{"ً":{"ٌ":134,"ٍ":"إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان - ت الحفيان","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["134/62279.pdf"]},"ّ":"الكتاب: إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان - ت الحفيان\nالمؤلف: شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١ هـ)\nومعه حاشية نفيسة للعلامتين: محمد جمال الدين القاسمي (ت ١٣٣٢ هـ) ومحمد بن مانع النجدي (ت ١٣٨٥ هـ)\nحققه وخرج أحاديثه: عمر سليمان الحفيان\nالناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٤ - ٢٠٠٤\nعدد الصفحات: ١١٣\n(قام المحقق بتصحيح بعض الأخطاء الطباعية وأرسلها لنا مشكورا؛ فأثبتناها في هذه النشرة الإلكترونية)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":14,"ٕ":19,"ٖ":1781462446,"ٗ":32},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقديم بقلم الشيخ زهير الشاويش","level":1,"page":2},{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":5},{"title":"بيان أن \"إغاثة اللهفان\" رسالة مستقلة وليست مستلة من بعض كتب ابن القيم","level":2,"page":5},{"title":"موضوع الرسالة","level":2,"page":6},{"title":"توثيق نسبة الرسالة لمؤلفها","level":2,"page":7},{"title":"ابن القيم هو الذي سمى كتابه هذا بنفسه","level":2,"page":7},{"title":"وصف المخطوط المعتمد في التحقيق","level":2,"page":8},{"title":"التنبيه على وهم وقع في الترجمة العربية لتاريخ الأدب العربي لبروكلمان \"حاشية","level":2,"page":8},{"title":"ترجمة العلامة: جمال الدين القاسمي \"حاشية\"","level":2,"page":9},{"title":"ترجمة العلامة: محمد بن مانع النجدي \"حاشية\"","level":2,"page":11},{"title":"نقد طبعات الكتاب السابقة","level":2,"page":12},{"title":"ترجمة العلامة: محمود شكري الآلوسي \"حاشية\"","level":2,"page":12},{"title":"بيان المنهج المتبع في التحقيق","level":2,"page":22},{"title":"ترجمة الإمام ابن القيم","level":2,"page":24},{"title":"نماذج لبعض صفحات المخطوط المعتمد","level":2,"page":26},{"title":"خطبة الكتاب","level":1,"page":32},{"title":"تفريق الشارع بين الزوجين لا يكون إلا عن وطر منهما واختيار","level":2,"page":32},{"title":"الكلام الذي لم يقصده المتكلم لا يؤاخذ به","level":2,"page":33},{"title":"حديث: \"لا طلاق ولا عتاق في إغلاق\"","level":1,"page":33},{"title":"تخريج حديث: \"لا طلاق ولا عتاق في إغلاق\"","level":2,"page":33},{"title":"تفسير أبي داود للإغلاق","level":2,"page":35},{"title":"تفسير ابن حنبل للإغلاق","level":2,"page":35},{"title":"تفسير النحويين للإغلاق","level":2,"page":36},{"title":"تفسير الإغلاق بالغضب هو مقتضى تبويب البخاري","level":2,"page":37},{"title":"تفسير الإغلاق بالغضب هو مقتضى كلام الشافعي","level":2,"page":37},{"title":"أولا الكتاب","level":1,"page":38},{"title":"الوجه الأول: قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو﴾","level":2,"page":38},{"title":"تفسير لغو اليمين بالغضب هو قول في مذهب مالك","level":3,"page":40},{"title":"تحقبق مذهب مالك في لغو اليمين \"حاشية\"","level":3,"page":40},{"title":"الجمع بين هذا القول في لغو اليمين والأقوال الأخرى المروية عن بعض الصحابة","level":3,"page":42},{"title":"الوجه الثاني: قوله تعالى: ولو يعجل الله للناس","level":2,"page":44},{"title":"الغضب يمنع انعقاد سبب الدعاء","level":3,"page":44},{"title":"الدعاء بالشر كثيرا ما يجاب كالدعاء بالخير","level":3,"page":46},{"title":"الوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿ولما رجع موسى ...﴾","level":2,"page":47},{"title":"الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿ولما سكت عن موسى الغضب ...﴾","level":2,"page":47},{"title":"الوجه الخامس: قوله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ....﴾","level":2,"page":48},{"title":"ما يتكلم به الغضبان حال شدة غضبه هو من نزغات الشيطان","level":3,"page":48},{"title":"ثانيا: دلالة السنة","level":1,"page":50},{"title":"الوجه الأول: حديث عائشة: \"لا طلاق ولا عتاق","level":2,"page":50},{"title":"أقوال العلماء في الإغلاق","level":3,"page":51},{"title":"حجة من لم يوقع الطلاق المحرم والطلاق الثلاث بكلمة واحدة","level":3,"page":52},{"title":"أقسام الغضب","level":3,"page":54},{"title":"شروط نفوذ أقوال المكلف","level":3,"page":55},{"title":"الوجه الثاني: حديث عمران بن حصين: \"لا نذر في غضب\"","level":2,"page":56},{"title":"ترتب الكفارة على الإنسان لا يدل على ترتب موجبه ومقتضاه عليه","level":3,"page":57},{"title":"الكفارة لا تستلزم التكليف","level":3,"page":57},{"title":"أقوال العلماء في نذر الغلق","level":3,"page":58},{"title":"الوجه الثالث: حديث أبي بكرة: \"لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان\"","level":2,"page":58},{"title":"أقوال الفقهاء في صحة حكم الحاكم في حال غضبه","level":3,"page":58},{"title":"ثالثا: آثار الصحابة","level":1,"page":59},{"title":"الوجه الأول: أثر ابن عباس: \"الطلاق عن وطر\"","level":2,"page":59},{"title":"الوجه الثاني: أثر عثمان أنه رد طلاق السكران","level":2,"page":60},{"title":"رجوع الإمام أحمد عن القول بوقوع طلاق السكران","level":3,"page":60},{"title":"أنواع السكر","level":3,"page":62},{"title":"رابعا: الاعتبار وأصول الشريعة","level":1,"page":63},{"title":"الوجه الأول: المؤاخذة إنما ترتبت على الأقوال لكونها أدلة على ما في القلب من كسبه وإرادته","level":2,"page":63},{"title":"سبب المؤاخذة هو كسب القلب","level":3,"page":63},{"title":"الوجه الثاني: الغضبان محمول على إرادته ملجأ إليها کالمكره","level":2,"page":64},{"title":"الوجه الثالث: قياس الغضبان على المكره","level":2,"page":64},{"title":"الوجه الرابع: العاقل لا يستدعي الغضب ولا يريده، وهو ناشئ فيه بغير اختياره","level":2,"page":65},{"title":"الوجه الخامس: الغضبان محمول على إرادته","level":2,"page":66},{"title":"السادس: الخوف في قلب المكره كالغضب في قلب الغضبان","level":2,"page":67},{"title":"الوجه السابع: الغضب الذي ألجأ الغضبان لفعل أمور من شق ثيابه وإتلاف ماله أعظم من الإكراه","level":2,"page":68},{"title":"حكم نذر الحاج","level":3,"page":70},{"title":"أنواع الإكراه على الأفعال","level":3,"page":71},{"title":"الوجه الثامن: الغضب من الشيطان، وما يضاف إلى الشيطان مما يكرهه العبد ولا يحبه فلا يؤاخذ به الإنسان","level":2,"page":72},{"title":"الوجه التاسع: القصود في العقود معتبرة، والغضبان ليس له قصد معتبر في حل عقدة النكاح الفرق بين الهازل والغضبان","level":2,"page":74},{"title":"الوجه العاشر: أن الغضب مرض من الأمراض كالحمى والبرسام","level":2,"page":76},{"title":"الفرق بين المريض الذي لا يملك نفسه والمكره","level":3,"page":76},{"title":"الوجه الحادي عشر: أن من الناس من إذا لم ينفذ غضبه قتله فإذا نفذ غضبه بقول يمكن إهدار قوله","level":2,"page":78},{"title":"الوجه الثاني عشر: قاعدة الشريعة: أن العوارض النفسية لها تأثير في القول إهدارا واعتبارا، وإعمالا وإلغاء.","level":2,"page":79},{"title":"الوجه الثالث عشر: صور الطلاق في حال الغضب","level":2,"page":81},{"title":"الطلاق لا يقع مع الرضا في الغالب","level":3,"page":83},{"title":"الوجه الرابع عشر: المجنون والمبرسم والسكران ليسوا مسلوبي التمييز بالكلية، وليسوا كالعقلاء، والغضبان قد يكون أسوأ حالا منهم","level":2,"page":83},{"title":"الفرق بين المجنون والغضبان","level":3,"page":85},{"title":"لا يحجر على الغضبان","level":3,"page":85},{"title":"لغضب يزيل العقل","level":3,"page":86},{"title":"تفاوت الناس في الغضب","level":3,"page":86},{"title":"الوجه الخامس عشر: أن الغضبان الذي قد انغلق عليه القصد أولى بعدم وقوع طلاقه من الهازل","level":2,"page":86},{"title":"الوجه السادس عشر: بعض الحنابلة لم يشترط في عدم وقوع طلاق المجنون والمبرسم ألا يكون ذاكرا لطلاقه، والغضبان أسوأ حالا منه","level":2,"page":87},{"title":"الوجه السابع عشر: قياس الغضبان على الموسوس","level":2,"page":88},{"title":"صرح أصحاب أبي حنيفة بعدم وقوع طلاق الموسوس","level":3,"page":88},{"title":"الوجه الثامن عشر: لم يقل أحد أن لفظ الطلاق المجرد يقع به الطلاق، بل لابد من أمر آخر وراءه","level":2,"page":88},{"title":"أقوال السلف في وقوع الطلاق المحرم","level":3,"page":90},{"title":"الوجه التاسع عشر: أنه مقتضى نص أحمد","level":2,"page":94},{"title":"الوجه العشرون: قياس مسألة طلاق الغضبان على مسألة حكم الحاكم حال الغضب","level":2,"page":95},{"title":"مسألة حكم الحاكم حال غضبه","level":3,"page":95},{"title":"الوجه الحادي والعشرون: لا يوجد دليل شرعي على وقوع طلاق الغضبان","level":2,"page":96},{"title":"الوجه الثاني والعشرون: أن نكاح الذي طلق حال غضبه ثابت بالإجماع قبل صدور اللفظ منه فلا يزول إلا بالإجماع","level":2,"page":97},{"title":"الوجه الثالث والعشرون: قياسه على طلاق الصبي المميز العاقل لا يلزم من كون الإنسان مكلفا أن يترتب الحكم على مجرد لفظه","level":2,"page":97},{"title":"الوجه الرابع والعشرون: التلفظ بالطلاق غايته أن يكون جزء سبب، والحكم لا يتم إلا بعد وجود سببه، وانتفاء مانعه","level":2,"page":98},{"title":"الوجه الخامس والعشرون: قياس مسألة طلاق الغضبان على من سبق لسانه بالغضب وهو لا يريده","level":2,"page":99},{"title":"حكم سبق اللسان بالطلاق مع عدم إرادته","level":3,"page":99},{"title":"الأدلة على أن الغضبان يتكلم بما لا يريده","level":1,"page":102},{"title":"النبي ﷺ لا يريد ما دعا به في حال الغضب","level":2,"page":103},{"title":"شرط عدم ترتب أثر أقوال المكره","level":2,"page":104},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":105},{"title":"قصيدة المطلقة لمعروف الرصافي","level":1,"page":106}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106,"1,109":107,"1,110":108,"1,111":109,"1,112":110,"1,113":111},"ٜ":{"1":[1,113]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113"],"ٞ":{"2":[1],"5":[2,3],"6":[4],"7":[5,6],"8":[7,8],"9":[9],"11":[10],"12":[11,12],"22":[13],"24":[14],"26":[15],"32":[16,17],"33":[18,19,20],"35":[21,22],"36":[23],"37":[24,25],"38":[26,27],"40":[28,29],"42":[30],"44":[31,32],"46":[33],"47":[34,35],"48":[36,37],"50":[38,39],"51":[40],"52":[41],"54":[42],"55":[43],"56":[44],"57":[45,46],"58":[47,48,49],"59":[50,51],"60":[52,53],"62":[54],"63":[55,56,57],"64":[58,59],"65":[60],"66":[61],"67":[62],"68":[63],"70":[64],"71":[65],"72":[66],"74":[67],"76":[68,69],"78":[70],"79":[71],"81":[72],"83":[73,74],"85":[75,76],"86":[77,78,79],"87":[80],"88":[81,82,83],"90":[84],"94":[85],"95":[86,87],"96":[88],"97":[89,90],"98":[91],"99":[92,93],"102":[94],"103":[95],"104":[96],"105":[97],"106":[98]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24,25,26,27,28,29,30,31,106,107,108,109,110,111]},"pages":[{"text":"إغاثة اللَّهفان\nفي\nحكم طلاق الغضبان\n\nتأليف\nالإمام شمس الدين\nمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية\n(٦٩١ - ٧٥١ هـ)\n\nومعه حاشية نفيسة للعلامتين: محمد جمال الدين القاسمي (المتوفى: ١٣٣٢ هـ) ومحمد بن مانع النجدي (المتوفى: ١٣٨٥ هـ)\n\nحققه وخرج أحاديثه: عمر سليمان الحفيان\n\nمؤسسة الرسالة","vol":"1","page":1},{"text":"- أ -\n\nتقديم\nإن الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وجميع صحبه ومن والاه، ومن تبعهم من حملة فقه دين الله، إلى يوم لُقياه، وهو -سبحانه- راض عنَّا وعنهم بفضله وكرمه.\nوبعد:\nفقد سبق للمكتب الإسلامي للطباعة والنشر -في دمشق وبيروت- الذي بارك الله في منشوراته لمدة زادت على الستين سنة في نشر علوم القرآن الكريم، وأحاديث سيدنا رسول الله، ونشر سُنَّته المطهرة، وما يتبع ذلك من سيرته العطرة ﷺ، واللغة الكريمة التي أنزل الله بها كتابه، والفقه الذي ارتضاه لعباده، وجعل فيه تسيير أمورهم في دنياهم، والموصل إلى جنته في أُخراهم.\nوكان من ذلك نشرنا كتاب:\n«إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان»\nللإمام العلامة محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، بتحقيق المهندس الأستاذ محمد عفيفي المصري (١٤١٥ هـ)، تلميذ صديقي الشيخ حامد الفقي (١٣٧٨ هـ) رئيس جماعة أنصار السُّنة المحمدية بمصر، رحمهما الله تعالى، في سنة ١٤٠٦ هـ.\nومن قبل ذلك نشرنا العديد من مؤلفات شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، وكتب غيره ممن سار على دربه، أو ترجم عنه مثل","vol":"1","page":2},{"text":"- ب -\n\nكتاب: «حياة شيخ الإسلام ابن تيمية» لأستاذنا الفاضل الكريم الشيخ محمد بهجة البيطار (١٣٩٦ هـ) ﵀، وفيه بحث عن الطلاق من أفضل ما كتب من المصنفات، انظر الصفحات (٥٥) إلى (٦٦).\nويضاف إليه ما نشرته مما هو متعلق بعلم شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، وأهمه كتاب: «الرد الوافر على من زعم بأن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر» للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (٨٤٢ هـ)، ورده على الشيخ العلاء البخاري (٨٤١ هـ)، وتوسعي في الرد على الشيخ العلقمي؟؟ (٨٧٩ هـ)، وكتاب: «الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية (٧٢٨ هـ)» للعلامة عمر بن علي البزَّار (٧٤٩ هـ)، وغير ذلك.\nوهذه فيها كلها نقول أو فصول حول أهمية البحث في حكم طلاق الغضبان.\nوطلاق الغضبان لم يعرِّفه بشكل دقيق -فيما نعلم- أحد قبل الإمام ابن القيم، بمثل ما جاء في كتابه هذا.\nوهو بذلك قد منع تفريق البيوت عن الخراب، وحفظ على العائلة الكثير مما شاهدناه عند بعضهم من إيقاع هذا الطلاق، وغيره من كلام الهازل، والمُقْسِم على أمور ما أراد بها الطلاق أصلًا.\nوكان في طبعتنا بتحقيق المهندس عفيفي إطالة وتوسع، وطبعًا كان من قبلها ما نشره شيخ مشايخنا العلامة السلفي الشيخ جمال الدين القاسمي (١٣٣٢ هـ)، العالم الذي أطبق علمه الآفاق.","vol":"1","page":3},{"text":"- جـ -\n\nوقد تكرم وزارني في جدة بعد أيام من حجي الأخير في المحرم (١٤٢٤ هـ) أخي وتلميذ إخواني العالم (^١) الفاضل الشيخ عمر بن سليمان الحفيان الحموي الأصل، بارك الله به، ومعه هذه الرسالة محققة، وقد أعدَّها للطبع لأسباب بيّنها في مقدمته القيِّمة، وفيها التعقبات النافعة للضروري من الكلام، مع حسن تخريج الأحاديث جزاه الله الخير.\nفوجدتها نافعة موفقة إن شاء الله، وذكَّرني إتقانه بقول الشاعر:\nوإذا رأيت من الهلال نموه ... أيقنت أن سيكون بدرًا كاملًا\nوكان بودي التوسع في بيان فوائد طبعته هذه، ولكن حال بيني وبين ذلك ما اعتراني من أمراض، أرجو الله أن يعافيني منها، إنه سميع مجيب، والحمد لله ربِّ العالمين.\n\nزهير الشاويش\nبيروت غرة رجب الخير\nمن سنة ١٤٢٤ هـ الموافق ٢٨/ ٨/ ٢٠٠٣ م\n_________\n(^١) كذا قال الشيخ غفر الله له، ولست إلا طالب علم سالكًا في بداية الطريق، أسأل الله حسن الختام.","vol":"1","page":4},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nإنَّ الحمدَ لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلَّ له، ومَن يضلل فلا هادي له. وأشهد أنْ لا إله إلا الله؛ وحدَه لا شَريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسَلَّم تسليمًا كثيرًا.\nأما بعدُ:\nفهذه قِلادةٌ دُرِّيَّة، وسبيكةٌ عَسجديَّة، وجُؤنةٌ ذهبيَّة، تَضُوعُ مِسكًا، وتَفوحُ عَنبرًا، جادتْ بها يراعَةُ ابن القيم، وتفطرتْ عنها قريحتُه.\nوهي رسالةٌ مستقلَّة، ألَّفها ابتداءً، وأولاها اهتمامًا واعتناءً، وهي -على هذا- ليستْ مُستلَّةً مِن كتاب «إغاثة اللهفان، من مصايد (^١) الشيطان»، أو «إعلام الموقعين»، أو «زاد المعاد»، أو غيرها من كُتُبه، مع أنَّ هناك تداخلًا بين موضوع هذه الرسالة وبعض مباحث تلك الكتب، كما سوف ترى مِن تعليقات القاسمي، ﵀.\n_________\n(^١) «مصايد» بالياء المثناة التحتية، وهَمْزها لحن شائع.","vol":"1","page":5},{"text":"موضوعها:\nتناول فيها المؤلِّفُ قضيةً تَعُمُّ بها البلوى في كلِّ زمان ومكان، تنتاب الأُسَرَ فتقوِّضُها، والأحبةَ فتفرِّقُهم، وهي: «حكمُ الطَّلاقِ حالَ الغضب». وهي مسألة دقيقة حسَّاسة، لها صُوَرٌ متعدِّدة، ولكل صورة حُكمها، فكان لزامًا بَحْثُ هذه المسألة بتأنٍّ ورَويَّة، بما يتَّفِقُ مع رُوح الشَّرع الحنيف، ومقاصده السامية، القائمة على تحقيق مصالح العباد في الحال والمآل، بعيدًا عن التقليد الفقهي والتعصُّب المذهبي.\nفَبَسَطَ المؤلِّفُ -﵀- أقوالَ أهل العلم، ومذاهبَ علماء الأمصار، وناقشها وفنَّدها، ودلَّل للمسألة مِن الكتاب، والسُّنَّة، وأقوال الصحابة، ثم توسَّع في أوجه الاستدلال من الاعتبار وأصول الشريعة حتى أوصلها إلى خمسة وعشرين وجهًا، بعد أن بَذَلَ فيها وُسْعه، وقلَّب فِكْره، وأطال تأمُّله، حتى خرجَتْ رسالةً مُحْكَمةً محرَّرة، منقَّحةً مهذَّبة، أتى فيها على أوجه المسألة، وما يتعلَّق بها.\nوبَحَثَ في غضون ذلك: حقيقةَ الغضب، وكُنْهَه، وبواعثَه، وأنواعه، وبيَّنَ أنه مَرَضٌ من الأمراض التي تعتري القلوبَ نظيرَ الحُمَّى للبَدَن. وأوضح أوجُهَ الشَّبَهِ والاختلافِ بين الغضبان،","vol":"1","page":6},{"text":"والسكران، والمُكْرَه، والهازل، والمُوَسْوَس، ومَن سبق لسانُهُ بالطلاق وهو لا يقصد.\nوبيَّن أنَّ عَدَمَ وقوعِ طلاق الغضبان جارٍ على أصولِ عامَّةِ الفقهاء، وأنه يلزمهم القولُ بموجَبِهِ، ولهذه المسألة نظائرُ كثيرة عندهم؛ أعمَلوا فيها قَصْدَ المتكلِّم ونيَّته.\nونكتةُ المسألة التي وُفِّقَ لها المؤلِّفُ وشيخُه مِن قَبْله، وغابت عن كثير من الفقهاء: أنَّ الغضب ليس نوعًا واحدًا، بل هو أنواعٌ وأقسام ثلاثة؛ كما بيَّنه المؤلِّفُ أحسَنَ بيان وأوضحه.\nتوثيق نسبة الرسالة:\n١ - جاء في المخطوط على صفحة العنوان «الظَّهْرِيَّة» نسبةُ هذه الرسالة لابن القيم؛ كما يظهر من الصورة المرفقة.\n٢ - أحال عليها المؤلِّف في كتابه «مدارج السالكين» (^١) فقال: «... وقد أشبعنا الكلامَ في هذا في كتابنا المُسمَّى: إغاثة اللهفان، في طلاق الغضبان ...»؛ وهذا يفيد أنَّ المؤلِّفَ هو الذي سمَّى كتابه بنفسه، كما هي عادته.\n٣ - ذكرها كلٌّ من ابن العماد الحنبلي المُتوفَّى (١٠٨٩ هـ) في\n_________\n(^١) (٣/ ٣٠٨).","vol":"1","page":7},{"text":"«شذرات الذهب» (^١)، ومصطفى السُّيُوطي الرُّحَيباني المُتوفَّى (١٢٤٣ هـ) في كتابه «مطالب أُولي النُّهى، في شرح غاية المُنتهى» (^٢) ونَقَلَ منها من قوله: «الغضب ثلاثة أقسام ...» إلى قوله: «وهو فرع من الإغلاق كما فسَّره به الأئمة»، وذكرها أيضًا ابن عابدين المُتوفَّى (١٢٥٢ هـ) في «حاشيته» (^٣)؛ اعتمادًا على «مطالب أُولي النُّهى».\n٤ - منهجُ البحث ونفَسُ كاتبه هو منهجُ ابن القيم ونَفَسُهُ في سائر تصانيفه، ما تعدَّاه قِيدَ (^٤) أنملة.\n٥ - ذكرَ ابنُ القيم فحوى هذا البحث ونقلَ بعض النصوص والأدلة الواردة فيه في عدد من كتبه المشار إليها سابقًا، ونَقَل اختيارات شيخه (ابن تيمية) كعادته.\nوصف المخطوط المعتمد:\nاعتمدتُ في تحقيق هذه الرسالة على نسخة خطية فريدة (^٥)، تقع\n_________\n(^١) (٦/ ١٧٠).\n(^٢) (٥/ ٣٢٢ - ٣٢٣).\n(^٣) (٣/ ٢٤٤).\n(^٤) «قيد» بكسر القاف، وفَتْحُها لحن شائع.\n(^٥) ورد في «تاريخ الأدب العربي» لبروكلمان (٦/ ٤٢٦ - الترجمة العربية) أن لهذه الرسالة نسخةً مخطوطة أخرى في المتحف البريطاني تحت رقم (٩٢١٩)، في حين لم يرد لها أي ذكر في الأصل الألماني (المجلد الثاني من الذيل ص ١٢٨)، واكتفى بروكلمان بالقول: إنها طبعت في القاهرة سنة (١٩٠٠ م)، ولم يتعرَّض للمخطوط، ولدى الرجوع إلى الرقم المشار إليه في المتحف البريطاني تبيَّن أنه كتاب «إغاثة اللهفان، من مصايد الشيطان». فعُرف مورد الوهم.","vol":"1","page":8},{"text":"ضمن مجموع أصيل [من ص (٥٣) إلى ص (٧٢) منه]، وهو من مخطوطات علَّامة الشَّام العلامة محمد جمال الدين القاسمي (^١) -﵀- وَرِثها عن أبيه عن جدِّه.\nثم آلت ملكيتها بعدُ إلى مكتبة الملك فهد بالرياض (^٢)، وهي محفوظة فيها برقم (٤٧٣).\n_________\n(^١) هو العالم السَّلفي الكبير، والمصلح الشهير، العلامة، المحدِّث، محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح القاسمي الدمشقي، ولد سنة (١٢٨٣ هـ) في دمشق، وتُوفِّي فيها سنة (١٣٣٢ هـ)، صاحبُ دعوة إصلاحية كبيرة، وكان له عناية فائقة بنشر كتب السلف عامَّة وكتب شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم خاصَّة، ألَّفَ التآليف النافعة، منها: تفسيره الكبير المسمَّى «محاسن التأويل»، و«إصلاح المساجد»، و«نقد النصائح الكافية، لمن يتولى معاوية» وغيرها مِن الكتب، امتُحن وأُوذي بسبب دعوته.\nانظر: «جمال الدين القاسمي وعصره» لظافر القاسمي، و«شيخ الشام جمال الدين القاسمي» لمحمود مهدي الإستانبولي.\n(^٢) وقد تفضل بتصويرها لي الأخ الكريم عبد الله المنيف، مدير قسم المخطوطات فيها، فجزاه الله خيرًا.","vol":"1","page":9},{"text":"صفحة العنوان (الظَّهْريَّة) مؤلَّفةٌ مِن صفحة قديمة مِن كتابٍ - لعلَّه في الفقه الحنبلي - ثم ضُرب عليها، ولُصِقَ في وَسَطها بطاقة مقاسها (٥.٨ × ١٠ سم)، كُتب عليها: «كتاب إغاثة اللهفان، في حكم طلاق الغضبان، تأليف الشيخ الإمام، العالم العلامة، الزاهد العابد الورع، الصَّدر الكامل، شيخ الإسلام أبو [كذا] عبد الله محمد بن أبي بكر، الشهير بابن قيم الجوزية -قدَّس الله تعالى روحه الزكية، ونفع بعلومه المرضية- علَّقه فقير رحمة ربِّه الباري محمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري، بليل، في شهر شعبان سنة ٨٨٥، أحسن الله تقضيتها».\nأي: أنَّ قَيْدَ الفراغ قد كَتَبه الناسخُ على «الظَّهريَّة» بخلاف المعتاد!\nأما أسفل الورقة؛ فقد كُتب عليه جوابٌ لسؤال، وبشكل عمودي، وبخط مغاير.\nالناسخ: هو محمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري.\nتاريخ النسخ: شهر شعبان من عام (٨٨٥ هـ).\nالخط: نسخي معتاد، واضح، ومعجم.\nوالرسالة مقابَلَة، ومصحَّحة بقلم مغاير، بل بأكثر من قلم.","vol":"1","page":10},{"text":"كَتَبَ القاسميُّ في آخر الرسالة - وبشكل مائل - بخطه الفارسي الجميل ما نصُّه: «نقلها وصحَّحها وعلَّق عليها حواشي: الفقيرُ جمال الدين القاسمي، في رمضان سنة (١٣٢٧ هـ)، والحمد لله رَبِّ العالمين»، ثم ضُرِب على عبارته هذه بقلم حبر أزرق جاف متأخِّرٍ جدًّا! ! .\nوالمخطوطة على أنها مقابلة ومصحَّحة كما تقدم؛ إلا أنها لا تخلو مِن أخطاء وتصحيفات، وخاصَّةً في أسماء الرواة، وقد اجتهدتُ في تصحيحها واستدراك السَّاقط منها عن طريق توثيق النصوص ومقابلتها على مصادرها الأصلية.\nوثَمَّةَ أمرٌ ينبغي التنبيهُ عليه؛ وهو أن هذه النسخةَ قد تداولتها أيدي علماء، ونالت عنايتهم، وجالَتْ فيها أقلامهم؛ لتصحيح ما فيها مِن الأخطاء، بل والتعليقِ على المواضع المشكِلة فيها، وهم على التوالي: الشيخ قاسم بن صالح القاسمي، ثم الشيخ محمد سعيد بن قاسم القاسمي (^١)، ثم ابنه العلامة محمد جمال الدين القاسمي، ثم الشيخ محمد بن مانع النجدي (^٢) - وذلك بعد أن تمَّ\n_________\n(^١) انظر ترجمتهما في كتاب «آل القاسمي ونبوغهم في العلم والتحصيل» للشيخ محمد بن ناصر العَجْمي حفظه الله تعالى ونفع به ص (٢٧، ٦٤).\n(^٢) هو العلامة، الفقيه الحنبلي، اللغوي، محمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن مانع. وُلِد في عُنيزة سنة (١٣٠٠ هـ)، وتوفي في بيروت سنة (١٣٨٥ هـ)، رَحَلَ في طلب العلم إلى بغداد والزُّبير ودمشق والقاهرة، وتَلْمَذَ عند محمد بن عبد الله بن سليم، ومحمود شكري الآلوسي، وجمال الدين القاسمي، وبدر الدين الحَسَني، وغيرهم، ومن تلاميذه: الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، وعبد الله بن زيد آل محمود، وزهير الشاويش بارك الله في عمره.\nانظر: «علماء نجد» للبَسَّام (٦/ ١٠٠)، و«روضة الناظرين» (٢/ ٢٩٣)، و«مجلة البحوث الإسلامية» (٥٤/ ٢٧٩ - ٣٥٤).","vol":"1","page":11},{"text":"طبعُها - فعلَّق على المطبوعة (^١).\nطبعات الكتاب:\n١ - طبعة القاسمي: يعود الفضل التام، في نشر هذا الكتاب بين الأنام، وبأبخس الأثمان (^٢)، لعلَّامةِ الشام، محمد جمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى، وذلك في عام (١٣٢٧ هـ) اعتمادًا على مخطوطته التي تقدَّم وصفُها. وكان الشيخُ القاسميُّ -﵀- كثيرَ الحفاوة والعناية بهذا الكتاب، يقول -﵀- في رسالةٍ بعث بها إلى صديقه وصَفيِّه في العراق الشيخ محمود شكري الآلوسي (^٣) -﵀- ما نصُّه: «... وكتاب إغاثة اللهفان، في\n_________\n(^١) وقد وقفت على نسخته الخاصَّة، وحصلت على صورة منها، وقمت بوضع تعليقاته في أماكنها، مع الإشارة إلى اسمه في نهاية كل تعليق.\n(^٢) ثلاثة قروش للنسخة الواحدة.\n(^٣) هو عالم العراق، ناصر السنة، محمود شكري الآلوسي البغدادي، كانت له اليد الطُّولى في نشر الدعوة السلفية، والكتب التي تدعو إلى مذهبِ السلف الصالح، وخاصة كتب شيخي الإسلام ابن تيمية، وابن القيم. ألف التآليف النافعة الناطقة بفضله وعلمه، منها: «غاية الأماني في الرد على النبهاني»، و«صب العذاب، على من سبَّ الأصحاب»، و«فصل الخطاب، في شرح مسائل الجاهلية للإمام محمد بن عبد الوهاب»، و«بلوغ الأرب، في أحوال العرب»، وغيرها كثير، تُوفِّي سنة (١٣٤٢ هـ) رحمه الله تعالى. انظر: «أعلام العراق» لمحمد بهجة الأثري.","vol":"1","page":12},{"text":"حكم طلاق الغضبان؛ لابن القيم، وهو كتاب نفيس، يفيد الأمة فائدة عظيمة في المسألة المذكورة، ولا أدري هل ظَفِرتُم به؟ فإني ظَفِرتُ بنسخة منه في خزانة الجد [قاسم] عليه الرحمة، ضمن أحد المجاميع، وكان الوالد -﵀- يطالعه دائمًا، ويبتهج به ...» (^١).\nويقول عنها في رسالة أخرى: «... وحجمها نحو ثلاثة كراريس، إلا أنها مِن النوادر المضنون بها، ويقول لي الشيخ الروَّاف (^٢): إنها لا نظير لها؛ ولا في خزائن كتب نجد. ويَرى أنها لا\n_________\n(^١) «الرسائل المتبادلة بين محمود شكري الآلوسي وجمال الدين القاسمي» لمحمد بن ناصر العَجْمي – جزاه الله خيرًا – ص (٧٥، ٧٦).\n(^٢) هو الشيخ عبد الله بن أحمد الروَّاف، من فضلاء القصيم، نزل دمشق واستقر بها مدة، وأصبح يتردد على الشيخ القاسمي، وكان رحَّالة، مشهورًا بالوعظ وتتبع الكتب، قتل -﵀- في عُمَان سنة (١٣٥٩ هـ). انظر «علماء نجد» (٤/ ٢٨)، و«روضة الناظرين» (١/ ٣٩٥)، و«الرسائل المتبادلة» للعَجْمي ص (٥٧).","vol":"1","page":13},{"text":"توجد إلا عندنا. وكان الجَدُّ [قاسم] والوالد [محمد سعيد]-قدَّس الله روحهما- يطالعانها كثيرًا، بل إني شُغفت بها مِن صغري؛ لكثرة ما أرى الوالد ينظر فيها ...» (^١).\nثم بدا للشيخ القاسميِّ -﵀- أنْ ينشر هذه الرسالة في سياق مشروعه الكبير لنشر كتب السَّلَف بين الناس؛ لأنه كان يرى أنَّ نَشْرَ كتابٍ واحد خيرٌ من إرسال ألف داعٍ يتفرَّقون في الأقطار (^٢).\nفقام يتطلَّبُ نُسَخًا أخرى لها، فبحث في المكتبة الظاهرية بدمشق، فلم يظفَرْ بشيء، ثم راسل صديقَه العلامة محمود شكري الآلوسي؛ كي يقوم بالبحث مِن قِبَلِهِ في العراق فلم يعثر على شيء، وأفاده صديقُهُ الشيخ الروَّاف أنها لا وجود لها في خزائن كتب نجد. فلم يبقَ إلا أن يطبعها اعتمادًا على المخطوطة التي بحوزته، فقام بمراجعتها، والتعليقِ عليها بحواشٍ، وتوزيع النص على أصل المخطوط! !\n_________\n(^١) الرسائل المتبادلة ص (٩٨).\n(^٢) المصدر السابق ص (٥٦).","vol":"1","page":14},{"text":"ثم كلَّف تلميذَه الشيخَ حامد التقي (^١) بنسخها، وأردفها بقصيدة «المُطلَّقة» لمعروف الرُّصافي (^٢)، وأرسلها إلى صديقه الوجيه محمد حسين نَصِيف في جُدَّة، كي يتكفَّل بطبعها عَلَى عادته الكريمة، فوافق على طبعها (^٣)، وأرسلها إلى الشيخ محمد رشيد رِضا (^٤) صاحب مجلة «المنار» في القاهرة، فطُبعت في مطبعة المنار سنة (١٣٢٧ هـ).\nيقول -﵀- في رسالة بَعَثَ بها إلى صديقه محمد حسين نَصِيف مؤرَّخة (١٩/ ذي القعدة/ ١٣٢٧)، وذلك بعد الشروع بطبع الكتاب: «تناولْتُ أمسِ أوراقَ الملزمة الأولى من «إغاثة اللهفان»، وقد سُررنا بالبشارة بطبعها؛ لما أنها أنجَحُ ما أُلِّف للإصلاح في الزوجية والعائلات، وتحقيق أيمان الطلاقات، فإنَّ\n_________\n(^١) انظر: ترجمته العطرة في «مجلة التمدن الإسلامي» (٣٤/ ٢٩١) مقال بقلم حسني كنعان، و«تاريخ علماء دمشق» لمحمد مطيع الحافظ، ونزار أباظة ص (٨٠٧).\n(^٢) انظر ترجمته في «الأعلام» للزِّركلي (٨/ ١٨٤).\n(^٣) انظر: «محمد نَصِيف حياته وآثاره» لمحمد أحمد سيد أحمد، وعبده بن أحمد العلوي ص (٢٠٤ - ٢٠٥)، والكتاب أوسع ما أُفرد في ترجمته.\n(^٤) أفرَدَ ترجمته غير واحد، منهم: خالد فوزي آل حمزة في رسالة ماجستير مطبوعة.","vol":"1","page":15},{"text":"سعادة الأمة في زِيجتها هو معرفةُ الحالةِ التي تنحلُّ بها العصمةُ قطعًا بلا خلاف، والحالةِ التي لا أثر لها في حَلِّ عصمة الزوجية. فإذا وُفِّقت لمعرفة هذه الحالة، والجري عليها، والفتوى بها، سعدت؛ لأن سعادة الأفراد سعادةُ البيوتات، والعكسُ بالعكس. وهذا الكتاب [إغاثة اللهفان] نرجو منه تعالى أن يُنبِّه المتفقِّهة والمفتين على فيصل الحقِّ في هذا الباب.\nولا جَرَم هنا أن ما ينجُمُ عنه من الفوائد والمعارف هو في صحيفة مولانا الفاضل، بارك الله لنا في هِمته، ونَفَع الأمة بخيراته، ويَحِقُّ للسَّلَفيين الآن أن يفاخروا بأمثالكم، ويدعوا لكم بالحياة الطيبة، زادكم المولى توفيقًا، وكان لكم عونًا ومعينًا، آمين» (^١).\nوفَوْرَ الفراغ مِن طباعة الكتاب أُعلن عنه في مجلَّة «المنار» (^٢)، وكَتَبَ حسين وصفي رِضا تقريظًا له في العدد نفسِه مِن المجلَّة؛ بيَّن فيه ضرورة الطلاقِ للمجتمعات؛ حتى إنه آلَ الأمرُ بالمجتمعات الإفرنجيَّة إلى الاعتراف به، إلا أنهم تخبَّطوا فيه واضطربوا، وتردَّدوا بين الإفراط والتفريط، أمَّا الشريعة الإسلامية؛ فالطلاقُ فيها منضبطٌ بما يكفُلُ سعادةَ المجتمعات، ويرفعُ الحَرَجَ عنها.\n_________\n(^١) «جمال الدين القاسمي وعصره» لظافر القاسمي ص (٦٠٧).\n(^٢) (١٣/ ١٣٢) شهر صفر سنة (١٣٢٨) هـ.","vol":"1","page":16},{"text":"قال -﵀-: «الطلاقُ مِن ضرورات الاجتماع التي لا بُدَّ منها، ولا مَندوحة عنها، وقد اعترف كثيرون مِن عُقلاء الفِرِنْجة والأمريكان بذلك، بل إنَّ بلاد أمريكا أصبح الطلاقُ فيها أكثر شيوعًا منه في سائر البلاد الإسلامية، والسببُ في ذلك: تفريطُهم وإفراطهم، فقد أحكموا في الأول عُقْدة النِّكاح إحكامًا، صيَّروا به حلَّها جناية وأثامًا! وقد بالغوا في الثاني في حلِّها حتى صارت أوهى مِن بيت العنكبوت!\nأما المسلمون؛ فَيَرَوْنَ الطَّلاقَ رُخصةً من الرُّخَص التي يُصار إليها عند الاضطرار، كما أرشدهم إلى ذلك دينهم، وهكذا يكون شأن الأمة الوسط: لا تفريطَ ولا إفراط، وهذه هي الخُطَّة التي تحوم حولها القلوب، وتهفو إليها النفوس؛ لأنَّ تحريم الطلاق تحريمًا قطعيًّا من الحرج الذي لا يُطاق ولا تستقيم معه حال الاجتماع، وإباحتُه إباحةً عامة من دونِ شَرْطٍ ولا قيد من العبث المُخلِّ المفسدِ لنظامِ الأُسرِ والبيوتات.\nولقد يَظُنُّ كثيرون مِن الفِرِنْجة والمتفرنجين الذين ينظرون إلى الإسلام بعيون حُولٍ: أنَّ الطلاق يقع بالكلمة تقذفها بادرةُ غضب، فتصبح عُقدةُ النِّكاح المحكمةُ مفكَّكةً محلولة، وتُمسي الزوجُ التي لم تَجْنِ ذنبًا أجنبيةً غير حليلة، ويرون أنَّ ذلك ليس مما يلتئم مع","vol":"1","page":17},{"text":"الحكمة، أو يتفق مع المصلحة، وقد يكونون معذورين في هذا القول الذي يتفق مع أقوال كثير من الفقهاء، ولو أنهم اطَّلعوا على الكتاب الذي نُقرِّظه اليوم لآبوا معترفين للإسلام بأنه دِينُ المدنية والفضيلة والعمران.\nاستهلَّ الإمامُ المؤلِّفُ كتابه بالحديث الشريف: «لا طلاق ولا عَتَاق في إغلاق»، ثم بيَّن معنى الإغلاق أو الغِلاق مِن كلام الأئمة، وأنَّ معناه الغضب، أو مِن معانيه، ثم طَفِقَ المؤلِّفُ يدلي بالحجّة تلو الحجّة، ويأتي بالدليل بعد الدليل مِن الكتاب، والسُّنَّة، والمأثور عن أئمة السَّلف، الناطقةِ كلها بعدم وقوع طلاق الغضبان، وأفاض المؤلِّفُ في ذلك أيَّما إفاضة شأنَهُ في كلِّ الموضوعات التي كتب فيها، ونَصَبَ ميزانَ التعارض والترجيح، فأظهر -أثابه الله- الرَّغوةَ مِن اللبن الصريح».\nوقد وقع في هذه الطبعة تصحيفاتٌ وبعضُ السُّقوط يستطيع القارئ الفَطِنُ تلافيَها، وأهمُّ التصحيفات التي تُؤثِّرُ في المعنى هي:\nأ- ما وقع في صفحة (٣٩) السطر الثاني من أسفل لدى قول ابن القيم: «... وقد صرَّح بإرادة أحدهما مشترطًا على رَبِّه، فدلَّ على عموم إرادته لما دعا به في حال الغضب ...».\nوالصواب كما في المخطوط: «... وقد صرَّح بإرادة أحدهما","vol":"1","page":18},{"text":"مشترطًا له على ربِّه، فدلَّ عَلَى عدم إرادته لما دعا به في حال الغضب ...».\nب- ما وقع في صفحة (٨) السطر (١١) لدى قوله: «ولا ريب أنَّ الدُّعاء بالشرِّ كثيرًا ما يجلب الدُّعاء بالخير ...» كذا وقع، وهو مُشكِل!\nوالصَّواب: «ولا ريب أنَّ الدُّعاء بالشرِّ كثيرًا ما يُجاب كالدُّعاء بالخير ...».\nجـ- ما وقع في صفحة (٣٥) السطر (٣) لدى قول أبي جعفر الباقر: «لا طلاق إلا على بينة ...».\nوالصواب كما في المخطوط: «لا طلاق إلا على سُنَّة ...».\n٢ - طبعة مكتبة الكليات الأزهرية: فقد قامت مكتبة الكليات الأزهرية بمصر، بإعادة صَفِّ مطبوعة القاسميِّ، ونشرتها مع المحافظة على تعليقات القاسمي -﵀- وكتبوا على الغِلاف: «وقد عُني بتصحيحه وتخريجه وتعليق حواشيه: الأستاذ الشيخ جمال الدين القاسمي ١٣٩٦ هـ-١٩٧٦ م».\nوالواقع أن الشيخ القاسمي -﵀- لم يُصحِّحْ طبعتهم تلك، والتاريخ الذي كتبوه بعد وفاته بكثير! ووقعتْ فيها بعضُ","vol":"1","page":19},{"text":"التصحيفات زيادةً على التصحيفات الواردة في طبعة القاسمي -ولا حول ولا قوة إلا بالله- ومِن أشنع ما وقع لهم من التصحيفات:\n- ما وَرَدَ في صفحة (٣٤) من مطبوعتهم لدى قول ابن القيم: «ومنهم من اشترط مع ذلك أن يكون مريدًا لمعناه، ناويًا له، فإن لم يَنْوِ معناه، ولم يُرِدْه، لم يلزمه حكمُه، وهذا قولُ من يقول لا يلزم لصريح الطلاق النية ..»! ! ! !\nوالصوابُ كما يقتضيه المعنى، وهو كذلك في المخطوط: «ومنهم مَن اشترط مع ذلك أن يكون مريدًا لمعناه، ناويًا له، فإن لم يَنْوِ معناه، ولم يُرِدْه، لم يلزمه حكمه، وهذا قول مَن يشترط لصريح الطلاق النية ..».\nولمكتبة الكليات الأزهرية طبعةٌ أخرى، وصَفٌّ آخر للكتاب، وبحرف مختلف بلا تاريخ، وهي كسابقتها، ولا أدري إنْ كانت سابقة عليها! !\n٣ - طبعة مكتبة القاهرة: وهي صورة عن طبعة مكتبة الكليات الأزهرية الثانية، ولا أدري مَن الذي صَوَّرَ مِن الآخر؛ لأنَّ كِلا الطبعتين بلا تاريخ.\n٤ - طبعة مكتبة دار الفكر العربي: وقد اعتمدوا في طَبْعها على","vol":"1","page":20},{"text":"إحدى الطبعات التجارية المتوافرة بالمكتبات آنذاك، كما أخبرني الناشر بنفسه.\n٥ - طبعة محمد عفيفي: بعد طبعة الكليات الأزهرية بنحو عشر سنوات، قام محمد عفيفي -﵀- بتخريج أحاديث الكتاب، والتعليق عليه، والتقديم له بمقدِّمة طويلة ذَبَّ فيها عن ابن القيم وشيخه، ووَثَّقَ نسبة الرسالة لمؤلِّفها بما لم يُسبَقْ إليه، فجزاه الله خيرًا، وطَبَعَه بالمكتب الإسلامي سنة (١٤٠٦ هـ) معتمدًا على مطبوعة الكليات الأزهرية الثانية؛ ظنًّا منه أنها مطبوعة القاسمي! لذلك لم يستطع أنْ يصحِّح شيئًا من التصحيفات السابقة، بل قد وَقَعَ -﵀- في أوهام لغوية (^١) وحديثية (^٢) منكرة، غَفَرَ الله لنا وله (^٣).\n٦ - طبعة الدكتور أحمد حجازي السقا: أعاد صفَّ الكتاب مع المحافظة الكاملة على تعليقات القاسمي، وطَبَعَه في مكتبة الثقافة الدينية في القاهرة، ويبدو لي أنه اعتمد مطبوعة القاسميِّ مباشرة؛ لأنه سَلِمَ مِن بعض الأخطاء التي تواردت عليها الطبعاتُ التي تقدَّم وصفُها.\n_________\n(^١) انظر ص (٢٨ - ٤٥) من مطبوعته.\n(^٢) انظر تخريجه لحديث: «لا نذر في غضب ...» ص (٣٩ - ٤٠) من مطبوعته.\n(^٣) وقد علمت من الشيخ زهير الشاويش بأن طبع الكتاب كان في أيام الحرب في لبنان؛ لذلك لم يستطع الإخوة في المكتب الإسلامي تلافيها، على أن المسؤولية تقع على عاتق المحقق أولًا.","vol":"1","page":21},{"text":"المنهج المتبع في التحقيق:\n١ - اعتمدتُّ المخطوط أصلًا، وقابلته بمطبوعة القاسمي.\n٢ - صحَّحتُ الأخطاءَ والتصحيفاتِ الواردةَ في الأصل، واستدركتُ الأسقاطَ - وهي قليلة - اعتمادًا على توثيق النصوص التي نقلها ابن القيم؛ وذلك بمعارضتها بمصادرها الأصيلة أو الفرعية، ونبَّهتُ في الحاشية على ما في الأصل.\n٣ - خرَّجتُ الأحاديث والآثار، وعرَّفت بالأعلام غير المشهورين.\n٤ - وثَّقتُ جُلَّ الأقوال والمسائل الفقهية الواردة في الرسالة؛ بعزوها إلى الكتب المعتمدة في كل مذهب.\n٥ - وضعتُ تعليقاتِ العلَاّمتين: جمال الدين القاسمي، ومحمد ابن مانع النجدي في أماكنها، وأشرت إلى اسم صاحب التعليق في نهاية كل تعليق.\n٦ - وثَّقتُ نقولَ العلامة القاسمي ﵀.\n٧ - ترجمتُ لابن القيم -﵀- ترجمةً آثرتُ أنْ تكون مقتضبةً؛ لأنَّ عددًا مِن محققي كتبه توسَّعوا في ترجمته، كما أفرد لها بعضُ الباحثين كتبًا مستقلَّة، فجزاهم الله خيرًا.","vol":"1","page":22},{"text":"هذا؛ ولا يفوتني أن أُسجِّل شكري وتقديري للأخوين الكريمين: الشيخ عمار تُمالت على مساعدته في البحث عن نُسَخٍ أخرى للرسالة في فهارس المخطوطات، والشيخ حسنين حُسني على تفضُّله بمراجعة الكتاب، فجزاهما الله خيرًا.\nثم بعد الفراغ من تحقيق الكتاب وصفّه تكرم الشيخ زهير الشاويش حفظه الله تعالى بمراجعة الكتاب، والتعليق على مواضع منه، وتفضل بكتابة تقديم للكتاب رغم مرضه وكبر سنه، كتب الله له الشفاء، وبارك في عمره، وجزاه الله خيرًا.\nونسألُ اللهَ الكريم رَبَّ العرش العظيم أن يتقبَّل مِنَّا، وأن يتجاوز عمَّا وقع مِنَّا مِن الزَّلَل والتقصير، وأن يغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بخدمة هذا الكتاب، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.\nقيَّده\nعُمر بن سُلَيمان الحَفْيَان\nغفر الله له ولوالديه\nدمشق في غُرَّة ذي القَعْدة عام ١٤٢٢ هـ\nثم جال فيها القلمُ ببعض الفوائد\nوالتصحيحات والاستدراكات في الخُبَر والرياض","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>ترجمة الإمام ابن القيم </span>(^١)\nهو الإمامُ العالم، العارفُ العابد، المحقِّقُ المتقنُ ذو الفنون، أبو عبد الله، شمس الدين، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز بن مكي، الزُّرَعيُّ، ثم الدمشقي.\nوُلد في بيت عِلم وصلاح في السابع مِن صفر سنة (٦٩١ هـ).\nبدأ منذ نعومة أظفاره بطلب العِلم، والقراءة على الشيوخ، فسمع الكثيرَ مِن علماء دمشق، ودمشقُ - حينذاك - حاضرةُ العِلم والعلماء، ثم رحل إلى مصر في طلب العلم.\nبعد عودة شيخ الإسلام ابن تيمية من مصر عام (٧١٢ هـ) لازمه ملازمةً تامةً، حَتَّى إنه دخل معه السجن في قلعة دمشق، وبقي إلى حين وفاة ابن تيمية حيث خُلِّي سبيله.\n_________\n(^١) من أراد التوسع في ترجمته فلينظر:\n«البداية والنهاية» لابن كثير (١٨/ ٥٢٣).\n«ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب (٢/ ٤٤٧).\n«الوافي بالوفيات» للصَّفدي (٢/ ٢٧١).\n«شذرات الذهب» لابن العماد (٦/ ١٦٨).\n«الدرر الكامنة» لابن حجر (٣/ ٤٠٠).\n«ابن القيم حياته وآثاره» للشيخ بكر أبو زيد.","vol":"1","page":24},{"text":"سار بعد وفاة شيخه على طريقته في الدعوة إلى الكتاب والسُّنَّة، والذَّبِّ عن مذهب السَّلف الصالح، ومحاربةِ البِدَعِ، فصنَّف المصنفاتِ النافعة، وناظر المبتدعة، وبقي على هذه الحالة حَتَّى توفّاه الله سنة (٧٥١ هـ)\nرحمه الله تعالى.\nوقد أفادني الشيخ زهير الشاويش حفظه الله بما يلي:\n«ودُفن ابن القيم -﵀- في مقبرة الباب الصغير، بجوار الباب الغربي، تجاه المدرسة الصابونية على الطريق العام.\nومنذ أكثر من ثلاثين سنة أُبعد القبر إلى شرقي المدخل لمسافة أربعة أمتار؛ لتوسعة الطريق -رحمه الله تعالى-».","vol":"1","page":25},{"text":"صورة الصفحة الأولى من المخطوط\n(الظَّهريَّة)","vol":"1","page":26},{"text":"نموذج من المخطوط\nوتظهر تعليقات القاسمي بخطه","vol":"1","page":27},{"text":"صورة الصفحة الأخيرة من المخطوط\n(الغاشية)","vol":"1","page":28},{"text":"صورة صفحة العنوان من\nمطبوعة القاسمي","vol":"1","page":29},{"text":"صورة من مطبوعة القاسمي\nوتظهر تعليقات ابن مانع بخطه","vol":"1","page":30},{"text":"إغاثة اللَّهفان\nفي\nحكم طلاق الغضبان\n\nتأليف\nالإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية\nالمتوفى سنة (٧٥١ هـ)\n\nتحقيق\nعمر سليمان الحفيان","vol":"1","page":31},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالحمدُ لله الحكيمِ الكريم، العَليِّ العظيم، السَّميعِ العليم، الرَّؤوفِ الرَّحيم، الذي أسبغَ على عِبادِه النِّعمة، وكَتَبَ على نفسِهِ الرَّحمة، وضمَّنَ الكتابَ الذي كَتَبَه، أنَّ رحمتَه تغلبُ غضبَه، فهو أرحمُ بعبادِه مِن الوالدةِ بولدِها، كما هو أشدُّ فَرَحًا بتوبة التائبِ مِن الفاقدِ لراحلته التي عليها طعامُهُ وشرابُهُ في الأرض المَهْلِكَةِ إذا وجَدَها.\nوأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له رَبُّ العالمين، وأرحمُ الرَّاحمين، الذي تعرَّف إلى خَلْقِهِ بصفاتِهِ وأسمائِه، وتحبَّبَ إليهم بإحسانِهِ وآلائِه، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه؛ الذي خَتَمَ به النَّبيين، وأرسلَهُ رحمةً للعالمين، وبعثَه بالحنيفية السَّمحةِ والدِّين المهيمن على كلِّ دِين، فوَضَعَ به الآصارَ والأغلال، وأغنى بشريعتِه عن طُرُقِ المكرِ والاحتيال، وفَتَحَ لمن اعْتصمَ بها طريقًا واضحًا ومَنْهجًا، وجعلَ لمن تمسَّك بها مِن كلِّ ما ضاق عليه فَرَجًا ومَخرجًا، فعندَ رسولِ الله ﷺ السَّعَةُ والرَّحمة، وعند غيرِه الشِّدةُ والنِّقمة. فما جاءَه مكروبٌ إلا وَجَدَ عنده تفريجَ كُرْبته، ولا لهفانُ إلا وَجَدَ عنده إغاثةَ لَهْفتِه.\nفما فَرَّقَ بين زوجين إلا عن وَطَرٍ واختيار، ولا شتَّتَ شَمْلَ مُحبَّين إلا عن إرادةٍ منهما وإيثار، ولم يخرِّب ديار المحبين بِغَلَطِ اللسانِ، ولم يُفرِّقْ بينهم بما جرى عليه مِن غير قَصْدِ الإنسان،","vol":"1","page":33},{"text":"بل رَفَعَ المؤاخذةَ بالكلامِ الذي لم يقصدْهُ المتكلِّمُ، بل جرى على لسانِهِ بحكم الخطأ والنسيان، أو الإكراهِ والسَّبْقِ على طريق الاتِّفاق، فقال فيما رواه عنه أهلُ السُّنن مِن حديث عائشةَ أُمِّ المؤمنين: «لا طَلاقَ ولا عَتَاقَ في إغلاق» (^١) (^٢)؛ رواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ،\n_________\n(^١) رواه أحمد (٦/ ٢٧٦)، وأبو بكر بن أبي شيبة (٥/ ٤٩)، وأبو داود (٢١٩٣)، وابن ماجه (٢٠٤٦)، وأبو يعلى (٤٤٤٤)، والطحاوي في «بيان المشكل» (٦٥٥)، والدارقطني (٤/ ٣٦)، والحاكم (٢/ ١٩٨)، والبيهقي (٧/ ٢٥٧) كلهم من طريق محمد بن إسحاق، حَدَّثَني ثور بن يزيد الكِلاعي، عن محمد بن عبيد بن أبي صالح، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة -﵂- به، مرفوعًا.\nقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.\nتعقبه الذهبيُّ: محمد بن عبيد لم يحتجَّ به مسلم، وقال أبو حاتم: ضعيف.\nقلتُ: إلا أنه قد تُوبع؛ فرواه الدارقطني (٤/ ٣٦)، والبيهقي (٧/ ٣٥٧) من طريق قَزَعة بن سُوَيد، عن زكريا بن إسحاق ومحمد بن عثمان، كلاهما عن صفية بنت شيبة، به.\nقزعة بن سُويد -على ضعفه- يصلح للمتابعة؛ قال أبو حاتم: ليس بذاك القوي، محله الصدق، وليس بالمتين، يُكتب حديثه ولا يحتجُّ به. وقال ابن عَدي: له - غير ما ذكرتُ - أحاديثُ مستقيمة، وأرجو أنه لا بأس به. «تهذيب الكمال» (٢٣/ ٥٩٥).\nفهو يصلح للمتابعة على كل حال.\nوالحديث حسَّنه العلامة الألباني -﵀- في «الإرواء» (٢٠٤٧).\nوانظر كلام القاسمي في الحاشية التالية؛ فإنه مهمٌّ.\n(^٢) هذا الحديث -وإنْ لم يخرجه البخاريُّ لعدم مجيئه على شرطه- إلا أنه أشار إليه في كتاب الطلاق تحت ترجمة: «باب الطلاق في الإغلاق والكُرْه والسكران والمجنون وأمرهما، والغلط والنسيان في الطلاق، والشرك وغيره؛ لقول النبي ﷺ: «الأعمال بالنية، ولكلِّ امرئ ما نوى». اهـ. وكلُّ ما علَّقه البخاريُّ أو أشار إليه يدلُّ عَلَى أن له أصلًا عنده، ينبغي للفقيه إعارته النظر الدقيق، وليس كالذي لم يعلقه ولم يشرْ إليه كما لا يخفى، وقد اشتُهر عن البخاري كمالُ فقهه ودِقة نظره وقوة استنباطه وعلمه، كما ترى في ترجمته هذه، فإنه عَدَل عن الاستدلال على عدم وقوع طلاق الغضبان بحديث الإغلاق - لنظرٍ ما فيه عنده - إلى الاستدلال بحديث النية على عدم وقوعه؛ لأن هذا الحديث هو الكلي الأعظم في أبواب مِن الشريعة، ولذا قال الحافظ ابنُ حجر تحت ترجمة البخاري المذكورة (٩/ ٣٨٩) ما مثاله: «اشتملت هذه الترجمة على أحكام يجمعها: أن الحكم إنما يتوجَّه على العاقل المختار العامد الذاكر، وشمل ذلك الاستدلال بالحديث؛ لأن غير العاقل المختار لا نية له فيما يقول أو يفعل، وكذلك الغالط والناسي، والذي يُكره على الشيء». اهـ.\nوعليه؛ فإنَّ مذهب البخاري يتفق مع مذهب مَن قال بعدم وقوع طلاق الغضبان مآلًا، وإن اختلفا مأخذًا واستدلالًا - سُنةَ المجتهدين الاجتهاد المطلق - على أنَّ حديث الإغلاق بما قام على كون معناه معقولًا مِن الوجوه الآتية في هذا الكتاب - التي كادت تقرب من الثلاثين - صار من الصحيح لغيره، وهو قسيم الصحيح لذاته. والصحيح لغيره ما صُحِّح لأمرٍ أجنبي عن السند، قال ابن الحصَّار: قد يعلم الفقيه المجتهد\nصحَّة الحديث إذا لم يكن في سنده كذَّاب بموافقة آية مِن كتاب الله أو بعض أصول الشريعة، فيحمله ذلك على قَبوله والعمل به. (القاسمي).","vol":"1","page":34},{"text":"وابنُ ماجهْ، والحاكمُ في «صحيحه» وقال: «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرطِ مسلمٍ، ولم يخرِّجاه».","vol":"1","page":35},{"text":"قَال أبو داودَ: «في غِلاق (^١)» ثم قال: والغِلاقُ أظنُّه الغضب.\nوقال حنبلٌ: سمعتُ أبا عبد الله - يعني: أحمدَ بنَ حنبلٍ - يقول: هو الغضبُ. ذَكَرَه الخلَاّلُ (^٢) [و] (^٣) أبو بكر عبد العزيز (^٤).\n_________\n(^١) بغير ألف في أوله، قال ابنُ حجر (٩/ ٣٨٩): «وحكى البيهقي أنه رُوي على الوجهين»، والغلاق رأيته في نسخةٍ جيدةٍ من سُنن أبي داود مضبوطًا بكسر الغين المعجمة، ولعله مصدر غالقه لما فيه مِن المغالبة، فإن الغضب يغالبه. وانظر: هل يصح فتحها على أن الأصل «غَلَق» بفتحتين وهو الضجر والغضب، كما قاله المُطَرِّزي [«المُغْرِب» (٢/ ١٠٩)]، ثم زيدت الألف إشباعًا كما في «منتزاح» وقوله: «أعوذ بالله من العقراب» وقرأ الحسن وابن هُرمز ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَاء﴾ [يُوسُف: ٣١] على وزن «مُفْتَعال» كما نقله شُرَّاح الشافية في بحث استكان من أوائلها، فلتحرر الرواية (القاسمي).\n(^٢) هو أحمد بن محمد بن هارون، أبو بكر، المعروف بـ «الخلّال» سمع جماعة من أصحاب الإمام أحمد، منهم: ابناه عبد الله وصالح، وحنبل ابن عم الإمام أحمد، وأبو بكر المرُّوْذي وغيرهم. رَحَل إلى أقاصي البلاد في جمع مسائل أحمد، فصنف «الجامع» و«العلل» و«السُّنة» وغيرها. تُوفِّي سنة (٣١١ هـ). انظر: «طبقات الحنابلة» (٣/ ٢٣).\n(^٣) ساقطة من الأصل، واستُدركت من «زاد المعاد» (٥/ ٢١٤) حيث نقل ابن القيم المسألة بعينها.\n(^٤) هو عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد، أبو بكر، المعروف بـ «غلام الخلال» حدَّث عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وجعفر الفريابي، وأبي القاسم البغوي، وعبد الله بن أحمد، وغيرهم. صنَّف: «الشافي» و«المقنع» و«تفسير القرآن» و«زاد المسافر» وغير ذلك. توفِّي سنة (٣٦٣ هـ).\nانظر: «طبقات الحنابلة» (٣/ ٢١٣).\nوهذه المسألة رواها أبو بكر غلام الخلال في كتابيه: «الشافي» و«زاد المسافر» كما في «زاد المعاد» (٥/ ٢١٤).","vol":"1","page":36},{"text":"ولفظ أحمدَ: يعني الغضبَ.\nقال أبو بكر: «سألتُ أبا محمد، وابنَ دُريد (^١)، وأبا عبد الله، وأبا طاهر (^٢) النحويين عن قوله: «لا طَلاقَ ولا عَتَاقَ في إغلاق»؟ قالوا: يريدُ الإكراه؛ لأنه إذا أُكرِهَ انغلقَ عليه رأيُهُ، ويدخلُ في هذا المعنى: المُبرسَمُ (^٣) والمجنون.\nفقلت لبعضهم: والغضبُ أيضا؟\n_________\n(^١) هو محمد بن الحسن بن عَتاهية الأزدي، البصري، أبو بكر، العلامة، شيخ الأدب، صاحب التصانيف، كان آية من الآيات في قوة الحفظ، تُوفِّي سنة (٣٢١ هـ) انظر: «سير أعلام النبلاء» (١٥/ ٩٦)، «بغية الوعاة» ص (٣٠).\n(^٢) هو عبد الله بن عمر بن محمد بن أبي هاشم، أبو طاهر المقرئ، لم يُر بعد ابن مجاهد مثله، كان يقرئ في سكة عبد الصمد بن علي ببغداد، وكان كوفي المذهب، تُوفِّي سنة (٣٤٤ هـ) انظر: «طبقات النحويين واللغويين» للزبيدي ص (١٢٠، ١٢١).\n(^٣) المُبَرسم مَن أصابه البِرْسَام: وهو مرضٌ يسبب الهَذَيان. «القاموس المحيط» مادة (برسم).","vol":"1","page":37},{"text":"فقال: ويدخل فيه الغضبُ» (^١).\nلأنَّ الإغلاقَ له وجهان:\nأحدهما: الإكراه.\nوالآخر: ما دخل عليه مما ينغلق به رأيُهُ عليه (^٢).\nوهذا مقتضى تبويب البخاريِّ؛ فإنَّه قال في «صحيحه»: «باب الطَّلاقِ في [الإغلاقِ، والكُرْهِ] (^٣) والسَّكْرَان والمجنون» (^٤)؛ يفرِّقُ بين الطَّلاقِ في الإغلاق وبين هذه الوجوه.\nوهو -أيضًا- مقتضى كلامِ الشافعيِّ؛ فإنه يُسمِّي نَذْرَ اللَّجَاجِ والغضبِ: يمينَ الغَلَقَ؛ ونذرَ الغَلَق (^٥). هذا اللفظ يريد به نَذْرَ الغضبِ.\n_________\n(^١) نقل هذه المسألة ابن قدامة في «المغني» (١٠/ ٣٥١)، وشمس الدين عبد الرحمن بن قدامة في «الشرح الكبير» (٢٢/ ١٥٠) ووقع عندهم: «سألت ابن دُريد وأبا طاهر النحويين فقالا ...» ولم يرد عندهم ذِكْر لأبي محمد وأبي عبد الله، ولم أتبيَّن مَن هما.\n(^٢) انظر: «تهذيب السنن» (٣/ ١١٧).\n(^٣) في الأصل: «إغلاق والمكره» والمثبت من الصحيح.\nو«الكُرْه». قال القاسمي: «قال ابن حجر: هو في النُّسخ بضم الكاف وسكون الراء، وفي عطفه على الإغلاق تصريح بأنه يذهب إلى أنَّ الإغلاق هو الغضب».\n(^٤) «صحيح البخاري» ترجمة حديث (٥٢٦٩)، (٩/ ٣٨٩) مع الفتح.\n(^٥) «الأم» (٧/ ٦٩)، «الوسيط» للغزالي (٧/ ٢٦٤)، «روضة الطالبين» للنووي (٣/ ٢٩٤).","vol":"1","page":38},{"text":"وهو قولُ غيرِ واحدٍ مِن أئمة اللُّغة (^١) (^٢).\nوالقولُ بموجَبِهِ هو مقتضى: الكتابِ، والسُّنَّةِ، وأقوالِ الصَّحابة والتابعين وأئمةِ الفقهاء، ومقتضى: القياسِ الصَّحيح والاعتبارِ وأصولِ الشَّريعة.\nأما الكتابُ، فمِن وجوه:\nأحدها: قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٥]؛ قال ابنُ جَرير في «تفسيره» (^٣): حَدَّثَنَا ابنُ وكيع، ثنا مالك بن إسماعيل، عن خالد،\n_________\n(^١) منهم -إضافة لمن تقدم ذكرهم- الليث بن المظفر، والجوهري، وأبو بكرٍ الأنباري. انظر: «العين» ص (٧١٨)، «الصحاح» (٤/ ١٥٣٨)، و«لسان العرب» (٦/ ٣٢٨٤) مادة (غلق). وانظر كلام القاسمي في الحاشية التالية.\n(^٢) اعلمْ أنَّ مَن فسَّره بالغضب فسَّره بلازمه أو بمساويه، كقول ابن الأثير: الغلق ضيق الصدر وقلة الصبر. رجل غَلِقَ ككتف: سيء الخلق. وقال أبو بكر: كثير الغضب، وقيل: ضيق الخلق العسر الرضا، وقد أغلق فلان إذا أغضب فغلق غضب واحتدَّ. وقال الليث يقال: احتدَّ فلان فغلق في حِدَّته، أي: نشِب، وهو مجاز، نقله الزبيدي في «شرح القاموس» (٧/ ٣٩). وفي «أساس البلاغة» (٢/ ١٧٠) للزمخشري: غلق: احتد [فلان] فنشِب في حدّته ... وأغلق عليه: إذا ضيق وأكره، ومنه: لا طلاق في إغلاق. (قاسمي).\n(^٣) (٢/ ٤٠٩) ط/البابي الحلبي والإسناد فيها مصحف، (٤/ ٤٣٨) ط/شاكر، والإسناد فيها منضبط.","vol":"1","page":39},{"text":"عن عطاء، [عن وَسِيم] (^١)، عن ابن عباسٍ قال: «لغوُ اليمين: أنْ تحلِفَ وأنت غضبانُ» (^٢).\nحَدَّثَنَا ابن حُميد، ثَنَا يحيى بن واضح، حَدَّثَنَا أبو حمزة، عن عطاء، عن طاوُس قال: «كلُّ يمينٍ حَلَفَ عليها رَجُلٌ وهو غضبان فلا كفَّارة عليه فيها؛ قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٥]» (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل: «بن رستم» والتصويب من «تفسير الطبري» ط/شاكر ومصادر التخريج.\n(^٢) إسناده ضعيف جدًا، عطاء: هو ابن السائب، ثقة اختلط، والراوي عنه: خالد؛ وهو ابن عبد الله الطحَّان الواسطي، ممن روى عنه بعد الاختلاط.\nانظر: «الكواكب النيرات» ص (٣٣٠).\nووَسِيم، ذكره البخاري في «التاريخ الكبير» (٨/ ١٨١) وسكت عنه. وذكره ابن حبان في «الثقات» (٧/ ٥٦٦) فمثلُه يعدُّ مجهولًا.\nكما أنه قد اختُلف في إسناده:\nفرواه الطبري - كما تقدم -: وَسِيم عن ابن عباس. دون ذِكْر طاوُس.\nورواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٢١٦١) من طريق مسدد، عن خالد، عن عطاء، عن طاوُس، عن ابن عباس، به. دون ذكر وَسِيم.\nورواه سعيد بن منصور (٧٨٢) ومن طريقه البيهقي (١٠/ ٤٥) وعلَّقه البخاري في «التاريخ الكبير» (٨/ ١٨١) عن خالد، عن عطاء، عن وَسيم، عن طاوُس، عن ابن عباس، به. بذكر وَسيم وطاوُس معًا.\n(^٣) إسناده ضعيف جدًا؛ لأجل شيخ الطَّبري، محمد بن حُميد الرازي: حافظ كبير؛ إلا أنَّه اتُهم بالكذب؛ لأنه كان يُركِّب الأسانيد على المتون.\nقال الذهبي: آفتُه هذا الفِعل؛ وإلا فما أعتقدُ فيه أنه يضع متنًا. «السِّير» (١١/ ٥٠٤)، وانظر: «تهذيب الكمال» (٢٥/ ٩٧).","vol":"1","page":40},{"text":"وهذا أحدُ الأقوالِ في مذهب مالك (^١)؛ أنَّ لغوَ اليمين هو\n_________\n(^١) قال ابنُ خويز منداد - حاكيًا عن أصحاب مالك ومذهبه: ... وصفة اللغو: أن يحلف الرجل على الماضي أو الحال في الشيء يظن أنه صادق، ثم ينكشف له بخلاف ذلك، فلا كفارة عليه. «التمهيد» (٢١/ ٢٤٩).\nقلت: هذا هو المذهب، ولم يُحْكَ فيه قولٌ آخَرُ عندهم.\nانظر: «عقد الجواهر» (١/ ٥١٥)، «مواهب الجليل» (٣/ ٢٦٦)، «التاج والإكليل» (٣/ ٢٦٧)، «الخَزَشي على خليل» (٣/ ٥٤).\nوقال إسماعيل القاضي من المالكية: هو أن يحلف الرَّجلُ وهو غضبان.\n«بداية المجتهد» (١/ ٥٠١)، «فتح الباري» (١١/ ٥٤٨) شرح حديث رقم (٦٦٦٣)، تعقَّبه ابن العربي بقوله: وأما مَن قال: إنه يمين الغضب، فإنه يردُّه حَلِفُ النبيِّ ﷺ غاضبًا ألا يحمل الأشعريين، وحَمَلَهم، وكفّر عن يمينه. «تفسير القرطبي» (٣/ ١٠١).\nقلت: وحديث حَلِفِ النبي ﷺ ألَاّ يحمل الأشعريين غاضبًا رواه البخاري (٤٤١٥ و٦٦٧٨)، ومسلم (١٦٤٩) من حديث أبي موسى الأشعري.\nوقال القاسمي: قال صدر الدين في «رحمة الأمة» ص (٢٣٢): وقال الشافعي: لغو اليمين ما لم يعقده. وإنما يتصور ذلك عنده في قوله: لا والله، وبلى والله، عند المحاورة والغضب واللَّجَاج، من غير قصد، سواء كانت على ماضٍ أو مستقبل، وهي رواية عن أحمد. اهـ.","vol":"1","page":41},{"text":"اليمينُ في الغضب. وهذا اختيارُ أجَلِّ المالكيةِ وأفضلِهم على الإطلاق، وهو القاضي إسماعيل بن إسحاق (^١)، فإنه ذهب إلى أنَّ الغضبان لا تنعقدُ يمينُه (^٢).\n_________\n(^١) هو الإمام، العلامة، الحافظ، شيخ الإسلام، إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد، المالكي. قال الخطيب: كان عالمًا متقنًا فقيهًا، شَرَحَ المذهب واحتجَّ له، وصنَّف المسند، وصنَّف علوم القرآن ... توفي سنة اثنتين وثمانين ومئتين «السير» (١٣/ ٣٤١).\n(^٢) قال المؤلف في «إعلام الموقعين» (٣/ ٦٤): «قال الإمام أحمد في رواية حنبل: الإغلاق هو الغضب. وكذلك فسَّره أبو داود، وهو قول القاضي إسماعيل بن إسحاق، أحد أئمة المالكية، ومُقدَّم فقهاء أهل العراق منهم، وهي عنده مِن لغو اليمين أيضًا، فأدخل يمين الغضبان في لغو اليمين وفي يمين الإغلاق، وحكاه شارح أحكام عبد الحق عنه، وهو ابن بزيزة الأندلسي، قال: وهذا قول علي وابن مسعود وغيرهما مِن الصحابة أن الأيمان المنعقدة كلها في حال الغضب لا تلزم. وفي «سنن الدارقطني» (٤/ ١٥٩) بإسناد فيه لين مِن حديث ابن عباس يرفعه: «لا يمين في غَضَب ولا عَتَاق فيما لا يملك» وهو وإنْ لم يثبت رفعُه فهو قول ابن عباس، وقد فسَّر الشافعي «لا طلاق في إغلاق» بالغضب، وفسَّره به مسروق، فهذا مسروق والشافعي وأحمد وأبو داود والقاضي إسماعيل كلهم فسَّروا الإغلاق بالغضب، وهو مِن أحسن التفسير؛ لأن الغضبان قد أُغلق عليه باب القصد بشدَّة غضبه». اهـ. وله تتمة تفصيلها ما حوته هذه الرسالة الغراء. (القاسمي).\nقلت: انظر تخريج حديث ابن عباس ص (٥١).","vol":"1","page":42},{"text":"ولا تنافي بين هذا القول وبين قولِ ابنِ عبَّاسٍ وعائشة: «إنَّ لَغْوَ اليمين هو قولُ الرَّجُلِ: لا والله، وبلى والله» (^١)، وقول عائشة وغيرها أيضًا: «إنَّه يمينُ الرَّجُل على الشيء يعتقدُه كما حَلَفَ عليه، فيتبيَّنُ بخلافِهِ» (^٢)؛ فإنَّ الجميعَ مِن لَغْوِ اليمين، والذي فسَّرَ لَغْوَ\n_________\n(^١) أما أثر عائشة، فرواه البخاري رقم (٦٦٦٣) وغيره.\nوأما أثر ابن عباس، فرواه سعيد بن منصور (٧٨٣)، والطبري في «تفسيره» (٢/ ٤٠٤)، والبيهقي (١٠/ ٤٩) من طريق عتَّاب بن بَشير، عن خُصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، به.\nعتَّاب: صدوق يخطئ. وخُصيف: صدوق سيء الحفظ. كما في «التقريب».\nقال أحمد بن حنبل: أحاديث عتَّاب عن خُصيف منكرة. «تهذيب الكمال» (١٩/ ٢٨٧).\n(^٢) أثر عائشة، رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٢١٥٤)، والبيهقي (١٠/ ٤٩) عن ابن وهب، حَدَّثَني الثقة، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، نحوه.\nوفيه جهالة شيخ ابن وهب.\nقال ابن أبي حاتم: ورُويَ عن أبي هريرة، وابن عباس - في أحد قوليه - وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير، ومجاهد - في أحد قوليه - والحسن، وإبراهيم، وزُرارة بن أوفى، وأبي مالك، وعطاء الخراساني، وبكر بن عبد الله، وأحد قولي عكرمة، وحبيب ابن أبي ثابت، والسُّدي، ومكحول، ومقاتل، وطاوُس، وقتادة، والربيع بن أنس، ويحيى بن سعيد، وربيعة، نحو ذلك.","vol":"1","page":43},{"text":"اليمين بأنَّها يمينُ الغضب يقول بأنَّ النوعين الأخيرين مِن اللَّغوِ.\nوهذا هو الصُّحيح؛ فإنَّ الله سبحانه جَعَلَ لَغْوَ اليمين مقابلًا لكسْبِ القلب، ومعلومٌ أنَّ الغضبان، والحالفَ على الشيءِ يظنُّه كما حَلَفَ عليه، والقائلَ: لا والله، وبلى والله، مِن غير عَقْدِ اليمين -لم يكسِبْ قلبُه عَقْدَ اليمين، ولا قصدَها، والله سبحانه قد رَفَعَ المؤاخذةَ بلفظٍ جرى على اللسانِ لم يكسِبْهُ القلبُ ولم يقصِدْهُ، فلا تجوز المؤاخذة بما رَفَعَ الله المؤاخذةَ به، بل قد يُقال: لَغْوُ الغضبان أظهرُ مِن لَغْوِ القِسمين الأخيرين؛ لما سيأتي بيانُه، إنْ شاء الله تعالى.","vol":"1","page":44},{"text":"فصل\nالوجه الثاني مِن دلالة الكتاب: قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [يُونس: ١١]، وفي «تفسير ابنِ أبي نَجيح» (^١)، عن مجاهدٍ: «هو قولُ الإنسانِ لولدِه ومالِه إذا غَضِبَ عليهم: اللَّهُمَّ لا تباركْ فيه؛ والْعَنْهُ»؛ فلو يُعجِّلُ لهم الاستجابةَ في ذلك كما يُستجاب في الخير لأهلكهم.\nانتهضَ الغضبُ مانعًا مِن انعقادِ سبب الدُّعاء؛ الذي تأثيرُهُ في\n_________\n(^١) (ص/٢٩٢) ورواه -أيضًا- ابن جرير الطبري في «تفسيره» (١١/ ٩٢)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٠٢٥٥).\nوابن أبي نجيح هو: عبد الله بن أبي نجيح يَسار المكي، قال ابن حجر في «التقريب»: ثقة، ورُمي بالقدر، وربما دلَّس ا. هـ. ولكن لم يسمع التفسير من مجاهد، قال سفيان بن عيينة: تفسير مجاهد لم يسمعه من إنسان إلا من القاسم بن أبي بزّة. «تاريخ الدوري» (٤٢٦). قال ابن حبان: ابن أبي نَجيح نظير ابن جريج في كتاب القاسم بن أبي بزّة عن مجاهد في التفسير، رويا عن مجاهد من غير سماع. «تهذيب التهذيب» (٦/ ٥٤).\nإذًا؛ الواسطة بينهما: ابن أبي بزّة، وهو ثقة روى له الجماعة؛ لذلك صحّح سفيان الثوري، وابن تيمية وغيرهم من الأئمة تفسيره عن مجاهد، وعدّوه من أصح التفاسير. انظر: «تهذيب التهذيب»، و«مجموع الفتاوى» (١٧/ ٤٠٨، ٤٠٩).","vol":"1","page":45},{"text":"الإجابة أسرعُ مِن تأثير الأسبابِ في أحكامِها؛ فإنَّ الله سبحانه يُجيبُ دعاءَ الصَّبيِّ، والسَّفيه، والمُبَرْسَم، ومَن لا يصِحُّ طلاقُه ولا عقودُه، فإذا كان الغضبُ قد مَنَعَ كون الدُّعاء سببًا؛ لأن الغضبان لم يقصدْهُ بقلبه؛ فإنَّ عاقلًا لا يختار إهلاكَ نفسِه وأهلِه، وذهابَ مالِه، وقَطْعَ يدِه ورِجْلِه، وغيرَ ذلك بما يدعو به، فاقتضتْ رحمةُ العزيزِ العليم ألَاّ يؤاخذه بذلك، ولا يجيبَ دعاءه؛ لأنَّه عن غير قَصْدٍ منه، بل الحاملُ له عليه الغضبُ الذي هو من الشيطان (^١).\nفإن قيل: إنَّ هذا ينتقِضُ عليكم بالحديث الذي رواه أبو داودَ، عن جابر بن عبد الله، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لا تَدْعُوا على أنفسكم، ولا تَدْعُوا على أولادِكم، ولا على أموالِكم، ولا تَدْعُوا على خدمِكم، لا توافِقُوا مِن الله ساعةً لا يُسْألُ فيها شيئًا إلا أعطاهُ» (^٢).\nقيل: لا تنافيَ بين الآية والحديث؛ فإنَّ الآيةَ اقتضتِ الفرقَ بين دُعاءِ المختار ودُعاءِ الغضبان الذي لا يختارُ ما دعا به، والحديثُ دَلَّ على\nأنَّ لله - سبحانه - أوقاتًا لا يردُّ فيها داعيًا، ولا يُسألُ فيها شيئًا إلا أعطاه، فنهى الأمةَ أنْ يدعو أحدُهم عَلَى نفسِه، أو أهلِه،\n_________\n(^١) انظر: «شفاء العليل» (١/ ٤١٠).\n(^٢) رواه مسلم (٣٠٠٦)، وأبو داود (١٥٣٢)، من حديث جابر بن عبد الله.","vol":"1","page":46},{"text":"أو مالِه؛ خشيةَ أنْ يوافقَ تلك السَّاعةَ فيُجابَ له. ولا ريبَ أنَّ<span data-type=\"title\" id=toc-33> الدُّعاءَ بالشَّرِّ كثيرًا ما يُجابُ كالدُّعاءِ (^١) بالخيرِ</span>، والإنسان يدعو على غيره ظُلمًا وعُدوانًا؛ مع ذلك فقد يُستجابُ له، ولكن إجابة دُعاء الخير مِن صفة الرَّحمة، وإجابة ضدِّه مِن صفةِ الغضب، والرَّحمةُ تغلبُ الغضبَ.\nوالمقصودُ: أنَّ الغضبَ مؤثِّرٌ في عدم انعقادِ السَّببِ في الجملة، ومِن هذا قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]، وهو الرَّجُلُ يدعو عَلَى نفسِه وأهلِه بالشَّرِّ في حالِ الغضبِ.\n_________\n(^١) «كالدعاء» في الأصل: «الدعاء»، والصواب ما أثبتُّه.","vol":"1","page":47},{"text":"فصل\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>الوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى </span>إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعرَاف: ١٥٠].\nووجه الاستدلالِ بالآية: أنَّ موسى -صلوات الله عليه- لم يكن لِيُلْقيَ ألواحًا - كَتَبَها الله تعالى، فيها كلامُه - مِن على رأسِه إلى الأرض، فيكسرَها اختيارًا منه لذلك، ولا كان فيه مصلحةٌ لبني إسرائيلَ، ولذلك جَرَّهُ بلحيتِه ورأسِه وهو أخوه، وإنَّما حَمَلَه على ذلك الغضبُ، فَعَذَرَه الله سبحانه به، ولم يَعْتِبْ عليه بما فَعَلَ؛ إذ كان مصدرُه الغضبَ الخارجَ عن قُدْرَةِ العبدِ واختيارِه، فالمتولِّدُ عنه غير منسوب إلى اختيارِه ورِضاه به؛ يوضِّحه:\nالوجه الرابع: وهو قوله: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ [الأعرَاف: ١٥٤]، فَعَدَلَ سبحانه عن قولِه: ﴿سَكَنَ﴾ إلى قوله: ﴿سَكَتَ﴾ تنزيلًا للغضب منزلةَ السُّلطان الآمرِ النَّاهي الذي يقول لصاحبه: افعلْ، لا تفعلْ؛ فهو مستجيبٌ لداعي الغضبِ؛ الناطقِ فيه؛ المتكلِّم على لسانِه، فهو أَولى بأن يُعذرَ مِن المُكْره","vol":"1","page":48},{"text":"الذي لم يتسلَّطْ عليه غضبٌ يأمره وينهاه؛ كما سيأتي تقريرُه بعدَ هذا إنْ شاء الله.\nوإذا كان الغضبُ هو الناطقَ على لسانِه، الآمرَ النَّاهي له؛ لم يكن ما جَرى على لسانِه في هذه الحال منسوبًا إلى اختيارِه ورِضاه؛ فلا [يترتَّبُ] (^١) عليه أثرُه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>الوجه الخامس: قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ </span>فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ في ثلاثة مواضع مِن القرآن (^٢). وما يتكلَّمُ به الغضبانُ في حال شدَّةِ غضبِه -مِن طلاقٍ أو شَتْمٍ ونحوه- هو مِنْ نَزَغات الشيطان؛ فإنه يُلْجِئُهُ إلى أن يقول ما لم يكن مختارًا لقوله، فإذا سُرِّيَ عنه؛ عَلِمَ أنَّ ذلك مِن إلقاء الشيطان على لسانِه مما لم يكن برضاه واختيارِه.\nوالغضبُ مِن الشيطان، وأثرُه منه، كما في «الصحيح» أنَّ رَجُلين اسْتبَّا عند النَّبيِّ ﷺ حَتَّى احمرَّ وَجْهُ أحدِهما، وانتفختْ أوداجُه، فقال النَّبيُّ ﷺ: «إنِّي لأَعْلمُ كلمةً، لو قالها لذهبَ عنه ما يجدُ: أعوذُ بالله مِن الشيطان\n_________\n(^١) في الأصل: «يتم من»، ولعلَّ الصواب ما أثبتُّه.\n(^٢) (الأعراف ٢٠٠)، (فصِّلت ٣٦) فقط!","vol":"1","page":49},{"text":"الرجيم» (^١)، وفي «السُّنن» أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّ الغضبَ من الشيطان، وإنَّ الشيطانَ مِن النَّارِ، وإنَّما تُطفأُ النَّارُ بالماءِ، فإذا غَضِبَ أحدُكم فليتوضَّأْ» (^٢) وإذا كان هذا السَّببُ وأثرُه مِن إلجاءِ الشيطان، لم يكن مِن اختيارِ العبد؛ فلا يترتَّبُ عليه حكمُه.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٠٤٨)، ومسلم (٢٦١٠) من حديث سليمان بن صُرَد.\n(^٢) رواه أحمد (٤/ ٢٢٦)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٧/ ٨)، وأبو داود (٤٧٨٤)، وابن حبان في «المجروحين» (٢/ ٢٥) جميعهم من طريق: إبراهيم بن خالد، عن أبي وائل الصنعاني، عن عروة بن محمد بن عطية السعدي، عن أبيه، عن جده، به. مرفوعًا.\nوهذا إسناد ضعيف فيه ثلاث عِلل:\nأبو وائل الصنعاني، قال ابنُ حبان: لا يجوز الاحتجاج به. اهـ. وأوردَ له هذا الحديث في ترجمته كلٌّ مِن ابن حبان والذهبي مما يُشعر أنهما استنكراه عليه.\nعروة بن محمد، ذكره ابن حبان في «الثقات» (٧/ ٢٨٧) وقال: يخطئ.\nوقال الحافظ في «التقريب»: مقبول.\nمحمد بن عطية السعدي، لم يروِ عنه سوى ابنه عروة، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٥/ ٣٥٩). وقال الذهبي في «الكاشف»: «وثِّق». وقال الحافظ: صدوق!\nوله شاهد من حديث معاوية بن أبي سفيان رواه أبو نعيم (٢/ ١٣٠) وإسناده ضعيف أيضًا.","vol":"1","page":50},{"text":"فصل\nفأما دلالةُ السُّنَّةِ؛ فمِن وجوه (^١):\nأحدها: حديثُ عائشةَ المتقدِّمُ، وهو قوله: «لا طَلاقَ ولا\n_________\n(^١) علَّق القاسمي هنا: «ذَكَر مِن وجوه دلالة السُّنة ثلاثة، وبقي رابع وهو: «الأعمال بالنية» الذي استدلَّ به البخاريُّ على عَدَم وقوع طلاق الغضبان كما تقدم نَقْلُ عبارته وكلام ابن حجر في شرحها، وقد أشار إليه في الوجه التاسع الآتي:\nووجه خامس وهو حديث ابن عباس مرفوعًا: «لا يمين في غضب» أخرجه ابن جرير (٢/ ٤٠٩) والدارقطني (٤/ ١٥٩) كما حكيناه قبل.\nووجه سادس وهو حديث: «كلُّ طلاق جائز؛ إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله» رواه الترمذي (١١٩١) عن أبي هُريرة مرفوعًا وقال: غريب ضعيف. والمغلوب على عقله - وإنْ فُسِّرَ بالسَّكران - إلا أنه يتناول الغضبان أيضًا، بل هو أَولى كما سنراه للمصنف موضحًا في الوجه الثاني مِن ترجمة (فصل وأما آثار الصحابة)». انتهى كلام القاسمي.\nقلت: أما حديث ابن عباس: «لا يمين في غضبٍ» فرواه أيضًا الطبراني في «الأوسط» (٢٠٢٩) ومداره على سليمان بن أبي سليمان، قال يحيى بن معين: ليس بشيء. قال البخاري: منكر الحديث. قال المِزيُّ وابنُ عبد الهادي: وهو متفق على ضعفه. والحديث ضعّفه: عبد الحق، وابن القطان، وابن عبد الهادي، وابن حجر.\nانظر: «تنقيح التحقيق» (٣/ ٥٠٨)، «نصب الراية» (٣/ ٢٧٨)، «فتح الباري» (١١/ ٥٦٥).\nوأما حديث أبي هريرة فنصُّ كلامِ الترمذيِّ: «هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن عجلان، وعطاء بن عجلان ضعيف، ذاهب الحديث».","vol":"1","page":51},{"text":"عَتَاقَ في إغلاق» (^١).\nوقد اختُلِفَ في الإغلاق:\nفقال أهلُ الحجاز: هو الإكراه.\nوقال أهلُ العراق: هو الغَضَبُ.\nوقالت طائفةٌ: هو جَمْعُ الثلاثِ بكلمةٍ واحدةٍ.\nحَكَى الأقوالَ الثلاثةَ صاحبُ كتابِ «مطالع الأنوار» (^٢).\nوكأنَّ الذي فسَّره بجمْعِ الثَّلاث أخذه مِن «التَّغليق»، وهو أنَّ المطلِّقَ غَلَّق طلاقَه، كما يغلِّقُ صاحبُ الدَّيْنِ ما عليه، وهو مِن: «غَلَّق البابَ»، فكأنه أغلقَ على نفسِه بابَ الرحمةِ بجمعِهِ الثلاثَ،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص (٣٤).\n(^٢) واسم الكتاب كاملًا: «مطالع الأنوار، على صحاح الآثار في فتح ما استغلق من كتاب الموطأ ومسلم والبخاري وإيضاح مبهم لغاتها» تأليف: إبراهيم بن يوسف بن قرقول المُتوفَّى سنة (٥٦٩) هجرية. وكتابه هذا اختصار واستدراك وتتبع لكتاب القاضي عياض «مشارق الأنوار» انظر: «كشف الظنون» (٢/ ١٧١٥).","vol":"1","page":52},{"text":"فلم يجعلْ له الشَّارعُ ذلك، ولم يُمَلِّكْهُ إيَّاه؛ رحمةً به، إنما ملَّكه طلاقًا يملك فيه الرَّجعةَ بعد الدُّخول، وحَجَرَ عليه في: وَقْتِهِ، ووضْعِه، وقَدْره:\nفلم يُمَلِّكْهُ إيَّاه في وَقْتِ الحيض، ولا في وَقْتِ طُهْرٍ جامعها فيه.\nولم يُمَلِّكْهُ أنْ يُبِينَها بغير عِوضٍ (^١) بعد الدُّخول، فيكون قد غيَّر صفةَ الكلام. وهذا عند الجمهور، فلو قال لها: «أنت طالقٌ طلقةً لا رجعةَ لي فيها، أو طلقةً بائنةً». لغا ذلك، وثبت له الرجعة.\nوكذلك لم يُمَلِّكْهُ جَمْعَ الثلاث في مرَّةٍ واحدةٍ،\nبل حَجَرَ عليه في هذا وهذا وهذا، وكان ذلك مِن حُجَّة مَن لم يوقع الطَّلاقَ المحرَّم، ولا الثلاثَ بكلمة واحدة؛ لأنَّه طلاقٌ محجورٌ على صاحبه شرعًا، وحَجْرُ الشَّارعِ يمنعُ نفوذَ التصرُّفِ وصحتَه، كما يمنعُ نفوذَ التصرُّفِ في العقودِ الماليَّة، فهذه حُجَّةٌ مِن أكثرَ مِن ثلاثين حُجَّةً؛ ذكروها عَلَى كلام وقوع الطلاقِ المحجورِ على المطلِّق فيه.\n_________\n(^١) كذا في الأصل! ولعلَّ الصواب: «عَوْدٍ» والله أعلم. وانظر «مسألة الطلاق بعِوض» في: «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣١٣)، و«المغني» (١٠/ ٢٧٨)، و«حاشية ابن عابدين» (٤/ ٤٤٠ - ٤٤١)، و«مواهب الجليل» (٤/ ١٨ - ١٩)، و«أسنى المطالب» (٣/ ٢٥٧).","vol":"1","page":53},{"text":"والمقصود ههنا: أنَّ هؤلاء فسَّروا «الإغلاقَ» بجَمْعِ الثَّلاثِ؛ لكونه أَغلقَ على نفسِه بابَ الرَّحمة؛ الذي لم يغلقْهُ الله عليه إلا في المرَّة الثالثة.\nوأما الآخرون؛ فقالوا: «الإغلاقُ» مأخوذٌ مِن «إغلاق الباب»، وهو إرتاجُه وإطباقُه، فالأمرُ المغلَقُ ضِدُّ الأمرِ المنفرِجِ، والذي أُغلِقَ عليه الأمرُ ضِدُّ الذي فُرِجَ له وفُتِحَ عليه، فالمكرَهُ - الذي أُكرِهَ على أمْرٍ إنْ لم يفعلْه وإلا حَصَلَ له مِن الضَّرر ما أُكرِهَ إليه - قد أُغلِقَ عليه بابُ القصدِ والإرادةِ لما أُكرِهَ عليه، فالإغلاقُ في حَقِّه بمعنى إغلاقِ أبواب القَصْدِ والإرادة له، فلم يكن قلبُه منفتحًا لإرادة القول والفِعل الذي أُكرِهَ عليه، ولا لاختيارهما، فليس مُطْلَقَ (^١) الإرادةِ والاختيارِ، بحيث إنْ شاءَ طلَّقَ، وإنْ شاءَ لم يطلِّقْ، وإنْ شاءَ تكلَّمَ، وإنْ شاءَ لم يتكلَّمْ، بل أُغلقَ عليه بابُ الإرادة إلا للذي قد أُكرِه عليه.\nولهذا قال النبيُّ ﷺ: «لا يقلْ أحدُكم: اللَّهُمَّ اغفِرْ لي إنْ شئتَ، اللَّهُمَّ ارْحمني إنْ شئتَ. ولكنْ؛ ليعزمِ المسألةَ، فإنَّ الله لا مُكرِهَ له» (^٢)؛ فبيَّن النَّبيُّ ﷺ أنَّ الله لا يفعل إلا إذا شاءَ؛ بخلاف المُكْرَه الذي يفعلُ ما لا يشاؤه،\n_________\n(^١) «مطلق» خبر ليس (قاسمي)، والتقدير: ليس هو مطلقَ.\n(^٢) رواه البخاري (٧٤٧٧)، ومسلم (٢٦٧٩) من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":54},{"text":"فإنَّه لا يُقال: «يفعلُ ما يشاء» إلا إذا كان مطلقَ الدَّواعي، وهو المختار، فأما مَن أُلزِمَ بفعلٍ معيَّنٍ؛ فلا، ولهذا يُقال: المُكْرَه غير مختار، ويُجعل قَسيمَ المختارِ؛ لا قِسمًا منه.\nومَن سمَّاه مختارًا، فإنَّه يعني: أنَّ له إرادةً واختيارًا بالقصد الثاني؛ فإنَّه يريد الخلاصَ مِن الشَّرِّ، ولا خلاصَ له إلا بفعلِ ما أُكرِه عليه، فصار مريدًا له بالقصدِ الثاني، لا بالقصدِ الأولِ.\nوالغضبان الذي يمنعُهُ الغضبُ مِن معرفةِ ما يقول وقَصْدِه، فهذا مِن أعظم الإغلاق، وهو في هذا الحال بمنزلة المُبَرْسَمِ والمجنون والسَّكْران، بل أسوَأُ حالًا مِن السَّكران؛ لأنَّ السَّكران لا يقتُلُ نفسَه، ولا يُلقي ولدَه مِن عُلُوٍّ، والغضبانُ يفعلُ ذلك، وهذا لا يتوجَّه فيه نِزاعٌ أنَّه لا يقعُ طلاقُه، والحديث يتناول هذا القسمَ قطعًا؛ وحينئذٍ فنقول: الغضبُ ثلاثةُ أقسامٍ (^١) (^٢):\n_________\n(^١) هذا التقسيم لشيخ الإسلام ابن تيمية كما صرَّح به المصنف نفسه في غير هذا الموضع، انظر: «إعلام الموقعين» (٤/ ٥٠)، و«زاد المعاد» (٥/ ٢١٥).\n(^٢) بهذا التقسيم يُرَدُّ على ابن المرابط حيث قال: الإغلاق حرج النفس، وليس كل مَن وَقَعَ له فارق عقله، ولو جاز عدم وقوع طلاق الغضبان لكان لكل أحد أن يقول فيما جناه: كنت غضبانًا. نقله الحافظ في: «فتح الباري» (٩/ ٣٨٩) ووجه الرد: أنَّ الغضب ليس على إطلاقه كما فهمه، والمرء يُديَّن في ذَلِكَ كما حققه المؤلِّفُ في الوجه الحادي عشر والرابع عشر ومواضع أخر. (القاسمي).","vol":"1","page":55},{"text":"أحدها: أنْ يحصُلَ للإنسان مبادِئُهُ وأوائِلُهُ؛ بحيث لا يتغيَّرُ عليه عقلُه ولا ذهنُه، ويعلمُ ما يقولُ، ويَقصِدُه؛ فهذا لا إشكالَ في وقوعِ طلاقِهِ، وعتقِهِ، وصحَّةِ عقودِه، ولا سيَّما إذا وقَعَ منه ذلك بعد تردُّدِ فِكْرِه.\nالقسم الثاني: أنْ يبلغَ به الغضبُ نهايتَه؛ بحيث ينغلقُ عليه بابُ العِلمِ والإرادة، فلا يعلمُ ما يقولُ، ولا يريدُه؛ فهذا لا يتوجَّه خِلافٌ في عدمِ وقوعِ طلاقِه كما تقدَّم، والغضبُ غُولُ العقلِ، فإذا اغتالَ الغضبُ عقلَه، حَتَّى لم يعلمْ ما يقولُ؛ فلا ريبَ أنه لا ينفُذُ شيءٌ مِن أقوالِه في هذه الحالةِ؛ فإنَّ أقوال المكلَّفِ إنما تَنفذُ مع:\n١ - عِلْم القائلِ بصدورِها منه.\n٢ - ومعناها.\n٣ - وإرادته للتكلُّم (^١) بها.\nفالأول: يُخرِج النائمَ، والمجنونَ، والمُبَرْسَمَ، والسَّكْرانَ، وهذا (^٢) الغضبان.\nوالثاني: يُخرِجُ مَن تكلَّم باللفظِ وهو لا يعلمُ معناه ألبتَّةَ؛ فإنَّه لا يُلزَمُ مقتضاه.\n_________\n(^١) «للتكلم» كذا في «مطالب أُولى النُّهى» ومطبوعة القاسمي. وفي الأصل: «للمتكلم».\n(^٢) «والسكران وهذا» ساقطة من «مطالب أولي النُّهى» والعبارة فيه (٥/ ٣٢٣): «والمبرسم والغضبان».","vol":"1","page":56},{"text":"والثالث: يُخرِجُ مَن تكلَّم به مُكْرهًا؛ وإنْ كان عالمًا بمعناه.\nالقسم الثالث: مَن توسَّط في الغضبِ بين المرتبتين، فتعدَّى مبادئَه، ولم يَنْتَهِ إلى آخرِه؛ بحيث صار كالمجنون؛ فهذا موضعُ الخِلاف، ومحلُّ النَّظرِ. والأدلَّةُ الشرعيةُ تدلُّ على عَدَمِ نفوذِ طلاقِهِ، وعِتقِه، وعقودِه التي يُعتبرُ فيها الاختيار والرِّضا، وهو فَرْعٌ مِن الإغلاق كما فسَّره به الأئمةُ، وقد ذَكرْنا دلالة الكتابِ على ذلك مِن وجوه.\nوأما دلالةُ السُّنَّةِ؛ فمن وجوه:\nأحدها: حديثُ عائشةَ، وقد تقدَّمَ ذِكْرُ وَجْهِ دلالته (^١).\nالثاني: ما رواه أحمدُ والحاكمُ في «مستدركه» مِن حديث عِمران بن حُصين قال: قال رسولُ الله ﷺ: «لا نَذْرَ في غَضَبٍ، وكفَّارتُه كفَّارةُ يمين» (^٢)؛ وهو حديثٌ صحيحٌ،\n_________\n(^١) ص (٣٦، ٣٧، ٣٨، ٥٢).\n(^٢) رواه أحمد (٤/ ٤٣٣، ٤٣٩، ٤٤٠) واللفظ له، والحاكم (٤/ ٣٠٥) ولفظه: «لا نذر في معصية ...» ومداره على محمد بن الزُّبير الحنظلي، وهو متروك كما في «التقريب».\nوقد اختُلف عليه في متنه وإسناده.\nانظر: «إرواء الغليل» (٢٥٨٧).","vol":"1","page":57},{"text":"وله طُرُقٌ (^١).\nوَجْهُ الاستدلالِ به: أنَّه ﷺ ألغى وجوبَ الوفاء بالنَّذْرِ إذا كان في حال الغضبِ، مع أنَّ الله ﷾ أثنى على الموفين بالنذور، وأمَرَ النبيُّ ﷺ الناذرَ لطاعةِ الله بالوفاء بنَذْرِه وقال: «مَنْ نَذَرَ أن يطيعَ الله فَلْيُطِعْهُ، ومَنْ نَذَرَ أن يعصيَه فلا يعصِه» (^٢)؛ فإذا كان النذرُ - الذي أثنى الله على مَن أوفى به، وأَمَرَ رسولُه بالوفاءِ بما كان منه طاعةً - قد أثَّرَ الغضبُ في انعقادِه؛ لكون الغضبان لم يقصدْه، وإنَّما حَمَله عَلَى [بيانه] (^٣) الغضب؛ فالطلاقُ بطريق الأَولى والأَحرى.\nفإن قيل: فكيف رتَّبَ عليه كفَّارةَ اليمين؟\nقيل: تَرتُّبُ الكفَّارةِ عليه لا يدلُّ على تَرتُّبِ موجَبِهِ ومقتضاه عليه، و<span data-type=\"title\" id=toc-46>الكفَّارةُ لا تستلزم التكليفَ</span>؛ ولهذا تجب في مال الصَّبيِّ\n_________\n(^١) كذا قال هنا! وفيه نظر ظاهر.\nوقال - ﵀ - في «تهذيب السُّنن» (٤/ ٣٧٣) له: هذا حديثٌ مُختَلَفٌ في إسناده ومتنِه - كما ذكرنا - لا تقوم الحجةُ بأمثال ذلك، وقد روينا عن محمد بن إسماعيل البخاري أنه قال: محمد بن الزبير الحنظلي منكر الحديث وفيه نظر.\n(^٢) رواه البخاري (٢٥٣٢) من حديث عائشة.\n(^٣) في الأصل: «بيان» والمثبت من مطبوعة القاسمي.","vol":"1","page":58},{"text":"والمجنون إذا قتلا صيدًا أو غيرَه، وتجبُ على قاتل الصَّيْدِ ناسيًا أو مخطئًا، وتجبُ على مَن وَطِئَ في نهار رمضان ناسيًا عند الأكثرين؛ فلا يلزم من تَرتُّبِ الكفَّارة اعتبار كلام الغضبان. وهذا هو الذي يسمِّيه الشافعيُّ: «نَذْرَ الغَلَق» (^١)، ومنصوصه: عدمُ وجوب الوفاء به إذا حَلَفَ به، بل يُخيَّر بينه وبين الكفَّارة. وحُكِيَ له قولٌ آخر: بتعيُّن الكفَّارة عَينًا. وقولٌ آخر: بتعيُّن الوفاء به إذا حَنَث، كما يلزمه الطَّلاقُ والعَتَاقُ. وهذا قولُ مالك (^٢)، وأشهرُ الروايتين عن أبي حنيفة (^٣).\nالثالث: ما ثَبَتَ في «الصحيح» عنه ﷺ أنه قال: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبانُ» (^٤)؛ ولولا أنَّ الغضبَ يؤثِّرُ في قَصْدِهِ وعِلْمِهِ لم يَنْهَهُ عن الحُكْمِ حالَ الغضب، وقد اختَلفَ الفقهاءُ في صحَّةِ حُكْمِ الحاكمِ في حال غضبِه على ثلاثة أقوال سنذكرُها بعدُ (^٥)، إن شاء الله.\n_________\n(^١) انظر: «الأم» (٧/ ٦٩)، و«روضة الطالبين» (٣/ ٢٩٤).\n(^٢) «عقد الجواهر» (١/ ٥٤٣)، و«حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٢/ ١٦١).\n(^٣) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٧٣٨، ٧٣٩)، و«حاشية الطحطاوي» (١/ ٤٥٦).\n(^٤) رواه البخاري (٧١٥٨)، ومسلم (١٧١٧) من حديث أبي بكرة.\n(^٥) انظر ص (٩٦).","vol":"1","page":59},{"text":"فصل\nوأما آثارُ الصَّحابة؛ فمِن وجوه:\nأحدها: ما ذكرَه البخاريُّ في «صحيحه» عن ابن عباس أنه قال: «الطَّلاقُ عن وَطَرٍ، والعِتقُ ما يُبتغى به وَجْهُ الله» (^١)، فَحصَرَ الطَّلاقَ فيما كان عن وَطَرٍ، وهو الغَرَضُ المقصودُ، والغضبان لا وَطَرَ له، وهذا في الطَّلاقِ عن ابن عبَّاسٍ نظيرُ قولِه وقولِ أصحابه:\n_________\n(^١) ذكره البخاري تعليقًا بصيغة الجزم، كتاب الطلاق: باب الطلاق في الإغلاق والكُرْه - انظر ترجمة حديث رقم (٥٢٦٩).\nعلق القاسمي هنا: «قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٩/ ٣٩٣): «أي: أنه لا ينبغي للرجل أن يطلِّق امرأته إلا عند الحاجة كالنشوز، بخلاف العتق؛ فإنه مطلوب دائمًا، والوَطَر بفتحتين: الحاجة. قال أهل اللغة: ولا يبنى منها فعل». اهـ.\nوقال المؤلف في «إعلام الموقعين» (٣/ ٦٥): «معنى قول ابن عباس: «إنما الطلاق عن وَطَر» أي: عن غرض مِن المطلِّق في وقوعه. قال: وهذا مِن كمال فقهه -﵁- وإجابة دعاء الرسول له؛ إذ الألفاظ إنما يترتب عليها موجَباتها لقصد اللافظ بها؛ ولهذا لم يؤاخذنا الله باللغو في أيماننا، ... وكذلك لا يؤاخذ الله باللغو في أيمان الطلاق، كقول الحالف في عُرْض كلامه: عَليَّ الطلاقُ لا أفعلُ، والطلاقُ يلزمني لا أفعلُ، من غير قصد لعقد اليمين، بل إذا كان اسم الربِّ ﷻ لا ينعقد به يمين اللغو، فيمينُ الطلاق أَولى ألَاّ ينعقد، ولا يكون أعظمَ حُرمةً مِن الحلف بالله، وهذا أحدُ القولين في مذهب أحمد، وهو الصواب». اهـ. (القاسمي).","vol":"1","page":60},{"text":"«لَغْوُ اليمين أنْ تحلِفَ وأنت غضبان» (^١).\nالوجه الثاني: أنَّ الزُّهرِيَّ روى عن أَبانَ بنِ عُثمان، عن عُثمان؛ أنَّه رَدَّ طلاقَ السَّكْران (^٢)، ولا يُعرفُ له مخالفٌ مِن الصَّحابةِ، وهذا القول هو الصَّحيحُ (^٣).\nوهو الذي رَجَعَ إليه الإمامُ أحمدُ أخيرًا:\nقال في رواية أبي طالب: والذي لا يأمرُ فيه بالطَّلاقِ؛ فإنما أتى خَصْلةً واحدة، والذي يأمرُ بالطَّلاقِ؛ قد أتى خَصْلتين: حرَّمَها عليه، وأحلَّها لغيره، فهذا خيرٌ مِن هذا، وأنا أتقي جميعًا (^٤).\nوقال في رواية عبد الملك الميموني: قد كنتُ أقولُ: إنَّ طلاقَ السَّكران يجوز، حَتَّى تبيَّنتُه؛ فغلبَ عليَّ أنَّه لا يجوز طلاقه؛ لأنَّه لو أقرَّ لم يلزمه، ولو باع لم يجز بيعُه. قال: وألُزِمُهُ الجنايةَ، وما كان مِن غير ذلك فلا يلزمه (^٥).\nقال أبو بكر (^٦): وبهذا أقول.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص (٤٠).\n(^٢) ذكره البخاري تعليقًا بصيغة الجزم، انظر الإحالة السابقة.\n(^٣) انظر: «شفاء العليل» للمصنف (١/ ٤٠٩).\n(^٤) انظر: «إعلام الموقعين» (٤/ ٤٩).\n(^٥) انظر: «إعلام الموقعين» (٤/ ٤٨).\n(^٦) هو عبد العزيز؛ غلام الخلال. كما صرَّح به في «زاد المعاد» (٥/ ٢١١).","vol":"1","page":61},{"text":"وقال في رواية أبي الحارث: أرفعُ شيءٍ [فيه] (^١): حديثُ الزُّهْري، [عن] (^٢) أَبانَ بنِ عُثمان، عن عُثمان: ليس لمجنونٍ ولا سَكرانَ طلاقٌ (^٣).\nوهذا اختيارُ الطَّحاويِّ، وأبي الحسن الكَرْخي (^٤)، وإمامِ الحرمين، وشيخِ الإسلام ابن تيميَّة (^٥)، وأحدُ قولي الشَّافعي (^٦) (^٧).\nوإذا كان هؤلاء لا يُوقِعون طلاقَ السَّكْران؛ لأنه غيرُ قاصدٍ\n_________\n(^١) في الأصل: «في». والمثبت من «مسائل الإمام أحمد» برواية صالح (٦٧٤)، ورواية عبد الله (١٣٣١).\n(^٢) في الأصل: «بن» وهو خطأ.\n(^٣) «مسائل صالح» (٦٧٤)، و«مسائل عبد الله» (١٣٣١).\n(^٤) «البحر الرائق» لابن نُجيم (٣/ ٢٦٦).\n(^٥) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١٠٢)، و«الاختيارات» ص (٣٦٥).\n(^٦) «مختصر المزني» ص (٢٠٢)، و«الوسيط» للغزالي (٥/ ٣٩٠).\nقلت: وهو مذهب أبي يوسف، وزُفر، والمزني، وابن سُريج، ورجَّحه الغزالي كما في «الوسيط».\n(^٧) قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٩/ ٣٩١): «وذهب إلى عَدَم وقوع طلاق السكران أيضًا - كعثمان -: أبو الشعثاء، وعطاء، وطاوُس، وعكرمة، والقاسم، وعُمر بن عبد العزيز، ذكره ابن أبي شيبة عنهم بأسانيد صحيحة، وبه قال ربيعة، والليث، وإسحاق، والمزني، واختاره الطحاوي» (القاسمي).","vol":"1","page":62},{"text":"للطَّلاق - فمعلومٌ أنَّ الغضبان كثيرًا ما يكون أسوأَ حالًا مِن السَّكْران.\nوالسُّكْرُ نوعان: سُكْرُ طَرَبٍ، وسُكْرُ غَضَبٍ؛ وقد يكون هذا أشدَّ، وقد يكون الآخرُ أشدَّ، فإذا اشتدَّ به الغضبُ حَتَّى صار كالسَّكْرَان، كان أَولى بعدمِ وقوع الطَّلاقِ منه؛ لأنه يُعْذَرُ ما لا يُعذر السَّكران، ويبلُغُ به الغضبُ أشدَّ ما يبلُغُ به السُّكْرُ؛ كما يُشاهَدُ مِن حال السَّكران والغضبان.","vol":"1","page":63},{"text":"فصل\nوأما الاعتبارُ وأصولُ الشريعة، فمن وجوه:\nالأول: أنَّ المؤاخذةَ إنَّما ترتَّبت على الأقوالِ؛ لكونها أدلَّةَ على ما في القلبِ مِن كَسْبِه وإرادته؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]؛ فجعل سببَ المؤاخذةِ كَسْبَ القلبِ، وكسبُه هو إرادتُه وقَصْدُه، ومَن جرى على لسانِه الكلامُ مِن غير قَصْدٍ واختيار، بل لشدَّةِ غضبٍ وسُكْرٍ، أو غير ذلك لم يكن مِن كَسْبِ قلبِه؛ ولهذا لم يؤاخِذِ الله سبحانه الذي اشتدَّ فرحُه بوجودِ راحلتِه بعد الإياس منها، فلمَّا وَجَدَها أخطأ مِن شدَّة الفَرَحِ وقال: «اللَّهُمَّ، أنتَ عبدي، وأنا ربُّكَ» (^١)؛ فجرى هذا اللفظُ على لسانِه مِن غير قَصْدٍ، فلم يؤاخذه به كما يجري الغلطُ في القرآن على لسانِ القارئ (^٢).\nلكنْ قد يُقال: هذا قَصَدَ الصَّوابَ فأخطأَ فلم يُؤاخَذْ؛ إذْ كان قد قَصَدَ ضِدَّ ما تكلَّم به، بخلاف الغضبان إذا طَلَّقَ؛ فإنَّه قاصدٌ للطَّلاقِ.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٧٤٧)؛ من حديث أنس بن مالك.\n(^٢) انظر: «شفاء العليل» للمصنف (١/ ٤١٠).","vol":"1","page":64},{"text":"قيل: لا كلامَ في الغضبان العالمِ بما يقول، القاصدِ المختارِ لحكمِه؛ دفعًا لمكروهِ البقاء مع الزَّوجة؛ وإنَّما الكلامُ في الذي اشتدَّ غضبُه حَتَّى ألجأه الشيطانُ إلى التكلُّمِ بما لم يكنْ مختارًا للتكلُّمِ به؛ كما يُلجِئُه إلى فِعْلِ ما لم يكن - لولا الغضبُ - يفعلُه؛ يوضِّحه:\nالوجه الثاني: وهو أنَّ الإرادةَ فيه هو محمولٌ عليها، مُلْجَأٌ إليها كالمُكْرَه، بل المُكْرَهُ أحسنُ حالًا منه؛ فإنَّ له قصدًا وإرادةً حقيقة، لكن هو محمولٌ عليه، وهذا ليس له قَصْدٌ في الحقيقةِ، فإذا لم يقعْ طلاقُ المُكْرَه، فطلاقُ هذا أَولى بعَدَمِ الوقوعِ (^١)؛ يوضِّحه:\nالوجه الثالث: وهو أنَّ الأمرَ الحاملَ للمُكْرَهِ على التكلُّمِ بالطَّلاقِ يشبه الحاملَ للغضبان على التكلُّمِ به؛ فإنَّ المتكلِّم مكرَهًا إنما يقصدُ الاستراحةَ مِن توقُّع ما أُكرِه به إنْ لم يباشَرْ به، أو مِن حصوله إنْ كان قد [باشر شيئًا] (^٢) منه، فيتكلَّمُ بالطَّلاقِ قاصدًا لراحته مِن أَلَمِ ما أُكرِه به.\nوهكذا الغضبان؛ فإنَّه إذا اشتدَّ به الغضبُ، يألم بحمله؛ فيقولُ ما يقول، ويفعل ما يفعل؛ ليدفعَ عن نفسِه حرارةَ الغضب، فيستريحُ بذلك، وكذلك يَلْطِمُ وجهَه، ويصيح صياحًا قويًا، ويشُقُّ ثيابَه،\n_________\n(^١) انظر: «شفاء العليل» (١/ ٤١٠).\n(^٢) في الأصل: «شبه شيء»","vol":"1","page":65},{"text":"ويلقي ما في يدِه؛ دفعًا لألم الغضب، وإلقاءً لحمله عنه، وكذلك يدعو على نفسِه وأحبِّ النَّاسِ إليه، فهو يتكلَّمُ بصيغةِ الطَّلَبِ والاستدعاءِ والدُّعاء، وهو غيرُ طالب لذلك في الحقيقة، فكذلك يتكلَّمُ بصيغة الإنشاءِ وهو غيرُ قاصدٍ لمعناها.\nولهذا يأمر الملوكُ وغيرُهم عند الغضب بأمورٍ يَعلمُ خواصُّهم أنَّهم تكلَّموا بها دفعًا لحرارة الغضب، وأنَّهم لا يريدون مقتضاها، فلا يمتثله خواصُّهم، بل يؤخِّرونه، فَيَحْمَدُونهم على ذلك إذا سَكَنَ غضبُهم.\nوكذلك الرَّجُلُ - وقتَ شدَّةِ الغضبِ - يقومُ ليبطش بولده، أو صديقه، فيحولُ غيرُه بينه وبين ذلك، فيحمدهم بعد ذلك، كما يحمد السَّكرانُ والمحمومُ ونحوهما مَن يحول بينه وبين ما يَهُمُّ بفعلِه في تلك الحال.\nالوجه الرابع: أنَّ العاقلَ لا يستدعي الغضبَ، ولا يريده، بل هو أكرَهُ شيء إليه، وهو كما قال النَّبيُّ ﷺ: «جَمْرةٌ في قلبِ ابنِ آدَمَ؛ أَمَا رأيتُمْ مِنِ احمرارِ عَيْنِهِ وانتفاخِ أودَاجِه» (^١).\n_________\n(^١) رواه أحمد (٣/ ٧، ١٩، ٦١، ٧٠)، والترمذي (٢١٩١)، وابن ماجه (٢٨٧٣، ٤٠٠٠، ٤٠٠٧)، والحاكم (٤/ ٥٠٥)، والبيهقي (٧/ ٩١) من طريق: علي بن زيد بن جُدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، به، مرفوعًا في حديث طويل بليغ.\nقلتُ: علي بن زيد بن جُدعان - على ضعفه - يكتب حديثه في المتابعات والشواهد، وقد تُوبع على جميع جُمَلِ هذا الحديث، وتفرَّد في سياقه بطوله مجموعًا.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن - وزاد في بعض النسخ: صحيح.\nقال ابن حجر: هذا حديث حسن، ... وعلي بن زيد وإنْ كان فيه ضَعْف لاختلاطه؛ لكن سياقه لهذا الحديث بطوله يدلُّ عَلَى أنَّه ضَبَطَه .... «الأمالي المطلقة» ص (١٦٤، ١٧٠).","vol":"1","page":66},{"text":"والعاقلُ لا يقصدُ إلقاء الجمرةِ في قلبِه، فهو ناشئٌ فيه بغير اختيارِه، فإذا كان هو السببَ الحاملَ على التكلُّمِ بالطلاقِ وغيره؛ لم يكنْ ذلك أيضًا مضافًا إلى اختيارِه وإرادته، وهذا كما أنَّ إرادةَ السبب إرادةٌ للمسبَّبِ، فكراهةُ السببِ وبغضُه كراهةٌ للمسبَّبِ؛ يوضِّحه:\nالوجه الخامس: وهو أنك تقول للغضبان - إذا اشتدَّ غضبُه؛ ففعل ما لم يكن يفعلُه؛ أو تكلَّمَ بما لم يكن يتكلَّمُ به قبل الغضب -: هل أردتَّ ذلك أو قصدتَّه؟ فَيحلِفُ أنَّه ما أرادَهُ، ولا قصَدَه، ولا كان له باختيارٍ، ويَحْلِفُ أنَّه وقع بغير اختيار. ولا تنكرْ هذا؛ فإنك تجده مِن نفسِك.\nوتحقيقُ الأمر: أنَّ له فيه إرادةً هو محمولٌ عليها، حَمَلَه عليها الغضبُ، فهي كإرادة المُكْرَهِ، بل المُكْرَهُ أدخلُ في الإرادة كما تقدَّم، وهذا يدلُّ على أنَّ الغضبان أَولى بعدم الوقوع مِن المُكْرَه، يوضِّحه:","vol":"1","page":67},{"text":"الوجه السادس: وهو أنَّ الخوفَ في قَلْبِ المُكْره كالغضبِ في قَلْبِ الغضبان، لكن؛ المُكْره مقهورٌ بغيرِه مِن خارج، والغضبان مقهورٌ بغضبه الداخلِ فيه، وقَهْرُ الإكراه يُبطل حُكْمَ الأقوال التي أُكره عليها، ويجعلها بمنزلة كلام النَّائمِ والمجنون، دون حُكْم الأفعال، فإنه يُقتل إذا قَتَلَ، ويَضمنُ إذا أَتلفَ. فكذلك قَهْرُ الغضبِ، يُبطل حكمَ أقوال الغضبان، دون أفعالِه، حَتَّى لو قَتَلَ في هذه الحال قُتِلَ، أو أتلفَ شيئًا ضمِنه. هذا كلُّه في الغضبان الذي يكره ما قاله حقيقةً، فأما مَن هو مريدٌ له على تقدير عَدَمِ غضبه؛ لاقتضاء سبب (^١) ذلك فليس مِن هذا الباب، كمن زَنَتِ امرأتُه؛ فغضبَ؛ فطلَّقها؛ لأنه لا يرى المقام مع زانية، فلم يقصدْ بالطلاق إطفاءَ نارِ الغضب، بل التخلُّص مِن المقام مع زانية، فهذا يقع طلاقُه.\nفتأمَّلْ هذا الفَرْقَ؛ فإنَّه حرف (^٢) المسألة ونكتتُها، وهذا بخلاف مَن خاصمتُه امرأتُه، وهو يعلمُ مِن نفسِه إرادةَ المقام معها على\n_________\n(^١) في مطبوعة القاسمي: «السبب».\n(^٢) «حرف» كذا بالأصل، ولعل صوابه: «سر». (قاسمي).\nقلتُ: الحرف مِن كلِّ شيءٍ: طَرَفه وشَفيره وحدّه .. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] أي: وجه واحد. «القاموس المحيط» مادة (حرف).","vol":"1","page":68},{"text":"الخصومة وسوءِ الخُلُقِ، ولكن حَمله الغضبُ على أنْ شَفَى نفسَه بالتكلُّم بالطَّلاقِ وكَسْرًا لها، وإطفاءً لنارِ غضبِهِ؛ يوضِّحه:\nالوجه السابع: وهو أنَّ الغضبانَ يفعلُ أمورًا مِن شَقِّ الثياب، وإتلافِ المال، وغيرِ ذلك مما لو أُكره به حَتَّى يتكلَّم بالطلاق لم ينفذ طلاقُه ولَغتْ أقوالُه، فإذا فَعَلَ هو هذه الأمور عُلم أنَّ الذي ألجأه إليها أعظمُ مِن الإكراه، فإنَّ المُكره لو أُكره بها لم يفعلها، وهذا قد فَعَلها، فعُلم أنَّ المقتضي لفعلِها فيه أَولى مِن اقتضاء الإكراه لفعلِها، والمُكْره لو فعل به ذلك كان مكرهًا، فالغضبان كذلك، وهذا واضحٌ جدًا.\nفإنْ قيل: المكرَهُ إذا تكلَّم بما أُكرِهَ عليه، دُفع عنه الضَّررُ، والغضبانُ لا يُدفع عنه بهذا القولِ ضررٌ (^١)؛ فليس كالمُكْرَه.\nقيل: لا ريبَ أنهما يفترقان في هذا الوجه، ولكن لا يوجب ذلك أن يكون الغضبان مختارًا مريدًا لما قاله أو فَعَله، بل أكرهُ شيء إليه، وهذا أمرٌ لا يمكن دَفْعُه.\nفإن قيل: فما الحاملُ له على فِعْلِ ما يكرهه ويؤذيه مِن غير أن يَتَوَصَّلَ به إلى ما هو أحبُّ إليه منه؟\nقيل: لما كان الغضبُ عدوَّ العقلِ، وهو له كالذئب للشَّاة،\n_________\n(^١) في الأصل: «ضررًا».","vol":"1","page":69},{"text":"قلَّما يتمكَّن منه إلا اغتال عقلَه، فقصد إزالةَ الغضبِ وإطفاءَ ناره. وهذا مقصودٌ صحيحٌ في نفسِه. لكن؛ لمَّا غابَ عنه عقلُه قَصَدَ إزالةَ ذلك مما فيه ضررٌ عليه؛ ليخفِّفَ عن نفسِه ما هو فيه مِن البلاءِ، ولولا ذلك لم يفعلْ ما لا يفعلُه في الرِّضا، ولا تكلَّم بما لم يكن يتكلَّمُ به، فهو قَصَدَ أنْ يستريحَ ويسكنَ ويبردَ غضبه بتلك الأقوال والأفعال، وإنْ لم يَدفع ذلك عنه جملته (^١) تلك الشدَّة، فإنها تخففُ وتضعف، فاقتضت رحمةُ الشَّارعِ به أن ألغى أقوالَه في هذه الحال (^٢) إذ يمكن ألَّا يترتَّب عليها أثرها، وتكون كأقوال المُبَرْسَم والمجنون الهاجر (^٣) ونحوهما، وأما الأفعال فلا يمكن إلغاءُ أثرها فرتَّب عليه موجب فِعْله.\nفإن قيل: فيلزمكم على هذا: أنَّه لو حَلَفَ في هذه الحال، ألَاّ تنعقد يمينُه.\nقيل: قد قال بذلك جماعةٌ مِن السَّلف والخلف، واختاره مَنْ لا يُرتاب في إمامته وجلالته، وكان يُقْرَنُ بالأئمة الكِبار: إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي.\nفإن قيل: لكنِ المنقولُ عن الصحابة وجمهور التابعين والأئمة\n_________\n(^١) «جملته» في مطبوعة القاسمي: «بجملته».\n(^٢) «الحال» في الأصل: «للحال».\n(^٣) أي: المتكلِّم بالهُجْرِ بالضم، وهو القبيح من الكلام. (قاسمي).","vol":"1","page":70},{"text":"الأربعة: اعتبارُ نَذْر اللَّجَاج والغضب (^١)، وإن تنازعوا في موجَبِهِ:\nفأوجب مالكٌ، وأهلُ العراق: الوفاءَ به؛ كنذر التبرُّر (^٢)، وخيَّر الليثُ بن سعد، والشافعيُّ، وأحمد بن حنبل: بين فِعْله وبين كفَّارة اليمين.\nولم يقل أحدٌ منهم: إنه لا ينعقدُ، وإنه لغو، وقد ذكَر الله تعالى الكفَّارة في الأيمان كلِّها ولم يُحصِّلْ (^٣) منها يمينَ الغضب دون يمين الرِّضا.\n_________\n(^١) نَذْر اللَّجَاج والغضب: هو أن يَمْنَع نفسه مِن فعل، أو يحثَّها عليه، بتعليق التزام قُربة بالفعل، أو بالترك، ويقال فيه: يمين اللَّجَاج والغضب والغَلَق. انظر: «المجموع» للنووي (٨/ ٣٥٦).\n(^٢) نذر التبرُّر نوعان: أحدهما: نذر المجازاة، وهو أن يلتزم قُربة في مقابلة حدوث نعمة، أو اندفاع بَلَيَّة، كقوله: «إن شفى الله مريضي فله عليَّ إعتاق» فإذا حصل المعلَّق عليه لزمه الوفاء بما التزم. النوع الثاني: أن يلتزمه ابتداء من غير تعليق على شيء، فيقول: «لله عليَّ أن أصلي»\nانظر: «المجموع» (٨/ ٣٥٥).\nوالفرق بين نذر اللَّجَاج والتبرُّر: أن نذر اللَّجَاج فيه تعليق بمرغوب عنه في الجملة بالنسبة للمنع فقط. ونذر التبرُّر: يكون التعليق بمرغوب فيه.\n(^٣) أي: يميز؛ ومنه آية: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠]. (قاسمي).\nقلت: هذا إن لم تكن «يحصّل» مصحفة عن: «يجعل».","vol":"1","page":71},{"text":"قيل: نعم؛ هذا حقٌّ، ولكنَّ اليمين لما قَصَدَ صاحبُها الحضَّ أو المَنْعَ، كانت الكفَّارةُ رافعةً لما حصل بها مِن الضَّرر؛ بخلافِ الطلَاّق والعَتَاق: فإنهما إتلافٌ محضٌ لملك البُضْعِ والرَّقبة، ولا كَفَّارةَ فيهما؛ فالضَّررُ الحاصلُ بوقوعهما لا يندفعُ بكفَّارةٍ ولا غيرِها.\nوكما أنَّه يُفَرَّقُ في الإكراه بين نوعٍ ونوعٍ:\nفالإكراهُ يُبيح الأقوالَ عندنا وعند الجمهورِ، وكلُّ قولٍ أُكره عليه بغير حَقٍّ، فإنَّه باطلٌ،، وأبو حنيفة يُفرِّقُ بين نوعٍ ونوعٍ.\nوالإكراهُ على الأفعال ثلاثةُ أنواع:\n١ - نوعٌ لا يُباح بالإكراه؛ كقتل المعصوم، وإتلاف أطرافِه.\n٢ - ونوعٌ يبيحه الإكراه بشرط الضَّمان؛ كإتلاف مال المعصوم.\n٣ - ونوعٌ مختَلَفٌ فيه؛ كالزنا والشُّرْب والسرقة، وفيه روايتان عن الإمام أحمد.\nفما أمكن تلافيه، أُبيح بالإكراه؛ كالأقوال والأموال.\nوما كان ضررُه كضررِ الإكراه، لم يُبَحْ به؛ كالقتل: فإنه ليس قَتْلُ المعصوم بحياة المُكْرَه أَولى مِن العكس.\nوأما الأفعال: فالقرآنُ يدلُّ على رَفْعِ الإثم فيها؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ","vol":"1","page":72},{"text":"يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النُّور: ٣٣] (^١).\nالوجه الثامن: أنَّ النَّبيَّ ﷺ شَرَعَ للغضبان أن يقولَ: «أعوذُ بالله مِن الشيطانِ الرَّجيم» (^٢)، وأن يتوضَّأَ، وأن يتحوَّل عن حالتِه؛ فإنْ كان قائمًا فليقعدْ، وإذا كان قاعدًا فليضطجعْ (^٣)،\n_________\n(^١) روى ابن جرير (١٨/ ١٣٣)، عن ابن عباس في الآية قال: كانوا في الجاهلية يُكْرهون إماءَهُمْ على الزنا، يأخذون أجورهنّ، فقال الله: لا تكرهوهن على الزنا مِن أجل المَنَالَةِ في الدنيا، ومن يكرههنَّ فإنَّ الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهنَّ، يعني: إذا أكرهْنَ. وعن مجاهد قال: كانوا يأمرون ولائدهم يُبَاغِين، يفعلن ذلك. فيصبن فيأتينهم بكسبهنّ، فكانت لعبد الله بن أُبَيِّ بنِ سَلُول جاريةٌ، فكانت تباغي، فكرهَتْ وحلفَتْ ألَاّ تفعله، فأكرَهَها أهلها، فانطلقت فباغت ببُرْدٍ أخضر فأتتهم به، فأنزل الله ﵎ هذه الآية.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ليس لتخصيص النهي به وإخراج ما عداه، بل لخروجه مَخْرَجَ الأغلب، أو مخرَجَ المبالغة في الزجر، والتنبيهِ على أن المولى أحقُّ بإرادته، أو لعدم شرط التكليف إذا تخلَّف؛ لأنهنَّ إذا لم يُردن التحصُّن لم يَكْرَهن البغاء، فلا يمكنُ الإكراه عليه. أفاده الفَنَاريُّ في «فصول البدائع» (٢/ ١٩٤).\nوإيثار كلمة «إنْ» على «إذا» للإيذان بوجوب الانتهاء عن الإكراه عند كون إرادة التحصُّن في حيز التردُّد والشك، فكيف إذا كانت محقَّقة الوقوع. (القاسمي).\n(^٢) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص (٤٩).\n(^٣) رواه هنَّاد في «الزهد» (١٣٠٩)، وأبو داود (٤٧٨٢)، ومن طريقه: البيهقي في «شعب الإيمان» (١٤/ ٣٩٤) رقم (٧٩٣٢)، والبغوي في «شرح السُّنة» (١٣/ ١٦٢)، ورواه أيضًا ابن حبان (٥٦٨٨) كلهم من طريق أبي معاوية، حدثنا داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبي ذرٍّ قال: قال لنا رسول الله ﷺ: «إذا غضب أحدكم وهو قائمٌ فَلْيجلسْ، فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فَلْيضطجعْ».\nقال الدارقطني: الصحيح حديث حرب بن أبي الأسود -المرسل- عن أبي ذرٍّ. «العلل» (٦/ ٢٧٧) رقم (١١٣٥).\nقال ابن حجر: هذا حديث حسن! «الأمالي المطلقة» (ص/ ١٨٣).\nقلت: وفي تحسينه نظر، قال المزيُّ: «لا يُحفظ له [أي: أبي حرب] سماع من أبي ذرٍّ». «تحفة الأشراف» (١٢٠٠١) والحديث مرسل كما قال الدارقطني.\nورواه أحمد (٥/ ١٥٢) عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبي الأسود، عن أبي ذرٍّ، به.\nأي: زاد: أبا الأسود.\nقال ابن حجر: وهي زيادة غير محفوظة «الأمالي المطلقة» (ص/ ١٨٣).\nفائدة: نقل الحافظ ابن حجر في «الأمالي المطلقة» نقلًا مهمًا عن «العلل» للدارالقطني في ترجيح الوجه الأول، وقد سقط من المطبوع!\nورواه أبو داود (٤٧٨٣) ومن طريقه البيهقي في «شعب الإيمان» عن داود بن أبي هند، عن بكر، أن النبي ﷺ، به. مرسلًا.\nقال أبو داود: وهذا أصح الحديثين (يعني: المرسل).","vol":"1","page":73},{"text":"قال: «إن الغضبَ مِن الشيطان، وإنَّ الشيطانَ مِن النَّارِ، وإنَّما تُطفأ النَّارُ بالماءِ، فإذا غَضِبَ أحدُكم فليتوضّأْ» (^١)؛ وهذا يدلُّ على أنَّه\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص (٥٠).","vol":"1","page":74},{"text":"محمولٌ عليه مِن غيرِه، وأنَّ الشيطانَ يُغضِبه ليحمِلَه بغضبه على فِعْلِ ما يحبُّه الشيطان، وعلى التكلُّمِ به.\nوما يُضاف إلى الشيطان مما يكرهه العبدُ ولا يحبُّه فلا يؤاخذُ به الإنسان؛ كالوسوسة، والنِّسْيان، كما قال فتى موسى لموسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]؛ فالله تعالى لا يؤاخذُ بالوسوسة ولا بالنسيان؛ إذْ هما مِن أَثَرِ فِعْلِ الشيطان في القلب، وقد أخبرَ النَّبيُّ ﷺ أنَّ الغضبَ مِن الشيطان، فيكون أثرُه مضافًا إليه أيضًا، فلا يؤاخذُ به العبدُ كأثرِ النسيان؛ فإنَّه لو حَلَفَ ألَّا يتكلَّمَ بكذا، فتكلَّم به ناسيًا - لم يحنث؛ لعدم قَصْدِه وإرادته لمخالفةِ ما عَقَدَ يمينَه عليه، وإنْ كان قاصدًا للكلام، فإنَّه لم يقع منه إلا بقصده وإرادته، وهذه حال الغضبان؛ فإنه لم يقصدْ حقيقةَ ما تكلَّم به وموجَبَهُ، بل جرى على لسانِه كما جرى كلامُ النَّاسي على لسانِه، بل قَصْدُ النَّاسي للتكلُّم أظهرُ مِن قَصْدِ الغضبان؛ ولهذا يقول النَّاسي: «قصدتُّ أنْ أقول كذا وكذا»، والغضبانُ يحلِفُ أنَّه لم يقصدْ.\nالوجه التاسع: أنَّ القُصُودَ في العقود معتبرةٌ في عَقْدِها كلِّها (^١)،\n_________\n(^١) قال المؤلف في «إعلام الموقِّعين» (٣/ ٦٦): إيَّاكَ أنْ تُهمل قصدَ المتكلم ونيته وعُرفه؛ فتجني عليه وعلى الشريعة، وتنسب إليها ما هي بريئةٌ منه،\nوتلزم الحالف والمقر والناذر والعاقد ما لم يُلْزِمه الله ورسوله به، ففقيه النفس يقول: ما أردتَّ، ونصف الفقيه يقول: ما قلتَ، فاللغو في الأقوال نظير الخطأ والنسيان في الأفعال، وقد رَفَع الله المؤاخذة بها، وهذا كما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦]؛ فقال ربهم ﵎: قد فعلتُ. اهـ. (القاسمي).","vol":"1","page":75},{"text":"والغضبان ليس له قَصْدٌ معتَبَرٌ في حَلِّ عُقدة النِّكاح، كما ليس له قَصْدٌ في قَتْلِ نفسِه ووَلدِه وإتلافِ ماله؛ فإنَّه يفعلُ - في الغضب - هذا، ويقول هذا، فإذا لم يكن له قَصْدٌ معتبرٌ، لم يصحَّ طلاقُه.\nفإنْ قيل: فهذا ينتقضُ عليكم بالهازل؛ فإنَّه يصحُّ طلاقُه (^١)، وإنْ لم يكن له فيه قَصْدٌ.\nقيل: الفَرْقُ بينهما أنَّ الهازلَ قَصَدَ التكلُّمَ باللفظ وأرَادَه رِضًا واختيارًا منه، لم يُحملْ على التلفُّظِ به، وغايتُه: أنَّه لم يُرِدْ حكمَه وموجَبَه؛ وذلك إلى الشارع ليس إليه، فالسببُ الذي إليه قد أتى به اختيارًا وقَصْدًا مع عِلمه به: لم يُحْمَلْ عليه، والسبب الذي إلى المُشرِّعِ ليس إليه؛ فلا يصحُّ اعتبارُ أحدِهما بالآخر، وكيف يُقاسُ الغضبان على المُتَّخِذِ آياتِ الله هزؤًا؟ ! وهذا مِن أفسدِ القياس!\n_________\n(^١) أي: على ما قاله الشافعية والحنفية، وقولٍ في مذهب أحمد، وخالف غيرهم، كما سيأتي بيانه في الوجه الثامن عشر؛ فصحة طلاقه ليس مجمعًا عليها. اهـ. (القاسمي).","vol":"1","page":76},{"text":"الوجه العاشر: أنَّ الغضبَ مرضٌ مِن الأمراض، وداءٌ مِن الأدواء، فهو في أمراض القلوب نظير الحُمَّى والوسواس والصَّرَعِ في أمراض الأبدان، فالغضبانُ المغلوبُ في غضبِه كالمريضِ، والمحمومِ، والمصروعِ المغلوبِ في مرضِه، والمُبَرْسمِ المغلوبِ في بِرْسَامه. وهذا قياسٌ صحيحٌ في الغضبان الذي قد اشتدَّ به الغضبُ حَتَّى لا يعلم ما يقول، وأما إذا كان يعلم ما يقول، ولكن يتكلَّم به حَرَجًا وضيقًا وغَلَقًا، لا قَصْدًا للوقوع؛ فهو يشبه المُبَرْسم والهاجر مِن الحُمَّى مِن وَجْهٍ، ويشبه المُكْره القاصد للتكلُّم مِن وَجْهٍ، ويشبه المختار القاصد للطلاق مِن وَجْهٍ، فهو متردِّد بين هذا وهذا وهذا، ولكن جهة الاختيار والقصد فيه ضعيف، فإنه يعلم مِن نفسِه أنه لم يكن مختارًا لما صَدَرَ منه مِن خراب بيته وفِراق حبيبه، وكونه يراه في يَدِ غيره، فإنْ كان عاقلًا لا يختار هذا إلا ليدفع به ما هو أكرهُ إليه منه، أو ليحصِّلَ به ما هو أحبُّ إليه، فإذا انتفى هذا وهذا لم يكن مختارًا لذلك، وهذا أمرٌ يعلمه كلُّ إنسان مِن نفسِه، فصار تردُّده بين المريضِ المغلوبِ، والمُكْرهِ، والمحمولِ على الطَّلاق، وأيُّهما كان فإنَّه لا ينفذُ طلاقُه.\nفإن قيل: الفَرْقُ بينهما: أنَّ المريضَ المغلوبَ لا يملك نفسَه في الحال، والمُكْره - وإنْ مَلَكَ نفسَه - لكنه لا يملك دَفْعَ المكروه عنه، وأما الغضبان فإنه يُمكنه أنْ يملكَ نفسَه كما قال النَّبيُّ","vol":"1","page":77},{"text":"ﷺ: «ليس الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، ولكنَّه الذي يَملِكُ نفسَه عند الغَضَبِ» (^١).\nقيل: مِن الغضبِ ما يمكن صاحبه أنْ يملِك نفسَه عنده، وهو الغضب في مبادِئه، فإذا استحكم وتمكَّن منه لم يملك نفسَه عند ذلك، وكذلك الحزنُ الحاملُ على الجزعِ يمكن صاحبه أنْ يملِكَ نفسَه في أوَّلِه، فإذا استحكمَ وقهر لم يملك نفسَه. وكذلك الغضبُ، يمكن صاحبُه أنْ يملكَ نفسَه في أوَّلِه، فإذا تمكَّن واستولى سلطانُه على القلب؛ لم يملك صاحبُه قلبَه، فهو اختياري في أوَّلِه؛ اضطراري في نهايته، كما قال القائل:\nيا عاذلي والأمرُ في يَدِهِ ... هلا عَذلتَ وفي يدي الأَمْرُ\nوهكذا السَّكران: سببُ السُّكر مقدورٌ له، يمكنه فِعْلُه وتَرْكُه، فإذا أتى بالسبب، خَرَجَ الأمرُ عن يدِه، ولم يملك نفسَه عند السُّكْر. فإذا كان السُّكْر الذي هو مفرِّطٌ بتعاطي أسبابه، ويقدِرُ على مَلْكِ نفسِه باجتنابها، قد عَذَرَ الصحابةُ وغيرُهم مِن الفقهاء صاحبَه إذا طلَّق في هذه الحال، مع كونه غيرَ معذورٍ في تعاطي سببه - فَلَأَنْ يُعذَرَ سكرانُ الغضبِ الذي لم يُفرِّطْ مع شِدَّةِ سُكْرِه على سُكْرِ الخمر أَولى وأَحرى.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩) من حديث أبي هريرة.\nقال ابن الأثير في «النهاية» (٣/ ٢٣): «الصُّرَعة - بضم الصاد وفتح الراء - المبالغ في الصِّراع الذي لا يُغلب، فنقله إلى الذي يَغلبُ نفسه عند الغضب ويقهرها». (قاسمي).","vol":"1","page":78},{"text":"الوجه الحاديْ عشَرَ: وهو أنَّ مِن النَّاسِ مَن إذا لم يُنفذْ غضبَه قَتَلَه غضبُه ومات، أو مرِضَ، أو غُشي عليه، كما يُذكرُ عن بعض العرب: أنَّ رَجُلًا سَبَّه؛ فأراد أنْ يَردَّ [على السَّابّ] (^١) فأمسكَ جليسٌ له بيده على فَمِهِ، ثم رَفَعَ يدَه لما ظَنَّ أنَّ غضبَه قد سَكَنَ، فقال: «قتلتني! رَدَدتَ غضبي في جوفي» (^٢). ومات مِن ساعتِه. فإذا نفذ مثل هذا غضبه بقَتْل أو ظُلم لغيره لم يُعذَرْ بذلك كالسَّكران، وأما إذا نَفذَ بقولٍ فإنَّه يمكن إهدار قوله، وألَاّ يترتَّب أثره عليه، كما أهدر الله سبحانه دعاءَه ولم يرتِّبْ أثرَه عليه، ولم يستجبه له.\nولهذا ذهب بعضُ الفقهاءِ إلى أنه لا يجلد بالقذف في حال الخصومة والغضب، وإنما يُجلد به إذا أتى به اختيارًا وقَصْدًا لقذفِه. وهو قولٌ قويٌ جدًا، ويدلُّ عليه: أنَّ الخصم لا يُعذر (^٣) بجَرْحِه\n_________\n(^١) في الأصل: «عن السباب»، ولعل الأرجح ما أثبته كما في مطبوعة القاسمي.\n(^٢) أورد القصة بتمامها: المصعب الزبيري في «نسب قريش» ص (١٦٢)، ورواها ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٧/ ٣١٠) - ترجمة مروان بن عبد الملك بن مروان - ونصُّها: فأمَّا مروان، فإنَّه حجَّ مع الوليد بن عبد الملك؛ فلما كان بوادي القُرَى، جرى بينه وبين أخيه الوليد بن عبد الملك محاورةٌ، والوليدُ يومئذٍ خلفيةٌ؛ فغضب الوليد، فأَمصَّهُ؛ فتَفَوَّهَ مروان بالردِّ عليه؛ فأَمسك عمرُ بن عبد العزيز على فيهِ، فمنعه من ذلك؛ فقال لعمر: «قتلتَني! رَدَدْتَ غيظي في جوفي!» فما راحُوا من وادي القُرَى حَتَّى دفنوه.\n(^٣) كذا في الأصل: «لا يعذر» ثم علَّق الشيخ محمد بن مانع - ﵀ - بخطه ما صورته: لعله «يعذر» و«لا» زائدة.","vol":"1","page":79},{"text":"لخصمه وطَعْنِه فيه حال الخصومة بقوله: هو فاجرٌ، ظالمٌ، غاشمٌ، يحلفُ على الكذب. ونحو ذلك، ومَن يحدُّه في هذه الحال يفرِّقُ بين قَذْفِه وطلاقِه بأنَّ القذفَ حقٌّ لآدميٍّ، وانتهاكٌ لعِرضِه، أو قدحه في نفسِه، فيجري مجرى إتلاف نفسه وماله، فلا يُعذر فيه بالغضب؛ لا سيما ولو عُذر فيه بذلك لأمكن كلُّ قاذفٍ أنْ يقول: قذفتُه في حال الغضب. فيسقط الحَدُّ. بخلاف الطلاق؛ فإنه يمكن أنْ يُديَّن (^١) فيما بينه وبين الله (^٢)، والحقُّ لا يعدوه.\nوالمقصودُ: أنه إذا تكلَّم بالطلاقِ دواءً لهذا المرض، وشِفاءً له بإخراج هذه الكلمة مِن صدره؛ وتنفُّسِه [بها؛ فمِن] (^٣) كمال هذه الشريعة ومحاسِنها وما اشتملت عليه مِن الرحمة والحِكمة والمصلحة ألّا يؤاخذَ بها؛ ويلزمَ بموجبها، وهو لم يلزمه (^٤).\nالوجهُ الثانيْ عشَرَ: أنَّ قاعدةَ الشَّريعة: أنَّ العوارضَ النفسيَّةَ لها تأثيرٌ في القول؛ إهدارًا واعتبارًا، وإعمالًا وإلغاءً، وهذا كعارضِ النسيان والخطأِ، والإكراهِ والسُّكرِ، والجنونِ والخوفِ، والحُزنِ\n_________\n(^١) ديَّنته - بالتثقيل - وكلته إلى دينه، وتركته وما يدين، لم أعترض عليه. «المصباح المنير» (ص ٢٧٩).\n(^٢) علق الشيخ محمد بن مانع ما صورته: «لكن يمكن أن يقول كل مطلق فاجر: طلقتُ حال الغضب!».\nتعقبه تلميذه الشيخ زهير الشاويش: «ليس أمامنا في مثل هذه الحال إلا تصديق القائل؛ ولو كان فاجرًا. وقول شيخنا ابن مانع -﵀- هو من التزامه الدائم التوقف عند المُفْتَى به من متأخري علماء المذهب».\n(^٣) في الأصل: «بما في» والمثبت من مطبوعة القاسمي.\n(^٤) «يلزمه» كذا في الأصل، وفي مطبوعة القاسمي: «يلتزمه».","vol":"1","page":80},{"text":"و[الغفلةِ] (^١) والذهولِ، ولهذا يحتمل مِن الواحد مِن هؤلاء مِن القول ما لا يحتمل مِن غيره، ويُعذر بما لا يُعذر به غيره؛ لعدم تجرُّدِ القَصْدِ والإرادة، ووجود الحامل على القول، ولهذا كان الصَّحابةُ يسألُ أحدُهم النَّاذرَ: «أفي رِضًا قلتَ ذلك أم في غضبٍ؟» (^٢) فإن كان في غَضَبٍ أمره بكفَّارة يمين؛ لأنهم استدلوا بالغضب على أنَّ مقصودَه الحضُّ والمنعُ كالحالف، لا التقرُّب، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النِّساء: ٤٣] فجعل عارضَ السُّكْرِ مانعًا مِن اعتبارِ قِراءة السَّكران وذِكْرِه وصلاته، كما جَعَله النبيُّ ﷺ مانعًا مِن صحَّة إقرارِه لمَّا أمر باستنكاه (^٣) مَن أقرَّ بين يديه بالزنا (^٤)، وجَعَله\n_________\n(^١) «الغفلة» في الأصل: «الغفاء».\n(^٢) قال الأثرم: حَدَّثَنَا عبد الله بن رجاء، أنبأنا عمران، عن قتادة، عن زُرارة بن أبي أوفى، أنَّ امرأة سألت ابنَ عباس: أنَّ امرأة جعلت بُردها عليها هديًا إنْ لبسته؟ فقال ابن عباس: «في غضبٍ أم في رِضا؟» قالوا: في غضب. قال: إنَّ الله ﵎ لا يُتقرب إليه بالغضب، لتكفِّر عن يمينها. «الفتاوى الكبرى» لابن تيمية (٣/ ٥٠٩).\n(^٣) أي: شمّ ريح فَمِهِ ليعلم أشاربٌ هو [للخمر] فيدرأ عنه حدّ الزِّنا. (قاسمي).\n(^٤) رواه مسلم (١٦٩٥) من حديث بُريدة بن الحُصيب في قِصَّة رَجْمِ ماعز بن مالك الأسلمي.","vol":"1","page":81},{"text":"مانعًا مِن تكفير مَن قال له ولأصحابهِ: «هل أنتم إلا عبيدٌ [لآبائي] (^١)» (^٢) وجعل الله سبحانه الغضبَ مانعًا مِن إجابة الدَّاعي على نفسِه وأهله، وجعل سبحانه الإكراه مانعًا مِن كُفْرِ المتكلِّمِ بكلمة الكُفر، وجعل الخطأ والنسيانَ مانعًا مِن المؤاخذة بالقول والفعل. وعارضُ الغضب قد يكون أقوى مِن كثيرٍ مِن هذه العوارض، فإذا كان الواحد مِن هؤلاء لا يترتَّبُ على كلامِه مقتضاه؛ لعدم القصد، فالغضبانُ الذي لم يقصدْ ذلك إنْ لم يكن أَولى بالعُذر منهم لم يكن دونهم؛ يوضِّحه:\nالوجهُ الثالثَ عشَرَ: أنَّ الطَّلاقَ في حالِ الغضب له ثلاثُ صُور:\nأحدها: أنْ يبلغه عن امرأتِه أمرٌ يشتدُّ غضبُه لأجله، ويظنُّ أنه حقٌّ فيطلِّقُها لأجله، ثم يتبين أنَّها بريئةٌ منه، فهذا في وقوع الطَّلاقِ به وجهان، أصحهما: أنه لا يقع طلاقُه؛ لأنه إنما طلَّقها لهذا السبب، والعِلَّةُ والسبب كالشرط، فكأنه قال: إنْ كانت فعلتْ ذلك فهي طالقٌ، فإذا لم تفعله لم يوجد الشرطُ، وقد ذَكَرَ المسألةَ بعينها\n_________\n(^١) في الأصل: «لأناس» ثم صُححت في الحاشية بقلم مغاير إلى: «لأبي» ولعله قلم القاسمي. والمثبت من الصحيح.\n(^٢) رواه البخاري (٢٣٧٥)، ومسلم (١٩٧٩) من حديث علي بن أبي طالب.","vol":"1","page":82},{"text":"أبو الوفاء ابن عَقيل. وذَكَرَ الشريفُ (^١) ابن أبي موسى في «إرشاده» (^٢) فيما إذا قال: أنت طالق أَنْ دَخلتِ الدَّار - بفتح الهمزة - مرارًا، وهو يعرف العربيةَ، ثم تبيَّن أنَّها لم تدخلْ، لم تطلق (^٣). ولا يُقال: هو ههُنا قد صرَّحَ بالتعليل، بخلاف ما إذا لم يصرِّحْ به، فإنَّ هذا لا تأثيرَ له، فإنه قد أوقعَ الطَّلاقَ لَعِلَّةٍ، فإذا انتفتِ العِلَّةُ تبيَّنَّا أنه لم يكن مريدًا لوقوعه بدونها، سواء صرَّحَ بالعِلَّةِ أو لم يصرح بها، وغايةُ الأمر أن تكون العلَّةُ بمنزلة الشرطِ، وهو لو قال: أنت طالقٌ، وقال: أردتُ «إنْ فعلت كذا وكذا»، دُيّنَ فيما بينه وبين الله تعالى.\nوقد ذَكَرَ أصحابُ الشافعيِّ (^٤) وأحمدَ (^٥) فيما إذا كاتب عبدَه على عِوَضٍ فأدَّاه إليه، فقال: أنت حُرٌّ، ثم تبيَّن أنَّ العِوض مستحقٌّ؛ لم يُعتق مع تصريحه بالحريَّة، فالطلاقُ أَولى بعدم الوقوعِ\n_________\n(^١) هو محمد بن أحمد بن أبي موسى، أبو علي، الهاشمي، القاضي الحنبلي، صَنَّفَ «الإرشاد» في المذهب وغيره، وكان له مكانة عالية عند الإمامين: القادر بالله والقائم بأمر الله. تُوفِّي سنة ثمان وعشرين وأربع مِئة. «طبقات الحنابلة» (٣/ ٣٣٥).\n(^٢) ص (٢٩٩).\n(^٣) لأنَّ هذه الصيغة للماضي من الفعل دون المستقبل، والمعنى: إنْ كنتِ دخلتِ الدارَ فأنتِ طالق.\n(^٤) «روضة الطالبين» (١٢/ ٢١٠).\n(^٥) «كشاف القناع» (٤/ ٥٦٦).","vol":"1","page":83},{"text":"في هذه الصُّورة.\nالصورة الثانية: أن يكون قد غَضِبَ عليها لأمرٍ قد عَلِمَ وقوعَه منها، فتكلَّم بكلمةِ الطلاقِ قاصدًا للطلاقِ؛ عالمًا بما يقول؛ عقوبةً لها على ذلك. فهذا يقعُ طلاقُه، إذ لو لم يقعْ هذا الطلاقُ لم يقعْ أكثرُ الطلاقِ، فإنَّه غالبًا لا يقعُ مع الرضا (^١) (^٢).\nالصورة الثالثة: ألَّا يقصدَ أمرًا بعينه، ولكن الغضب حَمَلَه على ذلك، وغيَّر عقلَه، ومَنَعَه كمالَ التصوُّرِ والقصدِ، فكان بمنزلة الذي فيه نوعٌ مِن السُّكر والجنون، فليس هو غائبَ العقل؛ بحيث لا يفهم ما يقول بالكلية، ولا هو حاضرَ العقل؛ بحيث يكون قصدُه معتبرًا، فهذا لا يقعُ به الطلاقُ أيضًا، كما لا يقع بالمُبَرْسَم والمجنون؛ يوضِّحه:\nالوجهُ الرابعَ عشَرَ: أنَّ المجنونَ والمُبَرْسَمَ والموسوَسَ والهاجرَ\n_________\n(^١) «مع الرضا» في الأصل: «إلا مع الرضا» ثم ضُرب على «إلا».\n(^٢) بهذا التفصيل والتحرير يُعلم سقوط ما قاله الفارسيُّ في «مجمع الغرائب» حيث رَدَّ على مَن قال: «الإغلاقُ: الغضب». وغلَّطه في ذلك، وقال: «إن طلاق النَّاس غالبًا إنما هو في حال الغضب» كما نَقَله عنه في «فتح الباري» (٩/ ٣٨٩).\nووجه السقوط: أن الغضب المراد من الحديث ليس علي إطلاقه، بل المراد نوع منه، كما يدلُّ التعبير عنه بالإغلاق، وتقدم لنا ص (٥٥) مناقشة ابن المرابط بمثله. (القاسمي).","vol":"1","page":84},{"text":"قد يشعُرُ أحدُهم بما قاله، ويستحي منه، وكذلك السَّكران؛ ولهذا لم يشرطْ أكثرُ الفقهاء - في كونه سكران - أنْ يُعْدَمَ تمييزُهُ بالكلية، بل قد قال الإمام أحمد وغيره: إنه الذي يخلِّطُ في كلامِه، ولا يَعرف رِداءَه مِن رِداءِ غيره، وفِعْلَه مِن فِعلِ غيره (^١). والسُّنةُ الصَّريحة الصحيحةُ تدلُّ عليه، فإنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ أنْ يُسْتَنْكه (^٢) مَنْ أقرَّ بالزنا (^٣)، مع أنه حاضرُ العقلِ والذِّهنِ، يتكلَّمُ بكلامٍ مفهومٍ ومنتظمٍ، صحيحُ الحركة، ومع هذا فجوَّزَ النبيُّ ﷺ أنْ يكون به سُكْرٌ يحول بينه وبين كمال عقلِه وعلمه، فأمر باستنكَاهِهِ (^٤).\nوالمقصودُ: أنَّ هؤلاء ليسوا مسلوبي التمييز بالكليَّةِ، وليسوا كالعقلاء الذين لهم قَصْدٌ صحيحٌ، فإنَّ ما عَرَضَ لهم أوجب تَغيُّرَ العقلِ الذي مَنَعَ صحةَ القصد، فلم يبقَ أحدُهم يقصِدُ قَصْدَ العقلاءِ الذي مرادُه جَلْبُ ما ينفع، ودَفْعُ ما يضرُّ، فلم يتصور أحدُهم لوازمَ ما تكلَّم به ولا غابَ عقلُه عن الشعور به، بل هو ناقص التصور؛ ضعيف القصد، والغضبانُ في حال غضبه قد يكون أسوأ حالًا مِن\n_________\n(^١) «المغني» (٧/ ٢٩٠).\n(^٢) في الأصل: «يستكنه».\n(^٣) تقدم تخريجه ص (٨١).\n(^٤) «باستنكاهه» في الأصل: «باستنكاه» والمثبت من مطبوعة القاسمي.","vol":"1","page":85},{"text":"هؤلاء، وأشبه بالمجانين، ولهذا يقول ويفعل ما لا يقوله المجنون ولا يفعله.\nفإنْ قيل: فهل يُحْجَرُ عليه في هذا الحال؛ كما يُحجر على المجنون؟\nقيل: لا، والفَرْقُ بينهما: أنَّ هذه الحال (^١) لا تدوم، فهو كالذي يجنُّ أحيانًا نادرًا، ثم يفيق، فإنَّه لا يُحجر عليه. نعم، لو صَدَرَ منه في تلك الحال قولٌ عن غير قَصْدٍ منه؛ كان مثل القول الصَّادر عن المجنون في عدم ترتُّبِ أثره عليه، ولا ريب أنَّه قد يحصُل للغضبان إغماءٌ وغشي - وهو في هذه الحال غير مكلَّف قطعًا - كما يحصُل ذلك للمريض فيزيلُ تكليفَه حالَ الإغماء، حَتَّى إن بعض الفقهاء لا يوجبُ عليه قضاء الصَّلاةِ في هذه الحال إلحاقًا بالمجنون؛ كما يقوله الشافعيُّ (^٢).\nوأحمدُ يوجب عليه القضاء إلحاقًا له بالنائم (^٣).\n_________\n(^١) «الحال» كذا في الأصل، في هذا الموضع وفي المواضع التالية لاحقًا. في حين جعلها القاسمي في مطبوعته: «الحالة».\n(^٢) «المجموع» للنووي (٣/ ٦، ٧) وهو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين -﵀- انظر: «الشرح الممتع» (٢/ ١٩).\n(^٣) «المغني» (٢/ ٥٠، ٥١).","vol":"1","page":86},{"text":"وأبو حنيفة يُفرِّقُ بين الطَّويل الزائد على اليوم والليلة فيُلحِقُه بالجنون، وبين القصير الذي هو دون ذلك فيُلحِقُه بالنوم (^١).\nوقد يُنكرُ كثيرٌ مِن النَّاسِ أن ا<span data-type=\"title\" id=toc-77>لغضبَ يُزيلُ العقلَ</span>، ويبلغُ بصاحبه إلى هذه الحال، فإنَّه لا يعرفُ مِن الغضبِ إلا ما يجدُ مِن نفسِه، وهو لم يعلم غضبًا انتهى إلى هذه الحال. وهذا غَلَطٌ، فإن النَّاسَ متفاوتون في الغضب تفاوتًا عظيمًا، فمنه ما هو كالنَّشوة، ومنه ما هو كالسُّكْرِ، ومنه ما هو كالجنون، ومنه ما هو سريعُ الحصول سريعُ الزَّوال، وعكسه، ومنه سريعُ الحصول بطيءُ الزَّوال، وعكسه، كما قسَّمه النبيُّ ﷺ إلى هذه الأقسام (^٢). وقِوى النَّاس متفاوتة تفاوتًا عظيمًا في ملك تقواهم (^٣) عند الغضبِ والطمعِ والحزنِ والخوفِ والشهوةِ، فمنهم مَن يملِكُ ذلك ويتصرَّفُ فيه، ومنهم مَن يملكه ذلك ويتصرَّفُ فيه.\nالوجهُ الخامسَ عشَرَ: أنَّ الغضبان الذي قد انغلقَ عليه القصدُ والرأيُ في الغضبِ - وقد صار إلى الجنون العارضِ أقربَ منه إلى العقلِ الثابتِ - أَولى بعدم وقوع طلاقِه مِن الهازلِ المتلفِّظِ بالطلاق في حال\n_________\n(^١) «المسيوط» (١/ ٢١٧).\n(^٢) تقدم تخريجه ص (٦٦)، من حديث أبي سعيد الخدري.\n(^٣) «تقواهم» كذا في الأصل. ولعل الصواب: «قواهم» والله أعلم.","vol":"1","page":87},{"text":"عقلِه، وإنْ لم يرده بقلبِه، وقد ألغى طلاقَ الهازلِ بعضُ الفقهاءِ، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمدَ (^١)، حكاها أبو بكر عبدُ العزيز وغيرُه، وبه يقول بعضُ أصحابِ مالك (^٢)، إذا قام دليلُ الهزل، فلم يلزمه عِتقٌ ولا نِكاحٌ ولا طَلاقٌ. ولا ريب أنَّ الغضبانَ أَولى بعدم وقوعِ طلاقِه مِن هذا.\nالوجهُ السادسَ عشَرَ: أنَّ جماعةً مِن أصحابنا لم يشترطوا في المجنون والمُبَرْسَم ألَاّ يكون ذاكِرًا لطلاقِه، وإنْ كان ظاهرُ نَصِّ أحمدَ أنَّه متى ذَكَرَ الطَّلاقَ لزِمَه، فإنه قال في رواية أبي طالب في المجنون يُطَلِّقُ، فقيل له لما أفاقَ: إنَّك طلَّقتَ امرأتك، فقال: أنا ذاكرٌ أنِّي طلَّقتُ، ولم يكن عقلي معي؟ فقال: إذا كان يذكر أنَّه طلَّقَ فقد طَلُقَتْ (^٣).\nقال أبو محمد المقدسي: «وهذا هو المنقول عن الإمام أحمد فيمن كان جنونه بذهاب معرفتِه بالكليَّة وبطلان حواسه، فأمَّا مَن كان جنونُه لنشاف أو كان مُبَرْسَمًا فإنَّ ذلك يسقط حكم تصرُّفه مع أنَّ\n_________\n(^١) «الإنصاف» (٢٢/ ٢١٦).\n(^٢) «حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٥١).\n(^٣) «المغني» (١٠/ ٣٤٦)، و«الإنصاف» (٢٢/ ١٣٨).","vol":"1","page":88},{"text":"معرفتَه غيرُ ذاهبةٍ بالكليَّة، فلا يضرُّه ذِكْرُ الطَّلاق إنْ شاء الله» (^١). انتهى كلامُه.\nومعلومٌ أنَّ الغضبانَ الممتلئ أسوأُ حالًا ممن جنونُه مِن نَشَافٍ أو بِرْسَام، وأقلُّ أحوالِه أن يكون مثله (^٢)؛ يوضِّحه:\nالوجهُ السابعَ عشَرَ: وهو أنَّ الموسوسَ لا يقعُ طلاقُه، صرَّحَ به أصحابُ أبي حنيفة (^٣) وغيرهم، وما ذاك إلا لعدم صِحَّةِ العقلِ والإرادة منه، فهكذا هذا.\nالوجهُ الثامنَ عشَرَ: أنه لم يقلْ أحدٌ: إنَّ مجردَ التكلُّمِ بلفظِ الطَّلاقِ موجِبٌ لوقوعه على أيِّ حالٍ كان، بل لا بُدَّ مِن أمرٍ آخَرَ وراء التكلُّمِ باللفظ:\nفطائفةٌ: اشترطَتْ أنْ يأتيَ به في حالِ التَّكليف فقط، سواءٌ قَصَدَه أو جَرى على لسانِه مِن غير قَصْدٍ، سواءٌ أُكره عليه أو أتى به اختيارًا، وهذا مذهب مَن يوقع طلاقَ المكره، والطَّلاق الذي يجري على لسانِ العبدِ مِن غير قَصْدٍ منه، وهو المنصوصُ عن أبي حنيفة في الموضعين (^٤).\n_________\n(^١) «المغني» (١٠/ ٣٤٦).\n(^٢) «مثله» في الأصل «بمثله»، ثم صححت إلى «مثله» بقلم مغاير.\n(^٣) «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٢٢٤).\n(^٤) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٣٥).","vol":"1","page":89},{"text":"وطائفةٌ: اشترطت مع ذلك أن يأتيَ باللفظ مختارًا قاصدًا له، وهو قول الجمهورِ الذين لا يُنْفِذُون طلاق المُكْره.\nثم منهم: مَنِ اشترطَ مع ذلك أن يكون عالمًا بمعناه، فإنْ تكلَّم به اختيارًا غير عارفٍ بمعناه لم يلزمْه حكمه، وهذا قول مَن يقول: لا يلزم المكلَّف أحكام الأقوال حَتَّى يكون عارفًا بمدلولها. وهذا هو الصَّواب.\nومنهم: مَنِ اشترطَ مع ذلك أن يكون مريدًا لمعناه ناويًا له، فإنْ لم ينوِ معناه ولم يُرِدْه لم يلزمه حكمه، وهذا قولُ مَن يَشترطُ لصريح الطَّلاق النية، وقول مَن لا يوقع طلاق الهازل، وهو قولٌ في مذهب الإمام أحمد (^١) ومالك (^٢) في المسألتين، فيشترطُ هؤلاء:\n_________\n(^١) لكن المذهب خِلافه! (محمد بن مانع).\nتعقبه تلميذه الشيخ زهير الشاويش: «وهذا منه -﵀- تمسكٌ بالمفتى به عند متأخري مذهبه الحنبلي».\n(^٢) قال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٥/ ٢٣٥): \"وبه قال جماعة من الأئمة، منهم الصادق والباقر والناصر، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٧] فدلت على اعتبار العزم، والهازل لا عزم منه. اهـ.\nوأما حديث: «ثلاث جِدهنّ جِدٌ وهزلهن جِدٌ: النكاح والطلاق والرجعة» المروي في أبي داود (٢١٩٤) والترمذي (١١٨٤)؛ فليس من مرويات الشيخين، ولا من الصحيح لذاته، ولا لغيره. ومثل هذا المقام يحتاج فيه إلى القواطع كما لا يخفى. قال الشوكاني: حديث: «ثلاثٌ جِدهن جِدٌّ» .. إلخ في إسناده عبد الرحمن بن حبيب، وهو مختلف فيه، قال النسائي: منكر الحديث. إلخ (القاسمي).","vol":"1","page":90},{"text":"١ - الرِّضا بالنُّطق اللِّساني.\n٢ - والعِلم بمعناه.\n٣ - وإرادة مقتضاه.\nومنهم: مَنْ يشترط مع ذلك كون الطلاق مأذونًا فيه مِن جهة الشَّارع، وهو قول مَن لا يوقع الطلاق المحرَّم، وهو قول طائفة مِن السَّلفِ مِن الصَّحابة والتابعين ومَن بعدهم.\nوقال [محمد] (^١) بنُ عبد السَّلام الخُشني: حَدَّثَنَا (^٢) محمد بن بشار قال: حَدَّثَنَا عبد الوهَّاب بن عبد المجيد الثقفي، حَدَّثَنَا عُبيد الله بن عُمر، عن نافع، عن ابن عُمر أنَّه قال - في الرَّجُلِ يطلِّقُ امرأته وهي حائضٌ -: لا يعتدُّ بذلك.\nوحسبُكَ بهذا الإسناد - إذا صحَّ - رواه أبو محمد بن حَزْم، قال: حَدَّثَنَا يوسف (^٣) بن عبد الله، قال: حَدَّثَنَا أحمد بن عبد الله بن\n_________\n(^١) في الأصل: «عمر»، والمثبت من «المحلى» لابن حزم، و«زاد المعاد» للمصنف، وسيرد بعد عدة أسطر صوابًا. وهو: محمد بن عبد السلام بن ثعلبة ابن الحسن بن كليب - أو كلب - الخشني، أبو عبد الله، عالم، حافظ، حدَّث عنه بالأندلس جماعة جمَّة مِن النبلاء: «جذوة المقتبس» للحميدي ص (٦٨).\n(^٢) في الأصل: «قال حَدَّثَنَا». و«قال» لا وجه لها.\n(^٣) كذا في الأصل «يوسف». فإن لم يكن ثمة تصحيف؛ فهو: الإمام، الحافظ، الفقيه، أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر. انظر: «جذوة المقتبس» للحميدي ص (٣٦٧). ووقع في مطبوعة «المحلَّى» لابن حزم: «يونس بن عبيد الله»! ولعله: يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث، فإنه من شيوخ ابن حزم. والله أعلم بالصواب. انظر: «جذوة المقتبس» ص (٣٨٥).","vol":"1","page":91},{"text":"عبد الرحيم قال: حَدَّثَنَا أحمد بن خالد قال: حَدَّثَنَا محمد بن عبد السَّلام فَذَكَره (^١).\nوهذا مذهبُ أفقهِ التابعين على الإطلاق سعيدِ بن المسيِّب، حكاه عنه الثعلبيُّ (^٢) في تفسير سورة الطَّلاق.\nوهو مذهب أفقهِ التابعين مِن أصحاب ابن عباس، وهو طاوُس. قال عبد الرزاق: عن [ابن] (^٣) جريج، عن عبد الله بن طاوُس، عن\n_________\n(^١) «المحلَّى» لابن حزم (١٠/ ١٦٣)، وانظر: «زاد المعاد» (٥/ ٢٠٢).\nقال ابن القيم: صحَّ عن ابن عمر بإسناد كالشمس. «زاد المعاد» (٥/ ٢١٥).\nقال ابن حجر: إسناده صحيح «الفتح» شرح حديث رقم (٥٢٥٢).\nقلتُ: وللألباني ﵀ بحثٌ قيم، ناقش فيه احتجاج ابن القيم بهذا الأثر، وخلص إلى أن المراد به: «لا تعتدُّ بتلك الحيضة في العدة» لا نفي الاعتداد بالطلاق؛ كما هو ظاهر استدلال ابن القيم. انظر: التمهيد (١٥/ ٥١)، «الفتح» (الإحالة السابقة)، «إرواء الغليل» (٧/ ١٣٥ - ١٣٦) فإنَّه مهم جدًا.\n(^٢) في تفسيره المسمَّى «الكشف والبيان» (٩/ ٣٣٢).\n(^٣) ساقطة من الأصل، واستُدركت من «المصنف» و«زاد المعاد» (٥/ ٢٠٢) حيث نقل ابن القيم هذا الأثر بإسناده ومتنه.","vol":"1","page":92},{"text":"أبيه: أنه كان لا يرى طلاقًا مما خالف وَجْهَ الطَّلاق؛ ووَجْهَ العِدة، وكان يقول: وَجْهُ الطَّلاقِ أنْ يطلِّقها طاهرًا مِن غير جِماع، وإذا استبان حَمْلُها (^١).\nوهذا مذهب خِلاس بن عَمرو. قال ابنُ حَزْمٍ: حَدَّثَنَا محمد بن سعيد بن نُبَاتٍ (^٢)، قال: حَدَّثَنَا عباس بن أصبع، قال: حَدَّثَنَا محمد بن قاسم بن محمد، قال: حَدَّثَنَا محمد بن عبد السَّلام الخُشني، قال: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى، قال: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حَدَّثَنَا [همَّام] (^٣) بن يحيى، عن قتادة، عن خِلاس بن عَمرو أنه قال في الرَّجُلِ يطلِّق امرأته وهي حائضٌ فقال: لا يعتدُّ بها (^٤).\nوهذا قول أبي قِلابة. قال ابنُ أبي شيبة [حدَّثنا] (^٥) عبد الرزاق،\n_________\n(^١) «المصنف» لعبد الرزاق رقم (١٠٩٢٣) (١٠٩٢٥)، «المحلَّى» لابن حزم (١٠/ ١٦٣)، «زاد المعاد» (٥/ ٢٠٢).\n(^٢) «نُبات». في الأصل: «ىىث». والمثبت من مطبوعة «المحلّى» لابن حزم، و«جذوة المقتبس» للحميدي ص (٦٠) والضبط منه.\n(^٣) في الأصل «هشام»، والمثبت من «زاد المعاد» (٥/ ٢٠٢) حيث نقل الأثر بإسناده ومتنه. وهو همام بن يحيى بن دينار العوذي. قال أحمد: ثبتٌ في كلِّ المشايخ. «تهذيب الكمال» للمزي (٣٠/ ٣٠٢).\nملاحظة: تصحَّف «همام» في مطبوعه «المحلَّى» إلى «حمام» بالحاء المهملة.\n(^٤) «المحلَّى» (١٠/ ١٦٣).\n(^٥) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، واستدرك من «المصنف».","vol":"1","page":93},{"text":"عن معمر، [عن أيوب] (^١) عن أبي قِلابة، قال: إذا طلَّقَ الرَّجُلُ امرأته وهي حائضٌ فلا يعتدُّ (^٢) بها (^٣).\nوهذا اختيارُ ابنِ عَقيل في كتابه «الواضح في أصول الفقه» (^٤)؛ صرَّح به في مسألة «النَّهْيُ يقتضي الفساد».\nوهو اختيارُ شيخ الإسلام ابن تيميَّة (^٥).\nوهو أحدُ الوجهَيْن في مذهب أحمد (^٦).\nوقال أبو جعفر الباقر: لا طلاقَ إلا على سُنَّة، ولا طلاق إلا على طُهْرٍ مِن غير جِماع، وكلُّ طلاقٍ في غَضَبٍ أو يمينٍ أو عِتْقٍ، فليس بطلاق، إلا لمن أراد الطَّلاقَ.\n_________\n(^١) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، واستدرك من «المصنف».\n(^٢) «يعتدُّ» كذا في الأصل، وفي مطبوعه «المصنف»: «تعتدُّ».\n(^٣) «المصنف» لابن أبي شيبة (٥/ ٥) كتاب الطلاق، ما قالوا في الرجل يطلق امرأته وهي حائض.\n(^٤) (٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩ وما بعدهما).\n(^٥) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٨١).\n(^٦) قال المَرْدَاوي: الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ طَلاقَها في حَيْضِها أو طُهْرٍ أصابَها فيه، مُحَرَّمٌ، ويقَعُ. نصَّ عليهما، وعليه الأصحابُ. وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وتِلْمِيذُه ابنُ القَيِّمِ، رَحِمَهما اللهُ: لا يقَعُ الطَّلاقُ فيهما. «الإنصاف» (٢٢/ ١٧٢).","vol":"1","page":94},{"text":"والمقصود: أنَّ هؤلاءِ يشترطون في وقوعِ الطَّلاقِ إِذْنَ الشَّارعِ فيه، وما لم يأذن فيه الشَّارعُ فهو عندهم لاغٍ، غيرُ نافذٍ.\nقال شيخ الإسلام: وقولهم أصحُّ في الدَّليل مِن قول مَن يوقع الطَّلاقَ الذي لم يأذن فيه الله ورسولُه، ويراه صحيحًا لازمًا.\nوالمقصود: أنَّ أحدًا لم يقل: إنَّ مجرَّدَ التكلُّمِ بالطَّلاقِ موجبٌ لترتُّبِ أثره عليه على أيِّ وَجْهٍ كان.\nالوجهُ التاسعَ عشَرَ: أنَّ هذا مقتضى نَصِّ أحمد؛ كما تقدَّم (^١) تفسيره الإغلاق - في رواية حنبل - بالغضب (^٢).\nوقال عبدُ الله ابنُه في «مسائله» (^٣): سألتُ أبي عن المجنون إذا طلَّقَ في وقت زَوَلانِ عقلِه أيجوز؟ قال أبي: كلُّ مَن كان صحيحَ العقل، فزال عقلُه عن صحَّته، فطلَّق - فليس طلاقُه بشيءٍ.\nفهذا عمومُ كلامِه، وذاك خاصُّه؛ فقد جعل تغيّرَ العقلِ عن صحَّته مانعًا مِن وقوعِ الطَّلاق، ولا ريبَ: أنَّ إغلاقَ الغضبِ يُغَيِّرُ العقلَ عن صحَّتهِ.\n_________\n(^١) ص (٣٦).\n(^٢) قال المؤلف في «شفاء العليل» (١/ ٤١٠): «وهذا يدلُّ على أنَّ مذهبه أن طلاق الغضبان لا يقع».\n(^٣) روى نحوه عبد الله في «مسائله» المطبوعة رقم (١٣٣٢).","vol":"1","page":95},{"text":"الوجه العشرون: أنَّ الفقهاءَ اختلفوا في صحَّةِ حُكْمِ الحاكم في الغضبِ على ثلاثةِ أقوالٍ، وهي ثلاثةُ أوجهٍ في مذهب أحمد (^١):\nأحدها: لا يصحُّ ولا يَنْفُذُ؛ لأنَّ النَّهيَ يقتضي الفسادَ.\nوالثاني: ينفُذُ.\nوالثالث: إنْ عَرَضَ له الغضبُ بعد فَهْمِ الحكم نَفَذَ حكُمه، وإنْ عَرَضَ له قبل ذلك لم ينفذْ، فإنّ الحاكمَ يجب أن يكون عالمًا عدلًا.\nفمَن نفذ حكمه قال: الغضبُ لا يمنعُه العلمَ والعدلَ، فقد حَكَم النبيُّ ﷺ للزُّبيرِ في شِرَاجِ الحَرَّة وهو غضبان (^٢).\nومَن لم يُنفِذْ حُكمه قال: الغضبُ يمنعه كمالَ المقصودِ وحُسْنَ القصد، فيمنعه العلمَ والعدلَ، ولا يصحُّ القياس على النبيِّ ﷺ فإنَّه معصومٌ في غَضَبِه ورِضاه، فكان إذا غضب لم يقل إلا حقًّا؛ كما كان في رِضاه كذلك.\n_________\n(^١) «المغني» (١٤/ ٢٥، ٢٦)، و«أصول الفقه» لابن مفلح (٤/ ١٥٤٦)، و«روضة الطالبين» (١١/ ١١٠)، و«إعلام الموقعين» (٤/ ٢٢٧).\n(^٢) رواه البخاري (٢٣٥٩)، ومسلم (٢٣٥٧) عن عبد الله بن الزبير.","vol":"1","page":96},{"text":"ومَن فرَّق قال: إذا عَلِمَ الحقَّ قبل الغضب لم يمنعه الغضبُ مِن العلمِ، وحينئذ فيمكنُه أن يُنفِذَ الحقَّ الذي عَلِمه، وإذا غَضِبَ قبل الفهم لم يَنفُذْ حكمُه؛ لإمكان أن يَحول الغضبُ بينه وبين الفهم (^١)، وهؤلاء يحتجُّون بقضيَّة الزبير، وأنَّ النبيَّ ﷺ إنما عَرَضَ له الغضبُ بعد فَهْمِ الحكومة.\nوالمقصودُ: أنَّ الغضبَ إذا أثَّر عند هؤلاء في بطلان الحكم، عُلِمَ أنَّ كلامَ الغضبان غيرُ كلام الرَّاضي المختارِ، وأنَّ للغضبِ تأثيرًا في ذلك.\nالوجه الحادي والعشرون: أنَّ وقوعَ الطَّلاق حكمٌ شرعيٌّ؛ فيستدعي دليلًا شرعيًا، والدليلُ: إما كتابٌ، أو سُنَّةٌ، أو إجماعٌ، أو قياس يستوي فيه حُكم الأصل والفَرْعِ. وليس شيءٌ منها موجودًا في مسألتنا.\nوإن شئتَ قلتَ: الدَّليلُ إما نَصٌّ، وإما معقول نَصٍّ، وكلاهما مُنْتَفٍ.\nوإنْ شئتَ قلتَ: لو ثبت الوقوعُ لَزِمَ وجود دليله، واللازمُ مُنتفٍ؛ فالملزوم مثله.\n_________\n(^١) المذهب: أنَّ حكم الغضبان ينفذ إنْ أصاب الحقَّ، وإلا فلا. (محمد بن مانع).\nتعقبه تلميذه الشيخ زهير الشاويش: «رحم الله شيخنا ابن مانع، فإنه هنا يميل إلى المفتى به في المذهب، مع أن إصابة الحق أمر نسبي لا ضابط له».","vol":"1","page":97},{"text":"الوجهُ الثاني والعشرون: أنَّ نِكاح هذا مُثْبَتٌ بالإجماع، فلا يزول إلا بإجماعٍ مثلِه.\nوإنْ شئتَ قلتَ: نِكاحُه قبل صدورِ هذا اللفظ منه ثابتٌ بالإجماعِ، والأصلُ بقاؤه حَتَّى يثبت ما يرفعُه.\nالوجهُ الثالثُ والعشرون: أنَّ جمهورَ العلماء يقولون: إنَّ طلاق الصَّبيِّ المُميِّزِ العاقلِ لا ينفذُ ولا يصحُّ - هذا قول أبي حنيفة (^١)، ومالكٍ (^٢)، والشافعيِّ (^٣)، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد (^٤)؛ اختارها الشَّيخُ أبو محمد (^٥)، وهو قولُ إسحاق - مع كونه عارفًا باللفظ، وموجبه بكلماته اختيارًا وقَصْدًا، وله قَصْدٌ صحيحٌ، وإرادةٌ صحيحةٌ، وقد أمر اللهُ سبحانه بابتلائه واختباره في تصرُّفاتِه. وقد نفذ عُمرُ بن الخطَّاب وصيَّته (^٦). واعتبرَ النَّبيُّ ﷺ قَصْدَه\n_________\n(^١) «شرح فتح القدير» (٣/ ٤٨٧).\n(^٢) «المدونة» (٦/ ٢٥)، و«مواهب الجليل» (٣/ ٤٥٣).\n(^٣) «الأم» (٥/ ٢٢٠)، «الوسيط» للغزالي (٥/ ٣٧٢).\n(^٤) المذهب: يقع طلاق المميز إنْ عقل معناه. (محمد بن مانع).\n(^٥) «الإنصاف» (٢٢/ ١٣٥، ١٣٦).\n(^٦) رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٥٨٤)، والدَّارمي (٣٣٣٠)، والبيهقي (٦/ ٢٨٢).\nقال الحافظ ابن حجر: هو قوي، فإنَّ رجاله ثقات، وله شاهد. «الفتح» شرح حديث (٢٧٣٨). قال الألباني: صحيح. «الإرواء» (١٦٤٥).","vol":"1","page":98},{"text":"واختياره في التخيير بين أبويه (^١)، فالغضبانُ الشديدُ الغضب الذي قد أُغلقَ عليه بابُ القصدِ والعِلْم أَولى بعَدَمِ وقوعِ طلاقِه مِن هذا بلا ريب.\nفإن قيل: الغضبانُ مكلَّفٌ، وهذا غيرُ مكلَّفٍ؛ لأنَّ القلمَ مرفوعٌ عنه.\nقيل: نعم، الأمرُ كذلك، ولكنْ لا يلزمُ مِن كونه مكلَّفًا أن يترتَّبَ الحكم على مجرَّد لفظِه كما تقدَّم، كيف والمُكره مكلَّف؛ ولا يصحُّ طلاقُه، والسَّكرانُ مكلَّفٌ، والمريضُ مكلَّفٌ، فلا يلزم مِن كون العبد مكلَّفًا ألَّا يعرِض له حالٌ يمنعُ اعتبارَ أقوالِه ونقص (^٢) أفعاله.\nالوجهُ الرابعُ والعشرون: أنَّ غايةَ التلفُّظِ بالطَّلاق أن يكون جزءَ سبب، والحكمُ لا يتمُّ إلا بعد وجودِ سببه وانتفاء مانعه، وليس مجرَّدُ التلفُّظِ سببًا تامًا باتِّفاقِ الأئمة كما تقدَّم؛ وحينئذٍ: فالقَصْدُ\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (١٢٦١١)، (١٢٦١٢)، وسعيد بن منصور (٢٢٧٥)، وأحمد (٢/ ٤٤٧)، وأبو داود (٢٢٧٧)، والترمذي (١٣٥٧)، والحاكم (٤/ ٩٧) من حديث أبي هريرة، به. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وصححه ابن القطان أيضًا في «بيان الوهم والإيهام» رقم (٢٤٢١).\n(^٢) «نقص» كذا في الأصل، ولعل الصواب: «نقض» ويكون المعنى أنه عرض له حالٌ ألغى أحواله ونقض أفعاله. والله أعلم.","vol":"1","page":99},{"text":"والعِلم والتكليف إمَّا أن تكونَ بقيةَ أجزاء [الكسب] (^١)، أو تكونَ شروطًا في اقتضائه، أو يكونَ عدمُها مانعًا مِن تأثيره، وعلى التقادير الثلاثة: فلا يؤثِّر التكلُّمُ بالطَّلاق بدونها. وليس مع مَنْ أوقعَ طلاقَ الغضبان، والسَّكران، والمُكْرَه، ومَن جرى على لسانه بغير قَصْدٍ منه، إلا مجرَّدُ السبب، أو جزؤه؛ بدون شرطِهِ وانتفاءِ مانعه، وذلك غيرُ كافٍ في ثبوت الحكم. والله أعلم.\nالوجه الخامس والعشرون: أنه لو سَبَقَ لسانُه بالطَّلاق، ولم يُرِدْهُ، دُيِّنَ فيما بينه وبين الله تعالى، ويُقْبَلُ منه ذلك في الحكم في إحدى الرِّوايتين عن أحمد (^٢)، إلا أن تكذِّبه قرينةٌ.\nوالرواية الأخرى: يُديَّن، ولا يُقبل في الحكم (^٣).\nوكذلك قال أصحابُ الشافعيِّ (^٤): إذا سَبَقَ الطَّلاقُ إلى لسانه بغير قَصْدٍ، فهو لغوٌ، ولكن لا تُقْبَلُ دعوى سَبْقِ اللسان إلا إذا ظهرتْ قرينةٌ تدلُّ عليه؛ فقبلوا منه في الباطن دون الحكم إلا بقرينة.\n_________\n(^١) «الكسب» في الأصل: «لكسب».\n(^٢) المذهب: أنه يُديّن؛ ولا يقبل في الحكم؛ كما هو في الرواية الأخرى. (محمد بن مانع).\n(^٣) «الشرح الكبير» مع «الإنصاف» (٢٢/ ٢١٨).\n(^٤) «روضة الطالبين» (٨/ ٥٣).","vol":"1","page":100},{"text":"وكذلك قال أصحابُ مالك (^١): مَن سَبَقَ لسانُه إلى الطَّلاق، لم يقع عليه الطَّلاقُ، قالوا: ويُقبل في الفتوى.\nوأبو حنيفة (^٢): لا يرى سَبْقَ اللسان مانعًا مِن وقوع الطَّلاقِ، وعنه في سَبْقِ اللسان في العتقِ روايتان، وقرَّرَ أصحابُه بأن المرأة تملك بُضْعَها لسببٍ يستوي فيه القَصْدُ وعدمُ القَصْد؛ كالسَّكران والمُكْره والهازل، وكالرِّضاع بالاتِّفاق، فزوال البُضْعِ لا يختلف في سببه القَصْدُ وعدم القَصْدِ، بخلاف العتق، فإنَّ السبب الذي يملك به نفسَه يختلف فيه القَصْدُ وعدمُه، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة التسويةَ بينهما، ثم اختلف أصحابُه:\nفقالت طائفةٌ: هما سواءٌ في الوقوع.\nوقالت طائفةٌ: بل هما سواءٌ في عَدَمِ الوقوع.\nوالمقصود: أنَّ سَبْقَ اللسان إلى الطَّلاقِ مِن غير قَصْدٍ له مانعٌ مِن وقوعِه عند الجمهور، والغضبانُ إذا عَلِمَ مِن نفسِه أنَّ لسانَه سَبَقَه بالطَّلاق مِن غير قَصْدٍ، جاز له الإقامة على نِكاحه ويُدَيَّن في الفتوى. وأما قَبولُهُ في الحكم فيُخرَّجُ على الخِلاف.\n_________\n(^١) «مواهب الجليل» ومعه «التاج والإكليل» (٤/ ٤٤).\n(^٢) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٥٠، ٢٥١).","vol":"1","page":101},{"text":"والأظهرُ: أنَّه إنْ قامتْ قرينةٌ ظاهرةٌ تدلُّ على صحَّةِ قوله، قُبِلَ في الحكم، والغضبُ الشديدُ مِن أقوى القرائن، ولا سيمَّا فإنَّ كثيرًا ممن يُطَلِّقُ في شدَّةِ الغضب يحلف بالله جَهْدَ يمينه أنه لم يقصدِ الطَّلاقَ، وإنما سَبَقَ لسانُه؛ وحينئذٍ فالجمهورُ لا يوقعون عليه الطَّلاقَ، كما صرَّحَ به أصحابُ أحمدَ والشافعيِّ ومالكٍ، وفي قبوله في القضاء ثلاثةُ أقوالٍ؛ أصحُّها: أنَّه إنْ قامتْ قرينةٌ ظاهرةٌ على صحَّةِ قوله قُبِلَ؛ وإلا فلا.","vol":"1","page":102},{"text":"فصل\nومما يُبيِّنُ أنَّ الغضبان قد يتكلَّمُ في الغضب بما لا يريدُه: ما رواه مسلم في «صحيحه» من حديث أبي الزُّبير أنَّه سمع جابرَ بن عبد الله يقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنِّي [اشْترطتُ] (^١) على رَبِّي ﷿ أيُّ عَبْدٍ مِن المسلمين شَتمتُهُ أو سَببتُهُ أنْ يكون ذلك له زكاةً وأجرًا» (^٢).\nوفي مسند الإمام أحمد مِن حديث مسروق، عن عائشة قالت: دَخَلَ على النَّبيِّ ﷺ رَجُلان [فأغلظ لهما] (^٣) وسبَّهما. قالت: فقلت: يا رسولَ الله، لَمَنْ أصابَ منك خيرًا [ما أصابَ هذان منك خيرًا] (^٤) قالت: فقال: «أَوَما علمتِ ما عاهدتُ عليه رَبِّي ﷿؟ قلتُ: اللَّهُمَّ أيُّما مؤمنٍ سببتُه أو جلدتُهُ أو لعنتُهُ فاجعلها له مغفرةً وعافيةً» (^٥).\nوفي «الصحيحين» مِن حديث أبي هُريرة أنَّه سمع النَّبيَّ\n_________\n(^١) في الأصل: «اشترط»، والمثبت من صحيح مسلم.\n(^٢) رواه مسلم (٢٦٠٢).\n(^٣) «فأغلظ لهما» في الأصل: «فأغلظا» والمثبت من «المسند».\n(^٤) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، واستُدرِك من «المسند».\n(^٥) «المسند» (٦/ ٤٥).","vol":"1","page":103},{"text":"ﷺ يقول: «اللَّهُمَّ، أيّما عبدٍ مؤمنٍ سَبَبتُهُ؛ فاجعلْ ذلك [له] (^١) قُرْبةً إليكَ يومَ القيامةِ» (^٢).\nوفي بعض ألفاظِ الحديث: «إنَّما أنا بَشَرٌ، أرضى كما يرضى البشرُ، وأغضبُ كما يغضبُ البشر، فأيُّما مؤمنٍ سببتُه أو لعنتُه فاجعلها له زكاةً».\nفلو كان النبيُّ ﷺ مريدًا لما دعا به في الغضبِ لما شَرَطَ على ربِّه وسأله أنْ يفعلَ بالمدعو عليه ضِدَّ ذلك؛ إذ مِن الممتنع اجتماعُ إرادة الضِّدين، وقد صرَّحَ بإرادة [أحدهما] (^٣) مشترطًا لَهُ على ربِّه، فدلَّ على عَدَم إرادتِهِ لما دَعَا به في حالِ الغضب. هذا؛ وهو ﷺ معصومُ الغضبِ كما هو معصومُ الرِّضَا، وهو مالكُ لفظِه بتصرُّفِه، فكيف بمن لم [يعصمْهُ] (^٤) في غضبهِ وتمليكه، ويتصرَّفُ فيه غضبُه، ويتلاعبُ الشيطانُ به فيه؟ وإذا كان الغضبانُ يتكلَّمُ بما لا يريده، ولا يريد مضمونه، فهو بمنزلة المُكْره الذي يلجأ إلى الكلام أو يتكلَّمُ به باختياره، ولا يريد مضمونه، والله أعلم.\n_________\n(^١) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، واستدرك من «صحيح مسلم».\n(^٢) رواه البخاري (٦٣٦١)، ومسلم (٢٦٠١).\n(^٣) في الأصل: «أحدها».\n(^٤) في الأصل: «يعصمهم».","vol":"1","page":104},{"text":"فإن قيل: ما ذكرتم معارَضٌ بما يدلُّ على وقوع الطَّلاقِ، فإنَّ الغضبان أتى بالسَّببِ اختيارًا وأرادَ في حال الغضب ترتُّب أثره عليه، ولا يضرُّ عدم إرادتِه له في حال رِضاه؛ إذ الاعتبار بالإرادة إنما هو حال التلفُّظِ، بخلاف المُكْره، فإنه محمولٌ على التكلُّمِ بالسبب غير مريد لترتُّبِ أثره عليه، وبخلاف السَّكران المغلوب [على] (^١) عقله، فإنه غير مكلَّفٍ، والغضبان مكلَّفٌ مختار، فلا وجه لإلغاء كلامه.\nفالجواب: أن يقال: إنْ أُريدَ بالاختيار رِضَاه به وإيثاره له فليس بمختار، وإنْ أردتم أنَّه وقع بمشيئته وإرادته التي هو غير راضٍ بها ولا بأثرها فهذا بمجرَّدِه لا يوجب ترتُّب الأثر، فإن هذا الاختيار [ثابت] (^٢) للمُكْره والسَّكران، فإنا لا نشترط في السَّكران ألّا يفرِّقَ بين الأرض والسماء، بل المشترط في عَدَمِ ترتُّبِ أثر أقواله أنه يهذي ويخلِّطُ في كلامِه، وكذلك المحمومُ والمريض، وأبلغ مِن هذا: الصَّبيُّ المراهقُ للبلوغ، إذ هو مِن أهل الإرادة والقَصْد الصحيح، ثم لم يرتب على كلامِه أثره، وكذلك مَن سَبَقَ لسانُه بالطَّلاق ولم يُردْه؛ فإنه لا يقع طلاقُه؛ وقد أتى باللفظ في حال الاختيار غير مُكره، ولكن لم يقصده، والغضبان - وإن قَصَدَه - فلا حكم لقَصْدِه في حال الغضب لما تقدَّم مِن الأدلة الدَّالة على ذلك. وقد صَرَّحَ\n_________\n(^١) زيادة يقتضيها المعنى.\n(^٢) في الأصل: «ثابتة».","vol":"1","page":105},{"text":"أصحابُنا (^١) بأنَّ مَن كان جنونُه لنَشَافٍ أو بِرْسَام لا يقع طلاقُه، ويسقط حكم تصرُّفِه [و] (^٢) إنْ كانت معرفته غير ذاهبة بالكلية، ولا يضرُّه أنْ يذكرَ الطلاقَ وأنه أوقعه، وما ذكرناه مِن دُعاء النَّبيِّ ﷺ رَبَّه أنْ يجعلَ سبَّه لمن سَبَّه في حال غضبه صَريحٌ في أنه [غير] (^٣) مريدٍ له، إذ لو أراده واختاره لم يسأل رَبَّه أن يفعل بالمدعو عليه ضِدَّ ما دعا به عليه، إذ لا يتصور إرادة ضِدَّين في حالٍ واحدة، وهذا وحدَه كافٍ في المسألة.\nفهذا ما ظَهَر في هذه المسألة، بعد طول التأمُّل والفِكْرِ، ونحن مِن وراءِ القَبول والشُّكر لمن رَدَّ ذلك بحجَّة يجب المصيرُ إليها، ومِن وراءِ الرَّدِّ على مَن رَدَّ ذلك بالهوى والعناد. واللهُ المستعان، وعليه التكلان، وصَلَّى الله على سيِّدِ المرسلين، وخاتم النَّبيين، وعلى آله وأصحابه، وعترته وأنصاره، صلاة دائمة بدوام ملك الله ﷿.\n\n(تمّت)\n_________\n(^١) «المغني» (١٠/ ٣٤٦).\n(^٢) زيادة يقتضيها المعنى؛ انظر «المغني» (١٠/ ٣٤٦).\n(^٣) زيادة يقتضيها المعنى.\n\n[وافق الفراغ من نَسْخ المخطوط، ومقابلته، وتصحيحه، وتخريج أحاديثه، والتعليق عليه، لخمس بقين من رمضان، لسنة اثنتين وعشرين وأربع مئة وألف من هجرة نبينا محمد ﷺ على يَدِ العبد الفقير لعفوِ رَبِّه عُمر بن سليمان الحفيان غفر الله له ولوالديه.]","vol":"1","page":106},{"text":"قصيدة المطلقة","vol":"1","page":107},{"text":"المطلَّقة (^١)\nقصيدة من البحر الوافر لأديب العراق معروف أفندي الرُّصَافي في الانتصار لمذهب المؤلِّف وشيخه، عليهما الرحمةُ والرضوان:\nبَدَتْ كالشمس يحضُنُها الغُرُوبُ ... فتاةٌ راعَ نَضرتَهَا الشُّحوبُ\nمنزَّهةٌ عن الفحشاء خَوْدٌ (^٢) ... من الخَفِراتِ (^٣) آنِسَةٌ عَروبُ (^٤)\nنَوَارٌ (^٥) تَستَجِدُّ بها المَعَالي ... وتَبلى دُونَ عِفَّتِها العُيوبُ\nصفا ماءُ الشَّبابِ بوَجْنَتَيْهَا ... فحامَتْ حولَ رَوْنقهِ القُلوبُ\nولكنَّ الشَّوائِبَ أدركتْهُ ... فعادَ وصَفْوُهُ كَدِرٌ مَشوبُ\nذوى منها الجمالُ الغَضُّ وَجْدًا ... وكادَ يَجِفُّ ناعِمُهُ الرَّطيبُ\nأصابَتْ مِنْ شَبيبَتِها الليالي ... ولم يُدرِكْ ذُؤابَتَها المَشيبُ\nوقد خَلَبَ العُقُولَ لها جبينٌ ... تَلوحُ على أَسِرَّتِهِ (^٦) النُّكوبُ\n_________\n(^١) ديوان الرُّصَافي (٢/ ١٣٧) شرح: مصطفى علي، ومنه استفدتُّ الشرحَ مع التصرُّف.\n(^٢) الخَوْد: الشابَّة الحسنةُ الخَلْق.\n(^٣) الخَفِرات: جمع «خَفِرة»، وهي المرأة التي اشتدَّ حياؤها.\n(^٤) العَرُوب: المرأة المتحبِّبة إلى زوجها.\n(^٥) النَّوَار: المرأة النفور من الرِّيبة، وهو اسم لامرأة كانت زوجًا للشاعر الفرزدق، فطلَّقها فندم على طلاقه إيَّاها، وفي البيت إشارةٌ إلى ذلك.\n(^٦) الأسِرَّة: خطوط الجبهة.","vol":"1","page":109},{"text":"ألا إنَّ الجَمَال إذا علاه ... نِقابُ الحُزنِ مَنظَرُه عَجيبُ\n\n* * *\nحَليلةُ طيِّبِ الأعراق زالَتْ ... بهِ عنها وعَنْهُ بها الكُروبُ\nرَعَى ورَعَتْ (^١) فلم تَرَ قَطُّ منه ... ولم يَرَ قطُّ مِنها ما يَريبُ\nتوثَّقَ حَبْلُ وُدِّهما حُضورًا ... ولم يَنكُثْ توثُّقَهُ المَغيبُ\nفغاضَبَ زوجَها الخُلَطاءُ يومًا ... بأمرٍ للخِلافِ به نُشوبُ\nفأقسَمَ بالطَّلاقِ لهم يمينًا ... وتِلكَ أَلِيَّةٌ (^٢) خَطَأٌ وحُوْبُ (^٣)\nوطلَّقها على جَهْلٍ ثلاثًا ... كذلِكَ يَجْهَلُ الرَّجُلُ الغَضوبُ\nوأفتَى بالطَّلاقِ طلاقَ بَتٍّ ... ذَوو فُتيا تَعَصُّبُهُم عَصيبُ (^٤)\nفبانَتْ عنهُ لم تَأتِ الدَّنايا ... ولم يَعْلَقْ بها الذَّامُ (^٥) المَعيبُ\nفظَلَّت وَهْيَ باكيةٌ تُنادي ... بصوتٍ منهُ ترتَجِفُ القُلوبُ\nلماذا يا «نجيبُ» صَرَمْتَ (^٦) حَبْلي! ... وهل أذنَبْتُ عِندَكَ يا نجيبُ!\n_________\n(^١) أي: رعى عهدها، ورعت عهده.\n(^٢) الأليَّة: القَسَم واليمين.\n(^٣) الحُوب: الذَّنْب.\n(^٤) العصيب: الشديد.\n(^٥) الذَّامُ: العَيْبُ.\n(^٦) صَرَمْتَ: قطَعْتَ.","vol":"1","page":110},{"text":"ومالكَ قد جَفَوتَ جَفاءَ قَالٍ (^١) ... وصِرتَ إذا دَعوتُكَ لا تُجيبُ؟ !\nأبِنْ ذنبي إليَّ فَدَتْكَ نفسي ... فإنِّي عنهُ بعدَئِذٍ أتوبُ!\n\nأ\nأَمَا عاهَدتَّني بالله ألَّا ... يُفرِّقَ بيننا إلا شَعُوبُ؟ ! (^٢)\nلَئِنْ فارَقْتَني وصَدَدتَّ عنِّي ... فقَلبي لا يُفارِقُهُ الوَجيبُ (^٣)\nوما أَدْماءُ (^٤) تَرتَعُ حَوْلَ رَوضٍ ... ويَرتَعُ خَلفَها رَشَأٌ رَبيبُ\nفما لَفَتَتْ إليهِ الجِيدَ حَتَّى ... تَخَطَّفَهُ بآزِمَتَيْهِ (^٥) ذِيبُ\nفرَاحَتْ مِن تَحرُّقها عليهِ ... بِدَاءٍ ما لَهَا فيهِ طَبيبُ\nتَشَمُّ الأرضَ تطلُبُ منه رِيحًا ... وتَنْحَبُ والبُغَامُ (^٦) هوَ النَّحيبُ\nوتَمْزَعُ (^٧) في الفَلاةِ لغيرِ وَجهٍ ... وآوِنَةً لِمَصْرَعِهِ تَؤوبُ:\nبأجْزَعَ (^٨) مِنْ فؤادي يومَ قالوا ... بِرُغْمٍ مِنكِ فارَقكِ الحبيبُ\n* * *\n_________\n(^١) القالي: المُبغِض.\n(^٢) شَعُوب: الموت.\n(^٣) الوَجيب: الاضطراب والخفقان.\n(^٤) الأدماء: الظَّبية التي أُشرِبَ لونُها بياضا، أو البيضاءُ البطنِ السَّمراءُ الظَّهرِ.\n(^٥) آزِمته: نابيه.\n(^٦) البُغام: صياح الظَّبية إلى ولدها بأرخمِ وألينِ ما يكونُ من صَوتها.\n(^٧) تمزَعُ: تعدو عدوًا سريعًا.\n(^٨) قوله: «بأجزع» خبر «ما» في قوله: «وما أدماء».","vol":"1","page":111},{"text":"فأطرقَ رأسَه خَجَلًا وأغضى ... وقالَ ودَمعُ عَينَيْهِ سَكوبُ\n\"نَجيبةُ\" أقصِري عنِّي فإنِّي ... كَفاني مِنْ لَظَى النَّدَمِ اللَّهيبُ\nوما - واللهِ - هَجْرُكِ باختِياري ... ولكنْ هكذا جَرَتِ الخُطوبُ\nفليس يَزولُ حُبُّكِ مِن فُؤادي ... وليسَ العَيشُ دونَكِ لي يَطيبُ!\nولا أسلو هَواكِ وكيفَ أسلو ... هَوًى كالرُّوحِ فِيَّ لَهُ دَبيبُ؟ !\nسَلي عنِّي الكَواكِبَ وَهْيَ تَسْرِي ... بجُنْحِ اللَّيلِ تَطْلُعُ أو تَغيبُ\nفكَمْ غالَبْتُها بهَواكِ سُهْدًا ... ونَجمُ القُطبِ مُطَّلِعٌ رَقيبُ! !\nخُذي مِن نور (رَنْتَجْنٍ) (^١) شُعاعًا ... بِهِ للعَينِ تنكَشِفُ الغُيوبُ\nوألْقِيهِ بصَدْرِيَ وانْظُريني ... تَرَيْ قَلبي عَلَيكِ به نُدوبُ\nوما المَكبولُ أُلقِيَ في خِضَمٍّ ... بهِ الأمواجُ تَصْعَدُ أو تَصوبُ\nفراحَ يغُطُّه التَّيارُ غطًّا ... إلى أن تمَّ فيه لَهُ الرُّسوبُ\nبأَهْلَكَ (^٢) - يا ابنةَ الأمجادِ - منِّي ... إذا أنا لم يَعُدْ بكِ لي نَصيبُ!\n* * *\nألا قُلْ في الطَّلاقِ لِمُوقِعيهِ ... بِما في الشَّرعِ ليس لهُ وجوبُ\nغَلَوْتُم في دِيانَتِكُم غُلُوًّا ... يَضيقُ ببَعضِهِ الشَّرعُ الرَّحيبُ\nأرادَ اللهُ تَيْسيرًا وأنتُمْ ... مِن التَّعسيرِ عِندَكُمُ ضُروبُ\n_________\n(^١) رنتجن: اسم مكتَشِف أشعة إكس (×).\n(^٢) «بأهلك» خبر «ما» في قوله: «وما المكبول».","vol":"1","page":112},{"text":"وقَد حَلَّتْ بأُمَّتِكُم كُروبُ ... لكُمْ فِيهِنَّ لا لَهُمُ الذُّنوبُ\nوَهَى حَبْلُ الزَّواجِ ورَقَّ حَتَّى ... يَكاد إذا نَفَخْتَ لهُ يذوبُ\nكخَيطٍ من لُعَابِ الشَّمسِ أدلَتْ ... بهِ في الجَوِّ هاجِرَةٌ حَلُوبُ (^١)\nيُمَزِّقُه مِنَ الأفواهِ نَفْثٌ ... ويَقطَعُهُ مِنَ النَّسَمِ الهُبوبُ\nفَدى (ابنَ القيِّم) الفُقَهاءُ كَمْ قَد ... دَعاهُم للصَّوابِ فَلَم يُجيبوا!\nفَفي (إعلامِه (^٢» للنَّاسِ رُشْدٌ ... ومُزْدَجَرٌ لِمَنْ هُوَ مُستَريبُ\nنَحا فيما أتاهُ طَريقَ عِلمٍ ... نَحاها شَيخُه الحَبْرُ الأريبُ (^٣)\nوبَيَّنَ حُكمَ دِينِ الله لكِنْ ... مِنَ الغالينَ لم تَعِهِ القُلوبُ\nلعلَّ الله يُحدِثُ بعدُ أمرًا ... لنا فَيخيبَ منهُم مَن يَخيبُ!\n_________\n(^١) الحلوب: أي: تحلب العرق لشدة حرها.\n(^٢) أي: كتابه «إعلام الموقِّعين، عن ربِّ العالمين».\n(^٣) يعني: ابن تيميَّة.","vol":"1","page":113}]}