{"ً":{"ٌ":133379,"ٍ":"كشف الأسرار عن القول التليد فيما لحق مسألة الحجاب من تحريف وتبديل وتصحيف","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"بحوث ومسائل/كشف الأسرار عن القول التليد - بلحمر","files":["kaaskata.pdf"]},"ّ":"الكتاب: كشف الأسرار عن القول التليد فيما لحق مسألة الحجاب من تحريف وتبديل وتصحيف\nالمؤلف: تركي بن عمر بن محمد بلحمر\nالناشر: بدون\nعام النشر: ١٤٣٠ هـ\nعدد الصفحات: ٥٧٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2954,"ٕ":19,"ٖ":1770156193,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":5},{"title":"(المبحث الأول) سورة الأحزاب وأول ما نزل من الآيات في مسألة الحجاب وما لحق تفسيرها من تحريف وتصحيف وتبديل","level":1,"page":10},{"title":"تاريخ نزول أول الآيات في مسألة الحجاب","level":2,"page":12},{"title":"كيف مهد الإسلام لتشريع فريضة الحجاب؟","level":2,"page":16},{"title":"أول ما نزل في شأن الحجاب","level":2,"page":25},{"title":"آية الحجاب وإجماع المفسرين عليها","level":2,"page":30},{"title":"التحريف والتبديل والتصحيف المعاصر لما لحق كلام شيخ المفسرين الإمام الطبري في تفسيره لآية الإدناء","level":2,"page":33},{"title":"اختلاف ألفاظ السلف في التفسير غالبا ما يكون اختلاف تنوع","level":2,"page":35},{"title":"الأدلة والنقول على أن (القناع) يأتي بمعني ستر الوجه","level":2,"page":44},{"title":"مخالفة الشيخ الألباني لإجماع المسلمين في تفسيره لقوله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾","level":2,"page":77},{"title":"آيات الحجاب لم تنزل مرة واحدة ولها تسلسل ووقائع","level":2,"page":85},{"title":"(المبحث الثاني) سورة النور وما فيها من أدلة أخرى على أن الحجاب قد فرض قبلها وقبل ما فيها من قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾","level":1,"page":89},{"title":"تناقض أهل السفور في مسألة غض البصر","level":2,"page":98},{"title":"التبرج انفلات لا يقف عند حد","level":2,"page":102},{"title":"سورة النور والرخصة بجواز أن تبدي المرأة من زينتها ما تدعو الحاجة والضرورة إليه","level":2,"page":105},{"title":"سورة النور فصلت ما أجمل في سورة الأحزاب","level":3,"page":105},{"title":"مصطلح أمن الشهوة ونحوه عند الفقهاء المتقدمين وما أصابه من التحريف والتبديل والتصحيف","level":2,"page":106},{"title":"بيان رسول الله - ﷺ - جواز نظر الخاطب لمخطوبته نوع من تفسيره للآية","level":2,"page":108},{"title":"(المبحث الثالث) أقوال الصحابة في تفسير قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١]","level":1,"page":113},{"title":"أقوال الصحابة واختلافهم في تفسير آية: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ كان من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد","level":2,"page":118},{"title":"الجمع بين أقوال الصحابة في الآية","level":2,"page":119},{"title":"ومن تلكم الحالات","level":2,"page":121},{"title":"حالة المرأة الساترة لوجهها واحتاجت لكشف العينين فقط أو الكفين","level":3,"page":121},{"title":"حالة احتياج المرأة لكشف زينة وجهها أو كفيها","level":3,"page":122},{"title":"مقصد الإمام الطبري عند تفسيره للآية","level":3,"page":124},{"title":"حالة احتياج المرأة لتكشف أكثر من الوجه أو الكفين","level":3,"page":125},{"title":"حالة احتياج المرأة لظهور زينتها المكتسبة كالثياب ونحوها","level":3,"page":126},{"title":"فرض لبس الجلباب عند خروج المسلمات الصالحات","level":3,"page":128},{"title":"حالة ظهور زينة المرأة رغما عنها وبغير قصد منها","level":3,"page":129},{"title":"منهج السلف في التفسير","level":2,"page":130},{"title":"منهج الصحابة والتابعين عند تفسيرهم لآية الرخصة ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منه﴾","level":2,"page":137},{"title":"منهج أئمة التفسير والفقه عند تفسيرهم لآية الرخصة","level":2,"page":138},{"title":"(المبحث الرابع) التحريف والتبديل فيما لحق كلام أئمة المذاهب الأربعة في فريضة الحجاب","level":1,"page":140},{"title":"اختلاف المذاهب الأربعة في مسألة الحجاب كان من اختلاف التنوع","level":2,"page":141},{"title":"المناهج الفقهية للمذاهب الأربعة","level":3,"page":141},{"title":"فريضة الحجاب عند المذاهب الأربعة","level":3,"page":143},{"title":"(محاورة) حجة القائلين أن الوجه والكفين ليسا من العورة وأن ذلك لم يمنع من قولهم بوجوب ستره لعلة الفتنة والشهوة","level":2,"page":144},{"title":"أدلة ونقول أئمة الفقهاء من الأحناف والمالكية وغيرهم وتفسيرهم لقوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ بأنها رخصة وتحديدهم القدر المرخص للمرأة أن تبديه بأمور منها بما يظهر في صلاتها","level":2,"page":156},{"title":"(باب شروط الصلاة)","level":3,"page":172},{"title":"اعتراض الألباني على الأئمة في طريقة استدلالهم لتحديد قدر الرخصة لأنه يظن أنهم يستدلون به للسفور","level":3,"page":174},{"title":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀","level":3,"page":190},{"title":"بقية أدلة الأحناف والمالكية وغيرهم في تفسير الآية بأنها رخصة وتحديدهم القدر المرخص لها أن تبديه في الغالب وأن قولهم ليس بعورة لا يعني عدم وجوب ستره","level":2,"page":195},{"title":"(محاورة) حجة القائلين أن علة الأمر بستر الوجه والكفين لكونهما من العورة","level":2,"page":232},{"title":"قول أتباع كل مذهب بقول المذهب الآخر وتعدد الروايات في المذهب الواحد دليل على أن اختلاف المتقدمين في فريضة الحجاب كان من قبيل اختلاف التنوع","level":2,"page":242},{"title":"خطأ الشيخ الألباني ﵀ في نسبته مذهب السفور للقائلين أن الوجه والكفين ليسا بعورة","level":2,"page":248},{"title":"وبالعكس فمع ذلك قد تجد بعض أئمة الأحناف والمالكية وبعض الشافعية يقول أن المرأة عورة وذلك لأن الأمر واسع كما قلنا ومثاله","level":2,"page":251},{"title":"وهناك قسم آخر من بعض الأئمة أخذوا يفصلون بنوع آخر وهو أن الوجه والكفين من المرأة عورة، ولكنه في حق من جاز نظره إليها لا يكون بالنسبة لهم من العورة لورود الدليل المبيح في ذلك، وهذا يدلك أن الأمر فيه سعة ولا يترتب عليه في أصل المسألة شيء ومثاله","level":2,"page":253},{"title":"خلاصة أقوال أئمة المذاهب الأربعة في مسألة هل الوجه والكفين عورة أم لا؟","level":2,"page":257},{"title":"سبب ذكرنا لتأصيل المذاهب لمسألة الحجاب","level":2,"page":259},{"title":"(المبحث الخامس) إكمال نقل إجماع المفسرين على أن الآية رخصة وليست تشريعا لفريضة الحجاب","level":1,"page":263},{"title":"فائدة في حكمة التكرار في قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن﴾","level":2,"page":293},{"title":"حكمة عدم التحديد في قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾","level":2,"page":295},{"title":"لو لم تنزل آية الرخصة؟","level":3,"page":296},{"title":"مخالفة الألباني للإجماع في تفسير قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾","level":2,"page":299},{"title":"تفسير قوله تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ وقول الألباني أن الخمار لا يأتي لستر الوجه","level":2,"page":309},{"title":"تصحيف الشيخ الألباني لكلام الحافظ ابن حجر","level":3,"page":330},{"title":"تفسير قوله تعالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ [النور ٣١]","level":2,"page":333},{"title":"(المبحث السادس) خصوصية أمهات المؤمنين في فرض الحجاب عليهن وما لحقها من التحريف والتصحيف والتبديل","level":1,"page":338},{"title":"التمهيد لنزول فريضة الحجاب","level":2,"page":343},{"title":"موقف الصحابة من آيات الحجاب وأمهات المؤمنين","level":2,"page":345},{"title":"طريقة حجاب النساء داخل البيوت والإجماع في ذلك","level":2,"page":347},{"title":"لماذا ذكرت بيوت النبي - ﷺ - بالذات؟","level":2,"page":348},{"title":"طريقة حجاب النساء خارج البيوت والإجماع في ذلك","level":2,"page":350},{"title":"معنى الخصوصية في حجاب أمهات المؤمنين عند المتقدمين وما لحقها من التحريف والتبديل والتصحيف","level":2,"page":352},{"title":"الخصوصية الأولى الأدلة على أن معنى الخصوصية التي قصدها بعض المتقدمين لأمهات المؤمنين هي في تغليظ حجابهن بعدم جواز ظهور أشخاصهن أو الرخصة لهن في كشف الوجه والكفين كغيرهن","level":3,"page":354},{"title":"وممن قال بهذه الخصوصية من نوع التغليظ","level":4,"page":354},{"title":"وممن قال أيضا بالخصوصية من نوع تغليظ الحجاب على أمهات المؤمنين","level":4,"page":376},{"title":"الخصوصية الثانية الأدلة على أن معنى الخصوصية الثانية والتي عناها المتقدمون لأمهات المؤمنين هي أنهن حجبن عن أبنائهن فكن بذلك مخصوصات عن بقية الأمهات وكن كالأجنبيات","level":3,"page":382},{"title":"خلاصة الكلام في خصوصية أمهات المؤمنين","level":2,"page":391},{"title":"الأول: أنهن مخصوصات بعدم ظهور شخوصهن فضلا عن عدم جواز ظهور الوجه والكفين منهن ولو عند الحاجة كما هو جائز لغيرهن،","level":3,"page":391},{"title":"والثاني: أنهن مخصوصات بالحجاب من أبنائهن ومن يحرم النكاح بهم فكن بذلك دون بقية الأمهات ومن يحرم النكاح بهن اللاتي لم يفرض عليهن ذلك.","level":3,"page":391},{"title":"تناقض أهل السفور واختلافهم في معنى الخصوصية المحدثة وما أوردوه من شبهات بخصوصها","level":2,"page":393},{"title":"رد شبهة عن الإمام القاضي عياض","level":2,"page":397},{"title":"كشف المحرمة وجهها في طريقها عند عدم وجود الرجال الناظرين لها وتناقص أهل السفور فيه","level":2,"page":399},{"title":"مذهب القائلين بوجوب ستر المرأة لوجهها لمجرد خروجها","level":2,"page":406},{"title":"الشبهة المثارة من أهل السفور عن مالك في جواز مؤاكلة المرأة للرجل","level":2,"page":416},{"title":"قول أهل السفور نتيجة حتمية لما هو الحاصل اليوم","level":2,"page":423},{"title":"منهج الإمام ابن حزم الظاهري في مسالة الحجاب وما لحقه من تحريف وتبديل وتصحيف","level":2,"page":435},{"title":"نقل أهل السفور هجوم ابن حزم على من فرق بين الأمة والحرة في لبسهن للجلابيب في الصلاة وخارجها","level":2,"page":438},{"title":"وقال ابن القيم: - فصل: الفرق بين النظر إلى الحرة والأمة -","level":2,"page":443},{"title":"معنى الجلابيب عند الإمام ابن حزم موافق لإجماع أهل العلم","level":2,"page":446},{"title":"(المبحث السابع) استدلالات أهل السفور بالسنة على شبهاتهم","level":1,"page":451},{"title":"أولا: حديث الفضل بن عباس ومخالفتهم لفهم السلف له","level":2,"page":451},{"title":"الوجه الأول: في رد هذه الشبهة وهي عدم وجود ما ادعوه أصلا من كشف الوجه في الحديث","level":3,"page":451},{"title":"الوجه الثاني: وهو على فرض كونها كانت كاشفة عن وجهها","level":3,"page":455},{"title":"ثانيا: استدلالهم بحديث سفعاء الخدين","level":2,"page":471},{"title":"ثالثا: شبهة استدلالهم بحديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ومخالفتهم لفهم السلف له","level":2,"page":477},{"title":"خطأ الألباني في فهم مراد الإمام البيهقي","level":3,"page":479},{"title":"تضعيف البيهقي لحديث أسماء بنت عميس الثاني من طريق ابن لهيعة من\"كتاب النكاح\"","level":3,"page":483},{"title":"رابعا: استدلالهم بحديث الواهبة نفسها لرسول الله - ﷺ - وشبهة أهل السفور فيه","level":2,"page":491},{"title":"خامسا: ومن أمثلة شبهاتهم الواهية التي ينقلونها","level":2,"page":495},{"title":"ومن أمثلة غرائب استدلالات أهل السفور وشبههم","level":3,"page":496},{"title":"سادسا: استدلالهم لمثل هذا بما جاء في جلباب المرأة للألباني","level":2,"page":497},{"title":"خلاصة شبهات أهل السفور اليوم وبدعة القول أن في تغطية المرأة لوجهها أمام الرجال سنة ومستحب","level":2,"page":502},{"title":"مذهب السلف في مسائل الشبهات","level":3,"page":505},{"title":"(المبحث الثامن) الرخصة الثانية في سورة النور وإجماع أهل العلم قال تعالى: ﴿والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والل","level":1,"page":510},{"title":"(المبحث التاسع) الأدلة من السنة والآثار على فريضة ستر المرأة وجهها عن الرجال","level":1,"page":521},{"title":"وختاما","level":1,"page":558}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,87":85,"1,88":86,"1,89":87,"1,91":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,117":112,"1,119":113,"1,120":114,"1,121":115,"1,122":116,"1,123":117,"1,124":118,"1,125":119,"1,126":120,"1,127":121,"1,128":122,"1,129":123,"1,130":124,"1,131":125,"1,132":126,"1,133":127,"1,134":128,"1,135":129,"1,136":130,"1,137":131,"1,138":132,"1,139":133,"1,140":134,"1,141":135,"1,142":136,"1,143":137,"1,144":138,"1,145":139,"1,147":140,"1,148":141,"1,149":142,"1,150":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146,"1,154":147,"1,155":148,"1,156":149,"1,157":150,"1,158":151,"1,159":152,"1,160":153,"1,161":154,"1,162":155,"1,163":156,"1,164":157,"1,165":158,"1,166":159,"1,167":160,"1,168":161,"1,169":162,"1,170":163,"1,171":164,"1,172":165,"1,173":166,"1,174":167,"1,175":168,"1,176":169,"1,177":170,"1,178":171,"1,179":172,"1,180":173,"1,181":174,"1,182":175,"1,183":176,"1,184":177,"1,185":178,"1,186":179,"1,187":180,"1,188":181,"1,189":182,"1,190":183,"1,191":184,"1,192":185,"1,193":186,"1,194":187,"1,195":188,"1,196":189,"1,197":190,"1,198":191,"1,199":192,"1,200":193,"1,201":194,"1,202":195,"1,203":196,"1,204":197,"1,205":198,"1,206":199,"1,207":200,"1,208":201,"1,209":202,"1,210":203,"1,211":204,"1,212":205,"1,213":206,"1,214":207,"1,215":208,"1,216":209,"1,217":210,"1,218":211,"1,219":212,"1,220":213,"1,221":214,"1,222":215,"1,223":216,"1,224":217,"1,225":218,"1,226":219,"1,227":220,"1,228":221,"1,229":222,"1,230":223,"1,231":224,"1,232":225,"1,233":226,"1,234":227,"1,235":228,"1,236":229,"1,237":230,"1,238":231,"1,239":232,"1,240":233,"1,241":234,"1,242":235,"1,243":236,"1,244":237,"1,245":238,"1,246":239,"1,247":240,"1,248":241,"1,249":242,"1,250":243,"1,251":244,"1,252":245,"1,253":246,"1,254":247,"1,255":248,"1,256":249,"1,257":250,"1,258":251,"1,259":252,"1,260":253,"1,261":254,"1,262":255,"1,263":256,"1,264":257,"1,265":258,"1,266":259,"1,267":260,"1,268":261,"1,269":262,"1,271":263,"1,272":264,"1,273":265,"1,274":266,"1,275":267,"1,276":268,"1,277":269,"1,278":270,"1,279":271,"1,280":272,"1,281":273,"1,282":274,"1,283":275,"1,284":276,"1,285":277,"1,286":278,"1,287":279,"1,288":280,"1,289":281,"1,290":282,"1,291":283,"1,292":284,"1,293":285,"1,294":286,"1,295":287,"1,296":288,"1,297":289,"1,298":290,"1,299":291,"1,300":292,"1,301":293,"1,302":294,"1,303":295,"1,304":296,"1,305":297,"1,306":298,"1,307":299,"1,308":300,"1,309":301,"1,310":302,"1,311":303,"1,312":304,"1,313":305,"1,314":306,"1,315":307,"1,316":308,"1,317":309,"1,318":310,"1,319":311,"1,320":312,"1,321":313,"1,322":314,"1,323":315,"1,324":316,"1,325":317,"1,326":318,"1,327":319,"1,328":320,"1,329":321,"1,330":322,"1,331":323,"1,332":324,"1,333":325,"1,334":326,"1,335":327,"1,336":328,"1,337":329,"1,338":330,"1,339":331,"1,340":332,"1,341":333,"1,342":334,"1,343":335,"1,344":336,"1,345":337,"1,347":338,"1,348":339,"1,349":340,"1,350":341,"1,351":342,"1,352":343,"1,353":344,"1,354":345,"1,355":346,"1,356":347,"1,357":348,"1,358":349,"1,359":350,"1,360":351,"1,361":352,"1,362":353,"1,363":354,"1,364":355,"1,365":356,"1,366":357,"1,367":358,"1,368":359,"1,369":360,"1,370":361,"1,371":362,"1,372":363,"1,373":364,"1,374":365,"1,375":366,"1,376":367,"1,377":368,"1,378":369,"1,379":370,"1,380":371,"1,381":372,"1,382":373,"1,383":374,"1,384":375,"1,385":376,"1,386":377,"1,387":378,"1,388":379,"1,389":380,"1,390":381,"1,391":382,"1,392":383,"1,393":384,"1,394":385,"1,395":386,"1,396":387,"1,397":388,"1,398":389,"1,399":390,"1,400":391,"1,401":392,"1,402":393,"1,403":394,"1,404":395,"1,405":396,"1,406":397,"1,407":398,"1,408":399,"1,409":400,"1,410":401,"1,411":402,"1,412":403,"1,413":404,"1,414":405,"1,415":406,"1,416":407,"1,417":408,"1,418":409,"1,419":410,"1,420":411,"1,421":412,"1,422":413,"1,423":414,"1,424":415,"1,425":416,"1,426":417,"1,427":418,"1,428":419,"1,429":420,"1,430":421,"1,431":422,"1,432":423,"1,433":424,"1,434":425,"1,435":426,"1,436":427,"1,437":428,"1,438":429,"1,439":430,"1,440":431,"1,441":432,"1,442":433,"1,443":434,"1,444":435,"1,445":436,"1,446":437,"1,447":438,"1,448":439,"1,449":440,"1,450":441,"1,451":442,"1,452":443,"1,453":444,"1,454":445,"1,455":446,"1,456":447,"1,457":448,"1,458":449,"1,459":450,"1,461":451,"1,462":452,"1,463":453,"1,464":454,"1,465":455,"1,466":456,"1,467":457,"1,468":458,"1,469":459,"1,470":460,"1,471":461,"1,472":462,"1,473":463,"1,474":464,"1,475":465,"1,476":466,"1,477":467,"1,478":468,"1,479":469,"1,480":470,"1,481":471,"1,482":472,"1,483":473,"1,484":474,"1,485":475,"1,486":476,"1,487":477,"1,488":478,"1,489":479,"1,490":480,"1,491":481,"1,492":482,"1,493":483,"1,494":484,"1,495":485,"1,496":486,"1,497":487,"1,498":488,"1,499":489,"1,500":490,"1,501":491,"1,502":492,"1,503":493,"1,504":494,"1,505":495,"1,506":496,"1,507":497,"1,508":498,"1,509":499,"1,510":500,"1,511":501,"1,512":502,"1,513":503,"1,514":504,"1,515":505,"1,516":506,"1,517":507,"1,518":508,"1,519":509,"1,521":510,"1,522":511,"1,523":512,"1,524":513,"1,525":514,"1,526":515,"1,527":516,"1,528":517,"1,529":518,"1,530":519,"1,531":520,"1,533":521,"1,534":522,"1,535":523,"1,536":524,"1,537":525,"1,538":526,"1,539":527,"1,540":528,"1,541":529,"1,542":530,"1,543":531,"1,544":532,"1,545":533,"1,546":534,"1,547":535,"1,548":536,"1,549":537,"1,550":538,"1,551":539,"1,552":540,"1,553":541,"1,554":542,"1,555":543,"1,556":544,"1,557":545,"1,558":546,"1,559":547,"1,560":548,"1,561":549,"1,562":550,"1,563":551,"1,564":552,"1,565":553,"1,566":554,"1,567":555,"1,568":556,"1,569":557,"1,570":558},"ٜ":{"1":[1,570]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,87","1,88","1,89","1,91","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,117","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570"],"ٞ":{"5":[1],"10":[2],"12":[3],"16":[4],"25":[5],"30":[6],"33":[7],"35":[8],"44":[9],"77":[10],"85":[11],"89":[12],"98":[13],"102":[14],"105":[15,16],"106":[17],"108":[18],"113":[19],"118":[20],"119":[21],"121":[22,23],"122":[24],"124":[25],"125":[26],"126":[27],"128":[28],"129":[29],"130":[30],"137":[31],"138":[32],"140":[33],"141":[34,35],"143":[36],"144":[37],"156":[38],"172":[39],"174":[40],"190":[41],"195":[42],"232":[43],"242":[44],"248":[45],"251":[46],"253":[47],"257":[48],"259":[49],"263":[50],"293":[51],"295":[52],"296":[53],"299":[54],"309":[55],"330":[56],"333":[57],"338":[58],"343":[59],"345":[60],"347":[61],"348":[62],"350":[63],"352":[64],"354":[65,66],"376":[67],"382":[68],"391":[69,70,71],"393":[72],"397":[73],"399":[74],"406":[75],"416":[76],"423":[77],"435":[78],"438":[79],"443":[80],"446":[81],"451":[82,83,84],"455":[85],"471":[86],"477":[87],"479":[88],"483":[89],"491":[90],"495":[91],"496":[92],"497":[93],"502":[94],"505":[95],"510":[96],"521":[97],"558":[98]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"كشف الأسرار\nعن القول التليد فيما لحق مسألة\nالحجاب\nمن تحريف وتبديل وتصحيف\nبحث تفصيلي وتأصيلي لأهم قواعد مسألة ونشأة فريضة الحجاب مدعمًا بكلام أهل العلم المتقدمين وفيه دراسة لبدعة القائلين اليوم أن ستر وجه المرأة المسلمة عن الرجال سنة ومستحب\n\nتأليف\nالشيخ تركي بن عمر بن محمد بلحمر","vol":"1","page":1},{"text":"كشف الأسرار\nعن القول التليد فيما لحق مسألة\nالحجاب\nمن تحريف وتبديل وتصحيف\n\nبحث تفصيلي وتأصيلي لأهم قواعد مسألة ونشأة فريضة الحجاب مدعمًا بكلام أهل العلم المتقدمين وفيه دراسة لبدعة القائلين اليوم أن ستر وجه المرأة المسلمة عن الرجال سنة ومستحب\n\nتأليف\nالشيخ تركي بن عمر بن محمد بلحمر","vol":"1","page":2},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"1","page":3},{"text":"خطاب الشيخ","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.،، أما بعد:\nفقد أخبر الصادق المصدوق فيما رواه عنه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: (بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء) أخرجه مسلم، وله من رواية أخرى عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: (إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها) ولا شك أن غربة الإسلام لن تكون في مسألة واحدة أو جانب واحد من مسائله بل ستطرأ في كافة الجوانب وبنسب متفاوتة ومختلفة كما نشاهده اليوم في جانب التوحيد والفرائض والواجبات، وكذلك في جانب الحلال والحرام كما أخبر بذلك رسول الله - ﷺ -: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِر (١) والحرير والخمر والمعازف) أخرجه البخاري تعليقا (٢).\n_________\n(١) الحر: هو الزنا.\n(٢) أخرجه البخاري تعليقًا (باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه) وقد وصله الطبراني والبيهقي وابن عساكر وغيرهم، من طرق عن هشام بن عمار به. وله طريق آخر عن عبد الرحمن بن يزيد، كما عند أبي داود (٤٠٣٩). قال ابن رجب في \"نزهة الأسماع\": (فالحديث صحيح محفوظ عن هشام بن عمار). وقال ابن حجر في \"التغليق\" (٥/ ٢٢): ... (هذا حديث صحيح لا علة له ولا مطعن ...) انظر كذلك (هدى الساري صـ ٢٤٨) وفتح الباري (١٠/ ٥٣). والسلسلة الصحيحة للألباني (١/ ١٣٩).","vol":"1","page":5},{"text":"فهذه الأمور مجمع على تحريمها، ومع ذلك فإنه يأتي زمان على الناس يسمونها بغير اسمها فيستحلونها بأدنى الحيل فكيف بغيرها ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nوفيما رواه حذيفة قال - ﷺ -: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ويسري على الكتاب في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية) أخرجه ابن ماجه (١).\nالداعي لهذا البحث:\nوقد كان يراودني دوما سؤال عن سبب التشكيك في صفة وكيفية فريضة الحجاب التي فرضها الله على المؤمنات الصالحات وبخاصة ما يشاع ويقال بين الحين والآخر أن الخلاف فيها كان بين الصحابة أنفسهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.\nوالحجاب فريضة إلهية ومسألة دينية كبيرة تختص بجوانب اجتماعية كثيرة وشعيرة إسلامية ظاهرة فمسألة النقاب وحكمه من ناحية الوجوب أو عدمه لابد وأن يكون واضحًا وجليًا ومعلومًا وقد حُسم في الصدر الأول، فلا يمكن في حقهم أن يجهلوها أو يختلفوا فيها كبعض المسائل الأخرى، فمن أشنع الأقوال أن يقال أن الصحابة اختلفوا في فريضة الحجاب وهل هو تغطية المرأة لوجهها أم كشفه؟ .\n_________\n(١) قال الحافظ في الفتح (١٣/ ١٦) أخرجه ابن ماجة بسند قوي. وقال الألباني (صحيح) كما في السلسلة الصحيحة الحديث رقم (٨٧).","vol":"1","page":6},{"text":"ومثل هذا لا يمكن نسبته للصحابة بتاتًا، وهم حول رسول - ﷺ - مع كثرة النساء الخارجات بينهم في اليوم والليلة، فلا يمكن لهذه المسألة أن تخفى أو تُجهل أو لا ينقل إلينا اختلافهم ونقاشهم فيها كما هو الحاصل اليوم بين الفريقين، ولهذا فلابد وأن تكون مسألة الخلاف فيها طارئة وحادثة وبعد إجماع العصور الأولى والقرون الثلاثة المفضلة ومن بعدهم.\nفمسألة التشكيك في النقاب أو وجوبه لم تأتِ فجأة ولم تأتِ من نصوص الكتاب والسنة الظاهرة والصريحة ولا من فهم الصحابة والسلف الصالح لها، وبالتالي فلا بد وأن تكون غربته بدأت تدريجيًا وشيئًا فشيئًا، فما سنذكره من أسباب وما سنجليه من أمور وحقائق ونقول لأهل العلم هي بمشيئة الله تعالى ما سيبين ذلك التدرج حتى وصلت بغربة الحجاب إلى ما وصلت إليه اليوم من حرب على النقاب وزادت بسبب ما بثه بعض العلماء المتأخرين اليوم، من شُبَه جديدة وتفاسير خاطئة وفهم مخالف لمراد الله ومراد رسوله - ﷺ - ومقصد المتقدمين من السلف الصالح وأئمة الإسلام، وبعيدًا عن أقوال أهل العلم السابقين، حتى حرفوا وبدلوا وصحفوا - بغير قصد - فريضة الحجاب عن حقيقتها.\nولهذا لابد أن يكون الحق الذي هو موافق لمراد الله ومراد رسوله - ﷺ - ومراد سلف الأمة ظاهرًا وليس كما حاول البعض أن يقنعنا أن الصحابة والسلف، وأئمة المذاهب الأربعة والذين كانوا قريبين من عصر النبوة قد اختلفوا فيها، بدون دليل ولا نقل صريح، فالمسألة","vol":"1","page":7},{"text":"فريضة إلهية مذكورة ومحفوظة في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وتعنى بالشأن العام ونالت ما نالته من نصوص عديدة وكثيرة لا يمكن أن تخفى وتستتر حقيقتها عند البحث والتحقيق ولابد وأنه في كل الحالات سيكون الأمر واضحًا وجليًا ومدعمًا بأدلة ووقائع خفيت مع طول الزمان بعض حقائقها، ولهذا عزمت مستعينًا بالله على كشفها وسبر أغوارها.\n\nكتبه راجي عفو ربه\nتركي بن عمر بن محمد بلحمر","vol":"1","page":8},{"text":"(المبحث الأول)\nسورة الأحزاب وأول ما نزل من الآيات في مسألة الحجاب وما لحق تفسيرها من تحريف وتبديل وتصحيف","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>(المبحث الأول)\nسورة الأحزاب وأول ما نزل من الآيات في مسألة الحجاب وما لحق تفسيرها من تحريف وتصحيف وتبديل</span>\nيُخطئ كثير من المستدلين لمسألة الحجاب وبخاصة القائلين بسفور المرأة لوجهها (١) عندما يستشهدون بالآية الكريمة: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١].\nفيستدلون بها وكأنها أول ما أنزل من آيات الحجاب وكأنها الأصل والأساس في المسألة على تشريع فريضة الحجاب على نساء المسلمين فهذه الآية من أواخر ما نزل في شأن الحجاب، حيث نزلت متأخرة وبعد نزول أول آيات الحجاب والتي جاءت في سورة الأحزاب وذلك بشهادة أعلم الناس بشأن الحجاب الصحابي الجليل وخادم رسول الله - ﷺ - أنس بن مالك ﵁.\n_________\n(١) قال في \"لسان العرب\": (سفر) قال وإذا ألقت المرأة نقابها قيل سفرت فهي سافر .. وسفرت المرأة وجهها إذا كشف النقاب عن وجهها تسفر سفورًا). وقال في \"المعجم الوسيط\" بتحقيق مجمع اللغة العربية: (سفر) سفورًا وضح وانكشف ... والمرأة كشفت عن وجهها. وقال عند (السافر) ويقال امرأة سافر للكاشفة عن وجهها). وقال في \"المحيط في اللغة\": (والسفور: سفور المرأة نقابها عن وجهها، فهي سافر). وقال في \"تاج العروس\": (يقال: سفرت المرأة إذا كشفت عن وجهها النقاب وفي المحكم: جلته وفي التهذيب: ألقته تسفر سفورًا فهي سافر).","vol":"1","page":11},{"text":"فمن استدل بها لبيان حكم وكيفية صفة فريضة الحجاب يكون قد خلط الأمر وبدأ طريقه خطأً فكلما سار على هذا الأساس بَعُد عن الصواب فكان مؤداه لأخطاء وتناقضات أكثر وأكبر، فهو جعل التفصيل والبيان والرُخص التي في سورة النور ومنه الاستثناء في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ هو الأصل العام والتشريع الأساسي لفريضة الحجاب ونسي أنها متأخرة وأنها استثناء والاستثناء لا بد وأن يأتي بعد أصل عام ومقرر سلفًا وصفه وحدوده وهو المستثنى منه فعليهم أن يرجعوا لأصل المسألة وأول ما نزل فيها حتى يفهموا المستثنى من ذلك تحديدًا والغاية والمراد من ذلك الاستثناء كما أراده الله تعالى.\nفقد نزلت قبلها آيات كما في سورة الأحزاب ما كان لهم أن يغفلوا عنها والتي حسمت وحددت الزينة التي يجب سترها وأمرت بتغطية المرأة لزينتها ومن ذلك وجهها كما عليه إجماع الصحابة والتابعين وعلماء أهل التفسير جميعًا كما سننقله عنهم قريبًا بالتفصيل.\nوالآن ولكي نعرف حقيقة مسألة فريضة الحجاب علينا أن نحدد أول الآيات نزولًا في ذلك حسب تاريخ وأسباب النزول ثم نرتب آياتها ليتبين لنا الصواب في المسألة وحتى لا تتعارض معنا الآيات والأحاديث وتفاسير الصحابة، وحتى ندرك معنى كل آية حسب مراد الله ومراد رسوله - ﷺ - ومراد صحابته الكرام.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>تاريخ نزول أول الآيات في مسألة الحجاب:</span>\nأترك الجواب للصحابي الجليل أنس بن مالك خادمِ رسول الله - ﷺ - قال: (كنت ابن عشر سنين مَقدم رسول الله - ﷺ - وكان أمهاتي يواظبنني على خدمة رسول الله فخدمته عشر سنين وتوفي - ﷺ -، وأنا ابن عشرين سنة وكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل وكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله بزينب بنت جحش أصبح النبي بها عروسًا فدعا القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا وبقي رهطٌ منهم عند النبي - ﷺ - فأطالوا المكث، - وفي رواية - ورسول الله - ﷺ - جالسٌ وزوجته موليةٌ وجهها إلى الحائط، فقام النبي فخرج وخرجْتُ معه لكي يخرجوا فمشى ومشيت حتى جاء عتبة حجرة عائشة - وفي رواية - فانطلق إلى حجرة عائشة فقال السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته فقالت وعليك السلام ورحمة الله كيف وجدت أهلك بارك الله لك؟ فتقَّرى حُجَر نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة ويقلن له كما قالت عائشة - إلى أن قال- فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي بيني وبينه بالستر - وفي رواية - فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه وأنزل الحجاب فخرج رسول الله وقرأهن على الناس: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾ إلى قوله: ﴿من وراء حجاب﴾ [الأحزاب: ٥٣] أخرجه الشيخان وغيرهما.\nقال الإمام ابن كثير في تفسيره: (هذه آية الحجاب وفيها أحكام وآداب شرعية وهي مما وافق تنزيلها قول عمر بن الخطاب رضي","vol":"1","page":13},{"text":"الله عنه كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال: وافقت ربي ﷿ في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مقام إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وقلت: يا رسول الله أن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن، فأنزل الله آية الحجاب، وقلت لأزواج النبي - ﷺ - لما تمالأن عليه في الغيرة: ﴿عَسَى رَبُّهُ إن طَلَّقَكُنَّ أن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] فنزلت كذلك، وفي رواية لمسلم، ذكر أسارى بدر وهي قضية رابعة.\nوقد قال البخاري: حدثنا مسدد عن يحيى عن حميد عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب وكان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله - ﷺ - بزينب بنت جحش الأسدية التي تولى الله تعالى تزويجها بنفسه، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة في قول قتادة والواقدي وغيرهما وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى وخليفة بن خياط أن ذلك كان في سنة ثلاث، فالله أعلم) انتهى من ابن كثير.\nوبهذا يتبين أن بدايات أمر الحجاب وفرضه كانت بعد غزوة الأحزاب وبني قريظة في سورة الأحزاب وأن آياتها من أول ما أنزل في ذلك ومنها قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ قُل لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذَلِكَ أَدْنَى أن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكان اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩].","vol":"1","page":14},{"text":"أما سورة النور وما فيها من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، فقد نزلت بعد ذلك بفترة، فكان ما فيها من آيات عديدة في مسائل الحجاب تفصيل وبيان واستثناء ورخص من الأصل السابق، وهذا معلوم من طريقة القرآن وأسلوبه ورحمة الله بعباده والتوسعة عليهم، والدليل على ذلك أمور جلية وبينة منها:\n١ - أن سورة الأحزاب وحادثة التحزب والخندق المذكورة في السورة كانت في السنة الخامسة من الهجرة على الصحيح المشهور كما قاله ابن كثير في تفسيره وابن إسحاق وغيرهم (١)، فهي بلا خلاف قبل سورة النور والتي ذُكر في آياتها وقائع حادثة الإفك التي وقعت في السنة السادسة للهجرة.\n٢ - أن سورة النور ذكرت حادثة الإفك كما في الآية رقم (١١) ثم جاء بعدها قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] وقد بينت عائشة ﵂ عند روايتها للحادثة التي وقعت لها أنهن قد أمرن قبل ذلك بتغطية وجوههن عن الرجال كما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما فيما حكته عن نفسها قالت: (وكان صفوان من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان فأتاني، فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت\n_________\n(١) سيرة ابن هشام (٣/ ١٦٥). وقد جزم ابن حزم في جوامع السيرة (صـ ١٤٧) وابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٢٦٩)، وغيرهما من العلماء المحققين بصحة قول ابن إسحاق.","vol":"1","page":15},{"text":"وجهي بجلبابي)، فدل بوضوح أن الحجاب قد فرض قبل سورة النور وقبل ما فيها من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَاظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١].\n٣ - الحديث المتقدم لخادم رسول الله - ﷺ - وأعلم الناس بشأن الحجاب وقوله: (وكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل وكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله بزينب بنت جحش) متفق عليه.\nوقد ذكر أهل السير أن زواج رسول الله - ﷺ - بزينب، كان في السنة الخامسة للهجرة مما يدل على أن أول بدايات نزول آيات فرض الحجاب كانت في سورة الأحزاب التي ذكرها أنس وما بعدها من الآيات في نفس السورة، كقوله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ وهي المتقدمة على سورة النور وما فيها من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال الحافظ ابن حجر: (ولا خلاف أن آية الحجاب نزلت حين دخوله - ﷺ - بها فثبت أن الحجاب كان قبل قصة الإفك) (١) انتهى. كما هو جلي وواضح والحمد لله.\nقال الإمام البيهقي: (وغزوة بني قريظة كانت عقيب الخندق في سنة خمس فنزول الحجاب كان بعده والله أعلم) (٢) انتهى.\n٤ - وسوف نأتي لمزيد من الأدلة الأخرى عند تفسير آيات سورة النور بمشيئة الله تعالى (٣).\n_________\n(١) فتح الباري (٨/ ٤٦٣).\n(٢) سنن البيهقي الكبرى (٧/ ٩٢) \"باب مساواة المرأة الرجل في حكم الحجاب والنظر إلى الأجانب\".\n(٣) تفسير آيات سورة النور، المبحث الثاني صفحة (٩٣).","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>كيف مهد الإسلام لتشريع فريضة الحجاب</span>؟:\nمن بداية سورة الأحزاب والله ﷿ يمهد لفريضة الحجاب وذلك بعدة أمور، ومن العجيب الذي لا يمكننا أن نلخصه في هذه العجالة أنك ترى في سورة الأحزاب أعظم تمهيد لحدث لم يكن مألوفًا ولا معتادًا على المسلمين، فقد شملت من الترغيب والترهيب وبيان عظمة الله وقدرته والتسليم لأمره وأنه ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، وغير ذلك مما جاء لعدة أغراض وأسباب، من ضمنها نزول فريضة الحجاب ولا يمكنني التعبير عن دقة ذلك وعظمته وتدرجه، فأحيل القارئ الكريم لقراءة السورة كاملة، وهي التي حوت فريضة الحجاب وأول ما نزل في شأنها ولا بأس أن نُذكِر ببعض التمهيد العام والخاص في ذلك، فمن التمهيد العام والذي سبق نزول فريضة الحجاب:\nأ- عدم طاعة الكافرين والمنافقين والإعراض عن أذاهم:\nأن فريضة الحجاب والنقاب وستر النساء لوجوههن عن الرجال لم يكن ذلك بالأمر المألوف أو الهين على المسلمين كونه لم يكن مشروعًا قبل ذلك وكانت نساء الصحابة وزوجات رسول الله - ﷺ - يكشفن على الرجال، كما دلت على ذلك النصوص العديدة، فلم يكن تغيير ذلك الواقع سهلا بالنسبة لهم ولابد وأن النفوس البشرية ستستصعب ذلك.\nكما لا ننسى أعداء الإسلام من المنافقين والمشركين وأهل الكتاب وكيف أنهم مشهورون بالسخرية والاستهزاء بالمؤمنين، ويحاربون كل","vol":"1","page":17},{"text":"حكم وفريضة إسلامية يأتي بها الله تعالى، لهذا عندما تقرأ بدايات سورة الأحزاب، وإن جاءت لأسباب معينة كما ذكر ذلك بعض أهل التفسير فلا يمنع من أنها مهدت لفريضة الحجاب بأعظم تمهيد وتجهيز لنفوس عباده المؤمنين والمؤمنات لاستقبال أحكام الحجاب وغيره من الأحكام التي لم يكن المجتمع المسلم متعودًا عليها ومن أهمها إلغاء التبني والأمر بفريضة الحجاب فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإنك لتعلم مدى قوة هذين الأمرين وصعوبتهما على النفوس وخوفها من نظرة الآخرين وكلامهم وانتقاداتهم، وإنك لتعلم مدى رحمة الله بعباده عندما تقرأ في أول سورة الأحزاب تلك البداية العجيبة التي تقشعر منها الجلود وهي قوله تعالى في أول آية منها:\n﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿١﴾ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿٢﴾ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴿٣﴾ [الأحزاب].\nفالأمر بعدم طاعة الكافرين والمنافقين لم يوجهه الله للمؤمنين مباشرة وإنما وجهه لأعلى شخصية إسلامية بأن يتقي الله، ويكون القدوة لأتباعه لتنفيذ ما يُوحَي إليه من ربه، في نفسه وأهل بيته وعموم المسلمين، ولا يطيع الكافرين والمنافقين ولو كانت أمورًا عظيمة في جانب التوحيد أو التشريع مما لم يألفوها ويتعودوا عليها، فهو العليم الحكيم بما ينفع عباده، وهذا أروع استهلال وأعظم مقدمة تقشعر منها القلوب والجلود وتسلم لها الجوارح على حكمة العليم الحكيم ليهدم","vol":"1","page":18},{"text":"قضية التبني ويُعد المؤمنين لاستقبال فريضة الحجاب والنقاب، وبذلك يجهز النفوس المؤمنة لمجابهة اللمز والغمز والمضايقات من أعداء الدين، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا ﴿٣٦﴾ [الأحزاب] ولهذا كرر ﷾ ما قاله في أول السورة قبل آيات فرض الحجاب في البيوت كما في الآية الثامنة والأربعين فقال: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴿٤٨﴾ [الأحزاب].\nثم كررها قبل آية الحجاب خارج البيوت كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ﴿٥٧﴾ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ﴿٥٨﴾ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿٥٩﴾ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ﴿٦٠﴾ مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ﴿٦١﴾ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴿٦٢﴾ يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ﴿٦٣﴾ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا ﴿٦٤﴾ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴿٦٥﴾ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ","vol":"1","page":19},{"text":"وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا ﴿٦٦﴾ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴿٦٧﴾ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ﴿٦٨﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴿٦٩﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٧٠﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴿٧١﴾ [الأحزاب].\nوسبحان الله ما أشبه الليلة بالبارحة! فقد تكالب أعداء الإسلام وقاموا بحملة ضد النقاب ومنع المسلمات في كثير من دول العالم من تغطية وجوههن والاقتداء بزوجات رسول الله - ﷺ - ونساء صحابته الكرام وأصدروا تشريعاتهم في ذلك لمحاربته والسخرية منه.\nلهذا ستجد أيها القارئ الكريم أن سورة الأحزاب من أولها وحتى آخرها تدور حول إعداد النفوس المسلمة لمواجهة أوامر الله جميعها السابقة أو الجديدة عليهم والتي لم يتعودوها ومنها ما نحن بصدده من الأمر بفريضة الحجاب وغير ذلك بالرضا والتسليم وعدم طاعة الكافرين والمنافقين والمرجفين والإعراض عن أذاهم القولي أو الفعلي والتوكل على الله وكفى بالله وكيلًا.\nب - مهد الله قبل فرض الحجاب بتذكيرهم بيوم الأحزاب يوم أن نجاهم الله من شر عظيم وفزع كبير، فكان في الأمر للنساء بقرارهن في بيوتهن وسترهن لوجوههن سكينة ووقار وطمأنينة لهن مما لا تحتمله النساء من الشدة والعناء والجهاد والمصاعب:","vol":"1","page":20},{"text":"فقبل أن يفرض الحجاب بدأ بتذكيرهم بنعمته عليهم ورعايته لهم من كيد أعدائهم ومكرهم يوم الأحزاب يوم أن تكالبوا عليهم وبلغت القلوب الحناجر ولم يكن لهم من ملجأ إلا اللهَ ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴿٩﴾ [الأحزاب]، وهذا من أعظم الدواعي المحفزة للاعتماد عليه والأخذ بما أمر وشرع، وأنهم حين يتبعون أمره فلا غالب لهم، مهما بلغت قوة أعدائهم.\nج- مهد الله لفريضة الحجاب بتشريف زوجات نبيه - ﷺ - بأن جعلهن أمهات للمؤمنين، ثم أمرُهُ لهن، بعد ذلك بالبعد عن مثيرات الشهوات والحجاب ممن قضى أنهم أبناء لهن، فكن بذلك مخصوصات عن بقية أمهات العالمين بالتحجب من أبنائهن:\nوهذا أعظم تمهيد عندما أعلن الله في بدايات السورة تكريمه لزوجات النبي - ﷺ - بما أعلى به قدرهن، ورفع به شأنهن، بأن جعلهن أمهات للمؤمنين فقال: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ... ﴿٦﴾ [الأحزاب]، ولهذه البداية حكمة عظيمة قبل فرض الحجاب فبعد هذا التكريم صرن أمهات للمؤمنين، ولهذا أكثر المؤمنون قبل نزول الحجاب من الدخول على بيوت النبي - ﷺ - بدون ترتيب أو استئذان حتى كان يدخل عليهن البر والفاجر، كما أخبر أنس، قَالَ: (قَالَ عُمَرُ ﵁: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ وَالفَاجِرُ فَلَوْ أمرتَ أمهات المؤمنين بِالحِجَابِ فأنزل اللَّهُ آية الحِجَابِ) أخرجه البخاري","vol":"1","page":21},{"text":"وغيره، وعمر ما قال ذلك إلا لما أكثر الناس من الدخول على بيوت النبي - ﷺ - وشجعهم على ذلك وطمأنهم عليه كونهن أمهاتهم، وهو أولى بهم من أنفسهم كما نصت عليه الآية السادسة من سورة الأحزاب، ولم يكن لأحد بعد هذا أن يمنع أو يحجب الرجال عن الدخول على أمهاتهم إلا بنص قرآني آخر، ولهذا لم يحجبهن رسول الله - ﷺ - من عند نفسه وكان شديد الحياء، فكان عمر ﵁ يحث على ذلك حتى نزلت الآيات، قال الإمام السيوطي في لباب النقول في أسباب النزول: (قال الحافظ بن حجر (١): يمكن الجمع بأن ذلك وقع قبل قصة زينب فلقربه منها أطلق نزول آية الحجاب بهذا السبب ولا مانع من تعدد الأسباب، وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا نهض إلى بيته بادروه فأخذوا المجالس فلا يعرف ذلك في وجه رسول الله - ﷺ - ولا يبسط يده إلى الطعام استحياء منهم فعوتبوا في ذلك فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا\n_________\n(١) وقال الحافظ في الفتح عند (قوله باب خروج النساء إلى البراز): (وطريق الجمع بينها أن أسباب نزول الحجاب تعددت وكانت قصة زينب آخرها للنص على قصتها في الآية، والمراد بآية الحجاب في بعضها قوله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾) انتهى. ثم ساق من الأسباب حديث سودة ﵂ عند خروجها، وسيأتي معنا ترتيب ذلك عند كلامنا في (المبحث السادس) عن أقوال أهل العلم في خصوصية أمهات المؤمنين ..","vol":"1","page":22},{"text":"فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا ﴿٥٣﴾) (١) انتهى.\nفبدأ الله التمهيد لمسائل الحجاب بهن، وكأنه لما أكرمهن بهذا اللقب الرفيع كان ذلك لحكم عديدة بالغة منها: أن كل ما أمرت به الأمهات مع أبنائهن من الرجال فغيرهن من النساء مع الرجال الأجانب أولى وأحرى وأوجب، ثم بعد هذا التشريف وهن الأمهات حثهن على لزوم طاعة الله ورسوله وخيرهن باختبار كبير إن كنَّ يردن الله ورسوله والدار الآخرة أو يردن الدنيا وزينتها، ثم حذرهن من مواطن الريبة والفتنة والفواحش، وأن يكنَّ قدوات لغيرهن من المؤمنات في الخيرات بل من العجب أن بدأ بهن في خطاباته الأولى وهن الطاهرات العفيفات زوجات خير الأنبياء أمهات المؤمنين اللاتي الفتنة منهن وإليهن أبعد عمن سواهن من النساء، وما ذلك إلا ليحرض المؤمنين والمؤمنات على الاقتداء بهن والسير على نهجهن، وقد أمرهن بأبسط الأمور وأدقها، مع جلالة قدرهن وسمو مكانتهن، فنهين عن الخضوع بالقول، وأمرن بالقرار في بيوتهن وعدم الخروج إلا لحاجة ونهين عن تبرج الجاهلية الأولى وأمرن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله - ﷺ - وتبليغ ما أنزل في بيوتهن من آيات الله والحكمة، وهذا أعظم محفز لغيرهن من النساء أن يشددن الهمة على الامتثال لفريضة الحجاب ونبذ التغريب والمغريات الدنيوية والتبرج والسفور.\n_________\n(١) لباب النقول في أسباب النزول للإمام السيوطي (١/ ١٦٢).","vol":"1","page":23},{"text":"وما بدأ الله بهن- وهن أمهات للمؤمنين - إلا ليمهد وينبه ويُسلي من بعدهن من المؤمنات بعظيم شأن الحجاب وقوة فريضته ويهون على من دونهن أوامره ونواهيه التي جاءت في ذلك.\nوصرن بهذا مختصاتٍ بالأمر بالتحجب من أبنائهن، خلافًا لسائر الأمهات اللاتي ليس مفروضًا عليهن ذلك، ولا أريد أن أطيل هنا في مسألة خصوصيتهن وما لحقها من التحريف والتبديل والتصحيف من بعض المتأخرين، حتى قيل أن وجوب ستر الوجه مخصوص بأمهات المؤمنين وسنة على غيرهن من النساء، وبدون أن يكون لهم أدنى دليل أو مستند أو قول من أهل العلم في ذلك، إلا أنه عُكِس وبُدل مفهوم الخصوصية التي قصدها المتقدمون، فحورب النقاب لأجل هذا، وأُولت أدلته من الكتاب والسنة حتى عاد غريبًا كما بدأ، بسبب فهم مغلوط ومعكوس لكلمة الخصوصية، وبهذا بدَّلوا الفائدة والحكمة التي أرادها الله من خصوصيتهن بالتحجب وهن الأمهات، وسوف نعقد لهذا فصلًا مستقلًا بمشيئة الله تعالى، وما يعنينا هنا، هو أن يُراجع القارئ الكريم السورة، ويتأمل ذكرها لهذا التشريف الكريم وما حوته من آيات مهدت بعده لهذا الحدث العظيم، وهو فريضة الحجاب، وستر النساء لوجوههن عن الرجال.\nد - تمهيد سورة الأحزاب لمسائل الحجاب على سبيل الخصوص:\nفإن كان هناك تمهيد وإعداد لفريضة الحجاب على سبيل العموم مما ذكرناه من عدم طاعة الكافرين والاعتماد على الله ولزوم أمره، وكذلك تذكيرهم بيوم الأحزاب وهذا فيه إشارة إلى أنه من كان مع الله","vol":"1","page":24},{"text":"وأطاعه في أوامره ونواهيه لا يضره أذى المؤذين وكيد الكائدين، وغير ذلك مما جاء من التمهيد العمومي.\nكذلك كان هناك تمهيد وتدرج بخصوصه، حيث نجد أنه نزل قبل فرض الحجاب آيات تنهى زوجات النبي الكريم أمهات المؤمنين عن الخضوع بالقول حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض، وأمرن أن يقلن للرجال قولًا معروفًا مختصرًا لا توسع فيه ولا تبسط، أي لا كما تخاطب المرأة زوجها، ثم جاء الأمر بقرارهن في البيوت وألا يخرجن إلا لحاجة، وألا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وهذا كله إعداد لمسألة الحجاب، حتى جاء أول ما نزل في شأن الحجاب كما أخبر به أنس رضي لله عنه وما تلاها من آيات هي الأولى في فريضة الحجاب.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>أول ما نزل في شأن الحجاب:</span>\nكل ما سبق وغيره مقدمات قبل فرض الحجاب حتى نزلت أول آية في شأن الحجاب كما أخبر بذلك أنس ﵁ خادم رسول الله - ﷺ - وأعلم الناس بشأن الحجاب قال: (وكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل وكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله بزينب بنت جحش - إلى أن قال - فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي بيني وبينه بالستر - وفي رواية - فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، وأنزل الحجاب فخرج رسول الله وقرأهن على الناس: ﴿يا أيها الذين أمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾ إلى قوله: ﴿من وراء حجاب﴾ [الأحزاب: ٥٣] متفق عليه.\nوهذه الآية في بداية التحجب وذلك بمنع دخول الرجال على النساء جميعًا وعلى هذا جميع المفسرين كما سيأتي في مبحث الخصوصية إن شاء الله فإن كان هذا في حق نساء النبي - ﷺ - وهن في حكم الأمهات كما نصت عليه الآية السادسة من نفس سورة الأحزاب فغيرهن من النساء اللاتي لسن بأمهات ولا محارم للمؤمنين من باب أولى.\nوكون الصحابة عاصروا نزول القرآن لم يختلط عليهم مثل هذا الأمر في أن كل ما أمرت به أمهاتهم بعد ذلك، من التصون والحجاب عن من هم في حكم الأبناء لهنَّ، كان بديهيًا أن يُفهم منه حينها دخول نساء المؤمنين في ذلك الأمر وهن لسن بأمهات ولا محارم لأولئك الرجال، وقد أوضحنا سبب ذكر الآية لبيوت النبي - ﷺ - بالذات؛ لأن","vol":"1","page":26},{"text":"الدخول قبل نزول الحجاب كان بكثرة في بيوت النبي - ﷺ - وذلك لمكانته ومكانة زوجاته بنص أول الآيات في سورة الأحزاب، كما أنه لو جاء الأمر للمؤمنين بمنع الدخول على بيوت بعضهم البعض، لبقي الأمر على حاله في بيوت النبي - ﷺ - ولما امتنع أحد من الدخول معتقدين أن الآية لا تعنيهم، وهم في حكم الأبناء مع أمهاتهم، لقوله تعالى بعد تلك الآية: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ .. ﴿٥٥﴾ [الأحزاب].\nولهذا جاء بذكر بيوت النبي - ﷺ - بالذات حتى يشمل الأمر بالحجاب أمهات المؤمنين.\nقال العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب: (وبهذا يرتفع الإشكال في قوله: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ مع قوله: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ إذ يقال كيف يلزم الإنسان أن يسأل أمه من وراء حجاب؟ والجواب ما ذكرناه الآن فهن أمهات في الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام لا في الخلوة بهن ولا في حرمة بناتهن ونحو ذلك والعلم عند الله تعالى) انتهى.\nولهذا فصار بعد التمهيد ونزول آيات الحجاب من المؤكد للجميع أن أمومة أمهات المؤمنين التي جاءت في بدايات السورة ليست كالأمومة الحقيقية من كل وجه، وإنما كما قال الإمام الشافعي: (في معنى دون معنى) (١).\n_________\n(١) انظر كتاب \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ١٥١) وسيأتي معنا نقل الإمام البيهقي له في مبحث الخصوصية (صـ ٣٩٦).","vol":"1","page":27},{"text":"قال الإمام البيضاوي في تفسيره: (وأزواجه أمهاتهم منزلات منزلتهن في التحريم واستحقاق التعظيم وفيما عدا ذلك فكما الأجنبيات) انتهى.\nوقال في تفسير المحرر الوجيز لابن عطية المحاربي: (قال الفقيه الإمام القاضي: وشرَّف تعالى أزواج النبي - ﷺ - بأن جعلهن أمهات المؤمنين، في حرمة النكاح وفي المبرة وحجبهن ﵅ بخلاف الأمهات) انتهى.\nوسيأتي معنا الكثير من نقولات أهل العلم بمشيئة الله تعالى في المبحث المستقل بخصوصية أمهات المؤمنين.\nفالمقصود أن الله لم يُرد أن يختص أمهات المؤمنين بترك الحجاب بل اختصهم بالحجاب وهن الأمهات وجعلهن كبقية النساء فكن مخصوصات حيث لم تؤمر سائر أمهات العالمين بالحجاب من أبنائهن كما أمرت به أمهات المؤمنين، فكان فيه أبلغ وأعظم استشعار بأهمية فريضة الحجاب.\nوهذا المنع من الدخول للبيوت كان بشكل إجمالي ثم جاء في سورة النور- المتأخرة عنها - وفصَّل وزاد في عدد الأصناف المسموح لهم بالدخول على النساء وبين أحكام الدخول وآدابه وطرق الاستئذان سواء للأجانب أوالأطفال بما لم يذكره هنا في الأحزاب.\nأخرج الفريابي وابن جرير عن عدي بن ثابت قال: جاءت امرأة من الأنصار، فقالت: يا رسول الله، إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد، وأنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي،","vol":"1","page":28},{"text":"وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع؟ فنزلت: ﴿يا أيها الذين أمنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأنسُوا﴾ [النور: ٢٧].\nقال الإمام ابن كثير عند تفسيره للآية السابقة من قوله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ﴿٥٥﴾ [الأحزاب]: (لما أمر تعالى النساء بالحجاب من الأجانب، بين أن هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب منهم، كما استثناهم في سورة النور، عند قوله: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء﴾ إلى آخرها، [النور: ٣١] وفيها زيادات على هذه) انتهى كلامه يرحمه الله.\nوهكذا في الآيات التي بعدها - من سورة الأحزاب - في الأمر بالحجاب حال خروجهن من البيوت بدأ الله أيضا بأمهات المؤمنين زوجات النبي - ﷺ - وبناته ونساء المؤمنين بأن يدنين عليهن من جلابيبهن ويسترن كامل زينتهن بما في ذلك وجوههن.\nثم في سورة النور فصل ﷾ فبعد أن أكد الأمر السابق ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، استثني فرخص بإبداء الزينة في حالات الحاجة والضرورة بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]","vol":"1","page":29},{"text":"ولهذا جاء من أقوال السلف أنها الوجه والكفان، وجاء غير ذلك كثير أيضا، وإنما اشتهر ذلك كونهما الغالب مما تحتاج المرأة وتضطر لكشفه، فالآية لم تحدد ذلك، وإلا فقد تمرض المرأة وتحتاج إظهار أكثر من ذلك، وقد تحتاج إظهار أقل من ذلك من زينتها ككفها فقط، لهذا قالوا الخاتم، أو عينيها من خلف البرقع تبصر به الطريق وتتفحص بها الأشياء، لهذا قالوا الكحل، ونحو ذلك (١).\nثم جاء أيضا بعدها بالرخصة ﴿وَالْقواعد مِنَ النِّسَآءِ الَّلاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ متبرجات بِزِينَةٍ وَأن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عِلِيم﴾ [النور: ٦٠].\nفكان ما في سورة النور تفصيل وتوضيح لما أجمل في سورة الأحزاب.\n_________\n(١) وسيأتي معنا بمشيئة الله تعالى تفصيل تلك الأحوال من أقوال الصحابة والسلف عند تفسير الآية في (المبحث الثالث).","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>آية الحجاب وإجماع المفسرين عليها</span>\n﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿٥٩﴾ [الأحزاب].\nهذه الآية نزلت بعد الآية التي أخبر بها أنس أنها من أول ما نزل في شأن الحجاب، وكلامه واضح أنه نزل بعدها آيات، وانظر كيف أمر الله ﷾ رسوله - ﷺ -، بأن يبلغهن بنفسه بفرض الحجاب عليهن، وكيف أمر الله رسوله - ﷺ - أن يبدأ تبليغ ذلك الأمر بزوجاته أمهات المؤمنين وببناته الطاهرات وبنساء المؤمنين، وفي هذين الملحظين بيان لأهمية الحجاب ومكانته، وكبير قدره وشرفه حيث دُعي إليه أهل بيت رسول الله - ﷺ - قبل غيرهن من النساء، بل دُعي إليه من هن في حكم الأمهات قبل غيرهن من الأجنبيات.\nوهذه الآية مما أجمع عليها المفسرون قاطبة نقلا عن الصحابة وبخاصة ابن عباس ﵄، بأنها الأمر بلبس النساء للجلابيب وتغطيتهن لوجوههن، ولم يذكروا عند تفسيرهم لهذه الآية أي خلاف في ذلك بتاتًا، ولم يذكروا فيها وجود قول آخر ككشف المرأة لوجهها، أو غير ذلك، فهو إجماع صريح ثابت صحيح، مذكور منهم للأمانة، ومدون في كتبهم، خلف عن سلف فهو بلا شك مما علمه وفسره رسول الله - ﷺ - لصحابته الكرام، وتناقلوه جيلًا بعد جيل، وسيأتي بيان ذلك نقلًا وتفصيلًا.","vol":"1","page":31},{"text":"والآن لا بأس أن نورد الكثير من أقوالهم ونَدَع الباقي للقارئ الكريم، وذلك لكثرتها وشهرة مذهب أصحابها في وجوب تغطية المرأة لوجهها وحتى لا نطيل فيما هو مفروغ منه:\n١ - الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) وما وقع في تفسيره من التحريف والتبديل والتصحيف:\nقال ﵀: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين: لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن (١) لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن. ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن؛ لئلا يعرض لهن فاسق، إذا علم أنهن حرائر بأذى من قول.\nثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به:\nفقال بعضهم: هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلا يبدين منها إلا عينا واحدة.\nذكر من قال ذلك:\nحدثني علي، قال: ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس، قوله: ﴿ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من\n_________\n(١) لتعلم أن الآيات التي قبلها مما أخبر به أنس ﵁، كانت في الحجاب من الرجال وهن داخل البيوت، ولما كان لا بد لهن من الخروج أرشدهن بعدها لطريقة حجابهن إذا خرجن بإدناء الجلابيب عليهن.","vol":"1","page":32},{"text":"جلابيبهن﴾ أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة. حدثني يعقوب قال ثنا ابن علية عن ابن عون عن محمد عن عبيدة في قوله: ﴿ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ فلبسها عندنا ابن عون قال: ولبسها عندنا محمد قال محمد: ولبسها عندي عبيدة قال ابن عون بردائه فتقنع به، فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى، وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب.\nحدثني يعقوب قال ثنا هشيم قال أخبرنا هشام عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن قوله: ﴿قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ قال: فقال بثوبه، فغطى رأسه ووجهه، وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه.\nوقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن.\nذكر من قال ذلك:\nحدثني محمد بن سعد قال ثني أبي قال ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله: ﴿ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ...﴾ إلى قوله: ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ قال: كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن. وإدناء الجلباب: أن تقنع وتشد على جبينها.","vol":"1","page":33},{"text":"حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قوله: ﴿ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين﴾ أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) انتهى كلام الطبري ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>التحريف والتبديل والتصحيف المعاصر لما لحق كلام شيخ المفسرين الإمام الطبري في تفسيره لآية الإدناء:</span>\nوهنا لا بد لنا من وقفة لا يحتمل السكوت عنها، وتوضيح أمر مفهوم ومعلوم ولم يكن هناك داع لتوضيحه وهو أن تفسير الطبري ﵀ من أعظم وأشهر كتب التفسير بالمأثور؛ فهو ينقل الآثار عن السلف بالأسانيد، ولهذا كان دقيقًا في تفسيره أكثر من غيره، وينقل جل ما لديه من آثار في تفسير الآية، ولو جاءت العبارات مختلفة عن نفس الصحابي أو التابعي ولو كان معناها ومؤداها واحدا، فإنه ينقل الإسناد والعبارات كما هي ويفرق ويقسم الأقوال لأدنى اختلاف في اللفظ، وذلك حرصا منه ﵀ في استيعاب المعاني والألفاظ كما جاءت، وإسناد كل قول لقائله من السلف كما ورد عنه بالسند المأثور، وهذا ما أكسبه مكانة ورفعة حتى أصبح شيخ المفسرين بالمأثور، وهذا ما نراه ونقرؤه ونفهمه في تفسيره لهذه الآية.\nولكن من المعاصرين من غاب عنهم هذا المعنى وهذا المنهج الدقيق فتسرع ظنا منه أن في المسألة اختلافا جوهريا بين الصفتين ينصر به مذهبه في القول بعدم وجوب تغطية المرأة لوجهها، ولا شك أن هذا من","vol":"1","page":34},{"text":"التصحيف والتحريف والتبديل لمنهج الأئمة الأعلام وطريقة فهم كلامهم، ثم ما يترتب على ذلك الفهم الخاطئ من التحريف والتبديل لحكم الله ورسوله، وظن أنه بمجرد قول الطبري: (ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به) ظن وجود خلاف في أصل معنى الإدناء، بمعنى أن الطبري قصد من الخلاف هنا خلاف التضاد الذي لا يمكن معه الجمع بين الأقوال في الصفتين المختلفتين لأن مؤداهما ليس لشاء واحد، وهو الأمر بتغطية الوجوه بل لشيئين متضادين، فتكون الصفة الأولى لتغطية الوجه، والثانية لتغطية الرأس فقط، والحقيقة الواضحة من كلام الطبري هو أنه عني بالخلاف هنا خلاف التنوع وهو (في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به) وكيف تكون طريقة الإدناء وطريقة ستر النساء لشعورهن ووجوههن؛ لأنه قد قرر ابتداءً معنى الإدناء وهو مخالفة الإماء وذلك بسترهن لشعورهن ووجوههن إذا خرجن، وبهذا يكون الخلاف خلاف تنوع وليس كما توهمه البعض وذلك لأمور جلية وبينة كالشمس، فإن الطبري قصد بقوله وإن اختلفت الصفة والطريقة للستر ولكن مؤداهما واحد وهو الإدناء الذي أمرهن الله به من ستر الشعر والوجه بأي الصفتين كان ذلك، إما بالسدل والإرخاء والإلقاء من فوق رأسها، وإما بطريقة النقاب والتقنع والبرقع واللثام، ولا يكون بهذه الأمور إلا بطريقة أخرى وهي الشد على الجبين وبالعطف والضرب على الوجه.\nوذِكرُ الطبري لكلام السلف في اختلاف طريقة ستر الوجه كان لفائدة عظيمة سنأتي لذكرها، ولكن عدم فهمهم لمقصد ومنهج الصحابة","vol":"1","page":35},{"text":"ومن بعدهم في التفسير، جعلهم يتسرعون فيحرفون ويبدلون - دون قصد - كلام الطبري عن مقصده ومراده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>اختلاف ألفاظ السلف في التفسير غالبًا ما يكون اختلاف تنوع:</span>\nوالمعروف أن ألفاظ السلف في التفسير واختلافهم غالبا هو من باب خلاف التنوع، لا من خلاف التضاد؛ لأن خلاف التضاد: هو أن يكون بين القولين تضاد، أي: لا يمكن اجتماعهما، وأما خلاف التنوع: هو أن تكون ألمادة المستعملة تختص في قول ما لا تختص في القول الآخر، بمعنى أن صاحب القول الأول يذكر وجهًا من المعنى لا يذكره صاحب القول الثاني، وصاحب القول الثاني يذكر وجهًا من المعنى لا يذكره صاحب القول الأول، ويكون المعنى الأول والثاني كلاهما صحيح، ويحصل التمام باجتماعهما. وغالب ما يكون خلاف التنوع في كلام السلف هو في التفسير، فإن الناظر في كتب التفسير كتفسير ابن جرير وهو أخص كِتاب في المأثور يرى أن أقوال الصحابة والتابعين، ولا سيما من اشتغل منهم بالتفسير فيها اختلاف كثير، وعامةُ هذا الاختلاف إما لفظي وأما تنوع، بمعنى: أن يذكر أحدهما معنى، ويذكر الآخر معنى آخر، لكن يمكن اجتماعهما، ويكمل أحدهما الآخر.\nفمن لم يفهم منهجهم ويعرف طريقتهم نسب إليهم الاختلاف إما لمجرد قول الناقل عنهم (واختلفوا) وإما لما يراه من أقوال السلف المختلفة ظاهرًا في تفسيرهم للآية، فيظنهم يقصدون اختلاف التضاد، فيحرف ويبدل كلامهم بغير قصد كما في فريضة الحجاب.","vol":"1","page":36},{"text":"وهنا زعموا أن قول الطبري: (ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به) أن بين الصفتين اختلاف تضاد فأداهم ذلك لورطة أخرى وخطأ أكبر وأشنع، وهو أنه يلزم من قولهم ذلك أن يبرهنوا أن لفظة التقنّع الواردة في الصفة الثانية (وإدناء الجلباب: أن تقنع وتشد على جبينها) لا تعني ستر الوجه، ونقل نقلا مبتورا وناقصًا عن بعض أهل اللغة يفيد أنها بمعنى الستر فقط، فقالوا ليس فيها ستر الوجه، بل ومن العجيب أنهم قالوا: (أن التقنّع الذي يلبسه المحاربون لا يكون على الوجه بتاتا فإنه لو كان على الوجه كيف يبصرون الطريق فضلا عن القتال، وأنه وإن ورد عن البعض أنه يستر الوجه فهذا مجاز عن إحاطته بالوجه وليس حقيقة في تغطيته) (١)، وبهذه البساطة نسفت فريضة النقاب ووجوبه في الشريعة المطهرة، وأما كيف يبصرون؟ فإن الأطفال الصغار يعرفون الأقنعة ويلبسونها ويمكنهم أن يجيبوا بأن للمقاتلين في أقنعتهم فتحتين أمام العينين يبصرون بها، بل وورد لفظ القناع الذي يستر الوجه في السنة واللغة وقصص العرب بشكل مستفيض لا يحصى، سنأتي لذكره باستفاضة، بل لو أنهم نظروا في كلام الطبري بنوع من التأمل قليلا، لأغناهم عن ذلك كله، ولعلموا مقصده وأن التقنع يستر الوجه أيضا فقد نقل الإمام الطبري في الصفة الأولى بعد أثر ابن عباس، أثر عبيدة السلماني وكيف وصف ابن عون\n_________\n(١) نقلًا من كلام الشيخ محمد الألباني ﵀ في كتابه: (الرد المفحم على من خالف العلماء وتشدد وتعصب، وألزم المرأة بستر وجهها وكفيها وأوجب، ولم يقتنع بقولهم: أنه سنة ومستحب) ..","vol":"1","page":37},{"text":"تغطية الوجه بلفظة (التقنع) فقال الإمام الطبري: (قال ابن عون بردائه فتقنع به، فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب) وهذا هو نفس تفسير ابن عباس الذي في الصفة الأولى (أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة) مما يكفي معه أن يفهم الشخص منه معنى التقنع الوارد في الصفة الثانية التي أشكلت عليهم، وأنه كذلك بمعنى ستر الوجه أيضًا.\nوكل ما في الأمر أن الإمام الطبري أراد أن يبين صفات مختلفة وردت عن السلف بالأسانيد التي لديه في طريقة وكيفية الإدناء الذي هو كما قال بنفسه أنه تغطية الرؤوس والوجوه! حيث جاءت كيفيات وصفات وألفاظ في ذلك عن السلف كابن عباس وغيره فأراد الطبري أن يذكرها كما هي بأسانيدها التي لديه عنهم ففصل وقسم اختلافها في طرق الإدناء وستر الرؤوس والوجوه، وإلا فهناك نقولات عديدة من غير طريق الطبري نقلها أهل التفاسير عن ابن عباس وغيره من السلف بلفظة التقنع والمفيدة صراحة ستر المرأة لوجهها بقناعها وأنها إحدى الطرق والصفات في الإدناء وستر الوجه كما هو المروي عن ابن عباس وغيره من السلف وسنأتي لذكرها قريبًا عند النقل عن أهل التفسير.","vol":"1","page":38},{"text":"وما سبق إجمالًا ولنزيد الأمر توضيحًا نذكر ما يلي:\nأولًا- نلاحظ قول الطبري من بداية كلامه عن آية الإدناء فسرها بأنها تغطية الرؤوس والوجوه فقال: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين: لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن) انتهى. فهو قرر سلفًا أن الإماء يكشفن شعورهن ووجوههن وأن الله قال لنبيه أن يخبر زوجاته وبناته ونساء المؤمنين بعدم التشبه بهن في كشف الرؤوس والوجوه.\nولما وصل في كلامه إلى قوله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ قال بعدها (ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به) أليس كلام الطبري واضحا وضوح الشمس من أنه لما وصل لقوله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ وأراد أن يفسر صفة الإدناء عليهن من جلابيبهن بالمأثور عن السلف ذكر في ذلك اختلاف صفة الإدناء، ولكن معناها ومؤداها واحد كما قرره سلفًا وهو تغطية الرؤوس والوجوه، وهذا ما يُعرف باختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، وهذا مشهور ومعلوم من تفسير الإمام الطبري وغيره من تفاسير الصحابة والسلف وأهل الأثر من المحدثين، نجدهم يكررون الحديث الواحد في نفس الباب والموضوع لأدنى اختلاف في رجال السند أو لفظه وإن كان معناه واحدًا، والمتأمل للطبري في تفسيره يجده يقف عند كل آية ويقول فيها (واختلف) مثل ما قال هاهنا فيُفصل ويعدد الأقوال والآثار وقد","vol":"1","page":39},{"text":"يكون المعنى واحدًا، كما في هذه الآية حيث ذكر اختلاف الصفتين وهما بمعنى تغطية الوجه وإن كانا يختلفان في الطريقة والصفة والكيفية للستر، كما سننقل ذلك عن جميع المفسرين بل ومن نقلوه هم عن الإمام الطبري وعن ابن عباس وأنهما صفتان في الإدناء بمعنى تغطية الوجه، بل قال بعضهم وكلا المعنيين تحصيل حاصل، ولم يفهموا ما فهمه بعض المتأخرين اليوم من وجود اختلاف تضاد بينهما؛ وذلك لأن الصفة الأولى وهي تغطية الوجه كاملا وذلك بالسدل أو بالإلقاء أو بالإرخاء لشيء من جلابيبهن من فوق رؤوسهن أو بإظهار عين واحدة، وأما الصفة الثانية ومنها التبرقع أو التقنع أو النقاب أو التلثم ولا يكون لها ستر وجهها بهذه الأمور إلا بالصفة الثانية وهي بعطفه والشد على الجبين والضرب به على وجهها خشية من سقوطه لأنه لا يثبت ولا يستمسك على وجهها إلا بذلك، بعكس الإرخاء والسدل والإلقاء الذي يكون من فوق رأسها، وهذا مشاهد ومعروف لكل القائلين أو الداعين أو من نساؤهم مغطيات لوجوههن، يعرفون ويفهمون كلام الطبري الذي نقله عن ابن عباس وغيره في اختلاف الصفتين والطريقتين وأنه بمعنى ستر الوجه بالطرق المعروفة والممارسة لدي نسائهم، فهذه من المترادفات، كما نقول سترت المرأة وجهها، أو سترته بالبرقع أوسترته باللثام أوسترته بالنقاب فكذلك أو سترته بالتقنع، فهل يقول أحد أن العبارات أوالصفات أوالإشكال أو الطرق لذلك الستر اختلفت وبالتالي فلا تدل كلها على ستر الوجه؟ .","vol":"1","page":40},{"text":"ثانيًا- أن الإمام الطبري نقل الصفتين عن ابن عباس الأولى صريحة (أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة) والثانية (أن تقنع وتشد على جبينها) والقناع معروف ومنه ما يلبسه أهل الحرب على وجوههم فلا يظهر منه إلا أعينهم ليبصروا بها، ولما كان قناع المرأة لا يثبت على وجهها كطريقة لبس قناع المحاربين الذي يثبت بوضعه من فوق رؤوسهم ليستر وجوههم؛ لهذا أمرها عند التقنع بشده وتثبيته على جبينها وعطفه على وجهها حتى لا يسقط منها فيظهر وجهها، فلو لم يفهم الإمام الطبري أن المعنيين عن ابن عباس بمعنى واحد كيف ينقل عنه قولين متعارضين ومتناقضين في تفسيره لنفس الآية دون أن يتعجب أو يتنبه لاختلافهما؟ أو يرجح أحدهما على الآخر، كما هي عادته ﵀؟ إلا أنه لم ير فيهما أي اختلاف يذكر، سوى أن ابن عباس أراد بيان طريقتين وكيفيتين وصفتين لستر الوجه لمن سترته بالسدل أو الإرخاء بأن ألقته على وجهها بطرف جلبابها أو غيره من خمار ونحوه، ومن سترته بطريقة التقنع أو النقاب أو اللثام أو البرقع ونحوهم فيكون بالشد على الجبين أوالعطف والضرب.\nوفي هذا من الفائدة والفهم الدقيق في أهمية بيان اختلاف الطريقتين كما نقلها شيخ المفسرين عن سلف الأمة ما لا يغيب مثله عن الطبري أو علماء الأمة فضلا عن حبرها ابن عباس حيث يعلم أهمية ذكر الطريقتين، وأن المحرمة لا يجوز لها النقاب وما في حكمه من التقنع أو اللثام أو البرقع كما روى ذلك ابن عمر قال - ﷺ -: (لا تنتقب المرأة المحرِمة ولا تلبس القفازين) أخرجه البخاري وغيره.","vol":"1","page":41},{"text":"ولهذا كان ابن عباس يقول في المحرِمة فيما ثبت عنه، قال أبو داود في \"مسائله للإمام أحمد\"، في باب: ما تلبس المرأة في إحرامها: حدثنا أحمد، قال حدثنا يحيى وروح، عن ابن جريج، قال أخبرنا، قال عطاء، أخبرني أبو الشعثاء، أن ابن عباس ﵄ قال: (تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به. قال روح في حديثه: قلت: وما لا تضرب به؟ فأشار لي، كما تجلبب المرأة، ثم أشار لي ما على خدها من الجلباب، قال: تعطفه وتضرب به على وجهها، كما هو مسدول على وجهها). بسند صحيح عن ابن عباس على شرط الشيخين، وأخرج مثله البيهقي في معرفة السنن والآثار ومسند الشافعي بلفظه عن ابن عباس قال في المرأة المحرمة: (تدلي عليها من جلابيبها ولا تضرب به. قلت: وما لا تضرب به؟ فأشار لي كما تجلبب المرأة، ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب فقال: لا تغطيه فتضرب به على وجهها؛ فذلك الذي لا يبقى عليها، ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولا ولا تقلبه ولا تضرب به ولا تعطفه) انتهى. فهو يقصد النقاب ومثله اللثام والتقنع ونحو ذلك مما هو داخل في النهي للمحرمة.\nوجاء عند ابن أبي شيبة - في النقاب للمحرمة -: (أن عليًا كان ينهى النساء عن النقاب وهن حرم ولكن يسدلن الثوب عن وجوههن سدلًا) (١).\n_________\n(١) مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٢٩٣).","vol":"1","page":42},{"text":"ثالثًا- أنه قد مر معنا في أول كلام الإمام الطبري قوله في تفسيره للآية: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين: لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن).\nثم لما نقل الصفة الثانية عن ابن عباس والتي أشكلت على البعض كونها بلفظة التقنع (قال: كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن. وإدناء الجلباب: أن تقنّع وتشد على جبينها).\nفالكلام كله في كلا الموضعين في مخالفة الإماء والنهى عن التشبه بهن في سفورهن فكيف يكون في الموضعين خلافٌ جوهريّ؟ ومدارهما على شيء واحد هو مخالفة الإماء في سفورهن، بل في الموضع الأول قد قرر الإمام الطبري النهى عن التشبه بالإماء في خروجهن بكشف شعورهن ووجوههن.\nومقدمته هذه تفسير إجمالي للآية، وهى ولا بد مما فهمه من المعنى الإجمالي للصفتين ولأقوال السلف فيها، ومنها صفة التقنع، وإلا كان على أقل الأحوال ولو فرضنا وجود اختلاف تضاد بين الصفتين أن نقول أن الطبري مؤيد للصفة الأولى وهي تغطية النساء لشعورهن ووجوههن؛ لأن هذا ما قرره واستهله عند تفسيره للآية الكريمة وقبل تطرقه لذكر اختلاف صفة الإدناء.","vol":"1","page":43},{"text":"رابعًا- لما كان قولهم أن الصفتين مختلفتان اختلاف تضاد استلزم من ذلك أن ينفوا أن التقنع الوارد في الصفة الثانية بمعنى ستر الوجه، وفعلا هذا ما قالوه فكان أشنع وأخطر وأظهر في بطلانه مما قبله فكان أن حرّفوا وبدّلوا اللغة، وأنكروا أن يأتي التقنع سترًا للوجه، وهذا من تسرعهم، أو عدم بحثهم في معاجم اللغة، فما أن يجدوا كلمة لها استعمال واسع وتعني أكثر من معنى، إلا طاروا بها وقصروها فقط على معنى محدد، ومنعوا حملها على الوجه الآخر كونه مؤيدا لقول المخالفين لهم، فهم نقلوا عن بعض أهل اللغة أنه يستر رأس المرأة بالمقنعة، والقناع أشمل وأوسع من المقنعة، فقالوا هذا دليل أنه لم يَرِدْ بلفظ ستر الوجه، مع أنه قد ورد وبكثرة لا تحصى! وهذا ظلم وتقول على العلماء ما لم يقولوه، فمادة التقنع بمعنى الستر، فما المانع إن استعملت لستر الرأس أو إذا استعملت لستر الصدر كتقنع المقاتلين بالدروع ألا يستعمل لفظ التقنع لغير ذلك، كتقنعهم للوجوه فهي تأتي بمعنى الستر وتحتمل كل تلك المعاني وأكثر، فلماذا حجّروا واسعًا، لَما كان الشأن فيه لستر وجه المرأة، فلو قال قائل شربت بالكاسة لبنًا، وشهد له بذلك مائة شخص أنهم رأوه يشرب بالكاسة لبنا، فهل نقول أن الكاسة لا تستعمل لشرب الماء أو العصير وغير ذلك من المشروبات؟ .\nفكيف وقد وردت لفظة التقنّع لستر الوجه للرجال وللنساء؟ بل وإذا ذكر قناع المرأة كان بالأخص يراد منه تقنعها بستر وجهها كما قصده السلف، كما في الأحاديث وكتب التفاسير والآثار وشروح العلماء ومعاجم أهل اللغة.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الأدلة والنقول على أن (القناع) يأتي بمعني ستر الوجه:</span>\n١ - أول دليل على أن لفظ التقنع يشمل ستر الوجه موجود في نفس المكان الذي أشكل عليهم مما نقله الطبري نفسه، فلو تدبروا كلامه لوجدوه ذكر لفظة التقنع في الصفة الأولى التي صرحت بتغطية الوجه وهذا يكفي ليعلموا أن ما جاء في الصفة الثانية بلفظ التقنع هو بمثل هذا المقصد والمعنى وأن التقنع يكون لستر الوجه أيضا.\n٢ - جاء في عمدة القاري: الحديث المخرج عند البخاري وغيره، في هجرته - ﷺ - هو وأبو بكر من مكة للمدينة حين خرج متخفيا (قالت عائشة: فبينا نحن يوما جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة فقال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله - ﷺ - مقبلا متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها قال أبوبكر: فدى له بأبي وأمي والله أن جاء به في هذه الساعة لأمر فجاء النبي - ﷺ - فاستأذن فأذن له فدخل فقال حين دخل لأبي بكر: أخرج من عندك) (١) انتهى.\n٣ - وقال أيضًا: (باب التقنع: أي هذا باب في بيان التقنع بفتح التاء المثناة من فوق والقاف وضم النون المشددة وبالعين المهملة، وهو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره) انتهى من عمدة القاري.\n_________\n(١) عمدة القاري جاء بعد الحديث رقم (٥٨٠٦).","vol":"1","page":45},{"text":"٤ - وقال في مرقاة المفاتيح: (متقنعًا بكسر النون المشددة أي مغطيًا رأسه بالقناع أي بطرف ردائه على ما هو عادة العرب لحر الظهيرة، ويمكن أنه أراد به التستر لكيلا يعرفه كل أحد) (١) انتهى.\n٥ - وجاء عند أحمد وغيره: عن كعب بن عجرة قال رسول الله - ﷺ -: (تهيج على الأرض فتن كصياصي البقر، فمر رجل متقنع، فقال رسول الله - ﷺ -: هذا وأصحابه يومئذ على الحق، فقمت إليه فكشفت قناعه وأقبلت بوجهه إلى رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله، هو هذا؟ قال: هو هذا، قال: فإذا بعثمان بن عفان) (٢)\n٦ - وجاء في كتاب الفائق في غريب الحديث: (الكاف مع الميم (كَمْكَمَ) رأى عمر رضي الله تعالى عنه جارية متكمكمة فسأل عنها فقالوا: أمة لفلان فضربها بالدرة ضربات وقال: يا لكعاء; أتشبهين بالحرائر؟ يقال: كمكمتُ الشيء، إذا أخفيته وتكمكم في ثوبه: تلفف فيه وهو من معنى الكم وهو الستر والمراد أنها كانت متقنعة أو متلففة في لباسها لا يبدو منها شيء، وذلك من شأن الحرائر) (٣) انتهى.\n_________\n(١) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح المؤلف: الملا على القاري (١٣/ ٦١).\n(٢) قال الشيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند (٤/ ٢٣٦): إسناده صحيح. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) والغريب أن الشيخ الألباني ﵀ مر على لفظة (التقنع) في قصة عثمان ﵁ في صحيح الترمذي له (٢٩٢٢) (عن أبي الأشعث الصنعاني أن خطباء قامت بالشام وفيهم رجال من أصحاب رسول الله - ﷺ - فقام آخرهم رجل يقال له مرة بن كعب ...) وساق نحو حديث كعب بن عجرة مع عثمان بن عفان، ومر عليها ثانية في (صحيح سنن ابن ماجة ١١١) له أيضا، فسبحانه من لا يسهو ولا يغفل.\n(٣) الفائق في غريب الحديث للزمخشري (٣/ ٢٧٩).","vol":"1","page":46},{"text":"٧ - وقال الحافظ بن حجر في الفتح: عند باب ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ عن عائشة ﵂ قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها) قال الحافظ: (فاختمرن أي غطين وجوههن وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر وهو التقنع) انتهى كلامه.\n٨ - قال في المعجم الوسيط (القناع): هو ما تنقبت به المرأة فتجعله على مارن أنفها لكي تستر به وجهها) انتهى.\nوقال أيضًا في المعجم الوسيط: (القناع): ما تغطي به المرأة رأسها وغشاء القلب والشيب وما يستر به الوجه).\nوقال (المقنع): المغطى بالسلاح والذي على رأسه بيضة الحديد والمستور وجهه).\nوقال عند (البرقع): قناع النساء.\nوقال عند (تنقبت): المرأة شدت النقاب على وجهها.\n٩ - وقال في لسان العرب: (والنقاب القناع على مارن الأنف، والجمع نقب وقد تنقبت المرأة وانتقبت وأنها لحسنة النقبة بالكسر والنقاب نقاب المرأة التهذيب والنقاب على وجوه:\nقال الفرّاء: إذا أدنت المرأة نقابها إلى عينها فتلك الوصوصة فإن أنزلته دون ذلك إلى المحجر فهو النقاب فإن كان على طرف الأنف فهو اللفام وقال أبو زيد النقاب على مارن الأنف وفي حديث ابن سيرين","vol":"1","page":47},{"text":"النقاب محدث، أراد أن النساء ما كنّ ينتقبن أي يختمرن، قال أبو عبيد ليس هذا وجه الحديث ولكن النقاب عند العرب هو الذي يبدو منه محجر العين ومعناه أن إبداءهن المحاجر محدث، إنما كان النقاب لاحقًا بالعين وكانت تبدو إحدى العينين والأخرى مستورة والنقاب لا يبدو منه إلا العينان وكان اسمه عندهم الوصوصة والبرقع وكان من لباس النساء ثم أحدثن النقاب بعد) انتهى من لسان العرب.\nوقال عند (وصوص): وصوصت الجارية إذا لم ير من قناعها إلا عيناها) انتهى.\nوقال عند (سدل): وفي حديث عائشة أنها سدلت طرف قناعها على وجهها وهي محرمة أي أسبلته) انتهى.\n١٠ - وقال صاحب تاج العروس: (أن الأصل في النقاب عند العرب هو القناع الذي تضعه المرأة على مارن أنفها بحيث يظهر عينيها ومحاجرهما وهو ما يسمى باللثام فإذا كان لا يظهر منه إلا عيناها سمي برقعًا) انتهى.\n١١ - وقال في (ذ ي ل) الذيل: آخر كل شيء كما في المحكم قال شيخنا: هذا هو الحقيقي وما بعده مجاز. والذيل من الإزار والثوب: ما جر منه إذا أسبل زاد الصاغاني: فأصاب الأرض من ثوبها من نواحيها كلها قال: ولا ندعو للرجل ذيلا فإن كان طويل الثوب فذلك الإرفال في القميص والجبة والذيل في درع المرأة أو قناعها إذا أرخت شيئا منهما) انتهى.","vol":"1","page":48},{"text":"١٢ - وقال في المغرب في ترتيب المعرب: (سفر): وسفرت المرأة قناعها عن وجهها كشفته سفورا فهي سافر) انتهى.\n١٣ - وقال في تهذيب اللغة للأزهري: (سدل): وفي حديث عائشة أنها سدلت طرف قناعها على وجهها وهي محرمة. أي أسبلته) انتهى.\n١٤ - وقال في معجم لغة الفقهاء: (القناع): بكسر القاف (ج) أقناع وأقنعة وقنع، ما يستر به الوجه).\n١٥ - وفي بعض روايات الحديث عند البخاري: (تقنع الصحابي عبد الله بن عتيك بثوبه حتى لا يفطن له، عندما بعثهم رسول الله - ﷺ - إلى أبي رافع؛ ليقتلوه) (١).\n١٦ - وذكر صاحب سمط اللآلئ لمؤلفه الميمني عنوان بقوله:\n(ذكر خبر الحاطبي مع عمر ابن أبي ربيعة قول القائل:\nولما تفاوضنا الحديث وأسفرت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا\nيريد وأسفرت وجوه نسوة زها هذه المرأة حسنها أن تتقنع، أي استخفها الحسن عن التقنع فهن سافرات) (٢) انتهى.\n١٧ - ومنه ما جاء في \"الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة\": وفيه ما حكاه الفرزدق عن نفسه وجرير (فلم يَرُعْني إلا انقضاض فارس قد اعتقل قناة خطية وظاهر بين درعين، وتقنع بالحديد، فلم يظهر إلا عينه، وجاء حتى ركز قناته إلى جنبي).\n_________\n(١) أطرافه في: كتاب الجهاد والسير وكتاب المغازي.\n(٢) سمط اللآلئ للميمني (١/ ١٩٨).","vol":"1","page":49},{"text":"١٨ - وقال في \"محاضرات الأدباء\" للراغب الأصفهاني: \"مدح التقنع وذمه\": (كان فرسان العرب يتقنعون إلا أبا تميم بن طريف لم يتقنع قط ولم يبال أن يُعرف. وقيل: التقنع بالليل ريبة وبالنهار مذلة. وكان التقنع من شيم الأشراف يقصدون بذلك مباينة العامة ويقولون: عدم القناع يفضي إلى ملال وابتذال فمن وطئته الأعين وطئته الأرجل).\n١٩ - وقال في \"غريب الحديث\" لأبي عبيد القاسم بن سلام: (وقال أبو عبيد: في حديث النبي ﵇ حين قيل له: هذا عليّ وفاطمة قائمين بالسُّدة، فأذن لهما فدخلا فأغدف عليهما خميصة سوداء. قوله: أغدف عليهما- يعني أرسل عليهما، ومنه قيل: أغدفت المرأة قناعها إذا أرسلته على وجهها لتستره) انتهى.\n٢٠ - وفي الصحاح في اللغة للجوهري: (غدف): وأغدفت المرأة قناعها أي أرسلته على وجهها) انتهى.\nووالله لولا التطويل والملل لنقلت أكثر من هذا، فكيف يقال أن الخمار (١) أو التقنع كما هو حديثنا هنا لا يأتي بمعنى ستر الوجه وإنما ما جاوره وإلا لما استطاع المقاتل أن يسير فضلا عن أن يقاتل.\nخامسًا: جاء عند الطبري وغيره اختلاف المفسرين لمعنى الجلابيب فمنهم من قال الأردية ومنهم من قال الملاحف وغير ذلك من خلاف التنوع لا اختلاف التضاد، ولكن لم يفهم أحد من الناس أن المراد منه\n_________\n(١) سيأتي الكلام عن (الخمار) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ [النور: ٣١] وقول الشيخ الألباني أن الخمار لا يأتي لستر الوجه (صـ ٣١٧).","vol":"1","page":50},{"text":"لباس غير الذي تلبسه المرأة فوق ملابسها المعتادة ليسترها عند خروجها، فلماذا عند ذكر صفة الإدناء قالوا يوجد اختلاف تضاد في المعنيين وأتوا بما لم يقله قدماء المفسرين وأهل اللغة، ولا يدل عليه سياق كلام الطبري بتاتًا.\nسادسًا- عندما قال الطبري عن الصفة الأولى (فقال بعضهم: هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلا يبدين منهن إلا عينا واحدة) ثم قال عن الصفة الثانية: (وقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن). وهم عندما لم يجدوا ذكرًا للوجه في الصفة الثانية طاروا بها سريعا، واعتقدوا أنها ضالتهم التي يبحثون عنها من أن الطبري أراد أن يبين وجود خلاف بين السلف على تغطية المرأة لوجهها، فكان في تسرعهم وعدم تدبرهم لكلام الطبري ما أنساهم أن فيه كذلك ما يبطل فهمهم وهو أن الرؤوس لم تذكر أيضا في كلام الطبري، فهل يقول قائل أن الخلاف في الصفة الثانية هو فقط بالشد على الجبين ولو كانت رؤوس النساء مكشوفة؟ وبخاصة لو صح قولهم أن التقنع لا يعنى ستر الوجه، مما تعلم معه أن الإمام الطبري لم يرد من ذكره للصفة الثانية أن يذكر خلافا واقعا في الرؤوس والوجوه، بل أراد ذكر الخلاف في صفة الإدناء وطريقة ستره لتلك الرؤوس والوجوه، ولهذا أعرض عن تكرار عبارة تغطية الرؤوس والوجوه لأنه مفروغ منها أصلا وقد ذكرها مرتين قبل ذلك فأغنى عن إعادتها، وأراد أن يتفرغ لبيان طريقتي سترهما.","vol":"1","page":51},{"text":"فكلامهم من كل وجه ظاهر البطلان والخطأ، ولم يكن في بال الطبري أن سيأتي من يتحجج في الفرائض والمسلمات الواضحات، بمثل هذه الطرق الغريبة في الاستدلال، ومن يترك الكتاب والسنة ليستنتج من قوله أو قول غيره أدلة على ما فرضه الله، وأعظم من ذلك حين يستشهدون بعبارات بعض الفقهاء من أن وجه المرأة ليس بعورة، وهم غير فاهمين لمعناها ومقصدها عند أولئك، فيذكرونها ليبرهنوا على وجود خلاف بين السلف وبالتالي ليبدلوا كل ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - وحياة السلف الصالح وأقوالهم في ستر النساء لوجوههن بأنه صارف عن الفرض والوجوب وإنما هو سنة ومستحب بدليل قول الطبري كذا وكذا، وقول الإمام الفلاني كذا وكذا، وبمثل هذه الاستدلالات المبتورة، ضاعت فرائض الله وأبيح ما حرمه الله ورسوله - ﷺ - بأدنى التحريفات والتبديلات والتصحيفات حتى غدا الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدا فطوبى للغرباء.\nسابعًا- ما سننقله عن بقية المفسرين ونحن نمر على أقوالهم في آية الإدناء من أن التقنع الوارد في الآثار بمعنى تغطية المرأة لوجهها، وما قالوه صراحة عند ذكر الصفتين بأنهما بمعنى واحد وهو تغطية المرأة لوجهها بطريقة الإرخاء والإلقاء على الوجه أو بطريقة الشد والعطف على الجبين كما يُلبس البرقع والنقاب والقناع واللثام وما نقلوه عن الطبري وابن عباس، فمع وضوحه ولكن ليتأكد الجميع من كلام الطبري كما فهمه جهابذة العلماء وحراس الشريعة، وصناديد اللغة، حتى قال بعضهم أن الصفتين تحصيل حاصل. فهذا التحريف","vol":"1","page":52},{"text":"والتصحيف والتبديل لكلام شيخ المفسرين، من القائلين بجواز سفور وجه المرأة لهو والله عين تتبع الظنون والمتشابهات، وهكذا يكون التبديل والتحريف والتصحيف عندما لا يتمسكون بالثوابت المحكمات فلا دليل لهم إلا بمثل هذا، يتعلقون به كما يتعلق الغريق بقشة، أتراهم وجدوا في تفسير غيره صريح ما يقولون، فأحجموا عن نقله ليستنبطوا من كلام الطبري ما يتوهمون؟\nيريدون أن يبطلوا قطعية آية الإدناء وما جاء فيها من إجماع على ما تناقله المفسرون جيلا بعد جيل عن صحابة رسول الله - ﷺ - وسلف الأمة على فرض ستر نساء المؤمنين لوجوههن، وهيهات لهم ذلك.\n\nبقية أقوال المفسرين في آية الإدناء:\n٢ - تفسير \"الجواهر الحسان\" للإمام الثعالبي (ت: ٨٧٥ هـ):\nقال: (وقولُه سبحانه: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ واختلف في صورة إدنائه:\n- فقالَ ابن عباسٍ وغيره: ذلك أن تَلْوِيَه المرأة حَتَّى لا يظهر منهَا إلا عينٌ واحدة تبصر بها.\n- وقال ابن عباس أيضا وقتادةُ: ذلك أن تلويه الجبينِ وتشدُّهُ، ثم تَعْطِفَهُ على الأنف، وإن ظهرتُ عَيْنَاها؛ لكنَّه يستر الصدر ومعظمَ الوجهِ) انتهى كلامه.","vol":"1","page":53},{"text":"٣ - تفسير الإمام القرطبي ﵀: (الثانية: لما كانت عادة العربيات التبذل، وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن وتشعب الفكرة فيهن أمر الله رسوله - ﷺ - أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن).\n- إلى أن قال -: (الثالثة: قوله تعالى: ﴿من جلابيبهن﴾ الجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار. وروى عن ابن عباس وابن مسعود أنه الرداء. وقد قيل: أنه القناع. والصحيح أنه الثوب الذي يستر جميع البدن.\nالرابعة: واختلف الناس في صورة إرخائه:\n- فقال ابن عباس وعبيدة السلماني: ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها.\n- وقال ابن عباس أيضا وقتادة: ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده، ثم تعطفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه. وقال الحسن: تغطي نصف وجهها) انتهى كلامه.\nوهذا فيه كذلك أن اختلافهم في صور إرخائه كلها مؤداها واحد لتفهم كيف فهم أهل العلم كلام السلف وكلام الطبري وهو أنه لستر الوجه سواء بالسدل والإرخاء كما تفعله المحرمة عند وجود الرجال أو عن طريق ستره بالتبرقع والقناع واللثام وذلك لا يكون إلا بعد تثبيته بالشد على الجبين وعطفه على الأنف والوجه حتى يثبت.","vol":"1","page":54},{"text":"٤ - وقال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) في تفسيره البحر المحيط:\n(كان دأب الجاهلية أن تخرج الحرة والأمة مكشوفتي الوجه في درع وخمار، وكان الزناة يتعرضون إذا خرجن بالليل لقضاء حوائجهن في النخيل والغيطان للإماء، وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة، يقولون: حسبناها أمة، فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء، بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه ليحتشمن ويهبن، فلا يطمع فيهن. وروي أنه كان في المدينة قوم يجلسون على الصعدات لرؤية النساء ومعارضتهن ومراودتهن، فنزلت. قيل: والجلابيب: الأردية التي تستر من فوق إلى أسفل، وقال ابن جبير: المقانع، وقيل: الملاحف، وقيل: الجلباب: كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها، وقيل: كل ما تستتر به من كساء أو غيره. قال أبو زيد: تجلببت من سواد الليل جلبابا ... وقيل: الجلباب أكبر من الخمار. وقال عكرمة: تلقي جانب الجلباب على غيرها ولا يرى. وقال أبو عبيدة السلماني، حين سئل عن ذلك فقال: أن تضع رداءها فوق الحاجب، ثم تديره حتى تضعه على أنفها. وقال السدي: تغطي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين. انتهى. وكذا عادة بلاد الأندلس، لا يظهر من المرأة إلا عينها الواحدة عن الكسائي أنه قال: أي يتقنعن بملاحفهن منضمة عليهن أراد بالانضمام معنى الإدناء.\nوقال ابن عباس وقتادة: وذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.","vol":"1","page":55},{"text":"والظاهر أن قوله: ﴿ونساء المؤمنين﴾ يشمل الحرائر والإماء، والفتنة بالإماء أكثر، لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر، فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح. و(من) في: ﴿من جلابيبهن﴾ للتبعيض، و﴿عليهن﴾: شامل لجميع أجسادهن، أو ﴿عليهن﴾: على وجوههن، لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه. ﴿ذلك أدنى أن يعرفن﴾: لتسترهن بالعفة، فلا يتعرض لهن، ولا يلقين بما يكرهن؛ لأن المرأة إذا كانت في غاية التستر والانضمام لم يقدم عليها، بخلاف المتبرجة، فإنها مطموع فيها) انتهى كلامه.\nوأنت تلاحظ أن الإمام أبو حيان يريد من الإماء أيضا التستر بلبس الجلابيب وتغطية وجوههن كالحرائر، وقد سبقه في المطالبة بذلك الإمام الظاهري ابن حزم رحمه الله تعالى فأوجبه على الإماء ورد في كتابه \"المُحَلى\" على جماهير الأئمة والفقهاء ممن فرق بينهن وبين الحرائر سواء في عورة الصلاة أو لبسهن للجلابيب وسترهن لوجوههن أمام الأجانب وهذا من حرصهم رحمهم الله تعالى على عدم إشاعة الفواحش وكل ما يثير الشهوات.\nوسنأتي بمشية الله لنقل كلام الإمام ابن حزم في وجوب تغطية الإماء لوجوههن كالحرائر، وكيف نقل أهل السفور تشنيعه على من فرق بين الإماء والحرائر في لبسهن للجلابيب للصلاة وخارجها، وكأنه يقول بمذهب السفور مثلهم.","vol":"1","page":56},{"text":"٥ - قال ابن عطية (ت: ٥٤٢ هـ) في تفسيره المحرر الوجيز:\n«الجلباب» ثوب أكبر من الخمار، وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنه الرداء. واختلف الناس في صورة إدنائه:\n- وقال ابن عباس أيضا وقتادة وعبيدة السلماني ذلك أن تلويه المرأة ... حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها.\n- وقال ابن عباس أيضا وقتادة وذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه) انتهى.\n٦ - تفسير الكشاف للإمام الزمخشري- الحنفي - (ت: ٥٣٨ هـ):\n(ومعنى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَاابِيبِهِنَّ﴾ يرخينها عليهنّ، ويغطين بها وجوههنّ وأعطافهنّ. يقال: إذا زل الثوب عن وجه المرأة: أدني ثوبك على وجهك، وذلك أن النساء كنّ في أول الإسلام على هجيرهنّ في الجاهلية متبذّلات، تبرز المرأة في درع وخمار فصل بين الحرّة والأمة، وكان الفتيان وأهل الشطارة يتعرّضون إذا خرجن بالليل إلى مقاضي حوائجهنّ من النخيل والغيطان للإماء، وربما تعرّضوا للحرّة بعلة الأمَة، يقولون: حسبناها أمَة، فأمرن أن يخالفن بزيهنّ عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه، ليحتشمن ويهبن فلا يطمع فيهن طامع، وذلك قوله: ﴿ذلِكَ أَدْنَى أن يُعْرَفْنَ﴾ أي أولى وأجدر بأن يعرفن فلا يتعرّض لهن ولا يلقين ما يكرهن. فإن قلت: ما معنى ﴿مِن﴾ في ﴿مِن جَلَاابِيبِهِنَّ﴾؟ قلت: هو للتبعيض. إلا: أن يكون","vol":"1","page":57},{"text":"معنى التبعيض محتمل وجهين، أحدهما: أن يتجلببن ببعض ما لهنّ من الجلابيب، والمراد أن لا تكون الحرة متبذلة في درع وخمار، كالأمة والماهنة الخادمة ولها جلبابان فصاعدا في بيتها. والثاني: أن ترخي المرأة بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع حتى تتميز من الأمة. وعن ابن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن ذلك فقال: أن تضع رداءها فوق الحاجب ثم تديره حتى تضعه على أنفها. وعن السديّ: تغطي إحدى عينيها وجبهتها، والشقّ الآخر إلا العين، وعن الكسائي: يتقنعن بملاحفهنّ منضمة عليهنّ، أراد بالانضمام معنى الإدناء) انتهى.\n٧ - قال القمي النيسابوري (ت: (٨٥٠ في تفسيره:\n(ومعنى ﴿يدنين عليهن﴾ يرخين عليهن يقال للمرأة إذا زل الثوب عن وجهها أدني ثوبك على وجهك. ومعنى التبعيض في ﴿من جلابيبهن﴾ أن يكون للمرأة جلابيب فتقتصر على واحد منها، أو أريد طرف من الجلباب الذي لها. وكانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذلات يبرزن في درع وخمار من غير فصل بين الحرة والأمة، فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه) انتهى.\n٨ - قال الإمام ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) في تفسيره:\n(يقول تعالى آمرًا رسوله - ﷺ -، أن يأمر النساء المؤمنات خاصة أزواجه وبناته لشرفهن بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء. والجلباب هو: الرداء فوق الخمار. قاله","vol":"1","page":58},{"text":"ابن مسعود، وعبيدة، وقتادة، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وعطاء الخرساني، وغير واحد. وهو بمنزلة الإزار اليوم. قاله الجوهري: الجلباب: الملحفة.\nقالت امرأة من هذيل ترثي قتيلا لها:\nتمشي النسور إليه وهي لاهية ... مشي العذارى عليهن الجلابيب\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة.\nوقال محمد بن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن قول الله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى. وقال عكرمة: تغطي ثغرة نحرها بجلبابها تدنيه عليها.\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو عبد الله الظهراني فيما كتب إليّ، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن خثيم، عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ خرج نساء الأنصار كان على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها) انتهى.\nوقال ابن كثير ﵀ أيضًا عند قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب﴾ (لما أمر تعالى النساء بالحجاب من الأجانب، بيّن أن هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب منهم) انتهى.","vol":"1","page":59},{"text":"٩ - روح المعاني لشهاب الدين الألوسي (ت: ١٢٧٠ هـ):\nقال: (والإدناء التقريب يقال أدناني أي قربني وضمن معنى الإرخاء أو السدل ولذا عُدّيَ بعلى، على ما يظهر لي، ولعل نكتة التضمين الإشارة إلى أن المطلوب تستر يتأتى معه رؤية الطريق إذا مشين فتأمل.\nونقل أبو حيان عن الكسائي أنه قال: أي يتقنعن بملاحفهن منضمة عليهن ثم قال: أراد بالانضمام معنى الإدناء، وفي الكشاف معنى ﴿يدنين عليهن﴾ يرخين عليهن يقال إذا زل الثوب عن وجه المرأة أدني ثوبك على وجهك. وفسر ذلك سعيد بن جبير بيسدلن عليهن.\nوعندي أن كل ذلك بيان لحاصل المعنى (١)، والظاهر أن المراد بعليهن على جميع أجسادهن، وقيل: على رؤوسهن أو على وجوههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه.\nواختلف في كيفية هذا التستر:\n- فأخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلماني عن هذه الآية ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ فرفع ملحفة كانت عليه فتقنع بها وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين وغطى\n_________\n(١) والحقيقة أنه ليس تحصيل حاصل على كل وجه، فإن كان ذلك في أن الجميع بمعنى تغطيته الوجه فنعم، وإن أريد بذلك عدم الفائدة من ذكر اختلاف الطريقتين في ستر النساء لوجوههن وأنه لا حاصل من ذلك فلا، حيث مر معنا ما هو معلوم من تحريم الطريقة الثانية والتي فيها الشد والعطف والضرب على الوجه مما يشبه النقاب كالبرقع والتقنع والتلثم لمن كانت متلبسة بالإحرام.","vol":"1","page":60},{"text":"وجهه وأخرج عينه اليسرى من شق وجهه الأيسر، وقال السدي: تغطي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين.\n- وقال ابن عباس. وقتادة: تلوى الجلباب فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكن تستر الصدر ومعظم الوجه.\nوفي رواية أخرى عن الحبر رواها ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، تغطى وجهها من فوق رأسها بالجلباب وتبدي عينا واحدة) انتهى من روح المعاني.\n١٠ - وقال ابن العربي في تفسيره:\nعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب﴾ حيث قال فيها ما يفسر قوله في آية الإدناء بصريح العبارة:\n(هذا يدل على أن الله أذن في مساءلتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض، أو مسألة يستفتى فيها، والمرأة كلها عورة، بدنها وصوتها، فلا يجوز كشف ذلك إلا لضرورة، أو لحاجة، كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها، أو سؤالها عما يعن ويعرض عندها) (١).\n١١ - قال أبو محمد البغوي (ت: ٥١٠ هـ) في تفسيره:\n(جمع الجلباب وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار. وقال ابن عباس وأبو عبيدة: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة ليعلم أنهن حرائر) انتهى.\n_________\n(١) أحكام القرآن، عند تفسيره للآية.","vol":"1","page":61},{"text":"١٢ - قال الجصَّاص في أحكام القرآن (ت: ٣٧٠) إمام الحنفية في بغداد: (في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين وإظهار العفاف عند الخروج، لئلا يطمع أهل الرِّيَبِ فيهن). وإليك قوله بتمامه:\nفقال: (قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ قُلْ لأزواجك وبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ رُوي عن عبدالله قال: \"الجلباب الرداء\". وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: \"يتجلببن ليُعلم أنهن حرائر ولا يعرض لهنّ فاسق\". وروى محمد بن سيرين عن عبيدة: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ قال: تقنّع عبيدة وأخرج إحدى عينية. وحدثنا عبدالله بن محمد قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبدالرزاق قال: أخبرنا معمر عن الحسن قال: \"كنَّ إماءً بالمدينة يقال لهن كذا وكذا يخرجن فيتعرض لهن السفهاء فيؤذونهن، وكانت المرأة الحرة تخرج فيحسبون أنها أمةٌ فيتعرضون لها فيؤذونها، فأمر الله المؤمنات أن يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يُعرفن أنهن حرائر فلا يُؤْذَيْن\". وقال ابن عباس ومجاهد: \"تغطّي الحرة إذا خرجت جبينها ورأسها خلاف حال الإماء\".\nوحدثنا عبدالله بن محمد قال: حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن أبي خيثم عن صفية بنت شيبة عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ خرج نساء من الأنصار كان على رؤوسهن الغربان من أكسية سُودٍ يلبسنها.","vol":"1","page":62},{"text":"قال أبو بكر: في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بسَتْرِ وجهها عن الأجنبيين وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الريب فيهن. وفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها سَتْرُ وجهها وشعرها؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ المؤمنين﴾ ظاهره أنه أراد الحرائر، وكذا رُوي في التفسير، لئلا يكنَّ مثل الإماء اللاتي هنّ غير مأمورات بستر الرأس والوجه، فجعل الستر فرقًا يعرف به الحرائر من الإماء. وقد رُوي عن عمر أنه كان يضرب الإماء ويقول: اكشفن رؤوسكنّ ولا تَشَبَّهْنَ بالحرائر) انتهى.\nوقال قبلها عند قوله تعالى: ﴿وَإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وراء حِجَابٍ﴾ قد تضمن حَظْرَ رؤية أزواج النبي - ﷺ - وبيَّن به أن ذلك أطهر لقلوبهم وقلوبهن؛ لأن نَظَرَ بعضهم إلى بعض ربما حدث عنه الميل والشهوة، فقطع الله بالحجاب الذي أوجبه هذا السبب.\nقوله تعالى: ﴿وَمَا كان لَكُمْ أن تُؤْذُوا رَسُولَ الله﴾ يعني ما بيَّن في هذه الآية من أيجاب الاستئذان وتَرْكِ الإطالة للحديث عنده والحجاب بينهم وبين نسائه. وهذا الحكم وإن نزل خاصًّا في النبي - ﷺ - وأزواجه فالمعنى عام فيه وفي غيره، إذ كنّا مأمورين باتباعه والاقتداء به إلا ما خصه الله به دون أمته) انتهى.","vol":"1","page":63},{"text":"١٣ - وقال في فتح القدير للشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ):\n﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ من للتبعيض والجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار قال الجوهري الجلباب الملحفة وقيل القناع وقيل هو ثوب يستر جميع بدن المرأة كما ثبت في الصحيح من حديث أم عطية [أنها قالت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب فقال: لتلبسها أختها من جلبابها] قال الواحدي: قال المفسرون يغطين وجوههن ورؤوسهن إلا عينا واحدة فيعلم أهن حرائر فلا يعرض لهن بأذى وقال الحسن: تغطي نصف وجهها وقال قتادة: تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وأن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه) انتهى.\nوقال الإمام الشوكاني أيضا عند قوله تعالى: ﴿لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ..﴾ فهؤلاء لا يجب على نساء رسول الله - ﷺ - ولا غيرهن من النساء الاحتجاب منهم) انتهى.\n١٤ - وقال في لباب التأويل للإمام الخازن (ت: ٧٤١ هـ):\n﴿من جلابيبهن﴾ جمع جلباب وهو الملاءة التي تشمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقيل الملحفة وكل ما يستتر به من كساء وغيره. قال ابن عباس: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينًا واحدة ليعلم أنهن حرائر) انتهى.","vol":"1","page":64},{"text":"١٥ - مفاتيح الغيب لفخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ):\n(وكان في الجاهلية تخرج الحرة والأمة مكشوفات يتبعهن الزناة وتقع التهم، فأمر الله الحرائر بالتجلبب وقوله:؟ ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين؟ قيل يعرفن أنهن حرائر فلا يتبعن ويمكن أن يقال المراد يعرفن أنهن لا يزنين لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة لا يطمع فيها أنها تكشف عورتها فيعرفن أنهن مستورات لا يمكن طلب الزنا منهن) انتهى كلامه.\nوأما قول الإمام الرازي (مع أنه ليس بعورة) فليس كما توهمه البعض وفهموه فهمًا سطحيًا متسرعًا، من أن الفقهاء القائلين إن الوجه ليس بعورة يقولون بجواز سفور وجه المرأة لمجرد قولهم أن الوجه ليس بعورة، فهُم مع أنهم لم يعدوا الوجه والكفين عورة، فإنهم مع ذلك يوجبون تغطيته كما ترى هنا ويحرمون كشفه بتاتا إلا بسبب مبيح، لأن علة التحريم والأمر بالإدناء عندهم وإن لم تكن العورة فهي علة أخرى يسمونها الفتنة والشهوة، وهذا ظاهر هنا من كلام الرازي: (فأمر الله الحرائر بالتجلبب ... لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة) فهو يقول (فأمر الله) ولكن من لم يفهم مقصدهم من المتأخرين نسب إليهم ذلك، وهم عندما قالوا أنه ليس بعورة إنما اعترضوا على علة الفريق الآخر لأنه يستلزم منها لوازم عندهم، ولم يعترضوا على أصل الفريضة وستر المرأة لوجهها؛ لأن المرأة كما يعبرون تكشف الوجه والكفين في صلاتها إجماعًا، ولو قيل أنهما من العورة لقيل وكيف لم تبطل صلاتها؟ وكذلك اعترضوا على كونهما من العورة لأن الشرع","vol":"1","page":65},{"text":"أباح كشفهما في أحوال عدة والمرأة تبتلى وتمتحن بكثرة احتياجها واضطرارها للكشف عن وجهها وكفيها في كثير من الأحوال والظروف الضرورية، فتحاشي البعض منهم من أن يؤدي القول بكونهما من العورة أن يلزم منه بطلان صلاتها عند كشفه، وكذلك عدم جواز ظهورهما في حالات الضرورة، والشريعة أباحت كشفهما فيما دون الضرورة القصوى من الحاجات الملحة كالتوثيق في حال البيوع والشراء والشهادة وغير ذلك للرجوع لها أو عليها في أي خلاف أو ضرر، وكذلك في حال الخِطبة، وفي النواحي الأمنية لمعرفة شخصها ونحو ذلك كثير، وبهذا يتضح أنهم لم يقصدوا من عدم كونهما عورة أنه يجوز كشفهما على أي حال وبدون سبب مبيح من حاجة أو ضرورة، كما ادعاه البعض، بالعكس فهم لم يقولوا بكونهما من العورة إلا لإقرارهم بوجوب ستره من الأساس وإنما قالوا ذلك ليدللوا على جواز كشفه في الصلاة وللأجنبي عند الحاجة والضرورة المؤقتة، وبخاصة أن من يقرأ كلامهم الصريح في أبواب الفقه المختلفة يعلم ذلك علمًا يقينيًا ويفهم مثل عباراتهم تلك ومقاصدهم، فليس بينهم وبين من يقول أنهما عورة أي خلاف حقيقي، وإنما هو خلاف صوري لا يؤثر في حقيقة أنهم مجمعون على وجوب ستر المرأة لوجهها، كما مر معنا كلام أئمة أهل التفسير على آية الإدناء، مع أن منهم من يقول أن الوجه ليس بعورة.\nوسيأتي مزيد بيان وتفصيل لذلك عند ذكر التحريف والتبديل والتصحيف الذي لحق مسألة الحجاب من سوء فهم مقصد أقوال المتقدمين من الفقهاء وتقعيداتهم، إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":66},{"text":"١٦ - الكشف والبيان للثعلبي (ت: ٤٢٨ هـ):\n﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ أي يرخين أرديتهن وملاحفهن فيتقنعن بها، ويغطين وجوههن ورؤوسهن ليعلم أنهن حرائر فلا يُتعرض لهن ولا يُؤذين.\nقوله: ﴿ذلِكَ أَدْنَى أن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكان اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ لما سلف منهن من ترك السنن ﴿رّحِيمًا﴾ بهنّ إذ سترهنّ وصانهن. قال ابن عبّاس وعبيدة: أمر الله النساء المؤمنات أن يغطّين رؤوسهنّ ووجوههنّ بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة. قال أنس: مرّت جارية بعمر بن الخطاب متقنّعة فعلاها بالدرّة وقال: يا لُكاع أتشبهين بالحرائر؟ ألقي القناع).\n١٧ - تفسير بحر العلوم للإمام السمرقندي (ت: ٣٧٥ هـ):\n﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ وقال القتبي: يلبسن الأردية. ويقال: يعني يرخين الجلابيب على وجوههن) انتهى.\n١٨ - تفسير النكت والعيون للماوردي- شافعي - (ت: ٤٥٠ هـ):\n﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وراء حِجَابٍ﴾ أمرن وسائر النساء بالحجاب عن أبصار الرجال وأمر الرجال بغض أبصارهم عن النساء) انتهى.\n١٩ - قال الإمام برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ):\n(﴿ونساء المؤمنين يدنين﴾ أي يقربن ﴿عليهن﴾ أي على وجوهن وجميع أبدانهن فلا يدعن شيئًا منها مكشوفًا) انتهى.","vol":"1","page":67},{"text":"٢٠ - تفسير زاد المسير للإمام ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ):\n(قوله تعالى: ﴿يا أيها النبيُّ قل لأزواجك ...﴾ الآية، سبب نزولها أن الفُسَّاق كانوا يؤذون النساء إذا خرجن بالليل، فإذا رأوا المرأة عليها قناع تركوها وقالوا: هذه حُرَّة، وإذا رأوها بغير قناع قالوا: أمة فآذوها، فنزلت هذه الآية، قاله السدي.\nقوله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ قال ابن قتيبة: يَلْبَسْنَ الأردية. وقال غيره: يغطِّين رؤوسهنّ ووجوهن ليُعلَم أنهنَّ حرائر ﴿ذلك أدنى﴾ أي: أحرى وأقرب ﴿أن يُعْرَفْنَ﴾ أنهنَّ حرائر ﴿فلا يؤذَين﴾) انتهى.\n٢١ - وقال صاحب معاني القرآن أبو جعفر النحاس (ت: ٣٣٨ هـ):\n﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ قال أبو مالك والحسن كان النساء يخرجن بالليل في حاجاتهن فيؤذيهن المنافقون ويتوهمون أنهن أماء فأنزل الله جل وعز ياأيها النبي قل لأزواجك إلى آخر الآية قال الحسن ذلك أدني أن يعرف أنهن حرائر فلا يؤذين، قال الحسن تغطي نصف وجهها، وكان عمر إذا رأى أمة قد تقنعت علاها بالدرة قال محمد بن سيرين سألت عبيدة عن قوله تعالى يدنين عليهن من جلابيبهن فقال تغطي حاجبها بالرداء ثم ترده على أنفها حتى تغطي رأسها ووجهها وإحدى عينيها) انتهى.","vol":"1","page":68},{"text":"٢٢ - وقال ناصر الدين البيضاوي في تفسيره) ت: ٦٨٥ هـ):\n﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة) انتهى.\n٢٣ - وقال أبو البركات النسفي في تفسيره (ت: ٧١٠ هـ):\n(﴿ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ الجلباب ما يستر الكل مثل الملحفة عن المبرد ومعنى يدنين عليهن من جلابيبهن يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن يقال إذا زال الثوب عن وجه المرأة أدني ثوبك على وجهك ومن للتبعيض أى ترخى بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع حتى تتميز من الأمة أو المراد أن يتجلببن ببعض ما لهن من الجلابيب) انتهى.\nوانظر لقوله (تتقنع) وأنها تعني ستر الوجه فكيف مروا على هذه النقول مرور الكرام وماذا سيقول من سيأتي بعدنا من الأجيال لو رضينا بهذا؟ .\n٢٤ - وقال أبو السعود (ت: ٩٨٢ هـ) في تفسيره:\n(أي يغطين بها وجوههن وأبدانهن إذا برزن) انتهى.\n٢٥ - معاني القرآن للفراء (ت: ٢٠٧ هـ):\n(عن ابن سيرين في قوله: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن ..﴾ هكذا: قال تغطى إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين) انتهى.\nولم يزد لا هو ولا غيره في تفسير هذه الآية شيئًا خلاف ذلك بتاتًا.","vol":"1","page":69},{"text":"٢٦ - وقال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) في تفسيره:\n﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ إذا أردتم أن تخاطبوا أزواج النبي - ﷺ - في أمر فخاطبوهن من وراء حجاب وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال فلما نزلت هذه الآية ضرب عليهن الحجاب فكانت هذه آية الحجاب بينهن وبين الرجال ﴿ذلكم﴾ أي: الحجاب ﴿أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾ فإن كل واحد من الرجل والمرأة إذا لم يرَ الآخر لم يقع في قبله) انتهى.\n٢٧ - قال السراج المنير للإمام الفقيه محمد الشربيني الخطيب ... - الشافعي - في تفسيره:\n(﴿ونساء المؤمنين يدنين﴾ أي: يقربن ﴿عليهن﴾ أي: على وجوههن وجميع أبدانهن فلا يدعن شيئًا منها مكشوفًا ﴿من جلابيبهن﴾ ولا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا خرجن لحاجتهن بكشف الشعور ونحوها ظنا أن ذلك أخفى لهن وأستر، والجلباب القميص، وثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة، والملحفة: ما ستر اللباس، والخمار: وهو كل ما غطى الرأس وقال البغوي: الجلباب الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقال حمزة الكرماني، قال الخليل: كل ما يستر به من دثار وشعار وكساء فهو جلباب والكل تصح إرادته هنا، فإن كان المراد القميص فإدناؤه إسباغه حتى يغطي بدنها ورجليها، وإن كان يغطي الرأس فإدناؤه ستر وجهها وعنقها، وإن كان المراد ما يغطي الثياب","vol":"1","page":70},{"text":"فإدناؤه تطويله وتوسيعه بحيث يستر جميع بدنها وثيابها، وإن كان المراد ما دون الملحفة فالمراد ستر الوجه واليدين وقال ابن عباس وعبيدة: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة ليعلم أنهن حرائر. ولما أمر تعالى بذلك علله بقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ أي: الستر ﴿أدنى﴾ أي: أقرب من تركه في ﴿أن يعرفن﴾ أنهن حرائر بما يميزهن عن الإماء ﴿فلا﴾ أي: فتسبب عن معرفتهن أن لا ﴿يؤذين﴾ ممن يتعرض للإماء فلا يشتغل قلبك عن تلقي ما يرد عليك من الأنباء الإلهية قال ابن عادل: ويمكن أن يقال: المراد يعرفن أنهن لا يزنين لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة أي: في الصلاة لا يطمع فيها أنها تكشف عورتها، فبفرض أنهن مستورات لا يمكن طلب الزنا منهن. ا. هـ.\nولما رقاهن تعالى لهذا الأمر خفف عاقبة ما كن فيه من التشبه بالإماء فأخبرهن تعالى بوسع كرمه وجوده بقوله تعالى: ﴿وكان الله﴾ أي: الذي له الكمال المطلق أزلا وأبدا ﴿غفورا﴾ أي: لما سلف منهن من ترك الستر فهو محاء للذنوب عينا وأثرا ﴿رحيما﴾ بهن إذ سترهن وبمن يمتثل أوامره ويجتنب نواهيه) انتهى كلامه.","vol":"1","page":71},{"text":"٢٨ - وقال في التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي (ت: ٧٤١ هـ):\n﴿قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ كان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء وكان ذلك داعيا إلى نظر الرجال لهن فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن ويفهم الفرق بين الحرائر والإماء والجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار وقيل هو الرداء.\nوصورة إدنائه:\n- عند ابن عباس أن تلويه على وجهها حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها.\n- وقيل أن تلويه حتى لا يظهرإلا عيناها. وقيل أن تغطي نصف وجهها.\nذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين أي ذلك أقرب إلى أن يعرف الحرائر من الإماء فإذا عرف أن المرأة حرة لم تعارض بما تعارض به الأمة وليس المعنى أن تعرف المرأة حتى يعلم من هي إنما المراد أن يفرق بينها وبين الأمة) انتهى.\n٢٩ - قال المفسرالإمام يحيى بن سلام البصري القيرواني (ت: ٢٠٠ هـ): قول الله تعالى: ﴿ياأيها النَّبِيُّ قُلْ لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ قال: (والجلباب: الرداء تقنع به وتغطي به شق وجهها الأيمن، تغطي عينها اليمنى وأنفها) انتهى.","vol":"1","page":72},{"text":"٣٠ - وقال المفسر الإمام أبو المظفر السمعاني ﵀ (ت: ٤٨٩ هـ):\n(وقوله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ أي: يشتملن بالجلابيب والجلباب: هو الرداء، وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار. قال عبيدة السلماني: تتغطى المرأة بجلبابها فتستر رأسها ووجهها وجميع بدنها إلا إحدى عينيها) انتهى.\n٣١ - وقال المفسر الفقيه عماد الدين الطبري الشهير بإلكيا الهراس الشافعي (ت: ٥٠٤ هـ):\n﴿يا أيها النَّبِيُّ قُلْ لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ الجلباب: هو الرداء، فأمرهن بتغطية وجوههن ورؤوسهن ولم يوجب على الإماء ذلك) انتهى.\n٣٢ - وقال ابن حزم الظاهري (ت: ٤٥٦ هـ):\nعند تعريفه للجلابيب: (وَالْجِلْبَابُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ التي خَاطَبَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - هُوَ مَا غَطَّى جَمِيعَ الْجِسْمِ، لاَ بَعْضَهُ) (١) انتهى.\n٣٣ - وقال الإمام السيوطي ﵀ (ت: ٩١١ هـ):\nوقال السيوطي في استنباط التنزيل: (هذه آية الحجاب في حق سائر النساء، ففيها وجوب ستر الرأس والوجه عليهن) (٢) انتهى.\n_________\n(١) المُحَلى، كتاب الصلاة.\n(٢) استنباط التنزيل للسيوطي (٣/ ١١٨)، وذكره عنه صاحب عون المعبود شرح سنن أبي داود (١٢/ ١٥٨) اللباس، باب قول الله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ ..﴾.","vol":"1","page":73},{"text":"٣٤ - قال المفسر العلامة جمال الدين القاسمي (ت: ١٣٣٢ هـ):\nفي محاسن التأويل عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ قُلْ لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ نقل كلام الزمخشري المتقدم ثم قال: (ومن الآثار في الآية ما رواه الطبري عن ابن عباس قال: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة، أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة، وأخرج ابن أبي حاتم عن أم سلمة قالت لما نزلت هذه الآية ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ خرج نساء الأنصار كان على رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها) انتهى.\n٣٥ - وقال مفتي الديار المصرية الشيخ حسنين محمد مخلوف ﵀ (ت: ١٣٥٥ هـ):\nعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾: (يسدلن الجلابيب عليهن حتى يسترن أجسامهن من رؤوسهن إلى أقدامهن. والإدناء التقريب، ولتضمنه معنى السدل أو الإرخاء عُدِّي بعلى. والجلابيب جمع جلباب وهو ثوب يستر جميع البدن يعرف بالملاءة أو الملحفة) (١).\n_________\n(١) صفوة البيان لمعاني القرآن (ص ٥٣٧).","vol":"1","page":74},{"text":"٣٦ - المفسر الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر محمد سيد طنطاوي:\nقال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ قُلْ لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذَلِكَ أَدْنَى أن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكان اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ والجلابيب جمع جلباب، وهو ثوب يستر جميع البدن، تلبسه المرأة فوق ثيابها، والمعنى: يا أيها النبي قل لأزواجك اللائي في عصمتك، وقل لبناتك اللائي هن من نَسْلك، وقل لنساء المؤمنين كافة، قل لهن: إذا ما خرجن لقضاء حاجتهن، فعليهن أن يَسدلن الجلالبيب عليهن حتى يسترن أجسامهن سترًا تامًا من رؤوسهن إلى أقدامهن؛ زيادة في التستر والاحتشام، وبعدًا عن مكان التهمة والريبة. قالت أم سلمة ﵂: لما نزلت هذه الآية خرج نساء الأنصار كان على رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سُود يلبسنها) (١).\n٣٧ - وقال المفسر العلامة الشيخ أبو الأعلى المودودي ﵀:\nعند تفسيره لقول الله ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ قال: (وبعض المترجمين والمفسرين في هذه الأيام غلبهم الذوق الغربي، فترجموا هذا اللفظ بمعنى الالتفاف لكي يتلافوا حكم ستر الوجه ... .\nومن ثم تعني الآية صراحة أن يتغطى النساء بالإضافة ويلففن أنفسهن بجلابيبهن ثم يسدلن عليهن من فوق، بعضًا منها، أو طرفها، وهو ما يعرف عامة باسم النقاب؛ هذا ما قاله أكابر المفسرين في أقرب عهد بزمن الرسالة وصاحبها ... وقد فسرها ابن عباس رضي\n_________\n(١) التفسير الوسيط (١١/ ٢٤٥).","vol":"1","page":75},{"text":"الله عنهما أيضا بما يقارب هذا إلى حد كبير وما نقله عنه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه يقول فيه: \" أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة \" وهذا ما قاله قتادة والسدي أيضا في تفسير هذه الآية ويتفق أكابر المفسرين الذين ظهروا في تاريخ الإسلام بعد عصر الصحابة والتابعين على تفسير الآية بهذا المعنى) (١).\n\nولا أريد أن أزيد في النقل أكثر من ذلك وقد حصل المقصود في بيان إجماع المفسرين والصحابة والتابعين ومن بعدهم على مر عصورهم دون أي خلاف يذكرعلى قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ قُلْ لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ وأن هذه الآية دليل قطعي في الأمر بتغطية النساء لوجوههن عن الرجال.\n٣٩ - قال الشيخ صفي الرحمن المباركفوري، وبعد أن سرد جملة كبيرة من أقوال جماهير العلماء المعتبرين: (هذه هي أقوال أعلام هذه الأمة من لدن أفضل القرون إلى القرن الرابع عشر الذي نعيش فيه يعرف منها أن من تصدى لتفسير إدناء الجلباب فقد فسره بتغطية الوجه) (٢).\n_________\n(١) تفسير سورة الأحزاب - ص ١٦١. وراجع أيضًا كتابه: (الحجاب).\n(٢) (إبراز الحق والصواب في مسألة السفور والحجاب صـ ٤٣).","vol":"1","page":76},{"text":"ما معنى هذه النقول؟:\nوغير ذلك معناه أن نقذف بهذه النصوص المدونة على مر العصور لنأخذ بتفسير بعض المتأخرين اليوم القائلين بسفور المرأة لوجهها، وللقارئ الكريم أن يراجع بقية التفاسير على اختلاف مذاهبها ومشاربها ومناهجها، ليجد النقل المتتابع الموروث جيلا بعد جيل في ذلك، وقد أعرضنا عن كثير من التفاسير لشهرة أقوال أصحابها في وجوب ستر النساء لوجوههن عن الرجال، خشية من الإطالة.\nوهذه كتب أئمة التفسير فليخرجوا لنا كلمة واحدة أو قولًا واحدًا أو اسمًا واحدًا من صحابة رسول الله - ﷺ - أوالتابعين أو تابعيهم بإحسان قال أحد منهم أن في آية الإدناء قولا - أي قول - غير أنها الأمر للنساء بستر وجوههن عن الرجال، فضلا أن يكون فيمن بعدهم متجرئٌ يقول أن فيها معنى كشف النساء لوجوههن.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>مخالفة الشيخ الألباني لإجماع المسلمين في تفسيره لقوله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾</span>\nوبعد ما تقدم وغيره، فمن يستشهد اليوم لمسألة فريضة الحجاب بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ويقول أنها دليل على جواز كشف المرأة لوجهها بدون سبب من حاجة أو ضرورة، أو الأسوأ منه، من يرى كل هذه النقول المتواترة لعلماء أهل التفسير جيلا بعد جيل عن صحابة رسول - ﷺ - والتابعين وتابعيهم بإحسان ثم يقول أن هناك خلافا بين السلف في تفسير آية الإدناء، فضلا عن قوله أن آية الإدناء تعني كشف المرأة لوجهها، يكون قد جنا جناية عظيمة، وأتى بما لم يأتِ به الأولون والآخرون منذ أربعة عشر قرنًا، وأخطأ وحرف كلام أهل التفاسير قاطبة، وبالتالي كلام الله - عز جل - وهو لا يشعر، وناقض أوله بآخره وأعرض عن إجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فلم يأت عن أحد من السلف ما يخالف ذلك بتاتًا، أو أن آية في كتاب الله تعنى أن تكشف المرأة عن وجهها بغير سبب مبيح، حتى جاء الشيخ الألباني ﵀، وأتى اليوم كما يقول بتوفيق بين الأدلة، ولا شك أنها زلة العالم.\nقال الشيخ محمد الألباني ﵀، في كتابه \"حجاب المرأة\" صفحة (٥٧): (ويلاحظ القراء الكرام أن هذا البحث القيم الذي وقفت عليه بفضل الله من كلام هذا الحافظ ابن القطان يوافق تمام الموافقة ما كنت","vol":"1","page":78},{"text":"ذكرته اجتهادًا مني وتوفيقًا بين الأدلة: أن الآية مطلقة كما ستراه مصرحًا به (ص ٨٧) فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات).\nثم هناك في صفحة (٨٧) قال: (هذا ولا دلالة في الآية على أن وجه المرأة عورة يجب عليها ستره، بل غاية ما فيها الأمر بإدناء الجلباب عليها وهذا كما ترى أمر مطلق فيحتمل أن يكون الإدناء على الزينة ومواضعها التي لا يجوز لها إظهارها حسبما صرحت به الآية الأولى وحينئذ تنتفي الدلالة المذكورة ويحتمل أن يكون أعم من ذلك فعليه يشمل الوجه. وقد ذهب إلى كل من التأويلين جماعة من العلماء المتقدمين وساق أقوالهم في ذلك ابن جرير في (تفسيره) والسيوطي في (الدر المنثور) ولا نرى فائدة كبرى بنقلها هنا فنكتفي بالإشارة إليها ومن شاء الوقوف عليهما فليرجع إليهما. ونحن نرى أن القول الأول أشبه بالصواب لأمور:\nالأول: أن القرآن يفسر بعضه بعضا. وقد تبين من آية النور المتقدمة أن الوجه لا يجب ستره، فوجب تقييد الإدناء هنا بما عدا الوجه توفيقًا بين الآيتين ...) انتهى إلخ كلام الألباني ﵀.\nوأنت تلاحظ أن الشيخ - ﵀ - بنى قوله على أمور منها: أنه (لا دلالة في الآية على أن وجه المرأة عورة يجب عليها ستره) ورد كل ما جاء من نقول لأهل العلم بسبب هذا الاعتبار، فكيف لو علمت أن عددًا ممن نقلنا قولهم هنا، هم ممن يقولون: (أن الوجه والكفين ليسا بعورة)، ومع ذلك يوجبون ستره، وهذا ما يؤكد أن مقصد ومراد المتقدمين على أن الوجه والكفين ليسا بعورة لا يعنى عندهم كشفهما","vol":"1","page":79},{"text":"على كل حال وبدون سبب مبيح، بل يعنون به جواز الكشف عند الحاجة والضرورة، كما سيأتي معنا عند تفسير سورة النور، فهنا أجماع ظاهر منهم.\nكما وأنه سبق لنا بيان الأدلة على أن آية النور متأخرة وليست متقدمة، فالشيخ - غفر الله لنا وله - أخذ من آية الرخص والاستثناءات التي في سورة النور ما جعله حكمًا لفريضة الحجاب ومتعارضًا مع ما جاء من إجماع في سورة الأحزاب، كمن يأخذ بأدلة الفطر للمسافر والمريض ويقول الفطر في رمضان سنة ومستحب.\nوقال في الرد المفحم: (يصرُّ المخالفون المتشددون على المرأة وفي مقدمتهم الشيخ حمود التويجري حفظه الله، على أن معنى ﴿يدنين﴾: يغطين وجوههن، وهو خلاف معنى أصل هذه الكلمة: \"الإدناء\" لغة، وهو التقريب، كما كنت ذكرت ذلك وشرحته في الكتاب - وكما سيأتي في محله منه - وبينت أنه ليس نصًّا في تغطية الوجه، وأن على المخالفين أن يأتوا بما يرجِّح ما ذهبوا إليه، وذلك مما لم يفعلوا ولن يفعلوا إلا الطعن على من خالفهم ممن تبع سلف الأمة ومفسريهم وعلماءهم) انتهى كلامه ﵀.\nوقوله: (يصرُّ المخالفون المتشددون على المرأة ... على أن معنى ﴿يدنين﴾: يغطين وجوههن). أقول ولا أدري كيف يستجيز الشيخ مثل هذا القول وهو يقول: (ممن تبع سلف الأمة ومفسريهم وعلماءهم) فهل هؤلاء الأئمة من أهل العلم والتفسير والذين لم يقولوا كلمة واحدة","vol":"1","page":80},{"text":"كقوله: سنة ومستحب، بل كلهم أجمعوا بصيغة (أمَر الله) كما هي صيغة الخطاب الرباني لرسوله - ﷺ - ﴿قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين﴾ أفيكون هؤلاء من المتشددين أيضًا؟ نعم، على كلامه هم كذلك، فإن كان لا يدري بأقوالهم فهو معذور، وإن كان يعلم فهذه والله مصيبة.\nهذه ألفاظ لم يسبقه بها أحد، وإلا فما معنى تلك النقول من أئمة الإسلام وأعلامها الكبار؟ وللأسف استغل ذلك بعض أهل السفور وصغار الطلبة، فأطلقوا ألسنتهم ليردوا على المتقدمين كثيرًا من الثوابت والمحكمات، وأصبحنا نسمع من يقول \"هم رجال ونحن رجال\" - غفر الله لنا ولهم -.\nثم قال في موضع آخر: (ففي كتب اللغة: \" تقنّعت\" المرأة أي: لبست القناع وهو ما تغطي به المرأة رأسها\"، كما في \"المعجم الوسيط\" وغيره، مثل الحافظ نفسه فقد قال في \"الفتح\" (٧/ ٢٣٥ و١٠/ ٢٧٤): \"التقنع\": تغطية الرأس\" ... ويحتمل أن يكون أراد معنىً مجازيًا أي: ما يحيط بالوجه من باب المجاورة ... وبذلك فسرها ترجمان القرآن عبد الله بن عباس فيما صح عنه، فقال: \"تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به\" كما سيأتي تخريجه\" ... وإدناء الجلباب أن تقنّع، وتشده على جبينها\". وهذا نص قولنا: أنه لا يشمل الوجه. ولذلك كتمه كل المخالفين ... فقال الحافظ (٦/ ٢٥): قوله: \"مقَنَّع\" بفتح القاف والنون المشددة: وهو كناية عن تغطية وجهه بآلة الحرب\" انتهى كلام الحافظ.","vol":"1","page":81},{"text":"فإنه يعني ما جاور الوجه وإلا لم يستطع المشي فضلًا عن القتال كما هو ظاهر ...) انتهى كلامه من الرد المفحم.\nوقد تقدم الكلام بإسهاب على هذا بحمد الله، وأن (التقنع) يأتي ويستر الوجه، وذلك عند نقلنا لتفسير الطبري على الآية، مما تعلم معه أن الألباني بنى كلامه ﵀ على فهمه أن التقنع لا يستر الوجه مما فهمه من كلام الطبري الذي سبق معنا في أختلاف صفة الإدناء، وإلا فابن عباس ﵁ كلامه ظاهر حيث أنه يخاطب المرأة المحرمة فيقول: \"تدني الجلباب إلى وجهها\" أي تستره \"إلى وجهها\" بنوع السدل والإرخاء، لا بنوع الضرب والعطف والشد على الوجه والجبين، فهذا منهي عنه حال الإحرام كالنقاب والبرقع والتقنع ونحوه كما تقدم معنا، ولهذا فبطل قوله: (وقد ذهب إلى كل من التأويلين جماعة من العلماء المتقدمين وساق أقوالهم في ذلك ابن جرير في \"تفسيره\" والسيوطي في \"الدر المنثور\") انتهى.\nوأما السيوطي فقد مر معنا كلامه الصريح، وكذلك الحافظ ابن حجر المشهورة أقواله في وجوب تغطية النساء لوجوههن، ولهذا فلو كان غير هؤلاء! .\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في (مقدمة التفسير):\nفصل: (وأما النوع الثاني من مستندي الاختلاف وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين - حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان; فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفا لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين مثل","vol":"1","page":82},{"text":"تفسير عبد الرزاق ووكيع وعبد بن حميد وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم ومثل تفسير الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية وبقي بن مخلد، وأبي بكر بن المنذر وسفيان بن عيينة وسنيد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبي سعيد الأشج وأبي عبد الله بن ماجه وابن مردويه.\n\"إحداهما\" قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها.\nو\"الثانية\" قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به.\n\"فالأولون\" راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان.\nو\"الآخرون\" راعوا مجرد اللفظ وما يجوز عندهم أن يريد به العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به ولسياق الكلام. ثم هؤلاء كثيرا ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة، كما يغلط في ذلك الذين قبلهم، كما أن الأولين كثيرا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن كما يغلط في ذلك الآخرون، وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق.\nوالأولون \"صنفان\": تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلا فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول وقد يكون حقا فيكون خطؤهم في الدليل لا في المدلول\nوهذا كما أنه وقع في تفسير القرآن فإنه وقع أيضا في تفسير الحديث","vol":"1","page":83},{"text":"فالذين أخطأوا في الدليل والمدلول - مثل طوائف من أهل البدع - اعتقدوا مذهبا يخالف الحق الذي عليه الأمة الوسط الذين لا يجتمعون على ضلالة كسلف الأمة وأئمتها وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على آرائهم. تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه ومن هؤلاء فرق الخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة وغيرهم ... والمقصود أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأيا ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا من أئمة المسلمين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة، وذلك من جهتين: تارة من العلم بفساد قولهم، وتارة من العلم بفساد ما فسروا به القرآن؛ إما دليلا على قولهم أو جوابا على المعارض لهم ... .\nفإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في تفسير الآية قول وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان صاروا مشاركين للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا.\nوفي الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا في ذلك بل مبتدعا وإن كان مجتهدا مغفورا له خطؤه فالمقصود بيان طرق العلم وأدلته وطرق الصواب ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله - ﷺ -","vol":"1","page":84},{"text":"فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعا ومعلوم أن كل من خالف قولهم له شبهة يذكرها أما عقلية وأما سمعية كما هو مبسوط في موضعه.\nوالمقصود هنا التنبيه على مثار الاختلاف في التفسير وأن من أعظم أسبابه البدع الباطلة التي دعت أهلها إلى أن حرفوا الكلم عن مواضعه وفسروا كلام الله ورسوله - ﷺ - بغير ما أريد به وتأولوه على غير تأويله فمن أصول العلم بذلك أن يعلم الإنسان القول الذي خالفوه وأنه الحق وأن يعرف أن تفسير السلف يخالف تفسيرهم وأن يعرف أن تفسيرهم محدث مبتدع ثم أن يعرف بالطرق المفصلة فساد تفسيرهم بما نصبه الله من الأدلة على بيان الحق.\nوكذلك وقع من الذين صنّفوا في شرح الحديث وتفسيره من المتأخرين من جنس ما وقع فيما صنّفوه من شرح القرآن وتفسيره) (١) انتهى كلامه ﵀.\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن تيمية (الجزء الثالث عشر صـ ٣٥٥).","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>آيات الحجاب لم تنزل مرة واحدة\nولها تسلسل ووقائع</span>\nروى الخطيب البغدادي في \"جامع بيان العلم\" عن إبراهيم التيمي قال: خلا عمر بن الخطاب ذات يوم، فجعل يحدِّث نفسه، فأرسل إلى ابن عباس، قال: كيف تختلف هذه الأمة، وكتابها واحد ونبيها واحد، وقبلتها واحدة؟ قال ابن عباس: يا أميرَ المؤمنين، إنما أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيم نزل، وأنه يكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يعرفون فيم نزل، فيكون لكلّ قومٍ فيه رأي، فإذا كان لكل قوم فيه رأي اختلفوا فإذا اختلفوا اقتتلوا. فزَبَرَهُ عمر وانتهره، فانصرف ابن عباس، ثم دعاه بعدُ، فعرف الذي قال، ثم قال: إيه، أعد عليّ) انتهى.\nويتبين لنا مما سبق أن آيات الحجاب لها تسلسل ووقائع وتدرج، كما ألمح لذلك أنس ﵁ وكما بينته الوقائع والأحداث الخاصة بمسائل فريضة الحجاب، فمعلوم أنه في زمن الوحي والنزول كانت الآيات في القضية الواحدة تنزل تباعا، بعضها بعد بعض شارحة ومفصلة ومفسرة، وقد تأتي في نفس السورة وقد تأتي في سورة أخرى، ولم يكن أحد من الصحابة يضرب بعضها ببعض أو يرد ما جاء في هذه الآية بما جاء في الآيات الأخرى، ولم يكونوا محتاجين لأن يعتنوا بتاريخ نزول الآيات أو أسبابها، كونهم عاصروا النزول والوقائع فلم يختلط عليهم السابق باللاحق وسهل عليهم فهم المراد عن الله تعالى ورسوله - ﷺ - أكثر ممن بعدهم، وزادهم علمًا وفهمًا بكتاب الله","vol":"1","page":87},{"text":"تعالى ما بينه لهم رسوله - ﷺ - من معاني الآيات مما يحتاج إلى بيانه، وسؤالهم له عما أشكل عليهم في ذلك ولهذا المنهج نقل المتقدمون من أهل التأويل تفسير كل آية في موضعها كما جاءت عن السلف وبمرادها ومقصدها عنهم، دون أن يقيدوا فيما نقلوه هنا أو هناك أي ملحظ أو إشكال يدل على وجود خلاف تضاد في فريضة الحجاب.\nقال شيخ الإسلام في مقدمة التفسير: (فإن قال قائل فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر وما اختصر من مكان فقد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له ... وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن والأحوال التي اختصوا بها ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح ... إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين) انتهى.\nفسورة الأحزاب قد نزلت فيها مساءلة الرجال للنساء من وراء حجاب بمعنى عدم رؤيتهن أو الدخول عليهن في البيوت، إلا من الأصناف المذكورين في الآية، فإذا خرجن فيكون طريقة حجابهن عن أعين الرجال كما أرادها الله بالأمر بلبسهن للجلابيب وإدنائها عليهن، فاستوى الأمران هنا وهناك وانتهى الأمر على ذلك في السنة الخامسة للهجرة.","vol":"1","page":88},{"text":"ثم جاءت بعدها آيات سورة النور في السنة السادسة من الهجرة النبوية مفصلة ومفسرة لما أجمل هناك، وجاءت بآداب وأحكام زائدة في مسائل الحجاب لم تكن في بداية أمره، كآداب الاستئذان وغض البصر عما سبق ونزل من أمر الحجاب، وكذلك نزلت الاستثناءات والرخص، ومنها قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾.\nفلا تبدي المرأة إلا ما تدعو الحاجة والضرورة إليه، ثم تبعه الاستثناء الثاني ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ...﴾ فلا تبدي المرأة من زينتها في بقية أحوالها العادية إلا للأصناف المذكورين في الآية وقد جاء فيها ذكر أصناف جديدة ممن لهم الدخول للبيوت والنظر لزينة المرأة، ولم يكونوا قد ذكروا في سورة الأحزاب.\nكما جاء أيضا في سورة النور الرخصة للقواعد من النساء أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة، وهذا كذلك لم يكن موجودا في أول نزول أمر الحجاب كما في سورة الأحزاب، والرخص التي في سورة النور دليل على أنها متأخرة وليست متقدمة على سورة الأحزاب وفريضة الحجاب؛ لأنه لا يعقل أن تنزل الرخص قبل الفرائض فكان في ذلك رحمة من الله لعباده، رحم الله الجميع.","vol":"1","page":89},{"text":"(المبحث الثاني)\nسورة النور وما فيها من أدلة أخرى على أن الحجاب قد فرض قبلها وقبل ما فيها من قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>(المبحث الثاني)\nسورة النور وما فيها من أدلة أخرى على أن الحجاب قد فرض قبلها وقبل ما فيها من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾</span>\n١ - بداية السورة دليل على كونها جاءت مفصلة وشارحة لأمور قد سبق وأن ذكرت من قبل:\nولهذا بدأ الله تعالى في أول السورة واصفا إياها بأنها ﴿سُورَةٌ أنزَلْنَاهَا وَفرضناها وَأنزَلْنَا فِيهَا آيات بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)﴾ [النور]. فهي سورة نزلت فيها آيات بينات مفصلات لأمور عديدة منها الجديدة ومنها ما قد سبق إجمالا، قال مجاهد وقتادة: (أي بينا الحلال والحرام والأمر والنهي والحدود وفي قوله: ﴿وَأنزَلْنَا فِيهَا آيات بَيِّنَاتٍ﴾ قال ابن كثير: (أي مفسرات واضحات).\n٢ - استهلال السورة بحد الزنا دليل على أن الحجاب فرض قبلها لأن الحجاب صون من الوقوع في الزنا:\nوالشاهد من أن فريضة الحجاب قد نزلت قبل سورة النور، أنه استهل أول آياتها بتقرير عقوبات شديدة وعنيفة بحق الزناة قال تعالى في الآية الثانية: ﴿الزانية وَالزَّاني فاجلدوا كُلَّ واحد مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا","vol":"1","page":93},{"text":"رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليوم الآخر وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾ [النور: ٢]، أليس من حق المرء أن يتساءل إن كانت آية ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١]، هي المتقدمة والمشرعة لفريضة الحجاب، والواصفة لبيان شكله وطريقته، كيف تنزل عقوبة شديدة كهذه ولم تسبقها آيات الحجاب ولم يسبقها الأمر للنساء بتغطية شعورهن ونحورهن كما يدعيه القائلون بسفور وجه المرأة؟ كيف ولم يسبقها البعد عن مثيرات الشهوات مع ما عرف عنهن من سفور قبل فرض الحجاب كما مر معنا من كلام أئمة أهل التفسير على قوله تعالى: ﴿يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ﴾ (وذلك أن النساء كنّ في أول الإسلام على هجيرهنّ في الجاهلية متبذلات، تبرز المرأة في درع وخمار فصل بين الحرّة والأمة). وبالتالي فلا يعقل أن تنزل عقوبة الزنا في الآية الثانية من بداية السورة، ثم تأتي بعدها فريضة الحجاب متأخرة في الآية الحادية والثلاثين من قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾.\nهذا لا يعقل من حكيم خبير، القائل في محكم كتابه: ﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم﴾ [التوبة: ١١٥]، لتعلم أن فريضة الحجاب قد نزلت في سورة الأحزاب كما قرره أئمة أهل العلم وقبل آية ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾.\nفالله لم يبدأ السورة بهذا الحكم والعقوبة الشديدة لكبيرة من الكبائر إلا بعد أن تدرج مسبقا في سد الوسائل المفضية إليه وأغلق جميع","vol":"1","page":94},{"text":"الأبواب المشرعة عليه بل واعتبر تلك الوسائل من المحرمات؛ لأن الكثير منا عندما يبدأ في قراءة سورة النور يتعجب من قوة هذه العقوبة وشدتها من لدن رحيم غفور، ولكن من أدرك وتذكر كما أرشد الله في أول الآيات ﴿لعلكم تذكرون﴾ وفهم ما قبلها من التسلسل والتدرج والتمهيد في آيات الحجاب الواردة في سورة الأحزاب لم يتعجب من قوة هذه العقوبة وشدتها، بل يجد أنها جاءت لمستحقها، وما كان ربك بظلام للعبيد، فهو سبحانه لو تذكرنا ما قد مر معنا عند تمهيده وتدرجه في فريضة الحجاب حذر نساء نبيه - ﷺ - وهن مَن هن أن مَن يأتي منهن بفاحشة مبينة فإن لها ضعف العذاب وهذا لمكانتهن وقربهن من الخير وبيت النبوة والوحي، ثم أمرهن حتى يبتعدن عن الفواحش بأن يتقين الله ويطعنه وألا يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وأن ... يقلن قولًا معروفًا ومختصرًا مع الرجال بدون تبسط وتوسع بقدر الحاجة وبدون تمييع أو ترقيق، وأمرهن بالقرار في بيوتهن وأن تكون البيوت هي الغالب من حالهن وألا يخرجن إلا لحاجة ولا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى ثم ذكر الجميع وحثهم بخصال الصالحين والصالحات وذكر منهم الحافظين لفروجهم والحافظات وأن الله أعد لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا ثم حذرهم من مخالفة أمره، ثم زاد ليبعد عباده المؤمنين والمؤمنات عن مواطن الزنا والفساد وليعينهم على أنفسهم لحفظ قلوبهم وفروجهم فزاد ذلك بمساءلتهن من وراء حجاب ومنع الدخول عليهن وقصره على أصناف محدودة جدًا كما في قوله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ","vol":"1","page":95},{"text":"عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أبنائهن وَلَا إخوانهن وَلَا أبناء إخوانهن وَلَا أبناء أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أيمَانهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إن اللَّهَ كان عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدا﴾ [والأحزاب: ٥٥] كل هذا تدرج في تحريم كل ما يثير الشهوات من النظر إلى النساء أوالدخول عليهن، حتى أمرن بفريضة الحجاب عن نظر الرجال حال خروجهن من البيوت وذلك بلبس الجلابيب والعباءات وبتغطية الرؤوس والوجوه وهذا من أنفع وأبلغ الأمور للبعد عن الزنا ومقدماته، بل ووصف ذلك وصفًا دقيقا تناقلته الأخبار والآثار عن الصحابة ومن بعدهم كما مر معنا عند قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ قُل لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذَلِكَ أَدْنَى أن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكان اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩].\nفالله لم يقرر عقوبة الزنا في كتابه فجأة كما يلزم من قول من استشهد بقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ فتبين أنه قد سبقها آيات في فرض الحجاب.\nوإلا فيكون عاقب قبل أن يُعدّ عباده المؤمنين والمؤمنات بما يعينهم حتى لا يقعوا فيما نهى عنه، وقبل أن يسد الأسباب والوسائل المفضية لذلك، ويكون الأمر كما قال الشاعر:\nألقاه في اليمّ مكتوفًا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء\nوتعالى الله عن الظلم والجور والشطط، وهو الحكيم العليم الخبير بنفوس عباده حيث أحسن ترتيب الآيات والأحكام، القائل في محكم","vol":"1","page":96},{"text":"كتابه: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آياتهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، بل لقد مهد وتدرج، كما مر معنا بمقدمات وأمور عديدة حتى فرض الحجاب، فكان في ذلك تمهيدا وتدرجا آخر أيضا، ثم بعد ذلك بما يقارب السنة نزلت سورة النور، بما فيها من عقوبة الزناة.\nفلم تنزل عقوبة الزنا إلا وقد تهيأ لها المسلمون رجالا ونساء بتلك التوجيهات والأوامر، فلم يكن للجميع عذر بعد ذلك في أن يعرفوا أن عقوبة من زنا بعد كل تلك التحصينات والتحرزات والسواتر والحجب حتى أبسطها وأقلها الأمر للنساء بخشونة القول للرجال وقوله: ﴿وقرن في بيوتكن﴾ وقوله - ﷺ -: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه) متفق عليه.\nوقوله - ﷺ -: (أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية) (١)، وغير ذلك من تحريم الخلوة أو الاختلاط بالنساء.\nوبالتالي فإن كشف الوجه عند كل منصف وعادل ومتدبر أعظم من هذه الأمور وأشد إثارة للنفس لداعي الوقوع في زنا النظر أو زنا النطق أو زنا الفرج بلا شك ولا ريب، ولو أباح الله كشفه كما يقوله البعض ما نهى عما دونه، فكان كل ذلك حماية للفروج.\n_________\n(١) رواه أحمد وأبو داود والنسائي بسند صحيح، وصححه الألباني في جلباب المراة.","vol":"1","page":97},{"text":"فلا يقتحم المرء هذه الفاحشة الخبيثة وتلك الكبيرة من كبائر الذنوب بعد كل هذه الحروز والستور والحجب، وبعد أن يمر بهذه النواهي الكثيرة والتي تسبق زنا الفروج إلا متلصصٌ ومعاند ومتجرئ ومتعدٍ ومقتحم لكافة حدود الله وبخاصة إذا كان محصنا، فناسب في حقه هذه العقوبة الشديدة على قدر جرمه.\nوصدق الله فالواقع يقول ما أسفرت المرأة عن وجهها في مجتمع من المجتمعات، إلا وأكثرت الخروج وتبسطت في محادثة الرجال ومخالطتهم بل وقد تحدث الخلوات والخرجات فيما بينهم، وكأنه أحد محارمها، ونزع الجلباب والمسمى عندنا - العباءة - وله في بلاد الإسلام مسميات عديدة نجد كثيرا من المغطيات لرؤوسهن لا يلبسنه مكتفيات بالبلوزات والبنطلونات والثياب بحجة أنهن متحجبات وهو المأمور به بالنص القطعي في كتاب الله، وغير ذلك من المنكرات الواضحات ومثيرات الغرائز البديهية للجنسين وما يحرك دواعي الفكر ونوازغ الشيطان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n٣ - حادثة الإفك من الأدلة على نزول الحجاب قبل سورة النور:\nجاءت السورة بذكر حادثة الإفك قال تعالى: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خير لكم﴾ [النور: ١١] وقد كانت في غزوة بني المصطلق من شهر شعبان سنة ست للهجرة، وفي القصة أخبرت عائشة ﵂، أن النساء قد أمرن قبلها بتغطية وجوههن عن الرجال فقالت: (وكان صفوان من وراء الجيش فأصبح عند منزلي","vol":"1","page":98},{"text":"فرأى سواد إنسان فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي) متفق عليه.\nومع أن الحالة عصيبة والكرب كبير وقد رحلت القافلة وتركتها وحيدة وبعد معارك ضارية في ليل مظلم وصحراء مقفرة وأعداء متربصون ومع ذلك لما رأت أحد أبنائها من المسلمين ومن تعرفه وتثق به لم تبادره بكشف وجهها ليعرفها ولم تقل له أنا أمكم عائشة زوجة نبيكم - ﷺ -، بل العكس سترت وجهها عنه ولم تكلمه ولا كلمة واحدة.\nولهذا ما عرفها إلا بهيئتها من خلف عباءتها السوداء لكونه يعرفها قبل الحجاب، ولو كان ستر الوجه خاص بزوجات رسول الله - ﷺ - كما يقوله البعض لعرفها بذلك، فكيف بهم اليوم يتركون هدي عائشة ويقولون بالاختلاط وسفور الوجه ومحادثة الرجال ومؤاكلتهم.\nفهذه الواقعة والتي كانت سنة ست من الهجرة تؤكد ما قررناه سلفا من أن فريضة الحجاب كانت قبل ذلك كما أخبر أنس في مبتنى رسول الله - ﷺ - بزينب سنة خمس للهجرة في سورة الأحزاب وما فيها من آيات، وبالتالي فهي متقدمة على سورة النور وما فيها من آيات.\n٤ - الحذر من خطوات الشيطان:\nثم بين الله لعباده الحذر من خطوات الشيطان فقال: ﴿يا أيها الذين أمنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشيطان وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشيطان فإنه يَأمر بِالْفَحْشَاء وَالمنكر وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أحد أبدا﴾ [النور: ٢١]، وهذا مما له","vol":"1","page":99},{"text":"تعلق بمسائل الحجاب وتأكيد من الله على ما سبق وأن حذر عباده منه، وهو البعد عن المنكرات والمحرمات التي تكون مقدمات وخطوات لكبائر الذنوب ونيل أشد العقوبات.\n٥ - آداب دخول البيوت تفصيل لما ذكر سابقا في سورة الأحزاب:\nثم ذكر الله آداب دخول البيوت بتفصيل موسع وتعليم مسهب أكثر من الوارد في الأحزاب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿٢٧﴾ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴿٢٨﴾ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴿٢٩﴾ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴿٣٠﴾ [النور].\nوهذا تفصيل في مسألة الاستئذان وبيان آداب دخول البيوت، وهذا تفصيل بعد الإجمال الذي تقدم في سورة الأحزاب بمنع الدخول على النساء سواء بيوت النبي - ﷺ - والتي فيها أمهاتهم أو بيوت غيره من المسلمين إلا للأصناف المذكورين هناك، وزاد في النور أصنافا جديدة لم يكونوا مذكورين من قبل.\nوزاد أيضا في تعليمهم آداب الاستئذان لأنه وبعد أن حرم الدخول والنظر للنساء، وكان لا بد من دخول بعضهم لبعض، بيَّن هنا كيفية آداب الاستئذان بشكل دقيق لكل أحواله، وكل ذلك حماية للعورات","vol":"1","page":100},{"text":"ورعاية لغفلات الناس، وصيانة من الوقوع في مقدمات الزنا والتي مبدؤها من النظر، وما جُعل الاستئذان إلا من أجل عدم النظر للحرمات، فلو لم يكن هناك شيء مستور وممنوع من النظر إليه لما أمر الله بالغض عنه، وعفا عن نظر الفجأة كما أخبر بذلك رسول الله - ﷺ - ففي الصحيحين من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: (اطلع رجل من جحرٍ في حُجَر النبي ومع النبي - ﷺ - مدرى (١) يحك به رأسه، فقال النبي: لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر).\nولهذا أمر المؤمنين بعدها بأن يفهموا أن الغاية من الاستئذان أن يغضوا من أبصارهم عما لا يحل لهم النظر إليه والغاية من غض البصر ليحفظوا فروجهم وفي كل ذلك زكاة لهم وهو سبحانه العالم بسرهم وعلانيتهم.\n_________\n(١) مدرى: المشط.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>تناقض أهل السفور في مسألة غض البصر:</span>\nوهذا ظاهر من أن النظر بريد الزنا والمرغب فيه كما هو معلوم لكل ذي عقل لا ينازع فيه أحد من العالمين، فإذا سلمنا بهذا فإن أعظم مطمع في المرأة هو النظر لوجهها، ولو أراد الله منها كشفه ما أمرها ونهاها عما دونه من محركات الشهوات.\nوقد استدل القائلون بجواز سفور وجه المرأة بقوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أبصارهم﴾ فقال: إذا كانت المرأة مغطية وجهها فممَ يغض الرجال أبصارهم؟ .\nوممن استشهد بذلك الشيخ محمد الألباني غفر الله لنا وله كما في كتابه جلباب المرأة المسلمة صفحة (٧٨) فقال: (ويؤيد ذلك قوله تعالى في صدر الآية المتقدمة: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ... وقل للمؤمنات يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ...﴾ الآية [النور: ٣٠] فإنها تشعر بأن في المرأة شيئا مكشوفا يمكن النظر إليه فلذلك أمر تعالى بغض النظر عنهن وما ذلك غير الوجه والكفين. ومثلها قوله - ﷺ -: (صحيح) (إياكم والجلوس بالطرقات ... فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). وقوله): الحديث حسن) (يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة) وعن جرير بن عبد الله قال: (صحيح) (سألت رسول الله - ﷺ - عن نظر الفجأة؟ فأمرني - ﷺ - أن أصرف بصري) انتهى إلخ كلامه ﵀.","vol":"1","page":102},{"text":"ومع أنه بإمكان أي شخص أن يرد على مثل هذا، إلا أنه لا يصح عند المنصف مثل هذه الاستدلالات على مسألة مهمة وفريضة عظيمة كفريضة الحجاب، إلا إذا لم يكونوا مقتنعين بما لديهم من أدلة.\nوقبل الجواب عليها نبين أنهم كفونا بجزئية مهمة في الجواب بما قرروه من أن الوجه مطلب للنفس فيستدعي العينين للنظر إليه، وبالتالي في حالة الإعجاب به قد يحرك الحواس للنيل من صاحبه بأي الوسائل الممكنة لذلك:\nنظرة فابتسامة فسلام ... فكلام فموعدٌ فلقاءُ\nولهذا حرم العلماء النظر إلى وجه الأمرد الحسن.\nوكذلك يجاب عليهم بأن خير القرون قرن سيد ولد آدم محمد - ﷺ - وصحابته الكرام، ومع ذلك فقد حصلت فيه أكثر من حادثة في حد الزنا والقذف كما هو معلوم، فإن كان ذلك بسبب أن وجوه النساء مكشوفة كما يدعي البعض فالواجب تغطيته لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإن كان ذلك مع كون وجوه نسائهم مستورة كما دل عليه الإجماع والنصوص العديدة، فهذا يدل على براءة التشريع حيث طالب ببذل الغاية والواجب لمنع الأسباب الموصلة للفواحش، فمن وقع بعد ذلك في شيء منها كان ولا بد لاتباعه خطوات الشيطان وتركه شيئا مما أمر الله به أو لفعله شيئا مما نهى عنه من الحجاب أو مقدماته فكان هو المتسبب المستحق للعقوبة والجزاء.\nوكذلك يجاب عليهم بأن النظر للمحرمات ليس مقتصرًا على المرأة الساترة لوجهها، فمعلوم أن هناك من العاصيات من يظهرن","vol":"1","page":103},{"text":"زينتهن، أفلا تعنى هذه الآية من مروا بهن لكي يغضوا من أبصارهم؟ كما أن المسلم قد يصادف من نساء غير الإسلام أو يجدهن أمامه أفلا تعني أمثال هؤلاء هذه الآية؟ كما قد تمر على المسلم في وسائل الإعلام المرئية أو المقروءة نساء كاشفات وعلى درجات متفاوتة من التبرج، أفلا تعنى هذه الآية الناظرين لتلك الوسائل؟ وقد يختلي المرء بنفسه فيطلع على عورة مسلم أو مسلمة في ساعة غفلة منهم، أفلا تعني الآية أمثال هؤلاء؟ وهكذا لا يسلم زمان ولا مكان من أمثال هذه الأحوال أو غيرها، وليس الأمر متوقفًا حتى نكشف وجوه النساء الصالحات لكي يعمل الرجال بالآية.\nوكذلك عندما أمر الله ﷿ النساء بغض البصر كما في نفس الآية، هل معناه أن نقول للرجال تعروا واكشفوا عن عوراتكم التي لا يجوز للنساء النظر إليها لكي يعملن بالآية الكريمة؟ أم أن النساء قد يجري عليهن مثل ما قد يجري للرجال من الأحوال التي ذكرناها وغيرها وحينئذ عليهن غض البصر؟ .\nوأما على طريقتهم في فهم النصوص فمثله أن نقول لأهل الفساد اخرجوا في الطرقات وجاهروا بالمعاصي أمام الناس، لكي نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونعمل بحديث الأمر بإعطاء الطريق حقه، ونطالب من لا يريد الخروج بالخروج للطرقات لرد السلام وغض البصر وكف الأذى، هل هذا ما فهمه السلف وأئمة الإسلام من أحاديث رسول الله - ﷺ -؟ ! .","vol":"1","page":104},{"text":"كذلك ما جاء في نظرة الفجأة عندما سُئل عنها - ﷺ -، فقال: اصرف بصرك، فلو أراد أن وجوه النساء مكشوفة وعلى الرجال أن يغضوا أبصارهم كما يقوله أهل السفور لما سماها نظر الفجأة بل لسماها نظر المعتاد! .\nولم نرَ أو نسمع أن أحدًا أخذ برأيهم في جواز كشف المرأة لوجهها، ثم لما قابلها قام بتحويل بصره عنها كما طالبوا، بل تجد بينهم أحوال الأزواج والمحارم من الاختلاط والمجالسة والتبسط والخروج، ولا يصرف أحدهم نظره عن الآخر بل قد يبادلة الابتسامة والضحكة والمواعدة وغير ذلك وهذا مما لا بد منه ولازم مع كل من كشفت وجهها غالبًا.\nولهذا تناقض القائلون بالسفور فذهب فريق منهم لجواز أن ينظر الرجل لوجه المرأة ويتأملها، ولا أدري ماذا بقي في عقولهم ليتصوروا تحريم النظر إليه؟ والذي بقي هو مما يُعلم قبل الإسلام وبعده قبح وشناعة الناظرين له، فوقعوا في تناقضات أكبر وفتحوا الباب للعلمانيين والتحرُّريين ليعتقدوا في دين الله ما هو أكبر وأشنع من قولهم، وإلا فمما لوى رسول الله - ﷺ - عنق ابن عمه الفضل بن عباس حينما نظر للخثعمية؟ .\nوالحق كما قرره أهل العلم ﵏ هو تحريم النظر للمرأة ولو كانت منقبة وبخاصة متى ما كان فيها دلائل الجمال والشباب.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>التبرج انفلات لا يقف عند حد:</span>\nوصدق رسول الله - ﷺ - حين قال: (ما تركت فتنة بعدي أضر على الرجال من النساء) (١)، وهذا لِما أودعه الله في قلوب الرجال من محبة وميل لهن، حتى قدمهن على البنبن والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة وغير ذلك، والغرب مع إباحيتة زادت فيه معدلات الاغتصاب والجريمة والشذوذ ولم تقل مما يؤكد خطورة التبرج ولو نزع النقاب وأسفرت المرأة عن وجهها فقد انفرطت السُّبحة، ولكانت بداية الانفتاح والتبرج والسفور بكل درجاته، وتعقدت أمور ومناهج الإصلاح ...، والناظر لغالب السافرات اليوم لوجوههن، وما أداهم إليه كشفه مما يتنافي والنصوص الشرعية الواردة في الكتاب والسنة جملة وتفصيلا من أنواع المحاذير الشرعية الخطيرة من كشف مقدمة شعورهن وحتى مارسن ألعاب الكرة والسباحة أمام الرجال وبحجة أنهن محجبات ومغطيات لشعورهن، وكذلك غيرهن ممن يردن الخير أصبحن يلاقين من نوازغ الشيطان ووساوسه من الصعوبات ما الله به عليم، حتى تساهلن بكثير من المنكرات شيئًا فشيئًا، ومسخت صورة الحجاب في الإسلام وشوهت شكلًا ومضمونًا.\nوما كأن هناك آية نزلت في كتاب الله تأمر النساء بخشونة القول مع الرجال الأجانب وعدم الضرب بأرجلهن حتى لا يُسمع صوت الخلخال، فضلا عن كشفها لوجهها، بل كان في دعوتهم لكشف المرأة\n_________\n(١) البخاري (٤٨٠٨)، ومسلم (٢٧٤٠).","vol":"1","page":106},{"text":"لوجهها ما زهدها وجرأها - رغمًا عنها - لفعل ما دونه من المحرمات حيث لا قدرة لها على مقاومة ذلك، وإن كانت من الحريصات على الخير، حتى آلَ الأمر بالكثيرات كما هو مشاهد لترك الجلباب فخرجن بأحسن الفساتين واحدث الموضات ... بحجة أنهن محجبات.\nوصدق القائل: (وكيف يستقيم الظل والعود أعوج؟) والمقدمات الباطلة مآلها إلى نتائج باطلة، بل وإلى رد الحق والصواب بحجج وشبهات وتأويلات وانتهجوا لذلك طرقا لهم عديدة، وبالتالي وقعوا في كثير من التناقضات والأقوال الغريبة والشاذة، والتي يصعب ويستحيل تنفيذها على أرض الواقع.\nوأبسط مثال وأقربه لذلك أن نحاول أن نتصور جميعًا ما قالوه وكيف سيكون الأمر والحال والنساء مكشوفات الوجوه؟ كيف سيسير الرجال بينهم أو كيف سيتبايعون ويتحادثون فيما يحتاجونه، فهل كلما حاذوا بعضهم البعض أو تلاقوا ألزمنا الجميع بأن يغض بصره ويصرفه عن الآخر؟ هذا غير موجود ولا مذكور في أي عصر من العصور، وكم سينتج من ذلك من الحرج الشديد والمصائب على حياة الناس، وصدق الله ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرًا﴾ [النساء: ٨٢].\nولهذا فإن الحق المستقيم والذي كان عليه واقع المسلمين في عصورهم الأولى وقبل غربة إسلامهم والموافق لنصوص الوحيين هوالإجماع الذي في آية الإدناء، والإجماع الآتي في آية الرخصة من","vol":"1","page":107},{"text":"قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ ولهذا حكاه أكثر من واحد منهم الحافظ ابن حجر وهو: (استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات؛ لئلا يراهن الرجال) (١).\nوقال أيضا: (ولم تزل عادة النساء قديما وحديثا يسترن وجوههن عن الأجانب) (٢).\nوقال الإمام الغزالي: (لم يزل الرجال على ممر الأزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن متنقبات) (٣).\nولا أريد أن أزيد فأخرج عن السياق، ويكفي الإجماع الذي سبق معنا.\n_________\n(١) حكاه الحافظ ابن حجر في الفتح (٩/ ٣٣٧). وبمثل ذلك حكاه العيني في عمدة القارئ (٢٠/ ٢١٧).\n(٢) قاله الحافظ أيضا في الفتح (٩/ ٤٢٤).\n(٣) الغزالي في إحياء علوم الدين (٢/ ٥٣).","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>سورة النور والرخصة بجواز أن تبدي المرأة من زينتها ما تدعو الحاجة والضرورة إليه</span>\nقال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>سورة النور فصلت ما أُجمل في سورة الأحزاب:</span>\nعندما نزلت سورة الأحزاب ونزل فيها أول الآيات في فرض الحجاب كما أخبر بذلك أنس بن مالك أعلم الناس بشأن الحجاب، ثم جاءت الآية التي بعدها في الأمر للنساء بإدناء الجلابيب عليهن عند خروجهن من بيوتهن ووقع الإجماع المنقول عن سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أنها الأمر بتغطية النساء لزينتهن ووجوههن، وكان ذلك في حدود السنة الخامسة للهجرة النبوية، لم يكن في أول الأمر أي استثناء أو ترخيص لأن تبدي المرأة شيئًا من زينتها بتاتًا، لا وجهها ولا يديها ولا غير ذلك، فكان في ذلك أبلغ المشقة والحرج على الرجال والنساء على حد سواء، لاحتياجهم لذلك في كثير من أمورهم وأحوالهم، فلم يكن قد نزلت أي رخصة للنساء أو للقواعد منهن في أن يضعن ثيابهن حتى جاءت سورة النور بعد ذلك وفيها آيات بينات موضحات لكثير من الأمور التي أجملت ولم تفصل في الأحزاب ومنها تلك الرخص للنساء بجواز أن يبدين من زينتهن ما تدعو الحاجة والضرورة إليه وبدون تحديد لتلك الزينة بالوجه أو بالكفين أو غيرهما، فكان استثناءً مفتوحًا حسب الحاجة والضرورة كما","vol":"1","page":109},{"text":"أراد الله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ وذلك تيسيرًا لهن وللرجال لإظهار أي شيء من زينتهن بالقدر الذي يحتاجون أو يضطرون إليه حسب أحوالهم وظروفهم العديدة والمختلفة والطارئة، والتي تقدر بقدرها لأنه بلا شك لن تسلم أي امرأة في أي زمان أو أي مكان من العيش دون أن تحتاج أو تضطر في بعض الأوقات لأن تظهر بعض زينتها مؤقتًا عند الرجال.\nفكان لا بد من رخصة تبيح للجميع ذلك وترفع عنهم الإثم والحرج، وبخاصة أن أغلب تلك الأحوال وأكثرها مما لم يبلغ مبلغ الضرورات القصوى، كما هو الحال في بيعها وشرائها، وبالذات في الأمور التعاقدية، وما دونها حتى يعرفوا شخصها فتوثق المعاملات ويرجع لها أو عليها عند أي خلاف أو ضرر، وكذلك كما في الشهادة لها أو عليها أو منها تجاه الغير، وكذلك في معرفة شخصها في كثير من الأمور القضائية والأمنية، كما ذكر ذلك الفقهاء في كتبهم وناقشوا مسألة كشفها لوجهها أو بعض زينتها للعلاج ونحو ذلك في تلك الأحوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>مصطلح أمن الشهوة ونحوه عند الفقهاء المتقدمين وما أصابه من التحريف والتبديل والتصحيف:</span>\nوهذا ما عنيه الفقهاء بقولهم (إذا أمنت الفتنة) أي من نظر الشخص المعين لها كالشاهد أو القاضي أو رجل الأمن أو المتعاقد معها، فهؤلاء ممن يجوز نظرهم متى أمنت الفتنة ولم يُخشَ منه أو عليه فتنة عند النظر إليها، وهذا أكثر ما يكون، ومرة يذكرون مثل تلك العبارات عند","vol":"1","page":110},{"text":"ذكرهم أولئك المذكورين ممن جاز نظرهم لها كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبَائِهِنَّ أو ...﴾ [النور: ٣١] ممن تؤمن من جانبهم الفتنة ومرة يقصدون القواعد من النساء أو المرأة القبيحة المشوهة أو البنت الصغيرة التي لا يُشتهى مثلها، وهذا عند بعض المذاهب على سبيل التقعيد والضبط للمسائل عندهم، وكشرط زائد لجواز نظر الأجنبي لها كقولهم: (إذا خُشيت الفتنة أو أُمنت الفتنة) (وإذا لم يخش شهوة).\nوقريب من ذلك قولهم: (وفي زمننا هذا المنع أوجب) يقصدون منع نظر من جاز نظره للمرأة عند غلبة الفساد وعدم ورع الناظرين في أزمانهم، وسيمر معنا من منع من أئمة المذاهب الأربعة كمالك وغيره من المتقدمين الخاطب من النظر للمخطوبة فكيف بمن بعدهم؟ .\nفمن لم يفهم قصدهم ويعرف مرادهم، استدل بما نسبه إليهم من أن الفقهاء جوزوا سفور المرأة لوجهها؛ لأنهم فهموا أنهم يقصدون عموم الناس من خشية الفتنة أو أمنت الفتنة من النظر في وجه المرأة، وهذا فهم باطل ومن قبيل التحريف والتبديل والتصحيف لكلام المتقدمين فأنتج محرمًا باطلًا أشنع منه، كما أنه معنى متعذر ولا يمكن ضبطه أو تحقيقه على أرض الواقع أبدًا، ولا يقوله عاقل فكيف بأئمة الإسلام وحراس الشريعة؟ إذ كيف للمرأة أن تخرج سافرة عن وجهها وتعلم من ينظر لها نظر شهوة أو من ينظر لها نظرًا عاديًا بدون شهوة؟ وكيف تتعامل مع عموم البشر ثم هم جميع على نفس المستوى لا يتأثرون بالنظر إليها؟ ومن تأثر منهم وتحركت شهوته هل يقلب وجهه عنها أو","vol":"1","page":111},{"text":"يدبر منها أم ماذا يفعل؟ هل هذا ما عنيته الشريعة الغراء؟ لهذا لو قالوا بكشف المرأة لوجهها وأعرضوا عن كلام الفقهاء إذ لم يفهموا معناه لكان أسلم لهم ولدينهم.\nألا يكفي ما أصاب الإسلام من سفور وتبرج كتبرج الجاهلية الأولي بسبب قولهم بجواز كشف المرأة لوجهها، فكيف لو أننا أيضًا حملنا كلام الفقهاء المتقدمين على مثل ما فهموه وقالوه ليستدلوا به على جواز سفور المرأة لوجهها، بمعاني لا تعقل ولا تتصور؟ ولكان في ذلك من التسفيه للشريعة الغراء، والإعراض عن الكتاب المبين والذكر الحكيم، والاستدراك على كلام الفقهاء ونبذ كتبهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله وسيأتي مزيد بيان لذلك في حينه عند الكلام عن التحريف والتبديل والتصحيف فيما لحق كلام الفقهاء في مسألة الحجاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>بيان رسول الله - ﷺ - جواز نظر الخاطب لمخطوبته نوع من تفسيره للآية:</span>\nوكذلك من الأحوال والحاجات التي تدخل في الآية الكريمة ويرخص فيها للمرأة أن تكشف عن وجهها هو عند قدوم الخاطب لها، وهذا ما يفسر لنا سر ورود الأحاديث الكثيرة، لعدد من الصحابة يحثهم فيها النبي الكريم ويدعوهم للنظر للمخطوبة بل وكان يسألهم (أنظرتَ إليها؟) ولو كانت النساء يخرجن مكشوفات في العهد النبوي كما ادعاه البعض لما دعاهم لذلك ولا حثهم عليه ولا ظن عكسه ولا أكثر السؤال فيه، لأن الغالب أن الرجال يمكنهم رؤية النساء إذا خرجن وهن","vol":"1","page":112},{"text":"مكشوفات الوجوه، والدواعي للخروج كثيرة في كل زمان ومكان، ولو كان الأمر كذلك لكان في حثه وسؤاله وإرشاده لهم بأهمية النظر للمخطوبة تحصيل حاصل بلا فائدة وحاشاه بأبي وأمي - ﷺ - فهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي، ولهذا فعلم ﵊ أن صحابته سيتحرجون من النظر للنساء وسيجدون في سبيل ذلك حواجب وموانع بعد أن نزل أمر الحجاب، ولو كان ستر الوجه ليس مفروضًا عليهن وإنما هو سنة ومستحب كما يقوله البعض لكان أعلم الناس بذلك صحابة رسول الله - ﷺ - ولقاموا من أنفسهم وطلبوا من النساء ما أباح الله لهن كشفه، ولما احتاجوا أن يتلمس رسول الله - ﷺ - حاجتهم، أو أن يُبين لهم أمرًا هو في أصله مباح بل بلَغ من سترهم وحجابهم أن أحدهم كان يخطب المرأة ولما يراها، فيتدخل نبي الأمة ليشفع لأحد صحابته عند ولي المخطوبة حتى يسمح له أن ينظر لموليته (١) بل ولما احتاج أن يخبرهم بجواز أن ينظر الخاطب لمن أراد خطبتها بأي وسيلة ما دام مقصده وغرضه صحيحا، حتى كان يختبئ أحدهم بين الأشجار والأستار لينظر إليها، فينكر عليه البعض فيخبرهم بحديث رسول الله - ﷺ - فهل هذا كله على أمرٍ سنة ومستحب؟ أم أن هذا مما يدل على ما كان عليه مجتمعهم من تحريم وتعظيم أمر كشف النساء لوجوههن بدون سبب مبيح، وهذا ما يصور لك الأوضاع الاجتماعية لحياة الصحابة في عهد رسول الله - ﷺ - حتى لم يجرؤ أحد على طلب النظرة\n_________\n(١) سنأتي لهذه الأحاديث وتخريجها بمشيئة الله في مبحث الأدلة من السنة (صـ ٥٣٨ - ٥٤٠) ..","vol":"1","page":113},{"text":"الشرعية من أولياء النساء، ظنًا من الجميع في بادئ الأمر عدم جواز ذلك، وأن من هو في مثل حال الخاطب لا يُعَدُ حالهُ من الحاجات والضروريات التي يباح لها كشف المرأة لوجهها، لإمكان الاستعاضة عنه بأن تنعت المرأة المرأة، وقد كان ذلك معروفًا عندهم ولهذا قال - ﷺ - فيما رواه عبد الله بن مسعودٍ ﵁: (لا تُباشِرُ المرأة المرأة فَتنعَتها لِزَوجِها كأنه ينظُرُ إليها) متفق عليه، وقد بوب له الإمام النووي في رياض الصالحين (باب النهي عن وصف محاسن المرأة لرجل إلا أن يحتاج إلى ذلك لغرض شرعي كنكاحها ونحوه) وهذا موجود أيضا في كتب الفقه حيث ذكروا في مسألة نظر الخاطب وأنه يجوز في حال أن وُصفت له ولو لم يرها، بل وكان مثل ذلك موجودا من عهد قريب يتزوج الرجل مكتفيًا بوصف أهله وقرابته، فكيف بمن كانوا قريبي العهد بنزول الآيات، فكان في بيان رسول الله - ﷺ - لهم بجواز ذلك في أكثر من مناسبة ولأكثر من صحابي، وبأكثر من طريقة ما يفسر لهم أن كشف المرأة لوجهها عند خطبتها مسموح به وداخل فيما نصت عليه الآية الكريمة ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾.\nوهذا نوع وشكل من أشكال التفسير الذي كان يفسر به رسول الله - ﷺ - القرآن لصحابته، حيث كان يفسره بالمثال والواقع من حياتهم، وهم عندما فسروه لمن بعدهم فسروه كما تعلموه من رسول الله - ﷺ - بذكر الأمثال والأحوال من واقع الناس، واكتفوا في تعليم الناس المراد من الآيات في كتاب الله بمثل ذلك، وتهيبًا من أن يفسروا القرآن على سبيل الإملاء والإنشاء بعبارات من عند أنفسهم.","vol":"1","page":114},{"text":"وهذا في غاية الأهمية لمن يقرأ في كتب التفسير بالمأثور حتى يفهم أقوالهم، فتنبه له جيدًا حيث سنحتاجه عند النظر في المأثور عنهم فيما يَعنينا من قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ فكان في هذه الآية الكريمة من الرخصة والرحمة بالعباد ما يستوجب منهم شكره لا كفره، لما فيها من مصالح عديدة لا يمكن حصرها من حفظ الحقوق ومن استتباب الأمن ومن مراعاة حاجة المرأة كعلاجها ومصالحها وتعاملاتها ونحو ذلك كثير مما هو داخل فيما عنته الآية الكريمة. فأين الرخصة لمثل هذه الأمور وغيرها إن لم تكن في هذه الآية؟ .","vol":"1","page":115},{"text":"(المبحث الثالث)\nأقوال الصحابة واختلافهم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْها﴾ [النور: ٣١]\nكان من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>(المبحث الثالث)\nأقوال الصحابة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْها﴾ [النور: ٣١]</span>\nوقبل أن نبدأ في توضيح الآية وبيان مقصد السلف لها، نريد أن ننقل أقوال المفسرين فيها حتى يكون البحث والنقاش أمام القارئ الكريم بكل أمانة علمية ودون إغفال لقول على حساب قول آخر، وبدون بتر أو إهمال للنصوص أو لقول بعض الصحابة على بعض.\nقال الإمام الطبري ﵀ في تفسيره: (وَقَوْله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ﴾ يَقُول تعالى ذِكْره: وَلَا يُظْهِرْنَ لِلنَّاسِ الذين لَيْسُوا لَهُنَّ بِمَحْرَمٍ زِينَتهنَّ وَهُمَا زينتان: إحداهما: مَا خَفِيَ وَذَلِكَ كَالخلخال وَالسِّوَارَيْنِ وَالْقُرْطَيْنِ وَالْقَلَائِد. والأخرى: مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَذَلِكَ مُخْتَلَف فِي المعنى مِنْهُ بِهَذِهِ الآية، فَكان بَعْضهمْ يَقُول: زِينَة الثِّيَاب الظَّاهِرَة.\nذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابن حُمَيْد قَالَ: ثنا هَارُون بْن المغيرة عَنْ الْحَجَّاج عَنْ أبي إِسْحَاق عَنْ أبي الأحوص عَنِ ابن مَسْعُود قَالَ: الزِّينَة زينتان: فَالظَّاهِرَة مِنْهَا الثِّيَاب وَمَا خَفِيَ: الخلخالان وَالْقُرْطَان وَالسواران. حَدَّثَنِي يُونُس قَالَ: أخبرنَا ابن وَهْب قَال: أخبرنِي الثَّوْرِيّ عَنْ أبي إِسْحَاق الْهَمْدَانيّ عَنْ أبي الأحوص عَنْ عَبْد اللَّه أنهُ قَالَ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: هِيَ الثِّيَاب. حَدَّثَنَا ابن المثنى قَالَ: ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر قَالَ: ثنا شُعْبَة عَنْ أبي إِسْحَاق عَنْ أبي الأحوص","vol":"1","page":119},{"text":"عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: الثِّيَاب. حَدَّثَنَا ابن بَشَّار قَالَ: ثنا عَبْد الرَّحْمَن قَالَ: ثنا سفيان عَنْ أبي إِسْحَاق عَنْ أبي الأحوص عَنْ عَبْد اللَّه مِثْله. قَالَ: ثنا سفيان عَنِ الأعمش عَنْ مَالِك بْن الْحَارِث عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد عَنْ عَبْد اللَّه مِثْله. قَالَ: ثنا سفيان عَنْ عَلْقَمَة عَنْ إِبْرَاهِيم فِي قَوْله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: الثِّيَاب. حَدَّثَنِي يَعْقُوب قَالَ: ثنا ابن عُلَيَّة قَالَ: أخبرنَا بَعْض أصحابنا أما يُونُس وَأما غَيْره عَنِ الْحَسَن فِي قَوْله: ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: الثِّيَاب. حَدَّثَنَا الْحَسَن قَالَ: أخبرنَا عَبْد الرَّزَّاق، قَالَ: أخبرنَا مَعْمَر عَنْ أبي إِسْحَاق عَنْ أبي الأحوص عَنْ عَبْد اللَّه: ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: الثِّيَاب. قَالَ أبو إِسْحَاق: ألا ترى أنهُ قَالَ: ﴿خُذُوا زِينَتكُمْ عِنْد كُلّ مَسْجِد﴾؟ .\nحَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ: ثنا الْحُسَيْن قَالَ: ثني حَجَّاج قَالَ: ثنا مُحَمَّد بْن الْفَضْل عَنِ الأعمش عَنْ مَالِك بْن الْحَارِث عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد عَنِ ابن مَسْعُود: ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: هُوَ الرِّدَاء. وَقَالَ آخرونَ: الظَّاهِر مِنْ الزِّينَة التي أبيحَ لَهَا أن تُبْدِيه: الْكُحْل، وَالخاتم وَالسواران وَالْوَجْه. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أبو كُرَيْب قَالَ: ثنا مروان قَالَ: ثنا مُسْلِم الملَائِيّ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ ابن عَبَّاس: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: الْكُحْل وَالخاتم. حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَبْد الْحَمِيد الأملِيّ قَالَ: ثنا مروان عَنْ مُسْلِم الملَائِيّ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر مِثْله وَلَمْ يَذْكُر ابن عَبَّاس. حَدَّثَنَا ابن حُمَيْد قَالَ: ثنا هَارُون عَنْ أبي عَبْد اللَّه نَهْشَل عَنِ الضَّحَّاك عَنِ ابن","vol":"1","page":120},{"text":"عَبَّاس قَالَ: الظَّاهِر مِنْهَا: الْكُحْل والخدان. حَدَّثَنَا ابن بَشَّار قَالَ: ثنا أبو عَاصِم قَالَ: ثنا سفيان عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم بْن هُرْمُز عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فِي قَوْله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَال: الْوَجْه وَالْكَفّ. حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَبْد الْحَمِيد قَالَ: ثنا مروان بْن معاوية عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم بْن هُرْمُز ألمكِّيّ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر مِثْله. حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَهْل قَالَ: ثنا الْوَلِيد بْن مُسْلِم قَالَ: ثنا أبو عَمْرو عَنْ عَطَاء فِي قَوْل اللَّه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: الكفان وَالْوَجْه. حَدَّثَنَا ابن بَشَّار قَالَ: ثنا ابن أبي عَدِيّ عَنْ سَعِيد عَنْ قَتَادَة قَالَ: الْكُحْل وَالسواران وَالخاتم.\nحَدَّثَنِي عَلِيّ قَالَ: ثنا عَبْد اللَّه قَالَ: ثني معاوية عَنْ عَلِيّ عَنِ ابن عَبَّاس قَوْله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: وَالزِّينَة الظَّاهِرَة: الْوَجْه وَكُحْل الْعَيْن وَخِضَاب الْكَفّ وَالخاتم فَهَذِهِ تَظْهَر فِي بَيْتهَا لِمَنْ دَخَلَ مِنْ النَّاس عَلَيْهَا. حَدَّثَنَا الْحَسَن قَالَ: أخبرنَا عَبْد الرَّزَّاق قَالَ: أخبرنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَة: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: المسكَتَان وَالخاتم وَالْكُحْل. قَالَ قَتَادَة: وَبَلَغَنِي أن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَحِلّ لِامرأة تُؤْمِن بِاللَّهِ وَاليوم الآخر أن تُخْرِج يَدهَا إلا إلى هَا هُنَا\". وَقَبَضَ نِصْف الذِّرَاع. حَدَّثَنَا الْحَسَن قَالَ: أخبرنَا عَبْد الرَّزَّاق قَالَ: أخبرنَا مَعْمَر عَنِ الزُّهْرِيّ عَنْ رَجُل عَنِ المسوَر بْن مَخْرَمَة فِي قَوْله: ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: الْقُلْبَيْنِ وَالخاتم وَالْكُحْل: يَعْنِي السِّوَار. حَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ: ثنا الْحُسَيْن قَالَ: ثني حَجَّاج عَنِ ابن جُرَيْج قَالَ: قَالَ ابن عَبَّاس قَوْله: ﴿وَلَا","vol":"1","page":121},{"text":"يُبْدِينَ زِينَتهنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: الخاتم وَالمسكَة. قَالَ ابن جُرَيْج وَقَالَتْ عَائِشَة: الْقُلْب وَالْفَتْخَة، قَالَتْ عَائِشَة: دَخَلَتْ عَلَيَّ ابنة أَخِي لِأمي عَبْد اللَّه بْن الطُّفَيْل مُزَيَّنَة، فَدَخَلَ النَّبِيّ - ﷺ - فَأَعْرَضَ فَقَالَتْ عَائِشَة: يَا رَسُول اللَّه إنهَا ابنة أَخِي وَجَارِيَة. فَقَالَ: \"إذا عَرَكَت المرأة لَمْ يَحِلّ لَهَا أن تُظْهِر إلا وَجْههَا، وَإلا مَا دُون هَذَا\" وَقَبَضَ عَلَى ذِرَاع نَفْسه فَتَرَكَ بَيْن قَبْضَته وَبَيْن الْكَفّ مِثْل قَبْضَة أخرى. وَأَشَارَ بِهِ أبو عَلِيّ قَالَ ابن جُرَيْج وَقَالَ مُجَاهِد: قَوْله: ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: الْكُحْل وَالخضاب وَالخاتم. حَدَّثَنَا ابن حُمَيْد قَالَ ثنا حُمَيْد قَالَ: ثنا جَرِير عَنْ عَاصِم عَنْ عامر: ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ الْكُحْل وَالخضاب وَالثِّيَاب. حَدَّثَنِي يُونُس قَالَ أخبرنَا ابن وَهْب قَالَ: قَالَ ابن زَيْد فِي قَوْله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ مِنْ الزِّينَة الْكُحْل وَالخضاب وَالخاتم هَكَذَا كانوا يَقُولُونَ وَهَذَا يَرَاهُ النَّاس. حَدَّثَنِي ابن عَبْد الرَّحِيم الْبَرْقِيّ قَالَ: ثنا عُمَر بْن أبي سَلَمَة قَالَ: سُئِلَ الأوزاعي عَنْ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: الْكَفَّيْنِ وَالْوَجْه.\nحَدَّثَنَا عَمْرو بْن بُنْدُق قَالَ ثنا مروان عَنْ جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْل: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ﴾ قَالَ الْكَفّ وَالْوَجْه.\nوَقَالَ آخرونَ: عَنَى بِهِ الْوَجْه وَالثِّيَاب. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابن عَبْد الأعْلَى قَالَ: ثنا ألمعْتَمِر قَالَ: قَالَ يُونُس ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ الْحَسَن: الْوَجْه وَالثِّيَاب. حَدَّثَنَا ابن بَشَّار قَالَ ثنا ابن أبي","vol":"1","page":122},{"text":"عَدِيّ وَعَبْد الأعْلَى عَنْ سَعِيد عَنْ قَتَادَة عَنِ الْحَسَن فِي قَوْله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: الْوَجْه وَالثِّيَاب.\nوَأولَى الأقوال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ: قَوْل مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِذَلِكَ الْوَجْه وَالكفان يَدْخُل فِي ذَلِكَ إذا كان كَذَلِكَ الْكُحْل وَالخاتم وَالسِّوَار وَالخضاب. وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل لإجماع الجميع على أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها، إلا ما روي عن النبي - ﷺ - أنه أباح لها أن تبديه من ذراعها إلى قدر النصف. فإذا كان ذلك من جميعهم إجماعا كان معلوما بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجل، لأن ما لم يكن عورة، فغير حرام إظهاره. وإذا لها إظهار ذلك كان معلوما أنه مما استثناه الله تعالى ذكره بقوله: إلا ما ظهر منها لأن كل ذلك ظاهر منها) انتهى من تفسير الطبري.\nوبمثل هذه الأقوال تدور أغلب التفاسير بل ومسانيد المحدثين عن الصحابة والتابعين فلا حاجة بنا لزيادة النقل والتطويل في هذا الخصوص بالذات وقد ثبت بحمد الله، لأننا سننقل فيما بعد كلام أئمة التفسير في معنى ﴿إلا ما ظهر منها﴾ وأنهم قد فهموا منها ومن أقوال السلف فيها ما يفيد كونها رخصة لأن تبدي المرأة من زينتها ما تدعو الحاجة لإظهاره وسننقل نصوصهم بكثرة كما نقلناها من قبل في آية الإدناء.","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>أقوال الصحابة واختلافهم في تفسير آية: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ كان من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد</span>\nوهذه هي حقيقة الخلاف الظاهر في أقوالهم رضوان الله عليهم جميعا، كما مرت معنا ونقلها المفسرون وأهل العلم في كتبهم وكما بينه الأئمة عند كلامهم لمناهج السلف في تفسيرهم للكتاب الحكيم، فإنها وأن اختلفت في ظاهر الأمر ولكن مؤداها ومقصدها ومعناها عندهم كان لبيان شيء واحد.\nفمن أين أخذ أهل السفور من أقوال السلف السابقة أن الله شرع لأمته أن تخرج نساؤهم سافرات الوجوه؟ لو كان هذا ظاهرا لقبلنا به، ولكن أن يأتي في أقوالهم عند تفسيرهم للآية: (خضاب، وكحل، ووجه، وسواران، ومسكتان، وكف، وثياب، وخاتم، وفتخات، وقُلب) ونحو ذلك، ثم يقال هذه آية تشريع الحجاب! وما سبق بمجموعه يكون الوجه والكفان فقط! ودون أن يأتي أحد من أهل السفور وينقل لنا تفسيرًا أو قولًا واحدًا عن السلف وأهل العلم المتقدمين، وكيف أنه فَهِمَ من مجموع كلامهم هذا طريقة صفة لبس المرأة المسلمة لهذا الحجاب؟ كما هو الشأن فيما تناقله أهل العلم عن السلف صراحة هناك في آية الإدناء والتي مرت معنا نقولاتهم عند تفسيرهم لسورة الأحزاب، هذا والله من أظهر ما يدل على بطلان مذهب السفور وتهافته.","vol":"1","page":124},{"text":"ولو جُمعت أقوال الصحابة والتابعين في المسألة وحللت لتبين لنا أنها لمعنى واحد ومقصد متحد، ولما احتجنا لترجيح أو طرح قول على قول، ولما تطرق لدينا الاضطراب والتناقض والاختلاف الذي وقع فيه البعض فنسبوه للصحابة، ليبرروا اختيارهم من بين أقوالهم.\nوالآن نشرع في توضيح مقصد السلف لها وبيان المعنى العام المتوافق مع كل الأقوال المأثورة عنهم في الآية الكريمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>الجمع بين أقوال الصحابة في الآية:</span>\nوهذا ما عنيه صحابة رسول الله - ﷺ - فكان خلافهم وأقوالهم في تفسيرهم الآية من قبيل خلاف التنوع، حيث مثلوا بمثال ونوع من أنواع الزينة التي يُرخص للمرأة أن تظهرها عند الحاجة والضرورة، فابن عباس مثلا عند تفسيره لمعنى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ قال: (الوجه وكحل العين وخضاب الكف والخاتم) ومرة قال: (الكحل والخاتم) ومرة قال: (الخاتم والمسكة) ومرة قال: (الكحل والخدان).\nلأن الزينة زينتان:\nالأولى: زينة خَلقية من أصل خِلقة المرأة، كالوجه والكفين والرجلين والشعر ونحو ذلك.\nالثانية: زينة مكتسبة مما تتزين به المرأة وهو ليس من أصل خلقتها، وإنما تكتسبه لتتزين به وهو خارج عن زينتها الأصلية الخَلقية، كالكحل والخضاب والخاتم والأساور والثياب ونحو ذلك، فهذه من الزينة، وإن","vol":"1","page":125},{"text":"لم تكن من أصل زينة المرء، كقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: ٧٩]، وكقوله تعالى: ﴿قل من حرم زينه الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢]، وكقوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينه ويخلق ما لاتعلمون﴾ [النحل: ٨]، وكقوله تعالى: ﴿وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا﴾ [يونس: ٨٨]، وكقوله تعالى: ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا﴾ [الكهف: ٧]، وغير ذلك كثير من الآيات الدالة على أن الزينة تطلق أيضا على ما يتزين به الشئ وهو ليس من أصله بل خارج عنه.\nوكِلا الزينتين حق وصواب حيث وردت في أقوال السلف عند تفسيرهم للآية الكريمة وتلقتها الأمة بالقبول، فكأنهم في كل مرة يُسألون أو يفتون أو يفسرون كانوا يقصدون أن يلفتوا الأنظار لمعنى الآية الواسع في جواز أن تبدي المرأة من زينتها ما تدعو الحاجة إليه ومما لابد من ظهوره منها في كثير من الأحوال، فكانوا في كل مرة يمثلون بزينة كالوجه والخاتم والكحل وغير ذلك من زينتها الخلقية أو المكتسبة، وهم حينما مثلوا بالوجه أو الكفين لم يقصدوا تحديد الزينة بتلكم الأقوال بقدر ما قصدوا المثال والنوع الذي يكثر ويغلب حاجة المرأة والناس إليه في أحوالهم الحياتية كما في أحوالها العديدة التي تحتاج وتضطر المرأة لكشف وجهها وكفيها فيها، وأما سبب تمثيلهم بالزينة دون تمثيلهم للأحوال والحاجات والضروريات؛ لأن الزينة سواء كانت الخَلقية أو","vol":"1","page":126},{"text":"المكتسبة محدودة ويمكن حصرها والتمثيل عليها بذكر نوع منها فيسهل لدي المتلقي والسامع ما يماثلها ويشابهها بعكس ذكر الأحوال والظروف التي يباح للمرأة أن تكشف زينتها فهي كثيرة لا يمكن حصرها بالإضافة لتنوعها وتغيرها من حين لآخر ومن زمان لزمان ومن ظرف لظرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>ومن تلكم الحالات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>حالة المرأة الساترة لوجهها واحتاجت لكشف العينين فقط أو الكفين:</span>\nولهذا كان قول الصحابة في الروايات الأخرى والكثيرة والمقتصرة فقط على ذكر (الكحل والخاتم) و(الخاتم والمسكة) أو (السواران) ونحو ذلك، وعُني به هنا المرأة المنقبة الساترة لوجهها، أو من احتاجت لكشف كفها فقط كما مر معنا عند نقلنا كلام ابن عباس وغيره من السلف، في تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ وجاء عنه وعن غيره، أنها الأمر بستر المرأة لوجهها كاملا أو بأن تظهر عينا واحدة أو عينين تبصر بها الطريق، أو حاجتها كصفة البرقع أو النقاب، الذي كان في زمن رسول الله - ﷺ -، فكان هنا بيان ما تكشفه متى ما احتاجت لرؤية الطريق أو النظر أو لمس الأشياء التي تشتريها بيدها أو أداء بعض الأعمال التي تعملها، أظهرت عينيها من خلف برقعها أو نقابها وهما بلا شك من الزينة الخلقية، وقد يظهر كحلها حينئذٍ فيُعفى للحاجة الأصلية والمؤقتة، وذكرهم للكحل والخضاب لكثرة استعماله حيث كان في الغالب يستعمل علاجا.","vol":"1","page":127},{"text":"وقد كن حريصات على الستر والتصون فمتى ما انقضت حاجتهن أو كن قريبات من الرجال بادرن بستر أعينهن.\nوهكذا أيضا لو احتاجت لكشف كفيها فظهر ما عليها من زينة مكتسبة، كالخاتم أو المسكة أو السواران أو الخضاب مما كان فيه، فيُعفى للحاجة والضرورة المؤقتة.\nولهذا تلاحظ أن كثيرًا من روايات السلف بل ومما يُنسب لابن عباس نفسه لم يقترن فيها (الوجه والكفان) معًا، كما نقلناه هنا عن الطبري وسيمر معنا الكثير عن أئمة التفسير، وإن وجد فقليل جدًا، مما تعلم منه أنهم لم يقصدوا شيئا مما يقوله أهل السفور اليوم.\nفعن مجاهد قال: (كانت المرأة] من النساء الأولى [تتخذ لكم درعها إزارًا تجعله في إصبعها تغطي به الخاتم) (١).\nحتى قال كثير من الفقهاء تكشف باطن الكف دون ظاهره؛ لأن هذا ما تحتاجه عند الأخذ والإعطاء وتفحص الأشياء نحو ذلك، بعكس ظاهر الكف فلا ضرورة لكشفه، وهكذا قالوا في الشهادة فلو عرفها ببعض وجهها أو من خلف نقابها، لم يجز أن يتجاوزه لأكثر من ذلك، وسنأتي لكلامهم بمشيئة الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>حالة احتياج المرأة لكشف زينة وجهها أو كفيها:</span>\nوالصحابة لما قالوا الوجه قصدوا أن يمثلوا لحالة ونوع من الزينة الخلقية التي يجوز إبداؤها ولما كان (الوجه) هو الغالب مما\n_________\n(١) مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي وقال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح - كتاب اللباس- باب ما جاء في الخاتم.","vol":"1","page":128},{"text":"تحتاج المرأة لكشفه كحالة البيوع والشهادة والخِطبة ونحو ذلك مما ذكره الفقهاء في كتبهم ومما يلزم معه معرفة شخصها مثلوا به، ولهذا اشتهر وعده أكثر الفقهاء أنه ليس من العورة، لكثرة احتياجها لضرورة كشفه حيث أباحته الشريعة، وجاز كشفه في العبادات كالصلاة ونحوها ولم تبطل، فلم يناسب عند أكثرهم أن يُقال عنه انه من العورة.\nوإلا فهم لم يقصدوا بقولهم ذلك التحديد بالوجه فقط دون غيره كما نقلنا أقوالهم آنفا، وإنما مثلوا بما تحتاج المرأة إلى إبدائه من زينتها، فهم قصدوا ألمثال بالوجه لحالة هي الأكثر و(الأولى) والغالب مما تحتاج المرأة لكشفه كما جاء ذلك عن الطبري وعدد من الفقهاء والمفسرين في كتبهم فكانت هي المشهورة والأولى؛ وإلا فقد تحتاج وتضطر لإبداء أكثر من الوجه أو أقل منه.\nولهذا عندما ذكروا خضاب كفيها لم يكن ذلك منهم تحديدًا لخضاب الكف فقط، بقدر ما كان لبيان الأحوال التي تحتاج أو تضطر المرأة فيها لإظهار كفيها، وهي أحوال كثيرة، وبخاصة لنساء العهد الأول حيث كن يسقين الزروع ويحرثن الأرض ويعجن الطعام ويجلبن الماء ويغسلن حوائجهن ويعلفن الدواب ويركبنها ويقطفن الثمار كما كن يخرجن للأسواق ويشترين وما يحتاجه ذلك من الأخذ والإعطاء ومن ملامستهن للأشياء وتفحصها كالحبوب والأقمشة ونحو ذلك مما لا يمكنهن معه ستر أيديهن، مع حرصهن قدر الإمكان على ألا يبدو من زينتهن تلك أمام الرجال شيء إلا ما ظهر رغمًا عنها، فإذا انقضت حاجتهن كان لإحداهن فص في طرف كمها تدخل كفيها في كم جلبابها","vol":"1","page":129},{"text":"أو تلبس القفازين وقد كن حريصات ومعروفات بلبسه حتى أمر رسول الله - ﷺ - بمناداتهن يوم الإحرام: (لا تلبس المحرمة النقاب ولا القفازين) أخرجه البخاري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>مقصد الإمام الطبري عند تفسيره للآية:</span>\nولما كان الوجه والكفان هما الغالب مما تضطر المرأة وتبتلى بكشفه في كثير من الأحوال والتعاملات كان هو المشهور والأولى بالذكر والتنويه به والاقتصار عليه دون التوسع لما سواهما كما هو في الحالات الغالبة والحاجات المذكورة عند الفقهاء لمعرفة شخصها والرجوع لها أو عليها فيما يطرأ من تعاملاتها.\nولهذا قال الإمام ابن جرير الطبري: (وَأولَى الأقوال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِذَلِكَ الْوَجْه وَالكفان، يَدْخُل فِي ذَلِكَ إذا كان كَذَلِكَ الْكُحْل، وَالخاتم، وَالسِّوَار، وَالخضاب، وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل، لإجماع الجميع على أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها) انتهى كلامه يرحمه الله.\nومعنى قوله هو الاقتصار عند الحاجة والضرورة بمثل هذا القدر الذي تكشفه في صلاتها، وهذا تقدير قياسي عندهم لما يظهر عند الضرورة كالشهادة وتوثيق البيوع وعند التقاضي، كما هو الغالب مما تحتاجه، حتى لا يتساهل الناس في إظهار أكثر من ذلك؛ لأن الآية لم تحدد شيئا فمالوا لقول من قال من السلف أنه الوجه والكفان تغليبا لأكثر الأحوال، وقاسوه بما يظهر حال صلاتها احتياطًا من تساهل","vol":"1","page":130},{"text":"الناس في الرخص، وإلا فالمراد أن تقدر الحاجة والضرورة بقدرها كما قال تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾، ولما كان الوجه والكفان هما الغالب، ومما تبتلى المرأة بكشفهما وكانا في الغالب متلبسين بالزينة المكتسبة مثل: (الخاتم والمسكة) أو (السواران) أو قوله: (خِضَاب الْكَفّ) فالوجه غالبا عليه الكحل في العينين والكفين غالبا عليها الخضاب والخاتم والأساور، وما شابه ذلك، فعند ورود الحاجة فإنه يشق عليها نزع تلك الزينة، فأراد السلف أن يبينوا أن ما كان تابعًا ومتلبسًا من زينتها المكتسبة بأصل زينتها الخلقية، هو أيضًا مما رُخص لها أن تكشفه حال الضرورة، فهو داخل في حكم الرخصة الأصلية من باب أولى، ورفعًا للمشقة وبخاصة أن ما يبدو وقت الحاجة والرخصة قليل وقصير وقته، فهو استثناء من عموم أحوالها العامة والعادية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>حالة احتياج المرأة لتكشف أكثر من الوجه أو الكفين:</span>\nوالسلف من الصحابة وغيرهم لم يمثلوا بأكثر من الوجه والكفين وهذا من دقتهم وحكمتهم لأن هذه الزينة التي هي أكثر من الوجه والكفين لا يجوز كشفها إلا في حالات الضرورة القصوى جدًا، كعلاجها أو إنقاذها من سقوط ونحوه، وحيث أنهم قد بينوا أن الآية رخصة، ومثلوا بالزينة التي يجوز كشفها عند الحاجة والضرورة والتي لم تبلغ مبلغًا كبيرًا، كما في البيوع والشهادة والتقاضي ونحو ذلك، والتي كان من الممكن معها أن تنيب فيها أو توكل غيرها، فكان في بيانهم ذلك ما أغنى عن التمثيل بحالات أشد منها، ولهذا فكثير من أئمة التفسير قد بينوا هذا المعنى والمقصد فذكروا عند تفسيرهم للآية من ضمن ما ذكروه، حال","vol":"1","page":131},{"text":"علاجها وكشفها عند الطبيب أو سقوطها أو إنقاذها ونحو ذلك، وهذا إذا لم يكن هناك نسوة ممن يمكن أن يستغنى بهن عن الرجال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>حالة احتياج المرأة لظهور زينتها المكتسبة كالثياب ونحوها:</span>\nوقد مثل ابن مسعود ﵁ بما يجوز أن يظهر من زينة المرأة بالثياب وكذلك وافقه ابن عباس في بعض الروايات عنه فقد جاء في تفسير بحر العلوم للإمام السمرقندي: (عن ابن عباس في رواية أخرى، إلا ما ظهر منها، أي فوق الثياب. وروى أبو إسحاق، عن ابن مسعود أنه قال: ثيابها، وروي عن ابن مسعود رواية أخرى أنه سئل عن قوله: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ فتقنع عبد الله بن مسعود، وغطى وجهه وأبدى عن إحدى عينيه) انتهى.\nوورد أيضًا في كتاب: تنوير المقباس من تفسير ابن عباس والذي قيل أنه ينسب إليه قال: (﴿ولا يبدين﴾ ولا يظهرن ﴿زينتهن﴾ الدملوج والوشاح ﴿إلا ما ظهر منها﴾ من ثيابها) انتهى.\nوقد ذهب بعض أهل التفسير أن مراد الصحابيين ومن وافقهما بالثياب أنها الجلابيب التي تلبسها النساء فوق ثيابهن العادية من درع وخمار عند الخروج وهذا محتمل جدًا لأنها من الزينة بدلالة القرآن كما مر معنا في بيان أقسام الزينة.\nوعندي والله أعلم أن مقصد الصحابيين بالثياب ليست الجلابيب ولكن الأقرب أنهم قصدوا بالثياب الدرع والخمار مما تلبسه المرأة من زينة ثيابها العادية وهي في محيط بيتها أو مزرعتها، ونحو ذلك، وهي","vol":"1","page":132},{"text":"آمنة في حرمها من دخول أو اطلاع أحد عليها فلا يلزمها لبس جلبابها وهي في حرم بيتها ومع خلو نظر الأجانب إليها، فالمرأة تحتاج وهي في مهنة أهلها وزوجها، ورعاية بيتها وما حوله لأن تخرج لتؤدي بعض الأعمال في حدود ملك أهلها، وخاصة المتزوجات منهن والكبيرات، وفي الزمن الأول كانت النساء تزرع وتحصد وتعمل في سقي الأشجار وطبخ الطعام، وكانت غالب تلكم الأعمال في ساحة بيوتهم ومزارعهم، فجوزوا لها أن تخرج بثيابها وهي في حكم كونها داخل بيتها، ولو صادف مرور أحد الغرباء، سترت وجهها بما لديها من خمار أو برقع من فوق رأسها ونحوه، وهذا معلوم في النساء المنقبات لعهد قريب، فهذه الثياب مما لا بد من ظهوره ويشق عليهن القيام بمثل تلك الأعمال أن يلبسن الجلابيب عليهن وهن في محيط بيوتهن فكيف بنساء الزمن الأول اللاتي قد لا يجدن إلا جلبابا واحدا؟ بل قد لا يجدن ذلك أصلا، بعكس الثياب المعتادة، مما تفهم معه لمَ فسره الصحابة بذلك؟\nولو أراد ابن مسعود تفسير ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بالجلباب لما قال الثياب بل لذكر الجلباب؛ لأنه هو اللفظ القرآني والثياب غالبا لا تسلم من أن تكون مزينة بالألوان والأشكال، التي لا يجوز أن تتزين بها الجلابيب والعباءات، لأنها جاءت للستر لا للفت الأنظار.\nوسواء كان المقصد بالثياب الجلابيب وأنها في أصلها زينة تلبسها النساء أو كان المقصد الدرع والخمار التي تلبسها المرأة في محيط بيتها وما حوله من أملاكها أو أملاك زوجها أو أهلها، فهم إنما قصدوا بذلك","vol":"1","page":133},{"text":"المثال للزينة التي يرخص ظهورها منها لاحتياجها لذلك، مع وجوب تغطيتها لوجهها في حالة دخول أجنبي عنها فجأة، ولكن لو علمت أن هذا طريق أصبح يسلكه الرجال فلا يجوز لها الخروج بدون جلبابها أبدا، ولو كان على بعد أمتار من بيتها كما هو حال أغلب البيوت اليوم؛ لأنه لم يعد حرمًا لها تأمن خلوه من الرجال الأجانب أو عدم دخولهم إليه إلا باستئذان، ولهذا جاء في قصة جابر بن عبد الله، ومحمد بن مسلمة ﵃، اختباؤهم بين الأشجار والزروع والحوائط لرؤية من يريدون خطبتها ولم يجرؤ على المرور عندهن.\nومن الزينة المكتسبة والتي يمكن أن تشابه الثياب ما تلبسه المرأة من حذاء أو ما تحمله المرأة من متاع كالشنطة ونحوها، فهذه من الزينة المعفي عنها والتي مما لابد من ظهورها منها. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>فرض لبس الجلباب عند خروج المسلمات الصالحات:</span>\nولا خلاف بين أهل العلم في فرض لبس الجلباب، وما يسمى عندنا -العباءة- (١)، وله في بلاد المسلمين العديدة بحمد الله مسميات مختلفة وأشكال كثيرة كما مر معنا عند تفسيرنا لآية الإدناء، ومعناه أن يكون واسعا، أسود اللون كما صح به الحديث عن نساء رسول الله - ﷺ - ونساء الصحابة والسلف لا زينة فيه يستر ثياب المرأة المعتادة وتقاسيم جسمها، وهو بلا خلاف فرض لبسه على النساء عند خروجهن من\n_________\n(١) وردت لفظة العباءة في صحيح البخاري وغيره عندما ستر بها رسول الله - ﷺ - صفية بنت حيي، حين أتخذها زوجة له، وسيأتي معنا في مبحث الاستدلال من السنة (صـ ٥٣٦).","vol":"1","page":134},{"text":"بيوتهن كما جاء النص القرآني القطعي بذلك وكما جاء أمره - ﷺ - بخروج النساء والعواتق يوم العيد، فقالت أم عطية قلت: يا رسول الله! إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: (لتلبسها أختها من جلبابها) (١)، ولم يأذن لهن بالخروج بدون الجلباب أبدًا، ولم يكن لكل واحدة منهن جلباب لقلة ذات اليد، قال الحافظ ابن حجر﵀- معلقًا على حديث أم عطية السابق: (وفيه امتناع خروج المرأة بغير جلباب) (٢) انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>حالة ظهور زينة المرأة رغما عنها وبغير قصد منها:</span>\nوهذه حالة ووجه آخر في تفسير الآية الواسع في النهي عن إبداء المرأة لزينتها إلا ما ظهر منها بغير قصد سواء الخلقية أو المكتسبة وهي غير قاصدة عند ظهور ذلك فتنة ولا ريبة إما بسبب ريح أو سقوط أو حادث أو بأن كشفت وجهها معتقدة خلو المكان أو الطريق من الرجال، كما قاله القاضي عياض وغيره من أهل العلم عند تفسيرهم لحديث جرير في نظر الفجأة، فهذا مما لم تُبدِه هي، وإنما ظهر منها بلا قصد ولا نية سيئة رغمًا عنها.\nوعلى كلٍ فإن تمثيلنا بهذه الحالات والأحوال قد جاء مثله عند الفقهاء والمفسرين كما سيمر معنا بإسهاب بمشيئة الله تعالى، وهذا ليس هو من قبيل التحديد والحصر الثابت، وإنما من قبيل التمثيل بالغالب وإلا فقد يدخل الوجه في كل أو أكثر الأحوال السابقة وقد يدخل الكحل\n_________\n(١) متفق عليه.\n(٢) فتح الباري (١/ ٤٢٤).","vol":"1","page":135},{"text":"والخضاب في أكثر من حالة من الحالات السابقة وهكذا بقية ما مثل به السلف للزينة.\nوإنما قصدنا بذكر تلك الأحوال، التفصيل والبيان لأقوال السلف والتي في ظاهرها الاختلاف، وأنها رخصة من الله، لا إثم ولا عقوبة على من أظهرت شيئا من زينتها - التي أُمرت بسترها - في مثل تلك الأحوال المؤقتة وغيرها مما يماثلها أو يشابهها.\nوكل الأقوال التي مرت معنا والمنقولة عن السلف بهذا المعنى والمقصد هي متحدة ومتفقة لا مختلفة وكلها حق وصواب وهم متفقون على قول بعضهم البعض.\nولهذا لم يَردنا أن خطَّأ أحدهم الآخر لأن لكلِ قولٍ من أقوالهم معنىً مؤدٍ للمطلوب في تفسير الآية وأنها رخصة من الله فيما تحتاج المرأة لإظهاره من زينتها سواء الخلقية أو المكتسبة كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>منهج السلف في التفسير:</span>\nوبهذا فَهُم مجمعون على أن الآية رخصة، فلن تجد أي خلاف بينهم ولا تناقض ولا اضطراب، بل هم مجمعون أيضًا وبلا خلاف على فرض الحجاب كما نزل في آية الأحزاب، وخلافهم هذا حسبه من لم يسبر طريقتهم أنه من خلاف التضاد، وإنما هو من قبيل اختلاف التنوع كما نبه إليه المحققون وأهل النظر، ومثاله كمن وصف القرآن","vol":"1","page":136},{"text":"بكونه هداية وقال الآخر هو كلام الله وقال آخر هو ذكر الله وقال آخر هو النور وغير ذلك، فكل واحد ذكر وصفًا مختلفًا عن الآخر وهم يعنون شيئًا واحدًا لا غير هو القرآن الكريم.\nوهنا إنما قصدوا المعنى العام للرخصة بمثال ونوع لكل حالة، واختلافهم في هذا من قبيل اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد وقد مر معنا أن ألفاظ السلف في التفسير واختلافهم غالبًا هو من باب خلاف التنوع لأن خلاف التضاد: أن يكون بين القولين تضاد، أي: لا يمكن اجتماعهما، وأما خلاف التنوع: هو أن تكون المادة المستعملة تختص في قول ما لا تختص في القول الآخر، بمعنى أن صاحب القول الأول يذكر وجهًا من المعنى لا يذكره صاحب القول الثاني، وصاحب القول الثاني يذكر وجهًا من المعنى لا يذكره صاحب القول الأول، ويكون المعنى الأول والثاني كلاهما صحيح، ويحصل التمام باجتماعهما، وغالب ما يكون خلاف التنوع في كلام السلف في التفسير، فإن الناظر في كتب التفسير كتفسير ابن جرير وهو أخص كتاب في المأثور يرى أن أقوال الصحابة والتابعين، ولا سيما من انشغل منهم بالتفسير فيها اختلاف كثير وعامةُ هذا الاختلاف أما لفظي وأما تنوع، بمعنى أن يذكر أحدهما معنى ويذكر الآخر معنى آخر، لكن يمكن اجتماعهما ويكمل أحدهما الآخر.\nكما نصَّ عليه سفيان الثوري وابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" والشاطبي في \"الموافقات\" وابن تيمية في مواضع عدة وغيرهم.","vol":"1","page":137},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (مختصرًا):\n(يجب أن تعلم أن النبي - ﷺ - بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم الفاظه فقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ يتناول هذا وهذا ... ومن المعلوم أن كل كلام المقصود منه فهم معانيه دون مجرد الفاظه فالقرآن أولى بذلك.\nوأيضًا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فن من العلم كالطب والحساب ولا يستشرحوه فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم؟ .\nولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جدًا وهو وإن كان من التابعين أكثر منه في الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر ... الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.\nوذلك صنفان:\nأحدهما: أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى، غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى بمنزلة الأسماء المتكافئة التي بين المترادفة والمتباينة، كما قيل في اسم السيف الصارم والمهند، وذلك مثل أسماء الله الحسنى وأسماء رسوله وأسماء القرآن، فإن أسماء الله كلها تدل على مسمى واحد فليس دعاؤه","vol":"1","page":138},{"text":"باسم من أسمائه الحسنى مضادا لدعائه باسم آخر بل الأمر كما قال تعالى: ﴿قل ادعو الله أو ادعو الرحمن أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنى﴾ وكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماة وعلى الصفة التي تضمنها الاسم كالعليم يدل على الذات والعلم والقدير يدل على الذات والقدرة والرحيم يدل على الذات والرحمة ...).\nإلى أن قال ﵀: (إذا عرف هذا فالسلف كثيرًا ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه وإن كان فيها من الصفة ما ليس في الاسم الآخر كمن يقول أحمد هو الحاشر والماحي والعاقب، والقدوس هو الغفور والرحيم، أي أن المسمى واحد لا أن هذه الصفة هي هذه الصفة، ومعلوم أن هذا ليس اختلاف تضاد كما يظنه بعض الناس مثال ذلك تفسيرهم للصراط المستقيم فقال بعضهم: هو القرآن أي اتباعه لقول النبي في حديث علي الذي رواه الترمذي ورواه أبو نعيم من طرق متعددة: هو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم. وقال بعضهم: هو الإسلام لقوله - ﷺ - في حديث النواس بن سمعان الذي رواه الترمذي وغيره: ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران وفى السورين أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وداع يدعو من فوق الصراط وداع يدعو على رأس الصراط قال فالصراط المستقيم هو الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله والداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن.","vol":"1","page":139},{"text":"فهذان القولان متفقان لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر كما أن لفظ صراط يشعر بوصف ثالث.\nوكذلك قول من قال: هو السنة والجماعة وقول من قال: هو طريق العبودية وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله - ﷺ - وأمثال ذلك، فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها.\nالصنف الثاني:\nأن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ الخبز فأُري رغيفا وقيل له هذا فالإشارة إلى نوع هذا، لا إلى هذا الرغيف وحده مثال ذلك، ما نقل في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للمحرمات، والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات فالمقتصدون هم أصحاب اليمين والسابقون السابقون أولئك المقربون.\nثم إن كلا منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات كقول القائل: السابق الذي يصلي في أول الوقت والمقتصد الذي يصلي في أثنائه والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار ويقول الآخر: السابق","vol":"1","page":140},{"text":"والمقتصد والظالم قد ذكرهم في آخر سورة البقرة فإنه ذكر المحسن بالصدقة والظالم يأكل الربا والعادل بالبيع والناس في الأموال إما محسن وإما عادل وإما ظالم فالسابق المحسن بأداء المستحبات مع الواجبات والظالم آكل الربا أو مانع الزكاة والمقتصد الذي يؤدى الزكاة المفروضة ولا يأكل الربا.\nوأمثال هذه الأقاويل فكل قول فيه ذِكرُ نوع داخل في الآية ذُكِر لتعريف المستمع بتناول الآية له وتنبيهه به على نظيره فإن التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحد المطلق، والعقل السليم يتفطن للنوع كما يتفطن إذا أشير له إلى رغيف فقيل له هذا هو الخبز ... .\n- إلى أن قال ﵀ -: (ومعرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب ... وإذا عرف هذا فقول أحدهم نزلت في كذا لا ينافى قول الآخر نزلت في كذا، إذا كان اللفظ يتناولهما، كما ذكرناه في التفسير بالمثال، وإذا ذكر أحدهم لها سببا نزلت لأجله وذكر الآخر سببا، فقد يمكن صدقهما، بأن تكون نزلت عقب تلك الأسباب أو تكون نزلت مرتين، مرة لهذا السبب ومرة لهذا السبب.\nوهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير تارة لتنوع الأسماء والصفات وتارة لذكر بعض أنواع المسمى وأقسامه كالتمثيلات هما الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يظن أنه مختلف) (١) انتهى كلامه ﵀.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٣٣).","vol":"1","page":141},{"text":"وبنفس هذا المعنى قال الإمام الزركشي في كتابه \"البرهان في علوم القرآن\" والسيوطي (ت: ٩١١ هـ) في كتابه \"الإتقان في علوم القرآن\" وفي ذلك يقول الإمام الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ): (يكثر في معنى الآية أقوالهم واختلافهم، ويحكيه المصنفون للتفسير بعبارات متباينة الألفاظ، ويظن من لا فهم عنده أن في ذلك اختلافًا فيحكيه أقوالا وليس كذلك، بل يكون كل واحد منهم ذكر معنى ظهر من الآية، وإنما اقتصر عليه لأنه أظهر عند ذلك القائل، أو لكونه أليق بحال السائل، وقد يكون أحدهم يخبر عن الشيء بلازمه ونظيره، والآخر بمقصوده وثمرته، والكل يؤول إلى معنى واحد غالبًا، والمراد الجميع، فليتفطن لذلك، ولا يفهم ثَمَّ اختلاف العبارات اختلاف المرادات) (١).\nولتأكيد هذا فقد وقع إجماع المفسرين على مر عصورهم على كون قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ رخصة من الله كما سيأتي النقل عنهم.\n_________\n(١) البرهان (٢/ ١٦).","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>منهج الصحابة والتابعين عند تفسيرهم لآية الرخصة ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منه﴾</span>\nفأما الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان فلكونهم عرفوا مراد بعضهم البعض، وكانوا قريبي عهد بالتشريع الرباني فلم يكونوا محتاجين لمثل هذا التفصيل والبيان الذي ذكرناه، مع ما كانوا عليه من منهج يتحاشون فيه الكلام في التفسير من عند أنفسهم، ويقتصرون في بيان المعنى المراد بالمثال، بدليل أنه لم ينقل لنا أي حادثة أو واقعة تدل على خلاف بينهم في تفسير الآية، مع كثرة خروج النساء بينهم.\nفمن نسب نزاعًا كان بينهم في فريضة الحجاب، من نوع النزاع الحاصل اليوم بين الفريقين، أو من نوع ما نقل عنهم في بعض الأحكام، فيكون بنسبته تلك قد قال ما لا يعلم وما لا دليل عليه وجنى بافترائه على الصحابة وتلاميذهم ما لم يقولوه، وإن وجد في بعض نقول المتقدمين من قال أنهم اختلفوا فإنما يعنون به اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، كنحو ما أشار إليه ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" وشيخ الاسلام ابن تيمية والإمام الزركشي والشاطبي في \"الموافقات\" وغيرهم، ولهذا فليحذر الذين ينسبون أن في فريضة الحجاب خلافًا وأن الأمر بين السنة والواجب، فيكون افترى في دين الله ما ليس فيه.","vol":"1","page":143},{"text":"مع ما توافرت به النصوص عنهم في أمر النساء بستر وجوههن، دون أن يرد عنهم ولو نص واحد يقول بجواز أن تسفر النساء عن وجوههن، سوى ما تعلق في أذهان البعض من المتشابهات، فكان إجماعًا لا ينكره إلا جاهل بأحوالهم، متبع للشبهات معرض عن المحكمات المتواترات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>منهج أئمة التفسير والفقه عند تفسيرهم لآية الرخصة:</span>\nوأما من جاء بعدهم من أئمة الإسلام من الفقهاء والمفسرين فقد تتابعوا في بيان المعنى الإجمالي من الآية ونصوا على كونها رخصة من الله، بل وبينوا ذلك بنوع من التفصيل والتمثيل القريب مما بيناه هنا لأنه لم تكن بعد قد تفاقمت بدعة القول بالسفور والتحريف والتبديل الواقع اليوم في مسألة الحجاب، فكان بيانهم أنها رخصة من الله لأن تبدي المرأة من زينتها كما في حالات الضرورة كالشهادة والمحاكمة والخطبة والعلاج وغيرها، وأنه إذا عرف شخصها من خلف النقاب أو ببعض وجهها اكتفي بذلك ولم يجاوزه، وعند الأخذ والإعطاء تظهر باطن الكف، لا ظاهره، لان ذلك هو القدر مما تحتاجه في هذه الحالة، وغير ذلك كثير كما سيمر معنا من إجماعهم، وما سننقله من أقوالهم بمشيئة الله تعالى، وذلك بعد كلامنا على المبحث التالي حيث أن مناسبته هناك.","vol":"1","page":144},{"text":"(المبحث الرابع)\nالتحريف والتبديل فيما لحق كلام أئمة المذاهب الأربعة في فريضة الحجاب","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>(المبحث الرابع)\nالتحريف والتبديل فيما لحق كلام أئمة المذاهب الأربعة في فريضة الحجاب</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والعلم يحتاج إلى نقل مصدق ونظر محقوق والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه ومعرفة دلالته كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله) (١) انتهى.\nوكما وقع التحريف والتبديل في كلام الصحابة والتابعين وفهمه البعض على غير مقصدهم كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فحسبوا أقوالهم من خلاف التضاد.\nكذلك وقع التحريف والتبديل في كلام الفقهاء من الأئمة الأربعة عند كلامهم على فريضة الحجاب ففهمها الكثيرون من المتأخرين على خلاف مقصدهم ومرادهم، وحسبوا أنهم فريقان، فقسموهم إلى فريق يقول بفرض ستر النساء لوجوههن وفريق يقول بجواز سفور النساء.\nوالحق الذي لا يعلمه كثير من أهل السفور اليوم أن اختلاف فقهاء المذاهب الأربعة في فريضة الحجاب لم يكن اختلاف تضاد، وإنما كان من قبيل اختلاف التنوع، والأدلة والشواهد بالاستقراء وتتبع كلامهم أكثر من أن تحصر في هذا، ولكن قبل أن نذكرها نبين منشأ التحريف والتبديل في هذه المسألة عند المتأخرين اليوم.\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن تيمية (١٢٤٣/).","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>اختلاف المذاهب الأربعة في مسألة الحجاب كان من اختلاف التنوع</span>\nوذلك لأن عصر أولئك الأئمة وظهور نشأة مذاهبهم، كان في العصور المتقدمة جدًا والقريبة من عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، وقد سبق لنا إجماع أولئك على فريضة الحجاب وأنه الأمر بتغطية النساء لوجوههن، بما تناقلته الأخبار والآثار عن السلف دون وجود أثر واحد عن أحد منهم يقول فيه بجواز أن تسفر المرأة عن وجهها، كما مر معنا عند تفسير قوله تعالى في آية (الإدناء) فلزم الرجوع إليه هناك، ولغيرها من الأحاديث والآثار في ذلك، فكيف يقال أن من أئمة المذاهب الأربعة وبخاصة من المتقدمين منهم بل والمعاصرين لتلك القرون المفضلة كانوا على خلاف ذلك الإجماع والتواتر، مع ما عرفوا به جميعًا من علم وحكمة وحسن اتباع للكتاب والسنة ولمنهج الصحابة والتابعين في وجوب ستر النساء لوجوههن كما سنأتي ونبينه بمشية الله تعالى من نصوصهم العديدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>المناهج الفقهية للمذاهب الأربعة:</span>\nوكما هو معلوم فقد كان لكل واحد منهم منهجه ومدرسته في الإستنباط والأصول والقواعد على الأحكام، فكثيرًا ما تمر عليهم المسائل في الحلال والحرام وبلا ريب يكونون متفقين في الحكم عليها، ولكن قد يحصل اختلافهم من ناحية أخرى في فهم ومعرفة سبب","vol":"1","page":148},{"text":"وعلة ذلك الحكم الشرعي، ويكون خلافهم عندئذ من قبيل خلاف التنوع لا خلاف التضاد، وهذا معلوم ومشهور في غالب كلامهم على مسائل الفقه ليس هذا المجال مجال بسطها هنا، ومثال ذلك كاتفاقهم في تحريم كثير من أنواع البيوع والمعاملات التي جاءت النصوص الشرعية الصريحة من الكتاب والسنة في النهي عنها كالربا ونحوه، ولكن عندما يستنبطون من الأحكام العلل والمقاصد، فكثيرا ما يختلفون فمنهم من يقول علة التحريم لتلك البيوع والتعاقدات هي أكل أموال الناس بالباطل، ويذهب غيرهم إلى أن علة التحريم وسببه هو الغرر أو الجهالة، وقد يصل اختلافهم في بعض المسائل لحدٍ كبير من النقاش والجدال الفقهي الذي يطول لاعتبارات كثيرة مما يحسب معه العامي ممن لا فقه عنده ولا دراية بأحوالهم، أنهم مختلفون في أصل المسألة وأساسها، والحق أنهم متفقون في أصل حكم المسألة، وكذلك في صحة كثير من العلل والاستنباطات والمقاصد، فمثلًا الربا وغيره من البيوع المحرمة فهي أكل لأموال الناس بالباطل وهي أيضا من باب الغرر والجهالة في بعضها الآخر، وهكذا في كثير من أوامر الشريعة المطهرة كفريضة الأمر بأداء الزكاة فمن قائل أنها لتزكية وطهارة النفوس والأموال، ومن قائل أنها للنماء والزيادة في الأموال، وغير ذلك، وكله حق وصواب.","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>فريضة الحجاب عند المذاهب الأربعة:</span>\nوكذلك في فريضة الحجاب فإن الأئمة الأربعة وتلاميذهم وأتباعهم المتقدمين، عليهم رضوان الله تعالى، متفقون من المراد في أصل حكم فريضة الحجاب، وأنها الأمر بستر النساء لوجوههن كما دلت عليه النصوص الصريحة والنقول المتواترة عن السلف ومن بعدهم، فإنهم وإن اختلفوا في بعض الجزئيات الخاصة بفريضة الحجاب وهي هل الوجه والكفان من العورة أم لا؟ فالحقيقة أن اختلافهم هذا هو من قبيل اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، حيث نظر كل واحد منهم في العلة والمقصد للشارع من أمره للنساء بتغطية وجوههن، وتحريم كشفهن لزينتهن، فذهب فريق إلى أن العلة في ذلك هو كون المرأة عورة، ومن قائل أن العلة في ذلك هي الفتنة والشهوة، وزاد الخلاف بينهم أن منهم من رأوا عدم مناسبة إطلاق القول بلفظ (العورة) على الوجه والكفين فقالوا إن الوجه والكفين ليسا بعورة، لعدة اعتبارات عندهم سنأتي لذكرها قريبًا، ولكن هم متفقون في حكم فرض ستر النساء لوجوههن بدون أدنى شك ولا ريب، وإن كان لكل فريق اجتهاده وتأصيله واستنباطه في المسألة.\nوالذي يهمنا هنا هو أن نطرح حجة الفريقين في كون الوجه والكفين عورة أم لا؟ لنعرف ما نحن بصدده وهو هل اختلافهم من قبيل اختلاف التنوع كما نقوله نحن أم أنه من خلاف التضاد، كما يدعيه البعض اليوم؟ بمعنى هل اختلافهم في هذه الجزئية، له أثر يمنع من عدم اتفاقهم على القول بفرض ستر النساء لوجوههن؟ .","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>(محاورة)\nحجة القائلين أن الوجه والكفين ليسا من العورة وأن ذلك لم يمنع من قولهم بوجوب ستره لعلة الفتنة والشهوة</span>\nفذهب فريق منهم كأبي حنيفة (١)، ومالك (٢)، ورواية عند الشافعية (٣) وبعض فقهاء الحنابلة، وغيرهم ممن وافقهم إلى أنه وإن فُرض على المرأة ستر وجهها وكفيها، فهذا لا إشكال فيه، إلا أنه لا يلزم منه أن يكون ذلك من العورة.\n- فإذا سُئلوا وكيف لا يكون عورة وقد فرض عليها ستره؟\nقالوا لأنه ليس كل ما أُمر بستره أو غض البصر عنه يلزم منه أن يكون من العورة.\n- فإذا قيل لهم ولماذا عندكم المرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها لم تعدوهما من العورة؟\nأجابوا: لم نقل أنهما عورة لعدة اعتبارات شرعية ولوازم تنتج في حال قولنا بذلك ومنها:\nأ- أن الوجه والكفين ليسا بعورة عندنا، لأنه بالإجماع يجوز للمرأة أن تكشفهما في الصلاة، ولو قلنا أنهما من العورة، لقيل وكيف جاز لها كشفهما ولم تبطل صلاتها؟ .\n_________\n(١) الإمام أبو حنيفة ولد سنة ٨٠ هـ وتوفي ١٥٠ هـ.\n(٢) الإمام مالك ولد سنة ٩٣ هـ وتوفي ١٧٩ هـ.\n(٣) الإمام الشافعي ولد سنة ١٥٠ هـ وتوفي ٢٠٤ هـ.","vol":"1","page":151},{"text":"ب- أن الوجه والكفين ليسا من العورة عندنا وذلك لأن الشريعة أباحة كشفهما للضرورة وهذا باجماع أهل العلم، حيث تستوجب الضرورة العفو عن كشفهما في كثير من الأحوال والظروف، كالتي ذكرها الفقهاء في كتبهم، مما لا بد لها معه من كشف وجهها أو كفيها، وقد جاءت النصوص العديدة من الكتاب والسنة بجواز ذلك في مثل تلك الضرورات فعلى سبيل العموم كقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ وعلى سبيل الخصوص كالنصوص الواردة في حال الخاطب مع من أراد خطبتها، وإجماع أهل العلم على الجواز في مثل تلك الأحوال كالشهادة والتقاضي وعند التعاقدات في البيوع ونحو ذلك، ومثل ذلك مباح لها، فلا يمكن أن يعد من العورة؛ لأن المرأة تبتلى بكثرة اضطرارها لكشفهما، ولو قيل ذلك لتحرج الناس وامتنعوا منه، وقد حصل قديمًا القول بالمنع بحجة (العورة) كمن منعوا الخاطب من رؤية من أراد خطبتها وإن كان رأيًا وفهمًا ضعيفًا نعلم أنه لا يقوله أغلب القائلين بعلة العورة.\nت- أن الوجه والكفين ليسا من العورة عندنا لأن النبي - ﷺ - (نهى المحرمة عن لبس القفازين والنقاب) ولو كانا عورة لما حرم سترهما ولأن الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إبراز الكف للأخذ والإعطاء فلم يناسب جعل ذلك كله عورة، وإن قلنا حرام كشفهما لعلة أخرى.","vol":"1","page":152},{"text":"ث- أن الوجه والكفين ليسا من العورة عندنا، لأنه ليس على المرأة سترهما على كل حال كبقية جسدها، وإنما يجب سترهما عند وجود الرجال الأجانب، ممن تتحقق فيهم شروط وتنتفي عنهم موانع فلا يجب عليها الستر من الطفل الصغير ولا من محارمها من الرجال ولا من غير ذوي الإربة من الرجال، فنتفى عندهم كونه عورة.\nفكما لا يجوز كشفها لوجهها إلا للضرورة، فكذلك لا يجب عليها تغطيته على كل حال، كما في بقية عورتها المغلظة ونحوها، فوجوب الستر هو عند وجود الرجال الأجانب فقط، ولهذا فلو كانت سائرة في طريقها، وعلمت خلوه من نظر أحدهم لها لم يجب عليها ستر وجهها عند كثير من أهل العلم وكان في حقها سنة ومستحب كما قاله القاضي عياض وغيره، ومثله لو كانت مع أحد محارمها من زوج أو نحوه في مكان خالٍ لا يراها الرجال فلا يجب عليها تغطية وجهها لمجرد خروجها.\n- فإذا قيل لهم إذا لم يكن السبب عندكم فيما فرضه الله على النساء من ستر الوجه والكفين كونهما من العورة، فما هي العلة والمقصد للشارع من طلبه ذلك؟\nقالوا: العلة عندنا هي الفتنة والشهوة فإن المرأة مظنة الفتنة والشهوة، ولهذا أمرن بستر وجوههن عن الرجال، وهذا أظهر وأقوى وأسلم من قول من قال العلة كونهما عورة.\nوذلك لأمور ولوازم عندنا منها:","vol":"1","page":153},{"text":"١ - أن الفتنة والشهوة متفق عليها بين أئمة المذاهب الأربعة على خشية الوقوع فيهما، وتحريم كل الوسائل التي تؤدي إليهما تحريمًا قطعيًا، ولهذا كانا هما الظاهر من مقصد الشارع من فرض ستر الوجه والكفين وما دونهما من سائر زينة النساء، ومن عطرهن وضربهن بأرجلهن وخضوعهن بالقول عند الرجال الأجانب، وفي حالة ما أبيح في الأعذار والرخص لأن تبدي المرأة شيئا من زينتها، فإنه إذا ما خشيت الفتنة أو الشهوة، بقي الحكم على حاله ولم يجز النظر إليهما، ولو لحاجة أو ضرورة، وبهذا يكون قولنا من أن العلة هي الفتنة والشهوة أظهر وأقوى، بعكس من قال لكونهما من العورة ولم يشترط خوف الفتنة أو الشهوة مِن أو على الناظر للمرأة.\n٢ - أن الفتنة والشهوة قد جاءت في النصوص العديدة من الكتاب والسنة، بما يدل على عظيم خطرهما، وشدة التحذير منهما، حتى سَمي الله ما يوصل إلى الشرك به فتنة، وفيما يخص النساء ما رواه أسامة بن زيد قال: قال رسول الله - ﷺ -:) ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) (١)، وروي مسلم في صحيحه عن أبي سعيد ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: (إن الدنيا حلوة خَضرة، وإن الله سبحانه مستخفلكم فيها، فينظر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).\nوأما قولنا خشية الشهوة فلقوله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات من\n_________\n(١) البخاري (٥٠٩٦) ومسلم (٢٧٤١) وغيرهما.","vol":"1","page":154},{"text":"النساء﴾ فجعلهن من حب الشهوات بل وبدأ بهن قبل بقية الأنواع حتى كاد أن يقع بسبب تلك الفتنة نبي من أنبياء الله ﴿لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴿٢٤﴾ [يوسف].\nفقولنا أن خشية الفتنة وخشية الشهوة هي العلة والمقصد من أمر الشارع للنساء لستر الوجه والكفين كان هو الأظهر والأقوى بنصوص الشرع بعكس من قال لكونهما من العورة.\n٣ - وأما قولنا أن ذلك أسلم فلما سبق بيانه من عدة اعتبارات شرعية ولوازم تمنع من القول به كظهوره في الصلاة إجماعا وغير ذلك.\nوزيادة عما سبق فإن العورة لا يمكن أن تكون ضابطا دومًا في كثير من الأحوال لأنها غير مختصة بالمرأة حيث تختلف من حين لآخر، فعورة البيوت تزول بالاستئذان كما في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتأذن فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].\nوهناك عورة في بعض الأوقات وتزول بانقضاء وقتها كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتأذنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيات وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨].","vol":"1","page":155},{"text":"وهناك عورة ثالثة للنساء كما في قوله تعالى: ﴿ولَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ ... أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء﴾ [النور: ٣١]، وهذه العورة تزول بنص القران في كِلا الاستثنائين، ففي أحوالها العادية تزول مع من استثناهم الله من البعول والأبناء والآباء ونحوهم ممن ذكروا، وفي أحوالها الضرورية تزول عند تلك الظروف من الضرورات والحاجات.\nولهذا فإننا بهذا الضابط نستفيد أنه وفي بعض الحالات قد لا تكون هناك عورة، كما لو خُشي الفتنة أو الشهوة من قريب للمرأة، أو من النظر إلى الأمرد الحسن الفاتن ونحو ذلك، أفلا ترى أن الجميع يوافقنا في التحريم ووجوب الستر وغض البصر بخشية الفتنة وخشية الشهوة؟ فظهر أنه هو الأصل في أمر الشارع بفريضة الحجاب على النساء لمنع كل الوسائل المفضية إلى الفتنة والشهوة المحرمة، ألم ترَ أنه حرم الخلوة والاختلاط وتعطر النساء عند الرجال الأجانب، ولم يكن شيء من ذلك عورة باتفاق المسلمين؟ .\nفخشية الفتنة والشهوة وقولنا: (إذا أمنت الفتنة أو الشهوة) و(إذا لم يكن هناك فتنة) (وفي زمننا المنع فيه أوجب للفتنة) ونحو ذلك من عبارات فقهائنا، إنما هو ضابط لناظر معين ممن جاز نظره للمرأة عند الضرورة، نشترط شرطًا زائدًا على الضرورة وهي أمن الفتنة والشهوة منه أو عليه، كمن كان معروفًا بالفسق وقلة الورع، أو يعلم من نفسه","vol":"1","page":156},{"text":"أنه يَشتهي ويتأثر، فيُمنع من النظر للمرأة ولو لحاجة، وهذا المعنى هو الأكثر عند إطلاقهم لتلك العبارات، ومثله لو كثر الفساد في الناس أو في زمن من الأزمان، وقل الورعون مُنع من كشفها ولو للضرورة، ومرة يعنون بها التقعيد اختصارا للآية التي استثنت المذكورين ممن يجوز أن تبدي لهم المرأة زينتها ويؤمن من جانبهم الفتنة والشهوة ﴿إلا لبعولتهن أو ...﴾، أو في حق الكبيرة من القواعد من النساء أو الصغيرة التي لا تُشتهى، أي بمعنى من توفرت فيهم الشروط وانتفت عنهم الموانع كما سبق بيانه، ومرة نطلقه ونعني به عدم وجود الرجال كما لو خرجت المرأة ولم يكن هناك في طريقها أو مكان جلوسها من يمكنه النظر إليها، فهنا لها أن تكشف وجهها للأمن من الفتنة ولعدم وجود من يُخشى عليهم أو منهم الفتنة بعكس لو قيل أنه عورة للزم منه وجوب ستره بمجرد خروجها، فكان تقعيدًا لنا مختصرًا من ذلك كله.\nوبهذا يظهر أن قولنا بتحريم كشف المرأة لوجهها وكفيها لعلة الفتنة والشهوة، لهو أقوى وأظهر وأسلم من قول من قال أنه بسبب العورة، فكيف يقال أننا نجوز كشف المرأة لوجهها ونصوصنا في كتب المتقدمين من أئمتنا شاهدة على خلاف ذلك، حتى أننا نقول بالعورة لكل ما لم يكن في ظهوره من المرأة حاجة وضرورة، فقال بعضنا أن باطن الكفين ليس بعورة وظاهرهما عورة، لأنها تحتاج لإظهار الباطن للأخذ والإعطاء ونحو ذلك بعكس ظاهر الكف، واختلفنا في القول المشهور عن إمام مذهبنا أبي حنيفة النعمان ﵀ هل القدمين منها عورة أو","vol":"1","page":157},{"text":"ليسا بعورة لعدم الضرورة في كشفهما، واختلفنا في مذهبنا في صوتها فمن قائل أن قواعد المذهب على كونه عورة ومن قائل على خلاف ذلك، وقلنا كما عند أئمة الشافعية: كلُّ ما بان وانفصل من المرأة مما لا يجوز للأجنبي النظر إليه في حال اتصاله بها كشعرها ونحوه، هو عورة ولو عند انفصاله.\n- فإن قيل لهم ولماذا عندما فسر علماؤكم قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ حدده البعض منهم بما يَظْهَر حال صلاتها فما دخل ذلك بالصلاة؟ وبعضهم حدده بما جاء في حديث أسماء وعائشة مع أنه ليس في موضوع باب عورة المرأة في الصلاة، وقد أوجد ذلك شبهة أخرى أنكم تقولون بجواز كشف المرأة لوجهها؟\nأجابوا: نحن في فهمنا للآية على فهم سلف الأمة وإجماع أهل التفسير من أنها رخصة لأن تبدي المرأة من زينتها ما تدعو الحاجة إليه، ونصوصنا ظاهرة على أنه لا يجوز كشف المرأة لوجهها بدون ضرورة، ولكن لما خشينا أن يستجيز الناس بفهمهم للرخصة التساهل في أن يبدو من المرأة ما زاد عن قدر الحاجة، وذلك كون الآية لم تحدد الزينة، ﴿إلا ما ظهر منها﴾ نظرنا لغالب أحوال المرأة مما ذكره الفقهاء فوجدناها تحتاج في مثل تلك الأحوال للوجه والكفين كمثل حال الخطبة أو الشهادة أو عند التقاضي، فقلنا ويؤيد هذا التحديد أمور:\nأولها: ما في مذهبنا من عدم اعتبار الوجه والكفين من العورة للضرورة.","vol":"1","page":158},{"text":"الثاني: لأن هذا مما يظهر من المرأة في عبادتها كصلاتها وحجها.\nوالثالث: لأنه مما يظهر منها عادة وعبادة.\nوالرابع: بعض أقوال الصحابة والتابعين عند تفسيرهم للآية.\nفكان القول بالوجه والكفين هو القدر الأولى بالصواب من مجموع أقوال الصحابة والتابعين في تفسيرهم للآية كونه الغالب فيما تبديه المرأة من زينتها عند الضرورة، واستأنسوا للاستدلال بهذا القدر ولتحديد الضابط فيما يظهر منها غالبا بما سبق، ألم ترَ كثيرا من الفقهاء والأئمة الذين استدلوا بحديث أسماء وعائشة على تحديد ما يظهر من المرأة عند كلامهم في أبواب عورتها في صلاتها وعند الخاطب ونحو ذلك، ولم ينكر عليهم ذلك أحد مع عدم حجيته عندهم، وبعده عن موضوع ما يظهر منها في الصلاة، ولكن استئناسا بالحديث الضعيف لتحديد ذلك القدر الذي يظهر في صلاتها إذا لم يوجد في الباب الذي يتكلمون فيه غيره، ولو كان خارجا عن موضوعهم فما دخل عورتها في الصلاة وما تظهره للخاطب والشاهد بحديث أسماء، والعكس حصل حيث ذكر كثير من الفقهاء قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ في أبواب عورة المرأة في الصلاة ولنفس الغرض ليستشهدوا به على تحديد الوجه والكفين فقط في الصلاة وعدم جواز ظهور غيرهما، حيث رأى كثير من الأئمة عدم كفاية حديث: (تصلي في درع وخمار) ونحوه، لأنه ليس فيه تحديد الوجه والكفين تحديدًا دقيقًا كما عليه الإجماع مع أن الإجماع حجة كافية.","vol":"1","page":159},{"text":"وهكذا هنا وجدنا عدم ذكر للوجه والكفين فيما يبدو عند الرخصة ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ فاحتطنا في تفسير الرخصة بهذا القدر لما يظهر غالبا منها على مسائل الفقه، مع أن الإجماع على جواز ذلك أيضًا، واستدللنا لمن طالبنا بالدليل على تحديد هذا القدر حال الرخصة بالقياس بأنه هو الذي يظهر في صلاتها، وبأنه مما يظهر عادة وعبادة، وبأنه ليس عورة على قواعدنا ولأنه هو القدر الغالب الذي تحتاج لكشفه في تلك الأحوال الضرورية التي مثل لها الفقهاء في كتبهم كالشهادة والتقاضي وتوثيق التعاملات لمعرفة شخصها وللرجوع عليها أو لها ونحو ذلك، وبعضنا استأنس بأثر أسماء وعائشة لأنه ذكر فيه تحديد الوجه والكفين وهو أيضا من قبيل القياس أو أن المتقدمين كانوا يحملونه على ما يظهر من المرأة حال الرخصة وفي صلاتها.\nولهذا لن تجدوا في كتبنا ولا كتب أئمة المذاهب الأربعة من استدل به أو بغيره من أدلة أهل السفور اليوم وقال أنها أدلة لجواز أن تسفر المرأة عن وجهها بدون سبب مبيح، بالعكس كان فهمنا وفهم السلف والأئمة المتقدمين منا لهذه الأدلة هو فقط في أبواب عورة المراة في الصلاة، والرخص من أبواب النكاح ورؤية الخاطب والشاهد ونحوها، وعلى فرض وجود بعض الأدلة وكون النساء فيها كن كاشفات عن وجوههن، فكانوا يفهمون منها ويستدلون بها على أن الوجه والكفين ليسا بعورة فيجوز ظهورهما عند الضرورة ونحو ذلك، وهذا مغاير تمامًا لاستدلالات المتأخرين من أهل السفور فهذه كتب الفقهاء وشراح","vol":"1","page":160},{"text":"الصحاح والسنن لو فيها كلمة واحدة تعني السفور مما يقوله أو ينسبه لنا اليوم اهل السفور.\nفكيف يُفهم كلامنا في الحيطة والحذر بتحديد القدر بالوجه والكفين عند الأخذ بالرخص ليقال عنا أننا دعاة لمذهب السفور؟ وأننا نقول بخروج النساء سافرات أمام الرجال الأجانب، هذه جناية علينا وعلى ما سطره أئمة الإسلام، بل وفي بعض النصوص والمعاني المحرفة والمبدلة عن مقصد أئمتنا قدح في استدلالاتهم وكأنهم يقولون مالا يمكن تصوره ولا تطبيقه.\n- فإذا قيل لهم ولكن قولكم المرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها وتفسيركم الآية بما يظهر عند الضرورة ثم تحديد القدر الظاهر منها بما يظهر في صلاتها وبحديث أسماء وغيره، هذان الأمران من أعظم ما أوجد الإشكال عند المتأخرين ففهموه على غير مقصدكم ومرادكم وبأنكم تقولون بالسفور؟ .\nأجابوا: إن الله لم يضمن الحفظ إلا لكتابة وسنة نبيه - ﷺ - ولهذا كانا هما الحجة على الخلق، ومع هذا فإنه قد يقع غلط الغالطين في المعنى والمراد من كلام الله وكلام رسوله - ﷺ -، فكيف بكلام أئمة الإسلام كإمامنا أبي حنيفة ومالك وكبار أئمة المذاهب، فقد يَنقل شراح المذاهب من المتأخرين ما يغير مقصود ومراد بعض المتقدمين من أئمة المذاهب وكم من اختلاف حدث بين أتباع المذهب الواحد في أن قول الإمام الصحيح في المسألة الفلانية كذا وقال آخرون بل الصحيح عنه كذا، فكيف لا نتصور أن يحصل ممن بعدهم شيء من الإنحراف والتغيير؟","vol":"1","page":161},{"text":"ولكن من رجع لنصوصنا وكلام أئمتنا وبخاصة المتقدمين علم أنهم وإن قالوا المرأة عورة إلا وجهها وكفيها فهذا لا يعني أننا نقول بجواز كشفهما على كل حال وإنما هو إعلان عن اعتراضنا على لفظة كلها عورة لأنه يستلزم منها لوازم نرى معارضتها لكثير من المسائل الشرعية كما سبق بيانه.\nفكان الأولي والأقوى والأسلم أن العلة في تحريم كشف المرأة لوجهها وكفيها هي التي عندنا وهي الفتنة والشهوة.\n- فإذا قلنا لهم أعطونا من نصوصكم أيها الأحناف والمالكية وبعض الشافعية ومن يوافقكم ما يفيد قولكم هذا وبخاصة في تفسير الآية التي نحن بصددها، ونؤجل بقية الأقوال لموضع آخر؟ .\nقالوا نعم.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>أدلة ونقول أئمة الفقهاء من الأحناف والمالكية وغيرهم وتفسيرهم لقوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ بأنها رخصة وتحديدهم القدر المرخص للمرأة أن تبديه بأمور منها بما يظهر في صلاتها</span>\n١ - قال الإمام الطحاوي (م: ٢٣٩ - ت: ٣٢١) في شَرْحُ معاني الآثار كِتَابُ النِّكَاحِ: - بَابُ الرَّجُلِ يُرِيدُ تَزَوُّجَ المرأة هَلْ يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إليها أم لا؟ -.\nوهو يناقش هل يجوز نظر الخاطب أم لا؟ وأن في زمنه من منع من ذلك كونه عورة، فكان ذلك أحد الأسباب التي جعلتهم لا يقولون بكونه عورة للضرورة في كشفه، إضافة لما سبق معنا من أسباب لهم. فقال بعد أن ذكر حديث محمد بن سلمة وجابر وأبي هريرة والمغيرة بن شعبة في نظر الخاطب.\n: (قَالَ أبو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذِهِ الآثار إباحة النَّظَرِ إلى وَجْهِ المرأة، لِمَنْ أراد نِكَاحَهَا، فَذَهَبَ إلى ذَلِكَ قَوْمٌ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخرونَ فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ أراد نِكَاحَ المرأة، وَلَا لِغَيْرِ مَنْ أراد نِكَاحَهَا (١)، إلا أن يَكُونَ زَوْجًا لَهَا أو ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا. وَاحتجوا فِي ذَلِكَ بِمَا حدثنا ... عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبي طَالِبٍ ﵁، أن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ: \" يَا عَلِيُّ، إن\n_________\n(١) كالشاهد والمتعاقد معها ونحوهم.","vol":"1","page":163},{"text":"لَكَ كَنْزًا فِي الْجَنَّةِ، وَإنكَ ذُو قَرْنَيْهَا، فَلَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فإنمَا لَكَ الأولى، وَلَيْسَتْ لَكَ الآخرة \".\nقال حدثنا ... عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ نَظْرَةِ الفجأة، قَالَ: \" اصْرِفْ بَصَرَكَ \" قال حدثنا ... عَنِ ابن بُرَيْدَةَ، عَنْ أبيهِ، رَفَعَهُ مِثْلَهُ. يَعْنِي أن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ لِعَلِيٍّ: \" يَا عَلِيُّ، لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فإنمَا لَكَ الأولى، وَلَيْسَتْ لَكَ الثانية \" وحدثنا ... عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \" النَّظْرَةُ الأولى لَكَ، وَالآخرة عَلَيْكَ \". قَالُوا: فَلَمَّا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ النَّظْرَةَ الثانية، لأنهَا تَكُونُ بِاختيار النَّاظِرِ، وَخَالَفَ بَيْنَ حُكْمِهَا وَبَيْنَ حُكْمِ مَا قَبْلَهَا، إذا كانت بِغَيْرِ اختيار مِنَ النَّاظِرِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أنهُ لَيْسَ لِأحد أن يَنْظُرَ إلى وَجْهِ المرأة إلا أن يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِنَ النِّكَاحِ أو الْحُرْمَةِ، مَا لَا يُحَرِّمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنْهَا.\nفَكان مِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ لِأهل المقالة الأولى (١)، أن الَّذِي أباحهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي الآثار الأول، هُوَ النَّظَرُ لِلْخِطْبَةِ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَذَلِكَ نَظَرٌ بِسَبَبٍ هُوَ حَلَالٌ. ألا ترى أن رَجُلًا لَوْ نَظَرَ إلى وَجْهِ امرأة، لَا نِكَاحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا لِيَشْهَدَ عَلَيْهَا وَلِيَشْهَدَ لَهَا أن ذَلِكَ جَائِزٌ. فَكَذَلِكَ إذا نَظَرَ إلى وَجْهِهَا لِيَخْطُبَهَا كان ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ أيضا. فَأما المنهي عَنْهُ فِي\n_________\n(١) أي حجة القائلين بجواز نظر الخاطب وغيره كالشاهد ونحوهم ممن سيذكرهم آنفا.","vol":"1","page":164},{"text":"حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَجَرِيرٍ، وَبُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمْ، فَذَلِكَ لِغَيْرِ الخطبة وَلِغَيْرِ مَا هُوَ حَلَالٌ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ مُحَرَّمٌ (١).\nوَقَدْ رَأينَاهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي نَظَرِ الرَّجُلِ إلى صَدْرِ المرأة الأمة، إذا أراد أن يَبْتَاعَهَا أن ذَلِكَ لَهُ جَائِزٌ حَلَالٌ، لأنهُ أنمَا يَنْظُرُ إلى ذَلِكَ مِنْهَا لِيَبْتَاعَهَا لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَوْ نَظَرَ إلى ذَلِكَ مِنْهَا، لَا لِيَبْتَاعَهَا، وَلَكِنْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، كان ذَلِكَ عَلَيْهِ حراما.\nفَكَذَلِكَ نَظَرُهُ إلى وَجْهِ المرأة إن كان فَعَلَ ذَلِكَ لِمَعْنًى هُوَ حَلَالٌ، فَذَلِكَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ لَهُ، وإن كان فَعَلَهُ لِمَعْنًى هُوَ عَلَيْهِ حرام، فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَهُ، وَإذا ثَبَتَ أن النَّظَرَ إلى وَجْهِ المرأة لِيَخْطُبَهَا حَلَالٌ، خَرَجَ بِذَلِكَ حُكْمُهُ مِنْ حُكْمِ الْعَوْرَةِ، وَلأنا رَأينَا مَا هُوَ عَوْرَةٌ لَا يُبَاحُ لِمَنْ أراد نِكَاحَهَا النَّظَرُ إليها (٢). ألا ترى أن مَنْ أراد نِكَاحَ امرأة، فَحرام عَلَيْهِ النَّظَرُ إلى شَعْرِهَا، وَإلى صَدْرِهَا، وَإلى مَا هُوَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فِي بَدَنِهَا، كَمَا يَحْرُمُ ذَلِكَ مِنْهَا، عَلَى مَنْ لَمْ يُرِدْ نِكَاحَهَا. فَلَمَّا ثَبَتَ أن النَّظَرَ إلى وَجْهِهَا حَلَالٌ لِمَنْ أراد نِكَاحَهَا، ثَبَتَ أنهُ حَلَالٌ أيضا لِمَنْ لَمْ يُرِدْ نِكَاحَهَا (٣)، إذا كان لَا يَقْصِدُ بِنَظَرِهِ ذَلِكَ لِمَعْنًى هُوَ عَلَيْهِ حرام.\n_________\n(١) لاحظ قوله: (لَوْ نَظَرَ إلى وَجْهِ امرأة) (فَأما المنهي عَنْهُ ... فَذَلِكَ لِغَيْرِ الخطبة، وَلِغَيْرِ مَا هُوَ حَلَالٌ، فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ مُحَرَّمٌ)، والحلال سبق وأن مثل له بقوله: (لِيَشْهَدَ عَلَيْهَا وَلِيَشْهَدَ لَهَا أن ذَلِكَ جَائِزٌ).\n(٢) وهذا هو مذهب ومنهج القائلين بعدم اعتبار الوجه والكفين من العورة للضرورة في كشفهما والتي أباحتها الشريعة ولهذا رجحوا عدم العورة، ومع ذلك لم يمنعهم ذلك من القول بتحريم كشفهما بدون سبب مبيح.\n(٣) يقصد مثل الشاهد والقاضي والمتبايعين معها ونحوهم ممن كان له سبب مبيح لنظره إليها.","vol":"1","page":165},{"text":"وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: أن ذَلِكَ المستثنى هُوَ الْوَجْهُ وَالكفان، فَقَدْ وَافَقَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - هَذَا التَّأويلَ (١). وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذَا التَّأويلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. كَمَا حَدَّثَنَا سليمان بْنُ شُعَيْبٍ بِذَلِكَ، عَنْ أبيهِ، عَنْ مُحَمَّدٍ. وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ (٢)، وَأبي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ) انتهى الطحاوي.\n\nقوله: (النَّظَرُ لِلْخِطْبَةِ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَذَلِكَ نَظَرٌ بِسَبَبٍ هُوَ حَلَالٌ) أرأيت الطحاوي كيف علل النظر بشرط سبب مباح، وهو النكاح ولم يقل أن الأصل جواز أن تكشف المرأة عن وجهها لأن الوجه عندنا ليس بعورة، ولدليل الخثعمية وسفعاء الخدين وغير ذلك مما يقوله أهل السفور اليوم، لتعرف أن عبارة ليسا بعورة لا تعني عندهم جواز كشفهما على كل حال وبدون سبب مبيح، وتأمل كيف ناقش المحرمين لنظر الخاطب لمن أراد تزوجها، وهذا في زمنهم ثم يقال أن أبا حنيفة كان قبلهم يقول بجواز أن تخرج المرأة كاشفة عن وجهها للعموم الناس، هل تصدق مثل هذا الكلام ثم لا يوجد من أولئك أحد يرد عليه؟ وهم في الخاطب عقدوا له كل هذه المناظرة والمناقشة لبيان أنه إنما\n_________\n(١) يقصد ما ذكره من أحاديث الباب في جواز نظر الخاطب، وأنظر كيف أنه وبعد كلامه السابق استشهد بالآية الكريمه في جواز تحديد النظر للوجه والكفين عند وجود السبب المبيح وليس على كل حال.\n(٢) وهذا ما يبين لك قول الإمام أبي حنيفة النعمان.","vol":"1","page":166},{"text":"كان لسبب مبيح مع أن الأحاديث نص في الجواز، فكيف بمن يريدون تكشفها لعموم الناس أجمعين؟ .\nلماذا لم يذكر الطحاوي أدلة أبي حنيفة في جواز السفور؟ وللأسف ينقل أهل السفور كلامًا مبتورا من نصوص الإمام الطحاوي يستدلون به وكأنه يقول بمذهب السفور ومن ذلك قوله: (أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرّم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي - ﷺ -، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى) (١) انتهى. وهو يقصد ما قاله البعض من خصوصية أمهات المؤمنين في عدم جواز النظر إلى شخوصهن ولو كن مستترات، ولا لوجوههن ولو لحاجة من شهادة ونحوها كما هو جائز لغيرهن من النساء، كما سيأتي معنا مفصلا في مبحث الخصوصية.\n\n٢ - وكذلك ذكر القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) المالكي نفس الأمر وهو كراهة البعض النظر للمخطوبة وذلك عند قوله تعالى: ﴿لايحل لك النساء ولا أن تبدل بهن﴾ [الأحزاب ٥٢].\nفقال: (في هذه الآية دليل على جواز أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها. وقد أراد المغيرة بن شعبة زواج امرأة، فقال له النبي - ﷺ -: \"انظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما\". وقال ﵇ لآخر: \"انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا\" أخرجه الصحيح. قال الحميدي وأبو\n_________\n(١) شرح معاني الآثار (٢/ ٣٩٢) انظر: الرد المفحم (ص ٣٤).","vol":"1","page":167},{"text":"الفرج الجوزي. يعني صفراء أو زرقاء. وقيل رمصاء. الأمر بالنظر إلى المخطوبة إنما هو على جهة الإرشاد إلى المصلحة، فإنه إذا نظر إليها فلعله يرى منها ما يرغبه في نكاحها، ومما يدل على أن الأمر على جهة الإرشاد ما ذكره أبو داود من حديث جابر عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل». فقوله: «فإن استطاع فليفعل» لا يقال مثله في الواجب (١). وبهذا قال جمهور الفقهاء مالك والشافعي والكوفيون وغيرهم وأهل الظاهر. وقد كره ذلك قوم لا مبالاة بقولهم، للأحاديث الصحيحة) انتهى كلام القرطبي.\nقوله: (وقد كره ذلك قوم لا مبالاة بقولهم) وصدق ﵀ لا مبالاة بقولهم لأنها مصادمة لنصوص القرآن والسنة في جواز أن ينظر الخاطب لمن أراد خطبتها، ولكن أليس الغريب أن ينقل لنا قول من لا مبالاة بقولهم ممن كرهوا نظر الخاطب للمخطوبة ولا ينقل لنا قول أبي حنيفة ومالك ورواية عن الشافعي وأحمد في جواز خروج النساء مكشوفات الوجوه بلا سبب من خاطب ولا غيره، وكما ينسبه إليهم دعاة السفور؟ فلو كانت النساء يخرجن مكشوفات في عهد رسول الله - ﷺ - كما يقول الألباني غفر الله لنا وله، لو كان الأمر كذلك هل سيتطرق في ذهن من بعدهم من أولئك المانعين أن نظر الخاطب يعد مكروها\n_________\n(١) معناه لو أراد الزواج من غير أن ينظر للمرأة كما أرشده الشارع فله ذلك، فليس أمر الشارع بالنظر للمخطوبة واجب لقوله: «فإن استطاع فليفعل» وهذا إرشاد صارف الأمر عن الوجوب والحتم.","vol":"1","page":168},{"text":"أصلًا وهل كان أبو حنيفة وغيره ممن يقولون أن الوجه ليس بعورة سيسكتون عنهم أم أنهم سيؤلفون (الرد المفحم) و(جلباب المرأة المسلمة) (١)، وغير ذلك لبيان السنة والمستحب، ومن كشفت من فضليات الصحابيات؟ وهل الطحاوي وهو من المتقدمين جدًا ومن أئمة الأحناف الكبار والقرطبي المالكي أو أي أحد غيرهم من الذين ذكروا من (لا مبالاة بقولهم)، غاب عنهم أن يذكروا سنة ومستحب المصطفى - ﷺ - وقول الإمامين الجليلين أبو حنيفة ومالك ومن وافقهم؟ والنساء كما زعم الشيخ سافرات كما فهمه من حديث الخثعمية وسفعاء الخدين وغيرهما، فكيف نصدق هذه الشبه؟ ورسول الله يقول: (فإن استطاع فليفعل) (انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا) (انظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما) (أنظرت لها؟ فَقُلْت: لا).\nالقوم يريدون أن يتزوجوا ويدخلوا على نساء لم يرونهن أبدًا، أما كان في النساء كاشفات غيرهن؟ أم أن الجميع جهلوا أن ستر الوجه ليس واجب وإنما هو سنة ومستحب؟ ألهذه الدرجة كانوا متشددين (٢)، ولم يعلموا بمثل تلك العبارات الرنانة من حياة الرسول - ﷺ - وأقواله والقرآن الذي نزل عليه ثم يقول لهم: (فإن استطاع فليفعل) (انظر إليها) (أنظرت لها فَقُلْت: لا)، اللهم رحماك بنا.\n_________\n(١) (الرد المفحم) و(جلباب المرأة المسلمة) كتابان من تأليف الشيخ الألباني ﵀.\n(٢) وهذا عنوان لكتاب الشيخ الألباني أسماه (الرد المفحم على من خالف العلماء وتشدد وتعصب وألزم المرأة بستر وجهها وكفيها وأوجب، ولم يقتنع بقولهم: أنه سنة ومستحب).","vol":"1","page":169},{"text":"٣ - وقال النووي - ﵀ - معقبًا على ما ساقه مسلم من أحاديث النظر إلى المخطوبة -: (وفيه استحباب النظر إلى وجه من يريد تزوجها وهو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد وجماهير العلماء. وحكى القاضي عن قوم كراهته، وهذا خطأ مخالف لصريح هذا الحديث ومخالف لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة عند البيع والشراء والشهادة ونحوها) (١).\nوأنظر لقوله: (لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة) فلا تعرف الأمة على أختلاف مذاهبها النظر للنساء بلا حاجة من سبب مبيح، وإلا لما ذكروا أمثلة (عند البيع والشراء والشهادة ونحوها).\nولهذا تفهم أن قول بعضهم أن الوجه ليس بعورة إنما هو عندهم للتدليل على جواز كشفه عند الضرورة والحاجة وردا على من منعه بحجة كونه عورة.\n٥ - قال الوزير بن هبيرة (ت: ٥٦٠ هـ) - ﵀ -: (واتفقوا على أن من أراد تزوج امرأة فله أن ينظر منها ما ليس بعورة) (٢).\nأي الوجه والكفان وأما غيرهما ففيه خلاف مشهور ومعروف ولو كان مكشوفا للخاطب هل سيتفقون على (أن ينظر منها ما ليس بعورة).\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (٩/ ٢١٠).\n(٢) الإفصاح عن معاني الصحاح في الفقه على المذاهب الأربعة لابن هبيرة (٢/ ١١١).","vol":"1","page":170},{"text":"٦ - المنتقى شرح الموطأ للإمام مالك - مالكي - في كلامه عن العيوب في المرأة والشهادة عليها:\n(فَصْلٌ): (وإن كان مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ كَالْعُيُوبِ تَكُونُ فِي جَسَدِ المرأة أو أحد فَرْجَيْهَا، فإن كان فِي جَسَدِهَا فَقَدْ اختلف فِيهِ فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أن مَا تَحْتَ الثِّيَابِ مِنْ الْعُيُوبِ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امرأتين، وَقَالَ سَحْنُونٌ: مَا كان فِي الْجَسَدِ بُقِرَ عَنْهُ فَنَظَرَ إليه الرِّجَالُ وَمَا كان فِي أحد الْفَرْجَيْنِ شَهِدَ فِيهِ النِّسَاءُ وَجْهُ الْقَوْلِ الأول أنهُ مَوْضِعٌ مُنِعَ الرِّجَالُ مِنْ النَّظَرِ إليه فَجَازَ أن تُقْبَلَ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ كَالْفَرْجَيْنِ، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٌ أن الْجَسَدَ وإن كان عَوْرَةً فَهِيَ عَوْرَةٌ مُخَفَّفَةٌ فَجَازَ أن يَنْظُرَ إليها الرِّجَالُ لِلضَّرُورَةِ كَمَا يَنْظُرُونَ إلى وَجْهِهَا لِلضَّرُورَةِ) انتهى.\nقوله: (كَمَا يَنْظُرُونَ إلى وَجْهِهَا لِلضَّرُورَة) ومثله لا يحتاج لتعليق.\n\n٧ - أحكام القرآن للجصاص من أعمدة متقدمي الأحناف وإمام الحنفية في بغداد (ت: ٣٧٠ هـ).\nقال عند تفسيره لآية الرخصة:\n(قَوْله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] إنمَا أراد بِهِ الأجنبيين دُونَ الزَّوْجِ وَذَوِي المحارم؛ لأنهُ قَدْ بَيَّنَ فِي نَسَقِ التلاوة حُكْمَ ذَوِي المحارم فِي ذَلِكَ (١). وَقَالَ أصحابنا: المراد الْوَجْهُ وَالكفان؛ لأن الْكُحْلَ زِينَةُ الْوَجْهِ وَالخضاب وَالخاتم زِينَةُ الْكَفِّ، فَإذ قَدْ أباح النَّظَرَ إلى\n_________\n(١) يقصد فيما جاء بعدها في النهي الثاني: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو ...﴾ [النور: ٣١].","vol":"1","page":171},{"text":"زِينَةِ الْوَجْهِ وَالْكَفِّ فَقَدْ اقْتَضَى ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ إباحة النَّظَرِ إلى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ (١). وَيَدُلُّ عَلَى أن الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ مِنْ المرأة لَيْسَا بِعَوْرَةٍ أيضا أنهَا تُصَلِّي مَكْشُوفَةَ الْوَجْهِ وَاليدَيْنِ، فَلَوْ كانا عَوْرَةً (٢)، لَكان عَلَيْهَا سَتْرُهُمَا كَمَا عَلَيْهَا سَتْرُ مَا هُوَ عَوْرَةٌ (٣)؛ وَإذا كان كَذَلِكَ جَازَ لِلْأجنبي أن يَنْظُرَ مِنْ المرأة إلى وَجْهِهَا وَيَدَيْهَا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فإن كان يَشْتَهِيهَا إذا نَظَرَ إليها جَازَ أن يَنْظُرَ لِعُذْرٍ مِثْلَ أن يُرِيدَ تَزْوِيجَهَا أو الشَّهَادَةَ عَلَيْهَا أو حَاكِمٌ يُرِيدُ أن يَسْمَعَ إقْرَارَهَا.\nوَيَدُلُّ عَلَى أنهُ لَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلى الْوَجْهِ لِشَهْوَةٍ قَوْلُهُ - ﷺ - لِعَلِيٍّ: «لا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فإن لَك الأولى وَلَيْسَ لَك الآخرة» وَسَأَلَ جَرِيرٌ رَسُولَ - ﷺ - عَنْ نَظْرَةِ الْفُجَاءَةِ فَقَالَ: «اصْرِفْ بَصَرَك» وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْوَجْهِ وَغَيْرِهِ، فَدَلَّ عَلَى أنهُ أراد النَّظْرَةَ بِشَهْوَةٍ؛ وإنما قَالَ: «لَك الأولى»؛ لأنهَا ضَرُورَةٌ «وَلَيْسَ لَك الآخرة»؛ لأنهَا اختيار. وإنما أباحوا النَّظَرَ إلى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَإن خَافَ أن يَشْتَهِيَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الأعذار لِلاثار الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، مِنْهَا: مَا رَوَى أبو هُرَيْرَةَ «أن رَجُلا أراد أن يَتَزَوَّجَ امرأة مِنْ الأنصار، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: انظر إليها فإن فِي أعين الأنصار شَيْئًا يَعْنِي الصِّغَرَ».\n_________\n(١) وهذا ما ذكرناه سابقا (صـ ١٢٤) عند بيان تفسير الصحابة أنه في حالة جاز نظر الأجنبي للوجه والكفين، فمن باب أولي جاز ما فيهما من زينة في ذلك الوقت كالكحل والخضاب لأنه يشق نزع الزينة المكتسبة عن زينتها الخلقية.\n(٢) أي خارج الصلاة، ولهذا كان أحد الأسباب في أنهم لم يعدونهما من العورة. لأنهم يقولون كيف يكون عورة وتكشفه في صلاتها ولا تبطل بكشفه.\n(٣) أي في الصلاة.","vol":"1","page":172},{"text":"وَرَوَى جَابِرٌ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إذا خَطَبَ أحدكُمْ فَقَدِرَ عَلَى أن يَرَى مِنْهَا مَا يُعْجِبُهُ وَيَدْعُوهُ إليها فَلْيَفْعَلْ) وَرَوَى مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أبي حُمَيْدٍ وَقَدْ رأى النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إذا خَطَبَ أحدكُمْ المرأة فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أن يَنْظُرَ إليها إذا كان إنمَا يَنْظُرُ إليها لِلْخِطْبَةِ» (١) وَرَوَى سليمان بْنُ أبي حَثْمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَهُ.\nوَرَوَى عَاصِمُ الأحْوَلُ عَنْ بُكَيْر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ المغيرة بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «خَطَبْنَا امرأة فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: نَظَرْت إليها؟ فَقُلْت: لا، فَقَالَ: انظر فإنه لَأَجْدَرُ أن يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا».\nفَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النَّظَرِ إلى وَجْهِهَا وَكَفِّهَا بِشَهْوَةٍ إذا أراد أن يَتَزَوَّجَهَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أيضا قَوْلُهُ: ﴿لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَك حُسْنُهُنَّ﴾ وَلا يُعْجِبُهُ حُسْنُهُنَّ إلا بَعْدَ رُؤْيَةِ وُجُوهِهِنَّ. وَيَدُلُّ عَلَى أن النَّظَرَ إلى وَجْهِهَا بِشَهْوَةٍ مَحْظُورٌ قَوْلُهُ - ﷺ -: «العينان تزنيان وَاليدان تزنيان والرجلان تزنيان وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ الْفَرْجُ أو يُكَذِّبُهُ». وَقَوْلُ ابن مَسْعُودٍ فِي أن مَا ظَهَرَ مِنْهَا هُوَ الثِّيَابُ لا مَعْنَى لَهُ لأنهُ مَعْلُومٌ أنهُ ذَكَرَ الزِّينَةَ وَالمراد الْعُضْوُ الَّذِي عَلَيْهِ الزِّينَةُ، ألا ترى أن سَائِرَ مَا تَتَزَيَّنُ بِهِ مِنْ الْحُلِيِّ وَالْقُلْبِ وَالخلخال وَالْقِلَادَةِ يَجُوزُ أن تُظْهِرَهَا لِلرِّجَالِ إذا لَمْ تَكُنْ هِيَ لابِسَتُهَا؟ فَعَلِمْنَا أن المراد مَوْضِعُ الزِّينَةِ كَمَا قَالَ فِي نَسَقِ التلاوة بَعْدَ هَذَا: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ وَالمراد مَوْضِعُ الزِّينَةِ، فَتَأويلُهَا عَلَى الثِّيَابِ لَا مَعْنَى لَهُ؛ إذ كان مَا يَرَى الثِّيَابَ\n_________\n(١) قوله: (فلا جناح .. لِلْخِطْبَةِ) فلو بدون خطبة ولا سبب مبيح فهو جنحة.","vol":"1","page":173},{"text":"عَلَيْهَا دُونَ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا كَمَا يَرَاهَا إذا لَمْ تَكُنْ لابِسَتَهَا) انتهى كلام الإمام الجصاص.\nقوله: (فَإذ قَدْ أباح النَّظَرَ إلى زِينَةِ الْوَجْهِ وَالْكَفِّ) (جَازَ لِلاجنبي) (لا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلى الْوَجْهِ لِشَهْوَةٍ) (فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النَّظَرِ إلى وَجْهِهَا وَكَفِّهَا بِشَهْوَةٍ إذا أراد أن يَتَزَوَّجَهَا) (وَيَدُلُّ عَلَى أن النَّظَرَ إلى وَجْهِهَا بِشَهْوَةٍ مَحْظُورٌ) وعباراته في كلامه كلها تدل على أن الأصل ستر الوجه والكفين، وإلا ما الفائدة بقوله أباح وعدم الجواز ومَحْظُور والوجه مكشوف أصلا، فالآية دلت على الرخصة في الإباحة والجواز وتقيده (إذا أراد أن يَتَزَوَّجَهَا) وانظر صيغة المفرد (للأجنبي) ولم يأت بأدلة السفور اليوم لأنه لا يدري ما سفور؟ وإنما هو يتكلم في آية الرخصة المجمع عليها كما سيأتي معنا بمشيئة الله تعالى، ثم أراد تحديد ما يظهر منها للأجنبي الذي جاز نظره لها وهو (الوجه والكفان) غالبا، فاستدل بالقياس على ذلك القدر الذي يظهر للخاطب وللأجنبي بما يظهر من المرأة في صلاتها، ولأنه ليس بعورة عندهم فجاز بسبب تعامل أو تعاقد أو شهادة، أن ينظر لهذا القدر فقط، وبشرط بغير شهوة، أما لو اشتهى وأمكن نظر غيره لم يجوزوا نظره بشهوة، إلا لعذر أقوى.\nلأنه لو ترك النظر في مثل بعض تلك الأحوال كونه يَشتهى لتعطلت مصالح وأحوال، فمثل الراغب للزواج كيف سيقبل بالمخطوبة إن لم يشتهيها ويعجب بها، وكذلك القاضي أو الشاهد لو تركوا النظر بتلك الحجج التي لا يسلم منها أحد لتعطلت مصالح وأحوال وحقوق، ولهذا فرقوا بين الشاهد يشهد تحملا للشهادة أي ابتداء أو يشهد أداء لما سبق","vol":"1","page":174},{"text":"وتحمله من شهادة، فالأول الراجح عندهم المنع لأنه بالإمكان شهادة غيره ممن لا يشتهي، بعكس الثاني رجحوا جواز نظره ولو اشتهى لعدم الإمكان أن ينوب عنه أحد، ولهذا بين المصنف ذلك فتأمله، وسيأتي معنا الكثير من أقوال غيره.\nومثل هذه الأقوال استدل بها دعاة السفور فأخذوا أقوال الأئمة في جواز نظر الأجنبي أو الشاهد أو الخاطب بشرط (عدم خشية الفتنة والشهوة) حال الرخصة والحاجة، أو قول بعضهم الوجه ليس بعورة وقالوا هذه أدلتهم على السفور.\nولأن الجصاص من المتقدمين جدا ولم يكن في باله أنه سيأتي من يحرف ويبدل في مثل هذه الفريضة العظيمة من ستر النساء لوجوههن لهذا اكتفوا قديما بتفسير آيات الرخصة في مكانها بقدر حاجتهم ومعرفتهم لمعناها ولمعرفتهم بأسباب النزول والمتقدم من المتأخر من الآيات.\nولكن قد يكون لدي البعض شيء من الشك في ما نقلناه عنه، ولهذا سننقل لكم كلامه في ثلاثة مواضع أخرى كمثال واحد فقط حتى لا نطيل ولكي تعرفوا مقصده وخطر بتر كلام العلماء.\n٨ - فقال الجصاص - الحنفي - عند قوله تعالى: ﴿وَالقواعد مِنْ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا ...﴾ [النور: ٦٠]. (قَالَ أبو بَكْرٍ: لا خِلَافَ فِي أن شَعْرَ الْعَجُوزِ عَوْرَةٌ لا يَجُوزُ لِلأجنبي النَّظَرُ إليه كَشَعْرِ الشَّابَّةِ وَأنهَا إن صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرأس كانت كَالشَّابَّةِ فِي فَسَادِ صَلَاتِهَا، فَغَيْرُ جَائِزٍ أن","vol":"1","page":175},{"text":"يَكُونَ المراد وَضْعَ الخمار بِحَضْرَةِ الأجنبي. فإن قِيلَ: إنمَا أباح اللَّهُ تعالى لَهَا بِهَذِهِ الآية أن تَضَعَ خِمَارَهَا فِي الخلوة بِحَيْثُ لا يَرَاهَا أحد. قِيلَ لَهُ: فَإذا لا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ القواعد بِذَلِكَ؛ إذ كان لِلشَّابَّةِ أن تَفْعَلَ ذَلِكَ فِي خَلْوَةٍ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أنهُ إنمَا أباح لِلْعَجُوزِ وَضْعَ رِدَائِهَا بَيْنَ يَدَيْ الرِّجَالِ بَعْدَ أن تَكُونَ مُغَطَّاةَ الرأس، وَأباح لَهَا بِذَلِكَ كَشْفَ وَجْهِهَا وَيَدِهَا؛ لأنهَا لا تُشْتَهَى، وَقَالَ تعالى:﴾ أن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ فَأباح لَهَا وَضْعَ الْجِلْبَابِ وَأخبر أن الاسْتِعْفَافَ بألا تَضَعَ ثِيَابَهَا أيضا بَيْنَ يَدَيْ الرِّجَالِ خَيْرٌ لَهَا) انتهى كلام الجصاص.\nقوله (للأجنبي) (وَأباح) لاحظ الجصاص بنفس العبارة والأسلوب السابق للإمام الطحاوي عندما تكلم في تفسير قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ لأن تلك رخصة وهذه رخصة، وهما حنفيان يتكلمان بنفس المنهج والتأصيل المذهبي.\nقوله (صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرأس) تأمل كيف استدل لرخصة العجوز فيما يجوز أن تكشفه للأجنبي بما يظهر في صلاتها وهذا هو التقعيد عندهم في ما هو عورة لا يجوز كشفه وهو ما سوى الوجه والكفين، ولهذا رد بأن شعرها عورة لأنه لا يظهر في الصلاة، وهو نفس القياس لتحديد قدر الزينة في الرخصة للشابة عند كلامهم على قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ لتعلم أنهم يتكلمون في آيات متأخرة جاءت تفصيلا بعد إجمال","vol":"1","page":176},{"text":"ورخصة لما يظهر عند الأجنبي سواء للشابات أو العجائز فأرادوا تحديد ما يظهر حتى لا يتساهل الناس في الأخذ بالرخص الغالبة.\nقوله: (وَأباح لَهَا بِذَلِكَ كَشْفَ وَجْهِهَا وَيَدِهَا لأنهَا لا تُشْتَهَى) وكلامه واضح في أن غير القواعد لا يباح لهن كشف الوجه واليدين لأنه بطبع الخلقة يُشتهين، وهذا والجصاص من أئمة الأحناف القائلين أن الوجه والكفين ليسا بعورة. ولنا هنا تساؤلات هل هؤلاء يتكلمون في الآيات المشرعة للحجاب المبينة لوصفه كما يدعيه أهل السفور اليوم؟ فإذا كان هذا في رخصة العجوز تغطي رأسها كما يريده أهل السفور للنساء الشابات اليوم، فما هو الأصل للشابة والرخصة للعجوز؟ ! أليس ستر الوجه؟ الجواب ظاهر كالشمس قوله: (أباح لها بذلك كشف وجهها ويديها لأنها لا تشتهى) فما معناه عند الأحناف بالنسبة للشابات أليس أنه في الأصل مُغطى، غيرُ مكشوفٍ وأبيح كشفه للعجوز؟ .\nولتتأكد أكثر قبل نسبة شيء لإمام من الأئمة انظر كلامه في موضع آخر. ففي أول الآيات نزولًا في شأن الحجاب وعند قوله تعالى: ﴿وَإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وراء حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣].\n٩ - قال الإمام الجصاص: (تضمن حَظْرَ رؤية أزواج النبي - ﷺ -، وبيَّن به أن ذلك أطهر لقلوبهم وقلوبهن؛ لأن نَظَرَ بعضهم إلى بعض ربما حدث عنه الميل والشهوة، فقطع الله بالحجاب الذي أوجبه هذا السبب (١).\n_________\n(١) وهذه هي علة الأمر بالحجاب والحظر عند من لم يقل بالعورة وهي الفتنة والشهوة.","vol":"1","page":177},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَا كان لَكُمْ أن تُؤْذُوا رَسُولَ الله﴾ يعني ما بيَّن في هذه الآية من إيجاب الاستئذان وتَرْكِ الإطالة للحديث عنده والحجاب بينهم وبين نسائه. وهذا الحكم وإن نزل خاصًّا في النبي - ﷺ - وأزواجه فالمعنى عام فيه وفي غيره، إذ كنّا مأمورين باتباعه والاقتداء به إلا ما خصه الله به دون أمته) انتهى.\nولتتأكد أكثر انظر قوله في الآية بعدها.\n١٠ - قال الإمام الجصَّاص عند آية الإدناء:\n(قال أبو بكر: في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بسَتْرِ وجهها عن الأجنبيين وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الريب فيهن. وفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها سَتْرُ وجهها وشعرها؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ المؤمنين﴾ ظاهره أنه أراد الحرائر، وكذا رُوي في التفسير، لئلا يكنَّ مثل الإماء اللاتي هنّ غير مأمورات بستر الرأس والوجه، فجعل الستر فرقًا يعرف به الحرائر من الإماء. وقد رُوي عن عمر أنه كان يضرب الإماء ويقول: اكشفن رؤوسكنّ ولا تَشَبَّهْنَ بالحرائر) انتهى كلام الجصاص.\nأليس هو من قال في السابق: (وَيَدُلُّ عَلَى أن الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ مِنْ المرأة لَيْسَا بِعَوْرَةٍ أيضا أنهَا تُصَلِّي مَكْشُوفَةَ الْوَجْهِ وَاليدين).\nفهل قولهم بأن الوجه والكفين ليسا من العورة منعهم من أن يقولوا بالأمر بوجوب سترهما عن الرجال الأجانب؟ .","vol":"1","page":178},{"text":"١١ - البحر الرائق شرح كنز الدقائق - حنفي -\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>(باب شروط الصلاة):</span>\nقوله: (وبدن الحرة عورة إلا وجهها وكفيها وقدميها) لقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ قال ابن عباس: وجهها وكفيها وإن كان ابن مسعود فسره بالثياب كما رواه إسماعيل القاضي من حديث ابن عباس مرفوعا بسند جيد ولأن النبي - ﷺ - «نهى المحرمة عن لبس القفازين والنقاب» ولو كانا عورة لما حرم سترهما، ولأن الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إبراز الكف للأخذ والإعطاء فلم يجعل ذلك عورة وعبر بالكف دون اليد كما وقع في المحيط للدلالة على أنه مختص بالباطن وأن ظاهر الكف عورة كما هو ظاهر الرواية وفي مختلفات قاضي خان ظاهر الكف وباطنه ليسا بعورة إلى الرسغ ورجحه في شرح المنية بما أخرجه أبو داود في المراسيل عن قتادة مرفوعا: «أن المرأة إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل» ولأن الظاهر أن إخراج الكف عن كونه عورة معلول بالابتلاء بالإبداء إذ كونه عورة مع هذا الابتلاء موجب للحرج وهو مدفوع بالنص وهذا الابتلاء كما هو متحقق في باطن الكف متحقق في ظاهره) انتهى كلامه.\nوكما ترى هنا حصل العكس فهناك عند آية الرخصة استدلوا بما يظهر من المرأة بحال صلاتها وهنا في باب شروط الصلاة يذكرون آية الرخصة وحديث أسماء لتحديد ما يظهر في الصلاة، وكما رأينا","vol":"1","page":179},{"text":"جميعهم حملوا الآية على الضرورة والحاجة (ولو كانا عورة لما حرم سترهما ولأن الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إبراز الكف للأخذ والإعطاء فلم يجعل ذلك عورة) فبدون حاجة لا يبرز، وسبق معنا أن قولهم ليس بعورة لا يؤثر في أنهم يحرمون كشفه بدون سبب، بل إن من أسباب اعتراضهم على قول من قال الوجه والكفان عورة أنهم خشوا أن يؤدي ذلك ويفهم منه عدم جواز كشفهما عند الحاجة والضرورة التي أجمع عليها أهل العلم كما عند البيع والشراء والخاطب، وأيضا رأوا عدم مناسبة ذلك لعدة اعتبارات منها أنه ينكشف في الصلاة ولا يؤدي كشفهما لبطلانها.\nوقوله: (وهذا الابتلاء كما هو متحقق في باطن الكف متحقق في ظاهره) فهو يرد على الخلاف في نفس مذهب الأحناف حيث ذهب فريق منهم إلى أن ظاهر الكف عورة لا يجوز إظهاره عند الأجنبي لأنهم رأوا أن الضرورة هي في كشف باطن الكف فقط لأنه للأخذ والإعطاء فتخفي ظاهر الكف عن الأجنبي لأنه لا ضرورة لكشفه، وهنا تعلم لِما قالوا أن الوجه والكفين ليسا من العورة، وأنه تقعيد لبيان الجواز والإباحة عند الضرورة فقط وإلا فهم يحرمون كشفه للفتنة والشهوة، كما حرموا ظاهر الكف لعدم الضرورة بكشفه، ثم بالله عليكم كم من البون الشاسع بين هؤلاء ودعاة السفور اليوم المنتسبين لهم ظاهرًا والمخالفين لهم ظاهرًا وباطنًا، وهم يجوزون كشف وجه المرأة وكفيها بحجة الجواز وليس للضرورة، ولا يهتمون لظاهر ولا لباطن ولا لقفازين ولا ... .","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>اعتراض الألباني على الأئمة في طريقة استدلالهم لتحديد قدر الرخصة لأنه يظن أنهم يستدلون به للسفور</span>\n١٢ - قال الإمام القرطبي (المالكي) في الجامع لأحكام القرآن: (الثالثة: أمر الله ﷾ النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية حذارًا من الافتتان (١)، ثم استثنى ما يظهر من الزينة؛ واختلف الناس في قدر ذلك؛ فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب. وزاد ابن جبير الوجه. وقال سعيد بن جبير أيضا وعطاء والأوزاعي: الوجه والكفان والثياب. وقال ابن عباس وقتادة والمسوَر بن مَخْرَمة: ظاهر الزينة هو الكحل والسّوار والخضاب إلى نصف الذراع والقِرطة والفَتَخ؛ ونحو هذا فمباح أن تُبدِيه المرأة لكل من دخل عليها من الناس. وذكر الطبري عن قتادة في معنى نصف الذراع حديثًا عن النبيّ - ﷺ -، وذكر آخر عن عائشة ﵂ عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركَت أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى هاهنا» وقبض على نصف الذراع.\nقال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تُبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بدّ منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك.\n_________\n(١) وهذه هي العلة كذلك عند الأئمة المالكية في الأمر بستر النساء لوجوههن.","vol":"1","page":181},{"text":"فـ (ما ظهر) على هذا الوجه مما تؤدّي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه (١).\nقلت: هذا قول حسن، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورَهما عادةً وعبادةً وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعًا إليهما. يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة ﵂ «أن أسماء بنت أبي بكر ﵄ دخلت على رسول الله - ﷺ - وعليها ثياب رِقاق، فأعرض عنها رسول الله - ﷺ - وقال لها: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرَى منها إلا هذا، وأشار إلى وجهه وكفّيه» فهذا أقوى في جانب الاحتياط؛ ولمراعاة فساد الناس فلا تُبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفّيها، والله الموفق لا ربّ سواه. وقد قال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد من علمائنا: أن المرأة إذا كانت جميلة وخِيف من وجهها وكفّيها الفتنةُ فعليها سَتر ذلك وإن كانت عجوزًا أو مُقَبَّحة جاز أن تكشف وجهها وكفّيها) انتهى.\nفلاحظ قول القرطبي عندما قال: (قلت: هذا قول حسن) يقصد كلام ابن عطية ثم ما لبث أن رجع وتعقبه (إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورَهما عادةً وعبادةً وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعًا إليهما .. فهذا أقوى في جانب الاحتياط .. فلا تُبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفّيها) فهو مثل من سبق معنا أراد تحديد القدر المباح إظهاره للأجنبي بالوجه والكفين\n_________\n(١) وعلى هذا جميع أئمة التفسير أن الآية رخصة عند الحاجة والضرورة.","vol":"1","page":182},{"text":"لأنهما يظهران في العادة والعبادة والصلاة والحج، فهو مثل الإمام الطبري لما خاف أن يفهم الناس من أقوال السلف في تفسير الآية أنها رخصة للمرأة أن تُظهر ما تحتاجه عند الضرورة خافوا أن يتساهل الناس بإبداء أكثر من الوجه والكفين لأنهما غالب ما تحتاج المرأة لكشفهما كما مثل لذلك الفقهاء فقال الطبري: (وَأولَى الأقوال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ: قَوْل مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِذَلِكَ الْوَجْه وَالكفان). ويقصد (وأولى الأقوال) أي أقوال السلف من الصحابة والتابعين التي نقلها في الآية، فالقرطبي لم يقصد أن الآية تشريع ووصف لمسألة الحجاب، بل هم مجمعون ويعلمون أن الآية رخصة عند الضرورة لأن تبدي المرأة ما تدعو الحاجة والضرورة إليه لهذا كرروا لفظة الحاجة والضرورة عند تفسيرهم للآية، ولكنهم أرادوا تحديد ما يظهر عند الضرورة غالبا ولهذا وجدناهم بنفس الاستدلال والاستنتاج فصار (أولى) واستشهدوا لمن طالبهم بالدليل على تحديد هذا القدر وكونه (أولى بالصواب) لأنه مما يظهر من المرأة في صلاتها كما قال الطبري والقرطبي ومن سبق معنا.\nوهنا قال القرطبي: (واختلف الناس في قدر ذلك فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب. وزاد ابن جبير الوجه ...) لأن الزينة في الآية لم تحدد بشيء وحتى لا يتوسع الناس في الأخذ بالرخصة فيظهروا من الزينة في أحوالها الغالبة أكثر من الوجه والكفين فقدروه بما قدره الطبري سابقا بالوجه والكفين.","vol":"1","page":183},{"text":"ولهذا حسّن القرطبي كلام ابن عطية في توضيحه لمعنى الآية الإجمالي بكونها رخصة لما يظهر عند الضرورة عندما قال وكرر لفظة الضرورة مرتين وقال: (إن المرأة مأمورة بألا تُبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة ... فيما يظهر بحكم ضرورة ... مما تؤدّي إليه الضرورة ...) ولكن رجع وتعقبه لأنه لم يحدد ما يظهر من الزينة كما حددها الكثيرون من المفسرين السابقين غيره، ولهذا لم يكتفي بحرص ابن عطية في بيان أنها رخصة لم يكفيه ذلك وأصر القرطبي أن يحددها للناس بالوجه والكفين كما حددها أئمة التفسير والفقه من قبله احتياطًا وحرصًا منهم من مجموع أقوال الصحابة والتابعين في الآية وليستدلوا بأن ذلك (أولى) و(احتياطًا) استدلوا بعده استدلالات منه: لأنهما مما يظهران عادة وعبادة، وفي وصلاتها، ولأنها عند بعضهم ليست بعورة وزاد بعضهم استشهاده بحديث أسماء وعائشة ولكن ليس للسفور كما ظنه أهله واستشهدوا به وإنما لتحديد قدر الرخصة بالوجه والكفين حذرا من التوسع والتساهل، وسبق أن بينا أن المتقدمين كانوا يذكرون حديث أسماء وقوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ في أبواب الصلاة لتحديد القدر من عورتها في الصلاة بالوجه والكفين وإن كان الإجماع على هذا القدر وهو كافٍ. فقد قال القرطبي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم﴾ [الأعراف: ٢٦]: (وأما المرأة الحرة فعورة كلها إلا الوجه والكفين على هذا أكثر أهل العلم وقد قال النبي: - ﷺ - «من أراد أن يتزوج امرأة فلينظر إلى وجهها","vol":"1","page":184},{"text":"وكفيها» ولأن ذلك واجب كشفه في الإحرام ... وحديث أم سلمة «أنها سئلت: ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت: تصلي في الدرع والخمار السابغ الذي يغيب ظهور قدميها» وقد روي مرفوعا والذين أوقفوه على أم سلمة أكثر وأحفظ منهم مالك وابن إسحاق وغيرهما قال أبو داود: ورفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة أنها سألت رسول الله - ﷺ -، قال أبو عمر: عبد الرحمن هذا ضعيف عندهم إلا أنه خرَّج البخاري بعض حديثه والإجماع في هذا الباب أقوى من الخبر) انتهى.\nكما أن قول القرطبي معروف في وجوب ستر المرأة لوجهها أشهر من أن ينقل ومع ذلك نقلناه في عدة مواضع هنا دليلا على أن قولهم ليس بعورة لا يعنى قولهم بجواز كشفه بدون سبب مُبِيح فليراجع.\nوقد يتساءل أحدنا وما دخل آية الرخصة بتحديد ما يظهر في الصلاة؟ فهذا اجتهاد قياسي منهم لأن حديث: (تصلى في درع وخمار) (١) فيه مقال، كما أنه ليس فيه ولا في غيره تحديد دقيق بظهور\n_________\n(١) حديث أم سلمة رواه أبو داود. قال الشوكاني في نيل الأوطار-باب أن المرأة الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها- (حديث أم سلمة أخرجه أيضا الحاكم وأعلَّه عبد الحق بأن مالكا وغيره رووه موقوفا. قال الحافظ: هو الصواب، ولكنه قد قال الحاكم: أن رفعه صحيح على شرط البخاري. ا. هـ. وفي إسناده عبد الرحمن بن دينار وفيه مقال. قال في التقريب: صدوق يخطئ من السابعة. قال أبو داود: روى هذا الحديث مالك بن أنس وبكر بن مضر وحفص بن غياث وإسماعيل بن جعفر وابن أبي ذئب وابن إسحاق عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة لم يذكر واحد منهم النبي - ﷺ - قصروا به عن أم سلمة) انتهى. وانظر الإرواء (٢٧٤) وضعيف أبي داود (٩٧ - ٩٨) وقال في المشكاة (٧٦٣) (ضعيف).","vol":"1","page":185},{"text":"الوجه والكفين إنما هو الإجماع، فأحبوا الاستشهاد بتلك النصوص وإن كانت بعيدة عن موضوع الصلاة، وموضوع تحديد الرخصة هنا.\n١٣ - كما قال ابن رشد - المالكي - في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد \"كتاب النكاح\": (وأما النظر إلى المرأة عند الخطبة، فأجاز ذلك مالك إلى الوجه والكفين فقط؛ وأجاز ذلك غيره إلى جميع البدن عدا السوأتين؛ ومنع ذلك قوم على الإطلاق؛ وأجاز أبو حنيفة النظر إلى القدمين مع الوجه والكفين، والسبب في اختلافهم أنه ورد الأمر بالنظر إليهن مطلقا، وورد بالمنع مطلقا، وورد مقيدا: أعني بالوجه والكفين على ما قاله كثير من العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ إنه الوجه والكفان، وقياسا على جواز كشفهما في الحج عند الأكثر، ومن منع تمسك بالأصل وهو تحريم النظر إلى النساء) انتهى.\nوأنظر كيف فهموا من الآية جواز النظر للخاطب ونحوه، وليس على كل حال.\nفهم درجوا على ذلك كما هو مسطر في كتبهم وسيمر معنا بعضه من أنهم مرة يستشهدون بحديث أسماء هنا في باب تحديد قدر الزينة المرخص للأجنبي أن ينظر إليها، ومرة هناك في أبواب الصلاة وعورة المرأة فيها، ولم يخطر ببالهم في ذلك الوقت من أزمانهم من سيفهم من هذه النصوص شيئا يسمى جواز كشف المرأة لوجهها بلا سبب مبيح، وإنما كانت كل تلك القياسات والآثار لتحديد القدر بالوجه والكفين لأنه كما قال أقوى في جانب الاحتياط، والتحديد.","vol":"1","page":186},{"text":"وقد سبق القرطبي في هذا التحديد الإمام الطبري كما سيأتي والبغوي وغيرهم كثير من أهل الفقه والتفسير كما سيمر معنا بنفس المقال خوفا من توسع البعض كما في جواز النظر للمخطوبة حيث توسع بعضهم فقال بجواز النظر لأكثر من الوجه والكفين بكثير.\n١٤ - قال الإمام ابن قدامة في كتابه المغني بعد ذكره لأقوال العلماء - في النظر للمخطوبة-: (ولنا قول الله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وروي عن ابن عباس أنه قال: الوجه وبطن الكف، ولأن النظر محرم أبيح للحاجة فيختص بما تدعو الحاجة إليه، وهو ما ذكرنا ... فأما ما يظهر غالبًا سوى الوجه كالكفين والقدمين ونحو ذلك مما تظهره المرأة في منزلها، ففيه روايتان:\nإحداهما: لا يباح النظر إليه لأنه عورة، فلم يبح النظر إليه كالذي لا يظهر، فإن عبدالله روى أن النبي قال: «المرأة عورة» حديث حسن، ولأن الحاجة تندفع بالنظر إلى الوجه فبقي ما عداه على التحريم.\nوالثانية: له النظر إلى ذلك ..) انتهى كلام ابن قدامة ﵀.\nولهذا قصره أكثرهم على الوجه والكفين، ومنهم من توسع قليلًا ومنهم من بالغ جدًا، كما أن ابن قدامة من الحنابلة وهو يرى أن الوجه ليس بعورة وهذا لم يمنعه كغيره ممن أخذوا بهذا، من قولهم بتحريم كشفه بلا سبب مبيح، لِعِلة أخرى عندهم وهي الفتنة والشهوة وسيأتي معنا مزيد من نقولاته في ذلك ﵀.","vol":"1","page":187},{"text":"١٥ - الإمام البغوي (ت: ٥١٠ هـ) في تفسيره (من متقدمي الأحناف)\nقال: (واختلف أهل العلم في هذه الزينة الظاهرة التي استثناها الله تعالى: قال سعيد بن جبير والضحاك والأوزاعي: هو الوجه والكفان. وقال ابن مسعود: هي الثياب بدليل قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١] وأراد بها الثياب. وقال الحسن: الوجه والثياب. وقال ابن عباس: الكحل والخاتم والخضاب في الكف. فما كان من الزينة الظاهرة جاز للرجل الأجنبي النظر إليه إذا لم يخف فتنة وشهوة، فإن خاف شيئًا منها غض البصر.\nوإنما رخص في هذا القدر أن تبديه المرأة من بدنها لأنه ليس بعورة وتؤمر بكشفه في الصلاة، وسائر بدنها عورة يلزمها ستره). انتهى كلام البغوي.\nوقوله (وإنما رخص في هذا القدر أن تبديه) وهذا يدل أنه يتكلم في رخصة وإلا فهو في أصله مستور وغير بادٍ، ولهذا أحبوا الاستئناس بتحديد القدر الذي ينكشف بأمور منها ما يظهر في الصلاة والحج وبأثر أسماء، فالأدلة هنا من قوله تعالى ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يستخدمونها في تحديد القدر للمسائل هناك والأدلة هناك يستخدمونها في تحديد القدر للمسائل هنا. فمن لم يعرف طريقتهم ويفهم منهجهم يظن أنهم يتكلمون في تأييد مذهب أهل السفور اليوم لأنهم يذكرون نفس تلك الأدلة التي يستشهد بها أهل السفور اليوم.","vol":"1","page":188},{"text":"ولكن المتقدمين لم يفهموا منها السفور أبدا ولم يأتِ عنهم كلمة واحدة عند ذكرهم لها أنها تعني جواز خروج المرأة سافرة عن وجهها، وإنما فهموا منها التحديد بما يظهر من المرأة فقط في عورة الصلاة وعند الرخص، فحسب المتأخرون من دعاة السفور اليوم أنهم يتكلمون في آية تشريع الحجاب الواصفة لشكله وحدوده، وأنها دليل على قولهم في جواز كشف المرأة لوجهها، فحصل التحريف شيئا فشيئا فيمن بعدهم وزادت غربة الإسلام في مسألة الحجاب.\nفمثل القرطبي والبغوي وغيرهم ممن سبق معنا ما قاله قبلهم:\n١٦ - شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) في تفسيره بعد أن نقل أقوال السلف في الآية قال: (وَأولَى الأقوال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ: قَوْل مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِذَلِكَ الْوَجْه وَالكفان، يَدْخُل فِي ذَلِكَ إذا كان كَذَلِكَ الْكُحْل، وَالخاتم، وَالسِّوَار، وَالخضاب.\nوإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل، لإجماع الجميع أن على كل مصلٍّ أن يستر عورته في صلاته، وأنَّ للمرأة أنْ تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها، إلا ما روي عن النبي - ﷺ - أنه أباح لها أن تبديه من ذراعها إلى قدر النصف. فإذا كان ذلك من جميعهم إجماعا، كان معلوما بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجل، لأن ما لم يكن عورة فغير حرام إظهاره. وإذا لها إظهار ذلك كان معلوما أنه مما استثناه الله تعالى ذكره، بقوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ لأن كل ذلك ظاهر منها) انتهى من تفسير الطبري.","vol":"1","page":189},{"text":"فالطبري من قدماء المفسرين الذين كانوا ينقلون أقوال السلف كما هي وبالأسانيد عنهم ولم يكونوا محتاجين أيضا لمزيد بيان عليها مع ما توافرت عليه نساؤهم من الستر والحجاب، سوى أنهم كانوا حريصين ومحتاجين إلى الإشارة والتنبيه في معرض نقولاتهم لأقوال السلف للتحذير من عدم التوسع في فهم الرخصة بإبداء الزينة بأكثر من الوجه والكفين، كون ذلك هو الغالب من الأحوال التي مثل لها الفقهاء فكان بعضهم ينبه إلى هذا القدر، والاقتصار عليه لأنهما الأكثر من زينتها التي تحتاج وتبتلى المرأة بكشفه، وللرد على من توسع فيما سواهما كما أشار بقوله: (إلا ما روي عن النبي - ﷺ - أنه أباح لها أن تبديه من ذراعها إلى قدر النصف) وما قاله البعض من جواز ظهور أكثر من الوجه والكفين للخاطب، ولهذا فبعضهم تحرزوا من توسع الناس أو تساهلهم فيقول قائل كما أنه جاز الكشف إلى نصف الذراع، فيعتبر ليس بعورة فيجوز إظهاره كذلك عند الحاجة والضرورة من الرخص، ولهذا أرادوا بتحديدهم هذا الاحتياط من كشف مالا داعي لكشفه حيث تقدر الحاجة والضرورة بقدرها.\nولهذا فَهُم قالوا ما قالوه من استدلالات لمن طالبهم بدليل على هذا القدر الذي ذكروا فظنه البعض اليوم أنهم يتكلمون في الآية المشرعة لفريضة الحجاب، الواصفة لطريقته وشكله، لعدم إدراك المتأخرين بأسباب وتاريخ نزولها وأنها جاءت رخصة متأخرة عن آيات سورة الأحزاب المتقدمة، ففهم بعض القائلين بمذهب السفور كالشيخ الألباني كلام الطبري في الرخصة أنه كلامه في أحوال المرأة العادية فأخذ منه ما","vol":"1","page":190},{"text":"يوافق مذهبه عندما صوب الإمام الطبري قول من قال الوجه والكفين وغلطه وحمل عليه معترضا من طريقة قياسه واستنتاجه لذلك (الأولى بالصواب) لأنه استدل عليهما بأنهما مما يظهران من المرأة في صلاتها أجماعًا.\nوكذلك فعل مع القرطبي صحح عبارته حين قال الوجه والكفان وغلطه واعترض عليه عندما استدل لهما بكونهما مما يظهران عادة وعبادة، فكان يوافق مرة ويعترض مرة أخرى في نفس الموضع وكان بذلك كأنه هو في وادٍ ومقصد الإمام الطبري والقرطبي والبغوي ومن وافقهم من أئمة التفسير والفقه في وادٍ آخر.\nومن سبر كلام المفسرين الذين وافقوا الطبري في استدلالاته عرف مقصدهم ومرادهم وأنهم يتكلمون في تأصيل ومقصد واحد وهو الاختيار من أقوال السلف في الآية لتحديد القدر الظاهر من زينة المرأة في الصلاة وعند الرخص، ولا يعنون سفور المرأة ولا شيئًا مما ظنه بهم أهل السفور بتاتًا، وإنما يريدون تقدير؟ ما ظهر منها﴾ بضابط واستدلال معين.\nقال الشيخ الألباني غفر الله لنا وله، في \"جلباب المرأة\": (ومن قائل: أنها الكحل والخاتم والسوار والوجه وغيرها من الأقوال التي رواها ابن جرير في (تفسيره) (١٨/ ٨٤) عن بعض الصحابة والتابعين ثم اختار هو أن المراد بهذا الاستثناء الوجه والكفان فقال: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بذلك الوجه والكفين ... وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل لإجماع الجميع على أن على كل","vol":"1","page":191},{"text":"مصلٍّ أن يستر عورته في صلاته وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها ...) إلخ.\n- قال الألباني- وهذا الترجيح غير قوي عندي لأنه غير متبادر من الآية على الأسلوب القرآني وإنما هو ترجيح بالإلزام الفقهي وهو غير لازم هنا لأن للمخالف أن يقول: جواز كشف المرأة عن وجهها في الصلاة أمر خاص بالصلاة فلا يجوز أن يقاس عليه الكشف خارج الصلاة لوضوح الفرق بين الحالتين.\nأقول- الألباني - هذا مع عدم مخالفتنا له في جواز كشفها وجهها وكفيها في الصلاة وخارجها لدليل بل لأدلة أخرى غير هذه كما يأتي بيانه وإنما المناقشة هنا في صحة هذا الدليل بخصوصه لا في صحة الدعوى فالحق في معنى هذا الاستثناء ما أسلفناه أول البحث وأيدناه بكلام ابن كثير.\n- إلى أن قال الشيخ الألباني -\nويؤيده أيضا ما في (تفسير القرطبي) (١٢/ ٢٢٩):\n(قال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه أو إصلاح شأن ونحو ذلك فـ (ما ظهر) على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه) قال القرطبي: (هذا قول حسن إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج فيصلح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة","vol":"1","page":192},{"text":"﵂: أن أسماء بنت أبي بكر ﵄ دخلت على رسول الله - ﷺ - وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله - ﷺ - وقال لها: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفيه\"، فهذا أقوى في جانب الاحتياط ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها والله الموفق ولا رب سواه).\nقلت - الألباني -: وفي هذا التعقيب نظر أيضا لأنه وإن كان الغالب على الوجه والكفين ظهورهما بحكم العادة فإنما ذلك بقصد من المكلف والآية حسب فهمنا إنما أفادت استثناء ما ظهر دون قصد، فكيف يسوغ حينئذ جعله دليلا شاملا لما ظهر بالقصد؟ فتأمل. ثم تأملت فبدا لي أن قول هؤلاء العلماء هو الصواب وأن ذلك من دقة نظرهم - ﵏- وبيانه: أن السلف اتفقوا على أن قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ يعود إلى فعل يصدر من المرأة المكلفة غاية ما في الأمر أنهم ...) (١) إلخ كلام الألباني ﵀ وما فيه من استنتاجات حديثة بدت له في كل مرة، بعيده عن مقصد ومراد أولئك الأئمة المتقدمين.\nوأما قول الألباني: (هذا مع عدم مخالفتنا له في جواز كشفها وجهها وكفيها في الصلاة وخارجها لدليل بل لأدلة أخرى غير هذه كما يأتي بيانه وإنما المناقشة هنا في صحة هذا الدليل بخصوصه لا في صحة الدعوى).\n_________\n(١) جلباب المرأة صفحة (٥٠).","vol":"1","page":193},{"text":"ولا أدري كيف قبل الشيخ الألباني ﵀ صحة الدعوى والدليل الموصل لها غير صحيح، هل لو كان قاضيًا وجاءه خصم لا دليل عنده لصحة دعواه أكان يحكم له؟ فكيف بالحكم في شرع الله؟ .\nفإما أن يكون الإمام الطبري يقول بالظن والتخريص فأصاب مصادفة أو أن الألباني لم يفهم مقصده ومرماه وتسرع في اعتراضه عليه وعلى القرطبي وعلى البغوي وعلى كثير ممن أصّلوا للمسألة بمثل قولهم ولو أن الألباني نظر لكلام أئمة التفسير جميعًا القائلين بقول الطبري والقرطبي والبغوي لتبين له المراد من مقصدهم واتفاقهم على هذا الاستدلال ليس لأنهم يقولون بجواز كشف المرأة لوجهها كما فهمه واستشهد بأقوالهم له، وإنما في تحديد قدر الرخصة، ولهذا اعترض عليهم حين استدلوا بأمر غريب في اعتقاده وهو بما يظهر منها حين صلاتها كما هو قول الطبري أو بما يظهر عادة وعبادة كما هو قول القرطبي؛ لأنه يحسب أنهم يتكلمون في جواز سفور المرأة في أحوالها العادية كما هو مذهبه، وكأنه يقول أين أنتم من الاستدلال بحديث الخثعمية؟ أين أنتم من الاستدلال بحديث سفعاء الخدين؟ ولكنه ما أحب أن ينبه السامعين على عدم وجود أحد من المتقدمين من فهم من تلك الأحاديث ما فهمه هو من سفور النساء لوجوههن فضلا على أن يستدلوا بها هنا في موضع استدلاله بأقوالهم في المسألة، ولهذا قال: (لدليل بل لأدلة أخرى غير هذه كما يأتي بيانه) فالشيخ حقق كتب السنن والصحاح ولو وجد شيئا من كلامهم لما بخل به علينا، ولهذا سبق له تضعيف حديث أسماء ثم رجع وصححه ولعل من أسباب ذلك","vol":"1","page":194},{"text":"رؤيته للكثير من المتقدمين ممن ذكروه هنا واستشهدوا به في ابواب عورة المراة في الصلاة وعند الرخص، فظنهم يقوه، ولكن لما أن ذكروه عكروا عليه ذلك بقولهم (ما يظهر عادة وعبادة) ولهذا رجع - ﵀ - معترضا عليهم مرة ثانية وكأنه كان يريد منهم أن يقولوا أنه دليل لجواز أن تكشف المرأة عن وجهها وكفيها، ولكنهم لم يقولوا شيئا ويوم أن ذكروه فهموا منه (الاحتياط) و(ما يظهر في صلاتها) و(عادة وعبادة) ولم يأتِ في بالهم المعنى الذي يريده أهل السفور اليوم.\nفكيف لو علم الشيخ الألباني أن جميع من سننقل كلامهم هنا بل وغيرهم يقولون بنفس عبارات الطبري (لأنهما يظهران في صلاتها) كمثل: الإمام الجصاص والبغوي وابن عطية والخازن والقرطبي وصاحب تفسير الكشف والبيان للثعلبي، وتفسير الفقيه الخطيب الشربيني الشافعي وابن جزي كما سيمر معنا، ومنهم من قال بنفس قول الإمام القرطبي والذي اعترض عليه ثانية (عادة وعبادة) أمثال الأئمة: كالنسفي وابن عادل والزمخشري وصاحب غرائب القرآن ورغائب الفرقان وأبو حيان، وأبو السعود، ومن الفقهاء صاحب كتاب اللباب الحنفي وغيرهم كثير كما سيمر معنا، هل هؤلاء جهلوا وأخطؤوا في الاستدلال للآية، فلم يحسنوا بيان الحجة لمذهب السفور؟ .\nوهل عندما يقول بعضهم (وإنما رُخص في هذا القدر أن تبديه) هل يُفهم منهم أنهم يتكلمون على رخصة أم على تشريع لفريضة؟ ولو كان الثاني أيقال فيها (رُخص في هذا القدر)؟ .","vol":"1","page":195},{"text":"وعندما يقول القرطبي: (فهذا أقوى في جانب الاحتياط، ولمراعاة فساد الناس فلا تُبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفّيها) هل هذا كلام لمن يريد أن يدلل على جواز كشف وجه المرأة في أحوالها العادية يقول (احتياط) (ولمراعاة فساد الناس) (فلا تبدي إلا الوجه والكفين) فهل معناه أن تغطية المرأة لشعرها وغيره ليس بواجب أصلا وأن لها أن تخرج سافرة الشعر والسيقان ولكن للأسباب الأنفة (فلا تبدي إلا الوجه والكفين) أم المناسب هو أن كلامهم في الرخصة التي لم تحدد في الآية فلا تكشف (احتياطا) (ولمراعاة فساد الناس) (فلا تبدي إلا الوجه والكفين)؟ .\nلهذا جاء تحديدهم للقدر الغالب بما يظهر منها حال الصلاة وعادة وعبادة واستشهادهم للقدر بحديث أسماء، ولهذا امتلأت كتبهم بعبارات الحاجة والضرورة وذكر الشاهد والقاضي والمتبايع ونحوهم عند تفسيرهم للآية وإباحة نظر الأجنبي للمرأة كما في أبواب الفقه والتفسير المختلفة.\nوبلا شك وكما سيمر معنا الكثير أن قولهم بالوجه والكفين هنا إنما هو في حال (الضرورة) و(الرخصة) كما هو كلامهم مرارا وتكرارا، وأنه كذلك القدر المختار (والأولى بالصواب) من أقوال السلف كما قال الطبري كونه الغالب مما تحتاجه، ولأنه يظهر في صلاتها إجماعا، فلم يكن عورة، وزاد بعضهم استدلاله بحديث أسماء استئناسا بالحديث الضعيف كما أشار لذلك ابن كثير في تحديد ذلك القدر أيضا وسيأتي، وقصد استئناس الفقهاء والمحدثين بالحديث الضعيف إذ لم يوجد في","vol":"1","page":196},{"text":"الباب غيره، أو أنهم حملوا معناه على حالة الرخصة في صلاتها وعند الضرورة، ولم يستدلوا به على ما استدل به اليوم دعاة السفور، فهم احتاطوا حتى في حالات الضرورة المباحة شرعا، والشيخ الألباني ظن ما يريده من التكشف الدائم، أليسوا هم في وادٍ والشيخ في وادٍ آخر، لهذا اعترض عليهم جميعا ولم يفهم ما يقولون وما يرمون إليه مع أنه ظاهر لمن تأمل في كلامهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:</span>\nومن أعظم التقصير: نسبة الغلط إلى متكلم مع إمكان تصحيح كلامه، وجريانه على أحسن أساليب كلام الناس، ثم يُعتبر أحد الموضعين المتعارضين بالغلط دون الآخر ...) (١).\nوقال في موضع آخر: (والعلم يحتاج إلى نقل مصدق ونظر محقوق. والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه ومعرفة دلالته كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله) (٢) انتهى.\nفإما أن هؤلاء لا يعرفون أن يعبروا عن مقاصدهم ومرادهم كما يقوله الشيخ الألباني عندما اعترض على إمامين جليلين وهما الطبري والقرطبي، والحقيقة أنه اعتراض على جميعهم، لهذا قال الشيخ: (وما علاقة ما يظهر في صلاتها بما يظهر خارج الصلاة؟) واعترض عليهم بقوله: (وهذا الترجيح غير قوي عندي) (وفي هذا التعقيب نظر أيضا) بمعني أنهم لا يحسنون التعبير عن حججهم ولا حسن الاستنباط، لأنهم\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١١٤/ ٣١).\n(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (١/ ٢٤٣).","vol":"1","page":197},{"text":"استدلوا في نظره على السفور بحجة ضعيفة وبعيده وهي (ما يظهر حال صلاتها) و(بما يظهر في العادة والعبادة) وكأنه أراد منهم أن يستدلوا بالأحاديث والآثار التي فهمها هو وغيره من المتأخرين اليوم على أنها تعني جواز كشف المرأة لوجهها، ولهذا قال: (لدليل بل لأدلة أخرى غير هذه كما يأتي بيانه) فهل لم يكونوا مطلعين عليها؟ والحق أنهم يتكلمون في آية الرخصة وتحديد ما ينكشف من المراة عند الحاجة والصلاة، والشيخ يحسب أنهم يستنتجون أدلة لمذهب السفور.\nومن ضمن المتقدمين الذين قووا القول بتحديد هذا القدر بالوجه والكفين عند الحاجة.\n١٧ - الإمام البيهقي ﵀ في سننه الكبرى (١):\nفبعد إيراده لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ونَقلهُ لأقوال الصحابة فيها وحديث أسماء ثم تضعيفه للحديث قال كلامًا يقوى به ذلك التحديد فظنه الشيخ الألباني أنه يقصد تقوية الحديث وهو إنما قوى أصل المسألة في تحديد القدر الظاهر في الصلاة وعند الحاجة كغيره من الأئمة، فهذا غلط أيضا على البيهقي، لأن الألباني لو تابع كلامه إلى آخره لتبين له مقصده في \"كتاب النكاح\" ورؤية الخاطب حيث قال: ...\n_________\n(١) سنن البيهقي الكبرى (٧/ ٨٦)، وسنأتي لنقل كلام الإمام البيهقي وشرحه بإسهاب في المبحث السابع عند ردنا لشبهة استدلال وفهم أهل السفور لحديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ومخالفتهم لفهم السلف لهم (صـ ٤٨٧).","vol":"1","page":198},{"text":"(باب تخصيص الوجه والكفين بجواز النظر إليها عند الحاجة) ثم قال بعده (باب من بعث بامرأة لتنظر إليها)! ثم قال بعده (باب تحريم النظر إلى الأجنبيات من غير سبب مبيح قال الله ﷿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) انتهى.\nوأنا أعلم أن الشيخ معذور بمشيئة الله تعالى ولكن قصدي بهذا أن أبين خطورة المجاملة لو صححنا مثل هذا الكلام، فسيظن الناس أن مقصد أولئك هو فعلًا ما قاله الشيخ وفهمه منهم فنحكم عليهم بضياع علمهم وتحريف قولهم وتبديل قصدهم ونسبة السفور لهم، وكيف لو علمنا أن أئمة كُثُر غير أولئك قد قالوا بقولهم فإما أن نخطئ الشيخ أو نحرف كلام كثير من أئمة الإسلام وننسب إليهم مثل هذا القول وأنهم لم يعرفوا أن يُبينوا عن حجتهم في السفور وهم يحملون أسفار العلم في صدورهم، فليست المسألة سهلة كما يعتقدها البعض اليوم.\nفبالله عليكم مذهب لا يدري من أين شرعت فريضة الحجاب؟ ولا أوله نزولًا من آخره ألا يكون مذهبا شاذًا وبدعيًا مخالفًا لإجماع الأمة في آيتي ﴿يدنين﴾ و﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وعلى فريضة عظيمه،\nإنه ذلك الإجماع المنقطع النظير؟ فهل تمنعنا محبتنا للشيخ ونحن نعلم أنه أول من لو تبين له الحق في المسألة لقال أنه مذهب بدعي؟ والله ورسوله أحب إلينا مما سواهما وأن نحب المرء لا نحبه إلا لله وأنَّ هذا الدين أمانة في أعناق كل من بان له الحق ألا يداهن ولا يجامل في أعز ما لديه، بل عليه أن يغضب إذا انتهكت محارم الله، والألباني كما قال شيخ الإسلام عن زلة العلماء (مغفور لهم خطؤهم) ولكن بقي دورنا نحن لو كتمنا ما أنزل الله، رحم الله الجميع.","vol":"1","page":199},{"text":"وقد سبق معنا تأكيد مذهب المتقدمين من السلف ومن بعدهم من علماء الأمة أنهم على ركن ثابت وخط مستقيم بحمد الله في مسألة فريضة الحجاب فلو رجعوا لكلام القرطبي مثلا لما شك فيه ولا في كلامه السابق أحد ولعلموا مقصده ومراده فهو مثلا في أول آية نزلت في شأن الحجاب قال: (في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مُسآلتهن من وراء حجاب في حاجةٍ تُعرض، أو مسألة يُستَفتَين فيها ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة بدنها وصوتها كما تقدم، فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها، أو سؤالها عما يعرض وتعين عندها) (١) إلخ، وهذا بخلاف أيضا كلامه السابق معنا والصريح على آية الإدناء فليراجع.\nوأيضا الإمام الطبري حيث مر معنا في آية الإدناء مستهلا تفسيره لها (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين: لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن. ولكن ليدنين عليهن ...) ثم ذكر اختلاف طريقة الإدناء عن ابن عباس وغيره، سواء بطريقة السدل والإرخاء أو بطريقة التثبيت على الوجه بالضرب والشد على الجبين كالتقنع والنقاب والبرقع فحسبوه هناك أيضا أنه من خلاف التضاد.\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٢٢٧).","vol":"1","page":200},{"text":"وكذلك وضوح قول البغوي والجصاص في تفسيرهم لآية الإدناء وغيرها وقد سبق في موضعه فليراجع.\nفكيف يشكك في نسبة هؤلاء وغيرهم وإيهام الناس على أنهم على مذهب السفور بأدنى الاحتمالات والتأويلات في مقابل أقوالهم الصريحة؟ وبالضبط فعلوا بنصوص الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم فصرفوها وحملوها بأدنى الاحتمالات والتأويلات الباردة، لتدل في نظرهم على مذهب السفور.\nوالآن نرجع لما كنا وقفنا عنده من قول الإمام البغوي: (جاز للرجل الأجنبي النظر إليه إذا لم يخف فتنة وشهوة فإن خاف شيئا غض البصر وإنما رخص في هذا القدر أن تبديه) وهذا يبين لكم أنهم يتكلمون في رخصة وليس في أمر مشروع ومباح أصلا إبداؤه، فقوله (للرجل الأجنبي إذا لم يخش فتنة أو شهوة) هو لناظر مخصوص ممن جاز له النظر إليها للحاجة أو الضرورة كالشاهد ونحوه، وليس كما فهمه الكثير أنه لعموم الناس، فهذا عندهم حرام إن لم يكن لأنه عورة عندهم فلأنه فتنة وشهوة فالاختلاف هو فقط في علة التحريم، أما تحريم كشف الوجه والكفين بلا حاجة فهم مجمعون عليه كما سترى، ولكن من نظر للأمر الشرعي لستر النساء لوجوههن لكون العلة الفتنة والشهوة قال بها ومن نظر أن العلة هي العورة قال بها.\nوالآن نكمل ما نحن بصدده من نقل أدلة الفقهاء.","vol":"1","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>بقية أدلة الأحناف والمالكية وغيرهم في تفسير الآية بأنها رخصة وتحديدهم القدر المرخص لها أن تبديه في الغالب وأن قولهم ليس بعورة لا يعني عدم وجوب ستره</span>\n١٨ - الإمام القدوري - الحنفي - (ت: ٤٢٨ هـ) قال في متنه الشهير بـ (الكتاب (:\n(ولا يجوز أن ينظر الرجل من الأجنبية إلا إلى وجهها وكفيها، وإن كان لا يأمن الشهوة لا ينظر إلى وجهها إلا لحاجةٍ) انتهى.\nومع وضوح كلام المصنف رحمه الله تعالى، وقد مر معنا مثله وهو جواز نظر الأجنبي لها، إذا لم يخش فتنة وشهوة، فإن خشي فلا ينظر إلا إذا كانت الحاجة ماسة له شخصيًا، وقد شرح هذا المتن لأهميته عدد من الأئمة والعلماء:\n١٩ - أولهما: شرح العبادي الحدادي (ت: ٨٠٠ هـ) وسماه بـ (الجوهرة النيرة) يقول في شرح الفقرة السابقة:\n(قوله:) ولا يجوز أن ينظر الرجل من الأجنبية إلا إلى وجهها وكفيها (لأن في إبداء الوجه والكف ضرورة لحاجتها إلى المعاملة مع الرجال أخذا وإعطاء وقد يضطر إلى كشف وجهها للشهادة لها وعليها عند الحاكم فرخص لها فيه وفي كلام الشيخ دلالة على أنه لا يباح له النظر إلى قدمها وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يباح ذلك لأن المرأة تضطر إلى المشي فيبدو قدمها فصار كالكف ولأن الوجه يشتهى والقدم لا","vol":"1","page":202},{"text":"يشتهى فإذا جاز النظر إلى وجهها فقدمها أولى قلنا الضرورة لا تتحقق في كشف القدم إذ المرأة تمشي في الجوربين والخفين فتستغني عن إظهار القدمين فلا يجوز النظر إليهما.\n(قوله: (فإن كان لا يأمن الشهوة لا ينظر إلى وجهها إلا لحاجة) (لقوله - ﷺ -: من نظر إلى محاسن امرأة أجنبية بشهوة صب في عينيه الآنك يوم القيامة) الآنك هو الرصاص وقول: إلا لحاجة هو أن يريد الشهادة عليها فيجوز له النظر إلى وجهها وإن خاف الشهوة؛ لأنه مضطر إليه في إقامة الشهادة أصله شهود الزنا الذين لا بد من نظرهم إلى العورة إذا أرادوا إقامة الشهادة) انتهى كلامه.\nوأنت أخي القارئ ترى عبارات القوم أنهم يتكلمون في تحديد قدر الرخصة وفي أمر في أصله كان مستورا وأن انكشافه أو إبداءه كان رخصة للضرورة والحاجة في ذلك وليس تشريعا دائمًا، فتأمله وراجعه تعرف الحقيقة بادية في كلام المتقدمين كالشمس بلا خفاء.\n٢٠ - وثانيهما: شرح عبد الغني الدمشقي الميداني (ت: ١٢٨٩ هـ)\nوسماه بـ (اللباب في شرح الكتاب) -الأحناف- يقول في شرح الفقرة السابقة أيضا:\n(ولا يجوز) للرجل (أن ينظر من الأجنبية) الحرة (إلا إلى وجهها وكفيها) ضرورة احتياجها إلى المعاملة مع الرجال أخذًا وإعطاءً وغير ذلك وهذا تنصيص على أنه لا يباح النظر إلى قدمها وعن أبي حنيفة أنه يباح لأن فيه بعض الضرورة.","vol":"1","page":203},{"text":"وعن أبي يوسف أنه يباح النظر إلى ذراعها أيضا لأنه قد يبدو منها عادة، هداية. وهذا إذا كان يأمن الشهوة (فإن كان لا يأمن) على نفسه) الشهوة لم ينظر (١) إلى وجهها إلا لحاجة (ضرورية (٢) لقوله - ﷺ -: من نظر إلى محاسن امرأة أجنبية عن شهوة صب في عينيه الآنك (الآنك: الرصاص المذاب وهو حينئذ شديد الحرارة) يوم القيامة) هداية.\nقال في الدر: فحل النظر مقيد بعدم الشهوة وإلا فحرام، وهذا في زمانهم وأما في زماننا فمنع من الشابة قهستاني وغيره. ا. هـ.\n(ويجوز للقاضي إذا أراد أن يحكم عليها) أي المرأة (وللشاهد إذا أراد الشهادة عليها النظر إلى وجهها وإن خاف أن يشتهي) للحاجة إلى إحياء حقوق الناس بواسطة القضاء وأداء الشهادة ولكن ينبغي أن يقصد به أداء الشهادة أو الحكم عليها لا قضاء الشهوة تحرزا عما يمكنه التحرز عنه وهو قصد القبيح، وأما النظر لتحمل الشهادة إذا اشتهى قيل: يباح والأصح أنه لا يباح لأنه يوجد من لا يشتهي فلا ضرورة بخلاف حالة الأداء. هداية. (ويجوز) أيضا (للطبيب) أن ينظر إلى موضع المرض منها (وينبغي أن يُعلم امرأة مداواتها لأن نظر الجنس إلى الجنس أسهل فإن لم يقدر يستر كل موضع منها سوى موضع\n_________\n(١) لأن بعضهم فرقوا لو اشتهى المتعاملون معها فلا يجوز نظرهم لإمكان توكيلها لغيرها بعكس عند التقاضي أو الإشهاد لأداء الحقوق كما سيأتي في كلامهم بعده.\n(٢) فيجوز نظره ولو اشتهى، لأن بعضهم فرق بين شاهد التحمل وشاهد الأداء فشاهد الأداء والخاطب والقاضي ممن لا بد منه بنفسه ولا يمكن بغيره فهذه ضرورة أقوى من سابقتها كما سيأتي قوله.","vol":"1","page":204},{"text":"المرض ثم ينظر ويغمض بصره ما استطاع لأن ما ثبت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة وصار كنظر الخافضة والختان. هداية) (١) انتهى.\nأقول وكلامهم واضح في عدم جواز كشف المرأة لوجهها إلا في حالة الضرورة، وأنهم لا يعنون الكلام في بيان مسألة مشروعية فريضة الحجاب، وإنما في الرخصة في كشف المرأة وجهها للأجنبي كحال الشهادة والعلاج ونحو ذلك، وأنه في بعض الحالات لو لم تأمن الفتنة والشهوة منه كأن كان فاسقا أو معروفا بالفحش أو خيف عليه لجمالها أو رقة دينه منعوه، ومثل هذا لا يقال في تشريع.\nولهذا قال في الدر: (فحل النظر مقيد بعدم الشهوة وإلا فحرام. وهذا في زمانهم وأما في زماننا فمنع من الشابة قهستاني وغيره) أي منعوا النظر للشابة بتاتًا ولو لحاجة وضرورة ولو بدون شهوة لأنها تختلف عن غيرها، وسدًا للباب لكثرة الفساد في زمانهم، فكيف به في زماننا، ويقصد منعوه من ناظر مخصوص ممن جاز نظره لها للحاجة فتنبه! . وذلك في زمانهم لكثرة الفساد ولقلة الناظرين الورعين.\n٢١ - ومثله كما قال العلامة ابن نجيم في البحر الرائق شرح كنز الدقائق: (واعلم أنه لا ملازمة بين كونه ليس بعورة وجواز النظر إليه فحل النظر منوط بعدم خشية الشهوة مع انتفاء العورة ولذا حرم النظر إلى وجهها ووجه الأمرد إذا شك في الشهوة ولا عورة، كذا في شرح\n_________\n(١) اللباب شرح الكتاب (٤/ ٢٣).","vol":"1","page":205},{"text":"المنية قال مشايخنا: تمنع المرأة الشابة من كشف وجهها بين الرجال في زماننا للفتنة) (١) انتهى.\n٢٢ - وقال ابن عابدين (ت: ١٢٥٢ هـ) في حاشيته:\n(والمعنى تمنع من الكشف لخوف أن يرى الرجال وجهها فتقع الفتنة لأنه مع الكشف قد يقع النظر إليها بشهوة) انتهى.\n٢٣ - وبهذا المعنى وهو منع النساء في زمانهم من الكشف ولو لحاجة، قال السهارنفوري في بذل المجهود شرح سنن أبي داود:\n(إن المرأة إذا بلغت لا يجوز لها أن تظهر للأجانب إلا ما تحتاج إلى إظهاره للحاجة إلى معاملة أو شهادة إلا الوجه والكفين، وهذا عند أمن الفتنة؛ وأما عند الخوف من الفتنة فلا. ويدل على تقييده بالحاجة: اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) (٢) انتهى.\nفليس قولهم (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) راجع إلى قولهم (اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه) كما يظنه البعض أنه من باب سد الذرائع، وكأن مسألة تغطية المرأة لوجهها لا دليل عليها من الكتاب والسنة، وجاء هؤلاء واتفقوا من عند أنفسهم على منعهن، ولو كان كذلك، لما كان هناك اتفاق من أصله بين المسلمين، لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولقام أئمة الإسلام ولفعلوا مثل ما فعل الشيخ الألباني بالرد على من حرم على النساء ما أباحه الله لهن من ظهور وجوههن وأكفهن وبيان السنة والمستحب، ولحصل من النزاع\n_________\n(١) البحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/ ٢٨٤).\n(٢) بذل المجهود شرح سنن أبي داود (١٦/ ٤٣١).","vol":"1","page":206},{"text":"بينهم كما هو الحاصل اليوم بين الفريقين، ولهذا فمن فهم قولهم (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) راجع لإجماعهم واتفاقهم على منع النساء من الخروج سافرات، أخطأ خطأً ظاهرًا وبينًا، وذلك بسبب عدم تمعنهم في قراءة كلامهم وبتر أوله، لأن قولهم (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) وردت عند بعض المتقدمين وتعني وجود خلاف في مسألة جزئية من مسائل الحجاب، فهو راجع لما تقدم وأن ذكروه من التفصيل في بداية كلامهم لبعض تلك المسائل، فمنهم من تساهل فيها ومنهم من احتاط وشدد، فالذين احتاطوا ومنعوا استندوا (لاتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات) وقالوا (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) كما هو ظاهر من كلام الشيخ السهارنفوري هنا، بل ومن قبله من الائمة المتقدمين جدًا، لمن تنبه لكلامهم، ومثله كثير مذكور هنا في عدة مواضع من كلامهم.\nومن أمثلة تلك الأمور والمسائل المختلفة بينهم والتي قد يذكرون فيها مثل تلك العبارات أو نحوها للاحتياط:\nأأن منهم من منع من النظر للنساء مطلقًا ولو دعت لذلك حاجة أو ضرورة، وبعضهم منعه في حق الشابة بالذات؛ لأنها لا تسلم من الكشف أمام عدة أشخاص من شهود ومتعاقد وقاضٍ ونحوهم، وفي زمنهم رأوا أن الفتنة أكثر فمنعوا من ذلك، وبعضهم خص الشابة لأن الافتتان بها أكثر واستندلوا لذلك على اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره فقولهم (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) راجع لحسم باب الخلاف احتياطًا وذلك بمنع الشابة وغيرها من كشف وجهها ولو لحاجة.","vol":"1","page":207},{"text":"ب- اشتراط بعضهم أمن الفتنة والشهوة عند نظر من جاز نظره للمرأة، ولهذا فعند بيانهم لجواز نظر الأجنبي يقيدونه (عند أمن الفتنة والشهوة) فجائز عند أغلبهم (وأما عند الخوف من الفتنة والشهوة فلا). وذهب بعضهم لعدم اشتراط ذلك، وقالوا لا يسلم أحد من أن ينظر للمرأة ويأمن عدم تحرك شهوته، ولو لزم ذلك كل من جاز نظره عند الحاجة والضرورة لتعطلت حقوق ومصالح.\nولهذا فمن منع واحتاط قال ويدل على ذلك اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره فقولهم (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) راجع لحسم باب الخلاف احتياطًا وذلك بمنع نظر من خُشي منه أو عليه الفتنة والشهوة.\nت- وهناك من الأئمة من شرطوا الحاجة الملحة والضرورية، لبيان أن النظر للمرأة لا يجوز إلا بذلك، بل وبعضهم منعوا من كشف النساء لوجوههن لكل حاجة يمكنها أن تستغني أو يُستغنى عنها بالتوكيل أو الإنابة أو بغيرها ونحو ذلك، ورجعوا في ذلك للأصل وهو اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره، فقولهم (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) راجع لحسم باب الخلاف احتياطًا وذلك بمنع النظر للنساء إلا بعد تقييده بالحاجة والضرورة الملحة.\nث- وقد تأتي عبارتهم تلك ويقصدون بها معنى آخر عندهم وهو المنع أيضا مما رخص فيه بعض الفقهاء وهو جواز خروج المرأة كاشفة عن وجهها في الطريق الخالية، حيث لا يوجد رجال أو وجدوا","vol":"1","page":208},{"text":"ولكن لا يمكنهم رؤيتها فأجازه البعض كالقاضي عياض وغيره، ومنعه آخرون لمجرد خروجها لأنه مع الكشف قد يقع النظر إليها بشهوة واستندوا لذلك باتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره، فقولهم (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) راجع لحسم باب الخلاف احتياطًا وذلك بمنع المرأة من كشف وجهها في طريقها ولو لم يكن هناك من يمكنه النظر إليها. وهكذا في غير ذلك من الأمور الخلافية الجزئية الكثيرة فيما قد يتساهل فيه البعض استنادًا للرخصة أو الجواز، ويحتاط فيه غيرهم للأصل والإجماع على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه.\nوللحق فسواء قصدوا أي من المعاني السابقة أو بغيرها في المنع والاحتياط والتشديد أو بهم جميعًا، فليس هذا بغريب منهم، وقد سبق معنا نقل الطحاوي والقرطبي عن البعض ممن منع من نظر الخاطب للمخطوبة، وسيمر معنا المزيد حيث وردت عن مالك وغيره منع الخاطب والبائعات من كشف الوجه لأن أغلب تلك البيوع ليست بتلك الضرورية التي يتطلب فيها الأمر توثيقها ومعرفة شخص المرأة للرجوع لها أو عليها، أو لأنه يمكن للشابة توكيل أحد قرابتها، وهذا من ورعهم وليس بمستغرب منهم فكيف نقول عنهم أنهم يقولون بالسفور؟ ! ونحن نقول وكيف لو رأو زماننا، وأن قوما يقولون بجواز كشف المرأة لوجهها بدون سبب ولا ضرورة؟ والله المستعان.\nولهذا فلا يجوز أن يُفهم كلامهم على عكس ما أرادوه وقصدوه وكأن النساء كن يخرجن كاشفات، وجاء هؤلاء ومنعوهم من عند أنفسهم، كما","vol":"1","page":209},{"text":"فهمه البعض اليوم، لا. هذا تحريف وتبديل وهدر ونسف وطمس للحقيقة التي في كتب المتقدمين ولا يجوز لأحد اليوم أن يقول مثل هذه العبارات المعكوسة وينسبها لهم، بل هم يعنون الرخصة وهذا من حق الأئمة والعلماء وفي مقدورهم أن يمنعوا مثله إذا رأو تساهل الناس في الأخذ بالرخص من غير ضرورة ولا حاجة أو لغلبة الفساد فهذا سائغ ومقبول ولا يعد من قبيل التحليل والتحريم، بل من رد الناس لضابط الرخصة وهي الضرورة وعدم الفتنة والشهوة، ولهذا جاء عندهم:\nفي حاشية الطحاوي على المراقي - حنفي - قال في الجنائز - فصل: \" في حملها ودفنها \":\n(قوله: للرجال ويقصدون بزيارتها وجه الله تعالى وإصلاح القلب ونفع الميت بما يتلى عنده من القرآن ولا يمس القبر ولا يقبله فإنه من عادة أهل الكتاب ولم يعهد الاستلام إلا للحجر الأسود والركن اليماني خاصة وتمامه في الحلبي قوله: وقيل تحرم على النساء وسئل القاضي عن جواز خروج النساء إلى المقابر فقال: لا تسأل عن الجواز والفساد في مثل هذا وإنما تسأل عن مقدار ما يلحقها من اللعن فيه واعلم بأنها كلما قصدت الخروج كانت في لعنة الله وملائكته وإذا خرجت تحفها الشياطين من كل جانب وإذا أتت القبور تلعنها روح الميت وإذا رجعت كانت في لعنة الله، كذا في الشرح عن التتارخانية قال البدر العيني في شرح البخاري: وحاصل الكلام أنها تكره للنساء بل تحرم في هذا الزمان لا سيما نساء مصر لأن خروجهن على وجه فيه فساد وفتنة).","vol":"1","page":210},{"text":"ومثله في الاحتياط قال في الجوهرة النيرة - حنفي - (قوله: ويكره للنساء حضور الجماعات) يعني الشواب منهن، لما فيه من خوف الفتنة. (قوله: ولا بأس أن تخرج العجوز في الفجر والمغرب والعشاء والجمعة والعيدين) وهذا عند أبي حنيفة أما عندهما فتخرج في الصلوات كلها؛ لأنه لا فتنة لقلة الرغبة فيهن وله أن شدة الغلمة حاملة على الارتكاب ولكل ساقطة لاقطة ... والفتوى اليوم على الكراهة في الصلوات كلها لظهور الفسق في هذا الزمان ولا يباح لهن الخروج إلى الجمعة عند أبي حنيفة، كذا في المحيط فجعلها كالظهر) انتهى.\nومثله قال في بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع -حنفي-: في العيدين (فصل: في شرائط وجوبها وجوازها: (وأما النسوة فهل يرخص لهن أن يخرجن في العيدين؟ أجمعوا على أنه لا يرخص للشواب منهن الخروج في الجمعة والعيدين وشيء من الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن﴾ والأمر بالقرار نهي عن الانتقال ولأن خروجهن سبب الفتنة بلا شك، والفتنة حرام، وما أدى إلى الحرام فهو حرام.\nوأما العجائز فلا خلاف في أنه يرخص لهن الخروج في الفجر والمغرب والعشاء والعيدين، واختلفوا في الظهر والعصر والجمعة قال أبو حنيفة: لا يرخص لهن في ذلك وقال أبو يوسف ومحمد يرخص لهن في ذلك ... وأما صلاة العيد فإنها تؤدى في الجبانة فيمكنها أن تعتزل ناحية عن الرجال كي لا تصدم فرخص لهن الخروج والله أعلم.","vol":"1","page":211},{"text":"ثم هذا الخلاف في الرخصة والإباحة، فأما لا خلاف في أن الأفضل أن لا يخرجن في صلاة، لما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «صلاة المرأة في دارها أفضل من صلاتها في مسجدها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في دارها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها») انتهي.\nونحو ذلك كثير جدًا لا يحصى مما قالوه في الاحتياط ورجحوه (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره).\nمثله كذلك قال في روضة الطالبين من \"كتاب النكاح\" - شافعي -الفصل الثالث في أحكام النظر: (الضرب الأول نظر الرجل إلى المرأة فيحرم نظره إلى عورتها مطلقا وإلى وجهها وكفيها إن خاف فتنة وإن لم يخف فوجهان قال أكثر الأصحاب لا سيما المتقدمون لا يحرم لقول الله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ وهو مفسر بالوجه والكفين لكن يكره قاله الشيخ أبو حامد وغيره والثاني يحرم قاله الإصطخري وأبو علي الطبري واختاره الشيخ أبو محمد والإمام وبه قطع صاحب المهذب والروياني ووجهه الإمام باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات وبأن النظر مظنة الفتنة وهو محرك للشهوة فاللائق بمحاسن الشرع سد الباب فيه والإعراض عن تفاصيل الأحوال كالخلوة بالأجنبية) انتهى.","vol":"1","page":212},{"text":"فقولهم (فاللائق بمحاسن الشرع سد الباب ..) هو لمن رجح الوجه الثاني ومنع من النظر ولو عند الأمن من الفتنة والشهوة.\n٢٤ - قال الشرنبلالي - الحنفي- في (متن نور الإيضاح):\n(وجميع بدن الحرة عورة إلا وجهها وكفيها باطنهما وظاهرهما في الأصح وهو المختار). وقد كتب العلامة الطحطاوي عند هذه العبارة:\n(ومَنْعُ الشابة من كشفه - أي الوجه - لخوف الفتنة، لا لأنه عورة) (١) انتهى. وهذا ظاهر في أن العلة من منع كشفه عندهم خوف الفتنة وفي\nالشابة لم يرخصوا لها ولو لحاجة للفرق بينها وبين غيرها فالفتنة بها أكثر، وهذا قاله عدد من الأئمة كما سيمر معنا.\n٢٥ - ومثله ما جاء في الدرر المباحة للنحلاوي - الأحناف -\nالباب الثالث: في النظر والمس. (المسألة الأولى: نظر الرجل إلى المرأة).﴾ (القسم الأول) فينظر الرجل من الأجنبية الحرّة - ولو كافرةً - إلى وجهها وكفيها، فقط للضرورة، قيل: والقدم، والذراع، والمرفقِ إذا أجرت نفسها للخَبْزِ ونحوه من الطبخ، وغسل الثياب، لأنه يبدو منها عادة، وتمنع الشابة من كشف وجهها، لا لأنه عورة، بل لخوف الفتنة، وعبدُها كالأجنبي معها، إلا أنه يدخل عليها بلا إذنها إجماعًا. ولا يسافر بها إجماعًا. فإن خاف الشهوة، امتنع نظره إلى وجهها، إلا لحاجة كقاضٍ وشاهدٍ يحكم ويشهد عليها وكذا مريدُ نكاحها ولو عن شهوةٍ بنية السُّنة لا قضاء الشهوة ﴿انتهى كلامه.\n_________\n(١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح متن نور الإيضاح (صـ ١٦١).","vol":"1","page":213},{"text":"وقوله: (وتمنع الشابة من كشف وجهها لا لأنه عورة، بل لخوف الفتنة) وهذا كما بيناه علة الأحناف والمالكية وبعض الشافعية وبعض الحنابلة القائلين بتحريم كشف المرأة لوجهها بعلة الفتنة والشهوة لا علة العورة وأما الشابة فلان الفتنة بها أكثر وقد كره أحمد كشفها ولو لحاجة وهكذا مالك كما سيمر معنا. وقوله: (فإن خاف الفتنة) وانظر لصيغة المفرد والسياق العام فهي كما رأيت يعنون بها ناظر مخصوص لا أن تخرج فتعلم من ينظر لها نظر شهوة ومن ينظر لها نظرا عاديا والأمثلة على ذلك لاتحصى.\nوهؤلاء أئمة الأحناف لماذا لم يستشهد أحدهم بأدلة السفور اليوم بدلا من أن يذكروا الحاجة والضرورة كعند القاضي والشاهد فلا نجد دليلا مما استشهد به مبيحو السفور اليوم، ولا تجد له ذكرا أصلا.\n٢٦ - وقال شمس الأئمة السرخسي الحنفي\n(حرمة النَّظر لخوف الفتنة، وخوف الفتنة في النَّظر إلى وجهها وعامة محاسنها في وجهها أكثر منه إلى سائر الأعضاء) (١) انتهى.\nوهذا ما يبين لك علة التحريم عند من لم يقل بالعورة.\n\n٢٧ - وجاء في فتح العناية لملا علي القاري - الأحناف -\n(قال:) والحرُّةُ) أي وعورة الحرةِ (بَدَنُهَا) أي جميع أعضائها لقوله عليه - ﷺ -: «المرأة عورةٌ». رواه الترمذيّ وصحّحه، وفي رواية\n_________\n(١) المبسوط (١٠/ ١٥٢).","vol":"1","page":214},{"text":"النَّسائي. (الحُرَّة) (إلا الوَجْهَ والكفَّ والقَدَمَ) لقوله تعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ مِنْها﴾ أي إلا ما جَرَتْ به العادة على ظهورها للأجانب من الوجه والكف والقدم، إذ من ضرورة إبداء الزينة إبداء مواضعها، والكحلُ زينةُ الوجه والخاتم زينة الكف ولأن المرأة لا تجد بُدًّا من مزاولة الأشياء بيديها. ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصًا: الشهادةُ والمحاكمة. ويقول (وَ) ينظر (الرَّجل مِنَ الأجنبية و) من) السَّيِّدَةِ إلى الوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ) لأنها محتاجة إلى إبداء ذلك لحاجتهما إلى الإشهاد وإلى الأخذ والإعطاء، ومواضع الضرورة مستثناة من قواعد الشرع) انتهى.\n٢٨ - وقال الإمام الكاساني -الحنفي- (ت: ٥٨٧) رحمه الله تعالى في بدائع الصنائع (١) من كتب الأحناف:\n(حكم الأجنبيات الحرائر)\n(وأما النوع السادس: وهو الأجنبيات الحرائر فلا يحل النظر للأجنبي من الأجنبية الحرة إلى سائر بدنها إلا الوجه والكفين لقوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ إلا أن النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة وهي الوجه والكفان رخص بقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ والمراد من الزينة الظاهرة الوجه والكفان فالكحل زينة الوجه والخاتم زينة الكف ولأنها تحتاج إلى البيع والشراء والأخذ والعطاء\n_________\n(١) بدائع الصنائع (٤/ ٢٩٣).","vol":"1","page":215},{"text":"ولا يمكنها ذلك عادة إلا بكشف الوجه والكفين فيحل لها الكشف وهذا قول أبي حنيفة (١) ﵁ وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه يحل النظر إلى القدمين أيضا.\nوجه هذه الرواية: ما روي عن سيدتنا عائشة ﵂ في قوله ﵎: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ القلب والفتخة وهي خاتم إصبع الرجل فدل على جواز النظر إلى القدمين ولأن الله تعالى نهى عن إبداء الزينة واستثنى ما ظهر منها والقدمان ظاهرتان ألا ترى أنهما يظهران عند المشي فكانا من جملة المستثنى من الحظر فيباح إبداؤهما.\nوجه ظاهر الرواية: ما روي عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال في قوله عز شأنه: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ أنه الكحل والخاتم وروي عنه في رواية أخرى أنه قال: الكف والوجه فيبقى ما وراء المستثنى على ظاهر النهي ولأن إباحة النظر إلى وجه الأجنبية وكفيها للحاجة إلى كشفها في الأخذ والعطاء ولا حاجة إلى كشف القدمين فلا يباح النظر إليهما (٢) ثم إنما يحل النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة منها من غير شهوة فأما عن شهوة فلا يحل لقوله - ﷺ -: «العينان تزنيان» وليس زنا العينين إلا النظر عن شهوة ولأن النظر عن شهوة سبب الوقوع\n_________\n(١) وبهذا تعلم أن مذهب أبي حنيفة النعمان تحريم كشف المرأة لوجهها بدون سبب مبيح من مثل ما ذكره أهل المذهب أنفسهم.\n(٢) وبهذا تعلم أنهم لم يعدوا الوجه والكفين عورة للضرورة لكشفهما كما في بعض الحالات، لا لأنه يباح كشفهما على كل حال بلا ضرورة. فما رأوه أنه ضرورة قالوا ليس بعورة والعكس بالعكس ولهذا اختلفوا في القدمين، وهذا ضابطهم فتنبه بارك الله فيك.","vol":"1","page":216},{"text":"في الحرام فيكون حراما إلا في حالة الضرورة بأن دُعي إلى شهادة أو كان حاكما فأراد أن ينظر إليها ليجيز إقرارها عليها فلا بأس أن ينظر إلى وجهها، وإن كان لو نظر إليها لاشتهى أو كان أكبر رأيه ذلك لأن الحرمات قد يسقط اعتبارها لمكان الضرورة ألا ترى أنه خص النظر إلى عين الفرج لمن قصد إقامة حسبة الشهادة على الزنا؟ ومعلوم أن النظر إلى الفرج في الحرمة فوق النظر إلى الوجه ومع ذلك سقطت حرمته لمكان الضرورة فهذا أولى. وكذا إذا أراد أن يتزوج امرأة فلا بأس أن ينظر إلى وجهها وإن كان عن شهوة لأن النكاح بعد تقديم النظر أدل على الألفة والموافقة الداعية إلى تحصيل المقاصد على ما قال النبي - ﷺ - للمغيرة بن شعبة ﵁ حين أراد أن يتزوج امرأة «اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يدوم بينكما» دعاه ﵊ إلى النظر مطلقا وعلل ﵊ بكونه وسيلة إلى الألفة والموافقة) انتهى من بدائع الصنائع.\nأرأيت كيف أن الإمام الحنفي ﵀ استدل بجواز النظر للفرج ليجوز النظر للوجه، ولو أرادوا سفور الوجه هل سيقارنه بنظر الفرج؟ ولهذا قال: (ومعلوم أن النظر إلى الفرج في الحرمة فوق النظر إلى الوجه ومع ذلك سقطت حرمته لمكان الضرورة فهذا أولى) وأين هم من أدلة أهل السفور اليوم؟ لتعلم أخي الكريم شدة أمر كشف النساء في زمنهم فكيف يتهمونهم بنسبة عكس ما يسطرونه بأيديهم؟ وبهذا يظهر لك مذهب الإمام المبجل أبي حنيفة النعمان ﵀. وفي صريح عباراتهم ما يغني عن التعليق.","vol":"1","page":217},{"text":"٢٩ - وقال في البحر الرائق شرح كنز الدقائق - الحنفي -\nلابن نجيم المصري (ت: ٩٧٠ هـ) تكملة البحر الرائق للطوري، كتاب الكراهية - فصل في النظر واللمس -\n(والقسم الأول منها على أربعة أقسام:\nنظر الرجل إلى الأجنبية، ونظره إلى زوجته، وأمته، ونظره إلى ذوات محارمه، ونظره إلى أمة الغير، والدليل على جواز النظر ما روي: «أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله - ﷺ - وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله - ﷺ - وقال يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه» قال ﵀: (لا ينظر إلى غير وجه الحرة وكفيها) قال الشارح (١) وهذا الكلام فيه خلل، لأنه يؤدي إلى أنه لا ينظر إلى شيء من الأشياء إلا إلى وجه الحرة وكفيها فيكون تحريضًا إلى النظر إلى هذين العضوين وإلى ترك النظر إلى كل شيء سواهما. ا. هـ.\nولا يخفى على متأمل عدم هذا الخلل، لأن حرف (إلى) بدل عن (من) الابتدائية التي إلى غايتها فهو في قوة المنطوق فالتقدير لا يجوز له النظر من المرأة إلى غير الوجه وكفيها، فقد أفاد منع النظر منها غير الوجه وكفيها لا التحريض فتدبره واستدل الشارح على جواز النظر إلى ما ذكر بقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ قال علي وابن\n_________\n(١) الشارح هو الإمام الزيلعي (ت: ٧٤٣ هـ) (شرح متن شيخه النسفي صاحب نصب الراية) وشرحه يسمى \"تبيين الحقائق\" يقول شارحا الفقرة السابقة من متن الإمام النسفي (ت: ٧٠١ أو ٧١٠) والمسمى \"كنز الدقائق\" من أشهر متون المذهب.","vol":"1","page":218},{"text":"عباس ما ظهر منها الكحل والخاتم لا الوجه كله والكف فلا يفيد المدعي فتأمل والأصل في هذا أن المرأة عورة مستورة، لقوله - ﷺ - «المرأة عورة مستورة» إلا ما استثناه الشرع وهما عضوان، ولأن المرأة لا بد لها من الخروج للمعاملة مع الأجانب فلا بد لها من إبداء الوجه لتُعرف فتطالب بالثمن ويرد عليها بالعيب ولا بد من إبداء الكف للأخذ والعطاء وهذا يفيد أن القدم لا يجوز النظر إليه وعن الإمام أنه يجوز ولا ضرورة في إبداء القدم فهو عورة في حق النظر وليس بعورة في حق الصلاة كذا في المحيط) (١) انتهى كلامه.\nقوله (فيكون تحريضًا إلى النظر إلى هذين العضوين وإلى ترك النظر إلى كل شيء سواهما) أرأيت كيف غضب الشارح لأنه فهم من كلام صاحب المتن وهو من نفس مذهبه أن في قوله ذلك تحريض ودعوة للتساهل في كشف المرأة لوجهها وكفيها؟ ولو كانت الحاجة مقتصرة كما يقول على كشف بعض الوجه أو كحل العينين من خلف النقاب، أو لكشف الكفين فقط، أو لكشف خاتمها، فلا داعي لفهم حديث أسماء بالضرورة لكشف الوجه عندهم، لأن المقصد منه عندهم في ذلك الوقت أنه لتحديد الرخصة فتقدر الحاجة بقدرها، كما قال بعدها مستشهد بأقوال السلف (ما ظهر منها الكحل والخاتم لا الوجه كله والكف ... والأصل في هذا أن «المرأة عورة مستورة»).\n_________\n(١) البحر الرائق شرح كنز الدقائق \"تكملة البحر الرائق للطوري\" (٨/ ٢١٨).","vol":"1","page":219},{"text":"ولهذا لم يعجبه أن يطلق القول بحل النظر عند الحاجة للوجه والكفين مباشرة على ظاهر حديث أسماء، لأنهم فهموا منه عند الرخص والرخصة تقدر بقدرها، ورأى أن في ذلك تحريض وتوسع في كشف العورات بلا داعٍ ولا حاجة؛ فقد لا تحتاج لكشف الوجه كله ولا الكفين فيمكن أن يعرفها ببعض ذلك وقد صرحوا في أبواب الشهادة على أنه لو عرفها وهي منقبة أو ببعض وجهها جاز أن يشهد كما سيأتي قول كثير منهم، واعتبر ذلك تحريضا فكيف لو سمع بمقالة القوم اليوم وما فهموه من حديث أسماء وغيره، بدون وجود الضرورة للرخصة ماذا سيقولون فيهم؟ .\nوسبق لنا عند تفسير أقوال الصحابة بيان الحالات التي قصدها كل صحابي من أقوالهم المختلفة وأنها تعني شيئا واحدا وهو أن الآية رخصة، فذكر كل واحد منهم مقدارًا من الزينة الجائز إظهارها في بعض أحوال الضرورة وهذا ما فهمه منهم الشارح وغيره من أهل العلم رحمهم الله تعالى، ولهذا فيحسن بنا نقل الأصل والمتن لما فيه من مزيد فوائد.\n٣٠ - فقال في تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي الحنفي: (فصل في النظر والمس) قال ﵀: (لا ينظر إلى غير وجه الحرة وكفيها) وهذا كلام فيه خلل لأنه يؤدي إلى أنه لا ينظر إلى شيء من الأشياء إلا إلى وجه الحرة، وكفيها فيكون تحريضا على النظر إلى هذين العضوين، وإلى ترك النظر إلى كل شيء سواهما، وليس هذا","vol":"1","page":220},{"text":"بمقصود في هذه المسألة، وإنما المقصود فيها أنه يجوز له النظر إلى هذين العضوين لا أنه لا يكفهما، وإنما جاز النظر إليهما لقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ قال علي وابن عباس ﵃ ما ظهر منها الكحل والخاتم والمراد به موضعهما، وهو الوجه والكف كما أن المراد بالصلاة في قوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ مواضعها؛ ولأن في إبدائهما ضرورة لحاجتها إلى المعاملة مع الرجال والإعطاء وغير ذلك من المخالطة فيها ضرورة كالمشي في الطريق ونحو ذلك والأصل أن لا يجوز النظر إلى المرأة لما فيه من خوف الفتنة ولهذا قال ﵇ «المرأة عورة مستورة» إلا ما استثناه الشرع) انتهى.\n\n٣١ - ومثله قال العلامة ابن الهمام الحنفي (ت: ٨٦١ هـ) في شرح سماه \"فتح القدير\" وهو مشهور: على شرح الهداية للإمام المرغيناني (ت: ٥٩٣ هـ) صاحب أهم متون المذهب الشهير بـ\"الهداية\" وهو شرح لكتابه \"بداية المبتدي\" يقول في هذا المتن: (ولا يجوز أن ينظر الرجل إلى الأجنبية إلا وجهها وكفيها فإن كان لا يأمن الشهوة لا ينظر إلى وجهها إلا لحاجة (.","vol":"1","page":221},{"text":"٣٢ - ولهذا فقال العلامة ابن الهمام (ت: ٨٦١ هـ) في شرحه للهداية أسماه \"فتح القدير\":\nمسائل النظر أربعة أقسام:\nنظر الرجل إلى المرأة، ونظر المرأة إلى الرجل، ونظر الرجل إلى الرجل، ونظر المرأة إلى المرأة:\nوالقسم الأول منها على أربعة أقسام أيضا: نظر الرجل إلى الأجنبية الحرة، ونظره إلى من يحل له من الزوجة والأمة، ونظره إلى ذوات محارمه، ونظره إلى أمة الغير: (قوله قال علي وابن عباس ﵄: ما ظهر منها الكحل والخاتم، والمراد موضعهما وهو الوجه والكف) أقول: الظاهر أن المقصود من نقل قول علي وابن عباس هاهنا إنما هو الاستدلال على جواز أن ينظر الرجل إلى وجه الأجنبية وكفيها بقولهما في تفسير قوله تعالى ﴿إلا ما ظهر منها﴾ فإن في تفسيره أقوالا من الصحابة لا يدل على المدعى هاهنا شيء منها سوى قولهما، لكن دلالة قولهما على ذلك غير واضح أيضا، إذ الظاهر أن موضع الكحل هو العين لا الوجه كله، وكذا موضع الخاتم هو الإصبع لا الكف كله، والمدعى جواز النظر إلى وجه الأجنبية كله وإلى كفيها بالكلية، فالأولى في الاستدلال على ذلك هو المصير إلى ما جاء من الأخبار في الرخصة في النظر إلى وجهها وكفيها) انتهى.","vol":"1","page":222},{"text":"٣٣ - ومثله ما قاله ابن حجر الهيثمي - الشافعي - في التحفة:\n(ويحرم نظر فحل وخصي ومجبوب وخنثى إذ هو مع النساء كرجل وعكسه فيحرم نظره لهما ونظرهما له احتياطا ... (بالغ) ... عاقل مختار إلى عورة حرة ... (كبيرة) ولو شوهاء بأن بلغت حدًا تشتهى فيه لذوي الطباع السليمة لو سلمت من مشوه بها كما يأتي (أجنبية) وهي ما عدا وجهها وكفيها بلا خلاف لقوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أبصارهم﴾ [النور: ٣٠]، ولأنه إذا حرم نظر المرأة إلى عورة مثلها كما في الحديث الصحيح فأولى الرجل، (وكذا وجهها) أو بعضه ولو بعض عينها، أو من وراء نحو ثوب يحكي ما وراءه) وكفها) أو بعضه أيضا وهو من رأس الأصابع إلى الكوع (عند خوف الفتنة) إجماعًا من داعية نحو مس لها، أو خلوة بها وكذا عند النظر بشهوة بأن يلتذ به، وإن أمن الفتنة قطعًا (وكذا عند الأمن من الفتنة) فيما يظنه من نفسه وبلا شهوة (على الصحيح) ﴿انتهى كلامه.\nوانظر قوله: (كذا وجهها أو بعضه ولو بعض عينها وكفها أو بعضه) لتفهم أنهم يتكلمون في حالة الرخصة عند نظر الأجنبي للحاجة كما فسرها صحابة رسول الله - ﷺ -، لا في تقرير مسألة تشريع الحجاب وما يجوز في أحوال المرأة العادية، فهذا مستحيل مع قولهم.\n٣٤ - قال في البحر الرائق شرح كنز الدقائق - للأحناف -\nقال العلامة ابن نجيم - في أحكام المحرمة -: (وفي فتاوى قاضي خان: ودلَّت المسألة على أنها لا تكشف وجهها للأجانب من غير","vol":"1","page":223},{"text":"ضرورة. ا. هـ. وهو يدل على أن هذا الإرخاء عند الإمكان ووجود الأجانب واجبٌ عليها) (١) انتهى.\nفقوله (لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة) مما يبين لك أن الأئمة متفقون على وجوب ستر المرأة وجهها ولو كانت محرمة، فكيف في غيره، وأن اختلافهم فقط في علة تحريم كشفه بدون سبب مبيح فمن قائل لأنه عورة، ومن قائل لخشية الفتنة والشهوة.\n٣٥ - قال العلامة المرغيناني في فتح القدير - الحنفي -\nعند كلامه عن إحرام المرأة في الحج: (وتكشف وجهها لقوله ﵇: إحرام المرأة في وجهها) قال العلامة المحقق الكمال بن الهمام تعليقًا على هذه العبارة: (ولا شك في ثبوته موقوفًا. وحديث عائشة ﵂ أخرجه أبو داود وابن ماجه، قالت: \"كان الركبان يمرون ونحن مع رسول الله - ﷺ - محرمات، فإذا حاذونا سَدَلَت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه\". قالوا: والمستحب أن تسدل على وجهها شيئًا وتجافيه، وقد جعلوا لذلك أعوادًا كالقُبة توضع على الوجه يسدل فوقها الثوب. ودلت المسألة على أن المرأة منهية عن إبداء وجهها للأجانب بلا ضرورة وكذا دلَّ الحديث عليه) (٢) ا. هـ.\n_________\n(١) البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٢/ ٣٨١).\n(٢) فتح القدير للعلامة المرغيناني (٢/ ٤٠٥).","vol":"1","page":224},{"text":"٣٦ - وقال العلامة الحصكفي (الدر المختار ورد المحتار) -الحنفي-:\nعند كلامه عن إحرام المرأة في الحج: (والمرأة كالرجل، لكنها تكشف وجهها لا رأسها، ولو سَدَلَت شيئًا عليه وَجَافَتهُ جاز (١)، بل يندب. قال خاتمة المحققين، العلامة ابن عابدين في حاشيته على (الدر المختار): عند قوله: (بل يُندب) قال: أي خوفًا من رؤية الأجانب، وعبَّر في الفتح بالاستحباب؛ لكنْ صرَّحَ في «النهاية» بالوجوب. وفي «المحيط»: \"ودلَّت المسألة على أن المرأة منهية عن إظهار وجهها للأجانب بلا ضرورة، لأنها منهية عن تغطيته لحقِّ النُّسك لولا ذلك، وإلا لم يكن لهذا الإرخاء فائدة\" ا. هـ.\nونحوه في الخانية. ووفق في البحر بما حاصله: أن مَحْمَلَ الاستحباب عند عدم الأجانب، وأما عند وجودهم فالإرخاء واجب عليها عند الإمكان، وعند عدمه يجب على الأجانب غض البصر) (٢) انتهى.\nواختلافهم ليس في وجوب ستر وجهها عن الرجال كما هو ظاهر وإنما فيما هو الحكم والأفضل فيما لو خرجت في طريقها وهي محرمة ولا رجال، هل تستره أم لها أن تكشفه؟ وسنأتي لمزيد بيان في ذلك عند ردنا على الشبهة المثارة عن الإمام القاضي عياض.\n_________\n(١) والجواز بالسدل والمجافاة في حالة لم يكن هناك رجال وهذا خوفًا من رؤيتهم لها كما قاله ابن عابدين، لان من الفقهاء من قال لا يصح أن أحرام المرأة في وجهها، وإنما نهيت عن النقاب ونحوه فقط ولم تؤمر بكشف وجهها، وأما عند وجودهم فهم يوجبون ستره كما ترى.\n(٢) الدر المختار ورد المحتار (٢/ ١٨٩).","vol":"1","page":225},{"text":"٣٧ - وفي شرح الطحاوي- الحنفي - أيضا وعند كلامه عن المحرمة في الحج قال: (الأولى كشف وجهها ولكن في (النهاية) أن السدل أوجب ودلت المسألة على أن المرأة لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة) انتهى.\nوأما قوله (الأولى كشف وجهها) فهذا صحيح وهو باتفاق المذاهب عند عدم وجود الرجال، كما قالت عائشة ﵂: (إذا حاذانا الرجال سدلت إحدانا جلبابها على وجهها) وسيأتي ولكن السدل أوجب وهذا صحيح أيضا موافق لفعل السلف والصحابيات والتابعيات، ودال على فرض ستر الوجه، ولهذا لن تجد في كلامهم أنها تكشف أبدا.\n٣٨ - قال الشيخ أحمد عزالدين البيانوني- الحنفي - (ت: ١٣٩٥ هـ)\n(قول الأئمة «عند خوف الفتنة» إنما يعلم في ناظر خاص وأما النظر إلى جماهير الناس الذين تبرز المرأة أمامهم فلا يتصور عدم خوف الفتنة منهم جميعا فيتحتم المنع من السفور أمامهم على هذا التعليل وبهذا يظهر مذهب أبي حنيفة وأصحابه في المسألة) (١).\n\n٣٩ - قال في المعتصر من المختصر لمشكل الآثار للطحاوي (من أشهر كتب الأحناف):\n(فقال مُر أختك فلتركب ولتختمر ولتصم ثلاثة أيام وكان كشفها وجهها حراما فأمره رسول الله - ﷺ - بالكفارة لمنع الشريعة إياها منه، وهو\n_________\n(١) الفتن (صـ ٢١٠).","vol":"1","page":226},{"text":"على ما زاده بعض الرواة من قوله ويكفر يمينه فيمن نذر أن يعصي الله وعليها مع ذلك الهدى لركوبها فيما نذرت من المشي) انتهى كلامه.\nوقوله (وكان كشفها وجهها حراما) وقد سبق أن قرر الإمام الطحاوي وهو من قدامى الأحناف أن الوجه والكفين ليسا عندهم بعورة، ومع ذلك لم يمنعهم هذا التقعيد أن يقرروا هناك وهنا تحريم الكشف.\n٤٠ - وقال في الشرح الصغير للشيخ الدردير - المالكي -\n(عورة الحرة مع رجل أجنبي منها، أي ليس بِمَحْرَمٍ لَهَا جميع البدن غير الوجه والكفين وأما هما فليسا بعورة وإن وجب سترهما لخوف فتنة) (١) انتهى.\n٤١ - قال في مواهب الجليل شرح مختصر الشيخ خليل - المالكي -\nكتاب النكاح (فصل نُدب لمحتاج ذي أهبَّة نكاحَ بكر)\n(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يَجُوزُ النَّظَرُ لِلشَّابَّةِ الأجنبية الْحُرَّةِ فِي ثَلاثَةِ مَوَاضِعَ: لِلشَّاهِدِ وَلِلطَّبِيبِ وَنَحْوِهِ، وَلِلْخَاطِبِ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ عَدَمُ جَوَازِهِ لِلْخَاطِبِ، وَلا يَجُوزُ لِتَعَلُّمِ عِلْمٍ وَلا غَيْرِهِ. انتهى. زَادَ الأقْفَهْسِيُّ فِي المواضع التي يَجُوزُ النَّظَرُ فِيهَا الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ (٢). ا. هـ.\nوَمُقْتَضَى كلام الْقَبَّابِ فِي مُخْتَصَرِ أحكام النَّظَرِ لِابن الْقَطَّان أنهُ لا يَجُوزُ النَّظَرُ إليهنَّ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فإنه قَالَ: مسألة: لَيْسَ مِنْ الضرورات احتياجها إلى أن تَبِيعَ وَتَبْتَاعَ، أو تَتَصَنَّعَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ\n_________\n(١) الشرح الصغير (١/ ٢٨٩).\n(٢) أي وفي هذه المواضع أيضا قيل يجوز النظر إليهن زيادة عن الثلاثة التي سبقت وهذا يبين قوة الخلاف في المذهب وشدة مالك في الأخذ بالرخص.","vol":"1","page":227},{"text":"مَالِكٍ: أَرَى أن يُتَقَدَّمَ إلى الصُّنَّاعِ فِي قُعُودِ النِّسَاءِ إليهمْ وَلا تُتْرَكُ الشَّابَّةُ تَجْلِسُ إلى الصُّنَّاعِ، وَأما المتجالة وَالخادم الدُّونُ وَمَنْ لا يُتَّهَمُ عَلَى الْقُعُودِ عِنْدَهُ وَمَنْ لا يُتَّهَمُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَهُوَ كُلُّهُ صَوَابٌ فإن أكثر هَذِهِ لَيْسَتْ بِضَرُورَةٍ تُبِيحُ التَّكَشُّفَ فَقَدْ تَصْنَعُ وَتَسْتَصْنِعُ وَتَبِيعُ وَتَشْتَرِي وَهِيَ مُسْتَتِرَةٌ وَلا يُمْنَعْنَ مِنْ الخروج وَالمشي فِي حَوَائِجِهِنَّ وَلَوْ كُنَّ مُعْتَدَّاتٍ وَإلى المسجِدِ وإنما يُمْنَعْنَ مِنْ التَّبَرُّجِ وَالتَّكَشُّفِ وَالتَّطَيُّبِ لِلْخُرُوجِ وَالتَّزَيُّنِ بَلْ يَخْرُجْنَ وَهُنَّ مُنْتَقِبَاتٌ، وَلا يَخْفِقْنَ فِي المشي فِي الطُّرُقَاتِ، بَلْ يُلْصَقْنَ بِالْجُدْرَان انتهى مِنْ مُخْتَصَرِ أحكام النَّظَرِ. (تَنْبِيهٌ) مَنْ أبيحَ لَهُ النَّظَرُ (١) فَلا يَجُوزُ لَهُ قَصْدُ اللَّذَّةِ وَكَذَلِكَ النَّظَرُ إلى الأمردِ لا يَجُوزُ فِيهِ قَصْدُ اللَّذَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) انتهى كلامه.\nفأين غير (ثَلاثَةِ مَوَاضِعَ: لِلشَّاهِدِ وَلِلطَّبِيبِ وَنَحْوِهِ وَلِلْخَاطِبِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ عَدَمُ جَوَازِهِ لِلْخَاطِبِ) فكيف يقال أن مالك يجوز كشف المرأة لوجهها وهو لم يجوزه للخاطب لإمكان أن توصف له المرأة.\nثم أرأيت كيف الحرص من إمام المذهب مالك ﵀ وأتباعه فلم يبيحوا لها ما أباحه غيرهم من الكشف للبيع أو الشراء ونحوه (فإن أكثر هَذِهِ لَيْسَتْ بِضَرُورَةٍ تُبِيحُ التَّكَشُّفَ) وكيف أيده أئمة المذهب (بَلْ يَخْرُجْنَ وَهُنَّ مُنْتَقِبَاتٌ).\n_________\n(١) قوله: (مَنْ أبيحَ لَهُ النَّظَرُ) لتعلم أنهم يتكلمون في رخصة جواز النظر من ناظر مخصوص وليس كلامهم في تشريع لفرضة الحجاب لعموم الناس.","vol":"1","page":228},{"text":"٤٢ - قال الإمام أبو الليث السمرقندي (ت: ٣٧٥ هـ) -الحنفي- في تفسيره \"بحر العلوم:\n(والنظر إلى النساء على أربع مراتب: في وجه يجوز النظر إلى جميع أعضائها وهي النظر إلى زوجته وأمته وفي وجه يجوز النظر إلى الوجه والكفين وهو النظر إلى المرأة التي لا يكون محرما لها ويأمن كل واحد منهما على نفسه فلا بأس بالنظر عند الحاجة) انتهى كلامه.\n٤٣ - قال في جامع الأمهات لابن الحاجب - المالكي -\n(ولا يحل خلوة الرجل بامرأة إذا لم يكن زوجًا ولا محرمًا ويحرم عليه النظر إلى شيء من بدنها إلا الوجه والكفين من المتجالة (١)، وأما الشابة فلا ينظر إليها إلا لضرورة لتحمل شهادة أو علاج وإرادة نكاح ويجوز لذي المحرم أن يرى منها الوجه والكفين وكذلك لعبدها إلا أن يكون له منظر فيكره أن يرى ما عدا وجهها) (٢) انتهى.\nيقول أن المحرم وعبدها يجوز أن يرى الوجه والكفين، وهل هذا يحتاج لبيان، وهم يرون كشفه لعموم الناس؟ ! وهذا من حرصهم في منع توسعها في الكشف عند محارمها من أمثال إخوانها وأعمامها، وأبناء الإخوان والأخوات ونحوهم، فالأولى عندهم عدم إظهار غير الوجه والكفين فقط، فكيف بغيرهم من الأجانب الذين سبق وتكلم عليهم (وأما الشابة فلا ينظر إليها إلا لضرورة لتحمل شهادة أو علاج وإرادة نكاح)!\n_________\n(١) المتجالة: الكبيرة في السن وقال في غريب الحديث للخطابي (٢/ ١٢١) (قوله تجاللن: أي طعن في السن وكبرن يقال تجالت المرأة فهي متجالة وجلت فهي جليلة إذا كبرت وعجزت).\n(٢) جامع الأمهات (١/ ٥٦٨).","vol":"1","page":229},{"text":"٤٤ - وقال العلامة محمد بن أحمد المعروف بعليش في (منح الجليل شرح مختصر خليل) - المالكي -\nقال: (وهي أي العورة من حرة مع رجل أجنبي مسلم جميع جسدها غير الوجه والكفين ظهرًا وبطنًا، فالوجه والكفان ليسا عورة فيجوز لها كشفهما للأجنبي) انتهى.\nمما تفهم معه أن الأصل هو كونه مستورًا ولكن يجوز للأجنبي المخصوص ممن له حاجة وضرورة، لا يقصدون عموم الناس.\n٤٥ - وقال في الرسالة للإمام القيرواني -المالكي- (ت: ٣٨٦ هـ)\n(ولا يخلو رجل بامرأة ليست منه بمحرم ولا بأس أن يراها لعذر من شهادة عليها أو نحو ذلك أو إذا خطبها وأما المتجالة فله أن يرى وجهها على كل حال) انتهى.\n٤٦ - ومن شروحها: شرح الإمام المنوفي (ت: ٩٣٩ هـ) في كفاية الطالب الرباني - للمالكية -:\n«و) كذلك (لا) حرج (في النظر إلى المتجالة) التي لا أرب فيها للرجال ولا يتلذذ بالنظر إليها (و) كذا (لا) حرج (في النظر إلى الشابة) وتأمل صفتها (لعذر من شهادة عليها) في نكاح أو بيع ونحوه ومثل الشاهد الطبيب والجرايحي وإليه أشار بقوله: (أو شبهه) أي شبه العذر من شهادة فيجوز لهما النظر إلى موضع العلة إذا كان في الوجه واليدين وقيل: يجوز وإن كان في العورة لكن يبقر الثوب قبالة العلة وينظر إليها (وقد أرخص في ذلك) أي في النظر إلى الشابة (للخاطب) لنفسه من غير استغفال للوجه والكفين فقط لما صح من أمره - ﷺ - بذلك","vol":"1","page":230},{"text":"وقيدنا بنفسه احترازا من الخاطب لغيره فإنه لا يجوز له النظر اتفاقًا). انتهى كلامه. ومن صريح كلامهم ما يغني ويفي بالغرض.\n٤٧ - وقال الإمام القرافي (ت: ٦٨٢ هـ) في الذخيرة في الفقه المالكي (وقوله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ يقتضي العفو عن الوجه واليدين من الحرة لأنه الذي يظهر عند الحركات للضرورة) (١) انتهى.\n٤٨ - وقال الإمام الدردير المالكي (ت: ١٢٠١ هـ) في أقرب المسالك:\n(ومع رجل أجنبي غير الوجه والكفين) وشرح كلامه في الشرح الصغير (وعورة الحرة مع رجل أجنبي: منها أي ليس بمحرم لها جميع البدن (غير الوجه والكفين): وأما هما فليسا بعورة. وإن وجب عليها سترهما لخوف فتنة) انتهى.\nوهذا هو نفسه ما مر معنا من قول الأحناف والمالكية المتقدمين بل وما سيأتي عن بعض الشافعية وبعض الحنابلة وهو أن الوجه والكفين ليسا بعورة (وإن وجب عليها سترهما لخوف فتنة). وهكذا درجوا يعبرون بصيغة المفرد الواحد (مع رجل أجنبي) (ليس بمحرم لها) لبيان جواز نظر ذلك منها في مثل الأحوال التي ذكروها للخاطب والشاهد والمتعاقد ونحوهم مما يلزم معه معرفة شخصها للرجوع لها أو عليها.\n_________\n(١) الذخيرة في الفقه المالكي (٢/ ١٠٤).","vol":"1","page":231},{"text":"٤٩ - وقال في نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للنووي - شافعي -\n(فصل في تكفين الميت وحمله وتوابعهما):\nقال: (وممن استثنى الوجه والكفين المصنف في مجموعه لكنه فرضه في الحرة، ووجوب سترهما في الحياة ليس لكونهما عورة بل لكون النظر إليهما يوقع في الفتنة غالبًا) انتهى.\nيقصد (المصنف في مجموعه) الإمام النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀ في كتابه المجموع، وكان من أعظم الداعين والمصرحين بفريضة ستر المرأة لوجهها، حتى أوجبه على الإماء كابن حزم ومع ذلك أصابته جناية المتأخرين اليوم بسبب قراءتهم السريعة والسطحية والمبتورة فألصقوا به مذهب السفور، فيا سبحان الله لو غير النووي (١)! .\nوكيف يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل\nولكن عزاءنا وعزاءه أن يد الجناية بالتحريف والتبديل والتصحيف قد طالت - من غير قصد - قومًا غيره.\n٥٠ - وقال في حاشية الجمل على المنهج لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري (ت ٩٢٦ هـ) -شافعي-:\nعند كلامه عن الشهادة: (قوله منتقبة أي لابسة للنقاب وهو ما يغطي وجهها كالبرقع. انتهى. شيخنا وفي المصباح، ونقاب المرأة جمعه نقب مثل كتاب وكتب وانتقبت وتنقبت غطت وجهها بالنقاب وهو ما وصل إلى محجر عينها. انتهى. قوله فإن عرفها بعينها أي ولو بدون رفع\n_________\n(١) سترى نقولات عديدة وصريحة عن هذا الإمام في وجوب ستر النساء لوجوههن فتنبه! .","vol":"1","page":232},{"text":"النقاب كما يقع لكثير من الناس أنهم يعرفون المرأة بعينها في نقابها. انتهى. شيخنا ولو شهد عليها من وراء نقاب خفيف صح وكذا لو تحقق صوتها من وراء النقاب ولازمها حتى أدى على عينها ... وله استيعاب وجهها بالنظر للشهادة عند الجمهور لكن الصحيح عند الماوردي أنه ينظر لما يعرفها به فلو حصل ببعض وجهها لم يجاوزه، ولم يزد على مرة إلا إن احتاج للتكرار) (١) انتهى.\nفكيف لو علمت أن الماوردي من أئمة الشافعية الذين لا يعدون الوجه والكفين من العورة ومع ذلك لم يمنعهم من القول بوجوب ستره.\n٥١ - وانظر حيث قال في كتابه \"الحاوي الكبير\" للعلامة أبو الحسن الماوردي (ت ٤٥٠ هـ): (مسألة: قال الشافعي: وإذا أراد أن يتزوج المرأة موضع النظر فليس له أن ينظر إليها حاسرة، وينظر إلى وجهها وكفيها وهي متغطية بإذنها وبغير إذنها، قال الله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١] قال: الوجه والكفان.\nقال الماوردي: (قد مضى الكلام أن وجه المرأة وكفيها ليسا بعورة في كتاب الصلاة: لقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١]. قال الشافعي: الوجه والكفان، وهو قول الحسن وسعيد بن جبير وعطاء، وقال ابن عباس والمسور بن مخرمة: هو الكحل والخاتم عبارة عن الوجه بالكحل وعن اليدين بالخاتم، فإذا أراد الرجل أن يتزوج المرأة، جاز له أن ينظر إلى وجهها وكفيها لا غير.\n_________\n(١) حاشية الجمل على المنهج (١٠/ ٧٩٧).","vol":"1","page":233},{"text":"وقال أبو حنيفة: ينظر مع الوجه والكفين إلى ربع الساق.\nوقال المغربي: لا يجوز أن ينظر إلى شيء منها (١).\nفأما أبو حنيفة فإنه اعتبر القدمين بالكفين: لأنه أحد الطرفين، فلم يجعلها عورة والكلام معه في حد العورة قد مضى.\nوأما داود: فاستدل بما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: إذا أراد أحدكم خطبة امرأة فليولج بصره فيها فإنما هو مسر ... ودليلنا على داود قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر﴾ منها: يعني الوجه والكفين، ويدل عليها ما روي عن النبي - ﷺ -: أن أسماء دخلت على عائشة وعليها ثوب رقيق فقال لها النبي - ﷺ -: أما علمت أن المرأة إذا حاضت حرم كل شيء منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه.\nودليلنا على المغربي رواية جابر أن النبي - ﷺ - قال: إذا أراد أحدكم خطبة امرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها فإن في أعين الأنصار شيئا، أو قال: سوءًا ... ثم من مر الدليل على جواز أن ينظر المعقود عليه أبلغ في صحة العقد من فقده، فاقتصر على نظر الوجه والكفين: لخروجهما عن حكم العورة، وأن في الوجه ما يستدل به على الجمال وفي الكفين ما يستدل به على خصب البدن ونعمته فأغناه ذلك عن النظر إلى غيره) (٢) انتهى.\n_________\n(١) هذا يقولونه في الخاطب وفيه النصوص العديدة فكيف بغيره، ثم يقال أن فيهم من يقول بالسفور، والله هذا تزييف للحقيقة وطمس للعلم، وإحكام لغربة الإسلام.\n(٢) الحاوي الكبير للعلامة الماوردي (٩/ ٧٥). وأنظر كيف فهموا وأستدلوا بحديث أسماء في جواز نظر الخاطب ونحوه وليس لعموم الناس، كما سيأتي معنا مزيد بيان لفهم السلف له.","vol":"1","page":234},{"text":"ومع قوله (قد مضى الكلام أن وجه المرأة وكفيها ليسا بعورة في كتاب الصلاة) وفي الرخص قوله (فاقتصر على نظر الوجه والكفين: لخروجهما عن حكم العورة) ومع ذلك أوجب ستره كما رأيت قبله قول صاحب حاشية الجمل على المنهج: (وله استيعاب وجهها بالنظر للشهادة عند الجمهور لكن الصحيح عند الماوردي أنه ينظر لما يعرفها به فلو حصل ببعض وجهها لم يجاوزه ولم يزد على مرة إلا إن احتاج للتكرار) انتهى.\n٥٢ - الإمام أبو شجاع الأصفهاني - الشافعي- (ت: ٥٩٣ هـ) في متنه الشهير يقول: (ونظر الرجل إلى المرأة على سبعة أضرب:\nأحدها: نظره إلى أجنبية لغير حاجة فغير جائز ...) انتهى.\n٥٣ - وقال في المقدمة الحضرمية للعلامة بافضل الحضرمي (ت: ٩١٨ هـ): (والحُرَّةُ فِي صَلاَتِهَا وَعِنْدَ الأجانب جَميعُ بَدَنِهَا إلا الوَجْهَ والكَفَّيْنِ، وَعِنْدَ مَحَارِمِهَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ).\nومن شروحها (الحواشي المدنية) للشيخ محمد بن سليمان الكردي.\nقال: (هذا لا ينافي قول من قال أن عورتها عند الأجانب جميع بدنها لأن حرمة نظر الأجانب إلى الوجه والكفين إنما هي من حيث أن نظرهما مظنة للشهوة لا من حيث كونهما عورة (١).\n_________\n(١) الحواشي المدنية للشيخ محمد بن سليمان الكردي (١/ ٢٧٦).","vol":"1","page":235},{"text":"ولاحظ كيف فهم كلام المصنف أنه ليس عورة وأنه لا يعني عندهم عدم ستره وانظر للفظة (حرمة) عند قوله (حرمة نظر الأجانب ... من حيث أن نظرهما مظنة للشهوة لا من حيث كونهما عورة).\n٥٤ - وقال الشيخ محمد علاء الدين الإمام في (الدر المنتقى في شرح الملتقى المطبوع بهامش مجمع الأنهر):\n(وجميع بدن الحرة عورة إلا وجهها وكفيها، وقدميها في رواية، وكذا صوتها، وليس بعورة على الأشبه، وإنما يؤدي إلى الفتنة، ولذا تمنع من كشف وجهها بين الرجال للفتنة) (١) انتهى.\n٥٥ - وقال الشيخ الحصكفي في: (الدر المختار بهامش حاشية ابن عابدين» يعزر المولى عبده، والزوج زوجته على تركها الزينة الشرعية مع قدرتها عليها، وتركها غسل الجنابة أو على الخروج من المنزل لو بغير حق أو كَشفت وجهها لغير محرم) (٢) انتهى.\nفكيف يقولون أن هؤلاء على مذهب السفور ألمجرد أنهم يقولون الوجه والكفين ليسا من العورة؟ وإن يكن، ولكن ما فطنوا أن هذا دليل على أن الأصل عندهم ستره وأنهم لم يقولوا ذلك إلا ليدللوا على جواز كشفهما عند الحاجة كما فهموه من الآية الكريمة وحديث الخاطب وبدليل أنه لم يمنعهم قولهم ليس بعورة من القول بصريح العبارة على وجوب ستره عن الرجال، ألم يلحظوا هذا الحرص الشديد منهم حتى\n_________\n(١) الدر المنتقى في شرح الملتقى (١/ ٨١ (المطبوع بهامش مجمع الأنهر.\n(٢) الدر المختار بهامش حاشية ابن عابدين (٣/ ١٨٨).","vol":"1","page":236},{"text":"أجازوا الشهادة من خلف النقاب أو ببعض وجهها، أين نذهب بهذه النصوص؟ فلو سألهم الله عن ذلك، ألن يقولوا يارب هذه ما كتبته أكفنا؟ أجاء فيها أن النقاب كان عندنا سنة أو مستحب؟ ثم يقال أن نساء رسول الله - ﷺ - وصحابته والتابعيات كن يخرجن سافرات الوجوه! والله لم يجرؤ أن يقلها منذ عهد الصحابة والتابعين ومن بعدهم وإلى قرون عديدة إلا المتأخرون اليوم من أهل السفور.\nومن الفوائد وأهمها والتي تعنينا هنا هي فهمهم للآية على أنها رخصة لأن تبدي المرأة وجهها وكفيها عند الضرورة وما مثلوا به كالشهادة والخاطب والعلاج ونحو ذلك، وتكلموا في القدر الذي يجواز مما يظهر غالبًا عند الحاجة، ولهذا اختلف الأحناف والمالكية وغيرهم في ظاهر الكف وباطنه، لدرجة أن أجاز بعضهم الباطن لأنه للأخذ والإعطاء ولم يجوزوا كشف الظاهر لعدم الحاجة لكشفه، فهل يقول دعاة السفور بمثل هذا التفصيل اليوم؟ وكذلك اختلفوا في القدمين هل يجوز كشفهما أم لا؟ وطولوا في مناقشة المسألة، وبيان الحجج لكلا الفريقين، أهذا لكونهم كانوا يقولون أن تغطية الوجه كان سنة ومستحب؟ فمن نسب لهم اليوم أنهم لا يعنون باختلافهم هذا ما يظهر عند الضرورة والرخصة، وإنما يعنون بيان ما يجوز كشفه في أحوالها العادية، هل هو باطن الكف أو ظاهره وهل هما القدمان أم لا؟ مع نسبته لهم أنهم يجوزون كشف الوجه والكفين بلا سبب مبيح، كان بذلك مسفها لهم كمن نسب لهم أنهم رأوا وأصابوا النملة وذهلوا فأخطأوا البعير، فكان معيبًا لعقولهم صارفًا الناس عن علومهم.","vol":"1","page":237},{"text":"ومع أن لدي من أقوالهم أكثر من ذلك إلا أني أرجئ نقلها حتى لا نخرج عن سياق نقل أئمة الفقه على كون الآية رخصة من الله لأن تظهر المرأة من زينتها ما تدعوا الحاجة والضرورة إليه.","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>(محاورة)\nحجة القائلين أن علة الأمر بستر الوجه والكفين لكونهما من العورة</span>\nوذهب فريق إلى أن المرأة كلها عورة، ومن أشهر القائلين بذلك من أئمة المذاهب الأربعة مذهب إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (١)، ورواية عن الإمام الشافعي عليهما رحمة الله، وبعض أتباع أئمة المذاهب وحجة هؤلاء ظاهرة.\n- فإذا سُئلوا ومن أين لكم أن المرأة كلها عورة؟ .\nقالوا: من قول من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى حيث قال فيما رواه عنه عبدالله بن مسعود ﵁: (المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها) أخرجه الترمذي وابن حبان بسند صحيح (٢).\nفكيف يصح لنا أن نقول بخلاف قول رسول الله - ﷺ -، فيقول: (المرأة عورة) ولم يستثنِ منها شيئًا ونأتي ونقول إلا وجهها وكفيها.\n_________\n(١) الإمام أحمد بن حنبل (ولد سنة ١٦٤ هـ وتوفي ٢٤١ هـ).\n(٢) وصححه الألباني في الإرواء (١/ ٣٠٣).","vol":"1","page":239},{"text":"- فإذا قيل وكيف جاز أن تكشف وجهها وكفيها في الصلاة وهما من العورة ولم تقولوا ببطلانها؟ .\nقالوا: لأننا نفرق بين عورتها في صلاتها وعورتها خارج الصلاة عند نظر الأجانب لها ولا يصح خلط الحالين والحكمين والقياس بينهما.\nفالرجل والمرأة يؤمران بستر أجزاء من جسمهما في الصلاة وهذا ما يسمي عورة الصلاة، في حين لا يلزمهما ذلك ولا يعد من العورة خارج الصلاة، فهل لو كانت المرأة خالية في بيتها وقامت تصلي أيجوز أن تصلي بدون ستر لشعرها وذراعها وساقها؟ فباتفاق الأئمة لا يجوز لها ذلك، وألزمناها بما ليس بلازم عليها عند خلو الرجال الأجانب، وذلك لعورة الصلاة فكيف يصح بعد ذلك أن نقيس عورتها خارج الصلاة بما ظهر منها حال صلاتها.\nوكذلك الرجل يجوز أن يظهر منه خاليا أو مع زوجته الفخذين والعاتقين، ولكن لو قام للصلاة وجب عليه سترهما، باتفاق في الفخذين وعند من يقول بستر المنكبين في الصلاة للحديث المروي في ذلك، وقولنا في اختلاف حكم عورتها في الصلاة عن عورتها خارجها عند نظر الأجانب، هو كذلك مختلف في حكم النهي عن لبسها للبرقع والقفازين حال الإحرام، ولا يمكن قياس هذا بذاك أو العكس فلكل شعيرة وفريضة أحكامها وشروطها وأركانها المتعلقة بها.\nوعلى هذا فلا يلزم عندنا أن يقال ببطلان صلاتها وهي مكشوفة الوجه لكوننا نقول هو عورة خارجها.","vol":"1","page":240},{"text":"فإذا منعت من النقاب والقفازين حال الإحرام لم يعنِ هذا جواز كشفهما عند مرور الأجانب، وعليها تغطيته بالسدل والإرخاء دون النقاب ونحوه، كما ثبت تغطيته من الصحابيات والتابعيات حال الإحرام حين حاذهن الرجال، وهذا بإجماع أهل العلم قاطبة.\nألم ترَ إلى الرجال حين مُنعوا من لبس المخيط في الإحرام أفيصح أن يقال بجواز خروجهم مكشوفين عراة؟ أم يفهم منه جواز لبس ما عدا المخيط كالرداء والإزار؟ فكذلك المنقبة ولابسة القفازين ففي الإحرام، لا يعنى النهي أن تتكشف بل تسدل وتُرخي على وجهها، وتدخل كفيها في كم جلبابها كما قال غيرنا من الفقهاء، فالممنوع هو لبس المفصل على هذين العضوين.\n- فإذا قيل لهم أن قولكم أن العلة والمقصد للشارع من ستر وجه المرأة وكفيها كونهما عورة، فكيف يجوز لها بالإجماع أن تكشف عورتها في مثل الأحوال الضرورية كالتي ذكرها الفقهاء؟ .\nقالوا: لا يمنع من كونهما من العورة ألا ينكشفان حال الضرورة، فمتى ما دعت لذلك حاجة أو ضرورة، جاز كشفهما ولا يغير ذلك من كونهما من عورتها وأبيح كشفهما، ألا ترى إلى جواز أكل الميتة عند الضرورة ولم يقل أحد أنه تغير حكمها للجواز والإباحة مطلقا.\n- فإذا قيل لهم أعطونا من نصوصكم ما يفيد ذلك.\nقالوا نعم:","vol":"1","page":241},{"text":"١ - قال البهوتي في (كشَّاف القناع عن متن الإقناع) - حنبلي - (والحرة البالغة كلها عورة في الصلاة حتى ظفرها وشعرها لقول النبي - ﷺ - «المرأة عورة» رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. وعن أم سلمة أنها سألت النبي - ﷺ -: «أتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ قال: إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها» رواه أبو داود، وصحح عبد الحق وغيره أنه موقوف على أم سلمة.\n(إلا وجهها (لا خلاف في المذهب أنه يجوز للمرأة الحرة كشف وجهها في الصلاة. ذكره في المغني وغيره. «قال جمع: وكفيها» واختاره المجد، وجزم به في العمدة والوجيز لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] قال ابن عباس وعائشة: وجهها وكفيها. رواه البيهقي وفيه ضعف، وخالفهما ابن مسعود. (وهما) أي: الكفان. (والوجه) من الحرة البالغة (عورة خارجها) أي الصلاة (باعتبار النظر كبقية بدنها) كما تقدم من قوله - ﷺ -: «المرأة عورة») انتهى كلامه.\nوهنا كما ترى وسبق أن قلناه يستشهدون بآية الرخصة: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ في أبواب الصلاة لتحديد عورة المرأة في صلاتها، والعكس هناك فعند تفسيرهم لآية الرخصة يستشهدون بما ظهر من المرأة حال الصلاة لتحديد القدر الذي تكشفه عند الحاجة لنظر من جاز نظره إليها وهذا كله لتحديد القدر الظاهر في الحالتين في ذلك.","vol":"1","page":242},{"text":"٢ - وقال في منتهى الإرادات - حنبلي - باب ستر العورة:\n(والحرة البالغة كلها عورة في الصلاة) حتى ظفرها نصا (إلا وجهها) لحديث «المرأة عورة» رواه الترمذي وقال حسن صحيح. وهو عام في جميعها ترك في الوجه للإجماع.\nفيبقى العموم فيما عداه وقول ابن عباس وعائشة في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قالا: (الوجه والكفين) خالفهما ابن مسعود فقال: (الثياب) ولأن الحاجة لا تدعو إلى كشف الكفين كما تدعو إلى كشف الوجه، وقياسا لهما على القدمين. وأما عورتها خارج الصلاة: فيأتي بيانها في أول كتاب النكاح) انتهى.\n٣ - وقال العلامة ابن مفلح الحنبلي - رحمه الله تعالى ـ: (قال أحمد: ولا تبدي زينتها إلا لمن في الآية) ونقل أبو طالب: (ظفرها عورة، فإذا خرجت فلا تبين شيئًا ولا خُفَّها، فإنه يصف القدم، وأحبُّ إلىَّ أن تجعل لكمّها زرًا عند يدها). اختار القاضي قول من قال: المراد بـ ﴿مَا ظَهَرَ﴾ من الزينة: الثياب، لقول ابن مسعود وغيره، لا قول من فسَّرها ببعض الحلي أو ببعضها، فإنها الخفية، قال: وقد نصَّ عليه أحمد فقال: الزينة الظاهرة: الثياب، وكل شيء منها عورة حتى الظفر) (١) انتهى.\n_________\n(١) الفروع (١/ ٦٠١).","vol":"1","page":243},{"text":"٤ - وقال في الفروع لابن مفلح أيضًا (كتاب النكاح مسألة النظر قبل الخطبة):\n(نظر رجل من حرة ما ليس بعورة صلاة، والمذهب: لا، نقل أبو طالب: ظفر المرأة عورة، فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ولا خفها، فإن الخف يصف القدم، وأحب إلىَّ أن تجعل لكمها زرا عند يدها لا يبين منها شيء ويجوز غير عورة صلاة من أمة ومن لا تشتهى ... وللشاهد نظر وجه المشهود عليها، وكذا لمن يعاملها، ونصه وكفيها.\nوفي مختصر ابن رزين أنهما ينظران ما يظهر غالبا، ونقل حرب ومحمد بن أبي حرب في البائع ينظر كفيها ووجهها: إن كانت عجوزًا رجوت، وإن كانت شابة تشتهى أكره ذلك) (١) انتهى كلامه.\nوكراهة كشف الشابة ولو لحاجة قال مثله أئمة الأحناف والمالكية.\n٥ - وقال الشيخ يوسف بن عبد الهادي المقدسي -الحنبلي- في \"مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة في الأحكام\" (ولا يجوز للرجل النظر إلى أجنبية، إلا العجوز الكبيرة التي لا تشتهى مثلها، والصغيرة التي ليست محلًا للشهوة، ويجب عليه صرف نظره عنها. ويجب عليها ستر وجهها إذا برزت) (٢) انتهى.\n_________\n(١) الفروع لابن مفلح \"كتاب النكاح\" (٥/ ١٥٤).\n(٢) مغني ذوي الأفهام (صـ ١٢٠).","vol":"1","page":244},{"text":"٦ - وقال الشرواني (حاشية الشرواني على تحفة المحتاج) -شافعي-: (قال الزيادي في شرح المحرر: إن لها ثلاث عورات:\nـ عورة في الصلاة، وهو ما تقدم - أي كل بدنها ما سوى الوجه والكفين.\nـ وعورة بالنسبة لنظر الأجانب إليها: جميع بدنها حتى الوجه والكفين على المعتمد.\nـ وعورة في الخلوة وعند المحارم: كعورة الرجل. ا. هـ - أي ما بين السرة والركبة -) (١) انتهى.\n\n٧ - قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في المنهج - شافعي -\n(وعورة حُرَّة غير وجه وكفين ..). قال الشيخ سليمان الجمل في حاشيته على الكتاب السابق عند قوله: (غير وجه وكفين: وهذه عورتها في الصلاة، وأما عورتها عند النساء المسلمات مطلقًا. وعند الرجال المحارم، فما بين السرة والركبة، وأما عند الرجال الأجانب فجميع البدن. وأما عند النساء الكافرات، فقيل: جميع بدنها، وقيل: ما عدا ما يبدو عند المهنة) (٢).\n_________\n(١) حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (٢/ ١١٢).\n(٢) حاشية الجمل على شرح المنهج (١/ ٤١١).","vol":"1","page":245},{"text":"٨ - وقال في روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي - شافعي -\nعند كلامه على أحكام الشهادة (ويجوز النظر إلى وجهها لتحمل الشهادة وسماع كلامها وهذا عند الأمن من الفتنة فإن خاف فتنة فقد سبق أنه يحرم النظر إلى وجهها بلا خلاف فيشبه أن يقال لا ينظر الخائف للتحمل، لأن في غيره غنية، فإن تعين عليه نظر واحترز) انتهى.\nوهذا لتعرف أن مصطلح (إذا خشيت الفتنة أو الشهوة) هو لناظر مخصوص ممن جاز نظره للمرأة لسبب مباح.\n٩ - وقال العلامة أبو بكر الدمياطي - الشافعي - في (إعانة الطالبين) حيث فسر ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الوجه والكفين على أنهما عورة المرأة في الصلاة وأما عند الأجنبي فكلها عورة فقال: (قوله: وستر حرة) معطوف على ستر رجل. (قوله: ولو صغيرة) أي مميزة أو غيرها. (قوله: غير وجه وكفين) مفعول ستر أي يجب أن تستر سائر بدنها حتى باطن قدمها ما عدا وجهها وكفيها وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال ابن عباس وعائشة: هو الوجه والكفان. ولأنهما لو كانا عورة في العبادات لما وجب كشفهما في الإحرام، ولأن الحاجة تدعو إلى إبرازهما.\nواعلم أن للحرة أربع عورات: فعند الأجانب جميع البدن، وعند المحارم والخلوة ما بين السرة والركبة، وعند النساء الكافرات ما لا يبدو عند المهنة، وفي الصلاة جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها) انتهى.","vol":"1","page":246},{"text":"١٠ - قال الحافظ ابن حجر - الشافعي - في فتح الباري عند شرحه لما بوب له الإمام البخاري من حديث عائشة ﵂: \"باب نظر المرأة إلى الحبشة ونحوهم من غير ريبة\": (وظاهر الترجمة أن المصنف كان يذهب إلى جواز نظر المرأة إلى الأجنبي بخلاف عكسه، وهي مسألة شهيرة، واختلف الترجيح فيها عند الشافعية، وحديث الباب يساعد من أجاز، ويقوي الجواز استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال، ولم يؤمر الرجال قط بالانتقاب لئلا يراهم النساء، فدل على تغاير الحكم بين الطائفتين، وبهذا احتج الغزالي على الجواز فقال: لسنا نقول أن وجه الرجل في حقها عورة كوجه المرأة في حقه بل هو كوجه الأمرد في حق الرجل فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط وإن لم تكن فتنة فلا إذ لم تزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن منتقبات، فلو استووا لأُمر الرجال بالتنقب أو منعن من الخروج) انتهى كلامه ﵀.\nفالقوم في درجة أنهم يختلفون في جواز نظر المرأة للرجل الأجنبي وليس العكس، فكيف يقال أنهم يقولون بجواز عكسه من سفور وجه المرأة للرجال، والله عجب! فهل لو كان سنة أو مستحب، أو أن نساء الصحابة في عهد رسول الله يخرجن كاشفات الوجوه هل كانوا ناقشوا جواز نظر المرأة للرجل الأجنبي عنها من أصله؟ بل قل لما شكوا أصلًا في جواز وإباحة النظر للرجال، وهم أصلا ينظرون للنساء مكشوفات الوجوه.","vol":"1","page":247},{"text":"ألم أقل لكم كم سنجني على العلم والعلماء لو صدقنا مثل هذه الظنون الواهية والتي هي من أكذب الحديث كما أخبر بذلك رسول الله - ﷺ -، والتي تبين أن هؤلاء الأئمة في وادٍ وأهل السفور هدانا الله وإياهم في وادي آخر؟ .\nوالأدلة من كلامهم كثيرة ولا تحصى، ولكن حتى لا نطيل نرجئها لموضع آخر بمشية الله تعالى.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>قول أتباع كل مذهب بقول المذهب الآخر وتعدد الروايات في المذهب الواحد دليل على أن اختلاف المتقدمين في فريضة الحجاب كان من قبيل اختلاف التنوع</span>\nولهذا لما كان الأمر واسعًا وهو في ماهية العلة التي من أجلها حرم الشارع كشف المرأة لوجهها أمام الرجال الأجانب فمن قائل: لأنه عورة ومن قائل بل خشية من الفتنة والشهوة، واتفاقهم على أصل المسألة وأساسها وهي وجوب ستر المرأة لوجهها كما دلت عليه نصوصهم السابقة.\nولهذا نجد أن في بعض المذاهب روايتان، بل ونجد بعض أتباع المذاهب يقول بقول المذهب الآخر، وبعضهم أخذ يفصل فيقول الوجه والكفين عورة، ولكن في حق من جاز نظره لها ليس بعورة، وبعضهم قال ليس بعورة في الصلاة ولكن خارجها عورة.\nفمثلا تجد عند بعض علماء الحنابلة والشافعية من يقول بقول أبي حنيفة ومالك وهو إن الوجه والكفين ليسا من العورة على أساس وجود قول ثانٍ في المذهب أو راي لبعض الأتباع ومثاله ما قاله في:\n١ - الإنصاف -حنبلي-: (قوله: (والحرة كلها عورة، حتى ظفرها وشعرها، إلا الوجه) الصحيح من المذهب أن الوجه ليس بعورة، وعليه الأصحاب وحكاه القاضي إجماعا، وعنه الوجه عورة أيضا، قال الزركشي: أطلق الإمام أحمد القول بأن جميعها عورة، وهو محمول","vol":"1","page":249},{"text":"على ما عدا الوجه، أو على غير الصلاة، انتهى. وقال بعضهم: الوجه عورة وإنما كشف في الصلاة للحاجة، قال الشيخ تقي الدين: والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة، وهو عورة في باب النظر، إذا لم يجز النظر إليه) (١)، انتهى من الأنصاف.\n٢ - وقال في المغني لابن قدامة - حنبلي - \" كتاب النكاح\":\n\"من أراد أن يتزوج امرأة فله أن ينظر إليها\"\n(فَصْلٌ: وَلا خِلَافَ بَيْنَ أهل الْعِلْمِ فِي إباحة النَّظَرِ إلى وَجْهِهَا، وَذَلِكَ لأنهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَهُوَ مَجْمَعُ المحاسن، وَمَوْضِعُ النَّظَرِ وَلا يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ إلى مَا لا يَظْهَرُ عَادَةً وَحُكِيَ عَنْ الأوزاعي أنهُ يَنْظُرُ إلى مَوَاضِعِ اللَّحْمِ وَعَنْ داود أنهُ يَنْظُرُ إلى جَمِيعِهَا، لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﵇ (انظر إليها) وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وَرُوِيَ عَنْ ابن عَبَّاسٍ أنهُ قَالَ: الْوَجْهُ، وَباطن الْكَفِّ. وَلأن النَّظَرَ مُحَرَّمٌ أبيحَ لِلْحَاجَةِ فَيَخْتَصُّ بِمَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إليه، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا. وَالْحَدِيثُ مُطْلَقٌ، وَمَنْ نَظَرَ إلى وَجْهِ إنسان سُمِّيَ نَاظِرًا إليه، وَمَنْ رَآهُ وَعَلَيْهِ أَثْوَابُهُ سُمِّيَ رَائِيًا لَهُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَإذا رَأيتَهُمْ تُعْجِبُكَ أجسامهم﴾ ﴿وَإذا رَآك الذين كَفَرُوا﴾ فَأما مَا يَظْهَرُ غَالِبًا سِوَى الْوَجْهِ، كَالْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تُظْهِرُهُ المرأة فِي مَنْزِلِهَا فَفِيهِ رِوَايتَان؛ إحداهما: لا يُبَاحُ النَّظَرُ إليه لأنهُ عَوْرَةٌ فَلَمْ يُبَحْ النَّظَرُ إليه، كَاَلَّذِي لا يَظْهَرُ، فإن عَبْد اللَّه رَوَى أن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «المرأة عَوْرَةٌ» حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلأن الْحَاجَةَ تَنْدَفِعُ بِالنَّظَرِ\n_________\n(١) الأنصاف (١/ ٢٥٢).","vol":"1","page":250},{"text":"إلى الْوَجْهِ. فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى التَّحْرِيمِ وَالثانية: لَهُ النَّظَرُ إلى ذَلِكَ. قَالَ أحمد فِي رواية حَنْبَلٍ: لا بَأْسَ أن يَنْظُرَ إليها، وَإلى مَا يَدْعُوهُ إلى نِكَاحِهَا مِنْ يَدٍ أو جِسْمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ) انتهى.\nوابن قدامة مع أنه مع من يقولون أن الوجه ليس بعورة فإنه يوجب ستره كما ترى وسترى قريبا أيضا، وهو هنا يتكلم في جواز القدر مما يظهر للخاطب وغيره.\n٣ - وقال في المغني لابن قدامة \"كتاب النكاح\" من أراد أن يتزوج امرأة فله أن ينظر إليها.\n\"فصل نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب\"\n(فصل: فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب، فإنه محرم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد. قال أحمد: لا يأكل مع مطلقته، هو أجنبي لا يحل له أن ينظر إليها، كيف يأكل معها ينظر إلى كفها؟ لا يحل له ذلك ... ولنا قول الله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ وقول النبي - ﷺ -: «إذا كان لإحداكن مكاتب، فملك ما يؤدي، فلتحتجب منه» وعن أم سلمة قالت: «كنت قاعدة عند النبي - ﷺ - أنا وحفصة فاستأذن ابن أم مكتوم فقال النبي - ﷺ - احتجبن منه» رواه أبو داود «وكان الفضل بن عباس رديف رسول الله - ﷺ - فجاءته الخثعمية تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فصرف رسول الله - ﷺ - وجهه عنها» وعن جرير بن عبد الله قال: «سألت رسول الله - ﷺ - عن نظرة الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري» حديث صحيح وعن علي","vol":"1","page":251},{"text":"﵁، قال: قال لي رسول الله - ﷺ - «لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة» رواهما أبو داود.\nوفي إباحة النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها دليل على التحريم عند عدم ذلك، إذ لو كان مباحا على الإطلاق، فما وجه التخصيص لهذه؟ وأما حديث أسماء إن صح فيحتمل أنه كان قبل نزول الحجاب فنحمله عليه) انتهى كلام ابن قدامه.\n٤ - وقال في المغني أيضا (كتاب النكاح):\nفصل: - في من يُباح له النظر من الأجانب -\n(ويباح للطبيب النظر إلى ما تدعو إليه الحاجة من بدنها، من العورة وغيرها، فإنه موضع حاجة، وقد روي «أن النبي - ﷺ - لما حكم سعدا في بني قريظة كان يكشف عن مؤتزرهم» وعن عثمان أنه أتي بغلام قد سرق، فقال: انظروا إلى مؤتزره فلم يجدوه أنبت الشعر، فلم يقطعه وللشاهد النظر إلى وجه المشهود عليها لتكون الشهادة واقعة على عينها قال أحمد: لا يشهد على امرأة إلا أن يكون قد عرفها بعينها وإن عامل امرأة في بيع أو إجارة فله النظر إلى وجهها ليعلمها بعينها فيرجع عليها بالدرك، وقد روي عن أحمد كراهة ذلك في حق الشابة دون العجوز. ولعله كرهه لمن يخاف الفتنة أو يستغني عن المعاملة فأما مع الحاجة وعدم الشهوة، فلا بأس) انتهى.\nولاحظ قوله: (في من يباح له النظر من الأجانب) فليست مسألة النظر لوجهها عندهم لكل أحد أو بدون سبب مبيح كما يقوله أهل السفور اليوم، فابن قدامة ممن لم يعدوا الوجه عورة ومع ذلك يوجب ستره.","vol":"1","page":252},{"text":"وقوله: (روي عن أحمد كراهة ذلك في حق الشابة دون العجوز ولعله كرهه لمن يخاف الفتنة، أو يستغني عن المعاملة). كأن توكل في أمور البيع والشراء ونحوها، أو يشهد غيرها، (فأما مع الحاجة وعدم الشهوة، فلا بأس) كأن لم يكن بد من فعل ذلك إلا بنفسها (فلا بأس) (مع الحاجة وعدم الشهوة) لتعرف حقيقة معنى قولهم إذا أمنت الشهوة ولم يخشى فتنة، أنه لناظر مخصوص ممن جاز نظره.\nولتعلم أنهم متفقون مع بقية المذاهب في أن المسألة رخصة وفي الحرص والتشديد عند تعاطيها وذلك بتحديد القدر الذي يظهر منها غالبًا بالوجه والكفين، (ومَنْعُ الشابة من كشفه - أي الوجه - لخوف الفتنة لا لأنه عورة) (١) وقولهم كذلك: (تمنع المرأة الشابة من كشف وجهها بين الرجال في زماننا للفتنة) (٢) فلم يرخصوا لهن ما رخصه الشرع وما رخصوه لغيرهن، لغلبة الفساد وقلة الورعين ولغلبة الفتنة بهن وقد مر معنا أن هذا من حق الأئمة وهو رد الناس لضابط الشرع في الضرورات وحتى لا يتساهل الناس عند الرخص بتكشف الشابات اليافعات إلا فيما لا بد منه، ومثل ذلك كثير كقول الإمام أحمد فيما سيأتي معنا: (في الأمة إذا كانت جميلة: تنتقب) رحم الله الجميع.\nفسبحان الله! كيف يستشهد القائلون بسفور المرأة من نقلهم لبعض كلام ابن قدامة في المغني فينسبون له ذلك لمجرد قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أهل\n_________\n(١) حاشية الطحطاوي الحنفي على مراقي الفلاح شرح متن نور الإيضاح (صـ ١٦١).\n(٢) البحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/ ٢٨٤) من كتب الأحناف.","vol":"1","page":253},{"text":"الْعِلْمِ فِي إباحة النَّظَرِ إلى وَجْهِهَا، وَذَلِكَ لأنهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ) أو نحوه؟ ويهملون بقية أقواله، فلو أنهم أكملوا عبارات أهل العلم لفهموا مرادهم ومقصدهم من قولهم ليس بعورة ولهذا تجد عندهم - ومن غير قصد -كثرة النسب الباطلة والأقوال المحرفة والمصحفة والمبدلة عن كثير من الأئمة وذلك بسبب قراءتهم السطحية والسريعة لأقوالهم.\n٥ - قال ابن قدامة ﵀: (فصل: والأمة يباح النظر منها إلى ما يظهر غالبًا، كالوجه والرأس واليدين والساقين؛ لأن عمر ﵁ رأى أمة متلثمة فضربها بالدرة وقال: يا لُكاع، تتشبهين بالحرائر. وروى أبو حفص بإسناده، أن عمر كان لا يدع أمة تقنع في خلافته، وقال: إنما القناع للحرائر. ولو كان نظر ذلك منها محرمًا لم يمنع من ستره، بل أمر به وقد روى أنس: «أن النبي - ﷺ - لما أخذ صفية قال الناس: لا ندري، أجعلها أم المؤمنين، أَم أُم ولد؟ فقالوا: إن حجبها فهي أم المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي أم ولد، فلما ركب وطأ لها خلفه ومد الحجاب بينه وبين الناس» متفق عليه، وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضًا بينهم مشهورًا وأن الحجب لغيرهن كان معلومًا ... وسوى بعض أصحابنا بين الحرة والأمة لقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الآية ولأن العلة في تحريم النظر الخوف من الفتنة والفتنة المخوفة تستوى فيها الحرة والأمة، فإن الحرية حكم لا يؤثر في الأمر الطبيعى، وقد ذكرنا ما يدل على التخصيص ويوجب الفرق","vol":"1","page":254},{"text":"بينهما وإن لم يفترقا فيما ذكروه افترقا في الحرمة وفي مشقة الستر لكن إن كانت الأمة جميلة يخاف الفتنة بها حرم النظر إليها كما يحرم النظر إلى الغلام الذي تخشى الفتنة بالنظر إليه قال أحمد في الأمة إذا كانت جميلة: تنتقب ولا ينظر إلى المملوكة، كم من نظرة ألقت في قلب صاحبها البلابل) انتهى كلامه.\nوانظر لقوله (وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضًا بينهم مشهورًا وأن الحجب لغيرهن كان معلومًا ..) وغيره مما قاله.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>خطأ الشيخ الألباني ﵀ في نسبته مذهب السفور للقائلين أن الوجه والكفين ليسا بعورة:</span>\nولهذا تعلم خطأ الشيخ الألباني حيث نسب لابن قدامة ولكل من قال إن الوجه والكفين ليسا بعورة أنهم يقولون مثله بجواز سفور المرأة لوجهها، واستنتج منه قولًا محدثًا بدعيًا لم يسبقه إليه أحد وهو أن ستر المرأة لوجهها سنة ومستحب.\nفقال في رده المفحم: (وهو ما جاء في \"الأنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل\" للشيخ علاء الدين المرداوي (١/ ٤٥٢) قال: \" الصحيح من المذهب أن الوجه ليس من العورة\".\nثم ذكر مثله في الكفين، وهو اختيار ابن قدامة المقدسي في \" المغني\" (١/ ٦٣٧) واستدل لاختياره بنهيه - ﷺ - المحرمة عن لبس القفازين\" لو","vol":"1","page":255},{"text":"كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما، ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء\".\nوهو الذي اعتمده وجزم به في كتابه\" العمدة\" (٦٦).\nفما رأي الشيخ التويجري بهذا النص من هذا الإمام الحنبلي الجليل؟ ! أتظنُّه داعية للسفور أيضًا، وفاتحًا لباب التبرج على مصراعيه، و...؟ !) انتهى كلام الألباني ﵀.\nولا يخفى على الشيخ الحنبلي المحدِّث التويجري مثل هذا وهم يحفظُّون طلابهم الصغار حفظ المتون من الفقه، والدربة على فهم كلامهم، ولو لاحظ الشيخ الألباني قول ابن قدامة: (لو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما، ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء) فقصد ابن قدامة ظاهر وهو أنهما ليسا بعورة بدليل كشفهما في حال العبادة كصلاتها وحجها وهي محرمة وهذا جائز بالإجماع، وعند الحاجة كبيعها وشرائها وبالإجماع أيضًا، وجواز كشفهما في مثل ذلك هو استدلال لكثير من الأئمة على أنهما ليسا بعورة، وليس ابن قدامة وحده وإلا لعلم الشيخ الألباني أنهم يعنون بكونهما ليسا بعورة لأنهما ينكشفان في مثل تلك الأحوال من العبادات والضرورات وليس على كل حال من وجود الرجال الأجانب. ولهذا تحرج بعضهم من قول أنهما عورة فيقال كيف لم تبطل عبادتها بكشفهما وكيف جاز كشف العورة لِما لم يبلغ مبلغ الضرورات الحتمية؟ .","vol":"1","page":256},{"text":"٦ - ولهذا قال في (منح الجليل شرح مختصر خليل) - المالكي -\n(قال: وهي أي العورة من حرة مع رجل أجنبي مسلم جميع جسدها غير الوجه والكفين ظهرًا وبطنًا، فالوجه والكفان ليسا عورة فيجوز لها كشفهما للأجنبي) انتهى.\nوانظر قوله (مع رجل أجنبي مسلم) وكيف أنه أتى بصيغة المفرد الواحد، له ولها، وقيده بالمسلم لتعلم أنهم يعنون حال الرخصة لناظر مخصوص ممن يؤمن منه الفتنة، ولو كانت كاشفة أمام الناس كما يقوله أهل السفور لرأها المسلم والكافر، ولكان هناك خلل في فهم العبارة على ما أرادوه، ولما استقامت لهم لا لفظًا ولا معنى، وقوله (فيجوز لها كشفهما للأجنبي) يدل على أنهما في الأصل عندهم كانا مستورين ولكن في حالات الحاجة والضرورة (فيجوز) للنصوص الشرعية في ذلك، ولهذا لم يناسب عند بعضهم أن يقال عنهما أنهما من العورة وقد أباحته الشريعة، وهذا خلاف تقعيدي بينهم في ما هو الأنسب من دلالة الأمر أو النهي للشارع في المسألة بتغطية المراة لوجهها والنهي عن إبداء شيء من زينتها، فمن قائل لان المراة كلها عورة، ومن قائل بل للفتنة والشهوة، واعترضوا أيضًا على القول بأن الوجه والكفان من العورة للأعتبارات السابقة معنا. وهذا أمر آخر غير ما فهمه الألباني ﵀، ولما كان تعجل في إيراده نصوصهم وكأنهم يعنون كشف الوجه، وقبل التأكد من بقية كلامهم وما يعنونه في كل موضع وبخاصة أنهم قرروا أن الأصل أنه مستور لولا (لأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه) ولهذا تجد ابن قدامة أوضح رأي من قال في المذهب أنهما عورة:","vol":"1","page":257},{"text":"٧ - فقال في المغني: (وقال بعض أصحابنا: المرأة كلها عورة، لأنه قد روي في حديث عن النبي - ﷺ -: «المرأة عورة» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح ولكن رخص لها في كشف وجهها وكفيها لما في تغطيته من المشقة وأبيح النظر إليه لأجل الخطبة لأنه مجمع المحاسن) انتهى. وهذا بخلاف كلامه الصريح الذي تقدم معنا.\nولم يَفهم ابن قدامة أن قولهم أو قول إمام المذهب أحمد بن حنبل بالعورة يعني أو يخالف قوله ليس بعورة فالاختلاف سهل وواسع وليس في أصل المسألة وإنما هو في علة أمر الشارع للنساء بستر الوجه، وإلا فهم متفقون على وجوب ستره كما ترى، ولكن لما كان يلزم عند بعضهم من تلك العلة من لوازم جعلته يرفض القول بأن العلة العورة ويختار لذلك علة أخرى أنسب عندهم وهي الفتنة والشهوة، ولكن ظهر واشتهر اعتراضهم على أولئك (أن الوجه والكفان ليسا بعورة)، أكثر من ظهور علتهم في المسألة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>وبالعكس فمع ذلك قد تجد بعض أئمة الأحناف والمالكية وبعض الشافعية يقول أن المرأة عورة وذلك لأن الأمر واسع كما قلنا ومثاله:</span>\n٨ - قول الإمام السرخسي - الحنفي- كما في المبسوط من كتاب \"الإستحسان\":\n(والقرآن كله حسن ثم أمر باتباع الأحسن وبيان هذا أن المرأة من قرنها إلى قدمها عورة هو القياس الظاهر وإليه أشار رسول الله - ﷺ -","vol":"1","page":258},{"text":"فقال: «المرأة عورة مستورة» ثم أبيح النظر إلى بعض المواضع منها للحاجة والضرورة فكان ذلك استحسانا لكونه أرفق بالناس كما قلنا) (١).\n٩ - وقال ابن العربي رحمه الله تعالى - المالكي-\nعند قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾: (وهذا يدل على أن الله أذن في مساءلتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض أو مسألة يستفتى فيها والمرأة كلها عورة، بدنها، وصوتها، فلا يجوز كشف ذلك إلا لضرورة، أو لحاجة، كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها، أو سؤالها عما يَعنُّ ويعرض عندها) (٢) انتهى.\n١٠ - وقال الإمام القرطبي - المالكي - (في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مُساءلتهن من وراء حجاب في حاجةٍ تُعرض، أو مسألة يُستَفتين فيها، ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى، وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة بدنها وصوتها، كما تقدم، فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها، أو سؤالها عما يعرض وتعين عندها) (٣).\n* * *\n_________\n(١) المبسوط كتاب الاستحسان (١٠/ ١٤٥).\n(٢) أحكام القرآن (٣/ ٥٧٩).\n(٣) الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٢٢٧).","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>وهناك قسم آخر من بعض الأئمة أخذوا يفصلون بنوع آخر وهو أن الوجه والكفين من المرأة عورة، ولكنه في حق من جاز نظره إليها لا يكون بالنسبة لهم من العورة لورود الدليل المبيح في ذلك، وهذا يدلك أن الأمر فيه سعة ولا يترتب عليه في أصل المسألة شيء ومثاله:</span>\n١١ - ما قاله صاحب مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح -حنفي-\nعند \"باب النظر إلى المخطوبة وبيان العورات\" في: (جواز النظر إلى المرأة التي يريد أن يتزوجها فجوزه الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق ﵏ مطلقا أذنت المرأة أم لم تأذن لحديثي جابر والمغيرة المذكورين في أول الحسان وجوزه مالك بإذنها وروى عنه المنع مطلقا) - ثم نقل كلام النووي -: (وفيه استحباب النظر إليها قبل الخطبة حتى إن كرهها تركها من غير إيذاء بخلاف ما إذا تركها بعد الخطبة وإذا لم يمكنه النظر استحب أن يبعث امرأة تصفها له وإنما يباح له النظر إلى وجهها وكفيها فحسب لأنهما ليسا بعورة في حقه فيستدل بالوجه على الجمال وضده، وبالكفين على سائر أعضائها باللين والخشونة) انتهى كلامه.\nوقوله: (وإذا لم يمكنه النظر) كيف لا يمكنه النظر وهو خاطب وعلى أمر مباح يجوز للنساء كشفه؟ بالله هل تصدق ما يقوله دعاة السفور، هل لدرجة (استحب أن يبعث امرأة تصفها له) هل لدرجة أنهم ينكحون المرأة بمجرد الوصف؟ هل هذا كله لشدة تمسكهم وتمسك نسائهم بسنة ومستحب النقاب، يصعبن أمر الزواج لترك واجب العفاف والإحصان والنكاح.","vol":"1","page":260},{"text":"(وجوزه مالك بإذنها وروى عنه المنع مطلقا) مما تعلم معه أن النقل عن مالك في منع الخاطب مستفيض، فكيف ينقلون حسب فهمهم السطحي للنصوص أن مالكًا يقول بجواز أن تأكل المرأة مع الأجنبي بالفهم الذي أرادوه؟ .\n١٢ - ثم نقل صاحب مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح -حنفي- عن النووي - الشافعي -: (وأما المرأة في حق الرجل الأجنبي فجميع بدنها عورة إلا وجهها وكفيها عند الحاجة كسماع إقرار أو خطبة كما مر. قال النووي ﵀: نظر الرجل إلى المرأة الأجنبية حرام من كل شيء من بدنها وكذلك نظر المرأة إلى الرجل سواء كان بشهوة أو بغيرها وكذلك يحرم النظر إلى الأمرد وإذا كان حسن الصورة أمن من الفتنة أم لا هذا هو المذهب الصحيح المختار عند المحققين نص عليه الشافعي وحذاق أصحابه) انتهى. فكيف لو تذكرت أن الإمام النووي فضلا عن أئمة الأحناف هم ممن لا يعدون الوجه والكفين من العورة.\nوذهب بعضهم إلى التفريق بين عورتها في الصلاة وبهذا رأوا أنها عورة خارج الصلاة فقط ومثاله:\n١٣ - قول الإمام البيضاوي- الشافعي - في تفسير قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منه﴾: (والمستثنى هو الوجه والكفان لأنهما ليستا من العورة، والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر، فإن كل بدن الحرة عورة، لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل شهادة) انتهى.","vol":"1","page":261},{"text":"١٤ - وقال ابن تيمية: (في اللباس في الصلاة ... والذي يسميه الفقهاء باب ستر العورة في الصلاة فإن طائفة من الفقهاء ظنوا أن الذي يستر في الصلاة هو الذي يستر عن أعين الناظرين وهو العورة).\nوقال كذلك: (اختلفت عبارة أصحابنا في وجه الحرة فقال بعضهم ليس بعورة وقال بعضهم عورة وإنما رخص في كشفه في الصلاة للحاجة والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذ لم يَجز النظر إليه ... وحينئذ فتصلي في بيتها وإن بدا وجهها ويداها وقدماها كما كن يمشين أولا قبل الأمر بإدناء الجلابيب عليهن فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر لا طردًا ولا عكسًا) انتهى.\nوتأمل قوله: (اختلفت عبارة أصحابنا في وجه الحرة فقال بعضهم ليس بعورة وقال بعضهم عورة) ولم يلزم من ذلك اختلافهم في أصل وجوب ستر المرأة لوجهها.\n١٥ - قال ابن القيم ﵀ (ت: ٧٥١ هـ) في أعلام الموقعين (٢/ ٨٠): (العورة عورتان: عورة النظر وعورة في الصلاة؛ فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك، والله أعلم) (١) انتهى.\n١٦ - وقال الإمام السيوطي ﵀ في الأشباه والنظائر، في قواعد وفروع فقه الشافعي عند كلامه في أحكام الأنثى وأحوال عورتها: (وحالة مع الأجانب وعورتها كل البدن حتى الوجه والكفين في الأصح ... وحالة في الصلاة وعورتها كل البدن إلا الوجه والكفين) (٢).\n_________\n(١) أعلام الموقعين (٢/ ٨٠).\n(٢) الأشباه والنظائر ص (٤١٠ - ٤١٤).","vol":"1","page":262},{"text":"١٧ - ونقل الحافظ ابن حجر - الشافعي - في تحفة المحتاج عن الزيادي أنه قال: (عورة المرأة أمام الأجنبي جميع بدنها حتى الوجه والكفين على المعتمد) (١) انتهى.\nوتلاحظ أنهم لم يقولوا أن من قال من نفس المذهب أو من خارجه أنهما ليسا بعورة أن ذلك يعني عكس قولهم بالعورة فيلزم منه كشفهما، لتفهم أن خلافهم ونزاعهم فقط هو في تعليل أمر الشارع في فرض الحجاب، وإن بدأ الأمر نحو التحريف والتبديل لمقصد المتقدمين شيئًا فشيئًا فظنه البعض من المتأخرين خلافًا، حتى وصل الأمر إلى ما وصل إليه اليوم.\n_________\n(١) تحفة المحتاج (٢/ ١١٢).","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>خلاصة\nأقوال أئمة المذاهب الأربعة في مسألة هل الوجه والكفين عورة أم لا</span>؟\nوبهذا نرى أن الأئمة من المذاهب الأربعة وإن اختلفوا في هل الوجه والكفان من العورة أم لا؟ فإن هذا لا يؤثر كما رأينا في اتفاقهم وإجماعهم على فريضة ستر المرأة للوجه والكفين، وإجماعهم على أن قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ هي رخصة عند نظر الرجل الأجنبي لها للضرورة من شهادة أو بيع أو تقاضي أو علاج ونحوه، ولم يرد عن أحد منهم أنه استشهد بها لجواز أن تخرج المرأة مكشوفة الوجه أمام الرجال هكذا بلا سبب، فصار خلافهم واضحًا كالشمس أنه من قبيل خلاف التنوع.\nفهذه الروايات في المذهب الواحد، والتفصيل من بعضهم، وقول أتباع هذا المذهب بقول المذهب الآخر والعكس لهو أبلغ معنى لأولي الإفهام، أنه ليس خلافا حقيقيا بينهم، وأنه من خلاف التنوع، الذي الخلاف والمعنى فيه واسع ولا أثر له فيظهر، بل يمكن القول أنه صوري، لأنه كله حق وصواب ومؤداه لشيء واحد والتفصيل فيه سائغ كما رأينا وكما مر معنا، فكل واحد وصف الأمر والنهي من الشارع بصفة وعلة صحيحة تدل على الأمر بفرض ستر المرأة لوجهها وتحريم كشفه بلا سبب مبيح، فالمرأة حق أنها (عورة) و(فتنة) و(شهوة) وكلها جاءت","vol":"1","page":264},{"text":"بها نصوص الشرع المطهر، لما أودع الله في نفوس الرجال من محبة وتعظيم وميل لهن.\nوقد مر معنا قول الإمام الزركشي في اختلاف السلف: (يكثر في معنى الآية أقوالهم واختلافهم، ويحكيه المصنفون للتفسير بعبارات متباينة الألفاظ، ويظن من لا فهم عنده أن في ذلك اختلافًا فيحكيه أقوالًا وليس كذلك، بل يكون كل واحد منهم ذكر معنى ظهر من الآية، وإنما اقتصر عليه لأنه أظهر عند ذلك القائل، أو لكونه أليق بحال السائل وقد يكون أحدهم يخبر عن الشيء بلازمه ونظيره، والآخر بمقصوده وثمرته، والكل يؤول إلى معنى واحد غالبًا، والمراد الجميع، فليتفطن لذلك، ولا يفهم ثَمَّ اختلاف العبارات اختلاف المرادات) (١) انتهى.\nووالله لولا خشية التطويل والملل والخروج عن المقصد الذي نحن بصدده وهو نقل إجماع بقية المفسرين والفقهاء على الآية أنها رخصة وليست تشريعًا لفريضة الحجاب، كما توهمه البعض لنقلت المزيد وعندي من أقوالهم واتفاقهم على وجوب ستر المرأة لوجهها ما لو جمع لصار مجلدًا لوحده ولكن الله يهدي من يشاء ولا هادي سواه.\n_________\n(١) البرهان: (٢/ ١٦).","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>سبب ذكرنا لتأصيل المذاهب لمسألة الحجاب:</span>\nولهذا أحببت قبل البدء بذكر بقية أقوال أئمة التفسير المنتسبين لتلك المدارس الفقهية المتنوعة على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أن أبين اصطلاحات أئمة وعلماء تلك المذاهب، لأن القارئ الكريم سيلحظ تباين واختلاف في كلامهم على مسألة علة الأمر، وسيجد أقوالهم واصطلاحاتهم، وبخاصة من يقول أنهما ليسا بعورة فإذا لم يكن قد علم معناها ومرادها عندهم وإلا سيختلط عليه الأمر وسيقع في كثير من التناقضات والإشكاليات عند قراءته لكلامهم، كما وقع فيها الكثير وسيجد أن هناك شيئًا غير واضح في كلامهم.\nفمثلا كيف يقولون أن الوجه والكفين ليسا بعورة ثم يشترطون لجواز كشفه حالة الضرورة والحاجة ويمثلون بالبيع والشهادة ونحو ذلك، فقولهم: بجواز كشفه في حال الضرورة فهذا مما يعكر على من نسب إليهم أنهم على مذهب سفور الوجه اليوم، وقولهم: الوجه والكفين ليسا من العورة. يعكر على من نسب إليهم أنهم على مذهب وجوب ستر الوجه، وهذا بسبب ما يعتقده البعض من أن قولهم ليسا بعورة يلزم منه قولهم بكشف الوجه في أحوالها العادية، والحق أنه ليس بلازم كما رأيت، فهم يوجبون ستره ولكن بعلة أخرى أنسب لديهم وهي علة الفتنة والشهوة.\nوأما من لم يفهم قواعد الفقهاء المتقدمين واصطلاحاتهم وتأصيلهم للمسألة فقد نسب إليهم خلاف التضاد.","vol":"1","page":266},{"text":"وأما هم فما مثلهم إلا كمثل أخوين دُعيا إلى وليمة نكاح، فقال أحدهما للآخر: من أي طريق ستسلك؟ فقال: من طريق كذا، فلم يعجب أخاه ذلك وقال: إن الأفضل سلوك طريق كذا لأن الأول طويل ومزدحم ويلزم من سلوكه إشكالات، فخرجا هذا في طريق وهذا في طريق، فرأى ذلك شخص وقال: لا بد أن أحدهما لن يذهب لدعوة الوليمة، فإذا قيل له: وكيف عرفت ذلك؟ قال: ألا ترى لسلوك كل واحد منهما طريقا مختلفا عن الآخر، فاستنتج ثم قال: وأغلب ظني أن من سلك الطريق الفلاني هو من يرغب حضور الوليمة، ثم ذهب وأخبر والد الأخوين والناس أن فلأنا لن يحضر الوليمة فشاع في الناس ذلك الظن، وعلى أن خلافا حقيقيا حصل بينهما، والحقيقة أنهما مجتمعان في مجلس الوليمة يتحادثان، والدليل هذه النصوص التي بين أيدينا عنهم وكأنها تخرج من مشكاة واحدة.\nوهنا ظن البعض وبكل بساطة أن الاختلاف بينهم في العلة هو اختلاف تضاد في أصل المسألة، وأن من قال أن المرأة عورة فأولئك الموجبون لتغطية المرأة لوجهها، ومن قالوا أن وجهها وكفيها ليس بعورة فأولئك المجوزون لها كشف وجهها ﴿وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ [النجم: ٢٨] وقال - ﷺ -: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) (١).\n_________\n(١) متفق عليه.","vol":"1","page":267},{"text":"فهذه بدعة حديثه لم يعرفها العالم الإسلامي إلا في عصوره المتأخرة اليوم، حيث لم يكن لها أول بداياتها ذكر حتى تطورت شيئًا فشيئًا في بعض المسائل الجزئية ثم ظنه البعض خلاف تضاد بينهم فاشتهرت أخيرًا من قبل الذين شذوا في المسألة وخالفوا قواعد الأئمة الأربعة بل وسواد الأمة الأعظم كما شذوا في مسائل أخرى ولهذا لم يلتفت إليهم أحد، ولم يعرجوا على كثير من عجائبهم ولا غرائبهم؛ لأنها مخالفة للإجماع الذي تم وانعقد كما سيأتي بيان أصوله، من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (١).\nوأجدني قد رميت زبدة القول في المسألة ومع ذلك سوف أرمي بجمع لا يحصي من أقوالهم التي تؤيد إجماعهم في المسألة الموافق لمراد الله ورسوله - ﷺ - وصحابته الكرام وسلفهم الصالح من كونها رخصة.\n_________\n(١) انظر صفحة (٣١٣ - ٣١٦).","vol":"1","page":268},{"text":"(المبحث الخامس)\nإكمال نقل إجماع أهل العلم من المفسرين على أن الآية رخصة وليست تشريعًا لفريضة الحجاب","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>(المبحث الخامس)\nإكمال نقل إجماع المفسرين على أن الآية رخصة وليست تشريعًا لفريضة الحجاب</span>\n١ - الإمام الخازن في تفسيره (ت: ٧٤١ هـ):\nقال في قوله تعالى: (﴿ولا يبدين﴾ يعني لا يظهرن ﴿زينتهن﴾ يعني لغير المحرم ... فما كان من الزينة الظاهرة يجوز للرجل الأجنبي النظر إليه للضرورة مثل تحمل الشهادة ونحوه من الضرورات إذا لم يخف فتنة وشهوة فإن خاف شيئا من ذلك غض البصر وإنما رخص في هذا القدر للمرأة أن تبديه من بدنها لأنه ليس بعورة وتؤمر بكشفه في الصلاة وسائر بدنها عورة) انتهى.\nوقوله: (وإنما رخص في هذا القدر للمرأة أن تبديه من بدنها لأنه ليس بعورة وتؤمر بكشفه في الصلاة) هو نفس استدلال الطبري في قوله (وأولى الأقوال) أي من قال الوجه والكفان لأنه ليس بعورة ولأنه ينكشف بالإجماع في صلاتها، ولأنه الغالب فيما تحتاجه عند الضرورة فلا يزاد عليه ولم يقصدوا التحديد المطلق فقد تحتاج في الضروريات لكشف شيء من زينتها أكثر من الوجه والكفين أو أقل.\nكما أن كلامه يوضح لك أمورا عديدة مما سبق وقلناه في معنى قولهم خوف الفتنة والشهوة وأنه لناظر مخصوص يجوز نظره كالشاهد","vol":"1","page":271},{"text":"ونحوه، لا أنهم يعنون خوف الفتنة من عموم الناس فهذا متعذر ولا قائل به بهذا المعنى. فتأمل كلامه تفهم مقاصد الأئمة.\nكما أن كلامه واضح في عدم جواز كشف المرأة لوجهها وكفيها إلا في حال الضرورات وكررها مرتين، والإمام الخازن كما رأيت مذهبه ممن لا يعدون الوجه عورة ومع ذلك لم يجوز ظهورهما إلا للضروريات، لأن علة التحريم وإن لم تكن العورة فلخشية الفتنة والشهوة، فكان فهمهم للآية الكريمة كما فهمها من قال الوجه عورة، لا فرق بينهم البتة في أنها رخصة سومح للمرأة في إظهار زينتها مؤقتا في بعض الأحوال.\nوحتى لا يتوسع الناس عند الرخصة فتظهر المرأة ساعدها أو بعض شعرها أو نحرها وغير ذلك مما تظهره اليوم الفاسقات بدون حاجة قالوا: (وإنما رخص في هذا القدر للمرأة أن تبديه من بدنها لأنه ليس بعورة وتؤمر بكشفه في الصلاة وسائر بدنها عورة) وقوله: (ليس بعورة) كما قلنا هذا بناء على أصولهم، وجاء بها هنا ليحدد ما الذي تكشفه وليحتاطوا في الأخذ بالرخص وبعضهم حدد هذا القدر بأمور أخرى منها (ما يظهر منها عادة وعبادة) واستئناسهم بحديث (أسماء وعائشة).","vol":"1","page":272},{"text":"٢ - تفسير القشيري (ت: ٤٦٥ هـ):\n(قوله: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾: ما أباح الله سبحانه على بيان مسائل الفقه فمستثنى من الحظر، وما وراء ذلك فالواجب عليهن حفظ أنفسهن عن العقوبات في الآجل، والتصاون عن أن يكون سببا لفتنة قلوب عباده. والله سبحانه يتصل منهم نفع بالخلق فلا تصيب أحدا بهم فتنة. وفي الجملة ما فيه زينة العبد لا يجوز إظهاره؛ فكما أن للنساء عورة ولا يجوز لهن إبداء زينتهن فكذلك من ظهر للخلق ما هو زينة سرائره من صفاء أحواله وزكاء أعماله انقلب زينه شيئا إلا ظهر على أحد شيء - لا بتعمده ولا بتكلفه - فذلك مستثنى لأنه غير مؤاخذ بما لم يكن بتصرفه وتكلفه، فذوات المحارم على تفصيل بيان الشريعة يستثنى حكمهن عن الحظر) انتهى كلامه.\nوقوله: (وما وراء ذلك فالواجب عليهن حفظ أنفسهن عن العقوبات في الأجل، والتصاون عن أن يكون سببا لفتنة قلوب عباده) أي ما وراء ما حدد على بيان مسائل الفقه وهو الوجه والكفان مما يجوز لها أن تبديه، وقد نص على ذلك الفقهاء في أكثر من باب من أبواب الفقه كأبواب الشهادة والبيوع والنكاح وغير ذلك فما وراء ذلك مما ذكروه في الغالب\nلمعرفة شخصها فالواجب التصون حتى لا يفهم من إطلاق إبداء الزينة أنه يجوز غير ذلك في مثل تلك الأحوال.","vol":"1","page":273},{"text":"٣ - تفسير الكشف والبيان للثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ):\n﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ ولا يظهرن لغير محرم زينتهن، وهما زينتان: إحداهما ما خفي كالخلخالين والقرطين والقلائد والمعاصم ونحوها، والأخرى ما ظهر منها، واختلف العلماء في الزينة الظاهرة التي استثنى الله سبحانه ورخّص فيها فقال ابن مسعود: هي الثياب، وعنه أيضا: الرداء، ودليل هذا التأويل قوله سبحانه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] أي ثيابكم. وقال ابن عباس وأصحابه: الكحل والخاتم والسوار والخضاب، الضحّاك والأوزاعي: الوجه والكفان، الحسن: الوجه والثياب.\nروت عائشة عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت أن تظهر إلا وجهها ويدها إلى هاهنا» وقبض على نصف الذراع، وإنما رخّص الله سبحانه ورخّص رسوله في هذا القدر من بدن المرأة أن تبديها لأنه ليس بعورة، فيجوز لها كشفه في الصلاة، وسائر بدنها عورة فيلزمها ستره) انتهى.\nوقوله: (وإنما رخّص الله سبحانه ورخّص رسوله في هذا القدر من بدن المرأة أن تبديها لأنه ليس بعورة، فيجوز لها كشفه في الصلاة، وسائر بدنها عورة فيلزمها ستره) والرخصة لا تكون إلا عن فرض، وعلى قدر الحاجة من ناظر أجنبي له غرض في النظر إليها ولهذا درج الفقهاء والمفسرون على تحديده ذلك القدر بالوجه والكفين لأنهما ليسا بعورة عندهم ولأنه يجوز كشفه في الصلاة، ولحديث أسماء وعائشة","vol":"1","page":274},{"text":"وكيف كان فهمهم له أنه عند الرخص، (تبديها) فهو ليس باديًا في كل وقت، وقال بذلك أيضًا جمع من أهل العلم لا يحصى، فتنبه ولا تحسب أنهم يتكلمون في سفور المرأة لوجهها.\n\n٤ - تفسير السراج المنير للعلامة الخطيب الشربيني (ت: ٩٧٧ هـ):\nقال: (﴿إلا ما ظهر منها﴾ أي: من الزينة الظاهرة، واختلف أهل العلم في هذه الزينة التي استثناها الله تعالى فقال سعيد بن جبير وجماعة: هي الوجه والكفان، وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: هي الثياب، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هي الكحل والخاتم والخضاب في الكف. فما كان من الزينة الظاهرة، يجوز للأجنبي النظر إليها إن لم يخف فتنة في أحد وجهين: وعليه الأكثر وإنما رخص في هذا القدر للمرأة أن تبديه من بدنها لأنه ليس بعورة في الصلاة وسائر بدنها عورة فيها، ولأن سترها فيه حرج، فإن المرأة لا تجد بدا من مزاولة الأشياء بيديها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصا في الشهادة والمحاكمة والنكاح وتضطر إلى المشي في الطرقات وخاصة الفقيرات.\nوالوجه الثاني: يحرم، لأنه محل الفتنة ورجح حسمًا للباب) انتهى.\nوقوله (وإنما رخص في هذا القدر ...) فهذا أيضا لتعلم فيما يتكلمون فيه فلا يأتي أحد ويستشهد من الرخص التي تباح في حالات الحاجة والضرورة لتكون حكمًا أصليًا فيما فرضه الله من الحجاب على النساء في أحوالهن العادية.","vol":"1","page":275},{"text":"قوله: (والوجه الثاني يحرم) وهو إذا ما خاف الفتنة فلم يجوزوا له النظر ولو لحاجة وضرورة (لأنه محل الفتنة ورجح حسمًا للباب) فلا يُفهم من قوله (حسمًا للباب) ومثله ما مر معنا (والمنع في زماننا أوجب) ونحو ذلك أن النساء من الصحابة وغيرهن كن في السابق سافرات وجاء قوم ومنعوه خشية الفتنة وحسما للباب، لا. هذا غلط فاحش وتحريف وتبديل وتصحيف للحقائق ولم يُعرف في دين الله أن كل واحد يشرع فيه بهواه وما يناسبه فهذا ليس مقصد الأئمة المتقدمين بتاتًا، وحاشاهم من ذلك، بل لا يعتقد ذلك منهم من يعرف قدرهم ومكانتهم، وإنما قصدوا ترجيح جزئية خلافية احتياطًا وحسمًا للباب وأخذًا بالأصل العام وهو (لأنه محل الفتنة) باتفاق، أو كما قالوا هناك (اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) فقولهم (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) ليس راجعًا كما بينا عند مبحث الفقهاء لاتفاقهم بل هو راجع إلى ما اختلفوا فيه من جزئيات قبل قولهم بالاتفاق فمن احتاط ومنع وشدد أستند لأصل (اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه) أو للأصل الآخر (لأنه محل الفتنة) ثم بعدها قالوا نحو عباراتهم (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) أو (ورجح حسمًا للباب).\nوهنا كذلك فقد مر معنا كثيرًا، أنهم كانوا يشترطون لرؤية الأجنبي شرطًا زائدًا على الضرورة وهو شرط (أمن الفتنة والشهوة) عند النظر، ففصل كما في الوجه الأول الذي قدم ذكره وهو إذا لم يخف فتنة فيجوز، ولاحظ قوله (وعليه الأكثر) فمع أمن الفتنة والحاجة لم","vol":"1","page":276},{"text":"يجوزه كلهم كما قال! فإن من المتقدمين من منع الخاطب من النظر لمن أراد خطبتها ومنهم من منع الشابات من التكشف عند التبايع ونحو ذلك لأن الفتنة بهن أكثر ولأن أكثر تلك البيوع ونحوها ليست بالضرورية الملحة أو يمكن أن يستغنى فيها بغيرها، ثم أيد قول (الأكثر) وبين أمثلة على الأسباب المبيحة للجواز كمثل (الحاجة إلى كشف وجهها خصوصًا في الشهادة والمحاكمة والنكاح) ثم ذكر القدر الذي يجوز في غالب تلك الأحوال وهو الوجه والكفان كما ذكرها الطبري والقرطبي والبغوي وغيرهم كثير، ودلل على هذا القدر لمن طالبه بالدليل (لأنه ليس بعورة في الصلاة وسائر بدنها عورة فيها).\nثم ذكر الوجه الثاني وهو في ما لو خُشي منه أو عليه الفتنة (يحرم لأنه محل الفتنة ورجح حسمًا للباب) لأن هناك من أجازه كما لو لم يكن هناك غيره لأداء الحقوق والمصالح أو إظهار الحق لصاحبه فلا بأس مع خشية الفتنة والشهوة للعذر الأشد إذا لو أمكن بغيره لم يجوزه بعضهم، وهذه مسألة أخرى أيضا في باب النظر عندهم.\nفلا يجوز أن يفهم من مثل عباراتهم تلك كقولهم (ورجح حسمًا للباب) و(لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) أختلافهم في أصل فريضة الحجاب أو جواز من يحلل ويحرم في دين الله من عند نفسه فهذا الدين صالح في كل زمان ومكان، وهو الذي ارتضاه الله لنا كما ارتضاه لمن قبلنا محمد - ﷺ - وصحابته الكرام.","vol":"1","page":277},{"text":"٥ - نظم الدرر في تناسب الآيات والسور البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ):\n(﴿ولا يبدين زينتهن﴾ أي كالحلي والفاخر من الثياب فكيف بما وراءها ﴿إلا ما ظهر منها﴾ أي كان بحيث يظهر فيشق التحرز في إخفائه فبدا من غير قصد كالسوار والخاتم والكحل فإنها لا بد لها من مزاولة حاجتها بيدها ومن كشف وجهها في الشهادة ونحوها) انتهى.\nقوله (ومن كشف وجهها في الشهادة ونحوها) ومن صريح العبارة ما يغني عن الإطالة لتفهم أخي الكريم فيما يتكلمون وأنهم يتكلمون في مستورِ رُخِص في كشفه كمثل عند الشهادة ونحوها، وهذا ما فهموه من الآية الكريمة، لا أنه في أصله مكشوف فتنبه.\n\n٦ - تفسير النسفي (ت: ٧١٠ هـ):\nقال: (وإنما قدم غض الأبصار على حفظ الفروج لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور فبذر الهوى طموح العين .... . ﴿إلا ما ظهر منها﴾ إلا ماجرت العادة والجبلة على ظهوره وهو الوجه والكفان والقدمان ففى سترها حرج بين فإن المرأة لا تجد بدا من مزاولة الأشياء بيديها ومن إلى كشف وجهها خصوصا في الشهادة والمحاكمة والنكاح وتضطر إلى المشى في الطرقات وظهور قدميها وخاصة الفقيرات) انتهى.\nوقوله: (ففى سترها حرج بين) وهذا من رحمة الله بعباده أن رفع عنهم الحرج والعنت بهذه الآية الكريمة، حيث لم يكن بعد نزول أول آيات الحجاب في سورة الأحزاب أي رخصة أو عذر لأن تكشف المرأة شيئا من زينتها حتى أنزل الله هذه الآيات الكريمات رخصة للعباد.","vol":"1","page":278},{"text":"٧ - قال ابن كثير ﵀ في تفسيره:\n(وَقَوْله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي لا يُظْهِرْنَ شَيْئًا مِنْ الزِّينَة للأجانب إلا مَا لا يُمْكِن إخفاؤه قَالَ ابن مَسْعُود: كَالرِّدَاءِ وَالثِّيَاب يَعْنِي عَلَى مَا كان يَتَعَاطَاهُ نِسَاء الْعَرَب مِنْ المقنعة التي تُجَلِّل ثِيَابهَا وَمَا يَبْدُو مِنْ أَسَافِل الثِّيَاب فَلَا حَرَج عَلَيْهَا فِيهِ لأن هَذَا لا يُمْكِنهَا إخفاؤه وَنَظِيره فِي زِيّ النِّسَاء مَا يَظْهَر مِنْ إِزَارهَا وَمَا لا يُمْكِن إخفاؤه وَقَالَ بِقَوْلِ ابن مَسْعُود الْحَسَن وَابن سِيرِينَ وَأبو الْجَوْزَاء وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَغَيْرهمْ وَقَالَ الأعمش عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ ابن عَبَّاس: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: وَجْههَا وَكَفَّيْهَا وَالخاتم. وَرُوِيَ عَنْ ابن عُمَر وَعَطَاء وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَأبي الشَّعْثَاء وَالضَّحَّاك وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَغَيْره نَحْو ذَلِكَ وَهَذَا يَحْتَمِل أن يَكُون تَفْسِيرًا لِلزِّينَةِ التي نُهِينَ عَنْ إبدائها كَمَا قَالَ أبو إِسْحَاق السَّبِيعِيّ عَنْ أبي الأحوص عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ فِي قَوْله: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزِّينَة الْقُرْط وَالدُّمْلُوج وَالخلخال وَالْقلادَة وَفِي رواية عَنْهُ بِهَذَا الإسناد قَالَ: الزِّينَة زينتان فَزِينَة لا يَرَاهَا إلا الزَّوْج: الخاتم وَالسِّوَار وَزِينَة يَرَاهَا الأجانب وَهِيَ الظَّاهِر مِنْ الثِّيَاب وَقَالَ الزُّهْرِيّ: لا يُبْدِينَ لِهَؤُلاءِ الذين سَمَّى اللَّه مِمَّنْ لا يَحِلّ لَهُ إلا الأسْوِرَة وَالأخمِرَة وَالأقْرِطَة مِنْ غَيْر حَسْر وَأما عامة النَّاس فلا يَبْدُو مِنْهَا إلا الخوَاتِم وَقَالَ مَالِك عَنْ الزُّهْرِيّ ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: الخاتم وَالخلخال.\nوَيُحْتَمَل أن ابن عَبَّاس وَمَنْ تَابَعَهُ أرادوا تَفْسِير مَا ظَهَرَ","vol":"1","page":279},{"text":"مِنْهَا بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَهَذَا هُوَ المشهور عِنْد الْجُمْهُور وَيُسْتَأنس لَهُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أبو داود فِي سُنَنه حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن كَعْب الأنطَاكِيّ وَمُؤَمَّل بْن الْفَضْل الْحَرَّانيّ قَالا: حَدَّثَنَا الْوَلِيد عَنْ سَعِيد بْن بَشِير عَنْ قَتَادَة عَنْ خَالِد بْن دُرَيْك عَنْ عَائِشَة ﵂: أن أسماء بِنْت أبي بَكْر دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيّ - ﷺ - وَعَلَيْهَا ثِيَاب رِقَاق فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَقَالَ: «يَا أسماء أن المرأة إذا بَلَغَتْ المحيض لَمْ يَصْلُح أن يُرَى مِنْهَا إلا هَذَا وَأَشَارَ إلى وَجْهه وَكَفَّيْهِ» لَكِنْ قَالَ أبو داود وَأبو حَاتِم الرَّازِيّ هُوَ مُرْسَل. خَالِد بْن دُرَيْك لَمْ يَسْمَع مِنْ عَائِشَة ﵂، وَاَللَّه أَعْلَم) انتهى كلام ابن كثير.\nوقوله: (وَهَذَا هُوَ المشهور عِنْد الْجُمْهُور وَيُسْتَأنس لَهُ بِالْحَدِيثِ) نعم فقد مر معنا أن أغلب المفسرين والفقهاء حددوا الوجه والكفين فيما يظهر من المرأة في الغالب من الحالات التي تحتاج النساء فيها للكشف عن زينتهن كما مثل لها الفقهاء في الشهادة وعند التقاضي وفي البيوع لمعرفة شخصها ونحو ذلك، ليحتاطوا من تساهل الناس في الرخصة لهذا قال الإمام ابن كثير: (وَيُسْتَأنس لَهُ بِالْحَدِيثِ) أي في تحديد القدر بالوجه والكفين بحديث عائشة مع أسماء، وهو بنفس الاستدلال مع من قبله، وقوله: (ويُسْتَأنس) لأن الحديث حسب فهم المتقدمين حملوه في باب الرخص وفي الصلاة فلا: (يَصْلُح أن يُرَى مِنْهَا إلا هَذَا) كما أنه ليس بصحيح سندا كما بينة ابن كثير، ولهذا فيحمل على ما فهمه المتقدمون من أهل العلم وأئمة الإسلام على مر عصورهم وهو ما يباح أن يظهر منها حين الضرورة الغالبة كالتي مثل لها الفقهاء أو في ما","vol":"1","page":280},{"text":"يظهر منها في الصلاة، لأنه لم يأتِ عنهم أن أحدا قال فيه أنه دليل لجواز أن تكشف المرأة عن وجهها في أحوالها العادية كما يقوله اليوم أهل السفور. وقوله: (وَجْههَا وَكَفَّيْهَا ...\nوَهَذَا يَحْتَمِل أن يَكُون تَفْسِيرًا لِلزِّينَةِ التي نُهِينَ عَنْ إبدائها) فهو بعد أن فرغ من ذكر أن الآية جاءت رخصة (أي لا يُظْهِرْنَ شَيْئًا مِنْ الزِّينَة للأجانب إلا مَا لا يُمْكِن إخفاؤه) ثم ذكر الأقوال عن ابن مسعود وابن عباس أيضا ثم لما انتهى، أتى بعد ذلك بالاحتمال الآخر (أن يَكُون تَفْسِيرًا لِلزِّينَةِ التي نُهِينَ عَنْ إبدائها) والحق أنه وإن كان احتمالًا ممكنًا ولا يخرج ولا يضاد المعنى العام من الآية إلا أنه ضعيف كما ألمح هو بقوله: (يحتمل)؛ لأنه مخالف لمعنى الآية ودلالتها القطعية من كونها جاءت رخصة وتوسعة ولو صح هذا الاحتمال الذي قاله لا يكون هناك رخصة ولا توسعة، بل يكون فيه شدة وعنت كمن منع النظر للنساء عند الحاجة والضرورة، وأيضا لا تكون الآية بهذا الاحتمال قد أضافت شيئا على ما سبق ونزل في أول شأن الحجاب من الأمر بستر الزينة وهو بالطبع نهي عن إبدائها، فكيف يكون هنا كذلك نهي عن إبدائها؟ لهذا قدم ﵀ القول الأول من كونها رخصة.","vol":"1","page":281},{"text":"٨ - قال في تفسير الكشاف للزمخشري - الحنفي - (ت: ٥٣٨ هـ):\n(فإن قلت: لم سومح مطلقًا في الزينة الظاهرة؟ (١)، قلت: لأن سترها فيه حرج فإن المرأة لا تجد بدًّا من مزاولة الأشياء بيديها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها، خصوصًا في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها، وخاصة الفقيرات منهنّ، وهذا معنى قوله: ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعني إلا ما جرت العادة والجبلة على ظهوره والأصل فيه الظهور.\nوإنما سومح في الزينة الخفية، أولئك المذكورون (٢)، لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطرة إلى مداخلتهم ومخالطتهم، ولقلة توقع الفتنة من جهاتهم، ولما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ذلك) انتهى كلامه رجمه الله.\n_________\n(١) الزينة الظاهرة: يقصدون بها الوجه والكفين، وبعضهم قال والقدمين، لانها أكثر ما تبتلى المرأة بظهوره عادة وعبادة وضرورة، ولهذا اختلفوا في القدمين.\n(٢) قصده ﴿إلا لبعولتهن أو آبائهن ٠٠﴾.","vol":"1","page":282},{"text":"٩ - قال في إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود (ت: ٩٥١ هـ):\n﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ عند مزاولة الأمور التي لا بُدَّ منها عادةً كالخاتم والكُحلِ والخضاب ونحوها فإن في سترِها حَرَجًا بينًا. وقيلَ: المراد بالزِّينةِ مواضعُها على حذفِ المضافِ أو ما يعمُّ المحاسن الخلقية والتَّزينيةَ. والمستثنى هو الوجهُ والكفان لأنها ليستْ بعورةٍ ... ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ كرر النهي لاستثناء بعضِ موادِّ الرُّخصةِ عنه باعتبار النَّاظرِ بعد ما استُثني عنه بعضُ موادِّ الضَّرورةِ باعتبار المنظور ﴿إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ فإنهم المقصودون بالزِّينة ولهم أن ينظرُوا إلى جميع بدنهنَّ حتَّى الموضع المعهودِ ﴿أو آبائهن أو آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أو أبنائهن أو ...﴾ لكثرةِ المخالطة الضَّروريَّةِ بينهم وبينهنَّ وقلة توقع الفتنةِ من قبلهم لما في طباعِ الفريقينِ من النَّفرة عن مماسة القرائبِ ولهم أن ينظرُوا منهنَّ ما يبدُو عند المهنةِ والخدمة. وعدمُ ذكرِ الأعمام والأخوالِ لما أن الأحوط أن يتسترن عنهم حذارًا من أن يصفوهنَّ لأبنائهم) انتهى.\nقوله (كرر النهي لاستثناء بعضِ موادِّ الرُّخصةِ عنه باعتبار النَّاظرِ بعد ما استُثني عنه بعضُ موادِّ الضَّرورةِ باعتبار المنظور) وهذا كلام في غاية البلاغة والدقة والإيجاز منه ﵀، وهو أن قوله تعالى في النهي الأول: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ كان استثناء عن بعض مواد الضرورة باعتبار المنظور. وكرر النهي الثاني: ﴿إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أو","vol":"1","page":283},{"text":"آبائهن أو آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أو أبنائهن أو ...﴾ لاستثناء بعض مواد الرخصة عنه باعتبار الناظرين.\nقوله: (وقلة توقع الفتنةِ من قبلهم) وهنا يبين لك العلة في التحريم عند من قال أن الوجه والكفان ليسا من العورة، فهم يوجبون ستره لعلة أخرى وهي الفتنة والشهوة.\n\n١٠ - قال في تفسير غرائب القرآن للنيسابوري (ت: ٧٢٨ هـ):\n(قال الفقهاء: العورات على أربعة أقسام:\nأما عورة المرأة مع الرجل فإن كانت أجنبية حرة فجيمع بدنها عورة لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إخراج الكف للأخذ والإعطاء. ويعني بالكف ظهرها وبطنها إلى الكوعين. وقيل: ظهر الكف عورة. وفي هذا المقام تفصيل: قال العلماء: لا يجوز أن يعمد النظر إلى وجه الأجنبية بغير غرض فإن وقع بصره عليها بغتة غض بصره لقوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ ولقوله - ﷺ -: «يا علي لا تتبع النظرة النظرة» فإن كان هناك غرض ولا شهوة ولا فتنة فذاك والغرض أمور منها: (١)\n_________\n(١) كما ترى قولهم شهوة وفتنة ونحو ذلك من أمن الفتنة هو لناظر مخصوص كما هنا في قوله: (غرض) ثم حدد أمثلة لتلك الأغراض ولبيان العلة عندهم في التحريم.","vol":"1","page":284},{"text":"- أن يريد نكاح امرأة فينظر إلى وجهها وكفها. روى أبو هريرة «أن رجلًا أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار فقال له رسول الله - ﷺ -: انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئًا».\n- ومنها إذا أراد شراء جارية فله أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها.\n- ومنها أنه عند المبايعة ينظر إلى وجهها متأملًا حتى يعرفها عند الحاجة.\n- ومنها أنه ينظر إليها عند تحمل الشهادة ولا ينظر إلا إلى الوجه لأن المعرفة تحصل به.\n- ومنها يجوز للطبيب الأمين أن ينظر إلى بدن الأجنبية للمعالجة. كما يجوز للخاتن أن ينظر إلى فرج المختون لأنه محل ضرورة. وكما يجوز أن ينظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة، وإلى فرجها لتحمل شهادة الولادة إذا لم تكن نسوة، وإلى ثدي المرضعة لتحمل الشهادة على الرضاع.\nفإن كان هناك شهوة وفتنة فالنظر محظور قال - ﷺ -: «العينان تزنيان» وقيل: مكتوب في التوراة: النظر يزرع الشهوة في القلب ورب شهوة أورثت حزنًا طويلًا.\n- ويستثنى منه ما لو وقعت في حرق أو غرق فله أن ينظر إلى بدنها ليخلصها.\nقوله: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ إلا ما يظهره الإنسان على العادة الجارية وذلك في النساء الحرائر الوجه والكفان، وفي الإماء كل ما يبدو عند","vol":"1","page":285},{"text":"المهنة. وفي صوتها خلاف الأصح أنه ليس بعورة لأن نساء النبي - ﷺ - يروين الأخبار للرجال ...) انتهى من تفسير النيسابوري.\nوانظر قوله (إبراز) و(إخراج) (ولا ينظر إلا إلى الوجه لأن المعرفة تحصل به) كلها تدل أن هذه الأشياء تكون عند الرجال مستورة لا مكشوفة، وإلا ما قالوا إبراز ولا إخراج ولا المعرفه تحصل به، وهو في الأصل مكشوف، فاتقوا الله يا من لبِّس عليهم الأمر لا ترموا بهذه النصوص والآثار والمعاني وتنسبوا لأهل العلم ما هم منه براء.\n\n١١ - تفسير مفاتيح الغيب للإمام الرازي (م: ٥٤٣ - ت: ٦٠٦ هـ):\n(أما عورة المرأة مع الرجل فالمرأة أما أن تكون أجنبية أو ذات رحم محرم، أو مستمتعة، فإن كانت أجنبية فإما أن تكون حرة أو أمة فإن كانت حرة فجميع بدنها عورة، ولا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين، لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه في البيع والشراء، وإلى إخراج الكف للأخذ والعطاء، ونعني بالكف ظهرها وبطنها إلى الكوعين، وقيل ظهر الكف عورة (١).\nواعلم أنا ذكرنا أنه لا يجوز النظر إلى شيء من بدنها، ويجوز النظر إلى وجهها وكفها، وفي كل واحد من القولين استثناء. أما قوله: يجوز النظر إلى وجهها وكفها، فاعلم أنه على ثلاثة أقسام:\n- إما أن لا يكون فيه غرض ولا فيه فتنة.\n_________\n(١) هل يقول بهذا دعاة السفور اليوم؟ لتعلم أن هؤلاء يتكلمون في واد وأهل السفور يحسبون أنهم يحسنون صنعا فيظنون أنهم معهم وأن لهم سلف، وهم في الحقيقة في واد ثانٍ.","vol":"1","page":286},{"text":"- وإما أن يكون فيه فتنة ولا غرض فيه.\n- وإما أن يكون فيه فتنة وغرض.\nأما القسم الأول: فاعلم أنه لا يجوز أن يتعمد النظر إلى وجه الأجنبية لغير غرض (١) وإن وقع بصره عليها بغتة يغض بصره، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ وقيل يجوز مرة واحدة إذا لم يكن محل فتنة، وبه قال أبو حنيفة ﵀ ولا يجوز أن يكرر النظر إليها لقوله تعالى: ﴿إن السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أولائِكَ كان عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ... ولأن الغالب أن الاحتراز عن الأولى لا يمكن فوقع عفوًا قصد أو لم يقصد.\nأما القسم الثاني: وهو أن يكون فيه غرض ولا فتنة فيه فذاك أمور:\nأحدها: بأن يريد نكاح امرأة فينظر إلى وجهها وكفيها، روى أبو هريرة ﵁: «أن رجلًا أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار فقال له رسول الله - ﷺ -: انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئًا» ... فكل ذلك يدل على جواز النظر إلى وجهها وكفيها للشهوة إذا أراد أن يتزوجها، ويدل عليه أيضا قوله تعالى: ﴿لاَّ يَحِلُّ لَكَ النّسَاء مِن بَعْدُ وَلاَ أن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢] ولا يعجبه حسنهن إلا بعد رؤية وجوههن.\nوثانيها: إذا أراد شراء جارية فله أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها.\n_________\n(١) أي من غير حاجة أو سبب.","vol":"1","page":287},{"text":"وثالثها: أنه عند المبايعة ينظر إلى وجهها متأملًا حتى يعرفها عند الحاجة إليه.\nورابعها: ينظر إليها عند تحمل الشهادة ولا ينظر إلى غير الوجه لأن المعرفة تحصل به.\nأما القسم الثالث: وهو أن ينظر إليها للشهوة فذاك محظور، قال ﵊: «العينان تزنيان» ... .\nأما الكلام الثاني: وهو أنه لا يجوز للأجنبي النظر إلى بدن الأجنبية فقد استثنوا منه صورًا:\nإحداها: يجوز للطبيب الأمين أن ينظر إليها للمعالجة، كما يجوز للختان أن ينظر إلى فرج المختون، لأنه موضع ضرورة.\nوثانيتها: يجوز أن يتعمد النظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة على الزنا، وكذلك ينظر إلى فرجها لتحمل شهادة الولادة، وإلى ثدي المرضعة لتحمل الشهادة على الرضاع، وقال أبو سعيد الاصطخري لا يجوز للرجل أن يقصد النظر في هذه المواضع، لأن الزنا مندوب إلى ستره، وفي الولادة والرضاع تقبل شهادة النساء فلا حاجة إلى نظر الرجال للشهادة. وثالثتها: لو وقعت في غرق أو حرق فله أن ينظر إلى بدنها ليخلصها) انتهى كلام الرازي.","vol":"1","page":288},{"text":"١٢ - زاد المسير لابن الجوزي - حنبلي - (ت: ٥٩٧ هـ):\nقوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ قال القاضي أبو يعلى والقول الأول أشبه وقد نص عليه أحمد فقال الزينة الظاهرة الثياب وكل شيء منها عورة حتى الظفر ويفيد هذا تحريم النظر إلى شيء من الأجنبيات لغير عذر فإن كان لعذر مثل أن يريد أن يتزوجها أو يشهد عليها فإنه ينظر في الحالين إلى وجهها خاصة فأما النظر إليها بغيرعذر فلا يجوز لا لشهوة ولا لغيرها وسواء في ذلك الوجه والكفان وغيرهما من البدن.\nفإن قيل فلم لا تبطل الصلاة بكشف وجهها فالجواب أن في تغطيته مشقة فعفي عنه) انتهى من زاد المسير.\nوكلامه هو نفس كلام الفقهاء والمفسرين ممن يقولون أن الوجه والكفين ليسا بعورة لا تجد فيه أي اختلاف حقيقي.\nقوله (فإن قيل فلم لا تبطل الصلاة ...) يَرُدُ ابن الجوزي على سؤال للمعترضين عليهم بكون العلة أن الوجه عورة مفاده كيف تقولون أن الوجه عورة، والمعروف أن العورة لو كشفت في الصلاة بطلت؟ (فالجواب أن في تغطيته مشقة فعفي عنه).\nوالحق أن هذا أيضا لا يُسلم له كما لا يُسلم لمن استدل على أنهما ليسا من العورة لكونهما ينكشفان في الصلاة.\nلأن عورة الصلاة تختلف عن عورة النظر، فالمرأة ولو كانت خالية في بيتها وأرادت الصلاة فالواجب عليها تغطية شعرها وساقيها، ومعلوم أن ذلك ليس بعورة عند خلو الأجانب، وكذلك الرجل لو كان خاليا لوحده لم يجب عليه ستر فخذيه ولا ركبتيه، ولكن لو قام يصلي فإنه مأمور","vol":"1","page":289},{"text":"بستر ذلك في صلاته، فأحكام العورة في الصلاة أو الحج لا يمكن قياسها على عورتها عند النظر من الأجانب، لا طردًا ولاعكسًا، ولشيخ الإسلام وتلميذه ابن قيم الجوزية كلام نفيس في ذلك.\n\n١٣ - روح المعاني للإمام الألوسي:\nقال: (وأيضا لو كان المراد من الزينة موقعها للزم أن يحل للأجانب النظر إلى ما ظهر من ما وقع الزين الظاهرة وهذا باطل لأن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة ... قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ رقعة الوجه وباطن الكف، وأخرجا عن ابن عمر أنه قال: الوجه والكفان ولعل القدمين عندهما كالكفين إلا أنهما لم يذكراهما اكتفاء بالعلم بالمقايسة فإن الحرج في سترهما أشد من الحرج في ستر الكفين لا سيما بالنسبة إلى أكثر نساء العرب الفقيرات اللاتي يمشين لقضاء مصالحهن في الطرقات، ومذهب الشافعي عليه الرحمة كما في الزواجر أن الوجه والكفين ظهرهما وبطنهما إلى الكوعين عورة في النظر من المرأة ولو أمة على الأصح، وإن كانا ليسا عورة من الحرة في الصلاة ... وذكر في الزواجر حرمة نظر سائر ما انفصل من المرأة لأن رؤية البعض ربما جر إلى رؤية الكل فكان اللائق حرمة نظره أيضا بل قال: حرم أئمتنا النظر لقلامة ظفر المرأة المنفصلة ولو","vol":"1","page":290},{"text":"من يدها (١)، وذهب بعض الشافعية إلى حل النظر إلى الوجه والكف إن أمنت الفتنة وليس بمعول عليه عندهم، وفسر بعض أجلتهم ما ظهر بالوجه والكفين بعد أن ساق الآية دليلا على أن عورة الحرة ما سواهما وعلل حرمة نظرهما بمظنة الفتنة فدل ذلك على أنه ليس كل ما يحرم نظره عورة ... ويكون المعنى أن ما ظهر منها من غير إظهار كأن كشفته الريح مثلا فهن غير مؤاخذات به في دار الجزاء، وفي حكم ذلك ما لزم إظهاره لنحو تحمل شهادة ومعالجة طبيب ... وقال ابن بحر: الزينة تقع على محاسن الخلق التي فعلها الله تعالى وعلى ما يتزين به من فضل لباس، والمراد في الآية النهي عن إبداء ذلك لمن ليس بمحرم واستثنى ما لا يمكن إخفاؤه في بعض الأوقات كالوجه والأطراف) انتهى تفسير الألوسي.\nوهذا الكلام من ابن بحر هو ما عليه إجماع العلماء من المفسرين والفقهاء كما مر بنا، وكلام الألوسي هو في مجرد مناقشته لاصطلاحاتهم في العلل والمقاصد فمن قائل بعورة ومن قائل بمظنة خشية الفتنة. وقوله: (وعلل حرمة نظرهما بمظنة الفتنة فدل ذلك على أنه ليس كل ما يحرم نظره عورة) وهذه علة التحريم عند من لم يقل أن الوجه والكفين عورة فلا يلزم من عدم كونهما من العورة جواز كشفهما، لأن العلة عندهم هي الفتنة والشهوة وهذه كافية للتحريم.\n_________\n(١) وهذا ما يبين لك شدة حرصهم على الستر والحجاب بحيث حرموا النظر لما انفصل من المرأة، فكيف يقال أن من بينهم من يقول بكشف المرأة لوجهها بلا سبب مبيح، ثم لا ينقل لنا نزاعهم كما هو اليوم.","vol":"1","page":291},{"text":"١٤ - تفسير الجواهر الحسان للثعالبي (ت: ٨٧٥ هـ):\n(قال ابن العربي في «أحكامه»: وكما لا يَحِلُّ للرجل أن ينظر إلى المرأة، لا يحل للمرأة أن تنظر إلى الرجلِ، فإن عَلاَقَتَهُ بها كعلاقتها به وقصدَه منها كقصدها منه، ثم استدل بحديث أم سلمة المتقدم، انتهى. وحفظ الفرج يَعُمُّ الفواحش، وسترَ العورة، وما دون ذلك مِمَّا فيه حفظ ثم أمر تعالى بألا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما يظهر من الزينة؛ قال ابن مسعود: ظاهر الزينة: هو الثياب. وقال ابن جبير وغيره: الوجه والكفان والثيابُ. وقيل: غير هذا. قال: زينتها *ع*: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبديَ، وأن تجتهدَ في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء في كُلِّ ما غلبها، فظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بُدَّ منه أو إصلاح شأن، فما ظهر على هذا الوجه فهو المعفو عنه) انتهى.\n\n١٥ - تفسير التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي (ت: ٧٤١ هـ):\n﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ نهى عن إظهار الزينة بالجملة ثم استثنى الظاهر منها، وهو ما لا بد من النظر إليه عند حركتها أو إصلاح شأنها وشبه ذلك فقيل: إلا ما ظهر منها يعني الثياب؛ فعلى هذا يجب ستر جميع جسدها، وقيل: الثياب والوجه والكفان، وهذا مذهب مالك لأنه أباح كشف وجهها وكفيها في الصلاة، وزاد أبو حنيفة القدمين) انتهى.","vol":"1","page":292},{"text":"نُسب لمن يقولون في تفسير الآية (الثياب) أو من يقولون (العورة) وكأنهم لا يرخصون في كشف الوجه ولو للضرورة ولهذا نُقل عنهم أنهم يقولون بمنع نظر الخاطب لمن أراد خطبتها فظنه المتأخرون أن كل من قال في تفسير الآية بالثياب وكأنهم هم من منع من ذلك وتشدد وقد سبق معنا عند تفسير أقوال الصحابة أن هذا لا يصح وإنما ذكر الثياب نوع من أنواع الزينة التي يجوز إظهارها عند الضرورة وإلا فمالك ﵀ وغيره منع الخاطب من النظر وهو ممن لا يعدون الوجه عورة، فقد يكون فيمن يقول الوجه والكفان ليسا بعورة ويكون أشد وأحرص في باب الرخص ممن قال بالعورة أو فسرها بالثياب.\n\n١٦ - وقال في تفسير بحر العلوم للسمرقندي (ت: ٣٧٥ هـ):\n(﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: وجهها وكفيها وهكذا قال إبراهيم النخعي وروي أيضا عن عائشة ﵂ أنها قالت: الوجه والكفان وهكذا قال الشعبي وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: الوجه والكفان وقال مجاهد الكحل والخضاب وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: الكحل والخاتم وروي عن ابن عباس في رواية أخرى إلا ما ظهر منها أي: فوق الثياب وروى أبو إسحاق عن ابن مسعود أنه قال ثيابها وروي عن ابن مسعود رواية أخرى أنه سئل عن قوله ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فتقنع عبد الله بن مسعود وغطى وجهه وأبدى عن إحدى عينيه) انتهى.","vol":"1","page":293},{"text":"١٧ - تفسير حقائق التفسير للسلمي (ت: ٤١٢ هـ):\nقال: (قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال الحسين: زينة الدنيا، وما فيها بالنسيان، والتأويل والشهوة، والنفس، والعدو، وأشباه ذلك فهذه زينة الدنيا فلا يبدين ولا يخفين شيئًا من هذه الأحوال إلا ما ظهر منها على حد الغفلة. قال بعضهم: الحكمة في هذه الآية لأهل المعرفة أنه من أظهر شيئًا من أفعاله إلا ما ظهر عليه من غير قصد له ...) انتهى كلامه.\nوإن كنا لا نقر على مثل هذا التفسير ولدينا من تفاسير المتقدمين والمتأخرين في بيان أن الآية رخصة ولهذا قال صاحب تفسير النكت والعيون للإمام الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ): (وتأول بعض ... أصحاب الخواطر هذه الزينة بتأويلين:\nأحدهما: أنها الدنيا فلا يتظاهر بما أوتي منها ولا يتفاخر إلا بما ظهر منها ولم ينستر. الثاني: أنها الطاعة لا يتظاهر بها رياءً إلا ما ظهر منها ولم ينكتم. وهما بعيدان) انتهى كلامه.\nولكني أحببت أن أسوق بعض أقوال المتقدمين جدًا، وعلى اختلاف مذاهبهم ومشاربهم في فهمهم للآية حتى يعلم الجميع حقيقة الإجماع فيها، وأنها رخصة فيما ظهر منها عند الضرورة ورغمًا عنها.","vol":"1","page":294},{"text":"١٨ - تفسير البحر المحيط لأبي حيان (ت: ٧٥٤ هـ):\nقال: (وسومح في الزينة الظاهرة لأن سترها فيه حرج فإن المرأة لا تجد بُدًا من مزاولة الأشياء بيدها ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصا في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها خاصة الفقيرات منهن وهذا معنى قوله: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ يعني إلا ما جرت العادة والجبلة على ظهوره، والأصل فيه الظهور.\nوسومح في الزينة الخفية أولئك المذكورون (١)، لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطرة إلى مداخلتهم ومخالطتهم ولقلة توقع الفتنة من جهاتهم (٢)، ولما في الطباع من النفر عن مماسة القرائب، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ذلك ... وقال ابن بحر: الزينة تقع على محاسن الخلق التي فعلها الله وعلى ما يتزين به من فضل لباس، فنهاهن الله عن إبداء ذلك لمن ليس بمحرم واستثنى ما لا يمكن إخفاؤه في بعض الأوقات كالوجه والأطراف على غير التلذذ. وأنكر بعضهم إطلاق الزينة على الخلقة والأقرب دخوله في الزينة وأي زينة أحسن من خلق العضو في غاية الاعتدال والحسن) انتهى.\n_________\n(١) يقصد الأزواج والآباء وغيرهم ممن ذكرهم الله تعالى في النهي الثاني.\n(٢) وهذه هي علة التحريم عند من لم يقل أن الوجه عورة.","vol":"1","page":295},{"text":"١٩ - قال صاحب فتح القدير الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى:\n(وقال ابن عطية أن المرأة لا تبدي شيئا من الزينة وتخفي كل شيء من زينتها ووقع الاستثناء فيما يظهر منها بحكم الضرورة، ... قال القرطبي في تفسيره: الزينة على قسمين: خَلقية ومكتسبة فالخَلقية وجهها فإنه أصل الزينة والزينة المكتسبة ما تحاوله المرأة في تحسين خَلقها كالثياب والحُلي والكحل والخضاب ومنه قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم﴾ وقول الشاعر:\nيأخذن زينتهن أحسن ما ترى ... وإذا عطلن فهن خير عواطل)\nانتهى.\n٢٠ - وقال الشوكاني أيضًا في نيل الأوطار:\n(والحاصل: أن المرأة تبدي من مواضع الزينة ما تدعو الحاجة إليه عند مزاولة الأشياء والبيع والشراء والشهادة فيكون ذلك مستثنى من عموم النهي عن إبداء مواضع الزينة وهذا على فرض عدم ورود تفسير مرفوع وسيأتي في الباب الذي بعد هذا ما يدل على أن الوجه والكفين مما يستثني) انتهى كلامه.\nوانظر لفهم الإمام الشوكاني (هذا على فرض عدم ورود تفسير مرفوع) حيث فهموا من تفاسير السلف بالوجه والكفين أنها للرخصة والحاجة.\nوقصده بالباب الذي بعده قول المجد بن تيمية - حنبلي -: (باب أن المرأة عورة إلا الوجه والكفين وأن عبدها كمحرمها في نظر ما يبدو منها غالبًا).","vol":"1","page":296},{"text":"فالمجد ﵀ حنبلي المذهب ومع ذلك يقول أن الوجه والكفين ليسا بعورة كابن قدامة الحنبلي ومع ذلك أوجبوا على المرأة ستر وجهها كما مر معنا قوله في المغني. وهنا قوله: (وأن عبدها كمحرمها) حيث اختلف العلماء في جواز أن يرى العبد من سيدته أكثر من الوجه والكفين، فإذا كان محرمها وعبدها ينظران للوجه والكفين فهل يكون الأجنبي بدون حاجة ولا سبب ينظر لها كذلك؟ لتفهم قولهم ليس بعورة وما يبدو منها غالبًا أو عادة أو عبادة هو تحديد القدر مما يظهر عند الحاجة للأجنبي أو عبدها كما عند بعضهم وليس معناه أن تخرج للناس كاشفة الوجه فتأمل كلامهم.\n\n٢١ - قال الشيخ الشعراوي ﵀، وفيما أستشعره من معاني الآية: (ومن رحمة الله بالنساء أن قال بعد: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ..﴾ قال: ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ..﴾ [النور: ٣١] يعني: الأشياء الضرورية فالمرأة تحتاج لأن تمشي في الشارع فتظهر عينيها وربما فيها كحل مثلًا، وتظهر يدها وفيها خاتم أو حناء فلا مانع أن تُظهر مثل هذه الزينة الضرورية) (١).\n_________\n(١) تفسير خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي (ت: ١٤١٨ هـ).","vol":"1","page":297},{"text":"٢٢ - قال أبو هشام الأنصاري:\nكما في مجلة الجامعة السلفية عدد مايو، يونيو ١٩٧٨ م نقلًا عن كتاب عودة الحجاب حيث قال: (ومن هنا يُعرف أن كل زينة يمكن للمرأة إخفاؤها فهي مأمورة بإخفائها، سواء كان الوجه والكفان أو الكحل والخاتم والسواران، وأنها لو قصرت في إخفاء مثل هذه الزينة، وكشفتها تعمدًا تؤاخذ عليها، وأن كل زينة لا يمكن إخفاؤها مثل الثياب الظاهرة أو يمكن إخفاؤها ولكنها انكشفت من غير أن تتعمد المرأة لكشفها أو تشعر بانكشافها، فإنها لا تؤاخذ عليها، ولا تستحق عتابًا ما كما أنها لا تؤاخذ إذا كشفتها عمدًا لأجل حاجة أو مصلحة الجأتها إلى كشفها، فكان المرأة لم تباشر ولم تتعمد كشفها، وإنما الحاجة أو المصلحة هي التي كشفتها، فلا عتاب على المرأة، فقوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ في معنى قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]) (١) انتهى.\n\n٢٤ - تفسير أيسر التفاسير للعلامة أبو بكر الجزائري قال:\n(﴿إلا ما ظهر منها﴾: أي بالضرورة دون اختيار وذلك كالكفين لتناول شيئًا، والعين الواحدة أو الاثنتين للنظر بهما، والثياب الظاهرة كالخمار والعباءة) انتهى.\n_________\n(١) عودة الحجاب (٣/ ٢٧٦).","vol":"1","page":298},{"text":"٢٥ - قال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:\n(وبهذا يعلم وجوب تحجب المرأة وسترها لوجهها وأنه يحرم عليها إخراج شيء من بدنها وما عليها من أنواع الزينة مطلقا إلا ما ظهر من ذلك كله في حالة الاضطرار أو عن غير قصد كما سلف بيان ذلك وهذا التحريم جاء لدرء الفتنة. ومن قال بسواه أو دعا إليه فقد غلط وخالف الأدلة الشرعية ولا يجوز لأحد اتباع الهوى أو العادات المخالفة لشرع الله ﷾. لأن الإسلام هو دين الحق والهدى والعدالة في كل شيء، وفيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال والنهي عما يخالفها من مساوئ الأخلاق وسيئ الأعمال) (١) انتهى\nوأجدني أكتفي بما نقلته وإن كان فيه شيء من التطويل والنقل ولكن ليعلم الجميع اتفاق أهل العلم من الفقهاء والمفسرين على مر عصورهم على هذا الفهم لمعنى الآية، ولهذا فلو رجعوا لأقوالهم عند قوله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ لرأوا أنهم يقولون بالأمر بوجوب ستره، ولما شك في كلامهم أحد، فضلا عما قالوه عند قوله تعالى: ﴿وَالقواعد مِنَ النِّسَاءِ﴾ وغير ذلك، فكيف يتساهل البعض في أن يستبيح بعدها مخالفة أهل العلم كلهم وتحريف كلام الله ورسوله بأدنى التأويلات والاحتمالات؟ وكيف وسياق الآية وتاريخ نزولها وكونها جاءت بعد آية الإدناء وإجماع السلف وأهل التفسير على أنها الأمر\n_________\n(١) مجموع فتاوى ومقالات، الجزء الخامس (مشروعية الحجاب).","vol":"1","page":299},{"text":"للنساء بتغطية وجوههن، ثم ما جاء بعدها من الرخصة للقواعد، أكبر شاهد على أنها قد جاءت بالرخصة لغيرهن من النساء لأن يبدين من زينتهن ما تدعو الحاجة والضرورة إليه؟ ولا يمكن أن يقال أنها متعارضة مع ما قبلها مما في سورة الأحزاب أو أنها مجرد تكرار وكأنها لم تأتِ بشيء جديد عما جاء في آية الإدناء كما يلزم من قول أهل السفور اليوم هدانا الله وإياهم.","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>فائدة في حكمة التكرار في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾:</span>\nحيث تكررت مرتين:\nفمرة بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١].\nومرة ثانية بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهنَّ أو ..﴾ [النور: ٣١].\nففي كلا الحالتين نهي عن إبداء الزينة، فمن فسرها في المرة الأولى بالوجه والكفين فقط على مذهب أهل السفور وأنه هو ما تبديه للناس في أحوالها العادية لزمه أن يفسرها في المرة الثانية بالوجه والكفين ولا يزيد على ذلك فالزينة الأولى هي عين الزينة الثانية كما هو معروف في الأسلوب العربي: أنهم إذا ذكروا اسما معرفا ثم كرروه فهو هو فإذا كان الأمر كذلك فهل الزوج والأب والأبناء ومن ذكروا معهم في الآية لا يجوز لهم أن يرو من النساء إلا الوجه والكفين فقط؟ (١) قطعا لا. فمعلوم أنه يجوز للمرأة أن تكشف أكثر من الوجه والكفين للزوج والأب والأبناء وغيرهم من المذكورين في الآية، وحينئذ لا مفر لهم ولا يستقيم لهم الأمر بما يليق بكلام الخالق العظيم المبين، إلا بما ذكرناه من تفسير السلف لها وما نقله أئمة التفسير من أن مراد الله فيها هو بيان الأحوال المؤقتة التي تحتاج أو تضطر المرأة فيها لأن\n_________\n(١) قال بذلك أيضا الشيخ محمد الألباني في كتابه حجاب المرأة (صـ ٥٣) ولكن على فهمه ومقصده من القول بالسفور لهذا تناقض ولم يستقم له الأمر بتمامه.","vol":"1","page":301},{"text":"تبدي عن زينتها، أي زينة كانت، حسب ظروفها وأحوالها الضرورية لأن تلك الأحوال والحالات غير ثابتة ولا دائمة وتتغير من حين لآخر ولا يمكن ضبطها حتى يقال هي الوجه والكفين ليس إلا؟ فقد تضطر لإظهار أكثر من ذلك كالمعالجة ونحوه، أو أقل منه كمن كشفت عينيها من خلف النقاب تبصر بهما الطريق أو كشفت اليدين لتفحص الأشياء التي ترغب بشرائها وكل ذلك يقدر بقدره.\nفستقام لهم حينئذ في الاستثناء الثاني في أحوالها العادية مع أولئك المذكورين: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبَائِهِنَّ أو آبَاء بُعُولَتِهِنَّ ..﴾ أن تظهر لهم أكثر من الوجه والكفين من زينتها كلا بحسب حاله وقدره ومكانته معها أيضا.\nقال ابن عطية: (ثم ثنى به المحارم وسوى بينهم في إبداء الزينة ولكنهم تختلف مراتبهم في الحرمة بحسب ما في نفوس البشر، فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها، وتختلف مراتب ما يبدي لهم فيبدى للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج) انتهى.\nفسبحانه من قائل: ﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ [هود: ٢].","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>حكمة عدم التحديد في قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾:</span>\nوبهذا يظهر أيضًا الحكمة من عدم التحديد في قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١]، فلما كان لأحوالها الاضطرارية جعله استثناءً مفتوحًا للرخصة بدون تحديد للزينة، لأن هذا راجع لما تدعو الحاجة والضرورة إلى إظهاره بحسب ما يطرأ لها من ظروف وضروريات مؤقتة.\nولكن لما جاء في أحوالها العادية والدائمة ناسب أن يحدد المستثنين ﴿إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أو ...﴾ [النور: ٣١]، ولهذا ذكرهم ﷾ واحدًا واحدًا بأوصافهم الدقيقة والمانعة للجهالة حتى يعلم الناس ما أمروا به في غالب حالاتهم فلا يلتبس الأمر عليهم.","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>لو لم تنزل آية الرخصة</span>؟:\nولهذا نقول هذه آية الرخصة كما فهمها السلف ومن بعدهم ولو لم تنزل هذه الآية بهذا الاستثناء الرحيم لتشدد البعض حتى في حالات الضرورة، لأنه وإن كان هناك ضرورة فهناك إجماع ونقل مستفيض لا يحصى بعدم جواز أن تظهر المرأة شيئا من زينتها، وهناك أيضا أحاديث كقوله - ﷺ -: (تداووا ولا تداووا بحرام) (١).\nوقوله - ﷺ -: (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم) (٢)، فربما أشكل مثل هذا على الكثير، ولهذا فإننا نسأل من في قلبه شك في هذا الإجماع هداهم الله، إن لم تكن هذه هي أدلة الرخصة لأن تبدي المرأة من زينتها عند الحاجة والضرورة كما مثل لها أئمة الإسلام من المفسرين والفقهاء كعند الشهادة والتقاضي والمعالجة وغير ذلك بل والتي بعضها لم يبلغ مبلغ الضرورات الحتمية فمن أين إذًا استدلوا على جواز ذلك إن لم تكن في هذه الآية يا رعاكم الله؟ .\nفإذا كان السلف وأئمة الإسلام المتقدمين فهموا منها الرخصة فذكروا الطبيب والمعالج والمنقذ من الغرق والشاهد والقاضي والمتبايع وغير\n_________\n(١) رواه أبو داود في \" سننه \" بسند صحيح.\n(٢) البخاري: الأشربة (١٠/ ٧٨) معلقًا عن ابن مسعود. أقول: ومثله لا يمكن أن يقال بالرأي، وبخاصة أن الحافظ ذكر في الفتح (١٠/ ٧٩) أن أبا يعلي وابن حبان أخرجا حديث أم سلمة هذا، ولفظه: قالت: (اشتكت بنت لي، فنبذت لها في كوز، فدخل النبي، وهو يغلي، فقال: ما هذا؟ فأخبرته. فقال: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم) وانظر صحيح ابن حبان للشيخ شعيب الأرناؤوط -باب النجاسة وتطهيرها- (٤/ ٢٣٣) رقم (١٣٩١).","vol":"1","page":304},{"text":"ذلك مما تدعو الحاجة إليه، ومع ذلك مرت بنا نصوص عن بعضهم في المنع والكراهة من كشف النساء للخاطب والمتعاملين معها وعند الشهادة فيما لو عرفها من خلف النقاب أو ببعض وجهها، ولو كان لوقت يسير لمعرفة شخصها أو نكاحها، فكيف سيكون قولهم لو لم تنزل هذه الآية أو الأثر عن رسول الله - ﷺ - بجواز نظر الخاطب؟ .\nبل قال كثير من الأئمة كما قال الزمخشري: (فإن قلت: لِم لم يذكر الله الأعمام والأخوال؟ قلت: سئل الشعبي عن ذلك؟ فقال: لئلا يصفها العم عند ابنه والخال كذلك. ومعناه: أن سائر القرابات يشترك الأب والابن في المحرمية إلا العمّ والخال وأبناءهما. فإذا رآها الأب فربما وصفها لابنه وليس بمحرم فيداني تصوّره لها بالوصف نظره إليها وهذا أيضا من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهن في التستر) انتهى كلامه.\nوقال في تفسير أبي السعود: (وعدمُ ذكرِ الأعمام والأخوالِ لما أن الأحوط أن يتسترن عنهم حذارًا من أن يصفوهنَّ لأبنائهم) انتهى.\nوالحقيقة أن هذا يقوله بعض الأئمة احتياطًا كما احتاطوا في تفسيرهم لآية ﴿إلا ما ظهر منها﴾ فحددوا القدر المرخص كشفه في الغالب عند الأجنبي بالوجه والكفين، مع اتفاقهم على جواز أن تكشف أكثر من ذلك عند الضرورة كالعلاج ونحوه، وهنا كذلك فهم متفقون على كشف المرأة لخالها أو عمها ولو كان من الرضاع. وهذا يقولونه احتياطًا مع نزول آية الرخصة وصريح كلامهم فيها، وورود الأدلة عن رسول الله - ﷺ - بجواز نظر الخاطب لمن أراد خطبتها، فهل هؤلاء بالله عليكم يشك","vol":"1","page":305},{"text":"أحد في أنهم يرون أن النساء في عهد رسول الله - ﷺ - كن يخرجن مكشوفات الوجوه؟ أو أن ستر الوجه في حقهن أمام الرجال الأجانب كان سنة ومستحب؟ .\nوأهل السفور اليوم هداهم الله يريدون المرأة أن تكشف وجهها للأجانب وتختلط بالرجال لتعلم خطورة أننا لو فهمنا كلام المتقدمين وقلنا بما يقوله أهل السفور اليوم نكون بذلك قد مسخنا الحقيقة والتاريخ والسيرة وما كانت عليه حياتهم من عهد السلف الصالح وإلى من بعدهم من أئمة الإسلام، والتي سطروها في مؤلفاتهم ونكون قد فرغناها من معناها ومضمونها الحقيقي، من فرض الحجاب الذي من قوة فريضته شددوا في الحرص لمجرد رؤية خالها وعمها، أو من جواز نظر الخاطب لها، وغير ذلك ولعله لأنه لم يترجح عندهم الضرورة لكشفها في مثل بعض تلك الأحوال، والله لم يجعل في الدين من حرج فكان من رحمته التوسعة على العباد.\nفسبحان العالم بشئون عباده الخبير بما يحتاجون الرحيم بهم حيث أوجز ذلك بألطف عبارة وأبلغ كلمة وأوسع معنى فقال جل من قائل: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١].","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>مخالفة الألباني للإجماع في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾</span>\nقال: الشيخ محمد الألباني ﵀ في كتابه حجاب المرأة صفحة (٥٧): (ويلاحظ القراء الكرام أن هذا البحث القيم الذي وقفت عليه بفضل الله من كلام هذا الحافظ ابن القطان يوافق تمام الموافقة ما كنت ذكرته اجتهادًا مني وتوفيقًا بين الأدلة: أن الآية مطلقة كما ستراه مصرحًا به (ص ٨٧) فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات).\nثم قال هناك في صفحة (٨٧): (هذا ولا دلالة في الآية على أن وجه المرأة عورة يجب عليها ستره بل غاية ما فيها الأمر بإدناء الجلباب عليها وهذا كما ترى أمر مطلق فيحتمل أن يكون الإدناء على الزينة ومواضعها التي لا يجوز لها إظهارها حسبما صرحت به الآية الأولى وحينئذ تنتفي الدلالة المذكورة ويحتمل أن يكون أعم من ذلك فعليه يشمل الوجه. وقد ذهب إلى كل من التأويلين جماعة من العلماء المتقدمين وساق أقوالهم في ذلك ابن جرير في (تفسيره) والسيوطي في (الدر المنثور) ولا نرى فائدة كبرى بنقلها هنا فنكتفي بالإشارة إليها ومن شاء الوقوف عليهما فليرجع إليهما، ونحن نرى أن القول الأول أشبه بالصواب لأمور:","vol":"1","page":307},{"text":"الأول: أن القرآن يفسر بعضه بعضا. وقد تبين من آية النور المتقدمة أن الوجه لا يجب ستره فوجب تقييد الإدناء هنا بما عدا الوجه توفيقًا بين الآيتين ...) انتهى كلام الألباني من كتابه جلباب المرأة.\nوسبق لنا بيان أن آية النور متأخرة وليست متقدمة، فالشيخ غفر الله لنا وله أخذ من آية الرخص والاستثناءات، ما جعله حكمًا لفريضة الحجاب، كمن يأخذ بأدلة الفطر للمسافر والمريض، ويقول الفطر في رمضان سنة ومستحب، وبناء على فهمه لاختلاف أقوال الصحابة والسلف في الآية، وكذلك كلام أهل العلم المتقدمين على لفظة العورة فظنه منهم أنه اختلاف تضاد بينهم، بل ولتقدير أكثرهم للزينة المرخص إظهارها من الآية بالوجه والكفين كونهما الغالب مما يظهر من المرأة عادة وعبادة، وفي صلاتها، فظنهم يتكلمون في الآية المشرعة للحجاب وجواز كشف المرأة للوجه والكفين في أحوالها العادية، واختلط عليه الأمر ﵀، ولا شك أنها شذوذ منه وزلة العالم غفر الله لنا وله، وجمعنا به في مستقر رحمته.\nكما وأنه سبق لنا بيان فهم الإمام ابن جرير وغيره لكلام وأقوال الصحابة والسلف على الآية وهذه من النسب المغلوطة والمتسرعة، والمعتمدة على موضع واحد ولا يدل بصراحة على رأيه في المسألة، من بقية أقوالهم الصريحة، وكذلك فقد سبق لنا نقل أقوال الإمام السيوطي في أكثر من موضع من كتابنا هذا فلتراجع.\nولولا الخشية من التطويل لذكرت بقية أقوال أهل العلم من المفسرين والفقهاء التي تبين أنهم مجمعون على أن الآية رخصة لأن تبدي المرأة","vol":"1","page":308},{"text":"من زينتها ما تدعو الحاجة والضرورة إليه، كإجماعهم في آية الإدناء التي سبقت في سورة الأحزاب على أنها أول ما أنزل في شأن الحجاب وأنها الواصفة والمشرعة لفريضته وشكله وطريقة لبسه كما جاءت بذلك الآثار عن السلف.\nفهذه الآية من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، استشهد بها اليوم القائلون بسفور وجه المرأة وكأنها هي الأصل في مسألة الحجاب وكأنها أول ما أنزل فيه، وبالتالي فسروها على ظاهرها وبدون معرفة التسلسل التاريخي لنزولها، وهي أنها متأخرة على فريضة الحجاب والغوص في معانيها ومعرفة مراد الصحابة من تفسيرها كما فهموه وأخذوه عن رسول الله - ﷺ -، وهي أنها رخصة وتوسعة من الله لعباده المؤمنين والمؤمنات في أن تظهر المرأة زينتها عند الحاجة والضرورة بقدرها، كما فهموه من رسول الله من جواز نظر الخاطب وغيره، وكما جاء في نفس السورة بعدها الرخصة للعجائز وللقواعد من النساء أن يضعن ثيابهن، فهذه الاستثناءات جاءت بعد الأصل السابق والعام في فرض الحجاب والذي نزل متقدمًا في سورة الأحزاب في السنة الخامسة للهجرة كما مر معنا وقبل سورة النور والتي كانت بعد غزوة بني المصطلق وحادثة الإفك في السنة السادسة من الهجرة، فكان بينهما ما يقارب السنة تقريبًا.\nفإن كانت هذه الآية أول ما نزل فكيف يصح عدم البيان وتحديده من أصله، وبخاصة في معرض البيان لفريضة إلهية أول مرة نزلت كما","vol":"1","page":309},{"text":"يدعون من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فلماذا لم يبينها الله حتى لا يختلط الأمر على الناس؟ والحق أنه لم يحددها لحكمة منه ﷾ أراد منها عدم التحديد المطلق لأنها رخصة فتركه استثناء مفتوحًا جعل تقديره للظروف والاحتياجات التي تواجه العباد حتى لا تقع المرأة والرجال في مشقة وعنت وحيرة من أمرهم.\nكما قال تعالى: ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾ [الأنعام: ١١٩]، ولم يحدد المستثنى الذي يأكلونه مما حرم عليهم، لأنه قصد هنا أحوال الضرورات وهي غير ثابتة بشئ وغير مستدامة، فما يجدونه ويحتاجونه مما حرم عليهم وقت الضرورة فمرخص لهم أكله.\nفمن استشهدوا بها وكأنها أول ما نزل من مسائل الحجاب وكأنها المشرعة لفريضته الواصفة لشكله وحدوده، كان لقولهم ذلك أبلغ الأثر في خلط الأمور وتحريف وتبديل مسألة الحجاب حتى بدت أحكامه غريبة، وظهر فيها من التناقضات والاختلافات بين نصوصه من الكتاب والسنة وأقوال السلف الشيء الكثير، بل وبين أقوالهم أنفسهم؛ فوقعوا في كثير من التناقضات والإشكالات والتجاوزات أنتجت آراء غير معقولة وغير منطقية وغير واقعية، وغير مسبوقة ومخالفة للإجماع، ولهذا لم يزرع حجابهم - تغطية الرأس- في نفوس الآخذات به أي فضيلة أو حبا للسنة، وهذا في حال غالبيتهن كما هو شاهد الحال، فتبعه التبرج والسفور والانحلال، وإلى الله المشتكى.","vol":"1","page":310},{"text":"ولو جمعت أقوال الصحابة والتابعين وأئمة التفسير حسب مدارسهم الفقهية وحللت ونظر لها بنوع من التتبع والاستقراء الفقهي لفهمت حسب مقاصدهم التي نص عليها أهل العلم السابقين في كل مذهب ولتبين لنا بلا شك ولا ريب أنها لمعنى واحد ومقصد متحد ولو كان بعضهم يقول بالعورة وبعضهم لا يقول بها ولعلمنا أن جميعهم يقولون بالتحريم إما بسبب العورة أو بسبب الفتنة والشهوة، ولما احتجنا لترجيح أو طرح قول على قول، ولما تطرق لدينا الاضطراب والتناقض والاختلاف الذي وقع فيه البعض فنسبوه للصحابة وأئمة المذاهب الأربعة وأهل التفسير ليبرروا اختيارهم من بين أقوالهم.\nولهذا فمن أمانة أهل العلم اليوم والمجامع الفقهية وولاة أمور المسلمين بيان كلام الله ورسوله - ﷺ - وأهل العلم كما أرادوه وقصدوه ونفي التحريف والتبديل والتصحيف الواقع على كلامهم ونصوصهم من المتأخرين.\nوبخاصة في فريضة من فرائض الإسلام، وشعيرة ظاهرة جلية بين الأنام يتساءل أحدنا كيف لم ينقل لنا خلاف السلف والمتقدمين فيها أو نزاع المذاهب الأربعة عليها؟ .\nوالسبب لأنه لم يكن بينهم خلاف أصلا في وجوب ستر النساء لوجوههن، وإنما كان خلافهم على علة الأمر وهو من قبيل خلاف التنوع لا خلاف التضاد.","vol":"1","page":311},{"text":"وهنا كان نقلنا الطويل والمسهب لتفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، من كتب أهل التفسير وأهل الفقه من المذاهب الأربعة لنبين أنه لم يأت أو ينقل عن أحد من السلف أو أئمة التفسير والفقه قاطبة على مر عصورهم لما يقارب الأربعة عشر قرنا أن قال فيها أحد منهم - أي أحد - أنها بيان لتشريع فريضة الحجاب وبيان شكله وطريقته وما يظهر من المرأة في أحوالها العادية كما قال بذلك الألباني وبعض متأخري هذا العصر غفر الله لنا ولهم، فضلًا أن يقال أنها دليل لجواز كشف النساء لوجوههن عند الرجال الأجانب بلا سبب مبيح، وإنما هو مبني على فهم مغلوط لمقصد ومراد أولئك المتقدمين عند تقعيدهم وتأصيلهم للمسائل ولهذا لم يقل به أحد منهم كما رأينا فهو يخالف قول الله ورسوله - ﷺ - وصحابته وتابعيهم ومن تبعهم بإحسان من أئمة أهل العلم وأعلام الإسلام الذين امتلأت كتبهم ومؤلفاتهم ببيانه ونقله وشرحه على مر عصورهم.\nقال الشيخ ابن باز - ﵀ - مبينا الإجماع في ذلك: ... (والتبرج ليس تحررًا من الحجاب فقط بل هو والعياذ بالله تحرر من الالتزام بشرع الله وخروج على تعاليمه ودعوة للرذيلة، والحكمة الأساسية في حجاب المرأة هي درء الفتنة، فإن مباشرة أسباب الفتنة ودواعيها وكل وسيلة توقع فيها من المحرمات الشرعية ومعلوم أن","vol":"1","page":312},{"text":"تغطية المرأة لوجهها ومفاتنها أمر واجب دل على وجوبه الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح) (١).\nأفبعد هذا يقال خالف في المسألة بعد القرون المفضلة ومن بعدهم وإلى القرون المتأخرة واحد أو اثنان فلا إجماع، هذه هرطقة، ولو جازت هذه، لما كان هناك معنى ولا فائدة لقوله - ﷺ - وحاشاه-: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ولو أُخذ بشذوذ وزلة كل عالم متأخر لما سلم لنا من الدين شيء، ولحق للعلمانيين والعصرانيين الذين يتكلمون في ثوابت الدين بتفسيرات من عند أنفسهم، ثم يقولون نحن رجال كما أولئك رجال.\nولهذا فلا عبرة بمن خالف الإجماع هذا فيمن كانوا بعد عصر الصحابة والتابعين فكيف بمن بعدهم؟ .\nقال شيخ الإسلام: (وفي الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئًا في ذلك بل مبتدعًا وإن كان مجتهدًا مغفورًا له خطؤه) (٢).\nوقال أيضًا: (فمن اتبع السابقين الأولين كان منهم وهم خير الناس بعد الأنبياء فإن أمة محمد خير أمة أخرجت للناس وأولئك خير أمة محمد كما ثبت في الصحاح من غير وجه أن النبي - ﷺ - قال: «خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» ولهذا كان معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم خيرًا وأنفع من معرفة أقوال\n_________\n(١) مجموع فتاوى ومقالات العلامة ابن باز، الجزء الخامس (مشروعية الحجاب).\n(٢) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام بن تيمية (ج ١٣/ ٣٦١).","vol":"1","page":313},{"text":"المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله كالتفسير وأصول الدين وفروعه والزهد والعبادة والأخلاق والجهاد وغير ذلك; فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنة فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم؛ وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصومًا وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم ولا يحكم بخطأ قول من أقوالهم حتى يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه، قال تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾.\nوأما المتأخرون الذين لم يتحروا متابعتهم وسلوك سبيلهم ولا لهم خبرة بأقوالهم وأفعالهم بل هم في كثير مما يتكلمون به في العلم ويعملون به لا يعرفون طريق الصحابة والتابعين في ذلك من أهل الكلام والرأي والزهد والتصوف.\nفهؤلاء تجد عمدتهم في كثير من الأمور المهمة في الدين إنما هو عما يظنونه من الإجماع وهم لا يعرفون في ذلك أقوال السلف البتة أو عرفوا بعضها ولم يعرفوا سائرها فتارة يحكون الإجماع ولا يعلمون إلا قولهم وقول من ينازعهم من الطوائف المتأخرين ; طائفة أو طائفتين أو ثلاثا وتارة عرفوا أقوال بعض السلف والأول كثير في \"مسائل أصول الدين وفروعه\".","vol":"1","page":314},{"text":"كما تجد كتب أهل الكلام مشحونة بذلك يحكون إجماعًا ونزاعًا ولا يعرفون ما قال السلف في ذلك البتة; بل قد يكون قول السلف خارجًا عن أقوالهم كما تجد ذلك في مسائل أقوال الله وأفعاله وصفاته; مثل مسألة القرآن والرؤية والقدر وغير ذلك. وهم إذا ذكروا إجماع المسلمين لم يكن لهم علم بهذا الإجماع فإنه لو أمكن العلم بإجماع المسلمين لم يكن هؤلاء من أهل العلم به; لعدم علمهم بأقوال السلف فكيف إذا كان المسلمون يتعذر القطع بإجماعهم في مسائل النزاع بخلاف السلف فإنه يمكن العلم بإجماعهم كثيرًا.\nوإذا ذكروا نزاع المتأخرين لم يكن بمجرد ذلك أن يجعل هذه من مسائل الاجتهاد التي يكون كل قول من تلك الأقوال سائغًا لم يخالف إجماعًا; لأن كثيرًا من أصول المتأخرين محدث مبتدع في الإسلام مسبوق بإجماع السلف على خلافه والنزاع الحادث بعد إجماع السلف خطأ قطعا كخلاف الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة ممن قد اشتهرت لهم أقوال خالفوا فيها النصوص المستفيضة المعلومة.\nوإجماع الصحابة بخلاف ما يعرف من نزاع السلف فإنه لا يمكن أن يقال: أنه خلاف الإجماع وإنما يرد بالنص وإذا قيل: قد أجمع التابعون على أحد قوليهم فارتفع النزاع. فمثل هذا مبني على مقدمتين:\nإحداهما: العلم بأنه لم يبق في الأمة من يقول بقول الآخر وهذا متعذر\nالثانية: أن مثل هذا هل يرفع النزاع مشهور، فنزاع السلف يمكن القول به إذا كان معه حجة; إذ على خلافه، ونزاع المتأخرين لا يمكن لأن","vol":"1","page":315},{"text":"كثيرًا منه قد تقدم الإجماع على خلافه كما دلت النصوص على خلافه ومخالفة إجماع السلف خطأ قطعًا.\nوأيضًا فلم يبق مسألة في الدين إلا وقد تكلم فيها السلف فلا بد أن يكون لهم قول يخالف ذلك القول أو يوافقه وقد بسطنا في غير هذا الموضع أن الصواب في أقوالهم أكثر وأحسن وأن خطأهم أخف من خطأ المتأخرين وأن المتأخرين أكثر خطأ وأفحش وهذا في جميع علوم الدين ولهذا أمثلة كثيرة يضيق هذا الموضع عن استقصائها والله سبحانه أعلم) (١) انتهى.\nوقال شيخ الإسلام بن تيمية في موضع آخر: (الصحابة أخذوا عن الرسول لفظ القرآن ومعناه كما أخذوا عنه السنة وإن كان من الناس من غير السنة فمن الناس من غير بعض معاني القرآن; إذ لم يتمكن من تغيير لفظه وأيضا: فقد يخفى على بعض العلماء بعض معاني القرآن كما خفي عليه بعض السنة; فيقع خطأ المجتهدين من هذا الباب. والله أعلم) (٢) انتهى.\nومن فطن لما قلناه كفاه وانتظم له عقد المسألة وأصلها وفرعها فنظر لكلام المفسرين والفقهاء على مر عصورهم واختلاف مذاهبهم بعين الفاهم الناقد البصير.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام بن تيمية (ج ١٣/ ٢٣).\n(٢) مجموع الفتاوى من مقدمة التفسير (١٣/ ٣٨١).","vol":"1","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>تفسير قوله تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ وقول الألباني أن الخمار لا يأتي لستر الوجه</span>\nولهذا جاء بعد الإذن بالرخصة التنبيه والحرص على عدم الفهم من إباحة إظهار الزينة عند الحاجة والضرورة أن يتساهل النساء والرجال في إظهار المرأة لزينتها فجاء بأمر جديد يدعوهن فيه للحرص على ستر بعض الأماكن بالذات من زينتها فقال تعالى بعدها: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ [النور: ٣١].\nوالغريب أن بعض أهل السفور أخذ يبحث في هذه الآية عن الأمر بتغطية المرأة لوجهها ويقول ليس فيها شيء عن تغطية المرأة لوجهها وإنما هو مجرد أمر بستر الجيوب؟ وسبحان الله ما كفاهم آية الإدناء فلم يبصروا ما فيها من أقوال للمفسرين وأئمة أهل الإسلام مع كثرتها وصراحة قولهم فيها على الأمر بستر المرأة لوجهها وتحريم كشفه، وما كفاهم ما في سورة النور من قوله تعالى: ﴿ولايبدين زينتهن﴾ والنهي هنا جاء تأكيد على الأمر السابق في الأمر بالإدناء وعام في النهي عن إبداء أي زينة منها ﴿إلا ما ظهر منها﴾ في حال الضرورة، وكذلك جاء النهي الثاني ﴿ولايبدين زينتهن إلا لبعولتهن ...﴾ [النور: ٣١]، وهو تأكيد ثالث أعقبه استثناء لأصناف محدودين جدًا فقط، فهل الأجانب منهم، وهذا في أحوالها العادية، فدل أن ما سواهم لا يجوز أن تبدي لهم","vol":"1","page":317},{"text":"زينتها، بل وآية القواعد دليل آخر كما سيأتي في أن غيرهن من الشابات مأمورات بستر وجوههن.\nوأحاديث ستر الوجه والتي يثبتونها ثم يصرفونها للسنة والمستحب بدون أن يكون لهم سلف، وما بحثهم عن أدلة فرض ستر المرأة لوجهها بعد هذا كله إلا كقول القائل:\nكالعِيس في البيداء يقتلها الظمأ ... والماء فوق ظهورها محمول\nومع ذلك فقوله تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ جاءت للتنبيه على مواضع معينة كما ذكر أهل التفسير في سبب نزولها كما قال النسفي ﵀: (﴿بِخُمرهنَّ﴾ جمع خمار ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ بضم الجيم: مدني وبصري وعاصم. كانت جيوبهن واسعة تبدو منها صدورهن وما حواليها وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة فأمرن بأن يسدلنها من أقدامهن حتى تغطيها) (١) انتهى.\nوإن لم يكن فيها الدلالة ظاهرة على ستر الوجه كغيرها من بقية الآيات والأحاديث، إلا أنه لا يمنع من وجود معنى قوي لتستر به المرأة وجهها، ولا مانع من ذلك أبدًا، لأن الخمار في الرأس ويلتف حوله ويمكن أن يستخدم طرفه وذيله لو كان واسعا ليستر الوجه بالسدل والإرخاء أو بالتقنع والنقاب واللثام ونحوه كما قاله أهل اللغة:\n_________\n(١) تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي (ت: ٧١٠ هـ).","vol":"1","page":318},{"text":"قال في لسان العرب عند (سدل): (وفي حديث عائشة أنها سدلت طرف قناعها على وجهها وهي محرمة أي أسبلته) انتهى.\nوقال أيضا في (ذ ي ل) الذيل: آخر كل شيء كما في المحكم قال شيخنا: هذا هو الحقيقي وما بعده مجاز. والذيل من الإزار والثوب: ما جر منه إذا أسبل. زاد الصاغاني: فأصاب الأرض من ثوبها من نواحيها كلها قال: ولا ندعو للرجل ذيلا، فإن كان طويل الثوب فذلك الإرفال في القميص والجبة، والذيل في درع المرأة أو قناعها إذا أرخت شيئًا منهما) انتهى.\nوسبق معنا المزيد عند كلامنا على القناع في بداية نقلنا لكلام الإمام الطبري عند تفسيره لآية الإدناء فليراجع هناك (١)، فما المانع أن يأتي الخمار يستر الرأس ويستر الوجه ويستر الجيوب وغير ذلك وهذا هو الصحيح فليس هو مقتصرا على الرأس فقط، بدليل أنه هنا لم يقتصر على ستر الرأس كما يقوله أهل السفور بل ورد الأمر بالضرب به على الجيوب بنص الآية وهي غير الرأس فلماذا إذا لما أتى ليستر الوجه منعوه وحجروا واسعا؟ فيمكن أن تستخدمه المرأة لو شاءت لستر وجهها وشعرها وصدرها وعنقها في آن واحد، ويمكن في حالة رغبتها بستر وجهها بالنقاب أو البرقع أن تكتفي بجعل الخمار يستر الرأس والعنق والصدر، والنقاب والبرقع للوجه خاصة، فالأمر واسع وهذه أقمشة لها عدة استخدامات ومعاني اللغة واسعة وتسمح بذلك؛ لأن\n_________\n(١) راجع صفحة (٣٤ - ٥٣).","vol":"1","page":319},{"text":"المقصد هو حصول أمر الشارع وهو ستر الوجه وتخميره والمقصد أن كل أنواع الستر جائزة كما لو بالبرقع أو بالجلباب أو نحو ذلك فالتخمير يأتي بمعنى الستر فلا مانع أن يستر الوجه، ولا شك أن الخمار هنا أخص في معنى ستر رأس المرأة، ولهذا كان مقصد الشارع من الآية هو التنبيه على هذه المنطقة بالذات وما حولها، ولكن أدلة كثيرة ذكرت لفظ التخمير وأنه يستر الوجه غير ما ذكرناه آنفا وأكثر من أن تحصى في اللغة والأحاديث وكتب أهل العلم وكلام العرب:\n١ - قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ في قصة حادثة الإفك (فخمرت وجهي بجلبابي) متفق عليه.\n٢ - أخرج الإمام مالك في الموطأ \"باب تخمير المحرم وجهه\"\nعن فاطمة بنت المنذر التابعية الجليلة أنها قالت: (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر الصديق) (١)، وأسماء بنت أبي بكر الصديق تكون جدتها صحابية جليلة، وهما ليستا من أمهات المؤمنين.\n٣ - قال العباس في معاهد التنصيص على شواهد التلخيص: (والخمار بالكسر النصيف، وهو ما ستر الرأس، وكل ما ستر شيئا فهو خمار) (٢).\n_________\n(١) والحديث جمع شروط الصحة قال الألباني: وهذا إسناد صحيح الإرواء (١٠٢٣).\n(٢) معاهد التنصيص على شواهد التلخيص (١/ ٣٨٤).","vol":"1","page":320},{"text":"٤ - وقال في غريب الحديث للخطابي: (ولهذا المعنى سميت الخمر وذلك لأنها تخمر في إنائها أي تغطى ويقال إنما سميت خمرا لأنها تخمر عقل شاربها أي تستره وتغطيه) (١) انتهى.\n٥ - قال في معجم الأفعال المتعدية بحرف: (رجع) (وترجع في صدري كذا تردد وارتجعت المرأة جلبابها ردته على وجهها وتجللت به وارتجع على الغريم طالبه واسترجع منه الشيء طلب منه رجوعه) (٢) انتهى.\n٦ - قال ابن عادل في تفسيره اللباب: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ أنها سميت بذلك؛ لأنها تخمر العقل، أي: تستره، ومنه: خمار المرأة لستره وجهها) انتهى.\n٧ - ونقل صاحب عون المعبود في - باب الصلاة على الخُمرة - قول الإمام الخطابي: (هي سجادة يسجد عليها المصلي ثم ذكر حديث ابن عباس في الفأرة التي جرت الفتيلة حتى ألقتها على الخمرة التي كان النبي - ﷺ - ... الحديث. قال: ففي هذا تصريح بإطلاق الخمرة على ما زاد على قدر الوجه قال وسميت خمرة لأنها تغطى الوجه) انتهى.\n٨ - قال القرطبي: (والخمر مأخوذة من خمر، إذا ستر، ومن خمار المرأة لأنه يستر وجهها. وكل شيء غطى شيئا فقد خمره. ومنه: خمروا آنيتكم أي: غطوها) انتهى\n_________\n(١) غريب الحديث للخطابي (٢/ ٣١٣).\n(٢) معجم الأفعال المتعدية بحرف، لموسى بن محمد الأحمدي (١/ ٧٢).","vol":"1","page":321},{"text":"٩ - وقال في كتاب - مراقي الفلاح - (وتزاد المرأة) على ما ذكرناه للرجل (في) كفنها على جهة (السنة خمارا لوجهها) ورأسها) (١) انتهى.\n١٠ - وقال الإمام الصنعاني في سبل السلام شرح بلوغ المرام من كتاب الحج عند شرحه لحديث «ما يلبس المحرم من الثياب»: (فكذلك المرأة المحرمة تستر وجهها بغير ما ذكر كالخمار والثوب) انتهى.\n١١ - وقال الإمام الشافعي في الأم: كتاب الحج «باب ما تلبس المرأة من الثياب» (ولا أحب لها أن تلبس نعلين وتفارق المرأة الرجل فيكون إحرامها في وجهها وإحرام الرجل في رأسه فيكون للرجل تغطية وجهه كله من غير ضرورة ولا يكون ذلك للمرأة، ويكون للمرأة إذا كانت بارزة تريد الستر من الناس أن ترخى جلبابها أو بعض خمارها أو غير ذلك من ثيابها من فوق رأسها وتجافيه عن وجهها حتى تغطي وجهها متجافيًا كالستر على وجهها ولا يكون لها أن تنتقب، أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: تدلى عليها من جلبابها ولا تضرب به قلت: وما لا تضرب به فأشار إلى كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما علي خدها من الجلباب فقال: لا تغطيه فتضرب به على وجهها فذلك الذي يبقى عليها ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولًا ولا تقلبه ولا تضرب به ولا تعطفه. أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه قال: لتدلِ المرأة المحرمة ثوبها على وجهها ولا تنتقب. قال الشافعي: ولا ترفع\n_________\n(١) مراقي الفلاح (١/ ٢٢٥).","vol":"1","page":322},{"text":"الثوب من أسفل إلى فوق ولا تغطى جبهتها ولا شيئا من وجهها إلا مالا يستمسك الخمار إلا عليه مما يلي قصاص شعرها من وجهها مما يثبت الخمار ويستر الشعر لأن الخمار لو وضع على قصاص الشعر فقط انكشف الشعر، ويكون لها الاختمار ولا يكون للرجل التعميم) انتهى.\n١٢ - وقال الشافعي في الأم أيضًا عن المحرمة: (وتلبس المرأة الخمار والخفين ولا تقطعهما والسراويل من غير ضرورة والدرع والقميص والقباء وحرمها من لبسها في وجهها فلا تخمر وجهها وتخمر رأسها، فإن خمرت وجهها عامدة افتدت (١) وإن خمر المحرم رأسه عامدا افتدى وله أن يخمر وجهه وللمرأة أن تجافى الثوب عن وجهها تستتر به وتجافي (٢) الخمار ثم تسدله على وجهها لا يمس وجهها) (٣) انتهى.\n١٣ - قال الشوكاني في نيل الأوطار - باب ما يتخذ منه الخمر وأن كل مسكر حرام - (لكن اختلف قول أهل اللغة في سبب تسمية الخمر خمرًا فقال ابن الأنباري: لأنها تخامر العقل أي تخالطه وقيل لأنها تخمر العقل أي تستره ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها وهذا أخص من التفسير الأول لأنه لا يلزم من المخالطة التغطية وقيل سميت خمرًا لأنها تخمر أي تترك كما يقال خمرت العجين أي تركته ولا مانع\n_________\n(١) وتفتدي عند بعضهم إذا غطته ولم يكن هناك رجال بمعنى غطته لا تريد سترًا عن أعين الرجال، كما مر معنا سابقا كما قاله ابن عبد البر وابن المنذر وغيرهما.\n(٢) تجافيه حتى لا تضرب به ولا تعطفه على وجهها كما في التبرقع واللثام والقناع.\n(٣) كتاب الأم للشافعي (٢/ ٢٢٢).","vol":"1","page":323},{"text":"من صحة هذه الأقوال كلها لثبوتها عن أهل اللغة وأهل المعرفة باللسان قال ابن عبد البر: الأوجه كلها موجودة في الخمر) انتهى.\nولا أريد أن أطيل، فهل هؤلاء الأئمة ما كانوا يعرفون أن الخمار لا يستر الوجه كما يقوله أهل السفور اليوم؟ .\nوهم قالوا الخمار لا يعني ولا يأتي لستر الوجه كلفظة التقنع عندما قالوا: (أنها لا تأتي لستر الوجه وإلا لما رأى المقاتل الطريق فضلا عن القتال) ولهذا أخطؤوا خطأ كبيرا جدا هنا أيضا عندما قالوا أن الخمار لا يعنى أو لا يأتي بمعنى ستر الوجه! هذا عجيب والله. ولهذا وقعوا في إشكالات أكبر عندما ردوا الحق والصواب في المسألة.\nقال الشيخ الألباني ﵀ في رده المفحم:\n(البحث الرابع: الخمار والاعتجار قوله تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾. ذكرنا فيما يأتي من الكتاب (ص ٧٢) (١) أن الخمار: غطاء الرأس فقط دون الوجه، واستشهدت على ذلك بكلام بعض العلماء: كابن الأثير وابن كثير، فأبى ذلك الشيخ التويجري- ومن تبعه من المذهبيين والمقلدين- وأصر على أنه يشمل الوجه أيضا، وكرر ذلك في غير موضع، وتشبّث في ذلك ببعض الأقوال التي لا تعدو أن تكون من باب زلة عالم، أو سبق قلم (٢)، أو في أحسن الأحوال تفسير مراد وليس تفسير لفظ، مما لا ينبغي الاعتماد عليه في محل النزاع\n_________\n(١) يقصد كتابه جلباب المرأة.\n(٢) يقصد قول الإمام الحافظ ابن حجر كما سيأتي معنا قريبًا.","vol":"1","page":324},{"text":"والخلاف، وفي الوقت نفسه أعرض عن الأدلة القاطعة من الكتاب والسنة، وأقوال العلماء والأئمة من المفسرين والمحدثين والفقهاء واللغويين المخالفة له وبعضها مما جاء في كتابه هو نفسه، ولكنه مر عليها وكتم دلالتها مع الأسف الشديد ... وهذا كله يدل على أن هؤلاء الأفاضل من علماء السلف والخلف يرون أن الخمار لا يستر الوجه، وإنما الرأس فقط كما هو قولنا ومن يتأمل في بعض أجوبة الشيخ (١) التكلفة يتأكد من أنه يرى ذلك معنا، ولكنه يجادل ويكابر ويتكتم ... وأما مخالفته للسنة فهي كثيرة، ومنها قوله - ﷺ -: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار».\nفهل يقول الشيخ بأنه يجب على المرأة البالغة أن تستر وجهها في الصلاة؟ ! ... ومن ذلك قول العلامة الزبيدي في\" شرح القاموس\" (٣/ ١٨٩) في قول أم سلمة ﵄: إنها كانت تمسح على الخمار. أخرجه ابن أبي شبيبة في \" المصنف\" (١/ ٢٢): \" وأرادت بـ (الخمار): العمامة، لأن الرجل يغطي بها رأسه، كما أن المرأة تغطيه بخمارها\". وكذا في \" لسان العرب\".\nوفي \"المعجم الوسيط\" - تأليف لجنة من العلماء تحت إشراف\" مجمع اللغة العربية\" - ما نصه: \" الخمار: كل ما ستر ومنه خمار المرأة، وهو ثوب تغطي به رأسها، ومنه العمامة، لأن الرجل يغطي بها رأسه، ويديرها تحت الحنك\".\n_________\n(١) يقصد بقوله: (الشيخ) الشيخ حمود التويجري رحمة الله تعالى.","vol":"1","page":325},{"text":"فهذه نصوص صريحة من هؤلاء العلماء على أن الخمار بالنسبة للمرأة كالعمامة بالنسبة للرجل، فكما أن العمامة عند إطلاقها لا تعني تغطية وجه الرجل، فكذلك الخمار عند إطلاقه لا يعني تغطية وجه المرأة به) انتهى كلامه.\n- ثم بعد أن ساق الشيخ الألباني أقوال بعض أهل اللغة في معنى أنه يستر الرأس قال ﵀: -\n(وعلى هذا جرى العلماء على اختلاف اختصاصاتهم من: المفسرين، والمحدثين، والفقهاء، واللغويين، وغيرهم، سلفًا وخلفًا، وقد تيسر لي الوقوف على كلمات أكثر من أربعين واحدًا منهم، ذكرت نصوصها في البحث المشار إليه في المقدمة، وقد أجمعت كلها على ذكر الرأس دون الوجه في تعريفهم للخمار، أفهؤلاء الأساطين- أيها الشيخ! - مخطئون وهم القوم لا يشقى متبعهم- وأنت المصيب؟ !) انتهى إلخ كلام الشيخ الألباني وهجومه على من قال أن الخمار يأتي لستر الوجه أيضًا.\nأمر عجيب من الشيخ الألباني:\nوالعجيب أن الشيخ الألباني في كتابه \"السلسلة الصحيحة\" صحح:\n١٤ - حديث تخمير الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ لوجهه (كان يخمر وجهه وهو محرم) (١)، ثم ذكر بعده.\n١٥ - حديث مسلم بزيادة لفظ الوجه: (ولا تخمروا رأسه ولا وجهه) كما أخرجها مسلم عن ابن عباس (أن رجلا أوقصته راحلته وهو محرم\n_________\n(١) السلسلة الصحيحة (٦/ ٩٤١) برقم (٢٨٩٩).","vol":"1","page":326},{"text":"فمات فقال رسول الله - ﷺ -: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبه ولا تمسوه طيبًا ولا تخمروا رأسه ولا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا) وهو مذكور في عدة مواضع من كتب الشيخ الألباني ﵀ كما في \"الإرواء\" وكما في كتابه \"تلخيص أحكام الجنائز\" وكذلك أيضا في كتابه \"صحيح وضعيف سنن ابن ماجة\" وغيرها من كتبه، وفيها كلها ذِكره للحديثين وبلفط الخمار لوجه الرجل، فكيف يقول أن معنى الخمار لا يغطي الوجه وقد أمكن وكان يغطي وجه الرجل فسبحان الله؟ .\nأقول ولم يتفرد مسلم بلفظ (وجهه) بل أخرجه النسائي بلفظ - باب تخمير المحرم وجهه ورأسه- والشافعي والطبراني في المعجم الكبير وبأسانيد وروايات كثيرة والبيهقي ومسند الحميدي، وبمثل هذا تستغرب أن الشيخ ينفي كل ما تقدم ومما سطره هو بنفسه.\nبل أعجب العجب أن الشيخ الألباني دافع وبقوة لإثبات لفظة تخمير الوجه التي عند مسلم (ولا تخمروا رأسه ولا وجهه) وكان مع من أثبتها من المتقدمين رادين على الإمام البيهقي قوله في ذلك فقال في إرواء الغليل: (أخرجه مسلم وابن عوانة والبيهقي تعليقًا وقال: «وذكر الوجه فيه غريب ورواية الجماعة الذين لم يشكوا وساقوا المتن أحسن سياقة أولى بأن تكون محفوظة». - قال الألباني- ويرد عليه ما سبق من الطرق والمتابعات التي لا شك فيها أصلا، ولهذا تعقبه ابن التركماني بقوله: \"قلت: قد صح النهي عن تغطيتهما فجمعهما بعضهم، وأفرد بعضهم الرأس، وبعضهم الوجه، والكل صحيح، ولا وهم في شاء منه في متنه وهذا أولى من تغليط مسلم\". يعني في إخراجه","vol":"1","page":327},{"text":"للرواية التي فيها ذكر الوجه وهو كما قال فإنه يبعد جدًا أن يجتمع أولئك الثقات على ذكر هذه الزيادة في الحديث خطأ منهم جميعًا فهي زيادة محفوظة إن شاء الله تعالى) (١) انتهى كلام الشيخ الألباني.\n١٦ - ولهذا قال ابن القيم في أعلام الموقعين عن رب العالمين: (وقد روى الإمام أحمد عن خمسة من الصحابة عثمان وابن عباس وعبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت وجابر أنهم كانوا يخمرون وجوههم محرمون؛ فإذا كان هذا في حق الرجل وقد أمر بكشف رأسه فالمرأة بطريق الأولى والأحرى) انتهى.\nوما ذكره الألباني في كتابه عن بعض أهل اللغة من أن الخمار يستر الرأس فهل هم قالوا مثله (فقط) أو كقوله: (وقد أجمعت كلها على ذكر الرأس دون الوجه في تعريفهم للخمار)؟ فهل مجرد قولهم في مكان أنه يستر الرأس يعني أنهم أنكروا مثله ستره لغيره؟ أو أنه لم يأتِ عنهم أنه يستر الوجه؟ وكما قلنا سابقًا فلو نُقل عن ألف رجل أنهم رأوا فلانًا يشرب بالكاسة لبنًا، هل معناه أنهم قالوا أن الكاسة لا تستعمل لشرب العصير أو الماء أو نحو ذلك؟ .\nفهذا دليل على أن الشيخ لم يستوعب أقوال أهل العلم، والجميع يدرك مدى اتساع معاني اللغة واشتقاقاتها لا كما فعله ﵀ في لفظة التقنع من قبل. فهذا الإمام الصنعاني مثلا في كتابه \"سبل السلام\" وعند -باب اللباس أي ما يحل منه وما يحرم- قال: وعن علي رضي الله\n_________\n(١) إرواء الغليل للألباني (٤/ ١٩٨).","vol":"1","page":328},{"text":"عنه قال: «كساني النبي - ﷺ - حلة سيراء فخرجت فيها فرأيت الغضب في وجهه فشققتها بين نسائي». متفق عليه، ... وقوله: فشققتها أي قطعتها ففرقتها خمرًا، وهي بالخاء المعجمة مضمومة وضم الميم، جمع خمار بكسر أوله والتخفيف ما تغطي به المرأة رأسها) انتهى من سبل السلام.\nفهل يصح أن نقول أن الخمار لا يأتي لستر الوجه وننسب للإمام الصنعاني هذا الإنكار لأنه لم يذكر في هذا الموضع أنه لستر الوجه أيضًا، وقد مر معنا وقبل أسطر من هذا، قوله في موضع آخر: (فكذلك المرأة المحرمة تستر وجهها بغير ما ذُكر كالخمار والثوب) (١)، مما تعلم منه أن لكل موضع معناه ومراده.\nوعندما استشهد الألباني بحديث: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) قال: (فهل يقول الشيخ (٢) بأنه يجب على المرأة البالغة أن تستر وجهها في الصلاة؟ !) انتهى كلام الألباني.\nونقول بالطبع ليس عليها أن تستر وجهها في الصلاة بخمارها لأن معناه هنا طلب ستر رأسها به، ولكن هل هناك مانع لو مر بها الرجال أن تلقي طرف خمارها على وجهها كما تفعل المحرمة إذا حاذاها الرجال؟ فلكل موضع حكمه المعروف، كما قال الشيخ صديق خان في \"فتح العلام\" عند كلامه عن شروط الصلاة: (ويباح كشف وجهها حيث\n_________\n(١) سبل السلام عند شرحه لحديث (ما يلبس المحرم من الثياب).\n(٢) يقصد الشيخ التويجري.","vol":"1","page":329},{"text":"لم يأتِ دليل بتغطيته والمراد كشفه عند صلاتها بحيث لا يراه أجنبي فهذه عورتها في الصلاة وأما عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي إليها فكلها عورة) انتهى. ومثل هذا لا يحتاج للتدليل.\nبل ولا شك أنه باتفاق أهل العلم أن ستر المرأة لوجهها عن الرجال أوجب من كشفه في الصلاة أو حال الإحرام كما نَقل الإجماع على ذلك الحافظ ابن المنذر وابن عبد البر وكما سيمر معنا عند ردنا لشبهة نقل أهل السفور لكلام القاضي عياض في سير المرأة في طريقها.\n١٧ - وسبق معنا قول الإمام أبي بكر بن العربي: (وذلك لأن سترها وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج، فإنها ترخي شيئا من خمارها على وجهها غير لاصق به وتعرض عن الرجال ويعرضون عنها) انتهى. من عارضة الأحوذي.\n١٨ - وقال في الثمر الداني في تقريب المعاني شرح رسالة ابن أبى زيد القيرواني - المالكي - وفي بيان كيفية (غسل الميت):\n(والعمامة إنما تستحب للرجل ويترك منها قدر الذراع ذؤابة تطرح على وجهه، وأما المرأة فلا تعمم وإنما يجعل على رأسها خمار يترك منه ذؤابة تطرح على وجهها) انتهى.\nوهذا مما يدل على قولنا أن الخمار يُطلق على كل ما يستر، سواء الرأس أو الوجه أو الإناء أو العقل أو غيره، كما جاء في كلام أهل العلم ﵏، وهذا مما يدل على اتساع معاني اللغة، وهكذا كان فهم ومراد السلف لكلمة الخمار في كل موضع ولهذا لم يختلط عليهم الأمر ولم يشكل عليهم أبدًا، بل كان جليًا وواضحًا من سياق وعبارة","vol":"1","page":330},{"text":"ذكر لفظة الخمار في كل موضع، فمرة يطلق ويراد منه ستر الرأس كما في قوله - ﷺ -: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) ومرة يطلق ويراد منه ستر الوجه ومرة يطلق ويراد منه الجميع من ستر الرأس والوجه، إذ إمكان ذلك حاصل لغة وفعلًا، لان الخمار هو كل ما ستر شيئا، فكما أنه أمكن ستره للرأس مع ستره لغيره مما حوله من الجيوب والعنق ونحو ذلك فكذلك الوجه، كما فهمه أهل العلم واللغة فلم يستنكروه.\n١٩ - قال الشوكاني ﵀: (ومن ذلك قوله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمرهنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فقد ثبت في الصحيح أن هذه الآية لما نزلت قالت عائشة رحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله وليضربن بخمرهم على جيوبهن شققن مروطهم فاختمرن بها أي وقعت منهن التغطية لوجوههم وما يتصل بها) (١).\nوأما لو كانت معاني اللغة ومفرداتها جامدة كما أرادها الشيخ الألباني ﵀ في اللغة والحديث الذي ساقه، لقلنا أن الخمار في الصلاة للمرأة التي تحيض (فقط) أما من لا تحيض أو اللائي يئسن من المحيض فإنهن يصلين مكشوفات الشعور وبلا خمار، ولجاز أيضًا لآخرين أن يفهموا من الحديث جواز صلاة الحائض.\n_________\n(١) السيل الجرار للشوكاني (٤/ ١٢٨).","vol":"1","page":331},{"text":"ولَبَدَا لنا في كل مرة استنتاج جديد، خارج عن الإجماع متعارض مع بقية النصوص، مبتور عن مراده ومعناه، ولأفسدنا في الشريعة واللغة وكلام أهل العلم والعربية أكثر مما أصلحنا.\nفهل أخطأ رسول الله - ﷺ - وحاشاه - عندما أطلق لفظة التخمير على تغطية الوجه فقال: (ولا تخمروا رأسه ولا وجهه)؟ ! أو عائشة، أو فاطمة بنت المنذر، أو مالك إمام دار الهجرة، أو الشافعي، أو الخطابي، أو القرطبي، أو ...، ﵃ أجمعين؟ ! .\nولولا التطويل فيما هو مفروغ منه أصلا عند أهل العلم لذكرت جمعًا من أقوالهم على أن الخمار يأتي بمعنى ستر الوجه أيضًا.\nقال شيخ الإسلام في مقدمة تفسيره: (فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام وأن ينبه على الصحيح منها ويبطل الباطل وتذكر فائدة الخلاف وثمرته لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته فيشتغل به عن الأهم فأما من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص إذ قد يكون الصواب في الذي تركه أو يحكى الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضا فإن صحح غير الصحيح عامدًا فقد تعمد الكذب أو جاهلا فقد أخطأ، كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته أو حكى أقوالًا متعددة لفظًا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى فقد ضيع الزمان وتكثر بما ليس بصحيح فهو كلابس ثوبي زور والله الموفق","vol":"1","page":332},{"text":"للصواب) (١). والحق أنه لما نزلت آية الإدناء بالأمر بلبس النساء من جلابيبهن وهي العباءات الواسعة التي كالملحفة ونحوها لتستر جميع الثياب والزينة التي على المرأة بلا استثناء سواء الزينة الخَلقية أو المكتسبة وكانت الجلابيب مفتوحة من الأمام فلعل بعضهن كن يكتفين في أول الأمر بإدناء الجلابيب ولم يكن بعد قد وضعن الخمار على رؤوسهن أو أن بعضهن وضعنه - ولعل هذا هو الأقرب - ولكن دون تثبيته بالضرب والعطف على الجيوب لتستمسك وكن يرمينه من خلفهن فجاء التنبيه لرميها على أمامهن والتأكيد بعطفه وضربه على الجيوب وهو بمعنى الشد والتثبيت ما يؤدي بالطبع لعدم انكشاف أجزاء من مقدمتهن كبعض أجزاء نحورهن وبعض الصدر أو الشعر كما لو كان بدون خمار أو بدون الضرب على الجيوب فقد تنكشف تلك المناطق فجاء الأمر هنا بالتنبيه عليها بالضرب خاصة على الجيوب فتكون أثبت وأبلغ في ستر ما قد ينكشف من تلك المنطقة وبخاصة عند الحركة بعكس ما لو وضع الخمار على الرأس وألقي طرفاه للخلف، والله أعلم.\nولهذا كان مقصد الشارع من الآية هنا هو التنبيه على هذه المنطقة بالذات وما حولها ولا يمنع كما قلنا لو كان واسعًا ورمته على وجهها ليستره، فالأمر واسع كما قلنا لغة وإمكانا وشرعا، فذلك ما قد حصل ويحصل فعليا من النساء المحجبات ولهذا فإن ورود الآية هنا كما فهمها أهل العلم هي لستر تلك المناطق بالذات بسبب ما أسلفنا وكما سيأتي\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٦٨).","vol":"1","page":333},{"text":"من أقوال أهل العلم، وإنما لم يذكر بعضهم أنها لستر الوجه لأن ذلك مذكور منهم من قبل في سورة الأحزاب، ومما قد سبق بيانه منهم.\nقال البغوي: (﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمرهنَّ﴾ أي: ليلقين بمقانعهن ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ وصدورهنّ ليسترن بذلك شعورهنّ وصدورهنّ وأعناقهن وقراطهن. قالت عائشة: رحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله ﷿: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخمرهن عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهنّ فاختمرن بها) انتهى.\nوقال في زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ):\n(قوله تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن﴾ وهي جمع خِمار، وهو ما تغطى به المرأة رأسها، والمعنى: وليُلْقِين مقانعهن ﴿على جيوبهن﴾ ليسترن بذلك شعورهن وقرطهن وأعناقهن) انتهى.\nوقال في تفسير أبي السعود (ت: ٩٥١ هـ):\n(﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمرهنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ إرشادٌ إلى كيفيَّة إخفاءِ بعضِ مواضع الزِّينة بعد النَّهي عن إبدائها. وقد كانت النِّساءُ على عادةِ الجاهلية يسدُلْن خُمرهنَّ من خلفهنَّ فتبدُو نحورُهنَّ وقلائدهُنَّ من جيوبِهنَّ لوسعِها فأمرن بإرسالِ خمرهن إلى جيوبهنَّ سترًا لما يبدُو منها وقد ضُمِّن الضَّربُ معنى الإلقاء فعُدِّي بعَلَى. وقُرئ بكسرِ الجيمِ كما تقدَّم) انتهى.\nفكل من نقلنا قوله هنا من المفسرين وغيرهم قد صرحوا جميعهم في تفسيرهم لآية الإدناء وغيرها من الآيات بأنها الأمر بستر المرأة لوجهها، وبهذا تعلم أن قولهم هنا أنه لستر الرأس أو الجيوب ونحو ذلك","vol":"1","page":334},{"text":"وعدم ذكرهم ستر الوجه لا يعني عند أحد منهم أبدا عدم قولهم بستر المرأة لوجهها أو أنها تخرج للرجال مكشوفة، كما يستغل ذلك أهل السفور ويحاولون إيهامنا أن في المسألة خلاف، بالطبع لا. هذا تناقض مع بقية أقوالهم، فهم أرادوا بيان المراد من الآية وهو المزيد من الحرص والتنبيه والستر المطلوب سابقا وبخاصة على هذه المناطق.\nفهو سبحانه وبعد أن أمر وأرشد لطريقة ستر المرأة لزينتها بشكل عام وذلك بلبس الجلابيب أرشد بعدها أيضا لطريقة ستر بعض تلك المواضع من الزينة تأكيدا وخشية من انكشافها، كما جاء بعدها: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ فدل بنص القرآن القطعي أن الزينة قد كانت في أصلها الذي سبق هذا مخفية، فكان أمره ﷾ بضرب الخمر على جيوبهن وعدم الضرب\nبأرجلهن وغير ذلك كله سدا لكل ما يخل بهذا الأصل السابق، ومن حكمته ﷿ أن جاء ببعض ذلك بعد رخصته ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ حتى يحذروا عند تعاطيهم للرخص من التساهل في حدود الله.\nقال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في جلباب المرأة: (هذا وقد ذكر القرطبي (١٢/ ٢٣٠) وغيره في سبب نزول هذه الآية: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ [النور: ٣١] (أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة وهي المقانع سدلنها من وراء الظهر كما","vol":"1","page":335},{"text":"يصنع النَّبط فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك. فأمر الله تعالى بلَي الخمار على الجيوب) (١) انتهى.\nوهذا يقوله الشيخ في موضع سرده لأدلة السفور وأن الآية ليس فيها تصريح بستر المرأة لوجهها وإنما جاءت بستر الرأس والجيوب فقط، فيكون الوجه على هذا عنده مكشوفا، وتأييده لذلك بنقله بعض أقوال أهل العلم في الآية، فما الذي تفهمه من نقله لهذا الكلام ومن قوله: (وقد ذكر القرطبي)؟ .\nتفهم أنه لم يَرد عن القرطبي أنه يدين الله بستر النساء لوجوههن مع أن أقوال القرطبي وغيره في وجوب ذلك ظاهرة وصريحة كالشمس كما مرت بنا، فلماذا يعرضون عنها وينقلون لنا غيرها؟ فهل عندما لم ينص الإمام القرطبي هنا أن الآية تعني تغطية المرأة لوجهها، أن يفهم الواحد منه أنه أنكر ذلك كما هو قول أهل السفور اليوم؟ وكأنه لم يصرح بما قاله إجماع أهل العلم من وجوب ستر المرأة لوجهها؟ سبحانك ربي! .\nفهل حقًا لم يقرؤوا كلام القرطبي في عدة مواضع كما عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وراءحِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٣٥] حيث قال: (في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مُسآلتهن من وراء حجاب في حاجةٍ تُعرض أو مسألة يُستَفتين فيها ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها\n_________\n(١) جلباب المرأة للألباني.","vol":"1","page":336},{"text":"عورة بدنها وصوتها كما تقدم فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها أو داء يكون ببدنها أو سؤالها عما يعرض وتعين عندها) (١).\nوهل غاب عنهم كذلك قوله وهو الإمام المشهور عند قول الله تعالى في آية الإدناء: (الثانية: لما كانت عادة العربيات التبذل، وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، وتشعب الفكرة فيهن، أمر الله رسوله - ﷺ - أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن ... .\nالرابعة: واختلف الناس في صورة إرخائه:\n- فقال ابن عباس وعبيدة السلماني: ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها.\n- وقال ابن عباس أيضا وقتادة: ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه. وقال الحسن: تغطي نصف وجهها) انتهى كلام القرطبي.\n\nوهذا لتعرف حقيقة ما قلناه من أن اقتصار بعض أهل العلم على تحديد معنى الآية بستر تلك المناطق وعدم ذكرهم للوجه لا يعنى عندهم ولا عند غيرهم عدم وجوب ستر النساء لوجوههن من آيات وأحاديث مخصوصات.\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٢٢٧).","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>تصحيف الشيخ الألباني لكلام الحافظ ابن حجر</span>\nوتكملة لما سبق فممن فسر أن الخمار يأتي بمعنى ستر الوجه أيضًا الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.\n٢٠ - أخرج البخاري في كتاب التفسير: باب ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ [النور: ٣١] عن عائشة ﵂ قالت: (يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها) انتهى.\nقال الحافظ ابن حجر في الفتح: (فاختمرن أي غطين وجوههن وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر وهو التقنع قال الفراء كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار والخمار للمرأة كالعمامة للرجل) انتهى.\nقال الشيخ الألباني ﵀: (وهنا لا بد لي من الوقفة - وإن طال الكلام أكثر مما رغبت - لبيان موقف للشيخ التويجري غير مشرف له في استغلاله لخطأ وقع في شرح الحافظ لحديث عائشة الاتي ... فقوله: \"وجوههن\"، حتمًا أن يكون خطأ من الناسخ، أو سبق قلم من المؤلف، أراد أن يقول: \"صدورهن\" فسبقه القلم! ويحتمل أن يكون أراد معنىً مجازيًا أي: ما يحيط بالوجه ...) انتهى إلى آخر كلام الشيخ الألباني حيث ينسب التصحيف والخطأ للنُساخ وللحافظ ابن حجر وفي أشهر كتاب معروف ومتداول بين الناس في شرح صحيح البخاري وذلك","vol":"1","page":338},{"text":"لمجرد أنه قال كما قال غيره أن الخمار يأتي بمعنى ستر الوجه، فكيف وقد سبق معنا قول عائشة ﵂: (فخمرت وجهي بجلبابي) وقول فاطمة بنت المنذر: (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات) وغير ذلك ممن نقلنا أقوالهم كالشافعي وغيره فهل في ذلك غرابة حتى ينسب بهذه السهولة التصحيف والخطأ للنساخ وللحافظ ابن حجر، وهل من حققوا نسخ فتح الباري ذكروا مثل هذا الكلام؟ ثم لو كان غير الحافط ابن حجر المعروفة أقواله في وجوب تحجب النساء عن الرجال لأمكن قبول ذلك ولو رجعنا فقط لأقواله فيما نقلناه عنه هنا وهي كثيرة، لرأينا مدى التساهل في إصدار الأحكام ونسبة مذهب السفور للائمة عليهم رحمة الله أو إيهام الناس بذلك، وليس لهم إلا هذا، لانه ليس عندهم سلف من الأئمة يقول بصريح قولهم بتاتًا.\n٢١ - قال الحافظ ابن حجر في الفتح عند \"كتاب الأشربة\" - باب مَا جَاءَ فِي أَنَّ الْخَمْرَ مَا خَامرَ الْعَقْلَ مِنْ الشَّرَابِ-: (فقال أبو بكر بن الأنباري: سميت الخمر خمرا لأنها تخامر العقل أي تخالطه، قال: ومنه قولهم خامره الداء أي خالطه، وقيل: لأنها تخمر العقل أي تستره، ومنه الحديث الآتي قريبا «خمروا آنيتكم» ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها، وهذا أخص من التفسير الأول لأنه لا يلزم من المخالطة التغطية) انتهى كلامه ﵀.\n٢٢ - وقال الحافظ في الفتح عند شرحه لقول عائشة ﵂ في قصة الإفك: (فخمرت وجهي) قال: (قوله: فخمرت أي غطيت وجهي بجلبابي أي الثوب الذي كان عليها) انتهى.","vol":"1","page":339},{"text":"٢٣ - وقال أيضًا في الفتح: (النقاب: الخمار الذي يشد على الأنف أو تحت المحاجر) (١).\n٢٤ - وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: (استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال ولم يؤمر الرجال قط بالانتقاب لئلا يراهم النساء) (٢).\n٢٥ - وقال أيضًا: (ولم تزل عادة النساء قديمًا وحديثًا يسترن وجوههن عن الأجانب) (٣) انتهى.\nفهل قوله في هذه المواضع وغيرها - مما مر معنا وسيمر- هو أيضا كما يقوله الشيخ الألباني: (حتمًا أن يكون خطأ من الناسخ أو سبق قلم من المؤلف أراد أن يقول: \"صدورهن\" فسبقه القلم! ويحتمل أن يكون أراد معنىً مجازيًا أي: ما يحيط بالوجه ...).\nأو كقوله في آخر مبحثه الرابع من كتابه الرد المفحم: (وجملة القول: إن الخمار والاعتجار عند الإطلاق إنما يعني: تغطية الرأس فمن ضمَّ إلى ذلك تغطية الوجه فهو مكابر معاند لما تقدم من الأدلة، وعلى ذلك يسقط استدلال الشيخ (٤) ومن قلده ... على دعواه الباطلة شرعًا ولغةً ويسلم لنا في الوقت نفسه استدلالنا بآية (الخمار) وحديث فاطمة الآتي على أن وجه المرأة ليس بعورة) انتهى كلامه ﵀.\nفكيف وآخرون غير من ذكرناهم يصرحون أن الخمار يستر الوجه؟ ! .\n_________\n(١) قاله الحافظ ابن حجر في الفتح (٤/ ٦٤).\n(٢) حكاه الحافظ ابن حجر في الفتح (٩/ ٣٣٧). وحكاه العيني في عمدة القارئ (٢٠/ ٢١٧).\n(٣) قاله الحافظ أيضا في الفتح (٩/ ٤٢٤).\n(٤) يقصد بـ (الشيخ) الشيخ حمود التويجري ﵀.","vol":"1","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>تفسير قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بأرجلهن لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور ٣١]</span>\nفدل بنص القرآن أن الزينة في أصلها مخفية، حتى أنها لا تُعلم إلا بشد الانتباه ولفت الأنظار والضرب على أرجلهن ولهذا من يقول بجواز كشف المرأة لوجهها مستدلا بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يكون قد تفاجأ بعدها بآيات نهت عن الضرب بالأرجل حتى لا يسمع الرجال صوت خلخالها أو ما تخفيه من الزينة كما أجمع عليه المفسرون! كيف وهي كاشفة لوجهها أصلا وهو أعظم الزينة فيها، فماذا بقي بعد هذا ليتصوروه، أيريدون كشف الشعر والنحر والصدر؟ والوجه أعظم من ضربها برجلها وسماع خلخالها والنظر لزينتها المخفية بل وأعظم من خضوعها بصوتها أو أمرها بالقرار في بيتها (١) أو لبسها للقفازين وأعظم من قوله - ﷺ -: (أيما امرأة خرجت متعطرة فهي زانية) (٢)، والنهي عن اختلاطها بالرجال أو أمرها بأن تستأخر وتبتعد\n_________\n(١) قرارها في بيتها بحيث يكون هو الغالب من حالها، وليس معناه عدم الخروج لحاجتها لقوله - ﷺ - لسودة ﵂ في الصحيح: (قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن).\n(٢) صححه الألباني في غاية المرام على تخريج أحاديث الحلال والحرام برقم (١٩٩) (المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا يعني: زانية) رواه أبوداود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ورواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان ولفظهما قال النبي - ﷺ -: (أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية) رواه الحاكم أيضا وقال: صحيح الإسناد.","vol":"1","page":341},{"text":"عنهم وغير ذلك مما منعت منه الشريعة أو حثت عليه وهو أهون بكثير من كشفها لوجهها، ولا يرضى بهذا الفهم السقيم إلا من يأتي بالعجائب والغرائب وتسفيه الأئمة بنسبة مذهب السفور لهم بمثل هذه التناقضات الغير منطقية، ولهذا تجد أهل السفور اليوم يعرضون ولا يتحدثون عن التحذير أو الترغيب على مثل هذه الأمور التي هي أهون من كشفها لوجهها، لأنه لا يجتمع القول بجواز كشفه مع القول بمثل تلك النصوص الشرعية مما دونه، ولهذا يأتون بما هو أسوأ كمثل جواز أكل الأجنبي مع الأجنبية ويستدلون بالمتشابهات والاحتمالات، فكم أماتوا من سنة وأحيوا من بدعة وشبهة ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nوقد (خرج النبي ذات يوم من المسجد وقد اختلط النساء مع الرجال في الطريق، فقال النبي: - ﷺ - استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق عليكن بحافات الطريق، فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى أن ثوبها ليتعلق به من لصوقها) (١).\nولو أردنا أن نتكلم عن أقوال أهل العلم في الضرب بأرجلهن أو في صوت المرأة، أو في غير ذلك لرأينا العجب العجاب والفرق الشاسع بين أقوال أولئك الأئمة، وهؤلاء المنتسبين لهم اسمًا والمخالفين لهم قولًا وعملًا.\nوأما بالسياق المنقول عن السلف وأهل العلم فلا يكون هناك أي تعارض ولا تشويش بل تكون كل الأدلة مما جاء به الكتاب والسنة\n_________\n(١) رواه أبو داود من حديث أسيد الأنصاري ﵁ بسند جيد، وقد حسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع برقم (٩٢٩).","vol":"1","page":342},{"text":"وأقوال سلف الأمة ومفسريها وفقهائها مناسبة للسياق العام السابق منه واللاحق، والله الهادي لا رب سواه.\nقال العلامة الشيخ ابن عثيمين ﵀: (وإني لأعجب من قوم يقولون: أنه يجب على المرأة أن تستر قدمها، ويجوز أن تكشف كفيها! فأيهما أولى بالستر؟ ! أليس الكفان؛ لأن نعمة الكف وحسن أصابع المرأة وأناملها في اليدين أشد جاذبية من ذلك في الرجلين.\nوأعجب أيضا من قوم يقولون: أنه يجب على المرأة أن تستر قدميها ويجوز أن تكشف وجهها! فأيهما أولى بالستر؟ ! هل من المعقول أن نقول أن الشريعة الإسلامية الكاملة التي جاءت من لدن حكيم خبير توجب على المرأة أن تستر القدم، وتبيح لها أن تكشف الوجه؟ ! .\nالجواب: أبدا هذا تناقض؛ لأن تعلق الرجال بالوجوه أكثر بكثير من تعلقهم بالأقدام ... .\nإلى أن قال ﵀: (أنا أعتقد أن أي إنسان يعرف مواضع الفتن ورغبات الرجال لا يمكنه إطلاقًا أن يبيح كشف الوجه مع وجوب ستر القدمين وينسب ذلك إلى شريعة هي أكمل الشرائع وأحكمها) (١) ... انتهى كلامه.\nقال الشيخ محمد الألباني غفر الله لنا وله: (ثم إن قوله تعالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ [النور: ٣١] يدل على أن النساء يجب عليهن أن يسترن أرجلهن أيضًا. وإلا لاستطاعت إحداهن أن\n_________\n(١) فتاوى المرأة المسلمة للعثيمين (١/ ٤٠٤).","vol":"1","page":343},{"text":"تبدي ما تخفي من الزينة (وهي الخلاخيل) ولاستغنت بذلك عن الضرب بالرجل ولكنها كانت لا تستطيع ذلك لأنه مخالفة للشرع مكشوفة ومثل هذه المخالفة لم تكن معهودة في عصر الرسالة ولذلك كانت إحداهن تحتال (١) بالضرب بالرجل لتُعلم الرجال ما تخفي من الزينة فنهاهن الله تعالى عن ذلك) (٢) إلى آخر كلامه يرحمه الله.\nفهل يعقل أن في الآية ما (يدل على أن النساء يجب عليهن أن يسترن أرجلهن) حتى لا (تبدي ما تخفي من الزينة وهي الخلاخيل) مع القول بجواز أن يكون وجهها مكشوفًا؟ .\nوإذا لم تكن هذه المخالفة من كشفهن للخلاخل التي في أرجلهن (معهودة في عصر الرسالة)، فهل كان (معهودًا) قوله ﵀ بعده: (ويجوز لهن الكشف عن الوجه والكفين فقط، لجريان العمل بذلك في عهد النبي - ﷺ - مع إقراره إياهن على ذلك) (٣)؟ .\n_________\n(١) قوله (كانت إحداهن تحتال .. لتُعلم الرجال) مع ما في هذه اللفظة ما فيها في حق الصحابيات رضوان الله عليهن أجمعين، والله أعلم.\n(٢) جلباب المرأة (صـ ٨٠).\n(٣) جلباب المرأة (صـ ٩٥).","vol":"1","page":344},{"text":"(المبحث السادس)\n\nخصوصية أمهات المؤمنين في فرض الحجاب عليهن وما لحقها من التحريف والتصحيف والتبديل قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أولَى بِالمؤمنين مِنْ أنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أمهاتهم﴾ [الأحزاب: ٦]","vol":"1","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>(المبحث السادس)\nخصوصية أمهات المؤمنين في فرض الحجاب عليهن وما لحقها من التحريف والتصحيف والتبديل</span>\nقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أولَى بِالمؤمنين مِنْ أنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أمهاتهم وَأولُو الأرْحَام بَعْضُهُمْ أولَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦].\nلقد سبق لنا الكلام باختصار عن هذه الآية عند حديثنا عن التمهيد قبل نزول أول آية في شأن الحجاب، وبينا هناك أن الله بدأ السورة بجعل زوجات نبيه - ﷺ - أمهات للمؤمنين، تشريفًا وتكريمًا لنبيه - ﷺ - ولزوجاته الطيبات الطاهرات، فأعلى بذلك قدرهن ورفع به شأنهن، بل ومن العجيب أنه أتى بها وبما فيها من التشريف والتكريم وكان قبلها بآية واحدة فقط قد ألغى التبني وظهار الجاهلية كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿١﴾ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿٢﴾ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴿٣﴾ مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴿٤﴾ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا","vol":"1","page":347},{"text":"رَّحِيمًا ﴿٥﴾ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ﴿٦﴾ [الأحزاب].\nوكأنه حين أن جاء بهذا التشريف بعد أن ألغى قبله التبني وظهار الجاهلية، عني به أمومتهن بأعلى درجاتها وأسمى غاياتها، ولهذا فكان الصحابة في بداية الأمر وقبل نزول آيات الحجاب يتوافدون لبيوت النبي - ﷺ - لسؤاله عن بعض قضاياهم وشئونهم وحاجاتهم، أو إجابة دعوة من أب كريم، وخلاف ذلك مما يعنُّ لهم فكانوا يكثرون المجيء ويطيلون المكث والحديث، مطمئنين عند من هو أولى بهم من أنفسهم وعند أمهات لهم كما قرره ﷾ من فوق سبع سماوات.\nفكان عمر يقول: (يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب) ولم يكن لأحد بعد قول الله تعالى أن يحجب الأبناء عن الدخول على أمهاتهم، قالت عائشة ﵂: (كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله - ﷺ - احجب نساءك قالت: فلم يفعل وكان أزواج النبي - ﷺ - يخرجن ليلا إلى ليل قِبل المناصع فخرجت سودة بنت زمعة وكانت امرأة طويلة فرآها عمر بن الخطاب وهو في المجلس فقال: عرفناك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب قالت: فأنزل الله ﷿ آية الحجاب) متفق عليه.","vol":"1","page":348},{"text":"ومن ذلك ما رواه أنس قَالَ عُمَرُ ﵁: (يَا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ وَالفَاجِرُ، فَلَوْ أمرتَ أمهات المؤمنين بِالحِجَابِ، فأنزل اللَّهُ آية الحِجَابِ) (١).\nوهي التي أخبر عنها الصحابي أنس بن مالك ﵁ وما بعدها من الآيات في الأمر بإدناء الجلابيب، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (وطريق الجمع بينها أن أسباب نزول الحجاب تعددت وكانت قصة زينب آخرها للنص على قصتها في الآية، والمراد بآية الحجاب في بعضها قوله تعالى ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾)] الأحزاب ٥٩ [(٢) انتهى.\nقال أنس ابن مالك ﵁: (كنت ابن عشر سنين مقدم رسول الله - ﷺ - وكان أمهاتي يواظبنني على خدمة رسول الله فخدمته عشر سنين وتوفي - ﷺ - وأنا ابن عشرين سنة وكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل وكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله بزينب بنت جحش أصبح النبي بها عروسًا فدعا القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا وبقي رهطٌ منهم عند النبي - ﷺ - فأطالوا المكث - وفي رواية - ورسول الله - ﷺ - جالسٌ وزوجته موليةٌ وجهها إلى الحائط فقام النبي فخرج وخرجتُ معه لكي يخرجوا فمشى ومشيت حتى جاء عتبة حجرة عائشة -وفي رواية - فانطلق إلى حجرة عائشة فقال السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته فقالت وعليك السلام ورحمة الله كيف وجدت أهلك\n_________\n(١) أخرجه البخاري وغيره.\n(٢) انظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري (قوله باب خروج النساء إلى البراز).","vol":"1","page":349},{"text":"بارك الله لك؟ فتقرَّى حجر نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة ويقلن له كما قالت عائشة - إلى أن قال - فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي بيني وبينه بالستر - وفي رواية - فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه وأنزل الحجاب فخرج رسول الله - ﷺ - وقرأهن على الناس ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا ﴿٥٣﴾ [الأحزاب] (١).\nوبذلك نزلت أول آية في الحجاب وهي في منع الدخول على النساء من الرجال الأجانب في البيوت ولم يسمح بالدخول إلا لمن استثناهم الله بعدها بقوله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ﴿٥٥﴾ [الأحزاب]. وأما غير هؤلاء ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وراء حِجَابٍ﴾.\nولهذا تفهم لماذا كان عمر يصر على ذكر حجب أمهات المؤمنين بالذات؟ .\n_________\n(١) الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما.","vol":"1","page":350},{"text":"لأنهن كان يدخل عليهن الرجال أكثر من غيرهن وفي أكثر من وقت، بحكم مكانة رسول الله - ﷺ - وكونهن أمهاتهم، فكان هذا من حكمة الله أن رتب الأمر على ذلك فبدأ بجعلهن أمهات للمؤمنين ثم حجبهن عن أبنائهن ليبين عظيم فريضة الحجاب على المؤمنات حتى لم يستثنِ منه أحدا، حتى أمهات المؤمنين، فكن بذلك مخصوصات دون أمهات العالمين عن الحجاب من أبنائهن.\nثم لما كان لابد للنساء من الخروج من بيوتهن أرشدهن الله بعدها مباشرة إلى كيفية الحجاب من الرجال حال الخروج من البيوت وذلك بطريقة إدناء الجلابيب عليهن كما هو قوله تعالى بعدها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩].\nفاستقام الأمر واستوى حجابهن عن الأجانب داخل البيوت بسؤالهن من وراء حجاب، وخارجها بلبسهن وإدناء الجلابيب عليهن، وجاءت الروايات العديدة والمتواترة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان في بيان طريقة ووصف وشكل ذلك الإدناء.\nوجاء إجماع أهل العلم من المفسرين وغيرهم، كما مر معنا، أنها الأمر بستر النساء لوجوههن عن الرجال، دون أي مخالف.\nولهذا لما كانت سورة النور متأخرة في السنة السادسة للهجرة عن سورة الأحزاب التي كانت في السنة الخامسة هجريا، جاء في النور الرخص لإظهار المرأة زينتها عند الحاجة والضرورة، والرخص","vol":"1","page":351},{"text":"للقواعد من النساء أن يضعن ثيابهن، وكذلك زِيد في الأصناف الذين استثناهم الله من الدخول للبيوت ورؤية زينة المرأة في أحوالها العادية توسعة على العباد ورخصة من الله، قال تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبَائِهِنَّ أو آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أو أبنائهن أو أبناء بُعُولَتِهِنَّ أو إخوانهن أو بَنِي إخوانهن أو بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أو نِسَائِهِنَّ أو مَا مَلَكَتْ أيمَانهُنَّ أو التَّابِعِينَ غَيْرِ أولِي الإربة مِنَ الرِّجَالِ أو الطِّفْلِ الذين لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عورات النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بأرجلهن لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيها المؤمنون لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>التمهيد لنزول فريضة الحجاب:</span>\nفقد كان هناك تمهيد وتدرج بخصوص ذلك، حيث نجد أنه قد نزل قبل فرض الحجاب وبعد أن أكرمهن الله بكونهن أمهات للمؤمنين وقدوات لغيرهن في الخيرات كما قال ابن كثير: (فلما كانت محلتهن رفيعة، ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهن مغلظًا؛ صيانة لجنابهن وحجابهن الرفيع، ولهذا قال تعالى: ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾) [الأحزاب: ٣٠] انتهى.\nوقال البيضاوي: (﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ ضعفي عذاب غيرهن أي مثليه، لأن الذنب منهن أقبح فإن زيادة قبحه تتبع زيادة فضل المذنب والنعمة عليه ولذلك جعل حد الحر ضعفي حد العبد، وعوتب الأنبياء بما لا يعاتب به غيرهم) انتهى.","vol":"1","page":352},{"text":"وقال الإمام الرازي: (فقال: ﴿لَسْتُنَّ كَأحد﴾ [الأحزاب: ٣٢] ومعنى قول القائل ليس فلأن كآحاد الناس، يعني ليس فيه مجرد كونه إنسانًا، بل وصف أخص موجود فيه، وهو كونه عالمًا أو عاملًا أو نسيبًا أو حسيبًا، فإن الوصف الأخص إذا وجد لا يبقى التعريف بالأعم، فإن من عرف رجلًا ولم يعرف منه غير كونه رجلًا يقول رأيت رجلًا فإن عرف علمه يقول رأيت زيدًا أو عمرًا، فكذلك قوله تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأحد مّنَ النّسَاء﴾ يعني فيكن غير ذلك أمر لا يوجد في غيركن وهو كونكن أمهات جميع المؤمنين وزوجات خير المرسلين، وكما أن محمدًا ﵇ ليس كأحد من الرجال، كما قال ﵇: «لست كأحدكم» كذلك قرائبه اللاتي يشرفن به وبين الزوجين نوع من الكفاءة) (١) انتهى.\nوقال الإمام القرطبي (﴿إن اتَّقَيْتُنَّ﴾ أي خفتن الله. فبيّن أن الفضيلة إنما تتم لهن بشرط التقوى؛ لما منحهن الله من صحبة الرسول وعظيم المحل منه، ونزول القرآن في حقهن) انتهى.\nولهذا فبعد هذا التشريف جاء التمهيد للجميع وبدأ بهن وهن من هن، أمهات المؤمنين وزوجات خير المرسلين وذلك بالتحذير لهن من الإخلال بكل ما يزعزع هذه المكانة السامية، حيث جاءت آيات بعد تشريفهن وقبل نزول الحجاب تنهي أمهات المؤمنين فضلا عن غيرهن عن الخضوع بالقول حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض، وأمرن أن يقلن للرجال قولا معروفًا مختصرًا لا توسع فيه ولا تبسط أي لا كما\n_________\n(١) تفسير مفاتيح الغيب، التفسير الكبير للرازي (ت: ٦٠٦ هـ).","vol":"1","page":353},{"text":"تخاطب المرأة زوجها، ثم جاء الأمر بقرارهن في البيوت وأن لا يخرجن إلا لحاجة، وأن لا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وأن يقمن الصلاة ويؤتين الزكاة ويطعن الله ورسوله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت وأن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة، وغير ذلك حتى نزلت أول الآيات في شأن الحجاب بداية من منع الدخول عليهن وسؤالهن من وراء حجاب، وحتى الأمر لهن ولبنات رسول الله - ﷺ - ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن إذا خرجن من بيوتهن أو خاطبن الرجال بدون حائط أو ساتر.\nوقال ابن كثير: (هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي - ﷺ - ونساءُ الأمة تبع لهن في ذلك، فقال تعالى مخاطبًا لنساء النبي - ﷺ - بأنهن إذا اتقين الله ﷿ كما أمرهن، فإنه لا يشبههن أحد من النساء، ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة) انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>موقف الصحابة من آيات الحجاب وأمهات المؤمنين:</span>\nوبعد هذا التمهيد الذي سبق ثم ما تلاه من أمر أمهات المؤمنين بالحجاب من أبنائهن كبقية النساء الأجنبيات، تأكد للصحابة حينئذ أن أمومتهن التي ذكرها الله ﷿ في بداية الآيات هي كما كانت قبل الحجاب أمومة تشريف وتوقير واحترام، فقد كن قبل الحجاب يجوز الزواج ببناتهن وأخواتهن ثم لما حُجبن أراد سبحانه أن يؤكد بقاء حكم معنى أمومتهن وأنها لم تتغير بحجبهن من أبنائهن فأنزل بعدها آيات تحريم النكاح بهن بعد رسول الله - ﷺ -، كما يحرم النكاح بالأمهات وذوات المحارم، وأما فيما سوى ذلك فكما الأجنبيات كما نصت عليه","vol":"1","page":354},{"text":"الآيات، فكانت أمومتهن في معنى دون معنى، وعلى هذا إجماع أهل العلم كما سيأتي ذكره مفصلًا.\nفالصحابة ومن بعدهم وكونهم عاصروا نزول القران وكانوا قريبي عهد بنزوله كانوا أعلم الناس فهمًا لمعناه، فلم يختلط عليهم الأمر في ذلك ولم يجهلوا سبب ذكر بيوت النبي - ﷺ - بالذات من منع الدخول عليهن أو أن أمهات المؤمنين قد أمرن بمخاطبة الرجال من وراء حجاب وأنهن وغيرهن من النساء قد أمرن قبلها بطاعة الله ورسوله وعدم الخضوع بالقول والأمر بالقرار في بيوتهن وعدم تبرج الجاهلية الأولى وإقام الصلاة وغير ذلك، حتى نزلت الآيات في الأمر بعدم الدخول لبيوت النبي - ﷺ - والأمر لهن جميعًا بإدناء الجلابيب عليهن حال الخروج، فُعلم أنهن كبقية النساء في ذلك وأن أمومتهن في معنى دون معنى كما كانت في السابق وبهذا فلا تعنى عدم حجبهن، بل أن غيرهن بلا شك أولى بذلك وأحرى من أهل بيت رسول الله - ﷺ - وممن هن في حكم الامهات، لهذا لم يقل أحد من أهل العلم أبدًا أنهن مختصات بالحجاب أو بستر الوجه دون غيرهن فضلًا عما دونه من الأوامر والنواهي، أو أنه ليس على بقية النساء ما أمرت به أمهات المؤمنين زوجات النبي - ﷺ - من عدم الخضوع بالقول ومن القرار في البيوت وغير ذلك، وكذلك لم يقل أحد أن بقية النساء غير مأمورات بالصلاة والزكاة وطاعة الله ورسوله وتبليغ رسالة الله، إلا ما حصل اليوم من بعض المتأخرين في فهم الخصوصية فهمًا معكوسًا وشاذًا، عما قصده بعض أهل العلم من المتقدمين. كما سنأتي له قريبًا بمشيئة الله تعالى.","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>طريقة حجاب النساء داخل البيوت والإجماع في ذلك:</span>\nقال شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى:\n(﴿وَإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وراء حِجَابٍ﴾ يقول: وإذا سألتم أزواج رسول الله ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعًا ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وراء حِجَابٍ﴾ يقول: من وراء ستر بينكم وبينهن، ولا تدخلوا عليهن بيوتهن. ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ يقول تعالى ذكره: سؤالكم إياهن المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين فيها، التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء، وفي صدور النساء من أمر الرجال، وأحرى من أن لا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل) انتهى.\nقال الإمام الجصاص رحمه الله تعالى عند هذه الآية: (وهذا الحكم وأن نزل خاصًا في النبي - ﷺ - وأزواجه، فالمعنى عام فيه وفي غيره، إذ كنا مأمورين باتباعه، والاقتداء به، إلا ما خصه الله به دون أمته) انتهى.\nقال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى: (الحجاب كان أول الإسلام غير مفروض على المرأة، وكانت تبدي وجهها وكفيها عند الرجال، ثم شرع الله سبحانه الحجاب للمرأة وأوجب ذلك عليها صيانة لها وحماية لها من نظر الرجال الأجانب إليها، وحسمًا لمادة الفتنة بها، وذلك بعد نزول آية الحجاب، وهي قوله تعالى في الآية من سورة الأحزاب: ﴿وَإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وراء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]","vol":"1","page":356},{"text":"الآية. والآية المذكورة وإن كانت نزلت في زوجات النبي - ﷺ - فالمراد منها: هن وغيرهن من النساء لعموم العلة المذكورة والمعنى في ذلك. وقال ﷾ في السورة نفسها: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٣] الآية. فإن هذه الآية تعمهن وغيرهن بالإجماع) (١) انتهى.\nوسنأتي لتأييد كلام أهل العلم في الإجماع قريبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>لماذا ذكرت بيوت النبي - ﷺ - بالذات</span>؟:\nوقد سبق لنا بيان لماذا جاء ذكر بيوت النبي - ﷺ - في آية الحجاب والمنع من الدخول على النساء في البيوت؟ وقلنا هنالك أن السبب في ذكر بيوت النبي - ﷺ - بالذات لأنه لو نزلت في البيوت عامة، لأمتنع الرجال من الدخول على بيوت بعضهم البعض، إلا من بيوت النبي - ﷺ - لأنهم سيرون أن الآية لا تعنيهم كونهم أبناء لزوجاته والله يقول: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي ءابائِهِنَّ وَلا أبنائهن ..﴾ [الأحزاب: ٥٥] ولكن لما بين في أولها ﴿يَا أيها الذين أمنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعام غَيْرَ نَاظِرِينَ أناهُ وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانتشروا وَلا مُسْتَأنسِينَ لِحَدِيثٍ أن ذَلِكُمْ كان يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْييِ مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْييِ مِنْ الْحَقِّ وَإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ\n_________\n(١) (أهمية الغطاء في وجه المرأة) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة المجلد الثالث.","vol":"1","page":357},{"text":"مِنْ وراء حِجَابٍ ﴿٥٣﴾ [الأحزاب].\nفهم الجميع منها المعنى والمقصد وهو تحريم الدخول عليهن وعدم الأُنس بالجلوس في بيوتهن، والأمر بسؤالهن من وراء حجاب وكذلك لأنهن من كان يُكثرُ الرجال الدخول عليهن بحكم مكانة رسول الله - ﷺ - وأمومتهن بعكس غيرهن من النساء فناسب أن يكون الخطاب خاصا ببيوت النبي - ﷺ -، قال الإمام السيوطي في لباب النقول في أسباب النزول: (قال الحافظ بن حجر يمكن الجمع بأن ذلك وقع قبل قصة زينب فلقربه منها أطلق نزول آية الحجاب بهذا السبب ولا مانع من تعدد الأسباب، وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا نهض إلى بيته بادروه فأخذوا المجالس فلا يعرف ذلك في وجه رسول الله - ﷺ - ولا يبسط يده إلى الطعام استحياء منهم فعوتبوا في ذلك فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي﴾ الآية) (١) انتهى.\nوكان من المفهوم للصحابة وغيرهم من باب أولى عدم دخول الرجال على بيوت غيرهن من النساء ممن لسن لهن بأمهات ولا محارم وبخاصة بعد أن نزل قبلها أوامر ونواهي لهن جميعا على السواء وبخاصة أيضا أنه حدد ﷾ المستثنين بالدخول تحديدًا جليًا من الآباء والأبناء ونحوهم، فكان هذا حجابًا لهن ولغيرهن عن الرجال الأجانب، وليس خاصًا بهن، كما يقوله البعض اليوم.\n_________\n(١) لباب النقول في أسباب النزول للإمام السيوطي (١/ ١٦٢).","vol":"1","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>طريقة حجاب النساء خارج البيوت والإجماع في ذلك:</span>\nولهذا فلما جاءت الآيات بعدها مباشرة ذكرت حال خروجهن من البيوت ولم يكن هناك حائل أو ساتر من جدار أو باب ونحوه، لانه لا بد لهن من الخروج، فكيف يكون الحجاب؟ ولما لم يكن في ذكر نساء النبي - ﷺ - هنا حاجة، لاستوائهن في الخروج مع غيرهن من النساء، بعكس البيوت كما بيناه آنفًا، لهذا ذكر الله هنا الجميع وبين طريقة الحجاب عليهن حال الخروج فقال تعالى: ﴿قُل لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذَلِكَ أَدْنَى أن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكان اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿٥٩﴾ [الأحزاب].\nلهذا جاءت الرواية الثانية عن عائشة ﵂ في خروج سودة مرة أخرى بعد نزول الأمر بإدناء الجلابيب فقالت: (خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة تفرع النساء جسما لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب فقال يا سودة أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين قال فانكفأت راجعة ورسول الله ... - ﷺ - في بيتي وأنه ليتعشى وفي يده عرق فدخلت فقالت: يا رسول الله إني خرجت فقال لي عمر: كذا وكذا قالت فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وأن العرق في يده ما وضعه فقال أنه قد أُذن لكن أن تخرجن لحاجتكن) متفق عليه.\nفبعد نزول آيات الحجاب أراد عمر ﵁ أن يزيد ويحجب أشخاص النساء ولكن لم يُجب في هذا الأمر، وقال - ﷺ -: (قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن) قال الحافظ ابن حجر: (قال الكرماني فإن قلت وقع","vol":"1","page":359},{"text":"هنا أنه كان بعد ما ضرب الحجاب وتقدم في الوضوء أنه كان قبل الحجاب، فالجواب لعله وقع مرتين، قلت بل المراد بالحجاب الأول غير الحجاب الثاني والحاصل أن عمر ﵁ وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النبوي حتى صرح بقوله له - ﷺ -، احجب نساءك وأكد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلا ولو كن مستترات فبالغ في ذلك فمنع منه وأذن لهن في الخروج لحاجتهن دفعا للمشقة ورفعا للحرج) (١) انتهى.\nوبهذا تطابق الأمر بالحجاب من أعين الرجال داخل البيوت وخارجها ولم يكن الحجاب لا في البيوت ولا خارجها خاصًا بزوجات رسول الله - ﷺ - دون غيرهن من النساء، وهذا مع أنه لم يقل به أحد من المتقدمين بتاتا، فهو أيضا ظاهر كالشمس من أكثر من وجه سبق بعضها، وأيضا في الحديث المتأخر لعائشة لمن تأمله فيه دلالة على عدم اختصاصهن بستر الوجه لقول عائشة في وصف سودة ﵄: (وكانت امرأة جسيمة تفرع النساء جسما لا تخفى على من يعرفها) وقول عمر: (يا سودة أما والله ما تخفين علينا) ولو كان ستر الوجه خاص بهن لعرفهن بذلك، بل وعلى هذا إجماع أهل العلم والتفسير قاطبة ولم يشذ منهم أحد، وهو تعظيم زوجات رسول الله - ﷺ - كونهن أمهات للمؤمنين مع وجوب الحجاب عليهن وتحريم النظر إليهن كبقية النساء الأجنبيات لا فرق بينهن في ذلك، وإنما الخصوصية التي لهن لا تعنى عند أحد من السلف خلاف الإجماع الذي ذكروه، وإنما تعنى عندهم ما سنأتي لبيانه بالتفصيل آنفًا.\n_________\n(١) فتح الباري (٨/ ٥٣١). ومثله في عمدة القاري (١٩/ ١٢٤).","vol":"1","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>معنى الخصوصية في حجاب أمهات المؤمنين عند المتقدمين وما لحقها من التحريف والتبديل والتصحيف</span>\nلقد كان للمتقدمين عند إطلاقهم لمعنى الخصوصية لحجاب أمهات المؤمنين معنىً مختلفًا ومغايرًا عن الذي أراده وفهمه اليوم فريق من دعاة السفور، وذلك لأن المتقدمين قصدوا به أمرين اثنين:\n\nالأول: وهو مختلف فيه بين أهل العلم:\nحيث ذهب بعضهم، إلى أن أمهات المؤمنين قد شُدد وغُلِظ عليهن في مسألة الحجاب وذلك تعظيمًا لحق رسول الله - ﷺ - ولحقهن ومكانتهن وقدرهن على من سواهن من النساء، فكن مختصات بعدم جواز ظهور أشخاصهن ولو كن مستترات، وعدم جواز كشفهن لوجوههن ولو عند الحاجة كما هي الرخصة لغيرهن من النساء، فحمله أهل السفور من المتأخرين اليوم على أن فرض ستر الوجه خاص بهن وسنة على من سواهن، دون أن يترَوَّوا في فهم معنى ومقصد كلام أولئك المتقدمين بالكامل، مع أنه ظاهر كالشمس كما سيأتي بيانه بمشيئة الله تعالى.\nالثاني: متفق عليه عند المتقدمين:\nوهو إطلاق لفظة الخصوصية في حجاب أمهات المؤمنين ويقصدون بها اختصاصهن بالحجاب من أبنائهن دون بقية الأمهات ودون من يَحرُمُ النكاح بهن.\nوقد يأتي في كلام أحدهم، وهو يقصد كلا المعنيين.","vol":"1","page":361},{"text":"وتلاحظ أنه ليس في أي من المعنيين السابقين أن ستر الوجه ليس فرض على من سواهن من النساء، وما سنذكره من أقوال أهل العلم العديدة، ما سيبين لنا مدى التحريف والتبديل والتصحيف في فريضة الحجاب، وهي أيضا فوق ذلك زيادة وتأكيد آخر، في بيان وجوب ستر المرأة المسلمة لوجهها عن الرجال، وليس كما ادعاه البعض من أنه سنة ومستحب، وفيه أيضا الإجماع على أن فريضة الحجاب لم تفرق بين أمهات المؤمنين وغيرهن من النساء.","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>الخصوصية الأولى\nالأدلة على أن معنى الخصوصية التي قصدها بعض المتقدمين لأمهات المؤمنين هي في تغليظ حجابهن بعدم جواز ظهور أشخاصهن أو الرخصة لهن في كشف الوجه والكفين كغيرهن</span>\nذهب فريق من أهل العلم المتقدمين إلى أنه قد فرض على نساء النبي - ﷺ - أن لا تظهر شخوصهن وأن يحتجبن من الناس فلا تظهر أجسادهن ولو كن مستترات، وهذا تعظيمًا لحقهن وقدرهن، وبالتالي فمن باب أولى فليس لهن أن يكشفن وجوههن أو أكفهن لشهادة أو معاملة ونحو ذلك، بعكس غيرهن من النساء في جواز ظهور أشخاصهن وهن مستترات وكشفهن عند الضرورة والحاجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>وممن قال بهذه الخصوصية من نوع التغليظ:</span>\n١ - جاء في سنن البيهقي الكبرى قال الإمام الشافعي - ﵀ - عند كلامه على مسألة العبد المكاتب مع سيدته وهو قوله - ﷺ -: (إذا كان\nلإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) (١). حيث جاءت أحاديث أخرى كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: (أيما عبد كوتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أوقيات فهو رقيق) (٢)\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود - باب في المكاتب يؤدي بعض كتابه فيعجز أو يموت -والترمذي - باب ما جاء في المكاتب إذا كان عنده ما يؤدي - وابن ماجة، - باب المكاتب - قال الألباني في تحقيقه منار السبيل رقم ١٧٦٩» (ضعيف).\n(٢) رواه الخمسة إلا النسائي قال الألباني في تخريجه لمنار السبيل برقم (١٧٦٧» حسن).","vol":"1","page":363},{"text":"وفي لفظ: (المكاتب عبد ما بقي عليه درهم) (١)، ولهذا اختلف الأئمة في الجمع بين الأحاديث، ولكن الذي يهمنا هنا هو:\nقول الإمام الشافعي ﵀: (وقد يجوز أن يكون أمر رسول الله - ﷺ - أم سلمة إن كان أمرها بالحجاب من مكاتبها إذا كان عنده ما يؤدي، على ما عظم الله به أزواج رسول الله - ﷺ - أمهات المؤمنين رحمهن الله وخصهن به وفرق بينهن وبين النساء أن اتقين ثم تلا الآيات في اختصاصهن، بأن جعل عليهن الحجاب من المؤمنين وهن أمهات المؤمنين ولم يجعل على امرأة سواهن أن تحتجب ممن يحرم عليه نكاحها، وكان في قوله - ﷺ - إن كان قاله إذا كان لإحداكن يعني أزواجه خاصة - ثم ساق الكلام إلى أن قال - ومع هذا إن احتجاب المرأة ممن له أن يراها واسع لها وقد أمر النبي - ﷺ - يعني سودة أن تحتجب من رجل قضى أنه أخوها وذلك يشبه أن يكون للاحتياط وأن الاحتجاب ممن له أن يراها مباح.\nوقال أبو العباس بن سريج في معناه، هذا ليحركه احتجابهن عنه على تعجيل الأداء والمصير إلى الحرية ولا يترك ذلك من أجل دخوله عليهن) (٢).\nفهنا الإمام الشافعي جزم بخصوصية واحدة وهي (اختصاصهن، بأن جعل عليهن الحجاب من المؤمنين وهن أمهات المؤمنين، ولم يجعل على امرأة سواهن أن تحتجب ممن يحرم عليه نكاحها) وبهذا تعلم أن\n_________\n(١) رواه أبو داود. وقال في الإرواء (١٦٧٤) (حسن).\n(٢) سنن البيهقي الكبرى (١٠/ ٣٢٧).","vol":"1","page":364},{"text":"الإمام الشافعي وغيره من المتقدمين لا يرون فرقًا بين حجاب أمهات المؤمنين عن الرجال وغيرهن من النساء.\nولهذا توقف عن الجزم بصحة خصوصية حجابهن من العبد إذا كان عنده ما يؤديه ولم يؤده، وذلك متوقف عنده على صحة الحديث عن رسول الله: (- إن كان قاله - إذا كان لإحداكن يعني أزواجه خاصة) فلو صح فيحمل على ما خصهن به من نوع أنهن وكونهن أمهات حجبن عن أبنائهن، وبعضهم كالقرطبي وغيره حمله على نوع التغليظ عليهن كعدم ظهور أشخاصهن ورؤيتهن للأعمى، كما سيمر معنا، وقد قلنا أن هذا النوع ليس متفقًا عليه عند العلماء كاتفاقهم على خصوصيتهن في التحجب وهن أمهات، كما قالها الشافعي لأنها بنص القرآن، لهذا فمنهم من لم يثبت خصوصية حجب أشخاصهن أبدًا وقال أنهن كبقية نساء المسلمين، وكما ترى في هذه الخصوصية التي قصدوها فليس فيها أن النساء ليس عليهن الحجاب كأمهات المؤمنين وكل ما فيها هو مزيد تغليظ في سترهن وحجابهن من العبد إذا كان عنده ما يؤديه ولم يؤده، وذلك لمكانتهن من رسول الله - ﷺ -، ولعلو قدرهن، وفي كلام الإمام الشافعي ما يدل أن الحجاب وستر الوجه كان عاما لنساء النبي - ﷺ - ونساء المسلمين (ولم يجعل على امرأة سواهن أن تحتجب ممن يحرم عليه نكاحها).\nوأما هنا فلأن العتق لا يكون إلا عند أداء ما اتفق مع العبد المكاتب عليه، ولو بقي عليه درهم لم يعتق كما نصت بذلك أحاديث ذكرنا بعضها، وهنا قال: (إذا كان لإحداكن) مجرد كون لديه ما يؤديه فقد","vol":"1","page":365},{"text":"صار في حكم المعتق الحر الذي وجب الحجاب منه، ففهم منه البعض على فرض صحة الحديث أنه يحمل عليهن، كما هو شأن ما فهموه من التغليظ عليهن، وحمله بعض الأئمة على أن العبيد مع أمهات المؤمنين خاصة قد يمتنعون عن الأداء، وذلك لمكانتهن من رسول الله - ﷺ - كما قاله أبو العباس بن سريج.\nقوله: (وإن الاحتجاب ممن له أن يراها مباح) فانظر ما يقوله هذا الإمام العظيم، ثم كيف ينسب إليه أنه يقول بسفور المرأة لوجهها، وهو يقول أن للمرأة أن تحتجب ممن يجوز له أن يراها، وهذا أكثر ما يمكن التمثيل به في أمر المحارم من الرضاعة أو نحو ذلك كمثل ما مثل له من أمر أم المؤمنين سودة ﵂، بالحجاب من رجل قيل أنه أخوها فقال: (ومع هذا إن احتجاب المرأة ممن له أن يراها واسع لها وقد أمر النبي - ﷺ - يعني سودة أن تحتجب من رجل قضى أنه أخوها وذلك يشبه أن يكون للاحتياط وأن الاحتجاب ممن له أن يراها مباح).\nفكيف لو رأيت أيها الإمام من يريد من المرأة اليوم العكس وأن تختلط بالأجانب وأن لا تحتجب منهم جميعًا، وينعتونا (بالمتشددين) على المرأة ليس لأننا نقول بحجابها ممن له أن يراها بل بحجابها ممن ليس له أن يراها، وأنت تقول (لها أن تحتجب ممن له أن يراها) (وذلك يشبه أن يكون للاحتياط) فهل في السنة والمستحب يقال (للاحتياط) وممن يُحتاط (من رجل قضى أنه أخوها)؟ .","vol":"1","page":366},{"text":"٢ - ومثله في الاحتياط والخصوصية قول ابن عبد البر في \"التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد\" -:\n(وأما وجه قوله لزوجته ميمونة وأم سلمة إذا جاء ابن أم مكتوم «احتجبا منه فقالتا أليس بأعمى؟ فقال رسول الله - ﷺ - أفعمياوان أنتما». فإن الحجاب على أزواج النبي - ﷺ - ليس كالحجاب على غيرهن، لما هن فيه من الجلالة ولموضعهن من رسول الله - ﷺ -: بدليل قول الله تعالى: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتُنَّ ..﴾ الآية. وقد يجوز للرجل أن ينظر لأهله من الحجاب بما أداه إليه اجتهاده حتى يمنع منهن المرأة فضلا عن الأعمى) (١) انتهى.\nثم ينسبون إليهم بفهمهم وقراءتهم السطحية المتسرعة جواز أن تخرج المرأة كاشفة عن وجهها أمام الرجال الأجانب، وينسبون أن في فريضة ستر النساء لوجوههن سنة ومستحب، فيا سبحان الله ما أعظم الجناية على العلم والعلماء! وما أبعد غربة الإسلام وما أبعد ما يدعيه المنتسبون لهؤلاء الأئمة، فإذا رأيت كلامهم، ثم قارنته بكلام الأئمة السابقين وما سطروه في كتبهم عرفت أنهم معذورون بجهله بعيدون عنه بعد المشرق عن المغرب.\nفهنا يقصد أنهن مختصات من عدم جواز اطلاع حتى الأعمى لهن وليس في كلامهم ما يقوله فريق من أهل السفور هدانا الله وإياهم.\n_________\n(١) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر (١٩/ ١٥٢).","vol":"1","page":367},{"text":"٣ - القاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ) يقول بخصوصية التغليظ لأمهات المؤمنين وأهل السفور ينقلوه شبه على جواز سفور المرأة:\nنقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري قول القاضي عياض: (فرض الحجاب مما اختصصن به فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها ولا إظهار شخوصهن وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه ضرورة من براز. ثم استدل بما في الموطأ أن حفصة لما توفي عمر سترها النساء عن أن يُرى شخصها؛ وأن زينب بنت جحش جعلت لها القبة فوق نعشها ليستر شخصها) (١) انتهى كلام القاضي.\n٤ - قال الحافظ ابن حجر في رده عليه وعلى من ذهب لنفس قول القاضي عياض: (وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن، وقد كن بعد النبي - ﷺ - يحججن ويطفن، وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص، وقد تقدم في الحج قول ابن جريج لعطاء لما ذكر له طواف عائشة: أقَبل الحجاب أو بعده؟ قال: قد أدركت ذلك بعد الحجاب. وسيأتي في آخر الحديث الذي يليه مزيد بيان لذلك) (٢) انتهى من الفتح.\n٥ - وقال أيضا في معرض رده على هذا القول في موضع آخر من فتح الباري: (وفي دعوى وجوب حجب أشخاصهن مطلقًا إلا في حاجة البراز نظر، فقد كنَّ يُسافرنَ للحج وغيره، ومن ضرورة ذلك الطواف\n_________\n(١) فتح الباري (٨/ ٥٣٠) (باب قوله: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾\n(٢) نفس المصدر السابق.","vol":"1","page":368},{"text":"والسعي وفيه بروز أشخاصهن، بل وفي حالة الركوب والنزول لا بدَّ من ذلك، وكذا في خروجهن إلى المسجد النبوي وغيره) (١) انتهى.\n٦ - قال القسطلاني في إرشاد الساري رادًا على من قال بذلك:\n(وفيه تنبيه على أن المراد بالحجاب التستر حتى لا يبدو من جسدهن شيء، لا حجب أشخاصهن في البيوت) (٢) انتهى.\n٧ - وكذلك نقل النووي في شرح مسلم قال: (القاضي عياض ... وقد كن إذا قعدن للناس جلسن من وراء الحجاب، وإذا خرجن حجبن وسترن أشخاصهن كما جاء في حديث حفصة يوم وفاة عمر، ولما توفيت زينب ﵂ جعلوا لها قبة فوق نعشها تستر شخصها) (٣) انتهى.\n٨ - وقد نقل الألوسي في تفسيره روح المعاني: (واختلف في حرمة رؤية أشخاصهن مستترات فقال بعضهم بها، ونسب ذلك إلى القاضي عياض، وعبارته فرض الحجاب مما اختصصن به فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها ولا إظهار شخوصهن وإن كنَّ مستترات ...) - إلى أن قال - (وأنا أرى أفضلية ستر الأشخاص فلا يبعد القول بندبه لهن وطلبه منهن أزيد من غيرهن، وفي البحر ذهب عمر رضي الله تعالى عنه إلى أنه لا يشهد جنازة زينب إلا ذو محرم منها مراعاة للحجاب فدلته\n_________\n(١) فتح الباري (١١/ ٢٤).\n(٢) إرشاد الساري (٧/ ٣٠٣).\n(٣) شرح صحيح مسلم للإمام النووي (١٤/ ١٥١).","vol":"1","page":369},{"text":"أسماء بنت عميس على سترها في النعش بقبة تضرب عليه وأعلمته أنها رأت ذلك في بلاد الحبشة فصنعه عمر رضي الله تعالى عنه وروى أنه صنع ذلك في جنازة فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -) انتهى.\n٩ - وقال السيوطي في الخصائص الكبرى: (باب اختصاصه - ﷺ - بتحريم رؤية أشخاص أزواجه في الأزر وسؤالهن مشافهة قال الله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ قال في الروضة تبعًا للرافعي والبغوي: لا يحل لأحد أن يسألهن إلا: ﴿من وراء حجاب﴾ الآية وأما غيرهن فيجوز أن يسألهن مشافهة ... وأخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن عوف قال أرسلني عمر وعثمان بأزواج النبي - ﷺ - السنة التي توفي فيها عمر يحج بهن فكان عثمان يسير أمامهن فلا يترك أحدا يدنو منهن ولا يراهن إلا من مد البصر وعبد الرحمن خلفهن يفعل مثل ذلك وهن في الهوادج وكانا ينزلان بهن في الشعاب ولا يتركان أحدا يمر عليهن، وأخرج ابن سعد عن أم معبد بنت خالد بن خليف قالت: رأيت عثمان وعبد الرحمن بن عوف في خلافة عمر حجا بنساء رسول الله - ﷺ - فرأيت على هوادجهن الطيالسة الخضر وهن حجرة من النساء يسير أمامهن عثمان على راحلته يصيح إذا دنا منهن أحد إليك إليك، وابن عوف من ورائهن يفعل مثل ذلك، وأخرج ابن سعد عن المسور بن مخرمة قال قد رأيت عثمان وهو أمام أزواج النبي - ﷺ - يلقي الناس مقبلين في وجهه فينحيهم حتى يكونوا مد البصر حتى يمضين) انتهى.","vol":"1","page":370},{"text":"أقول وهذا لعظم مكانتهن وقدرهن عليهن أفضل الصلاة والسلام، فهل يعقل من هذه حالهن وأمرهن إذا كان أمرهن الله بستر شخوصهن أن يكون جائزًا أن يسير نساء الصحابة بينهن سافرات الوجوه؟ .\nهل قال بذلك أحد من العالمين فضلا عن علماء الشريعة وورثة الأنبياء؟ . وهذا لنفهم معنى الخصوصية التي ذكرها بعض أهل العلم من المتقدمين.\n\n١٠ - قال في أسنى المطالب - شافعي -:\n(وهن أمهات المؤمنين) أي مثلهن لا في حكم الخلوة والنظر والمسافرة والظهار والنفقة والميراث بل في تحريم نكاحهن ووجوب احترامهن وطاعتهن (إكراما) له، ولقوله تعالى ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ ... (فائدة) ذكر البغوي عن الخطابي عن سفيان بن عيينة أنه قال: كان نساء رسول الله - ﷺ - في معنى المعتدات وللمعتدة السكنى فجعل لهن سكنى البيوت ما عشن، ولا يملكن رقابها) (١) انتهى.\n_________\n(١) أسنى المطالب (١٤/ ٢٣٨).","vol":"1","page":371},{"text":"١١ - الإمام الطحاوي يقول بخصوصية التغليظ لأمهات المؤمنين وأهل السفور ينقلوه شبه على جواز سفور المرأة\nومثله قول الإمام الطحاوي وهو مما نقله عنه أهل السفور في تأيد مذهبهم الباطل، فنقلوه نقلا مغلوطًا ومبتورًا وناقصًا عن سياقه العام وعن مقصد الإمام الطحاوي وغيره من العلماء ﵏، كما في مسألة خصوصية أمهات المؤمنين التي سبقت معنا من قول القاضي عياض وغيره، وذلك عند قوله في شرح معاني الآثار: (أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرّم عليهم من النساء، إلى وجوههن وأكفهن، وحرم ذلك عليهم من أزواج - ﷺ - وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، رحمهم الله تعالى) (١) انتهى.\nفهو ﵀ أراد بيان خصوصية أمهات المؤمنين التي مرت معنا ولهذا أمل من القارئ الكريم أن يقرأ هذا النص بجوار النص السابق والذي ذكرناه له، في منع البعض نظر الخاطب لمخطوبته، وذلك عند بداية نقلنا لكلام الفقهاء القائلين أن الوجه والكفين ليس بعورة وأن هذا لا يعني عندهم كشفه بلا سبب مبيح، لنرى مقصد ومراد الإمام الطحاوي من كلامه هنا، ونفهم أسلوب المتقدمين وعباراتهم في الاستنباط والاستدلال ولنتأكد من شناعة البتر والاختصار، فهذا ليس هو سياق الطحاوي بتمامه أبدا، كما جاء النقل عنه، وإنما فيه بتر ظاهر، فهو أراد أن يبين ما قاله الشافعي والقاضي عياض والسيوطي\n_________\n(١) شرح معاني الآثار (٢/ ٣٩٢) وانظر \"الرد المفحم\" للألباني (ص ٣٤).","vol":"1","page":372},{"text":"والقسطلاني وابن حجر وغيرهم ممن سبق معنا آنفا، كما هو ظاهر كلامه لمن تأمله، فهو مما له تعلق بمسألتنا في خصوصية أمهات المؤمنين ولهذا يحسن بنا نقله هنا بتمامه ليتضح الأمر.\nفقال: (\"باب نظر العبد إلى شعور الحرائر\" ... أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه» (١) قال أبوجعفر: فذهب قوم من أهل المدينة إلى أن العبد لا بأس، أن ينظر إلى شعور مولاته ووجهها، وإلى ما ينظر إليه ذو محرمها منها ... وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا ينظر العبد من الحرة إلا إلى ما ينظر إليه منها الحر الذي لا محرم بينه وبينها وكان من الحجة لهم في ذلك أن قول النبي - ﷺ - الذي ذكروا في حديث أم سلمة، لا يدل على ما قال: أهل تلك المقالة، لأنه قد يجوز أن يكون أراد بذلك حجاب أمهات المؤمنين، فإنهن قد كن حجبن عن الناس جميعا، إلا من كان منهم ذو رحم محرم. فكان لا يجوز لأحد أن يراهن أصلا إلا من كان بينهن وبينه رحم محرم، وغيرهن من النساء لسن كذلك لأنه لا بأس أن ينظر الرجل من المرأة التي لا رحم بينه وبينها، وليست عليه بمحرمة إلى وجهها وكفيها، وقد قال الله ﷿ ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ ... فأبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرم عليهم من النساء (٢) إلى وجوههن\n_________\n(١) وهو نفس الحديث الذي تقدم تخريجة وتكلم عليه الإمام الشافعي في خصوصية أمهات المؤمنين، راجع (صـ ٣٦٣).\n(٢) قوله (ما ليس بمُحرّم عليهم من النساء) أي اللاتي لا يحرم النكاح بهن من النساء وهن الأجنبيات.","vol":"1","page":373},{"text":"وأكفهن، وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي - ﷺ - لما نزلت آية الحجاب، ففضلن بذلك على سائر الناس ... قال أبو جعفر: فكن أمهات المؤمنين قد خصصن بالحجاب ما لم يجعل فيه سائر الناس مثلهن.\n، فهذا هو النظر في هذا الباب وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، رحمهم الله تعالى) انتهى.\nوكم فيه من البون الشاسع بين ما أراده الطحاوي ﵀ من الخصوصية لأمهات المؤمنين وما أراده دعاة السفور.\nفهو قصد نفس مقوله القاضي عياض: (فرض الحجاب مما اختصصن به فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها ولا إظهار شخوصهن وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه ضرورة من براز. ثم استدل بما في الموطأ أن حفصة لما توفي عمر سترها النساء عن أن يرى شخصها؛ وأن زينب بنت جحش جعلت لها القبة فوق نعشها ليستر شخصها) (١) انتهى كلام القاضي.\nوفي قول الطحاوي: (وغيرهن من النساء لسن كذلك لأنه لا بأس أن ينظر الرجل من المرأة التي لا رحم بينه وبينها وليست عليه بمحرمة إلى وجهها وكفيها) فمن المعلوم أن ذوات الأرحام ومن حُرِم النكاح بهن يجوز النظر إلى وجوههن وأكفهن، وليس في هذا خلاف لتفهم أنه يقصد الرجل الأجنبي عند الرخصة فتنبه، كما أن قوله: (لأنه لا بأس\n_________\n(١) فتح الباري (٨/ ٥٣٠) (باب قوله: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ..﴾).","vol":"1","page":374},{"text":"أن ينظر الرجل من المرأة) فلا يُقال (لا بأس) في أمر في أصله مشروع وإنما في رخصة كما يُقال لا بأس الفطر في رمضان ونحو ذلك.\nوفي هذا إثبات الحجاب كما هو ظاهر على غيرهن من نساء المسلمين، كما أنه حين ذكر جواز نظر العبد لمولاته أراد نظره لوجهها وكفها فقط، لا شعرها وغيره كما يقوله البعض حيث جعلوا العبد في النظر لها كالمحرم منها، وقال آخرون: إنما هو كما ينظر الأجنبي لها عند الحاجة أي للوجه والكفين، واستشهد بآية الرخصة في ذلك، وكلامه الذي نقلناه سابقًا في جواز نظر الخاطب لمخطوبته ومناقشته، ورده على من منع من ذلك في زمانهم، لهو أعظم دليل على أنهم لا يعرفون في ذلك الوقت جواز نظر الرجال الأجانب للنساء بلا سبب مبيح ولهذا قال: (فأبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن). والمُحرم عليهم الغير مباح لهم كما اوضحه سابقًا (١) هو النظر بلا حاجة ولا سبب مباح من شهادة ونكاح وبيع ونحوه.\n_________\n(١) راجع كلام الإمام الطحاوي (صـ ١٦٣) عند أول نقلنا لأدلة ونقول أئمة الفقهاء من الأحناف والمالكية وغيرهم وتفسيرهم لقوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ بأنها رخصة وتحديدهم القدر المرخص للمرأة أن تبديه - في الغالب - بأمور منها بما يظهر في صلاتها.","vol":"1","page":375},{"text":"١٢ - الإمام ابن بطال (ت: ٤٤٩ هـ) يقصد خصوصية أمهات المؤمنين وأهل السفور ينقلونه شبهة على جواز سفور المرأة\nحيث نَقل عنه الحافظ ابن حجر في الفتح كلاما عند حديث الخثعمية التي عرضها أبوها لرسول الله - ﷺ - رجاء أن يتزوجها.\nقال الحافظ ابن حجر: (وقال ابن بطال: في الحديث الأمر بغض البصر خشية الفتنة، ومقتضاه أنه إذا أمنت الفتنة عليه لم يمتنع. قال: ويؤيده أنه - ﷺ - لم يحول وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها لإعجابه بها، فخشي الفتنة عليه، وفيه مغالبة طباع البشر لابن آدم، وضعفه عما ركب فيه من الميل إلى النساء والإعجاب بهن، وفيه دليل على أن نساء المؤمنين ليس عليهن من الحجاب ما يَلزم أزواج النبي - ﷺ -، إذ لو لزم ذلك جميع النساء لأمر النبي - ﷺ - الخثعمية بالاستتار، ولمَا صرف وجه الفضل، قال: وفيه دليل على أن ستر المرأة وجهها ليس فرضًا، لإجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة، ولو رآه الغرباء وأن قوله: ... ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ على الوجوب في غير الوجه) (١) انتهى كلامه ﵀.\nويجدر التنبيه:\nأن كلام ابن بطال هذا والذي ينقله أهل السفور في كتبهم، ليس هو بنفس نظمه، وإنما الحافظ ابن حجر جمع أقواله من مجموع ما قاله ابن بطال عند شرحه للحديث من كتابه: \"شرح ابن بطال على صحيح\n_________\n(١) فتح الباري باب قوله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم﴾ (ج ١١ صـ ١٢).","vol":"1","page":376},{"text":"البخاري\" ولم يفهم منه الحافظ ولا غيره سفور ولا شيء من ذلك، كما يقوله وفهمه أهل السفور منه، فابن بطال ظاهر كلامه أنه أراد خصوصية أمهات المؤمنين كما عناها الأئمة غيره، وكما نقله الحافظ ابن حجر بنفسه عن القاضي عياض وغيره، وهكذا فعل عندما نقل كلام ابن بطال.\nوقوله: (وأن قوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ على الوجوب في غير الوجه) انتهى.\nفهذا والله من فهمهم الدقيق لآية الرخصة ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ لأنها جاءت بعد النهى عن غض البصر، ففهم السلف أن غض البصر إذا لم يكن هناك حاجة ولا ضرورة واجب في جميع بدن المرأة فلا يبدو منها شيء، وأما عند وجود حاجة أو ضرورة فالغض واجب في جميع بدنها غير الوجه، فيرخص في نظره ويستثنى من الأمر بغض البصر وإبداء الزينة، فتحديد قدر الرخصة بالوجه فقط، هو للغالب كما رجحه الكثير من أئمة أهل العلم والتفسير كما مر معنا حتى لا يتوسع الناس عند الأخذ بالرخص بأكثر من ذلك بلا حاجه، ولهذا لم يعده أكثرهم من العورة.\nوممن مر معنا قولهم في تحديد قدر ما يظهر من المرأة عند الضرورة الإمام الرازي حيث قال: (ورابعها: ينظر إليها عند تحمل الشهادة ولا ينظر إلى غير الوجه لأن المعرفة تحصل به).","vol":"1","page":377},{"text":"وقال الواحدي في تفسيره لآية الرخصة: (فلا يجوز للمرأة أن تُظهر إلا وجهها ويديها إلى نصف الذِّراع).\nوقال صاحب تفسير السراج المنير وقد سبق معنا: (وإنما رخص في هذا القدر للمرأة أن تبديه من بدنها لأنه ليس بعورة في الصلاة وسائر بدنها عورة فيها).\nوقال في حاشية الجمل على المنهج للإمام زكريا الأنصاري: (وله استيعاب وجهها بالنظر للشهادة عند الجمهور لكن الصحيح عند الماوردي أنه ينظر لما يعرفها به فلو حصل ببعض وجهها لم يجاوزه).\nوقال في المغني: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أهل الْعِلْمِ فِي إباحة النَّظَرِ إلى وَجْهِهَا، وَذَلِكَ لأنهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ).\nوقال البيهقي في السنن الكبرى: (باب تخصيص الوجه والكفين بجواز النظر إليها عند الحاجة).\nوقال أيضا عند حديث جابر في نظر الخاطب: (قال الشافعي: ينظر إلى وجهها وكفيها ولا ينظر إلى ما وراء ذلك ثم قال: وأما النظر بغير سبب مبيح لغير محرم فالمنع منه ثابت بآية الحجاب، ولا يجوز لهن أن يبدين زينتهن إلا للمذكورين في الآية من ذوي المحارم، وقد ذكر الله تعالى معهم ما ملكت أيمانهن) انتهى.\nوأنت ترى أن كلام ابن بطال بنفس السياق والمنهج المتحد عن المفسرين والفقهاء في عدم النظر لغير الوجه، وإن اختلفت طريقة ومنهج وعبارات الاستنباط والاستدلال التي بينهم، فهو لما كان في","vol":"1","page":378},{"text":"سياق شرحه لحديث الخثعمية من صحيح البخاري، ولم يكونوا يعرفون القول بالسفور ولا شيئا من ذلك بلا سبب مبيح، ولهذا دلل وحمل الحديث على جواز كشفه بقوله: (ليس فرضًا، لإجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة) أي ليس فرضا لا يجوز كشفه أبدا، كأمهات المؤمنين ولو في حالات الحاجة والضرورة كالشاهدة ونحوها، كما قاله القاضي عياض وغيره فدل أنهم يعنون بقولهم (فرضا) غير معنى قولهم (واجب) كما تلاحظ من كلامهم وبخاصة عند ذكرهم لأمرين وفيهما ما هو أقوى في الحكم من غيره، كما في قول القاضي أبو بكر بن العربي المالكي ﵀: (المسألة الرابعة عشرة: قوله في حديث ابن عمر: (لا تنتقب المرأة) وذلك لأن سترها وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج، فإنها ترخي شيئًا من خمارها على وجهها غير لاصق به، وتعرض عن الرجال ويعرضون عنها) (١)، وكما في بيان الفرق فيما يخص حجاب أمهات المؤمنين وما فيه من التشديد وعدم الرخصة، بعكس غيرهن، كما هو كلام القاضي عياض: (فرض الحجاب مما اختصصن به فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها ولا إظهار شخوصهن وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه ضرورة من براز) فدل على أن غير أمهات المؤمنين يكن مثلهن مغطيات، ولكن للشهادة ونحوها لهن كشف ذلك، فكلام ابن بطال مثله وعلى منهج واحد مع\n_________\n(١) عارضة الأحوذي (٤/ ٥٦).","vol":"1","page":379},{"text":"غيره من الأئمة القائلين بهذه الخصوصية، فليس معنى فرضا أن يكون في حق غيرهن سنة، بل المناسب أن يكون ما بعده واجب لغيرهن ولكن يستثنى عند الحاجة.\nأما لو لم يكن الأمر في معرض بيان الفرق بين الأمرين، فإن ستر وجه المرأة لا شك أنها فريضة ربانية، فهم في كل الأحوال أوجبوا عليها ستره، إلا عند الضرورة والحاجة.\nوإلا فلو أراد ابن بطال سفور المرأة لوجهها بمثل هذا الاستدلال الذي ينقله عنه أهل السفور (ليس فرضًا، لإجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة) لَعُورِض أول ما عورض من أهل السفور أنفسهم كما مر معنا عندما قالوا معترضين على الطبري والقرطبي وغيرهما من الأئمة: (وما علاقة ما تظهره في الصلاة بما تظهره خارج الصلاة).\nفصار مفهومًا حمل كلام ابن بطال على منهج أمثاله من كثير من المفسرين والفقهاء المتقدمين والذين مرت معنا نقولاتهم في بيان تحديد القدر الظاهر من المرأة في صلاتها وعند الرخصة في كشف وجوههن للأجانب عند الحاجة والضرورة بعكس أمهات المؤمنين، وإلا لما كان استدلاله صوابا بظهور الوجه في الصلاة، ولكان بدلا من ذلك استدل على السفور بأصل حديث الخثعمية أو غيره كما يفعله أهل السفور اليوم.\nولهذا فقول ابن بطال: (وفيه مغالبة طباع البشر لابن آدم، وضعفه عما ركب فيه من الميل إلى النساء والإعجاب بهن) فقوله هذا من أدل","vol":"1","page":380},{"text":"الأمور على أنه يعني كشفه عند الحاجة، وأنه رأى في كشف الخثعمية سببًا مباحًا، كما سنبينه قريبًا، من روايات الحديث وكلام أهل العلم على الحديث، فهو أراد بيان خصوصية حجاب أمهات المؤمنين وعدم جواز كشفهن لوجوههن ولو لحاجة أو سبب مبيح كما هو جائز لغيرهن، ولا أدل على ذلك من ذكره لعبارته السابقة والدالة على خطورة كشف المرأة لوجهها، فلا يمكن من أئمة كأولئك أن يقولوا كلامًا متناقضًا ككلام أهل السفور اليوم، فكلامه ظاهر يقصد به الرخصة لغيرهن لقوله فيه أيضا: (إذا أمنت الفتنة) كما دلت عليه أقوال أهل العلم عند اشتراطهم لجواز نظر الأجنبي عند الضرورة، أن يؤمن منه وعليه الفتنة عند النظر إليها، وكلامه هذا بإجماع أهل العلم لا يجوز النظر للمرأة بلذة وشهوة وفتنة ولو لحاجة أو ضرورة ولو إلى الأمة العبدة، حيث مر معنا منعهم للشاهد وغيره من النظر بلذة ولو لحاجة، فكيف يصح إذا أن نحمل كلام ابن بطال على الجواز دوما وفي الأحوال العادية ومن غير ضرورة ولا حاجة ولعموم الناس وهو في كلامه قد بين خطورة الأمر غاية بيان، وهذه مصيبة المصائب إلا أن يَفهم أهل السفور من كلام ابن بطال أيضا، جواز أن يخرج الرجال والنساء يتلذذون ببعضهم البعض ويمذون عياذا بالله.\nكما أن قول ابن بطال: (وفيه دليل على أن نساء المؤمنين ليس عليهن من الحجاب ما يلزم أزواج النبي - ﷺ -)، فهذه وحدها كافية لفهم مراده ومعناه، وتأكيد لما قلناه من أنه أراد خصوصية أمهات المؤمنين وبيان الرخصة لغيرهن فيما يظهر عند الضرورة.","vol":"1","page":381},{"text":"لأن استنتاج بعض أهل العلم السابقين من حديث الخثعمية أنها كانت كاشفة لوجهها، أن ذلك منها كان لسبب مبيح، وهذا على فرض إنها كانت فعلا كاشفة عن وجهها وهو ما لم يرد أبدا في أي رواية من روايات الحديث وطرقه العديدة، ولهذا لم يُحفظ عن أحد من المتقدمين أنه فهم من حديث الخثعمية وغيره أنه لجواز خروج النساء سافرات بين الرجال، هذا مالم يقله أحد.\nأ- قال الحافظ ابن حجر في المطالب العالية: (باب عرض المرأة على الرجل الصالح) عن ابن عباس عن الفضل بن عباس (كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وأعرابي مَعَهُ ابنةٌ لَهُ حَسْنَاءُ، فَجَعَلَ يَعْرِضُهَا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - رَجَاءَ أن يَتَزَوَّجَهَا، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ إليها، وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَأْخُذُ بِرأسي فَيَلْوِيهِ، وَكان رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) (١) انتهى.\nب- وقال صاحب كتاب: إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري، قال: (باب فيمن عرض ابنته على من يتزوجها وما جاء فيمن أذن في زواجها ثم أنكر أو زوجها ويقول كنت لاعبًا).\nت- وقال الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد: (باب عرض الرجل ولِيَّتَه على أهل الخيرة).\n_________\n(١) الحديث صحيح، وسنأتي لذكر من صححه من الأئمة وأهل العلم في موضعه (صـ ٤٦٧) عند ذكرنا لشبهات أهل السفور من السنة، وذلك منعا للتكرار، ويكفينا هنا تبويب وفهم الأئمة للحديث.","vol":"1","page":382},{"text":"وهذا ما فهمه ابن بطال فأراد أن يميز حجاب أمهات المؤمنين عن حجاب غيرهن من النساء عند الحاجة والرخصة.\nفكيف لو علمت أيضا أن ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري من كتاب الحج وعند \"باب وجوب الحج وفضله\" قال عن نفس الحديث كلاما بتمامه يبين مقصده: (وفى نظر الفضل إلى المرأة مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما ركب فيه من شهوات النساء، وفيه أن على العالم أن يغير من المنكر ما يمكنه إذا رآه) انتهى.\nوقوله: (أن يغير من المنكر ما يمكنه إذا رآه) دل أنه لم يفهم من الحديث جواز السفور للنساء دوما، وأنه في حالة الجواز والرخصة يُشترط الحاجة، ومتى ما كان النظر بلا حاجة لم يجز، أو كان لحاجة ولكن صادف خشية الوقوع في الفتنة أو الشهوة مُنع منه، وهذا ما كان من الفضل ﵁ حيث نظر للمرأة وهي تعرض نفسها لرسول الله - ﷺ - وليس له هو، فلما شعر به ﵊، صرف وجهه عنها، وإلا لو كانت وجوه النساء مكشوفة وما يعرف من طبيعة البشر وميلهم للنساء حتى كاد أن يقع بسببها نبي من أنبياء الله في الفاحشة ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴿٢٤﴾ [يوسف]، أو هذا الصحابي الجليل وهو ملاصق لأفضل رسل الله عليهم أفضل الصلاة والسلام، فكيف يُعقل أن ابن بطال قصد الكشف بدون حاجة، ثم طالب بالإنكار وهو يَعرِفُ: (مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما ركب فيه من شهوات النساء) هذا تناقض ولما أمكنهم إنكاره على عموم الناس.","vol":"1","page":383},{"text":"فإن جاز لابن بطال القول من نفسه بأن الخثعمية كاشفة وجهها مع أن الحديث لم يصرح بذلك بتاتًا، ولكن للاستدلال به، لبيان مسألة خصوصية أمهات المؤمنين عن غيرهن من النساء في كشف وجوههن عند الحاجة والضرورة المؤقتة ولأمر مباح كما فهمه أئمة الإسلام وهو عرض الأعرابي ابنته لرسول الله - ﷺ - فهذا يمكن، أما أن يفتروا بأنها كاشفة وجهها، لينصروا مذهبهم الباطل، ويقولوا أن كشفها كان بدون سبب أو احتمال من تلك الاحتمالات القوية والتي ذكرها أهل العلم المتقدمين، والتي سنأتي لذكرها تفصيلا عند ردنا على شبهاتهم من السنة بمشيئة الله تعالى، ودون أن يفهموا روايات الحديث وأقوال أهل العلم فيها، ليردوا فريضة الله وحجابه المنزل على عباده من المؤمنات بمثل هذه الاحتمالات المبتورة والمحرفة والمصحفة والتي نقلوها عن بعض العلماء، دون أن ينظروا لبقية كلامهم ونحن نرى الإجماع والنقول عن أهل العلم على اختلاف مذاهبهم ومعارفهم، فلا يلقوا لها بالًا، فهذه والله مصيبة المصائب، إلا أن نرمي بكلامهم لنأخذ اليوم بكلام وفهم هؤلاء في المتشابهات والظنون.\nولهذا رجحنا هنا أبسط الردود، فكيف ببقية الردود المحكمة والمقنعة والتي عندما سنأتي لسردها بمشيئة الله تعالى ستعلم حينها أن الله لا يضيع هذا الدين، وإنما نحن من ضيعه، والله سائلنا جميعا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.","vol":"1","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>وممن قال أيضًا بالخصوصية من نوع تغليظ الحجاب على أمهات المؤمنين</span>\n١٣ - الإمام القرطبي عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: (الثانية: روى الترمذِي عن نَبْهان مولى أم سلمة أن النبي - ﷺ - قال لها ولميمونة وقد دخل عليها ابن أم مَكْتُوم: (احتجِبا) فقالتا: إنه أعمى، قال: «أفَعَمْيَاوان أنتما ألستما تُبصرانه؟» فإن قيل: هذا الحديث لا يصحُّ عند أهل النقل لأن راويه عن أم سلمة نبهان مولاها وهو ممن لا يحتج بحديثه، وعلى تقدير صحته فإن ذلك منه ﵇ تغليظ على أزواجه لحرمتهن كما غلظ عليهن أمر الحجاب؛ كما أشار إليه أبو داود وغيره من الأئمة) انتهى كلام القرطبي.\nوقوله: (تغليظ على أزواجه لحرمتهن)، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴿٢٨﴾ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿٢٩﴾ يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴿٣٠﴾ [الأحزاب].\nوقوله: (كما غلظ عليهن أمر الحجاب) وهو حجابهن عن الرجال وهن في حكم الأمهات لهم، وكما في حديث المكاتب الذي مر معنا، وعدم ظهور شخوصهن، وغير ذلك مما قاله بعض أهل العلم.\nوقصده: (كما أشار إليه أبو داود وغيره من الأئمة).","vol":"1","page":385},{"text":"١٤ - حيث قال أبو داود عند تخريجه للحديث: (هذا لأزواج النبي - ﷺ - خاصة ألا ترى إلى اعتداد فاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم) انتهى.\nفهو يقصد أن رسول الله - ﷺ - سمح لفاطمة بنت قيس بأن تعتد عند ابن أم مكتوم الأعمى، ولم يسمح لزوجتيه ميمونة وأم سلمة بمجرد النظر إليه.\n١٥ - قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: كان حديث نبهان لأزواج النبي - ﷺ - خاصة وحديث فاطمة لسائر الناس؟ قال: نعم) (١).\n١٦ - وقال الإمام السيوطي في الخصائص الكبرى:\n\"باب اختصاصه - ﷺ - بوجوب جلوس أزواجه من بعده في بيوتهن وتحريم خروجهن ولو لحج أو عمرة في أحد القولين\":\n(قال الله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن﴾ أخرج ابن سعد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - لنسائه في حجة الوداع: «هذه الحجة ثم ظهور الحُصر» قال: وكن يحججن كلهن إلا سودة وزينب قالتا: لا تحركنا والله دابة بعد رسول الله - ﷺ -، وأخرج ابن سعد عن ابن سيرين قال: قالت سودة: حججت واعتمرت فأنا أقعد في بيتي كما أمرني الله وكانت قد أخذت بقول رسول الله - ﷺ - عام قال: «هذه الحجة ثم ظهور الحُصر» فلم تحج حتى توفيت، وأخرج ابن سعد عن عطاء بن يسار أن النبي - ﷺ - قال لأزواجه: «أيتكن اتقت الله ولم تأتِ بفاحشة مبينة ولزمت ظهر\n_________\n(١) نقله ابن قدامة صاحب المغني في \"كتاب النكاح\" فصل: (نظر المرأة إلى الرجل).","vol":"1","page":386},{"text":"حصيرها فهي زوجتي في الآخرة» وأخرج ابن سعد من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أبي جعفر أن عمر بن الخطاب منع أزواج النبي - ﷺ - الحج والعمرة، وأخرج ابن سعد عن عائشة قالت: منعنا عمر الحج والعمرة حتى إذا كان آخر عام أذن لنا فحججنا معه فلما ولي عثمان استأذناه فقال: افعلن ما رأيتن، فحج بنا إلا امرأتين منا زينب وسودة لم تخرج من بيتها بعد النبي - ﷺ - وكنا نستتر، وقال: سفيان بن عيينة كان نساء النبي - ﷺ - في معنى المعتدات وللمعتدة السكنى فجعل لهن سكنى البيوت ما عشن ولا يملكن رقابها) انتهى من الخصائص.\nوقوله: (في أحد القولين) كما مر معنا من وجود خلاف في مسألة حجب شخوصهن، وأنهن كبقية النساء في جواز خروجهن مستترات الوجوه كما رد على هذا الحافظ ابن حجر وغيره، ولعل ما روي عن أم المؤمنين سودة وزينب ﵄، يمكن أن يكون عن رغبة وورع منهما، والله أعلم.\n١٧ - وقال في تفسير معالم التنزيل للإمام البغوي (ت: ٥١٦ هـ)\n﴿وَإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْئَلُوهُنَّ مِن وراء حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أي: من وراء ستر، فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر إلى امرأة من نساء رسول الله - ﷺ - متنقبة كانت أو غير متنقبة، ﴿ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ من الريب) انتهى كلامه.","vol":"1","page":387},{"text":"١٨ - قال في مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل:\n(\"فوائد الأولى\" قال: الشيخ جلال الدين الأسيوطي في حاشية البخاري في كتاب الوضوء في \"باب خروج النساء إلى البراز\" ذكر القاضي عياض وغيره أن من خصائص النبي - ﷺ - تحريم رؤية أشخاص أزواجه ولو في الأزر تكريمًا له ولذا لم يكن يصلي على أمهات المؤمنين إذا ماتت الواحدة منهن إلا محارمها؛ لئلا يرى شخصها في الكفن حتى اتخذت القبة على التابوت. ا. هـ. والظاهر أن هذا ليس متفقًا عليه فقد حكى القرطبي في كون نسائه ﵇ كالأمهات في الحرمة وإباحة النظر، أو في الحرمة فقط، قولين ولكن الظاهر منهما الثاني والله أعلم) (١) انتهى.\nبالله عليكم انظروا لما يقوله هذا الإمام لترَوا العجب العجاب ومدى التحريف الحاصل اليوم في مسألة خصوصية الحجاب لأمهات المؤمنين، ولهذا فلو قال أهل السفور بخصوصية أمهات المؤمنين بأنه يجوز النظر إليهن، وأن لهن أن يكشفن وجوههن بعكس بقية النساء فيجب عليهن أن يسترن وجوههن لكان هذا وجيها، ولهم سلف كما ذكره المصنف هنا: (كالأمهات في الحرمة وإباحة النظر) وذلك لحرمتهن كونهن امهاتهم وممن يحرم النكاح بهن، وهذا وإن كان ضعيفا كما قال المصنف لمخالفته لنصوص الشرع، ولهذا أيد القول الثاني، لأن الله لم يستثنِ من فرض الحجاب أمهات المؤمنين، لكن مع\n_________\n(١) مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل (١٠/ ٥٠)","vol":"1","page":388},{"text":"ذلك يمكن القول به، أما أن يفهموا الخصوصية بأن تحتجب الأمهات ومن يحرم النكاح بهن عن الأبناء ولا تحتجب النساء الأجنبيات عن الأجانب، فهذا والله العكس تمامًا لمعنى الخصوصية الحقيقية التي إمامنا وهي أنهن خصصن عن غيرهن من الأمهات بالتحجب من أبنائهن، أو عن تلك الخصوصية التي فهمها السلف وتكلموا عنها من التشديد والتغليظ عليهن أكثر من غيرهن من النساء، فلا يدخل في عقل أحد سليم الفطرة صافي الطوية جليل التعظيم لبيت النبوة أن يقول مثل هذا، أو أن الله يُنْزِل الآيات في ستر الوجه خاصة لزمن محدود جدًا، بعمر حياة أمهات المؤمنين فقط، ألا جعلهم لو صدقوا كبقية نساء المسلمين؟ وهن أولى وأحرى والفتنة منهن وإليهن أبعد، ولو سكتوا لكان أولى بهم من هذا التخريف والتحريف والتبديل والتصحيف لمراد الله ومراد رسوله - ﷺ - ومراد أهل العلم، فأهل العلم يتكلمون في شيء وهم يفهمونه في شيء آخر.\nوقوله: (والظاهر أن هذا ليس متفقًا عليه فقد حكى القرطبي في كون نسائه ﵇ كالأمهات في الحرمة وإباحة النظر أو في الحرمة فقط قولين ولكن الظاهر منهما الثاني) وأيد الثاني وهو حرمة أمهات المؤمنين مع عدم إباحة النظر إليهن فهن كبقية نساء العالمين مع كونهن في حكم الأمهات أي في معنى دون معنى، وهذا بإجماع أهل العلم كما ترى هنا، وسيأتي المزيد عند كلامنا على الخصوصية الثانية المتفق عليها بمشيئة الله تعالى.","vol":"1","page":389},{"text":"والحافظ ابن حجر في الفتح وغيره لم يردوا على القاضي عياض أو ابن بطال وغيرهم ممن قالوا بخصوصية حجب شخوص أمهات المؤمنين على أنهم دعاة سفور، بل ردوا عليهم فيما فهموا منهم من مسألة خصوصيتهن في عدم ظهور شخوصهن ولو كن مستترات الوجوه، وهذا ما فهمه الحافظ ابن حجر من كلام القاضي عياض وغيره أيضا. وليس فيه بتاتا ما يقوله اليوم دعاة السفور، فاستنتجوا من خلاف الحافظ ابن حجر ورده على أولئك فهما مغلوطًا، وهو أن بينهم خلافا في أصل المسألة وذلك بسبب ما عشعش في عقولهم من أن كل خلاف بين المتقدمين، هو خلاف في أصل فريضة الحجاب؛ فابتدعوا قولًا لم يقل به أحد من السابقين.\nفبالله عليكم قوم يقولون: (تحريم رؤية أشخاص أزواجه ولو في الأزر) يعني ولو مستترات في ثيابهن، ويريدون منهن أن يقرن في بيوتهن كحكم المعتدات، وإذا خرجن أحطن بالخيام أو الهوادج ونحوها، وهذه درجة كبيرة جدًا من الستر، فهل يمكن أن يتساهلوا لدرجة القول بخروج غيرهن من النساء سافرات الوجوه؟ هذا قياس يبعد القول به بل أقوالهم هنا تدل على أن غيرهن من النسوة يخرجن بشخوصهن ويكشفن عند الضرورة كالشهادة ونحو ذلك، فكان في موضع ما ادعاه أهل السفور من الباطل رد على باطلهم لو يعلمون.","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>الخصوصية الثانية\nالأدلة على أن معنى الخصوصية الثانية والتي عناها المتقدمون لأمهات المؤمنين هي أنهن حجبن عن أبنائهن فكن بذلك مخصوصات عن بقية الأمهات وكن كالأجنبيات</span>\nفالمتقدمون قصدوا معنىً ثانيًا متفقًا عليه بينهم وهو أنه مع كونهن أمهات للمؤمنين وجاء تحريم النكاح بهن فقد فرض عليهن الحجاب كبقية النساء، فكن بذلك مخصوصات دون أمهات العالمين ومن يحرم النكاح بهن، في الحجاب من أبنائهن وممن يحرم النكاح بهن، فهذه هي الخصوصية الثانية التي قصدوها، وهي ظاهرة كالشمس لأنها بنص القرآن، وكان من الطبيعي القول بجواز كشفهن لوجوههن، ولكن أوجب الله عليهن الحجاب كبقية النساء، ولهذا فإنك لو قلت عبارة: (أن أمهات المؤمنين مخصوصات بالحجاب) أو نحو قولك: (تغطية الوجه مما اختصت به أمهات المؤمنين) لكان قولك حقًا وصوابًا، لأنك تعنى أنهن لسن كبقية الأمهات اللاتي لا يلزمهن الحجاب من أبنائهن.\nولكن جاء من لم يفهم المعنى والمقصد الذي أراده الله ﷿ وبينه أهل العلم، ففهموه بعكس ذلك وقالوا فرض تغطية الوجه خاص بأمهات المؤمنين وسنة على غيرهن، مع أن الإجماع وكلام أهل العلم في ذلك دال على أنهن كبقية النساء الأجنبيات فكان في قولهم تحريف وتبديل وتصحيف دون أن يكون لهم سلف في ذلك إلا الظن والمتشابهات مما","vol":"1","page":391},{"text":"فهموه مبتورا من كلام بعض أهل العلم وصدق الله: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقوله تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٣٦]. ولهذا حذر رسول الله - ﷺ - فقال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) متفق عليه.\nولم يأتِ هذا الفهم السقيم عن أحد من العالمين، بل جاء من بعض المتأخرين اليوم، وقد ذكرنا مقصد المتقدمين في خصوصيتهن المختلف فيها وسنزيد هنا جمهرة من كلام أهل العلم في مسألة خصوصيتهن المتفق عليها، تدل كتلك على وجوب ستر المسلمات لوجوههن أيضا:\n١ - قال الإمام القرطبي في تفسيره: (الثالثة: قوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ شرف الله تعالى أزواج نبيه - ﷺ - بأن جعلهن أمهات المؤمنين أي في وجوب التعظيم والمبرة والإجلال وحرمة النكاح على الرجال وحجبهن رضي الله تعالى عنهن بخلاف الأمهات) انتهى.\n٢ - وقال البيضاوي في تفسيره: (﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ منزلات منزلتهن في التحريم واستحقاق التعظيم وفيما عدا ذلك فكما الأجنبيات) انتهى.\n٣ - وقال في تفسير المحرر الوجيز لابن عطية المحاربي: (قال الفقيه الإمام القاضي: وشرف تعالى أزواج النبي - ﷺ - بأن جعلهن أمهات المؤمنين في حرمة النكاح وفي المبرة وحجبهن ﵅ بخلاف الأمهات) انتهى.","vol":"1","page":392},{"text":"٤ - وقال في لباب التأويل في معاني التنزيل للإمام الخازن: (قوله تعالى ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ يعني أمهات المؤمنين في تعظيم الحرمة وتحريم نكاحهن على التأبيد لا في النظر إليهن والخلوة بهن، فإنه حرام في حقهن كما في حق الأجانب) انتهى.\n٥ - وقال صاحب تفسير الكشاف: (﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ تشبيه لهن بالأمهات في بعض الأحكام، وهو وجوب تعظيمهن واحترامهن وتحريم نكاحهن قال تعالى: ﴿ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا﴾ [الأحزاب: ٥٣] وهن فيما وراء ذلك بمنزلة الأجنبيات ولذلك قالت عائشة ﵂ «لسنا أمهات النساء» تعني أنهن إنما أمهات الرجال لكونهن محرمات عليهم كتحريم أمهاتهم، والدليل على ذلك: أن هذا التحريم لم يتعد إلى بناتهن وكذلك لم يثبت لهن سائر أحكام الأمهات) انتهى.\n٦ - قال البغوي في تفسيره: (قوله ﷿ ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ وفي حرف أُبي: \"وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم\"، وهن أمهات المؤمنين في تعظيم حقهن وتحريم نكاحهن على التأبيد، لا في النظر إليهن والخلوة بهن، فإنه حرام في حقهن كما في حق الأجانب، قال الله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ انتهى.\n٧ - وقال في تفسير النيسابوري: (﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أي في هذا الحكم فإنهن فيما وراء ذلك كالأجنبيات ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن. ومن كمال عناية الله سبحانه بأمة محمد - ﷺ - إن لم يقل وهو أب","vol":"1","page":393},{"text":"لهم وأن جاءت هذه الزيادة في قراءة ابن مسعود، وإلا حرم زوجات المؤمنين عليه أبدا، إلا أن يراد الأبوة والشفقة في الدين كما قال مجاهد: كل نبي فهو أبو أمته. ولذلك صار المؤمنون أخوة) انتهى.\n٨ - وقال في روح المعاني للألوسي: (﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أي منزلات منزلة أمهاتهم في تحريم النكاح واستحقاق التعظيم وأما فيما عدا ذلك من النظر إليهن والخلوة بهن وإرثهن ونحو ذلك فهن كالأجنبيات) انتهى.\n٩ - وقال في زاد المسير لابن الجوزي: (قوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أي في تحريم نكاحهن على التأبيد ووجوب إجلالهن وتعظيمهن ولا تجري عليهن أحكام الأمهات في كل شاء، إذ لو كان كذلك لما جاز لأحد أن يتزوج بناتهن ولوَرِثن المسلمين ولجازت الخلوة بهن وقد روى مسروق عن عائشة أن امرأة قالت: يا أماه فقالت: لست لكِ بأم إنما أنا أم رجالكم فبان بهذا الحديث أن معنى الأمومة تحريم نكاحهن فقط وقال مجاهد وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم، وما بعد هذا مفسر) انتهى.\n١٠ - وقال في أحكام القرآن للجصاص: (﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ قيل فيه وجهان: أحدهما: أنهم كأمهاتهم في وجوب الإجلال والتعظيم.\nوالثاني: تحريم نكاحهن وليس المراد أنهن كالأمهات في كل شيء لأنه لو كان كذلك لما جاز لأحد من الناس أن يتزوج بناتهن لأنهن يكن أخوات للناس وقد زوج النبي - ﷺ - بناته، ولو كن أمهات في الحقيقة ورثن","vol":"1","page":394},{"text":"المؤمنين، وقد روي في حرف عبدالله، وهو أب لهم، ولو صح ذلك كان معناه أنه كالأب لهم في الإشفاق عليهم وتحري مصالحهم كما قال تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز\nعليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨]) انتهى.\n١١ - وقال في أحكام القرآن لابن العربي: (المسألة الثالثة: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ ولسن لهم بأمهات، ولكن أُنزلن منزلتهن في الحرمة، كما يقال: زيد الشمس، أي أنزل في حسنه منزلة الشمس، وحاتم البحر أي أنزل في عموم جوده بمنزلة البحر؛ كل ذلك تكرمة للنبي - ﷺ - وحفظا لقلبه من التأذي بالغيرة) انتهى.\n١٢ - وقال أبو السعود: (﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أي منزلات منزلة الأمهات في التحريم واستحقاق التعظيم وأما فيما عدا ذلك فهن كالأجنبيات) انتهى.\n١٣ - وقال الإمام ابن كثير: (وقوله: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أي: في الحرمة والاحترام، والإكرام والتوقير والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وإن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المؤمنين، كما هو منصوص الشافعي في المختصر، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم) انتهى.","vol":"1","page":395},{"text":"١٤ - وقال في معرفة السنن والآثار للبيهقي \" كتاب النكاح\" - باب ما جاء في أمر رسول الله - ﷺ - وأزواجه - (قال الشافعي: وكان مما خص الله نبيه - ﷺ - قوله: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ وقال: ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا﴾ فحرم نكاح نسائه من بعده على العالمين، وليس هكذا نساء أحد غيره، وقال الله: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن﴾ فأبانهن به - ﷺ - من نساء العالمين، وقوله: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ مثل ما وصفت من اتساع لسان العرب، وأن الكلمة الواحدة تجمع معاني مختلفة، ومما وصفت من أن الله أحكم كثيرا من فرائضه بوحيه، وسن شرائع، واختلافها على لسان نبيه - ﷺ - وفي فعله، فقوله: ﴿أمهاتهم﴾ يعني في معنى دون معنى، وذلك أنه لا يحل لهم نكاحهن بحال، ولا يحرم عليهم نكاح بنات لو كن لهن، كما يحرم عليهم نكاح بنات أمهاتهم اللاتي ولدنهم أو أرضعنهم) (١) انتهى.\n١٥ - وقال صاحب روضة الطالبين: (الضرب الرابع: ما اختص به من الفضائل والإكرام ما اختص به - ﷺ - من الفضائل والإكرام فمنه أن زوجاته اللاتي توفي عنهن ﵅ محرمات على غيره أبدا ... وقال الواحدي من أصحابنا قال بعض أصحابنا: لا يجوز أن يقال هو أبو المؤمنين لقول الله تعالى: ﴿ما كان محمد أبآ أحد من\n_________\n(١) انظر كذلك كتاب الأم للإمام الشافعي (٥/ ١٥١).","vol":"1","page":396},{"text":"رجالكم﴾ [الأحزاب: ٤]، قال نص الشافعي على أنه يجوز أن يقال هو أبو المؤمنين أي في الحرمة ومعنى الآية ليس أحد من رجالكم ولد صلبه والله أعلم) (١) انتهى.\n١٦ - وقال في الدر المنثور للإمام جلال الدين السيوطي:\n(أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن قتادة ﵁ في قوله: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ قال يعظم بذلك حقهن.\nوأخرج ابن أبى حاتم عن قتادة ﵁ في قوله: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ يقول أمهاتهم في الحرمة لا يحل لمؤمن أن ينكح امرأة من نساء النبي - ﷺ - في حياته إن طلق ولا بعد موته، هي حرام على كل مؤمن، مثل حرمة أمه) انتهى.\n١٧ - وقال في أضواء البيان للإمام محمد الأمين الشنقيطي (قوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ وما ذكر من أن المراد بكون أزواجه - ﷺ - أمهات المؤمنين هو حرمتهن عليهم، كحرمة الأم، واحترامهم لهن كاحترام الأم إلخ. واضح لا إشكال فيه، ويدل له قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ [الأحزاب: ٥٣] لأن الإنسان لا يسأل أمه الحقيقة من وراء حجاب وقوله تعالى: ﴿إن أمهاتهم إلا اللائي\n_________\n(١) روضة الطالبين للنووي- كتاب النكاح- (الباب الأول خصائص رسول الله في النكاح).","vol":"1","page":397},{"text":"ولدنهم﴾ [المجادلة: ٢]، ومعلوم أنهن ﵅، لم يلدن جميع المؤمنين الذين هن أمهاتهم، ويفهم من قوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أنه هو - ﷺ - أب لهم، وقد روى عن أبي بن كعب وابن عباس أنهما قراء: وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم، وهذه الأبوة أبوة دينية، وهو - ﷺ - أرأف بأمته من الوالد الشفيق بأولاده، وقد قال جل وعلا في رأفته ورحمته بهم: ﴿عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨] وليست الأبوة أبوة نسب كما بينه تعالى بقوله: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ [الأحزاب: ٤] ويدل لذلك أيضا حديث أبي هريرة عند أبي دأود والنسائي وابن ماجه أن النبي - ﷺ - قال: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها) (١) انتهى كلامه ﵀.\nوالأدلة غير ما ذكرناه لا يمكن حصرها، كما أنها متيسرة، فلا داعي لنقلها، فبعد قوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ [الأحزاب: ٦] ونزولها وبخاصة بعد الآيات التي ألغت التبني وظهار الجاهلية فهم الصحابة أن الله عني بذلك أمومتهن بأسمى درجاتها وهذا هو ما كان قبل الحجاب فكثر دخول الناس عليهن ولهذا (قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب) (٢)،\n_________\n(١) وقال مثله في \"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\" وقد تقدم في بداية الكتاب.\n(٢) متفق عليه من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"1","page":398},{"text":"و(كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله - ﷺ - احجب نساءك قالت: فلم يفعل) (١)، فكانت هناك فترة، حتى نزلت بعدها آيات كريمات في نفس سورة الأحزاب تمهد لفريضة الحجاب على الجميع وتنهى وبخاصة أمهات المؤمنين عن الخضوع بالقول حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض، وعدم تبرج الجاهلية الأولى وأمرهن بالقرار في بيوتهن، ثم نزلت تلك الآيات التي في فرض الحجاب عليهن داخل البيوت كما في قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراءحجاب﴾ [الأحزاب: ٥٣]، أو تلك التي في حال خروجهن من البيوت كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ قُل لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن﴾ [الأحزاب: ٥٩]. كل تلك الآيات بينت للصحابة ودلت بالإجماع على أن غيرهن في ذلك أولى وأحرى وأنهن في باب تحريم النظر إليهن وغير ذلك هن كبقية النساء الأجنبيات لا كالأمهات من كل وجه، والله أعلم وهو الهادي لسواء السبيل.\n_________\n(١) متفق عليه من حديث عائشة ﵂.","vol":"1","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>خلاصة الكلام في خصوصية أمهات المؤمنين</span>\nولهذا فسواء قصد المتقدمون بخصوصية الحجاب عليهن بالمعنيين المشار إليهما وهما:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>الأول: أنهن مخصوصات بعدم ظهور شخوصهن فضلا عن عدم جواز ظهور الوجه والكفين منهن ولو عند الحاجة كما هو جائز لغيرهن</span>، فهذا فيه زيادة في توقيرهن وحقهن وحق رسول الله - ﷺ -، وليس فيه جواز كشف المسلمات بل فيه ما يدل على وجوب ستر الوجه على جميع النساء أيضا كما مر معنا من كلام أهل العلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>والثاني: أنهن مخصوصات بالحجاب من أبنائهن ومن يحرم النكاح بهم فكن بذلك دون بقية الأمهات ومن يحرم النكاح بهن اللاتي لم يفرض عليهن ذلك</span>.\nوهذا كما ترى وإن كان في خصوصية أمهات المؤمنين فيدلك كيف وقع التحريف من المتأخرين في هذه الأمة لكل ما يزعزع يقين المؤمنين والمؤمنات بفريضة الحجاب، ولترى مدي البتر والتحريف والتبديل لأقوال أهل العلم، ليدللوا على وجود خلاف بينهم في فريضة الله للنساء المسلمات بستر الوجه وقد نقلنا بإسهاب أقوال أهل العلم لترى أنهم على صراط مستقيم ولم يأتِ عن أحد منهم ما يقوله أهل السفور اليوم هدانا الله وإياهم، ولتعلم مدى الإعجاز الرباني حيث حفظ","vol":"1","page":400},{"text":"كتابه وسنة نبيه - ﷺ - بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].\nونختم بما ختم به صاحب روضة الطالبين فقال: (ولنختم الباب بكلامين أحدهما قال إمام الحرمين قال: المحققون ذِكر الاختلاف في مسائل الخصائص خبط غير مفيد، فإنه لا يتعلق به حكم ناجز تمس إليه حاجة وإنما يجري الخلاف فيما لا نجد بدا من إثبات حكم فيه، فإن الأقيسة لا مجال لها والأحكام الخاصة تتبع فيها النصوص وما لا نص فيه فتقدير اختيار فيه هجوم على الغيب من غير فائدة، والكلام الثاني قال الصيمري: منع أبو علي بن خيران، الكلام في الخصائص لأنه أمر انقضى فلا معنى للكلام فيه، وقال سائر أصحابنا: لا بأس به وهو الصحيح لما فيه من زيادة العلم، فهذا كلام الأصحاب، والصواب الجزم بجواز ذلك بل باستحبابه بل لو قيل بوجوبه لم يكن بعيدا لأنه ربما رأى جاهل بعض الخصائص ثابتة في الحديث الصحيح فعمل به أخذا بأصل التأسي فوجب بيانها لتعرف فلا يعمل بها وأي فائدة أهم من هذه وأما ما يقع في ضمن الخصائص مما لا فائد فيه اليوم فقليل لا تخلو أبواب الفقه عن مثله للتدرب ومعرفة الأدلة وتحقيق الشئ على ما هو عليه والله أعلم) (١) انتهى كلامه.\n_________\n(١) روضة الطالبين، للإمام محيي الدين النووي الدمشقي -كتاب النكاح - (الباب الأول خصائص رسول الله في النكاح).","vol":"1","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>تناقض أهل السفور واختلافهم في معنى الخصوصية المحدثة\nوما أوردوه من شبهات بخصوصها</span>\nحيث ذهب فريق منهم أن فرض تغطية المرأة لوجهها خاص بأمهات المؤمنين ولا يجب على من سواهن ذلك فهذا والله فوق أنه سوء أدب وسوء ظن في حق بيت النبوة فإنه يدلك على مدى الأفهام المعكوسة والمتسرعة، والتي لا ترجع لأهل العلم السابقين، ومدى التحريف والتبديل والتصحيف الذي وقع في فريضة الحجاب، فلو قالوا أن أمهات المؤمنين لا يحتجبن ويجوز النظر إليهن، فهذا يمكن قوله لكونهن أمهات ويحرم النكاح بهن بنص القرآن، وقد قيل، أما غيره مما فهمه فريق من دعاة السفور اليوم فلا يدخل في عقل أحد حتى ينسب لإمام من أئمة الشرع أنه عناه بقوله، فعلم أنهم لم يفهموا قولهم وغلطوا وعكسوا مرادهم والله بصير بعباده.\nولهذا لم يوافقهم فريق آخر من دعاة السفور، ولكن العجيب أنهم رفضوا قول الأولين بوجود خصوصية ووجوب التغطية على أمهات المؤمنين، وقالوا لا دليل على ذلك، وصدقوا، ولكنهم قالوا هو سنة ومستحب على أمهات المؤمنين وعلى غيرهن من نساء المسلمين كافه، كما قاله الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، ولكن ليس العجب هنا بل العجب حين استشهد ﵀، بأدلة وأقوال الفريق الأول فنقل أدلتهم المفهومة عندهم على فرض ستر الوجه على أمهات المؤمنين فقط والمعكوسة والمبتورة من كلام ومراد المتقدمين، كابن بطال، والقاضي","vol":"1","page":402},{"text":"عياض، والطحاوي، وغيرهم وأي شئ آخر يؤيد سفور المرأة لوجهها ولو على فهم أولئك المحرف والمبدل والمصحف، ودون أن يعترض عليهم فيما يخالفهم فيه، فهو أصلًا لا يوافقهم على معنى الخصوصية التي ابتدعوها من أن ستر الوجه فرض مخصوص بأمهات المؤمنين دون غيرهم، لأن مذهبه أنه سنه ومستحب للجميع.\nفيذكرني بقول الألباني ﵀ عندما فهم كلام الإمام الطبري وغيره من أهل العلم بعكس ما أرادوه من تحديد القدر الظاهر من المرأة عند الرخصة بما يظهر في صلاتها وهو الوجه والكفان بقوله: (لإجماع الجميع على أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها ...) إلخ. فظنه الألباني أنه يستدل بذلك لسفور الوجه، ولهذا اعترض على هذا الاستدلال فقال ﵀: (وهذا الترجيح غير قوي عندي ... لأن للمخالف (١) أن يقول: جواز كشف المرأة عن وجهها في الصلاة أمر خاص بالصلاة فلا يجوز أن يقاس عليه الكشف خارج الصلاة لوضوح الفرق بين الحالتين، هذا مع عدم مخالفتنا له في جواز كشفها وجهها وكفيها في الصلاة وخارجها لدليل بل لأدلة أخرى غير هذه كما يأتي بيانه وإنما المناقشة هنا في صحة هذا الدليل بخصوصه لا في صحة الدعوى) إلى آخر كلام الألباني ﵀. ومع ذلك أخذ من كلامه ما استشهد به على سفور الوجه والكفين، وهم إنما كانوا يقصدون بالقياس تحديد قدر الرخصة.\n_________\n(١) يقصد بالمخالف القائلين بوجوب ستر المرأة لوجهها.","vol":"1","page":403},{"text":"وهنا نقل كلام القاضي عياض والطحاوي وابن بطال وغيرهم على فهم ومراد من قال أن ستر الوجه فرض على أمهات المؤمنين فقط، بالمعنى الذي فهمه أولئك المبتدعة - هدانا الله وإياهم - مع أن الشيخ الألباني لا يقول بذلك، بل يقول هو سنة ومستحب لهن ولجميع النساء، ولا شك أن هذا القول بدعة أيضًا، فأين هذا من قول جمهرة من العلماء ممن قال بعدم ظهور حتى أشخاصهن أصلًا، وما قالوه من نوع خصوصية التشديد والتغليظ عليهن في امر الحجاب، فضلا عمن قال - على أقل الأحوال - إنهن في باب النظر ونحو ذلك كالأجنبيات، فأين السلف الذي له ويدعي ﵀ متابعتهم؟ فتركهم جميعًا وترك الإجماع من فحول أهل العلم والفضل ممن ألفوا وصنفوا ونقلوا وحققوا طوال أربعة عشر قرنًا، وفي أكثر من موضع، وأستشهد بنقولات حديثي الأفهام المتعارضة مع كلامه، حيث تبعهم بفهمهم المعكوس والمحرف والمبدل والمصحف عن معناه ومقصده عند أصحابة من أهل العلم الأجلاء، فكيف رفض الاستدلال بنصفه وقبل نصفه الآخر؟ .\nولا شك أنها زلة منه رحمه الله تعالى، لا يقصد إلا الخير وبيان السنة، وهكذا هي الأمور فمن بدأ الطريق خطأ وخرج عن دائرة الحق في مسألة من المسائل، فلا يزيده السير فيها إلا زيادة في الأخطاء، حتى ظن أن من قال أن الوجه ليس بعورة، فهو يعنى كشف المرأة لوجهها، فكان في كتابه الأخير، \"الرد المفحم\" من ... كثرة الأخطاء والنسب المغلوطة، وغير ذلك مالا يحصى ولا يعد، ... وليس الغرض عندي تتبع أخطاء الشيخ بقدر الحرص على الإلمام","vol":"1","page":404},{"text":"بقواعد مسألة فريضة الحجاب، فما مر معنا مما يحتاج لبيانه اقتصرت عليه، غفر الله لنا وله ولجميع المسلمين، وجمعنا به في مستقر رحمته.\nوإني والله لأعلم أنهم يريدون الحق، ولكن ليس كل مريد للحق يصيبه، ولهذا فليلتمسوا لي العذر، وإنما هي لبيان شناعة هذا القول وما يترتب عليه من آثارٍ وفتنٍ وبدعٍ بدأت تطل برأسها، حمى الله بلاد الإسلام والمسلمين، ووفق ولاة أمرهم لكل خير.","vol":"1","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>رد شبهة\nعن الإمام القاضي عياض</span>\nكثيرًا ما نجد أهل السفور - هدانا الله وإياهم - ينقلون للعوام قول القاضي عياض ﵀: (قال العلماء رحمهم الله تعالى: وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة مستحبة لها، ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض شرعي) انتهى.\nوكلام القاضي هو في حال عدم وجود الرجال، وهذا خلاف قديم جدًا بين العلماء، وهو فيما إذا كان يجب على المرأة أن تستر وجهها لمجرد أن خرجت في طريقها وهي تعلم خلوه من إمكان نظر الرجال لها؟ أم أن واجب الستر ليس لذاته وليس على كل حال وإنما هو واجب فقط عند تحققها من وجود الرجال الأجانب والذين يمكنهم أن ينظرون لها؟\nوهذا خلاف قائم كما قلنا قديمًا بين العلماء، وسنأتي هنا لبيانه بإسهاب إن شاء الله تعالى، ولهذا كان من أسباب اختلاف بعض المتقدمين في كون الوجه والكفين من العورة أم لا؟ هو مثل هذا التأصيل حيث كان اعتراضهم على من قال أن الوجه والكفين عورة، أن ذلك يستلزم من المرأة ستره على كل حال، والذي جاء هو الأمر بالستر من أعين الرجال فقط، ففي عدمهم أو عدم تمكنهم من النظر لها انتفاء للفتنة والشهوة، والتي هي علة وجوب الستر عندهم، ولهذا قالوا معترضين","vol":"1","page":406},{"text":"(الوجه والكفان ليسا بعورة) فظهر أعتراضهم على اولئك أكثر من ظهور علتهم في المسألة.\nولهذا لا المتقدمون ولا أحد ممن جاء بعدهم فهموا من كلام القاضي عياض ما فهمه أهل السفور اليوم، فبحثوا في كتب السلف وكلامهم على مثل هذه العبارات من المتشابهات ثم حرفوها وبدلوها وصحفوها - من غير أن يقصدوا - بأدنى التأويلات وقذفوها في قلوب الناس، ولو وجدوا في صريح أقوالهم ما يدل على السفور لما تمسكوا بنقل مثل هذه الشبهات والأحتمالات، وهذا ما لن يجدوه لان صريح أقوالهم قد مرت معنا وستمر في وجوب ستر المرأة لوجهها عن الرجال.\nفالقاضي عياض يشرح حديث نظر الفجأة وقوله - ﷺ - عندما سأله جرير بن عبد الله ﵁ قال: «سألت رسول الله - ﷺ - عن نظر الفجأة: فأمرني أن أصرف بصري» رواه مسلم.\nفاستدل به ﵀ على أصل المسألة وهو أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها أونحو ذلك، متى ما تيقنت من عدم وجود الرجال الأجانب أو في حال وجودهم ولكن لا يمكنهم النظر إليها وكلام القاضي عياض مبني على أساس أصل المسألة وما فهمه من الحديث، وهو أنه كيف يمكن أن يُتصور تحقق نظر الفجأة الذي قصده الصحابي وسأل عنه لو كانت النساء لا يكشفن وجوههن بتاتًا ولو عند عدم وجود من ينظر لهن من الرجال؟ فدل عنده على أنها قد تسير في بعض الأحيان كاشفة عن وجهها لرؤية الطريق وقد تمر بالرجال ممن لا يمكنهم مشاهدة وجهها، ونحو ذلك كما لو كانت الطريق خالية، فاستنتج","vol":"1","page":407},{"text":"من فهمه عند شرحه للحديث ولغيره من الأحاديث الأتية معنا كتغطية المحرمة لوجهها عندما يحاذيها الرجال أنه يجوز لها ذلك ولا يجب على المرأة ستر وجهها على كل حال، وإنما لو فعلت فهذا سنة ومستحب لها، لأن الأصل ستره عن الرجال فلو سترته لمجرد خروجها احتياطًا، فهذا من ورعها وزهدها وله أصل فيكون كما قال سنة ومستحب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>كشف المُحْرِمَة وجهها في طريقها عند عدم وجود الرجال الناظرين لها وتناقص أهل السفور فيه:</span>\nولهذا فأكثر ما استدلوا به العلماء -على ما قاله القاضي عياض- من جواز كشف المرأة في طريقها ولا رجال، هو ما اتفقوا عليه من حال المرأة المحرمة، فعند خلو الطريق من الرجال حرم كثير من الفقهاء عليها تغطية وجهها لأنه على قول أكثرهم إحرام المرأة في وجهها، في حين أجمعوا على جواز السدل على وجهها إذا حاذاها الرجال، ومن هنا ففي حال خلو الطريق أوجبوا على المحرمة كشفه وأباحوه لغيرها كما قاله القاضي عياض وغيره، وذلك لأنتفاء الفتنة من وجود الرجال الناظرين لها، فالمحرمة تكشف وجهها في طريقها فإذا حاذاها الرجال سدلت عليه ما يستره، فعُلم من ذلك أنهم يعنون بوجوب كشفه عند عدم وجود الرجال الأجانب كما هو الظاهر من نصوصهم التي ستمر معنا وكما قصده القاضي عياض في غير المحرمة، لا أن","vol":"1","page":408},{"text":"تكشفه على كل حال كما يريده أهل السفور اليوم فتناقضوا وناقضوا كلام أهل العلم وحاروا في الجمع بين أقوالهم، إذ كيف يوجب الفقهاء على المحرمة كشف وجهها ثم يجمعون مع ذلك على ستره والستر كما ينسبونه لهم سنة ومستحب؟ فكيف تغلب السنة والمستحب ما هو واجب وهو كشفها لوجهها حال الأحرام؟ هذا عجيب لا يمكن أن يمر على المتقدمين وبخاصة أن منهم من حرم تغطية المرأة لوجهها لدرجة الفدية وذلك في حال أن سترته لا تريد سترًا من أعين الرجال، ثم يفهمون من قول عائشة عند البيهقي (إن شاءت) الاختيار في ستر وجهها ويستدلون بمثل هذه الزيادة المتفردة - إن صحت - على أن المرأة كانت في عهد رسول الله - ﷺ - سافرة بين الرجال، فهل قالت عائشة ﵂ (إن شاءت) وهي بين الرجال؟ وهل فعلت عائشة ما فهموه ولو لمرة واحدة أم كان فعلها وقولها حين سترت وجهها وهي محرمة مع أختها أسماء ونساء المسلمين مخبرًا عموم الناس بعكس ما فهموه، إنما قالت: (المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبا مسه ورس أو زعفران ولا تتبرقع ولا تلثم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت) (١)، فلعلها أرادت (إن شاءت) جواز الستر ولو لم يكن هناك رجال، كما حققه كثير من أهل العلم وهو أن المحرمة إنما نهيت عن النقاب ونحوه ولم تُنهى عن مطلق ستره، ولم تؤمر بكشف وجهها في الإحرام، وحتى لا\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى \"باب المرأة لا تتنقب فى إحرامها ولا تلبس القفازين\".","vol":"1","page":409},{"text":"يُفهم من النهي عن لبس النقاب للمحرمة تحريم ستره، أخبرت بقولها: (إن شاءت) فلها ستره مطلقا ولو لم يكن هناك رجال، مادام بغير نقاب ونحوه.\nومن الاحتمالات أيضًا أن أحد الرواة ممن دون عائشة ﵂ أراد أن يقول (المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت) فكررها مرة أخرى في آخره (إن شاءت)، أو قصد أن المحرمة (تسدل الثوب على وجهها) «بما شاءت» من خمار أو جلباب أو نحو ذلك من ملابسها سوى النقاب ونحوه، فنُقِل بدلا من ذلك (إن شاءت)، بدليل أن قول عائشة ﵂ هذا مروي من عدة طرق عديدة ومخرج في أكثر من كتاب كما عند ابن أبي شيبة (١) والبخاري تعليقا (٢) وغيرهما وليس فيها هذه الزيادة (إن شاءت) لمن تأمله، ثم إن صحت هذه الزياد فكما قلنا، لها محامل كثيرة ذكرنا بعضها أنفا.\nبل ولا أدل على بطلان قولهم من كل وجه، أن نتساءل هل قال - بمثل هذا الاستدلال الذي فهموه من كلام عائشة عند البيهقي - أحد قبلهم، ممن مروا بالحديث منذ أربعة عشر قرنًا مضت؟ لا والله.\nفالإمام البيهقي نفسه ذكر بعده (باب المحرمة تلبس الثوب من علو فيستر وجهها وتجافي عنه) ولم يفهم من تلك الزيادة ما فهموه من\n_________\n(١) مصنف ابن أبي شيبة باب \" في القفازين للمحرمة\"\n(٢) صحيح البخاري \" باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة\"","vol":"1","page":410},{"text":"التخيير في كشف المرأة لوجهها أو ستره أمام الرجال، بل إن اقواله وتبويباته كما في كتبه صريحة في وجوب ذلك كما سيمر معنا النقل عنه رحمه الله تعالى (١).\nوهذا سبيل من تمسك بالمتشابهات والشواذ من الأقوال تناقض في المحكمات من الأمور العظيمة والجليلة، وأما من تمسك بالمحكمات أمكنه حمل مثل هذه المتشابهات وغيرها على محامل كثيرة واحتمالات قوية سديدة، وبهذا تعلم غلط فهم أهل السفور لكلام العلماء المتقدمين، وأنهم ينقلون الشبهات لعموم الناس دون فهم وتمحيص فكانوا كحاطب ليل قد يجمع ما يضره وما قد يكون ضده كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذا كما أنه وقع في تفسير القرآن فإنه وقع أيضا في تفسير الحديث فالذين أخطؤوا في الدليل والمدلول مثل طوائف من أهل البدع اعتقدوا مذهبًا يخالف الحق الذي عليه الأمة الوسط الذين لا يجتمعون على ضلالة كسلف الأمة وأئمتها وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على آرائهم، تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها، وتارة يتأوّلون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه ومن هؤلاء فرق الخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة وغيرهم .... .\n_________\n(١) سيأتي نقل أقوال الأمام البيهقي في (المبحث السابع صـ ٤٨٧) عند الكلام على \"ثالثا: شبهة استدلالهم بحديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ومخالفتهم لفهم السلف له\".","vol":"1","page":411},{"text":"والمقصود أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأيا ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا من أئمة المسلمين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة وذلك من جهتين: تارة من العلم بفساد قولهم وتارة من العلم بفساد ما فسروا به القرآن إما دليلا على قولهم أو جوابا على المعارض لهم ...) انتهى كلام شيخ الإسلام.\nولهذا فالحق أن أئمة الإسلام متفقون على أن ستر وجه المرأة المحرمة عند الرجال هو أوجب من قولهم لها بوجوب كشفه حال الإحرام، لهذا لم يتناقضوا، فمن نقل الإجماع على كشفه كابن عبد البر نقل أيضا في ذات المكان الإجماع على وجوب ستره سدلًا عن الرجال، ولا يمكن أن يكون لأن ستره عن الرجال، سنة ومستحب ومثله:\n١ - قال ابن عبد البر - المالكي -: (وأجمعوا أن إحرامها في وجهها دون رأسها، وأنها تخمر رأسها وتستر شعرها وهي محرمة، أجمعوا أن لها أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها سدلًا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال إليها، ولم يجيزوا لها تغطية وجهها أي وهي محرمة بنحو خمار إلا ما ذكرنا عن أسماء) (١) انتهى\n٢ - ونقل الحافط ابن حجر في الفتح: (وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله والخفاف وأن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها إلا وجهها فتسدل عليه الثوب سدلا خفيفا تستر به عن نظر\n_________\n(١) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (١٥/ ١٠٨).","vol":"1","page":412},{"text":"الرجال ولا تخمره إلا ما روي عن فاطمة بنت المنذر قالت «كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر» تعني جدتها، قال: ويحتمل أن يكون ذلك التخمير سدلًا كما جاء عن عائشة قالت «كنا مع رسول الله - ﷺ - إذا مر بنا ركب سدلنا الثوب على وجوهنا ونحن محرمات فإذا جاوزنا رفعناه») (١) انتهى.\nوهنا كان مقصد العلماء هو نفسه ما قصده القاضي عياض وغيره ممن قالوا بجواز كشف المرأة في طريقها وحيث أمنت من نظر الرجال لها.\n٣ - قال الشوكاني رحمه الله تعالى: عند حديث: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه» (٢) قال: تمسك به أحمد فقال: إنما لها أن تُسدل على وجهها من فوق رأسها. واستدل بهذا الحديث على أنه يجوز للمرأة إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبًا منها، فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها. لأن المرأة تحتاج إلى ستر وجهها فلم يحرم عليها ستره مطلقًا كالعورة) (٣) انتهى كلامه.\nوانظر لقوله: (تحتاج إلى ستر وجهها) وكلام ابن عبد البر، وابن المنذر في سترها عن أعين الناس، هذه لوحدها عبارات مفهومة لا تقال\n_________\n(١) فتح الباري (باب ما يلبس المحرم من الثياب والأردية والأزر).\n(٢) أخرجه أبو داود والبيهقي وأحمد وغيرهم، ويؤيده ما جاء نحوه عن أختها أسماء، وما جاء عن حفيدتها فاطمة، ولهذا قال الألباني في \"جلباب المرأة\": (حسن في الشواهد).\n(٣) نيل الأوطار (٥/ ٦).","vol":"1","page":413},{"text":"في أمر في أصله سنة ومستحب، فكيف مع إجماعهم على وجوب كشفه؟ أفيقال: (تحتاج إلى ستر وجهها) ويكون أيضا بعد ذلك سترُهُ سنة ومستحب؟\n٤ - وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: (كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام) (١).\nوقولها (من الرجال) تعليل يدل على اللزوم والفرض ولو في الحج وهي ليست من أمهات المؤمنين، ويدل على أن تغطيته ليست على كل حال وإنما عند وجود الرجال.\n٥ - وأخرج الإمام مالك في \"الموطأ\" (باب تخمير المحرم وجهه) عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر التابعية أنها قالت: (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر الصديق) (٢).\n٦ - وقال الإمام أبو بكر بن العربي المالكي: (المسألة الرابعة عشرة: قوله في حديث ابن عمر: «لا تنتقب المرأة» وذلك لأن سترها وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج، فإنها ترخي شيئًا من خمارها على وجهها غير لاصق به وتعرض عن الرجال ويعرضون عنها) (٣) انتهى.\nفكل ما سبق يدل على أن الستر ليس واجبًا لذاته وعلى كل حال وإنما يجب عند وجود الرجال وخاصة في حق المحرمة، وأن قولهم للفظة\n_________\n(١) أخرجه الترمذي وابن خزيمة وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وصححه الألباني في كتابه جلباب المرأة.\n(٢) وهذا الحديث جمع شروط الصحة عند الشيخين بل هو على شرطهما.\n(٣) عارضة الأحوذي (٤/ ٥٦).","vol":"1","page":414},{"text":"(فرض) هو عند كلامهم في حكم أشد وألزم من غيره، كما قالوا في حجاب أمهات المؤمنين وعدم ظهور شخوصهن وعدم الرخصة لهن في كشف وجوههن وأكفهن عند الشهادة ونحوها، بعكس ما هو جائز لغيرهن من النساء، كما تقدم معنا في مبحث الخصوصية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>مذهب القائلين بوجوب ستر المرأة لوجهها لمجرد خروجها:</span>\nوذهب فريق آخر من أهل العلم المتقدمين على وجوب ستر المرأة لوجهها وذلك بمجرد خروجها في طريقها، ولو كانت الطريق خالية، لأن في كشفها في طريقها مظنة لأن يراها الرجال، ولقوله - ﷺ -: (المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها) (١).\nقال الإمام الطبراني (ت: ٣٦٠ هـ) عند تفسيره لآية الإدناء: (قال المفسِّرون: يُغطِّين رؤُوسَهن ووجوههن إلا عَينًا واحدة. وظاهرُ الآية يقتضي أنْ يكُنَّ مأمورات بالسَّتر التام عند الخروجِ إلى الطُّرق، فعليهن أن يَستَتِرْنَ إلا بمقدار ما يعرفنَ به الطريق) (٢) انتهى.\nوسنأتي لمزيد نقل لأقوالهم لاحقًا.\nوما سننقله الأن هو تأكيد جديد لما قلناه سابقًا من الإجماع على وجوب ستر وجه المرأة وما فهمه أهل العلم من كلام القاضي عياض لترى كيف أنهم لم يناقشوه او يفهموا منه ما فهمه اليوم دعاة السفور:\n_________\n(١) أخرجه الترمذي وابن حبان عن ابن مسعود بسند صحيح. انظر الإرواء (١/ ٣٠٣).\n(٢) \"التفسير الكبير\" للإمام الطبراني. سورة الأحزاب الآية (٥٩).","vol":"1","page":415},{"text":"٧ - فهم الإمام النووي لكلام القاضي عياض:\nالإمام النووي هو من نقل كلام القاضي عياض ومع ذلك قال بعده كلاما فسره به يدل على خطأ فهم دعاة السفور اليوم لقوله أو بترهم لكلامه ولعلهم - من غير قصد - لهذا لم ينقلوه بتمامه واقتصروا على نقل كلام القاضي بفهمهم الخاطئ له.\nولهذا سنورده كما جاء في شرح النووي لصحيح مسلم عند شرحه لحديث جرير ﵁: (قال القاضي: قال العلماء: وفي هذا حجة أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سنة مستحبة لها، ويجب على الرجال غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض صحيح شرعي).\nفقال النووي عقبه مباشرة: (وهو حالة الشهادة والمداواة وإرادة خطبتها، أو شراء الجارية أو المعاملة بالبيع والشراء وغيرهما ونحو ذلك، وإنما يباح في جميع هذا قدر الحاجة دون ما زاد والله أعلم) (١) انتهى كلامه.\nفهذا هو فهمهم لكلام القاضي عياض، كما أن النووي مشهور بقوله بوجوب تحجب حتى الإماء ولو شعر أن في كلام القاضي شيء مما يقوله أهل السفور اليوم لما سكت عنه فما قاله بعد نقله لكلامه لهو من أدل الأمور على أنهم لم يفهموا من كلام القاضي سفور ولا شيء مما ينسبه إليه أهل السفور اليوم.\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، باب نظر الفجأة (١٤/ ١٣٩).","vol":"1","page":416},{"text":"وقوله: (وفى هذا حجة أنه لايجب على المرأة أن تستر وجهها فى طريقها) وهذا كما سترى فيه خلاف، كما هو ظاهر من قوله، حيث ان بعضهم لم يعتبره حجة وأوجب عليها ستره في طريقها ولمجرد خروجها ولو لم يكن هناك بالطريق رجال؛ لأنهم قالوا أن في خروجها مظنة لأن يراها الرجال من غير أن تشعر فتقع الفتنة بها وردوا على هذا الكلام بأن نظر الفجأة الذي في حديث جرير لا يلزم من وقوعه أن يكون بسبب أنه يجوز للمرأة كشف وجهها في طريقها الخالي، فقد يحصل لها ذلك أثناء سقوطها أو بسبب ريح أو من فوق سطح أو وهي في بيتها أو غير ذلك ونحوه كثير، فلا يفهم من وقوع نظر الفجأة أنه يجوز للنساء كشفهن لوجوههن في الطريق الخالية.\nولهذا لما كثر الفساد في الناس وتهاونت النساء في الستر منع من ذلك كثير من الأئمة والفقهاء ممن كانوا يرون جواز ذلك احتياطًا وورعًا من فساد الناس وتساهلهم.\n٨ - وهذا ما نقله الشوكاني عن ابن رسلأن: (ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه وبخاصة عند فساد الناس) (١) انتهى.\nومعناه ظاهر فلا يجوز النظر للنساء أو كشفهن للوجوه إلا لحاجة.\nويزيدك تأكيدا على أنهم قصدوا ذلك.\n٩ - ما قاله الشوكاني في \"السيل الجرار\": (وأما تغطية وجه المرأة - يعني في الإحرام - فلما روي أن إحرام المرأة في وجهها، ولكنه لم\n_________\n(١) نيل الأوطار للشوكاني (٦/ ١١٤).","vol":"1","page":417},{"text":"يثبت ذلك من وجه يصلح للاحتجاج به، وأما ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة من حديث عائشة قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله - ﷺ - محرمات فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه» وليس فيه ما يدل على أن الكشف لوجوههنَّ كان لأجل الإحرام بل كنّ يكشفن وجوههن عند عدم وجوب من يجب سترها منه، ويسترنها عند وجود من يجب سترها منه) (١).\n١٠ - وقال الصنعاني: (يباح كشف وجهها حيث لم يأتِ دليل بتغطيته والمراد كشفه عند صلاتها بحيث لا يراها الأجنبي، فهذه عورتها في الصلاة وأما عورتها بالنظر إلي أجنبي إليها فكلها عورة) (٢).\n١٢ - قال في حاشية الشرواني على تحفة المحتاج - شافعي-: (من تحققت من نظر أجنبي لها يلزمها ستر وجهها عنه وإلا كانت معينة له على حرام فتأثم) (٣).\nفهل يقول أحد أن المصنف يقول بسفور وجه المرأة بين الرجال ودون أن يكمل العبارة أو يفهم مقصده ومراده بتمامه ومما قاله بعده في حال لو تيقنت من نظر أجنبي لها أنه (يلزمها ستر وجهها عنه وإلا كانت معينة له على حرام فتأثم)؟ .\n١٣ - ومثله قال ابن حجر في التحفة: (نعم من تحققت نظر أجنبي لها يلزمها ستر وجهها عنه وإلا كانت معينة له على حرام فتأثم) انتهى.\n_________\n(١) السيل الجرار (٢/ ١٨٠).\n(٢) سبل السلام (١/ ٣٨٣).\n(٣) حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (٦/ ١٩٣).","vol":"1","page":418},{"text":"وهذا ما عنيه تمامًا القاضي عياض وهو كشفها في طريقها ولا ناظرَ لها من الرجال.\nوكأنهم اعتبروها رخصة يجوز لها كشف وجهها عند خلو الطريق ولكن عند فساد الناس لم يتساهلوا فيه كما لم يتساهلوا من قبل في كشف الشابة لوجهها عند الرخصة ولو لحاجة، وكما منعوا الخاطب من النظر للمخطوبة، وهكذا شددوا حتى لا يتساهل الناس وبخاصة عند ظهور الفساد وهذا من حق الأئمة وفي مقدورهم فعله وهو رد الناس لضابط الرخص كما تقدم معنا.\n١٤ - وقال في فتح العلام بشرح مرشد الأنام قوله: (نقل عن القاضي عياض المالكي عن العلماء: أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة وعلى الرجال غض البصر عنها، وضعَّفَ الرملي كلام القاضي وذكر أن الستر واجب لذاته، ثم قال: وحيث قيل بالجواز كره وقيل: خلاف الأولى. وحيث قيل بالتحريم وهو الراجح حرم النظر إلى المنقبة التي لا يبين منها غير عينيها ومحاجرها، أي ما دار بهما كما بحثه الأذرعي لا سيَّما إذا كانت جميلة) (١) انتهى.\nوانظر كيف يحتاطون وبخاصة عند جمال المراة أو شبابها أو وهي منقبة وبخاصة عند فساد الأزمان، وانظر كيف فهم الرملي مقصد القاضي عياض وكيف كان رده ونقاشه معه، فقوله (خلاف الأولى) أي أنه من الأولى خروجها مستترة ولو في عدم وجود الرجال وعلى هذا فيكون غض البصر في الحديث هو عن المرأة المنقبة، كما قال:\n_________\n(١) فتح العلام بشرح مرشد الأنام (١/ ٤١) ونحوه في مغني المحتاج (٣/ ١٢٩).","vol":"1","page":419},{"text":"(وحيث قيل بالتحريم وهو الراجح حرم النظر إلى المنقبة التي لا يبين منها غير عينيها ومحاجرها) فالتحريم حتى في النظر للمنقبة، ولا يلزم منه ما فهمه القاضي عياض لكيفية حصول نظرة الفجأة حتى يقال بجواز خروجهن مكشوفات الوجوه عند خلو الطريق من الرجال.\n١٥ - قال في مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج من \"كتاب النكاح\": (وَيَحْرُمُ نَظَرُ فَحْلٍ بَالِغٍ إلى عَوْرَةِ حُرَّةٍ كَبِيرَةٍ أجنبيةٍ وَكَذَا وَجْهُهَا وَكَفَّيْهَا عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةٍ وَكَذَا عَنْدَ الأمن عَلَى الصَّحِيحِ) (١) قال الشارح: (عَلَى الصَّحِيحِ) وَوَجَّهَهُ الإمام بِاتِّفَاقِ المسلمين عَلَى مَنْعِ النِّسَاءِ مِنْ الخروج سافرات الْوُجُوهِ، وَبِأن النَّظَرَ مَظِنَّةٌ لِلْفِتْنَةِ وَمُحَرِّكٌ لِلشَّهْوَةِ ... وَظَاهِرُ كلام الشَّيْخَيْنِ (٢) أن السِّتْرَ وَاجِبٌ لِذَاتِهِ فَلا يَتَأَتَّى هَذَا الْجَمْعُ وَكلام الْقَاضِي ضَعِيفٌ، وَحَيْثُ قِيلَ بِالْجَوَازِ كُرِهَ وَقِيلَ: خِلَافُ الأولى، وَحَيْثُ قِيلَ بِالتَّحْرِيمِ وَهُوَ الرَّاجِحُ هَلْ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلى المنتقبة التي لا يَتَبَيَّنُ مِنْهَا غَيْرُ عَيْنَيْهَا وَمَحَاجِرِهَا أو لا؟ .\nقَالَ الأذرَعِيُّ: لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَالظَّاهِرُ أنهُ لا فَرْقَ (٣)، لا سِيَّمَا إذا كانت جَمِيلَةً فَكَمْ فِي المحاجر مِنْ خَنَاجِر) انتهى.\n١٦ - وقال الشيخ يوسف بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي: (ولا يجوز للرجل النظر إلى أجنبية إلا العجوز الكبيرة التي لا تشتهى\n_________\n(١) وقد ذهب لتحريم النظر للمرأة ولو عند الأمن من الفتنة ولو لحاجة كثير من الأئمة مر معنا كلامهم في مبحث نقل اقوال الفقهاء.\n(٢) يعني النووي والرافعي.\n(٣) أي لا فرق في تحريم النظر للمرأة سواءً كانت كاشفة لشيء من زينتها أو مستترة منقبة.","vol":"1","page":420},{"text":"مثلها والصغيرة التي ليست محلًا للشهوة ويجب عليه صرف نظره عنها، ويجب عليها ستر وجهها إذا برزت) (١) انتهى.\nوقوله: (ويجب عليه صرف نظره عنها) هو تمامًا نفس كلام القاضي:\n(ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض شرعي) أي سواء خرجت كاشفة معتقدة خلو الطريق من نظر الرجال إليها أو كانت مستترة فلا يجوز أيضا النظر إليها وتأملها من خلف جلبابها ولو بدون شهوة، كما قاله الكثيرون من أهل العلم، أما مع الشهوة يتأملها من خلف حجابها فهذا باتفاق عندهم حرام.\nومع ذلك قال هنا بعده: (ويجب عليها ستر وجهها إذا برزت) ولتعلم أن مقصد القاضي هو نفسه ما قاله غيره في سير المرأة في طريقها حيث لا يوجد رجال ولا فتنة ولا شهوة ومثله:\n١٧ - قال في البحر الرائق شرح كنز الدقائق - حنفي- في المحرمه (والمراد بكشف الوجه عدم مماسة شيء له فلذا يكره لها أن تلبس البرقع لأن ذلك يماس وجهها، كذا في المبسوط، ولو أرخت شيئا على وجهها وجافته لا بأس به، كذا ذكر الأسبيجابي، لكن في فتح القدير أنه يستحب وقد جعلوا لذلك أعوادا كالقبة توضع على الوجه وتستدل من فوقها الثوب، وفي فتاوى قاضي خان، ودلت المسألة على أنها لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة. ا. هـ. وهو يدل على أن هذا الإرخاء عند الإمكان ووجود الأجانب واجب عليها إن كان المراد لا يحل أن تكشف فمحمل الاستحباب عند عدمهم وعلى أنه عند عدم\n_________\n(١) مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة في الأحكام (صـ ١٢٠).","vol":"1","page":421},{"text":"الإمكان فالواجب من الأجانب غض البصر، لكن قال النووي في شرح مسلم قبيل كتاب السلام في قوله: «سألت رسول الله - ﷺ - عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري» قال العلماء وفي هذا حجة أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سنة مستحبة لها ويجب على الرجال غض البصر عنها إلا لغرض شرعي. ا. هـ. وظاهره نقل الإجماع فيكون معنى ما في الفتاوى لا ينبغي كشفها، وإنما لا تجهر بالتلبية لما أن صوتها يؤدي إلى الفتنة على الصحيح أو عورة على ما قيل كما حققناه في شروط الصلاة) (١) انتهى.\nوانظر لقول الإمام من أتباع أبي حنيفة النعمان - عليهم رحمة الله - حيث قال: (وهو يدل على أن هذا الإرخاء عند الإمكان ووجود الأجانب واجب عليها) فدل على ما سبق وقلناه من أن قول من قال أن الوجه ليس بعورة لا يلزم منه عندهم عدم وجوب ستره، وكذلك يدل على أن الإجماع على ستر المحرمة لوجهها عند وجود الأجانب أوجب من إجماعهم على كشفه للإحرام وهذا باتفاقهم جميعا.\n١٨ - وقال في المنتقى شرح الموطأ للإمام الباجي المالكي: (مسألة: إذا ثبت ذلك فعلى المرأة أن لا تلبس مواضع الإحرام منها مخيطا يختص به والذي يختص بالوجه من المخيط النقاب والبرقع والذي يختص بالكفين القفازان فوجب على المرأة أن تعريهما من ذلك ويستحب لها أن تعريهما من غير ذلك من اللباس فإن أدخلت يديها في قميصها فلا شيء عليها؛ لأن ذلك لا يختص بها ولا سبيل إلى\n_________\n(١) البحر الرائق شرح كنز الدقائق (فصل لم يدخل مكة ووقف بعرفة).","vol":"1","page":422},{"text":"الاحتراز منه وبالله التوفيق. قولها: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات تريد أنهن كن يسترن وجوههن بغير النقاب على معنى التستر؛ لأن الذي يُمنع النقاب أو ما يجري مجراه على ما ذكرناه، وإضافة ذلك إلى كونهن مع أسماء بنت أبي بكر؛ لأنها من أهل العلم والدين والفضل وأنها لا تقرهن إلا على ما تراه جائزا عندها ففي ذلك إخبار بجوازه عندها وهي ممن يجب لهن الاقتداء بها وإنما يجوز أن يخمرن وجوههن على ما ذكرنا بأن تسدل ثوبا على وجهها تريد الستر ولا يجوز أن تسدله لحر ولا لبرد فإن فعلت ذلك فعليها الفدية) انتهى.\nوالمقصد مما تقدم هو التنبيه فيما يختلفون وحديث عائشة وأسماء وفاطمة بنت المنذر وغيرها دليل على كشفهن في الطريق ولا رجال وهو كافٍ لبيان مقصد ومراد الأئمة كالقاضي عياض وغيره ودليل لمن ذهب لمثل هذا القول من جواز كشف المرأة لوجهها حيث لا رجال يرونها وهو أيضا رد لشبهة أهل السفور ولم يقل أحد من المتقدمين أن حديث جرير أو عائشة أو كلام القاضي عياض يدل على عدم وجوب ستر المرأة لوجهها أو أن سترها لوجهها عند الرجل سنة ومستحب، وإنما قالوا في طريقها.\nأو كما قال ابن مفلح للأجنبيات كنحو إماء الغير أو الأجنبيات من الكافرات، فتنبه للفرق الشاسع بين ما يختلفون فيه وبين ما يقوله وينسبه لهم دعاة السفور اليوم، حيث أنهم لو قصدوا وأرادو النساء المسلمات الحرائر لما صعب عليهم ذلك ولما أستدل ابن مفلح بمثل ما استدلوا به من إنكار عمر بن الخطاب ﵁ على الإماء التستر والتشبه بالحرائر أو استدلالهم في المسألة بحديث المكاتب ونحو ذلك، مما هو","vol":"1","page":423},{"text":"بعيد جدًا عن استدلالات أهل السفور اليوم، ولصرحوا به أبلغ تصريح كما صرحوا في آية الإدناء وغيرها بأنها الأمر للنساء الحرائر بستر وجوههن وهذا غاية ما عند أهل السفور من الأدلة لينصروا مذهبهم بأدنى الاحتمالات والأوهام والشبه، أليس في أقوال المتقدمين قول صريح لما يريدونه حتى لووا أعناق الأدلة وأقوال أهل العلم لتوافق أهوائَهم، ولو أدى ذلك لتحريفها وتبديلها وتصحيفها من غير أن يشعروا.\nويكفيك أن تعلم أن كل ما قالوه وفهموه وفسروه على أنها أدلة من الكتاب والسنة على سفور وجه المرأة المسلمة لم يكن لهم في ذلك القول والفهم والتفسير سلف.\nولم تُثَرْ هذه البلبلة والشبه إلا حديثا، فليس في أقوال المتقدمين ما يخالف وجوب ستر المرأة لوجهها بل العكس كما هي النقول عنهم هنا عن أجلة الأعلام فمن بقي لهم؟ فكان في موضع ما ادعاه القوم رد على باطلهم لو يعلمون.","vol":"1","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>الشبهة المثارة من أهل السفور عن مالك في جواز مؤاكلة المرأة للرجل</span>\nقال الشيخ الألباني في الرد المفحم: (سئل مالك: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يُعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله) انتهى كلامه.\nوطبقه على ما يقوله الشيخ محمد الألباني غفر الله لنا وله كما في كتابه الآخر جلباب المرأة) جزء ١ صفحة ٧٨) فقال: (ويؤيد ذلك قوله تعالى في صدر الآية المتقدمة: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ... وقل للمؤمنات يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ...﴾ [النور: ٣١ - ٣٢]. فإنها تشعر بأن في المرأة شيئًا مكشوفًا يمكن النظر إليه فلذلك أمر تعالى بغض النظر عنهن وما ذلك غير الوجه والكفين (إلخ كلام الشيخ الألباني.\nوسبحان الله أتؤخذ أحكام الله وكشف عورات المسلمات بمثل هذه الأدلة من الاستشعارات؟ وترد وتُأوَّل الآيات والأحاديث المحكمات وأقوال الأئمة العظماء والمفسرين الكبار حتى لا نعلم أحدا من أهل العلم - أي أحد - قال بقولهم في السفور.\nفكيف ينقل مثل هذا الكلام بهذا الفهم الخطير ثم يقول بغض البصر هذه مصيبة، هذا والله هو نفس ما يدعو له أهل الفساد، فكيف يفهم من كلام","vol":"1","page":425},{"text":"الإمام مالك أنه يأكل مع المرأة الأجنبية والتي يجب عليه أن يغض بصره عنها هذا فهم خاطيء وخطير لكلام الأئمة ومتناقض مع بقية أقوالهم جميعا، فهل معناه أن يأكل من قفاه ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقول الإمام الشاطبي - ﵀ -: (إذا ثبتت قاعدة عامة أو مطلقة فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان ولا حكايات الأحوال، والدليل على ذلك أمور ... - ثم ذكرها - إلى أن قال: وهذا الموضع كثير الفائدة عظيم النفع بالنسبة إلى المتمسك بالكليات إذا عارضتها الجزئيات وقضايا الأعيان، فإنه إذا تمسك بالكلّي كان له الخيرة في الجزئي في حمله على وجوه كثيرة، فإن تمسك بالجزئي لم يمكنه مع التمسك الخيرة في الكلي فثبت في حقه المعارضة ورمت به أيدي الإشكالات في مهأو بعيدة، وهذا هو أصل الزيغ والضلال في الدين؛ لأنه اتباع للمتشابهات وتشكك في القواطع المحكمات) (١).\nهذا والله قول لا سلف له بل هو الشذوذ والغرابة وزلة منه ﵀، كقوله في تحريم الذهب المحلق (٢)، وكقوله في أن المحرم لو تحلل يوم العاشر وخلع إحرامه ولم يطف بالبيت في نفس يومه ذلك، رجع عليه\n_________\n(١) الموافقات (٣/ ٢٦٠). للإمام أبي إسحاق الشاطبي ﵀ المتوفى سنة ٧٩٠ هـ.\n(٢) قال الإمام المفتي محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀: (بعض الناس ذهب إلى المنع من تحلي النساء بالذهب وكتب في ذلك وهذا خلاف ما في الأحاديث المصرحة بذلك، والذي كتب في ذلك ناصر الدين الألباني وهو صاحب السنة ونصرة للحق ومصادمة لأهل الباطل، ولكن له بعض المسائل الشاذة، من ذلك هذه المسألة وهو عدم إباحته - ذكر وجمع آثارًا ولكنها لا تصلح أن تعارض الأحاديث) انتهى من فتاوى الشيخ (ج ٤/ ص ٩٢) رقم الفتوى [١٠٢٧]. وممن رد على هذا القول أيضا سماحة الشيخ ابن باز وغيرهم رحم الله الجميع.","vol":"1","page":426},{"text":"إحرامه مرة أخرى ووجب عليه لبسه كما كان محرما، وهذا بناء على حديث ليس عليه العمل عند أهل العلم كما قال ذلك ابن حزم الظاهري في كتابه المُحَلى \"من كتاب الحج\" - مع ظاهريته - ولم يأخذ به ولا بمذهب السفور لمخالفته للإجماع.\nوكأن الشيخ الألباني كلما قرأ شيئا من خلاف المتقدمين حمله على فهمه ولو كان يعارضه من وجه آخر، فهو يقول بغض البصر عن وجه المرأة الكاشفة ثم يستدل بجواز مؤاكلتها ويفهم من سؤال مالك أنها كاشفة عن وجهها أو تؤاكل من لا يحل له النظر إليها! .\nوبالتالي فكلام الألباني في الحجاب نظري متناقض من وجوه عديدة لا يمكن تطبيقه أبدًا وفيه من النقولات والنسب الغير صحيحة الكثير جدًا ولا داعي هنا لذكرها إلا إذا طمسنا كلام أهل العلم مجاملة لخطأ الشيخ ﵀.\nوطبقه على أقوال رسول الله - ﷺ - وأهل العلم عند شرحهم لحديث نظر الفجأة السابق والمعروف وغيره حيث قالوا: (أي البغتة) (وفاجأه إذا جاء بغتة من غير تقدم سبب) (اصرف بصرك والصرف أن يفتله إلى الشق الآخر والناحية الأخرى) (أي النظرة الأولى إذا كانت من غير قصد) (١) وطبقه على أقوال مالك الذي اشتهرت عنه من منع الخاطب من النظر لمن أراد خطبتها وغيره ممن مروا معنا هل هذا ما قصده أولئك الأئمة الأعلام ممن ألَّفوا وكتبوا وشرحوا وحققوا طوال أربعة\n_________\n(١) راجع في ذلك شروح الحديث، وأيضًا كلامنا في (المبحث الثاني) صفحة (١٠٢) عند (تناقض أهل السفور في مسألة غض البصر).","vol":"1","page":427},{"text":"عشر قرنًا هل جاء عنهم أن غض البصر في الآية والأحاديث لأن وجه النساء مكشوف وعلى الرجال غض البصر منه؟ لو كان كذلك لظهر لنا أناس رقابهم معكوسة وأعينهم محولَّة، لأنه إن كان الصحابي الفضل بن عباس ينظر للنساء وهو برفقة رسول الله - ﷺ - فلا يحملوه إلا على أن وجوه النساء مكشوفة، ونحن نرى اليوم أننا ما سلمنا والنساء مغطيات وجوههن من الرجال ووقعت من العجائب والغرائب القبيحة من غازل في طريقه العجائز بل وذوي أرحامه وهو لا يدري، وأما لو طبقناه اليوم على قول الألباني من جواز كشف النساء لوجوههن وأنه ألزم الرجال بغض البصر عنهن فكم من حوادث المركبات والطرقات وجرائم الاغتصاب والفواحش التي ما سلمت منها بلاد الغرب مع كامل الحرية والإباحية التي عندهم ومع ذلك فإلاحصائيات مفجعة ومرعبة!\nكما أن في سؤال مالك ذكر (غلامها) وقوله: (وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله) فيمكن أن يكون أيضا غلام زوجها أو غلامها أو غيره من العبيد العاملين معه أو ابن زوجها ونحو ذلك، كما يدل عليه نص السوال الموجه لمالك، أو يكون من الرجال غير ذوي الإربة بدليل قوله: (على وجه ما يُعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال)، فعن عائشة ﵂ قالت: (كان يدخل على أزواج النبي - ﷺ - مخنث، قالت: وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي - ﷺ - يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة، قال: إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال النبي - ﷺ -: أرى هذا يعرف ما ههنا لا يدخُلَنَّ عليكم هذا فحجبوه) رواه أحمد ومسلم.","vol":"1","page":428},{"text":"وهذا من دقة وعلم الأئمة في الإفتاء واستحضارهم للنصوص الشرعية العديدة، حتى أنه ذكر (زوجها)! ! فكيف بغيره ممن ذكرهم الله في قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبَائِهِنَّ أو آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أو أبنائهن أو أبناء بُعُولَتِهِنَّ أو إخوانهن أو بَنِي إخوانهن أو بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أو نِسَائِهِنَّ أو مَا مَلَكَتْ أيمَانهُنَّ أو التَّابِعِينَ غَيْرِ أولِي الإربة مِنَ الرِّجَالِ أو الطِّفْلِ الذين لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عورات النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بأرجلهن لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيها المؤمنون لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].\nكما أن المرأة في بعض الأوقات تكون مع زوجها ومع ضيق البيوت أو سفرهم للحج أو نحو ذلك فتجمعهم الحاجة في مكان مزدحم مع إخوانه أو قرابته أو خارج البيت ويصعب تفرقهم في الأكل فيأكلون جميعا لضيق البيوت أو الأماكن أو الوقت فما المانع وهي مستترة مغطية وجهها، هذا يحصل في أحيان كثيرة في بيوتنا وبين أسرنا وفي حلنا وترحالنا فتأكل المرأة من تحت نقابها مرة من المرات وحينا من الأحيان بسبب بعض الظروف، فمن قال أن مالكا لم يقصد ممن جاز له أن يرى وجهها بدليل قوله مع زوجها وغلامها أو غيرهم من العبيد أو الرجال الجائز أن تكشف المرأة وجهها لهم كابن زوجها أو نحوه، أو قصد أنها وهي مستترة الوجه كما تضطر المرأة لذلك في بعض الأحيان، فكل ذلك جائز وممكن أفلا يكون إلا ما حرمه الله ورسوله - ﷺ - وما يناقض أقوال مالك نفسه وما نقلت عنه بكثرة؟ .","vol":"1","page":429},{"text":"أ- كما قال في مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل - المالكي- \"كتاب النكاح\" (فصل: نُدب لمحتاج ذي أهبة نكاح بكر):\n(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يَجُوزُ النَّظَرُ لِلشَّابَّةِ الأجنبية الْحُرَّةِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: لِلشَّاهِدِ وَلِلطَّبِيبِ وَنَحْوِهِ وَلِلْخَاطِبِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ عَدَمُ جَوَازِهِ لِلْخَاطِبِ) انتهى. وقد سبق معنا بتمامه.\nب- وقال صاحب مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - حنفي-\nفي (جواز النظر إلى المرأة التي يريد أن يتزوجها فجوزه الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق ﵏ مطلقًا أذنت المرأة أم لم تأذن لحديثي جابر والمغيرة المذكورين في أول الحسان وجوزه مالك بإذنها وروى عنه المنع مطلقًا) انتهى.\nونحن نعلم أن مالكا لا يصل به القول بالمنع مطلقًا ولكن حرص ﵀ على عدم تساهل الناس بالرخص وكشفهم لحرمات الله لكل عابث ولَاهٍ ونحو ذلك من مقاصد العلماء الأجلاء، فكيف يقال عنه جواز مؤاكلة المرأة الأجنبية بلا سبب مبيح؟ .\nأفيقال أن مالكًا عالم المدينة وتلميذ الصحابة يقول بمخالطة الأجنبيات ومؤاكلتهن بالمعنى الفاسد والمريب الذي يقوله أهل السفور اليوم وينقلون أن الباجي قال: \"يقتضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها\"، وهذا غلط على الباجي ... فقد أشار العبدري أنها عبارة ابن القطان وأبقاها الباجي على ظاهرها وبكل الأحوال نقول سبحان الله أتترك الشريعة وكلام المئات من الأئمة","vol":"1","page":430},{"text":"بمثل هذه الشبه أو لمثل كلام قاله الباجي ﵀ أو غيره، غير واضح الدلالة، لا ندري ما قصد صاحبه وما مراده، وهل هو يقصد في حالة الحاجة والضرورة أو يقصد الرجال ممن جاز نظرهم لها كغلامها وابن زوجها ونحوهم كما قاله مالك بنفسه وهل نقله النساخ عنهم بتمامه، يا سبحان الله؟ ! والحق ان نحمل كلامهم على من ذكرهم الله في الآية الكريمة السابقة أو عند الحاجة والضرورة أو بما عناه صاحب الكلام الأصلي الإمام مالك شيخ المذهب بنص العبارة (زوجها) و(من يؤاكله) و(غلامها) ونحوهم ممن (يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال)، ولو فهم مالك من السائل الأجانب لما قال (زوجها) و(من يؤاكله) و(غلامها) وسكت فلم يزد وهو يريد بيان جواز مؤكلة الأجنبي كما يدعيه أهل السفور، فأين ورد قوله الأجانب؟ .\nفمقصدهم على ظاهره من جاء في سؤال مالك وجوابه وهم (غلامها) و(زوجها) ونحوهم (على وجه ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال) ولو سمحوا اليوم للأجنبي بمؤكلة المرأة فمن الذي أبقوه لا (يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال)، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولهذا فإنه لا يسلم ولا يستقيم لهم ما أرادوه، إلا بتحريف وتبديل كلام أهل العلم ليبدو متناقضًا من وجوه، فردوا المحكمات بمثل هذه من قضايا الأعيان وحكايات الأحوال فرمت بهم أيدي الإشكالات في مهاو بعيدة، وقد مر معنا مثل هذه الشبهات، وبينا بحمد الله تهافتها.","vol":"1","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>قول أهل السفور نتيجة حتمية لما هو الحاصل اليوم:</span>\nومن ذا يرضى أن تؤاكل ابنته أو زوجته أو أخته أجنبيًا عنها، هذا أقل ما يقال فيه أنه ديوث لا يبالي بأحكام الشرع أو لا يعرف أحكامه ومقاصده ومراميه، وهذه نتيجة حتمية لما يقوله اليوم دعاة السفور تشاهدها فيهم وفي غالب النساء السالكات لطريقتهم، من تساهلهم وانفلاتهم عن كثير من أحكام الشريعة الظاهرة والمُحكمة كالأمر لهن بلبس الجلابيب فوق الثياب، وشيئًا فشيئًا إلى وقوعهم في كثير من المنكرات الواضحات من كشفهن لمقدمة شعورهن والاختلاط بالرجال وغير ذلك على اختلاف درجاتها، وصار حجابهن أُلعوبة في أيدي مصممات الأزياء في بلاد الكفر يصممون للمرأة المسلمة حجابًا خاصًا لتسبح به بين الرجال وحجابًا لتلعب به كرة القدم وبقية الألعاب الرياضية كالجمباز وغيرها أمام ناظر الرجال وبحجة أنها غطت رأسها، وخرج منهن أخريات للشوارع بالبنطلونات والتنورات بحجة أنهن مغطيات لرؤوسهن بالحجاب الشرعي، وأحوال الكاشفات لوجوههن ومآلهن للأسوأ والضعف فتجدهن لا يشعرن بلذة الطاعة ولا بطمأنينة المسلمة ولهذا فأغلب الكاشفات لشعورهن عندما يهتدين لمثل هذا الحجاب فإنهن أسرع ما ينتكسن تدريجيًا ومن ثم يرمين بهذه الخرقة من فوق رؤوسهن، بعكس غالب المنقبات فمآلهن لحب الستر والتصون والطمأنينة والسكون، حتى أنه يُذكر عن إحدى الأخوات المصريات المنقبات عندما لبست قفازها وصادف أنه في أحد أصابعه قطع فظهر بنانها فقالت بلهجتها: أنه كلما ظهر بنانها تحسُ وكأنها تسير","vol":"1","page":432},{"text":"عارية، فانظر كيف أوصل الحجاب الشرعي المسلمة لمحبته ووجود السكينة والطمأنينة التي تشعر بها وتفرح لها مصداقا لقوله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن﴾ قال الإمام البغوي: (قرأ أهل المدينة وعاصم بفتح القاف (وقَرن) بمعنى اقررن أي الزمن بيوتكن، وقرأ الآخرون بكسرها (وقِرن) وهو أنه أمر من الوقار أي كن أهل وقار وسكون إذا سكن واطمأن) انتهى كلامه بتصرف.\nوالمعنيان حق وإعجاز، وهو أن يكون البيت هو الغالب من حال المسلمة، ليكون ذلك سببا لتنعم بالسكون والوقار والطمأنينة.\nولهذا والله لو سردنا أقوال أهل العلم في مثل تحريم النظر وما دونه لأطرقتَ حياء وخجلا مما يقوله أهل السفور اليوم عن مالك إمام دار الهجرة فضلا عن غيره، ولا حول ولا قوة إلا بالله:\n١ - قال في الثمر الدانى في تقريب المعاني شرح رسالة ابن أبى زيد القيرواني - مالكي-: (ومن فاتته صلاة العيد مع الإمام فيستحب له أن يصليها منفردا، وإذا خرجت المرأة إليها لا تلبس المشهور من الثياب وهو ما شأنه أن ترقب الناس له ولا تتطيب خوف الفتنة أي يحرم فعل ذلك إن كان الخوف ظنا، ويكره إن كان شكا والعجوزة وغيرها في هذا سواء) (١) انتهى.\n_________\n(١) الثمر الداني في تقريب المعاني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني للشيخ صالح عبد السميع الأزهر.","vol":"1","page":433},{"text":"وانظر قوله في ثيابها (ترقب الناس له) هل يلتفت لهذا ويقوله من يعتقد أن المرأة تخرج كاشفة عن وجهها فضلًا عن أن تأكل معهم (ولا تتطيب خوف الفتنة أي يحرم) (والعجوزة وغيرها في هذا سواء).\n٢ - وقال أيضًا في الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني المالكي: (تنبيهات):\n(الأول: ما ذكره المصنف إنما هو في حق العاطس الرجل المسلم والمرأة المَحَرمُ أو الأجنبية المتجالَّة (١) أو ما في معناها مما لا تميل إليها النفوس، وأما الشابة التي يخشى منها الفتنة إذا سمعها الرجل الأجنبي تعطس وسمع حمدها فلا يشمتها كما لا يرد سلامها) انتهى.\nقوله (إذا سمعها الرجل الأجنبي) لم يقل إذا رآها، فلم يكونوا يتصورون شيئا اسمه سفور وكشف للمرأة وجهها بين الرجال.\n٣ - وقال في حاشية الطحاوي على المراقي - حنفي - (كتاب الحج): (وفي الفتاوى: الغلام إذا كان صبيح الوجه لا يخرجه الأب من بيته وإن كان بالغًا، كما لا يخرج بنته لأن البنت يشتهيها الرجال فقط والأمرد إن كان صبيح الوجه يشتهيه الرجال والنساء معًا فالفتنة فيه من الجانبين).\n٤ - وقال أيضًا في حاشية الطحاوي على المراقي - حنفي -\nفصل: في كيفية ترتيب أفعال الحج عند كلامه على التلبية: (قوله: ولا ترفع صوتها بل تسمع نفسها للفتنة) انتهى.\nوهم يريدونها تجلس مع الرجل تحرك فمها وتؤاكله وتباشره وتحادثه!\n_________\n(١) المتجالة: الكبيرة في السن.","vol":"1","page":434},{"text":"٥ - وقال في شرح مختصر خليل للخرشي - مالكي - عند كلامه على الإحرام: (وكذلك يسن له أن يتوسط في التلبية فلا يكثرها جدًا حتى يلحقه الضجر ولا يتركها جدا حتى يفوت المقصود منها وهو الشعيرة وهذا في حق الرجل وأما المرأة فإنها تسمع نفسها؛ لأن صوتها عورة يخاف منه الفتنة).\nثم يقولون أن شيخ المذهب يقول بمؤكلة المرأة للاجنبي عنها.\n٦ - وقال في بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع - حنفي - (فصل): وأما بيان شرائط الجمعة: (وأما المرأة فلأنها مشغولة بخدمة الزوج ممنوعة عن الخروج إلى محافل الرجال لكون الخروج سببا للفتنة؛ ولهذا لا جماعة عليهن ولا جمعة عليهن أيضا) انتهى.\n٧ - وقال في تحفة الفقهاء - حنفي - \"كتاب أدب القاض\"\n(وينبغي أن يقدم الرجال على حدة، والنساء على حدة، الأول فالأول. ولا يخلط النساء بالرجال لأنه سبب للفتنة) انتهى.\n٨ - وكذلك قال في المبسوط - حنفي - \"كتاب أدب القاضي\"\n(قال وينبغي للقاضي أن يقدم النساء على حدة والرجال على حدة؛ لأن الناس يزدحمون في مجلسه، وفي اختلاط النساء مع الرجال عند الزحمة من الفتنة والقبح ما لا يخفى ولكن هذا في خصومة يكون بين النساء فأما الخصومة التي تكون بين الرجال والنساء لا يجد بدا من أن يقدمهن مع الرجال وأن يجعل لكل فريق يوما على قدر ما يرى من كثرة الخصوم فلا بأس بذلك؛ لأنه إذا تركهم يزدحمون على بابه وربما","vol":"1","page":435},{"text":"يقتتلون على ذلك وفيه من الفتنة ما لا يخفى فيجعل ذلك مناوبة بينهم بالأيام ليعرف كل واحد يوم نوبته فيحضر عند ذلك) انتهى.\nولا أدري كيف يكون الرجال على حدة، وأهل السفور ينسبون لهم أنهم قالوا بجواز مؤكلة الرجال الأجانب للمرأة، فكم بينهم من البون الشاسع؟ .\n\n٩ - تحفة المحتاج لشرح المنهاج للإمام النووي - شافعي - ... \"كتاب النكاح\" (قال السبكي وعند نكاحها لا بد أن يعرفها الشاهدان بالنسب، أو يكشف وجهها، لأن التحمل عند النكاح منزل منزلة الأداء. ا. هـ. وفي ذلك بَسطٌ ذَكرته في الفتاوى ويأتي بعضه، ولو عرفها الشاهدان في النقاب لم يحتج للكشف فعليه يحرُم الكشف حينئذ إذ لا حاجة إليه ومتى خشي فتنة أو شهوة لم ينظر إلا إن تعين قال السبكي ومع ذلك يأثم بالشهوة وإن أثيب على التحمل; لأنه فعل ذو وجهين وقال بعضهم: ينبغي الحل مطلقا; لأن الشهوة أمر طبيعي لا ينفك عن النظر فلا يكلف الشاهد بإزالتها ولا يؤاخذ بها كما لا يؤاخذ الزوج بميل قلبه لبعض نسوته والحاكم بميل قلبه لبعض الخصوم ... فلا يجوز أن يجاوز ما يحتاج إليه; لأن ما حل لضرورة يقدر بقدرها ومن ثم قال الماوردي: لو عرفها الشاهد بنظرة لم تجز ثانية أو برؤية بعض وجهها لم يجز له رؤية كله) انتهى.","vol":"1","page":436},{"text":"١٠ - وقال أيضا في تحفة المحتاج لشرح المنهاج - شافعي - ... \" كتاب النكاح\") تنبيه كل ما حرُم نظره منه أو منها متصلا حرم نظره منفصلا (قوله كقلامة يد أو رجل) ... وقياس وجوب مواراة قلامة ظفر قدم المرأة لحرمة النظر إليه، وجوب مواراة قلامة ظفر الرجل لحرمة نظر المرأة إليها، قال في الأنوار ولو أبين شعر الأمة أو ظفرها ثم عتقت لم يحرم النظر إليه، لأن العتق لا يتعدى إلى المنفصل. ا. هـ. وهو مبني على أن الأمة لا يحرم النظر إليها إلا بين السرة والركبة منها، وهو ما جزم به قبل، قال وقيل هي كالحرة) انتهى.\nوقوله (كالحرة) وهذا مذهب ابن حزم والنووي وأبو حيان المفسر وهو عدم التفريق بين الحرة والأمة في وجوب لبس الجلابيب وستر الوجوه.\n\n١١ - وقال في البحر الرائق شرح كنز الدقائق - حنفي -\n\"باب شروط الصلاة\": (وكل عضو هو عورة من المرأة إذا انفصل منها هل يجوز النظر إليه فيه روايتان إحداهما يجوز كما يجوز النظر إلى ريقها ودمعها والثانية لا يجوز وهو الأصح) انتهى.\n١٢ - وقال في حاشية الطحاوي على المراقي - حنفي -\n(قوله: أن صوتها عورة هو ما في النوازل وجرى عليه في المحيط والكافي حيث علَّلا عدم جهرها بالتلبية بأن صوتها عورة قال في الفتح: وعلى هذا لو قيل إذا جهرت بالقراءة في الصلاة فسدت كان متجهًا لكن قال ابن أمير حاج: الأشبه أنه ليس بعورة وإنما يؤدي إلى الفتنة واعتمده في النهر أفاده السيد، وظاهر هذا أن الخلاف في الجهر","vol":"1","page":437},{"text":"بالصوت فقط لا في تمطيطه وتليينه وهو ينافي ما قاله المصنف ونقله المقدسي عن أبي العباس القرطبي في كتابه في السماع (١). ونصه: ولا يظن من لا فطنة له أنّا إذا قلنا صوت المرأة عورة أنّا نريد بذلك كلامها لأن ذلك ليس بصحيح فإنا نجيز الكلام من النساء الأجانب ومحأورتهن عند الحاجة إلى ذلك ولا نجيز لهن رفع أصواتهن ولا تمطيطها ولا تليينها وتقطيعها لما في ذلك من استمالة الرجال إليهن وتحريك الشهوات منهن ومن هذا لم يجز أن تؤذن المرأة) (٢) انتهى.\n١٣ - وقال البخاري في صحيحه عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال. قال: كيف تَمنعهن وقد طاف نساء النبي - ﷺ - مع الرجال؟ قلت: أبعد الحجاب أو قبل؟ قال: أي لعمري. لقد أدركته بعد الحجاب. قلت: كيف يُخالِطن الرجال؟ قال: لم يكن يخالطن، كانت عائشة ﵂ تطوف حَجْرة (٣) من الرجال ...\n_________\n(١) هذا القرطبي هو أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي (ت: ٦٥٦ هـ) له عدة مؤلفات منها: \"المفهم في شرح ما أشكل من تلخيص كتاب مسلم\" و\"كشف القناع عن حكم مسائل الوجد والسماع\" وكتاب \"الأعلام بما في دين النصارى من الأوهام\"، وهو غير القرطبي صاحب التفسير، نزيل مصر: محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح (ت: ٦٧١ هـ) فالأول شيخ القرطبي المفسر كما صرح هو بذلك في عدد من كتبه. انظر مثلًا: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٩٥) (٤/ ١٣) (٥/ ٤٤) (٦/ ٢٩٥) (١٤/ ٢٢٩) والتذكرة صـ (١٢٠/ ١٩١/٢٣٦/ ٣٧٧/٤٢١/ ٦٤٤) والمهم أن نفهم مقصدهم عندما قالوا: أن صوت المرأة عورة.\n(٢) حاشية الطحاوي على المراقي \"باب شروط الصلاة\" (فصل في متعلقات الشروط).\n(٣) ومعنى (حَجْرَة) أي ناحية. يعني أنها لا تُزاحم الرجال في الطواف.","vol":"1","page":438},{"text":"لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين قالت: عنكِ وأَبَتْ) (١) انتهى.\nفأين أنتِ يا أمنا ترين ما يقوله اليوم البعض من جواز اختلاط النساء بالرجال بل ومؤاكلة الرجال لهن؟ .\n١٤ - قال الحافظ في الفتح: (وظاهر هذا أن ابن هشام أول من منع ذلك لكن روى الفاكهي من طريق زائدة عن إبراهيم النخعي قال: نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء قال: فرأى رجلا معهن فضربه بالدرة) انتهى.\n١٥ - ولما دخلت مولاة لعائشة قالت لها: يا أم المؤمنين طفت بالبيت سبعا واستلمت الركن مرتين أو ثلاثا، فقالت لها عائشة ﵂: لا آجرك الله لا آجرك الله، تُدافعين الرجال؟ ألا كبّرتِ ومَررتِ) رواه الشافعي والبيهقي.\nأين أنت يا أمنا ترين ما يقوله اليوم البعض من اختلاط النساء بل ومؤاكلة الرجال لهن؟ .\n١٦ - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ): (لا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة) (٢).\n_________\n(١) أبَتْ: أي رفضت وامتنعت أن تُزاحم الرجال لِتستلم الحجَر أو الرُّكن.\n(٢) \"الطرق الحكمية\" (ص ٣٢٦).","vol":"1","page":439},{"text":"١٧ - وقال في روضة الطالبين للنووي الشافعي: فصل: كل عمل جاز الاستئجار عليه جاز جعله صداقا: (أصدقها تعلُّم سورة فعلمها ثم طلقها إن كان بعد الدخول فذاك وإلا فيرجع عليها بنصف أجرة التعليم وإن طلقها قبل التعليم فقد استحقت جميع التعليم إن دخل وإلا فتعليم النصف وفيه وجهان أحدهما يعلمها وراء حجاب بغير خلوة وأصحهما وهو المنصوص في المختصر أنه قد تعذر التعليم لأنها قد صارت أجنبية ولا تؤمن مفسدة فعلى هذا ترجع بمهر المثل على الأظهر إن دخل وإلا فنصفه وعلى الآخر ترجع بأجرة التعليم أو نصفها) انتهى.\n١٨ - قال الشيخ علي الطنطاوي: (أما الجانبُ الآخر من المصيبة الذي وقفتُ في آخر الحلقة الماضية عنده فهو نزعُ حجابِ البنات والسعي الدائب لاختلاط الشبان بالشابات ... هذا هو باب الشهوات وهو أخطرُ الأبواب عرف ذلك خصوم الإسلام فاستغلوه وأول هذا الطريق هو الاختلاط) (١).\n١٩ - قال في المبسوط - باب النفقة -: (وبالنساء عجز ظاهر عن الاكتساب وفي أمرها بالاكتساب فتنة؛ فإن المرأة إذا أُمرت بالاكتساب اكتسبت بفرجها، فإذا لم يكن لها زوج فهي بمنزلة الصغيرة ونفقتها في صغرها على الوالد لحاجتها، فكذلك بعد بلوغها ما لم تتزوج) (٢).\n_________\n(١) ذكريات الشيخ علي الطنطاوي (٥/ ٢٦٨) وفيه كلام مجرب غيور يطول بنا نقله.\n(٢) وقصده أن المرأة لو تحملت مسئولية نفسها كما هو النظام الغربي فلن يجد بعضهن من يعينها على نفقة نفسها ومن معها فقد تذهب للحرام وإحصائيات التحرش بالعاملات المختلطات لا تحصى وهذا بخلاف عملها بعيدًا عن الرجال وفي مكان يحتاجه فيه بنات جنسها.","vol":"1","page":440},{"text":"٢٠ - وعن مالك بن ربيعة ﵁: (أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله - ﷺ - للنساء: استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن (١) الطريق، عليكن بحافات الطريق، فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به) أخرجه أبو دأود (٢).\n٢١ - وعن نافع عن ابن عمر ﵄: (أن رسول الله - ﷺ - قال: لو تركنا هذا الباب للنساء. قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات) (٣) أخرجه أبو دأود.\n٢٢ - وكان عمر ﵁: (ينهى أن يدخل المسجد من باب النساء) أخرجه أبو دأود، وهو مما يتقوى بما قبله.\n٢٣ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: (كان رسول الله - ﷺ - إذا سلم مكث قليلا، وكانوا يرون أن ذلك كيما ينفذ النساء قبل الرجال. قال ابن شهاب ﵀: فنرى - والله أعلم - لكي ينفذ من ينصرف من النساء قبل أن يدركهن من انصرف من القوم) أخرجه البخاري.\nفهل هذا معناه أنهم يختلطون؟ سبحان الله وأهل السفور يريدون كشف الوجه ثم مخالطة االنساء بالرجال ثم مواعدتهن للأكل سويا.\n٢٤ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: (كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله - ﷺ -) أخرجه البخاري.\n_________\n(١) أي لا تسرن في وسط الطريق.\n(٢) وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم: (٤٣٩٢).\n(٣) قال الألباني في صحيح أبي داود برقم (٥٧١): (صحيح على شرط الشيخين).","vol":"1","page":441},{"text":"٢٥ - وقال عطاء أشهد على ابن عباس: (أن النبي - ﷺ - خرج ومعه بلال فظن أنه لم يُسمع النساء فوعظهن وأمرهن بالصدقة فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم والشيء وبلال يأخذ في طرف ثوبه) (١).\nولا أدري كيف (ظن أنه لم يسمع النساء)؟ أو كما جاء في بعض الروايات (حتى أتى النساء مع بلال) هل هذا يدل على أنهن مختلطات بالرجال كما يريدهم أهل السفور اليوم أم على ماذا تدل هذه؟ .\n٢٦ - فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (جاءت امرأة إلى رسول الله - ﷺ - فقالت يارسول الله ذهب الرجال بحديثك - وفي رواية - قال النساء للنبي - ﷺ - غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله فقال - ﷺ - اجتمعن في يوم كذا وكذا في مكان كذا فاجتمعن فأتاهن فعلمهن مما علمه الله) رواه البخاري.\nولنا أن نتساءل لماذا لم يطالبن رسول الله - ﷺ - بحضور مجالس الرجال بدل أن يجعل لهن يومًا يجتمعن فيه؟ أتراهن رأين ذلك مباحًا أو ممكنًا فلم يطلبوه؟ .\n٢٧ - وقال تعالى: ﴿ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ماخطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير﴾ [القصص: ٢٣].\n_________\n(١) متفق عليه.","vol":"1","page":442},{"text":"٢٨ - قال العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ بعد سرده لبعض الأدلة السابقة: (ولا يدخل في ذلك ما تدعو إليه الضرورة وتشتد الحاجة إليه ويكون في مواضع العبادة كما يقع في الحرم المكي والحرم المدني، نسأل الله تعالى أن يهدي ضال المسلمين وأن يزيد المهتدي منهم هدى وأن يوفق ولاتهم لفعل الخيرات وترك المنكرات والأخذ على أيدي السفهاء إنه سميع قريب مجيب وصلى الله على محمد وآله) (١).\nوغير ذلك كثير مما لا يمكن حصره.\nأفيقال بعد ذلك أن مالكًا عالم المدينة وتلميذ الصحابة وإمام من بعده من الأئمة يقول بمخالطة الأجنبيات ومؤاكلتهن بالمعنى الذي يريده أهل السفور اليوم، وهو قد روي عنه منع الأجنبي من مجرد النظر لمخطوبته أو لمن أراد أن يبايعهن من النساء! .\nألم أقل لك لأطرقتَ حياء وخجلا مما يقوله البعض عن مالك إمام دار الهجرة فضلا عن غيره، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n_________\n(١) رسالة مشهورة في تحريم الاختلاط للعلامة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀.","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>منهج الإمام ابن حزم الظاهري في مسالة الحجاب وما لحقه من تحريف وتبديل وتصحيف</span>\nقال ابن حزم الظاهري \"بقية كتاب النكاح\"\n(مسألة: وَمَنْ أراد أن يَتَزَوَّجَ امرأة حُرَّةً أو أمةً فَلَهُ أن يَنْظُرَ مِنْهَا مُتَغَفِّلًا لَهَا وَغَيْرَ مُتَغَفِّلٍ إلى مَا بَطن مِنْهَا وَظَهَرَ، وَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي أمةٍ يُرِيدُ شِرَاءَهَا. وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أن يَنْظُرَ مِنْهَا إلا إلى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَقَطْ، لَكِنْ يَأمر امرأة تَنْظُرُ إلى جَمِيعِ جِسْمِهَا وَتُخْبِرُهُ.\nبرهان ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أبصارهم وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ فَافْتَرَضَ اللَّهُ ﷿ غَضَّ الْبَصَرِ جُمْلَةً كَمَا افْتَرَضَ حِفْظَ الْفَرْجِ، فَهُوَ عُمُومٌ لاَ يَجُوزُ أن يُخَصَّ مِنْهُ إلا مَا خَصَّهُ نَصٌّ صَحِيحٌ وَقَدْ خَصَّ النَّصُّ نَظَرَ مَنْ أراد الزَّوَاجَ فَقَط.\n- وقال بعده أيضا -\nمسألة: وَلاَ يَحِلُّ لأحد أن يَنْظُرَ مِنْ أجنبيةٍ لا يُرِيدُ زَوَاجَهَا أو شِرَاءَهَا إن كانت أمةً لِتَلَذُّذٍ إلا لِضَرُورَةٍ.\nفإن نَظَرَ فِي الزِّنَا إلى الْفَرْجَيْنِ لِيَشْهَدَ بِذَلِكَ فَمُبَاحٌ لَهُ؛ لأنهُ مَأمورٌ بِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ، قَالَ ﷿: ﴿كُونُوا قَوَّامينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ وَلاَ سَبِيلَ لَهُمْ إلى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَا إلا بِصِحَّةِ النَّظَرِ إلى الْفَرْجَيْنِ وَالتَّثَبُّتِ فِي ذَلِكَ، وَأما فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَالْوَجْهُ وَالكفان كَمَا قَدَّمْنَا آنفا عِنْدَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا أو لَهَا أو مِنْهَا.","vol":"1","page":444},{"text":"برهان ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ...﴾ الآيَةَ. فَذَكَرَ اللَّهُ ﷿ فِي هَذِهِ الآيَةِ: زِينَتَهُنَّ زِينَةً ظَاهِرَةً تُبْدَى لِكُلِّ أَحَدٍ وَهِيَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَقَطْ، وَزِينَةً بَاطِنَةً حَرَّمَ ﷿ إبْدَاءَهَا إِلاَّ لِمَنْ ذَكَرَ فِي الآيَةِ ... وَقَدْ أوضَحْنَا فِي \" كِتَابِ الصَّلاَةِ \" أن المرأة كُلَّهَا عَوْرَةٌ إلا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ فَحُكْمُ الْعَوْرَةِ سَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا) انتهى كلام ابن حزم ﵀.\nوقوله: (فَحُكْمُ الْعَوْرَةِ سَوَاءٌ) قصده أي في الصلاة وخارج الصلاة فيجوز للأجنبي النظر إليه، وأنت ترى أنه لم يعد الوجه والكفين من العورة وهو نفس الاستنتاج الذي قال به من حدد القدر مما ينكشف من المرأة حال الضرورة والصلاة وهم كثير من المفسرين والفقهاء، وإن كانت استدلالات أولئك أكثرها قياسية، بعكسه هو فإنه لا يأخذ به، ولهذا ذكر حديث الخثعمية مرة أخرى في المُحَلى من - كتاب الصلاة - وقال إنها كانت كاشفة لوجهها: (فَلَوْ كان الْوَجْهُ عَوْرَةً يَلْزَمُ سَتْرُهُ لَمَا أَقَرَّهَا ﵇ عَلَى كَشْفِهِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ وَلأمرها أن تُسْبِلَ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقٍ، وَلَوْ كان وَجْهُهَا مُغَطًّى مَا عَرَفَ ابن عَبَّاسٍ أحَسْنَاءُ هِيَ أم شَوْهَاءُ فَصَحَّ كُلُّ مَا قُلْنَاهُ يَقِينًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرا).\nولأنه ظاهري يريد أن يستدل بهما على أن الوجه والكفين ليسا بعورة في الصلاة ولا عند الحاجة فيجوز ظهورهما في هذين الحالين للخاطب والشاهد وغيرهم، وقد ثبت معنا مما تقدم أنه وإن جاء عن بعض أهل العلم ممن مر بحديث الخثعمية واستنتج أنها كانت كاشفة عن وجهها،","vol":"1","page":445},{"text":"فكان لفهمهم أن ذلك لسبب مبيح، وهو عرضها من أبيها رجاء أن يتزوجها رسول الله - ﷺ - ولم يفهموا أو يقولوا أن ذلك دليل على جواز أن تخرج المرأة سافرة بين الرجال أو أن النساء في عهده - ﷺ - كن يخرجن مكشوفات الوجوه سافرات أو نحو ذلك من العبارات المحدثة مما يقوله اليوم ويبثه أهل السفور، وإنما قالوا ليس بعورة، فلا (يَلْزَمُ سَتْرُهُ) على كل حال كما هو الحال في حق أمهات المؤمنين ولكن عند الحاجة من خاطب وشهادة فيجوز.\nولهذا قال ابن حزم في \"كتاب النكاح\" أيضًا: (إلا أنهُ لاَ يَحِلُّ لأحد أن يَتَعَمَّدَ النَّظَرَ إلى شَيْءٍ مِنْ امرأة لاَ يَحِلُّ لَهُ: لاَ الْوَجْهَ، وَلاَ غَيْرَهُ إلا لِقِصَّةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، لاَ يُقْصَدُ مِنْهَا مُنْكَرٌ بِقَلْبٍ أو بِعَيْنٍ) انتهى.\nوهو ما يعبر عنه غيره بأمن الشهوة والفتنة، بالإضافة لما سبق وذكرناه عنه أولًا والأقوال في مثل ذلك لا تحصى ولا تستقصى.\nثم يفهمون من بعض كلام ابن حزم في المُحَلى من \"كتاب الصلاة\" وهو يتكلم عن عورة المرأة في الصلاة وخارجها ما يدلل على كونهما ليسا بعورة وإباحة كشفهما عند الحاجة والصلاة (وَأما المرأة فإن اللَّهَ تعالى يَقُولُ: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخمرهن عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بأرجلهن لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ فَأمرهن اللَّهُ تعالى بِالضَّرْبِ بِالخمار عَلَى الْجُيُوبِ وَهَذَا نَصٌّ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالْعُنُقِ وَالصَّدْرِ، وَفِيهِ نَصٌّ عَلَى إباحة كَشْفِ الْوَجْهِ","vol":"1","page":446},{"text":"لاَ يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ أصلًا) انتهى كلام ابن حزم من \"كتاب الصلاة\". وهو يتكلم في عورة المرأة في الصلاة.\nوهكذا غيرهم من الأئمة الذين ينقلون أقوالهم مبتورة خارج سياقها العام أو لعدم معرفتهم بطريقة ومنهج كل مذهب بدليل أنهم لا يهتمون ولا يبالون بتعارضها مع أقوالهم الأخرى أو بالجمع بينها، ثم يفهمونها من نوع الفهم الذي قالوه وأفسدوا على الناس الحياء والدين.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>نَقلُ أهل السفور هجوم ابن حزم على من فرق بين الأَمة والحرة في لبسهن للجلابيب في الصلاة وخارجها:</span>\nحيث قال جمهور العلماء على أن عورة الأمة في الصلاة وخارجها غير عورة الحرة في الصلاة وخارجها، فالأمة في الصلاة وخارجها عند عامة أهل العلم يجوز لها أن تصلي وتخرج مكشوفة الرأس، ولهذا اعترض عليهم ابن حزم بشدة في \"كتاب الصلاة\" فقال: (وَأما الْفَرْقُ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالأمة فَدِينُ اللَّهِ تعالى واحد وَالخلقةُ وَالطَّبِيعَةُ واحدة، كُلُّ ذَلِكَ فِي الْحَرَائِرِ وَالإماء سَوَاءٌ حَتَّى يأتي نَصٌّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي شَيْءٍ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ. فإن قيل: أن قَوْلَ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أو ابَائِهِنَّ﴾ يَدُلُّ عَلَى أنهُ تعالى أراد الْحَرَائِرَ.\nفَقُلْنَا: هَذَا هُوَ الْكَذِبُ بِلاَ شَكٍّ لأن الْبَعْلَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: السَّيِّدُ وَالزَّوْجُ وَأيضا فَالأمة قَدْ تَتَزَوَّجُ؛ وَمَا عَلِمْنَا قَطُّ أن الإماء لاَ يَكُونُ لَهُنَّ: أبناء وَآبَاءٌ وَأخْوَالٌ وَأَعْمَام كَمَا لِلْحَرَائِرِ.","vol":"1","page":447},{"text":"وَقَد ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ وَهَلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن ذَلِكَ اَدْنَى أن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، إلى أنهُ إنمَا أمر اللَّهُ تعالى بِذَلِكَ لأن الْفُسَّاقَ كانوا يَتَعَرَّضُونَ لِلنِّسَاءِ لِلْفِسْقِ فَأمر الْحَرَائِرَ بِأن يَلْبَسْنَ الجلابيب لِيَعْرِفَ الْفُسَّاقُ أنهُنَّ حَرَائِرُ فَلاَ يَعْتَرِضُوهُنَّ.\nقَالَ عَلِيٌّ: وَنَحْنُ نَبْرَأ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ الْفَاسِدِ الَّذِي هُوَ: إما زَلَّةُ عَالم وَوَهْلَةُ فَاضِلٍ عَاقِلٍ أو افْتِرَاءُ كَاذبٍ فَاسِقٍ؛ لأن فِيهِ أن اللَّهَ تعالى أطْلَقَ الْفُسَّاقَ عَلَى أَعْرَاضِ إماءِ المسلمين وَهَذِهِ مُصِيبَةُ الأبدِ وَمَا اختلف اثْنَان مِنْ أهل الإسلام فِي أن تَحْرِيمَ الزِّنَا بِالْحُرَّةِ كَتَحْرِيمِهِ بالأمة وَأن الْحَدَّ عَلَى الزَّاني بِالْحُرَّةِ كَالْحَدِّ عَلَى الزَّاني بالأمة وَلاَ فَرْقَ، وَأن تَعَرُّضَ الْحُرَّةِ فِي التَّحْرِيمِ كَتَعَرُّضِ الأمة وَلاَ فَرْقَ وَلِهَذَا وَشِبْهِهِ وَجَبَ أن لاَ يُقْبَلَ قَوْلُ أحد بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ إلا بِأن يُسْنِدَهُ إليه ﵇.\nحدثنا - ثم ساق بالسند - عَنْ عَائِشَةَ أم المؤمنين أن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاَةَ حَائِضٍ إلا بِخِمَارٍ.","vol":"1","page":448},{"text":"قَالَ عَلِيٌّ: وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أبي بَكْرٍ عَنْ أمهِ أنهَا سَاَلَتْ أم سَلَمَةَ أم المؤمنين: فِي كَمْ تُصَلِّي المرأة. قَالَتْ: فِي الدِّرْعِ السَّابِغِ الَّذِي يُوَارِي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا وَفِي الخمار.\nقَالَ عَلِيٌّ: لَمْ يَخْفَ عَلَيْنَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ فِي خِلاَفِ هَذَا وَعَنْ غَيْرِهِ (١) وَلَكِنْ لاَ حُجَّةَ فِي أحد دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَإذا تَنَازَعَ السَّلَفُ ﵃ وَجَبَ الرَّدُّ إلى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تعالى الرَّدَّ إليه: مِنْ القرآن وَالسُّنَّةِ؛ وَلَيْسَ فِي القرآن وَلاَ فِي السُّنَّةِ: فَرْقٌ فِي الصَّلاَةِ بَيْنَ حُرَّةٍ، وَلاَ أمةٍ ... فإن قَالُوا: قَدْ جَاءَ الْفَرْقُ فِي الْحُدُودِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالأمة.\nقلنا: نَعَمْ وَبَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فَلِمَ سَاويْتُمْ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِيمَا هُوَ مِنْهُمَا عَوْرَةٌ فِي الصَّلاَةِ وَفَرَّقْتُمْ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالأمة فِيمَا هُوَ مِنْهُمَا عَوْرَةٌ فِي الصَّلاَةِ، وَقَدْ صَحَّ الإجماع وَالنَّصُّ عَلَى وُجُوبِ الصَّلاَةِ عَلَى الأمة كَوُجُوبِهَا عَلَى الْحُرَّةِ فِي جَمِيعِ أحكامهَا مِنْ الطَّهَارَةِ وَالْقِبْلَةِ وَعَدَدِ الرُّكُوعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَمِنْ أينَ وَقَعَ لَكُمْ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي الْعَوْرَةِ وَهُمْ أصحاب قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ؟ وَهَذَا مِقْدَارُ قِيَاسِهِمْ الَّذِي لاَ شَيْءَ أسْقَطَ منه وَلاَ أشَدَّ تَخَاذلًا، فَلاَ النَّصَّ اتَّبَعُوا وَلاَ الْقِيَاسَ عَرَفُوا وَبِاَللَّهِ تعالى التَّوْفِيقُ) انتهى كلام ابن حزم.\n_________\n(١) يقصد من مثل ما نقله الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير (٤٦٩) \"باب شروط الصلاة\": (حديث عمر: أنه رأى أمة سترت وجهها فمنعها من ذلك وقال: أتتشبهين بالحرائر؟ البيهقي من طريق صفية بنت أبي عبيد قالت: خرجت أمة مختمرة متجلببة، فقال عمر: من هذه المرأة؟ فقيل: جارية بني فلان، فأرسل إلى حفصة، فقال: ما حملك على أن تخمري هذه المرأة، وتجلببيها وتشبهيها بالمحصنات حتى هممت أن أقع بها، لا أحسبها إلا من المحصنات؟ لا تشبهوا الإماء بالمحصنات) انتهى. وقد روي بعدة طرق وروايات مر بعضها معنا عند تفسير آية الإدناء، قال الألباني في الإرواء (٦/ ٢٠٣): (هذا سند على شرط مسلم) انتهى. وقال في نصب الراية (٤/ ٣١٨): (قال البَيهقي: والآثَار بذلكَ عَنْ عُمَرَ صَحِيحَةٌ).","vol":"1","page":449},{"text":"وأنت ترى أن اعتراضه على من فرق بين الحرة والأمة في لبس الجلابيب في الصلاة وخارجها ولهذا اعترض على من قال أن سبب نزول قوله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ هو أن الجلابيب للحرائر وليست للإماء.\nفهل في هذا أن النقاب وستر الوجه ليس على المسلمات كما هو الإجماع الذي مر معنا؟ وابن حزم يقصد أنه لا دليل على وجود فرق في وجوب الستر بالجلابيب لهن جميعا حرائر وإماء، وإن زاد هو هنا فأدخل الإماء في وجوب سترهن للوجوه كالحرائر، وزاد في الصلاة خلافا للجمهور أن لا يبدو من الأمة إلا وجهها وكفيها كما هو الاتفاق في صلاة الحرة.\nفكيف لدعاة السفور أن يستدلُوا بمثل هذا الكلام فينقلوا كلام ابن حزم للعوام وكأنه يؤيد مذهب السفور؟ أو وكأنه ينقض الإجماع على آية الإدناء؟ وكأن هجومه السابق على من يقولون بفرض ستر المرأة لوجهها؟ .\nهذه مغالطة كبيرة ونوع من أنواع التدليس على العباد، أليس كلامه الذي نقلوه عنه هو في اعتراضه على من لم يوجب على الإماء لبس الجلابيب كالحرائر، سواء في الصلاة أو خارجها؟ فلماذا إذا ينقلون هذا المقطع من كلام ابن حزم بالذات؟ .\nوقد ذهب جمع من الأئمة لمثل ما ذهب إليه ابن حزم من وجوب ستر","vol":"1","page":450},{"text":"الوجه على الإماء ومنهم:\n- الإمام أبو حيّان الأندلسي - ﵀ - في تفسيره المحيط حيث قال: (والظاهر أن قوله: ﴿ونساء المؤمنين﴾ يشمل الحرائرَ والإماء والفتنة بالإماء أكثر لكثرةِ تصرفهن بخلاف الحرائر فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح) انتهى.\nوسبق لنا أن نقلنا قوله مطولا عند تفسيره للآية.\n- والنووي كما قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير: (فائدة: اختار النووي أن الأمة كالحرة في تحريم النظر إليها لكن يعكر عليه ما في الصحيحين في قصة صفية فقلنا: إن حجبها فهي زوجته وإن لم يحجبها فهي أم ولد كذا اعترضه ابن الرفعة، وتعقب بأنه يدل على أن الأمة تخالف الحرة فيما تبديه أكثر مما تبديه الحرة، وليس فيه دلالة على جواز النظر إليها مطلقا) (١) انتهى.\nوقال بنوع من التفصيل القريب من هذا بعض أهل العلم فقد نقل عن الإمام أحمد قال ابن قدامة ﵀: (فصل: والأمة يباح النظر منها إلى ما يظهر غالبًا كالوجه والرأس ... قال أحمد في الأمة إذا كانت جميلة: تنتقب ولا ينظر إلى المملوكة، كم من نظرة ألقت في قلب صاحبها البلابل) انتهى.\nوقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: (وكذلك الأمة إذا كان يخاف بها الفتنة كان عليها أن ترخي من جلبابها وتحتجب،\n_________\n(١) تلخيص الحبير (٣/ ٣١٢).","vol":"1","page":451},{"text":"ووجب غض البصر عنها ومنها ... وليس في الكتاب والسنة إباحة النظر إلى عامة الإماء ولا ترك احتجابهن وإبداء زينتهن، ولكن القرآن لم يأمرهن بما أمر الحرائر والسنة فرقت بالفعل بينهن وبين الحرائر ولم تفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام بل كانت عادة المؤمنين أن تحتجب منهم الحرائر دون الإماء واستثنى القرآن من النساء الحرائر القواعد فلم يجعل عليهن احتجابا واستثنى بعض الرجال وهم غير أولي الإربة فلم يمنع من إبداء الزينة الخفية لهم لعدم الشهوة في هؤلاء وهؤلاء، فأن يستثنى بعض الإماء أولى وأحرى وهن من كانت الشهوة والفتنة حاصلة بترك احتجابها وإبداء زينتها) (١) انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>وقال ابن القيم: - فصل: الفرق بين النظر إلى الحرة والأمة </span>-\n(وأما تحريم النظر إلى العجوز الحرة الشوهاء القبيحة وإباحته إلى الأمة البارعة الجمال فكذب على الشارع فأين حرم الله هذا وأباح هذا والله سبحانه إنما قال: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ ولم يطلق الله ورسوله للأعين النظر إلى الإماء البارعات الجمال وإذا خشي الفتنة بالنظر إلى الأمة حرم عليه بلا ريب، وإنما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك لكن هذا في إماء الاستخدام والابتذال وأما إماء التسري اللاتي جرت العادة بصونهن وحجبهن، فأين الله ورسوله لهن أن يكشفن وجوههن في الأسواق والطرقات ومجامع الناس وأذن للرجال\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن تيمية، تفسير سورة النور (٣٧٣/ ١٥).","vol":"1","page":452},{"text":"في التمتع بالنظر إليهن فهذا غلط محض على الشريعة وأكد هذا الغلط أن بعض الفقهاء سمع قولهم إن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها وعورة الأمة ما لا يظهر غالبا كالبطن والظهر والساق فظن أن ما يظهر غالبا حكمه حكم وجه الرجل وهذا إنما هو في الصلاة لا في النظر فإن العورة عورتان: عورة في النظر وعورة في الصلاة فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك والله أعلم) (١) انتهى.\nوغيرهم كثير وبمثل هذا وغيره كان اعتراض ابن حزم كما هو أمامنا على من قال أن سبب نزول آية الإدناء: (أنمَا أمر اللَّهُ تعالى بِذَلِكَ لأن الْفُسَّاقَ كانوا يَتَعَرَّضُونَ لِلنِّسَاءِ لِلْفِسْقِ؛ فَأمر الْحَرَائِرَ بِأن يَلْبَسْنَ الجلابيب .. لأن فِيهِ أن اللَّهَ تعالى أطْلَقَ الْفُسَّاقَ عَلَى أعْرَاضِ إماءِ المسلمين، وَهَذِهِ مُصِيبَةُ الأبدِ).\nوهذا كما هو ظاهر أنه رد على أولئك الذين فرقوا بينهما كما قلنا وهو خارج عن موضع النزاع الذي بيننا اليوم، فإن كان ابن حزم قد خالف المفسرين والفقهاء حين فرقوا بين الأمة والحرة في عورة الصلاة والحجاب وحين ذكروا أحد الأسباب في نزول الآية كما مر معنا والحق أنه لم يكن هذا هو السبب الأوحد الذي ذكروه في سبب نزولها حيث ذكروا أيضا حديثي أنس في مبتنى رسول الله بزينب وقوله الآخر أن عمر ﵁ قال يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر وقول\n_________\n(١) أعلام الموقعين لابن القيم (٢/ ٨٠).","vol":"1","page":453},{"text":"عائشة في خروج سودة وقول عمر لها عرفناك يا سودة، قال الحافظ ابن حجر: (يمكن الجمع بأن ذلك وقع قبل قصة زينب فلقربه منها أطلق نزول آية الحجاب بهذا السبب ولا مانع من تعدد الأسباب) وقد مر معنا كذلك نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في إمكان تعدد الأسباب في الآية الواحدة أو الحديث الواحد.\nوعلى العموم فابن حزم اعترض على جزئية، فهذا شأنه ورأيه ولا علاقة له بمسألتنا لينقلوه وكأنه نص في النزاع، فهذا باب من أبواب التدليس فيه إيهام للعوام أن هناك من يوافقهم في بدعة السفور، وكأن هناك من عارض الإجماع على أن معنى آية الإدناء هي ستر النساء الحرائر لوجوههن، وهكذا يفعلون عندما يمرون على كل خلاف فرعي في مسألة الحجاب أو لا يجدون أحدا من الأئمة يقول بقولهم تجدهم يكثرون من الإشادة بهم وبأقوالهم الجزئية وبخاصة في فريضة الحجاب فيظنه من لا يعرف رأيهم في المسألة أن لهم سلف وأنهم يقولون بمثل قول هؤلاء اليوم في السفور، وقد يكون فعلهم هذا ونقلهم لكلام أهل العلم مرة إما عن جهل منهم بأقوال أولئك الأئمة ومرة عن تعمد وتساهل عياذا بالله.\nوكلام ابن حزم أمامكم وإنما فيه بيان منهجه ﵀ في زيادة حرصه على ستر عورات المسلمات فأوجبه حتى على الإماء مخالفا بذلك جماهير أهل العلم من المفسرين والفقهاء بل وما صح عنده عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من التفريق بينهن وبين الحرائر في لبس الجلابيب وسترهن لوجوههن كما قال في موضع آخر بعده من","vol":"1","page":454},{"text":"\"كتاب النكاح\": (لأن المخالفين لَنَا هَهُنَا بِأَهْوَائِهِمْ لاَ يَخْتَلِفُونَ فِي أنهُ لاَ يَحِلُّ النَّظَرُ إلى زِينَةِ شَعْرِ الْعَجُوزِ السَّوْدَاءِ الْحُرَّةِ وَلَعَلَّ النَّظَرَ إليها يَقْذِي الْعَيْنَ وَيُمِيتَ تَهْيِيجَ النَّفْسِ، وَيُجِيزُونَ النَّظَرَ لِغَيْرِ لَذَّةٍ (١) إلى وَجْهِ الْجَارِيَةِ الْجَمِيلَةِ الْفَتَاةِ وَيَدَيْهَا) انتهى.\nولهذا فنقلهم كلام ابن حزم السابق عليهم لا لهم لو كانوا يعقلون وليس في صالحهم نقله لو كانوا يعلمون، وما مثلهم في نقل كلام أهل العلم إلا كحاطب ليل فقد يجمع ما يضره، وهم يدعون إلى تبرج وسفور النساء وابن حزم يدعو حتى لتستر الإماء، فلماذا هذا الخلط والعجن والكلام فيما لا يحسنونه من أقوال أهل العلم ومناهجهم ألا يتقون الله ويتثبتون مما ينقلونه فيفسدوا كلام العلماء بمثل هذا البتر والإيهام، وقد مر معنا الكثير مما لحق كلام المتقدمين من تحريف وتبديل وتصحيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>معنى الجلابيب عند الإمام ابن حزم موافق لإجماع أهل العلم:</span>\nوالمفيد هنا أن نعلم معنى الجلابيب عند ابن حزم لنعرف هل يقصد منها أنها تستر الجسم كله إلا الوجه والكفين كما يقوله أهل السفور اليوم؟ أم أنها تعنى عنده سترها لجميع الجسم بلا استثناء كما هو عليه إجماع الصحابة والمفسرين وأهل العلم؟ وأترك الجواب له رحمه الله تعالى حيث يقول في المحلى من \"كتاب الصلاة\": (قال علي: وهذا أمر\n_________\n(١) وقوله (لِغَيْرِ لَذَّة) لأنهم متفقون على تحريم النظر بلذة ولو للجارية. وبعضهم قال ولو لحاجة.","vol":"1","page":455},{"text":"بِلُبْسِهِنَّ الجلابيب لِلصَّلاَةِ وَالْجِلْبَابُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ التي خَاطَبْنَا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - هُوَ مَا غَطَّى جَمِيعَ الْجِسْمِ لاَ بَعْضَهُ) انتهى.\nولهذا أتى بعده بأدلة في كشفهن للوجه والكفين وأنهما ليستا بعورة فيجوز استثناؤهما حال الصلاة وعند الخاطب والشاهد وغيرها من الرخص كما قال هو وكما عليه الإجماع في تفسير الآية الكريمة، وبهذا يكون (مخرجًا) كما قال وأراد من كون الجلابيب تستر الجسم كله، فهل دعاة السفور اليوم يقولون في تعريف الجلباب بقوله وأنه يستر الجسم كله؟ وهل فهموا ما فهمه المتقدمون من حديث أسماء والخثعمية؟ .\nولهذا جاء بعد ذلك بحديث الخثعمية وصلاة العيد حين إلقاء النساء صدقاتهن من أكفهن، لأنه ظاهري لا يأخذ بالقياس ليدلل أن الوجه والكفين ليسا بعورة ليخرجهما في غير أحوالها العادية بمعنى يجوز كشفهما في الصلاة وخارج الصلاة عند الضرورة كما قال وبينه مرارا: (وَلاَ يَحِلُّ لأحد أن يَنْظُرَ مِنْ أجنبيةٍ لاَ يُرِيدُ زَوَاجَهَا أو شِرَاءَهَا إن كانت أمةً لِتَلَذُّذٍ إلا لِضَرُورَةٍ ... وَأما فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَالْوَجْهُ وَالكفان كَمَا قَدَّمْنَا آنفا عِنْدَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا أو لَهَا أو مِنْهَا ... فَذَكَرَ اللَّهُ ﷿ فِي هَذِهِ الآية: زِينَتَهُنَّ زِينَةً ظَاهِرَةً تُبْدَى لِكُلِّ أحد وَهِيَ الْوَجْهُ وَالكفان عَلَى مَا بَيَّنَّا فَقَطْ) والذي بينه فقط (وَأما فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَالْوَجْهُ وَالكفان كَمَا قَدَّمْنَا آنفا عِنْدَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا أو لَهَا أو مِنْهَا) وقوله: (إلا أنهُ لاَ يَحِلُّ لأحد أن يَتَعَمَّدَ النَّظَرَ إلى شَيْءٍ مِنْ امرأة لاَ يَحِلُّ لَهُ: لاَ الْوَجْهَ وَلاَ غَيْرَهُ، إلا لِقِصَّةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، لاَ يُقْصَدُ مِنْهَا مُنْكَرٌ بِقَلْبٍ أو بِعَيْنٍ)","vol":"1","page":456},{"text":"وبهذه الأدلة التي ذكرها كحديث الخثعمية وصلاة العيد وجد (مخرجًا) للوجه والكفين عن معنى الجلابيب التي تستر كامل الجسم في الصلاة وخارجها عند الضرورة من نظر شاهد أو خاطب أو نحوه كما قال، فهل لو كان يرى في دين الله خروج المرأة سافرة عن وجهها سيقول مثل هذا الكلام ويدلل بما قاله ليجد (مخرجًا) لعورة المرأة لأن تكشف وجهها وكفيها في الصلاة وعند الضرورة من شهادة ونكاح؟ لتعلم أن السبب من إيراده الحديث عن الجلابيب في \"كتاب الصلاة\" عند باب ستر عورة المرأة في الصلآة، وكذلك في \"كتاب النكاح\" عند نظر الخاطب، إنما ليبين أن الوجه والكفين ليسا بعورة فيجوز ظهورهما في الصلاة وخارجها عند الضرورة، ومن هنا بين عورة الأمة وأنها كعورة الحرة فعليها لبس الجلباب في الصلاة وخارجها خلافا لقول عامة أهل العلم.\nفسبحان الله! ابن حزم يغضب ويشتد خلافه في مسألة جزئية ومعينة لا علاقة لها بموضوعنا وهي فيمن ميز بين الحرائر والإماء عند كلامهم على آية الإدناء فخالفهم، لأنه يوجب على الإماء بذلك ما أوجبه غيره على الحرائر من لبس الجلابيب في الصلاة وخارجها، فيأتي هؤلاء عن جهل أو عمد ويوهمون الناس أن ابن حزم يرد ويهجم على القائلين بستر المرأة لوجهها، فالمتقدمون عندما حددوا القدر الظاهر من المرأة في الصلاة والرخصة كما في قوله تعالى: ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بالوجه والكفين قياسًا (لأنه هو ما يظهر في صلاتها إجماعًا) ولأنه (ما يظهر عادة وعبادة) ولأنهما (ليسا بعورة) ولحديث أسماء الذي هو قياس","vol":"1","page":457},{"text":"أيضا، لأنه لا علاقة له بالصلاة، ولأن ابن حزم ظاهري لا يقبل بالقياس ولا بالحديث الضعيف أو البعيد عن معنى الباب لهذا استدل بحديث الخثعمية وبحديث صلاة العيد الصحيحين فقط، وقال أن فيهما كشف للوجه والكفين ليكونا (مخرجًا) كما قال من معنى الجلابيب التي هي لستر الجسم كله، فإن جاز له ذلك للاستدلال به على أمر جائز إجماعا وهو ظهور الوجه والكفين في الصلاة وعند الشهادة والخاطب والحاجة لنزع الحُلي من أكفهن للتصدق بها فهذا يمكن وهو على فرض أن كان ذلك أمام أحد من الرجال، والخثعمية كان معلومًا عندهم على فرض أنها كانت كاشفة عن وجهها أيضًا أن ذلك كان لسبب مبيح وهو عرضها من أبيها لرسول الله - ﷺ - رجاء أن يتزوجها كما قاله جمع من أهل العلم المتقدمين كما سبق معنا وسيأتي أيضًا، ولكن أن يفهموا منها ما يناقض ويخالف قوله الصريح الآخر ثم لا يبالون في الجمع بينهما.\nقال صاحب كتاب \"حراسة الفضيلة\" الشيخ بكر أبو زيد عليه ﵀: (وإن من الخيانة في النقل نسبةَ هذا القول إلى قائل به مطلقًا غير مقيد لتقوية الدعوة إلى سفور النساء عن وجوههن في هذا العصر مع ما هو مشاهد من رقة الدين والفساد الذي غَشِيَ بلاد المسلمين) انتهى.\nفمن البعيد أو قل من المستحيل أن لا يُنقل لنا طوال القرون الغابرة من الإسلام كتابٌ أو كلام أو سطر أو إشارة أو عبارة فضلًا عن مناظرة أو استدلال أو ترجيح أو مؤلف أو رد وبخاصة من ابن حزم الظاهري أو غيره من أئمة المذاهب الأربعة تدل على نزاع بينهم أو إنكار لمنكر أو تعريف بسنة ومستحب.","vol":"1","page":458},{"text":"(المبحث السابع)\n\nاستدلالاتهم بالسنة على شبهاتهم","vol":"1","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>(المبحث السابع)\nاستدلالات أهل السفور بالسنة على شبهاتهم</span>\nوسأكتفي بذكر أشهر شبهاتهم لأن فيما ذكرته سابقا غنية في رد كثير مما يتوهمونه أدلة على السفور، أو لأن ما سنذكره بعد قليل مشابه لشبهاتهم الأخرى والله ولي التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>أولًا: حديث الفضل بن عباس ومخالفتهم لفهم السلف له:</span>\nعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (أردف - ﷺ - الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته وكان الفضل رجلا وضيئًا فوقف النبي - ﷺ - للناس يفتيهم وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله - ﷺ - فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها فالتفت النبي - ﷺ - والفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة فهل يقضي عنه أن أحج عنه. قال: نعم) أخرجه البخاري وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>الوجه الأول: في رد هذه الشبهة وهي عدم وجود ما ادعوه أصلا من كشف الوجه في الحديث:</span>\nأ- وهذه حقيقة ظاهرة فليس في الحديث ما يدل على دعواهم من أنها كانت كاشفة عن وجهها حتى يستدلوا به، ومجرد نظره لها أو العكس","vol":"1","page":461},{"text":"أو قوله إنها حسناء أو جميلة أو صبيحة لا يدل على ما ادعوه بتاتًا، وهذا تجني واستدلال ظاهر البطلان سطحي الدلالة، فقد يجد المرء إحدى النساء المنقبات ويلحظ عليها علامات الجمال والحسن والقوام فتستهوي قلبه وهي في كامل الستر وهذا معلوم ومفهوم ألم تسمع قول القائل:\nطافت أمامه بالركبان آونة ... يا حسنها من قوام ما ومنتقبا\nفهو قال إنها حسناء فهل نحكم بمجرد قوله هذا أنها كانت كاشفة عن وجهها؟ أم أنه يقصد قوامها وما يبدو له من خلف نقابها؟ أم أن قولهم هذا لأن النقاب ليس هو ما يعرفه الناس أنه يستر الوجه أم ماذا؟ ! .\nوقول الآخر:\nقل للمليحة في الخمار الأسود ... أفسدت نسك أخي التقى المترهب\nنور الخمار ونور وجهك تحته ... عجبا لوجهك كيف لم يتلهب\nوبالتالي فليس لهم حجة في هذا الحديث ولا بأي كلمة، في كون الخثعمية أو غيرها كانت كاشفة عن وجهها بتاتًا حتى يأتوا بالدليل المقنع للناس، وعليهم أن ينقبوا على شبهات غيرها، وبخاصة أن الكل يعلم أن نفوس البشر تتوق للنظر إلى النساء ولو من خلف العباءات والجلابيب، بل وحتى في النساء السافرات لشعورهن تجد إحداهن إذا رآها أحدهم من خلفها حكم عليها بأنها جميلة، فإذا تلفتت بوجهها لم","vol":"1","page":462},{"text":"تكن كذلك، وبالتالي بطل استدلالهم من أساسه ومن كل وجه لعدم ورود ما ادعوه واحتجوا به أصلًا.\nويمكن إلى هنا أن نغلق الباب بخصوص هذه الشبهة، ونقول اتقوا الله في شرعه فهل جاء ما تقولونه من عموم السفور وبلا سبب عن أحد من السلف قبلكم؟ فحتى من قال من بعض المتقدمين إن الخثعمية كانت كاشفة عن وجهها لم يفهموا منه ما فهمتموه من السفور، وإنما استنتجوا منه على فرض كونها كانت كاشفة أمورا شرعية مباحة كجواز كشف المسلمات وجوههن عند الحاجة والفرق بينهن وبين حجاب أمهات المؤمنين اللاتي لا يجوز لهن الكشف لشهادة ونحوها، ولم يأتي عنهم بتاتًا أن في الحديث دليل على أن النساء كن في زمن رسول الله - ﷺ - يخرجن سافرات الوجوه.\nومع ذلك فلا بأس أن نورد بقية الاحتمالات القوية لتعلم مدى وهن وضعف ما استدلوا به من كل وجه من الوجوه، حتى لم يجدوا في شِرعتهم لفظة واحدة تدل على مذهبهم الباطل.\nب- ومما يدل على أن الخثعمية لم تكن كاشفة عن وجهها روايات الحديث العديدة من أن الفضل كان يلحظ النساء وينظر إليهن، وبالتالي لم يكن نظره مقتصرا عليها، بدليل أن ابن عباس ﵄ قال: (كان الفضل بن عباس رديف رسول الله - ﷺ - يوم عرفة، قال: فجعل الفتى يلحظ النساء وينظر إليهن، قال وجعل رسول الله - ﷺ - يصرف وجهه بيده من خلفه مرارا، قال وجعل الفتى يلاحظ إليهن، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: ابن أخي أن هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه","vol":"1","page":463},{"text":"غفر له) (١). فإذا عجزوا عن إثبات كون الخثعمية كانت كاشفة مع قربها من الفضل ورسول الله - ﷺ - وسؤالها له ومع ذلك لم يقل أحد من رواة الحديث مع كثرة طرقه ورواياته المختلفة إنها كانت كاشفة فكيف بهم ليثبتوا أن غيرها من النساء كن كاشفات أمام الرجال؟ .\nمع ما هو معروف ومفطور به الرجال بنص القران والسنة من الفتنة بحب النساء والميل لهن، وقد تكلم في ذلك أهل اللغة والشعر، وهذا وهن مستترات كما مر معنا بعض نصوصهم، ولهذا ذهب جمع من أهل العلم بالقول: (حَرُم النظر إلى المنقبة التي لا يبين منها غير عينيها ومحاجرها، أي ما دار بهما كما بحثه الأذرعي لا سيَّما إذا كانت جميلة) (٢)، وكيف عرف أنها جميلة وهو يقول منقبة؟ ! لتعلم أن ما قصدوه من كون الخثعمية (حسناء) و(وضيئة) ونحو ذلك، هو كمثل هذا الفهم وهو ما يظهر على المرأة من دلائل الجمال في القوام والعيون من خلف النقاب والهيئة والشباب ونحو ذلك.\nوهذا كاف لرد شبهاتهم ونسفها من أساسها، وسواء كانت هناك امرأة خثعمية أو أخرى غير الخثعمية أو هي نفسها أو ألف غيرها فكل ذلك\n_________\n(١) قال محقق مسند أبي يعلى حسين سليم أسد: إسناده صحيح. وقال شعيب الأرناؤوط: في تعليقه على المسند إسناده ضعيف، وقال في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة للبوصيري رواه أبو داود الطيالسي وابن خزيمة والطبراني والبيهقي وأبو يعلى وأحمد بن حنبل بإسناد صحيح.\n(٢) فتح العلام بشرح مرشد الأنام (١/ ٤١) ونحوه في مغني المحتاج (٣/ ١٢٩).","vol":"1","page":464},{"text":"لا حجة فيه أيضًا ولا دليل على ما يريدونه ويقولونه، فلا يمكن قبول قولهم والتساهل معه بمثل هذه الأدلة من الظنون والتوقعات، وبخاصة في فريضة عظيمه كفريضة الحجاب جاءت نصوصها صريحة من الكتاب والسنة وأقوال صحابة رسول الله - ﷺ - الكرام وأهل العلم من المفسرين والفقهاء والمحققين على ستر النساء لوجوههن، حتى لا نعلم أحدًا من أهل العلم قال بقولهم في السفور، ثم لا يجدون لذلك دليلًا إلا مثل هذه الاحتمالات من كونها كانت كاشفة لأنها حسناء أو وضيئة او ينظر لها أو تنظر إليه ونحو ذلك.\nوالمفروض بنا هنا أن لا نزيد في الرد حتى يثبتوا لنا كونها كانت كاشفة عن وجهها بنص صحيح صريح كما اعترفوا هم بصراحة وكثرة ورود أدلة النقاب عن فضليات الصحابيات ومن بعدهن.\nومع ذلك سنورد من الاحتمالات القوية ما يدل على بطلان مذهبهم من كل وجه وأن أدلتهم أوهى من خيوط العنكبوت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>الوجه الثاني: وهو على فرض كونها كانت كاشفة عن وجهها:</span>\nأ- فالقول إنها كانت كاشفة احتمال لبعض المتقدمين من أهل العلم وحسب فهمهم واستنباطهم من الحديث، فهذا منهم كان لبيان بعض الأمور الفقهية، فإنه وإن فهمها بعضهم على ذلك، فالمفروض بنا أن نفهم قوله ومقصده كاملًا وبتمامه، كما هو في الحقيقة والواقع كما مر معنا عند كلام ابن بطال والقاضي عياض وغيرهم في بيان","vol":"1","page":465},{"text":"خصوصية أمهات المؤمنين وأنه لا يجوز لهن كشف وجوههن لشهادة ولا غيرها كما هو جائز لغيرهن من النساء، كما مر معنا سابقًا، أو ابن حزم عندما فهم ذلك لاحتياجه للدليل الصحيح بدل القياس ليكون ما استدل به (مخرجًا) له من معنى الجلابيب التي تعني ستر الجسم كله كما قال لبيان أن الوجه والكفين ليسا بعورة فيجوز كشفهما في الصلاة وعند الأجنبي كالخاطب والشاهد وغير ذلك من الضرورات، فهذا كله بعيد كل البعد عن فهم ومراد أهل السفور اليوم، ولهذا فقولنا إنها كانت كاشفة عن وجهها هو تقوُّل في حديثه - ﷺ - بما لم يرد فيه، فإن جاز لبعض أهل العلم عند مرورهم بالحديث أو شرحهم له أن يفهموا منه ذلك ليبينوا بعض المسائل المعروفة أو المتفق عليها حسب مناهجهم وقواعدهم الفقهية، فهذا يمكن القبول به ولكن أن نفترض ذلك ونظن احتماله وحدوثه ثم نحمله على ما حمله أهل السفور اليوم من جواز خروج النساء للأسواق والطرقات سافرات الوجوه، فهذا مما لم يقل به أحد أنه من دلالة الحديث وفوائده، بل هو مما يتعارض مع قول الله وقول رسوله - ﷺ - وأقوال الصحابة وأهل العلم وفعل نساء السلف، فهذا غير سديد ولا مسبوق لأنه يجب أن يكون لنا سلف في فهم كلام الله ورسوله - ﷺ -، فكيف لو كانت أفهامهم تلك فوق أنها لم يقل بها أحد من السلف أو شراح الحديث، هي بعيدة عمَّا يدعونه ويقولونه بل ليس فيها أصلًا ما يريدونه من كونها كانت كاشفة، فلا يكون لنا حينئذ بحال من الأحوال مخالفتهم أو ابتداع قول لم يسبق لهم قوله وبخاصة\nفي فريضة إلهية قد أحكم الله بيانها.","vol":"1","page":466},{"text":"ب- أنه على فرض أنها كانت كاشفة عن وجهها فقد ثبت أيضًا بالدليل من عدة روايات أن الخثعمية عرضها أبوها للنبي - ﷺ - رجاء أن يتزوجها فعن ابن عباس عن الفضل بن عباس قال: (كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وأعرابي مَعَهُ ابنةٌ لَهُ حَسْنَاءُ، فَجَعَلَ يَعْرِضُهَا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - رَجَاءَ أن يَتَزَوَّجَهَا قَالَ: فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ إليها وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَأْخُذُ بِرأسي فَيَلْوِيهِ وَكان رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) انتهى.\nوالحديث صحيح أخرجه أبو يعلى وأبو بكر بن أبي شيبة وصححه جمع من المتقدمين والمتأخرين.\n١ - قال الحافظ ابن حجر بعد أن عزاه إلى أبي يعلى: (إسناده قوي) (١).\n٢ - وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: (رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح) (٢).\n٣ - وذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية ثم قال محقق الكتاب المحدث حبيب الرحمن الأعظمي وبعد أن رمز له بعلامة الصحة: (إسناده لا بأس به).\n٤ - وذكر الحديث الحافظ البوصيري وسكت عنه ولو وجد فيه ما يقدح لبينه كعادته كما في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة.\n٥ - وصحح الحديث الشيخ المحدث عبد القادر بن حبيب السندي في رسالته \"الحجاب\".\n٦ - وقال محقق مسند أبي يعلي، حسين سليم أسد: (إسناده صحيح).\n_________\n(١) فتح الباري (٤/ ٦٨).\n(٢) مجمع الزوائد (٤/ ٢٧٧).","vol":"1","page":467},{"text":"وهذا أولى وأقوى من تضعيف غيرهم، فتصحيح هؤلاء فضلًا عن غيرهم ممن صححه هو وحده مقنع وكاف، فكيف لو لم يكن إلا الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى؟ .\nولأن من ضعفه إنما ضعفه بالشذوذ وهي مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، والحقيقة أن الحديث ليس فيه شيء من القاعدة السابقة أبدًا ولا من المخالفة لشيء من هذا أصلًا، بل فيه زيادة الثقة وزيادة العلم بالشيء وهي مقبولة باتفاق عند المحدثين.\nكما يؤيد صحة حديث عرض الأعرابي ابنته لرسول الله - ﷺ - رجاء أن يتزوجها ما جاء في الصحاح والمسانيد وغيرها من أن الرجل كان (يسايره) و(دفع معنا رجل) و(عرض له) أي لرسول الله - ﷺ - وهو في مسيره فقد جاءت هذه كلها في روايات الحديث العديدة كما في صحيح ابن خزيمة ومسند البزار وأحمد عن الفضل ﵁ قال: (كنت رديف رسول الله من جمع إلى منى فبينا هو يسير إذ عَرض له أعرابي مردفًا ابنة له جميلة وكان يسايره قال: فكنت أنظر إليها فنظر إلي النبي - ﷺ - فقلب وجهي عن وجهها ثم أعدت النظر فقلب وجهي عن وجهها حتى فعل ذلك ثلاثًا وأنا لا أنتهي فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة) (١) انتهى. وهذا شاهد يقوي أنهم (سايروه) و(عرض له أعرابي مردفًا ابنة له جميلة) و(دفع معنا رجل) وكون إبيها جعلها هي من تستفتي رسول الله - ﷺ - كلها أمور مشعرة أنها لسبب عرض الأعرابي\n_________\n(١) قال الشيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لمسند أحمد: صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين.","vol":"1","page":468},{"text":"إبنته لرسول الله - ﷺ - رجاء أن يتزوجها ولهذا أنكر على الفضل نظره لما راه ينظر فيما لا غرض له فيه من إرادة الزواج ونحوه، فما كان إلا خشية الفتنة والشهوة عليه وعليها كما قاله ﵊.\nبل جاء في رواية عند الطبراني في المعجم الكبير: (قال: ودفع معنا رجل من الأعراب وهو معه ابنة له صبيحة وهو يساير النبي - ﷺ - فأمال وجهي عنها، فلم يزل يلبي حتى رمى الجمرة) (١)، فالأعرابي دفع مع رسول الله وكان ملازمًا له لحاجة السؤال ولكي يعرض ابنته له ولهذا جعلها تستفتيه بنفسها.\nومثل هذا كله لا يمكن أن يكون لمجرد السؤال فقط، فهذه الروايات شواهد على حديث عرض الأعرابي ابنته لرسول الله - ﷺ - رجاء أن يتزوجها، والله أعلم.\nفكيف لو كان هذا أيضًا ما فهمه من الحديث كما قلنا سابقًا كبار الحفاظ ومنهم:\nأ- الحافظ ابن حجر في المطالب العالية حيث قال: (باب عرض المرأة على الرجل الصالح).\nب- وقال الحافظ أحمد البوصيري صاحب كتاب إتحاف الخيرة المهرة: (باب فيمن عرض ابنته على من يتزوجها).\nت- وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: (باب عرض الرجل وليته على أهل الخيرة).\n_________\n(١) الطبراني في المعجم الكبير (باب الفاء من اسمه فضل) برقم (٦٧٧).","vol":"1","page":469},{"text":"ولم يفهموا منه شيئًا آخر سواه، ولم يبوبوا باب جواز خروج المرأة كاشفة عن وجهها أمام الرجال، أو باب كشف المرأة وجهها كان معروفا في عهد رسول الله - ﷺ - وصحابته الكرام، أو نحو ذلك مما يقوله اليوم دعاة السفور هدانا الله وإياهم، بل جاء عنهم عكس ذلك تمامًا كما رأينا، ولهذا فهموا منه هنا أنه للخاطب فكيف وروايات الحديث وسياقه تؤيد هذا بدليل ما يظهر من أنها كشفته للحظات قصيرة أو وهي داخل هودجها مارين برسول الله - ﷺ - فأراد الفضل أن ينتهز الفرصة القصيرة وينظر لها وهو خلف رسول الله ودون علمه، فأخذ يتلفت ويحاول النظر ولهذا لما تنبه له ﵊ حين (طفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها فالتفت النبي - ﷺ - والفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها) أو كما في الرواية الأخرى (فكنت أنظر إليها، فنظر إلي النبي - ﷺ -) ولهذا نفهم أن نظره لم يكن بعلم رسول الله - ﷺ - أو أمامه وإنما كانت محاولاته المتكررة وهو خلف رسول الله - ﷺ - معتقدا أنه لا يراه ولهذا عندما التفت ونظر إليه (فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها) وإنما أنكر عليه فقط ولم ينكر عليها إما لكونها لم تكن كاشفة أصلًا كما أثبتناه سابقًا، وإما لأنها ممن قال الله تعالى فيهن: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها ..﴾ [الأحزاب: ٥٠]، بدليل حديث عرضها من أبيها لرسول الله - ﷺ - رجاء أن يتزوجها، ولو كانت النساء كلهن يكشفن أو كانت أمام الناس كاشفة كما يقوله أهل السفور وأنه واقع","vol":"1","page":470},{"text":"المجتمع في حياة رسول الله - ﷺ - وصحابته الكرام لما تلفت ولا حاول ولا أصر وعاود ولاستغنى عن النظر لغيرها من النساء الكاشفات في ذلك التجمع الكبير من الحجيج ولما استطاع رسول الله - ﷺ - أن يحول نظره عن شيء، أو لوجد الفرصة بعد ذهابها أو إيابها أو في غيرها، ولكن كل ما سبق دال على بطلان قولهم من كل وجه وأن زاوية الرؤية كانت ضيقة مما يدل على أنها كانت داخل هودجها، أو نحو ذلك كما سنثبته بعد قليل، وهذا كله منا أيضا على فرض أن كان عرضها لرسول الله - ﷺ - وهي كاشفة عن وجهها، حيث لا يلزم من عرضها لرسول الله عرضًا أوليًا أن تكون كاشفة بين الرجال، فقد يكون الأمر وهي مغطية حتى يرى حاجته ورغبته واستعداده لذلك وإذنه فيه كما قال سهل ابن سعد ﵁، (أن امرأة أتت النبي - ﷺ - فعرضت عليه نفسها فقال: ما لي اليوم في النساء من حاجة) (١)، أو قد يكون كشفها وهي داخل هودجها لهذا سايروه وسيأتي في ت.\nت- والظاهر المتتبع لروايات الحديث السابقة وغيرها يلحظ أن الجارية كانت داخل هودجها راكبة مع والدها وبالتالي لم تكن كاشفة أصلا عن وجهها أمام احد من الرجال، وهذا ما توضحه الأدلة والشواهد من روايات الحديث الصحيحة كما عند مسلم وصحيح ابن حبان وعبد بن حميد وأبي عوانة عن جابر ﵁ قال: (ثم أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يصل\n_________\n(١) أخرجه البخاري بهذا اللفظ في \"باب إذا قال الخاطب للولي زوجني فلانة\" برقم (٥١٤١).","vol":"1","page":471},{"text":"بينهما شيئا ثم اضطجع رسول الله - ﷺ - حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فرقي عليه فحمد الله وكبره وهلله فلم يزل واقفا حتى أسفر جدًا ثم دفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن العباس وكان رجلًا حسن الشعر أبيض وسيما فلما دفع رسول الله - ﷺ - مر الظعن يجرين فطفق ينظر إليهن فوضع رسول الله - ﷺ - يده من الشق الآخر فصرف الفضل وجهه من الشق الآخر ينظر حتى أتى محسرا حرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرجك إلى الجمرة الكبرى) (١).\nوكما جاء أيضا في سنن البيهقي الكبرى والدارمي وغير واحد في كتاب الحج: (فلما دفع النبي - ﷺ - مر بالظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فأخذ النبي - ﷺ - يده فوضعها على وجه الفضل فحول الفضل رأسه من الشق الآخر، فوضع النبي - ﷺ - يده من الشق الآخر) انتهى.\nقال في عمدة القاري في (الظعن): (وقال ابن سيده الجمع ظعائن وظُعن وإظعان وظعنات الأخيرتان جمع الجمع وفي الجامع ولا يقال ظعن إلا للإبل التي عليها الهوادج وقيل الظعن الجماعة من النساء والرجال) انتهى.\n_________\n(١) راجع صحيح مسلم بشرح النووي حديث جابر المشهور في الحج برقم (٢١٣٧). وصحيح ابن حبان رقم (٤٠٢٠) وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه له: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه ابن أبي شيبة برقم (١٤٧٠٥) (٣/ ٣٣٦). وذكره الألباني في حجة النبي - ﷺ - كما رواها جابر. وهو في الإرواء (١١٢٠) وصحيح أبي داود (١٦٦٣).","vol":"1","page":472},{"text":"وقال الحافظ في فتح الباري: (بضم الظاء المعجمة جمع ظعينة وهي المرأة في الهودج ثم أطلق على المرأة مطلقا) انتهى.\nفالظعن: وهو الرحيل الارتحال والسفر أصلها راحلة ترحل ويظعن عليها أي يسار، وقيل للمرأة ظعينة لأنها تظعن مع الزوج حيثما ظعن أو تحمل على الراحلة إذا ظعنت وقال السيوطي: هي المرأة التي تكون في الهودج كني بها عن الكريمة، وقيل: هي الزوجة لأنها تظعن إلى بيت زوجها من الظعن وهو الذهاب.\nوقال في مشارق الأنوار على صحاح الآثار: (ظ ع ن) وذكر في الحديث الظعن ومرت ظعن يجرين وبها ظعينة وأُذن للظعن بضم الظاء وسكون العين وضمها أيضا والظعائن والظعينة: هم النساء وأصله الهوادج التي يكن فيها ثم سمى النساء بذلك، وقيل لا يقال إلا للمرأة الراكبة وكثر حتى استعمل في كل امرأة وحتى سمي الجمل الذي تركب عليه ظعينة ولا يقال ذلك إلا للإبل التي عليها الهوادج وقيل إنما سميت ظعينة لأنها يظعن بها ويرحل) انتهى.\nوقال في تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي: (الظعينة المرأة المسافرة يقال ظعن يظعن إذا سافر وأصل الظعائن الهوادج لكون النساء فيها وقد يقال لها ظعائن وإن لم يكن فيها نساء) انتهى.\nوبهذا ومثله بطل استدلالهم أن المرأة كانت كاشفة لعموم الرجال، فظاهر الروايات أن النساء كن يسرن في جنب بعيدا خلف الركب وهن داخل هوادجهن وهذا أكمل في راحتهن وبعيدا عن نظر الرجال إليهن وعندما مررن برسول الله - ﷺ - نظر إليهن الفضل يريد أن يرى منهن","vol":"1","page":473},{"text":"وهن داخل هوادجهن، فلم يكن النساء متوافرات على التكشف أمامهم ولهذا أخذ يتلفت إليهن لما مررن مما تعلم أن الأمر لم يكن من قبل متيسرا أمامه، كحال الكاشفات عن وجوههن اليوم هدانا الله وإياهن، ولهذا كثرت المصائب والمفاسد.\nفقد كان ركوب الهوادج كثيرًا ومشهورًا ومعروفًا خاصة للنساء في الأسفار البعيدة لحمايتهن من أحوال الطقس الحارة أو الباردة أو الرياح ولراحتهن وسترهن عن أعين الرجال، كما ذكرت ذلك عائشة ﵂ بقولها في قصة حادثة الإفك: (فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت ركبت وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن اللحم إنما تأكل العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا) (١)، ولاحظ قولها: (وكان النساء إذ ذاك خفافا ... فلم يستنكر القوم خفة الهودج) مما تعلم معه أن أمر الحجاب كان يعمهن جميعًا فلم يكن منهن امرأة تتكشف أبدًا لا خثعمية ولا غيرها، ولهذا لم تخبر أو تشر عن ذاك الواقع عندهم بأنه كان خاصا بأمهات المؤمنين.\nوقد مر معنا ذكر الهوادج أيضا عند نقل كلام السيوطي في خصوصية أمهات المؤمنين وحج عثمان ﵁ بهن كما بيناه في مبحث الخصوصية؛ لأن المرأة في الهودج تأخذ راحتها في كشفها ولعله لذلك أخذ الفضل يسترق الزوايا للنظر إليهن وهن في الهوادج، وإنما ذُكرت\n_________\n(١) متفق عليه.","vol":"1","page":474},{"text":"الخثعمية في الحديث لقُربها لما كان أبوها قريب يساير رسول الله - ﷺ - يعرضها له وهي تسأله وتستفتيه في الحج عن الكبير.\nولعله لذلك كان هو وحده من بين من رووا القصة والذي وصفها بالحُسن، حيث لم يرد عن غيره هذا الوصف مما يُشعر أنها لم تكن كاشفة أصلا ويقصد حسنها الظاهر كما مر معنا أو لم يكن ذلك أمام أحد من الناس كونها داخل هودجها خلف أبيها وهم يسايرونه - ﷺ - يتحينون الفرصة لحاجتهم، فكشفها جائز في حقه - ﷺ - إما لغرض رجاء أن يتزوجها وإما لمكان العصمة منه - ﷺ -.\nفإن كان الأول فهي إنما كشفته - وعلى فرض ذلك - والفضل ينظر إليها لأنه ملاصق وتابع لرسول الله - ﷺ - وقد يقال يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا، أو يقال إن رسول الله - ﷺ - لم يقره أصلًا على النظر وأنكر عليه فعله ولوى عنقه عنها مرارا ولم يقره، ولو أرادته ﵊ لوحده لتستفتيه أو تعرض نفسها عليه لصعب عليها ولم تجد الفرصة وخاصة في ذلك التجمع الكبير وعندها قد يفوت عليها حاجتها.\nولو كان الثاني وهو أيضا - على فرض كونها كانت كاشفة - فهذا جائز لها أيضا على قول بعض أهل العلم في جواز ذلك لرسول الله - ﷺ - حيث ذكر الحافظ ابن حجر وآخرون: أن النبي - ﷺ - لا يَحرُمُ عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيات لمحل العصمة، بخلاف غيره (١).\nفبكل الوجوه تبطل دعوى أهل السفور بحمد الله.\n_________\n(١) فتح الباري (٩/ ٢١٠). وأنظر كذلك الخصائص الكبرى للسيوطي باب: اختصاصه بإباحة النظر إلى الأجنبيات والخلوة بهن.","vol":"1","page":475},{"text":"ث- كذلك كانت المرأة محرمة ويجوز للمحرمة كشف وجهها وهي داخل هودجها أو بعيدة عن أعين الرجال، ولهذا تفهم لماذا تلفت الفضل ﵁ وحاول استراق النظر للظعن وهن يجرين عندما مررن به وهو مع رسول الله - ﷺ -.\nج- كما أنه قد جاء في بعض الروايات عند الإمام أحمد في المسند: (وَكانت جَارِيَةٌ خَلْفَ أبيهَا) (١) فكونها كذلك يُشعر بأنها صغيرة لم تبلغ الحُلم بعد، ولم تُكلف فجاز لها حينئذ على هذا الكشف، بل غالب الروايات حتى التي ليس فيها لفظ جارية مشعرة بصغرها وكونها (ابنة صبيحة) خلف أبيها ولهذا فيحمل أيضا على أنه أحد الأسباب في عدم إنكار رسول الله - ﷺ - عليها وأنه ما أمرها بالستر، لأنه لا يجب عليها بخلاف الفضل فقد كان شابا بالغًا فنظره كان نظر شهوة وفتنة ولهذا أنكر عليه وصرف نظره عنها.\nوهذا ممكن فقد كان في زمنهم تزويج الصغيرات سنة مشهورة، كما اليوم العنوسة مشهورة جدا فلا تتزوج المرأة اليوم في أحسن أحوالها إلا بعد العقد الثالث من عمرها بسبب الاختلاط والفساد الذي غشي الناس، ووجود البطالة بين الشباب بسبب عمل المرأة فيما يمكن أن يقوم به الرجال من أعمال، ومحاربة التعدد وغير ذلك، فقد كان زواجه - ﷺ - بعائشة وهي ابنة ست سنين ودخوله بها وهي ابنة تسع، وكذلك ما روي من خطبة عمر بن الخطاب لابنة علي ﵃ وهي صغيرة وغير ذلك كثير.\n_________\n(١) قال الشيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لمسند أحمد صحيح: وهذا إسناد حسن.","vol":"1","page":476},{"text":"ح- ومن الردود كذلك أن المسلمين عندما علموا بحجة رسول الله ... - ﷺ - توافدوا من كل مكان للحج معه قال جابر ﵁: (إن رسول الله - ﷺ - مكث تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله - ﷺ - حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله - ﷺ - ويعمل مثل عمله) متفق عليه.\nولا شك أن فيهم حديثي عهد بالإسلام ممن يجهل بعض الأحكام أو يتساهلون فيها لعدم تعودهم ومعرفتهم بطريقتها، بل وبكثير من تعاليم الشرع فغاب عنهم بعض أحكامه، وخاصة لو أخذنا في الاعتبار الاحتمالات العديدة التي سبقت معنا ككونها صغيرة أو داخل هودجها أو لكونها محرمة أو لعرضها من أبيها لرسول الله - ﷺ - رجاء أن يتزوجها أو لم تكن كاشفة من أصله أو يقال لعله - ﷺ - أو غيره أمرها وافهمها بعد ذلك، فإن عدم نقل أمره بذلك لا يدل على عدم الأمر إذ عدم النقل ليس نقلًا للعدم، أو أن في إنكاره على الفضل إنكار عليها فيفهم منه وجوب سترها كما قاله صاحب مرقاة المفاتيح الحنفي عند شرحه للحديث - وهذا كله كما قلنا على فرض وأن كانت كاشفة - حتى لا يُقال لماذا لم ينكر عليها؟ وأما الفضل فمؤكد كما سبق معنا من قول ابن بطال عند شرحه للحديث من صحيح البخاري: (وفيه أن على العالم أن يغير من المنكر ما يمكنه إذا رآه) انتهى.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀: (وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز، وعلى ولي الأمر الأمر بالمعروف","vol":"1","page":477},{"text":"والنهى عن هذا المنكر وغيره، ومن لم يرتدع فإنه يعاقب على ذلك بما يزجره) (١).\nوقال ابن القيم: (وهذا منع وإنكار بالفعل فلو كان النظر جائزا لأقره عليه) (٢) انتهى.\nوقال الإمام النووي ﵀ عند ذكره لفوائد هذا الحديث: (ومنها تحريم النظر إلى الأجنبية، ومنها إزالة المنكر باليد لمن أمكنه) (٣).\nوقال الحافظ ابن حجر: (وفي الحديث منع النظر إلى الأجنبيات وغض البصر) (٤).\nوقال في غاية تلخيص المراد من فتاوى ابن زياد، وهو عبد الرحمن بن زياد الزبيدي مفتي الديار اليمنية من علماء القرن العاشر، لعبد الرحمن بن محمد بن حسين باعلوي: (مسألة): يحرم على الرجال النظر إلى النساء وعكسه، خصوصًا ذوات الهيئة والجمال وإن لم تكن خلوة ويأثم كل بذلك، ويجب نهيهم وتعزيرهم ويثاب الناهي عن ذلك ثواب الفرض، لأن الأمر بالمعروف من مهمات الدين) انتهى.\nفبالله عليكم لو كان كشف الوجه جائزًا ومباحًا لماذا يصرف رسول الله - ﷺ - وجه الفضل عن النظر إلى ما هو مباح؟ ثم لو كان كشف الوجه منتشرا بين النساء هل سيحتاج الفضل أن يسترق الزوايا\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٨٢).\n(٢) روضة المحبين لإبن القيم (صـ ١٠٢).\n(٣) شرح النووي لصحيح مسلم (٩/ ٩٨).\n(٤) فتح الباري (٤/ ٨٨).","vol":"1","page":478},{"text":"ويصر على الالتفات مرارًا في محاولة أن يراها وهو خلف رسول الله - ﷺ - ولأمكنه رؤيتها فيما بعد أو لاكتفى بالنظر لآلاف الكاشفات في ذلك التجمع الكبير وغيره! فدل على أنه لم يكن لينظر وهو يعلم أن رسول الله - ﷺ - يراه فهذه مخالفة مكشوفة ظاهرة للآيات والأحاديث في تحريم النظر للنساء كيف وهو ينظر نظر شهوة وكيف وقد علم إنكار رسول الله - ﷺ - له في المرة الأولى حيث صرف وجهه عنها؟ فعُلم أنه لما كرر النظر إليها مرات لم يكن أمام رسول الله بل خلفه ظانًا أنه لن يراه بدليل قوله: (فكنت أنظر إليها، فنظر إلي النبي - ﷺ -) (فالتفت النبي - ﷺ - والفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها) وهذا ما يبين لك شدة تحريم النظر للنساء فضلا عن كشفهن للرجال، ولهذا فلم يكن الأمر أبدا كما يظنه ويتصوره أهل السفور حيث قالوا: (فلو لم يفهم العباس أن النظر جائز ما سأل، ولو لم يكن ما فهمه جائزا ما أقره عليه - ﷺ -) فهذا فهم خاطئ لأن قوله: (لِمَ لويت رقبة ابن عمك؟) كما في بعض روايات الحديث عند الترمذي هو سؤال من العباس ﵁ والد الفضل لرسول الله - ﷺ - حيث رأى فعله بابنه ولم يدرِ ما السبب فقال له رسول الله - ﷺ -: (رأيت شابًا وشابةً فلم آمن الشيطان عليهما) (١) حيث لم يشعر بفعلته أحد وإنما تفطن له - ﷺ - كونه ركب أمامه وبجواره (فتلفت) و(نظر) إليه، ولم يقره كما يدعي ذلك أهل السفور هدانا الله وإياهم، بل أنكره أبلغ إنكار فعلا وقولا\n_________\n(١) صحيح الترمذي للألباني برقم (٧٠٢).","vol":"1","page":479},{"text":"وفي عدة مرات، فهذا كلام خطير وفهم غريب للنصوص، وهو أن يجوزوا النظر للنساء وبهذا الشكل ثم يدعون أن رسول الله - ﷺ - أقره عليه، فأين كان ذلك؟ هذه مصيبة ومخالفة لنصوص الكتاب والسنة الصحيحة والصريحة والمحكمة، ولإجماع المسلمين على تحريم النظر للنساء بلا حاجة، فَهُم مع الحاجة والضرورة اختلفوا هل ينظر بلذة وشهوة وفتنة أم لا ينظر؟ فكيف بهؤلاء يجوزون النظر بلذة وشهوة وفتنة ولا حاجة ولا ضرورة أيقر بذلك رسول الله - ﷺ -؟ وهكذا هم كلما حرفوا وبدلوا وصحفوا الكلام عن حقيقته ومواضعه لم يستقم لهم لا كلام الله ولا كلام رسوله ولا كلام أهل العلم فوقعوا في كثير من الإشكالات والمعارضات مع المحكمات والمسلمات الواضحات مما جاءت به الشريعة الغراء فتناقضوا فيما يقولونه، وناقضوا بين أدلتها ونصوصها، ولو كَشفت النساء عن وجوههن فمن منا لن يكون الفضل بن عباس ﵁ وعن أبيه، وجمعنا بهما وبالمتأولين من أهل السفور في مستقر رحمته؟ .","vol":"1","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>ثانيا: استدلالهم بحديث سفْعَاء الخدين</span>\nاستدلوا بحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (شهدت مع رسول الله الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئًا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكَّرهم، ثم مضى حتى أتى النساء - وفي رواية متفق عليها أيضًا - فظن أنه لم يسمع النساء - فوعظهن وذكرهن، فقال: تصدقْنَ فإن أكثركن حطب جهنم، فقامت امرأة من سطة النساء سفعاءُ الخدين فقالت: لِمَ يا رسول الله؟ قال: لأنكنَّ تكثرن الشكاة وتكفُرنَ العشير قال: فجعلنَ يتصدقْنَ من حُليّهنَّ ..)، وفي رواية أخرى عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (قام النبي - ﷺ - يوم الفطر فصلى فبدأ بالصلاة ثم خطب فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال وبلال باسط ثوبه يلقي فيه النساء الصدقة) متفق عليه.\nفقال دعاة السفور: فقد وصف جابر المرأة بأنها سفعاء الخدين، وهذا دليل بزعمهم على كونها كانت كاشفة عن وجهها أمامه.\nوالرد على مثل هذه الشبة من عدة وجوه وليس من وجه واحد:\nأ- كما قلناه سابقًا ليس في أي حديث من أحاديث رسول الله - ﷺ - وصحابته الكرام أن امرأة في زمنهم كانت كاشفة عن وجهها بلا سبب مبيح، ومجرد كون جابر ﵁ قال: إنها سفعاء الخدين فليس هذا لأنها كانت كاشفة أمامه، فليس هناك دليل على أن جابر رآها بنفسه، فقد يكون قوله وصف مشهور لتلك المرأة وأخبره به زوجه أو بعض قرابته من النساء، أو الراويات للحديث.","vol":"1","page":481},{"text":"ب- بل إن في كلام جابر ﵁ ما يدل ويؤكد على أنه لم يشاهد المرأة بنفسه كونه قال: (ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن) وقوله: (فقامت امرأة من سطة النساء) وقوله: (فأتى النساء فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال) وفي رواية لابن عباس: (فظن أنه لم يسمع النساء فوعظهن) كلها تدل على بعدهم عن موضع النساء، فلم يكونوا جميعا مختلطين، وأنه كان يحكي ما حصل هناك فلم يكن مع رسول الله - ﷺ - أحد من الرجال سوى بلال يعتمد عليه ويَجمع الصدقات ولم يقل إن وصفه لها كان عن حضور ومشاركة ورؤية منه لذلك، بل العكس.\nت- بل والأظهر والآكد في أن جابرا ﵁ لم يرى تلك المرأة بنفسه أن ابن عباس ﵄ في روايته سُئِل: (قيل له: شهدت العيد مع النبي - ﷺ -؟ قال: نعم ولولا مكاني من الصغر ما شهدته) (١) فقد كان عمره في حجة الوداع من السنة العاشرة للهجرة يناهز الحُلم، فيكون قبلها من المؤكد صغيرا كما قال عن نفسه وقوله هذا مما يدل على عكس ما أرادوه، وأن النساء كن يحتجبن من الرجال البالغين ولهذا قال: (ولولا مكاني من الصغر ما شهدته) وهو لصغره ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾ [النور: ٣١] فكيف يصح أن يقال إن جابرا ﵁ وهو الرجل البالغ شهد ذلك ورآه، قال الحافظ ابن حجر في الفتح عند شرحه\n_________\n(١) أخرجه البخاري (باب العَلم الذي بالمصلى)، وكان قبله بوب لرواية مشابهة عنده ... (باب خروج الصبيان إلى المصلى).","vol":"1","page":482},{"text":"لحديث ابن عباس في العيد: (لأن الصغر يقتضي أن يُغتفر له الحضور معهن بخلاف الكبر) انتهى.\nث- فيكفيهم لو يعدلون قول ابن عباس السابق فدل أن رواية جابر ووصفه لتلك المرأة بكونها (سفعاء الخدين) لم يكن عن رؤية لها أبدًا بل كانت عن وصف ونعت لما اشتهرت به تلك المرأة بين النساء من سفع في الخدين فقد يكون أخبره بذلك زوجته أو بعض قريباته أو بعض النسوة الناقلات للخبر والحديث، أو أن المرأة عُرفت بذلك بعد تلك الحادثة بين الناس، والنعت والوصف كان مشهورا عندهم كقوله - ﷺ -: (أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة وجمع بين إصبعيه السبابة والوسطى امرأة ذات منصب وجمال أمت من زوجها حبست نفسها على أيتامها حتى بانوا أو ماتوا) (١) ومعلوم أنه - ﷺ - لا يقصد امرأة بعينها وأن قوله ممتد في أمته لكل من هذه وصفها، وكذلك قوله - ﷺ -: (لا تُباشِرُ المرأة المرأة فَتنعَتها لِزَوجِها كأنه ينظُرُ إليها) (٢) وغير ذلك كثير مشهور عنهم في الوصف والنعت ونقل الأخبار من المرأة لزوجها ونحو ذلك ولم يقل أحد عن هذه الأحاديث أو غيرها أنها تدل على كشفهن للرجال أو تعني رؤية الرجال لهن فهو يقول: (كأنه ينظُرُ إليها) وهكذا مثله قول جابر إنما كان ينقل ما قيل له من حال المرأة ولم يكن ذلك عن رؤية منه لها.\n_________\n(١) قال الشيخ شعيب الأرناؤوط عند تخريجه لمسند الإمام أحمد (حسن لغيره وهذا إسناد ضعيف لضعف النهاس) انتهى. والحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١/ ٦٢) وأخرجه صاحب المعجم الكبير وعبد الرزاق في مصنفه (١١/ ٢٩٩) وأبو داود في سننه (٥١٥١).\n(٢) المتفق عليه.","vol":"1","page":483},{"text":"ج- ويؤكد ذلك أيضا أن جابرًا ﵁ كان هو الوحيد من بين رواة الحديث الخمسة الذي وصف أنها سفعاء الخدين، بل ولم يأت عنه ذلك الوصف إلا في رواية من بين رواياته المختلفة.\nح- كذلك رد العلماء بأن هذه الواقعة لسفعاء الخدين كانت قبل فرض الحجاب فإن صلاة العيد شُرعت في السنة الثانية للهجرة وسورة الأحزاب نزلت بالأمر بالحجاب بعد ذلك باتفاق الأئمة جميعًا، وهذا كافٍ أيضًا لا يحتاج لمزيد كلام.\nخ- احتمال أن تكون تلك المرأة من الإماء اللاتي لا يجب عليهن ستر وجوههن كما في قصة صفية أم المؤمنين ﵂ وقول الصحابة فيها: (إن حجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد) (١) بدليل أن لفظة (سطة) هي عند مسلم فقط، وثبت عند الباقين كالنسائي وأحمد والبيهقي والدارمي أنها: (امرأة من سفلة النساء) وفي رواية ابن أبي شيبة (امرأة ليست من علية النساء).\nقال النووي في شرحه لصحيح مسلم: (هكذا هو في النسخ «سطة» بكسر السين وفتح الطاء المخففة وفي بعض النسخ: واسطة النساء، قال القاضي: وزعم حذاق شيوخنا أن هذا الحرف مغير في كتاب مسلم وأن صوابه: من سفلة النساء. وكذا رواه ابن أبي شيبة في مسنده والنسائي في سننه. وفي رواية لابن أبي شيبة: امرأة ليست من عليه النساء. وهذا ضد التفسير الأول ويعضده قوله بعده: سفعاء الخدين. هذا كلام القاضي) انتهى كلام النووي من شرح مسلم.\n_________\n(١) أخرجه البخاري.","vol":"1","page":484},{"text":"وقال في مشارق الأنوار على صحاح الآثار: (س ط ت) قوله: فقامت امرأة من سطة الناس كذا هو في جميع نسخ مسلم وكذا قيدناه عن شيوخنا بكسر السين وتخفيف الطاء وأصله من الوسط من ذوات الواو وفي رواية الطبري من واسطة فسره بعضهم أن معناه من علية النساء وخيارهم، وكان القاضي الكناني يقول: أرى اللفظ مغيرا وأحسبه من سفلة النساء، فكأنه اختلط رأس الفاء مع اللام فجاء طاء قال ويعضده أن ابن أبي شيبة والنسائي روياه كذا من سفلة ويروى أيضا فقامت امرأة من غير علية النساء، وحق هذه الكلمة أن تكتب في حرف الواو ولكنه ذكرناها هنا لاشتباه صورتها بالصحيح ولأنها مغيرة) انتهى.\nومما يؤيد كونها أيضا من الإماء وصفه لها بـ (سفعاء الخدين) أي تغير وسواد في وجهها فعن أم سلمة ﵂: (أن النبي - ﷺ - رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال: اسْتَرْقوا لها فإن بها النظرة) (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (كانت سنة المؤمنين في زمن النبي - ﷺ - أن الحرة تحتجب والأمة تبرز) (٢) وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: (وذكر صاحب البارع في اللغة أن السفع سواد الخدين من المرأة الشاحبة والشحوب تغير اللون بهزال أو غيره). وهذا يؤيد ما في د.\nد- ومن المحتمل أن تكون عجوزًا كبيرة من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا بدلالة ألفاظ الحديث السابقة من الشحوب والهزال ونحوه.\n_________\n(١) أخرجه البخاري.\n(٢) تفسير سورة النور لشيخ الإسلام ابن تيمية.","vol":"1","page":485},{"text":"ذ- أنه وعلى فرض كونها كانت كاشفة فهذا لأنها في مجلس علم مع المعصوم - ﷺ - وقد ذكر الحافظ ابن حجر وآخرون: (أن النبي لا يَحرُمُ عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيات لمحل العصمة بخلاف غيره) (١) فاطمأنت أن أحدا لا يراها فرآها جابر فجأة فذكر ما لم يذكره غيره.\nر- ويحتمل أن حجابها انحسر أو سقط منها بغير قصد كقول الشاعر:\nسقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد\nوهذا كله الواحد منها كاف ومقنع، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، وهو أيضًا منا على فرض كونها كانت كاشفة عن وجهها، وتقولنا في حديث رسول الله - ﷺ - ما ليس فيه، فكيف يتجرأ البعض ليفتوا الناس بكشف وجه المرأة بمثل هذه الأدلة الظنية المشتبهة مع ما فيها من احتمالات قوية مقنعة، وبخاصة أن ما فهموه من حديث سفعاء الخدين هو فهم محدث لم يسبقهم إليه أحد قبلهم، فهذه كتب الحديث وشروحه هل قال فيها أحد بقولهم أو فهم منها أحد مثل فهمهم؟ فكيف وهي مخالفة أصلًا لصريح ما اعترفوا به من ستر النساء لوجوههن زمن رسول - ﷺ - أفيردوه بالظني ليقولوا بفهم آخر محدث وهو أن سترهن لذلك كان سنةً ومستحبًا.\n_________\n(١) فتح الباري (٩/ ٢١٠). وكذلك السيوطي في الخصائص الكبرى باب: اختصاصه بإباحة النظر إلى الأجنبيات والخلوة بهن.","vol":"1","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>ثالثا: شبهة استدلالهم بحديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ومخالفتهم لفهم السلف له</span>\nاستدلوا بحديث عائشة ﵂: (أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله وعليها ثياب رِقاق، فأعرض عنها رسول الله، وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه) (١) أخرجه أبو داود وقال هذا مرسل خالد بن دريك لم يدرك عائشة.\nوالحديث هذا لا يحتج بمثله أبدًا لكثرة ما فيه من ضعف ونكارة الواحدة منها تكفي لرده فضلًا عن الاستدلال به:\nأ- وذلك لأنه ضعيف جدًا، فقد ضعفه بالانقطاع مخرجه أبو داود بنفسه فقال: خالد بن دريك لم يدرك عائشة فهو لم يُعاصرها فكيف يروي عنها، وفي سنده سعيد بن بشير وقد ضعفه جمع من كبار أئمة الحديث، وكذلك هناك عنعنه بعض المدلسين مثل الوليد بن مسلم وقَتادة، حيث لم يصرحوا فيه بالتحديث.\nب- ولا أدل على ضعف الحديث من عدم العمل به عند المتقدمين وعدم فهمهم له على ما فهمه به أهل السفور اليوم، وقد مر معنا بإسهاب من قبل أن المتقدمين لم يأت عن أحد منهم أنه فهم من الحديث دعوة لسفور المرأة عن وجهها أبدًا، ولهذا استأنسوا بذكرهم لهذا الحديث فقط في أبواب عورة المرأة في الصلاة وأبواب ما يظهر منها\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه برقم (٣٦٣٦).","vol":"1","page":487},{"text":"عند الضرورة للأجنبي، مع أن الحديث بعيد كل البعد عن موضوع عورة الصلاة ونظر الأجنبي، ومع أن الإجماع على ذلك ولا يحتاج لدليل وهو أن المرأة لا يظهر منها حال صلاتها إلا الوجه والكفان ولكن أحبوا أن يستأنسوا بدليل مع الإجماع على تحديد هذا القدر، لأن أحاديث (تصلى في درع وخمار) ونحوه فيه كلام من جهة وقفه على أم سلمة كما أنه ليس فيه ولا في غيره تحديد القدر بالوجه والكفين تحديدا دقيقا يمنع من ظهور غيرهما، ولهذا استأنسوا بذلك في أبواب الصلاة مع أن الإجماع كاف كما قلنا، وكذلك فعلوا تماما عند تفسيرهم لآية الرخصة ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فالإجماع على جواز أن تبدي المرأة من زينتها ما تدعو الحاجة والضرورة إليه، ولكن أحبّوا أن يستأنسوا بدليل على تحديد قدر ما يظهر منها حال الرخصة غالبًا وهما الوجه والكفان، لأنهما أكثر ما تبتلى المرأة بكشفه عند الحاجة والضرورة كمثل ما قاله الفقهاء عند الشهادة والبيوع والتقاضي والنكاح ونحو ذلك.\nولهذا فلا نعلم أن أحدًا من أهل العلم المتقدمين صححه فضلًا عن أن يستشهد به على سفور المرأة فهذا مما لم يرد عنهم بتاتًا.","vol":"1","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>خطأ الألباني في فهم مراد الإمام البيهقي </span>(١):\nوفي نفس هذا الأمر أخطأ الشيخ الألباني ﵀ في فهم كلام المتقدمين كما مر معنا سابقا وعندما نقلنا تفسير أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فعندما وجدهم يحددون قدر الرخصة بما يظهر من المرأة حال الصلاة وعادة وعبادة ليكون هو القدر الغالب ظهوره عند الضرورة وهما الوجه والكفان ظنهم يتكلمون في الآية المشرعة والواصفة لحجاب المرأة المسلمة في أحوالها العادية ولهذا اعترض عليهم قائلا: (وهذا الترجيح غير قوي عندي لأنه غير متبادر من الآية على الأسلوب القرآني وإنما هو ترجيح بالإلزام الفقهي وهو غير لازم هنا لأن للمخالف أن يقول: جواز كشف المرأة عن وجهها في الصلاة أمر خاص بالصلاة فلا يجوز أن يقاس عليه الكشف خارج الصلاة لوضوح الفرق بين الحالتين). وقوله ﵀: (وفي هذا التعقيب نظر أيضا لأنه وإن كان الغالب على الوجه والكفين ظهورهما بحكم العادة فإنما ذلك بقصد من المكلف والآية حسب فهمنا إنما أفادت استثناء ما ظهر دون قصد، فكيف يسوغ حينئذ جعله دليلا شاملا لما ظهر بالقصد؟).\nوالحقيقة أنهم يتكلمون في آية الرخصة وتحديد قدر ما يظهر من زينة المرأة عند الحاجة والضرورة فقدروه بالوجه والكفين لأنهما مما\n_________\n(١) الإمام البيهقي ولد (٣٨٤ هـ) وتوفي ﵀ (٤٥٨ هـ).","vol":"1","page":489},{"text":"يظهران في صلاتها وعادة وعبادة لأنهما الغالب مما تبتلى به المرأة بكشفه كما في أحوالها التي ذكرها الفقهاء وكان هذا التقدير احتياطًا منهم حتى لا يتوسع الناس في الأخذ بالرخص فيكشفوا ما لا داعي لكشفه، ولهذا قوى البيهقي قول من قال بتحديد هذا القدر بالوجه والكفين كغيره من المتقدمين فظنه الشيخ الألباني أنه يقصد تقوية الحديث حين قال الألباني: (نعم حديث عائشة عند أبي داود دليل واضح على جواز إظهار المرأة الوجه والكفين لولا أن فيه ما بيناه في التعليق إلا أنه من الممكن أن يقال: أنه يقوى بكثرة طرقه وقد قواه البيهقي كما يأتي أدناه فيصلح حينئذ دليلا على الجواز المذكور) (١) انتهى\nوأما قوله: (وقد قواه البيهقي ... فيصلح حينئذ دليلا على الجواز المذكور) فكيف إذا اتضح أن البيهقي لم يقوه وإنما قوى أصل المسألة في تحديد القدر الظاهر من المرأة في الصلاة وعند الحاجة، كغيره من الأئمة المتقدمين، وهذا هو الحق فهذا غلط على البيهقي لأنه قال في السنن الكبرى: \"كتاب الصلاة\"\nثم ذكر: (باب وجوب ستر العورة للصلاة وغيرها).\nثم ذكر: (باب عورة المرأة الحرة) قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (أخبرنا) -وساق بسنده- عن ابن عباس قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: ما في الكف والوجه. (أخبرنا) -وساق بسنده-\n_________\n(١) جلباب المرأة للألباني.","vol":"1","page":490},{"text":"عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الآية قال: الكحل والخاتم. وروينا عن أنس بن مالك مثل هذا. (وأخبرنا) - وساق بسنده - عن عائشة ﵂ قالت: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الوجه والكفان. وروينا عن ابن عمر أنه قال: الزينة الظاهرة الوجه والكفان. وروينا معناه عن عطاء بن أبى رباح وسعيد بن جبير وهو قول الأوزاعي.\n(أخبرنا) - وساق بسنده - عن عائشة أن أسماء بنت أبى بكر دخلت على رسول الله - ﷺ - وعليها ثياب شامية رقاق فأعرض عنها ثم قال ما هذا يا أسماء؟ إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه. لفظ حديث المالينى. قال أبو داود: هذا مرسل. خالد بن دريك لم يدرك عائشة.\nقال الشيخ (١) مع هذا المرسل قول من مضى من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة فصار القول بذلك قويا وبالله التوفيق) (٢) انتهى كلام البيهقي.\nفأنت ترى هنا أنه إنما قوى تفسير الزينة الظاهرة بالوجه والكفين في أبواب تحديد عورة المرأة في الصلاة فذكر آية الرخصة وأقوال الصحابة والسلف فيها، فالبيهقي كمن سبق معنا من المفسرين والفقهاء يريد بذكر آية الرخصة وأقوال الصحابة فيها وحديث أسماء تحديد الوجه والكفين لبيان قدر عورة المرأة في الصلاة قياسا بقدر ما يجوز\n_________\n(١) أي الإمام البيهقي ﵀.\n(٢) سنن البيهقي (٢/ ٢٢٦).","vol":"1","page":491},{"text":"لها كشفه في الغالب عند الأجنبي، ولهذا استشهدوا بهما أيضا في \"كتاب النكاح\" مرة أخرى لتحديد قدر الرخصة للخاطب ونحوه قياسا بما يظهر منها حال الصلاة، فالأدلة هنا يستخدمونها هناك والأدلة هناك يستخدمونها هنا، وهذا غاية ما فهمه السلف من الآية وأقوال الصحابة فيها وحديث أسماء، وهكذا فعل الإمام ابن حزم الظاهري في المحلى من \"كتاب الصلاة\" و\"كتاب النكاح\" حيث حدد القدر مما يظهر من المرأة في الصلاة وعند الضرورة للأجنبي بالوجه والكفين، ولكن بحسب منهجه الظاهري في عدم قبوله بالقياس أو الحديث الضعيف، ولهذا استدل بحديث الخثعمية وتصدق النساء بحليهن يوم العيد المخرجين في الصحيحين على تحديد قدر ذلك بالوجه والكفين وأنهما ليسا بعورة فيجوز ظهورهما في الصلاة وعند الضرورة للخاطب والشاهد.\nوبالتالي تلاحظ عبارة البيهقي لم يقصد تقوية حديث أسماء بل ضعفه وإنما قصد تقوية مسألة تحديد القدر الظاهر منها في الصلاة وعند الحاجة فقال: (قال: أبو داود هذا مرسل. خالد بن دريك لم يدرك عائشة قال الشيخ: مع هذا المرسل قول من مضى من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة فصار القول بذلك قويا وبالله التوفيق) انتهى.\nفالبيهقي استشهد لتقوية مسألة تحديد القدر الظاهر من المرأة في الصلاة بحديث أسماء وقول من مضى من الصحابة في الآية (فصار القول بذلك قويا) وليس العكس فلم يستشهد بشيء لتقوية حديث أسماء بل","vol":"1","page":492},{"text":"نص على أنه مرسل منقطع، وظاهر كلامه هو: (في بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة فصار القول بذلك قويا) ومعناه فصار تحديد الوجه والكفين وظهورهما دون غيرهما في الصلاة وعند الحاجة بذلك قويا وليس الحديث المرسل هو القوي كما فهمه الألباني ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>تضعيف البيهقي لحديث أسماء بنت عميس الثاني من طريق ابن لهيعة من\"كتاب النكاح</span>\":\nولهذا عندما أخرج البيهقي في سننه عند \"كتاب النكاح\" ما يدل على جواز نظر الخاطب لمخطوبته كما في (باب نظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها) ذكر في الباب الذي بعده نفس حديث عائشة السابق وكذلك حديث أسماء بنت عميس المشابه له ولكن من طريق ابن لهيعة وكان ذلك منه لبيان القدر الجائز نظره من الخاطب لمخطوبته.\nولكنه كذلك ضعفه ولم يقوِّ مرسلًا بضعيف ولا ضعيفًا بمرسل لأنهم يعلمون أن الضعيف لا ينتهض بمثله فكيف بأضعف منه.\nفقال: (باب تخصيص الوجه والكفين بجواز النظر إليها عند الحاجة)\n(قال الله ﵎: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ قال الشافعي ﵀: إلا وجهها وكفيها، قال الشيخ ﵀: وقد روينا هذا التفسير في \"كتاب الصلاة\" عن ابن عباس وابن عمر وعائشة ثم عن عطاء وسعيد بن جبير وفي رواية أخرى عن ابن عباس وعطاء، باطن الكف ... أخبرنا - وساق بسنده - قالت: سألت عائشة ﵂ عن الزينة الظاهرة فقالت: القلب والفتخة وضمت طرف كمها.","vol":"1","page":493},{"text":"وأخبرنا - وساق بسنده - نفس حديث عائشة السابق في \"كتاب الصلاة\" عن عائشة أم المؤمنين: أن أسماء بنت أبي بكر ... وأشار إلى كفه ووجهه).\n- ثم ساقه من طريق ابن لهيعة من حديث أسماء بنت عميس -\nفقال: (أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان أنبأ أحمد بن عبيد ثنا أبو عمران الجوني ثنا محمد بن رمح ثنا ابن لهيعة عن عياض بن عبد الله أنه سمع إبراهيم بن عبيد بن رفاعة الأنصاري يخبر عن أبيه أظنه عن أسماء بنت عميس أنها قالت: (دخل رسول الله - ﷺ - على عائشة بنت أبي بكر وعندها أختها أسماء بنت أبي بكر وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام فلما نظر إليها رسول الله - ﷺ - قام فخرج فقالت: لها عائشة ﵂ تنحي فقد رأى رسول الله - ﷺ - أمرا كرهه فتنحت فدخل رسول الله - ﷺ - فسألته عائشة ﵂ لِمَ قام؟ قال: أولم تري إلى هيئتها أنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا وأخذ بكفيه فغطى بهما ظهر كفيه حتى لم يبد من كفه إلا أصابعه ثم نصب كفيه على صدغيه حتى لم يبد إلا وجهه. إسناده ضعيف) (١) انتهى كلام البيهقي.\nوهنا أيضا كما ترى ضعفه ولم يقوِّ في كلا الموضعين هذا بذاك أو ذاك بهذا.\n_________\n(١) سنن البيهقي \"كتاب النكاح\" (٧/ ٨٦).","vol":"1","page":494},{"text":"ثم قال بعد أن انتهى من (باب تخصيص الوجه والكفين بجواز النظر إليها عند الحاجة).\nقال بعده في نفس المكان: (باب من بعث بامرأة لتنظر إليها).\nثم قال بعده: (باب تحريم النظر إلى الأجنبيات من غير سبب مبيح قال الله ﷿: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾ انتهى.\nوممن تنبه لذلك صاحب كتاب \"حجاب المسلمة بين انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين\" فقال: (واستنتاج الألباني تقوية الحديث من عبارة البيهقي السابقة غير دقيق ذلك أن الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى لم يتعرض لذات الحديث بالتقوية أصلا وإنما تعرض لأصل المسألة فقط كما أن البيهقي لم يقو حديث أسماء الذي روته عنها عائشة ولا الشاهد الذي ساقه من طريق ابن لهيعة بل صرح بإرسال الأول (١) وضعف الثاني (٢) انتهى (٣).\nتنبيه: بالإضافة لهذا فإن في كلام الألباني ما يشعر القارئ بأن الإمام البيهقي على مذهب السفور، وذلك عندما نسب له تقويته للحديث وهذا إيهام غير صحيح، ولا نعلم أحدًا من المتقدمين من قال بمذهب السفور والبيهقي الحافظ من المتقدمين جدًا وتبويباته وأقواله كما في كتبه دالة\n_________\n(١) سنن البيهقي (٢/ ٢٢٦).\n(٢) سنن البيهقي (٧/ ٨٦).\n(٣) \"حجاب المسلمة بين انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين\" للشيخ د. محمد فؤاد البرازي.","vol":"1","page":495},{"text":"على وجوب تحجب النساء عن الرجال فقد مر معنا قوله: (باب تخصيص الوجه والكفين بجواز النظر إليها عند الحاجة).\nوفي معرفة السنن والآثار للبيهقي قال ﵀: (وروينا عن جابر بن عبد الله عن النبي - ﷺ -: «إذا خطب أحدكم امرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى بعض ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل قال: فخطبت جارية من بني سلمة فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها» قال الشافعي: ينظر إلى وجهها وكفيها ولا ينظر إلى ما وراء ذلك، قال أحمد: وهذا لأن الله جل ثناؤه يقول: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قيل عن ابن عباس وغيره: وهو الوجه والكفان، وقد مضى ذكره في كتاب الصلاة، وذكرنا فيه ما يشيده، وأما النظر بغير سبب مبيح لغير محرم فالمنع منه ثابت بآية الحجاب، ولا يجوز لهن أن يبدين زينتهن إلا للمذكورين في الآية من ذوي المحارم، وقد ذكر الله تعالى معهم ما ملكت أيمانهن) (١) انتهى كلام البيهقي ﵀.\nفالمتقدمون من العلماء درجوا على أن يستدلوا بحديث أسماء بنت ... أبي بكر: (أنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا) وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ في بابي عورة المرأة في الصلاة وما يجوز أن يظهر منها عند الحاجة والضرورة كما في أبواب النكاح من الخطبة والشهادة والتقاضي ونحوها، وعلى هذا حملوا معناه والمراد منه، أو هو منهم على قاعدة الاستئناس بالحديث الضعيف إذا\n_________\n(١) معرفة السنن والآثار للبيهقي \"كتاب النكاح\" (باب الترغيب في النكاح).","vol":"1","page":496},{"text":"لم يوجد في الباب غيره أو كنوع من أنواع القياس لتحديد القدر في الحالتين، ولم يصححوه لا سندا ولا بالمعنى الذي فهمه اليوم دعاة السفور أبدا، لأنه لا يعقل من كل وجه أن يصادم المحكمات الواضحات فكيف وسنده واهٍ، ولهذا ضعفه الألباني قديما، ثم رجع وصححه بالمعنى الذي عنده، ولعل الذي جعله يرجع عن تضعيفه ما رآه من كثرة ذكر المتقدمين من أهل العلم له في أبواب عورة المرأة في الصلاة وعند تفسيرهم لآية الرخصة من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ونحو ذلك كما في أبواب الفقه كالشهادة والبيوع وغير ذلك فظنهم بذلك يحتجون به سندًا، وإلا فالشيخ الألباني كما هو ظاهر في كلامه الذي نقلناه عنه في بداية هذا الموضوع كان مترددا في ثبوت صحته، فظن أن البيهقي قد قواه، ولهذا نقل في الرد المفحم صفحات حتى خرج عن موضوع رجال السند وطرق الحديث ليبرهن بكل الوسائل صحته، فوقع ﵀ في إشكاليات وتناقضات في الصناعة الحديثية مما قرره هو نفسه أكبر وأعمق من هذا لا مجال هنا لسردها.\nت- كما أن الحديث ضعيف من جهة أنه مضطرب وفيه نكارة وركاكة في ألفاظه ما يبعد معه أن يصدر ممن لا ينطق عن الهوى، فمن النكارة مثلا استحالة أن تدخل بنت الصديق ﵂ وعن أبيها، على رسول الله - ﷺ - وعليها ثياب رقاق تشف عن جسدها، ولو تجاوزنا","vol":"1","page":497},{"text":"عن هذه النكارة فيمكن أن نحمله على أنه كان قبل نزول فرض الحجاب كما قاله ابن قدامة ﵀ (١).\nومما يقوي القول أن ذلك قبل الحجاب أو أن الحديث منكر وشاذ لا يصح من أصله، أن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ كان عمرها حين هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة سبعًا وعشرين سنة كما قيل، ولهذا فيبعد كل البعد أن تدخل في ثياب رقاق تشف جسدها، اللهم إلا إذا كان ذلك في مكة قبل الهجرة أو قبل أن يُفرض الحجاب بالمدينة، ونسأل الله العفو أن نفترض في دين الله ما لا يصح أصلا لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وما لا يقبله أحد أن يقال في أهل بيته فكيف ببيت النبوة وأخت أم المؤمنين عائشة وبنت الصديق ﵃ أجمعين، ولكن ماذا نفعل؟ فما افترضنا ذلك إلا لنبين بطلان حجتهم من كل وجه وعلى أوسع الاحتمالات.\nوأما كون الحديث مضطرب فظاهر لمن تأمله فمرة يروى وكأن صاحبة القصة عائشة ومرة يروى وكأنها أسماء بنت عميس ومرة أنها أم سلمة بدل عائشة، وبألفاظ سياقها مختلف ومتعارض جدًا، فكانت كثرة طرقه دليلًا ظاهرًا على ضعفه لا كما قال الشيخ الألباني: (إلا أنه من الممكن أن يقال: أنه يقوى بكثرة طرقه).\n_________\n(١) انظر المغني لابن قدامة (٦/ ٥٥٩).","vol":"1","page":498},{"text":"ث- عدم عمل عائشة وأسماء ﵄ بكشف الوجه ولو لمرة واحدة، ولو في أشد الظروف كما حصل لعائشة ﵂ في حادثة الإفك حين سارت القافلة وتركتها وحيدة بعد حرب مع الأعداء ومع ذلك لما رأت أحد أبنائها ممن كانت تعرفه وتثق به ويراها قبل الحجاب لم تبادره بكشف وجهها ليعرفها أو تكلمه بأنها أمه عائشة زوج نبيه - ﷺ - بل قالت: (وكان صفوان من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه) (١)، أهذا لأنها لم تكن تعلم أن الحجاب لم يكن فريضة مفروضه، وأنه كان سنة ومستحب؟ وكذلك ما جاء عن أختها أسماء وهي محرمة حيث ذكر بعض أهل العلم الإجماع على وجوب كشفهن حال الإحرام ولكن إذا حاذاهن الرجال وجب الستر عليهن كما قالت: «كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام» (٢) وقول حفيدتها التابعية الجليلة فاطمة بنت المنذر: (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر الصديق) (٣)، أهذا كله كان بسبب أن مجتمع\n_________\n(١) متفق عليه\n(٢) أخرجه الترمذي وابن خزيمة والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في جلباب المرأة والإرواء.\n(٣) أخرجه مالك في \"الموطأ\" بسند جمع شروط الصحة عند الشيخين. قال الألباني: (قلت: وهذا إسناد صحيح) الإرواء برقم (١٠٢٣) وصححه في جلباب المرأة، والرد المفحم.","vol":"1","page":499},{"text":"رسول الله - ﷺ - وصحابته الكرام كان معروفًا فيه أن النساء يخرجن مكشوفات الوجوه أمام الرجال؟ .\nمع ما كان معروفًا عندهم من قول عائشة ﵂: (إن كان رَسُول اللَّهِ - ﷺ - ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم) متفق عليه.\nومع ذلك لم يشتهر عنها ولا عن أختها أسماء ولا عن واحدة من نساء الصحابة والتابعين أنها خرجت سافرة عن وجهها.\nفهذه علل تدل على عدم صحة الحديث فضلًا عن دلالته على المعنى المحدث عند أهل السفور اليوم، ولهذا فيكفي في رد شبهتهم أنه لم يأت عن أحد قبلهم أنه فهم من الحديث ما فهموه.\nولو افترضنا جدلًا وأخذنا بقاعدة الترجيح بين الحديثين الصحيحين المتعارضين لأغلقنا الباب سريعًا على هذه الشبهة، لأنه لا مقارنة بين ما هو مخرج عند الشيخين أو على شرطهما، وبين ما قال عنه مخرجوه من الحفاظ: ضعيف ومنقطع.\nفمن كل وجه لا حجة لهم فيه ولهذا فلا يجوز العمل به أو نسبته لرسول الله - ﷺ - وبخاصة بهذا الفهم المحدث المبتدع، الذي لم يكن عليه العمل من قبل، وإنما نحمله على أقل الأحوال على طريقة وفهم ومنهج بعض أهل العلم ﵏ في تحديد القدر الظاهر من المرأة في الصلاة وعند الحاجة.","vol":"1","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>رابعا: استدلالهم بحديث الواهبة نفسها لرسول الله - ﷺ - وشبهة أهل السفور فيه</span>\nفعن سهل بن سعد ﵁ قال: (أتت النبي - ﷺ - امرأة فقالت إنها قد وهبت نفسها لله ورسوله، فقال: ما لي في النساء من حاجة. فقال رجل: زوجنيها قال: أعطها ثوبا، قال: لا أجد، قال: أعطها ولو خاتمًا من حديد، فاعتل له، فقال ما معك من القرآن. قال: كذا وكذا. فقال: قد زوجتكها بما معك من القرآن) رواه البخاري.\nوفي رواية أخرى للبخاري أيضا: عن سهل ﵁ (أن امرأة جاءت إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها النبي ﵇، فصعد النظر إليها وصوبه ثم طأطأ رأسه ...) الحديث.\nوللرد على هذه الشبهة نقول: ماذا تريدون في حديث هو في غرض الزواج وطلب النكاح؟ وكشف الوجه جائز لكل من أراد الزواج بالنصوص الشرعية فلا دليل فيه، هذا أولًا.\nأ- ذلك كما قلنا سابقًا أنه ليس في شيء من أدلتهم أن امرأة كانت كاشفة عن وجهها أبدًا وهنا كما ترون، فعلى كثرة ما أورده البخاري وغيره من ألفاظ وروايات لحديث الواهبة متباينة ومختلفة العبارات ومع ذلك فإنه لم يأتِ في شيء منها أن المرأة جاءته كاشفة عن وجهها بين الرجال.\nوأما قوله: (فصعد النظر إليها وصوبه ثم طأطأ رأسه) فهذا أيضا يمكن أن يكون وهي في غاية الستر وبخاصة أنه - ﷺ - قال: (ما لي في النساء","vol":"1","page":501},{"text":"من حاجة) فإن الواحد منا قد لا يكون له رغبة أصلًا في الشيء فلا يحتاج لمشاهدته من أصله أو له مواصفات خاصة في المرأة من طول وشكل ونحو ذلك فلو نظر فيها فوجدها لا تتوفر فيها تلك الأمور المبدئية فإنه لا يحتاج للنظر لوجهها من أصله.\nب- ثم على فرض أنها كانت كاشفة أليس من حق الخاطب النظر لمخطوبته؟ وهذه المرأة جاءت واهبة نفسها لرسول الله - ﷺ - ليتزوجها، وكذلك الصحابي لما طلب أن يتزوجها، فكيف يستدلون بمثل هذه الأحاديث على كشف المرأة لوجهها؟ والمخالف لهم يقر بجواز ذلك وأنه أحد الأدلة على ستر النساء لوجوههن.\nوهذا ما فهمه ابن بطال عند شرحه لهذا الحديث من صحيح البخاري فقال: (ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا بأس بالنظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها، وهو قول مالك، والثوري، والكوفيين، والشافعي، وأحمد، وقالوا: لا ينظر إلى غير وجهها وكفيها. وقال الأوزاعي: ينظر إليها ويجتهد وينظر إلى مواضع اللحم .... .\nوخالفهم آخرون، وقالوا: لا يجوز لمن أراد نكاح امرأة ولا لغيره أن ينظر إليها إلا أن يكون زوجًا لها أو ذا محرم منها، ووجهها وكفاها عورة بمنزلة جسدها (١)، واحتجوا بحديث ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن سلمة بن أبى الطفيل، عن على بن أبى طالب أن النبي قال\n_________\n(١) وهنا لتعلم أن من قال بعكس قولهم وأن الوجه ليس بعورة لم يعنى بذلك كشفه لكل أحد كما فهمه عنهم أهل السفور اليوم، وإنما قصدوا بذلك أنه يجوز كشفه عند الخاطب والشاهد ونحو ذلك من الضرورات، وهذا كان أحد الأسباب في أنهم لم يعدوه من العورة كغيرهم.","vol":"1","page":502},{"text":"له: «يا عليّْ لا تتبع بالنظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة».\nقالوا: فلما حرم رسول الله - ﷺ - النظرة الثانية؛ لأنها تكون باختيار الناظر، وخالف بين حكمها وحكم ما قبلها إذا كانت بغير اختيار من الناظر، دل على أنه ليس لأحد أن ينظر إلى وجه امرأة إلا أن تكون زوجة أو ذات محرم.\nواحتج عليهم أهل المقالة الأولى أن الذي أباحه النبي ﵇ في الآثار الأول هو النظر للخطبة لا لغير ذلك، وذلك نظر لسبب هو حلال، ألا ترى لو أن رجلا نظر إلى وجه امرأة لا نكاح بينه وبينها ليشهد عليها أو لها أن ذلك جائز، وكذلك إذا نظر إلى وجهها ليخطبها، فأما المنهي عنه فالنظر لغير الخطبة ولغير ما هو حلال) (١) انتهى كلام ابن بطال على حديث الواهبة.\nوالمهم أننا بنقلنا لكلام الإمام ابن بطال والذي هو نفسه كلام الإمام الطحاوي - والذي سبق معنا (٢) - تبين لنا أن لا مذهب ثالث في مسألة الحجاب في زمنهم، كمثل مذهب القائلين اليوم بجواز كشف المرأة لوجهها، وإلا لذكروه واحتجوا به على من قال بمنع الخاطب من النظر للمخطوبة فضلا عن أن يكون ذلك في عهد رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) شرح البخاري لابن بطال (باب النظر إلى المرأة قبل التزويج).\n(٢) كلام الإمام الطحاوي كان في (صـ ١٦٣) عند بيان مذهب القائلين إن الوجه ليس بعورة وأن ذلك لا يلزم منه عندهم عدم وجوب ستره لعلة أخرى وهي الفتنة والشهوة.","vol":"1","page":503},{"text":"وصحابته الكرام أو تابعيهم بإحسان أو قول في مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد وجمهور الأئمة كما يدعون! .\nوانظر كيف استدل عليهم من رأى جواز نظر الخاطب لمخطوبته وكيف ناقشوهم بحديث رسول الله في جواز نظر الخاطب أو الإجماع في جواز نظر الشاهد، فلم يحتجوا عليهم بحديث الخثعمية ولا الواهبة نفسها ولا أسماء بنت أبي بكر ولا سفعاء الخدين ولا ... ولا غيرها مما أتى به أهل السفور اليوم، فسبحان الله كم بينهم وبين دعاة السفور اليوم من الفرق والبون الشاسع في الفهم والعلم، ولتعرف أن المتقدمين سواء من قال أن الوجه عورة أو من قال أنه ليس بعورة أنهم على خط واحد مستقيم ومنهج ثابت مطرد، وإن خالف البعض من المتقدمين من كلا الفريقين - وهم قليلون - فمنعوا من النظر للمرأة ولو لحاجة وضرورة ولو للخاطب، فنسب هذا أكثر ما نسب لمن قالوا إن المرأة كلها عورة، وإلا فالحق أننا رأينا أنه روي عن مالك وغيره كراهة ذلك وهم ممن لا يعدون الوجه والكفين من العورة، لتعرف أنهم في أصل المسألة ووجوب سترهما عن الأجانب متفقون مع من قال بأن المرأة كلها عورة، وإنما الخلاف بينهم في اختيار العلة المناسبة التي من أجلها أمر الشارع المرأة المسلمة بستر وجهها وزينتها عن الرجال، فمن قائل لأنه عورة ومن قائل ليس بعورة وإنما لأنه فتنة وشهوة، فظهر اعتراض هؤلاء على أولئك أكثر من ظهور علتهم، فحسبه أهل السفور أنه خلاف بينهم في أصل المسألة وأساسها.","vol":"1","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>خامسا: ومن أمثلة شبهاتهم الواهية التي ينقلونها:</span>\nنقلهم أن أسماء بنت عميس ﵂ كشفت عن يديها وهي تمرض أبا بكر الصديق (١) ومع أن هذا الأثر واضح في سبب ظهور كفيها بنص كلام الراوي فان الفرق شاسع بين التساهل في كشف الكفين بلا حاجة وبين الرخصة في كشفهما عند الحاجة، لأنه معلوم أن للمرأة لو احتاجت لكشف كفيها عند الأخذ والإعطاء كما قاله الفقهاء أو لتتفحص الأشياء من قماش وحبوب ونحوها فلها ذلك، فكيف وهي تمرض زوجها أو (تذب عنه) كما جاء في الأثر فالحاجة أشد لكشف كفيها لمسح وجهه أو إطعامه أو إشرابه أو مداواته ونحو ذلك وبخاصة وهي في بيتها مما يصعب معه لبسها للقفازين أو سترهما، فكان في موضع ما ادعوه دليل على بطلان مذهبهم لو كانوا يفقهون، ودليل على سترهن عند عدم الحاجة، إذ لو كان وجه أسماء بنت عميس مكشوفًا لما احتاج الصحابي أن يدلل على بياض بشرتها والوشم الذي في يدها من مشاهدته لكفيها حيث برر رؤيته لذلك بسبب تمريضها لزوجها أبي بكر الصديق ﵃ أجمعين، فدل على أنه لم ير كفيها من قبل فضلًا عن وجهها، فالسياق ظاهر على أنه رأى ما لم يكن متعودًا على رؤيته من قبل أن يدخل لبيت الصديق يعوده في مرضه، وإلا فأسماء من الصحابيات الجليلات ولو كن يخرجن كاشفات الوجوه والأيدي كما يزعمه أهل السفور لرأى ذلك منهن في غير البيوت ولما أحتاج أن\n_________\n(١) ذكر هذه الشبهة الألباني في الرد المفحم وجلباب المرأة.","vol":"1","page":505},{"text":"يخبر عن بياض ووشم كفيها يوم تمرض زوجها، وهذه هي أسماء التي عندما دخل عمر ﵁ على ابنته حفصة زوج رسول الله - ﷺ - سألها من هذه؟ ! .\nفعن أبى موسى ﵁ قال: (ودخلت أسماء بنت عميس، وهى ممن قدم معنا، على حفصة زوج النبي - ﷺ - زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس، قال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم، قال: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله منكم، فغضبت وقالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله - ﷺ - يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم وكنا في دار - أو في أرض - البعداء البغضاء بالحبشة، وذلك في الله ورسوله - ﷺ - وأيم الله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت لرسول الله ...) (١).\nفكيف يقال أنهن كن في زمن رسول الله - ﷺ - كاشفات الوجوه، وهكذا جل شبهاتهم واحتمالاتهم وتأويلاتهم الفاسدة إنما هي مبتورة عن حقيقتها الساطعة ومعناها العام الظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>ومن أمثلة غرائب استدلالات أهل السفور وشبههم:</span>\nأن في بعض أدلتهم وعلى فرض صحة سندها أو معناها أنها مبقية على الأصل وهو قبل الحجاب والناقل عن الأصل مقدم على المبقى كما في أصول الفقه والناقل عن الأصل معه زيادة علم وهو إثبات تغير\n_________\n(١) متفق عليه.","vol":"1","page":506},{"text":"الوضع السابق قبل الحجاب بما بعده، وخاصة أن أهل السفور يقرون بصراحة وكثرة أدلة غطاء الوجه والمثبت مقدم على المنفي.\nومثال ذلك - من المضحك المبكي -\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>سادسًا: استدلالهم لمثل هذا بما جاء في جلباب المرأة للألباني:</span>\n(عن الحارث بن الحارث الغامدي قال: (صحيح) ([قلت لأبي ونحن بمنى:] ما هذه الجماعة؟ قال: هؤلاء القوم قد اجتمعوا على صابئ لهم قال: فنزلنا (وفي رواية: فتشرفنا) فإذا رسول الله - ﷺ - يدعو الناس إلى توحيد الله والإيمان به وهم يردون عليه [قوله] ويؤذونه حتى انتصف النهار وتصدع عنه الناس وأقبلت امرأة قد بدا نحرها [تبكي] تحمل قدحا [فيه ماء] ومنديلا فتناوله منها وشرب وتوضأ ثم رفع رأسه [إليها] فقال: يا بنية خمري عليك نحرك ولا تخافي على أبيك [غلبة ولا ذلا] قلت: من هذه؟ قالوا: [هذه] زينب بنته) انتهى من جلباب المرأة.\nوهذا يستدلون به على أن تفسير قوله تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ وأنه ستر النحر والرأس فقط، فهو دليل بزعمهم على عدم فرض ستر الوجه، فكيف وهذه الآية نزلت بالمدينة وتلك الحادثة من أمره - ﷺ - لابنته بستر نحرها كانت بمكة؟ فكيف تكون تطبيقا وتعبدًا لما لم ينزل بعد من الآيات؟ ففي ذلك الوقت لم تكن نزلت آيات الحجاب بعد، بل لم تكن نزلت أركان الإسلام من زكاة وصيام وحج.\nوهذا ما يقوله الشيخ الألباني في كتابه \"جلباب المرأة\" ولهذا أتى بعده بكتابه الأخير الذي أسماه: (الرد المفحم على من خالف العلماء وتشدد","vol":"1","page":507},{"text":"وتعصب وألزم المرأة بستر وجهها وكفيها وأوجب ولم يقتنع بقولهم: إنه سنة ومستحب). وفيه ما هو أشد نكارة وشذوذًا وغرابة وتساهلًا حيث قال فيه: (وإني لأعتقد أن مثل هذا التشديد على المرأة لا يمكن أن يخرج لنا جيلًا من النساء يستطعن أن يقمن بالواجبات الملقاة على عاتقهن في كل البلاد والأحوال مع أزواجهن وغيرهم، ممن تحوجهم الظروف أن يتعاملن معهم، كما كن في عهد النبي - ﷺ - كالقيام على خدمة الضيوف، وإطعامهم، والخروج في الغزو، يسقين العطشى، ويداوين الجرحى، وينقلن القتلى، وربما باشرن القتال بأنفسهن عند الضرورة، فهل يمكن للنسوة اللاتي ربين على الخوف من الوقوع في المعصية - إذا صلت أو حجت مكشوفة الوجه والكفين- أن يباشرن مثل هذه الأعمال وهن منقبات ومتقفزات؟ لا وربي، فإن ذلك مما لا يمكن إلا بالكشف عن قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ كما سنرى في بعض الأمثلة الشاهدة لما كان عليه النساء في عهد النبي - ﷺ -) انتهى كلامه.\nفسبحان الله هل الخوف من الوقوع في المعصية أصبح أمرا قبيحًا؟ هذا عجيب والله، أليس هو ثمرة الخوف من الله والذي يعد أجل منازل العبودية وأنفعها للعبد عند لقاء ربه والمفروض على المسلم أن يخاف الله ويتقه كما قال تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] وإلا فما هو الشأن في الآيات والأحاديث التي لا تحصى تمدح الخاشعين والخائفين من ربهم وتعدهم بحسن العاقبة؟ كما قال","vol":"1","page":508},{"text":"تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨] وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] وإلا فكيف يكون الخوف من الله؟ هل هي كلمة تقال دون أن يترتب عليها أثر من عمل كما هو شأن المرجئة؟ أليس ثمرة الخوف من الله الخوف من الوقوع في المعاصي التي نهى عنها كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴿٤٠﴾ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات]، ومن الخوف من الله الخوف من التقصير فيما أمر كما قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]، فكيف نعيب على المسلمين والمسلمات أن يخافوا من الوقوع في معاصي الله التي تغضبه وتكون سببًا في نيل عقابه، هذا كلام فيه تساهل فإذا كان في الشبهات ورسول الله - ﷺ - يقول مخوفًا منها: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وأن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه) (١) كما قال تعالى: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا﴾ قال بعض المفسرين: ما لكم لا تخافون لله عظمة.\n_________\n(١) متفق عليه من حديث النعمان بن بشير ﵁.","vol":"1","page":509},{"text":"سابعًا: عن أنس قال: لما كان يوم أحد ... رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سُليم، وإنهما لمشمِّرتان أرى خدم سوقهما (يعني: الخلاخيل) تنفران (أي: تحملان) القِرَب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم) انتهى من الرد المفحم.\nومن المعلوم أن معركة أحد كانت في السنة الثالثة للهجرة ونزول آيات الحجاب في السنة الخامسة للهجرة فهي بكل حال لا تصلح للاستدلال بشيء أبدًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nولهذا الخطر المدلهم فقد رد على الشيخ الألباني ﵀ عدد ممن لا يحصى، وما ذاك إلا محبة في الشيخ لخدمته للسنة ومحبته للحق ولكنها زلة منه رحمه الله تعالى لا يقصد إلا الخير وبيان السنة، ولهذا كان رد أهل العلم الأجلاء كالشيخ صالح الفوزان عضو هيئة كبار العلماء في عدة مقالات، والشيخ السندي في كتابه \"رفع الجنة أمام جلباب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة\"، والشيخ حمود التويجري في كتابه \"الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور\"، والشيخ أبو الأعلى المودودي في آخر كتابه\"الحجاب\"، بل وغيرهم من طلبة العلم الفضلاء.\nولهذا لما قيل للشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية: إن الشيخ الألباني يرى السفور قال: (يريد أن يطبب زكاما فأحدث جذاما) (١). وصدق ﵀ فالشيخ الألباني ﵀ أراد أن يبين السنة والمستحب فترك الفريضة.\n_________\n(١) انظر مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (١٠/ ٤٨).","vol":"1","page":510},{"text":"كما أن أهل السفور هدانا الله وإياهم ورحم من مات منهم وجمعنا بهم في مستقر رحمته أخذوا يرموننا بـ (المتشددين على المرأة) وكأننا نحن من فرض عليهن ستر وجوههن، وأنتم ترون نقول أهل العلم من المتقدمين بين أيديكم فكيف يحق لهم ذلك وهم يقولون إنه سنة ومستحب، ويقولون معترفين (والنصوص متضافرة عن أن نساء النبي - ﷺ - كن يحتجبن حتى في وجوههن وإليك بعض الأحاديث والآثار التي تؤيد ما نقول ... ففي هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على أن حجاب الوجه قد كان معروفًا في عهده - ﷺ - وأن نساءه كن يفعلن ذلك وقد استن بهن فضليات النساء بعدهن) (١) انتهى من جلباب المرأة للألباني.\nأفكان الله يأمر نبيه ليبلغ زوجاته وبناته ونساء المؤمنين ومن (بعدهن) بما يقال فيه (المتشددين على المرأة) هذا تناقض ظاهر في كلامهم.\n_________\n(١) نقلا من كلام الشيخ الألباني في كتابه جلباب المرأة.","vol":"1","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>خلاصة شبهات أهل السفور اليوم وبدعة القول أن في تغطية المرأة لوجهها أمام الرجال سنة ومستحب</span>\nوكما ترى فهذه أشهر الأدلة في كتب أهل السفور وهي مع ذلك بين ضعيفة في سندها أو معناها أو دلالتها أو فهمها فهي بعيدة عن فهم ومقصد المتقدمين لها وغير صريحة على قولهم بكشف المرأة لوجهها ولهذا فليس عندهم دليل إلا الاحتمالات والظنيات وهو باب خطير لو فتح فلقائلٍ من أهل الفسق أن يقول: إن الخثعمية كانت كاشفة عن وجهها وشعرها، ولغيره أن يقول: الواهبة كانت كاشفة عن ووجهها وذراعيها وساقيها، وبهذا نفتح الباب لمثل مطالب أهل الفسق والمجون كما فتحه فعلا دعاة السفور اليوم بظنونهم أن أولئك الصحابيات كن كاشفات عن وجوههن، ولهذا فمذهبٌ ليس لدى أصحابه دليل على تحديد ما يدعونه سوى أنهم رموا بالشبهات في قلوب العباد وتركوهم بلا تحديد ولا ضابط ولا مراعاة ولا تقدير لأقوال أئمة أهل العلم المتقدمين.\nولهذا فكل يوم يطالعوننا بما يخالف الأمور المحكمات والمسلّمات الواضحات من تجويزهم الاختلاط والجلوس لمؤاكلة الرجال والتهاون في عدم أمر النساء بلبس الجلابيب فوق الثياب والتزهيد في لبس القفازين والنقاب وهما المذكوران بنص السنة الصريحة، وصدق الله:","vol":"1","page":512},{"text":"﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٣٦] ولهذا حذر رسول الله - ﷺ - فقال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) متفق عليه.\nفكيف وشبهاتهم محدثة لم يسبقهم بها أحد، وكيف وبعضها لا يصلح للاستدلال أصلا، فكم أماتت تلك الأفهام من سنة وأحيت من بدعة فحرفت وبدلت وصحفت كثيرا من علوم أهل الإسلام، فحمَّلُوها مالا تحتمل، بالإضافة إلى أن أغلب ما يذكرونه هو من قبيل حوادث الأعيان التي قد تكون لها ظروف وأسباب وأحوال وليست لعموم الأمة.\nقال أبو هشام الأنصاري: (والحاصل أن كل ما قدمنا من النصوص الدالة على وجوب الحجاب من الكتاب والسنة هي أصول وقوانين كلية وهذه واقعة عين وقد علمت ما فيها من الاحتمالات فهي لا تصلح لمقاومة تلك النصوص ولا يترك القانون الكلي في مقابلة واقعة عين مثل هذه) (١) انتهى.\nفهي عن نساء من الصحابيات لم يصرح في واحدة منهن أنها كانت كاشفة عن وجهها، وعلى فرض ذلك فقد عُرفت أحوالهن وظروفهن وحاجتهن لذلك، وإذا عرف السبب بطل العجب، ولا أدل على أن قولهم ذلك بدعة أنك لن تجد مع نقلنا الطويل والمسهب لأقوال أهل العلم من قال بجواز سفور المرأة فضلًا عن قولهم مثل هذه العبارات منذ أربعة عشر قرنًا قبل الشيخ الألباني ﵀، كما أنك لو نظرت في أقوال\n_________\n(١) نقله عنه صاحب كتاب عودة الحجاب.","vol":"1","page":513},{"text":"وأعداد الأئمة والفقهاء والمفسرين القائلين بوجوب تغطية المرأة لوجهها لعلمت أنه لم يبق لهم أحد من أئمة الإسلام يقول بقولهم فضلا عن أن يقولوا مثل هذه العبارة المطولة التي تحتاج ليقف عندها جهابذة أهل العلم للتدليل عليها شرعًا.\nولو تلفتّ يمينًا وشمالًا باحثًا عن إمام من الأئمة قال بقولهم في جواز السفور لعلمت أنه غير موجود بتاتًا بل العكس كما مر معنا من نقولاتهم.\nولهذا أنبّه طلبة العلم والدعاة من الحذر من قبول أن في مسألة فريضة الحجاب خلاف بين أهل العلم المتقدمين فضلا عن السلف من صحابة رسول الله - ﷺ - وتابعيهم بإحسان، أو القول أن الأمر في فريضة الحجاب دائر بين المستحب والواجب، فهذا غاية ما يريده المفسدون وبداية ما يريد سماعه أهل الفسق والمجون؛ لأن الغالب في مثل هذا الحجاب أن يؤول بالمرأة المسلمة للأسوأ كما بيناه وكما هو شاهد الحال. وبخاصة بعد أن علمنا أن بناء مذهب القائلين بسفور المرأة عن وجهها إنما هو قائم ومعتمد على مجموعة من الأخطاء الظاهرة في فهم كلام ومنهج المتقدمين كمسألة هل الوجه عورة أم لا؟ ونحو ذلك.\nفهل مر عليكم من ضمن ما قيل من خلافهم المنقول خلافهم على مسألة السفور؟ لدرجة ذكرهم خلاف من منع نظر الخاطب لمن أراد خطبتها، فمنعه جماعة منهم وهذا يبين لك مدى عظيم أمر كشف المرأة لوجهها وشناعته عندهم ولو كان لسبب مبيح ونص شرعي مبين، وذكروا خلاف نظر المرأة للرجل لتعلم فيما كانوا يختلفون، فكيف يتصور أن","vol":"1","page":514},{"text":"عندهم وفي زمانهم شريعة الله وفريضته في الحجاب كانت سنة ومستحب؟ فضلًا أن يكون عندهم عن أحد من الصحابيات أو التابعيات أو تابعي التابعيات دليل مشتهر في فعلهن أو بيانهن لهذه السُنة المستحبة ولو بدليل وأحد صريح ولو لمرة واحدة، وهذا من أعجب العجب على بطلان قولهم وسبحان الله! .\nفلان نعترف ونعتذر للبعض إن أخطأ في فهم الظاهر من كلام السلف والعلماء المتقدمين أسلم لأداء الأمانة التي حملها الإنسان وخير وأولى من رمي الشريعة والصحابة والفقهاء من الأئمة الأربعة والمحدثين بالنزاع واختلاف التضاد في حين لم يرد عنهم في ذلك شيء واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>مذهب السلف في مسائل الشبهات:</span>\nولهذا فمذهب السلف في مسائل الشبهات معروف كما هو مقرر من قول عدد من أئمة الإسلام:\nقال الإمام الشاطبي ﵀: (إذا ثبتت قاعدة عامة أو مطلقة فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان ولا حكايات الأحوال، والدليل على ذلك أمور ... - ثم ذكرها - إلى أن قال: وهذا الموضع كثير الفائدة عظيم النفع بالنسبة إلى المتمسك بالكليات إذا عارضتها الجزئيات وقضايا الأعيان، فإنه إذا تمسك بالكلي كان له الخيرة في الجزئي في حمله على وجوه كثيرة، فإن تمسك بالجزئي لم يمكنه مع التمسك الخيرة في الكلي؛ فثبت في حقه المعارضة ورمت به أيدي الإشكالات في مهاوٍ","vol":"1","page":515},{"text":"بعيدة، وهذا هو أصل الزيغ والضلال في الدين؛ لأنه اتباع للمتشابهات وتشكك في القواطع المحكمات) (١) انتهى.\n\nوقال أيضًا في كتابه \"الاعتصام\":\n(فصل: ومنها انحرافهم عن الأصول الواضحة إلى اتباع المتشابهات التي للعقول فيها مواقف وطلب الأخذ بها تأويلا.\nكما أخبر الله تعالى في كتابه إشارة إلى النصارى في قولهم بالثالوثي بقوله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾ وقد علم العلماء أن كل دليل فيه اشتباه وإشكال ليس بدليل في الحقيقة حتى يتبين معناه ويظهر المراد منه ويشترط في ذلك\nأن لا يعارضه أصل قطعي فإذا لم يظهر معناه لإجمال أو اشتراك أو عارضه قطعي كظهور تشبيه فليس بدليل لأن حقيقة الدليل أن يكون ظاهرا في نفسه ودالا على غيره وإلا احتيج إلى دليل فإن دل الدليل على عدم صحته فأحرى أن لا يكون دليلا.\nولا يمكن أن تعارض الفروع الجزئية الأصول الكلية لأن الفروع الجزئية إن لم تقتض عملا فهي في محل التوقف وإن اقتضت عملا فالرجوع إلى الأصول هو الصراط المستقيم ويتناول الجزئيات حتى إلى الكليات فمن عكس الأمر حاول شططا ودخل في حكم الذم لأن متبع الشبهات مذموم فكيف يعتد بالمتشابهات دليلا؟ أو يبنى عليها حكم من\n_________\n(١) الموافقات (٣/ ٢٦٠) للإمام أبي إسحاق الشاطبي المتوفى سنة (٧٩٠ هـ).","vol":"1","page":516},{"text":"الأحكام؟ وإذا لم تكن دليلا في نفس الأمر فجعلها بدعة محدثة هو الحق.\nومن الأمثلة أيضا أن جماعة زعموا أن القرآن مخلوق تعلقا بالمتشابه والمتشابه الذي تعلقوا به على وجهين: عقلي في زعمهم وسمعي. ... ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد وهو الجهل بمقاصد الشرع وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها وعامها المرتب على خاصها ومطلقها المحمول على مقيدها ومجملها المفسر بينهما إلى ما سوى ذلك من مناحيها فإذا حصل للناظر من جملتها حكم من الأحكام فلذلك الذي نظمت به حين استنبطت.\nوما مثلها إلا مثل الإنسان الصحيح السوي فكما أن الإنسان لا يكون إنسانا حتى يستنطق فلا ينطق باليد وحدها ولا بالرجل وحدها ولا بالرأس وحده ولا باللسان وحده بل بجملته التي سمي بها إنسانا كذلك الشريعة لا يطلب منها الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها لا من دليل منها أي دليل كان نطق ذلك الدليل فإنما هو توهمي لا حقيقي كاليد إذا استنطقت فإنما تنطق توهما لا حقيقة من حيث علمت أنها يد إنسان لا من حيث هي إنسان لأنه محال.\nفشأن الراسخين: تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضًا كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليل ما أي دليل كان عفوا وأخذًا أوليًا وإن كان ثَمَّ ما يعارضه","vol":"1","page":517},{"text":"من كلي أو جزئي فكان العضو الواحد لا يعطى في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا فمتبعه متبع متشابه ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ كما شهد الله به: ﴿ومن أصدق من الله قيلا﴾ وذلك أن التعارض إذا ظهر لبادي الرأي في المقولات الشرعية فإما أن لا يمكن الجمع بينهما أصلا وإما أن يمكن فإن لم يمكن فهذا الفرض بين قطعي وظني أو بين ظنيين فأما بين قطعيين فلا يقع في الشريعة ولا يمكن وقوعه لأن تعارض القطعيين محال فإن وقع بين قطعي وظني بطل الظني وإن وقع بين ظنيين فهاهنا للعلماء فيه الترجيح والعمل بالأرجح متعين وإن أمكن الجمع فقد اتفق النظار على إعمال وجه الجمع وإن كان وجه الجمع ضعيفا فإن الجمع أولى عندهم وإعمال الأدلة أولى من إهمال بعضها فهؤلاء المبتدعة لم يرفعوا بهذا الأصل رأسا إما جهلا به أو عنادا) (١) انتهى من كتاب \"الاعتصام\".\nفلا نشك أنهم أرادوا الحق ولكن لم يصيبوه، كما قال شيخ الإسلام بن تيمية: (فقد يخفى على بعض العلماء بعض معاني القرآن كما خفي عليه بعض السنة فيقع خطأ المجتهدين من هذا الباب. والله أعلم) (٢)\nبعكس أهل الزيغ والفساد فلا كلام لنا معهم، لأنهم لا يريدون طاعة الله ورسوله وإنما طاعة أهوائهم، ولكن نسأل الله لنا ولهم ولجميع المسلمين الهداية والله العالم بما نعلن ونسر.\n_________\n(١) الاعتصام للشاطبي (١/ ١٨١).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٨١) من مقدمة التفسير.","vol":"1","page":518},{"text":"(المبحث الثامن)\nالرخصة الثانية في سورة النور وإجماع أهل العلم قال تعالى: ﴿وَالقواعد مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ متبرجات بِزِينَةٍ وَأن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠].","vol":"1","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>(المبحث الثامن)\nالرخصة الثانية في سورة النور وإجماع أهل العلم\nقال تعالى: ﴿وَالقواعد مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ متبرجات بِزِينَةٍ وَأن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّ</span>هُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠].\nوهذ هي الرخصة الثانية في سورة النور بعد الرخصة الأولى من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، وقد أجمع أهل العلم على أنها الرخصة للعجائز في التخفيف عليهن بعدم لبسهن للجلابيب والأقنعة التى تكون فوق الثياب، وقد سبق معنا نقل كلام أهل العلم في معنى الجلابيب والأقنعة عند قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ قُل لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن﴾ [الأحزاب: ٥٩].\n١ - قال ابن العربي في أحكام القرآن: (المسألة الأولى: قوله: ﴿والقواعد مِنَ النِّسَاء﴾ جمع قاعد بغير هاء فَرْقًا بينها وبين القاعدة من الجلوس في قول بعضهم. وهن اللواتي قعدْنَ عن الحيض وعن الولد فليس فيهن رغبةٌ لكل أحد ولا يتعلق بهن القلْبُ في نكاح ويجوز النَّظَرُ إليهن بخلاف الشباب منهن ... وإنما خص القواعد بذلك دون غيرهن لانصراف النفوس عنهن، ولأن يستعففن بالتستر الكامل خير من فعل المباح لهن من وضع الثياب) انتهى.","vol":"1","page":521},{"text":"٢ - قال الجصاص: ﴿وَالقواعد مِنْ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ ... قَالَ أبو بَكْرٍ: لَا خِلَافَ فِي أن شَعْرَ الْعَجُوزِ عَوْرَةٌ لَا يَجُوزُ لِلْأجنبي النَّظَرُ إليه كَشَعْرِ الشَّابَّةِ، وَأنهَا إن صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرأس كانت كَالشَّابَّةِ فِي فَسَادِ صَلَاتِهَا ... وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أنهُ إنمَا أباح لِلْعَجُوزِ وَضْعَ رِدَائهَا بَيْنَ يَدَيْ الرِّجَالِ بَعْدَ أن تَكُونَ مُغَطَّاةَ الرأس وَأباح لَهَا بِذَلِكَ كَشْفَ وَجْهِهَا وَيَدِهَا؛ لأنهَا لَا تُشْتَهَى، وَقَالَ تعالى: ﴿وَأن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ فَأباح لَهَا وَضْعَ الْجِلْبَابِ وَأخبر أن الاسْتِعْفَافَ بِأن لَا تَضَعَ ثِيَابَهَا أيضا بَيْنَ يَدَيْ الرِّجَالِ خَيْرٌ لَهَا) انتهى.\nوأنظر كيف قاس قدر الرخصة للقواعد بما يظهر من المرأة حال الصلاة، وهكذا فعلوا في الرخصة الأولي كما تقدم معنا.\n٣ - قال في تفسير زاد المسير لابن الجوزي: (قوله تعالى: ﴿أن يَضَعْنَ ثيابهُنَّ﴾ أي: عند الرجال ويعني بالثياب: الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار هذا المراد بالثياب لا جميع الثياب، ﴿غيرَ متبرجات بزِينَةٍ﴾ أي: من غير أن يُرِدْنَ بوضع الجِلباب أن تُرى زينتُهن والتبرُّج: إِظهار المرأة محاسنها ﴿وأن يَسْتَعْفِفْنَ﴾ فلا يَضَعْنَ تلك الثياب ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ قال ابن قتيبة: والعرب تقول: امرأة واضعٌ: إذا كبِرتْ فوضعت الخمار ولا يكون هذا إلا في الهرِمة. قال القاضي أبو يعلى: وفي هذه الآية دلالة على أنه يُباح للعجوز كشف وجهها ويديها بين يدي الرجال وأما شعرها فيحرم النظر إليه كشعر الشابَّة) انتهى.","vol":"1","page":522},{"text":"٤ - تفسير اللباب في علوم الكتاب لابن عادل (ت: ٨٨٠ هـ):\n(وقال ربيعة: هنَّ العُجُز اللواتي إذا رآهنَّ الرجل استقذرهن، فأما من كانت فيها بقية من جمال وهي محل الشهوة فلا تدخل في هذه الآية ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ عند الرجال يعني: يضعن بعض ثيابهن، وهي الجلباب والرداء الذي فوق الثياب والقناع الذي فوق الخمار فأما الخمار فلا يجوز وضعه لما فيه من كشف العورة) انتهى.\n٥ - وقال في تفسير نظم الدرر للبقاعي (ت: ٨٨٥ هـ):\n(ولما ذكر سبحانه اقتبال الشباب في تغيير حكم الحجاب أتبعه الحكم عند إدبار الشباب في إلقاء الظاهر من الثياب، فقال: ﴿والقواعد﴾ وحقق المرأة بقوله: ﴿من النساء﴾ جمع قاعد وهي التي قعدت عن الولد وعن الحيض كبرًا وعن الزوج. ولما كان هذا الأخير قطبها قال: ﴿اللاتي لا يرجون نكاحًا﴾ أي لعدم رغبتهن فيه أو لوصولهن إلى حد لا يرغب فيهن معه ﴿فليس عليهن جناح﴾ أي شيء من الحرج في ﴿أن يضعن ثيابهن﴾ أي الظاهرة فوق الثياب الساترة بحضرة الرجال بدليل قراءة ابن مسعود ﵁ ﴿من ثيابهن﴾ قال أبو صالح: تضع الجلباب، وهو ما يغطي ثيابها من فوق كالملحفة وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار ﴿غير متبرجات بزينة﴾ أي متعمدات بوضع ما أبيح لهن وضعه إظهار وجوههن مع الزينة أو غير متظاهرات بالزينة، قال في الجمع بين العباب والمحكم: تبرجت المرأة: أظهرت وجهها.","vol":"1","page":523},{"text":"وفي القاموس: تبرجت: أظهرت زينتها للرجال. انتهى، ومادة برج تدور على الظهور كما مضى في الحجر وقال البيضاوي: وأصل البرج التكلف في إظهار ما يخفى. انتهى، وكأنه أشير بصيغة التفعل إلى أن ما ظهر منها من وجهها أو زينتها عفوًا غير مقصود به الفساد لا حرج فيه. ولما ذكر الجائز وكان إبداء الوجه داعيًا إلى الريبة، أشار إليه بقوله ذاكرًا المستحب بعثًا على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها: ﴿وأن يستعففن﴾ أي يطلبن العفة بدوام الستر وعدم التخفف بإلقاء الجلباب والخمار ﴿خير لهن﴾ من الإلقاء المذكور) انتهى كلامه.\nوأنظر كيف فهموا المستحب والسنة في مسألة الحجاب وهو عند عدم الأخذ بالرخص للقواعد من النساء بكشف وجوههن، أو كما قاله القاضي عياض: (وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة مستحبة لها) وهذا فيمن لم تأخذ بجواز الكشف في طريقها عند عدم وجود الرجال فقال إن سترها وعدم كشفها سنة مستحبة لها لأن له أصل.\nلتعلم من أين أخطأ الشيخ الألباني حين عكس المسألة فأخذ من أقوال السلف في آية الرخص من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، فجعلها دليلا على حجاب المرأة المسلمة في أحوالها العادية، مع أنها متأخرة ولهذا لما تفاجأ بالأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم في وجوب تحجب النساء عن الرجال حملها بما لم يحمله بها أحد قبله فقال: إن ستر المرأة لوجهها عن الرجال سنة","vol":"1","page":524},{"text":"ومستحب، ولو قصد المرأة من القواعد أو من جاز لها الكشف لحاجة أو ضرورة أو من جاز لها الكشف عند خلو الطريق ونحو ذلك من الرخص ولكنها لم تفعل وآثرت الاحتياط والورع فهذا من حقها وهو سنة ومستحب لها لأن له أصل عام وهو فريضة التحجب، وله إرشاد خاص من قوله تعالى: ﴿وَأن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ فلو قصد ذلك لكان قوله صوابا وله سلف قولا وفعلا كما فعلته حفصة بنت سيرين التابعية الجليلة رحمها الله.\n٦ - وأخرج البيهقي والدارقطني وغيرهما عن عاصم الأحول قال: كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب هكذا: وتنقبت به فنقول لها: رحمك الله، قال الله تعالى: ﴿وَالقواعد مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ هو الجلباب، قال: فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: ﴿وأن يستعففن خير لهن﴾، فتقول: هو إثبات الحجاب) وصححه الألباني في \"أحكام النساء\" و\"جلباب المرأة\" وغير ذلك، وهذا دليل ظاهر على أن ستر وجه المرأة الشابة عن الرجال ليس سنة ومستحب، بل هو واجب وهذا تفسير لكتاب الله من أجلة الأعلام التابعين وبلا خلاف بينهم.","vol":"1","page":525},{"text":"٧ - تفسير روح البيان لإسماعيل حقي (ت: ١١٢٧ هـ)\n(اعلم أن العجوز إذا كانت بحيث لا تشتهى جاز النظر إليها لأمن الشهوة (١). وفيه إشارة إلى أن الأمور إذا خرجت عن معرض الفتنة وسكنت ثائرة الآفات سهل الأمر وارتفعت الصعوبة وأبيحت الرخص ولكن التقوى فوق أمر الفتوى كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وأن يستعففن خير لهن﴾ وفى الحديث «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع مالا بأس به حذرا مما به بأس») انتهى.\n٨ - قال ابن حزم في المُحَلى: مسألة: - بقية كتاب النكاح -\n(لأن المخالفين لَنَا هَاهُنَا بِأَهْوَائِهِمْ لاَ يَخْتَلِفُونَ فِي أنهُ لاَ يَحِلُّ النَّظَرُ إلى زِينَةِ شَعْرِ الْعَجُوزِ السَّوْدَاءِ الْحُرَّةِ، وَلَعَلَّ النَّظَرَ إليها يَقْذِي الْعَيْنَ وَيُمِيتَ تَهْيِيجَ النَّفْسِ وَيُجِيزُونَ النَّظَرَ لِغَيْرِ لَذَّةٍ إلى وَجْهِ الْجَارِيَةِ الْجَمِيلَةِ الْفَتَاةِ وَيَدَيْهَا) انتهى كلامه.\nوفيه الإجماع على تغطية العجوز شعرها لأنه عورة وقد نقله أكثر من واحد، وفيه أن ابن حزم يوجب المساواة بين الأمة الجارية والحرة في وجوب سترها لوجهها ولبسها للجلابيب، ولهذا منع النظر للجارية ولو لغير لذة وإلا فبوجود لذة وشهوة وفتنة فجميعهم يحرمون النظر للمرأة ولو عند الحاجة والضرورة ولو للجارية الأمة كما هو معلوم من كلام أهل العلم، ما لم تدع حاجة أقوى لذلك فجوزه البعض.\n_________\n(١) وهذا لتفهم قولهم (إذا أمنت الفتنة أو الشهوة) وأنها لناظر ومنظور له مخصوص كالشاهد والقاضي ينظرون للمرأة المعينة، لا يعنون به عموم الرجال أو عموم النساء.","vol":"1","page":526},{"text":"٩ - تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري (ت: ٧٢٨ هـ)\n(وحين ذكر الجائز عقبه بالمستحب تنبيهًا على اختيار الأفضل في كل باب فقال: ﴿وأن يستعففن خير لهن﴾ وذلك أنهن في الجملة مظنة شهوة وفتنة وإن عرض عارض الكبر والنحول فلكل ساقطة لاقطة.\nوسئل بعض الظرفاء المذكورين عن حكمة تستر النساء فقال: لأنهن محل فتنة وشهوة فقيل: فعلى هذا كان ينبغي أن لا يحسن تكليف العجائز بالتستر. فأجاب بأنه كان يلزم إذ ذاك مصيبتان: أحدهما عدم رؤية الحسان، والثانية لزوم رؤية القباح) انتهى كلامه.\nوقوله (عن حكمة تستر النساء فقال: لأنهن محل فتنة وشهوة) وهذا كما تكرر معنا مرارا أنها الحكمة والعلة في فرض ستر النساء لوجوههن عند من لم يقل أن الوجه والكفين من العورة، لتعلم أنهم يحرمون الكشف ولكن بعلة أخرى هي الفتنة والشهوة، وبمثل هذا تعلم أيضا أنهم متفقون مع من قال إن العلة هي العورة في وجوب الستر عن الرجال.\n\n١٠ - قال سماحة مفتي باكستان الشيخ محمَّد شفيع الحنفيُّ: (وبالجملة فقد اتفقت مذاهب الفقهاء وجمهور الأمة على أنه لا يجوز للنِّساء الشوابّ كشف الوجوه والأكفّ بين الأجانب، ويُستثنى منه العجائز لقوله تعالى: ﴿وَالقواعد مِنْ النِّسَاءِ﴾) (١) انتهى.\n_________\n(١) المرأة المسلمة لسماحة مفتي باكستان (صـ ٢٠٢).","vol":"1","page":527},{"text":"١١ - قال النووي في روضة الطالبين - كتاب النكاح - الفصل الثالث في أحكام النظر: (وأما العجوز فألحقها الغزالي بالشابة لأن الشهوة لا تنضبط وهي محل الوطء وقال الروياني إذا بلغت مبلغا يؤمن الافتتان بالنظر إليها جاز النظر إلى وجهها وكفيها لقول الله تعالى والقواعد من النساء ...) انتهى.\nوانظر قوله: (لأن الشهوة .. يؤمن الافتتان بالنظر إليها) لتعرف أن هذا الاصطلاح والتقعيد والشرط يستخدم عند النظر للضرورة وفي شخص مخصوص وليس في عموم النساء أو من عموم الرجال كما أسلفنا.\n\n١٢ - قال الشوكاني ﵀: (وفي هذه الآيات أعظم دلالة على وجوب التستر عليهن وتحريم النظر إليهن ... أقول أما الطفلة فظاهر لخروجها عن الخطاب وعدم أن يتصور في مثلها الإيجاب وأما القاعدة فلقوله ﷿: ﴿والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح ان يضعن ثيابهن﴾ وقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز لهن أن يضعن ثيابهن عما عدا الوجه واليدين، فرفع الجناح عنهن هو عن وضع الثياب التي على الوجه والكفين فكان ذلك دليلا على جواز النظر إليهم ودليلا أيضا على أن غير القواعد يحرم النظر إليهن فهذه الآية من جملة الآيات الدالة على تحريم النظر إلى الأجنبية كما تقدم) (١).\n_________\n(١) السيل الجرار للشوكاني (٤/ ١٢٨).","vol":"1","page":528},{"text":"١٣ - وقال الإمام الموزعي الشافعي ﵀:\n(لم يزل عمل النساء على هذا قديمًا وحديثًا في جميع الأمصار والأقطار فيتسامحون للعجوز في كشف وجهها ولا يتسامحون للشابة ويرونه عورة ومنكرًا .. والسلف والأئمة كمالك والشافعي وغيرهم لم يتكلموا إلا في عورة الصلاة، فقال الشافعي ومالك: ما عدا الوجه والكفين وزاد أبو حنيفة القدمين، وما أظن أحدًا منهم يبيح للشابة أن تكشف وجهها لغير الحاجة ولا يبيح للشاب أن ينظر إليها لغير الحاجة) (١).\n١٤ - تفسير التسهيل لعلوم التنزيل ابن جُزَي الغرناطي (ت: ٧٤١ هـ) ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَآءِ﴾ جمع قاعد وهي العجوز، فقيل: هي التي قعدت عن الولد، وقيل: التي قعدت عن التبرج ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ أباح الله لهذا الصنف من العجائز ما لم يبح لغيرهنّ من وضع الثياب، قال ابن مسعود إنما أبيح لهنّ وضع الجلباب الذي فوق الخمار والرداء، وقال بعضهم: إنما ذلك في منزلها الذي يراها فيه ذوو محارمها ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ إنما أباح الله لهنّ وضع الثياب بشرط ألا يقصدن إظهار زينة، والتبرج هو الظهور ﴿وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾ المعنى أن الاستعفاف عن وضع الثياب المذكورة خير لهنّ من وضعها، والأولى لهن أن يلتزمن من ما يلتزم شباب النساء من الستر) انتهى.\n_________\n(١) تيسير البيان لأحكام القرآن (٢/ ١٠٠١).","vol":"1","page":529},{"text":"١٥ - وقال الخازن في تفسيره: (﴿فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن﴾ أي عند الرجال والمعنى بعض ثيابهن وهو الجلباب والرداء الذي فوق الثياب والقناع الذي فوق الخمار فأما الخمار فلا يجوز وضعه ﴿غير متبرجات بزينة﴾ أي من غير أن يردن وضع الجلباب والرداء إظهار زينتهن. والتبرج: (١) هو أن تظهر المرأة من محاسنها ما يجب عليها أن تستره ﴿وأن يستعففن﴾ أي فلا يلقين الجلباب ولا الرداء ﴿خير لهن﴾).\nوالأدلة في ذلك أكثر من أن تحصى وهي أدلة إضافية من أعلام أهل العلم على وجوب ستر النساء لوجوههن ولولا التطويل فيما هو مفروغ منه ومتيسر لكل أحد لنقلت من ذلك الكثير. ومن الفوائد أننا نلاحظ أن لفظة الخمار تأتي مرة في كلام الأئمة ويقصدون بها ستر الرأس وتأتي مرة في كلامهم ويقصدون بها ستر الوجه وهذا هو الحق كما سبق بيانه عند قوله تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن﴾ لأن الخمار أصله التغطية، ويفهم المراد والمقصد لمعنى كل لفظة من سياق العبارة.\n_________\n(١) قال في لسان العرب لابن منظور: (برج) وتبرجت المرأة تبرجا: أظهرت زينتها ومحاسنها للرجال وقيل: إذا أظهرت وجهها وقيل إذا أظهرت المرأة محاسن جيدها ووجهها قيل: تبرجت) انتهى. وقال في المحيط في اللغة: (برج) البرج: ... وامرأة برجاء. وإذا أبدت المرأة وجهها قيل: تبرجت. والبرج: المتبرجات) انتهى. وقال في تهذيب اللغة (والبرج سعة بياض العين مع حسن الحدقة. وإذا أبدت المرأة محاسن جيدها ووجهها، قيل: تبرجت) انتهى. وقال في المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده: (وتبرجت المرأة: أظهرت وجهها) انتهى.","vol":"1","page":530},{"text":"(المبحث التاسع)\nالأدلة من السنة والآثار على فريضة ستر المرأة وجهها عن الرجال","vol":"1","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>(المبحث التاسع)\nالأدلة من السنة والآثار على فريضة ستر المرأة وجهها عن الرجال</span>\n١ - عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (وكان صفوان من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه) (١).\nقال في عمدة القاري شرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني الحنفي (م: ٧٦٢ هـ. ت: ٨٥٥ هـ) (وفيه تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي سواء كان صالحًا أو غيره) انتهى.\nوقال العراقي (م: ٧٢٥ هـ. ت: ٨٠٦ هـ) في طرح التثريب \"باب حد القذف\": (التاسعة عشرة): قولها: «فخمرت وجهي بجلبابي» وفيه تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي سواء كان صالحا أو غيره). أقول وهذا من الأدلة التي ترد شبهة القائلين بأن تغطية وجه المرأة سنة ومستحب فهذه أم المؤمنين وقد كانت في وضع حرج فقد تركها الجيش ظانين أنها في هودجها وساروا وتركوها في ظلمة الليل ومع ذلك عندما رأت الصحابي صفوان ﵁ لم تكشف له وجهها\n_________\n(١) البخاري (٥/ ١٤٩) ومسلم (٨/ ١١٣) وغيرهما.","vol":"1","page":533},{"text":"ليعرفها ولو كان كشف الوجه جائز لفعلت ذلك وهي في وضع أحوج ما تكون فيه للنجدة والمساعدة بل وهي أم له وللمؤمنين بنص القرآن فعُلم أن ستر وجه المرأة فريضة لا يجوز كشفه إلا في استثناءات معينة ولأسباب مبيحة ضرورية، وهي لم تكشفه مع هذه الضرورة لأن آيات حادثة الإفك من قوله تعالى: ﴿إن الذين جاءو بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم﴾ [النور آية: ١١] كانت قبل أن تنزل آية الرخصة من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور آية: ٣١] لهذا غطت وجهها ولم تترخص من عند نفسها لمثل هذه الضرورة الملحة.\nوكما ترى فلم يقل أحد في هذه الأحاديث ولا غيرها شيئًا من الخصوصية لأمهات المؤمنين، وقد تقدم بيان هذا في مبحث مستقل وأن المتقدمين لم يفهموا من خصوصية أمهات المؤمنين أن ستر الوجه واجب عليهن وسنة على من سواهن فهذه بدعة حديثة لم تكن في سالفهم أبدا، وإنما الذي عنوه خصوصيتين أثنتين ليس فيهما شيء مما يقوله اليوم فريق من دعاة السفور هدانا الله وإياهم.\nالخصوصية الأولى: أنه شدد على أمهات المؤمنين في أمر الحجاب فكن على قول بعض أهل العلم مخصوصات بعدم ظهور شخوصهن ولو كن مستترات في الأزر فضلا عن عدم جواز ظهور الوجه والكفين منهن ولو عند الحاجة، لا في شهادة ولا غيرها ففرض عليهن ذلك بعكس ما هو جائز لغيرهن، وهكذا حمل بعضهم أحاديث حجبهن من","vol":"1","page":534},{"text":"الأعمى والمكاتب الذي عنده ما يؤديه على مثل هذه الخصوصية، فهذا فيه زيادة في توقيرهن وحقهن وحق رسول الله - ﷺ - وليس فيه جواز كشف المسلمات بل العكس فيه ما يدل على وجوب ستر الوجه على جميع النساء أيضا كما مر معنا من كلام أهل العلم المتقدمين.\nالخصوصية الثانية: متفق عليها بينهم حيث قصدوا أنهن مع كونهن أمهات للمؤمنين وجاء تحريم النكاح بهن فقد فرض عليهن الحجاب كبقية النساء، فكن بذلك مخصوصات دون أمهات العالمين ومن يحرم النكاح بهن في الحجاب من أبنائهن وممن يحرم النكاح بهن.\nوعلى هذا فلم نجد في كتب المتقدمين أن الحجاب فرض على أمهات المؤمنين وسنة على من سواهن.\n٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: (قال لي رسول الله - ﷺ - رأيتكِ في المنام يجيء بك الملك في سَرَقَة (١) من حرير فقال لي: هذه امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت هي فقلت إن يك هذا من عند الله يمضه) انتهى.\nقال الإمام البخاري \"باب النظر إلى المرأة قبل التزويج\"\nوهكذا لم يفهم منه ﵀ لا هو ولا غيره أن هذا الحديث خاص بأمهات المؤمنين دون غيرهن كما يقوله البعض اليوم.\n_________\n(١) سَرَقَة: هي القطعة.","vol":"1","page":535},{"text":"٣ - وحديث صفية أم المؤمنين عندما كانت في السبي غزوة خيبر قال أنس ﵁: (لا ندري أتزوجها أم اتخذها أم ولد قالوا إن حجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد فلما أراد أن يركب حجبها) أخرجه البخاري. وفي رواية له من كتاب المغازي: (فرأيت النبي - ﷺ - يحوي لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب). وفي رواية له من كتاب النكاح: (فلما ارتحل وطى لها خلفه ومد الحجاب بينها وبين الناس). وفي رواية لابن سعد في الطبقات ودلائل النبوة للبيهقي قال: (وسترها رسول الله - ﷺ - وحملها وراءه وجعل رداءه على ظهرها ووجهها ثم شده من تحت رجلها وتحمل بها وجعلها بمنزلة نسائه) (١) انتهى.\nولو كان الحجاب خاصا بزوجات رسول الله - ﷺ - لقالوا إن حجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي كنساء المسلمين! .\nقال في المغني كتاب النكاح: فصل: \"الأمة يباح النظر منها إلى ما يظهر غالبا\" (وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضا بينهم مشهورا، وأن الحجب لغيرهن كان معلوما) انتهى.\n_________\n(١) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (عند كلامه على أم المؤمنين صفية بنت حيي). ودلائل النبوة للبيهقي - باب ما جرى بعد الفتح في الكنز الذي كتموه واصطفاء صفية بنت حيي. قال الألباني في جلباب المرأة: (صحيح).","vol":"1","page":536},{"text":"٤ - وكذلك عندما عثرت الناقة برسول الله - ﷺ - وصفية أم المؤمنين وهم راجعون إلى المدينة فصُرِعا (١) (قال أبو طلحة: يا نبي الله جعلني الله فداءك هل أصابك من شيء؟ قال: لا ولكن عليك بالمرأة فألقى ... أبو طلحة ثوبه على وجهه فقصد قصدها فألقى ثوبه عليها - وفي رواية - فقلب ثوبا على وجهه وأتاها فألقاه عليها) (٢).\nوإنما غطى وجهه بثوبه لأنه رأى رسول الله - ﷺ - حجبها عنهم عندما اتخذها زوجة فلما انكشفت تغطى هو ﵁.\n٥ - حديث صفية ﵂ وهي بالمدينة قالت: (كان رسول الله - ﷺ - معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته ثم انقلبت فقام معي ليقلبني فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي - ﷺ - أسرعا فقال: على رسلكما إنها صفية بنت حُيي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، فقال: إن الشيطان يجري من أحدكم ..) الحديث متفق عليه.\nفهل لو كانت أمنا صفية ﵂ معتادة على كشف وجهها بين الرجال هل احتاج أن يُعرفها رسول الله - ﷺ - للرجلين حتى لا يُلقي الشيطان في قلبيهما الشك في جنابه الشريف؟ وهذا يدل على تحريم الاختلاط، ولو كان الحجاب خاصا بزوجات رسول الله - ﷺ - هل احتاج أن يُعرفها لهم أم أنهم سيعرفوها من خصوصية سترها لوجهها؟ .\n_________\n(١) أي سقطا من على البعير.\n(٢) أخرجه البخاري وغيره عن أنس في الجهاد.","vol":"1","page":537},{"text":"٦ - قال أبو هريرة ﵁: (كنت عند النبي - ﷺ - فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار فقال - ﷺ -: أنظرت إليها؟ قال: لا قال: فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا) أخرجه مسلم.\nولو كانت النساء يخرجن سافرات أمام الرجال، لما قال له - ﷺ - في أمر مباح أنظرت إليها؟ ولما احتاج رسول الله - ﷺ - أن يخبرهم أن في أعين الأنصار شيئا، لأن العين في الوجه! .\n٧ - وعن المغيرة بن شعبة قال: (أنه خطب امرأة، فقال النبي - ﷺ - أنظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) رواه الخمسة إلا أبا داود.\n٨ - وفي رواية أخرى عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (أتيت النبي - ﷺ - فذكرت له امرأة أخطبها فقال: اذهب فانظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما، فأتيت امرأة من الأنصار فخطبتها إلى أبويها وأخبرتهما بقول النبي - ﷺ - وفي رواية البيهقي - فَقُلْتُ: أن رَسُولَ اللَّهِ أمرنِى أن أنظر إليها فكأنهما كرها ذلك، قال: فسمعت ذلك المرأة وهي في خدرها (١) فقالت: إن كان رسول الله - ﷺ - أمرك أن تنظر فانظر وإلا فأنشدك كأنها أعظمت ذلك، قال فنظرت إليها فتزوجتها) (٢).\n_________\n(١) قال في تهذيب اللغة: (خدر) قال الليث: الخدر: ستر للجارية في ناحية البيت وكذلك ينصب لها خشبات فوق قتب البعير مستورة بثوب فهو الهودج المخدر. ويجمع على الأخدار والأخادير والخدور. وأنشد: حتى تغامز ربات الأخادير ... وخدر الأسد في عرينه، إذا لم يكد يخرج، فهو خادر ... مخدر. كثير الخدور وأخدره عرينه. وكل شيء منع بصرا عن شيء فقد أخدره. والليل مخدر) وبنحوه عند بقية أهل اللغة.\n(٢) رواه أحمد وقال الترمذي حديث حسن وصححه ابن حبان وغيرهم وقال الألباني صحيح كما في المشكاة (٣١٠٧) والصحيحة (٩٦).","vol":"1","page":538},{"text":"ولو كُن يكشفن الوجوه هل احتاج لأمر رسول الله - ﷺ - لكي ينظر إليها؟ وهل كانوا سيكرهون أمرا مباحا لهم ولها فعله فكيف بنظر الخاطب؟ .\n٩ - وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل، قال: فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجتها - وفي رواية - وقال جارية من بني سلمة، فكنت أتخبأ لها تحت الكرب، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها) (١).\nوعند ابن ماجه وابن حبان من حديث محمد بن مسلمة بسند صحيح ولفظه: عن ابن أبي حثمة قال: (رأيت محمدا بن مسلمة يطارد امرأة ببصره على إجار يقال لها: بثينة بنت الضحاك، فقلت: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله - ﷺ -؟ فقال: نعم. قال رسول الله - ﷺ -: إذا ألقى الله في قلب رجل خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها).\n١٠ - وعَنْ أبي حُمَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (إذا خَطَبَ أحدكُمُ امرأة فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أن يَنْظُرَ إليها إذا كان إنمَا يَنْظُرُ إليها لِلْخِطْبَةِ، وإن كانت لَا تَعْلَمُ) أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط والطحاوي.\nقال الشيخ الألباني في السلسة الصحيحة (١/ ١٥٦) مؤيدا ذلك: (ومثله في الدلالة قوله - ﷺ - في الحديث: (وإن كانت لا تعلم) وتأيد ذلك بعمل الصحابة ﵃، عمله مع سنته - ﷺ - ومنهم محمد بن مسلمة\n_________\n(١) صحيح أبي داود للألباني رقم (١٨٣٢) و(١٨٣٤).","vol":"1","page":539},{"text":"وجابر بن عبد الله، فإن كلًا منهما تخبأ لخطيبته ليرى منها ما يدعوه إلى نكاحها) انتهى كلام الألباني.\nإذا ألا تتساءل معي إذا كان كشف الوجه هو المعمول عندهم لماذا لم يمش أحدهم بجوار مخطوبته وينظر إليها دون أن يتخبأ لها! لتعلم أن النساء في عهد النبوة كن وبلا شك يغطين وجوههن عن الرجال وأنه ليس من اليسير النظر إليهن أو الاختلاط بهن أو مجالستهن، وإلا لكانت كل هذه المعاني والتوجيهات من رسول الله - ﷺ - لصحابته وأمته ومن بعدهم لا داعي لها ومفرغة من معانيها وحقيقتها العملية الواضحة، وهذا ما قاله ابن قدامة صاحب المغني في \"كتاب النكاح\" فصل: نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب: (وفي إباحة النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها دليل على التحريم عند عدم ذلك، إذ لو كان مباحا على الإطلاق فما وجه التخصيص لهذه؟ وأما حديث أسماء إن صح فيحتمل أنه كان قبل نزول الحجاب فنحمله عليه) انتهى.\n١١ - وعن عائشة ﵂ قالت: (رأيت النبي - ﷺ - يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد - وفي رواية عند مسلم - فوضعت رأسي على منكبه - وفي رواية عند أحمد - فاطلعت من فوق عاتقه فطأطأ لي منكبيه فجعلت أنظر إليهم من فوق عاتقه، حتى أكون أنا التي أسأم فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ الْحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ) متفق علية.","vol":"1","page":540},{"text":"فلو كان كشف الوجه هو المعمول عندهم والسائد لديهم لِمَ سترها رسول الله - ﷺ - بردائه وجعلها خلفه بعيدة عن اختلاطها بالرجال؟ ولو كان الأمر خاصًا بهن لِمَ قالت للناس: (فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ)؟ .\nقال في عمدة القاري شرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني الحنفي: (وفيه أنه لا بأس بنظر المرأة إلى الرجل من غير ريبة ألا ترى ما اتفق عليه العلماء من الشهادة عليها أن ذلك لا يكون إلا بالنظر إلى وجهها ومعلوم أنها تنظر إليه حينئذ كما ينظر الرجل إليها والله أعلم) انتهى.\nفانظر خلافهم أين وفيم كان، وهو في جواز أن تنظر المرأة للرجل وليس العكس، وانظر اليوم أين وفيم هو خلافنا مع دعاة السفور هدانا الله وإياهم؟ وهو قولهم بجواز كشف المرأة وجهها للرجال لينظروا إليها وزادوا - حديثًا - ومخالطتها ومؤاكلتها. فلا حول ولا قوة إلا بالله.\n١٢ - وعن عائشة ﵂ أنها قالت: (جاء عمي من الرضاعة فاستأذن علي فأبيت أن آذن له حتى أسأل رسول الله فجاء رسول الله فسألته عن ذلك فقال إنه عمك فأذني له قالت: فقلت: يا رسول الله إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل قالت: فقال رسول الله: إنه عمك فليلج عليك قالت: عائشة وذلك بعد أن ضرب علينا الحجاب) انتهى.\nولهذا لم يفهم البخاري ولا غيره عند تبويبه للحديث ما فهمه اليوم البعض من أن ذلك خاص بزوجات رسول الله - ﷺ - أمهات المؤمنين دون غيرهن من النساء فقال: (باب ما يحل من الدخول والنظر إلى النساء","vol":"1","page":541},{"text":"في الرضاع) وهكذا كان فهم العيني في عمدة القاري فذكر من فوائد الحديث: (فيه أنه لا يجوز للمرأة أن تأذن للرجل الذي ليس بمحرم لها في الدخول عليها، ويجب عليها الاحتجاب منه بالإجماع) (١) انتهى.\n\n١٣ - وعن ابن عمر ﵁ قال - ﷺ -: (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين) أخرجه البخاري.\nقال شيخ الإسلام: (وهذا مما يدلُّ على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يُحْرِمنَ، وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن) (٢).\nقال الإمام بن العربي: (وذلك لأن سترها وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج، فإنها ترخي شيئا من خمارها على وجهها غير لاصق به وتعرض عن الرجال ويعرضون عنها) انتهى.\nوانظر لفهم هؤلاء الأئمة وقول الألباني ﵀ حين قال: (فهل يمكن للنسوة اللاتي ربين على الخوف من الوقوع في المعصية إذا صلت أو حجت مكشوفة الوجه والكفين أن يباشرن مثل هذه الأعمال وهن منقبات ومتقفزات؟ لا وربي، فإن ذلك مما لا يمكن إلا بالكشف عن قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ كما سنرى في بعض الأمثلة الشاهدة لما كان عليه النساء في عهد النبي - ﷺ - ..) انتهى كلامه.\n_________\n(١) عمدة القاري (٢٠/ ٩٨).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٥/ ٣٧١).","vol":"1","page":542},{"text":"ولهذا لا تجد في كتبه ﵀ دعوة لما هو في مثل لبس القفازين وعدم الخضوع بالقول ونحو ذلك بل العكس تساهله في اختلاط النساء بالرجال ومحادثتهم ومؤاكلتهم كما هو قوله في \"رده المفحم\" وكم فيه من البون الشاسع مع كلام الأئمة المتقدمين، بل والخطورة والتناقض.\nقال ابن القيم ﵀: (وأما نهيه - ﷺ - في حديث ابن عمر المرأة أن تنتقب وأن تلبس القفازين، فهو دليل على أن وجه المرأة كبدن الرجل لا كرأسه، فيحرم عليها فيه ما وضع وفُصِّل على قدر الوجه كالنقاب والبرقع، ولا يحرم عليها ستره بالمقنعة والجلباب ونحوهما. وهذا أصح القولين، فإن النبي - ﷺ - سوَّى بين وجهها ويديها ومنعها من القفازين والنقاب. ومعلوم أنه لا يحرم عليها ستر يديها وأنهما كبدن المحرم يحرم سترهما بالمفَصَّل على قدرهما وهما القفازان، فهكذا الوجه إنما يحرم ستره بالنقاب ونحوه؛ وليس عن النبي - ﷺ - حرف واحد في وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام، إلا النهي عن النقاب، وهو كالنهي عن القفازين فنسبة النقاب إلى الوجه كنسبة القفازين إلى اليد سواء. وهذا واضح بحمد الله) (١).\nقال الشيخ أبو الأعلى المودودي ﵀: (وهذا صريح الدلالة على أن النساء في عهد النبوة قد تعوَّدْنَ الانتقاب ولبسَ القفازين عامة فنُهينَ عنه في الإحرام) انتهى.\n_________\n(١) تهذيب السنن لابن القيم (٢/ ٣٥٠).","vol":"1","page":543},{"text":"والنهي للمحرمة عن لبس النقاب فيه إثبات ظاهر للنقاب في غير الإحرام، فإن محظورات الإحرام كلبس القُمُص والسراويلات للرجال تحل بعد الإحرام فكذلك لبس النقاب والقفازين للمراة.\n١٤ - وقول عائشة ﵂: (كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله محرمات فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه) (١).\nوحين ذكر الكمال بن الهمام حديث عائشة هذا قال: (قالوا: والمستحب أن تُسدِلَ على وجهها شيئًا وتُجافيَه ... ودلت المسألة على أن المرأة منهية عن إبداء وجهها للأجانب بلا ضرورة، وكذا دلَّ الحديث عليه) (٢) انتهى.\nوقال الشيخ ظفر أحمد العثماني التهانوي: (وفيه دليل على أن المرأة تستر وجهها في غير حالة الإحرام) (٣) انتهى.\n١٥ - وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: (كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام) أخرجه\n_________\n(١) أخرجه أبو داود والبيهقي وأحمد وغيرهم. بسند صحيح، ويؤكد صحته ما سنذكره بعده عن أختها أسماء بنت أبي بكر وحفيدتها فاطمة بنت المنذر، وضعفه الألباني في مشكاة المصابيح (٢٦٩٠) -باب ما يجتنبه المحرم- (٢/ ١٠٧). وضعفه في ضعيف أبي داود (١٥٦٢) وقال في كتابه جلباب المرأة: (حسن في الشواهد).\n(٢) فتح القدير (٢/ ٤٠٥).\n(٣) إعلاء السنن (١٠/ ٢٢٣).","vol":"1","page":544},{"text":"الترمذي وابن خزيمة والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في جلباب المرأة.\nوقولها: (من الرجال) تعليل يدل على اللزوم والفرض ولو في حال الإحرام وهي ليست من أمهات المسلمين.\n١٦ - قال الإمام مالك في \"الموطأ\" - باب تخمير المحرم وجهه - عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر التابعية أنها قالت: (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر الصديق).\nوهذا الحديث جمع شروط الصحة عند الشيخين، قال الألباني: قلت: وهذا إسناد صحيح (١).\n١٧ - وأخرج سعيد بن منصور قال: حدثنا هشيم قال حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: (تُسدل المرأة جلبابها من فوق رأسها على وجهها) (٢) انتهى.\nوهذا كله - كما ترى - خطاب منهن عام لجميع النساء وهن في حال الإحرام فكيف وهن خارجه؟ وهذا منهن حرص وبيان في أن فرضية غطاء الوجه عند وجود الرجال الأجانب أعظم من قول بعضهم بوجوب كشفه، وأن النهي كان عن النقاب فقط وحتى لا يُساء فهم حديث النهي\n_________\n(١) الإرواء للألباني برقم (١٠٢٣).\n(٢) الحديث ذكره الحافظ في فتح الباري (٣/ ٤٠٦). وقال ابن القيم في بدائع الفوائد (٣/ ١٤٣) إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد رواه أبو داود في كتاب المسائل عن الإمام أحمد، عن هشيم به مثله إلا أن في روايته «تُسدل المحرمة» بدلا من «تسدل المرأة «.","vol":"1","page":545},{"text":"عن لبسه فتخرج المحرمة كاشفة عن وجهها بين الرجال فتقع في الإثم، بيّنَّ جميعًا ﵅ أنهن كن يغطين وجوههن بغير النقاب وهن مع رسول الله - ﷺ - فأقرهن بدون أن يترتب عليهن بذلك إثم أو نقص أو فدية بإجماع الأئمة مما يدل على وجوبه وفرضه في غير الإحرام بشكل آكد ومن باب أولى، حتى لا يتذرع البعض فيفهم من منع المحرمة من لبس النقاب ونحوه مما هو مفصل كالبرقع والقناع واللثام أن تخرج كاشفة فأخبرن أنهن كن يخمرن وجوههن ويسدلن عليها ما يسترها عن الرجال.\n١٨ - وعن عائشة ﵂ قالت: لما نزلت هذه الآية ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ عمدت النساء إلى أزرهن فشققنها من نحو الحواشي فاختمرن به) رواه البخاري.\nقال الحافظ ابن حجر في الفتح وغيره: (فاختمرن أي غطين وجوههن).\n١٩ - وعن عائشة ﵂ قالت: (خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها وفي -رواية- وَكانت امرأة جَسِيمَةً تَفْرَعُ النِّسَاءَ، فرآها عمر بن الخطاب فقال يا سودة أمَا والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين؟ قالت: فانكفأتُ راجعة، ورسول الله في بيتي وأنه ليتعشى وفي يده عَرْق فدخلت فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر: كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه، ثم رفع عنه وأن العَرْق في يده ما وضعه، فقال: أنه قد أذنَ لكُنَّ أن تخرجْنَ لحاجتكنّ) متفق عليه.","vol":"1","page":546},{"text":"قال الإمام القسطلاني: (وفيه تنبيه على أن المراد بالحجاب التستر حتى لا يبدو من جسدهن شيء) انتهى.\nوفي الحديث أن النساء لم يكن يُعرفن إذا خرجن إلا بالهيئة ولو كان الحجاب خاص بزوجات رسول الله - ﷺ - لم يحتج الأمر لمشقة حتى يعرفها عمر أو غيره لأنه سيكون أي امرأة مغطية وجهها هي من زوجاته - ﷺ - ولكن الأمر لم يكن كذلك بدليل ما سبق وبخاصة (وَكانت امرأة جَسِيمَةً تَفْرَعُ النِّسَاء).\n٢٠ - وعندما دخل عمر بن الخطاب وهو بالمدينة على ابنته حفصة وعندها أسماء بنت عميس الصحابية المشهورة لم يعرفها وهي من هي أفيعقل أنه لم يعرف أسماء بنت عميس وهي ممن أسلم بمكة قبل الحجاب؟ مما يدل على أن تغطية وجوههن كان إجماعا لديهم ولم يرد عن واحدة منهن أنها كشفته وهذا كافٍ.\nفعن أبى موسى ﵁ قال: (ودخلت أسماء بنت عميس، وهى ممن قدم معنا (١)،\nعلى حفصة زوج النبى - ﷺ - زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس، قال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم، قال: سبقناكم بالهجرة\n_________\n(١) يعنى أنها ممن قدم معهم من الحبشة، حيث هاجرت إليها من مكة قديمًا سنة خمس من البعثة النبوة وكانت آنذاك تحت زوجها جعفر بن أبي طالب، وكان قدومهم للمدينة حين فتح خيبر في السنة السابعة من الهجرة فدام بقاؤهم في الحبشة حوالي خمس عشرة سنة.","vol":"1","page":547},{"text":"فنحن أحق برسول الله منكم، فغضبت وقالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله - ﷺ - يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم وكنا في دار-أو في أرض- البعداء البغضاء بالحبشة وذلك في الله ورسوله - ﷺ - وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله ...) متفق عليه.\n٢١ - ومثله ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن كهمس الهلالي ﵁ قال: (بينما نحن جلوس عند عمر ﵁ إذ جاءت امرأة فجلست إليه فذكر الحديث في شكايتها زوجها وأن عمر ﵁ أرسل إليه فقعدت المرأة خلف عمر ﵁ فقال عمر لزوجها ما تقول هذه الجالسة خلفي؟ قال: ومَن هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: هذه امرأتك) (١) الحديث.\n٢٢ - وعن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: (خرجنا مع رسول الله - ﷺ - لنقبر رجلا فلما رجعنا وحاذينا بابه إذا هو بامرأة لا نظنه عرفها فقال يا فاطمة من أين جئت ..) أخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان وصححه الحاكم وقال على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي فدل على أن المرأة عامةً عندهم تخرج بجلباب قد لا يعرفها معه أقرب الناس منها كوالدها إلا بهيئتها.\n٢٣ - وثبت عن عائشة ﵂ قالت: (كان - ﷺ - يصلي الفجر فيشهد معه نساء متلفعات بمروطهن ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغَلَس) متفق عليه.\n_________\n(١) قال في كنز العمال (٤٥٨٦٠): (والبخارى فى تاريخه والحاكم فى الكنى، قال ابن حجر: إسناده قوى).","vol":"1","page":548},{"text":"فهذا صريح في أن الذي منع من معرفتهن هو تلفعهن بمروطهن، وزاد الغلس في عدم معرفتهن ولو بالهيئة لمن يعرفهن بالهيئة؛ لأن التلفع واللفاع هو كل ما تتلفع به المرأة كالملحفة.\nقال الأصمعي: التلفع: أن تشتمل بالثوب حتى تجلل به جسدك.\nوقال الأزهري كما في تاج العروس وغيره: يجلل به الجسد كله. وقال الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي: (فالمتلفعات: النساء اللاتي قد اشتملن بجلابيبهن حتى لا يظهر منهن شيء غير عيونهن وقد تلفع بثوبه والتفع به إذا اشتمل به أي تغطى به) (١) انتهى.\nوقال ابن الأثير في النهاية: (اللفاع: هو ثوب يجلل به الجسد كله، كساء كان أو غيره، وتَلَفَّع بالثوب إذا اشتمل به).\nوالمرط: الكساء من صوف أو خز. فإن بعضهن وإن كن مغطيات بالكامل فانهن يُعرفن بهيأتهن لأن لكل امرأة هيئة غير هيئة المرأة الأخرى في الغالب ولو كان بدنها مغطى كما هو معلوم وكما مر معنا ... قول عائشة في الإفك: (فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب). وقولها في سودة: (وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها). وقول عمر لسودة: (أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين).\nوقول الصحابي في فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - عندما رجعوا من المقبرة: (إذا هو بامرأة لا نظنه عرفها).\n_________\n(١) الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (١/ ٧٦).","vol":"1","page":549},{"text":"كل ذلك وغيره يدل على أن الغلس في حديث تلفعهن هو الذي زاد في المنع من معرفتهن لبعضهن البعض أو ممن يعرفهن ولو بالهيئة؛ لأن المرأة لو كانت كاشفة عن وجهها وصادفها رجل لا يعرفها فإنها لا تُعرف له ولو كانت كاشفة، ولم يصبح لكلام عائشة ﵂ فائدة، فدل أنها تقصد ممن يعرفهن، ومن شدة الغلس والتلفع الذي يسترهن بالكامل وكون مروطهن سوداء لم يعرف بعضهن البعض.\nقال الملا على القاري في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح \"باب تعجيل الصلوات\" (متلفعات: بالنصب على الحالية أي: مستترات وجوههن وأبدانهن قال الطيبي: التلفع: شدة اللفاع وهو ما يغطي الوجه ويتلحف به، بمروطهن المرط بالكسر كساء من صوف أو خز يؤتزر به وقيل الجلباب وقيل الملحفة) انتهى.\nفالمروط: أكسية واسعة كما في عدة أحاديث، فعن عائشة ﵂ قالت: (خرج النبى - ﷺ - غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾) (١).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٦٤١٤).","vol":"1","page":550},{"text":"وعن عائشة قالت: (خرج النبي - ﷺ - ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود) (١). وعنها أيضًا: (أن النبي - ﷺ - كان يصلي وعليه مرط من هذه المرحلات وكان رسول الله - ﷺ - يصلي وعليه بعضه وعلي بعضه والمرط من أكسية سود) (٢).\nوفي البخاري قال ثعلبة بن أبي مالك: (إن عمر بن الخطاب ﵁ قسم مروطا بين نساء من نساء المدينة) (٣).\nوفي الحديث المشهور في حادثة الإفك قالت عائشة ﵂: (فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا ... فعثرت أم مسطح في مرطها) متفق عليه.\nفكن يتجلببن بها لتستر ما تحته من الثياب وفي ذلك دليل على سعتها وسوادها وبعدها عن الفتنة.\n٢٤ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: (لما نزلت هذه الآية ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان وعليهن أكسية سود يلبسنها - وفي رواية أخري - قالت: لما نزل\n_________\n(١) اخرجه احمد في مسنده، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٢) اخرجه احمد وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٣) البخاري (٢٧٢٥) \"باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو\".","vol":"1","page":551},{"text":"﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ [الأحزاب: ٥٩] خرج نساءُ الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية) (١).\nقال في عون المعبود: (كأن على رؤوسهن الغربان) جمع غراب (من الأكسية) شُبهت الخمر في سوادها بالغراب) انتهى.\nوالجلباب: هو الرداء فوق الخمار بمنزلة العباءة والجلباب والمروط السود لأنه - ﷺ - لما أمر بإخراج النساء لمصلى العيد قلن: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب؟ فقال (لتلبسها أختها من جلبابها).\nفالحديث يدل على الوجوب وأن نساء الصحابة لم يكن يخرجن إلا (بجلباب)، قال في القاموس المحيط: (الجلباب: ثوب واسع للمرأة دون الملحفة أو ما تغطي به ثيابها من فوق كالملحفة) انتهى.\nوليس كحجاب غالب المغطيات لرؤوسهن اليوم يخرجن بالتنورة أو البنطال وبحجة أنهن مغطيات لرؤوسهن وبدون جلباب ساتر لثيابهن تلك.\n٢٥ - وقوله - ﷺ -: (لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها) أخرجه البخاري.\nفقوله: (كأنه ينظر إليها) دليل على أن النساء كن يُغطين وجوههن وإلا لما احتاج الرجال أن تُوصف لهم النساء ولاستغنوا عن ذلك بالنظر إليهن مباشرة.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود بسند صحيح وعبد الرزاق الصنعاني في تفسيره وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن مردويه. وصححه الألباني في حجاب المراة (صـ ٣٨).","vol":"1","page":552},{"text":"٢٦ - عن أبي موسى ﵁ قال: (كنت عند النبي - ﷺ - وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة ومعه بلال فأتى رسول الله - ﷺ - رجل أعرابي فقال ألا تنجز لي يا محمد ما وعدتني فقال له رسول الله - ﷺ - أبشر فقال له الأعرابي أكثرت على من أبشر، فأقبل رسول الله - ﷺ - على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان فقال إن هذا قد رد البشرى فاقبلا أنتما، فقالا قبلنا يا رسول الله، ثم دعا رسول الله - ﷺ - بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ومجّ فيه ثم قال اِشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا، فأخذا القدح ففعلا ما أمرهما به رسول الله - ﷺ - فنادتهما أم سلمة من وراء الستر أفضلا لأمكما مما في إنائكما، فأفضلا لها منه طائفة) أخرجه مسلم.\n٢٧ - قوله - ﷺ -: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقالت أم سلمة ﵂: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبرًا قالت: إذًا تنكشف أقدامهن، قال: فيرخينه ذراعًا لا يزدن عليه) أخرجه الترمذي وغيره بسند صحيح.\nفهذه أم سلمة ﵂ استعظمت أن تنكشف أقدام النساء إذا كانت ثيابهن مرتخية شبرا، فهل لو كان الوجه مكشوفا ستستعظم ظهور القدمين وتقول: (إذا تنكشف أقدامهن)؟ أم أنها لن تلحظ ذلك أو سترى العكس وهو أن المرأة كالرجل لا يجوز لها جر ثوبها كما في الحديث الذي سمعته، حتى تنجو من الوعيد الشديد من عدم نظر الله يوم القيامة لمن فعل ذلك؛ لأنهن إذا كن قد كشفن وجوههن مِثل الرجال لكون ذلك مباح فكيف يُغطين ما دون ذلك وهي الأقدام وفيها الوعيد الشديد؟ فعُلم","vol":"1","page":553},{"text":"أن الأمر مختلف وأن المرأة في عهدهم لم تكن تكشف عن شيء من جسدها، بل لو كان الوجه مكشوفا كيف علمت أن النساء يختلفن عن الرجال فقالت مباشرة: (فكيف يصنع النساء بذيولهن؟).\nولما كان لقولها: (إذا تنكشف أقدامهن) داعيا للسؤال أو مكانا للاستغراب ووجوههن أصلا مشكوفة، بل كان الأنسب أن تعتقد أن النساء يقصرن ثيابهن مثل الرجال، لأنها كما وافقت الرجل في كشف الوجه وهو مباح على حسب قول أهل السفور، فلأن توافق الرجل في تقصير ثوبه إلى الكعبين لتنجو من النار ومن عقوبة عدم نظر الله لها يوم القيامة من باب أولى. ولكنها فهمت العكس لأن الأمر عندهم مختلف بين الرجال والنساء فطالبت بزيادة وهو جر الثوب لذراع ولم تكتفِ بالارتخاء لشبر مع ما في ذلك من المشقة والحرج.\n٢٨ - فعن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنها سألت أم سلمة زوج النبي - ﷺ - فقالت: (إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر فقالت: أم سلمة قال: رسول الله - ﷺ - يطهره ما بعده) (١).\n٢٩ - ونحوه: (أن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلت يا رسول الله: إن لنا طريقا إلى المسجد مُنتنة فكيف نفعل إذا مطرنا؟ فقال: أليس من بعدها طريق هي أطيب منها؟ قلت: بلى، قال: فهذه بهذه) (٢).\nولم يأذن لهن بتقصيره مع ما فيه من الأذى والشدة، أفلا يدل ذلك على الوجوب؟ ثم يُقال بكشف الوجه وأن ستره سنة ومستحب! ! .\n_________\n(١) أخرجه أهل السنن وقال الألباني في صحيح أبي داود وجلباب المرأة (صحيح).\n(٢) أخرجه أبو داود وابن ماجه وقال الألباني في صحيح أبي داود وجلباب المرأة (صحيح).","vol":"1","page":554},{"text":"٣٠ - قال ابن عبد البر (وقد مضى القول في معنى هذا الحديث في \"كتاب الصلاة\" وهذان الحديثان (١) يدلان على أن نساء العرب لم يكن يلبسن الخفين ولو لبسن الخفين ما احتجن إلى إطالة الذيول وإن كان منهن من يلبس الخفين في السفر لا في الحضر وهذا هو المعروف عند السلف في زي الحرائر ولباسهن إطالة الذيول ألم تسمع إلى قول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت:\nكتب القتل والقتال علينا ... وعلى المحصنات جر الذيول\nوقد روي أن أول امرأة جرت ذيلها هاجر أم إسماعيل ﵊) (٢).\nوقال في التمهيد أيضًا: (وجَرُ ذيل الحرة معروف في السنة مشهور عند الأُمةِ ألا ترى إلى قول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت ...) (٣).\n٣١ - وقال في التمهيد أيضًا عند حديث فاطمة بنت قيس واعتدادها في بيت ابن عمها ابن أم مكتوم قال: (وفي هذا الحديث وجوب استتار المرأة إذا كانت ممن للعين فيها حظ (٤) عن عيون الرجال وفي ذلك تحريم النظر إليهن).\n_________\n(١) يقصد حديث أم سلمة الأول وما بعده من حديث أم ولد لإبراهيم.\n(٢) الاستذكار لابن عبد البر (باب ما جاء في إسبال المرأة ثوبها) (٨/ ٣١٢).\n(٣) التمهيد لابن عبد البر عند كلامه عن (حديث ثان لأبي بكر بن نافع) (٦٨٧).\n(٤) بعكس الكبيرة أو المقبحة أو الصغيرة التي لا تُشتهى، وكذلك الحال في الرجل من غير ذوي الإربة أو المجنون أو الطفل.","vol":"1","page":555},{"text":"٣٢ - وقال في التمهيد بعده مباشرة أيضا: (وقد روي أن رسول الله - ﷺ - لم ينظر إلى فاطمة هذه إذ جاءته في هذه القصة، حدثنا أحمد بن محمد، قال حدثنا أحمد بن الفضل، قال حدثنا محمد بن جرير، قال حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال حدثنا سفيان بن عيينة، عن مجالد، عن الشعبي عن فاطمة ابنة قيس، قالت أتيت النبي - ﷺ - فاستتر مني وأشار عني بثوبه على وجهه).\n٣٣ - وقال بعده في التمهيد أيضا: (وكذلك في حديث قيلة ابنة مخرمة الحديث الطويل في قدومها على رسول الله - ﷺ - فأومأ بيده خلفه إذ قيل له أرعدت المسكينة فقال: ولم ينظر إلي، يا مسكينة عليك السكينة) (١).\n٣٤ - وقال بعده أيضا: (وفي حديث بُريدة أن رسول الله - ﷺ - قال: لعلي لاتتبع النظرة النظرة ... وقال: جرير سألت رسول الله - ﷺ - عن نظرة الفجأة فقال غض بصرك. رواه الجماعة .... وقد ذكرنا ما يجوز النظر\nإليه من الشهادة عليها وشبهها في غير هذا الموضع ...) (٢) انتهى.\n_________\n(١) قال الحافظ في الفتح (١١/ ٦٥) (قالت: ... وبيده عسيب نخلة مقشرة قاعدا القرفصاء قالت: فلما رأيت رسول الله - ﷺ - المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق، فقال له جليسه: يا رسول الله أرعدت المسكينة، فقال ولم ينظر إلي: يا مسكينة عليك السكينة، فذهب عني ما أجد من الرعب ... الحديث) قال الحافظ إسناده لا بأس به. انتهى. وذكره في مجمع الزوائد (باب خراج الأرض) (٩٧٩٦) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. وقال في الإصابة عند ترجمتها: (الحديث بطوله أخرجه الطبراني مطولا وأخرج البخاري في الأدب المفرد (١١٧٨). طرفا منه وأبو داود طرفا منه أيضا (٣٠٧٠)، والترمذي (٢٨١٢) ... قلت: ساقه الطبراني وابن منده بطوله) انتهى كلامه. وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (وفد شيبان) (١/ ٣١٧).\n(٢) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر (١٩/ ١٥٢).","vol":"1","page":556},{"text":"٣٥ - عن سَعْدَ بْنَ أبي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: (اسْتأذن عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ، عَالية أَصْوَاتُهُنَّ، فَلَمَّا اسْتأذن عُمَرُ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الحِجَابَ، فأذن لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَضْحَكُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلاَءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الحِجَابَ قَالَ عُمَرُ: فأنتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتَ أَحَقَّ أن يَهَبْنَ، ثُمَّ قَالَ: أي عَدُوَّاتِ أنفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي وَلاَ تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -؟ قُلْنَ: نَعَمْ، أنتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشيطان قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إلا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ) متفق عليه.\nفحجابهم من عمر دليل على أن الحجاب واجب وليس سنة ومستحب.\n٣٦ - وعن أئمة التابعين وأعلامهم أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره: (عن يعقوب قال: حدثنا ابن عُلَية، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني (١) في قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ قُل لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن﴾ [الأحزاب: ٥٩] فَلَبسَها عندنا ابن عون، قال: وَلبسها عندنا محمد بن سيرين، قال محمد: ولَبِسها عندي عَبيدة السلماني، قال ابن عون: فتقنَّعَ بردائه فغطّى أنفه وعينه\n_________\n(١) عبيدة السلماني كاد أن يكون من الصحابة أسلم عام فتح مكة بأرض اليمن وأخذ عن صحابة رسول الله - ﷺ - كالخليفة الراشد علي بن أبي طالب وابن مسعود وغيرهما وكان إمامًا في الفقه، وثَبْتا في الحديث، قيل إنه توفي سنة (٧٢ هـ).","vol":"1","page":557},{"text":"اليسرى، وأخرج عينه اليمنى، وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبًا من حاجبه، أو على الحاجب) (١) انتهى.\nوإسناده في غاية الصحة وأخرجه ابن المنذر وعبد بن حميد وغيرهما بسند صحيح رجاله كلهم ثقات أئمة وقدوات وجبال في الثقة والضبط، وعلق صاحب كتاب \"عودة الحجاب\" على هذا الأثر بقوله: (رجال هذا الإسناد جبال في الثقة والضبط. ثم قال: وإذا تقرر لديك أن عبيدة السلماني من كبار التابعين وأنه نزل المدينة في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ولم يزل بها حتى مات لعلمت حينئذ أنه يفسر ما كان سائدًا في المجتمع الذي كان يمثله أجلة الصحابة وأكابر الأمة الذين عليهم مدار الدين) انتهى.\nومن العجيب أن أهل السفور اليوم يضعفون مثل هذا الأثر بحُجج واهية ساقطة منها أنه مقطوع كون عبيدة السلماني تابعي فهل ادعى أحد أنه حديث مرفوع حتى يقال إنه مقطوع غير موصول؟ ! والحقيقة أن أسمى غايات أهل السفور اليوم أن يظفروا بأثر عن السلف كهذا ولن يجدوه، ومن ضمن ما ضعفوه به أن من رووه مرة يقولون (وأخرج عينه اليمنى) ومرة (وأخرج عينه اليسرى) وعلى فرض صحة قولهم أفيحق لنا تضعيفه بمثل هذه الجزئية ونترك أصل المسألة وهو تغطية المرأة لوجهها؟ فهب أنه كشف العينين معًا كمن لبست النقاب فهذا جائز باتفاق، أو هب أن التابعي الجليل سئل عن تفسير الآية فكشف في مرة\n_________\n(١) تفسير ابن جرير والسيوطي وغيرهما.","vol":"1","page":558},{"text":"العين اليمنى ومرة العين اليسرى، لأنه يعلم أن ذلك ليس ذي بال لأن المقصد أن ترى المراة لنفسها ما يعينها على رؤية الطريق وأداء واجب الستر، كما هو المعروف لدى أهل العلم من مقاصد الشريعة العامة ومراميها العالية، وخاصة أنه جاء في بعض الروايات (إحدى عينيه)، فكيف وفي السنة أحاديث أتت بروايات متعددة وفي بعضها أختلاف شكلي من هذا النوع؟ .\nومن أسوأ ما ضعّفوه به قولهم مخالفته لتفسير ابن عباس لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَاظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] فهل حقًا كان عبيدة السلماني يفسر آية الرخصة هذه فخالف فيها ابن عباس أم أنه كان في الحقيقة يفسر آية الإدناء المشرعة والواصفة لفريضة الحجاب من قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن﴾ [الأحزاب: ٥٩] فكيف يقال في تفسير آيتين مختلفتين أن هذا خالف هذا فيها؟ ! . وإن كان قصدهم ما جاء عن ابن عباس في تفسيره لآية الإدناء بلفظ التقنع فقد تقدم معنا خطأهم عند نقلنا لتفسير الإمام الطبري وأنها تعني ستر الوجه بطريقة التقنع أوالنقاب أو اللثام ونحوه مما يعطف ويضرب على الوجه ويُشد على الجبين حتى يثبت على الوجه فلا يسقط، بعكس السدل.\nويؤيد ذلك رواياته الأخرى الصريحة في الآية والتي تناقلها أهل العلم عنه، بأنها الأمر بتغطية المرأة لوجهها عن الرجال، فبطلان قولهم ظاهر من كل وجه.","vol":"1","page":559},{"text":"والعجيب والخطير أنهم يستهزؤون بهذا الكلام من كشف المرأة لإحدى عينيها مع أنه مروي عن ابن عباس ﵄ وعن عبيدة السلماني وغيرهما من أئمة الأسلام، وكلامهم مبثوث في كتب أهل العلم وأهل التفسير بشكل مستفيض ومشهور حتى أنه يندر أن تقرأ في تفسير من تفاسيرهم عن آية الإدناء ولا تجد ذلك مذكورا عندهم (١)، ومع ذلك فلم يضعفه أحد ولم يقل فيه ما قاله أهل السفور اليوم فهذه والله جرأة عجيبة وحيدة عن الحق فكيف وهو موافق في أصله العام لسيرة أمهات المؤمنين والصحابيات الكريمات والتابعيات الجليلات، كما يقولون: (والنصوص متضافرة عن أن نساء النبي - ﷺ - كن يحتجبن حتى في وجوههن وإليك بعض الأحاديث والآثار التي تؤيد ما نقول ... ففي هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على أن حجاب الوجه قد كان معروفا في عهده - ﷺ - وأن نساءه كن يفعلن ذلك وقد استن بهن فضليات النساء بعدهن) انتهى نقلا من كلام الشيخ الألباني في كتابه جلباب المرأة.\nومن نظر في كلام الألباني وبماذا ضعف به هذا الأثر كما في كتابه \"الرد المفحم\" تذكر قول القائل:\nوعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا\n_________\n(١) راجع ما نقلناه عن أهل العلم في تفسير الآية صفحة (٣٢ - ٧٧) لترى كلام ابن عباس وغيره من السلف فيها.","vol":"1","page":560},{"text":"٣٧ - روي عن الإمام عاصم الأحول قال: (كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب هكذا وتنقبت به فنقول لها: رحمك الله قال تعالى: ﴿وَالقواعد مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ ..﴾ هو الجلباب، قال فتقول لنا أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: ﴿وَأن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾ فتقول: هو إثبات الحجاب) (١) أخرجه البيهقي وابن المنذر وسعيد بن منصور بإسناد صحيح ثابت عن هؤلاء التابعين الأعلام تلامذة الصحابة الكرام.\nأفتقرء فيه أن في ستر المراة لوجهها سنة ومستحب، فكتموه؟ .\nفإذا كانت المرأة الشابة عند مذهب أهل السفور تكشف الوجه والكفين فماذا أبقوا ليكون رخصة من الله للعجائز القواعد في البيوت؟ .\nوالعجيب أن هذا الأثر قد صححه الألباني مع أنه كأثر التابعي الجليل عبيدة السلماني، ومع ذلك لم يقل فيه ولا في غيره من الآثار أنه منقطع موقوف على التابعي أو نحو ذلك كما قاله هناك! . مما يوهم معه القارئ بأن الأثر عن عبيده السلماني ﵀ ضعيف.\n٣٨ - وكذلك القصة التي وقعت في عهد معاوية ﵁ ورواها عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: (جاءت امرأة إلى سمرة بن جندب فذكرت أن زوجها لا يصل إليها فسأل الرجل فأنكر وكتب فيه إلى معاوية ﵁ قال فكتب أن زوجهُ امرأةً من بيت المال\n_________\n(١) وصححه الألباني في \"جلباب المرأة\" و\"الرد المفحم\".","vol":"1","page":561},{"text":"لها حظ من جمال ودين قال ففعل قال وجاءت المرأة متقنعة) (١).\nوهذا أحد الآثار التي تثبت عمل الصحابة والتابعين وحال نسائهم من تغطية الوجه وبلفظ التقنع الذي قالوا أنه لا يأتي بمعني ستر الوجه.\n٣٩ - عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن موسى القاضي قال:\nحضرت مجلس موسى بن إسحاق القاضي بالري سنة ست وثمانين ومائتين وتقدمت امرأة فادعى وليها على زوجها خمسمائة دينار مهرا فأنكر فقال القاضي: شهودك. قال: قد أحضرتهم. فاستدعى بعض الشهود أن ينظر إلى المرأة ليشير إليها في شهادته فقام الشاهد وقال للمرأة: قومي فقال الزوج: تفعلون ماذا؟ قال الوكيل: ينظرون إلى امرأتك وهي مسفرة لتصح عندهم معرفتها. فقال الزوج: وإني أشهد القاضي أن لها عليَّ هذا المهر الذي تدعيه ولا تسفر عن وجهها. فردت المرأة وأخبرت بما كان من زوجها. فقالت: فإني أشهد القاضي:\n_________\n(١) أخرجه البيهقي (٢٢٨/ ٧) وسنده حسن. وقد حسنه الألباني أيضا في \"جلباب المرأة، وتلاحظ فيه لفظة (التقنع) التي قال عنها عند ذكره لتفسير الطبري على آية الإدناء: أنها لا تعني ولا تأتي لستر الوجه. وقد سبق لنا هناك (صـ ٤٥) ذكر ما لا يحصى من النقول على أن التقنع يأتي أيضا بمعنى ستر الوجه. قال في كتاب \"الأفعال\" لابن القطاع: (باب الثنائي المكرر) ... -حصحص- (وفى الحديث أن سمرة بن جندب أتى برجل عِنين فكتب فيه إلى معاوية فكتب إليه أن اشتر له جارية من بيت المال وأدخلها معه ليلة ثم سلها عنه ففعل فلما أصبح قال: ما صنعت، قال: فعلت فيه حتى حصحص فيه، فسأل الجارية فقالت: ما صنع شيئا، فقال له: خل سبيلها يا محصحص).","vol":"1","page":562},{"text":"أن قد وهبت له هذا المهر وأبرأته منه في الدنيا والآخرة. فقال القاضي: يكتب هذا في مكارم الأخلاق) (١).\nوالقصة صححها الألباني في جلباب المرأة ولم يضعفها بالانقطاع ولا بشيء، مع أن أثر عبيدة السلماني أجل وأقدم منها بكثير، فكيف وهذه رواتها أيضًا في الزمن الأول وعباراتها وسياقها يدلان على أن الأمر جلل والنزاع بلغ الحد، فلا يمكن أن يكون المعنى لكون كشف الوجه كان سنة ومستحب كما يقوله البعض، وقد جاز في موضع الرخصة والحاجة ثم هم أيضا يمتنعون إلا في حالة واحدة إذا لوينا أعناق الأدلة بمثل تلك الاحتمالات والتأويلات التي تفردوا بذكرها اليوم! .\n٤٠ - وجاء في تفسير قوله تعالى ﴿فَجَاءتْهُ إحداهما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء﴾ [القصص: ٢٥]، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: (جاءت تمشي على استحياء قائلة بثوبها على وجهها ليست بسلفع خراجة ولاجة) (٢).\nوهو من أدلة غطاء الوجه وأنه من فرائض الله التي كانت على نساء المسلمين ممن قبلنا.\n_________\n(١) شعب الإيمان للبيهقي (١٠٣٩٢) \"الثاني والسبعون هو باب في الغيرة والمذاء\". وقد وردت القصة في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (٧٠٢٢) \"باب الميم ذكر من اسمه موسى\" (١٣/ ٥٣). وفي تاريخ دمشق لابن عساكر (٧٧٠٦). وفي البداية والنهاية (١١/ ٨١).\n(٢) أخرجه البغوي وعبد بن حميد وابن أبي شيبة والبيهقي وابن المنذر وابن أبي حاتم بإسناد صحيح كما قاله ابن كثير في تفسيره، ورواه الحاكم وقال على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":563},{"text":"حيث أن الأدلة تشير على أن المرأة عند أهل الكتاب قد كانت تلبس النقاب على وجهها فاليهود ورغم ما أحدثوه في التوراة من تحريف وتبديل فما زال فيها بقية من حق دلَّ عليها القرآن وأنها مما بقي من الأمور التي أوحاها الله لرُسُلِهم الموافقة لشريعة الإسلام الخاتمة، وقد حاجهم بها رسول الله - ﷺ - عندما حكم بالرجم على من زنا منهم.\nفذِكر البرقع جاء في غير موضع من العهد القديم:\nفقد جاء في «سفر التكوين» قصة طويلة عن امرأة اسمها «رِفقة» وفيها «.. وإذا جِمالٌ مقبلة ورفعت رِفقة عينيها، فرأت إسحاق فنزلت عن الجمل وقالت للعبد: مَن هذا الرجل الماشي في الحقل للقائنا، فقال العبد هو سيدي فأخذت البرقع وتغطَّت» (١).\nوفي الإصحاح الثامن والثلاثين من «سفر التكوين» «ولما طال الزمان ماتت ابنة شوع ... وقيل لها: هو ذا حموك صاعد إلى تِمنةَ ليجُزَّ غنمه. فخلعت عنها ثياب تَرَمُّلها، وتغطت ببرقع وتلفَّفت» (٢).\nوالنصارى لليوم يسترون وجه العروس بشاش خفيف كنوع من البروتوكولات التي ترمز لتعاليمهم الدينية.\nويزول عجبك عندما تعلم أن الأمة الإسلامية عبر عصورها كانت المرأة تخرج وهي منتقبة متغطية، سواء في المشرق أو المغرب أو بلاد الشام أو الجزيرة العربية أو غيرها من بلاد الإسلام فلعهود\n_________\n(١) سفر التكوين الإصحاح الرابع والعشرون (٦٣ - ٦٦).\n(٢) سفر التكوين الإصحاح الثامن والثلاثون (١١ - ١٤).","vol":"1","page":564},{"text":"قريبه وإلى نحو منتصف القرن الرابع عشر الهجري وقبل الاستعمار الغربي وما تلاه من استعمار فكري وكبار السن والصور الفوتوغرافية، والأشرطة الوثائقية، والنقولات تثبت ذلك. بل العجب أن تعلم بأن قاسم أمين من أشهر دعاة تحرير المرأة، يَذكر عنه الصحفي مصطفى أمين بأن زوجته كانت تغطي وجهها إلى أن توفي! (١).\nقال الشيخ محمد علي الصابوني في \" روائع البيان \" (ومن درس حياة السلف وما كان عليه النساء الفضليات نساء الصحابة والتابعين وما كان عليه المجتمع الإسلامي عرف خطأ هذا الفريق من الناس الذين يزعمون أن الوجه لا يجب ستره ويدعون المرأة أن تسفر عن وجهها، وما دروا أنها مكيدة دبرها لهم أعداء الدين وفتنة من أجل التدرج بالمرأة المسلمة إلى التخلص من الحجاب الشرعي الذي عمل له الأعداء زمنا طويلا ... . - إلى أن قال -\nبدعة كشف الوجه: ظهرت في هذه الأيام الحديثة، دعوة تطورية جديدة، تدعو المرأة إلى أن تسفر عن وجهها، وتترك النقاب الذي اعتادت أن تضعه عند الخروج من المنزل، بحجة أن النقاب ليس من الحجاب الشرعي، وأن الوجه ليس بعورة، دعوة (تجددية) من أناس يريدون أن يظهروا بمظهر الأئمة المصلحين الذين يبعثهم الله على رأس كل مائة سنة ليجددوا للأمة أمر دينها، ويبعثوا فيها روح التضحية والإيمان والكفاح. دعوة جديدة، وبدعة حديثة من أناس يدعون العلم ويزعمون الاجتهاد، ويريدون أن يثبتوا بآرائهم (العصرية الحديثة) أنهم أهل لأن يُنافسوا الأئمة المجتهدين وأن يجتهدوا في الدين كما اجتهد\n_________\n(١) انظر (من واحد لعشرة صـ ١١٩) لمصطفى أمين.","vol":"1","page":565},{"text":"أئمة المذاهب ويكون لهم أنصار وأتباع. لقد لاقت هذه الدعوة \"بدعة كشف الوجه\" رواجًا بين صفوف كثيرة من الشباب وخاصة منهم العصريين، لا لأنها \"دعوة حق\"؛ ولكن لأنها تلبي داعي الهوى، والهوى محبَّب إلى النفس، وتسير مع الشهوة، والشهوة كامنة في كل إنسان، فلا عجب إذًا أن نرى أو نسمع من يستجيب لهذه الدعوة الأثيمة ويسارع إلى تطبيقها بحجة أنها \"حكم الإسلام\" وشرع الله المنير. يقولون: إنها تطبيق لنصوص الكتاب والسنة وعمل بالحجاب الشرعي الذي أمر الله ﷿ به المسلمات في كتابه العزيز، وأنهم يريدون أن يتخلصوا من الإثم بكتمهم العلم ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ إلى آخر دعاواهم الطويلة العريضة. ولست أدري: أي إثم يتخلصون منه وهم يدعون المرأة إلى أن تطرح هذا النقاب عن وجهها وتُسفر عن محاسنها في مجتمع يتأجج بالشهوة ويصطلي بنيران الهوى ويتبجح بالدعارة، والفسق، والفجور؟ ! ... . - إلى أن قال -\nفهل يعقل أن يأمرها الإسلام أن تستر شعرها وقدميها، وأن يسمح لها أن تكشف وجهها ويديها؟ وأيهما تكون فيه الفتنة أكبر: الوجه أم القدم؟ يا هؤلاء كونوا عقلاء ولا تلبسوا على الناس أمر الدين، فإذا كان الإسلام لا يبيح للمرأة أن تدق برجلها الأرض لئلا يسمع صوت الخلخال وتتحرك قلوب الرجال أو يبدو شيء من زينتها، فهل يسمح لها أن تكشف عن الوجه الذي هو أصل الجمال ومنبع الفتنة ومكمن الخطر؟) (١) انتهى كلامه.\n_________\n(١) روائع البيان للشيخ الصابوني (٢/ ١٨٢).","vol":"1","page":566},{"text":"وقال الشيخ أبو الأعلى المودودي ﵀: (نعم! هو النقاب (Veil) الذي تعده أوربا غاية في الشناعة والقبح، ويكاد الضمير الغربي يختنق حتى من تصوره، ويعتبره الغربيون عنوان الظلم وسيما الوحشية وضيق الفكر، وهو أول ما يعقد عليه الخنصر إذا ذكرت أُمة شرقية بالجهالة والتخلف في طريق التمدن، وأما إذا وصفت أمة في الشرق بكونها سائرة في طريق الحضارة والتمدن، فأول ما يذكر من شواهده بكل تبجح وافتخار؛ هو كون (النقاب) قد زال عن هذه الأمة أو كاد.\nويا لخزيكم يا أصحابنا المتجددين المستغربين إذا تبين لكم أن هذا الشيء لم يخترع بعد زمان النبي بل نسج بردته القرآن نفسه، وروجه النبي - ﷺ - في أمته في حياته، على أن شعوركم بهذا الخزي وإطراقكم بالندامة والخجل ليس بنافعكم شيئًا؛ لأن النعامة إن أخفت رأسها في التراب لرؤية الصائد، فإنه لا يطرد الصائد ولا ينفي وجوده، كذلك إن أشحتم بوجوهكم عن الحقيقة لم تبطل به الحقيقة الثابتة ولم تمح آية القرآن، وإن حاولتم أن تكتموا هذه الوصمة - كما ترونها - في تمدنكم من وراء حجب التأويل لم تزيدوها إلا وضوحًا وجلاء، وإذا كنتم قد قررتم أن هذا النقاب عار على أنفسكم وشنار بعد إيمانكم بوحي الغرب، فليس إلى غسله عن أنفسكم من سبيل غير أن تعلنوا براءتكم من الدين الإسلامي الذي يأمر بالأشياء السمجة البغيضة كلبس النقاب وإسدال الخمار وستر الوجوه ... . - إلى أن قال -\nإن بين مقاصد الإسلام ومقاصد الحضارة الغربية - كما ذكرناه غير مرة - لَبَونًا بعيدًا وفرقًا شاسعًا جدًا، ومخطئ بيِّن الخطأ من يريد أن","vol":"1","page":567},{"text":"يفسر أحكام الإسلام بوجهة نظر الغرب، ذلك بأن ما عند الغرب من المقياس لأقدار الأشياء وقيمها، يختلف عنه مقياس الإسلام كل الاختلاف، فالذي يكبره الغرب ويعده غاية لحياة الإنسانية، هو في عين الإسلام من التوافه والهنات، وإن ما يهتم به الإسلام ويعظم شأنه هو عند الغرب من سقط المتاع، لذلك كل من قال بصحة المقياس الغربي فلا بد أن يرى جميع ما في الإسلام واجب الترميم والإصلاح، وإذا مضى يفسر أحكام الإسلام ويشرحها، جاء بها محرفة عن معانيها، ثم لم يوفق في تطبيقها على الحياة العملية حتى في صورتها المحرفة لما يعترض سبيله إلى ذلك من أحكام القرآن ونصوص السنة البينة فحريٌ بمثل هذا الرجل قبل أن ينظر في جزئيات المناهج العملية، أن يتأمل المقاصد التي قد اتخذت للوصول إليها تلك المناهج، وينظر هل هي صالحة للقبول أم لا. وإن هو لم يكن يوافق تلك المقاصد نفسها فأي غناء يغنيه البحث في المناهج التي تختار لتحقيق تلك المقاصد؟ ولماذا يكلف نفسه مسخ تلك المناهج وتحريفها؟ أليس من الأجدر به الأصلح له أن يهجر الدين الذي يخطئ مقاصده؟ وأما إذا كان يتفق مع تلك المقاصد، فلا يبقى البحث بعد ذلك إلا فيما يتخذ لتحقيقها من المناهج، هل هي صحيحة أم لا؟ وهذا البحث يمكن طيه بكل سهولة، ولكن هذه الطريقة لا يتبعها إلا ذوو المروءة والكرم وهم قليلون، وأما","vol":"1","page":568},{"text":"المنافقون الذين هم بطبيعتهم أخبث ما خلق الله في هذا الكون، فلا يزكو بهم إلا أن يدَّعوا إيمانهم بشيء ويؤمنوا في الحقيقة بشيء آخر!) (١).\nقال في \"بهجة المحافل\" للعامري الشافعي في حوادث السنة الخامسة ما لفظه: (وفيها نزول الحجاب وفيه مصالح جليلة وعوائد في الإسلام جميلة، ولم يكن لأحد بعده النظر إلى أجنبية لشهوة أو لغير شهوة وعفي عن نظر الفجأة) انتهى.\nوقد ذكر بعض الفضلاء ما يربو على ستين اسمًا من أسماء المعاصرين اليوم فقط والقائلين بوجوب ستر المرأة لوجهها من غير النجديين! ونقل في ذلك بعض أقوالهم ومؤلفاتهم (٢).\n_________\n(١) من كتاب \"الحجاب\" (صـ ٣٢٦) للشيخ أبو الأعلى المودودي ﵀.\n(٢) راجع مقال (أسماء القائلين بوجوب ستر المرأة لوجهها من غير النجديين) للشيخ سليمان الخراشي.","vol":"1","page":569},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>وختامًا:</span>\nفلو علم الشيخ الألباني - ﵀ - أو غيره من العلماء المعاصرين القائلين بسفور وجه المرأة حقيقة ما توصلنا له في بحثنا هذا وما قلناه ونقلناه عن أهل العلم المتقدمين، لكانوا أول الفرحين به، لأنهم كانوا داعين ومحبين لرجوع الناس لمنهج السلف واتباع الكتاب والسنة وترك البدع، ولكن يكفيهم أن الله عذرهم، ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رسالة عظيمة أسماها \"رفع الملام عن الأئمة الأعلام\".\nأسأل الله ﷿ أن يغفر لي ولوالدي، ويختم لي بخير ويجعل ما كتبته صوابًا خالصًا لوجهه الكريم وعلمًا ينتفع به ينالني أجره وثوابه إلى يوم الدين يوم أن ألقاه برحمة منه وفضل، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقا، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\n\nكتبه راجي عفو ربه\nتركي بن عمر بن محمد بلحمر\nتم الفراغ منه يوم الخميس الموافق ١٥/ ٦/١٤٢٩ هـ\nلأي اقتراح تفضل مشكورًا بالاتصال على:\nالمملكة العربية السعودية ص. ب ١٧٠٩٥ - جدة ٢١٤٨٤\nEmail: alhijab@hotmail.com","vol":"1","page":570}]}