فالفطر أفضل، وإن لم يتضرر فالصوم أفضل، فليست للصوم حالة يستوي فيها الفطر وعدمه، وذلك هو حقيقة المباح ... والصواب تمثيله بالسَّلَمِ (٢)، والعَرَايا (٣)، والإجارة،\n_________\n(١) كشف الأسرار للبخاري (٣/ ٥٩١ - ٥٩٢).\n(٢) السَّلم في اللغة: السَّلف والتَّسليم. يُنظر: الصِّحاح (ص: ٥٠٩)؛ المعجم الوسيط (١/ ٤٤٦) مادة: (سلم).\nوفي الشَّرع: اسم لعقد يوجب الملك للبائع في الثَّمن عاجلًا وللمشتري في المثمن آجلًا.\nفالمبيع يسمى: مسلمًا فيه. والثَّمن يسمى: رأس المال. والبائع يسمى: مسلمًا إليه. والمشتري يسمى: رب السلم. يُنظر: التَّعريفات (ص: ١٦٠)؛ دستور العلماء (٢/ ١٣٠). ويُنظر تعريفه في كتب الفقه: العناية عل الهداية (٧/ ٦٩)؛ مغني المحتاج (٢/ ١٣٤)؛ منتهى الإردات مع شرحه (٣/ ٢٩٦)؛ الفواكه الدواني (٢/ ٩٨).\n(٣) العاريّة: مأخوذة من عار الشيء يعير إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للغلام الخفيف: عيار، وهي منسوبة إلى العارة بمعنى الإعارة. يُنظر: الزهر (١/ ٢٤٠). وقال الجوهري: هي منسوبة إلى العار؛ لأن طلبها عار وعيب، وقيل: هي مشتقة من التعاور؛ من قولهم: اعتوروا الشيء وتعاوروه وتعوروه إذا تداولوه بينهم. يُنظر: الزهر (١/ ٢٤٠)؛ الصحاح (ص: ٧٥٤)؛ لسان العرب (١٠/ ٣٣٤) كلاهما مادة: (عور).\n\nوفي الشرع: إباحة الانتفاع بعين من أعيان المال. وقيل: هي إباحة منافع أعيان يصح الانتفاع بها مع بقاء عينها. وقيل: هي هبة منفعة العين. المطلع (ص: ٢٧٢). وسميت العارية عارية لتعريها عن العوض. يُنظر: أنيس الفقهاء (ص: ٢٥١). ويُنظر تعريفها في كتب الفقه: العناية على الهداية (٩/ ٣)؛ مغني المحتاج (٢/ ٣٤٠)؛ منتهى الإردات مع شرحه (٤/ ٩٩)؛ الفواكه الدواني (٢/ ١٦٨).","vol":"1","page":285},{"text":"والمساقاة (١)، وشبه ذلك من العقود ... \" (٢).\nوبهذا ننتهي من صور التصحيح الكلي.\n• التصحيح الجزئي: تيسر لي الوقوف على صورتين له:\n• أولًا: إطلاق مقيد عبارة المستدرَك عليه.\nالمراد بإطلاق مقيد عبارة المستدرك عليه: أي جعلها مرسلة بدون قيد.\n• المثال الأول:\nقال البيضاوي في مسألة (تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة): \"لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأنه تكليف بما لا يطاق، ويجوز عن وقت الخطاب.\nومنعت المعتزلة، وجوز البصري (٣)، ومنا القَفّال (٤) والدَّقاق\n_________\n(١) المساقاة: مفاعلة من السقي، وهي: أن يدفع الرجل شجره إلى آخر ليقوم بسقيه وعمل سائر ما يحتاج إليه بجزء معلوم له من ثمره. يُنظر: الصحاح (ص: ٥٠١) مادة (سقى)؛ المطلع (ص: ٢٦٢).\nوسميت بالمساقاة لأن السقي من أهم أمرها، وكانت النخيل بالحجاز تسقى نضحًا فتعظم مؤونتها. يُنظر: الزاهر (١/ ٢٤٩). ويُنظر تعريفها في كتب الفقه: العناية على الهداية (٩/ ٤٧٩)؛ مغني المحتاج (٢/ ٤١٥)؛ منتهى الإرادات مع شرحه (٣/ ٦٠٠)؛ الفواكه الدواني (٢/ ١٢٤).\n(٢) نهاية السول (١/ ٧٥).\n(٣) يُنظر: المعتمد (١/ ٣١٦).\n(٤) هو: أبو بكر، محمد بن علي بن إسماعيل، القفال الكبير، الشاشي، كان أواحد عصره في الفقه والكلام والأصول واللغة والأدب، وكان شاعرًا فصيحًا، وعنه انتشر مذهب الشافعي فيما وراء النهر، كان يميل إلى مذهب الاعتزال في أول حياته، ثم رجع عن الاعتزال وأخذ يتلقى مذهب أهل السنة عن الأشعري، وكان الأشعري يتلقى عنه الفقه، من مصنفاته: \"آداب القضاء\"، و\"شرح رسالة الإمام الشافعي\"، و\" محاسن الشريعة\"، (ت: ٣٦٥ هـ) على الصحيح.\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٢/ ١٧٦)؛ الفتح المبين للمراغي (١/ ٢٠١ - ٢٠٢)؛ الأعلام (٧/ ١٥٩).","vol":"1","page":286},{"text":"وأبو إسحاق (١)\nبالبيان الإجمالي فيما عدا المشترك ... \" (٢).\nفاستدرك عليه الإسنوي بقوله: \"وفي النقل عن القفال نظر؛ فقد رأيت في كتاب الإشارة (٣) له: أنه يجب البيان مطلقًا\" (٤).\n• بيان الاستدراك:\nذكر البيضاوي أن مذهب أبي الحسين البصري من المعتزلة ومذهب القفال والدقاق وأبي إسحاق المروزي من الشافعية في مسألة (تأخير البيان عن وقت الحاجة) التفصيل بين أن يكون المجمل ليس له ظاهر يعمل به؛ كدلالة المشترك على أفراده؛ إذ الكل متساوٍ، فليس هناك معنى ظاهر وآخر غير ظاهر، ففي هذه الحالة يجوز تأخير بيان المجمل؛ لأن تأخير بيانه لا يوقع في محذور، وبين أن يكون المجمل له\n_________\n(١) جاء في شرح الإسنوي: أنه أبو إسحاق المروزي. يُنظر: نهاية السول (١/ ٥٧٠).\nوأبو إسحاق المروزي هو: أبو إسحاق، إبراهيم بن أحمد المروزي، نسبة إلى مرو إحدى حواضر خراسان، انتهت إليه رئاسة الشافعية في العراق بعد ابن سُريج، وأقام بها دهرًا طويلًا يدرس ويفتي، ثم انتقل إلى مصر في آخر حياته، وجلس بها مجلس الشافعي، من مصنفاته: \"شرح مختصر المزني\" و\"كتاب الوصايا\" كلاهما في الفقه، و\"الفصول في معرفة الأصول\" في الأصول، (ت: ٣٤٠ هـ)، ودفن بالقرب من مقبرة الشافعي - رحمهما الله -.\nينظر ترجمته في: وفيات الأعيان (١/ ٤)؛ شذرات الذهب (٢/ ٣٥٥)؛ الفتح المبين للمراغي (١/ ١٨٧).\n(٢) المنهاج - مطبوع مع نهاية السول - (١/ ٥٦٨).\n(٣) لم أقف على هذا الكتاب.\n(٤) نهاية السول (١/ ٥٧٠). وذكر الزركشي لفظ القفال من كتابه وموافقته للجمهور. يُنظر: البحر المحيط (٣/ ٥٠١).","vol":"1","page":287},{"text":"ظاهر يعمل به؛ كتأخير بيان التخصيص، وتأخير بيان الأسماء الشرعية؛ إذا استعملت في غير المسميات الشرعية كالصلاة إذا أريد بها الدعاء، وتأخير بيان اسم النكرة إذا أريد بها شيء معين، فيجوز تأخير البيان التفصيلي بشرط وجود البيان الإجمالي وقت الخطاب؛ ليكون مانعًا من الوقوع في الخطأ.\nفيقال مثلًا: المراد مِنْ هذا العام هو الخصوص، وأما البيان التفصيلي - وهو كونه مخصوصًا بكذا - فيجوز تأخيره.\nويقال في المطلق: هذا المطلق مقيد، وأما البيان التفصيلي، وهو كونه مقيدًا بكذا فيجوز تأخيره.\nويقال في الأسماء الشرعية إذا استعملت في غير المسميات الشرعية: هذا اللفظ معنى مجازي أو شرعي، وأما البيان التفصيلي لمعنى اللفظ بكذا فيجوز تأخيره.\nويقال في اسم النكرة: نكرة تدل على فرد معين، وأما البيان التفصيلي لهذا الفرد فيجوز تأخيره.\nفاستدرك الإسنوي على البيضاوي تقييد قول القفال بجواز تأخير البيان في حالة كون المجمل له ظاهر يعمل به؛ حيث وجد في كتاب الإشارة له: أنه يجوز تأخير البيان مطلقًا.\n• المثال الثاني:\nذكر الزركشي في اختلاف الأصوليين في تحديد مذهب الصيرفي في مسألة (العمل بالعام قبل البحث عن مخصص): \"أن إمام الحرمين صور محل الخلاف في صورة خاصة فقال: (إذا وردت الصيغة الظاهرة في اقتضاء العموم ولم يدخل وقت العمل بموجبها؛ فقد قال أبو بكر الصيرفي: يجب على المتعبدين اعتقاد عمومها على جزم، ثم إن كان الأمر على ما اعتقدوه فذاك، وإن تبيَّن أن الخصوص تغير العقد) انتهى.","vol":"1","page":288},{"text":"والصواب في النقل عنه إطلاق العموم؛ سواء قبل حضور وقت العمل به أو بعده؛ بل هو مصرح بالعمل به قبل البحث عن المخصص، ونقل ذلك أيضًا في كتابه البيان في أصول الفقه، وكذلك نقله عن الجمهور كما سبق التصريح به في كلامهم، ولم يقيد أحد منهم النقل عنه بهذه الحالة\" (١).\n• ثانيًا: تقيد مطلق عبارة المستدرَك عليه.\nالمراد بتقيد مطلق عبارة المستدرك عليه: أي تقيد ما يذكره المستدرك بحالة خاصة.\nقال البخاري: \" ... فإن تقيد المطلق تغيير كإطلاق المقيد\" (٢).\nوهذا التغير هو المخالفة بين المستدرك فيه حيث كان مطلقًا، والمستدرك به حيث جعل مقيدًا. وأقرر هذا النوع من الاستدراك بالأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nقال السمعاني في (معاني الحروف): \"أولها: (الواو) وقد ادعى جماعة من أصحابنا أنها للترتيب، وأضافوا القول به إلى الشافعي - ﵀ - ... ونسبة ذلك للشافعي - ﵀ - على الإطلاق لا تصح؛ وإنما نهاية ما نُقل عنه أنه قال في الوضوء حين ذكر الآية (٣): ومن خالف ذلك من الترتيب الذي ذكره الله تعالى لم يجز وضوؤه. (٤)\nوقد شنع عليه محمد بن داود وغيره هذا اللفظ وقالوا: إنَّه خالف اللغة أجمع، وادّعوا عليه الجهل بالنحو.\n_________\n(١) البحر المحيط (٣/ ٤٥).\n(٢) كشف الأسرار للبخاري (٣/ ٥٨٩).\n(٣) وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].\n(٤) يُنظر: الأم (١/ ٣٠).","vol":"1","page":289},{"text":"ووجه الجواب عن هذا: أن الشافعي - ﵀ - ما تعلَّق في إثبات الترتيب بالواو فقط؛ وإنما دليل الترتيب من النظر في معنى الآية على ما ذكرنا في الخلاف\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك السمعاني على جماعة من الشافعية في قولهم: إن معنى (الواو) للترتيب، ونسبة ذلك القول إلى الإمام الشافعي، بحجة قوله: من خالف الترتيب في أعضاء الوضوء المذكورة في الآية بعطف (الواو) لم يجز وضوؤه.\nفذكر السمعاني: أن إطلاق هذه النسبة للشافعي لا تصح، وقول الشافعي في وجوب ترتيب أعضاء الوضوء ليس تعلقًا بمعنى (الواو) فقط؛ بل إن وجوب الترتيب في أعضاء الوضوء ثبت من جهة النظر؛ وهو أن الوضوء عبادة بدنية، ولُوحظ أن جميع العبادات البدنية المشتملة على أفعال مختلفة يُراعى فيها الترتيب؛ كالترتيب في أفعال الصلاة والحج.\nفصار ظاهر معنى (الواو) في آية الوضوء للترتيب، فإيجاب الشافعي للترتيب من باب العمل بالظاهر؛ لأن الظاهر حجة.\nوحمل الشافعي لـ (الواو) في هذا الموضوع على الترتيب لا يدل على إطلاق حمله (الواو) للترتيب؛ وإنما هو مقيد في آية الوضوء لدليل النظر.\n• المثال الثاني:\nقال الآمدي عند حديثه عن تعريف أصول الفقه باعتباره مركبًا إضافيًا: \"اعلم أن قول القائل: (أصول الفقه) قول مُؤلف من مضاف وهو (الأصول)، ومضاف إليه وهو (الفقه)، ولن نعرف المضاف قبل معرفة المضاف إليه، فلا جرم أنه يجب تعريف معنى (الفقه) أولًا، ثم معنى (الأصول) ثانيًا\" (٢).\n_________\n(١) القواطع (١/ ٥٠، ٥٥).\n(٢) الإحكام للآمدي (١/ ١٩).","vol":"1","page":290},{"text":"استدرك عليه الأصفهاني - شارح المحصول - فقال: \"واعلم أن هذا الكلام أسدُّ مما ذكره المصنف (١)؛ غير أن قوله: (لن يعرف المضاف قبل معرفة المضاف إليه) ليس على إطلاقه؛ بل الصواب أن يقال: ولن يعرف المضاف من حيث هو مضاف قبل معرفة المضاف إليه؛ فإن المضاف إليه يمكن معرفة ذاته قبل معرفة المضاف من حيث هو هو، لا من حيث هو مضاف\" (٢).\n• بيان الاستدراك:\nاستحسن الأصفهاني عبارة الآمدي على الرازي؛ إلا أن مع استحسانه لعبارة الآمدي استدرك عليه قوله: (لن يعرف المضاف قبل معرفة المضاف إليه) بأنها ليست على الإطلاق؛ فإن معرفة المضاف إليه ممكنة بالنظر إلى ذاته؛ لا من حيث هو مضاف إليه؛ فالفقه يمكن تعريفه بالنظر إلى ذاته، قبل معرفة المضاف (الأصول).\n• المثال الثالث:\nاستدراك الإسنوي على البيضاوي قوله: (الفصل الثالث: في أحكامه، وفيه مسائل: الأولى: في الواجب المعين (٣) والمخير (٤) ...) (٥). فقال: \"عقد المصنف هذا الفصل لأحكام الحكم الشرعي، وجعله مشتملًا على سبع مسائل، والإمام فخر الإسلام\n_________\n(١) يقصد به الرازي في قوله: \"اعلم أن المركب لا يمكن أن يُعلم إلا بعد العلم بمفرداته؛ لا من كل وجه؛ بل من الوجه الذي لأجله يصح أن يقع التركيب فيه\". المحصول (١/ ٧٨).\n(٢) الكاشف على المحصول (١/ ١٣٤ - ١٣٥).\n(٣) الواجب المعيَّن: هو ما طلب الشارع من المكلف فعله طلبًا جازمًا، وعيَّنه الشارع تعيينًا بأن حدَّد أوصافه وكيفياته وأوقاته. مثاله: الصلوات المفروضة. يُنظر: معجم مصطلحات أصول الفقه (ص: ٤٧١).\n(٤) الواجب المخير: هو ما طلب الشارع من المكلف فعله مبهمًا ضمن أمور معينة، وترك للمكلف اختيار ما يؤدي به هذا الواجب. مثاله: خصال الكفارة. يُنظر: القاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين (ص: ٢٩٤ - ٢٩٥)؛ معجم مصطلحات أصول الفقه (ص: ٤٦٩).\n(٥) منهاج الوصول - مطبوع مع نهاية السول - (١/ ٧٩).","vol":"1","page":291},{"text":"ذكر ذلك في الأوامر والنواهي، وجعل الأربعة الأخيرة (١) من هذه المسائل السبع في الأحكام كما ذكره المصنف، وأما الثلاثة الأولى فجعلها في أقسامه لا أحكامه فقال: النظر الأول في الوجوب، والبحث إما في أقسامه أو أحكامه، أما أقسامه فاعلم أنه بحسب المأمور به ينقسم إلى معين ومخير، وبحسب وقته إلى مضيق (٢) وموسع (٣)، وبحسب المأمور إلى واجب على التعيين (٤) وواجب على الكفاية (٥). (٦)\nهذا كلامه. وذكر مثله صاحب الحاصل (٧) وصاحب التحصيل (٨)، والمصنف جعل الكل في أحكام الحكم وليس بجيد. ثم إنه أطلق الحكم؛ وإنما هي أقسام للوجوب خاصة\".\n_________\n(١) يقصد بالمسائل الأربعة الأخيرة: مسألة: إيجاب الشيء يقتضي إيجاب ما يتوقف عليه، ومسألة: إيجاب الشيء يستلزم حرمة نقيضه، ومسألة: إذا نسخ الوجوب بقي الجواز، ومسألة: الواجب لا يجوز تركه. يُنظر: المحصول (٢/ ١٨٩ - ٢١٤).\n(٢) الواجب المضيق: هو ما طلب الشارع من المكلف فعله طلبًا جازمًا، وحدد له وقتًا يتسع لأدائه وحده فقط، ولا يسع لأداء عبادة أخرى من جنسه. مثاله: صوم شهر رمضان؛ فإن وقته لا يسع لأداء صوم آخر معه. يُنظر: القاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين (ص: ٢٩٦ - ٢٩٧)؛ معجم مصطلحات أصول الفقه (ص: ٤٧١ - ٤٧٢) ..\n(٣) الواجب الموسع: هو ما طلب الشارع من المكلف فعله طلبًا جازمًا، وحدد له وقتًا يسع أداء هذا الواجب، ويسع أداء غيره من جنسه. مثاله: وقت صلاة الظهر؛ فإنه يسع أداء صلاة الظهر والنوافل من الصلاة. يُنظر: المرجعان السابقان.\n(٤) الواجب العيني: هو ما طلب الشارع فعله حتمًا من كل فرد من أفراد المكلفين به. يُنظر: القاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين (ص: ٢٣١ - ٢٣٢)؛ معجم مصطلحات أصول الفقه (ص: ٤٦٨).\n(٥) الواجب الكفائي: هو ما طلب الشارع حصوله، من غير نظر إلى من يفعله، فإذا فعله البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يفعله أثم الجميع: يُنظر: المرجعان السابقان.\n(٦) المحصول (٢/ ١٥٩).\n(٧) (٢/ ٢٤٦).\n(٨) (١/ ٣٠٢).","vol":"1","page":292},{"text":"• بيان الاستدراك:\nاستدرك الإسنوي على البيضاوي أمرين:\nالأول: إطلاقه السبع المسائل في هذا الفصل لأحكام الحكم الشرعي، والصواب: إنما هو في جعل الأربعة الأخيرة منها في الحكم، أما الثلاثة الأولى ففي الأقسام؛ لا الأحكام، وهذا استدراك تصحيح - وقد مر بيانه -.\nالثاني: استدرك عليه إطلاق (أحكامه) على المسائل، والصواب: إنما هي مقيدة لحكم الوجوب؛ وليست جميع أحكام الحكم الشرعي، وهذا استدراك تقييد مطلق.\n• المثال الرابع:\nذكر البيضاوي في مسألة (الواجب المخير) أدلة القائلين بأن الواجب واحد معين قولهم: (وكذا الثواب على الفعل والعقاب على الترك) (١).\nفاستدرك عليه الإسنوي بقوله: \"واعلم أنه لا كلام في أنه يثاب على الكل إذا أتى بذلك معًا، إنما الكلام في ثواب الواجب؛ كما نص عليه في المحصول (٢) والحاصل (٣) وغيرهما، فإطلاق المصنف ليس بجيد\" (٤).\n_________\n(١) منهاج الوصول - المطبوع مع نهاية السول - (١/ ٨٦).\n(٢) وعبارة المحصول: \"أن يستحق عليها ثواب الواجب، فإذا أتى المكلف بكلها؛ فإما أن يستحق ثواب الواجب على كلِّ واحدٍ منها، أو على مجموعها \" (٢/ ١٦٥ - ١٦٦).\n(٣) وعبارة الحاصل: \"أنه إذا أتى بالكل؛ فالثواب الفرض إما على الكل، أو كل واحد، وذلك يجعل الكل واجبًا على التعين، أو على واحد غير معين، وهو باطل؛ لأن استحقاق الثواب أثر معين يستدعي مؤثرًا معينًا\". (٢/ ٢٤٧).\n(٤) نهاية السول (١/ ٨٧).","vol":"1","page":293},{"text":"• المثال الخامس:\nقال الرازي: \"الحق: أنه لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي\" (١).\nفاستدرك عليه القرافي بقوله: \" ... هذه المسألة هكذا على الإطلاق، والذي أعتقده أنه مخصوص بما إذا كان الراوي صحابيًا، شأنه الأخذ عن رسول الله - ﷺ -، فيقال: إنه إذا خالف مذهبه ما رواه يدل ذلك منه على أنه اطلع من رسول الله - ﷺ - على قرائن حالية تدل على تخصيص ذلك العام، وأنه - ﵊ - أطلق العام لإرادة الخاص وحده؛ فلذلك كان مذهبه مخالفًا لروايته، أما إذا كان الراوي مالكًا أو غيره من المتأخرين الذين لم يشاهدوا رسول الله - ﷺ - فلا يتأتى ذلك فيه، مذهبه ليس دليلًا حتى يخصص به كلام صاحب الشرع، والتخصيص بغير دليل لا يجوز إجماعًا\" (٢).\n• المثال السادس:\nذكر الزركشي في مسألة (اقتضاء النهي للفساد) القسم الثاني للنهي: كون الشيء منهيًا عنه لعينه؛ كبيع الملاقيح (٣) والمضامين (٤)، وذكر المذهب الأول: أن النهي يدل على الفساد مطلقًا؛ سواء كان المنهي عنه عبادة أو معاملة. والمذهب الثاني: أن النهي لا يدل على الفساد أصلًا، ويحتاج الفساد إلى دليل غير النهي، وذكر القائلين بهذا، وقال: \"وقد أطلق جماعة آخرهم الصفي الهندي (٥) هذا المذهب عن الحنفية،\n_________\n(١) المحصول (٣/ ١٢٦).\n(٢) شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: ٢١٩).\n(٣) بيع الملاقيح: بيع ما في البطون، وهي الأجنة. يُنظر: التمهيد لابن عبدالبر (ص: ٣٦٣)؛ المبسوط (١٥/ ٨٩)؛ الوسيط (٣/-٧٠)؛ الإنصاف (٤/ ٣٠٠ - ٣٠١). ويُنظر: الصحاح (ص: ٩٥٣)؛ المصباح المنير (٢/ ٥٥٧) مادة: (لقح).\n(٤) بيع المضامين: بيع ما في أصلاب الفحول. يُنظر: التمهيد لابن عبدالبر (ص: ٣٦٣)؛ المبسوط (١٥/ ٨٩)؛ الوسيط (٣/ ٧١)؛ الإنصاف (٤/ ٣٠٠ - ٣٠١). الصحاح (ص: ٦٢٧)؛ لسان العرب (٩/ ٦٤) مادة: (ضمن).\n(٥) يُنظر: نهاية الوصول (٣/ ١١٧٧).","vol":"1","page":294},{"text":"والصواب: أن خلافهم إنما هو في المنهي عنه لغيره (١)، أما المنهي عنه لعينه فلا يختلفون في فساده، وبذلك صرح أبو زيد الدبوسي في تقويم الأدلة (٢)، وشمس الأئمة السرخسي في أصوله (٣)، وقرره ابن السمعاني (٤)، وهو الأثبت؛ لأنه كان أولًا حنفيًّا\" (٥).\n• المثال السابع:\nقال الزركشي في تنبيهه الثالث بعد مسألة (مفهوم الصفة): \"قال بعض مشايخنا: ما أطلقه الأصحاب عن أبي حنيفة من إنكار مفهوم الصفة ليس على إطلاقه، والصواب: أنه هنا أمران:\nأحدهما: أن يَرِدَ دليل العموم، ثم يَرِدُ إخراج فرد منه بالوصف، فهو محل الخلاف؛ كقيام الدليل على وجوب زكاة الغنم مطلقًا، ثم ورد الدليل بتقييدها بالسائمة، فيقول أبو حنيفة: لا تقتضي نفي الحكم عما عداها؛ لقيام دليل العموم فيستصحبه، ولا يجعل للتقييد بالوصف أثرًا معه.\nوالثاني: أن يرد الوصف مبتدأ؛ كما يقول: أكرم بني تميم الطوال، فأبو حنيفة يُوافق على أن غير الطوال لا يجب إكرامهم، فليتفطن لذلك\" (٦).\n_________\n(١) المنهي عنه لغيره ضربان: الأول: ما نهي عنه لمعنى جاوره؛ كالصلاة في الدار المغصوبة. الثاني: ما نهي عنه لمعنى اتصل به وصفًا؛ كصوم يوم النحر؛ فإن النهي لمعنى اتصل بالوقت الذي هو محل الأداء وصفًا؛ وهو أنه يوم عيد. يُنظر: البحر المحيط (٢/ ٤٣٩).\n(٢) يُنظر: تقويم الأدلة (ص: ٥٢ - ٦٠).\n(٣) يُنظر: أصول السرخسي (١/ ٨٠ - ٩٣).\n(٤) يُنظر: قواطع الأدلة (١/ ٢٥٥ - ٢٨٠).\n(٥) البحر المحيط (٢/ ٤٤٣).\n(٦) البحر المحيط (٤/ ٣٥).","vol":"1","page":295},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-86>المطلب الثاني\nاستدراك التكميل، وتطبيقاته</span>\nالتكميل في اللغة: تفعيل من كمل بمعنى صيَّر الشيء كاملًا (١).\nوأصل الكلمة (الكاف والميم واللام) يدل على تمام الشيء، يقال: كَمَلَ الشيء وكَمُلَ فهو كاملٌ: أي: تام. (٢)\nوفرق أبو البقاء الكفوي (٣) بين التتميم والتكميل فقال: \"التتميم: يرد على الناقص فيتممه. والتكميل: يرد على المعنى التام فيكمله، إذا الكمال أمر زائد على التمام، والتمام يقابل نقصان الأصل، والكمال يطابق نقصان الوصف بعد تمام الأصل؛ ولهذا كان قوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) [البقرة: ١٩٦] أحسن من (تامة)؛ لأن التمام من العدد قد عُلم؛ وإنما احتمال النقص في صفاتها.\nوقيل: الكمال: اسم لاجتماع أبعاض الموصوف. والتمام: اسم للجزء الذي يتم به الموصوف\" (٤).\nوالمراد باستدراك التكميل: التعقيب لإتمام جنس المستدرك فيه.\n_________\n(١) وذلك لأن التكميل تفعيل من فعَّل الذي من معانيه: التصيير. يُنظر: الطرة شرح لامية الأفعال (ص: ١٠٠).\n(٢) مقاييس اللغة (٥/ ١٣٩)، ويُنظر كذلك: الصحاح (ص: ٩٢٤)؛ قطر المحيط (ص: ١٨٨٢) الجميع مادة: (كمل).\n(٣) هو: أبو البقاء، أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، نسبه إلى كفه محل ولادته بتركيا، تفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة، وعين قاضيًا في الكفه والقدس وبغداد، من مصنفاته: \"تحفة الشاهان\" باللغة التركية في علم العقائد والفقه والأخلاق، و\" الفروق الكفوية\"، و\"الكليات\"، (ت: ١٠٩٤ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: الأعلام (٢/ ٣٨)؛ معجم المطبوعات (١/ ٢٩٣ - ٢٩٤)؛ معجم المؤلفين (١/ ٤١٨).\n(٤) الكليات (ص: ٢٩٦).","vol":"1","page":296},{"text":"شرح التعريف:\nالتعقيب: جنس يدخل فيه كل تعقيب، وسبق الكلام عنه في حد الاستدراك\nلإتمام: اللام للتعليل، فعلة التعقيب: إتمام جنس عبارة المستدرَك عليه.\nجنس: قيد، فالإتمام هنا من جنس المستدرك فيه، أما إذا لم يكن من جنسه؛ فهو زيادة؛ لا استدراك تكميل.\nومن كلام الكفوي السابق يمكن تقسيم التكميل إلى قسمين:\n١ - تكميل الكمية - وهو ما عبر عنه بالإتمام -.\n٢ - تكميل الكيفية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-87> القسم الأول في التكميل: تكميل الكمية</span>.\nهذا القسم يكون في المعدودات، فالنقص كان في الأصل؛ ومن صوره: تكميل القيود في الحدود، وتكميل الأركان والشروط، وتكميل الأنواع والتقسيمات، وتكميل الأقوال والمذاهب في المسألة، وتكميل الفروق الأصولية.\nأما التمثيل للأقوال والمذاهب فأكتفي بما ذكر سابقًا (١)، وأذكر هنا تمثيل التكميل فيما لم يذكر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-88> ١ - تكميل القيود في الحدود</span>؛ ومن أمثلته:\n• المثال الأول:\nقال ابن الجُزَيّ (٢): (الباب الخامس في الدلالة، وهي ثلاثة أنواع: مطابقة،\n_________\n(١) يُنظر: (ص: ٢٠٠ - ٢٠٦).\n(٢) هو: أبو القاسم، محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن جزي الكلبي، الملقب بـ (لسان الدين ابن الخطيب)، من أهل غرناطة، درس على ابن الشاط صاحب\" إدرار الشروق\" وعلى غيره، كان قائمًا على التدريس، مشاركًا في فنون من عربية، وفقه، وأصول، وقراءات، وأدب، وتفسير، وحديث، من مصنفاته: \"وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم\"، و\"القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية\"، و\" تقريب الوصول إلى علم الأصول\"، فقد ضحى يوم الإثنين (٧٤١ هـ) وهو يحرض المسلمين على قتال النصارى في معركة طريف، وكان عمره (٤٨ سنة).\nتُنظر ترجمته في: الديباج المذهب (ص: ٢٩٥)؛ نفح الطيب (٥/ ٥١٤)؛ شجرة النور الزكية (ص: ٢١٣).","vol":"1","page":297},{"text":"وتضمن، والتزام.\nفدلالة المطابقة هي: دلالة اللفظ على كمال مسماه؛ كدلالة لفظ (البيت) على جميعه (١).\nودلالة التضمن هي: دلالة اللفظ على جزء مسماه؛ كدلالة لفظ (البيت) على سقفه (٢).\nودلالة الالتزام هي: دلالة لفظ (البيت) على لازم مسماه؛ كدلالة (السقف) على الجدار (٣).\nتنبيهات ثلاثة: زاد فخر الدين بن الخطيب قيدًا في دلالة التضمن؛ وهو أن قال: على جزء مسماه من حيث هو جزء، تحرز من دلالة اللفظ بالمطابقة على معنى، وبالتضمن على غيره (٤)؛ كقولنا: حرف لأحد حروف المعنى؛ نحو: ليت، ولعل، وحرف اللام وحدها بمعنى حروف هجاء، فالأول يدل على اللام بالتضمن، والثاني يدل عليها بالمطابقة\" (٥).\n_________\n(١) يُنظر تعريفها كذلك في: معيار العلم (ص: ٣٨ - ٣٩)؛ إيضاح المبهم (ص: ٦ - ٧)؛ آداب البحث والمناظرة (١/ ٢٠).\n(٢) يُنظر: المرجع السابق.\n(٣) يُنظر: المرجع السابق.\n(٤) يُنظر: المحصول (١/ ٢٢٠).\n(٥) تقريب الوصول (ص: ١٠٦ - ١٠٧).","vol":"1","page":298},{"text":"• بيان الاستدراك:\nاستدرك الفخر الرازي قيدًا في دلالة التضمن، ونوع هذا الاستدراك: استدراك تكميلي، وهذه الزيادة هي قوله: (من حيث هو جزء)؛ حيث رأى إضافتها للاحتراز من دلالة اللفظ بالمطابقة على معنى، وبالتضمن على غيره؛ كقولنا في حرف (اللام): حرف لأحد حروف المعنى؛ نحو: ليت، ولعل، فقولنا هذا يدل على اللام بالتضمن؛ حيث إن (اللام) هو الحرف الأول من حروف (ليت) و(لعل)، وقولنا: حرف (اللام) وحدها بمعنى حروف هجاء يدل على اللام بالمطابقة.\n• المثال الثاني:\nقال القرافي في تنقيح الفصول (١) في تعريف الحكم الشرعي: \"الحكم الشرعي هو: خطاب الله تعالى القديم المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير. فالقديم احتراز من نصوص أدلة الأحكام؛ فإنها خطاب الله تعالى وليست حكمًا؛ وإلا اتحد الدليل والمدلول ... \".\nوقال في شرحه (٢): \"إني اتبعت في هذا الحد الإمام فخر الدين (٣) - ﵀ - مع أني غيرت بالزيادة في قولي: (القديم)، ومع ذلك فلفظ الخطاب والمخاطبة إنما يكون لغة بين اثنين، وحكم الله تعالى قديم فلا يصح فيه الخطاب، وإنما يكون ذلك في الحادث، والصحيح أن يقال: كلام الله القديم، فـ (الكلام) لفظ مشترك بين القديم واللساني الحادث كما تقدم فيه حكاية ثلاثة أقوال. وقولي: (القديم) ليخرج الحادث من الألفاظ التي هي أدلة الحكم؛ فإنها كلام الله تعالى وهو متعلق بأفعال المكلفين؛ نحو قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) [البقرة: ٤٣]، فلو كانت حكمًا لاتحد الدليل والمدلول\".\n_________\n(١) (ص: ٦٧)\n(٢) (ص: ٦٧ - ٦٨)؛ ويُنظر كذلك نفائس الأصول (١/ ٢١٨ - ٢١٩).\n(٣) يُنظر: المحصول (١/ ٨٩).","vol":"1","page":299},{"text":"• بيان الاستدراك:\nاستدرك القرافي على الفخر الرازي في حده للحكم الشرعي، ونوع هذا الاستدراك: استدراك تكميلي كمي بزيادة قيد في الحد، وهذه الزيادة هي قوله: (القديم)؛ حيث رأى إضافتها للاحتراز من كلام الله تعالى (١) الحادث؛ وهو القرآن الكريم الذي هو مقتضٍ للأحكام الشرعية؛ من الوجوب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة، فقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، ليس حكمًا شرعيًا؛ بل دليل على الحكم الشرعي القديم - الذي هو المعنى القائم بذات الله تعالى-، وكذلك يقال في جميع آيات القرآن؛ لأنها صفات المخلوقات، تكلم بها جبريل - ﵇ -، ثم النبي - ﷺ -، ثم حملة القرآن، فهي حادثة (٢)؛ لأن كلام الحادث حادث. فكلام الله تعالى يقال على شيئين: الأول: قديم وهو المدلول، والثاني: حادث وهو الدال.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-89> ٢ - تكميل الأركان</span>، ومثاله:\nقال حلولو: \"اعلم أنه لابد للقياس من معرفة أركان القياس، وشروط كل ركن، ولم يتكلم المصنف (٣) فيها إلا على العلة في آخر الكتاب؛ فإنه قد ذكر هناك بعض شروطها، فلنذكر هنا ما أهمله من الأركان وشروطها، ونؤخر الكلام على شروط العلة إلى حيث ذكره.\n_________\n(١) تنبيه: دراسة هذا الاستدراك بناء على عقيدة الأشاعرة، والقرافي والرازي منهم، والصواب في هذه المسألة مذهب أهل السنة والجماعة في أن القرآن كلام الله تعالى، وكلامه تعالى صفة ذات وصفة فعل، فأثبتوا قدم نوع الكلام وتجدد آحاده، فالله تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وهو - ﷿ - يتكلم بصوت يُسمع. ويُنظر هذه المسألة في: المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين (ص: ٢١٧ - ٢٢٤).\n(٢) وعقيدة الأشاعرة هذه باطلة، والصواب ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة بأن ما في المصحف هو كلام الله تعالى حقيقة؛ فلا يجوز أن يقال: ما في المصحف هو كلام الله حكاية، أو يقال: هو عبارة كلام الله، فهناك فرق بين القراءة التي هي فعل القارئ، والمقروء الذي هو قول الباري. يُنظر: شرح العقيدة الطحاوية (١/ ١٧٢ - ٢٠٦).\n(٣) أي القرافي في تنقيح الفصول.","vol":"1","page":300},{"text":"فأقول مستعينًا بالله: اعلم أن أركان القياس أربعة: الأصل، وحكم الأصل، والفرع، والعلة الجامعة\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-90> ٣ - تكميل الشروط</span>؛ ومن أمثلته:\n• المثال الأول:\nبعد أن ذكر الطوفي الشروط الثلاثة للأصل - الذي هو أحد أركان القياس- قال: \"هذا الذي ذُكر في المختصر من شروط الأصل، وقد ذكر الآمدي في المنتهى (٢) أن شروط حكم الأصل تسعة ... \" (٣). فكمل شروط الأصل التي لم تذكر في الروضة، وهذا التكميل كمي.\n• المثال الثاني:\nبعد أن شرح العلاء البخاري الشروط الأربعة التي ذكرها البزدوي قال: \"وزاد بعض الأصوليين شروطًا لم يذكرها الشيخ (٤)؛ منها: ... \" (٥).\nفأكمل بذكر هذه الشروط، وذكر ما يدخل منها في شروط البزودي.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-91> ٤ - تكميل الأنواع والتقسيمات</span>؛ ومثالها:\nقال ابن قدامة في الروضة (٦) في (قوادح العلة): \"قال بعض أهل العلم: يتوجه على القياس اثنا عشر سؤالًا\".\n_________\n(١) التوضيح في شرح التنقيح لحلولو (ص: ٦٨٨).\n(٢) (ص: ١٩٣).\n(٣) يُنظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٣٠١ - ٤٠٤).\n(٤) أي: البزدوي.\n(٥) يُنظر: كشف الأسرار للبخاري (٣/ ٥٤٨ - ٥٤٩).\n(٦) (٢/ ٣٠١).","vol":"1","page":301},{"text":"وقال الطوفي في مختصر الروضة (١): \"والأسئلة راجعة إلى منع أو معارضة؛ وإلا لم يسمع. وذكر بعضهم أنها خمسة وعشرون، وترتيبها أولى اتفاقًا، وفي وجوبه (٢) خلاف، وفي كيفيته أقوال كثيرة\". فلم يذكر من القوادح غير المعارضة والمنع.\nثم زاد في الشرح (٣) على ما في المختصر وأصله فقال: \"قوله: (وذكر بعضهم أنها خمسة وعشرون) سؤالًا، وممن ذكر ذلك الآمدي في المنتهى (٤)، وقد اختلفوا في ذلك اختلافًا كثيرًا أنا ذاكره - إن شاء الله تعالى-\". فذكر خمسة وعشرين قادحًا، وذكر اختلاف العلماء في عددها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-92> ٥ - تكميل الفروق:</span>\nذكر الإمام الرازي في الفرق بين التخصيص والنسخ خمسة أمور؛ وهي:\nالأول: النسخ يرد على كل دليل، والتخصيص يخص الألفاظ.\nالثاني: أن نسخ شريعة بشريعة أخرى يصح، وتخصيص شريعة بشريعة أخرى لا يصح.\nالثالث: أن النسخ رفع حكم بعد ثبوته، والتخصيص ليس كذلك.\nالرابع: المخصص يجوز أن يكون مقارنًا، والناسخ يجب أن يكون متراخيًا.\nالخامس: يجوز التخصيص بخبر الواحد والقياس، ولا يجوز النسخ بهما. (٥)\nفزاد التبريزي عليها ثلاثة فروق؛ وهي:\nالأول: النسخ يتطرق إلى الحكم المعين، والتخصيص لا.\n_________\n(١) (٣/ ٥٦٥).\n(٢) أي: في وجوب ترتيب الأسئلة خلاف.\n(٣) شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٦٦ - ٥٦٨).\n(٤) (ص: ٢٢٨).\n(٥) يُنظر: المحصول (٣/ ٩).","vol":"1","page":302},{"text":"الثاني: يجوز التخصيص بالإجماع، ولا يتصور النسخ به.\nالثالث: التخصيص يتطرق إلى الخبر، والنسخ لا. (١)\nوقد أشار إلى تكميل التبريزي القرافي (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-93> القسم الثاني في التكميل: تكميل الكيفية</span>.\nوهذا القسم يكون في الصفات، فالنقص في الوصف بعد تمام الأصل، وأقرره في النقاط التالية:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-94> ١ - تكميل صيغة التفضيل:</span>\nفالنقص في عبارة المستدرَك عليه في الوصف الأفضل؛ وليس في العدد، وقد سبق بيان ذلك وذكر أمثلته. (٣)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-95> ٢ - تكميل ذكر الفوائد:</span>\nفالنقص في عبارة المستدَرك عليه في أوصاف لم يذكرها؛ وليس في العدد.\nقال الطوفي: \" ... فهذه التعريفات ذكرت للشبه (٤)، ذكرناها تكملة للفائدة، ثم عدنا إلى ما في المختصر\" (٥).\nوقد مضى بيان هذا النوع من التكميل وإيراد أمثلته. (٦)\n_________\n(١) يُنظر: تنقيح المحصول للتبريزي (٢/ ٢٦٠ - ٢٦١)، مع التنبيه أن التبريزي حذف من فروق الرازي: الثاني والثالث.\n(٢) يُنظر: نفائس الأصول (٤/ ١٩٣٦).\n(٣) يُنظر: (ص: ٢٠٦ - ٢١٢).\n(٤) أي قياس الشبه. وعرفه في المختصر: إلحاق الفرع المتردد بين أصلين بما هو أشبه منهما؛ كالعبد المتردد بين الحر والبهيمة، والمذي المتردد بين البول والمني. يُنظر: مختصر الروضة (٣/ ٤٢٤).\n(٥) شرح مختصر الروضة (٣/ ٤٢٧).\n(٦) يُنظر: (ص: ٢١٢ - ٢١٤).","vol":"1","page":303},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-96> ٣ - تكميل الترتيب:</span>\nغير المرتب نفعه ناقص، وهذا النقص من جهة الكيف، ويكتمل نفعه بالترتيب،\nوترتيب الموضوعات الأصولية لم يكن اعتباطًا؛ بل كان بناء على تصور العلم؛ إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، \"فالتصور العام مهم لكل عمل علمي\" (١)، ولا بد من ترتيب منطقي للموضوعات، فيقدم ما حقه التقديم، ويؤخر ما حقه التأخير، وفي ذلك يقول الطوفي: \"وهي طريقة الحكماء الأوائل وغيرهم، لا تكاد تجد لهم كتابًا في الطب أو فلسفة إلا وقد ضُبِطَتْ مقالاتُه وأبوابُه في أوله؛ بحيث يقف الناظر الذكي من مقدمة الكتاب على ما في أثنائه من تفاصيله\" (٢).\nوقد مر معنا أن من أنواع النقد: نقد المنهج بعدم الترتيب، وأمثلة هذا النوع (٣)، فنجد الشراح والمختصرين ينتقدون ترتيب بعض الموضوعات، وربما تصرفوا فغيروا في الترتيب؛ كما فعل ابن قدامة في تغيير ترتيب الروضة التي تعتبر مختصرًا للمستصفى كما ذكر الطوفي (٤).\nوكما فعل ابن رشيق عند اختصاره للمستصفى من تقديم وتأخير في ترتيب المسائل (٥).\nوذكر أبو الحسين البصري في سبب تأليفه للمعتمد: \"ثم الذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب في أصول الفقه بعد شرحي كتاب العمد (٦) واستقصاء القول فيه\n_________\n(١) يُنظر: الفكر الأصولي (ص: ٣٢٩).\n(٢) يُنظر: شرح الروضة (١/ ٩٨).\n(٣) يُنظر: (ص: ٢٢٧ - ٢٢٨).\n(٤) يُنظر: المرجع السابق.\n(٥) لباب المحصول (١/ ١٢٤ - ١٢٥).\n(٦) العمد في أصول الفقه، للقاضي عبدالجبار بن أحمد الهمذاني.","vol":"1","page":304},{"text":"أني سلكت في الشرح مسلك الكتاب في ترتيب أبوابه، وتكرار كثير من مسائله، وشرح أبواب لا تليق بأصول الفقه من دقيق الكلام، ... فطال الكتاب بذلك، وبذكر ألفاظ العمد على وجهها، وتأويل كثير منها.\nفأحببتُ أن أؤلف كتابًا مرتبة أبوابه غير مكررة، وأعدل فيه عن ذكر ما لا يليق بأصول الفقه من دقيق الكلام؛ إذ كان ذلك من علم آخر لا يجوز خلطه بهذا العلم وإن يعلق به من وجه بعيد ... \" (١).\nفكان ترتيب الأبواب من الدوافع التي دفعت أبا الحسن لتأليف المعتمد\nاستدراكًا على ما حصل من عدم الترتيب في شرحه للعمد؛ لأنه في الشرح مقيد بالعمد.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-97> ٤ - تكميل الاختصار:</span>\nيُعد الاختصار من باب التكميل الكيفي لأصله؛ وذلك لأن الأصل قد يشتمل على عبارات تسبب تشتيت الذهن، أو يرد عليها اعتراضات.\nوليس كل اختصار من باب الاستدراك؛ بل الاختصار الذي فيه تهذيب عبارة الأصل، وحذف الزوائد والمكررات التي توقع في اللَّبْس، وتصوب الخطأ.\nومن هنا تظهر أهمية عمل منقحي الأصول؛ حيث اختصروا المطولات بعبارات موجزة واضحة.\nقال التبريزي: \"حذفت زوائده (٢)، ورصعت (٣) فوائده، وما وجدت في\n_________\n(١) المعتمد (١/ ٣).\n(٢) أي محصول الرازي.\n(٣) الترصيع: التركيب والتنظيم، يقال: تاج مرصع بالجوهر: أي محلى بالرصائع (وهي حلق يحلى بها). ويقال: رصع العقد بالجوهر: نظمه فيه، وضم بعضه على بعض. يُنظر: الصحاح (ص: ٤٠٩)؛ لسان العرب (٦/ ١٦٢) مادة (رصع).\nفكأن التبريزي أضاف إلى فوائد الرازي فوائد أخرى، فظهرت الفائدة أكثر. يُنظر: تحقيق تنقيح المحصول للخطيب التبريزي هامش (٢) من (١/ ١).","vol":"1","page":305},{"text":"مطاويه من قول لا أرتضيه قررت الحق فيه على ما يقتضيه، من غير تزييف لمقاله (١)؛ إلا إذا خفت وبالًا من إهماله\" (٢).\nوقال ابن رشيق المالكي: \"ومن جملة المصنفات جليلة المقدار، العظيمة الجدوى في هذا العلم: الكتاب المستصفى، تصنيف الشيخ الفقيه الإمام زين الإسلام حجة الشريعة أبي حامد بن (٣) محمد الغزالي الطوسي ... إلا أنه ربما زاد بسطًا يقتضي للطالب ملالًا، ويوجب له إهمالًا، ينتج عنه إخلالًا واختلالًا؛ فإن همم المستفيدين في هذا الزمن فاترة، ورغبتهم في العناية بالعلوم قاصرة، والمقصود: التوصلُ إلى مقاصد العلوم بأبلغ لفظ، وأدل منظوم، فقصدت إلى تلخيص معانيه، وتحرير مقاصده ومبانيه، وحذف ما يوجب الملال، ويقتضي الكلال والإملال؛ رغبة في تقليل حجمه، وإعانة للطالب على حفظه بصغر جرمه، مع التنبيه على ما يتعين التنبيه عليه، والتنكيت (٤) بما لا بد من الإشارة إليه\" (٥).\nوقال السراج الأرموي مختصر المحصول: \" ... ثم إن بعض من صدقت رغبته، وتكاملت فيما يحتويه محبته، التمس مني أن أسهل طريق حفظه (٦)؛ بإيجاز لفظه، ملتزمًا الإتيان بأنواع مسائله، وفنون دلائله، مع زيادات منا مكملة، وتنبيهات على مواقع منه مشكلة ... \" (٧).\n_________\n(١) أصل التزييف، من زيفت الدراهم: إذا ردت لظهور الغش فيها. وزَيَّفَ قوله أو رأيهُ: فَنَّدَهُ وأظهر باطله. يُنظر: لسان العرب (٧/ ٨٩)؛ المعجم الوسيط (ص: ٤٠٩) مادة: (زيف).\n(٢) تنقيح المحصول للتبريزي (١/ ١ - ٢).\n(٣) لعل الأولى حذف (بن)، فيصبح أبي حامد محمد الغزالي؛ فيذكر بكنيته واسمه، أولى من كنيته واسم والده.\n(٤) النُّكتة: المسألة الدقيقة، أخرجت بدقة نظر وإمعان فكر، من نكت رمحه في بالأرض إذا أثر فيها؛ لتأثر الخواطر باستنباطها. يُنظر: أقرب الموارد (٢/ ١٣٤٢) مادة (نكت)؛ التعريفات (ص: ٣١٦).\n(٥) لباب المحصول في علم الأصول (١/ ١٨٨).\n(٦) أي محصول الرازي.\n(٧) التحصيل (١/ ١٦٣).","vol":"1","page":306},{"text":"ويؤكد أن فعل السراج باختصاره إنما هو تكميل لنفع المحصول: ما ذكره بدر الدين التستري (١) في مقدمة كتابه حل عقد التحصيل (٢): \" ... فوجدته مشتملًا على فوائد هذه الصناعة، وعيون قلائد هذه البضاعة، متضمنًا لأقسام الحسن والكمال، مستحقًا لصرف الهمة إليه في الأيام والليالي؛ لما فيه من حُسن النظم مع صغر الحجم، واختصاصه بإيرادات لطيفة، ونكات ظريفة من قبله مكملة، تدل على جودة قريحة موردها، وكثرة تحقيقه، وقوة مظنته، وشدة تدقيقه\".\nوقال الطوفي في مختصره على الروضة (٣): \" ... وأسألك التسديد في تأليف كتاب في الأصول، حجمه يقصر وعلمه يطول، متضمن ما في الروضة القدامية، الصادرة عن الصناعة المقدسية، غير خالٍ من فوائد وزوائد، وشوادر (٤) فرائد، في المتن والدليل، والخلاف والتعليل، مع تقريب الإفهام على الأفهام، وإزالة اللَّبْس عنه مع الإبهام ... \".\nفهم مع الاختصار يناقشون ويستدركون على ما جاء في الأصل.\n_________\n(١) هو: محمد بن أسعد التستري- نسبة إلى تستر مدينة بالقرب من شيراز بإيران-، بدر الدين، الفقيه الشافعي، الأصولي المنطقي، شيخ جمال الدين الإسنوي، من مصنفاته: \"حل عقد التحصيل\"، و\" شرح مختصر ابن الحاجب\"، (ت: ٧٣٢ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: شذرات الذهب (٦/ ١٠٢)؛ الفتح المبين للمراغي (٢/ ١٣٧)؛ أصول الفقه تاريخه ورجاله (ص: ٣١٤).\n(٢) هذا الكتاب ليس شرحًا مستغرقًا لكتاب التحصيل؛ بل موضح لبعض ما ورد مبهمًا غامضًا في التحصيل. وتوجد له نسخة في دار الكتب المصرية برقم (١٤ م أصول الفقه)، اللوح الأول، وللكتاب نسخ أخرى ذكرها محقق التحصيل د. أبو زنيد في قسم الدراسة للتحصيل (١/ ١٢٨ - ١٢٩).\n(٣) (١/ ٩٢، ٩٦).\n(٤) شوادر: جمع شاردة، أي: فائدة أو نكتة شاردة؛ يعني خارجة عن الروضة ليست فيها، أو عن فهم كثير من مؤلفي الكتب، والناس لم ينتبهوا لها، يقال: شرد البعير والناقة: إذا نفرا، والشريد: الطريد، وهو مستلزم للخروج، وهذا مستعار من ذلك. يُنظر: شرح مختصر الروضة (١/ ٩٥).","vol":"1","page":307},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-98> ٥ - تكميل حذف المكررات:</span>\nالمكرر ناقص النفع؛ لأنه يشتت ذهن القارئ، وقد يسبب له اللَّبْس والملل الذي يوجب الإهمال، فلا يكتمل النفع إلا بحذف المكرر.\nويمكن تقريره بما ذكره أبو الحسين البصري من دوافع تأليفه للمعتمد: \"ثم الذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب في أصول الفقه بعد شرحي كتاب \"العُمد\" واستقصاء القول فيه: أني سلكتُ في الشرح مسلك الكتاب في ترتيب أبوابه، وتكرار كثير من مسائله، ... فأحببتُ أن أؤلف كتابًا مرتبة أبوابه غير مكررة ... \" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-99> ٦ - تكميل حذف الزيادات:</span>\nالمراد بالزيادات: ما كان من غير جنس أصول الفقه. وذكرها انشغال عن المقصود.\nويمكن تقريره أيضًا بما ذكره أبو الحسين البصري: \"ثم الذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب في أصول الفقه بعد شرحي كتاب العمد، واستقصاء القول فيه، أني سلكت في الشرح مسلك الكتاب في ترتيب أبوابه، وتكرار كثير من مسائله، وشرح أبواب لا تليق بأصول الفقه من دقيق الكلام؛ نحو القول في أقسام العلوم، وحد الضروري منها والمكتسب، وتوليد النظر العلم، ونفي توليده النظر، إلى غير ذلك، فطال الكتاب بذلك، وبذكر ألفاظ العمد على وجهها، وتأويل كثير منها، فأحببتُ أن أؤلف كتابًا مرتبة أبوابه غير مكررة، وأعدل فيه عن ذكر ما لا يليق بأصول الفقه من دقيق الكلام؛ إذ كان ذلك من علم آخر لا يجوز خلطه بهذا العلم، وإن يعلق به من وجه بعيد؛ فإنه إذا لم يجز أن يُذكر في كتب الفقه التوحيد والعدل وأصول الفقه - مع كون الفقه مبنيًا على ذلك مع شدة اتصاله به-؛ فبأن لا يجوز ذكر هذه الأبواب في أصول الفقه على بُعد تعلقها بها ومع أنه لا يقف عليها فهم الغرض بالكتاب أولى.\n_________\n(١) المعتمد (١/ ٣).","vol":"1","page":308},{"text":"وأيضًا فإن القارئ لهذه الأبواب في أصول الفقه إن كان عارفًا بالكلام فقد عرفها على أتم استقصاء وليس يستفيد من هذه الأبواب شيئًا، وإن كان غير عارف بالكلام صعب عليه فهمها وإن شرحت له، فيعظم ضجره وملله؛ إذ كان قد صرف عنايته وشغل زمانه بما يصعب عليه فهمه، وليس بمدرك منه غرضه، فكان الأولى حذف هذه الأبواب من أصول الفقه\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-100> ٧ - تكميل الشرح:</span>\nوليس معنى هذا أن جميع الشروح من قبيل الاستدراك؛ ولكن الشارح قد يستدرك على صاحب المتن في عبارته، أو أسلوبه، أو توجيهه، أو ترتيبه، أو تدوينه، أو يقيد مطلق عبارته، أو يطلق المقيد من عبارته، فكل هذه الفوائد من الشارح تعد من قبيل التكميل الكيفي.\nومن ذلك ما قاله القرافي في شرحه للمحصول: \" ... فاستخرت الله تعالى في أن أضع له شرحًا أودعه بيان مشكله، وتقييد مهمله، وتحرير ما اختل من فهرسة مسائله، والأسئلة الواردة على متنه (٢) ... ولا أورد من الأسئلة إلا ما هو حق عندي لا جواب عنه، أو ما عنه جواب؛ غير أن كثيرًا من الفضلاء يعسر عليهم الجواب عنه، فأذكره لجوابه لا لذاته، ولِيُحترز منه، ويُتنبه به على أمثاله (٣) ... وأبدأ بالمحصول، فإذا تلخص كلامه وما عليه؛ ثنيت بمختصراته، فإن زاد بعضها لفظًا، أو غيَّر وضعًا، فأذكر ما يتعلق بذلك التغيير أو بتلك الزيادة من إيراد وتحرير وغير ذلك، ثم أثلث بتصانيف الناس المتقدم ذكرها، فأنقل ما فيها جميعها في كل مسألة تكون فيها زيادة فائدة إن وجدتها ... \" (٤).\n_________\n(١) المعتمد (١/ ٣).\n(٢) نفائس الأصول (١/ ٩١).\n(٣) المرجع السابق (١/ ٩٦).\n(٤) المرجع السابق (١/ ٩٧).","vol":"1","page":309},{"text":"والمطلع لكتاب نفائس الأصول يجد القرافي مستدركًا أكثر من كونه شارحًا.\nومن ذلك أيضًا ما قاله الإسنوي في شرحه على المنهاج: \" ... فاستخرت الله تعالى في وضع شرح عليه، موضح لمعانيه، مُفصحٍ عن مبانيه، مُحررٍ لأدلته، مقررٍ لأصوله، كاشف عن أستاره، باحث عن أسراره، منبهًا فيه عن أمور أخرى مهمة: أحدها: ذكر ما يرد عليه من الأسئلة التي لا جواب عنها، أو عنها جواب ضعيف. الثاني: التنبيه على ما وقع فيه من الغلط في النقل (١) \". إلى آخر كلامه الذي يتضح فيه أنه لم يكن مجرد شارح؛ بل كان مستدركًا مصححًا للغلط، كاشفًا عن اللَّبْس، مكملًا للنقص.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-101> ٨ - تكميل الحاشية:</span>\nالحاشية من كل شيء: جانبه وطرفه (٢)، وحاشية الكتاب: ما علق على الكتاب من زيادات وإيضاح، وتجمع على حواشي (٣).\nفالمحشي أثناء تعليقه على الكتاب يستدرك عليه بتكميل فائدة من زيادات فاتت المصنف، وإيضاحات لعبارات يكتنفها اللَّبْس.\nوأقرر ذلك بكلام المحشين من علماء الأصول:\nقال التفتازاني في حاشيته على شرح العضد الإيجي (٤): \" ... وكأنهم احتظوا مني في بعض مظان اللَّبْس ومواقع الارتياب بما يفيد المرام، ويميط الحجاب، فالتمسوا تعليق حواش تزيل فضل القناع، وتزيد طالبيه بعض الاطلاع، ... استخرت الله وأخذت في ضبط ما أحطت به من الفوائد، ونظم ما جمعته من الفرائد. وجُلّ مرمى\n_________\n(١) نهاية السول (١/ ٣ - ٥).\n(٢) يُنظر: لسان العرب (٤/ ١٣٥) مادة (حاشا).\n(٣) يُنظر: المعجم الوسيط (ص: ١٧٧) مادة: (حشا).\n(٤) (١/ ١٦ - ١٧).","vol":"1","page":310},{"text":"غرضي كشف الغطاء عما تحت عبارته من لطائف الاعتبارات، وخفايات الإشارات، إلى حل الشكوك والشبهات والإيماء إلى ما عليه الشروح من الاعتراضات ... \".\nوقال المُطِيْعِي في حاشيته على نهاية السول (١): \" ... طلب مني بعض أفاضل أهل العلم أن أكتب على شرح الإسنوي المسمى بنهاية السول على منهاج الوصول للعلامة القاضي البيضاوي تقييدات لطيفة، وتحقيقات شريفة، توضح ما أشكل على الطلاب في هذا العصر من معانيه، وتشتمل على الجواب عما استشكله على المنهاج ولم يجب عنه فيه، مع بيان ما كان حقًّا من الاعتراض، بدون ميل عن الحق ولا إعراض، وغير ذلك مما تدعو إليه حاجة الناظرين؛ لإحقاق الحق، وتمييز الصواب من الخطأ ... \".\n• تنبيهات لاستدراك التكميل:\n١ - الفرق بين تكميل الاختصار، وتكميل حذف المكرر، وتكميل حذف الزيادات:\nأولًا: الفرق بين تكميل الحذف -سواء كان حذف مكرر أو زيادة- وتكميل الاختصار:\nتكميل الحذف يتعلق بالألفاظ، فيكون في الموجود دلالة على المحذوف، فيقتصر عليه طلبًا للاختصار؛ كقوله تعالى: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢] أي: أهل القرية؛ فإن السؤال يتعلق بأهلها، والقرية تدل على المحذوف.\nوأما تكميل الاختصار فيرجع إلى المعاني؛ وهو أن يؤتى بلفظ مفيد لمعان كثيرة لو عبر بغيره لاحتاج إلى أكثر من ذلك اللفظ؛ كقوله تعالى: (اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ) [البقرة: ٦٠]. المعنى: فضربها فانفجرت.\n_________\n(١) سلم الوصول لشرح نهاية السول (١/ ٣).","vol":"1","page":311},{"text":"وعلى هذا فبين تكميل الحذف وتكميل الاختصار عموم وخصوص، فكل تكميل حذف تكميل اختصار، وليس العكس (١).\nثانيًا: الفرق بين تكميل حذف المكرر وتكميل حذف الزيادات: اختلاف في المحذوف، ففي تكميل حذف المكرر المحذوف هو المكرر، وفي تكميل حذف الزيادات المحذوف هو الزيادة.\n٢ - لا يمتنع اجتماع أنواع مختلفة من استدراك تكميل الكمية في المسألة الأصولية الواحدة. (٢)\n٣ - لا يمتنع اجتماع تكميل الكمية وتكميل الكيفية في المسألة الأصولية الواحدة (٣)، وكذلك تكميل الكيفية (٤).\n_________\n(١) يُنظر: معجم الفروق اللغوية (ص: ١٧٩ - ١٨٠).\n(٢) كاستدراك حلولو على القرافي في استكمال الأركان القياس وشروطها السابق ذكره في (ص: ٣٠٠).\n(٣) كفعل مختصري المصنفات؛ حيث كان استدراكهم من باب تكميل الكيفية، ورغم ذلك وجد تكميل للكمية في مسائل. وسبق ذكر كلام السراج الأرموي في اختصاره للمحصول عند قوله: \" ... مع زيادات منا مكملة ... \". يُنظر: التحصيل (١/ ١٦٣).\n(٤) يُنظر: تكميل الشرح (ص: ٣٠٩)، وتكميل الحاشية (ص: ٣١٠).","vol":"1","page":312},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-102>المطلب الثالث\nاستدراك الفرق، وتطبيقاته</span>\nمادة (الفاء والراء والقاف) أصل صحيح يدل على تمييز وتزييل (١). والفرق: تباعد ما بين الشيئين (٢).\nوالمراد بعلم الفروق الأصولية في الاصطلاح: علم بوجوه الاختلاف بين قاعدتين أو مصطلحين أصوليين متشابهين في تصويرهما، أو ظاهرهما؛ لكنهما مختلفان في عدد من أحكامها (٣).\nومما سبق يمكن حد استدراك الفرق بأنه: التعقيب بتمييز القاعدتين أو المصطلحين الأصوليين المتشابهين في الصورة أو المعنى، المختلفين حكمًا.\nشرح التعريف:\nالتعقيب: جنس يدخل فيه كل تعقيب، وسبق الكلام عنه في حد الاستدراك.\nبتمييز: نوع في الحد، مستفاد من أصل المادة اللغوي.\nالقاعدتين أو المصطلحين: موضوع ومحل هذا النوع من التعقيب.\nالأصوليين: قيد يخرج القاعدتين أو المصطلحين غير الأصوليين.\nالمتشابهين في الصورة أو المعنى: قيد ثان، فالتمييز للقاعدتين أو المصطلحين المتشابهين في الصورة أو المعنى، فيخرج بهذا القيد القاعدتان أو المصطلحان المتباينان تمامًا؛ إذ لا يتصور بيان التمييز بين ما هو مميز.\n_________\n(١) مقاييس اللغة (٤/ ٤٩٣) مادة (فرق).\n(٢) الصحاح (ص: ٨٠٩)؛ لسان العرب (١١/ ١٦٩) مادة: (فرق).\n(٣) وهذا تعريف د. يعقوب الباحسين في الفروق الفقهية والأصولية (ص: ١٣١).","vol":"1","page":313},{"text":"المختلفين حكمًا: قيد ثالث، فالتميز للقاعدتين أو المصطلحين المتشابهين في الصورة أو المعنى المختلفين حكمًا، وذلك ببيان ما تجتمع وتختلف فيه، ويخرج بهذا القيد المتشابه حكمًا؛ لأنه لا يتصور التمييز بين المتشابهين صورة وحكمًا؛ إذ لا وجه للتمييز بينهما.\nويتضح استدراك الفرق من الأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nذكر الباجي في مسألة (إذا علق الأمر بشرط أو صفة) دليل القائلين بأنه يقتضي التكرار بقوله: \"أما هم فاحتج من نصر قولهم بأن الحكم إذا وجب تكراره لِتَكرر علته وجب تكراره لتكرر شرطه؛ لأن الشرط كالعلة\".\nفاستدرك عليهم هذا الاستدلال ببيان الفرق بين الشرط والعلة فقال: \"والجواب: أن العلة دلالة تقتضي الحكم فيتكرر بتكررها، والشرط ليس بدلالة على الحكم؛ ألا ترى أنه لا يقتضيه؛ وإنما هو مصحح له؛ فبان الفرق بينهما\" (١).\n• المثال الثاني:\nذكر السمعاني في مسألة (الأمر المطلق هل يفيد التكرار أو المرة؟) دليل القائلين بأنه يفيد التكرار: \"لأنَّ الأمر ضد النهي، وهو في طلب الفعل مثل النهي في طلب الكف عن الفعل. ثم النهي يفيد التكرار وكذلك الأمر؛ حتى لو ترك الفعل مرة ثم فعله يكون مرتكبًا للنهي، كذلك هاهنا إذا فعل المأمور به مرَّةً ثم لم يفعله يكون تاركًا للأمر\" (٢).\nفاستدرك عليهم ببيان الفرق بين الأمر والنهي بقوله: \"وأما تعلقهم بالنهي واعتبارهم الأمر بذلك فغير صحيح؛ فإنه يمكن أن يقال: أولًا: لا نسلم أن النهي\n_________\n(١) إحكام الفصول (١/ ٢١١).\n(٢) القواطع (١/ ١١٥ - ١١٦).","vol":"1","page":314},{"text":"يقتضي التكرار؛ لأن معنى التكرار أن يفعل فعلًا وبعد فراغه منه يعود إليه، وهذا لا يوجد في النهي؛ لأن الكف مرة واحدة مستدام وليس بأفعال مكررة، بخلاف الأمر؛ فإنه يوجد أفعال متكررة على ما ذكرنا. والأمر فيه دليل على الفعل، وليس فيه دليل على إعادة الفعل بعد الفراغ منه.\nوعلى أنه إن ثبت الفرق الذي قالوه فيقال: لا فرق بينهما لغة؛ فإن واحدًا منهما لا يفيد التكرار لغة؛ وإنما افترقا من حيث العرف؛ فإن من قال لغلامه: افعل كذا واخرج إلى السوق؛ فإن هذا الأمر يقتضي أن يفعل مرة فقط. وإذا قال: لا تخرج أو لا تفعل؛ يقتضي هذا النهي أن لا تفعل أبدًا. فالفرق كان من حيث العرف؛ لا من حيث اللغة.\nوقد قال بعض أصحابنا في الفرق بين الأمر والنهي: إن في حمل الأمر على التكرار ضيقًا وحرجًا يلحق الناس؛ لأنه إذا كان الأمر يقتضي الدوام عليه لم يتفرغ لسائر أموره، وتتعطل عليه جميع مصالحه. وأما النهي لا يقتضي إلا الكف والامتناع، ولا ضيق ولا حرج في الكف والامتناع؛ وهذا لأن الوقت لا يضيق عن أنواع الكف، ويضيق عن أنواع الفعل.\nوهذا الفصل (١) يضعف؛ لأن الكلام في مقتضى اللفظ في نفسه، وأما التضايق وعدم التضايق معنى يوجد من بعد، وربما يوجد وربما لا يوجد، فلا يجوز أن يعرف مقتضى اللفظ منه. وعلى أنه يلزم على هذا الفصل أن يقتضي الأمر الفعل على الدوام إلا القدر الذي يتعذر عليه ويمنعه من قضاء حاجته، وهذا لا يقوله أحد.\nوقد بيَّنَّا الفرق بين الأمر والنهي في قولنا: إن الأمر لا يقتضي فعلًا على وجه التنكير، وهو ما يخص في الأمر ويعم في النهي، وهو جواب معتمد.\nوأيضًا فإنه يمكن أن نفرق بينهما بالمسائل التي ذكرناها في البر والحنث،\n_________\n(١) أي قول بعض الأصحاب من الشافعية في التفريق بين الأمر والنهي.","vol":"1","page":315},{"text":"وكذلك مسائل الوكالات (١) \" (٢).\n• المثال الثالث:\nقال الإسنوي في خبر العدل الواحد: \"قوله (٣): (الثالث) أي الدليل الثالث على وجوب العمل بخبر الواحد: القياس على الفتوى والشهادة، والجامع: تحصيل المصلحة المظنونة، أو دفع المفسدة المظنونة.\nوفرق الخصم بأن الفتوى (٤) والشهادة (٥) تقتضيان شرعًا خاصًّا ببعض الناس، والرواية تقتضي شرعًا عامًّا للكل، ولا يلزم من تجويزنا للواحد أن يعمل بالظن الذي قد يخطئ ويصيب أن نجوز ذلك للناس كافة\" (٦).\n_________\n(١) إشارة إلى قوله: \"وقد قال الأصحاب: إن الطاعة والمعصية في الأوامر على مثال البر والحنث في الأيمان، ثم البر والحنث في الأيمان يحصل في الفعل مرة، والأمثلة معلومة. كذلك الطاعة والمعصية في الأوامر، وعلى هذا أوامر العباد في قولهم: طلق، وأعتق، وبع، واشتر، وتزوج؛ فإن في هذه الصورة يحصل الامتثال بفعل المأمور مرة واحدة\". القواطع (١/ ١١٩).\n(٢) المرجع السابق (١/ ١٢٠ - ١٢٢).\n(٣) أي القاضي البيضاوي في المنهاج.\n(٤) الفتوى والفتيا: الجواب عما يسأل عنه من المسائل. يُنظر: أنيس الفقهاء (ص: ٣٠٩)؛ القاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين (ص: ٢٢٩).\n(٥) الشهادة: إخبار عن عيان بلفظ الشهادة في مجلس القاضي بحق للغير على آخر. يُنظر: التعريفات (ص: ١٧٠)؛ أنيس الفقهاء (ص: ٢٣٥). وقيل: إنها مشتقة من المشاهدة التي تنبئ عن المعاينة. وقيل: هي مشتقة من الشهود بمعنى الحضور؛ لأن الشاهد يحضر مجلس القضاء للأداء. يُنظر: أنيس الفقهاء (ص: ٢٣٥).\n(٦) نهاية السول (٢/ ٦٩٠).","vol":"1","page":316},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-103>المطلب الرابع\nاستدراك التنبيه، وتطبيقاته</span>\nمادة (النون والباء والهاء) أصل صحيح يدل على ارتفاع وسمُو (١).\nوفي الاصطلاح: إعلام ما في ضمير المتكلم للمخاطب (٢).\nونبهته على الشيء: بمعنى وقفته عليه، وما ذكر في حيز التنبيه بحيث لو تأمل المتأمل في المباحث المتقدمة فهمه منه، ويستعمل كذلك فيما يكون الحكم المذكور بعده بديهيًا (٣).\nوقال الرَّجراجي: \"التنبيه: ... ومعناه: إيقاظ من غفلة، وهو ذكر ما سكت عنه القدماء\" (٤). وقال في موضع آخر: \"التنبيه: إيقاظ من غفلة الوهم؛ كأنه يقول: هذا تنبيه على وهم. وقال بعضهم: معنى التنبيه: إيقاظ الغافل، وتذكير الناسي؛ كأنه قال: نقول: هذا إيقاظ للغافل، وتذكير للناسي\" (٥).\nومما سبق يمكن حد استدراك التنبيه بأنه: التعقيب بإيقاظ الذهن بأمر أصولي يشعر بالمخالفة.\nشرح التعريف:\nالتعقيب: جنس يدخل فيه كل تعقيب، وسبق الكلام عنه في حد الاستدراك.\n_________\n(١) مقاييس اللغة (٥/ ٣٨٤).\n(٢) يُنظر: التعاريف (ص: ٢٠٩)؛ التعريفات (ص: ٩٣)؛ الكليات (ص: ٢٨٨).\n(٣) يُنظر: الكليات (ص: ٢٢٨).\n(٤) رفع النقاب (١/ ٨٨)\n(٥) يُنظر: المرجع السابق (٣/ ١٧٢).","vol":"1","page":317},{"text":"بإيقاظ الذهن: يمثل غرض هذا النوع من التعقيب، وهو مستفاد من المعنى الاصطلاحي للتنبيه.\nواستدراك التنبيه له ثلاث صور سبق ذكرها والتمثيل لها في السبب الأول من أسباب الاستدراك الناشئة من المستدرِك (١).\n_________\n(١) يُنظر: (ص: ٢١٤ - ٢١٦).","vol":"1","page":318},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-104>المطلب الخامس\nاستدراك النقد، وتطبيقاته</span>\nالنقد في اللغة: أصل (النون والقاف والدال) يدل على إبراز الشيء وبُروزه (١).\nونَقَدَ الشيء نقدًا: نقره ليختبره، وليميز جيده من رديئه، ونقد الدراهم والدنانير وغيرهما نقدًا: ميَّز جيدها من رديئها، وفلان ينقد الناس: يعيبهم، وناقده: ناقشه في الأمر، وانتقد الشعر على قائله: أظهر عيبه (٢).\nوالنقد يكون بعد تكرار النظر، تقول العرب: مازال فلانٌ يَنْقُد الشيء: إذا لم يزل ينظر إليه (٣).\nوالمراد باستدراك النقد: التعقيب على ما ذكره المستدرَك عليه بإبراز مواضع الخلل.\nشرح التعريف:\nالتعقيب: جنس يدخل فيه كل تعقيب، وسبق الكلام عنه في حد الاستدراك.\nعلى ما ذكره المستدرَك عليه: يشمل الاستدراك على الألفاظ والمعاني.\nبإبراز: صفة في هذا النوع من التعقيب مستفادة من أصل المادة اللغوية.\nمواضع الخلل: يمثل سبب الاستدراك الدافع للنقد.\nولاستدراك النقد أسباب سبق ذكرها والتمثيل لها في السبب الثاني من أسباب الاستدراك الناشئة من المستدرِك. (٤)\n_________\n(١) مقاييس اللغة (٥/ ٤٦٧).\n(٢) يُنظر: المعجم الوسيط (ص: ٩٤٤).\n(٣) مقاييس اللغة (٥/ ٤٦٨)؛ لسان العرب (١٤/ ٣٣٤) مادة: (نقد).\n(٤) يُنظر: (ص: ٢١٦ - ٢٣٠) من البحث.","vol":"1","page":319},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-105>المطلب السادس\nاستدراك التحرير، وتطبيقاته</span>\nالتحرير في اللغة: تفعيل من حرَّر بمعنى: صيَّر الشيء محررًا (١).\nومادة (الحاء والراء) في المضاعف أصلان:\nالأول: ما خالف العبودية، وبرئ من العيب والنقص.\nوالثاني: خلاف البرد. (٢)\nوالذي يناسب ما أقرره: البراءة من العيب والنقص.\nوحرر الكتاب: إذا أصلحه وجوَّد خطَّه، وأقام حروفه، وأثبته مستويًا بلا سقْطٍ ولا مَحْوٍ (٣).\nوفي الاصطلاح: التحرير: التهذيب، وأخذ الخلاصة وإظهارها، بمنزلة جعل الشيء حرًّا خالصًّا، وهو اسم للأمر المنتفع به (٤).\nوتحرير المبحث: تعيينه وتعريفه، وتحرير الكتاب وغيره: تقويمه (٥).\nويحسُن الوقوف على الكتب الأصولية التي حملت هذا الاسم قبل صياغة حد لهذا النوع من الاستدراك.\n_________\n(١) وذلك لأن التحرير تفعيل من فعَّل الذي من معانيه: التصيير. يُنظر: الطرة شرح لامية الأفعال (ص: ١٠٠).\n(٢) مقاييس اللغة (٢/ ٦ - ٧) مادة (حرر).\n(٣) يُنظر: لسان العرب (٤/ ٨٣)؛ تاج العروس (٣/ ١٣٧) مادة: (حرر).\n(٤) التعريفات (ص: ١٦٣).\n(٥) الكليات (ص: ٣١٠).","vol":"1","page":320},{"text":"١ - التحرير في أصول الفقه الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية، لكمال الدين محمد بن عبدالواحد السيواسي، الشهير بابن الهمام.\n٢ - التحرير المنقول في تهذيب علم الأصول، لأبي الحسين علاء الدين علي بن سليمان المرداوي.\nفجاء في مقدمة كتاب التحرير (١) لابن الهمام: \" ... فإني لما أن صرفت طائفة من العمر للنظر في طريقي الحنفية والشافعية في الأصول؛ خطر لي أن أكتب كتابًا مفصحًا عن الاصطلاحين؛ بحيث يطير من أتقنه إليهما بجناحين؛ إذ كان من علِمْتُهُ أفاض في هذا المقصد لم يوضحها حق الإيضاح، ولم يُناد مُرتادهما بيانه إليهما بحي على الفلاح، فشرعت في هذا الغرض ضامًّا إليه ما ينقدح لي من بحث وتحرير، فظهر لي بعد قليل أنه سفر كبير، وعرفت من أهل العصر انصراف هممهم في غير الفقه إلى المختصرات، وإعراضهم عن الكتب المطولات، فعدلت إلى مختصر متضمِّن - إن شاء الله - الغرضين ... \".\nوقال أمير بادشاه في شرحه لقول ابن الهمام: \" (وتحرير): تحرير الكتاب وغيره: تقويمه\" (٢).\nوجاء في مقدمة التحرير (٣) للمرداوي: \" ... فهذا مختصر في أصول الفقه جامع لمعظم أحكامه، حاوٍ لقواعده وضوابطه وأقسامه، مشتمل على مذاهب الأئمة الأربعة الأعلام وأتباعهم، اجتهدت في تحرير نقوله، وتهذيب أصوله ... \".\nوقال المرداوي في شرحه لقوله: (تحرير نقوله): \"أي في تقويمها؛ لما فيه من الخبط والاختلاف والاضطراب الذي لا يوجد في علم غيره؛ حتى ربما وجد\n_________\n(١) (ص: ٣).\n(٢) تيسير التحرير (١/ ٧).\n(٣) (١/ ١٢٣ - ١٣٠) - مطبوع مع التحبير -.","vol":"1","page":321},{"text":"عن العالم في مسألة واحدة نقول كثيرة مختلفة؛ فلهذا تحريت النقل الصحيح عن صاحبه، وتنكبت عن غيره حيث حصل الاضطراب، جهد الطاقة. وقد انتقد على كثير من المصنفين عزوهم أقوالًا إلى أشخاص والمنقول الصحيح عنهم خلافه، أو قولهم مؤول وما أشبهه؛ ونحن نسأل الله الستر والسلامة والتوفيق للصواب والهداية، وقد يكون لأحدهم القولان والثلاثة فربما ذكرتها\" (١).\nومما سبق يمكن استخلاص سمات التحرير:\n١ - الإصلاح والتقويم. ٢ - التعين والتعريف. ٣ - الإظهار والإيضاح.\nوالذي ظهر لي أن التحرير في كتب أصول الفقه يكون في ثلاثة أمور:\n١ - تحرير النقول. ٢ - تحرير محل الخلاف. ٣ - تحرير المعاني.\nومما سبق يمكن حد استدراك التحرير بأنه: تعقيب بتقويم النقول، وتعيين المعاني ومحل الخلاف بعبارة واضحة.\nشرح التعريف:\nتعقيب: جنس يدخل فيه كل تعقيب، وسبق الكلام عنه في حد الاستدراك.\nبتقويم النقول: الباء سببية، أي إن سبب التعقيب هو تقويم النقول.\nوالمراد بتقويم النقول: إقامتها وإثباتها على الوجه الصحيح، وتخليصها من الاضطراب.\nوتعيين المعاني ومحل الخلاف: معطوف على ماقبله، أي السبب الثاني للتعقيب: تعيين المعاني ومحل الخلاف، والمراد به: إظهار المعنى المراد في المسألة، وتخليص مواطن الخلاف المراد بحثها، وإزالة الاشتراك عن مسألة الخلاف، وذلك بتحديد الجوانب المتفق عليها وإخراجها من الخلاف، ومناقشة الجوانب المختلف فيها.\n_________\n(١) التحبير شرح التحرير (١/ ١٣٠).","vol":"1","page":322},{"text":"بعبارة واضحة: صفة لهذا النوع من التعقيب، والوضوح يشمل وضوح منطوقها ومفهومها.\n• تنبيهات:\n١ - التعريف ليس خاصًّا بالكتب التي حملت اسم (التحرير)؛ بل يعم جميع كتب الأصول التي يذكر فيها تحرير المسائل الأصولية.\n٢ - ليس كل تحرير من قبيل الاستدراك؛ وذلك لأن من شروط الاستدراك: ارتباطه بعمل سابق، والتحرير قد لا يرتبط بعمل سابق، فيكون الكتاب محررًا بنفسه، فما كان كذلك فهو تحرير لا استدراك، وأما إذا ارتبط التحرير بعمل سابق فهو استدراك تحرير. (١)\n• مثال تحرير النقول:\n• المثال الأول:\nقال الإسنوي في مسألة (دلالة صيغة افعل): \"السادس: أنه حقيقة في أحدهما، - أي الوجوب أو الندب -؛ ولكن لا يعرف هل هو حقيقة في الوجوب مجاز في الندب، أو بالعكس؟ ونقله المصنف (٢) عن حجة الإسلام الغزالي تبعًا لصاحب الحاصل (٣)، وليس كذلك؛ فإن الغزالي نقل في المستصفى (٤) عن قوم أنه حقيقة في الوجوب فقط، وعن قوم أنه حقيقة في الندب فقط، وعن قوم أنه مشترك بينهما، قال: كلفظ العين، ثم نقل عن قوم التوقف بين هذه المذاهب الثلاث، قال: وهو المذهب\n_________\n(١) يُنظر: الاستدراك الفقهي (ص: ٧٨).\n(٢) أي: البيضاوي. يُنظر: المنهاج - مطبوع مع نهاية السول- (١/ ٣٩٦).\n(٣) (٢/ ٢٠٣).\n(٤) (٣/ ١٣٦).","vol":"1","page":323},{"text":"المختار. ونقله في المحصول (١) عنه على الصواب. وقال في المنخول (٢): وظاهر الأمر الوجوب، وما عداه فالصيغة مستعارة فيه، هذا لفظه، وهو مخالف لكلامه في المستصفى\" (٣).\n• المثال الثاني:\nقال الزركشي في المذهب السادس في مسألة (تخصيص عموم الكتاب والسنة المتواترة بالقياس): \"إن تفاوت القياس والعام في غلبة الظن رجح الأقوى، فيرجح العام بظهور قصد التعليم فيه، ويكون القياس المعارض له قياس شبه، ويرجح القياس بالعكس من ذلك، فإن تعادلا فالوقف، وهو مذهب الغزالي، واختاره المُطَرِّزِي (٤)\nفي العُنْوَانِ (٥)، واعترف الإمام الرازي في أثناء المسألة بأنه حق (٦)،\n_________\n(١) (٢/ ٤٥).\n(٢) (ص: ١٠٧ - ١٠٨).\n(٣) نهاية السول (١/ ٣٩٨ - ٣٩٩).\n(٤) وجدت في كتب التراجم أكثر من عَلم يحمل هذا اللقب، ولم يذكر في ترجمة الجميع كتاب \" العنوان\" أو ما يشير إلى مصنفات في الأصول، ولعله أبو الفتح ناصر المطرزي؛ لأنه أكثرهم شهرة وتصنيفًا - والله أعلم-.\nوأبو الفتح، ناصر بن أبي المكارم عبدالسيد بن علي المطرزي، الفقيه الحنفي، النحوي الأديب، الخوارزمي، رأسًا في الاعتزال داعيًا إليه، ينتحل مذهب الإمام أبي حنيفة - ﵁ - في الفروع، وكان في الفقه فاضلًا، وله عدة تصانيف نافعة منها: \" شرح المقامات للحريري \"، و\" المغرب\" وشرحه في \" المعرب في شرح المغرب\"، وله \" المقدمة المشهورة في النحو\"، (ت: ٦١٠ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: معجم الأدباء (٥/ ٥٤٦)؛ وفيات الأعيان (٥/ ٣٦٩)؛ سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٢٨).\n(٥) قال حاجي خليفة: \"عنوان الوصول في الأصول - في أصول الفقه- للمطرزي، وشرحه الشيخ تقي الدين محمد بن علي المعروف بابن دقيق العيد الشافعي (ت: ٧٠٢ هـ)، أوله: الحمد لله ذي العظمة والجلال ... إلخ، قال: فهذه فصول مشتملة على تعريفات ومسائل لاغنية عنها للفقيه في معرفة الأحكام، أوردتها على سبيل الإيجاز، مقتصرًا على رؤوس المسائل، مكتفيًا بالأنموذج من نكت الدلائل، جردتها للمبتدئين في الفن، وهو عشر ورقات\". كشف الظنون (٢/ ١١٧٦). قلت: وشرح ابن دقيق على الكتاب مفقود على حد علمي.\n(٦) يُنظر: المحصول (٣/ ١٠١).","vol":"1","page":324},{"text":"وكذا قال الأصفهاني شارح المحصول (١) وابن الأنباري وابن التلمساني (٢)، واستحسنه القرافي (٣)، والقرطبي (٤) وقال: (لقد أحسن في هذا الاختيار أبو حامد، فكم له عليه من شاكر وحامد) (٥). وقال الشيخ (٦) في شرح العنوان: (أنه مذهب جيد؛ فإن العموم قد تضعف دلالته لبعد قرينته؛ فيكون الظن المستفاد من القياس الجلي راجحًا على الظن المستفاد من العموم الذي وصفناه، وقد يكون الأمر بالعكس؛ بأن يكون العموم قوي الرتبة ويكون القياس قياس شبه، والقاعدة الشرعية: أن العمل بأرجح الظنين واجب).\nواعلم أن هذا الذي قاله الغزالي ليس مذهبًا، ولم يقله الرجل على أنه مذهب مستقل، فتأمل المستصفى (٧) تجد ذلك.\n_________\n(١) يُنظر: الكاشف عن المحصول (٤/ ٥٣٤، ٥٣٧).\n(٢) يُنظر: شرح المعالم (٢/ ٤٢٤).\n(٣) يُنظر: نفائس الأصول (٥/ ٢١١).\n(٤) هو: أبو عبدالله، محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي، من كبار المفسرين، كان ورعًا متعبدًا، طارحًا للتكليف، من مصنفاته: \"الجامع لأحكام القرآن\"، و\" قمع الحرص بالزهد والقناعة\"، و\" التذكار في أفضل الأذكار\"، (ت: ٦٧١ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: الديباج (ص: ٣١٧)؛ طبقات المفسرين للسيوطي (ص: ٩٢)؛ الأعلام (٥/ ٣٢٢).\n(٥) لم أقف على قوله.\n(٦) المراد به ابن دقيق العيد، وهو: أبو الفتح، محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري المنفلوطي، تقي الدين، تفقه على والده، وكان والده مالكي المذهب، ثم تفقه على الشيخ عز الدين بن عبدالسلام الشافعي، فحقق المذهبين، وأفتى فيهما، كان عالمًا زاهدًا ورعًا، وولي قضاء الديار المصرية. من مصنفاته: \"الإلمام في أحاديث الأحكام\"، و\" شرح مقدمة المطرز في أصول الفقه\"، و\" شرح مختصر ابن الحاجب في فقه المالكية \"ولم يكمله، (ت: ٧٠٢ هـ).\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٩/ ٢٠٧ - ٢٤٩)؛ الدرر الكامنة (٥/ ٣٥١ - ٣٥٢)؛ شذرات الذهب (٦/ ٥ - ٦).\n(٧) (٣/ ٣٤٩).","vol":"1","page":325},{"text":"ولا يقول أحد: إن الظن المستفاد من العموم أقوى، ثم يقول: القياس تخصيص أو بالعكس، ولا خلاف بين العقلاء أن أرجح الظنين عند التعارض معتبر، والوقوف عند المستوي ضروري، إنما الشأن في بيان الأرجح ماهو؟ ففريق قالوا: إن الأرجح العموم؛ فلا يخص بالقياس، وهو الإمام في المعالم (١). وقوم قالوا: الأرحج القياس؛ فيخص العموم. والقولان عن الأشعري كما حكاه القاضي في التقريب (٢) \" (٣).\n• مثال تحرير محل الخلاف:\nقال ابن السبكي في مسألة (تخصيص العموم بمذهب الراوي): \"اضطرب النظر في أنه هل صورة هذه المسألة مخصوصة بما إذا كان الراوي صحابيًا، أم الأمر أعم من ذلك؟\nالذي صح عندي وتحرر: أن الأمر أعم من ذلك؛ ولكن الخلاف فيمن ليس بصحابي أضعف، فليكن القول في المسألة هكذا:\nإن كان الراوي صحابيًا، وقلنا: قول الصحابي حجة؛ خص على المختار. قال القاضي في مختصر التقريب (٤): وقد يُنسب ذلك إلى الشافعي في قوله الذي يقلد الصحابي فيه، ونقل عنه: أنه لا يخصص به إلا إذا نشر في أهل العصر ولم ينكروه، وجعل ذلك نازلًا منزلة الإجماع.\nوإن قلنا: قوله غير حجة؛ ففيه الخلاف المتقدم.\nوإن كان غير صحابي ترتب الخلاف على الصحابي، فإن قلنا: لا يخصص بقول الصحابي الراوي؛ لم يخصص بقول الراوي الذي ليس بصحابي جزمًا، وإن قلنا:\n_________\n(١) (٢/ ٣٨١).\n(٢) (٣/ ١٩٥).\n(٣) البحر المحيط (٣/ ٣٤٩).\n(٤) (٣/ ٢٠٩).","vol":"1","page":326},{"text":"يخصص؛ ففي هذا خلاف.\nوأما قول القرافي: (صورة المسألة: أن يكون صحابيًا، وأما غير الصحابي فلا يُخَصَّص قطعًا) (١) فليس بجيد، والمعتمد ما قلناه، ويشهد له الدليل الذي ذكر من أنه يُخالف لدليل؛ وإلا انقدحت روايته؛ فإن هذا يشمل الصحابي وغيره. وبما ذكرناه صرَّح إمام الحرمين في البرهان (٢) فقال: (وكل ما ذكرناه -يعني في هذه المسألة- غير مختص بالصحابي، فلو روى بعض الأئمة حديثًا وعَمِلَ بخلافه؛ فالأمر على ما فصَّلناه). انتهى\" (٣).\n• مثال تحرير المعاني:\nقال السبكي في مسألة: (الواجب المخير): \"وقوله (٤): (وقد يتعلق بمبهم) ... وحرر بعض المتأخرين معنى الإبهام في ذلك فقال: مُتَعَلَّق الوجوب هو القدر المشترك بين الخصال ولا تخيير فيه، ومُتَعَلَّق التخيير خصوصيات الخصال ولا وجوب فيها.\nوعندي زيادةُ تحريرٍ أخرى: وهو أن القدر المشترك يقال على المتواطئ (٥) كالرجل، ولا إبهام فيه؛ فإن حقيقته معلومة متميِّزة عن غيرها من الحقائق.\n_________\n(١) يُنظر: شرح التنقيح للقرافي (ص: ٢١٩).\n(٢) (١/ ٤٤٣).\n(٣) الإبهاج (٤/ ١٥٣٢ - ١٥٣٣).\n(٤) أي البيضاوي، ونصه: \"الواجب قد يتعلق بمعيَّن، وقد يتعلق بِمُبْهم من أمور معينة؛ كخصال الكفارة، ونصب أحد المُسْتَعِدِّين للإمامة\".المنهاج - مطبوع مع الإبهاج- (٢/ ٢٢٧).\n(٥) التواطؤ: كلي يصدق على جميع أفراده دون تفاوت. كإنسان؛ فإن حقيقته - وهو الحيوان الناطق- يصدق على كل الأفراد - زيد وخالد وفاطمة ... إلخ- دون تفاوت. يُنظر: إيضاح المبهم (ص: ٨)؛ آداب البحث والمناظرة (ص: ٣٠)؛ ضوابط المعرفة (ص: ٥١).","vol":"1","page":327},{"text":"ويقال على المبهم بين شيئين أو أشياء؛ كأحد الرجلين، والفرق بينهما:\nأن الأول لم يُقصد فيه إلا الحقيقة التي هي مسمى الرجولية.\nوالثاني قُصد فيه أخص من ذلك؛ وهو أحد الشخصين بعينه وإن لم يُعيَّن؛ ولذلك سُمِّي مُبهمًا؛ لأنه أبهم علينا أمره.\nوالأول لم يقل به أحدٌ بأن الوجوب المتعلق بخصوصياته كالأمر بالإعتاق؛ فإن مُسَمَّى (الإعتاق) ومسمى (الرقبة) متواطئ كالرجل، فلا تعلق للأمر بالخصوصيات لا على التعيين ولا التخيير، ولا يقال فيه: واجب مخير، ولا يأتي فيه الخلاف، وأكثر أوامر الشريعة من ذلك.\nوالثاني متعلق بالخصوصيات؛ فلذلك وقع الخلاف فيه، وأجمعت الأمة على إطلاق الواجب المخيَّر عليه. ولا منافاة بين ما قلناه وما حكيناه عن بعض المتأخرين مِنْ تعلق الوجوب بالقدر المشترك؛ لكن فيما قلناه زيادة، وهي تبين أن ذلك القدر المشترك أخصُّ منظور فيه إلى الخصوصيات\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك السبكي على إطلاق المحرر القائل في معنى الإبهام: إنه (متعلق الوجوب هو القدر المشترك بين الخصال)، فحرر معنى الإبهام وقيد مطلق عبارة المحرر الأول، فبين أن القدر المشترك يطلق على قسمين:\nالأول: المتواطئ الذي يستوي أفراده في معناه؛ كما لو أمر الشارع بإعتاق رقبة، فالأمر هنا متعلق بالماهية المشتركة - وهي: إعتاق رقبة- دون النظر لأفراده كزيد وخالد ...؛ وذلك لأنه ليس لأي فرد من أفراده خصوصية ما؛ بل الكل متساوٍ في الماهية المشتركة- وهي: إعتاق الرقبة-، والماهية لا تعدد فيها من حيث هي.\n_________\n(١) الإبهاج (٢/ ٢٣٠ - ٢٣٣).","vol":"1","page":328},{"text":"وهذا القسم لا يكون الأمر فيه على التخيير؛ لأن المطلوب إيجاد تلك الماهية، والماهية توجد بأي فرد من أفرادها، فلا يتصور فيه الإبهام ولا التخيير.\nالثاني: المبهم بين شيئين أو أشياء.\nوهذا القسم هو المراد في الواجب المخير، فالأمر متعلق بخصوصية أفراد معينة، فالتكفير في اليمين لا يكون إلا بتحقق فرد من أفراد مخصوصة، فالوجوب متعلق بقدر مشترك مبهم بين أفراد معينة.","vol":"1","page":329},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-106>المطلب السابع\nاستدراك التنقيح، وتطبيقاته</span>\nالتنقيح في اللغة: من نقح، وأصل الكلمة (النون والقاف والحاء) يرجع إلى معنى واحد؛ وهو: تنحية الشيء عن شيء (١).\nنقح الشيء نقحًا: خلَّص جيده من رديئه، ونقح الكلام أو الكتاب: هذبه، وأصلحه، وأزال عيوبه (٢).\nوفي الاصطلاح: اختصار اللفظ مع وضوح المعنى، من نقح العظم: إذا استخرج مخه.\nوتنقيح الشعر وإنقاحه: تهذيبه (٣).\nويحسُن الوقوف على الكتب الأصولية التي حملت هذا الاسم؛ وهي:\n١ - تنقيح محصول ابن الخطيب في أصول الفقه، لأمين الدين مظفر بن أبي الخير التبريزي.\n٢ - تنقيح الفصول في علم الأصول، لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي.\n٣ - التنقيح في أصول الفقه، لصدر الشريعة عُبيد الله بن مسعود المحبوبي.\nقال التبريزي: \"فهذا كتاب تنقيح محصول ابن الخطيب في الأصول حذفت\n_________\n(١) يُنظر: مقاييس اللغة (٥/ ٤٦٧) مادة: (نقح).\n(٢) يُنظر: لسان العرب (١٤/ ٣٣٣)؛ المعجم الوسيط (ص: ٩٤٤) مادة: (نقح).\n(٣) الكليات (ص: ٣١٣).","vol":"1","page":330},{"text":"زوائده، ورصعت (١) فوائده، فتقرر معانيه، وتحرر مبانيه، وما صادفت في مطاويه من قول لا أرتضيه؛ قررت الحق فيه على ما يقتضيه، من غير تزييف لمقاله (٢)، إلا إذا خفت وبالًا من إهماله فهو على التحقيق وإن سمي تنقيحًا تضمن تهذيبًا (٣) وتوشيحًا (٤) \" (٥).\nوقال القرافي في مقدمة كتابه تنقيح الفصول: \"وسميته بتنقيح الفصول في علم الأصول\".\nفقال الشوشاني في شرحه للتنقيح: \"نبه المؤلف هاهنا على اسم كتابه هذا، وسماه في الشرح: تنقيح الأصول في اختصار المحصول، فله إذًا اسمان.\nوقوله: (تنقيح الفصول) تنقيح الشيء: إصلاحه، وتصفيته، وإزالة ما لا يصلح عما يصلح، فالاسم مطابق للمسمى\" (٦).\nوقال المحبوبي في تنقيحه (٧): \" ... لما رأيت فحول العلماء مكبين في كل عهد وزمان على مُباحثةِ أصول الفقه للشيخ الإمام مقتدى الأئمة العظام فخر الإسلام\n_________\n(١) سبق بيان المراد بالترصيع في (ص: ٣٠٥).\n(٢) سبق بيان المراد بالتزييف في (ص: ٣٠٦).\n(٣) هذب الشيء: نقاه وأخلصه وأصلحه، وتهذيب الكتاب: تنقيته وإصلاح ما فيه من الأخطاء. يُنظر: لسان العرب (١٥/ ٤٤ - ٤٥)؛ القاموس المحيط (ص: ١٤٤)، مادة: (هذب).\n(٤) التوشيح: تفعيل من الوشاح، والوشاح: عقد من اللؤلؤ وجوهر منظومان يخالف بينهما. يُنظر: لسان العرب (١٥/ ٢١٦)؛ القاموس المحيط (ص: ٢٤٦) مادة: (وشح).\nفكأنما التبريزي قد أضاف للمحصول بعض الإضافات والتعليقات فزين بها. يُنظر: تحقيق تنقيح المحصول للخطيب التبريزي، هامش (٤) من (١/ ٢).\n(٥) تنقيح المحصول للتبريزي (١/ ١ - ٢).\n(٦) رفع النقاب عن تنقيح الشهاب (١/ ٩٣ - ٩٤).\n(٧) (١/ ٢٥ - ٢٧).","vol":"1","page":331},{"text":"علي البزدوي - بوأه الله تعالى دار السلام-، وهو كتاب جليل الشأن، باهر البرهان، مركوز كنوز معانيه في صخور عبارته، ومرموز غوامض نكته في دقائق إشارته، ووجدت بعضهم طاعنين على ظواهر ألفاظه؛ لقصور نظرهم عن مواقع ألحاظه؛ أردت تنقيحه وتنظيمه، وحاولت تبيين مُرادِهِ وتَفْهيمَهُ، وعلى قواعد المعقول تأسيسه وتقسيمه، مُوردًا فيه زبدة مباحث المحصول، وأصول الإمام المدقق جمال العرب ابن الحاجب مع تحقيقات بديعة، وتدقيقات غامضة منيعة، تخلو الكتب عنها، سالكًا فيه مسلك الضغط والإيجاز، مثبتًا بأهداب السحر، متمسكًا بعروة الإعجاز، وسميته بتنقيح الأصول، والله تعالى مسؤول أن يمتع به مؤلفه، وكاتبه، وقارئه، وطالبه، ويجعله خالصًا لوجهه الكريم؛ إنه البر الرحيم\".\nقال التفتازاني في شرحه: \"التنقيح: التهذيب، تقول: نقحت الجذع وشذبتُه: إذا قطعت ما تفرق من أغصانه ولم يكن في لبه. وتنظيم الدرر في السلك: جمعها كما ينبغي مرتبة متناسقة.\nوالكلام لا يخلو عن تعريض ما بان في أصول فخر الإسلام زوائد يجب حذفها، وشتائت يجب نظمها، ومغالق يجب حلها، وأنه ليس بمبني على قواعد المعقول؛ بأن يراعى فيه التعريفات والحجج شرائطها المذكورة في علم الميزان، وفي التقسيمات عدم تداخل الأقسام، إلى غير ذلك مما لم يلتفت إليه المشايخ. قوله: (موردًا فيه) أي في ذلك المنقح الموصوف، يعني كتابه\" (١).\nوعليه يمكن استخلاص صفات التنقيح في النقاط التالية:\n١ - إيجاز العبارة.\n٢ - إيضاح العبارة.\n٣ - إصلاح ما يتعين إصلاحه.\n_________\n(١) التلويح إلى كشف حقائق التنقيح (١/ ٢٥).","vol":"1","page":332},{"text":"مما سبق يمكن حد استدراك التنقيح بأنه: تعقيب مُصلِح بعبارة موجزة واضحة.\nشرح التعريف:\nتعقيب: جنس يدخل فيه كل تعقيب، وسبق الكلام عنه في حد الاستدراك.\nمُصلح: نوع هذا التعقيب إصلاح الخلل في عبارة المستدرَك عليه، وليس مجرد التنبيه عليه.\nبعبارة موجزة: قيد، فيخرج به التعقيبات المطولة. ومن صور الإصلاح الموجز: حذف المكرر والمطول في عبارة المستدرك عليه والتي تسبب اللَّبْس في الفهم.\nواضحة: يشمل وضوح منطوقها ومفهومها.\n• تنبيه:\nالتعريف ليس خاصًّا بالكتب التي حملت اسم (تنقيح)؛ بل يعم جميع كتب الأصول التي يذكر فيها تنقيح المسائل الأصولية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>أمثلة استدراك التنقيح:</span>\nيمكن أن يذكر من أمثلة استدراك التنقيح ما قام به المنقحون من العدول عن عبارات المتن إلى عبارات أخرى يرون أنها أصلح وأبعد عن الاعتراضات؛ ومن أمثلة ذلك:\n• المثال الأول:\nمخالفة التبريزي للفخر الرازي في حد الواجب؛ حيث عرفه الإمام بأنه: \"ما يذم تاركه شرعًا على بعض الوجوه\" (١).\n_________\n(١) المحصول (١/ ٩٥).","vol":"1","page":333},{"text":"وعرفه التبريزي بأنه: \"المأمور المهدد بالعقاب على تركه\" (١).\nوذكر القرافي على حد الإمام ثمانية أسئلة، ثم أورد حد التبريزي وقال: \" ... فاندفع عنه السؤال الأول، والثاني، والثالث، والرابع، والخامس، والسابع، والثامن، ولا يرد عليه غير السادس فقط\" (٢).\nفإعراض التبريزي عن حد الرازي إلى حد آخر كان تنقيحًا منه لحد الواجب؛ حيث سلم حده من سبعة اعتراضات ذكرت على حد الرازي.\n• المثال الثاني:\nما قام به التبريزي من حذف الأدلة التي ذكرها الإمام في مسألة الحسن والقبح (٣)، وتلخيص هذه الأدلة بعبارات موجزة، فقال: \"وقد اعتمد المؤلف في الرد عليهم (٤)\nعلى سلب خيرة الفعل، وحصر الأفعال الإنسانية في الاضطرار أو الاتفاق،\n_________\n(١) تنقيح المحصول للتبريزي (١/ ١٦)\n(٢) نفائس الأصول (١/ ٢٤١، ٢٦٣).\n(٣) يُنظر هذه المسألة في المحصول (١/ ١٠٥ - ١٠٨).\n(٤) أي المعتزلة. والخلاف في مسألة: الحسن والقبح إنما هو في الحسن والقبح الشرعي، أما كون الفعل حسنًا وقبيحًا بمعنى الملاءمة والمنافرة؛ كالعسل حلو، والليمون حامض، أو الكمال والنقصان؛ كعلو العلم ونقصان الجهل؛ فلا نزاع في كونهما عقليين.\nفاختلف العلماء في الحسن والقبح الشرعي على أقوال:\nالقول الأول للمعتزلة: قالوا: العقل يُعلم به حسن الأفعال وقبحها في حق الله والعباد، ومن لم يحقق دليل العقل فهو معاقب ولو لم يأته رسول.\nالقول الثاني للأشاعرة: أنكروا الحسن والقبح العقليين مبالغة منهم في مخالفة المعتزلة، فقالوا: العقل لا يعلم به حسن الأفعال وقبحها في حق الله ولا العباد.\nالقول الثالث لإمام الحرمين الجويني: قال بالتحسين والتقبيح في حق العباد دون أفعال الله.\nالقول الرابع وهو رأي أهل السنة من السلف: أن حسن الأفعال وقبحها ثابت بالعقل؛ لكن الثواب والعقاب لا يكون إلا بعد ورود الشرع، فلا يعذب من خالف قضايا العقول حتى يبعث إليهم رسول.\n\nيُنظر: المعتمد (٢/ ٣٢٣)؛ البرهان (١/ ٨٧ - ٩٤)؛ البحر المحيط (١/ ١٣٤ - ١٤٧)؛ ويُنظر كذلك المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين (ص: ٧٤ - ٨٢).","vol":"1","page":334},{"text":"وبناه على تقسيم لا طائل تحته فقال: (فاعل القبح إما أن يتمكن من الترك أو لا، فإن لم يتمكن ثبت الاضطرار، وإن تمكن فرجحان فاعليته على تاركيته إما أن يتوقف على مرجح أو لا، فإن لم يتوقف ثبت الاتفاق، وإن توقف فالمرجح إما أن يكون منه، أو من غيره، أو لا منه ولا من غيره، والأول تسلسل، والثاني والثالث اضطرار؛ لأن المرجح يجب أن يكون وقوع الفعل عنده؛ وإلا عاد التقسيم إلى أن ينتهي إلى اضطرار أو اتفاق). هذا محصول تطويله\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاعتمد الرازي على نفي التحسين والتقبيح العقليين على أن فعل العبد اضطراري، وما ليس بفعل اختياري لا يكون حسنًا وقبيحًا عقلًا بالاتفاق؛ لأن القائلين بالحسن والقبح العقليين يعترفون بأنه إنما يكون كذلك إذا كان اختياريًا. واعتمد الرازي في نفي التحسين والتقبيح العقليين على تقسيم طويل، واختصره التبريزي في أن فعل العبد بين الاضطرار (٢) أو الاتفاق (٣).\nفقال: فاعل القبح إما أن يتمكن من الترك، أو لا. فإن لم يتمكن من ترك القبيح ثبت الاضطرار. وإن كان متمكنًا من فعل القبيح وتركه فهذا يفضي إلى افتقار ترجيح الفاعلية على التاركية إلى مرجح أو لا، فإن لم يفض كان الفعل اتفاقيًا، والاتفاق لا يوصف بالحسن والقبح، وإن افتقر إلى مرجح فهو مع مرجحه، فإن كان المرجح\n_________\n(١) تنقيح المحصول للتبريزي (١/ ٢٨).\n(٢) أي: أن العبد مسلوب الاختيار.\n(٣) المراد بالاتفاق: أي يفعله الفاعل أو يتركه من غير سبب؛ من قولهم: كيفما اتفق. استفدت هذا المعنى من فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: عبدالرحمن القرني - حفظه الله-.","vol":"1","page":335},{"text":"من العبد لزم التسلسل؛ وذلك لأن التقسيم سيعود إلى أن فعل العبد بين الاضطرار أو الاتفاق، وإن كان المرجح من غيره، أو كان المرجح لا منه ولا من غيره؛ لزم الاضطرار؛ لأن فعله يكون حينئذ غير اختياري.","vol":"1","page":336},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-108> المبحث الثاني\nأقسام الاستدراك الأصولي باعتبار المُستدرَك عليه، وتطبيقاتها</span>.\nوفيه خمسة مطالب:\n- المطلب الأول: استدراك الأصولي على نفسه، وتطبيقاته.\n- المطلب الثاني: استدراك الأصولي على موافق له في المذهب، وتطبيقاته.\n- المطلب الثالث: استدراك الأصولي على مخالف له في المذهب، وتطبيقاته.\n- المطلب الرابع: استدراك الأصولي على شخص مُقدَّر، وتطبيقاته.\n- المطلب الخامس: استدراك الأصولي على المُستدرِك، وتطبيقاته.\n\n* * ... * ** * ... * *","vol":"1","page":337},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-109> المطلب الأول\nاستدراك الأصولي على نفسه، وتطبيقاته</span>\nوذلك بأن يكون للأصولي مصنفان فأكثر، فيذكر في أحدهما قولًا مخالفًا لما في المصنف الآخر، فيعلم أن قوله في المصنف المتأخر مستدرك على قوله الأول.\nومما سبق يمكن حد استدراك الأصولي على نفسه بأنه: تعقيب أصولي على لفظ أو معنى له سابق بما يخالفه في نفسه.\nوشرح التعريف واضح مما سبق في حد الاستدراك.\nواستدراك الأصولي على نفسه يدل على علو شأنه في العلم والدين.\nووجه الدلالة على علو شأنه في العلم: أنه يعرف به أنه كان طول عمره مشتغلًا بالطلب والبحث والتنقيب.\nوأما في الدين: فلأنه يدل على أنه متى لاح له الحق أخذ به، ولم يتعصب لقوله الأول. (١)\nوأقرر ذلك بالأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nالإمام الشيرازي له عدد من المصنفات، ومن المصنفات الأصولية: التبصرة واللمع وشرحه، والمطلع على هذه الكتب يجد الشيرازي يذكر رأيًا في التبصرة مخالفًا له في شرح اللمع، فيُعلم أن ما قرره في اللمع وشرحه هو ما استقر عليه؛ لأنه صنفه بعد التبصرة (٢)، وعليه أقرر أنَّ ما في اللمع وشرحه استدراك للمخالف له في التبصرة.\n_________\n(١) يُنظر: المحصول (٥/ ٣٩٤ - ٣٩٥)؛ نهاية السول (٢/ ٩٦٩).\n(٢) صرح الشيرازي في مقدمة اللمع أنه صنفه بعد التبصرة، يُنظر: اللمع (ص: ٢٧)؛ الإمام الشيرازي: حياته وآراؤه الأصولية (ص: ١٧٣، ١٨٧، ١٩٨)؛ مقدمة تحقيق اللمع (ص: ١٤).","vol":"1","page":338},{"text":"ولذلك أمثلة؛ منها:\n• المثال الأول:\nقال الشيرازي في التبصرة (١): \"الوضوء والصلاة والزكاة والحج، أسماء منقولة من اللغة إلى معانٍ وأحكام شرعية، إذا أطلقت حملت على تلك الأحكام والمعاني.\nومن أصحابنا من قال: إنه لم ينقل شيء من ذلك عما وضع له اللفظ في اللغة؛ وإنما ورد الشرع بشرائط وأحكام مضافة إلى ما وضع له اللفظ في اللغة. وهو قول الأشعرية.\nلنا: ... \".\nوقال في شرح اللمع (٢): \"وأما إثبات الاسم من جهة عرف الشرع فهو أن يكون اللفظ في اللغة موضوعًا لمعنى ورود الشرع به في غيره وكثر استعماله فيه؛ حتى صار لا يعقل من إطلاقه إلا المعنى الذي أريد به في الشرع ... فاختلف الناس في هذه الألفاظ: فذهب أكثرهم إلى أنها منقولة من اللغة إلى الشرع، وهو مذهب المعتزلة، ومن أصحابنا من قال: (الأسماء كلها مبقاة على موضوعاتها في اللغة لم يُنقل شيء منها إلى الشرع). وهو قول أهل الحق ومذهب أهل السنة ... وقد نصرت في التبصرة أن الأسماء منقولة ... \".\n• المثال الثاني:\nالإمام الجويني صنف في أول حياته العلمية كتاب التلخيص في أصول الفقه لخص فيه آراء شيخه الباقلاني، ثم صنف البرهان في أصول الفقه والورقات في علم أصول الفقه، والمطلع على هذه الكتب يجد له آراءً في البرهان والورقات مخالفة لما في التلخيص، فيُعلم أن ما في البرهان والورقات مستدرك على المخالف لهما في التلخيص.\n_________\n(١) (ص: ١٠٩ - ١١٠).\n(٢) (١/ ١٨١ - ١٨٥).","vol":"1","page":339},{"text":"ومن ذلك قوله في مسألة (دلالة الأمر المجردة عن القرائن) في التلخيص (١): \"وأما العبارة الدالة على المعنى القائم بالنفس؛ نحو قول القائل: (افعل)؛ فمترددة بين الدلالة على الوجوب، والندب، والإباحة، والتهديد، فيتوقف فيها حتى يثبت بقيود المقال أو قرائن الحال تخصصها ببعض المقتضيات، فهذا ما نرتضيه من المذهب\".\nوهو في هذا يوافق شيخه الباقلاني (٢).\nوقال في البرهان (٣) بعد ما ذكر قول القاضي ورده: \"وقد تعين الآن أن نبوح بالحق ونقول: (افعل) طلب محض، لا مساغ فيه لتقدير الترك، فهذا مقتضى اللفظ المجرد عن القرائن\".\nثم قال: \"وأنا أبني على منتهى الكلام شيئًا يُقَرّبُ ما اخترته من مذهب الشافعي - ﵀ - فأقول: ثبت في وضع الشرع أن التمحيض في الطلب متوعد على تركه، وكل ما كان كذلك لا يكون إلا واجبًا، وهذا منتهى المسألة وبالله التوفيق\".\nوفي الورقات (٤) قال: \"والأمر: استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب. والصيغة الدالة عليه (افعل)، وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه (٥) \".\n• المثال الثالث:\nالإمام الغزالي صنف المنخول من تعليقات الأصول في بداية حياته العلمية، وكان يقرر في مسائله آراء شيخه إمام الحرمين الجويني (٦)، ثم صنف المستصفى\n_________\n(١) (١/ ٢٦١ - ٢٦٢).\n(٢) مختصر التقريب والإرشاد (٢/ ٢٧).\n(٣) (١/ ٢١٢ - ٢٢٣).\n(٤) (ص: ١٩).\n(٥) أي على الوجوب. يُنظر: شرح الورقات للمحلي (ص: ٥٨).\n(٦) وذكر ذلك في آخر كتابه فقال: \"هذا تمام القول في الكتاب، وهو تمام المنخول من تعليق الأصول بعد حذف الفضول، وتحقيق كل مسألة بماهية العقول، مع الإقلاع عن التطويل، والتزام ما فيه شفاء الغليل، والاقتصار على ما ذكره إمام الحرمين - ﵀ - في تعاليقه من غير تبديل وتزييد في المعنى وتعليل، سوى تكلف في تهذب كل كتاب، بتقسيم فصول، وتبويب أبواب؛ رومًا لتسهيل المطالعة عند مسيس الحاجة إلى المراجعة\". المنخول (ص ٥٠٤).","vol":"1","page":340},{"text":"من علم الأصول في آخر حياته العلمية، وقد خالف فيه كثيرًا من آرائه التي قررها في المنخول (١)، وأذكر لذلك مثال: ترجيح العلة الناقلة أو المقررة (٢) إذا وردتا على حكم واحد، فاختار الغزالي في المنخول تقديم العلة المقررة، فقال بعد إفساده للقول المخالف: \"تقديم العلة الناقلة على العلة المستصحبة كما يقدم الراوي الناقل على المستصحب، وهذا فاسد؛ فإنا نظن أن الناقل أثبت في الرواية من المستصحب، ولا نتهمه في العلة، فلتقدم المستصحبة.\nثم يحتمل أن يقضي بالتعارض، ويتمسك بالاستصحاب استقلالًا.\nويحتمل أن يقال: هو ساقط في معارضته القياس، فلا يصلح إلا الترجيح\" (٣).\nوما قرره في المنخول هو مذهب شيخه إمام الحرمين (٤).\nونجده في المستصفى (٥) اختار تقديم العلة الناقلة فقال: \"وترجيح الناقلة\n_________\n(١) للزيادة في هذا الجانب الاطلاع على رسالة الأستاذة أريج الجابري بعنوان: \"المسائل الأصولية التي رجحها الإمام الغزالي في المستصفى مخالفًا ترجيحه لها في المنخول جمعًا ودراسة \" رسالة ماجستير بجامعة أم القرى.\n(٢) المراد بالعلة الناقلة: أي الرافعة لحكم الأصل والبراءة. وأما العلة المقررة: فهي المبقية لحكم الأصل والبراءة. يُنظر: البحر المحيط (٦/ ١٩١). ويُنظر هذا المعنى في نهاية السول (٢/ ١٠٠٠) عند حديثه عن الخبر الناقل والخبر المقرر.\n\nويمكن تمثيل ذلك بقوله - ﷺ - لطلق بن علي عندما سأله عن مس الذكر: «هل هو إلا بضعة منك؟ !»، فعلة عدم انتقاض الوضوء في الحديث هي: مس عضو لعضو من إنسان واحد لا يؤثر. وهذه العلة مبقية لحكم الأصل في عدم وجوب الوضوء. مع قوله - ﷺ -: «من مس ذكره فليتوضأ» فعلة انتقاض الوضوء في الحديث هي: مس الذكر، وهذه العلة ناقلة لحكم الأصل - البراءة الأصلية -. والحديثان سبق تخريجهما في (ص: ٢٥٩).\n(٣) المنخول (ص: ٤٤٨).\n(٤) البرهان (٢/ ١٢٩٠).\n(٥) (٤/ ١٩١).","vol":"1","page":341},{"text":"عن حكم العقل على المقررة لأن الناقلة أثبتت حكمًا شرعيًا، والمقرر [ما] (١) أثبت شيئًا ... \".\n• المثال الخامس:\nالرازي له في الأصول المحصول والمعالم، وقد اختلف قوله في المحصول عن المعالم في مسألة (تخصيص العموم بالقياس)؛ حيث قال في المحصول (٢): \"يجوز تخصيص عموم الكتاب والسنة المتواترة بالقياس ... لنا أن العموم والقياس ... \".\nوقال في المعالم (٣): \"قال الأكثرون: تخصيص عموم القرآن بالقياس جائز، والمختار عندنا: أنه لا يجوز\".\nوقد علمنا أن المعالم صنفه بعد المحصول (٤)، وبالتالي ما جاء في المعالم فهو استدراك على المحصول.\nقال الزركشي: \"يجوز تخصيص عموم الكتاب والسنة المتواترة بالقياس عند الأئمة الأربعة ... واختاره الإمام فخر الدين في المحصول؛ ولذلك استدل على ترجيحه حيث قال: لنا أن العموم والقياس ... إلخ؛ لكنه اختار في المعالم المنع، وأطنب في نصرته، وهذا الكتاب موضوع لاختياراته، بخلاف المحصول فإنه موضوع لنقل المذهب، وتحرير الأدلة ... \" (٥).\n_________\n(١) ما بين المعقوفين من نسخة المطبعة الأميرية ببولاق مصر (٢/ ٤٠٥).\n(٢) (٦/ ٩٦ - ١٠٢).\n(٣) (٢/ ٣٨١).\n(٤) حيث أشار في المعالم إلى كتابه المحصول. يُنظر: مقدمة تحقيق شرح المعالم (١/ ٤٩).\n(٥) البحر المحيط (٣/ ٣٦٩ - ٣٧٠).","vol":"1","page":342},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-110> المطلب الثاني: استدرك الأصولي\nعلى موافق له في المذهب، وتطبيقاته</span>\nوذلك بأن يستدرك الأصولي على أصولي آخر موافق له في المذهب؛ سواء كانت الموافقة في المذهب العقدي، أو المذهب الفقهي.\nوبالتالي يمكن حده بأنه: تعقيب أصولي على ما يذكره أصولي موافق له في المذهب بما يخالفه في نفسه.\nوالتعريف واضح مما سبق ذكره في تعريف الاستدراك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-111> أولًا: استدراك الأصولي على موافق له في المذهب العقدي</span>، وله أمثلة:\n• المثال الأول:\nذكر إمام الحرمين في مسألة (الفعل حال حدوثه مأمور به أم لا؟) مذهب الأشعري فقال: \"ذهب الأصوليون من أصحاب الشيخ أبي الحسن - ﵁ - إلى أن الفعل في حال حدوثه مأمور به، ونقلوا عن المعتزلة خلافهم في ذلك، ومصيرهم إلى أنَّ الحادث لا يتصف بكونه مأمورًا به في حال حدوثه (١) ... ومذهب أبي الحسن - ﵁ - متخبط عندي في هذه المسألة. فأما مصيره إلى تعلق القدرة الحادثة بالحادث في حال حدوثه فلست ألتزم الآن ذكر مباحثي عنه؛ ولكن أكشف السرَّ في مقصود المسألة، وأضمنه رمزًا ليستقل به المستقل البصير فيما هو المختار الحق، ولتقع البداية أولًا بغرض المسألة فأقول:\nأولًا: لا حاصل لتعلق حكم الأمر بالقدرة على مذهب أبي الحسن - ﵀ -؛ فإن القاعد في حال قعوده مأمور بالقيام باتفاق أهل الإسلام، ولا قدرة له على القيام\n_________\n(١) يُنظر: المعتمد (١/ ١٦٥ - ١٦٧).","vol":"1","page":343},{"text":"عند أبي الحسن في حالة القعود، فكيف يستتب له تلقي حكم تعلق الأمر من تعلق القدرة، ومن لا قدرة له أصلًا مأمور عنده؟ ثم لو تنزلنا على حكمه في المصير إلى أن الحادث مقدور؛ فيستحيل مع ذلك كونه مأمورًا به؛ فإن اقتران القدرة بالحادث معناه أنه بها وقع، وهي في اقتضائها له نازلة منزلة العلة المقترنة بالمعلول الموجبة على رأي من يثبت العلة والمعلول، فهذا وجه هذه المسألة إن اتجه.\nوإن تفطن ذكيٌّ لوجه الحق خطر له في معارضة ذلك أن القدرة لا توجب المقدور لعينها؛ إذ لو أوجبته لاستحال خلو القدرة عن المقدور، وذلك يبطلُ إثبات القدرة الأزلية؛ فإنها غير مقارنة للحوادث، فلو فرض اقتران العالم بها لكان أزليًا، والأزلي يستحيل أن يكون مقدورًا، وفي خروجه عن كونه مقدورًا سقوط القدرة: فإن القدرة من غير مقدور محال.\nومن أنصف نفسه علم أن معنى القدرة: التمكن من الفعل، وهذا إنما يعقل قبل الفعل، وهو غير مستحيل في واقع حادث في حالة الحدوث.\nفلو سلم مُسلِّم لأبي الحسن - ﵀ - ما قاله في القدرة جدلًا من تنزيل القدرة مع المقدور منزلة العلة مع المعلول - وهيهات أن يكون الأمر كذلك، ولو كان- فلا يتحقق معه كون الحادث مأمورًا به؛ فإن الأمر طلب واقتضاء، وكيف يُتصور أن يُطلب كائن ويقتضى حاصل؟ فقد لاح سقوط مذهبه في كل تقدير.\nنعم قد يقال في الحادث: هذا هو الذي أُمِرَ المخاطَب به، فأما أن ينجزم القول في تعلق الأمر به طلبًا واقتضاء مع حصوله؛ فلا يرتضي هذا المذهب لنفسه عاقل\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nالمراد من هذه المسألة: أن التكليف هل يتوجه إلى المخاطب عند المباشرة للفعل أو قبلها؟ وإذا توجه قبلها فهل يستمر إلى وقتها؟ فالنزاع في وقت تعلق القدرة بالمقدور.\n_________\n(١) البرهان (١/ ٢٧٦ - ٢٧٩).","vol":"1","page":344},{"text":"فعند الأشاعرة الاستطاعة مع الفعل؛ وذلك لأن الاستطاعة عرض (١)، والعرض لا يبقى زمانين، فالقدرة إنما توجد زمان الملابسة للفعل، والفعل إنما يكون ممكنًا زمان حالة الملابسة، وأما قبله فيستحيل، فلا يؤمر بالفعل إلا حال الملابسة به.\nوخالف الجويني - وهو أشعري الاعتقاد (٢) - الأشعري في ذلك، وذهب إلى أن القدرة قبل الفعل، وانقطاعها حالة وجود الفعل، وما ليس بمقدور لا يؤمر به. (٣)\n• المثال الثاني:\nقال السيف الآمدي: \"يجوز أن يكون المحرم أحد أمرين لا بعينه عندنا، خلافًا للمعتزلة (٤)؛ وذلك لأنه لا مانع من ورود النهي بقوله: لا تكلم زيدًا أو عمرًا، وقد حرمت عليك كلام أحدهما لا بعينه، ولست أحرم عليك الجميع ولا واحدًا بعينه، فهذا الورود كان معقولًا غير ممتنع، ولا شك أنه إذا كان كذلك؛ فليس محرم مجموع كلاميهما، ولا كلام أحدهما على التعيين؛ لتصريحه بنقيضه، فلم يبقَ إلا أن يكون المحرم أحدهما لا بعينه\" (٥).\nفاستدرك عليه القرافي بقوله: \"ونحن نمنع أن ما قاله متصور في غير تحريم المجموع ... فما قاله غير متصور أصلًا، والحق في هذا ما نسبه للمعتزلة دون ما نسبه\n_________\n(١) سبق تعريف العرضي (ص: ٩٤).\n(٢) وذكر أنه رجع في آخر حياته إلى عقيدة أهل السنة والجماعة وقال عند موته: \"لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمة فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي، أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور\". يُنظر: شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢٤٥).\n(٣) يُنظر: المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين (ص: ١٤٦ - ١٤٨).\n(٤) يُنظر: المغني للقاضي عبدالجبار (١٧/ ١٣٥)؛ المعتمد (١/ ١٧٠).\n(٥) الإحكام (١/ ١٥٣ - ١٥٤).","vol":"1","page":345},{"text":"لأصحابنا\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nيرى جمهور المعتزلة أن ورود النهي متعلق بأشياء على جهة التخيير يقتضي المنع في الكل، وهذا مبني على أصل عندهم؛ وهو أن النهي يدل على قبح المنهي عنه، فإذا نهي عن أحدهما لا بعينه ثبت القبح لكل منهما، فيمتنعان جميعًا، وهذا مبني على قاعدة (التحسين والتقبيح). (٢)\nوجمهور الأشاعرة (٣) وأهل السنة (٤) يذهبون إلى جواز تحريم واحد لا بعينه.\nواستدرك القرافي على الآمدي -وكلاهما على مذهب الأشاعرة- قوله: \"فليس محرم مجموع كلاميهما\" بأن النهي على التخيير إنما يتصور في هذه الصورة -وهي تحريم الجمع-؛ أي أن متعلق النهي هو الجمع بينهما، وكل واحد منهما ليس منهيًا عنه، كالأختين فإن كل واحدة منهما في نفسها ليست محرمة؛ بل المحرم هو الجمع بينهما (٥)، وصوب في ذلك مذهب المعتزلة؛ لأن النهي متعلق بمشترك حرمت أفراده كلها.\n_________\n(١) نفائس الأصول (١/ ٢٧١ - ٢٧٤).\n(٢) يُنظر: الوصول إلى الأصول (١/ ٢٠٠)؛ شرح الكوكب المنير (١/ ٣٣٨)؛ المهذب في أصول الفقه (١/ ٣٠٨). وقال القرافي: \"ومنشأ الخلاف: أن الأشياء عندنا ما حسنت ولا تجب لصفاتها، بل بالشرع، وعندهم لصفاتها، فإذا خير بينهما فقد استويا في المفسدة، فيترك الجميع\". نفائس الأصول (٤/ ١٧٢١).\n(٣) يُنظر: التبصرة (ص: ٥٤)؛ الوصول إلى الأصول (١/ ١٩٩ - ٢٠١)؛ نهاية الوصول (٢/ ٦١٧ - ٦١٩).\n(٤) يُنظر: العدة (٢/ ٤٢٨)؛ المسودة (ص: ٦٤)؛ شرح الكوكب المنير (١/ ٣٣٨ - ٣٨٩).\n(٥) يُنظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: ١٧٣).","vol":"1","page":346},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-112> ثانيًا: استدراك الأصولي على موافق له في المذهب الفقهي:</span>\n• المثال الأول:\nقال السرخسي في تعريف العام: \"وأما العام: كل لفظ ينتظم جمعًا من الأسماء لفظًا أو معنى. ونعني بالأسماء هنا: المسميات. قولنا: لفظًا أو معنى: هو تفسير للانتظام؛ أي ينتظم جمعًا من الأسماء لفظًا مرة كقولنا: زيدون، ومعنى مرة تارة كقولنا: مَنْ وَمَا وما أشبههما ... وذكر أبو بكر الجَصَّاص - ﵀ - أن العام: ما ينتظم جمعًا من الأسماء أو المعاني (١). وهذا غلط منه؛ فإن تعدد المعاني لا يكون إلا بعد التغاير والاختلاف، وعند ذلك اللفظ الواحد لا ينتظمها؛ وإنما يحتمل أن يكون كل واحد منها مرادًا باللفظ، وهذا يكون مشتركًا لا عامًا، ولا عموم للمشترك عندنا (٢). وقد نص الجصاص في كتابه على أن المذهب في المشترك أنه لا عموم له (٣)، فعرفنا أن هذا سهو منه في العبارة أو مؤول، ومراده: أن المعنى الواحد باعتبار أنه يعم المحال يسمى مجازًا؛ فإنه يقال: مطر عام؛ لأنه عم الأمكنة، وهو في الحقيقة معنى واحد؛ ولكن لتعدد المحال الذي تناوله سماه معاني، ولكن هذا إنما يستقيم إذ قال: ما ينتظم جمعًا من الأسامي والمعاني. قال - ﵁ -: وهكذا رأيته في بعض النسخ من كتابه. فأما قوله (أو المعاني) فهو سهو منه، وذكر أن إطلاق لفظ (العموم) حقيقة في المعاني والأحكام؛ كما هو في الأسماء والألفاظ، ويقال: عمهم الخوف وعمهم الخصب باعتبار المعنى من غير أن يكون هناك لفظ، وهذا غلط أيضًا؛ فإن المذهب أنه لا عموم للمعاني حقيقة وإن كان يوصف به مجازًا\" (٤).\n_________\n(١) لم أقف على هذا في كتاب الفصول في الأصول، لعله في الجزء المفقود.\n(٢) يُنظر: أصول البزدوي مع كشف الأسرار للبخاري (١/ ١٠٥ - ١٠٦)؛ المنار مع شرحه كشف الأسرار للنسفي (١/ ٢٠٢)؛ فواتح الرحموت (١/ ٢٠١).\n(٣) لم أقف على هذا في كتاب الفصول في الأصول، لعله في الجزء المفقود.\n(٤) أصول السرخسي (١/ ١٢٥)، وقريب منه في أصول البزدوي -مطبوع مع كشف الأسرار- (١/ ٩٤ - ١٠١).","vol":"1","page":347},{"text":"• بيان الاستدراك:\nاستدرك السرخسي على الجصاص تعريفه للعام بقوله: (ما ينتظم جمعًا من الأسماء أو المعاني) بأن قوله: (أو المعاني) غلط؛ لأن تعدد المعاني حقيقة لا يكون بتعدد أفرادها في الخارج؛ بل بتعددها في الذهن، وذلك لا يكون إلا عند اختلافها، فإذا رأيت إنسانًا وثبت في ذهنك معناه، ثم رأيت آخر وآخر؛ لا يثبت معنى آخر في ذهنك، فمعنى الإنسان عام في الذهن لجميع الناس وإن كان إنسانية زيد في الخارج غير إنسانية عمرو وخالد؛ ولكن إذا رأيت أسدًا أو ذئبًا أو فرسًا أو غيرها يثبت معنى آخر في ذهنك غير المعنى الأول، فثبت أن تعدد المعاني إنما يكون عند اختلافها، وذلك بتعدد أفرادها في الذهن، وحينئذ لا يتناولها لفظ واحد على سبيل الشمول كما هو في العام؛ وإنما يتناولها اللفظ على سبيل البدل، وذلك يسمى (مشتركًا)، والمشترك لا عموم له عند الحنفية.\nوبما أن الجصاص نص في كتابه على أن المشترك لا عموم له عند الحنفية (١) فيكون قوله: (أو المعاني) سهوًا منه في العبارة أو مؤولًا، وتأويله: أن يحمل كلامه على المجاز لا الحقيقة، فيكون مراده: أن المعنى الواحد باعتبار أنه يعم المحال يسمى مجازًا؛ فإنه يقال: مطر عام؛ لأنه عم الأمكنة، وكلفظ (الإنسان) مثلًا فإنه لا يتناول الأشخاص الداخلة تحته إلا بمعنى الإنسان، ثم ذلك المعنى لما كان متعددًا في الخارج فإن إنسانية زيد في الخارج غير إنسانية عمرو وخالد، وإن كان متحدًا حقيقة سماه معاني مجازًا. وهذا التأويل إنما يصح لو قال الجصاص في تعريف العام: ما ينتظم جمعًا من الأسامي والمعاني، (بالواو) بدل (أو)؛ وذلك لأن (الواو) لمطلق الجمع؛ فيصح هذا التأويل، ويصير تقدير كلامه: العام: ما يتناول جمعًا من المسميات مع المعنى الذي به صارت متفقة، ولكنه سماه معاني مجازًا، وهذا هو تفسير العام عند الحنفية،\n_________\n(١) لم أقف على هذا في كتاب الفصول في الأصول، لعله في الجزء المفقود.","vol":"1","page":348},{"text":"وقد وجد السرخسي في بعض النسخ من كتاب الجصاص العبارة بالواو. (١)\n• المثال الثاني:\nقال السمعاني عند حديثه عن معاني الحروف في معنى حرف (الواو): \"وقد رأيت بعض أصحابنا (٢) ادعى على أصحاب أبي حنيفة أنهم يدعون أنَّ (الواو) للجمع على سبيل الاقتران (٣)، وأخذ يرد عليه كما رد على من زعم أنها للترتيب والتوالي من أصحابنا.\nوليس ما ادعاه مذهب أحد من أصحاب أبي حنيفة؛ وإنما يدعون أن (الواو) للجمع من غير تعرض لاقتران وترتيب، فلا معنى للرد (٤) \" (٥).\nوهذا الاستدراك استدركه العلاء البخاري أيضًا على بعض أصحاب أبي حنيفة حيث ظنوا أن (الواو) في مذهبهم للمقارنة فقال: \"قوله: (وهي عندنا لمطلق العطف) أي مطلق الجمع من غير تعرض لمقارنة كما زعمه بعض أصحابنا على قول أبي يوسف ومحمد، ولا ترتيب كما زعمه ذلك البعض على أصل أبي حنيفة\" (٦).\n_________\n(١) يُنظر: كشف الأسرار للبخاري (١/ ١٠٠ - ١٠١) بتصرف.\n(٢) ذكر محقق القواطع أن المقصود به الجويني، وكلامه في البرهان (١/ ١٨١ - ١٨٣) يفيد ذلك.\n(٣) المرد به: الاقتران في الزمان. يُنظر: كشف الأسرار للبخاري (٢/ ٢٠٣)؛ فتح الغفار (ص: ١٧٧).\n(٤) يُنظر مذهب الحنفية في: أصول السرخسي (١/ ٢٠٠ - ٢٠٧)؛ المنار للنسفي مع فتح الغفار (ص: ١٧٧).\n(٥) القواطع (١/ ٥٣).\n(٦) كشف الأسرار للبخاري (٢/ ٢٠٢).","vol":"1","page":349},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-113>المطلب الثالث: استدراك الأصولي\nعلى مخالف له في المذهب، وتطبيقاته</span>\nالمقصود به: تعقيب أصولي على ما يذكره أصولي مخالف له في المذهب بما يخالفه في نفسه.\nومر معنا سابقًا أن المخالف على أربعة أقسام:\n١ - خصم في الواقع مخالف في المذهب العقدي.\n٢ - خصم في الواقع مخالف في المذهب الفقهي.\n٣ - خصم مقدر مخالف في المذهب العقدي.\n٤ - خصم مقدر مخالف في المذهب الفقهي.\nوالخصم المراد هنا: هو الخصم الأول والثاني - الخصم الواقع المخالف في المذهب العقدي والفقهي-، وذكرت أن الاستدراك على هذا القسم من الخصوم كان سببًا في التصنيف (١)، وأوردت أمثلة الاستدراك على هذا النوع من الخصوم، فينقل هاهنا (٢).\n_________\n(١) يُنظر: (ص: ٢٣٣) من البحث.\n(٢) يُنظر: (ص: ٢٣١ - ٢٣٧) من البحث.","vol":"1","page":350},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-114>المطلب الرابع: استدراك الأصولي\nعلى شخص مُقدَّ ر، وتطبيقاته</span>\nوالمقصود به: تعقيب أصولي على ما يذكره أصولي مقدر بما يخالفه في نفسه.\nوقد تقدمت صيغ الاستدراك المقدر، والإشارة إلى غرض هذا القسم من الاستدراك. (١)\nوالمراد بالشخص المقدر: هو القسم الثالث والرابع من الخصوم؛ وهو الخصم المقدر المخالف في المذهب العقدي، والخصم المقدر المخالف في المذهب الفقهي، وقد مرت أمثلة هذا القسم من الاستدراك، فلا داعي لتكرارها (٢).\n_________\n(١) يُنظر: (ص: ١٢٤) من البحث.\n(٢) يُنظر: (ص: ٢٣٨ - ٢٤٠) من البحث.","vol":"1","page":351},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-115>المطلب الخامس: استدراك الأصولي\nعلى المُستدرِك، وتطبيقاته</span>\nالمراد بهذا القسم من الاستدراك: الاستدراك المركب، وهو: الاستدراك المؤلف من استدراكين فأكثر.\nويمكن تصوير هذا الاستدراك بالرموز التالية: أن يستدرك الأصولي (ب) على الأصولي (أ)، ثم يستدرك أصولي ثالث على الأصولي (ب)، وهذا الثالث قد يكون هو الأصولي (أ) المستدرَك عليه الأول، وقد يكون الأصولي (ج) أي شخص آخر.\nومما سبق يمكن حده بأنه: تعقيب أصولي على تعقيب أصولي بمخالف له في نفسه.\nوهذا القسم من الاستدراك ساعد في تصحيح وتنقيح علم أصول الفقه، كما كان سببًا في المناظرة بين الخصوم؛ بل وفي التصنيف أيضًا.\nوقد مر معنا أن الأبياري كان يستدرك على إمام الحرمين استدراكه على الإمام مالك (١)، وكذلك القرافي استدرك على الرازي استدراكه على الإمام مالك في مسألة (إجماع المدينة) بعدة استدراكات. (٢)\n- فائدة:\nمما سبق يمكن تقسيم الاستدراك الأصولي باعتبار عدد الاستدراكات إلى استدراك مركب وقد مضى، واستدرك بسيط؛ وهو: الاستدراك المؤلف من استدراك واحد.\n_________\n(١) يُنظر (ص: ١٧٠ - ١٧١، ٢٣٦) من البحث. وسيأتي -بإذن الله- استدراك له على الجويني في (ص: ٦١٥).\n(٢) يُنظر: نفائس الأصول (٦/ ٢٧٠١ - ٢٧١٢).","vol":"1","page":352},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-116> المبحث الثالث\nأقسام الاستدراك الأصولي باعتبار المستدرك فيه، وتطبيقاتها</span>\nوفيه ثمانية مطالب:\n- المطلب الأول: الاستدراك الأصولي على ترجمة المسألة، وتطبيقاته.\n- المطلب الثاني: الاستدراك الأصولي على الحدود، وتطبيقاته.\n- المطلب الثالث: الاستدراك الأصولي على الدليل، وتطبيقاته.\n- المطلب الرابع: الاستدراك الأصولي على الاستدلال، وتطبيقاته.\n- المطلب الخامس: الاستدراك الأصولي على نسبة الأقوال، وتطبيقاته.\n- المطلب السادس: الاستدراك الأصولي على التقسيمات والشروط، وتطبيقاته.\n- المطلب السابع: الاستدراك الأصولي على التمثيل، وتطبيقاته.\n- المطلب الثامن: الاستدراك الأصولي على التخريج، وتطبيقاته.\n\n* * ... * ** * ... * *","vol":"1","page":353},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-117>المطلب الأول: الاستدراك الأصولي\nعلى ترجمة المسألة الأصولية، وتطبيقاته</span>\nومن أمثلة ذلك:\n• المثال الأول:\nاستدرك الأستاذ أبو إسحاق التعبير بتأخير البيان إلى وقت الحاجة، ونقل ذلك عنه ابن السبكي فقال: \"قال الأستاذ في كتابه: هذه العبارة مُزَيَّفة - يعني: تأخير البيان إلى وقت الحاجة - قال: وهي لائقة بمذهب المعتزلة دون مذهبنا؛ لأن عندهم المؤمنين بحاجة إلى التكليف نحو: العبادات؛ لينالوا بها الدرجات الرفيعة ويستحقوها على طريق المعاوضة. وعندنا: الباري تعالى يُنْزِلُ المؤمنين الجنة فضلًا، ويُدْخِلُ الكافرين النار عدلًا، فالعبارة الصحيحة على مذهبنا أن نقول: تأخير البيان عن وقت وجوب الفعل بالخطاب، وإلى وقت وجوب الفعل\" (١).\n• المثال الثاني:\nترجم بعض علماء الأصول لمسألة (الأمر المطلق هل يقتضي الفور أم لا؟) بـ (الأمر المطلق هل يقتضي الفور أو التراخي؟)، واستدرك عدد من علماء الأصول\n_________\n(١) الإبهاج (٥/ ١٦٠٥). وراعى ذلك ابن السبكي في جمع الجوامع فقال: (تأخير البيان عن وقت الفعل غير واقع وإن جاز). وعلق المَحَلِّي على ذلك فقال: (وقوله: \" الفعل \" أحسن -كما قال- من قول غيره: \"الحاجة\"). واستدرك عليه البناني بقوله: (رُدَّ بأنه لا يلزم من التعبير بالحاجة القول بمذهب المعتزلة المذكور؛ فإنه لا يتوقف على الحاجة إلى التكليف؛ بل على حاجة المكلف إلى بيان ما كُلِّف به). يُنظر: المحلى على جمع الجوامع مع حاشية البناني (٢/ ٦١). وقد ذكر الزركشي كلام الأستاذ وقال: \" وهي مشاحة لفظية، وقد عُرف أن المَعْنِيَّ بالحاجة -كما قال إمام الحرمين-: توجيه الطلب \". يُنظر: البحر المحيط (٣/ ٤٩٣)؛ ويُنظر: البرهان (١/ ١٦٦).","vol":"1","page":354},{"text":"هذه الترجمة (١)، فقال الشيرازي: \"وربما غلط بعض أصحابنا في العبارة عن هذه المسألة فقال: الأمر يقتضي الفور والتراخي، وهذه العبارة ليست صحيحة؛ لأن أحدًا لم يقل: إن الأمر يقتضي التراخي، وإنما يقولون: هل يقتضي الفور أم لا؟ \". (٢)\nوقال الجويني: \"ومما يتعين التنبيه له أمر يتعلق بتهذيب العبارة؛ فإن المسألة مترجمة بأن الصيغة على الفور أم على التراخي. فأما من قال: إنها على الفور؛ فهذا اللفظ لا بأس به، ومن قال: إنها على التراخي؛ فلفظه مدخول؛ فإن مقتضاه: أن الصيغة المطلقة تقتضي التراخي؛ حتى لو فرض الامتثال على البدار لم يُعتدّ به، وليس هذا معتقد أحدٍ. فالوجه أن يعبر عن المذهب الأخير المعزو إلى الشافعي والقاضي (٣) - رحمهما الله - بأن يقال: الصيغة تقتضي الامتثال، ولا يتعين لها وقت\" (٤).\n• المثال الثالث:\nقال إمام الحرمين: \"اضطرب الناس في تخصيص عموم الكتاب بالقياس ... \". (٥)\nفاستدرك عليه الأبياري فقال: \"لكن في ترجمة المسألة إطلاق لابد من تفسيره، وتبيين محل الخلاف فيه؛ فإن بعض أنواع القياس يجب تقديمه على العموم بلا شك، وهو إذا كان الأصل الذي يستند إليه الحكم الفرع مقطوعًا به، وكانت نسبة الفرع إلى الأصل نسبة العلم؛ كالقياس الذي يسمى في معنى الأصل، والمنصوص على علته، مع\n_________\n(١) يُنظر: القواطع (١/ ١٣٠)؛ إيضاح المحصول (ص: ٢١١)؛ نهاية السول (١/ ٤٢٦ - ٤٢٧)؛ الإبهاج (٤/ ١١٢٧ - ١١٢٨).\n(٢) شرح اللمع (١/ ٢٣٥).\n(٣) يُنظر مذهب القاضي الباقلاني في: مختصر التقريب والإرشاد (٢/ ٢٠٨).\n(٤) البرهان (١/ ٢٣٣).\n(٥) البرهان (١/ ٤٢٨).","vol":"1","page":355},{"text":"مصادفتهما في الفروع من غير فارق قطعًا، فهذا النوع من القياس لا يتصور الخلاف في أنه مقدم، فيجب إخراج هذه الصورة عن ترجمة المسألة\" (١). (٢)\n• المثال الرابع:\nقال ابن رشيق: \"اختلفوا في أن ما لا يتم الواجب إلا به هل يوصف بالوجوب؟ وهذه الترجمة خطأ؛ فإن ما لا يتم الواجب إلا به لا بد أن يوصف بالوجوب.\nوإنما موضع الخلاف: أن ما توقف بحكم العادة فعل الواجب على فعله وليس داخلًا في اسم الواجب هل يوصف بالوجوب أم لا؟ كغسل جزء من الرأس في استيفاء غسل الوجه، وإمساك جزء من الليل في استيفاء صوم النهار\" (٣).\n• المثال الخامس:\nقال الرازي في المحصول (٤): \"المسألة الثانية: في أن الأمر بالشيء نهي عن ضده\".\nفاستدرك عليه القرافي بقوله: \"قلنا: أحسن من هذه العبارة: الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، فإذا قال له: اجلس في البيت؛ فقد نهاه عن الجلوس في السوق، والحمام، والطريق، والبحر، وغير ذلك من المواضع التي يضاد الجلوس فيها الجلوس في البيت ... \" (٥).\n_________\n(١) التحقيق والبيان (٢/ ٢١٤ - ٢١٥).\n(٢) ونقل هذا الاستدراك: الإسنوي والزركشي والفتوحي، يُنظر على الترتيب المذكور: نهاية السول (١/ ٥٢٩)؛ البحر المحيط (٣/ ٣٧٥)؛ شرح الكوكب المنير (٣/ ٣٧٨).\n(٣) لباب المحصول (١/ ٢٢١ - ٢٢٢).\n(٤) (٢/ ١٩٩).\n(٥) نفائس الأصول (٤/ ١٤٨٩ - ١٤٩٠).","vol":"1","page":356},{"text":"• المثال السادس:\nقال الرازي في المحصول (١): \"المسألة الثامنة: قال ابنُ سُرَيْج (٢): لا يجوز التمسك بالعام مالم يُستفصَ في طلب المخصص، فإذا لم يوجد ذلك المخصص؛ فحينئذ يجوز التمسك به في إثبات الحكم\".\nفاستدرك عليه القرافي بقوله: \"قلت: انظر هذه المباحث والتلخيصات لما في المحصول، وصدَّر المسألة في المحصول بالتمسك بالعام، والمسألة إنما هي في الاعتقاد قبل ورود وقت العمل، وأين أحدهما من الآخر؟ والجماعة يحكمون الإجماع في أنه لا يجوز العمل بأول خاطر ولا دليل حتى يفحص عن مخصصاته ومعارضاته، واشترط القاضي القطع (٣)، وبعضهم نحو ما سمعته مسطورًا هاهنا، فهذا يُظهر لك الحق في مسألتنا\" (٤).\n• المثال السابع:\nقال الإسنوي في مسألة (إذا نسخ الوجوب بقي الجواز): \"وهذه المسألة قد أشار إليها الآمدي (٥) وابن الحاجب (٦) بقولهما: (المباح ليس بجنس الواجب)؛\n_________\n(١) (٣/ ٢١).\n(٢) هو: أبو العباس، أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، الشهير بـ (الباز الأشهب)، إمام الشافعية في عصره، وناشر مذهبه في الآفاق، بلغت مصنفاته (٤٠٠) مصنف؛ منها: \"الرد على داود في إبطال القياس\"، (ت: ٣٠٦ هـ).\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ٢١ - ٣٩)؛ البداية والنهاية (١١/ ١٣٨)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٥٩ - ٦٠).\n(٣) أي القطع بانتفاء المخصص. يُنظر: مختصر التقريب والإرشاد (٣/ ١١٢).\n(٤) نفائس الأصول (٥/ ١٩٦٧).\n(٥) الإحكام للآمدي (١/ ١٦٨).\n(٦) مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٣٢).","vol":"1","page":357},{"text":"ولكن هذه الترجمة غير محل النزاع\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الإسنوي على الآمدي وابن الحاجب ترجمة مسألة (إذا نسخ الوجوب بقي الجواز) بالمباح ليس بجنس الواجب، فهذه الترجمة التي ذكرها ليست في محل النزاع.\n• المثال الثامن:\nفي مسألة (دلالة صيغة الأمر بعد الحظر) قال الزركشي في تنبيهاته: \"قال المازري: ترجمة المسألة بـ (الأمر الوارد بعد الحظر للإباحة) غير سديد؛ لأنه كالمتناقض؛ إذ المباح غير مأمور به، وهذه العبارة تقتضي كونه مأمورًا به، والصواب أن يقال: (افعل) إذا ورد بعد الحظر. (٢)\nوقال عبدالجليل الربعي (٣) في شرح اللمع (٤): هذه العبارة رغب عنها القاضي (٥) وقال: الأولى فيها أن يقال: (افعل) بعد الحظر؛ لأن (افعل) أمر تارة وغير أمر، والمباح لا يكون مأمورًا به؛ وإنما هو مأذون فيه\" (٦).\n_________\n(١) نهاية السول (١/ ١١٩).\n(٢) هذه المسألة ساقطة من إيضاح المحصول المطبوع.\n(٣) هو: أبو القاسم، عبدالجليل الربعي القروي، المعروف: بالدبياجي وابن الصابوني، من علماء المغرب، صحب الباقلاني مدة، وكان عالمًا بالأصول مدرسًا لها، درس بقلعة حماد وفاس، من مصنفاته: \"المستوعب في أصول الفقه\"، و\"نكت الانتصار\" اختصره من كتاب الانتصار لأبي بكر بن الطيب، (ت: ٥٩٥ هـ).\nتُنظر ترجمته في: تاريخ الإسلام (٣١/ ٣٤٨)؛ التكملة لكتاب الصلة (٣/ ١٣٣).\n(٤) لم أقف على شرحه للمع، ولا على معرف به.\n(٥) المراد به: القاضي الباقلاني. يُنظر: مختصر التقريب والإرشاد (٢/ ٩٣).\n(٦) البحر المحيط (٢/ ٣٨٢).","vol":"1","page":358},{"text":"• المثال التاسع:\nقال القرافي: \"الأخذ بالأخف ... \" (١).\nفاستدرك عليه حلولو: \"ترجم المصنف المسألة بـ (الأخذ بالأخف (٢» وفسرها بـ (أقل ما قيل (٣» وهما مسألتان (٤) \" (٥).\n_________\n(١) يُنظر: تنقيح الفصول (ص: ٤٥٢).\n(٢) من أمثلتها: من نذر هديًا هل تجزئه الشاة أو لا بدّ من البدنة؟ . يُنظر: التوضيح في شرح التنقيح لحلولو (ص: ٩٧٤).\n(٣) من أمثلتها: الاختلاف في دية الكتابي هل هي كدية المسلم، أو على النصف، أو على الثلث؟ فالأخذ بالثلث هو أقل ما قيل. يُنظر: المرجع السابق (ص: ٩٧٣).\n(٤) والفرق بينهما: أن الأخذ بأقل ما قيل يشترط فيه الاتفاق على الأقل، بخلاف الأخذ بالأخف. يُنظر: البحر المحيط (٦/ ٣١).\n(٥) التوضيح شرح تنقيح لحلولو (ص: ٩٧٣).","vol":"1","page":359},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-118>المطلب الثاني: الاستدراك الأصولي\nعلى الحدود، وتطبيقاته</span>\nالحدود: جمع حد، وهو في اللغة: المانع والحاجز بين شيئين، ويقال للسَّجان والبواب: حَداد؛ لأنهما يمنعان من الخروج. (١)\nوفي الاصطلاح: شرح ما دل عليه اللفظ بطريق الإجمال. (٢)\nفهو اللفظ المانع الجامع، فيمنع ما ليس من المحدود أن يدخل فيه، وما هو منه أن يخرج عنه. (٣)\nويطلق على الحد: القول الشارح، والمعرِّف. (٤)\nويشترط لصحة الحد ثمانية شروط - متى اختل شرط كان الحد مجالًا للاستدراك -؛ وهذه الشروط هي:\n١ - أن يكون التعريف مانعًا من دخول غير المعرَّف في التعريف.\n٢ - أن يكون التعريف جامعًا لكل أفراد المعرَّف.\n٣ - أن يكون التعريف ظاهرًا (أي أوضح من المعرَّف).\n٤ - أن يكون التعريف خاليًا من الألفاظ المجازية.\n٥ - أن يكون التعريف خاليًا من المشترك اللفظي.\n٦ - أن يكون التعريف خاليًا من ذكر الأحكام.\n_________\n(١) الصحاح (ص: ٢١٦)؛ لسان العرب (٤/ ٥٥ - ٥٦)، مادة: (حدد).\n(٢) التنقيح للقرافي (ص: ٤).\n(٣) يُنظر: مختصر التقريب والإرشاد (١/ ١٩٩)؛ إحكام الفصول (١/ ١٧٤)؛ شرح اللمع (١/ ١٤٦).\n(٤) يُنظر: شرح الأخضري على السلم المنورق (ص: ٢٨)؛ ضوابط المعرفة (ص: ٢٤).","vol":"1","page":360},{"text":"٧ - أن يكون التعريف خاليًا من (أو) التي للشك.\n٨ - ألا تتوقف معرفة التعريف على معرفة المعرَّف، وهو ما يسمى بالدَّور. (١)\nوهذه بعض الاستدراكات على الحدود التي اختل فيها أحد الشروط السابقة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-119> المثال الأول: من استدراكات القاضي أبي يعلى على الحدود:</span>\nذكر القاضي أبو يعلى قول أبي بكر الصَّيْرَفِي في حده للبيان: \" (إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي). وهو اختيار أبي بكر (٢) من أصحابنا فيما وجدته بخطه في مجموع فيه مسائل.\nوفي هذه العبارة خلل؛ لأن هذا الوصف إنما يوجد في بعض أقسام البيان، وهو بيان المجمل الذي لا يستقل بنفسه.\nفأما الخطاب المبتدأ من الله ومن رسوله - ﷺ - ومن سائر الناس المخاطبين إذا كان ظاهر المعنى بَيِّن المراد؛ فهو بيان صحيح وإن لم يشتمل عليه هذا الوصف ... \" (٣).\nفاستدراكه على حد الصيرفي كان لفوات الشرط الثاني؛ وهو: أن يكون التعريف جامعًا لكل أفراد المعرَّف.\nثم قال القاضي: \"وقال قوم من المتكلمين: البيان هو: الدلالة؛ لأن البيان يقع بها ... وهذا أيضًا فيه خلل؛ لأن من الدلائل ما لا يقع به البيان؛ كالمجمل ونحوه\" (٤).\n_________\n(١) يُنظر: شرح اللمع (١/ ١٤٦)؛ شرح الكوكب المنير (١/ ٩١ - ٩٢)؛ شرح التفتازاني على شمسية المنطق (ص: ١٩٦ - ١٩٩)؛ إيضاح المبهم (ص: ٩).\n(٢) هو: أبو بكر، عبدالعزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد بن معروف، المعروف بغلام الخلال، أصولي فقيه حنبلي، كان ذا دين وورع، من مصنفاته: \"تفسير القرآن \" و\" المقنع\"، (ت: ٣٦٣ هـ).\nتُنظر ترجمته في: تاريخ بغداد (١٠/ ٤٥٩)؛ طبقات الحنابلة (٢/ ١١٩)؛ شذرات الذهب (٣/ ٤٥).\n(٣) العدة في أصول الفقه (١/ ١٠٥ - ١٠٦).\n(٤) المرجع السابق (١/ ١٠٦).","vol":"1","page":361},{"text":"واستدراكه على هذا الحد كان لفوات الشرط الأول؛ وهو: أن يكون التعريف مانعًا من دخول غير المعرَّف في التعريف.\nوقال في فصل الأمر: \"حُكي عن أبي بكر بن فُوْرَكٍ (١)\nأنه قال: الأمر ما يكون المأمور بامتثاله مطيعًا. والأول (٢) أصح؛ لأن عبارة الحد يجب أن تكون أظهر من عبارة المحدود؛ لتفيد بيانه وتفسيره، فأما إذا كانتا في الإجمال سواء؛ لم تصح عبارة الحد\" (٣).\nفاستدراكه على حد ابن فُوْرَكٍ كان لفوات الشرط الثالث؛ وهو: أن يكون التعريف ظاهرًا (أي أوضح من المعرَّف).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-120> المثال الثاني: من استدراكات الباجي على الحدود:</span>\nقال الباجي في حد الخبر: \"وقال القاضي أبو بكر وغيره من شيوخنا وسائر المتكلمين من أهل الأصول: حده: ما يدخله الصدق أو الكذب (٤)، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه أنكر دخول (أو) في الحدود؛ لأنها عنده من حروف الشك\" (٥).\nفاستدراك الباجي على القاضي في حده للخبر كان لفوات الشرط السابع: أن يكون التعريف خاليًا من (أو) التي للشك.\n_________\n(١) هو: أبو بكر، محمد بن الحسن بن فورك، الأصبهاني، الأصولي الفقيه المتكلم الواعظ النحوي، من أعيان الشافعية، درس بالعراق فنيسابور فغزنة، بلغت مصنفاته المائة مصنف؛ منها: \"أسماء الرجال\"، و\" تفسير القرآن\"، و\"مشكل الحديث\"، (ت: ٤٠٦ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية للإسنوي (٢/ ٢٦٦)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٤/ ١٢٧ - ١٣٥)؛ الأعلام (٦/ ٣١٣).\n(٢) وهو حد الأمر بأنه: اقتضاء الفعل أو استدعاء الفعل بالقول مما هو دونه. العدة (١/ ١٥٧).\n(٣) المرجع السابق (١/ ١٥٨).\n(٤) لم أقف على كلام القاضي في مختصر التقريب المطبوع، يُنظر: التلخيص (٢/ ٢٧٦).\n(٥) إحكام الفصول (١/ ٣٢٤).","vol":"1","page":362},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-121> المثال الثالث: من استدراكات الجويني على الحدود:</span>\nقال الجويني في حد البيان: \"اختلفت عبارات الخائضين في هذا الفن في معنى البيان؛ فذهب بعض من يُنتسب إلى الأصوليين إلى أن البيان: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التَّجَلِّي والوضوح. (١)\nوهذه العبارة وإن كانت مُحوَّمة على المقصود فليست مُرضية؛ فإنها مشتملة على ألفاظ مستعارة؛ كالحيز والتجلي، وذوو البصائر لا يودعون مقاصد الحدود إلا في عبارات هي قوالب لها تُبَلِّغُ الغرض من غير قُصورٍ ولا ازدياد، يفهمها المبتدئون، ويُحسنها المنتهون\" (٢).\nفاستدراكه على هذا الحد كان لفوات الشرط الرابع: أن يكون التعريف خاليًا من الألفاظ المجازية\nوالجويني في مبحث (حقيقة القياس) استعرض عددًا من الحدود المذكورة في القياس فقال: \"فإن من الناس من قال: هو حمل شيء على شيء. ومنهم من قال: هو حمل الشيء على شبيهه. ومنهم من قال: هو حمل الفرع على أصله\" (٣).\nثم استدرك عليها إجمالًا بقوله: \"وكل هذه العبارات مدخولة في شرط الحدود؛ فإن من شرطها: أن تكون جامعة لأقسام لا يشذُّ عنها شيء منها\" (٤).\nفاستدراكه على هذه الحدود كان لفوات الشرط الثاني، وهو: أن يكون التعريف جامعًا لكل أفراد المعرَّف.\n_________\n(١) وهذا حد أبي بكر الصيرفي. يُنظر: العدة (١/ ١٠٥)؛ القواطع (٢/ ٥٥). ورحم الله الإمام الجويني فقد كان شديد العبارة في بعض المواطن.\n(٢) البرهان (١/ ١٥٩).\n(٣) التلخيص (٣/ ١٤٥).\n(٤) المرجع السابق.","vol":"1","page":363},{"text":"واستدرك أيضًا على من حد القياس بـ (الاستدلال بالشاهد على الغائب) (١).\nفقال: \"وهذه العبارة غير مرضية أيضًا؛ فإن الشاهد والغائب وإن كانا من عبارات المتكلمين في بعض المنازل؛ فلسنا نستحبهما في منازل الحدود؛ لانطوائها على المجاز والتوسع والإجمال، مع أن المقصود من التحديد الكشف والبيان، فلا ينبغي أن يكون الحد أغمض من المحدود\" (٢).\nفاستدراكه على الحد المذكور كان لفوات الشرط الثالث؛ وهو: أن يكون التعريف ظاهرًا -أي أوضح من المعرَّف-، وفوات الشرط الرابع؛ وهو: أن يكون التعريف خاليًا من الألفاظ المجازية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-122> المثال الرابع: من استدراكات الآمدي على الحدود:</span>\nقال الآمدي في حد خبر الواحد: \"قال بعض أصحابنا: خبر الواحد: ما أفاد الظن، وهو غير مطرد ولا منعكس.\nأما أنه غير مطرد؛ فلأن القياس مفيد للظن وليس هو خبر الواحد، وقد وجد الحد ولا محدود.\nوأما أنه غير منعكس؛ فهو أن الواحد إذا أخبر بخبر، ولم يفد الظن؛ فإنه خبر الواحد، وإن لم يفد الظن فقد وجد المحدود ولا حد، كيف وأن التعريف بما أفاد الظن، تعريف بلفظ متردد بين العلم؛ كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] أي: يعلمون، وبين أن نرجح أحد الاحتمالين على الآخر في النفس من غير قطع، والحدود مما يجب صيانتها عن الألفاظ المشتركة؛ لإخلالها بالتفاهم، وافتقارها إلى القرينة\" (٣).\n_________\n(١) التلخيص (٣/ ١٥٠).\n(٢) المرجع السابق.\n(٣) الإحكام للآمدي (٢/ ٤٢ - ٤٣).","vol":"1","page":364},{"text":"فاستدراك الآمدي على الحد المذكور كان لفوات ثلاثة شروط؛ وهي: الشرط الأول: أن يكون التعريف مانعًا من دخول غير المعرَّف في التعريف. الشرط الثاني: أن يكون التعريف جامعًا لكل أفراد المعرَّف. الشرط الخامس: أن يكون التعريف خاليًا من المشترك اللفظي.\nوذكر في حد الأمر عدة تعريفات واستدرك عليها؛ ومن هذه التعريفات قوله: \"ومنهم من قال: الأمر: هو طلب الفعل على وجه يعد فاعله مطيعًا. وهو أيضًا باطل؛ لما فيه من تعريف الأمر بالطاعة المتعلقة بالفعل، والطاعة المتعقلة بالفعل لا تُعْرَف إلا بموافقة الأمر، وهو دور ممتنع ... \" (١).\nفاستدراكه على حد الأمر المذكور كان لفوات الشرط الثامن؛ وهو: ألا تتوقف معرفة التعريف على معرفة المعرَّف، وهو ما يسمى بالدَّور.\nوقال بعد تعريف القياس في اللغة: \"وأما في اصطلاح الأصوليين فهو منقسم إلى قياس العكس (٢)، وقياس الطرد (٣) \". ثم بعد أن ذكر تعريف قياس العكس قال: \"وأما قياس الطرد فقد قيل فيه عبارات غير مرضية لابد من الإشارة إليها وإلى إبطالها\" (٤).\nوذكر عددًا من الحدود واستدرك عليها فقال: \"فمنها: قول بعضهم: إنه عبارة عن إصابة الحق. وهو منتقض بإصابة الحق بالنص والإجماع؛ فإنه على ما قيل وليس بقياس،\n_________\n(١) الإحكام للآمدي (٢/ ١٧٢).\n(٢) وقال في تعريفه: قياس العكس: تحصيل نقيض حكم معلوم ما في غيره؛ لافتراقهما في علة الحكم. يُنظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٢٢٧).\n(٣) واختار في تعريف القياس: الاستواء بين الفرع والأصل في العلة المستنبطة من حكم الأصل. يُنظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٢٣٧).\n(٤) المرجع السابق (٣/ ٢٢٧).","vol":"1","page":365},{"text":"كيف وإن إصابة الحق فرع للقياس وحكم له؟ وحكم القياس لا يكون هو القياس\" (١).\nفاستدراكه على الحد المذكور لفوات شرطين: الشرط الأول: أن يكون التعريف مانعًا من دخول غير المعرَّف في التعريف. والشرط السادس: أن يكون التعريف خاليًا من ذكر الأحكام.\n_________\n(١) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٢٨).","vol":"1","page":366},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-123>المطلب الثالث: الاستدراك الأصولي\nعلى الدليل، وتطبيقاته</span>\nسبق حد الدليل (١)، والمراد بالاستدراك على الدليل: تعقيب الدليل بما يخالفه في نفسه.\nواستدراك الأصولي على الدليل من وجهين:\nالأول: الاستدراك على الدليل الإجمالي.\nالثاني: الاستدراك على الدليل التفصيلي.\n• والدليل الإجمالي: هو الدليل الكلي الذي لا يدل على مسألة معينة. (٢)\nفالمراد بالاستدراك على الدليل الإجمالي: التعقيب على الأدلة الكلية بمخالف لها في نفسها.\nويمكن التمثيل لهذا النوع من الاستدراكات باستدراكات الجمهور على المالكية في اعتمادهم عمل أهل المدينة دليلًا يُستنبط منه الأحكام الشرعية.\nوكالاستدراكات بين الخصوم في اعتبار قول الصحابي والاستحسان والاستصلاح وسد الذريعة وغير ذلك دليلا كليًا إجماليًا لاستنباط الحكم الشرعي.\nوأقرره بالمثال التالي:\nقال ابن الحاجب: \"إجماع المدينة من الصحابة والتابعين حجة عند مالك _رحمه الله تعالى_.\n_________\n(١) يُنظر: (ص: ٢٧٨) من البحث.\n(٢) يُنظر: الإبهاج (١/ ٥٩)؛ التحبير شرح التحرير (١/ ١٧٠)؛ أصول الفقه لمحمد أبو النور زهير (١/ ١٤)؛ أصول الفقه للبرديسي (ص: ٢٩).","vol":"1","page":367},{"text":"وقيل: محمول على أن روايتهم متقدمة. وقيل: على المنقولات المُستمِرَّة كالأذان والإقامة. والصحيح التعميم\" (١).\nفاستدرك عليه الأصفهاني في عد إجماع أهل المدينة دليلًا كليًا بقوله: \"والحق: أن العبرة بقول الجميع، ولا مدخل للمكان في كون إجماع أهله حجة\" (٢).\n• وأما الدليل التفصيلي فهو: الدليل الجزئي الذي يدل على مسألة معينة. (٣)\nفالمراد بالاستدراك على الدليل التفصيلي: التعقيب على الأدلة الجزئية بمخالف لها في نفسها.\nفالمستدرِك والمستدرَك عليه متفقان على جنس الدليل الكلي، والاستدراك إنما هو في الدليل الجزئي المستدل به لتقرير الدليل الكلي.\nوأقرره بالتالي:\nذكر الرازي في مسألة (إثبات أن القياس حجة) من أدلة الجمهور القائلين: إن القياس حجة في الشرع: \"المسلك الثاني: التمسك بخبر معاذ (٤)،\nوهو مشهور، روي أنه - ﷺ - أنفذ معاذًا وأبا موسى الأشعري (٥) - ﵄ - إلى اليمن، فقال\n_________\n(١) مختصر ابن الحاجب (١/ ٤٥٩ - ٤٦١).\n(٢) بيان المختصر (١/ ٥٦٦).\n(٣) أصول الفقه لمحمد أبو النور زهير (١/ ١٤)؛ أصول الفقه للبرديسي (ص: ٢٩).\n(٤) هو: أبو عبدالرحمن، معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ الخزرجي الأنصاري، آخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين عبدالله بن مسعود، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها، أعلم الأمة بالحلال والحرام، أرسله رسول الله - ﷺ - إلى اليمن قاضيًا ومعلمًا للناس، مات في طاعون عمواس سنة (١٨ هـ) في أصح الأقوال.\n\nتُنظر ترجمته في: حلية الأولياء (١/ ٢٢٨)؛ أسد الغابة (٥/ ٢٠٤)؛ الإصابة (٦/ ١٣٦).\n(٥) هو: أبو موسى، عبدالله بن قيس بن سُلَيْم الأشعري، التميمي، اليمني، من قراء الصحابة وفقهائهم، استعمله رسول الله - ﷺ - على اليمن مع معاذ، كان من أحسن الصحابة صوتًا بالقرآن، (ت: ٤٢ هـ)، وقيل: غير ذلك.\nتُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٢/ ٣٨٠)؛ معرفة القراء الكبار (١/ ٣٩)؛ الإصابة (٧/ ٣٩٠).","vol":"1","page":368},{"text":"- ﵊ - لهما: «بِمَ تقضيان؟، فقالا: إذا لم نجد الحكم في السنة نقيس الأمر بالأمر، فما كان أقرب إلى الحق عملنا به. فقال - ﵊ -: أصبتما» (١). (٢)\nفهذا الدليل من السنة والمخالف أورد عليه أسئلة ليس لأنه لا يحتج بالدليل\n_________\n(١) حديث معاذ لما بعثه النبي - ﷺ - إلى اليمن «قال له: كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: أقضي بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي لا آلو. قال: فضرب بيده في صدري وقال: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله». في مسند أحمد (٥/ ٢٣٠/ح: ٢٢٠٦٠) (٥/ ٢٤٢/ح: ٢٢١٥٣)؛ سنن أبي داود، ك: الأقضية، ب: اجتهاد الرأي في القضاء، (٣/ ٣٠٣/ح: ٣٥٩٢ - ٣٥٩٣)؛ سنن التِّرمذي، ك: الأحكام، ب: باب ما جاء في القاضي كيف يقضي، (٣/ ٦١٦/ح: ١٣٢٧ - ١٣٢٨)؛ سنن البيهقي الكبرى (١٠/ ١١٤/ح: ٢٠١٢٦ - ٢٠١٢٧). قال الترمذي: \"هذا الحديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتَّصل\". سنن الترمذي (٣/ ٦١٦). والحديث في سنده مقال، فمن المحققين من حكم بقبوله؛ مثل: ابن القيم يُنظر: إعلام الموقعين (١/ ٢٠٢ - ٢٠٣)، ومنهم من ضعفه؛ مثل: عمر ابن الملقن، يُنظر: خلاصة البدر المنير (٢/ ٤٢٤)، ويُنظر كذلك أقوال المحققين في: تلخيص الحبير (٤/ ١٨٣).\n\nوأما اللفظ الذي ذكره الرازي عن معاذ وأبي موسى الأشعري فلم أجده في كتب الحديث التي وقفت عليها، والذي وقفت عليه إنما هو أثر عمر - ﵃ - وأمره لأبي موسى - ﵃ - بالقياس، يُنظر ذلك في مسند الدراقطني، ك: كتاب عمر - ﵁ - إلى أبي موسى الأشعري (٤/ ٢٠٦/ح: ١٥)؛ سنن البيهقي الكبرى، ك: آداب القاضي، ب: ما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي ... (١٠/ ١١٥/ح: ٢٠١٣٤).\nواستدرك ابن السبكي على المحصول وغيره جمعه بين قصة معاذ وأبي موسى فقال: \"وأما قصة أبي موسى فقد جمع في المحصول وغيره بين القصتين وجعلهما واحدة، ولا أعرف ذلك؛ بل روى البيهقي أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كتب إليه كتابًا بليغًا وفيه: ثم قايس الأمور، واعرف الأمثال والأشباه. رواه البيهقي وقال: هو كتاب مشهور لابد للقضاة من معرفته والعمل به\". يُنظر: الإبهاج (٦/ ٢١٩٧).\n(٢) المحصول (٥/ ٣٨).","vol":"1","page":369},{"text":"الكلي -وهو السنة-؛ وإنما أسئلته كانت على هذا الدليل الجزئي من السنة. (١)\nوكما استدرك الأصفهاني أيضًا على هذا الدليل فقال: \"اعلم أن هذا المسلك حسن مفيد لغلبة الظن، وأسئلته واضحة، وتمامه موقوف على بيان صحة الحديث وقد منع، فإن ثبت صحته أفاد المقصود؛ وإلا فلا\" (٢).\n_________\n(١) يُنظر: المحصول (٥/ ٣٩ - ٤٤).\n(٢) الكاشف عن المحصول (٦/ ١٩٩ - ٢٠١).","vol":"1","page":370},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-124>المطلب الرابع: الاستدراك الأصولي\nعلى الاستدلال، وتطبيقاته</span>\nمر معنا حد الاستدلال (١)، والمراد بالاستدراك على الاستدلال: تعقيب الاستدلال بما يخالفه في نفسه.\nواستدراك الأصولي على الاستدلال من وجهين:\nأحدهما: الاستدراك على الاستدلال بالدليل الإجمالي.\nثانيهما: الاستدراك على الاستدلال بالدليل التفصيلي.\n• المراد بالاستدراك على الاستدلال بالدليل الإجمالي: التعقيب برد الاستدلال بالدليل الكلي.\nفعدم اعتبار الدليل الإجمالي يدل على عدم الاستدلال به، فلو استدرك المستدرِك على المستدرَك عليه في دليله التفصيلي باستدلاله بدليل إجمالي لا يعتمده المستدرَك عليه؛ فاستدراكه مردود عليه؛ لأن من شروط الاستدراك على الخصم: أن يكون الدليل مسلمًا عنده.\nوأقرره بالأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nما ذكره ابن حزم في فصل (أقسام الأخبار عن الله تعالى) في القسم الثاني من الأخبار ما نقله الواحد عن الواحد؛ حيث ذهب إلى أن هذا القسم إذا اتصل برواية العدول إلى رسول الله - ﷺ - وجب العمل به، ووجب العلم بصحته أيضًا. فذكر أدلته في ذلك وأسئلة الخصم؛ ومنها: \"وقال بعضهم: أنتم لا تقبلون الواحد في فلس؛\n_________\n(١) يُنظر (ص: ٢٨١) من البحث.","vol":"1","page":371},{"text":"فكيف تقبلونه في إثبات الشرائع؟\nقال أبو محمد: هذا السؤال لا يلزمنا؛ لأننا لا نقيس شريعة على شريعة، ولا نتعدى ما جاءت به النصوص وثبت في القرآن والسنن، فصح البرهان كما ذكرنا بقبول خبر الواحد في العبادات والشرائع .... \" (١).\n• المثال الثاني:\nذكر الباجي في مسألة (دلالة صيغة الأمر المطلقة) دليل الخصم القائلين بحمل الصيغة على الندب بقوله: \"أما هم فاحتج من نصر قولهم بأن الندب أقل ما يجب صرف الأمر إليه ليكون أمرًا وقد علم أن الواجب هو ما لحق الوعيد والذم بتركه من حيث هو ترك له على وجه ما، وذلك لا يجب بنفس الأمر؛ وإنما يجب بمعنى يزيد على الأمر، فثبت أن الأمر بمجرده موضوع للندب دون الإيجاب\".\nفاستدرك عليهم بقوله: \"والجواب: أن اللغة إنما تثبت بالنقل؛ لا بالنظر والاستدلال، وهذا استدلال وقياس فلا يثبت به اللغة\". (٢)\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الباجي على القائلين بحمل صيغة الأمر على الندب بأن استدلالهم مبني على قاعدة إثبات اللغة بالاستدلال والقياس، وهذا الاستدلال لا يلزم المالكية؛ لأنهم لا يجوزون إثبات اللغة بالقياس (٣).\n_________\n(١) الإحكام لابن حزم (١/ ١٠٩).\n(٢) إحكام الفصول (١/ ٢٠٥).\n(٣) يُنظر: إحكام الفصول (١/ ٣٠٤)؛ لباب المحصول (٢/ ٤٦٦ - ٤٦٧)؛ مختصر ابن الحاجب (١/ ٢٥٨).","vol":"1","page":372},{"text":"• والمراد بالاستدراك على الاستدلال بالدليل التفصيلي: التعقيب برد الاستدلال بالدليل الجزئي.\nفجنس الدليل هنا مُسلم به عند المستدرِك والمستدرَك عليه؛ ولكن الخلل في الاستدلال به في الدليل التفصيلي على مسألة أصولية معينة، ويمكن توضيحه بالأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nذكر الآمدي من أدلة القائلين بوقوع التعبد بالقياس شرعًا: \"وأيضًا قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠]، ووجه الاحتجاج به: أنهم أوردوا ذلك في معرض صدهم عما كان يعبد آباؤهم لما بينهم من المشابهة في البشرية، ولم ينكر عليهم ذلك، وهو عين القياس؛ فكان حجة.\nفاستدرك على استدلالهم بالآية: \"وهو ضعيف أيضًا لوجهين:\nالأول: لا نسلم عدم النكير عليهم؛ فإن الآية إنما خرجت مخرج الإنكار لقولهم ذلك؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١].\nالثاني: أنه وإن كان قياسًا وتشبيهًا في الأمور الحقيقية؛ فلا يلزم مثله في الأحكام الشرعية إلا بطريق القياس أيضًا، وهو محل النزاع\" (١).\n• المثال الثاني:\nذكر الصفي الهندي في مسألة (تخصيص الكتاب بخبر الواحد) من بين أدلة القائلين بعدم جواز التخصيص به: \"القياس على النسخ فإنه لا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد وفاقًا، والجامع بينهما: رفع المفسدة الناشئة من إلغاء الخاص.\n_________\n(١) الإحكام للآمدي (٤/ ٣٤ - ٣٥).","vol":"1","page":373},{"text":"وجوابه: أنَّا نمنع الحكم أولًا؛ وهذا لأن بعض أهل العلم القائلين بجواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد يجوز نسخه به أيضًا\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nفالصفي الهندي عند استدراكه على استدلال الخصم لم يستدرك على استدلالهم بالدليل الكلي وهو القياس؛ وإنما استدرك على استدلالهم بالقياس في تقرير الدليل التفصيلي -تخصيص الكتاب بخبر الواحد-، فأجاب على استدلالهم بالقياس بأن حكم الأصل -لا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد- ليس متفقًا عليه؛ بل من القائلين بجواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد يجوز نسخ الكتاب به.\n_________\n(١) نهاية الوصول (٤/ ١٦٤٢).","vol":"1","page":374},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-125>المطلب الخامس: الاستدراك الأصولي\nعلى نسبة الأقوال، وتطبيقاته</span>\nوصورته: أن ينسب المستدرَك عليه قولًا أو مذهبًا لشخص أو طائفة، فيستدرك عليه المستدرِك في هذه النسبة.\nولا يتصور أن عالمًا يَنسب إلى شخص أو طائفة قولًا أو مذهبًا ليس لهم من قبيل العمد؛ بل من قبيل الخطأ. وأسباب الخطأ في نسبة الأقوال هي نفسها أسباب الوقوع في الخطأ (١).\nوقد مرت أمثلة لاستدرك نسبة الأقوال في استدراك تصحيح نسبة الأقوال (٢)، وفي استدراك تحرير النقول (٣)، فأغنى عن ذكرها هنا.\n_________\n(١) يُنظر: (ص: ١٦٨) من البحث.\n(٢) يُنظر: (ص: ٢٧٦) من البحث.\n(٣) يُنظر: (ص: ٣٢٣) من البحث.","vol":"1","page":375},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-126>المطلب السادس: الاستدراك الأصولي\nعلى التقسيمات والشروط، وتطبيقاته</span>\n•<span data-type=\"title\" id=toc-127> أولًا: استدراك الأصولي على التقسيم:</span>\nقال البيضاوي: \"في المجمل، وفيه مسائل: الأولى: اللفظ إما أن يكون مجملًا بين حقائقه؛ كقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أو أفراد حقيقة واحدة؛ مثل: ﴿أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، أو مجازاته إذا انتفت الحقيقة وتكافأت (١) ... \" (٢).\nقال الإسنوي: \"والإجمال لا يتصور إلا في معان متعددة، وحينئذ الإجمال على أقسام\". ثم أورد استدراكًا على البيضاوي فقال: \"نعم المجمل قد يكون فعلًا أيضًا؛ كما إذا قام النبي - ﷺ - من الركعة الثانية؛ فإنه يحتمل أن يكون عن تعمد؛ فيدل على جواز ترك التشهد الأول، ويحتمل أن يكون عن سهو؛ فلا يدل عليه.\nوهذا القسم ذكره ابن الحاجب (٣) وغيره، وهو يرد على المصنف؛ فإنه جعل مورد التقسيم هو اللفظ، فقال: (اللفظ إما أن يكون) إلخ\" (٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-128> ثانيًا: استدراك الأصولي على الشروط:</span>\nبعد أن ذكر العلاء البخاري شروط القياس التي أوردها البزدوي قال: \"واعلم أن صاحب الميزان (٥) اعترض على الشروط الأربعة المذكورة في الكتاب بوجوه:\n_________\n(١) أي تكافأت المجازات فلم يترجح بعضها على بعض. يُنظر: نهاية السول (١/ ٥٥٦).\n(٢) المنهاج - مطبوع مع نهاية السول- (١/ ٥٥٥).\n(٣) يُنظر: مختصر ابن الحاجب (٢/ ٨٦٥).\n(٤) نهاية السول (١/ ٥٥٥ - ٥٥٧).\n(٥) هو: أبو بكر، محمد بن أحمد السمرقندي الحنفي، علاء الدين، الأصولي، له في أصول الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة كتاب سماه \" ميزان الفصول في نتائج العقول \" - هكذا ذكر اسم الكتاب في الترجمة له-.\n\nتُنظر ترجمته في: الجواهر المضِيَّة (٣/ ٨٣)؛ تاج التراجم (ص: ٢٥٧)؛ إيضاح المكنون (٤/ ٦١٣).","vol":"1","page":376},{"text":"أحدها: أن اشتراط الشرط الأول والثاني (١) إنما يستقيم على قول من يرى تخصيص العلة (٢)؛ مثل القاضي الإمام أبي زيد (٣) ومن وافقه (٤)، فأما من أنكر تخصيص العلة؛ مثل: الشيخين (٥) وعامة المتأخرين (٦)؛ فلا يستقيم؛ لأن النص إذا ورد بخلاف القياس تبيَّن به أن ذلك القياس غير مستقيم؛ ليتبين بطلان ذلك القياس بورود النص على خلافه.\nبيانه: أن الأكل لما جعل علة لفساد الصوم، ثم ورد نص ببقاء الصوم مع الأكل ناسيًا؛ كان ذلك دليلًا على فساد العلة، فكيف يستقيم قولهم: إنه ورد على خلاف القياس مع تبين فساد القياس وبطلانه بوروده؟ !\nوثانيها: أنه ذكر التعدي وذلك لا يتحقق في الأوصاف، ولو ثبت يلزم منه خلو محل النص عن الحكم؛ إذ الشيء لا يثبت في محلين في زمان واحد.\n_________\n(١) الشرط الأول: ألا يكون الأصل مخصوصًا بحكمه بنص آخر. الشرط الثاني: ألا يكون حكمه معدولًا به عن القياس. يُنظر: أصول البزدوي - مطبوع مع كشف الأسرار للبخاري- (٣/ ٥٤٥، ٥٤٧).\n(٢) تخصيص العلة: تخلف الحكم عن الوصف المدَّعى عليه في بعض الصور لمانع. يُنظر: كشف الأسرار للبخاري (٤/ ٥٧)؛ تيسير التحرير (٣/ ٢٣٣)؛ ويُنظر كذلك: التعريفات (ص: ٧٦).\n(٣) يُنظر قوله في جواز تخصيص العلة في: تقويم الأدلة (ص: ٣١٢ - ٣١٤).\n(٤) من الموافقين له: أبو الحسن الكرخي، وأبو بكر الرازي، ومشايخ الحنفية من العراق. يُنظر: الفصول في أصول الفقه (٤/ ٢٥٥ - ٢٥٦)؛ كشف الأسرار للبخاري (٤/ ٥٧).\n(٥) الشيخان هما: فخر الإسلام البزدوي، وشمس الأئمة السرخسي. يُنظر: كشف الأسرار عن أصول البزدوي، رسالة دكتوراه تخصص أصول الفقه، تحقيق: أسامة السعدون، بالجامعة الإسلامية، هامش (٣) (ص: ٧٧٦). ويُنظر قول البزودي والسرخسي في فساد تخصيص العلة: أصول البزدوي (٤/ ٥٧)؛ أصول السرخسي (٢/ ٢٠٨).\n(٦) مشايخ الحنفية في بلاد ما وراء النهر. يُنظر: كشف الأسرار للبخاري (١/ ٥٧).","vol":"1","page":377},{"text":"وثالثها: أن اشتراط تعدي حكم النص بعينه يمنع من ثبوت القياس، فكيف يصلح شرطًا؛ لأن حكم النص في قوله - ﵇ -: «الْحنْطَةَ بالْحِنْطَةِ مثْلًا بمِثْلٍ» (١) حرمة الفضل على الكيل في الحنطة، ولا يتصور ثبوته في الفرع؛ لأن حرمة الفضل على الكيل في الجص والأرز مثلًا غير حرمة الفضل في الحنطة (٢) \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه مسلم بلفظ: \"التّمْرُ بالتَّمْرِ، وَالْحنْطَةُ بالْحِنْطَةِ، وَالشَّعيرُ بالشَّعِيرِ، وَالْملْحُ بالْمِلْحِ، مثْلًا بمِثْلٍ، يدًا بيَدٍ، فمَنْ زادَ أو اسْتزَادَ فقَدْ أرْبَى؛ إلا ما اخْتلَفَتْ ألْوَانُهُ\". يُنظر: صحيح مسلم، ك: الربا، ب: الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا (٣/ ١٢١١/ح: ١٥٨٨).\n(٢) يُنظر: ميزان الأصول (٢/ ٩٦٩ - ٩٧٦).\n(٣) كشف الأسرار للبخاري (٣/ ٥٤٩).","vol":"1","page":378},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-129>المطلب السابع: الاستدراك الأصولي\nعلى التمثيل، وتطبيقاته</span>\n• المثال الأول:\nقال الجويني في مسألة (تعقب الاستثناء جملًا معطوفة بعضها على بعض): \"وذكر الأصوليون آية القذف مثالًا مفروضًا لإيضاح المذهبين، وترجيح أحدهما على الثاني، وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤ - ٥].\nرأى الشافعي صرف (إلا) في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ إلى ما أمكن من الجمل المتقدمة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾.\nوخصص أبو حنيفة معنى هذا الاستثناء بنبذ الفسق والتسمية به، فالقذفة فسقة إلا من تاب، فيسقط عنه بظهور التوبة اسم (الفسق) (١) \" (٢).\nثم قال بعد أن ذكر اختياره في المسألة: \"وأما آية القذف فإنها خارجة عن القسمين جميعًا على ما سنوضحه الآن قائلين: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ حكم في جملة، وقوله تعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ في حكم التعليل لحكم الجملة المتقدمة؛ فإن الشهادة في أمثال هذه المحال بالفسق ترد، فإذا تاب رفعت التوبة علة الرد، وانعطف أثرها على الرد لا محالة، فكأنه تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ لأنهم فاسقون إلا الذين تابوا ... \" (٣).\n_________\n(١) يُنظر: التوضيح شرح التنقيح للمحبوبي (١/ ٧٠ - ٧٢)؛ المنار للنسفي وشرحه فتح الغفار (ص: ٣٣٢ - ٣٣٣)؛ تيسير التحرير (١/ ٣٠٢)؛ مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت (١/ ٣٣٢).\n(٢) البرهان (١/ ٣٨٩ - ٣٩٠).\n(٣) المرجع السابق (١/ ٣٩٤).","vol":"1","page":379},{"text":"• بيان الاستدراك:\nاستدرك الإمام الجويني على من سبقه من الأصوليين جعل آية القذف مثالًا لمسألة (تعقب الاستثناء جملًا معطوفة بعضها على بعض)، فالآية خارجة عن محل النزاع.\nوتوضيح ذلك: أن الإمام الجويني فرق بين المفردات والجمل، فإذا ورد الاستثناء بعد المفردات فإنه يعود على الجميع، وأما الجمل ففرق بين كون معاني الجملة متفقة أو مختلفة، فإذا كانت المعاني في الجملة متفقة عاد الاستثناء على الجميع، وأما إذا كانت المعاني في الجملة مختلفة اختص الاستثناء بالجملة الأخيرة.\nوبهذا التقسيم يتضح أن آية القذف خارجة عن القسمين (١) جميعًا؛ وذلك لأن قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ليس حكمًا في الجملة، بل هو تعليل لحكم الجملة: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾.\n• المثال الثاني:\nقال الصفي الهندي في مسألة (تخصيص العموم بمذهب الراوي الصحابي): \"مثاله: ما روي عن ابن عباس - ﵁ - عن النبي - ﵇ - أنه قال: «مَنْ بدَّلَ دِينهُ فَاقتُلُوهُ» (٢)، فهذا عام في الرجال والنساء؛ لكن مذهبه أن المرتدة لا تقتل (٣)،\n_________\n(١) القسم الأول: الجمل المتفق معانيها. القسم الثاني: الجمل المختلف معانيها.\n(٢) يُنظر: صحيح البخاري، ك: الجهاد والسير، ب: لا يُعَذَّب بعذاب الله، (٣/ ١٠٩٨/ح: ٢٨٥٤). وأخرجه أيضًا في ك: استتابة المرتدين، ب: حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم، (٦/ ٢٥٣٧/ح: ٦٥٢٤).\n(٣) أي مذهب ابن عباس أن المرتدة لا تقتل، وروي في ذلك أثر من طريق أبي حنيفة عن عاصم بن أبي رزين عن ابن عباس قال: (النساء لا يقتلن إذا هن ارتددن عن الإسلام؛ لكن يحبسن، ويدعين إلى الإسلام، ويجبرن عليه). يُنظر: مصنف عبدالرزاق، ك: اللقطة، ب: كفر المرأة بعد الإسلام، (١٠/ ١١٧)؛ مصنف ابن أبي شيبة، ك: الحدود، ب: في المرتدة ما يصنع بها، (٥/ ٥٦٣/ح: ٢٨٩٩٤)، ك: السير، ب: ما قالوا في المرتدة عن الإسلام؛ (٦/ ٤٤٢/ح: ٣٢٧٧٣)، سنن الدارقطني، ك: الحدود والديات، (٣/ ١١٨ - ١١٩)؛ سنن البيهقي الكبرى، ك: المرتد، ب: قتل من ارتد عن الإسلام إذا ثبت عليه رجلًا كان أو امرأة، (٨/ ٢٠٣/ح: ١٦٦٤٨)، وقال: \"والذي روى هذا ليس ممن يثبت أهل الحديث حديثه\". وقال الزيلعي: \"أسند الدارقطني عن يحيى بن معين قال: كان الثوري يعيب على أبي حنيفة حديثًا كان يرويه ولم يروه غير أبي حنيفة عن عاصم بن أبي رزين\". نصب الراية (٣/ ٤٥٨). وقال ابن حجر: \"ما أخرجه الدارقطني عن ابن عباس رفعه: (لا تقتلوا المرأة إذا ارتدت)، قال الدارقطني: \"لا يصح؛ وفيه عبدالله بن عيسى وهو كذاب\". وذكر ابن حجر الروايات عن ابن عباس - ﵄ - في عدم قتل المرتدة، وذكر أنها لا تثبت. يُنظر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية (٢/ ١٣٦).","vol":"1","page":380},{"text":"فهل يخصص عمومه بمذهبه أو لا؟ .\nفعندنا: لا؛ ولهذا تقتل المرتدة (١). وعندهم: نعم؛ ولهذا لا يقتلونها (٢).\nوقد أورد الإمام (٣) - ﵀ - لهذا مثالًا: خبر أبي هريرة؛ فإنه روى عنه - ﵇ - أنه قال: «إذا ولَغَ الْكلْبُ في إناءِ أحَدِكُمْ فلْيَغْسِلْهُ سبْعَ مرَّاتٍ إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» (٤).\nثم إن مذهبه الاكتفاء بالثلاث (٥)، فهل يجوز تخصيصه به؛ حتى يجوز الاقتصار\n_________\n(١) يُنظر: الأم (٦/ ١٨٠)؛ الإقناع للشربيني (٢/ ٥٥١)؛ المجموع (١٨/ ١٠).\n(٢) أي عند الحنفية، حيث ذهبوا إلى أن المرتدة لا تقتل؛ وإنما تحبس، وتطالب بالرجوع إلى الإسلام، وتجبر عليه، وإن لحقت بدار الحرب سبيت واسترقت. يُنظر: المبسوط (١٠/ ١٠٨)؛ البحر الرائق (٥/ ١٣٩)؛ الفتاوى الهندية (٢/ ٢٥٤).\nوقول الحنفية هذا مبني على قولهم في الأصول: إذا عمل الراوي بخلاف ما روى؛ إن كان بعد الرواية فهذا جرح في الرواية ويبطل الاحتجاج بها، وإن كان قبل الرواية لا يجرح فيها، وكذلك إذا لم يعلم التاريخ، وأما إن عمل ببعض محتملاته؛ فإنه رد منه للباقي بطريق التأويل لا يجرح في الرواية، ولا يكون حجة على غيره؛ كما لا يكون اجتهاده حجة على غيره. يُنظر المسألة في: كشف الأسرار للبخاري (٣/ ١٣٢ - ١٣٧)؛ التوضيح بشرح التنقيح للمحبوبي (١/ ٣٣ - ٣٧)؛ تيسير التحرير (٣/ ٧٢)؛ فواتح الرحموت (١/ ٣٥٥).\n(٣) أي الرازي في المحصول (٣/ ١٢٧).\n(٤) يُنظر: صحيح البخاري، ك: الوضوء، ب: باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، (١/ ٧٥/ح: ١٧٠) مسلم، ك: الطهارة، ب: حكم ولوغ الكلب، (١/ ٢٣٤/ح: ٢٧٩).\n(٥) أي مذهب أبي هريرة - ﵁ -، والأثر المروي عنه من طريقين: الأول: عن عبدالوهاب بن الضحاك عن إسماعيل بن عياش عن هشام بن عروة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - في الكلب يلغ الإناء «أنه يغسله ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا»، وأخرجه من هذا الطريق الدارقطني وقال: \"تفرد به عبدالوهاب عن إسماعيل وهو متروك الحديث، وغيره يرويه عن إسماعيل بهذا الإسناد (فاغسلوه سبعًا) وهو الصواب\". يُنظر: سنن الدارقطني، ك: الطهارة، ب: ولوغ الكلب في الإناء، (١/ ٦٥).\nوالطريق الثاني: عن عبدالملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة قال: \"إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه، ثم اغسله ثلاث مرات\". يُنظر: سنن الدارقطني، ك: الطهارة، ب: ولوغ الكلب في الإناء، (١/ ٦٦). قال ابن الجوزي: \"هذا الحديث لا يصح ... وأصل هذا الحديث أنه موقوف\". يُنظر: العلل المتناهية (١/ ٣٣٣)؛ ويُنظر: نصب الراية (١/ ١٣١ - ١٣٢).","vol":"1","page":381},{"text":"على الثلاث؟ فعلى الخلاف السابق.\nوفي هذا المثال نظر؛ لأن أسماء الأعداد نصوص في مسمياتها، والنص لا يقبل التخصيص؛ إذ لا يجوز إطلاق العشرة وإرادة الخمسة منها، وإنما يقبل الاستثناء وما يجري مجراه، فلا يكون المثال مطابقًا.\nنعم قد يحسن إيراد ذلك مثالًا إذا صدرت المسألة هكذا: الراوي الصحابي إذا خالف الحديث، وفعل ما يضاده؛ فالتعويل على الحديث أو على فعله؟ فعلى الخلاف نحو خبر أبي هريرة\" (١). (٢)\n• المثال الثالث:\nبنى البيضاوي الخلاف في (عدم التأثير) واعتباره قادحًا أو لا، على أن الحكم الواحد بالشخص هل يجوز تعليله بعلتين مستقلتين؟ وذكر مثالًا على ذلك فقال:\n_________\n(١) نهاية الوصول (٥/ ١٧٣٢ - ١٧٣٦).\n(٢) وقد نقل استدراكه على مثال الإمام كلٌّ من الإسنوي، وابن السبكي. يُنظر على الترتيب المذكور: نهاية السول (١/ ٥٤٣)؛ الإبهاج (٤/ ١٥٢٨ - ١٥٣١). وقد استدرك ابن السبكي على مثال صفي الدين، وصحح مثال الإمام، وذكر أن الفساد إنما هو في تقرير المثال.","vol":"1","page":382},{"text":"\"وذلك جائز في المنصوصة؛ كالإِيْلاَءِ (١)، واللِّعَانِ (٢) والقتل، والردة ... \" (٣).\nفاستدرك عليه ابن السبكي في مثاله فقال: \"وقوله: (وذلك) هذا دليل على التفصيل الذي اختاره، وتقريره: أنَّه قد وقع تعليل الواحد بالشخص بعلتين منصوصتين، فدل على جوازه، ودليل وقوعه اللعان والإيلاء؛ فإنهما علتان مستقلتان في تحريم وطء المرأة.\nولك أن تقول: الإيلاء لا تحرم به الزوجة، فلا يصح التمثيل به.\nولا يمكن أن يبدل الإيلاء بالظِّهار (٤)؛\nلأن الظهار وإن كان محرمًا إلا أنَّه لا\n_________\n(١) الإيلاء لغة: الحلف والقسم، من آلى: أي أقسم. يُنظر: المصباح المنير (١/ ٢٠)؛ القاموس المحيط (ص: ١٢٦٠) مادة: (ألي).\nوفي الاصطلاح: الحلف على ترك وطء الزَّوجة مُدَّةً مَخصُوصَةً. يُنظر: التَّعريفات (ص: ٥٩)؛ أنيس الفقهاء (ص: ١٦١).\nويُنظر من كتب الفقه: روضة الطالبين (٨/ ٢٢٨)؛ الاختيار تعليل المختار (٣/ ١٦٧)؛ القوانين الفقهية (ص: ١٥٩)؛ منتهى الإرادات مع شرحه (٥/ ٥٢١).\n(٢) اللِّعان لغة: من اللعن؛ وهو الطَّرد والإبعاد. يُنظر: لسان العرب (١٣/ ٢٠٨)؛ المصباح المنير (٢/ ٥٥٤) مادة: (لعن).\nوفي الشَّرع: عبارة عما يجري بين الزَّوجين من أربع شهادات. وركنه: الشَّهادات الصَّادرة منهما. وشرطه: قيام الزَّوجية. وسببه: قذف الرَّجل امرأته قذفًا يوجب الحد في الأجنبي. يُنظر: أنيس الفقهاء (ص: ١٦٣). ويُنظر من كتب الفقه: التلقين (ص: ٣٤١)؛ تبيين الحقائق (٢/ ٢٦١)؛ الإنصاف في معرفة الخلاف (٩/ ٢٣٥)؛ مغني المحتاج (٣/ ٤٨١).\n(٣) يُنظر: المنهاج - مطبوع مع الإبهاج - (٦/ ٢٤٧٢).\n(٤) وهذا ذكره الإسنوي في تصحيح مثال البيضاوي، يُنظر: نهاية السول (٢/ ٨٩٣).\n\nالظهار لغة: مقابلة الظهر بالظهر، يقال: تظاهر القوم إذا تدابروا، كأنه ولَّى كلُّ واحد منهم ظهره إلى صاحبه إذا كان بينهم عداوة. يُنظر: الصحاح (ص: ٦٦١)؛ لسان العرب (٩/ ١٩٩) مادة: (ظهر).\nوشرعًا: قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، مأخوذ من الظهر. يُنظر: طلبة الطلبة (ص: ١٠٥)؛ أنيس الفقهاء (ص: ١٦٢). ويُنظر من كتب الفقه: العناية على الهداية (٤/ ٢٤٥ - ٢٤٦)؛ الإقناع للشربيني (٢/ ٤٥٥)؛ كشاف القناع (٥/ ٣٦٨)؛ الفواكه الدواني (٢/ ٤٧).","vol":"1","page":383},{"text":"يمكن اجتماعه مع اللعان؛ إذ اللعان يقطع الزوجية، فلا تجتمع علتان على معلول واحد، فينبغي التمسك بالطلاق الرجعي مع الظهار؛ فإنهما علتان في تحريم الوطء، وقد يجتمعان في المرأة، فتكون رجعية ومظاهرًا منها\" (١).\n_________\n(١) الإبهاج (٦/ ٢٤٧٥ - ٢٤٧٦).","vol":"1","page":384},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-130>المطلب الثامن: الاستدراك الأصولي\nعلى التخريج، وتطبيقاته</span>\nالتخريج في اللغة: مصدر للفعل (خرَّج) المضعّف، وترجع معاني التخريج إلى أصلين:\nالأول: النفاذ عن الشيء.\nوالثاني: اختلاف لونين. (١)\nوالأصل الأول هو المراد هنا، ومما ورد في معناه قولهم: فلان خرِّيج فلان: إذا دَرَّبهُ وعَلَّمَهُ، كأنه هو الذي أخرجه من حد الجهل. والاستخراج والاختراج: الاستنباط. (٢)\nومصدر الفعل (خرَّج) يفيد التعدية (٣)؛ بألا يكون الخروج ذاتيًا؛ بل من خارج عنه، ومثله: أخرج الشيء واستخرجه فإنهما بمعنى: استنبطه، وطلب إليه أن يخرج.\nومعناه في الاصطلاح يختلف باختلاف أنواعه؛ وهي:\n- تخريج الأصول من الأصول.\n- تخريج الأصول من الفروع.\n- تخريج الفروع على الأصول.\n_________\n(١) يُنظر: مقاييس اللغة (٢/ ١٧٥)، مادة: (خرج).\n(٢) يُنظر: لسان العرب (٥/ ٣٩ - ٤٠)؛ القاموس المحيط (ص: ١٨٦)؛ المعجم الوسيط (ص: ٢٢٤)، مادة: (خرج).\n(٣) من معاني وزن (فعّل) التعدية، يُنظر: دروس في الصرف (ص: ٧٣)؛ شذا العرف في معاني الصرف (ص: ٢٤).","vol":"1","page":385},{"text":"- تخريج الفروع على الفروع.\nوالذي يهمنا في بحثنا القسم الأول- تخريج الأصول من الأصول- والقسم الثاني-تخريج الأصول من الفروع-.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-131> أولًا: تخريج الأصول من الأصول:</span>\nتعريفه: استنباط قاعدة أصولية من قاعدة أصولية أخرى، أو أصل من أصول الدين. (١)\nوبناء عليه فاستدراك تخريج الأصول من الأصول هو: التعقيب على استنباط الأصل الفقهي مِن أصل فقهي آخر أو عقدي.\nمحترزات التعريف:\nالتعقيب: جنس يدخل فيه كل تعقيب، وسبق الكلام عنه في حد الاستدراك.\nاستنباط: بيان نوع التعقيب، وهو مستفاد من معاني التخريج اللغوية.\nالأصل: قيد يخرج به التعقيب على استنباط الفروع الفقهية.\nالفقهي: قيد يخرج به التعقيب على استنباط أصول الدين.\nمِنْ: ابتداء الغاية (٢)، أي ابتداء هذا التخريج كان من أصل فقهي أو عقدي.\nأصل فقهي آخر أو أصل عقدي: قيد يخرج به التخريج من الفروع الفقهية.\nأو: للتقسيم؛ وليست للتشكيك.\nقال الزركشي في مقدمة كتابه سلاسل الذهب (٣): \"فهذا الكتاب أذكر فيه\n-بعون الله- مسائل من أصول الفقه، عزيزة المنال، بديعة المثال، منها ما تفرع\n_________\n(١) وهذا تعريف د. عبدالوهاب الرسيني. يُنظر: تخريج الأصول من الفروع (ص: ٣٤)، رسالة ماجستير بجامعة أم القرى.\n(٢) يُنظر: العدة (١/ ٢٠٢)؛ إحكام الفصول (١/ ١٨١)؛ القواطع (١/ ٦١)؛ فتح الغفار (ص: ٢٠٧).\n(٣) (ص: ١٠٣).","vol":"1","page":386},{"text":"على قواعد منه مبنية، ومنها ما نظر إلى مسائل كلامية ... \".\nوأقرر الاستدراك على تخريج الأصول من الأصول بالأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nجاء في المسودة (١): \"مسألة: يجوز أن يرد الأمر معلقًا باختيار المأمور، قال شيخنا (٢): ذكره القاضي (٣) وابن عقيل ولفظه: (يجوز أن يرد الأمر من الله مُعلقًا على اختيار المكلف، أو تركًا مُفوضًا إلى اختياره، بناء على أن المندوب مأمور به مع كونه مخيرًا بين فعله وتركه خلافًا للمعتزلة (٤» (٥). وهذه تشبه أن يقال للمجتهد: احكم بما شئت.\nقال شيخنا: وبحث أصحابنا في المسألة يدل على أنهم أرادوا أمر إيجاب، فلا يصح البناء على مسألة (المندوب مأمور به)؛ بل حرف المسألة شيئان:\nأحدهما: جواز عدم التكليف. والثاني: جواز تكليف ما يشاؤه العبد ويختاره ... \".\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك شيخ الإسلام ابن تيمية على الحنابلة تفريع مسألة (جواز أن يرد الأمر معلقًا باختيار المأمور) على مسألة (المندوب مأمور به)، فذكر أن هذا التخريج لا يصح؛ وذلك لأن الأمر المراد في مسألة (جواز أن يرد الأمر معلقًا باختيار المأمور) أمر إيجاب، فلا يصح بناؤه على مسألة الأمر في الندب.\n_________\n(١) (ص: ٤٥).\n(٢) المراد به: شيخ الإسلام ابن تيمية.\n(٣) المراد به: أبو يعلى الفراء. يُنظر: العدة (١/ ٣٠٢).\n(٤) يُنظر: المغني للقاضي عبدالجبار (١٧/ ١٢٦)؛ المعتمد (١/ ١٦٥).\n(٥) الواضح في أصول الفقه (٣/ ١٨٩).","vol":"1","page":387},{"text":"• المثال الثاني:\nاستدرك البرماوي (١) على الصفي الهندي تخريج مسألة (التعليل بالمحل (٢) أو جزئه (٣) على التعليل بالعلة القاصرة (٤» فقال: \"لكن المتجه أنه من صورة القاصرة، فلا حاجة لجعله مبنيًا عليه؛ فإن ذلك مشعر بالمغايرة، وليس كذلك\" (٥).\n• بيان الاستدراك:\nذكر علماء الأصول في شروط العلة: أن تكون متعدية، وذكروا الخلاف في التعليل بالعلة القاصرة، وخرج الصفي الهندي مسألة (التعليل بمحل الحكم\n_________\n(١) هو: أبو عبدالله، محمد بن عبدالدائم بن موسى العسقلاني البرماوي المصري الشافعي، شمس الدين، أخذ عن السراج البلقيني وابن الملقن، كان علامة في الفقه وأصوله وأصول العربية والحديث، من مصنفاته: \"اللامع الصبيح على الجامع الصحيح\"، و\" النبذة الألفية في الأصول الفقهية \" وشرحها \" الفوائد السنية في شرح الألفية\"، (ت: ٨٣١ هـ).\nتُنظر ترجمته في: طبقات ابن قاضي شهبة (٤/ ١٠١)؛ الضوء اللامع (٧/ ٢٨٠)؛ الأعلام (٧/ ٦٠).\n(٢) محل الحكم: كقولنا: الذهب ربوي؛ لكونه ذهبًا، والخمر حرام؛ لأنه مسكر معتصر من العنب. يُنظر: التحبير شرح التحرير (٧/ ٣٢٠٥).\nوالذين فرقوا بين التعليل بالعلة القاصرة والتعليل بمحل الحكم ذكروا الفرق بينهما:\n\nأن المحل ما وضع اللفظ له؛ كوصف البرية. والعلة القاصرة هي: وصف اشتمل عليه محل النص ولم يوضع اللفظ له؛ كاشتمال البر على نوع من الحرارة والرطوبة، وهو ملائم لمزاج الإنسان ملاءمة لا تحصل بين الإنسان والأرز؛ فإن الأرز حار يابس يبسًا شديدًا منافٍ لمزاج الإنسان، فيحرم الربا في البر لأجل هذه الملاءمة الخاصة التي لا توجد في غير البر، فهذه علة قاصرة لا محل، وأما وصف البرية بما هو برية فهو المحل. يُنظر: رفع النقاب عن تنقيح الشهاب (٥/ ٤١٣).\n(٣) جزء المحل الخاص به: كالتعليل باعتصاره من العنب فقط. يُنظر: المرجع السابق.\n(٤) يُنظر: نهاية الوصول (٤/ ٩٤٥).\n(٥) شرح ألفية البرماوي حقق جزء منه في جامعة أم القرى، ولم يشمل التحقيق كتاب القياس. ويُنظر قول البرماوي في التحبير شرح التحرير (٧/ ٣٢٠٥).","vol":"1","page":388},{"text":"أو التعليل بجزء المحل الخاص به) على التعليل بالعلة القاصرة، فاستدرك عليه البرماوي بأن لا حاجة لهذا التفريع؛ وذلك لأن التعليل بمحل الحكم أو التعليل بجزء المحل الخاص هو من صور التعليل بالعلة القاصرة، فجعل التعليل بهما فرعًا للتعليل بالعلة القاصرة يشعر بالمغاير، وهما في الحقيقة من صور التعليل بالعلة القاصرة.\n• المثال الثالث:\nاستدرك الزركشي على من خرج مسألة (شكر المنعم على التحسين والتقبيح) فقال: \"إن الأصحاب جعلوا مسألة (شكر المنعم والأفعال) مفرعة على التحسين والتقبيح، وليس بجيد، أما الأول: فلأن الشكر هو اجتناب القبيح وارتكاب الحسن، وهو عين مسألة التحسين والتقبيح؛ فكيف يقال: إنها فرعها؟ ...\nوأما الثاني: فلأن ما لا يقضي العقل فيها بشيء لا يتجه تفريعه على الأصل السابق؛ فإن الأصل إنما هو حيث يقضي العقل هل يتبع حكمه؟ وإنما الأصحاب قالوا: هب أن ذلك الأصل صحيح فلم قضيتم حيث لا قضاء للعقل؟ ! وليس هذا تفريعًا على هذا الأصل\" (١).\n• المثال الرابع:\nكما اعترض على ابن رفعة (٢) تخريجه مسألة (حكم الأشياء هل هو على الإباحة\n_________\n(١) البحر المحيط (١/ ١٥٩ - ١٦٠)؛ وينظر كذلك: سلاسل الذهب (ص: ١١٨ - ١١٩).\n(٢) هو: أبو العباس، أحمد بن محمد بن علي المصري، الفقيه الشافعي، الملقب بنجم الدين، والمعروف بـ (ابن رفعة)، كان بارعًا في الفقه، مشاركًا في العربية والأصول، من مصنفاته: \"الكفاية في شرح التنبيه\"، و\"المطلب في شرح الوجيز للغزالي\"، و\"النفائس في هدم الكنائس\"، (ت: ٧١٠ هـ).\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٢٩٦)؛ طبقات الشافعية لابن شهبة (٢/ ٢٧٣)؛ البداية والنهاية (١٤/ ٦٠).","vol":"1","page":389},{"text":"أو الحظر؟ على القول بالتحسين والتقبيح) فقال: \"هذا عجيب منه؛ لأن الخلاف أن الأصل في المنافع الإباحة إنما هو فيما بعد الشرع بأدلة سمعية، وتلك المسألة فيما قبل الشرع، وكأن ابن رفعة توهم اتحادهما، وليس كذلك\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-132> ثانيًا: تخريج الأصول من الفروع:</span>\nتعريفه: العلم الذي يكشف عن أصول وقواعد الأئمة من خلال فروعهم الفقهية وتعليلاتهم للأحكام. (٢)\nفالمراد إذًا من استدراك تخريج الأصول من الفروع: التعقيب على استنباط الأصل الفقهي من الفروع والعلل الفقهية.\nمحترزات التعريف:\n(التعقيب على استنباط الأصل الفقهي): سبقت في تعريف استدراك تخريج الأصول من الأصول.\n(من الفروع والعلل الفقهية): من لابتداء الغاية، أي ابتداء هذا التخريج كان من الفروع والعلل الفقهية، فهذا القيد يحترز به من أمرين:\n١ - التخريج من أصل فقهي أو عقدي.\n٢ - الأصول المصرح به من قبل الأئمة؛ لأنها تعد من قبيل المنصوص عليه؛ لا من قبيل التخريج.\nالناظر إلى أصول الأئمة يجد أن كثيرًا منها لم ينص عليها الإمام؛ وإنما هي مخرجة من أقوال الإمام أو فتاويه أو كتبه ونحو ذلك، ويشهد لذلك ما ذكره السرخسي: \"وحكي أن بعضهم قال لمحمد بن الحسن - ﵀ -: أسمعت هذا كله من أبي حنيفة؟\n_________\n(١) سلاسل الذهب (ص: ٤٣٣).\n(٢) وهذا تعريف د. يعقوب الباحسين، يُنظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين (ص: ١٩).","vol":"1","page":390},{"text":"فقال: لا، فقال: أسمعته من أبي يوسف؟ قال: لا؛ وإنما أخذنا ذلك مذاكرة. فقال: يجوز إطلاق القول بأن مذهب فلان كذا أو قال كذا بهذا الطريق. وهذا جهل؛ لأن تصنيف كل صاحب مذهب معروف في أيدي الناس مشهور؛ كموطأ مالك - ﵀ - وغير ذلك، فيكون بمنزلة الخبر المشهور يوقف به على مذهب المصنف، وإن لم نسمع منه فلا بأس بذكره على الوجه الذي ذكرنا بعد أن يكون أصلًا معتمدًا يؤمن فيه التصحيف والزيادة والنقصان\" (١).\nوإذا كان الأمر كذلك فإن احتمال الخطأ وارد في التخريج، وقد سبق ذكر أسباب الخطأ عن الأئمة، وقد يسر الله لي الوقوف على ثلاثة أسباب للخطأ في التخريج أذكرها مقررة بالأمثلة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>السبب الأول: التقصير في الاستقراء:</span>\nالأساس في تخريج أصول الأئمة: استقراء أقوالهم ومصنفاتهم وفتاويهم، ومتى كان الاستقراء ناقصًا كان مدعاة إلى الخطأ في التخريج، فقد تظهر أمثلة أخرى تخالف الأمثلة التي بني عليها التخريج، وبالتالي ينقل عن الإمام قول لم يقل به.\nومن أمثلة هذا السبب:\n• المثال الأول:\nما نقله الجويني في تخريج مذهب الإمام الشافعي في أن العبرة بخصوص السبب، ونقل ذلك عنه الرازي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم، فاستدرك عليهم الإسنوي بنص للشافعي من كتاب الأم يقضي أن العبرة بعموم اللفظ. (٢)\n_________\n(١) أصول السرخسي (١/ ٣٧٨ - ٣٧٩).\n(٢) يُنظر: البرهان (١/ ٣٧٢)؛ المحصول (٣/ ١٢٥)؛ الإحكام للآمدي (٢/ ٢٩٣)؛ مختصر ابن الحاجب (٢/ ٧٢٨)؛ نهاية السول (١/ ٥٤٠)؛ الإبهاج (٤/ ١٥١٠).","vol":"1","page":391},{"text":"• المثال الثاني:\nما نقله عدد من علماء الشافعية في تخريج مذهب الإمام الشافعي بعدم الاحتجاج بالقراءة الشاذة؛ لعدم إيجابه التتابع في صيام كفارة اليمين، فاستدرك عليهم الإسنوي هذا التخريج بنصين للشافعي في مختصر البويطي، ونصوص أخرى في كتب فقهية تدل على أنها حجة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>السبب الثاني: الوهم في فهم كلام الإمام:</span>\nالأصول المخرجة تعتمد على فهم المخرِّج للمنقول عن الإمام، ومعرفة وجه الدلالة منه، فهو في ذلك مجتهد، والخطأ على المجتهد وارد، وخطأ المجتهد ينتج عنه خطأ في التخريج.\nوأقرر خطأ التخريج بهذا السبب في الأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nما خرجه القاضي أبو يعلى أصلًا للإمام أحمد في حظر الأعيان المنتفع بها قبل الشرع أخذًا من إيماء أحمد في رواية صالح (٢) ويوسف بن موسى (٣):\n(لا يخمَّس\n_________\n(١) يُنظر: البرهان (١/ ٦٦٦)؛ الإحكام للآمدي (١/ ٢١٦)؛ مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٨١)؛ التمهيد للإسنوي (ص: ١١٨ - ١١٩).\n(٢) هو: أبو الفضل، صالح بن أحمد بن حنبل بن هلال الشيباني، أكبر أولاد الإمام أحمد، سمع من أبيه مسائل كثيرة، كان سخيًا، ولي قضاء أصبهان، ومات بها في شهر رمضان (ت: ٢٦٦ هـ).\nتُنظر ترجمته في: طبقات الحنابلة (١/ ١٧٣ - ١٧٦).\n(٣) يوجد شخصان بهذا الاسم في طبقات الحنابلة، وكلاهما من أصحاب أحمد، وممن نقلوا عنه بعض المسائل الفقهية والحديثية:\n\nفالأول: يوسف بن موسى العطار الحربي، ولم يذكر له تاريخ وفاة. وأما الثاني: فهو أبو يعقوب، يوسف بن موسى بن راشد القطان الكوفي، (ت: ٢٥٣ هـ). يُنظر: طبقات الحنابلة (١/ ٤٢٠ - ٤٢١).","vol":"1","page":392},{"text":"السَّلَب، ما سمعنا أن النبي خمَّس السَّلَب) (١).\nوهذا يدل على أنه لم يبح تخميس السَّلَب؛ لأنه لم يرد عن النبي - ﷺ - شرع فيه، فبقي على الحظر.\nوكذلك نقل الأثرم (٢) وابن بَدينا (٣) في الحُلِّي يوجد لقطة، قال: (إنما جاء الحديث في الدراهم والدنانير). فاستدام أحمد - ﵀ - التحريم، ومنع الملك على الأصل؛ لأنه لم يرد شرع في غير الدراهم\" (٤).\nفتعقبه شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا التخريج، فقال عن تخريجه للأصل بناء على رواية صالح ويوسف بن موسى: \"السلب قد استحقه القاتل بالشرع، فلا يخرج بعضه عن ملكه إلا بدليل، وهذا ليس من موارد النزاع\" (٥).\nوأما التخريج على رواية الأثرم فتعقبه بقوله: \"لأن اللقطة لها مالك، فنقلها إلى\n_________\n(١) عن عوف بن مالك وخالد بن الوليد - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - «قضى بأن السَّلَب للقاتل، ولم يخمس السَّلَب». أخرجه ابن حبان في صحيحه، ب: فروض الجهاد، ذكر البيان بأن السلب لا يخمس (١١/ ١٧٨/ح: ٤٨٤٤)؛ أبو داود في سننه، ك: الجهاد، ب: في السلب لا يخمس، (٣/ ٧٢/ح: ٢٧٢١)؛ والإمام أحمد في مسنده (٦/ ٢٦/ح: ٢٤٠٣٤).\nهذا والسلب هو: ما يُسلَب، يُقال: أخذ سَلَب القتيل: ما معه من ثياب وسلاح ودابة. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٨٧)؛ المعجم الوسيط (ص: ٤٤١).\n(٢) هو: أبو بكر، أحمد بن محمد بن هانئ الطائي، الإسكافي، البغدادي، الحافظ العلامة، كان إمامًا جليل القدر، كثير الرواية عن الإمام أحمد، من مصنفاته: \" كتاب العلل\"، (ت: ٢٦٠ هـ) على الأغلب.\nتُنظر ترجمته في: طبقات الحنابلة (١/ ٦٦)؛ تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٧٠)؛ شذرات الذهب (٢/ ١٤١).\n(٣) هو: أبو جعفر، محمد بن الحسن بن هارون بن بدينا، الموصلي، من أصحاب الإمام أحمد، روى عنه أبو بكر الخلال وغلامه عبدالعزيز، (ت: ٣٠٣ هـ). تُنظر ترجمته في: طبقات الحنابلة (١/ ٢٨٨).\n(٤) العدة (٤/ ١٢٣٨ - ١٢٤٠)، ونقل هذا التخريج البعلي في القواعد والفوائد الأصولية (ص: ٩٣).\n(٥) المسودة (ص: ٣١٧).","vol":"1","page":393},{"text":"الملتقط يحتاج إلى دليل، وليس هذا من جنس الأعيان في شيء\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك شيخ الإسلام ابن تيمية تخريج القاضي أبي يعلى أصلًا للإمام أحمد مفاده: الحظر في الأعيان المنتفع بها قبل الشرع، وذلك من إيماء رواية صالح ويوسف ابن موسى والأثرم، وملخص استدراك شيخ الإسلام: أن ما ذكر في الرواية ليس في محل النزاع.\n• المثال الثاني:\nما نقله ابن اللحام (٢)\nفي مسألة (ألفاظ الجموع المنكرة) عن استدلال القاضي أبي يعلى: \"ووقع للقاضي في هذه المسألة وهم؛ وهو أنه لما ذكر المسألة قال: وقد أشار أحمد (٣) إلى أنها للعموم في رواية صالح. وقد سأله عن لبس الحرير للصغار، فقال: إنما هو للإناث، يروى عن النبي - ﷺ - في الحرير والذهب «هَذانِ حَرامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حِلٌّ لِإِنَاثِهَا» (٤). قال القاضي: فقد حمل قوله - ﷺ -: «ذكور أمتي» على العموم في\n_________\n(١) المسودة (ص: ٣١٨).\n(٢) هو: أبو الحسن، علي بن محمد بن علي بن عباس بن شيبان البعلي، علاء الدين، من علماء الحنابلة المعروفين، من مصنفاته: \"اختيارات الشيخ تقي الدين ابن تيمية\"، و\" تجريد العناية\"، و\" القواعد والفوائد الأصولية\"، (ت: ٨٠٣ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: شذرات الذهب (٧/ ٣١)؛ الضوء اللامع (٥/ ٣٢٠)؛ معجم المؤلفين (٧/ ٢٠٦).\n(٣) أي: الإمام أحمد بن حنبل.\n(٤) الحديث برواية عبدالله بن زرير الغافقي عن علي بن أبي طالب - ﵃ -، وهذا اللفظ في سنن ابن ماجه، ك: اللباس، ب: لُبس الحرير والذهب للنساء (٢/ ١١٨٩ - ١١٩٠/ ح: ٣٥٩٥، ٣٥٩٧). وأخرجه أبو داود والنسائي وأحمد بدون زيادة (حل على إناثهم)، يُنظر: سنن أبي داود، ك: اللباس، ب: في الحرير للنساء (٤/ ٥٠/ح: ٤٠٥٧)؛ سنن النسائي ك: الزينة، تحريم الذهب على الرجال، (٨/ ١٦٠/ح: ٥١٤٤ - ٥١٤٧)؛ مسند الإمام أحمد (١/ ٩٦/ح: ٧٥٠). والحديث له شواهد بروايات أخرى عن الصحابة. يُنظر: نصب الراية (٤/ ٢٢٢)؛ الدراية في تخريج أحاديث الهداية (٢/ ٢١٩).","vol":"1","page":394},{"text":"الصغار والكبار (١) وإن كان ليس فيه ألف ولام. انتهى.\nوهذا إن لم يكن معرفًا بالألف واللام فهو معرف بالإضافة، ومسألة الخلاف في المنكر\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>السبب الثالث: وجود أدلة أخرى يبنى عليها الفرع الفقهي</span>، وله أمثلة:\n• المثال الأول:\nقال ابن برهان في مسألة: (الأمر المطلق هل يقتضي الفور أم لا؟): \"اختلف القائلون بأن الأمر يقتضي فعل مرة في أن الأمر هل يقتضي الفور أم لا؟ فذهب أصحاب الشافعي - ﵁ - إلى أن الأمر يقتضي الفور (٣).\nومذهب أصحاب أبي حنيفة (٤) - ﵏ - وأحمد (٥) أنه على التراخي.\n_________\n(١) يُنظر: العدة (٢/ ٥٢٣ - ٥٢٤).\n(٢) القواعد والفوائد الأصولية (ص: ١٩٦).\n(٣) للشافعية في هذه المسألة عدة أقوال:\n\n١ - منهم من قال: الأمر المطلق يقتضي الفعل على الفور، ونسب الشيرازي والسمعاني هذا القول لأبي حامد المرزوي، وأبي بكر الصيرفي، وأبي بكر الدقاق؛ إلا أن الشيرازي لم يذكر الدقاق.\n٢ - ومنهم من قال: لا يقتضي الفور، ونسب الشيرازي هذا القول لأبي حامد الإسفرائيني وأبي الطيب الطبري، وذكر ذلك السمعاني وأضاف للقائلين بعدم الفور: أبا علي بن خيران، وأبا علي بن أبي هريرة، وأبا بكر القفال، وصحح السمعاني هذا القول.\n٣ - ومنهم من قال: لا يقتضي الفور ولا التراخي، فالصيغة تقتضي مجرد الطلب، وهو اختيار الرازي والآمدي. يُنظر: شرح اللمع (١/ ٢٣٤ - ٢٣٥)؛ القواطع (١/ ١٢٧ - ١٣٠)؛ المحصول (٢/ ١١٣)؛ الإحكام للآمدي (٢/ ٢٠٣).\n(٤) وهذا مذهب جمهور الحنفية، ولم ينسبوا القول بالفور إلا إلى الكرخي. يُنظر: أصول السرخسي (١/ ٢٦)؛ مناهج العقول (٢/ ٤٤)؛ مسلم الثبوت وشرحه فواتح الرحموت (١/ ٣٨٧).\n(٥) ظاهر المذهب عند الحنابلة: أن الأمر يقتضي الفور، وفي رواية الأثرم عن الإمام أحمد: أنه لا يقتضي الفور. يُنظر: العدة (١/ ٢٨١)؛ التمهيد لأبي الخطاب (١/ ٢١٥ - ٢١٦)؛ شرح مختصر الروضة (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٨)؛ القواعد والفوائد الأصولية (ص: ١٤٩).","vol":"1","page":395},{"text":"ولم ينقل عن الشافعي ولا عن أبي حنيفة - ﵄ - نص في ذلك؛ ولكن فروعهم تدل على ذلك، وهذا خطأ في نقل المذاهب؛ فإن الفروع تبنى على الأصول ولا تبنى الأصول على الفروع، فلعل صاحب المقالة لم يَبْنِ فروع مسائله على هذا الأصل؛ ولكن بناها على أدلة خاصة، وهو أصل يعتمد عليه في كثير من المسائل\" (١).\n• المثال الثاني:\nوخرج القاضي أبو يعلى أصلًا للإمام أحمد في إباحة الأعيان المنتفع بها قبل الشرع أخذًا من إيماء أحمد في رواية أبي طالب (٢) وقد سأله عن قطع النخل، فقال: لا بأس به، لم نسمع في قطع النخل شيئًا. قيل له: فالنَّبْق (٣)؟ قال: ليس فيه حديث صحيح، وما يعجبني قطعه. قلت له: إذا لم يكن فيه حديث صحيح؛ فلِمَ لا يعجبك؟ قال: لأنه على كل حال قد جاء فيه كراهة، والنخل لم يجئ فيه شيء. فقد استدام أحمد - ﵀ - الإباحة في قطع النخل؛ لأنه لم يرد شرع بحظره\" (٤).\nفتعقب ابن تيمية هذا التخريج من هذه الرواية فقال: \"لا شك أنه (٥) أفتى بعدم البأس؛ لكن يجوز أن يكون للعمومات الشرعية، ويجوز أن يكون سكوت الشرع\n_________\n(١) الوصول إلى الأصول (١/ ١٤٨ - ١٥٠).\n(٢) هو: أبو طالب، أحمد بن حميد المشكاني، من أصحاب الإمام أحمد الذين رووا عنه مسائل كثيرة، وكان الإمام يكرمه، وكان رجلًا زاهدًا، مات قريبًا من موت الإمام أحمد.\n\nتُنظر ترجمته في: طبقات الحنابلة (١/ ٣٩).\n(٣) النبق: حمل السدر. يُنظر: الصحاح (ص: ١٠١٧)؛ القاموس المحيط (ص: ٩٢٥) مادة: (نبق). وفي التمهيد لأبي الخطاب: (قيل: فالسدر؟ قال: ليس فيه حديث صحيح). (٤/ ٢٦٩).\n(٤) العدة (٤/ ١٢٤١)، ونقل عنه هذا التخريج أبو الخطاب والبعلي والفتوحي. يُنظر على الترتيب المذكور: التمهيد لأبي الخطاب (٤/ ٢٦٩)؛ القواعد والفوائد الأصولية (ص: ٩٢)؛ شرح الكوكب المنير (١/ ٣٢٦).\n(٥) أي: الإمام أحمد.","vol":"1","page":396},{"text":"عفوًا، ويجوز أن يكون استصحابًا لعدم التحريم، ويجوز أن يكون لأن الأصل إباحة عقلية، مع أن هذا (١) من الأفعال؛ لا من الأعيان\" (٢).\nقوله: (مع أن هذا من الأفعال لا من الأعيان) أي ما جاء في رواية أبي طالب عن الإمام أحمد من إباحة القطع هو من الإباحة المتعلقة بالأفعال؛ وليست من الإباحة المتعلقة بالأعيان. هذه العبارة تدخل في السبب الثاني: الوهم في فهم كلام الإمام.\n_________\n(١) أي ما جاء في رواية أبي طالب عن الإمام أحمد من إباحة القطع هو من الإباحة المتعلقة بالأفعال؛ وليست من الإباحة المتعلقة بالأعيان.\n(٢) المسودة (ص: ٣١٨).","vol":"1","page":397},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-136> المبحث الرابع\nأقسام الاستدراك الأصولي\nباعتبار المستدرك به، وتطبيقاتها</span>.\nوفيه مطلبان:\n- المطلب الأول: الاستدراك النقلي، وتطبيقاته.\n- المطلب الثاني: الاستدراك العقلي، وتطبيقاته.\n\n* * ... * ** * ... * *","vol":"1","page":398},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-137>المطلب الأول\nالاستدراك النقلي</span>\nالاستدراك النقلي: هو التعقيب المستمد من أدلة نقلية - الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو قول الصحابي، أو قول أهل اللغة، أو قول عالم في الأصول -.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-138> أمثلة الاستدراك النقلي من الكتاب:</span>\n• المثال الأول:\nقال الرازي: \"المسألة الثالثة: الأمر الوارد عقيب الحظر والاستئذان (١) للوجوب خلافًا لبعض أصحابنا ...\nواحتجَّ المخالف بالآية، والعرف:\nأما الآية: فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ...\nوالجواب عن الأول: أنَّه يُشكِلُ بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ\nفَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، فهذا يدل على الوجوب؛ إذ الجهاد فرض على الكفاية (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وحلق الرأس\n_________\n(١) مثال الأمر الوارد عقيب الحظر سيذكره في احتجاج المخالف، ومثال الأمر بعد الاستئذان كالاستدلال بوجوب التشهد من حديث أبي حُميْدٍ السّاعِدِيِّ أنهم قالوا: «يا رسُولَ اللهِ، كيْفَ نُصلِّي علَيْكَ؟ قال: قولُوا: اللهم صلِّ على مُحمَّدٍ وأَزْوَاجِهِ وذُرِّيَّتِهِ، كما صلَّيْتَ على آلِ إبراهيم، وبَارِكْ على مُحمَّدٍ وأَزْوَاجِهِ وذُرِّيَّتِهِ، كما بارَكْتَ على آلِ إبراهيم؛ إِنّكَ حمِيدٌ مجِيدٌ». يُنظر: صحيح البخاري، ك: الدعوات، ب: هل يصلي على غيْرِ النبي - ﷺ -؟ (٥/ ٢٣٣٩/ح: ٥٩٩٩)؛ صحيح مسلم، ك: الصلاة، ب: الصلاة على النبي - ﷺ - بعد التشهد، (١/ ٣٠٦/ح: ٤٠٧).\n(٢) يُنظر: المهذب (٢/ ٢٢٩)؛ كفاية الأخيار (١/ ٤٩٨).","vol":"1","page":399},{"text":"نُسُكٌ وليس بمباحٍ محضٍ (١) \" (٢).\n• المثال الثاني:\nذكر ابن قدامة في مسألة (تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة) قول القائلين بعدم جواز التأخير، وذكر من أدلتهم: أن الخطاب يراد لفائدته، وما لا فائدة فيه وجوده كعدمه. (٣)\nفاستدرك عليهم بقوله: \"أما قولهم: (لا فائدة في الخطاب بمجمل) فغير صحيح؛ فإن قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] يعرف وجوب الإيتاء، ووقته، وأنه حق المال، ويمكن العزم على الامتثال، والاستعداد له، ولو عزم على تركه عصى.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يعرف إمكان سقوط المهر بين الزوج والولي\" (٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-139> أمثلة الاستدراك النقلي من السنة:</span>\nقال الآمدي في مسألة (النسخ قبل التمكن): \"اتفق القائلون بجواز النسخ على جواز نسخ حكم الفعل بعد خروج وقته، واختلفوا في جواز ذلك قبل دخول الوقت؛ وذلك كما لو قال الشارع في رمضان: (حجوا في هذه السنة)، ثم قال قبل يوم عرفة: (لا تحجوا).\nفذهبت الأشاعرة وأكثر أصحاب الشافعي وأكثر الفقهاء إلى جوازه، ومنع من ذلك جماهير المعتزلة (٥)، وأبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي، وبعض أصحاب\n_________\n(١) يُنظر: الحاوي الكبير (٤/ ١٦١)؛ كفاية الأخيار (١/ ٢٢٧).\n(٢) يُنظر: المحصول (٢/ ٩٦ - ٩٨).\n(٣) يُنظر: روضة الناظر (١/ ٥٣٤ - ٥٣٥).\n(٤) المرجع السابق (١/ ٥٣٩ - ٥٤٠).\n(٥) يُنظر: المعتمد (١/ ٣٧٦).","vol":"1","page":400},{"text":"الإمام أحمد بن حنبل (١).\nوالمختار: جوازه. وقد احتج الأصحاب بحجج ضعيفة ... ومنهم من احتج بقصة إبراهيم - ﵇ -، وأمر الله له بذبح ولده، ونسخه عنه بذبح الفداء، ... وهذا أيضًا مما يضعف الاحتجاج به جدًّا؛ غير أنه قد وجه الخصوم على هذه الحجة اعتراضات واهية لا بد من ذكرها والإشارة إلى الانفصال عنها تكثيرًا للفائدة، ثم نذكر بعد ذلك وجه الضعف في الآية المذكورة (٢).\nأما الأسئلة فأولها: أنهم قالوا: إن ذلك إنما كان منامًا لا أصل له؛ فلا يثبت به الأمر؛ ولهذا قال: إني أرى في المنام ...\nوالجواب عن الأول: أن منام الأنبياء فيما يتعلق بالأوامر والنواهي وحي معمول به، وأكثر وحي الأنبياء كان بطريق المنام، وقد روي عن النبي - ﷺ - أن وحيه كان ستة أشهر بالمنام (٣)؛ ولهذا قال - ﵇ -: «الرُّؤْيا الصَّالحَةُ جُزءٌ من ستَّةٍ وَأَرْبَعينَ جُزءًا من النُّبُوّةِ» (٤)، فكانت نسبة الستة أشهر من ثلاث وعشرين سنة من نبوته كذلك، ويدل على ذلك قوله - ﷺ -: «ما احْتلَمَ نبِيٌّ قطُّ» (٥)، يعني ما تشكل له الشيطان في المنام على\n_________\n(١) وهو قول أبي الحسن التميمي. يُنظر قوله في: العدة (٣/ ٨٠٨)؛ المسودة (ص: ١٤٦) وفيها: أن أبا الحسن قال بالرأي الأول أيضًا. وأما ظاهر كلام الإمام أحمد وما اختاره ابن حامد والقاضي وأبي الخطاب وابن قدامة جواز ذلك، فيُنظر على الترتيب: العدة (٣/ ٨٠٧)؛ التمهيد في أصول الفقه (٢/ ٣٥٥)؛ روضة الناظر (١/ ٢٣٥).\n(٢) أي: وجه الضعف في الاستدلال بالآية.\n(٣) حديث عائِشَةَ ﵂ قالت: «أوَّلُ ما بدِئَ بهِ رسول اللهِ - ﷺ - من الْوحْيِ الرُّؤْيا الصّادِقَةُ في النّوْمِ؛ فكَانَ لا يرَى رُؤْيا إلا جاءَتْ مثْلَ فلَقِ الصّبْحِ». يُنظر: صحيح البخاري، ك: التَّعبِيرِ، ب: أوَّل ما بدِئَ بهِ رسول الله - ﷺ - من الوَحْيِ الرُّؤيَا الصّالِحَةُ، (٦/ ٢٥٦١/ح: ٦٥٨١).\n(٤) يُنظر: صحيح البخاري، ك: التعبير، ب: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، (٦/ ٢٥٦٤/ح: ٦٥٨٨)؛ صحيح مسلم، ك: الرؤيا، (٤/ ١٧٧٤/ح: ٢٢٦٣).\n(٥) رواه الطبراني من قول ابن عباس: «ما احْتلَمَ نبِيٌّ قطُّ؛ إنما الاحْتلامُ منَ الشّيْطَانِ»، يُنظر: المعجم الكبير (١١/ ٢٢٥/ح: ١١٥٦٤)؛ المعجم الأوسط (٨/ ٩١/ح: ٨٠٦٢).\nقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه عبدالكريم بن أبي ثابت وهو مجمع على ضعفه. مجمع الزوائد (١/ ٢٦٧)","vol":"1","page":401},{"text":"الوجه الذي يتشكل لأهل الاحتلام.\nكيف وإنه لو كان ذلك خيالًا لا وحيًا لما جاز لإبراهيم العزم على الذبح المحرم بمنام لا أصل له، ولما سماه بلاء مبينًا، ولما احتاج إلى الفداء\".\n• المثال الثاني:\nقال ابن السبكي في مسألة (الترجيح في الأخبار بحسب اللفظ): \"الثاني: قال قوم: يرجح الأفصح على الفصيح؛ لأن النبي - ﷺ - كان أفصح العرب؛ فلا ينطق بغير الأفصح.\nوالحق الذي جزم به في الكتاب (١): أنه لا يرجح به؛ لأن البليغ قد يتكلم بالأفصح، وقد يتكلم بالفصيح؛ لا سيما إذا كان مع ذوي لغة لا يعرفون سوى تلك اللفظة الفصيحة؛ فإنه يقصد إفهامهم.\nوقد روى عبدالرزاق (٢) عن معمر (٣) عن الزهري (٤) عن صفوان بن\n_________\n(١) أي منهاج الوصول للبيضاوي.\n(٢) هو: أبو بكر، عبدالرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم، الصنعاني، الحافظ، أحد الأعلام، روى عن أبيه وعمه وهب ومعمر ومالك، وكان يقول: جالست معمرًا سبع سنين. عمي في آخر عمره، واتهم بالتشيع، (ت: ٢١١ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الثقات (٨/ ٤١٢)؛ تذكرة الحفاظ (١/ ٣٦٤)؛ تهذيب التهذيب (٦/ ٢٧٨ - ٢٨٠).\n(٣) هو: أبو عروة، معمر بن راشد بن أبي عمرو الأزدي مولاهم البصري، نزيل اليمن، شهد جنازة الحسن البصري، وطلب العلم في تلك السنة وهو حدث السن، حدث عن قتادة والزهري وهمام بن منبه، كان من أوعية العلم، وذكر له ابن نديم كتاب \"المغازي\"، (ت: ١٥٢ هـ) في شهر رمضان.\nتُنظر ترجمته في: التاريخ الكبير (٧/ ٣٧٨)؛ تذكرة الحفاظ (١/ ١٩٠)؛ الفهرست (١/ ١٣٨).\n(٤) هو: أبو بكر، محمد بن مسلم بن عبدالله ابن شهاب، من بني زهرة بن كلاب من قريش، أحد كبار التابعين، وأول من صنف الحديث، وأحد الأئمة الحفاظ، (ت: ١٢٤ هـ) لسبع عشر خلت من رمضان.\nتُنظر ترجمته في: صفة الصفوة (٢/ ١٣٦ - ١٣٩)؛ سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٢٦ - ٣٥٠)؛ البداية والنهاية (٩/ ٣٤٠ - ٣٤٨).","vol":"1","page":402},{"text":"عبدالله بن صفوان (١) عن أم الدرداء (٢) عن كعب بن عاصم الأشعري (٣) قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ليس من أَمْ برِّ أَمْ صِيَامُ في أم سَفَرِ» (٤) وارد «ليس منَ الْبرِّ الصّيَامُ في السَّفَرِ» (٥)، فأتى بهذه اللغة إذ خاطب بها أهلها، وهي لغة الأشعريين (٦)\n_________\n(١) هو: صفوان بن عبدالله بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي المكي القرشي، تابعي، كان زوج الدرداء بنت أبي الدرداء، روى عنها وعن جده، وعن أبي الدرداء، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وحفصة بنت عمر، كان قليل الحديث. لم تذكر سنة وفاته.\n\nتُنظر ترجمته في: الطبقات الكبرى (٥/ ٤٧٤)؛ تاريخ دمشق (٢٤/ ١٤٢ - ١٤٦)؛ تهذيب التهذيب (٤/ ٣٧٥).\n(٢) هي: هجيمة وقيل: جهيمة الأوصابية الحميرية الدمشقية، السيدة العالمة الفقهية التابعية، وهي أم الدرداء الصغرى، أما الكبرى فهي: خيرة بنت أبي حدرد، لها صحبة. روت أم الدرداء الصغرى علمًا جمًّا عن زوجها أبي الدرداء وسلمان الفارسي وعائشة وأبي هريرة وغيرهم، (ت: ١٨١ هـ).\nتُنظر ترجمتها في: تهذيب الكمال (٣٥/ ٣٥٢ - ٣٥٧)؛ تهذيب التهذيب (١٢/ ٤٩٣)؛ طبقات الحفاظ (ص: ٢٥).\n(٣) هو: أبو مالك، كعب بن عاصم الأشعري، له صحبة، نزل الشام ومصر، لم يرو عنه إلا أم الدرداء، لم تذكر سنة وفاته.\nتُنظر ترجمته في: المنفردات والوحدان (ص: ٨٨)؛ تهذيب الكمال (٢٤/ ١٧٧ - ١٧٨)؛ الإصابة (٥/ ٥٩٧).\n(٤) بهذا اللفظ أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٤٣٤/ح: ٢٣٧٢٩)؛ شرح معاني الآثار (٢/ ٦٣)؛ الطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ١٧٢/ح: ٣٨٧).\n(٥) يُنظر: صحيح البخاري، ك: الصوم، ب: قول النبي - ﷺ - لمن ظلل عليه، (٢/ ٦٨٧/ح: ١٨٤٤)؛ صحيح مسلم، ك: الصيام، ب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر، (٢/ ٧٨٦/ح: ١١١٥).\n(٦) الأشعريون: هم بنو أشعر بن سبأ، من القحطانية، وينسب إليهم الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري، وقيل: إن الأشعريين منسوبون إلى الأشعر بن أدد، وقيل: سُمي الأشعر لأن أمه ولدته وهو أشعر.\n\nيُنظر: نسب معد واليمن الكبير (ص: ١٣٣)؛ تاريخ ابن خلدون (٢/ ٣٠٥)؛ قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان (١/ ١٠٥).","vol":"1","page":403},{"text":"يقلبون اللام ميما (١) \" (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-140> أمثلة الاستدراك النقلي من الإجماع:</span>\n• المثال الأول:\nقال الآمدي في مسألة (الواجب المخير): \"اختلفوا في الواجب المخير كما في خصال الكفارة؛ فمذهب الأشاعرة والفقهاء: أن الواجب منها واحد لا بعينه، ويتعين بفعل المكلف، وأطلق الجبائي (٣) وابنه (٤) القول بوجوب الجميع على التخيير (٥) \" (٦).\nثم ذكر استدراكًا من المخالف: \"فإن قيل: ما ذكرتموه من الدليل إنما يلزم أن لو كانت آية التكفير - وهي قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] الآية- دالة على تخيير كل واحد واحد من الأمة بين خصال الكفارة بجهة الإيجاب، وما المانع أن يكون ذلك إخبارًا عما يوجد من الكفارة وتقديره: فما يوجد من الكفارة هو إطعام من حانث، أو كسوة من حانث آخر، أو عتق من حانث آخر؟ ! \" (٧).\nفاستدرك عليهم بالإجماع فقال: \"والجواب عن السؤال الأول: أن الإجماع من\n_________\n(١) إبدال لام التعريف ميمًا لغة حمير وطيئ. يُنظر: شرح شافية ابن الحاجب (٤/ ٤٥١)؛ الجنى الداني في حروف المعاني (١/ ٢٢، ٣٤)؛ قطر الندى وبل الصدى (ص ١٣٧).\n(٢) الإبهاج (٧/ ٢٨٠٣ - ٢٨٠٥).\n(٣) هو: أبو علي، محمد بن عبدالوهاب الجبائي، وسبقت ترجمته (ص: ١٩٦).\n(٤) هو: أبو هاشم، عبدالسلام بن محمد الجبائي، وسبقت ترجمته (ص: ١٦٩).\n(٥) يُنظر: المغني للقاضي عبدالجبار (١٧/ ١٣٥)؛ المعتمد (١/ ١٧٠).\n(٦) الإحكام للآمدي (١/ ١٣٧).\n(٧) المرجع السابق (١/ ١٣٩).","vol":"1","page":404},{"text":"الأمة منعقد على أن المراد من الآية الوجوب لا نفس الإخبار\" (١).\n• المثال الثاني:\nقال الشوكاني: \"البحث الرابع: في أفعاله - ﷺ -. اعلم أن أفعاله - ﷺ - تنقسم إلى سبعة أقسام: ... القسم السابع: الفعل المجرد عما سبق ...\nوإن لم تعلم صفته في حقه وظهر فيه قصد القربة؛ فاختلفوا فيه على أقوال:\nالقول الأول: أنه للوجوب؛ وبه قال جماعة من المعتزلة (٢)، وابن سُرَيْج، وأبو سعيد الإصطخري (٣)، وابن خيران (٤)، وابن أبي هريرة (٥)، واستدلوا على ذلك بالقرآن والإجماع والمعقول، أما القرآن: ... وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] ...\n_________\n(١) الإحكام للآمدي (١/ ١٤١).\n(٢) يُنظر: المعتمد (٢/ ٣٥٠).\n(٣) هو: أبو سعيد، الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى الإصطخري، شيخ الشافعية، ولي قضاء قم وحسبة بغداد، فأحرق مكان الملاهي، وكان ورعًا زاهدًا متقللًا من الدنيا، رفيق ابن سريج، من مصنفاته: \"أدب القضاء\"، (ت: ٣٢٨ هـ).\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ٢٣٠ - ٢٥٣)؛ الوافي بالوفيات (١١/ ٢٨٧)؛ البداية والنهاية (١١/ ١٩٣).\n(٤) هو: الحسين بن صالح بن خيران، فقيه شافعي، كان ورعًا تقيًا زاهدًا، عرض عليه القضاء في زمن المقتدر بالله فلم يقبله، (ت: ٣٢٠ هـ).\nتُنظر ترجمته في: تاريخ بغداد (٨/ ٥٣)؛ سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٨)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ٢٧١).\n(٥) هو: أبو علي، الحسن بن الحسين، المعروف بابن أبي هريرة، أحد شيوخ الشافعية، وانتهت إليه رئاستهم في وقته، وكان معظمًا عند الحكام والرعية. من مصنفاته: \"شرح مختصر المزني\"، (ت: ٣٤٥ هـ) على أصح الأقوال.\nتُنظر ترجمته في: وفيات الأعيان (٢/ ٧٥)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ٢٥٦)؛ سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٣٠).","vol":"1","page":405},{"text":"فاستدرك الشوكاني على استدلالهم بالآية بقوله: \"والجواب عن الآية الثالثة: أن لفظ الأمر حقيقة في القول بالإجماع، ولا نسلم أنه يطلق على الفعل، على أن الضمير في أمره يجوز أن يكون راجعًا إلى الله سبحانه؛ لأنه أقرب المذكورين\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-141> أمثلة الاستدراك النقلي من كلام الصحابة:</span>\n• المثال الأول:\nذكر الآمدي في مسألة (تخصيص عموم القرآن بالسنة) استدراكًا مقدرًا من الخصم القائلين بعدم جواز تخصيص عموم القرآن بأخبار الأحاد: \"قولهم: (إن الصحابة أجمعوا على ذلك) (٢) إن لم يصح فليس بحجة، وإن صح فالتخصيص بإجماعهم عليه لا بخبر الواحد، كيف وأنه لا إجماع على ذلك؟ ! ويدل عليه ما روي عن عمر بن الخطاب أنه كذب فاطمة بنت قيس (٣) فيما روته عن النبي - ﷺ - أنه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة لما كان ذلك مخصصًا لعموم قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، وقال: «كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة؟ !» (٤) \" (٥).\n_________\n(١) إرشاد الفحول (١/ ١٦٥ - ١٧٠).\n(٢) أي قول القائلين بجواز تخصيص عموم القرآن بأخبار الآحاد - وهم الأئمة الأربعة- كما ذكره الآمدي في (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥).\n(٣) هي: فاطمة بنت قيس بن خالد الأكبر بن وهب بن ثعلبة القرشية الفهرية، أخت الضحاك بن قيس، وكانت أسن منه، من المهاجرات الأول، كانت ذات عقل، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى لما قتل عمر، عاشت إلى خلافة معاوية، (ت: ٥٠ هـ تقريبًا).\nتُنظر ترجمته في: الطبقات الكبرى (٨/ ٢٣٧)؛ أسد الغابة (٧/ ٢٤٨)؛ الإصابة (٨/ ٦٩).\n(٤) يُنظر: صحيح مسلم، ك: الطلاق، ب: باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، (٢/ ١١١٨/ح: ١٤٨٠).\n(٥) الإحكام للآمدي (٢/ ٣٩٦ - ٣٩٧).","vol":"1","page":406},{"text":"• المثال الثاني:\nذكر ابن قدامة في مسألة (التعبد بالقياس شرعًا) أدلة القائلين بجواز التعبد بالقياس شرعًا؛ ومنها: إجماع الصحابة، ثم أورد استدراكًا من المعارض مادته الدليل النقلي عن الصحابة، فقال: \"فإن قيل: فقد نقل عنهم ذم الرأي وأهله:\nفقال عمر - ﵁ -: «إياكم وأصحاب الرأي؛ فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي؛ فضلوا وأضلوا» (١).\nوقال علي - ﵁ -: «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه» (٢).\nوقال ابن مسعود - ﵁ -: «قُرْاؤكم وصُلحاؤكم يذهبون، ويتخذُ الناسُ رؤساء جهالًا فيقيسون ما لم يكن بما كان» (٣).\nوقولهم: «إن حكمتم بالرأي أحللتم كثيرًا مما حرمه الله، وحرمتم كثيرًا مما أحله» (٤).\nوقول ابن عباس: «إن الله لم يجعل لأحد أن يحكم برأيه، وقال لنبيه: ﴿لِتَحْكُمَ\n_________\n(١) يُنظر: سنن الدارقطني، ك: السير، ب: النوادر، (٤/ ١٤٦/ح: ١٢)؛ جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٣٤ - ١٣٥)؛ الفقيه والمتفقه (١/ ٤٥٣ - ٤٥٤)؛ جامع الأحاديث (١٥/ ٤٧/ح: ٤٧٢٣)؛ كنز العمال (١/ ١٩٣/ح: ١٦٢٩) وقال: وفيه أيوب بن سويد ضعيف.\n(٢) يُنظر: مصنف ابن أبي شيبة، ك: الطهارات، ب: المسح على الخفين، (١/ ١٦٥/ح: ١٨٩٥)؛ سنن أبي داود، ك: الطهارة، ب: كيف المسح؟، (١/ ٤٢/ح: ١٦٢)؛ جامع الأحاديث (١٦/ ٩٣/ح: ٧١٩٥). قال ابن حجر: \"وإسناده صحيح\". التلخيص الحبير (١/ ١٦٠).\n(٣) يُنظر: جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٥٢) (٢/ ١٣٦).\n(٤) يُنظر: الفقيه والمتفقه (١/ ٤٥٧).","vol":"1","page":407},{"text":"بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، ولم يقل: بما رأيت» (١).\nوقوله: «إياكم والمقاييس، فما عُبدت الشمسُ إلا بالمقاييس» (٢).\nوقال ابن عمر: «ذروني من: أَرَأَيتَ وَأَرَأَيتَ» (٣) \" (٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-142> أمثلة الاستدراك النقلي من كلام علماء اللغة:</span>\n• المثال الأول:\nاستدرك القرافي على السراج الأرموي في حده العلم الذي موجبه حسي فقال: \"تنبيه: وافقه (٥) في المنتخب والحاصل (٦) وكذلك التحصيل (٧)؛ غير أنه قال:\n_________\n(١) لم أقف عليه.\n(٢) الذي وقفت عليه لابن سيرين بلفظ: \"أول من قاس إبليس، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس\". يُنظر: مصنف ابن أبي شيبة، ك: الأوائل، ب: أول ما فعل ومن فعله، (٧/ ٢٥٣/ح: ٣٥٨٠٦)؛ سنن الدارمي، ب: تغير الزمان وما يحدث فيه، (١/ ٧٦/ح: ١٨٩)؛ جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٧٦).\n(٣) الذي وقفت عليه لابن مسعود برواية الشعبي بلفظ: \"إياكم وأرأيت أرأيت؛ فإنما هلك من كان قبلكم بأرأيت أرأيت. ولا تقيسوا شيئًا بشيء فتزل قدم بعد ثبوتها. وإذا سئل أحدكم عما لا يدري فليقل: لا أعلم؛ فإنه ثلث العلم\". يُنظر: المعجم الكبير (٩/ ١٠٥/ح: ٨٥٥٠)؛ إعلام الموقعين (١/ ٥٧).\nوقال الهيثمي: \"رواه الطبراني، والشعبي لم يسمع من ابن مسعود. وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف\". مجمع الزوائد (١/ ١٨٠).\nوالمراد بـ (أرأيت): أرأيت إذا حدث كذا ما الحكم؟ وقد كان ابن عمر إذا سئل عن شيء لم يكن يقول: \"لا تسأل عما لم يكن؛ فإني سمعت عمر يلعن من سأل عن شيء لم يكن\". يُنظر: سنن الدرامي، ب: كراهية الفُتيا، (١/ ٦٢/ح: ١٢١)؛ جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٣٩، ١٤٣).\n(٤) روضة الناظر (٢/ ١٦١ - ١٦٣).\n(٥) أي وافق الرازي.\n(٦) (٢/ ٢١).\n(٧) (١/ ١٦٩).","vol":"1","page":408},{"text":"المحسوسات، ولم يقل: هو العلم الحاصل من الحواس الخمس كما قال في الأصل (١)، فيرد عليه مناقشة الجَوَالِيقِي (٢) \" (٣).\nويقصد بمناقشة الجَوَالِيقِي ما ذكره سابقًا بقوله: \"تنبيه: لم يقل - ﵀ - هو العلم بالمحسوسات كما قاله جمع كثير في كتبهم من علماء الأدب والأصول، وهو لحن؛ قال علماء اللغة: لا يقال في الحواس إلا (أحسَّ) فعله رباعي، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢]، ومفعوله حينئذ (مُحَسٌّ) على وزن مفعل، وجمعه حينئذ: مُحَسَّات لا محسوسات؛ لأن محسوسات جمع محسوس، ومفعوله إنما يكون من الفعل الثلاثي، وهذا فعله رباعي، كما قال ابن الجَوَالِيقِي: مما تفسده العامة يقولون: بالمحسوسات، وصوابه: المحسات؛ وإنما المحسوسات المقتولات، حسه إذا قتله (٤)، وحسَّ الدابة بالحسة، وحس النار إذا ردها بالعصا على الملَّة (٥)، وحس اللحم إذا وضعه على الجمر (٦) \" (٧).\n_________\n(١) أي المحصول. يُنظر: المحصول (١/ ٨٣).\n(٢) هو: أبو منصور، موهوب بن أحمد بن الحسن بن الخضر الجواليقي البغدادي، والجواليقي نسبة إلى عمل الجوالق وبيعها، كان من أكابر أهل اللغة، متدين ثقة، غزير الفضل، وافر العقل، مليح الخط، وكان إمامًا للإمام المقتفي بالله يصلي به الصلوات الخمس. من مصنفاته: \"شرح أدب الكاتب\"، و\" المعرب\"، (ت: ٥٣٩ هـ).\nتُنظر ترجمته في: معجم الأدباء (٥/ ٥٤١ - ٥٤٢)؛ وفيات الأعيان (٥/ ٣٤٢ - ٣٤٤)؛ الأعلام (٧/ ٣٣٥).\n\nوالجوالق: وعاء من الأوعية، معرب. يُنظر: لسان العرب (٣/ ١٨١)؛ القاموس المحيط (ص: ٨٧٢) مادة: (جلق).\n(٣) نفائس الأصول (١/ ١٨٢).\n(٤) ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمرآن: ١٥٢].\n(٥) المَلَّةُ: بالفتح، قيل: الحفرة التي تُحفر للخبز، وقيل: التراب الحار والرماد، ومنه خبز مَلَّة. يُنظر: الصحاح (ص: ١٠٠٣)؛ المصباح المنير (٢/ ٥٨٠) مادة: (ملل). والمراد هنا: التراب الحار أو الرماد.\n(٦) يُنظر هذه المعاني في: الصحاح (ص: ٢٣٣ - ٢٣٤)؛ لسان العرب (٤/ ١١٩) مادة: (حسس).\n(٧) نفائس الأصول (١/ ١٧٩ - ١٨٠).","vol":"1","page":409},{"text":"• المثال الثاني:\nأورد أمير الحاج نكتة واستدرك عليها فقال: \" ... قيل: والنكتة في ذلك: أن الفقه لما كان لغة: إدراك الأشياء الخفية؛ حتى يقال: فقهت كلامك، ولا يقال: فقهت السماء والأرض؛ خص بالعلوم النظرية، ولا يخرج هذا من الفقه على قولنا؛ لأنه جزئي من جزئيات العلم القطعي، وهو أوجه؛ فإنه يلزم المخرج إخراج أكثر علم الصحابة بالأحكام الشرعية للأعمال المشار إليهما من الفقه؛ فإنه ضروري لهم؛ لتلقيهم إياه من النبي - ﷺ - حسًّا، ومن المعلوم بعد هذا فكذا ما يفضي إليه.\nقال العبد الضعيف -غفر الله تعالى له-: والجواب عن النكتة المذكورة: أنا لا نسلم أن الفقه لغة ما ذكرت، فقد نص في الصحاح (١) وغيره (٢) على أنه: الفهم، من غير تقييد بشيء، وعلى هذا لا مانع من أن يقال: فقهت السماء والأرض، كما لا مانع من أن يقال: فهمتهما بمعنى علمتهما. ولو سلم ذلك فلعل المانع أن الفهم إنما يذكر في الأمور المعنوية، والسماء والأرض من المحسوسات، ولو سلم ذلك فليس بلازم اعتبار المناسبة بين اللغوي والاصطلاحي في خصوص هذا الوصف ... \" (٣).\nوأما أمثلة الاستدراك النقلي من كلام علماء الأصول؛ فقد سبق ولا داعي للتكرار. (٤)\n_________\n(١) الصحاح في اللغة: للإمام أبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي (ت: ٣٩٣ هـ)، قال السيوطي: أول من التزم الصحيح مقتصرًا عليه الإمام الجوهري؛ ولهذا سمي كتابه (الصحاح). وقال في خطبته: (وقد أودعت في هذا الكتاب ما صح عندي من هذه اللغة التي شرف الله تعالى مراتبها، وجعل علم الدين والدنيا منوطًا بمعرفتها، على ترتيب لم أسبق إليه، وتهذيب لم أغلب عليه). وعلى الكتاب عدة أعمال؛ منها: اختصار محمد بن أبي بكر بن الرازي (ت: ٦٩٠ هـ) وسماه \"مختار الصحاح\". يُنظر: كشف الظنون (٢/ ١٠٧١).\nويُنظر: الصحاح (ص: ٨١٨) مادة: (فقه).\n(٢) يُنظر: مقاييس اللغة (٤/ ٤٤٢)؛ لسان العرب (١١/ ٢١٠)؛ القاموس المحيط (ص: ١٢٥٠) مادة (فقه).\n(٣) التقرير والتحبير ١ (١/ ٣٧).\n(٤) يُنظر: السبب الأول من أسباب الخطأ: النقل من مصادر غير أصيلة (ص: ١٦٩ - ١٧٤).","vol":"1","page":410},{"text":"• تنبيه:\nالاستدراك النقلي يمكن أن يجمع أنواعًا من الاستدراكات، فيستدرك باستدراك نقلي من الكتاب، وكذلك من السنة؛ مثاله:\nقال السرخسي في فصل الاحتجاج بمفهوم المخالفة: \"وقد عمل قوم في النصوص بوجوه هي فاسدة عندنا؛ فمنها: ما قال بعضهم: إن التنصيص على الشيء باسم العلم يوجب التخصيص وقطع الشركة بين المنصوص وغيره من جنسه في الحكم؛ لأنه لو لم يوجب ذلك لم يظهر للتخصيص فائدة. وحاشا أن يكون شيء من كلام صاحب الشرع غير مفيد، وأيد هذا قوله - ﷺ -: «المَاءُ من المَاءِ» (١)، فالأنصار فهموا التخصيص من ذلك؛ حتى استدلوا به على نفي وجوب الاغتسال بالإكسال (٢) وهم كانوا أهل اللسان.\nوهذا فاسد عندنا بالكتاب والسنة؛ فإن الله تعالى قال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]، ولا يدل ذلك على إباحة الظلم في غير الأشهر الحرم، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣]، ثم لا يدل ذلك على تخصيص الاستثناء بالغد دون غيره من الأوقات في المستقبل.\nوقال - ﷺ -: «لا يبُولَنَّ أحدكم في المَاءِ الدّائِمِ، ولا يَغَتسِلنَّ فيه من الجنَابةِ» (٣)، ثم لا يدل ذلك على التخصيص بالجنابة دون غيرها من أسباب الاغتسال.\n_________\n(١) يُنظر: صحيح مسلم، ك: الحيض، ب: إنما الماء من الماء، (١/ ٢٦٩/ح: ٣٤٣).\n(٢) الإكسال: هو أن يجامع الرجل ثم يدركه فتور فلا ينزل، يقال: أكسل الرجل يكسل إكسالا: إذا أصابه ذلك، وأصله من الكسل، يقال: كسل الرجل: إذا فتر، وأكسل: صار في الكسل أو دخل في الكسل.\nيُنظر: غريب الحديث لابن قتيبة (١/ ٣١٥)؛ غريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ٢٩٠)؛ النهاية في غريب الأثر (٤/ ١٧٤).\n(٣) أخرجه البيهقي بهذا اللفظ، يُنظر: سنن البيهقي الكبرى (١/ ٢٣٨)؛ وأصل الحديث في البخاري، ك: الوضوء، ب: البول في الماء الدائم، (١/ ٩٤/ح: ٢٣٦)؛ صحيح مسلم، ك: الطهارة، ب: النهي عن البول في الماء الراكد، (١/ ٢٣٥/ح: ٢٨٢).","vol":"1","page":411},{"text":"والأمثلة لهذا تكثر\" (١).\n• المثال الثاني: استدراك نقلي من الكتاب والإجماع:\nقال ابن السبكي في مسألة (تقليد المجتهد غيره فيما لم يجتهد فيه): \" ... وهو أن يبلغ المجتهد رتبة الاجتهاد، فإن كان قد اجتهد في المسألة، ووضح في ظنه وجه الصواب؛ لم يقلد غيره بلا ريب. وإن لم يكن قد اجتهد فيها؛ فهي مسألة الكتاب (٢)، وقد اختلفوا فيها على مذاهب ... واستدل المصنف على أن المجتهد لا يجوز له التقليد مطلقًا؛ بأنه مأمور بالاعتبار في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢]، فإذا تركه يكون تاركًا للمأمور به فيعصي ...\nقوله: (قيل: معارض) أي: عارض الخصم الاستدلال على منع التقليد للمجتهد بأوجه:\nالأول: قوله تعالى: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، والعالم قبل أن يجتهد لا يعلم، فوجب تجويز الاجتهاد له.\nوالثاني: قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، والعلماء هم أولو الأمر؛ لأن أمورهم تنفذ على الأمراء والولاة.\nوالثالث: إجماع الصحابة. روى أحمد عن سفيان بن وكيع بن الجراح (٣) قال: حدثنا قَبِيصَة (٤)، قال: حدثنا أبو بكر بن\n_________\n(١) أصول السرخسي (١/ ٢٥٥).\n(٢) أي منهاج الوصول للبيضاوي.\n(٣) هو: أبو محمد، سفيان بن وكيع بن الجراح بن مليح، الحافط ابن الحافظ، محدث الكوفة، كان من أوعية العلم على لين لحقه بسبب وراق سوء يلقنه من حديث موقوف فيرفعه، أو مرسل فيوصله، أو يبدل رجلًا برجل، (ت: ٢٤٧ هـ). تُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٥٢ - ١٥٣)؛ ميزان الاعتدال (٣/ ٢٤٩ - ٢٥٠)؛ تهذيب التهذيب (٤/ ١٠٩).\n(٤) هو: أبو عامر، قَبِيصَة بن عقبة بن محمد بن سفيان بن عقبة بن ربيعة بن جنيدب بن رئاب بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة السوائي الكوفي، لقي صغار التابعين فروى عنهم، وجالس الثوري وهو ابن ست عشرة سنة لمدة ثلاث سنين فكان كثير الحديث عنه، وروى عنه البخاري أربعة وأربعين حديثًا، (ت: ٢٢٥ هـ) في خلافة المأمون.\nينظر ترجمته في: التعديل والتجريح (٣/ ١٠٦٧)؛ الطبقات الكبرى (٦/ ٤٠٣)؛ تذكرة الحفاظ (١/ ٣٧٣ - ٣٧٥).","vol":"1","page":412},{"text":"عياش (١)، عن عاصم (٢)، عن أبي وائل (٣) قال: قلت لعبدالرحمن بن عوف (٤): كيف بايعتم عثمان وتركتم عليًّا؟ فقال: ما ذنبي قد بدأت هكذا لعلي فقلت: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وسيرة أبي بكر وعمر. فقال: فيما استطعت. ثم عرضت ذلك على عثمان، فقال: نعم. فقد التزم عثمان ذلك\n_________\n(١) هو: أبو بكر بن عياش، مولى واصل بن حيان الأحدب الأسدي، المقري، الحناط، وقد اختلفوا في اسمه فقيل: شعبة، وقيل: محمد، وقيل: مطرف، وقيل غير ذلك، والصحيح: أنه لا يعرف إلا بكنيته، من مشهوري مشايخ الكوفة، (ت: ١٩٢ هـ) وقيل نحوه، وقد جاوز التسعين بثلاث سنين.\nتُنظر ترجمته في: صفة الصفوة (٣/ ١٦٤ - ١٦٧)؛ تهذيب الكمال (٣٣/-١٣٥)؛ معرفة القراء الكبار (١/ ١٣٤ - ١٣٨).\n(٢) هو: أبو بكر، عاصم بن أبي النجود الأسدي، مولاهم، الكوفي، من التابعين، القارئ، أحد السبعة، وإليه انتهت الإمامة في القراءة بالكوفة بعد شيخه أبي عبدالرحمن السلمي، كان أحسن الناس صوتًا بالقرآن،، (ت: ١٢٧ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: معرفة الثقات (٢/ ٥ - ٧)؛ سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٥٦ - ٢٦٢)؛ معرفة القراء الكبار (١/ ٨٨ - ٩٤).\n(٣) هو: أبو وائل، شقيق بن سلمة الأسدي، صاحب ابن مسعود، الإمام الكبير، شيخ الكوفة، مخضرم أدرك النبي - ﷺ - وما رآه، حدث عن عدد من الصحابة، (ت: ٨٢ هـ) في زمن الحجاج.\nتُنظر ترجمته في: الاستيعاب (٢/ ٧١٠)؛ سير أعلام النبلاء (٤/ ١٦١ - ١٦٦)؛ الإصابة (٣/ ٣٨٦).\n(٤) هو: أبو محمد، عبدالرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى، وأحد السابقين البدريين، وهو أحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام، هاجر الهجرتين، وشهد المواقع كلها مع رسول الله، وكان اسمه في الجاهلية: عبد عمرو، وقيل: عبدالكعبة، فسماه - ﷺ -: عبدالرحمن، (ت: ٣٢ هـ) ودفن بالبقيع، وعاش خمسًا وسبعين سنة.\nتُنظر ترجمته في: الاستيعاب (٢/ ٨٤٤ - ٨٥٠)؛ سير أعلام النبلاء (١/ ٦٨ - ٩٢)؛ الإصابة (٤/ ٣٤٦ - ٣٤٩).","vol":"1","page":413},{"text":"بمحضر من عظام الصحابة من غير نكير عليه (١).\nفكان إجماعًا على جواز أخذ المجتهد بقول المجتهدِ الميِّت، وإذا ثبت في الميِّت ثبت في الحيِّ بطريق الأولى\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد في مسنده (١/ ٧٥/ح: ٥٥٧)؛ وأصله في صحيح البخاري، ك: فضائل الصحابة، ب: قصة البيعة، (٦/ ٢٦٣٤/ح: ٦٧٨١).\n(٢) الإبهاج (٧/ ٢٩٥٤ - ٢٩٥٩)، وينظر كذلك: نهاية السول (٢/ ١٠٥١ - ١٠٥٢)؛ مناهج العقول (٣/ ٢١٢ - ٢١٣).","vol":"1","page":414},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-143>المطلب الثاني\nالاستدراك العقلي</span>\nالاستدراك العقلي: هو التعقيب المستمد من أدلة عقلية. وهذه الأدلة على قسمين:\nالقسم الأول: الأدلة العقلية المباشرة؛ وهي التي لا يحتاج فيها المستدرك أكثر من قضية واحدة.\nوهذا يكون فيما يسميه أهل المنطق بأحكام القضايا (١) (التناقض، العكس) (٢).\nفالمستدرِك يستدرك بمقتضى التناقض العقلي، أو بمقتضى أحكام عكس القضية التي يستلزمها هذا العكس. وسيأتي التمثيل لكل منها.\nالقسم الثاني: الأدلة العقلية غير المباشرة؛ وهي التي يحتاج فيها المستدرك إلى أكثر من قضية واحدة.\nوهذا يكون بالأدلة التالية: (القياس المنطقي، الاستقراء، التمثيل). (٣)\nفالمستدرك يستدرك على الخصم باستخدام دليل القياس المنطقي، أو يستدرك عليه باستقرائه، أو بتمثيل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-144> القسم الأول: الاستدراك العقلي المباشر، وينقسم إلى قسمين:</span>\n•<span data-type=\"title\" id=toc-145> أولًا: الاستدراك بمقتضى التناقض العقلي</span>.\nالمراد بالتناقض في اللغة: تفاعل من النقض، وأصل المادة يدل على نكث\n_________\n(١) القضايا: جمع قضية، وسبق تعريف القضية (ص: ٢٧٣).\n(٢) يُنظر: شرح السلم للملوي وحاشية الصبان (ص: ٨٨).\n(٣) اقتبست هذا التقسيم من تقسيم الاستدلال في ضوابط المعرفة (ص: ١٥٠).","vol":"1","page":415},{"text":"الشيء (١).\nوانتقض الشيء: فسد بعد إحكامه، وتناقض القولان: تخالفا وتعارضا (٢).\nوفي الاصطلاح المنطقي: اختلاف قضيتين في السلب والإيجاب على وجه يلزم صدق أحدهما كذب الأخرى. (٣)\nومن فوائد معرفة التناقض: أنك إذا أقمت الدليل على صحة نقيض قول الخصم فكأنك أقمته على بطلان دليله؛ لأن صحة النقيض يلزمها بطلان نقيضه.\nوإذا أقمت الدليل على بطلان نقيض قولك فكأنك أقمته على صحته؛ لأن بطلان النقيض يلزمه صحة نقيضه. (٤)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-146> أمثلة الاستدراك بالتناقض العقلي:</span>\n• المثال الأول:\nقال الشيرازي عند حديثه عن صفة الراوي ومَنْ يُقبل خبره: \" ... وأما إذا لم يدعُ الناس إلى البدعة فقد قيل: إن روايته تقبل. والصحيح عندي: أنها لا تقبل؛ لأن المبتدع فاسق؛ فلا يجوز أن يقبل خبره\" (٥).\n• بيان الاستدراك:\nالقضية: قبول رواية المبتدع الذي لا يدعو الناس إلى بدعته روايته تقبل.\n_________\n(١) يُنظر: مقاييس اللغة (٥/ ٤٧٠) مادة: (نقض).\n(٢) يُنظر: لسان العرب (١٤/ ٣٣٩)؛ المعجم الوسيط (ص: ٩٤٧) مادة: (نقض).\n(٣) يُنظر: محك النظر في المنطق (ص: ٢١٧)؛ شرح الأخضري على السلم (ص: ٣١)؛ آداب البحث والمناظرة (ص: ٨٩).\n(٤) يُنظر: محك النظر في المنطق (٢١٦)؛ آداب البحث والمناظرة (ص: ٩٥).\n(٥) اللمع (ص: ١٦٢).","vol":"1","page":416},{"text":"استدرك عليه بنقيضها: والصحيح عندي: أنها لا تقبل (المبتدع الذي لا يدعو الناس إلى بدعته روايته لا تقبل).\n• المثال الثاني:\nقال الجويني: \"فإن قال قائل: هل يجوز نسخ الحكم الثابت بنص الكتاب والسنة المتواترة بخبر من أخبار الآحاد؟\nقلنا: قد اختلف العلماء في ذلك - نعني الذين قالوا بخبر الواحد-؛ فذهب بعضهم إلى منع ذلك عقلًا وذهب آخرون إلى تجويز ذلك عقلًا. قال القاضي - ﵁ -: والصحيح عندنا: تجويزه عقلًا.\nوالدليل عليه: أنه إذا جاز ثبوت ابتداء حكم به في الشرع؛ فيجوز النسخ به أيضًا\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nالقضية: منع التعبد بخبر الواحد عقلًا.\nاستدرك عليهم بقول القاضي: والصحيح عندنا: تجويزه عقلًا (تجويز التعبد بخبر الواحد عقلا.\n• المثال الثالث:\nقال السمعاني: \" ... وأجاز قوم نسخ الأخبار في الماضي والمستقبل\nجميعا، والصحيح: أنه لا يجوز النسخ في الأخبار بوجه ما؛ لأنه يؤدي إلى دخول الكذب في أخبار الله تعالى وأخبار الرسول - ﷺ - وذلك لا يجوز\" (٢).\n_________\n(١) التلخيص (٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥).\n(٢) القواطع (١/ ٤٢٤).","vol":"1","page":417},{"text":"• بيان الاستدراك:\nالقضية: يجوز نسخ الأخبار في الماضي والمستقبل.\nاستدرك عليهم بنقضيها: والصحيح: أنه لا يجوز النسخ في الأخبار بوجه ما (لا يجوز نسخ الأخبار في الماضي والمستقبل).\n• المثال الرابع:\nقال الطوفي: (وإذا اتفق خصمان على فساد علة من عداهما؛ فإفساد أحدهما علة الآخر دليل على صحة علته عند بعض المتكلمين، والصحيح خلافه؛ إذ اتفاقهما لا يقتضي فساد علة غيرهما، وكل منهما يعتقد فساد علة غيره من حاضر وغائب، فيستويان) (١).\n• بيان الاستدراك:\nالقضية: اتفاق الخصمين على فساد علة من عداهما، فإفساد أحدهما علة الآخر دليل على صحة علته.\nاستدرك عليهم بنقيضها: والصحيح خلافه (اتفاق الخصمين على فساد علة من عداهما، فإفساد أحدهما علة الآخر ليس دليلًا على صحة علته).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-147> ثانيًا: الاستدراك بمقتضى أحكام العكس</span>.\nالمراد بالعكس في اللغة: أصل المادة العين والكاف والسين، يدل على التجمع والجمع، ومن الباب: ردُّك آخر الشيء على أوله (٢).\nوعكس الشيء: قلبه، وانعكس: انقلب (٣).\n_________\n(١) شرح مختصر الروضة (٣/ ٤٠٤).\n(٢) يُنظر: مقاييس اللغة (٤/ ١٠٧) مادة: (عكس).\n(٣) يُنظر: المعجم الوسيط (ص: ٦١٨) مادة (عكس).","vol":"1","page":418},{"text":"وفي الاصطلاح المنطقي: جعل محمول القضية موضوعًا، وموضوعها محمولًا، مع بقاء الصدق والكَيْف والكَم. (١)\nمثال ذلك: بعض الإنسان حيوان، عكسه: بعض الحيوان إنسان.\nفالقضية الأولى موجبة جزئية صادقة، والثانية كذلك.\nويستثنى من هذا الضابط: الموجبة الكلية؛ فإن عكسها موجبة جزئية؛ كقولنا: كل إنسان حيوان، عكسه: بعض الحيوان إنسان. (٢)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-148> أمثلة هذا القسم من الاستدراك:</span>\n• المثال الأول:\nذكر الرازي في مسألة (إجماع المدينة) استدراكًا مقدرًا على دليل الإمام مالك فقال: \"حجة مالك قوله - ﷺ -: «إِنَّ المَدِينَةَ لَتَنفِي خبَثَهَا كما يَنفي الكِيرُ خبَثَ الحَديدِ» (٣) والخطأ خبث؛ فكان منفيًّا عنهم.\nفإن قيل: وجد في الخبر ما يقتضي كونه مردودًا؛ لأن ظاهره أنَّ كلَّ من خرج عنها فإنه من الخبث الذي تنفيه المدينة، وذلك باطل؛ لأنه قد خرج منها الطيبون؛\n_________\n(١) يُنظر: معيار العلم (ص: ٨٣)؛ تحرير القواعد المنطقية (ص: ١٢٥ - ١٢٦)؛ إيضاح المبهم (ص: ١١).\n(٢) يُنظر: المراجع السابقة.\n(٣) الحديث في الصحيحين روي بعدة ألفاظ من حديث جابر بن عبدالله: صحيح البخاري، ك: الحج، ب: المدينة تنفي الخبث، (٢/ ٦٦٥/ح: ١٧٨٤)، ك: الأحكام ب: بيعة الأعراب، (٦/ ٢٦٣٦/ح: ٦٧٨٣)، ك: الأحكام، ب: من نكث بيعة ...، (٦/ ٢٦٣٨/ح: ٦٧٩٠)، ك: الاعتصام بالكتاب والسنة، ب: ما ذكر النبي - ﷺ - وحض على اتفاق أهل العلم ... (٦/ ٢٦٧٠/ح: ٦٨٩١)؛ صحيح مسلم، ك: الحج، ب: المدينة تنفي شرارها، (٢/ ١٠٠٦/ح: ١٣٨٣).\nومن حديث أبي هريرة: صحيح البخاري، ك: الحج، ب: فضل المدينة وأنها تنفي الناس، (٢/ ٦٦٢/ح: ١٧٧٢)؛ صحيح مسلم، ك: الحج، ب: المدينة تنفي شرارها، (٢/ ١٠٠٥ - ١٠٠٦ ح: ١٣٨١ - ١٣٨٢).\nومن حديث زيد بن ثابت صحيح البخاري، ك: الحج، ب: المدينة تنفي الخبث، (٢/ ٦٦٦/ح: ١٧٨٥).","vol":"1","page":419},{"text":"كعلي وعبدالله - ﵄ -؛ بل ذكروا ثلاثمائةٍ ونَيِّفًا من الصحابة الذين انتقلوا إلى العراق وهم أمثل من الذين بقوا فيها؛ كأبي هريرة وأمثاله\" (١).\nثم ذكر الرازي استدراكًا بصيغة جواب عن هذا الاستدراك المقدر فقال: \"والجواب: قوله: (يقتضي أن كل من خرج من المدينة فهو خبث).\nقلنا: لا نسلم؛ لأن الخبر يقتضي أن كل ما كان خبثًا؛ فإن المدينة تخرجه؛ وهذا لا يقتضي أن كل ما تخرجه المدينة فهو خبث\" (٢).\nوقال القرافي في شرحه لاستدراك الرازي على الاستدراك المقدر: \"قوله: (لا يقتضي الخبر أن كل ما خرج من المدينة فهو خبث) تقريره: أن الموجبة الكلية (٣) لا يجب انعكاسها، فقولنا: (كل خبث خارج من المدينة) لا يقتضي: أن كل خارج خبث، كما إنه إذا صدق: كل إنسان حيوان، لا يلزم: كل حيوان إنسان؛ بل تنعكس جزئية (٤) لا كلية (٥).\nفيصدق أن بعض الخارج خبث، كما يصدق بعض الحيوان إنسان، وهو صحيح نقول به\" (٦).\n_________\n(١) المحصول (٤/ ١٦٢ - ١٦٣).\n(٢) يُنظر: المرجع السابق (٤/ ١٦٤ - ١٦٥).\n(٣) القضية الكلية: ما كان الموضوع فيها - المحكوم عليه- كليًا مسورًا بسور كلي - أي: مقترنًا بما يدل على أن الحكم فيها يشمل جميع أفراد الكلي؛ مثل: كل، جميع، عامة، أل الاستغراقية-. وهي قسمان: كلية موجبة؛ ككل إنسان حيوان، وكلية سالبة؛ لا شيء من الإنسان حجر. يُنظر: شرح الأخضري على السلم (ص: ٣٠)؛ شرح الملوي على السلم وحاشية الصبان (ص: ٩٠ - ٩١)؛ ضوابط المعرفة (ص: ٦٩ - ٧٣).\n(٤) القضية الجزئية: ما كان الموضوع فيها - المحكوم عليه- كليًا مسورًا بسور جزئي - أي: مقترنًا بما يدل على أن الحكم فيها يشمل بعض أفراد الكلي؛ مثل: كبعض، قسم، فريق، منهم، فئة، طائفة-. وهي قسمان: جزئية موجبة؛ كبعض الحيوان إنسان، وجزئية سالبة؛ ليس بعض الحيوان إنسان. يُنظر: المرجع السابق.\n(٥) يُنظر: معيار العلم (ص: ٨٤)؛ مختصر ابن الحاجب (١/ ٢١٢)؛ إيضاح المبهم (ص: ١١).\n(٦) يُنظر: نفائس الأصول (٦/ ٢٧١١).","vol":"1","page":420},{"text":"• بيان الاستدراك:\nشرح القرافي وجه استدراك الرازي على المستدرك لدليل الإمام مالك؛ حيث إن المستدرك قال: إن كل ما كان خبثًا؛ فإن المدينة تخرجه - فهذه قضية كلية موجبة-، فعكسها بقوله: إن كل ما كان خبثًا فإن المدينة تخرجه - قضية كلية موجبة -.\nفاستدرك الرازي على المستدرك المقدر: بأن القضية الكلية الموجبة لا تنعكس مثلها -قضية كلية موجبة-؛ بل تنعكس جزئية موجبة، فيقال في عكس القضية الكلية الموجبة -أن كل ما تخرجه المدينة خبث-: بعض الخارج من المدينة خبث.\nوقول القرافي: \"إن الموجبة الكلية لا يجب انعكاسها\" أي لا تنعكس كمثلها، وليس المراد: لا تنعكس مطلقًا.\n• المثال الثاني:\nذكر الهندي النوع الأول من الإيماء والتنبيه (١)؛ وهو أن يذكر حكمًا ووصفًا ويدخل الفاء على أحدهما، وذلك عند حديثه على الطرق النقلية الدالة على علية الوصف، فقال: \"ثم قيل: الدليل على أن هذا النوع من الإيماء يفيد العلية: هو أن الفاء في اللغة للتعقيب (٢) - على ما تقدم بيان ذلك في اللغات (٣) -، فدخولها على الحكم بعد الوصف يقضي ثبوت الحكم عقيب الوصف، فيلزم أن يكون الوصف سببًا له؛ إذ لا معنى لكون الوصف سببًا للحكم إلا أنه يثبت الحكم عقيبه. (٤)\n_________\n(١) قال ابن الحاجب: الإيماء هو: أن يقترن وصف بحكم لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل كان بعيدًا. يُنظر: مختصر ابن الحاجب (٢/ ١٠٧٣).\nوالإيماء والتنبيه يدل على العلية بطريق الدلالة الالتزامية؛ لأنه تفهم العلية فيها من جهة المعنى؛ لا من جهة اللفظ. يُنظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٣٦١)؛ نهاية الوصول (٨/ ٣٢٦٧).\n(٢) يُنظر: مغني اللبيب (ص: ٢١٤)؛ الجنى الداني (ص: ٩).\n(٣) يُنظر: نهاية الوصول (٢/ ٤٢٣).\n(٤) القائل هو الآمدي. يُنظر: الإحكام في أصول الأحكام له (٣/ ٣٣٠ - ٣٣١)، ونسب ابن السبكي هذا الدليل للآمدي. يُنظر: الإبهاج (٧/ ٢٣٠٧).","vol":"1","page":421},{"text":"وفي هذه الدلالة نظر؛ لأنّا نسلم أنَّ كلَّ سبب يعقبه الحكم؛ لكن لا نسلم أنَّ كلَّ ما يعقبه الحكم سبب؛ فإن القضية الكلية لا تنعكس كنفسها (١)، فلا بد من دلالة منفصلة على ذلك\" (٢).\n• بيان الاستدراك:\nكالمثال السابق بأن القضية الكلية الموجبة تنعكس قضية جزئية موجبة، فكلُّ سبب يعقبه الحكم قضية كلية موجبة.\nتنعكس قضية جزئية موجبة: بعض ما يعقبه الحكم سبب.\nلذلك قال الهندي: لا نسلم أنَّ كلَّ ما يعقبه الحكم سبب. فاستدرك انعكاسها قضية كلية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-149> القسم الثاني: الاستدراك العقلي غير المباشر:</span>\nوهو ثلاثة أقسام: استدراك عقلي مادته القياس المنطقي، واستدراك عقلي مادته الاستقراء، واستدراك عقلي مادته التمثيل. ونأتي على كل نوع بالتفصيل:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-150> القسم الأول: استدراك عقلي مادته القياس المنطقي</span>.\nالقياس في الاصطلاح المنطقي (٣): لفظ مؤلف من قضيتين فأكثر يلزم عنهما لذاتهما قول آخر (٤).\n_________\n(١) القضية الكلية الموجبة تنعكس قضية جزئية موجبة، وأما الكلية السالبة فتنعكس سالبة كلية. يُنظر: معيار العلم (ص: ٨٤)؛ مختصر ابن الحاجب (١/ ٢١٢)؛ إيضاح المبهم (ص: ١١).\n(٢) نهاية الوصول (٨/ ٣٢٧٠).\n(٣) وأما في اللغة فقد سبق في هامش (ص: ١٢١).\n(٤) يُنظر: تحرير القواعد المنطقية (ص: ١٣٨)؛ شرح السلم للأخضري (ص: ٣٢)؛ إيضاح المبهم (ص: ١٢)؛ آداب البحث والمناظرة (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":422},{"text":"وهو ينقسم إلى قسمين رئيسين:\nالقسم الأول: القياس الاقتراني (١). ويسمى أيضًا القياس الحملي (٢)، وقياس الشمول (٣)، ويكون في القضايا الحملية (٤)، والشرطيات المتصلة (٥).\nالقسم الثاني: القياس الاستثنائي، ويسمى أيضًا القياس الشرطي (٦)، ولا يكون إلا في القضايا الشرطية (٧).\nفالقياس الاقتراني: هو القياس الذي يدل على النتيجة بمعناها؛ لا بصورتها.\nمثاله: العالم متغير، وكل متغير حادث؛ فينتج: العالم حادث.\nالقياس الاستثنائي: هو القياس الذي يدل على النتيجة بصورتها ومادتها،\n_________\n(١) سمي اقترانيًا لا قتران حدوده الثلاثة -الحد الأكبر والأوسط والأصغر- من غير أن يتخللها حرف استثناء. يُنظر: حاشية الصبان على السلم (ص: ١٢١)؛ آداب البحث والمناظرة (١/ ١٠٥)، ضوابط المعرفة (ص: ٢٣٣).\n(٢) سمي حمليًا لأن الحمليات تختص به. يُنظر: شرح الأخضري على السلم (ص: ٣٣)؛ آداب البحث والمناظرة (١/ ١٠٥).\n(٣) سمي شموليًا لأن الحد الأصغر إذا اندرج في الحد الأوسط، واندرج الحد الأوسط في الحد الأكبر؛ لزم اندماج الأصغر في الأكبر، وشموله له. يُنظر: آداب البحث والمناظرة (١/ ١٠٥).\n(٤) القضية الحملية: ما كان طرفاها مفردين أو في قوة المفردين. والمراد بالمفرد هنا ما يقابل الجملة؛ مثالها: زيد قائم؛ فإنه ينحل طرفاه إلى مفردين. يُنظر: آداب البحث والمناظرة (١/ ٦٥).\n(٥) القضية الشرطية المتصلة: ما تركب من جزأين، ربط أحدهما بالآخر بأداة شرط. مثل: إن كانت الشمس طالعة؛ فالنهار موجود. يُنظر: السلم المنورق (ص: ١٠)؛ آداب البحث والمناظرة (١/ ٦٦).\n(٦) سمي شرطيًا، لأنه مركب من قضايا شرطية. يُنظر: شرح الأخضري على السلم (ص: ٣٦).\n(٧) القضية الشرطية: ما تركبت من جزأين ربط أحدهما بالآخر بأداة شرط أو عناد، فالأولى تسمى شرطية متصلة - إذا كان الرابط أداة شرط-، والثانية تسمى شرطية منفصلة - إذا كان الرابط أداة عناد-. يُنظر: السلم المنورق (ص: ١٠)؛ آداب البحث والمناظرة (١/ ٦٦).","vol":"1","page":423},{"text":"أو يدل على نقيضها (١).\nوهذا القسم ينقسم إلى قسمين:\n- قياس استثنائي متصل: وهو ما كانت مقدمته الكبرى شرطية متصلة.\n- قياس استثنائي منفصل: وهو ما كانت مقدمته الكبرى شرطية منفصلة. (٢)\nوسيأتي الحديث عنهما، وضرب مثال لهما.\nأقسام الاستدراك العقلي بالقياس المنطقي:\nينقسم إلى ثلاثة أقسام:\n• أولًا: استدراك عقلي بالقياس الاقتراني.\nهذا القياس يتكون من ثلاثة حدود: الحد الأصغر، الحد الأوسط، الحد الأكبر (٣).\n- الحد الأصغر: الكلمة التي تختص بها المقدمة الصغرى التي تذكر أولًا.\n- الحد الأكبر: الكلمة التي تختص بها المقدمة الكبرى التي تذكر ثانيًا.\n- الحد الأوسط: الكلمة المتكررة التي هي جزء كل واحد من المقدمتين.\nطريقة تركيب هذا القياس (النتيجة):\nبجعل الحد الأصغر موضوعًا للنتيجة، والأكبر محمولًا لها، ويحذف الحد\n_________\n(١) يُنظر: تحرير القواعد المنطقية (ص: ١٤٠)؛ شرح الأخضري على السلم (ص: ٣٢)؛ إيضاح المبهم (ص: ١٢)؛ آداب البحث والمناظرة (١/ ١٠٥)؛ ضوابط المعرفة (ص: ٢٢٨).\n(٢) يُنظر: ضوابط المعرفة (ص: ٢٧١).\n(٣) سميت حدودًا لأنها أطراف القياس ومنتهاه، وحد كل شيء: طرفه ومنتهاه. يُنظر: حاشية الصبان على السلم (ص: ١٢١)؛ آداب البحث والمناظرة (١/ ١٨٠).","vol":"1","page":424},{"text":"الأوسط (١).\nمثاله: كل جسم مؤلف، وكل مؤلف حادث؛ فينتج: كل جسم حادث (٢).\nأمثلة استدراك عقلي بالقياس الاقتراني\n• المثال الأول:\nقال الرازي في مسألة (تعريف الحكم الشرعي): \"قال أصحابنا: إنه الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير ... \" (٣).\nثم ذكر استدراكًا من الخصم: \"فإن قيل: هذا التعريف فاسد من أربعة أوجه:\nأحدها: أنَّ حكم الله تعالى على هذا التقدير: خطابه، وخطاب الله تعالى كلامه، وكلامه - عندكم- قديم؛ فيلزم أن يكون حكم الله تعالى بالحل والحرمة قديمًا، وهذا باطل ... \" (٤).\n• بيان الاستدراك:\nذكر الرازي استدراكًا من الخصم المقدر على تعريف الحكم الشرعي، وكانت مادة الاستدراك: القياس الاقتراني. وتوضيحه:\n- المقدمة الأولى: أن حكم الله تعالى على هذا التعريف: خطابه.\n- المقدمة الثانية: وخطاب الله تعالى كلامه.\n_________\n(١) يُنظر: معيار العلم (ص: ٨٧)؛ إيضاح المبهم (ص: ١٢ - ١٣)؛ آداب البحث والمناظرة (١/ ١٠٦ - ١٠٧)؛ ضوابط المعرفة (ص: ٢٣٠).\n(٢) يُنظر: المستصفى (١/ ١١٦)؛ معيار العلم (ص: ٨٧)؛ ضوابط المعرفة (ص: ٢٣٠).\n(٣) يُنظر: المحصول (١/ ٨٩).\n(٤) يُنظر: المحصول (١/ ٨٩ - ٩٠). وهذه بناء على اعتقاد الأشاعرة بأن كلام الله تعالى قديم، وقد نبهنا على ذلك سابقًا. يُنظر هامش: (ص: ١٤٤، ٣٠٠) من البحث.","vol":"1","page":425},{"text":"- المقدمة الثالثة: وكلام الله تعالى - عندكم - قديم.\nالنتيجة: حكم الله تعالى قديم.\nوهذه النتيجة باطلة لثلاثة أوجه ذكرها الخصم.\n• المثال الثاني:\nقال الرازي في مسألة (الشيء الواحد هل يجوز أن يكون مأمورًا به منهيًّا عنه معا؟): \"الشيء الواحد لا يجوز أن يكون مأمورًا به منهيًّا عنه معًا. والفقهاء قالوا: يجوز ذلك إذا كان للشيء وجهان ... فإن قلت: هما شيئان يجوز انفكاك كل واحد منهما عن الآخر في الجملة؛ إلا أنهما في هذه الصورة الخاصة صارا متلازمين.\nقلت: ففي هذه الصورة الخاصة المنهي عنه يكون من لوازم المأمور به، وما يكون من لوازم المأمور به يكون مأمورا به؛ فيلزم أن يصير المنهي عنه في هذه الصورة مأمورًا به، وذلك محال، فهذا برهان قاطع على فساد قولهم على سبيل الإجمال\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدل المخالف القائل بجواز كون الشيء الواحد من وجهين مأمورًا به منهيًا عنه معًا: بأن الأمر والنهي شيئان يجوز انفكاكهما عن بعض في الجملة؛ إلا أنهما في صورة الشيء الواحد من وجهين صارا متلازمين.\nفاستدرك عليهم الرازي بالقياس الاقتراني؛ وهو: أنه في صورة الشيء الواحد من وجهين المنهي عنه يكون من لوازم المأمور به (وهذه المقدمة الصغرى).\nوما يكون من لوازم المأمور به يكون مأمورًا به (وهذه المقدمة الكبرى).\nالنتيجة بحذف الحد الأوسط - يكون من لوازم المأمور به، وما يكون من لوازم المأمور به- في صورة الشيء الواحد من وجهين المنهي عنه يكون مأمورًا به.\n_________\n(١) يُنظر: المحصول (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨).","vol":"1","page":426},{"text":"وهذه النتيجة محالة، وما ترتب على المحال محال، فدل على فساد قول الخصم بأن الشيء الواحد من وجهين مأمورٌ به منهيٌ عنه.\n• ثانيًا: استدراك عقلي بالقياس الاستثنائي المتصل.\nالقياس الاستثنائي المتصل عند المنطقيين، ويسميه الفقهاء (التلازم) (١).\nويتألف هذا القياس من مقدمتين:\n- الأولى: شرطية متصلة. وهي المقدمة الكبرى، وتتألف من مقدم وتالٍ، ويسمى المقدم بالملزوم، والتالي باللازم.\n- الثانية: حملية استثنائية مقرونة بـ (لكن) ونحوها، وهي المقدمة الصغرى.\nوالنتيجة في هذا القياس أو نقيضها موجودة بالفعل (أي موجودة فيه بمادتها (٢) وصورتها (٣».\nوالضربان المنتجان في القياس الشرطي المتصل هما:\nالأول: استثناء عين المقدم. مثاله: إن كان هذا إنسانًا فهو حيوان؛ لكنه إنسان، فالنتيجة: هو حيوان. وهي موجودة بالفعل في المقدمة الكبرى؛ لأنها عين التالي، فيلزم من وجود المشروط وجود الشرط. ولم أقف على استدراك استخدم فيه استثناء عين المقدم.\nالثاني: استثناء نقيض التالي. مثاله: إن كان هذا إنسانًا فهو حيوان؛ لكنه ليس بحيوان، فالنتيجة: ليس بإنسان. فوجد نقيضها في المقدمة الكبرى؛ إذ هي نقيض\n_________\n(١) يُنظر: المستصفى (١/ ١٢٥)؛ تقريب الوصول (ص: ١٢٤).\n(٢) أي: حروفها.\n(٣) أي: بصيغتها وهيئتها التركبية.","vol":"1","page":427},{"text":"المقدم، فيلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط. وهذا النوع يسمى بقياس الخُلْف (١)، ويكثر استخدامه في الاستدراك على الخصوم.\nقال الغزالي في طريقة تركيب قياس الخُلْف وسبب تسميته: \"فطريق هذا القياس: أن تأخذ مذهب الخصم وتجعله مقدمة، وتضيف إليها مقدمة أخرى ظاهرة الصدق، فينتج من القياس نتيجة ظاهرة الكذب، فتبين أن ذلك لوجود كاذبة في المقدمات، ويجوز أن يسمى هذا (قياس الخلف)؛ لأنك ترجع من النتيجة إلى الخلف، فتأخذ مطلوبك من المقدمة التي خلفتها كأنها مسلمة. ويجوز أن يسمى قياس الخلف لأن الخلف هو الكذب المناقض للصدق، وقد أدرجت في المقدمات كاذبة في معرض الصدق\" (٢).\nوقياس الخُلْف يسمى عند الأصوليين (بقياس العكس)، وفي هذا يقول الغزالي: \"وإلى هذا البرهان يرجع ما لقبه فريق: بقياس العكس\" (٣).\n• أمثلة استدراك عقلي مادته قياس الخُلْف:\n• المثال الأول:\nقال الشيرازي في مسألة (هل النص على العلة يوجب إثبات الحكم في كل موضع وجدت فيه؟): \"إذا حكم صاحب الشرع بحكم في عين، ونص على علته؛ وجب إثبات الحكم في كل موضع وجدت فيه العلة، وهو قول النظام والقاشاني والنهرواني، وغيره من نفاة القياس، وهو مذهب الكرخي (٤).\n_________\n(١) يُنظر: مختصر ابن الحاجب (١/ ٢١٧)؛ شرح الأخضري على السلم (ص: ٣٥ - ٣٦)؛ آداب البحث والمناظرة (ص: ١٢٩ - ١٣٢)؛ ضوابط المعرفة (ص: ٢٧٢).\n(٢) معيار العلم (ص: ١٠٢).\n(٣) شفاء الغليل (ص: ٤٥٢ - ٤٥٣).\n(٤) لم أجد في كتاب الفصول للجصاص نقلًا عن شيخه الكرخي في هذه المسألة، وكذلك لم أجد قوله في المعتمد. يُنظر: الفصول (٤/ ١٥٦ - ١٥٨)؛ المعتمد (٢/ ٢٣٥ - ٢٣٩). وذكر النقل عن الكرخي القاضي أبو يعلى، والآمدي. يُنظر: العدة (٤/ ١٣٧٤)؛ الأحكام للآمدي (٤/ ٦٨).","vol":"1","page":428},{"text":"ومن أصحابنا من قال: لا يجوز إجراء العلة في كل موضع وجدت حتى يدل الدليل على ذلك، وهو قول البصري (١) من أصحاب أبي حنيفة ...\nواحتجوا: بأن الأحكام إنما شرعت لمصلحة المكلفين، فيجوز أن تكون حلاوة السكر تدعو الإنسان إلى تناوله، وحلاوة غيره لا تدعو إلى تناوله؛ لأن الداعي إذا دعا إلى شيء لا يجب أن يدعو إلى كل ما شاركه في ذلك المعنى؛ ولهذا يجوز أن تدعوه الشهوة إلى أكل السكر، ولا تدعوه إلى أكل العسل، وإن اشتركا في الحلاوة، فإذا كان ذلك كذلك جاز أن يعلل تحريم السكر في الحلاوة لما في تحريمه من المصلحة؛ إلا أنه جعله أمارة على التحريم حيث وجدت، فلا يجوز قياس غيره عليه إلا بدليل.\nقلنا: لو كان القصد به ما ذكرتم لاقتصر على بيان الحكم، ولما ذكر الحكم وعلته دل على أنه قصد إجراءها حيث وجدت.\nقالوا: لو كان ذكر التعليل في شيء يقتضي الطرد والجريان؛ لوجب إذا قال الرجل: أعتقت عبدي فلانًا لأنه أسود: أن يعتق عليه كل عبد أسود، ولما بطل أن يقال هذا؛ دل على أن ذكر العلة لا يقتضي الطرد والجريان.\nولأنه لو لم يقصد إثبات الحكم في كل موضع وجدت فيه العلة، لم يفد ذكر التعديل شيئًا، وصار لغوًا.\nقلنا: إنما لم يلزم من ذلك في حق الواحد منا؛ لأنه تجوز عليه المناقضة في أقواله\n_________\n(١) هو: هلال بن يحي بن مسلم البصري، لقب بالرأي؛ لسعة علمه وكثرة فقهه، وكان عالمًا بالشروط، أخذ عن أبي يوسف وزفر. من مصنفاته: \"أحكام الوقف\"، و\" الشروط\"، (ت: ٢٤٥ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الأنساب (٣/ ٣٥)؛ الجواهر المضِيَّة (٣/ ٥٧٢)؛ تاج التراجم (ص: ٣١٢).\nولم أقف على ناقل لقوله.","vol":"1","page":429},{"text":"وأفعاله، فأما صاحب الشرع فلأنه لا تجوز عليه المناقضة في أقواله وأفعاله، فإذا علل بعلة وجب طردها.\nقالوا: ولكن ما جعل علة في الحكم غير موجب للحكم بنفسه؛ لأنه قد كان موجودًا قبل ذلك ولم يوجد الحكم.\nوأيضًا: صار موجبًا بجعل جاعل، فيجب أن لا يكون علة إلا حيث جعلها علة.\nقلنا: لو كان هذا صحيحًا لوجب أن لا يكون علة إلا في الزمان الذي جعله فيه علة؛ لأنه صار علة بجعله، فيجب أن يكون مقصورًا على الزمان الذي جعله فيه علة، ولما لم يصح أن يقال هذا في الزمان؛ لم يصح أن يقال ذلك في الأعيان\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الشيرازي على الخصم القائل: لا يجوز إجراء العلة في احتجاجه: بأن الأحكام إنما شرعت لمصلحة المكلفين، فيجوز أن تكون حلاوة السكر تدعو الإنسان إلى تناوله، وحلاوة غيره لا تدعو إلى تناوله ... بقياس الخلف؛ وهو أن لو كان القصد به ما ذكرتم لاقتصر على بيان الحكم؛ ولكن لما لم يقتصر على ذلك؛ بل ذكر الحكم وعلته؛ فالنتيجة: ليس القصد ما ذكرتم؛ بل قصد إجراء الحكم حيث وجدت العلة، فاستثناء نقيض تاليه يستلزم نقيض مقدمه؛ وذلك لأن نفي اللازم نفي الملزوم.\nثم ذكر استدراك الخصم عليه بقياس الخُلْف أيضًا فقال: قالوا: لو كان ذكر التعليل في شيء يقتضي الطرد والجريان؛ لوجب إذا قال الرجل: أعتقت عبدي فلانًا لأنه أسود أن يعتق عليه كل عبد أسود؛ ولكن لا يقال هذا، فالنتيجة: ذكر العلة لا يقتضي الطرد والجريان، فاستثناء نقيض تاليه يستلزم نقيض مقدمه؛ وذلك لأن نفي اللازم نفي الملزوم.\nثم ذكر دليل الخصم: بأن ما جعل علة في الحكم غير موجب للحكم بنفسه؛\n_________\n(١) التبصرة (ص: ٢٧٤ - ٢٧٥).","vol":"1","page":430},{"text":"لأنه قد كان موجودًا قبل ذلك ولم يوجد الحكم، ولأنه صار موجبًا بجعل جاعل، فيجب أن لا يكون علة إلا حيث جعلها علة.\nواستدرك على دليلهم هذا بقياس الخُلْف فقال: لو كان قولكم هذا صحيحًا؛ لوجب أن لا يكون علة إلا في الزمان الذي جعله فيه علة؛ ولكن لم يصح هذا في الزمان، فالنتيجة: لم يصح قولكم في الأعيان، فاستثناء نقيض تاليه يستلزم نقيض مقدمه؛ وذلك لأن نفي اللازم نفي الملزوم.\n• المثال الثاني:\nوقال -أي الشيرازي- في موضع آخر في مسألة (القياس في الحدود والكفارات والمقدرات): \"يجوز إثبات الحدود والكفارات والمقدرات بالقياس. وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يجوز (١) ...\nواحتجوا: بأن الحد شرع للزجر والردع عن المعاصي، والكفارة وضعت لتكفير المأثم، وما يقع به الردع والزجر من المعاصي، ويتعلق به التكفير عن المأثم لا يعلمه إلا الله تعالى، فكذلك اختصاص الحكم بقدر دون قدر لا يعلمه إلا الله تعالى، ولا يجوز إثبات شيء من ذلك بالقياس.\nالجواب: هو أن هذا لو كان طريقًا في نفي القياس في هذه الأحكام؛ لوجب أن يجعل مثل ذلك طريقًا في نفي القياس في سائر الأحكام؛ كما فعله نفاة القياس فقالوا: إن الأحكام شرعت لمصلحة المكلفين، والمصلحة لا يعلمها إلا الله تعالى، فيجب أن لا يعمل فيها بالقياس، ولما بطل هذا في نفي القياس في سائر الأحكام؛ بطل في نفي القياس في هذه الأحكام\" (٢).\n_________\n(١) يُنظر: الفصول في الأصول (٤/ ١٠٥ - ١٢٤)؛ أصول السرخسي (٢/ ١٦٤)؛ فواتح الرحموت (٢/ ٣١٧ - ٣١٩).\n(٢) التبصرة (ص: ٢٧٦ - ٢٧٧).","vol":"1","page":431},{"text":"• بيان الاستدراك:\nلو كان ما ذكرتموه طريقًا في نفي القياس في هذه الأحكام - الحدود والكفارات-؛ لوجب أن يجعل كذلك طريقًا في نفي القياس في سائر الأحكام؛ ولكنه لم يبطل القياس في سائر الأحكام، فالنتيجة: لم يبطل القياس في هذه الأحكام _الحدود والكفارات_.\nقياس الخُلْف: استثناء نقيض تاليه يستلزم نقيض مقدمه؛ وذلك لأن نفي اللازم نفي الملزوم.\n• المثال الثالث:\nوقال في شرح اللمع (١) في مسألة (التعبد بأخبار الآحاد): \"فإن قيل: يجوز أن يكون قد بعثهم إلى قوم في أحكام علموها بالتواتر قبل بعث الرسل إليهم، كما أن عندكم بعثهم إلى قوم علموا قبل البعث أن العمل بخبر الواحد واجب.\nوالجواب: أنه لو كان في تلك الأحكام تواتر لنقل إلينا وعلمناه كما علمنا سائر ما كان فيه تواتر، ولما لم ينقل إلينا ولم نعلمه؛ دلّ على أنه لم تكن تلك الأحكام تواترًا ... \".\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الشيرازي على المنكرين للتعبد بأخبار الآحاد في دعواهم بأنه يجوز أن يكون النبي - ﷺ - قد بعث آحاد الرسل إلى أقوام في أحكام قد علموها بالتواتر قبل إرساله للرسل فقال: لو كان في تلك الأحكام تواتر لنقل إلينا وعلمناه، ولما لم ينقل إلينا ولم نعلمه؛ دل على أنه لم تكن تلك الأحكام تواترًا، فاستخدم قياس الخلف، فاستثناء نقيض التالي يستلزم نقيض المقدم؛ وذلك لأن نفي اللازم نفي الملزوم.\n_________\n(١) (٢/ ٥٨٩).","vol":"1","page":432},{"text":"• المثال الرابع:\nذكر الرازي في مسألة (الأصل عدم الاشتراك) اعتراضًا مقدرًا من الخصم بقوله: \"فإن قلت: لا نسلِّم أن الكلمات - في الأكثر - مفردة؛ لأن الكلمة إما حرف، أو فعل، أو اسم.\nأما الحرف فكتب النحو شاهدة بأنه مشترك. وأما الفعل فهو إما الماضي، أو المستقبل، أو الأمر. أما الماضي والمستقبل فهما مشتركان؛ لأنهما تارة يستعملان في الخبر، وأخرى في الدعاء؛ ولأن صيغة المضارع مشتركة بين الحال والاستقبال، وأما صيغة (افعل) فالقول بأنها مشتركة بين الوجوب والندب مشهور. وأما الأسماء ففيها اشتراك كثير، فإذا ضممنا إليها الأفعال والحروف كانت الغلبة للاشتراك.\nقلت: الأصل في الألفاظ الأسماء، والاشتراك نادر فيها؛ بدليل أنَّه لو كان الاشتراك أغلب لما حصل فهم غرض المتكلم في الأكثر، ولما لم يكن كذلك علمنا أن الغالب عدم الاشتراك\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الرازي على اعتراض الخصم في قوله: إن الأصل الاشتراك بأنه لو كان الاشتراك أغلب لما حصل فهم غرض المتكلم؛ ولكنه حصل فهم غرض المتكلم، النتيجة: الغالب عدم الاشتراك.\nقياس الخُلْف: استثناء نقيض تاليه يستلزم نقيض مقدمه؛ وذلك لأن نفي اللازم نفي الملزوم.\n_________\n(١) المحصول (١/ ٢٧٥ - ٢٧٦).","vol":"1","page":433},{"text":"• المثال الخامس:\nقال الآمدي في مسألة (هل يجوز أن يقال للمجتهد: احكم؛ فإنك لا تحكم إلا بالصواب؟): \" ... والمختار: جوازه دون وقوعه ... \" (١).\nثم ذكر استدراكًا من الخصم القائل بالمنع: \"فإن قيل: يمتنع على الشارع قول ذلك؛ لاستحالة استمرار المكلف على اختيار الصلاح دون الفساد. كما لا يجوز اتفاق الأفعال الكثيرة المحكمة من غير علم، ثم لو جاز ذلك في حق المجتهد لجاز مثله في حق العامي وليس كذلك\" (٢).\n• بيان الاستدراك\nلو جاز في حق المجتهد لجاز مثله في حق العامي؛ ولكن لم يجز في حق العامي، النتيجة: لم يجز في حق المجتهد.\nقياس الخُلْف: استثناء نقيض تاليه يستلزم نقيض مقدمه؛ وذلك لأن نفي اللازم نفي الملزوم.\n• ثالثًا: استدراك عقلي مادته القياس الاستثنائي المنفصل:\nالقياس الاستثنائي المنفصل عند المنطقيين، ويسميه الفقهاء (السَّبْر والتقسيم) (٣).\nويتركب هذا القياس من مقدمتين ربطت إحداهما بالأخرى بأداة عناد.\nسمي هذا القياس بالمنفصل للانفصال بين جزئي المقدمتين.\nوهو ثلاثة أقسام:\n١ - مانعة جمع: وهي القضية التي تمنع اجتماع المقدم والتالي، ولا تمنع انعدامهما.\n_________\n(١) يُنظر: الإحكام للآمدي (٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤).\n(٢) المرجع السابق (٤/ ٢٥٣ - ٢٥٩).\n(٣) يُنظر: المستصفى (١/ ١٣٠)؛ تقريب الوصول (ص: ١٢٦)؛ البحر المحيط (٥/ ٢٢٢).","vol":"1","page":434},{"text":"مثل: (هذه السبورة إما سوداء أو خضراء)، فلا يجوز اجتماع اللون الأسود والأخضر، ويجوز خلوهما بأن تكون السبورة صفراء مثلًا.\n٢ - مانعة خلو: وهي القضية التي تمنع الخلو عن مقدمها وتاليها، ولا تمنع اجتماعهما. مثل: (مثل الجليس الصالح كحامل المسك: إما أن يُحذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبًا) (١).\nفحامل المسك الذي تجالسه قد يمنحك من مسكه، وتبتاع منه، وتجد منه ريحًا طيبة، كل هذه الثلاثة قد تجتمع، ولا يخلو عن واحد من هذه الثلاثة.\n٣ - ومانعة جمع وخلو: وهي القضية التي تمنع اجتماع جزأيها المقدم والتالي، وتمنع الخلو عنهما. مثل: (هذا الشيء إما متحرك أو ساكن)، فيمتنع اجتماع الحركة والسكون في الشيء الواحد، ويمتنع خلوه عنهما.\nوبالجملة كل نقيضين ينتج من إثبات أحدهما نفي الآخر، ونفيه إثبات الآخر، ولا يشترط انحصار القضية في قسمين؛ لكن من شرطها استيفاء أقسامه. (٢)\nفإن لم يستوفِ الأقسام فسبره ليس بصحيح؛ ولذلك استدرك الرازي على سبر إمام الحرمين في استدلاله بحجية الإجماع فقال: \"المسلك الخامس: دليل العقل، وهو الذي عوَّل عليه إمام الحرمين - ﵀ - فقال: (إجماع الخلق العظيم على الحكم الواحد\n_________\n(١) مقتبسًا من الحديث «إنما مثَلُ الْجَليسِ الصَّالحِ وَالْجَليسِ السَّوءِ كحاملِ الْمسْكِ وَنافخِ الكيرِ؛ فحاملُ الْمسْكِ إمَّا أن يُحذيّك، وأما أن تبتاع منه، وإما أن تَجدَ منه ريحًا طيبةً. وَنافخُ الكير إما أن يُحرقَ ثيابك، أو تَجدَ ريحًا خَبيثَةً». والحديث في الصحيحين، واللفظ لمسلم. يُنظر: صحيح البخاري، ك: البيوع، ب: في العطار وبيع المسك، (٢/ ٧٤١/ح: ١٩٩٥)، ك: الذبائح والصيد، ب: المسك، (٥/ ٢١٠٤/ح: ٥٢١٤)؛ صحيح مسلم، ك: البر والصلة والآداب، ب: استحباب مُجالَسَةِ الصالحين ومُجَانَبَةِ قُرنَاءِ السّوءِ، (٤/ ٢٠٢٦/ح: ٢٦٢٨).\n(٢) يُنظر: شرح الأخضري على السلم المنورق (ص: ٣٦)؛ المستصفى (١/ ١٣٠ - ١٣٣)؛ محك النظر (ص: ٢٢٦ - ٢٢٩)؛ معيار العلم (ص: ١٠٠)؛ شرح التفتازاني على شمسية المنطق (ص: ٢٥٣)؛ ضوابط المعرفة (ص: ٩٧ - ١٠٠).","vol":"1","page":435},{"text":"يستحيل أن يكون إلا لدلالةٍ أو أمارةٍ.\nفإن كان لدلالة فقد كشف الإجماع عن وجود تلك الدلالةِ؛ فيكون خلاف الإجماع خلافًا لتلك الدلالة.\nوإن كان لأمارةٍ فقد رأينا التابعين قاطعين بالمنع عن مخالفة هذا الإجماع، فلولا اطلاعهم على دلالة قاطعةٍ مانعةٍ من مخالفة هذا الإجماع؛ وإلا استحال اتفاقهم على المنع من مخالفته) (١).\nوهذه الدلالة ضعيفة جدًّا؛ لاحتمال أن يقال: إنهم قد اتفقوا على الحكم لا لدلالة ولا لأمارة؛ بل لشبهة. وكم من المبطلين - مع كثرتهم وتفرقهم - في الشرق والغرب قد اتَّفقت كلمتهم لأجل الشبهة!\nسلمنا الحصر، فَلِمَ لا يجوز أن يكون لأمارة تفيد الظن؟ \" (٢).\n• بيان الاستدراك:\nضعف الرازي استدلال إمام الحرمين بإثبات حجية الإجماع بدليل العقل الذي استدل به من وجهين:\nالأول: أن سبره ليس حاصرًا، ويشترط في السبر استيفاء جميع أقسامه.\nالثاني: في حالة تسليم حصر إمام الحرمين لجميع الأقسام استدرك عليه بسؤال لِمَ لا يكون ثبوت الإجماع بأمارة تفيد الظن؟ .\n• أمثلة استدراك عقلي مادته القياس الاستثنائي المنفصل:\n• المثال الأول:\nذكر الآمدي في (الحكم على الوصف بكونه سببًا) اعتراضًا مقدرًا من الخصم:\n_________\n(١) يُنظر: البرهان (١/ ٦٧٦ - ٦٨٢).\n(٢) المحصول (٤/ ١٠٠ - ١٠١).","vol":"1","page":436},{"text":"\"فإن قيل: لو كانت السببية (١) حكمًا شرعيًا؛ لافتقرت في معرفتها إلى سبب آخر يعرِّفها، ويلزم من ذلك إما الدور إن افتقر كل واحد من السببين إلى الآخر، وإما التَّسَلْسُل (٢) وهو محال.\nوأيضًا فإن الوصف المعرِّفَ للحكم إما أن يعرفه بنفسه أو بصفةٍ زائدة.\nفإن كان الأول لزم أن يكون معرفًا له قبل ورود الشرع، وهو محال.\n_________\n(١) قال العضد الإيجي: الحكم على الوصف بالسببية هو: جعل الوصف ظاهرًا منضبطًا مناطًا لوجود حكم. فلله تعالى في الزنا حكمان: الأول: وجوب الجلد. والثاني: سببية الزنا له. يُنظر: شرح مختصر المنتهى الأصولي للعضد (٢/ ٢٢٥).\n(٢) التسلسل: هو ترتيب أمور غير متناهية. يُنظر: التعريفات (ص: ٨٠)؛ التعاريف (ص: ١٧٥).\nوسمي بذلك أخذًا من السلسلة، فهي قابلة لزيادة الحِلَق إلى ما لانهاية، فالمناسبة بينهما: عدم التناهي بين طرفيهما؛ ففي السلسلة مبدؤها ومنتهاها، وأما التسلسل فطرفاه الزمن الماضي والمستقبل. يُنظر: مصطلحات في كتب العقائد (ص: ٧١ - ٧٢).\nوقد تحدث شيخ الإسلام عن التسلسل في مواضع كثيرة مختلفة من كتابه \"درء التعارض\"؛ ومن ذلك قوله: \"ولفظ التسلسل يراد به التسلسل في المؤثرات؛ وهو أن يكون للحادث فاعل، وللفاعل فاعل، وهذا باطل بصريح العقل، واتفاق العقلاء .. التسلسل في تمام الفعل والتأثير، وهو نوعان: تسلسل في جنس الفعل، وتسلسل في الفعل المعين. فالأول مثل أن يقال: لا يفعل الفاعل شيئًا أصلًا حتى يفعل شيئًا معينًا، أولا يحدث شيئًا حتى يحدث شيئًا، أو لا يصدر عنه شيء حتى يصدر عنه شيء، فهذا أيضًا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء ... وأما الثاني فيجوز أن يكون كل ما يعتبر في حدوث المعين كالفلك وغيره حادثًا ولا يلزم من حدوث شرط الحادث المعين هذا التسلسل؛ بل يلزم منه التسلسل المتعاقب في الآثار؛ وهو أن يكون قبل ذلك الحادث حادث، وقبل ذلك الحادث حادث، وهذا جائز عندهم وعند أئمة المسلمين. يُنظر: درء التعارض (١/ ٣٦٣ - ٣٦٥).\n\nوالخلاصة: أن التسلسل في الآثار -التي هي الأفعال- جائز، وأما التسلسل في المؤثرين -الذين هم الفاعلون والعلل الفاعلة ونحوه- فهذا ممتنع. وبهذا يتضح أن القول بأن التسلسل ممتنع على الإطلاق ليس بصحيح.\nوذكر ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية تقسيم التسلسل إلى: محال، وواجب، وممكن، فليُنظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ١٠٦ - ١٠٩).","vol":"1","page":437},{"text":"وإن كان بصفة زائدة عليه؛ فالكلام في تلك الصفة، كالكلام في الأول، وهو تسلسل ممتنع.\nوأيضًا فإن الطريق إلى معرفة كون الوصف سببًا للحكم إنما هو ما يستلزمه من الحِكْمة (١) المستدعية للحُكم من جلب مصلحة أو دفع مفسدة، وذلك ممتنع لوجهين:\nالأول: أنه لو كانت الحكمة مُعرِّفة لحكم السببية؛ لأمكن تعريف الحكم المسبب بها من غير حاجة إلى توسط الوصف، وليس كذلك بالإجماع.\nالثاني: أن الحكمة إما أن تكون قديمة أو حادثة.\nفإن كان الأول لزم من قِدَمها قِدَمُ موجبها، وهو معرفة السببية.\n_________\n(١) الحكمة في الاصطلاح: ما يترتب على التشريع من جلب مصلحة أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها. يُنظر: حاشية البناني (٢/ ٢٣٧)؛ معجم مصطلحات أصول الفقه (ص: ١٨٤).\nمن قال بتعليل الأحكام اتفق على تعليل الحكم بالوصف الظاهر المنضبط المشتمل على الحكمة؛ وذلك مثل: تعليل قصر الصلاة للمسافر وإباحة الفطر بالسفر، أو تعليل إيجاب حد الزنا بالزنا. واختلفوا في تعليل الحكم بالحكمة نفسها، كتعليل قصر الصلاة وإباحة الفطر بدفع المشقة، أو تعليل إيجاب حد الزنا بمنع اختلاط الأنساب، على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يجوز تعليل الحكم بالحكمة مطلقًا - سواء كانت ظاهرة أو خفية، منضبطة أو غير منضبطة-؛ لأنها المقصود في التعليل. وذهب إلى ذلك بعض الأصوليين؛ منهم: الغزالي، والرازي، وبعض الحنابلة. يُنظر: شفاء الغليل (ص: ٦١٤)؛ المحصول (٥/ ٢٨٧)؛ التحبير (٧/ ٣١٩٥).\nالقول الثاني: المنع من التعليل بها مطلقًا؛ لخفائها وعدم انضباطها، وهو مذهب جمهور الأصوليين. ذكره الآمدي (٣/ ٢٥٤).\nالقول الثالث: التفصيل، فيجوز التعليل بالحكمة إذا كانت ظاهرة منضبطة بنفسها، ولا يجوز التعليل بها إذا كانت خفية مضطربة، وهو مذهب الحنفية والمالكية وبعض الحنابلة، واختيار الآمدي وابن الحاجب والصفي الهندي. يُنظر: الإحكام (٣/ ٢٥٤)؛ مختصر ابن الحاجب (٢/ ١٠٤٠)؛ نهاية الوصول (٨/ ٣٤٩٥)؛ التحبير (٧/ ٣١٩٥)؛ فواتح الرحموت (٢/ ٣٣٣).","vol":"1","page":438},{"text":"وإن كان الثاني فلا بد لها من معرِّفٍ آخر؛ لخفائها، والتقسيم في ذلك المعرف عائد بعينه\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الخصم على جعل السبب قسمًا من أقسام الحكم الشرعي، واستخدم في استدراكه القياس الاستثنائي المنفصل، فقال: لو كانت السببية حكمًا شرعيًّا؛ لاحتاجت في معرفتها إلى سبب آخر يعرفها؛ كسائر الأحكام الشرعية التي تحتاج في معرفتها إلى سبب يعرفها، ويلزم من افتقار السببية إلى السبب الآخر المعرف بها إما الدور أو التسلسل.\nفالدور: نتيجة افتقار كل واحد من السببين إلى الآخر.\nوالتسلسل في الأسباب: يلزم أمور غير متناهية، وهذا بديهي الاستحالة.\nفثبت فساد الاحتمالين، ومنه فساد قولكم بأن السبب من الحكم الشرعي.\nوقول الخصم: (يلزم من ذلك إما الدور إن افتقر كل واحد من السببين إلى الآخر، وإما التسلسل وهو محال) قياس استثائي منفصل.\nثم استدرك الخصم باستدراك آخر؛ وهو أن الوصف المعرف للحكم إما أن يعرفه بنفسه، أو بصفة زائدة.\nفإن كان الوصف معرفًا للحكم بنفسه؛ لزم أن يكون هذا الوصف معرفًا للحكم قبل ورود الشرع، وهو محال.\nوإن كان الوصف معرفًا للحكم بصفة زائدة على الحكم؛ فإنه يلزم التسلسل، والتسلسل محال.\n_________\n(١) يُنظر: الإحكام للآمدي (١/ ١٧١ - ١٧٢).","vol":"1","page":439},{"text":"وقول الخصم: (وأيضًا فإن الوصف المعرف للحكم إما أن يعرفه بنفسه أو بصفة زائدة) قياس استثنائي منفصل.\nوقال الخصم: الطريق إلى معرفة كون الوصف سببًا للحكم هو ما يستلزمه الوصف من الحكمة المستدعية للحكم؛ من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة، وهذا ممتنع لوجهين:\nالأول: أنه لو كانت الحكمة هي المُعرِّفة لحكم السببية؛ لأمكن تعريف الحكم المسبب بالحكمة دون الوصف، وهذا خلاف الإجماع؛ إذ الإجماع تعريف الحكم المسبب بالوصف؛ لا بالحكمة.\nالثاني: أن الحكمة إما أن تكون قديمة أو حادثة.\nفإن كان الأول - الحكمة قديمة - لزم من قِدَمها قِدَمُ موجبها، وهو معرفة السببية، والسبب معرف للحكم لا مؤثر فيه، والأوصاف التي جعلت أسبابًا حادثة لا قديمة (١).\nوإن كان الثاني - الحكمة حادثة- فلا بد من معرِّفٍ بها؛ وذلك لخفائها، والتقسيم في ذلك المعرِّف هو عينه تقسيم الحكمة إلى قديمة أو حادثة.\nوقوله: (إن الحكمة إما أن تكون قديمة أو حادثة) قياس استثنائي منفصل.\n• المثال الثاني:\nذكر الطوفي في مسألة (الواجب الموسع) استدراكًا من المانعين لاشتراط العزم في الواجب الموسع: \"السؤال الثاني: أن العزم إمَّا أن يكون بدلًا عن أصل الفعل، أو عن تعجيله؛ فإن كان بدلًا عن الفعل؛ لزم سقوطه بالكلية وأن لا يجب فعله آخر الوقت؛ لئلا يجتمع البدل والمبدل، وإن كان بدلًا عن تعجيل الفعل؛\n_________\n(١) يُنظر: بيان المختصر (١/ ٤٠٥).","vol":"1","page":440},{"text":"فقد صار مخيرًا بين تعجيله وتأخيره مع العزم على فعله آخر الوقت، فاستحالت المسألة، وانتقلت إلى مسألة الواجب المخيَّر، وزال الواجب الموسع بالكلية، وصارت المسألتان واحدة\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك المانعون من اشتراط العزم في الواجب الموسع على القائلين باشتراطه: بأن العزم إمَّا أن يكون بدلًا عن أصل الفعل الواجب، أو بدلًا عن تعجيله.\nفإن كان الأول - العزم بدل عن أصل الفعل الواجب - لزم منه سقوط الفعل الواجب بالكلية؛ وذلك لامتناع اجتماع البدل والمبدل.\nوإن كان الثاني - العزم بدل عن تعجيل الفعل - زال الواجب الموسع بالكلية، وانقلبت المسألة إلى الواجب المخير، فيخير المكلف بين تعجيل الواجب أو تأخيره.\nوقول المستدرك: (إن العزم إمَّا أن يكون بدلًا عن أصل الفعل، أو عن تعجيله) قياس استثنائي منفصل.\n\n• القسم الثاني (٢): استدراك عقلي بالاستقراء.\nوقد سبق تعريف الاستقراء، وبيان أقسامه، وذكر مثاله.\n• تنبيه: الاستقراء عكس القياس المنطقي، فالقياس المنطقي: استدلال بكلي على جزئي. والاستقراء: الحكم على الكلي بحكم الجزئي (٣).\n_________\n(١) شرح روضة الناظر (١/ ٣١٨).\n(٢) من الاستدراك العقلي الغير مباشر.\n(٣) يُنظر: تيسير المقدمة المنطقية (ص: ٥١).","vol":"1","page":441},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-152> القسم الثالث: استدراك عقلي بالتمثيل (القياس الأصولي) </span>(١).\nقياس التمثيل، وهو القياس الأصولي المعروف (٢)، وهو: حمل جزئي على جزئي آخر في حكمه؛ لاشتراكهما في علة الحكم (٣).\nمثل: النبيذ حرام قياسًا على الخمر؛ بجامع الإسكار في كل منهما (٤).\n• أمثلة استدراك عقلي بالتمثيل (قياس الأصولي):\n• المثال الأول:\nقال الجصاص في مسألة (دلالة صيغة الأمر المطلقة): \"وأيضًا فإن قوله: (افعل) لا يخلو من أن يكون للإيجاب، أو الندب، أو الإباحة، فيكون مقتضيًا لجميع ذلك على الحقيقة، أو لبعضها حقيقة ولبعضها مجازًا، فإن كان حقيقة في الإيجاب مجازًا فيما سواه على ما يقوله؛ فواجب حمله على الحقيقة فلا يصرف إلى المجاز إلا بدلالة، وإن كان حقيقة في كل شيء من ذلك فقد صار حقيقة في الإيجاب وأفادنا باللفظ؛ فغير جائز صرفه عنه إلى غيره؛ لأن حكم اللفظ استعماله على الحقيقة\".\n_________\n(١) ذكر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي أن قياس التمثيل الذي هو القياس الأصولي لا فرق بينه وبين القياس المنطقي في الحقيقة؛ لأنك إذا جعلت الفرع فيه حدًّا أصغرَ، والأصل حدًّا أكبرَ، والعلة حدًّا أوسطَ؛ كان قياسًا اقترانيًا، فلو قلت مثلًا: الذرة يحرم فيها الربا قياسًا على البر بجامع الكيل؛ فهذا قياس تمثيل، وهو القياس الأصولي، فإن جعلت الذرة في هذا القياس حدَّا أصغرَ، والبُرَّ حدَّا أكبر، والكيل حدًّا أوسط؛ كان قياسًا اقترانيًا، وكيفية نظمه أن تقول: الذرة مكيلة، وكل مكيل يحرم فيه الربا، النتيجة: الذرة يحرم فيها الربا. وبه تعلم أن تفريق المنطقيين بين قياس التمثيل وقياس الاقتران زاعمين أن الأول لا يفيد القطع، والثاني يفيده غلط منهم؛ لأن مرجعهم في الحقيقة إلى واحد، وكون النتيجة قطعية أو غير قطعية راجع في كل منهما إلى المقدمات التي يتركب منها الدليل. يُنظر: آداب البحث والمناظرة -بتصرف- (٢/ ٢٩١ - ٢٩٢).\n(٢) يُنظر: ضوابط المعرفة (ص: ٢٨٩ - ٢٩٠)؛ تيسير المقدمة المنطقية (ص: ٥٢).\n(٣) يُنظر: المرجعان السابقان.\n(٤) يُنظر: المرجعان السابقان.","vol":"1","page":442},{"text":"فاستدرك عليه الخصم بقوله: \"فإن قيل: ما أنكرت أن يكون حقيقة في كل واحد من ذلك، وأن الواجب إذا كان كذلك جاز حمله على الندب والإباحة حتى تقوم دلالة الإيجاب؛ لأن ما صلح للإيجاب ولغيره لم يجز أن يجعله واجبًا إلا بدلالة غير اللفظ، أو نقف فيه حتى تقوم دلالة المراد؛ إذ لم يجز أن يتناول جميع هذه الوجوه في حال واحدة لتضادها\".\nفاستدرك الجصاص على الخصم باستخدام التمثيل فقال: \"قيل له: حقيقة الأمر أنه للإيجاب بما قد دللنا عليه في الباب الذي قبله، ولو سلمنا لك ما ادعيته من الحقيقة في كل واحد من هذه الوجوه لكان حمله على الإيجاب أولى؛ وذلك لأن المباح: ما لا يستحق بفعله الثواب، ولا بتركه العقاب، والندب: ما يستحق بفعله الثواب، ولا يستحق بتركه العقاب، ففيه زيادة معنى على المباح، والواجب: ما يستحق بفعله الثواب، وبتركه العقاب، ففيه زيادة حكم على الندب.\nفلو سلم لك أن اللفظ حقيقة في جميع هذه الوجوه كان الأولى حمله على الوجوب؛ لأنه أكثر ما يتناوله ويقتضيه، وهو يفيد هذه المعاني فيه حقيقة. كما أن لفظ العموم وإن كان حقيقة في الثلاثة فما فوقها؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]؛ كان الواجب حمله على أكثر ما يتضمنه ويقتضيه، ولم يجز الاقتصار به على الأقل إلا بقيام الدلالة. كذلك لفظ الأمر إذا كان يفيد الإيجاب حقيقة فقد تضمن وروده استيعاب جميع ما تعلق به من الحكم فلا جائز الاقتصار به على البعض ... \" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الجصاص على دعوى الخصم بأن صيغة (افعل) للإيجاب والندب والإباحة على الحقيقة بقياس التمثيل، فقاس لفظ الأمر على لفظ العموم، بجامع\n_________\n(١) يُنظر: الفصول في الأصول (٢/ ٩١ - ٩٢).","vol":"1","page":443},{"text":"أن كلًاّ منهما لفظ يحمل على أكثر معانيه، فكما أنه يجب حمل العموم على أكثر ما يقتضيه اللفظ، ولا يجوز قصره على الأقل إلا بدليل يدل على القصر؛ فكذلك لفظ الأمر إن كان يفيد الإباحة والندب والإيجاب فيحمل على الإيجاب؛ لأن الإيجاب فيه معنى زائد على معنى الإباحة والندب.\n• المثال الثاني:\nقال الشيرازي في مسألة (خبر الواحد فيما تعم به البَلْوى): \"ويجب العمل به فيما تعمُّ به البَلْوى، وفيما لا تعمُّ. وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يجوز العمل به فيما تعمُّ به البَلْوى (١).\nوالدليل على فساد ذلك: أنه حكم شرعي يُسَوَّغُ فيه الاجتهادُ؛ فجازَ إثباتُه بخبر الواحد قياسًا على ما لا تعمُّ به البَلْوى\" (٢).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الشيرازي على قول الحنفية بدليل يدل على فساد قولهم، وهذا الدليل من القياس، وهو قياس الحكم الذي تعم به البلوى على الحكم الذي لا تعم به البلوى بجامع أن كليهما حكم شرعي يسوغ فيه الاجتهاد.\n• المثال الثالث:\nقال السمعاني في مسألة (استعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز): \"فإن قيل: فعلى ما قلتم تكون الكلمة الواحدة مجازًا وحقيقة وهذا يستحيل.\nقلنا: هذا لا يأباه؛ لكن المجاز متعلق فيها بغير ما تعلق به الحقيقة؛ وهذا كالأمر الذي هو نهي عندنا عن جميع أضداد ما تناوله الأمر، فهو إذًا أمر ونهى؛ لكن اجتماعهما\n_________\n(١) يُنظر: أصول السرخسي (١/ ٣٦٨)؛ تيسير التحرير (٣/ ١١٢)؛ فواتح الرحموت (٢/ ١٢٨).\n(٢) اللمع (ص: ١٥٧).","vol":"1","page":444},{"text":"في جهتين مختلفتين\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك السمعاني على المانعين لاستعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز بالقياس على الأمر؛ فإنه أمر من جهة، ونهي عن أضداده من جهة أخرى، وكذلك حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز، فهو حقيقة من جهة، ومجاز من جهة أخرى.\n• المثال الرابع:\nقال الغزالي في مسألة (دلالة أفعال النبي - ﷺ -): \" ... وأما مالم يقترن به بيان في نفي ولا إثبات؛ فالصحيح عندنا: أنه لادلالة له؛ بل هو متردد بين الإباحة، والندب، والوجوب، وبين أن يكون مخصوصًا به، وبين أن يشاركه غيره فيه، ولا يتعين واحد من هذه الأقسام إلا بدليل زائد، ... وقال قوم: على الوجوب إن كان في العبادات، وإن كان في العادات فعلى الندب، ويستحب التأسي به. وهذه تحكمات؛ لأن الفعل لا صيغة له، وهذه الاحتمالات متعارضة، ونحن نفرد كل واحد بالإبطال\" (٢).\nثم استدرك على شبه القائلين بحمل أفعاله - ﷺ - على الوجوب؛ ومنها قوله: \"الخامسة: - وهي أظهرها - تمسكهم بفعل الصحابة ... \"، وذكر على ذلك بعض الأمثلة ثم قال: \"الجواب من وجوه: الأول: أن هذه أخبار آحاد، وكما لا يثبت القياس وخبر الواحد إلا بدليل قاطع؛ فكذلك هذا؛ لأنه أصل من الأصول\" (٣).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الغزالي على استدلال القائلين بحمل أفعاله - ﷺ - على الوجوب بفعل الصحابة، واستخدم في استدراكه التمثيل فقال: القياس وخبر الواحد من الأصول\n_________\n(١) القواطع (٢/ ١٠٦).\n(٢) يُنظر: المستصفى (٣/ ٤٥٥ - ٤٥٦).\n(٣) يُنظر: المرجع السابق (٣/ ٤٦٢ - ٤٦٣).","vol":"1","page":445},{"text":"لا يثبت حجيتهما إلا بدليل قاطع (وهذا الأصل المقيس عليه).\nومسألتنا - دلالة أفعال النبي - ﷺ - أصل من الأصول (وهذا الفرع المقيس).\nوالعلة الجامعة: أصل من الأصول.\nالحكم: دلالة أفعال النبي - ﷺ - لا يثبت حجيتها إلا بدليل قاطع.\n• المثال الخامس:\nقال الآمدي في مسألة (الفاسق المتأول الذي لا يعلم فسق نفسه): \"الفاسق المتأول الذي لا يعلم فسق نفسه لا يخلو إما أن يكون فسقه مظنونًا، أو مقطوعًا به ... وإن كان فسقه مقطوعًا به؛ فإما أن يكون ممن يرى الكذب ويتدين به، أو لا يكون كذلك.\nفإن كان الأول فلا نعرف خلافًا في امتناع قبول شهادته كالخطابية من الرافضة (١)؛ لأنهم يرون شهادة الزور لموافقهم في المذهب.\nوإن كان الثاني -كفسق الخوارج الذين استباحوا الدار، وقتلوا الأطفال والنسوان - فهو موضع الخلاف؛ فمذهب الشافعي وأتباعه وأكثر الفقهاء: أن روايته وشهادته مقبولة. وهو اختيار الغزالي (٢) وأبي الحسين البصري (٣) وكثير من الأصوليين.\n_________\n(١) الخطابية: فرقة من الروافض ينسبون إلى أبي خطاب بن أبي زينب الأسدي، كان بالكوفة، زعم أن جعفر بن محمد الصادق إِلاه، فلعنه جعفر وطرده، فادعى في نفسه أنه إِلاه، فزعم أتباعه أن جعفرًا إِلاه، وأبو الخطاب أعظم منه، وأفضل من علي بن أبي طالب - ﵁ -. وهم خمس فرق، كلهم يزعمون أن الأئمة أنبياء محدثون ورسل الله وحجته على خلقه، وطاعتهم مفترضة على جميع الخلق، يعلمون ما كان وما هو كائن. يُنظر: فرق الشيعة (ص: ٦٩ - ٧١)؛ مقالات الإسلاميين (ص: ١٠)؛ الفَرْق بين الفِرَق (ص: ٢١٥)؛ الملل والنحل (ص: ٢٧٦).\n(٢) يُنظر: المستصفى (٢/ ٢٤٠ - ٢٤٦).\n(٣) يُنظر: المعتمد (٢/ ١٣٤ - ١٣٥).","vol":"1","page":446},{"text":"وذهب القاضي أبو بكر (١) والجبائي وأبو هاشم (٢) وجماعة من الأصوليين إلى امتناع قبول شهادته وروايته، وهو المختار. \" ثم ذكر دليل هذا القول من النص والمعقول، فقال في دليل المعقول: \"وأما المعقول فهو أن القول بقبول خبره يستدعي دليلًا، والأصل عدمه.\nفإن قيل: بيان وجود الدليل النص، والإجماع، والقياس، ... وأما القياس فهو أن الظن بصدقه موجود، فكان واجب القبول مبالغة في تحصيل مقصوده قياسًا على العدل والمظنون فسقه\". ثم ذكر الجواب عن هذا القياس المستدرَك به بقوله: \"وعن القياس بالفرق في الأصول المستشهد بها. أما في العدل فلظهور عدالته واستحقاقه لمنصب الشهادة والرواية، وذلك يناسب قبوله إعظامًا له وإجلالًا، بخلاف الفاسق. وأما في مظنون الفسق فلأن حاله في استحقاق منصب الشهادة والرواية أقرب من حال من كان فسقه مقطوعًا به، فلا يلزم من القبول ثم القبول هاهنا\" (٣).\n• بيان الاستدراك:\nاستدل الآمدي للقائلين بمنع قبول شهادة ورواية المتأول فسقه: بأن قبول خبره يستدعي دليلًا، والأصل عدمه.\nثم قدر استدراكًا من الخصم ببيان وجود دليل على قبول خبر المتأول فسقه، وهذا الدليل من النص والإجماع والقياس.\nودليل القياس: بجعل العدل والمظنون فسقه أصلًا، يقاس عليه الفرع؛ وهو المتأول فسقه، بجامع وجود الظن بصدق خبره، وهذا القياس من باب التمثيل،\n_________\n(١) لم أقف على قوله في مختصر التقريب. ويُنظر: التلخيص (٢/ ٣٥١).\n(٢) يُنظر قول أبي علي وأبي هاشم الجبائي في المعتمد (٢/ ١٣٤).\n(٣) يُنظر: الإحكام للآمدي (٢/ ١٠٢ - ١٠٤).","vol":"1","page":447},{"text":"وهو قياس جزء على جزء لعلة بينهما.\nثم استدرك الآمدي على هذا القياس: بأنه قياس مع وجود فارق.\n• تنبيه:\nقد يجتمع الاستدراك النقلي والعقلي؛ ومن أمثلة ذلك:\n• المثال الأول:\nذكر الرازي اعتراضًا من الخصم المقدر (١) في مسألة (حجية الإجماع): \"سلمنا دلالة هذه الآية (٢) على أن الإجماع حجة؛ لكنها معارضة بالكتاب، والسنة، والمعقول.\nأما الكتاب فكل ما فيه منع لكل الأمة من القول الباطل والفعل الباطل؛ كقوله - ﷿ -: ﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩/الأعراف: ٣٣]، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، والنهي عن الشيء لا يجوز إلا إذا كان المنهي عنه متصورًا.\nوأما السنة فكثيرة:\nأحدها: قصة معاذ (٣) وأنه لم يجر فيها ذكر الإجماع، ولو كان ذلك مدركًا شرعيًّا لما جاز الإخلال بذكره عند اشتداد الحاجة إليه؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.\nوثانيها: قوله - ﵊ -: «لا تقُومُ السّاعَةُ إلا على شِرارِ الناس» (٤) ...\n_________\n(١) وقد أشار في أول المسألة أن المخالف: النظام، والشيعة، والخوارج.\n(٢) وهي قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].\n(٣) سبق تخريجه (ص: ٣٦٩).\n(٤) أخرجه الإمام مسلم بلفظ (شرار الناس). يُنظر: صحيح مسلم، ك: الفتن، ب: قُرب الساعة، (٤/ ٢٢٦٨/ح: ٢٩٤٩).","vol":"1","page":448},{"text":"وهذه الأحاديث -بأسرها- تدل على خلو الزمان عمن يقوم بالواجبات.\nوأما المعقول فمن وجهين:\nالأول: أن كل واحد من الأمة جاز الخطأ عليه؛ فوجب جوازه على الكل، كما أنه لو كان كل واحد من الزنج أسود؛ كان الكل سودًا.\nالثاني: أن ذلك الإجماع إما أن يكون لدلالة، أو لأمارة (١)، أو لا لدلالة ولا لأمارة.\nفإن كان لدلالة فالواقعة التي أجمع عليها كل علماء العلم تكون واقعة عظيمة، ومثل هذه الواقعة مما تتوفر الدواعي على نقل الدليل القاطع الذي لأجله أجمعوا؛ فكان ينبغي اشتهار تلك الدلالة.\nوحينئذٍ لا تبقى للتمسك بالإجماع فائدة.\nوإن كان لأمارة فهو محال؛ لأن الأمارات يختلف حال الناس فيها؛ فيستحيل اتفاق الخلق على مقتضاها.\nولأن في الأمة من لم يقل بكون الأمارة حجة؛ فلا يمكن اتفاقهم لأجل الأمارة على حكم.\nوإن كان لا لدلالة ولا لأمارة كان ذلك خطأ فادحًا في الإجماع، ولو اتفقوا عليه لكانوا متفقين على الباطل، وذلك قادح في الإجماع\" (٢).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الخصم القائل بعدم حجية الإجماع على استدلال القائلين بالحجية بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ\n_________\n(١) سبق أن ذكرنا الفرق بين الدليل والأمارة يُنظر: هامش (ص: ٢٧٨).\n(٢) يُنظر: المحصول (٤/ ٥٠ - ٥٣).","vol":"1","page":449},{"text":"مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] بأنها معارضة بأدلة من الكتاب، والسنة، والمعقول.\nوالاستدراك بأدلة الكتاب والسنة واضح.\nوأما المعقول فاستدل بدليلين:\nالأول: التمثيل: جاز الخطأ على كل واحدٍ، فيجوز على الكل؛ كالزنجي لما كان كل واحد أسود كان الكل أسود.\nالجامع: الحكم بالكلية على الكل (١)\n- الحكم بالآحاد على المجموعة -.\nالثاني: القياس الاستثنائي المنفصل: أن ذلك الإجماع إما أن يكون لدلالة، أو لأمارة، أو لا لدلالة ولا لأمارة.\nفإن كان الأول - مستند الإجماع الدليل القاطع- فهذه الواقعة عظيمة تتوفر الدواعي لنقل الدليل الذي بسببه أجمعوا، وحينئذ يكون حكم الواقعة الدليل القاطع وليس الإجماع، فلا يكون للإجماع فائدة.\nوإن كان الثاني - مستند الإجماع أَمَارة - فتصور وقوع هذا الإجماع محال؛ لأن الأمارات يختلف حال الناس فيها؛ فيستحيل اتفاقهم عليها. إضافة إلى أن من الأمة من لم يقل بحجية الأمارة، فلا ينعقد الإجماع بدونهم؛ لأن الإجماع اتفاق جميع الأمة.\nوإن كان الثالث - الإجماع بلا دلالة ولا أمارة- فإن ذلك خطأ عظيم في الإجماع؛ فإن الإجماع لابد له من مستند؛ إما دليل أو أمارة، فلو اتفقوا على إجماع\n_________\n(١) الفرق بين الكلية والكل:\n- الكلية: الحكم على كل فرد؛ كقولك: كل إنسان حيوان.\n- الكل: المجموع المحكوم عليه؛ كقولك: أهل الأزهر علماء، إذ فيهم من ليس بعالم.\n\nيُنظر: شرح الأخضري (٢٧ - ٢٨)؛ إيضاح المبهم (ص: ٨)؛ آداب البحث والمناظرة (١/ ٣٣ - ٣٥).","vol":"1","page":450},{"text":"خالٍ منهما؛ كانوا متفقين على الباطل، والاتفاق على باطل قادح في الإجماع؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة.\n• المثال الثاني:\nقال الآمدي في مسألة (تقليد المجتهد لغيره فيما لم يجتهد فيه): \"المكلف إذا كان قد حصلت له أهلية الاجتهاد بتمامها في مسألة من المسائل؛ فإن اجتهد فيها وأداه اجتهاده إلى حكم فيها؛ فقد اتفق الكل على أنه لا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين في خلاف ما أوجبه ظنه وترك ظنه.\nوإن لم يكن قد اجتهد فيها فقد اختلفوا فيه ...\nوالمعتمد في المسألة: أن يقال: القول بجواز التقليد حكم شرعي، ولا بد له من دليل، والأصل عدم ذلك الدليل، فمن ادعاه يحتاج إلى بيانه، ولا يلزم من جواز ذلك في حق العامي العاجز عن التوصل إلى تحصيل مطلوبه من الحكم جواز ذلك في حق من له أهلية التوصل إلى الحكم وهو قادر عليه، ووثوقه به أتم مما هو مقلد فيه؛ لما سبق.\nفإن قيل: دليل جواز التقليد في حق من لم يجتهد وإن كانت له أهلية الاجتهاد: الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول.\nأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، أمر بالسؤال، وأدنى درجاته: جواز اتباع المسؤول واعتقاد قوله، وليس المراد به من لم يعلم شيئًا أصلًا؛ بل من لم يعلم تلك المسألة، ومن لم يجتهد في المسألة، وإن كانت له أهلية الاجتهاد فيها غير عالم بها؛ فكان داخلًا تحت عموم الآية.\nوأيضًا قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] والمراد (بأولي الأمر): العلماء، أمر غير العالم بطاعة العالم، وأدنى درجاته جواز اتباعه فيما هو مذهبه.","vol":"1","page":451},{"text":"وأما السنة فقوله - ﵇ -: «أصحابي كالنجوم؛ بأيهم اقتديتم اهتديتم» (١)، وقوله - ﷺ -: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِن بَعِدي» (٢)، وقوله - ﵇ -: «اقتَدُوا بِاللَّذَينِ من بعدي: أبي بَكرٍ وعُمَرُ» (٣).\nوأما الإجماع فهو أن عمر رجع إلى قول علي - ﵁ - وإلى قول معاذ (٤)، وبايع\n_________\n(١) ذكره ابن عبدالبر بسنده من طرق عن ابن عمر وجابر، وضعَّف طرقه، وقال: \"وهذا الكلام لا يصح عن النبي - ﷺ - \". يُنظر: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٠).\n\nوذكر الزركشي وابن الملقن وابن حجر طرق هذا الحديث وضعفوه. يُنظر: المعتبر (ص: ٨٠ - ٨٥)؛ البدر المنير (٩/ ٥٨٤ - ٥٨٨).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد والدرامي وابن ماجة وأبو داود والترمذي والبزار وابن حبان والطبراني والحاكم من حديث عرْبَاضِ ابن سَاريَةَ. يُنظر: مسند أحمد (٤/ ١٢٦/ح: ١٧١٨٢)؛ سنن ابن ماجة، ب: اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (١/ ١٥ - ١٦/ح: ٤٢ - ٤٣)؛ سنن الدارمي، ب: اتباع السنة، (١/ ٥٧/ح: ٩٥)؛ سنن أبي داود، ك: السُّنة، ب: لزوم السُّنة، (٤/ ٢٠٠/ح: ٤٦٠٧)؛ سنن الترمذي، ك: العلم عن رسول الله - ﷺ -، ب: ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، (٥/ ٤٤/ح: ٢٦٧٦)؛ مسند البزار (١٠/ ١٣٧/ ح: ٤٢٠١)؛ صحيح ابن حبان، ذكر وصف الفرقة الناجية ...، (١/ ١٧٨ - ١٨٠/ح: ٥)؛ المعجم الكبير (١٨/ ٢٤٥ - ٢٤٩/ح: ٦١٧ - ٦٢٤) (١٨/ ٢٥٧/ح: ٦٤٢)؛ المستدرك على الصحيحين، كتاب العلم، (١/ ١٧٤ - ١٧٦/ح: ٣٣٠ - ٣٣٢). وقال الحاكم: \"هذا إسناد صحيح على شرطهما جميعًا ولا أعرف له علة\".\n(٣) أخرجه الإمام أحمد والترمذي والحاكم عن حذيفة بن اليمان، يُنظر: مسند أحمد (٥/ ٣٢٨/ح: ٢٣٢٩٣)؛ سنن الترمذي، ك: المناقب عن رسول الله - ﷺ -، ب: مناقب أبي بكر وعمر - ﵄ - (٥/ ٦٠٩/ح: ٣٦٦٢)؛ مستدرك على الصحيحين (٣/ ٧٩ - ٨٠/ح: ٤٤٥١ - ٤٤٥٥).\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن\". يُنظر: سنن الترمذي (٥/ ٦٠٩)، وقال الحاكم: \" ... فثبت بما ذكرنا صحة هذا الحديث وإن لم يخرجاه، وقد وجدنا له شاهدًا بإسناد صحيح عن عبدالله بن مسعود\". يُنظر: المستدرك على الصحيحين (٣/ ٨٠).\nوأخرجه الترمذي من حديث ابن مسعود، ك: المناقب، ب:، (٥/ ٦٧٢/ح: ٣٨٠٥) وقال: \"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه\". ويُنظر: التلخيص الحبير (٤/ ١٩٠).\n(٤) قال ابن أبي شَيبَةَ: \"حدثنا عبدالأَعْلَى عن محمد بن إِسحاق عن يزيد بن حبيب عن مَعمَرِ بن أبي حبِيبَةَ - مولى =","vol":"1","page":452},{"text":"عبدالرحمن بن عوف عثمان على اتباع سنة الشيخين أبي بكر وعمر (١)، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة، مع أن المقلد كان أهلًا للاجتهاد، فصار ذلك إجماعًا.\nوأما المعقول فهو أنه لا يقدر باجتهاده على غير الظن، واتباع المجتهد فيما ذهب إليه مفيد للظن، والظن معمول به في الشرعيات -على ما سبق تقريره-، فكان اتباعه فيه جائزًا\" (٢).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الخصم على المانعين التقليد للمجتهد في المسائل التي لم يجتهد فيها في قولهم: القول بجواز التقليد حكم شرعي، والحكم الشرعي لابد له من دليل، والدليل لم يوجد: بأن الدليل قد وجد من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول، ودليل الكتاب والسنة والإجماع واضح.\n_________\n= بنت صَفوَانَ- عن عبيد بن رِفاعَةَ عن أبيه رِفاعَةَ بن رافِعٍ قال: بينما أنا عند عُمرَ بن الخَطَّابِ - ﵁ - إذ دخل عليه رجُلٌ فقال: يا أمير المؤمنين، هذا زيد بن ثابت يُفتِي الناس في المسجد بِرَأيِهِ في الغُسْلِ من الجَنَابَةِ. فقال عُمرُ: علَيَّ بهِ. فجاء زَيدٌ، فلما رآهُ عُمرُ قال: أيْ عدُوَّ نَفسِهِ، قد بَلَغتَ أنْ تُفتِيَ الناس بِرَأيِك! فقال: يا أمِيرَ المؤمنين، واَللَّهِ ما فعَلْت؛ ولَكِنْ سمِعْت من أعْمَامِي حدِيثًا فحَدَّثْت بهِ من أبي أيُّوبَ ومِنْ أُبيِّ بن كعْبٍ ومِنْ رِفاعَةَ. فقال عُمرُ: علَيَّ بِرِفاعَةِ بن رافِعٍ. فقال: قد كنتم تفعلون ذلك إذا أصَابَ أحدكم الْمرْأَةَ فأَكْسَلَ أنْ يغْتَسِلَ؟ قال: قد كنا نفعلُ ذلك على عهْدِ رسول اللهِ - ﷺ - لم يأْتِنَا فيه عن الله تحْرِيمٌ، ولم يكُنْ فيه عن رسول اللهِ - ﷺ - شيْءٌ. فقال عُمرُ: ورَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَعلَمُ ذلك؟ قال: ما أَدْري. فأَمر عمَرُ بجمعِ المهاجرين والأَنصارِ، فَجمِعُوا فشاورهم، فشَارَ الناس أنْ لا غسْلَ إلّا ما كان من معَاذٍ وعلي؛ فَإِنَّهمَا قالَا: إذا جاوزَ الْختَانُ الْختَانَ وجَبَ الْغسْلُ. فقال عمَرُ: هذا وَأَنْتمْ أَصحَابُ بَدرٍ قد اخْتَلَفْتمْ، فمن بعدكم أشَدُّ اختلافًا. فقال عَليٌّ: يا أَميرَ الْمؤْمِنِينَ، إنّهُ ليس أحدٌ أعلمُ بهذا من شَأنِ رسول اللهِ - ﷺ - من أزواجهِ، فأرسلَ إلى حَفصَةَ. فقالت: لا علمَ لي. فأرسلَ إلى عَائشَةَ، فقالت: إذا جاوزَ الْختَانُ الْختَانَ فقد وجَبَ الْغسْلُ .. فقال: لا أسمعُ بِرَجلٍ فعلَ ذلك إلّا أوجعتهُ ضَربًا\". مصنف ابن أبي شيبة، ك: الطهارات، من قال: إذا التَقَى الخِتَانَانِ فقد وجَبَ الغُسْلُ، (١/ ٨٥/ح: ٩٤٧).\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) يُنظر: الإحكام للآمدي (٤/ ٢٤٧ - ٢٥١).","vol":"1","page":453},{"text":"وأما دليل المعقول، فهو من قبيل الاستدراك العقلي مادته القياس الاقتراني:\nاتباع المجتهد لمجتهد غيره مفيد للظن، وهذه المقدمة الأولى.\nوالظن معمول به في الشرعيات، وهذه المقدمة الثانية.\nالنتيجة: اتباع المجتهد لمجتهد غيره معمول به في الشرعيات.\nوبعد معرفة أقسام الاستدراك الأصولي صار من المناسب عقدُ فصل يتحدث عن نشأته وتطوره في المصنفات الأصولية ومنهجه؛ وهو موضوع الفصل القادم.","vol":"1","page":454},{"text":"الفصل الرابع","vol":"1","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>الفصل الرابع\nالاستدراك في عصر التشريع، وتاريخه\nفي المصنفات الأصولية، ومنهجه</span>.\nوفيه ثلاثة مباحث:\n- المبحث الأول: الاستدراك في عصر التشريع.\n- المبحث الثاني: تاريخ الاستدراك الأصولي.\n- المبحث الثالث: منهج الاستدراك الأصولي، وتطبيقاته.","vol":"1","page":456},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-154> المبحث الأول\nالاستدراك في عصر التشريع</span>.\nوفيه تمهيد، ومطلبان:\n- تمهيد: المراد بعصر التشريع.\n- المطلب الأول: أمثلة للاستدراكات الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية.\n- المطلب الثاني: أمثلة لاستدراكات الصحابة والتابعين.\n\n* * ... * ** * ... * *","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>تمهيد\nالمراد بعصر التشريع</span>\nالتشريع في اللغة: مصدر (شَرّع) بالتشديد، مأخوذ من الشريعة، ومادة الكلمة (الشين والراء والعين) أصلٌ واحد؛ وهو شيء يُفتح في امتدادٍ يكون فيه. (١)\nوالشريعة في لغة العرب: مورد الماء الذي يقصد للشرب، ثم استعملها العرب في الدين، والملة، والمنهاج، والطريقة، والسنة. (٢)\nوأما التشريع في الاصطلاح الشرعي والقانوني فهو: سن القوانين التي تعرف منها الأحكام لأعمال المكلفين، وما يحدث لهم من الأقضية والحوادث (٣).\nويمكن تقسيم التشريع الإسلامي إلى قسمين (٤):\n١ - تشريع توقيفي.\n٢ - تشريع اجتهادي.\nالمراد بالتشريع التوقيفي: ما شرع نصًّا في الكتاب أو السنة النبوية.\nالمراد بالتشريع الاجتهادي: ما شرع باجتهاد الصحابة والتابعين والمجتهدين استنباطًا من التشريع التوقيفي (٥).\n_________\n(١) يُنظر: مقايسس اللغة (٣/ ٢٦٢) مادة: (شرع).\n(٢) يُنظر: الصحاح (ص: ٥٤٣)؛ لسان العرب (٨/ ٥٩) مادة: (شرع).\n(٣) يُنظر: خلاصة تاريخ التشريع الإسلامي (ص: ٧).\n(٤) اختلف المصنفون في التشريع الإسلامي في أقسامه حسب العصور الزمنية، فرأيت هذا التقسيم أجمع - والله أعلم-.\n(٥) كالتشريع بالقياس، والمصالح، وسد الذرائع ... إلخ.","vol":"1","page":458},{"text":"وبالتالي فالمراد بعصر التشريع في هذا البحث: هو ذلك العصر الذي عاش فيه الرسول (١) - ﷺ - والصحابة والتابعون والمجتهدون.\nولما كان هذا البحث تأصيلًا للاستدراك الأصولي؛ ناسب عقد هذا المبحث لعرض أمثلة للاستدراكات الواقعة في القرآن الكريم، وفي الاستعمال النبوي، وما وقع منها في استعمالات الصحابة والتابعين، مع مراعاة تنوع الاستدراكات ومنشئها.\nوليس الغرض من هذا الفصل حصر النصوص والأقوال؛ وإنما محاولة لتأكيد مشروعية الاستدراك عمومًا؛ إذ الوقوع دليل الجواز، ولذكر تقسيم مناسب لتطوره في المصنفات الأصولية.\n_________\n(١) والتشريع في حينه إما أن يكون وحيًا باللفظ والمعنى وهو (القرآن الكريم)، وإما أن يكون وحيًا بالمعنى دون اللفظ وهو (السنة النبوية).","vol":"1","page":459},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-156>المطلب الأول: أمثلة للاستدراكات الواردة\nفي القرآن الكريم والسنة النبوية</span>\n•<span data-type=\"title\" id=toc-157> أولًا: أمثلة للاستدراكات الواردة في القرآن الكريم</span>.\nبعد التأمل في عدد من الاستدراكات الواردة في القرآن الكريم يمكن تقسيمها إلى قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>القسم الأول: استدراكات بأداة الاستدراك (لكن)</span>.\nالقسم الثاني: استدراكات بغير أداة الاستدراك (لكن).\nوأمثل لكل قسم فيما يلي.\n• القسم الأول: استدراكات بأداة الاستدراك (لكن):\nالاستدراك بأداة الاستدراك (لكن) وقع كثيرًا في القرآن الكريم، وهذا نوع من المحسنات البلاغية (١) عند العرب.\nقال ابن عاشور (٢): \"وشأن (لكن) أن تكون جملتها مفيدة معنى يغاير معنى الجملة الواقعة قبلها، ولا تدلّ عليه الجملة السابقة، وذلك هو حقيقة الاستدراك الموضوعةُ له (لكن)، فلا بد من مناسبة بين مضموني الجملتين ... فلا يحسن أن تقول: ما سافرت ولكنّي مقيم. وأكثر وقوعها بعد جملة منفية؛ لأنّ النّفي معنى واسع، فيكثر أن يحتاج المتكلّم بعده إلى زيادة بيان، فيأتي بالاستدراك. ومن قال: إنّ حقيقة\n_________\n(١) سبق تعريف الاستدراك عند البلاغيين يُنظر: (ص: ٤٤).\n(٢) هو: محمد الطاهر بن عاشور، رئيس المفتين المالكيين بتونس، وشيخ جامع الزيتونة، من مصنفاته: \"تفسير التنوير والتحرير\"، و\" مقاصد الشريعة الإسلامية\"، و\" الوقف وآثاره في الإسلام\"، (ت: ١٣٩٣ هـ).\nتُنظر ترجمته في: شجرة النور الزكية (ص: ٣٩٢)؛ الأعلام (٦/ ١٧٤).","vol":"1","page":460},{"text":"الاستدراك هو رفعُ ما يتوَهَّم السّامع ثبوته أو نفيه؛ فإنّما نظر إلى بعض أحوال الاستدراك، أو إلى بعض أغراض وقوعه في الكلام البليغ؛ وليس مرادُهم أنّ حقيقة الاستدراك لا تقوم إلا بذلك\" (١).\n• أمثلة لورود استدراكات في القرآن الكريم بأداة (لكن):\n• الآية الأولى:\nقال تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران: ٦٧].\n• بيان الاستدراك:\n\" أعلم تعالى براءة إبراهيم من هذه الأديان، وبدأ بانتفاء اليهودية؛ لأن شريعة اليهود أقدم من شريعة النصارى، وكرر بـ (لا) لتأكيد النفي عن كل واحد من الدينين، ثم استدرك ما كان عليه بقوله: (وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا)، ووقعت (لكن) هنا أحسن موقعها؛ إذ هي واقعة بين النقيضين بالنسبة إلى اعتقاد الحق والباطل.\nولما كان الكلام مع اليهود والنصارى؛ كان الاستدراك بعد ذكر الانتفاء عن شريعتهما، ثم نفى على سبيل التكميل للتبرير من سائر الأديان كونه من المشركين -وهم: عبدة الأصنام كالعرب الذين كانوا يدعون أنهم على دين إبراهيم، وكالمجوس عبدة النار، وكالصابئة عبدة الكواكب-، ولم ينص على تفصيلهم؛ لأن الإشراك يجمعهم\" (٢).\n• الآية الثانية:\nقال تعالى في شأن نوح - ﵇ -: (قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (٦٠) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (٦١» [الأعراف: ٦٠ - ٦١].\n_________\n(١) يُنظر: التحرير والتنوير (٨/ ١٩٣).\n(٢) تفسير البحر المحيط (٢/ ٥١١).","vol":"1","page":461},{"text":"• بيان الاستدراك:\nقوله: (لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ) ردّ من نوح - ﵇ - على قول الملأ من قومه: (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)، والاستدراك الذي في قوله: (وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) لرفع ما توهّموه من أنّه في ضلال حيث خالف دينهم؛ وذلك أن القوم لما أثبتوا له الضلال أرادوا به ترك دين الآباء، فحين نفى الضلالة توهم منه أنه على دين آبائه وترك دعوى الرسالة، فوقع الإخبار بأنه رسول وثابت على الصراط المستقيم استدراكًا لذلك.\nوقيل: هو استدراك مما قبله باعتبار ما يستلزمه من كونه في أقصى مراتب الهداية؛ فإن رسالته من رب العالمين مستلزمة له لا محالة؛ كأنه قيل: ليس بي شيء من الضلالة؛ لكني في الغاية القاصية من الهداية. وحاصل ذلك: أن (لكن) حقها أن تتوسط بين كلامين متغايرين نفيًا وإثباتًا، والتغاير هنا حاصل من حيث المعنى؛ كما في قولك: جاءني زيد لكن عمرًا غاب. وفائدة العدول عن الظاهر: إرادة المبالغة في إثبات الهداية على أقصى ما يمكن، كما نفى الضلالة كذلك، فهذا الاستدراك زيادة على الجواب؛ إذ قوله: (لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ) كان كافيًا فيه، فيكون من الأسلوب الحكيم الوارد على التخلص إلى الدعوة على وجه الترجيع المعنوي؛ لأنه بدأ بالدعوة إلى إثبات التوحيد وإخلاص العبادة لله تعالى، فلما أراد إثبات الرسالة لم يتمكن لما اعترضوا عليه من قولهم: (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)، فانتهز الفرصة وأدمج مقصوده في الجواب على أحسن وجه؛ حيث أخرجه مخرج الملاطفة والكلام المنصف؛ يعني دعوا نسبة الضلال إلي وانظروا ما هو أهم لكم من متابعة ناصحكم وأمينكم ورسول رب العالمين. (١)\n• الآية الثالثة:\nقوله تعالى في موقعة بدر: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) [الأنفال: ١٧].\n_________\n(١) يُنظر: روح المعاني (٨/ ١٥١).","vol":"1","page":462},{"text":"• بيان الاستدراك:\nتضمنت الآية إخبارًا عن حالة أفعال فعلها المخاطبون كان المقصود إعلامهم بنفي ما يظنونه من أن حصول قتل المشركين يوم بدر كان بأسباب ضَرب سيوف المسلمين، فأنبأهم أن تلك السيوف ما كان يحق لها أن تؤثر ذلك التأثير المصيب بإبطال ذوي شجاعة، وذوي شوكة؛ وإنما كان ضرب سيوف المسلمين صوريًا أكرم الله المسلمين بمقارنته فعلَ الله تعالى الخارقَ للعادة، فالمنفي هو الضرب الكائنُ سببَ القتل في العادة، وبذلك كان القتل الحاصل يومئذٍ معجزة للرسول - ﷺ -، وكرامة لأصحابه.\nوأصل الخبر المنفي أن يدل على انتفاء صدور المسند عن المسند إليه؛ لا أن يدل على انتفاء وقوع المسند أصلًا؛ فلذلك صح النفي في قوله: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ) مع كون القتل حاصلًا، وإنما المنفي كونه صادرًا عن أسبابهم.\nووجه الاستدراك المفاد بـ (لَكِنَّ): أن الخبر نفى أن يكون القتل الواقع صادرًا عن المخاطبين، فكانَ السامعُ بحيث يتطلب أكان القتلُ حقيقة أم هو دون القتل، ومَن كان فاعلًا له؟ فاحتيج إلى الاستدراك بقوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ).\nثم ذكر تأييدًا إلهيًّا آخرَ؛ وهو إشارة إلى ما ذكره المفسرون: أن رسول الله - ﷺ - بعد أن حرّض المؤمنين على القتال يوم بدر أتاه جبريل فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها. فأخذ حفنة من الحَصْبَاء (١) فاستقبل بها المشركين، ثم قال: «شاهت الوجوه»، ثم نفحهم بها، فلم يبق مشرك إلا أصابه شيء من الحصا في عينيه، فشغل بعينيه، ثم أمر أصحابه فقال: «شُدوا»، فكانت الهزيمة على المشركين. والمراد بالنفي في قوله: (وَمَا رَمَيْتَ) هو الرمي بمعنى أثره وحصول المقصود منه؛ وليس المراد نفي وقوع الرمي؛\n_________\n(١) الحصباء: صغار الحجارة. يُنظر: النهاية في غريب الأثر (١/ ٣٩٣). ويُنظر: لسان العرب (٤/ ١٣٦)؛ المصباح المنير (١/ ١٣٨) مادة: (حصب).","vol":"1","page":463},{"text":"مثل المراد في قوله: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ)؛ لأن الرمي واقع من يد النبي - ﷺ -؛ ولكن المراد نفي تأثيره؛ فإن المقصود من ذلك الرمي إصابة عيون أهل جيش المشركين، وما كان ذلك بالذي يحصل برمي اليد؛ لأن أثر رمي البشر لا يبلغ أثره مبلغ تلك الرمية، فلما ظهر من أثرها ما عم الجيش كلهم؛ عُلم انتفاء أن تكون تلك الرمية مدفوعة بيد مخلوق؛ ولكنها مدفوعة بقدرة الخالق الخارجة عن الحد المتعارف. (١)\n• الآية الرابعة:\nقال تعالى حكاية عن موقف بعض الرسل مع قومهم: (قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) [إبراهيم: ١٠ - ١١].\n• بيان الاستدراك:\nقال ابن عاشور: \"قول الرسل: (إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) جواب بطريق القول بالموجَب في علم آداب البحث، وهو تسليم الدليل مع بقاء النزاع ببيان محل الاستدلال غير تام الإنتاج، وفيه إطماع في الموافقة، ثم كرّ على استدلالهم المقصود بالإبطال بتبيين خطئهم. ونظيره قوله تعالى: (يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [المنافقون: ٨].\nوهذا النوع من القوادح في علم الجدل شديد الوقع على المناظر، فليس قول الرسل: (إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) تقريرًا للدليل؛ ولكنه تمهيد لبيان غلط المستدل في الاستنتاج من دليله. ومحل البيان هو الاستدراك في قوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)، والمعنى: أن المماثلة في البشرية لا تقتضي المماثلة في زائد عليها، فالبشر كلهم عباد الله والله يمُنّ على من يشاء من عباده بنِعَم لم يعطها غيرهم.\n_________\n(١) يُنظر: التحرير والتنوير (٩/ ٢٩٣ - ٢٩٦). ويُنظر: بديع القرآن (ص: ١١٨).","vol":"1","page":464},{"text":"فالاستدراك رفع لما توهموه من كون المماثلة في البشرية مقتضى الاستواء في كل خصلة\" (١).\n• الآية الخامسة:\nقال تعالى حكاية عن محاورة المؤمن والكافر: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا) [الكهف: ٣٧ - ٣٨].\nضرب الله مثل حال الكافرين والمؤمنين كحال رجلين (٢)؛ أحدهما: كافرٌ، والآخر: مؤمنٌ.\nوذكر تعجب واستنكار المؤمن للكافر بقوله: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا).\nوأصل (لَّكِنَّا) (لكن أنا)، فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون (لكن)، فاجتمعت النونان، فأدغمت نون (لكن) في النون التي بعدها.\nفقوله: (لَّكِنَّا) استدراك لقوله: (أَكَفَرْتَ)، كأنه قال لأخيه: أكفرت بالله! لكني مؤمن موحد؛ كما تقول: زيد غائب لكن عمرو حاضر (٣).\nفموقع الاستدراك مضادةُ ما بعد (لكن) لما قبلها؛ ولا سيما إذا كان الرجلان أخوين أو خليلين كما قيل؛ فإنه قد يتوهم أن اعتقادهما سواء (٤).\n_________\n(١) التحرير والتنوير (١٣/ ٢٠١).\n(٢) وقيل: كانا أخوين في بني إسرائيل. يُنظر: اللباب في علوم الكتاب (١٢/ ٤٨٣).\n(٣) يُنظر: التفسير الكبير (٢١/ ١٠٨)؛ تفسير البيضاوي (٣/ ٤٩٨).\n(٤) يُنظر: التحرير والتنوير (١٥/ ٣٢٣).","vol":"1","page":465},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-159> القسم الثاني: أمثلة لورود استدراكات بغير أداة الاستدراك (لكن):</span>\n• الآية الأولى:\nقال تعالى: (* إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦» [البقرة: ٢٦].\n• بيان الاستدراك:\nذكر ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: أنه لما نزل قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ) [الحج: ٧٣] فطعن في أصنامهم، ثم شبه عبادتها ببيت العنكبوت؛ قالت اليهود: أي قدر للذباب والعنكبوت حتى يضرب الله المثل بهما؟ ! فنزلت هذه الآية. (١)\nفتركوا التأمل والاعتبار فيما قيل لهم، وأخذوا في ظاهر التمثيل بالذباب والعنكبوت من غير التفات إلى المقصود، فقالوا: (مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا)، فأخبر الله تعالى عن الحقيقة السابقة فيمن شأنه هذا بقوله: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا)، ثم استدرك البيان المنتظر بقوله: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ)؛ نفيًا لتوهم من يتوهم أنه أنزل بقصد الإضلال لقوم والهداية لقوم، أي: هو هدى كما قال أولًا: (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) [البقرة: ٢]؛ لكن الفاسقين يضلون بنظرهم إلى غيرهم المقصود من إنزال القرآن، كذلك هو هدى للمتقين الذين ينظرون إلى صوب الحقيقة فيه، وهو الذي أنزل من أجله. (٢)\n_________\n(١) التفسير الكبير (٢/ ١٢٢).\n(٢) يُنظر: الموافقات (٣/ ٥١٤ - ٥١٥).","vol":"1","page":466},{"text":"• الآية الثانية:\nقال تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩].\n• بيان الاستدراك:\nتحاكم إلى داود - ﵇ - رجلان؛ أحدهما: صاحب حرث، والآخر: صاحب غنم، فرعت الغنم ليلًا في الحرث، فلم تبق منه شيئًا، فقضى فيه داود - ﵇ -: بأن الغنم تكون لصاحب الحرث؛ نظرًا إلى تفريط صاحبها، فعاقبه بهذه العقوبة.\nفلما خرج الخصمان على سليمان - ﵇ - فقال: بمَ قضى بينكما نبي الله داود؟ قالا: قضى بالغنم لصاحب الحرث. فقال: لعل الحكم غير هذا، انصرفا معي، فأتى أباه فقال: يا نبي الله، إنك حكمت بكذا وكذا، وإني رأيت ما هو أرفق بالجميع. قال: وما هو؟ قال: ينبغي أن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فينتفع بألبانها وسمونها وأصوافها، وتدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه، فإذا عاد الزرع إلى حاله التي أصابته الغنم في السنة المقبلة؛ رد كل واحد منهما ماله إلى صاحبه. فقضى داود بما قضى به سليمان (١).\nفاستدرك سليمان على داود - ﵉ - في حكمه الثابت بالاجتهاد، وهذا يدل على أن الاستدراك كان مشروعًا في شرعهم، وشرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يرد نسخه، ولم يرد نسخه؛ بل ثبت الاستدراك في شرعنا من فعله - ﷺ - (٢)؛ فدل ذلك على مشروعية الاستدراك.\nقال القرطبي (٣) في تفسيره للآية: \"وقال الجمهور: إن حكمهما كان باجتهاد ...\n_________\n(١) يُنظر: زاد المسير (٥/ ٣٧١)؛ الجامع لأحكام القرآن (١١/ ٣٠٢ - ٣٠٨)؛ تفسير السعدي (ص: ٥٢٨)\n(٢) وسيأتي قريبًا ذكر أمثلة لاستدراكه - ﷺ -.\n(٣) سبق ترجمة القرطبي (ص: ٣٢٥).","vol":"1","page":467},{"text":"والفرق بينهم وبين غيرهم من المجتهدين: أنهم معصومون عن الخطأ وعن الغلط وعن التقصير في اجتهادهم، وغيرهم ليس كذلك، كما ذهب الجمهور في أن جميع الأنبياء -صلوات الله عليهم- معصومون عن الخطأ والغلط في اجتهادهم. وذهب أبو علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي إلى أن نبينا - ﷺ - مخصوص منهم في جواز الخطأ عليهم، وفرق بينه وبين غيره من الأنبياء: أنه لم يكن بعده من يستدرك غلطه؛ ولذلك عصمه الله تعالى منه، وقد بُعث بعد غيره من الأنبياء من يستدرك غلطه. وقد قيل: إنه على العموم في جميع الأنبياء، وإن نبينا وغيره من الأنبياء ... -صلوات الله عليهم- في تجويز الخطأ على سواء؛ إلا أنهم لا يقرون على إمضائه، فلم يعتبر فيه استدراك من بعدهم من الأنبياء\". (١)\n• الآية الثالثة:\nقال تعالى على لسان الهدهد عن ملكة سبأ: (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ)، ثم قوله: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) [النمل: ٢٣، ٢٦].\n• بيان الاستدراك:\nقال ابن عادل الحنبلي (٢):\n\"واعلم أن قوله: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦» إن قلنا: إنه من كلام الهدهد؛ فالهدهد قد استدرك على نفسه، واستقلّ عرشها بالنسبة إلى عظمة عرش الله. وإن قلنا: إنه من كلام الله تعالى؛ فالله رد عليه\n_________\n(١) يُنظر: الجامع لأحكام القرآن (١١/ ٣٠٩).\n(٢) هو: أبو حفص، عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي النعماني، سراج الدين، من تصانيفه: \"اللباب في علوم الكتاب \" في تفسير القرآن، له \" حاشية على المحرر\"، لم تذكر سنة وفاته بالتحديد، فقيل: كان حيًا سنة (٨٨٠ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: هدية العارفين (٥/ ٧٩٤)؛ معجم المؤلفين (٢/ ٥٦٨)؛ الأعلام (٥/ ٥٨).","vol":"1","page":468},{"text":"استعظامه لعرشها\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-160> ثانيًا: أمثلة للاستدراكات الواردة في السنة النبوية:</span>\nالاستدراكات في السنة النبوية كثيرة؛ والسبب في ذلك يعود إلى أن النبي - ﷺ - لا يقر على الخطأ، إضافة إلى ما وصفه ربه به: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].\nفكان استدراكه - ﷺ - من حرصه على الأمة؛ ببيان الصواب، وإشارة إلى تكميل الفائت، ودفع اللبس الذي قد يقع منهم، فيستدرك على القول والفعل والفهم.\nوقد رأيتُ أن أقسم أمثلة الاستدراكات الواردة في السنة إلى ثلاثة أقسام (٢) بناء على سبب الاستدراك، وقد أذكر في السبب الواحد مثالين أو أكثر؛ لاختلاف نوع الاستدراك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-161> القسم الأول: مثال لورود الاستدراك في السنة بسبب نسيان المُستدَرك عليه:</span>\n• الحديث الأول:\nعن أبي هُريْرَةَ أنَّ رسُولَ اللهِ - ﷺ - انصَرَفَ من اثنَتَيْنِ (٣)، فقال له ذو اليَدَيْنِ (٤):\n_________\n(١) اللباب في علوم الكتاب (١٥/ ١٤١).\n(٢) وحرصت أن تكون أمثلة الاستدراكات النبوية من الصحيحين أو أحدهما.\n(٣) من صلاة الظهر، وقيل: العصر. يُنظر: شرح النووي على صحيح مسلم (٥/ ٦٨).\n(٤) ذو اليدين، وفي رواية: رجل من بني سليم، وفي رواية: رجل يقال له: الخِرْبَاق، وكان في يده طول، وفي رواية: رجل بسيط اليدين. هذا كله رجل واحد اسمه: الخِرْبَاق بن عمرو السلمي، ولقبه: ذو اليدين؛ لطول كان في يديه، وهو معنى قوله: (بسيط اليدين). وعاش حتى روى المتأخرون عنه. يُنظر: شرح النووي علي صحيح مسلم (٥/ ٦٨ - ٦٩).\n\nويُنظر ترجمة في: الأنساب (٣/ ١٥)؛ الإصابة (٢/ ٤٢٠)؛ الوافي بالوفيات (١٣/ ١٨٧).","vol":"1","page":469},{"text":"أَقَصرَتْ الصّلَاةُ أمْ نَسيتَ يا رَسولَ اللهِ (١)؟ فقال رسول اللهِ - ﷺ -: أصَدَقَ ذو اليَدَيْنِ؟ فقال الناس: نعم. فقَامَ رسول اللهِ - ﷺ - فصَلَّى اثنَتَيْنِ أخْرَيَيْنِ، ثمَّ سلَّمَ، ثمَّ كبَّرَ فسَجَدَ مثْلَ سجُودِهِ أو أَطوَلَ\" (٢).\n• بيان الاستدراك:\nسلم النبي - ﷺ - من ركعتين في هذه الصلاة الرباعية؛ لأنه كان يعتقد أن صلاته قد تمت، وكان جازمًا بذلك لم يدخله فيه شك، فلما استدرك عليه ذو اليدين بما قال؛ حصل لهُ شك حينئذ، ولما لم يوافق أحد من المصلين ذا اليدين على مقالته مع كثرتهم؛ حصل في قوله ريبة بانفراده بما أخبر به، فلما وافقه الباقون على قوله؛ رجع - ﷺ - حينئذ إلى قولهم، وعمل به، وصلى ما تركه، وسجد للسهو. (٣)\nسبب الاستدراك: سهو المستدرَك عليه؛ وهو النبي - ﷺ - (٤).\nنوع الاستدراك: استدراك تنبيه.\n_________\n(١) حصر ذو اليدين فعله - ﷺ - في الأمرين؛ لأن السبب إما من الله وهو القصر، أو من النبي - ﷺ - وهو النسيان. يُنظر: تحفة الأحوذي (٢/ ٣٥٠).\n(٢) الحديث في الصحيحين، يُنظر: صحيح البخاري واللفظ له، ك: الجماعة والإمامة، ب: هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس؟، (١/ ٢٥٢/ح ٦٨٢)، ك: السهو، ب: من لم يتشهد في سجدتي السهو، (١/ ٤١٢/ح: ١١٧٠)، ك: التمني، ب: ما جاء في إِجازَةِ خبرِ الواحد الصدوق ...، (٦/ ٢٦٤٨/ح: ٦٨٢٣)؛ صحيح مسلم، ك: المساجد ومواضع الصلاة، ب: السهو في الصلاة والسجود له، (١/ ٤٠٣ - ٤٠٤ ح: ٥٧٣).\n(٣) يُنظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري (٤/ ٢٣٩).\n(٤) قال الشوكاني في شرحه لحديث ذي اليدين: \"وفِيهِ دلِيلٌ على جواز دخول السَّهو عليه - ﷺ - في الأَحكَام الشَّرعية، وقد نقَل عيَاضٌ وَالنَّوَويُّ الْإجْمَاعَ على عدَمِ جوَازِ دخُولِ السَّهوِ في الأقوالِ التبليغيةِ، وخَصَّا الْخلاف بالأفعال. وقد تعُقِّبَا، قال الْحَافظُ: نعم اتّفَقَ من جوَّزَ ذلك على أنَّهُ لا يقِرُّ عليه؛ بل يقع له بيان ذلك إما متّصلًا بالفعلِ أو بعده كما وقع في هذا الحديث.\nوفائدة جواز السَّهو في مثل ذلك: بيان الْحكم الشرعي إذا وقع مثله لغيره\". يُنظر: نيل الأوطار (٣/ ١٣٣).","vol":"1","page":470},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-162> القسم الثاني: أمثلة لورود الاستدراك في السنة بسبب دفع الوهم المتوقع من السامع:</span>\n• الحديث الثاني:\nعن ابن عبَّاسٍ قال: مرَّ النبي - ﷺ - بِحائِطٍ من حِيطانِ المَدِينَةِ -أو مكَّةَ-، فسمع صَوتَ إِنسَانَيْنِ يُعذَّبَانِ في قُبُورِهِما، فقال النبي - ﷺ -: يُعذَّبَانِ، وما يُعذَّبَانِ في كبِيرٍ! ثمَّ قال: بَلَى؛ كان أحَدُهُمَا لا يَستَتِرُ من بَولِهِ، وكان الآخَرُ يَمشِي بِالنّمِيمَةِ. ثمَّ دعَا بِجرِيدَةٍ (١) فكَسَرَهَا كِسرَتَيْنِ، فوَضَعَ على كل قَبرٍ مِنهُمَا كِسرَةً، فقيل له: يا رسُولَ اللهِ، لمَ فعَلْتَ هذا؟ ! قال: لعَلَّهُ أنْ يُخفَّفَ عنهما ما لم تيْبَسَا -أو إلى أنْ ييْبَسَا-\" (٢).\n• بيان الاستدراك:\nقوله - ﷺ -: «وما يعذبان في كبير» معناه: أنهما لم يعذبا في أمر كان يكبر عليهما، أو يشق عليهما فعله لو أرادا أن يفعلاه؛ وهو التنزه من البول وترك النميمة، ولم يرد أن المعصية في هاتين الخصلتين ليست بكبيرة، ولما خاف - ﷺ - أن يتوهم مثل هذا؛ استدرك فقال: «بلى» أي: بلى إنه لكبير عند الله. (٣)\nسبب الاستدراك: دفع وهم قد يتولد للسامع من الكلام السابق.\nنوع الاستدراك: استدراك تصحيح لخطأ قد يحصل في ذهن السامع.\n_________\n(١) الجريدة: سعف النخل الأخضر، وجمعها جريد. يُنظر: النهاية في غريب الأثر (١/ ٢٥٧)؛ غريب الحديث لابن الجوزي (١/ ٥٣٩).\n(٢) يُنظر: صحيح البخاري، ك: الوضوء، ب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله، (١/ ٨٨/ح: ٢١٣).\n(٣) يُنظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (١/ ٣٢٢)؛ الترغيب والترهيب (١/ ٨٤)؛ فتح الغفار الجامع لأحكام سنة نبينا المختار (١/ ٦٠).","vol":"1","page":471},{"text":"• الحديث الثالث:\nعن أبي شُريْحٍ (١) أنَّهُ قال لِعمْرِو بن سعِيدٍ (٢) -وهو يبْعَثُ الْبعُوثَ إلى مكَّةَ (٣) -: ائذَنْ لي أَيّهَا الْأَميرُ أحَدِّثْكَ قَولًا قام بهِ النبي - ﷺ - الغَدَ من يَومِ الفَتْحِ، سمعته أذُنَايَ، ووَعَاهُ قَلْبي، وَأَبصَرَتْهُ عَينَايَ حين تكَلَّمَ بهِ: حَمدَ اللهَ، وَأَثنَى عليه، ثمَّ قال: «إنَّ مكَّةَ حرَّمَهَا الله ولم يحَرِّمْهَا الناس، فلا يَحلُّ لامْرِئٍ يؤْمِنُ باللهِ وَاليَوْمِ الْآخرِ أنْ يَسْفكَ فيها دمًا، ولا يَعْضدَ بها شجَرَةً، فَإنْ أحَدٌ ترَخَّصَ لقِتَالِ رسول اللهِ - ﷺ - فيها فَقولُوا: إنَّ اللهَ قد أَذنَ لِرَسولِهِ ولم يَأذَنْ لَكمْ. وَإنَّمَا أَذنَ لي فيها ساعَةً من نهَارٍ، ثمَّ عادَتْ حرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحرْمَتِهَا بالْأَمْسِ، وَلْيبَلِّغْ الشَّاهدُ الْغَائبَ». فقيل لأَبِي شرَيْحٍ: ما قال عَمرٌو؟ قال: أنا أَعلَمُ منْكَ يا أبَا شرَيْحٍ، لا يعِيذُ عَاصيًا (٤)، ولا فارًّا بدَمٍ، ولا فارًّا بخَرْبَةٍ (٥) \". (٦)\n_________\n(١) هو: خويلد بن عمرو، وقيل: عمرو بن خويلد، وقيل: عبدالرحمن بن عمرو، وقيل: هانئ بن عمرو، بن صخر بن عبدالعزى، الكعبي الخزاعي العدوي، أسلم قبل فتح مكة، وكان يحمل أحد ألوية بني كعب بن خزاعة، (ت: ٦٨ هـ) بالمدينة.\nتُنظر ترجمته في: الطبقات الكبرى (٤/ ٢٩٥)؛ الاستيعاب (٤/ ١٦٨٨).\n(٢) هو: أبو أمية، عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد مناف، المدني القرشي الأموي، المعروف بـ (الأشدق)، تابعي، ووَهِمَ من زعم أن له صحبة؛ وإنما لأبيه رؤية، ولي إمارة المدينة لمعاوية ولابنه، استخلفه عبدالملك بن مروان على دمشق لما سار ليملك العراق، فتوثب عمرو على دمشق وبابعوه، فلما توطدت العراق لعبدالملك، وقتل مصعب؛ رجع وحاصر عمرًا بدمشق، وأعطاه أمانًا مؤكدًا، فاغتر به عمرو، ثم بعد أيام غدربه وقتله سنة (٧٠ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٢/ ٣٥)؛ سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٤٩)؛ فوات الوفيات (٢/ ١٩٧).\n(٣) لقتال عبدالله بن الزبير - ﵁ -. يُنظر: شرح ابن بطال على صحيح البخاري (١/ ١٧٩)؛ شرح النووي على صحيح مسلم (٩/ ١٢٧).\n(٤) قوله: (لا يعيذ عاصيا) أي لا يعصمه. يُنظر: شرح النووي (٩/ ١٢٨).\n(٥) قوله: (ولا فارًّا بخربة) هي بفتح الخاء وإسكان الراء هذا هو المشهور، ويقال بضم الخاء أيضًا، وأصلها سرقة الإبل، وتطلق على كل خيانة. يُنظر: شرح ابن بطال (١/ ١٨٢)؛ شرح النووي (٩/ ١٢٨).\n(٦) يُنظر: صحيح البخاري، ك: الحج، ب: لا يُعضد شجر الحرم ...، (٢/ ٦٥١/ح: ١٧٣٥) ك: المغازي، ب: منزل النبي - ﷺ - يوم الفتح، (٤/ ١٥٦٣/ح: ٤٠٤٤)؛ صحيح مسلم، ك: تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولُقطَتها إلا لمُنشِدٍ على الدّوَامِ، (٢/ ٩٨٧/ح: ١٣٥٤).","vol":"1","page":472},{"text":"• بيان الاستدراك:\nذكر - ﷺ - جوابًا على استدرك مقدر على المستدل بإباحة القتال في مكة بفعل النبي - ﷺ -؛ بأن الله تعالى إنما أذن للنبي - ﷺ - ولم يأذن لغيره، وكان إذنه له ساعة من نهار، ثم عادت حرمة مكة كما كانت.\nسبب الاستدراك: دفع وهم قد يحصل في ترخص القتال للرسول - ﷺ - بقياس غيره عليه.\nنوع الاستدراك: استدراك على شخص مقدر ببيان الفرق.\n• الحديث الرابع:\nعن أبي هُريْرَةَ - ﵃ - قال: وكَّلَنِي رسول اللهِ - ﷺ - بحِفْظِ زكَاةِ رمَضَانَ، فأَتَانِي آتٍ فجَعَلَ يحْثُو من الطّعَامِ، فأَخَذْتُهُ فقلت: لأَرْفَعَنَّكَ إلى رسول اللهِ - ﷺ -. فقَصَّ الحديث، فقال: إذا أوَيْتَ إلى فِراشِكَ فاقْرَأْ آيةَ الْكرْسِيِّ؛ لنْ يزَالَ معَكَ من اللهِ حافِظٌ، ولا يقْرَبُكَ شيْطَانٌ حتى تصْبِحَ. وقال النبي - ﷺ -: صدَقَكَ وهو كذُوبٌ، ذاكَ شيْطَانٌ\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nما ذكره ابن حجر (٢)\nفي شرحه للحديث: \" (صدقك وهو كذوب) هو من\n_________\n(١) يُنظر: صحيح البخاري، ك: فضائل القرآن، ب: فضل سورة البقرة، (٤/ ١٩١٤/ح: ٤٧٢٣).\n(٢) هو: أبو الفضائل، أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني -نسبة إلى عسقلان بفلسطين-، من الأئمة الأعلام، عالم بالحديث وعلله، كان فصيح اللسان، راوية للشعر، عارفًا بأيام المتقدمين وأخبار المتأخرين، ولع بالأدب والشعر، ثم أقبل على الحديث، ولي قضاء مصر مرات، وانتشرت مصنفاته في حياته، وتهادتها الملوك، وكتبها الأكابر. ومن مصنفاته: \" فتح الباري في شرح صحيح البخاري\"، و\" نزهة الفكر في توضيح نخبة الفكر\"، و\" تقريب التهذيب\"، وغيرها كثير، (ت: ٨٥٢ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: الضوء اللامع (٢/ ٣٦)؛ البدر الطالع (١/ ٨٧)؛ الأعلام (١/ ١٧٨).","vol":"1","page":473},{"text":"التتميم البليغ؛ لأنه لما أوهم مدحه بوصفه الصدق في قوله: (صدقك) استدرك نفي الصدق عنه بصيغة مبالغة، والمعنى: صدقك في هذا القول مع أن عادته الكذب المستمر\" (١).\nسبب الاستدراك: دفع وهم قد يتولد للسامع من الكلام السابق.\nنوع الاستدراك: استدراك تكميل للفائدة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-163> القسم الثالث: أمثلة لورود الاستدراك في السنة بسبب تصحيح خطأ المُستدرَك عليه:</span>\n• الحديث الخامس:\nحديث أنَسِ بن مالِكٍ - ﵁ - قال: جاءَتْ أمُّ سُليْمٍ (٢)\nإلى رسول اللهِ - ﷺ - فقالت له -وعَائِشَةُ عِنْدهُ-: يا رسُولَ اللهِ، الْمرْأَةُ ترَى ما يرَى الرَّجلُ في المَنَامِ، فتَرَى من نَفْسهَا ما يرَى الرَّجلُ من نَفْسهِ. فقالت عَائشَةُ: يا أمَّ سلَيْمٍ، فَضَحتِ النّسَاءَ (٣) تَربَتْ يَمِينكِ (٤)!\n_________\n(١) فتح الباري (٩/ ٥٦).\n(٢) هي: أمُّ سُليْمٍ، أم أنس بن مالك خادم رسول الله - ﷺ -، واختلفوا في اسمها؛ فقيل: اسمها سهلة، وقيل: مليكة، وقيل: رميثة، وقيل: أنيفة، وقيل: الرميصاء، وقيل: الغميصاء، بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام الأنصارية الخزرجية، وكانت من فاضلات الصحابيات ومشهوراتهن، وهي أخت أم حرام بنت ملحان - ﵄ -، شهدت أحدًا وحنينًا، مات زوجها مالك بن النضر، ثم تزوجها أبو طلحة الأنصاري، وكان مهرها إسلامه.\n\nتُنظر ترجمتها في: صفة الصفوة (٢/ ٦٥)؛ الاستيعاب (٤/ ١٩٤٠)؛ الإصابة (٨/ ٤٥).\n(٣) قول عائشة -﵂-: \"فضحت النساء \" معناه: حكيت عنهن أمرًا يستحيا من وصفهن به ويكتمنه؛ وذلك أن نزول المني منهن يدل على شدة شهوتهن للرجال. يُنظر: شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ٢٢١).\n(٤) قال النووي: \"قولها: (تربت يمينك) فيه خلاف كثير منتشر جدًّا للسلف والخلف من الطوائف كلها، والأصح الأقوى الذي عليه المحققون في معناه: أنها كلمة أصلها: افتقرت؛ ولكن العرب اعتادت استعمالها غير قاصدة حقيقة معناها الأصلي، فيذكرون: (تربت يداك)، و(قاتله الله ما أشجعه)، و(لا أم له)، و(لا أب لك)، و(ثكلته أمه)، و(ويل أمه)، وما أشبه هذا من ألفاظهم، يقولونها عند إنكار الشيء، أو الزجر عنه، أو الذم عليه، أو استعظامه، أو الحث عليه، أو الإعجاب به\". المرجع السابق.","vol":"1","page":474},{"text":"فقال لعَائِشَةَ: بلْ أَنتِ فَتَربَتْ يَمِينكِ (١)! نعم؛ فَلْتَغْتَسلْ يا أمَّ\nسلَيْمٍ إذا رأَتْ ذاكِ\" (٢).\n• بيان الاستدراك:\nاشتمل الحديث على استدراكين:\nالاستدراك الأول: استدراك أم المؤمنين عائشة - ﵂ - على أمِّ سُليْمٍ - ﵂ - سؤالها عن أمر خاص بالنساء يُستحيا من ذكره عادة.\nالاستدراك الثاني: استدراك النبي - ﷺ - على استدراك عائشة - ﵂ -، وإجابته عما سألت عنه أمُّ سُليْمٍ - ﵂ -.\nسبب الاستدراك: خطأ المستدرَك عليه - وهي عائشة- في استدراكها على أمِّ سُليْمٍ - ﵄ -.\nنوع الاستدراك: استدراك تصحيح على المُستدرِك الأول (وهي عائشة - ﵂ -).\n• الحديث السادس:\n\" عَن الْمُغِيرةِ بن شُعْبةَ (٣)\nقَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى نَجْرَانَ، فَقَالَ لِي أَهْلُ\n_________\n(١) قال النووي: \"وأما قوله - ﷺ - لعائشة: (بل أنت فتربت يمينك) فمعناه: أنت أحق أن يقال لك هذا؛ فإنها فعلت ما يجب عليها من السؤال عن دينها فلم تستحق الإنكار، واستحققت أنت الإنكار؛ لإنكارك ما لا إنكار فيه\". المرجع السابق.\n(٢) صحيح مسلم، ك: الحيض، ب: وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها، (١/ ٢٥٠/ح: ٣١٠).\n(٣) هو: أبو عيسى، ويقال: أبو عبدالله، وقيل: أبو محمد، المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن مُعَتِّب الثقفي، من كبار الصحابة، وأولي الشجاعة والمكيدة، أسلم عام الخندق وقدم مهاجرًا، وقيل: قبل عمرة الحديبية وشهدها، وشهد بيعة الرضوان، وكان رجلًا طوالًا مهيبًا، ولّاه عمر البصرة، ثم الكوفة، شهد القادسية وفتح نهاوند وغيرها، (ت: ٥٠ هـ) بالكوفة.\n\nتُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٣/ ٢١)؛ الاستيعاب (٤/ ١٤٤٥)؛ الإصابة (٦/ ١٩٧).","vol":"1","page":475},{"text":"نَجْرَانَ: أَلَسْتُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، وَقَدْ عَرَفْتُمْ مَا بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى؟ فَلَمْ أَدْرِ مَا أَرُدُّ عَلَيْهِمْ؛ حَتَّى قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِي: أَفَلا أَخْبَرْتَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِالأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك - ﷺ - على اليهود والنصارى الذين كانوا يعارضونه بما لا يصلح للمعارضة، ويقدحون في القرآن بأدنى شبهة، ويخاطبون بذلك من أسلم، فقالوا للمغيرة بن شعبة: أنتم تقرؤون في كتابكم ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨]، وموسى بن عمران كان قبل عيسى بسنين كثيرة، فظنوا أن هارون المذكور هو هارون أخو موسى، وهذا من فرط جهلهم، والمغيرة - ﵁ - لما اتفق عنده أن مريم هذه بنت عمران، وذانك موسى وهارون ابنا عمران، فكان لفظ عمران فيه اشتراك، والاشتراك غالب على أسماء الأعلام؛ نشأت الشبهة (٢)، فقال: \"فَلَمْ أَدْرِ مَا أَرُدُّ عَلَيْهِمْ\"، فلما ذكر ذلك للنبي - ﷺ - كشف له ما التبس عليه، وأجاب عن استدراك الخصم من النصارى، فذكر أن من نُسِبَت إليه مريم - ﵍ - ليس بالنبي هارون أخي موسى - ﵉ -؛ بل هو رجل في بني إسرائيل سموه باسم هارون النبي؛ لأنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم\n_________\n(١) يُنظر: صحيح مسلم، ك: الآداب، ب: النهي عن التكني بأبي القاسم وبيان ما يُستحب من الأسماء، (٣/ ١٦٨٥/ح: ٢١٣٥).\nواللفظ المذكور في صحيح ابن حبان، ك: التاريخ، ذكر البيان بأن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، (١٤/ ١٤٣/ح: ٦٢٥٠).\n(٢) يُنظر: درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٦٨ - ٦٩).","vol":"1","page":476},{"text":"والصالحين قبلهم.\nسبب الاستدراك: خطأ المستدرَك عليه.\nنوع الاستدراك: استدراك تصحيح على الخصم المخالف في المذهب العقدي.\n• الحديث السابع:\nعن أبي هرَيْرَةَ أنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - دخل الْمَسْجدَ، فدخل رجُلٌ فصَلَّى، فسَلَّمَ على النبي - ﷺ -، فرَدَّ وقال: ارْجعْ فصَلِّ؛ فَإنَّكَ لم تُصلِّ. فرَجَعَ يُصَلّي كما صلى، ثمَّ جاء فسَلَّمَ على النبي - ﷺ -، فقال: ارْجعْ فصَلِّ؛ فَإنَّكَ لم تُصلِّ - ثلَاثًا-. فقال: وَالَّذي بعَثَكَ بالْحَقِّ ما أُحْسنُ غيْرَهُ فَعَلّمْنِي. فقال: إذا قُمتَ إلى الصّلَاةِ فَكَبّرْ، ثمَّ اقْرأْ ما تيَسَّرَ معَكَ من القُرْآنِ، ثمَّ ارْكعْ حتى تَطْمَئنَّ رَاكعًا، ثمَّ ارْفعْ حتى تعتدل قائِمًا، ثمَّ اسجُدْ حتى تَطمَئِنَّ ساجِدًا، ثمَّ ارفَعْ حتى تَطمَئِنَّ جالِسًا، وَافعَلْ ذلك في صلَاتِكَ كُلِّها\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nمعلوم أنه - ﷺ - لا يقر على الخطأ، فاستدرك على المسيء في صلاته فعله، وأرشده للصواب.\nسبب الاستدراك: خطأ المستدرَك عليه.\nنوع الاستدراك: استدراك تصحيح على الفعل.\nوهذا الحديث مثال على استدراك تصحيح الفعل بالقول.\n• الحديث الثامن:\nعن أنَسِ بن مالِكٍ - ﵁ - قال: \"دخل النبي - ﷺ - فإذا حبْلٌ ممْدُودٌ بين السّارِيَتَيْنِ\n_________\n(١) صحيح البخاري، ك: صفة الصلاة، ب: وجوب القراءة للإِمام والمأْموم ...، (١/ ٢٦٣/ح: ٧٢٤)، ك: صفة الصلاة، ب: استواء الظهر في الركوع، (١/ ٢٧٤/ح: ٧٦٠)؛ صحيح مسلم، ك: الصلاة، ب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ...، (١/ ٢٩٨/ح: ٣٩٧).","vol":"1","page":477},{"text":"فقال: ما هذا الْحبْلُ؟ قالوا: هذا حبْلٌ لِزيْنَبَ (١)، فإذا فتَرَتْ تعَلَّقَتْ. فقال النبي - ﷺ -: لا، حلُّوهُ، لِيُصلِّ أحدكم نشَاطَهُ، فإذا فتَرَ فلْيَقْعُدْ\" (٢).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك - ﷺ - على زينب - ﵂ - فعلها، وأرشد إلى الصواب بالإقبال على العبادة بنشاط.\nسبب الاستدراك: خطأ المستدرَك عليه.\nنوع الاستدراك: استدراك تصحيح على الفعل.\nوهذا الحديث مثال على استدراك تصحيح الفعل بالفعل والقول (٣).\nأما تصحيح الفعل بالفعل فلأنه أمر بحل الحبل، وهذا فعل.\nوأما تصحيح الفعل بالقول فقوله: «لِيُصلِّ أحدكم نشَاطَهُ، فإذا فتَرَ فلْيَقْعُدْ».\n_________\n(١) المراد: أم المؤمنين زينب بنت جحش، وهذا الراجح، وهناك أقوال أخرى. يُنظر: فتح الباري (٣/ ٣٦).\n(٢) صحيح البخاري، ك: التهجد، ب: ما يُكْرهُ من التّشديد في العبادة، (١/ ٣٨٦/ح: ١٠٩٩)؛ صحيح مسلم، ك: صلاة المسافرين وقصرها، ب: باب أمر من نعَسَ في صلاته أو اسْتعْجَمَ عليه القرآن أو الذّكْرُ بأَن يرْقُدَ ...، (١/ ٥٤١/ح: ٧٨٤).\n(٣) قال ابن حجر في شرحه للحديث: \"وفيه إزالة المنكر باليد واللسان\". يُنظر: فتح الباري (٣/ ٣٧).","vol":"1","page":478},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-164>المطلب الثاني\nأمثلة لاستدراكات الصحابة والتابعين - ﵃ </span>-\n•<span data-type=\"title\" id=toc-165> أولًا: أمثلة للاستدراكات الصحابة - ﵃ </span>-.\nالعلوم في الأمم لا تظهر فجأة؛ إنما تمر بفترة مخاض فكرية؛ حتى تتبلور معانيها، فتتضح في الأذهان معالمها، وتتهيأ في الأسباب لتدوينها، ثم بعد ذلك كله هي خاضعة في نموها وازدهارها لقانون التطور والتدرج. (١)\nفبعد انتقال النبي - ﷺ - إلى الرفيق الأعلى كان الصحابة - ﵃ - يستنبطون الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وكانوا - ﵃ - يتفاوتون في إدراكهم للسنة، وكسبهم العلمي، ورسوخهم في المعرفة، فحصل من جراء ذلك اختلاف في اجتهاداتهم في المسألة الواحدة، مما كان له دور في استدراكات بعضهم على بعض.\nوأذكر من استدراكاتهم الأمثلة التالية (٢):\n• المثال الأول:\n\" عن عبداللهِ بن أبي مُليْكَةَ (٣) قال: قيلَ لأبي بكْرٍ - ﵁ -: يا خلِيفَةَ اللهِ.\n_________\n(١) يُنظر: الفكر الأصولي (ص: ٦٠).\n(٢) للاستزادة من استدراكات الصحابة بعضهم على بعض يُنظر: استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى (ص: ٩٧ - ٣٠٦)؛ استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن. علمًا بأن الأمثلة التي ذكرتها لم يذكرها الباحثان؛ وإنما هي من اجتهادي سوى المثال الرابع.\n(٣) هو: أبو بكر، وقيل: أبو محمد، عبدالله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبدالله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي التيمي المكي، تابعي، قاضى مكة زمن ابن الزبير، ومؤذن الحرم، وولاه ابن الزبير قضاء الطائف، أدرك ثلاثين من الصحابة، وكان ثقة كثير الرواية للحديث، (ت: ١١٧ هـ)، وقيل: (ت: ١١٨ هـ).\nتُنظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٥/ ٢٥٦)؛ تذكرة الحفاظ (١/ ١٠١)؛ تهذيب التهذيب (٥/ ٢٦٨).","vol":"1","page":479},{"text":"فقال: بلْ خلِيفَةُ مُحمَّدٍ - ﷺ -، وأنا أرْضَى بهِ\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك أبو بكر - ﵁ - على مَنْ فهم أنه خليفة الله، وبين له أن الصواب أنه خليفة رسول الله - ﷺ -.\nسبب الاستدراك: خطأ المستدرك عليه.\nنوع الاستدراك: استدراك تصحيح على الفهم.\n• المثال الثاني:\nروي أن امرأة ذكرت عند عمر بالزنا، فبعث إليها، ففزعت، فألقت ما في بطنها، فاستشار الصحابة في ذلك، فقال له عبدالرحمن بن عوف وغيره: إنما أنت مؤدب، ولا شيء عليك. فقال لعلي: ما تقول؟ فقال: إن كان اجتهدوا فقد أخطؤوا، عليك الدية (٢). (٣)\n• بيان الاستدراك:\nاستدراك علي على مَنْ أفتى عمر أنه لاشيء عليه؛ لأنه بمثابة المؤدب، وبين أنهم إن قالوا ذلك اجتهادًا فقد أخطؤوا، والصواب: أن عليه الدية، وقد نزل عمر على اجتهاد علي - ﵃ -.\nسبب الاستدراك: خطأ المستدرَك عليهما.\nنوع الاستدراك: تصحيح خطأ المستدرك عليه في الاجتهاد.\n_________\n(١) يُنظر: مسند أحمد (١/ ١١).\n(٢) يُنظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٨/ ٢٦١).\n(٣) ويُنظر الأثر في سنن البيهقي الكبرى، ك: الإجارة، ب: الإمام يضمن والمعلم يغرم من صار مقتولًا بتعزير الإمام وتأديب المعلم، (٦/ ١٢٣/ح: ١١٤٥٢).","vol":"1","page":480},{"text":"• المثال الثالث:\nعن عروة بن الزبير (١) أن مروان بن الحكم (٢) حدّثه أن عمر - ﵁ - حين طُعن قال: إني رأيت في الْجَدِّ رأيًا، فإن رأيتم أن تتبعوه. فقال عثمان: إن نتبع رأيك فهو رشد، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك (٣) فنعم ذو الرأي كان! \" (٤).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك عثمان على عمر في رأيه في ميراث الجد.\nسبب الاستدراك: تكميل الفائدة.\nنوع الاستدراك: استدراك الأولى.\n_________\n(١) هو: أبو عبدالله، عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني، أخو عبدالله بن الزبير، أمهما أسماء بنت أبى بكر الصديق، من فقهاء المدينة، وأفاضل التابعين، وعباد قريش، كان يقرأ كل يوم ربع القرآن، كان فقيهًا عالمًا حافظًا ثبتًا حجة، عالمًا بالسير، وهو أول من صنف المغازي، (ت: ٩٤ هـ) على المشهور.\n\nتُنظر ترجمته في: مشاهير الأمصار (١/ ٦٤)؛ صفة الصفوة (٢/ ٨٥)؛ البداية والنهاية (٩/ ١٠١).\n(٢) هو: أبو عبدالملك، وقيل: أبو القاسم، وقيل: أبو الحكم، مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، القرشي الأموي، يقال: ولد بعد الهجرة بسنتين، وقيل: بأربع، وقيل: مات النبي - ﷺ - وهو ابن ثمان سنين، كان كاتب ابن عمه عثمان بن عفان، سار مع طلحة والزبير للطلب بدم عثمان، شهد الجمل مع عائشة، ثم صفين مع معاوية، ثم ولي إمرة المدينة لمعاوية، ثم لم يزل بها إلى أن أخرجهم ابن الزبير في أوائل إمرة يزيد بن معاوية، وبقي بالشام إلى أن مات معاوية بن يزيد بن معاوية، فبايعه بعض أهل الشام، واستوثق له ملك الشام، ثم توجه إلى مصر فاستولى عليها، ثم بغته الموت، فكانت مدته في الخلافة قدر نصف سنة، (ت: ٦٥ هـ) في رمضان.\nتُنظر ترجمته في: الطبقات الكبرى (٥/ ٣٥)؛ سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٧٦)؛ الإصابة (٦/ ٢٥٧).\n(٣) يعنى أبا بكر - ﵁ -.\n(٤) يُنظر: المستدرك على الصحيحين، ك: الفرائض، (٤/ ٣٧٧/ح: ٧٩٨٣)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.","vol":"1","page":481},{"text":"• المثال الرابع:\n\" عن عبيد بن عُميْرٍ (١) قال: بلَغَ عائِشَةَ أنَّ عبْدَاللهِ بن عمْرٍو (٢) يأْمُرُ النِّساءَ إذا اغْتسَلْنَ أنْ ينْقُضْنَ رُؤُوسهُنَّ. فقالت: يا عجَبًا لابن عمْرٍو هذا؛ يأْمُرُ النِّساءَ إذا اغْتسَلْنَ أنْ ينْقُضْنَ رؤوسهن، أفَلَا يأْمُرُهُنَّ أنْ يحْلِقْنَ رؤوسهن (٣)؟ ! لقد كنت أغْتَسِلُ أنا ورَسُولُ اللهِ - ﷺ - من إِناءٍ وَاحدٍ ولا أَزيدُ على أنْ أفْرِغَ على رَأْسي ثلَاثَ إفْرَاغَاتٍ\" (٤).\n• بيان الاستدراك:\nاستدركت أم المؤمنين عائشة - ﵂ - على عبدالله بن عمرو في فتواه: بوجوب نقض المرأة شعرها عند الغسل، واستدلت في استدراكها هذا بحالها مع رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) هو: أبو عاصم، عبيد بن عمير بن قتادة الليثي الجندعي المكي، الواعظ المفسر، ولد على عهد رسول الله - ﷺ -، وهو معدود فى كبار التابعين، له رواية عن عمر وعلي وأبي ذر وأبي بن كعب وأبي موسى وعائشة وابن عمر وغيرهم، (ت: ٦٨ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٤/ ١٥٦)؛ الاستيعاب (٣/ ١٠١٨)؛ الإصابة (٥/ ٦٠).\n(٢) هو: أبو محمد، وقيل: أبو عبدالرحمن، عبدالله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم القرشي السهمي، وكان أصغر من أبيه باثنتي عشرة سنة، أسلم قبل أبيه، كان فاضلًا عالمًا، هاجر بعد سنة سبع، وشهد بعض المغازي، كتب الكثير بإذن النبي - ﷺ - وترخيصه له بعد كراهيته للصحابة أن يكتبوا عنه سوى القرآن، (ت: ٦٥ هـ).\nتُنظر ترجمته في: أسد الغابة (٣/ ٣٥٦)؛ الكاشف للذهبي (١/ ٥٨٠)؛ سير أعلام النبلاء (٣/ ٧٩).\n(٣) قال النووي في شرحه للحديث: \"وأما أمر عبدالله بن عمرو - ﵄ - بنقض النساء رؤوسهن إذا اغتسلن؛ فيحمل على أنه أراد إيجاب ذلك عليهن، ويكون ذلك في شعور لا يصل إليها الماء، أو يكون مذهبًا له أنه يجب النقض بكل حال كما حكيناه عن النخعي ولا يكون بلغه حديث أم سلمة وعائشة. ويحتمل أنه كان يأمرهن على الاستحباب والاحتياط؛ لا للإيجاب، والله تعالى أعلم\". شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٢ - ١٣).\n(٤) يُنظر: صحيح مسلم، ك: الحيض، ب: حكم ضفائر المغتسلة، (١/ ٢٦٠/ح: ٣٣١).","vol":"1","page":482},{"text":"سبب الاستدراك: خطأ المستدرَك عليه.\nنوع الاستدراك: استدراك تصويب خطأ المستدرك عليه في الاجتهاد.\n• المثال الخامس:\n\" عن عطاء (١) عن أم كُرْز (٢) وأبي كرز (٣) قالا: نذرت امرأة من آل عبدالرحمن بن أبي بكر (٤) إن ولدت امرأة عبدالرحمن نحرنا جزورًا. فقالت عائشة - ﵂ -: لا؛ بل السنة أفضل: عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة، تقطع جدُولًا (٥)، ولا يكسر لها عظم، فيأكل ويطعم ويتصدق، وليكن ذاك يوم السابع، فإن لم يكن ففي أربعة عشر، فإن لم يكن ففي إحدى وعشرين\". (٦).\n_________\n(١) هو: أبو محمد، عطاء بن أبي رباح، واسم ابن أبي رباح: أسلم، القرشي مولاهم، المكي، التابعي، مفتي الحرم، ولد أثناء خلافة عثمان، ونشأ بمكة، وكان ثقة فقيهًا عالمًا كثير الحديث، (ت: ١١٥ هـ).\nتُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٥/ ٧٨)؛ تهذيب التهذيب (٧/ ١٧٩)؛ طبقات الحفاظ (ص: ٤٥).\n(٢) هي: أم كرز الكعبية الخزاعية المكية، لها صحبة ورواية، أسلمت يوم الحديبية والنبي - ﷺ - يقسم لحوم بدنه، لم تذكر التراجم تاريخ وفاتها؛ إلا أن الذهبي قال: \"روى عنها سماع بن ثابت، وطاووس، وعروة، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح. وتأخرت وفاتها\".\nتُنظر ترجمتها في: تاريخ الإسلام (٤/ ٣٤٢)؛ تقريب التهذيب (١/ ٧٥٨)؛ الإصابة (٨/ ٢٨٦).\n(٣) هو: عبدالله بن كرز الليثي، له ذكر في حديث عائشة، وأخبرت عن شعره.\nلم تذكر المراجع معلومات عنه غير حديث عائشة عنه وشعره، ويُنظر الحديث وترجمته في المراجع التالية: معرفة الصحابة (٤/ ١٧٦٠)؛ أسد الغابة (٣/ ٣٨٠)؛ الإصابة (٤/ ٢١٧).\n(٤) المراد بعبدالرحمن بن أبي بكر: عبدالرحمن بن أبي بكر بن الصديق - ﵄ -، شقيق أم المؤمنين عائشة، حضر بدرًا مع المشركين، ثم إنه أسلم وهاجر قبيل الفتح، وكان أسن أولاد الصديق، وكان من الرماة المذكورين والشجعان، قتل يوم اليمامة سبعة من كبارهم، وهو الذي أمره النبي - ﷺ - في حجة الوداع أن يعمر أخته عائشة من التنعيم، (ت: ٥٣ هـ)، وقيل: بعد ذلك.\n\nتُنظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٦/ ٥٥٥)؛ سير أعلام النبلاء (٢/ ٤٧١)؛ الإصابة (٤/ ٣٢٥).\n(٥) الجدول: جمع جدل -بالكسر والفتح- وهو العضو. يُنظر: النهاية في غريب الأثر (١/ ٢٤٨).\n(٦) يُنظر: المستدرك على الصحيحين، ك: الذبائح، (٤/ ٢٦٦/ح: ٧٥٩٥). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الشيخ الألباني: \" ... فظاهر الإسناد الصحة؛ ولكن له عندي علتان: الأولى: الإنقطاع بين عطاء وأم كرز ... والأخرى: الشذوذ والإدراج، فقد ثبت الحديث عن عائشة من طريقين ... وليس فيهما قوله: (تقطع جدولًا)، فالظاهر أنه مدرج من قول عطاء ... \". يُنظر: إرواء الغليل (٤/ ٣٩٥ - ٣٩٦).","vol":"1","page":483},{"text":"• بيان الاستدراك:\nاستدركت عائشة - ﵂ - على المرأة التي نذرت أن تنحر جزورًا إن ولدت امرأة عبدالرحمن بأن الأفضل لها اتباع ما جاءت به السنة: عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة.\nسبب الاستدراك: تكميل الفائدة.\nنوع الاستدراك: استدراك صيغة التفضيل (الأفضل).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-166> ثانيًا: أمثلة لاستدراكات التابعين - ﵃ </span>-.\nإذا انتقلنا إلى عصر التابعين؛ فإن مجال الاستدراكات يتسع؛ لكثرة الحوادث، واتساع دائرة التشريع، فإضافة إلى المصادر السابقة زيد مصدر تشريع آخر، وهو فتاوى الصحابة.\nوكما ذُكِرَ في تفاوت الصحابة فكذلك التابعون، فقد يخفى على بعضهم سنة قولية أو فعلية، أو فتوى للصحابة.\nوالملحوظ في استدراكات التابعين أنها لم تكن مقصورة على استدراك بعضهم على بعضهم؛ بل قد يَستدرك التابعي على الصحابي؛ لذلك رأيت أن أقسم استدراكات التابعين إلى قسمين:\nالقسم الأول: استدراكات التابعين على الصحابة.\nالقسم الثاني: استدراكات التابعين بعضهم على بعض.","vol":"1","page":484},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-167> القسم الأول: استدراكات التابعين على الصحابة</span>.\nوأقرر ذلك بالأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nعن الشعبي (١) قال: جاءت امرأة إلى عمر فقالت: زوجي خير الناس؛ يقوم الليل، ويصوم النهار. فقال عمر: لقد أحسنت الثناء على زوجك. فقال كعب بن سور (٢): لقد اشتكت فأعرضت الشكية. فقال عمر: اخرج مما قلت. قال: أرى أن تنزله بمنزلة رجل له أربع نسوة، له ثلاثة أيام ولياليهن، ولها يوم وليلة\" (٣).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك كعب بن سور على فهم عمر بن الخطاب - ﵁ - كلام المرأة، وذكر له أنها أتت شاكية، وذُكِرَ في بعض ألفاظ الأثر: \"فقال عمر: علي بها، فجاءت، فقال لها عمر: اصدقيني فلا بأس بالحق. فقالت: والله يا أمير المؤمنين إني لامرأة، وإني لأشتهي كما يشتهي النساء. فقال: يا كعب، اقض بينهما؛ فإنك قد فهمت من أمرهما ما لم أفهم.\n_________\n(١) هو: أبو عمرو، عامر بن شراحيل الشعبي، من الفقهاء في الدين وجلة التابعين، علّامة أهل الكوفة، كان إمامًا حافظًا ذا فنون، وقد أدرك خمسين ومئة من الصحابة، وروى عنهم وعن جماعة من التابعين، (ت: ١٠٥ هـ).\nتُنظر ترجمته في: حلية الأولياء (٤/ ٣١٠)؛ البداية والنهاية (٩/ ٢٣٠)؛ مشاهير الأمصار (١/ ١٠١).\n(٢) هو: كعب بن سور بن بكر بن عبيد بن ثعلبة بن سليم بن ذهل بن الأزد الأودي، كان مسلمًا على عهد النبي - ﷺ - ولم يلقه، معدود في كبار التابعين، بعثه عمر بن الخطاب - ﵁ - قاضيًا على البصرة لخبره المذكور في المرأة التي اشتكت زوجها، فلم يزل قاضيا بالبصرة حتى كان يوم الجمل، فلما اجتمع الناس واصطفوا للقتال؛ خرج وبيده المصحف فنشره وشهره رجال بين الصفين يناشد الناس الله في دمائهم، فقتل على تلك الحال أتاه سهم في عينه.\nتُنظر ترجمته في: أخبار القضاة (١/ ٢٧٤)؛ الطبقات الكبرى (٧/ ٩١)؛ الاستيعاب (٣/ ١٣١٩).\n(٣) يُنظر: مصنف عبدالرزاق، ك: الطلاق، ب: حق المرأة على زوجها وفي كم تشتاق؟ (٧/ ١٤٨ - ١٤٩/ح: ١٢٥٨٦ - ١٢٥٨٧).","vol":"1","page":485},{"text":"فقال: يا أمير المؤمنين، تحل له من النساء أربع، فله ثلاثة أيام وثلاث ليال يتعبد فيهن ما شاء، ولها يوم وليلتها. فقال عمر: ما الحق إلا هذا، اذهب فأنت قاضٍ على أهل البصرة\" (١).\n• المثال الثاني:\nعن عبيدة السلماني (٢) قال: سمعت عليًا يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد (٣) أن لا يبعن. قال: ثم رأيت بعد أن يبعن. قال عبيدة: فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة - أو قال في الفتنة - قال: فضحك علي\" (٤).\nوهذا يؤكد ما ذكرته سابقًا (٥) أنه لا يشترط في الاستدراك أن يكون المستدرِك أعلم أو أفضل من المستدرَك عليه.\n_________\n(١) يُنظر: الجليس الصالح والأنيس الناصح (٢/ ٣٧٨).\n(٢) اختلف في كنيته واسمه؛ فقيل: هو: أبو مسلم، وقيل: أبو عمرو، عبيدة السلماني المرادي الهمداني، وقيل: إنه عبادة بن قيس، وقيل: عبيدة بن عمرو، وقيل: عبيدة بن قيس بن عمرو، كوفي، تابعي ثقة، أسلم قبل وفاة النبي - ﷺ - بسنتين ولم ير النبي - ﷺ -، سمع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن الزير، وقيل عنه: كان يوازي شريحًا في العلم والقضاء، (ت: ٧٢ هـ)، وقيل: (٧٣ هـ).\nتُنظر ترجمته في: تاريخ بغداد (١١/ ١١٧)؛ المنتظم (٦/ ١٢٢)؛ الكاشف للذهبي (١/ ٦٩٤).\n(٣) أم الولد: هي الأمة بعد الاستيلاد. يُنظر: قواعد الفقه (ص: ١٧٦).\n(٤) يُنظر: مصنف عبد الرزاق، ك: الطلاق، ب: بيع أمهات الأولاد، (٧/ ٢٩١/ح: ١٣٢٢٤).\n(٥) يُنظر: (ص: ٢٦٣) من البحث.","vol":"1","page":486},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-168> القسم الثاني: استدراك التابعين بعضهم على بعض </span>(١):\nوأقرره بالأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\n\" قال عمران القطان (٢): سمعت الحسن (٣) يقول في قوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] قال: والله ما كان إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت. قال عمران: فذكرت ذلك لقَتَادَةَ (٤)، فأنكر ذلك، وقال: كان والله يُكثر الصلاة في الرخاء\" (٥).\n_________\n(١) للاستزادة من استدراكات التابعين بعضهم على بعض يُنظر: استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى (ص: ٣٠٧ - ٣٨٦).\n(٢) هو: أبو العوام، عمران بن داور العمي البصري القطان، حدث عن الحسن وابن سيرين وقتادة، قيل عنه: إنه كان حروريًّا وكان يرى السيف على أهل القبلة. وقال الإمام أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث، (ت: في حدود ١٦٠ هـ).\nتُنظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٢/ ٣٢٩)؛ سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٨٠)، ميزان الاعتدال في نقد الرجال (٥/ ٢٨٧).\n(٣) أبو سعيد، الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، من سادات التابعين وكبرائهم، الفقيه القارئ العالم العابد الزاهد الورع، ولد بالمدينة في خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ -، أبوه مولى لزيد بن ثابت،، (ت: ١١٠ هـ) بالبصرة.\nتُنظر ترجمته في: وفيات الأعيان (٢/ ٦٩)؛ الوافي بالوفيات (١٢/ ١٩٠)؛ البداية والنهاية (٩/ ٢٨٣ - ٢٨٨).\n(٤) هو: أبو الخطاب، قَتَادَة بن دِعَامة بن عزيز بن عمرو بن ربيعة السَّدوسِي البصري، إمام أهل البصرة في التفسير والحديث والفقه، قيل: إنه أحفظ الناس في الحديث، روى عن أنس بن مالك - ﵁ -، (ت: ١١٧ هـ).\nتُنظر ترجمته في: صفة الصفوة (٣/ ٢٥٩)؛ تهذيب الكمال (٢٣/ ٤٩٨)؛ تاريخ الإسلام (٧/ ٤٥٣).\n(٥) يُنظر: تفسير الطبري (٢٢/ ١٠١)؛ روح المعاني (٢٣/ ١٤٤).","vol":"1","page":487},{"text":"• المثال الثاني:\n\" عن منصور بن المعتمر (١) عن مجاهد (٢) في قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] قال: هو الخشوع. قلت: ما كنت أرى إلا هذا الأثر في الوجه. فقال: رُبَّما كان بين عيني من هو أقسى قلبًا من فرعون\" (٣).\n• بيان الاستدراك:\nذهب منصور إلى أن المراد بالسِّيمَا في الآية: أثر السجود المحسوس في الوجه. فاستدرك عليه مجَاهد بأن ما ذكره في معنى السيما قد يوجد في قساة القلوب، فالمراد من السِّيمَا في الآية: الخشوع.\n• المثال الثالث:\n\" عن أبي المِنْهَالِ (٤)\nقال: كنت عند أبي العَالِيَةِ (٥) يومًا فتوضأ وتوضأ، فقلت:\n_________\n(١) هو: أبو عتاب، منصور بن المعتمر بن عبدالله السلمي الكوفي، كان من أوعية العلم وعباد أهل الكوفة وقرائهم، وزهاد مشايخها وفقهائهم، قيل: إنه عمش من البكاء، (ت: ١٣٢ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الطبقات الكبرى (٦/ ٣٣٧)؛ مشاهير الأمصار (١/ ١٦٦)؛ سير أعلام النبلاء (٥/ ٤٠٢).\n(٢) هو: أبو الحجاج، مجاهد بن جبر المخزومي مولاهم، المكي، التابعي، المتفق على جلالته وإمامته، وقال عن نفسه: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. وقال عنه قتادة: أعلم من بقي بالتفسير مجاهد. وقال أبو نُعيم: مات مجاهد وهو ساجد سنة (١٠٢ هـ).\nتُنظر ترجمته في: حلية الأولياء (٣/ ٢٧٩)؛ سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٤٩)؛ تقريب التهذيب (١/ ٥٢٠).\n(٣) يُنظر: تفسير السمرقندي (٣/ ٣٠٥)؛ تفسير ابن كثير (٤/ ٢٠٥)؛ فتح الباري (٨/ ٥٨٢).\n(٤) هو: أبوالمنهال، سيَّار بن سلامة الرياحي المصري، ثقة، من الرابعة، (ت: ١٢٩ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: الثقات (٤/ ٣٣٥)؛ الأنساب (٤/ ٨٩)؛ تقريب التهذيب (١/ ٢٦١).\n(٥) هو: أبو العالية، رُفَيْع بن مِهْرَان الرِّياحي البصري، تابعي، كان مولى لامرأة من بني رياح، أدرك زمن النبي - ﷺ - وأسلم بعد موته بسنتين، أحد الأئمة الأعلام، حفظ القرآن الكريم وقرأه على أُبي بن كعب، وقيل: ليس أحد أعلم بالقرآن بعد الصحابة منه، واُخْتُلِفَ في تاريخ وفاته؛ فقيل: سنة ٩٢ هـ، وقيل: ١٠٦ هـ، وقيل غير ذلك.\nتُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٠٧)؛ معرفة القراء الكبار (١/ ٦٠)؛ الإصابة (٢/ ٥١٤).","vol":"1","page":488},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فقال: إن الطهور بالماء لَحَسن؛ ولكنهم المتطهرون من الذنوب\" (١).\n_________\n(١) يُنظر: مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١٣/ح: ٢٣).","vol":"1","page":489},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-169> المبحث الثاني\nتاريخ الاستدراك الأصولي</span>.\nوفيه تمهيد، وخمسة مطالب:\n- المطلب الأول: مرحلة الاستدراك التأسيسي.\n- المطلب الثاني: مرحلة الاستدراك التقعيدي.\n- المطلب الثالث: مرحلة الاستدراك التنقيحي.\n- المطلب الرابع: مرحلة الاستدراك الموسوعي.\n- المطلب الخامس: مرحلة الاستدراك المقصدي.\n\n* * ... * ** * ... * *","vol":"1","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>تمهيد\nفي بيان وجه تقسيم تاريخ الاستدراك الأصولي</span>\nليس من السهل في أمثال هذه الدراسات تحديد التطور بفترة زمنية معينة؛ لذلك اعتبرت في التقسيم طريقة التصنيف دون النظر للحقبة الزمنية؛ وذلك لأن الفترة الزمنية قد تضم عددًا من طرق التصنيف المختلفة، وهذا يصعب حصر المراحل والفصل بينها.\nكما راعيت في التقسيم أهم المؤلفات والمدونات في علم الأصول.\nفعلم أصول الفقه شهد مراحل، كان للعمل الاستدراكي فيها أثر بالغ في صياغته وبنائه، ومما زاد من شدة هذا التأثير ظهور المدارس الأصولية المختلفة المناهج؛ لذلك رأيت تقسيمه على مراحل تتضح في المطالب التالية:","vol":"1","page":491},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-171>المطلب الأول\nمرحلة الاستدراك التأسيسي</span>\nشرعت حركة التأليف في العلوم الشرعية في منتصف القرن الثاني للهجرة، وأما قبل ذلك فكان الأئمة يتكلمون من حفظهم، أو يروون العلم في صُحُفٍ صحيحة غير مرتبة (١).\nفكان علم أصول الفقه قبل الإمام الشافعي في القرنين الأول والثاني يعتمد على استدراكات مباشرة؛ كما مر معنا في استدراكات الصحابة والتابعين، أو مراسلات علمية؛ كالتي دارت بين الإمام مالك والليث بن سعد (٢). (٣)\nونجد أن مناهج الاستنباط في هذا العصر تنوعت، وظهرت مدرستا: الحديث في الحجاز، والرأي في الكوفة، وكان النزاع محتدمًا بين هاتين المدرستين، فاستدرك كل فريق على الآخر، وأخذ كل فريق ينتصر لطريقة شيخه، فصارت الحاجة ماسة إلى تدوين قواعد يحتكم إليها عند الخلاف.\nوقد تنازع أرباب المذاهب المختلفة أولية التأليف في أصول الفقه على الرغم من ادعاء البعض الإجماع عليه (٤). (٥)\n_________\n(١) يُنظر: تاريخ الإسلام (٩/ ١٣).\n(٢) أبو الحارث، الليث بن سعد الفهمي، مولى فهم بن قيس عيلان، كان أحد الأئمة في الدنيا فقهًا وورعًا وفضلا وعلمًا ونجدة وسخاء، لا يختلف إليه أحد إلا أدخله في جملة عياله، ينفق عليهم كما ينفق على خاصة عياله، فإذا أرادوا الخروج من عنده زودهم ما يبلغهم إلى أوطانهم، وقد استقل بالفتوى في زمانه بمصر، (ت: ١٧٥ هـ) في يوم الجمعة.\nتُنظر ترجمته في: الطبقات الكبرى (٧/ ٥١٧)؛ مشاهير الأمصار (١/ ١٩١)؛ تذكرة الحفاظ (١/ ٢٢٤).\n(٣) وسيأتي ذكر نص رسالة الإمام مالك يستدرك فيها على الليث تركه العمل بإجماع أهل المدينة (ص: ٧٩٦).\n(٤) حكى الإسنوي في التمهيد الإجماع على أن الإمام الشافعي هو أول من ألف في أصول الفقه. يُنظر: التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإسنوي (ص: ٣٨).\n(٥) يُنظر الاختلاف في تدوين أصول الفقه في: الفكر الأصولي (ص: ٦٠).","vol":"1","page":492},{"text":"والتحقيق في هذه المسألة: أن أول من أفرد علم أصول الفقه بتصنيف مستقل بمنهجه وموضوعاته ومسائله هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ) في كتابه: الرسالة (١).\nوإذا استعرضنا عناوين المصنفات قبل الرسالة نجد أنها تعالج موضوعات مفردة هي مثار نزاع وخصومة بين الفقهاء في ذلك العصر، وكثيرًا ما كان يدمج الفقه بالأصول في التصنيف (٢).\nفالمنهج الأصولي في تلك المرحلة كان جزئيًا لا شموليًا؛ بل إن مصنف الرسالة نفسه يمثل مجموعة المشكلات الأصولية التي شغلت الفقهاء في ذلك العصر، وظهرت في اختلاف منهج الاستدلال بين المدرستين السابق ذكرهما، فدفعت بعبدالرحمن بن مهدي (٣) (ت: ١٩٨ هـ) إلى أن يكتب للشافعي أن يضع له كتابًا\n_________\n(١) لم تذكر المراجع السنة التي صنف فيها الإمام الشافعي الرسالة؛ إلا أنه ذكر أنه صنف الرسالة مرتين، المرة الأولى في بغداد، وقيل: في مكة، وأطلق عليها اسم \" الرسالة القديمة\". والمرة الثانية في مصر والتي أطلق عليها \" الرسالة الجديدة\"، وهي الرسالة الموجودة الآن بين أيدي الناس. يُنظر: مقدمة الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للرسالة (ص: ٩ - ١٠).\nوأشارت المراجع إلى أن الإمام الشافعي ارتحل إلى مصر سنة مائتين، وبقي بها أربع سنين حتى توفي. يُنظر: مناقب الشافعي للبيهقي (١/ ٢٣٩). قال ابن حاتم: حدثنا بحر بن نصر الخولاني المصري قال: \"قدم الشافعي من الحجاز فبقي بمصر أربع سنين، ووضع هذه الكتب في أربع سنين، ثم مات\". يُنظر: آداب الشافعي ومناقبه (ص: ٧٠).\nوذكر الشيخ أحمد شاكر في مقدمته: \"والظاهر عندي أنه أعاد تأليف الرسالة بعد تأليف أكثر كتبه التي في \"الأم\"؛ لأنه يشير كثيرًا في الرسالة إلى مواضع مما كتب هناك\". يُنظر: مقدمة الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للرسالة (ص: ١٠).\nفترجح عندي مما سبق أن تصنيف الرسالة كان بعد سنة مائتين، فكانت من حدود دراستي.\n(٢) وهذا الذي دعا الكثيرين من فقهاء المذاهب نسبة أولية علم الأصول إلى أئمتهم. يُنظر: الفكر الأصولي (ص: ١٠٢).\n(٣) هو: أبو سعيد، عبدالرحمن بن مهدي بن حسان بن عبدالرحمن العنبري اللؤلؤي، البصري، الحافظ، الإمام، الحجة، أحد أركان الحديث بالعراق، برع في معرفة الأثر، وطرق الروايات، وأحوال الشيوخ، قال عنه الشافعي: لا أعرف له نظيرًا في هذا الشأن، (ت: ١٩٨ هـ).\nتُنظر ترجمته في: حلية الأولياء (٩/ ٣)؛ تاريخ بغداد (١٠/ ٢٤٠)؛ طبقات الفقهاء للشيرازي (ص: ٥٤٣).","vol":"1","page":493},{"text":"يُبين فيه جملة من أوجه الاستدلال.\nفمصنف الرسالة لم يكن شاملًا لجميع موضوعات الأصول التي استقرت عند المتأخرين؛ وذلك لعدم الباعث لمزيد من الاستقصاء، فموضوعات الرسالة جاءت على قدر الحاجة في تلك المرحلة.\nوالناظر في كتاب الرسالة يجد الإمام الشافعي لم يكن يعرض الموضوعات الأصولية عرضًا مسترسلًا؛ بل كان مزيجًا من الحوار والمناقشة، فهو يفترض وجود مناظر يُناظره ويورد عليه الأسئلة، فيجيب عليه (١)، فنجد كثيرًا في رسالته: (قال، وقلت) (٢)، (فقال لي قائل، قلت) (٣) (فإن قال قائل، قلت) (٤).\nوهذا الأسلوب الذي اتخذه الإمام الشافعي هو من قبيل الاستدراك التقديري، وهو أسلوب مفيد في باب التعليم؛ لطرد الملل، والتنبيه على موضوعات ذات أهمية.\nوالمتأمل في أسلوب \"الفنقلة\" في رسالة الشافعي يجد أنها تتحدد في ثلاث صور:\nالصورة الأولى: الفنقلة البيانية التعليمية.\nوهي أسلوب استفساري أُدرج في الرسالة على سبيل البيان والتعليم. (٥)\n_________\n(١) ذكر مثال للاستدراك التقديري الذي استخدمه الشافعي - ﵁ - في (ص: ١٣٠) من البحث.\n(٢) يُنظر: الرسالة (ص: ٢٧٣، ٢٧٥، ٢٧٦ ...).\n(٣) الرسالة (ص: ٢٧٤، ٣١٠، ٣٢٣ ...).\n(٤) يُنظر: المرجع السابق (ص: ٣٣٦، ٣٤٦، ٤٤٠ ...).\n(٥) يُنظر: نظرية النقد الأصولي - دراسة في منهج النقد عند الإمام الشاطبي - (ص: ١١١).","vol":"1","page":494},{"text":"والمقصود به الجواب لا السؤال، ولا نلمس فيه أثر الجدل أو الحِجاج العقيم. كما أن موضوعه لم يعرف اختلافًا كبيرًا في الرؤى؛ لأنه واضح وَبيِّن؛ وإنما جيء به في سياق التعليم. (١)\nومن هذا النوع حديثه عن دليل القياس؛ إذ قال: \"فإن قال قائل: فاذكر من الأخبار التي يقيس عليها، وكيف نقيس؟ قيل له: إن شاء الله، كل حكم لله أو لرسوله وُجِدت عليه دلالة فيه أو في غيره من أحكام الله أو رسوله بأنه حكم به لمعنى من المعاني، فنزلت نازلة ليس فيها نص حكمٍ؛ حكم فيها حكم النازلة المحكوم فيها، إذا كانت في معناها .... فإن قال: فاذكر من كل واحد من هذا شيئًا يبين لنا ما في معناه؟\nقلت: قال رسول الله: «إن الله حرم من المؤمن دمه، وماله، وأن يُظن به إلا خيرًا» (٢)، فإذا حرم أن يُظن به ظنًّا مخالفًا للخير يُظهِره؛ كان ما هو أكثر من الظن المُظْهَرِ ظنَّا من التصريح له بقول غير الحق أولى أن يُحرم، ثم كيفما زيد في ذلك كان أحْرَمَ\" (٣).\n_________\n(١) نظرية النقد الأصولي - دراسة في منهج النقد عند الإمام الشاطبي - (ص: ١١١).\n(٢) جاء في المغني عن حمل الأسفار: \"قال الحاكم في التاريخ: من حديث ابن عباس دون قوله: (وعرضه)، ورجاله ثقات؛ إلا أن أبا علي النيسابوري قال: ليس هذا عندي من كلام النبي؛ إنما هو عندي من كلام ابن عباس. ولابن ماجه نحوه من حديث ابن عمر، ولمسلم من حديث أبي هريرة: «كلُّ الْمسْلِمِ على الْمسْلِمِ حرَامٌ دَمهُ، وَمَالهُ، وَعِرْضهُ». يُنظر: المغني عن حمل الأسفار (١/ ٤٧٥).\n\nيُنظر: صحيح مسلم، ك: البر والصلة والآداب، ب: تحريم ظلم المسلم وخَذْلِهِ واحْتِقَارِهِ ودمه وعرضه وماله، (٤/ ١٩٨٦/ح: ٢٥٦٤). ويُنظر: سنن ابن ماجه، ك: الفتن، ب: حرمة المؤمن وماله، (٢/ ١٢٩٧/ح: ٣٩٣٢).\n(٣) يُنظر: الرسالة (ص: ٥٠٠ - ٥٠٢).","vol":"1","page":495},{"text":"الصورة الثانية: الفنقلة الحوارية التناظرية.\nوهي أسلوب تحاوري أُدرج في الرسالة لبسط المعرفة الأصولية. (١)\nوهذه أكثر الصور استعمالًا، وخير مثال عليها ما ساقه في باب خبر الواحد الذي استهله بقوله: \"فقال لي قائل: احْدُدْ لي أقلَّ ما تقوم به الحجة على أهل العلم حتى يثبت عليهم خبر الخاصة؟\nفقلت: خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهي به إلى النبي، أو من انتهى به إليه دونه\" (٢).\nواستمر الحوار في هذه المسألة نحو ثلاثين صفحة يحقق فيها الشافعي رأيه في المسألة، ويكشف خطأ المحاور. (٣)\nالصورة الثالثة: الفنقلة التحقيقية الاستدلالية.\nوهي أسلوب استدلالي أُدرج في الرسالة لتحقيق المسائل الأصولية والاستدلال عليها. (٤)\nوقد غطت هذه الصورة مساحة مهمة من كتاب الرسالة؛ لكونها محاولة تأسيسية للمعرفة الأصولية تستوجب تدقيق النظر، وتحقيق الآراء.\nومن الأمثلة على هذا الأسلوب: ما عرضه الشافعي في عربية القرآن حيث قال: \"فقال منهم قائل: إن في القرآن عربيًا وأعجميًا، والقرآن يدل على أن ليس من كتاب\n_________\n(١) صغت هذا التعريف من فهمي لكلام الدكتور الحسان شهيد. يُنظر: نظرية النقد الأصولي - دراسة في منهج النقد عند الإمام الشاطبي - (ص: ١١٢).\n(٢) يُنظر: الرسالة (ص: ٣٩١).\n(٣) يُنظر: المرجع السابق.\n(٤) صغت هذا التعريف من فهمي لكلام الدكتور الحسان شهيد. يُنظر: نظرية النقد الأصولي - دراسة في منهج النقد عند الإمام الشاطبي - (ص: ١١٣).","vol":"1","page":496},{"text":"الله شيء إلا بلسان العرب، ووجد قائل هذا القول من قبل ذلك منه تقليدًا له، وتركًا للمسألة عن حجته، ومسألة غيره ممن خالفه، وبالتقليد أغفل من أغفل منهم والله يغفر لنا ولهم، ولعل من قال: إن في القرآن غير لسان العرب، وقُبِلَ ذلك منه؛ ذهب إلى أن من القرآن خاصًّا يجهل بعضه بعض العرب، ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي؛ ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها؛ حتى لا يكون موجودًا فيها من يعرفه، والعلم به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه، لا نعلم رجلًا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء، فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن، وإذا فرق علم كل واحد منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم ما كان ذهب عليه منها موجودًا عند غيره\" (١).\nكما أن الإمام الشافعي كان يعرض أقوال المخالفين له في الرأي مؤيدة بأدلتهم، ثم يستدرك عليها بالنقض في أسلوب العلماء، ولهجة الحكماء (٢). فكانت استدراكاته ومناظراته بيانًا للحق، ونصحًا للخلق، وظهر ذلك جليًا في موضوع إثبات خبر الواحد، ورد كل أصل يخالفه.\nومما سبق أستطيع القول بأن نشأة الاستدراكات الأصولية كانت مع أول نشأة الأصول، فكان الاستدراك طريقةً معتبرةً في تقرير القواعد، وبيان المعاني الأصولية وإيضاحها.\n_________\n(١) يُنظر: الرسالة (ص: ١٢٨).\n(٢) يُنظر: المرجع السابق (ص: ٨٥).","vol":"1","page":497},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-172>المطلب الثاني\nمرحلة الاستدراك التقعيدي</span>\nبعد أن دون الإمام الشافعي رسالته في علم الأصول سلك هذا العلم مسالك متشعبة، فكتب كثير من الأئمة في هذا العلم على اختلاف مذاهبهم، فظهرت اتجاهات مختلفة في تدوين علم أصول الفقه، فكانت هذه المرحلة تدوين وتقعيد أصول كل مذهب.\nوكان نتاج الفكر الأصولي في هذه المرحلة يمثل قمة الاجتهاد الأصولي، وأكثر ما جاء بعده ما هو إلا دائر في فلكه.\nقال الزركشي: \"وجاء من بعده (١) فبَيَّنُوا وأوضحوا وبسطوا وشرحوا؛ حتى جاء القاضيان: قاضي السُّنة أبو بكر بن الطيب، وقاضي المعتزلة عبدالجبار، فوسعا العبارات، وفكا الإشارات، وبَيَّنَا الإجمال، ورفعا الإشكال، واقتفى الناس بآثارهم، وساروا على لَاحِبِ (٢) نارهم، فحرَّروا، وقرَّروا، وصوَّروا، فجزاهم الله خير الجزاء، ومنحهم بكلِّ مسَرَّةٍ وهناءٍ\" (٣).\nويمكن تصنيف الاستدراكات الأصولية في هذه المرحلة إلى مجموعتين:\nالمجموعة الأولى: استدراكات أصولية على المخالف في الاعتقاد في مرحلة التقعيد.\nالمجموعة الثانية: استدراكات أصولية على المخالف في المذهب الفقهي في مرحلة التقعيد.\n_________\n(١) أي بعد الإمام الشافعي.\n(٢) اللاحِبُ: الطريق الواضح. يُنظر: الصحاح (ص: ٩٣٩)؛ لسان العرب (١٣/ ١٧٤) مادة: (لحب).\n(٣) يُنظر البحر المحيط (١/ ٦).","vol":"1","page":498},{"text":"وسأكتفي بسرد المصنفات في المجموعتين دون ذكر أمثله لهذه الاستدراكات؛ وذلك لاستفاضتها في هذه المصنفات، علمًا بأن البحث اشتمل على مثال للاستدراك العقدي (١) والفقهي (٢).\n• المجموعة الأولى: الاستدراكات الأصولية على المخالف في الاعتقاد في مرحلة التقعيد:\nالخلاف العقدي فتح مجالًا لكثرة الاستدراكات -كما سبق تقريره-، وظهرت هذه الاستدراكات جلية في استدراكات الأشاعرة على المعتزلة، والعكس بالعكس، واستدراكات أهل السنة عليهما، واستدراكات الماتريدية على الأشاعرة والمعتزلة.\nوقد ظهرت هذه الاستدراكات واضحة في مباحث الحكم الشرعي، ومباحث الأمر والعموم.\nوفيما يلي سرد لبعض المصنفات الأصولية في المجموعة الأولى التي ضمت بين طياتها عددًا من الاستدراكات على الخصم المخالف في الاعتقاد في مرحلة تقعيد الأصول:\n• أولًا: المصنفات التي اشتملت على عدد من استدراكات الأشاعرة على المعتزلة في مرحلة التقعيد؛ ومنها:\n• التقريب والإرشاد، للقاضي أبي بكر محمد الباقلاني، (ت: ٤٠٣ هـ) (٣).\n• البرهان في أصول الفقه، لإمام الحرمين أبي المعالي عبدالملك الجويني، (ت: ٤٧٨ هـ).\n_________\n(١) يُنظر: (ص: ٢٣١ - ٢٣٢) من البحث.\n(٢) يُنظر: (ص: ٢٣٢ - ٢٣٧) من البحث.\n(٣) في الجزء المطبوع من الكتاب أكثر من ستين موضعًا يتتبع فيها الباقلاني آراء المعتزلة نقدًا وردًّا.","vol":"1","page":499},{"text":"• المستصفى من علم الأصول، لحجة الإسلام أبي حامد محمد الغزالي، (ت: ٥٠٥ هـ).\n• المحصول في علم أصول الفقه، لفخر الدين محمد الرازي، (ت: ٦٠٦ هـ).\n• الإحكام في أصول الأحكام، لسيف الدين أبي الحسن علي الآمدي، (ت: ٦٣١ هـ).\n• نهاية الوصول في دراية الأصول، لصفي الدين محمد الأرموي الهندي، (ت: ٧٢٥ هـ).\n• ثانيًا: المصنفات التي اشتملت على عدد من استدراكات المعتزلة على الأشاعرة في مرحلة التقعيد:\n• المعتمد في أصول الفقه، لأبي الحسين محمد البصري المعتزلي، (ت: ٤٣٦ هـ).\n• ثالثًا: المصنفات التي اشتملت على عدد من استدراكات أهل السنة على الأشاعرة والمعتزلة في مرحلة التقعيد (١):\n• العدة في أصول الفقه، للقاضي أبي يعلى محمد الفراء الحنبلي، (ت: ٤٥٨ هـ).\n• قواطع الأدلة في أصول الفقه، لأبي المظفر منصور السمعاني الشافعي، (ت: ٤٨٩ هـ).\n• المسودة في أصول الفقه، لآل تيمية.\n• أصول الفقه، لشمس الدين محمد بن مفلح المقدسي، (ت: ٧٦٣ هـ).\n_________\n(١) وأنبه إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية كثيرًا ما يستدرك على الرازي في الموضوعات العقدية التي ذكرها في المحصول ولم أشر إليه في المتن؛ لأن مجموع الفتاوى لم يكن مصنفًا خاصًّا بأصول الفقه.","vol":"1","page":500},{"text":"• رابعًا: المصنفات التي اشتملت على عدد من استدراكات الماتريدية على الأشاعرة والمعتزلة في مرحلة التقعيد:\n• ميزان الأصول في نتائج العقول في أصول الفقه (١)، لعلاء الدين أبي بكر محمد السمرقندي، (ت: ٥٣٩ هـ).\n• أما المجموعة الثانية: الاستدراكات الأصولية على المخالف في المذهب الفقهي:\nففيما يلي سرد لبعض المصنفات الأصولية التي حوت بين صفحاتها عددًا من الاستدراكات على الخصم المخالف في المذهب الفقهي في مرحلة تقعيد الأصول:\n• أولًا: المصنفات التي اشتملت على عدد من استدراكات الحنفية على الخصم في المذهب الفقهي في مرحلة التقعيد:\n• الفصول في الأصول (أصول الجصاص)، لأبي بكر أحمد الرازي الجصاص، (ت: ٣٧٠ هـ).\n• تقويم الأدلة في أصول الفقه، لأبي زيد عبيدالله الدبوسي، (ت: ٤٣٠ هـ).\n• كنز الوصول إلى معرفة الأصول (أصول البزودي)، لفخر الإسلام علي البزدوي، (ت: ٤٨٢ هـ).\n• تمهيد الفصول في علم الأصول (أصول السرخسي)، لأبي بكر محمد السرخسي، (ت: ٤٨٣ هـ).\n_________\n(١) وجاء في مقدمته: \"إن علم أصول الفقه والأحكام فرع لعلم أصول الكلام، والفرع ما يتفرَّع من أصله، وما لم يتفرع منه فليس من نَسْله، وكان من الضرورة: أن يقع التصنيف في هذا الباب على اعتقاد مُصنِّف الكتاب، وأكثر التصانيف في أصول الفقه لأهل الاعتزال المخالفين لنا في الأصول، ولأهل الحديث المخالفين لنا في الفروع، والاعتماد على تصانيفهم إما أن يفضي إلى الخطأ في الأصل، وإما إلى الغلط في الفرع\". ميزان الأصول (١/ ١ - ٢).","vol":"1","page":501},{"text":"• ثانيًا: المصنفات التي اشتملت على عدد من استدراكات الشافعية على الخصم في المذهب الفقهي في مرحلة التقعيد:\n• التبصرة في أصول الفقه، لأبي إسحاق إبراهيم الشيرازي، (ت: ٤٧٦ هـ).\n• القواطع في أصول الفقه (١)، لأبي المظفر منصور السمعاني، (ت: ٤٨٩ هـ).\n• المستصفى من علم الأصول، لحجة الإسلام أبي حامد محمد الغزالي، (ت: ٥٠٥ هـ).\n• المحصول في علم أصول الفقه، لفخر الإسلام محمد الرازي، (ت: ٦٠٦ هـ).\n• الإحكام في أصول الأحكام، لسيف الدين أبي الحسن علي الآمدي، (ت: ٦٣١ هـ).\n• نهاية الوصول في دراية الأصول، لصفي الدين محمد الأرموي الهندي، (ت: ٧٢٥ هـ).\n_________\n(١) قال السمعاني في مقدمته: \"فاستخرت الله تعالى عند ذلك، وعمدت إلى مجموع مختصر في أصول الفقه؛ أسلك فيه محض طريقة الفقهاء، من غير زيغ عنه، ولا حيد، ولا جنف، ولا ميل، ولا أرضي بظاهر من الكلام، ومتكلف من العبارة، يهول على السامعين، ويسبي قلوب الأغتام الجاهلين؛ لكن أقصد لباب اللب، وصفو الفطنة، وزبدة الفهم، وأنص على المعتمد عليه في كل مسألة، وأذكر من شبه المخالفين بما عوّلوا عليه. وأخص ما ذكره القاضي أبو زيد الدبوسي في تقويم الأدلة بالإيراد، وأتكلم عليه بما تزاح معه الشبهة، وينحل به الإشكال، بعون الله تعالى. وأشير عند وصولي إلى المسائل المشتهرة بين الفريقين إلى بعض المسائل التي تتفرع عنها؛ لتكون عونًا للناظر\" القواطع (١/ ٦ - ٨). وقد استفاد أبو المظفر من أبي زيد الدبوسي ونقل عنه عددًا من المباحث، وأورد عليه ورد عليه في مباحث أخرى. يُنظر: مقدمة محقق القواطع: (١/ ٧٣).","vol":"1","page":502},{"text":"• ثالثًا: المصنفات التي اشتملت على عدد من استدراكات المالكية على الخصم في المذهب الفقهي في مرحلة التقعيد:\n• إحكام الفصول في أحكام الأصول، لأبي الوليد سليمان الباجي، (ت: ٤٧٤ هـ) (١).\n• تقريب الوصول إلى علم الأصول، لأبي القاسم محمد بن جزي الكلبي، (ت: ٧٤١ هـ) (٢).\n• رابعًا: المصنفات التي اشتملت على عدد من استدراكات الحنابلة على الخصم في المذهب الفقهي في مرحلة التقعيد:\n• العدة في أصول الفقه، للقاضي أبي يعلى الفراء، (ت: ٤٥٨ هـ).\n• التمهيد في أصول الفقه، لأبي الخطاب محفوظ الكلوذاني، (ت: ٥١٠ هـ).\n• الواضح في أصول الفقه، لأبي الوفاء علي ابن عقيل، (ت: ٥١٣ هـ).\n• روضة الناظر وجنة المناظر، لأبي محمد عبدالله ابن قدامة المقدسي، (ت: ٦٢٠ هـ).\n• المسودة في أصول الفقه، لآل تيمية.\n• أصول الفقه، لشمس الدين محمد ابن مفلح، (ت: ٧٦٣ هـ).\n• خامسًا: المصنفات التي اشتملت على عدد من استدراكات الظاهرية على الخصم المخالف في المذهب الفقهي في مرحلة التقعيد:\n• الإحكام في أصول الأحكام، لأبي علي محمد ابن حزم الظاهري، (ت: ٤٥٦ هـ).\n_________\n(١) وقد ذكر في البحث أمثلة لاستدراكات أبي الوليد الباجي، يُنظر: (ص: ١٨٦، ٢٢٩، ٣١٤، ٣٦٢، ٣٧٢).\n(٢) وقد ذكر في البحث مثال لاستدراك التنبيه لابن الجزي، يُنظر: (ص: ٢٩٧).","vol":"1","page":503},{"text":"• تنبيهان:\nالأول: أكثر استدراكات الحنفية كانت على الشافعية، وأكثر استدراكات الجمهور -من الشافعية والمالكية والحنابلة- كانت على الحنفية، وكان هذا في عدة موضوعات أصولية؛ منها: الواجب الموسع، ودلالة العام، والاحتجاج بمفهوم المخالفة، والتعليل بالعلة القاصرة، والقياس في الأسباب والحدود والكفارات، وغيرها من المسائل الأصولية التي خالف الحنفية فيها الجمهور.\nوسبب هذا الاختلاف يرجع إلى طريقة التصنيف في علم أصول الفقه؛ حيث كان للجمهور طريقة خاصة بهم؛ وهي بناء الفروع على القواعد الأصولية، وكان للحنفية طريقة خاصة بهم؛ وهي بناء القواعد الأصولية على الفروع الفقهية عند أئمتهم.\nوأما الاستدراك على المالكية فكان في موضوعين: إجماع أهل المدينة، وحجية المصلحة المرسلة.\nوالاستدراك على الحنابلة ظهر في مسائل؛ منها: مسألة عدم جواز خلو العصر من المجتهدين.\nواستدراك الظاهرية على الجمهور ظهر جليًّا في احتجاج الجمهور بالقياس، وسد الذرائع.\nالثاني: أن هذه الكتب تضمنت استدراكات في نفس المذهب العقدي والفقهي؛ لأن هذه المرحلة كانت لتقعيد القواعد الأصولية في المذهب، فنجد مثلًا الجصاص يستدرك على شيخه الكرخي في بعض المسائل، وكذلك الجويني والغزالي يستدركان على الباقلاني والأشعري.","vol":"1","page":504},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-173>المطلب الثالث\nمرحلة الاستدراك التنقيحي</span>\nوهذه المرحلة امتداد للمرحلة السابقة، فلما استقرت أصول المذاهب؛ عكف الأصوليون على تنقيح هذه المصنفات، فآتت الاستدراكات أُكُلها، فصارت منهجًا مسلوكًا في كثير من كتب الأصول.\nفإذا كان انشغال أصولي المرحلة السابقة كله في بيان المادة الأصولية، وتوضيحها بالدراسة والتحليل؛ فإن اهتمام أصولي هذه المرحلة تحقيق المباحث الأصولية ونخلها وتصفيتها مما علق بها من مباحث ومسائل دخيلة على الدرس الأصولي، فظهرت الاستدراكات جلية في نقد الحدود وفق مصطلحات المنطقيين، واستخدام أسلوب الجدليين في نقد الاستدلالات.\nومظان الاستدراكات في هذه المرحلة: كتب المختصرات والشروح والحواشي؛ إذ الاستدراك من مهام المختصر والشارح والمُحشِّي.\nوعليه يمكن تقسيم الاستدراكات في هذه المرحلة إلى ثلاث مجموعات:\nالمجموعة الأولى: استدراكات المختصرات الأصولية.\nالمجموعة الثانية: استدراكات الشروح على المتون الأصولية.\nالمجموعة الثالثة: استدراكات الحواشي على المصنفات الأصولية.\n• المجموعة الأولى: استدراكات المختصرات الأصولية:\n• التلخيص في أصول الفقه، لإمام الحرمين أبي المعالي عبدالملك الجويني، (ت: ٤٧٨ هـ). حيث يعد كتاب التلخيص مختصرًا للتقريب والإرشاد للقاضي الباقلاني، ورغم أن شخصية إمام الحرمين في هذا الكتاب لم تكن قد نضجت ككتاب البرهان؛ وذلك يعود إلى أنه ألف هذا الكتاب - أي التلخيص-","vol":"1","page":505},{"text":"في بداية حياته العلمية، فكان في أكثر الكتاب يتبع آراء القاضي الباقلاني؛ إلا أن هذا لم يمنعه من الاستدراك عليه في بعض المواطن؛ فمن ذلك مثلًا: قوله في (باب العموم والخصوص) بعد أن ذكر أن العموم والخصوص لا يتحقق إلا في الأقوال، وأما الأفعال فلا يتحقق فيها العموم: \"فإذا قال القائل: حكم الله تعالى في قطع السارق [عامًّا] (١) في كل سارق.\nقيل له: إن لم ترد بالحكم كلام الله تعالى فلا يتحقق فيه عموم؛ فإن كل سارق يختص بما خصص به من الحكم، وما أثبت له منه لم يثبت لغيره؛ بل أثبت لغيره مثله.\nواعلم أن هذا إنما يشتمل على مذهب من لم يصرف الأحكام إلى كلام الرب، وقد قدمنا في باب مفرد انصراف الأحكام إلى الكلام، وهذا مما يتصور فيه العموم والخصوص.\nوالقاضي أطلق القول بأن العموم لا يتحقق في الأحكام (٢)،\nوهذا مدخول عندي؛ للأصل الذي ذكرته من انصراف الأحكام إلى القول الذي يعم ويخص، ولعله - ﵁ - قال بما قال على مذهب الصائرين إلى أن الأحكام راجعة إلى أوصاف الأنفس (٣)،\n_________\n(١) لعل الصواب عام؛ لأن موقعه الإعرابي خبر مرفوع، وأشار إلى ذلك محقق التلخيص فقال: \"كذا في الأصل، ولعل الصواب (عام) \". يُنظر: هامش رقم (١) من التلخيص (١/ ٩).\n(٢) اختلف الأصوليون في العموم هل يتحقق في الأحكام الشرعية على قولين:\nالقول الأول: أن الأحكام الشرعية خاصة بمن قضيت لهم، فلا يتحقق فيه العموم. وهذا اختيار القاضي الباقلاني.\n\nالقول الثاني: ذهب إليه إمام الحرمين والجصاص وابن القشيري إلى أنها عامة. يُنظر: البرهان (١/ ٣٧٠ - ٣٧١)؛ أصول البزدوي مع شرحه كشف الأسرار للبخاري (١/ ٩٤ - ١٠١)؛ أصول السرخسي (١/ ١٢٥)؛ البحر المحيط (٣/ ٩).\n(٣) أي إلى صفات النفس، فالمراد: أن قطع السارق وصف يرجع إلى ذات السرقة، وذات السرقة فعل، والعموم لا يكون في الأفعال.","vol":"1","page":506},{"text":"فأبدى ما أبدى على قضية مذهب القوم، والله أعلم\" (١).\n• أجلى مثالٍ على هذه المجموعة: مختصرات المحصول؛ حيث كان للمختصرين استدراكات على الإمام الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) في محصوله.\nومن هذه المختصرات:\n• تنقيح محصول ابن الخطيب في أصول الفقه، للمظفر ابن أبي الخيل الخطيب التبريزي (ت: ٦٢١ هـ). كان يستدرك على الرازي في مواطن كثيرة بالنقد والتصحيح لأقواله، ويعيد صياغة التعريف بما يراه مناسبًا مخالفًا بذلك لما في المحصول. (٢)\n• تلخيص المحصول، لأحمد بن أبي بكر النقشواني (٣) (ت: ٦٥١ هـ). وكان كثيرًا ما يستدرك على الرازي.\nومن أمثلة استدراكات النقشواني على الرازي: ما جاء في مسألة (الأمر بالشيء نهي عن ضده): \"فلو كان الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ترك المأمور به؛ يلزم أن يقال: يقتضي الأمر الإتيان بالمأمور به دائمًا، والأمر عنده (٤) لا يقتضي التكرار (٥) \" (٦).\n_________\n(١) يُنظر: التلخيص (٢/ ٩).\n(٢) وسبق ذكر مثال لذلك، يُنظر: (ص: ٣٣٤). من البحث.\n(٣) هو: أحمد بن أبي بكر بن محمد النقشواني، أو النقجواني، أو النخجواني - نسبة بلدٍ بهذا الاسم في أذريبجان-، كان عالمًا بالطب، مصنفاته: \"تلخيص المحصول\"، و\"شرح منطق الإشارات\"، و\" حل شكول القانون\"، (ت: ٦٥١ هـ) تقريبًا في حلب.\nتُنظر ترجمته في: معجم المؤلفين (١/ ١١٢)؛ مقدمة محقق تلخيص المحصول (ص: ٢٤ - ٣٧).\n(٤) أي الرازي. يُنظر: المحصول (٢/ ٩٨).\n(٥) لأن النهي يجب أن يكون للتكرار، ومتى دام اجتناب الضد؛ وجب دوام فعل الضد. يُنظر: نفائس الأصول (٤/ ١٤٩٨).\n(٦) تلخيص المحصول (ص: ٤١٣)، ويُنظر كذلك: نفائس الأصول (٤/ ١٤٩٨).","vol":"1","page":507},{"text":"• التحصيل من المحصول، لسراج الدين محمود الأرموي (ت: ٦٨٢ هـ). كانت معظم التنبيهات والاستدراكات التي يذكرها على الرازي موجهة للأدلة العقلية، فكان ينبه على أدلة ضعيفة ذكرها الرازي لا تقف أمام مناظرات الخصوم. (١)\n• وأيضًا من المختصرات التي كانت تذكر عددًا من الاستدراكات، ما كان على المستصفى من علم الأصول، لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ):\n• الضروري في أصول الفقه (مختصر المستصفى) لأبي الوليد محمد بن رشد الحفيد (ت: ٥٩٥ هـ). ذكر عددًا من الاستدراكات على الغزالي في اختياراته وترتيبه للمسائل الأصولية في المستصفى (٢).\n• لباب المحصول في علم الأصول، للحسين ابن رشيق المالكي (ت: ٦٣٢ هـ). ذكر في كتابه نكات وتحقيقات وتصحيحات بناء على أصول المالكية. كما ذكر في كتابه نقودًا وردودًا على بعض الأئمة في أصول الفقه (٣).\n• المجموعة الثانية: استدراكات الشروح على المتون الأصولية:\nوخاصة المتون التي عظم اهتمام الناس بها تدريسًا وشرحًا، كثرت عليها الاستدراكات؛ كمختصر ابن الحاجب، وجمع الجوامع لابن السبكي، والمنار للنسفي.\nوأذكر من المتون الأصولية التي استدرك عليها الشراح مرتبة بحسب تاريخ وفاة صاحب المتن:\n_________\n(١) وبلغت هذه الاستدراكات نيِّفًا وثمانين استدراكًا. يُنظر: قسم الدراسة في التحصيل (١/ ١٣١ - ١٣٢). وسبق ذكر مثال لاستدراك التحصيل، يُنظر: (ص: ١٣٤).\n(٢) وقد ذكر بعض الأمثلة لاستدراكات ابن رشد على الغزالي في ثنايا البحث. يُنظر (ص: ٢١٨، ٢٢٧).\n(٣) وذكر مثالًا لاستدراك ابن رشيق على الغزالي (ص: ١١٤، ٣٥٦)، واستدراكات ابن رشيق على الغزالي تصلح أن تكون رسالة لمرحلة الماجستير.","vol":"1","page":508},{"text":"• اللُّمع في أصول الفقه، لأبي إسحاق إبراهيم الشيرازي، (ت: ٤٧٦ هـ).\n• شرحه مصنفه في كتابه: شرح اللُّمع. وفي الحقيقة شرح اللمع لا يوجد به استدراكات على اللمع؛ ولكن فيه استدراكات على كتابه التبصرة؛ حيث كان تصنيفه قبل اللمع (١)، إضافة إلى استدراكاته على بعض علماء الأصول.\n• البرهان في أصول الفقه، لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني، (ت: ٤٧٨ هـ). شرحه عالمان من المالكية؛ وهما:\n• أبو عبدالله محمد المازري (ت: ٥٣٦ هـ) في كتابه: إيضاح المحصول من برهان الأصول، وقد طبع جزء من هذا الكتاب، اشتمل على استدراكات على إمام الحرمين الجويني (٢).\n• أما الشرح الثاني للبرهان فهو: التحقيق والبيان في شرح البرهان، لأبي الحسن علي الأبياري (ت: ٦١٧ هـ)، وكان الأبياري مستدركًا على الجويني أكثر من كونه شارحًا لكتابه (٣).\n• كنز الوصول إلى علم الأصول (أصول البزدوي)، لفخر الإسلام علي بن محمد البزدوي، (ت: ٤٨٢ هـ)، وهذا الكتاب عليه شروح كثيرة (٤)، ومن الشروح التي تيسر لي الوقوف عليها وتضمنت استدراكات على البزدوي:\n• كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، لعلاء الدين عبدالعزيز بن أحمد البخاري (ت: ٧٣٠ هـ). وهذا الكتاب له من اسمه نصيب،\n_________\n(١) وسبق ذكر مثال لاستدراك أبي إسحاق في اللمع على قوله في التبصرة. (ص: ٣٣٩).\n(٢) وسبق ذكر مثال لاستدراك المازري، يُنظر: (ص: ٢١٨).\n(٣) يُنظر استدراك الأبياري على الجويني في صفحات البحث (١٧٠، ٢٣٦، ٦١٥).\nواستدراكات الأبياري على الجويني تصلح أن تكون رسالة دكتوراه، أو مشروعًا لرسائل الماجستير.\n(٤) يُنظر: معجم الأصوليين (٢/ ٢٧٠ - ٢٧٥).","vol":"1","page":509},{"text":"وقد استدرك على البزدوي في عدة مواضع (١).\n• الشامل في شرح أصول الفقه للشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزدوي (٢)، للشيخ أبي حنيفة أمير كاتب قوام الدين الفارابي الإتقاني، (ت: ٧٥٨ هـ) (٣).\nذكر استدراكات على البزدوي؛ ومن ذلك مثلًا: قوله عند مسألة (بيان التغيير بالتعليق بالشرط والاستثناء) بعد قول البزدوي: \"بيان التغيير نوعان: التعليق بالشرط والاستثناء، وإنما يصح ذلك موصولًا، ولا يصح مفصولًا، على هذا أجمع الفقهاء .... فأما التغيير بعد الوجود فنسخ وليس ببيان\" (٤).\n\" وإنما قلنا: إن البيان ما يظهر به ابتداء وجود الشيء؛ لأنه إذا وجد ثم تغير يكون نسخًا؛ لا بيانًا، فلما وجد في التعليق بالشرط معنى التغيير ومعنى البيان؛ سمي: بيان التغيير؛ لاشتمال التعليق على الوصفين جميعًا.\nوإنما سقنا الكلام على ما ساق الشيخ (٥)؛ ولكن كلام الشيخ لا يستقيم على مذهبه؛ لأن قوله: (فأما التغيير بعد الوجود فنسخ وليس ببيان) ينفي أن يكون النسخ بيانًا، وليس مذهبه ذلك (٦)؛ لأنه جعل البيان على خمسة أقسام، وجعل أحد أقسامها:\n_________\n(١) وقد تم ذكر أمثلة لاستدراكات العلاء البخاري على البزدوي، يُنظر: (ص: ٢٠٧، ٢١١، ٢٨٢).\n(٢) حقق في رسائل دكتوراه في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، والرسالة التي رجعت لها تحقيق: عبدالله بن ناصر بن عبدالعزيز الناصر، من باب (المعارضة) إلى آخر باب (أفعال النبي - ﷺ -).\n(٣) هو: أبو حنيفة، أمير كاتب بن أمير عمر، العميد ابن العميد أمير غازي، الفارابي الإتقاني-نسبة إلى فَاراب من مدائن الترك، وإتقان اسم قصبة من قصباتها- الحنفي، قوام الدين، فقيه فاضل، صاحب فنون من العلم، وله معرفة بالأدب والمعقول، درس بمَشْهَد أبي حنيفة ببغداد، وولي قضاء بغداد. من مصنفاته: \"غاية البيان ونادرة الأوان في آخر الزمان\" شرح للهداية للمرغيناني، و\" التبيين\" شرح الأخسيكثي، (ت: ٧٥٨ هـ).\nتُنظر ترجمته في: تاج التراجم (ص: ١٤٠)؛ الوفيات (٢/ ٢٠٥)؛ الطبقات السنية (٢/ ٢٢١).\n(٤) يُنظر: أصول البزدوي - مطبوع مع كشف الأسرار للبخاري- (٣/ ٢٣٦ - ٢٣٩).\n(٥) أي البزدوي.\n(٦) وهذا الكلام إنما يستقيم على اختيار القاضي أبي زيد وشمس الأئمة السرخسي - رحمهما الله -؛ فإنهما لم يجعلا النسخ من أقسام البيان. يُنظر: كشف الأسرار للبخاري (٣/ ٢٣٩).","vol":"1","page":510},{"text":"بيان التبديل، وسمى التبديل نسخًا (١)، فيكون النسخ بيانًا عنده، فيكون هذا الذي قاله هنا تركًا لمذهبه\" (٢).\nوقوله في (باب تقسيم الناسخ): \"باب تقاسيم الناسخ (٣)، وكان ينبغي أن يترجم الباب بباب بيان الناسخ؛ كما ذكر شمس الأئمة في أصوله بقوله: (فصل في بيان الناسخ) (٤) \" (٥).\n• التقرير لأصول فخر الإسلام البزدوي، لأكمل الدين محمد البابرتي، (ت: ٧٨٦ هـ).\nذكر بعض الاستدراكات على البزدوي؛ من ذلك: قوله بعد ذكر شروط القياس: \"فإن مراد الشيخ (٦) - ﵀ - الإرشاد وإيناس الأذهان بتكرار معدات القياس؛ ولهذا جعل الشروط أربعة، وجعل الشرط الثالث بحسب التفصيل جملة؛ وإلا ففي الحقيقة كل ذلك راجع إلى شرط مركب من أمرين؛ وهو: التعدية من غير تغيير، ... \" (٧). وبين وجه رجوع الشروط الأربعة التي ذكرها البزدوي إلى هذا الشرط المركب.\nوذكر في مواضع استدراكات التكميل على قول البزدوي؛ ومن ذلك:\n_________\n(١) يُنظر: أصول البزدوي - مطبوع مع كشف الأسرار للبخاري- (٣/ ٢١٣).\n(٢) يُنظر: الشامل في أصول الفقه (ص: ١٩٩).\n(٣) يُنظر: أصول البزدوي - مطبوع مع الشامل- (ص: ٣٨٦)، ويُنظر: أصول البزدوي - مطبوع مع الكشف - (٣/ ٣٣١).\n(٤) يُنظر: أصول السرخسي (٢/ ٦٥).\n(٥) يُنظر: الشامل في شرح أصول الفقه (ص: ٣٨٦).\n(٦) أي: البزدوي.\n(٧) يُنظر: التقرير لأصول فخر الإسلام البزدوي (ص: ٤٤٣ - ٤٤٤).","vol":"1","page":511},{"text":"قوله في مسألة (هل يشترط انقراض العصر في الإجماع؟): \"أقول: انقراض العصر -أي انقطاع أهله؛ وهو عبارة عن موت جميع أهل الاجتهاد في وقت نزول الحادثة- بعد اتفاقهم على حكم ليس بشرط عند أصحابنا؛ لانعقاد الإجماع، ولا لكونه حجة. وهو قول عامة العلماء، والأصح من مذهب الشافعي. (١) وقال أحمد (٢) والشافعي (٣) في رواية وابن فورك (٤): هو شرط لانعقاد الإجماع.\nوقال بعض أصحاب الشافعي (٥): إن كان الإجماع لاتفاقهم على الحكم قولًا وفعلًا لا يشترط، وإن كان بنص البعض وسكوت الباقين يشترط، وهو قول بعض المعتزلة (٦).\nوقال بعضهم: إن كان الإجماع عن قياس كان شرطًا؛ وإلا فلا. وهو مذهب إمام الحرمين (٧).\n_________\n(١) يُنظر: أصول السرخسي (١/ ٣٠٨)؛ الإحكام للآمدي (١/ ٣٣٥)؛ روضة الناظر (١/ ٤١٨)؛ شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: ٣٣٠).\n(٢) يُنظر: التمهيد لأبي الخطاب (٣/ ٣٤٦)؛ شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٦)؛ شرح الكوكب المنير (٢/ ٢٤٦).\n(٣) لم أجد من نسب هذا القول للشافعي؛ بل لبعض الشافعية. يُنظر: التبصرة (ص: ٢٣٠)؛ البحر المحيط (٤/ ٥١١).\n(٤) يُنظر قوله في: المحصول (٤/ ١٤٧)؛ الإحكام للآمدي (١/ ٣٣٥)؛ البحر المحيط (٤/ ٥١١).\n(٥) منهم: أبو إسحاق الإسفراييني والآمدي. يُنظر: الإحكام للآمدي (١/ ٣٣٥)؛ الإبهاج (٥/ ٢١٤٧).\n(٦) يُنظر: المعتمد (٢/ ٧٠).\n(٧) وهذه النسبة ليست صحيحة لإمام الحرمين؛ فالمذكور في البرهان عدم اشتراط الانقراض، وإنما ذكر أن الإجماع إذا كان مستنده ظنيًا؛ فلا بد فيه من أن يطول الزمن، ويستقر المجمعون على حكمهم. واستبعد حصول هذا النوع من الإجماع وقال: \"إذا تصور فالحكم ما ذكرناه\". يُنظر: البرهان (١/ ٦٩٥).","vol":"1","page":512},{"text":"ولم يذكر الشيخ سوى المذهبين الأولين\" (١).\nويلحظ على البابرتي كثرة استدراكاته على العلاء البخاري في شرحه الكشف؛ فمن ذلك مثلًا: لما اعترض البخاري على البزدوي في مثال من أمثلة شروط القياس: \"و(الواو) في قوله: (وفي اختصاصه) بمعنى (أو)، ولفظة (في) أو لفظة (اختصاصه) في قوله: (وفي اختصاصه) زائدة، ولو قيل: (واختصاصه بأن لا يحل) أو قيل: (وفي أن لا يحل أحد بعده)؛ لكان أحسن\" (٢).\nقال البابرتي: \"قيل: في عبارة الشيخ تسامح في قوله: (وفي اختصاصه)؛ فإنه استعمل (الواو) بمعنى (أو)، ولفظة (في) زائدة، ولو قيل: (واختصاصه، بأن لا يحل) أو قيل: (وفي أن لا يحل)؛ لكان أحسن.\nويمكن أن يجاب عن الأول: بأنَّا لا نسلم أن (الواو) بمعنى (أو)؛ لجواز أن يكون المعنيان جميعًا مختصين به - ﵊ -؛ إذ لا مانع من ذلك لا لفظًا ولا معنى.\nوعن الثاني: يجوز أن يكون الظرف خبر مبتدأ محذوف، ويكون تقديره: وقلنا: الخلوص في اختصاصه بأن لا يحل بعده، فلا تكون (في) زائدة\" (٣).\n• المحصول في أصول الفقه، لفخر الدين محمد الرازي (ت: ٦٠٦ هـ):\n• شرحه أبو العباس أحمد القرافي (ت: ٦٨٤ هـ) في كتاب نفيس كاسمه: نفائس الأصول في شرح المحصول، وكان القرافي في شرحه هذا مستدركًا أكثر من كونه شارحًا، فلا تكاد تخلو مسألة من مسائل المحصول إلا واستدرك عليها القرافي؛ حتى إنه استدرك على تسمية الكتاب بالمحصول.\n• كما شرحه أيضًا محمد بن محمود الأصفهاني (ت: ٦٨٨ هـ) في كتابه:\n_________\n(١) التقرير لأصول فخر الإسلام البزدوي (ص: ٢٧٨ - ٢٧٩).\n(٢) يُنظر: كشف الأسرار للبخاري (٣/ ٥٥٦).\n(٣) يُنظر: التقرير لأصول فخر الإسلام البزدوي (ص: ٣٩٥).","vol":"1","page":513},{"text":"الكاشف عن المحصول، ذكر فيه عددًا من الاستدراكات على الرازي (١) وغيره من الأصوليين.\n• روضة الناظر وجُنَّة المُناظر، لأبي محمد عبدالله بن قدامة المقدسي (ت: ٦٢١ هـ).\n• اختصره نجم الدين سليمان بن عبدالقوي الطوفي (ت: ٧١٦ هـ) في مختصر روضة الناظر (البلل في أصول الفقه)، ثم شرحه في كتابه شرح مختصر روضة الناظر، وذكر فيه عددًا كبيرًا من الاستدراكات على ابن قدامة (٢).\n• مذكرة أصول الفقه، لمحمد الأمين بن محمد الشنقيطي، (ت: ١٣٩٣ هـ)، وكان يستدرك كثيرًا على ابن قدامة. (٣)\n• مختصر منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل (مختصر ابن الحاجب)، لأبي عمرو عثمان ابن الحاجب (ت: ٦٤٦ هـ)، وهذا الكتاب اعتنى به الأصوليون، فكان عليه شروح كثيرة (٤)؛ ومن شروحه التي تضمنت استدراكات عليه:\n• بيان المختصر، لمحمود بن عبدالرحمن الأصفهاني، (ت: ٧٤٩ هـ). (٥)\n• رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، لتاج الدين عبدالوهاب السبكي (ت: ٧٧١ هـ). (٦)\n_________\n(١) ذكر مثال لاستدراك الأصفهاني على الرازي، يُنظر: (ص: ١١١، ٢٠٠، ٢٩١).\n(٢) جاء في ثنايا البحث عدد من استدراكات الطوفي على ابن قدامة. يُنظر: (ص: ٢٨٢، ٦٤٨، ٧١٢، ٧١٤). واستدراكات الطوفي على ابن قدامة موضوع يصلح أن يكون رسالة دكتوراه، أو مشروعًا لبحوث ماجستير.\n(٣) ذكر مثال لاستدراك الشيخ الشنقيطي على ابن قدامة، يُنظر: (ص: ١٨٣).\n(٤) يُنظر: الذين اعتنوا بمختصر منتهى السول والأمل في معجم الأصوليين (٣/ ١٧٤ - ٢٠٨).\n(٥) ذكر مثال لاستدراك الأصفهاني على ابن الحاجب. يُنظر: (ص: ٣٦٨).\n(٦) ذكر في البحث عدد من استدراكات السبكي على ابن الحاجب. يُنظر: (ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.، ٧٢٢، ٧٢٨، ٧٣٣، ٧٤٢، ٨٢٩).","vol":"1","page":514},{"text":"• الردود والنقود شرح مختصر ابن الحاجب، لمحمد بن محمود البابرتي الحنفي (ت: ٧٨٦ هـ). (١)\n• تنقيح الفصول، لأبي العباس أحمد القرافي (ت: ٦٨٤ هـ)، ومن شروحه التي حوت استدراكات عليه:\n• التوضيح في شرح التنقيح، لأبي العباس أحمد بن الزليطني، الشهير بحلولو (٨٩٨ هـ) (٢).\n• رفع النقاب عن تنقيح الشهاب، لحسين بن علي الرجراجي الشوشاني (ت: ٨٩٩ هـ) (٣). ومن ذلك: استدراكه على قول القرافي في اندراج المخاطِب في العموم الذي يتناوله: \"وكذلك يندرج المخاطِب (٤) عندنا في العموم الذي يتناوله؛ لأن شمول اللفظ يقتضي جميع ذلك\" (٥).\nفاستدرك عليه الرجراجي بقوله: \"انظر قوله هاهنا: (وكذلك يندرج المخاطِب عندنا) مع قوله في الفصل الرابع (٦): (وكونه مخاطِبًا لا يخصص العام إن كان خبرًا، وإن كان أمرًا جعل جزاء) (٧). هما مسألة واحدة كرر المؤلف في كلامه مناقضة؛\n_________\n(١) ذكر مثالان لاستدراك البابرتي على ابن الحاجب. يُنظر: (ص: ٢٢٣، ٢٢٤).\n(٢) ذكر في طيات البحث عدد من استدراكات حلولو على القرافي. يُنظر: (ص: ٢٠٤، ٢٢٧، ٣٠٠، ٣٥٩).\n(٣) قال محقق الكتاب في مزايا شرح الرجراجي: \"كثرة استدراكاته على القرافي؛ إما بزيادة أقوال في المسألة، أو بزيادة أدلة، ونحوها. وإما بالاعتراض عليه فيما يورده من أدلة وآراء، أو بيان تناقض آراء المؤلف في مواضع أخرى مع الموضع الذي يجري بحثه\". يُنظر: مقدمة تحقيق رفع النقاب (١/ ٩٢).\n(٤) المخاطِب: بكسر الطاء، وهو فاعل الخطاب، وهو المتكلم. يُنظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: ١٩٨)؛ رفع النقاب (٣/ ١٩٢).\n(٥) يُنظر: تنقيح الفصول - المطبوع مع شرح القرافي- (ص: ١٩٨)؛ وتنقيح الفصول - المطبوع رفع النقاب - (٣/ ١٩١).\n(٦) الفصل الرابع: فيما ليس من مخصصات العموم، من الباب السادس: في العمومات.\n(٧) يُنظر: تنقيح الفصول - المطبوع مع شرح القرافي - (ص: ٢٢١)؛ وتنقيح الفصول _المطبوع مع رفع النقاب_ (٣/ ٣٥٣).","vol":"1","page":515},{"text":"لأن ظاهر كلامه في هذا الفصل يقتضي أن لا فرق بين الخبر والأمر، وظاهر كلامه في الفصل الرابع الفرق بين الخبر والأمر، فيحتمل أن يكون تكلم هاهنا على القول بعدم التفصيل بين الخبر والأمر، وتكلم في الفصل الرابع على القول بين الخبر والأمر\" (١).\n• منهاج الوصول إلى علم الأصول، لجمال الدين عبدالله البيضاوي، (ت: ٦٨٥). وهذا الكتاب اعتنى به الأصوليون (٢)؛ ومن شروحه التي تضمنت استدراكات عليه:\n• الإبهاج لشرح المنهاج، ابتدأ به علي بن عبدالكافي السبكي (ت: ٧٥٦ هـ) ووقف عند مقدمات الواجب، ثم أكمله ابنه عبدالوهاب بن علي السبكي، (ت: ٧٧١ هـ). (٣)\n• نهاية السول، لجمال الدين عبدالرحيم الإسنوي (ت: ٧٧٢ هـ). (٤)\n• منار الأنوار، لعبدالله بن أحمد النسَفِي (٥) (ت: ٧١٠ هـ). وهذا المتن أكثر متون أصول الفقه بعد مختصر ابن الحاجب عناية به (٦). ومن الشروح التي يسر الله\n_________\n(١) يُنظر: رفع النقاب (٣/ ١٩٥ - ١٩٦).\n(٢) يُنظر: الأعمال على كتاب المنهاج في معجم الأصوليين (٣/ ٤٦ - ٥٩).\n(٣) وذكرت في ثنايا البحث عددًا من الاستدراكات الواردة في كتاب الإبهاج. يُنظر: (٣٨٣، ٦٣١، ٦٩٣، ٧١٦، ٨٢٧).\n(٤) ضم البحث عددًا من استدراكات الإسنوي على البيضاوي. يُنظر مثلا: (ص: ١٥٩، ١٦٠، ١٦٧، ١٧٦، ١٩٠، ١٩٠، ١٩١، ٢٨٥، ٢٨٧).\n(٥) هو: أبو البركات، عبدالله بن أحمد بن محمد النسفي - نسبة إلى نَسَف ببلاد السند-، حافظ الدين، فقيه حنفي. مفسر، من مصنفاته: \"مدارك التنزيل\" في التفسير، و\"كنز الدقائق\" في الفقه، و\"المنار\"، وشرحه: \"كشف الأسرار\" في أصول الفقه، (ت: ٧١٠ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الجواهر المضِيَّة (٢/ ٢٩٤)؛ تاج التراجم (ص: ١٧٤)؛ الطبقات السنية (٤/ ١٥٤).\n(٦) يُنظر: معجم الأصوليين (٣/ ١١). ويُنظر الأعمال عليه في المرجع السابق (٣/ ١٢ - ٣٢).","vol":"1","page":516},{"text":"لي الوقوف عليها وتضمنت بعض الاستدراكات على النسفي:\n• فتح الغفار بشرح المنار، لابنِ نُجِيْمِ الحنفي (١) (ت: ٩٧٠ هـ). فمن استدراكاته: ما جاء في المنار (٢) في مسألة (تقليد التابعي): \"وأما التابعي فإن ظهرت فتواه في زمن الصحابة- كشُرَيْحٍ (٣) -؛ كان مثله عند البعض، وهو الصحيح\".\nفاستدرك عليه ابن نجيم بقوله: \" (فإن ظهرت فتواه في زمن الصحابة كشُرَيْحٍ) والحسن وسعيد بن المسيب والشعبي والنخعي (٤) ومسروق (٥) وعلقمة (٦)\n_________\n(١) هو: زين الدين بن إبراهيم بن محمد المصري، الشهير بابن نجيم، كان إمامًا عالمًا بالفقه والأصول والقواعد وغيرها، أخذ العلم عن العلامة قاسم بن قطلوبغا. من مصنفاته: \"البحر الرائق شرح كنز الدقائق\"، و\"شرح المنار\"، (ت: ٩٧٠ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الطبقات السنية (٣/ ٢٧٥ - ٢٧٦)؛ شذرات الذهب (٨/ ٣٥٨)؛ الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة (٣/ ١٣٧ - ١٣٨).\n(٢) (ص: ٣٤٩) - مطبوع مع فتح الغفار -.\n(٣) هو: شُريح القاضي، أبو أُميَّة، شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكِنْديّ، قَاضِي الكُوفَةِ، ويقال: شريح بن شراحيل أو ابن شرحبيل، ويقال: هو من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن، وهو ممن أسلم في حياة النبي - ﷺ - ولا صحبة له، وانتقل من اليمن زمن الصِّديق، ولَّاهُ عُمَر قضاء الكوفة، فقيل: أقامَ على قضائها ستين سنة، (ت: ٧٨ هـ)، وقيل: (٨٠ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: أخبار القضاة (٢/ ١٨٩ - ٤٠٢)؛ الاستيعاب (٢/ ٧٠١)؛ المنتظم (٦/ ١٨٥ - ١٨٦).\n(٤) هو: أبو عمران، إبراهيم بن يزيد بن عمرو بن الأسود النخعي، أحد الأعلام، فقيه أهل الكوفة، كان يصوم يوما ويفطر يومًا، قال الذهبي: (وكان لا يحكم العربية وربما لحن، واستقر الأمر على أن إبراهيم حجة، وأنه إذا أرسل عن ابن مسعود وغيره فليس ذلك بحجة)، (ت: ٩٥ هـ)، وقيل: (٩٦ هـ)، وهو متوار من الحجاج بن يوسف، ودفن ليلًا.\nتُنظر ترجمته في: مشاهير الأمصار (١/ ١٠١)؛ تذكرة الحفاظ (١/ ٧٤)؛ ميزان الاعتدال (١/ ٢٠٤).\n(٥) هو: أبو عائشة، مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية بن عبدالله الهمداني ثم الوادعي، يقال في سبب تسميته بمسروق: إنه سُرِقَ وهو صغير ثم وجد فسمي مسروقًا، تابعي ثقة، أحد أصحاب عبدالله بن مسعود الذين كانوا يقرؤون عليه ويفتون، وروى أيضًا عن أبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وعائشة - ﵃ -، (ت: ٦٣).\nتُنظر ترجمته في: التاريخ الكبير (٨/ ٣٥)؛ تاريخ بغداد (١٣/ ٢٣٢)؛ الإصابة (٦/ ٢٩٢).\n(٦) هو: أبو شبل، علقمة بن قيس بن عبدالله بن علقمة النخعي، الكوفي، التابعي، الفقيه المشهور، خال إبراهيم النخعي، وشيخه، وتفقه بابن مسعود وقرأ عليه القرآن، وسمع من عمر، وعثمان، وعلي، وعائشة - ﵃ -، وكان فقيهًا إمامًا مقرئًا، طيب الصوت بالقرآن، ثبتًا حجة، شهد صفين مع علي، (ت: ٦١ هـ) في خلافة يزيد.\n\nتُنظر ترجمته في: صفة الصفوة (٣/ ٢٧)؛ تاريخ بغداد (١٢/ ٢٩٦)؛ تاريخ الإسلام (٥/ ١٩٠).","vol":"1","page":517},{"text":"(كان مثله) أي مثل الصحابي (عند البعض) وهو رواية النوادر (١)، (وهو الصحيح) لم يصرح فخر الإسلام بتصحيح فيها؛ وإنما أخر دليل هذا القول (٢)، فقال (٣) في التقرير (٤): والظاهر أنه اختارها لتأخيره في البيان. انتهى.\nويجب الاعتماد على ظاهر الرواية (٥)؛ ولذا قال في التحرير (٦): والظاهر\n_________\n(١) غير ظاهر الرِّواية، وتسمى أيضًا بالنَّوادر، وهي الكتب التي لم تروَ عن الإمام مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ برواية ثابتة مشهورة، وجمعها محمد حين قضائه في تلك البلاد، أو أنها منسوبة إلى أشخاص في تلك البلاد؛ وهي: الجُرجَانِيَّات، الرُّقَيَّاتُ، زِيَادَاتُ الزِّيَادَاتِ، الكَسْبُ، الكَيْسَانِيَّاتُ، النَّوَادِرُ، الهَارُونِيَّاتُ. يُنظر: حاشية ابن عابدين (١/ ١٢٤، ١٦٣)؛ مقدمة شرح الجامع الصغير للكنوي (ص: ١٧ - ١٨)؛ مفتاح السعادة (٢/ ٢٣٦)؛ كشف الظنون (٢/ ١٦٦٩)؛ الإمام محمد بن الحسن الشيباني نابغة الفقه الإسلامي (ص: ١٤٥ - ١٤٨).\n(٢) يُنظر: أصول البزدوي - مطبوع مع كشف الأسرار للبخاري- (٣/ ٤٢١ - ٤٢٢).\n(٣) أي البابرتي.\n(٤) (ص: ٢٥٣).\n(٥) كتب ظاهر الرواية، وتسمى أيضًا بمسائل الأصول، وبظاهر المذهب. وهي كتب محمد السِّتَّة، جمعها ابْنُ عَابِدِينَ في الأبيات التالية:\nوَكُتْبُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أتَتْ ... سِتًّا لِكُلِّ ثَابتٍ عَنْهُم حَوَتْ\nصَنَّفَها مُحَمَّد الشَّيْبَاني ... حَرَّر فيهَا المَذهَب النُّعمَانِي\nالجَامِعُ الصَّغِيْرُ والكَبِيْرُ ... والسِّيَرُ الكَبِيْرُ والصَّغِيْرُ\nثُمَّ الزِّيَادَاتُ مَعَ المَبْسُوطِ ... تَواتَرَتْ بِالسَّنَدِ المَضْبُوط\n\nوسميت بظاهر الرِّواية لأنها رويت عن الإمام مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ - ﵀ - برواية الثقات، فهي ثابتة عنه متواترة أو مشهورة. وهذه الكتب تجمع مسائل مروية عن أئمة المذهب؛ وهم: أبُو حَنِيْفَةَ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وزُفَرُ، والحَسَنُ بنُ زِيَادٍ- رحم الله الجميع -؛ إلا أن الغالب في كتب ظاهر الرِّواية هي أقوال الأئمة الثَّلاثة.\nيُنظر: حاشية ابن عابدين (١/ ١٢٤، ١٦٣)؛ مقدمة شرح الجامع الصغير للكنوي (ص: ١٨)؛ المذهب الحنفي (١/ ٣٥٨ - ٣٥٩)؛ مصطلحات المذاهب الفقهية (ص: ١٠٥).\n(٦) (ص: ٣٦٢).","vol":"1","page":518},{"text":"من المجتهد في عصرهم - كابن المسيب - المنع؛ لفوات المناط المساوي (١). وفي النوادر: نعم (٢)، والاستدلال بأنهم لما سوغوا له صار مثلهم ممنوع الملازمة؛ لأن التسويغ لرتبة الاجتهاد لا يوجب ذلك المناط (٣)، والاستدلال برد شريح شهادة الحسن (٤) لعلي - ﵄ -، وكان علي يقبل الابن (٥)، ومخالفة مسروق ابن عباس في إيجاب مئة من الإبل في النذر بذبح الولد إلى إيجاب شاة (٦) لا يفيد. انتهى\" (٧).\n• جمع الجوامع في أصول الفقه، لتاج الدين عبدالوهاب السبكي (ت: ٧٧١ هـ) (٨). ومن شروحه التي تضمنت عددًا من الاستدراكات (٩):\n_________\n(١) أي: لفوت المناط المساوي للمناط في وجوب التقليد للصحابي؛ وهو: بركة الصحبة، ومشاهدة الأمور المثيرة للنصوص والمفيدة لإطلاقها؛ حتى ذكروا عن أبي حنيفة أنه قال: إذا اجتمعت الصحابة سلمنا لهم، وإذا جاء التابعون زاحمناهم. وفي رواية: لا أقلدهم؛ هم رجال اجتهدوا، ونحن رجال نجتهد. يُنظر: التقرير والتحبير (٢/ ٤١٥).\n(٢) أي في رواية النوادر: نعم يجوز تقليد التابعين كالصحابة - ﵃ جميعًا-.\n(٣) أي الصحابة لما سوغوا للتابعي الاجتهاد، وزاحمهم في الفتوى؛ صار التابعي مثل الصحابة في وجوب التقليد.\n(٤) هو: أبو محمد، الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي، سبط رسول الله - ﷺ - وريحانته، أمير المؤمنين، وكان أشبه الناس وجهًا برسول الله - ﷺ -، (ت: ٤٥ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الكاشف للذهبي (١/ ٣٢٨)؛ الوافي بالوفيات (١٢/ ٦٧)؛ الإصابة (٢/ ٦٨).\n(٥) يُنظر: هذا الأثر في سنن البيهقي، ك: آداب القاضي، ب: إنصاف الخصمين في المدخل عليه والاستماع منهما، (١٠/ ١٣٦/ح: ٢٠٢٥٢). وضعف ابن حجر هذه القصة في التلخيص الحبير (٤/ ١٩٣).\n(٦) يُنظر: المبسوط للسرخسي (٨/ ١٣٩).\n(٧) يُنظر: فتح الغفار (ص: ٣٤٩).\n(٨) يُنظر: الأعمال على جمع الجوامع في معجم الأصوليين (٣/ ١١٧ - ١٣٨).\n(٩) سأكتفي بذكر الشروح التي أوردت استدراكات على جمع الجوامع دون الأمثلة؛ تطبيقًا لما جاء في المنهج. وهذه الشروح هي التي اعتمدت في خطة الطلاب في الجامعة الإسلامية في مشروع البحث (الاستدراكات الأصولية على جمع الجوامع لابن السبكي من خلال شروحه).","vol":"1","page":519},{"text":"• تشنيف المسامع بجمع الجوامع، للإمام بدر الدين محمد الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ).\n• الغيث الهامع شرح جمع الجوامع، لأبي زرعة أحمد العراقي (ت: ٨٢٦ هـ) (١).\n• البدر الطالع في شرح جمع الجوامع، لجلال الدين محمد المحلي، (ت: ٨٦٤ هـ).\n• الدرر اللوامع شرح جمع الجوامع، لشهاب الدين أحمد الكوراني، (ت: ٨٩٣ هـ) (٢).\n• الضياء اللامع في شرح جمع الجوامع، لأبي العباس أحمد بن\nالزليطني، الشهير بحلولو (ت: ٨٩٨ هـ).\n• الثمار اليوانع على جمع الجوامع، لخالد بن عبدالله الأزهري الجرجاوي، (ت: ٩٠٥ هـ) (٣).\n_________\n(١) هو: أبو زرعة، أحمد بن عبدالرحيم بن الحسن المهراني الشافعي، ولي الدين، المعروف بـ (ابن العراقي)، كان كثير الذكاء والمروءة والمحاسن، من الشيوخ الحفاظ الكبار. من مصنفاته: \"الأطراف بأوهام الأطراف\"، و\"تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل\"، و\"الغيث الهامع شرح جمع الجوامع\"، (ت: ٨٢٦ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الضوء اللامع (١/ ٣٣٦)؛ طبقات المفسرين للأدنه وي (ص: ٣١٤)؛ الأعلام (١/ ١٤٨).\n(٢) هو: أحمد بن إسماعيل بن عثمان الشهرزوري الهمداني التبريزي الكوراني ثم القاهري، الشافعي ثم الحنفي، شرف الدين، ثم دعي شهاب الدين، تعلم بمصر ثم رحل إلى بلاد الترك، فعهد إليه السلطان مراد بن عثمان بتعليم محمد الفاتح، وولي القضاء في أيام الفاتح. من مصنفاته: \"الدرر اللوامع شرح جمع الجوامع\" و\"شرح الكافية لابن الحاجب\" في النحو، و\"غاية الأماني في تفسير السبع المثاني\" في التفسير، (ت: ٨٩٣ هـ) بالقسطنطنية، وصلى عليه السلطان بايزيد.\n\nتُنظر ترجمته في: الضوء اللامع (١/ ٢٤١)؛ الشقائق النعمانية (١/ ٥١)؛ الأعلام (١/ ٩٧).\n(٣) هو: خالد بن عبدالله بن أبي بكر بن محمد الجرجاوي الأزهري المصري، زين الدين، الشيخ العلامة النحوي، وكان يعرف بـ (الوقاد)، اشتغل بالنحو وبرع فيه، وانتفعت به الطلبة. من مصنفاته: شرح على أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام، وهو المشهور \"بالتوضيح\"، و\"إعراب على الألفية لابن مالك\"، و\"شرح على الآجرومية\"، (ت: ٩٠٥ هـ) وهو عائد من الحج.\nتُنظر ترجمته في: الضوء اللامع (٢/ ٢٩٧)؛ الكواكب السائرة (١/ ١٩٠)؛ الأعلام (٢/ ٢٩٧).","vol":"1","page":520},{"text":"• البدور اللوامع في شرح جمع الجوامع، لأبي المواهب حسن اليوسي المالكي، (١١٠٢ هـ) (١).\n• البدر الطالع في حل ألفاظ جمع الجوامع، لعبدالرحمن بن محمد الشربيني، (ت: ١٣٢٦ هـ) (٢).\n• الترياق النافع بإيضاح وتكميل مسائل جمع الجوامع، لأبي بكر عبدالرحمن العلوي الحسيني، (ت: ١٣٤١ هـ) (٣).\n_________\n(١) هو: أبو علي، الحسن بن مسعود اليوسي - نسبة إلى آيت يوسي قبيلة من برابر ملوية وأصله اليوسي- المالكي المغربي، الفقيه الأديب، كان إمام وقته علمًا وتحقيقًا وزهدًا وورعًا، نعت بـ (غزالي عصره). من تصانيفه: \"الكوكب الساطع على جمع الجوامع\" ولم يكمله، وقيل: لو كمل هذا الشرح لأغنى عن جميع الشروح. \"المحاضرات في الأدب\"، و\"مشرب العام والخاص من كلمة الإخلاص\".\nتُنظر ترجمته في: استقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى (٧/ ١٠٨)؛ هدية العارفين (٥/ ٢٩٦)؛ الأعلام (٢/ ٢٢٣).\nتنبيه: في ترجمته ذكر اسم شرحه على جمع الجوامع \"الكوكب الساطع\" والمطبوع \"البدور اللوامع\".\n(٢) هو: عبدالرحمن بن محمد بن أحمد الشريبني المصري، فقيه شافعي أصولي، ولي مشيخة الجامع الأزهر. من مصنفاته: \"تقرير على جمع الجوامع\"، و\" فيض الفتاح\"، و\" تقرير على شرح تلخيص المفتاح\"، (ت: ١٣٢٦ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الأعلام (٣/ ٣٢٤).\n(٣) هو: أبو بكر، عبدالرحمن بن شهاب الدين العلوي، أصولي فيلسوف نظار مؤرخ، من أشهر شعراء اليمن، تولى التدريس في المدرسة النظامية في حيدر آباد الدكن. من مصنفاته: \"الترياق النافع بإيضاح جمع الجوامع\"، و\"ذريعة الناهض إلى علم الفرائض\"، و\"ديوان شعر\" كبير، (ت: ١٣٤١ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الأعلام (٣/ ٣٠٨)؛ فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات (١/ ١٤٦ - ١٤٧).","vol":"1","page":521},{"text":"• البدر الساطع على جمع الجوامع، لمحمد بخيت المطيعي الحنفي، (ت: ١٣٥٤ هـ).\n• التنقيح في أصول الفقه، لصدر الشريعة المحبوبي (ت: ٧٤٧ هـ).\n• شرحه سعد الدين التفتازاني (ت: ٧٩١ هـ) في التلويح إلى كشف حقائق التنقيح، واحتوى شرحه على عدد من الاستدراكات (١).\n• التحرير في أصول الفقه، لعلاء الدين أبي الحسن علي المرداوي، (ت: ٨٨٥ هـ).\n• شرحه مصنفه في التحبير شرح التحرير. ويمكن اعتبار استدراكات التحبير على التحرير من باب دفع اللبس، أو تكميل النقص. والكتاب -بصفة عامة- يوجد به عدد من الاستدراكات على علماء الأصول (٢).\n• شرح الكوكب المنير، لأحمد بن عبدالعزيز الفتوحي (٣)،\nالشهير بابن النجار، (ت: ٩٧٢ هـ)، وهو في حقيقة الأمر ليس شرحًا للتحرير؛ وإنما شرح لمختصر التحرير؛ حيث إن الفتوحي قام باختصار التحرير، ثم قام بشرح مختصره.\nوالكتاب يحوي عددًا من الاستدراكات الأصولية، والناظر لكتاب شرح الكوكب المنير يجده في كثير من المواطن نسخة أخرى للتحبير.\n_________\n(١) ذكر مثالان لاستدراك التفتازاني على الصدر المحبوبي. يُنظر: (ص: ٦٧٦، ٧٠٣).\n(٢) وترددت في تصنيف كتاب التحبير في هذه المرحلة أو المرحلة الرابعة: الاستدراك الموسوعي؛ إلا أن ارتباطه بكتاب التحرير رجح لي تصنيفه ضمن هذه المرحلة.\n(٣) هو: محمد بن محمد بن عبدالعزيز الفتوحي، الحنبلي، المصري، أبو البقاء، الشهير بابن النجار، القاضي، الفقيه الأصولي، وكان عالمًا عاملًا متواضعًا طارحًا للتكلف. من مصنفاته: \"مختصر التحرير\" وشرحه \"شرح الكوكب المنير\" في أصول الفقه، و\"منتهى الإردات\" في الفقه، (ت: ٩٧٢ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: كشف الظنون (٢/ ١٨٥٣)؛ شذرات الذهب (٨/ ٢٧٦)؛ الأعلام (٦/ ٦).","vol":"1","page":522},{"text":"• التحرير في أصول الفقه الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية، لكمال الدين محمد السيواسي الحنفي، الشهير بابن الهمام (ت: ٨٦١ هـ).\n• شرحه تلميذه محمد بن محمد أمير الحاج (ت: ٨٧٩ هـ) في التقرير والتحبير، وكان يستدرك على ابن الهمام في بعض المواطن. (١)\n• شرحه كذلك محمد أمين، الشهير بأمير بادشاه (ت: ٩٧٢ هـ)، في تيسير التحرير، وكان يستدرك في مواضع قليلة على ابن الهمام (٢)، إلا أنه كان يستدرك على الشارح أمير الحاج كثيرًا (٣).\n• مسلم الثبوت، لمحب الله بن عبدالشكور الحنفي، (ت: ١١١٩ هـ):\n• شرحه عبدالعلي الأنصاري (ت: بعد ١١٨٠ هـ) في كتاب نفيس اسمه: فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، فذكر فيه فوائد ونكتًا واستدراكات لبعض الأصوليين (٤).\nومن استدراكاته على محب الله: قوله: \"التقسيم (الثالث) المناسب مؤثر، وملائم، وغريب، ومرسل؛ إذ (الوصف إن اعتبر عينه ونوعه في عين الحكم بنص أو إجماع كالإسكار في حمل النبيذ على الخمر) وهذا لا يصح على رأي الشيخين (٥)؛ فإن حرمة الخمر عندهما بعينها غير معللة بالسكر، والأولى أن يمثل بالطواف في طهارة سؤر الهرة (٦)\n_________\n(١) ذكر مثال لاستدراك أمير حاج على ابن الهمام (ص: ٦٩٣). ويُنظر هامش (ص: ٦٦٢).\n(٢) يُنظر: (ص: ٦٦٢) من البحث.\n(٣) سبق التمثيل لذلك الاستدراك (ص: ٢٢٨).\n(٤) سبق ذكر مثال لاستدراكه على المنهاج. يُنظر: (ص: ١٧٧).\n(٥) المراد بهما: البزدوي والسرخسي. يُنظر: أصول البزدوي (٣/ ٥٤٢ - ٥٤٣)؛ أصول السرخسي (٢/ ١٤٩).\n(٦) إشارة إلى حديث: \"إنَّهَا ليْسَتْ بنَجَسٍ؛ إنما هيَ من الطَّوَّافينَ علَيْكُمْ والطّوَّافَاتِ\". يُنظر الحديث في: موطأ مالك، ك: الطهارة، ب: الطهور للوضوء، (١/ ٢٢/ح: ٤٢)؛ مسند أحمد (٥/ ٢٩٦/ح: ٢٢٥٨١) (٥/ ٣٠٣/ح: ٢٢٦٣٣) (٥/ ٣٠٩/ح: ٢٢٦٨٩)؛ سنن ابن ماجة، ك: الطهارة وسننها، ب: باب الوضوء بِسُؤْرِ الْهِرَّةِ والرخصة في ذلك، (١/ ١٣١/ح: ٣٦٧)؛ سنن أبي داود، ك: الطهارة، ب: باب سؤْرِ الْهرَّةِ، (١/ ١٩ - ٢٠/ح: ٧٥ - ٧٦)؛ سنن الترمذي، ك:، ب: ما جاء في سُؤرِ الْهرَّةِ، (١/ ١٥٤/ح: ٩٢)؛ سنن النسائي الكبرى، ك: الطهارة، أبواب المياه، ب: سؤر الهرة، (١/ ٧٦/ح: ٦٣).\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيحٌ، وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي - ﷺ - وَالتابعين ومَنْ بعدهم - مثل الشافعيِ وأَحمد وإسحاق- لم يَرَوا بِسُؤرِ الهِرَّةِ بَأسًا، وهذا أحسن شيء روي في هذا الباب، وقد جوَّدَ مالِكٌ هذا الحديث عن إسحاق بن عبداللهِ بن أبي طَلحَةَ ولم يَأتِ بهِ أحَدٌ أتَمَّ من مالِكٍ. يُنظر: سنن الترمذي (١/ ١٥٤). وقال الألباني: صحيح. يُنظر: إرواء الغليل (١/ ١٩٢).","vol":"1","page":523},{"text":"(فهو الموثر ... \" (١).\n• المجموعة الثالثة: استدراكات الحواشي على المصنفات الأصولية.\nوالحواشي منها ما كان على المتون الأصولية، ومنها ما كان على الشروح؛ ومن هذه الحواشي:\n• الحواشي على مختصر ابن الحاجب (ت: ٦٤٦ هـ)، وشرحه العضد الإيجي (ت: ٧٥٦ هـ).\n• ومن أشهرها: حاشية سعد الدين التفتازاني، (ت: ٧٩١ هـ)، وهي حاشية نفيسة، بها بعض الاستدراكات، وأذكر لذلك المثال التالي:\nقال ابن الحاجب: \"وصور البرهان: اقتراني، واستثنائي. فالاقتراني: مالا يذكر اللازم ولا نقيضه فيه بالفعل، والاستثنائي نقيضه. والأول بغير شرط ولا تقسيم. ويسمى المبتدأ فيه: موضوعًا، والخبر: محمولًا\" (٢).\nقال العضد في شرحه: \" ... فالاقتراني بغير شرط ولا تقسيم: أي يقتصر على هذا القسم، ويسمى: الاقترانيات الحملية، ولم يتعرض للقسم الآخر؛ وهو ما فيه تقسيم وشرط، ويسمى: الاقترانيات الشرطية ... ثم المفردان من مقدمتيه يسميهما المنطقيون: موضوعًا ومحمولًا، والمتكلمون: ذاتًا وصفة، والفقهاء: محكومًا عليه\n_________\n(١) يُنظر: فواتح الرحموت (٢/ ٢٦٥).\n(٢) مختصر ابن الجاجب - مطبوع مع شرح العضد وحاشية التفتازاني- (١/ ٣٤٠).","vol":"1","page":524},{"text":"ومحكومًا به، والنحويون: مسندًا إليه ومسندًا\" (١).\nفقال التفتازاني في حاشيته: \"قوله: (ويسمى المبتدأ فيه) الظاهر أن الضمير للاقتراني أو لمطلق البرهان، وجعله العلامة للمقدمة بتأويل التصديق، والأحسن: أن يجعل لمطلق القضية؛ لأن هذه التسمية لا تخص حال التأليف القياسي (٢).\nثم ما ذكر من اصطلاح المتكلمين إنما يصح في الموضوع والمحمول بالطبع؛ مثل: الإنسان كاتب، بخلاف: الكاتب إنسان.\nوما ذكر من اصطلاح النحويين إنما هو في اللفظ الدال على الموضوع والمحمول، وقد أشار الشارح المحقق إلى أن ما ذكر لا يخص المبتدأ والخبر على ما في المتن (٣)؛ بل يعم الفعل والفاعل أيضًا (٤)، ولا يخفى أن المسند إليه عند النحويين قد يكون سورًا عند المنطقيين؛ لا موضوعًا (٥) \" (٦).\n_________\n(١) يُنظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب - مطبوع مع حاشية التفتازاني- (١/ ٣٤٠).\n(٢) قلت: المراد من الكلام: أن العلامة القطب الشيرازي جعل المفردين من مقدمتي القياس: موضوعًا ومحمولًا؛ مثال لذلك:\nالعالم متغير، وكل متغير حادث، فينتج: العالم حادث. وهذا مثال لقياس اقتراني:\nالمقدمة الصغرى فيه: العالم متغير، المبتدأ: العالم؛ هو الموضوع، والخبر: متغير؛ هو المحمول.\nالمقدمة الكبرى: وكل متغير حادث، المبتدأ: متغير؛ هو الموضوع، والخبر: حادث؛ هو المحمول.\n\nفاستدرك عليه التفتازاني بأن جعل المبتدأ موضوعًا، والخبر محمولًا، ليس خاصَّا فقط بمقدمتي القياس؛ بل يجعل لمطلق القضية الحملية، فيقال - مثلًا- في قولنا: العالم متغير: هذه قضية حملية، موضوعها: العالم، ومحمولها: متغير، وإن لم تجعل مقدمة للقياس - والله أعلم -.\n(٣) أي متن: مختصر ابن الحاجب.\n(٤) مثاله: أشرقت الشمس: الموضوع: الشمس، والمحمول: الإشراق.\n(٥) مثاله: كل نفس ذائقة الموت. فـ (كل) عند النحويين: موضوع، وعند المناطقة هو سور كلي، والموضوع عندهم: نفس.\n(٦) حاشية التفتازاني على مختصر ابن الحاجب وشرحه (١/ ٣٤٠).","vol":"1","page":525},{"text":"• حاشية على شرح تنقيح الفصول، لأبي العباس أحمد القرافي، (ت: ٦٨٤ هـ):\n• حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح، لمحمد الطاهر ابن عاشور، (ت: ١٣٩٣ هـ).\nقال القرافي: \"والنسخ لا إلى بدل خلافًا لقوم؛ كنسخ الصدقة في قوله تعالى: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] لغير بدل\" (١).\nاستدرك عليه ابن عاشور: \"قوله: (والنسخ لا إلى بدل) إلخ التحقيق: أنه لم يقع، وأن حكم صدقة المناجاة الصواب: أنه نسخ إلى بدل؛ وهو الزكاة؛ إذ كلاهما صدقة واجبة؛ إلا أن مناجاة الرسول جعلت وقتًا ثم جعل مكانها الحول وغيره، وتغير المقدار أيضًا\" (٢).\nوقال في موضع آخر: \"كلام المصنف غير واضح الدلالة\" (٣). وفي موضع آخر: \"وتمثيل المصنف سهو واضح\" (٤).\n• نهاية السول، لجمال الدين عبدالرحيم الإسنوي، (ت: ٧٧٢ هـ):\n• عليه سلم الوصول لشرح نهاية السول، الشهير بحاشية المطيعي، لمحمد بخيت المطيعي، (ت: ١٣٥٤ هـ) (٥).\n_________\n(١) يُنظر: شرح التنقيح - مطبوع مع حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح - (١/ ٧٦)؛ ويُنظر: شرح التنقيح (ص: ٣٠٨).\n(٢) يُنظر: حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح (٢/ ٧٦ - ٧٧).\n(٣) يُنظر: المرجع السابق (٢/ ١٢٢).\n(٤) يُنظر: المرجع السابق (٢/ ١٣٨).\n(٥) وقد ذكر مثال لاستدراك المطيعي على الإسنوي. يُنظر: (ص: ١١٢). واستدراكات المطيعي على الإسنوي تصلح أن تكون موضوعًا لرسالة ماجستير.","vol":"1","page":526},{"text":"• الحواشي على شرح المحلى لجمع الجوامع، لمحمد بن أحمد المَحَلِّي، (ت: ٨٦٤ هـ). (١)\n• حاشية الشيخ زكريا بن محمد الأنصاري، (ت: ٩٢٦ هـ) (٢).\n• الآيات البينات، لأحمد بن القاسم العبادي (ت: ٩٩٤ هـ) (٣).\n• حاشية الشيخ عبدالرحمن بن جاد الله البناني، (ت: ١١٩٨ هـ) (٤).\n• حاشية الشيخ حسن بن محمد عطار، (ت: ١٢٥٠ هـ).\n_________\n(١) سأكتفي بسردها التزامًا بمنهج البحث.\n(٢) هو: أبو يحيى، زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري السنيكي - نسبة إلى سُنَيْكَه بشرقية مصر-، المصري الشافعي، شيخ الإسلام، قاضٍ مفسر من حفاظ الحديث. من مصنفاته: \"لب الأصول \" اختصره من جمع الجوامع، ثم شرح لب الأصول في \"غاية الوصول إلى علم الأصول\"، و\"منهج الطلاب\" في الفقه، (ت: ٩٢٦ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الكواكب السائرة (١/ ١٩٨)؛ معجم المطبوعات (١/ ٤٨٣)؛ الأعلام (٣/ ٤٦).\n(٣) هو: أحمد بن قاسم الصباغ العبادي، القاهري الشافعي الأزهري، شهاب الدين، الإمام العلامة الفهامة، برع وفاق الأقران، وسارت بتحريراته الركبان. من مصنفاته: \"الآيات البينات\" حاشية على شرح المحلي على جمع الجوامع في أصول الفقه، و\"حاشية على شرح الورقات\" لإمام الحرمين، و\"حاشية على شرح المنهج\" في الفقه، (ت: ٩٩٤ هـ) بالمدينة النبوية وهو عائد من الحج، وقيل: (ت: ٩٩٢ هـ) بمكة مجاورًا.\nتُنظر ترجمته في: شذرات الذهب (٨/ ٤٣٤)؛ الأعلام (١/ ١٩٨).\n(٤) هو: عبدالرحمن بن جاد الله البناني -نسبة إلى بنانة من قرى منستير بإفريقية - المغربي، فقيه أصولي، قدم مصر وجاور الأزهر، مهر في المعقول والمنقول، وتصدر للتدريس برواق المغاربة، وتولى مشيخة هذا الرواق مرارًا. من مصنفاته: \"حاشية على شرح جلال الدين المحلي على جمع الجوامع\"، (ت: ١١٩٨ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الفتح المبين للمراغي (٣/ ١٣٤)؛ الأعلام (٣/ ٣٠٢)؛ أصول الفقه تاريخه ورجاله (ص: ٥٢٢).","vol":"1","page":527},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-174>المطلب الرابع\nمرحلة الاستدراك الموسوعي</span>\nوالمراد بهذه المرحلة: المصنفات الأصولية التي سلكت البحث الموسوعي في أصول الفقه، فلم تتقيد باختصار أو شرح أو تعليق على كتاب معين، أو مذهب معين؛ بل كان البحث فيها موسوعيًّا شموليًّا لأقوال الأصوليين في مختلف المذاهب.\nوبرز في هذه المرحلة عالمان:\nالأول: بدر الدين محمد الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ)، في كتابه: البحر المحيط في أصول الفقه.\nوهذا الكتاب له من اسمه نصيب، فاشتمل على كثير من الاستدراكات الأصولية (١).\nالثاني: محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) في كتابه: إرشاد الفحول في تحقيق الحق من علم الأصول (٢).\nوالثاني ينقل كثيرًا من الأول؛ بل في بعض المواطن يكاد يكون الكتابان كالنسخة الواحدة.\n_________\n(١) وقد تضمن البحث ذكر عدد من الاستدراكات الواردة في البحر المحيط. يُنظر: (ص: ١٨٥، ٢٠٨، ٢١٢، ٢٩٤، ٧١٣).\n(٢) وسيتم ذكر مثال لاستدراك الشوكاني يُنظر: (ص: ٧٣٤).","vol":"1","page":528},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-175>المطلب الخامس\nمرحلة الاستدراك المقصدي</span>\nربط المقاصد بمسائل أصول الفقه يُعد -في ذاته- استدراكًا لما سبق من التصنيف في أصول الفقه، فعلم المقاصد مر بمراحل أخذ بعضُها برقاب بعض؛ حتى أتى أبو إسحاق الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ) ففتح من هذا العلم مغلقَه، وحلَّ مُشكِله، وفصل مُجمله، وبسط مسائله، وشرح قواعده، ورتب أبوابه، وأضاف له إضافات حسنة. (١)\nفنجد الإمام الشاطبي في كتابه الموفق الموسوم بالموافقات في أصول الشريعة يستدرك على الرازي في عدم تعليله لأحكام الشريعة (٢)، وينقد إدراج مسائل لا علاقة لها بعلم الأصول (٣)، وغير ذلك من استدراكات تضمنها كتاب الموافقات.\nوبعد الإمام الشاطبي لم يُبحث علم المقاصد بحثًا مستقلًّا؛ حتى جاء محمد الطاهر ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ) فألف كتابه: مقاصد الشريعة الإسلامية (٤)، فاستدرك على الشاطبي عدة استدراكات؛ أذكر منها ما تيسر لي الوقوف عليه في الأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nاستدرك على الشاطبي قوله بقطعية أصول الفقه، ثم ذكر سبب الخلاف في المسألة وما اختاره فقال: \"وقد حاول أبو إسحاق الشاطبي في المقدمة الأولى من\n_________\n(١) يُنظر: مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية لليوبي (ص: ٦٩).\n(٢) وسبق ذكر هذا الاستدراك في (ص: ٥٤٢).\n(٣) وسبق ذكر هذا الاستدراك في (ص: ٢١٩).\n(٤) يُنظر: مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية لليوبي (ص: ٧١).","vol":"1","page":529},{"text":"كتاب الموافقات الاستدلال على كون أصول الفقه قطعية (١)، فلم يأتِ بطائل.\nوأنا أرى أن سبب اختلاف الأصوليين في تقييد الأدلة بالقواطع: هو الحيرة بين ما ألِفُوه من أدلة الأحكام، وما راموا أن يصلوا إليه من جعل أصول الفقه قطعية كأصول الدين السمعية؛ فهم قد أقدموا على جعلها قطعية، فلما دوَّنوها وجمعوها ألفَوْا القطعي فيها نادرًا ندرةً كادت تذهب باعتباره في عداد مسائل علم الأصول، كيف وفي معظم أصول الفقه اختلاف بين علمائه؟ ! فنحن إذا أردنا أن ندون أصولًا قطعية للتفقه في الدين حق علينا أن نعمد إلى مسائل أصول الفقه المتعارفة، وأن نُعِيدَ ذوبها في بوتقة التدوين، ونعيرها بمعيار النظر والنقد؛ فننفي عنها الأجزاء الغريبة التي غلثت (٢) بها، ونضع فيها أشرف معادن مدارك الفقه والنظر، ثم نعيد صوغ ذلك العلم ونسميه (علم مقاصد الشريعة)، ونترك علم أصول الفقه على حاله تُستمَدُّ منه طرق تركيب الأدلة الفقهية، ونعمد إلى ما هو من مسائل أصول الفقه منزو تحت سُرَادِق مقصدنا هذا من تدوين مقاصد الشريعة، فنجعل منه مبادئ لهذا العلم الجليل: علم مقاصد الشريعة\" (٣).\nوقال في موضع آخر من كتابه في نفس الموضوع: \"وأبو إسحاق الشاطبي حاول في المقدمة من كتابه عنوان التعريف (٤) طريقة أخرى لإثبات كون أصول الفقه قطعية، وهي طريقة لا يوصل منها إلا قوله: (الدليل على ذلك: أنها راجعة إلى كليات\n_________\n(١) يُنظر كلام الشاطبي واحتجاجه لكون أصول الفقه قطعية في: الموافقات (١/ ١٧ - ٢٤).\n(٢) الغلث: الخلط، غَلَثْتُ الشيء بغيره غلثًا: خلطته به. يُنظر: الصحاح (ص: ٧٨١)؛ المصباح المنير (٢/ ٤٥٠) مادة: (غلث).\n(٣) مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور (ص: ١٧٢).\n(٤) المراد به: كتاب الموافقات؛ فإن الشاطبي لأجل ما أودعَ فيه من الأسرار التكليفية المتعلقة بهذه الشريعة الحنفية رغب في تسميته بـ (عنوان التعريف بأسرار التكليف)، ثم عدل عن هذه التسمية إلى (الموافقات) لرؤيا بعض أصدقائه. يُنظر: الموافقات (١/ ١٠ - ١١).","vol":"1","page":530},{"text":"الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي) (١). أي: لو تحققنا رجوع شيء معين إلى تلك الكليات- وأعني بالكليات: الضروريات والحاجيات. ثم ذهب يستدل على ذلك بمقدمات خطابية وسفسطائية أكثرها مدخول ومخلوط غير منخول\" (٢).\n• المثال الثاني:\nقال ابن عاشور: \" ... ولحِق بأولئك أفذاذ أحسب أن نفوسهم جاشت بمحاولة هذا الصنيع؛ مثل: عز الدين عبدالعزيز بن عبدالسلام المصري الشافعي في قواعده (٣)، وشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي المصري المالكي في كتابه الفروق (٤)؛ فلقد حاولا غير مرةٍ تأسيس المقاصد الشرعية.\nوالرجلُ الفذُّ الذي أفرد هذا الفنَّ بالتدوين هو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي المالكي؛ إذ عُنِي بإبرازه في القسم الثاني من كتابه المسمى: عنوان\n_________\n(١) يُنظر: الموفقات (١/ ١٧ - ١٨).\n(٢) يُنظر: مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور (ص: ٢٣٤).\n(٣) قال حاجي خليفة: \"القواعد الكبرى في فروع الشافعية، للشيخ عز الدين عبدالعزيز بن عبدالسلام الشافعي (ت: ٦٦٠ هـ)، وليس لأحد مثله، وكثير منها مأخوذ من شعب الإيمان للحليمى، وله القواعد الصغرى ... \". يُنظر: كشف الظنون (٢/ ١٣٥٩).\nقلت: وله أيضًا قواعد الأحكام في مصالح الأنام، اشتمل على مجموعة من قواعد المقاصد.\n(٤) قال حاجي خليفة: \"أنوار البروق في أنواء الفروق، للشيخ شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي المالكي، (ت: ٦٨٢ هـ)، وهو مجلد كبير، أوله: (الحمد لله فالق الإصباح)، جمع فيه ٥٤٠ قاعدة من القواعد الفقهية\". كشف الظنون (١/ ١٨٦).\n\nوفي اكتفاء القنوع: \" ... ويعرف بالأنوار والقواعد السنية في الأسرار الفقهية، ويعرف على الإطلاق بالفروق، وعلى هوامش الأجزاء الأربعة كتاب إدرار الشروق على أنواء الفروق لابن الشاط (ت: ٧٢٣ هـ)، ينتقد فيه ابن الشاط على القرافي انتقادًا شديدًا، وكلاهما في الفروق في الفقه على مذهب مالك بن أنس\". يُنظر: اكتفاء القنوع (ص: ١٣٩).","vol":"1","page":531},{"text":"التعريف [بأصول] (١) التكليف في أصول الفقه، وعنوان ذلك القسم بكتاب المقاصد؛ لكنه تطوَّحَ في مسائله إلى تطويل وخلط، وغفل عن مهمات من المقاصد؛ بحيث لم يحصل منه الغرض المقصود، على أنه أفاد جدَّ الإفادة، فأنا أقتفي آثاره، ولا أهمل مهماته؛ ولكن لا أقصد نقله ولا اختصاره\" (٢).\n• المثال الثالث:\nقال ابن عاشور: \"مثال المقاصد الظنية القريبة من القطعي: ما قال الشاطبي في المسألة الثانية من الطرف الأول من كتاب الأدلة: (الدليل الظني إما أن يرجع إلى أصل قطعي؛ مثل قول النبي - ﷺ -: «لا ضرَرَ ولاَ ضِرارَ» (٣)؛ فإنه داخل تحت أصل قطعي في هذا المعنى؛ فإن الضرر والضرار مبثوث منعه في الشريعة كلها في وقائع جزئيات، وقواعد كليات؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\n_________\n(١) في النسخة المطبوعة (عنوان التعريف بأسرار التكليف)، وسبق أنه هو نفسه كتاب الموافقات.\n(٢) يُنظر: مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور (ص: ١٧٤).\n(٣) هذا الحديث ورد بعدة روايات؛ منها:\nرواية الإمام أحمد وابن ماجه والطبراني في الكبير من طريق ابن عباس، يُنظر: مسند الإمام أحمد (١/ ٣١٣/ح: ٢٨٦٧)، سنن ابن ماجة، ك: الأحكام، ب: من بَنَى في حقّه ما يَضُرُّ بجاره، (٢/ ٧٨٤/ح: ٢٣٤١)؛ المعجم الكبير (١١/ ٢٢٨/ح: ١١٥٧٦)، (١١/ ٣٠٢/ح: ١١٨٠٦).\nورواه الدارقطني والحاكم من طريق أبي سعيد الخدري، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه. يُنظر: سنن الدراقطني، ك: البيوع، (٣/ ٧٧/ح: ٢٨٨)؛ المستدرك على الصحيحين، ك: البيوع، (٢/ ٦٦/ح: ٢٣٤٥).\n\nيُنظر: تذكرة المحتاج (١/ ٧٨). وقال الألباني: صحيح. وذكر طرقه، فلتراجع في إرواء الغليل (٣/ ٤٠٨ - ٤١٤).","vol":"1","page":532},{"text":"ومنها: النهي عن التعدي على النفوس والأموال والأغراض، وعن الغصب والظلم، وكل ما هو في المعنى إضرار وضرار. ويدخل تحته الجناية على النفس، أو العقل، أو النسل، أو المال، فهو معنى في غاية العموم في الشريعة لا مراء فيه ولا شك).\nفإن الأدلة المذكورة في كلام الشاطبي وإن كانت كثيرة؛ إلا أنها أدلة جزئية، والدليل العام منها وهو قول الرسول - ﷺ -: «لا ضرَرَ ولا ضِرارَ»، خبر آحاد؛ وليس بقطعي النقل عن الشارع؛ لأن السنة غير المتواترة ليست قطعية المتن\" (١).\n• المثال الرابع:\nقال ابن عاشور في بيان المصلحة: \"ويظهر لي أن نعرِّفها بأنها: وصف للفعل يحصل به الصلاح. أي: النفع منه دائمًا أو غالبًا، للجمهور أو للآحاد.\nفقولي: (دائمًا) يُشير إلى المصلحة الخالصة والمطردة.\nوقولي: (أو غالبًا) يشير إلى المصلحة الراجحة في غالب الأحوال.\nوقولي: (للجمهور أو للآحاد) إشارة إلى أنها قسمان كما سيأتي ... وعرفها الشاطبي في مواضع من كتابه عنوان التعريف بما يتحصل منه بعد تهذيبه: أنها ما يؤثر صلاحًا أو منفعة للناس عمومية أو خصوصية، وملاءمة قارة في النفوس في قيام الحياة (٢). وهو أقرب التعاريف السابقة على تعريفنا؛ ولكنه غير منضبط\" (٣).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك ابن عاشور على الشاطبي في تعريفه للمصلحة من جهتين:\n_________\n(١) ينظر: مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور (ص: ٢٣٧).\n(٢) يُنظر كلام الشاطبي في معنى المصلحة وأصنافها في: الموافقات (٢/ ٤٤ وما بعدها).\n(٣) يُنظر: مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور (ص: ٢٧٩).","vol":"1","page":533},{"text":"الجهة الأولى: تهذيبه لتعريف الشاطبي.\nالجهة الثانية: بأن تعريفه غير منضبط.\nكما أن ابن عاشور استدرك على إمام الحرمين والقرافي في مسألة (قواعد الأصول هل هي قطعية أو ظنية؟ (١»، واستدرك على إمام الحرمين (٢) والغزالي (٣) في المصلحة المرسلة (٤).\n_________\n(١) يُنظر: مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور (ص: ١٦٨، ١٧١، ٢٣٤).\n(٢) يُنظر: كلام إمام الحرمين في المصلحة المرسلة في البرهان (٢/ ١١٣٠ - ١١٣٥).\n(٣) يُنظر كلام الغزالي في المصلحة المرسلة في: المستصفى (٢/ ٤٨٧ - ٥٠٦).\n(٤) يُنظر: مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور (ص: ٣٠٩).","vol":"1","page":534},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-176> المبحث الثاني\nمنهج الاستدراك الأصولي، وتطبيقاته</span>.\nوفيه تمهيد، وأربعة مباحث:\n- تمهيد: المراد بمنهج الاستدراك الأصولي.\n- المطلب الأول: منهج الاستدراك الاستقرائي، وتطبيقاته.\n- المطلب الثاني: منهج الاستدراك التحليلي، وتطبيقاته.\n- المطلب الثالث: منهج الاستدراك النقدي، وتطبيقاته.\n- المطلب الرابع: منهج الاستدراك الحجاجي، وتطبيقاته.\n\n* * ... * ** * ... * *","vol":"1","page":535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>تمهيد\nالمراد بمنهج الاستدراك الأصولي</span>\nقبل البدء في بيان مناهج الاستدراك الأصولي يناسب التمهيد ببيان معنى المنهج.\nمادة المنهج في اللغة (النون، والهاء، والجيم) أصلان متباينان:\nالأول: النهج: الطريق، ونَهَجَ لي الأمر: أوضحه، وهو مستقيم المنهاج.\nوالمنهج: الطريق أيضًا، والجمع: مناهج.\nالثاني: الانقطاع، وأتانا فلان ينهج: إذا أتى مبهورًا مُنقطع النَّفَسِ، وضربتُ فلانًا حتى أنهِجَ: أي سقط. (١)\nوالذي يناسب المقام هنا هو المعنى الأول؛ وهو الطريق.\nوقال الجوهري (٢) وابن منظور (٣): \"نهج الطريق الواضح، وكذلك المنهج\n_________\n(١) يُنظر: مقاييس اللغة (٥/ ٣٦١) مادة: (نهج).\n(٢) هو: أبو نصر، إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي، نسبة إلى فاراب من بلاد الترك، كان من أعاجيب الزمان ذكاء وفطنة وعلمًا، فكان إمامًا في النحو واللغة والصرف، وبخطه يضرب المثل. من مصنفاته: \"الصحاح\"، وله كتاب في العروض، ومقدمة في النحو، (ت: ٣٩٣ هـ) بنيسابور؛ حيث صنع جناحين من الخشب وحاول الطيران بهما، فسقط على الأرض قتيلًا.\nتُنظر ترجمته في: معجم الأدباء (٢/ ٢٠٥ - ٢١٢)؛ البلغة في تراجم أئمة النحو (ص: ٦٦ - ٦٨)؛ الأعلام (١/ ٣١٣).\n(٣) هو: أبو الفضائل، محمد بن مُكرَّم بن علي الأنصاري، الملقب بجمال الدين، عالم باللغة والنحو والتاريخ، من أشهر مصنفاته: \"لسان العرب\" جمع فيه عدة كتب؛ منها: الجمهرة، والصحاح، والنهاية، وغيرها. (ت: ٧١١ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الدرر الكامنة (٤/ ٢٦٢ - ٢٦٤)؛ بغية الوعاة (١/ ٢٤٨)؛ قطف الثمر في رفع أسانيد المصنفات (ص: ٢٢٤).","vol":"1","page":536},{"text":"والمنهاج، وأنهج الطريق: أي استبان وصار نهجًا واضحًا بينًا\" (١).\nوالمنهج في الاصطلاح: الطريق المنهوج (أي المسلوك). (٢)\nوالمراد بمنهج الاستدراك: طريقة التعقيب على الخصم.\nوهذا التعريف مستفادة من المعنى اللغوي لكلمتي (المنهج) و(الاستدراك).\n_________\n(١) يُنظر: الصحاح (ص: ١٠٧١)؛ لسان العرب (١٤/ ٣٦٥) مادة: (نهج).\n(٢) التعاريف (ص: ٦٨١).","vol":"1","page":537},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-178>المطلب الأول\nمنهج الاستدراك الاستقرائي، وتطبيقاته</span>\nأصل مادة الاستقراء: القاف والراء والحرف المعتل، ويدل على الجمع واجتماع (١).\nوالاِسْتِقْرَاءُ في اللغة: التَّتَبُّعُ، يقال: قَرَأَ الأْمْرَ وَاقتَراهُ: أَيْ تَتَبَّعَهُ (٢)، وَاسْتَقْرَأْتُ الأْشْيَاءَ: تَتَبَّعْتُ أفرادها لمعرفة أحوالها وخواصِّها (٣).\nوفي الاصطلاح: تصفح أمور جزئية ليحكم بحكمها على أمر يشمل تلك الجزئيات. (٤)\nوينقسم إلى: تام، وناقص.\nفالتام: إثبات حكم كلي في ماهية لثبوته في جميع جزئياتها. وهو دليل قطعي عند الأكثر. (٥)\nمثاله: كل جسم متحيز؛ فإنا استقرأنا جميع جزئيات الجسم فوجدناها منحصرة في الجماد والنبات والحيوان، وكل من ذلك متحيز، فقد أفاد هذا الاستقراء الحكم يقينًا. (٦)\nوالناقص: إثبات حكم كلي في ماهية لثبوته في بعض أفرادها، ويسمى هذا\n_________\n(١) يُنظر: مقاييس اللغة (٥/ ٧٨) مادة: (قرى).\n(٢) يُنظر: تاج العروس (٣٩/ ٢٩٠) مادة: (قرو).\n(٣) يُنظر: المصباح المنير (٢/ ٥٠٢) مادة: (قرأ).\n(٤) يُنظر: محك النظر (١/ ٢٢)؛ البحر المحيط (٦/ ١٠)؛ مناهج العقول (٣/ ١٣٢)؛ تيسير التحرير (١/ ٤٦)؛ دستور العلماء (١/ ٧٢).\n(٥) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٨/ ٣٧٨٨)؛ نهاية السول (٢/ ٩٤٠)؛ تيسير التحرير (١/ ٤٦).\n(٦) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٨/ ٣٧٨٨).","vol":"1","page":538},{"text":"عند الفقهاء بإلحاق الفرد بالأعم الأغلب، ويختلف فيه الظن باختلاف الجزئيات، فكلما كان الاستقراء فيه أكثر كان أقوى ظنًّا. وهذا النوع اختلف فيه، والأصحُّ: أنَّهُ يُفيد الظّنَّ الغالب، ولا يُفيدُ القطع؛ لاحتمال تخَلُّفِ بعض الجزيئات عن الحكم. (١)\nمثاله: قول المستدِل بعدم وجوب الوتر: الوتر يؤدى على الراحلة، وكل ما يُؤدى على الراحلة لا يكون واجبًا.\nفالمقدمة الأولى - الوتر يؤدى على الرحلة- ثبت بالإجماع.\nوالمقدمة الثانية - كل ما يؤدى على الراحلة لا يكون واجبًا- فباستقراء وظائف اليوم والليلة أداءً وقضاءً، وهذا الاستقراء ناقص. (٢)\nوالمنهج الاستقرائي منهج معتبر عند علماء المسلمين؛ ومنهم الإمام الشاطبي؛ حيث حدد في بداية كتابه الموافقات المنهج الذي سيسلكه فقال: \"ولما بدا من مكنون السرِّ ما بدا، ووفق الله الكريم لما شاء منه وهدى؛ لم أزل أُقيِّدُ من أوابده (٣)، وأضمُّ من شوارده (٤) تفاصيل وجُملًا، وأسوق من شواهده في مصادر الحكم وموارده مبيَّنًا لا مجملًا، معتمدًا على الاستقراءات الكلية، غير مقتصر على الأفراد الجزئية، ومبيِّنًا أصولها النقلية، بأطراف من القضايا العقلية، حسبما أعطته الاستطاعة والمنَّة، في بيان مقاصد الكتاب والسنة\" (٥).\nفالمراد بمنهج الاستدراك الاستقرائي: طريقة التعقيب على الخصم بتتبع جزئيات لإثبات حكم كلي مخالفًا لحكمه في نفسه.\n_________\n(١) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٨/ ٣٧٨٩)؛ نهاية السول (٢/ ٩٤٠)؛ تيسير التحرير (١/ ٤٦).\n(٢) يُنظر: نهاية السول (٢/ ٩٤٠)؛ تيسير التحرير (١/ ٤٦).\n(٣) أوابد الكلام: غرائبه وعجائبه. ويقال للشوارد من القوافي: الأَوابد. يُنظر: لسان العرب (١/ ٣٢)؛ المعجم الوسيط (ص: ٣٢) مادة: (أبد).\n(٤) شوارد اللغة: غرائبها ونوادرها. يُنظر: المعجم الوسيط (ص: ٥٠٨) مادة (شرد).\n(٥) الموافقات (١/ ٩).","vol":"1","page":539},{"text":"شرح التعريف:\nطريقة التعقيب على الخصم: وقد سبقت في بيان معنى منهج الاستدراك.\nبتتبع جزئيات لإثبات حكم كلي: مستفادة من المعنى الاصطلاحي للاستقراء.\nمخالفًا لحكمه في نفسه: أي هذا الاستقراء لإثبات حكم مخالف لحكم الخصم، وهذه المخالفة في نفس متعلق المستدرَك فيه.\nأمثلة لاستدراكات استخدم فيها المنهج الاستقرائي:\n• المثال الأول:\nقال ابن رشد: \"مسألة: ليس للاسم المشترك عموم لجميع ما يقال عليه وإن كان قد يرى ذلك بعضهم؛ مثل: حمل قوله تعالى: (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) [النساء: ٤٣/المائدة: ٦] على الأمرين جميعًا -أعني النكاح، واللمس بالجارحة التي هي اليد-، وهذا يتبين خلافه باستقراء كلام العرب؛ فإنهم ليس يطلقون في مخاطبتهم اسم (العين) مثلًا ويريدون به أن يفهم السامع عنهم جميع المعاني التي يقال عليها اسم (العين) \" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك ابن رشد على القائلين بعموم المشترك باستقراء كلام العرب؛ حيث لم يطلقوا المشترك ويريدون به جميع المعاني.\n• المثال الثاني:\nقال الإسنوي: \"القراءة الشاذة -كقراءة ابن مسعود في كفارة اليمين: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ - هل تنزل منزلة الخبر أم لا؟\nوالصحيح عند الآمدي (٢) وابن الحاجب (٣): أنه لا يحتج بها، ونقله الآمدي\n_________\n(١) الضروري في أصول الفقه (ص: ١١١).\n(٢) يُنظر: الأحكام للآمدي (١/ ٢١٦).\n(٣) يُنظر: مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٨١).","vol":"1","page":540},{"text":"عن الشافعي - ﵁ -.\nوقال إمام الحرمين في البرهان (١): إنه ظاهر مذهب الشافعي؛ لأن الراوي لم ينقلها خبرًا، والقرآن يثبت بالتواتر؛ لا بالآحاد.\nوخالف أبو حنيفة - ﵁ - فذهب إلى الاحتجاج بها، وبنى عليه وجوب التتابع في كفارة اليمين؛ لقراءة ابن مسعود: ﴿ثلاثة أيام متتابعات﴾. (٢)\nوجزم النووي في شرح مسلم (٣) بما قاله الإمام (٤)، ذكر في الكلام على قوله - ﵇ -: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر» (٥)، وفي غيره أيضًا.\nوما قالوه جميعه خلاف مذهب الشافعي، وخلاف قول جمهور أصحابه، فقد نص الشافعي في موضعين من مختصر البويطي على أنها حجة، ذكر ذلك في باب الرضاع، وفي باب تحريم الحج، وجزم به الشيخ أبو حامد في الصيام وفي الرضاع، والماوردي في الموضعين أيضًا (٦)، والقاضي أبو الطيب في موضعين من تعليقته: أحدهما: الصيام، والثاني: في باب وجوب العمرة. والقاضي الحسين في الصيام، والمحاملي في الأيمان من كتابه المسمى: عدة المسافر وكفاية الحاضر، وابن يونس شارح التنبيه في كتاب الفرائض، في الكلام على ميراث الأخ للأم، وجزم به الرافعي في باب حد السرقة (٧).\n_________\n(١) (١/ ٦٦٦).\n(٢) يُنظر: المبسوط (٣/ ٧٥)؛ بدائع الصنائع (٢/ ٧٦)؛ فتح القدير لابن الهُمام (٥/ ٨١).\n(٣) (٥/ ١٣٠ - ١٣١).\n(٤) المراد بالإمام هنا: الجويني.\n(٥) سبق تخريجه (ص: ١٨٠).\n(٦) يُنظر: الحاوي الكبير (١١/ ٤١٥) (١٥/ ٣٢٩).\n(٧) يُنظر: فتح العزيز شرح الوجيز، للرافعي (١/ ٢٦٠)، رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى تخصص الفقه، إعداد الطالب: محمود عبدالحميد محمود طهماز، إشراف الدكتور: الشافعي عبدالرحمن السيد عوض، العام: ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":541},{"text":"والذي وقع للإمام فقلده فيه النووي مستنده: عدم إيجابه للتتابع في كفارة اليمين بالصوم مع قراءة ابن مسعود السابقة، وهو وضع عجيب؛ فإن عدم الإيجاب يجوز أن يكون لعدم ثبوت ذلك من الشافعي، أو لقيام معارض\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الإسنوي على الجويني والآمدي والنووي نسبة القول بعدم حجية القراءة الشاذة للإمام الشافعي، وهذا الاستدراك مبني على المنهج الاستقرائي لأقوال الشافعي وجمهور أصحابه، والاستقراء في هذا المثال مستنبط ومستفاد من صنيع الإسنوي، وليس تصريحًا منه بأنه استقراء.\n• المثال الثالث:\nقال الشاطبي: \"وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا، وهذه دعوى لا بد من إقامة البرهان عليها صحة أو فسادًا، وليس هذا موضع ذلك.\nوقد وقع الخلاف فيها في علم الكلام، وزعم الفخر الرازي أن أحكام الله ليست مُعلَّلة بعلَّة ألبتة، كما أن أفعاله كذلك، وأن المعتزلة اتفقت على أن أحكامه تعالى معللة برعاية مصالح العباد (٢)، وأنه اختيار أكثر الفقهاء المتأخرين، ولما اضطُرّ (٣) في علم أصول الفقه إلى إثبات العلل للأحكام الشرعية؛ أثبت ذلك على أن العلل بمعنى العلامات المعرفة للأحكام خاصة (٤)، ولا حاجة إلى تحقيق الأمر في هذه المسألة.\n_________\n(١) التمهيد للإسنوي (ص: ١١٨ - ١١٩).\n(٢) يذهب المعتزلة إلى أن أحكام الله معللة بمصالح العباد، وأن ذلك واجب عليه. يُنظر: المعتمد (٢/ ٢٠٤).\n(٣) أي الرازي.\n(٤) يُنظر: المحصول (٥/ ١٢٥، ١٣٥).","vol":"1","page":542},{"text":"والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وُضِعَتْ لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره؛ فإن الله تعالى يقول في بعثه الرسل وهو الأصل: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: ١٦٥]، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: ١٠٧].\nوقال في أصل الخلقة: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [هود: ٧]، (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦]، (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك: ٢].\nوأما التعاليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة فأكثر من أن تحصى؛ كقوله بعد آية الوضوء: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) [المائدة: ٦].\nوقال في الصيام: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: ١٨٣].\nوفي الصلاة: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) [العنكبوت: ٤٥].\nوقال في القبلة: (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) [البقرة: ١٥٠].\nوفي الجهاد: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) [الحج: ٣٩].\nوفي القصاص: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُوْلِي الْأَلْبَابِ) [البقرة: ١٧٩].\nوفي التقرير على التوحيد: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ\nالْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) [الأعراف: ١٧٢]، والمقصود التنبيه.\nوإذا دل الاستقراء على هذا، وكان في مثل هذه القضية مفيدا للعلم؛ فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة، ومن هذه الجملة ثبت القياس والاجتهاد،","vol":"1","page":543},{"text":"فلنجر على مقتضاه ويبقى البحث في كون ذلك واجبًا أو غير واجب موكولًا إلى علمه (١) \" (٢).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الشاطبي على الرازي قوله: \"إن أحكام الله ليست مُعلَّلة بعلَّة\" باستقراءات من الكتاب تدل بأن الشريعة وُضِعَتْ لمصالح العباد.\n• المثال الرابع:\nقال أمير بادشاه: \" (... أكثر المتفقين على الوجوب) لصيغة الأمر على ما ذكره ابن الحاجب (٣) وغيره؛ ومنهم: الشافعي والمَاتُرِيدِيّ (٤) على قول، متفقون على (أنها) أي صيغة الأمر (بعد الحظر) أي المنع (في لسان الشرع للإباحة) علم هذا (باستقراء استعمالاته) أي الشرع لها (فوجب الحمل) أي حملها (عليه) أي على المعنى الإباحي (عند التجرد) عن الموجب لغيره (لوجوب الحمل على الغالب)؛ لأن الظاهر كون هذا الخاص ملحقًا بالغالب، (ما لم يعلم) بدليل (أنه) أي هذا الأمر الخاص\n_________\n(١) وهذا هو المذهب الحق؛ فالله شرع أحكامه معللة بمصالح العباد تفضلًا منه ورحمة، وليس وراء ذلك إلا أحد قولين:\n١ - إما القول بأن الله لم يشرع أحكامه معللة بمصالح العباد، وهذا يقضي بعدم القول بالقياس كما فعلت الظاهرية، وإنكار التعليل، أو القول بالقياس وإنكار التعليل كما فعل الرازي.\n٢ - أو القول بأن الله شرع أحكامه معللة بمصالح العباد وأن ذلك واجب عليه كما قالت المعتزلة.\nيُنظر: منهج البحث الأصولي عند الإمام الشاطبي دراسة وتطبيقًا (ص: ٧٨ - ٧٩).\n(٢) الموافقات (٢/ ٩ - ١٣).\n(٣) يُنظر: مختصر ابن الحاجب (١/ ٦٧٨).\n(٤) هو: أبو منصور، محمد بن محمد بن محمود الماتريدي، نسبة إلى بلدة (ماتريد) في سمرقند، من مصنفاته الموجودة: \"كتاب التأويلات\"، و\" كتاب التوحيد\"، و\"كتاب المقالات\"، وينسب إليه خطأً \"شرح الفقه الأكبر\" و\"شرح الإبانه\" و\"العقيدة الماتريدية\"، (ت: ٣٣٣ هـ).\nتُنظر ترجمته في: تاج التراجم (٢٤٩ - ٢٥٠)؛ الفوائد البهية (١٩٥)؛ الجواهر المضِيَّة (٣/ ٣٦٠).","vol":"1","page":544},{"text":"(ليس منه) أي هذا (نحو: (فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) [التوبة: ٥]؛ فإنه للوجوب وإن كان بعد الحظر للعلم بوجوب قتل المشرك إلا لمانع.\n(وظهر) من استناد الإباحة إلى الاستقراء المذكور (ضعف قولهم) أي القائلين بالوجوب بعد الحظر؛ كالقاضي أبي الطيب الطبري، وأبي إسحاق الشيرازي (١)، والإمام الرازي (٢)، والبيضاوي (٣)، وفخر الإسلام (٤)، وعامة المتأخرين من الحنفية (٥)، (لو كان) الأمر للإباحة بعد الحظر (امتنع التصريح بالوجوب) بعد الحظر، ولا يمتنع؛ إذ لا يلزم من إيجاب الشيء بعد التحريم محال.\nووجه الضعف: أنا ما ادعينا المنافاة بين الإيجاب اللاحق والتحريم السابق؛ بل الاستقراء دعانا إلى ذلك، (ولا مخلص) من كونه للإباحة (إلا بمنع صحة الاستقراء إن تم) منع صحته، وهو محل نظر\" (٦).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك أمير بادشاه على القائلين بأن صيغة الأمر بعد الحظر تفيد الوجوب باستقراء أدلة الشرع بعد الحظر والتي أفادت الإباحة، ولا سبيل لمنع كون هذه الصيغة للإباحة إلا بمنع صحة الاستدلال بالاستقراء.\n_________\n(١) يُنظر: التبصرة (ص: ٢١).\n(٢) يُنظر: المحصول (٢/ ٩٦).\n(٣) يُنظر: المنهاج - مطبوع مع نهاية السول - (١/ ٤١٥).\n(٤) يُنظر: أصول البزدوي - مطبوع مع كشف الأسرار للبخاري- (١/ ٢٧٦ - ٢٧٧).\n(٥) يُنظر: التلويح شرح التوضيح (١/ ٣٤٢)؛ فتح الغفار (ص: ٣٩ - ٤٠)؛ مناهج العقول (٢/ ٣٤)؛ مسلم الثبوت (١/ ٣٧٩).\n(٦) يُنظر: تيسير التحرير (١/ ٣٤٥ - ٣٤٦).","vol":"1","page":545},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-179>المطلب الثاني\nمنهج الاستدراك التحليلي، وتطبيقاته</span>\nأصل المادة: الحاء واللام له فروع كثيرة، أصلها كلها: فتح الشيء (١).\nوالتحليل في اللغة: تفعيل من حلل، وحل العقدة: نقضها، فانحلت، وكل جامد أذيب فقد حل، والتَّحَلْحُل: التحرُّك والذهاب (٢).\nوتحليل الشيء: ترجيعه إلى عناصره. وتحليل الجملة: بيان أجزائها ووظيفة كل منها (٣).\nوعليه فإن المراد بمنهج الاستدراك التحليلي: طريقة التعقيب على الخصم بنقض احتمالات قوله.\nشرح التعريف:\nطريقة التعقيب على الخصم: سبقت في بيان معنى منهج الاستدراك.\nبنقض: مستفاد من المعنى اللغوي للتحليل، والمراد بالنقض هنا: إفساد ما أُبرم (٤) في دليل الخصم.\n_________\n(١) يُنظر: مقاييس اللغة (٢/ ٢٠) مادة: (حلل).\n(٢) يُنظر: لسان العرب (٤/ ٢٠٦، ٢٠٧)؛ القاموس المحيط (ص: ٩٨٦) مادة: (حلل).\n(٣) يُنظر: المعجم الوسيط (ص: ١٩٤) مادة: (حلَّ).\n(٤) يُنظر: تاج العروس (١٩/ ٨٨) مادة: (نقض)، وقال أيضًا في معنى النقض: (ومن المجَازِ: نَقيضَةُ الشّعْر؛ وهو أن يقولَ شاعرٌ شعْرًا فيَنْقضَ عَلَيهِ شاعرٌ آخرُ حتّى يجيءَ بغيرِ ما قالَ؛ ولذلك قالوا: نَقَائضُ جريرٍ والفَرَزدَقِ ... قالَ الشّاعر:\nوكانَ أبو العيُوفِ أخًا وجارًا ... وذا رحِمٍ فقلتُ له نِقاضَا\nأي ناقَضتُه في قوله وهَجوِه إِيّايَ). (١٩/ ٩٤ - ٩٥).","vol":"1","page":546},{"text":"احتمالات قوله: فالتعقيب على كلام الخصم في هذه الطريقة لا يكون على مجمل قوله، بل على احتمالات قوله.\nأمثلة لاستدراكات استخدم فيها المنهج التحليلي:\n• المثال الأول:\nقال الطوفي في مسألة (إفادة التواتر للعلم): \"وقولنا: (بشروط تذكر) أي: للتواتر شروط قد ذكرت في مسائله. (وفيه مسائل: الأولى: التواتر يفيد العلم) أي: يحصل العلم بالخبر المتواتر، (وخالف السُّمَنِيَّة (١» والبَرَاهِمة (٢) أيضًا، أي: قالوا: لا يفيد العلم؛ بل الظن، (إذ حصروا) أي: إنما خالفوا في إفادة التواتر العلم؛ لأنهم حصروا (مدارك العلم في الحواس الخمس) أي: قالوا: لا سبيل إلى إدراك علم من العلوم إلا بإحدى الحواس الخمس: السمع، والبصر، والشمِّ، والذوق، واللمس ...\nفنقول: هذا الحصر إما أن يكون معلومًا لكم، أو غير معلوم، فإن كان معلومًا لكم بطل قولكم: إن مدارك العلم محصورة في الحواس؛ لأن هذا علم قد حصلتموه من غير جهة الحواس، وإن لم يكن معلومًا لكان هذا الحصر على ظن؛ لكن الظن\n_________\n(١) السُّمَنِيَّة: فرقة من أمصار الهند، منسوبة إلى صنم اسمه (سُومَنَات)، كسره فاتح الهند السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي (ت: ٤٢١ هـ). قالوا بقدم العالم، وبإبطال النظر والاستدلال، وزعموا أنه لا معلوم إلا من جهة الحواس الخمس، وأنكر أكثرهم المعاد والبعث بعد الموت. وقالوا بتناسخ الأرواح في الصور المختلفة، فأجازوا أن ينقل روح الإنسان إلى كلب، وروح الكلب إلى إنسان.\n\nيُنظر: الفَرق بين الفِرق (ص: ٢٥٣)؛ فواتح الرحموت (٢/ ١٤٢)؛ المعجم الوسيط (ص: ٤٥٢)؛ دستور العلماء (٢/ ١٣٣).\n(٢) البَراهِمة: قبيلة بالهند، من ولد برهمي- ملك من ملوكهم قديم -، ولهم علامة ينفردون بها؛ وهي خيوط ملونة بحمرة وصفرة يتقلدونها تقلد السيوف، وقد أنكروا النبوات، وحرموا لحوم الحيوان.\nيُنظر: الفصل في الملل (١/ ٦٣)؛ الملل والنحل (٢/ ٢٥٠)؛ المعجم الوسيط (ص: ٥٣).","vol":"1","page":547},{"text":"لا يفيد في هذا الباب؛ لأنه من العلميات\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الطوفي على فرقة السُّمَنِيَّة والبراهمة حصرهم مدارك العلم في الحواس الخمس؛ فإن حصرهم هذا يتردد بين احتمالين:\n- الاحتمال الأول: أن يكون حصرهم معلومًا لهم.\n- الاحتمال الثاني: أن يكون حصرهم غير معلومٍ لهم.\nفإن كان الأول - الحصر معلوم - فقولهم: إن مدارك العلم محصورة في الحواس باطل؛ لأن قولهم هذا علم ولم يدرك من جهة الحواس.\nوإن كان الثاني - الحصر غير معلوم - فهو من قبيل الظن؛ ولكن الظن لا يفيد في باب مدارك العلم؛ لأن هذا الباب من العلميات، وبهذا يبطل قولهم.\n• المثال الثاني:\nقال الإسنوي في مسألة (الخبر الذي علم صدقه): \"فيما علم صدقه وهو سبعة أقسام: ... الرابع: خبر كل الأمة؛ لأن الإجماع حجة، ...، هكذا استدل عليه الإمام (٢) فتبعه المصنف وغيره.\nفإن أراد بالحجة: ما هو مقطوع به، وهو الذي صرح به الآمدي (٣) هنا؛ فالإجماع ليس كذلك عندهما -كما ستعرفه- (٤).\n_________\n(١) يُنظر: شرح مختصر الروضة (٢/ ٧٤ - ٧٥).\n(٢) يُنظر: المحصول (٤/ ٢٨٢).\n(٣) أي أن الآمدي صرح بأن الإجماع حجة قاطعة خلافًا للرازي. يُنظر: الإحكام للآمدي (١/ ٢٦٦).\n(٤) قال الرازي: \"نحن لا نقول بتكفير مخالف الإجماع، ولا بتفسيقه، ولا نقطع أيضًا به، وكيف وهو عندنا ظني؟ ! \". المحصول (٤/ ٦٤)، ويُنظر: (٤/ ٢٠٩ - ٢١٠).","vol":"1","page":548},{"text":"وإن أراد بالحجة: ما يجب العمل به؛ فمسلم؛ لكنه لا يلزم من ذلك أن يكون مقطوعًا به؛ لأن أخبار الآحاد والعمومات وغيرهما يجب العمل بها مع أنها ظنية\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الإسنوي على الرازي والبيضاوي عدهم خبر كل الأمة من الخبر الذي علم صدقه، واستدلالهم في ذلك بالإجماع؛ لأن الإجماع حجة.\nفحلل الإسنوي هذه العبارة - الإجماع حجة - باحتمالين:\nإن أراد الرازي والبيضاوي بالحجة: المقطوع به؛ فهذا لا يتمشى مع مذهبهما؛ حيث إن الإجماع يفيد الظن عندهما.\nوإن أرادا بالحجة في الإجماع: ما يجب العمل به؛ فمسلم؛ لكنه لا يلزم منه أن يكون الإجماع مقطوعًا به، وبالتالي لا يكون خبر كل الأمة مقطوعًا به؛ لأن أخبار الآحاد والعمومات وغيرهما يجب العمل بها مع أنها ظنية.\n_________\n(١) نهاية السول (٢/ ٦٦٥).","vol":"1","page":549},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-180>المطلب الثالث\nمنهج الاستدراك النقدي، وتطبيقاته</span>\nسبق بيان المراد بالاستدراك النقدي (١)، وأنواعه، وأمثلته (٢).\nوأما المراد بمنهج الاستدراك النقدي فهو: طريقة التعقيب على الخصم بإبراز مواضع الخلل.\nوألفاظ التعريف واضحة وسبق ذكرها (٣).\n_________\n(١) يُنظر: (ص: ٣١٩).\n(٢) يُنظر: (ص: ٢١٧ - ٢٣٠).\n(٣) يُنظر: (ص: ٣١٩).","vol":"1","page":550},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-181>المطلب الرابع\nمنهج الاستدراك الحجاجي، وتطبيقاته</span>\nأصل المادة: الحاء والجيم أصول أربعة؛ فالأول: القصد (١)،\nوكل قَصْدٍ حجٌّ، والحُجَّة مشتقة من هذا؛ لأنها تُقْصَد، أو بها يُقْصَد الحقُّ المطلوب، يُقال: حاججت فلانًا فحجَجْته: أي غلبتُه بالحجة، وذلك الظَّفرُ يكون عند الخصومة، والجمعُ: حُجَج، والمصدرُ: الحِجَاج. (٢)\nوالحجاج في اللغة: مصدر الفعل حاجج، والحجة: البرهان، وقيل: الحجة: ما دفع به الخصم، ويقال: حاجه محاجة وحجاجًا: أي نازعه، وحجه يحجه حجًّا: غلبه على حجته. (٣)\nوفي الاصطلاح: قال الغزالي: الحجة: هي التي يؤتى بها في إثبات ما تمس الحاجة إلى إثباته من العلوم التصديقية (٤). (٥)\n_________\n(١) والثاني: السَّنَة؛ لأن الحج في السنة لا يكون إلا مرَّة واحدة، فكأن العام سُمي بما فيه من الحج حجة.\nوالثالث: الحجاج، وهو العظم المستدير حول العين.\n\nالرابع: الحَجْحَجة: النكوص. يُنظر: مقاييس اللغة (٢/ ٣١) مادة: (حج).\n(٢) يُنظر: المرجع السابق (٢/ ٢٩ - ٣٠).\n(٣) يُنظر: الصحاح (ص: ٢١٢)؛ لسان العرب (٤/ ٣٨)؛ مادة: (حجج).\n(٤) يقسم أهل المنطق العلم الحادث إلى قسمين: تصور وتصديق، والموصل إلى التصورات يدعى بالقول الشارح؛ كالحد، والرسم، والمثال. والموصل إلى التصديقات يسمى حجة؛ كالقياس، والاستقراء، والتمثيل. وفي ذلك يقول صاحب السلم:\nوَمَا بِهِ إلى تَصَوُّرٍ وُصِلْ ... يُدْعَى بِقَوْلٍ شَارِحٍ فَلْتَبْتَهِلْ\nوَمَا لِتَصْدِيقٍ بهِ تُوُصِّلاَ ... بِحُجَّةٍ يُعْرَفُ عنْدَ العُقَلاَ\n\nيُنظر: شرح الأخضري على السلم (ص: ٢٥)؛ إيضاح المبهم من معاني السلم (ص: ٥ - ٦).\n(٥) معيار العلم (ص: ٨٦).","vol":"1","page":551},{"text":"وقال الجرجاني (١): الحجة: ما دل به على صحة الدعوى. وقيل: الحجة والدليل واحد. (٢)\nفالمراد بمنهج الاستدراك الحجاجي: طريقة التعقيب على الخصم بدليل يخالفه في نفسه.\nشرح التعريف:\nطريقة التعقيب على الخصم: سبق ذكرها.\nبدليل: مستفاد من التعريف الاصطلاحي للحجة.\nيخالفه في نفسه: فيشترط في الدليل المتعقب به يكون في نفس متعلق الخصم.\nوالحجج قسمان: نقلية وعقلية (٣)، وسبق بيانها في أقسام الاستدراك بالنظر إلى المستدرك به (٤).\nومن المناسب إتباع هذا المبحث بمادة وصيغ الاستدراك، وهذا عنوان الفصل التالي.\n_________\n(١) هو: علي بن محمد بن علي، المعروف بـ (السيد الشريف الجرجاني)، الحنفي، علامة دهره، برع في اللغة، والأصول، والفلسفة، والمنطق، وكان بينه وبين الشيخ سعد الدين التفتازاني مباحثات ومحاورات في مجلس تيمورلنك. له نحو خمسين مصنفًا؛ منها: \"التعريفات\"، و\" حاشية على التلويح في الأصول\"، و\"مقاليد العلوم\"، (ت: ٨١٦ هـ)، وقيل: (ت: ٨١٤ هـ).\nتُنظر ترجمته في: بغية الوعاة (٢/ ١٩٦ - ١٩٧)؛ أبجد العلوم (٣/ ٥٧)؛ الأعلام (٥/ ٧).\n(٢) التعريفات (ص: ١١٢).\n(٣) يُنظر: شرح الأخضري على السلم (ص: ٣٧)؛ حاشية الصبان على شرح السلم (ص: ١٤٨).\n(٤) يُنظر: (ص: ٣٩٩ - ٤٥٣).","vol":"1","page":552},{"text":"الفصل الخامس","vol":"1","page":553},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>الفصل الخامس\nمادة وصيغ الاستدراك الأصولي،\nوتطبيقاتها</span>.\nوفيه مبحثان:\n- المبحث الأول: مادة الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها.\n- المبحث الثاني: صيغ الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها.","vol":"1","page":554},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-183> المبحث الأول\nمادة الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها</span>.\nوفيه تمهيد ومطلبان:\n- تمهيد: المراد بمادة الاستدراك الأصولي.\n- المطلب الأول: مادة القواعد الأصولية، وتطبيقاته.\n- المطلب الثاني: مادة العلوم الأخرى، وتطبيقاته.\n\n* * ... * ** * ... * *","vol":"1","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>تمهيد\nالمراد بمادة الاستدراك الأصولي</span>\nالمادة في اللغة: تقوم على ثلاثة حروف؛ هي: الميم والدال المشددة، وأصل المادة يدل على جر شيء في طول، واتصال شيء بشيء في استطالة. (١)\nوالمادة: الزيادة المتصلة، ومد الله في عمره: أي طوَّل له، والاستمداد: طلب المدد. (٢)\nومادة الشيء: أصوله وعناصره التي منها يتكون؛ حسية كانت أو معنوية، فالأول كمادة الخشب، والثاني كمادة البحث العلمي. (٣)\nوفي الاصطلاح: قال الجرجاني: \"مادة الشيء: هي التي يحصل الشيء معها بالقوة. وقيل: المادة: الزيادة المتصلة\" (٤).\nوالمراد بمادة الاستدراك: الأصول التي يتكون منها التعقيب.\nوهذا التعريف مستفاد من المعنى اللغوي لكلمتي (المادة) و(الاستدراك).\nولا يتصور أن يستدرك العلماء بلا مادة علمية يُحتكم إليها؛ بل كانت استدراكاتهم- على تعددها وتنوعها - تجري على أصول وطرائق علمية.\nقال ابن خلدون: \"وجرت بينهم المناظرات في تصحيح كل منهم مذهب إمامه، تجري على أصول صحيحة، وطرائق قويمة، يحتج بها كل على مذهبه الذي\n_________\n(١) يُنظر: مقاييس اللغة (٥/ ٢٦٩) مادة (مدَّ).\n(٢) يُنظر: الصحاح (ص: ٩٧٨) مادة (مدد).\n(٣) يُنظر: معجم الوسيط (ص: ٨٥٨) مادة: (مدَّ).\n(٤) التعريفات (ص: ٢٥٠).","vol":"1","page":556},{"text":"قلده، وتمسك به، وأجريت في مسائل الشريعة كلها، وفي كل باب من أبواب الفقه، فتارة يكون الخلاف بين الشافعي ومالك وأبي حنيفة يوافق أحدهما، وتارة بين مالك وأبي حنيفة والشافعي يوافق أحدهما، وتارة بين الشافعي وأبي حنيفة ومالك يوافق أحدهما، وكان في هذه المناظرات بيان مآخذ هؤلاء الأئمة، ومثارات اختلافهم، ومواقع اجتهادهم، كان هذا الصنف من العلم يسمى بالخلافيات، ولا بد لصاحبه من معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام كما يحتاج إليها المجتهد؛ إلا أن المجتهد يحتاج إليها للاستنباط، وصاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من أن يهدمها المخالف بأدلته\" (١).\nفبين - ﵀ - أن الأصول يستخدمها المجتهد للاستنباط، والمناظر المستدرك -صاحب الخلافيات- يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من أن يهدمها المخالف بأدلته.\n_________\n(١) مقدمة ابن خلدون (ص: ٤٥٦ - ٤٥٧).","vol":"1","page":557},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-185>المطلب الأول\nمادة القواعد الأصولية، وتطبيقاته</span>\nكثيرًا ما يستعمل علماء الأصول القواعد الأصولية في الاستدراك على الخصم، وأكثر ما يستعمل في الاستدراك على الخصم قوادح العلة، ولا غضاضة في ذلك؛ فإن هذه القوادح \" تتبع شرعة الجدل التي وضعها الجدليون باصطلاحهم\" (١) في مناظرة الخصوم؛ ولذلك رأيت من الأنسب تقسيم مادة القواعد الأصولية إلى قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>القسم الأول: الاستدراك بقوادح العلة</span>.\nالقسم الثاني: الاستدراك بالقواعد الأصولية الأخرى.\n* القسم الأول: الاستدراك بقوادح العلة:\nأما الاستدراك بـ (القوادح) فالمراد به: التعقيب على الخصم باستعمال ما يقدح في الدليل.\nفالقوادح ترد على الدليل، وإن كان أغلبها موجهًا إلى العلة بالخصوص. (٢)\nوتسمى قوادح العلة (٣) أيضًا بالاعتراضات الواردة على القياس (٤)، والأسئلة الواردة على القياس (٥)، ومفسدات القياس (٦)، والطرق المبطلة للعلة (٧).\n_________\n(١) يُنظر: المستصفى (٣/ ٧٤٦).\n(٢) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٧/ ٣٥٤٤).\n(٣) يُنظر: المرجع السابق.\n(٤) يُنظر: البرهان (٢/ ٩٦٥)؛ المنخول (ص: ٤٠١)؛ التمهيد لأبي الخطاب (٤/ ٩٩)؛ الإحكام للآمدي (٤/ ٨٥)؛ أصول ابن مفلح (٣/ ١٣٥٢).\n(٥) يُنظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٦٥ - ٥٦٦).\n(٦) يُنظر: تقريب الأصول (ص: ٣٧٣).\n(٧) يُنظر: المنهاج (٢/ ٨٧٩).","vol":"1","page":558},{"text":"وقد اختلف في عددها؛ فمنهم من أوصلها إلى خمسة وعشرين قادحًا (١)، ومنهم من عدها اثني عشر قادحًا (٢)، والبعض جعلها عشرة (٣)، والبعض جعلها ستة (٤)، ومنهم من جعلها خمسة (٥)، ومنهم من أرجعها إلى قادحين: المنع، والمعارضة، وجعل الباقي راجعة إليهما (٦)؛ بل ذكر البعض أن المعارضة راجعة إلى المنع (٧).\nونذكر من هذه القوادح - ما يسر الله لي الوقوف عليه - في موضوع الاستدراك فيما يلي:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-187> أولًا: الاستدراك بقادح (فساد الاعتبار):</span>\nالمراد بقادح فساد الاعتبار: مخالفة القياس للنص أو الإجماع (٨).\nمثاله: أن يقول المستدل في حِلِّ ذبيحة المسلم تارك التسمية عمدًا: ذَبْحٌ صدر من أهله، وارد على محله؛ فَيُحِلُّ الذبيحة، قياسًا على المسلم تارك التسمية سهوًا.\nفيقول المعترض: قياسك فاسد الاعتبار؛ لأنه معارض للنص؛ وهو قوله تعالى:\n_________\n(١) يُنظر: الإحكام للآمدي (٤/ ٨٥)؛ المنتهى للآمدي (ص: ٢٢٨)؛ مختصر ابن الحاجب (٢/ ١١٣٤)؛ أصول ابن مفلح (٣/ ١٣٥٢).\n(٢) يُنظر: روضة الناظر (٢/ ٣٠١).\n(٣) يُنظر: التمهيد لأبي الخطاب (٤/ ٩٩).\n(٤) يُنظر: منهاج الوصول (٢/ ٨٧٩).\n(٥) يُنظر: المحصول (٥/ ٢٣٥).\n(٦) يُنظر: مختصر ابن الحاجب (٢/ ١١٣٤).\n(٧) يُنظر: شرح روضة الناظر (٣/ ٥٦٥ - ٥٦٦)؛ جمع الجوامع (٢/ ٣٣١)؛ التحبير شرح التحرير (٧/ ٣٥٤٤).\n(٨) يُنظر: المنخول (ص: ٤١٥)؛ المختصر في أصول الفقه (ص: ١٥٢)؛ شرح مختصر الروضة (٣/ ٤٦٧)؛ التقرير والتحبير (٣/ ٣٣٥).","vol":"1","page":559},{"text":"﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]. (١)\nوجه كونه قادحًا: أن اعتبار القياس مع النص أو الإجماع اعتبار له مع دليل أقوى منه، وهو اعتبار فاسد؛ لأنه وضع له في غير موضعه.\n• المثال الأول:\nقال الآمدي في مسألة (ما يفيده خبر الواحد): \"أما أنه لا يفيد العلم بمجرده فقد احتج القائلون بذلك بحجج واهية لا بد من التنبيه عليها، والإشارة بعد ذلك إلى ما هو المعتمد في ذلك.\nالحجة الأولى من الحجج الواهية: قولهم: لو كان خبر الواحد مفيدًا للعلم؛ لأفاد كل خبر واحد؛ كما أن خبر التواتر لما كان موجبًا كان كل خبر متواتر كذلك.\nولقائل أن يقول: هذا قياس تمثيلي وهو غير مفيد للعلم ...\nالحجة الثالثة: أنه لو كان خبر الواحد يوجب العلم؛ لما روعي فيه شرط الإسلام والعدالة كما في خبر التواتر. وحاصل هذه الحجة أيضًا يرجع إلى التمثيل وهو غير مفيد لليقين ... \" (٢).\nثم ذكر استدراك الخصم القائل بإفادة خبر الواحد للعلم مستخدمًا قادح فساد الاعتبار فقال: \"فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنص، والمعقول، والأثر.\nأما النص: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، نهى عن اتباع غير العلم، وقد أجمعنا على جواز اتباع خبر الواحد في أحكام الشرع (٣)،\n_________\n(١) يُنظر: رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (٤/ ٤٢٠).\n(٢) يُنظر: الإحكام للآمدي (٢/ ٤٤ - ٤٥).\n(٣) مذهب أهل الحق من أهل السنة والجماعة: وجوب العمل بخبر العدل في العمليات، ومنعه الروافض وابن داود والقاشاني، وأبو علي الجبائي قال: لا يجوز العمل إلا بخبر اثنين فصاعدًا. يُنظر: المعتمد (٢/ ٩٨)؛ العدة (٣/ ٨٥٩)؛ إحكام الفصول (١/ ٣٤٠)؛ الإحكام (٢/ ٦٥)؛ تيسير التحرير (٣/ ٨٢).","vol":"1","page":560},{"text":"ولزوم العلم به، فلو لم يكن خبر الواحد مفيدًا للعلم؛ لكان الإجماع منعقدًا على مخالفة النص، وهو ممتنع.\nوأيضًا فإن الله تعالى قد ذم على اتباع الظن بقوله تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، فلو لم يكن خبر الواحد مفيدًا للعلم بل للظن؛ لكنا مذمومين على اتباعه، وهو خلاف الإجماع .... \" (١).\n• المثال الثاني:\nقال الآمدي في مسألة (حكم التعبد بخبر الواحد عقلًا): \"مذهب الأكثرين: جواز التعبد بخبر الواحد العدل عقلًا، خلافا للجبائي وجماعة من المتكلمين.\nودليل جوازه عقلًا: أنا لو فرضنا ورود الشارع بالتعبد بالعمل بخبر الواحد إذا غلب على الظن صدقه؛ لم يلزم عنه لذاته محال في العقل، ولا معنى للجائز العقلي سوى ذلك، وغاية ما يقدر في اتباعه احتمال كونه كاذبًا أو مخطئًا، وذلك لا يمنع من التعبد به؛ بدليل اتفاقنا على التعبد بالعمل بقول المفتي والعمل بقول الشاهدين مع احتمال الكذب والخطأ على المفتي والشاهد فيما أخبرا به ... \".\nثم ذكر استدراكًا من الخصم مستخدمًا قادح فساد الاعتبار فقال: \"ثم وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على جواز التعبد بخبر الواحد إلا أنه معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه من جهة المنقول والمعقول:\nأما المنقول: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، ... \" (٢).\n_________\n(١) يُنظر: الإحكام للآمدي (٢/ ٤٧ - ٤٨).\n(٢) يُنظر: المرجع السابق (٢/ ٥٩ - ٦٠).","vol":"1","page":561},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-188> ثانيًا: الاستدراك بقادح (المنع):</span>\nالمراد بقادح المنع: تكذيب دعوى المستدل، وهو على أربعة أنواع (١):\nالأول: منع حكم الأصل. الثاني: منع وجود العلة في الأصل. الثالث: منع كون الوصف علة. الرابع: منع وجود العلة في الفرع.\nمثاله: إذا قال المستدل: النبيذُ مُسكرٌ؛ فيحرم قياسًا على الخمر.\nفيقول المعترض: لا أُسَلِّمُ تحريم الخمر، إما جهلًا بالحُكم، أو عنادًا؛ فهذا منع حكم الأصل.\nولو قال: لا أُسَلِّمُ وجود الإسكار في الخمر؛ فهذا منع وجود العلة في الأصل.\nولو قال: لا أُسَلِّمُ أن الإسكارَ عِلَّةَ التحريم؛ كان هذا منع علية الوصف.\nولو قال: لا أُسَلِّمُ وجود الإسكار في النبيذ؛ كان هذا منع وجود العلة في الفرع. (٢)\nوجه كونه قادحًا: أن فيه إبطال ركن من أركان القياس، وإبطال الركن يعني سقوط القياس.\n• المثال الأول:\nذكر الصفي الهندي في مسألة (رواية مجهول الحال (٣» من أدلة الحنفية القائلين بقبول خبر مجهول الحال (٤): \"وسادسها: أن الكافر إذا أسلم وروى عقيب إسلامه من\n_________\n(١) يُنظر: الواضح في أصول الفقه (٢/ ٢١٨ - ٢٢٨)؛ مختصر ابن الحاجب (٢/ ١١٤٢، ١١٣٩)؛ المغني في أصول الفقه للخبازي (ص: ٣١٦ - ٣١٧)؛ إرشاد الفحول (٢/ ٢٢٨).\n(٢) يُنظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٤٨١ - ٤٨٢).\n(٣) مجهول الحال: هو من روى عنه اثنان فأكثر ولم يوثق، ويسمى (مستورًا). يُنظر: نزهة النظر في شرح نخبة الفكر (ص: ١١٦)؛ تيسير مصطلح الحديث (ص: ١٢١).\n(٤) ونقل عن بعض الحنفية: إن رده جميع الفقهاء لم يقبل، وإن اختلفوا فيه جاز قبوله؛ لظاهر عدالة المسلم ولم يجب. وصرح بعضهم: أن رواية مجهول الحال مقبولة إذا كان في صدر الإسلام؛ حيث الغالب على الناس العدالة، أما بعد ذلك فلا تقبل؛ ولا بد م التزكية لغلبة الفسق. يُنظر: أصول السرخسي (١/ ٣٧٠)؛ المغني في أصول الفقه (ص: ٢٠٢)؛ فواتح الرحموت (٢/ ١٤٦ - ١٥٠).","vol":"1","page":562},{"text":"غير مهلة فإنه يقبل، فكذا ما نحن فيه؛ بل أولى؛ لأن طول مدته في الإسلام يوجب رسوخ أصول الإسلام وفروعه في قلبه، فيكون احتمال الكذب أبعد\".\nواستدرك على هذا الدليل بقادح المنع فقال: \"وجوابه: منع الحكم؛ وهذا لأنه يحتمل يكون كذوبًا قبله، فهو باق في طبعه بعد الإسلام، فلا يقبل إلا بعد الخبرة والبحث عن حاله\" (١).\n• المثال الثاني:\nقال أبو الثناء الأصفهاني في مسألة (القضاء بالأمر الأول أو أمر جديد): \"احتج القائلون بأن الأمر الأول يقتضي وجوب القضاء بثلاثة وجوه: ... الثاني: الزمان المقدر للمأمور به الذي هو حق الله تعالى؛ كأجل الدين الذي هو حق الآدمي، فلا يسقط المأمور به بفوات الأجل.\nورد بمنع أن الزمان المقدر للمأمور به كأجل الدين؛ وذلك لأن مخرج المأمور به عن وقته يأثم، ومخرج الدين عن الأجل لا يأثم.\nوأيضًا: يجوز أداء الدين قبل الأجل، ولا يصح تقديم المأمور به على وقته المقدر\" (٢).\n• المثال الثاني:\nذكر الصفي الهندي في مسألة (تخصيص الكتاب بخبر الواحد) من بين أدلة القائلين بعدم جواز التخصيص به: \"القياس على النسخ؛ فإنه لا يجوز نسخ الكتاب\n_________\n(١) نهاية الوصول (٧/ ٢٨٩٢).\n(٢) يُنظر: بيان المختصر (٢/ ٧٦ - ٧٧)، ويُنظر هذا الدليل ومنعه في: شرح العضد الإيجي (٢/ ٥٤٩)؛ الردود والنقود للبابرتي (٢/ ٧٩ - ٨٠).","vol":"1","page":563},{"text":"بخبر الواحد وفاقًا، والجامع بينهما: رفع المفسدة الناشئة من إلغاء الخاص.\nوجوابه: أنَّا نمنع الحكم أولًا؛ وهذا لأن بعض أهل العلم القائلين بجواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد يجوز نسخه به أيضًا\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-189> ثالثًا: الاستدراك قادح (التقسيم):</span>\nالمراد بقادح التقسيم: احتمال لفظ المستدل لأمرين فأكثر على السواء؛ أحدهما ممنوع، والآخر مسلم. (٢)\nمثاله: أن يقول المستدل في عدم وجوب الزكاة في مال الصبي: الزكاة عبادة، فلا تجب على الصبي قياسًا على الصلاة.\nفيقول المعترض: قولك: (عبادة) إما أن تريد بها العبادة المحضة، وهذا ممنوع؛ لأن الزكاة فيها جانب المؤنة، وإما أن تريد بها العبادة غير المحضة فهو مسلم؛ لكنه لا يفيدك في عدم الزكاة على الصبي؛ لأنها عبادة من جهة، ومؤنة من جهة أخرى، فهي واجبة عليه في ماله من الجهة الثانية، والمخاطب بإخراجها الولي. (٣)\nوجه كونه قادحًا: أن فيه منع دلالة قياس الخصم على مذهبه.\n• المثال الأول:\nقال الطوفي في مسألة (الحقيقة الشرعية (٤»: \"قوله (٥): (قالوا: العرب\n_________\n(١) نهاية الوصول (٤/ ١٦٤٢).\n(٢) يُنظر: الإحكام للآمدي (٤/ ٩٥)؛ شرح الكوكب المنير (٤/ ٢٥١)؛ نشر البنود (٢/ ٢٤١).\n(٣) يُنظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٤٩٤).\n(٤) الحقيقة الشرعية: ما نقله الشرع فوضعه إزاء معنى شرعي؛ كالصلاة والصيام. وهذا تعريف الطوفي. يُنظر: شرح مختصر الطوفي (٢/ ٤٩٠)، ويُنظر تعريف الحقيقة الشرعية أيضًا في: المحصول (١/ ٢٩٨)؛ المعتمد (١/ ١٨)؛ تقريب الوصول (ص: ١٣٤).\n(٥) أي: قوله في مختصر الروضة (البلبل في أصول الفقه).","vol":"1","page":564},{"text":"لم تضعها) إلى آخره. هذا دليل الخصم على نفي الحقائق الشرعية.\nوتقريره: لو ثبتت الحقائق الشرعية على ما ذكرتم لم تكن عربية؛ لأن العرب لم تضعها، وكل ما لم تضعه العرب فليس بعربي، فالحقائق الشرعية لو ثبتت لم تكن عربية، ولو لم تكن عربية لم يكن القرآن عربيًّا؛ لكن القرآن عربي، فهذه الحقائق الشرعية عربية.\nأما الملازمة فلأن أسماء هذه الحقائق -كالصلاة ونحوها- مذكورة في القرآن، فهي بعضه، فلو لم تكن عربية، لكان بعض القرآن غير عربي، وإذا كان بعض القرآن غير عربي؛ لم يكن جميعه عربيًّا.\nوأما انتفاء اللازم وهو أن القرآن عربي فبالنص والإجماع، وإذا انتفى اللازم انتفى ملزومه؛ وهو أن هذه الحقائق غير عربية، فتكون عربية والعربي ما وضعته العرب، فتكون هذه الحقائق من موضوعات العرب، وذلك ينفي كونها من موضوعات الشرع وضعًا استقلاليًا، فثبت أنه أبقاها على موضوعاتها في الأصل، وزادها شروطًا شرعية، وهو المطلوب ....\nوموضع المؤاخذة في المقدمة المذكورة أن يقال: ما المراد بقولكم: (إن العرب لم تضعها؟)، إن أردتم لم تضعها وضعًا أوليًّا في اللغة فمسلم، لكن لا يلزم من ذلك أن لا تكون عربية، بدليل المجاز اللغوي، فإنه عربي وليس موضوعًا وضعًا أوليًّا.\nوإن أردتم أنهم لم يستعملوها أصلًا فممنوع؛ إذ هي مشهورة في لغتهم، وباستعمالهم لها صح استعارة الشارع لها، وتجوزه بها إلى المعاني الشرعية، وذلك يصحح كونها عربية مجازًا؛ لأن حد المجاز موجود فيها\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدل القائلون بنفي وقوع الحقائق الشرعية وبأنها باقية على معانيها اللغوية،\n_________\n(١) يُنظر: روضة الناظر (١/ ٤٩٦ - ٤٩٧).","vol":"1","page":565},{"text":"وإنما زاد الشارع في أحكامها قيودًا وشروطًا (١): بأن هذه الحقائق - أي الشرعية- لو ثبتت - كما قلتم - لم تكن عربية، ولو لم تكن عربية لم يكن القرآن عربيًا؛ لكن القرآن عربي، ونفي اللازم نفي الملزوم، وهذا قياس الخُلف.\nفقولهم: (لو لم تكن عربية لم يكن القرآن عربيًا) هذه المقدمة الكبرى.\nوالملزوم فيها: (لو لم تكن عربية).\nواللازم قوله: (لم يكن القرآن عربيًا).\nوقوله: (لكن القرآن عربي) فهذه هي المقدمة الصغرى، وبه حصل انتفاء اللازم، ودليل انتفاء اللازم -وهو أن القرآن عربي- ثابت بالنص؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، ونحوها من الآيات الدالة على أن الله تعالى لم يخاطبهم في كتابه بشيء من غير لغتهم، ولأن الأمة مطبقة على إطلاق القول بأن الله ما بعث نبيه وخاطب المكلفين على لسانه إلا باللسان العربي (٢).\nوإذا انتفى اللازم - وهو قوله: (لم يكن القرآن عربيًا) - انتفى الملزوم - وهو قوله: (لو لم تكن عربية) - فتكون عربية، والعربي ما وضعته العرب، فتكون هذه الحقائق من موضوعات العرب؛ وليست من موضوعات الشرع، فثبت أن الشرع أبقى هذه الحقائق على ما وضعته العرب، وزادها شروطًا شرعية.\nفاستدرك الطوفي على استدلال هذا القول بقادح التقسيم فقال: ماذا أردتم بقولكم: (إن العرب لم تضعها؟)، إن أردتم لم تضعه وضعًا أوليًا في اللغة؛ فهذا نسلم به؛ لكن لا يلزم منه أن لا تكون هذه الحقائق - أي الشرعية - عربية. ودليل ذلك\n_________\n(١) وهذا قول القاضي الباقلاني، والقاضي أبي يعلى، وأبي الوليد الباجي. يُنظر على الترتيب المذكور: مختصر التقريب والإرشاد (١/ ٣٨٧)؛ العدة (١/ ١٩٠)؛ إحكام الفصول (١/ ٢٩٨).\n(٢) يُنظر: مختصر التقريب والإرشاد (١/ ٣٩٢).","vol":"1","page":566},{"text":"بقياسنا هذه الحقائق على المجاز اللغوي؛ فإن العرب لم تضع المجاز اللغوي وضعًا أوليًا ومع ذلك فهو عربي.\nوإن أردتم بقولكم: (إن العرب لم تضعها) أي لم تستعملها أصلًا؛ فهذا ممنوع؛ لأن هذه الحقائق مشهورة في لغتهم، وباستعمالهم لها صح استعارة الشارع لها في المعاني التي أرادها، وهذا يُصحح كون هذه الحقائق الشرعية عربية مجازًا؛ لأن حد المجاز _وهو: اللفظ المستعمل في غير معناه لعلاقة بينهما (١) - قد وجد في هذه الحقائق.\n• المثال الثاني:\nذكر الصفي الهندي في مسألة (تخصيص الكتاب بخبر الواحد) من بين أدلة القائلين بعدم جواز التخصيص به: \"وثالثها: أن الكتاب مقطوع به، وخبر الواحد مظنون، فتقديمه عليه تقديم للمرجوح على الراجح، وهو ممتنع عقلًا.\nوجوابه من وجوه: أحدها: نقول: ما المراد من قولكم: إن الكتاب مقطوع به؟ تعنون به أنه مقطوع به في متنه فقط، أو في متنه وفي دلالته على العموم معًا؟\nوالأول مسلم؛ لكن لا نسلم أن تقديم خبر الواحد الخاص عليه حينئذ تقديم للمرجوح على الراجح؛ وهذا لأنه حينئذ يكون مظنون الدلالة على العموم، وخبر الواحد وإن كان مظنون المتن لكنه مقطوع الدلالة، فلم يترجح العام عليه من جهة القطع\" (٢).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الهندي على دليل القائلين بعدم جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد في قولهم: إن الكتاب مقطوع به، وخبر الواحد مظنون، فتخصيص الكتاب بخبر الواحد فيه تقديم لخبر الواحد على الكتاب، وهذا يلزم منه تقديم المرجوح على\n_________\n(١) يُنظر: تقريب الوصول (ص: ١٣٣)؛ القاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين (ص: ٢٦١).\n(٢) نهاية الوصول (٦/ ١٦٣٨ - ١٦٣٩).","vol":"1","page":567},{"text":"الراجح، وهو ممتنع عقلًا.\nاستدرك بقادح التقسيم فقال: ما المراد من قولكم: إن الكتاب مقطوع به؟ إما أن تعنوا أن الكتاب مقطوع به في متنه فقط، أو تعنوا أن الكتاب مقطوع به في متنه وفي دلالته على العموم معًا، والثاني: ممنوع؛ لأن دلالته على العموم مظنونة. (١)\nوالأول: مسلم؛ لكن لا نسلم أن تقديم خبر الواحد الخاص عليه حينئذ تقديم للمرجوح على الراجح؛ وهذا لأن الكتاب حينئذ يكون قطعي الثبوت ظني الدلالة على العموم، وخبر الواحد ظني الثبوت قطعي الدلالة، فلم يترجح العام على خبر الواحد من جهة القطع؛ وذلك لأن خبر الواحد قطعي الدلالة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-190> رابعًا: الاستدراك بقادح (المطالبة):</span>\nالمراد بقادح المطالبة: القدح في العلة ومطالبة الخصم بتصحيحها. (٢)\nمثاله: أن يقول المستدل الحنفي: يحرم بيع الرز متفاضلًا قياسًا على البر؛ لعلة الكيل.\nفيقول المعترض المالكي: لا نسلم كون الكيل علة الربا؛ لوجود الربا فيما لا يكال كالحفنة (٣). (٤)\n_________\n(١) دلالة العموم على أفراده ظنية عند الجمهور - من المالكية والشافعية والحنابلة -، أما الحنفية فيرون أن دلالة العام على أفراده دلالة قطعية. يُنظر: البحر المحيط (٣/ ٢٦)؛ شرح الكوكب المنير (٣/ ١١٤)؛ المحلي على جمع الجوامع - مطبوع مع حاشية البناني - (١/ ٤٠٨)؛ فتح الغفار (ص: ١٠٤).\n(٢) يُنظر: تشنيف المسامع (٣/ ٣٨٠)؛ شرح الروضة (٣/ ٤٩٨ - ٥٠٠)؛ فواتح الرحموت (٢/ ٣٣٥)؛ نشر البنود (٢/ ٢٤٠ - ٢٤١).\n(٣) الحَفنَة: ملء الكفين من الطعام، والجمع حفنات. يُنظر: الصحاح (ص: ٢٤٩)؛ المصباح المنير (١/ ١٤٢) مادة: (حفن).\n(٤) يُنظر: شرح مختصر الروضة (٢/ ٤٩٨)؛ نشر البنود (٢/ ٢٤١).","vol":"1","page":568},{"text":"ووجه كونه قادحًا: أن في المطالبة إبطالًا للعلة، وإبطال العلة يلزم منه إبطال القياس.\n• المثال الأول:\nقال الرازي في مسألة: (حكم الاستثناء الواقع عقيب جمل عطف بعضها على بعض): \"الاستثناء المذكور عقيب جمل كثيرة هل يعود إليها بأسرها أم لا؟\nمذهب الإمام الشافعي - ﵁ - وأصحابه عوده إلى الكل، ومذهب الإمام أبي حنيفة - رحمة الله عليه- وأصحابه: اختصاصه بالجملة الأخيرة ... \" (١).\nثم ذكر من أدلة الشافعية: \"وثانيها: أنَّ حرف العطف يُصيِّرُ الجملَ المعطوفَ بعضها على بعض في حكم الجملة الواحدة؛ لأنَّه لا فرقَ بين أن تقول: (رأيتُ بكر بن خالد وبكر ابن عمرو)، وبين أن تقول: (رأيتُ البكرين)، وإذا كان الاستثناءُ الواقعُ عقيب الجملة الواحدة راجعا إليها؛ فكذا ما صار بحكم العطف كالجملة الواحدة\" (٢).\nثم ذكر استدراكًا لهذا الدليل بقادح المعارضة فقال: \"والجواب عن الثاني: أنكم إن ادَّعيتُم أنَّهُ لا فرقَ بين الجملة الواحدة وبين الجمل المعطوف بعضُها على بعض؛ كان قياسُ أحدِهِما على الآخر قياسًا للشيء على نفسه، وإن سلَّمتُمُ الفرقَ طالبناكم بالجامع\" (٣).\n• المثال الثاني:\nقال ابن السبكي في (حكم الأصل عند تقسيمه للقياس): \"حكم الأصل إما\n_________\n(١) يُنظر: المحصول (٣/ ٤٣).\n(٢) يُنظر: المرجع السابق (٣/ ٤٦).\n(٣) يُنظر: المرجع السابق (٣/ ٥٢).","vol":"1","page":569},{"text":"أن يكون يقينيًا، قال الإمام (١): فيستحيل أن يكون الحكم في الفرع أقوى منه؛ لأنه ليس فوق اليقين درجة ...\nوإن لم يكن يقينيًا؛ فثبوت الحكم في الفرع قد يكون أقوى من ثبوته في الأصل وذلك في النفي؛ كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف؛ فإن تحريم الضرب - وهو الفرع - أقوى ثبوتًا من تحريم التأفيف الذي هو الأصل، وفي الإثبات كقوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، فهذا يفيد تأدية ما دون القنطار بطريق أولى.\nوقد يكون مساويًا؛ كقياس الأمة على العبد في السِّرَايَةِ (٢) في قوله - ﷺ -: «من أَعتَقَ شرْكًا له في عَبدٍ قوِّمَ عليه نصيب شريكه» (٣)؛ إذ لا تفاوت بين الأصل والفرع في هذا الحكم، وهذا هو المسمى بالقياس في معنى الأصل.\nوقد يكون أدون ... ومثل المصنف (٤) لهذا القسم بإلحاق البطيخ بالبر في الربا\n_________\n(١) أي: الرازي. يُنظر: المحصول (٥/ ١٢٣).\n(٢) السِّرَايَةُ في اللُّغة: اسم لِلسَّيْرِ في الليل، يُقال: سَرَيْتُ بالليل، وسَرَيْتُ الليل سَرِيًّا: إِذا قطعته بِالسَّيْرِ، والاسم:\n\nسِرَايَةٌ. يُنظر: الصحاح (ص: ٤٨٦)؛ المصباح المنير (١/ ٢٧٥) مادة: (سرى).\nوفي الاصطلاح الفقهي السِّرَايَةُ هي: النُّفُوذُ في المضاف إليه، ثم التَّعَدِّي إلى باقيه. ويستعمل الفقَهاء كلمةَ (السِّرَايَة) في الموضوعات الآتية:\n١ - العتق.٢ - الجراحات.٣ - الطلاق. يُنظر: المنثور (١/ ٣٩٦)؛ الموسوعة الفقهية الكويتية (٢٤/ ٢٨٤).\n(٣) الحديث في الصحيحين من رواية ابن عمر بلفظ: «من أعْتَقَ شرْكًا له في عبْدٍ، فكَانَ له مالٌ يبْلُغُ ثمَنَ الْعبْدِ؛ قُوّمَ عليه قيمَةَ الْعدْلِ، فأَعْطَى شُركَاءَهُ حصَصَهُمْ وعَتَقَ عليه الْعبْدُ؛ وَإلَّا فقَدْ عتَقَ منه ما عتَقَ». يُنظر: صحيح البخاري، ك: العتق، ب: الشركة في الرقيق، (٢/ ٨٨٥/ح: ٢٣٦٩)، ب: إذا أعتق عبدًا بين اثنين أو أمة بين شركاء (٢/ ٨٩٢ - ٨٩٣/ح: ٢٣٨٥ - ٢٣٨٨)؛ صحيح مسلم، ك: العتق، (٢/ ١١٣٩/ح: ١٥٠١)، ب: من أعتق شركًا له في عبد، (٣/ ١٢٨٦ - ١٢٨٧/ح: ١٥٠١).\n(٤) أي: البيضاوي. يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع الإبهاج - (٧/ ٢٢٣٦).","vol":"1","page":570},{"text":"بجامع الطعم مع احتمال كون العلة الكيل أو القوت ...\nثم ذكر استدراكًا مقدرًا: \"فإن قلت: تقسيم القياس إلى أدون إن أردتم به أن يكون ما في العلة الموجودة في الفرع من المصلحة دون ما في الأصل؛ فلا نسلم حينئذ جواز القياس؛ لأن شرطه وجود العلة بكمالها في الفرع، وإن أردتم شيئًا آخر فعليكم بيانه\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-191> خامسًا: الاستدراك بقادح (النَّقْض):</span>\nالمراد بقادح النقض (٢): أن توجد العلة في موضع دون حكمها. (٣)\nمثاله: أن يقول المستدل الشافعي الذي يشترط تبييت النية في الصوم: تعرى أول صومه عن النية فلا يصح.\nفيقول المعترض الحنفي - الذي لا يشترطها-: هذا ينتقض بصيام التطوع، فإنه قد يتعرّى أوله عن النية ومع ذلك فهو صيام صحيح. (٤)\nوجه كونه قادحًا: أن فيه بيانًا أن العلة غير مُطَّردة، ومن شروط القياس: اطراد العلة، فإذا بطلت العلة بطل القياس.\n• المثال الأول:\nذكر الآمدي في مسألة (النسخ بالقياس) دليل القائلين بجواز النسخ: \"وللمخالف شبهتان: ...\n_________\n(١) الإبهاج (٦/ ٢٢٣٦ - ٢٢٣٩).\n(٢) النقض لغة: الإبطال والإفساد، يقال: نقضتُ ما أبرمهُ: إذا أبطلته، وانتقضَ الجرح بعد بُرْئِه: فسد. يُنظر: لسان العرب (١٤/ ٣٣٨)؛ المصباح المنير (٢/ ٦٢١ - ٦٢٢) مادة: (نقض).\n(٣) يُنظر: المحصول (٥/ ٢٣٧)؛ نهاية السول (٢/ ٨٨٠)؛ روضة الناظر (٢/ ٣٠٩)؛ نشر البنود (٢/ ٢١٠).\n(٤) يُنظر: نهاية السول (٢/ ٨٨٠).","vol":"1","page":571},{"text":"الثاني: أنهم قالوا: النسخ أحد البيانين؛ فجاز بالقياس كالتخصيص.\nوالجواب ... وعن الثانية: أنها منقوضة بالإجماع، وبدليل العقل، وبخبر الواحد؛ فإنه يخصص به ولا ينسخ به\" (١).\n• المثال الثاني:\nذكر الهندي في مسألة (تخصيص الكتاب بخبر الواحد) من بين أدلة القائلين بعدم جواز التخصيص به: \"وثانيها: ما روي عنه - ﵇ - أنه قال: «إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فاقبلوه، وإن خالفه فردوه» (٢).\nوالخبر الذي يخصصه على مخالفته؛ إذ المخالفة أعم من مخالفة العموم ومن مخالفة الخصوص؛ بدليل صحة تقسيمها إليهما، فوجب رده.\nوجوابه: النقض بالخبر المتواتر؛ فإنه يجوز تخصيص كتاب الله - تعالى- به إجماعًا، فما هو جوابكم ثمة فهو جوابنا هنا\" (٣).\n_________\n(١) يُنظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥).\n(٢) أخرجه الدارقطني، ك: الأقضية والأحكام، (٤/ ٢٠٨/ح: ١٧) من طريق صالح بن موسى عن عبدالعزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «سيأتيكم عني أحاديث مختلفة، فما جاءكم موافقًا لكتاب الله ولسنتي فهو مني وما جاءكم مخالفًا لكتاب الله ولسنتي فليس مني». قال الدارقطني: \"صالح بن موسى ضعيف لا يحتج بحديثه\".\n\nوأخرج الدارقطني من نفس الكتاب أيضًا (٤/ ٢٠٩/ح: ٢٠) من طريق عثمان بن أحمد بن السماك حدثنا حنبل بن إسحاق حدثنا جبارة بن المغلس حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنها تكون بعدي رواة يروون عني الحديث، فاعرضوا حديثهم على القرآن، فما وافق القرآن فخذوا به، وما لم يوافق القرآن فلا تأخذوا به». قال الدارقطني: \"هذا وهم، والصواب: عن عاصم عن زيد عن علي بن الحسين مرسلًا عن النبي - ﷺ - \".\n(٣) نهاية الوصول (٤/ ١٦٣٥ - ١٦٣٧).","vol":"1","page":572},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-192> سادسًا: الاستدراك بقادح (الكسر):</span>\nالمراد بقادح الكسر: عُرِّفَ عند علماء الأصول بتعريفين:\nالأول: وجود الحكمة المقصودة من شرع الحكم مع تخلف الحكم عنها. (١)\nمثال الكسر على هذا التعريف: أن يقول المستدل الحنفي: يجوز للمسافر العاصي الترخص بسفره قياسًا على المسافر غير العاصي، والسبب: المشقة الموجودة في السفر. فيقول المعترض: الحكمة التي ذكرتها -وهي المشقة- منقوضة بمشقة الحمالين وأصحاب الصنائع الشاقة في الحضر؛ فإنهم يجدون المشقة ولا رخصة لهم. (٢)\nوالثاني- وهو الذي عليه أكثر علماء الأصول-: إسقاط وصف من أوصاف العلة المركبة وإخراجه عن الاعتبار بشرط أن يكون المحذوف مما لا يمكن اعتباره في حدِّ العلة، فهو نقض يرد على المعنى. (٣)\nومثال الكسر على هذا التعريف: أن يقول المستدل الشافعي على وجوب أداء صلاة الخوف: صلاة يجب قضاؤها إذا لم تُفعل، فيجب أداؤها قياسًا على صلاة الأمن. فيقول المعترض: كونها صلاة لا تأثير له؛ إنما المؤثر وجوب القضاء، وهو منقوض بصوم الحائض؛ فإنه يجب قضاؤه ولا يجب أداؤه؛ بل يحرم. (٤)\nوالكسر بالمعنى الثاني يسمى عند الأصوليين أصحاب التعريف الأول بـ\"النقض المكسور\" (٥).\n_________\n(١) يُنظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٢٨٨)؛ شرح مختصر روضة الناظر (٣/ ٥١٠)؛ تيسير التحرير (٤/ ٢٠)؛ نثر الورود (٢/ ٥٢١).\n(٢) يُنظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٢٨٨)؛ شرح مختصر الروضة (٣/ ٥١٠)؛ البحر المحيط (٥/ ٢٧٩).\n(٣) يُنظر: المحصول (٥/ ٢٥٩)؛ المسودة (ص: ٢٨٧)؛ البحر المحيط (٥/ ٢٧٨)؛ نثر الورود (٢/ ٥٢١).\n(٤) يُنظر: المحصول (٥/ ٢٥٩).\n(٥) يُنظر: الإحكام (٣/ ٢٩٢)؛ شرح الكوكب المنير (٤/ ٦٤)؛ تيسير التحرير (٤/ ٢٢).","vol":"1","page":573},{"text":"ووجه كونه قادحًا على المعنى الثاني (١): أن فيه إسقاط بعض أجزاء العلة ونقض الجزء الآخر، وإذا بطلت العلة بطل القياس.\n• المثال الأول:\nقال الشيرازي في مسألة (ترجيح العلة لقلة أوصافها): \"إذا كانت إحدى العلتين أقل أوصافًا من الأخرى؛ فالقليلة الأوصاف أولى (٢).\nومن أصحابنا من قال: هما سواء ....\nواحتج المخالف بأن ذات الأوصاف وذات الوصف الواحد سواء في إثبات الحكم، فكانتا سواء عند التعارض.\nقلنا: ينكسر بالخبر والقياس؛ فإنهما يتساويان في إثبات الحكم، ثم يقدم الخبر على القياس عند التعارض\" (٣).\n• بيان الاستدراك:\nاختار الشيرازي تقديم العلة الأقل وصفًا من الأخرى.\nواستدل الخصم القائل بالتسويه بينهما: أن العلتين إذا تساوتا في إثبات الحكم دل ذلك على تساويهما عند التعارض.\n_________\n(١) أما على المعنى الأول (تخلف الحكم عن حكمته) فقال الجمهور: إن هذا الكسر غير قادحٍ للعلة؛ لأنه غير واردٍ عليها، والقدح بهذا المعنى يتوجه على أساس القائلين بالتعليل بالحكمة. يُنظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٢٢٨)؛ شرح مختصر الروضة (٣/ ٥١١)؛ نثر الورود (٢/ ٥٢١).\n(٢) ضرب لها مثالًا في شرح اللمع فقال: \"مثل علتنا في إزالة النجاسة: أنه مائع لا يرفع الحدث؛ فلا يزيل النجس. وعلتهم: ما ئع طاهر مزيل للعين\". والضمير في (علتهم) على الحنفية. يُنظر: شرح اللمع (٢/ ٩٥٧).\nويُنظر المسألة في كتب الفقه: الحاوي (١/ ٤٥)؛ المبسوط (١/ ٩٦).\n(٣) التبصرة (ص: ٣٠٢).","vol":"1","page":574},{"text":"فاستدرك عليه الشيرازي بقادح الكسر، إذا تساوتا في إثبات الحكم فهذا ليس دليلًا على تساويهما عند التعارض، فقولك بأنهما (سواء في إثبات الحكم) ينكسر بالخبر والقياس؛ إذ إنهما يتساويان في إثبات الحكم، ثم عند التعارض لا يتساويان؛ بل يقدم الخبر على القياس.\n• المثال الثاني:\nقال ابن رشد في مسألة (العمل بخبر الواحد): \"فأما قول الله - ﷿ -: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]؛ فرأى بعضهم أنها قاطعة في العمل بأخبار الآحاد؛ إذ الطائفة تقع على النفر اليسير الذين لا يحصل اليقين بقولهم.\nوأبو حامد يرى أنها ليست بقاطعة إلا في وجوب الإنذار، قال: وليس يلزم من وجوبه عليهم وجوب العمل به كما يجب على الشاهد الواحد؛ إذ الشهادة لا يعمل بها، قال: وبمثل هذا الاعتراض يضعف التمسك بقوله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩]، وبقوله - ﷺ -: «نضَّرَ اللهُ امرءًا سَمعَ مقالتي فوَعَاهَا وَأدَّاهَا كَمَا سَمِعهَا» (١) الحديث (٢) \" (٣).\nفاستدرك ابن رشد على الغزالي بقوله: \"وهذا القول منه لا معنى له؛ لأنه ما فائدة وجوب الإنذار إذا لم يجب العمل بنقلهم؟ ! وليس يشبه هذا الشاهد؛ فإنه إنما وجب عليه أداء الشهادة رجاء أن يأتي من عنده مثل شهادته فيقع العمل بها، اللهم إلا أن يقول القائل: عسى إن وجد الإنذار إنما لزم الآحاد ليتكثروا حتى يقع العلم\n_________\n(١) أقرب رواية للفظ المذكور ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٨٠/ح: ١٦٧٨٤) (٤/ ٨٢/ح: ١٦٨٠٠)؛ سنن الترمذي، ك: العلم عن رسول الله - ﷺ -، ب: ما جاء في الحث على تبليغ السماع، (٥/ ٣٤/ح: ٢٦٥٨).\n(٢) يُنظر: المستصفى (٢/ ٢١١ - ٢١٢).\n(٣) يُنظر: الضروري في أصول الفقه (ص: ٧٢).","vol":"1","page":575},{"text":"الضروري بقولهم؛ لكن هذا ينكسر مما تقدم من أن ذلك كان يؤدي إلى تعطيل أكثر الأحكام. وإنما يشبه أن يظن أن الآية ليست بقاطعة ولا نصًّا في العمل بأخبار الآحاد، من جهة أن (الطائفة) اسم يقع على النفر اليسير والعدد الكثير الذي يمكن أن يقع اليقين بقولهم؛ بدليل قوله: «لا تزَالُ طَائفَةٌ من أمَّتِي» (١) الحديث؛ لكن الآية أظهر في أنه ليس المراد بالطائفة ههنا من يحصل العلم بنقلهم\" (٢).\n• بيان الاستدراك:\nذكر ابن رشد أن بعض العلماء استدل بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] في حجية العمل بخبر الواحد؛ حيثُ رأى أنها قاطعة في العمل بأخبار الآحاد؛ إذ معنى (الطائفة) يقع على النفر اليسير الذين لا يحصل اليقين بقولهم.\nثم ذكر استدراك الغزالي على الاستدلال بالآية في حجية خبر الواحد؛ حيث يرى أنها ليست بقاطعة في وجوب العمل على المُنذَر عند اتحاد المُنذِر؛ بل هي قاطعة في وجوب الإنذار، وقاس خبر المنذر بشهادة الواحد؛ فكما يجب على الشاهد الواحد إقامة الشهادة ولا يجب العمل بها لوحدها إلا إذا انضم غيرها إليها؛ فكذلك خبر المنذر يجب عليه إقامته ولا يجب العمل به لوحده إلا إذا انضم إليه غيره، فالآية عنده ليست قاطعة في وجوب العمل؛ بل في وجوب الإنذار. وبمثل هذا الاعتراض يضعف التمسك بقوله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾\n_________\n(١) والحديث في الصحيحين، وتكملته: «لا تزال طَائفَةٌ من أمَّتِي ظَاهرِينَ حتى يَأْتِيَهمْ أَمرُ اللهِ وَهمْ ظَاهِرونَ»، وهذا لفظ البخاري، يُنظر: صحيح البخاري، ك: الاعتصام بالكتاب والسنة، ب: قول النبي: - ﷺ - لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق وهم أهل العلم، (٦/ ٢٦٦٧/ح: ٦٨٨١)؛ صحيح مسلم، ك: الإيمان، ب: نزُولِ عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد - ﷺ -، (١/ ١٣٧/ح: ١٥٦)؛ ك: الإمارة، ب: قوله - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم، (٣/ ١٥٢٣ - ١٥٢٤/ح: ١٩٢٠، ١٩٢٣).\n(٢) يُنظر: الضروري في أصول الفقه (ص: ٧٢).","vol":"1","page":576},{"text":"[البقرة: ١٥٩]، وبقوله - ﷺ -: «نضَّرَ اللهُ امرءًا سَمعَ مقالتي فوَعَاهَا وأدَّاهَا كَمَا سَمِعهَا»؛ فإن الاستدلال بهما لا يدل على قطعية وجوب العمل على المُبلَّغ، بل هي قاطعة في وجوب التبليغ.\nفاستدرك ابن رشد على استدرك الغزالي: بأن قوله هذا لا معنى له؛ لأنه لا يبقى فائدة في وجوب الإنذار إذا لم يعمل بنقلهم، وهذا لا يشبه ولا يقاس على الشاهد، فإن الشاهد إنما وجب عليه أداء الشهادة رجاء أن يأتي من عنده مثل شهادته فيُدلي بها، فيقع العمل بشهادتهم.\nثم قدر ابن رشد استدراكًا على قوله بأن يقول القائل: إن خبر المنذر يشبه الشاهد في هذا المعنى الذي ذكرته أيضًا؛ وذلك أن وجوب الإنذار على المُنذِر يلزم الآحاد ليتكثروا على تبليغ الإنذار، بعبارة أخرى: أن وجوب تبليغ الخبر يلزم كل من سمع هذا الخبر تبليغه حتى يقع العلم الضروري.\nفأجاب ابن رشد على هذا الاستدراك المقدر بقادح الكسر؛ حيث وجدت الحكمة (وجوب الإنذار حتى يقع العلم الضروي) دون الحكم (عدم وجوب العمل بقول المنذر)، فانتقض قولكم بوجوب قبول خبر الواحد في القضاء بالشهود والأيمان والحكم بالاجتهاد وغيرها من الأحكام؛ حيث وجب التبليغ ووجب العمل به، وسبب انعدام الحكم لأن اعتباره يؤدي إلى تعطيل أكثر الأحكام.\nثم ذكر ابن رشد أن الاستدلال بالآية يمكن أن يُعترض عليه من جهة أخرى؛ وهي أن الآية ليست بقاطعة الدلالة، ولا نصًّا في العمل بأخبار الآحاد؛ وذلك لأن لفظ (الطائفة) يقع على النفر اليسير، ويقع كذلك على العدد الكثير الذي يمكن أن يقع اليقين بقولهم. ودليل أن لفظ (الطائفة) يستخدم في العدد الكثير قوله - ﷺ -: «لا تزَالُ طَائفَةٌ من أمَّتِي» الحديث.\nثم ذكر أن الظاهر المراد بلفظ (الطائفة) ليس من يحصل العلم بنقلهم؛ بل النفر اليسير.","vol":"1","page":577},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-193> سابعًا: الاستدراك بقادح (القَلْب):</span>\nالمراد بقادح القلب: إثبات نقيض الحكم بعين العلة. (١)\nوهو ثلاثة أقسام: قلب لإبطال مذهب المستدل صريحًا، وقلب لإبطال مذهب المستدل ضمنًا، وقلب يذكره المعترض لتصحيح مذهبه. (٢)\nمثاله: أن يقول المستدل الحنفي في مسح ربع الرأس: مسح الرأس ركن من أركان الوضوء، فلا يكفي فيه أقل ما ينطلق عليه الاسم؛ قياسًا على الوجه.\nفيقول الشافعي: مسح الرأس ركن من أركان الوضوء؛ فلا يقدر بالربع؛ قياسًا على الوجه. (٣)\nوجه كونه قادحًا: أن فيه معارضة لقياس الخصم بقياس آخر يماثله في الأصل والعلة، ويخالفه في الحكم، ولا يصح العمل بالدليل مع وجود دليل آخر يعارضه.\n• المثال الأول:\nذكر القاضي أبو يعلى في مسألة (التعبد بالقياس شرعًا) دليل الخصم القائلين بعدم جواز التعبد بالقياس فقال: \"واحتج بأنه لو كان العمل بالقياس واجبًا لم يخلُ العمل بذلك من أن يكون ضرورةً أو استدلالًا، وليس يسوغ ادعاء العلم الضروري في وجوب ذلك؛ لأنا نجد نفوسنا مضطرة إلى العلم بذلك ولا تتعرى من الشكوك.\nوإن كان العلم بوجوده استدلالًا؛ لم يخلُ إمَّا أن يكون استدلالًا عقلًا أو شرعًا، والعقل لا مدخل له في إيجاب ذلك؛ لأن العلم بأصول الأشياء التي يُقاس عليها\n_________\n(١) يُنظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: ٤٠١). ويُنظر قادح القلب في: أصول ابن مفلح (٤/ ١٤٩٧)؛ نهاية السول (٢/ ٨٩٧ - ٨٩٨)؛ فواتح الرحموت (٢/ ٣٥١).\n(٢) يُنظر: مختصر ابن الحاجب (٢/ ١١٦٢ - ١١٦٣)؛ أصول ابن مفلح (٤/ ١٤٩٧)؛ نهاية السول (٢/ ٨٩٧ - ٨٩٨).\n(٣) يُنظر: أصول ابن مفلح (٤/ ١٤٩٧)؛ نهاية السول (٢/ ٨٩٧).","vol":"1","page":578},{"text":"لا يقع من ناحية العقول، ولا يجوز أن يفرق الله تعالى بين الخمر وسائر الأشربة في الحكم فيُحرم الخمر ويُبيح غيرها مع تساويها في الإسكار، والعقل يسوي بينهما، ولو كان ثبوته شرعًا لظهر، وليس في وجوب ذلك خبر.\nوتحرير هذه الدلالة: أن العلم بوجوبه إذا لم يكن من ناحية المعقول ولا شرع ورد بذلك لم يجز القضاء به.\nوالجواب: أنَّا نَقْلِبُ هذا الدليل فنقول: لو كان القياس باطلًا لم يخلُ العلم ببطلانه من أن يكون ضرورةً أو استدلالًا، ولا يمكن ادعاء الضرورة؛ لما يعترينا في بطلانه من الشك، والعقول لا مجال لها في بطلانه.\nولأن نفاة القياس يجوزون أن يتعبد الله تعالى بإلحاق سائر الأشربة المسكرة بالخمر من طريق القياس، فلو بطل الحكم بالقياس لم يبطل إلا شرعًا، والشرع هو الخبر عن الله تعالى وعن رسوله، ولا خبر بذلك، فلم يجز الحكم ببطلانه\" (١).\n• المثال الثاني:\nذكر الباجي في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي الفور أم لا؟) من أدلة القائلين على حمل الأمر على الفور فقال: \"فإن قال قائل: إن الأمر إذا ورد فإنما يقتضي فعلًا واحدًا، والفعل الواحد لا يقع في زمانين، وقد أجمعت الأمة على أنه إن فعله في أول الوقت بَرِئت ذمته وأدى المأمور به، فيجب أن يكون ما بعده غير مأمور به.\nقيل له: تقلب هذا السؤال وتقول: إذا فعله متراخيًا فقد أدى المأمور به، فيجب أن يكون المتقدم غير مأمور به، فإن لم يلزم هذا لم يلزم ما قلته\" (٢).\n_________\n(١) العدة في أصول الفقه (٤/ ١٣١٥ - ١٣١٦).\n(٢) يُنظر: إحكام الفصول (١/ ٢١٨ - ٢١٩).","vol":"1","page":579},{"text":"• المثال الثالث:\nذكر ابن قدامة في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أو المرة؟) استدراكًا من الفريق القائل بأنه يقتضي التكرار: \"فإن قيل: فَلِمَ حصل الاستفسار عنه؟\nقلنا: هذا يلزمكم إن كان يقتضي التكرار فلمَ حسن الاستفسار؟ \" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك ابن قدامة على الخصم بقادح القلب؛ حيث قلب عليه استدراكه.\nفإن قال الخصم القائل بأن الأمر يفيد التكرار: إنه يحسن الاستفسار في الأمر؛ فيقال: أردت الأمر مرة واحدة أو دائمًا؟ ولو كان الأمر يفيد المرة لما حَسُن الاستفسار عن المراد.\nفأجيب عن هذا الاستدراك بقلبه على الخصم فيقال: لو كان يُفيد التكرار لما حَسُن الاستفسار عن المراد.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-194> ثامنًا: الاستدراك بقادح (المعارَضة):</span>\nقادح المعارضة: على ضربين:\nالأول: معارضة في الأصل: أن يذكر المعترض في الأصل الذي قاس عليه المستدل مُقتضيًا آخر للحكم غير ما ذكره المستدل.\nمثال لمعارضة الأصل: أن يقول المستدل في القتل بالمثقَّل: قتلٌ عمدٌ عدوان؛ فيجب فيه القصاص قياسًا على القتل بالمحدَّد.\nفيعترض عليه المعترض: بأن العلة في الأصل كون القتل عمدًا عدوانًا جارحًا. (٢)\n_________\n(١) يُنظر: روضة الناظر (٢/ ٥٦٧).\n(٢) ينظر: الإحكام للآمدي (٤/ ١١٣)؛ مختصر ابن الحاجب (٢/ ١١٥١).","vol":"1","page":580},{"text":"الثاني: معارضة في الفرع: أن يذكر المعترض في الفرع ما يقتضي نقيض حكم المستدل إما بنص أو إجماع ظاهر، أو بوجود وصفًا يمنع ثبوت الحكم فيه، أو يمنع سببية وصف المستدل (١). (٢)\nمثال منع السببية في الفرع: أن يقول الحنبلي في المرتدة: بَدَّلَتْ دينها فَتُقتل؛ كالرجل. فيقول الحنفي: أُنثى فلا تُقتل بكفرها؛ كالكافرة الأصلية. فيُبين أن تبديل الدين ليس سببًا لقتل المرأة. (٣)\nوجه كونه قادحًا: أن فيه إقامة دليل مخالف لدليل الخصم، ولا يمكن العمل بالدليل مع وجود معارض له.\n• المثال الأول:\nقال الطوفي في مسألة (التعبد بخبر الواحد عقلًا): \"قوله: (وأجاب عن الأول) أي: هذا الخصم المانع لجواز التعبد بخبر الواحد أجاب عن الوجوه التي احتج بها المجوزون له؛ فأجاب عن الوجه الأول بأن قال: قولكم: (يجب العمل بخبر الواحد أخذًا بالاحتياط) معارض بأن الاحتياط في ترك العمل به لأن العمل به تصرف من المكلف في نفسه التي هي مملوكة لغيره - وهو خالقه - ﷿ - بالظن، وفي ذلك خطر؛\n_________\n(١) أي أن المعارضة في الفرع تكون بأمرين: أحدهما: ذكر دليل آكد من قياس المستدل من نص أو إجماع يدل على خلاف ما دل عليه قياسه. وهذا هو فساد الاعتبار، وقد مر في (ص: ٥٥٩) من هذا البحث.\nالثاني: أن يُبدي المعترض في فرع قياس المستدل وصفًا يمنع ثبوت الحكم فيه، أو يمنع كون وصفه سببًا لثبوت الحكم. ومنع الحكم في الفرع لوصف يُبديه المعترض هو حقيقة القلب - وسبق ذكره في (ص: ٣٥٩) من البحث، - وأما منع السببية فهو راجع إلى قياس الشبه المتردد بين أصلين. يُنظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٣٩ - ٥٤١).\n(٢) يُنظر: الإحكام للآمدي (٤/ ١١٢، ١٢٤)؛ مختصر ابن الحاجب (٢/ ١١٥١، ١١٥٨)؛ شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٢٧، ٥٣٩ - ٥٤٠).\n(٣) يُنظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٤١).","vol":"1","page":581},{"text":"لجواز أن يقال له: لم تصرفت في ملكنا من غير مستند قاطع؟ وكيف أضعت حقنا من نفسك بظن لم تكن منه على يقين؟ وهذا كما قلنا في وجوب شكر المنعم عقلًا؛ حيث كان الخطر في تركه معارضًا بالخطر في فعله؛ حيث كان الشكر إتعابًا لنفس الشاكر بغير إذن مالكها\" (١).\n• المثال الثاني:\nقال أبو الثناء الأصفهاني في مسألة (نفي المساواة هل يقتضي العموم؟): \"نفي المساواة في مثل قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]، يقتضي العموم - أعني نفي المساواة من كل وجه-؛ كما أن نفي غير المساواة يقتضي العموم.\nوذهب أبو حنيفة إلى أن نفي المساواة لا يقتضي العموم (٢).\nاحتج الحنفية بثلاثة وجوه: ... الثالث: أن المساواة بين الشيئين في جانب الإثبات للعموم؛ كقولنا: زيد وعمرو متساويان؛ فإنه يقتضي تساويهما من جميع الوجوه؛ لأنه لو لم يقتض تساويهما في جميع الأمور؛ لم يستقم الإخبار بمساواتهما؛ إذ لا وجه لاختصاصهما حينئذ بوصف المساواة؛ إذ ما من شيئين إلا ويكون بينهما مساواة في بعض الصفات؛ لكنه يستقيم الإخبار بالمساواة بين الشيئين بالإجماع، فيكون للعموم، فيكون نفي المساواة بين الشيئين لا يعم؛ لأن نفي الإيجاب الكلي سلب جزئي (٣).\nأجاب عن الثالث: بالمعارضة؛ فإن المساواة بين الشيئين في جانب الإثبات للخصوص؛ لأنه لو لم يكن للخصوص لم يصدق مساواة بين الشيئين أصلًا، إذ ما من\n_________\n(١) شرح مختصر الروضة (٢/ ١١٥).\n(٢) يُنظر: تيسير التحرير (١/ ٢٥٠)؛ فواتح الرحموت (١/ ٢٨٩).\n(٣) يُنظر موضوع التناقض عند أهل المنطق في: معيار العلم (ص: ٨٠ - ٨٣)؛ شرح السلم للملوي وحاشية الصبان (ص: ١١١)؛ آداب البحث والمناظرة (١/ ٨٩).","vol":"1","page":582},{"text":"شيئين إلا ويصدق بينهما نفي المساواة في شيء من الصفات. وأقله أن يصدق نفي المساواة بينهما في تعينهما؛ لأن كل واحد منهما لا يكون مساويًا للآخر في تعينه، فلا يصدق ثبوت المساواة بينهما من جميع الوجوه.\nوإذا كانت المساواة في جانب الإثبات للخصوص تكون مساواة في جانب النفي للعموم؛ لأن نقيض الجزئي الموجب السالب الكلي (١) \" (٢).\n• بيان الاستدراك:\nاستدل الحنفية في قولهم: إن نفي المساواة لا يدل على العموم: بأن المساواة بين الشيئين في الإثبات تفيد العموم في تساويهما؛ لأنه لو لم يقتض العموم لم يكن لوصف المساواة فائدة؛ لأن ما من شيئين إلا ويكون بينهما مساواة في بعض الصفات، فإذا ثبت ذلك فقولنا: (يستوي) معناه: كل وجه استواء ثابت في الإيجاب، فهذا كلي موجب.\nوقولنا: (لا يستوي) نقيضه، ونقيض الكلي الموجب جزئي سالب، فيكون معنى قولنا: (لا يستوي) بعض وجوه الاستواء ليس بثابت، وهو المطلوب.\nاستدرك على دليل الحنفية هذا بقادح المعارضة، فقيل: الجواب بالمعارضة بالمثل بأن يقال: المساواة في الإثبات ليس للعموم؛ بل للخصوص؛ وهو بعض المساواة؛ وإلا لم يصدق إثبات مساواة لشيئين أبدًا؛ إذ ما من شيئين إلا وبينهما نفي مساواة ولو في تعينهما، فيكون قولنا: (يستوي) موجبًا جزئيًا بمثابة بعض وجوه المساواة ثابت.\nوقولنا: (لا يستوي) نقيضه، ونقيض الجزئي الموجب كلي سالب، فيكون معنى قولنا: (لا يستوي) بمثابة لا شيء من وجوه المساواة بثابت، وهو المطلوب. (٣)\n_________\n(١) يُنظر: معيار العلم (ص: ٨٠ - ٨٣)؛ شرح السلم للملوي وحاشية الصبان (ص: ١١١)؛ آداب البحث والمناظرة (١/ ٨٩).\n(٢) يُنظر: بيان المختصر (٢/ ١٦٩ - ١٧٣)، ويُنظر أيضًا الردود والنقود للبابرتي (٢/ ١٥١).\n(٣) يُنظر: شرح العضد الإيجي (٢/ ٦٣٣).","vol":"1","page":583},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-195> تاسعًا: الاستدراك بقادح (القول بالمُوْجَب):</span>\nالمراد بقادح القول بالموجَب: تسليم ما ادعاه المستدل موجب علته مع بقاء الخلاف في صورة النزاع. (١)\nمثاله: أن يقول المستدل في وجوب زكاة الخيل: الخيل حيوان تجوز المسابقة عليه؛ فتجب الزكاة فيه كالإبل. فيقول المعترض: أنا قائل بموجب قياسك؛ فإن الزكاة عندي واجبة في الخيل إذا كانت للتجارة؛ ولكن نزاعنا في إيجاب الزكاة في رقابها من حيث هي خيل؛ لا زكاة الاتِّجار بها. (٢)\nووجه كونه قادحًا: أن به يتبين أن قياس الخصم ليس في محل الخلاف.\n• المثال الأول:\nقال الشيرازي في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أو المرة؟) دليل الخصم القائلين أنه يفيد التكرار: \"قالوا: روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم فانتهوا» (٣). فأمر - ﷺ - أن نأتي من أمره ما استطعنا، ونحن نستطيع الإتيان بالمأمور على الدوام والتكرار، فوجب أن يكون ذلك بظاهر الأمر.\nوالجواب: أنه لا حجة لهم في هذا الخبر، ونحن قائلون بموجبه؛ وذلك أنه - ﷺ - أمر أن نأتي مما أمر به ما استطعنا، فالذي اقتضى الأمر في الفعل مرة واحدة، وما زاد على\n_________\n(١) يُنظر: روضة الناظر (٢/ ٣٢٨ - ٣٣١)؛ شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: ٤٠٢)؛ التلويح إلى كشف حقائق التنقيح (٢/ ٢١٠)؛ تشنيف المسامع (٣/ ٣٦١ - ٣٦٤).\n(٢) يُنظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: ٤٠٢)؛ روضة الناظر (٢/ ٣٣٠).\n(٣) الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة، يُنظر: صحيح البخاري، ك: التمني، ب: الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -، (٦/ ٢٦٥٨/ح: ٦٨٥٨)؛ صحيح مسلم، ك: الفضائل، ب: وجوب اتباعه - ﷺ -، (٤/ ١٨٣٠/ح: ١٣٣٧).","vol":"1","page":584},{"text":"ذلك فغير مأمور به ولا مدخل فيه، ونحن نقول: إنه يجب أن يأتي من الصلاة التي أمر بها ما استطاع، إن قدر على فعله من قيام أتى بها قائمًا، وإن لم يقدر فقاعدًا، وإن لم يقدر فمومئًا\" (١).\n• المثال الثاني:\nقال السمعاني في مسألة (الآمر هل يدخل في الأمر؟): \"لا يدخل الآمر في الأمر عند عامة الفقهاء (٢). وذهبت طائفة قليلة من أصحابنا أنه يدخل.\nوالمسألة مصورة في النبي - ﷺ - إذا كان آمرًا، فأما الأمر الوارد من قبل الله - تعالى- بذكر الناس وأمرهم بشيء لفعله؛ فقد اتفقوا أن الرسول يدخل في ذلك. (٣)\nوتعلق من قال بدخوله في الأمر قال: لأن الرسول - ﷺ - مبلغ عن الله - ﷿ -، فإذا قال للأمة: افعلوا كذا؛ فيصير كأن الله - تعالى- قال: افعلوا كذا، فيدخل النبي - ﷺ - فيه، مثلما يدخل غيره .... \" (٤).\nثم استدرك السمعاني على دليل الخصم بقادح القول بالمُوْجَب فقال: \"والذي قاله الخصم: إنَّه يصير كأن الله -تعالى- قال: افعلوا.\nقلنا: إذا قال تعالى: افعلوا؛ فالنبي - ﷺ - يكون مأمورًا، وإذا قال النبي - ﷺ - فيكون آمرًا، والكلام في دخول الآمر في الأمر، فلا يرد عليه الموضع الذي لا يكون فيه آمرًا؛\n_________\n(١) شرح اللمع (١/ ٢٢٣).\n(٢) ذكر القاضي أبو يعلى: أنه قول أكثر الفقهاء والمتكلمين. يُنظر: العدة في أصول الفقه (١/ ٣٤٣). ونقل الشوكاني عن ابن برهان في \"الأوسط\" قوله: \"ذهب معظم العلماء إلى أن الآمر لا يدخل تحت الخطاب\". يُنظر: إرشاد الفحول (١/ ٤٧١).\n(٣) ذكره الجويني مذهبًا لسائر الأصوليين، وذكر أن المخالف لذلك شرذمة لا يؤبه لهم. يُنظر: البرهان (١/ ٣٦٥).\n(٤) يُنظر: القواطع (١/ ٢٢٠ - ٢٢١).","vol":"1","page":585},{"text":"وهذا كالسيد يقول لغلامه: اسقني؛ فإنه لا يدخل السيد في هذا الأمر، وإن كان يجوز أن يدخل في أمر غيره\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-196> عاشرًا: الاستدراك بقادح (الفَرْق):</span>\nالمراد بقادح الفَرق: إبداء معنى مناسب للحكم يوجد في الأصل ويعدم في الفرع، أو يوجد في الفرع ويعدم في الأصل. (٢)\nمثاله: قول المستدل الحنفي على عدم اشتراط الطهارة في الوضوء: الوضوء طهارة بالماء فلا يفتقر إلى نية؛ كإزالة النجاسة، فيجيبه المعترض: الوضوء طهارة حكمية، وإزالة النجاسة طهارة عينية، فافترق حكمهما. (٣)\nووجه كونه قادحًا: أن به يتضح عدم التسوية بين الأصل والفرع في الحكم، وهذا يعني انتفاء القياس؛ إذ القياس هو التسوية.\n• المثال الأول:\nقال الشيرازي في مسألة (الأمر المعلق على الشرط يقتضي التكرار أو المرة؟): \"إذا علق الأمر بشرط وقلنا: إن مطلق الأمر لا يقتضي التكرار ففي المعلق بشرط وجهان:\nأصحهما: لا يقتضي التكرار.\nومن أصحابنا من قال: يقتضيه ....\n_________\n(١) القواطع (١/ ٢٢٢).\n(٢) يُنظر: المنخول (ص: ٤١٧)؛ تقريب الوصول (ص: ٣٨٣)؛ كشف الأسرار للبخاري (٤/ ٨٠)؛ شرح الكوكب المنير (٤/ ٣٢٠).\n(٣) يُنظر: تقريب الوصول (ص: ٣٨٣).","vol":"1","page":586},{"text":"واحتج القائل الآخر (١): بأن تعلق الحكم بالشرط كتعلقه بالعلة إذ كل واحد منهما سبب فيه، فإذا كان تكرار العلة يوجب تكرار الحكم فكذلك تكرار الشرط.\nقيل: لا نسلم هذا؛ بل بينهما فرق ظاهر؛ وهو أن العلة دلالة تقتضي الحكم فتكرر الحكم بتكررها، والشرط ليس بدلالة على الحكم، ألا ترى أنه لا يقتضيه؛ وإنما هو مصحح له، فدل على الفرق بينهما\" (٢).\nوقال في مسألة (إنكار الأصل رواية الفرع): \"إذا نسي المروي عنه الحديث والراوي عنه ثقة؛ لم يسقط الحديث ....\nوقال أصحاب أبي حنيفة: يسقط الحديث.\nواحتجوا: بأن الخبر كالشهادة، ثم إنكار شهود الأصل الشهادة يبطل الشهادة؛ فكذلك إنكار المروي عنه الخبر يجب أن يبطل الخبر.\nوالجواب: هو أن باب الشهادة آكد من باب الخبر، ألا ترى أن شهادة العبيد لا تقبل وأخبارهم تقبل، فدل على الفرق بينهما\" (٣).\n• المثال الثاني:\nذكر ابن قدامة في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أو المرة؟) من بين أدلة القائلين بأنه يقتضي التكرار، قولهم: \"لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وموجب النهي: ترك المنهي أبدًا، فليكن موجب الأمر: فعل الصوم أبدًا؛ فإن قوله: (صم) معناه: لا تفطر، وقوله: (لا تفطر) يقتضي التكرار أبدًا\" (٤).\n_________\n(١) أي: القائل بأن الأمر المعلق على الشرط يقتضي التكرار.\n(٢) يُنظر: التبصرة (ص: ٢٧ - ٢٨).\n(٣) يُنظر: المرجع السابق (ص: ٢٠٦ - ٢٠٧).\n(٤) يُنظر: روضة الناظر (١/ ٥٦٤).","vol":"1","page":587},{"text":"فاستدرك ابن قدامة على هذا الدليل بقادح الفرق فقال: \"والفرق بين الأمر والنهي: أن الأمر يقتضي وجود المأمور مطلقًا، والنهي يقتضي ألا يوجد مطلقًا، والنفي المطلق يعم، والوجود المطلق لا يعم، فكل ما وجد مرة فقط وجد مطلقًا، وما انتفى مرة فما انتفى مطلقًا.\nولذلك افترقا في اليمين، والنذر، والتوكيل، والخبر.\nولأن الأمر يقتضي الإثبات، والنهي يقتضي النفي، والنفي في النكرة يعم، والإثبات المطلق لا يعم.\nوتحقيقه: أنه لو قال: لا تفعل مرة واحدة؛ اقتضى العموم. ولو قال: افعل مرة واحدة؛ اقتضى التخصيص بلا خلاف\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nلما استدل القائلون بأن الأمر المطلق يقتضي التكرار، بقياسهم الأمر المطلق على النهي المطلق، بجامع الاشتراك في الاقتضاء والطلب، ولأن الأمر في الحقيقة نهي عن ضده.\nوبيانه: إذ الأمر بالشيء نهي ضده، فقوله: (صم) معناه: (لا تفطر)، والأمر كالنهي من حيث الاقتضاء والطلب، والنهي أفاد وجوب ترك الشيء، والأمر أفاد وجوب فعله.\nوالنهي يقتضي وجوب الترك أبدًا؛ فكذلك الأمر يجب أن يقتضي فعل الشيء أبدًا؛ إذ لا فرق بين الأمر والنهي.\nفاستدرك على استدلالهم هذا بقادح الفرق، فقيل لهم: لا نسلم قياسكم الأمر على النهي؛ لأنه قياس فاسد؛ لوجود الفارق بين الأمر والنهي، وهذه الفروق هي:\n_________\n(١) يُنظر: المرجع السابق (١/ ٥٦٨).","vol":"1","page":588},{"text":"١ - أن الأمر المطلق يقتضي وجود المأمور به مطلقًا؛ كالصلوات والزكاة والحج ونحو ذلك من المأمورات الشرعية. أما النهي فإنه يقتضي ألا يوجد المنهي عنه مطلقًا؛ كالزنا والسرقة وشرب الخمر ونحو ذلك من المنهيات الشرعية.\n١ - أن الوجود المطلق -وهو مقتضى الأمر- لا يعم، في حين أن النفي المطلق -وهو مقتضى النهي- فإنه يعم، فكل ما وجد مرة فقط وجد مطلقًا، وما انتفى مرة فما انتفى مطلقًا.\nفلو قال في اليمين: والله لأصومن؛ برَّ بصيام يوم واحد، ولو قال: والله لا أصوم؛ حنث بفعل مرة واحدة.\nولو قال في النذر: لله علي أن أصوم؛ كان وافيًا بنذره بصيام يوم واحد، في حين لو قال: لله علي ألا أصوم؛ حنث بصوم يوم واحد.\nولو قال في التوكيل لوكيله: طلق زوجتي فلانة؛ كان ممتثلًا إذا طلق مرة واحدة، ولو قال له: لا تطلق زوجتي؛ كان مخالفًا لو طلق مرة واحدة.\nولو قال في الخبر عن نفسه: سوف أصوم؛ صدق وعده بصوم يوم واحد، أما لو قال: ما صمت؛ كان كاذبًا لو صام يومًا واحدًا.\n٢ - أن الأمر يقتضي إثبات المأمور به - بأن يفعل -، والنهي يقتضي نفي المنهي عنه - بألا يفعل-، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، في حين أن النكرة في سياق الإثبات لا تعم.\n٣ - أن النهي لو قيده بالمرة فقال: لا تفعل كذا مرة؛ اقتضى دوامه، ولو قال: افعله مرة؛ لم يقتض دوامه.\nفهذه الفروق بين الأمر والنهي جعلت قياسكم الأمر على النهي - في أن كلًاّ منهما يقتضي التكرار- فاسدًا. (١)\n_________\n(١) يُنظر: إتحاف ذوي البصائر (٤/ ١٦١٢ - ١٦١٣).","vol":"1","page":589},{"text":"• تنبيهان:\nالأول: قوادح القياس كثيرة، وقد اختلف في عددها -كما أشرتُ في مقدمة المبحث-، منها ما يرجع إلى حجية القياس؛ كقول المعترض الظاهري: هذا قياس لا يلزمني، أو يقول المعترض: قياسك هذا في اللغة، والقياس في اللغة باطل.\nوأذكر للاستدراك بهذين الأصلين الأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nذكر ابن حزم في فصل: (أقسام الأخبار عن الله تعالى) في القسم الثاني من الأخبار ما نقله الواحد عن الواحد؛ حيث ذهب إلى أن هذا القسم إذا اتصل برواية العدول إلى رسول الله - ﷺ - وجب العمل به، ووجب العلم بصحته أيضًا، فذكر أدلته في ذلك وأسئلة الخصم؛ ومنها: \"وقال بعضهم: أنتم لا تقبلون الواحد في فلس؛ فكيف تقبلونه في إثبات الشرائع؟\nقال أبو محمد: هذا السؤال لا يلزمنا؛ لأننا لا نقيس شريعة على شريعة، ولا نتعدى ما جاءت به النصوص وثبت في القرآن والسنن، فصح البرهان -كما ذكرنا- بقبول خبر الواحد في العبادات والشرائع .... \" (١).\n• المثال الثاني:\nقال الغزالي في (كتاب الأوامر، فصل: أقسام الكلام): \"الأمر: قول جازم يقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به، ويندرج تحته الندب. وقيل: قول يتضمن إيجاب المأمور به، ويخرج منه الندب.\nواستدل القاضي على صحة الحد الأول وكون الندب أمرًا بكونه طاعة،\n_________\n(١) الإحكام لابن حزم (١/ ١٠٩).","vol":"1","page":590},{"text":"ولم يقع طاعة لكونه مرادًا؛ إذ المعصية مرادة فوقع طاعة؛ لكونه مأمورًا به (١) \" (٢).\nفاستدرك عليه الغزلي بقوله: \"وهذا تحكم على اللغة؛ إذ يقال له: وقع طاعة لكونه مطلوبًا؛ فإن سمي كل مطلوب أمرًا قياسًا على الواجب؛ فلا قياس في اللغة، ولم ينقل متواترًا، ونقل الآحاد لا يوجب العلم\" (٣).\n• بيان الاستدراك:\nيرى القاضي الباقلاني أن صيغة (افعل) مشتركة بين الندب والإيجاب، ولا تحمل على أحدهما إلا بقرينة (٤)؛ لذلك عرف الأمر بأنه: قول جازم يقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به. فيندرج تحت هذا التعريف الندب.\nواستدل القاضي على كون الندب أمرًا بكونه طاعة، ولم يقع الندب طاعة لكونه مرادًا، إذ المعصية مرادة أيضًا ولم تقع طاعة، فدل ذلك على وقوع الندب طاعة لكونه مأمورًا به.\nفاستدرك الغزلي على القاضي بأن هذا تحكم على اللغة؛ إذ يقال له: وقع الندب طاعة لكونه مطلوبًا، فهل تسمي كل مطلوب أمرًا قياسًا على الواجب؟ فإن كان جواب القاضي: نعم؛ فهذا قياس في اللغة، والقياس في اللغة لا يصح، وإن كان جواب القاضي بلا؛ فإنه لا يسمي كل مطلوب أمرًا قياسًا على الواجب؛ وإنما نقل عن أهل اللغة، فهذا النقل إما أن يكون متواترًا أو آحادًا، ولم ينقل عنهم متواترًا، وإن نقل عن بعضهم تسمية المطلوب أمرًا فهو نقل آحاد، ونقل الآحاد لا يوجب العلم.\n_________\n(١) يُنظر قول القاضي في مختصر التقريب (٢/ ٥ - ٧).\n(٢) المنخول (ص: ١٠٢ - ١٠٣).\n(٣) المرجع السابق (ص: ١٠٣).\n(٤) يُنظر: مختصر التقريب والإرشاد (٢/ ٢٧).","vol":"1","page":591},{"text":"• المثال الثالث:\nذكر السيف الآمدي في مسألة (اشتراط اتصال الاستثناء بالمستثنى) من بين أدلة القائلين بصحة الاستثناء المنفصل: \"الثالث: أن الاستثناء بيان وتخصيص للكلام الأول؛ فجاز تأخيره؛ كالنسخ والأدلة المنفصلة المخصصة للعموم\" (١).\nثم ذكر استدراكه على هذا الدليل فقال: \"والجواب: ... وعن الوجه الثالث: أنه قياس في اللغة؛ فلا يصح لما سبق (٢) \" (٣).\nالتنبيه الثاني: أن الاختلاف في القوادح اختلاف تنوع، فلا يمتنع اجتماع بعضها على دليل الخصم.\n• المثال الأول:\nقال القاضي أبو يعلى في مسألة: (نسخ القرآن بالسنة شرعًا): \"لا يجوز نسخ القرآن بالسنة شرعًا، ولم يوجد ذلك ... وبهذا قال الشافعي (٤)، وقال أبو حنيفة: يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة (٥)، وحكي ذلك عن مالك (٦) والمتكلمين من المعتزلة (٧) والأشعرية، واختلف أهل الظاهر في ذلك (٨) \" (٩).\n_________\n(١) يُنظر: الإحكام للآمدي (٢/ ٣٥٥).\n(٢) أي في مسألة القياس في اللغة، تُنظر في الإحكام (١/ ٨٠).\n(٣) يُنظر: المرجع السابق (٢/ ٣٥٦).\n(٤) يُنظر: الرسالة (ص: ١٨١).\n(٥) يُنظر: التوضيح (٢/ ٧٩ - ٨٢)؛ فواتح الرحموت (٢/ ٧٨).\n(٦) يُنظر: إحكام الفصول (١/ ٤٢٣)؛ رفع النقاب عن تنقيح الشهاب (٤/ ٥١٣).\n(٧) يُنظر: المعتمد (١/ ٣٩٣).\n(٨) لم يشر ابن حزم إلى وقوع اختلاف بينهم في هذه المسألة؛ بل قال: إن السنة تنسخ القرآن؛ سواء كانت منقولة بالتواتر أو الآحاد. يُنظر: الإحكام لابن حزم (٤/ ٥٠٥).\n(٩) يُنظر: العدة في أصول الفقه (٢/ ٢٨٨ - ٧٨٩).","vol":"1","page":592},{"text":"ثم ذكر من أدلة الخصم القائل بجواز النسخ: \"واحتج بأن النسخ كالتخصيص؛ لأن النسخ لا يقتضي تخصيص الأعيان، والتخصيص لا يقتضي تخصيص الزمان، ثم ثبت أن تخصيص الكتاب يجوز بالسنة، كذلك النسخ.\nوالجواب: أنه يبطل بخبر الواحد والقياس؛ فإن التخصيص بهما جائز، ولا يجوز النسخ بهما، وعلى أن النسخ مفارق للتخصيص؛ لأن النسخ يزيل حكم اللفظ كله، والتخصيص يبقي بعضه، ولا يسقط جملته، فافترقا\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك القاضي أبو يعلى على الخصم القائل: بجواز نسخ القرآن بالسنة في قياسهم النسخ على التخصيص بقادح النقض بخبر الواحد والقياس؛ لأن التخصيص بهما جائز دون النسخ. واستدرك أيضًا بقادح الفرق؛ حيث ذكر الفرق بين النسخ والتخصيص، فالنسخ يزيل حكم اللفظ كله، أما التخصيص فيبقي بعض حكم اللفظ.\n• المثال الثاني:\nقال الرازي في مسألة: (حكم الاستثناء الواقع عقيب جمل عطف بعضها على بعض) في عرضه لأدلة الشافعية (٢): \"واحتج الشافعي - ﵁ - بوجوه:\nأولها: أنَّ الشرط متى تعقَّب جملًا عاد إلى الكلِّ، فكذا الاستثناءُ، والجامع: أن كل واحد منهما لايستقلُّ بنفسه.\nوأيضًا: فمعناهما واحد؛ لأن قوله تعالى في آية القذف: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] جارٍ مجرى قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] إن لم يتوبوا\" (٣).\n_________\n(١) يُنظر: العدة في أصول الفقه (٢/ ٧٩٦ - ٧٩٧).\n(٢) وقد مر الخلاف في المسألة قريبًا، فليُنظر (ص: ٥٦٩).\n(٣) يُنظر: المحصول (٣/ ٤٦).","vol":"1","page":593},{"text":"ثم استدرك الرازي على دليل الشافعية الأول بقادح المنع فقال: \"أما أدلة الشافعية فالجواب عن الأول: أن نمنع الحكم في الأصل، وبتقدير تسليمه فنطالبُ بالجامع.\nقوله: (إنهما يشتركان في عدم الاستقلال، واقتضاء التخصيص).\nقلنا: لا يلزم من اشتراك شيئين في بعض الوجوه اشتراكهما في كل الأحكام.\nقوله: (ثانيًا: معنى الشرط والاستثناء واحد).\nقلنا: إن ادعيتم أنه لا فرق بينهما أصلًا؛ كان قياسُ أحدهما على الآخر قياسًا للشيء على نفسه، وإن سلمتم الفرق طالبناكم بالجامع\" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الرازي على دليل الشافعي في قياسه الاستثناء على الشرط، واستخدم في استدراكه قادح المنع؛ حيث منع حكم الأصل؛ وهو عود الشرط المتعقَّب جملًا إلى الكلِّ، ثم قال بتقدير تسليم حكم الأصل -وهو عود الشرط على جميع الجمل المتعاطفة-: نعترض عليكم بقادح المطالبة، فنطالبكم بالجامع بين الأصل - وهو الشرط -، والفرع -وهو الاستثناء-.\nفإن قلتم: الجامع بينهما: عدم استقلال كل منهما بنفسه، واقتضاؤهما التخصيص. قلنا: لا يلزم من اشتراك شيئين في بعض الوجوه اشتراكهما في كل الأحكام.\nفإن قلتم: معنى الشرط والاستثناء واحد.\nقلنا: إن ادعيتم أنه لا فرق بينهما أصلًا: كان قياسُ أحدهما على الآخر قياسًا للشيء على نفسه، والقياس إنما يكون بين شيئين.\n_________\n(١) يُنظر: المحصول (٣/ ٥٢).","vol":"1","page":594},{"text":"وإن سلمتم الفرق بين الشرط والاستثناء؛ طالبناكم بالجامع بينهما.\nفهذا الاستدراك اجتمع فيه قادح المنع والمطالبة.\n• المثال الثالث:\nقال الآمدي في مسألة (العمل بخبر الواحد) من بين أدلة القائلين بحجية خبر الواحد: \"ومنها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥] أمر بالقيام بالقسط والشهادة لله، والأمر للوجوب، ومن أخبر عن الرسول بما سمعه منه؛ فقد قام بالقسط وشهد لله، فكان ذلك واجبًا عليه، وإنما يكون ذلك واجبًا أن لو كان القبول واجبًا؛ وإلا كان وجود الشهادة كعدمها، وهو ممتنع\" (١).\nفاستدرك عليهم بقادح المنع، ثم بفرض التسليم بقادح القول بالموجَب، فقال: \"ولقائل أن يقول: لا أسلم دلالة الآية على وجوب القيام بالقسط والشهادة لله على ما يأتي.\nوإن سلمنا دلالتها على وجوب ذلك غير أنا نقول بموجب الآية؛ فإن الشهادة لله والقيام بالقسط إنما يكون فيما يجوز العمل به، وأما ما لا يجوز العمل به فلا يكون قيامًا بالقسط ولا شهادة لله، وعند ذلك فيتوقف العمل بالآية في وجوب قبول خبر الواحد وجواز العمل به، وهو دور ممتنع\" (٢).\n_________\n(١) يُنظر: الإحكام للآمدي (٢/ ٧٧).\n(٢) يُنظر: المرجع السابق (٢/ ٧٧).","vol":"1","page":595},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-197> القسم الثاني: الاستدراك بمادة القواعد الأصولية الأخرى:</span>\nأما الاستدراك بمادة القواعد الأصولية الأخرى؛ فالمراد به: التعقيب على الخصم باستعمال قواعد الأصول غير القوادح.\nومن أمثلة هذه الاستدراكات:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-198> الاستدراك بمادة القواعد الأصولية المتعلقة بالحكم الشرعي</span>؛ ومنها:\n•<span data-type=\"title\" id=toc-199> الاستدراك بقاعدة (انتفاء الحرمة لا يوجب الإباحة):</span>\nقال البيضاوي في مسألة (حكم الأعيان والمنافع قبل ورد الشرع): \"الأصل في المنافع: الإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٩]، ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِي﴾ [الأعراف: ٣٢]، ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] \".\nقال الإسنوي في شرحه: \"الثانية: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ\nالَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وجه الدلالة: أن هذا الاستفهام ليس على حقيقته؛ بل هو للإنكار؛ وحينئذ فيكون البارئ تعالى قد أنكر تحريم الزينة التي يختص بنا الانتفاع بها؛ لمقتضى اللام -كما تقدم-، وإنكار التحريم يقتضي انتفاء التحريم؛ وإلا لم يجز الإنكار، وإذا انتفت الحرمة تعينت الإباحة\".\nثم استدرك الإسنوي على وجه الدلالة في قول: (إذا انتفت الحرمة تعينت الإباحة) فقال: \"وفيه نظر؛ فقد تقدم في أوائل الكتاب أن انتفاء الحرمة لا يوجب الإباحة\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-200> الاستدراك بقاعدة (القضاء يجب بأمر ثانٍ):</span>\nذكر الباجي في مسألة (هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟) استدلال القائلين بعدم تكليفهم: \"استدلوا بأن العبادات لو كانت واجبة على الكفار لوجب\n_________\n(١) نهاية السول (٢/ ٩٣٥).","vol":"1","page":596},{"text":"عليهم قضاؤها إذا أسلموا؛ كما يجب ذلك على تارك الصلاة المسلم.\nوالجواب: أن القضاء يجب بأمرٍ ثانٍ؛ ولذلك وجبت الجمعة على المكلفين ولم يجب عليهم قضاؤها\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-201> الاستدراك بقاعدة (الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة</span>؟):\nذكر الآمدي في مسألة (حجية الإجماع) استدراك أبي الحسين البصري على قول الخصم المانعين حجية الإجماع في اعتراضهم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] بأن التوعد في الآية إنما وقع على الجمع بين المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين: \"وقال أبو الحسين البصري: هذا يقتضي أن من شاق الرسول يجب عليه اتباع سبيل المؤمنين مع مشاقته للرسول، ومشاقة الرسول ليست معصية فقط؛ وإنما هي معصية على سبيل الرد عليه؛ لأن من صدق النبي - ﵇ - وفعل بعض المعاصي لا يقال: إنه مشاق للرسول، ومن كذب النبي - ﵇ - لا يصح أن يعلم صحة الإجماع بالسمع، ومن لا يصح عليه ذلك لا يصح أن يكون مأمورًا باتباعه في تلك الحال، وهو غير سديد\" (٢).\nفقدر الآمدي استدراكًا على قول أبي الحسين البصري مستخدمًا في ذلك قاعدة: الكفار مخاطبون بفروع الشريعة فقال: \"فإن لقائل أن يقول: وإن سلمنا أن المفهوم من المشاقة للنبي تكذيبه، وأن من كذب النبي لا يعلم بالسمع صحة الإجماع؛ ولكن القول بأنه لا يكون مأمورًا باتباع الإجماع مبني على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الإسلام، وهو باطل بما سبق تقريره\" (٣).\n_________\n(١) يُنظر: إحكام الفصول (١/ ٢٣١).\n(٢) يُنظر: الإحكام للآمدي (١/ ٢٧١ - ٢٧٢). ويُنظر قول أبي الحسين في المعتمد (٢/ ٧ - ٨).\n(٣) يُنظر: الإحكام للآمدي (١/ ٢٧٢).","vol":"1","page":597},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-202> الاستدراك بمادة القواعد الأصولية المتعلقة بالأدلة:</span>\nالأدلة على قسمين، منها المتفق عليه، ومنها المختلف فيه.\nأما المتفق عليها: فالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. (١)\nوقد ذكرنا جملة منها في البحث عند الحديث عن مادة الاستدراك بالكتاب والسنة والإجماع. (٢)\nوفي مسائل السنة يذكر الأصوليون خبر الواحد، وعليه أقرر:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-203> الاستدراك بـ (خبر الواحد):</span>\n• المثال الأول:\nبعد أن ذكر القاضي أبو يعلى في مسألة (حجية الإجماع) الأخبار الدالة على حجيته ذكر استدراكًا من الخصم القائل بعدم حجية الإجماع (٣): \"فإن قيل: هذه أخبار آحاد فلا يجوز الاحتجاج بها في مثل المسألة.\nقيل: هذه مسألة شرعية، طريقها مثل مسائل الفروع، ليس للمخالف فيها طريقة تمكنه أن يقول: إنه موجب القطع.\nوجواب آخر، وهو أنه تواتر في المعنى ... أن هذا الخبر تلقته الأمة بالقبول، ولم ينقل عن أحد رده ... \" (٤).\n_________\n(١) يُنظر: الإحكام للآمدي (١/ ٢١١ - ٢١٢)؛ مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٧٠)؛ شرح الكوكب المنير (٢/ ٥).\n(٢) يُنظر: (ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.- خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) مبحث: مادة الاستدراك النقلي من الفصل الرابع.\n(٣) والقائل بهذا القول النظام والرافضة، يُنظر: العدة في أصول الفقه (٤/ ١٠٦٤).\n(٤) ينظر: العدة في أصول الفقه (٤/ ١٠٨١ - ١٠٨٢). ويُنظر كذلك مسألة (المجتهدون في أحكام الفروع هل المصيب منهم واحد أو الكل؟) (٥/ ١٥٥٤) استخدم فيها المعياران من مسائل الأخبار.","vol":"1","page":598},{"text":"• بيان الاستدراك:\nفي المثال ذكر مسألتين من مسائل الأخبار: الأول منهما: ما ذكره الخصم في استدراكه على الاستدلال بالأخبار في حجية الإجماع: بأن هذه أخبار آحاد، وأخبار الآحاد تفيد الظن؛ فلا يجوز الاحتجاج بها لإثبات أصل من أصول الدين؛ وهو الإجماع.\nوالثاني: ما استدرك به القاضي على قولهم هذا في منع الاحتجاج بأخبار الآحاد: بأن أخبار الآحاد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقًا له وعملًا به يوجب العلم.\n• المثال الثاني:\nاستدرك الشيرازي في مسألة (إجماع أهل المدينة) على الأخبار التي استدل بها المالكية في إثبات حجية هذا النوع من الإجماع فقال: \"والجواب: أن هذه الأخبار آحاد؛ فلا يثبت بها أصل من أصول الدين\" (١).\nوذكرنا أمثلة للاستدراك بموضوعات القياس؛ كالسبر والتقسيم (٢)، والقياس في اللغة (٣)، وقوادح القياس (٤). وأذكر أمثلة لاستدراكات بمواد آخر لموضوعات القياس؛ منها:\n_________\n(١) يُنظر: التبصرة (ص: ٢٢٤).\n(٢) يُنظر أمثلة منهج الاستدراك التحليلي في (ص: ٥٤٧ - ٥٤٩). ويُنظر كذلك أمثلة الاستدراك العقلي بالقياس الاستثنائي المنفصل (السبر والتقسيم) في (ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.-خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.).\n(٣) يُنظر: (ص: ٥٩١ - ٥٩٢).\n(٤) يُنظر: (ص: ٥٦٠ - ٥٨٨).","vol":"1","page":599},{"text":"• الاستدراك بـ (اختلاف المناط (١) يمنع القياس):\nذكر الهندي في مسألة (اتفاق الأكثر هل يُعد إجماعًا وحجة؟) من بين أدلة القائلين بأن اتفاق الأكثر يُعد حجة قولهم: \"وسابعها: القياس على الرواية؛ فإن الرواية ترجح بكثرة العدد، فكذا أقوال المجتهدين.\nوجوابه: أن المناط مختلف، ومع اختلاف المناط لا يصح القياس؛ فإن مناط الرواية غلبة ظن صدق الراوي، ومناط الإجماع عصمة المجمعين، ولم تثبت عصمة أكثر الأمة، وقول الأكثر يفيد من الظن ما لا يفيد قول الأقل، فلا جرم حصل الترجيح بقول الأكثر، ولم يثبت الإجماع بقول الأكثر؛ لعدم تحقيق المناط\" (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-205> الاستدراك بـ (لا قياس في مقابلة النص):</span>\nذكر الرازي في مسألة (إجماع أهل المدينة) اعتراضًا على استدلال الإمام مالك بحديث: «إِنَّ الْمَدِينَةَ لَتَنفِي خبَثَهَا كما يَنفي الكِيرُ خبَثَ الحَديدِ» (٣): \"أن القول به يؤدي إلى المحال؛ لأن من كان ساكن المدينة كان قوله حجة، فإذا خرج منها لا يكون قوله حجة، ومن كان قوله حجة في مكان؛ كان قوله حجة في كل مكانٍ؛ كالرسول - ﷺ - \" (٤).\nفأجاب على هذا الاعتراض بقوله: \"قوله: (من كان قوله حجة في مكان\n_________\n(١) المناط لغة: مفعل من ناطه نوطًا: علقه، واسم موضع التعليق: مناط. يُنظر: الصحاح (ص: ١٠٧٧)؛ المصباح المنير (٢/ ٦٣٠) مادة: (نوط).\nوفي الاصطلاح: متعلق الحكم. أي أن الحكم تعلق بذلك الوصف. يُنظر: التحبير شرح التحرير (٧/ ٣٣٣٣)؛ القاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين (ص: ٢٨٧).\n(٢) نهاية الوصول (٦/ ٢٦٢٨).\n(٣) سبق تخريجه (ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.).\n(٤) يُنظر: المحصول (٤/ ١٦٤).","vol":"1","page":600},{"text":"كان حجة في كل مكان؛ كالنبي - ﷺ -).\nقلنا: هذا قياس طردي في مقابلة النص فكان باطلًا -والله أعلم-\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-206> الاستدراك بـ (ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية):</span>\nذكر الرازي في مسألة (دلالة صيغة الأمر المطلقة) سؤال الخصم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] على دلالة الصيغة على الوجوب، ثم ذكر استدراكه على هذا السؤال، فقال: \"قوله (٢): دلت الآية على أن مخالف أمرِ الله يستحقُّ العقاب، أو على أن مخالف كلِّ أمر يستحق العقاب؟\nقلنا: دلت على الثاني لوجوه: ... الثاني: أنه تعالى رتب استحقاق العقاب على مخالفة الأمر، وترتيب الحكم على الوصف مُشعر بالعلية\" (٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-207> الاستدراك بـ (التقسيم الحاصر </span>(٤»:\nقال الرازي في مسألة (شكر المنعم عقلًا): \"الفصل الثامن: في أن شكر المنعم غير واجب عقلًا. وقالت المعتزلة: بوجوبه عقلًا\" (٥).\n_________\n(١) يُنظر: المحصول (٤/ ١٦٦).\n(٢) أي الخصم.\n(٣) المحصول (٢/ ٥٧).\n(٤) التقيسم في اللغة: مصدر قسم بمعنى: جزأ وفرق. يُنظر: لسان العرب (١٢/ ١٠٢)؛ القاموس المحيط (ص: ١١٤٩) مادة: (قسم).\n\nوقسمه علماء الأصول إلى قسمين: التقسيم الحاصر (ما كان دائرًا بين النفي والإثبات) والتقسيم المنتشر (هو ما لا يكون دائرًا بين النفي والإثبات). يُنظر: البرهان (٢/ ٨١٥)؛ نهاية السول (٢/ ٨٧٣)؛ الإبهاج (٦/ ٢٣٨٦).\n(٥) المحصول (١/ ١٤٧).","vol":"1","page":601},{"text":"واستدل على مذهبه بدليل من المعقول؛ وهو: \"أنه لو وجب لوجب إما لفائدة أو لا لفائدة، والقسمان باطلان؛ فالقول بالوجوب باطل.\nإنما قلنا: إنَّه لا يجوز أن يكون لفائدة لأن تلك الفائدة إما أن تكون عائدة إلى المشكور، أو إلى غيره.\nوالأول باطل؛ لأن الله تعالى منزه عن جلب المنافع، ودفع المضار.\nوالثاني باطل؛ لأن الفائدة العائدة إلى الغير إما جلب المنفعة، أو دفع المضرة ... \".\nثم ذكر استدراكًا من الخصم: \"فإن قيل: لِمَ لا يجوزُ أن يقال: وجب الشكر لمجرد كونه شكرًا؟ وذلك لأن وجوب كل شيء لو كان لأجل شيء آخر؛ لزم التسلسل؛ فثبت أنه لا بد وأن ينتهي إلى ما يكون واجبًا لذاته.\nوعندنا: الشكر واجب لنفس كونه شكرًا؛ كما أنَّ دفع الضرر عن النفس واجب لنفس كونه دفعًا للضرر؛ ولذلك فإن العقلاء يعلمون وجوبه عندما يعلمون كونه شكرًا للنعمة وإن لم يعلموا جهة أخرى من جهات الوجوب\" (١).\nفأجاب عن استدراكهم: \"قولهم: لِمَ لا يجوز أن يجب لنفس كونه شكرًا؟\nقلنا: قولنا: لو وجب الشكر لوجب إما لفائدة أولا لفائدة؛ تقسيم دائر بين النفي والاثبات، فلا يحتمل الثالث ألبتة\" (٢).\n_________\n(١) المحصول (١/ ١٥٠ - ١٥١).\n(٢) المرجع السابق (١/ ١٥٣ - ١٥٤).","vol":"1","page":602},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-208> الاستدراك بـ (الدوران </span>(١»:\nقال العلاء البخاري في مسألة (القياس في اللغة) دليل الخصم القائل بجواز القياس: \"إنا رأينا أن عصير العنب لا يسمى خمرًا قبل الشدة المطربة، فإذا حصلت تلك تسمى خمرًا، وإذا زالت مرة أخرى زال الاسم، والدوران يُفيد ظن العِلِّية، فيحصل ظن أن العلة لذلك الاسم هي: الشدة، ثم رأينا الشدة حاصلة في النبيذ، ويلزم من حصول علة الاسم ظن حصول الاسم، وإذا حصل ظن أنه مسمى بالخمر، وقد علمنا أن الخمر حرام؛ حصل ظن أن النبيذ حرام، والظن حجة، فوجب الحكم بحرمة النبيذ\" (٢).\nفاستدرك عليهم العلاء البخاري بقوله: \"الدوران إنما يُفيد ظن العلية فيما يحتمل الغلبة، وههنا لم يوجد الاحتمال؛ لانتفاء المناسبة بين الألفاظ والمعاني أصلًا، وحصول العلم بأن شيئًا من المعاني لم يكن داعيًا للواضع إلى تسميته بذلك الاسم، وإذا لم يوجد احتمال العلية لم يكن الدوران مفيدًا ظن العِلية\" (٣).\n• وأما الأدلة المختلف فيها فكثيرة، ذكرنا منها في ثنايا البحث: قول الصحابي (٤)، الاستقراء (٥)، وأذكر الآن الاستدراك بقاعدة (شرع من قبلنا)، والاستدراك بدليل (العرف والعادة)، والاستدراك بدليل (الحس (٦».\n_________\n(١) الدوران لغة: مصدر دار يدور دورانًا إذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه. يُنظر: الصحاح (ص: ٣٦١)؛ لسان العرب (٥/ ٣٢٣). مادة: (دور).\nاصطلاحًا: ترتُّبُ حكمٍ على وصفٍ وجودًا وعدمًا. وسماه الآمدي وابن الحاجب بـ (الطرد والعكس). يُنظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٣٧٤)؛ مختصر ابن الحاجب (٢/ ١١٠٦)؛ شرح الكوكب المنير (٤/ ١٩١ - ١٩٢).\n(٢) كشف الأسرار للبخاري (٣/ ٥٦٤).\n(٣) المرجع السابق (٣/ ٥٦٥).\n(٤) يُنظر: (ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.-خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.).\n(٥) يُنظر: (ص: ٥٤٠ - ٥٤٥).\n(٦) علماء الأصول لا يذكرون دليل الحس من بين الأدلة المختلف فيها في بناء الأحكام الشرعية؛ وإنما يذكرونه كدليل لتخصيص العموم.","vol":"1","page":603},{"text":"• مثال<span data-type=\"title\" id=toc-209> الاستدراك بقاعدة (شرع من قبلنا):</span>\nقال القاضي أبو يعلى في مسألة (تعلق الأمر بالمعدوم): \"الأمر يتعلق بالمعدوم، وأوامر الشرع قد تناولت جميع المعدومين إلى قيام الساعة ....\nوذهب المعتزلة (١) وجماعة من أصحاب أبي حنيفة (٢) فيما ذكره أبو عبدالله الجرجاني في أصوله إلى أن الأمر لا يتعلق بالمعدوم، وأن أوامر الشرع الواردة في عصر النبي - ﷺ - تختص بالموجودين في وقته، فأما من بعدهم فإنه دخل في ذلك بدليل\" (٣).\nثم ذكر استدراكًا من الخصم بقاعدة (شرع من قبلنا) فقال: \"فإن قيل: فكيف يصح هذا على أصلكم وقد قلتم: إن شريعة من قبلنا ليس بشرع لنا، فلو كان الخطاب غائبًا لدخل فيه كل مكلف يوجد في الثاني؟\nقيل: الصحيح من الروايتين: أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه، وعلى الرواية الثانية: ليس بشرع لنا؛ لقيام الدلالة على نسخه\" (٤).\n_________\n(١) يُنظر: المعتمد (١/ ١٤٠).\n(٢) يُنظر: مذهب الحنفية في: تيسير التحرير (٢/ ١٣١)؛ فواتح الرحموت (١/ ١٤٦)؛ حاشية المطيعي (١/ ٣٠٤).\n(٣) يُنظر: العدة في أصول الفقه (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧).\n(٤) يُنظر: المرجع السابق (٢/ ٣٩٢).","vol":"1","page":604},{"text":"• أمثلة<span data-type=\"title\" id=toc-210> الاستدراك بـ (دليل العادة والعرف </span>(١»:\n• المثال الأول:\nذكر الباجي في مسألة (دلالة صيغة افعل) من بين أدلة القائلين بالتوقف وعدم حمل الصيغة على أحد محتمليه إلا بقرينة تدل على المراد: \"أما هم فاحتج من نصر قولهم في ذلك بأن لفظ (الأمر) لو كان يدل على الوجوب بمفرده؛ لوجب إذا صُرف إلى الندب بقرينة أن يكون ذلك مجازًا لا حقيقة.\nوالجواب: أن هذا ليس بصحيح؛ لأن اللفظ إنما يستغني عن قرينة فيما شهر بالاستعمال فيه، ويفتقر إلى قرينة فيما عُرْفه أن يستعمل في غيره أكثر؛ كالغائط الذي هو حقيقة في المطمئن من الأرض، ومجاز في قضاء الحاجة، ثم مع ذلك يفتقر إلى قرينة في استعماله في حقيقته، ولا يفتقر إلى قرينة في استعماله في مجازه؛ وإنما ذلك بحسب عرف الاستعمال\" (٢).\n_________\n(١) العادة: ما استمر الناس عليه على حكم العقول، وعادوا إليه مرة بعد أخرى. يُنظر: التعريفات (ص: ١٨٨)؛ الكليات (ص: ٦١٧).\nوالعرف: ما استقر في النفوس من جهة شهادات العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول. يُنظر: التعريفات (ص: ١٩٣)؛ الكليات (ص: ٦٧١).\nوقيل في الفرق بينهما ثلاثة أقول:\n- الأول: أنه لا فرق بينهما، فهما بمعنى واحد.\n- الثاني: أن العرف مخصوص بالقول، والعادة مخصوصة بالعمل.\n- الثالث: بينهما عموم وخصوص مطلق، فالعادة أعم من العرف، إذ العادة تطلق على العادة الجماعية وهي العرف، وتطلق أيضا على العادة الفردية، فكل عرف عادة لا العكس. يُنظر: العرف والعادة في رأي الفقهاء (ص: ١١ - ١٣).\n(٢) إحكام الفصول (١/ ٢٠٣).","vol":"1","page":605},{"text":"• المثال الثاني:\nقال الشيرازي في مسألة (تكرار الأمر وما يقتضيه الأمر الثاني): \"إذا كرر الأمر فقال: (صَلِّ)؛ هل يقتضي الأمر الثاني استئناف فعلي أمور لا تنبني على ما ينبني عليه الأمر المفرد؟\nفإن قلنا: إنه يقتضي التكرار؛ فلا فائدة في ذكر الأمر الثاني؛ لأن الأمر الأول قد استغرق الأوقات في التكرار، فيجب عليه ما استطاع إلى قيام الساعة، فلا يتصور تكليفه الفعل بحكم الأمر الثاني؛ لأنه لا سبيل إلى الامتثال لاشتغاله بالأمر الأول، ويحمل الثاني على التأكيد.\nفإن قلنا: إن الأمر يقتضي مرة واحدة؛ ففيه وجهان: قال أبو بكر الصيرفي: لا يقتضي التكرار. ومنهم من قال: الأمر الثاني يقتضي فعلًا ثانيًا\" (١).\nواختار الشيرازي أنه يقتضي فعلًا ثانيًا، وذكر من بين أدلة المخالف القائل بأنه لا يقتضي التكرار قوله: \"قالوا: ولأن السيد من العرب إذا قال لعبده: اسقني، وكرر الأمر عليه؛ لا يقتضي ذلك تكرار الفعل منه وإن وجد دال منه بلفظين واحد بعد الآخر، فلو كان الأمر يقتضي تكرار الفعل لاقتضاه في هذا الوضع\" (٢).\n.... وجواب آخر: وهو أنا حملناه على مرة واحدة هناك بحكم العرف؛ وذلك لأن العرف أنه قصد باستدعاء الماء يشربه لحاجته إليه، وحمل الماء إليه مرة واحدة فيه كفاية له في الحال فلم يحتج إلى تكرار؛ بخلاف مسألتنا فإنه ليس بيننا وبين الله تعالى في خطابه عرف يحمل عليه، فوجب أن نحمله على موجبه في اللغة\" (٣).\n_________\n(١) يُنظر: شرح اللمع (١/ ٢٣١ - ٢٣٢).\n(٢) يُنظر: المرجع السابق (١/ ٢٣٣).\n(٣) يُنظر: المرجع السابق.","vol":"1","page":606},{"text":"• المثال الثالث:\nقال الآمدي في مسألة (حجية الإجماع): \"اتفق أكثر المسلمين على أن الإجماع حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم، خلافًا للشيعة والخوارج والنظام من المعتزلة\" (١).\nثم ذكر عددًا من الاستدراكات بين الخصمين بدليل (العادة)، فبعد أن ذكر دليل القائلين بحجية الإجماع في استدلالهم بالسنة بعدد من روايات الصحابة المختلفة الألفاظ المتفقة المعنى في الدلالة على عصمة هذه الأمة عن الخطأ والضلالة أورد استدراكًا من الخصم القائل بعدم حجية الإجماع: (فإن قيل: هذه كلها أخبار آحاد تبلغ مبلغ التواتر ولا تفيد اليقين، وإن سلمنا التواتر؛ ولكن يحتمل أنه أراد به الخطأ والضلالة عن الأمة عصمة جميعهم عن الكفر لا بتأويل ولا شبهة. ويحتمل أنه أراد بهم عصمتهم عن الخطأ في الشهادة في الآخرة، أو فيما يوافق النص المتواتر، أو دليل العقل دون ما يكون بالاجتهاد ....\nوالجواب عن السؤال الأول من وجهين: ... الوجه الثاني: أن هذه الأحاديث لم تزل ظاهرة مشهورة بين الصحابة ومن بعدهم متمسكًا بها فيما بينهم في إثبات الإجماع من غير خلاف فيها ولا نكير إلى زمان وجود المخالفين، والعادة جارية بإحالة اجتماع الخلق الكثير والجم الغفير مع تكرر الأزمان، واختلاف هممهم ودواعيهم ومذاهبهم على الاحتجاج بما لا أصل له في إثبات أصل من أصول الشريعة؛ وهو الإجماع المحكوم به على الكتاب والسنة من غير أن ينبه أحد على فساده وإبطاله وإظهار النكير فيه.\nفإن قيل: من المحتمل أن أحدًا أنكر هذه الأخبار ولم ينقل إلينا، ومع هذا الاحتمال فلا قطع قولكم: إن الصحابة والتابعين استدلوا بها على الإجماع لا نسلم ذلك.\n_________\n(١) الإحكام للآمدي (١/ ٢٦٦).","vol":"1","page":607},{"text":"وما المانع أن يكون استدلالهم على الإجماع لا بهذه الأحاديث؛ بل بغيرها، سلمنا استدلالهم بها على ذلك لكنه دور؛ لما فيه من الاستدلال بالأحاديث على الإجماع، والاستدلال على صحة الأحاديث بالإجماع. ثم ما ذكرتموه في الدلالة على صحتها من عدم النكير معارض بما يدل على عدم صحتها؛ وذلك أنها لو كانت معلومة الصحة مع أن الحاجة داعية إلى معرفتها لبناء هذا الأصل العظيم عليها لإحالة العادة أن لا تعرف الصحابة للتابعين طريق صحتها قطعًا للشك والارتياب.\nقلنا: جواب الأول: أن الإجماع من أعظم أصول الدين، فلو وجد فيما يستدل به عليه نكير؛ لاشتهر ذلك فيما بينهم، وعظم الخلاف فيه؛ كاشتهار خلافهم فيما هو دونه من مسائل الفروع؛ كاختلافهم في دية الجنين، وقوله: أنت علي حرام، وحد الشرب، ومسائل الجد والإخوة، إلى غير ذلك، ولو كان كذلك؛ لكانت العادة تحيل عدم نقله؛ بل كان نقله أولى من نقل ما خولف فيه من مسائل الفروع؛ بل أولى من نقل خلاف النظام في ذلك مع خفائه وقلة الاعتبار بقوله ....\nوجواب الثالث: أن الاستدلال على صحة الأخبار لم يكن بالإجماع؛ بل بالعادة المحيلة لعدم الإنكار على الاستدلال بما لا صحة له فيما هو من أعظم أصول الأحكام، والاستدلال بالعادة غير الاستدلال بالإجماع؛ وذلك كالاستدلال بالعادة على إحالة دعوى وجود معارض للقرآن واندراسه، ووجود دليل يدل على إيجاب صلاة الضحى وصوم شوال\". (١)\n\n• مثال<span data-type=\"title\" id=toc-211> الاستدراك بـ (دليل الحس):</span>\nقال ابن رشد عند حديثه عن (أركان الحكم): \"وأما المحكوم فيه: (وهو الفعل) فإنه مجاز كونه مكتسبًا للعبد باختياره، مع اعتقاد اكتسابه طاعةً وامتثالًا .... وأما الشيخ أبو الحسن فليس من شرط الفعل عنده أن يكون مكتسبًا؛ بل يرى أن\n_________\n(١) يُنظر: الإحكام للآمدي (١/ ٢٩٠ - ٢٩٤).","vol":"1","page":608},{"text":"ليس ههنا فعل مكتسب للإنسان أصلًا، وأن ما يُظهر كون الإنسان فاعلًا للشيء فأمر مصاحب ولاحِق؛ لا أن الإنسان لذلك الفعل سبب لا قريب ولا بعيد حتى تكون نسبة ذي القدمين مثلًا إلى المشي هي بعينها نسبة العادم للقدمين (١) \" (٢).\nثم استدرك على مذهب الأشعري بدليل الحس فقال: \"وهذه مخالفة للحس، ورأي غريب جدًّا عن طباع الإنسان\" (٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-212> الاستدراك بالقواعد الأصولية المتعلقة بدلالات الألفاظ</span>؛ ومنها:\n•<span data-type=\"title\" id=toc-213> الاستدراك بقاعدة (صيغة الأمر المجردة عن القرائن تفيد الوجوب):</span>\nقال القاضي أبو يعلى في مسألة (دلالة أفعال النبي - ﷺ -): \"واحتج من قال: إنها على الوقف: بأنا لا نعلم على أي وجه فعله النبي - ﷺ -، ويحتمل أن يكون فعله واجبًا، ويحتمل أن يكون ندبًا، ويحتمل أن يكون مباحةً، ويحتمل أن يكون مخصوصًا دون أمته، وإذا لم يعلم على أي وجه أوقعه لم يصح الإقتداء به.\nوالجواب: أن الفعل المتجرد عن القرائن لا يكون إلا واجبًا عامًا فيه وفي أمته،\n_________\n(١) يعتقد الأشاعرة أن قدرة العبد لا تأثير لها في حدوث مقدورها، ولا في صفة من صفاته، وأن أفعال العباد مخلوقة لله وليس للإنسان فيها سوى اكتسابها، فالفاعل الحقيقي هو الله، وإضافتها إلى الخلق مجاز. ولقد عدَّ المحققون منهم (الكسب) هذا من محالات الكلام، وضربوا له المثل في الخفاء والغموض فقالوا: (أخفى من كسب الأشعري). والإيمان والطاعة عندهم بتوفيق الله، والمعصية بخذلانه، والتوفيق خلق القدرة على الطاعة، والخذلان خلق القدرة على المعصية. ومذهب أهل السنة والجماعة: أن أفعال العباد خلق الله وكسب العباد، فالعباد لهم قدرة ومشيئة لكن هي داخلة تحت قدرة ومشيئة الله كما قال تعالى: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]، ففعل العبد فعل له حقيقة؛ ولكنه مخلوق ومفعول لله تعالى، وهناك فرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق. يُنظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٦٣٩ - ٦٥٢)؛ تقريب التدمرية (ص: ١١٢)؛ الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب (١/ ٨٩ - ٩٠).\n(٢) الضروري في أصول الفقه (ص: ٥٣).\n(٣) المرجع السابق.","vol":"1","page":609},{"text":"وإنما يكون ندبًا أو خاصًا له عند انضمام قرينة الندب، كما قلنا في صيغة الأمر إذا وردت متجردة عن القرائن: اقتضت الوجوب، وإنما يحمل على الندب بقرينة\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-214> الاستدراك بقاعدة (الآمر هل يدخل تحت الأمر</span>؟):\nذكر القاضي أبو يعلى في مسألة (دلالة أفعال النبي - ﷺ -) دليل الخصم القائلين بعدم حملها على الوجوب: \"واحتج: بأنه متى وجب علينا أن نفعل مثل فعله كنا متبعين له فيه، ومعلوم أن المتبوع أوكد حالًا من التبع، فإذا كان كذلك، وكان ظاهر فعله لا ينبئ عن وجوبه عليه؛ فلئلا يدل على وجوبه علينا أولى.\nوالجواب: أن هذا يبطل على أصل المخالف بالأمر؛ فإنهم جعلوه دالًاّ على الوجوب في حق غيره، ولا يدل على وجوبه عليه؛ لأن الآمر لا يدخل تحت الأمر، فلا يمتنع أن يكون الفعل من جهته كالأمر\" (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-215> الاستدراك بقاعدة (دلالة النهي المجردة عن القرائن):</span>\nذكر الآمدي في مسألة (حجية الإجماع) استدراك الخصم على وجه الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ووجه الاحتجاج بها: أنه تعالى نهى عن التفرق، ومخالفة الإجماع تفرق؛ فكان منهيًّا عنه، ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى النهي عن مخالفته. (٣)\nفقال: \"فإن قيل: لا نسلم وجود صيغة النهي، وإن سلمناها ولكن لا نسلم أن النهي يدل على التحريم كما سيأتي تقريره في النواهي\" (٤).\n_________\n(١) العدة في أصول الفقه (٣/ ٧٤٨).\n(٢) المرجع السابق (٣/ ٧٤٦).\n(٣) الإحكام للآمدي (١/ ٢٨٨).\n(٤) المرجع السابق.","vol":"1","page":610},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-216> الاستدراك بقاعدة (هل للعموم صيغ</span>؟):\nذكر الآمدي في مسألة (حجية الإجماع) استدراكًا مقدرًا من الخصم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، \"ووجه الاحتجاج بالآية: أنه تعالى توعد على متابعة غير سبيل المؤمنين، ولو لم يكن ذلك محرمًا لما توعد عليه، ولما حسن الجمع بينه وبين المحرم من مشاقة الرسول - ﵇ - في التوعد؛ كما لا يحسن التوعد على الجمع بين الكفر وأكل الخبز المباح.\nفإن قيل: لا نسلم أن (مَنْ) للعموم على ما سيأتي في مسائل العموم؛ حتى يتناول كل من اتبع غير سبيل المؤمنين\" (١).\nوذكر أيضًا استدركًا مقدرًا من الخصم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] بأن الألف واللام إذا دخلت على اسم الجنس عمت، ومقتضى صدق الخبر بذلك أمرهم بكل معروف ونهيهم عن كل منكر، فإذا أمروا بشيء إما أن يكون معروفًا أو منكرًا؛ لا جائز أن يكون منكرًا؛ وإلا لكانوا ناهين عنه ضرورة العمل بالعموم الذي ذكرناه؛ لا آمرين به، وإن كان معروفًا فخلافه يكون منكرًا؛ وهو المطلوب، وإذا نهوا عن شيء فإما أن يكون منكرًا أو معروفًا، لا جائز أن يكون معروفًا؛ وإلا لكانوا آمرين به ضرورة ما ذكرناه من العموم؛ لا ناهين عنه، وإن كان منكرًا فخلافه يكون معروفًا؛ وهو المطلوب. (٢)\nفقال: \"فإن قيل: لا نسلم أن الألف واللام الداخلة على اسم الجنس للاستغراق -على ما سيأتي-، وعلى هذا فلا تكون الآية عامة في الأمر بكل معروف، ولا النهي\n_________\n(١) يُنظر: الإحكام للآمدي (١/ ٢٦٧).\n(٢) يُنظر: المرجع السابق (١/ ٢٨٥).","vol":"1","page":611},{"text":"عن كل منكر\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-217> الاستدراك بقاعدة (الفعل في سياق الإثبات لا يعم):</span>\nقال البيضاوي في مسألة (حجية القياس): \"استدل أصحابنا بوجوه: الأول: أنه مجاوزة عن الأصل إلى الفرع، والمجاوزة اعتبار، وهو مأمور به في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾.\nقيل: المراد الاتعاظ؛ فإن القياس الشرعي لا يناسب صدر الآية.\nقلنا: المراد القدر المشترك.\nقيل: الدال على الكلي لا يدل على الجزئي.\nقلنا: بلى؛ ولكن ههنا جواز الاستثناء دليل العموم\" (٢).\nقال الإسنوي في شرحه: \"الاعتراض الثاني: أنه لا يلزم من الأمر بالاعتبار الذي هو القدر المشترك الأمر بالقياس؛ فإن القدر المشترك معنى كُلي، والقياس جُزئي من جزئياته، والدال على الكلي لا يدل على الجزئي.\nوأجاب في المحصول (٣) بوجهين: أحدهما - وعليه اقتصر المصنف-: أن ما قاله الخصم من كون الأمر بالماهية الكلية لا يكون أمرًا بشيء من جزئياتها على التعيين مسلم؛ لكن ههنا قرينة دالة على العموم؛ وهي جواز الاستثناء؛ فإنه يصح أن يقال: اعتبروا إلا في الشيء الفلاني، وقد تقدم غير مرة أن الاستثناء معيار العموم.\nفاستدرك الإسنوي على هذا الجواب بقوله: \"وهذا الجواب ضعيف؛ لأن الاستثناء إنما يكون معيارًا للعموم إذا كان عبارة عن إخراج ما لولاه لوجب دخوله؛\n_________\n(١) الإحكام للآمدي (١/ ٢٨٥).\n(٢) يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع نهاية السول - (٢/ ٧٩٧).\n(٣) (٥/ ٣٦).","vol":"1","page":612},{"text":"إما قطعًا أو ظنًّا، ونحن لا نسلم أن الاستثناء بهذا التفسير يصح هنا؛ فإن الفعل في سياق الإثبات لا يعم\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-218> الاستدراك بقاعدة (معيار العموم جواز الاستثناء):</span>\nذكر الإسنوي في مسألة (دلالة صيغة الأمر المطلقة) استدراك الخصم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] في إفادة الصيغة للوجوب بقوله: \"واعترض الخصم بأربعة أوجه ... الرابع - وهو أيضًا اعتراض على المقدمة الثانية (٢) -: أن قوله: (عن أمره) مفرد، فيفيد أن أمرًا واحدًا للوجوب، ونحن نُسَلِّمه، ولا يفيد كون جميع الأوامر كذلك مع أن المُدَّعَى هو الثاني.\nوأجاب في المحصول (٣) بثلاثة أوجه:\nأحدها -وعليه اقتصر المصنف (٤) -: أنه عام؛ بدليل جواز الاستثناء؛ فإنه يصح أن يقال: فليحذر الذين يخالفون عن أمره إلا الأمر الفلاني، وسيأتي أن معيار العموم جواز الاستثناء\" (٥).\n_________\n(١) نهاية السول (٢/ ٨٠١ - ٨٠٢).\n(٢) المقدمة الأولى: الآتي بالمأمور به موافق له، والمخالف ضد الموافق، فإذا ثبت أن الآتي موافق؛ ثبت أن التارك مخالف، والمخالف للأمر على صدد العذاب.\nالمقدمة الثانية: أمر الله المخالفين لأمره بالحذر من العذاب، والحذر عنه يكون بعد قيام المقتضى لنزوله.\nوإذا ثبت المقدمتان ثبت تارك الأمر على صدد العذاب، إذ لا معنى للوجوب إلا هذا. يُنظر: نهاية السول (١/ ٤٠٤).\nفالمعترض في هذا الاعتراض يعترض على المقدمة الثانية: (أمر الله المخالفين لأمره بالحذر من العذاب).\n(٣) يُنظر: المحصول (٢/ ٥٧).\n(٤) أي البيضاوي، يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع نهاية السول - (١/ ٤٠٢).\n(٥) يُنظر: نهاية السول (١/ ٤٠٧).","vol":"1","page":613},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-219> الاستدراك بقاعدة (تقييد المطلق خلاف الأصل):</span>\nذكر الرازي في مسألة (إجماع أهل المدينة) اعتراضًا على استدلال الإمام مالك بحديث: «إِنَّ المدِينَةَ لَتَنفِي خبَثَهَا، كما يَنفي الكِيرُ خبَثَ الحَديدِ»: \" ... سلمنا صحة متنه؛ لكن لِمَ لا يجوزُ أن يكون ذلك محمولًا على من خرج منها لكراهية المقام بها؟ مع أن في المقام بها بركة عظيمة؛ بسبب جوار الرسول وجوار مسجده - ﷺ - ومع ما ورد من الثناء الكثير على المقيمين بها؛ لأن الكاره للمقام بها مع هذه الأحوال لا بد وأن يكون ضعيف الدين، ومن كان كذلك فهو خبث\" (١).\nفأجاب على هذا الاعتراض بقوله: \"قوله: (نحمله على من كره المقام بالمدينة).\nقلنا: تقييد المطلق خلاف الأصل، ولو جاز ذلك لجاز في قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، وفي قوله - ﵊ -: «لاَ تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى خَطَأ» (٢)\nحمله على بعض الصور، ولما كان جواب الجمهور أن تخصيص العام وتقييد المطلق خلاف الأصل، وأنه لا يجوز القول به من غير ضرورة؛ فكذا ها هنا\" (٣).\n_________\n(١) يُنظر: المحصول (٤/ ١٦٣).\n(٢) الحديث له طرق متعددة، وألفاظ مختلفة؛ فمن أقربها:\n- حديث مالك الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله أجاركم من ثلاث: ... وألا تجتمعوا على ضلالة». أخرجه أبو داود، ك: الفتن والملاحم، ب: في ذكر الفتن ودلائلها، (٤/ ٩٨/ح: ٤٢٥٣).\n- حديث أنس - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة ...». أخرجه ابن ماجة، ك: الفتن، ب: السواد الأعظم، (٢/ ١٣٠٣/ح: ٣٩٥٠).\n- حديث عبدالله بن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله لا يجمع أمتي - أو قال: أمة محمد - ﷺ - على ضلالة ...». أخرجه الترمذي، ك: الفتن، ب: ما جاء في لزوم الجماعة، (٤/ ٤٦٦/ح: ٢١٦٧).\n\nقال الحاكم في الرواية السابقة: \"إن المعتمر بن سليمان أحد أئمة الحديث وقد روي عنه هذا الحديث بأسانيد يصح بمثلها الحديث، فلا بد من أن يكون له أصل بأحد هذه الأسانيد، ثم وجدنا للحديث شواهد من غير حديث المعتمر لا أدعي صحتها، ولا أحكم بتوهينها؛ بل يلزمني ذكرها لإجماع أهل السنة على هذه القاعدة من قواعد الإسلام\". يُنظر: المستدرك على الصحيحين (١/ ٢٠١).\n(٣) يُنظر: المحصول (٤/ ١٦٥).","vol":"1","page":614},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-220>المطلب الثاني\nمادة العلوم الأخرى، وتطبيقاتها</span>\nالمراد بمادة الاستدراك بالعلوم الأخرى: هو التعقيب على الخصم باستعمال العلوم الأخرى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-221> مثال الاستدراك بـ (علوم القرآن):</span>\nقال الجويني في مسألة (هل العبرة بعموم اللفظ أو خصوص السبب؟): \"وما ذكره الشافعي من الكلام على الآية فهو في غاية الحسن؛ ولكن ما ذكر لا يفيد الحكم على الآية (١)؛ بل يفيد تطرق التأويل إليها، ولولا ما مهدنا لكانت الآية نصًّا، وهي من آخر ما نزل على رسول الله - ﷺ -، ولم يدع أحدٌ من حملة علوم القرآن النسخ فيها\" (٢).\nفاستدرك عليه الإبياري في شرحه فقال: \"قوله: (ولم يدَّعِ أحدٌ من حملة علوم القرآن النسخ فيها) ليس كما قال؛ بل للعلماء في هذه الآية مذاهب (٣): منهم من يقول: إنها منسوخة، ومنهم من يقول: إنها مخصوصة، ومنهم من يقول: إنها مقرة؛ ولكن ألحق بهذه الأشياء غيرها، وكأن هذا القائل سلك مسلك الخبر؛ أي: لا محرم ذلك الوقت إلا ما اشتملت عليه الآية، ثم تجددت بعد ذلك أحكام. فدعوى الإجماع على نفي النسخ باطلة\" (٤).\n_________\n(١) وهي قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥].\n(٢) البرهان (١/ ٣٧٥ - ٣٧٦).\n(٣) يُنظر هذه المذاهب في: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦)؛ زاد المسير (٣/ ١٤٠).\n(٤) التحقيق والبيان (٢/ ٧٥).","vol":"1","page":615},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-222> مثال الاستدراك بـ (علم القراءات):</span>\n• المثال الأول:\nقال الطوفي: \"فالمسألة الأولى: (القراءات السبع متواترة خلافًا لقوم) اعلم أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان: فالقرآن هو الوحي النازل على محمد - ﷺ - للبيان والإعجاز. والقراءات: هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور، في كمية الحروف، أو كيفيتها من تخفيف أو تثقيل، وتحقيق أو تسهيل، ونحو ذلك، بحسب اختلاف لغات العرب، ولا نزاع بين المسلمين في تواتر القرآن، أما القراءات فوقع النزاع فيها، والمشهور أنها متواترة، وقال بعض الناس: ليست متواترة\" (١).\nثم ذكر في آخر المسألة تنبيهًا فقال: \"تنبيه: اعلم أني سلكت في هذه المسألة طريقة الأكثرين في نصرة أن القراءات متواترة، وعندي في ذلك نظر، والتحقيق: أن القراءات متواترة عن الأئمة السبعة (٢)، أما تواترها عن النبي - ﷺ - إلى الأئمة السبعة فهو محل نظر؛ فإن أسانيد الأئمة السبعة بهذه القراءات السبعة إلى النبي - ﷺ - موجودة في كتب القراءات، وهي نقل الواحد عن الواحد، لم تستكمل شروط التواتر، ولولا الإطالة والخروج عما نحن فيه لذكرت طرفًا من طرقهم؛ ولكن هي موجودة في كتب العراقيين، والحجازيين،\nوالشاميين، وغيرهم، فإن عاودتها من مظانها وجدتها كما وصف لك\" (٣).\n_________\n(١) يُنظر: شرح مختصر الروضة (٢/ ٢١).\n(٢) وهم: عبدالله بن عامر اليحصبي (ت: ١١٨ هـ)، وعبدالله بن كثير الداري (ت: ١٢٠ هـ)، وعاصم بن أبي النجود البصري (ت: ١٢٧ هـ)، وأبو عمرو بن العلاء (ت: ١٥٤ هـ)، وحمزة بن حبيب الزيات (ت: ١٥٨ هـ)، ونافع بن عبدالرحمن بن أبي نعيم (ت: ١٦٩ هـ)، وعلي بن حمزة الكسائي النحوي (ت: ١٨٩ هـ). يُنظر: البرهان في علوم القرآن (١/ ٣٢٧)؛ الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٤٧٨ - ٤٧٩)؛ مباحث في علوم القرآن (ص: ١٨٢ - ١٨٤).\n(٣) يُنظر: شرح مختصر الروضة (٢/ ٢٢ - ٢٣).","vol":"1","page":616},{"text":"• المثال الثاني:\nقال المرداوي: \"القراءات السبع متواترة عند العلماء إذا تواترت عن قارئها. واحترزنا بذلك عما يحكى عن بعضهم آحادًا؛ فإن ذلك من الشاذ الآتي بيانه.\nفالقراءات السبع متواترة عند الأئمة الأربعة وغيرهم من الأئمة من علماء السنة\" (١).\nثم ذكر استدراكًا لإطلاق القول بأنها متواترة، فذكر قول ابن الحاجب وأبي شامة (٢) من علماء القراءات وفصل القول في المسألة، وهذا كله من علم القراءت، فقال: \"قال ابن الحاجب ومن تبعه: (لا من قبيل صفة الأداء) (٣)، وقال أبو شامة وغيره: (ولا صفة الألفاظ المختلف فيها بين القراء) (٤)، وهو ظاهر كلام أحمد وجمع.\nوهذا بيان وتقييد لما أطلقه الجمهور من تواتر القراءات السبع؛ فإنه ليس على إطلاقه؛ بل يستثنى منه ما قاله ابن الحاجب وغيره، وهو ما كان من قبيل صفة الأداء؛ كالمد (٥)، والإمالة (٦)، وتخفيف الهمزة (٧)، ونحوه.\n_________\n(١) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٣/ ١٣٥٩).\n(٢) هو: أبو القاسم، عبدالرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان المقدسي ثم الدمشقي، الشافعي، المقرئ النحوي الأصولي، ولي مشيخة الإقراء بالتربية الأشرفية، ومشيخة دار الحديث الأشرفية، وكان متواضعًا، من مصنفاته: \"شرح الشاطبية\" و\"اختصر تاريخ دمشق\" مرتين، و\"المحقق في علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول\"، (ت: ٦٦٥ هـ) في رمضان.\nتُنظر ترجمته في: معرفة القراء الكبار (٢/ ٦٧٣)؛ فوات الوفيات (١/ ٦١٧)؛ طبقات الحفاظ (١/ ٥١٠).\n(٣) يُنظر: مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٧٩).\n(٤) لم أقف على قوله في كتابه إبراز المعاني من حرز الأماني.\n(٥) المد: عبارة عن زيادة مَطٍّ في حرف المد على المد الطبيعي، وهو الذي لا تقوم ذات حرف المد دونه. يُنظر: النشر في القراءات العشر (١/ ٣١٣)؛ الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٦١٦).\n(٦) سيذكر تعريفها المرداوي.\n(٧) تخفيف الهمز: أي تسهيل الهمز بينها وبين الحرف الذي من حركتها؛ وذلك لأن الهمز أثقل الحروف نطقًا، وأبعدها مخرجًا، فتنوع العرب في تخفيفها؛ ومن ذلك: إن كانت مضمومة سهلت بين الهمزة والواو، وإن كانت مفتوحة فبين الهمزة والألف، وأما إن كانت مكسورة فبين الهمزة والياء، وهذا يسمى إشمامًا. يُنظر: البرهان في علوم القرآن (١/ ٣٢٠)؛ الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٦٢٧).","vol":"1","page":617},{"text":"ومراده بالتمثيل بالمد، والإمالة: مقادير المد، وكيفية الإمالة؛ لا أصل المد والإمالة؛ فإن ذلك متواتر قطعًا. فالمقادير كمد حمزة (١) وورش (٢)\nفإنه قدر ست ألفات، وقيل: خمس، وقيل: أربع، ورجحوه، ومد عاصم قدر ثلاث ألفات، والكسائي (٣) قدر ألفين ونصف، وقالون (٤) قدر ألفين، والسوسي (٥) قدر ألف ونصف، ونحو ذلك.\n_________\n(١) هو: أبو عمارة، حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الزيات، وقيل له: الزيات لأنه كان يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان، ويجلب من حلوان الجبن والجوز إلى الكوفة، وهو أحد القراء السبعة، كان إمامًا حجة قيمًا بكتاب الله تعالى، حافظًا للحديث، بصيرًا بالفرائض والعربية، عابدًا، (ت: ١٥٦ هـ).\nتُنظر ترجمته في: معجم الأدباء (٣/ ٢٦٢)؛ سير أعلام النبلاء (٧/ ٩٠)؛ معرفة القراء الكبار (١/ ١١١).\n(٢) هو: أبو سعيد، وقيل: أبو عمرو، وقيل: أبو القاسم، عثمان بن سعيد بن عبدالله بن عمرو بن سليمان القبطي، مولى آل الزبير بن العوام، وقيل: أصله من إفريقية، انتهت إليه رئاسة الإقراء في مصر في زمانه، و(ورش) لقب غلب عليه، لقبه به شيخه نافع لشدة بياضه، (ت: ١٩٧ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: الثقات (٨/ ٤٥٢)؛ معرفة القراء الكبار (١/ ١٥٢)؛ الوافي بالوفيات (٢٠/ ٢١).\n(٣) هو: أبو الحسن، علي بن حمزة الأسدي، مولاهم الكوفي، المقراء النحوي، أحد الأعلام، من مصنفاته: \"كتاب القراءات\"، و\" كتاب العدد\"، و\"كتاب الهجاء\"، (ت: ١٨٩ هـ) بالري مع محمد بن الحسن الشيباني في يوم واحد.\nتُنظر ترجمته في: الثقات (٨/ ٤٥٨)؛ معجم الأدباء (٤/ ٨٧)؛ معرفة القراء الكبار (١/ ١٢٠).\n(٤) هو: أبو موسى، عيسى بن مينا بن وردان بن عيسى بن عبدالصمد بن عمر بن عبدالله الزرقي، ويقال: المري مولى بني زهرة، الملقب بـ\"قالون\"، مقرئ المدينة ونحويها، يقال: إنه ربيب نافع، وقد اختص به كثيرًا، وهو الذي سماه قالون؛ لجودة قراءته، فإن (قالون) باللغة الرومية: جيد، (ت: ٢٢٠ هـ).\nتُنظر ترجمته في: لسان الميزان (٤/ ٤٠٧)؛ غاية النهاية في طبقات القراء (١/ ٥٤٢)؛ شذرات الذهب (٢/ ٤٨).\n(٥) هو: أبو شعيب، صالح بن زياد بن عبدالله بن إسماعيل بن إبراهيم بن الجارود بن مسرح الرستبي السوسي، -نسبة إلى السوس بلدة بخوزستان -، مقرئ أهل الرقة وعالمهم، وكان صاحب سُنة، (ت: ٢٦١ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الأنساب (٣/ ٣٣٥)؛ معرفة القراء الكبار (١/ ١٩٣)؛ شذرات الذهب (٢/ ١٤٣).","vol":"1","page":618},{"text":"وكذلك الإمالة تنقسم إلى محضة؛ وهي: أن يُنْحى بالألف إلى الياء، وبالفتحة إلى الكسرة، وإلى بين بين، وهي كذلك، إلا أنها تكون إلى الألف والفتحة أقرب (١)، وهي المختارة عند الأئمة، أما أصل الإمالة فمتواتر قطعًا.\nوكذلك التخفيف في الهمز، والتشديد فيه، منهم من يسهل، ومنهم من يبدله، ونحو ذلك، فهذه الكيفية هي التي ليست متواترة؛ ولهذا كره الإمام أحمد (٢) وجماعة من السلف (٣) قراءة حمزة؛ لما فيها من طول المد والكسر والإدغام ونحو ذلك؛ لأن الأمة إذا اجتمعت على فعل شيء لم يكره فعله. وهل يظن عاقل أن الصفة التي فعلها النبي - ﷺ - وتواترت إلينا يكرهها أحد من العلماء أو من المسلمين؟ ! فعلمنا بهذا أن هذه الصفات ليست متواترة، وهو واضح.\nوكذلك قراءة الكسائي؛ لأنها كقراءة حمزة في الإمالة والإدغام كما نقله السروجي (٤) في الغاية (٥)، فلو كان ذلك متواترًا لما كرهه\n_________\n(١) يُنظر: النشر في القراءات العشر (٢/ ٣٠)؛ الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٥٨٣).\n(٢) ذكر ابن قدامة: \"ونقل عن أحمد أنه كان يختار قراءة نافع من طريق إسماعيل بن جعفر، قال: فإن لم يكن فقراءة عاصم من طريق أبي بكر بن بكر بن عياش. وأثنى على قراءة أبي عمرو بن العلاء، ولم يكره قراءة أحد من العشر إلا قراءة حمزة والكسائي؛ لما فيها من الكسر والإدغام والتكلف وزيادة المد ... قال الأثرم: قلت لأبي عبدالله: إمام كان يصلي بقراءة حمزة أصلي خلفه؟ قال: لا يبلغ به هذا كله؛ ولكنها لا تعجبني قراءة حمزة\". يُنظر: المغني (١/ ٢٩٢). ويُنظر كذلك: الشرح الكبير (١/ ٥٣٥)؛ الفروع (١/ ٣٧٠).\n(٣) ذكر ابن الجزري عبدالله بن إدريس، وذكر أنه هو والإمام أحمد إنما كرها من سمعاه ناقلًا عن حمزة. يُنظر: غاية النهاية في طبقات القراء (١/ ٢٣٨). وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية (٣٣/ ٦٥) إنكار سفيان بن عُيينة ويزيد ين هارون لقراءة حمزة.\n(٤) هو: أبو العباس، أحمد بن إبراهيم بن عبدالغني السروجي الحنفي، شمس الدين، نسبة إلى \"سروج\" بنواحي حران من بلاد الجزيرة، كان حنبليًا في أول حياته، ثم صار حنفيًا ومن كبار المذهب عندهم، قاضي القضاة بمصر، وعزل قبل موته بأيام، من مصنفاته: \"الغاية في شرح الهداية\" ولم يكمله، و\"تحفة الأصحاب ونزهة ذوي الألباب\"، و\"اعتراضات على الشيخ ابن تيمية في علم الكلام\" وقد رد عليه ابن تيمية، (ت: ٧١٠ هـ)، ودفن بقرب الشافعي.\nتُنظر ترجمته في: الجواهر المضِيَّة (١/ ١٢٣)؛ الطبقات السنية (١/ ٢٦١)؛ الأعلام (١/ ٨٦).\n(٥) الغاية في شرح الهداية، لأبي العباس أحمد السروجي، شرح فيه الهداية للمرغيناني في الفقه، وأطال فيه النفس ولم يكمله، تكلم فيه على الأحاديث وعللها. يُنظر: المراجع السابقة.\nوالكتاب مخطوط مصور على مايكروفيلم في جامعة الملك سعود برقم (١٣٦٦).","vol":"1","page":619},{"text":"أحد من الأئمة.\nوزاد أبو شامة الألفاظ المختلف فيها بين القراء (أي: اختلف القراء في صفة تأديتها)؛ كالحرف المشدد يبالغ بعضهم فيه حتى كأنه يزيد حرفًا، وبعضهم لا يرى ذلك، وبعضهم يرى التوسط بين الأمرين، وهو ظاهر، ويمكن دخوله تحت قول ابن الحاجب في الاحتراز عنه: (فيما ليس من قبيل الأداء)، على أن بعضهم نازع بما لا تحقيق فيه؛ لكن قال ابن الجزري (١):\n(لا نعلم أحدًا تقدم ابن الحاجب إلى ذلك، وقد نص على ذلك كله أئمة الأصول؛ كالقاضي أبي بكر (٢) وغيره، وهو الصواب؛ لأنه إذا ثبت تواتر اللفظ ثبت تواتر هيئة أدائه؛ لأن اللفظ لا يقوم إلا به، ولا يصح إلا بوجوده) (٣) انتهى\" (٤).\nوذكر المرداوي أيضًا اختلاف العلماء في المراد بالقراءة الشاذة، واستخدم استدراك التصحيح فقال: \"اختلف العلماء في الشاذ، فالصحيح من مذهب الإمام أحمد وعليه أصحابه: أن الشاذ: ما خالف مصحف عثمان بن عفان - ﵁ - الذي كتبه وأرسله إلى الآفاق.\n_________\n(١) هو: أبو الخير، محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الجزري الشافعي، كان حافظًا قارئًا محدثًا وماهرًا في المعاني والبيان والتفسير، إمام القراءات في عصره، ولي قضاء شيراز، وعمر للقراء مدرسة سماها \"دار القرآن\"، من مصنفاته: \"النشر في القراءات العشر\"، و\"غاية النهاية في طبقات القراءفي طبقات القراء\"، و\"شرح الإيضاح للقزويني\"، (ت: ٨٣٣ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: غاية النهاية في طبقات القراء (٢/ ٢١٧)؛ شذرات الذهب (٧/ ٢٠٤)؛ طبقات المفسرين للأدنه وي (ص: ٣٢٠).\n(٢) أي الباقلاني، ويُنظر كتابه: نكت الانتصار لنقل القرآن (٢/ ٣٦٩ - ٣٧٩).\n(٣) يُنظر كلامه هذا في: النشر في القراءات العشر (١/ ٣٠).\n(٤) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٣/ ١٣٦٢ - ١٣٦٦).","vol":"1","page":620},{"text":"فتصح الصلاة بقراءة ما وافقه وصح سنده وإن لم يكن من العشرة، نص عليه الإمام أحمد. قال ابن مفلح في فروعه (١): (تصح بما وافق عثمان، وفاقًا للأئمة الأربعة، زاد بعضهم: على الأصح).\nوقد رأيت في كلام الإمام الحافظ -الإمام في القراءات بلا مدافعة- ابن الجزري في النشر (٢) أنه ذكر ما يوافق ذلك فقال: (كل قراءة وافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، ووافقت العربية ولو بوجه واحد، وصح سندها؛ فهي القراءة الصحيحة التي لا يحل لمسلم أن ينكرها؛ سواء كانت عن السبعة، أو عن العشرة، أو عن غيرهم من الأئمة المقبولين. ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة؛ أطلق عليها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة؛ سواء كانت عن السبعة، أو عمن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف، صرح بذلك الداني (٣)، ومكي (٤)،\n_________\n(١) (١/ ٣٧٠).\n(٢) قال حاجي خليفة: \"النشر في القراءات العشر في مجلدين، للشيخ شمس الدين أبي الخير محمد بن محمد الجزري، (ت: ٨٣٣ هـ)، أوله: (الحمد لله الذي أنزل القرآن كلامه ويسره) إلخ، ثم اختصره وسماه: \"التقريب\"، وهو الجامع لجميع طرق العشرة لم يسبق إلى مثله\". وقد اختصره عدد من العلماء ذكرهم حاجي خليفة. يُنظر: كشف الظنون (٢/ ١٩٥٢).\n\nيُنظر: النشر في القراءات العشر (١/ ٩).\n(٣) هو: أبو عمرو، عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر الأموي مولاهم، الأندلسي القرطبي، ثم الداني، ويعرف قديمًا بابن الصيرفي، الإمام الحافظ المجود المقرئ الحاذق عالم الأندلس، من مصنفاته: \"التيسير\"، و\"جامع البيان في القراءات السبع\"، و\" طبقات القراء وأخبارهم\"، (ت: ٤٤٤ هـ).\nتُنظر ترجمته في: العبر في خبر من غبر (٣/ ٢٠٩)؛ الوافي بالوفيات (٢٠/ ٢٠)؛ معرفة القراء الكبار (١/ ٤٠٦).\nويُنظر قوله في كتابه: جامع البيان في القراءات السبع (١/ ٦٢) رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى، قسم الكتاب والسنة، تحقيق: عبدالمهيمن طحان، عام ١٤٠٦ هـ.\n(٤) هو: أبو محمد، مكي بن أبي طالب بن محمد بن مختار القيسي، أصله من القيروان وسكن قرطبة، المقرئ، من مصنفاته: \"إعراب القرآن\"، و\"الإيضاح في الناسخ والمنسوخ\"، و\"التبصرة في القراءات\"، (ت: ٤٣٧ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الصلة (١/ ٩١٠)؛ الوفيات (١/ ٢٤٢)؛ معرفة القراء الكبار (١/ ٣٩٤).\nويُنظر قوله في كتابه: الإبانة عن معاني القراءات (ص: ٥١).","vol":"1","page":621},{"text":"والمهدوي (١)،\nوأبو شامة (٢)، وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه) انتهى، وأطال في ذلك وأجاد.\nوقيل: الشاذ: ما وراء السبعة، اختاره جماعة كثيرة.\nقال البرماوي: (المشهور أنها ما وراء السبعة المعروفة، وهو ظاهر كلام الرافعي) (٣).\nوقال البغوي (٤) وجماعة كثيرة: الشاذ: ما وراء العشرة (٥).\n_________\n(١) هو: أبو العباس، أحمد بن عمار المهدوي - نسبة إلى المهدية بأفريقية-، المغربي المالكي، كان مقدمًا في القراءات والعربية، ألف كتبا مفيدة - هكذا جاء في ترجمته ولم يذكر منها شيء-، (ت: ٤٤٠ هـ).\nتُنظر ترجمته في: معرفة القراء الكبار (١/ ٣٩٩)؛ الوافي بالوفيات (٧/ ١٦٩)؛ طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٥٦).\n\nيُنظر قوله في كتابه: بيان السبب الموجب لاختلاف القراءات وكثرة الطرق والروايات (ص: ١٤٩)، منشور في مجلة معهد المخطوطات العربية، تحقيق: الدكتور حاتم الضامن، العدد التاسع والعشرون، رمضان ١٤٠٥ هـ.\n(٢) يُنظر: إبراز المعاني من حرز الأماني (١/ ٥).\n(٣) يُنظر: الفوائد السنية في شرح الألفية للبرماوي (٣/ ٩٥٣).\n(٤) هو: أبو محمد، الحسين بن مسعود بن محمد البغوي، الإمام الحافظ الفقيه، من كبار فقهاء الشافعية، ومن المحدثين، الملقب بـ (محي السنة، وركن الدين)، نفع الله بمؤلفاته في الحديث والتفسير والفقه، ومن مصنفاته: \"التهذيب\" في الفقه، و\"شرح السنة\" في الحديث، و\"معالم التنزيل\" في التفسير، (ت: ٥١٦).\nتُنظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ (٤/ ١٢٥٧)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٧/ ٧٥)؛ طبقات المفسرين للأدنه وي (١/ ١٥٨).\n(٥) لم يذكر البغوي المراد بالقراءة الشاذة؛ وإنما عدد القراء العشرة، وقال: \"واتفقت الأئمة على اختيارهم\". يُنظر: تفسير البغوي (ص: ٣٠ - ٣١).","vol":"1","page":622},{"text":"قلت: وهو أصح؛ فالثلاثة الزائدة على السبعة: يعقوب (١)، وخلف (٢)،\nوأبو جعفر يزيد بن القعقاع (٣).\nواختاره الشيخ تقي الدين (٤)، والسبكي (٥)، وغيرهما. وقالوا: القراءات الثلاثة المذكورة قد تواترت كالسبعة.\nوقد حكى البغوي في تفسيره (٦) الإجماع على جواز القراءة بها.\nقال أبو حيان (٧)\n- وهو من أئمة هذا الشأن -: (لا نعلم أحدًا من المسلمين\n_________\n(١) هو: أبو محمد، يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبدالله الحضرمي بالولاء، البصري، ثامن القراء العشرة، إمام أهل البصرة ومقريها، عالم بالعربية ولغة العرب والفقه، فاضل تقي ورع، (ت: ٢٠٥ هـ).\nتُنظر ترجمته في: طبقات خليفة (١/ ٢٢٧)؛ معجم الأدباء (٥/ ٦٤٤)؛ غاية النهاية في طبقات القراء (٢/ ٣٣٦).\n(٢) هو: أبو محمد، خلف بن هشام بن ثعلب، ويقال: خلف بن هشام بن طالب بن غراب البزار، المقرئ، وكان ثقة فاضلًا عابدًا، (ت: ٢٢٩ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: تاريخ بغداد (٨/ ٣٢٢)؛ المنتظم (١١/ ١٤٥)؛ تهذيب الكمال (٨/ ٢٩٩).\n(٣) هو: أبو جعفر، يزيد بن القعقاع المدني، القارئ، مولى عبدالله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، تابعي، صلى بابن عمر، وحدث عن أبي هريرة وابن عباس، وهو قليل الحديث، روى عنه القراءة نافع بن أبي نعيم، (ت: ١٣٣ هـ).\nتُنظر ترجمته في: التاريخ الكبير (٨/ ٣٥٣)؛ مشاهير الأمصار (١/ ٧٦)؛ معرفة القراء الكبار (١/ ٧٢).\n(٤) أي شيخ الإسلام ابن تيمية، ويُنظر قوله في مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٩٤).\n(٥) يُنظر: جمع الجوامع مع شرح المحلى - مطبوع مع حاشية البناني - (١/ ٢٣٢).\n(٦) معالم التنزيل في التفسير، للإمام محيي السنة أبي محمد حسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي (ت: ٥١٦ هـ)، وهو كتاب متوسط، نقل فيه عن مفسري الصحابة والتابعين ومن بعدهم، واختصره الشيخ تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن محمد الحسيني (ت: ٨٧٥ هـ). يُنظر: كشف الظنون (٢/ ١٧٢٦). ويُنظر حكاية الإجماع عنه في: معالم التنزيل في التفسير -تفسير البغوي- (١/ ٣٠ - ٣١).\n(٧) هو: أبو حيان، محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الغرناطي الشافعي، نحوي لغوي مفسر محدث مقرئ مؤرخ؛ غير أنه في علوم اللغة أشهر، من مصنفاته: \"ارتشاف الضرب\"، و\"التذليل والتكميل في شرح التسهيل\" وكلاهما في النحو، و\"تفسير البحر المحيط\"، (ت: ٧٤٥ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٩/ ٢٧٦)؛ معرفة القراء الكبار (٢/ ٧٢٣)؛ الوفيات (١/ ٤٨٢).","vol":"1","page":623},{"text":"حظر القراءة بالقراءات الثلاث الزائدة على السبع؛ بل قرأتها في سائر الأمصار) (١).\nقال بعض العلماء (٢): (القول بأن الثلاثة غير متواترة في غاية السقوط، ولا يصح القول به عمن يعتبر قوله في الدين) انتهى.\nثم ذكر قولًا لشيخ الإسلام، واستشكال بعض العصريين له، واستدراكه على هذا الإشكال باستشهاده بقول أبي شامة من علماء القراءات فقال: \"قال الشيخ تقي الدين: (قال أئمة السلف: مصحف عثمان - ﵁ - أحد الحروف السبعة) (٣).\nورأيت بعض العصريين استشكل ذلك وليس بمشكل (٤)،\nثم رأيت\n_________\n(١) لم أجد قوله هذا في تفسيره، وذكر محقق التحبير الدكتور عبدالرحمن الجبرين أن ابن العراقي نقل كلامه في \"الغيث الهامع\" (١/ ١٥٥)، يُنظر: هامش (٨) من التحبير شرح التحرير (٧/ ١٣٨٧).\n(٢) قال محقق التحبير: (هو تاج الدين ابن السبكي، نقل عنه ابن العراقي في \"الغيث الهامع\" (١/ ١٥٥) \". يُنظر: هامش (١) من التحبير شرح التحرير (٧/ ١٣٨٨).\n(٣) يُنظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٩٥).\n(٤) المراد بالاستشكال: أنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء من الأحرف السبعة.\nوذكر ابن تيمية لهذا الإشكال جوابين:\nالأول: أن القراءة على الأحرف السبعة لم يكن واجبًا على الأمة؛ وإنما كان جائزًا لهم؛ مرخصًا لهم فيه، وقد جعل إليهم الاختيار في أي حرف اختاروه.\n\nالثاني: الترخيص في الأحرف السبعة كان في أول الإسلام؛ لما في المحافظة على حرف واحد من المشقة عليهم أولًا، فلما تذللت ألسنتهم بالقراءة، وكان اتفاقهم على حرف واحد يسيرًا عليهم وهو أرفق بهم؛ أجمعوا على الحرف الذي كان في العرضة الآخرة ويقولون أنه نسخ ما سوى ذلك. يُنظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٩٥ - ٣٩٧).","vol":"1","page":624},{"text":"العلامة أبا شامة - الفقيه، المحدث، الإمام في القراءات- قال في كتابه المرشد (١): (إن القراءات التي بأيدي الناس من السبعة والعشرة وغيرهم هي حرف من قول النبي - ﷺ -: «أنزل القرآن على سبعة أحرف») انتهى.\nولم نر ولم نسمع أن أحدًا من العلماء القراء وغيرهم استشكل ذلك، ولا اعترض عليه (٢)، فصح كلام الشيخ تقي الدين ونقله\" (٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-223> الاستدراك بـ (علم التفسير):</span>\n• المثال الأول:\nاختار الجويني في مسألة (شرع من قبلنا هل هو شرعٌ لنا؟): \"أنه ما أوجب على رسول الله - ﷺ - اتباع الأولين؛ وإنما أوجب عليه ما أوجب بأوامر متجددة، ثم مما أوجب عليه ما وقع مماثلًا لأحكام الشرائع السابقة، ومنها ما وقع مخالفًا لها.\nثم استدرك على الخصم القائل: بأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد به نسخ من شرعنا (٤)، فقال: \"فنقول: لا معتصم لكم في شيء مما ذكرتموه، أما قوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] فهذا حد الأدلة عليكم؛ فإنه جدد عليه الأمر، ونحن لا نستبعد أن يثبت في حقه بأمر مجدد مثل ما ثبت في حق من تقدمه.\nفإن قيل: فلم سماه اتباعًا؟ قلنا: [لم نأمل الفعلان وتشاكلا أتباعه بالاتباع] (٥)،\n_________\n(١) المرشد الوجيز في علوم تتعلق بالقرآن العزيز لأبي شامة. يُنظر: كشف الظنون (٢/ ١٦٥٤)؛ هدية العارفين (٥/ ٥٢٥).\nيُنظر: المرشد الوجيز (ص: ١٤١ - ١٤٢)، والمرداوي لم ينقل كلامه بالنص.\n(٢) ذكر ابن الجزري هذا الإشكال والرد عليه في النشر في القراءات العشر، يُنظر: (١/ ٣١).\n(٣) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٧/ ١٣٨٤ - ١٣٨٨).\n(٤) يُنظر: التلخيص (٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥).\n(٥) العبارة بين المعقوفين غير واضحة، وقال المحقق: \"هكذا في الأصل، والعبارة غير مفهومة\". يُنظر هامش (٤) من التلخيص (٢/ ٢٦٧).","vol":"1","page":625},{"text":"وهذا كما يقال: فلان يتبع فلانًا في سجيته، والمراد به: أنه يفعل مثل فعله، والذي يحقق ذلك أنه لم ينقل عنه - ﷺ - أنه كان يتبع شرائع إبراهيم، ويتحسس عن أحكامه وموجبات ملته، ولو كان المضي بالاتباع في الآية ما قلتموه لبذل كنه مجهوده في العثور على ملة جده - صلوات الله عليهما-.\nثم نقول: إنما المضي بالاتباع ما صار إليه أهل التفسير وأئمة التأويل، وهو تجنب الإشراك وإيثار التوحيد (١)، وهو المضي بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] \" (٢).\n• المثال الثاني:\nذكر الرازي في مسألة (هل يجوز أن يشتمل القرآن على ما لا يعلم معناه؟) (٣) قول الخصم (٤): \"واحتج المخالف بأمور:\nأحدها: أنه جاء في القرآن ما لا يفيد؛ كقوله: ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] وما يشبهه، وقوله: ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]، وقوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فقوله: ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ لا يفيد فائدة زائدة، وقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]، وقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١] \" (٥).\n_________\n(١) يُنظر: تفسير مقاتل بن سليمان (٢/ ٢٤٣)؛ تفسير الطبري (١٤/ ١٩٣)؛ التفسير الكبير (٢٠/ ١٠٩)\n(٢) التلخيص (٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨).\n(٣) ترجم له الرازي (لا يجوز أن يتكلم الله تعالى بشيء ولا يعني به شيئًا). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ومن المتأخرين من وضع المسألة بلقب شنيع فقال: (لا يجوز أن يتكلم الله بكلام ولا يعني به شيئًا خلافا للحشوية) وهذا لم يقله مسلم أن الله يتكلم بما لا معنى له؛ وإنما النزاع هل يتكلم بما لا يفهم معناه؟ وبين نفي المعنى عند المتكلم ونفي الفهم عند المخاطب بون عظيم\". يُنظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٨٦).\n(٤) ذكر الرازي أن الخلاف مع الحشوية. يُنظر: المحصول (١/ ٣٨٥).\n(٥) المحصول (١/ ٣٨٦).","vol":"1","page":626},{"text":"ثم ذكر استدراكًا لهذا الاستدلال فقال: \"والجواب عن الأول: أن لأهل التفسير فيها أقوالًا مشهورة، والحق فيها: أنها أسماء السور (١).\nوأما (رؤوس الشياطين) فقيل: إن العرب كانوا يستقبحون ذلك المتخيل، ويضربون به المثل في القبح.\nوأما قوله: (عشرة كاملة) فذلك للتأكيد، وهو الجواب أيضًا عن سائر الآيات\" (٢).\n• المثال الثالث:\nقال البيضاوي في الاستدلال بوجوب العمل بخبر الواحد: \"لنا وجوه: الأول: أنه تعالى أوجب الحذر بإنذار طائفة من الفرقة. والإنذار: الخبر المخوِّف. والفرقة: ثلاثة. والطائفة: واحد أو اثنان\" (٣).\nفاستدرك الإسنوي على هذا الاستدلال بقول آخر لعلماء التفسير حكاه الزَّمَخْشَرِي (٤)\nفقال: \"وأما كون الإنذار بقول طائفة من الفرقة؛ فبناه المصنف (٥) على أن المتفقهين هم: الطائفة النافرة؛ حتى يكون الضمير في قوله تعالى: ﴿لِّيَتَفَقَّهُوا﴾ ﴿وَلِيُنذِرُوا﴾ [التوبة: ١٢٢] راجعًا إليها (٦)، وهو قول لبعض المفسرين (٧).\n_________\n(١) تفسير الثعلبي (٦/ ٢٠٥)؛ تفسير البغوي (٣/ ١٨٨)؛ التفسير الكبير (٢/ ٨).\n(٢) يُنظر: المرجع السابق (١/ ٣٨٨).\n(٣) منهاج الوصول - مطبوع مع نهاية السول - (٢/ ٦٨٥).\n(٤) هو: أبو القاسم، محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي الزمخشري الحنفي المعتزلي، إمام في التفسير والحديث والنحو واللغة، يلقب (جار الله)؛ لأنه جاور بمكة زمانًا، من مصنفاته: \"أساس البلاغة\" و\"الكشاف\" في التفسير، و\" الفائق\" في غريب الحديث، (ت: ٥٣٨ هـ) ليلة عرفة.\n\nتُنظر ترجمته في: الجواهر المضِيَّة (٣/ ٤٤٧)؛ البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (١/ ٢٢٠)؛ طبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٣١٤).\n(٥) أي: البيضاوي.\n(٦) وهذا القول ذكره البيضاوي في تفسيره (٣/ ١٧٩).\n(٧) يُنظر: تفسير الطبري (١١/ ٦٦)؛ التفسير الكبير (١٦/ ١٧٩)؛ تفسير السمعاني (٢/ ٣٦٠)؛ الكشاف (٢/ ٣٠٨).","vol":"1","page":627},{"text":"وفيه قول آخر حكاه الزَّمَخْشَرِي ورجحه غيره: أن المتفقهين هم المقيمون؛ لينذروا النافرين إذا عادوا إليهم.\nووجه ذلك: أن رسول الله - ﷺ - بعد إنزال الوعيد الشديد في حق المتخلِّفين عن غزوة تبوك (١) كان إذا بعث جيشًا أسرع المؤمنون عن آخرهم إلى النفير، وانقطعوا جميعًا عن استماع الوحي والتفقُّه في الدين، فأُمِروا أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة، ويقعد الباقون ليتفقهوا، وينذروا النافرين إذا رجعوا إليهم (٢). وعلى هذا فلا حجة؛ لأن الباقين كثيرون\" (٣).\n• المثال الرابع:\nقال العلاء البخاري في (باب أهلية الإجماع): \"وقوله (٤): (وقال بعضهم) وهم الزَّيْدِيَّةُ (٥)\nوالإمَامِيَّةُ (٦) من الروافض: لا يصح الإجماع إلا من عِتْرَةِ الرسول - ﵇ -\n_________\n(١) كانت في سن تسع من شهر رجب، وكانت آخر غزوة غزاها رسول الله - ﷺ -. يُنظر: البداية والنهاية (٥/ ٣، ٣٥).\n(٢) يُنظر: الكشاف (٢/ ٣٠٩).\n(٣) نهاية السول (٢/ ٦٨٧).\n(٤) أي: البزدوي.\n(٥) الزيدية: نسبة إلى زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب - ﵃ -، ولد في سنة (٨٠ هـ) تقريبًا، قاد ثورة شيعية في العراق ضد الأمويين أيام هشام بن عبدالملك، دفعه إلى ذلك شيعة الكوفة، ثم تخلوا عنه عندما علموا بأنه لا يتبرأ من أبي بكر وعمر؛ بل يترضى عنهما، فقاوم الجيش الأموي ومعه عدد قليل فقتل وذلك في سنة (١٢٢ هـ). وخرجت عن الزيدية فرق؛ وهم: الجارودية، السليمانية، البترية، النعيمية، اليعقوبية.\n\nوالزيدية المعاصرون يُقرون بخلافة أبي بكر وعمر ولا يلعنونهما كما تفعل فرق الشيعة الأخرى، فهي أكثر فرق الشيعة اعتدالًا، وتنتشر الآن في اليمن. يُنظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٦٥ - ٧٤)؛ الفرق بين الفرق (ص: ١٦، ٢٢ - ٢٥)؛ الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ٧٦ ومابعدها)؛ الموسوعة الميسرة في الأديان (١/ ٧٦ - ٨٢).\n(٦) الإمَامِيَّة: هم القائلون بإمامة علي - ﵁ - بعد النبي - ﷺ - نصًّا ظاهرًا وتعيينًا صادقًا من غير تعريض بالوصف؛ بل إشارة إليه بالعين، وقالوا: ما كان في الدين والإسلام أمر أهم من تعيين الإمام. ظهرت هذه الفرقة سنة (٢٥٥ هـ)، ولهم أكثر من اسم؛ فيطلق عليهم الإثنا عشرية، لأنهم يعتقدون بإمامة الأئمة الاثني عشرة، ويطلق عليهم (الجعفرية)، نسبة إلى جعفر بن محمد الصادق الذي بنوا مذهبهم في الفروع على أقواله وآرائه كما يزعمون؛ وإلا فهو بريء من أكاذيب الشيعة، وهذا الاسم من أحب الأسماء إليهم، ويطلق عليهم اسم (الرافضة)، وهو اسم غير محبوب لديهم، وسموا به لرفضهم مناصرة زيد بن علي، أو لرفضهم الصحابة وإمامة الشيخين. ومن أفكارهم ومعتقداتهم غير القول بالإمامة: الرجعة، الغيبة، التقية، المتعة بالنساء، عيد غدير خم يوافق الثامن من ذي الحجة، ويوجد أكثرهم الآن في العراق وإيران والهند وباكستان. يُنظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١٦)؛ الملل والنحل (١/ ١٦٢)؛ الموسوعة الميسرة في الأديان (١/ ٥١)؛ فرق معاصرة (١/ ٣٤٨).","vol":"1","page":628},{"text":"(أي: قرابته)، متمسكين في ذلك بالكتاب؛ وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، أخبر بنفي الرجس عنهم بكلمة (إنما) الحاصرة الدالة على انتفائه عنهم فقط والخطأ من الرجس، فيكون منفيًّا عنهم فقط\" (١).\nفاستدرك عليهم بما جاء في التفسير فقال: \"وكذا ما تمسك به الفريق الثاني (٢)؛ لأن المراد من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أزواج النبي - ﵇ - عند عامة أهل التفسير، ولئن سلمنا أن المراد قرابة الرسول - ﵇ -؛ فالمراد من الرجس: الشرك، أو الإثم، أو الشيطان، أو الأهواء والبدع، أو البخل والطمع، على ما ذكر في التفسير (٣)، فلا يصح الاجتماع به\" (٤).\n_________\n(١) كشف الأسرار للبخاري (٣/ ٤٤٥ - ٤٤٦).\n(٢) أي: وكذا ما تمسك به الفريق الثاني فاسد.\n(٣) يُنظر: تفسير الطبري (٢٢/ ٦ - ٨)؛ أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٢٣٠)؛ تفسير السمعاني (٤/ ٢٨٠ - ٢٨١).\n(٤) كشف الأسرار للبخاري (٣/ ٤٤٨).","vol":"1","page":629},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-224> أمثلة الاستدراك بـ (علوم الحديث):</span>\nيشمل علم الحديث موضوعين؛ وهما: علم الحديث رواية، وعلم الحديث دراية (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-225> الاستدراك بعلم الحديث رواية:</span>\n• المثال الأول:\nقال البيضاوي في المسألة الثانية من مسائل التخصيص بالاستثناء: \"الثانية: الاستثناء من الإثبات نفي (٢) وبالعكس (٣) خلافًا لأبي حنيفة (٤). لنا: لو لم يكن كذلك لم يَكْفِ (لا إله إلا الله). احتج بقوله - ﵇ -: «لا صلاَةَ إلا بِطَهُورٍ» (٥)، قلنا:\n_________\n(١) علم الحديث رواية: هو العلم الذي يقوم على نقل ما أضيف إلى النبي - ﷺ - من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خُلُقيَّة أو خَلْقية، نقلًا دقيقًا محررًا. فموضوعه: ضبط السنة، وحفظها، ونقلها نقلًا دقيقًا، يحترز به عن الخطأ في النقل.\nوأما علم الحديث دراية: فهو العلم بالقوانين التي يعرف بها أحوال السند والمتن. فموضوعه: السند من جهة أحوال أفراده، واتصاله أو انقطاعه، وعُلوِّه أو نزوله، وغير ذلك، والمتن من جهة صحته أو ضعفه، وما يلحق به. وأطلق علماء الحديث عليه اسم: \"علوم الحديث\" و\"مصطلح الحديث\" و\"أصول الحديث\".\nيُنظر: أصول الحديث علومه ومصطلحه (ص: ١١ - ١٣)؛ منهج النقد في علوم الحديث (ص: ٣٠ - ٣٢).\n(٢) مثاله: قام القوم إلا زيدًا، نفي للقيام عن زيد بالاتفاق. وهذا القسم لم يقع فيه الخلاف. يُنظر: نفائس الأصول (٥/ ٢٠١٠)؛ البحر المحيط (٤/ ٤٠٣)؛ فواتح الرحموت (١/ ٣٢٦).\n(٣) أي من النفي إثبات، والخلاف مع الحنفية في هذا القسم، فالشافعية والمحققون من الحنفية كأبي زيد الدبوسي والبزدوي والسرخسي قالوا: الاستثناء من النفي إثبات، وجمهور الحنفية قالوا: لا يدل إلا على الحكم على المستثنى منه، وأما المستثنى فمسكوت عنه غير محكوم عليه بنفي ولا إثبات. يُنظر: أصول السرخسي (٢/ ٤١)؛ التلويح شرح التنقيح (٢/ ٥٥ - ٦٢)؛ كشف الأسرار للبخاري (٣/ ٢٥١ - ٢٦٠)؛ فواتح الرحموت (١/ ٣٢٦).\n(٤) يُنظر: المراجع السابقة.\n(٥) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وفي صحيح مسلم بلفظ: «لا تُقْبلُ صلَاةٌ بغَيْرِ طهُورٍ». يُنظر: صحيح مسلم، ك: الطهارة، ب: وجوب الطهارة للصلاة، (١/ ٢٠٤/ح: ٢٢٤).","vol":"1","page":630},{"text":"للمبالغة\" (١).\nفاستدرك ابن السبكي في شرحه على الاستدلال بهذا الحديث فقال: \"واعلم أن هذا الحديث لا يُعْرف بهذا اللفظ، فالأولى أن يُغَيَّر بحديث: «لا صلاَةَ إلا بِفاتِحَةِ الكِتَابِ» (٢). (٣)\n• المثال الثاني:\nقال المرداوي عند حديثه عن مسالك العلة: \"مِن الإيماء أن يفرق بين الحكمين بصفتين؛ كقوله - ﷺ -: «للرَّاجلِ سهْم وللْفَارسِ سهْمَان» (٤). قال البرماوي: كذا يمثلون به، والذي في الصحيحين: «جعله لِلْفرَسِ سهْمَيْنِ ولِصَاحِبِهِ سهْمًا» (٥)، وفي البخاري: «للْفَرَسِ سهْمَيْنِ وَللرَّاجِلِ سهْمًا» (٦)، ورواه الدارقطني (٧)\n_________\n(١) منهاج الوصول - مطبوع من الإبهاج - (٤/ ١٤٠٣).\n(٢) الحديث في الصحيحين بلفظ: «لا صلَاةَ لمَنْ لم يَقرَأْ بفَاتِحَةِ الْكتَابِ». يُنظر: صحيح البخاري، ك: صفة الصلاة، ب: وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، (١/ ٢٦٣/ح: ٧٢٣)؛ صحيح مسلم، ك: الصلاة، ب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (١/ ٢٩٥/ح: ٣٩٤).\n(٣) الإبهاج (٤/ ١٤٠٦).\n(٤) ذكر الزركشي أن هذا الحديث لم يرد من لفظ النبي - ﷺ -، وأقرب ما فيه ما رواه أبو داود عن مجمع بن جارية. يُنظر: المعتبر (ص: ٢١٦). يُنظر: سنن أبي داود، ك: الجهاد، ب: فِيمنْ أَسهَمَ له سَهمًا، (٣/ ١٦٠/ح: ٢٧٣٦)، ك: الخراج، ب: ما جاء في حكم أرض خيبر، (٢/ ١٦٠/ح: ٣٠١٥). وأخرجه الحاكم وقال: \"هذا حديث كبير صحيح الإسناد ولم يخرجاه\". يُنظر: المستدرك على الصحيحين، ك: قسم الفيء، (٢/ ١٤٣/ح: ٢٥٩٣).\n(٥) يُنظر: صحيح البخاري، ك: الجهاد والسير، ب: سِهامِ الْفرَسِ، (٣/ ١٠٥١/ح: ٢٧٠٨)؛ صحيح مسلم، ك: الجهاد والسير، ب: كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين، (٣/ ١٣٨٣/ح: ١٧٦٢).\n(٦) أخرجه البخاري من حديث ابن عمر قال: «قسَمَ رسول اللهِ - ﷺ - يوم خيْبَرَ للْفَرَسِ سهْمَيْنِ وَللرَّاجِلِ سهْمًا». يُنظر: صحيح البخاري، ك: المغازي، ب: غزوة خيبر، (٤/ ١٥٤٥/ح: ٣٩٨٨).\n(٧) هو: أبو الحسن، علي بن عمر بن أحمد البغدادي الدارقطني، نسبة إلى دار القطن - محلة ببغداد-، كان عالمًا حافظًا فقيهًا بمذهب الشافعي، حافظًا لكثير من دواوين العرب، تصدر في آخر أيامه للإقراء ببغداد، =","vol":"1","page":631},{"text":"بلفظ: «جَعَلَ لِلفَارسِ سهْمَيْنِ وَللرَّاجِلِ سهْمًا» (١). (٢)\n_________\n= من مصنفاته: \"السنن\"، و\"العلل\"، و\"المؤتلف والمختلف\" (ت: ٣٨٥ هـ).\nتُنظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ (٣/ ٣٩٣)؛ غاية النهاية في طبقات القراء (١/ ٤٩٤)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ١٦١).\n(١) أخرجه الدارقطني من طريق أبي بكر النيسابوري حدثنا أحمد بن منصور حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة وابن نمير قالا: حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر «أن رسول الله - ﷺ - جعل للفارس سهمين وللراجل سهمًا». قال الرمادي: كذا يقول ابن نمير، قال لنا النيسابوري: هذا عندي وهم من ابن أبي شيبة أو من الرمادي؛ لأن أحمد بن حنبل وعبدالرحمن بن بشر وغيرهما رووه عن ابن نمير خلاف هذا. يُنظر: سنن الدارقطني، ك: السير (٤/ ١٠٤ - ١٠٧/ح: ١٥، ١٩ - ٢٣).\nويقصد بالوهم: (الفارس) بدل (الفرس). وقال ابن حجر بعد ما ذكر نقل الدارقطني عن شيخه أبي بكر النيسابوري: \"قلت: لا؛ لأن المعنى أسهم للفارس بسبب فرسه سهمين غير سهمه المختص به، وقد رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ومسنده بهذا الإسناد، فقال: للفرس. وكذلك أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب الجهاد له عن ابن أبي شيبة، وكأن الرمادي رواه بالمعنى. وقد أخرجه أحمد عن أبي أسامة وابن نمير معًا بلفظ: (أسهم للفرس). وعلى هذا التأويل أيضًا يحمل ما رواه نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن عبيد الله مثل رواية الرمادي أخرجه الدارقطني، وقد رواه علي بن الحسن بن شقيق - وهو أثبت من نعيم- عن ابن المبارك بلفظ: (أسهم للفرس). وتمسك بظاهر هذه الرواية بعض من احتج لأبي حنيفة في قوله: إن للفرس سهمًا واحدا ولراكبه سهم آخر، فيكون للفارس سهمان فقط، ولا حجة فيه لما ذكرنا. واحتج له أيضًا بما أخرجه أبو داود من حديث مجمع بن جارية -بالجيم والتحتانية- في حديث طويل في قصة خيبر قال: «فأعطى للفارس سهمين وللراجل سهما»، وفي إسناده ضعف، ولو ثبت يحمل على ما تقدم؛ لأنه يحتمل الأمرين، والجمع بين الروايتين أولى؛ ولا سيما والأسانيد الأولى أثبت ومع رواتها زيادة علم. وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داود من حديث أبي عمرة أن النبي - ﷺ - «أعطى للفرس سهمين، ولكل إنسان سهمًا، فكان للفارس ثلاثة أسهم». يُنظر: فتح الباري (٦/ ٦٨).\n(٢) التحبير شرح التحرير (٧/ ٣٣٣٩). وكلام البرماوي ليس موجودًا في الجزئية المحققة من كتابه الفوائد البهية في شرح الألفية.","vol":"1","page":632},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-226> الاستدراك بعلم الحديث دراية (مصطلح الحديث)</span>\nقال الجويني في مسألة (التعبد بالقياس شرعًا): \"واحتج الشافعي ابتداءً بحديث معاذ بن جبل - ﷺ - قال له الرسول - ﵇ - لما بعثه إلى اليمن: «بم تحكم؟» الخبر (١)، وهو مدون في الصحاح، وهو متفق على صحته لا يتطرق إليه التأويل\" (٢).\nفاستدرك عليه ابن السبكي فقال: \"قلت: هذا عجيب من إمام الحرمين، فقد\nقال إمام الصناعة أبو عبدالله البخاري (٣): لا يصح هذا الحديث. وقال الترمذي (٤): ليس إسناده عندي متصل\" (٥).\n_________\n(١) سبق تخريجه (ص: ٣٦٩).\n(٢) البرهان (٢/ ٧٧٢).\n(٣) هو: أبو عبدالله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مغيرة البخاري، الحافظ المحدث، الرحالة، أمير المؤمنين في الحديث، من مصنفاته: \"الجامع الصحيح\"، و\" الأدب المفرد\"، و\"التاريخ الكبير\"، (ت: ٢٥٦ هـ) بسمرقند.\nتُنظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٥٥)؛ البداية والنهاية (١١/ ٢٤)؛ تقريب التهذيب (١/ ٤٦٨).\n(٤) هو: أبو عيسى، محمد بن عيسى بن سورة بن الضحاك السلمي الترمذي - نسبة إلى ترمذ-، الحافظ المحدث الضرير، كان يضرب به المثل في الحفظ، طاف البلاد وسمع من خلق كثيرين، من مصنفاته: \"الجامع الصحيح\"، و\"العلل\"، (ت: ٢٧٩ هـ) بترمذ.\nتُنظر ترجمته في: تاريخ الإسلام (٢٠/ ٤٦٠)؛ تقريب التهذيب (١/ ٥٠٠)؛ طبقات الحفاظ (١/ ٢٨٢).\n(٥) الإبهاج (٦/ ٢١٩٦).","vol":"1","page":633},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-227> الاستدراك بـ (علم أحوال رواة الأحاديث </span>(١»:\n• المثال الأول:\nاستدل البيضاوي على أن صيغة (افعل) حقيقة في الوجوب بخمسة أدلة، الخامس منها قوله: \"أنه - ﵊ - احتج لذم أبي سعيد الخدري (٢) على ترك استجابته -وهو يصلي- بقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] \" (٣).\nفاستدرك عليه الإسنوي بقوله: \"واعلم أن المصنف (٤) ذكر أن أبا سعيد هذا هو الخدري، وهو غلط تبع فيه صاحب الحاصل (٥)، وصاحب الحاصل تبع الإمام في المحصول (٦)، والإمام تبع الغزالي في المستصفى (٧).\nوالصواب: أنه أبو سعيد المعلَّى، كذا وقع في صحيح البخاري (٨) في أول كتاب\n_________\n(١) هو علم يبحث في أحوال رواة الأحاديث؛ من وفياتهم، وقبائلهم، وأوطانهم، وجرحهم وتعديلهم، وغير ذلك من الأحوال. وهذا العلم من فروع التواريخ من وجه، ومن فروع الأحاديث من وجه آخر. يُنظر: مفتاح السعادة (٢/ ٣٤٤).\n(٢) هو: أبو سعيد، سعد بن مالك بن سنان الخزرجي الأنصاري، صاحب رسول الله - ﷺ -، وروى عنه كثيرًا، شهد الخندق وبيعة الرضوان، وعرضه أبوه على النبي - ﷺ - يوم أحد وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فرده النبي - ﷺ -، (ت: ٧٤ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الاستيعاب (٤/ ١٦٧١)؛ سير أعلام النبلاء (٣/ ١٦٨)؛ الإصابة (٣/ ٧٨).\n(٣) منهاج الوصول (١/ ٤٠٣).\n(٤) أي: البيضاوي.\n(٥) (٢/ ٢١٢).\n(٦) (٢/ ٦٣).\n(٧) (٣/ ١٥١).\n(٨) ولفظه: عن أبي سعِيدِ بن الْمُعَلَّى قال: كنت أُصلِّي في المسْجِدِ، فدَعَانِي رسول اللهِ - ﷺ - فلم أُجِبهُ، فقلت: يا رسُولَ الله؛ إني كنت أُصلِّي. فقال: ألَمْ يقُلْ الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾؟ ! ثمَّ قال لي: لأُعَلِّمَنَّكَ سُورةً هيَ أَعظَمُ السُّورِ في القُرْآنِ قبل أنْ تَخرُجَ من المَسْجِدِ. ثمَّ أخَذَ بِيدِي، فلما أرَادَ أنْ يَخرُجَ قلت له: ألَمْ تقُلْ: لأُعَلِّمَنَّكَ سُورةً هيَ أَعظَمُ سُورةٍ في القُرْآنِ. قال: الحَمْدُ لِلّهِ ربِّ العَالَمِينَ، هيَ السَّبعُ المَثَانِي وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الذي أوتِيتُهُ». يُنظر: صحيح البخاري، ك: التفسير، ب: ما جاء في فاتحة الكتاب ...، (٤/ ١٦٢٣/ح: ٤٢٠٤)، ك: التفسير، ب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، (٤/ ١٧٠٤/ح: ٤٣٧٠)، ك: التفسير، ب: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾، (٤/ ١٧٣٨/ح: ٤٤٢٦)، ك: فضائل القرآن، ب: فضل فاتحة الكتاب، (٤/ ١٩١٣/ح: ٤٧٢٠).","vol":"1","page":634},{"text":"التفسير، وفي سنن أبي داود (١) في الصلاة، وفي جامع الأصول (٢) في كتاب الفضائل، وفي غيرها أيضًا، واسمه: الحارث بن أوس بن المعلى الأنصاري الخزرجي الزرقي (٣).\nواسم الخدري: سعد بن مالك بن سنان، من بني خدرة، أنصاري خزرجي أيضًا\" (٤).\n_________\n(١) هو: أبو داود، سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو السجستاني الأزدي، الحافظ المحدث، أحد أئمة الدنيا فقهًا وحفظًا ونسكًا وورعًا وإتقانًا، عرض كتابه \"السنن\" على الإمام أحمد بن حنبل فاستحسنه، من مصنفاته: \"السنن\" و\"الناسخ والمنسوخ\"، و\"المراسيل\"، (ت: ٢٧٥) في شوال.\nتُنظر ترجمته في: صفة الصفوة (٤/ ٦٩)؛ سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٠٣)؛ طبقات الحفاظ (١/ ٢٦٥).\n\nويُنظر الحديث في سننه، ك: الصلاة، ب: فاتحة الكتاب، (٢/ ٧١/ح: ١٤٥٨).\n(٢) كتاب \"جامع الأصول في أحاديث الرسول\"، لأبي السعادات مبارك بن محمد، المعروف بابن الأثير الجزري الشافعي (ت: ٦٠٦ هـ)، جمع فيه بين البخاري ومسلم والموطأ وسنن أبي داود وسنن النسائي والترمذي، عمله على حروف المعجم، وشرح غريب الأحاديث، وذكر معانيها وأحكامها، ووصف رجالها، ونبه على جميع ما يحتاج إليه منها. قال المؤلف: \"أقطع قطعًا أنه لم يصنف مثله قط ولا يصنف\". يُنظر: معجم الأدباء (٥/ ٥٢)؛ كشف الطنون (١/ ٥٣٥).\nويُنظر الحديث في جامع الأصول: (٨/ ٤٦٥/ح: ٦٢٣٤).\n(٣) هو: أبو سعيد بن الْمُعَلّى الأنصاري المدني، صحابي، يقال: اسمه: رافع بن أوس بن المعلى، وقيل: الحارث بن أوس بن المعلى، ويقال: الحارث بن نفيع الخزرجي، (ت: ٧٣ هـ).\nتُنظر ترجمته في: فتح الباب في الكنى والألقاب (ص: ٣٦٢)؛ تهذيب الكمال (٣٣/ ٣٤٨)؛ تقريب التهذيب (١/ ٦٤٤).\n(٤) نهاية السول (١/ ٤٠٩).","vol":"1","page":635},{"text":"وكذلك استدرك عليه ابن السبكي وقال: \"وقد سألت شيخنا الحافظ الذَّهبِيَّ (١) - ﵀ -: هل رُوي هذا الحديث من طريق الخدري في شيء من الكتب والأجزاء؟ فقال: لا\" (٢).\n• المثال الثاني:\nاستدل القاضي أبو يعلى على جواز التعبد بالقياس شرعًا: \"ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال لمعاذ بن جبل: «كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله، أو قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فسنة رسول الله. قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله، أو قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي لا آلو. قال: فضرب بيده في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضاه رسولُ الله» (٣).\nثم ذكر استدراكًا مقدرًا: \"فإن قيل: هذا خبر لا يصح إسناده؛ لأنه يرويه الحارث ابن عمرو (٤) -ابن أخي المغيرة بن شعبة- عن أُناس من أهل حِمص من أصحاب معاذ أن النبي - ﷺ - قال ذلك، وأُناس من أهل حمص مجاهيل؛ فلا يصح التعلق به.\n_________\n(١) هو: أبو عبدالله، محمد بن أحمد الذهبي، شمس الدين، مؤرخ الإسلام، المحدث الحافظ، من مصنفاته: \"تاريخ الإسلام\"، و\" سير أعلام النبلاء\"، و\" ميزان الاعتدال في نقد الرجال\"، (ت: ٧٤٨ هـ) بدمشق.\nتُنظر ترجمته في: معجم المحدثين (ص: ٩٧)؛ الدرر الكامنة (٥/ ٦٦ - ٦٨)؛ النجوم الزاهرة (١٠/ ١٨٢).\n(٢) يُنظر: الإبهاج (٤/ ١٠٦٨).\n(٣) العدة في أصول الفقه (٤/ ١٢٩٢). وحديث معاذ - ﵁ - سبق تخريجه (ص: ٣٦٩).\n(٤) الحارث بن عمرو، ابن أخي المغيرة بن شعبة، يروي عن رجال عن معاذ، قال البخاري: لا يصح حديثه، وقال الترمذي: ليس إسناده عندي بمتصل، (ت: بعد المائة).\nتُنظر ترجمته في: الكاشف للذهبي (١/ ٣٠٤)؛ ميزان الاعتدال (٢/ ١٧٥)؛ تقريب التهذيب (١/ ١٤٧).","vol":"1","page":636},{"text":"قيل: هو خبر صحيح رواه أبو داود في سننه (١)، وأبو عبيد (٢)\nفي أدب القضاء وابن منذر (٣).\nوقوله (٤): \"أناس من أصحاب معاذ\" يدل على شهرته وكثرة رواته، وقد عُرِف دينُهُ (٥)، والظاهر من أصحابه الدين، والثقة، والزهد، والصلاح.\nوعلى أنه روي وسُمِّي رجل منهم وهو ثقة معروف، فروى عبادة ابن نُسَى (٦) عن عبدالرحمن بن غَنْم (٧) عن معاذ بن جبل، وعبدالرحمن بن غُنْم ثقة\n_________\n(١) سنن أبي داود، ك: الأقضية، ب: اجتهاد الرأي في القضاء، (٣/ ٣٠٣/ح: ٣٥٩٢ - ٣٥٩٣).\n(٢) هو: أبو عبيد، القاسم بن سلام البغدادي، لغوي محدث وفقيه، ذو دين وخلق حسن، تولي قضاء طرطوس، من مصنفاته: \"الغريب\"، و\"الأمثال\"، و\"الأموال\"، (ت: ٢٢٤ هـ) على الأرجح، بمكة، وقيل: بالمدينة.\n\nتُنظر ترجمته في: معجم الأدباء (٤/ ٥٩٢)؛ وفيات الأعيان (٤/ ٦٠)؛ تذكرة الحفاظ (٢/ ٤١٧).\n(٣) هو: أبو بكر، محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، الفقيه، نزيل مكة، أحد الأئمة الأعلام، وكان مجتهدًا لا يقلد أحدًا، من مصنفاته: \"الإشراف في معرفة الخلاف\"، و\" الأوسط \"وهو أصل الإشراف، و\"الإجماع\"، (ت: ٣١٨ هـ).\nتُنظر ترجمته في: لسان الميزان (٥/ ٢٧)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ١٠٢)؛ طبقات المفسرين للأدنة وي (ص: ٥٤).\n(٤) أي: الحارث بن عمرو - راوي الحديث -.\n(٥) أي: دين معاذ بن جبل - ﵁ -. قال الخطيب: (وقد عرف فضل معاذ وزهده). يُنظر: الفقيه والمتفقه (١/ ٤٧٢).\n(٦) هو: أبو عمر، عبادة بن نُسَي، الكندي الأردني، قاضي طبرية، يروى عن جماعة من التابعين أصحاب معاذ وأبى الدرداء، وكان ذا فضل وصلاح وعلم، وثقه يحيى بن معين وغيره، ولي قضاء الأردن من قبل عبدالملك بن مروان، ثم ولي الأردن نائبًا لعمر بن عبدالعزيز (ت: ١١٨ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الثقات (٧/ ١٦٢)؛ المنتظم (٧/ ١٩٠)؛ سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٢٣).\n(٧) هو: عبدالرحمن بن غنم الأشعري، الفقيه الإمام، شيخ أهل فلسطين، مختلف في صحبته، حدث عن معاذ بن جبل وتفقه به، وعمر بن الخطاب، وأبي ذر الغفاري، وغيرهم، (ت: ٧٨ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٥)؛ الإصابة (٤/ ٣٥٠)؛ تقريب التهذيب (١/ ٣٤٨).","vol":"1","page":637},{"text":"مشهور (١) \" (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-228> الاستدراك بـ (علم الكلام):</span>\nوأكتفي بذكر الاستدراك على موضوعين من هذا العلم؛ وهما: التحسين والتقبيح، ووجوب رعاية المصالح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-229> الاستدراك بـ (التحسين والتقبيح العقلي </span>(٣»:\n• المثال الأول:\nقال ابن قدامة في حد النسخ في الشرع: \"وحد المعتزلة النسخ بأنه: الخطاب\n_________\n(١) قال الخطيب: \"وقد قيل: إن عبادة بن نسي رواه عن عبدالرحمن بن غنم عن معاذ، وهذا إسناد متصل ورجاله معروفون بالثقة، على أن أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحته عندهم\". يُنظر: الفقيه والمتفقه (١/ ٤٧٢).\n(٢) العدة في أصول الفقه (٤/ ١٢٩٣ - ١٢٩٥).\n(٣) المراد بهذه المسألة: التكليف بالأمر والنهي، ووجوب الواجبات وتحريم المحرمات، هل يثبت بالعقل؟ اختلفوا على ثلاثة أقول:\nالقول الأول للأشاعرة: وهؤلاء منعوا تحسين العقل وتقبيحه، فلا يثبتون حسنًا ولا قبحًا في حق العبد إلا بالشرع.\nالقول الثاني للمعتزلة: وهؤلاء يثبتون الحسن والقبح للأفعال عقلًا، وترتيب العقاب والثواب على ذلك، فقالوا بتعذيب من لم تبلغه الدعوة وإن لم يرسل إليه رسول؛ لقيام الحجة عليه بالعقل.\nالقول الثالث - وهو رأي أهل السنة من السلف-: إثبات الحسن والقبح العقليين؛ لكن لا يثبتونه كما يثبته نفاة القدر من المعتزلة؛ بل يقولون: إن حسن الأفعال وقبحها ثابت بالعقل؛ ولكن الثواب والعقاب لا يكون إلا بعد ورود الشرع، فلا يعذب من خالف قضايا العقول حتى يبعث إليهم رسول. يُنظر: المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين (ص: ٧٤ - ٨٢)؛ مسائل أصول الدين المبحوثة في علم أصول الفقه (١/ ٤٧٨ - ٥٠٧).","vol":"1","page":638},{"text":"الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ثابتًا (١).\nولا يصح؛ لأن حقيقة النسخ الرفع، وقد أخلوا الحد عنه.\nفإن قيل: تحديد النسخ بالرفع لا يصح لخمسة أوجه: ...\nالثالث: أن الله تعالى إنما أثبته لحسنه، فالنهي يؤدي إلى أن ينقلب الحسن قبيحًا\" (٢).\nثم ذكر الجواب عن هذه الوجوه، فقال في جواب الوجه الثالث: \"وأما الثالث: فينبني على التحسين والتقبيح في العقل، وهو باطل\" (٣).\n• المثال الثاني:\nذكر الرازي في مسألة (استدلال الشيعة على حجية الإجماع) أن زمان التكليف عندهم لا يخلو عن الإمام المعصوم، ومتى كان كذلك كان الإجماع حجة. وقرروا ذلك بأن الإمام لطفٌ، وكلُّ لطفٍ واجبٌ، فالإمام واجب. وإنما قلنا: إن اللطف واجب لوجهين: الثاني: أن المكلف لو لم يجب عليه فعل اللُّطفِ لم يقبح منه فعلُ المفسدةِ أيضًا؛ لأنه لا فرق في العقل بين فعل ما يختار المكلف عنده القبيح، وبين ترك ما يُخِلُّ المكلف عنده بالواجب، فثبت أن اللُّطفَ واجب، وثبت أنه لا بد في زمان التكليف من الإمام\" (٤).\nفاستدرك عليهم الرازي في الوجه الثاني المذكور بعدة استدراكات فقال: \"سلمنا كل ما ذكرتموه؛ ولكنه بناء على التحسين والتقبيح العقليين وإنه باطل على ما\n_________\n(١) يُنظر: المعتمد (١/ ٣٦٧).\n(٢) يُنظر: روضة الناظر (١/ ٢٢١ - ٢٢٢).\n(٣) يُنظر: المرجع السابق (١/ ٢٢٤).\n(٤) يُنظر: المحصول (٤/ ١٠١ - ١٠٣).","vol":"1","page":639},{"text":"ثبت في الكتب الكلامية\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-230> الاستدراك بـ (وجوب رعاية المصالح </span>(٢»:\n• المثال الأول:\nذكر الآمدي في مسألة (حكم التعبد بخبر الواحد عقلًا) اعتراض الخصم القائل بعدم جواز التعبد بخبر الواحد: \"ثم وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على جواز التعبد بخبر الواحد إلا أنه معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه من جهة المنقول والمعقول ...\nوأما المعقول فمن أربعة أوجه:\nالأول: أنه لو جاز ورود التعبد بقبول خبر الواحد في الأحكام الشرعية عن الرسول عند ظننا بصدقه لاحتمال كونه مصلحة؛ لجاز ورود التعبد بقبول خبر الواحد عن الله تعالى بالأحكام الشرعية، وذلك دون اقتران المعجزة بقوله محال\" (٣).\nثم بعد عرض جميع اعتراضاتهم بدأ بالجواب والاستدراك عليهم فقال: \"والجواب عن السؤال الأول من وجهين:\nالأول: أنه مبني على وجوب رعاية المصالح في أحكام الشرع وأفعاله، وهو غير\n_________\n(١) يُنظر: المحصول (٤/ ١١٩).\n(٢) اختلف الأصوليون في أنَّ الله سبحانه هل يجب عليه رعاية الصلاح في خلقه؟ فقالت الأشاعرة: لا يجب عليه شيء؛ بل يجوز أن تخلو أفعال الله تعالى عن الحكم والمقاصد. وقالت المعتزلة: يجب عليه فعل الصلاح، ويأمر وينهى بما فيه مصالح العباد. وأما قول جمهور السلف: وجوب رعاية المصالح في الخلق والأمر؛ ولكنهم لا يوجبون ذلك من أنفسهم على الله سبحانه كما تذهب إليه المعتزلة، ولا ينفونه كما تنفيه الأشاعرة؛ وإنما يوجبونه بإيجاب الله - ﷿ - على نفسه. يُنظر: المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين (ص: ٢٨٨ - ٢٨٩).\n(٣) يُنظر: الإحكام للآمدي (٢/ ٦٠ - ٦١).","vol":"1","page":640},{"text":"مسلم على ما عرفناه في الكلاميات .... \" (١).\n• المثال الثاني:\nقال الإسنوي في مسألة (هل يجوز تفويض الحكم إلى النبي - ﷺ - أو إلى العالم؟): \" ... احتجت المعتزلة على المنع بأن أحكام الله تعالى تابعة لمصالح العباد _على ما سبق في القياس_، فلو فُوِّض ذلك إلى اختيار العبد لأدّى إلى تخلُّف الحكم عن المصلحة؛ لجواز أن يصادف اختياره ما ليس بمصلحة في نفس الأمر، وما ليس بمصلحة في نفس الأمر لا يصير مصلحة بجعله إلى المجتهد (أي: بتفويضه إليه)؛ لا ستحالة انقلاب الحقائق. (٢)\nوأجاب المصنف (٣) بوجهين:\nأحدهما: أنه مبنيٌّ على أصل ممنوع، وهو وجوب رعاية المصالح .... \" (٤).\nويمكن أن يجمع الاستدراك بين المسألتين كما ذكر الهندي في مسألة (النسخ قبل التمكن من الفعل) احتجاج الخصم (٥) القائل: بعدم جواز النسخ قبل التمكن من الامتثال، فقال: \"واحتجوا بوجهين:\n_________\n(١) يُنظر: الإحكام للآمدي (٢/ ٦١).\n(٢) يُنظر: المعتمد (٢/ ٣٢٩).\n(٣) أي: البيضاوي. يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع نهاية السول - (٢/ ٩٥٦).\n(٤) نهاية السول (٢/ ٩٥٨).\n(٥) وهو مذهب المعتزلة، والصيرفي من الشافعية، والحنفية؛ إلا أن الحنفية يوجبون التمكن من عقد القلب على الفعل؛ لا التمكن من الفعل. يُنظر: المعتمد (١/ ٣٧٦)؛ التبصرة (ص: ١٥٧)؛ أصول السرخسي (٢/ ٦٣).\nوذكر الهندي أنه مذهب الحنابلة، والثابت في كتبهم خلاف ذلك؛ حيث يجوزون النسخ قبل التمكن من الفعل؛ إلا ما نقل عن أبي الحسن التميمي من منع ذلك. يُنظر: المسودة (ص: ١٤٦)؛ التمهيد لأبي الخطاب (٢/ ٣٥٥)؛ شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٣٢).","vol":"1","page":641},{"text":"أحدهما: أنه تعالى إن كان عالمًا حالة الأمر بما هو عليه الفعل من المصلحة أو المفسدة في الوقت الذي أمر فيه بالفعل؛ وجب ألا يحسن إلا الأمر به أو النهي عنه؛ وإلا لزم الأمر بالمفسدة أو النهي عن المصلحة، وهو غير جائز على الحكيم. وإنما قيدنا كونه كذلك وقت الفعل لأن المعتبر هو وقت الفعل في الأمر المقيد بوقت؛ لا وقت الأمر؛ فإن الشيء إذا كان مشتملًا على المصلحة حالة الأمر دون حالة الفعل؛ فإنه يجوز الأمر به في وقت تتغير مصلحته.\nوإن لم يكن عالمًا به (١)؛ لزم الجهل على الله تعالى وهو محال.\nوجوابه: أنه مبني على التحسين والتقبيح ورعاية المصلحة والمفسدة، وكل ذلك باطل عندنا\" (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-231> أمثلة الاستدراك بـ (القواعد الفقهية </span>(٣»، ومنها:\n•<span data-type=\"title\" id=toc-232> الاستدراك بقاعدة (اليقين لا يزول بالشك </span>(٤»:\nذكر الشيرازي في مسألة (العمل بالخبر الواحد) من بين أدلة القائلين بعدم وجوب العمل بخبر الواحد: \"قالوا: ولأن براءة الذمة متيقنة، وخبر الواحد موضع شك؛ فلا يجوز إزالة اليقين بالشك.\nقلنا: نحن لا نزيل اليقين إلا بيقين مثله، ووجوب العمل بخبر الواحد يقين، وإن كان ما تضمنه غير متيقن\" (٥).\n_________\n(١) وهو الوجه الثاني.\n(٢) نهاية الوصول (/٢٢٩٠).\n(٣) القواعد: جمع قاعدة، والقاعدة الفقهية هي: حكم أكثري لا كلي، ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها منه. يُنظر: غمز عيون البصائر (١/ ٥١)؛ الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية (ص: ١٦).\n(٤) يُنظر القاعدة في: الأشباه والنظائر لابن السبكي (١/ ٢٣)؛ الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٥٠).\n(٥) التبصرة (ص: ١٩٠).","vol":"1","page":642},{"text":"وذكر في مسألة (زيادة الثقة) دليل القائلين بعدم قبول الزيادة: \"قالوا: ما اتفقنا عليه من الخبر يقين، والزيادة مشكوك فيها، فلا يترك اليقين بالشك.\nقلنا: فيجب إذا انفرد أحدهما بخبر لم يروه الآخر أن لا يقبل، فيقال: أحد الخبرين يقين والآخر مشكوك فيه، فلا يترك اليقين بالشك\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-233> الاستدراك بقاعدة (لا عبرة بالظن البين خطؤه </span>(٢»:\nقال البيضاوي في مسألة (أقسام الحكم باعتبار الوقت المضروب للعبادة): \"ولو ظنَّ المكلف أنه لا يعيش إلى آخر الوقت تضيَّق عليه، فإن عاش وفعل في آخره فقضاء عند القاضي (٣)، أداء عند الحجة (٤)؛ إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه\" (٥).\n• بيان الاستدراك:\nذكر البيضاوي استدراك الغزالي على القاضي الباقلاني قوله: بأن المكلف لو عاش وفعل العبادة بعد ما ضاق عليه الوقت؛ اعتبرت قضاء في حقه؛ بقاعدة فقهية؛ وهي: أنه لا عبرة بالظن البين خطؤه.\nوقال ابن السبكي في شرحه للمنهاج (٦): (والحق معه في هذه المسألة) أي مع الغزالي.\n_________\n(١) التبصرة (ص: ١٩٧).\n(٢) يُنظر القاعدة في: الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: ١٦١)؛ الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ١٥٧).\n(٣) يُنظر: مختصر التقريب والإرشاد (٢/ ٢٣١).\n(٤) وهو الغزالي. يُنظر استدراكه على القاضي في المستصفى (١/ ٣٢٠ - ٣٢١).\n(٥) منهاج الوصول - مطبوع مع الإبهاج - (٢/ ٢١٧).\n(٦) الإبهاج (٢/ ٢١٨).","vol":"1","page":643},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-234> الاستدراك بقاعدة (التابع يأخذ حكم المتبوع </span>(١»:\n• المثال الأول:\nقال الشيرازي في مسألة (نسخ حكم أصل القياس هل يبقي حكم الفرع المقيس عليه؟»: \"قالوا: ولأن الفرع لما ثبت فيه الحكم صار أصلًا، فيجب ألا يزول الحكم فيه بزواله في غيره.\nقلنا: لا نسلم أنه صار أصلًا بذلك؛ وإنما هو تابع لغيره ثبت الحكم فيه لأجله، فإذا سقط حكم المتبوع سقط حكم التابع\" (٢).\n• المثال الثاني:\nقال السمعاني في مسألة (نسخ حكم أصل القياس هل يبقي حكم الفرع المقيس عليه؟): \"وأما الحكم الذي ثبت بالقياس؛ فنسخ أصله يوجب نسخه في قول الشافعي وجمهور الفقهاء (٣).\nوقال بعض أصحاب أبي حنيفة: يكون حكم القياس بعد نسخ أصله ثابتًا في فروعه (٤).\nوهذا لا يصح؛ لأن زوال المُوجِب يقتضي زوال المُوجَب، ولأنه ما ثبت تابعًا لغيره يزول بزواله؛ لأن المتبوع أصل والتابع فرع، ولا يصح بقاء الفرع مع زوال\n_________\n(١) يُنظر القاعدة في: الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص ١٢٠)؛ الأشباه والنظائر للسيوطي (١١٧)\n(٢) يُنظر: التبصرة (ص: ١٦٦).\n(٣) يُنظر: البرهان (٢/ ١٣١٣)؛ مختصر ابن الحاجب (٢/ ١٠١٧)؛ شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٧٣).\n(٤) ذكر ابن عبدالشكور في \"مسلم الثبوت\": أن هذا القول منسوب إلى الحنفية. وقال الأنصاري في شرحه: \"أشار إلى أن هذه النسبة لم تثبت، وكيف لا وقد صرحوا أن النص المنسوخ لا يصح عليه القياس؟ ! وسيجيء في شروط القياس أن من شروطه: ألا يكون حكم الأصل منسوخًا\". يُنظر: مسلم الثبوت وشرحه فواتح الرحموت (٢/ ٨٦).","vol":"1","page":644},{"text":"أصله؛ لأنه إذا بقي لا يكون فرعًا\" (١).\n• المثال الثالث:\nقال البيضاوي في مسألة (نسخ الأصل والفحوى): \"الرابعة: نسخ الأصل\nيستلزم نسخ الفحوى، وبالعكس؛ لأن نفي اللازم يستلزم نفي ملزومه، والفحوى يكون ناسخًا\" (٢).\nواستدرك عليه الإسنوي فقال: \"وجزم المصنف بالأمرين (٣)، واستدل على الثاني -وهو: أن نسخ الفحوى يستلزم نسخ الأصل- بأن الفحوى لازم للأصل، ونفي اللازم يستلزم نفي الملزوم.\nوأما الأول فلم يستدل عليه، وقد استدل عليه الإمام (٤) بأن الفحوى تابع للأصل، ورفع المتبوع مستلزم لرفع التابع\" (٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-235> أمثلة الاستدراك بـ (الفقه):</span>\n• المثال الأول:\nذكر القاضي أبو يعلى في مسألة (دلالة أفعال النبي - ﷺ -) أنه إذا كان فعله - ﷺ - ابتداءً من غير سبب مستند إليه ففيه ثلاثة مذاهب: منهم من قال: هي على الوجوب، واختار القاضي هذا المذهب.\n_________\n(١) قواطع الأدلة (٣/ ٩٤ - ٩٥).\n(٢) منهاج الوصول - مطبوع مع نهاية السول - (١/ ٦١١).\n(٣) الأول: نسخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى.\nالثاني: نسخ الفحوى يستلزم نسخ الأصل.\n(٤) يُنظر: المحصول (٣/ ٣٦٠).\n(٥) نهاية السول (١/ ٦١٢).","vol":"1","page":645},{"text":"ومنهم من قال: هي على الندب. ومنهم من قال: على الوقف.\nثم ذكر دليل القائلين بأنه على الوجوب؛ وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١)﴾ [الأعراف: ١٥٨]، فأمر باتباعه، والأمر للوجوب. (٢)\nثم ذكر استدراكًا مقدرًا من الخصم - القائل بعدم حمله على الوجوب-: \"فإن قيل: الاتباع هو: أن يفعل ذلك على وجه الذي فعله النبي - ﷺ -، فإذا لم يعلم الوجه الذي أوقع الفعل عليه من وجوب أو ندب أو إباحة؛ لم نكن متبعين له.\nقيل: الاتباع يكون في الفعل وإن اختلف قصد التابع والمتبوع؛ كالمتنفل يأتم بالمفترض فيتبعه في صلاته وإن اختلفا في القصد والاعتقاد ... \" (٣).\n• المثال الثاني:\nاستدرك القاضي أبو يعلى على الحنفية (٤) في مسألة (القياس في الحدود والكفارات والمقدرات والأبدال) على دليلهم: \"أن مقادير العقوبات على الأجرام بحسب ما يحصل بها من كفران النعمة، ومعلوم أن مقادير نعم الله تعالى على عباده لا يعلمها إلا الله تعالى، وكان الحد عقوبة مستحقة على الفعل، ولم يكن لنا سبيل إلى معرفة مقدار العقوبة على ذلك الفعل إلا من جهة التوقيف، لم يجز له إثبات الحد بالقياس.\nالجواب: ... وعلى أنهم قد أثبتوا الحد بالقياس، وكذلك الكفارات، فقالوا: تجب\n_________\n(١) ونص الآية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].\n(٢) يُنظر: العدة في أصول الفقه (٣/ ٧٣٥ - ٧٣٨).\n(٣) يُنظر: المرجع السابق (٣/ ٧٣٩).\n(٤) يُنظر: الفصول في الأصول (٤/ ١٠٥ - ١٢٤)؛ أصول السرخسي (٢/ ١٦٤)؛ فواتح الرحموت (٢/ ٣١٧ - ٣١٩).","vol":"1","page":646},{"text":"الكفارة على المفطر بالأكل والشرب قياسًا على المجامع (١).\nوقالوا: الحد يجب على الرِّدء (٢) في المحاربة قياسًا على المباشر على قتال المشركين (٣) \" (٤).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك القاضي أبو يعلى على الحنفية في منعهم القياس في الحدود والكفارات بفروع فقهية من مذهبهم، وهذا نقض لهم، فقالوا بإيجاب الكفارة على المفطر في نهار رمضان بالأكل والشرب قياسًا على المفطر في نهار رمضان بالجماع.\nوقالوا بالقياس في الحدود، حيث أوجبوا الحد على الردء في المحاربة قياسًا على الردء في قتال المشركين، فإن الردء في قتال المشركين يستحق الغنيمة، مثله مثل المباشر لقتال المشركين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-236> الاستدراك بـ (اللغة العربية)</span>، ومن ذلك:\n•<span data-type=\"title\" id=toc-237> الاستدراك بما في معاجم اللغة:</span>\n• المثال الأول:\nقال الطوفي في: (تعريف النسخ في اللغة): \"اختلف في النسخ في أي المعنيين هو حقيقة، هل هو حقيقة في الرفع والإزالة، أو في النقل وما يشبهه؟ وفيه ثلاثة أقوال:\n_________\n(١) يُنظر المسألة في كتب الفقه الحنفي: الأصل - المبسوط للشيباني- (٢/ ٣٢٥)؛ بدائع الصنائع (٢/ ٩٧ - ٩٨)؛ الاختيار في تعليل المختار (١/ ١٣٩).\n(٢) الرِّدْء: المعين، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]. يُنظر: الصحاح (ص: ٤٠٠)؛ المصباح المنير (١/ ٢٢٥) مادة: (ردأ).\n(٣) يُنظر المسألة في كتب الفقه الحنفي: المبسوط للسرخسي (٩/ ١٩٨)؛ فتح القدير لابن الهمام (٥/ ٤٢٧)؛ الاختيار في تعليل المختار (٤/ ١٢٢).\n(٤) يُنظر: العدة في أصول الفقه (٥/ ١٤١٣).","vol":"1","page":647},{"text":"أحدها: أنه حقيقة فيهما بالاشتراك، وهو قول القاضي أبي بكر (١) والغزالي (٢) وغيرهما.\nوالثاني: أنه حقيقة في الرفع والإزالة، مجاز في النقل، وهو قول أبي الحسين البصري (٣) وغيره.\nوالثالث: عكس هذا؛ وهو أنه حقيقة في النقل، مجاز في الإزالة، وهو اختيار القفال. ذكر هذه الأقوال وأصحابها الآمدي (٤).\nقوله: (والأظهر أنه في الرفع) أي: الأظهر من هذه الأقوال أن النسخ حقيقة في الرفع، مجاز في النقل ... والأول أظهر على ما في المختصر (٥)، ووجهه: أن الرفع أخص من النقل؛ فيكون أولى بحقيقة النسخ\" (٦).\nثم بعد أن ذكر المختار في المختصر استدرك عليه باختياره فقال: \" ... فإذا عرفت ما على المختار في المختصر من التوجيه والاعتراض؛ فالتحقيق هاهنا أن يقال: الإزالة والنقل إما أن يكونا متساويين في العموم والخصوص؛ فلا إشكال؛ لأنهما حينئذ مترادفان؛ فيصح أن يقال: النسخ: الإزالة، والنسخ: النقل. أو يكونا متفاوتين في العموم والخصوص؛ فتكون الإزالة أولى بحقيقة النسخ من النقل؛ لأنه أوفق لكلام أهل اللغة؛ إذ كان ترجيحًا بالحقيقة من حيث عموم اللفظ وخصوصه، وقد وقع فيه\n_________\n(١) لا توجد جزئية النسخ في مختصر التقريب والإرشاد المطبوع، وكذلك لم أقف على قول الباقلاني في التلخيص؛ حيث حصل سقط في بداية جزئية النسخ.\n(٢) يُنظر: المستصفى (٢/ ٣٥).\n(٣) يُنظر: المعتمد (١/ ٣٦٤).\n(٤) يُنظر: الإحكام للآمدي (٣/ ١٢٧ - ١٢٨).\n(٥) أي: مختصر الروضة - البلبل-.\n(٦) يُنظر: شرح مختصر الروضة (٢/ ٢٥٢).","vol":"1","page":648},{"text":"التعارض -كما بيناه آنفا-؛ فيرجع إلى الترجيح اللغوي، وهو موافق لما ذكرناه من أن النسخ حقيقة في الإزالة.\nقال الجوهري: نسخت الشمس الظل وانتسخته: أزالته، ونسخت الريح آثار الديار: غيرتها، ونسخت الكتاب وانتسخته واستنسخته: كله بمعنى، ونسخ الآية بالآية: إزالة مثل حكمها؛ فالثانية ناسخة، والأولى منسوخة، والتناسخ في الميراث: أن يموت ورثة بعد ورثة وأصل الميراث قائم لم يقسم. هذا الذي ذكره في هذه المادة، وقد صرح فيه بلفظ الإزالة (١).\nقلت: وإن جعل النسخ حقيقة في القدر المشترك بين الرفع والإزالة والنقل وما يشبهه - وهو التغيير-؛ كان أولى. وقد صرح الجوهري بلفظ (التغيير) فيما ذكرناه\" (٢).\n• المثال الثاني:\nقال البيضاوي في مسألة (ضابط خبر التواتر وشروطه): \" ... ثم إن أخبروا عن عَيان فذاك؛ وإلا فيشترط ذلك في كل الطبقات\" (٣).\nفشرح الإسنوي المراد ثم استدرك عليه بما ذكره الجوهري فقال: \"يعني أن الجمع الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب إن أخبروا عن عيان (أي: مشاهدة) فلا كلام، وإن نقلوا عن غيرهم؛ فيشترط حصول هذا العدد أيضًا في كل الطبقات، وهو معنى قولهم: (لابد من استواء الطرفين والواسطة).\nوتعبير المصنف بالعيان غير وافٍ بالمراد؛ فإن العِيان بكسر العين هو: الرؤية، كما\n_________\n(١) يُنظر: الصحاح (ص: ١٠٣٧) مادة: (نسخ).\n(٢) يُنظر: شرح مختصر الروضة (٢/ ٢٥٢ - ٢٥٤).\n(٣) منهاج الوصول (٢/ ٦٧١).","vol":"1","page":649},{"text":"قاله الجوهري (١)، والخبر قد لا يكون مستندًا إليها\" (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-238> الاستدراك بعلم (الصرف </span>(٣»:\nقال البيضاوي في تعريف أصول الفقه: \"معرفة دلائل الفقه إجمالًا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد\".\nفاستدرك عليه عدد من علماء الأصول (٤) التعبير (بدلائل) فقالوا: صوابه: أدلة، واستشهدوا بقول ابن مالك (٥)\nفي شرح الكافية الشافية (٦): \"لم يأت (فعائل) جمعًا لاسم جنس على وزن (فعيل) - فيما أعلم -؛ لكنه بمقتضى القياس جائز في العلم\n_________\n(١) يُنظر: الصحاح (ص: ٧٦١) مادة: (عين).\n(٢) نهاية السول (٢/ ٦٧٦).\n(٣) علم الصرف هو: العلم الذي تعرف به كيفية صياغة الأبنية العربية، وأحوال هذه الأبنية التي ليست إعرابًا ولا بناءً. يُنظر: شرح شافية ابن الحاجب (١/ ١)؛ أبجد العلوم (٢/ ٣٤٥)؛ دروس التصرف (ص: ٤ - ٥).\nفموضوعه: الألفاظ العربية من حيثُ تحول الأصل الواحد إلى أمثلة مختلفة لمعان مقصودة لا تحصل إلا بها؛ كاسمي الفاعل والمفعول، واسم التفضيل، وغير ذلك. ويبحث أيضًا في الصحة والإعلال، والأصالة والزيادة ونحوها. يُنظر: شذا العرف في معاني الصرف (ص: ٩).\n(٤) كالسبكي الكبير، والإسنوي، والمرداوي. يُنظر على الترتيب المذكور: الإبهاج (٢/ ٦٣)؛ نهاية السول (١/ ١٥)؛ التحبير شرح التحرير (١/ ١٨١).\n(٥) هو: أبو عبدالله، محمد بن عبدالله بن مالك الطائي الجياني، الأندلسي، الشافعي، جمال الدين، كان إمامًا في النحو والمعاني والبيان، جيد المشاركة في الفقه والأصول وغير ذلك، وكان عجبًا في الذكاء والمناظرة وصحة الفهم، من مصنفاته: \"ألفية ابن مالك\"، و\"الكافية الشافية\" وشرحها، و\"مختصر الشاطبية\"، (ت: ٦٧٢ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: مرآة الجنان (٤/ ٢٠٣)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ١٤٩)؛ شذرات الذهب (٥/ ٣٩٩).\n(٦) قال حاجي خليفة: \"الكافية الشافية في النحو لابن مالك محمد بن عبدالله النحوي (ت: ٦٧٢ هـ)، وهو كتاب منظوم لخص منه ألفيته، ثم شرحها وسماه الوافية وعلق عليه نكتًا، وشرحها أيضًا ولده بدر الدين محمد (ت: ٦٨٦ هـ). يُنظر: كشف الظنون (٢/ ١٣٦٩).","vol":"1","page":650},{"text":"المؤنث، كـ (سعائد) جمع سعيدة اسم امرأة\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-239> الاستدراك بعلم (النحو):</span>\nذكر الإسنوي اعتراض الخصم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] على أن صيغة (افعل) حقيقة في الوجوب، مستخدمًا في ذلك مادة النحو فقال: \" ... لا نُسَلِّم أن الآية تدل على أنه تعالى أمر المخالفين بالحذر؛ بل على أنه تعالى أمر بالحذر عن المخالفين؛ فيكون فاعل قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ ضميرًا، و﴿الَّذِينَ يُخَالِفُونَ﴾ مفعولًا به.\nوذكر الإسنوي جواب هذا الاستدراك بمادة النحو أيضًا، ثم تتابعت الاستدراكات من الفريقين بهذه المادة، فقال: \"وجوابه من وجهين:\nأحدهما - ولم يذكره في المحصول-: أن الإضمار على خلاف الأصل.\nالثاني: أنه لا بد للضمير من اسم ظاهر يرجع إليه، وهو هنا مفقود.\nفإن قيل: يعود على ﴿الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ﴾ [النور: ٦٣].\nقلنا: ﴿الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ﴾ هم المخالفون؛ لأن المنافقين كان يثقل عليهم المقام في المسجد، واستماع الخطبة، فكانوا يلوذون بمن يستأذن للخروج، فإذا أذن له انسلوا معه، فنزلت هذه الآية (٢).\nوقيل: نزلت في المتسللين عن حفر الخندق.\nوإذا كان كذلك فلو أَمَرَ المتسللين بالحذر عن الذين يخالفون؛ لكانوا قد أُمروا بالحذر عن أنفسهم.\n_________\n(١) يُنظر: شرح الكافية الشافية (٤/ ١٨٦٧).\n(٢) يُنظر: زاد المسير (٦/ ٦٨ - ٦٩)؛ تفسير ابن كثير (٣/ ٣٠٨)؛ فتح القدير للشوكاني (٤/ ٥٨). والتسلل: الخروج في خفية، يقال: تسلل فلان من بين أصحابه: إذا خرج من بينهم. واللواذ: من الملاوذة؛ وهو: أن تستتر بشيء مخافة من يراك، وأصله: أن يلوذ هذا بذاك، وذاك بهذا، واللوذ: ما يطيف بالجبل، وقيل: اللواذ: الزوغان من شيء إلى شيء في خفية. يُنظر: المراجع السابقة.","vol":"1","page":651},{"text":"سلمنا هذا؛ لكن يلزم منه أن يصير التقدير: (فليحذر يتسللون منكم لواذًا الذين يخالفون)، وحينئذ فيكون لفظ (الحذر) قد استوفى فاعله ومفعوله، وليس هو مما يتعدى إلى مفعولين، فيصير قوله تعالى: ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ ضائعًا ليس له تعلُّق بما قبله ولا بما بعده (١).\nفإن قيل: يكون مفعولا لأجله، فإن الحذر لأجل إصابة ذلك.\nقلنا: أجاب بعضهم بأنه لو كان كذلك لوجب الإتيان باللام؛ لأنه غير مُتَّحِد به في الفاعل؛ لأن الحذر هو فعل المتسللين، والإصابة فعل الفتنة، أو فعل الله تعالى.\nوهذا الجواب مردود؛ فإن القاعدة النحوية: أنه لا يجب الإتيان بالجار إذا كان المجرور (أنَّ) أو (أنْ)؛ نحو: عجبت من أنك قائم، وعجبت من أن تقوم، فيجوز حذف (من) في الموضعين؛ بل الجواب: أنه لو كان مفعولًا لأجله لكان مجامعًا للحذر؛ لأن الفعل يجب أن يجامع علته (٢)، واجتماعها مستحيل (٣) ... \" (٤).\n_________\n(١) الصواب في إعراب الآية: أن قوله: ﴿الَّذِينَ يُخَالِفُونَ﴾ فاعل، وقوله: ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ مفعول به؛ لأن أن وما دخلت عليه في تأويل مصدرٍ تقديره: إصابتهم. يُنظر: إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات (٢/ ١٦٠)؛ التبيان في إعراب القرآن (٢/ ٩٧٩).\nوعلى كلام الخصم: الفاعل ضمير، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُخَالِفُونَ﴾ مفعول، والفعل ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ لا يتعدى إلى مفعولين حتى يكون قوله: ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ مفعولًا ثانيًا، وحينئذ يصير قوله: ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ ضائعًا لا تَعلُّقَ له بما قبله ولا بما بعده.\n(٢) المفعول لأجله هو علة الفعل.\n(٣) قال ابن مالك في المفعول له: وهو بما يعملُ فيه متحدْ ... وقتًا وفعلًا وإن شرطٌ فُقِدْ\nفالقاعدة: أنه لا بد أن يكون زمان الفعل والمفعول له واحدًا؛ فتقول: ضربت ابني تأديبًا، فالضرب والتأديب في وقت واحد. يُنظر: شرح ابن عقيل (٢/ ١٨٥ - ١٨٦).\nوفي الآية يستحيل اجتماع الفعل مع المفعول لأجله؛ إذ زمان الفعل هو: الحذر، وزمان المفعول لأجله: هي الفتنة أو العذاب الأليم، فيستحيل اجتماع الحذر مع الفتنة أو العذاب الأليم؛ لما بينهما من التنافي.\n(٤) يُنظر: نهاية السول (١/ ٤٠٥ - ٤٠٦).","vol":"1","page":652},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-240> الاستدراك بكلام العرب:</span>\nوهذا كثير جدًّا في كتب الأصول؛ ونذكر منه:\n• المثال الأول:\nذكر الشيرازي في (باب القول في الحقيقة والمجاز) من بين أدلة القائلين بعدم وقوع المجاز في القرآن: \"واحتجوا بأن المجاز إنما يصار إليه عند الضرورة، ويستعمل في الكلام لمكان الحاجة، وخطاب الله - ﷿ - منزَّه عن مثل ذلك؛ فإن الله تعالى لا يوصف بالضرورة والحاجة في شيء من ذلك في الأمور، فلم يكن في كلامه مجاز.\nوالجواب: لا نسلم أن استعمال المجاز موقوف على الضرورة؛ بل ذلك لعلة مستعملة مستحسنة في كلام العرب، غير موقوف على الحاجة، ولعلهم يستعملون المجاز أكثر من استعمالهم الحقيقة، أو نظيره، والقرآن نزل بلغتهم وعلى عادتهم، ومن عادتهم: استعمال المجاز مع القدرة على الحقيقة\" (١).\n• المثال الثاني:\nقال ابن رشد: \"مسألة: ليس للاسم المشترك عموم ولجميع ما يقال عليه، وإن كان قد يرى ذلك بعضهم؛ مثل من حمل قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣/المائدة: ٦]، على الأمرين جميعًا -أعني النكاح واللمس بالجارحة التي هي اليد-. وهذا يتبين خلافه باستقراء كلام العرب؛ فإنهم ليس يطلقون في مخاطبتهم اسم (العين) مثلًا ويريدون به أن يفهم السامع عنهم جميع المعاني التي يقال عليها اسم (العين) \" (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-241> الاستدراك بعلم (التاريخ):</span>\nقال البيضاوي في مسألة (هل يجوز تفويض الحكم إلى النبي - ﷺ - أو إلى العالم؟):\n_________\n(١) شرح اللمع (١/ ١٧٠ - ١٧١).\n(٢) الضروري في أصول الفقه (ص: ١١١).","vol":"1","page":653},{"text":"\"وجزم به موسى بن عمران (١) لقوله - ﵇ - بعد ما أنشدت ابنة النضر بن الحارث: (لو سمعت ما قتلت) \" (٢).\nقال الإسنوي: \"استدل موسى بن عمران على الوقوع بأمرين: أحدهما: قضية النضر بن الحارث (٣)؛ وهي على ما حكاه ابن هشام (٤) في السيرة أن النبي - ﷺ - حين فرغ من بدر الكبرى توجه إلى المدينة ومعه الأسارى، فلما كان بالصفراء (٥) أمر عليًا\n_________\n(١) هو: أبو عمران، موسى بن عمران، متكم من المعتزلة، من الطبقة السابعة، كان واسع العلم في الكلام والفتيا، وكان يقول بالإرجاء، ولم تذكر المراجع المترجم له سنة وفاته، وإن كان معظم تلك الطبقة في الربع الأول من القرن الثالث، وجاء في ترجمته أن اسمه: مُويس، وكذلك جاء في المحصول والتحصيل.\nتُنظر ترجمته في: طبقات المعتزلة (ص: ٧١)؛ فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة (ص: ٢٧٩).\nيُنظر كذلك: المحصول (٦/ ١٣٧)؛ التحصيل (٢/ ٣٢٣).\n(٢) منهاج الوصول - مطبوع مع نهاية السول - (٢/ ٩٥٦).\n(٣) هو: النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي القرشي، وكان أشد قريش في تكذيب النبي - ﷺ - والأذى له ولأصحابه، وكان ينظر في كتب الفرس ويخالط اليهود والنصارى، وكان يقول: إنما يأتيكم محمد بأساطير الأولين. وكان صاحب لواء المشركين ببدر، أسره المقداد يوم بدر، وأمر رسول الله - ﷺ - بضرب عنقه، فقتله علي بن أبي طالب - ﵁ -.\nتُنظر ترجمته في: سيرة ابن هشام (٢/ ١٣٧)؛ الكامل في التاريخ (١/ ٥٩٤).\n(٤) هو: أبو محمد، عبدالملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، جمال الدين، العلامة النحوي الإخباري، راوي السيرة عن زياد بن عبدالله البكائي عن ابن إسحاق مصنفها، وإنما نسبت إليه فيقال: \"سيرة ابن هشام\"؛ لأنه هذبها، وزاد فيها، ونقص منها، وحرر أماكن واستدرك أشياء. أصله من البصرة، وأقام بمصر، واجتمع به الشافعي حين وردها. من مصنفاته: السيرة النبوية المعروفة بـ\"سيرة ابن هشام\"، وله كتاب في أنساب حمير وملوكها، وكتاب في شرح ماوقع في أشعار السير من الغريب، (ت: ٢١٣ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: وفيات الأعيان (٣/ ١٧٧)؛ تاريخ الإسلام (١٥/ ٢٨١)؛ البداية والنهاية (١٠/ ٢٨١).\n(٥) الصفراء: هو وادٍ من أودية الحجاز، وأحد الأوديه الكبيرة في المملكة العربية السعودية ينحدر من جبال السروات باتجاه الغرب، ويبلغ طوله أكثر من (١٢٠) كيلًا تقريبًا، قريب من المدينة، ويقال له: ذو أثيل، سمي بهذا الاسم نسبة إلى الصفراء وهي قرية قديمة ذكرها أصحاب المعاجم المتقدمون؛ مثل: ياقوت الحموي، وكان هذا الوادي من أودية بني غفار من قبيلة كنانة، واليوم ينتسب سكانه إلى قبيلة حرب.\nيُنظر: معجم البلدان (١/ ٩٤)؛ موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة على الرابط:\nhttp://ar.m.wikipedia.org/wiki","vol":"1","page":654},{"text":"فقتل النضر بن الحارث، ثم أنشد بعد ذلك ما قيل في القتلى، فقال: وقالت قتيلة بنت الحارث (١) أخت النضر بن الحارث: ...\nقال ابن هشام: فيقال - والله أعلم - إن رسول الله - ﷺ - لما بلغه هذا الشعر قال: «لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه» (٢). هذا آخر كلام ابن هشام (٣) ...\nوالمصنف - ﵀ - لم يذكر الشعر، وذكر أن الذي أنشدته هي بنت النضر، وكذلك ذكر الإمام (٤)، والآمدي (٥)، وأتباعهما (٦).\n_________\n(١) هي: قتيلة بنت النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي القرشية، قال ابن حجر: \"ولم أر التصريح بإسلامها؛ لكن إن كانت عاشت إلى الفتح فهي من جملة الصحابيات، ورأيت في آخر كتاب \"البيان\" للجاحظ أن اسمها: ليلى، وذكر أنها جذبت رداء النبي - ﷺ - وهو يطوف وأنشدته الأبيات المذكورة\". وجاء في الأعلام: \"أدركت الجاهلية والإسلام، وأسلمت بعد مقتل أبيها \"، (ت: في خلافة عمر في حوالي سنة ٢٠ هـ).\nتُنظر ترجمتها في: الاستيعاب (٤/ ١٩٠٤)؛ الإصابة (٨/ ٨٠)؛ الأعلام (٥/ ١٩٠). ويُنظر: البيان والتبيان (ص: ٥٧٩).\nقلت: والذي جاء في المراجع السابقة أنها بنت النضر وليست أخته، وهذا هو الراجح، وهو الذي صوبه السُّهيلي شارح سيرة ابن هشام. يُنظر: الروض الأنف (٥/ ٢٦٨).\n(٢) يُنظر: السيرة النبوية لابن هشام (٣/ ٣٠٩)؛ السنن الصغير، ب: ما يفعل بالرجال البالغين من أهل الحرب بعد الأسر وقبله، (٣/ ٣٨٤/ح: ٢٨٢٧).\n(٣) يُنظر: السيرة النبوية لابن هشام (٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩).\n(٤) يُنظر: المحصول (٦/ ١٤٤).\n(٥) يُنظر: الإحكام للآمدي (٤/ ٢٥٥).\n(٦) يُنظر: مختصر ابن الحاجب (٢/ ١٢٤٠)؛ الحاصل (٣/ ٣٢٤)؛ التحصيل (٢/ ٣٢٦).","vol":"1","page":655},{"text":"وقد عرفت مما تقدم من كلام ابن هشام أنها أخته؛ لا ابنته.\nوصرحوا أيضًا بأنها أنشدته للنبي - ﷺ -، وهو خلاف مقتضى كلام ابن هشام\" (١).\n_________\n(١) نهاية السول (٢/ ٩٥٨ - ٩٦٠). ويُنظر كذلك الإبهاج (٦/ ٢٦٨٩ - ٢٦٩٠).","vol":"1","page":656},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-242> المبحث الثاني\nصيغ الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها</span>.\nوفيه مطلبان:\n- المطلب الأول: صيغ الاستدراك الصريحة، وتطبيقاتها.\n- المطلب الثاني: صيغ الاستدراك غير الصريحة، وتطبيقاتها.\n\n* * ... * ** * ... * *","vol":"1","page":657},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-243>المطلب الأول\nصيغ الاستدراك الصريحة، وتطبيقاتها</span>\nصيغ الاستدراك الصريحة: ما دلت على الاستدراك بلفظها.\nبمعنى: أن المستدرك يستخدم ألفاظًا تدل بذاتها على الاستدراك.\nونظرًا لكثرة هذه الصيغ اجتهدت في تصنيفها في مجموعات، وبلغ عددها ثماني مجموعات:\n\n• المجموعة الأولى: صيغة الاستدراك وأداتها (١) وما يُرادفها (٢)، وفيها أربع صيغ.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-245> أولًا: صيغة (استدرك)</span>.\nذكر المرداوي في مسألة (التخصيص بالعقل): \"وجعل أبو الخطاب مأخذ الخلاف في كون العقل مخصصًا أو لا التحسين والتقبيح العقليين (٣)، فإن صح ذلك كان هذا أيضًا من فائدة الخلاف؛ لكن استدركه عليه الأصفهاني (٤)\n_________\n(١) أداة الاستدراك (لكن). يُنظر: مغني اللبيب (١/ ٣٨٣)؛ الجنى الداني (ص: ١٠٥).\n(٢) يُنظر في هذا البحث معنى الاستدراك في اللغة (ص: ٣٥ - ٣٦)، وفي الاصطلاح (ص: ٣٨ - ٣٩).\n(٣) يُنظر: التمهيد لأبي الخطاب (٢/ ١٠١ - ١٠٢).\n(٤) ووقع لمحقق التحبير وهم؛ فظن أن المراد بالأصفهاني هنا هو: أبو الثناء محمود بن عبدالرحمن الأصفهاني (ت: ٧٤٩ هـ)، فأحال على كتابيه: شرح المنهاج (١/ ٤٠٥)؛ وبيان المختصر (٢/ ٣٠٨). والعجيب: أن أبا الثناء لم يشر لكلام أبي الخطاب في الموضوعين. والصحيح: أن المراد بالأصفهاني هنا هو: أبو عبدالله محمد بن محمود الأصفهاني (ت: ٦٥٣ هـ) في شرحه للمحصول، ونص عبارته: \"قال أبو الخطاب الحنبلي: يجوز تخصيص العمومات بدلالة العقل، ذكره شيخنا، وحكى قول إمامنا أحمد - ﵁ - في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، وقد عرف المسلمون مواضع كثيرة ليس فيها الرب تعالى؛ كأجواف الخنازير، والأماكن القذرة، وهذا تخصيص الظاهر بالعقل. وقيل: العقل لا يخصص، وهو ظاهر قول من قال: العقل لا يُحَسِّن ولا يُقَبِّح فيما يقع لي. هذا ما قاله هذا الإنسان، ولا يخفى عليك ما فيه من الفساد، وسوء الفهم! \". الكاشف عن المحصول (٤/ ٤٩٨ - ٤٩٩) ..","vol":"1","page":658},{"text":"والنقشواني (١) بما فيه نظر\" (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-246> ثانيًا: صيغة (تعقيب)</span>\nقال المرداوي في فصل (مستند غير الصحابي): \"قوله: (ثم قصد) أي الشيخ، (إسماعه وحده، أو) قصد إسماعه (مع غيره) ساغ له أن يقول: حدثنا، أو أخبرنا، وقال، وسمعت، وكذا يقول: أنبأنا، ونبأنا؛ ولكنه قليل عندهم؛ لأنه أشهر استعمالها في الإجازة، فيجوز في التحديث إذا قرأ الشيخ أن يقول: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت فلانًا يقول، وقال: لنا فلان، وذكر لنا فلان.\nوقد نقل القاضي عياض (٣) الإجماع في هذا كله (٤)؛ فلذا تعقب بعضهم على\n_________\n(١) لم يصرح النقشواني باسم أبي الخطاب، ونص قوله: \"الكلام - هاهنا- ليس في مطلق العموم؛ بل في العمومات الدالة على الأحكام الشرعية؛ فإن الفقيه ليس ينظر في غير أدلة هذه الأحكام، وكذلك الأصولي، وإذا كان كذلك فالعقل لا مجال له في تخصيص هذه العمومات إلا بالنظر في دليل آخر شرعي؛ لأن بديهة العقل ونظر العقل ليس مستقلًا بدرك الحكم الشرعي، فكيف يخصص العام الدال على الحكم الشرعي؟ ! فإذا فرضنا نصًّا عامًّا يقتضي إباحة الفعل؛ فالعقل إنما يخصصه لو أدرك الحظر، فإذا لم يتمكن العقل من إدراك شيء من الأحكام؛ كيف يخصص العام؟ ! \". تلخيص المحصول (ص: ٥٢٧ - ٥٢٩)، ويُنظر قول النقشواني أيضًا في: البحر المحيط (٣/ ٣٥٧).\n(٢) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٦/ ٢٦٤٢).\n(٣) هو: أبو الفضائل، عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي المالكي، فقيه محدث إخباري، أخذ عن ابن رشد، وابن العربي، والمازري، تولي القضاء بسبتة ثم بغرناطة، ثم انتقل إلى مراكش، من مصنفاته: \"إكمال المعلم بفوائد مسلم\"، و\" ترتيب المدراك\"، و\" مشارق الأنوار في غريب الحديث\"، (ت: ٥٤٤ هـ) بمراكش.\n\nتُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢١٢)؛ الإحاطة في أخبار غرناطة (٤/ ١٨٨)؛ الديباج المذهب (١/ ١٦٨).\n(٤) ولفظه: \"ولا خلاف أنه يجوز في هذا أن يقول السامع منه: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت فلانا يقول، وقال لنا فلان، وذكر لنا فلان\". يُنظر: الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع (ص: ٦٩).","vol":"1","page":659},{"text":"ابن الصلاح (١) في قوله بعد أن حكى ذلك: إن فيه نظرًا، أو إنه ينبغي فيما شاع استعماله من هذه الألفاظ أن يكون مخصوصًا بما سمع من غير لفظ الشيخ (٢).\nوجه التعقيب عليه: معارضته للإجماع، وأنه لا يجب على السامع أن يبين: هل كان السماع من لفظ الشيخ أو عرضًا؟ \" (٣).\n• المثال الثاني:\nقال أمير حاج في مسألة (تقليد العوام لأعيان الصحابة): \"تكملة: نقل الإمام في البرهان (٤) إجماع المحققين على منع العوام من تقليد أعيان الصحابة؛ بل من بعدهم، أي بل قال: عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ووضعوا ودونوا؛ لأنهم أوضحوا طرق النظر، وهذبوا المسائل، وبينوها وجمعوها؛ بخلاف مجتهدي الصحابة فإنهم لم يعتنوا بتهذيب مسائل الاجتهاد، ولم يقرروا لأنفسهم أصولًا تفي بأحكام الحوادث كلها؛ وإلا فهم أعظم وأجل قدرًا، ... وحاصل هذا: أنه امتنع تقليد غير هؤلاء الأئمة؛ لتعذر نقل حقيقة مذهبهم، وعدم ثبوته حق الثبوت؛ لا لأنه\n_________\n(١) هو: أبو عمرو، عثمان بن عبدالرحمن بن عثمان الكردي الموصلي الشهرزوري الشافعي، تقي الدين، كان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال وما يتعلق بعلم الحديث ونقل اللغة، وكانت له مشاركة في فنون عديدة، وهو شيخ ابن خلكان المؤرخ المشهور. من مصنفاته: \"المقدمة في علوم الحديث\"، وشرح قطعة من \"صحيح مسلم\" اعتمدها النووي في شرحه وله \"الفتاوى\"، (ت: ٦٤٣ هـ).\nتُنظر ترجمته في: وفيات الأعيان (٣/ ٢٤٣)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ١١٣)؛ طبقات الحفاظ (١/ ٥٠٣).\n(٢) يُنظر: مقدمة ابن الصلاح (ص: ١٣٢).\n(٣) التحبير شرح التحرير (٥/ ٢٠٣١ - ٢٠٣٢)\n(٤) (٢/ ١٣٦٠ - ١٣٦٣).","vol":"1","page":660},{"text":"لا يقلد، ومن ثمة قال الشيخ عز الدين بن عبدالسلام (١): (لا خلاف بين الفريقين في الحقيقة؛ بل إن تحقق ثبوت مذهب عن واحد منهم جاز تقليده وفاقًا؛ وإلا فلا). وقال أيضًا: (إذا صح عن بعض الصحابة مذهب في حكم من الأحكام؛ لم يجز مخالفته إلا بدليل أوضح من دليله هذا) (٢).\nوقد تعقب بعضهم أصل الوجه لهذا: بأنه لا يلزم من سير هؤلاء كما ذكر وجوب تقليدهم؛ لأن من بعدهم جمع وسبر كذلك إن لم يكن أكثر ولا يلزم وجوب اتباعهم؛ بل الظاهر في تعليله في العوام أنهم لو كلفوا تقليد الصحابي لكان فيه من المشقة عليهم من تعطيل معايشهم، وغير ذلك ما لا يخفى .... \" (٣).\n• المثال الثالث:\nقال أمير بادشاه في مسألة (جواز تكليف المجتهد عقلًا بطلب المناط ليحكم في محاله): \"ثم بعد جوازه - أي: تكليف المجتهد بطلب المناط- وقع التكليف به سمعًا.\nقيل: ثبت وقوعه ظنًّا، وهذا القول لأبي الحسين (٤)، ... وقيل: وقع قطعًا، وهو قول الأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]؛ فإن الاعتبار: رد الشيء إلى نظيره بأن يحكم عليه بحكمه، وكذا سمى الأصل الذي ترد إليه النظائر عبرة،\n_________\n(١) هو: أبو محمد، عبدالعزيز بن عبدالسلام بن القاسم بن الحسن بن مُهَذَّب السُّلمي الشافعي، لقب بـ (عز الدين) و(سلطان العلماء)، من أكبر تلاميذ السيف الآمدي، درس عليه الأصول، كان زاهدًا ورعًا قويًّا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم، له مواقف معروفة في مواجهة التتار والفرنجة، من مصنفاته: \"التفسير الكبير\"، و\"القواعد الكبرى\"، و\"الفتاوى الموصلية\"، (ت: ٦٦٠ هـ).\nتُنظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٨/ ٢٠٩)؛ البداية والنهاية (١٣/ ٢٣٥)؛ طبقات ابن قاضي شهبة (٢/ ١٠٩).\n(٢) يُنظر: كلام العز بن عبدالسلام في: فتاويه (ص: ٤٠)؛ البحر المحيط (٦/ ٢٩٠).\n(٣) يُنظر: التقرير والتحبير (٣/ ٤٧٢).\n(٤) يُنظر: المعتمد (٢/ ٣٣١ - ٣٣٢).","vol":"1","page":661},{"text":"وهذا يشمل الاتعاظ، والقياس العقلي والشرعي، وسياق الآية للاتعاظ، فتدل عليه عبارة، وعلى القياس إشارة ... وأما ظهور كونه - أي: الاعتبار- في الاتعاظ بالنظر إلى خصوص السبب؛ لنزول الآية المشار إليها بقوله، ولبعد أن يراد بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ بعد قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، فقيسوا الذرة بالبر، كما هو لازم الاستدلال لعدم المناسبة، فلا يحمل كلامه تعالى عليه.\nوالجواب عنه ما أفاده بقوله: (فالعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب)، فانتفى الأول (وهو ظهور كونه للاتعاظ)، وبه (أي: بأن العبرة لعمومه) انتفى الثاني أيضًا؛ إذ المرتب على السبب المذكور الاعتبار الأعم منه (أي: من قياس الذرة على البر) أي: فاعتبروا الشيء بنظيره في مناطه، الظرف متعلق بنظيره؛ لما فيه من معنى الفعل في المثلات (أي: العقوبات - جمع مثلة بفتح الثاء وضمها متعلق بالاعتبار -) وغيرها.\nوهذا الطريق في إثبات التكليف بالقياس أيسر من إثباته (أي: التكليف به دلالة) كما ذهب إليه صدر الشريعة (١)؛ لأن فهم الأمر بالقياس من الأمر بالاعتبار بطريق اللغة من غير اجتهاد؛ لئلا يلزم إثبات القياس بالقياس بعيد جدًّا؛ فإن من المعلوم أنه لا يفهم كل من يعرف اللغة ذلك كما أفاده بقوله: (إذ لا يُفْهم فَهْمَ اللغة) نصب على المصدرية؛ فإن المنفي إنما هو هذا النوع من الفهم لا مطلقه، (الأمر بالقياس) قائم مقام فاعل يفهم، (في الأحكام) متعلق بالقياس من الأمر بالاتعاظ.\nوالشارح تعقب المصنف (٢)\nفي هذا فليرجع إليه.\n_________\n(١) يُنظر: التوضيح (٢/ ١٢٥ - ١٢٧).\n(٢) المراد بالشارح: أمير حاج، والمصنف: ابن الهمام. وعبارة أمير حاج: \"وهذا الطريق في إثبات التكليف بالقياس بطريق القطع من الآية أيسر من إثباته -أي التكليف به- بطريق القطع منها دلالة، كما تنزل إليه صدر الشريعة وقال: وطريقها في هذه الصورة: أن الله ذكر هلاك قوم بناء على سبب؛ وهو اعتزازهم بالقوة والشوكة، ثم أمر بالاعتبار ليكف عن مثال ذلك السبب؛ لئلا يترتب عليه مثل ذلك الجزاء. فالحاصل: أن العلم بالعلة يوجب العلم بحكمها، فكذا في الأحكام الشرعية من غير تفاوت، وهذا المعنى يفهم من لفظ (الفاء) وهي للتعليل، فيكون مفهومًا بطريق اللغة من غير اجتهاد، فيكون دلالة نص لا قياسًا؛ حتى لا يكون إثبات القياس بالقياس؛ بل في التلويح. وفيه نظر؛ لأن الفاء؛ بل صريح الشرط والجزاء لا يقتضي العلة التامة حتى يلزم أن يكون علة وجوب الاتعاظ هذه القضية السابقة، غاية ما في الباب أن يكون لها دخل في ذلك، وهذا لا يدل على أن كل من علم وجود السبب يجب عليه الحكم بوجود المسبب؛ بل ما ذكره من التحقيق مما يشك فيه الأفراد من العلماء، فكيف يجعل من دلالة النص وقد سبق أنه يجب أن يكون مما يعرفه كل من يعرف اللغة؟ ! وإلى هذا أشار المصنف بقوله: (إذ لا يفهم فهمَ اللغة الأمر بالقياس في الأحكام من الأمر بالاتعاظ). وقد أجيب: أولًا: بأن الفاء تدل على العلية في الجملة، وظاهر أن لا علة هنا لوجوب الاتعاظ سوى القضية السابقة فتكون كل العلة، وعلى تقدير التسليم لكونها لها دخل في العلة تثبت أيضًا أن لها دلالة على العلية في الجملة .. وثانيًا: بأن التحقيق الذي ذكره صدر الشريعة مما لا ينبغي أن يشك فيه عارف باللغة، فلو شك فيه واحد من أفراد العلماء فقد يكون لعدم علمه باللغة أو ممن يظهر الشك عنادًا، هذا والشرط في دلالة النص أن يكون المعنى الذي هو مناط الحكم ثابتًا في المنصوص عليه لغة بحيث يعرفه أهل اللسان، وأما في غيره فلا يشترط أن يكون مناط الحكم مما يعرفه أهل اللسان\". التقرير والتحبير (٣/ ٣٢٥ - ٣٢٦).","vol":"1","page":662},{"text":"وظني أن ما ذكره (١) غير متجه\" (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-247> ثالثًا: صيغة (تتبع):</span>\n• المثال الأول:\nقال الجويني في مسألة (حجية القياس): \"إذا قلنا: إن سبيل الأقيسة السمعية سبيل الأمارات التي تنصب؛ فلسنا نقول ذلك من تلقاء أنفسنا؛ ولكن كل صورة دلت الدلالة القطعية على نصب وصف من الأوصاف فيها علمًا على حكم، فنقدره علمًا، وكل صورة قامت فيها دلالة قطعية سمعية على منع العلل وامتناع نصب الأمارات؛ فلا نقدرها، ولا نتمسك بها.\n_________\n(١) أي ما ذكره الشارح أمير حاج من استدراك على ابن الهمام غير متجه، فأمير بادشاه يستدرك أيضًا على أمير حاج.\n(٢) يُنظر: تيسير التحرير (٤/ ١٠٨ - ١٠٩).","vol":"1","page":663},{"text":"والجملة في ذلك الأقيسة السمعية لا تدل لأعيانها عقلًا؛ وإنما تدل بأن تنصب أدلة مواضعة وتوقيفًا.\nفإن عادوا (١) بعد ذلك وقالوا: فما الدليل على انتصابها أمارات حيث تطردونها.\nقلنا: سنذكر ذلك بعد فراغنا عن تتبع شبهكم بما ينقضها ويبطلها - إن شاء الله تعالى-\" (٢).\n• المثال الثاني:\nقال الجويني: \"ذهب النهرواني والقاشاني إلى أن المقبول من مسالك النظر في مواقع الظنون شيئان:\nأحدهما: ما دل كلام الشارع على التعليل به، ولهذا صيغ؛ منها ...\nوالأمر الثاني: إلحاق ما يكون في معنى المنصوص عليه بالمنصوص عليه، ...\nوما عدا هذين من سبل النظر فهو مردود عند هؤلاء ....\nثم تتبع المحققون كلامهم فيما وافقوا فيه، وأبدوا لهم صفحة الخلاف، وطالبوهم بتثبيت ما أقروا به ... \" (٣).\n• المثال الثالث:\nقال السمعاني في مسألة (إثبات الكفارات والحدود بالقياس): \"ومنع أبو الحسن الكرخى (٤) أيضًا أن يعلل ما رخص فيه لنوع مساهلة؛ كأجرة الحمام، وقطعة الشارب، والاستصناع فيما جرت به العادة مثل الخفاف والأواني وغير ذلك.\n_________\n(١) أي المنكرون لحجية القياس.\n(٢) يُنظر: التلخيص (٣/ ١٦٨).\n(٣) يُنظر: البرهان (٢/ ٧٧٤ - ٧٧٧).\n(٤) يُنظر: الفصول في الأصول (٤/ ١١٨).","vol":"1","page":664},{"text":"وقد تتبع الشافعى -رحمة الله عليه- مذاهبهم، وأبان أنهم لم يفوا بشيء مما ذكروه، ونورد كلام الشافعي - ﵁ - على وجهه ... \" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-248> رابعًا: صيغة (لكن):</span>\n(لكن) حرف استدراك (٢)، وكثيرًا ما يؤتى بهذه الصيغة بعد لفظ (سلمنا) في مناقشة الخصوم: (سلمنا ... ولكن ...). وأضرب لذلك مثلًا، ثم أذكر أمثلة لاستعمال هذه الصيغة بغير هذا الأسلوب (٣).\n• مثال لصيغة (لكن) بعد لفظ (سلمنا):\nقال الرازي في مسألة (تخصيص العموم بمذهب الراوي): \"الحقُّ: أنه لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي، وهو قول الشافعي - ﵁ -؛ لأنه قال: إن كان الراوي حمل الخبر على أحد محمليه؛ صرت إلى قوله، وإن ترك الظاهر لم أصر إلى قوله.\nخلافًا لِعِيسَى بنِ أَبَانَ (٤) ... واحتج المخالف: بأن مخالفة الراوي إن كانت لا عن طريق؛ كان ذلك قادحًا في عدالته، فالقدح في عدالته قدح في متن الخبر.\nوإن كانت عن طريق فذلك الطريق إما محتمل، أو قاطع، ولو كان الدليل محتملًا\n_________\n(١) يُنظر: القواطع (٤/ ٨٩ - ٩٠).\n(٢) يُنظر: مغني اللبيب (١/ ٣٨٣)؛ الجنى الداني (ص: ١٠٥)؛ ويُنظر في كتب الأصول: القواطع (١/ ٥٩)؛ أصول السرخسي (١/ ٢١١)؛ شرح الكوكب المنير (١/ ٢٦٦).\n(٣) هذا الأسلوب يكثر في كتب الجمهور؛ وخاصة المحصول للرازي، والإحكام للآمدي.\n(٤) هو: أبو موسى، عيسى بن أبان بن صدقة، تفقه على محمد بن الحسن ولزمه ستة أشهر، وصف بالذكاء، والسخاء، وسعة العلم، ولي قضاء البصرة حتى مات، من تصانيفه: \"إثبات القياس\"، و\"اجتهاد الرأي\"، و\"الجامع\"، (ت: ٢٢١ هـ) بالبصرة.\n\nتُنظر ترجمته في: أخبار القضاة (٢/ ١٧٠ - ١٧٢)؛ أخبار أبي حنيفة وأصحابه (ص: ١٤٧ - ١٥٣)؛ الجواهر المضيئة (٢/ ٦٧٨). ويُنظر قول عيسى بن أبان في: أصول السرخسي (٢/ ٧).","vol":"1","page":665},{"text":"لذكره؛ إزالة للتهمة عن نفسه، والشبهة عن غيره، ولما بطل ذلك تعين القطع.\nوالجواب: أن إظهاره لذلك الدليل المحتمل إنما يجب عليه مع من ناظره، فلعله لم تتفق تلك المناظرة.\nسلمنا أنه ذكره؛ لكن لعله لم ينقل، أو نقل لكنه لم يشتهر، والله أعلم\" (١).\nأمثلة لصيغة (لكن):\n• المثال الأول:\nقال السمعاني في مسألة (دلالة صيغة الأمر المطلقة) في رده على الواقفية: \"وأما الذي قالوا: إنَّ هذا اسم مشترك مثل سائر الأسماء المشتركة، ويقع البيان بهما عند إرادة أحد وجوههما.\nقلنا: نحن لا ننكر وجود الأسماء المشتركة في اللغة؛ ولكن ليس هذا من جملتها؛ لأنه لو كان يقول القائل لغيره: (افعل) حقيقة في أن يفعل، وحقيقة في التهديد الذي يقتضى في أن لا يفعل، أو غير ذلك مما ذكروه؛ لكان اقتضاؤه لكل واحد من هذين على سواء لا ترجيح لأحدهما على الآخر، ولو كان كذلك لما سبق إلى أفهامنا عند سماعها من دون قرينة أنَّ المتكلم بها يطلب الفعل ويدعو إليه. كما أنَّه لما كان اسم اللون مشتركًا بين البياض والسواد لم يسبق عند هذه اللفظة من دون قرينة السواد دون البياض.\nومعلوم أنّا إذا سمعنا قائلًا يقول لغيره: (افعل)، وعلمنا تجرد هذا القول عن كل قرينة؛ فإنَّ الأسبق إلى أفهامنا أنه طلب للفعل. كما أنّا إذا سمعناه يقول: رأيت حمارًا؛ فإن الأسبق إلى أفهامنا الدابة المعروفة دون الأبله الذي يُشبَّه بها.\nوقد بطل بهذا الكلام دعواهم أنَّ الاسم مشترك، وإذا بطل الاشتراك لم يبق إلا\n_________\n(١) يُنظر: المحصول (٣/ ١٢٦ - ١٢٩).","vol":"1","page":666},{"text":"ما بينا من تعيين وجه واحد له وهو طلب الفعل\" (١).\n• المثال الثاني:\nقال الغزالي في (ما يعلم كذبه من الأخبار): \"القسم الثاني من الأخبار: ما يعلم كذبه، وهي أربعة ... الرابع: ما سكت الجمع الكثير عن نقله، والتحدث به، مع جريان الواقعة بمشهد منهم، ومع إحالة العادة السكوت عن ذكره؛ لتوفر الدواعي على نقله .... وبمثل هذه الطريقة عرفنا كذب من ادعى معارضة القرآن، ونص الرسول على نبي آخر بعده، وأنه أعقب جماعة من الأولاد الذكور، ونصه على إمام بعينه على ملأ من الناس، وفرضه صوم شوال وصلاة الضحى، وأمثال ذلك مما إذا كان أحالت العادة كتمانه.\nفإن قيل: فقد تفرد الآحاد بنقل ما تتوفر الدواعي عليه حتى وقع الخلاف فيه؛ كإفراده - ﷺ - الحج أو قرانه (٢) ... ونقلت الأمة سور القرآن، ولم تنقل المعوذتين نقل غيرهما؛ حتى خالف ابن مسعود - ﵁ - في كونهما من القرآن (٣)، وما تعم به البلوى من اللمس والمس أيضًا، فكل هذا نقض على هذه القاعدة.\n_________\n(١) يُنظر: قواطع الأدلة (١/ ٨٨).\n(٢) اختلف العلماء في نسكه - ﷺ - في حجة الوداع هل كان قارنًا أو مفردًا، فقال الحنفية والحنابلة: إنه كان قارنًا، وقال المالكية والشافعية: كان مفردًا. يُنظر: الحاوي (٤/ ٤٥)؛ المبسوط للسرخسي (٤/ ٢٦)؛ البيان والتحصيل (٤/ ٧٦)؛ شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥٣). ويُنظر المسألة في نيل الأوطار (٥/ ٣٩)؛ حيث فصل فيها، وذكر الروايات وطرق الجمع بينها.\n(٣) يُنظر: تفسير القرطبي (٢٠/ ٢٥١)، نقل هذا الرأي عن ابن مسعود، وتوجيه العلماء له. وعقد الباقلاني في كتابه الانتصار للقرآن باب في \" الكلام في المعوذتين والكشف عن ظهور نقلهما وقيام الحجة بهما، وإبطال ما يدعونه من إنكار عبدالله بن مسعود لكونهما قرآنًا منزلًا، وتأويل ما روي في إسقاطها من مُصحفه وحكِّه إياهما، وتركه إثبات فاتحة الكتاب في إمامه، ما يتصل بهذه الفصول\". يُنظر: الانتصار للقرآن (١/ ٣٠٠ - ٣٣٠).","vol":"1","page":667},{"text":"والجواب: ... وأما المعوذتان فقد ثبت نقلهما شائعًا من القرآن كسائر السور، وابن مسعود - ﵁ - لم ينكر كونهما من القرآن؛ لكن أنكر إثباتهما في المصحف\" (١).\n• المثال الثالث:\nقال الطوفي في مسألة (هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟): \"قوله (٢): (والتكليف بالمناهي يستدعي نية الترك تقربًا ولا نية لكافر).\nهذا تقرير لضعف مذهب القائلين: بأن الكفار مكلفون بمناهي الشرع الفرعية كترك المحظورات، دون مأموراته كفعل الواجبات، ووجه الفرق على قولهم: هو أن مقصود الأوامر الشرعية التقرب إلى الله - ﷾ - بإيجادها، وما يترتب عليها من مصلحة عاجلة؛ كإغناء الفقراء بالزكاة ونحوه. والتقرب إلى الله - ﷾ - لا يصح إلا بعد تصديق المخبر عنه، وذلك هو الإيمان. فمقصود الأوامر لا يتصور من الكافر قبل الإيمان، بخلاف المناهي فإن مقصودها إعدام مفسدتها المترتبة عليها، كمفسدة القتل والزنى والظلم والبغي ونحو ذلك، وترك هذه المفسدة وبراءة تاركها من عهدتها لا يتوقف على تصديق ولا إيمان، والمؤمن والكافر فيه سيان.\nوتقرير الجواب: أن نقول: قولكم: التقرب بالمأمورات لا يصح إلا بعد التصديق والإيمان، قلنا: نعم، وكذلك نقول؛ لكن ليس كلامنا في الصحة؛ إنما هو في التكليف بها حال الكفر، بشرط تقدم الإسلام على فعلها، وقد سبق دليل ذلك وفوائده\" (٣).\n_________\n(١) يُنظر: المستصفى (٢/ ١٦٧ - ١٧٣).\n(٢) أي مختصر الروضة (البلبل) - مطبوع مع شرح مختصر الروضة - (١/ ٢١٠).\n(٣) يُنظر: مختصر الروضة (١/ ٢١٤ - ٢١٥).","vol":"1","page":668},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-249> المجموعة الثانية: صيغ العنونة والتصدير؛ وفيها ست صيغ</span>.\nهذه المجموعة لا تكون للاستدراك على الإطلاق؛ بل إذا كان يقصد بها التنبيه على أمر سابق يشعر بالمخالفة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-250> أولًا: التصدير بـ (اعلم </span>(١»:\n• المثال الأول:\nقال السمعاني في مسألة (هل يجوز تفويض الحكم إلى النبي - ﷺ - أو إلى العالم؟): واعلم أن هذه المسألة أوردها متكلمو الأصوليين وليست بمعروفة بين الفقهاء، وليس فيها كثير فائدة؛ لأن هذا فى غير الأنبياء لم يوجد، ولا يوجد توهمه في المستقبل، فأما في حق النبي - ﷺ - فقد وجد فقلنا على ما وجد، وهذا القدر كاف في هذه المسألة، والله أعلم\" (٢).\n• المثال الثاني:\nقال الغزالي في مسألة (خلاف التابعي في زمان الصحابة هل يعتد به في انعقاد الإجماع؟): \"واعلم أن هذه المسألة يتصور الخلاف فيها مع من يوافق على أن إجماع الصحابة يندفع بمخالفة واحد من الصحابة، أما من ذهب إلى أنه لا يندفع خلاف الأكثر بالأقل كيفما كان؛ فلا يختص كلامه بالتابعي\" (٣).\n_________\n(١) مما يدل على أن هذه الصيغة من صيغ الاستدراك: ما قاله الصدر المحبوبي: \"واعلم أن تقرير فخر الإسلام _رحمه الله تعالى_ على هذا الوجه ... \" فقال التفتازاني في شرحه: \"قوله: (واعلم أن) الاستدراك المذكور إنما هو على ما أورده المصنف - رحمه الله تعالى - من تقرير فخر الإسلام - رحمه الله تعالى -؛ لا على عبارته في كتابه المشهور ... \". فشرح الصيغة بأنها استدراك. يُنظر: التوضيح والتلويح (١/ ٢١٤ - ٢١٥). فأكد التفتازاني أن صيغة \" أعلم \" هنا للاستدراك.\n(٢) القواطع (٥/ ٩٦).\n(٣) المستصفى (٢/ ٣٤٠).","vol":"1","page":669},{"text":"• المثال الثالث:\nقال الطوفي في مسألة (المُعرَّب (١) في القرآن): \"واعلم أن هذه المسألة من رياضيات هذا العلم؛ فهي - كما ذكرناه في مبدأ اللغات -، لا يترتب عليها كبير أمر في فقه اللغات\" (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-251> ثانيًا: العنونة بـ (التنبيه) </span>(٣):\nوقد سبق أمثلتها فلا حاجة لتكرارها. (٤)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-252> ثالثًا: العنونة بـ (تتمة):</span>\nقال الزركشي بعد أن ذكر مسألة (الشروع بخصلة هل يعيّنها؟): \"تتِمَّة: وجوب الأشياء على المكلف قد يكون على التَّخيِير، وقد يكون على التَّرتِيب ... \" (٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-253> رابعًا: العنونة بـ (تذنيب </span>(٦»:\n• المثال الأول:\nقال التاج الأرموي في (ترجيح الأخبار): \"القول في الترجيح بالحكم هو من خمسة أوجه:\n_________\n(١) هو: ما أصله أعجمي ثم عُرِّب، أي: استعملته العرب على نحو استعمالها لكلامها، فقيل: مُعَرَّبٌ توسطًا بين العجمي والعربي. شرح مختصر الروضة (٢/ ٣٢).\n(٢) يُنظر: المرجع السابق (٢/ ٤٠).\n(٣) وأكثر من يعنون بالتنبيه من الأصوليين: القرافي في \" نفائس الأصول\"، والزركشي في \" البحر المحيط\".\n(٤) يُنظر: (ص: ٢١٤ - ٢١٦).\n(٥) يُنظر: البحر المحيط (١/ ٢٠٣).\n(٦) سيأتي المراد بالتذنيب في كلام السبكي الكبير.","vol":"1","page":670},{"text":"المبقي لحكم الأصل (١)، متأخر الورود عن الناقل له (٢)، خلافًا للجمهور (٣) \".\nذكر بعد هذا الوجه تذنيبًا فقال: \"تذنيب: العاملون بالنقل (٤) لا يجعلون ذلك من باب الترجيح، قالوا: لأن الناقل (٥) ناسخ، وأعمال الناسخ لا يكون ترجيحًا له على المنسوخ.\nجوابه: ليس بيقين تأخر النقل عن المقرر ليكون ناسخًا؛ بل ذلك عندهم هو الأولى، وذلك ترجيح\" (٦).\n• المثال الثاني:\nقال البيضاوي بعد أن ذكر مسألة (الواجب المعين والمخير): \"تذنيب: الحكم قد يتعين على الترتيب فيحرم الجمع؛ كأكل المُذكَّى والميتة، أو يباح كالوضوء والتيمم، أو يسن ككفارة الصوم\" (٧).\nقال السبكي الكبير: \"التذنيب: من قولهم ذنَّب الرَّجلُ عمامتَه إذا أفضل منها\n_________\n(١) أي: الخبر المقرر لمقتضى البراءة الأصلية. يُنظر: نهاية السول (٢/ ١٠٠٠). وهذا الخبر رجحه التاج الأرموي على الخبر الناقل في حالة وجود تعارض بينهما، وهو ما اختاره الرازي. يُنظر: المحصول (٥/ ٤٣٣).\n(٢) أي: الخبر الناقل للبراءة الأصلية، وهذا الخبر رجحه الجمهور على الخبر المبقي لحكم الأصل في حالة وجود التعارض. يُنظر: المرجع السابق.\n(٣) يُنظر: روضة الناظر (٢/ ٣٩٦)؛ شرح تنقيح الأصول للقرافي (ص: ٤٢٤ - ٤٢٥)؛ نهاية الوصول (٨/ ٣٧١٨).\n(٤) وهم الجمهور.\n(٥) أي الخبر الناقل لحكم البراءة الأصلية.\n(٦) يُنظر: الحاصل (٣/ ٢٥١ - ٢٥٢).\n(٧) منهاج الوصول - مطبوع مع الإبهاج - (٢/ ٢٥٢). وهذه الأمثلة التي ذكرها فيها نظر. يُنظر: نهاية السول (١/ ٩١)؛ البحر المحيط (٢/ ٢٠٣).","vol":"1","page":671},{"text":"شيئًا فأرخاه كالذَّنَبِ، وذنَّبَت البُسْرة (١): بدأ فيها الإرطاب (٢) مِن قِبَل ذَنَبِها (٣).\nفالتذنيب هنا معناه: تتمة للمسألة وليس فرعًا منها؛ لأنها في المخيَّر، وهو في المرتَّب؛ ولكن التخيير والترتيب اشتركا في أنَّ كلًاّ منهما حُكمٌ يتعلق بأمور؛ فإباحة الميتة مرتبة على إباحة المُذكَّى، ويحرم الجمع بينهما؛ لعدم الاضطرار المبيح للميتة، ووجوب التيمم وإباحته مرتب على الوضوء؛ لاختصاصه بحالة العجز\" (٤).\n• المثال الثالث:\nقال البيضاوي بعد أن ذكر مسألة (عود ضمير خاص لا يخصص) وهي آخر مسألة في باب العموم والخصوص: \"تذنيب: المطلق والمقيد إن اتحد سببهما حُمل المطلق عليه، عملًا بالدليلين؛ وإلا فإن اقتضى القياس تقييده قيد؛ وإلا فلا\" (٥).\nقال الإسنوي: \"لما كان المطلق عامًّا بدليًا، والمقيد أخص منه؛ كان تعارضهما من باب تعارض العام والخاص؛ فلذلك ذكره في بابه، وترجم له بالتذنيب\" (٦).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-254> خامسًا: العنونة بالتكميل وتكملة:</span>\n• المثال الأول:\nقال ابن جُزي بعد أن ذكر تنقيح المناط: \"تكميل: يقول الفقهاء: تنقيح المناط، وتخريج المناط، وتحقيق المناط.\n_________\n(١) البسر: البلح إذا أخذ في الطول والتلون (أي الحمرة أو الصفرة). يُنظر: المصباح المنير (١/ ٦٠) مادة: (بلح).\n(٢) ذكر هذا المعنى الفيومي، فليُنظر: المصباح المنير (١/ ٢١٠) مادة (ذنب).\n(٣) أي: مُؤخَّرِها.\n(٤) الإبهاج (٢/ ٢٥٣).\n(٥) منهاج الوصول - مطبوع مع نهاية السول- (١/ ٥٤٩ - ٥٥٠).\n(٦) نهاية السول (١/ ٥٥٠).","vol":"1","page":672},{"text":"فأما تنقيح المناط فقد بيناه، والمناط: هو العلة.\nوأما تخريج المناط: فهو تعيين العلة من أوصاف غير مذكورة؛ كقوله - ﷺ -: «لا تبيعوا الْبُرّ بالْبُرِّ مِثْلًا ...» (١)، فننظر هل العلة في ذلك الطعمية (٢)، أو الاقتيات (٣)، أو الكيل، أو الوزن (٤)، أو غير ذلك.\nوأما تحقيق المناط: فهو أن يتفق على تعيين العلة ويطلب أن تثبت في محل النزاع\" (٥).\n• المثال الثاني:\nقال الطوفي بعد مسألة (النهي هل يقتضي الفساد؟): \"تكملة لمسألة النهي:\nقال الآمدي: مذهب أكثر الفقهاء من الشافعية (٦) والحنفية (٧) والمالكية (٨) والحنابلة (٩) وأهل الظاهر (١٠) وجماعة من المتكلمين: أن النهي عن عين\n_________\n(١) جزء من حديث عبادة بن الصامت، يُنظر: صحيح مسلم، ك: المساقاة، ب: الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا (٣/ ١٢١٠ - ١٢١١/ح: ١٥٨٧).\n(٢) التعليل بالطعم مع اتحاد الجنس مذهب الشافعية. يُنظر: الحاوي (٥/ ٨٣).\n(٣) التعليل بالاقتيات والادخار مذهب المالكية. يُنظر: مواهب الجليل (٤/ ٣٤٦).\n(٤) التعليل بالكيل أو الوزن مع اتحاد الجنس مذهب الحنفية والحنابلة. يُنظر: بدائع الصنائع (٥/ ١٨٥)؛ الكافي (٢/ ٥٣).\n(٥) تقريب الوصول (ص: ٣٧٠ - ٣٧٢)، ويُنظر كذلك (ص: ١٢٧).\n(٦) وقد نص عليه الشافعي في الرسالة عند حديثه عن الأنكحة المنهي عنها فقال: \"فأما إذ عقد بهذه الأشياء كان النكاح مفسوخًا بنهي الله في كتابه وعلى لسان نبيه\". يُنظر: الرسالة (ص: ٣٧٣). ويُنظر: شرح اللمع (١/ ٢٩٧)؛ المستصفى (٣/ ١٩٩).\n(٧) هذه النسبة للحنفية فيها نظر، فقد نقل عنهم أقوال وتفاصيل. يُنظر: الفصول في الأصول (٢/ ١٧١)؛ تقويم الأدلة (ص: ٥٤)؛ أصول السرخسي (١/ ٩٧)؛ المغني للخبازي (ص: ٧٣)؛ فواتح الرحموت (١/ ٤٣٨).\n(٨) يُنظر: إحكام الفصول (١/ ٢٣٤)؛ محصول ابن العربي (ص: ٧١)؛ شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: ١٧٣)؛ مفتاح الوصول (ص: ٤١٨).\n(٩) يُنظر: العدة (٢/ ٤٣٢)؛ التمهيد لأبي الخطاب (١/ ٣٦٩)؛ روضة الناظر (١/ ٦٠٥)؛ شرح الكوكب المنير (٣/ ٨٤).\n(١٠) يُنظر: الإحكام لابن حزم (٣/ ٣٢٠).","vol":"1","page":673},{"text":"التصرف المفيد لحكمه يدل على فساده؛ لكن من جهة اللغة أو الشرع اختلفوا فيه. ومذهب القفال والغزالي (١) وأبي عبدالله (٢) وأبي الحسين البصريين وأبي الحسن الكرخي والقاضي عبدالجبار (٣): أنه لا يدل على فساده.\nقال (٤): والمختار أنه لا يدل على فساده من جهة اللغة؛ بل من جهة المعنى\" (٥).\n• المثال الثالث:\nقال ابن الهمام بعد مسألة (لا يرجع المقلد فيما قلد فيه): \"تكملة: نقل الإمام (٦) إجماع المحققين على منع العوام من تقليد أعيان الصحابة؛ بل من بعدهم الذين سبروا ووضعوا ودونوا، وعلى هذا ما ذكر بعض المتأخرين (٧) منع تقليد غير الأربعة (٨)؛ لانضباط مذاهبهم، وتقييد مسائلهم، وتخصيص عمومها، ولم يدر مثله في\n_________\n(١) يُنظر: المنخول (ص: ١٢٦)؛ المستصفى (٣/ ١٩٩) ..\n(٢) هو: أبو عبدالله، الحسين بن علي بن إبراهيم، الملقب بـ (الجعل)، كان حنفيًا في الفروع، معتزليًا في الأصول، وإليه انتهت رئاسة أصحابه في عصره، وتتلمذ على الكرخي وأبي هاشم الجبائي، ومن تلاميذه: القاضي عبدالجبار الهمداني، من مصنفاته: \"الإيمان\"، و\"شرح مختصر الكرخي\"، و\"شرح الأصول الخمسة\"، (ت: ٣٦٩ هـ).\nتُنظر ترجمته في: تاريخ بغداد (٨/ ٧٣)؛ شذرات الذهب (٣/ ٦٨)؛ طبقات المعتزلة (ص: ١٠٥).\n(٣) يُنظر قول الكرخي وأبي عبدالله وأبي الحسين البصريين والقاضي عبدالجبار في: المعتمد (١/ ١٧١).\n(٤) أي: الآمدي. يُنظر: الإحكام له (٢/ ٢٣١).\n(٥) يُنظر: شرح مختصر الروضة (٢/ ٤٤١ - ٤٤٢).\n(٦) المراد به: الجويني في البرهان. يُنظر: التقرير والتحبير (٣/ ٤٧٢)؛ تيسير التحرير (٤/ ٢٥٥). ويُنظر: البرهان (٢/ ١٣٦٠ - ١٣٦٣).\n(٧) المراد به: ابن الصلاح. يُنظر: التقرير والتحبير (٢/ ٤٧٢)؛ تيسير التحرير (٤/ ٢٥٦). ويُنظر: أدب المفتي والمستفتي (١/ ١٦٢ - ١٦٣).\n(٨) الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - ﵏-. يُنظر: المراجع السابقة.","vol":"1","page":674},{"text":"غيرهم الآن لانقراض أتباعهم (١)، وهو صحيح\" (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-255> سادسًا: العنونة بـ (فائدة) </span>(٣):\nوقد سبق أمثلتها فلا حاجة لتكرارها. (٤)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-256> المجموعة الثالثة: صيغ أسباب الاستدراك، وفيها أربع صيغ</span>.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-257> أولًا: التعبير بـ (النسيان والسهو والذهول والهفوة):</span>\nوقد سبق ذكر أمثلة للنسيان والسهو فلا داعي للتكرار (٥)، ونذكر أمثلة للتعبير بالذهول والهفوة.\n• أمثلة التعبير بـ (الذهول):\n• المثال الأول:\nقال الجويني في مسألة (التقليد في الفروع) بعد أن ذكر أقوال الأصوليين في المسألة: \"ونحن نقدم على الخوض في الحجاج فصلًا ذهل عنه معظم المتكلمين في هذا الباب فنقول: لو رددنا إلى جائزات العقول؛ لكان أخذ العالم بقول عالم آخر من الجائزات -لو قامت به حجة سمعية-؛ وليس من المستحيلات، فكان يجوز أن يقول الرب تعالى: لكل عالم أن يأخذ بقول عالم مثله ويترك الاجتهاد. ثم لو ثبت ذلك لم يكن ذلك تقليدًا؛ بل يصير قول العالم المفتي علمًا وأمارة في حق العالم المستفتى، ويكون متمسكًا بما نصبه الله تعالى حجة له.\n_________\n(١) وبانقراض الأتباع تعذر ثبوت نقل حقيقة مذاهبهم. يُنظر: تيسير التحرير (٤/ ٢٥٦).\n(٢) التحرير (ص: ٥٥٢).\n(٣) وأكثر من يعنون بفائدة من الأصوليين: القرافي في \" نفائس الأصول \" والزركشي في \" البحر المحيط\".\n(٤) يُنظر: (ص: ٢١٢ - ٢١٤).\n(٥) يُنظر: (ص: ١٥٢ - ١٦١).","vol":"1","page":675},{"text":"ومعظم من خاض في هذا الفن بنى الأدلة بناء يدل على منع التقليد عقلًا\" (١).\n• المثال الثاني:\nاستدرك التفتازاني على صدر الشريعة المحبوبي قوله في بيان (الشرعية):\n\" (فيدخل في حد الفقه حُسن كل فعل وقبحه عند نفاة كونهما عقليين): \"اعلم أن عندنا وعند جمهور المعتزلة: حُسْنُ بعض الأفعال وقبحها يدركان عقلًا، وبعضها لا؛ بل يتوقف على خطاب الشارع. فالأول لا يكون من الفقه؛ بل هو علم الأخلاق، والثاني هو الفقه\" (٢).\nفقال التفتازاني: \"قوله: (فيدخل) يريد أن تعريف الفقه على رأي الأشاعرة شامل للعلم عن دليل بحسن الجود والتواضع (أي وجوبهما أو ندبهما)، وقبح البخل والتكبر (أي حرمتهما أو كراهتهما)، وما أشبه ذلك؛ لأنها أحكام لا تدرك لولا خطاب الشرع على رأيهم، مع أن العلم بها من علم الأخلاق؛ لا من علم الفقه. وأقول: إنما يلزم ذلك لو كانت هذه الأحكام عملية بالمعنى المذكور وهو ممنوع، كيف والأمور المذكورة أخلاق ملكات نفسانية جعل المصنف العلم بحسنها وقبحها من علم الأخلاق، وقد صرح فيما سبق بأنه يزاد عملًا على معرفة النفس ما لها وما عليها ليخرج علم الأخلاق، وبأن معرفة ما لها وما عليها من الوجدانيات- أي الأخلاق الباطنية والملكات النفسانية - علم الأخلاق، ومن العمليات علم الفقه، فكأنه نسي ما ذكره ثمة أو ذهل عن قيد العملية هاهنا\" (٣).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك التفتازاني على المحبوبي قوله: إن تعريف الفقه على مذهب\n_________\n(١) يُنظر: التلخيص (٣/ ٤٣٥ - ٤٣٦).\n(٢) التوضيح شرح التنقيح للمحبوبي (١/ ٤٣).\n(٣) التلويح إلى كشف حقائق التنقيح (١/ ٤٣).","vol":"1","page":676},{"text":"الأشاعرة القائلين بأن العقل لا مدخل له في الأحكام يستلزم منه دخول علم الأخلاق في حد الفقه، لأنها أحكام لا تدرك بالعقل عندهم؛ بل بخطاب الشرع.\nفاستدرك عليه التفتازاني: بأن هذا اللازم إنما يصح لو كان علم الأخلاق من الأحكام العملية، وليس كذلك. كما استدرك على المحبوبي نسيانه ما ذكره سابقًا في تعريف الفقه: معرفة النفس ما لها وما عليها (١). بزيادة قيد: ويزداد عملًا؛ ليخرج علم الأخلاق؛ حيث قال: \"ثم ما لها وما عليها يتناول الاعتقادات؛ كوجوب الإيمان ونحوه، والوجدانيات (أي: الأخلاق الباطنة، والملكات النفسانية)، والعمليات؛ كالصلاة والصوم والبيع ونحوها، فمعرفة ما لها وما عليها من الاعتقاديات هي علم الكلام، ومعرفة مالها وما عليها من الوجدانيات هي علم الأخلاق والتصوف؛ كالزهد والصبر والرضا وحضور القلب في الصلاة ونحو ذلك، ومعرفة ما لها وما عليها من العمليات هي الفقه المصطلح. فإن أردت بالفقه هذا المصطلح زدت: (عملاٌ) على قوله: (مالها وما عليها)، وإن أردت ما يشمل الأقسام الثلاثة لم تزد\" (٢).\nفالتفتازاني يقرر نسيان المحبوبي إما لقيد: \"عملًا\" في تعريف الفقه سابقًا، أو قيد \"العملية\" في هذه الأحكام - الجود والتواضع والبخل والتكبر -.\n• المثال الثالث:\nقال أمير حاج في مسألة (البيان يكون بالفعل كالقول): \"فلو تعاقبا -أي القول والفعل الصالح كل منهما أن يكون بيانًا- وعلم المتقدم؛ فهو -أي المتقدم- البيان قولًا كان أو فعلًا؛ لحصوله به، والثاني تأكيد؛ وإلا إذا لم يعلم المتقدم فأحدهما من غير تعيين هو البيان .... فإن تعارضا، قالوا: كما لو طاف بعد آية الحج طوافين، وأمر بطواف واحد، وقد ورد كلاهما، فعن علي - ﵁ -: «أَنَّه جَمَعَ بينَ الْحجِّ والْعُمْرَةِ؛ فَطَافَ طوَافَيْنِ،\n_________\n(١) وهو تعريف أبي حنيفة - ﵀ -. يُنظر: التوضيح شرح التنقيح للمحبوبي (١/ ٣١)؛ كشف الأسرار للبخاري (١/ ٢٥).\n(٢) التوضيح شرح التنقيح للمحبوبي (١/ ٣٤).","vol":"1","page":677},{"text":"وسَعَى سعْيَيْنِ»، وحدَّث أن رسول الله - ﷺ - فعل ذلك، رواه النسائي (١) بإسناد رواته موثقون. وعن ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أَحرَمَ بالْحَجِّ وَالْعمْرَةِ أَجزَأَهُ طوَافٌ وَاحدٌ وَسَعيٌ وَاحدٌ عنهما حتى يَحلَّ مِنْهمَا جميعًا» رواه الترمذي، وقال: \"حسن صحيح غريب (٢) \".\nفالمختار وفاقا للإمام الرازي (٣) وأتباعه (٤) وابن الحاجب (٥): أن البيان هو\n_________\n(١) لم أقف عليه عند النسائي؛ وإنما عند الدراقطني برواية علي - ﵁ - من عدة طرق، حكم على رواته، بالضعف والوهم والترك. يُنظر: سنن الدارقطني (٢/ ٢٣٦).\nوأخرجه كذلك الدارقطني برواية عن ابن عمر من طريق الحكم عن مجاهد عن ابن عمر، (٢/ ٢٥٨/ح: ٩٩)، وقال: \"لم يروه عن الحكم غير الحسن بن عمارة وهو متروك الحديث\".\nومن رواية عبدالله بن مسعود من طريق أبي برة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله بن مسعود، وقال الدراقطني: \"أبو بردة هذا هو عمرو بن يزيد ضعيف، ومن دونه في الإسناد ضعفاء\". يُنظر: سنن الدارقطني (٢/ ٢٦٤/ح: ١٣٢).\nورواية عن عمران بن حصين من طريق محمد بن يحيى الأزدي عن عبدالله بن داود عن شعبة عن حميد بن هلال عن مطرف عن عمران بن الحصين، وقال الدارقطني: \"يقال: إن محمد بن يحيى الأزدي حدث بهذا من حفظه فوهم\". يُنظر: سنن الدارقطني (٢/ ٢٦٤/ح: ١٣٣). ويُنظر: نصب الراية (٣/ ١٠٩).\nوالنسائي هو: أبو عبدالرحمن، أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الخراساني، الحافظ، القاضي، كان كثير التهجد والعبادة، يصوم يومًا ويفطر يومًا، من مصنفاته: \" السنن\"، \" الخصائص \" في فضل علي - ﵁ -، \" فضائل الصحابة\"، (ت: ٣٠٣ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٩٨)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ١٤)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٨٨).\n(٢) يُنظر: سنن الترمذي، ك: الحج، ب: ما جاء أن الْقارِنَ يطُوفُ طوافًا واحدًا، (٣/ ٢٨٤/ح: ٩٤٨).\nوأصله في مسلم، ك: الحج، ب: بيان جواز التّحلُّل بالإحصار وجواز القِرَانِ، (٢/ ٤٠٩/ح: ١٢٣٠).\n(٣) يُنظر: المحصول (٣/ ١٨٣).\n(٤) يُنظر: الحاصل (٢/ ٣٩٩)؛ التحصيل (١/ ٤١٩).\n(٥) يُنظر: مختصر ابن الحاجب (٢/ ٨٨٧ - ٨٨٨).","vol":"1","page":678},{"text":"القول؛ لأنه يدل بنفسه والفعل لا يدل إلا بأحد أمور ثلاثة: أن يعلم ذلك بالضرورة من قصده، أو أن يقول: هذا الفعل بيان للمجمل، أو بالدليل العقلي؛ وهو: أن يذكر المجمل وقت الحاجة إلى العمل به، ثم يفعل فعلًا صالحًا أن يكون بيانًا له، ولا يفعل شيئًا آخر، وما هو مستقل بنفسه في الدلالة أولى مما يحتاج فيها إلى غيره .... وقول أبي الحسين: البيان هو المتقدم منهما قولًا كان أو فعلًا (١) يستلزم لزوم النسخ للقول بلا ملزم لو كان المتقدم الفعل، فإن كان الفعل إذا كان طوافين فقد وجبا علينا، فإذا أمر بطواف واحد؛ فقد نسخ أحد الطوافين عنا، وهو باطل، وإنما استلزم النسخ بلا ملزم لإمكان الجمع بأن يكون القول هو البيان، بخلاف ما إذا كان المتقدم القول فإن حكم الفعل كما سبق (٢).\nقلت: وقد ذهل الإسنوي (٣) فجعل هذا بعينه تفريعًا على قول الإمام وموافقيه فتنبه له\" (٤).\n• بيان الاستدراك:\nذكر أمير حاج في هذه المسألة البيان بالفعل فقال: لو ورد بعد المجمل القول والفعل، وكان كلاهما صالحًا أن يكون بيانًا لذلك المجمل؛ فأيهما يرجح فيقدم؟\nاجتماع الفعل مع القول في بيان المجمل له ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: أن يتوافقا في الدلالة على الحكم، ونعلم السابق منهما، ففي هذه الحالة المُبَيِّن هو السابق منهما؛ سواء كان القول أو الفعل؛ وذلك لأن البيان حصل به، ويكون الثاني منهما تأكيدًا للأول.\nالحالة الثانية: أن يتوافقا في الدلالة على الحكم، ونجهل السابق منهما، ففي هذه\n_________\n(١) يُنظر: المعتمد (١/ ٣١٣).\n(٢) أي يكون الفعل الثاني: تأكيدًا له، فيُستحب الطواف الثاني.\n(٣) يُنظر: نهاية السول (١/ ٥٦٨).\n(٤) يُنظر: التقرير والتحبير (٣/ ٥٠ - ٥٢).","vol":"1","page":679},{"text":"الحالة نحكم على السابق من حيث الجملة أنه هو البيان، والثاني يكون تأكيدًا.\nالحالة الثالثة: أن يختلف القول والفعل في الدلالة على الحكم، وضرب له مثال آية الحج مجملة، فأيهما يكون البيان: قوله: «من أَحرَمَ بالْحَجِّ وَالْعمْرَةِ أَجزَأَهُ طوَافٌ وَاحدٌ وَسَعيٌ وَاحدٌ عنهما حتى يَحلَّ مِنْهمَا جميعا»، أو فعله - ﷺ - أنَّه قرن فطاف طوافين، وسعى سعيين؟\nاختلف الأصوليون: فاختار الرازي وأتباعه وابن الحاجب: أن الراجح هو القول؛ سواء كان المتقدم أو المتأخر أو لم يعلم تاريخهما. وسبب ترجيحه للقول: أن القول يدل بنفسه، في حين أن الفعل لا يدل إلا بواسطة أحد أمور ثلاثة؛ وهي:\n١ - أن يعلم ذلك بالضرورة من قصده - ﷺ -.\n٢ - أن يقول - ﷺ -: هذا الفعل بيان للمُجمل.\n٣ - بالدليل العقلي؛ بأن يذكر المُجمل وقت الحاجة إلى العمل به، فيفعل فعلًا يصلح أن يكون بيانًا للمُجمل.\nواختار أبو الحسين البصري: أن المتقدم هو المُبيِّن دائمًا؛ سواء كان المتقدم القول أو الفعل؛ وذلك لأن خطاب المجمل إذا تعقبه ما يجوز أن يكون بيانًا له كان بيانًا له؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان.\nفعلى قول أبي الحسين: إن تقدم الفعل على القول بعد المجمل، فكان فعله - ﷺ - الطوافين بعد آية الحج، ثم أمر بطواف واحد، فالطواف الثاني واجب، وهذا يستلزم أن القول نسخ بالفعل، فاستلزم وجود نسخ بلا ملزم له؛ لأنه بالإمكان الجمع بين القول والفعل؛ بأن يكون القول هو البيان، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.\nأما إذا كان القول المتقدم؛ فيحمل طواف النبي - ﷺ - الثاني على كونه مندوبًا.\nوبعد أن ذكر أمير حاج ذلك استدرك على الإسنوي؛ حيث ذهل وجعل التفريع على قول أبي الحسين تفريعًا على قول الإمام وموافقيه، وهذا خطأ منه بسبب الذهول.","vol":"1","page":680},{"text":"وعبارة الإسنوي: \"فالأصح عند الإمام وأتباعه وابن الحاجب: أن المأخوذ به هو القول؛ سواء تقدم، أو تأخر، أو لم يعلم شيء منهما؛ لأنه يدل بنفسه، والفعل لا يدل بنفسه إلا بواسطة أحد الأمور الثلاثة المتقدمة.\nفعلى هذا إن تأخر الفعل فيكون دالًاّ على استحباب الطواف الثاني، وإن تأخر القول كان ناسخًا لإيجاب الطواف الثاني المستفاد من الفعل\" (١).\n• وأما أمثلة التعبير بـ (الهفوة):\n• المثال الأول:\nذكر الجويني في فصل (أدلة نفاة القياس): \"وقد ذكر الطبري في خلل الاستدلال بحديث معاذ في إثبات القياس، ثم وجه على نفسه سؤالًا فقال: فلو قالوا: هذا من أخبار الآحاد؛ لقلت في جوابهم: يجوز الاستدلال بأخبار الآحاد في إثبات القياس؛ كما يجوز الاستدلال بها في إثبات الأحكام.\nوهذه هفوة عظيمة، وسنذكر في كتاب الاجتهاد أن أصول أدلة الشريعة لا تثبت إلا بما يقتضي العلم من الأدلة القاطعة، ومن قال غير ذلك فقد زل زلة عظيمة\" (٢).\n• المثال الثاني:\nقال الجويني في مسألة (مقتضى التكليف): \" ... فأما الإباحة فلا ينطوي عليها معنى التكليف. وقد قال الأستاذ (٣) - ﵀ -: إنها من التكليف. وهي هفوة ظاهرة\" (٤).\n_________\n(١) يُنظر: نهاية السول (١/ ٥٦٨).\n(٢) يُنظر: التلخيص (٣/ ٢١٣).\n(٣) المراد به: أبو إسحاق الإسفرائيني. وذكر علماء الأصول تأويلًا لقوله هذا: بأنه أراد وجوب اعتقاد الإباحة - أي وجوب اعتقاد كون الإباحة من الشرع-، والوجوب حكمٌ شرعي، وبهذا فالخلاف معه لفظي. يُنظر: المستصفى (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤)؛ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (٢/ ٩)؛ شرح العضد للأيجي (٢/ ٢٢٣).\n(٤) يُنظر: البرهان (١/ ١٠٢).","vol":"1","page":681},{"text":"• المثال الثالث:\nما قاله ابن العربي في مسألة (دلالة أفعال النبي - ﷺ -): \"وأما أفعاله التي وقعت منشأة في جبلة الآدمي؛ فهي على الندب في قول المحققين. وقال بعضهم: إنها على الوجوب، وهو قول ضعيف. ورد بعض الأحبار من المتأخرين فقال: إنها لا حكم لها، ولا دليل فيها. وهذه هفوة شنعاء؛ فإن الصحابة -رضوان الله عليهم- أجمعوا على بَكَرة أبيهم على الاقتداء برسول الله - ﷺ - في نومه، وأكله، ولباسه، وشرابه، ومشيه، وجلوسه، وجميع حركاته، فاعتقادها لغوًا من هذا الحَبْر المتأخر هفوة وسهو\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-258> ثانيًا: التعبير بـ (الوهم):</span>\nوقد سبق عرض أمثلة له، فلا داعي للتكرار. (٢)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-259> ثالثًا: التعبير بـ (الخطأ والغلط والزلل):</span>\nوسبق عرض أمثلة الخطأ والغلط، ولا حاجة للإطالة بذكرها (٣).\nوأذكر أمثلة للتعبير بـ (الزلل):\n• المثال الأول:\nقال الجويني في مسألة (تكليف الصبي): \"اعلم -وفقك الله- أن ما نرتضيه: انقطاع التكليف عن الصبيان.\nومن العلماء من يزعم أن بعض أحكام التكليف يتعلق بهم، وهو زلل؛\n_________\n(١) يُنظر: المحصول لابن العربي (ص: ١١٠ - ١١١).\n(٢) يُنظر: (ص: ١٦٣ - ١٦٧).\n(٣) يُنظر: أمثلة التعبير بالخطأ في: (ص: ٢٧٤، ٢٧٤، ٣٥٦). ويُنظر أمثلة التعبير بالغلط في (ص: ١٦٩، ١٧٣، ١٧٧، ١٧٨، ١٩٠، ١٩٢، ٣٤٧، ٦٣٤).","vol":"1","page":682},{"text":"فإن المعنى بالتكليف: توجه الأمر وطلبات الشرع، والمكلف هو الله - ﷿ -، ونحن نعلم قطعًا أن الطلبات من الله تعالى لا تتعلق بالصبية كما لا يتعلق بهم التوعد بالعقاب [...] (١) عند تقدر المخالفة\" (٢).\n• المثال الثاني:\nقال الجويني في مسألة (صيغة الأمر): \"ثم نقل بعض مصنفي المقالات: أن أبا الحسن - ﵀ - يستمر على القول بالوقف مع فرض القرائن، وهذا زلل في النقل بيّن، والوجه: أن يُوركَ بالغلط على الناقل؛ فإنه لا يعتقد الوقف مع فرض القرائن الحالية على نهاية الوضوح ذو تحصيل.\nوالذي أراه في ذلك قاطعًا به: أن أبا الحسن - ﵀ - لا ينكر صيغة تشعر بالوجوب الذي هو مقتضى الكلام القائم بالنفس؛ نحو قول القائل: أوجبتُ وألزمتُ أو ما شاكل ذلك، وإنما الذي تردد فيه مجرد قول القائل: افعل، من حيث ألفاه في وضع اللسان مترددًا، فإذا كان هذا كذلك فما الظن به إذا اقترن بقول القائل: (افعل) لفظ أو ألفاظ من القبيل الذي ذكرناه؟ ! مثل أن تقول: افعل حتمًا أو افعل واجبًا ... \" (٣).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك الجويني على الناقلين عن أبي الحسن قوله: أنه يرى التوقف مع وجود القرائن بأن هذا النقل خطأ؛ فإن أبا الحسن يرى التوقف في الصيغة المجردة عن القرائن، أما مع وجود القرائن فإنه يعمل بالقرينة.\n_________\n(١) هذه النقاط ليست للاختصار؛ وإنما كما جاء في تحقيق التلخيص من وجود طمس في النسخة.\n(٢) ينظر: التلخيص (١/ ١٤٤ - ١٤٥).\n(٣) البرهان (١/ ٢١٣ - ٢١٤).","vol":"1","page":683},{"text":"• المثال الثالث:\nقال ابن السبكي في مسألة (دلالة فعل النبي - ﷺ -): \"وحكى بعضهم قولًا: أنَّه يجب علينا أن نفعل مثل ما فعله حكاية على الإطلاق، وهذا زلل\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-260> رابعًا: التعبير بـ (ضعيف وباطل وفاسد):</span>\n• التعبير بـ (الضعيف):\n• المثال الأول:\nقال السرخسي في مسألة (دلالة صيغة الأمر المطلقة): \"والذين قالوا بالندب ذهبوا إلى أن الأمر لطلب المأمور به من المخاطب، وذلك يرجح جانب الإقدام عليه ضرورة، وهذا الترجيح قد يكون بالإلزام، وقد يكون بالندب، فيثبت أقل الأمرين _لأنه المتيقن به_ حتى يقوم الدليل على الزيادة.\nوهذا ضعيف؛ فإن الأمر لما كان لطلب المأمور به اقتضى مطلقه الكامل من الطلب؛ إذ لا قصور في الصيغة، ولا في ولاية المتكلم؛ فإنه مفترض الطاعة بملك الإلزام\" (٢).\n• المثال الثاني:\nقال الهندي في مسألة (بناء العام على الخاص): \"ثم استدل الأصحاب على بناء العام على الخاص عند الجهل بالتاريخ في وجوه التعارض كلها؛ سواء كان بين المتساويين، أو بين المختلفين في القوة والضعف بوجوه\" (٣).\nوذكر من هذه الوجوه الوجه الثالث، واستدرك عليه فقال: \"وثالثها: أن\n_________\n(١) يُنظر: رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (٢/ ١٠٥).\n(٢) يُنظر: أصول السرخسي (١/ ١٦).\n(٣) يُنظر: نهاية الوصول (٤/ ١٦٦٠).","vol":"1","page":684},{"text":"العموم يخص بالقياس مطلقًا، فكذا خبر الواحد؛ بل أولى؛ لأنه أرجح من القياس، وهو ضعيف؛ لأنهم إن أرادوا بذلك حالة الجهل بالتاريخ وغيرها فممنوع؛ وهذا لأنه إنما يجوز تخصيص العام عندنا لو علم أن أصل ذلك القياس متأخر عن العام، أما إذا علم تقدمه عليه أو جهل التقدم والتأخر فلا\" (١).\n• المثال الثالث:\nقال الإسنوي في مسألة (الاجتهاد في عصره - ﷺ - للحاضرين والغائبين عنه): \"استدل المانعون بأن الاجتهاد عُرضة للخطأ بلا شك، والنص آمن منه، وسلوك السبيل المخوف مع القدرة على سلوك الآمن قبيح عقلًا.\nوالجواب: لا نُسلم أن الاجتهاد تعرض للخطأ بعد إذن الشارع فيه؛ فإنه لما قال للمكلف: أنت مأمور بالاجتهاد، وبالعمل به؛ صار آمنًا من الخطأ؛ لأنه حينئذ يكون آتيًا بما أُمِرَ به.\nهكذا أجاب الإمام (٢) وأتباعه (٣)، فتبعهم المصنف (٤)، وهو ضعيف؛ لأن الإذن في الاجتهاد لا يمنع من وقوع الخطأ فيه -كما ستعرفه (٥) -؛ بل إنما يمنع من التأثيم\" (٦).\n_________\n(١) يُنظر: المرجع السابق (٤/ ١٦٦٤ - ١٦٦٥).\n(٢) يُنظر: المحصول (٦/ ١٨).\n(٣) يُنظر: الحاصل (٣/ ٢٦٩)؛ التحصيل (٢/ ٢٨٤).\n(٤) يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع نهاية السول- (٢/ ١٠٣١).\n(٥) إشارة إلى ما سيذكره في الفصل الثاني في حكم الاجتهاد (٢/ ١٠٣٩).\n(٦) يُنظر: نهاية السول (٢/ ١٠٣٣).","vol":"1","page":685},{"text":"• التعبير بـ (باطل):\n• المثال الأول:\nقال أبو الحسين البصري: \"باب في الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده، دال على قبحه أم لا؟\nذهب قوم إلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وخالفهم آخرون على ذلك، وإليه ذهب قاضي القضاة (١) وأصحابنا، والخلاف في ذلك إما في الاسم، وإما في المعنى.\nفالخلاف في الاسم: أن يسموا الأمر نهيًا على الحقيقة، وهذا باطل؛ لأن أهل اللغة فصلوا بين الأمر والنهي في الاسم، وسموا هذا أمرًا، وسموا هذا نهيًا، ولم يستعملوا اسم النهي في الأمر، فإن استعملوه فيه فقليل نادر\" (٢).\n• المثال الثاني:\nقال الطوفي في مسألة (تأخير البيان عن وقت الخطاب): \"قوله (٣): (قالوا: الخطاب) إلى آخره، هذا حجة المانعين من تأخير البيان عن وقت الخطاب.\nوتقريره: أن الخطاب بالمجمل بدون بيانه خطاب بما لا يفهم، والخطاب بما لا يفهم عبث، وتجهيل للسامع في الحال؛ إذ لا يعلم ما المراد بالخطاب، وفائدة الخطاب إنما هو إفادة المراد به، فإذا لم يفد فائدته وجب أن يكون عبثًا ممتنعًا، وصار ذلك كمخاطبة العربي بالعجمية، ومخاطبة العجمي بالعربية، وكما لو قال: أبجد هوز، وقال: أردت به إيجاب الصلاة عليكم. أو قال: في خمس من الإبل شاة، وقال: أردت بالإبل البقر، فهذا كله وأشباهه غير جائز؛ لعدم فائدته؛ فكذلك الخطاب بالمجمل.\n_________\n(١) المراد به: القاضي عبدالجبار الهمداني المعتزلي، وسبقت ترجمته (ص: ٢٤١).\n(٢) يُنظر: المعتمد (١/ ٩٧).\n(٣) أي الطوفي في مختصر الروضة - البلبل في أصول الفقه - (٢/ ٦٩٠).","vol":"1","page":686},{"text":"قوله: (قلنا: باطل) أي: ما ذكرتموه من أن الخطاب بما لا يفهم عبث فلا يجوز، باطل بمتشابه القرآن؛ كالحروف المقطعة وغيرها على ما سبق بيانه؛ فإنه لا تفهم حقيقته، وليس الخطاب به تجهيلًا للسامع، ولا عبثًا من المتكلم، فكما جاز الخطاب بالمتشابه بدون فهم حقيقته ولم يكن عبثًا؛ كذلك يجوز الخطاب بالمجمل وإن أخر بيان حقيقته، ولا يكون عبثًا\" (١).\n• المثال الثالث:\nذكر الإسنوي في مسألة (حجية القياس) اعتراضًا للخصم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] فقال: \"الاعتراض الثالث: سلمنا أن الآية تدل على الأمر بالقياس؛ لكن لا يجوز التمسك بها؛ لأن التمسك بالعموم واشتقاق الكلمة -كما تقدم- إنما يفيد الظن، والشارع إنما أجاز الظن في المسائل العملية؛ وهي الفروع؛ بخلاف الأصول؛ لفرط الاهتمام بها.\nوأجاب المصنف (٢): بأنا لا نُسَلِّم أنها علمية؛ لأن المقصود من كون القياس حُجَّة إنما هو العمل به؛ لا مجرد اعتقاده؛ كأصول الدين، والعمليات يكتفى فيها بالظن؛ فكذلك ما كان وسيلة إليها. هذا هو الصواب في تقريره.\nوقد صرح به في الحاصل (٣)، وهو رأي أبي الحسين (٤)، وإن كان الأكثرون -كما نقله الإمام الآمدي (٥) - قالوا: إنه قطعي.\n_________\n(١) يُنظر: مختصر الطوفي (٢/ ٦٩٣ - ٦٩٤).\n(٢) أي البيضاوي. يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع نهاية السول - (٢/ ٧٩٨).\n(٣) (٣/ ١٠٧ - ١٠٨).\n(٤) يُنظر: المعتمد (٢/ ٢١٥).\n(٥) واعلم أن الآمدي وإن ذكر أن الأكثرين قالوا: إنه قطعي؛ إلا أنه اختار قول أبي الحسين البصري، وعبارته: \" ... فقال الكل: إنه قطعي، سوى أبي الحسين فإنه قال: إنه ظني، وهو المختار ... \". يُنظر: الإحكام للآمدي (٤/ ٣١).","vol":"1","page":687},{"text":"وأما قول بعض الشارحين: إنه يكتفى فيها بالظن مع كونها علمية؛ لكونها وسيلة؛ فباطل قطعًا؛ لأن المعلوم يستحيل إثباته بطريق مظنونة\" (١).\n• التعبير بـ (فاسد):\n• المثال الأول:\nقال ابن العربي في (مسلك الطرد (٢»: \"وقد زعم بعض الناس أنه دليل على صحة العلة، وهو قول فاسد لثلاثة أوجه:\nأحدها: كما يطرد دليل الصحة على زعمه؛ فكذلك يطرد دليل الفساد؛ ومثاله: إن المالكي لو قال: الخل مائع لا ينبني عليه؛ فلا يجوز إزالة النجاسة به كاللبن؛ لقال معارضه: إن الخل مائع مزيل العين، فجاز إزالة النجاسة به كالماء.\nالثاني: أن الصحابة - وهم القدوة - لم يعولوا عليه.\nالثالث: أنه ليس بينه وبين الحكم ارتباط، فكيف يدل عليه\" (٣).\n• المثال الثاني:\nقال الزركشي: \"مسألة: حكَى سُليْمٌ الرَّازيُّ (٤) عن بعض أصحابنا أنَّ\n_________\n(١) يُنظر: نهاية السول (٢/ ٨٠٢ - ٨٠٣).\n(٢) الطرد: هو وجود الحكم لوجود العلة، وهو التلازم في الثبوت. يُنظر: الحدود (ص: ٧٤)؛ القاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين (ص: ١٩٩).\n(٣) يُنظر: المحصول لابن العربي (ص: ١٢٧).\n(٤) هو: أبو الفتح، سُلَيْم بن أيوب بن سُلَيْم الرازي الشافعي، الفقيه المفسر المحدث الأديب، لازم الشيخ ... أبا حامد الإسفرائيني، ولما توفي الشيخ درس مكانه، كان حريصًا على نشر العلم وإفادة الناس، لا يفوت من وقته شيء بلا فائدة، وكان ورعًا زاهدًا، من مصنفاته: \"الإشارة \" و\" رؤوس المسائل \" في الخلاف، و\" ضياء القلوب\" في التفسير، (ت: ٤٤٧ هـ) بعد رجوعه من الحج غرقًا في بحر القُلْزُم -الأحمر حاليًا - عند ساحل جدة، وعمره ثمانون سنة.\nتُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٤٥)؛ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٤/ ٣٨٨)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٢٢٥).","vol":"1","page":688},{"text":"العموم إذا خصَّ لم يجُزْ أنْ يُسْتنْبَطَ منه معنًى يُقاسُ عليه غيرهُ؛ لأَنَّهُ إذا خُصَّ صارَ الحكم ثابتًا بقرينة، فإذا اُسْتُنْبطَ المعنى منه لم يَصِحَّ اجتماع المعنى مع تلك القرينة؛ فإن المعنى يقتضي العموم، والقرينة تقتضي الخُصُوصَ؛ فلا يَصِحُّ اجتماعهما.\nقال: وهذا قولٌ فاسدٌ؛ لأنَّ اللَّفظَ إذا خُصَّ خرج منه ما ليس بمرادٍ، فبقي الباقِي ثابتًا باللَّفظ، فيصيرُ كأنَّ الحكم للباقِي ورد ابتداءً، فجاز استنباط المعنى منه\" (١).\n• المثال الثالث:\nقال الإسنوي في (مسلك المناسبة): \"وقال المصنف: المناسب: هو ما يجلب للإنسان نفعًا، أو يدفع عنه ضررًا.\nفجعل المقاصد أنفسها أوصافًا مناسبة على خلاف اختيار الإمام (٢)،\nوهو فاسد، ألا ترى أن مشروعية القصاص مثلًا جالبة أو دافعة -كما بيناه- وليست هي الوصف المناسب؛ لأن الوصف المناسب من أقسام العلل، فيكون هو القتل في مثالنا؛ لا المشروعية؛ لأنها معلولة؛ لا علة، وكذلك الردة وغيرها مما قلناه\" (٣).\n_________\n(١) يُنظر: البحر المحيط (٤/ ٧١).\n(٢) ذكر الرازي للمناسب تعرفين، الأول: \"الذي يُفضي إلى ما يوافق الإنسان تحصيلًا وإبقاء\". وقال: \"يُعبر عن التحصيل: بجلب المنفعة، وعن الإبقاء: بدفع المضرة؛ لأن ما قصد إبقاؤه، فإزالته مضرة، وإبقاؤه دفع المضرة\".\n\nوالثاني: \"الملائم لأفعال العقلاء في العادات\". وقال: \"التعريف الأول قول من يُعلل أحكام الله تعالى بالحكم والمصالح. والتعريف الثاني قول من يأباه\". يُنظر: المحصول (٥/ ١٥٧ - ١٥٩).\n(٣) نهاية السول (٢/ ٨٥٣).","vol":"1","page":689},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-261> المجموعة الرابعة: صيغ الترجيح، وفيها ثلاث صيغ</span>.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-262> أولًا: التعبير بـ (الصواب والصحيح):</span>\nالتعبير بالصواب سبق ذكر أمثلة له (١)، وأما التعبير بالصحيح فأذكر له الأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nقال أبو الحسين البصري في (خبر الواحد إذا عمل به أكثر الصحابة): \"فأما خبر الواحد إذا عمل عليه أكثر الصحابة، وعابوا على من لم يعمل به؛ فحكي عن عيسى ابن أبان أنه يُقطع به (٢).\nوالصحيح: أنه لا يقطع به؛ لأن قول أكثر أهل العصر من المجتهدين ليس بحجة\" (٣).\n• المثال الثاني:\nقال ابن قدامة في (شروط الفرع في القياس): \"الركن الثالث: الفرع، ويشترط فيه أن تكون علة الأصل موجودة فيه؛ فإن تعدية الحكم فرع تعدي العلة.\nواشترط قوم تقدم الأصل على الفرع في الثبوت؛ لأن الحكم يحدث بحدوث العلة، فكيف تتأخر عنه؟ والصحيح: أن ذلك يشترط لقياس العلة (٤)، ولا يشترط\n_________\n(١) يُنظر: (ص: ١٨٥، ٢٧٥، ٢٧٦، ٢٨٥، ٢٨٩، ٢٩١، ٢٩٥، ٦٣٤، ٦٢٠).\n(٢) يُنظر: أصول السرخسي (٢/ ٧).\n(٣) يُنظر: المعتمد (٢/ ٨٦).\n(٤) قياس العلة: أحد قسمي القياس باعتبار التصريح بعلة حكم الأصل أو عدم التصريح بها.\nوهو: ما جمع فيه بين الأصل والفرع بنفس العلة. وسمي بقياس العلة للتصريح فيه بالعلة. يُنظر: الإحكام للآمدي (٤/ ٧)؛ شرح مختصر الروضة (٣/ ٤٣٦)؛ فواتح الرحموت (٢/ ٣٢٠). ويُنظر: القاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين (ص: ٢٤٧).","vol":"1","page":690},{"text":"لقياس الدلالة (١) \" (٢).\n• المثال الثالث:\nقال الزركشي في مسألة (تعليق الشارع حكمًا في واقعة على علة هل يفيد العموم؟): \"إذا علَّقَ الشارع حكمًا في واقعة على علة تقتضي التّعَدِّي إلى غير تلك الواقعة؛ مثل: حرَّمت السّكَّرَ لكونه حُلوًا، فإن قطع باستقلالها؛ فالجمهور على التَّعَدي قياسًا، وشَذَّ من قال فيه: يتعدَّى باللَّفْظ.\nفإن لم يقطع؛ بل كان ظاهرًا فيه؛ كما في الْمُحْرِمِ الذي وَقَصَتهُ نَاقَتهُ، وقوله - ﵇ -: «لا تخَمِّرُوا رَأسَهُ، ولَا تقَرِّبُوهُ طيبًا؛ فإنه يبْعَثُ يوم الْقيَامَةِ ملَبِّيًا» (٣)؛ فإن الظاهر عدم الاختصاص بذلك الْمُحْرِمِ؛ فاختلفوا في أنَّهُ يَعمُّ أم لا؟\nفقال أبو حَنيفَةَ: لا يَعمُّ؛ لأَنَّهُ يحتملُ تخصيص ذلك بهذه العلَّةِ؛ لأَنَّهُ وقَصَتْ بهِ نَاقَتهُ لا لمجَرَّدِ إحرامهِ، أو لأَنَّهُ علم من نيَّتِه إخلاصه وغيره لا يعلم منه ذلك، واختاره الْغَزَاليُّ (٤) وحَكَاهُ عن الْقَاضي أبي بَكرٍ (٥)، والصَّحيحُ: أنَّهُ عامٌّ.\nواختلف القائلون به هل عمَّ بالصِّيغةِ أو بالقياس على قولين مَحْكيَّيْنِ عن\n_________\n(١) قياس الدلالة هو القسم الثاني للقياس باعتبار التصريح بعلة حكم الأصل أو عدم التصريح بها.\n\nوهو: ما جمع فيه بين الأصل والفرع بلازم العلة، أو أثرها، أو حكمها. يُنظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٤٣٦)؛ البحر المحيط (٢/ ٤٩)؛ فواتح الرحموت (٢/ ٣٢٠). ويُنظر: القاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين (ص: ٢٤٥).\n(٢) يُنظر: روضة الناظر (٢/ ٢٥٩).\n(٣) الحديث في الصحيحين: صحيح البخاري، ك: الجنائز، ب: الكفن في ثوبين، (١/ ٤٢٥/ح: ١٢٠٦)، ك: الجنائز، ب: كيف يُكفَّن المحرم، (١/ ٤٢٦/ح: ١٢٠٩)، ك: الحج، ب: سُنة المحرم إذا مات، (٢/ ٦٥٦/ح: ١٧٥٣)؛ صحيح مسلم، ك: الحج، ب: ما يُفعل بالمحرم إذا مات، (٢/ ٨٦٦ - ٨٦٧/ح: ١٢٠٦).\n(٤) يُنظر: المستصفى (٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦).\n(٥) يُنظر: مختصر التقريب والإرشاد (٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧).","vol":"1","page":691},{"text":"الشَّافعِيِّ، وَالصَّحيحُ: أنَّهُ عامٌّ بالْقِيَاسِ\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-263> ثانيًا: التعبير بصيغ التفضيل؛ كـ (الأولى، والأصح، والأصوب، والأحسن، والأليق):</span>\nوسبق ذكر أمثلة (الأولى) و(الأصح) و(الأصوب (٢»، فنذكر الآن أمثلة (الأحسن) و(الأفضل) و(الأليق).\n• صيغة (أحسن):\n• المثال الأول:\nقال السمعاني في مسألة (المحكم والمتشابه) بعد أن ذكر الأقوال في المراد بهما: \"وأحسن الأقاويل: أن المتشابه: ما استأثر الله تعالى بعلمه، ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه، وكلفهم الإيمان به. والمحكم: مما أطلع العلماء عليه، وأوقفهم على المراد به.\nوهذا هو المختار على طريقة السنة، وعليه يدل ما ورد من الأخبار، وما عرف من اعتقاد السلف. فعلى هذا يكون على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وقف تام، ثم يبتداء قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، وعلى هذا الوقف أكثر القراء (٣)، وجعلوا الواو واو الابتداء\" (٤).\n_________\n(١) يُنظر: البحر المحيط (٣/ ١٤٦ - ١٤٧).\n(٢) يُنظر: (ص: ٢٠٦ - ٧٥١).\n(٣) وهو قول ابن عباس وعائشة وابن مسعود وغيرهم، ومذهب أبي حنيفة وأكثر أهل الحديث، وبه قال نافع والكسائي ويعقوب والفراء والأخفش وأبو حاتم وغيرهم من أئمة العربية. يُنظر: النشر في القراءات العشر (١/ ٢٢٧).\n(٤) يُنظر: القواطع (٢/ ٧٤ - ٧٥).","vol":"1","page":692},{"text":"• المثال الثاني:\nقال البيضاوي في (حد المجاز): \"والمجاز: مَفْعَل من الجواز بمعنى العبور، وهو المصدر أو المكان نُقِل إلى الفاعل، ثم إلى اللفظ المستعمل في معنى غير موضوع له يناسب المصطلح\" (١).\nفاستدرك عليه ابن السبكي في شرحه وقال: \"وقوله: (في معنى غير موضوع له) يخرج الحقيقة، ويقتضي أن المجاز غير موضوع، وكان الأحسن أن يزيد: (بوضع أول) \" (٢).\n• المثال الثالث:\nقال أمير حاج في شرحه للتحرير في مسألة (ترتيب الضروريات الخمس) بعد أن ذكر ما اختاره ابن الهمام في تقديم حفظ الدين من الضروريات على ما عداه عند المعارضة، ثم تقديم حفظ النفس، ثم النسب، ثم العقل، ثم المال:\n\" وقد كان الأحسن تقديم هذه الأربعة (٣) على الديني؛ لأنها حق الآدمي، وهو مبني على الضيق والمشاحة ويتضرر بفواته، والديني حق الله تعالى، وهو مبني على التيسير والمسامحة، وهو لِغنَاهُ وتعاليه لا يتضرر بفواته\" (٤).\n• صيغة (الأليق):\n• المثال الأول:\nاستدرك ابن السبكي على البيضاوي (٥) ترتيب مسألة: (جواز نسخ بعض\n_________\n(١) يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع الإبهاج - (٣/ ٧٠١).\n(٢) يُنظر: الإبهاج (٣/ ٧٠٣).\n(٣) وهي: حفظ النفس، حفظ النسب، حفظ العقل، حفظ المال.\n(٤) يُنظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٠٧ - ٣٠٨).\n(٥) يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع الإبهاج - (٥/ ١٦٤٧).","vol":"1","page":693},{"text":"القرآن) فقال: اللائق بهذه المسألة: أن تُذكر في الفصل التالي لهذا الفصل الذي أودعه: ما يَنْسخ وما يُنْسخ\" (١).\n• المثال الثاني:\nقال المرداوي في مسألة (الصحة في العبادة): \"فالصحة في العبادة: سقوط القضاء بالفعل عند الفقهاء، وعند المتكلمين وغيرهم: موافقة الأمر، وجب القضاء أم لا .... قال البرماوي: اللائق بقواعد الفريقين العكس (٢) \" (٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-264> ثالثًا: التعبير بـ (الحق والمختار):</span>\n• صيغة (الحق (٤»:\n• المثال الأول:\nقال الرازي في مسألة (الفرق بين التخصيص والنسخ) بعد أن ذكر عددًا من الفروق بين التخصيص والنسخ، وبين التخصيص والاستثناء: \"وهذه الوجوه متكلفة، والحقُّ: أن التخصيص جنس (٥) تحته أنواع (٦)؛\nكالنسخ والاستثناء وغيرهما\" (٧).\n_________\n(١) يُنظر: الإبهاج (٥/ ١٦٤٨).\n(٢) يُنظر: الفوائد السنية في شرح الألفية للبرماوي (٢/ ٤٣٧).\n(٣) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٣/ ١٠٨٣). ويُنظر كذلك: شرح الكوكب المنير (١/ ٤٦٦).\n(٤) وأكثر من يستخدمها الإمام الرازي في المحصول، والآمدي في الإحكام؛ وخاصة عند صناعته حدًّا جديدًا.\n(٥) سبق تعريف الجنس في (ص: ٩٤).\n(٦) النوع: مفهوم كلي يشتمل على كل الماهية المشتركة بين متعدد متفق في الحقيقة. مثاله: إنسان، فرس، غزال، فكل من هذه الأمثلة هو نوع من الأنواع التي ينقسم إليها الحيوان.\n\nويعرف أيضًا بأنه: المقول على كثيرين متفقين في حقيقة ما هو؟ . يُنظر: إيضاح السلم (ص: ٧)؛ التعريفات (ص: ٣١٦)؛ ضوابط المعرفة (ص: ٤٠).\n(٧) يُنظر: المحصول (٣/ ١٠).","vol":"1","page":694},{"text":"• المثال الثاني:\nقال الآمدي في حد العام بعد أن ذكر تعريفين واستدرك عليهما: \"والحق في ذلك أن يقال: العام: هو اللفظ الواحد الدال على مسميين فصاعدًا مطلقًا معًا\" (١).\n• المثال الثالث:\nقال ابن السبكي في مسألة (التعبد بالقياس شرعًا): \"واستدل بمثل: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، والاعتبار: المجاوزة، وهو محقق في القياس فيشمله؛ بدليل صحة الاستثناء؛ بأن يقال: فاعتبروا إلا في الشيء الفلاني، والاستثناء دليل الشمول أولًا؛ فيكون مشروعًا، ثم إذا شرع كان واجبًا؛ لعدم القائل بالفصل في القياس. هذا تقرير الاستدلال من قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ .... واعلم أن أصحابنا استدلوا بهذه الآية خلفًا عن سلف، والحق عندي فيها: أنها غير مفيدة للقطع؛ ولكنها تفيد الظن\" (٢).\n• صيغة (المختار (٣»:\nذكر الجويني خلاف الأصوليين في مسألة (هل كل مجتهد مصيب في المظنونات؟)، وذكر أدلتهم واستدرك عليها ثم قال: \" ... المختار عندي أمر ملتفت، وكأنه ملتقط من الطرفين، وهو يجمع المحاسن، ... فنقول: المجتهد مصيب من حيث عمل بموجب الظن بأمر الله، مخطئ إذا لم يُنه اجتهاده إلى منتهى حصل العثور على حكم الله في الواقعة، وهذا هو المختار\" (٤).\n_________\n(١) يُنظر: الإحكام للآمدي (٢/ ٢٤١).\n(٢) يُنظر: رفع الحاجب (٤/ ٣٨٧ - ٣٨٩).\n(٣) وهذه الصيغة أكثر من يستخدمها الرازي والآمدي، ثم الجويني في البرهان، وابن السبكي في شرحه لرفع الحاجب.\n(٤) يُنظر: البرهان (٢/ ١٣١٦ - ١٣٢٦).","vol":"1","page":695},{"text":"• المثال الثاني:\nقال الرازي في مسألة (هل النهي يُفيد التكرار؟): \"المشهور أن النهي يفيد التكرار (١)، ومنهم من أباه (٢)، وهو المختار\" (٣).\n• المثال الثالث:\nذكر الآمدي خلاف الأصوليين في مسألة (ما يطلق عليه اسم الأمر حقيقة) وأدلتهم واستدرك عليها، ثم قال: \"وعلى هذا فالمختار إنما هو كون الاسم اسم الأمر متواطئًا في القول المخصوص والفعل؛ لا أنه مشترك (٤) ولا مجاز في أحدهما\" (٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-265> المجموعة الخامسة: صيغ الجدل، وفيها ثلاث صيغ</span>.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-266> أولًا: أسلوب الفَنْقَلة:</span>\nنحت (٦) من قولهم: فإن قيل: كذا، قيل له: كذا.\n_________\n(١) قال الأصفهاني في شرحه: \"وأما ابن برهان فقد قال: الإجماع منعقد على أن ذلك يقتضي التكرار\". يُنظر: الكاشف على المحصول (٤/ ١٤٥). والمسألة ليست موجودة في الوصول إلى الأصول لابن برهان. وقال الشيرازي في اللمع: \"فأما النهي عن الشيء فإنه يقتضي التكرار والدوام وجهًا واحدًا\". يُنظر: شرح اللمع (١/ ٢٩٤).\n(٢) ذكر الأصفهاني في شرحه أنه القاضي الباقلاني. يُنظر: الكاشف على المحصول (٤/ ١٤٥)؛ ويُنظر: مختصر التقريب والإرشاد (٢/ ٣١٨).\n(٣) يُنظر: المحصول (٢/ ٢٨١ - ٢٨٢).\n(٤) أي مشترك لفظي. وسبق تعريف كل من المشترك اللفظي (ص: ١٩٥) والمتواطاء (ص: ٣٢٧).\n(٥) يُنظر: الإحكام للآمدي (٢/ ١٦٠ - ١٦٨).\n(٦) ضربٌ من الاشتقاق، وهو أن تعمد إلى كلمتين أو أكثر أو إلى جملة فتؤلف من بعض حروفها كلمة جديدة تكون دلالتها موافقة لدلالة ما أخذت منه. والنحث ثلاثة أنواع:\n١ - نحت كلمة من كلمتين؛ نحو قولهم للرجل الشديد: ضِبَطْر، وأصله: ضبط وضبر. - فالضبط يدل على القوة والحزم، والضبر يدل على الشجاعة والجمع والوثب. يُنظر: الصحاح (٦١٢ - ٦١٣) مادة: \"ضبر \" و\"ضبط \" -.\n٢ - نحت كلمة من مركب إضافي؛ نحو قولهم: تَيْمَل، أصله: تَيم الله.\n\n٣ - نحت كلمة من مركب تام مفيد؛ نحو: البسملة، أصلها: بسم الله الرحمن الرحيم، والفنقلة من هذا النوع. يُنظر: دروس في التصرف (٢٥ - ٢٨).","vol":"1","page":696},{"text":"وقد توسعتُ في ذكر أمثلته عند الحديث عن الركن الأول للاستدراك: المستدرَك عليه المقدر (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-267> ثانيًا: صيغة السؤال </span>(٢):\nومعنى إيراد السؤال على الكلام: معارضته بما يناقضه ويبطله (٣).\n• المثال الأول:\nقال الجويني في مسألة (الأدلة في إثبات العبر والمقاييس السمعية):\n\"اعلم -وفقك الله- أن آكد ما يعتمد في تثبيت الاجتهاد والتمسك بالرأي وغلبات الظنون إجماع الصحابة - ﵃ -؛ وذلك أنهم - ﵃ - اختلفوا في امتداد عصرهم في مسائل من الأحكام عدموا فيها النصوص، فتمسكوا فيها بطرق الاجتهاد\" (٤).\nثم ذكر استدراكًا من الخصم بصيغة السؤال فقال: \"سؤال آخر لهم؛ فإن قال قائل: بم تنكرون على من يزعم أنهم إنما اختلفوا لوجه آخر سوى ما ادعيتموه؟ ... والجواب عن ذلك من أوجه ... \" (٥).\n• المثال الثاني:\nقال القرافي في مسألة (المصالح المرسلة): \"سؤال: قال بعض علماء العصر: إذا قلتم بالمصلحة المرسلة، فكيف تصنعون في العمومات والأدلة؛ فإنها متعارضة نفيًا\n_________\n(١) يُنظر: (ص: ١٢٥ - ١٣٢).\n(٢) وهذه الصيغة يكثر منها الأصوليون، وأكثرهم استخدامًا القرافي في نفائس الأصول.\n(٣) يُنظر: شرح مختصر الروضة (١/ ١٥٥).\n(٤) يُنظر: التلخيص (٣/ ١٨٨).\n(٥) يُنظر: المرجع السابق (٣/ ١٩٨).","vol":"1","page":697},{"text":"وإثباتًا؛ فإنه ما من مصلحة في إقدام أو إحجام إلا ويجد عامًّا يردها؛ مثل: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٩]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ونظائره كثيرة؟ فأي العموم تنفون مخالفته؟ وما ضابط ذلك؟ وإذا لاحظتم الظواهر المانعة من الإقدام والإحجام؛ لم تبقَ مصلحة مرسلة إلا ولها معارض من النصوص، وأنتم تشترطون في المصلحة السلامة عن معارضة الأدلة؟\nجوابه: أنا نعتبر من نصوص الأصول ما هو خاص بذلك الباب في نوعه دون ما هو أعم منه، فإذا كانت المصلحة في الإجارات؛ اعتبرنا نصوص الإجارات، أو في الجنايات اعتبرنا نصوص الجنايات، أما نصٌّ يشمل ذلك الباب وغيره؛ فلا عبرة به؛ لأن هذه المصلحة أخص منها، والأخص مقدم على الأعم؛ لاسيما إذا كان النص يشمل جميع الشريعة فقد كثر تخصيصه، فضعف التمسك به\" (١).\n• المثال الثالث:\nقال الطوفي: \"واعلم أن للمانعين من اشتراط العزم في الواجب الموسع أسئلة:\nأحدها: ... والسؤال الثاني: ... والسؤال الثالث: ... \" (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-268> ثالثًا: صيغة الجواب </span>(٣):\nوقد ذكرت لها أمثلة في الصيغة السابقة، وفي مواطن عديدة مختلفة من البحث. (٤)\n_________\n(١) يُنظر: نفائس الأصول (٩/ ٤٠٩٤ - ٤٠٩٥).\n(٢) يُنظر: شرح مختصر الروضة (١/ ٣١٧ - ٣١٩).\n(٣) وهذه الصيغة يكثر استخدامها من الأصوليين في الرد على الخصوم، ومِن أكثرهم استخدامًا لها: القاضي أبو يعلى في العدة، والباجي في إحكام الفصول، والشيرازي في اللمع، والرازي في المحصول، والآمدي في الإحكام.\n(٤) يُنظر مثلًا: (ص: ١٥٢، ١٢٩، ١٣٢، ٢٦٢، ٢٢٨، ٢٤٢، ٣١٤، خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.).","vol":"1","page":698},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-269> المجموعة السادسة: صيغ النفي، وفيها ثمان صيغ</span>.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-270> أولًا: التعبير بنفي الصحة:</span>\n• المثال الأول:\nقال الشيرازي في (لفظ رواية الصحابي: من السنة كذا): \"وكذلك إن قال: من السُّنَّة كذا؛ حُمِل على سُنَّة النبي - ﷺ -.\nوقال أصحاب أبي حنيفة: لا يُحْمَلُ على ذلك إلا بدليل (١). وهو قول أبي بكر الصيرفي، وهذا غير صحيح؛ لأن الذي يحتجُّ بأمره ونهيه وسنته هو الرسول - ﷺ -، فإذا أطلق الصحابي ذلك وجب أن يُحمل عليه\" (٢).\n• المثال الثاني:\nقال ابن قدامة في مسألة (مراسيل الصحابة (٣»: \"مراسيل أصحاب النبي\n- ﷺ - مقبولة عند الجمهور (٤).\nوشذ قوم فقالوا: لا يقبل مرسل الصحابي إلا إذا عرف بصريح خبره، أو بعادته أنه لا يروي إلا عن صحابي؛ وإلا فلا؛ لأنه قد يروي عمن لم تثبت لنا صحبته.\nوهذا ليس بصحيح؛ فإن الأمة اتفقت على قبول رواية ابن عباس ونظرائه من أصاغر الصحابة مع إكثارهم وأكثر روايتهم عن النبي - ﷺ - \" (٥).\n_________\n(١) يُنظر مذهب الحنفية في: التقرير والتحبير (٢/ ٣١٥)؛ تيسير التحرير (٣/ ٦٩)؛ فواتح الرحموت (٢/ ١٦٢).\n(٢) يُنظر: اللمع في أصول الفقه (ص: ٦٥).\n(٣) المراد بمراسيل الصحابة: ما رواه الصحابي عن النبي - ﷺ - بواسطة راوٍ آخر لم يُسمِّه. يُنظر: شرح مختصر الطوفي (٢/ ٢٢٨).\n(٤) يُنظر: العدة (٣/ ٩٠٦)؛ أصول السرخسي (١/ ٣٥٩)؛ تقريب الوصول (ص: ٣٠٥ - ٣٠٦)؛ البحر المحيط (٤/ ٤٠٩).\n(٥) روضة الناظر (١/ ٣٦٥).","vol":"1","page":699},{"text":"• المثال الثالث:\nقال ابن السبكي في مسألة (وقوع المجاز في اللغة العربية): \"اختلف أهل العلم في وقوع المجاز في اللغة العربية على مذاهب:\nأحدها وهو المنسوب إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني، المنع مطلقًا.\nقال إمام الحرمين في التلخيص (١) الذي اختصره من التقريب والإرشاد للقاضي: والظن بالأستاذ أنه لا يصح عنه\" (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-271> ثانيًا: صيغة (ليس بجيد </span>(٣»:\n• المثال الأول:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (الترجيح بين منقولين في المتن): \"وترجح بموافقة قول صحابي، أو بكون دليل أصل إحداهما أقوى من دليل أصل الأخرى، بأن يكون قطعيًا والآخر ظنيًا، أو يكون نصًّا والآخر عمومًا، أو مفهومًا، أو تنبيهًا، هذا قول أبي الخطاب (٤). وتقديم النص على التنبيه ليس بجيد؛ بل التنبيه إما مثله أو أقوى منه\" (٥).\n• المثال الثاني:\nقال ابن السبكي بعد أن ذكر عشرة مذاهب في مسألة (دلالة صيغة افعل\n_________\n(١) (١/ ١٩٣).\n(٢) يُنظر: الإبهاج (٣/ ٧٥٨).\n(٣) وهذه الصيغة يكثر منها ابن السبكي في الإبهاج.\n(٤) يُنظر: التمهيد لأبي الخطاب (٤/ ٢٢٨).\n(٥) يُنظر: المسودة (ص: ٢٥٩). ونقل هذا القول عنه المرداوي والفتوحي، يُنظر: التحبير شرح التحرير (٨/ ٤١٧٥)؛ شرح الكوكب المنير (٤/ ٦٧٣).","vol":"1","page":700},{"text":"المطلقة): \"هذا ما حضرنا من المذاهب في هذه المسألة، وقد ادعى الإمام - إذ حكى الاتفاق على أن صيغة (افعل) ليست حقيقة في جميع المحامل المتقدمة - أن الخلاف إنما وقع في أمور خمسة: الوجوب، والندب، والإباحة، والتنزيه، والتحريم (١).\nوأنت إذا تأملت ما حكيناه من المذاهب علمتَ أنَّ حصر الخلاف في ذلك ليس بجيد\" (٢).\n• المثال الثالث:\nذكر الزركشي في فصل (الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص) أقوالًا لعدد من العلماء في بيان هذه الفروق ثم قال: \"ومن هنا يُعْرفُ أنَّ عدَّ ابن الْحاجِبِ البدل (٣) في المخصَّصاتِ ليس بجيد؛ لأن الأولى في قولنا: أكلت الرغيف ثلثه؛ أنه من العام المراد به الخصوص، لا العام المخصوص ... \" (٤).\n_________\n(١) يُنظر: المحصول (٢/ ٤١).\n(٢) يُنظر: الإبهاج (٤/ ١٠٤٦).\n(٣) بدل البعض من الكل: ما كان الثاني جزءًا من الأول. يُنظر: شرح قطر الندى (ص: ٣٤٦)؛ الكليات (١/ ٢٣٢).\nوقيل: ما يكون مدلوله بعض مدلول الأول. يُنظر: معجم مقاليد العلوم (ص: ٨٤).\nوقد اختلف في التخصيص به؛ فمنهم من عده من المخصصات كابن الحاجب، وابن الهمام، وابن النجار، وابن عبدالشكور. يُنظر على الترتيب: مختصر ابن الحاجب (١/ ٧٩١)؛ التحرير (ص: ١٠٦)؛ شرح الكوكب المنير (٣/ ٣٥٤)؛ مسلم الثبوت مع فواتح الرحموت (١/ ٣٤٤). ومنهم من لم يعده من المخصصات؛ كالآمدي، والبيضاوي، يُنظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٣٥٠)؛ المنهاج -مطبوع مع نهاية السول- (١/ ٤٩٣). قال ابن السبكي وابن عبدالشكور: \"ولم يذكره الأكثرون\". يُنظر: جمع الجوامع مع المحلي - مطبوع مع حاشية البناني- (٢/ ٢٥)؛ مسلم الثبوت (١/ ٣٤٤).\n(٤) يُنظر: البحر المحيط (٣/ ٢٥٠ - ٢٥١).","vol":"1","page":701},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-272> ثالثًا: صيغة (غير سديد، ليس بسديد):</span>\n• المثال الأول:\nقال الجويني في مسألة (هل يجب تقليد الأعلم؟): \"إذا لم يكن في البلدة التي فيها المستفتي إلا عالم واحدٌ فيقلده ولا يكلف الانتقال إلى غيره.\nوإن جمعت البلدة العلماء، وكل منهم بالغ مبلغ الاجتهاد؛ فقد ذهب بعض العلماء إلى أن الواجب عليه أن يقلد الأعلم منهم، ولا يسوغ له تقليد من عداه.\nوهذا غير سديد، والصحيح: أنه له أن يقلد من شاء منهم\" (١).\n• المثال الثاني:\nذكر ابن برهان في مسألة (النسخ قبل التمكن من الفعل) دليل الخصم القائلين بمنع النسخ (٢) فقال: \"ومما تمسكوا به: أنهم قالوا: النسخ قبل التمكن من الفعل يخرج الأمر عن الإفادة؛ فإن مقصود الأمر وفائدته هو الامتثال، فإذا خرج عن الإفادة كان ذلك عبثًا، والعبث مستحيل في صفات الله تعالى ...\nقلنا: النسخ قبل التمكن لا يخرج الأمر عن الإفادة؛ فإنه من الممكن أن الآمر علم أن في اعتقاد وجوب هذا الفعل وعزم المكلف على الإتيان به مصلحة فأمره بذلك، ثم نهاه عنه بعد أن تحقق الاعتقاد لا غير.\nوهذا الجواب ليس بسديد؛ وذلك أن الاعتقاد إذا لم يكن موافقًا للمعتقد ولا متعلقًا به على ما هو عليه؛ لم يكن مفيدًا فلا يؤمر به؛ لأنه تعريض المكلف لاعتقاد الجهل وذلك قبيح في نفسه، والجواب الصحيح: أن الفوائد غير مطلوبة في أوامر الله\n_________\n(١) يُنظر: التلخيص (٣/ ٤٦٥ - ٤٦٦).\n(٢) وسبق ذكرهم في هامش (ص: ٦٤١).","vol":"1","page":702},{"text":"تعالى؛ إذ هي غير معللة (١)، فعدم الفوائد لا يخرج عن أن يكون أمرًا\" (٢).\n• المثال الثالث:\nقال التفتازاني في (معاني الحروف) فيما يفيده حرف (مِن): \"قوله (٣): (وأما \"من\" فقد) تكون للتبيين، أو للتبعيض، أو غيرهما، والمحققون على أن أصلها ابتداء الغاية والبواقي راجعة إليها. وذهب بعض الفقهاء إلى أن أصل وضعها للتبعيض دفعًا للاشتراك، وهذا ليس بسديد؛ لإطباق أئمة اللغة على أنها حقيقة في ابتداء الغاية\" (٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-273> رابعًا: صيغة (ليس بقوي):</span>\n• المثال الأول:\nقال السرخسي في (باب البيان): \"وقول من يقول من أصحابنا: حد البيان هو: الإخراج عن حد الإشكال إلى التجلي، ليس بقوي؛ فإن هذا الحد أشكل من البيان، والمقصود بذكر الحد زيادة كشف الشيء؛ لا زيادة الإشكال فيه. ثم هذا الحد لبيان المجمل خاصة، والبيان يكون فيه وفي غيره\" (٥).\n• المثال الثاني:\nقال صدر الشريعة المحبوبي في مسألة (حكم الإجماع): \"وأما الرابع: ففي حكمه، وهو: أن يثبُتَ الحكم يقينًا حتى يُكفَّرَ جَاحدُهُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ\n_________\n(١) والصواب: أنها معللة برعاية مصالح العباد. يُنظر: الموافقات (٢/ ١١).\n(٢) يُنظر: الوصول إلى الأصول (٢/ ٣٨).\n(٣) أي: صدر الشريعة المحبوبي في التنقيح. يُنظر: التنقيح (١/ ٢٥٦).\n(٤) يُنظر: التلويح إلى كشف حقائق التنقيح (١/ ٢٥٦). ويُنظر معنى (مِن) في: حروف المعاني (ص: ٥٠)؛ الجنى الداني في حروف المعاني (ص: ٥٣).\n(٥) يُنظر: أصول السرخسي (٢/ ٢٦).","vol":"1","page":703},{"text":"الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] \" (١).\nثم قال في شرحه: \"واعلم أن هذا الاستدلال على أن الإجماع حجة ليس بقوي؛ لأنه يمكن أن يكون ما أتى به النبي - ﵊ - عين سبيل المؤمنين، مع أنه لا يكون المعطوف عين المعطوف عليه؛ لأن مفهوم مشاقة الرسول - ﵊ - غير مفهوم اتباع غير سبيل المؤمنين، فهذه الغيرية كافية لصحة العطف؛ كقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، مع أن طاعة الرسول من إطاعة الله تعالى في الوجود الخارجي لقوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، لكنه غيره بحسب المفهوم\" (٢).\n• المثال الثالث:\nذكر العلاء البخاري في شرحه لجزئية (الحجج على جواز نسخ الكتاب بالسنة والعكس) اعتراضًا من القائلين بعدم جواز نسخ الكتاب بالسنة والعكس (٣) فقال: \"فإن قيل: لا نسلم أن التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتًا بالسنة؛ بل هو ثابت بالكتاب؛ فإنه كان من شريعة من قبلنا، وشريعة من قبلنا تلزمنا حتى يوجد الدليل على انتساخه، وهذا حكم ثابت بالكتاب؛ وهو قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] \".\nثم ذكر جواب شمس الأئمة السرخسي على هذا الاعتراض فقال: \"وعبارة شمس الأئمة فيه: ولا خلاف أنَّ ما كان في شريعة من قبلنا ثبت انْتِسَاخُه في حَقِّنَا بقول أو فعل من رسول الله - ﷺ - بخلافه، وهذا نسخُ الكتاب بالسنة (٤).\n_________\n(١) يُنظر: التنقيح للمحبوبي (٢/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(٢) يُنظر: التوضيح للمحبوبي (٢/ ١١١).\n(٣) القائل بهذا القول الإمام الشافعي. يُنظر: الرسالة (ص: ١٨١).\n(٤) يُنظر: أصول السرخسي (٢/ ٧٧).","vol":"1","page":704},{"text":"وإنما ظنَّ (١) النسخ من غير كتاب يُتْلَى؛ فإنه كان كاتب الوحي، ولم يَرُدَّ النبي - ﵇ - عليه ظَنَّهُ، ولم يُنْكِرْ عليه فعِلهُ؛ فدلَّ على جواز نسخ التلاوة بغير كتاب، وإذا ثبت جواز نسخ التلاوة؛ ثبت جواز نسخ الحكم؛ لأن وجوب التلاوة والعمل بحكم المتلو كل واحد منهما ثابت بالكتاب (٢) \".\nثم ذكر استدراك أبي اليسر (٣) على كلام السرخسي فقال: \"قال أبو اليسر - ﵀ -: هذا ليس بقوي؛ لأن في ذلك الزمان كان القرآن ينزل على رسول الله - ﷺ -، فربما اعتقد أنها نسخت بآية أخرى قبيل هذا الزمان ولم تبلغه لضيق الوقت، فلا يتعين النسخ بالحديث، ولعله ظن النسخ بالإنساء\" (٤).\n• بيان الاستدراك:\nاعترض الخصم القائل بعد جواز نسخ الكتاب بالسنة والعكس على استدلال الحنفية في قولهم بجواز النسخ بحادثة التوجه إلى بيت المقدس، فقال: لا نسلم لكم أن التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتًا بالسنة؛ بل هو ثابت بالكتاب، وبيان ذلك: أن التوجه إلى بيت المقدس كان شريعة من قبلنا، وشريعة من قبلنا تلزمنا حتى يقوم\n_________\n(١) المراد به: أبي بن كعب - ﵁ -، وسيترجم له قريبًا - إن شاء الله- عند ورود اسمه في المتن.\n(٢) يُنظر: المرجع السابق (٢/ ٧٥). والعلاء البخاري قدم وأخر في كلام السرخسي، فهو اقتبس من كلامه ولم يُورده كله.\n(٣) هو: أبو اليسر، محمد بن محمد بن الحُسين بن عبدالكريم بن موسى بن مجاهد البزدوي، يُلقب بالقاضي الصَّدْر، وكني بأبي اليسر؛ ليسر تصانيفه، أملى ببخارى الكثير، ودرس الفقه، وكان من فحول المناظرين، وقاضي القضاة بسمرقند، وشيخ الحنفية بعد أخيه الإمام فخر الإسلام علي البزدوي، تفقه عليه عبدالكريم بن محمد مصنف \" طلبة الطلبة\"، وأبو بكر محمد السمرقندي صاحب \" التحفة \" شيخ صاحب البدائع، (ت: ٤٩٣ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الجواهر المضِيَّة (٣/ ٣٢٢) (٤/ ٩٨)؛ الفوائد البهية (ص: ١٨٨)؛ هدية العارفين (٦/ ٧٧).\n(٤) يُنظر: كشف الأسرار للبخاري (٣/ ٣٤٤ - ٣٤٥).","vol":"1","page":705},{"text":"الدليل على انتساخه من شرعنا، ودليل أن شريعة من قبلنا تلزمنا: قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].\nفرد عليهم السرخسي: بأن قولك: شريعة من قبلنا تلزمنا، فهذا إنما يكون بسنة رسول الله - ﷺ - قولًا أو عملًا، وإذا ثبت أن شرع من قبلنا يصير شرعًا لنا بسنة الرسول - ﷺ - فيصبح التوجه إلى الكعبة الثابت في القرآن نسخًا للسنة المقرة لشرع من قبلنا، مع أن السنة المقرة لشرع من قبلنا ما ثبت من فعله - ﷺ - بمكة؛ فإنه - ﷺ - كان يصلي إلى الكعبة، ثم بعد مقدمه إلى المدينة صلى إلى بيت المقدس، فانتسخت السنة بالسنة، ثم لما نزلت فرضية التوجه إلى الكعبة في الكتاب؛ انتسخت السنة بالكتاب.\nثم ذكر السرخسي ما يُثبت أن نسخ الكتاب يجوز أن يكون بغير الكتاب، واستشهد بذلك بحديث أن الرسول - ﷺ - قرأ في صلاته بسورة المؤمنين، فأسقط منها آية، ثم قال بعد فراغه من صلاته: «ألم يكن فيكم أُبي (١)؟\nفقال: نعم يا رسول الله. قال: ما منعك أن تفتحها عليَّ؟ قال: ظننتُ أنها نسِخَت. فقال: لو نسخت لأنبأتكم بها» (٢).\nفاعتقد أُبي أن الآية نسخت بغير الكتاب. ودليل أنه اعتقد النسخ بغير الكتاب: أنه لو كان النسخ بالكتاب لعلمه؛ لأنه كاتب الوحي، فلما لم يعلمه دل أن قوله: (ظننت أنها نسخت) إشارة إلى أن النسخ غير الكتاب، ولم ينكر عليه النبي - ﷺ - اعتقاده ذلك، فإذا ثبت جواز نسخ التلاوة بغير الكتاب؛ فكذلك نسخ الحكم؛ لأن وجوب التلاوة والعمل بحكمها كل واحد منهما حكم ثابت بالكتاب.\n_________\n(١) هو: أبو المنذر وأبو الطفيل، أُبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجاري الأنصاري المدني، سيد القراء، وكاتب الوحي، شهد العقبة الثانية وبدرًا والمشاهد كلها، وجمع القرآن في حياة النبي - ﷺ -، وعرض على النبي - ﵇ - وحفظ عنه، اختلف في سنة وفاته، وأثبت الأقاويل أنه في خلافة عثمان - ﵁ - سنة ثلاثين.\n\nتُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١/ ٣٨٩)؛ الإصابة (١/ ٢٧)؛ معرفة القراء الكبار (١/ ٢٨).\n(٢) لم أقف عليه إلا في جامع الأصول (٥/ ٦٤٩).","vol":"1","page":706},{"text":"ثم استدرك أبو اليسر على جواب السرخسي فقال: الاستدلال بحديث أُبي ليس بقوي؛ لأن الواقعة كانت في زمان نزول الوحي، وربما اعتقد أُبي أن الآية التي أسقطها النبي - ﷺ - نسخت بآية أخرى قبل زمن الواقعة ولم يبلغه أنها نسخت؛ لضيق الوقت. أو لعل أُبيًّا ظن أن النسخ يكون بالإنساء (وهو رفع حفظه من القلوب).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-274> خامسًا: صيغة (ليس بشيء):</span>\n• المثال الأول:\nقال السمعاني في مسألة (هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟): \"وادعى أبو زيد في هذه المسألة قولًا ثالثًا وقال: إنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده على وجه الكراهة؛ لا على وجه التحريم.\nوهذا ليس بشيء؛ لأن الأمر إذا كان يفيد الوجوب؛ فلا بدَّ أن يقتضي الكفَّ عن ضده على وجه التحريم، حتى يستقيم حمله على الإيجاب. وقد أجمع الفقهاء على أن الأمر يفيد الإيجاب (١)، ومع هذا لا يكون لما قاله وجه - والله أعلم -\" (٢).\n• المثال الثاني:\nقال شهاب الدين ابن تيمية (٣): \"ولا أثر للترجيح بالذكورية والحرية خلافًا\n_________\n(١) لا يخفى عليك أن التعبير بالإجماع لا يستقيم؛ لوجود الخلاف في مسألة دلالة صيغة الأمر المطلقة، وإن كان ما ذكره السمعاني هو قول الجمهور. يُنظر: البرهان (١/ ٢١٦)؛ العدة (١/ ٢٢٤)؛ شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: ١٢٧)؛ فواتح الرحموت (١/ ٢٧٣).\n(٢) يُنظر: قواطع الأدلة (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤).\n(٣) هو: أبو المحاسن، وأبو أحمد، عبدالحليم بن عبدالسلام بن عبدالله بن أبي القاسم بن تيمية الحراني، الشيخ شهاب الدين، ابن الشيخ مجد الدين أبي البركات، وهو والد شيخ الإِسلام تقي الدين أبي العباس، قرأ المذهب على والده حتى أتقنه، ودرس وأفتى وصنف، وصار شيخ البلد بعد أبيه، له يد طولى في الفرائض والحساب، (ت: ٦٨٢ هـ).\nتُنظر ترجمته في: تاريخ الإسلام (٥١/ ١٠٤)؛ الوافي بالوفيات (١٨/ ٤٢)؛ ذيل طبقات الحنابلة (٤/ ١٨٥).","vol":"1","page":707},{"text":"لبعضهم في قولهم: يرجح بالحرية والذكورية، وهذا ليس بشيء\" (١).\n• المثال الثالث:\nقال الطوفي في مسألة (الترجيح في الأدلة): \"قوله: (وحُكِي عن ابن الباقلاني (٢) إنكار الترجيح في الأدلة كالبينات) أي قال: لا يرجح بعض الأدلة على بعض كما لا يرجح بعض البينات.\nقوله: (وليس بشيء) يعني قول الباقلاني هذا ليس بشيء؛ لأن العمل بالأرجح متعين عقلًا وشرعًا، وقد عمل الصحابة بالترجيح مجمعين عليه ... \" (٣).\n\n• سادسًا: صيغة (غير مرضي (٤)، ليس بمرضي):\n• المثال الأول:\nقال الجويني في مسألة (اتفاق فعل أهل الإجماع ولم يصدر قولهم): \"إذا اتفق أهل الإجماع على عمل، ولم يصدر منهم فيه قول؛ فقد قال قوم من الأصوليين:\n_________\n(١) يُنظر: المسودة (ص: ٢١١).\n(٢) إنكار الباقلاني الترجيح في الأدلة لأنه يقول بتساوي الأدلة، فيجعل للمجتهد التخيير بينها. وهو أول من تبنى هذا القول من الأصوليين، وهذه المسألة كلامية مبنية على القول بأنَّ كل مجتهد مصيب. يُنظر قول الباقلاني في: التلخيص (٣/ ٣٩١).\nوالحق الذي عليه السلف والجمهور: أنَّ كل مسألة لا بد لها من دليل شرعي، فلا يجوز عند التعارض أن نقول: تساوت الأدلة وتكافأت؛ بل يجب أن يكون بين الأدلة مرجح. يقول شيخ الإسلام: \"فالأدلة الدالة على العلم لا يجوز أن تكون متناقضة متعارضة، وهذا مما لا ينازع فيه أحد من العقلاء، ومن صار من أهل الكلام إلى القول بتكافؤ الأدلة والحيرة؛ فإنما ذاك لفساد استدلاله؛ إما لتقصيره، وإما لفساد دليله. ومن أعظم أسباب ذلك: الألفاظ المجملة التي تشتبه معانيها\". يُنظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧٤ - ٢٧٥). ويُنظر هذه المسألة في: المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين (ص: ٣٢٢ - ٣٢٣).\n(٣) يُنظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٧٩).\n(٤) وهذه الصيغة تكررت في عدة مواطن في البرهان والمستصفى.","vol":"1","page":708},{"text":"فعل أصحاب الإجماع كفعل رسول الله - ﷺ -. وقد سبق تفصيل المذاهب في أفعال رسول الله - ﵇ - (١).\nومتعلق هؤلاء: أن العصمة ثابته لأهل الإجماع ثبوتها للشارع؛ فكانت أفعالهم كفعل الشارع - ﷺ -. قال القاضي: وهذا غير مرضي عند المحققين من أوجه ... \" (٢).\n• المثال الثاني:\nذكر الصفي الهندي في مسألة (الاجتهاد في عصره - ﷺ - للحاضرين والغائبين عنه) أقوال الأصوليين، ومن بين هذه الأقوال: \"وثالثها: الذين قالوا بجواز ذلك مطلقًا إذا لم يوجد من ذلك منع، فأما إذا وجد ذلك فلا.\nوهذا ليس بمرضي؛ لأن ما بعده أيضًا كذلك، فلم يكن له خصوصية بزمانه - ﵇ - \" (٣).\n• المثال الثالث:\nقال الطوفي معللًا ذكر مبحث النسخ عقيب الكتاب والسنة: \"ثم لما كان النسخ لاحقًا للكتاب والسنة جميعًا؛ عقبناهما به، وما ذكره الغزالي عذرًا في تقديمه على السنة غير مرضي (٤)\n- والله أعلم -\" (٥).\n_________\n(١) يُنظر هذه المسألة في البرهان (١/ ٤٨٣ وما بعدها).\n(٢) يُنظر: البرهان (١/ ٧١٥ - ٧١٦).\n(٣) يُنظر: نهاية الوصول في دراية الأصول (٨/ ٣٨١٧).\n(٤) الغزالي ذكر النسخ بعد الكلام على الكتاب، وقبل الكلام على السنة، واعتذر عن ذلك بوجهين:\nالأول: أن النسخ أخص بالقرآن لإشكاله وغموضه بالنسبة إليه، مع اشتباهه بالبداء، واستحالة البداء على الله تعالى.\n\nالثاني: أن الكلام على السنة طويل؛ لتعلقه ببيان أحكام التواتر والآحاد، ومراتب ألفاظ الرواة، وغير ذلك، فكأنه قصد بضم النسخ إلى القرآن التعديل بينهما في المقدار. يُنظر: المستصفى (٢/ ٣٣).\n(٥) يُنظر: مختصر الروضة - البلبل في أصول الفقه - (٢/ ٢٥٠).","vol":"1","page":709},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-276> سابعًا: صيغة (غير مستقيم):</span>\n• المثال الأول:\nتعرض الغزالي لمذهب القاشاني والنهرواني في القياس (١)، وقدر سؤالًا منهما فقال: \"فإن قيل: إذا كانت العلة منصوصة؛ كان الحكم في الفرع معلومًا، ولم يكن مظنونًا، وحصل الأمن من الخطأ، وإن كانت مستنبطة لم يؤمن الخطأ ....\nأما قوله في العلة المستنبطة: إنه لا يؤمن فيها الخطأ؛ فهذا لا يستقيم على مذهب من يصوب كل مجتهد؛ إذ شهادة الأصل للفرع عنده كشهادة العدل عند القاضي، والقاضي في أمن من الخطأ وإن كان الشاهد مزورًا؛ لأنه لم يتعبد باتباع الصدق؛ بل باتباع ظن الصدق، وكذلك هاهنا لم يتعبد باتباع العلة؛ بل باتباع ظن العلة، وقد تحقق الظن\" (٢).\n• المثال الثاني:\nقال الزركشي في مسألة (تسمية القياس استدلالًا): \"وقد قال الشافعي في الرسالة (٣): إن القياس: الاجتهاد، وظاهر ذلك لا يستقيم؛ فإن الاجتهاد أعم من القياس، والقياس أخص؛ إلا أنه لما كان الاجتهاد في عرف الفقهاء مستعملًا في تعريف ما لا نص فيه من الحكم، وعنده أن طريق تَعرُّفِ ذلك لا يكون إلا بأن يُحمل الفرع على الأصل فقط، وذلك قياس عنده\" (٤).\n• المثال الثالث:\nقال البيضاوي: \"في المجمل: وفيه مسائل: الأولى: اللفظ إما أن يكون\n_________\n(١) يُنظر المثال الثاني في (ص: ٦٦٤) من هذا البحث.\n(٢) يُنظر: المستصفى (٣/ ٥٨٣ - ٥٨٥).\n(٣) (ص: ٤٧٣).\n(٤) البحر المحيط (٥/ ١١).","vol":"1","page":710},{"text":"مجملًا بين حقائقه؛ كقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أو أفراد حقيقة واحدة؛ مثل: ﴿أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، أو مجازاته إذا انتفت الحقيقة وتكافأت، فإن ترجَّح واحد؛ لأنه أقرب إلى نفي الحقيقة؛ كنفي الصحة من قوله: \"لا صلاة (١) \" و\"لا صيام\" (٢)، ... \" (٣).\nفاستدرك عليه الإسنوي في قوله: (أو مجازاته ...) فقال: \"واعلم أن ما قاله\nالمصنف هنا غير مستقيم (٤)،\nولم يذكره الإمام ولا أحد من أتباعه ...) (٥).\n_________\n(١) إشارة إلى حديث: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب». يُنظر: نهاية السول (١/ ٥٥٧). والحديث سبق تخريجه (ص: ٦٣١).\n(٢) إشارة إلى حديث: «لاَ صِيامَ لِمنْ لم يُبيت الصيام من الليل». يُنظر: نهاية السول (١/ ٥٥٧). والحديث في سنن أبي داود، ك: الصوم، ب: النية في الصيام، (٢/ ٣٢٩/ح: ٢٤٥٤)؛ سنن ابن ماجه، ك:، ب: ما جاء في فرض الصوم من الليل والخيار في الصوم، (١/ ٥٤٣/ح: ١٧٠٠)؛ سنن الترمذي، ك: الصوم، ب: ما جاء لا صيام لمن لم يَعْزمْ من الليل، (٣/ ١٠٨/ح: ٧٣٠)؛ سنن النسائي، ك: الصيام، ب: ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة (٢/ ١١٧/ح: ٢٦٤٥ - ٢٦٤٦). ويُنظر: نصب الراية (٢/ ٤٣٣). قال الألباني: صحيح. يُنظر: إرواء الغليل (٤/ ٢٥).\n(٣) منهاج الوصول -مطبوع مع نهاية السول - (١/ ٥٥٥).\n(٤) وسبب أنه غير مستقيم: أن الرازي ذكر مذهبين: الأول: أن المنفي مجمل مطلقًا؛ سواء كان شرعيًا أو لغويًا.\nالمذهب الثاني: فصّل فقال: إن كان الاسم المنفي شرعيًا فلا إجمال؛ لأن انتفاء المشروع ممكن بفوات شرطه أوجُزئه.\nوإن كان النفي لغويًا نظرنا، فإن كان له حكم واحد فلا إجمال فيه، وينصرف النفي إليه، وإن كان له حكمان: الفضيلة والجواز؛ تعين الإجمال.\n\nوما قاله البيضاوي من كونه ليس مجملًا، ولا محمولًا على الحقيقة الشرعية؛ بل على المجاز الأقرب إلى نفي الذات، خارج عن القولين في المحصول. يُنظر: المحصول (٣/ ١٥٧)؛ نهاية السول (١/ ٥٥٨ - ٥٥٩).\n(٥) يُنظر: نهاية السول (١/ ٥٥٨).","vol":"1","page":711},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-277> ثامنًا: صيغة (لا ينبغي):</span>\n• المثال الأول:\nقال الغزالي في مسألة (العموم هل له صيغة في اللغة أم لا؟): \"تنبيه: لا ينبغي أن يقول الواقفية: (الوقف في ألفاظ العموم واجب، أو الوقف فيما مخرجه مخرج العموم واجب) -فقد أطلق ذلك الشيخ أبو الحسن الأشعري وجماعة-؛ لأن المتوقف لا يسلم أنه لفظ العموم؛ كما لا يسلم أنه لفظ الخصوص؛ إلا أن يعني به أنه لفظ العموم عند معتقدي العموم؛ بل ينبغي أن يقول: التوقف في صيغ الجموع وأدوات الشرط واجب\" (١).\n• المثال الثاني:\nجاء في مختصر الروضة (٢): \"وينقسم اللفظ إلى لا أعمَّ منه، كالمعلوم، أو الشيء، ويُسمَّى: العام المطلق، وقيل: ليس بموجود، ... \".\nفقال الطوفي في شرحه: \"فأما قوله: (وقيل: ليس بموجود) فإشارة إلى العام المطلق، قيل: هو موجودٌ -كما سبق-، وقيل: ليس بموجود، وليس لنا عام مطلق.\nهذا ذكره الغزالي باعتبار، وتابعه الشيخ أبو محمد (٣) فجعله قولًا ثانيًا، ولنحكِ كلام الغزالي لِيَبِين ما ذكرناه، قال (٤): (واعلم أن اللفظ إما خاص في ذاته مطلقًا؛ نحو: زيد، وهذا الرجل. وإما عام مطلق؛ كالمذكور والمعلوم؛ إذ لا يخرج منه موجود ولا معدوم. وإما عام بالإضافة؛ كلفظ المؤمنين؛ فإنه عام بالإضافة إلى آحاد المؤمنين، خاص بالإضافة إلى جملتهم؛ إذ يتناولهم دون المشركين؛ فكأنه يسمى عامًّا من\n_________\n(١) يُنظر: المستصفى (٣/ ٢٢٤).\n(٢) (٢/ ٤٤٨).\n(٣) أي ابن قدامة المقدسي. يُنظر: روضة الناظر (٢/ ٨ - ٩).\n(٤) أي: الغزالي، ونقل الطوفي كلامه بنصه. يُنظر: المستصفى (٣/ ٢١٣).","vol":"1","page":712},{"text":"حيث شموله للآحاد، خاصًّا من حيث اقتصاره على ما شمله، وقصوره عما لم يشمله. ومن هذا الوجه يمكن أن يقال: ليس في الألفاظ عام مطلق؛ لأن لفظ (المعلوم) لا يتناول المجهول، والمذكور لا يتناول المسكوت عنه).\nقلت: فحاصل قوله (١): أن كل لفظ فهو بالنظر إلى شموله أفراد ما تحته عام، وبالنظر إلى اقتصاره على مدلوله خاص، وبهذا التفسير لا يبقى لنا عام مطلق؛ لكن هذا غير تفسيرنا العام المطلق بما لا أعم منه؛ لأن من الألفاظ ما يكون عامًّا لا أعم منه مع أنه مقصور الدلالة على ما تحته؛ فيكون حينئذ عامًّا مطلقًا؛ لا عامًّا مطلقًا باعتبارين، كما ذكر من التفسيرين؛ لكن مثل هذا لا ينبغي أن يحكى قولًا مطلقًا كما فعل الشيخ أبو محمد (٢)؛ لئلا يوهم أن في وجود العام المطلق بتفسير واحد قولين، وليس كذلك؛ بل نذكر ذلك بتفسيرين كما فعل الغزالي - رحمهما الله تعالى -\" (٣).\n• المثال الثالث:\nقال الزركشي في آخر مسألة (دخول المجتهد المبتدع في الإجماع): \"واعلم أنَّهُ كَثُرَ في عبارة المصنفين - خصوصًا في علم الكلام - أن يقولوا عن الرّافضة ونحوهم: خلافًا لمن لا يُعتَدُّ بخلافه، وهذا لا ينبغي ذِكرُهُ؛ لأنَّهُ كالتناقض من حيث ذكره، وقال: لا يُعتَدُّ بهِ إلا أن يكون قصدهم التَّشنيع عليهم بخلاف الإجماع\" (٤).\n_________\n(١) أي: حاصل قول الغزالي.\n(٢) وعبارة ابن قدامة: \"ثم العام ينقسم إلى: عام لا أعم منه يسمى: عامًّا مطلقًا؛ كالمعلوم يتناول الموجود والمعدوم، وقيل: الشيء. وقيل: ليس لنا عام مطلق؛ لأن الشيء لا يتناول المعدوم، والمعلوم لا يتناول المجهول\". روضة الناظر (٢/ ٨ - ٩).\nفتلحظ أن ابن قدامة ذكر قولين في تفسير العام باعتبار أنه لا أعم منه، وهذا ليس بصحيح؛ فإن العام بهذا الاعتبار ليس فيه إلا قول واحد، وأما القول الثاني الذي ذكره ابن قدامة - وقيل: ليس لنا عام مطلق- فهذا بالاعتبار الثاني، وهو العام الإضافي.\n(٣) يُنظر: شرح مختصر الروضة (٢/ ٤٦٢ - ٤٦٣).\n(٤) يُنظر: البحر المحيط (٤/ ٤٦٩).","vol":"1","page":713},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-278> المجموعة السابعة: صيغة (كان ينبغي)، (فيه نظر)، (عجيب)، (بعيد):</span>\n•<span data-type=\"title\" id=toc-279> أولًا: صيغة (كان ينبغي):</span>\n• المثال الأول:\nقال البزدوي في (تعريف العام): \"وذكر الجصاص - ﵀ - أن العام ما ينتظم جمعًا من الأسماء أو المعاني.\nوقوله: (أو المعاني) سهوٌ منه أو مُؤول؛ لأن المعاني لا تتعدد إلا عند اختلافها وتغايرها، وعند اختلافها وتغايرها لا ينتظمها لفظٌ واحد؛ بل يحتمل كل واحد منها على الانفراد، وهذا يسمى: مُشتركًا، وقد ذكر بعد هذا: أن المشترك لا عموم له، فثبت أنه سهوٌ منه أو مؤول، وتأويله: أن المعنى الواحد لما تعدد محلُّه يسمى: معاني مجازًا؛ لاجتماع محاله؛ لكن كان ينبغي أن يقول: (والمعاني)، والصحيح: أنه سهوٌ\" (١).\n• المثال الثاني:\nقال الطوفي في الفصل الرابع (في اللغات): \"واعلم أن الكلام في اللغات هو كالمدخل إلى أصول الفقه من جهة أنه أحد مفردات مادته؛ وهي: الكلام، والعربية، وتصور الأحكام الشرعية.\nفأصول الفقه متوقفة على معرفة اللغة؛ لورود الكتاب والسنة بهما اللذين هما أصول الفقه وأدلته، فمن لا يعرف اللغة لا يمكنه استخراج الأحكام من الكتاب والسنة.\nوقد كان ينبغي بموجب هذا أن يقدم الكلام في اللغات على غيره من الفصول المتقدمة تقديم مادة الشيء عليه؛ لكن قد بينت أني أقررت ترتيب أصل هذا المختصر (٢) على حاله غالبا\" (٣).\n_________\n(١) يُنظر: أصول البزدوي - مطبوع مع كشف الأسرار للبخاري - (١/ ٩٩ - ١٠١).\n(٢) وهو كتاب: روضة الناظر وجُنَّة المُناظر، لابن قدامة المقدسي.\n(٣) شرح مختصر الروضة (١/ ٤٦٨ - ٤٦٩).","vol":"1","page":714},{"text":"وقال أيضًا عند حديثه عن أصول الأدلة: \"قوله: (واختلف في أصول يأتي ذكرها) -إن شاء الله تعالى-، يعني أن الأصول ضربان: متفق عليه بين الجمهور، وهي الخمسة المذكورة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والاستدلال. ومختلف فيه، وهو أربعة: شرع من قبلنا، وقول الصحابي الذي لا مخالف له، والاستحسان، والاستصلاح، وهي على هذا الترتيب في المختصر، وبعدها القياس، وقد كان ينبغي أن يقدم عليها؛ ليكون كل واحد من الأصول المتفق عليها والمختلف فيها متواليًا لا يتخلله غيره؛ لكن قد أبنت عذري في ذلك أول الشرح؛ وهو أني اختصرت ولم أستقص أحوال الترتيب\" (١).\n• المثال الثالث:\nقال البيضاوي في (تقسيم الألفاظ باعتبار الدلالة): \"دلالة اللفظ على تمام مسماه مطابقة، وعلى جزئه تضمن، وعلى لازمه التزام (٢) \" (٣).\nفاستدرك عليه ابن السبكي فقال: \"الثاني: في التقسيم الذي ذكره مناقشات من وجوه: ...\nومنها: كان ينبغي أن يقول في المطابقة: من حيث هو تمامه، وفي التضمن: من\n_________\n(١) المرجع السابق (٢/ ٨).\n(٢) سبق تعريفها عند ابن جزي في الفصل الثالث (ص: ٢٩٨)، وسيأتي تعريفها في دراسة هذا الاستدراك أيضًا، وأكتفي بذكر أمثلة لها هنا، والإشارة إلى مراجع التعريف بهذه الدلالات وأمثلتها.\nمثال دلالة المطابقة: كدلالة لفظ (الإنسان) على الحيوان الناطق، ودلالة الأعلام على مسمياتها.\nمثال دلالة التضمن: كدلالة لفظ (الإنسان) على الحيوان فقط أو الناطق فقط؛ كدلالة (الأربعة) على الاثنين نصفها.\nمثال دلالة الالتزام: كدلالة لفظ (الإنسان) على قابلية العلم وصنعة الكتابة؛ كدلالة الأربعة على الزوجية.\nيُنظر: إيضاح المبهم (ص: ٦ - ٧)؛ آداب البحث والمناظرة (ص: ٢٠ - ٢٢)؛ ضوابط المعرفة (ص: ٢٨ - ٣٠).\n(٣) منهاج الوصول - مطبوع مع الإبهاج - (٣/ ٥١٧).","vol":"1","page":715},{"text":"حيث هو جزؤه، وفي الالتزام: من حيث هو لازمه؛ ليحترز به عن اللفظ المشترك بين الشيء وجزئه، ... \" (١).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك التاج السبكي على البيضاوي تعريف دلالة المطابقة والتضمن والالتزام، وقال: ينبغي إضافة قيد لكل تعريف، فيقال في تعريف دلالة المطابقة: دلالة اللفظ على تمام مسماه من حيث هو تمامه؛ أي دلالة اللفظ على تمام مسماه باعتبار أن هذا المسمى هو التمام.\nويقال في تعريف دلالة التضمن: دلالة اللفظ على جزء معناه من حيث هو جزؤه، أي دلالة اللفظ على جزء مسماه باعتبار أن هذا المسمى هو الجزء.\nويقال في دلالة الالتزام: دلالة اللفظ على لازم معناه من حيث هو لازمه، أي دلالة اللفظ على لازم مسماه باعتبار أن هذا المسمى هو لازم.\nوإنما قيدت التعريف بهذه القيود حتى يحترز عن اللفظ المشترك بين الشيء وجزئه؛ فإن دلالة المشترك على الجزء من حيث إنه جُزْءُ المعنى: دلالة تضمن، ودلالة المشترك على الجزء من حيث إنه تمام المعنى: دلالة مطابقة.\nفأصبح (الجزء) مدلولًا عليه بدلالتين: الأولى: المطابقة، والثانية: التضمن.\nفلذلك كان لا بد من هذه القيود، فبقيد (من حيث هو تمامه) في دلالة المطابقة، دخلت دلالة المشترك على الجزء في دلالة التضمن.\n_________\n(١) يُنظر: الإبهاج (٣/ ٥٢٦).","vol":"1","page":716},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-280> ثانيًا: صيغة (فيه نظر):</span>\n• المثال الأول:\nقال الرازي في مسألة (ترك الاستفصال في حكاية الحال هل تفيد العموم؟): \"قال الشافعي - ﵁ -: تركُ الاستفصال في حكاية الحال - مع قيام الاحتمال - ينزل منزلة العموم في المقال.\nمثاله: أن ابنَ غَيْلاَنَ (١)\nأسلم على عشر نسوة، فقال - ﵊ -: «أمسك أربعًا، وفارق سائرهن» (٢)، ولم يسأله عن كيفية ورود عقده عليهن في الجمع أو الترتيب، فكان إطلاقه القول دالًّا على أنه لا فرق بين أن تتفق تلك العقود معًا أو على الترتيب.\nوهذا فيه نظر؛ لاحتمال أنه - ﷺ - عرف خصوص الحال، فأجاب بناء على معرفته ولم يستفصل -والله أعلم-\" (٣).\n_________\n(١) هو: أبو عمرو، غيلان بن سلمة بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن عوف بن ثقيف الثقفي، من ساكني الطائف، وأحد وجوه ثقيف، كان شاعرًا، أسلم عام الفتح، مات في آخر ولاية عمر بن الخطاب.\n\nتُنظر ترجمته في: الطبقات الكبرى (٥/ ٥٠٥)؛ مشاهير الأمصار (ص: ٣٥)؛ الإصابة (٥/ ٣٣٠).\n(٢) تخريج مسند الشافعي (١/ ٢٧٤)؛ مصنف عبدالرزاق، ك: الطلاق، ب: من فرق الإسلام بينه وبين امرأته، (٧/ ١٦٢/ح: ١٢٦٢١)؛ مصنف ابن أبي شيبة، ك: النكاح، ب: ما قالوا فيه إذا أسلم وعنده عشر نسوة، (٤/ ٣/ح: ١٧١٨٢)؛ مسند أحمد، (٢/ ١٣ - ١٤/ح: ٤٦٠٩ - ٤٦٣١) (٢/ ٤٠/ح: ٥٠٢٧)؛ سنن ابن ماجة، ك: النكاح، ب: الرجل يُسْلِمُ وعنده أكثر من أربع نسوة، (١/ ٦٢٨/ح: ١٩٥٣)؛ سنن الترمذي، ك: النكاح، ب: ما جاء في الرجل يُسْلِمُ وعنده عشر نسوة، (٣/ ٤٣٥/ح: ١١٢٨)؛ المستدرك على الصحيحين، ك: النكاح، (٢/ ٢٠٩ - ٢١٠/ح: ٢٧٧٩ - ٢٧٨٣)، وذكر الحاكم أنه روي من طريق معمر بن راشد عن الزهري عن سالم بن عبدالله عن أبيه عن غيلان، وأن معمر بن راشد حدث به على الوجهين؛ أرسله مرة، ووصله مرة.\n(٣) يُنظر: المحصول (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٨). وممن استدرك على الشافعي في هذه المسألة أيضًا: إمام الحرمين، مستعملًا نفس الصيغة. يُنظر: البرهان (١/ ٣٤٦).","vol":"1","page":717},{"text":"• المثال الثاني:\nقال البيضاوي في مسألة (أقسام الواجب باعتبار وقته): \"الوجوب إن تعلق بالوقت، فإما أن يساوي الفعل كصوم رمضان وهو المضيق، أو يَنْقُصَ عنه فيمنعه مَن مَنَع التكليف بالمحال إلا لغرض القضاء؛ كوجوب الظهر على الزائل عذره وقد بقي قدر تكبيرة\" (١).\nفاستدرك عليه الإسنوي فقال: \"وإطلاق المصنف لفظ (القضاء) فيه نظر؛ لأن ذلك مخصوص بما إذا لم يمكن فعل ركعة في الوقت، فإذا فعل فهي أداء على المشهور عندنا، فالأحسن أن يقول: إلا لغرض التكميل خارج الوقت\" (٢).\n• المثال الثالث:\nقال المرداوي في مسألة (تعريف الحسن والقبح شرعًا): \"قوله (٣): (والقبيح ما نهي عنه). قاله ابن حمدان (٤) وغيره، فيشمل الحرام، وظاهره أنه يشمل المكروه؛ لأن المكروه منهي عنه نهي تنزيه، وهذا هو الصحيح.\nوأما خلاف الأولى فأدخله التاج السبكي في القبيح (٥)؛ وذلك لأنه شبيه بالمكروه في كونه منهيًا عنه نهي تنزيه، وإن كان النهي غير مقصود.\n_________\n(١) يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع نهاية السول- (١/ ٩٢).\n(٢) يُنظر: نهاية السول (١/ ٩٣).\n(٣) أي المرداوي في التحرير.\n(٤) هو: أبو عبدالله، أحمد بن حمدان بن شبيب بن حمدان الحراني الحنبلي، نجم الدين، الفقيه الأصولي الأديب القاضي، من مصنفاته: \"الرعاية الكبرى\" و\" الرعاية الصغرى\" كلاهما في الفقه، و\" المقنع\" في أصول الفقه، (ت: ٦٩٥ هـ).\nتُنظر ترجمته في: ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٣٣١)؛ شذرات الذهب (٥/ ٤٢٨)؛ هدية العارفين (٥/ ١٠٢).\n(٥) يُنظر: جمع الجوامع مع المحلى - مطبوع مع حاشية البناني - (١/ ١٦٨).","vol":"1","page":718},{"text":"وقال إمام الحرمين: (المكروه ليس حسنًا ولا قبيحًا؛ فإن القبيح: ما يذم عليه وهو لا يذم عليه، والحسن: ما يشرع الثناء عليه وهذا لا يشرع الثناء عليه) (١) ....\nوقال (٢): (قيل (٣): وينبغي على قول الإمام (٤) ذلك في المكروه أن خلاف الأولى كذلك؛ بل أولى بأن ينفى القبح عنه من حيث إن النهي فيه غير مقصود).\nقال: (وكذا المباح ينبغي أن يكون كذلك، فلا يكون حسنًا؛ لأن الحسن عنده ما يشرع الثناء عليه، وهذا لا يشرع الثناء عليه، ولا قبيحًا؛ لأن القبيح ما يذم عليه، وهو لا يذم عليه).\nقال (٥): (كون المكروه وخلاف الأولى من القبيح فيه نظر وإن صرح به التاج السبكي (٦».\nقال الزركشي: (ولم أره لغيره، وكأنه أخذه من إطلاق كثير أن القبيح: ما نهي عنه). قال: (ويمكن أن يريدوا النهي المخصوص - أي: نهي التحريم -؛ بل هو الأقرب لإطلاقهم ...) (٧) \" (٨).\n_________\n(١) هذه العبارة لم أجدها لإمام الحرمين بنصها ومعناها في البرهان (١/ ٣١٣)؛ والتلخيص (١/ ١٦٩ - ١٧٠).\n(٢) أي: البرماوي. يُنظر: الفوائد السنية في شرح الألفية للبرماوي (٢/ ٣٦٥).\n(٣) قائله: الزركشي في تشنيف المسامع، ذكر ذلك محقق الفوائد السنية في شرح الألفية للبرماوي. ويُنظر: تشنيف المسامع (١/ ٢٣٢).\n(٤) أي إمام الحرمين الجويني.\n(٥) أي: البرماوي، فالكلام مستمر له. يُنظر: الفوائد السنية في شرح الألفية للبرماوي (٢/ ٣٦٣).\n(٦) في جمع الجوامع، وعبارة البرماوي فيها نظر، فالذي صرح به ابن السبكي في جمع الجوامع هو خلاف الأولى لا المكروه. يُنظر: جمع الجوامع مع شرح المحلى - مطبوع مع حاشية البناني - (١/ ١٦٨).\n(٧) يُنظر: تشنيف المسامع (١/ ٢٣١). وعبر الزركشي في استدراكه على ابن السبكي نفس الصيغة الاستدراكية فقال: \"وفي إطلاق القبيح على خلاف الأولى نظر، ولم أره لغير المصنف\".\n(٨) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٢/ ٧٥٩ - ٧٦٠).","vol":"1","page":719},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-281> ثالثًا: صيغة (عجيب):</span>\n• المثال الأول:\nجاء في المسودة في مسألة (التخصيص بأفعال الرسول - ﷺ -): \"إذا قلنا: إن فعل النبي - ﷺ - شرع لأمته على الصحيح؛ فإنَّه يخصص بخاصة عموم قوله، جاء ذلك عن أحمد في مواضع، وهو قول المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنفية (٣) فيما ذكره القاضي (٤)، قال: إلا الكرخي (٥).\nوقال عبدالجبار بن أحمد (٦) بالوقف والتعارض، وكذلك حكى ابن عقيل (٧) عن بعض الشافعية كقول الكرخي، واختاره ابن برهان (٨) ونصره.\nواختار أبو الخطاب مثل قول شيخه (٩)، وذكر الحجج المعروفة في المسألة،\n_________\n(١) يُنظر: رفع النقاب عن تنقيح الشهاب (٣/ ٢٧٧ - ٢٧٩).\n(٢) يُنظر: الإحكام للآمدي (٢/ ٤٠٢).\n(٣) يُنظر: فواتح الرحموت (١/ ٣٥٤).\n(٤) أي القاضي أبو يعلى. يُنظر: العدة (٣/ ٥٧٣ - ٥٧٥).\n(٥) يُنظر: الأقوال الأصولية له (ص: ٦٣).\nورأيه هذا يرجع إلى كونه يرى أن فعل الرسول - ﷺ - خاص به لا يتناول غيره من أفراد الأمة إلا بدليل خاص آخر خلافًا للحنفية الذين يرون أن فعله - ﷺ - دليل قائم بنفسه يشمل أفراد الأمة، ولا يختص به - ﷺ - إلا بدليل مخصص. يُنظر: الفصول في الأصول (٣/ ٢١٥)؛ تيسير التحرير (٣/ ١٢٠ - ١٢١).\n(٦) المراد به: القاضي عبدالجبار بن أحمد الهمداني المعتزلي - وقد سبق ترجمته (ص: ٢٤١) -، ويُنظر قوله في المعتمد (١/ ٣٦١).\n(٧) يُنظر: الواضح في أصول الفقه (٣/ ٣٩٤).\n(٨) نسب هذا القول لابن برهان أيضًا في: أصول ابن مفلح (٣/ ٩٦٧)؛ البحر المحيط (٣/ ٣٨٧)، إلا أنه في \"الوصول إلى الأصول\" (١/ ٢٦٤) قال بتخصيص العموم بأفعال الرسول - ﷺ -.\n(٩) يقصد به القاضي أبا يعلى. يُنظر: العدة (٢/ ٥٧٣).","vol":"1","page":720},{"text":"وأجاب عن شبهة الخصم لما ادعى احتمال اختصاصه بالفعل بأنه خلاف الظاهر، وأن الأصل أنه وأمته سواء في الأحكام، ذكر هذا في موضعين: في باب العموم والتخصيص (١)، وفي كتاب الأفعال (٢)، وهذا شيء عجيب مناقض لاختياره من قبل أن أفعاله وما خوطب به واحد معين لا يتعدى إلا بدليل (٣) - وقد سبق - (٤) \" (٥).\n• المثال الثاني:\nقال ابن السبكي في مسألة (دلالة صيغة افعل المطلقة): \"واعلم أن الشيخ أبا إسحاق في شرح اللمع (٦) أورد من جهة المعتزلة: أن ما ذكرتموه من الآيات يدل على أوامر الله ورسوله يدلان على الوجوب، ونحن لا ننازع في ذلك؛ إنما ننازع في مقتضى اللفظ لغة.\nوأجاب: بأنهم متى سَلَّموا ذلك حصل المقصود؛ إذ المطلوب معرفة مقتضى أوامر الله وأوامر الرسول - ﷺ -.\nوغرضنا من إيراد هذا السؤال: أنه قد يؤخذ منه أن المعتزلة أو أن الشيخ أبا إسحاق اعتقد أنهم لا يخالفون في أن أوامر الله وأوامر رسوله - ﵊ - تقتضي الوجوب (٧)،\n_________\n(١) يُنظر: التمهيد (٢/ ١١٦).\n(٢) يُنظر: المرجع السابق (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١).\n(٣) يُنظر: التمهيد (١/ ٢٧٥).\n(٤) إشارة إلى مسائل الأفعال؛ حيث تعجب أيضًا من قول أبي الخطاب. يُنظر: المسودة (ص: ٥٤).\n(٥) يُنظر: المرجع السابق (ص: ٩٥).\n(٦) (١/ ٢٠٨).\n(٧) وقد علق محقق الإبهاج في تكملة هامش (٢) من (٤/ ١٠٤٧) - بعد أن ذكر جواب أبي إسحاق كاملًا من شرح اللمع-: \"فتبين بالجواب الثاني أن أبا إسحاق - رحمه الله تعالى - لا يعتقد هذا الاعتقاد الذي ذكره الشارح - رحمه الله تعالى -، وأعجب كيف فات على الشارح قراءة الجواب الثاني الذي فيه بيان معرفة أبي إسحاق أن هذا السؤال لا يصح من المعتزلة؛ إذ هو مخالف لمذهبهم، وإنما جوابه في الأول على سبيل التنزيل والتسليم، والسهو لا يكاد يسلم منه أحد\".\n*قلت: وأنت إذا تأملت كلام الشارح ابن السبكي لا تجده يقول: إن الشيخ أبا إسحاق يعتقد أن المعتزلة لا يخالفون في أن أوامر الله وأوامر رسوله - ﷺ - بأنها تقتضي الوجوب؛ وإنما هو يدفع وهمًا قد يقع في قراءة كلام الشيخ أبي إسحاق فيُظن أنه يقول ذلك ويعتقده.","vol":"1","page":721},{"text":"وذلك عجيب؛ فإن النقل عنهم بخلاف ذلك مُشتهر (١) \" (٢).\n• المثال الثالث:\nقال ابن الحاجب في مسألة (مرسل (٣) غير الصحابي): \"القائل مطلقًا تمسكوا بمراسيل التابعين، ولا يُفيدهم تعميمًا\" (٤).\nقال ابن السبكي في شرحه: \"واحتج القائل بالمراسيل مطلقًا: بأن العلماء تمسكوا بمراسيل التابعين؛ فإنها قبلت كما مر تقريره.\nقال المصنف (٥): (ولا يفيدهم تعميمًا)؛ فإنه يجوز اختصاص التابعين بمعنى يوجب قبول مراسيلهم؛ وهو كونهم من أئمة الحديث.\nوهذا ضعيف؛ فإنه ليس كل تابعي من أئمة النقل (٦)؛ بل فيهم الجاهل وغيره، والمصنف إنما أجاب بهذا؛ ليتمشى له تفصيله الذي ذهب إليه (٧)، ونحن جوابنا\n_________\n(١) ومذهب المعتزلة: حمل أوامر الله ورسوله - ﷺ - على الندب. يُنظر: المعتمد (١/ ٥٠ - ٥١).\n(٢) الإبهاج (٤/ ١٠٤٧).\n(٣) سبق تعريف المرسل في (ص: ٢٦٤).\n(٤) يُنظر المسألة في: مختصر ابن الحاجب (١/ ٦٣٦ - ٦٤٢).\n(٥) المراد به ابن الحاجب.\n(٦) المراد بأئمة النقل: من لهم أهلية الجرح والتعديل. يُنظر: رفع الجاجب (٢/ ٤٦٥)؛ تيسير التحرير (٣/ ١٠٢).\n(٧) وتفصيل ابن الحاجب في المرسل: أنه إن كان من أئمة النقل قبل؛ وإلا فلا. يُنظر: مختصر ابن الحاجب (١/ ٦٣٨).","vol":"1","page":722},{"text":"عن هذا قدمناه؛ وهو المنع (١).\nومن جواب المصنف هذا أخذ بعض الشارحين أن مراده (بأئمة النقل): التابعون، وهو عجيب؛ فإن في أئمة النقل من ليس بتابعي، وفي التابعين من ليس من أئمة النقل.\nوأي معنى يوجب اختصاص التابعي وإن كان عاميًّا، فالمأخذ إن كان كونه من أئمة النقل لا اختصاص له بالتابعي، وإن كان كونه تابعيًّا لا وجه له. ثم لا نعرف أن أحدًا قال به، وإنما المصنف ظن أن جميع التابعين من أئمة النقل فقال: من احتج بهم لم يستفد تعميمًا -أي: في أئمة النقل وغيرهم-؛ لأن غيرهم ليس في معناهم، وهذا حينئذ واضح، وقد عرفت ما فيه\" (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-282> رابعًا: صيغة (بعيد):</span>\n• المثال الأول:\nقال الجويني في (معنى الأحكام الشرعية): \"فأما الواجب فقد قال قائلون: الواجب الشرعي هو الذي يستحق المكلف العقاب على تركه، وهذا بعيد عن مذهب أهل الحق في الثواب والعقاب؛ فإنا لا نرى على الله تعالى استحقاقًا، والرب تعالى يعذب من يشاء، وينعم من يشاء\" (٣).\n• المثال الثاني:\nقال ابن قدامة في مسألة (هل النهي يقتضي الفساد؟): \"وحكي (٤) عن طائفة\n_________\n(١) يُنظر: رفع الحاجب (٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦).\n(٢) يُنظر: المرجع السابق (٢/ ٤٦٩).\n(٣) يُنظر: البرهان (١/ ٣٨٠).\n(٤) قول ابن قدامة (حكي) كأنه إشارة إلى اضطراب النقل في ذلك عن أبي حنيفة، فمن الأصوليين من نسب إليهم موافقة الجمهور بأن النهي يقتضي الفساد، ومنهم من نسب إليهم ما ذكره ابن قدامة. يُنظر مذهبهم في: أصول الجصاص (٢/ ١٧١)؛ أصول السرخسي (١/ ٨٠)؛ تيسير التحرير (٢/ ٩١).","vol":"1","page":723},{"text":"-منهم أبو حنيفة -: أن النهي يقتضي الصحة؛ لأن النهي يدل على التصور؛ لكونه يراد للامتناع، والممتنع في نفسه، المستحيل في ذاته، لا يمكن الامتناع منه؛ فلا يتوجه إليه النهي؛ كنهي الزَّمِن (١) عن القيام، والأعمى عن النظر، وكما أن الأمر يستدعي مأمورًا يمكن امتثاله؛ فالنهي يستدعي منهيًا يمكن ارتكابه إذا ثبت تصوره. فلفظات الشرع تحمل على المشروع دون اللغوي، فإذا نهى عن صوم يوم النحر؛ دل على تصوره شرعًا (٢) \" (٣).\nفاستدرك ابن قدامة على هذا القول فقال: \"وقولهم: إنه يدل على الصحة بعيد جدًّا فإنهم إذا لم يجعلوه دليلًا على الفساد مع قربه منه؛ كيف يجعلونه دليلًا على الصحة؟ ! \" (٤).\n• المثال الثالث:\nقال ابن الحاجب في مسألة (المباح هل هو مأمور به؟): \"المباح غير مأمور به، ... وقول الأستاذ (٥): (الإباحة تكليف) بعيد\".\n_________\n(١) زمن الرجل زمنًا وزمانة فهو زمنٌ: أي مُبْتَلى بمرض يدوم زمانًا طويلًا. يُنظر: الصحاح (ص: ٤٥٨)؛ المصباح المنير (١/ ٢٥٦).\n(٢) خلاصة دليل الإمام أبي حنيفة ومن معه: أنه لما استحال أن يقال للأعمى: لا تبصر، وللزمن: لا تَطِرْ؛ علمنا استحالة النهي عن هذه الأمور؛ لعدم تصور إمكان وقوعه، وهذا دليل على أن صحة النهي تعتمد على تصور وقوع المنهي عنه، فاقتضى ذلك أن النهي يدل على الصحة؛ ولذلك نجد الحنفية صححوا بيع درهم بدرهمين، فأثبتوا الملك في أحد الدرهمين ويرد الدرهم الآخر؛ لأن النهي يدل على الصحة، والصحة عبارة عن ترتيب الآثار والتمكن من التصرفات. يُنظر: شرح مختصر الروضة (٢/ ٤٣٤).\n(٣) يُنظر: روضة الناظر (١/ ٦٠٦).\n(٤) يُنظر: المرجع السابق (١/ ٦١١).\n(٥) المراد به: أبو إسحاق الإسفرائيني، ومر تأويل قوله في هامش (ص: ٦٨١).","vol":"1","page":724},{"text":"• المجموعة الثامنة: صيغ التذييل (١)، وفيها خمس صيغ.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-284> أولًا: التذييل بـ (التدبر):</span>\n• المثال الأول:\nجاء في المسودة (٢) بعد أن ذكر حالات المطلق مع المقيد: \"وجميع ما ذكرنا هو في المقيد نطقًا -كما مثلنا به آنفًا-، فأمَّا إن كانت دلالة القيد من حيث المفهوم دون اللفظ فكذلك أيضًا على أصلنا وأصل من يرى دليل الخطاب ويقدم خاصه على العموم، فأمَّا من لا يرى دليل الخطاب، أولا يخصص العموم به؛ فيعمل بمقتضى الإطلاق، فتدبر ما ذكرناه؛ فإنه يغلط فيه الناس كثيرًا\".\n• المثال الثاني:\nقال الجويني في مسألة (التعليل بالعلة القاصرة): \"ثم ذكر أصحابنا في إيضاح فائدة العلة القاصرة طرقًا نحن نذكر ما نرتضي منها؛ فمنها: أن قالوا: فائدتها ثبوت الحكم عند ثبوتها، وانتفاؤه عند انتفائها. وهذا القائل لا يجوز تعليل الحكم بالعلة اللازمة التي يتوقع زوالها مع وجود ما علل حكمه، وهذه الطريقة فيها نظر، والصحيح: جواز التعليل بالعلة اللازمة والمتحولة. وذكر بعضهم أن فائدة التعليل بالثمنية: نفي الربا عن الجواهر التي لا تتحقق فيها الثمنية.\nفإن قال قائل: فالذي ذكرتموه هو العكس بعينه، والعكس ليس من شرط صحة العلة، فكأنكم حصرتم فائدة العلة في عكسها.\nوالجواب عن ذلك أن نقول: لسنا نشترط الانعكاس أصلًا، ولا مهما ثبت حكم في صورة بنص أو غيره، وانتفى الدليل عن مثل ذلك الحكم في غير تلك الصورة،\n_________\n(١) ذكر الحموي في الفرق بين (التذنيب) و(التذليل): أن التذنيب إلحاق ما قل بما قبله، والتذييل إلحاق ما كثر بما قبله. يُنظر: غمز عيون البصائر (١/ ٢٧٨).\n(٢) (ص: ١١١).","vol":"1","page":725},{"text":"واقتضى السبر جلب علة قاصرة، فنعلم عند بطلان طرد العلة تعديها وانتفاء سائر الأدلة في غير الصورة المطلوب تعليلها أن الحكم ينتفي بغير الصورة المعللة، فتدبر ذلك\" (١).\n• المثال الثالث:\nقال ابن السبكي في (ترجيح الأقيسة بحسب الدليل الدال على علية الوصف للحكم): \"الترجيح بحسب الدليل الدال على علية الوصف للحكم على أقسام: ... الرابع: يرجَّحُ القياس الذي تثبت عليَّةُ وصفه بالدوران على الثابت بالسبر (٢) وما بعده؛ لاجتماع الاطراد والانعكاس في العلية المستفادة من الدوران دون غيره؛ بل قد قدمه (٣) بعضهم على المناسبة محتجًا بأن المطردة المنعكسة أشبه بالعلل العقلية.\nوهذا ضعيف؛ فإن سبيل العلل الشرعية سبيل الأمارات، والعقلية - عند القائل بها - موجبة؛ فلا يمكن اعتبار تلك بهذه.\nقال القاضي أبو بكر في التلخيص (٤) وباختصار إمام الحرمين في الكلام على البسيطة والمركبة: (مضاهاة العلل العقلية لا أصل له؛ فإن السمعية لا تضاهي العقلية أبدًا). فتدبر ذلك\" (٥).\n_________\n(١) يُنظر: التلخيص (٣/ ٢٨٦ - ٢٨٧).\n(٢) المراد بالسبر هنا: السبر المظنون، أما السبر المقطوع - وهو ما كانت مقدماته قطعية - فإن العمل به متعين، وليس من قبيل الترجيح. يُنظر: المحصول (٤/ ٤٥٧).\n(٣) أي قدم بعضهم القياس الثابت علته بالدوران على القياس الثابت علته بالمناسبة.\n(٤) (٣/ ٣٢٩).\n(٥) يُنظر: الإبهاج (٧/ ٢٨٤٨).","vol":"1","page":726},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-285> ثانيًا: التذييل بـ (التأمل) </span>(١).\n• المثال الأول:\nذكر الآمدي في مسألة (مفهوم المخالفة في الصفة) استدراكًا مقدرًا من الخصم القائل بعدم حجية هذا النوع من المفهوم على استدلال القائلين بحجيته بأخبار الآحاد: \"ولقائل أن يقول: ما ذكرتموه من أخبار الآحاد لا نسلم كونه حجة في مثل هذه القاعدة، وإن سلمنا أنه حجة؛ ولكن يمتنع التمسك به لوجهين: ... الوجه الثاني: أن تخصيص نفي المغفرة بالسبعين يدل على انتفاء المغفرة بالسبعين قطعًا ضرورة صدق الله تعالى في خبره، ومن قال بدليل الخطاب؛ فهو قائل بأنه يدل على نقيض حكم المنطوق في محل المسكوت، وعند ذلك فلو دل اختصاص السبعين بنفي المغفرة قطعًا على نقيضه في محل السكوت؛ لكان دالًّا على وقوع المغفرة بعد السبعين، وذلك إما أن يكون قطعًا أو ظنًا:\nالأول خلاف الإجماع، وخلاف ما ذكرناه من الآية الدالة على امتناع المغفرة بعد السبعين.\nوالثاني فليس نقيضًا لنفي المغفرة قطعًا؛ بل هو مقابل، والمقابل أعم من النقيض؛ فلا يكون ذلك من باب دليل الخطاب، وفيه دقة فليتأمل\" (٢).\n• المثال الثاني:\nقال ابن السبكي في مسألة (أدلة الإجماع): \"واستدل الغزالي - ﵀ - بقوله - ﷺ -: «لاَ تَجْتَمِعُ أُمَّتِي ..» من وجهين:\nأحدهما: تواتر المعنى؛ لكثرتها ...\n_________\n(١) وهذه الصيغة يكثر منها القاسم العبادي في الآيات البينات، وأمير حاج في التقرير والتحبير.\n(٢) يُنظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٩٣ - ٩٤).","vol":"1","page":727},{"text":"والثاني: من الوجهين اللذين قررهما الغزالي في طريق الاستدلال من الحديث أنا لا ندعي الاطراد؛ بل علم الاستدلال، وقرره من وجهين:\nأحدهما: شهرة الأحاديث بين الصحابة والتابعين، وتمسكهم بها من غير نكير ...\nوالثاني: أن المحتجين بهذه الأخبار أثبتوا بها أصلًا مقطوعًا، وهو الإجماع، ويستحيل عادة التسليم بخبر رفع المقطوع إلا إذا استند إلى مقطوع به.\nقلت: وهذا ما ذكره المصنف (١) بقوله: (تلقي الأمة لها بالقبول).\nواعترض (٢): بأن ذلك لا يخرجها عن الآحاد، فلا يكون مقطوعًا، فلا يستدل على الإجماع به؛ إما للزوم الدور على ما ادعاه؛ أو لأنه لا بد في الدليل على حجية الإجماع من قاطع.\nولقائل أن يقول: تلقي الأمة للخبر بالقبول وإن لم يخرجه عن الآحاد، فلا يلزم أن يكون مظنونًا؛ لأن خبر الواحد قد تعضده قرينة تصيره مقطوعًا، وجاز أن تكون القرينة هي تلقيهم بالقبول فيستدل به على الإجماع. ولم يدع الغزالي غير هذا، فتأمل هذا، فقد صرح في الوجهين الأخيرين باستفادة القطع منه ... فمن فهم عن الغزالي أنه أراد خبر واحد مجرد عما يعضده وهو يصيره مفيدًا للعلم؛ فقد فهم ما صرح بخلافه.\nثم نقول: هذا الطريق الثاني (٣) هو الذي اعتمده صاحب الكتاب (٤)، وركَّب منه دليليه السابقين (٥) فافهمه، وبهذا يتضح لك أن ما رده هنا هو ما استدل به ثَمَّ،\n_________\n(١) أي ابن الحاجب في مختصره. يُنظر: مختصر ابن الحاجب (١/ ٤٣٩).\n(٢) أي اعترض على كلام الغزالي في الوجه الثاني في طريق الاستدلال من الحديث.\n(٣) وهو الوجه الثاني للغزالي: علم الاستدلال بالوجهين اللذين ذكرهما.\n(٤) أي ابن الحاجب في مختصره.\n(٥) أي الدليلين اللذين استدل بهما ابن الحاجب في أول المسألة؛ وهو قوله: \"الأدلة منها: أجمعوا على القطع بتخطئة المخالف، والعادة تحيل إجماع هذا العدد الكثير من العلماء المحققين على قطع في شرعي من غير قاطع، فوجب تقدير نص فيه، ... ومنها: أجمعوا على تقديمه على القاطع، فدل على أنه قاطع؛ وإلا تعارض الإجماعان؛ لأن القاطع مقدم\". يُنظر: مختصر ابن الحاجب (١/ ٤٣٦ - ٤٣٧)؛ مختصر ابن الحاجب -مطبوع مع رفع الحاجب- (٢/ ١٤٥ - ١٤٦، ١٥٠).","vol":"1","page":728},{"text":"فتأمل هذا\" (١).\n• المثال الثالث:\nقال أمير حاج في مسألة (يرد على العام التخصيص): \"ثم الظاهر أنه يأتي في هذا الخلاف (٢) أنه لفظي كما فيما قبله (٣) فليتأمل\" (٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-286> ثالثًا: التذييل بـ (فليتنبه):</span>\n• المثال الأول:\nقال الغزالي في مسألة (تكليف المكره): \"فعل المكره يجوز أن يدخل تحت التكليف ... وقالت المعتزلة: إن ذلك محال؛ لأنه لا يصح منه إلا فعل ما أكره عليه فلا يبقى له خيرة (٥).\nوهذا باطل؛ لأنه قادر على تركه؛ ولذلك يجب عليه ترك ما أكره عليه إذا أكره على قتل مسلم، وكذلك لو أكره على قتل حية فيجب قتل الحية، وإذا أكره على إراقة الخمر؛ فيجب عليه إراقة الخمر.\nوهذا ظاهر؛ ولكن فيه غور (٦)؛ وهو أن الامتثال إنما يكون طاعة إذا كان\n_________\n(١) يُنظر: رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (٢/ ١٥٧ - ١٦٥).\n(٢) الخلاف في التخصيص بالخبر والإنشاء.\n(٣) التخصيص بالعقل.\n(٤) يُنظر: التقرير والتحبير (١/ ٣٠٨).\n(٥) يُنظر: المعتمد (١/ ١٦٥).\n(٦) غور كل شيء: قعره وعمقه، يقال: سَبَر غوره: تبيَّن حقيقته وسره. يُنظر: الصحاح (ص: ٧٨٨)؛ المعجم الوسيط (ص: ٦٦٦) مادة: (غور).","vol":"1","page":729},{"text":"الانبعاث له بباعث الأمر والتكليف دون باعث الإكراه، فإن أقدم للخلاص من سيف المكره لا يكون مجيبًا داعي الشرع، وإن انبعث بداعي الشرع - بحيث كان يفعله لولا الإكراه؛ بل كان يفعله لو أكره على تركه - فلا يمتنع وقوعه طاعة؛ لكن لا يكون مكرهًا وإن وجد صورة التخويف، فليتنبه لهذه الدقيقة\" (١).\n• المثال الثاني:\nذكر الزركشي في تنبيهاته على مسألة (ورود العام على سبب خاص) قول ابن دقيق العيد في تحرير محل الخلاف فقال: \"وقال ابن دقِيقِ العِيدِ في شرح الإِلْمَامِ (٢) وَالعُنْوَانِ: محلُّ الخلاف فيما إذا لم يقتضِ السِّياقُ التَّخصِيص به، فإن كان السُّؤال والجواب مَنشَؤُهُمَا يقتضي ذلك؛ فهو مُقتَضٍ لِلتَّخصيص بلا نزاعٍ؛ لأنَّ السِّياقَ مُبيِّنٌ للمُجملاتِ، مُرجِّحٌ لبعض المُحْتَمَلَاتِ، ومُؤكِّدٌ للواضحاتِ. قال: فليتنبه لهذا، ولَا يُغلَطْ فيه، ويجب اعتبار ما دلَّ عليه السِّياقُ وَالقرائن؛ لأنَّ بذلك يتبيَّنُ مقصود الكلام\" (٣).\n• المثال الثالث:\nقال أمير حاج في مسألة (يرد على العام التخصيص): \" ... ولا خفاء أنه\n_________\n(١) يُنظر: المستصفى (١/ ٣٠٢ - ٣٠٣).\n(٢) الإلمام في أحاديث الأحكام، للشيخ تقي الدين محمد بن علي المعروف بابن دقيق العيد الشافعي (ت: ٧٠٢ هـ)، جمع فيه متون الأحاديث المتعلقة بالأحكام مجردة عن الأسانيد، ثم شرحه وبرع فيه وسماه: \"شرح الإلمام\"، قيل: إنه لم يؤلف في هذا النوع أعظم منه؛ لما فيه من الاستنباطات والفوائد. و\" للإمام \"شروح كثيرة غير شرح ابن دقيق. يُنظر: كشف الظنون (١/ ١٥٨)؛ إيضاح المكنون (٤/ ١٢٠)؛ هدية العارفين (٦/ ١٤٠).\nويُنظر كلام ابن دقيق العيد في شرح الإلمام (١/ ٢٧٣ - ٢٧٤).\n(٣) يُنظر: البحر المحيط (٣/ ٢١٣).","vol":"1","page":730},{"text":"على كل من هذين (١) لا حجة في الآيتين (٢) على هذا المطلوب أصلًا (٣) فضلًا أن يكونا (٤) دليلين قطعيين فيه (٥)، فليتنبه\" (٦).\n• بيان الاستدراك:\nاستدرك أمير حاج على استدلال القائلين بجواز تخصيص الخبر بالآيتين، حيث يرى أن الآيتين باقيتان على عمومهما.\n_________\n(١) أي حمل الشيء في الآيتين على:\n١ - الممكن. ٢ - المشيء. قال أمير حاج: \"بناء على أن المراد بشيء ما يطلق عليه لفظ (شيء) لغة كما ذكرنا آنفًا، فيشمل الواجب والممكن والممتنع، ثم يكون مخصوصًا في الآيتين بالممكن؛ لامتناع وقوع الخلق والقدرة على ذاته وسائر الممتنعات كالجمع بين الضدين، وقد أسلفنا في مسألة: المخاطب داخل في عموم متعلق خطابه ما قاله البيضاوي عن غير المعتزلة من أن الشيء فيهما بمعنى المشيء وأنه فيهما على عمومه\". يُنظر: التقرير والتحبير (١/ ٣٠٧). وكلام البيضاوي الذي ذكره في مسألة: المخاطب داخل في عموم متعلق خطابه هو: \"وقال القاضي البيضاوي: الشيء يختص بالموجود؛ لأنه في الأصل مصدر شاء، أطلق بمعنى شاء تارة، وحينئذ يتناول الباري تعالى؛ كما قال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [الأنعام: ١٩]، وبمعنى مشيء أخرى، أي مشيء وجوده، وما شاء الله وجوده فهو موجود في الجملة، وعليه قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠، ١٠٩، ١٤٨/ آل عمران: ١٦٥/ النحل: ٧٧/ النور: ٤٥/ العنكبوت: ٢٠/ فاطر: ١]، ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦/الزمر: ٦٢]، فهما على عمومهما بلا مثنوية، والمعتزلة لما قالوا: الشيء ما يصح أن يوجد وهو يعم الواجب والممكن، أو ما يصح أن يعلم ويخبر عنه فيعم الممتنع أيضًا؛ لزمهم التخصيص بالممكن في الموضعين بدليل العقل\". يُنظر: التقرير والتحبير (١/ ٢٩٠).\n(٢) المراد بالآيتين: الآية الأولى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦/الزمر: ٦٢].\nوالآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠/ هود: ٤/ الروم: ٥٠/ الشورى: ٩/ الحديد: ٢/ التغابن: ١/ الملك: ١].\n\nيُنظر: التقرير والتحبير (١/ ٣٠٨).\n(٣) المطلوب: جواز تخصيص الخبر.\n(٤) أي الآيتين.\n(٥) أي تخصيص الخبر.\n(٦) يُنظر: التقرير والتحبير (١/ ٣٠٨).","vol":"1","page":731},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-287> رابعًا: التذليل بـ (الفهم):</span>\n• المثال الأول:\nقال الإسنوي (١) في مسألة (الترجيح بين الأخبار): \"قال (٢): (الرابع: بوقت وروده؛ فتُرَجَّح المدنيات، والمشعر بعُلُو شأن الرسول - ﵊ -، والمُتَضَمن للتخفيف، والمطلق على متقدم التاريخ، والمُؤَرَّخ بتاريخ مُضيق، والمُتحَمَّل في الإسلام).\nأقول (٣): الوجه الرابع: الترجيح بوقت ورود الخبر، وهو ستة أقسام، ذكرها الإمام (٤) وضعفها، فافهم ذلك\" (٥).\n• المثال الثاني:\nقال ابن الحَاجِب في مسألة (إذا وافق الخاص حكم العام هل يخصصه؟): \"الجمهور إذا وافق الخاص حكم العام فلا تخصيص (٦) خلافا لأَبِي ثَوْرٍ (٧)؛\nمثل:\n_________\n(١) وهو من أكثر من يستخدم هذه الصيغة في نهاية السول، وسبق ذكر مثال آخر للصيغة من نهاية السول (ص: ١٦٧).\n(٢) أي البيضاوي في منهاج الوصول.\n(٣) الكلام للإسنوي.\n(٤) قال الرازي بعد أن ذكر هذه الوجوه في الترجيح: \"واعلم أن هذه الوجوه في الترجيح ضعيفة، وهي لا تفيد إلا خبالًا ضعيفًا في الترجيح\". يُنظر: المحصول (٥/ ٤٢٨).\n(٥) نهاية السول (٢/ ٩٩٣).\n(٦) يُنظر: الإحكام للآمدي (٢/ ٤٠٨)؛ شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: ٢١٩)؛ شرح الكوكب المنير (٣/ ٣٨٦)؛ تيسير التحرير (٣/ ٣٨٦).\n(٧) هو: أبو عبدالله، إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي الشافعي، قيل: كنيته: أبو عبدالله، ولقبه: أبو ثور، كان أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعًا وفضلًا، ممن صنف الكتب، وفرع السنن، وذب عنها، وقمع مخالفيها، (ت: ٢٤٠ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: طبقات الحفاظ (١/ ٢٢٦)؛ الطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٢/ ٧٤)؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٥٥).","vol":"1","page":732},{"text":"«أَيُّمَا إِهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ»، وقوله - ﵊ - في شاة ميمونة: «دِبَاغُهَا طَهُورُهَا» (١). لنا: لا تعارض؛ فليعمل بهما. قالوا: المفهوم يخصص العموم. قلنا: مفهوم اللقب مردود\" (٢).\nقال ابن السبكي في شرحه: \"لنا: أن المخصص لا بد أن يكون بينه وبين العام تعارض، ولا تعارض بين الكل والبعض في الحكم إذا حكم عليهما بحكم واحد، فليعمل بهما.\nوأبو ثور ومتابعوه قالوا: مفهوم تخصيص الفرد بالذكر كما في: «دِبَاغُهَا طَهُورُهَا» نفى الحكم عن المخالف، والمفهوم تخصيص العموم.\nقلنا: إنما يخصص العموم من المفاهيم ما تقوم به الحجة، فأما مفهوم اللقب\n-كالشاة-؛ فإنه مردود ...\nوأنا أقول: إن أبا ثور لا يستند إلى أن مفهوم اللقب حجة؛ فإن غالب الظن أنه لا يقول به، ولو قال به لكان الظاهر أنه يحكى عنه، فقد حكى (٣) عن الدقاق وهو دونه؛ ولكنه يجعل ورود الخاص بعد تقدم العام قرينة في أن المراد بذلك العام هذا الخاص، ويجعل العام كالمطلق، والخاص كالمقيد، وليس ذلك قولًا منه بمفهوم اللقب فافهمه\" (٤).\n_________\n(١) الحديث في الصحيحين بألفاظ قريبة من المذكور من حديث ابن عباس في شاة ميمونة - ﵃ -. يُنظر: صحيح البخاري، ك: البيوع، ب: جلود الميتة قبل أن تدبغ، (٢/ ٧٧٤/ح: ٢١٠٨)، ك: الذبائح والصيد والتسمية على الصيد، ب: جلود الميتة، (٥/ ٢١٠٣/ح: ٥٢١١)؛ صحيح مسلم، ك: الحيض، ب: طهارة جلود الميتة بالدباغ، (١/ ٢٧٦ - ٢٧٧/ح: ٣٦٣ - ٣٦٦).\n(٢) يُنظر: مختصر ابن الحاجب (٢/ ٨٤٨ - ٨٤٩).\n(٣) أي: حكي عن ابن الدقاق قوله بأن مفهوم اللقب حجة.\n(٤) يُنظر: رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (٣/ ٣٥٢).","vol":"1","page":733},{"text":"• المثال الثالث:\nقال الشوكاني في مسألة (هل كل مجتهد مصيب في المسائل الشرعية التي لا قاطع فيها؟) في رده على القائلين بأن كل مجتهد مصيب: \"وأما الاستدلال بمثل قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥] فهو خارج عن محل النزاع؛ لأن الله سبحانه قد صرح في هذه الآية بأن ما وقع منهم من القطع والترك هو بإذنه - ﷿ -، فأفاد ذلك أن حكمه في هذه الحادثه بخصوصها هو كل واحد من الأمرين، وليس النزاع إلا فيما لم يرد النص فيه بأنه سبحانه يريد بخصوصها هو كل واحد من الأمرين، وأن حكمه على التخيير بين أمور يختار المكلف ما شاء منها كالواجب المخير، أو أن حكمه يجب على الكل حتى يفعله البعض فيسقط عن الباقين كفروض الكفايات، فتدبر هذا وافهمه حق فهمه\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-288> خامسًا: التذييل بـ (بالعلم):</span>\n• المثال الأول:\nقال الجويني في مسألة (القول في تعارض الأفعال بعضها مع بعض، وتعارضها مع الأقوال): \"اعلم - وفقك الله - أن التعارض بين القولين إنما يتحقق إذا تنافت مقتضياتهما في كل الوجوه؛ بأن يتعلقا بحكمين متنافيين في شخص واحد في حالة واحدة على وجه يستحيل في المعقول تقدير ثبوتهما جمعيًا، ولا يتحقق التعارض في خبرين متعلقين بحكمين في شخصين، أو شخص واحد في وقتين وحالين.\nفإن قيل: ألستم قلتم في تعارض العمومين: إنهما إذا تقابلا وأمكن حملهما على وجه يجمع فيه بينهما فهما [متعارضان] (٢)؟ قلنا: إنما ذلك لأن الوجه الذي نقدره ليس\n_________\n(١) يُنظر: إرشاد الفحول (٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨).\n(٢) في أصل التلخيص [المتعارضين] وما أثبتناه الصواب، وأشار إلى ذلك محقق التلخيص في (٢/ ٢٥١) هامش (٢).","vol":"1","page":734},{"text":"بأولى من وجه يقابله ولم يدل على ذلك الوجه دليل يرشدنا إليه، فتوقفنا على قضية الدليل، وليس هذا من التعارض الحقيقي فاعلمه؛ ولكنه يجوز تقدير التعارض فيه، ويجوز تقدير حملها على وجه يستعملان فيه؛ غير أنا لم نجد معتصمًا في ذلك توقفنا على تتبع الأدلة، فهذا إذا توقف منا وليس يقطع على التعارض الحقيقي؛ وإنما التعارض الحقيقي الذي يقطع به في لفظين نصين في حكمين متنافيين على وجه يستحيل الجمع بينهما\" (١).\n• المثال الثاني:\nقال الإسنوي في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أو المرة؟): \"الصحيح عند الإمام فخر الدين (٢) والآمدي (٣) وابن الحاجب (٤) وغيرهم: أن الأمر المطلق لا يدل على تكرار ولا على مرة؛ بل على مجرد إيقاع الماهية، وإيقاعها وإن كان لا يمكن في أقل من مرة إلا أن اللفظ لا يدل على التقييد بها حتى يكون مانعًا من الزيادة؛ بل ساكتًا عنه .... واختار إمام الحرمين (٥) التوقف، ونقل عنه ابن الحاجب (٦) تبعًا للآمدي (٧) اختيار الأول، وليس كذلك فاعلمه\" (٨).\n_________\n(١) يُنظر: التلخيص (٢/ ٢٥١).\n(٢) يُنظر: المحصول (٢/ ٩٨).\n(٣) يُنظر: الإحكام للآمدي (٢/ ١٩١).\n(٤) يُنظر: مختصر ابن الحاجب (١/ ٦٥٨).\n(٥) يُنظر: البرهان (١/ ٢٢٩).\n(٦) يُنظر: مختصر ابن الحاجب (١/ ٦٥٨).\n(٧) الذي في الإحكام للآمدي: أن إمام الحرمين يميل إلى الوقف، ونص ما في الإحكام: \"منهم من توقف في الزيادة ولم يقض فيها بنفي ولا إثبات، وإليه ميل إمام الحرمين والواقفية\". يُنظر: الإحكام للآمدي (٢/ ١٩١). ولعل نسخة الإحكام التي كانت عند الإسنوي نسخة سقيمة؛ كما حدث للأصفهاني شارح المحصول عند نقله كلام الآمدي في هذه المسألة، وتعقبه ابن السبكي، وقد مرت سابقًا. يُنظر: (ص: ١٩٨) من هذا البحث.\n(٨) يُنظر: التمهيد للإسنوي (ص: ٢٢٨ - ٢٢٩).","vol":"1","page":735},{"text":"• المثال الثالث:\nذكر المرداوي في مسألة (دلالة صيغة النهي): \"الثامن: الأدب؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]؛ ولكن هذا راجع للكراهة؛ إذ المراد: لا تتعاطوا أسباب النسيان؛ فإن نفس النسيان لا يدخل تحت القدرة حتى ينهى عنه. وبعضهم يعد من ذلك الخبر، وليس للخبر مثال صحيح، ومثله بعضهم بقوله تعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، وهذا المثال إنما هو للخبر بمعنى النهي؛ لا للنهي بمعنى الخبر، وهو المراد هنا فليعلم\" (١).\n_________\n(١) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٥/ ٢٢٨١).","vol":"1","page":736},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-289> المطلب الثاني\nصيغ الاستدراك غير الصريحة، وتطبيقاتها</span>\nالمراد بصيغ الاستدراك غير الصريحة: ما دلت على الاستدراك ضمنًا.\nوتحصل لي من ذلك صيغتان:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-290> الصيغة الأولى: ترتب لازم باطل أو ممتنع يَدُّلُ على الرد وأن الصواب خلافه</span>. ومن أمثلته:\n• المثال الأول:\nقال الرازي في مسألة (مبدأ اللغات): \"كون اللفظ مفيدًا للمعنى: إمَّا أن يكون لذاته، أو بالوضع؛ سواء كان الوضع من الله تعالى، أو من الناس، أو بعضه من الله تعالى وبعضه من الناس، فهذه احتمالات أربعة، الأول مذهب عبَّادِ بنِ سُلَيمَانَ الصَّيمرِيِّ (١) .... والذي يدلُّ على فساد قول عبَّادِ بنِ سُلَيمَانَ: أن دلالة الألفاظ لو كانت ذاتية لما اختلفت باختلاف النواحي والأمم، ولاهتدى كل إنسان إلى كل لغةٍ،\n_________\n(١) هو عباد بن سليمان الصيمري البصري المعتزلي، من الطبقة السابعة عند المعتزلة، وهو من أصحاب هشام بن عمرو الفوطي، خالف المعتزلة في أشياء اخترعها لنفسه، وكان أبو علي يصفه بالحذق في الكلام، من مصنفاته: \"إثبات الجزء الذي لا يتجزأ\"، و\" إنكار أن يخلق الناس أفعالهم\"، و\" تثبيت دلالة الأعراض\"، ولم تذكر المراجع سنة وفاته، وإن كان معظم تلك الطبقة في الربع الأول من القرن الثالث، وفي سير أعلام النبلاء: عباد بن سلمان - بدون الياء-.\nتُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٥١ - ٥٥٢)؛ طبقات المعتزلة (ص: ٧٧)؛ فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة (ص: ٢٥٥).","vol":"1","page":737},{"text":"وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم (١) \" (٢).\n• المثال الثاني:\nذكر الآمدي في مسألة (هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟): \" ... وعلى هذا يكون الحكم فيما إذا ورد العام على سبب خاص لا تعلق له بالسؤال؛ كما روي عنه: - ﷺ - أنه مر بشاة ميمونة وهي ميتة، فقال - ﷺ -: «أيُّمَا إهابٍ دبِغَ فقَدْ طهُرَ».\nوالمختار إنما هو القول بالتعميم إلى أن يدل الدليل على التخصيص\".\nثم ذكر دليله على ذلك، وذكر استدراكًا مقدرًا من الخصم القائل بأن العبرة بخصوص السبب فقال: \"فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على اختصاص العموم بالسبب، وبيانه من ستة أوجه: الأول: أنه لو لم يكن المراد بيان حكم السبب لا غير؛ بل بيان القاعدة العامة؛ لما أخر البيان إلى حالة وقوع تلك الواقعة، واللازم ممتنع، وإذا كان المقصود إنما هو بيان حكم السبب الخاص؛ وجب الاقتصار عليه\" (٣).\n• المثال الثالث:\nقال ابن السبكي في مسألة (التعليل بالحكمة): \"جوز قوم التعليل بالحكمة،\n_________\n(١) قال الأصفهاني في شرحه: \"والدليل على فساد قول عباد بن سليمان: أن دلالة الألفاظ على معانيها لو كانت ذاتية لما اختلفت باختلاف النواحي والأمم، ولعرف كل إنسان اللغات بأسرها، واللازم باطل، فالملزوم كذلك. أما الملازمة فظاهرة؛ وذلك لأن الأمور الذاتية يهتدي إليها العقل، ولا يتصور الاشتراك في طريق معرفة الشيء مع الاختلاف في العلم والجهل. وأما بطلان اللازم فلأن اللغة لا يهتدى إليها بالعقل، وكذلك سائر اللغات، فينتفي الملزوم؛ فلا تكون دلالة الألفاظ على معانيها ذاتية، وهو المطلوب\". يُنظر: الكاشف عن المحصول (١/ ٤٣١).\n(٢) يُنظر: المحصول (١/ ١٨١ - ١٨٣).\n(٣) يُنظر: الإحكام للآمدي (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤).","vol":"1","page":738},{"text":"واختاره المصنف (١) تبعًا للإمام (٢)، ومنع منه آخرون (٣). وفصل قوم فقالوا: إن كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها؛ جاز التعليل بها؛ وإلا فلا، واختاره الآمدي (٤) وصفي الدين الهندي (٥)، وأطبق الكل على جواز التعليل بالوصف المشتمل عليها ما حاد عن ذلك قياس؛ كالقتل والزنا والسرقة وغير ذلك.\nواحتج المفصل بما أشار إليه في الكتاب (٦) من أن الحِكَمَ التي لا تنضبط كالمصالح والمفاسد لا يعلم لعدم انضباطها: أن القدر الحاصل منها في الأصل حاصل في الفرع أم لا فلا يمكن التعليل بها؛ لأن القياس فرع ثبوت ما في الأصل من المعنى في الفرع.\nوأجاب (٧): بأنه لو لم يجز التعليل بالحكم التي لا تنضبط؛ لم يجز بالوصف المشتمل عليها أيضًا، واللازم باطل بالاتفاق؛ فبطل الملزوم.\nوبيان الملازمة: أن الوصف بذاته ليس بعلة للحُكم؛ بل بواسطة اشتماله على الحِكمة، فَعلِّيَّةُ الوصف بمعنى أنه علامة على الحِكمة التي هي علَّة غائبة باعثة للفاعل، والوصف هو المُعَرِّف، فإذا لم تكن تلك الحكمة علة للحكم؛ لم يكن الوصف بواسطته علة له، وإذا بطل الملزوم فيجوز التعليل بالحِكَمِ التي لا تنضبط؛\n_________\n(١) أي: البيضاوي. يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع الإبهاج - (٦/ ٢٥٣٢).\n(٢) أي: الرازي. يُنظر: المحصول (٥/ ٢٨٧).\n(٣) ونسب إلى الأكثرين. يُنظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٢٥٤)؛ شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: ٤٠٦)؛ شرح الكوكب المنير (٤/ ٤٧).\n(٤) يُنظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٢٥٥).\n(٥) يُنظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٤٩٤).\n(٦) أي: في منهاج الوصول للبيضاوي.\n(٧) أي: البيضاوي.","vol":"1","page":739},{"text":"لأننا إذا ظننا استناد الحُكم المخصوص في مورد النص إلى الحِكَمِ المخصوصة، ثم ظننا حصول تلك الحِكمة في صورة تولد لا محالة من ذينك الظنين؛ ظن حصول الحُكم في تلك الصورة، والعمل بالظن واجب، وإذا أقام الدليل على جواز التعليل بالحِكَمِ التي لا تنضبط؛ فليكن جائزًا فيما تنضبط بطريق أولى\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-291> الصيغة الثانية: ترتب المحال، يَدُلُّ على الرد وأن الصواب خلافه</span>. ومن أمثلته:\n• المثال الأول:\nقال الجصاص في مسألة (تخصيص العموم بالقياس): \"كل ما لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد لا يجوز تخصيصه بالقياس؛ وذلك لأن خبر الواحد مقدم على القياس، فما لا يجوز تخصيصه فبالقياس أحرى ألا يخص وهذا مذهب أصحابنا\" (٢).\nثم ذكر استدراكًا مقدرًا من الخصم فقال: \"فإن قال: استعمال القياس مع العموم أولى من الاقتصار على العموم دون القياس.\nقيل له: هذا محال؛ لأنه لا يمكنك استعمال العموم مع استعمال القياس الموجب لتخصيصه، ولست تنفك معه من ترك العموم\" (٣).\n• المثال الثاني:\nقال الرازي في مسألة (إجماع أهل المدينة)، بعد أن ذكر حجة مالك (٤): \"ثم إنه معارض بأمور ثلاثة: ... الثالث: أن القول به يؤدي إلى المحال؛ لأن من كان ساكنًا\n_________\n(١) يُنظر: الإبهاج (٦/ ٢٥٣٢ - ٢٥٣٥).\n(٢) يُنظر: الفصول في الأصول (١/ ٢١١).\n(٣) يُنظر: المرجع السابق (١/ ٢١٦).\n(٤) يُنظر قول المالكية في مسألة: إجماع أهل المدينة في: مختصر ابن الحاجب (١/ ٤٥٩)؛ مفتاح الوصول (ص: ٧٥٢)؛ تقريب الوصول (ص: ٣٣٧).","vol":"1","page":740},{"text":"بالمدينة كان قوله حجة، فإذا خرج منها لا يكون قوله حجة، ومن كان قوله حجة في مكان، كان قوله حجة في كل مكان؛ كالرسول - ﷺ - \" (١).\n• المثال الثالث:\nذكر الإسنوي في مسألة (المصلحة المرسلة) دليلًا للإمام مالك (٢) واستدرك عليه فقال: \" ... احتج مالك بوجهين: أحدهما: أن الشارع اعتبر جنس المصالح في جنس الأحكام - كما مر في القياس-، واعتبار جنس المصالح يُوجب ظن اعتبار هذه المصلحة؛ لكونها فردًا من أفرادها ....\nوالمصنف (٣) تبع الإمام (٤) في عدم الجواب عن هذين الدليلين.\nوقد يُجاب عن الأول: بأنه لو وجب اعتبار المصالح المرسلة لا شتراكها للمصالح المعتبرة في كونها مصالح؛ لوجب إلغاؤها أيضًا؛ لاشتراكها مع المصالح الملغاة في ذلك؛ فيلزم اعتبارها وإلغاؤها، وهو محال\" (٥).\n\n• تنبيهان:\nالأول: الصيغ كثيرة جدًّا، وليس المراد حصرها؛ بل حسبي التمثيل لما تيسر لي الوقوف عليها.\n_________\n(١) يُنظر: المحصول (٤/ ١٦٤).\n(٢) يُنظر: قول المالكية في الاحتجاج بالمصلحة المرسلة في: شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: ٤٤٦)؛ مفتاح الوصول (ص: ٧٠٤)؛ تقريب الوصول (ص: ٤٠٩ - ٤١٠).\n(٣) أي: البيضاوي. يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع نهاية السول- (٢/ ٩٤٣).\n(٤) أي الرازي. يُنظر: المحصول (٦/ ١٦٥ - ١٦٦).\n(٥) يُنظر: نهاية السول (٢/ ٩٤٥ - ٩٤٦).","vol":"1","page":741},{"text":"الثاني: لا يخفى عليك (١) أن الاستدراك الواحد قد يشمل أكثر من صيغة، وأذكر لذلك مثالًا:\nقال ابن السبكي في استدراكه على ابن الحاجب في مسألة (أدلة الإجماع): \"الأدلة على أن الإجماع حجة كثيرة، واعلم أن المصنف (٢) انفرد بدليلين رآهما قاطعين، وسلك فيهما غير طريق الآمدي (٣)، ونحن لا نرتضيهما، والرأي عندنا: أن نُخِلَّ كلامه ثم نتعقبه، ثم نشير إلى ما نرتضيه نحن\" (٤).\nبل قد يشمل الاستدراك الواحد صيغة صريحة وأخرى غير صريحة، وأقرره بالمثال التالي:\nقال الشيرازي في مسألة (دخول النبي - ﷺ - في خطاب الأمة، والعكس بالعكس): \"فأما إذا خاطب النبي - ﷺ - بخطاب خاص في حكم؛ فإنه يكون مقصورًا عليه، ومختصًّا به، لا يدخل فيه غيره بإطلاقه؛ وإنما يدخل فيه بدليل عليه؛ كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]، و﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]، و﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٦٤ - ٦٥، ٧٠/ التوبة: ٧٣/ الأحزاب: ٤٥، ٥٠، ٥٩/الممتحنة: ١٢/ الطلاق: ١/ التحريم: ١، ٩]، وغير ذلك. ومن الناس من قال: تدخل فيه الأمة.\nوهذا غير صحيح؛ لأن الخطاب لا يصلح لهم؛ وإنما يصلح له - ﷺ -، ودخول المخاطب في الخطاب إنما هو بحكم صلاحه، فمن المحال دخوله في خطاب لا يصلح\n_________\n(١) وعبرت بهذه الصيغة في هذا التنبيه لأن القارئ غالبًا قد تفطن لذلك؛ فقد جاء في الأمثلة السابقة للصيغة الصريحة ما يقرره.\n(٢) أي ابن الحاجب. ويُنظر الدليلين في مختصره (١/ ٤٣٦ - ٤٣٧).\n(٣) يُنظر: طريقة الآمدي في الاستدلال على حجية الإجماع من الكتاب والسنة والمعقول، فذكر من الكتاب خمس آيات، ومن السنة ثلاثة أدلة، ودليلًا من المعقول، وكان يورد بعد كل دليل الاعتراضات والإجابة عليها. يُنظر: الإحكام للآمدي (١/ ٢٦٧ - ٢٩٨).\n(٤) رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (٢/ ١٤٥ - ١٤٧).","vol":"1","page":742},{"text":"له مقتضاه، ... \" (١).\nوبعد معرفة الصيغ ناسب ذكر مظان الاستدارك، ثم العروج بذكر آثاره، وختم البحث بعرض طائفة من آدابه، وهذا موضوع الفصل القادم.\n_________\n(١) يُنظر: شرح اللمع (١/ ٢٨٢).","vol":"1","page":743},{"text":"الفصل السادس","vol":"1","page":744},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>الفصل السادس\nمظان وآثار وآداب الاستدراك الأصولي،\nوتطبيقاتها</span>.\nوفيه ثلاثة مباحث:\n- المبحث الأول: مظان الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها.\n- المبحث الثاني: آثار الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها.\n- المبحث الثالث: آداب الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها.","vol":"1","page":745},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-293> المبحث الأول\nمظان الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها</span>.\nوفيه تمهيد، وثلاثة مطالب:\n- تمهيد: المراد بمظان الاستدراك الأصولي.\n- المطلب الأول: مظان الاستدراك الأصولي باعتبار الأصوليين، وتطبيقاتها.\n- المطلب الثاني: مظان الاستدراك الأصولي باعتبار الكتب، وتطبيقاتها.\n- المطلب الثالث: مظان الاستدراك الأصولي باعتبار الموضوعات الأصولية، وتطبيقاتها.\n\n* * ... * ** * ... * *","vol":"1","page":746},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>تمهيد\nالمراد بمظان الاستدراك الأصولي</span>\nقبل الولوج في مظان الاستدراك الأصولي ناسب التمهيد ببيان المراد بها.\nفالمَظَان: جمع مَظِنَّة، ومادة الكلمة (الظاء والنون) أصل صحيح يدل على معنيين مختلفين: اليقين والشك.\nوالمراد هنا المعنى الأول، يقال: ظننت ظنًّا، أي أيقنت. ومنه مظنة الشيء؛ وهو مَعْلَمه ومكانه. (١)\nوالمظان في اللغة: المواضع التي يرجح كونه فيها، فمظنة الشيء: مَوضِعُهُ ومَأْلَفُه الذي يُظن كونه فيه. (٢)\nوالمظان أيضًا: المراجع التي ينشد فيها الباحث طلبته. (٣)\nوالمقصود بمظان الاستدراك الأصولي: المواضع التي يظن وجود التعقيبات الأصولية فيها.\nوهذا التعريف مستفاد من المعنى اللغوي لكلمتي (المظان) و(الاستدراك)، ودلالات ألفاظه واضحة لا تحتاج إلى شرح.\nومظان الاستدراكات الأصولية على أصناف:\n- منها ما يرجع إلى الأصولي نفسه؛ كأن يكون هذا العَلَم ممن اشتهر بالاستدراكات.\n_________\n(١) يُنظر: مقاييس اللغة (٣/ ٤٦٢) مادة: (ظن).\n(٢) يُنظر: الصحاح (ص: ٦٦٠)؛ لسان العرب (٩/ ١٩٨) مادة (ظنن).\n(٣) يُنظر: المعجم الوسيط (ص: ٥٧٨) مادة (ظنّ).","vol":"1","page":747},{"text":"- ومنها ما يرجع إلى الكتاب الأصولي نفسه؛ بأن يحوي عددًا من الاستدراكات.\n- ومنها ما يرجع إلى المسائل الأصولية؛ فهناك عدد من المسائل الأصولية كَثُرَ فيها الاستدراكات والجدل.\nوبيان هذه الأصناف في المطالب التالية.","vol":"1","page":748},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-295>المطلب الأول: مظان الاستدراك الأصولي\nباعتبار الأصوليين وتطبيقاتها</span>\nكثير من الشخصيات الأصولية تميزت في هذا الجانب، ولعل من الأنسب ذكر سمات تُشير إليهم (١)؛ حتى لا يُستدرك بإسقاط ثلة منهم؛ وخاصة أن من علماء الأصول من له آراء نقلها المتأخرون تضمنت استدراكات (٢)، وهناك مصنفات أصولية لم تصل إلينا ذُكِرَ في ترجمة مصنفيها صفات تشير إلى مظنة وجود الاستدراك (٣)؛ بل إن من علماء المسلمين من نُقِلَ في ترجمته الإمامة في الأصول ولم نجد له ذكرًا في المصنفات المطبوعة (٤)، فلعل الله يُيسر بعد ذلك جمع آرائه أو الحصول على مصنفات له.\nفمن الأوصاف التي أطلقت على المستدرِكين الأصوليين والتي دلت على سعة علمهم الذي خولهم لدخول ميدان الاستدراك (٥):\n_________\n(١) استفدت هذه الطريقة في ذكر المظان وبعض الأوصاف من الباحثة: مجمول الجدعاني - جزاها الله عني كل خير- في بحثها \" الاستدراك الفقهي \" (ص: ٤٠٥).\n(٢) كنقل الزركشي استدراكات عن ابن دقيق العيد، وإلكيا الهراسي، وسليم الرازي، وغيرهم.\n(٣) كعبدالله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين، له مصنف شرح فيه رسالة الشافعي، وجاء في ترجمته: \"وقعد للتدريس والفتوى، ومجلس المناظرة، وتعليم الخاص والعام\". يُنظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ٧٣). فجلوسه للمناظرة يدل على مظنة حصول استدراكات أصولية.\n(٤) من ذلك ما ذكره ابن السبكي في طبقاته: \"علي بن محمد بن عبدالرحمن بن خطاب، الشيخ الإمام علاء الدين الباجي، إمام الأصوليين في زمانه، وفارس ميدانه، وله الباع الواسع في المناظرة، والذيل الشاسع في المشاجرة، وكان أسدًا لا يغالب، وبحرًا تتدفق أمواجه بالعجائب، ومحققًا يلوح به الحق ويستبين، ومدققًا يظهر من خفايا الأمور كل كمين، ... وعنه أخذ الشيخ الإمام الوالد الأصلين، وبه تخرج في المناظرة\". يُنظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (١٠/ ٣٣٩ - ٣٤٠).\n(٥) سواء كان هذا الإطلاق في كتب الأصول أو الكتب المترجمة لهم.","vol":"1","page":749},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-296> أولًا: الوصف بالإمام</span>\nلا يوصف بالإمام إلا من بلغ في العلم عتيًّا، وهذا الوصف في المصنفات الأصولية يطلق على عالمين:\nالأول منهما: إمام الحرمين، عبدالملك بن عبدالله الجويني عند ابن الحاجب وشراح مختصره.\nقال الزركشي: \"فائدة: حيث وقع (الإمام) في المختصر فالمراد إمام الحرمين، وأما فخر الدين فلم يُسَمِّه؛ بل يُعبر عنه بقيل تعبًا للآمدي\" (١).\nوجاء في ترجمته: \"هو الإمام شيخ الإسلام البحر الحبر ... إمام الأئمة على الإطلاق عجمًا وعربًا\" (٢).\nوالثاني عند أكثر علماء الأصول ويراد به: الفخر الرازي.\nجاء في ترجمته: \"محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، الإمام، فخر الدين الرازي، ابن خطيب الري، إمام المتكلمين، ذو الباع الواسع في تعليق العلوم\" (٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-297> ثانيًا: الوصف بشيخ الإسلام</span>\nوهذا الوصف يُشعرك بعلو منزلة صاحبه، وأنه ذو مكانٍ عالٍ يُؤهله للاستدراك على الآخرين.\nوممن وصف بهذا الوصف في ترجمته:\n_________\n(١) المعتبر (ص: ٣٠٢).\n(٢) يُنظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ١٦٥).\n(٣) يُنظر: المرجع السابق (٨/ ٨١).","vol":"1","page":750},{"text":"١ - عبدالملك بن عبدالله الجويني.\nجاء في ترجمته: \"هو الإمام، شيخ الإسلام، البحر الحبر\" (١).\n٢ - أبو إسحاق إبراهيم الشيرازي.\nجاء في ترجمته: \"هو الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، شيخ الإسلام، ومدار العلماء الأعلام في زمانه\" (٢).\nوقيل أيضًا: \"هو الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، صاحب التصانيف التي سارت كمسير الشمس، ودارت الدنيا\" (٣).\nوقيل: \"إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبدالله، الشيخ إسحاق الشيرازي، شيخ الإسلام علمًا وعملًا وورعًا وزهدًا وتصنيفًا واشتغالًا وتلامذة\" (٤).\n٣ - أبو محمد عبدالله ابن قدامة.\nجاء في ترجمته: \"عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبدالله المقدسي، ثم الدمشقي، الصالحي، الفقيه، الزاهد الِإمام، شيخ الإسلام، وأحد الأعلام، موفق الدين أبو محمد\" (٥).\nوقيل أيضًا: \"عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر، شيخ الإسلام، موفق الدين، أبو محمد المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي\" (٦).\n_________\n(١) يُنظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ١٦٥).\n(٢) يُنظر: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص: ٢٣٦).\n(٣) يُنظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٤/ ٢١٥).\n(٤) يُنظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٢٣٨).\n(٥) يُنظر: ذيل طبقات الحنابلة (٣/ ٢٨١).\n(٦) يُنظر: طبقات المفسرين للأدنه وي (ص: ١٧٧).","vol":"1","page":751},{"text":"٤ - تقي الدين محمد القشيري - ابن دقيق العيد -.\nجاء في ترجمته: \"محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري، أبو الفتح، تقي الدين ... الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، الحافظ، الزاهد، الورع، الناسك، المجتهد المطلق، ذو الخبرة التامة بعلوم الشريعة، الجامع بين العلم والدين\" (١).\n٥ - علي بن عبدالكافي السبكي.\nجاء في ترجمته: \"شيخ الإسلام، قاضي القضاة، تقي الدين أبو الحسن\" (٢).\n٦ - شيخ الإسلام ابن تيمية.\nجاء في ترجمته: \"أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الخضر بن محمد ابن تيمية الحراني، ثم الدمشقي، الإمام الفقيه، المجتهد المحدث، الحافظ المفسر، الأصولي الزاهد. تقي الدين أبو العباس، شيخ الإسلام، وعلم الأعلام\" (٣).\n٧ - زكريا بن محمد الأنصاري.\nوأطلق هذا الوصف عليه أصحاب الحواشي على جمع الجوامع، كالبناني، والعطار، وابن القاسم (٤).\nوجاء في ترجمته: \"زكريا الأنصاري، شيخ الإسلام\" (٥).\n_________\n(١) يُنظر: المرجع السابق (٩/ ٢٠٧).\n(٢) يُنظر: طبقات الشافعية لابن السبكي (١٠/ ١٤٠).\n(٣) يُنظر: ذيل طبقات الحنابلة (٤/ ٤٩٣).\n(٤) يُنظر: الفتح المبين في حل رموز ومصطلحات الأصوليين للحفناوي (ص: ١٧٧).\n(٥) وكل من ترجم له ذكر ذلك. يُنظر: الأعلام (٣/ ٤٦)؛ الفتح المبين للمراغي (٣/ ٦٨)؛ أصول الفقه تاريخه ورجاله (ص: ٤٦١).","vol":"1","page":752},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-298> ثالثًا: الوصف بالتجديد</span>.\nوهذا الوصف يشعر بأن صاحبه مستدرِك؛ وذلك لأن هذا الوصف لا يناله إلا من بلغ رتبة عالية في النظر والاجتهاد، والعود بالأمة إلى المنهج الصحيح بعد حقبة زمنية حصل فيها شيء من الخلل.\nوممن وصف بهذا الوصف:\n١ - أبو حامد أحمد الإسفراييني.\nجاء في ترجمته: \"توفي الشيخ أبو حامد في شوال، سنة: ست وأربعمائة، ودفن بداره، ثم نقل سنة عشر إلى المقبرة، وعليه تأول جماعة من العلماء حديث: «إنَّ اللهَ يبْعَثُ لِهذِهِ الْأُمّةِ على رأْسِ كل مِائةِ سنَةٍ من يُجدِّدُ لها دِينهَا» (١). (٢)\n٢ - أبو حامد محمد الغزالي.\nحيث عُد المجدد للمئة الخامسة (٣).\n٣ - فخر الإسلام محمد الرازي.\nعد المجدد للمئة السادسة (٤).\n_________\n(١) يُنظر: سنن أبي داود، ك: الملاحم، ب: ما يذكر في القرن المئة، (٤/ ١٠٩/ح: ٤٢٩١)؛ المستدرك على الصحيحين، ك: الفتن والملاحم، (٤/ ٥٦٧ - ٥٦٨/ح ٨٥٩٢ - ٨٥٩٣). صححه الألباني في السلسلة الصحيحة. يُنظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (ص: ١٧٦/ح: ٩٨٥).\n(٢) يُنظر: طبقات الشافعية لابن السبكي (١/ ٢٠١) وأيضًا (٤/ ٦٥)؛ ويُنظر كذلك: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٠٨)؛ طبقات الفقهاء للشافعية (١/ ٣٧٥).\n(٣) يُنظر: طبقات الشافعية لابن السبكي (٤/ ٢٠٣)؛ طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح (١/ ٣٧٥)؛ تهذيب الأسماء (١/ ٢٧).\n(٤) يُنظر: المراجع السابقة.","vol":"1","page":753},{"text":"٤ - تقي الدين محمد القشيري -ابن دقيق العيد-.\nعد المجدد للمئة السابعة (١).\n٥ - جمال الدين عبدالرحيم الإسنوي.\nالمجدد للمئة الثامنة (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-299> رابعًا: الوصف بالاجتهاد المطلق</span>.\nهذا الوصف لا يصل إليه إلا من بلغ مرتبة النظر والاجتهاد، فهو ملم بالخلاف في المسألة، محرر للأقوال فيها، ناقدٌ لها على بصيرة، مقرر لما يراه حقًّا، فأقواله وتصنيفاته مظنة للاستدراكات، بخلاف المجتهد المقلد الذي ينقل الأقوال، ويقرر ما قرره غيره.\nوممن وصف بهذا الوصف:\n١ - أحمد بن عمر بن سريج.\nقيل عنه: \"ابن سريج سيد طبقته بإطباق الفقهاء، وأجمعهم للمحاسن باجتماع العلماء، ثم هو الصدر الكبير، والشافعي الصغير، والإمام المطلق، والسباق الذي لا يلحق\" (٣).\n٢ - تقي الدين محمد القشيري -ابن دقيق العيد-.\nجاء في ترجمته: \"الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، الحافظ، الزاهد، الورع، الناسك، المجتهد المطلق، ذو الخبرة التامة بعلوم الشريعة، الجامع بين العلم والدين\" (٤).\n_________\n(١) يُنظر: طبقات الشافعية لابن السبكي (٤/ ٢٠٣)؛ طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح (١/ ٣٧٥)؛ تهذيب الأسماء (١/ ٢٧).\n(٢) يُنظر: المراجع السابقة.\n(٣) يُنظر: طبقات الشافعية لابن السبكي (٣/ ٢٢).\n(٤) يُنظر: المرجع السابق (٩/ ٢٠٧).","vol":"1","page":754},{"text":"٣ - شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية.\nجاء في ترجمته: \"وفيها شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن عبدالله بن تيمية الحراني الحنبلي؛ بل المجتهد المطلق\" (١).\n٤ - علي بن عبدالكافي السبكي.\nجاء في ترجمته: \"شيخ الإسلام، بقية المجتهدين المطلق\" (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-300> خامسًا: الوصف بالعَلاَّمة</span>.\nوهذا الوصف أطلق في بعض الكتب الأصولية؛ كمناهج العقول، وحاشية التفتازاني على شرح العضد، ويراد به: قطب الملة والدين الشيرازي (٣). (٤)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-301> سادسًا: الوصف بالقاضي</span>.\nرتبة القاضي لا ينالها إلا من بلغ مرتبة متقدمة في العلوم الشرعية، وقد تقلد هذا المنصب عدد من علماء الأصول؛ إلا أن هذا الوصف اشتهر به عدد؛ منهم:\n١ - القاضيان: محمد بن الطيب الباقلاني، وعبدالجبار بن أحمد الهمداني.\nذكر ابن الصلاح وابن السبكي: \"إذا ذكر الشيخ أبو إسحاق وشبهه من العراقيين (القاضي) مطلقًا في فن الفقه؛ فهو أبو الطيب الطبري، وكثيرًا ما يقع ذلك في تعليق أبي إسحاق. وإذا جرى ذلك من أبي المعالي ابن الجويني وغيره من\n_________\n(١) يُنظر: شذرات الذهب (٦/ ٨٠).\n(٢) يُنظر: طبقات المفسرين للأدنه وي (ص: ٢٨٥).\n(٣) المراد به: محمود بن مسعود الشيرازي، الشهير بقطب الدين، له شرح على مختصر ابن الحاجب، وسبق ترجمته (ص: ٢٠٣).\n(٤) يُنظر: الفتح المبين في حل رموز ومصطلحات الفقهاء والأصوليين للحفناوي (ص: ١٧٧).","vol":"1","page":755},{"text":"الخراسانيين؛ فهو القاضي حسين المروذي. وإذا جرى مثل ذلك في الأصول والكلام من أشعري ونحوه؛ فالمراد ابن الطيب أبو بكر الباقلاني، وإن كان من معتزلي فالمعني به عبدالجبار\" (١).\n٢ - محمد بن الحسين الفراء - أبو يعلى -.\nجاء في ترجمته: \"القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء، الفقيه الحنبلي\" (٢).\nوقيل عنه: \"أبو يعلى بن الفراء، شيخ الحنابلة، القاضي الحبر، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف البغدادي، صاحب التصانيف، وفقيه العصر\".\n٣ - عبدالرحمن بن أحمد الإيجي.\nجاء في ترجمته: \"عبدالرحمن بن أحمد بن عبدالغفار، قاضي قضاة الشرق، وشيخ العلماء بتلك البلاد، العلامة عضد الدين الإيجي\" (٣).\n٤ - عبدالله بن عمر البيضاوي.\nجاء في ترجمته: \"عبدالله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي الشافعي، يلقب بناصر الدين، ويكنى بأبي الخير، ويعرف بالقاضي\" (٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-302> سابعًا: الوصف بالتحقيق</span>.\nوهذا الوصف لا يطلق إلا على من بلغ مرتبة النظر والتبحر في العلم، فيستطيع تحقيق الحق، وبيان الصواب، وممن وصف به:\n_________\n(١) يُنظر: طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح (١/ ٤٩٢)؛ طبقات الشافعية لابن السبكي (١٥/ ١٥).\n(٢) يُنظر: تكملة الإكمال (٤/ ٥٥٧)؛ المعين في طبقات المحدثين (ص: ١٣٢).\n(٣) يُنظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ٣٧)؛ ويُنظر كذلك: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (١٠/ ٤٦).\n(٤) يُنظر: الفتح المبين للمراغي (٢/ ٨٨).","vol":"1","page":756},{"text":"١ - عبدالملك بن عبدالله الجويني.\nجاء في ترجمته: \"الحبر المدقق المحقق ... العلم الفرد، زينة المحققين\" (١).\n٢ - سيف الدين علي الآمدي.\nوصفه ابن خلدون بأنه مولع بتحقيق المذاهب (٢).\n٣ - عثمان بن عمرو ابن الحاجب.\nجاء في ترجمته: \"كان - ﵀ - إمامًا فاضلًا، محققًا\" (٣).\nوقال أمير بادشاه في خطبته: \"وقد اشتهر في الآفاق بموجب الاستحقاق، مختصر الإمام المدقق، والعلامة المحقق، ذي الرأي الثاقب، الشيخ ابن الحاجب\" (٤).\n٤ - عبيد الله بن مسعود المحبوبي.\nقال أمير بادشاه: \"وكتاب التنقيح مع شرحه التوضيح للإمام المحقق، والبحر المدقق، صدر الشريعة والإسلام، أعلى الله درجته في دار السلام\" (٥).\n٥ - عبدالرحمن بن أحمد الإيجي.\nجاء في ترجمته: \"والشيخ سعد الدين التفتازاني في حاشية العضد كثير الثناء عليه، ويصفه بالمحقق\" (٦).\n_________\n(١) يُنظر: طبقات الشافعية لابن السبكي (٥/ ١٦٥).\n(٢) يُنظر: مقدمة ابن خلدون (ص: ٤٥٥). ويُنظر كذلك: أبجد العلوم (٢/ ٧٧).\n(٣) يُنظر: أعلام أصول الفقه الإسلامي ومصنفاتهم (٣/ ١٧١).\n(٤) يُنظر: تيسير التحرير (١/ ٢).\n(٥) يُنظر: المرجع السابق.\n(٦) يُنظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ٢٨).","vol":"1","page":757},{"text":"وكثير ما يعبر البدخشي (١)\nعنه بالمحقق (٢). (٣)\n٦ - مسعود بن عمر التفتازاني.\nقال أمير بادشاه: \" ... وحاشيته للمحقق الثاني العلامة التفتازاني، أستاذ المخلصين، وخلاصة المتأخرين، شكر الله بره، وقدس سره\" (٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-303> ثامنًا: الوصف بالتدقيق</span>.\nووصف التدقيق لا يتصف به إلا من كانت لديه حصيلة علمية عالية تؤهله لتدقيق عبارات العلماء والاستدراك بالتصحيح، أو دفع لبس يفهم من العبارة. وممن وصف بهذا الوصف:\n١ - عبدالملك بن عبدالله الجويني.\nجاء في ترجمته: \"هو الإمام، شيخ الإسلام، البحر الحبر المدقق\" (٥).\n٢ - عثمان بن عمرو ابن الحاجب.\nقال صدر الشريعة في خطبة كتابه: \"لما رأيت فحول العلماء مُكبِّين في كل عهد وزمان على مباحثة أصول الفقه ... للشيخ الإمام مقتدى الأئمة العظام فخر الإسلام علي البزدوي ... أردت تنقيحه وتنظيمه، وحاولت - أي طلبت- تبيين مراده\n_________\n(١) هو: محمد بن الحسن البدخشي، الصوفي، فقيه حنفي، أصولي، منطقي، صحب الشيخ المشهور بابن المولى الأنزاري. من مصنفاته: \"مناهج العقول \" شرح لمنهاج البيضاوي، \"حاشية على تحرير القواعد المنطقية في شرح الرسالة الشمسية\"، (ت: ٩٢٢ هـ) بدمشق.\n\nتُنظر ترجمته في: الشقائق النعمانية (١/ ٢١٤)؛ الكواكب السائرة (١/ ٨٩)؛ معجم المؤلفين (٩/ ٩٩).\n(٢) يُنظر: الفتح المبين في حل رموز ومصطلحات الفقهاء والأصوليين للحفناوي (ص: ١٧٧).\n(٣) يُنظر مثلًا: (٢/ ٣٠) (٣/ ٥٥).\n(٤) يُنظر: تيسير التحرير (١/ ٢).\n(٥) يُنظر: طبقات الشافعية لابن السبكي (٥/ ١٦٥).","vol":"1","page":758},{"text":"وتفهيمه، وعلى قواعد المعقول تأسيسه وتقسيمه، مُوردًا فيه زبدة مباحث المحصول وأصول الإمام المدقق جمال العرب ابن الحاجب، مع تحقيقات بديعة، وتدقيقات غامضة منيعة، تخلو الكتب عنها، سالكًا فيه مسلك الضبط والإيجاز\". (١)\nوأشار إليه البدخشي بهذا الوصف (٢). (٣)\nوسبق ذكر كلام أمير بادشاه في وصفه بالمدقق.\n٣ - صدر الشريعة عبيد الله المحبوبي.\nقال أمير بادشاه: \"وكتاب التنقيح، مع شرحه التوضيح، للإمام المحقق، والبحر المدقق، صدر الشريعة والإسلام، أعلى الله درجته في دار السلام\" (٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-304> تاسعًا: الوصف بالتنقيح</span>.\nالتصانيف المنقحة لا تكون إلا من مصنف منقح، وبهذا وصفت مصنفات ابن الحاجب، فجاء في ترجمته: \"عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، العلامة جمال الدين، أبو عمرو ابن الحاجب، الكردي الدويني الأصل، الإسنائي المولد، المقرئ، النحوي، المالكي، الأصولي، الفقيه، صاحب التصانيف المنقحة\" (٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-305> عاشرًا: الوصف بالنظار والجدلي</span>.\nالمناظرة والجدل فرع من الاستدراكات؛ وذلك لأن مناظرة وجدال المخالفين تعتمد على استدراكات تُورد على أدلتهم بالطعن والتضعيف. ومن الأصوليين الذين اشتهروا بالجدل والمناظرة:\n_________\n(١) يُنظر: التوضيح شرح التنقيح للمحبوبي (١/ ٢٥ - ٢٦).\n(٢) يُنظر: الفتح المبين في حل رموز ومصطلحات الفقهاء والأصوليين للحفناوي (ص: ١٧٧).\n(٣) يُنظر: مناهج العقول (٢/ ٧٥) (٣/ ٦٠).\n(٤) يُنظر: تيسير التحرير (١/ ٢).\n(٥) يُنظر: بغية الوعاة (٢/ ١٣٤).","vol":"1","page":759},{"text":"١ - أحمد بن عمر بن سريج.\nذكر في ترجمته: \" ... وأول من فتح باب النظر، وعلم الناس طريق الجدل\" (١).\n٢ - القاضي أبو زيد عبدالله الدبوسي.\n\" القاضي أبو زيد عبدالله بن عمر بن عيسى الدبوسي، ... كان له بسَمَرْقَنْد (٢) وبُخَارَى (٣) مناظرات مع الفحول\" (٤).\n٣ - أبو إسحاق إبراهيم الشيرازي.\n\" وقد كان يضرب به المثل في الفصاحة والمناظرة\" (٥).\nوقيل عنه أيضًا: \"وكان الشيخ أبو إسحاق غضنفرًا في المناظرة لا يصطلى\n_________\n(١) يُنظر: طبقات الشافعية لابن السبكي (٣/ ٢٢).\n(٢) سمرقند: يقال لها بالعربية: سمران، بلدة معروفة مشهورة، قيل: إنه من أبنية ذي القرنين بما وراء النهر، فتحها المسلمون في القرن الثامن الميلادي بقيادة قتيبة بن مسلم - ﵀ -، وهي حاليًا ثاني أكبر مدن جمهورية أوزبكستان الواقعة غرب جبال تيان شان، وعلى بعد حوالي (٢٠) كم جنوب شرق مدينة بخارى. من علمائها: الإمام الليث، وعلاء الدين السمرقندي صاحب \"التحفة\". وقد أسدى مشاهيرها خدمات جليلة للإسلام، وفي مكتبتها نفائس المخطوطات الإسلامية، وقد اشتهرت في عصور الحضارة بصناعة الورق والمنسوجات. يُنظر: معجم البلدان (٣/ ٢٤٦ ومابعدها)؛ الموسوعة العربية والعالمية (١٣/ ٩٩)؛ موسوعة (١٠٠) مدينة إسلامية (ص: ٢٨٦ - ٢٨٧).\n(٣) بخارى: من أعظم مدن ماوراء النهر وأجلها، كانت قاعدة ملك السامانية، وهي حاليًا إحدى مدن جمهورية أوزبكستان في وسط آسيا، استقلت عام ١٩٩١ م بعد (٧٠) عامًا كانت خلالها إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقًا. وبخارى مدينة قديمة فتحها المسلمون بقيادة قتيبة بن مسلم الباهلي - ﵀ - سنة (٨٧ هـ) في عهد الوليد بن عبدالملك، كانت مجمع الفقهاء، وموطن الفضلاء، ومن علمائها: الإمام البخاري. يُنظر: معجم البلدان (١/ ٣٥٣ ومابعدها)؛ الموسوعة العربية العالمية (٣/ ٣٩٣) (٤/ ٢٣٩)؛ موسوعة المدن العربية والإسلامية (ص: ٤٠٩ - ٤١١).\n(٤) يُنظر: الأنساب (٢/ ٤٥٤).\n(٥) يُنظر: طبقات الشافعية لابن السبكي (٤/ ٢١٦).","vol":"1","page":760},{"text":"له بنار\" (١).\n٤ - عبدالملك بن عبدالله الجويني.\nجاء في ترجمته: \"هو الإمام، شيخ الإسلام، البحر، الحبر، المدقق، المحقق، النظار، الأصولي\" (٢).\n٥ - عثمان بن عمر ابن الحاجب.\nقيل عنه: \"كان - ﵀ - إمامًا فاضلًا، محققًا، نحويًا، صرفيًّا، عروضيًا، فقيهًا، أصوليًا، متكلمًا، نظارًا، مقرئًا، أديبًا، شاعرًا\" (٣).\n٦ - علي بن عبدالكافي السبكي.\nجاء في ترجمته: \"الجدلي الخلافي النظار\" (٤).\n٧ - صدر الشريعة عبيد الله المحبوبي.\nجاء في ترجمته: \"الإمام الحنفي، الفقيه الأصولي، الجدلي، ... النظار المتكلم المنطقي\" (٥).\n٨ - تاج الدين عبدالوهاب السبكي.\nقيل عنه: \"وكان له قدرة على المناظرة ... وعقدت له مجالس فأبان عن شجاعة وأفحم خصومه\" (٦).\n_________\n(١) يُنظر: المرجع السابق (٤/ ٢٢٢).\n(٢) يُنظر: طبقات الشافعية لابن السبكي (٥/ ١٦٥).\n(٣) يُنظر: أعلام أصول الفقه الإسلامي ومصنفاتهم (٣/ ١٧١).\n(٤) يُنظر: طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٤١٦).\n(٥) ينظر: الفتح المبين للمراغي (٢/ ١٥٥).\n(٦) يُنظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ١٠٦).","vol":"1","page":761},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-306> حادي عشر: الوصف بأكثر من علم</span>.\nذكرنا في مبادئ علم الاستدراك أنه يستمد مادته العلمية من عدة علوم، وهذا يرجع إلى أصله (علم أصول الفقه).\nفلما كان الأصل -وهو علم أصول الفقه- يستمد مادته العلمية من علوم أخرى، وكان هذا الاستمداد يشمل مسائل مختلفًا فيها ووقع فيه استدراكات؛ كان هذا الوصف مظنة لوجود استدراكات أصولية؛ فإن من كثر اشتغاله بعلوم أخرى، وكان له اطلاع ومعرفة بها؛ استطاع أن يستدرك عند وجود خلل في النقل عن هذا الفن.\nوممن اشتهر بسعة اطلاعه من علماء الأصول:\n١ - أبو الوليد سليمان الباجي.\nقيل عنه: \"الإمام العلامة الحافظ ذو الفنون\" (١).\nوقيل أيضًا: \"أبو الوليد الباجي، الفقيه، الأصولي، المتكلم، المفسر، الأديب، الشاعر ... وبرع في الحديث، والتفسير، والفقه، والأصول، وتصدر للإفادة، وانتفع به جماعة كثيرة\" (٢).\n٢ - عبدالملك بن عبدالله الجويني.\nجاء في ترجمته: \"المتكلم البليغ الفصيح الأديب العلم الفرد\" (٣).\n٣ - أبو المظفر منصور السمعاني.\nجاء في ترجمته: \"وكانت له يد طولى في فنون كثيرة\" (٤).\n_________\n(١) يُنظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٥٣٦).\n(٢) يُنظر: طبقات المفسرين للأدنه وي (ص: ١٣١). ويُنظر كذلك: معجم الأدباء (٣/ ٣٤٩).\n(٣) يُنظر: طبقات الشافعية لابن السبكي (٥/ ١٦٥).\n(٤) يُنظر: البداية والنهاية (١٢/ ١٥٤).","vol":"1","page":762},{"text":"وقيل عنه أيضًا: \"صنف في التفسير والفقه والحديث والأصول\" (١).\n٤ - فخر الدين محمد الرازي.\nجاء في ترجمته: \"وفي سنة ست وستمائة في ذي الحجة توفي بهراة الإمام الفخر الرازي محمد بن عمر المعروف بابن الخطيب بالري، وكان من أفاضل أهل زمانه، بَزَّ (٢) القدماء في الفقه وعلم الأصول والكلام والحكمة، وردَّ على أبي عَلِي ابن سِيْنَا (٣) واستدرك عليه\" (٤).\n٥ - علي بن إسماعيل الأبياري.\nجاء في ترجمته: \"كان الأبياري من العلماء الأعلام، وأئمة الإسلام، بارعًا في علوم شتى؛ الفقه وأصوله وعلم الكلام\" (٥).\n٦ - سيف الدين علي الآمدي.\n\" وصنف في أصول الفقه، والدين، والمنطق، والحكمة، والخلاف، وكل تصانيفه مفيدة\" (٦).\n٧ - عثمان بن عمر ابن الحاجب.\nقيل عنه: \"كان - ﵀ - إمامًا فاضلًا، محققًا، نحويًا، صرفيًّا، عروضيًا، فقيهًا،\n_________\n(١) يُنظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٢٧٤).\n(٢) بَزَّ: غلب. يُنظر: لسان العرب (٢/ ٧٩)؛ المصباح المنير (١/ ٤٨). مادة: (بزز).\n(٣) هو أبو علي، الحسين بن عبدالله بن سينا، الطبيب الفيلسوف، كان حنفي المذهب، وتعلم علومًا كثيرة، وبرع في الطب حتى فاق أهل زمانه فيه. من مصنفاته: \"القانون\"، و\" النجاة\"، توفي سنة (٤٢٨ هـ).\nتُنظر ترجمته في: عيون الأنباء في طبقات الأطباء (ص: ٤٣٧)؛ البداية والنهاية (١٢/ ٤٢)؛ الجواهر المضِيَّة (١/ ١٩٥).\n(٤) يُنظر: تاريخ مختصر الدول (١/ ٤١٨).\n(٥) يُنظر: الديباج المذهب (١/ ٢١٣).\n(٦) يُنظر: وفيات الأعيان (٣/ ٢٩٤).","vol":"1","page":763},{"text":"أصوليًا، متكلمًا، نظارًا، مقرئًا، أديبًا، شاعرًا ... ألف ابن الحاجب في النحو والصرف، والعروض، والأصول، والجدل، والفقه، والقراءات، وكانت كل مصنفاته في غاية الجودة والتحقيق\" (١).\n٨ - أحمد بن إدريس القرافي.\nجاء في ترجمته: \"كان إمامًا بارعًا في الفقه والأصول، والعلوم العقلية، وله معرفة بالتفسير\" (٢).\n٩ - نجم الدين سليمان الطوفي.\nجاء في ترجمته: \"كان فقيهًا شاعرًا أديبًا، فاضلًا قيمًا بالنحو واللغة والتاريخ، مشاركًا في الأصول\" (٣).\nوقيل عنه: \"الفقيه، الأصولي، المتفنن\" (٤).\n١٠ - علي بن عبدالكافي السبكي.\nجاء في ترجمته: \"الشيخ الإمام، الفقيه، المحدث، الحافظ، المفسر، المقرئ، الأصولي، المتكلم، النحوي، اللغوي، الأديب، الحكيم المنطقي، الجدلي، الخلافي، النظار\" (٥).\n١١ - مظفر الدين أحمد ابن الساعاتي.\nجاء في ترجمته: \"كان - ﵀ - إمام عصره في العلوم الشرعية، ثقة حافظًا، متقنًا في\n_________\n(١) يُنظر: أعلام أصول الفقه الإسلامي ومصنفاتهم (٣/ ١٧١ - ١٧٢).\n(٢) يُنظر: الديباج المذهب (١/ ٦٣)؛ الفتح المبين للمراغي (٢/ ٨٦).\n(٣) يُنظر: بغية الوعاة (١/ ٥٩٩).\n(٤) يُنظر: ذيل طبقات الحنابلة (٤/ ٤٠٤)؛ طبقات المفسرين للأدنه وي (ص: ٢٦٤).\n(٥) يُنظر: طبقات الشافعية لابن السبكي (١٠/ ١٣٩). ويُنظر كذلك: طبقات المفسرين للأدنه وي (١/ ٢٨٥ - ٢٨٦).","vol":"1","page":764},{"text":"الفروع والأصول ... له مصنفات في الفقه والأصول تشهد له بطول الباع، وسعة الاطلاع\" (١).\n١٢ - عبدالرحمن بن أحمد الإيجي.\nقيل عنه: \"إمامًا في المعقول، قائمًا بالأصول والمعاني والعربية، مشاركًا في الفنون\" (٢).\n١٣ - قطب الدين محمود الشيرازي.\nجاء في ترجمته: \"الشيخ الإمام العلامة قطب الدين محمود بن مسعود بن مصلح الشيرازي، كان عالمًا بالفلسفة والمنطق والأصول والحكمة، وله فيها مصنفات تدل على فضله\" (٣).\n١٤ - صدر الشريعة عبدالله المحبوبي.\nجاء في ترجمته: \"الإمام الحنفي الفقيه الأصولي الجدلي المحدث المفسر النحوي اللغوي الأديب النظار المتكلم المنطقي ... كان حافظًا لقوانين الشريعة، محيطًا بمشكلات الفروع والأصول، متبحرًا في المعقول والمنقول\" (٤).\n١٥ - تاج الدين عبدالوهاب السبكي.\nقيل عنه: \"حصل فنونًا من العلم من الفقه والأصول، وكان ماهرًا فيه، والحديث والأدب، وبرع، شارك في العربية، وكان له يد في النظم والنثر ... صنف تصانيف عدة في فنون\" (٥).\n_________\n(١) يُنظر: الفتح المبين للمراغي (٢/ ٩٤ - ٩٥)؛ أصول الفقه تاريخه ورجاله (ص: ٢٧٥ - ٢٧٦).\n(٢) يُنظر: بغية الوعاة (٢/ ٧٥).\n(٣) يُنظر: النجوم الزاهرة (٩/ ٢١٣).\n(٤) يُنظر: الفتح المبين للمراغي (٢/ ١٥٤)؛ أصول الفقه تاريخه ورجاله (ص: ٣٣٤).\n(٥) يُنظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ١٠٥ - ١٠٦).","vol":"1","page":765},{"text":"١٦ - جمال الدين عبدالرحيم الإسنوي.\nجاء في ترجمته: \"الفقيه الشافعي الأصولي النحوي العروضي\" (١).\n١٧ - أكمل الدين محمد بن محمود البابرتي.\nقيل عنه: \"وكان علامة، فاضلًا، ذا فنون\" (٢).\n١٨ - مسعود بن عمر التفتازاني.\nقيل عنه: \"مسعود بن عمر بن عبدالله، الشيخ سعد الدين التفتازاني، الإمام العلامة، عالم بالنحو والتصريف والمعاني والبيان والأصلين والمنطق وغيرها، ... وتقدم في الفنون، واشتهر ذكره، وطار صيته، وانتفع الناس بتصانيفه ... وانتهت إليه معرفة العلوم بالمشرق\" (٣).\n١٩ - بدر الدين محمد الزركشي.\nقيل عنه: \"وألف تصانيف كثيرة في عدة فنون، وهو عالم في الحديث والتفسير وجميع العلوم\" (٤).\n٢٠ - زكريا بن محمد الأنصاري.\nجاء في ترجمته: \"قاضٍ، مفسر، من حفاظ الحديث\" (٥).\n_________\n(١) يُنظر: بغية الوعاة (٢/ ٩٢).\n(٢) يُنظر: المرجع السابق (١/ ٣٢٩).\n(٣) يُنظر: المرجع السابق (٢/ ٢٨٥). ويُنظر كذلك: شذرات الذهب (٦/ ٣٢٠).\n(٤) يُنظر: طبقات المفسرين للأدنه وي (ص: ٣٠٢).\n(٥) يُنظر: الأعلام (٣/ ٤٦)؛ أصول الفقه تاريخه ورجاله (ص: ٤٦١).","vol":"1","page":766},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-307> ثاني عشر: تعدد المدارس العلمية</span>؛ ومنهم:\n١ - أبو الوليد سليمان الباجي.\nجاء في ترجمتة: \"أبو الوليد الباجي: أبو الوليد، سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي المالكي الأندلسي الباجي، كان من علماء الأندلس وحفاظها، سكن شرق الأندلس، ورحل إلى المشرق سنة ست وعشرين وأربعمائة أو نحوها، ... ثم رحل إلى بغداد، فأقام بها ثلاثة أعوام يدرس الفقه، ويقرأ الحديث، ولقي بها سادة من العلماء؛ كأبي الطيب الطبري الفقيه الشافعي، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي صاحب المهذب (١)، ... وكان مقامه بالمشرق نحو ثلاثة عشر عامًا\" (٢).\n٢ - أبو العباس أحمد القرافي.\nجاء في ترجمته: \"مالكي المذهب، وأخذ كثيرًا من علومه عن الشيخ الإمام العلامة الملقب بسلطان العلماء عز الدين بن عبدالسلام الشافعي\". (٣)\n٣ - تقي الدين محمد ابن دقيق العيد.\nجاء في ترجمته: \"تفقه بقُوْصٍ (٤) على والده، وكان والده مالكي المذهب، ثم تفقه\n_________\n(١) المهذب في الفروع: للشيخ الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الشيرازي الفقيه الشافعي (ت: ٤٧٦ هـ)، بدأ في تصنيفه سنة (٤٥٥ هـ)، وفرغ منه في جمادى الآخرة سنة (٤٦٩ هـ)، وهو كتاب جليل القدر اعتنى بشأن فقهاء الشافعي، فمن شراحه: الشيخ الإمام محيي الدين أبو زكريا النووي (ت: ٦٧٦ هـ)، بلغ فيه إلى باب الربا وأدركته المنية، ثم أكمله الشيخ تقي الدين علي بن عبدالكافي السبكي (ت: ٧٥٦ هـ). يُنظر: كشف الظنون (٢/ ١٩١٢).\n(٢) يُنظر: وفيات الأعيان (٢/ ٤٠٨). ويُنظر كذلك: الديباج المذهب (١/ ١٢٠).\n(٣) يُنظر: الديباج المذهب (١/ ٦٣).\n(٤) قُوْص: بالضم ثم السكون وصاد مهملة، من مدن جمهورية مصر العربية، تقع على الساحل الشرقي من النيل جنوب مدينة القاهرة، وهي مدينة كبيرة عظيمة واسعة، وكانت عاصمة للصعيد، ومعبر الحجاج إلى البحر الأحمر.\nيُنظر: معجم البلدان (٤/ ٤١٣)؛ الموسوعة الحرة ويكيبيديا على الرابط التالي:\nhttp://ar.wikipedia.org/wiki/%D ٩%٨٢%D ٩%٨٨%D ٨%B ٥","vol":"1","page":767},{"text":"على شيخ الإسلام عز الدين بن عبدالسلام، فحقق المذهبين\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-308> ثالث عشر: التحول عن مذهب لآخر </span>(٢).\nمن الأسباب الدافعة لانتقال العَلم من مذهب لآخر: ترجح المذهب الآخر لديه، فهو بهذا الانتقال يكون ملمًّا بمذهبين، فيكسبه حقيقة الوقوف على المذهب الأول؛ حيث كان أحد أعلامه، فيستدرك على حجاجه، ويستدرك على المخالفين للمذهب الأول تقريرهم الخاطئ له.\nومن علماء الأصول الذين تحولوا من مذهب فقهي إلى آخر:\n١ - سيف الدين علي الآمدي.\nجاء في ترجمته: \"الإمام العلامة الفقيه الأصولي، أبو الحسن علي بن أبي علي ابن محمد، الملقب سيف الدين، الأسدي الثعلبي، الحنبلي الشافعي، صاحب التصانيف البديعة، النازلة في المنزلة الرفيعة المفيدة النافعة، الصادرة عن القريحة البارعة، كان في أول اشتغاله حنبلي المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي\" (٣).\nفاستطاع بذلك تحرير مذهب الحنابلة في المسألة الأصولية؛ لعلمه بمذهبهم (٤).\n٢ - أبو المظفر منصور السمعاني.\nكان في أول أمره على مذهب الإمام أبي حنيفة، ثم انتقل إلى مذهب\n_________\n(١) يُنظر: طبقات الشافعية الكبرى (٩/ ٢١٠).\n(٢) وللسيوطي كتاب في ذلك بعنوان \" جزيل المواهب في اختلاف المذاهب\".\n(٣) يُنظر: سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٦٤)؛ مرآة الجنان (٤/ ٧٣)؛ طبقات الشافعية لابن السبكي (٨/ ٣٠٦).\n(٤) يُنظر مثلًا: مسألة: إنكار الشيخ رواية الفرع عنه (٢/ ١٢٨)، مسألة: زيادة الثقة (٢/ ١٣١)، مسألة: حجية قول الصحابي على التابعين ومن بعدهم (٤/ ١٨٢).","vol":"1","page":768},{"text":"الشافعية (١).\nفاستطاع تحقيق مذهب الحنفية في المسائل الخلافية، وتقريب وجهة النظر مع الشافعية في بعض المسائل، وإيضاح أن الخلاف لفظي، واستدرك على الشافعية الخطأ في فهم مراد الحنفية؛ كما حدث في مسألة الاستحسان (٢).\n٣ - أحمد بن علي بن برهان.\n\"أحمد بن علي بن محمد بن برهان الأصولي ... هو الشيخ الإمام أبو الفتح، كان أولًا حنبلي المذهب، ثم انتقل وتفقه على الشاشي (٣) والغزالي وإِلْكيَّا (٤) \" (٥).\n_________\n(١) يُنظر: المنتظم (١٧/ ٣٧)؛ التدوين في أخبار قزوين (٤/ ١١٨)؛ البداية والنهاية (١٢/ ١٥٣).\n(٢) يُنظر: قواطع الأدلة (٤/ ٥١٤).\n(٣) هو: أبو بكر، محمد بن المظفر بن بكران الحموي، المعروف بـ (الشاشي)، تفقه على أبي الطيب الطبري، كان بارعًا تقيًا منقطعًا للعلم والتعليم، ولاه الخليفة المقتدي القضاء بعد وفاة الدمغاني، ولم يأخذ على القضاء أجرًا، ولم يستنب أحدًا فيه؛ بل كان يباشر القضاء بنفسه، (ت: ٤٨٨ هـ) ببغداد، ودفن بالقرب من ابن شريح.\nتُنظر ترجمته في: البداية والنهاية لابن كثير (١٢/ ١٥١)؛ الفتح المبين للمراغي (١/ ٢٦٨)؛ أصول الفقه تأريخه ورجاله (ص: ١٨٦).\n(٤) هو: أبو الحسن، علي بن محمد بن علي، إِلْكيَّا الهراسي، عماد الدين، كان إمامًا فقيهًا أصوليًا، من فحول العلماء، تفقه على إمام الحرمين، وهو من أجل تلاميذه بعد الإمام الغزالي. من مصنفاته: \"شفاء المسترشدين \" في الخلافيات، \"نقض مفردات الإمام أحمد\"، وله كتاب في أصول الفقه، (ت: ٥٠٤ هـ).\nتُنظر ترجمته في: طبقات الفقهاء (ص: ٢٤٧)؛ طبقات الشافعية لابن السبكي (٧/ ٢٣١)؛ شذرات الذهب (٦/ ١٤).\n(٥) يُنظر: طبقات الشافعية لابن السبكي (٦/ ٣٠). ويُنظر كذلك: ذيل طبقات الحنابلة (١/ ٣٥٧).","vol":"1","page":769},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-309>المطلب الثاني: مظان الاستدراك الأصولي باعتبار الكتب وتطبيقاتها</span>\nبعد تصفح أكبر عدد ممكن من كتب الأصول تخلصت إلى نتيجة مفادها: أنه لا يكاد يخلو كتاب في أصول الفقه من ذكر عدد من الاستدراكات بأي نوع من أنواع الاستدراك؛ وخاصة الاستدراك المقدر.\nإلا أن مَنْ أراد الوقوف على جملة من الاستدراكات الأصولية على المصنفات الأصولية فليول وجهه شطر الكتب التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>الأول: مطالعة الكتب التي يحوي عنوانها الألفاظ التالية: \"المآخذ\"، \"التنقيح\"، \"النقد\"، \"التصحيح\"، \"التقييد\"، ونحو ذلك</span>.\nفهذه الكتب من مظان الاستدراكات الأصولية، وأذكر أمثلة لهذه الكتب\n١ - المآخذ على المحصول (١)، لسيف الدين الآمدي.\n٢ - تنقيح محصول ابن الخطيب في أصول الفقه، لمظفر بن أبي الخير التبريزي.\n١ - الردود والنقود شرح مختصر ابن الحاجب، لمحمد بن محمود البابرتي.\n٢ - تقييدات على تنقيح الفصول (٢)، لأحمد بن عبدالرحمن التادَلي (٣).\n_________\n(١) تم تحقيقه بجامعة الأزهر. وقد ذكر هذا الكتاب للآمدي الصفدي في الوافي للوفيات (٢١/ ٢٢٩).\n(٢) مخطوط، له نسخة في دار الكتب المصرية، تحت رقم (٨٠٥) أصول.\n(٣) هو: أحمد بن عبدالرحمن التادلي الفاسي، كان فقيهًا فاضلًا، متفننًا، إمامًا في أصول الفقه، مشاركًا في الأدب والعربية والحديث، مستحضرًا للفقه، ولي نيابة القضاء بالمدينة النبوية. من مصنفاته: \"شرح على رسالة ابن أبي زيد\"، و\" شرح عمدة الأحكام \" في الحديث، وله على التنقيح للقرافي تقييد مفيد، (ت: ٧٤١ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الديباج المذهب (١/ ٨١)؛ معجم المؤلفين (١/ ١٦٥).","vol":"1","page":770},{"text":"٣ - حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح، لمحمد الطاهر بن عاشور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>ثانيًا: النظر في كتب الحواشي؛ فإن الاستدراك من مهام المحشي</span>.\nومن الحواشي التي احتوت على عدد من الاستدراكات:\nحاشية التفتازاني على التوضيح للمحبوبي، وحاشية المطيعي على نهاية السول للإسنوي، وحواشي جمع الجوامع، وحواشي شرح العضد الأيجي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>ثالثًا: تصفح المختصرات والشروح</span>؛ وخاصة إذا كان المختصر والشارح مخالفًا لصاحب الأصل في المذهب الفقهي، وأسرد لهذه النقطة بعض الكتب (١)، مبتدئة بالمختصرات، ثم الشروح:\nمن المختصرات التي اختلف فيها المذهب الفقهي للمختصر عن مذهب صاحب المتن:\n١ - الضروري في أصول الفقه، لمحمد بن رشد الحفيد المالكي، كتابه هذا اختصار للمستصفى لأبي حامد محمد الغزالي الشافعي.\n٢ - لباب المحصول في علم الأصول، للحسين ابن رشيق المالكي، اختصر في كتابه المستصفى لأبي حامد محمد الغزالي الشافعي.\n٣ - منتهى السول والأمل ومختصره الشهير بـ (بمختصر ابن الحاجب)، وابن الحاجب مالكي المذهب، اختصر الإحكام في أصول الأحكام لسيف الدين علي الآمدي الشافعي.\n_________\n(١) مرتبة بتاريخ وفاة المختصر أو الشارح.","vol":"1","page":771},{"text":"٤ - تنقيح الفصول، لأحمد بن إدريس القرافي المالكي، يُعد مختصرًا لمحصول الفخر الرازي الشافعي.\nومن الشروح:\n١ - إيضاح المحصول من برهان الأصول، لأبي عبدالله محمد المازري المالكي، فكتابه شرح للبرهان في أصول الفقه للإمام عبدالملك بن عبدالله الجويني.\n٢ - التحقيق والبيان في شرح البرهان، لأبي الحسن علي الأبياري المالكي، وكذلك كتابه شرح للبرهان في أصول الفقه للجويني.\n٣ - نفائس الأصول في شرح المحصول، لشهاب الدين أحمد القرافي المالكي، شرح في كتابه محصول الفخر الرازي الشافعي.\n٤ - بيان المختصر، لمحمود بن عبدالرحمن الأصفهاني الشافعي، شرح في كتابه مختصر ابن الحاجب المالكي.\n٥ - رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، لتاج الدين عبدالوهاب السبكي الشافعي، شرح فيه كتاب مختصر ابن الحاجب المالكي.","vol":"1","page":772},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-313>المطلب الثالث: مظان الاستدراك الأصولي باعتبار الموضوعات الأصولية وتطبيقاتها</span>\nكثير من المسائل الأصولية مختلف فيها بين الأصوليين (١)، فيذهب كل فريق إلى تقوية أدلته بذكر استدراكات مقدرة يتم الإجابة عليها، والاستدراك على أدلة الفريق الآخر بالتضعيف.\nوالناظر في هذه المسائل يجد أن الخلاف في اتجاهين:\nالاتجاه الأول: خلاف مع مذهب عقدي.\nالاتجاه الثاني: خلاف مع مذهب فقهي.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-314> فمن مظان الاستدراكات في مسائل الاتجاه الأول -الخلاف مع مذهب عقدي</span>-:\n١ - مسألة: التحسين والتقبيح.\n٢ - مسألة: وجوب شكر المنعم (٢).\n٣ - تعريف الحكم الشرعي.\n٤ - مسألة: خطاب المعدوم.\n٥ - مسألة: هل للأمر صيغة بنفسه؟\n٦ - مسألة: هل للعموم صيغ؟\n٧ - مسألة: هل أمر الله سبحانه مستلزم لإرادته أم لا؟\n_________\n(١) يُنظر: مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور (ص: ١٧٢).\n(٢) من علماء الأصول من يجعل مسألة (وجوب شكر المنعم) هي عينها مسألة (التحسين والتقبيح)، ومنهم من يجعلها فرعها. يُنظر: البحر المحيط (١/ ١٥٩ - ١٦٠)؛ سلاسل الذهب (ص: ١١٨ - ١١٩)؛ المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين (ص: ٨٣).","vol":"1","page":773},{"text":"٨ - مسألة: هل يجب على الله رعاية الصلاح في فعله وحكمه؟\n٩ - التكليف بما لا يطاق.\nوغيرها من المسائل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-315> ومن مظان الاستدراكات في مسائل الاتجاه الثاني -الخلاف مع مذهب فقهي</span>-:\n١ - مسألة: حجية القراءة الشاذة.\n٢ - مسألة: الزيادة على النص هل هي النسخ؟\n٣ - مسألة: نسخ جزء العبادة أو شرطها هل هو نسخ لها؟\n٤ - مسألة: مراسيل غير الصحابة.\n٥ - مسألة: خبر الواحد فيما تعم به البلوى.\n٦ - مسألة: إجماع أهل المدينة.\n٧ - مسألة: حجية الاستحسان.\n٨ - مسألة: القياس في اللغة.\n٩ - مسألة: حجية المصلحة المرسلة.\n١٠ - مسألة: دلالة العام على أفراده.\n١١ - مسألة: حكم العام الوارد على السبب خاص.\n١٢ - مسألة: حكم الاستثناء بعد جمل متعاطفة.\n١٣ - مسألة: حجية مفهوم المخالفة.\n١٤ - مسألة: تخصيص العلة.\n١٥ - مسألة: القياس في الأسباب والحدود والكفارات والرخص والأبدال.\nوغيرها من المسائل الأصولية التي وقع فيها الخلاف.","vol":"1","page":774},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-316> المبحث الثاني\nآثار الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها</span>\nوفيه تمهيد، ومطلبان:\n- تمهيد: المراد بآثار الاستدراك الأصولي.\n- المطلب الأول: الآثار الإيجابية للاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها.\n- المطلب الثاني: الآثار السلبية للاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها.\n\n* * ... * ** * ... * *","vol":"1","page":775},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>تمهيد\nالمراد بآثار الاستدراك الأصولي</span>\nقال ابن فارس: \" (أثر): الهمزة والتاء والراء له ثلاثة أصول:\nتقديم الشيء، وذكر الشيء، ورسم الشيء الباقي. (١) والأصل الثالث هو المراد هنا.\nوالأثر في اللغة: العلامة وبقية الشيء، والجمع: آثار وأُثور، والتأثير: إبقاء الأثر في الشيء.\nوأثرة العلم: بقية منه، تؤثر: أي تروى وتذكر. (٢)\nوفي الاصطلاح: يطلق على أربعة معان:\n١. النتيجة، وهو الحاصل من الشيء.\n٢. العَلاَمة.\n٣. الخبر.\n٤. ما يترتب على الشيء، وهو المسمى بالحكم عند الفقهاء. (٣)\nوالأقرب من هذه التعريفات للمطلوب هو المعنى الأول والرابع.\nفالمراد بآثار الاستدراك الأصولي: النتائج الحاصلة من التعقيبات الأصولية.\nوهذا المعنى مستفادة من المعنى الاصطلاحي لكلمة (آثر)، والمعنى اللغوي لكلمة (استدراك).\n_________\n(١) يُنظر: مقاييس اللغة (١/ ٥٣) مادة: (أثر).\n(٢) يُنظر: الصحاح (ص: ٢٨)؛ القاموس المحيط (ص: ٣٤١) مادة: (أثر).\n(٣) ينظر: التعريفات (ص: ٢٣)؛ كشاف اصطلاحات الفنون (١/ ٩٨).","vol":"1","page":776},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-318>المطلب الأول\nالآثار الإيجابية للاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها</span>\nظهر لي أثناء البحث عدة أصناف للآثار الإيجابية للاستدراك، ويمكن وصفها بالآتي:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-319> أولًا: الأثر المتولِّد:</span>\nوهو النتيجة الناشئة عن الاستدراك الأصولي.\nفالاستدراك الأصولي أثر في ميلاد أفكار وموضوعات جديدة في علم الأصول، والناظر في المصنفات الأصولية منذ النشأة حتى القرن الرابع عشر يلحظ ذلك؛ حيث زيد في عدد الموضوعات الأصولية.\nبل إن الاستدراك الأصولي كان له أثر في توليد مصنفات جديدة؛ ومن ذلك: ما ذكره ابن السبكي عن والده أنه صنف كتابًا لاستدراك يورده الأصوليون فقال: \"وقد نجز من القول في هذه المسألة (١) ما لا يحتمل هذا الشرح (٢) أطول منه، وبقي سؤال يورده الشيوخ: وهو أن المشتهر عن المتكلمين أن أحكام الله تعالى لا تعلل، واشتهر عن الفقهاء التعليل، وأن العلة بمعنى الباعث، وتوهم كثير منهم (٣) [] (٤)\n_________\n(١) يقصد بالمسألة: اختلاف الأصوليين في تفسير العلة.\n(٢) أي شرح الإبهاج على منهاج الوصول للبيضاوي.\n(٣) منهم: الآمدي وابن الحاجب، ذكرهم عندما تكلم عند هذا المذهب. يُنظر: الإبهاج (٦/ ٢٢٨٦). ويُنظر كذلك: الإحكام للآمدي (٣/ ٢٥٤)؛ مختصر ابن الحاجب (٢/ ١٠٣٩ - ١٠٤٠).\n(٤) بين المعقوفتين [منها] أثبت في تحقيق: الدكتور أحمد زمزمي والدكتور نور الدين صغيري من نسخة لديهما، وهي ساقطة في تحقيق الدكتور شعبان إسماعيل، ورأيت حذفها أولى للسياق.","vol":"1","page":777},{"text":"أنها باعثة للشرع على الحكم كما هو مذهب [من] (١) قد بينا بطلانه (٢)، فيتناقض كلام الفقهاء وكلام المتكلمين.\nوما زال الشيخ الإمام الوالد والدي - أطال الله عمره - يستشكل الجمع بين كلاميهما، إلى أن جاء ببديع من القول فقال - في مختصر لطيف كتبه على هذا السؤال وسماه: ورد العلل في فهم العلل (٣) -: (لا تناقض بين الكلامين؛ لأن المراد أن العلة باعثة على فعل المكلف؛ مثاله: حفظ النفوس فإنه علة باعثة على القصاص الذي هو المكلف المحكوم به من جهة الشرع، فحكم الشرع لا علة له، ولا باعث عليه؛ لأنه قادر أن يحفظ النفوس بدون ذلك؛ وإنما تعلق أمره بحفظ النفوس، وهو مقصود في نفسه، وبالقصاص؛ لكونه وسيلة إليه، فكلا المقصد والوسيلة مقصود للشرع. وأجرى الله تعالى العادة أن القصاص سبب للحفظ، فإذا فعل المكلف من السلطان والقاضي وولي الدم القصاص وانقاد إليه القاتل امتثالًا لأمر الله به ووسيلة إلى حفظ النفوس؛ كان لهم أجران؛ أجر على القصاص، وأجر على حفظ النفوس، وكلاهما مأمور به من جهة الله تعالى:\nأحدهما: بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨].\nوالثاني: إما بالاستنباط وإما بالإيماء في قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وهكذا يستعمل ذلك في جميع الشريعة، ومن هنا يتبين أن كل حكم معقول المعنى فللشارع فيه مقصودان:\n_________\n(١) إضافة من تحقيق الدكتور شعبان إسماعيل. يُنظر: الإبهاج بتحقيقه (٣/ ١٤٩٧).\n(٢) إشارة إلى قوله: \"وهو ضعيف؛ لاستحالته في حق الله تعالى ... \". يُنظر: الإبهاج (٦/ ٢٢٨٦).\n(٣) قال حاجي خليفة: \"ورد العلل في فهم العلل للشيخ تقي الدين علي ابن عبدالكافي السبكي (ت: ٧٥٦ هـ) \" لم يذكر زيادة على ذلك: يُنظر: كشف الظنون (٢/ ٢٠٠٥). وذكره ابن السبكي في طبقاته عندما ترجم لوالده. يُنظر: طبقات الشافعية لابن السبكي (١٠/ ٣١٢).","vol":"1","page":778},{"text":"أحدهما: ذلك المعنى. والثاني: الفعل الذي هو طريق إليه وأمر المكلف أن يفعل ذلك الفعل قاصدًا به ذلك المعنى، فالمعنى باعث له؛ لا للشارع، ومن هنا يعلم أن الحكم المعقول المعنى أكثر أجرًا من الحكم التعبدي.\nنعم التعبدي فيه معنى آخر؛ وهو أن النفس لاحظ لها فيه، فقد يكون أجر الواحد يعدل الأجرين اللذين في الحكم غير التعبدي، ويعرف أيضًا أن العلة القاصرة - سواء كانت منصوصة أم مستنبطة - فيها فائدة، وقد ذكر الناس لها فوائد، وما ذكرناه فائدةٌ زائدةٌ؛ وهي قصد المكلف فعله لأجلها فيزداد أجره.\nفانظر هذه الفائدة الجليلة، واستعمل في كل مسألة ترد عليك هذا الطريق، وميز بين المراتب الثلاث؛ وهي: حكم الله بالقصاص، ونفس القصاص، وحفظ النفوس، وهو باعث على الثاني لا على الأول، وكذا حفظ المال بالقطع في السرقة، وحفظ العقل باجتناب المسكر، فشد يديك بهذا الجواب\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-320> ثانيًا: الأثر المُعدَّل:</span>\nهو النتيجة المعاد تشكيلها بعد الاستدراك الأصولي.\nفعلم أصول الفقه منذ النشأة إلى القرن الرابع عشر مر بمراحل مختلفة من النمو والتطور المعرفي، وهذا التطور تعرض لعدة جوانب من الاستدراكات التي أثرت في إعادة الصياغة الأصولية، وظهر هذا جليًا في الأمور التالية:\n- إعادة صياغة القواعد الأصولية.\n- إعادة صياغة الحدود.\n- إعادة صياغة عنوان المسألة الأصولية.\n- إعادة التبويب والترتيب في المباحث الأصولية.\n_________\n(١) يُنظر: الإبهاج (٦/ ٢٢٨٧ - ٢٢٨٩).","vol":"1","page":779},{"text":"- استدراك الأصولي على نفسه، ففيه تعديل لقوله السابق.\nوقد سبق ذكر أمثلة للاستدراكات كانت سببًا لإعادة صياغة العناوين (١) والحدود (٢) والترتيب (٣) في المسائل الأصولية. كما مرت أمثلة لاستدراكات الأصولي على نفسه (٤) فأكتفي بها، وأذكر هنا مثالًا لاستدراك إعادة صياغة القاعدة الأصولية، وهو ما نقل عن أئمة المذهب الحنفي: أن رجلًا لو قال: أوصيتُ بداري لموالي، ومات قبل البيان؛ بطلت الوصية.\nففهم المتأخرون من الحنفية أن البطلان جاء من جهة أن لفظ (الموالي) مشترك بين العبيد الذين أعتقهم الموصي، والأسياد الذين أعتقوا الموصي؛ فالموصى له غير معين، ويشترط لصحة الوصية أن يكون الموصى له معينًا، وفوات الشرط يترتب عليه فوات المشروط، فتكون الوصية حينئذ باطلة.\nففهم الحنفية من القول بالبطلان أن كل لفظ وضع لأكثر من معنى - وهو: اللفظ المشترك - لا يمكن أن يُراد منه كل المعاني الموضوعة له، فوضعوا القاعدة الأصولية: (المشترك لا عموم له)؛ ولكنهم بعد أن قرروا هذه القاعدة اصطدموا بفرع فقهي لا يدخل تحت القاعدة؛ وهو ما نقل عن أئمتهم فيما لو قال رجل لآخر: والله لا أكلم مولاك؛ حنث بكلام المولى الأعلى - المُعتِق - والمولى الأسفل - المُعتَق-، فالحكم بالحنث - سواء كلم المولى الأعلى أو المولى الأدنى - إنما يصح باعتبار عموم المشترك، وهذا مخالف لما تم تقريره في القاعدة الأصولية عند الحنفية: (المشترك لا عموم له)، فيستدرك الحنفية هذا ويقومون بإعادة تشكيل القاعدة الأصولية بما يوافق\n_________\n(١) يُنظر: (ص: ٣٥٤ - ٣٥٩).\n(٢) يُنظر: (ص: ٣٦١ - ٣٦٦).\n(٣) يُنظر: (ص: ٢٢٧ - ٢٢٨)، ويُنظر كذلك (ص: ٣٠٤ - ٣٠٥).\n(٤) يُنظر: (ص: ٣٣٨ - ٣٤٢).","vol":"1","page":780},{"text":"هذا الفرع فيقولون: (المشترك لا عموم له إلا إذا وقع بعد النفي). (١)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-321> ثالثًا: الأثر المُقارب:</span>\nهو النتيجة المتوسطة من مجموعة الاستدراكات الأصولية.\nفهذا الأثر يكون بين استدراكين أو أكثر، فيختار محصلة الاستدراكات، ويجمع ويسدد بينها.\nيمكن بيان هذا الأثر في مصنف الرسالة للإمام الشافعي؛ وذلك لأن من الدوافع التي دفعت الإمام الشافعي لتصنيف الرسالة: الاختلاف الشائك بين مدرستي الأثر في الحجاز والرأي في العراق، فاستدرك الشافعي على المدرستين وجمع وقارب بين مدرستي الرأي والأثر، وفي هذا يقول أبو زهرة (٢): \"وهكذا نرى الشقة بين أهل العراق وأهل الحجاز قد أخذت تضيق حتى تقاربا، كل ذلك في شباب الشافعي، فلما جاء دوره كان هو الوسط الذي التقى فيه أهل الرأي وأهل الحديث معًا، فلم يأخذ بمسلك أهل الحديث في قبولهم لكل الأخبار مالم يقم دليل على كذبها، ولم يسلك مسلك أهل الرأي في توسيع نطاق الرأي؛ بل ضبط قواعده، وضيق مسالكه، وعبّدها، وسهلها، وجعلها سائغة\" (٣).\nويذكر ضمن هذا الأثر ما سلكه الجويني في اختياراته لبعض المسائل\n_________\n(١) يُنظر: أصول الفقه للبرديسي (ص: ١٥ - ١٦)؛ أصول الفقه تاريخه ورجاله (ص: ٣٤ - ٣٥).\n(٢) هو: محمد بن أحمد، أبو زهرة، من أكبر علماء الشريعة الإسلامية في عصره، كان وكيلًا لكلية الحقوق بجامعة القاهرة، ووكيلًا لمعهد الدراسات الإسلامية، أصدر من تأليفه أكثر من أربعين كتابًا؛ منها: \"تاريخ الجدل في الإسلام\"، و\" خلاصة أحكام الأحوال الشخصية والوصايا والمواريث\"، وقد كتبها إجابة لطلب معهد القانون الدولي بواشنطن، وترجمت إلى الإنجليزية، كما أخرج لكل إمام من الأئمة الأربعة كتابًا ضخمًا يضم دراسة فقهية أصولية، (ت: ١٣٩٤ هـ). تُنظر ترجمته في: الأعلام (٦/ ٢٥).\n(٣) يُنظر: الشافعي حياته وعصره آراؤه وفقهه (ص: ٧٩).","vol":"1","page":781},{"text":"الأصولية، وتعبيره بقوله: \"والمسلك الحق عندي في ذلك، الجامع لمحاسن المسالك، الناقض لمساويها: أن نقول\" (١).\nوقوله: \"فلينظر الناظر كيف لقطنا من كل مسلك خياره\" (٢).\nويمكن أن يذكر في هذا الأثر التصنيف في أصول الفقه على طريقة الجمع بين المصنفات الأصولية المصنفة على طريقة الجمهور والحنفية، فبعد أن استقامت الطريقتان -الجمهور والحنفية- قام عدد من العلماء بتقعيد الأصول وإقامة البراهين عليها كطريقة الجمهور، ثم طبقوا القواعد الأصولية على الفروع الفقهية كطريقة الحنفية (٣)، فاستدركوا بذلك على الطريقتين، وجمعوا بين مصنفات الطريقتين.\nيقول الدكتور مصطفى الخن (٤): \"لقد اتضح من خلال ما سبق أن هناك تمايزًا بين طريقة المتكلمين وطريقة الفقهاء، فلكل واحد من هاتين الطريقتين خصائص، فالمتكلمون يعرضون قواعد مجردة عن الفروع، والفقهاء يعرضون قواعد مستوحاة من الفروع.\nومهما تحدث المتحدثون عن نقد كلٍّ من الطريقتين، فلا تخلو كل واحدة منهما من فضائل لا توجد في الأخرى.\n_________\n(١) يُنظر: البرهان (١/ ٩١).\n(٢) المرجع السابق (١/ ٤٩٦).\n(٣) يُنظر: أصول الفقه تاريخه ورجاله (ص: ٣٨)؛ مرتقى الوصول إلى تاريخ علم الأصول (ص: ٣٠).\n(٤) هو: مصطفى بن سعيد بن محمود الخن، من أسرة دمشقية، تأثر ودرس على الشيخ حسن حبنكة الميداني، أعير للتدريس بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ودرس في جامعة أم درمان بدمشق. من مصنفاته: \"أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء \" ونال بها درجة الدكتوراه من الأزهر، \" الأدلة الشرعية وموقف الفقهاء من الاحتجاج بها\"، و\" الكافي الوافي في أصول الفقه الإسلامي\"، (ت: ١٤٢٩ هـ) وهو في صلاة الجمعة في دمشق.\nتُنظر ترجمته في: مصطفى سعيد الخن العالم المربي وشيخ علم أصول الفقه في بلاد الشام، لمحيي الدين مستو.","vol":"1","page":782},{"text":"هذا الأمر هو الذي حدا ببعض المؤلفين أن يأتي بطريقة تجمع فضائل ما يكون في الطريقتين، وتتجنب ما كان يوجه إليها من نقد\" (١). ثم ذكر المصنفات على هذه الطريقة.\nوأشار إلى هذا النوع من الاستدراك ابن الساعاتي (٢) في مقدمة كتابه بديع النظام الجامع بين أصول البزدوي والإحكام (٣) حيث قال: \"قد منحتك أيها الطالب لنهاية الوصول إلى علم الأصول هذا الكتاب البديع في معناه، المطابق اسمه لمسماه، لخصته لك من كتاب الإحكام، ورصعته بالجواهر النقية من أصول فخر الإسلام؛ فإنهما البحران المحيطان بجوامع الأصول، الجامعان لقواعد المعقول والمنقول، هذا حاوٍ للقواعد الكلية، وذاك مشمول بالشواهد الجزئية\nالفرعية، وهذا الكتاب يقرب منهما البعيد، ويؤلف الشريد، ويُعَبِّد لك الطريقين، ويعرفك اصطلاح الفريقين، مع زيادات شريفة، وقواعد منقحة لطيفة\".\nوقال ابن عبدالشكور في خطبة كتابه: \" ... منها علم أصول الأحكام، فهو من أجل علوم الإسلام، ألف في مدحه خطب، وصنف في قواعده كتب، وكنت صرفت بعض عمري في تحصيل مطالبه، ووكلت نظري على تحقيق مآربه، فلم تحتجب عني\n_________\n(١) دراسة تاريخية للفقه وأصوله والاتجاهات التي ظهرت فيهما (ص: ٢٠٩ - ٢١٠).\n(٢) هو: أحمد بن علي بن تغلب بن أبي الضياء البغدادي البعلبكي الأصل، مظفر الدين، المعروف بـ (ابن الساعاتي)؛ لأن والده هو الذي عمل الساعات المشهورة على باب المستنصرية ببغداد، إمام كبير، كان الشيخ شمس الدين الأصبهاني يثني عليه كثيرًا ويرجحه على ابن الحاجب، من مصنفاته: \"مجمع البحرين \" في الفقه، جمع فيه بين مختصر القدوري والمنظومة مع زوائد، ورتبه فأحسن وأبدع في اختصاره. وله \" بديع النظام \" في أصول الفقه، جمع فيه بين أصول فخر الإسلام البزدوى والإحكام للآمدي. وله \" الدر المنضود في الرد على فيلسوف اليهود\"، (ت: ٦٩٤ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الجواهر المضِيَّة (١/ ٢٠٨)؛ تاج التراجم (ص: ٩٥)؛ الطبقات السنية (١/ ٤٠٠).\n(٣) (١/ ٣ - ٦).","vol":"1","page":783},{"text":"حقيقة، ولم يخف علي دقيقة، ثم لأمر ما أردت أن أحرر فيه سفرًا وافيًا، وكتابًا كافيًا، يجمع إلى الفروع أصولًا، وإلى المشروع معقولًا، ويحتوي على طريقتي الحنفية والشافعية، ولا يميل ميلًا عن الواقعية\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-322> رابعًا: الأثر التطبيقي</span>\nهو نتيجة إعمال الاستدراك الأصولي في التخريج.\nوهذا الأثر ظهر لي في ثلاث نقاط:\nالأولى: الكتابة على طريقة تخريج الفروع على الأصول.\nفإن هذه الطريقة تعد استدراكًا لما صنف سابقًا في الأصول، وأقرر ذلك بكلام الزنجاني في خطبة كتابه تخريج الفروع على الأصول (٢): \"وحيث لم أر أحدًا من العلماء الماضين والفقهاء المتقدمين تصدى لحيازة هذا المقصود؛ بل استقل علماء الأصول بذكر الأصول المجردة، وعلماء الفروع بنقل المسائل المبددة، من غير تنبيه على كيفية استنادها إلى تلك الأصول، أحببتُ أن أتحف ذوي التحقيق من المناظرين بما يسر الناظرين، فحرَّرْتُ هذا الكتاب كاشفًا عن النبأ اليقين، فذلَّت فيه مباحث المجتهدين، وشفيتُ غليل المسترشدين، فبدأتُ بالمسألة الأصولية التي تُرَدُّ إليها الفروع في كل قاعدة، وضَمَّنتها ذكر الحجة الأصولية من الجانبين، ثم رددتُ الفروع الناشئة منها إليها، فتحرر الكتاب - مع صغر حجمه - حاويًا لقواعد الأصول، جامعًا لقوانين الفروع\".\nالثانية: أثر تصحيح تخريج الأصول من الفروع.\nوقد ذكرت أمثلة لاستدراكات وقعت في تصحيح تخريج الأصول من الفروع،\n_________\n(١) يُنظر: مسلم الثبوت (١/ ٧).\n(٢) (ص: ٣٤).","vol":"1","page":784},{"text":"وأشرت إلى أسباب الخطأ في التخريج. (١)\nالثالثة: أثر تصحيح تخريج الفروع من الأصول.\nوهذا الأثر ظهر في تصحيح ضرب الأمثلة للقاعدة الأصولية، وأشرت لذلك سابقًا. (٢)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-323> خامسًا: الأثر التجديدي:</span>\nأصل كلمة (التجديد): من جد، (والجيم والدال) أصول ثلاثة: الأول: العظمة، والثاني: الحَظ، والثالث: القطع.\nوالمناسب هنا المعنى الأول، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن: ٣] أي عظمته وجلاله وغناه. (٣)\nوالتجديد لغة: تصيير الشيء جديدًا، يقال: أجدَّه واستجدَّه وجَدَّدَهُ: أي صيَّره جديدًا، وهو نقيض الخَلِق (٤).\nوجاء في الحديث: «إنَّ اللهَ يبْعَثُ لِهذِهِ الْأُمّةِ على رأْسِ كل مِائةِ سنَةٍ من يُجدِّدُ لها دِينهَا».\nفالمراد بالتجديد في الحديث: إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة، والأمر بمقتضاهما. (٥)\nوبهذا يُعلم أن التجديد أحد الطرق التي يتحقق بها حفظ الدين.\n_________\n(١) يُنظر: (ص: ٣٩٠ - ٣٩٧).\n(٢) يُنظر: (ص: ٣٧٩ - ٣٨٤).\n(٣) يُنظر: مقاييس اللغة (١/ ٤٠٦)، مادة: (جد).\n(٤) يُنظر: الصحاح (ص: ١٥٨)؛ لسان العرب (٣/ ٩٢)، مادة: (جدد).\n(٥) يُنظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود (١١/ ٢٦٠).","vol":"1","page":785},{"text":"ومما سبق ندرك أن التجديد لا يعني الإتيان بجديد منقطع عما كان عليه الأمر أولًا؛ ولكنه يمر بمراحل؛ وهي:\n- المرحلة الأولى: كون الشيء المراد تجديده موجودًا في أول الأمر، وللناس به عهد.\n- المرحلة الثانية: أتت الأيام على الشيء فصار قديمًا خَلِقًا فتُرك.\n- المرحلة الثالثة: إعادة الشيء إلى حاله الأولى التي كان عليها قبل أن يُبلى ويَخْلَق.\nفالمرحلة الثالثة هي استدراك لما كان للمرحلة الثانية.\nوعليه أقرر أن المراد بالأثر التجديدي: نتيجة إحياء ما اندرس من أصول الفقه على طريقة السلف.\nويمكن تلخيص أهم ملامح التجديد في علم أصول الفقه من القرن الثالث إلى القرن الرابع عشر والتي بُنيت على استدراكات سابقة في الصورتين التاليتين:\n• الصورة الأولى: التجديد بمعنى التنمية والتوسيع، وإضافة ماله صلة وثيقة بالمجدَّد، فيُضاف إليه ما يكتمل به بنيانه.\nوهذا المعنى ظهر من بداية التصنيف في أصول الفقه، فقد مر معنا سابقًا أن الإمام الشافعي يُعد مستدركًا لما في مدرستي الأثر والرأي؛ حتى ذكر أنه المجدد للمئة الثانية (١).\nوبعد أن صنف الرسالة ألف بعدها ثلاثة مؤلفات لنفس الغرض الذي من أجله ألف الرسالة، فصنف كتاب جماع العلم، واختلاف الحديث، وإبطال الاستحسان.\n_________\n(١) يُنظر: طبقات الشافعية لابن السبكي (٤/ ٢٠١)؛ طبقات الفقهاء للشافعية (١/ ٣٧٥)؛ تهذيب الأسماء (١/ ٢٧).","vol":"1","page":786},{"text":"ويدخل أيضًا في هذه الصورة من التجديد ما قام به العلماء بعد الإمام الشافعي من حركة علمية نشطة أضافت إلى علم الأصول الشيء الكثير، وكانت الطرق في التصنيف ذات اتجاهات مختلفة، فظهرت طريقة الجمهور، وصحبها طريقة الحنفية، ثم ظهرت في القرن السابع طريقة الجمع بين الطريقتين، والتي كانت كاستدراك للطريقتين السابقتين -كما مر معنا-، وظهرت طريقة تخريج الفروع على الأصول، وطريقة بناء القواعد الأصولية على مقاصد الشريعة، كل هذا جدد في علم الأصول ما اكتمل به بنيانه. (١)\n• الصورة الثانية: التجديد بمعنى التمحيص والتحرير والترجيح فيما تنازع فيه الأصوليون، وهذا أيضًا واقع في كتب المتقدمين، ولا يكاد يخلو منه مصنف أصولي. (٢)\nومن الشخصيات المجددة لعلم الأصول التي يذكرها الكاتبون في هذا المجال (٣):\n• ابن حزم: ومن آثاره التجديدية في علم الأصول التي استدرك بها على السابقين:\n- القول بحجج العقول.\n- القول بأن خبر الواحد يوجب العلم والعمل معًا.\n- رفض التقليد بكل صوره.\n- خلو بحوثه الأصولية من الآثار الكلامية.\n- ترك البحوث التي ليس وراءها عمل.\n_________\n(١) يُنظر: التجديد في أصول الفقه (ص: ٣٨).\n(٢) يُنظر: المرجع السابق (ص: ٣٩).\n(٣) يُنظر: التجديد والمجددون في أصول الفقه (ص: ١١٧ - ٣٣٤)؛ محاولات التجديد في أصول الفقه ودعواته (١/ ٦٩ - ٤١٦).","vol":"1","page":787},{"text":"• الجويني: ومن آثاره التجديدية في علم الأصول التي استدرك بها على السابقين:\n- وضع مدخل تعريفي في علم الأصول.\n- حسن التقسيم.\n- الحرية في البحث، والتقاط من كل مذهب خياره.\n• الغزالي: ومن آثاره التجديدية في علم الأصول التي استدرك بها على السابقين:\n- ابتكار ترتيب بديع لمادة علم الأصول.\n- سلاسة التعبير، والإعراض عن التكلف والتعقيد في العبارة.\n- الدعوة إلى تنقية الأصول من المواد الدخيلة.\n- إدخال المنطق في علم الأصول.\n• شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن آثاره التجديدية في علم الأصول التي استدرك بها على السابقين:\n- نقضه للطريقة الكلامية في أصول الفقه. (١)\n- موقفه من علم المنطق. (٢)\n- عنايته بالأصول التي يتأسس عليها العمل (٣).\n_________\n(١) فذكر أن هذه الطريقة مُقدرات نظرية لا تنبني على معرفة بالواقع العلمي لعلم الأصول ابتداءً، ولا تسوق إلى ثمرة فقهية علمية انتهاءً. يُنظر: مجموع الفتاوى (٢٠/ ٤٠٢).\n(٢) حيث سعى إلى نقضه، ونفى أن يكون وسيلة لضبط العلوم. يُنظر: المرجع السابق (٩/ ٥) وما بعدها.\n(٣) ومن ذلك كلامه في قاعدة: أن جنس فعل المأمور أعظم من جنس ترك المنهي، حيث جمع بين التنظير والتطبيق. يُنظر: مجموع الفتاوى (٢٠/ ٨٥).","vol":"1","page":788},{"text":"- فتح آفاق جديدة في علم الأصول (١).\n• الشاطبي: ومن آثاره التجديدية في علم الأصول التي استدرك بها على السابقين:\n- الدعوة إلى تنقية الأصول من المواد الدخيلة.\n- بناء المادة الأصولية على مقاصد الشريعة.\n- تفتيق مباحث ومسائل جديدة في علم الأصول. (٢)\n_________\n(١) ذكر الباحث عبدالسلام بن عبدالكريم خمسة عشر مثالًا ما بين مسائل وبحوث وقواعد مبتكرة تكلم فيها ابن تيمية بطريقة خاصة؛ ومن ذلك: الرد على من زعم أن أكثر علم الفقه ظنون، وقاعدة: جنس فعل المأمور أعظم من جنس ترك المنهي. يُنظر: التجديد والمجددون في أصول الفقه (ص: ٢٦٢ - ٢٦٣). ويُنظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ١٢٠)؛ (٢٠/ ٨٥).\n(٢) ذكر عبدالسلام بن عبدالكريم ثلاثين مسألة فجر ينبوعها الإمام الشاطبي؛ ومن ذلك: كل خصلة أُمِرَ بها أو نُهي عنها مطلقًا من غير تحديد ولا تقدير؛ فالأمر والنهي على مراتب بحسب الاجتهاد. وهذه المسألة جليلة القدر، من ثمراتها: أن يعلم ما يقدم وما يؤخر عند تزاحم المصالح والمفاسد. يُنظر: التجديد والمجددون في أصول الفقه (ص: ٢٩٨). ويُنظر: الموافقات (٣/ ١٣٥).","vol":"1","page":789},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-324>المطلب الثاني\nالآثار السلبية للاستدراك الأصولي وتطبيقاتها</span>\nمن النتائج السلبية للاستدراك: أنه كان سببًا في توسع بعض المسائل الأصولية توسعًا أورث تعقيدًا في المسألة الأصولية، وخروجًا عن المقصود.\nوقد ذكر ابن خلدون ذم التوسع في علوم الآلات والوسائل فقال: \"كما فعل المتأخرون في صناعة النحو وصناعة المنطق وأصول الفقه؛ لأنهم وسعوا دائرة الكلام فيها، وأكثروا من التفاريع والاستدلالات، بما أخرجها عن كونها آلة، وصيرها من المقاصد، وربما يقع فيها أنظار لا حاجة بها إلا في العلوم المقصودة، فهي من نوع اللغو، وهي أيضًا مضرة بالمتعلمين على الإطلاق؛ لأن المتعلمين اهتمامهم بالعلوم المقصودة أكثر من اهتمامهم بوسائلها، فإذا قطعوا العمر في تحصيل الوسائل فمتى يظفرون بالمقاصد؛ فلهذا يجب على المعلمين لهذه العلوم الآلية أن لا يستبحروا في شأنها، وينبهوا المتعلم على الغرض منها، ويقفوا به عنده، فمن نزعت به همته بعد ذلك إلى شيء من التوغل؛ فليرق له ما شاء من المراقي صعبًا أو سهلًا، وكل ميسر لما خلق له\" (١).\nفمن الآثار السلبية: تطور أسلوب الفنقلة بشكل سلبي؛ حيث تحول إلى صورة جدلية بين الأصولي المصنف والمستدرك على مسائله؛ إما بصورة حقيقية أو تقديرية، فغابت معها إحدى غايات دراسة علم أصول الفقه المتمثلة في: تفعيل الاجتهاد والتطبيقات الفقهية، فكثرة الإيرادات والاعتراضات والتنظيرات العقلية مما يُنسيك مهمتك الأولى الجوهرية التي هي التحقق من القاعدة، ثم البحث عن فروعها الفقهية. (٢)\n_________\n(١) يُنظر: مقدمة ابن خلدون (ص: ٥٣٧).\n(٢) يُنظر: نظرية النقد الأصولي - دراسة في منهج النقد عند الإمام الشاطبي - (ص: ١٢٣٠١٢٤).","vol":"1","page":790},{"text":"ومن الآثار السلبية أيضًا: ظاهرة نقد الحدود التي أورثت جدلًا وتعقيدًا في الحد. ومن ذلك مثلًا: حد القياس الذي ذكر فيه الأصوليون بضعة وعشرين حدًّا، وكلها مُعترضة على أصلهم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والأصوليون ذكروا للقياس بضعة وعشرين حدًّا وكلها أيضا معترضة\" (١).\nوحمل الشاطبي في (المقدمة السادسة) حملة كبيرة على التوسع في الحدود؛ فقال: \"أنَّ ما يتوقف عليه معرفة المطلوب قد يكون له طريق تقريبى يليق بالجمهور، وقد يكون له طريق لا يليق بالجمهور، وإن فُرِضَ تحقيقًا.\nفأما الأول؛ فهو المطلوب، المنبَّه عليه، كما إذا طُلب معنى المَلَك؛ فقيل: إنه خَلْقٌ مِنْ خَلْق الله يتصرف فى أمره، أو معنى الإنسان؛ فقيل: إنه هذا الذى أنت من جنسه، أو معنى التخوُّف؛ فقيل: هو التنقص، أو معنى الكوكب؛ فقيل: هذا الذى نشاهده بالليل، ونحو ذلك؛ فيحصل فهم الخطاب مع هذا الفهم التقريبى حتى يمكن الامتثال.\nوعلى هذا وقع البيان فى الشريعة كما قال - ﵇ -: «الكِبْرُ بَطَر الحقِّ وغَمْطُ النَّاس» (٢)؛ ففسره بلازمه الظاهر لكل أحد، وكما تُفسَّر ألفاظ القرآن والحديث بمرادفاتها لغة، من حيث كانت أظهر فى الفهم منها، وقد بيَّن ﵇ الصلاة والحج بفعله وقوله على ما يليق بالجمهور، وكذلك سائر الأمور، وهو عادة العرب، والشريعة عربية؛ ولأن الأمة أميَّة؛ فلا يليق بها من البيان إلا الأمي، وقد تبين هذا فى كتاب المقاصد مشروحًا، والحمد لله.\nفإذًا التصورات المستعملة فى الشرع إنما هى تقريبات بالألفاظ المترادفة وما قام مقامها من البيانات القريبة.\n_________\n(١) يُنظر: مجموع الفتاوى (٩/ ٨٥).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب تحْرِيمِ الْكبْرِ وبَيَانِهِ، (١/ ٩٣/ح: ٩١).","vol":"1","page":791},{"text":"وأما الثاني - وهو ما لا يليق بالجمهور- فعدم مناسبته للجمهور أخرجه عن اعتبار الشرع له؛ لأن مسالكه صعبة المرام ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] كما إذا طلب معنى الملك، فأحيل به على معنى أغمض منه، وهو ماهية مجردة عن المادة أصلًا، أو يقال: جوهر بسيط ذو نهاية ونطق عقلى، أو طلب معنى الإنسان؛ فقيل: هو الحيوان الناطق المائت (١)، أو يقال: ما الكوكب؟ فيجاب بأنه جسم بسيط، كُرِىَّ، مكانه الطبيعى نفس الفلك، من شأنه أن يُنير، متحرك على الوسط، غير مشتمل عليه، أو سئل عن المكان؛ فيقال: هو السطح الباطن من الجرم الحاوى، المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوى، وما أشبه ذلك من الأمور التى لا تعرفها العرب ولا يُوصَل إليها إلا بعد قطع أزمنة فى طلب تلك المعانى، ومعلوم أن الشارع لم يقصد إلى هذا ولا كلف به.\nوأيضا فإن هذا تسور على طلب معرفة ماهيات الأشياء وقد اعترف أصحابه بصعوبته؛ بل قد نقل بعضهم أنه عندهم متعذر، وأنهم أوجبوا أن لا يعرف شاء من الأشياء على حقيقته ... فظهر أن الحدود على ما شرطه أرباب الحدود يتعذر الإيتان بها، ومثل هذا لا يجعل من العلوم الشرعية التي يستعان بها فيها، وهذا المعنى تقرر وهو أن ماهيات الأشياء لا يعرفها على الحقيقة إلا باريها؛ فتسوًّر الإنسان على معرفتها رمى في عَماية \" (٢).\n_________\n(١) المائت: الذي مآله الموت. يُنظر: لسان العرب (١٤/ ١٤٧)؛ القاموس المحيط (ص: ١٦١) مادة: (موت).\n(٢) يُنظر: الموافقات (١/ ٦٧ - ٧٠).","vol":"1","page":792},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-325> المبحث الثالث\nآداب الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها</span>.\nوفيه تمهيد، وثلاثة مطالب:\n- تمهيد: اهتمام العلماء بآداب العلم عمومًا.\n- المطلب الأول: آداب الاستدراك الأصولي المشتركة بين المستدرِك والمستدرَك عليه، وتطبيقاتها.\n- المطلب الثاني: آداب الاستدراك الأصولي الخاصة بالمستدرِك، وتطبيقاتها.\n- المطلب الثالث: آداب الاستدراك الأصولي الخاصة بالمستدرَك عليه، وتطبيقاتها.\n\n* * ... * ** * ... * *","vol":"1","page":793},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>تمهيد\nاهتمام العلماء بآداب العلم عمومًا</span>\nاهتم العلماء بذكر آداب العلم عمومًا، ووضع علماء المناظرة والجدل (١) جملة من الآداب ألزموا المتناظرين بها؛ محافظة على سلامة المناظرة، وتحقيقًا للغرض منها.\nوآداب الاستدراك: استعمال ما يَحسُنُ فيه. (٢)\nيقول ابن عقيل: \"فأما آدابه التي إذا استعملها الخصم وصل إلى بغيته، وإن لم يستعملها كثر غلطه، واضطرب عليه أمره\" (٣).\nوقال: \"وآدابُ الجدل تُزيِّن صاحبها، وتركُ الأدب يَشينُه، وليس ينبغي أن يَنظُرَ إلى ما يَتَّفقُ لبعض من تركه من الحُظوةِ في الدنيا؛ فإنه إن كان رفيعًا عند الجُهَّال؛ فإنه ساقط عند ذوي الألباب\" (٤).\nويمكن الاستفادة مما ذكر في آداب المناظرة والجدل؛ إذ هما صورة من صور الاستدراكات. (٥)\n_________\n(١) يُنظر: الفقيه والمتفقه (٢/ ٤٨ - ٦٠)؛ الواضح في أصول الفقه (١/ ٥١٦ - ٥٢٦)؛ الجدل على طريقة الفقهاء (ص: ٢)؛ الجذل في علم الجدل (ص: ١٣ - ١٨)؛ أصول ابن مفلح (٣/ ١٤١٨ - ١٤٢٨)؛ آداب البحث والمناظرة (٢/ ٢٧٤)؛ ضوابط المعرفة (ص: ٣٧٢).\n(٢) اقتباسًا من تعريف ابن عقيل لأدب الجدل. يُنظر: الواضح في أصول الفقه (١/ ٥١٦).\n(٣) يُنظر: الجدل على طريقة الفقهاء (ص: ٢).\n(٤) يُنظر: الواضح في أصول الفقه (١/ ٥١٦).\n(٥) فكل مناظرة ومجادلة مع الخصم ما هو إلا استدراك عليه، فيمكن القول بأن كل مناظرة وجدل استدراك لا العكس، فالاستدراك أعم منهما؛ لأن من صور الاستدراك ما لا يكون فيه مناظرة؛ وإنما فقط تعقيب للتصويب وتكميل ورفع للبس، ويكون الاستدراك بين الخصوم والأصحاب، وأما المناظرة والجدل فبين الخصوم فقط. والله أعلم.","vol":"1","page":794},{"text":"والناظر في الآداب يجد منها ما يتعلق بطريقة الأداء، ومنها ما يتعلق بطريقة التلقي، ومنها ما يشترك بينهما. (١)\nفأما ما يتعلق بطريقة الأداء فهذه تخص المستدرِك، وأما ما يتعلق بطريقة التلقي فهي تخص المستدرَك عليه، وقد يشترك المستدرِك والمستدرَك عليه في جملة من الآداب؛ لذلك ناسب جعل هذا المبحث على ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: آداب الاستدراك الأصولي المشتركة بين المستدرِك والمستدرَك عليه.\nالمطلب الثاني: آداب الاستدراك الأصولي الخاصة بالمستدرِك.\nالمطلب الثالث: آداب الاستدراك الأصولي الخاصة بالمستدرَك عليه.\nوحرصت على ترتيبها بحيث يأخذ بعضها برقاب بعض، وإليك تفصيلها ببيان:\n_________\n(١) واستفدت هذا التقسيم من أختي الباحثة: مجمول الجدعاني - حفظها الله- في الاستدراك الفقهي، واستفدت كثيرًا مما ذكرته من الآداب، فجزاها الله عني كل خير. يُنظر: الاستدراك الفقهي (ص: ٤٨٩ - ٥٢٢).","vol":"1","page":795},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-327>المطلب الأول: آداب الاستدراك الأصولي\nالمشتركة بين المستدرِك والمستدرَك عليه، وتطبيقاتها</span>\nمن الآداب المشتركة في أداء الاستدراك الأصولي وفي تلقيه والتي ينبغي أن يتحلى بها كل من المستدرِك والمستدرَك عليه ما يلي:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-328> أولًا: الإخلاص لله تعالى:</span>\nمر معنا أن الاستدراك الأصولي من فروض الكفاية (١)، فهو إذًا عبادة، فينبغي للمستدرِك والمستدرَك عليه إخلاص النية في أداء ذلك وقبوله بأن يبتغيا به وجه الله تعالى، ففي الحديث: «إنما الْأعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لكُلِّ امْرئٍ ما نوَى» (٢).\nومن تحقيق الإخلاص الأدب التالي:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-329> ثانيًا: قصد نصرة الحق:</span>\nفيكون قصد كل منهما نصرة الحق وإيضاحه وإثباته ولو على يد خصمه دون المغالبة للخصم (٣).\nويبني أمره على النصيحة لدين الله والذي يستدرك عليه؛ لأنه أخوه في الدين، وقد قال النبي - ﷺ -: «الدّينُ النّصِيحَةُ. قُلنَا: لِمنْ؟ قال: لِلّهِ، ولِكِتَابِهِ، ولِرَسُولِهِ، ولأئمة المُسْلِمِينَ، وعَامَّتِهِمْ» (٤).\nفواجب النصح كان أحد أهم البواعث في الاستدراك، فهذا الإمام مالك\n_________\n(١) يُنظر: حكم الاستدراك (ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.-٧١).\n(٢) يُنظر: صحيح البخاري، ك: بدءُ الوحي، ب: كيْفَ كان بدْءُ الْوحْيِ إلى رسول اللهِ - ﷺ -، (١/ ٣/ح: ١).\n(٣) يُنظر: آداب البحث والمناظرة (ص: ٢٧٤)؛ ضوابط المعرفة (ص: ٣٧٣).\n(٤) سبق تخريجه (ص: ٧٢).","vol":"1","page":796},{"text":"يرسل لليث بن سعد في شأن مسألة أصولية (وهي: إجماع أهل المدينة)، فجاء في خطابه هذا الأدب؛ حيث قال: \"واعلم -رحمك الله- أنه بلغني أنك تفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا وببلدنا الذي نحن فيه، وأنت في أمانتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك وحاجة من قبلك إليك واعتمادهم على ما جاءهم منك حقيق بأن تخاف على نفسك، وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه ... واعلم أني أرجو أن لا يكون دعاني إلى ما كتبت إليك إلا النصيحة لله وحده، والنظر لك، والظن بك، فأنزل كتابي منك منزله؛ فإنك إن تفعل تعلم أني لم آلك نصحًا، وفقنا الله وإياك لطاعته وطاعة رسوله - ﷺ - في كل أمر، وعلى كل حال، والسلام عليك ورحمة الله\" (١).\nقال أحدهما: سمعت محمد بن إدريس الشافعي - ﵁ - وهو يحلف ويقول: ما ناظرت أحدًا إلا على النصيحة. (٢)\nوقال الشافعي: \"ما كلمت أحدًا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان، وتكون عليه رعاية من الله وحفظ، وما كلمت أحدًا قط إلا ولم أبال بيّن الله الحق على لساني أو لسانه\" (٣).\nقال ابن عقيل: \"وكل جدل لم يكن الغرض منه نُصرة الحق فإنه وبالٌ على صاحبه، والمضرَّة فيه أكثر من المنفعة؛ لأن المخالفة تُوحِشُ، ولولا ما يلزم من إنكار الباطل، واستنقاذ الهالك بالاجتهاد في رَدِّه عما يعتقده من الضلالة، وينطوي عليه من الجهالة؛ لما حسنت المجادلة؛ لما فيه من الإيحاش في غالب الحال؛ ولكن فيها أعظمُ المنفعة وأكثر الفائدةِ إذا قصد بها نُصْرةُ الحقِّ، وإنكار ما زَجَرَ عنه الشرع والعقل بالحجة الوضحة والطريقة الحسنة\" (٤).\n_________\n(١) يُنظر: المعرفة والتاريخ (١/ ١٧٠ - ١٧١/ ٣٩١ - ٣٩٣).\n(٢) يُنظر: الفقيه والمتفقه (٢/ ٥٠).\n(٣) يُنظر: المرجع السابق (٢/ ٤٩).\n(٤) يُنظر: الواضح في أصول الفقه (١/ ٥١٧).","vol":"1","page":797},{"text":"وقال أيضًا: \"يجعلا قصدهما أحد أمرين، ويجتهدا في اجتناب الثالث:\nفأعلى الثلاثة من المقاصد: نصرة الحق ببيان الحُجَّة، ودحض الباطل بإبطال الشُّبْهةِ؛ لتكون كلمة الله هي العليا.\nالثاني: الإدمان للتقوي على الاجتهاد، والاجتهاد من مراتب الدين المحمودة، وهي رتبة الفُتْيا.\nونعوذ بالله من الثالث؛ وهو المغالبة، وبيان الفَراهةِ (١) على الخصم، والترجح عليه في الطريقة\" (٢).\nفينبغي للمستدرِك والمستدرَك عليه أن ينصب هذا الغرض أمام عينه في الاستدراك وقبوله، ويخشى الله ويتقيه؛ فإن الغاية من الاستدراك: الوصول إلى الحق.\nويمكن تمثيل هذا في الاستدراك الأصولي برجوع طائفة من الأصوليين عن أقوالهم السابقة لما بان لهم أن طريق الحق في غير السابق.\nويمثل أيضًا بمخالفة طائفة منهم لمشايخهم - كالباقلاني والجصاص والغزالي والرازي والآمدي وغيرهم - لما بان لهم أن الحق في غير مذهب مشايخهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-330> ثالثًا: التواضع:</span>\nوهذا الأدب مرتبط بسابقه، فلابد من التواضع لقبول الحق، أما المتكبر فإن كبره يمنعه من سماع الحق وقبوله.\nفينبغي للمستدرِك أن يتواضع للمستدرَك عليه حتى يقبل منه كلامه، ولا يرى لنفسه منة على المستدرَك عليه، وكذلك ينبغي للمستدرَك عليه التواضع للمستدرِك، فلا يرى نفسه أعلم منه، وكل هذا طريق لقبول الحق.\n_________\n(١) الفَارِهُ: الحاذق بالشيء. يُنظر: الصحاح (ص: ٨١٠)؛ المصباح المنير (٢/ ٤٧١) مادة: (فره).\n(٢) يُنظر: الواضح في أصول الفقه (١/ ٥١٨).","vol":"1","page":798},{"text":"وهذا ما كان من نبي الله موسى والخضر - ﵉ -، فلما استدرك موسى على الخضر ما ظنه خطأ منه؛ كان يتكلم بما يراه حقًّا في تواضع تام، كيف لا وهو الذي أنزل نفسه منزلة التابع للخضر، وكذلك الشأن من الخضر عندما استدرك عليه عجلته وذكر له بعد ذلك ما ظنه خطأ كان يستدرك بتواضع تام.\nوحكي عن أبي يوسف أنه قال: \"يا قوم، أريدوا بعلمكم الله - ﷿ -؛ فإني لم أجلس مجلسًا قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلسًا قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى افتضح\" (١).\nومن أمثلة تواضع المستدرَك عليه ما كان من شأنه - ﷺ - فيما يرويه الحبَابُ بن المنْذِر (٢) الأنصاري قال: \"أشرت على رسول الله - ﷺ - يوم بدر بخصلتين فقبلهما مني:\nخرجت مع رسول الله - ﷺ - في غزاة بدر فعسكر خلف الماء، فقلت: يا رسول الله، أبوحي فعلت أو برأي؟ قال: برأي يا حباب. قلت: فإن الرأي أن تجعل الماء خلفك؛ فإن لجأت لجأت إليه. فقبل ذلك مني\" (٣).\nفهذا رسول الله - ﷺ - وصفيه في خلقه يتواضع لسماع استدراك حباب المتمثل بمشورته عليه ثم يقبلها لما رأى أنه الحق والأصلح للمسلمين.\nومن جميل ما يذكر في ذلك ما كان من عمر بن الخطاب - ﵁ - عندما خطب\n_________\n(١) يُنظر: الفقيه والمتفقه (٢/ ٤٩).\n(٢) هو: أبو عمرو، الحباب بن المنذر بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي، شهد بدرًا وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، كان يقال له: (ذو الرأي)؛ لإشارته على رسول - ﷺ - أن ينزل على ماء بدر للقاء القوم. شهد المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، مات في خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة المنورة.\nتُنظر ترجمته في: الاستيعاب (١/ ٣٦١)، أسد الغابة (١/ ٥٣٣)؛ الإصابة (٢/ ١٠).\n(٣) يُنظر: المستدرك على الصحيحين (٣/ ٤٨٢).","vol":"1","page":799},{"text":"فقال: «لا تغالوا في مهور النساء. فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر؛ إن الله يقول: ﴿وإن آتيتم إحداهن قنطارًا من ذهب -قال: وكذلك هي في قراءة عبدالله (١) - ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا﴾ (٢). فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته» (٣).\nفتواضع عمر للحق وهو يومئذٍ أمير المؤمنين.\nوسبق ذكر استدراك التابعين على الصحابة وتواضع كل منهما للآخر.\nويشهد لتواضع المستدرَك عليه في الأصول ما قام به ثلة من الأصوليين برجوعهم عن أقوالهم السابقة لما بان لهم الحق في غير تلك الأقوال.\nوأما تواضع المستدرِك مع المستدرَك عليه فيمكن تقريره بما ذكر في الكتب الأصولية من الاستدراكات التي كان يلتمس فيها المستدرِك للمستدرَك عليه تفسيرات ومبررات لقوله؛ ومن أمثلة ذلك ما ذكره الغزالي في معرض حديثه عن المجاز في القرآن الكريم وحكاية قول من منع وجوده، فالتمس الغزالي لأصحاب هذا القول تعليلًا معقولًا فقال: \" ... فالقرآن يشتمل على المجاز خلافًا لبعضهم. فنقول: المجاز اسم مشترك قد يطلق على الباطل الذي لا حقيقة له، والقرآن منزه عن ذلك، ولعله أراده من أنكر اشتمال القرآن على المجاز، وقد يطلق على اللفظ الذي تجوز به عن موضوعه، وذلك لا ينكر في القرآن ... \" (٤).\n_________\n(١) عبدالله بن مسعود - ﵁ -.\n(٢) ونص الآية المتواترة: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [النساء: ٢٠].\n(٣) يُنظر: مصنف عبدالرزاق، ك: النكاح، ب: غلاء الصداق، (٦/ ١٨٠/ح: ١٠٤٢٠).\n(٤) يُنظر: المستصفى (٢/ ٢٤ - ٢٥).","vol":"1","page":800},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-331> رابعًا: التثبت والتأمل وعدم الاستعجال</span>.\nفإذا وقع له شيء في أول كلام الخصم فلا يعجل بالحكم به، فربما كان في آخره ما يُبين أن الغرض بخلاف الواقع له، فينبغي أن يتثبت إلى أن ينقضي الكلام، وبهذا أدّب الله تعالى نبيه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. (١)\nفبالتثبت والتأمل يفهم مراد الخصم ولا يقع في وهم، أو يُجيب عن الأسئلة الواردة عليه بأجوبة ضعيفة أو فيها نظر.\nوذكرنا في هذا البحث أمثلة لاستدراكات كانت بسبب الوهم.\nقال ابن عقيل: \"وإذا كان الغرض من الجدل إدراك الحق به، وكان السبيل إلى ذلك التثبت والتأمل؛ وجب على كل واحد من الخصمين استعمالهما؛ وإلا حصلا على مجرد الطلب مع حرمان الظفر\" (٢).\nوقال أيضًا: \"فإذا كان لا سبيل إلى حَلِّ شُبهة الخصم في الجدل إلا بعد إدراكها، فلا بُدَّ لخصمه من التأمُّل لما يأتي به\" (٣).\nفالمستدرِك لا يستعجل في إصدار حكم الاستدراك بالسهو والسقط، فربما لم يذكره المستدرَك عليه لسهو منه؛ وإنما لاشتهاره ومعرفته، أو عدم وجود فائدة في ذكره، أو تقدم ذكره.\nونمثل لهذا من الأصول بما يلي:\nمثال ترك ذكر الشيء لاشتهاره ومعرفته:\n_________\n(١) يُنظر: الفقيه والمتفقه (٢/ ٥٩).\n(٢) يُنظر: الواضح في أصول الفقه (١/ ٥٢٠).\n(٣) يُنظر: المرجع السابق (١/ ٥٢١).","vol":"1","page":801},{"text":"قال البيضاوي في مسألة (تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة): \"الثانية: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأنه تكليف بما لا يطاق، ويجوز عن وقت الخطاب، ومنعت المعتزلة ... \" (١).\nقال ابن السبكي شارحًا: \" ... فنقدم عليه: أن الخطاب المحتاج إلى بيان ضربان:\nأحدهما: ماله ظاهر وقد استعمل في خلافه؛ كتأخير بيان التخصيص، وتأخير بيان النسخ، وتأخير بيان الأسماء الشرعية إذا استعملت في غير المسميات الشرعية؛ كالصلاة إذا أريد بها الدعاء، ونحو ذلك، وتأخير بيان اسم النكرة إذا أريد بها شيء معين.\nوالثاني: ما لا ظاهر له؛ كالأسماء المتواطئة، والمشتركة.\nإذا عرفت هذا فنقول: في جواز تأخيره عن وقت الخطاب مذاهب:\nأحدها: يجوز في جميع الأقسام، وإليه ذهب أكثر أصحابنا (٢)، وجماعة من أصحاب أبي حنيفة (٣)، ونقله القاضي في مختصر التقريب (٤) عن الشافعي نفسه، واختاره الإمام (٥) وأتباعه (٦)، وابن الحاجب (٧).\n_________\n(١) يُنظر: منهاج الوصول (٥/ ١٥٩٥) - مطبوع مع الإبهاج -.\n(٢) يُنظر: المحصول (١/ ١٨٨)؛ الإحكام للآمدي (٣/ ٣٩)؛ نهاية الوصول (٥/ ١٨٩٤)؛ البحر المحيط (٥/ ١٠٨).\n(٣) يُنظر: أصول السرخسي (٢/ ٧٢)؛ تيسير التحرير (٣/ ١٧٢ - ١٧٣)؛ فواتح الرحموت (٢/ ٤٢ - ٤٣).\n(٤) (٣/ ٣٨٦). ويُنظر: التلخيص (٢/ ٢٠٩).\n(٥) يُنظر: المحصول (١/ ١٨٨).\n(٦) يُنظر: الحاصل (٢/ ٤٠٢)؛ التحصيل (١/ ٤٢١).\n(٧) يُنظر: مختصر ابن الحاجب (٢/ ٨٨٨ - ٨٨٩).","vol":"1","page":802},{"text":"والثاني وإليه ذهب أكثر متقدمي المعتزلة: أنه لا يجوز إلا النسخ (١). فإنهم جوزوا تأخير بيانه، كذا استثناه الإمام، وهو مأخوذ من الغزالي (٢)؛ فإنه ادعى الاتفاق على أنه يجوز تأخير بيان النسخ ... والمصنف (٣) أهمل استثناء النسخ (٤)، وكذلك أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع (٥)، وابن برهان في الوجيز (٦)، والغزالي؛ إلا أنه نقل الاتفاق على النسخ بعد كما عرفت. ولعل من أطلق القول ترك الاستثناء اكتفاء بالعلم بالاتفاق على النسخ، وأنه خارج عن صورة النزاع\" (٧).\nمثال ترك ذكر الشيء لتقدم ذكره:\nقال ابن الهُمام في تعريف العلم: \"فالعلم: حكم لا يحتمل طرفاه نقيضه عند من قام به لمُوجِب، ... وقد يقال: صفة تُوجِبُ تَمييزًا لا يَحتمل\" (٨).\nوقال أمير بادشاه في شرحه: \" (ويقال) في تعريف العلم أيضًا (صفة توجب\n_________\n(١) يُنظر: المعتمد (٥/ ١٥٩٩).\n(٢) يُنظر: المستصفى (٣/ ٧٢).\n(٣) أي: البيضاوي.\n(٤) أي: استثناه عن محل الخلاف؛ إذ هو محل اتفاق.\n(٥) (١/ ٤٧٣). لكن الشيرازي أشار إلى الاتفاق على جواز تأخير بيان النسخ بذات الدليل الذي ذكره القاضي الباقلاني؛ وهو قياس تأخير بيان التخصيص على تأخير بيان النسخ، فقال: \"ويدل عليه: أن النسخ تخصيص للأزمان، كما أن التخصيص تخصيص للأعيان، ثم تأخير بيان النسخ عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة جائز؛ فكذلك تأخير بيان التخصيص يجب أن يكون جائزًا عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة\". يُنظر: شرح اللمع (١/ ٤٧٤).\n(٦) صرح ابن برهان بالاتفاق في الوصول إلى الأصول (١/ ١٢٥).\n(٧) يُنظر: الإبهاج (٥/ ١٥٩٧ - ١٦٠١).\n(٨) يُنظر: التحرير (ص: ٨).","vol":"1","page":803},{"text":"تمييزًا لا يحتمل) النقيض، وإنما لم يذكره للعلم به مما تقدم مع شهرته، ... \" (١).\nفذكر أمير بادشاه أن تعريف ابن الهمام للعلم بأنه صفة توجب تمييزًا لا يحتمل، المراد (لا يحتمل)، أي: لا يحتمل النقيض. ولم يذكر ابن الهمام لفظ (النقيض) للعلم به مما تقدم في الكلام السابق له وشهرته.\nفبمثل هذا لا يصرح المستدرِك بالاستدراك، بل من الأدب أن يذكر سبب عدم ذكره من المستدرَك عليه.\nمثال عدم ذكر الشيء لعدم وجود غرض لذكره:\nقال ابن بادشاه في مسألة (الجمع المحلى للمعهود والاستغراق حقيقة، وللجنس مجاز): \"فإن قلت: بقي قسم من المحلى لم يذكره؛ وهو جنس المشار إليه من حيث هو مع قطع النظر عن تحققه في ضمن فرد.\nقلت: لم يتعلق غرض الأصولي به؛ لأنه من الاعتبارات العقلية المناسبة للاعتبارات الفلسفية؛ فإنه قد يثبت له الأحكام في تلك العلوم، فلا بأس بعدم ذكره وعدم اعتباره\" (٢).\nوهذا الأدب أيضًا يمس جانب المستدرَك عليه، فلا يستعجل في الجواب على المستدرِك بقصد إسكاته في زمان يسير؛ لأن ذلك يفسد عليه رؤيته الفكرية، ويبعد عن المنهج الصحيح، والوصول إلى الحق (٣)، فيأتي بجواب ضعيف فيستدرك عليه فيه، فيُضعف مذهبه أكثر، وقد يكون في حالة غضب بعد الاستدراك والمناظرة فيمنعه هذا من الرد الصحيح.\nقال ابن عقيل: \"والمناظرة حيثُ وضعت فإنها وضعت لاستخراج حكم الله\n_________\n(١) يُنظر: التقرير والتحبير (١/ ٥٧).\n(٢) يُنظر: تيسير التحرير (١/ ٢١٣ - ٢١٤).\n(٣) يُنظر: ضوابط المعرفة (ص: ٣٧٢).","vol":"1","page":804},{"text":"في الحادثة، فاعتبر لها اعتدال الطبع كالقضاء، وقد قال - ﷺ -: «لاَ يَقْضي القَاضِي وَهُوَ غَضبَانُ» (١). فإذا كان أحدهما يتقاصر عن البحث، ويجتمع عن انفساخ اللسان والقلب؛ زال شرط نظره، وخرج إلى حيز المغالبة والمواثبة\" (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-332> خامسُا: مراعاة حرمة الأعراض</span>.\nفيجتنب كل من المستدرِك والمستدرَك عليه السخرية بالآخر، وكل ما يشعر باحتقاره، أو وسمه بالجهل أو قلة الفهم والعلم. (٣)\nوهذا خلق إسلامي عام، قال رسول اللهِ - ﷺ -: «ليس الْمؤْمِنُ بالطَعَّانٍ، ولاَ اللّعَّانِ، ولاَ الفَاحشِ، ولا البَذِيِّء» (٤).\nوفي الحديث الآخر: «بحَسْبِ امْرئٍ من الشّرِّ أنْ يَحْقرَ أخَاهُ الْمسْلِمَ. كلُّ الْمسْلِمِ\n_________\n(١) حديث عبدالرحمن بن أبي بكرة، وأبو بكرة اسمه: نفيع. يُنظر: مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٧/ح: ٢٠٤٠٥)؛ سنن ابن ماجة، ك: الأحكام، ب: لا يحكم الحاكم وهو غضبان، (٢/ ٧٧٦/ح: ٢٣١٦)؛ سنن الترمذي، ك: الأحكام، ب: ما جاء لا يقضي القاضي وهو غضبان، (٣/ ٦٢٠/ح: ١٣٣٤)؛ سنن النسائي الكبرى، ك: القضاء، ب: الحال الذي ينبغي للحاكم أن يجتنب فيه القضاء، (٣/ ٤٧٤/ح: ٥٩٦٢). قال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\". يُنظر: سنن الترمذي (٣/ ٤٧٤)؛ وقال الألباني: صحيح، يُنظر: إرواء الغليل (٨/ ٢٥٢). وأصله في الصحيحين: يُنظر: صحيح البخاري، ك: الأحكام، ب: هل يقضي القاضي أو يُفتِي وهو غضبان؟ (٦/ ٢٦١٦/ح: ٦٧٣٩)؛ صحيح مسلم، ك: الأقضية، ب: كراهة قضاء القاضي وهو غضبان، (٣/ ١٣٤٢/ح: ١٧١٧).\n(٢) يُنظر: الجدل على طريقة الفقهاء (ص: ٢).\n(٣) يُنظر: آداب البحث والمناظرة (ص: ٢٧٤)؛ ضوابط المعرفة (ص: ٣٧٣).\n(٤) حديث عبدالله بن مسعود - ﵁ -. يُنظر: مسند أحمد (١/ ٤٠٤/ح: ٣٨٣٩)؛ سنن الترمذي، ك: البر والصلة، ب: ما جاء في اللَّعنَةِ، (٤/ ٣٥٠/ح: ١٩٧٧). قال الترمذي: \"هذا حَديثٌ حسَنٌ غَريبٌ، وقد روي عن عبداللهِ من غَيرِ هذا الوَجْهِ\".","vol":"1","page":805},{"text":"على الْمسْلِمِ حرَامٌ دَمهُ، وَمَالهُ، وَعِرْضهُ» (١).\nوعن أبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قال: قال رسول اللهِ - ﷺ -: «إنَّ اللهَ قال: من عادَى لي ولِيًّا فقَدْ آذَنتُهُ بِالحَرْبِ» (٢).\nإن كان العلماء ليسوا بأولياء فليس لله ولي. (٣)\nقال ابن عقيل: \"وقصور اللسان في الشغب هو الفضل؛ فإن من خاض فيه تعوده، ومن تعوده حُرم الإصابة واستروح إليه، ومن عرف بذلك سقط سقوط الذَّرَّة، ومن صبر على ذلك وحلم عنه؛ ارتفع في نفوس العلماء، ونَبُلَ عند أهل الجدل، وبانت من القوة على نفسه حيث منعها المقابلة على الجفاء بمثله، والقوة على خصمه حيث أَحْوَجَه إلى الشغب؛ لاسيما إذا ظهر منه أنه فعل ذلك حرصًا على الإرشاد إلى الحق، ومحبة للاستنقاذ من الباطل الذي أثارته الشبهة من الضلال المُؤَدِّي بصاحبه إلى العَطَب والهلاك، فله بهذه النية الجميلة الثواب من ربِّه، والمدحة من كل منصف حضره أو سمع به\" (٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-333> سادسًا: الصدع بالحق متى ظهر له</span>.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وليس مما أمر الله به ورسوله - ﷺ -، ولا مما يرتضيه عاقل أن تقابل الحجج القوية بالمعاندة والجحد؛ بل قول الصدق التزام العدل لازم عند جميع العقلاء، وأهل الإسلام والملل أحق بذلك من غيرهم؛ إذ هم _ولله الحمد_ أكمل الناس عقلًا، وأتمهم إدراكًا، وأصحهم دينًا، وأشرفهم كتابًا، وأفضلهم نبيًا،\n_________\n(١) يُنظر: صحيح مسلم، ك: البر والصلة والآداب، ب: تحريم ظلم المسلم وخَذْلِهِ واحْتِقَارِهِ ودمه وعرضه وماله، (٤/ ١٩٨٦/ح: ٢٥٦٤).\n(٢) يُنظر: صحيح البخاري، ك: الرقاق، ب: التواضع، (٥/ ٢٣٨٤/ح: ٦١٣٧).\n(٣) يُنظر: مرقاة المفاتيح (٩/ ٥١٤).\n(٤) يُنظر: الواضح في أصول الفقه (١/ ٥٢١ - ٥٢٢).","vol":"1","page":806},{"text":"وأحسنهم شريعة\" (١).\nفيجب على المستدرَك عليه والمستدرِك الاعتراف بالحق متى ظهر له، أما الإصرار على الرفض؛ فمكابرة ممنوعة. (٢)\nويمثل لرجوع المستدرَك عليه للحق: برجوع طائفة من علماء الأصول _كالشيرازي والجويني والغزالي والرازي_ عن أقوالهم لما ظهر الحق في القول الآخر. (٣)\nومن أمثلة رجوع المستدرِك:\n•المثال الأول:\nقال الطوفي في مختصر الروضة (٤): \"يجوز للعامي تقليد المجتهد، ولا يجوز ذلك لمجتهد اجتهد وظن الحكم، اتفاقا فيهما، أما من لم يجتهد ويمكنه معرفة الحكم بنفسه بالقوة القريبة من الفعل لأهليته للاجتهاد، فلا يجوز له أيضا مطلقا؛ خلافًا للظاهرية\"\nثم استدرك على نفسه في شرح مختصر الروضة (٥): \" (خلافا للظاهرية) قلت: هذا عن الظاهرية لا أعلم الآن من أين نقلته في «المختصر»، ولم أره في «الروضة»، ولا أحسبه إلا وهما ممن نقلته عنه، أو في النسخة التي كان منها الاختصار، فإن الظاهرية أشد الناس في منع التقليد لغير ظواهر الشرع \".\n• المثال الثاني:\nما كان من ابن السبكي في مسألة (تخصيص العموم بمذهب الراوي) قال:\n_________\n(١) يُنظر: درء تعارض العقل والنقل (٩/ ٢٠٧).\n(٢) يُنظر: ضوابط المعرفة (ص: ٣٧٣).\n(٣) يُنظر: (ص: ٣٣٨ - ٣٤٢) من البحث.\n(٤) (٣/ ٦٢٩).\n(٥) (٣/ ٦٣٠).","vol":"1","page":807},{"text":"\"خاتمة: اضطرب النظر في أنه هل صورة هذه المسألة مخصوصة بما إذا كان الراوي صحابيًّا، أم الأمر أعم من ذلك؟\nالذي صح عندي ويجوز: أن الأمر أعم من ذلك؛ ولكن الخلاف فيمن ليس بصحابي أضعف، فليكن القول في المسألة هكذا:\nإن كان الراوي صحابيًا، وقلنا: قول الصحابي حجة؛ خص على المختار.\nقال القاضي في مختصر التقريب (١): (وقد يُنسب ذلك إلى الشافعي في قوله الذي يقلِّد الصحابي فيه، ونقل عنه أنه لا يخصِّص به إلا إذا انتشر في أهل العصر ولم ينكروه، وجعل ذلك نازلًا منزلة الإجماع).\nوإن قلنا: قوله غير حجة؛ ففيه الخلاف المتقدم.\nوإن كان غير صحابي ترتب الخلاف على الصحابي.\nفإن قلنا: لا يخص بقول الصحابي الراوي؛ لم يُخَصَّص بقول الراوي الذي ليس بصحابي جزمًا. وإن قلنا: يُخَصَّص؛ ففي هذا خلاف.\nوأما قول القرافي: (صورة المسألة: أن يكون صحابيًا، وأما غير الصحابي فلا يُخَصِّص قطعًا) (٢)؛ فليس بجيد، والمعتمد ما قلناه (٣). ويشهد له الدليل الذي ذُكر من أنه إنما يخالف الدليل وإلا انقدحت روايته؛ فإن هذا يشمل الصحابي وغيره. وبما ذكرناه صرَّح إمام الحرمين في البرهان (٤) فقال: (وكل ما ذكرناه - يعني من هذه المسألة - غير المختص بالصحابي، فلو روى بعض الأئمة حديثًا وعَمِلَ بخلافه؛ فالأمر على ما فصلناه) انتهى.\n_________\n(١) (٣/ ٢٠٩).\n(٢) يُنظر: شرح التنقيح للقرافي (ص: ٢١٩).\n(٣) وهو ما حرره سابقًا بأن الأمر أعم من الاختصاص بالصحابي.\n(٤) (١/ ٤٤٣).","vol":"1","page":808},{"text":"وما ذكرته في كتابي الطبقات (١)\nمن أني رأيت القاضي صرَّح بذلك في مختصر التقريب (٢) وَهَمٌ مني في الفهم عنه، فقد تأملت كلامه بعد ذلك فلم أجده يعطي الذي ذكرت، وإنما نبهت على ذلك هنا لئلا يغتر به\" (٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-334> سابعًا: دعاء كلٍّ منهما للآخر</span>.\nوهذا من أرقى الأدب، ويدل على كمال الخلق.\nومن أمثلة دعاء المستدرِك للمستدرَك عليه:\nما رواه أبو هُرَيرَةَ - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ - قال: «يَغفِرُ الله لِلوطٍ إن كان لَيَأوِي إلى رُكنٍ شدِيدٍ» (٤). وفي لفظ: «يَرْحَمُ الله لوطًا لقد كان يأْوِي إلى ركْنٍ شدِيدٍ» (٥).\n_________\n(١) لم أقف على كلامه في الطبقات الكبرى، وبحثت في الجزء المخطوط من كتابه الطبقات الوسطى (طبقات الفقهاء) لم أجده، فلعله في الجزء المخطوط أو في كتاب آخر له؛ حيث ذكر محقق الطبقات الكبرى أن له ثلاثة كتب في طبقات الشافعية: (الصغرى، والوسطى، والكبرى). يُنظر: مقدمة تحقيق الطبقات الكبرى (١/ ١٩). ويُنظر: طبقات الشافعية الوسطى - مخطوط في موقع مخطوطات الأزهر الشريف مصر، على الرابط:\nhttp://www.alazharonline.org\nملحوظة: فهرس خطأ تحت اسم: لواقح الأنوار القدسية المنتقاة من الفتوحات المكية برقم ٣١١٠٣٤. ويمكن تحميله من موقع ملتقى أهل الحديث على الرابط:\n\nhttp://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php? t=٣٨٣٠٢\n(٢) أي صرح بأن المسألة خاصة بالصحابي. ويُنظر ذكر الباقلاني للخلاف في تخصيص العام بمذهب الراوي في مختصرالتقريب (٣/ ٢١٥ - ٢١٩).\n(٣) يُنظر: الإبهاج (٤/ ١٥٣٢ - ١٥٣٣).\n(٤) يُنظر: صحيح البخاري، ك: الأنبياء، ب: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ...﴾، (٣/ ١٢٣٥/ح: ٣١٩٥)؛ صحيح مسلم، ك: الفضائل، ب: من فضائل إبراهيم الخليل - ﷺ -، (٤/ ١٨٤٠/ح: ١٥١).\n(٥) يُنظر: صحيح البخاري، ك: الأنبياء، ب: قوله - ﷿ -: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾، (٣/ ١٢٣٣/ح: ٣١٩٢)؛ ب: قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ﴾ (٣/ ١٢٣٩/٣٢٠٧)؛ صحيح مسلم، ك: الفضائل، ب: من فضائل إبراهيم الخليل - ﷺ -، (٤/ ١٨٣٩/ح: ١٥١).","vol":"1","page":809},{"text":"فهذا استدراك منه - ﷺ - على قول لوط - ﵇ -: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠].\nوما رواه مُجَاهد قال: دخَلْتُ أنا وعُرْوَةُ بن الزُّبيْرِ الْمَسْجدَ فإذا عبداللهِ بن عُمرَ - ﵄ - جَالسٌ إلى حُجْرةِ عَائشَةَ ... قال له (١): كمْ اعْتمَرَ رسول اللهِ - ﷺ -؟ قال: أرْبَعًا، إحْدَاهُنَّ في رجَبٍ. فَكَرهْنَا أنْ نرُدَّ عليه. قال: وَسَمعْنَا اسْتنَانَ (٢) عَائشَةَ أمِّ الْمُؤْمنِينَ في الْحُجْرةِ، فقال عُرْوةُ: يا أُمّاهُ، يا أمَّ الْمُؤْمنِينَ، ألا تَسْمَعينَ ما يقول أبو عبدالرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول: إنَّ رسُولَ اللهِ - ﷺ - اعْتمَرَ أرْبَعَ عُمرَاتٍ، إحْدَاهُنَّ في رجَبٍ. قالت: يرْحَمُ الله أبَا عبدالرحمن، ما اعتَمَرَ عُمرَةً إلا وهو شاهِدُهُ، وما اعتَمَرَ في رجَبٍ قطُّ» (٣).\nوفي لفظ: «يَغْفرُ الله لأَبِي عبدالرحمن» (٤).\nوقولها عندما ذُكرَ لها أنَّ عبْدَاللهِ بن عُمرَ يقول: إنَّ الْمَيّتَ ليُعَذَّبُ ببُكَاءِ الْحيِّ. فقالت عَائشَةُ: يَغْفرُ الله لأَبِي عبدالرحمن أمَا إنه لم يَكْذبْ؛ وَلَكنَّهُ نَسيَ أو أخْطَأَ؛ إنما مرَّ رسول اللهِ - ﷺ - على يَهُوديَّةٍ يُبْكى عليها، فقال: «إنَّهُمْ ليَبْكُونَ عليها، وَإنَّهَا لتُعَذَّبُ في قَبْرهَا» (٥).\n_________\n(١) أي: عروة.\n(٢) أي: حِسَّ مرور السواك على أسنانها. يُنظر: فتح الباري (٣/ ٦٠١).\n(٣) يُنظر: صحيح البخاري، ك: العمرة، ب: كم اعتمر النبي - ﷺ -؟، (٢/ ٦٣٠/ح: ١٦٨٥).\n(٤) يُنظر: صحيح مسلم، ك: الحج، ب: بيان عدد عُمرِ النبي - ﷺ - وزَمَانِهِنَّ، (٢/ ٩١٦/ح: ١٢٥٥).\n(٥) يُنظر: صحيح مسلم، ك: الجنائز، ب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، (٢/ ٦٤٣/ح: ٩٣٢).","vol":"1","page":810},{"text":"ومن أمثلة دعاء المستدرَك عليه للمستدرِك:\nما رواه أبو معشر (١) قال: سمعت عون بن عبدالله (٢) يُذاكر محمد بن كعب (٣) في قول الله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَئْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤]، فقال عون: خير صفوف الرجال المُقَدَّم، وشَرُّ صفوف الرجال المُؤخَّر، وخير صفوف النساء المُؤخر، وشرُّ صفوف النساء المُقَدَّم. فقال محمد بن كعب: ليس هكذا، ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ﴾ الميت والمقتول، و﴿الْمُسْتَئْخِرِينَ﴾ من يلحق بهم من بعدُ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الججر: ٢٥]، فقال عون بن عبدالله: وفقك الله، وجزاك خيرًا. (٤)\nوفي كتب الأصول نجد العلماء يستدركون على بعض ويدعون بالرحمة، فيقولون مثلًا: قال فلان - ﵀ -، ويعقبون على قوله.\nوذكر ابن حزم قول سُفْيَان بنِ عُيَيْنَة (٥): (ما زال أمر الناس معتدلًا حتى\n_________\n(١) هو: أبو معشر، نجيح بن عبدالرحمن السندي المدني، كان مكاتبًا لامرأة من بني مخزوم فأدى وعتق، فاشترت أم موسى بنت منصور الحميرية ولاءه، له مكان في العلم والتاريخ، وتاريخه احتج به الأئمة، أما حديثه فاختلفوا فيه؛ فمنهم من ضعفه، ومنهم من قبله، وقال عبدالله بن أحمد عن أبيه كان صدوقًا؛ لكنه لا يقيم الإسناد، (ت: ١٧٠ هـ) في رمضان.\nتُنظر ترجمته في: الطبقات الكبرى (٥/ ٤١٨)؛ تاريخ بغداد (١٣/ ٤٥٧)؛ تهذيب التهذيب (١٠/ ٣٧٤).\n(٢) هو: أبو عبدالله، عون بن عبدالله بن عتبة بن مسعود الهذلي الكوفي، التابعي، الإمام القدوة العابد، سمع من الصحابي أبي هريرة - ﵁ -، وكان ثقة عابدًا، كثير الإرسال، (ت: قبل سنة ١٢٠ هـ).\nتُنظر ترجمته في: الطبقات الكبرى (٦/ ٣١٣)؛ سير أعلام النبلاء (٥/ ١٠٣)؛ تقريب التهذيب (١/ ٤٣٤).\n(٣) هو: أبو حمزة، محمد بن كعب القرظي، حليف الأنصار، تابعي مشهور، أبوه من قريظة، وأمه من بني النضير، كان أبوه ممن لم ينبت فلم يقتل مع بني قريظة لما قتلوا بحكم سعد بن معاذ، (ت: ١٠٨ هـ)، وقيل غير ذلك.\n\nتُنظر ترجمته في: الأنساب (٤/ ٤٧٥)؛ الكاشف للذهبي (٢/ ٢١٣)؛ الإصابة (٦/ ٣٤٥).\n(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٢٣)؛ تفسير ابن كثير (٢/ ٥٥١)؛ الدرر المنثور (٥/ ٧٥).\n(٥) هو: أبو محمد، سفيان بن عيينة بن أبي عمران واسمه: ميمون الهلالي، كان عالمًا ناقدًا، وزاهدًا عابدًا، ولد بالكوفة، ثم انتقل إلى مكة، حدث عن سلمة بن دينار والزهري وعمرو بن دينار وغيرهم، (ت: ١٩٨ هـ) بمكة.\nتُنظر ترجمته في: التاريخ الكبير (٤/ ٩٤)؛ مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٤٩)؛ وفيات الأعيان (٢/ ٣٩١ - ٣٩٣).","vol":"1","page":811},{"text":"غير ذلك أبو حنيفة بالكوفة، والبتي بالبصرة، وربيعة (١) بالمدينة).\nثم قال: \"هؤلاء النفر -غفر الله لنا ولهم- أول من فتح باب الرأي وعول عليه، واعترض بالقياس على حديث رسول الله - ﷺ - (٢)، وتلك زلة عالم، ووهلة فاضل، سامح الله الجميع بمنه آمين\" (٣).\n_________\n(١) هو: أبو عبدالرحمن، وقيل: أبو عثمان، ربيعة بن أبي عبدالرحمن، واسم أبي عبدالرحمن: فروخ، وكان مولى آل المنكدر من بني تيم بن مرة، وكان يقال له: ربيعة الرأي، أدرك بعض أصحاب النبي - ﷺ - والأكابر من التابعين، كان عالمًا فقيهًا ثقة، وكان صاحب الفتوى بالمدينة، وكان يجلس إليه وجوه الناس، روى عنه مالك وسفيان الثوري وشعبة والليث بن سعد وغيرهم، قلده الخليفة أبو العباس السفاح قضاء الأنبار، (ت: ١٣٦ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: تاريخ بغداد (٨/ ٤٢١)؛ المنتظم (٧/ ٣٤٩)؛ وفيات الأعيان (٣/ ٢٨٨).\n(٢) ما كان لأحد من المسلمين - فضلًا عن العلماء- أن يترك قول رسول - ﷺ - إذا ثبت وصح عنده ويعمل بالقياس، وما كان من هؤلاء العلماء في تركهم للحديث إلا لأنه لم يبلغهم الحديث، أو بلغهم ولكن لم يصح عندهم.\n(٣) يُنظر: الإحكام لابن حزم (٦/ ٢٢٣).","vol":"1","page":812},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-335>المطلب الثاني: آداب الاستدراك الأصولي الخاصة بالمستدرِك، وتطبيقاتها</span>\nإذا وقف الأصولي على أمر يستدرك به على أصولي آخر؛ ينبغي له التحلي بالآداب التالية زيادة على تحليه بالآداب المشتركة، وهذه الآداب تُعين على الأداء بصورة مشرقة، وتكون دافعًا لقبول المستدرَك عليه الاستدراك، ومن هذه الآداب:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-336> أولًا: العدل والإنصاف للمستدرَك عليه</span>\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ومعلوم أنا إذا تكلمنا فيمن هو دون الصحابة - مثل: الملوك المختلفين على الملك، والعلماء والمشايخ المختلفين في العلم والدين - وجب أن يكون الكلام بعلم وعدل؛ لا بجهل وظلم؛ فإن العدل واجب لكل أحد، على كل أحد، في كل حال، والظلم محرم مطلقًا لا يباح قط بحال\" (١).\nوقد ذكر هذا الأدب ابن عاصم في منظومته وأشرنا لها سابقًا، وذلك قوله بعد إذنه في إصلاح عمله:\nلكن بشرط العلم والإنصاف ... فذا وذا من أجمل الأوصاف (٢)\nوجاء في كتاب الفكر الأصولي (٣) عند حديثه عن منهج الغزالي في المستصفى: \" ... وامتدادًا لهذه الروح العلمية التي يلمسها الباحث في كتابه المستصفى فقد أنصف مخالفيه في الرأي، ويتجلى هذا الإنصاف في ذكر أدلة المخالفين ومناقشتها مناقشة موضوعية أولًا، وتوضيح حقيقة أقوالهم ثانيًا. من هذا: موضوع القياس\n_________\n(١) يُنظر: منهاج السنة النبوية (٥/ ١٢٦).\n(٢) يُنظر: مرتقى الوصول إلى علم الأصول (ص: ٢٤).\n(٣) (ص: ٣٣٣).","vol":"1","page":813},{"text":"في الكفارات (١)؛ فإنه ذكر تفسيرات وجوانب للمخالفين بما يقضي إنصافهم، وهذا الموقف كما هو واضح في هذه المسألة فإنه واضح في مسائل كثيرة من الكتاب\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-337> ثانيًا: المحافظة على قول المستدرَك عليه</span>.\nوهذا الأدب استمداد للأدب السابق، فمن العدل للمستدرَك عليه أن يُنقل قوله على مراده، فلا يُغير ولا يؤول بما يخل المعنى.\nقال ابن عقيل في آداب الجدل: \"وحفظ المقول لئلا تجري مناكرة لما قيل، أو دعوى ما لم يَقُلْ، ولا يُغيّر كلامه بما يحيل المعنى\" (٢).\nفعلى المستدرِك المحافظة على معنى كلام المستدرَك عليه إذا أراد اختصاره، وليس له تأويله بما يغير المعنى، والأولى نقله بنصه ما أمكن.\nوأُمثل لهذا الأدب من الكتب الأصولية بما كان يفعله السمعاني في نقل كلام أبي زيد الدبوسي؛ إذ كان ينقل كلامه بحرفه ثم يعقب على ذلك، وقد يكون النقل بصفحات؛ ومن ذلك: قوله في مسألة (الاستحسان): \"واعلم أن الكلام في الاستحسان يرجع إلى معرفة الاستحسان الذي يعتمده أصحاب أبي حنيفة ... فنذكر الآن ما ذكره أبو زيد في كتابه (٣) في معنى الاستحسان لغة وحكمًا. قال: ... \"ثم ذكر نص كلام الدبوسي (٤).\nومن هذا الأدب أيضًا: لو شك في فهم مراد المستدرَك عليه يصرح بذلك، \"فاتهام النفس بالقصور خير من اعتراض في غير وجه حق\" (٥).\n_________\n(١) يُنظر: المستصفى (٣/ ٧٠٠).\n(٢) يُنظر: الجدل على طريقة الفقهاء (ص: ٢).\n(٣) يُنظر: تقويم الأدلة (ص: ٤٠٤ - ٤٠٦).\n(٤) يُنظر: قواطع الأدلة (٤/ ٥١٤ - ٥١٩).\n(٥) ينظر: نظرية النقد الفقهي (ص: ٣٧).","vol":"1","page":814},{"text":"وأقرر لذلك بما كان من الأصفهاني حينما لم يتبين له مراد ابن الحاجب من كلامه، ولم يستطع رفع اللبس عنه؛ اعترف بقصوره، فقال في شرح الاعتراض الثامن من الاعتراضات الواردة على القياس - وهو عدم التأثير-: \"هذا ما فهمته من كلام المصنف، ولم يتبين لي حقيقة هذا الكلام، وما جزمت بأن مراد المصنف هذا\" (١).\nوقال التفتازاني في حاشيته على شرح العضد (٢): \"من الشارحين من فسر هذا المقام بما يشهد بأنه لم يفهمه، وآخرون اعترفوا بعدم الفهم؛ لذا بالغ المحقق (٣) في توضيحه بما لا يزيد عليه\".\nوكذلك فعل ابن السبكي لما أغلقت عليه عبارة ابن الحاجب قال: \"هذا ما فهمته من عبارة الكتاب، وهي قلقة عاصية\" (٤).\nوذكر الطوفي في القسم الثاني من أقسام المطلق والمقيد (وهو أن يختلف سببهما ويتحد حكمهما (٥): \" (وقال أبو الخطاب: إن عضده قياس حمل عليه؛ كتخصيص العام بالقياس (٦».\nمعنى هذا الكلام (٧): أن يحمل المطلق على المقيد إن وافقه قياس دل عليه قياسًا على تخصيص العام بالقياس الخاص كما سبق، وإن لم يوافقه قياس لم يحمل المطلق على المقيد.\n_________\n(١) يُنظر: بيان المختصر (٣/ ٢٠١).\n(٢) يُنظر: (٣/ ٥٠٢).\n(٣) يقصد به العضد الإيجي، يُنظر شرحه (٣/ ٥٠١).\n(٤) يُنظر: رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (٤/ ٤٤٥).\n(٥) مثل الحكم بعتق رقبة؛ مطلقه بسبب الظهار، مقيدة بالإيمان بسبب القتل الخطأ.\n(٦) يُنظر قول أبي الخطاب في التمهيد (٢/ ١٨١، ١٨٧).\n(٧) أي معنى كلام أبي الخطاب.","vol":"1","page":815},{"text":"قلت: هذا الذي فهمت من كلام الشيخ أبي محمد (١)، وكلامه في ذلك مضطرب؛ لأنه قال: وقال أبو الخطاب: يبنى عليه. أي: يبنى المطلق على المقيد من جهة القياس؛ لأن تقييد المطلق كتخصيص العموم، وذلك جائز بالقياس الخاص.\nقلت: فتعليله في آخر هذا الكلام يدل على ما قلت، وفهمت من كلامه؛ وهو أن حمل المطلق على المقيد هاهنا يحتاج إلى قياس عاضد موافق له، كما أن تخصيص العام يحتاج إلى قياس مخصص؛ لكن صدر كلامه وهو قوله (٢): (يبنى المطلق على المقيد من جهة القياس) يحتمل ما فهمته من كلامه، ويحتمل أن المطلق يحمل على المقيد بطريق القياس؛ وهو قياس صورة الإطلاق على صورة التقييد، بجامع القدر المشترك بينهما من اتحاد الحكم؛ لا من جهة أن المتكلم أراد بالإطلاق ما دل عليه التقييد\" (٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-338> ثالثًا: تحديد خلل المستدرَك عليه</span>.\nوهذا يساعد كثيرًا في فهم الاستدراك، والوصول إلى إصابة الحق، ويحقق العدل والإنصاف مع الآخرين، فلا يعمم القول بالتخطئة؛ بل يقسم ويفصل الكلام، ويميز آحاد الموضوع بعضها عن بعض.\nوهذا أيضًا منهج نبوي، فلما عبر أبو بكر - ﵁ - رؤيا لأحد الصحابة قال: «فَأَخْبرْنِي يا رسُولَ اللهِ بأَبِي أنت أصَبْتُ أمْ أخْطَأْتُ؟ قال النبي - ﷺ -: أصَبْتَ بعْضًا وأَخْطَأْتَ بعْضًا» (٤).\nفلم يعمم - ﷺ - الحكم بالخطأ في تأويل الرؤيا؛ بل ذكر أنه على قسمين: منه الخطأ،\n_________\n(١) أي: ابن قدامة المقدسي صاحب روضة الناظر.\n(٢) أي قول ابن قدامة في الروضة. يُنظر: روضة الناظر (٢/ ١٠٧).\n(٣) يُنظر: شرح مختصر الروضة (٢/ ٦٤٠).\n(٤) يُنظر: صحيح البخاري، ك: التعبير، ب: من لم يرَ الرّؤْيَا لأَوَّلِ عَابرٍ إذا لم يصِبْ، (٦/ ٢٥٨٢/ح: ٦٦٣٩)؛ صحيح مسلم، ك: الرؤيا، ب: في تَأْويلِ الرّؤْيَا، (٤/ ١٧٧٧/ح: ٢٢٦٩).","vol":"1","page":816},{"text":"ومنه الصواب.\nويمكن تمثيل هذه الآدب بما قرره الجويني في البرهان (١)، واتخذه معيارًا له؛ إذ يقول: \"فلينظر الناظر كيف لقطنا من كل مسلك خياره، وقررنا كلَّ شيءٍ على واجبه في محله، وهذه غاية ينبغي أن ينتبه من يبغي البحث عن المذاهب لها؛ فإنه يبعد أن يصير أقوام كثيرون إلى مذاهب لا منشأ له من شيء، ومعظم الزلل يأتي أصحاب المذاهب من سَبْقهم إلى معنى صحيح؛ لكنهم لا يسبرونه حق سبره؛ ليتبينوا بالاستقراء أن موجَبَه عام شامل، أو مفصل، ومن نظر عن ة عن منشأ المذاهب، فقد يُفضي به نظره إلى تحيز طرف من كل مذهب كدأبنا في المسائل\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-339> رابعًا: الشجاعة في إبداء الاستدراك</span>.\nفالعالم متى وقع على خطأ يجب عليه استدراكه إن لم يقم به غيره، فلا يقر به، فإن أقر كان غاشًّا للأمة؛ بل الواجب عليه أن يصدع بالحق ولا تأخذه في الله لومة لائم.\nوضرب لنا التاريخ أمثلة لكثير من علماء الإسلام -كالإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية- في شجاعتهم وانتصارهم لمذهب السلف والدفاع عنه بالحجج النقلية والعقلية، وعقدت المناظرات في ذلك، وحبسوا على أثرها، وضربوا بسياط، فلم يمنعهم هذا من الثبات على قول الحق.\nوأمثل هذا بالاستدراكات التي أبداها الجويني وخالف بها الشافعي ... وأبا الحسن الأشعري والباقلاني، وهم الأكابر الذين لهم وزنهم في الفكر الإسلامي عمومًا، وبين المتمذهبين بمذاهبهم خصوصًا، فخالف الشافعي في خمس وعشرين مسألة، وخالف الأشعري في ثلاث مسائل، وأما الباقلاني فخالفه في إحدى وأربعين مسألة. (٢)\n_________\n(١) يُنظر: (١/ ٤٩٦).\n(٢) يُنظر: الفكر الأصولي (ص: ٣١١).","vol":"1","page":817},{"text":"وقد ألزم نفسه بهذا وجعله من منهجه العلمي حيث قال: \"وحقنا: أن نُحَكّم الأصول فيما نأتي ونذر، ولا نسلك بمسلك الحقائق ذبًّا عن مذهب\" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-340> خامسًا: النظر في مآلات الاستدراك ومراعاة المصلحة</span>.\nووجه ذكر هذا الأدب بعد الأدب السابق: أن النظر في مآلات الاستدراك وما تقتضيه المصلحة توجب الشجاعة في نقد القول والاستدراك عليه؛ ولكن قد تقتضي المصلحة عدم التصريح باسم المستدرَك عليه، وقد تقتضي المصلحة أيضًا عدم التصريح باسم المستدرِك.\nفمن مصلحة عدم التصريح باسم المستدرَك عليه: خشية ازدياد الخلاف، أو خشية رد الاستدراك، أو الوقوع في محظور شرعي.\nقال ابن عقيل: \"وفي الجملة والتفصيل: الأدب معيار العقول، ومعاملة الكرام، وسوء الأدب مقطعة للخير، ومدمغة للجاهل، فلا تتأخَّرُ إهانته، ولو لم يكن إلا هجرانه وحرمانه\" (٢).\nفإنه قد يكون من الحكمة أن لا يصرح المستدرِك باسم المستدرَك عليه؛ خاصة إذا كان المستدرَك عليه له منزلة رفيعة؛ فإن تصريحه بالمخالفة له قد يكون سببًا في هجر قول المستدرِك.\nولعل هذا السبب هو الذي جعل الشافعية لا يقدمون على شرح البرهان للجويني لتصريحه المخالفة للأشعري وغيره.\nجاء في الفكر الأصولي (٣): \"رغم الأهمية العلمية لكتاب البرهان في أصول الفقه\n_________\n(١) يُنظر: البرهان (١/ ٥٩٥).\n(٢) يُنظر: الواضح في أصول الفقه (١/ ٥٢٩).\n(٣) يُنظر: (ص: ٣١٧).","vol":"1","page":818},{"text":"فإنه لم يحظ بكتابات وتحليل الأصوليين كما ينبغي لمثل هذا الكتاب، ولعل جملة الأسباب؛ بل أهمها: ما أبداه الجويني من حرية مطلقة في الرأي والنقد لآراء السابقين من العلماء، الأمر الذي ينفر منه المتأخرون؛ لتحكم عقيدة التقليد في نفوسهم\".\nوكذلك المعتزلة في تركهم المعتمد لمخالفة أبي الحسين لهم، وتصريحه بمخالفة القاضي عبدالجبار الهمداني في عدة مواطن.\nجاء في الفكر الأصولي (١): \"لم يأسر التقليد أبا الحسين البصري؛ بل بدا في كتاب المعتمد صاحب رأي مستقل لم يئنه عن هذا أواصر الاعتزال القوية التي تربطه مع المعتزلة عمومًا، وشيخه المعجب به القاضي عبدالجبار خصوصًا فقد عارضه وعارضهم كثيرًا، وأبطل حججهم، وقدم ما يراه حقًّا، وهذا ما أثار عليه حفيظة المعتزلة، وأوغر صدورهم، فهجروا مؤلفاته\".\nوجاء في تحقيق المستصفى: أن الغزالي لم يهتم بنسبة الأقوال إلى أصحابها؛ بل كثيرًا ما يستعمل كلمة (قال قوم) و(قيل)، وصنيعه هذا لا يدل على عدم معرفته بأصحابها، أو عدم اهتمامه بهم؛ ولكنه يرى أن ذكر صاحب الرأي الفاسد وتبيين غلطه ربما أدى ذلك إلى تجريحه فيقع في الغيبة، وهو أمر محرم شرعًا. (٢)\nوذكر الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين (٣) منهجه هذا فقال عند حديثه عن بواعث الغيبة: إن ثلاثة منها تختص بأهل الدين والخاصة فقال: \" ... أولًا: تنبعث\n_________\n(١) يُنظر: (ص: ٢٣٥).\n(٢) يُنظر: مقدمة تحقيق المستصفى (١/ ٦٦).\n(٣) إحياء علوم الدين: لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ)، رتبه على أقسام أربعة؛ وهي: ربع العبادات، وربع العادات، وربع المهلكات، وربع المنجيات، وهو تصوف، وقال حاجي خليفة: (وهو من أجل كتب المواعظ وأعظمها)، وعلى هذا الكتاب أعمال كثيرة؛ من اختصار له، وشروح عليه، وتخريج لأحاديثه. يُنظر: كشف الظنون (١/ ٢٣)؛ اكتفاء القنوع (١/ ١٩٠). ويُنظر قوله في الإحياء (٣/ ١٤٧).","vol":"1","page":819},{"text":"من الدين داعية التعجب في إنكار المنكر والخطأ في الدين فيقول: ما أعجب ما رأيت من فلان!، فإنه قد يكون به صادقًا، ويكون تعجبه من المنكر؛ ولكن كان حقه أن يتعجب ولا يذكر اسمه، فيسهل الشيطان عليه ذكر اسمه في إظهار تعجبه، فصار به مغتابًا وآثمًا من حيث لا يدري ... \".\nوأما عن مصلحة عدم التصريح باسم المستدرِك فقد يكون من باب التأدب مع المستدرَك عليه، فينسب الاستدراك باسم مجهول؛ كقول: (ولقائل أن يقول)، أو (قيل)، ونحو ذلك.\nقال ابن عقيل: \"وإن كان أعلى منه فليتحرَّ ويجتنب القول له: هذا خطأ، أو غلط، وليس كما تقول؛ بل يكون قوله له: أرأيت إن قال قائل: يلزم على ما ذكرت كذا، وإن اعترض على ما ذكرت مُعترِضٌ بكذا؛ فإن نفوس الكرام الرؤساء المُقدَّمين تأبى خشونة الكلام؛ إذ لا عادة لهم بذلك، وإذا نفرت النفوس عَمِيَتِ القلوب، وجَمَدَتِ الخواطر، وانسدَّتْ أبواب الفوائد، فحُرمَ الكلُّ الفوائد بسفه السفيه، وتقصير الجاهل في حقوق الصدورِ.\nوقد أدَّبَ الله أنبياءه في خطابهم للرؤساء من أعدائه، فقال لموسى وهارون في حق فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾ [طه: ٤٤]، سمعت بعض المشايخ المقدَّمين في علوم القرآن يقول: صيغة هذا القول اللَّيِّن في قوله سبحانه: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى (١٨)﴾ [النازعات: ١٧ - ١٨]، وما ذلك إلا مراعاة لقلبه؛ حتى لا يَنِفَر بالقول الخشن عن فهم الخطاب، فكيف برئيس يُقَدَّمُ في العلم، تُطلَبُ فوائده، ويُرجى الخير من إيراده، وما تَسْنَحُ به خواطره؟ فأحرى بنا أن نُذلِّلَ له العبارة، ونُوطِّئ له جانبَ الجدلِ؛ لتنهال فوائده انهيالًا\" (١).\nومن ذلك \"الأرموي - ﵀ - كان إذا ما عنَّ له تدوين ملاحظة ابتدأها بقوله:\n_________\n(١) يُنظر: الواضح في أصول الفقه (١/ ٥٢٨).","vol":"1","page":820},{"text":"(ولقائل أن يقول) تمييزًا لها عما ورد في الكتاب (١)، وعبارته هذه تدل على ذوق سليم وأدب رفيع كان يتحلى به القاضي سراج الدين الأرموي؛ حيث إنه ينسب الملاحظة أو الاستدراك لمجهول تواضعًا منه، ووأدًا لغريزة حب الظهور؛ لأن العلم لا يتعلم ليُمارى به العلماء، ولا يُقال فلان أعلم من فلان\" (٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-341> سادسًا: الاعتراف بفضل المستدرَك عليه</span>.\nإذا انتهى من الاستدراك فلا ينسى الاعتراف بفضل المستدرَك عليه؛ فإن هذا الخلل مغموس في محاسن علمه، ولا ينقص من منزلته ومكانته العلمية.\nوَمَنْ ذَا الَّذِي تُرْضَى سَجَايَاهُ كُلُّهَا ... كَفَى الْمَرْءَ نُبْلًا أَنْ تُعَدَّ مَعَايِبُهْ (٣)\nوهذا منهج نبوي، فعن علِيٍّ - ﵁ - قال: «بعَثَنِي رسول اللهِ - ﷺ - وأَبَا مرْثَدٍ الْغنَوِيَّ (٤)\nوالزُّبَيْرَ بن الْعوَّامِ (٥) -وكُلُّنَا فارِسٌ- قال: انْطلِقُوا حتى تأْتُوا\n_________\n(١) يقصد بالكتاب: المحصول للرازي.\n(٢) يُنظر: مقدمة تحقيق الحاصل (١/ ١٣١).\n(٣) البيت ليزيد بن خالد المهلبي. يُنظر: زهرة الآداب (١/ ٦٣)؛ نهاية الأرب في فنون الأدب (٣/ ٩٠)؛ خزانة الأدب وغاية الأرب (١/ ٤٥٦). وقيل: لعلي بن الجهم. يُنظر: المنتحل (ص: ١٠٠).\n(٤) هو: أبو مرثد، كناز بن الحصين الغنوي، ويقال: حصين بن كناز، وقيل: اسمه: أيمن، والمشهور الأول، صحابي اشتهر بكنيته، حليف لحمزة بن عبدالمطلب، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، فآخى الرسول الله - ﷺ - بينه وبين عبادة ابن الصامت، (ت: ١٢ هـ) في خلافة أبي بكرالصديق - ﵃ -.\n\nتُنظر ترجمته في: الاستيعاب (٤/ ١٧٥٤)؛ الإصابة (٧/ ٣٦٩)؛ الوافي بالوفيات (٢٤/ ٢٧٨).\n(٥) هو: أبو عبدالله، الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبدالعزي بن قصي بن كلاب القرشي، حواري رسول الله - ﷺ -، وابن عمته صفية، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، أسلم وله اثنتا عشرة سنة، وقيل: ثمان سنين، شهد المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، (ت: ٣٦ هـ) بعد أن انصرف يوم الجمل وترك القتال، فلقيه ابن جرموز فقتله.\nتُنظر ترجمته في: الاستيعاب (٢/ ٥١٠)؛ سير أعلام النبلاء (١/ ٤١)؛ الإصابة (٢/ ٥٥٣).","vol":"1","page":821},{"text":"روْضَةَ خَاخٍ (١)؛ فإن بها امْرأَةً من الْمشْرِكِينَ معَهَا كتَابٌ من حَاطبِ بن أبي بَلتَعَةَ (٢) إلى الْمشْرِكِينَ. فَأَدرَكْنَاهَا تَسيرُ على بَعيرٍ لها حَيثُ قال رسول اللهِ - ﷺ -، فَقلْنَا: الْكتَابُ؟ فقالت: ما معَنَا كتَابٌ. فَأَنَخنَاهَا فَالتَمَسْنَا فلم نرَ كتَابًا، فَقلْنَا: ما كذَبَ رسول اللهِ - ﷺ -، لَتخْرِجِنَّ الْكتَابَ أو لَنجَرِّدَنَّكِ، فلما رأَتْ الْجدَّ أَهوَتْ إلى حجْزَتِهَا -وَهيَ محْتَجِزَةٌ بكِسَاءٍ- فَأَخرَجَتْهُ، فَانطَلَقْنَا بها إلى رسول اللهِ - ﷺ -، فقال عمَرُ: يا رَسولَ اللهِ، قد خانَ اللهَ وَرَسولَهُ وَالْمؤْمِنِينَ، فَدَعْني فَلأَضْرِبَ عنُقَهُ. فقال النبي - ﷺ -: ما حمَلَكَ على ما صَنَعتَ؟ قال حَاطبٌ: والله ما بي أنْ لا أَكونَ مؤْمِنًا باللهِ وَرَسولِهِ - ﷺ -، أَرَدتُ أنْ يَكونَ لي عنْدَ القَوْمِ يدٌ يَدفَعُ الله بها عن أَهْلي وَمَالي، وَلَيسَ أحَدٌ من أَصْحَابكَ إلا له هنَاكَ من عَشيرَتِهِ من يَدفَعُ الله بهِ عن أَهْلهِ وَمَالهِ. فقال النبي - ﷺ -: صدَقَ ولا تقُولُوا له إلا خيْرًا. فقال عُمرُ: إنه قد خانَ اللهَ ورَسُولَهُ وَالْمُؤْمنِينَ، فَدَعْني فَلأَضْرِبَ عُنُقهُ. فقال: ألَيْسَ من أهْلِ بدْرٍ؟ فقال: لعَلَّ اللهَ اطلع إلى أهْلِ بدْرٍ فقال: أعملوا ما شئْتُمْ؛ فقَدْ وجَبَتْ لكُمْ الْجنَّةُ -أو فقَدْ غفَرْتُ لكُمْ-. فدَمَعَتْ عيْنَا عُمرَ وقال: الله ورَسُولُهُ أعْلَمُ\" (٣).\n_________\n(١) روضة خَاخ: موضع بين الحرمين، بقرب حمراء الأسد من جهة المدينة النبوية، وهي من أحماء المدينة التي حماها رسول الله - ﷺ - والخلفاء الراشدون من بعده لرعي خيل وإبل وأغنام بيت أموال المسلمين.\nيُنظر: الأماكن ما اتفق لفظه وافترق مسماه (ص: ٣٩١)؛ معجم البلدان (٢/ ٣٣٥). ويُنظر: ويكيبيديا الموسوعة الحرة على الرابط:\nhttp://ar.wikipedia.org/wiki/%D ٨%B ١%D ٩%٨٨%D ٨%B ٦%D ٨%A ٩_%D ٨%AE%D ٨%A ٧%D ٨%AE\n(٢) هو: أبو محمد، حاطب بن أبي بلتعة عمرو بن عمير بن سلمة اللخمي المكي، حليف بني أسد بن عبدالعزى ابن قصي، من مشاهير المهاجرين، شهد بدرًا والمشاهد، وبعثه رسول الله - ﷺ - بكتاب إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، وكان حاطب من الرماة المذكورين من أصحاب رسول الله - ﷺ -، (ت: ٣٠ هـ)، وصلى عليه عثمان بن عفان - ﵃ -.\n\nتُنظر ترجمته في: مشاهير الأمصار (١/ ٢١)؛ الطبقات الكبرى (٣/ ١١٤)؛ سير أعلام النبلاء (٢/ ٤٣).\n(٣) يُنظر: صحيح البخاري، ك: المغازي، ب: فضل من شهد بدرًا، (٤/ ١٤٦٣/ح: ٣٧٦٢)؛ صحيح مسلم، ك: فضائل الصحابة، ب: من فضائل أهل بدر - ﵃ - ...، (٤/ ١٩٤٢/ح: ٢٤٩٤).","vol":"1","page":822},{"text":"فالنبي - ﷺ - لما استدرك فعلة حاطب - ﵁ - عرض عمر - ﵁ - قتله؛ لأنه بخطئه هذا خان الله ورسوله؛ ولكن النبي - ﷺ - لم ينس فضل حاطب وجهاده، فجمع حسناته، وذكر بصنيعه يوم بدر، فانغمر خطأ حاطب في بحر حسناته، فقال - ﷺ -: «ألَيْسَ من أهْلِ بدْرٍ؟ فقال: لعَلَّ الله اطلع إلى أهْلِ بدْرٍ فقال: اعملوا ما شئْتُمْ؛ فقَدْ وجَبَتْ لكُمْ الْجنَّةُ -أو فقَدْ غفَرْتُ لكُمْ-».\nوهذا المنهج في التعامل مع المستدرَك عليه علمه النبي - ﷺ - لأصحابه حتى في حياتهم الشخصية، فعن أبي هُريْرَةَ قال: قال رسول اللهِ - ﷺ -: «لاَ يفْرَكُ مُؤْمنٌ مُؤْمنَةً؛ إن كَرهَ منها خلُقًا رضي منها آخرَ» (١). فالاستدراك على خلل الفعل الأول لا يعني هذا نكران فضل المستدرَك عليه في أُموره الأخرى، فتذكر حسناته.\nومثاله في الأصول: قول السمعاني في مسألة (جواز النسخ في الشرعيات): \"واعلم أنَّ الأصوليين قد ذكروا الخلاف في هذا مع طائفة من اليهود وشرذمة من المسلمين، ونسبه الشيخ أبو إسحاق الشيرازى - ﵀ - في كتابه (٢) إلى أبي مسلم محمد بن بحر الأصبهاني (٣)،\nوهذا رجل معروف بالعلم وإن كان قد انتسب إلى المعتزلة ويعد منهم، وله كتاب كبير من التفسير وكتب كثيرة، فلا أدرى كيف وقع هذا الخلاف منه؟ ! \" (٤).\n_________\n(١) يُنظر: صحيح مسلم، ك: الرضاع، ب: الوصية بالنساء، (٢/ ١٠٩١/ح: ١٤٦٩).\n(٢) يُنظر: التبصرة (ص: ١٥٣).\n(٣) هو: أبو مسلم، محمد بن بحر الأصفهاني، المعتزلي، من الطبقة الثامنة، كان نحويًا كاتبًا بليغًا، مترسلًا جدلًا متكلمًا، عالمًا بالتفسير وغيره من صنوف العلم، وصار عالم أصبهان وفارس. من مصنفاته: \"جامع التأويل لمحكم التنزيل \"أربعة عشر مجلدًا على مذهب المعتزلة، و\"الناسخ والمنسوخ\"، وكتاب في النحو وجامع رسائله، (ت: ٣٢٢ هـ).\n\nتُنظر ترجمته في: بغية الوعاة (١/ ٥٩)؛ فضل الاعتزال (ص: ٢٩٩، ٣٢٣)؛ طبقات المعتزلة (ص: ٩١).\n(٤) يُنظر: قواطع الأدلة (٣/ ٨٠ - ٨١).","vol":"1","page":823},{"text":"وقال الطوفي في استدراكه على الأشاعرة في مسألة (كلام الله) عند حديثه عن الأصول: \"ثم العجب من هؤلاء القوم -مع أنهم فضلاء عقلاء- يجيزون أن الله - ﷾ - يخلق لمن يشاء من عباده علمًا ضروريًا وسمعًا لكلامه النفسي من غير توسط صوت ولا حرف، وإن ذلك من خاصية موسى - ﵇ -، مع أن ذلك قلب لحقيقة السمع في الشاهد؛ إذ حقيقة السمع في الشاهد اتصال الأصوات بحاسته، ثم ينكرون علينا القول بأن الله - ﷾ - يتكلم بصوت وحرف من فوق السماوات؛ لكون ذلك مخالفًا للشاهد، فإن جاز قلب حقيقة السمع شاهدًا بالنسبة إلى كلامه؛ فلم لا يجوز خلاف الشاهد بالنسبة إلى استوائه وكلامه على ما قلناه؟ ! \" (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-342> سابعًا: التماس العذر للمستدرَك عليه</span>.\nوهذا الأدب تكملة للأدب السابق، فمن الاعتراف لفضل العالم: أن يلتمس له عذرًا إذا استدرك عليه.\nفهذه عائشة أم المؤمنين - ﵂ - ذُكرَ لها أنَّ عبْدَاللهِ بن عُمرَ يقول: إنَّ الْمَيّتَ ليُعَذَّبُ ببُكَاءِ الْحيِّ. فقالت عَائشَةُ: يَغْفرُ الله لأَبِي عبدالرحمن، أمَا إنه لم يَكْذبْ؛ وَلَكنَّهُ نَسيَ أو أخْطَأَ، إنما مرَّ رسول اللهِ - ﷺ - على يَهُوديَّةٍ يُبْكى عليها فقال: «إنَّهُمْ ليَبْكُونَ عليها وَإنَّهَا لتُعَذَّبُ في قَبْرهَا».\nويمثل لهذا من كتب الأصول بالأمثلة التالية:\n• المثال الأول:\nقال السمعاني في فصل المحكم والمتشابه: \"وأحسن الأقاويل: أن المتشابه: ما استأثر الله تعالى بعلمه، ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه، وكلفهم الإيمان به. والمحكم: ما أطلع العلماء عليه، وأوقفهم على المراد به.\n_________\n(١) يُنظر: شرح مختصر الروضة (٢/ ١٥ - ١٦).","vol":"1","page":824},{"text":"وهذا هو المختار على طريقة السنة، وعليه يدل ما ورد من الأخبار، وما عرف من اعتقاد السلف.\nفعلى هذا يكون على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وقفٌ تام، ثم يبتداء قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾.\nوعلى هذا الوقف أكثر القراء (١)، وجعلوا (الواو) واو الابتداء، ولم يقل: إنَّ (الواو) في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ واو العطف إلا شرذمة قليلة من الناس (٢)، واختاره القتيبي (٣) من المتأخرين، وقد كان يعتقد مذهب السنة، وعليه يدل كلامه فى كتبه؛ لكنه سها فى هذه المسألة، ولكل جواد كبوة، ولكل صارم هفوة\" (٤).\n• المثال الثاني:\nقال البيضاوي: \"الفصل الثالث: في أحكامه. وفيه مسائل: الأولى: في الواجب المعين والمخير ... \" (٥).\n_________\n(١) وهو قول ابن عباس وعائشة وابن مسعود وغيرهم، ومذهب أبي حنيفة وأكثر أهل الحديث، وبه قال نافع والكسائي ويعقوب والفراء والأخفش وأبو حاتم وغيرهم من أئمة العربية. يُنظر: النشر في القراءات العشر (١/ ٢٢٧).\n(٢) وهو اختيار ابن الحاجب. يُنظر: المرجع السابق.\n(٣) هو: أبو محمد، عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، النحوي اللغوي، ثقة دين فاضل، ولد ببغداد وسكن الكوفة، ثم ولي قضاء الدينور فنسب إليها. له مصنفات كثيرة؛ منها: \"تأويل مشكل القرآن\"، و\" غريب الحديث\"، و\" إصلاح الغلط\"، (ت: ٢٧٦ هـ).\nتُنظر ترجمته في: وفيات الأعيان (٣/ ٤٢ - ٤٣)؛ بغية الوعاة (٢/ ٦٣)؛ الأعلام (٤/ ١٣٧).\n(٤) يُنظر: قواطع الأدلة (٢/ ٧٤ - ٧٥).\n(٥) يُنظر: منهاج الوصول - مطبوع مع الإبهاج - (٢/ ٢٢٧).","vol":"1","page":825},{"text":"قال التقي السبكي في شرحه: \"قوله: (في أحكامه) يعني: في أحكام الحكم، وذكر في هذا الفصل سبع مسائل، والإمام ذكرها بعينها في باب الأوامر في القسم الثاني منه في المسائل المعنوية، وجعل المسائل الثلاث الأولى في أقسام الوجوب (١)؛ لأنه بحسب المأمور به ينقسم إلى معيَّن ومخيَّر، وبحسب وقت المأمور ينقسم إلى مضيَّق وموسَّع، وبحسب المأمور ينقسم إلى واجب على التعيين وواجب على الكفاية.\nوجعل المسائل الأربع الأخيرة في أحكام الوجوب (٢).\nولو فعل المصنف كذلك كان أحسن، وكأن عذره في ذلك: أنَّ المخيَّر والموسَّع وفرض الكفاية مما وقع الكلام فيه، وفي تحقيق عروض ذلك للواجب، فَحَسُن البحث في أن الوجوب هل يَعْرِض له ذلك أو لا؟ وهو حكم له.\nوبعد ثبوت هذا الحكم تصير الثلاثة المذكورة أقسامًا للوجوب الذي هو قسم من أقسام الحكم، فصح كل من الاعتبارين\" (٣).\n• المثال الثالث:\nقال البيضاوي في مسألة (حكم الأشياء قبل ورود الشرع): \" ... الأفعال الاختيارية قبل البعثة مباحة عند البصرية وبعض الفقهاء، محرمة عند البغدادية (٤) وبعض الإمامية وأبي هريرة، وتوقف الشيخ (٥) والصيرفي، وفسره الإمام بعد الحكم، والأولى يفسره بعد العلم؛ لأن الحكم قديم عنده، ولا يتوقف تَعَلُّقه على\n_________\n(١) يُنظر: المحصول (٢/ ١٥٩).\n(٢) يقصد بالمسائل الأربعة الأخيرة: مسألة: إيجاب الشيء يقتضي إيجاب ما يتوقف عليه، ومسألة: إيجاب الشيء يستلزم حرمة نقيضه، ومسألة: إذا نسخ الوجوب بقي الجواز، ومسألة: الواجب لا يجوز تركه. يُنظر: المرجع السابق (٢/ ١٨٩ - ٢١٤).\n(٣) يُنظر: الإبهاج (٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩).\n(٤) قال ابن السبكي في شرحه: \"وذهب معتزلة بغداد\". يُنظر: الإبهاج (٢/ ٣٨١). ويُنظر: المعتمد (٢/ ٣١٥).\n(٥) أي: الشيخ أبو الحسن الأشعري. يُنظر: الإبهاج (٢/ ٣٨٢).","vol":"1","page":826},{"text":"البعثة؛ لتجويزه التكليف بالمحال\" (١).\nقال ابن السبكي في شرحه: \"بقي مما ننبه عليه هنا: أن ما نقله المصنف عن الإمام ليس بجيد؛ فإنه حكى في المحصول (٢) قول الوقف، ثم قال: هذا الوقف تارة يُفسَّر بأنه لا حكم، وهذا لا يكون وقفًا؛ بل قطع بعدم الحكم.\nوتارة بأنا لا ندري هل هنا حكم أم لا؟ وإن كان هناك حكم فلا ندري أنه إباحة أو حظر. انتهى.\nفليس فيه اختيار ما نقله المصنف عنه. (٣)\nفإن قلت: ما عذر المصنف في ذلك؟\nقلت: الظاهر أنه اتبع صاحب الحاصل؛ حيث قال فيه: (التوقف مرة يفسر بأنا لا ندري الحكم، ومرة بعدم الحكم، وهو الحق) (٤). وظَنَّ أن صاحب الحاصل اتبع الإمام على عادته، فنسب اختيار هذا القول إلى الإمام.\nويحتمل أن المصنف وقف للإمام على اختيار ذلك في كلام له في غير هذا الموضع، أو أنه أراد بالإمام إمام الحرمين؛ فإنه اختار ذلك في البرهان (٥) حيث قال: (لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع) وهما احتمالان بعيدان\" (٦).\n_________\n(١) منهاج الوصول (٢/ ٣٧٩).\n(٢) (١/ ١٥٩).\n(٣) لأن البيضاوي نقل عن الإمام أنه يفسر الوقف بعدم الحكم، مع أن الإمام لم يذكر هذا؛ وإنما ذكر تفسيرين للوقف ذكرهما ابن السبكي.\n(٤) يُنظر: الحاصل (٢/ ٥٨).\n(٥) (١/ ٩٩).\n(٦) يُنظر: الإبهاج (٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦).","vol":"1","page":827},{"text":"• المثال الرابع:\nقال ابن الحاجب في مسألة (العمل بالإجماع بنقل الواحد): \"يجب العمل بالإجماع المنقول بنقل الواحد، وأنكره الغزالي (١).\nلنا: نقل الظني موجب؛ فالقطعي أولى (٢)، وأيضًا «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ» (٣).\nقالوا: إثبات أصل بالظاهر (٤). قلنا: المُتَمَسَّكُ الأول قاطع (٥)، والثاني يُبتنى\n_________\n(١) يُنظر: المستصفى (٢/ ٤٠٢).\n(٢) وهذا قياس الأولى، وبيانه: أن الظني كالخبر إذا كان منقولًا بطريق الآحاد كان حجة يجب العمل به، فالقطعي المنقول بطريق الآحاد كالإجماع أولى بأن يكون حجة يجب العمل به؛ وذلك لأن الظني المنقول بطريق الآحاد الظن فيه من جهتين: جنسه، وطريق نقله. أما القطعي المنقول بطريق الآحاد؛ فالظن فيه من جهة واحدة؛ وهي طريق نقله، أما جنسه فمقطوع به. يُنظر: بيان المختصر (١/ ٦١٤)؛ رفع الحاجب (٢/ ٢٦٣).\n(٣) قال ابن كثير: \"هذا الحديث كثيرًا ما يلهج به أهل الأصول، ولم أقف له على سند، وسألت عنه الحافظ أبا الحجاج المزي فلم يعرفه؛ لكن له معنى في الصحيح؛ وهو قوله - ﷺ -: «إنما أقضي بنحو ما أسمع» \". يُنظر: تحفة الطالب (ص: ١٧٤)؛ ويُنظر كذلك: المعتبر (ص: ١٤٥). وقال السخاوي: \"وفي المتفق عليه من حديث أم سلمة: «إنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئًا» قال ابن كثير: \"إنه يؤخذ معناه منه، وقد ترجم له النسائي في سننه (باب الحكم بالظاهر)، وقال إمامنا ناصر السنة أبو عبدالله الشافعي - ﵀ - عقب إيراده في كتاب الأم: فأخبرهم - ﷺ - أنه إنما يقضي بالظاهر وأن أمر السرائر إلى الله. والظاهر كما قال شيخنا - ﵀ -: أن بعض من لا يميز ظن هذا حديثًا آخر منفصلًا عن حديث أم سلمة فنقله كذلك، ثم قلده من بعده؛ ولأجل هذا يوجد في كتب كثير من أصحاب الشافعي دون غيرهم\". يُنظر: المقاصد الحسنة (ص: ١٦٢). ويُنظر: سنن النسائي الكبرى، ك: القضاء، ب: الحكم بالظاهر، (٣/ ٤٧٢/ح: ٥٩٥٦). ويُنظر حديث أم سلمة في: صحيح البخاري، ك: الشهادات، ب: من أقام البينة بعد اليمين ...، . (٢/ ٩٥٢/ح: ٢٥٣٤)؛ صحيح مسلم، ك: الأقضية، ب: الحكم بالظَّاهر واللَّحْنِ بالْحُجَّةِ، (٣/ ١٣٣٧/ح: ١٧١٣).\n(٤) أي: قال المنكرون لحجية الإجماع الثابت بنقل الواحد: إن الإجماع أصل من أصول الفقه، فلو ثبت بالدليلين المذكورين - قياس الأولى والحديث - لزم إثبات الأصل بالظاهر، واللازم باطل، فبطل الملزوم. يُنظر: بيان المختصر (١/ ٦١٥)؛ رفع الحاجب (٢/ ٢٦٥).\n(٥) يقصد به دليل القياس الذي استدل به؛ لأنه قياس بطريق الأولى، فلا يكون إثبات الإجماع المنقول بنقل الواحد بدليل قياس الأولى إثباتًا للأصل بالظاهر، وحينئذ تكون الملازمة ممنوعة. يُنظر: بيان المختصر (١/ ٦١٥)؛ رفع الحاجب (٢/ ٢٦٥).","vol":"1","page":828},{"text":"على اشتراط القطع (١)، والمُعترِضُ مُستَظهِرٌ من الجانبين\" (٢).\nقال ابن السبكي في شرحه: \"ثم ذكر الآمدي عبارة ناشئة عن عدم اختياره في المسألة شيئًا فقال: (والظهور في هذه المسألة للمعترض من الجانبين دون المستدل فيها) (٣).\nأي: من انتهض مستدلًّا فيها لنفي أو إثبات ظهر عليه المعترض؛ وذلك لتجاذب أطرافها.\nوقد نَبَا القلم بالمصنف (٤) فتبعه، وقال: \"والمعترض مستظهر من الجانبين\" فيمنع دليل المثبت ويقول: لا أسلم أن كل دليل ظني يجب العمل به، ودليل النافي ويقول: لا أسلم امتناع إثبات الأصول العملية بالظواهر ونحو ذلك من المسوغ. وهذا لا ينبغي للمصنف؛ فإنه اختار أحد القولين (٥)، فكيف يعترف باستظهار المعترض؟ \" (٦).\n_________\n(١) المراد بالثاني: أي الدليل الثاني للقائلين بحجية الإجماع المنقول بنقل الواحد؛ وهو الحديث: «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ»، فمن اشترط القطع في الأصول الشرعية؛ منع إثبات الأصل بالظاهر، وبالتالي منع إثبات الإجماع بالحديث المذكور، ومن لم يشترط القطع في أدلة الأصول؛ لم يمنع ثبوت الإجماع المنقول بنقل الواحد بهذا الحديث. يُنظر: بيان المختصر (١/ ٦١٦).\n(٢) يُنظر: مختصر ابن الحاجب (١/ ٥٠٢ - ٥٠٤). ويُنظر: نسخة المختصر مع رفع الحاجب (٢/ ٢٦٢ - ٢٦٦).\n(٣) يُنظر: الإحكام للآمدي (١/ ٣٦٨).\n(٤) أي: ابن الحاجب.\n(٥) حيث اختار القول المثبت فقال بحجية الإجماع المنعقد بخبر الواحد.\n(٦) يُنظر: رفع الحاجب (٢/ ٢٦٦).","vol":"1","page":829},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-343> ثامنًا: عدم القطع بصحة الاستدراك فيما يدخله الاجتهاد</span>.\nفلا يدعي المستدرِك أن ما حققه هو الصواب المطلق، والصحيح الحق؛ بل يقرر ما يراه، ولا يقطع بصحته.\nومثال هذا في الأصول: قال ابن الحاجب في (الاعتراضات الواردة على القياس): \"الخامس عشر: المعارضة في الأصل بمعنى آخر؛ إما مستقل؛ كمعارضة الطعم بالكيل، أو القوت، أو غير مستقل؛ كمعارضة القتل العمد العدوان بالجارح، والمختار قبولها.\nلنا: لو لم تكن مقبولة لم يمتنع الحكم؛ لأن المدَّعَى علة ليس بأولى بالجزئية أو بالاستقلال من وصف المعارضة ... \" (١).\nقال الأصفهاني في شرحه: \" ... وأما غير المستقل بالتعليل؛ مثل ما إذا علل المستدل الحكم بمعنى وأثبته بطريق، وأبدى المعارض معنى آخر في الأصل، وأثبت كونه جزءًا من العلة في الأصل؛ كمعارضة من علل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان بالجارح في الأصل على وجه يكون وصف الجارح جزءًا من العلة في الأصل.\nواختلف في قبول القسم الثاني (٢)، واختار المصنف قبوله، واحتج عليه بوجهين:\nالأول: لو لم تكن المعارضة بالقسم الثاني مقبولة؛ لزم أن لا يمتنع التحكم، والتالي (٣) باطل.\nبيان الملازمة: أن دليل المستدل دل على علية الوصف المدَّعَى علة بالاستقلال، ودليل المعترض على عليته بالجزئية، فلو لم تقبل المعارضة لزم التحكم؛ لأن الوصف المدعى علة ليس بأولى بالجزئية أو الاستقلال، فكما جاز أن يكون علة مستقلة؛ جاز أن\n_________\n(١) يُنظر: مختصر ابن الحاجب (٢/ ١١٥١ - ١١٥٢)، والمطبوع مع بيان المختصر (٣/ ٢١٢).\n(٢) وهو: المعارض غير المستقل بالتعليل.\n(٣) التالي: الجزء الثاني في المقدمة الكبرى من القياس الاستثنائي، وقد سبق الإشارة إليها في (ص: ٤٢٧).","vol":"1","page":830},{"text":"يكون جزء علة، فالقول بكونه علة مستقلة تحكم.\nفعلى هذا قول المصنف: (من وصف المعارضة) بعد قوله: (لأن المدعى علة ليس بأولى بالجزئية أو بالاستقلال) زائد لا فائدة فيه.\nوقرر بعض الشارحين (١) بيان الملازمة بوجه آخر؛ وهو أن الدليل دال على علية كل واحد من الوصفين - أعني وصف المستدل ووصف المعارضة-؛ سواء كان كل واحد مستقلًاّ كالطعم أو القوت، أو غير مستقل كالقتل العمد العدوان؛ إذ جعله الشافعي علة، وزاد عليه الحنفي بالجارح حتى يكون المجموع علة؛ فإنه إذا لم يقبل وجعل أحد الوصفين علة؛ لزم ترجيح أحد الجائزين على الآخر من غير مرجح.\nثم قال: وعبارة المصنف - أعني الدليل وبيان الملازمة - وافق عقد المسألة في العموم لا [التمثيل] (٢)؛ فإن قوله: (ليس بأولى بالجزئية أو بالاستقلال) يشمل ما إذا كان الوصف المدعى علة مركبًا، والمعترض أخذ جزءًا منها وادعى الاستقلال، وما إذا كان المدعى علة وصفًا وضم إليه المعترض وصفًا آخر على ما ترى إذا نظرت فيه.\nوعلى هذا لا يكون قوله (٣): (من وصف المعارضة) زائدًا.\nوفيما ذكره هذا الشارح نظر؛ لأن قول المصنف: (ليس بأولى بالجزئية أو بالاستقلالية) لو كان شاملًا لما إذا كان الوصف المدعى علة مركبًا، والمعترض أخذ جزءًا منه وادعى الاستقلال لزم أن لا تقبل المعارضة؛ لأنه حينئذ لا يكون إثبات علية\n_________\n(١) ذكر محقق بيان المختصر أنه الخُنْجي. يُنظر: هامش (٢) من (٣/ ٢١٤).\nولم يذكر من المراد بالخُنجي، فقد ذكر حاجي خليفة من شراح مختصر ابن الحاجب (وزين الدين الخنجي). يُنظر: كشف الظنون (٢/ ١٨٥٤). وفي معجم المؤلفين: \"الخنجي: إسماعيل بن علي، مجد الدين (٧٤٤ هـ)، المقتصر في شرح المختصر\". يُنظر: معجم المؤلفين (٢/ ٢٨١). ويُنظر: أعلام أصول الفقه الإسلامي ومصنفاتهم (٣/ ١٨٦).\n(٢) المثبت في متن بيان المختصر [التمسك]، وما أثبته من نسخة (ج) ذكرها محقق الكتاب في هامش (٥) من (٣/ ٢١٤)؛ لأنها أدل على المعنى.\n(٣) أي قول ابن الحاجب.","vol":"1","page":831},{"text":"جزء المدعى علة مفيدًا للمعترض؛ لأنه لو ثبت علية جزء المدعى علة يلزم الحكم في الفرع ضرورة وجود الجزء الذي هو العلة المستقلة على زعم المعترض فيه، فلا تكون المعارضة مفيدة.\nهذا ما ظهر لي\" (١).\nفلم يجزم أن شرحه هو الصحيح؛ بل قال هذا ما ظهر له، فقد يكون قول الشارح الآخر هو الصواب.\nوقال العلاء البخاري بعد استدراكه على بعض المشايخ من الحنفية: \"قال العبد الضعيف جامع هذه المتفرقات (٢): هذا ما يُخيل لي من الوجه الصواب في هذه المسألة، وتراءى لي أنه الحق، ولعلَّ نظر غيري أدق، وما قاله أصوب وأحق، وهو أعلم بالحقيقة والصواب\" (٣).\n_________\n(١) يُنظر: بيان المختصر (٣/ ٢١٣ - ٢١٥).\n(٢) يقصد نفسه.\n(٣) كشف الأسرار للبخاري (٢/ ٩٩).","vol":"1","page":832},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-344>المطلب الثالث: آداب الاستدراك الأصولي الخاصة بالمستدرَك عليه، وتطبيقاتها</span>\nينبغي للمستدرَك عليه التحلي بآداب قبول الاستدراك، فالأصل أن المستدرِك ناصح له في استدراكه.\nوقد ذكرت طرفًا من هذه الآداب في الآداب المشتركة؛ كقصد نصرة الحق، والتواضع، والتثبت، والتأمل، وعدم الاستعجال في الرد، وحرمة الأعراض، والصدع بالحق متى لاح له، والدعاء للمستدرِك.\nوظهر لي أيضًا من الآداب الخاصة بالمستدرَك عليه:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-345> أولًا: النظر في شخصية المستدرِك</span>.\nومن ذلك: عدم استصغاره أو استكباره.\nأما استصغار المستدرِك فإن هذا يقلل من اهتمام المستدرَك عليه بالمستدرِك، فلا يُعد له العدة في المجادلة والأجوبة المتوقعة على أسئلته، فيكون المستدرَك عليه فريسة سهلة للمستدرِك.\nوأما عدم اعتقاد أن المستدرِك أقوى منه؛ فحتى لا يتخاذل المستدرَك عليه ويضعف عن تقديم حجته على المطلوب. (١)\nويدخل في هذا الأدب أيضًا ما ذكره ابن عقيل بقوله: \"إذا كان الخصم معروفًا بالمُجُون في الجدل، وقلة الاكتراث بما يقول وما يُقال له، ليس غرضه إقامة حُجَّةٍ ولا نُصرة ديانةٍ؛ وإنما يُريد المطالبة والمباهة، وأن يقال: علا قِرْنَه، وغلب خصمه، أو قطع خصمه؛ فينبغي أن يُجتنب، وتُحذر مكالمته، فليس يحصل بمناظرته دينٌ\n_________\n(١) يُنظر: ضوابط المعرفة (ص: ٣٧٢).","vol":"1","page":833},{"text":"ولا دنيا، وربما أورد على خصمه ما يُخجِله، ولا يستحسنُ مُكافأته عليه، فينقطع في يده، ويكون في انقطاعه فتنة لمن حضره\". (١)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-346> ثانيًا: الاهتمام بكلام المستدِرك</span>.\nفيترك المداخلة والتقطيع عليه إذا كان الاستدراك قوليًّا وفي حضرة المستدرِك، وينتظر حتى يفرع المستدرِك من استدراكه، ويأتي على آخر كلامه.\nومن ذلك أيضًا: الإقبال على المستدرِك، والإصغاء إليه دون غيره. (٢)\nقال ابن عقيل: \"التقطيع مانع من الفهم والتفهُّم\" (٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-347> ثالثًا: الصبر على المستدرِك</span>.\nوالحِلْمُ على فظاظة العبارات الصادرة منه إن وجدت.\nقال ابن عقيل: \"وإذا كان الصَّبرُ على شَعْبِ السائل في الجدل فضيلة، والحِلْمُ عن بادِرَةٍ (٤) إن كانت منه رِفعة؛ فينبغي لمن أَحَبَّ اكتسابَ الفضائل أن يستعمل ذلك بحسب علمِه بما له فيه من الحَظِّ الجزيل، والمَحَلِّ الجليل، وليس يُنقِصُه الحِلْمُ إلا عند جاهل، ولا يَضَعُ منه الصَّبرُ على شَغْبِ السائل إلا عند غَبِيٍّ يعتقد أن ذلك\n_________\n(١) يُنظر: الواضح في أصول الفقه (١/ ٥٢٠).\nقلت: وهذا ما يحدث في الاستدراكات والمناظرات والجدل في بعض القنوات الفضائية، فينبغي من عرف عنه هذا المنهج عدم الخوض معهم؛ بل يُرد على استدراكاتهم في أماكن أخرى تظهر رد المستدرَك عليه كاملًا. أما ظهور المستدرَك عليه في هذه القنوات فهو من باب تقريره باستدراكات المستدرك -والله المستعان-.\n(٢) يُنظر: الجدل على طريقة الفقهاء (ص: ٢).\n(٣) يُنظر: الواضح في أصول الفقه (١/ ٥٢٦).\n(٤) البادرة: الحدة، وهو ما يَبْدُرُ من حِدَّةِ الرجل عند غضبه من قول أو فعل، وبَدَرَتْ منه بوادر غضب: أي خطأ وسَقَطات عندما احتدَّ، والبادرة من الكلام: التي تسبق من الإنسان في الغضب. يُنظر: لسان العرب (٢/ ٣٦)؛ القاموس المحيط (ص: ٣٤٧) مادة: (بدر).","vol":"1","page":834},{"text":"من الذُّلِّ والركاكةِ (١) وانخِساس (٢) النفس\" (٣).\nفإن بدا من خصمه في استدراكه كلمة كرهها؛ أغضى عليها ولم يجازه بمثلها؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦]. (٤)\n_________\n(١) الركاكة: الضعف. يُنظر: الصحاح (ص: ٤٢٥)؛ القاموس المحيط (ص: ٩٤١)، مادة: (ركك).\n(٢) أي: جعلها خسيسة دنيئة حقيرة. يُنظر: لسان العرب (٥/ ٦٦)؛ القاموس المحيط (ص: ٥٤١) مادة: (خسس).\n(٣) يُنظر: الواضح في أصول الفقه (١/ ٥٢١).\n(٤) يُنظر: الفقيه والمتفقه (٢/ ٥٢).","vol":"1","page":835},{"text":"الخاتمة","vol":"1","page":836},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>الخاتمة</span>\n- نسأل الله حسنها -\nوبعد هذه الجولة العلمية الممتعة في كتب أصول الفقه وغيره من العلوم، والتي استمرت لمدة عامين، واصلتُ الليل فيها بالنهار، وأتبعتُ المساء بالصباح، وصحبتُ فيها عددًا من الأئمة الأعلام، نهلتُ من معين علمهم، وقطفتُ من ثمار فكرهم.\nوقبل أن أحط الرحل، وأضع القلم، يحسنُ أن أذكر خاتمة لهذا البحث المتواضع، ألخص فيها عددًا من نتائجه، وأشير إلى آفاقه؛ حيث اشتمل البحث على خمسين تعريفًا، وأحد عشر تنبيهًا - لم أر من سبقني للكتابة فيها في علم الأصول-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>وأما أهم نتائج البحث فهي:</span>\n١ - الاستدراك الأصولي يأتي من \"درك\" المتعدية؛ وليست اللازمة.\n٢ - ترجح لدي أن أقرب المعاني اللغوية لمصطلح (الاستدراك) هو: التعقيب.\n٣ - المخالفة في الاستدراك قد تكون كلية، أو جزئية، أو صورية.\n٤ - مورد الاستدراك على محل واحد، أما لو تغير فهو زيادة؛ لا استدراك.\n٥ - كل نقد استدراك، وليس العكس.\n٦ - ترجح لدي أن موضوع \"الاستدراك الأصولي\": هو ما يذكره الأصوليون في مصنفاتهم الأصولية من ألفاظ ومعانٍ، وما يعرض لها من جهة إكمال نقص، أو دفع وهم، أو تصحيح خطأ، أو نقد، أو توجيه لأولى.\n٧ - حكم الاستدراك الأصولي: فرض كفاية.\n٨ - الاستدراك الأصولي أصول فقه خاص، فالعلاقة بينه وبين أصول الفقه علاقة اللازم والملزوم.","vol":"1","page":837},{"text":"٩ - \" شرح أسئلة القاضي سراج الدين\" لمحمد بن يوسف الجزري هو أول تصنيف مستقل للاستدراك الأصولي التطبيقي.\n١٠ - نشط الأصوليون في المجال التطبيقي للاستدراكات؛ إلا أن الجانب النظري لم يدرس قبل هذا البحث.\n١١ - شروط المستدرِك هي ذاتها شروط المجتهد؛ لأن الاستدراك نوع من الاجتهاد أو الخلاف.\n١٢ - لا تلزم الشروط التي يذكرها الأصوليون في باب الاجتهاد في كل استدراك، والذي يضبط ذلك موضوع الاستدراك وطبيعته.\n١٣ - تنقسم الشروط التي يجب توفرها في المستدرِك إلى شروط قبول، وشروط صحة.\n١٤ - لا يستدرك إلا من جمع الآلة التي له الاستدراك بها.\n١٥ - الآلات العامة تشترط في جميع الاستدراكات؛ وهي: العلم بأصول الفقه، والعلم باللغة العربية.\n١٦ - الآلات الخاصة تشترط في بعض الاستدراكات؛ لا جميعها.\n١٧ - يشترط لاستدراك نقد إضعاف دليل الخصم أن يكون الدليل الملزم به مُسلمًا عند الخصم.\n١٨ - يشترط لاستدراك نقد إضعاف دليل الخصم أن يكون نقض الدليل بأصل المستدرَك عليه.\n١٩ - لا يشترط في الاستدراك الأصولي كون المستدرِك أعلم من المستدرَك عليه.\n٢٠ - لا يشترط في استدراك إلزام الخصم أن يكون المستدرِك مُسلِّمًا بالمستدرَك به.\n٢١ - الاستدراك على الأدلة يكون من جهتين: كون الأدلة في غير محل النزاع، أو ضعفها.","vol":"1","page":838},{"text":"٢٢ - التكميل في الاستدراك يكون من وجهين: تكميل كمية، أو كيفية.\n٢٣ - تكميل الحذف يتعلق بالألفاظ، وأما تكميل الاختصار فيرجع إلى المعاني.\n٢٤ - كل تكميل حذف تكميل اختصار؛ وليس العكس.\n٢٥ - كل تحرير ارتبط بعمل سابق فهو استدراك، والعكس بالعكس.\n٢٦ - الاستدراك الأصولي يكون على الموافق والمخالف في المذهب العقدي والفقهي.\n٢٧ - أقسام الاستدراك الأصولي ليست مختلفة اختلافَ تضادٍّ وتناقضٍ؛ بل اختلاف تنوع.\n٢٨ - ترجح لدي أن تصنيف الإمام الشافعي للرسالة المصرية كان بعد سنة مائتين.\n٢٩ - نشأت الاستدراكات الأصولية مع نشأة الأصول.\n٣٠ - استدراك الجمهور على الحنفية يرجع إلى الاختلاف بينهما في طريقة تصنيف علم أصول الفقه.\n٣١ - يمكن أن يشمل الاستدراك الواحد أكثر من صيغة استدراكية.\n٣٢ - للاستدراك الأصولي آثار إيجابية ساعدت في توليد موضوعات جديدة، كما ساعدت في تصحيح وتنقيح علم أصول الفقه؛ بل كان الاستدراك سببًا في التصنيف. وفي المقابل أيضًا كان له أثر سلبي أورث تعقيدًا في المسائل الأصولية، وأخرجها عن المقصود.\n٣٣ - الاستدراك الأصولي ليس اعتباطيًا؛ بل له أسبابه ومعاييره.\n٣٤ - الاستدراك العلمي يعتبر اجتهادًا لابدَّ من اعتباره بالقواعد والأصول.","vol":"1","page":839},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>آفاق البحث وتوصياته:</span>\nالاستدراك العلمي ينمي ملكة الطالب، ويقوي نظر الباحث؛ ومن هنا أوصي بالآتي:\n١ - تعزيز قيمة الاستدراك لدى طالب العلم، وبيان أن الباحث الناقد خير من الباحث الناقل، مع التنبيه على التخلق بآداب الاستدراك.\n٢ - وضع مقرر للدراسات العليا تخصص أصول الفقه باسم \"الاستدراك الأصولي\" يُدَرَّسُ فيه المبادئ العشرة للاستدراك، وأقسامه، وآدابه، ومسائل تحليلية للتطبيق عليها، يوضح فيها أركان الاستدراك، وسببه، ومادته، وصيغته.\n٣ - توجيه البحوث الأكاديمية لبيان الاستدراكات الأصولية، فهي مجال تطبيق مهم؛ ومن هذه الدراسات التي يمكن أن تطرح كمشاريع لمرحلة الماجستير، أو بحث لمرحلة الدكتوراه:\n(١) - استدراكات الأبياري على الجويني.\n(٢) - استدراكات ابن رشيق على الغزالي.\n(٣) - استدراكات الطوفي على ابن قدامة.\n(٤) - استدراكات شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوي على الرازي.\n(٥) - استدراكات آل تيمية في المسودة.\n(٦) - استدراكات المطيعي على الإسنوي.\n(٧) - الاستدراك في المصنفات الأصولية بالقواعد الأصولية.\n(٨) - الاستدراك في المصنفات الأصولية بالأدلة النقلية، ويمكن أن يقسم إلى:\n- الاستدراك في المصنفات الأصولية بأدلة الكتاب والسنة.\n- الاستدراك في المصنفات الأصولية بإجماع الصحابة وأقوالهم وأفعالهم.","vol":"1","page":840},{"text":"(٩) - الاستدراك في المصنفات الأصولية بالأدلة العقلية.\n(١٠) - الاستدراك في المصنفات الأصولية بقوادح العلة، ويمكن أن يقسم بحسب القوادح؛ فيقال مثلا:\n- الاستدراك في المصنفات الأصولية بقادح (فساد الاعتبار).\n- الاستدراك في المصنفات الأصولية بقادح (المنع).\n- الاستدراك في المصنفات الأصولية بقادح (التقسيم).\n- الاستدراك في المصنفات الأصولية بقادح (المطالبة).\n- الاستدراك في المصنفات الأصولية بقادح (النقض).\n- الاستدراك في المصنفات الأصولية بقادح (القلب).\n- الاستدراك في المصنفات الأصولية بقادح (المعارضة).\n- الاستدراك في المصنفات الأصولية بقادح (القول بالمُوجَب).\n- الاستدراك في المصنفات الأصولية بقادح (الفرق).\n(١١) - الاستدراك في المصنفات الأصولية بالعلوم المختلفة، ويمكن أن يقسم بحسب العلوم:\n- الاستدراك في المصنفات الأصولية بعلم الكلام.\n- الاستدراك في المصنفات الأصولية بعلوم القرآن.\n- الاستدراك في المصنفات الأصولية بعلم مصطلح الحديث.\n- الاستدراك في المصنفات الأصولية بعلوم اللغة العربية.\n- الاستدراك في المصنفات الأصولية بعلم المنطق\n- الاستدراك في المصنفات الأصولية بالقواعد الفقهية.\n(١٢) - الأسئلة التي أوردها القرافي على المحصول جمعًا ودراسة.\n(١٣) - تنبيهات القرافي في النفائس جمعًا ودراسة.","vol":"1","page":841},{"text":"(١٤) - تنبيهات الزركشي في البحر المحيط جمعًا ودراسة.\n(١٥) - فوائد القرافي في النفائس جمعًا ودراسة.\n(١٦) - فوائد الزركشي في البحر المحيط جمعًا ودراسة.\n(١٧) - تأملات القاسم العبادي في الآيات البينات جمعًا ودراسة.\n(١٨) - كما يمكن دراسة الاستدراكات الأصولية في فترة زمنية محددة؛ فيقال مثلًا: الاستدراكات الأصولية في القرن السابع.\nهذا ما يسر الله جمعه، والدلالة عليه، ولا أدعي أني بمنجى من العثرات، ولا في مأمن من الزلات، وحسبي أني شاركت ببحث جديد من نوعه في علم الأصول، وبذلت فيه ما أستطيع، فما كان فيه من صوابٍ فمن فضل الله علي، وما كان على غير ذلك فمني ومن الشيطان وأستغفر الله منه.\nوإني لأرجو الله أن يُيسِّر لي العودة إليه، مراجعته مراتٍ عديدة؛ لإصلاح ما قصَّرتُ فيه، ولعلي لا أعدم من القارئ نصيحة صادقة؛ فالمرء ضعيف بنفسه، قويٌّ بإخوانه.\nوَإِنْ كَان خَرْقٌ فادَّرِكْهُ بِفَضْلَةٍ ... مِنْ الحِلْمِ وَلْيُصْلِحْهُ مَنْ جَادَ مِقْوَلا (١)\n\nوالحمد لله الذي تفضل بالإحسان، وأجزل العطايا الحسان،\nوأسبل من الغِطا، وأسبغ من العَطاء.\n* وصلى الله وسلم على نبيِّنا المختار، وعلى آله وصحبه الأخيار *\n_________\n(١) من متن الشاطبية المسمى \" حرز الأماني ووجه التهاني \" للقاسم بن فِيْرُّه الشاطبي (ت: ٥٩٠ هـ). يُنظر: متن الشاطبية (ص: ٧).","vol":"1","page":842},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>ثبت<span data-type=\"title\" id=toc-353> ا</span>لمصادر والمراجع</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-352> القرآن الكريم (جل منزله وعلا)</span>.\n(أ)\n(١) الإبانة عن معاني القراءات. مكي بن أبي طالب حَموش القيسي. تحقيق: د. عبدالفتاح إسماعيل شلبي. ن: دار نهضة مصر للطباع والنشر. القاهرة. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٢) أبجد العلوم. لصديق بن حسن القنوجي. تحقيق: عبدالجبار زكار. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٩٧٨ م.\n(٣) الإبهاج شرج المنهاج. شيخ الإسلام. علي بن عبدالكافي السبكي. وولده تاج الدين. عبدالوهاب بن علي السبكي. تحقيق: د. أحمد جمال الزمزي. د. نور الدين عبدالحبار صغيري. ن: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث. دبي- الإمارات العربية المتحدة. ط: الأولى. ١٤٢٤ هـ-٢٠٠٤ م.- وهي المرادة عند الإطلاق - ... ونسخة أخرى. بتحقيق د. شعبان محمد إسماعيل. ن: مكتبة الكليات الأزهرية. القاهرة- مصر. ط: الأولى. ١٤٠١ هـ-١٩٨١ م.\n(٤) إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر في أصول الفقه على مذهب للإمام أحمد ابن حنبل. أ. د. عبدالكريم بن علي النملة. ن: مكتبة رشد. الرياض- السعودية. ط: الخامسة. ١٤٢٩ هـ-٢٠٠٨ م.\n(٥) الإتقان في علوم القرآن. للحافظ جلال الدين عبدالرحمن السيوطي. تحقيق: مركز الدراسات القرآنية. ن: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف. المدينة المنورة- السعودية. ط: [بدون]. ١٤٢٦ هـ.\n(٦) الإحاطة في أخبار غرناطة. أبو عبدالله بن سعد بن أحمد السلماني. تحقيق: د. يوسف بن علي طويل. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٢٤ هـ-٢٠٠٣ م.","vol":"1","page":894},{"text":"(٧) الأحكام السلطانية والولايات الدينية. علي بن محمد الماوردي. ن: شركة ومطبعة مصطفى البابي. مصر. ط: الثالثة. ١٣٩٣ هـ. ... الأحكام السلطانية. للقاضي أبي يعلى الحنبلي. تحقيق: محمد حامد الفقي. ن: دار الكتب العلمية. بيروت. ط: الثالثة. ٢٠٠٠ م. ... إحكام الفصول في أحكام الأصول. أبو الوليد الباجي. تحقيق: عبدالمجيد تركي. ن: دار الغرب الإسلامي. تونس. ط: الثانية. ١٤١٥ هـ-١٩٩٥ م.\n(٨) الإحكام في أصول الأحكام. سيف الدين علي بن محمد الآمدي. علق عليه الشيخ: عبدالرزاق عفيفي. ن: دار العصيمي للنشر والتوزيع. الرياض- السعودية. ط: الأولى. ١٤٢٤ هـ-٢٠٠٣ م.\n(٩) الإحكام في أصول الأحكام. أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي. ن: دار الحديث. القاهرة. ط: الأولى. ١٤٠٤ هـ.\n(١٠) أحكام القرآن. أبو بكر محمد بن عبدالله المعروف بابن العربي. تحقيق: عبدالرزاق المهدي. ن: دار الكتاب العربي. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٢٥ هـ-٢٠٠٤ م\n(١١) إحكام القرآن. أبو بكر أحمد بن علي الجصاص. تحقيق: محمد الصادق قمحاوي. ن: دار إحياء التراث العربي. يروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٤٠٥ هـ.\n(١٢) إحياء علوم الدين للغزالي. أبو حامد محمد بن محمد الغزالي. ن: دار المعرفة. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٣) أخبار أبي حنيفة وأصحابه. أبو عبدالله حسين بن علي الصميري. ن: عالم الكتب. بيروت- لبنان. ط: الثانية. ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م.\n(١٤) أخبار القضاة. محمد بن خلف بن حيان المعروف بوكيع. ن: عالم الكتب. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٥) الاختيار لتعليل المختار. عبدالله بن مودود الموصلي الحنفي. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الثالثة. ١٤٢٦ هـ-٢٠٠٥ م.","vol":"1","page":895},{"text":"(١٦) آداب البحث والمناظرة. الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي. تحقيق: سعود بن عبدالعزيز العريفي. إشراف: بكر بن عبدالله أبو زيد. ن: دار عالم الفوائد. مطبوعات مجمع الفقه الإسلامي. بجدة. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٧) آداب الشافعي ومناقبه. أبو محمد بن أبي حاتم الرازي. تحقيق: عبدالغني بن عبدالخالق. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. سنة نشر: [بدون].\n(١٨) أدب المفتي والمستفتي. أبو عمر عثمان بن عبدالرحمن بن عثمان الشهرزوي. تحقيق: د. موفق عبدالله عبدالقادر. ن: مكتبة العلوم والحكم. عالم الكتب. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٠٧ هـ.\n(١٩) أسد الغابة في معرفة الصحابة. أبو الحسن عز الدين علي بن أبي الكرم محمد بن عبدالكريم الشيباني المعروف بابن الأثير. تحقيق: عادل أحمد الرفاعي. ن: دار إحياء التراث العربي. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤١٧ هـ-١٩٩٦ م.\n(٢٠) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول. محمد بن علي الشوكاني. تحقيق: شعبان محمد إسماعيل. ن: دار الكتبي. ومطبعة المدني. مصر. ط: الأولى. ١٤١٣ هـ-١٩٩٢ م.\n(٢١) إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل. محمد ناصر الدين الألباني. إشراف: محمد زهير الشاويش. ن: المكتب الإسلامي. بيروت. ودمشق. ط: الثانية. ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م.\n(٢٢) أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض. شهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني. تحقيق: مصطفى السقا، وإبراهيم الأبياري، وعبدالحفيظ شلبي. ن: لجنة التأليف والترجمة والنشر. القاهرة. ط: الأولى. ١٩٤٢ م.\n(٢٣) أساس البلاغة. أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي الزمخشري. ن: دار الفكر. بيروت. ط: [بدون]. ١٣٩٩ هـ- ١٩٧٩ م.","vol":"1","page":896},{"text":"(٢٤) استدراكات ابن عاشور على الرازي والبيضاوي وأبي حيان في تفسيره التنوير والتحرير دراسة نظرية تطبيقية. رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في التفسير وعلوم القرآن. من جامعة أم القرى بمكة المكرمة. إعداد الطالب: أحمد بن محمد قاسم مذكور. إشراف: أ. د. عبدالعزيز عزت الوايلي. العام: ١٤٣٢ هـ-٢٠١١ م.\n(٢٥) استدراكات أبي شامة في إبراز المعاني على الإمام الشاطبي في \"أبواب الأصول\" من حرز الأماني جمعًا ودراسة. إعداد: أحمد بن علي بن عبدالله السديس. مجلة جامعة أم القرى. العدد (٤٥).\n(٢٦) استدراكات الإمام القرطبي على ابن العربي في التفسير في كتابه \"الجامع لأحكام القرآن\". رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الماجستير في التفسير وعلوم القرآن. من جامعة أم القرى بمكة المكرمة. إعداد الطالب: محمد بن علي فرحان. إشراف: أ. د. عبدالعزيز بن عزت الوابلي. العام: ١٤٣١ هـ-٢٠١٠ م.\n(٢٧) استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى دراسة نقدية مقارنة. نايف بن سعيد بن جمعان الزهراني. ن: دار ابن الجوزي. الدمام- السعودية. ط: الأولى. ١٤٣٠ هـ.\n(٢٨) استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن. د. سليمان بن صالح آل ثنيان. ن: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية. المدينة المنورة. ط: الأولى. ١٤٢٩ هـ-٢٠٠٨ م.\n(٢٩) الاستدراك الفقهي تأصيلًا وتطبيقًا. مجمول بنت أحمد الجدعاني. ن: الملتقى العلمي للنشر والتوزيع. مكة المكرمة- السعودية. ط: الأولى. ١٤٣٥ هـ-٢٠١٤ م.\n(٣٠) أسرار البلاغة. أبو بكر عبدالقادر بن عبدالرحمن بن محمد الجرجاني. تحقيق: محمود محمد شاكر. ن: دار المدني. جدة- السعودية. ط: [بدون]. ١٤١٢ هـ-١٩٩١ م.\n(٣١) استقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى. أبو العباس أحمد بن خالد بن محمد الناصري. تحقيق: جعفر الناصري. ومحمد الناصري. ن: دار الكتاب. الدار البيضاء- المغرب. ط: [بدون]. ١٤١٨ هـ-١٩٩٧ م.","vol":"1","page":897},{"text":"(٣٢) الاستيعاب في أسماء الأصحاب. أبو عمر يوسف بن عبدالبر القرطبي. مطبوع مع الإصابة.\n(٣٣) الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان. زين العابدين بن إبراهيم بن نجيم. ن: الكتب العلمية. بيروت. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٣٤) الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية. جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي. ن: دار الكتب العلمية. بيروت. ط: الأولى. ١٤٠٣ هـ.\n(٣٥) الإصابة في تمييز الصحابة. أبو الفضل شهاب الدين أحمد العسقلاني المعروف بابن حجر. تحقيق: علي محمد البجاوي. ن: دار الجيل. بيروت. ط: الأولى. ١٤١٢ هـ-١٩٩٢.\n(٣٦) أصول البزدوي. لعلي بن محمد بن الحسين البزدوي. مطبوع مع كشف الأسرار للبخاري.\n(٣٧) أصول الحديث - علومه ومصطلحه-. د. محمد عجاج الخطيب. ن: دار المنار للنشر والتوزيع. جدة/مكة. ط: السادسة. ١٤١٤ هـ-١٩٩٤ م.\n(٣٨) أصول السرخسي. أبو بكر أحمد بن أبي سهل السرخسي. حقق أصوله: أبو الوفاء الأفغاني. ن: دار الكتب العلمية. بيروت-لبنان. ط: الأولى. ١٤١٤ هـ-١٩٩٣ م.\n(٣٩) أصول الفقه. د. محمد بن زكريا البرديسي. ن: المكتبة الفيصلية. مكة المكرمة. ط: الرابعة. ١٤٢٧ هـ-٢٠٠٦ م.\n(٤٠) أصول الفقه. شمس الدين. محمد بن مفلح المقدسي. تحقيق: فهد بن محمد السدحان. ن: مكتبة العبيكان. الرياض- السعودية. ط: الأولى. ١٤٢٠ هـ-١٩٩٩ م.\n(٤١) أصول الفقه. محمد أبو النور زهير. ن: المكتبة الأزهرية للتراث، مكان النشر: [بدون]، ط: [بدون]، سنة الشر: [بدون].\n(٤٢) أصول الفقه تاريخه ورجاله. د. شعبان محمد إسماعيل. ن: دار المريخ. الرياض- السعودية. ط: الأولى. ١٤٠١ هـ-١٩٨١ م.","vol":"1","page":898},{"text":"(٤٣) أصول الفقه الميسر. د. شعبان محمد إسماعيل. ن: دار الكتاب الجامعي. القاهرة- مصر. ط: الأولى. ١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م.\n(٤٤) إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة. أبو العباس أحمد بن محمد المقري. مطبوع مع رائحة الجنة شرح إضاءة الدجنة. للشيخ عبدالغني بن اسماعيل النابلسي. تعليق وتخريج: أحمد فريد المزيدي. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٤٥) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن. لمحمد الأمين مختار الشنقيطي. طبعة مصححة اعتنى بها صلاح الدين العلايلي. ن: دار إحياء التراث العربي. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤١٧ هـ.\n(٤٦) أقرب الموارد في فصيح العربية والشوارد. سعيد الخوري الشرتوني اللبناني. ن: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي. قم- إيران. ط: [بدون]. ٢٠٠٢ م.\n(٤٧) الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع .. محمد الشربيني الخطيب. ن: دار الفكر. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٤١٥ هـ.\n(٤٨) الأقوال الأصولية للكرخي. د. حسين بن خلف الجبوري. ن: مطبعة الصفا. مكة المكرمة. ط: الأولى. ١٤٠٩ هـ -١٩٨٩ م.\n(٤٩) إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين بشرح قرة العين بمهام الدين. أبو بكر. المشهور بالسيد محمد شطا الدمياطي. ن: دار الفكر. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٥٠) الأعلام - قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين-. خير الدين الزركلي. ن: دار العلم للملايين. ط: الأولى ٥. بيروت- لبنان. ٢٠٠٢ م.\n(٥١) الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام. العباس بن إبراهيم السملالي. راجعه: عبدالوهاب بن منصور. ن: المطبعة المكية. الرباط. ط: الثانية. ١٤١٣ هـ.","vol":"1","page":899},{"text":"(٥٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين. أبو عبدالله شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية. تحقيق: طه عبدالرؤوف سعد. ن: طبعة الجيل. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٩٧٣ هـ.\n(٥٣) اكتفاء القنوع بما هو مطبوع. أدورد فنديك. ن: دار صادر. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٨٩٦ م.\n(٥٤) الإلزام دراسة نظرية وتطبيقية -من خلال الزامات ابن حزم للفقهاء-. رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الماجستير في الفقه. من جامعة أم القرى بمكة المكرمة. إعداد الطالب: فؤاد بن يحيى بن عبدالله بن هاشم. إشراف: أ. د. عبدالله بن حمد الغطيمل. للعام الدراسي: ١٤٢٨ - ١٤٢٩ هـ.\n(٥٥) الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقيد السماع. للقاضي عياض بن موسى اليحصبي. تحقيق: السيد أحمد صقر. ن: دار الكتاب. القاهرة / المكتبة العتيقة. تونس. ط: الأولى. ١٣٧٩ هـ-١٩٧٠ م.\n(٥٦) الأم. أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي. أشرف على طبعه وباشر في تصحيحه: محمد زهري النجار. ن: دار المعرفة. بيروت-لبنان. ط: الثانية. ١٣٩٣ هـ-١٩٧٣ م.\n(٥٧) الإمام الشيرازي: حياته وآراؤه الأصولية. د. محمد حسين هيتو. دار الفكر. بيروت-لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٥٨) الإمام محمد بن الحسن الشيباني نابغة الفقه الإسلامي. د. علي أحمد الندوي. ن: دار القلم. مكان النشر: [بدون]. ط: الأولى. ١٤١٤ هـ-١٩٩٤ م.\n(٥٩) إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات. أبو البقاء عبدالله بن الحسين العبكري. تحقيق: إبراهيم عطوة عوض. ن: المكتبة العلمية. باكستان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٦٠) الانتقاء في فضائل الأئمة الفقهاء. أبو عمر يوسف بن عبدالبر النمري القرطبي. ن: دار الكتب العلمية. بيروت. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٦١) الأنساب. أبو سعيد عبدالكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني. تحقيق: عبدالله عمر البارودي. ن: دار الفكر.: بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٩٩٨ م.","vol":"1","page":900},{"text":"(٦٢) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذه<span data-type=\"title\" id=toc-354>ب </span>الإمام المبجل أحمد بن حنبل. أبو الحسن علاء الدين علي بن سليمان المرداوي الحنبلي. تصحيح وتعليق: محمد حامد الفقي. ن: دار إحياء التراث العربي. بيروت- لبنان. ط: الثانية. ١٤٠٦ هـ-١٩٨٩ م.\n(٦٣) أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء. قاسم القونوي. تحقيق: د. أحمد بن عبدالرزاق الكبيسي. ن: دار الوفاء للنشر والتوزيع. جدة. ط: الأولى. ١٤٠٦ هـ-١٩٨٨ م.\n(٦٤) إيضاح المبهم من معاني السلم في المنطق. الشيخ أحمد دمنهوري. ن: شركة ومكتبة ومطبعة مصطفى البابي وأولاده. مصر. ط: الأخيرة. ١٣٦٧ هـ-١٩٤٨ م.\n(٦٥) الإيضاح في علل النحو. أبو القاسم الزجاجي. تحقيق: د. مازن المبارك. ن: دار النفائس. بيروت. ط: الثالثة. ١٣٩٩ هـ-١٩٧٩ م.\n(٦٦) إيضاح المحصول من برهان الأصول. أبو عبدالله. محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري. دراسة وتحقيق: أ. د. عمار الطالبي. ن: دار الغرب الإسلامي. ط: الأولى. ٢٠٠١ م.\n(٦٧) إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون. إسماعيل باشا البغدادي. مطبوع بذيل كشف الظنون.\n\n(ب)\n(٦٨) البحث النحوي عند الأصوليين. د. مصطفى جمال الدين. ن: دار الهجرة. ايران-قُم. ط: الثانية. ١٤٠٥ هـ\n(٦٩) البحر الرائق في شرح كنز الدقائق. زين الدين الشهير بابن نجيم. ن: دار المعرفة. بيروت. ط: الثانية. سنة النشر: [بدون].\n(٧٠) البحر المحيط في أصول الفقه. بدر الدين. محمد بن بهادر. قام بتحريره: الشيخ: عبدالقادر العاني. وراجعه: د. عمر الأشقر. ن: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. الكويت. ط: الثانية. ١٤١٣ هـ-١٩٩٢ م.","vol":"1","page":901},{"text":"(٧١) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع. أبو بكر علاء الدين الكاساني الحنفي. دار الكتاب العربي. بيروت-لبنان. ط: الثانية. ١٩٨٢\n(٧٢) بداية المجتهد ونهاية المقتصد. أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي. تحقيق: ماجد الحمودي. ن: دار ابن حزم.: بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤١٦ هـ-١٩٩٥ م.\n(٧٣) البداية والنهاية. أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير. ن: مكتبة المعارف. مكان النشر: بيروت. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٧٤) البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع. محمد بن علي الشوكاني. ن: دار المعرفة. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٧٥) البرهان في أصول الفقه. إمام الحرمين أبي المعالي عبدالملك بن عبدالله الجويني. تحقيق: د. عبدالعظيم الديب. ن: مطابع الدوحة- قطر. ط: الأولى. ١٣٩٩ هـ.\n(٧٦) البرهان في علوم القرآن. لبدر الدين محمد بن عبدالله الزركشي. تحقيق: محمد أبي فضل إبراهيم. ن: دار المعرفة. بيروت-لبنان. ط ٢. ١٣٩١ - ١٩٧٣ م\n(٧٧) البديع. لعبدالله بن المعتز. اعتنى بنشره وتعليق المقدمة والفهارس عليه: اغناطيوس كراتشقوفسكي. لندن. ن: [بدون]. ط: [بدون]. ١٩٣٥ م.\n(٧٨) بديع القرآن. لابن أبي أصبغ المصري. تحقيق: حفني محمد شرف. ن: نهضة مصر للطباعة والنشر. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٧٩) بديع النظام - الجامع بين كتاب البزدوي والإحكام-. أحمد بن علي تغلب الساعاتي. دراسة وتحقيق: سعد بن غرير بن مهدي السلمي. ن: معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي. مكة المكرمة. ١٤١٨ هـ.\n(٨٠) بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة. جلال الدين عبدالرحمن السيوطي. ن: المكتبة العصرية. صيدا- لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٨١) البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة. محمد بن يعقوب الفيروزآبادي. تحقيق: محمد المصري. ن: جمعية إحياء التراث الإسلامي. الكويت. ط: الأولى. ١٤٠٧ هـ.","vol":"1","page":902},{"text":"(٨٢) البيان وال<span data-type=\"title\" id=toc-355>ت</span>بيان. للجاحظ. تحقيق: فوزي عطوي. ن: دار صعب. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٨٣) البيان والتحصيل والشروح والتوجيه والتعليل في المسائل المستخرجة. أبو الوليد ابن رشد القرطبي. ن: دار الغرب الإسلامي، بيروت- لبنان، ط: الثانية، ١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م.\n(٨٤) بيان السبب الموجب لاختلاف القراءات وكثرة الطرق والروايات. أبو العباس. أحمد بن عمار المهدوي. تحقيق: الدكتور حاتم الضامن. منشور في مجلة معهد المخطوطات العربية. العدد التاسع والعشرون. رمضان ١٤٠٥ هـ.\n(٨٥) بيان المختصر-شرح مختصر ابن الحاجب-. شمس الدين أبي الثناء محمود بن عبدالرحمن الأصفهاني. تحقيق: د. محمد مظهر بقا. ن: مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية. مكة المكرمة. ط: الأولى. ١٤٠٦ هـ -١٩٨٦ م.\n\n(ت)\n(٨٦) تاج التراجم. أبو الفداء زين الدين. قاسم بن قُطلُوبُغا السودوني. حققه وقدم له: محمد خير رمضان يوسف. ن: دار القلم. دمشق. ط: الأولى. ١٤١٣ هـ- ١٩٩٢ م.\n(٨٧) تاريخ ابن خلدون، ابن خلدون، مطبوع مع مقدمته.\n(٨٨) تاريخ أصبهان. أبو نعيم أحمد بن عبدالله بن مهران الأصبهاني. تحقيق: سيد كسروي حسن. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤١٠ هـ-١٩٩٠ م.\n(٨٩) تاريخ الأدب العربي. كارل بروكلمان. الإشراف على الترجمة العربية: أ. د. محمود فهمي حجازي. ن: الهيئة المصرية العامة للكتاب. مصر. ط: [بدون]. ١٩٩٣ م.\n(٩٠) تاريخ الإسلام. شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي. تحقيق: د. عمر عبدالسلام تدمري. ن: دار الكتاب العربي. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٠٧ هـ-١٩٨٧ م.","vol":"1","page":903},{"text":"(٩١) تاريخ بغداد. الحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان .. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٩٢) التاريخ الكبير. أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري. تحقيق: السيد هاشم الندوي. ن: دار الفكر. بيروت. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٩٣) تاريخ مدينة دمشق. أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله بن عبدالله الشافعي. تحقيق: محب الدين أبي سعيد عمر بن غرامة العمري. ن: دار الفكر. بيروت. ط: [بدون]. ١٩٩٥ م.\n(٩٤) تاريخ مختصر الدول. أبو الفرج غريغوريوس الطيب المطلي المعروف بابن العبري. تحقيق: الأب أنطون صالحاني اليسوعي. ن: دار الرائد. ط: الثانية. ١٤١٥ هـ-١٩٩٤ م.\n(٩٥) تاج العروس من جواهر القاموس. محمد مرتضى الحسيني الزبيدي. تحقيق: جماعة بإشراف لجنة فنية بوزارة الإعلام. سلسلة التراث العربي. ن: مطبعة حكومة الكويت. وزارة الإعلام بالكويت. ط: [بدون]. ١٣٩٤ هـ-١٩٧٤ م.\n(٩٦) التبصرة في أصول الفقه. أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي. اعتنى به: د. ناجي السويد. ن: المكتبة العصرية. صيدا- بيروت. ط: الأولى. ١٤٣٢ هـ-٢٠١١ م.\n(٩٧) التبيان في إعراب القرآن. أبو البقاء عبدالله بن الحسين العكبري. تحقيق: علي محمد البجاوي. ن: عيسى البابي الحلبي وشركاه. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٩٨) التبيان في تفسير غريب القرآن. شهاب الدين أحمد بن محمد الهائم المصري. تحقيق: فتحي أنور الدابلوي. ن: دار الصحابة للتراث. طنطا - مصر. ط: الأولى. ١٤١٢ هـ-١٩٩٢ م.\n(٩٩) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق. فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي. ن: دار الكتب الإسلامي. القاهرة- مصر. ١٣١٣ هـ.\n(١٠٠) التجديد في أصول الفقه - دراسة وصفية نقدية-. د. شعبان محمد إسماعيل. مكتبة دار السلام بالقاهرة. والمكتبة المكية بمكة المكرمة. ط ١. ١٤٢٠ هـ-٢٠٠٠ م.","vol":"1","page":904},{"text":"(١٠١) التجديد والمجددون في أصول الفقه. عبدالسلام بن محمد بن عبدالكريم. ن: المكتبة الإسلامية. القاهرة. ط: الثالثة. ١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧ م.\n(١٠٢) التحبير شرح التحرير في أصول الفقه. علاء الدين. أبي الحسن. علي بن سليمان المرداوي. تحقيق: عبدالرحمن بن عبدالله الجبرين. ن: مكتبة الرشد. الرياض- السعودية. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٠٣) تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن. ابن أبي الأصبع المصري. تحقيق: د. حفني محمد شرف. ن: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية- لجنة إحياء التراث الإسلامي. القاهرة - مصر. ط: [بدون]. ١٣٨٣ هـ.\n(١٠٤) التحرير في أصول الفقه - الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية-.كمال الدين محمد بن عبدالواحد السيواسي الشهير بابن الهُمام. ن: مصطفى البابي الحلبي وأولاده. مصر. ط: [بدون]. ١٣٥١ هـ.\n(١٠٥) تحرير الفتاوى على التنبيه والمنهاج والحاوي. لأحمد بن عبدالرحيم أبي زرعة العراقي. تحقيق: د. حنان بنت عيسى الحازمي. ن: دار لينة للنشر والتوزيع. مصر. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٠٦) تحرير القواعد المنطقية شرح الرسالة الشمسية. قطب الدين محمود الرازي. ومعه حاشية على تحرير القواعد المنطقية للشريف الجرجاني. ن: طبعة مصطفى البابي الحلبي. مصر. ط: الثانية. ١٣٦٧ هـ -١٩٤٨ م.\n(١٠٧) التحرير والتنوير. محمد الطاهر بن عاشور. ن: دار سحنون للنشر والتوزيع. تونس. ط: [بدون]. ١٩٩٧ م.\n(١٠٨) التحصيل من المحصول. لسراج الدين. محمود بن أبي بكر الأرموي. تحقيق: د. عبدالحميد علي أبو زنيد. ن: مؤسسة الرسالة. ط: الأولى. ١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م.\n(١٠٩) تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب. أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير. تحقيق: عبدالغني بن حميد الكبيسي. ن: دار حراء. مكة المكرمة. ط: الأولى. ١٤٠٦ هـ.","vol":"1","page":905},{"text":"(١١٠) التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه. علي بن إسماعيل الأبياري. تحقيق: د. علي بن عبدالرحمن بسام الجزائري. ن: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية قطر، ودار الضياء للنشر والتوزيع الكويت. ط: الأولى. ١٤٣٤ هـ-٢٠١٣ م.\n(١١١) تخريج الأصول من الفروع. رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الماجستير في أصول الفقه. من جامعة أم القرى بمكة المكرمة. إعداد الطالب: عبدالوهاب بن عبدالله بن صالح الرسيني. إشرف الدكتور: محمد علي إبراهيم. عام ١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧ م.\n(١١٢) التخريج عند الفقهاء والأصوليين. الدكتور يعقوب بن عبدالوهاب الباحسين. ن: مكتبة الرشد، الرياض- السعودية، ١٤١٤ هـ.\n(١١٣) تخريج الفروع على الأصول. أبو المناقب شهاب الدين محمود الزنجاني. حققه وقدم له وعلق حواشيه: الدكتور محمد أديب الصالح. ن: العبيكان. الرياض. ط: الثانية. ١٤٢٧ هـ-٢٠٠٦ م.\n(١١٤) تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي. للحافظ جلال الدين عبدالرحمن السيوطي. اعتنى به: صابر بن فتحي بن إبراهيم. ن: دار ابن الهيثم. ط ١. ١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧ م.\n(١١٥) تذكرة الحفاظ. أبو عبدالله شمس الدين الذهبي. ن: دار الكتب العلمية. بيروت. ط: الأولى. سنة النشر: [بدون].\n(١١٦) تذكرة المحتاج إلى أحاديث المحتاج. ابن الملقن. تحقيق: حمدي عبدالمجيد السلفي. ن: المكتب الإسلامي. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٩٩٤ م.\n(١١٧) ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك. أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي. تحقيق: محمد سالم هاشم. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤١٨ هـ-١٩٩٨ م.\n(١١٨) ترجمة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي. جمع وتصنيف: عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس. ن: دار الهجرة. ط: الثانية. ١٤١٢ هـ.","vol":"1","page":906},{"text":"(١١٩) الترغيب والترهيب من أحاديث الشريف. عبدالعظيم بن عبدالقوي المنذري. تحقيق: إبراهيم شمس الدين. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤١٧ هـ.\n(١٢٠) تشنيف المسامع بجمع الجوامع لتاج الدين السبكي. لبدر الدين. محمد بن بهادر الزركشي. تحقيق: د. سيد عبدالعزيز. د. عبدالله ربيع. ن: مكتبة قرطبة للبحث العلمي وإحياء التراث القاهرة، المكتبة المكية مكة المكرمة. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٢١) تعجيل المنفعة. أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي. تحقيق: د. إكرام الله إمداد الحق. ن: دار الكتاب العربي. بيروت. ط: الأولى. سنة النشر: [بدون].\n(١٢٢) التعديل والترجيح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح. أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي. تحقيق: د. أبو لبابة حسين. ن: دار اللواء للنشر والتوزيع. الرياض- السعودية. ط: الأولى. ١٤٠٦ هـ-١٩٨٦ م\n(١٢٣) التعريفات. لعلي بن محمد بن علي المعروف بالشريف الجرجاني. تحقيق: إبراهيم اأبواري. ن: دار الكتاب العربي. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٠٥ هـ.\n(١٢٤) التعليقات السنية على الفوائد البهية. محمد عبدالحي اللكنوي. مطبوع مع الفوائد البهية.\n(١٢٥) تفسير البحر المحيط. محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي. تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبدالموجود، الشيخ علي محمد معوض. وشارك في التحقيق: د. زكريا عبدالمجيد النوقي، د. أحمد النجولي الجمل. ن: دار الكتب العلمية. بيروت-لبنان. ط: الأولى. ١٤٢٢ هـ-٢٠٠١ م.\n(١٢٦) تفسير البغوي. البغوي. تحقيق: خالد عبدالرحمن العك. ن: دار المعرفة. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].","vol":"1","page":907},{"text":"(١٢٧) تفسير الثعلبي (الكشف والبيان). أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي النيسابوري. تحقيق: أبو محمد بن عاشور. مراجعة وتدقيق الأستاذ: نظير الساعدي. ن: دار إحياء التراث العربي. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٢٢ هـ-٢٠٠٢ م.\n(١٢٨) تفسير ابن كثير. أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي. الناشر: دار الفكر. بيروت-لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: ١٤٠١ هـ.\n(١٢٩) تفسير مقاتل بن سليمان. أبو الحسين مقاتل بن سليمان الأزدي البلخي. تحقيق: أحمد فريد. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٢٤ هـ-٢٠٠٣ م.\n(١٣٠) تفسير البيضاوي. (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) للقاضي البيضاوي. مطبوع في هامش حاشية محي الدين شيخ زاده على تفسير البيضاوي. ن: دار صادر. بيروت. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٣١) تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان). عبدالرحمن بن ناصر السعدي. تحقيق: ابن عثيمين. ن: مؤسسة الرسالة. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٤٢١ هـ-٢٠٠٠ م.\n(١٣٢) تفسير السمرقندي (بحر العلوم). أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد السمرقندي. تحقيق: د. محمود مطرحي. ن: دار الفكر. بيروت - لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٣٣) تفسير السمعاني (تفسير القرآن). أبو المظفر منصور بن محمد بن عبدالجبار السمعاني. تحقيق: ياسر بن إبراهيم، وغنيم بن عباس غنيم. ن: دار الوطن، الرياض- السعودية. ط: الأولى. ١٤١٨ هـ-١٩٩٧ م.\n(١٣٤) تفسير الطبري. أبو جعفر محمد بن جرير الطبري. ن: دار الفكر. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٤٠٥ هـ.\n(١٣٥) التفسير الكبير (مفاتيح الغيب). فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٢١ هـ-٢٠٠٠ م.","vol":"1","page":908},{"text":"(١٣٦) تقريب الوصول إلى علم الأصول. أبو القاسم محمد بن أحمد بن جزي المالكي. تحقييق: د. محمد المختار بن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي. ن: [بدون]. المدينة المنورة. ط: الثانية. هـ ١٤٢٣ هـ-٢٠٠٢ م.\n(١٣٧) تقريب التدمرية. للشيخ محمد بن صالح العثيمين. ن: دار الوطن. الرياض. ط: الأولى. ١٤١٢ هـ.\n(١٣٨) تقريب التهذيب. أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. تحقيق: محمد عوامة. ن: دار الرشيد. سوريا. ط: الأولى. ١٤٠٦ هـ- ١٩٨٦ م.\n(١٣٩) تقريب الحصول على لطائف الأصول من علم الأصول للشيخ محمد بن صالح العثيمين. تأليف: أ. د. غازي بن مرشد العتيبي. ن: دار ابن الجوزي. الدمام-السعودية. ط: الأولى. ١٤٣١ هـ.\n(١٤٠) التقرير لأصول فخر الإسلام البزدوي. لأكمل الدين محمد بن محمود البابرتي. القسم الثالث من الكتاب (من باب البيان إلى نهاية أحوال المجتهدين) رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في أصول الفقه. من جامعة أم القرى بمكة المكرمة. إعداد الطالب: د. خلف محمد المحمد. إشرف: أحمد فهمي أبو سنة. عام: ١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م.\n(١٤١) التقرير والتحبير في علم الأصول الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية على تحرير الإمام الكمال بن الهمام. ابن أمير الحاج. ن: دار الفكر والتوزيع. بيروت - لبنان. ط: الأولى. ١٤١٧ هـ-١٩٩٦ م.\n(١٤٢) تقويم الأدلة في أصول الفقه. أبو زيد عبيد الله الدبوسي. تحقيق: خليل بن محيي الميس. ن: دار الكتب العلمية. ط ١. ١٤٢١ - ٢٠٠١ م.\n(١٤٣) التكملة لكتاب الصلة. أبو عبدالله محمد بن عبدالله القضاعي. ن: دار الفكر. بيروت-البنان. ١٤١٥ هـ-١٩٩٥. عبدالسلام الهراس.\n(١٤٤) التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير. أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. تحقيق: السيد عبدالله هاشم اليماني المدني. ن: [بدون]. المدينة المنورة. ط: [بدون]. ١٣٨٤ هـ-١٩٦٤ م.","vol":"1","page":909},{"text":"(١٤٥) التلخيص في أصول الفقه. لإمام الحرمين. أبي المعالي. عبدالملك بن عبدالله بن يوسف الجويني. تحقيق: د. عبدالله جولم النيبالي. شبير أحمد العمري. ن: دار البشائر الإسلامية. بيروت- لبنان. دار الباز. مكة المكرمة- السعودية. ط: الأولى. ١٤١٧ هـ-١٩٩٦ م.\n(١٤٦) تلخيص المحصول لتهذيب الأصول. نجم الدين أحمد بن أبي بكر بن محمد النقشواني. رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في أصول الفقه. من الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية. إعداد الطالب: صالح بن عبدالله الغنام. إشراف أـ. د. عمر بن عبدالعزيز محمد. العام: ١٤١٢ هـ-١٩٩٢ م.\n(١٤٧) التلقين. للقاضي أبو محمد عبدالوهاب بن علي بن نصر الثعلبي المالكي. تحقيق: محمد ثالث سعيد الغاني. ن: المكتبة التجارية. مكة المكرمة. ط: الأولى. ١٤١٥ هـ.\n(١٤٨) التمهيد في أصول الفقه. أبو الخطاب. محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني. تحقيق: د. مفيد محمد أبو عمشة. ن: مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية. مكة المكرمة. ط: الأولى. ١٤٠٦ هـ-١٩٨٥ م.\n(١٤٩) التمهيد في تخريج الفروع على الأصول. لجمال الدين. أبي محمد. عبدالرحيم بن الحسن الإسنوي. تحقيق: د. محمد حسن هيتو. ن: مؤسسة الرسالة. بيروت-لبنان. ط: الخامسة. ١٤٣٠ هـ-٢٠٠٩ م.\n(١٥٠) تنقيح الفصول. للشهاب الدين. أحمد بن إدريس القرافي. مطبوع مع شرح تنقيح الفصول.\n(١٥١) تنقيح تحقيق أحاديث التعليق. شمس الدين محمد بن أحمد بن عبدالهادي الحنبلي. تحقيق: أيمن صالح شعبان. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٩٨٨ م.\n(١٥٢) تنقيح محصول ابن الخطيب في أصول الفقه. لأمين الدين مظفر بن أبي الخير التبريزي. رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في أصول الفقه. من جامعة أم القرى بمكة المكرمة. إعداد الطالب: حمزة زهير حافظ. إشراف أـ. د. محمد شعبان حسين.","vol":"1","page":910},{"text":"(١٥٣) تهذيب الأسماء واللغات. محي الدين بن شرف النووي. ن: دار الفكر. بيروت- لبنان. ط: الأولى. سنة النشر: ١٩٩٦ م.\n(١٥٤) تهذيب التهذيب. أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. ن: دار الفكر. بيروت. ط: الأولى. سنة النشر: ١٤٠٤ هـ-١٩٨٤ م.\n(١٥٥) تهذيب الكمال في أسماء الرجال. الحافظ أبو الحجاج جمال الدين يوسف المزي. تحقيق: بشار عواد معروف. ن: مؤسسة الرسالة. بيروت- لبنان. ط: الأولى. سنة النشر: ١٤١٣ هـ-١٩٩٢ م. توزيع مكتبة المؤيد. الرياض.\n(١٥٦) تهذيب اللغة. أبو المنصور. محمد بن أحمد الأزهري. تحقيق: عبدالسلام محمد هارون. راجعه: محمد علي النجار. ن: المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر، الدار المصرية للتأليف والترجمة. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٥٧) تهذيب المسالك في نصرة مذهب مالك على منهج العدل والإنصاف في شرح مسائل الخلاف. أبو الحجاج يوسف بن دوناس الفندلاوي. تحقيق: أحمد بن محمد البوشيخي. ن: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. المملكة المغربية. ط: [بدون]. ١٤١٩ هـ-١٩٩٨ م.\n(١٥٨) التوضيح شرح التنقيح. لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المحبوبي. مطبوع مع شرح التلويح على التوضيح.\n(١٥٩) التوضيح في شرح التنقيح. أبو العباس. أحمد بن عبدالرحمن اليزليتني القروي. الشهير بحلولو. رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في أصول الفقه. من جامعة أم القرى بمكة المكرمة. إعداد الطالب: غازي بن مرشد بن خلف العتيبي. إشراف: أ. د. علي بن عباس الحكمي. عام: ١٤٢٥ هـ.\n(١٦٠) توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك. بدر الدين حسن بن قاسم المرادي المصري المالكي، تحقيق: عبد الرحمن علي سليمان. ن: دار الفكر العربي. ط: الأولى. ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٨ م.\n(١٦١) التوقيف على مهمات التعاريف. لمحمد عبدالرؤوف المناوي. تحقيق: محمد رضوان الدية. ن: دار الفكر المعاصر. ودار الفكر. بيروت. ودمشق. ط: الأولى. ١٤١٠ هـ.","vol":"1","page":911},{"text":"(١٦٢) تيسير التحرير. لمحمد أمين المعروف بأمير بادشاه. ن: دار الفكر. بيروت. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٦٣) تيسير مصطلح الحدي<span data-type=\"title\" id=toc-356>ث</span>. د. محمود الطحان. ن: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع. الرياض. ط: التاسعة. سنة النشر: ١٤١٧ هـ-١٩٩٦ م.\n(١٦٤) تيسير المقدمة المنطقية. الحارث بن سرا<span data-type=\"title\" id=toc-357>ج </span>الزهراني. ن: [بدون]. ط: الأولى. ١٤٣٠ هـ-٢٠٠٩ م.\n\n(ث)\n(١٦٥) الثقات. أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي. تحقيق: السيد شرف الدين أحمد. ن: دار الفكر. مكان النشر: [بدون]. ط: الأولى. ١٣٩٥ هـ-١٩٧٥ م.\n\n(ج)\n(١٦٦) الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي). أبو عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي. ن: دار الشعب. القاهرة. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٦٧) جامع الأصول من أحاديث الرسول - ﷺ -. أبو السعادات مبارك بن محمد الأثير الجرزي. ن: مكتبة الحلواني. مطبعة الملاح. مكتبة دار البيان. القاهرة. ط: الأولى. ١٣٩٢ هـ-١٩٧٢ م.\n(١٦٨) جامع الأمهات. (أو مختصر ابن الحاجب الفرعي). أبو عمرو جمال الدين بن عمر المعروف بابن الحاجب. ن: اليمامة للنشر والتوزيع. بيروت. ط: الأولى. ١٤١٩ هـ-١٩٩٨ م.\n(١٦٩) جامع بيان العلم وفضله. يوسف بن عبدالبر النمري. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٣٩٨ هـ.\n(١٧٠) جامع البيان في القراءات السبع. رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في الكتاب والسنة. من جامعة أم القرى بمكة المكرمة. تحقيق الطالب: عبدالمهيمن طحان. إشراف: أ. د. عبدالفتاح إسماعيل شلبي. عام ١٤٠٦ هـ.","vol":"1","page":912},{"text":"(١٧١) الجدل على طريقة الفقهاء. أبو الوفاء. علي بن عقيل البغدادي. ن: مكتبة الثقافة الدينية. بور سعيد. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٧٢) الجدل عند الأصوليين بين النظرية والتطبيق. مسعود فلوسي. ن: مكتبة الرشد. الرياض-السعودية. ط: الخامسة. ١٤١٧ هـ.\n(١٧٣) الجر<span data-type=\"title\" id=toc-358>ح </span>والتعديل. أبو محمد عبدالرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي. ن: دار إحياء التراث العربي. بيروت. ط: الأولى. ١٩٥٢ م.\n(١٧٤) جمع الجوامع. لتاج الدين. عبدالوهاب بن السبكي. مطبوع مع حاشية البناني.\n(١٧٥) الجنى الداني في حروف المعاني. لبدر الدين حسن المرادي المصري. تحقيق: فخر الدين قباوة. ومحمد نديم فاضل. ن: دار الكتب العلمية. بيروت. ط: الأولى. ١٤١٣ هـ-١٩٩٣ م.\n(١٧٦) الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية. لمحي الدين. أبي محمد. عبدالقادر بن محمد أبي الوفاء. تحقيق: د. عبدالفتاح محمد حلو. ن: هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان. الجيزة. ط: الثانية. ١٤١٣ هـ-١٩٩٣ م.\n(١٧٧) جوهر الكنز. لنجم الدين أحمد بن إسماعيل بن الأثير الحلبي. تحقيق: د. محمد زغلول سلام. ن: منشأة المعارف. الاسكندرية- مصر. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n\n(ح)\n(١٧٨) حاشيتا قليوبي وعميرة على شرح العلامة جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين؛ وهما: ... حاشية قليوبي: شهاب الدين أحمد بن أحمد بن سلامة القيلوبي. وحاشية عميرة: شهاب الدين أحمد البرلسي الملقب بعميرة. ن: دار الفكر. بيروت - لبنان. ط: الأولى. ١٤١٩ هـ-١٩٩٨ م.\n(١٧٩) حاشية ابن عابدين (حاشية رد المحتار). محمد الأمين الشهير بابن عابدين. تحقيق: عبدالمجيد طعمه حلبي. ن: دار المعرفة. بيروت-لبنان. ط: الأولى. ١٤٢٠ هـ-٢٠٠٠ م.","vol":"1","page":913},{"text":"(١٨٠) حاشية البجيرمي على شرح منهج الطلاب. لسليمان بن عمر البجيرمي. المكتبة الإسلامية. دار بكر- تركيا. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٨١) حاشية البناني على شرح الجلال شمس الدين محمد المحلي على متن جمع الجوامع. لعبدالرحمن بن جاد الله البناني المغربي. ن: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. ط: [بدون]. ١٤٢٤ هـ-٢٠٠٣ م.\n(١٨٢) حاشية التفتازاني على شرح العضد. لسعد الدين التفتازاني. مطبوع مع شرح العضد.\n(١٨٣) حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح. لمحمد الطاهر ابن عاشور. ن: مطبعة النهضة نهج الجزيرة. تونس. ط: الأولى. ١٣٤١ هـ.\n(١٨٤) حاشية الصبان على شرح السلم المنورق للملوي. ن: مصطفى البابي الحلبي وأولاده. مصر. ط: الثانية. ١٣٥٧ هـ-١٩٣٨ م.\n(١٨٥) حاشية الشرواني. لعبدالمجيد الشرواني. ن: دار الفكر. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٨٦) حاشية العطار على جمع الجوامع. لحسن عطار. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٢٠ هـ-١٩٩٩ م.\n(١٨٧) حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني. علي الصعيدي العدوي المالكي. تحقيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي. ن: دار الفكر. بيروت- لبنان. ١٤١٢ هـ.\n(١٨٨) الحاصل من المحصول من أصول الفقه. تاج الدين أبو عبدالله محمد بن الحسين الإرموي. تحقيق: د. عبدالسلام محمود أبو ناجي. ن: دار المدار الإسلامي. ط: الأولى. ٢٠٠٢ م.\n(١٨٩) الحاوي الكبير. أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي. تحقيق: علي محمد معوض. عادل أحمد عبدالموجود. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٤١٩ هـ-١٩٩٩ م.\n(١٩٠) الحدود في الأصول. أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي. تحقيق: د. نزيه حماد. ن: دار الآفاق العربية. بيروت. ط: الأولى. ١٤٢٠ هـ-٢٠٠٠ م.","vol":"1","page":914},{"text":"(١٩١) الح<span data-type=\"title\" id=toc-360>د</span>ود الأنيقة والتعريفات الدقيقة. أبو يحيى زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري. تحقيق: د. مازن المبارك. ن: دار الفكر المعاصر. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤١٠ هـ.\n(١٩٢) حروف المعاني. أبو القاسم عبدالرحمن بن إسحاق الزجاجي. تحقيق: علي توفيق الحمد. ن: مؤسسة الرسالة. بيروت- لبنان. ١٩٨٤ م.\n(١٩٣) حسن المحاضرة في أ<span data-type=\"title\" id=toc-359>خ</span>بار مصر والقاهرة. أبو بكر عبدالرحمن جلال الدين السيوطي. تحقيق: محمد علي بيضون. ن: دارا لكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤١٨ هـ-١٩٩٧ م.\n(١٩٤) حلية الأولياء. أبو نعيم أحمد بن عبدالله الأصبهاني. ن: دار الكتاب العربي. بيروت- لبنان. ط: الرابعة. ١٤٠٥ هـ.\n\n(خ)\n(١٩٥) خزانة الأدب وغاية الأرب. تقي الدين أبي بكر علي المعروف بابن حجة الحموي. تحقيق: عصام شيقو. ن: دار ومكتبة الهلال. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٩٨٧ م.\n(١٩٦) خلاصة البدر المنير. عمر بن علي الملقن الأنصاري. تحقيق: حمد عبدالمجيد إسماعيل السلفي. ن: مكتبة الرشد. الرياض- السعودية. ط: الأولى. ١٤١٠ هـ.\n(١٩٧) خلاصة تاريخ التشريع الإسلامي. عبدالوهاب خلاف. ن: دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع. الكويت. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n\n(د)\n(١٩٨) درء تعارض العقل والنقل. تقي الدين أحمد بن عبدالسلام ن تيمية. تحقيق: عبداللطيف بن عبدالرحمن. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م.\n(١٩٩) الدراية في تخريج أحاديث الهداية. أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. تحقيق: السيد عبدالله هاشم اليماني المدني. ن: دار المعرفة. بيروت. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].","vol":"1","page":915},{"text":"(٢٠٠) الد<span data-type=\"title\" id=toc-362>ر</span>ر الكامنة في أعيان المائة الثامنة. أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر. تحقيق: محمد عبدالمعيد ضان. ن: مجلس دائرة المعارف العثمانية. حيدر أباد- الهند. ط: الأولى. ١٣٩٢ هـ-١٩٧٢ م.\n(٢٠١) دروس التصريف. لمحمد محي الدين عبدالحميد. ن: المكتبة العصرية. صيدا- بيروت. ط: [بدون]. ١٤١٦ هـ-١٩٩٥ م.\n(٢٠٢) دستور العلماء (جامع العلوم في اصطلاحات الفنون). عبدالنبي بن عبدالرسول الأحمد نكري. عرب عباراته الفارسية: حسن هاني فحص. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٢١ هـ-٢٠٠٠ م.\n(٢٠٣) الديباج الم<span data-type=\"title\" id=toc-361>ذ</span>هب في معرفة أعيان علماء المذهب. لإبراهيم بن علي بن محمد بن فرحون. ن: دار الكتب العلمية. بيروت. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n\n(ذ)\n(٢٠٤) الذيل على طبقات الحنابلة. لعبدالرحمن بن أحمد بن رجب. ن: مكتبة العبيكان. ط: الأولى. ١٤٢٥ هـ-٢٠٠٥ م.\n\n(ر)\n(٢٠٥) الردود والنقود - شرح مختصر ابن الحاجب -. لمحمد بن محمود البابرتي الحنفي. تحقيق الجزء الأول: ضيف الله بن صالح العُمري. والجزء الثاني: ترحيب بن ربيعان الدوسري. ن: مكتبة الرشد. الرياض- السعودية. ط: الأولى. ٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n(٢٠٦) الرسالة. أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي. تحقيق: أحمد محمد شاكر. ن: دار التراث. القاهرة. ط: الثالثة. ١٤٢٦ هـ-٢٠٠٥ م.\n(٢٠٧) رسالة أبي زيد القيرواني. أبو محمد عبدالله بن أبي زيد القيرواني. ن: دار الفكر. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٢٠٨) رصف المباني في شرح حروف المعاني. للإمام أحمد بن عبدالنور المالقين تحقيق: أحمد محمد الخراط. ن: مجمع اللغة العربية. دمشق. ط: [بدون].سنة النشر:: [بدون].","vol":"1","page":916},{"text":"(٢٠٩) رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب. لتاج الدين. أبي النصر. عبدالوهاب بن علي السبكي. تحقيق: علي محمد معوض. عادل أحمد عبدالموجود. ن: عالم الكتب. بيروت-لبنان. ط: الأولى. ١٤١٩ هـ-١٩٩٩ م.\n(٢١٠) رفع النقاب عن تنقيح الشهاب. أبو علي. حسين بن علي بن طلحة الرجراجي الشوشاوي. تحقيق: من ج ١ - ٣: د. أحمد بن محمد السراح. من ج ٤ - ٦: د. عبدالرحمن بن عبدالله الجبرين. ن: مكتبة الرشد. الرياض- السعودية. ط: الأولى. ١٤٢٥ هـ-٢٠٠٤ م.\n(٢١١) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني. أبو الفضل شهاب الدين السيد محمد الألولسي البغدادي. ن: إحياء التراث العربي. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٢١٢) الروض الأنف في شرح السيرة النبوية. أبو القاسم عبدالرحمن بن عبدالله بن أحمد السهيلي. تحقيق: عمر بن عبدالسلام السلامي. ن: دار إحياء التراث العربي. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٢١ هـ-٢٠٠٠ م.\n(٢١٣) روضة الطالبين وعمدة المفتين. أبو<span data-type=\"title\" id=toc-363> ز</span>كريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي. ن: المكتب الإسلامي. بيروت/ ودمشق. ط: الثانية. ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م.\n(٢١٤) روضة الناظر وجُنَّة المُناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. لموفق الدين عبدالله بن أحمد بن قدامة المقدسي. تحقيق: د. شعبان محمد إسماعيل. ن: المكتبة المكية. ومؤسسة الريان. مكان النشر: مكة. وبيروت. ط: الثانية. ١٤٢٣ هـ-٢٠٠٢ م.\n\n(ز)\n(٢١٥) زاد المسير في علم التفسير. عبدالرحمن بن علي بن محمد الجوزي. ن: المكتب الإسلامي. بيروت- لبنان. ط: الثالثة. ١٤٠٤ هـ.\n(٢١٦) الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي. أبو منصور. محمد بن أحمد الأزهري. تحقيق: د. عبدالمنعم طوعي بثناني. ن: دار البشائر الإسلامية. ط: الأولى. ١٤١٩ هـ-١٩٩٨ م.","vol":"1","page":917},{"text":"(٢١٧) زهرة الآداب وثمر الآلباب. أبي إ<span data-type=\"title\" id=toc-364>س</span>حاق إبراهيم الحصري القيرواني. تحقيق: أ. د. يوسف علي طويل. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م.\n\n(س)\n(٢١٨) سلاسل الذهب في أصول الفقه. ابن بهادر الزركشي. تحقيق وتقديم: د. صفية أحمد خليفة. ن: مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب. ط: الأولى. ٢٠٠٨ م.\n(٢١٩) سلسلة الأحاديث الصحيحة - يشمل جميع أحاديث السلسلة الصحيحة مجردة عن التخريج مرتبة على الأبواب الفقهية- للعلامة محمد ناصر الدين الألباني. اعتنى بها: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان. ن: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع. الرياض. ط: الأولى. ١٤٢٥ هـ-٢٠٠٤ م.\n(١) سلم الوصول لشرح نهاية السول (حاشية المطيعي). للشيخ محمد بخيت المطيعي. ن: عالم الكتب. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٢) سنن أبي داود. أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي. تحقيق: محمد محي الدين عبدالحميد. ن: دار الفكر. بيروت. ط: [بدون].\n(٣) سنن ابن ماجه أبو عبدالله محمد بن يزيد القزويني. تحقيق: فؤاد عبدالباقي. ن: دار الفكر. بيروت. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٤) سنن الترمذي. أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي السلمي. تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرين. ن: دار إحياء التراث العربي. بيروت. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٥) سنن الدارقطني. أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني البغدادي. تحقيق: السيد عبدالله هاشم يماني مدني. ن: دار المعرفة. بيروت. ط: [بدون]. ١٣٨٦ هـ-١٩٦٦ م.\n(٦) سنن الدارمي. أبو محمد عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي. تحقيق: فواز أحمد زمرلي، وخالد السبع العلمي. ن: دار الكتاب العربي. بيروت. ط: الأولى. ١٤٠٧ هـ.","vol":"1","page":918},{"text":"(٧) السنن الكبرى للبيهقي. لأبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي. تحقيق: محمد عبدالقادر عطا. ن: مكتبة دار الباز. مكة المكرمة. ط: [بدون]. ١٤١٤ هـ-١٩٩٤ م.\n(٨) السنن الكبرى للنسائي. أبو عبدالرحمن أحمد بن<span data-type=\"title\" id=toc-365> ش</span>عيب النسائي. تحقيق: د. عبدالغفار سليمان البنداري، وسيد كسروي حسن. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤١١ هـ- ١٩٩١ م.\n(٩) سنن النسائي (المجتبى). أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي. تحقيق: عبدالفتاح أبو غدة. ن: مكتبة المطبوعات الإسلامية. حلب. ط: الثانية. ١٤٠٦ هـ-١٩٨٦ م.\n(١٠) سيرة النبوية لابن هشام. أبو محمد عبدالملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري. تحقيق: طه عبدالرؤوف سعد. ن: دار الجيل. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤١١ هـ.\n(١١) سير أعلام النبلاء. لمحمد بن أحمد بن عثمان الذهبي. تحقيق: شعيب الأرناؤوط، ومحمد نعيم العرقسوسي. ن: مؤسسة الرسالة. بيروت- لبنان. ط: التاسعة. ١٤١٣ هـ.\n\n(ش)\n(١٢) الشافعي حياته وعصره آراؤه وفقهه. لمحمد أبو زهرة. ن: دار الفكر العربي. ط: الثانية. ١٩٧٨ م.\n(١٣) الشامل في شرح أصول الفقه. للشيخ الإسلام فخر الإسلام علي البزدوي. أبو حنيفة أمير كاتب بن أمير عمر. العميد. قوام الدين الفارابي الإتقاني. الجزء السادس من الكتاب (من باب المعارضة إلى أخر باب أفعال النبي - ﷺ -). رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في أصول الفقه. من جامعة الإمام محمد بن سعود. إعداد الطالب: عبدالله ناصر بن عبدالعزيز الناصر. إشراف إبراهيم بن عبدالله البراهيم. العام الجامعي: ١٤٢٧ هـ-١٤٢٨ هـ.\n(١٤) شجرة النور الزكية في طبقات المالكية. لمحمد مخلوف. ن: دار الفكر. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].","vol":"1","page":919},{"text":"(١٥) شذرات الذهب في أخبار من ذهب. أبو الفلاح عبدالحي بن العماد الحنبلي. تحقيق: عبدالقادر الأرنؤوط، ومحمود الأرنؤوط. ن: دار ابن كثير. دمشق. ط: الأولى. ١٤٠٦ هـ. ـ\n(١٦) شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك. عبدالله بن عقيل العقيلي المصري. تحقيق: محمد محي الدين عبدالحميد. ن: دار الفكر. سوريا. ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م.\n(١٧) شرح الأخضري على السلم المنورق. مطبوع مع إيضاح المبهم للدمنهوري.\n(١٨) شرح الإلمام بأحاديث الأحكام. أبو الفتح تقي الدين محمد القشيري الشهير بابن دقيق العيد. تحقيق: عبدالعزيز بن محمد السعيد. ن: دار أطلس للنشر والتوزيع. الرياض. ط: الأولى. ١٤١٨ هـ-١٩٩٧ م.\n(١٩) شرح الجامع الصغير للبزدوي - من أول كتاب الحدود إلى نهاية كتاب البيوع-. رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الماجستير في الفقه. من جامعة أم القرى بمكة المكرمة. إعداد الطالبة: نادية بنت هاشم اللحياني. إشراف: أ. د. أفنان بنت محمد تلمساني. العام الجامعي: ١٤٢٩ هـ-١٤٣٠ هـ.\n(٢٠) شرح الزركشي على مختصر الخرقي. أبو عبدالله شمس الدين محمد بن عبدالله الزركشي المصري الحنبلي. تحقيق: عبدالمنعم خليل إبراهيم. ن: دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان. ط: الأولى. ١٤٢٣ هـ-٢٠٠٢ م.\n(٢١) شرح السلم المنورق للملوي. مطبوع مع حاشية الصبان.\n(٢٢) شرح الشمسية في المنطق. لسعد الدين التفتازاني. ن: دار النور المبين للدراسات والنشر. ط: الأولى. ١٤٣٢ هـ-٢٠١١ م.\n(٢٣) شرح صحيح البخاري لابن بطال. أبو الحسين علي بن خلف بن عبدالملك بطال البكري القرطبي. تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم. ن: مكتبة الرشد. الرياض- السعودية. ط: الثانية. ١٤٢٣ هـ-٢٠٠٣ م.\n(٢٤) الشرح الكبير. عبدالرحمن بن محمد بن قدامة المقدسي. تحقيق: محمد رشيد رضا. ن: مطبعة المنار. القاهرة. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].","vol":"1","page":920},{"text":"(٢٥) شرح الكوكب المنير. لمحمد بن أحمد الفتوحي. الشهير بـ (ابن النجار). تحقيق: د. محمد الزحيلي. د. نزيه حماد. ن: مكتبة العبيكان. الرياض- السعودية. ١٤١٣ هـ-١٩٩٣ م.\n(٢٦) شذا العرف في فن الصرف. للشيخ الأستاذ: أحمد الحملاوي. مراجعة وشرح: حجر عاصي. ن: دار الفكر العربي. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٩٩٩ م.\n(٢٧) شرح العضد على مختصر المنتهى. للقاضي عضد الدين عبدالرحمن الإيجي. تحقيق: محمد حسن إسماعيل. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٢٤ هـ-٢٠٠٤ م.\n(٢٨) شرح المعلقات العشر. للقاضي الإمام أبي عبيد الله الحسين بن أحمد بن الحسين الزوزني. ن: دار مكتبة الحياة. بيروت-لبنان. ط: [بدون]. ١٩٨٣ م.\n(٢٩) شرح المعلقات العشر وأخبار شعرائها. للشيخ أحمد الأمين الشنقيطي. تحقيق: محمد عبدالقادر الفاضلي. ن: المكتبة العصرية. صيدا- بيروت. ط: [بدون]. ١٤٢٦ هـ-٢٠٠٥ م.\n(٣٠) شرح اللَّمُع. أبو إسحاق الشيرازي. تحقيق: عبدالمجيد تركي. ن: دار الغرب الإسلامي. تونس. ط: الأولى. ١٩٨٨ م.\n(٣١) شرح ديوان زهير بن أبي سلمى. للأستاذ: علي حسن فاعور. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م.\n(٣٢) شرح ديوان زهير بن أبي سلمى المزني. أبو الحجاج. يوسف بن سليمان بن عيسى المعروف بـ (الأعلم النحوي الشمنتري). جمع وترتيب وتصحيح: السيد محمد بدر الدين أبي فراس النعماني الحلبي. ن: المطبعة المحمدية المصرية. ط: الأولى. ١٣٢٣ هـ.\n(٣٣) شرح شافية ابن الحاجب. الشيخ رضى الدين محمد بن الحسين الاستراباذي النحوي. تحقيق: محمد نور الحسن محمد الزفزاف، محمد يحي عبدالحميد. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].","vol":"1","page":921},{"text":"(٣٤) شرح الكافية الشافية؛ لجمال الدين محمد بن عبدالله بن مالك الطائي. تحقيق: د. عبدالمنعم هريدي. ن: دار المأمون للتراث. دمشق. ط: الأولى. ٤٠٢ هـ-١٩٨٢ م.\n(٣٥) شرح عقود الجمان في علم المعاني والبيان. للحافظ جلال الدين. عبدالرحمن السيوطي. ن: دار الفكر للطباعة والنشر. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٣٦) شرح قطر الندى وبل الصدى. أبو محمد عبدالله جمال الدين بن هشام الأنصاري. ن: المكتبة العصرية. ط: الأولى. ١٤١٧ هـ-١٩٩٦ م.\n(٣٧) شرح التلويح على التوضيح. لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني الشافعي. تحقيق: محمد عدنان درويش. ن: دار الأرقم. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٣٨) شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول. لشهاب الدين. أحمد بن إدريس القرافي. حققه: طه عبدالرؤف سعد. ن: مكتبة الكليات الأزهرية. دار الفكر. القاهرة- مصر. ط: الأولى. ١٣٩٣ هـ-١٩٧٣ م.\n(٣٩) شرح العقيدة الطحاوية. لصدر الدين محمد بن علاء الدين علي بن محمد بن أبي العز الحنفي. تحقيق: د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي. شعيب الأرنؤوط. ن: مؤسسة الرسالة. بيروت. ط: الأولى. ١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م.\n(٤٠) شرح العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية. شرحه سماحة الشيخ: محمد الصالح العثيمين. خرج أحاديثه واعتنى به: سعد بن فواز الصميل. ن: دار ابن الجوزي. الدمام- السعودية. ط: السادسة. ١٤٢١ هـ.\n(٤١) شرح المحلى على جمع الجوامع. شمس الدين محمد المحلي الشافعي. مطبوع مع حاشية البناني.\n(٤٢) شرح مختصر الروضة. لنجم الدين سليمان بن عبدالقوي الطوفي. تحقيق: د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي. ن: مؤسسة الرسالة. ط: الرابعة. ١٤٢٤ هـ-٢٠٠٣ م.","vol":"1","page":922},{"text":"(٤٣) شرح منار الأنوار. لابن ملك. ن: دار الكتب العلمية. بيروت. ط: [بدون].سنة النشر: [بدون].\n(٤٤) شرح منهاج الأ<span data-type=\"title\" id=toc-366>ص</span>ول للبيضاوي في علم أصول الفقه. لشمس الدين. محمود بن عبدالرحمن الأصفهاني. تحقيق: د. عبدالكريم بن علي الأصفهاني. ن: مكتبة الرشد. الرياض- السعودية. ط: الأولى. ١٤٢٠ هـ-١٩٩٩ م.\n(٤٥) شرح منتهى الإرادات المسمى بـ (دقائق أولي النهى لشرح المنتهى). لمنصور بن يونس ابن إدريس البهوتي. تحقيق: د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي. ن: مؤسسة الرسالة. مكان النشر: [بدون]. ط: الأولى. ١٤٢١ هـ-٢٠٠٠ م.\n(٤٦) شرح النووي على صحيح مسلم. أبو زكريا يحيى بن شرف النووي. ن: دار إحياء التراث العربي. بيروت- لبنان. ط: الثانية. ١٣٩٢ هـ.\n(٤٧) شرح الورقات في علم أصول الفقه. لجلال الدين محمد بن أحمد المحلي. تحقيق: أحمد مصطفى قاسم الطهطاوي. ن: دار الفضيلة. القاهرة. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٤٨) الشعر والشعراء. أبو محمد. عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري. تحقيق: أحمد محمد شاكر. ن: دار المعارف. القاهرة. ط: الثانية. ١٣٧٧ هـ-١٩٥٨ م.\n(٤٩) شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل. لحجة الإسلام. أبي حامد. محمد الغزالي. تحقيق الكبيسي. ن: مطبعة الإرشاد. بغداد. ط: [بدون]. ١٣٩٠ هـ-١٩٧١ م.\n(٥٠) الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية. طاش كبري زاده. ن: دار الكتاب العربي. بيروت-١٣٩٥ هـ-١٩٧٥ م.\n\n(ص)\n(٥١) الصحاح. لإسماعيل بن حماد الجوهري. اعتنى به: خليل مأمون شيحا. ن: دار المعرفة. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٢٦ هـ-٢٠٠٥ م.","vol":"1","page":923},{"text":"(٥٢) صحيح البخاري. أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي. ن: دار ابن كثير واليمامة. بيروت- لبنان. ط: الثالثة. ١٤١٤ هـ-١٩٩٣ م.\n(٥٣) صحيح ابن حبان. أبو حاتم محمد ابن حبان بن أحمد التميمي البستي. تحقيق: شعيب الأرناؤوط. ن: مؤسسة الرسالة. بيروت. ط: الثانية. ١٤١٤ هـ-١٩٩٣ م.\n(٥٤) صحيح سنن أبي داود. محمد ناصر الدين الألباني. ن: ممكتبة المعارف للنشر والتوزيع. الريا<span data-type=\"title\" id=toc-367>ض</span>. ط: الأولى. ١٤١٩ هـ-١٩٩٨ م.\n(٥٥) صحيح مسلم. مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري. تحقيق: فؤاد عبدالباقي. ن: دار إحياء التراث العربي. بيروت. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٥٦) صفة الصفوة. أبو الفرج جمال الدين ابن الجوزي. حققه وعلق عليه: محمود فاخوري. خرج أحاديثه: د. محمد رواس قلعه جي. ن: دار المعرفة. بيروت. ط: الثانية. ١٣٩٩ هـ-١٩٧٩ م.\n(٥٧) صفة الفتوى والمفتي والمستفتي. أبو عبدالله أحمد بن حمدان النمري الحراني. تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني. ن: المكتب الإسلامي. بيروت- لبنان. ط: الثالثة. ١٣٩٧ هـ.\n(٥٨) الصلة. أبو القاسم خلف بن عبدالملك بن بشكوال. تحقيق: إبراهيم الأبياري. ن: دار الكتاب المصري، القاهرة. دار الكتاب اللبناني، بيروت. ط: الأولى. ١٤١٠ هـ-١٩٨٩ م.\n\n(ض)\n(٥٩) الضروري في أصول الفقه (مختصر المستصفى). أبو الوليد. محمد بن رشد الحفيد. تقديم وتحقيق: محمد علال سيناصر. ن: دار الغرب الإسلامي. تونس. ط: الثانية. ٢٠١٢ م.\n(٦٠) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع. شمس الدين محمد بن عبدالرحمن السخاوي. ن: منشورات دار مكتبة الحياة. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].","vol":"1","page":924},{"text":"(٦١) ضواب<span data-type=\"title\" id=toc-368>ط </span>المصلحة في الشريعة الإسلامية. د. محمد سعيد رمضان البويطي. ن: مؤسسة الرسالة.\n(٦٢) ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة. لعبدالرحمن حسن حبنكة الميداني. ن: دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع. دمشق. ط: الرابعة. ١٤١٤ هـ-١٩٩٣ م.\n\n(ط)\n(٦٣) طبقات الحفاظ. لجلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي. ن: دار الكتب العلمية. بيروت. ط: الأولى. ١٤٠٣ هـ.\n(٦٤) طبقات الحنابلة. أبو الحسن محمد بن أبي يعلى. تحقيق: محمد حامد الفقي. ن: دار المعرفة. بيروت. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٦٥) طبقات خليفة. خليفة بن خياط أبو عمر الليثي العصفري، تحقيق: د. أكرم ضياء العمري. ن: دار طيبة. الرياض. الطبعة: الثانية. ١٤٠٢ هـ- ١٩٨٢ م.\n(٦٦) الطبقات السنية في تراجم الحنفية. لتقي الدين بن عبدالقادر التميمي الداري الغزي المصري الحنفي. تحقيق: د. عبدالفتاح محمد الحلو. ن: دار الرفاعي للنشر والطباعة والتوزيع. الرياض-السعودية. ط: الأولى. ١٠٤٣ هـ-١٩٨٣ م.\n(٦٧) طبقات الشافعية. لجمال الدين عبدالرحمن الإسنوي. تحقيق: عبدالله جبوري. ن: [بدون]. بغداد. ط: [بدون]. سنة النشر: ١٣٩١ هـ.\n(٦٨) طبقات الشافعية. أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر ابن قاضي شهبة الدمشقي. اعتنى بتصحيحه وعلق عليه: د. حافظ عبدالعليم خان. رتب فهارسه: عبدالله أنيس الطباع. ن: عالم الكتب. بيروت. ط: الأولى. ١٤٠٧ هـ-١٩٨٧ م.\n(٦٩) طبقات الشافعية الكبرى. أبو نصر تاج الدين عبدالوهاب بن علي بن عبدالكافي السبكي. تحقيق: د. محمود محمد الطناحي. د. عبدالفتاح محمد الحلو. ن: هجر للطباعة والنشر والتوزيع. مصر. ط ٢. ١٤٢٣ هـ.\n(٧٠) طبقات فحول الشعراء. لمحمد بن سلام الجمحي. ن: دار المدني. جدة. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].","vol":"1","page":925},{"text":"(٧١) طبقات الفقهاء. أبو إسحاق جمال الدين إبراهيم بن<span data-type=\"title\" id=toc-369> ع</span>لي بن يوسف الشيرازي. تحقيق: خليل الميس. ن: دار القلم. بيروت. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٧٢) طبقات الفقهاء الشافعية. تقي الدين أبو عمر عثمان بن عبدالرحمن بن الصلاح. تحقيق: محي الدين علي نجيب، ن: دار البشائر الإسلامية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٩٩٢ م.\n(٧٣) الطبقات الكبرى. أبو عبدالله محمد بن سعد بن منيع البصري. المعروف بابن سعد. ن: دار صادر. بيروت. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٧٤) طبقات المعتزلة. لأحمد بن يحيى بن المرتضى. ن: [بدون]. بيروت. ط: [بدون]. ١٩٦١ م.\n(٧٥) طبقات المفسرين. أبو بكر جلال الدين عبدالرحمن السيوطي. تحقيق: علي محمد إبراهيم. ن: مكتبة وهبة. القاهرة. طبع: مطبعة الحضارة العربية. القاهرة. ط: الأولى. ١٣٩٦ هـ-١٩٧٦ م.\n(٧٦) طبقات المفسرين. لأحمد بن محمد الأدنه وي. تحقيق: سليمان بن صالح الخزي. ن: مكتبة العلوم والحكم. المدينة المنورة. ط: الأولى. ١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م.\n(٧٧) طبقات المفسرين. شمس الدين محمد بن علي بن أحمد الداوودي. راجع النسخة وضبط أعلامها: لجنة من العلماء بإشراف الناشر. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٠٣ هـ-١٩٨٣ م.\n(٧٨) الطرة شرح لامية الأفعال لابن مالك. حسن بن زين الدين الشنقيطي. تحرير وتنسيق: عبدالرؤوف علي. ن: [بدون]. دبي- الإمارات العربية المتحدة. ط: الأولى. ١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م.\n\n(ع)\n(٧٩) العبر في خبر من غبر. أبو عبدالله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي. تحقيق: د. صلاح الدين المنجد. ن: مطبعة حكومة الكويت. الكويت. ط: الثانية. ١٩٨٤ م.","vol":"1","page":926},{"text":"(٨٠) عجائب الآثار في التراجم والأخبار. لعبدالرحمن بن حسن الجبرتي. دار الجبل. بيروت. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٨١) العدة في أصول الفقه. للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء. تحقيق: د. أحمد بن علي المباركي. ن: [بدون]. الرياض. السعودية. ط: الثانية. ١٤١٠ هـ-١٩٩٠ م.\n(٨٢) العرف والعادة في رأي الفقهاء - عرض نظرية في التشريع الإسلامي-. أحمد فهمي أبو سنة. ن: مطبعة الأزهر. ط: [بدون]. ١٩٤٧ م.\n(٨٣) العقد الفريد. لأحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي. تحقيق: محمد سعيد العريان. ن: المكتبة التجارية الكبرى. القاهرة. ط: [بدون]. ١٣٥٩ هـ.\n(٨٤) عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان. لمحمود بن أحمد بن موسى الغيتابي. تحقيق: محمد بن محمد أمين. ن: الهيئة المصرية العامة للكتب. مصر. ط: الأولى. ١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م.\n(٨٥) علاقة علم أصول الفقه بعلم المنطق. رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الماجستير في أصول الفقه من جامعة أم القرى بمكة المكرمة. إعداد الطالب: وائل بن سلطان الحارثي. إشراف: د. محمد علي إبراهيم. العام: ١٤٣١ هـ-٢٠١٠ م.\n(٨٦) العلل المتناهية في الأحاديث الواهية. عبدالرحمن بن علي بن الجوزي. تحقيق: خليل الميس. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٠٣ هـ.\n(٨٧) علل النحو. أبو الحسن محمد بن عبدالله الوراق. تحقيق: محمود جاسم محمد الدرويش. ن: مكتبة الرشد. الرياض- السعودية. ط: الأولى. ١٤٢٠ هـ- ١٩٩٩ م.\n(٨٨) علماء ومفكرون عرفتهم. للشيخ محمد المجذوب. ن: عالم المعرفة. جدة. طبعة ثانية مزيدة محققة. ١٤٣٠ هـ.\n(٨٩) علم الجذل في علم الجدل. لنجم الدين الطوفي الحنبلي. تحقيق فولفهارت هاينريشس. ن: يطلب من دار النشر فرائز شتاينر بفييسبادن طبع بمساعدة مؤسسة الابحاث العلمية الالمانية باشراف المعهد الالماني للأبحاث الشرقية. ط: [بدون]. بيروت. ١٤٠٨ هـ ١٩٨٧ م.","vol":"1","page":927},{"text":"(٩٠) العناية. لأكمل الدين محمد بن محمود البابرتي. مطبوع مع<span data-type=\"title\" id=toc-371> ف</span>تح القدير لابن الهمام.\n(٩١) عيون الأنباء في طبقات الأطباء. أبو العباس موفق الدين أحمد بن القاسم بن خليفة السعدي الخزرجي. تحقيق: نزار رضا. ن: دار مكتبة الحياة. بيروت. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>(غ)</span>\n(٩٢) غاية النهاية في طبقات القراء. شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن يوسف بن الجزري. تحقيق: براجستراسر. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٢٧ هـ-٢٠٠٦ م.\n(٩٣) غريب الحديث. أبو الفرج عبدالرحمن بن علي بن محمد بن علي الجوزي. تحقيق: د. عبدالمعطي أمين القلعجي. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م.\n(٩٤) غريب الحديث. أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري. تحقيق: د. عبدالله الجبوري. ن: مطبعة العاني. بغداد. ط: الأولى. ١٣٩٧ هـ.\n(٩٥) غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر لابن نجيم. أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد الحنفي الحموي. ن: دار الكتب العلمية. بيروت-لبنان. ط: الأولى. ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م.\n\n(ف)\n(٩٦) الفتاوى. للعز ابن عبدالسلام الشافعي. خرج أحاديثه وعلق عليه: عبدالرحمن بن عبدالفتاح. ن: دار المعرفة. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٠٦ هـ-١٩٨٦ م.\n(٩٧) الفتاوى الهندية في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان. الشيخ نظام وجماعة من علماء الهند. ن: دار الفكر. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م\n(٩٨) فتح الباب في الكنى والألقاب. أبو عبدالله محمد بن إسحاق بن منده الأصفهاني. تحقيق: أبو قتيبة نظر الفاربابي. ن: مكتبة الكوثر. الرياض- السعودية. ط: الأولى. ١٤١٧ هـ-١٩٩٦ م.","vol":"1","page":928},{"text":"(٩٩) فتح الباري شرح صحيح البخاريـ. أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. تحقيق: محب الدين الخطيب. ن: دار المعرفة. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٠٠) فتح العزيز شرح الوجيز. للرافعي رسالة رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في الفقه من جامعة أم القرى بمكة المكرمة. إعداد الطالب: محمود عبدالحميد محمود طهماز. إشراف الدكتور: الشافعي عبدالرحمن السيد عوض. العام: ١٤١٨ هـ.\n(١٠١) فتح الغفار بشرح المنار. المعروف بـ (بمشكاة الأنوار في أصول المنار). لزين الدين بن إبراهيم بن محمد ابن نجيم. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٢٢ هـ-٢٠٠١ م\n(١٠٢) فتح الغفار الجامع لأحكام سنة نبينا المختار. الحسن بن يوسف بن أحمد الرباعي الصنعاني. تحقيق: مجموعة بإشراف الشيخ على العمران. ن: دار عالم الفوائد. ط: الأولى. ١٤٢٧ هـ.\n(١٠٣) فتح القدير الجامع بين فني الدراية والرواية من علم التفسير. لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني. ن: دار الفكر. بيروت. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٠٤) فتح القدير. لكمال الدين محمد بن عبدالواحد السيواسي السكندري. المعروف بابن الهمام الحنفي. ن: دار الفكر. ط: الثانية. ١٣٩٧ هـ-١٩٧٧ م.\n(١٠٥) الفتح المبين في حل رموز ومصطلحات الفقهاء والأصوليين. د. محمد بن إبراهيم الحفناوي. معلومات الطبع [بدون].\n(١٠٦) الفتح المبين في طبقات الأصوليين. لعبدالله المراغي. ن: مطبعة أنصار السنة المحمدية. مكان النشر: [بدون]. ط: [بدون]. ١٣٦٦ هـ-١٩٤٧ م ـ.\n(١٠٧) الفتوى وآثرها في حماية المعتقد وتحقيق الوسطية. للدكتور فهد بن سعد الجهني. بحث في مجلة البحوث الإسلامية. العدد ٨٠. سنة ١٤٢٧ هـ-١٤٢٨ هـ.\n(١٠٨) الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية. أبو منصور عبدالقاهر بن طاهر بن محمد البغدادي. ن: دار الآفاق الجديدة. بيروت. ط: الثانية. ١٩٧٧ م.","vol":"1","page":929},{"text":"(١٠٩) فرق الشيعة. الحسن بن موسى النوبختي. ن: دار الأضواء. بيروت. ط: [بدون]. ١٤٠٤ هـ-١٩٨٤ م.\n(١١٠) فرق معاصرة تنسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها. دكتور: غالب بن علي عواجي. ن: الدار العصرية للطباعة والنشر والتوزيع. جدة- الرياض- أبها. ط: الثامنة.٣١١٤ هـ-٢٠١٠ م.\n(١١١) فرق وطبقات المعتزلة. القاضي عبدالجبار الهمداني. تحقيق: د. علي سامي النشار. أ. عصام الدين محمد علي. ن: دار المطبوعات الجامعة. ط: [بدون]. ١٩٧٢ م.\n(١١٢) الفروع. أبو عبدالله شمس الدين محمد بن مفلح المقدسي. تحقيق: أبي الزهراء حازم القاضي. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. سنة النشر: ١٤١٨ هـ.\n(١١٣) الفروق اللغوية. أبو هلال العسكري. تحقيق: محمد إبراهيم سليم. ن: دار العلم والثقافة. القاهرة. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١١٤) الفروق الفقهية والأصولية - مقوماتها، شروطها، نشأتها-. د. يعقوب بن عبدالوهاب الباحسين. ن: مكتبة الرشد. السعودية- الرياض. ط: الثانية. ١٤٣٠ هـ- ٢٠٠٩ م.\n(١١٥) الفروق المسمى أنوار البروق في أنواء الفروق. أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي. تحقيق: عمر حسن القيام. ن: مؤسسة الرسالة. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٢٤ هـ-٢٠٠٣ م.\n(١١٦) الفصل في الملل والأهواء والنحل. أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري. ن: مكتبة الخانجي. القاهرة- مصر. ط: [بدون]. سنة النشر [بدون].\n(١١٧) الفصول في الأصول. لأحمد بن علي الرازي الجصاص. تحقيق: د. عجيل جاسم النشمي. ن: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. الكويت. ط: الثانية. ١٤١٤ هـ-١٩٩٤ م.\n(١١٨) فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة. أبو القاسم البلخي. والقاضي عبدالجبار المعتزلي. والحاكم الجشمي المعتزلي. تحقيق: فؤاد السيد. ن: نشر الدار التونسية. تونس. ط: [بدون]. ١٣٩٣ هـ","vol":"1","page":930},{"text":"(١١٩) الفقيه والمتفقه. أبو بكر أحمد علي بن ثابت الخطيب البغدادي. تحقيق: أبو عبدالرحمن عادل بن يوسف الغرازي. ن: دار ابن الجوزي. الدمام- السعودية. ط: الثانية. ١٤٢١ هـ.\n(١٢٠) الفكر الأصولي. للدكتور: عبدالوهاب بن إبراهيم أبو سليمان. ن: دار الشروق. جدة- السعودية. ط: الثانية. ١٤٠٤ هـ.\n(١٢١) الفهرست. محمد بن إسحاق النديم. ن: دار المعرفة. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٣٩٨ هـ-١٩٧٨ م.\n(١٢٢) فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات. عبدالحي بن عبدالكبير الكناني. تحقيق: د. إحسان عباس. ن: دار العربي الإسلامي. بيروت- لبنان. ط: الثانية. ١٤٠٢ هـ- ١٩٨٢ م.\n(١٢٣) الفوائد البهية في تراجم الحنفية. أبو الحسنات محمد عبدالحي اللكنوي. اعتنى بإخراجه وتقديمه: نعيم أشرف نور أحمد. ن: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية. كراتشي - باكستان. ط: الأولى. ١٤١٩ هـ.\n(١٢٤) الفوائد السنية في شرح الألفية. أبو عبدالله محمد بن عبدا لدائم العسقلاني البرماوي. رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في أصول الفقه. من جامعة أم القرى بمكة المكرمة. إعداد الطالب: خالد بن بكر بن إبراهيم عابد. إشراف: أ. د. حسين خلف الجبوري. عام: ١٤١٧ هـ-١٩٩٦ م.\n(١٢٥) فوات الوفيات. محمد بن شاكر الكتبي. تحقيق: علي محمد وعادل أحمد عبدالموجود. ن: دار الكتب العلمية. بيروت. ط: الأولى. ٢٠٠٠ م.\n(١٢٦) الفواكه الدواني. أحمد بن غنيم بن سالم بن مهنا النفراوي المالكي الأزهري على رسالة أبي محمد عبدالله بن أبي زيد القيرواني (ت: ٣٨٦ هـ). ن: دار الفكر. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٤١٥ هـ.\n(١٢٧) فواتح الرحموت. لعبدالعلي محمد بن نظام الدين الأنصاري. ن: المطبعة الأميرية. بولاق مصر. ط: الأولى. ١٣٢٢ م.","vol":"1","page":931},{"text":"(١٢٨) الفواكه الدواني. لأحمد بن غنيم بن سالم بن مهنا النفراوي المالكي الأزهري. على رسالة أبي محمد عبدالله بن أبي زيد ال<span data-type=\"title\" id=toc-372>ق</span>يرواني. ن: دار الفكر. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٤١٥ هـ.\n\n(ق)\n(١٢٩) القاموس الفقهي لغة واصطلاحًا. لسعدي أبو جيب. ن: دار الفكر. دمشق- سوريا. ط: الأولى. ١٤٠٢ هـ-١٩٨٢ م.\n(١٣٠) القاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين. د. محمود بن حامد عثمان. ن: دار الزاحم للنشر والتوزيع. الرياض. ط: الأولى. ١٤٢٣ هـ-٢٠٠٢ م.\n(١٣١) القاموس المحيط. مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي. تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة. بإشراف: محمد نعيم العرقسوسي. ن: مؤسسة الرسالة. بيروت - لبنان. ط: السادسة. ١٤١٩ هـ-١٩٩٨.\n(١٣٢) قراءة في استدراكات أم المؤمنين عائشة على روايات الصحابة. بحث منشور في مجلة إسلامية المعرفة للباحثة ليل رامي. السنة العاشرة. العدد (٣٩).\n(١٣٣) قطر المحيط. المعلم بطرس البستاني. ن: [بدون]. بيروت. ط: [بدون]. ١٨٦٩ م.\n(١٣٤) قطف الثمر في رفع أسانيد المصنفات في الفنون والأثر. صلاح بن محمد الغلاني. تحقيق: عامر حسن صبري. ن: دار الشروق. مكة المكرمة. ط: الأولى. ١٤٠٥ هـ-١٩٨٤ م.\n(١٣٥) قلائد الجمان في التعريف بقابل عرب الزمان. أبو العباس أحمد بن علي القلقشندي. تحقيق: إبراهيم الأيباري. ن: دار الكتب الإسلامية القاهرة، ودار الكتاب المصري واللبناني بيروت. ط: الثانية. ١٤٠٢ هـ -١٩٨٢ م.\n(١٣٦) قوانين الأحكام الشرعية. أبو القاسم محمد بن أحمد بن جزي الغرناطي. ن: دار الفكر. بيروت- لبنان. طبعة جديدة. سنة النشر: [بدون].","vol":"1","page":932},{"text":"(١٣٧) قواطع الأدلة في أصول الفقه. أبو المظفر. منصور بن محمد بن عبدالجبار السمعاني. تحقيق الأجزاء من ١ - ٣: د. عبدالله بن حافظ الح<span data-type=\"title\" id=toc-373>ك</span>مي. والجزئين ٤ - ٥: د. علي بن عباس الحكمي. ن: مكتبة التوبة. ط: الأولى. ١٤١٨ هـ-١٩٩٨ م.\n(١٣٨) القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية. أبو الحسن علاء الدين علي ابن عباس البعلي الحنبلي. ضبطه وصححه: محمد شاهين. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤١٦ هـ-١٩٩٥ م.\n(١٣٩) القول البديع في علم البديع. للعلامة مرعي بن يوسف الحنبلي. تحقيق: د. محمد بن علي الصامل. ن: كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع. الرياض- السعودية. ط: الأولى. ١٤٢٥ هـ-٢٠٠٤ م.\n\n(ك)\n(١٤٠) الكاشف عن المحصول في علم الأصول. أبو عبدالله محمد بن محمود العجلي الأصفهاني. تحقيق: الشيخ: عادل أحمد عبدالموجود. والشيخ: علي محمد معوض. قدم له: أ. د. محمد عبدالرحمن مندور. درا الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤١٩ هـ- ١٩٩٨ م.\n(١٤١) الكامل في التاريخ. أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبدالكريم الشيباني. تحقيق: عبدالله القاضي. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: ٢. ١٤١٥ هـ.\n(١٤٢) الكافي في فقه الإمام المبجل أحمد بن حنبل. أبو محمد موفق الدين بن قدامة المقدسي. ن: المكتب الإسلامي. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٤٣) الكافي شرح البزدوي. لحسام الدين حسين بن علي بن حجاج السغناقي. تحقيق: فخر الدين سيد محمد قانت. ن: مكتبة الرشد. الرياض- السعودية. ط: الأولى. ١٤٢٣ هـ -٢٠٠١ م.\n(١٤٤) كتاب الصناعتين - الكتابة والشعر-. أبو هلال. الحسن بن عبدالله العسكري. تحقيق: علي محمد البجاوي. محمد أبو الفضل إبراهيم. ن: دار إحياء الكتب العربية. مكان النشر: [بدون]. ط: الأولى. ١٣٧١ هـ-١٩٥٢ م.","vol":"1","page":933},{"text":"(١٤٥) الكشاف عن حقائق التنزيل. أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري. تحقيق: عبدالرزاق المهدي. ن: دار إحياء التراث العربي. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٤٦) كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم. محمد علي التهانوي. تقديم وإشراف ومراجعة: د. رفيق عجم. تحقيق: د. علي دحروج. نقل النص الفارسي إلى العربية: د. عبدالله الخالدي. الترجمة الأجنبية: د. جورج زيناتي. سلسلة موسوعات المصطلحات العربية والإسلامية. ن: مكتبة لبنان ناشرون. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٤٧) كشاف القناع عن متن الإقناع. لمنصور بن يونس بن إدريس البهوتي. تحقيق: هلال مصيلحي مصطفى هلال. ن: دار الفكر. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٤٠٢ هـ.\n(١٤٨) كشف الأسرار شرح المصنف على المنار. لحافظ الدين. أبي البركات. عبدالله بن أحمد النسفي. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٤٩) كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي. لعلاء الدين عبدالعزيز بن أحمد البخاري. تحقيق. محمد المعتصم بالله البغدادي. ن: دار الكتاب العربي.: بيروت- لبنان. ط: الثالثة. ١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م. - وهي النسخة المرادة عند الإطلاق- ... نسخة أخرى: رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في أصول الفقه. من جامعة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. إعداد الطالب: أسامة بن فيصل السعدون. إشراف: أ. د. حمد بن حمدي الصاعدي. العام الجامعي: ١٤٣١ - ١٤٣٢ هـ.\n(١٥٠) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون. مصطفى بن عبدالله القسطنطيني الدولي الحنفي المعروف بحاجي خليفة. ن: دار الكتب العلمية. بيروت-لبنان. ط: [بدون]. ١٤١ هـ-١٩٩٢ م.\n(١٥١) كشف الغطاء عن استدراكات الصحابة النبلاء - ﵃ - بعضهم على بعض من خلال الكتب الستة جمعًا ودراسة. رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الماجستير في أصول الدين من جامعة الأزهر. إعداد الطالب: محمد عيد عبدالعزيز أبو كُريم. للعام: ١٤٢٤ هـ-٢٠٠٣ م.","vol":"1","page":934},{"text":"(١٥٢) كفاية ا<span data-type=\"title\" id=toc-374>ل</span>أخيار في حل غاية الاختصار. أبو بكر تقي الدين محمد الحسين الحصني الدمشقي الشافعي. تحقيق: علي عبدالحميد بلطجي. ومحمد وهبي سليمان. ن: دار الخبر. دمشق. ط: الأولى. ١٩٩٤ م.\n(١٥٣) الكليات. أبو البقاء أيوب بن يوسف الكفوي. تحقيق: عدنان دروبش. ومحمد المصري. ن: مؤسسة الرسالة. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٤١٩ هـ-١٩٩٨ م.\n(١٥٤) الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة. أبو المكارم محمد بن محمد بن محمد العامري الغزي. ن: دار الكتب العلمية. بيروت. ط: الأولى. ١٤١٨ هـ.\n\n(ل)\n(١٥٥) اللباب في علل البناء والإعراب. أبو البقاء عبد الله بن الحسين العبكري. تحقيق: د. عبد الإله النبهان. ن: دار الفكر. دمشق. ط: الأولى. ١٤١٦ هـ-١٩٩٥ م.\n(١٥٦) اللباب في علوم الكتاب. أبو حفص عمر بن علي ابن عادل الدمشقي الحنبلي. تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبدالموجود والشيخ علي محمد معوض. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤١٩ هـ -١٩٩٨ م.\n(١٥٧) لباب المحصول في علم الأصول. للحسين بن رشيق المالكي. تحقيق: محمد غزالي عمر جابي. ن: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث. دبي- الإمارات العربية المتحدة. ط: الأولى. ١٤٢٢ هـ-٢٠٠١ م.\n(١٥٨) لسان العرب. جمال الدين ابن منظور محمد بن مكرم الأنصاري. ن: دار صادر. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ٢٠٠٠ م.\n(١٥٩) لسان الميزان. أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. ن: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، مصورة عن الطبعة الأولى مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية بحيدر آباد- الهند. مكان النشر: بيروت- لبنان. ط: الثانية. ١٣٩٠ هـ-١٩٧١ م.\n(١٦٠) لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث. لعبدالفتاح أبو غدة. ن: مكتب المطبوعات الإسلامية. بيروت. ط: الأولى. ١٤٠٤ هـ-١٩٨٤ م.","vol":"1","page":935},{"text":"(١٦١) الل<span data-type=\"title\" id=toc-375>م</span>ع في أصول الفقه. أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي. تحقيق: محي الدين ديب مستو. يوسف علي بديوي. ن: دار الكلم الطيب، دار ابن كثير. دمشق-بيروت. ط: الأولى. ١٤١٦ هـ-١٩٩٥ م.\n\n(م)\n(١٦٢) مباحث في علوم القرآن. للمناع القطان. ن: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع. الرياض. ط: الثانية. ١٤١٧ هـ ١٩٩٦ م.\n(١٦٣) المبسوط (الأصل). لمحمد بن الحسن الشيباني. محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني. تحقيق: أبو الوفا الأفغاني. ن: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية. كراتشي. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٦٤) المبسوط. لشمس الأئمة. أبي بكر. محمد بن أحمد السرخسي. ن: دار المعرفة. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٤١٤ هـ-١٩٩٣ م.\n(١٦٥) مجمع الزوائد. علي بن أبي بكر الهيثمي. ن: دار الريان للتراث القاهرة، ودار الكتاب بيروت. ط: [بدون]. ١٤٠٧ هـ.\n(١٦٦) مجموع الفتاوى. لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني. ت: عبدالرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي. ن: مكتبة ابن تيمية. ط: الثانية. سنة النشر: [بدون].\n(١٦٧) المجموع شرح المهذب. محيي الدين أبو زكريا يحي بن شرف النووي. ن: دار الفكر. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٩٩٧ م.\n(١٦٨) المجموع في المحيط بالتكليف. القاضي عبدالجبار بن أحمد الهمداني. عني بتصحيحه وضبطه: الأب جين يوسف اليسوعي. ن: المطبعة الكاثوليكية. بيروت. ط: [بدون].\n(١٦٩) محاولات التجديد في أصول الفقه ودعواته دراسة وتقويما. د. هزاع بن عبدالله الغامدي. ن: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. عمادة البحث العلمي. ١٤٢٩ هـ-٢٠٠٨ م.","vol":"1","page":936},{"text":"(١٧٠) المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. أبو البركات مجد الدين ابن تيمية. ن: مكتبة المعارف. الرياض- السعودية. ط: الثانية. ١٤٠٤ هـ.\n(١٧١) محك النظر. للغزالي تحقيق: أحمد فريد المزيدي. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان.\n(١٧٢) المحصول في أصول الفقه. للقاضي أبي بكر. محمد بن العربي المعافري. أخرجه واعتنى به: حسين علي اليدري. علق على مواضع منه: سعيد عبداللطيف فودة. ن: دار البيارق. عمان- الأردن. ط: الأولى. ١٤٢٠ هـ-١٩٩٩ م.\n(١٧٣) المحصول في علم أصول الفقه. لفخر الإسلام. محمد بن عمر بن الحسين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ). تحقيق: طه جابر فياض العلواني. ن: مؤسسة الرسالة. ط: الثانية. ١٤١٢ هـ.\n(١٧٤) المحلى. ابن حزم. تحقيق: زيدان أبي المكارم حسن. ط: مكتبة الجمهورية العربية مصر. ط: [بدون]. ١٣٨٧ هـ.\n(١٧٥) المحمدون في الشعراء. جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف القفطي. تحقيق: رياض عبدالحميد مراد. ن: مطبعة الحجاز. دمشق. ط: الأولى. ١٩٧٥ هـ-١٣٩٥ م.\n(١٧٦) مختصر البويطي. للإمام أبي يعقوب. يوسف بن يحي البويطي. رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الماجستير في الفقه الإسلامي من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. إعداد الطالب: أيمن بن ناصر السلايمة. إشرف: أ. د. حمد الحماد .. للعام الجامعي: ١٤٣٠ - ١٤٣١ هـ.\n(١٧٧) مختصر التقريب والإرشاد (التقريب والإرشاد الصغير). للقاضي أبي بكر. محمد الباقلاني. تحقيق: د. عبدالحميد بن علي أبو زنيد. ن: مؤسسة الرسالة. ط: الأولى. ١٤١٨ هـ-١٩٩٨ م.\n(١٧٨) مختصر الروضة (البلبل في أصول الفقه). لنجم الدين سليمان بن عبدالقوي الطوفي. مطبوع مع شرح مختصر الروضة.\n(١٧٩) مختصر طبقات الحنابلة. لمحمد جميل بن عمر. المعروف بابن شطي. دراسة: فواز زمرلي. ن: دار الكتاب العربي. بيروت. ط: الأولى. ١٤٠٦ هـ.","vol":"1","page":937},{"text":"(١٨٠) مختصر منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل. لجمال الدين أبي عمرو عثمان بن عمر المعروف بـ (ابن الحاجب). تحقيق: د. نذير حمادو. دار ابن حزم. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٢٧ هـ-٢٠٠٦ م.\n(١٨١) المدونة الكبرى. مالك بن أنس رواية سحنون بن سعيد التنوخي. ن: دار صادر. بيروت-لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٨٢) مذكرة في أصول الفقه. محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي. دار الحديث القاهرة، مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٨٣) المذهب الحنفي، مراحله وطبقاته، ضوابطه ومصطلحاته، خصائصه ومؤلفاته. أحمد بن محمد نصير الدين النقيب. ن: مكتبة الرشد. الرياض- السعودية. ط: الأولى. ١٤٢٢ هـ-٢٠٠١ م.\n(١٨٤) مراقي السعود إلى مراقي السعود. لمحمد أمين بن أحمد زيدان الجنكي المعروف بالمرابط. تحقيق ودراسة: محمد المختار بن محمد الأمين الشنقيطي. ن: مكتبة ابن تيمية. القاهرة. ط: الأولى. ١٤١٣ هـ-١٩٩٣ م.\n(١٨٥) مرتقى الوصول إلى تاريخ علم الأصول. د. موسى بن محمد بن يحي القرني. ن: [بدون]. ط: [بدون]. ١٤١٤ هـ.\n(١٨٦) مرتقى الوصول إلى علم الأصول. محمد بن محمد بن عاصم الأندلسي. تحقيق: محمد بن عمر سماعي الجزائري. ن: دارالبخاري. بريدة- المدينة المنورة. ١٤١٥ هـ-١٩٩٤ م.\n(١٨٧) المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز. أبو القاسم شهاب الدين عبدالرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي المعروف بأبي شامة. تحقيق: طيار آلتي قولاج. ن: دار صادر. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٣٩٥ هـ- ١٩٧٥ م.\n(١٨٨) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح. علي بن سلطان بن محمد القاري. تحقيق: جمال عتياني. ن: دار الكتب العلمية. بيروت-لبنان. ط: الأولى. ١٤٢٢ هـ-٢٠٠١ م.","vol":"1","page":938},{"text":"(١٨٩) مسائل أصول الدين المبحوثة في علم أصول الفقه عرض ونقد على ضوء الكتاب والسنة. د. خالد عبداللطيف محمد نور عبدالله. ن: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. عمادة البحث العلمي رقم الإصدار ٨٠. ط: الأولى. ١٤٢٦ هـ.\n(١٩٠) المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين. د. محمد العروسي عبدالقادر. ن. مكتبة الرشد. الرياض- السعودية. ط: الثانية. ١٤٣٠ هـ-٢٠٠٩ م.\n(١٩١) المستدرك على الصحيحين. أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري. تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا. ن: دار الكتب العلمية. بيروت. ط: الأولى. ١٤١١ هـ-١٩٩٠ م.\n(١٩٢) المستصفى من علم الأصول. أبو حامد. محمد بن محمد الغزالي. تحقيق: د. حمزة بن زهير حافظ. ن: الجامعة الإسلامية. المدينة المنورة: ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون]. وهي المرادة عند الإطلاق. ... ونسخة أخرى: المطبعة الأميرية ببولاق مصر. ط: الأولى. سنة النشر: ١٣٢٢ هـ.\n(١٩٣) مسلم الثبوت. لمحب الله بن عبدالشكور. ن: المطبعة الأميرية. بولاق مصر. ط: الأولى. ١٣٢٢ م.\n(١٩٤) مسند أحمد بن حنبل .. أبو عبدالله أحمد بن حنبل الشيباني. ن: مؤسسة قرطبة. مصر. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٩٥) المسودة في أصول الفقه. آل تيمية: أبو البركات مجد الدين عبدالسلام بن عبدالله ابن تيمية. أبو المحاسن شهاب الدين عبدالحليم بن عبدالسلام ابن تيمية. أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام ابن تيمية. جمعه وبيضه: العلامة: أحمد بن محمد الحراني. تحقيق: محمد بن رياض الأحمد. المكتبة العصرية. صيدا- بيروت. ط: الأولى. ١٤٢٨ هـ- ٢٠٠٨ م.\n(١٩٦) مشاهير علماء الأمصار. محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي. تحقيق: فلايشهمر. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٩٥٩ م.\n(١٩٧) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي. أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤١٤ هـ-١٩٩٤ م.","vol":"1","page":939},{"text":"(١٩٨) مصطفى سعيد الخن- العالم المربي. وشيخ علم أصول الفقه في بلاد الشام-. للدكتور: محيي الدين مستو. ن: دارا لقلم. دمشق. ط: الأولى. ١٤٢٢ هـ-٢٠٠١ م.\n(١٩٩) مصطلحات المذاهب الفقهية وأسرار الفقه المرموز في الأعلام والكتب والآراء والترجيحات. مريم محمد صالح الظفيري. ن: دار ابن حزم. ط: الأولى. ١٤٢٢ هـ-٢٠٠٢ م.\n(٢٠٠) مصنف ابن أبي شيبة. أبو بكر عبدالله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي. تحقيق: كمال يوسف الحوت. ن: مكتبة الرشد. الرياض. ط: الأولى. ١٤٠٩ هـ.\n(٢٠١) مصنف عبدالرزاق. أبو بكر عبدالرزاق بن همام الصنعاني. تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي. ن: المكتب الإسلامي. بيروت- لبنان. ط: الثانية. ١٤٣٠ هـ.\n(٢٠٢) مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى. لمصطفى السيوطي الرحيباني. ن: المكتب الإسلامي. دمشق. ط: [بدون]. ١٩٦١ م.\n(٢٠٣) المطلع على أبواب المقنع. أبو عبدالله شمس الدين محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي. تحقيق: محمد بشير الأدلبي. ن: المكتب الإسلامي للطباعة والنشر. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٤٠١ هـ-١٩٨١ م.\n(٢٠٤) المعالم. فخر الإسلام الرازي. مطبوع مع شرح المعالم لابن التلمساني. تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبدالموجود، الشيخ علي محمد معوض. ن: عالم الكتب. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤١٩ هـ-١٩٩٩ م.\n(٢٠٥) المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر. بدر الدين محمد بن عبدالله الزركشي. تحقيق: حمدي عبدالمجيد السلفي. ن: دار الأرقم للنشر والتوزيع. ط: الأولى. ١٤٠٤ هـ.\n(٢٠٦) معترك الأقران في إعجاز القرآن. لجلال الدين السيوطي. تحقيق: علي محمد البجاوي. القاهرة. ن: دار الفكر العربي. ط: [بدون]. ١٩٧٣ م.\n(٢٠٧) المعتمد. أبو الحسين علي بن الطيب البصري. تحقيق: خليل الميس. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الثالثة. ١٤٢٦ هـ-٢٠٠٥.","vol":"1","page":940},{"text":"(٢٠٨) معجم الأدباء. أبو عبدالله ياقوت بن عبدالله الرومي الحموي. ن: دار الكتب العلمية. بيروت. ط: الأولى. ١٤١١ هـ-١٩٩١ م.\n(٢٠٩) معجم الأصوليين. د. محمد مظهر بقا. ن: معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي. مكة المكرمة. ج ٢. ط: [بدون]. ١٤١٤ هـ. ج ٣ بعنوان: (أعلام أصول الفقه الإسلامي ومصنفاتهم) ط: الأولى. ١٤٢٠ هـ.\n(٢١٠) معجم البلدان. أبو عبدالله ياقوت بن عبدالله الحموي. ن: دار الفكر. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٢١١) معجم لغة الفقهاء. وضع. أ. د. محمد رواس قلعه جي. د. حامد صادق قنيبي. ن: دار النفائس. بيروت. ط: الثانية. ١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م.\n(٢١٢) معجم الفروق اللغوية - الحاوي لكتاب أبي هلال العسكري وجزءا من كتاب السيد نور الدين الجزائري-. الشيخ بيت الله بيات. ن: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين. ط: الأولى. ١٤١٢ هـ.\n(٢١٣) المعجم الكبير. أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني. تحقيق: حمدي عبدالمجيد السلفي. ن: مكتبة الزهراء. الموصل. ط: الثانية. ١٤٠٤ هـ-١٩٨٣ م.\n(٢١٤) معجم الكتب. يوسف بن حسن عبدالهادي الدمشقي. تحقيق: يسرى عبدالغني البشرى. ن: مكتبة ابن سينا للنشر والتوزيع. مصر. ط: [بدون]. ١٤٠٩ هـ-١٩٨٩ م.\n(٢١٥) معجم المحدثين. محمد بن أحمد الذهبي. ن: مكتبة الصديق. الطائف. ط: الأولى. ١٤٠٨ هـ.\n(٢١٦) معجم مصطلحات أصول الفقه. د. قطب مصطفى سانو. قدم له وراجعه: أ. د. محمد رواس فلعجي. ن: دار الفكر. دمشق- سوريا. ط: الأولى. ١٤٢٠ هـ-٢٠٠٠ م.\n(٢١٧) معجم المصطلحات البلاغية وتطورها. للدكتور: أحمد مطلوب. ن: مطبعة المجمع العلمي العراقي. ١٤٠٣ هـ-١٩٨٣ م.","vol":"1","page":941},{"text":"(٢١٨) معجم المطبوعات العربية والمعربة. جمعه ورتبه: يوسف إليان سركيس. ن: مكتبة الثقافة الدينية. القاهرة. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٢١٩) معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم. أبو الفضل عبدالرحمن جلال الدين السيوطي، تحقيق: أ. د محمد إبراهيم عبادة. ن: مكتبة الآداب. القاهرة- مصر. ط: الأولى. ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م.\n(٢٢٠) معجم المؤلفين - تراجم مصنفي الكتب العربية-. لعمر رضا كحالة. ن: مؤسسة الرسالة. ط: الأولى. ١٤١٤ هـ-١٩٩٣ م.\n(٢٢١) المعجم الوسيط. مجمع اللغة العربية. ن: الإدارة العامة للمعجمات وإحياء التراث. نشر مكتبة الشروق الدولية. مصر. ط: الرابعة. ١٤٢٥ هـ-٢٠٠٤ م.\n(٢٢٢) معرفة الثقات. أبو الحسن أحمد بن عبدالله بن صالح العجلي. تحقيق: عبدالعليم عبدالعظيم البستوي. ن: مكتبة الدار. المدينة المنورة. ط: الأولى. ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م.\n(٢٢٣) معرفة القراء الكبار. أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي. تحقيق: بشار عواد معروف، وشعيب الأرناؤوط، وصالح مهدي عباس. ن: مؤسسة الرسالة. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٠٤ هـ.\n(٢٢٤) المعرفة والتاريخ. أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي. تحقيق: خليل المنصور. ن: دار الكتب العلمية. مكان النشر: بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٤١٩ هـ-١٩٩٩ م.\n(٢٢٥) معيار العلم في فن المنطق. لحجة الإسلام. محمد للغزالي. ن: المطبعة العربية. مصر. ط: الثانية. ١٣٤٦ هـ-ـ ١٩٣٧ م.\n(٢٢٦) المعين في طبقات المحدثين. محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي. تحقيق: د. همام عبدالرحيم سعيد. ن: دار الفرقان. عمان- الأردن. ط: الأولى. ١٤٠٤ هـ.\n(٢٢٧) المغني. للقاضي عبدالجبار أحمد الهمداني. ن: المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر. الدار المصرية للتأليف والترجمة. القاهرة. مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه. ط: [بدون]. ١٣٨٥ هـ- ١٩٦٥ م.","vol":"1","page":942},{"text":"(٢٢٨) المغني - في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني -. عبدالله بن أحمد بن قدامة المقدسي. ن: دار الفكر. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٠٥ هـ.\n(٢٢٩) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب. لجمال الدين ابن هشام الأنصاري. ن: دار الفكر. ط: السادسة. ١٩٨٥ م.\n(٢٣٠) المغني في أصول الفقه. جلال الدين أبو محمد عمر بن محمد الخبازي. تحقيق: د. محمد مظهر بقا. ن: معهد البحوث العلمية. جامعة أم القرى بمكة. ط: ٢. ١٤٣٤ هـ-٢٠١٣ م.\n(٢٣١) مغني المحتاج إلى معرفة معاني المنهاج على متن منهاج الطالبين. لشمس الدين محمد الخطيب الشربيني. تحقيق: محمد خليل عيتاني. ن: دار المعرفة. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤١٨ هـ-١٩٩٧ م.\n(٢٣٢) مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم. لطاش كبري زاده. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٠٥ هـ- ١٩٨٥ م.\n(٢٣٣) مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول. للإمام الشريف أبي عبدالله محمد بن أحمد الحسيني التلمساني. تحقيق: محمد علي فركوس. ن: المكتبة المكية بمكة المكرمة، ومؤسسة الريان ببيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤١٩ هـ- ١٩٩٨ م.\n(٢٣٤) مقاصد الشريعة الإسلامية. لمحمد الطاهر بن عاشور. دراسة وتحقيق: محمد الطاهر الميساوي. ن: دار النفائس للنشر والتوزيع. الأردن. ط: الثانية. ١٤٢١ هـ-٢٠٠١ م.\n(٢٣٥) مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية. الدكتور: محمد سعد بن أحمد اليوبي. ن: دار ابن الجوزي. الدمام- السعودية. ط: الثالثة. ١٤٣٢ هـ.\n(٢٣٦) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين. أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري. تحقيق: هلموت ريتر. ن: دار إحياء التراث العربي. بيروت. ط: الثالثة. سنة النشر: [بدون].\n(٢٣٧) مقاييس اللغة. أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا. تحقيق: عبدالسلام محمد هارون. ن: دار الجيل. بيروت. ط: الأولى. ١٤١١ هـ-١٩٩١ م.","vol":"1","page":943},{"text":"(٢٣٨) مقدمة ابن خلدون. لعبدالرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي. ن: دار القلم. بيروت-لبنان. ط: الخامسة. ١٩٨٤ م.\n(٢٣٩) مقدمة ابن الصلاح (علوم الحديث). أبو عمرو عثمان بن عبدالرحمن الشهرزوري. تحقيق: نور الدين عتر. ن: دار الفكر المعاصر. بيروت- لبنان. ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م.\n(٢٤٠) الملل والنحل. محمد بن عبدالكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني. تحقيق: محمد سيد كيلاني. ن: دار المعرفة. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٤٠٤ هـ.\n(٢٤١) المنار. أبو البركات عبدالله بن أحمد المعروف بحافظ الدين النسفي. مطبوع مع شرحيه كشف الأسرار. وفتح الغفار.\n(٢٤٢) مناقب الشافعي. أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي. تحقيق: السيد أحمد صقر. ن: مكتبة دار التراث. القاهرة. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٢٤٣) المنتحل. عبدالملك بن محمد بن إسماعيل أبو منصور الثعالبي. تحقيق: أحمد أبو علي. ن: المطبعة التجارية. الاسكندرية- مصر. ط: [بدون]. ١٣١١ هـ-١٩٠١ م.\n(٢٤٤) منتهى الإردات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات. تقي الدين محمد بن أحمد بن عبدالعزيز الفتوحي. مطبوع مع شرح المنتهى.\n(٢٤٥) منتهى السول في علم الأصول. لسيف الدين أبي الحسن علي الآمدي. تحقيق: أحمد فريد المزيدي. ن: دار الكتب العلمية. بيروت-لبنان. ط: الأولى. ١٤٢٤ هـ-٢٠٠٢ م.\n(٢٤٦) المنثور في القواعد. أبو عبدالله بدر الدين محمد الزركشي. تحقيق: محمد حسن إسماعيل. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٢١ هـ-٢٠٠٠ م.\n(٢٤٧) المنخول في تعليقات الأصول. أبو حامد محمد بن محمد الغزالي. تحقيق: د. محمد حسين هيتو. ن: دار الفكر. دمشق. ط: الثانية. ١٤٠٠ هـ-١٩٨٠ م.\n(٢٤٨) المنفردات والوحدان. مسلم بن الحجاج بن مسلم النيسابوري. تحقيق: د. عبدالغفار سليمان البنداري. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٠٨ هـ- ١٩٨٨ م.","vol":"1","page":944},{"text":"(٢٤٩) منهاج السنة النبوية. أحمد بن عبدالحليم بن تيمية الحراني. تحقيق: د. محمد رشاد سالم. ن: مؤسسة قرطبة. ط: الأولى: ١٤٠٦ هـ.\n(٢٥٠) مناهج العقول (شرح البدخشي). محمد بن الحسن البدخشي. ن: مطبعة محمد علي صبيح وأولاده، مصر، ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٢٥١) منهاج الوصول إلى علم الأصول. للقاضي ناصر الدين البيضاوي. مطبوع مع الإبهاج. ونهاية السول.\n(٢٥٢) منهج البحث الأصولي عند الإمام الشاطبي دراسة وتطبيقًا. رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في أصول الفقه. من جامعة أم القرى بمكة المكرمة. إعداد الطالبة: فوزية بنت محمد القثامي. إشراف: أ. د. محمود عبدالدائم. العام: ١٤١١ هـ-١٩٩٠ م.\n(٢٥٣) منهج البحث في الفقه الإسلامي- خصائصه ونقائصه وترتيب موضوعاته -. لعبدالوهاب أبو سليمان. ن: مكتبة الرشد. الرياض- السعودية. ط: الثانية. ١٤٢٧ هـ-٢٠٠٦ م.\n(٢٥٤) منهج النقد في علوم الحديث. نور الدين عتر. ن: دار الفكر. دمشق. ط: الثالثة. ١٤١٨ هـ-١٩٩٧ م.\n(٢٥٥) المهذب في علم أصول الفقه المقارن. د. عبدالكريم بن علي بن محمد النملة. ن: مكتبة الرشد. الرياض- السعودية. ط: الخامسة. ١٤٣٠ هـ-٢٠٠٩ م.\n(١) الموافقات. أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي. تقديم: فضيلة الشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد. ضبط نصه وعلق عليه: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سليمان. ن: دار ابن القيم الرياض- السعودية، دار ابن عفان القاهرة- مصر. ط: الثالثة. ١٤٣٠ هـ-٢٠٠٩ م.\n(٢) مواهب الجليل لشرح مختصر خليل. محمد بن عبدالرحمن المغربي، ن: دار الفكر. بيروت- لبنان. ط: الثانية. ١٣٩٨ هـ.","vol":"1","page":945},{"text":"(٣) موسوعة الشعر العربي. اختارها وشرحها وقدم لها: مطاع صفدي وإيليا حاوي. أشرف عليها: د. خليل حاوي. التصحيح نصًا ولغة ورواية: أحمد قدامة. ن: شركة خياط. بيروت. ١٩٧٤ م.\n(٤) الموسوعة العربية العالمية. الجهة القائمة بدراسة المشروع وتنفيذه: أحمد مهدي، محمد الشويخات، صلاح الدين الزين الطيب، سعد البازعي. ن: مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع. ط: [بدون]، سنة النشر: [بدون].\n(٥) الموسوعة الفقهية الكويتية. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. الأجزاء من ١ - ٢٣. ن: دار السلاسل. الكويت. الأجزاء من ٢٤ - ٣٨. ن: مطابع دار الصفوة. مصر. الأجزاء ٣٩ - ٤٥. ن: الوزارة. ١٤٠٤ - ١٤٢٧ هـ.\n(٦) موسوعة النحو الصرف والإعراب. د. إميل بديع يعقوب. ن: دار العلم للملايين. بيروت- لبنان. ط: الثالثة. ١٩٩٤ م.\n(٧) موسوعة ١٠٠ مدينة إسلامية. عبدالحكيم العفيفي. ن: مطبعة أوراق شرقية. مكان النشر: [بدون]. ط: الأولى. ١٤٢١ هـ-٢٠٠٠ م.\n(٨) موسوعة المدن العربية والإسلامية. يحيى الشامي. ن: دار الفكر العربي. بيروت. ط: الأولى. سنة النشر: ١٩٩٣ م.\n(٩) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة. د. مانع بن حماد الجهني. ن: دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع. الرياض. ط: الرابعة. ١٤٢٠ هـ.\n(١٠) موطأ مالك. أبو عبدالله مالك بن أنس الأصبحي. تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي. ن: دار إحياء التراث العربي. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١١) ميزان الأصول في نتائج العقول. لعلاء الدين شمس النظر أبي بكر محمد بن أحمد السمرقندي. رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في أصول الفقه. من جامعة أم القرى بمكة المكرمة. إعداد الطالب: عبدالملك عبدالرحمن أسعد السعدي. إشراف: أ. د. أحمد فهمي أبو سنة. العام: ١٤٠٤ هـ-١٩٨٤ م.","vol":"1","page":946},{"text":"(١٢) ميزا<span data-type=\"title\" id=toc-376>ن </span>الاعتدال في نقد الرجال. أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي. تحقيق: علي محمد معوض، وعادل أحمد عبدالموجود. ن: دار الكتب العلمية. بيروت. ط: الأولى. ١٩٩٥ م.\n\n(ن)\n(١٣) النافع الكبير. أبو الحسنات عبدالحي اللكنوي مطبوع مع الجامع الصغير لمحمد الشيباني.\n(١٤) نثر الورود شرح مراقي السعود. لمحمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي. تحقيق علي بن محمد العمران. إشراف بكر بن عبدالعزيز أبو زيد. ن: مطبوعات مجمع الفقه الإسلامي بجدة. دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع.\n(١٥) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة. جمال الدين أبي المحاسن يوسف بن تغري بردي الأتابكي. ن: وزارة الثقافة والإرشاد القومي. مصر. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(١٦) نزهة الألباء في طبقات الأدباء. أبو البركات الأنباري. تحقيق: ابراهيم السامرائي. ن: مكتبة المنار الزرقاء. ط ٣. ١٩٨٥ م.\n(١٧) نزهة النظر في شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر. أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. تحقيق: حمدي الدمرداش. ن: مكتبة نزار مصطفى الباز. مكة المكرمة- الرياض. ط: الثانية. ١٤٢٢ هـ-٢٠٠١ م.\n(١٨) نسب معد واليمن الكبير. هشام بن محمد بن السائب الكلبي. تحقيق: د. ناجي حسن. ن: عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م.\n(١٩) نشر البنود على مراقي الصعود. لعبدالله بن إبراهيم العلوم الشنقيطي. ن: دار فضالة المحمدية. المغرب. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٢٠) النشر الطيب على شرح الشيخ الطيب. لإدريس بن أحمد الوزاني. ن: المطبعة المصرية بالأزهر. ط: الأولى. ١٣٤٨ هـ.","vol":"1","page":947},{"text":"(٢١) النشر في القراءات العشر. أبو الخير محمد بن محمد الدمشقي الشهير بابن الجزري. تحقيق: علي محمد الضباع. ن: دار الكتب العلمية. بيروت-لبنان. ط: [بدون]. سنة نشر: [بدون].\n(٢٢) نصب الراية لأحاديث الهداية. أبو محمد جمال الدين عبدالباقي بن يوسف الحنفي الزيلعي. تحقيق: محمد يوسف البنوري. ن: دار الحديث. مصر. ط: [بدون]. ١٣٥٧ هـ.\n(٢٣) نظرية النقد الأصولي- دراسة في منهج النقد عند الإمام الشاطبي-. د. الحسان شهيد. ن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي. الولايات المتحدة الإمريكية. ط: الأولى. ١٤٣٣ هـ-٢٠١٢ م.\n(٢٤) نظرية النقد الفقهي - معالم لنظرية تجديدية معاصرة-. د. أبو أمامة نوار الشلي. ن: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة. القاهرة- مصر، ط: الأولى. ١٤٣١ هـ-٢٠١٠ م.\n(٢٥) نفائس الأصول في شرح المحصول. لشهاب الدين. أبي العباس. أحمد بن إدريس القرافي. تحقيق: عادل أحمد عبدالموجود. علي محمد معوض. ن: مكتبة نزار مصطفى الباز. ط: الأولى. ١٤١٦ هـ-١٩٩٥ م.\n(٢٦) نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب. أحمد بن محمد المقري التلمساني. تحقيق: د. إحسان عباس. ن: دار صادر. بيروت. ط: [بدون]. ١٣٨٨ هـ.\n(٢٧) نكت الانتصار لنقل القرآن. للقاضي أبي بكر ابن الطيب الباقلاني. تحقيق: د. محمد عصام القضاة. ن: دار الفتح للنشر والتوزيع. عمان- الأردن. دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت- لبنان. ط: الأولى. ١٤٢٢ هـ-٢٠٠١ م.\n(٢٨) نيل الابتهاج بتطريز الديباج. أحمد بابا التنبكي. إشراف وتنفيذ: عبدالحميد عبدالله الهرامة. وضع هوامشه وفهارسه طلاب من كلية الدعوة الإسلامية. ن: منشورات كلية الدعوة الإسلامية. طرابلس- ليبيا. ط: الأولى. ١٣٩٨ هـ-١٩٨٩ م.","vol":"1","page":948},{"text":"(٢٩) ن<span data-type=\"title\" id=toc-377>ه</span>اية الأرب في فنون الأدب. شهاب الدين أحمد بن عبدالوهاب النويري. تحقيق: مفيد قمحية وجماعة. ن: دار الكتب العلمية. بيروت- لبنان. ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م. ط: الأولى.\n(٣٠) نهاية السول- في شرح منهاج الأصول إلى علم الأصول-. لجمال الدين. عبدالرحيم بن الحسن الإسنوي. تحقيق: د. شعبان محمد إسماعيل. ن: دار ابن حزم. ط: الأولى. ١٤٢٠ هـ-١٩٩ م.\n(٣١) النهاية في غريب الحديث والأثر. أبو السعادات مجد الدين المبارك بن محمد الجزري ابن الأثير. تحقيق: طاهر أحمد الزواي. ومحمود محمد الطناحي. ن: المكتبة العلمية. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٣٩٩ هـ-١٩٧٩ م.\n(٣٢) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج. شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد الرملي الشهير بالشافعي الصغير. ن: دار الفكر للطباعة. بيروت- لبنان. ط: [بدون]. ١٤٠٤ هـ- ١٩٨٤ م.\n(٣٣) نهاية الوصول في دراية الأصول. لصفي الدين. محمد بن عبدالرحيم الهندي. تحقيق: د. صالح بن سليمان اليوسف. د. سعد بن سالم السويح. ن: المكتبة التجارية مصطفى أحمد الباز. مكة المكرمة- السعودية. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].\n(٣٤) نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار. لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني. ن: دار الجيل. بيروت - لبنان. يطلب من دار إحياء التراث العربي. ط: [بدون]. ١٩٧٣ م.\n\n(هـ)\n(٣٥) هدية العارفين وأسماء المؤلفين وآثار المصنفين من كشف الظنون. لإسماعيل باشا البغدادي. مطبوع في الجزء الخامس والسادس من كشف الظنون.\n(٣٦) همع الهوامع في شرح جمع الجوامع. جلال الدين عبد الرحمن السيوطي. تحقيق: عبد الحميد هنداوي. ن: المكتبة التوفقية. مصر. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].","vol":"1","page":949},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>(و)</span>\n(٣٧) الواضح في أصول الفقه. أبو الوفاء علي بن عقيل. تحقيق: د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي. ن: مؤسسة الرسالة. ط ١. ١٤٢٠ هـ-١٩٩٩ م.\n(٣٨) الوافي بالوفيات. صلاح الدين بن خليل بن أبيك الصفدي. تحقيق: أحمد الأرناؤوط، وتركي مصطفى. ن: دار إحياء التراث. بيروت. ط: [بدون]. ١٤٢٠ هـ-٢٠٠٠ م.\n(٣٩) الوافي في العروض والقوافي. للخطيب التبريزي. تحقيق: د. فخر الدين قباوة. وعمر يحي. ن: دار الفكر المعاصر. دمشق. الطبعة: الثانية. ١٣٩٥ هـ-١٩٧٥ م.\n(٤٠) الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية. للدكتور محمد صدقي البورنو. ن: مؤسسة الرسالة. ط ٥. ١٤٢٢ هـ- ٢٠٠٢ م.\n(٤١) الورقات. أبو المعالي عبدالملك بن عبدالله بن يوسف الجويني. مطبوع مع شرح الورقات للمحلي.\n(٤٢) الوسيط. أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي. تحقيق: أحمد محمود إبراهيم، ومحمد محمد تامر. ن: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع. القاهرة. ط: الأولى. ١٤١٧ هـ.\n(٤٣) الوصول إلى الأصول. لشرف الإسلام. أبي الفتح. لأحمد بن علي بن برهان. تحقيق: د. عبدالحميد علي أبو زنيد. ن: مكتبة المعارف. الرياض- السعودية. ط: [بدون]. ١٤٠٣ هـ-١٩٨٣ م.\n(٤٤) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان. أبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن بكر ابن خلكان. تحقيق: إحسان عباس. ن: دار الثقافة. بيروت. ط: [بدون]. سنة النشر: [بدون].","vol":"1","page":950},{"text":"@<span data-type=\"title\" id=toc-379> المواقع الإلكترونية:</span>\n(٤٥) طبقات الشافعية الوسطى - مخطوط في موقع مخطوطات الأزهر الشريف مصر. على الرابط: ... http://www.alazharonline.org\n(٤٦) وله رابط آخر في ملتقى أهل الحديث على الرابط: ... http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php? t=٣٨٣٠٢\n(٤٧) موقع: ويكيبيديا الموسوعة الحرة. على عدة روابط.\n(٤٨) ترجمة كسرى أنوشروان: ...\nhttp://ar.m.wikipedia.org/wiki\n(٤٩) التعريف بموقع روضة خَأخ: ... http:\n//ar.wikipedia.org/wiki/%D ٨%B ١%D ٩%٨٨%D ٨%B ٦%D ٨%A ٩_%D ٨%AE%D ٨%A ٧%D ٨%AE\n(٥٠) التعريف بموقع الصفراء: ... http://ar.m.wikipedia.org/wiki\n(٥١) التعريف بموقع عبادان: ... http://ar.wikipedia.org/wiki/%D ٨%B ٩%D ٨%A ٨%D ٨%A ٧%D ٨%AF%D ٨%A ٧%D ٩%٨٦\n(٥٢) التعريف بموقع قُوْص\nhttp://ar.wikipedia.org/wiki/%D ٩%٨٢%D ٩%٨٨%D ٨%B ٥","vol":"1","page":951}]}