{"ً":{"ٌ":133380,"ٍ":"مختصر أخلاق حملة القرآن","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم القرآن/مختصر أخلاق حملة القرآن للآجري","files":["muakhaqu.pdf"]},"ّ":"الكتاب: مختصر أخلاق حملة القرآن للإمام الآجُرِّي\nقدم له وأشرف عليه: د. خالد بن عثمان السبت\nالناشر: دار ابن الجوزي\nالطبعة: الثانية، ١٤٣٨ هـ\nعدد الصفحات: ٦٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2009,"ٕ":4,"ٖ":1770155794,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة الطبعة الثانية","level":1,"page":3},{"title":"مقدمة الطبعة الأولى","level":1,"page":4},{"title":"العمل المتبع في هذا المختصر","level":2,"page":5},{"title":"أولا: النسخة (الأصل) المعتمدة","level":3,"page":5},{"title":"ثانيا: الحذف","level":3,"page":6},{"title":"ثالثا: التخريج والعزو","level":3,"page":7},{"title":"رابعا: عبارات المؤلف","level":3,"page":7},{"title":"خامسا: مقابلة النسخ","level":3,"page":8},{"title":"باب: فضل حملة القرآن","level":1,"page":18},{"title":"باب: فضل من تعلم القرآن وعلمه","level":1,"page":20},{"title":"باب: فضل الاجتماع في المساجد لدرس القرآن","level":1,"page":22},{"title":"باب: ذكر أخلاق أهل القرآن","level":1,"page":23},{"title":"باب: أخلاق من قرأ القرآن لا يريد به الله ﷿","level":1,"page":32},{"title":"باب: أخلاق المقرئ إذا جلس يقرئ ويلقن لله ﷿ ماذا ينبغي له أن يتخلق به","level":1,"page":43},{"title":"باب: ذكر أخلاق من يقرأ على المقرئ","level":1,"page":50},{"title":"باب: آداب القراء عند تلاوتهم القرآن مما لا ينبغي لهم جهله","level":1,"page":55},{"title":"باب: في حسن الصوت بالقرآن","level":1,"page":62},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":67}],"ٛ":{"1,1":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,54":52,"1,55":53,"1,56":54,"1,57":55,"1,58":56,"1,59":57,"1,60":58,"1,61":59,"1,62":60,"1,63":61,"1,64":62,"1,65":63,"1,66":64,"1,67":65,"1,68":66,"1,69":67},"ٜ":{"1":[1,69]},"ٝ":["1,1","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69"],"ٞ":{"3":[1],"4":[2],"5":[3,4],"6":[5],"7":[6,7],"8":[8],"18":[9],"20":[10],"22":[11],"23":[12],"32":[13],"43":[14],"50":[15],"55":[16],"62":[17],"67":[18]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"مختصر\nأخلاق حملة القرآن\nللإمام\nمحمد بن الحسين الآجُرِّي (ت ٣٦٠ هـ) ﵀\n\nاختصره\nد. خالد بن عثمان السبت\n\nدار ابن الجوزي","vol":"1","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"1","page":4},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة الطبعة الثانية</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.\nأما بعد:\nفهذه طبعة جديدة لهذا المُختصر، قد استدركنا فيها ما وقع في الطبعة الأولى من أخطاء، كما تم مُقَابَلته على مطبوعة جديدة لأصل الكتاب، إضافةً إلى بعض التعليقات في الحاشية.\nفأسأل الله أن يتقبله، وينفع به؛ إنه سميع مجيب.\n\nخالد بن عثمان السبت\n٢٢/ رجب/ ١٤٣٦ هـ\n* * *","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة الطبعة الأولى</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.\nأما بعد:\nفهذا مُخْتَصَر لكتاب «أخلاق حَمَلَة القرآن» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري (ت: ٣٦٠ هـ) ﵀، وأعلى درجته في الجنة.\nوالمقصود من هذا الاختصار: تقريب الكتاب ليكون في مُتَنَاوَل الجميع، فينتفع به من شاء اللَّه من المُعَلِّمين والمُتَعَلِّمين في الحِلَق القرآنية وغيرها.\nوإنما كان اختيار هذا الكتاب نَظَرًا لما حَوَاه من موضوعات لا غِنَى عنها لِمُعَلِّم القرآن ومُتَعَلِّمه وتَاليه؛ حيث ذَكَرَ مُؤَلِّفه ﵀ بعد الأبواب الثلاثة الأُوَل في فَضْل حَمَلَتِه ومُتَعَلِّمِيه ومُعَلِّمِيه، وما ورد في فضل الاجتماع في المساجد لِمُدَارَسَته - ذكر بعد ذلك أبوابًا في الآداب والأخلاق التي ينبغي أن يَتَحَلَّى بها أهلُ القرآن عمومًا، وما يُطْلَب من ذلك حال تعليمه أو تَعَلُّمه، أو عند تلاوته.\nفالكتاب في غاية الأهمية في بابه، إلا أنه قد اشتمل على","vol":"1","page":6},{"text":"بعض الروايات الضعيفة، وما قد يُبْنَى عليها من آداب ونحوها، إضافةً إلى شيء من التَّكرار في بعض المواضع، فجاء هذا المُخْتَصَر مُقْتَصِرًا على صَفْوِ ما في هذا الكتاب وتَرْك ما عداه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-3> العمل المُتَّبَعُ في هذا المُخْتَصَر:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-4> أولًا: النسخَة (الأصل) المُعْتَمَدة:</span>\nفي البداية كان البناء على نسخة إلكترونية من كتاب «أخلاق حَمَلَة القرآن» للآجري في موقع جامع شيخ الإسلام ابن تيمية، قد حُذِفَت أسانيدها دون الراوي الأول في الغالب، وكُتِب عليها (الناشر مكتبة الإمام ابن القيم العامة)، وبعد المقارنة بين بعض النسخ المطبوعة للكتاب تم اعتماد نُسخة مُحَقَّقَة هي الأصح من المطبوعات التي تَيَسَّر الوقوف عليها، وذلك بعد المُقَارَنة بين خمس نسخ، وهي:\n١ - طبعة دار عمار، (الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ)، بتحقيق الدكتور غانم قدوري - حفظه الله -.\n٢ - طبعة دار الصفا والمروة، (الطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ)، بتحقيق: أحمد شحاتة الألفي (١).\n_________\n(١) وهي التي جَرى مُقابَلتها بهذا المُختصر في طبعته الثانية، كما أشرنا في مقدمتها.","vol":"1","page":7},{"text":"٣ - طبعة مكتبة الدار، (الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ)، بتحقيق الدكتور عبدالعزيز القارئ - حفظه الله -.\n٤ - طبعة مكتبة الإمام البخاري، بتحقيق الدكتور محمود النقراشي ﵀.\n٥ - طبعة دار الكتب العلمية، بإشراف: المكتب السلفي لتحقيق التراث، وتخريج: محمد عمرو عبداللطيف.\nفكانت من حيث تحقيق النص على الترتيب السابق، فأَجْوَدها الطبعة التي حققها الدكتور غانم القدوري، وهي المُعْتَمَدة في هذا المُخْتَصَر، سوى أحرف أو كلمات يسيرة تم ترجيح عبارة النُّسْخَة التي حققها الدكتور عبدالعزيز القارئ، أو أحمد الألفي، أو ما في بعض الكتب الأصول فيما يتعلق بالمرويات؛ وذلك لكونه أَلْيَقَ بالنَّظَر إلى السياق.\nهذا بعد مقابلة النُّسْخَة المُشَار إليها بالمطبوعات الثلاث الأُوَل مُقَابَلةً كاملةً.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-5> ثانيًا: الحذف:</span>\n١ - حُذِف من هذا المُخْتَصَر الروايات الضعيفة، سواء كانت مرفوعة أم غير ذلك، وكذا ما قد يُبْنَى عليها من الأحكام أو الآداب.","vol":"1","page":8},{"text":"٢ - حَذْف الروايات المُكَرَّرَة، والعبارات التي لا يَحتَاج إليها القارئ، مثل عبارة: «قال محمد بن الحسين» في بعض المواضع.\n٣ - حَذْف الأسانيد.\n٤ - وَضْع علامة تدل على الحذف في كل موضع وقع فيه حذف، وهي ثلاث نقط (...).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-6> ثالثًا: التخريج والعزو:</span>\n١ - إذا كان الحديث مُخَرَّجًا في الصحيحين أو أحدهما فإنه يُكْتَفَى بذلك، وإلا فمن بقية الكتب الستة، فإن لم يكن في شيء منها فمن بقية الكتب التسعة، فإن لم يكن في شيء منها: فمن المصادر الأخرى.\n٢ - تم تخريج الآثار في الهامش، وأما الآيات فكان عَزْوُها بعد الآية مباشرة في صُلْب الكتاب، بين معقوفين [] تقليلًا للهوامش.\n٣ - تم نقل أحكام العلماء على الرواية أو الإسناد مع التخريج ما أمكن.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-7> رابعًا: عبارات المؤلف:</span>\nأُثْبِتَت عبارة المؤلف من غير تَصَرُّف، سوى الحذف","vol":"1","page":9},{"text":"المُشَار إليه، ومن ثم فإن ما تقرؤه في هذا المُخْتَصَر فإنه بحروفه من كلام الآجُرِّي.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-8> خامسًا: مقابلة النسخ:</span>\nقام بِمُقابَلَة النُّسَخ الأستاذة مرام الدايل، وقد شَارَكَتْها في بعض مراحل العمل الأستاذة أمل الدويش.\nوأما التخريج فقد شَارَكَها في ذلك الشيخ حسين القحطاني.\nوإنما كان عملي في هذا المُخْتَصَر: الإشراف، وتحديد مواضع الحذف، واختيار النسخة الأجود تحقيقًا بعد المُقَارنة المُشار إليها، وكذا اختيار اللفظة الأقرب - في نظري - في بعض المواضع التي اختلفت فيها النسختان (١، ٢)، مع مراجعة مَتْن هذا المختصر، وحواشيه وما في ضِمْنِها من التخريج والعزو.\nهذا وأسأل الله أن يتقبل هذا العمل، وأن ينفع به كل من بذل فيه، أو طالعه، إنه سميع مجيب.\nوكتبه: خالد بن عثمان السبت\nليلة الأحد، الخامس عشر من رمضان من عام ١٤٣٥ هـ","vol":"1","page":10},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nقَالَ أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الآجُرِّيُّ ﵀:\nأَحَقُّ مَا أَسْتَفْتِحُ بِهِ الْكَلامَ، الْحَمْدُ لِمَوْلانَا الْكَرِيْمِ، وَأَفْضَلُ الْحَمْدِ مَا حَمِدَ بِهِ الْكَرِيْمُ نَفْسَهُ، فَنَحْنُ نَحْمَدُهُ بِهِ:\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾ [الكهف].\nو﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [سبأ].\nأَحْمَدُهُ على تواتر إحسانه وقديم نِعَمِه، حَمْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ مولاه الْكَرِيْمَ عَلَّمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، وَكَانَ فَضْلُهُ عَلَيْهِ عَظِيمًا. وَأَسْأَلُهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ، وَالشُّكْرَ عَلَى مَا تَفَضَّلَ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ، إنَّهُ ﴿ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾ [آل عمران].","vol":"1","page":11},{"text":"وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، وَنَبِيِّهِ، وَأَمِينِهِ عَلَى وَحْيِهِ وَعِبَادِهِ، صَلاةً تَكُونُ لَهُ رِضًا، وَلَنَا بِهَا مَغْفِرَةً، وَعَلَى آلِهِ أَجْمَعِينَ، وَسَلَّم كَثِيرًا طَيِّبًا.\nأما بعد:\nفَإِنِّي قَائِلٌ - وباللهِ أَثِقُ لِتَوفِيقِ الصَّوَابِ مِنَ القَولِ والعَمَل، ولَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ -:\nأَنْزَلَ اللهُ ﷿ الْقُرْآنَ عَلَى نَبِيِّهِ - ﷺ -، وَأَعْلَمَهُ فَضْلَ مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ، وَأَعْلَمَ خَلْقَهَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ: أَنَّ الْقُرْآنَ عِصْمَةٌ لِمَنْ اعْتَصَمَ بِهِ، وهُدًى لِمَنِ اهْتَدَى بِهِ، وغِنًى لِمَنِ اسْتَغْنَى بِهِ، وَحِرْزٌ مِنَ النَّارِ لِمَنِ اتَّبَعَهُ، وَنُورٌ لِمَنِ اسْتَنَارَ بِهِ، وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ، وَهُدَى وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنِينَ.\nثُمَّ أَمَرَ اللهُ الكريم خَلْقَهُ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَيَعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ فَيُحِلُّوا حَلالَه، وَيُحَرِّمُوا حَرَامَهُ، وَيُؤْمِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ، وَيَعْتَبِرُوا بِأَمْثَالِهِ، ويقولوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧].\nثُمَّ وَعَدَهُمْ عَلَى تِلاوَتِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ: النَّجَاةَ مِنَ النَّارِ، وَالدُّخُولَ إِلَى الْجَنَّةِ.\nثُمَّ نَدَبَ خَلْقَهَ - إِذَا هُمْ تَلَوْا كِتَابَهُ - أَنْ يَتَدَبَّرُوهُ، وَيَتَفَكَّرُوا","vol":"1","page":12},{"text":"فِيهِ بِقُلُوبِهِمْ، وَإِذَا سَمِعُوهُ مِنْ غَيْرِهِمْ أَحْسَنُوا اسْتِمَاعَهُ. ثُمَّ وَعَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ، فَلَهُ الْحَمْدُ.\nثُمَّ أَعْلَمَ خَلْقَهَ: أَنْ مَنْ تَلا الْقُرْآنَ، وَأَرَادَ بِهِ مُتَاجَرَةَ مَوْلاهُ الْكَرِيْم، فَأَنَّهُ يُرْبِحُهُ الرِّبْحَ الِّذِي لا بَعْدَهُ رِبْحٌ، وَيُعَرِّفُهُ بَرَكَةَ الْمُتَاجَرَةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.\nقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: جَمِيعُ مَا ذَكَرْتُهُ وَمَا سَأَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ بَيَانُهُ فَي كِتَابِ اللهِ ﷿، وَسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَمِنْ قَوْلِ صَحَابَتِهِ ﵃، وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ، وَأَنَا أَذْكُرُ مِنْهُ مَا حَضَرَني ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، واللهُ الْمُوَفِّقُ في ذَلِكَ.\nقَالَ ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾ [فاطر].\nوقَالَ ﷿: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾ [الإسراء].\nوقَالَ ﷿: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ","vol":"1","page":13},{"text":"لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء].\nوقَالَ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس].\nوَقَالَ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾ [النساء].\nوقال ﷿: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران].\nوَحَبْلُ اللهِ هُوَ الْقُرْآنُ.\nوَقَالَ ﷿: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر].","vol":"1","page":14},{"text":"وقال ﷿: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص].\nوقال ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾ [طه].\nثُمَّ إنَّ اللهَ تعالى وَعَدَ لِمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى كَلامِهِ، فَأَحْسَنَ الأَدَبَ عِنْدَ اسْتِمَاعِهِ بِالاعْتِبَارِ الْجَمِيلِ وَلُزُومِ الْوَاجِبِ لاتِّبَاعِهِ، وَالْعَمَلِ بِهِ أَنْ يُبَشِّرَهُ ﷿ مِنْهُ بِكِلِّ خَيْرٍ، وَوَعَدَهُ عَلَى ذَلِكَ أَفْضَلَ الثَّوابِ، فقال ﷿: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر] ...\nفكلُّ كَلامِ ربِّنا حَسَنٌ لِمَنْ تَلاهُ، وَلِمَنِ اسْتَمَعَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا هَذَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - صِفَةُ قَوْمٍ إِذَا سَمِعُوا الْقُرْآنَ يَتَّبِعُونَ مِنَ الْقُرْآنِ أَحْسَنَ مَا يَتَقَرَّبُونَ به إِلَى اللهِ ﷿، مِمَّا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ مَوْلاهُمُ الْكَرِيْمُ، يَطْلُبُونَ بِذَلِكَ رِضَاهُ، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، سَمِعُوا اللَّهَ قَالَ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف]، فَكَانَ حُسْنُ اسْتِمَاعِهِمْ يَبْعَثُهُمْ عَلَى التَّذَكُّرِ فِيمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَسَمِعُوا اللهَ ﷿ قال: ﴿فَذَكِّرْ","vol":"1","page":15},{"text":"بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ [ق].\nوَقَدْ أَخْبَرَنَا اللهُ ﷿ عَنِ الْجِنِّ في حُسْنِ اسْتِمَاعِهِمْ لِلْقُرْآنِ، وَاسْتِجَابَتِهِمْ لِمَا نَدَبَهُمْ إِلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، فَوَعَظُوهُمْ بِمَا سَمِعُوا مِنْ الْقُرْآنِ بِأَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنْ الْمَوْعِظَةِ.\nقَالَ اللهُ ﷿: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ [الجن].\nوقَالَ ﷿: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ [الأحقاف] ...\nوَقَدْ قَالَ اللهُ ﷿ فِي سُورَةِ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ [ق] مَا دَلَّنَا عَلَى عظيم مَا خَلَقَ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ عَجَائِبِ حِكْمَتِهِ فِي خَلْقِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمَوْتَ وَعَظيمَ شَأْنه، ثم ذَكَرَ النَّارَ وَعَظيمَ شَأْنها.","vol":"1","page":16},{"text":"ثم ذَكَرَ الجنَّة وما أَعَدَّ فِيهَا لأَوْلِيَائِهِ، فَقَالَ ﷿: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق] ...\nثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق].\nفَأَخْبَرَ - جَلَّ ذِكْرُهُ - أَنَّ الْمُسْتَمِعَ بِأُذُنَيْهِ يَنْبَغِي له أَنْ يَكُونَ مشَاهِدًا بِقَلْبِهِ مَا يَتْلُو، وَما يسمع؛ لِيَنْتَفِعَ بِتِلاوَتِهِ لِلْقُرْآنِ، وبِالاسْتِمَاعِ مِمَّنْ يَتْلُوهُ.\nثُمَّ إنَّ اللهَ ﷿ حَثَّ خَلْقَهُ عَلَى أَنْ يَتَدَبَّرُوا الْقُرْآنَ، فَقَالَ ﷿: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد].\nوقَالَ ﷿: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء] ...\nأَلا تَرَوْنَ - رَحِمَكُمُ اللهُ - إِلَى مَوْلاكُم الْكَرِيْم؛ كَيْفَ يَحُثُّ خَلْقَهَ عَلَى أَنْ يَتَدَبَّرُوا كَلامَهُ، وَمَنْ تَدَبَّرَ كَلامَهُ عَرَفَ الرَّبَّ ﷿، وَعَرَفَ عَظِيمَ سُلْطَانِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَعَرَفَ عَظِيمَ تَفَضُّلِهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ، وَعَرَفَ مَا عَلَيْهِ مِنْ فَرْضِ عِبَادَتِهِ، فَأَلْزَمَ نَفْسَهُ الْوَاجِبَ، فَحَذِرَ مِمَّا حَذَّرَهُ مَوْلاهُ الْكَرِيْمُ، وَرَغِبَ فِيمَا رَغَّبَهُ فيه.","vol":"1","page":17},{"text":"وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ عِنْدَ تِلاوَتِهِ لِلْقُرْآنِ، وَعِنْدَ اسْتِمَاعِهِ مِنْ غَيْرِهِ، كَانَ الْقُرْآنُ لَهُ شِفَاءً، فَاسْتَغْنَى بِلا مَالٍ، وَعَزَّ بِلا عَشِيرَةٍ، وأَنِسَ بِمَا يَسْتَوحِشُ مِنْهُ غَيْرُهُ، وَكَانَ هَمُّهُ عِنْدَ تِلاوَةِ السُّورَةِ إِذَا افْتَتَحَهَا: مَتَى أَتَّعِظُ بِمَا أَتْلُو؟ وَلَمْ يَكُنْ مُرَادُهُ: مَتى أَخْتِمُ السُّورَةَ؟ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ: مَتى أَعْقِلُ عَنِ اللهِ الْخِطَابَ؟ مَتى أَزْدَجِرُ؟ مَتى أَعْتَبِرُ؟ لأَنَّ تِلاوَتَهُ لِلْقُرْآنِ عبادة، والعبادة لا تَكُونُ بِغَفْلَةٍ، وَاللهُ الْمُوَفِّقُ لِذَلِكَ.\nعَنِ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: «لا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقْل (١)، وَلا تَهُذُّوهُ هَذَّ الشِّعْرِ، قِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ، وَحَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ، وَلا يَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ» (٢) ...\nعَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، قَالَ: «يَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ» (٣).\n_________\n(١) الدَّقْل: رديء التمر ويابسه. ينظر: النهاية لابن الأثير (٢/ ١٢٧)، م: (دقل).\n(٢) وإسناده ضعيف، لكنه صحيح بمجموع طرقه كما سيأتي.\nأخرجه البغوي في معالم التنزيل (٤/ ٤٩٠ - ٤٩١) من طريق المصنف به.\nللتوسع في الكلام على طرقه وأسانيده يُرَاجع: تعليق د. سعد آل حميد على تفسير سعيد بن منصور (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٧).\n(٣) إسناده صحيح.\nأخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٢١١)، وابن جرير (٢/ ٥٦٧ - ٥٦٨) كلهم عن مجاهد.","vol":"1","page":18},{"text":"قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: وَقَبْلَ أَنْ أَذْكُرَ أَخْلاقَ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَمَا يَنْبَغِي لهم أَنْ يَتَأَدَّبُوا بِهِ؛ أَذْكُرُ فَضْلَ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ، لِيَرْغَبُوا فِي تِلاوَتِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَالتَّواضُعَ لِمَنْ تَعَلَّمُوا مِنْهُ أَوْ عَلَّمُوهُ.\n* * *","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>بَابُ: فَضْلِ حَمَلَةِ القُرْآنِ</span>\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «للهِ مِنَ النَّاسِ أَهْلُونَ»، قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ ! قَالَ: «أَهْلُ الْقُرْآنِ، هُمْ أَهْلُ اللهِ، وَخَاصَّتُهُ» (١) ...\nعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ، وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا» (٢) ...\nعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ، واتْلُوهُ، فَإِنَّكُمْ تُؤْجَرُونَ بِهِ، إِنَّ بِكُلِّ اسْمٍ مِنْهُ عَشْرًا، أَمَا إِنِّي لا أَقُولُ بِـ ﴿الم] عَشْرٌ، وَلَكَنْ بِالأَلف عَشْرٌ، وَبِاللام عَشْرٌ، وَبِالْمِيمِ\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (٢١٥).\nوصححه الحاكم (١/ ٥٥٦)، والمنذري في الترغيب (٢/ ٣٥٤)، والبوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٩١)، وحسنه العراقي في تخريج الإحياء (٢/ ٦٨٤)، والألباني في الضعيفة (٤/ ٨٤ - ٨٥).\n(٢) أخرجه الترمذي (٢٩١٤)، وأبو داود (١٤٦٤).\nوصححه الترمذي وابن حبان (٧٦٦)، والحاكم (١/ ٥٥٢ - ٥٥٣)، والذهبي، والألباني في الصحيحة (٢٢٤٠).","vol":"1","page":20},{"text":"عَشْرٌ» (١) ...\n* * *\n_________\n(١) إسناده صحيح، فيه عطاء بن السائب اختلط، وحماد بن سلمة ممن سمع منه قبل الاختلاط على قول الجمهور كما في الكواكب النيرات (ص ٣٢٥ - ٣٢٦).\nومع ذلك فقد توبع: تابعه سفيان وشعبة وحماد بن زيد\nأخرجه الدارمي (٣٣٥١)، والطبراني (٩/رقم ٨٦٤٨، ٨٦٤٩)، وجميعهم ممن سمع عطاء قبل الاختلاط، فهذا دليل أن عطاء حفظه.\nوصححه الألباني في الصحيحة (٦٦٠).","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>بابُ: فَضْلِ مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعلَّمَه</span>\nعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ - قَالَ شُعْبَةَ: قُلْتُ لَهُ (١): عَنْ النَّبيِّ - ﷺ -؟ قَالَ: نَعَمْ - قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، وَعَلَّمَهُ».\nقَالَ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٢): فَذَلِكَ الذي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا.\nفَكَانَ يُعَلِّمُ مِنْ خِلافَةِ عُثْمَانَ إِلَى إِمْرَةِ الْحَجَّاجِ (٣) ...\nعن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يقول: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَنَحْنُ فِي الصُّفَّة (٤) فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى بُطْحَانَ (٥) أو (٦)\n_________\n(١) شُعْبَة بن الحَجَّاج أَحَدُ رواته، وشيخه في هذا الإسناد هو عَلْقَمة بن مَرْثَد.\n(٢) هو السلمي.\n(٣) أخرجه البخاري (٥٠٢٧). قال الحافظ في الفتح (٩/ ٧٦): «بين أول خلافة عثمان وآخر ولاية الحَجَّاج: اثنتان وسبعون سنة إلا ثلاثة أشهر. وبين آخر خلافة عثمان وأول ولاية الحَجَّاج العراق: ثمان وثلاثون سنة إلا ثلاثة أشهر، ولم أقف على تعيين ابتداء إقراء أبي عبدالرَّحمن وآخره. فالله أعلم بمقدار ذلك» اهـ.\n(٤) مَوْضِع مُظلَّلٌ كان في مُؤَخَّر مَسْجد المدينة، أُعِد لنزول الغرباء فيه؛ من لا مأوى له ولا أهل. انظر: شرح سنن أبي داود للعيني (٥/ ٣٦٩)، وعون المعبود (٤/ ٢٣١).\n(٥) اسم واد بالمدينة، سُمِّي بذلك لسعته وانبساطه، من البَطْح؛ وهو البَسْط. عون المعبود (٤/ ٢٣١).\n(٦) الظاهر أن (أو) للتنويع، لكن في جامع الأصول: (أو قال إلى العقيق)، فدَلَّ على أنه شك من الراوي. مرقاة المفاتيح (٤/ ١٤٥٣).","vol":"1","page":22},{"text":"الْعَقِيقِ (١)، فَيَأْتِيَ كُلَّ يَوْمٍ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ (٢) زَهْرَاوَيْنِ (٣)، فَيَأْخُذَهُمَا فِي غَيْرِ إِثْمٍ، وَلا قَطْعِ رَحِمٍ؟»، قَالَ: قُلْنَا: كُلُّنَا يَا رَسُولَ اللهِ يُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: «فَلَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَيَتَعَلَّمَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلاثٌ خَيْرٌ له مِنْ ثَلاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ له مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ» (٤).\n* * *\n_________\n(١) وادٍ على بعد ثلاثة أميال، وقيل: على ميلين من المدينة، وإنما خصهما بالذكر لأنهما أقرب المواضع التي يقام فيها أسواق الإبل إلى المدينة. انظر: المصدر السابق.\n(٢) العظيمة السَّنَام. شرح سنن أبي داود للعيني (٥/ ٣٦٩).\n(٣) أي: سمينتين مائلتين إلى البياض. عون المعبود شرح سنن أبي داود (٤/ ٢٣١).\n(٤) أخرجه مسلم (٨٠٣).","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>بابُ: فضْلِ الاجتماعِ في المَسَاجِدِ لِدَرْسِ القُرْآنِ</span>\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ ﷿، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْ بِهِمُ الْمَلائِكَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» (١).\nعَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضلُ؟ قَالَ: ذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَمَا جَلَسَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ ﷿، يَتَدَارَسُونَ فِيهِ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَعَاطَوْنَهُ بَيْنَهُمْ، إِلا أَظَلَتْهُمُ الْمَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا، وَكَانُوا أَضْيَافَ اللَّهِ تعالى مَا دَامُوا فِيهِ، حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ» (٢).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٦٩٩).\n(٢) إسناده صحيح.\nأخرجه الدارمي (٣٦٨)، وقد روي مرفوعًا، والموقوف أصح كما في جامع العلوم والحكم (ص ٦٤٧)، راجع: التعليق على تفسير سعيد بن منصور (١٧٠٧).","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>بابُ: ذِكرِ أخلاقِ أَهْلِ القُرْآنِ</span>\nيَنْبَغِي لِمَنْ عَلَّمَهُ اللهُ الْقُرْآنَ وَفَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يحمِّله كِتَابَهُ، وَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَأَهْلِ اللهِ وَخَاصَّتِهِ، وَمِمَّنْ وَعَدَهُ اللهُ مِنَ الْفَضْلِ الْعَظِيمِ؛ ممَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ، وممن قال اللَّهُ ﷿: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]- قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: يَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ -، وَممن قال النَّبيُّ - ﷺ -: «الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يقرؤه وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ له أَجْرَانِ» (١) ...\nفَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعًا لِقَلْبِهِ، يَعْمُرُ بِهِ مَا خَرِبَ مِنْ قَلْبِهِ، وَيَتَأَدَّبَ بِآدَابِ الْقُرْآنِ، وَيَتَخَلَّقَ بِأَخْلاقٍ شَرِيفَةٍ، يَبِيْنُ بها عَنْ سَائِرِ النَّاسِ مِمَّنْ لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ.\nفَأَوَّلُ مَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ: تَقْوَى اللَّهِ ﷿ فِي السِّرِ وَالْعَلانِيَةِ بِاسْتِعْمَالِ الْوَرَعِ فِي مَطْعَمِهِ، وَمَشْرَبِهِ، وَمَلْبَسِهِ، وَمَكْسَبِه، وَيَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ وَفَسَادِ أَهْلِهِ، فَهُوَ يَحْذَرُهُمْ عَلَى دِيْنِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ، مَهْمُومًا بِإِصَلاحِ مَا فَسَدَ مِنْ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٩٣٧)، ومسلم (٧٩٨) من حديث عائشة ﵂.","vol":"1","page":25},{"text":"أَمْرِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، مُمَيِّزًا لِكَلامِهِ؛ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِعِلْمٍ إِذَا رَأَى الْكَلامَ صَوَابًا، وَإن سَكَتَ سَكَتَ بِعِلْمٍ إِذَا كَانَ السُّكُوتُ صَوَابًا، قَلِيلَ الْخَوْضِ فِيمَا لا يَعْنِيهِ، يَخَافُ مِنْ لِسَانِهِ أَشَدَّ مِمَّا يَخَافُ مِنْ عَدُوهِ، يَحْبِسُ لِسَانَهُ كَحَبْسِهِ لِعَدُوِّهِ، لِيَأْمَنَ شَرَّهُ وَسُوء عَاقِبَتِهِ.\nقَلِيلَ الضَّحِكِ فِيمَا يَضْحَكُ فيه النَّاسُ؛ لِسُوءِ عَاقِبَةِ الضَّحِكِ، إِنْ سُرَّ بِشَيءٍ مِمَّا يُوَافِقُ الْحَقَّ تَبَسَّمَ، يَكْرَهُ الْمُزَاحَ خَوْفًا مِنْ اللَّعِبِ، فَإِنْ مَزَحَ قَالَ حَقًّا، بَاسِطَ الْوَجْهِ، طَيِّب الْكَلامِ.\nلا يَمْدَحُ نَفْسَهُ بِمَا فِيهِ فَكَيْفَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ؟ يَحْذَرُ مِنْ نَفْسه أَنْ تَغْلِبَهُ عَلَى مَا تَهْوَى مِمَّا يُسْخِطُ مَوْلاهُ. ولا يَغْتَابُ أَحَدًا، وَلا يَحْقِرُ أَحَدًا، ولا يَسُبُّ أَحَدًا، وَلا يَشْمَتُ بِمُصِيبَةٍ، وَلا يَبْغِي عَلَى أَحَدٍ، وَلا يَحْسُدُهُ، وَلا يُسِيءُ الظَّنَّ بِأَحَدٍ إِلا بِمَنْ يَسْتَحِقُّ، يَحْسُدُ (١) بِعِلْمٍ، وَيَظُنُّ بِعِلْمٍ، وَيَتَكَلَّمُ بِمَا فِي الإِنْسَانِ مِنْ عَيْبٍ بِعِلْمٍ، وَيَسْكُتُ عَنْ حَقِيقِةِ مَا فِيهِ بِعِلْمٍ.\nقَدْ جَعَلَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ وَالْفِقَهَ دَلِيله إِلَى كُلِّ خُلُقٍ حَسَنٍ\n_________\n(١) أي: يَغْبِط.","vol":"1","page":26},{"text":"جَمِيلٍ، حَافِظًا (١) لِجَمِيعِ جَوَارِحِهِ عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ، إِنْ مَشى مَشى بِعِلْمٍ، وَإِنْ قَعَدَ قَعَدَ بِعِلْمٍ، يَجْتَهِدُ لِيَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ. ولا يَجْهَلُ، وإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِ حَلُمَ، ولا يَظْلِمُ، وإِنْ ظُلِمَ عَفَا، ولا يَبْغِي على أحد، وَإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ، يَكْظِمُ غَيْظَهُ لِيُرْضِيَ رَبَّهُ، وَيَغِيظَ عَدُوَّهُ، مُتَوَاضِعٌ فِي نَفْسِهِ، إِذَا قِيلَ لَهُ الْحَق قَبِلَهُ، مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ.\nيَطْلُبُ الرِّفْعَةَ مِنَ اللهِ ﷿ لا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، مَاقِتٌ لِلْكِبْرِ، خَائِفًا (٢) عَلَى نفْسِهِ مِنْهُ، لا يَتأكَّلُ بِالْقُرْآنِ، وَلا يُحِبُّ أَنْ تُقْضَى لَهُ بِهِ الْحَوَائِج، وَلا يَسْعَى بِهِ إِلَى أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، وَلا يُجَالِسُ بِهِ الأغْنِيَاءَ لِيُكْرِمُوهُ.\nإِنْ كَسِبَ النَّاسُ مِنَ الدُّنْيَا الْكَثِيرَ بِلا فِقْهٍ وَلا بَصِيرَةٍ، كَسِبَ هُوَ الْقَلِيلَ بِفِقْهٍ وَعِلْمٍ، إِنْ لَبِسَ النَّاسُ اللَّيِّنَ الْفَاخِرَ، لَبِسَ هُوَ\n_________\n(١) هكذا في جميع النسخ. وله وجه صحيح في اللغة.\n(٢) هكذا في عامة النسخ. وله وجه صحيح في اللغة.\n\nولهما في الموضعين محامل صحيحة، منها: أن يقال بأن الرفع في هاتين اللفظتين على تعدد الخبر. كما أن النصب صحيح على أنها حال من الضمير المستتر في الخبر المرفوع قبلها؛ وذلك لأن في الخبر المشتق ضميرًا مستترًا تقديره (هو)، وهذه اللفظة المنصوبة حال من هذا الضمير المستتر في الخبر المتقدم.","vol":"1","page":27},{"text":"مِنْ الْحَلالِ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، إِنْ وُسِّعَ عَلَيْهِ وَسَّعَ، وَإِنْ أُمْسِكَ عليه أَمْسَكَ، يَقْنَعُ بِالْقَلِيلِ فَيَكْفِيهِ، وَيَحْذَرُ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الدُّنْيَا مَا يُطْغِيهِ.\nيَتَّبِعُ وَاجِبَاتِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، يَأْكُلُ الطَّعَامَ بِعِلْمٍ، وَيَشْرَبُ بِعِلْمٍ، وَيَلْبَسُ بِعِلْمٍ، وَيَنَامُ بِعِلْمٍ، وَيُجَامِعُ أَهْلَهُ بِعِلْمٍ، وَيَصْحَبُ الإِخْوَانَ بِعِلْمٍ، يَزُورُهُمْ بِعِلْمٍ، وَيَسْتَأذِنُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ، يُجَاوِرُ جَارَهُ بِعِلْمٍ.\nويُلْزِمُ نَفْسَهُ بِرَّ وَالِدَيْهُ، فَيَخْفِضُ لَهُمَا جَنَاحَهُ، وَيَخْفِضُ لِصَوْتِهِمَا صَوْتَهُ، وَيَبْذُلُ لَهُمَا مَالَهُ، وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا بِعَيْنِ الْوَقَارِ وَالرَّحْمَةِ، يَدْعُو لَهُمَا بِالْبَقَاءِ، وَيَشْكُرُ لَهُمَا عِنْدَ الْكِبَرِ، لا يَضْجَرُ بِهِمَا، وَلا يحقرهما، إِنْ اسْتَعَانَا بِهِ عَلَى طَاعَةٍ أَعَانَهُمَا، وَإِنْ اسْتَعَانَا بِهِ عَلَى مَعْصِيةٍ لَمْ يُعِنْهُمَا، وَرَفَقَ بِهِمَا فِي مَعْصِيتِهِ إِيَّاهُمَا، يُحْسِنُ الأَدَبَ لِيَرْجِعَا عَنْ قَبِيحِ مَا أَرَادَا مِمَّا لا يَحْسُنُ بِهِمَا فِعْلُهُ.\nيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَكْرَهُ الْقَطِيعَةَ، مَنْ قَطَعَهُ لَمْ يَقْطَعْهُ، مَنْ عَصَى اللهَ فِيهِ أَطَاعَ اللهَ فِيهِ.\nيَصْحَبُ الْمُؤْمِنِينَ بِعِلْمٍ، وَيُجَالِسُهُمْ بِعِلْمٍ، مَنْ صَحِبَهُ","vol":"1","page":28},{"text":"نَفَعَهُ، حَسَنُ الْمُجَالَسَةِ لِمَنِ جَالَسَ، إِنْ عَلَّمَ غَيْرَهُ رَفَقَ بِهِ، لا يُعَنِّفُ مَنْ أَخْطَأَ وَلا يُخْجِلُهُ، رَفَيقٌ فِى أُمُورِهِ، صَبُورٌ عَلَى تَعْلِيمِ الْخَيْرِ، يَأْنَسُ بِهِ الْمُتَعَلِّمُ، وَيَفْرَحُ بِهِ الْمُجَالِسُ، مُجَالَسَتُهُ تُفِيدُ خَيْرًا، مُؤَدِّبٌ لِمَنْ جَالَسَهُ بِأَدَبِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.\nإِنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ، فَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ لَهُ مُؤَدِّبَانِ، يَحْزَنُ بِعِلْمٍ، وَيَبْكِي بِعِلْمٍ، وَيَصْبِرُ بِعِلْمٍ، وَيَتَطَّهَرُ بِعِلْمٍ، وَيُصَلي بِعِلْمٍ، وَيُزَكِّي بِعِلْمٍ، وَيَتَصَدَّقُ بِعِلْمٍ، وَيَصُومُ بِعِلْمٍ، وَيَحُجُّ بِعِلْم، وَيُجَاهِدُ بِعِلْمٍ، وَيَكْتَسِبُ بِعِلْمٍ، وَيُنْفِقُ بِعِلْمٍ، ويَنْبَسِطُ فِي الأُمُورِ بِعِلْمٍ، وَيَنْقَبِضُ عَنْهَا بِعِلْمٍ.\nقَدْ أدَّبَهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، يَتَصَفَّحُ الْقُرْآنَ لِيُؤَدِّبَ بِهِ نَفْسَهُ، ولا يَرَضَى مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُؤَدِي مَا فَرَضَ اللهُ ﷿ عَلَيْهِ بِجَهْلٍ، قَدْ جَعَلَ الْعِلْمَ وَالْفِقْهَ دَلِيلَهُ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ.\nإِذَا دَرَسَ الْقُرْآنَ فَبِحُضُورِ فَهْمٍ وَعَقْلٍ، هِمَّتُهُ إِيقَاعُ الْفَهْمِ لِمَا أَلْزَمَهُ اللهُ ﷿ مِنِ اتِّبَاعِ مَا أَمَرَ، وَالانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى، لَيْسَ هِمَّتُهُ مَتى أَخْتِمُ السُّورَةَ؟ هِمَّتُهُ: مَتى أسْتَغْنِي بِاللهِ عَنْ غَيْرِهِ؟ مَتى أَكُونُ مِنَ الْمُتَقِينَ؟ مَتى أَكُونُ مِنَ الْمُحْسِنِينَ؟ مَتى أَكُونُ مِنَ الْمُتَوَكِّلِينَ؟ مَتى أَكُونُ مِنَ الْخَاشِعِينَ؟ مَتى أَكُونُ مِنَ","vol":"1","page":29},{"text":"الصَّابِرِينَ؟ مَتى أَكُونُ مِنَ الصَّادِقِينَ؟ مَتى أَكُونُ مِنَ الْخَائِفِينَ؟ مَتى أَكُونُ مِنَ الرَّاجِينَ؟ مَتى أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا؟ مَتى أَرْغَبُ فِي الآخِرَةِ؟ مَتى أَتُوبُ مِنْ الذُّنُوبِ؟ مَتى أَعْرِفُ قدر النِّعَمَ الْمُتَوَاتِرَةِ؟ مَتى أشكر عَلَيْهَا؟ مَتى أَعْقِلُ عَنِ اللهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ الْخِطَابَ؟ مَتى أَفْقَهُ مَا أَتْلُو؟ مَتى أَغْلِبُ نَفْسِي على هواها؟ مَتى أُجَاهِدُ فِي اللهِ ﷿ حَقَّ الْجِهَادِ؟ مَتى أَحْفَظُ لِسَانِي؟ مَتى أَغُضُّ طَرْفِي؟ مَتى أَحْفَظُ فَرْجِي؟ مَتى اسْتَحِيى مِنَ اللهِ ﷿ حَقَّ الْحَيَاءِ؟ مَتى أشْتَغِلُ بِعَيْبِي؟ مَتى أُصْلِحُ مَا فَسَدَ مِنْ أَمْرِي؟ مَتى أُحَاسِبُ نَفْسِي؟ مَتى أَتَزَوَّدُ لِيَوْمِ مَعَادِي؟ مَتى أَكُونُ عَنِ اللهِ رَاضَيًا؟ مَتى أَكُونُ بِاللهِ وِاثِقًا؟ مَتى أَكُونُ بِزَجْرِ الْقُرْآنِ مُتَّعِظًا؟ مَتى أَكُونُ بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ غَيْرِهِ مُشْتَغِلًا؟ مَتى أُحِبُّ مَا أَحَبَّ؟ مَتى أُبْغضُ مَا أَبْغَضَ؟ مَتى أنْصَحُ للهِ؟ مَتى أُخْلِصُ لَهُ عَمَلِي؟ مَتى أُقَصِّرُ أَمَلِي؟ مَتى أَتَأَهَّبُ لِيَوْمِ مَوْتِي وَقَدْ غُيِّبَ عَنِي أَجَلِي؟ مَتى أُعَمِّرُ قَبْرِي؟ مَتى أُفَكِّرُ فِي الْمَوْقِفِ وَشِدتِهِ؟ مَتى أُفَكِّرُ فِي خلْوَتِي مَعَ رَبِّي؟ مَتى أُفَكِّرُ فِي الْمُنْقَلَبِ؟ مَتى أَحْذَرُ ما حَذَّرَنِي مِنْهُ رَبِّي؟ مِنْ نَارٍ حَرُّهَا شَدِيدٌ، وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَغَمُّهَا طَوِيلٌ، لا يَمُوتُ أَهْلُهَا فَيَسْتَرِيْحُوا، وَلا تُقَالُ عَثْرَتُهُمْ، وَلا تُرْحَمُ عَبْرَتُهُمْ،","vol":"1","page":30},{"text":"طَعَامُهُمْ الزَّقُومُ، وَشَرَابُهُمُ الْحَمِيمُ، كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بُدِّلُوا جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ، نَدِمُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمْ النَّدَمُ، وَعَضُّوا عَلَى الأَيْدِي أَسَفًا عَلَى تَقْصِيرِهِمْ فِي طَاعَةِ اللهِ ﷿، وَرُكُوبِهِمْ لِمَعَاصِي اللهِ تعالَى، فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلٌ: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾ [الفجر]، وَقَالَ قائل: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون]، وَقَالَ قائل: ﴿يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، وَقَالَ قَائِلٌ: ﴿يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨)﴾ [الفرقان]، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنْهُمْ، وَوُجُوهُهُمْ تَتَقَلَّبُ فِي أنواع مِنَ العذاب: ﴿يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦)﴾ [الأحزاب: ٦٦].\nفَهَذِهِ النَّارُ - يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ؛ يَا حَمَلَةَ الْقُرْآنِ - حَذَّرَهَا اللهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ، رَحْمَةً مِنْهُ لِلمُؤمِنِينَ:\nفَقَالَ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم] ...\nوَقَالَ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر].","vol":"1","page":31},{"text":"ثُمَّ حَذَّرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَغْفَلُوا عَمَّا فَرَضَ عَلَيْهِمْ وَمَا عَهِدَهُ إِلَيْهِمْ ألَّا يُضَيِّعُوهُ، وَأَنْ يَحْفَظُوا مَا اسْتَرْعَاهُمْ مِنْ حُدُودِه، وَلا يَكُونُوا كَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ فَسَقَ عَنْ أَمْرِهِ، فَعَذَّبَهم بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ.\nفقَالَ ﷿: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ [الحشر].\nثُمَّ أَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ.\nفَقَالَ ﷿: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [الحشر].\nفَالْمُؤْمِنُ الْعَاقِلُ إِذَا تَلا الْقُرْآنَ اسْتَعَرَضَ القُرْآنَ، فَكَانَ كَالْمِرَآةِ يَرَى بِهَا مَا حَسُنَ مِنْ فِعْلِهِ، وَمَا قَبُحَ منه، فَمَا حَذَّرَهُ مَوْلاهُ حَذِرَهُ، وَمَا خَوَّفَهُ بِهِ مِنْ عِقَابِهِ خَافَهُ، وَمَا رَغَّبَهُ فِيهِ مَوْلاهُ رَغِبَ فِيهِ وَرَجَاهُ. فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ أَوْ مَا قَارَبَ هَذِهِ الصِّفَةِ، فَقَدْ تَلاهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ، وَرَعَاهُ حَقَّ رِعَايَتِهِ، وَكَانَ لَهُ الْقُرْآنُ شَاهِدًا، وَشَفِيعًا، وَأَنِيسًا، وَحِرْزًا، وَمَنْ كَانَ هَذَا وَصْفُهُ نَفَعَ نَفْسَهُ، وَنَفَعَ أَهْلَهُ، وَعَادَ عَلَى وَالِدَيْهِ، وَعَلَى وَلَدِهِ كُلُّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ...","vol":"1","page":32},{"text":"عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الرَّجُلِ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ (١)، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا الَّذِي أَظْمَأْتُ نَهَارَكَ، وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ» (٢).\nعَنْ إِيَاسِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ إِنْ بَقِيتَ، فَسَيُقْرَأُ الْقُرْآنُ عَلَى ثَلاثَةِ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ للهِ تَعَالَى، وَصِنْفٌ لِلدُّنْيَا، وَصِنْفٌ لِلْجَدَلِ، فَمَنْ طَلَبَ بِهِ أَدْرَك» (٣).\nقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: قَدْ ذَكَرْتُ أَخْلاقَ الصِّنْفِ الَّذِينَ قَرَؤُوا الْقُرْآنَ يُرِيدُونَ اللهَ ﷿ بِقِرَاءَتِهِمْ، وَأَنَا أَذْكُرُ الصِّنْفَيْنِ اللَّذَينِ يُرِيدَانِ بِقِرَاءَتِهِمَا الدُّنْيَا وَالْجَدَلَ، وَأَصِفُ أَخْلاقَهُمْ حَتَّى يَعْرِفَهَا مَنِ اتَّقَى اللهَ جَلَّتْ عَظَمَتُه، فَيَحْذَرَهَا - إِنْ شَاءَ اللهُ -.\n_________\n(١) الشاحب: المتغير اللون والجسم لعارض من سفر أو مرض ونحوهما. النهاية لابن الأثير (٢/ ٤٤٨)، م: (شحب).\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٧٨١).\nوحسنه البغوي في شرح السنة (١١٩٠)، وابن كثير في تفسيره (١/ ١٥٢)، وابن حجر في المطالب (٣٤٧٨)، والألباني في الصحيحة (٢٨٢٩).\nوصححه القرطبي في التذكرة (٢/ ٧٨٨)، والسيوطي في اللآلي (١/ ٢٤٤). وفي الباب عن أبي هريرة ﵁.\n(٣) إسناده قوي.\nأخرجه الدارمي (٣٣٧٢).","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>بابُ: أَخْلاقِ منْ قَرَأَ القُرْآنَ لا يُريدُ به اللَّهَ ﷿</span>\nفَأَمَّا مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ لِلدُّنْيَا وَلأَبْنَاءِ الدُّنْيَا فَإِنَّ مِنْ أَخْلاقِهِ: أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِحُرُوفِ الْقُرْآنِ، مُضَيِّعًا لِحُدُودِهِ، مُتَعَظِّمًا فِي نَفْسِهِ، مُتَكَبِّرًا عَلَى غَيْرِهِ. قَدْ اتَّخَذَ الْقُرْآنَ بِضَاعَةً يَتَأَكَّلُ بِهِ الأَغْنِيَاءَ، وَيَسْتَقْضِي بِهِ الْحَوَائِجَ، يُعَظِّمُ أَبْنَاءَ الدُّنْيَا، وَيُحَقِّرُ الْفُقَرَاءَ، إِنْ عَلَّمَ الْغَنِيَ رَفَقَ بِهِ طَمْعًا فِي دُنْيَاهُ، وَإِنْ عَلَّمَ الْفَقِيرَ زَجَرَهُ وَعَنَّفَهُ؛ لأَنَّهُ لا دُنْيَا لَهُ يَطْمَعُ فِيهَا، يستخدم بِهِ الْفُقَرَاءَ، وَيَتِيهُ بِهِ عَلَى الأَغْنِيَاءِ، إِنْ كَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ لِلْمُلُوكِ، وَيُصَلِّي بِهِمْ طَمعًا فِي دُنْيَاهُمْ، وَإِنْ سَأَلَهُ الْفُقَرَاءُ الصَّلاةَ بِهِمْ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، لِقِلَّةِ الدُّنْيَا فِي أَيْدِيهِمْ، إِنَّمَا طَلَبُهُ الدُّنْيَا حَيْثُ كَانَتْ رَبَضَ عِنْدَهَا.\nيَفْخَرُ عَلَى النَّاسِ بِالْقُرْآن، وَيَحْتَجُّ عَلَى مَنْ دُونَهَ فِي الْحِفْظِ بِفَضْلِ مَا مَعَهُ مِنْ القراءات، وَزِيَادَةِ الْمَعْرِفَةِ بالغرائب من القراءات الَّتِي لَوْ عَقَلَ لَعَلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَلَّا يَقْرَأَ بِهَا (١)، فَتَرَاهُ تَائِهًا مُتَكَبِّرًا، كَثِير الْكَلامِ بِغَيْرِ تَمْييزٍ، يَعِيبُ كُلَّ مَنْ لَمْ\n_________\n(١) لكونها لم تثبت عند أهل الشأن من القراء، أو ربما لغرابتها على أهل بلده.","vol":"1","page":34},{"text":"يَحْفَظْ كَحِفْظِهِ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَحْفَظُ كَحِفْظِهِ طَلَبَ عَيْبَهُ.\nمُتَكَبِّرًا فِي جِلْسَتِهِ، مُتَعَاظِمًا فِي تَعْلِيمِهِ لِغَيْرِهِ، لَيْسَ لِلْخُشُوعِ فِي قَلْبِهِ مَوْضِعٌ، كَثِير الضَّحِكِ وَالْخَوْضِ فِيمَا لا يَعْنِيهِ، يَشْتَغِلُ عَمَّنْ يَأْخُذُ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ مَنْ جَالَسَهُ، هُوَ إِلَى اسْتِمَاعِ حَدِيثِ جَلِيسِهِ أَصْغَى مِنْهِ إِلَى اسْتِمَاعِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَمِعَ لَهُ، يُرِي أَنَّه لِمَا يَسْتَمِعُ حافظ، فَهُوَ إِلَى كَلامِ النَّاسِ أَشْهَى مِنْهِ إِلَى كَلامِ الرَّبِّ ﷿.\nلا يَخْشَعُ عِنْدَ اسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ، وَلا يَبْكِي، وَلا يَحْزَنُ، وَلا يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِالْفِكْرِ فِيمَا يُتْلَى عَلَيْهِ وَقَدْ نُدِبَ إِلَى ذَلِكَ، رَاغِبٌ فِي الدُّنْيَا، وَمَا قَرَّبَ مِنْهَا، لَهَا يَغْضَبُ وَيَرْضَى.\nإِنْ قَصَّرَ رَجُلٌ فِي حَقِّهِ، قَالَ: أَهْلُ الْقُرْآنِ لا يُقَصَّرُ فِي حُقُوقِهِمْ، وَأَهْلُ الْقُرْآنِ تُقْضَى حَوَائِجُهُمْ! ! يَسْتَقْضِي مِنْ الناَّسِ حَقَّ نَفْسِهِ، وَلا يَسْتَقْضِي مِنْ نَفْسِهِ ما للهِ عَلَيْهَا.\nيَغْضَبُ عَلَى غَيْرِهِ - زَعَمَ - للهِ، وَلا يَغْضَبُ عَلَى نَفْسِهِ للهِ، ولا يُبَالِي مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَ مِنْ حَرَامٍ أوْ حَلالٍ، قَدْ عَظُمَتْ الدُّنْيَا فِي قَلْبِهِ، إِنْ فَاتَهُ مِنْهَا شَيْءٌ لا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ حَزِنَ عَلَى فَوْتِهِ. لا يَتَأَدَّبُ بَأَدَبِ الْقُرْآنِ، وَلا يَزْجُرُ نَفْسَهُ عَنْد الْوَعْدِ","vol":"1","page":35},{"text":"وَالْوَعِيدِ. لاهٍ غَافِل عَمَّا يَتْلُو أَوْ يُتْلَى عَلَيْهِ.\nهِمَّتُهُ حِفْظُ الْحُرُوفِ، إِنْ أَخْطَأَ فِي حَرْفٍ سَاءَهُ ذَلِكَ؛ لِئَلا يَنْقُصَ جَاهُهُ عِنْدَ الْمَخْلُوقِينَ، فَتَنْقُصَ رُتْبَتُهُ عِنْدَهُمْ، فَتَرَاهُ مَحْزُونًا مَغْمُومًا بِذَلِكَ، وَمَا قَدْ ضَيَّعَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ تعالى مِمَّا أُمِرَ بِهِ فِي الْقُرْآنِ أَوْ نُهي عَنْهُ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ.\nأَخْلاقُهُ فِي كَثِيرِ مِنْ أُمُورِهِ أَخْلاقُ الْجُهَّالِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُوَن، لا يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِالْعَمَلِ بِمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، إِذْ سَمِعَ اللهَ ﷿ قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ طَلَبَ الْعِلْمِ لِمَعْرِفَةِ مَا نَهَى عَنْهُ الرَّسُولُ - ﷺ - فَيَنْتَهِيَ عَنْهُ.\nقَلِيلُ النَّظَرِ فِي الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ ﷿، كَثِيرُ النَّظَرِ فِي الْعِلْمِ الَّذِي يَتَزَيَّنُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا لِيُكْرِمُوهُ بِذَلِكَ، قَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَلالِ وَالْحَرَامِ الَّذِي نَدَبَه اللهُ تعالى إَلَيْهِ ثُمَّ رسوله - ﷺ -؛ لِيَأْخُذَ الْحَلالَ بِعِلْمٍ، وَيَتْرُكَ الْحَرَامَ بِعِلْمٍ، لا يَرْغَبُ فِي مَعْرِفَةِ عِلْمِ النِّعَمِ، وَلا فِي عِلْمِ شُكْرِ الْمُنْعِم.\nتِلاوَتُهُ لِلْقُرْآنِ تَدُلُّ عَلَى كِبْرٍ فِي نَفْسِهِ، وَتَزَيُّنٍ عِنْدَ السَّامِعِينَ","vol":"1","page":36},{"text":"مِنْهُ، لَيْسَ لَهُ خُشُوعٌ فَيَظْهَرُ عَلَى جَوَارِحِهِ، إِذَا دَرَسَ الْقُرْآنَ أَوْ دَرَسَهُ عَلَيْهُ غَيْره هِمَّتُهُ مَتى يَقْطَعُ، لَيْسَ هِمَّتُهُ مَتى يَفْهَمُ.\nلا يعتبر عِنْدَ التِّلاوَةِ بضرب أَمْثَالِ الْقُرْآنِ، وَلا يَقِفُ عِنْدَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِرِضَا الْمُخْلُوقِينَ، وَلا يُبَالِي بِسَخَطِ رَبِّ الْعَالِمِينَ.\nيُحِبُّ أَنْ يُعْرَفَ بِكَثْرِةِ الدَّرْسِ، وَيُظْهِرُ خَتْمَهُ لِلْقُرْآنِ لِيَحْظَى عِنْدَهُمْ، قَدْ فَتَنَهُ حُسْنُ ثَنَاءِ مَنْ جَهِلَهُ، يَفْرَحُ بِمِدْحِ الْبَاطِلِ، وَأَعْمَالُهُ أَعْمَالُ أَهْلِ الْجَهْل، يَتَّبِعُ هَوَاهُ فيما تحب نَفْسُهُ، غَيْرُ مُتَصَفِّحٍ لِمَا زَجَرَهُ الْقُرْآنُ عَنْهُ.\nإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْرِئُ غَضِبَ عَلَى مَنْ قرأه عَلَى غَيْرِهِ، إِنْ ذُكِرَ عِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ بِالصَّلاحِ كَرِهَ ذَلِكَ، وَإِنْ ذُكِرَ عِنْدَهُ بِمَكْرُوهٍ سَرَّهُ ذَلِكَ، يَسْخَرُ بِمَنْ دُونَهُ، ويَهْمِزُ مَنْ فَوْقَهُ، يَتَتَبَّعُ عُيُوبَ أَهْلِ الْقُرْآنِ لِيَضَعَ مِنْهُمْ وَيَرْفَعَ مِنْ نَفْسَه، يَتَمَنَّى أَنْ يُخْطِئَ غَيْرُهُ، وَيَكُونَ هُوَ الْمُصِيب.\nوَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ، فَقَدَ تَعَرَّضَ لِسَخَطِ مَوْلاهُ الْكَرِيْمِ، وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ أن أَظْهَرَ عَلَى نَفْسِهِ شِعَارَ الصَّالِحِينَ بِتِلاوَةِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ ضَيَّعَ فِي الْبَاطِنِ مَا يَجِبُ للهِ، وَرَكِبَ مَا نَهَاهُ عَنْهُ","vol":"1","page":37},{"text":"مَوْلاهُ الْكَرِيْم، كُلُّ ذَلِكَ بِحُبِّ الرئاسة، وَالَمَيْلِ إِلَى الدُّنْيَا. قَدْ فَتَنَهُ الْعُجْبُ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ، وَالإِشَارَة إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ.\nإِنْ مَرِضَ أَحَدُ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا أَوْ مُلُوكهَا فَسَأَلَهُ أَنْ يَخْتِمَ عَلَيْهِ سَارَعَ إِلَيْهِ، وَسُرَّ بِذَلِكَ، وَإِنْ مَرِضَ الْفَقِيرُ الْمَسْتُورُ فَسَألَهُ أَنْ يَخْتِمَ عَلَيْهِ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ.\nيَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَيَتْلُوهُ بِلِسَانِهِ، وَقَدْ ضَيَّعَ الْكَثِيرَ مِنْ أَحْكَامِهِ. أَخْلاقُهُ أَخْلاقُ الْجُهَّالِ: إِنْ أَكَلَ فَبِغَيْرِ عِلْمٍ، وَإِنْ شَرِبَ فَبِغَيْرِ عِلْمٍ، وإِنْ نَامَ فَبِغَيرِ عِلْمٍ، وَإِنْ لَبِس فَبِغَيْرِ عِلْمٍ، وَإِنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فَبِغَيرِ عِلْمٍ، وَإِنْ صَحِبَ أَقْوَامًا، أَوْ زَارَهُم، أَوْ سَلَّمَ عَلِيْهِم، أَوْ اسْتَأْذَنَ عَلِيْهِم؛ فَجَمِيعُ ذَلِكَ يَجْرِي بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ. وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يَحْفَظُ جُزْءًا مِنَ الْقُرْآنِ مُطَالِبٌ لِنَفْسِهِ بِمَا أَوْجَبَ اللهُ ﷿ عَلَيْهِ مِنْ عِلْمِ أَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ، وإِنْ كَانَ لا يُؤْبَهُ لَهُ، وَلا يُشَارُ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ.\nفَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ أَخْلاقُهُ صَارَ فِتْنَةً لِكُلِّ مَفْتُونٍ؛ لأَنَّهُ إِذَا عَمِلَ بِالأَخْلاقِ الَّتِي لا تَحْسُنُ بِمِثْلِهِ اقْتَدَى بِهِ الْجُهَّالُ، فَإِذَا عِيبَ عَلَى الْجَاهِلِ قَالَ: فُلانٌ الْحَامِلُ لِكِتَابِ اللهِ تعالى فَعَلَ هَذَا، فَنَحْنُ أَوْلَى أَنْ نَفْعَلَهُ، وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ فَقَدْ تَعَرَّضَ","vol":"1","page":38},{"text":"لِعَظِيمٍ، وَثَبَتَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَلا عُذْرَ لَهُ إِلا أَنْ يَتُوبَ.\nوَإِنَّمَا حَدَانِي عَلَى مَا بَيَّنْتُ مِنْ قَبِيحِ هَذِهِ الأَخْلاقِ نَصِيحَةً مِنِي لأَهْلِ الْقُرْآنِ، لِيَتَعَلَّقُوا بِالأَخْلاقِ الشَّرِيفَةِ، وَيَتَجَافَوا عَنِ الأَخْلاقِ الدَّنِيْئةِ، وَاللهُ يُوَفِّقُنَا وَإِيَّاهُمْ لِلرَّشَادِ.\nوَاعْلَمُوا - رَحِمَنَا اللهُ وإيَّاكُمْ - أَنِّي قَدْ رَوَيْتُ فِيمَا ذَكَرْتُ أَخْبَارًا تَدُلُّ عَلَى مَا كَرِهْتُهُ لأَهْلِ الْقُرْآنِ، فَأَنَا أَذْكُرُ مِنْهَا مَا حَضَرَنِي، لَيَكُونَ النَّاظِرُ فِي كِتَابِنَا يَنْصَحُ نَفْسَه عِنْد تِلاوَتِهِ للْقُرْآنَ، فَيُلْزِمُ نَفْسَهُ الْوَاجِبَ، وَاللهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.\nعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: «لَقَدْ أَتَى عَلَيْنَا حِينٌ، وَمَا نَرَى أَنَّ أَحَدًا يَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ يُرِيدُ بِهِ إِلَّا اللهَ تَعَالَى، فَلَمَّا كَانَ هَهُنَا بِأَخَرَةٍ، خَشِيتُ أَنَّ رِجَالًا يَتَعَلَّمُونَهُ يُرِيدُونَ بِهِ النَّاسَ وَمَا عِنْدَهُمْ، فَأَرِيدُوا اللهَ تَعَالَى بِقِرَاءتِكُم وَأَعْمَالِكُم، فَإِنَّا كُنَّا نَعْرِفُكُم إِذْ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَإِذْ يَنْزِلُ الْوَحْيُ، وَإِذْ يُنْبِئُنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ، فَأَمَّا الْيَوْمَ، فَقَدْ مَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَانْقَطَعَ الْوَحْيُ، وَإِنَّمَا أَعْرِفُكُم بِمَا أَقُولُ: مَنْ أَعْلَنَ خَيْرًا أَحْبَبْنَاهُ عَلَيْهِ، وَظَنَنَّا بِهِ خَيْرًا، وَمَنْ أَظْهَرَ شَرًّا أَبْغَضْنَاهُ عَلَيْهِ،","vol":"1","page":39},{"text":"وَظَنَنَّا بِهِ شَرًّا، سَرَائِرُكُم فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ربكم ﷿» (١).\nفَإِذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَدْ خَافَ عَلَى قَوْمٍ قَرَؤُوا الْقُرْآنَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بميلهم إِلَى الدُّنْيَا؛ فَمَا ظنك بِهِمُ الْيَوْمَ؟ ! ...\nعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ نَقْتَرِئُ، إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «الْحَمْدُ للَّهِ، كِتَابُ اللهِ وَاحِدٌ، وَفِيكُمْ الأَخْيَارُ، وَفِيكُمْ الأَحْمَرُ وَالأَسْوَدُ، اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ، اقْرَؤُوا قَبْلَ أَنْ يَأْتِي أَقْوَامٌ يَقْرَؤُونَهُ، يُقِيمُونَ حُرُوفَهُ، كَمَا يُقَامُ السَّهْمُ، لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيهِم، يَتَعَجَّلُونَ أَجْرَهُ، وَلا يَتَأَجَّلُونَهُ» (٢) ...\nعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ قَدْ قَرَأَهُ عَبِيدٌ وَصِبْيَانٌ، لا عِلْمَ لَهُمْ بِتَأْوِيلِهِ، وَلَمْ يَتَاَوَّلُوا الأَمْرَ مِنْ أَوَّلِهِ، قَالَ اللهُ ﷿:\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٤١)، وقال ابن المديني - كما نقل ابن كثير في مسند الفاروق (٢/ ٥٤٤) -: «إسناده بصري حَسَنٌ، لا نعلم في إسناده شيئًا نطعن فيه»، وصححه الحاكم (٤/ ٤٤٩)، وحسنه أحمد شاكر في التعليق على المسند (٢٨٦). وأصله في البخاري (٢٦٤١) مختصرًا.\n(٢) أخرجه أبو داود (٨٣١).\nوصححه ابن حبان (٧٦٠)، والألباني في الصحيحة (٢٥٩).\nوفي الباب عن أنس وجابر وعمران بن الحصين وأبي سعيد الخدري ﵃.","vol":"1","page":40},{"text":"﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]، وَمَا تَدَبُّرُ آيَاتِهِ إِلَّا اتِّبَاعُهُ وَاللهُ يَعْلَمُ، أَمَا وَاللهِ مَا هُوَ بِحِفْظِ حُرُوفِهِ وَإِضَاعَةِ حُدُودِهِ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَقُولُ: قَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ، فَمَا أَسْقَطْتُ مِنْهُ حَرْفًا! وَقَدْ وَاللهِ أَسْقَطَهُ كُلَّهُ، مَا يُرَى لَهُ الْقُرْآنُ فِي خُلُقٍ وَلا عَمَلٍ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَقُولُ: إِنِّي لأَقْرَأُ السُّورَةَ فِي نَفَسٍ، وَاللهِ مَا هَؤلاءِ بِالْقُرَّاءِ، وَلا الْعُلَمَاءِ، وَلا الْحُكَمَاءِ، وَلا الْوَرَعَةِ، مَتى كَانَتِ الْقُرَّاءُ تَقُولُ مِثْلَ هَذَا؟ لا كَثَّرَ اللهُ فِي النَّاسِ مِثْلَ هَؤلاءِ» (١).\nعَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] قَالَ: «يَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ» (٢) ...\nقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: هَذِهِ الأَخْبَارُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى مَا\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٧٩٣).\nوإسناده لا بأس به في المتابعات، فيه يحيى بن المختار فيه جهالة كما في تهذيب الكمال (٣١/ ٥٣١)، وتهذيب التهذيب (١١/ ٢٧٨).\n\nإلا أنه تُوبِع، فأخرجه عبد الرزاق في المُصَنَّف (٥٩٨٤)، وأبو عبيد في فضائل القرآن (٣٧١)، وسعيد بن منصور في التفسير (١٣٥)، من عدة طرق عن الحسن من قوله. راجع: التعليق على تفسير سعيد بن منصور ... (٢/ ٤٢٣ - ٤٢٦).\n(٢) تقدم تخريجه.","vol":"1","page":41},{"text":"تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ مِنْ أنَّ أَهْلَ الْقُرْآنِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَخْلاقُهُمْ مُبَايِنَةً لأَخْلاقِ مَنْ سِوَاهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمْ كَعِلْمِهِمْ. إِذَا نَزَلَتْ بِهِمُ الشَّدَائِدُ لَجَؤُوا إلَى اللهِ الْكَرِيْم فِيهَا، وَلَمْ يَلْجَؤوا فيها إلَى مَخْلُوقٍ، وَكَانَ اللهُ ﷿ أَسْبَقَ إِلَى قُلُوبِهِمْ. قَدْ تَأَدَّبُوا بِأَدَبِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَهُمْ أَعْلامٌ يُقْتَدَى بِفِعَالِهِمْ؛ لأَنَّهُمْ خَاصَّةُ اللهِ وَأَهْلهُ، و﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ [المجادلة].\nعَنْ عَبْدِالصَّمَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ الْفُضَيْل بْنَ عِيَاضٍ يَقُولُ: «يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَلَّا تكون لَهُ حَاجَة إِلَى أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، إِلَى الْخَلِيفَةِ فَمَنْ دُونَه، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ حَوَائِجُ الْخَلْقِ إِلَيْهِ».\nقَالَ: وسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ: «حَامِلُ الْقُرْآنِ حَامِلُ رَايَةِ الإِسْلامِ ... لا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْغُو مَعَ مَنْ يَلْغُو، وَلا يَسْهُو مَعَ مَنْ يَسْهُو، وَلا يَلْهُو مَعَ مَنْ يَلْهُو» (١).\nقَالَ: وَسَمِعْتُ الْفضَيْل يَقُولُ: «إِنَّمَا أُنزل الْقُرْآنُ لِيُعْمَلَ\n_________\n(١) إسناده صحيح.\nأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٩٢).","vol":"1","page":42},{"text":"بِهِ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ قِرَاءَتَهُ عَملًا، أَي لِيُحِلُّوا حَلالَهُ، وَيُحَرِّمُوا حَرَامَهُ، وَيَقِفُوا عِنْدَ مُتشَابِهِهِ» (١).\nكَتَبَ حُذَيْفَةُ الْمَرْعَشِيُّ إِلَى يُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطٍ: «بَلَغَنِي أَنَّكَ بِعْتَ دِينَكَ بِحَبَّتَيْنِ، وَقَفْتَ عَلَى صَاحِبِ لَبَنٍ، فَقُلْتَ: بِكَمْ هَذَا؟ فَقَالَ: هُوَ لَكَ بِسُدْسٍ، فَقُلْت: لا بِثُمُنٍ، فَقَالَ: هُوَ لَكَ، وَكَانَ يَعْرِفُكَ! اكْشِفْ عَنْ رَأْسِكَ قِنَاعَ الْغَافِلِينَ، وَانْتَبِهْ مِنْ رَقْدَةِ المَوْتَى، وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ آثَرَ الدُّنْيَا لَمْ آمَنْ أَنْ يَكُونَ بِآيَاتِ اللهِ مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ» (٢).\nعن أبُي الْمَلِيحِ قَالَ: «كَانَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ يَقُولُ: لَوْ صَلَحَ أَهْلُ الْقُرْآنِ صَلَحَ النَّاسُ» (٣).\nعن بَشِيرِ بنِ أَبي عَمْرٍو الخَوْلاني أن الوَليدَ بنَ قَيْسٍ حَدَّثَه\n_________\n(١) إسناده صحيح.\nأخرجه الخطيب في اقتضاء العلم العمل (١١٦).\n(٢) إسناده فيه محمد بن أبي الورد، ترجم له الخطيب في تاريخه (٣/ ٢٠١)، وأثنى عليه بالعبادة والفضل، ولم يذكر ما يدل على توثيقه.\nإلا أنه تُوبِع، فأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٢٤٣)، والدينوري في المجالسة (٢٠٢٤) كلاهما من طريق يوسف به.\n(٣) إسناده صحيح.\nأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ٨٣).","vol":"1","page":43},{"text":"أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «يَكُونُ خَلْفٌ بَعْدَ سِنِينَ أَضَاعُوا الصَّلاةَ، وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا، ثُمَّ يَكُونُ خَلْفٌ يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لا يَعْدُو تَرَاقِيَهُمْ، وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثَلاثَةٌ: مُؤْمِنٌ وَمُنَافِقٌ وَفَاجِرٌ».\nفَقَالَ بَشِيرٌ: فَقُلْتُ لِلْوَلِيدِ: مَا هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ؟ فقَالَ: الْمُنَافِقُ كَافِرٌ بِه، وَالْفَاجِرُ يَتَأَكَّلُ بِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مُؤْمِنٌ بِهِ (١).\nعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: مَرَرْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ الحُصَيْن عَلَى رَجُلٍ يَقْرَأُ سُورَةَ يُوسُفَ، فَقَامَ عِمْرَانُ يَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ سَأَلَ، فَاسْتَرْجَعَ وَقَالَ: انْطَلِقْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلْيَسْأَلْ اللهَ ﷿ بِهِ، فَإِنَّه سَيَأْتِي قَوْمٌ يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ، يَسْأَلُونَ النَّاسَ بِهِ» (٢) ...\nقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: فِي هَذَا بَلاغٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ، فَاتَّقَى اللهَ ﷿، وَأَجَلَّ الْقُرْآنَ وَصَانَهُ، وَبَاعَ مَا يَفْنَى بِمَا يَبْقَى، وَاللهُ ﷿ الْمُوَفِّقُ لِذَلِكَ.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ٣٨)، وصححه الحاكم (٤/ ٢٧٣، ٤/ ٥٤٧)، وابن كثير في تاريخه (٩/ ٢٣٢)، والألباني في الصحيحة (٢٥٨).\n(٢) أخرجه الترمذي (٢٩١٧) وحسنه، وحسنه كذلك الألباني في الصحيحة (٢٥٧).","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>باب: أخلاقِ المُقرئِ إذا جلس يُقرِئُ ويلقِّنُ لله ﷿ ماذا ينبغي له أن يتخلق به</span>\nيَنْبَغِي لِمَنْ عَلَّمَهُ اللهُ كِتَابَهُ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ فِي الْمَسْجِدِ يُقْرِئ الْقُرْآنَ للَّهِ تعالى، يَغْتَنِمُ قَوْلَ النَّبيِّ - ﷺ -: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (١)، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مِنَ الأَخْلاقِ الشَّرِيفَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ وَصِدْقِهِ، وَهُوَ أَنْ يَتَوَاضَعَ فِي نَفْسِهِ إِذَا جَلَسَ فِي مَجْلِسِهِ، وَلا يَتَعَاظَم فِي نَفْسِهِ ... وَيَتَوَاضَعَ لِمَنْ يُلَقِّنُهُ الْقُرْآنَ، وَيُقْبِلَ عَلَيْهِ إِقْبَالًا جَمِيلًا.\nوَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ يُلَقِّنُهُ مَا يَصْلُحُ لِمِثْلِهِ؛ إِذَا كَانَ يَتَلَقَّنُ عَلَيْهِ الكبير والصغير، وَالْحَدَثُ، وَالْغَنِيُّ، وَالْفَقِيرُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوفِّيَ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَيَعْتَقِدَ الإِنْصَافَ إِنْ كَانَ يُرِيدُ اللهَ ﷿ بِتَلْقِينِهِ الْقُرْآنَ ...\nثُمَّ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْذَرَ عَلَى نَفْسِهِ التَّوَاضُعَ لِلْغَنِيِّ، وَالتَّكبُّرَ عَلَى الْفَقِيرِ، بَلْ يَكُونُ مُتَوَاضِعًا لِلْفَقِيرِ، مُقَرِّبًا لِمَجْلِسِهِ، مُتَعَطِّفًا عَلَيْهِ، يَتَحَبَّبُ إِلَى الله ﷿ بِذَلِكَ ...\n_________\n(١) سبق تخريجه.","vol":"1","page":45},{"text":"ويتأوَّلُ فِيهِ مَا أَدَّبَ اللهُ بِهِ نَبِيَّهُ - ﷺ - حَيْثُ أَمَرَهُ أَنْ يُقَرِّبَ الفقراء: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨]؛ إِذْ كَانَ قَوْمٌ أَرَادُوا الدُّنْيَا، فَأَحَبُّوا مِنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنْ يُدْنِيَ منه مَجْلِسَهُمْ، وَأَنْ يَرْفَعَهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْفُقَرَاءِ، فَأَجَابَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى مَا سألوا، لا لأَنَّهُ أَرَادَ الدُّنْيَا، وَلَكِنَّهُ يَتَأَلَفُهُمْ عَلَى الإِسْلامِ، فَأَرْشَدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - ﷺ - عَلَى أَشْرَفِ الأَخْلاقِ عِنْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُقَرِّبَ الْفُقَرَاءَ، وَيَنْبَسِطَ إِلَيْهِمْ، وَيَصْبِرَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يُبَاعِدَ الأَغْنِيَاءَ الَّذِينَ يَمِيلُونَ إلَى الدُّنْيَا، فَفَعَلَ - ﷺ -.\nوَهَذَا أَصْلٌ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ جَمِيعُ مَنْ جَلَسَ يُعَلِّمُ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ، يتأدبُ بهِ، وَيُلْزِمُ نَفْسَهُ ذَلِكَ، إِنْ كَانَ يُرِيدُ اللهَ بِذَلِكَ.\nوأَنَا أَذْكُرُ مَا فِيهِ؛ لِيَكُونَ النَّاظِرُ فِي كِتَابِنَا فَقِيهًا بِمَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللهِ ﷿، يُقْرِئُ للهِ ﷿، وَيَقْتَضِي ثَوَابَهُ مِنَ اللهِ لا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ ...\nوَأُحِبُّ لَهُ إِذَا جَاءهُ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ، مِنْ صَغِيرٍ أَوْ حَدَثٍ أَوْ كَبِيرٍ؛ أَنْ يَعْتَبِرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، قَبْلَ أَنْ يُلَقِّنَهُ مِنْ سُورَةِ «الْبَقَرَةِ»، يَعْتَبِرُهُ بِأَنْ يَعْرِفَ مَا مَعَهُ مِنَ «الْحَمْدِ»، إِلَى","vol":"1","page":46},{"text":"مِقْدَارِ رُبْعِ سُبْعٍ (١)، أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا يُؤَدِّي بِهِ صَلاتَهُ، وَيَصْلُحُ أَنْ يَؤُمَّ بِهِ فِي الصَّلَوَاتِ إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُهُ، وَكَانَ تَعَلَّمَهُ فِي الْكُتَّابِ؛ أَصْلَحَ مِنْ لِسَانِهِ، وقَوَّمَهُ، حَتَّى يَصْلُحَ أَنْ يُؤَدِّي بِهِ فَرَائِضَهُ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيُلَقِّنُهُ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.\nوَأُحِبُّ لِمَنْ يُلَقِّنُ إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْسِنَ الاسْتِمَاعَ إِلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَلا يَشْتَغِلَ عَنْهُ بِحَدِيثٍ وَلا غَيْرِهِ، فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مَنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَكَذَا يَنْتَفِعُ هُوَ أَيْضًا، وَيَتَدَبَّرُ مَا يَسْمَعُ مِنْ غَيْرِهِ، وَرَبُّمَا كَانَ سَمَاعُهُ لِلْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِهِ له فِيهِ زِيَادَةُ مَنْفَعَةٍ، وَأَجْر عَظِيم، وَيَتَأَوَّل قَوْلَ اللَّهِ ﷿: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف].\nفَإِذَا لَمْ يَتَحَدَّثْ مَعَ غَيْرِهِ، وَأَنْصَتَ إِلَيْهِ أَدْرَكَتْهُ الرَّحْمَةُ مِنَ اللهِ، وَكَانَ أَنْفَع لِلْقَارِئِ عَلَيْهِ. وَقَدْ قَالَ النَّبيُّ - ﷺ - لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «اقْرَأْ عَلَيَّ»، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِيِ» (٢) ...\nوَأُحِبُّ لمن كَانَ يُقْرِئُ أَلَّا يَدْرُسَ عَلَيْهِ وَقْتَ الدَّرْسِ إِلا\n_________\n(١) أي: بقدر جُزء من القرآن (تقريبًا)، فالمُفَصَّل - مثلًا - يُمَثِّل السُّبْع الأخير من القرآن، وذلك يقارب أربعة أجزاء، ورُبْعُه الأخير: جُزْء عَمَّ (تقريبًا).\n(٢) أخرجه البخاري (٤٥٨٢).","vol":"1","page":47},{"text":"وَاحِدٌ، وَلا يَكُون ثانٍ مَعَهُ، فَهُوَ أَنْفَعُ لِلْجَمِيعِ، وَأَمَّا التَّلْقِينُ فَلا بَأْسَ أَنْ يُلَقِّنَ الْجَمَاعَةَ.\nوَيَنْبَغِي لِمَنْ قُرِئ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، فَأَخْطَأَ فِيهِ القَارِئُ، أَوْ غَلِطَ؛ ألَّا يُعَنِّفَهُ، وَأَنْ يَرْفُقَ بِهِ، وَلا يَجْفُو عَلَيْهِ، وَيَصْبِرَ عَلَيْهِ؛ فَإِنِّي لا آمَنُ أَنْ يَجْفُو عَلَيْهِ، فَيَنْفِرَ عَنْهُ، وَبِالْحَرِيِّ ألَّا يَعُودَ إِلَى الْمَسْجِدِ ...\nوَقَالَ - ﷺ -: «إِنَّمَا بُعْثِتُم مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» (١) ...\nفَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ أَخْلاقُهُ انْتَفَعَ بِهِ مَنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ.\nثُمَّ أَقُولَ: إِنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ يُقْرِئُ الْقُرْآنَ للهِ - جَلَّت عَظَمَته - أَنْ يَصُونَ نَفْسَهُ عَنِ اسْتِقْضَاءِ الْحَوَائِجِ مِمَّنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، وَأَلَّا يَسْتَخْدِمَهُ، وَلا يُكَلِّفَهُ حَاجَةً يَقُومُ فِيهَا. وأَخْتَارُ لَهْ إِذَا عَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ أَنْ يُكَلِّفَهَا لِمَنْ لا يَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَأُحِبُّ لَهُ أَنْ يَصُونَ الْقُرْآنَ عَنْ أَنْ تُقْضَى لَهُ بِهِ الْحَوَائِج، فَإِنْ عَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ سَأَلَ مَوْلاهُ الْكَرِيْمَ قَضَاءَهَا، فَإِذَا ابْتَدَأَهُ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِهِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ مِنْهُ فَقَضَاهَا لَهُ، شَكَرَ اللهَ إِذْ صَانَهُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ، وَالتَّذَلُّلِ لأَهْلِ الدُّنْيَا، وَإِذْ سَهَّلَ الله لَهُ قَضَاءَهَا، ثُمَّ يَشْكُرُ لِمَنْ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٥٨٢).","vol":"1","page":48},{"text":"أُجرِي ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهِ؛ فَإِنَّ هَذَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ.\nوَقَدْ رَوَيْتُ فِيمَا ذَكَرْتُ أَخْبَارًا تَدُلُّ عَلَى مَا قُلْتُ، وَأَنَا أَذْكُرُهَا لِيَزْدَادَ النَّاظِرُ فِي كِتَابِنَا بَصِيرَةً - إِنْ شَاءَ اللهُ -.\nعَنِ الْحَسَنِ بْنِ الرَّبِيعِ الْبُورَانِيُّ قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ ابْنِ إِدْرِيسَ (١)، فَلَمَّا قمْتُ، قَالَ لِي: سَلْ عَنْ سِعْرِ الأُشْنَانِ (٢)، فَلَمَّا مَشِيْتُ رَدَّنِي، فَقَالَ لي: لا تَسَلْ؛ فَإِنَّكَ تَكْتُبُ مِنِّي الْحَدِيثَ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَسْأَلَ مَنْ يَسْمَعُ مِنِّي الْحَدِيثَ حَاجَةً» (٣).\nقَالَ خَلَفُ بْنُ تَمِيمٍ: «مَاتَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُ حَمْزَةَ الزَّيَّاتَ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يُكَلِّمَ صَاحِبَ الدَّيْنِ أَنْ يَضَعَ عَنْ أَبِي مِنْ دَيْنِهِ شَيْئًا، فَقَالَ لِي حَمْزَةُ: وَيْحَكَ؛ إِنَّهُ يَقْرَأُ عَلَيَّ الْقُرْآنَ، وَأَنَا\n_________\n(١) هو عبد الله بن إدريس بن يزيد الأَوْدِي، وقد جَمَع بين العلم والزهد (ت ١٩٢).\n(٢) الأشنان: بضم الهمزة أو كسرها، فارسي مُعَرَّب، وهو (الحُرُض) بالعربية، نوع من النبات، يستخدم في الغَسْل. انظر: المصباح المنير (١/ ١٦)، م: (ء ش ن).\n(٣) إسناده صحيح.\nأخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (١/ ٣٦٨) من طريق المصنف.","vol":"1","page":49},{"text":"أَكْرَهُ أَنْ أَشْرَبَ مِنْ بَيْتِ مَنْ يَقْرَأُ عَلَيَّ الْقُرْآنَ الْمَاءَ» (١).\nعَنْ عَبْدِالصَّمَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ يَقُولُ: «يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ ألَّا تَكُونَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، إِلَى الْخَلِيفَةِ فَمَنْ دُونَه، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ حَوَائِجُ الْخَلْقِ إِلَيْهِ» (٢) ...\nقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شِبْلٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ وَلا تَغْلُوا فِيهِ (٣)، وَلا تَجْفُوا عَنْهُ (٤)، وَلا تَأْكُلُوا بِهِ (٥)، وَلا تَسْتَكْثِرُوا (٦)» (٧).\nعَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا\n_________\n(١) إسناده حسن. ولم أجده عند غير المصنف.\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) من الغُلوّ، وهو التجاوز عن الحَدِّ، أي: لا تجَاوزُوا حدَّه من حيث لفظه أو معناه؛ بأن تتأولوه بباطل، أو المراد: لا تبذلوا جُهْدَكم في قراءته، وتتركوا غيره من العبادات. فيض القدير للمناوي (٢/ ٦٤).\n(٤) أَي: تعاهدوه، وَلَا تبعدوا عَن تِلَاوَته، وَهُوَ من الْجفَاء، وَهُوَ الْبعد عَن الشَّيْء. عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٢١/ ٢٦٤).\n(٥) أي: لَا تجْعَلُوا لَهُ عِوِضًا من سُحْت الدُّنْيَا. المصدر السابق.\n(٦) أي: لا تجعلوه سببًا للإكثار من الدنيا. فيض القدير للمناوي (٢/ ٦٤).\n(٧) أخرجه أحمد (٣/ ٤٢٨، ٤٤٤).\nوصححه ابن حجر في الفتح (٩/ ٨٢)، والألباني في الصحيحة (٢٦٠).","vol":"1","page":50},{"text":"مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ، لا يَتَعَلَّمُهُ إِلا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١) ...\nوالأَخْبَارُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، وَمُرَادِي مِنْ هَذَا النَصِيحَةُ لأَهْلِ الْقُرْآنِ؛ لِئَلا يَبْطُلَ سَعْيُهُمْ، إِنْ هُمْ طَلَبُوا به شَرَفَ الدُّنْيَا حُرِمُوا شَرَفَ الآخِرَةِ، إِذْ بَذَلُوهُ لأَهْلِ الدُّنْيَا طَمَعًا فِي دُنْيَاهُمْ، أَعَاذَ اللهُ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ.\nفَيَنْبَغِي لِمَنْ جَلَسَ يُقْرِئُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَأَدَّبَ بِأَدَبِ الْقُرْآنِ، يَقْتَضِي ثَوَابَهُ مِن اللهِ، يَسْتَغْنِي بِالْقُرْآنِ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ مِن الْخَلْقِ، مُتَوَاضِعٌ فِي نَفْسِهِ لِيَكُونَ رَفِيعًا عِنْدَ اللهِ جَلَّت عَظَمَتُهُ ...\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٣٦٦٤)، وابن ماجه (٢٥٢).\nوصححه ابن حبان (٧٨)، والحاكم (١/ ٨٥)، والنووي في رياض الصالحين (١٦٢٨)، والعراقي في تخريج الإحياء (١/ ١٧٠)، والألباني في المشكاة (٢٢٧).","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>بابُ: ذِكْرِ أخلاقِ مَنْ يَقرَأُ عَلَى المُقرِئ</span>\nمَنْ كَانَ يَقْرَأُ عَلَى غَيْرِهِ، وَيَتَلَقَّنُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْسِنَ الأَدَبَ فِي جُلُوسِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَتَوَاضَعَ فِي جُلُوسِهِ، وَيَكُونَ مُقْبِلًا عَلَيْهِ، فَإِنْ ضَجِرَ عَلَيْهِ احْتَمَلَهُ، وَإِنْ زَجَرَه احْتَمَلَهُ، وَرَفَقَ بِهِ، وَاعْتَقَدَ لَهُ الْهَيْبَةَ، وَالاسْتِحِياَءَ مِنْهُ.\nوَأُحِبُّ أَنْ يَتَلَقَّنَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَضْبِطَهُ - هُوَ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ - إِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يَحْتَمِلُ فِي التَّلْقِينِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ خَمْسٍ فَلا يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ الزِّيَادَةَ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَلَقَّنَ إِلا ثَلاثَ آيَاتٍ، لَمْ يَسْأَلْ أَنْ يُلَقِّنَهُ خَمْسًا، فَإِنْ لَقَّنَهُ الأُسْتَاذُ ثَلاثًا لَمْ يَزِدْهُ عَلَيْهَا، وَعَلِمَ هُوَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَحْتَمِل خَمْسًا سَأَلَهُ أَنْ يَزِيدَهُ عَلَى أَرْفَق مَا يَكُونُ، فَإِنْ أبَى لَمْ يُؤْذِهِ بِالطَّلَبِ، وَصَبَرَ عَلَى مُرَادِ الأُسْتَاذِ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ هَذَا الْفِعْلُ مِنْهُ دَاعِيَةً لِلزِّيَادَةِ له مِمَّنْ يُلَقِّنُهُ - إِنْ شَاءَ اللهُ -.\nوَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُضْجِرَ مَنْ يُلَقِّنه فَيَزْهَدَ فِيهِ، وَإِذَا لَقَّنَهُ شَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وَدَعَا لَهُ، وَعَظَّمَ قَدْرَهُ. وَلا يَجْفُو عَلَيْهِ إِنْ جَفَا عَلَيْهِ، وَيكرِمُ مَنْ يُلَقِّنهُ إذا كَانَ هُوَ لَمْ يُكْرِمْهُ، وَتَسْتَحِي مِنْهُ إِنْ كَانَ","vol":"1","page":52},{"text":"هُوَ لَمْ يَسْتَح مِنْكَ. تُلْزِمُ أَنْتَ نَفْسَكَ وَاجِبَ حَقِّهِ عَلَيْكَ، فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَعْرِفَ حَقَّكَ؛ لأَنَّ أَهْلَ الْقُرْآنِ أَهْلُ خَيْرٍ وَتَيَقُّظٍ وَأَدَبٍ، يَعْرِفُونَ الْحَقَّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. فَإِنْ غَفَلَ عَنْ وَاجِبِ حَقِّكَ؛ فَلا تَغْفَلْ أَنْتَ عَنْ وَاجِبِ حَقِّهِ؛ فَإِنَّ اللهَ ﷿ قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تَعْرِفَ حَقَّ الْعَالِمِ، وَأَمَرَكَ بِطَاعَةِ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَا أَمَرَ الرَّسُولُ - ﷺ -.\nعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا ...» (١)، قَالَ أَحْمَدُ: «يَعْنِي: يَعْرِفُ حَقَّهُ» ...\nعَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: «لَوْ رَفَقْتُ بِابْنِ عَبَّاسٍ لأَصَبْتُ مِنْهُ عِلْمًا» (٢).\nعَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ الله ﷿: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٢٣).\nوصححه الحاكم (١/ ١٢٢)، وحسنه الألباني في الصحيحة (٢١٩٦).\nوفي الباب عن ابن عباس، وابن عمرو، وأنس، وجابر، وأبي هريرة، وأبي أمامة ﵃. راجع: المجمع (٨/ ١٤).\n(٢) إسناده صحيح.\nأخرجه الدارمي (٤٢٦، ٥٨٧).","vol":"1","page":53},{"text":"الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاءُ: ٥٩]، قَالَ: «الْفُقَهَاءُ وَالْعُلَمَاءُ» (١) ...\nثُمَّ يَنْبَغِي لِمَنْ لَقَّنَهُ الأُسْتَاذُ أَلَّا يُجَاوِزَ مَا لَقَّنَهُ، إِذَا كَانَ مِمَّنْ قَدْ أَحَبَّ أَنْ يَتَلَقَّنَ عَلَيْهِ.\nوَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ غَيْرِهِ لَمْ يَتَلَقَّنْ مِنْهُ إِلَّا مَا لَقَّنَهُ الأُسْتَاذُ - أَعْنَي بِحَرْفٍ غَيْرِ الْحَرْفِ الَّذِي قد تَلَقَّنَهُ مِنَ الأُسْتَاذِ -؛ فَإِنَّهُ أَعْوَدُ عَلَيْه، وَأَصَحُّ لِقِرَاءَتِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «اقْرَؤوا كَمَا عُلِّمْتُمْ» (٢) ...\nقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: مَنْ قَنَعَ بِتَلْقِينِ الأُسْتَاذِ وَلَمْ يُجَاوِزْهُ؛ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يُوَاظِبَ عَلَيْهِ، وَأَحَبَّ ذَلِكَ مِنْهُ، فإذا رَآهُ قَدْ تَلَقَّنَ مَا لَمْ يُلَقِّنْهُ زَهِدَ فِي تَلْقِينِهِ، وَثَقُلَ عَلَيْهِ، وَلَمْ تُحْمَدْ عَوَاقِبهُ.\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\nأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٣/ ٢٩٢) من طريق المصنف.\nلكنه صح عن مجاهد ﵀ من غير هذا الطريق.\nفقد أخرجه سعيد (٦٥٣، ٦٥٦)، وعبد الرزاق في التفسير (١/ ١٦٦)، وابن جرير في جامع البيان (٨/ ٥٠٠) من طرق عن مجاهد من قوله، أسانيد بعضها صحيح.\n(٢) أخرجه أحمد (١/ ٤١٩، ٤٢١، ٤٥٢)، وصححه ابن حبان (٧٤٦، ٧٤٧)، والحاكم (٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤)، والذهبي، وأحمد شاكر في التعليق على المسند (٨٣٢)، والألباني في الصحيحة (١٥٢٢).","vol":"1","page":54},{"text":"وَأُحِبُّ لَهُ إِذَا قَرَأَ عَلَيْهِ أَلَّا يَقْطَعَ حَتَّى يَكُونَ الأُسْتَاذُ هُوَ الَّذِي يَقْطَعُ عَلَيْهِ، فَإِنْ بَدَتْ لَهُ حَاجَةٌ، وَقَدْ كَانَ الأُسْتَاذُ مُرَادُهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ مِائَةَ آيَةٍ، فَاخْتَارَ هُوَ أَنْ يَقْطَعَ الْقِرَاءَةَ فِي خَمْسِينَ آيَةً، فَلْيُخْبِرْهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِعُذْرِهِ، حَتَّى يَكُونَ الأُسْتَاذُ هُوَ الَّذِي يَقْطَعُ عَلَيْهِ.\nوَيَنْبَغِي له أَنْ يُقْبِلَ عَلَى مَنْ يُلَقِّنُهُ أَوْ يَأْخُذ عَلَيْهِ، وَلا يُقْبِلْ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ شُغِلَ الأُسْتَاذُ عَنْهُ بِكَلامٍ لا بُدَّ لَهُ منه فِي الْوَقْتِ مِنْ كَلامِهِ؛ قَطَعَ الْقِرَاءَةَ حَتَّى يَعُودَ إِلَى الاسْتِمَاعِ إِلَيْهِ.\nوَأُحِبُّ إِذَا انْقَضَتْ قِرَاءَتُهُ عَلَى الأُسْتَاذِ، وَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْصَرِفَ انْصَرَفَ وَعَلَيْهِ الْوَقَارُ، ودَرَسَ فِي طَرِيقِهِ مَا قَدْ تَلَقَّن.\nوَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ ليأخذ عَلَى غَيْرِهِ فَعَلَ. وَإِنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِالْحَضْرةِ مَنْ يَأْخُذُ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ يَرْكَعَ، فَيَكْتَسِبَ خَيرًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا للهِ تعالى، شَاكِرًا لَهُ عَلَى مَا عَلَّمَهُ مِنْ كِتَابِهِ، وَإِمَّا جَالِسٌ يَحْبِسُ نَفْسَهُ فِي الْمَسْجِدِ، يَكْرَهُ الْخُرُوجَ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى مَا لا يَحِلُّ، أَوْ مُعَاشَرَةِ مَنْ لَمْ تَحْسُنْ مُعَاشَرَتُهُ فَجَلَس فِي الْمَسْجِدِ، فَحُكْمُهُ","vol":"1","page":55},{"text":"أَنْ يَأْخُذَ على نَفْسه فِي جُلُوسِهِ فِي الْمَسْجِدِ: ألَّا يَخُوضَ فِيمَا لا يَعْنِيهِ، وَيَحْذَر الْوَقِيعَةَ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ، وَيَحْذَر أَنْ يَخُوضَ فِي حَدِيثِ الدُّنْيَا، وَفُضُولِ الْكَلامِ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا اسْتَرَاحَتْ النُّفُوسُ إِلَى مَا ذَكَرْتُ، مِمَّا لا يَعُودُ نَفْعُهُ، وَلَهُ عَاقِبَةٌ لا تُحْمَدُ.\nوَيَسْتَعْمِلُ مِنَ الأَخْلاقِ الشَّرِيفَةِ فِي حُضُورِهِ، وَانْصِرَافِهِ مَا يُشْبِهُ أَهْلَ الْقُرْآنِ.\nوَاللهُ ﷿ الْمُوَفِّقُ لِذَلِكَ.\n* * *","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>بابُ: آدابِ القُرَّاءِ عِندَ تِلاوتِهِمُ القُرآنَ ممَّا لا يَنبَغِي لَهُمْ جَهْلُهُ</span>\nوَأُحِبُّ لِمَنْ أَرَادَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ في لَيْلٍ أَوْ نِهَارٍ أَنْ يَتَطَهَّرَ، وَأَنْ يَسَتَاكَ، وَذَلِكَ تَعْظِيمٌ للْقُرْآنِ؛ لأَنَّهُ يَتْلُو كَلامَ الرَّبِّ ﷿، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلائِكَةَ تَدْنُو مِنْهُ عِنْدَ تِلاوَتِهِ لِلْقُرْآنِ، وَيَدْنُو مِنْهُ الْمَلَكُ، فَإِنْ كَانَ مُتَسَوِّكًا وَضَعَ فَاهُ عَلِى فِيهِ، فكُلَمَّا قَرَأَ آيَةً أخذ الْمَلَكُ بِفِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَسَوَّكَ تَبَاعَدَ المَلَكُ منْهُ.\nفَلا يَنْبَغِي لَكُمْ - يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ - أَنْ تُبَاعِدُوا مِنْكُمْ الْمَلَكَ: فاسْتَعْمِلُوا الأَدَبَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد إِلا وَهُوَ يَكْرَهُ إِذَا لَمْ يَتَسَوَّكْ أَنْ يُجَالِسَ إِخْوَانَهُ.\nوَأُحِبُّ أَنْ يُكْثِرَ الْقِرَاءَةَ في الْمُصْحَفِ؛ لِفَضْلِ مَنْ قَرَأَ فِي الْمُصْحَفِ.\nوَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْمِلَ الْمُصْحَفَ إِلا وَهُوَ طَاهِرٌ. فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ في الْمُصْحَفِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَلا بَأْسَ بِهِ،\nوَلَكِنْ لا","vol":"1","page":57},{"text":"يَمَسُّهُ، وَلَكِنْ يَصَّفَّحُ الْمُصْحَفَ بِشَيْءٍ، وَلا يَمَسُّهُ إِلا طَاهِرًا.\nوَيَنْبَغِي لِلْقَارِئِ إِذَا كَانَ يَقْرَأُ، فَخَرَجَتْ مِنْهُ رِيحٌ؛ أَمْسَكَ عَنِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَنْقَضِيَ الرِّيحُ، ثُمَّ إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَوَضَّأَ ثُمَّ يَقْرَأَ طَاهِرًا، فَهُو أفْضَلُ، وَإِنْ قَرَأَ غَيْرَ طَاهِرٍ فَلا بَأْسَ بِهِ، وَإِذَا تَثَاءَبَ وَهُوَ يَقْرَأُ أَمْسَكَ عَنِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَنْقَضِي عَنْهُ التَّثَاؤبُ ...\nوَأُحِبُّ لِلْقَارِئِ أَنْ يَأْخَذَ نَفْسَهُ بِسُجُودِ الْقُرْآنِ، كُلَمَّا مَرَّ بِسَجْدَةٍ سَجَدَ فِيهَا. وَفِي الْقُرْآنِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، وقِيلَ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: إحدى عَشْرَةَ.\nوَالَّذِي أَخْتَارُ أَنْ يَسْجُدَ كُلَّمَا مَرَّتْ بِهِ سَجْدَةٌ؛ فَإِنَّهُ يُرْضِي رَبَّهُ ﷿، وَيَغِيظُ عَدُوَّهُ الشَّيْطَانَ.\nرُوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قال: «إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ، فَسَجَدَ؛ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ! أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَعَصَيتُ، فَلِي النَّارُ» (١).\nوَأُحِبُّ لِمَنْ يَدْرُسُ وَهُوَ مَاشٍ فِي طَرِيقٍ، فَمَرَّتْ بِهِ سَجْدَةٌ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٣٣).","vol":"1","page":58},{"text":"أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَيُومِئَ بِرَأْسِهِ بِالسُّجُودِ، وَهَكَذَا إن كَانَ رَاكِبًا فَدَرَسَ، فَمَرَّتْ بِهِ سَجْدَةٌ سَجَدَ، يُومِئُ نَحْوَ الْقِبْلَةَ، إِذَا أَمْكنَهُ ...\nوَأُحِبُّ لَهُ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِي قِرَاءَتِهِ، وَيَتَدَبَّرَ مَا يَتْلُو، وَيَسْتَعْمِلَ غَضَّ الطَّرْفِ عَمَّا يُلْهِي الْقُلُوبَ. وَإنْ يَتْرُكْ كُلَّ شُغْلٍ حَتَّى يَنْقَضِي دَرْسُهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ؛ لِيَحْضُرَ فَهْمُهُ، وَلا يَشْتَغِلَ بِغَيْرِ كَلامِ مَوْلاهُ.\nوَأُحِبُّ إِذَا دَرَسَ، فَمَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ؛ سَأَلَ مَوْلاهُ الْكَرِيْمَ، وَإِذَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ عَذَابٍ اسْتَعَاذَ باِللهِ مِنَ النَّارِ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ تَنْزِيهٍ للهِ تعالى عَمَّا قَالَهُ أَهْلُ الكفر سبَّحَ اللهَ تعالى جَلَّت عَظَمَته، وَعَظَّمَهُ.\nفإِذَا كَانَ يَقْرَأُ، فَأَدْرَكَهُ النُّعَاسُ؛ فَحُكْمُهُ أَنْ يَقْطَعَ الْقِرَاءَةَ، ويَرْقدَ، حَتَّى يَقْرَأَ وَهُوَ يَعْقِلُ مَا يَتْلُوهُ.\nقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: جَمِيعُ مَا أَمَرْتُ بِهِ التَّالِي لِلْقُرْآنِ مُوَافِقٌ لِلسُّنَّةِ وَأَقَاوِيلِ الْعُلَمَاءِ، وَأَنَا أَذْكُرُ مِنْهُ مَا حَضَرَنِي - إِنْ شَاءَ اللهُ - ...","vol":"1","page":59},{"text":"عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ: «أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَحُثُّ عَلَيْهِ، وَيَأْمُرُ بِهِ - يَعْنِي: السِّوَاكَ -، وَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي، دَنَا الْمَلَكُ مِنْهُ، يَسْتَمِعُ الْقُرْآنَ، فَمَا يَزَالُ يَدْنُو مِنْهُ حَتَّى يَضَعَ فَاهُ عَلَى فِيهِ، فَمَا يَلْفِظُ مِنْ آيَةٍ إِلا دَخَلَتْ فِي جَوْفِهِ» (١).\nعن إِسْحَاق بن مَنْصُورٍ الْكَوْسَجِ قَالَ: «قُلْتُ لأَحْمَدَ: الْقِرَاءةُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ؟، قَالَ: لا بَأْسَ بِهَا، وَلَكِنْ لا يَقْرَأْ فِي الْمُصْحَفِ إِلا مُتَوَضِّئٌ» (٢).\nقَالَ إِسْحَاقُ - يَعْنِي: ابْنَ رَاهَوَيْهِ -: كَمَا قَالَ، سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ.\nعَنْ أبي بَكْرٍ الْمَرُّوذيُّ قَالَ: «كَانَ أبُو عَبْدِاللهِ رُبَّمَا قَرَأَ فِي الْمُصْحَفِ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَلا يَمَسُّهُ، وَلَكِنْ يَأْخُذُ بِيَدِهِ عُودًا، أَوْ شَيْئًا يَصَّفَّحُ بِهِ الْوَرَقَ» (٣).\n_________\n(١) إسناده صحيح.\nأخرجه المصنف في فضل قيام الليل (٣٤، ٣٥)، وعبدالرزاق في المصنف (٤١٨٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٨)، وفي الشعب (١٩٣٧).\nوروي مرفوعًا، لكن قال المنذري في الترغيب (١/ ١٦٧): «الموقوف أشبه».\n(٢) ذكره الكوسج في مسائل أحمد، وابن راهويه (١/ ٨٩).\n(٣) أورده ابن هاني في مسائل أحمد (١/ ١٠٢) بنحوه.","vol":"1","page":60},{"text":"عَنْ زُرْزُرٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: «أَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَخْرُجُ مِنِّي الرِّيحُ؟ قَالَ: تُمْسِكُ عَنْ الْقِرَاءةِ حَتَّى تنقضي الرِّيحُ» (١).\nعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «إِذَا تَثَاءبْتَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ فَأَمْسِكْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْكَ» (٢).\nعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: «إِذَا نَعِسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ، فَيَسُبَّ نَفْسَهُ» (٣) ...\nقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ﵀: جَمِيعُ مَا ذَكَرْتُهُ يَنْبَغِي لأَهْلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَتَأَدَّبُوا بِهِ، وَلا يَغْفَلُوا عَنْهُ، فَإِذَا انْصَرَفُوا عَنْ تِلاوَةِ الْقُرْآنِ اعْتَبَرُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْمُحَاسَبَةِ لَهَا، فَإِنْ تَبَيَّنُوا مِنْهَا قَبُولَ مَا نَدَبَهُمْ إِلَيْهِ مَوْلاهُمْ الْكَرِيْمُ؛ مِمَّا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ مِنْ أَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ، حَمِدُوهُ فِي ذَلِكَ، وَشَكَرُوا اللهَ ﷿ عَلَى مَا وَفَّقَهُمْ لَهُ، وَإِنْ عَلِمُوا أَنَّ النُّفُوَس مُعْرِضَةٌ عَمَّا نَدَبَهُمْ إِلَيْهِ مَوْلاهُمُ الْكَرِيْمُ، قَلِيلَةُ الاكْتِرَاثِ بِهِ؛ اسْتَغْفَرُوا اللهَ مِنْ تَقْصِيرِهِمْ، وَسَأَلُوهُ النُّقْلَةَ مِنْ هَذِهِ الْحَالِ، الَّتِي لا تَحْسُنُ\n_________\n(١) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (١٠٠)، وابن أبي شيبة (٨/ ٤٤٧)، والبيهقي في الشعب (١٩٤٢).\n(٢) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٩٨)، والبيهقي في الشعب (١٩٤٣).\n(٣) أخرجه البخاري (٢١٢)، ومسلم (٧٨٦).","vol":"1","page":61},{"text":"بِأَهْلِ الْقُرْآنِ، وَلا يَرْضَاهَا لَهُمْ مَوْلاهُمْ، إِلَى حَالٍ يَرْضَاهَا؛ فَإِنَّهُ لا يَقْطَعُ مَنْ يَلْجَأُ إِلَيْهِ. وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ، وَجَدَ مَنْفَعَةَ تِلاوَةِ الْقُرْآنِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَعَادَ عَلَيْهِ مِنْ بَرَكَةِ الْقُرْآنِ كُلُّ مَا يُحِبُّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ - إِنْ شَاءَ اللهُ -.\nعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: «لَمْ يُجَالِسْ هَذَا الْقُرْآنَ أحدٌ إِلا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، قَضَاءُ اللهِ الَّذِي قَضَى: ﴿شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ (١) [الإسراء]».\nعَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللهِ ﷿: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]، قَالَ: «﴿البَلَدُ الطَّيِّبُ﴾: الْمُؤْمِنُ سَمِعَ كِتابَ اللهِ فَوعاهُ، وَأَخَذَ بِهِ، وَانتَفَعَ بِهِ؛ كَمَثَلِ هَذِهِ الأَرْضِ أَصَابَهَا الْغَيْثُ، فَأَنبَتَتْ، وَأَمرَعَتْ: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]، أَيْ: إِلَّا عَسِرًا، فهَذَا مَثَلُ الْكَافِرِ قَدْ سَمِعَ الْقُرْآنَ فَلَمْ يَعْقِلْهُ، وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ، كَمَثَلِ هَذِهِ الأَرْضِ الْخَبِيثَةِ أَصَابَهَا الْغَيْثُ، فَلَمْ تُنْبِتْ، وَلَمْ تُمْرِعْ شَيْئًا (٢).\n_________\n(١) إسناده صحيح.\nأخرجه الدارمي (٣٣٨٧). وقد جاء نحوه عن أُويس القرني، والحسن البصري.\n(٢) رجاله ثقات. =","vol":"1","page":62},{"text":"* * *\n_________\n= أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٢/ ٤٩٧) بنحوه مختصرًا، وإسناده صحيح.\nوأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر، كما في الدر المنثور (٣/ ٤٧٨).","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>بابٌ: في حُسنِ الصوتِ بالقُرآنِ</span>\n... عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ رَسولِ اللهِ - ﷺ - قال: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» (١).\nعن صالح بن أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَل عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: قَوْلُهُ - ﷺ -: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ»، مَا مَعْنَاهُ؟ قَالَ: «التَّزْيِينُ أَنْ يُحَسِّنَهُ» (٢) ...\nيَنْبَغِي لِمَنْ رَزَقَهُ اللهُ حُسْنَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ أن يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ قَدْ خَصَّهُ بِخَيْر عَظِيمٍ، فَلْيَعْرِفْ قَدْرَ مَا خَصَّهُ اللهُ بِهِ، وَلْيَقْرَأْهُ للهِ، لا لِلْمَخْلُوقِينَ، وَلِيَحْذَر مِنَ الْمَيْلِ إِلَى أَنْ يُسْتَمَعَ\n_________\n(١) علَّقه البخاري في صحيحه (١٣/ ٥٢٨ مع الفتح)، ووصله أبو داود ... (١٤٦٨)، والنسائي في المجتبى (١٠١٥)، وابن ماجه (١٣٤٢)\nوصححه العقيلي (٤/ ١٢٤٤)، وابن خزيمة (١٥٥١)، وأبو عوانة ... (٣٩١١)، وابن حبان (٧٤٩)، والحاكم (١/ ٥٧١)، وابن كثير في تفسيره (١/ ٦٢)، والألباني في الصحيحة (٧٧٢)، وقد أطال الحاكم في إيراد شواهد هذا الحديث في المستدرك (١/ ٥٧١ - ٥٧٥).\nوفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي هريرة، وعائشة ﵃.\n(٢) ذكره صالح بن أحمد في مسائل أحمد (٢٨٧)، وعنه الخلال في الأمر بالمعروف (ص ١٠٢).","vol":"1","page":64},{"text":"مِنْهُ لِيَحْظَى بِهِ عِنْدَ السَّامِعِينَ؛ رَغْبَةً فِي الدُّنْيَا، وَالْمَيْلِ إِلَى الثَّنَاءِ، وَالْجَاهِ عِنْدَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، وَالصَّلاةِ بالْمُلُوكِ دُونَ الصَّلاةِ بِعَوَامِّ النَّاسِ. فَمَنْ مَالَتْ نَفْسُهُ إَلَى مَا نَهَيْتُهُ عَنْهُ خِفْتُ أَنْ يَكُونَ حُسْنُ صَوْتِهِ فِتْنَةً عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَنْفَعُهُ حُسْنُ صَوْتِهِ إِذَا خَشِيَ اللهَ ﷿ فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ، وَكَانَ مُرَادُهُ أَنْ يُسْتَمَعَ مِنْهُ الْقُرْآنُ لِيَنْتَبِهَ أَهْلُ الْغَفْلَةِ عَنْ غَفْلَتِهِمْ، فَيَرْغَبُوا فِيمَا رَغَّبَهُمْ اللهُ ﷿، وَيَنْتَهُوا عما نَهَاهُمْ عنه. فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ انْتَفَعَ بِحُسْنِ صَوْتِهِ، وَانْتَفَعَ بِهِ النَّاسُ ...\nعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صَوْتًا بِالْقُرْآنِ مَنْ إِذَا سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ أُرِيتَ أَنَّهُ يَخْشَى الله» (١).\nوقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ﵀: وَأَكْرَهُ الْقِرَاءَةَ بِالأَلْحَانِ وَالأَصْوَاتِ الْمَعْمُولَةِ الْمُطْرِبَةِ؛ فَإِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِثْلِ: يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَالأَصْمَعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَل،\n_________\n(١) إسناده ضعيف.\nأخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٤) عن الزهري مُعْضَلًا.\nوفي الباب عن ابن عباس، وابن عمر، وجابر، وأبي هريرة، وعائشة ﵃.\nوبها قوَّاه الألباني مرفوعًا في الصحيحة (١٥٨٣).","vol":"1","page":65},{"text":"وَأبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَغَيْرِ وَاحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، ويَأْمُرُونَ الْقَارِئَ إِذَا قَرَأَ أَنْ يَتَحَزَّنَ، وَيَتَبَاكَى، وَيَخْشَعَ بِقَلْبِهِ ...\nفَأُحِبُّ لِمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ أن يَتَبَاكَى ... وَيَخْشَعَ قَلْبُهُ، فَيَتَفَكَّرُ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ ...\nألَمْ تسمع إِلَى مَا نَعَتَ اللهُ ﷿ مَنْ هُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَأَخْبَرَ بِفَضْلِهِمْ، فَقَالَ ﷿: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] الآية، ثُمَّ ذَمَّ قَوْمًا اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ، فَلَمْ تَخْشَعْ لَهُ قُلُوبُهُمْ، فَقَالَ ﷿: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)﴾ [النجم] يَعْنِي: لاهِينَ.\nثُمَّ يَنْبَغِي لِمَنْ قَرَأَ القرآن أنْ يُرَتِّلَ القرآن ترتيلًا كَمَا قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل].\nقِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: «بَيِّنه تَبْيِينًا».\nوَاعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا رَتَّلَهُ وَبَيَّنَهُ انْتَفَعَ بِهِ مَنْ يَسْمَعُهُ مِنْهُ، وَانْتَفَعَ هُوَ بِذَلِكَ؛ لأَنَّهُ قَرَأَهُ كَمَا أُمِر؛ قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى","vol":"1","page":66},{"text":"النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦]، يقال: «عَلَى تُؤَدَةٍ» ...\nعَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللهِ ﷿: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾، قَالَ: «عَلَى تُؤَدَة» (١).\nقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ﵀: وَالْقَلِيلُ مِنَ الدَّرْسِ لِلْقُرْآنِ مَعَ الْفِكْرِ فِيهِ، وَتَدَبُّرِهِ أَحَبُّ إلِيَّ مِنْ قِرَاءَةِ الْكَثِيرِ مِنَ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ تَدَبُّرٍ، وَلا تَفَكُّرٍ فِيهِ، وظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَالسُّنَّةُ، وَقَوْلُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.\nعَنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ قَالَ: «قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي سَرِيعُ الْقِرَاءَةِ، إِنِّي أَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي ثَلاثٍ، قَالَ: لَأَنْ أَقْرَأَ الْبَقَرَةَ فِي لَيْلَةٍ، فَأَتَدَبَّرهَا، وَأُرَتِّلهَا أحبُّ إِلَيَّ مِنْ أَن أَقْرَأَ كَمَا تَقُولُ» (٢).\nعَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ قَالَ: «سُئِلَ مُجَاهِدٌ عَنْ رَجُلٍ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، وَرَجُلٍ قَرَأَ الْبَقَرَةَ قِرَاءَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، وَرَكُوعُهُمَا،\n_________\n(١) إسناده صحيح.\nأخرجه عبد الرزاق في التفسير (٢/ ٣١٩)، وابن جرير في جامع البيان (٢٣/ ٦٨٠ - ط. التركي).\n(٢) إسناده صحيح.\nأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٢١٢، ٢١٣)، وسعيد بن منصور في التفسير (١٥٩، ١٦١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٩٦).","vol":"1","page":67},{"text":"وَسُجُودُهُمَا، وجلوسهما، أيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ قَالَ: الَّذِي قَرَأَ الْبَقَرَةَ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ... ١٠٦] (١).\nقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: جَمِيعُ مَا قُلْتُهُ يَنْبَغِي لأَهْلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَتَخَلَّقُوا بِجَمِيعِ مَا حَثَثْتُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ جَمِيل الأَخْلاقِ، وَيَنْزَجِرُوا عَمَّا كَرهْتُهُ لَهُمْ مِنْ دَنَاءَةِ الأَخْلاقِ.\nوَاللهُ المُوَفِّقُ لَنَا وَلَهُمْ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ.\nوالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.\nتم جميع الكتاب\n* * *\n_________\n(١) إسناده صحيح.\nأخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٥٢١، ١٠/ ٥٢٦)، وأبو عبيد في فضائل القرآن (٢١٦)، والطبري في جامع البيان (١٥/ ١١٦ - ط التركي)، كلهم من طريق سفيان عن عبيد به.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>فهرس المصادر والمراجع</span>\n* * *","vol":"1","page":69}]}