{"ً":{"ٌ":1354,"ٍ":"دراسات أصولية تطبيقية على آيات الأحكام","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/fthalam/drosolahk.pdf|#2"]},"ّ":"الكتاب: دراسات أصولية تطبيقية على آيات الأحكام\nالمؤلف: عبد الرحمن بن علي الحطاب\nالناشر: دار طيبة الخضراء - مكة المكرمة\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٣ هـ - ٢٠٢١ م\nعدد الصفحات: ٤٠٧\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2483,"ٕ":11,"ٖ":1770155953,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"اختلاف العلماء في حصر آيات الأحكام بعدد معين","level":2,"page":4},{"title":"أبرز المؤلفات في أحكام القرآن","level":2,"page":5},{"title":"منهج الدراسة","level":2,"page":6},{"title":"الدراسة الأولى: التطبيق على سورة البقرة","level":1,"page":7},{"title":"المقدمة","level":2,"page":8},{"title":"قاعدة: ما لايتم الواجب إلا به فهو واجب.","level":2,"page":9},{"title":"قاعدة: من صيغ الوجوب لفظ كتب.","level":2,"page":10},{"title":"قاعدة: المعلق على الشرطين لا يثبت إلا بوجودهما.","level":2,"page":11},{"title":"قاعدة: التعبير عن العبادة بمشروع فيها يدل على وجوب ذلك المشروع وفرضه.","level":2,"page":11},{"title":"قاعدة: تفسير الصحابي حجة.","level":2,"page":12},{"title":"قاعدة: الأمر المطلق يقتضي الوجوب.","level":2,"page":12},{"title":"قاعدة: الأمر بعد الحظر للإباحة.","level":2,"page":14},{"title":"قاعدة: من صوارف الأمر عن الوجوب فعله ﷺ.","level":2,"page":14},{"title":"قاعدة: الأمر بالشيء نهي عن ضده.","level":2,"page":15},{"title":"قاعدة: النهي عن الشيء أمر بضده.","level":2,"page":15},{"title":"قاعدة: النهي يقتضي التحريم.","level":2,"page":16},{"title":"قاعدة: النهي يقتضي الفساد.","level":2,"page":17},{"title":"قاعدة: من الشرطية تفيد العموم.","level":2,"page":17},{"title":"قاعدة: ما الموصولة تفيد العموم.","level":2,"page":18},{"title":"قاعدة: الجمع المعرف يفيد العموم.","level":2,"page":19},{"title":"قاعدة: النكرة في سياق النفي تفيد العموم.","level":2,"page":19},{"title":"قاعدة: النكرة في سياق الشرط تفيد العموم.","level":2,"page":20},{"title":"قاعدة: أل للجنس تفيد العموم.","level":2,"page":22},{"title":"قاعدة: أنى تفيد العموم.","level":2,"page":23},{"title":"قاعدة: هل يدخل النساء في الخطاب الخاص بالرجال.","level":2,"page":24},{"title":"قاعدة: حذف المعمول يفيد العموم.","level":2,"page":24},{"title":"قاعدة: أقل الجمع ثلاثة.","level":2,"page":25},{"title":"قاعدة: المطلق يجري على إطلاقه مالم يدل دليل على تقييده.","level":2,"page":25},{"title":"قاعدة: يحمل المطلق على المقيد.","level":2,"page":26},{"title":"قاعدة: يجوز تخصيص العموم بالمفهوم.","level":2,"page":27},{"title":"قاعدة: دلالة الإشارة حجة","level":2,"page":28},{"title":"قاعدة: دلالة الإيماء حجة.","level":2,"page":28},{"title":"قاعدة: مفهوم المخالفة حجة.","level":2,"page":29},{"title":"قاعدة: مفهوم الصفة حجة.","level":2,"page":29},{"title":"قاعدة: مفهوم الشرط حجة.","level":2,"page":30},{"title":"قاعدة: مفهوم الغاية حجة.","level":2,"page":31},{"title":"قاعدة: مفهوم الحصر حجة.","level":2,"page":32},{"title":"قاعدة: مفهوم العدد حجة.","level":2,"page":33},{"title":"الدراسة الثانية التطبيق على آيات الحج","level":1,"page":34},{"title":"المقدمة","level":2,"page":35},{"title":"القسم الأول: قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾","level":2,"page":41},{"title":"القسم الثاني: قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾","level":2,"page":46},{"title":"القسم الثالث: قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾","level":2,"page":50},{"title":"القسم الرابع: قوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾","level":2,"page":52},{"title":"الدراسة الثالثة التطبيق على آية الوضوء","level":1,"page":78},{"title":"المقدمة","level":2,"page":79},{"title":"الفصل الأول في المياه وإزالة النجاسة","level":2,"page":81},{"title":"المبحث الأول: أقسام الماء.","level":3,"page":81},{"title":"المبحث الثاني: الماء المتغير بما لا ينفك عنه غالبا.","level":3,"page":83},{"title":"المبحث الثالث: طهارة ماء البحر.","level":3,"page":84},{"title":"المبحث الرابع: الماء المستعمل في الطهارة.","level":3,"page":85},{"title":"المبحث الخامس: حكم إزالة النجاسة.","level":3,"page":86},{"title":"الفصل الثاني في الوضوء","level":2,"page":88},{"title":"المبحث الأول: فرضية الوضوء ووجوبه.","level":3,"page":88},{"title":"المبحث الثاني: تكرار الوضوء لكل صلاة.","level":3,"page":89},{"title":"المبحث الثالث: فرائض الوضوء المتفق عليها.","level":3,"page":90},{"title":"المبحث الرابع: سنن الوضوء وآدابه.","level":3,"page":91},{"title":"المبحث الخامس: اشتراط النية في الوضوء.","level":3,"page":92},{"title":"المبحث السادس: حكم الموالاة في الوضوء.","level":3,"page":93},{"title":"المبحث السابع: حكم الترتيب في الوضوء.","level":3,"page":94},{"title":"المبحث الثامن: كيفية غسل الأعضاء.","level":3,"page":96},{"title":"المبحث التاسع: حدود الوجه.","level":3,"page":97},{"title":"المبحث العاشر: دخول المرفق في غسل اليدين.","level":3,"page":99},{"title":"المبحث الحادي عشر: مقدار ما يمسح من الرأس.","level":3,"page":100},{"title":"المبحث الثاني عشر: عدد مسح الرأس.","level":3,"page":103},{"title":"المبحث الثالث عشر: حكم مسح الأذنين.","level":3,"page":104},{"title":"المبحث الرابع عشر: حكم المسح على العمامة.","level":3,"page":105},{"title":"المبحث الخامس عشر: عدد غسل الأعضاء.","level":3,"page":105},{"title":"المبحث السادس عشر: غسل الرجل ومسحها.","level":3,"page":106},{"title":"المبحث السابع عشر: حدود القدم المأمور غسلها.","level":3,"page":107},{"title":"الفصل الثالث في نواقض الوضوء","level":2,"page":108},{"title":"المبحث الأول: من نواقض الوضوء: إتيان الغائط.","level":3,"page":108},{"title":"المبحث الثاني: من نواقض الوضوء ملامسة النساء.","level":3,"page":110},{"title":"المبحث الثالث: عدم النقض من مس الصغيرة.","level":3,"page":113},{"title":"المبحث الرابع: من نواقض الوضوء النوم.","level":3,"page":113},{"title":"الفصل الرابع في المسح على الخفين والغسل وحكم الجنب","level":2,"page":116},{"title":"المبحث الأول: مشروعية المسح على الخفين","level":3,"page":117},{"title":"المبحث الثاني: وجوب الغسل من الجنابة.","level":3,"page":118},{"title":"المبحث الثالث: حكم اللبث والمرور للجنب في المسجد.","level":3,"page":118},{"title":"الفصل الخامس في التيمم","level":2,"page":119},{"title":"المبحث الأول: مشروعية التيمم بالصعيد.","level":3,"page":121},{"title":"المبحث الثاني: اشتراط كون الصعيد طاهرا.","level":3,"page":123},{"title":"المبحث الثالث: من شروط التيمم عدم وجود الماء.","level":3,"page":124},{"title":"المبحث الرابع: التيمم عن الحدثين.","level":3,"page":124},{"title":"المبحث الخامس: مشروعية التيمم للمريض مطلقا.","level":3,"page":125},{"title":"المبحث السادس: مشروعية التيمم للمسافر العادم للماء.","level":3,"page":127},{"title":"المبحث السابع: أعضاء التيمم.","level":3,"page":129},{"title":"المبحث الثامن: حد اليدين في التيمم.","level":3,"page":130},{"title":"المبحث التاسع: حكم تكرار المسح.","level":3,"page":133},{"title":"المبحث العاشر: حكم طلب الماء والتيمم لكل صلاة.","level":3,"page":133},{"title":"المبحث الحادي عشر: هل يلزم العادم شراء الماء؟.","level":3,"page":134},{"title":"المبحث الثاني عشر: إذا وجد الماء لكنه لا يكفي لطهارته، هل يلزمه التطهر به ثم التيمم.","level":3,"page":135},{"title":"المبحث الثالث عشر: حكم التيمم قبل دخول الوقت.","level":3,"page":136},{"title":"الدراسة الرابعة تطبيق صيغة الأمر (ليفعل) على آيات الأحكام","level":1,"page":138},{"title":"المقدمة","level":2,"page":139},{"title":"(١) قال تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾","level":2,"page":148},{"title":"(٢) قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾","level":2,"page":150},{"title":"المسألة الأولى: هل يشترط أن يكون كاتب الدين من غير المتداينين؟","level":3,"page":152},{"title":"المسألة الثانية: العدالة في كتابة الدين","level":3,"page":153},{"title":"المسألة الثالثة: حكم إجابة الكاتب للكتابة","level":3,"page":154},{"title":"المسألة الرابعة: إملال الذي عليه الحق","level":3,"page":155},{"title":"المسألة الخامسة: الوكالة في الإملال","level":3,"page":156},{"title":"(٣) قال تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾","level":2,"page":156},{"title":"(٤) قال تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾","level":2,"page":158},{"title":"(٥) قال تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾","level":2,"page":160},{"title":"الحكم الأول: أمر الولي الغني بالاستعفاف عن مال اليتيم قال تعالى: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف﴾.","level":3,"page":161},{"title":"الحكم الثاني: أمر الولي الفقير بالأكل من مال اليتيم لقوله: ﴿ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾","level":3,"page":162},{"title":"(٦) قال تعالى: ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا﴾","level":2,"page":163},{"title":"(٧) قال تعالى: ﴿فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة﴾ [النساء: ٧٤]","level":2,"page":164},{"title":"(٨) قال تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك","level":2,"page":165},{"title":"المسألة الأولى: حكم إقامة الصلاة في حال الخوف","level":3,"page":166},{"title":"المسألة الثانية: حكم إقامة صلاة الخوف جماعة","level":3,"page":168},{"title":"المسألة الثالثة: كيفية صلاة الخوف","level":3,"page":168},{"title":"المسألة الرابعة: حكم حمل السلاح في صلاة الخوف","level":3,"page":169},{"title":"(٩) قوله تعالى: ﴿وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾","level":2,"page":171},{"title":"(١٠) قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين﴾","level":2,"page":172},{"title":"(١١) قوله تعالى: ﴿ليشهدوا منافع لهم﴾","level":2,"page":174},{"title":"(١٢) قال تعالى: ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق﴾","level":2,"page":175},{"title":"المسألة الأولى: قضاء التفث ﴿ليقضوا تفثهم﴾.","level":3,"page":176},{"title":"المسألة الثانية: الإيفاء بالنذر الوارد في قوله: ﴿وليوفوا نذورهم﴾","level":3,"page":177},{"title":"(١٣) قال تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾","level":2,"page":179},{"title":"(١٤) قوله تعالى: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله","level":2,"page":181},{"title":"(١٥) قال تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾","level":2,"page":183},{"title":"وهل يجب على المرأة بمقتضى هذه الآية تغطية وجهها؟","level":3,"page":184},{"title":"(١٦) قال تعالى: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله﴾","level":2,"page":186},{"title":"(١٧) قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات﴾","level":2,"page":187},{"title":"(١٨) قال تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم﴾","level":2,"page":189},{"title":"(١٩) قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن﴾","level":2,"page":190},{"title":"(٢٠) قال تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا﴾","level":2,"page":191},{"title":"الدراسة الخامسة تطبيق الخبر بمعنى الأمر على آيات الأحكام","level":1,"page":194},{"title":"المقدمة","level":2,"page":195},{"title":"اختلاف العلماء في حكم ركعتي الطواف","level":3,"page":211},{"title":"(١) قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم﴾","level":2,"page":213},{"title":"اختلف العلماء القائلون بحتميته، هل السعي ركن في الحج أو أنه واجب؟","level":3,"page":213},{"title":"(٢) قوله تعالى: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين﴾","level":2,"page":215},{"title":"(٣) قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾","level":2,"page":216},{"title":"(٤) قوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾","level":2,"page":218},{"title":"(٥) قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾","level":2,"page":219},{"title":"(٦) قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾","level":2,"page":221},{"title":"ختلف العلماء في مسألة حكم استرضاع الأم لولدها؟.","level":3,"page":222},{"title":"الدراسة السادسة التطبيق على نوازل أحكام العبادات","level":1,"page":231},{"title":"المقدمة","level":2,"page":232},{"title":"الفصل الأول تخريج نوازل أحكام الطهارة","level":2,"page":234},{"title":"المبحث الأول: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ [المائدة: ٣].","level":3,"page":234},{"title":"المبحث الثاني: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين","level":3,"page":235},{"title":"المطلب الأول: وجوب إزالة كل ما يعلق بأعضاء الوضوء","level":4,"page":235},{"title":"المطلب الثاني: نزع الأطراف الصناعية عند الغسل والوضوء إن بقي من العضو المقطوع شيئ مما هو داخل في محل فرض الوضوء غسلا أو مسحا.","level":4,"page":236},{"title":"المطلب الثالث: المسح على الجورب الملبوس على الأرجل الصناعية.","level":4,"page":236},{"title":"المطلب الرابع: المسح على الشماغ والغترة والطاقية والقبعات.","level":4,"page":237},{"title":"المطلب الخامس: المسح على الباروكة.","level":4,"page":238},{"title":"المطلب السادس: عدم نقض الوضوء من خروج غير البول والعذرة من النجاسات.","level":4,"page":239},{"title":"المطلب السابع: نقض الوضوء من الخارج عن طريق القسطرة والشرج الصناعي","level":4,"page":239},{"title":"المطلب الثامن: نقض الوضوء بالغسيل الكلوي البروتيني.","level":4,"page":240},{"title":"المطلب التاسع: طهورية الماء المتغير بالدواء","level":4,"page":241},{"title":"المطلب العاشر: طهورية المياه المتغيرة بصدأ الأنابيب والخزانات","level":4,"page":242},{"title":"المطلب الحادي عشر: طهورية مياه الصرف الصحي بعد تنقيتها.","level":4,"page":242},{"title":"المطلب الثاني عشر: التيمم على جدار الأسمنت أو البلاط، أو الجدار الذي عليه دهان","level":4,"page":243},{"title":"المبحث الثالث: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠]","level":3,"page":244},{"title":"المطلب الأول: وضع المصلي على يده أو ثوبه العطور المسماة بالكولونيا","level":4,"page":244},{"title":"المطلب الثاني: استعمال السوائل الكحولية لأغراض الصناعة والرسوم، والخرائط والمختبرات","level":4,"page":247},{"title":"المبحث الرابع: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف: ١٥٧]","level":3,"page":248},{"title":"المطلب الأول: جواز التطهر بمياه الصرف الصحي بعد التنقية بالوسائل الحديثة","level":4,"page":248},{"title":"المطلب الثاني: عدم جواز التطهر بمياه الصرف الصحي بعد التنقية بالوسائل الحديثة.","level":4,"page":249},{"title":"المبحث الخامس: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ [الفرقان: ٤٨] وقوله: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ [الأنفال: ١١]","level":3,"page":252},{"title":"المبحث السادس: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين﴾ [النحل: ٨٠]","level":3,"page":253},{"title":"المبحث السابع: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]","level":3,"page":254},{"title":"المبحث الثامن: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿إنه لقرآن كريم (٧٧) في كتاب مكنون (٧٨) لا يمسه إلا المطهرون (٧٩) تنزيل من رب العالمين﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٨٠]","level":3,"page":255},{"title":"الفصل الثاني تخريج نوازل أحكام الصلاة","level":2,"page":258},{"title":"المبحث الأول: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿واركعوا مع الراكعين﴾ [البقرة: ٤٣] ومثلها في الحج: ﴿ياأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: ٧٧].","level":3,"page":258},{"title":"المبحث الثاني: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾ [النساء: ١٠٢]","level":3,"page":259},{"title":"المبحث الثالث: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ [النساء: ١٠٣]","level":3,"page":260},{"title":"المبحث الرابع: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: ٧٧]","level":3,"page":261},{"title":"المبحث الخامس: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩]","level":3,"page":262},{"title":"الفصل الثالث تخريج نوازل أحكام الزكاة","level":2,"page":264},{"title":"المبحث الأول: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ [البقرة: ٢٦٧]","level":3,"page":264},{"title":"المبحث الثاني: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ [التوبة: ٣٤].","level":3,"page":265},{"title":"المبحث الثالث: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء","level":3,"page":266},{"title":"المطلب الأول: الإقراض من مال الزكاة.","level":4,"page":266},{"title":"المطلب الثاني: استثمار أموال الزكاة من قبل المالك أو وكيله","level":4,"page":267},{"title":"المطلب الثالث: صرف الزكاة في حفر الآبار العامة للفقراء","level":4,"page":268},{"title":"المطلب الرابع: شراء الكتب المدرسية ونفقة الزواج للفقراء من مال الزكاة","level":4,"page":269},{"title":"المطلب الخامس: دخول الموظفات في المؤسسات الزكوية في مصرف العاملين عليها","level":4,"page":270},{"title":"المطلب السادس: صرف سهم العاملين للموظفين في المؤسسات الخيرية","level":4,"page":271},{"title":"المطلب السابع: إعطاء الكافر من سهم المؤلفة قلوبهم؛ ليدفع المخاطر عن المسلمين","level":4,"page":272},{"title":"المطلب الثامن: فك الأسرى","level":4,"page":274},{"title":"المطلب التاسع: فكاك الشعوب المسلمة المحتلة من الكافرين","level":4,"page":275},{"title":"المطلب العاشر: صرف الزكاة للمقاتلين في سبيل الله","level":4,"page":276},{"title":"المطلب الحادي عشر: صرف الزكاة في وجوه البر والخير","level":4,"page":277},{"title":"المطلب الثاني عشر: صرف الزكاة على المهاجرين الفارين بدينهم","level":4,"page":278},{"title":"المطلب الثالث عشر: صرف الزكاة على المحرومين من المأوى في بلادهم لظروفهم المعيشية الصعبة","level":4,"page":279},{"title":"المطلب الرابع عشر: صرف الزكاة على المسافرين لمصلحة عامة يعود نفعها للمسلمين","level":4,"page":280},{"title":"المبحث الثالث: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣]","level":3,"page":281},{"title":"المطلب الأول: الزكاة في جميع ما يملكه الانسان من مال","level":3,"page":281},{"title":"المطلب الثاني: زكاة المال العام","level":3,"page":282},{"title":"المطلب الثالث: زكاة في المال المحرم","level":3,"page":284},{"title":"الفصل الرابع تخريج نوازل أحكام الصيام","level":2,"page":285},{"title":"المبحث الأول: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣]","level":3,"page":285},{"title":"المبحث الثاني: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]","level":3,"page":286},{"title":"المطلب الأول: حكم الاعتماد على الحساب الفلكي في دخول الشهر","level":4,"page":286},{"title":"المطلب الثاني: حكم الاستعانة (بالدربيل) لرؤية الهلال","level":4,"page":287},{"title":"المطلب الثالث: اختلاف المطالع","level":4,"page":288},{"title":"المطلب الرابع: حكم الصوم على الساكنين في المناطق التي يستمر فيها الليل والنهار","level":4,"page":288},{"title":"المبحث الثالث: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧]","level":3,"page":289},{"title":"المطلب الأول: وضع وقت للإمساك في التقاويم","level":4,"page":289},{"title":"المطلب الثاني: من أفطر ثم سافر بطائرة إلى بلد لم تغرب فيه الشمس","level":4,"page":290},{"title":"المطلب الثالث: من أفطر في الطائرة، وبعد الإقلاع رأى الشمس","level":4,"page":290},{"title":"المطلب الرابع: من سافر بالطائرة من الشرق إلى الغرب فطال عليه النهار","level":4,"page":291},{"title":"المطلب الخامس: هل يفطر الصائم الذي في الطائرة، إذا علم بإفطار البلد الذي تحلق الطائرة فوقها وهو يرى الشمس","level":4,"page":291},{"title":"المطلب السادس: منظار المعدة هل يفطر؟","level":4,"page":292},{"title":"المطلب السابع: هل الدخان مفطر؟","level":4,"page":293},{"title":"المبحث الرابع: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ [البقرة: ١٨٩]","level":3,"page":293},{"title":"الفصل الخامس تخريج نوازل أحكام الحج","level":2,"page":295},{"title":"المبحث الأول: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ [البقرة: ١٢٥] وفيه مطلبان","level":3,"page":295},{"title":"المطلب الأول: جواز نقل مقام إبراهيم","level":4,"page":295},{"title":"المطلب الثاني: جواز توسعة المطاف","level":4,"page":296},{"title":"المبحث الثاني: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ [البقرة: ١٥٨]","level":3,"page":296},{"title":"المطلب الأول: حكم توسعة المسعى","level":4,"page":296},{"title":"المطلب الثاني: صحة السعي في التوسعة الجديدة","level":4,"page":297},{"title":"المطلب الثالث: جواز السعي في الدورين والسطح وكذا عدم الجواز.","level":4,"page":298},{"title":"المبحث الثالث: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]","level":3,"page":300},{"title":"المطلب الأول: حكم من منع بسبب عدم حمل التصريح","level":4,"page":300},{"title":"المطلب الثاني: جواز الإحرام قبل الميقات في الطائرة","level":4,"page":301},{"title":"المبحث الرابع: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]","level":3,"page":302},{"title":"المطلب الأول: عدم وجوب الحج على من لم يحصل على التصريح بالحج","level":4,"page":302},{"title":"المطلب الثاني: وجوب الحج لمن لم يأذن له مرجعه أو كفيله","level":4,"page":303},{"title":"المطلب الثالث: عدم جواز تحديد نسبة الحجاج من الخارج","level":4,"page":303},{"title":"المطلب الرابع: إلزام الناس بالحج عن طريق الحملات.","level":4,"page":304},{"title":"المبحث الخامس: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد﴾ [الحج: ٢٥].","level":3,"page":305},{"title":"المطلب الأول: عدم جواز تحديد نسبة الحجاج","level":4,"page":305},{"title":"المطلب الثاني: عدم جواز تأجير المخيمات بمنى","level":4,"page":305},{"title":"المطلب الثالث: إلزام الناس الحج عن طريق الحملات","level":4,"page":306},{"title":"المبحث السادس: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩]","level":3,"page":307},{"title":"المطلب الأول: عدم جواز الطواف في الطابق العلوي","level":4,"page":307},{"title":"المطلب الثاني: جواز الطواف من المحدث","level":4,"page":307},{"title":"المطلب الثالث: جواز الطواف على العربة أو السير","level":4,"page":308},{"title":"المطلب الرابع: جواز الانتقال من طابق إلى طابق أثناء الطواف.","level":4,"page":309},{"title":"الدراسة السابعة الاستثمار الأصولي للنص التطبيق على قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾","level":1,"page":310},{"title":"المقدمة","level":2,"page":311},{"title":"المبحث الأول: مباحث الأحكام والأدلة","level":2,"page":315},{"title":"المطلب الأول: معنى الحل والحرمة","level":3,"page":315},{"title":"المطلب الثاني: دلالة الآية على الحكم.","level":3,"page":316},{"title":"المطلب الثالث: دلالة صيغة الخبر في الآية على الحكم","level":3,"page":318},{"title":"المطلب الرابع: ما يترتب على الحل من الأحكام.","level":3,"page":318},{"title":"المطلب الخامس: ما يترتب على الحرمة من الأحكام.","level":3,"page":319},{"title":"المطلب السادس: المنهج القرآني في التدرج بالأحكام.","level":3,"page":320},{"title":"المطلب السابع: الاستشهاد بالآية على مستند الإجماع.","level":3,"page":321},{"title":"المطلب الثامن: من قواعد القياس.","level":3,"page":322},{"title":"المبحث الثاني: مباحث العموم.","level":2,"page":326},{"title":"المطلب الأول: من صيغ العموم.","level":3,"page":326},{"title":"المطلب الثاني: الخلاف بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص.","level":3,"page":326},{"title":"المطلب الثالث: الخلاف بين العام المخصوص والعام الباقي على عمومه.","level":3,"page":327},{"title":"المطلب الرابع: حمل العام على الخاص.","level":3,"page":328},{"title":"المطلب الخامس: حجية العام المخصوص فيما بقي بعد التخصيص.","level":3,"page":328},{"title":"المطلب السادس: دلالة العام على أفراده.","level":3,"page":329},{"title":"المبحث الثالث: مباحث التخصيص.","level":2,"page":330},{"title":"المطلب السابع: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.","level":3,"page":330},{"title":"المطلب الأول: تخصيص الآية بالكتاب.","level":3,"page":330},{"title":"المطلب الثاني: تخصيص الآية بالسنة.","level":3,"page":331},{"title":"المطلب الثالث: تخصيص الآية بالقياس.","level":3,"page":332},{"title":"المطلب الرابع: تخصيص العام بمقصوده.","level":3,"page":333},{"title":"المطلب الخامس: تخصيص العام بالقرائن.","level":3,"page":333},{"title":"المبحث الرابع: مباحث الإجمال.","level":2,"page":334},{"title":"المطلب الأول: وجود الإجمال في القرآن الكريم.","level":3,"page":334},{"title":"المطلب الثاني: دلالة الإجمال في لفظي «البيع» و«الربا».","level":3,"page":334},{"title":"المطلب الثالث: السنة تبين القرآن الكريم.","level":3,"page":337},{"title":"المطلب الرابع: جواز كون المبين أضعف من المبين.","level":3,"page":338},{"title":"المطلب الخامس: جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة.","level":3,"page":339},{"title":"المطلب السادس: ثمرة الخلاف في دلالة الآية على العموم أو الإجمال.","level":3,"page":339},{"title":"المبحث الخامس: مباحث التعارض والترجيح.","level":2,"page":340},{"title":"المطلب الأول: تعارض الحقيقة الشرعية والعرفية واللغوية.","level":3,"page":340},{"title":"المطلب الثاني: تعارض الظاهر مع الإجمال.","level":3,"page":340},{"title":"المطلب الثالث: تعارض التخصيص مع النقل.","level":3,"page":340},{"title":"المطلب الرابع: تعارض الإضمار مع النقل.","level":3,"page":341},{"title":"المطلب الخامس: تعارض المجاز مع الاشتراك.","level":3,"page":342},{"title":"المبحث السادس: المقصد الشرعي من تحريم الربا.","level":2,"page":343},{"title":"الدراسة الثامنة دراسة تحليلية لآيات المحرمات في سورة النساء مع تخريج النوازل عليه","level":1,"page":344},{"title":"المقدمة","level":2,"page":345},{"title":"دراسة تحليلية لآيات المحرمات","level":2,"page":347},{"title":"تخريج النوازل على أحكام وأصول المحرمات","level":2,"page":372},{"title":"بعض النوازل المخرجة على ما سبق تقريره في المبحث الأول","level":3,"page":373},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":379}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,13":8,"1,14":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,41":35,"1,42":36,"1,43":37,"1,44":38,"1,45":39,"1,46":40,"1,47":41,"1,48":42,"1,49":43,"1,50":44,"1,51":45,"1,52":46,"1,53":47,"1,54":48,"1,55":49,"1,56":50,"1,57":51,"1,58":52,"1,59":53,"1,60":54,"1,61":55,"1,62":56,"1,63":57,"1,64":58,"1,65":59,"1,66":60,"1,67":61,"1,68":62,"1,69":63,"1,70":64,"1,71":65,"1,72":66,"1,73":67,"1,74":68,"1,75":69,"1,76":70,"1,77":71,"1,78":72,"1,79":73,"1,80":74,"1,81":75,"1,82":76,"1,83":77,"1,85":78,"1,87":79,"1,88":80,"1,89":81,"1,90":82,"1,91":83,"1,92":84,"1,93":85,"1,94":86,"1,95":87,"1,96":88,"1,97":89,"1,98":90,"1,99":91,"1,100":92,"1,101":93,"1,102":94,"1,103":95,"1,104":96,"1,105":97,"1,106":98,"1,107":99,"1,108":100,"1,109":101,"1,110":102,"1,111":103,"1,112":104,"1,113":105,"1,114":106,"1,115":107,"1,116":108,"1,117":109,"1,118":110,"1,119":111,"1,120":112,"1,121":113,"1,122":114,"1,123":115,"1,124":116,"1,125":117,"1,126":118,"1,127":119,"1,128":120,"1,129":121,"1,130":122,"1,131":123,"1,132":124,"1,133":125,"1,134":126,"1,135":127,"1,136":128,"1,137":129,"1,138":130,"1,139":131,"1,140":132,"1,141":133,"1,142":134,"1,143":135,"1,144":136,"1,145":137,"1,147":138,"1,149":139,"1,150":140,"1,151":141,"1,152":142,"1,153":143,"1,154":144,"1,155":145,"1,156":146,"1,157":147,"1,158":148,"1,159":149,"1,160":150,"1,161":151,"1,162":152,"1,163":153,"1,164":154,"1,165":155,"1,166":156,"1,167":157,"1,168":158,"1,169":159,"1,170":160,"1,171":161,"1,172":162,"1,173":163,"1,174":164,"1,175":165,"1,176":166,"1,177":167,"1,178":168,"1,179":169,"1,180":170,"1,181":171,"1,182":172,"1,183":173,"1,184":174,"1,185":175,"1,186":176,"1,187":177,"1,188":178,"1,189":179,"1,190":180,"1,191":181,"1,192":182,"1,193":183,"1,194":184,"1,195":185,"1,196":186,"1,197":187,"1,198":188,"1,199":189,"1,200":190,"1,201":191,"1,202":192,"1,203":193,"1,205":194,"1,207":195,"1,208":196,"1,209":197,"1,210":198,"1,211":199,"1,212":200,"1,213":201,"1,214":202,"1,215":203,"1,216":204,"1,217":205,"1,218":206,"1,219":207,"1,220":208,"1,221":209,"1,222":210,"1,223":211,"1,224":212,"1,225":213,"1,226":214,"1,227":215,"1,228":216,"1,229":217,"1,230":218,"1,231":219,"1,232":220,"1,233":221,"1,234":222,"1,235":223,"1,236":224,"1,237":225,"1,238":226,"1,239":227,"1,240":228,"1,241":229,"1,242":230,"1,243":231,"1,245":232,"1,246":233,"1,247":234,"1,248":235,"1,249":236,"1,250":237,"1,251":238,"1,252":239,"1,253":240,"1,254":241,"1,255":242,"1,256":243,"1,257":244,"1,258":245,"1,259":246,"1,260":247,"1,261":248,"1,262":249,"1,263":250,"1,264":251,"1,265":252,"1,266":253,"1,267":254,"1,268":255,"1,269":256,"1,270":257,"1,271":258,"1,272":259,"1,273":260,"1,274":261,"1,275":262,"1,276":263,"1,277":264,"1,278":265,"1,279":266,"1,280":267,"1,281":268,"1,282":269,"1,283":270,"1,284":271,"1,285":272,"1,286":273,"1,287":274,"1,288":275,"1,289":276,"1,290":277,"1,291":278,"1,292":279,"1,293":280,"1,294":281,"1,295":282,"1,296":283,"1,297":284,"1,298":285,"1,299":286,"1,300":287,"1,301":288,"1,302":289,"1,303":290,"1,304":291,"1,305":292,"1,306":293,"1,307":294,"1,308":295,"1,309":296,"1,310":297,"1,311":298,"1,312":299,"1,313":300,"1,314":301,"1,315":302,"1,316":303,"1,317":304,"1,318":305,"1,319":306,"1,320":307,"1,321":308,"1,322":309,"1,323":310,"1,325":311,"1,326":312,"1,327":313,"1,328":314,"1,329":315,"1,330":316,"1,331":317,"1,332":318,"1,333":319,"1,334":320,"1,335":321,"1,336":322,"1,337":323,"1,338":324,"1,339":325,"1,340":326,"1,341":327,"1,342":328,"1,343":329,"1,344":330,"1,345":331,"1,346":332,"1,347":333,"1,348":334,"1,349":335,"1,350":336,"1,351":337,"1,352":338,"1,353":339,"1,354":340,"1,355":341,"1,356":342,"1,357":343,"1,359":344,"1,361":345,"1,362":346,"1,363":347,"1,364":348,"1,365":349,"1,366":350,"1,367":351,"1,368":352,"1,369":353,"1,370":354,"1,371":355,"1,372":356,"1,373":357,"1,374":358,"1,375":359,"1,376":360,"1,377":361,"1,378":362,"1,379":363,"1,380":364,"1,381":365,"1,382":366,"1,383":367,"1,384":368,"1,385":369,"1,386":370,"1,387":371,"1,388":372,"1,389":373,"1,390":374,"1,391":375,"1,392":376,"1,393":377,"1,394":378,"1,395":379,"1,396":380,"1,397":381,"1,398":382,"1,399":383,"1,400":384,"1,401":385,"1,402":386,"1,403":387,"1,404":388,"1,405":389,"1,406":390,"1,407":391},"ٜ":{"1":[5,407]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,85","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,147","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,205","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,359","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407"],"ٞ":{"1":[1],"4":[2],"5":[3],"6":[4],"7":[5],"8":[6],"9":[7],"10":[8],"11":[9,10],"12":[11,12],"14":[13,14],"15":[15,16],"16":[17],"17":[18,19],"18":[20],"19":[21,22],"20":[23],"22":[24],"23":[25],"24":[26,27],"25":[28,29],"26":[30],"27":[31],"28":[32,33],"29":[34,35],"30":[36],"31":[37],"32":[38],"33":[39],"34":[40],"35":[41],"41":[42],"46":[43],"50":[44],"52":[45],"78":[46],"79":[47],"81":[48,49],"83":[50],"84":[51],"85":[52],"86":[53],"88":[54,55],"89":[56],"90":[57],"91":[58],"92":[59],"93":[60],"94":[61],"96":[62],"97":[63],"99":[64],"100":[65],"103":[66],"104":[67],"105":[68,69],"106":[70],"107":[71],"108":[72,73],"110":[74],"113":[75,76],"116":[77],"117":[78],"118":[79,80],"119":[81],"121":[82],"123":[83],"124":[84,85],"125":[86],"127":[87],"129":[88],"130":[89],"133":[90,91],"134":[92],"135":[93],"136":[94],"138":[95],"139":[96],"148":[97],"150":[98],"152":[99],"153":[100],"154":[101],"155":[102],"156":[103,104],"158":[105],"160":[106],"161":[107],"162":[108],"163":[109],"164":[110],"165":[111],"166":[112],"168":[113,114],"169":[115],"171":[116],"172":[117],"174":[118],"175":[119],"176":[120],"177":[121],"179":[122],"181":[123],"183":[124],"184":[125],"186":[126],"187":[127],"189":[128],"190":[129],"191":[130],"194":[131],"195":[132],"211":[133],"213":[134,135],"215":[136],"216":[137],"218":[138],"219":[139],"221":[140],"222":[141],"231":[142],"232":[143],"234":[144,145],"235":[146,147],"236":[148,149],"237":[150],"238":[151],"239":[152,153],"240":[154],"241":[155],"242":[156,157],"243":[158],"244":[159,160],"247":[161],"248":[162,163],"249":[164],"252":[165],"253":[166],"254":[167],"255":[168],"258":[169,170],"259":[171],"260":[172],"261":[173],"262":[174],"264":[175,176],"265":[177],"266":[178,179],"267":[180],"268":[181],"269":[182],"270":[183],"271":[184],"272":[185],"274":[186],"275":[187],"276":[188],"277":[189],"278":[190],"279":[191],"280":[192],"281":[193,194],"282":[195],"284":[196],"285":[197,198],"286":[199,200],"287":[201],"288":[202,203],"289":[204,205],"290":[206,207],"291":[208,209],"292":[210],"293":[211,212],"295":[213,214,215],"296":[216,217,218],"297":[219],"298":[220],"300":[221,222],"301":[223],"302":[224,225],"303":[226,227],"304":[228],"305":[229,230,231],"306":[232],"307":[233,234,235],"308":[236],"309":[237],"310":[238],"311":[239],"315":[240,241],"316":[242],"318":[243,244],"319":[245],"320":[246],"321":[247],"322":[248],"326":[249,250,251],"327":[252],"328":[253,254],"329":[255],"330":[256,257,258],"331":[259],"332":[260],"333":[261,262],"334":[263,264,265],"337":[266],"338":[267],"339":[268,269],"340":[270,271,272,273],"341":[274],"342":[275],"343":[276],"344":[277],"345":[278],"347":[279],"372":[280],"373":[281],"379":[282]},"ٟ":[379,380,381,382,383,384,385,386,387,388,389,390,391]},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>المقدمة</span>\n﷽\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الأمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:\nفإن القرآن الكريم لما كان هو المصدر الأول من مصادر التشريع، وهو دستور هذه الأمة، كانت عناية العلماء به في جميع تخصصاتهم به أشد عناية من غيره، أما في الأحكام فقد كان القرآن والسنة محط رحال العلماء، وموردهم في الاستدلال به، فألفت المؤلفات الخاصة بكل واحد منهما، عند علماء التفسير والحديث، وأخذ الفقهاء زبدتهما، مستنبطين أحكامهما بواسطة القواعد الأصولية، ثم ظهرت المؤلفات الخاصة بربط الفروع بأصولها، وما زالت الجامعات تخرج من رحمها الرسائل العلمية، تارة باسم أثر الأصول، أو الأدلة، أو القواعد المؤثرة، أو القواعد الأصولية وتطبيقاتها، أو إعمال القواعد الأصوليَّة، وكثير منها خرج باسم تخريج الفروع على الأصول، وكل تلك الرسائل والأعمال فيها تطبيقات أصوليَّة لبيان مأخذ من مآخذ الأحكام، وهو المأخذ الأصولي، وهنا (دراسات أصوليَّة تطبيقيَّة على آيات الأحكام)، وهي مجموعة أبحاث محكَّمة عدا الدراستين الأولى والثانية، وقد تصرفت في الجانب التأصيلي بالحذف والاختصار، وقصدت التنوع في الطرح، من حيث الشمول، وطريقة الدراسة، ليشمل ما يعرض لدليل القرآن، من دلالة لفظه ومعناه، وكيفية استثمار نصِّه من منطوقه ومفهومه.","vol":"1","page":5},{"text":"فالدراسة الأولى وهي: التطبيق على سورة البقرة، وقد سلَّطت الضوء على أثر القواعد الأصوليَّة على الأحكام المستنبطة من آيات سورة البقرة، من خلال الأحكام الواردة في كتاب الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي، والأصل أن ترتيبها حسب ترتيب سورة البقرة، إلا أنني آثرت وضع ما استله أحد طلابي من كتابي (فتح الجليل في التعليق على كتاب الإكليل).\nوالدراسة الثانية وهي: التطبيق على آيات الحج، ومجال البحث فيها متجه لأحكام عبادة من العبادات، وركن من أركان الإسلام، وهو الحج، بجمع الآيات الواردة في القرآن الدالة على أحكامه، وبيان أثر القواعد الأصوليَّة في استنباط أحكامها، ورتبتها حسب ترتيبها في سور القرآن، والدراسة مستلة من كتابي (فتح العلام في شرح بلوغ المرام من آيات الأحكام).\nوالدراسة الثالثة: التطبيق على آية الوضوء، ببيان الأحكام المستنبطة، وتوزيعها على أبوابها الفقهية، والانطلاق فيه من الحكم والترتيب الفقهي.\nوالدراسة الرابعة تطبيق صيغة الأمر (ليفعل) على آيات الأحكام، والانطلاق فيها من قاعدة من قواعد الأصول، أو من أسلوب من الأساليب الدالة على الأحكام، هي والدراسة الآتية، وقد رتبتهما حسب ورودها في القرآن.\nوالدراسة الخامسة تطبيق الخبر بمعنى الأمر على آيات الأحكام.\nوالدراسة السادسة التطبيق على نوازل أحكام العبادات، والانطلاق فيها من الآيات، ورتبتها على الأبواب الفقهية على ترتيب بلوغ المرام من آيات الأحكام.\nوالدراسة السابعة: الاستثمار الأصولي للنص بالتطبيق على قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وهي دراسة تهدف إلى بيان كيفية استثمار الأصولي","vol":"1","page":6},{"text":"النص الشرعي، كالآية المذكورة، من حيث إثبات القاعدة بها، أو نقض قاعدة الخصم بها، أو بيان كيفية استنباط الأحكام الشرعية من النص.\nوالدراسة الثامنة: دراسة تحليلية أصوليَّة لآيات المحرماتِ نكاحهن.\nوالمقصود بالتطبيق الأصولي هو إعمال القاعدة الأصوليَّة، وذلك بمراعاة مقتضاها في فهم النص واستنباط حكمه، كما سبق.\nومعلوم أن القاعدة الأصوليَّة واسطة بين الحكم الشرعي ودليله، وهي آلة استنباطه، حيث يقوم المجتهد بتسليط القاعدة الأصوليَّة وتنزيلها على الدليل الجزئي ليتمكن من استخراج الحكم الشرعي، وإلا لما أمكن استخراجه، «فإن إثبات الشرع بغير أدلته وقواعده بمجرد الهوى خلاف الإجماع»، كما قال القرافي في نفائس الأصول، وقال قبله: «وما علموا أنه لولا أصول الفقه لم يثبت من الشريعة قليل ولا كثير؛ فإن كل حكم شرعي لا بد له من سبب موضوع، ودليل يدل عليه، وعلى سببه، فإذا ألغينا أصول الفقه ألغينا الأدلة، فلا يبقى لنا حكم ولا سبب» (^١).\nلذا كان مقصود هذه الدراسات الوقوف على مآخذ الأحكام الأصوليَّة، للوقوف عليها، والتدرب على تطبيقها، وهذا مطلب مهم لطالب العلم، لا يستغني عنه.\nيقول الإمام الجويني في غِياث الأمم: «وأهم المطالب في الفقه: التدرب في مآخذ الظنون في مجال الأحكام، وهذا يسمى فقيه النفس، وهو أنفس صفات علماء الشريعة» (^٢).\nوقال ابن السبكي في طبقاته: «المرء إذا لم يعرف الخلاف والمآخذ لا يكون فقيهًا إلى أن يلج الجمل في سمّ الخياط، وإنما يكون ناقلًا متخبطًا، حامل فقه\n_________\n(^١) نفائس الأصول (١/ ١٠٠).\n(^٢) غياث الأمم (٤٠٤).","vol":"1","page":7},{"text":"إلى غيره» (^١).\nوالمراد بآيات الأحكام: آيات القرآن الدالة على أحكام فروعية فقهية، تتعلق بمصالح العباد في دنياهم وأخراهم (^٢).\nفلفظ (الأحكام) وإن كان عامًا، شاملًا للأحكام الاعتقادية والفقهية والأخلاقية وغيرها، إلا أن المراد بها هنا الأحكام الفقهية، وعليه سارت كتب أحكام القرآن المؤلفة.\nيقول ابن جزي: «وأما أحكام القرآن فهي ما ورد فيه من الأوامر والنواهي والمسائل الفقهية» (^٣).\n* وقد اختلف العلماء في حصر آيات الأحكام بعدد معين على قولين:\nالقول الأول: إن آيات الأحكام تحصر بعدد معين. وهؤلاء اختلفوا في عددها، فقيل: خمسمائة آية (^٤). وقيل: مئتا آية أو قريب من ذلك (^٥). وقيل: مائة وخمسون آية (^٦). وقيل: غير ذلك (^٧).\n_________\n(^١) طبقات الشافعية (١/ ٣١٩).\n(^٢) انظر: التفسير والمفسرون للذهبي (٢/ ٤٣٢) (٢/ ٣١٩).\n(^٣) التسهيل لعلوم التنزيل (١/ ١٦).\n(^٤) قال بهذا الغزالي في المستصفى (٢/ ٣٨٣)، والرازي في المحصول (٦/ ٢٣)، وابن قدامة في الروضة (٣/ ٩٦٠)، وجمع من الأصوليين، وأشار الزركشي في البحر المحيط (٦/ ١٩٩) أن سبب حصرهم آيات الأحكام بخمسمائة آية هو متابعتهم لمقاتل بن سليمان، حيث إنه أول من أفرد آيات الأحكام في تصنيف وجعلها خمسمائة آية.\n(^٥) قاله محمد صديق خان في كتابه نيل المرام في تفسير آيات الأحكام (٩).\n(^٦) انظر: الاتقان في علوم القرآن (٥/ ١٩٢٨)، والإكليل للسيوطي (٤٥)، ونسبه صاحب كتاب التشريع الإسلامي وأطواره (٤٥) لابن القيم. نقله عنه الدكتور علي العبيد في كتابه تفاسير آيات الأحكام ومناهجها (١/ ٤٦).\n(^٧) انظر: الإكليل للسيوطي (٤٥)، محمول صيغة الأمر افعل (١٢٤).","vol":"1","page":8},{"text":"القول الثاني: إن آيات الأحكام لا تنحصر بعدد معين (^١)؛ لأن كل آية في القرآن يمكن أن يستنبط منها حكم معين، وهو يختلف باختلاف القرائح والأذهان، وما يفتحه الله من وجوه الاستنباط (^٢).\nيقول الطوفي: «والصحيح أن هذا التقدير غير معتبر، وأن مقدار أدلة الأحكام غير منحصرة، فإن أحكام الشرع كما تستنبط من الأوامر والنواهي؛ تستنبط من الأقاصيص والمواعظ ونحوها، وقلَّ أن يوجد في القرآن آية إلا ويستنبط منها شيء من الأحكام» (^٣).\n\n* ومن<span data-type='title' id=toc-3> أبرز المؤلفات في أحكام القرآن </span>ما يلي (^٤):\n(١) تفسير الخمسمائة آية، لمقاتل بن سليمان البلخي، المتوفى سنة (١٥٠ هـ).\n(٢) أحكام القرآن، لأبي بكر الرازي الجصاص، المتوفى سنة (٣٧٠ هـ).\n(٣) أحكام القرآن لأحمد بن علي الباغائي، المتوفى (٤٠١ هـ).\n(٤) أحكام القرآن، للشافعي، جمع أبي بكر البيهقي، المتوفى (٤٥٨ هـ).\n(٥) أحكام القرآن، لأبي الحسن الكيا الهراسي، المتوفى سنة (٥٠٤ هـ).\n(٦) أحكام القرآن، لأبي بكر بن العربي، المتوفى سنة (٥٤٣ هـ).\n_________\n(^١) قال به ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس (١٠٣)، والعز بن عبد السلام في الإمام في بيان أدلة الأحكام (٢٨٤)، وابن دقيق العيد كما في البحر (٦/ ١٩٩)، والقرافي في شرح التنقيح (٣٤٣)، والطوفي في شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٧٧ - ٥٧٨)، وغيرهم كثير.\n(^٢) قاله ابن دقيق العيد وغيره، انظر: البحر المحيط للزركشي (٦/ ١٩٩).\n(^٣) شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٧٨).\n(^٤) يمكن الوقوف على المؤلفات التي سأذكرها - بدراسة علمية لكل كتاب، من حيث التعريف به، وبطريقة العرض التي سار عليها المؤلف، ومصادره، ومنهجه في الكتاب - إلى الرسالة العلمية التى قام بها الدكتور علي بن سليمان العبيد في رسالته الدكتوراه، طبعة دار التدمرية، وقد اكتفيت هنا بما ذكره نظرًا؛ لأنها هي أهم ما ألف في هذا الفن.","vol":"1","page":9},{"text":"(٧) أحكام القرآن، لعبد المنعم بن الفرس، المتوفى سنة (٥٩٩ هـ).\n(٨) الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله القرطبي، المتوفى سنة (٦٧١).\n(٩) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز، للسمين الحلبي، المتوفى سنة (٧٥٦ هـ).\n(١٠) تيسير البيان لأحكام القرآن، لابن نور الدين الموزعي، المتوفى سنة (٨٢٠ هـ).\n(١١) أحكام الكتاب المبين، لعلي بن عبد الله الشنفكي، المتوفى سنة (٩٠٧).\n(١٢) الإكليل في استنباط التنزيل، لجلال الدين السيوطي المتوفى سنة (٩١١ هـ).\nوليعلم أن غالب آيات الأحكام ترد الأحكام فيها على سبيل الإجمال والعموم، وبيانها وتفصيل أحكامها يكون بالسنة النبوية، وقد قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]\nيقول الشاطبي في موافقاته: \" تعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كليٌّ لا جزئيٌّ، وما كان كليًا لا يسوغ الاكتفاء به في إدراك الأحكام التفصيلية \" (^١).\nأما المنهج الذي سرت عليه على وجه الإجمال فهو:\nليس من قصد هذه الدراسات تحقيق الأصل أو تحقيق الفرع، فإن شأن ذلك في كتب الفقه وأصوله، وإنما تهدف هذه الدراسات إلى قول معتمد على قاعدة أصوليَّة، فتظهر الدراسة وجه الاعتماد، وكيفية الاستنباط، ليكون وسيلة للتدرب، ولم أقل بقول إلا ولي فيه إمام - إلا ما ندر - ولا أذكر قولًا إلا ولي فيه إمام ممن يعتمد قوله، وإنما استثنيت خشية النسيان، وأسميت هذه الدراسات ب (دراسات أصوليَّة تطبيقية على آيات الأحكام).\nأسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلني ممن خدم كتابه، واستغفره من جهلي وتقصيري.\n_________\n(^١) الموافقات (٣/ ٣٦٧)، وانظر البرهان في علوم القرآن للزركشي (٢/ ١٣٠ - ١٣١).","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>الدراسة الأولى: التطبيق على سورة البقرة</span>","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>المقدمة</span>\n﷽\nالحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:\nفهذه أحكام ذكرها السيوطي في كتابه الإكليل في استنباط التنزيل، بينت فيها أثر القواعد الأصوليَّة في استنباط تلك الأحكام، في تعليقي عليه في كتابي فتح الجليل في التعليق على كتاب الإكليل، استلها ورتبها الشيخ حمي درامي، الطالب في قسم أصول الفقه في مرحلة الدكتوراه بالجامعة الإسلاميَّة، ورتبها بالشكل المذكور، حذفت منها ما كان الأثر الأصولي مأخوذًا من مقدمة الإكليل لا من سورة البقرة، وتركت ما فاته، مما لا غنى فيه للرجوع إلى الأصل، إذ القصد في هذه الدراسة وما تليها هو إظهار التنوع في تناول التطبيق الأصولي للنصوص الشرعيَّة.","vol":"1","page":13},{"text":"الدراسة التطبيقية\n\n•<span data-type='title' id=toc-7> قاعدة: ما لايتم الواجب إلاّ به فهو واجب.</span>\nمعنى القاعدة: أنّ ما يتوقف عليه إيقاع الواجب المطلق من الأسباب والشروط التي في مقدور المكلف فهو واجب.\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* حكم الولاية على مال السفيه (^١):\nالسفيه يحجر عليه وتلغى أقواله وتصرّفاته وإقراره، ولا بدّ له من ولي يلي أمره، لقوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: يظهر وجه اندرجها أنّ حفظ مال السّفيه واجب، ولا يتم حفظ ماله إلا بولي، والقاعدة أن ما لايتم الواجب إلا به فهو واجب، وعليه فإنّ الولي واجب.\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٥٠).","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8>قاعدة: من صيغ الوجوب لفظ كتب.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* مشروعية القصاص (^١):\nوالدليل على مشروعيته ووجوبه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾\nوجه اندرج المسألة تحت القاعدة:\nوجه ذلك ظاهر من لفظ \"كُتِبَ\"، وهو من الألفاظ الدّالة على الوجوب كما هو مقرر في القاعدة.\n* فرضية الصوم (^٢):\nوالدليل على فرضيته قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: وجه ذلك ظاهر من إخباره ﷾ عن الحكم بلفظ \"كتب\" وهو من الألفاظ الدّالة على الوجوب والفرضية كما هو مقرر في القاعدة.\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٣٩).\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٤٣).","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>قاعدة: المعلّق على الشرطين لا يثبت إلاّ بوجودهما.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* الرِّدة محبطة للعمل بشرط اتصالها بالموت (^٢):\nوممّا استدلّوا به قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: وجه ذلك أن الله ﷾ علّق إحباط عمل المرتدّ على الشرطين (الرّدة والموت عليها)، وعليه فلا يحبط عمل المرتد بمجرّد الرّدة خلافا لقوم؛ لأنّ القاعدة أنّ المعلّق على الشرطين لا يثبت إلا بوجودهما.\n\n•<span data-type='title' id=toc-10> قاعدة: التعبير عن العبادة بمشروع فيها يدل على وجوب ذلك المشروع وفرضه.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* فرضية الركوع في الصلاة (^٣):\nوممّا استدلّوا به على فرضيته قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: يظهر ذلك من مأخذ الحكم من الآية، وذلك أنّ الله عبّر عنها بجزء فيها، وهو الركوع، والقاعدة أنّ التعبير بالعبادة بمشروع فيها يدل على وجوب ذلك المشروع وفرضه، وذلك أنّ الشيء لا يجعل دلالة على غيره، إلاّ إذا كان مقصودا بنفسه.\n_________\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٩٣).\n(^٣) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٠١).","vol":"1","page":16},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-11> قاعدة: تفسير الصحابي حجة.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* الطواف قبل الصلاة (^١):\nومما استدلّوا به قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: وجه ذلك ظاهر من مأخذ الحكم، وهو أثر ابن عباس ﵁ لما سأله رجل هل يصلي قبل أن يطوف، أو يطوف قبل أن يصلي؟ وفيه قوله: «خذ ذاك من كتاب الله فإنّه أجدر أن يحفظ … وقال: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، فالطواف قبل الصلاة (^٢)، وهذا تفسير صحابي، والقاعدة أن تفسير الصحابي حجة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-12> قاعدة: الأمر المطلق يقتضي الوجوب.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* وجوب استقبال القبلة في كل صلاة (^٣): والدّليل قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: يظهر ذلك من وجه الاستدلال من الآية، وذلك أن لفظ \"فوَلّوا\" صيغة أمر، والقاعدة أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب، وعليه فإن استقبال القبلة واجب.\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣١٨ - ٣١٩).\n(^٢) قال السيوطي في الإكليل: \" وقال الحاكم: صحيح الإسناد \".\n(^٣) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٢٥).","vol":"1","page":17},{"text":"وجوب القيام في الصلاة (^١):\nوممّا استدلّوا به قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: وجه ذلك ظاهر من قوله: ﴿وَقُومُوا﴾، وهو أمر، والقاعدة أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب، وهو أمر بالقيام على صفة القنوت والخشوع، فيستفاد منه وجوب القيام عند الحنابلة وغيرهم.\n* عدم جواز الأكل لمن شك في الغروب (^٢):\nاتفق العلماء على أنه لا يجوز الأكل لمن شكّ في غروب الشمس، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: وجه ذلك ظاهر من مأخذ الحكم وذلك أن قوله: ﴿أَتِمُّوا﴾، أمر، والقاعدة أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب، وإتمامه يكون إلى الليل، والليل الذي يتم به الصيام مغيب قرص الشمس.\n* وجوب إتمام الحج والعمرة بعد الشروع فيهما فرضا كان أو نفلًا (^٣):\nلقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: وجه ذلك ظاهر من مأخذ الحكم وذلك أن لفظ ﴿وَأَتِمُّوا﴾ أمر بالإتمام، والقاعدة أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب، فدلّ ذلك على وجوب إتمامهما بعد الشروع فيهما فرضا كان أو نفلا.\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٣٤).\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٥٩).\n(^٣) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٧٢).","vol":"1","page":18},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-13> قاعدة: الأمر بعد الحظر للإباحة.</span>\nمعنى القاعدة: أن من صوارف الأمر عن الوجوب إلى الإباحة وروده بعد الحظر.\nوالمراد بالحظر: التحريم، أو ما كان من حقه التحريم (^١).\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* جواز الجماع في ليالي رمضان (^٢): لقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: وجه ذلك ظاهر من مأخذ الحكم فقوله: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾، صيغة أمر وردت بعد حظر سابق، والقاعدة أن الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة، فدل ذلك على إباحة الجماع في ليالي رمضان.\n\n•<span data-type='title' id=toc-14> قاعدة: من صوارف الأمر عن الوجوب فعله ﷺ</span>-.\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* حكم كتابة الدين (^٣): ذهب قوم إلى أن كتابة الدين مندوب وليس بواجب.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: يظهر وجه الاندراج من مأخذ قولهم حيث حملوا الأمر الوارد في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، على الندب، وذلك لفعله ﷺ حيث ابتاع بلا كتابة ولا إشهاد، والقاعدة أن من صوارف الأمر من الوجوب إلى الندب فعله ﷺ (^٤).\n_________\n(^١) ذكره الزركشي في البحر المحيط (٣/ ٣٠٨) وقال: \" فإن الشافعي ﵁ مثَّلها بقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، وجواز الكتابة على خلاف القياس \"، أي حق الكتابة والقياس: التحريم؛ لأنه بيع مال الإنسان بماله، لكنه جاز لإباحة الآية له.\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٥٩).\n(^٣) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٤٩).\n(^٤) وردت عن النبي ﷺ بيوعاتٌ كثيرة، ولَم يُنقل عنه في بعضها أنه أشهد فيها، ومن ذلك: شراء النبي ﷺ الفرس من الأعرابي، وإنكار الأعرابي ذلك بقوله: لا والله ما بعتُك، فقال النبي ﷺ: «بلى قد ابتَعْتُه»، فَطَفِقَ الأعرابِيُّ يقول: هَلُمَّ شهيدًا، فقال خزيمة بن ثابت ﵁: أَنا أشهدُ أنَّكَ قَدْ بايعتَهُ، فَأقبلَ النَّبيُّ ﷺ على خُزَيْمةَ فقالَ: «بِمَ تشهَدُ»؟، فقالَ: بتَصديقِكَ يا رَسولَ اللَّهِ؛ فجَعلَ شَهادةَ خُزَيْمةَ بشَهادةِ رَجُلَيْنِ.\nوالقصة أخرجها أبو داود في كتاب الأقضية، باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به، برقم (٣٦٠٧)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢/ ٣٩٩)، وإرواء الغليل برقم (١٢٨٦).","vol":"1","page":19},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-15> قاعدة: الأمر بالشيء نهي عن ضده.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* تحريم مطالبة المعسر بالدين وتحريم حبسه (^٣): لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: يظهر ذلك من مأخذ الحكم، وذلك أن الله أوجب إنظاره، لقوله: ﴿فَنَظِرَةٌ﴾، أي: فعليكم إنظاره، وإذا وجب إنظاره حرم مطالبته، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضدّه، وإذا حرم مطالبته فحبسه من باب أولى.\n\n•<span data-type='title' id=toc-16> قاعدة: النهي عن الشيء أمر بضده.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* وجوب الإجابة على من طلب منه الكتابة (^٤):\nذهب قوم إلى وجوب الإجابة على من طُلب منه كتابة الدين؛\nلقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: يظهر وجه ذلك من مأخذ الحكم، حيث إن الوجوب مستفاد من النهي عن الامتناع، فإذا حرم الامتناع عن الكتابة وجب\n_________\n(^٣) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٤٧).\n(^٤) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٥٠).","vol":"1","page":20},{"text":"الاستجابة؛ لأنّ النهي عن الشيء أمر بضدّه كما هو مقرر في القاعدة، ولأن الإجابة للكتابة وسيلة للكتابة، ووسيلة الشيء تأخذ حكمه، وهذا بناء على القول بوجوب الكتابة للأمر بها في قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ ..\n* حكم تحمل الشهادة وأدائها (^١): ذهب قوم إلى وجوب تحمّل الشهادة وأدائها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: يظهر وجه الاندراج أنّ الله نهى عن الامتناع من تحمل الشهادة وأداءها ممن دعي إليها، وإذا حرم ذلك وجب التحمّل والأداء، لأنّ النهي عن الشيء أمر بضدّه كما هو مقرّر في القاعدة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-17> قاعدة: النهي يقتضي التحريم.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* تحريم وطء الحائض (^٢): الدليل على تحريم وطء الحائض قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: يظهر وجه ذلك من مأخذ الحكم، وذلك أن قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾. أمر بمعنى النّهي، والقاعدة أن النهي يقتضي التحريم ..\n* تحريم العضل على الأولياء (^٣): لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٥٤).\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٩٨).\n(^٣) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٢٥).","vol":"1","page":21},{"text":"وجه اندراج المسألة تحت القاعدة: وجه ذلك ظاهر من لفظ ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ وهو صيغة نهي، والقاعدة أن النهي يقتضي التحريم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-18> قاعدة: النهي يقتضي الفساد.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* هل إسلام أهل الذمة بالإكراه يصح (^١): ذهب الشافعي إلى أن إسلام أهل الذمة بالإكراه لا يصح، لقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، فهي خبر بمعنى النّهي.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: أنه ورد نهي عن الإكراه على الإسلام، والقاعدة أن النهي يقتضي الفساد، وعليه فإسلامهم بالإكراه لا يصح للقاعدة، وإذا لم يصح فكأنهم لم يسلموا فلهم الرجوع إلى ما كانوا عليه ..\n\n•<span data-type='title' id=toc-19> قاعدة: من الشرطية تفيد العموم.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* إذا اجتهد الأسير وصام فوافق رمضان هل يجزئه؟ (^٢): ذهب الجمهور إلى أنّه يجزئه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: وجه ذلك ظاهر من مأخذ الحكم، وذلك أن قوله: ﴿فَمَنْ﴾ شرطية، وهي تفيد العموم، فيدخل في عمومها الأسير المجتهد إن صادف رمضان؛ لأنه مدرك له سواء بالحجة القاطعة أو الاجتهاد (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٤٠).\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٥٥).\n(^٣) الأسير إن اجتهد وصام، إمّا يوافق اجتهاده الواقع، وإمّا أن يصادف ما قبله، أو يصادف ما بعده، فالاحتمالات ثلاث، وعلى القول بأن ﴿شَهِدَ﴾ بمعنى: أدرك، فإن صام بعده فإنّه يجزئه قولًا واحدًا، أداءً أو قضاءً، وإن صام قبله فإنّه لم يشهده -لم يدركه- فلا يجزئه كما قال المصنف؛ ويكون نافلة، ويلزمه الأداء أو القضاء بعد شهوده.\nوأمّا إن صادف فإنّه يجزئه كما قال المصنف؛ لدخوله في عموم الآية؛ لأنّه مدرك له سواء بالحجة القاطعة، أو الاجتهاد.","vol":"1","page":22},{"text":"* حكم الصوم على من رأى الهلال وحده (^١): استدل القائلون بوجوب الصوم على من رأى الهلال وحده، -خلافا لمن قال بعدم وجوبه عليه إلا بحكم الإمام- بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: أن لفظ مَنْ في قوله: ﴿فَمَنْ﴾ شرطية، والقاعدة أن من الشرطية تفيد العموم، فمن رأى الهلال وحده فهو داخل في عموم الآية، وعليه فيجب عليه الصوم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-20> قاعدة: ما الموصولة تفيد العموم.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* حكم الخلع بأكثر مما أصدقها (^٢): استدلّ القائلون بجواز الخلع بأكثر ممّا أصدقها بعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: يظهر وجه ذلك أنّ لفظ \"ما\" في قوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، موصولة، والقاعدة أن \"ما الموصولة تفيد العموم\"، فيدخل فيه الخلع بقدر ما أصدقها، أو ما زاد عليه للعموم الوارد في الآية.\n* نصاب زكاة الخارج من الأرض (^٣): ذهب أبو حنيفة إلى وجوب الزكاة في الخارج من الأرض قلّ أو كثر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: وجه ذلك أن لفظ \"ما\" في قوله: ﴿وَمِمَّا﴾ موصولة، والقاعدة أن \"ما الموصولة تفيد العموم\"، فيدخل في عمومها\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٥٥).\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٢١).\n(^٣) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٤٣).","vol":"1","page":23},{"text":"قليل ما تخرجه الأرض وكثيره.\n\n•<span data-type='title' id=toc-21> قاعدة: الجمع المعرف يفيد العموم.</span>\nمن الصيغ التي يستفاد منها العموم الجمع المعرف نحو: \"المؤمنون\".\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* وجوب العدة على كل مطلقة مدخولة بها، بائنا كانت أو رجعية (^١): لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وهو خبر بمعنى الأمر، أي عليهن أن يتربّصن.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: يظهر وجه ذلك من مأخذ الحكم، وذلك أنّ قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾، جمع معرّف ب \"أل\" والقاعدة أن \"الجمع المعرف يفيد العموم\"، فيدخل في عمومه كل مطلّقة، بائنا كان أو رجعية إلا ما خصه الدليل.\n\n•<span data-type='title' id=toc-22> قاعدة: النكرة في سياق النفي تفيد العموم.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* حكم طواف الراكب والمحدث (^٢): قال ابن الفرس واستُدلّ بعموم الآية:\n﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ على صحة طواف الراكب والمحدث.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: أنّ قوله: ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ جملة فعلية تنحل لمصدر، وكأنه سبحانه قال: \"لا جناح عليه تَطَوّفًا بهما\"، و\"تطَوّفا\" نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، وعليه فيصدق على من طاف راكبا، وكذلك المحدث للعموم الوارد فيها.\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤١٥).\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٣٠).","vol":"1","page":24},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-23> قاعدة: النكرة في سياق الشرط تفيد العموم.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* سقوط القصاص بالعفو عن بعضه (^١): استدل بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ على سقوط القصاص بالعفو عن بعضه.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: وجهه أن لفظ ﴿شَيْءٌ﴾ نكرة في سياق الشرط، والقاعدة أن النكرة في سياق الشرط تفيد العموم، فيعم العفو عن الشيء القليل والكثير، كما أن القصاص لا يتجزأ، وذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله.\n* إباحة الفطر بمجرد المرض وبمجرد السفر (^٢): استدلّ بقوله تعالى:: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ من قال بإباحة الفطر بمجرد المرض وإن كان يسيرا، وبمجرد السفر وإن كان قصيرا.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: أن لفظ: ﴿مَرِيضًا﴾ و: ﴿سَفَرٍ﴾ نكرتان في سياق الشرط، والقاعدة أن النكرة في سياق الشرط تفيد العموم، فيدخل في عمومها المرض اليسير والسفر القصير.\n* حكم الفطر للمسافر سفر معصية (^٣): استدل بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ من قال بإباحة الفطر للمسافر سفر معصية، أو غير مباح.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: أن لفظ ﴿سَفَرٍ﴾ في الآية نكرة في سياق الشرط، فتعم كل سفر، فيدخل فيها سفر الطاعة وغيرها.\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٤٠).\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤).\n(^٣) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤).","vol":"1","page":25},{"text":"* حكم التطوع بصيام يوم الشك (^١): قال ابن الفرس: يحتج بها -أي بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ على جواز التطوع بصوم يوم الشك لعموم قوله ﴿خَيْرًا﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: ظاهر من مأخذ العموم، وذلك أن لفظ ﴿خَيْرًا﴾ نكرة في سياق الشرط، فتعم كل خير، والصوم خير فيدخل في العموم.\n* إباحة ارتكاب المحظور للمحرم في كل مرض أو أذى يُحْوجه إلى ذلك (^٢): لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: أن لفظ ﴿مَرِيضًا﴾ و﴿أَذًى﴾ نكرتان في سياق الشرط، والقاعدة أن النكرة في سياق الشرط تفيد العموم، فتعم كل مرض أو أذى مما يُحْوِج المحرم لارتكاب المحظور.\n* صلاة الخوف يشمل خوف العدو والسبع وغير ذلك (^٣): لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: أن قوله ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ فعل في سياق الشرط فيفيد العموم؛ لأن الأفعال نكرات، والقاعدة أن النكرة في سياق الشرط تفيد العموم.\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٥١).\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٧٧).\n(^٣) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٣٥).","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type='title' id=toc-24>قاعدة: أل للجنس تفيد العموم.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* حكم ميتة السمك الطافي (^١): استدلّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ من قال بتحريم ميتة السمك الطافي.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: ظاهر من مأخذ قولهم، وذلك أن قوله ﴿الْمَيْتَةَ﴾ دخلت عليه \"أل\" التي للجنس، والقاعدة أن \"أل\" التي للجنس تفيد العموم، فتعم كل ميتة، فتدخل فيها ميتة السمك الطافي من باب عموم اللفظ.\n* حكم خنزير البحر (^٢): استدلّ من قال بحرمة خنزير البحر بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: وجه ذلك أن \"أل\" في لفظ ﴿الْخِنْزِيرِ﴾ \"أل\" جنسية، والقاعدة أن \"أل\" التي للجنس تفيد العموم، فيعم كل خنزير بريّا كان أو بحريا.\n* عدم اختصاص الاعتكاف بالجامع والمساجد الثلاثة (^٣): من أدلة من قال بعدم اختصاص الاعتكاف بالجامع والمساجد الثلاثة قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: أن لفظ ﴿الْمَسَاجِدِ﴾. دخلت عليه \"أل\" الجنسية، والقاعدة أن \"أل\" التي للجنس تفيد العموم، وعليه فإن الاعتكاف يصح في كل مسجد لعموم الآية.\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٣٤).\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٣٥).\n(^٣) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٦٤).","vol":"1","page":27},{"text":"* وجوب إتمام الحج والعمرة بعد الشروع فرضا أو نفلا (^١): استُدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: أن \"أل\" الداخلة على الحج والعمرة تفيد العموم، فيعم كل حج فرضا كان أو نفلا، وكذا العمرة.\n* إباحة البيوع بأنواعه إلا ما خصه الدليل (^٢): لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: أن لفظ ﴿الْبَيْعَ﴾ في الآية دخلت عليه \"أل\" الجنسية، والقاعدة أن \"ال\" التي للجنس تفيد العموم\" فيعمّ كل بيع إلا ما دلّ الدليل على تحريمه.\n* تحريم الربا بأنواعه إلا ما خصه الدليل (^٣): لعموم قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: أن لفظ ﴿الرِّبَا﴾ في الآية دخلت عليه \"أل\" الجنسية، فيحرم الرّبا بأنواعه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-25> قاعدة: أنّى تفيد العموم.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* حكم العزل (^٤): استُدل بقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ على إباحة العزل، قال ابن عباس: فإن شئتم فاعتزلوا وإن شئتم فلا تفعلوا.\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٧٢).\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٤٦).\n(^٣) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٤٦).\n(^٤) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٠٥).","vol":"1","page":28},{"text":"وجه اندراج المسألة تحت القاعدة: أن ﴿أَنَّى﴾ في الآية أداة شرط تأتي للزمان وللمكان وهي تفيد العموم، فتشمل الآية وضعه ما بين الفخذين دون الفرج كذلك، لعموم اللفظ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-26> قاعدة: هل يدخل النساء في الخطاب الخاص بالرجال.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* حكم اعتكاف المرأة في غير المسجد (^١): واستدل أبو حنيفة على صحة اعتكاف المرأة في غير المسجد دون الرجل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾؛ بناء على أنها لا تدخل في خطاب الرجال.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: يظهر ذلك من مأخذ قوله، ﴿عَاكِفُونَ﴾ وذلك أن الخطاب الوارد في مشروعية الاعتكاف في المساجد موجه للذكور، والنساء لا يدخلن في الخطاب الخاص بالذكور، وعليه فيصح اعتكافها في غير المسجد.\n\n•<span data-type='title' id=toc-27> قاعدة: حذف المعمول يفيد العموم.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* حكم أكل المضطر ميتة الخنزير والآدمي (^٢): استدلّ القائلون بجواز أكل المضطر ميتة الخنزير والآدمي بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٦٥).\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٣٨).","vol":"1","page":29},{"text":"وجه اندراج المسألة تحت القاعدة: ظاهر من خلال حذف المعمول، والقاعدة أن حذف المعمول يفيد العموم، وبيانه: أنه يقدر \"فمن اضطر إلى أكل ما يحتاجه، فلا إثم عليه، وعليه فتدخل المذكورات للعموم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-28> قاعدة: أقل الجمع ثلاثة.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* تحديد أشهر الحج (^١): استدلّ القائلون بأن أشهر الحج هي شوال وذو القعدة وذو الحجة كله بقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: وجه ذلك ظاهر من مأخذ قولهم، حيث إن قوله ﴿أَشْهُرٌ﴾ جمع، والقاعدة أن أقل الجمع ثلاثة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-29> قاعدة: المطلق يجري على إطلاقه مالم يدل دليل على تقييده.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* جواز القضاء متتابعا ومتفرقا (^٢): استدلّ بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ على جواز القضاء متتابعا ومتفرقا.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: يظهر ذلك من مأخذ الحكم: حيث أطلق الأيام، فيصدق على المتتابعة والمتفرقة، والقاعدة أن المطلق يجري على إطلاقه مالم يدل دليل على تقييده.\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٨١).\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٤٤).","vol":"1","page":30},{"text":"* إجزاء صوم يوم قصير عن يوم طويل (^١): استدلّ بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ على أنّه يجزئ صوم يوم قصير مكان يوم طويل.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: وجه ذلك ظاهر من تنكير ﴿أَيَّامٍ﴾ في الآية، فهو مطلق، والقاعدة أن المطلق يجري على إطلاقه مالم يدلّ دليل على تقييده، ولا دليل هنا يقيّد إطلاقها، فيدخل فيه اليوم الطويل والقصير، فيجرى على إطلاقه دون مراعاة زمنه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-30> قاعدة: يحمل المطلق على المقيد.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* مكان ذبح دم الإحصار (^٢): استدل الحنفية على وجوب ذبح دم الإحصار في الحرم لا حيث أحصر بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ مع قوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، وقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾\nيظهر وجه ذلك من مأخذ قولهم حيث ورد الحكم مطلقا عن أي قيد في الآية الأولى، وورد في الآيتين الأخيرتين مقيدا بالحرم، والقاعدة أن المطلق يحمل على المقيد، فيحمل المطلق على المقيد.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: حمل مطلق قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ على المقيدين المذكورين.\nوأجيب: أن المقيّد محمول في حق غير المحصر، أمّا المحصر فقد دلّ قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ وبيَّن النبي ﷺ محله، فذبح في الحلِّ، مما\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٤٦).\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٧٥).","vol":"1","page":31},{"text":"يدل على أنّه لا يشترط كونه في الحرم.\n* هل مجرد الردة توجب إحباط العمل بالكلية (^١): ذهب مالك وغيره إلى أن مجرّد الرّدة محبطة للعمل، فلو كان حجّ ثم ارتدّ وعاد إلى الإسلام، وجب عليه إعادة الحج، ومما استدلوا به: قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: يظهر وجه ذلك من خلال ما أجيب به عن استدلالهم بالآيتين، أنهما مطلقان، وقد ورد ما يقيدهما في سورة البقرة وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، والقاعدة أن المطلق يحمل على المقيد، وعليه فلا يبطل عمل المرتد بمجرد الردة، بل لابدّ من شرط آخر، وهو اتصالها بالموت.\n\n•<span data-type='title' id=toc-31> قاعدة: يجوز تخصيص العموم بالمفهوم.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* هل يقتل حر بعبد (^٢): استدلّ القائلون بأن الحر لا يقتل بعبد بقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: وجه ذلك ظاهر حيث يدل مفهومها على أن الحر لا يقتل بعبد، وهو خاص في مقابل العموم الوارد في قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. فيخصص عموم منطوق هذه الآية بمفهوم الآية الأولى عند القائلين بأن الحر لا يقتل بعبد.\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٩٣).\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٣٩).","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type='title' id=toc-32>قاعدة: دلالة الإشارة حجة:</span>\n* صحة صوم الجنب (^١): قال السيوطي: استدل بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ إلى قوله ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ على صحة صوم الجنب؛ لأنه يلزم من إباحة الجماع إلى تبين الفجر إباحته في آخر أجزاء الليل، ويلزم من ذلك بطريق الإشارة طلوع الفجر وهو جنب.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: يظهر ذلك من وجه استدلالهم بالآية، وهو استنباط عن طريق دلالة الإشارة؛ إذ الآية لم تكن مسوقة لبيان حكم صوم الجنب، والقاعدة أن دلالة الإشارة حجة.\n* إجزاء النّية مع طلوع الفجر (^٢): استدلّ اللخمي بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ إلى قوله ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ على إجزاء النية مع طلوع الفجر؛ لأنه إذا كان الأكل مباحا إلى الفجر لم تجب النّية إلا في الموضع الذي يجب فيه الإمساك.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: يظهر ذلك من وجه استدلاله بالآية، وهو استنباط عن طريق دلالة الإشارة؛ إذ الخطاب ليس مسوقا لبيان حكم النية، بل مسوقًا لبيان وقت الإفطار.\n\n•<span data-type='title' id=toc-33> قاعدة: دلالة الإيماء حجة.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* مأخذ من قال بوجوب الصوم على المسافر والمريض والحائض (^٣):\nاستدلّ من قال بوجوب الصوم على المسافر والمريض والحائض بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٥٩).\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (٣٦٠).\n(^٣) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (٣٥٣).","vol":"1","page":33},{"text":"وجه اندراج المسألة تحت القاعدة: أن الله علّق الصوم على شهود الشهر، فالشهود علة الوجوب؛ لاقتران الحكم بالوصف ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وهؤلاء قد شهدوه، فيجب عليهم الصوم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-34> قاعدة: مفهوم المخالفة حجة.</span>\nالمراد بمفهوم المخالفة: «دلالة اللفظ على ثبوت نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه»، وهو أنواع.\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* الرجعة بعد انقضاء العدة تحتاج إلى رضا الزوجة وولي (^١):\nدليله قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، أي في مدة التربص (العدة).\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: يظهر وجه الاندراج من مأخذ الحكم، وذلك أن منطوق الآية دلّ على أن الزوج يستقل بالرجعة في العدة من غير ولي ولا رضا الزوجة، وبمفهوم قوله: ﴿فِي ذَلِكَ﴾ على أن ما بعد العدة بخلاف ذلك، بل لا بد من رضاها وولي، وعقد جديد، والقاعدة أن مفهوم المخالفة حجة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-35> قاعدة: مفهوم الصفة حجة.</span>\nالمراد بمفهوم الصفة: أن يكون للذات صفتان، فيعلّق الحكم بإحدى الصفتين، ممّا يدلّ على نفي الحكم عنه عند انتفاء تلك الصفة.\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* حكم ولاية الفاسق والذمي (^٢): استدلّ بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾.، على أنه لا يجوز أن\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤١٨).\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٥١).","vol":"1","page":34},{"text":"يكون الولي ذمّيا ولا فاسقا.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: يظهر ذلك من مفهوم قوله: ﴿وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾.، وهو مفهوم صفة، والقاعدة أن مفهوم الصفة حجة، فدلّ ذلك على أن ولاية الفاسق لا يجوز.\n* حكم شهادة الصبي والكافر (^١): استدلّ بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، على أنه لا يقبل في الشهادة صبي ولا كافر.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: يظهر ذلك من قوله: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.، حيث خرج بمفهومه الصبي والكافر والقاعدة أن مفهوم الصفة حجّة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-36> قاعدة: مفهوم الشرط حجة.</span>\nالمراد بمفهوم الشرط: تعليق الحكم على الشرط، ممّا يدل على انتفاء الحكم عند انتفاءه.\nوالمراد بالشرط: الشرط اللغوي، وهو ما دخل عليه إحدى أدوات الشرط المعروفة عند النحاة.\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* تحريم الزينة والتطيب للمحادّة (^٢): استدلّ بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، على تحريم الزينة والتطيب للمرأة التي في العدة أي الإحداد.\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٥١).\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٣٠).","vol":"1","page":35},{"text":"وجه اندراج المسألة تحت القاعدة: وجه ذلك ظاهر من مأخذ التحريم، حيث علّق سبحانه إباحة الزينة والتطيب على بلوغ الأجل، فدلّ ذلك بمفهوم الشرط على تحريم ذلك قبل بلوغ أجلهن.\n* هل يجوز الرهن في غير السفر (^١): ذهب مجاهد على أن الرهن لا يجوز إلا في السفر: لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: وجه ذلك ظاهر من مأخذه، وذلك أن الله سبحانه علّق الحكم على السفر، والقاعدة أن مفهوم الشرط حجّة.\n* هل من شرط الرهن فقد الكاتب (^٢): ذهب الضحاك على عدم جواز الرهن في السفر إلا عند فقد الكاتب: لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: وجه ذلك ظاهر من وجه الاستدلال، حيث عُلّق عليه الحكم، والقاعدة أن مفهوم الشرط حجة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-37> قاعدة: مفهوم الغاية حجة.</span>\nالمراد بمفهوم الغاية: دلالة اللفظ المستفادة من مَدّ الحكم الثابت للمنطوق إلى غاية بأداة من أدوات الغاية ك \"حتى\" على انتفاء الحكم عمّا بعد الغاية.\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* تحريم الجماع والأكل في نهار رمضان (^٣): لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾.\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٥٦).\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٥٦).\n(^٣) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٥٩).","vol":"1","page":36},{"text":"وجه اندراج المسألة تحت القاعدة: يظهر وجه ذلك من مفهوم قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾، حيث دلّ بمفهوم الغاية على انتفاء ذلك الحكم عما بعد الغاية، والقاعدة أن مفهوم الغاية حجة، وعليه فيحرم المباشرة والأكل وما في حكمهما في نهار رمضان.\n* تحريم الوصال (^١): استدلّ بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، على تحريم الوصال.\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: أن الصيام والإمساك مغيا إلى الليل، حيث دلّ مفهوم قوله ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ على أنّ ما بعد الغاية ليس محلًا للصيام فيحرم صومه، والقاعدة أن مفهوم الغاية حجة.\n* المطلقة ثلاثا لا تحل إلا بعد نكاح زوج آخر (^٢): لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: وجه ظاهر من مأخذ الحكم، حيث دل مفهوم الغاية في قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، على أن حكم ما بعد الغاية يختلف عن حكم ما قبلها، والقاعدة أن مفهوم الغاية حجة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-38> قاعدة: مفهوم الحصر حجة.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* الحكم بالشاهد واليمين (^٣): استدل أبو حنيفة على منع قبول الشاهد واليمين، لعدم ذكره في الآية مع ذكره فيها أنواع التوثيق.\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٣٦٣).\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٢٢).\n(^٣) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٥٣).","vol":"1","page":37},{"text":"وجه اندراج المسألة تحت القاعدة: يظهر ذلك من استدلاله بقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾، حيث إن الله ذكر في الآية أنواع التوثيق، ولم يذكر الشاهد واليمين، فدل مفهوم الحصر في الآية على حصر الحجة في المذكورات، وعدم دخول الشاهد واليمين، والقاعدة أن مفهوم الحصر حجة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-39> قاعدة: مفهوم العدد حجة.</span>\nمن الفروع المندرجة تحت القاعدة:\n* هل للرّضاع الحاصل بعد الحولين أثر؟ (^١): ذهب جمع من العلماء إلى أن الرضاع الحاصل بعد الحولين لا أثر له، فلا يثبت به التحريم، لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾\nوجه اندراج المسألة تحت القاعدة: يظهر وجه ذلك من مأخذ قولهم، وذلك أن مفهوم ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ وهو مفهوم عدد، يدلّ على أن مازاد على الحولين ليس حكمه حكم لبن الرضاع الحاصل في الحولين، وعليه فلا يثبت به التحريم.\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٤٢٦).","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type='title' id=toc-40>الدراسة الثانية التطبيق على آيات الحج</span>","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-41>المقدمة</span>\n﷽\nالحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:\nفهذه وقفات مع أحكام فقهية تتعلق بفريضة الحج، مستنبطة من آيات الأحكام، وقد اقتطعتها من شرحي على بلوغ المرام من آيات الأحكام، إلا أنني هنا رتبت الآيات حسب ورودها في القرآن، على منهج كتب أحكام القرآن، بخلاف ترتيب البلوغ فإنه حسب ترتيب كتب الفقه وفقه السنة، واكتفيت ببيان مآخذ الأحكام دون التعرض لأصل الخلاف في المسائل المستنبطة، ومن أراد ذلك ففي كتب أحكام القرآن والخلاف بغيته، فأقول مستعينًا بالله:","vol":"1","page":41},{"text":"الدراسة التطبيقية\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]\nومعها وقفتان:\n* الوقفة الأولى: مع حكم وجوب العمرة على الآفاقي.\nاستُدل بالآية على وجوبها على الآفاقي.\nوالآفاقي أو الأفقي: من لم يكن مقيمًا في مكة، وقيل: هو من كان خارج المواقيت المكانية للإحرام حتى لو كان مكيًا.\nومأخذ الحكم: ورود الأمر بأسلوب الخبر، حيث أخبر المولى ﷾ أنّه جعل البيت مثابة للناس، أي: معادًا يرجعون ويعودون إليه، وهذا يستلزم عدم خلو البيت منهم سواء كان في الحج أو العمرة في جميع أيام السنة، ولا يمكن إجراء الآية على هذا المعنى إلا بحملها على الوجوب، فيكون الأسلوب في الآية أسلوب خبر، بمعنى الأمر؛ لأنّ كونه مثابة للنّاس صفة تتعلق باختيار الناس، وما يتعلق باختيار الناس لا يمكن تحصيله بالجبر والإلجاء، فوجب حمل الآية على الوجوب؛ لأنّ الحمل على الوجوب، يفضي إلى صيرورته مثابًا أكثر من حمله النّدب (^١).\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير (٤/ ٤٦).","vol":"1","page":42},{"text":"الوقفة الثانية: مشروعية الصلاة خلف مقام إبراهيم، المستنبط من قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.\nوقد اختلف المفسرون في المراد بمقام إبراهيم، والأكثر أنّه: الموضع المخصوص للصلاة، والمعهود، ويؤيده سبب نزول الآية، حين طلب عمر بن الخطاب ﵁ من النبي ﷺ أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت الآية (^١)، وبيّن المراد منها: النبي ﷺ بفعله حين قرأ بالآية ثم صلى خلف المقام المعهود ركعتي الطواف (^٢).\nومأخذ الحكم: ورود الطلب بصيغة الأمر الدّالة على الوجوب، في قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ والقول بالوجوب هو مذهب طائفة من أهل العلم، كما أن القراءة الأخرى وهي قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ - بفتح الخاء - هي خبرٌ بمعنى الأمر، وتأخذ حكمه.\nوذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الصّلاة خلف مقام إبراهيم سنة، وصرفوا الأمر من الوجوب إلى الندب بصارف خارجي، وهو السنة الدّالة على أن الواجب على العبد من الصلوات هو الصلوات الخمس لا غير، وما عداها فهو سنة.\nومن تلك الأحاديث قوله ﷺ لمعاذ «فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة» (^٣) وقوله ﵊: «إلّا أن تتطوع» (^٤) إجابة لمن سأله هل\n_________\n(^١) انظر: تفسير الطبري (٢/ ٣٠)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ٢٢٦)، وتفسير ابن كثير (١/ ٤١٤).\n(^٢) أخرجه البخاري كتاب التفسير، باب قوله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ برقم (٤٢١٣).\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا، برقم (١٤٩٦). ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، برقم (٢٩).\n(^٤) متفق عليه وسبق تخريجه.","vol":"1","page":43},{"text":"عليّ غيرها؟ أي: من الصّلوات الخمس. وغير ذلك من الأحاديث.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]\nاستدل بالآية على عدد من الأحكام: أقف معها أربع وقفات:\n* الوقفة الأولى: مشروعية السعي بين الصفا والمروة، وهو أمر مجمع عليه، وإنّما الخلاف في كونه حكمًا واجبًا أو سنة.\nومأخذ القائلين بالوجوب: كونه واردًا بصيغة الخبر، والمراد به الأمر. وذلك في قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ففيه الأمر بإقامة شعائر الله؛ لأنّ شعائر الله عظيمة لا يجوز التهاون بها؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢] وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] فدلّ ذلك على وجوب إقامة شعائر الله، ومنها السعي بين الصفا والمروة.\nقال السيوطي: «وقال قوم: قوله ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ دليل على الوجوب؛ لأنّه خبر بمعنى الأمر، ولا دليل على سقوطه» (^١).\n* الوقفة الثانية: اختلف القائلون بحتمية السعي هل هو ركن في الحج، أو واجب فيه؟ على قولين، ومرجع ذلك إلى كتب الفقه.\nومأخذ القائلين بكونه سنة، قوله ﷾: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ونفي الجناح عن الفاعل يدل على عدم وجوبه، بل هو في رتبة المباح؛ إلّا أن\n_________\n(^١) الإكليل (١/ ٣٢٨).","vol":"1","page":44},{"text":"جَعْل السعي من شعائر الله قرينة تدل على أنه لا يراد بذلك الإباحة، وإنّما يراد به النّدب والسنية.\nقال شيخ الإسلام: «ورفع الجناح وإن كان لإزالة الشبهة التي عرضت لهم في الطواف بهما -كما سيأتي إن شاء الله- فإن هذه الصيغة تقتضي إباحة الطواف بهما، وكونهما من شعائر الله يقتضي استحباب ذلك (^١).\n* الوقفة الثالثة: إنّ بداية السعي تكون بالصفا، والبدء بالصفا واجب.\nومأخذ الحكم: كون الله بدأ به فيقدم، وقوله ﵊: «نبدأ بما بدأ الله به» (^٢)، مع ضميمة قوله: «خذوا عني مناسككم» (^٣).\nقال ابن الفرس: «ليس فيها ما يستدل به على أن البداءة من الصفا والمروة، ولا عكسه، سوى التقديم اللفظي، ولم يعتبره أكثر الفقهاء في مسألة الوصية، ولم يروا للتقديم اللفظي حكمًا، ولكنهم قد راعوه في هذه الآية فرأوا البداية بالصفا، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال حين خرج من المسجد، وهو يريد الطواف «نبدأ بما بدأ الله به» فبدأ بالصفا فهذا يدل على اعتبار التقديم اللفظي ما لم يعارضه معنى آخر يقتضي التقديم، وهذا كله على المشهور من أن الواو لا تقتضي ترتيبًا» (^٤).\n_________\n(^١) شرح العمدة (٣/ ٦٢٥).\n(^٢) أخرجه أبوداود في كتاب الحج، باب صفة حجة النبي ﷺ، والنسائي في كتاب الحج، باب القول بعد ركعتي الطواف (٢٩٦١)، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء أنه بدأ في الصفا قبل المروة، برقم (٨٦٢) وقال: \" هذا حديث حسن صحيح، وعليه العمل عند أهل العلم \". قلت: وفي مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، برقم (١٢١٨) بلفظ «أبدأ بما بدأ الله».\n(^٣) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، برقم (١٢٩٧).\n(^٤) أحكام القرآن (١/ ١٢٥).","vol":"1","page":45},{"text":"* الوقفة الرابعة: جواز السعي راكبًا.\nمأخذه: عموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ولم يخص راكبًا من غيره، والمسالة محل خلاف على أقوال يرجع فيها إلى كتب الفقه.\nووجه العموم: أن الفعل المنصوب ينحل مصدرًا، والتقدير: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ الطواف بهما﴾\n* الوقفة الخامسة: يجزئ السعي دون طهارة، وإليه ذهب الجمهور.\nومأخذ الحكم: أنّ الطّواف اسم للدوران بالبيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر.\n* * *\nقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]\nونقف معها وقفة واحدة، وهي استدلال بعض الحنفية بالآية على أن شهور السنة كلها مواقيت للحج، كما كانت بأسرها مواقيت للنّاس، ويلزمهم أن يكون الحج المطلق على هذا القول يراد به الإحرام فقط دون سائر أفعال الحج، مع أن الإحرام عندهم ليس من الحج، بل هو شرط الحج. ومعلوم أن الشرط خارج عن ماهية الشيء، فالوضوء شرط الصلاة، وليس الوضوء داخلًا في الصلاة.\nومأخذ الحكم: أن الظّاهر من الآية جعل المراد بالأهلة جميع الشّهور، وهي عامّة؛ لأنّه جمع معرّف، وعمومها في المعطوف والمعطوف عليه - أي في الناس والحج -.\nوأجيب: بأنّ الصّحيح من التأويل أن المراد بالآية: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ والحج في أشهر الحج، أي: إنّ أفعال الحج من السّعي والطّواف وغيره تكون في أشهره.","vol":"1","page":46},{"text":"ومأخذ الجواب: جمعًا بين هذه الآية وقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ لأنه إن لم يكن كذلك لزم أن يكون لفظ ﴿الْأَهِلَّةِ﴾ لفظًا واحدًا عامًّا خاصًا في حالة واحدة، وهذا لا يصح.\n\nقال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة: ١٩٦]\nقال ابن العربي عن الآية إنّها: «مشكلة عُضلة من العُضل» (^١)، ويمكن تقسيم أحكام الآية إلى أربعة أقسام:\n\n•<span data-type='title' id=toc-42> القسم الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾</span> [البقرة: ١٩٦] ومعها أربع وقفات:\n* الوقفة الأولى: مشروعية الحجّ والعمرة ووجوب إتمامهما لمن بدأ بهما، وسواء كانت فرضًا أو تطوعًا، وهذا الحكم متفق عليه.\nومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا﴾ فيدل على المشروعية ويقتضي وجوب إتمام الحجّ والعمرة لمن بدأ بهما، وكونه شاملًا للفرض والتطوع مأخذه العموم الوارد بدخول الألف واللام على الحجّ والعمرة، فيشمل الفرض والنفل.\n_________\n(^١) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٧٠).","vol":"1","page":47},{"text":"* الوقفة الثانية: وجوب الحجّ والخلاف في وجوب العمرة.\nأمّا الحجّ فوجوبه أمر متفق عليه ومعلوم من الدّين بالضرورة، وأما العمرة ففي وجوبها خلاف.\nومأخذ وجوبهما من الآية ما يلي:\nأولًا: إن من معاني الإتمام المأمور به: الأداء والإتيان.\nقال القرطبي: «اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة لله، فقيل: أداؤهما والإتيان بهما، كقوله: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أي ائتوا بالصيام، وهذا على مذهب من أوجب العمرة» (^١).\nثانيًا: بقراءة ﴿وأقيموا الحجّ والعمرة لله﴾ (^٢) على أن القراءة الشّاذة حجة.\nثالثًا: إذا كان الإتمام واجبًا؛ فإنّ الأداء واجب.\nوهذا المأخذ فيه نظر، قال ابن القصار: «فيقال لهم هذا غلط؛ لأنّه من أراد أن يفعل السنة فواجب أن يفعلها تامّة، كمن أراد أن يصلي تطوعًا، فيجب أن يكون على طهارة …» (^٣).\nقال القرطبي: «في هذه الآية دليل على وجوب العمرة؛ لأنه تعالى أمر بإتمامها كما أمر بإتمام الحج …» (^٤). ثم ساق آثارًا تدل على وجوب العمرة، ثم قال: «وأمّا الآية فلا حجة فيها للوجوب، لأنّ الله سبحانه إنما قرنها في وجوب\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٦٥).\n(^٢) انظر: تفسير البغوي (١/ ٢٤١)، حدائق الروح والريحان للهرري (٣/ ٢٠٠).\n(^٣) أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٣٤).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٦٨).","vol":"1","page":48},{"text":"الإتمام لا في الابتداء …» (^١).\nواستدل من قال بوجوب العمرة إضافة إلى ما سبق:\nأولًا: قراءة ﴿والعمرةُ لله﴾ بالضّم، وقد كان يقرأ بها من الصحابة ابن عمر وابن عباس ﵄، وهي بذلك تكون خبرًا بمعنى الأمر.\nثانيًا: بدليل الاقتران، وقد استأنس الشافعي على وجوب العمرة به؛ ولقول ابن عباس ﵄: والذّي نفسي بيده إنّها لقرينتها في كتاب الله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٢)\nأمّا القائل بأنّ الآية لا تدل على الوجوب ابتداء، وإنّما تدل على وجوب الإتمام بعد الشروع فيهما فقط. فمأخذه نص الآية، فإنّ الأمر بالإتمام، فلا يتعدى لغيره كما سبق في قول القرطبي.\nويشهد أنها للإتمام لا للابتداء ورودها بعد حكم المحصر، الذي لم يتمّ الحجّ والعمرة، كما أنّهم أيدوا عدم وجوبها بأدلة أخرى مثل قوله ﵊: «بني الإسلام على خمس» (^٣) وذكر منها حج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلًا، ولم يذكر العمرة.\nتنبيه: للخلاف في معنى الإتمام أثر كبير على كثير من مسائل الحج والعمرة، إذ إن من معاني الإتمام غير ما تقدم: الإتيان بها خالصة لله، ويقوي هذا المعنى قوله سبحانه ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ وبُني عليه الخلاف في التجارة في الحج وسيأتي\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٣٦٩).\n(^٢) انظر: تفسير الشافعي (١/ ٤٨٤)، التفسير الكبير للرازي (٥/ ٢٩٧)، الدر المنثور (١/ ٥٠٤).\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب الإيمان، برقم (٨)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، برقم (١٦).","vol":"1","page":49},{"text":"حكمهما عند قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.\nومن معاني الإتمام: الإتيان بها كاملة؛ ولذا اختلف الصحابة في كيفية ذلك، فعن عمر ابن الخطاب ﵁: إتمامهما أن يفرد كل واحد منهما من غير تمتع وقران (^١) … وفسَّر علي ﵁ وغيره من الصحابة الإتمام بأن تحرم بهما من دويرة أهلك (^٢). وهذا يقتضي جواز الإحرام بهما قبل الميقات.\nوالإحرام قبل الميقات أجازه العلماء، بل نقل بعضهم كابن المنذر وابن قدامة الإجماع على جوازه.\nقال ابن قدامة: «لا خلاف في أن من أحرم قبل الميقات يصير محرمًا، وتثبت في حقه أحكام الإحرام» (^٣).\nوإنّما الخلاف في أيهما أفضل الإحرام من قبل الميقات أو من الميقات، والجمهور على أنّه من الميقات.\n* الوقفة الثالثة: من المسائل التي تبنى على معنى \" الإتمام \" القول بوجوب النّية.\nقال القرطبي: «لا خلاف بين العلماء فيمن شهد مناسك الحج وهو لا ينوي حجا ولا عمرة- والقلم جار له وعليه- أن شهودهما بغير نية ولا قصد غير مغن عنه، وأن النية تجب فرضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا﴾ ومن تمام العبادة حضور\n_________\n(^١) نسب تخريجه السيوطي في الإكليل (١/ ٣٧٣) إلى عبد الرزاق في تفسيره، ولم أجده فيه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٤٣٧)، والقرطبي في جامعه للأحكام (٣/ ٣٦٦)، وفيه انقطاع بين الزهري وعمر ﵁.\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب التفسير، (٢/ ٢٧٦). وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال ابن حجر: إسناده قويّ. انظر: التلخيص الحبير (٤/ ١٥٢٧).\n(^٣) المغني (٣/ ٢٥٠).","vol":"1","page":50},{"text":"النّية، وهي فرض كالإحرام عند الإحرام» (^١).\nومن المسائل التي تبنى على معنى \" الإتمام \": القول بأن من أفسد حجه أو عمرته؛ فإنّه يمضي عليهما ثم يقضي.\nومأخذه: أن الله أمر بالإتمام، والأمر يقتضي الوجوب، ولم يفرق بين الصّحة والفساد.\nومنها: من قال إنّ القارن إذا خاف فوات الوقوف بعرفة ليس له رفض العمرة؛ لأنّ الأمر بالآية يقتضي وجوب إتمامها.\nومنها: من قال بأن المعتمرة إذا حاضت قبل الطواف، وضاق عليها وقت الحج، فإنّ الواجب عليها، أن تردف الحج ولا ترفض العمرة، وتصير قارنة، وبذلك يتحقق لها معنى إتمام العمرة الوارد في الآية.\nومنها: من قال بمشروعية التحلل من الحج الفاسد إلى عمرة؛ لأنّ الله تعالى أمر بإتمام الحج، ولم يمكن إتمامه، فانقلب عمرة، وهي العبادة التي يمكن إتمامها.\nوأجيب: بأن الله ﷾: إنّما أمر بإتمام ما دخل فيه، ولم يأمره أن يتم غيره، وعليه فلا يصح الاستدلال بالآية.\nومنها: من قال بأن من بلغ قبل الوقوف بعرفة يجب عليه إتمام حجه وعمرته، وتكونان نافلة.\nوذهب أبو حنيفة إلى جواز رفضها وعدم إتمامها، وتجديد الإحرام بعد البلوغ ويكون الحج فريضة.\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٦٩).","vol":"1","page":51},{"text":"* الوقفة الرابعة: إن الأصل أن الحجّ والعمرة مشروعان في كل وقت بدلالة الإطلاق في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، إلا أن الحج مخصوص بقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فتبقى العمرة على الأصل، فتكون مشروعة في جميع السنة، وتكرارًا لمن أراد؛ لأنّ الآية عامّة في جميع الأوقات.\n\n•<span data-type='title' id=toc-43> القسم الثاني: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾</span> [البقرة: ١٩٦]، ونقف مع الآية - بإذن الله - ثماني وقفات:\n* الوقفة الأولى: إنّ الإحصار يكون بالعدو وبالمرض.\nومأخذ الحكم في كونه راجعًا إلى الإحصار بالعدو يرجع إلى سبب نزول الآية حيث إنّها نزلت بالحديبية حين أحصر رسول الله ﷺ بالحديبية، وحلق ورجع ولم يصل إلى البيت، ويؤيده من الآية قوله بعد ذلك ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ ثم ذكر المرض بعد ذلك بحكم مستقل ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ الآية.\nأمّا كون الحصر يكون بالمرض، مأخذه: اللغة حيث إنّ الفعل الرباعي (أحصر) يقال في المرض، فيقال: \" أحصره المرض \" أمّا الثّلاثي (حصر) فإنّه للعدو، فيقال: حصره العدو، وهو قول الأخفش وابن السِّكيت من علماء اللغة (^١).\nوقال بعض أهل اللغة كالأزهري (^٢) والزجاج (^٣) إن الرباعي\" أحصر \" يقال لمن منعه خوف أو مرض من التصرف فهو محصر، ويقال: لمن حُبس: حُصر،\n_________\n(^١) انظر: اصلاح المنطق لابن السكيت (٢٣٠)، والمصادر القادمة.\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة للأزهري (٤/ ٢٣٢).\n(^٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (١/ ٢٦٧).","vol":"1","page":52},{"text":"فهو محصور.\nوقال ثعلب والفراء: أُحصر وحُصر لغتان (^١).\nإذا تبين ما سبق فقد حمل بعض العلماء الإحصار في الآية على العدو، مؤيدين قولهم من خارج الآية - أيضًا -: وهو ما أثر عن ابن عباس ﵄ من قوله (لا حصر إلّا حصر العدو) (^٢).\nومن العلماء من حمل الإحصار على الجميع - أي العدو والمرض - لما سبق، ويؤيده من خارج الآية حديث ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب عند ما قالت لرسول الله ﷺ: إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج، فما تأمرني؟ قال: «أهلي بالحج، واشترطي أن محلي حيث حبستني» (^٣).\n* الوقفة الثانية: إن الإحصار يكون في الحج والعمرة.\nقال القرطبي: «لا خلاف بين علماء الأمصار أن الإحصار عامٌّ في الحج والعمرة. وقال ابن سيرين: لا إحصار في العمرة، لأنها غير مؤقتة، وأجيب بأنها وإن كانت غير مؤقتة لكن في الصبر إلى زوال العذر ضرر، وفي ذلك نزلت الآية» (^٤).\nوقوله: «وفي ذلك نزلت الآية» بيان لسبب النزول، وسبب النزول - وهو العمرة - قطعي الدّخول، وقاس العلماء الحجّ عليه؛ لأنّه بمعناه.\n_________\n(^١) انظر: معاني اللغة للفراء (١/ ١١٧)، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (١/ ٣٩٥).\n(^٢) أخرجه الشافعي في مسنده (١/ ٣٨١) برقم (٩٨٤)، قال ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ٥٤٨): \"بإسناد صحيح \"، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٣٥٨) برقم (١٠٠٩١).\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب الأكفاء في الدين، برقم (٤٨٠١)، ومسلم في كتاب الحج، باب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه، برقم (١٢٠٧).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٧٧).","vol":"1","page":53},{"text":"* الوقفة الثالثة: وجوب الهدي على من أراد التحلل بسبب الإحصار.\nمأخذ الحكم: قال القرطبي: «\" ما \" في موضع رفع، أي فالواجب أو فعليكم ما استيسر من الهدي. ويحتمل أن يكون في موضع نصب، أي فانحروا أو فاهدوا» (^١).\nوبه يتضح دلالة وجوب الهدي على من أراد التحلل من الإحصار.\n* الوقفة الرابعة: الواجب على المحصر ما تيسر من الهدي.\nمأخذه: ما سبق من إعراب ل (ما) وما تبعه من تقديرات.\nوالمستيسر من الهدي، إمّا بدنة، أو سُبُعها، أو بقرة أو سُبُعها، أو شاة فما سهل على المخرج وتيسر عليه، وهو لفظ يستعمل في التخفيف والتّيسير.\n* الوقفة الخامسة: أن المحصر ممنوع من حلق شعره حتى يبلغ الهدي محله، ومفهومه أنه: إذا بلغ الهدي محله فللمحرم أن يحلق رأسه.\nمأخذه: مفهوم الغاية الوارد في الآية بحرف (حتى).\nقال أبو حيان ﵀: «هذا نهي عن حلق الرأس مغيا ببلوغ الهدي محله، ومفهومه: إذا بلغ الهدي فاحلقوا رؤوسكم» (^٢).\n* الوقفة السادسة: الخلاف في المحصر المكي هل يجب عليه الهدي كالآفاقي.\nقيل: إنّه كغيره، فيجب عليه الهدي.\nومأخذ الحكم: عموم الضمير في قوله ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ يشمل المكي وغيره.\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٧٨).\n(^٢) البحر المحيط (٢/ ٢٥٨).","vol":"1","page":54},{"text":"وقيل: ليس عليه هدي، استدلالًا في الظاهر بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.\nقلت: وهذا الاستثناء هل يرجع اسم الإشارة فيه إلى صحة التمتع المترتب عليه هذه الكفارة - وهو سوق الهدي أو الصيام لمن لم يجد الهدي - أو يرجع اسم الإشارة ﴿ذَلِكَ﴾ إلى سقوط الدّم عن المتمتع كما سيأتي.\n* الوقفة السابعة: أن المحصر إذا تحلل بالهدي؛ فإنّه لا يجب عليه قضاء حجه أو عمرته.\nومأخذ الحكم: أن الله ﷾ لم يذكر قضاء، والقضاء لا يجب إلّا بأمر ثانٍ عند الأكثر من أهل العلم والنظر وشرائط الاستدلال قاله الموزعي (^١).\n* الوقفة الثامنة: أن لذبح الهدي مكانًا وزمانًا إلّا أنهم اختلفوا فيهما؛ نظرًا للخلاف في المراد بقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾\nمأخذه: أنّ لفظ (المحل) يقع على الوقت والمكان جميعًا.\nأمّا الوقت بالنسبة للعمرة فهي في أي وقت شاء، وكذا الحج عند الجمهور، وذهب بعض العلماء أنّه لا يحل قبل يوم النحر.\nأمّا المكان فاختلفوا هل يذبح في مكانه أو بمكة؟ فذهب الجمهور إلى أنّه ينحره أو يذبح حيث حبس من حلٍ أو حرمٍ.\nوذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا ينحره إلا بالحرم استدلالًا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] ووافقه مالك فيما إذا كان الإحصار بسبب المرض.\n_________\n(^١) انظر: تيسير البيان (١/ ٣١٦).","vol":"1","page":55},{"text":"فالقائلون بأن الذّبح أو النحر يكون في الحرم، قالوا: إنّ مطلق المحل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ يحمل على المقيّد في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].\nوأجيب: بأن المقيد محمولٌ في حق غير المحصر، أمّا المحصر فقد دلّ قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]. وبيّن النبي ﷺ محله فذبح في الحل مما يدل على أنّه لا يشترط أن يبلغ الحرم (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-44> القسم الثالث: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾</span> [البقرة: ١٩٦] ونقف مع الآيات سبع وقفات:\n* الوقفة الأولى: أن حلق الرأس من محظورات الإحرام، وهذا حكم متفق عليه.\nومأخذه: النّهي الوارد في الآية، وهو يقتضي التحريم، ثم إيجاب الفدية عليه؛ إذ التقدير (فحلق فعليه فدية)، والفدية لا تجب إلّا على من ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام، ولو كان جائزًا لما وجبت الفدية إذ \" الجواز الشرعي ينافي الضّمان \".\n* الوقفة الثانية: وجوب الفدية على من ارتكب محظورًا سواء في الحج أو بالعمرة، وبأذًى أو بغير أذًى.\n* الوقفة الثالثة: أنه يُلحق بحلق شعر الرأس في كونه محظورًا غيره من شعور البدن، كشعور اليدين والرجلين … الخ.\n_________\n(^١) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٣٥٦)، نقلًا عن الشافعي، وكذا في معرفة السنن والآثار (٧/ ٤٨٧). وانظر: تفسير الشافعي (٣/ ١٢٦٥)، وحدائق الروح والريحان للهرري (٢٧/ ٢٩٧).","vol":"1","page":56},{"text":"مأخذه: أن تخصيص الشعر عن غيره يصح لو لم يكن مفهوم لقب، ومفهوم اللقب لا حجة فيه. وعليه فالآية ساكتة عن غيره.\nفائدة: نقل الموزعي: خلاف العلماء في التخصيص بالرأس هل هو تخصيص للتقييد أو للتعريف وعلى الثاني يدخل سائر الشعور (^١).\n* الوقفة الرابعة: وجوب الفدية على من حلق شعر رأسه وهو محرم لأجل مرض أو أذًى في رأسه.\nومأخذ الحكم: تقدير لفظ (على) الدال على الوجوب في الآية، قال القرطبي: «فإنّ معنى قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ فحلق ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ أي فعليه فدية» (^٢) ..\nوهذه الفدية أطلقها المولى ﷾ في كتابه، وبيّنها النبي ﷺ بقوله ﵇: «فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع» (^٣).\nأمّا النسك فأقله شاة عند أهل العلم، وهو مجمع عليه.\n* الوقفة الخامسة: أن كفارة الفدية على التّخيير.\nومأخذ الحكم: ورود الحكم بحرف (أو) الدال على التخيير في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾\n* الوقفة السادسة: أن الفدية يدفعها المفتدي حيث شاء من البلاد.\nمأخذ الحكم: أن الآية أطلقت الحكم ولم تخصص موضع عن موضع\n_________\n(^١) انظر: تيسير البيان (١/ ٣٢٨ - ٣٢٩).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٨٢).\n(^٣) أخرجه البخاري في أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب الإطعام في الفدية نصف صاع، برقم (١٧٢١).","vol":"1","page":57},{"text":"فتحمل الآية على عمومها في المواضيع حتى يأتي ما يخصصها.\n* الوقفة السابعة: جواز تقديم الفدية على الحلق، قاله الأوزاعي.\nومأخذه: تقدير \" إن أراد أن يحلق \" بعد ذكر الفدية، أي فالتقدير: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ إن أراد أن يحلق، على قاعدة أن المقدّر كالملفوظ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-45> القسم الرابع: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ </span>فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦]\nوأقف مع الآية ثنتي عشرة وقفة:\n* الوقفة الأولى: مشروعية نسك التمتع ووجوب الهدي عليه، وقد اتفق العلماء على أن التمتع الذي هو الاعتمار في أشهر الحج، ثم الحج من عامه أنّه مراد في الآية.\nمأخذ الحكم: دلّ إيجاب الهدي - وهو دم شكران لا جبران على مشروعية التمتع، ووجوب الهدي مأخذه التقدير الوارد في الآية، وتقديره: فالواجب عليكم ما تيسر، أو فعليكم ما تيسر من الهدي، وتكون صيغة الأمر فيه واردة بأسلوب اسم الفعل، وهو (عليكم) أو (فعليكم) وإن شئت قلت حرف (على) الدَّالة على الوجوب.\nتنبيه: اختلف العلماء في جواز الاشتراك في الهدي الواجب، فأجازه الشافعي وأحمد، وكذا أبوحنيفة، إذا أراد جميعهم الفدية وممنوع إذا أراد","vol":"1","page":58},{"text":"بعضهم اللحم، ومنع الاشتراك الإمام مالك، واحتج بأن ظاهر الآية يقتضي هديًا كاملًا، والجماعة إذا اشتركوا في هدي لم يتقرب كل واحدٍ منهم إلّا ببعض هدي.\n* الوقفة الثانية: أن العمرة في أشهر الحج متعة عند الحسن البصري، وإن لم يحج.\nمأخذه: أن (إلى) في قوله: ﴿بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ بمعنى (في).\nقال الموزعي: «وهو جائز في اللسان» (^١) ثم أورد شواهد من شعر العرب تدل على ذلك.\n* الوقفة الثالثة: أن من اعتمر ثم رجع إلى أهله ثم حجّ من عامه فهو متمتع.\nمأخذ الحكم: ظاهر الآية وإطلاق الحكم فيها، فلم يفرق بين أن يكون نسك العمرة والحج في سفرٍ واحدٍ، أو في أكثر من سفر.\nقال القرطبي: «قال ابن المنذر: وحجته ظاهر الكتاب قوله ﷿: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ ولم يستثن: راجعا إلى أهله وغير راجع، ولو كان لله جل ثناؤه في ذلك مراد لبينه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ» (^٢).\n* الوقفة الرابعة: كفارة من لم يجد الهدي على الترتيب بلا خلاف.\nومأخذ الحكم: مفهوم الشرط في قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ ومفهومه أن من كان واجدًا للهدي فليس له أن ينتقل للصيام.\n_________\n(^١) تيسير البيان (١/ ٣٤١).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٩٦).","vol":"1","page":59},{"text":"* الوقفة الخامسة: أن من لم يجد الهدي، فيجب عليه صيام ثلاثة أيام في الحج.\nومأخذ الحكم:\nأولًا: وجوب الصيام في التقدير الوارد في الآية، أي: فعيله صيام ثلاثة أيام و(على) من ألفاظ الوجوب.\nوثانيًا: كونها في الحج، دلّ عليه مفهوم ظرف الزمان، ومفهومه أنها لا تصح ولا تجزئ قبل أن يحرم بالحج.\nقال القرطبي: «فإن قوله: (أيام الحج) يحتمل أن يريد موضع الحج، ويحتمل أن يريد أيام الحج؛ فإن كان المراد أيام الحج فهذا القول صحيح (^١)؛ (يقصد قول الشافعية أن الصيام ما بين أن يُهِلّ بالحج إلى يوم عرفة يعتبر أداء، وأيام منى قضاء) لأنّ آخر أيام الحج يوم النحر، ويحتمل أن يكون آخر أيام الحج أيام الرمي؛ لأن الرمي عمل من عمل الحج خالصًا وإن لم يكن من أركانه. وإن كان المراد موضع الحج صامه ما دام بمكة في أيام منى، كما قال عروة، ويقوى جدًا» (^٢).\n* الوقفة السادسة: اختلف العلماء في اشتراط التتابع في صيام الأيام الثلاث.\nومأخذ الحكم: أما من لم يشترط التتابع؛ فلأن ظاهر إطلاق الآية يدل على عدم اشتراطه.\nوأمّا من اشترطه التتابع فمأخذه حجية القراءة الشاذة الواردة فيه، وقد ورد في قراءة شاذة (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (^٣).\n_________\n(^١) يقصد قول الشافعية أن الصيام ما بين أن يُهِلّ بالحج إلى يوم عرفة يعتبر أداء، وأيام منى قضاء.\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٠٠).\n(^٣) انظر: تفسير عبد الرزاق (٢/ ٢٤)، والطبري (١٠/ ٥٥٩)، والدر المنثور (١/ ٥١٩).","vol":"1","page":60},{"text":"* الوقفة السابعة: وجوب صيام سبعة إذا رجع إلى أهله.\nومأخذ وجوب الصوم ما سبق، في تقدير (فعليكم صيام)، كما أن في قراءة ﴿وَسَبْعَةٍ﴾ بالنصب، دلالة على الوجوب؛ إذ التقدير: وصوموا سبعةً.\nأمّا كونه إذا رجع إلى أهله، فمفهوم الشرط في قوله: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ ومفهومه أنّها لا تصام في الحج، أي: إذا رجعتم فصوموا.\nقال ابن عثيمين ﵀: «إن صيام السبعة لا يجوز في أيام الحج؛ لقوله تعالى ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (^١).\nوقد اختلف العلماء في هذه المسألة، والخلاف في مفهوم الرجوع هل هو إلى بلادكم، أو يجوز في الطريق، أو الرجوع إلى الإحلال بعد الإحرام، أو الرجوع من منى … ونقل ابن العربي عن القاضي قوله: «وتحقيق المسألة أن قوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إن كان تخفيفًا ورخصة فيجوز تقديم الرخص وترك الرفق فيها إلى العزيمة إجماعا، وإن كان ذلك توقيتًا فليس فيه نص ولا ظاهر أنه أراد البلاد، وإنما المراد في الأغلب والأظهر فيه أنه الحج» (^٢) انتهى (^٣)، ويكون مقصوده الرجوع من منى لا إلى بلاده، والله أعلم.\n* الوقفة الثامنة: أن الأيام عشرة لا تنقص ولا يزاد عليها.\nومأخذ الحكم: مفهوم العدد في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.\n_________\n(^١) تفسير القرآن الكريم، سورة البقرة (٢/ ٤٠٩).\n(^٢) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٨٥).\n(^٣) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٨٥).","vol":"1","page":61},{"text":"قال الشوكاني: «وقوله: ﴿كَامِلَةٌ﴾ توكيد أخر بعد الْفَذْلَكَةِ لزيادة التوصية بصيامها، وأنه لا ينقص من عددها» (^١).\nوقال بعض أهل العلم إن لفظ قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ خبر بمعنى الأمر، أي: أكملوها ولا تنقصوها ذلك، وهذا الحكم متفق عليه، وإنّما الخلاف فيما إذا فات المتمتع صيام الأيام الثلاثة في الحج، فهل يجب عليه صيام السبعة الباقية أم تسقط عنه ويتعين عليه الدّم؟ وبسط هذا في كتب الفقه.\n* الوقفة التاسعة: أن الحلق أفضل من التقصير، وهو محل اتفاق.\nومأخذه: وروده في كتاب الله ﷾ في قوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ الآية ولم يقل تقصروا.\n* الوقفة العاشرة: عدم جواز تقديم الحلق على الهدي.\nقال القرطبي: «لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه، وذلك أن سنة الذبح قبل الحلاق. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وكذلك فعل رسول الله ﷺ، بدأ فنحر هديه ثم حلق بعد ذلك» (^٢).\nومأخذ الحكم: النّهي ومفهوم الغاية فيه أنّه إذا بلغ الهدي محله، فللمحرم أن يحلق رأسه.\nوقد ورد في السّنة من حديث عبد الله بن عمرو جواز تقديم الحلق على الهدي، وعدم وجوب الدم للناسي والجاهل، ففي الحديث: (… فما سمعته\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ٢٢٧).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٨٢).","vol":"1","page":62},{"text":"سئل يومئذ عن أمر شيء، مما ينسى المرء ويجهل، من تقديم بعض الأمور قبل بعض، وأشباهها، إلا قال رسول الله ﷺ: «افعلوا ذلك، ولا حرج») رواه مسلم (^١).\nقال الموزعي: «وأمّا حديث عبد الله بن عمرو فإنّه وإن ورد في الناسي والجاهل، فلا يدل على منعه في العامد، والله أعلم» (^٢).\nقلت: وذلك أن ما خرج مخرج الجواب عن سؤال لا مفهوم له كما هو مقرر في علم أصول الفقه، كما أن الحديث يكون صارفًا للنّهي الوارد في الآية عن التّحريم وربما كان للكراهة هنا.\nقال الشاطبي: «… فلذلك إذا قال الشارع في أمر واقع: \"لا حرج فيه\"؛ فلا يؤخذ منه حكم الإباحة، إذ قد يكون كذلك، وقد يكون مكروها، فإن المكروه بعد الوقوع لا حرج فيه؛ فليتفقد هذا في الأدلة» (^٣).\nأمّا الدّم - على من قدَّم الحلق على الهدي - فلو كان واجبًا لبيّنه النّبي ﷺ؛ لأنّه وقت الحاجة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.\n* الوقفة الحادية عشرة: أن المكي هل له متعة؟.\nفذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا متعة له، وذهب الجمهور إلى أن له متعة.\nومأخذ الحكم: الخلاف في رجوع اسم الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فقال أبو حنيفة: إنّ الإشارة تعود إلى صحة التمتع المترتب عليه هذه الكفارة، فلا يصح لحاضري المسجد الحرام تمتع ولا قران.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي، برقم (١٣٠٦).\n(^٢) تيسير البيان (١/ ٣٢٨).\n(^٣) الموافقات (١/ ٢٣١).","vol":"1","page":63},{"text":"ومأخذ الجمهور ظاهر عموم الآية، في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ و(مَنْ) من ألفاظ العموم، وأما اسم الإشارة فإنه يعود للدم وليس للتمتع - كما سيأتي - في الوقفة التالية فلم تفرق الآية بين المكي وغيره.\n* الوقفة الثانية عشرة: أن المكي المتمتع لا هدي عليه عند الجمهور.\nومأخذ الحكم: رجوع اسم الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يرجع إلى الهدي، وجعلوا اللام في قوله: ﴿لِمَنْ﴾ بمعنى (على)، أي: وجوب الدّم على من لم يكن من أهل مكة، كما أن الجمهور يرى أن دم المتمتع دم جبران؛ لترك الإحرام بالحجّ من الميقات.\nتنبيه: الحنفية كما سبق يرون أن المكي لا متعة له، ولا قران، فإنّ تمتع وجب عليه الدّم، وهو دم جناية لا يأكل منها.\n* * *\nقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧]\nاستدل بالآية على أحكام، أقف معها ثمان وقفات:\n* الوقفة الأولى: أن الحج في زمن مخصوص، وهذا حكم متفق عليه.\nومأخذ الحكم: أن العلماء قدروا محذوفًا ومضمرًا في الآية، فقالوا: (وقت الحج في أشهر معلومات) أي: إنّ الحج في أشهر معلومات.\nثم اختلفوا في تحديد أشهره، والجمهور على أنّه: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحج، ثم اختلفوا في يوم النحر هل هو منها؟ يرجع في ذلك إلى","vol":"1","page":64},{"text":"كتب الخلاف.\nومن العلماء من جعل لفظ ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ خبر بمعنى الأمر، أي: أشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، فمن أراد الحج فليبدأ بالإحرام من شوال إلى عشرة ذي الحجة.\n* الوقفة الثانية: لا يجوز الاحرام بالحج إلّا في أشهره عند الشافعي، فلا يجوز فرضه قبل أشهره.\nومأخذه: أن الإحرام من جملة الحج، ووقت الحج أشهر معلومات.\n* الوقفة الثالثة: جواز الاعتمار في جميع السنة، وهذا حكم متفق عليه.\nومأخذه من الآية هو: إن تخصيص الله ﷾ الحج بالتوقيت يفهم أن العمرة ليست مثله بدلالة مفهوم الظرف الزّماني في الآية، فليس للعمرة وقت مخصوص، أمّا الحج فهو في أشهر معلومات.\n* الوقفة الرابعة: أن فرض الحج والعمرة ينعقدان بالنّية دون النطق.\nومأخذه: أن معنى ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ﴾ ألزم نفسه، وبالنية يتحقق ذلك (^١)، وعليه لا يشترط معها نطق أو سوق هدي.\n* الوقفة الخامسة: وجوب أخذ الزاد للحج، حتى لا يتكل على سؤال الناس.\nمأخذ الحكم: سبب النزول وهو قطعي الدخول، وقد نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد، ويقول بعضهم: نحن المتوكلون،\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٠٦).","vol":"1","page":65},{"text":"ويقول بعضهم: كيف يحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فكانوا يبقون عالة على الناس فنهوا عن ذلك وأمروا بالتزود.\n* الوقفة السادسة: تحريم الجماع وهو المعبر عنه بالرّفث.\nومأخذ الحكم هو ورود النهي بصيغة الخبر، فهو خبر بمعنى النّهي، وهي أبلغ من صيغة النهي كما يذكره أهل الأصول والبلاغة وقد سبق الإشارة إلى ذلك.\nويترتب على الرّفث أحكام منها: إفساد الحج، وهذا هو مقتضى النهي وهو الفساد، ووجوب الكفارة فيه، والمضي في فاسده، وتفصيل ذلك في كتب الفقه والخلاف.\nمنها: إذا فرض الحج في غير أشهره فله أن يرفث، وذلك يستلزم صحة فرضه.\nومأخذه: مفهوم ظرف الزّمان في قوله ﴿فِيهِنَّ﴾ أي: في أشهر الحج المعلومات.\nومنها: أن من وطئ ناسيًا بطل حجه.\nمأخذه: أنّ الشّارع أطلق النّهي في كل من رفث، ولم يفرق بين عمده وخطئه، والنهي يقتضي الفساد.\n* الوقفة السابعة: النّهي عن الفسوق فسّرها ابن عباس بأنها: المعاصي كلها لا يختص بشيء دون شيء. وفسّرها ابن عمر بالمثال، فقال: كقتل الصيد وغيره وقيل: غير ذلك.","vol":"1","page":66},{"text":"مأخذ الحكم: ما سبق أنه خبر بمعنى النهي، والأصل فيه التحريم والفساد، وقد فُسِّر بقول الصحابي، وتفسير الصحابي حجة.\n* الوقفة الثامنة: النّهي عن الجدال، وفسر بالسّباب، أو مماراة المسلم حتى يغضب وفُسِّر بغير ذلك.\nومأخذه: كونه محظورًا من محظورات الحج لورود النهي عنه بصيغة الخبر كما سبق.\nتنبيه: النهي عن الفسوق والجدال لا يختص بحالٍ، وإنّما خصّه الله سبحانه بمن فرض الحج تعظيمًا وتفخيمًا لشأن الحج.\n* * *\nقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ١٩٨ - ٢٠٠]\nيستنبط من الآيات أحكام أقف معها أربع وقفات:\n* الوقفة الأولى: جواز التجارة في الحج، وقد قرأ ابن الزبير ﵄: (في مواسم الحجّ).\nمأخذ الحكم: يدل عليه نفي الحرج في الفعل - وقد سبق في حكم الطواف بين الصفا والمروة - ويؤكد جواز التجارة: ما ورد عن ابن عباس ﵄ في سبب نزول الآية حيث قال: كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية، فلما جاء","vol":"1","page":67},{"text":"الإسلام، كأنهم كرهوا ذلك، حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في مواسم الحج﴾ أخرجه البخاري (^١).\n* الوقفة الثانية: وجوب الوقوف بعرفة، وهو ركن من أركان الحج باتفاق.\nدلّ عليه قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ ثم قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. وفيها دليل أن المولى ﷾ قد أمرهم بالوقوف بعرفة قبل إفاضتهم منها.\nوقال الموزعي: عن قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ «وهذه الآية أصرح وأبين في الدّلالة على الوجوب من التي قبلها؛ فإنّ الله ﷾ أمرنا بالإفاضة من حيث أفاض الناس، فأوجب الحصول في مكان ابتداء الإفاضة الذي يفيض منه النّاس، وهو عرفات» (^٢).\nمأخذ الحكم: هو الأمر الوارد بقوله: ﴿أَفِيضُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب، والمراد بالإفاضة هنا: الإفاضة من عرفات، وهو قول جماهير المفسرين، بل حكى فيه الطبري الإجماع، ولم يخالف فيه إلّا الضّحاك، وهو محجوج بالإجماع، وكان الناس، وهم العرب ما خلا قريشًا تتجاوز المزدلفة، وتقف بعرفات، وتفيض منها.\nتنبيه: لم يذكر المولى ﷾ في كتابه وقت الوقوف، ولا وقت الإفاضة، وبيّنه ﷺ بفعله، فوقف بها إلى أن غربت الشمس، ثم دفع فجمع بين الليل والنهار.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، برقم (٤٥١٩).\n(^٢) تيسير البيان (١/ ٣٦٣).","vol":"1","page":68},{"text":"تنبيه آخر: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ بعد قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ يدل عند البعض أن (ثمّ) في الآية ليست لترتيب الحكم، بل هي للتّرتيب الذّكري، وعليه فلم تخرج (ثم) هنا عن موضوعها.\nوقيل: ليست (ثمّ) في هذه الآية للترتيب، وإنّما هي لعطف جملة كلام على جملة كلام، هي منقطعة منها. قال الطبري: في الكلام تقدير وتأخير وبيّن ذلك، وذكر ابن العربي أجوبة منها: «أن معناه: ثم ذكرنا لكم أفيضوا من حيث أفاض الناس، فيرجع التعقيب ب (ثم) إلى ذكر وجود الشيء لا إلى نفس الوجود» (^١). ويرجع إلى تفاصيل ذلك في كتب التفسير.\n* الوقفة الثالثة: مشروعية النزول بالمزدلفة باتفاق إلّا أن الخلاف في كونه المبيت بها ركنًا أو واجبًا أو سنة، بل حكى عن بعض السّلف أنّه ليس بنسك، وإنّما هو منزلٌ إن شاء نزله، وإن شاء تركه، والأخير ضعيف جدًا، بل غلط ظاهر؛ لمخالفة الكتاب والسنة.\nقال الموزعي ورجّح كونه واجبًا قال: «لموافقته القرآن، ولحديث عروة بن مضرس ﵁» (^٢). وحديث عروة وفيه أنه أتى النبي ﷺ بجمع -أي مزدلفة - وقال للنبي ﷺ هل لي من حج؟ فقال ﵊: «من صلى هذه الصلاة معنا، ووقف هذا الموقفَ حتى يُفيضَ، وأفاض قبل ذلك من عرفات ليلًا أو نهارًا، فقد تمَّ حجُّهُ، وقضى تَفَثَهُ» (^٣) وتفصيل ذلك في كتب الفقه.\n_________\n(^١) أحكام القرآن (١/ ١٩٦).\n(^٢) تيسير البيان (١/ ٣٦٠).\n(^٣) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة، برقم (٣٠٤٢)، وصححه الألباني.","vol":"1","page":69},{"text":"ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾، وهو على أصله، أي الوجوب.\n* الوقفة الرابعة: مشروعية الذّكر في المشعر الحرام، وهو أمر مجمع عليه.\nقال الموزعي: «قال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث: المشعر الحرام: جميع المزدلفة وذكر الله سبحانه يقع على التلبية والصلاة والمبيت إن لم يصحبه ذكر؛ لأنّه من مناسك الحج، والمناسك ذكر؛ لأنّها انقياد وتسليم لله ﷾» (^١).\nومأخذ الحكم: الأمر الوارد في قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ ودار الأمر هنا بحسب تفسير الذكر إلى واجب وهو الأصل، وإلى ندب، والواجب كالصلاة، والمبيت عند أكثر أهل العلم.\nوالمندوب من الذكر كالتلبية والدعاء صبيحة يوم العيد بالمزدلفة وغير ذلك.\nتنبيه: ورد الأمر بذكر الله أيضًا عند انقضاء المناسك بقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ ونقل ابن عباس ﵄ في سبب نزولها أن العرب كانت إذا قضت مناسكها، أقاموا بمنى يقوم الرجل فيقول: (اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة، عظيم القُبة، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيت لأبي فنزلت الآية، وأمروا بذكر الله عوضًا من ذلك) (^٢).\nوورد الذكر مقيدًا في أيام معدودات وسيأتي في الآية التالية.\n_________\n(^١) تيسير البيان (١/ ٣٥٦).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٦٦).","vol":"1","page":70},{"text":"قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]\nوفيها من الأحكام المستنبطة ما يلي:\n* الوقفة الأولى: مشروعية ذكر الله في الأيام المعدودات، وهي: ثلاثة أيام بعد يوم النحر على خلاف بين أهل العلم، وتسمى أيام التّشريق، وأيام منى. وأمر الله ﷻ بذكره فيها لشرفها.\nمأخذ الحكم: صيغة الطلب ﴿وَاذْكُرُوا﴾ وهي هنا دائرة بين الوجوب والنّدب.\nفإذا فسر الذكر في هذه الأيام بالرّمي فهي للإيجاب، وإن كان مطلق الذكر كالتّكبير فهو للنّدب وقد سبق.\n* الوقفة الثانية: مشروعية التعجل في يومين للمكي وغيره.\nومأخذ الحكم: قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ونفي الإثم يدل على المشروعية، والجواز والإباحة.\nوكونه للمكي وغيره: أخذًا من عموم (مَنْ) في قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾ وهي من ألفاظ العموم.\nفائدة قال ابن الجوزي: \" وفي معنى ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ ثلاثة أقوال: أحدها: لمن اتقى قتل الصيد، قاله ابن عباس. والثاني: لمن اتقى المعاصي في حجه، قاله قتادة. وقال ابن مسعود: إنما مغفرة الله لمن اتقى الله في حجه. والثالث: لمن اتقى فيما بقي من عمره، قاله أبو العالية، وإبراهيم \" انتهى (^١).\n_________\n(^١) زاد المسير (١/ ١٦٩).","vol":"1","page":71},{"text":"قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]\n* الوقفة الأولى: استدل بالآية على وجوب الحج، وهو أمر متفق عليه، ومعلوم من الدّين ضرورة.\nومأخذ الحكم: ورد في الآية لام الايجاب، ولفظ: \" على \" الدّالة على الوجوب أيضًا.\nقال القرطبي: «قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ﴾ اللام في قوله ﴿وَلِلَّهِ﴾ لام الإيجاب والإلزام، ثم أكده بقوله تعالى: ﴿عَلَى﴾ التي هي من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب، فإذا قال العربي: لفلان علي كذا، فقد وكّده وأوجبه. فذكر الله تعالى الحج بأبلغ ألفاظ الوجوب تأكيدًا لحقه وتعظيما لحرمته، ولا خلاف في فريضته» (^١).\n* الوقفة الثانية: أن من جحد وجوبه فهو كافر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس ﵄: (من كفر بفرض الحج، ولم يره واجبًا) (^٢) ووسّع العلماء الحكم ليشمل كل من جحد حكمًا معلومًا من الدّين ضرورة فهو كافر.\nومأخذ الحكم: التفسير السابق عن ابن عباس ﵄ مع ضميمة ذكر غنى الله عنه في الآية.\nقال الرازي معددًا مؤكدات وجوب الحج في الآية: \" وسادسها: ذكر الاستغناء، وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان \" (^٣).\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٤/ ١٤٢).\n(^٢) انظر: تفسير الماودري المسمى بالنكت والعيون (١/ ٤١١).\n(^٣) التفسير الكبير (٨/ ٣٠٦).","vol":"1","page":72},{"text":"* الوقفة الثالثة: أن وجوب الحج على المستطيعين، ثم اختلف العلماء في ضبط الاستطاعة، ومرجع ذلك إلى كتب الفقه.\nومأخذ الحكم: أن قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ بدل من النّاس، وهو بدل بعض من كل، وكأن المولى ﷾ قال: (ولله على المستطيعين حجّ البيت).\nوالبدل نوع من المخصصات المتصلة، وهو مخصص لعموم (النّاس) المتقدم.\n* الوقفة الرابعة: وجوب الحج على الكافر والعبد والمرأة الحرّة المستطيع منهم.\nمأخذ الحكم: عموم لفظ (النّاس) حيث إنّه اسم جنس معرف، يفيد العموم.\n* الوقفة الخامسة: الخلاف في وجوب الحجّ كل سنة أو في العمر مرّة واحدة؟\nومأخذ الحكم: الخلاف هو في الأمر المطلق هل يقتضي التكرار؟ وعلى القول بأنّه يقتضي التكرار، أي: هل يجب الحجّ كل عام؟ أما في الحج فإنّه لا يجب كل عام؛ لكونه غير مطلق في الشرع بل مقيد في العُمر، فلا يجب في العمر إلا مرّة واحدة.\nوبيان ذلك من السنة النبوية، وقد سُئل النبي ﷺ في حجة الوداع: أحجُنا لعامنا هذا، أم للأبد؟ - يعني: هل يجزئنا حجنا عن عامنا هذا فقط، فنحتاج إلى تكرير حجّ في كل سنة، أو يجزئنا للأبد؟ فقال ﷺ: «للأبد» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في أبواب العمرة، باب عمرة التنعيم، برقم (١٧٨٥).","vol":"1","page":73},{"text":"* الوقفة السادسة: أن كل من استطاع على الحج فإنّه يجب عليه المبادرة، ولا يجوز تأخيره عند بعض العلماء.\nمأخذ الحكم: كون الأمر المطلق يقتضي الفور، وعليه فإن من أخرها وهو متمكن من أدائها كان عاصيًا. أما القائل بأن الأمر لا يقتضي الفور فإنه أجاز له تأخيرها ولو كان متمكنًا من أدائها ..\n* * *\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وفيه وقفة واحدة حيث:\nدلت الآية على مشروعية وإباحة الاصطياد بعد التحلل، مما يدل على كونه محظورًا حال الإحرام.\nومأخذ الحكم: مفهوم الشرط إذ يدل على أننا إذا لم نتحلل، أي: كنا حُرُمًا؛ فإنّه يحرم علينا الصّيد.\n* * *\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٥ - ٩٦]\nومعها وقفة واحدة وهي: حرمة الاصطياد حال الإحرام، وكونه محظورًا من محظورات الإحرام.","vol":"1","page":74},{"text":"* ومأخذ الحكم يتضح بالوجوه التالية:\nأولًا: صيغة النّهي الصريحة ﴿لَا تَقْتُلُوا﴾ والنهي يقتضي التحريم.\nثانيًا: وجوب الكفارة على من فعل ذلك.\nثالثًا: عفو الله ومغفرته لمن فعل ذلك، بقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ ولا يكون العفو إلّا من ذنب.\nرابعًا: التهديد بقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾\nخامسًا: ختم الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾\nسادسًا: قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ بلفظ التّحريم وهو صريح ونصَّ في التّحريم.\nقال ابن القيم: في الفصل المعقود للألفاظ الدّالة على التحريم قال: «… وكل فعل طلب الشرع تركه …، أو جعل سببًا لنفي الفلاح أو العذاب عاجل أو آجل، … أو حلول نقمة … فهذا ونحوه يدل على المنع من الفعل، ودلالته على التّحريم أطرد من دلالته على مجرد الكراهة» (^١).\nومما يستنبط من الآية: وجوب الفدية على من قتل الصيد، وهو محرم متعمدًا.\nومأخذ الحكم: التقدير الوارد على الآية، قال القرطبي: «التقدير فعليه جزاء مماثل أو لازم من النعم» (^٢)، ومعلوم أن لفظ \"على\" في الشارع تدلُّ على الوجوب، والمقدَّر كالملفوظ.\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٤/ ٤ - ٦).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٣٠٩).","vol":"1","page":75},{"text":"قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]\nومعه وقفة واحدة مع ما تضمنته الآية من منع المشركين - ككفار مكة وغيرهم - من الحجّ بعد هذا العام الذي بعث فيه النّبي ﷺ أبابكر ثم أردف ﷺ بعليٍّ فأمره أن يؤذن بسورة براءة؛ لإعلام النّاس بألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (^١).\nمأخذ الحكم: النهي الوارد بقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ ووصفهم بالنّجس مما يدل على وجوب اجتنابهم للمسجد الحرام.\n* * *\n\nقال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٩]\nونقف معها أربع عشرة وقفة:\n* الوقفة الأولى: وجوب الحج.\nمأخذ الحكم: ورد الأمر من المولى ﷾ بالأذان بالحج، والمعنى: أعلمهم أن عليهم الحج، وسواء قلنا إنّ المخاطب النبي ﷺ، والواو في قوله: ﴿وَأَذِّنْ﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب لا يطوف بالبيت عريان ولا يحج مشرك، برقم (١٥٤٣)، ومسلم كتاب الحج، باب لا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وبيان يوم الحج الأكبر، برقم (١٣٤٧).","vol":"1","page":76},{"text":"للاستئناف، أي إن الخطاب كان لإبراهيم ﵇ في قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦]، ثمَّ خاطب المولى ﷾ النبي ﷺ بقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾، أو أن المخاطب بذلك إبراهيم ﵇، وشرعه شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه، وليس في شرعنا ما يخالفه.\nقال القرطبي: «لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت، وقيل له: ﴿أذن في الناس بالحج﴾ … وقيل: إنّ الخطاب لإبراهيم ﵇ تمّ عند قوله ﴿السُّجُودِ﴾ ثم خاطب الله ﷿ محمّدًا ﵊ فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾؛ أي: أعلمهم أن عليهم الحج. وقول ثالث: إنّ الخطاب من قوله: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج: ٢٦] مخاطبة للنبي ﷺ. وهذا قول أهل النظر؛ لأنّ القرآن أنزل على النبي ﷺ، فكل ما فيه من المخاطبة فهي له إلّا أن يدل دليل قاطع على غير ذلك، وهاهنا دليل آخر يدل على أن المخاطبة للنبي ﷺ وهو: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي﴾ بالتاء، وهذا مخاطبة لمشاهد، وإبراهيم ﵇ غائب» (^١).\n* الوقفة الثانية: استدل بعض العلماء بالآية على سقوط فرض الحج بالبحر.\nومأخذ الحكم: عدم ذكره في الآية.\nقال القرطبي: «قال مالك في الموازية: لا أسمع للبحر ذكرا، وهذا تأنس، لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه؛ وذلك أن مكة ليست في ضفة بحر فيأتيها الناس في السّفن، ولا بد لمن ركب البحر أن يصير في إتيان مكة إما راجلا وإما على ضامر، فإنما ذكرت حالتا الوصول» (^٢) - يعني إلى مكّة -.\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٣٨).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٤٠).","vol":"1","page":77},{"text":"* الوقفة الثالثة: تفضيل المشي على الركوب في الحجّ، وهو قول كثير من أهل العلم.\nمأخذ الحكم: لتقديم الله سبحانه له في الذكر، واستدلوا على ذلك ببعض الأثار لقوله ﵇: (إنّ للحاجِّ الراكب بكل خطوة تخطوها راحلته سبيعين حسنة، والماشي بكل خطوة سبع مئة حسنة) (^١) والحديث ضعيف (^٢).\nتنبيه: من ذهب إلى أن الركوب أفضل؛ فلأجل الاقتداء بالنبي ﷺ، وقد قال ﵊: «لتأخذوا عني مناسككم» (^٣)، ولأجل كثرة النفقة. وقوله ﵊ لعائشة: «ولكنها على قدر نصبك، أو قال: نفقتك» (^٤) يحتمل الأمرين.\nوذهب بعض أهل العلم أن النبي ﷺ إنّما حجّ راكبًا حتى يظهر ليقتدى به ويستفتى.\nولا خلاف بين أهل العلم في جواز الرّكوب والمشي، وإنّما الخلاف في الأفضل منهما.\n* الوقفة الرابعة: جواز التجارة في الحجّ، من قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾.\nواللام للتعليل، وفسِّرت المنافع بالتجارة، وأكثر المفسرين على أنّها تشتمل منافع الدّين والدّنيا، وتدخل التّجارة تبعًا.\nقال الجصاص: «فاقتضى ذلك أنهم دعوا وأمروا بالحج ليشهدوا منافع لهم، ومحال أن يكون المراد منافع الدنيا خاصة; لأنه لو كان كذلك كان الدعاء إلى\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٧٥)، برقم (١٢٥٢٢).\n(^٢) انظر: السلسلة الضعيفة للألباني برقم (٤٩٦، ٤٩٧).\n(^٣) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، برقم (١٢٩٧).\n(^٤) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام … برقم (١٢١١).","vol":"1","page":78},{"text":"الحج واقعًا لمنافع الدنيا، وإنما الحج: الطواف والسعي والوقوف بعرفة والمزدلفة ونحر الهدي وسائر مناسك الحج، ويدخل فيها منافع الدّنيا على وجه التبع والرخصة فيها، دون أن تكون هي المقصودة بالحج، وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فجعل ذلك رخصة في التجارة في الحج» (^١).\nقلت: ولا خلاف بين العلماء في أن المراد بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ التجارة، وقد سبق.\nومأخذ الحكم: يتعلق بالأمر والأذان السابق، أي: فأذن بالحج ليشهدوا منافع لهم، والأمر يقتضي هنا الإباحة، كما دلت عليه آية البقرة.\n* الوقفة الخامسة: مشروعية ذكر الله في الأيام المعلومات؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ وهي معطوفة على قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ وسبق القول أنّ اللام هنا للتعليل.\nوالمعنى: فأذن بالنّاس لأجل أن يشهدوا منافع لهم؛ ولأجل أن يذكروا اسم الله في هذه الأيام على ما رزقهم من بهيمة الأنعام.\nومأخذ المشروعية: ما سبق أن الأمر بالإذن للناس يدل على المشروعية، والتي من ثمرتها ومنافعها ذكر الله.\nواختلف العلماء في المراد بذكر الله هنا، قال ابن الفرس: «واختلف في ذكر اسم الله ما هو؟ فقيل: هو بمعنى حمده وشكره على نعمته في الرزق، ويؤيده\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٥/ ٦٦).","vol":"1","page":79},{"text":"قوله ﵊ «إنها أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى» (^١) وقيل: المراد ذكر الله على النحر والذبح» (^٢).\nكما أنهم اختلفوا في المراد بالأيام المعلومات، فقيل: أيام العشر، وقيل: أيام الحج، وهو يوم عرفة والنّحر وأيام التّشريق، وقيل: يوم التّروية وعرفة، ويوم النحر، وقيل: يوم النحر ويومان بعده، وكل يستدل لقوله ببعض الآثار.\n* الوقفة السادسة: الذّبح والنحر لا يكون إلّا في هذه الأيام، وأجمعوا على أنّه لا يجوز الذبح في هذه الأيام حتى يكون يوم النحر.\nومأخذ الحكم: مفهوم الظرف حيث دلّ اختصاص هذه الأيام المعلومات بالذكر على ما رزقهم من بهيمة الأنعام بمفهومه على أنّه لا يكون في غيرها.\n* الوقفة السابعة: ذهب بعض العلماء إلى أن الليالي لا تدخل، فلا يجوز الذّبح بالليل؛ لقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ﴾\nومأخذ الحكم: مفهوم اليوم، يدل على عدم دخول الليل، إذا قيل إنّ اليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهذا يعتبر مفهوم ظرف زمان.\nومن قال: بأن الليل يدخل في اليوم أجاز الذبح فيها.\n* الوقفة الثامنة: مشروعية الأكل من الهدي والأضاحي والإطعام.\nومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ وهو أمر ندبٍ عند الجمهور.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب تحريم صوم أيام التشريق، برقم (١١٤١)، وأخرجه أبو داود - واللفظ له - في أول كتاب الضحايا، باب في حبس لحوم الأضاحي، برقم (٢٨١٣) قال الشيخ الألباني: صحيح.\n(^٢) أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٠٠).","vol":"1","page":80},{"text":"قال القرطبي: «أمر معناه الندب عند الجمهور … وشذت طائفة فأوجبت الأكل والإطعام بظاهر الآية» (^١).\nوقال ابن الفرس: «قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أمر إباحة بالأكل من الهدايا». ثم ذكر خلاف العلماء فيما يؤكل من الهدي الواجب مما لا يؤكل، ثم نقل عن مالك قوله: أنه يؤكل منها كلها، إذا بلغت محلها إلّا من ثلاثة أنواع: جزاء الصيد، ونسك الأذى، ونذر المساكين، ثم قال: «واحتج ابن القصار لمالك بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ولم يخص واجبًا من واجب ولا تطوع فهو عامّ في جواز الأكل إلّا ما قام الدّليل عليه من الثلاثة الأشياء المذكورة؛ لأنّها وجبت للمساكين، فلا يجوز له الرجوع ولا الأكل منها كالكفارات (^٢).\n* الوقفة التاسعة: أن الهدي والأضاحي لا يكون إلّا من بهيمة الأنعام، وقد أجمع العلماء على ذلك.\nومأخذه: مفهوم قوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ أن غير بهيمة الأنعام لا تجزئ، وهو مفهوم صفة، - وسيأتي مزيد أحكام في باب الأضاحي بإذن الله - كالتسمية عند الذّبح، وقد قيل: إنّ المراد بذكر الله في الآية هو: التّسمية عند الذبح، وكذا هل يجزئ من بعد الفجر، أي: وقبل طلوع الشمس؛ لإضافة التّحريم إلى اليوم، ومقدار ما يطعم ويأكل ويتصدق إلى غير ذلك من أحكام.\n* الوقفة العاشرة: مشروعية قضاء التفث، كالحلق ورمي الجمار وإزالة الشعث ونحوه، وغير ذلك على خلاف في التّعميم والتّخصيص ببعضها.\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٤٤).\n(^٢) أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٠٠).","vol":"1","page":81},{"text":"ومأخذ الحكم: الطلب الوارد بصيغة الأمر ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ والطلب دليل المشروعية.\n* الوقفة الحادية عشرة: أن الحلق نسك على التفسير بأنّه التفث بالآية.\n* الوقفة الثانية عشرة: مشروعية الحلق بعد الذبح، وقد اختلف العلماء في ذلك، فمنهم: من يرى وجوب ذلك. ومنهم: من يرى استحبابه.\nومأخذ الحكم: ترتيب قضاء التّفث في الآية على الذّبح.\n* الوقفة الثالثة عشرة: كون طواف الإفاضة ركن من أركان الحجّ، وهذا الحكم مجمع عليه.\nومأخذ الحكم من الآية: الأمر الوارد بصيغة (ليفعل) وهو الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، والأمر يقتضي الوجوب.\nتنبيه: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن المراد بالطواف في هذه الآية، طواف الإفاضة، ويسمى بطواف الزّيارة، بل ونقل بعض العلماء الإجماع على كونه هو المراد، وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالطواف هنا: طواف الوداع، ويرده ما قاله الجصاص في أحكامه حيث قال: «ظاهره يقتضي الوجوب; لأنه أمر والأوامر على الوجوب. ويدل عليه أنه أَمَرَ به معطوفا على الأمر بقضاء التفث، ولا طواف مفعول في ذلك الوقت - وهو يوم النحر بعد الذبح - إلا طواف الزيارة، فدل على أنه أراد طواف الزيارة» (^١).\nثم إنّه على القول بأنّه طواف الإفاضة، أو الوداع فكلاهما واجب، فالأوّل: باتفاق، والثاني: عند من قال بأنّه المراد بالآية؛ إذ إنّ الأمر غير مصروف.\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٧٤).","vol":"1","page":82},{"text":"* الوقفة الرابعة عشرة: لا يصح الطواف بغير طهارة عند الجمهور، وهي شرط في صحة الطواف. وذهب الحنفية: إلى كونها واجبة وليست شرطًا في صحة الطواف، والواجب يمكن جبره بالدّم في الحجّ؛ ولذا قالوا: بصحة الطواف بدون طهارة.\nوقالوا: إنّ الطّواف اسم للدوران بالبيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر.\nمأخذ الحكم: يتكلم أهل الأصول عن هذا الفرع تحت قاعدة: مطلق الأمر هل يتناول المكروه أم لا؟\nفعند الجمهور: لا يتناول المكروه خلافًا للحنفية.\nقال ابن السمعاني: «وتظهر فائدة الخلاف في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فلا يتناول عندنا الطواف بغير طهارة، وعلى مذهبهم يتناوله؛ فإنهم وإن اعتقدوا كراهة هذا الطواف ذهبوا إلى أنّه دخل في الأمر، حتى يتصل به الإجزاء الشّرعي، ونحن لا نقول إنّه طواف مكروه، بل لا طواف أصلًا؛ لقيام الدليل على أن الطّهارة شرط فيه كالصّلاة» (^١).\n_________\n(^١) انظر: قواطع الأدلة (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩).","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-46>الدراسة الثالثة التطبيق على آية الوضوء</span>","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-47>المقدمة</span>\n﷽\nالحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:\nفهذا دراسة أهدف فيها إلى بيان، المآخذ الأصولية المؤثرة في استنباط أحكام آية الوضوء، ومرادي بالمآخذ هنا: القواعد الكلية المؤثرة في استنباط الأحكام الفقهية من الآيات القرآنية، وغالبها وجُلُها قواعد أصولية، حتى ما توقف منها على معاني لغوية فكان الاعتماد فيها على تفسيرات الصحابة، وتفسير الصحابي حجة، وهي من القواعد الأصولية التفسيرية المعتبرة، كيف لا وهم أهل اللغة، ومعاشرو التنزيل ﵃، وحشرنا في زمرتهم، اللهم آمين.\nوقد وقع الاختيار في التطبيق على آية الوضوء لكثرة الأحكام الواردة فيها، والتي لا تظهر دون بيان مآخذها الأصولية:\nيقول ابن العربي في أحكام القرآن: «ذكر العلماء أن هذه الآية من أعظم آيات القرآن مسائل، وأكثرها أحكامًا في العبادات، وبحق ذلك، .... ولقد قال بعض العلماء: إن فيها ألف مسألة، واجتمع أصحابنا بمدينة السلام فتتبعوها فبلغوها ثمانمائة مسألة، ولم يقدروا أن يبلغوها الألف، وهذا التتبع إنما يليق بمن يريد تعريف طرق استخراج العلوم من خبايا الزوايا، والذي يليق الآن","vol":"1","page":87},{"text":"في هذه العجالة مما نحن فيه الانتداب إلى انتزاع الجلِّي، وأن نتعرض لما يسنح خاصة مسائلها …» (^١).\nكما أن آية الوضوء تعتبر أصلًا في الطهارات كلِّها. قال السيوطي: «هذه الآية أصل في الطهارات كلها، ففيها الوضوء، والغسل، والتيمم، وفيها أسباب الحد» (^٢).\n* لذا رتبت الدراسة على أبواب الطهارة على ما يأتي:\nالفصل الأول: في المياه وإزالة النجاسة.\nالفصل الثاني: في الوضوء. وفيه سبعة عشر\nالفصل الثالث: في نواقض الوضوء.\nالفصل الرابع: في المسح على الخفين والغسل وحكم الجنب.\nالفصل الخامس: في التيمم.\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٢/ ٥٥٧ - ٥٥٨).\n(^٢) الإكليل (٢/ ٦١٧).","vol":"1","page":88},{"text":"الدراسة التطبيقية\n\n<span data-type='title' id=toc-48>الفصل الأول في المياه وإزالة النجاسة</span>\nوفيه خمسة مباحث:\nيفتتح العلماء كتاب الطهارة بباب المياه؛ لأن الماء هو الأصل فيما يتطهر به من الحدث، وهو أهمما يطهر به بدن المصلي وثوبه وبقعته التي يصلي عليها، وبه يزيل النجاسة العينية، فلذلك ناسب أن يبدأ به كتاب الطهارة، وبيان أقسامها.\nوالنجاسة عين مستقذرة شرعًا، يجب على المسلم مجانبتها، والبعد عنها، ولها تقسيمات عدّة عند العلماء، يرجع لها في كتب الفقه (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-49> المبحث الأول: أقسام الماء.</span>\nذهب جمهور أهل العلم إلى تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس (^٢).\nومن العلماء من جعل القسمة ثنائية: طهور، ونجس، استدلالًا بالآية، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^٣) وعلى هذا التقسيم سارت الفتيا عند\n_________\n(^١) انظر: تسهيل الفقه للجبرين (١/ ٣٥ - ٣٦).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٤٩٥ - ٤٩٧)، بدائع الصنائع (١/ ١٥ - ١٦)، البحر الرائق (١/ ٧٠)، البناية (١/ ٣٠٠)، المدونة (١/ ٣٣)، الذخيرة (١/ ١٦٨ - ١٧٥)، المجموع (١/ ١٢٤ - ١٥٢)، الإنصاف (١/ ٢١ - ٢٢)، كشاف القناع (١/ ٢٤).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٥)، (١٩/ ٢٣٦)، الإنصاف (١/ ٤٤).","vol":"1","page":89},{"text":"كثير من علماء هذا البلد، كسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ العثيمين -رحمهما الله- (^١).\nووجه التقسيم ومأخذ الحكم من الآية: كون لفظ الماء جاء نكرة في سياق نفي فعمَّ كل ما يطلق عليه ماء، ويحمل اللفظ على إطلاقه، ولا يقيد إلا بالشرع، فما دام يسمى ماء ولم يغلب عليه أجزاء غيره كان طهورا.\nيقول شيخ الإسلام: «إنّ الشّارع علق الطهارة بمسمى الماء في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ولم يفرق بين ماء وماء ولم يجعل الماء نوعين طاهرا وطهورا» (^٢).\nوقال أيضًا: «فهذا التّقسيم مخالف للكتاب والسّنة، وإنما قال الله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع وبينا أن كل ما يقع عليه اسم ماء فهو طاهر طهور» (^٣).\nفمأخذه ﵀ وقاعدته هي: أن الاسم الذي أطلقه الشرع لا يقيَّد إلا بالشرع.\nوقد نصَّ على ذلك فقال: «والواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشرع ﷺ ويقيد ما قيده» (^٤).\nتنبيه: إلى أن تقسيم الماء إلى قسمين أو إلى أكثر هو بالنظر لمطلق الماء، أما الماء المطلق فلا يصدق إلا على الماء الطهور فقط.\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (١٠/ ١٤)، الشرح الممتع (١/ ٥٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٥).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٣٦).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٣).","vol":"1","page":90},{"text":"فمطلق الشيء يراد به حقيقة الماهية فلا يقيد، أما الشيء المطلق فهو لبيان الماهية بقيد الإطلاق، وهو يفيد التجرد عن جميع القيود، وعليه فالعلاقة بينهما علاقة عموم وخصوص مطلق، فمطلق الشيء أعم، فمطلق الماء أعم، والماء المطلق أخص مطلقا فهو فرد من أفراد (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-50> المبحث الثاني: الماء المتغير بما لا ينفك عنه غالبًا.</span>\nاتفق العلماء على أن كل ما يغير الماء مما لا ينفك عنه غالبًا، أنه لا يسلب الماء صفة الطهارة والطهورية، ولا يخرجه عن كونه ماءً (^٢).\nومما يدخل في مسألتنا: الماء المتغير بقراره كزرنيخ أو جير يجري عليه، أو المتغير بطحلب أو ورق شجر ينبت عليه، ولا يمكن الاحتراز عنه، فاتفق العلماء أن ذلك لا يمنع من الوضوء به، لعدم الاحتراز منه والانفكاك عنه. وأن هذا التَّغيُر لا يسلبه اسم الماء (^٣).\nومثله اليوم المتغير بصدأ الأنابيب والخزانات، ونحو ذلك، فإنه طهور لا يؤثر على الماء، لعدم القدرة على الاحتراز منه (^٤).\nمأخذ الحكم: هو - ما سبق من - أن الأسماء التي أطلقها الشّارع تبقى على إطلاقها.\nوكذا كون لفظة ﴿مَاءً﴾ نكرة وردت في سياق نفي ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ فهي تعم كل ما أطلق عليه ماء.\n_________\n(^١) انظر: المنثور في القواعد للزركشي (٣/ ١٨١)، التحبير للمرداوي (٢/ ٦٠٥).\n(^٢) انظر: البحر الرائق (٢/ ١١٧ - ١١٨)، البناية للعيني (١/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، المجموع للنووي (١/ ١٥٠).\n(^٣) انظر: المغني (١/ ٢٢)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٨٦).\n(^٤) انظر: فقه النوازل للمشيقح (٢٠ - ٢١).","vol":"1","page":91},{"text":"وقد كان لهذين المأخذين أثرٌ في اختلاف العلماء في مسائل كثيرة متعلقة بالمياه (^١)، وذلك بسبب خفاء تناول اسم الماء المطلق لبعض المياه، بمعنى هل كان اسم الماء المطلق يتناوله فيصح الطهارة به أو لا؟، والمسائل القادمة أثر فيها المأخذ نفسه، وفي ذكرها غُني عما لم يذكر.\n\n*<span data-type='title' id=toc-51> المبحث الثالث: طهارة ماء البحر.</span>\nماء البحر طهور، بنص الحديث (هو الطهور ماؤه) (^٢).\nقال ابن عبد البر: «وقد أجمع جمهور العلماء وجماعة أئمة الفتيا من الفقهاء: أن البحر طهور، وأنّ الوضوء جائز به» (^٣).\nوقال ابن قدامة: «ما يجوز الوضوء به رواية واحدة، وهو أربعة أنواع: أحدها: ما أضيف إلى محلِّه ومقرِّه، كماء النهر والبئر، وأشباههما، فهذا لا ينفك منه ماء، وهي إضافة إلى غير مخالط، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم» (^٤).\nمأخذ الحكم: هو - ما سبق من - أن الأسماء التي أطلقها الشّارع تبقى على إطلاقها.\n_________\n(^١) انظر: بداية المجتهد (١/ ٤٥٨)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٦)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٨٥ - ٣٨٨).\n(^٢) أخرجه الأربعة في كتاب الطهارة، أبو داوود في باب الوضوء بماء البحر، برقم (٨٣)، وابن ماجة، في باب الوضوء بماء البحر، برقم (٣٨٦)، والنسائي في باب ماء البحر، برقم (٥٩)، والترمذي في باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور، برقم (٦٩).\n(^٣) التمهيد (١٦/ ٢٢١)، وانظر الاستذكار (١/ ١٥٩)، وقد حكي عن ابن عمر كراهية الوضوء به، وأكثر صحابة رسول الله ﷺ على خلافه، قال ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ٤٤٧): \" قال ابن عمر ﵁: إنه\". لا يجوز الوضوء به؛ لأنه ماء النار، أو لأنه طين جهنم، وكأنهم يشيرون إلى أنه ماء عذاب، فلا يكون ماء قربة \".\n(^٤) المغني (١/ ٢٢).","vol":"1","page":92},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-52> المبحث الرابع: الماء المستعمل في الطهارة.</span>\nالماء المستعمل طاهر، إذا كانت أعضاء المتوضئ به طاهرة، وهل يكون مطهرًا؟\nمن العلماء من يرى أنه مطهرٌ (^١)، وكذا من يرى تقسيم الماء إلى قسمين فهو يرى أنه مطهر؛ لأنه ليس بنجس فيكون طاهرًا مطهرًا.\nومأخذ الحكم: أن الأسماء التي أطلقها الشّارع تبقى على إطلاقها، فهو ماء طاهر لا ينضاف إليه شيء، فهو ماء مطلق، وعليه فيجوز التطهر به، ولا يجوز الانتقال للتيمم مع وجوده.\nذكر القرطبي هذا المأخذ (^٢)، ثم ذكر أن ابن العربي قال بأنّ: «مسألة الماء المستعمل إنما تنبني على أصل آخر، وهو أن الآلة إذا أدّي بها فرض، هل يؤدى بها فرض آخر أم لا؟ فمنع ذلك المخالف قياسًا على الرقبة إذا أدّى بها فرض عتق، لم يصلح أن يتكرر في أداء فرض آخر، وهذا باطل من القول، فإنّ العتق إذا أتى على الرّق أتلفه فلا يبقى محلًا لأداء الفرض بعتق آخر. ونظيره من الماء ما تلف على الأعضاء فإنه لا يصح أن يؤدى به فرض آخر؛ لتلف عينه حسًّا كما تلف الرّق في الرّقبة بالعتق حكما، وهذا نفيس فتأملوه» (^٣).\nوذكر القرافي في فروقه مدركًا وصفه بأنّه وجه قوي حسن، ومدرك جميل، لمن قال بأنّ الماء المستعمل لا يندرج في اسم الماء المطلق «وأن قوله تعالى:\n_________\n(^١) انظر: المغني (١/ ٣١).\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٤٩).\n(^٣) المصدر السابق، وانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٤٣٨).","vol":"1","page":93},{"text":"﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ وقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ مطلق في التطهير لا عامّ فيه، بل عامّ في المكلفين، إذا تطهّرنا بالماء مرّة حصل موجب اللفظ، فبقيت المرّة الثانية منه غير منطوق بها، فتبقى على الأصل غير معتبرة، فإنّ الأصل في الأشياء عدم الاعتبار في التّطهير؛ إذ الأصل أن لا يعتبر في التطهير وغيره إلّا ما وردت الشّريعة به» (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-53> المبحث الخامس: حكم إزالة النجاسة.</span>\nاستدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إزالة النجاسة ليست بواجبة (^٢).\nمأخذ الحكم: لأنّه ﷾ لم يذكر النجاسة في الآية وذكر الوضوء، فلو كانت إزالتها واجبة لكانت أوّل مبدوء به (^٣).\nقال ابن الفرس: «وأما إزالة النجاسات فإن حكمها مأخوذ من موضع آخر، وليس يقتضي بيان حكم الوضوء بيان حكم شرائط الصلاة كلها، فإن الصلاة موقوفة إجماعًا على ستر العورة، ولا ذكر لها في هذه الآية، فكذلك هي موقوفة على طهارة البدن والثوب، ولم يكن السكوت عنهما مانعًا من اشتراط السكوت عنه في آخر الفعل» (^٤).\nوالصّحيح: وجوب إزالة النجاسة استدلالًا بقصة صاحبي القبرين حيث قال ﵇: «إنّهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أمّا أحدهما فكان لا يستتر من البول\n_________\n(^١) الفروق (٢/ ١١٨).\n(^٢) انظر: المغني (١/ ٢٠٦)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٨٠).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٨٠)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ١٠٠).\n(^٤) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩)، وبمثله قال ابن العربي في أحكام القرآن (٢/ ٥٨١).","vol":"1","page":94},{"text":"وأما الآخر فكان يمشي بالنّميمة» (^١).\nقال القرطبي: «ولا يعذب إلا على ترك الواجب، ولا حجة في ظاهر القرآن، لأن الله ﷾ إنما بين من آية الوضوء صفة الوضوء خاصّة، ولم يتعرض لإزالة النجاسة ولا غيرها» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري كتاب الجنائز باب الجريدة على القبر، برقم (١٣٦١)، ومسلم في كتاب الطهارة باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه برقم (٢٩٢)\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ١٠٠).","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type='title' id=toc-54>الفصل الثاني في الوضوء</span>\nوفيه سبعة عشر مبحثًا:\nالمقصود الأول من ذكر كتاب الطهارة في كتب الفقه هو ذكر أحكام الوضوء والغسل؛ لأنهما اللذان يرفعان ويزيلان الحدث الذي إزالته شرط من شروط الصلاة.\nالوضوء في الاصطلاح: استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة - الوجه واليدين والرأس والرجلان - على صفة مخصوصة (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-55> المبحث الأول: فرضية الوضوء ووجوبه.</span>\nوجوب الوضوء للصلاة، وكونه شرط صحة لها أمر متفق عليه (^٢).\nومأخذ الحكم: الأمر المطلق في قوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾، وقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، وهما يقتضيان الوجوب.\nتنبيه: كان الوضوء ثابتًا قبل نزول هذه الآية بالسّنة، وروي أنّه ﵊ صلى في أوّل ما أوحي إليه وأتاه جبريل ﵇ فعلّمه الوضوء (^٣).\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ١٨٧).\n(^٢) انظر: الإجماع لابن المنذر (٢٩)، ومجموع الفتاوى (٢١/ ٢٦٨)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ٩٩).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٥٤).","vol":"1","page":96},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-56> المبحث الثاني: تكرار الوضوء لكل صلاة.</span>\nلا خلاف بين العلماء في وجوب الوضوء على من عليه حدث؛ لأنّ الوضوء من شروط الصّلاة (^١)، وقد قال ﵊: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (^٢).\nومأخذ الحكم من الآية هو أن العلماء قدّروا في الآية مضمرًا تقديره: إذا قمتم إلى الصّلاة محدثين فاغسلوا وجوهكم (^٣).\nأمّا غير المحدث: فقد اختلف العلماء في الأمر بالوضوء عند كل صلاة في حقه، هل هو مُحكم أو منسوخ، وإذا كان محكمًا هل هو أمر ايجاب أو ندب؟\nفذهب طائفة من العلماء إلى أن الآية محكمة، وهؤلاء اختلفوا في الأمر بالوضوء لكل صلاة، هل هو على الوجوب أو الندب (^٤)؟.\nومأخذ الوجوب: هو ظاهر الأمر، وكونه يقتضي الوجوب، وهو كذلك يقتضي التكرار، ولاسيما وقد عُلق على شرط ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ فيتكرر الغسل عند تكرار القيام للصلاة وجوبًا (^٥)، كما أن الفعل في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾، فعل في سياق شرط يعم؛ لأن الأفعال نكرات، والنكرة في سياق الشرط تعم.\n_________\n(^١) كما سبق في المبحث السابق.\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور، برقم (١٣٥)، ومسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، برقم (٢٢٥).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٦٠)،.\n(^٤) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٧٥ - ٣٧٦)، المجموع للنووي (١/ ٥٣٢)، المغني (١/ ١٩٧)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٧٠).\n(^٥) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ١٩٧)، التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي (١/ ٣٦٨).","vol":"1","page":97},{"text":"وذهب جمهور أهل العلم إلى الندب، ولهم طريقان في ذلك:\nالطريق الأول: ادعى بعضهم النسخ، ومن القواعد المقررة في الأصول أن الوجوب إذا نُسخ بقي الجواز والندب. وقالوا: الناسخ فعله ﵊ يوم فتح مكة، حيث صلى خمس صلوات بوضوء واحد (^١)، وهذا عند من يقول بأنّ السّنة تنسخ القرآن.\nالطريق الثاني: قالوا بأن الأمر للوجوب إلا أنه مصروف إلى الندب بما سبق من فعله ﵇، وفعله ﵇ من صوارف الأمر عن الوجوب (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-57> المبحث الثالث: فرائض الوضوء المتفق عليها.</span>\nفرائض الوضوء المتفق عليها هي المذكورة في الآية وهي: غسل الوجه، واليدين، ومسح الرأس، وغسل القدم أو مسحه.\nقال ابن عبد البر: «أجمعوا على أن غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرِجلين إلى الكعبين، ومسح الراس فرض ذلك كله … لا خلاف علمته في شيء من ذلك إلّا في مسح الرجلين وغسلهما» (^٣).\nومأخذ الحكم هو: الأمر الوارد في الآية ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وهو يقتضي الوجوب.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد، برقم (٢٧٧)، وانظر: الإكليل (٢/ ٦٢١).\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٧٩).\n(^٣) التمهيد (٤/ ٣١) وانظر: تيسير البيان (٣/ ١٠٠)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٨٢)، الإكليل (٢/ ٦٢٠).","vol":"1","page":98},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-58> المبحث الرابع: سنن الوضوء وآدابه.</span>\nذهب بعض العلماء إلى اعتبار ما لم يذكر في الآية من السنن والآداب (^١).\nقال السيوطي: «وردٌ على ما أوجب التسمية والمضمضة والاستنشاق لحديث: (توضأ كما أمر الله) (^٢) وليس في الآية سوى الأعضاء الأربعة، وعلى ما أوجب غسل باطن العينين؛ لأنه ليس من الوجه، إذ لا يقع به المواجهة» (^٣).\nومأخذ الحكم هو أنّ النبي ﷺ أحال السائل إلى كتاب الله فقال: «توضأ كما أمر الله»، فدَّل على أن غيره ليس بواجب (^٤).\nتنبيه: ذهب آخرون إلى اعتبار بعضها من السنن، والبعض من الفروض، والبعض من الشروط، استدلالًا بأدلة أخرى خارجة عن الآية (^٥).\nقال ابن الفرس: «وقد استنبط من أوجب المضمضة والاستنشاق من قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وأنهما فرض علينا؛ لأن قوله تعالى ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ عموم، ومن اغتسل ولم يتمضمض إنما هو مطهر لبعض جسده، وعموم الآية يقتضي تطهر الجميع، وهذا باطل؛ لأن الله تعالى لم يذكر موضع الطهارة أصلًا بلفظ يقتضي عموم البدن، ولا بلفظ يخالفه، وإنما قال: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ وليس فيه ما يوجب خصوصًا أو عمومًا» (^٦).\n_________\n(^١) انظر: المبسوط (١/ ٥٥)، المجموع (١/ ٣٨٥ - ٣٨٦، المغني (١/ ٧٣ - ٧٤)، الإنصاف (١/ ١٢٨ - ١٢٩)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٨٣)، الإكليل (٢/ ٦٢٠).\n(^٢) أخرجه الترمذي في أبواب الصلاة، باب ما جاء في وصف الصلاة، برقم (٣٠٢)، وحسنه.\n(^٣) الإكليل (٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥).\n(^٤) انظر: الإكليل (٢/ ٦٢٥).\n(^٥) أحكام القرآن (٢/ ٣٩٠).\n(^٦) انظر: المغني (١/ ٣٣ - ١٥٤)، والمجموع (١/ ٣٦٢، ٣٨٥).","vol":"1","page":99},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-59> المبحث الخامس: اشتراط النية في الوضوء.</span>\nاشترط بعض أهل العلم النية في الوضوء (^١).\nمأخذ الحكم: مفهوم قوله ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي: أردتم القيام مما يدل على أن الوضوء يراد للصّلاة، وأنّه شرط في صحتها، والإرادة هي النّية (^٢).\nقال القرطبي: «احتج علماؤنا وبعض الشافعية بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ فلما وجب فعل الغسل كانت النية شرطا في صحة الفعل؛ لأن الفرض من قبل الله تعالى، فينبغي أن يجب فعل ما أمر الله به، فإذا قلنا: إن النية لا تجب عليه لم يجب عليه القصد إلى فعل ما أمره الله تعالى، ومعلوم أن الذي اغتسل تبردًا أو لغرض، ما قصد أداء الواجب، وصحّ في الحديث أن الوضوء يكفر، فلو صحَّ بغير نية لما كفَّر. وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. (^٣)\nقال ابن العربي في قوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ في آية [النساء: ٤٣]: «ولفظ اغتسل يقتضي اكتساب الفعل، ولا يكون مكتسبًا له إلا بالقصد إليه حقيقة، فمن أخرجه إلى المجاز فعليه البينة» (^٤).\nتنبيه: سبق القول بأن مالم يذكر في الآية، جعله البعض من المسنونات، وذهبت الحنفية إلى أن في اشتراط النية زيادة على النص بخبر الواحد وهو غير مقبول عندهم؛ لأنه نسخ عنده، والنسخ لا يكون بخبر الواحد (^٥).\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦١ - ٣٦٢).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٥٩).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٨٤)، وانظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦١ - ٣٦٢).\n(^٤) أحكام القرآن (١/ ٤٤٠).\n(^٥) انظر: المبسوط (١/ ٧٢)، فواتح الرحموت (٢/ ١٦٥)، تيسير التحرير (٣/ ٢١٩).","vol":"1","page":100},{"text":"كما أن واو النسق في الآية لا تعطي رتبة، وإنما هي للجمع دون الاشتراك والترتيب، واسم الغسل ينتظم لمن رتب ولمن لم يرتب، قاله ابن الفرس (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-60> المبحث السادس: حكم الموالاة في الوضوء.</span>\nالموالاة هي: اتباع المتوضئ الفِعْل الفِعل إلى آخره من غير تراخٍ بين أبعاضه، وفصل بفعل ليس منه (^٢).\nوقال ابن قدامة: «أن لا يترك غسل عضو حتى يمضي زمن يجف منه العضو الذي قبله في الزمان المعتدل» (^٣).\nوقد اختلف العلماء في حكم الموالاة في الوضوء:\nفذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الموالاة من فرائض الوضوء (^٤) واستدلوا بالآية.\nومأخذ الحكم هو: أن الأمر بغسل الأعضاء الوارد في الآية مطلق، وهو هنا يقتضي الفور؛ «لأنّ الخطاب بصيغة الشرط والجزاء، ومن حق الجزاء أن لا يتأخر عن جملة الشرط. وتطهير جملة الأعضاء جزاء الشرط الذّي هو القيام للصّلاة، فوجب أن لا يتأخر شيء منه عنها» (^٥).\nوذهب جمهور أهل العلم إلى عدم اشتراط الموالاة (^٦).\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن (٢/ ٣٨٣).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٨٣)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٧).\n(^٣) المغني (١/ ١٩٢)، وقال ابن العربي في أحكام القرآن (٢/ ٥٨١): \" إنها عبادة ذات أركان مختلفة فوجب فيها التوالي كالصلاة \".\n(^٤) انظر: المغني (١/ ١٩٢)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٨٣)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٨).\n(^٥) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٨).\n(^٦) انظر: الحاوي الكبير (١/ ١٣٧)، التفسير الكبير (١١/ ١٢٣)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٨)، بداية المجتهد (١/ ١٧)، فتح الباري (١/ ٢٨٩).","vol":"1","page":101},{"text":"وقال القرطبي مبينًا مأخذًا آخر: «إن الله ﷾ أمر أمرًا مطلقا، فوالِ أو فرِّق، وإنما المقصود وجود الغسل في جميع الأعضاء عند القيام إلى الصلاة» (^١). ولكل قائل - بالموالاة وعدمها - استدلالات أخرى يرجع لها في كتب الفقه (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-61> المبحث السابع: حكم الترتيب في الوضوء.</span>\nاستدل بعض العلماء بالآية على كون الترتيب من فرائض الوضوء (^٣)، ومنهم استدل بها على عدم الترتيب (^٤).\nأما القائلون بالترتيب فمأخذ الحكم عندهم هو: مراعاة ترتيب الآية حيث أدرج سبحانه الممسوح بين المغسولات، وهذا لا يكون إلّا عن قصد ترتيب الأشياء على النسق المذكور (^٥).\nقال الموزعي: «ولأن الله سبحانه قطع النظير عن النظير، فأدخل ممسوحًا بين مغسولين، وقدم القريب على ما هو أقرب منه، فقدَّم اليدين على الرأس، وهو محلُّ الوجه، فدلَّت هذه المقاصد والأمارات على وجوب الترتيب» (^٦).\nوهناك مأخذ آخر قاله بعض العلماء وهو: أن (الفاء) في قوله ﴿فَاغْسِلُوا﴾ تقتضي التعقيب، فإنها لما كانت جوابًا للشرط ربطت المشروط به، فاقتضت الترتيب في الجميع (^٧).\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٧).\n(^٢) انظر: الحاوي الكبير (١/ ١٣٧).\n(^٣) انظر: المغني (١/ ١٨٩)، والمجموع (١/ ٤٧٠ - ٤٧٢).\n(^٤) انظر: المبسوط (١/ ٥٥)، بدائع الصنائع (١/ ١٨)، المدونة (١/ ١٤)، المنتقى للباجي (١/ ٤٧)\n(^٥) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧٨)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١١، ١١٢)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٨٤).\n(^٦) تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٢).\n(^٧) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧٨)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٢)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٨).","vol":"1","page":102},{"text":"وأجيب عنه: بأنّه اقتضت البداءة في الوجه؛ إذ هو جزاء الشّرط وجوابه، وإنما كانت تقتضي الترتيب في الجميع لو كان جواب الشّرط معنى واحدًا، فإذا كانت جملًا كلها جوابًا لم تبال بأيها بدأت، إذ المطلوب تحصيلها (^١). قاله القرطبي ثم قال: «والصّحيح أن يقال: إن التّرتيب متلقى من وجوه أربعة: الأول: أن يبدأ بما بدأ الله به كما قال ﵊ حين حجَّ: «نبدأ بما بدأ الله به» (^٢)» (^٣). فجعل بداية الله سبحانه سببًا للتقدم، وأخذ بعض العلماء من هذا الحديث عموم لفظه دون خصوص السبب (^٤).\nثمّ ذكر الأوجه الأخرى وهي خارجة عن الآية فقال: «الثّاني: من إجماع السّلف فإنّهم كانوا يرتبون. الثّالث: من تشبيه الوضوء بالصّلاة. الرّابع: من مواظبة رسول الله ﷺ على ذلك» (^٥).\nومن قال بعدم اشتراط الترتيب فمأخذ الحكم عندهم: أن العطف بين الأعضاء بالواو، وهي لا تقتضي الترتيب، إنّما تفيد مطلق الجمع (^٦).\nوأجاب عنه: البعض بأنّ نحاة الكوفة قائلون باقتضائها التّرتيب (^٧).\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧٨) وقال عنه: \"وهذا قول له رونق وليس بمحقق\".\n(^٢) أخرجه أبوداود في كتاب الحج، باب صفة حجة النبي ﷺ، والنسائي في كتاب الحج، باب القول بعد ركعتي الطواف (٢٩٦١)، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء أنه بدأ في الصفا قبل المروة، برقم (٨٦٢) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح، وعليه العمل عند أهل العلم\". قلت: وفي مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، برقم (١٢١٨) بلفظ (أبدأ بما بدأ الله).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٨)، وانظر: تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٢).\n(^٤) انظر: المغني (١/ ١٧٤) تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي (١/ ٣٤٦)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧٨).\n(^٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٨).\n(^٦) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٥١ - ٤٥٥)، أحكام القرآن للكيا الهراسي (٣/ ٥١)، الإشارات الإلهية للطوفي (٢/ ٩٦)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٢)، الإكليل (٢/ ٦٢٠).\n(^٧) انظر: تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٢).","vol":"1","page":103},{"text":"قال الموزعي بعد أن ذكر المأخذ السابق: «وأحسن عندي من ذلك كلِّه في الاستدلال ما استدلَّ به الشافعي في الكتاب القديم من قوله ﷺ في الصفا: «نبدأ بما بدأ الله به» (^١)، فجعل بداية الله سبحانه سببًا للتقديم» (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-62> المبحث الثامن: كيفية غسل الأعضاء.</span>\nذهب بعض العلماء إلى أن إجراء الماء على أعضاء الوضوء كاف في تحقق معنى الغسل المأمور به، وليس عليه دلكها بيده (^٣)، واشترط بعضهم إمرار شيء مع الماء في الغسل كاليد ونحوها (^٤).\nومأخذ الحكم عند الفريقين: راجع إلى لفظ الغسل، وبم يتحقق، وهل يشترط فيه الدلك أو يكفي إمرار اليد على المغسول (^٥)؟.\nقال ابن الفرس: «الغسل عند أهل اللغة أن يمر الإنسان الماء على الشيء المغسول مع إمرار شيء منه معه كاليد ونحوها» (^٦).\nقال السيوطي: «قال ابن الفرس: وفي لفظ الغسل دليل على وجوب الدلك وإمرار اليد …» (^٧).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٢).\n(^٣) انظر: المجموع (١/ ٤١٧)، المغني (١/ ٢٩٠)، الإنصاف (١/ ١٣٥)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٥)، المجموع (١/ ٤١٧)، المغني (١/ ٢٩٠)، الإنصاف (١/ ١٣٥).\n(^٤) انظر: المجموع (١/ ٤١٧)، المغني (١/ ٢٩٠)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٣٨) و(٢/ ٥٦٢)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٥).\n(^٥) انظر: المحلى (١/ ٩٤)، الإكليل (٢/ ٦٢٦).\n(^٦) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٣) وانظر أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٣٩).\n(^٧) الإكليل (٢/ ٦٢٦).","vol":"1","page":104},{"text":"وقال ابن حزم: «ومن غمس أعضاء الوضوء في الماء ونوى به الوضوء للصلاة، أو … أجزأه، برهان ذلك أن اسم (غسل) يقع على ذلك كله في اللغة التي نزل بها القرآن، ومن ادعى أن اسم الغسل لا يقع إلا على التدليك باليد فقد ادعى ما لا برهان له به» (^١).\nتنبيه: هذا المأخذ ليس أصوليًا، بل راجع للمعنى اللغوي.\nاستدل من قال بالدلك - المالكية- كذلك بالقياس على التيمم، فالتيمم يشترط فيه إمرار اليد فكذا هنا (^٢).\nوهذا مأخذ من غير الآية - وهو القياس - والجمهور لهم مأخذ آخر على عدم الدلك، وهو ما ورد من حديث (فأفرغه عليك) (^٣) والسنة تبين القرآن.\n\n*<span data-type='title' id=toc-63> المبحث التاسع: حدود الوجه.</span>\nاستنبط بعض العلماء من الآية من أحكام وجوب غسل الوجه، وهو أمرٌ متفق عليه (^٤) - كما سبق -إلّا أن الخلاف واقع فيما يدخل في الوجه (^٥).\nومأخذ الحكم: يرجع إلى ما تكون به المواجهة التي تدخل في مفهوم الوجه، فالوجه مأخوذ من المواجهة، وهو اسم لبشرة الوجه التي تحصل بها المواجهة، والشعر ليس ببشرة (^٦).\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٩٤).\n(^٢) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ١٨٨)، التحرير والتنوير لابن عاشور (٥/ ٦٥).\n(^٣) أخرجه البخاري في باب باب: الصعيد الطيب وضوء المسلم، يكفيه من الماء، برقم (٣٤٤).\n(^٤) انظر: المغني (١/ ١٦١).\n(^٥) انظر: المغني (١/ ١٦١).\n(^٦) انظر: المغني (١/ ١٦٥)، تيسير البيان (٣/ ١١٦)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤).","vol":"1","page":105},{"text":"وحده من منابت شعر الرأس إلى آخر الذقن طولًا ومن الأذن إلى الأذن عرضًا، وقيل: من العارض إلى العارض (^١).\nوبناءً على مفهوم المواجهة وأن الأمر هل يكون للباطن كما يكون للظاهر؟ اختلفوا في دخول بعض الأفعال في غسل الوجه.\nومن ذلك: المضمضة والاستنشاق، وقد قال الشافعي عنهما: «ولم أعلم اختلافًا في أن المتوضئ لو تركها عامدًا أو ناسيًا، وصلى لم يعد» (^٢). وهو مذهب مالك وخالفهما الإمام أحمد وغيره، فالإجماع غير متحقق (^٣).\nواختلف في اللحية هل هي من الوجه ويجب غسلها، ومن قال إنّها ليست منه؛ لأنّ من طالت لحيته لا يقال طال وجهه (^٤).\nوقيل: إنّها منه، حيث إنّها نبتت فيه فتأخذ حكمه، وفيها معنى المواجة (^٥).\nقال أبو عمر: «من جعل غسل اللحية كلها واجبا جعلها وجهًا، والله قد أمر بغسل الوجه أمرا مطلقا لم يخصّ صاحب لحية من أمرد، فكل ما وقع عليه اسم وجه فواجب غسله؛ لأن الوجه مأخوذ من المواجهة، وغير ممتنع أن تسمى اللحية وجهًا، فوجب غسلها بعموم الظاهر؛ لأنها بدل من البشرة» (^٦).\nتنبيه: هذا المأخذ ليس أصوليًا، بل راجع للمعنى اللغوي.\n_________\n(^١) المغني (١/ ١٦١)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٤)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٨١).\n(^٢) الأم (١/ ٣٩).\n(^٣) انظر: المغني (١/ ١٦٦)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٥).\n(^٤) انظر: المغني (١/ ١٦٤ - ١٦٥)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٤).\n(^٥) انظر: التفسير الكبير (١١/ ٣٠٣)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٤)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٨٣).\n(^٦) التمهيد (٣٠/ ١٢١)، الاستذكار (٢٠/ ١٢١).","vol":"1","page":106},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-64> المبحث العاشر: دخول المرفق في غسل اليدين.</span>\nاتفق العلماء على وجوب غسل اليدين - كما سبق - واختلفوا في المرفقين هل تدخلان في الغسل أو لا؟\nفذهب جمهور أهل العلم إلى دخولهما في الغسل (^١).\nومأخذ الحكم: أن المغيا وهو ما دخل عليه حرف الغاية وهما - المرفقان هنا في الغسل - داخلان في الغاية عند الجمهور، ولاسيما أن الحد من جنس المحدود، فالمرفق من جنس اليد (^٢).\nوبعضهم جعله من التخصيص بالغاية؛ إذ إن اليد عامّة تشمل الكف والذراع والمرفق والمنكب، فخصص بالغاية إلى المرفق، وخرج ما بعده (^٣).\nقال ابن العربي: «إن المرافق حد الساقط لا حد المفروض، قاله القاضي عبد الوهاب، وتحقيقه أن قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ يقتضي بمطلقه من الظفر إلى المنكب، فلما قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أسقط ما بين المنكب والمرفق، وبقيت المرافق مغسولة إلى الظفر، وهذا كلام صحيح يجري على الأصول لغة ومعنى» (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المغني (١/ ١٧٢)، تيسير البيان (٣/ ١٠٢)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٦).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٦٧)، تيسير البيان (٣/ ١٠٣)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٦).\n(^٣) انظر: تيسير البيان (٣/ ١٠٣)، الإكليل (٢/ ٦٢٥)، المغني (١/ ١٧٢)، التحبير للمرداوي (٦/ ٢٦٣٠ - ٢٦٣٢).\n(^٤) أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٦٧)، وقال الموزعي في تيسير البيان (٣/ ١٠٣): \"وحاول بعضهم دلالتها مع بقائها على أصل وضعها، فقال (إلى) هاهنا للإخراج لا للإدخال … \" ثمَّ ذكر نحوًا مما قاله ابن العربي.","vol":"1","page":107},{"text":"ومأخذ آخر: وهو أن (إلى) بمعنى (مع) (^١).\nقال السيوطي: «ومن أدخلهما قال: إلى بمعنى مع» (^٢).\nتنبيه: قال ابن العربي: «وأما قولهم: إن (إلى) بمعنى مع فلا سبيل إلى وضع حرف موضع حرف، إنما يكون كلُّ حرف بمعناه، وتتصرفُ معاني الأفعال، ويكون معنى التأويل فيها لا في الحروف، ومعنى قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ على التأويل الأول [يقصد بمعنى مع]: فاغسلوا أيديكم مضافةً إلى المرافق» (^٣).\nوذهب طائفة من أهل العلم إلى عدم دخول المرفقين في الغسل.\nومأخذ الحكم: أن (إلى) إنما هو لانتهاء الغاية، فما بعدها غير داخل فيما قبلها، فتخرج الغاية ب (إلى) (^٤).\n\n*<span data-type='title' id=toc-65> المبحث الحادي عشر: مقدار ما يمسح من الرأس.</span>\nاتفق العلماء - كما سبق - على وجوب مسح الرأس (^٥)، واختلفوا هل الواجب مسح جميع الرأس أو بعضه؟ (^٦).\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٦٧)، تيسير البيان (٣/ ١٠٢)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٦).\n(^٢) الإكليل (٢/ ٦٢٥)، تيسير البيان (٣/ ١٠٢).\n(^٣) أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٦٧).\n(^٤) انظر: الإكليل (٢/ ٦٢٥).\n(^٥) انظر: المغني (١/ ١٧٥)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٠٤).\n(^٦) ذهب المالكية والحنابلة إلى وجوب مسحه كله. انظر: المدونة (١/ ١٦)، مواهب الجليل (١/ ٢٠٢) المغني (١/ ١٧٥)، الفروع (١/ ١٤٧)، الإنصاف (١/ ١٦١)\nوذهب الحنفية إلى وجوب مسح ربع الرأس، قدر الناصية. انظر: المبسوط (١/ ٦)، البداية (١/ ١٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٩٩)، مختصر الطحاوي (١٨).\nوذهب الشافعية إلى وجوب مسح ما يطلق عليه أنه مسح. انظر: الأم (١/ ٢٢)، المهذب (١/ ٢٤)، روضة الطالبين (١/ ٥٣). وانظر: تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٠٤)، الإكليل (٢/ ٦٢٠).","vol":"1","page":108},{"text":"ومأخذ الخلاف راجع إلى معنى (الباء) في قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾.\nفالذين قالوا: بمسح جميع الرأس ذهبوا إلى أن (الباء) زائدة مؤكدة، فالمعنى: امسحوا رؤوسكم أنفسها، وعليه فيجب مسح جميع الراس على نص الآية (^١).\nوقال بعضهم: إنّ (الباء) على بابها للإلصاق، ليست بزائدة. والمعنى على ثبوت (الباء) أو سقوطها سواء، وذلك يوجب عموم المسح (^٢).\nقال ابن الفرس: «وهذا الوجه أحسن؛ لأنّ زيادة (الباء) في هذا الموضع غير معروف في كلام العرب» (^٣).\nأمّا الذين ذهبوا إلى جواز مسح البعض فقالوا: إنّ (الباء) للتبعيض، فيقتضي مسح بعض الرأس، وكونها للتّبعيض بيانه - عند من قال به - قالوا: إنّ الباء إذا دخلت على فعل يتعدى من غير (باء) اقتضت التبعيض فيه؛ وذلك لأنّ أهل اللسان فرقوا بين قولهم: (أخذت قميص فلان)، وبين قولهم: (أخذت بقميص فلان) فيحملون الأوّل على أخذ جميعه، والثّاني: على التعلق ببعضه، وكذا في الآية، فإذا قال: (مسحت يدي بالمنديل) و(مسحت يدي بالحائط) عقل من ذلك كله التبعيض، فدّل على أن ذلك مقتضاه (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المغني (١/ ١٧٦)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٠٦، ١٢١) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٩)، الإكليل (٢/ ٦٢٠).\n(^٢) انظر: المغني (١/ ١٧٦)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٠٦، ١٢١)، الإكليل (٢/ ٦٢٠).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٩).\n(^٤) انظر: تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٠٧)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧١)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٩).","vol":"1","page":109},{"text":"وقد أنكر بعض أهل اللّغة - كابن جني، وابن برهان - هذا التّفريق، وقال ابن جني: «من قال: إن الباء للتبعيض فقد أتى أهل اللغة بما لا يعرفونه»، ولذا أولوا ما استدل به على التضمين، أو أن التبعيض إنما استفيد من القرائن (^١).\nنوقش: بأنها شهادة نفي لا تقبل (^٢).\nوأجيب: بأنها ليست بشهادة نفي، وإنما هو إخبار عن ظن غالب يستند إلى الاستقراء ممن هو أهل لذلك مطلع على لسان العرب (^٣).\nوحمل البعض استعمال (الباء) للتبعيض على المجاز لقرائن ظاهرة في الأمثلة التي ذكروها، والأصل حمل اللفظ على حقيقته، حتى يقوم دليل المجاز (^٤).\nوألزم القائلون بعدم التبعيض في (الباء) القائلين بالتبعيض بآية التّيمم في قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ حيث إنّ المسح يكون لجميع الوجه لا بعضه باتفاق (^٥).\nوأجيب عنه: بأن المسح في الرأس أصلٌ، أمّا المسح في التيمم فهو بدل، والبدل يأخذ حكم المبدل منه، ولما كان المبدل منه غسلًا للوجه كاملًا كذلك\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧١)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٩)، وانظر: سر صناعة الإعراب (١/ ١٢٣)، وشرح اللمع لابن برهان (١/ ١٧٤)، التحبير للمرداوي (٢/ ٦٧٠)، المغني (١/ ١٧٦).\n(^٢) انظر: التحبير للمرداوي (٢/ ٦٧١).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ١٩٠).\n(^٥) انظر: المغني (١/ ١٧٦)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٠٧)، أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ١٢١).","vol":"1","page":110},{"text":"يكون البدل مسحًا للوجه كاملًا (^١).\nوهناك مأخذ آخر وهو لمن قال بمسح بعض الرأس وهو: أن الحكم إذا علق على اسم، فإنه يكتفي بأول ذلك الاسم، وأقل ما ينطلق عليه. وقد علق المسح هنا بالرأس فلا يشترط الاستيعاب بل يكتفى بالبعض (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-66> المبحث الثاني عشر: عدد مسح الرأس.</span>\nاتفق الجميع على مشروعية مسح الرأس (^٣)، وإنما الخلاف في مشروعية تكرار المسح.\nفذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يسن تكرار المسح، بل الواجب مسح الراس مرة واحدة (^٤).\nومأخذه: هو المأخذ السابق فيما إذا عُلِّق الحكم على اسم، فإنه ينطلق على أقل ما يتعلق به، وعلى هذا فإن المسحة الواحدة يقع بها المسح المأمور به، ويسقط الفرض، فالمرة يخرج عن العهدة (^٥).\nوذكر ابن الفرس مأخذًا آخر فقال: «لا سيما وقد رجح حذاق الأصوليين أن الأمر لا يقتضي التكرار» (^٦).\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٤/ ١٩١)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٨٨).\n(^٢) انظر: تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٠٥)، الإشارات الإلهية (٢/ ٩٥).\n(^٣) انظر: الإفصاح لابن هبيرة (١/ ٨٣)، والإشراف في مسائل الخلاف لابن نصر البغدادي (١/ ٨).\n(^٤) انظر: بدائع الصنائع (١/ ١٤)، البداية (١/ ١٣)، جواهر الإكليل شرح مختصر خليل (١/ ١٤)، الإنصاف (١/ ١٦٣) أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧٤).\n(^٥) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٧٠ - ٣٧١)، الإكليل (٢/ ٦٢٦).\n(^٦) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٧١).","vol":"1","page":111},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-67> المبحث الثالث عشر: حكم مسح الأذنين.</span>\nذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب مسح الأذنين (^١).\nومأخذه ظاهر: إذا ضمّ إليه قوله ﵇ (الأذنان من الرّأس) (^٢)، والرأس يجب مسحه لقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ فهذا أمر يقتضي الوجوب فيجب مسحهما (^٣).\nمأخذ آخر: أن الأذنين إما أن يكونا من الرأس أو الوجه، وليست من الوجه لعدم المواجهة بها، فبقيت من الرأس، والرأس يمسح كما في الأمر بالآية (^٤).\nأما القائل إنهما لا يمسحان؛ فلأن المولى سبحانه قال: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ ولم يذكر الأذنين، ولولا أنهما داخلتان في حكم الرأس ما أهملهما، وما كان ربك نسيا، قاله ابن العربي (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المغني (١/ ١٨٣)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٧٢).\n(^٢) أخرجه أبو داوود في الطهارة، برقم (١٣٤)، والترمذي في الطهارة، برقم (٣٧)، وابن ماجة في الطهارة، برقم (٤٤٣، ٤٤٤، ٤٤٥)، وصححه الألباني في تخريجه أحاديث ابن ماجة، وقال: \" صحيح على كل رواية من الروايات الثلاث: عبد الله بن زيد، وأبي أمامة، وأبي هريرة \"\nانظر: صحيح سنن ابن ماجة برقم (٣٥٧، ٣٥٨، ٣٥٩)، إرواء الغليل حديث رقم (٨٤)، السلسلة الصحيحة (٣٦).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٧١).\n(^٤) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٧١ - ٣٧٢).\n(^٥) انظر أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧٥).","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type='title' id=toc-68>المبحث الرابع عشر: حكم المسح على العمامة.</span>\nذهب طائفة من العلماء إلى عدم جواز المسح على العمامة (^١).\nمأخذه: أن الآية أمرت بالمسح على الرأس، ومن مسح على حائل لم يمسح على رأسه، بل مسح على ذلك الحائل (^٢).\nوهو محجوج بآثار وردت في جواز ذلك (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-69> المبحث الخامس عشر: عدد غسل الأعضاء.</span>\nذهب جمهور أهل العلم إلى أن المجزئ في عدد غسل الأعضاء واحدة (^٤).\nمأخذ الحكم هو: أن أقل ما يقع عليه اسم الغسل مرة واحدة، واحتمل أكثر، فسن رسول الله ﷺ الوضوء مرّة، فوافق ظاهر القرآن، وذلك أقل ما يقع عليه اسم الغسل، واحتمل أكثر، وسنه ﷺ مرتين وثلاثًا (^٥).\n_________\n(^١) انظر: البداية (١/ ٣٠)، الهداية مع شرح فتح القدير (١/ ١٤٠)، الكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر (١/ ١٨٠)، الأم (١/ ٢٢)، المجموع (١/ ٤٠٦) (١/ ١٩١)، روضة الطالبين (١/ ٦١)، وانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٣٧٢)، الإكليل (٢/ ٦٢٥).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٧٢)، الإكليل (٢/ ٦٢٥ - ٦٢٦).\n(^٣) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة، برقم (٢٤٧).\n(^٤) انظر: المغني (١/ ١٩٢)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٩٠)، الإكليل (٢/ ٦٢٦).\n(^٥) قال البخاري في صحيحه (١/ ٣٩): باب ما جاء في الوضوء وقول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قال أبو عبد الله: «وبين النبي ﷺ أن فرض الوضوء مرة مرة، وتوضأ أيضا مرتين وثلاثا، ولم يزد على ثلاث، وكره أهل العلم الإسراف فيه، وأن يجاوزوا فعل النبي ﷺ».","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-70>المبحث السادس عشر: غسل الرجل ومسحها.</span>\nذهب جمهور أهل العلماء إلى وجوب غسل الرجل إذا كانت مكشوفة (^١)، ومسحها إذا كانت بحائل، كالخف والجورب، والأخير يأتي عند الحديث عن المسح على الجورب.\nوذهب البعض - وقد روي عن بعض الصحابة - القول بالمسح على القدم، ونقل عن ابن جرير القول بالتخيير بين الغسل والمسح (^٢).\nوسبب الخلاف: تعدد القراءات، وتعددها بمنزلة تعدد الآيات (^٣).\nوبيان ذلك: ورد في قوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾: النصب والجر.\nفمن قال بوجوب غسلها - وهم الجمهور - فقد أخذوا بقراءة النّصب، وهي معطوفة على قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الأمر بغسل القدم مطلق يقتضي الوجوب، وللعلماء في وجه الإعراب وتوجيه القراءة خلاف، والمقطوع به من السنة غسل القدمين، فهي بيان بقوله وفعله ﷺ (^٤).\nقال الموزعي: «ويدل على أن المراد به الغسل فعل النبي ﷺ ذلك في جميع\n_________\n(^١) انظر: المغني (١/ ١٨٤)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٠)، أحكام القرآن للكيا الهراسي (٣/ ٤٨)، الإشارات الإلهية (٢/ ٩٨)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٠٨)، الإكليل (٢/ ٦٢٠).\n(^٢) انظر: جامع البيان للطبري (١٠/ ٦٣ - ٦٤)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٢).\n(^٣) انظر: تيسير البيان (٣/ ١٠٨)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٧٣)، الإكليل (٢/ ٦٢٠).\n(^٤) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٧٣ - ٣٧٧)، وورد بالنقل المستفيض من فعله ﷺ، وأما القول فمنه قوله ﷺ: «ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثًا»، أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب غسل الرجلين ولا يمسح القدمين، برقم (١٦٣)، ومسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، برقم (٢٤١)، وهذا يوجب استيعابهما بالغسل؛ لأن الوضوء اسم للغسل، يقتضي إجراء الماء على الوضوء، والمسح لا يقتضي ذلك.","vol":"1","page":114},{"text":"الحالات والمواطن، ولم ينقل إلينا قط أنه مسح القدمين، ولو كان واجبًا أو جائزًا لبيَّنه عن الله سبحانه كما أوجب ذلك عليه» (^١).\nوحملوا قراءة الجر - على القول بكونها معطوفة على قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾، على مسح القدم إذا كانت بحائل، كالخف والجورب (^٢).\nومن قال بأن الواجب أو الجائز في حق الرجلين المسح: فإنهم أخذوا بقراءة الجر وهي معطوفة على الرأس، وفرض الرأس المسح فكذا الرجلين (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-71> المبحث السابع عشر: حدود القدم المأمور غسلها.</span>\nورد الأمر في الآية بغسل القدم إلى الكعبين، وهما العظمان النائيان في أسفل الساق من جانبي القدم (^٤)، والأمر مغيا بغاية، فذهب الجمهور إلى دخول الكعبين مع القدمين في الغسل (^٥).\nومأخذ الحكم: هو أن المغيا يدخل في الغاية، كما سبق في اليد مع المرفق (^٦).\nومن العلماء من جعل معنى (إلى) في الآية بمعنى (مع) (^٧).\n_________\n(^١) تيسير البيان (٣/ ١٠٩).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧٩)، تيسير البيان (٣/ ١١٣)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٧).\n(^٣) انظر: تيسير البيان (٣/ ١٠٨)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٧٣)، الإكليل (٢/ ٦٢٠).\n(^٤) انظر: المغني (١/ ١٨٩)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧٩).\n(^٥) انظر: التفسير الكبير (١١/ ٣٠٦).\n(^٦) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٨٢)، الإكليل (٢/ ٦٢٥).\n(^٧) انظر: المصدر السابق.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type='title' id=toc-72>الفصل الثالث في نواقض الوضوء</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nالنواقض: جمع ناقض، ونواقض الوضوء: مفسداته، أي: التي إذا طرأت عليه أفسدته. وأتى بلفظ: نواقض، بالجمع للإشارة إلى تعددها واختلافها.\nومناسبة وروده بعد الوضوء ظاهرة؛ إذ إن النقض لا يكون إلا بعد وقوعها.\nوقال: نواقض الوضوء، ولم يقل نواقض الطهارة، لأجل الاقتصار على ما ينقض الطهارة الصغرى، دون الكبرى.\n\n*<span data-type='title' id=toc-73> المبحث الأول: من نواقض الوضوء: إتيان الغائط </span>(^١).\nدلَّت الآية على أن الخارج من السبيلين من نواقض الوضوء، وعبَّر المولى ﷾ عنه بلفظ ﴿الْغَائِطِ﴾، وهو كناية عن الحدث من النواقض الصغرى (^٢).\n_________\n(^١) الغائط: الغوط: عمق الأرض الأبعد، ومنه قيل للمطمئن من الأرض، ولموضع قضاء الحاجة غائط؛ لأن العادة أن يقضي في المنخفض من الأرض حيث هو أستر … والغائط: اسم العذرة نفسها؛ لأنهم كانوا يلقونها بالغيطان. وقيل: لأنهم كانوا إذا أرادوا ذلك أتوا الغائط وقضو الحاجة، فقيل لكل من قضى حاجته: قد أتى الغائط يكنى به عن العذرة. انظر: لسان العرب (٧/ ٣٦٥).\n(^٢) كالبول والغائط بالإجماع، فالغائط اسم العذرة نفسها؛ لأنهم كانوا يلقونها بالغيطان. وقيل: للمنخفض من الأرض؛ لأن العادة أن يقضي فيها لأنه أستر له، فكانوا إذا أرادوا ذلك أتو الغائط وقضوا الحاجة، فقيل لكل من قضى حاجته: قد أتى الغائط، ويكنى بها عن العذرة.\nانظر: المغني (١/ ٢٣٠)، لسان العرب (٧/ ٣٦٥).","vol":"1","page":116},{"text":"ومأخذ الحكم: الأول: الأمر الوارد بقوله ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾: أي إن جئتم من الغائط، مما يدلُّ على كونه ناقضًا. لأن الوضوء والتيمم رافعان لهذه الأحداث فأمر بهما.\nثانيًا: مفهوم الشرط فيه وهو: إن لم يأت الغائط فهو غير مأمور بالتيمم أو الوضوء.\nتنبيه: ذكر العلماء إن لفظ ﴿الْغَائِطِ﴾ في الآية يجمع بالمعنى جميع الأحداث الناقضة للطهارة الصغرى (^١).\nويؤيد هذا ما قدَّره العلماء في صدر الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ حيث قدَّروا: (إذا قمتم محدثين) فيدخل فيه كل حدث. والأحداث منها ما هو متفق عليه ومنها ما هو مختلف فيه.\nقال القرطبي: «وقد اختلف الناس في حصرها، وأنبل ما قيل في ذلك أنها ثلاثة أنواع: لا خلاف فيها في مذهبنا: زوال العقل، خارج معتاد، ملامسة» (^٢).\nوقال ابن بطال: «الأحداث التي أجمع العلماء على أنها تنقض الوضوء، سوى ما ذكره أبو هريرة: [يقصد الريح] البول، والغائط، والمذي، والودي، والمباشرة، وزوال العقل بأي حال زال، والنوم الكثير» (^٣). وسيأتي ذكر بعضها، وهناك نواقض أخرى يرجع إليها في كتب الفقه.\n_________\n(^١) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية (٢/ ٥٨)، الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢٠).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢١٣).\n(^٣) فتح الباري (١/ ٢٨٩).","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type='title' id=toc-74>المبحث الثاني: من نواقض الوضوء ملامسة النساء.</span>\nأما ملامسة النساء. فقد اختلف العلماء في المراد منها في الآية (^١).\nفقيل: الجماع. وقيل: مجرد اللمس باليد. ورجَّح كل فريق ما ذهب إليه بأدلة وقرائن، وكل قول قال به نفر من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.\nفقال بكونه الجماع علي وابن عباس ﵄، وقال بكونه اللمس باليد عمر وابنه وابن مسعود ﵃ (^٢).\nوأرجع بعضهم الخلاف فيها للخلاف في القراءتين الواردتين فيهما (^٣)، وهما: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ أو ﴿لمستم﴾.\nفقيل: معناهما واحدٌ.\nوقيل: إن قراءة ﴿لمستم﴾ بدون ألف: الجماع، ويحتمل أن يكون المراد مجرد اللمس باليد. أمّا قراءة ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ بالألف فهي بمعنى الجماع (^٤).\nومأخذ الحكم: الأول: الأمر الوارد بقوله ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾: أي إن لمستم النساء، مما يدلُّ على كونه ناقضًا. لأن الوضوء والتيمم رافعان لهذه الأحداث فأمر بهما.\nثانيًا: مفهوم الشرط فيه وهو: إن لم يلمس النساء فهو غير مأمور بالتيمم أو الوضوء.\n_________\n(^١) انظر: المغني (١/ ٢٥٦)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٣ - ٤٤٤)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٩٨).\n(^٢) انظر: التفسير الكبير (١٠/ ٨٩)، المحرر الوجيز (٢/ ٥٨ - ٥٩)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٤)، تيسير البيان (٢/ ٤١١)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٩٨ - ١٩٩)، الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢٤)، الإكليل (٢/ ٦١٩).\n(^٣) انظر: المصادر السابقة.\n(^٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢٤)، الإكليل (٢/ ٦١٩).","vol":"1","page":118},{"text":"تنبيه: على القول بأن قراءة ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ بالألف بمعنى الجماع فإنّ الآية بالمعنى تكون شاملة للحدثين الأصغر والأكبر.\nفالأصغر في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ والأكبر في قوله تعالى: أو ﴿لمستم﴾، ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ وهو الجماع.\nوقيل: إنّ الله ﷾ لما ذكر سبب الحدث، وهو المجيء من الغائط ذكر سبب الجنابة، وهو الملامسة، فبيّن حكم الحدث والجنابة عند عدم الماء، كما أفاد حكمهما عند وجود الماء، فلا يمنع حمل اللفظ على الجماع واللمس.\nيقول ابن العربي: «قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ أفاد الجماع، وأن قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ أفاد الحدث، وأن قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ أفاد اللمس والقبل. فصارت ثلاث جمل لثلاثة أحكام، وهذه غاية في العلم والإعلام. ولو كان المراد باللمس الجماع كان تكرارا في الكلام، وكلام الحكيم ينزّه عنه والله أعلم» (^١).\nوأجيب بأنه: إن أريد منه اللمس باليد، فإنّه يكون قليل الفائدة؛ إذ المجيء من الغائط واللمس حينئذ من واد واحد، ولا تكون الآية حينئذ شاملة لحكم وجوب التّيمم للجنب إذا لم يجد الماء.\nوحمل اللمس على الجماع قواه ابن تيمية معتمدًا على قاعدة: «إنّ الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لا بد أن يبينها الرسول ﷺ بيانًا عامًّا ولا بد أن تنقلها الأمة فإذا انتفى هذا عُلم أن هذا ليس من دينه … وكذلك الناس لا يزال أحدهم يلمس امرأته بشهوة وبغير شهوة، ولم ينقل عنه مسلمٌ أنه أمر الناس\n_________\n(^١) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٤)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢٤).","vol":"1","page":119},{"text":"بالتوضؤ من ذلك، والقرآن لا يدل على ذلك؛ بل المراد بالملامسة الجماع كما بسط في موضعه» (^١).\nواستدل أصحاب هذا القول بفعل النبي ﷺ أنّه قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصّلاة ولم يتوضأ (^٢).\nتنبيه ثان: دلَّت الآية على أن الجنب يجب أن يغتسل، والعلماء يقولون: إن ما أوجب الغسل فإنه يوجب الوضوء، بمعنى يكون ناقضًا من نواقض الطهارة.\nومأخذ الحكم من الآية هو: أولًا: الأمر بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.\nثانيًا: اقتران الحكم وهو الطهارة، بالوصف وهي الجنابة، دلالة على كون الجنابة علّة وسبب للطهارة بدلالة الإيماء والتنبيه.\nوإذا قلنا بأن ما أوجب الجنابة فإنه يوجب الوضوء فيدخل في النواقض ما توجبه الجنابة، كالجماع، ونزول المني، والحيض، والردة.\nتنبيه ثالث: يتفرع على القول بأن المقصود باللمس اللمس باليد أنه لا فرق بين اللمس بشهوة وبدون شهوة، ويشهد لذلك ظاهر القرآن (^٣).\nومأخذ الحكم: هو أن المطلق يجري على إطلاقه، فلا يقيد بشهوة إلا بدليل.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٥/ ٢٣٦ - ٢٣٨).\n(^٢) اخرجه أبو داوود في كتاب الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء من القبلة، برقم (٨٦)، والنسائي في كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من القبلة (١/ ١٠٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤/ ٢٧٣).\n(^٣) انظر: تفسير الإمام الشافعي (٢/ ٧٠٩).","vol":"1","page":120},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-75> المبحث الثالث: عدم النقض من مس الصغيرة.</span>\nاستدل بعض العلماء بالآية على أن لمس الصّغيرة ليس بناقض.\nومأخذ الحكم: مفهوم قوله ﴿لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فإن الذي يفهم من تعليق الحكم على صفة من صفتي الذات الدلالة على نفيه عن الآخر. باعتبار أن الحكم علق على الأنثى، فتدخل النساء، وتدخل الصبية. أو الكبيرة والصغيرة، والنساء وصف للكبيرة، فتخرج الصغيرة (^١) والله أعلم.\n\n*<span data-type='title' id=toc-76> المبحث الرابع: من نواقض الوضوء النوم.</span>\nومن النواقض: النوم، على خلاف بين العلماء هل هو ناقض وحدث بذاته، أو أنه سبب للحدث (^٢).\nوإن قلنا إنه حدث بذاته فإنّه ينقض الوضوء قليله وكثيره، ولم يخص نومًا من نومٍ.\nوإن قيل: بأنّه ليس بحدث فالأصل أنه ليس بناقض إلّا بيقين خروج الحدث. إلا أن من العلماء الذين قالوا بأنه سبب للحدث وليس بحدث قالوا بنقض الوضوء من النوم الكثير أو المستغرق؛ لأنه مظنة للحدث، والمظنة تنزل منزلة المئنة (^٣).\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٥)، الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢٨).\n(^٢) انظر: المغني (١/ ٢٣٤)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٥٩)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦).\n(^٣) قالوا: إن حالة النوم المستغرق وما يماثله تجعل الأعضاء فيها مسترخية، وقد لا يقدر على دفع ما ينتقض به الوضوء؛ لذا قالوا: بأن المظنة تنزل منزلة المئنة، واعتبروا ذلك من النواقض الحكمية، وليس من النواقض الحقيقية، التي هي أحداث بذاتها.","vol":"1","page":121},{"text":"ومأخذ كون النوم ناقضًا: ما قدَّره العلماء في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ حيث إنه قدَّروا: (إذا قمتم إلى الصلاة وقد نمتم) (^١) باعتبار أن المقدَّر عندهم كالمذكور.\nقال ابن الفرس مؤيدًا هذا التقدير، ومقدِّمه على تقدير (إذا قمتم محدثين) فقال: «لأنّ الأحداث مذكورة بعد هذا فأغنى ذلك عن ذكره، وأمّا النّوم فلم يقع له ذكر، وليس بحدث، وإنّما هو سبب للحدث على الأصح في ذلك، فحمل الكلام على زيادة فائدة أولى من حمله على التكرار بغير فائدة، فبهذا رجح جماعة من أهل العلم هذا القول» (^٢).\nوأشار بعض العلماء إلى سبب تقدير النوم، وهو بالنظر إلى سبب نزول الآية، حيث: «إن النبي ﷺ استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾» (^٣).\nقلت: وذهب جمهور أهل العلم إلى أن المراد بالقيام هنا، القيام للصلاة، وليس من النوم، فهي عامة لمن قام من نوم أو غيره (^٤).\nقال ابن عطية: «وجمهور أهل العلم أن معنى الآية: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، وليس في الآية على هذا تقديم ولا تأخير، بل يترتب في الآية حكم واجد الماء» (^٥).\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٥٩)، تيسير البيان (٣/ ١٠٠)، الإكليل (٢/ ٦١٨).\n(^٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٥٥)، وانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٤٨)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٨٢).\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، برقم (٤٦٠٨).\n(^٤) انظر: معالم التنزيل (٣/ ٢)، المحرر الوجيز (٢/ ١٦١)، القرآن العظيم (٣/ ٤٤)، التحرير والتنوير (٦/ ١٦١).\n(^٥) المحرر الوجيز (٢/ ١٦١)","vol":"1","page":122},{"text":"تنبيه: إن قلنا بأن الآية دلَّت على حكم النوم، فيدرج معه ما يكون في معناه مما يؤدي إلى زوال العقل، كالإغماء، والسكر، كما سبق. وكون زوال العقل من نواقض الوضوء حكمًا نُقل الإجماع عليه (^١).\nقال ابن قدامة: «زوال العقل على ضربين: نوم وغيره، فأما غير النوم، وهو الجنون والإغماء والسكر، وما أشبهه من الأدوية المزيلة للعقل، فينتقض الوضوء يسيره وكثيره إجماعًا» (^٢).\nوقال: «ولأنِّ هؤلاء حِسهُم أبعد من حِسِّ النائم، بدليل أنهم لا ينتبهون بالانتباه، ففي إيجاب الوضوء على النائم تنبيه على وجوبه بما هو آكد منه» (^٣).\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٦٠).\n(^٢) المغني (١/ ٢٣٤).\n(^٣) المغني (١/ ٢٣٤).","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type='title' id=toc-77>الفصل الرابع في المسح على الخفين والغسل وحكم الجنب</span>\nوفيه مبحثان:\nالخفان: واحدهما خف، وهو: ما يلبسه الانسان، ويجمع على خفاف (^١).\nويدخل في حكم الباب الجورب، وهو لفافة الرِّجل، ولعله المصنوع من الصّوف أو القطن أو الحرير، أو مشترك بين اثنين فأكثر (^٢).\nوفي وقتنا الحاضر تعددت المنسوجات فتصنع الجوارب من الأنواع السّابقة ومن النايلونات، وتسمى في وقتنا الحاضر بالشّراب (^٣).\nويدخل فيه الجرموق وهو: خفٌ يلبس فوق الخف، والموق وهو بالمعنى السّابق. وقيل غير ذلك (^٤).\nوالجنابة في الاصطلاح: حدث أكبر يقوم بالبدن سببه التقاء الختانين، أو خروج المني دفقًا بلذة (^٥).\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة (٧/ ٨).\n(^٢) انظر: فقه الممسوحات للدكتور علي الغامدي (٢١٢).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٢١٣).\n(^٤) انظر: تهذيب اللغة (٩/ ٣٨٤)، لسان العرب (١٠/ ٣٥٠)، القاموس المحيط (١١٩٤).\n(^٥) تسهيل الفقه للجبرين (١/ ٤٨٢).","vol":"1","page":124},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-78> المبحث الأول: مشروعية المسح على الخفين </span>(^١)\nقال ابن قدامة: «والمسح على الخفين جائز عند عامة أهل العلم» (^٢).\nاستدل العلماء بقوله: ﴿وَأَرْجُلِكم﴾ بكسر اللام على مشروعية المسح على الرجلين إذا كان عليهما خف، فعطفوا الأرجل على المسح على الرأس، في قوله: ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم إلى الكعبين﴾.\nولما كانت القراءتان محتملتين وجائزتين لغة، فقد حمل العلماء قراءة النّصب في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ على العطف على المنصوب في قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ فعطف بالنّصب مغسولًا على مغسولٍ، وجعلوا فرض الرِجلين الغسل، وذلك إذا لم يكن على القدمين خف أو نحوه. وإن كان على القدمين خُفٌّ فجعلوا فرض الوضوء مسح القدمين، استدلالًا بالقراءة الثانية، وهومن عطف الممسوح على الممسوح (^٣).\nمأخذ الحكم: أن القراءتين إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة؛ فإنّ لهما حكم الآيتين؛ ولذا حملوا فرض غسل القدم على قراءة النّصب، وفرض مسح القدم [الخف] على قراءة الخفض كما سبق (^٤).\nقال السيوطي: «قُرئ النصب والجر، فالأولى للغسل، والثانية لمسح الخف؛ لأن تعدد القراءات بمنزلة تعدد الآيات» (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الهداية (١/ ٢٨) شرح فتح العزيز (١/ ١٤٤)، تبين الحقائق (١/ ٤٦)، نهاية المحتاج (١/ ١٩٩)، المجموع (١/ ٤٦٢)، الإنصاف (١/ ١٦٩).\n(^٢) المغني (١/ ٣٥٩).\n(^٣) انظر: تيسير البيان (٣/ ١١٣)، الإكليل (٢/ ٦٢٠).\n(^٤) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٣٥)، مجموع الفتاوى (٢١/ ١٢٨ - ١٣٤)، الإكليل (٢/ ٦٢٠).\n(^٥) الإكليل (٢/ ٦٢٠).","vol":"1","page":125},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-79> المبحث الثاني: وجوب الغسل من الجنابة.</span>\nيجب الغسل من الجنابة باتفاق أهل العلم (^١).\nقال ابن العربي: «هذه الآية أصل في وجوب الطهارةمن الجنابة» (^٢).\nمأخذ الحكم: الأول: الأمر بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.\nالثاني: اقتران الحكم وهو الطهارة، بالوصف وهي الجنابة، دلالة على كون الجنابة علّة وسبب للطهارة. بدلالة الإيماء والتنبيه.\nأو يقال: علق الأمر بشرط، والشرط هنا علة ثابتة وهي الجنابة، فيتكرر الأمر بتكرارها اتفاقًا، فتكون الجنابة علة للتطهير (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-80> المبحث الثالث: حكم اللبث والمرور للجنب في المسجد.</span>\nهذه المسألة ليس لها علاقة بآية الوضوء في سورة المائدة بل هي متعلقة بآية النساء، لذا لم تدرس.\n_________\n(^١) انظر: المغني (١/ ٢٦٥)، الإكليل (٢/ ٦٢٢).\n(^٢) أحكام القرآن (٢/ ٣٦٩).\n(^٣) انظر: التحبير (٥/ ٢٢٢٠).","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type='title' id=toc-81>الفصل الخامس في التيمم</span>\nوفيه ثلاثة عشر مبحثًا:\nالتيمم لغة: القصد (^١).\nواصطلاحًا: استعمال الصعيد في عضوين مخصوصين على قصد التطهر بشرائط مخصوصة، وعلى صفة مخصوصة (^٢).\nومما روي في سبب شرعيتها، ما رواه البخاري ومسلم: عن عائشة ﵂، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش - انقطع عقدٌ لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق، فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبوبكر ورسول الله ﷺ واضعٌ رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فقالت عائشة: فعاتبني أبوبكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير: ما هي أول بركتكم يا آل أبي بكر: قالت:\n_________\n(^١) انظر: مقاييس اللغة (٦/ ١٥٢).\n(^٢) وهو للحنفية دون زيادة على صفة مخصوصة، انظر: بدائع الصنائع (١/ ٣٠٩)، والبناية شرح الهداية (١/ ٥١٠).","vol":"1","page":127},{"text":"فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فأصبنا العقد تحته) (^١).\nقال ابن عبد البر «: فأنزل الله تعالى آية التيمم، وهي آية الوضوء المذكورة في سورة المائدة، أو الآية التي في سورة النساء. ليس التيمم مذكورا في غير هاتين الآيتين وهما مدنيتان» (^٢).\nوالتيمم من الخصائص التي خصَّ الله بها أمة الإسلام، وقد ورد في حديث جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ قال: «أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ..» الحديث متفق عليه (^٣). وعند مسلم من حديث حذيفة ﵁: (وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء) (^٤).\nوقد نصَّ المولى سبحانه على بعض الحِكم من شرعة التيمم بقوله سبحانه في آية المائدة: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾\nفذكر سبحانه من الحِكم: رفع الحرج، وإرادة التطهير، وإتمام نعمته سبحانه بإباحته لنا التيمم، مع سائر نعمه السابقة واللاحقة، جعلنا الله من الشاكرين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب التيمم أول حديث من دون ترجمته، برقم (٣٣٤)، ومسلم في كتاب الحيض، باب التيمم برقم (٣٦٧).\n(^٢) التمهيد (١٩/ ٢٧٩).\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، وقول الله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، برقم (٣٣٥)، ومسلم في كتاب الصلاة، باب المساجد ومواضع الصلاة، برقم (٥٢١).\n(^٤) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب المساجد ومواضع الصلاة، برقم (٥٢١).","vol":"1","page":128},{"text":"وهذه الحِكم يلتفت إليها العلماء عند استنباط الأحكام.\n\n*<span data-type='title' id=toc-82> المبحث الأول: مشروعية التيمم بالصعيد.</span>\nيستنبط من الآية مشروعية التيمم بالصعيد الطيب عند عدم الماء، وهو طهور لكل مسلم، مريض، أو مسافر، سواء كان جنبًا، أو على حدث، وهذا الحكم مجمع عليه (^١).\nومأخذ الحكم بمشروعية التيمم: الأمر في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ وهو هنا على أصله للوجوب، وهو بدل عن الماء ويأخذ حكمه.\nتنبيه: اختلف العلماء في اشتراط الغبار في الصعيد:\nفذهب طائفة من أهل العلم إلى عدم اشتراط الغبار (^٢).\nوقالوا: والصعيد هو: وجه الأرض سواء كان عليه تراب أو لم يكن عليه تراب، فكل ما صعد على وجه الأرض فهو صعيد يجوز التيمم به (^٣).\nومأخذهم: أن قوله سبحانه: ﴿صَعِيدًا﴾ مطلق - لكونه نكرة في سياق إثبات، والمطلق يجري على إطلاقه (^٤).\nقال الجصاص: «لما قال الله ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ وكان الصعيد اسمًا\n_________\n(^١) انظر: الإجماع لابن المنذر (٣٦)، الإفصاح لابن هبيرة (١/ ١٥٦)، المغني (١/ ٣١٠)، شرح صحيح الإمام مسلم للنووي (٤/ ٢٧٩).\n(^٢) انظر: التفسير الكبير (١١/ ٣١٤)، البحر المحيط (٤/ ١٩٤).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٨)، الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢٧)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢٠٨) الهداية للمرغيناني (١/ ٢٥)، الشرح الكبير للرافعي (١/ ٢٥٥)، مغني المحتاج (١/ ٩٦)، المغني (١/ ٣٢٤)، كشاف القناع (١/ ١٧٢).\n(^٤) انظر: وأحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٨٧)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٦٧)، والجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢٩)، تفسير السعدي (٢٢٣).","vol":"1","page":129},{"text":"للأرض اقتضى ذلك جواز التيمم بكل ما كان من الأرض» (^١).\nوذهب طائفة من أهل العلم إلى اشتراط الغبار في الصعيد (^٢).\nومأخذهم: أن المراد بالصعيد التراب ذو الغبار.\nأما اختصاصه بالتراب فلقوله ﵇: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا» (^٣).\nونقل عن الشافعي قوله: لا يقع الصعيد إلّا على تراب ذي غبار (^٤).\nقال إلكيا الهراسي: «ولا شك أن لفظ الصعيد ليس نصًا فيما قاله الشافعي» (^٥) ..\nوأما اشتراط كونه ذا غبار، فهو استدلال بالآية، وذلك بقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ فقالوا: ﴿مِنْهُ﴾ أي: من بعضه، وهذا يلزم منه علوق شيء من الصعيد، ولا يكون إلا بتراب ذي غبار (^٦).\nف (من) في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ تبعيضية، وهذا يلزم منه اشتراط علوق شيء من التراب بيد المتيمم، ينقل إلى أعضاء المتيمم كما ينقل الماء إلى أعضاء المتوضئ (^٧).\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٨٧).\n(^٢) انظر: التفسير الكبير (١١/ ٣١٤)، البحر المحيط (٤/ ١٩٤)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢٠٩)، الإكليل (٢/ ٦٢٣).\n(^٣) أخرجه الإمام مسلم في كتاب الصلاة، باب المساجد مواضع الصلاة، برقم (٥٢١).\n(^٤) انظر: الشرح الكبير للرافعي (١/ ٢٥٥)، مغني المحتاج (١/ ٩٦)، الإكليل للسيوطي (٢/ ٦٢٣).\n(^٥) أحكام القرآن (٣/ ٥٧).\n(^٦) انظر: التفسير الكبير (١١/ ١٣٦)، الإكليل (٢/ ٦٢٣).\n(^٧) انظر: الإكليل (٢/ ٦٢٣).","vol":"1","page":130},{"text":"نوقش: أن (من) في الآية لابتداء الغاية (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-83> المبحث الثاني: اشتراط كون الصعيد طاهرًا.</span>\nاتفق العلماء على اشتراط كون الصعيد طاهرًا، لقوله: ﴿طَيِّبًا﴾ أي: طاهرًا بالإجماع (^٢).\nومأخذ الحكم: مفهوم الصفة الواردة في الآية، ومفهومه أن الأرض الخبيثة والنجسة، لا يشرع التيمم بها، وهذا بالإجماع أيضًا (^٣).\nقال ابن تيمية: «فإنّه لا خلاف أن الأرض الخبيثة ليست بطهور» (^٤) وهو يريد النجسة.\nوقال ابن جرير الطبري: «وأمّا قوله: ﴿طَيِّبًا﴾ فإنّه يعني به طاهرًا من الأقذار والنجاسات» (^٥).\nتنبيه: قال ابن الفرس: «واختلف فيمن تيمم على أرض نجسة، فقال ابن القاسم إذا ذهب الوقت أجزأه، وقال ابن عبد الحكم وغيره: لا يجزؤه تعلقًا بظاهر قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ والمراد بالطيب هنا هو الطاهر» (^٦).\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير (١٠/ ٩٠)، البحر المحيط (٣/ ٦٥٧)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٨٤)، أضواء البيان (١/ ٣٥٣).\n(^٢) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٣٣٤)، بداية المجتهد (١/ ١٣٩)، المجموع (٢/ ١٧٣)، المغني (١/ ٣٣٤)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٨).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣٠)، المغني (١/ ٣٣٤).\n(^٤) الفتاوى الكبرى (٤/ ٢٩٦)، مجموع الفتاوى (٣١/ ١٠٧).\n(^٥) جامع البيان (٧/ ٨٢).\n(^٦) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١٠).","vol":"1","page":131},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-84> المبحث الثالث: من شروط التيمم عدم وجود الماء.</span>\nمن شروط التيمم عدم وجود الماء باتفاق أهل العلم (^١).\nومأخذ الحكم: تعليق الأمر بالتيمم على شرط عدم وجود الماء، والمعلق على شرط يثبت بثبوته.\n\n*<span data-type='title' id=toc-85> المبحث الرابع: التيمم عن الحدثين.</span>\nاستدل العلماء بالآية على جواز التّيمم عن الحدث الأكبر والحدث الأصغر (^٢)\nمأخذ الحكم: تعليق الشارع الحكم وهو الأمر بالتيمم على شروط هنا، وذكر من الشروط ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ لبيان الحدث الأصغر، وقوله ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وهو الجماع لبيان الحدث الأكبر. والمعلق على شرط يثبت بثبوته، فظاهر القرآن عود قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ إلى الحدث والجنب جميعًا (^٣).\nويلزم من وجود الشرط، وهو الحدث، وجود المشروط، وهو: التيمم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته.\n_________\n(^١) انظر: المغني (١/ ٣١٤).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٩٣)، أحكام القرآن للهراسي (٢/ ٢٣٣)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٦٤)، تيسير البيان (٣/ ١٢٢)، الإكليل للسيوطي (٢/ ٦٢٣).\n(^٣) انظر: أضواء البيان (٢/ ٤٢).","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type='title' id=toc-86>المبحث الخامس: مشروعية التيمم للمريض مطلقًا.</span>\nمشروعية التيمم للمريض مطلقا سواء وجد الماء او لم يجده (^١).\nأما عند عدم وجود الماء فباتفاق أهل العلم - كما سبق - في حكم العادم مطلقًا، سواء كان مريضًا، أو صحيحًا.\nقال ابن رشد: «فأجمع العلماء أنها [أي طهارة التيمم] تجوز لاثنين للمريض وللمسافر إذا عدما الماء» (^٢).\nوقال ابن العربي: «ومطلق اللفظ يبيح التيمم لكل مريض إذا خاف من استعماله وتأذيه بالماء» (^٣).\nوأما عند وجود الماء، فاستدل بعضهم بالآية على عدم جواز تيممه (^٤).\nومأخذ الحكم: مفهوم الشرط الوارد في الآية، حيث دلَّت الآية بمنطوقها على جواز التيمم عند عدم الماء، وبمفهوم شرطها على عدم جواز التيمم مع وجود الماء، ولم تفرق بين مريض وصحيح (^٥).\nوذهب جمهور أهل العلم إلى عدم اعتبار المفهوم هنا، وعليه فيجوز للمريض إذا عجز عن الماء أن يستعمل التراب ويتيمم (^٦).\n_________\n(^١) انظر: المبسوط (١/ ١٠٨)، مواهب الجليل (١/ ٥٠٤)، المجموع (٢/ ٢١٠)، الإفصاح لابن هبيرة (١/ ٦٦)، المغني (١/ ٣١٦، ٣٣٥)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٠).\n(^٢) بداية المجتهد (١/ ١٣٠) وانظر: مراتب الإجماع لابن حزم (٤٣).\n(^٣) أحكام القرآن (١/ ٤٤٠).\n(^٤) انظر: المغني (١/ ٣٣٥).\n(^٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢١٩).\n(^٦) انظر: تيسير البيان (٢/ ٣٩٩)، الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢١٩).","vol":"1","page":133},{"text":"ومأخذهم في عدم الأخذ بالمفهوم: كونه معارضًا بالمنطوق الوارد بالسنة (^١)، وهو ما روي عن بعض الصحابة أنّه أصابته جنابة، وكان به جراحة عظيمة، فسأل بعضهم فأمره بالاغتسال، فلما اغتسل مات، فسمع النبي ﷺ ذلك، فقال: «قتلوه قتلهم الله ألا سألوا فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم» (^٢).\nلذا يرى الرازي أنه ليس في الآية دلالة على منع المريض من التيمم عند وجود الماء، وإنما دلت السنة على جوازه (^٣).\nومن العلماء من يستدل بدلالة معنى المرض في الآية على منع المريض من التيمم عند وجود الماء (^٤)، وهذا يشبه قول الأصوليين: يستنبط من النص معنى يخصصه، والله أعلم.\nقال ابن عاشور: «وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ عطف على فعل الشرط، وهو قيد في المسافر، ومن جاء من الغائط، ومن لامس النساء، أمّا المريض فلا يتقيد تيممه بعدم وجدان الماء؛ لأنه يتيمم مطلقا، وذلك معلوم بدلالة معنى المرض،\n_________\n(^١) انظر: بداية المجتهد (١/ ١٣١)، المجموع (٢٤/ ٢٢٨).\n(^٢) أخرجه أبو داوود في كتاب الطهارة، باب في المجروح يتيمم برقم (٣٣٦).\nقال أن ابن حجر: \"رواه أبو داوود بسند فيه ضعف، وفيه اختلاف على روايته\"، وضعفه الألباني. انظر: بلوغ المرام (٤٥)، وإرواء الغليل (١/ ١٤٢ - ١٤٣).\n(^٣) انظر: التفسير الكبير (١٠/ ٨٨ - ٨٩).\n(^٤) قال الرازي في تفسيره (١١/ ٣٠٩): \" المرض على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يخاف الضرر والتلف، فههنا يجوز التيمم بالاتفاق. الثاني: أن لا يخاف الضرر ولا التلف، فههنا قال الشافعي: لا يجوز التيمم، وقال مالك وداود يجوز، وحجتهما أن قوله وإن كنتم مرضى يتناول جميع أنواع المرض. الثالث: أن يخاف الزيادة في العلة وبطء المرض، فههنا يجوز له التيمم على أصح قولي الشافعي ﵀. وبه قال مالك وأبو حنيفة -رحمهما الله-، والدليل عليه عموم قوله وإن كنتم مرضى الرابع: أن يخاف بقاء شين على شيء من أعضائه، قال في «الجديد»: لا يتيمم. وقال في «القديم» يتيمم وهو الأصح لأنه هو المطابق للآية. \"، وانظر كذلك تفسيره (١٠/ ٨٨).","vol":"1","page":134},{"text":"فمفهوم القيد بالنسبة إليه معطل بدلالة المعنى» (^١).\nوالخلاصة: إن إباحة التيمم للمريض غير مضمنة بعدم الماء، بل هي مضمنة بخوف ضرر الماء، ولذا قالوا: إن كان المرض يسيرًا لم يبح له التيمم.\nوهناك مأخذ آخر ذكره بعض العلماء: وهو أن في الآية مقدرًا، تقديره: (وإن كنتم مرضى فعجزتم أو خفتم من استعمال الماء فتيمموا). وقالوا: إن مرجع الضمير في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ إنما يعود إلى المسافر فقط (^٢).\nوذكر ابن الفرس مأخذًا في الخلاف في دخول المريض الواجد للماء، وكذا الحاضر العادم للماء هل هما من أهل التيمم أم لا؟ أنه راجع إلى معنى (أو) في قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ فقال: «في (أو) هنا تأويلان: أنها على بابها من أن تكون لأحد شيئين. الثاني: أنها بمعنى الواو، وعلى هذين التأويلين ينبني اختلاف العلماء في المريض الواجد للماء والحاضر العادم للماء، هل هما من أهل التيمم أم لا؟ فمن أبقى (أو) على بابها رأهما من أهل التيمم … ومن رأى (أو) في الآية بمعنى الواو لم يرهما من أهل التيمم؛ لأنه بعيد …» (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-87> المبحث السادس: مشروعية التيمم للمسافر العادم للماء.</span>\nمشروعية التيمم للمسافر العادم للماء (^٤).\nومأخذه: المأخذ السابق، وهو تعليق الحكم وهو الأمر بالتيمم على شرط عدم وجود الماء، والمعلق على شرط يثبت بثبوته.\n_________\n(^١) انظر: التحرير والتنوير (٥/ ٦٧).\n(^٢) انظر: بداية المجتهد (١/ ١٣١)، المجموع (٢/ ٢٢٨).\n(^٣) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٩٦، ٣٦١).\n(^٤) انظر: الهداية (١/ ٢٧)، المقدمات (١/ ١١١)، المجموع (٢/ ٢٤٢)، المغني (١/ ٣١٠).","vol":"1","page":135},{"text":"مأخذه: أن المطلق يجري على إطلاقه (^١).\nتنبيه: هل لقوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ مفهوم صفة مخالف، بحيث إنّ غير المسافر لا يجوز له التيمم ولو أكثر المفسرين عدم الماء؟\nعلى أن السفر ذكر في الآية لأنّه في الغالب يفقد معه الماء، وإذا كان كذلك فلا مفهوم له لخروجه مخرج الغالب، ويبنى عليه مشروعية التيمم في الحضر لمن عدم الماء، سواء عدم الماء حقيقة أو حكمًا (^٢).\nقال ابن قدامة: «ومن حال بينه وبين الماء سبعٌ، أو عدو، أو حريق، أو لص، فهو كالعادم. ولو كان الماء بمجمع الفساق، تخاف المرأة على نفسها منهم، فهي عادمة» (^٣).\nومن العلماء من أرجع سبب الخلاف في كون الحاضر العادم للماء يجوز له التيمم أولا، إلى الاختلاف في عود الضمير في قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، هل يعود على الحاضرين والمسافرين، أو على المسافرين فقط، فمن رآه عائدًا على المسافرين فقط أو على المرضى والمسافرين لم يُجز التيمم للحاضر العادم للماء (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المغني (١/ ٣١١).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٣)، فتح القدير للشوكاني (١/ ٥٤١)، فتح البيان لمحمد صديق خان (٣/ ١٢٥).\n(^٣) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٣١٠)، المغني (١/ ٣١٥).\n(^٤) انظر: البيان والتحصيل (١/ ٧٠)، والمقدمات الممهدات (١/ ٧٣).","vol":"1","page":136},{"text":"*\n\n<span data-type='title' id=toc-88>المبحث السابع: أعضاء التيمم.</span>\nالتيمم يكون بالوجه واليدين إجماعًا (^١).\nوذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب مسح جميع الوجه (^٢)، ونقل بعضهم الإجماع على ذلك، كما سيأتي.\nومن العلماء من قال بعدم وجوب الاستيعاب (^٣).\nأما مأخذ القائلين بوجوب مسح جميع الوجه:\nأولًا: هو أن: (الباء) في الآية للإلصاق، أو أنها زائدة (^٤)، والمعنى: (فامسحوا وجوهكم)، فيجب تعميمه (^٥).\nالثاني: القياس، فكما يجب تعميمه بالغسل، فكذا بالمسح في التيمم، وذلك لأنّ التيمم بدل عن الوضوء، والاستيعاب في الأصل من تمام الرّكن، فكذا البدل وهو التيمم، فوجب استيعاب الوجه كله (^٦).\nالثالث: الإجماع، كما سبق. قال القرطبي: «ولا خلاف في أن حكم الوجه في التيمم والوضوء الاستيعاب، وتتبع مواضعه» (^٧).\nأما مأخذ من بعدم وجوب الاستيعاب: فهو القياس على مسح الرأس\n_________\n(^١) انظر: المغني (١/ ٣٣١)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١٠)، الإكليل (٢/ ٦٢٣).\n(^٢) انظر: المبسوط (١/ ١٠٧)، بدائع الصنائع (١/ ٣١٤ - ٣١٥)، المنتقى (١/ ١١٤)، مواهب الجليل (١/ ٥١٠ - ٥١١)، الأم (٢/ ١٠٣)، المجموع (٢/ ١٦٨)، المغني (١/ ٣٣١)، كشاف القناع (١/ ٤١١).\n(^٣) رواية عن أبي حنيفة. انظر: المبسوط (١/ ١٠٧)، البناية (١/ ٥٢٨)، البحر الرائق (١/ ٢٥٢).\n(^٤) انظر: المغني (١/ ٣٣١)، تيسير البيان (٣/ ١٢١).\n(^٥) انظر: المغني (١/ ٣٣٢).\n(^٦) انظر: شرح العناية (١/ ١٢٦)، المعونة (١/ ١٤٥)، البيان (١/ ٢٨٤).\n(^٧) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٣٠).","vol":"1","page":137},{"text":"والخف، بجامع كون الجميع مسحًا (^١).\nونوقش: بأن حكم الأصل مختلف فيه، فلا يصح القياس.\nقال ابن حزم: «والصحيح أن لفظة المسح لم تأت في الشريعة إلا في أربعة مواضع ولا مزيد: مسح الرأس، ومسح الوجه واليدين في التيمم، ومسحٌ على الخفين والعمامة والخمار، ومسح الحجر الأسود في الطواف، ولم يختلف أحد من خصومنا المخالفين لنا في أن مسح الخفين ومسح الحجر الأسود لا يقتضي الاستيعاب، وكذلك من قال منهم بالمسح على العمامة والخمار، ثم نقضوا ذلك في التيمم، فأوجبوا فيه الاستيعاب تحكمًا بلا برهان … فمن أين وقع لهم تخصيص المسح بالاستيعاب بلا حجة، لا من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا من لغة، ولا من إجماع، ولا قول صاحب، ولا قياس» (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-89> المبحث الثامن: حد اليدين في التيمم.</span>\nاختلف العلماء في حد اليدين في التيمم:\nفذهب بعض العلماء إلى القول بأن المسح يكون إلى الآباط (^٣)، ومنهم من قال: إلى المرفقين (^٤)، ومنهم من قال: إلى الكوعين (^٥)، أو للكفين (^٦).\n_________\n(^١) انظر: المبسوط (١/ ١٠٧).\n(^٢) المحلى لابن حزم (١/ ٣٧٦ - ٣٧٧).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١٢)، الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٤٠).\n(^٤) انظر: المبسوط (١/ ١٠٧)، المدونة (١/ ٤٢)، الأم (٢/ ١٠٢)، الحاوي (٢/ ٩٥٠)، المجموع (٢/ ١٦٨)، الفروع (١/ ٢٩٨).\n(^٥) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١١)، قال ابن قدامة في المغني (١/ ٣٤٧): \" وظاهر كفيه إلى الكوعين \".\n(^٦) انظر: الحاوي للماوردي (٢/ ٩٥٠)، المهذب (١/ ١٢٥)، الفروع (١/ ٢٩٨)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١٢).","vol":"1","page":138},{"text":"ومأخذ من قال للآباط: الإطلاق الواردة في الآية، فكل ما كان من أطراف الأصابع إلى الآباط فإنه يطلق عليه اسم اليد (^١).\nقال البيضاوي: «واليد اسم للعضو إلى المنكب» (^٢).\nوقال ابن الفرس: «ومن قال: الإبط بناه على تعلق الحكم بآخر الاسم؛ إذ ذاك أكثر ما ينطلق عليه اسم اليد» (^٣).\nنوقش: نسلم بأن اليد تطلق على ذلك، لكن دلَّت السنة وبينت المراد، وهو إلى الكوعين، أو الكفين كما في حديث عمار ﵁.\nومأخذ من قال إلى المرفقين: إمّا قياس التيمم على الوضوء (^٤)، أو حمل المطلق الوارد في آية التيمم على المقيد بأية الوضوء، وقد اتحدا سببًا واختلفا حكمًا (^٥).\nفسببهما الطهارة ورفع الحدث. والحكم في الوضوء الغسل، وفي التيمم المسح.\nنوقش: بأنه القياس فاسد؛ لأنه في مقابل النص، وحمل المطلق على المقيد يصح عند من يقول بالحمل مع اختلاف الحكم.\nومأخذ من قيّده إلى الكوع: حمل الأيدي المطلقة هنا على التقييد الوارد في\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان للطبري (٨/ ٤١٧)، التفسير الكبير (١١/ ٣١٣)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١٢)، الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٤٠).\n(^٢) أنوار التنزيل للبضاوي (٢/ ٧٦).\n(^٣) أحكام القرآن (٢/ ٢١٢).\n(^٤) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٩٤)، روح المعاني (٣/ ٤٣)، وهو المشهور عند الشافعية. انظر: المجموع (٢/ ١٦٨).\n(^٥) انظر: تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي (٤/ ٥٩١)، تيسير البيان (٣/ ١١٦).","vol":"1","page":139},{"text":"آية القطع في السرقة، وهي مقيدة بفعله ﵊ (^١).\nنوقش: بأنهما اختلافا حكمًا، ففي السرقة قطع، وفي التيمم مسح، واختلفا سببًا ففي السرقة: السرقة، وفي التيمم: رفع الحدث، فلا يحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة بالاتفاق (^٢).\nومأخذ من جعل المسح إلى الكوعين:\nأولًا: أن اليدين عند الإطلاق يراد بها الكوعين فقط؛ لأنه لو أراد إلي الإبطين، أو إلى المرفقين، أو الذراعين لقيدها به، كما قيَّدها في الوضوء إلى المرفقين.\nقال السعدي: «ومن الأحكام: أن اليدين تمسحان إلى الكوعين فقط؛ لأن اليد عند الإطلاق كذلك، فلو كان يشترط إيصال المسح إلى الذراعين لقيده الله بذلك، كما قيده في الوضوء» (^٣).\nثانيًا: القياس على القطع؛ إذ هو حكم شرعي وتطهير، كما أن التيمم تطهير (^٤).\nونوقش: بأنه في القطع عقوبة، لا يؤخذ فيها إلا باليقين، والتيمم عبادة، والعبادات يؤخذ فيها بالاحتياط (^٥).\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١٢)، والوار في فعله ما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ: «قطع سارقًا من المفصل»، والمراد بالمفصل كما يقول البيهقي هنا: مفصل الكف. والحديث فيه مقال، وله شواهد ذكرها الألباني.\nانظر: السنن الكبرى (٨/ ٢٧٠ - ٢٧١)، ونصب الراية للزيلعي (٣/ ٢٨٠)، إراوء الغليل للألباني (٨/ ٨١ - ٨٢).\n(^٢) انظر: المنخول (١٧٧)، الإحكام للآمدي (٣/ ٤)، المطلق والمقيد د. حمد الصاعدي (٢٣٦).\n(^٣) انظر: تفسير السعدي ٢٣٣.\n(^٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٤٠).\n(^٥) انظر: المبسوط (١/ ١٠٧).","vol":"1","page":140},{"text":"مأخذًا آخر: ذكره ابن الفرس فقال: «فمن قال إلى الكوعين كان ذلك منه بناء على تعليق الحكم بأول الأسماء؛ لأن اليد هي من أطراف الأصابع إلى الإبط، وأقل ما ينطلق عليه اسم اليد إلى الكوعين» (^١).\nومأخذ من قال إلى الكفين: فهو حديث عمّار كما عند البخاري أنّه أجنب فلم يجد الماء فتمرغ في الصعيد كما تمرغ الدَّابة، وفيه أنه قال: ثمّ أتيت الرسول فذكرت ذلك له، فقال: «إنما كان يكفيك أن تقول بيدك هكذا، ثم ضرب بالأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه» (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-90> المبحث التاسع: حكم تكرار المسح.</span>\nاختلف العلماء في مشروعية تكرار المسح من عدمه.\nوذهب الجمهور إلى عدم التكرار (^٣).\nومأخذ الحكم: إطلاق المسح في الآية، وهو يتحقق بالمرة الواحدة (^٤).\n\n*<span data-type='title' id=toc-91> المبحث العاشر: حكم طلب الماء والتيمم لكل صلاة.</span>\nذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب طلب الماء (^٥).\nمأخذ الحكم: أن قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ أمر يوجب التّكرار،\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٢/ ١١٢).\n(^٢) أخرجه البخاري كتاب الطهارة، باب التيمم للوجه والكفين برقم (٣٣٩).\n(^٣) انظر: المبسوط (١/ ١٠٧)، المنقى (١/ ٣٩)، الذخيرة (١/ ٣٥٢)، الحاوي (٢/ ١٠٠٦)، روضة الطالبين (١/ ٢٢٧)، المغني (١/ ٣٢٠).\n(^٤) انظر: المصادر السابقة.\n(^٥) انظر: المعونة على مذهب أهل المدينة للقاضي عبد الوهاب (١/ ١٤٩)، مواهب الجليل (١/ ٥٠٤)، المجموع (٢/ ٢٠١)، مغني المحتاج (١/ ٢٤٧)، المغني (١/ ٢١٣)، الإنصاف (١/ ٢٦٣)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢٠١) الإكليل (٢/ ٦٢٤).","vol":"1","page":141},{"text":"ولا سيما قد علق بشرط، فهو يوجب تكرار التيمم لكل صلاة، ويلزم منه طلب الماء لكل صلاة. ولم يجب في الوضوء لفعله ﵊، فيبقى التيمم (^١).\nقال الموزعي: «وكنت قدَّمت أولًا أن مفهوم قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ لا يوجب تكرار الوضوء لكل صلاة، خلافًا لابن سيرين؛ لأجل فعل النبي ﷺ، فهل يقتضي بمفهومه أنه يجب طلب الماء والتيمم لكلِّ صلاة عند القيام، أو لا يجب كالوضوء؟\nفباقتضاء المفهوم قال الشافعي ومالك، فأوجبا الطلب والتيمم لكل فريضة، وبترك المفهوم قال أبو حنيفة، فلم يوجب ذلك» (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-92> المبحث الحادي عشر: هل يلزم العادم شراء الماء؟.</span>\nاتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للمكلف العادم للماء أن يعدل إلى التيمم مع قدرته على شراء الماء بثمن مثله، وكان هذا الثمن فاضلًا عن حاجته ودينه (^٣).\nواختلفوا فيما إذا كانت الزيادة على ثمن المثل يسيرة، فهل يلزمه شراء الماء أو لا؟\nوذهب بعض أهل العلم إلى أنه يلزمه شراء الماء (^٤).\n_________\n(^١) حيث ثبت أن النبي ﷺ صلى الصلوات الخمس كلها يوم الفتح بوضوء واحد، أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد برقم (٢٢٧).\n(^٢) تيسير البيان (٣/ ١٢٢ - ١٢٣).\n(^٣) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٣٢٣)، شرح الزرقاني (١/ ٢١١)، المجموع (٢/ ٢٠٢)، المغني (١/ ٣١٧).\n(^٤) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٣٢٣)، البحر الرائق (١/ ٢٨٤)، المجموع (٢/ ٢٠٣)، المغني (١/ ٣١٧)، الإنصاف (١/ ٢٥٧).","vol":"1","page":142},{"text":"مأخذ الحكم: إن القادر على الشراء يعتبر واجدًا للماء، فلا يجوز له العدول إلى التيمم (^١).\nفقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ فعل في سياق نكرة، والأفعال نكرات، فيعم كل واجد، سواء كان بثمن المثل أو بزيادة.\n\n*<span data-type='title' id=toc-93> المبحث الثاني عشر: إذا وجد الماء لكنه لا يكفي لطهارته، هل يلزمه التطهر به ثم التيمم.</span>\nمن وجد ماءً لكنه لا يكفي لطهارته اختلف العلماء في وجوب تطهره به، ثم يتيمم للباقي.\nفأوجب ذلك بعض العلماء (^٢).\nومأخذ الحكم: أولًا: أن كلمة (ماء) في الآية نكرة في سياق نفي تعم الماء القليل والكثير (^٣).\nثانيًا: أنه يصدق عليه أنه واجد للماء (^٤).\nوقيل: لا يجب عليه استعمال هذا الماء (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المغني (١/ ٣١٧).\n(^٢) انظر: المغني (١/ ٣١٤، ٣١٥)، المهذب (١/ ٣٤)، البيان للعمراني (١/ ٢٩٧) المجموع (٢/ ٢١٤)، نهاية المحتاج (١/ ٢٧٢)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٦ - ٤٤٧)، الإكليل (٢/ ٦٢٤).\n(^٣) انظر: المغني (١/ ٣١٥)، نهاية المحتاج (١/ ٢٧٢).\n(^٤) انظر: الإكليل (٢/ ٦٢٤).\n(^٥) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥٢٦)، المبسوط (١/ ١١٣)، بدائع الصنائع (١/ ٥٠) (١/ ٣٢٧)، المدونة (١/ ٤٧)، مختصر خليل (١٩)، مواهب الجليل (١/ ٣٣١ - ٣٣٢)، الذخيرة (١/ ٣٣٩).","vol":"1","page":143},{"text":"ومأخذ الحكم: العرف الشرعي؛ لأن مطلق الماء ينصرف إلى المتعارف، والمتعارف من الماء في باب الوضوء والغسل هو الماء الذي يكفي للوضوء والغسل، فينصرف المطلق إليه، ومن لم يجد ماءً كافيًا لطهارته، كان كمن لم يجد الماء أصلًا، فيكون حكمه الشرعي الانتقال إلى التيمم (^١).\nوعليه فيقال: إن الله ﷾ أراد بالماء في قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، الماء الكافي للأعضاء الذي أمر بغسلها في أول الآية.\nقال ابن العربي: «فإن الله سبحانه قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وأراد جميع البدن، ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فاقتضى ذلك الماء الذي يقوم له بحق ما تقدم الأمر فيه والتكليف له، فإن آخر الكلام مرتبط بأوله» (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-94> المبحث الثالث عشر: حكم التيمم قبل دخول الوقت.</span>\nاختلف العلماء القائلون بوجوب طلب الماء والتيمم لكل صلاة في جواز فعل التيمم قبل دخول الوقت.\nفقال بعض أهل العلم (^٣): يجوز التيمم قبل دخول الوقت.\nمأخذ الحكم: لأنّ المعلق بالشرط إنّما هو الوجوب - وهو دخول الوقت - والوجوب في وقت لا يمنع الجواز في غيره (^٤).\n_________\n(^١) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٥١)، البناية شرح الهداية (١/ ٥٠٠).\n(^٢) أحكام القرآن (١/ ٤٤٧).\n(^٣) انظر: المبسوط (١/ ١٠٩)، بدائع الصنائع (١/ ٣٤٢)، المنتقى (١/ ١١١)، المقدمات (١/ ١٢٠)، المجموع (٢/ ١٩٢)، الإنصاف (١/ ٢٥٣)، مجموع الفتاوى (١/ ٢٥٣).\n(^٤) انظر: تيسير البيان (٣/ ١٢٣).","vol":"1","page":144},{"text":"مأخذ آخر: وهو القول بأن المولى أقام التيمم مقام الماء عند فقده، ولم يفرق بين ما إذا كان قبل الوقت أو بعده (^١).\nوذهب بعض أهل العلم إلى عدم الجواز (^٢).\nمأخذ الحكم: القياس، وبيانه كما قال الموزعي: «ويجوز أن يقال: فيه دلالة على التقييد بالوقت وجوبًا وجوازًا، فإنّه عبادة وقد ورد توقيت وجوبها بوقت الصلاة، فلا يجوز في غيره، كسائر العبادات، وإنّما خرج الوضوء بفعل النبي ﷺ الصلوات بوضوء واحد، أو لأنّه طهارة لا عبادة كما ذهب إليه أبو حنيفة والثوري؛ ولهذا لم يوجبا النّية في الوضوء، وأوجباها في التّيمم؛ لأنّه عبادة» (^٣).\nثم بيَّن مأخذًا آخر بقوله: «أو لأنّه طهارة لا عبادة كما ذهب إليه أبو حنيفة والثوري؛ ولهذا لم يوجبا النّية في الوضوء، وأوجباها في التّيمم؛ لأنّه عبادة» (^٤).\nيقول ابن رشد: «فتأمل هذه المسألة؛ فإنها ضعيفة، أعني من يشترط دخول الوقت ويجعله من العبادات المؤقتة، فإن التوقيت في العبادة لا يكون إلا بدليل سمعي، وإنما يسوغ القول بهذا إذا كان على رجاء من وجود الماء قبل دخول الوقت، فيكون هذا ليس من باب أن هذه العبادة مؤقتة، لكن من باب أنه أنه ليس ينطلق اسم غير الواجد للماء إلا عند دخول وقت الصلاة؛ لأنه ما لم يدخل وقتها أمكن أن يطرأ هو على ماء» (^٥).\n_________\n(^١) انظر: رؤوس المسائل للزمخشري (١١٣).\n(^٢) انظر: الكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر (١/ ٢٩ - ٣٠)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٥)، الأم (٢/ ٩٧)، المجموع (٢/ ١٩٩)، روضة الطالبين (١/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، المغني (١/ ٣١٤)، الإنصاف (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣).\n(^٣) تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٢٤)، وانظر: الإكليل للسيوطي (٢/ ٦٢٤).\n(^٤) تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٢٤).\n(^٥) بداية المجتهد لابن رشد (١/ ١٣٤ - ١٣٥).","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>الدراسة الرابعة تطبيق صيغة الأمر (ليفعل) على آيات الأحكام</span>","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type='title' id=toc-96>المقدمة</span>\n﷽\nالحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:\nفقد تنوعت الأساليب الدالة على الأمر في القرآن الكريم، وهي ترجع إلى ما ذكره بعض الأصوليين إلى أساليب وصيغ صريحة وغير صريحة، وحصر الأصوليون الصريحة في صيغة (افعل)، والفعل المضارع المقترن بلام الأمر، واسم فعل الأمر، والمصدر النائب عن فعل الأمر، أما غير الصريحة فهي متنوعة.\nوأم الباب صيغة (افعل)، وفي قوتها ومنزلتها عند كثير من الأصوليين صيغة (ليفعل)، وهي صيغة الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، ثم إن الصيغة الأولى (افعل) قد استقرأت في القرآن الكريم في بحث أكاديمي من قبل الدكتور عبد اللطيف بن سعود الصرامي، بعنوان (محمول صيغة الأمر افعل دراسة نظرية وتطبيقية على آيات الأحكام)، ولمسيس الحاجة إلى مثل هذه الأبحاث الاستقرائية، رغبت في العمل على إكمال هذا المشروع، في هذه الدراسة، وذلك باستقراء دلالة صيغة الأمر «ليفعل» في آيات الأحكام، وأسميته (دلالته صيغة الأمر [ليفعل] دراسة تطبيقية على آيات الأحكام)\nولا يخفى أن من أهم مباحث أصول الفقه، مبحث الأمر، الذي هو أبلغ منازل","vol":"1","page":149},{"text":"الخطاب كما يقول أبو يعلى (^١)، وأحد ركني التكليف إذ التكليف أمر ونهي.\nوبخصوص هذه الصيغة، أعني (ليفعل) فقد استعملت في نصوص القرآن كثيرًا، حيث وردت في ثمانين موضعًا متعينًا، غير محتمل لغير الأمر، ووردت الصيغة محتملة بكونها لام أمر، أو لام تعليل في عشر آيات في قراءات متواترة، وثمان آيات في قراءات أخرى.\nاقتصرت الدراسة على دراسة الأوامر الواردة في الدلالة على حكم فرعي عملي، فخرج من الدراسة: دراسة الأمر بالإيمان (^٢)، والتقوى (^٣)، والتوكل (^٤)، والخشية لله (^٥)، كما خرج من الدراسة ما خرج عن معنى الأمر إلى معنى من المعاني التي يرد عليها ويصرف لها (^٦)، كالدعاء (^٧)، والتعجيز (^٨)، والتهديد والوعيد (^٩)، والإخبار (^١٠)، والاعتبار (^١١)، أو التفكر (^١٢) … الخ، إلا إذا حُمِل الأمر فيها على قول من الأقوال على حكم شرعي فرعي، فإنه داخلٌ قطعًا في دراستي.\n_________\n(^١) العدة في أصول الفقه لأبي يعلى (١/ ٢١٣).\n(^٢) كالواردة في: [البقرة: ١٨٦].\n(^٣) كالواردة في: [البقرة: ٢٨٢]، [النساء: ٩].\n(^٤) كالواردة في: [النساء: ٩].\n(^٥) كالواردة في: [آل عمران: ١٢٢، ١٦٠]، [المائدة: ١١]، [التوبة: ٥١]، [يوسف: ٦٧]، [المجادلة: ١٠]، [التغابن: ١٣].\n(^٦) ذكر العلماء أن صيغة الأمر ترد إلى أكثر من ثلاثين معنىً.\nانظر: التحبير للمرداوي (٥/ ٢١٨٤ - ٢٢٠١)، شرح الكوكب المنير لابن النجار (٣/ ١٧ - ٣٨).\n(^٧) كالواردة في: [يونس: ٨٨]، [الزخرف: ٧٧].\n(^٨) كالواردة في: [الحج: ١٥]، [الأنبياء]، [الطور: ٣٤].\n(^٩) كالواردة في: [الكهف: ٢٩]، [العنكبوت: ٦٦]، [الروم: ٣٤].\n(^١٠) كالواردة في: [التوبة: ٨٢]، [مريم: ٧٥]، [العنكبوت: ١٢].\n(^١١) كالواردة في: [عبس: ٢٤]، [الطارق: ٥].\n(^١٢) كالواردة في: [الطور: ٣٨].","vol":"1","page":150},{"text":"فاشتملت الدراسة التطبيقية على دراسة عشرين آية، ضمت ثلاثين حكمًا، وردت الأوامر فيها بصيغة (ليفعل). ورد الأمر متعينًا للوجوب في أربعة عشر حكمًا، ومحتملًا للوجوب وغيره في خمسة عشر حكمًا، ومصروفًا عن الوجوب باتفاق في حكم واحد، ذكرها عبد الخالق عظيمة في كتابه دراسات في أساليب القرآن الكريم (^١)، وتلك الآيات:\n(١) قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].\n(٢) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\n(٣) قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]\n(٤) قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].\n(٥) قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]\n_________\n(^١) ينظر: دراسات في أساليب القرآن الكريم (٢/ ٣٩٠ - ٤٢١).","vol":"1","page":151},{"text":"(٦) قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩]\n(٧) قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤]\n(٨) قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢]\n(٩) قوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]\n(١٠) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣]\n(١١) قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨]\n(١٢) قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]\n(١٣) قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]","vol":"1","page":152},{"text":"(١٤) قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]\n(١٥) قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]\n(١٦) قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]\n(١٧) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨]\n(١٨) قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩]\n(١٩) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠]\n(٢٠) قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]","vol":"1","page":153},{"text":"وقبل الشروع في الدراسة التطبيقية يحسن التقدمة بين يديها بدراسة تأصيلية مختصرة، فأقول:\nعرَّف ابن قدامة الأمر بأنه: استدعاء الفعل بالقول أو ما قام مقامه (^١). وزاد الطوفي: على جهة الاستعلاء (^٢).\nوقسَّم العلماء صيغ الأمر قسمين: صيغ صريحة في دلالتها على الأمر، وصيغ غير صريحة.\nأما الصيغ الصريحة فهي عند أكثر العلماء أربع صيغ وهي:\nالأولى: صيغة الأمر (افْعَلْ)، وهي خطاب للحاضر.\nالثانية: صيغة (لِيَفْعَل) وسيأتي الحديث عنها.\nالثالثة: اسم فعل الأمر، وهو لفظ يقوم مقام الفعل في الدلالة على معناه، وفي عمله (^٣). وهو قسمان:\nأحدهما: ما وضع أول الأمر لذلك، نحو: نزال بمعنى: انزل، وصه بمعنى: اسكت، وهلم بمعنى: احضر، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٥٠].\nثانيهما: ما نقل عن غيره من ظرف أو من جار ومجرور، كقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، أو نقل عن\n_________\n(^١) انظر: المختصر في أصول الفقه لابن اللحام (٩٧)، والتحبير (٥/ ٢١٦٦)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٣٤٩).\n(^٢) انظر: شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٣٤٩).\n(^٣) انظر: شرح ألفية ابن مالك لابن عقيل (٢/ ٢٣٧)، محمول صيغة افعل (٤٥).","vol":"1","page":154},{"text":"المصدر نحو: رويدًا زيدًا، أي: أمهله إمهالًا (^١).\nالصيغة الرابعة: المصدر النائب عن فعل الأمر: إذا جعل جزاء للشرط بحرف الفاء، والعامل فيه فعله المحذوف وجوبًا، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، أي: فحرروا، وقوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، أي: فاضربوا الرقاب، وقوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي: فافدوا (^٢).\nالقسم الثاني: الصيغ غير الصريحة، وهي الواردة بلفظ الخبر، ويعبَّر عنها الأصوليون بالخبر بمعنى الأمر، أي المتضمن له. وسيأتي مزيد تفصيل، وبيان لأقسامه في الدراسة السادسة، المتعلقة بأسلوب الخبر بمعنى الأمر وتطبيقاته.\nوعودًا إلى صيغة الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، وهي من صيغ الأمر الصريحة - كما سبق - ويُعبَّر عنها بصيغة (ليفعل)، وهو خطاب أمر للغائب، وقد ورد الخطاب بها في القرآن متعين غير محتمل لغير الأمر في ثمانين موضعًا، ومحتملًا بين كون اللام للأمر أو لام كي في آيات عشر، ومحتملًا بينهما أيضًا في قراءات ثماني آيات، كما أفاد به الدكتور محمد عبد الخالق عضيمة في كتابه دراسات لأسلوب القرآن الكريم، وقال: «٢ - دخلت لام الأمر على المضارع المتكلم في آية واحدة: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، وفي قراءة شاذة في آية أخرى. ٣ - دخلت لام الأمر على المضارع المبدوء بتاء الخطاب في قراءة عشرية في قوله تعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]» (^٣).\n_________\n(^١) انظر: أوضح المسالك (٣/ ١١٨ - ١١٩)، محمول صيغة افعل (٤٥ - ٤٦).\n(^٢) انظر: الأمر والنهي عند علماء العربية والأصوليين للدكتور ياسين المحيميد (٥٨)، محمول صيغة افعل (٤٦).\n(^٣) (٢/ ٤٢١) وانظر (٢/ ٣٩٧ - ٣٩٩، ٤٠٠ - ٤٠١، ٤٢١).","vol":"1","page":155},{"text":"فالأصل فيها إذًا مجيئها بالياء (ليفعل) للغائب.\nقال ابن قدامة: «وللأمر صيغة مبنيَّة تدل بمجردها على كونها أمرًا إذا تعرَّت عن القرائن، وهي: (افعل) للحاضر، و(ليفعل) للغائب …» (^١).\nوقد نصَّ الأصوليون على كون هذه الصيغة من صيغ الأمر الصريحة، وأنها وبقية صيغ الأمر الصريحة سواء في دلالتها على الحكم.\nيقول الإسنوي: «الأمر سواء كان بلفظ (افعل) كانزل، واسكت، أو (اسم الفعل) كنزال، وصه، (والمضارع المقرون باللام) كقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]» (^٢).\nولمَّا كان الأصوليون لا يعبرون إلا بصيغة (افعل) نبَّه بعضهم إلى عدم تميزها عن غيرها في دلالتها على الحكم.\nقال الزركشي: «المراد بصيغة (افعل) لفظها، وما قام مقامها من (اسم الفعل) كصه، و(المضارع المقرون باللام) مثل ليقم … وإنما خصَّ الأصوليون (افعل) بالذكر لكثرة دورانه في الكلام» (^٣).\nتنبيه: اختلف النحاة أيهما الأصل في صيغة الأمر (افعل)، أو (ليفعل)، فذهب بعض النحاة إلى أن الأصل هو صيغة (ليفعل)؛ وذلك لأن الأمر معنى، والأصل في المعاني أن تستفاد بالحروف كالنهي؛ فكما يستفاد النهي من لا الناهية، كذا الأمر من لام الأمر (^٤).\n_________\n(^١) روضة الناظر (٢/ ٥٩٥).\n(^٢) التمهيد (٢٦٦).\n(^٣) البحر المحيط (٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧).\n(^٤) انظر: البحر المحيط (٢/ ٣٥٢).","vol":"1","page":156},{"text":"وذهب بعض النحاة إلى أن الأصل هو صيغة (افعل)؛ لأنه يفيد المعنى بنفسه بلا واسطة، بخلاف (ليفعل) فإنه يستفاد من اللام (^١).\nثم إنني من خلال العمل في البحث رأيت أن يكون الضابط في ذلك هو ورودها في كتب أحكام القرآن.\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٢/ ٣٥٢) نقلًا عن العكبري في شرح الإيضاح.","vol":"1","page":157},{"text":"الدراسة التطبيقية\nوفيما يلي الدراسة التطبيقية:\n\n<span data-type='title' id=toc-97>(١) قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾</span> [البقرة: ١٨٥].\nقوله تعالى: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وهو يقتضي وجوب الصوم عند شهود شهر رمضان المبارك.\nوالأمر في الآية على بابه من الوجوب غير مصروف باتفاق أهل العلم (^١)، وإنما وقع خلاف بين العلماء فيمن يتوجه الخطاب والأمر، هل يقتضي وجوبه على المقيم والمسافر، أو على المقيم فقط؟\nوسبب الخلاف راجع إلى القول بتعارض الإضمار (^٢) والتخصيص (^٣)، فأما الإضمار فهو في مفعول ﴿شَهِدَ﴾، وتقديره: فمن شهد البلد في الشهر. وهذا يقتضي أن وجوب صوم رمضان إنما يجب على المقيم فقط. وهؤلاء جعلوا ﴿الشَّهْرَ﴾ في الآية منصوبًا على الظرفية (^٤).\n_________\n(^١) قال ابن قدامة في المغني (٤/ ٣٢٣): \" الأصل في وجوبه الكتاب، والسنة، والإجماع \".\n(^٢) الإضمار: إسرار كلمة فأكثر، أو جملة فأكثر حسب ما يقتضيه حال ذلك الكلام.\nانظر: نفائس الأصول للقرافي (١/ ٢٤٥).\n(^٣) التخصيص: قصر العام على بعض أفراده.\nانظر: جمع الجوامع للسبكي (٢/ ٢).\n(^٤) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٨٢ - ٨٣)، الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٩٥)، أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٩٨).","vol":"1","page":158},{"text":"أما جمهور أهل العلم فإنهم يرون قوله ﴿الشَّهْرَ﴾ هو مفعول ﴿شَهِدَ﴾ وأما المقيم فهو مخصوص بقوله في آخر الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقدموا التخصيص على الإضمار (^١).\nتنبيه: في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٥] خلاف في اللام الواردة فيه، هل هي لام للتعليل أو لام الأمر؟\nيقول ابن الفرس: «ويجوز أن تكون لام الأمر، ويكون المعنى: أو في مرضه، فليكمل عدة الأيام التي أفطر فيها …» (^٢).\nقلت: ووجوب إكمال العدة ثابتٌ بقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فهو مصدر نائب عن فعل الأمر - وهو أحد الأساليب الصريحة بالأمر.\nقال الزركشي: «المراد بصيغة (افعل) لفظها وما قام مقامها من اسم الفعل ك (صه)، والمضارع المقرون باللام … وكذلك المصدر المجعول جزاء الشرط بحرف الفاء كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] أي فحرروا … وقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي صوموا …» (^٣).\nوقال القرطبي: «﴿فَعِدَّةٌ﴾ ارتفع عدة على خبر الابتداء، تقديره فالحكم أو الواجب عدة». ثم قال بعدها: «ويصح فَعليهِ عدة»، وقبلها قال: «إن في الكلام حذف؛ أي من يكن منكم مريضًا أو مسافرًا فأفطر فليقض» (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٩٥)، أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٩٩).\n(^٢) أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٠١) ..\n(^٣) البحر المحيط (٢/ ٢٥٦ - ٢٥٧).\n(^٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٧٦، ٢٧٧).","vol":"1","page":159},{"text":"وجميع ما ذكر دل على وجوب إكمال العدة، بأصرح من كون اللام في قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ للأمر.\nقال محمد عبد الخالق عظيمة: «قال ابن عطية: اللام للأمر، ويضعفه أن النحويين قالوا إن أمر المخاطب باللام قليل، ويضعفه أيضا أنه لم يؤثر أن أحدًا من القراء قرأ بإسكان هذه اللام، فلو كانت اللام للأمر لكانت كسائر أخواتها من القراءة بالوجهين، فدل ذلك على أنها لام الجر، لا لام الأمر» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-98>(٢) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ </span>وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ﴾ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nاشتملت هذه الآية على عدد من الأحكام الثابتة بصيغة الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر (ليفعل). وقبل البدء في بيان تلك الأحكام تجدر الإشارة إلى أمرين:\nالأمر الأول: أن العلماء مختلفون في كون الأمر بالكتابة الوارد في صدر الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، هل هو محكم أو منسوخ؟ (^٢).\n_________\n(^١) دراسات لأسلوب القرآن الكريم (٢/ ٣٩٩)، وانظر: البحر المحيط لابن حيان (٢/ ٤٢).\n(^٢) من قال بالنسخ جعل الناسخ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ فَرِهَانٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقالوا بأن الإشهاد لو كان واجبًا لما جاز إسقاطه.\nوقال الطبري: \"وهذا لا معنى له؛ لأن هذا حكم غير الأول، وإنما هذا حكم من لم يجد كاتبًا … \"\nانظر: تفسير الطبري (٦/ ٤٧ - ٥٠)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٤٨)، أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤١٧)، الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٨٣)، النسخ في القرآن لمصطفى زيد (٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣).","vol":"1","page":160},{"text":"والقائلون بأنه محكم اختلفوا في دلالة الأمر فيه هل هي على أصلها للوجوب أو أنها مصروفة إلى الندب؟ (^١).\nوهذا الخلاف يترتب عليه حمل دلالة صيغة (ليفعل) الآتي ذكرها؛ وذلك لأن كل ما لا يتم الواجب أو المندوب إلا به فهو واجب أو مندوب، فوسيلة الشيء تأخذ حكمه، وعليه فإجابة الكاتب للكتابة، وإملال الذي عليه حق، أو وليه يُبنى عليها، كما سيأتي.\nالأمر الثاني: إن مقصود الشارع من شرعه كتابة الدَّين حفظ الحقوق.\nقال ابن العربي: «يريد أن يكون صكًا يستذكر به عند أجله؛ لما يتوقع من الغفلة في المدة التي بين المعاملة وبين حلول الأجل، والنسيان موكل بالإنسان، والشيطان ربما حمل على الإنكار والعوارض من موت وغيره تطرأ، فشرع الكتاب والإشهاد …» (^٢).\n_________\n(^١) ذهب الجمهور إلى أنه أمر ندب، إذ الأمر للإرشاد، بدليل إمكان إسقاط الكتابة عند الأمن من ضياع الحق، كما قال في قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣]، كما أن جمهور المسلمين في جميع ديار المسلمين يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتابة، وفي إيجابها حرج شديد ومشقة.\nوذهب طائفة من أهل العلم إلى كون الكتابة واجبة، وروي عن ابن عمر، ومجاهد، وابن سرين، وعطاء، والضحاك وغيرهم.\nقال الطبري: \" وأما الذين زعموا أن قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ﴾ على وجه الندب والإرشاد، فإنهم يسألون البرهان على دعواهم في ذلك، ثم يعارضون كسائر أمر الله ﷿، الذي أمر في الكتابة، ويسألون الفرق بين ما ادعوه في ذلك وانكروه في غيره، فلم يقولوا في شيء من ذلك قولًا إلا ألزموا في الآخر مثله \".\nانظر: تفسير الطبري (٦/ ٥٥)، تيسير البيان للموزعي (٢/ ١٦٥)، النسخ في القرآن لمصطفى زيد (٢/ ٢٠٣).\n(^٢) أحكام القرآن (١/ ٢٤٧).","vol":"1","page":161},{"text":"إذا تبين هذا، ففي الآية الكريمة خمسة أحكام مستنبطة بواسطة دلالة صيغة (ليفعل)، سأوردها تحت هذه المسائل:\n\n*<span data-type='title' id=toc-99> المسألة الأولى: هل يشترط أن يكون كاتب الدين من غير المتداينين؟</span>\nذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لابد من وجد ثالث يكتب الدين بين الدائن والمدين، لدلالة قوله تعالى: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أي: بين صاحب الدين والمستدين، فلا ينفرد أحد المتداينين بالكتابة حتى لا يتهم.\nقال القرطبي: «وإنما قال ﴿بَيْنَكُمْ﴾ ولم يقل أحدكم، لأنه لما كان الذي له الدّين يَتَّهِم في الكتابة الذي عليه الدين، وكذلك العكس، شرع الله سبحانه كاتبًا غيرهما يكتب بالعدل لا يكون في قلبه ولا قلمه موادَّةٌ لأحدهما على الآخر» (^١).\nوذهب بعض العلماء إلى عدم اشتراط كون الكاتب من غير المتداينين، فيجوز أن ينفرد أحد المتداينين بالكتابة، وإنما جاز الأمر بتوسط كاتب بينهم لأن غالب حال العرب حين نزول الخطاب الجهل بالكتابة، فجهل أحدهما بما كتب الآخر ينفي ثقته بكتابته، أما إذا كانا يحسنان الكتابة فينتفي المحظور.\nقال ابن عاشور: «إنما هو أمر للمتداينين بأن يوسطوا كاتبًا يكتب بينهم؛ لأن غالب حالهم جهل للكتابة، وفعل الأمر للمبالغة في أمر المتعاقدين بالاستكتاب، والعرب تعمد إلى المقصود فتنزله منزلة الوسيلة مبالغة في حصوله، كقولهم في الأمر: ليكن ولدك مهذبًا، وفي النهي: لا تنس ما أوصيتك، ولا أعرفنك تفعل كذا. فمتعلق الطلب هو ظرف ﴿بَيْنَكُمْ﴾ وليس هذا أمرًا للكاتب، وأما أمر الكاتب فهو في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾» (^٢).\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٦٥).\n(^٢) التحرير والتنوير (٣/ ١٠١).","vol":"1","page":162},{"text":"وسواء قلنا باشتراط كون الكاتب ليس واحدًا منهما، أو عدم اشتراط ذلك، فإن دلالة الأمر ﴿وَلْيَكْتُبْ﴾ تحمل على الخلاف السابق، الدائر بين الوجوب والندب في حكم كتابة الدَّين.\n\n*<span data-type='title' id=toc-100> المسألة الثانية: العدالة في كتابة الدين</span>\nتشمل العدالة هنا المكتوب والكاتب، أما المكتوب «فلا يميل أحدهما لقرابة ولا غيرها، ولا على أحدهما لعداوة ونحوها» (^١).\nأما الكاتب فاشتراط كونه عدلًا، لأن الحكمة من الكتابة - كما سبق - هي حفظ الأموال، وغير العدل لا يؤمن منه الميل لأحد المتداينين لقرابة أو لعداوة - كما سبق - أو لمصلحة نفسه.\nقال الإمام مالك: «لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها عدل في نفسه، مأمون؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾» (^٢).\nقال ابن الفرس: «استدل به بعضهم على أنه لا يكتب الوثائق إلا عارف بها، عدل في نفسه مأمون» (^٣).\nوقال أيضًا: «يؤخذ من قوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾ عدم صحة وصاية الذمي والفاسق؛ لأنه لا يؤمر أن يمُل بالعدل إلا العدل» (^٤).\nإذا تقرر ما سبق فإنه لا ينبغي أن يختلف اثنان في حمل صيغة (ليفعل) هنا على الوجوب؛ لما سبق من أن المقصود حفظ الحقوق، وحفظها واجب،\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن (١/ ١٦٥).\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٦٥)، المجموع للنووي (١٣/ ٩٩).\n(^٣) أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤١٨)، وانظر: المحرر والوجيز لابن عطية (٢/ ٢٨٧).\n(^٤) أحكام القرآن (١/ ٤٢٠).","vol":"1","page":163},{"text":"ولا يتم الواجب إلا بالعدل، فاشتراط العدالة واجب.\n\n*<span data-type='title' id=toc-101> المسألة الثالثة: حكم إجابة الكاتب للكتابة</span>\nاختلف العلماء في محمول الأمر في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾، فذهبت طائفة من العلماء إلى كونه فرضًا، ثم اختلفوا، فقيل: إنه فرض كفاية، وقيل: فرض عين، وقيل: فرض حال فراغه (^١).\nوذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه ندب (^٢).\nقلت: يؤيد القائل بأنه فرض، النهي المتقدم عليه، وهو قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾، فنهى المولى ﷾ عن أن يمتنع أحد عن الكتابة في هذه الآية، والنهي عن الشيء أمر بضده، ومأخذهم بهذا ظاهر، ولاسيما إن قلنا: إن كتابة الدَّين واجبة.\nلكن يضعف القول بالوجوب أن الكتابة لو كانت واجبة لما صحَّ الاستئجار بها؛ لأن الإجارة على فعل الفروض باطلة، ولم يختلف العلماء في جواز أخذ الأجرة على كتب الوثيقة (^٣).\nأما القائل بالندب والاستحباب فمأخذهم -والعلم عند الله- كونه كان واجبًا ثم نسخ، والوجوب إذا نسخ فإنه يحمل على الندب عند كثير من أهل الأصول (^٤).\nقال ابن العربي: «والصحيح أنه أمر إرشاد، فلا يثبت حتى يأخذ حقَّه،\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٨٤)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٤٨)، الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٦٥ - ٣٦٦)، تيسير البيان للموزعي (٢/ ١٦٧ - ١٦٨)، أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤١٦).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة.\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣/ ٣٦٦).\n(^٤) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٤٨)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣/ ٣٦٥ - ٣٦٦)","vol":"1","page":164},{"text":"وما ذكره من المعنيين يتفقان مع هذا الاختيار» (^١).\nوالذي يظهر لي أن الخلاف هنا مفرع عن الخلاف في حكم كتابة الدين - كما سبقت الإشارة إليه - وتعتبر إجابة الكتابة وسيلة للكتابة، ووسيلة الشيء تأخذ حكمه.\nيقول الجصاص: «قال أبوبكر: قد بيَّنا أن الكتاب غير واجب في الأصل على المتداينين، فكيف يكون واجبًا على الأجنبي الذي لا حكم له في هذا العقد ولا سبب فيه؟ وعسى أن يكون من رآه واجبًا ذهب إلى أن الأصل واجب …» (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-102> المسألة الرابعة: إملال الذي عليه الحق</span>\nقال تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nالإملال مأخوذ من مصدر الفعل الرباعي «أملّ». وأمل الشيء: قاله فكتب، وأمليت الكتاب على الكاتب إملالًا: ألقيته عليه (^٣).\nوالمقصود ما يلقيه الذي عليه الحق (المدين) على الكاتب مما صار في ذمته من الحق دون زيادة أو نقصان؛ ليكون إقراره على نفسه بالحق.\nقلت: إن الإملال فرع عن الكتابة، فإن كانت الكتابة واجبة، فيأتي الخلاف هنا، هل يجب أن يمل الذي عليه الحق؟ أو يكون غير واجب، وصرفه عن الوجوب لأنه من باب الإرشاد، وقد ذكر العلماء الإرشاد من صوارف الأمر عن الوجوب، وجعلوا ضابطه: «أنه يرجع إلى مصالح الدنيا، بخلاف الندب؛ فإنه يرجع إلى مصالح الآخرة، وأيضا: الإرشاد لا ثواب فيه، والندب فيه الثواب» (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المصادر السابقة.\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٥٨٧).\n(^٣) انظر: لسان العرب (١١/ ٦٣)، الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٦٦).\n(^٤) شرح الكوكب المنير (٣/ ٢٠).","vol":"1","page":165},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-103> المسألة الخامسة: الوكالة في الإملال</span>\nقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾\nقد يعجز المدين عن القيام بالإملال على الكاتب الحق الذي عليه، فبيَّن المولى سبحانه هنا أنه يشرع قيام وليِّه بذلك نيابة عنه، فهل يكون إملال الولي واجبًا عليه، أو أنه داخل في باب الإرشاد؟\nقال الموزعي: «وأمر الولي أن يُملّ عن الموَلّى عليه إذا كان سفيهًا مبذرًا للمال، أو ضعيفًا غبيًا أحمق، أو لا يستطيع الإملال لجنون أو صغر أو عِيٍّ وأقام عليهم مقامهم» (^١).\nقلت: وهذه المسألة تأخذ حكم المسألة السابقة، لأن الولي بدلٌ عن المولَّى عليه، والبدل يأخذ حكم المبدل عنه. والله أعلم.\nفائدة: يؤخذ من قوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾ عدم صحة وصاية الذمي والفاسق؛ لأنه لا يؤمر أن يمُل بالعدل إلا بالعدل (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-104>(٣) قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ </span>فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]\nترد الأمانة لمعان عدَّة منها: ما افتراضه الله على عباده من صلاة وزكاة وصوم .. الخ، ومنها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا\n_________\n(^١) تيسير البيان (٢/ ١٦٨).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس.","vol":"1","page":166},{"text":"أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧] وترد ويراد بها أداء الودائع والديون، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وهذا هو المراد، وإن كان داخلًا في عموم الأول (^١).\nقوله: ﴿فَلْيُؤَدِّ﴾ لام أمر، ومعنى الآية كما يقول ابن العربي: «إن سقط الكتاب والإشهاد والرَّهن، وعوِّل على أمانة المعامل، فليؤد الذي ائتمن الأمانة، وليتق الله ربه» (^٢).\nوأداء الأمانات واجب غير مصروف، وقد تضافر على تأكيد وجوبه الكتاب والسنة والإجماع.\nيقول القرطبي: «… وهذا أمر معناه الوجوب، بقرينة الإجماع على وجوب أداء الديون …» (^٣).\nوقال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] الآية، قال: «يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وفي حديث الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك»، رواه الإمام أحمد وأهل السنن (^٤)، وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان، من حقوق الله ﷿ على عباده، من الصلوات والزكوات، والصيام والكفارات والنذور، وغير ذلك، مما هو مؤتمن عليه\n_________\n(^١) انظر: نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر لابن الجوزي (١٠٤ - ١٠٥).\n(^٢) أحكام القرآن (١/ ٢٦٢).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٩٤).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣/ ٤١٤)، وأبو داوود في كتاب الإجارة، باب في الرجل يأخذ حقَّه من تحت يده، برقم (٣٥٣٤)، والترمذي في كتاب البيوع، باب إذا أفلس للرجل غريم فيجد متاعه، برقم (١٢٦٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داوود برقم (٣٠١٨).","vol":"1","page":167},{"text":"لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض، كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بيِّنة على ذلك. فأمر الله ﷿ بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة» (^١).\nفائدة: استُدل بالآية في مسألة اختلاف المتبايعين للسلعة إذا اختلفا، فإن القول قوله سواء أقرَّ البائع بأجل أم لا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-105>(٤) قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾</span> [آل عمران: ١٠٤].\nاللام في قوله ﴿وَلْتَكُنْ﴾ لام أمر، وفيه الأمر بالدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوالدعوة إلى الله عموما - وهي دعوة إلى خير لا ريب فيه - عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: الدعوة إلى الله هي: «الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله، وتصديقهم فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا به، وذلك يتضمن الدعوة إلى الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والدعوة إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشرِّه، والدعوة إلى أن يعبد ربه كأنه يراه» (^٣).\nفالخير هو دعوة إلى الإيمان والإسلام والإحسان، وهو تعريف للدعوة بحسب ما تدعو إليه، وهو الدين.\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٣/ ١٤٣).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٤٢).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٥٧ - ١٥٨).","vol":"1","page":168},{"text":"كما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الخير الذي أمرنا بالدعوة إليه.\nوعُرِّف المعروف الذي دُعينا الأمر به بأنه: اسم جامع لكل ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح (^١). والمنكر نقيضه.\nيقول الطبري: «… الأمر بالمعروف هو كل ما أمر الله به عباده، أو رسوله ﷺ، والنهي عن المنكر هو كل ما نهى الله عنه عباده أو رسوله ﷺ …» (^٢).\nإذا تبين حقيقة الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الأمر بهما على بابه من الوجوب، لا خلاف بين العلماء في ذلك.\nيقول الجصاص: «أكد الله تعالى فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواضع من كتابه، وبيَّنه رسول الله ﷺ في أخبار متواترة عنه فيه، وأجمع السلف وفقهاء الأمصار على وجوبه» (^٣).\nوقال النووي: «وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة» (^٤).\nوالخلاف إنما في كون وجوبه كفائيًا أو عينيًا.\nوسبب الخلاف عائد إلى قوله ﴿مِنْكُمْ﴾ في الآية هل هي بيانية، فيكون واجبًا عينيًا، أو أنها تبعيضية فيكون واجبًا كفائيًا.\n_________\n(^١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (١/ ١٠٦)، المفردات للراغب الأصبهاني (٥٦١)، تيسير الكريم الرحمن للسعدي (١/ ٤٠٦).\n(^٢) تفسير الطبري (١٤/ ٥٠٧).\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٦٠٨).\n(^٤) شرح صحيح مسلم (٢/ ٣٨٢).","vol":"1","page":169},{"text":"وقد جمع بينها بعض العلماء، يقول ابن كثير: «والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة منتصبة لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (^١). وفي رواية: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (^٢)» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-106>(٥) قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ </span>وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]\nثبت في هذه الآية بصيغة الأمر (ليفعل) حكمين خاصين بمسألة الأكل من مال اليتيم.\nوقبل البدء في بيان الحكمين، لابد من الإشارة إلى أن العلماء أجمعوا على تحريم أكل مال اليتيم وأنه من الكبائر (^٤).\nقال ابن الفرس: «اتفق أهل العلم جميعا على تحريم أكل مال اليتيم ظلمًا وإسرافًا، وعلى أن ذلك من الكبائر، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا مِمَّا [النساء: ١٠]، وقوله:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الأيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، برقم (٤٩).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣٨/ ٣٣٢) برقم (٢٣٣٠١)، وقال محققوه: حسن لغيره، وأخرجه الترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، برقم (٢١٦٩)، وحسَّنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، برقم (١٧٦٢).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٩٣).\n(^٤) انظر: الاستذكار لابن عبد البر (٨/ ٣٨٩).","vol":"1","page":170},{"text":"﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾» (^١).\nثم قال بعد ذلك: «وإن لم يكن إسرافًا وبدارًا فإن ذلك يختلف بحسب حال الولي» (^٢) اه.\nووالي اليتيم إما أن يكون غنيًا يمكنه الاستغناء عن مال اليتيم، أو فقيرًا قد يحتاج إلى شيء من مال اليتيم، ولكل حال حكم، وبيانها فيما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-107>الحكم الأول: أمر الولي الغني بالاستعفاف عن مال اليتيم قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾.</span>\nوَرَدَ الأمر بالاستعفاف بلام الأمر، والإعفاف هو الإمساك، والاستعفاف عن الشيء تركه (^٣)، وقد اختلف العلماء في محمول هذا الأمر.\nيقول ابن الفرس: «فبعضهم يرى ذلك محظورًا، ويرى الأمر أمر وجوب، وبعضهم يراه مكروهًا، ويرى الأمر أمر ندب، وقيل: مباح للغني أن يأكل منه بقدر قيامه عليه وخدمته فيه، وانتفاع اليتيم به في حسن نظره إليه» (^٤).\nقلت: والأصل هو الوجوب. ولعل القائل بالندب نظر إلى أن له الحق بالمطالبة بأجرة المثل. والقائل بالإباحة نظر إلى أنه أمر بعد حظر وهو قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ (^٥). والله أعلم.\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٢/ ٦٤).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ٤١).\n(^٤) أحكام القرآن (٢/ ٦٤).\n(^٥) باعتبار أن \" استعفف \" تأخذ حكم الأمر لا النهي، وستأتي الإشارة إليها.","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type='title' id=toc-108>الحكم الثاني: أمر الولي الفقير بالأكل من مال اليتيم لقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾،</span> ولم أر خلافًا بين أهل العلم في حمل الأمر هنا على الإباحة.\nقال القرطبي: «… فأمر الغني بالإمساك، وأباح للوصي الفقير أن يأكل من مال وليه بالمعروف» (^١).\nوقد بيَّن الشيخ العثيمين الصارف له عن الوجوب بأن الأمر جاء عقب النهي، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾، والأمر بعد النهي إما للإباحة على قول بعض العلماء أو لرفع الحظر، وهنا جاء لرفع الحظر فهو مباح (^٢).\nثم إنهم اختلفوا بعد ذلك في تأويل الآية، وفي كونها منسوخة أو ثابتة، وفي المراد بالمعروف (^٣).\nتنبيه: الأمر باستعفاف الغني من الأكل من مال اليتيم وارد بعد حظر أيضًا فلمَ لَمْ يصرف الأمر فيه عن الوجوب لرفع الحظر؟.\nوالجواب - والعلم عند الله - إن الاستعفاف في قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ وإن كانت صيغته أمر إلا إنه من حيث المعنى نهيٌ، وهي: كذر، واترك، واكفف، والأمر بمعنى النهي يأخذ حكم النهي لا حكم الأمر.\nقال ابن النجار: «وكنهي في المعنى: دع واترك وكف وامسك نفسك عن كذا ونحوه. لما كان أبعاض (افعل) ما يدل على الكف عن العمل احتيج إلى التنبيه على إخراجها، ولهذا قال في جمع الجوامع من حد الأمر إنه: اقتضاء فعل غير\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٤١).\n(^٢) تفسير القرآن الكريم \" سورة النساء \" لابن عثيمين (١/ ٤٤).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٦٥)، نكت القرآن للقصاب (١/ ٢٤٠).","vol":"1","page":172},{"text":"كف مدلول عليه بغير كف … الخ» (^١) ثم شرح التعريف.\nوعليه فالأمر بالاستعفاف عن أكل مال اليتيم هو الإمساك عن الأكل، وهو ذاته عدم الأكل.\n\n<span data-type='title' id=toc-109>(٦) قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾</span> [النساء: ٩]\nأمر الله ﷾ حاضرَ المُوصي أن يعدل في تلقينه بالوصية، كما يعدل هو في وصيته لو كان هو الموصي يورث ولده، وليتق الله سبحانه، فلا يجاوز الثلث، وليقل قولًا سديدًا، أي: صوابًا، وهو التلقين بما دون الثلث.\nوقيل الخطاب لأولياء اليتامى، فأمرهم المولى ﷾ أن يحسنوا فيمن ولوا من اليتامى، كما يحبون أن يحسن ولاة أولادهم بهم من بعدهم.\nوقيل الخطاب للأوصياء، فأمروا بأداء الوصية على ما رسم الموصي، مثلما ترعى الذرية الضعاف من غير تبديل (^٢).\nقلت: وَرَدَ في الآية ثلاثة أوامر بصيغة (ليفعل)، وهي: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ وهي محمولة هنا على الوجوب، والأخير هو الذي يدخل في بحثنا - بحسب حدود البحث - ووجه كونه للوجوب هو أن عدم القول السديد، وهو الإيصاء بأكثر من الثلث محرم، - وغير نافذ إلا بإقرار الورثة - وإذا كان محرمًا فالتعاون عليه إثم وحرام، وعليه فتركه واجب.\n_________\n(^١) شرح الكوكب المنير (٣/ ٣٨).\n(^٢) انظر هذه الأقوال وغيرها في: تيسير البيان للموزعي (٢/ ٢٥٢)، زاد المسير لابن الجوزي (٢/ ٨٩).","vol":"1","page":173},{"text":"على أنه ورد في غير هذه الآية الأمر بالتقوى والقول السديد، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] والقول السديد هنا هو الحق الموافق للصواب، وهو الذي يخالف قول أهل الأذى (^١)، كما يدل عليه سياق الآية، وقد جاءت الآية بعد قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]\nويدخل في القول السديد في الآية الأقوال الواجبة قطعًا، وكذا الأقوال المندوبة.\nقال السعدي: فالأمر به عام يشمل الأقوال الواجبة، والأقوال الصالحة النافعة وهي غير واجبة، من قراءة وذكر ودعاء، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وتعلم علم وتعليمه، ولين الكلام، واللطف في المخاطبة، والقول المتضمن للنصح والإشادة بما هو الأصلح (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-110>(٧) قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤]</span>\nالمعنى: «فليجاهد لإعلاء كلمة الله تعالى المؤمنون المخلصون ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي: الذين يبيعون الحياة الدنيا ولذَّاتها بالآخرة، ويبذلون أرواحهم لله تعالى، ويجعلون الآخرة وثوابها ثمنًا لها وعوضًا منها» (^٣).\n_________\n(^١) انظر: روح المعاني للألوسي (٢٢/ ١٣٨).\n(^٢) انظر: تفسير السعدي (٦/ ٢٥٣)، التحرير والتنوير (٢٢/ ١٢٢).\n(^٣) تفسير حدائق الروح والريحان للهرري (٦/ ٢٠٤).","vol":"1","page":174},{"text":"والأمر بالجهاد متقرر وثابت ومحكم في القرآن الكريم، وهو فرض كفائي على المسلمين، وقد يتعين في حالات (^١). وهذا قول جمهور أهل العلم، قيل: نقل بعضهم الإجماع عليه.\nقال ابن عطية: «واستمر الإجماع أن الجهاد على كل أمة محمد ﷺ فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام، فهو حينئذ فرض عين» (^٢).\nيقول الجصاص متأولا القول المنسوب إلى بعض الصحابة في كونه بعد فتح مكة ليس بفرض إلا أن يستنفر الإمام أحدًا منهم: «وجائز أن يكون قول ابن عمر، وعطاء، وعمرو بن دينار في أن الجهاد ليس بفرض؛ يعنون به: أنه ليس فرضه متعينًا على كل أحد؛ كالصلاة والصوم، وأنه فرض على الكفاية» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-111>(٨) قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ </span>وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢]\n_________\n(^١) منها إذا وطأ العدو ديار المسلمين، أو كان المسلم حاضرًا الصف، يقول المرداوي في الإنصاف (١٠/ ١٤): \" ومن حضر الصف من أهل فرض الجهاد، أو حضر العدو بلده تعيَّن عليه بلا نزاع، وكذا لو استنفره بلا نزاع \".\n(^٢) المحرر والوجيز (١/ ٢٨٩).\n(^٣) أحكام القرآن (٣/ ١٤٧)، وانظر: تيسير البيان للموزعي (١/ ٣٧١)، معالم التنزيل للبغوي (١/ ٢٧٣).","vol":"1","page":175},{"text":"تضمن هذه الآية عددًا من الأحكام الثابتة بصيغة الأمر (ليفعل) نتناولها في المسائل التالية:\n\n*<span data-type='title' id=toc-112> المسألة الأولى: حكم إقامة الصلاة في حال الخوف</span>\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَلْيَأْخُذُوا وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾، وهو أمر بصيغة (ليفعل) من المولى ﷾ لنبيه ﷺ بأداء فريضة الصلاة في حال الشدَّة والبأس، وتشريع منه - سبحانه - لصلاة الخوف. وهو أمر مجمع عليه (^١).\nيقول الموزعي: «وأجمع المسلمون على وجوب الصلاة في حال الخوف، وجوازها كما شرع الله سبحانه في كتابه وبيّن رسول الله ﷺ، إلا ما يحكي عن طائفة من فقهاء الشام من المالكية (^٢) أنه يجوز تأخرها عن وقت الخوف إلى وقت الأمن» (^٣).\nوكما قال الموزعي: المرجع في بيان كيفيتها هو فعله ﷺ، وستأتي في مسألة قادمة.\nوينبغي الإشارة إلى أن الحكم السابق وهو وجوب إقامة الصلاة في حال الخوف هل هو حكم باق بإقامتها مع النبي ﷺ؟ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية.\nيقول الأمين الشنقيطي: «لا تختص صلاة الخوف بالنبي ﷺ، بل مشروعيتها\n_________\n(^١) قال ابن قدامة في المغني (٣/ ٢٩٧): \" … وأيضًا فإن الصحابة أجمعوا على صلاة الخوف\".\n(^٢) انظر: الاستذكار (٢/ ٤٠٨)، بداية المجتهد (١/ ١٢٧).\n(^٣) تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٦).","vol":"1","page":176},{"text":"باقية إلى يوم القيامة، والاستدلال على خصوصها به ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية، استدلال ساقط. وقد أجمع الصحابة ﵃ والمسلمون على رد مثله في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]، واشتراط كونه ﷺ فيهم إنما ورد لبيان الحكم، لا لوجوده، والتقدير: بيِّن لهم بفعلك لكونه أوضح من القول كما قاله ابن العربي وغيره (^١)، وشذ عن الجمهور أبو يوسف (^٢)، والمزني (^٣)، وقال بقولهما الحسن بن زياد اللؤلؤي، وإبراهيم بن عُلَيَّة فقالوا: إن صلاة الخوف لم تشرع بعده ﷺ، واحتجوا بمفهوم الشرط في قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية. وردّ عليهم بإجماع الصحابة عليها بعده ﷺ (^٤)، وبقوله ﷺ «صلوا كما رأيتموني أصلي» (^٥) وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم» (^٦).\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٩٣).\n(^٢) وقيل إن أبا يوسف يرى أن صلاة الخوف لا تجوز بعد النبي ﷺ إلا بإمامين، يصلي كل واحد منهما بطائفة ركعتين. انظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٣٣٠)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ٢٧).\n(^٣) المنقول عن المزني في كتب أهل العلم القول بأن آية الخوف منسوخة في زمنه ﷺ؛ لأنه ﷺ لم يصل صلاة الخوف في الخندق، ولو كانت جائزة لما تركها وفوَّت الصلاة على نفسه ومن معه.\nورد الجمهور عليه بأن صلاة الخوف نزلت بعد الخندق، وأن الصحابة صلوها بعد وفاة النبي ﷺ من غير نكير.\nيقول القاري في مرقاة المفاتيح: \"وأجمعوا على أن صلاة الخوف ثابتة بعد موت النبي ﷺ \".\nانظر: المجموع للنووي (٤/ ٣٤٩)، مرقاة المفاتيح (٣/ ٤٦٤)، الآراء المحكوم عليها بالشذوذ (٢/ ١٣٦٤).\n(^٤) انظر: المغني لابن قدامة (٣/ ٢٩٧).\n(^٥) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة وكذلك بعرفة، برقم (٦٠٥)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإقامة، برقم (٦٧٤).\n(^٦) أضواء البيان للشنقيطي (١/ ٤٢٠ - ٤٢١).","vol":"1","page":177},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-113> المسألة الثانية: حكم إقامة صلاة الخوف جماعة</span>\nسبق في المسألة السابقة نقل الإجماع على وجوب الصلاة في حال الخوف، مستدلين بقوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، وهذا الأمر في ذاته مختلف في حمله على الوجوب أو الاستحباب في صلاة الجماعة.\nفالقائلون بأن صلاة الجماعة ليست واجبة في الأمن فمن باب أولى عدم وجوبها حال الخوف. والصارف عندهم لأوامر الشارع بإقامة الصلاة، ومنها هذه الآية أدلة استدلوا بها على عدم الوجوب، ومنها قوله ﷺ: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) (^١).\nويرى كثير من المحققين وجوب صلاة الجماعة في الخوف والحضر، مستدلين بهذه الآية (^٢).\nيقول الأمين الشنقيطي: «آية صلاة الخوف هذه من أوضح الأدلة على وجوب الجماعة؛ لأن الأمر بها في هذا الوقت الحرج دليل واضح على أنها أمر لازم، إذ لو كانت غير لازمة لما أمر بها في وقت الخوف؛ لأنه عذر ظاهر» (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-114> المسألة الثالثة: كيفية صلاة الخوف</span>\nأمر الله ﷾ نبيه ومن معه أن يصلوا صلاة الخوف بكيفية معينة. فقال سبحانه: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ الآية،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الجماعة والإقامة، باب فضل صلاة الجماعة، برقم (٦١٩)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة، برقم (٦٥٠) واللفظ له.\n(^٢) انظر: تيسير البيان للموزعي (٣/ ٢٩ - ٣٠).\n(^٣) أضواء البيان للشنقيطي (١/ ٤٢٠).","vol":"1","page":178},{"text":"وهذه الأوامر وردت بصيغة (ليفعل) الفعل المضارع المجزوم، وهي: أي الكيفية وردت مجملة في الكتاب العزيز، وبينها النبي ﷺ بفعله، وهي محمولة على الوجوب، ويؤيده قوله ﷺ: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (^١).\nقال ابن العربي: «ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى صلاة الخوف مرارًا عدة بهيئات مختلفة، فقيل في مجموعها أنها أربع وعشرون صفة، ثبت فيها ست عشر صفة» (^٢).\nويقول الشيخ الأمين: «وهيئات صلاة الخوف كثيرة، فإن العدو تارة يكون إلى جهة القبلة، وتارة إلى غيرها، والصلاة قد تكون رباعية، وقد تكون ثلاثية، وقد تكون ثنائية، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم القتال، فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى رجالًا وركبانًا، مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها، وكل هيئات صلاة الخوف الواردة في الصحيح جائزة، وهيئاتها مفصلة في كتب الحديث والفروع» (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-115> المسألة الرابعة: حكم حمل السلاح في صلاة الخوف</span>\nقال الله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾\nاتفق العلماء على وجوب حمل السلاح (^٤) للأمر والوارد في الآية بصيغة المضارع المجزوم ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾، ولم يرخص إلا في حالتي المطر والمرض خاصة. ثم إن العلماء اختلفوا في وجوبه على منْ، هل على الطائفة التي تحرس، أو على المصلية أو عليهما جميعا؟\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٩)، وانظر: تيسير البيان للموزعي (٣/ ٢٧).\n(^٣) أضواء البيان للشنقيطي (١/ ٤٠٦).\n(^٤) تيسير البيان للموزعي (١/ ٢٧ - ٢٨).","vol":"1","page":179},{"text":"قال ابن الفرس: «وقال بعض العلماء يجوز أن يكون الأمر للجميع؛ لأنه أهيب للعدو» (^١).\nقلت: يلزم القائل بوجوبها على الطائفة المصلية وجوبها على الطائفة الأخرى، ويظهر ذلك من خلال تعليلاتهم في جواز حملها في الصلاة أو عدم جوازها.\nيقول الطحاوي: «ولما جاز أخذ السلاح في الصلاة - وذلك عمل فيها - دلَّ على أن العمل اليسير معفو عنه فيها» (^٢).\nوقال ابن العربي: «المسألة السادسة: قول لشافعي: إذا تابع الطعن والضرب فسدت الصلاة؛ لأنها لا تكون حينئذ صلاة وإنما تكون محاربة. قلنا: يا حبذا الفرضان إذا اجتمعا» (^٣).\nوتبقى الإشارة والتنبيه إلى أمرين:\nالأول: سبب الخلاف في وجوبها على الطائفة المصلية أو الأخرى هو الخلاف في عود الضمير، فذهب أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه إلى أن الضمير يعود إلى الطائفة التي لم تصل، وعليه لا يجب على المصلي حمل السلاح.\nيقول الطحاوي: «يحتمل أن يكون المأمورون بأخذ السلاح الطائفة التي مع الإمام، ويحتمل أن تكون الطائفة التي بإزاء العدو؛ لأن في الآية ضميرا للطائفة التي بإزاء العدو، وضميرها ظاهر في نسق الآية في قوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾» (^٤).\n_________\n(^١) أحكام القرآن (١/ ٢٧٧).\n(^٢) أحكام القرآن (٢/ ٣٣١).\n(^٣) أحكام القرآن (١/ ٤٩٦).\n(^٤) أحكام القرآن (٢/ ٣٣٠).","vol":"1","page":180},{"text":"وذهب مالك والشافعي في قوله الآخر أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور وهم الطائفة المصلية (^١)، وعليه يكون حمل السلاح واجبًا عليها.\nالثاني: يقول الموزعي: «وليس المراد بأخذ السلاح ملازمة حمله وتناوله، بل المراد إما حمله أو وضعه قريبًا بحيث يمكن المجاهد تناوله على قرب وسهولة، ويكون حذرًا، كما قال الله تعالى عند وضع السلاح للعذر: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-116>(٩) قوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾</span> [المائدة: ٤٧]\nورد الأمر بصيغة المضارع المقرون بلام الأمر (ليفعل): ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾، وقد اختلف المفسرون في المراد بها على قولين (^٣):\nالأول: أن المعنى: وقلنا ليحكم أهل الأنجيل، فيكون هذا إخبارًا عما فرض عليهم في وقت إنزاله عليهم من الحكم بما تضمنه الإنجيل، ثم حذف القول؛ لأن ما قبله من قوله ﴿وَكَتَبْنَا﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ [المائدة: ٤٦]، يدل عليه، وحذف القول كثير.\nقلت: وعلى هذا فصيغة (ليفعل) هنا ليست على بابها من الوجوب، بل هي لمجرد الإخبار.\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٩٤).\n(^٢) تيسير البيان (٣/ ٢٨).\n(^٣) انظر: تفسير حدائق الروح والريحان (٧/ ٣١٣).","vol":"1","page":181},{"text":"المعنى الثاني: أن يكون قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ ابتداءً واستئنافًا، وفيه أمر للنصارى بالحكم بما في كتابهم، وهو الإنجيل.\nوهنا يرد الإشكال كيف جاز أن يؤمروا بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن؟!!\nوقد اختلفت جوابات أهل العلم عنه، ومن تلك ما أجاب به الجصاص، حيث قال: \" … فلا يخلو قوله ذلك من أحد معنيين: إما أن يكون قد استحقوا الذم - لأنهم لم يحكموا بما في الإنجيل بعد بعثة النبي ﵇، ودعائه إياهم إلى دينه، على أنه من حكم الإنجيل شريعة لعيسى على نبينا ﵊ ودون أن تكون شريعة لنبينا ﵇، أو على أنه من شريعة النبي ﵇ دون كونه من شريعة عيسى ﵇. وغير جائز أن يقال: إنهم استحقوا الذم وسمة الفسق، لأنهم أمروا في هذه الحال بالحكم بما في الإنجيل على أنه شريعة لعيسى ﵇، لأن هذا يوجب أن لا يكونوا مأمورين باتباع النبي ﵇ في شرائعه، بل يقتضي: أن يكونوا مأمورين بالبقاء على شريعة عيسى ﵇، وبلوغهم دعوته بالحكم بما في الإنجيل على أنه شريعة لنبينا ﵇، ما لم يأمرهم بخلافها ونسخها، ومن أجل ذلك وصفهم بالفسق، لأنهم زالوا عن حد ما يجب عليهم المصير إليه، من اتباعه، والحكم بما في الإنجيل، على أنه من شريعته ﷺ وفي ذلك أوضح دليل على صحة ما قلنا، والله الموفق للصواب\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-117>(١٠) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾</span> [التوبة: ١٢٣]\nسبق الحديث عن حكم الجهاد، وأنه فرض على الكفاية كما هو مذهب\n_________\n(^١) الفصول في الأصول (٣/ ٢٨).","vol":"1","page":182},{"text":"جماهير أهل العلم، ودلت هذه الآية على أن الفرض على كل ناحية من بلاد المسلمين قتال من وليهم من الأعداء دون الأبعد، وقد نقل الإجماع على ذلك بعض العلماء (^١).\nثم إن الآية دلت بصيغة الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر (ليفعل) على صفة من صفات القتال هي الشدة والغلظة على الكفار، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾.\nقال الجصاص: «وقوله تعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ فيه أمر بالغلظة على الكفار الذين أمرنا بقتالهم في القول والمناظرة والرسالة إذا كان ذلك يوقع المهابة لنا في صدورهم، والرعب في قلوبهم، ويستشعرون منا به شدة الاستبصار في الدين والجدَّ في قتال المشركين، ومتى أظهروا لهم اللين في القول والمحاورة استجرؤوا عليهم، وطمعوا فيهم، وهذا حدُّ ما أمر الله به المؤمنين من السيرة من عدوهم» (^٢).\nوقال الهروي: «والغلظة في زمن الحرب مما تقتضيه الطبيعة والمصلحة لما فيها من شدة الزجر والمنع عن القبح» (^٣).\nقلت: فيحمل الأمر في زمن الحرب على الوجوب كما في الآية، أما في غير الحرب فإن الحكم يدور مع المصلحة الراجحة، فإن كانت المصلحة في الغلظة كان هو الواجب، وإن كانت في اللين كان هو الواجب.\n_________\n(^١) قال الوزير ابن هبيرة في كتابه الإفصاح (٢/ ٣٠٠): \" واتفقوا على أنه يجب على أهل كل ثغر أن يقاتلوا من يليهم من الكفار، فإن عجزوا ساعدهم من يليهم، ويكون ذلك على الأقرب فالأقرب ممن يلي ذلك الثغر \".\n(^٢) أحكام القرآن (٣/ ٢٠٧ - ٢٠٨).\n(^٣) تفسير حدائق الروح والريحان (١٢/ ١٠٥).","vol":"1","page":183},{"text":"يقول الهروي معقبًا كلامه السابق: «وفي الآية إيماءٌ إلى أنه قد يحتاج حينًا إلى الرفق واللين، وآخر إلى العنف والشدة، لا أن يقتصر على الغلظة فحسب، فإن ذلك مما ينفر، ويوجب تفرق الناس عنهم. وإنما أمروا بذلك في القتال، وما يتصل بالدعوة إلى الإسلام للإرشاد، إلا أنه يجب أن تكون حالهم في الأمور العامة مبنية على الرفق والعدل والتؤدة في المعاملة، ومن ثم صار ذلك من أخص صفات المسلمين» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-118>(١١) قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾</span> [الحج: ٢٨]\nمعنى الآية: أي وقلنا له: ناد الناس داعيًا لهم إلى الحج، وزيارة هذا البيت، الذي أمرت ببنائه، يأتوك مشاة على أرجلهم، وركبانًا على ضوامر من الإبل (^٢)، من كل طريق بعيد، ثم بيّن السبب من هذه الزيارة فقال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ من المنافع الدينية والدنيوية (^٣).\nقال الجصاص: «قال أبو بكر ظاهره يوجب أن يكون قد أريد به منافع الدين، وإن كانت التجارة جائزة أن تراد، وذلك لأنه قال ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨] فاقتضى ذلك أنهم دعوا وأمروا بالحج ليشهدوا منافع لهم، ومحال أن يكون المراد منافع الدنيا خاصة؛ لأنه لو كان كذلك كان الدعاء إلى\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) الإبل الضوامر:\nوقال الراغب الأصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن (٥١٢): \" الضامر من الفرس: الخفيف اللحم من الأعمال لا من الهزال \" ثم ذكر الآية.\n(^٣) انظر: تفسير حدائق الروح والريحان للهرري (١٨/ ٣٠٨ - ٣٠٩).","vol":"1","page":184},{"text":"الحج واقعًا لمنافع الدنيا، وإنما الحج الطواف والسعي والوقوف بعرفة والمزدلفة ونحر الهدي وسائر مناسك الحج، ويدخل فيها منافع الدنيا على وجه التبع والرخصة فيها دون أن تكون هي المقصودة بالحج، وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فجعل ذلك رخصة في التجارة في الحج» (^١).\nوقوله «وأمروا بالحج ليشهدوا» يدل على أن اللام هنا هي لام التعليل، وذهب إلى هذا أكثر العلماء.\nيقول الشنقيطي: «اللام في قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا﴾ هي لام التعليل، وهي متعلقة بقوله تعالى ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ الآية، أي: أن تؤذن فيهم فيأتوك مشاة وركبانًا، لأجل أن يشهدوا أي: يحضروا منافع لهم، والمراد بحضورهم المنافع: حصولها لهم» (^٢).\nوذهب ابن العربي إلى أن اللام هنا هي لام المقصود. وقال: «وقد حققنا موردها في ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-119>(١٢) قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾</span> [الحج: ٢٩]\nورد في هذه الآيات ثلاثة أوامر بصيغة الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر (ليفعل)، وهي متعلقة بالحج وسأدرسها من خلال المسائل الآتية\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٣/ ٣٠٤).\n(^٢) أضواء البيان (٥/ ٥٣١ - ٥٣٢).\n(^٣) أحكام القرآن (٣/ ١٢٨١).","vol":"1","page":185},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-120> المسألة الأولى: قضاء التفث ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾.</span>\nوالمراد بالتفث: الوسخ، والمعنى: يزيلوا أوساخهم، بحلق الرأس، وقص الشارب والأظفار، ونتف الإبط، والاستحداد عند الإحلال وخروج من الإحرام. وقيل: غير ذلك (^١).\nوقد اختلف العلماء في محمول هذا الأمر هل هو على حقيقته من الوجوب، أو أنه مصروف على ثلاثة أقوال (^٢):\nالقول الأول: إنه محمول على حقيقته من الوجوب.\nالقول الثاني: إنه محمول على الإباحة، وذلك لتقدم الحظر عليه، فهو إطلاق حظر، فقد كانت هذه الأشياء محظورة قبل الإحلال، وما كان كذلك -أي إنه إطلاق من حظر- فإنه يحمل على الإباحة؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]\nالقول الثالث: يتردد حمله بين الوجوب والندب، وذلك لترتيب قضاء التفث على الذبح.\nثم إن كتب أحكام القرآن تقتصر على فرد من أفراد التفث وهو الحلق، ويذكرون الخلاف في كونه نسكًا فيكون واجبًا، أو هو خروج من نسك وليس بنسك.\nيقول الجصاص: «.... وذلك دليل على وجوب الحلق لأن الأمر على الوجوب، فيبطل قول من قال إن الحلق ليس بنسك في الإحرام. ومن الناس من\n_________\n(^١) انظر: تفسير حدائق الروح والريحان للهرري (١٨/ ٣١١).\n(^٢) انظر: تيسير البيان للموزعي (٤/ ٢٣ - ٢٤).","vol":"1","page":186},{"text":"يزعم أنه إطلاق من حظر، إذ كانت هذه الأشياء محظورة قبل الإحلال ...... والأول أصح، لأن أمره بقضاء التفث قد انتظم سائر المناسك على ما روي عن ابن عمر ومن ذكرنا قوله من السلف (^١). ومعلوم أن فعل سائر المناسك ليس على وجه الإباحة، بل على وجه الإيجاب، فكذلك الحلق؛ لأنه قد ثبت أنه أريد بالأمر بقضاء التفث الإيجاب في غير الحلق، فكذلك الحلق» (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-121> المسألة الثانية: الإيفاء بالنذر الوارد في قوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾</span>\nأمر المولى ﷾ عباده بالإيفاء بالنذر، أي بما أوجبوه على أنفسهم من أعمال البر، في أيام الحج مما لا يقتضي الحج وجوبه من الضحايا وغيرها، إذ النذر أن توجب على نفسك ما ليس بواجب (^٣).\nإذا تبين ذلك فإن الآية على حقيقتها من الوجوب بالإجماع.\nيقول الموزعي: «أمرهم الله تعالى بإيفاء النذور، والأمر فيه للوجوب، وعلى وجوب الوفاء بالنذر أجمع المسلمون …» (^٤).\nوقد ذكر العلماء الخلاف فيمن نذر نذرًا لا يلزم الوفاء به هل تلزمه كفارة يمين أو لا يلزمه شيء؟.\nيقول الجصاص: «قال أبو بكر: وفيه الدلالة على لزوم الوفاء بالنذر، لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، والأمر على الوجوب، وهو يدل على بطلان قول\n_________\n(^١) ذكر الجصاص في أحكام القرآن (٣/ ٣١٠) أن ابن عمر وسعيد بن جبير تأولوا: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ بمعنى المناسك.\n(^٢) أحكام القرآن (٣/ ٣١٠ - ٣١١).\n(^٣) انظر: تفسير حدائق الروح والريحان للهرري (١٨/ ٣١١).\n(^٤) تيسير البيان (٤/ ٢٤).","vol":"1","page":187},{"text":"الشافعي فيمن نذر حجًا أو عمرة أو بدنة أو نحوها أن عليه كفارة يمين؛ لأن الله أمرنا بالوفاء بنفس المنذور» (^١).\nقلت: وقد بيّن الشنقيطي مأخذ قول الشافعي والجواب عليه ثم قال: «ولا يخفى بعد القول الأخير لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ فهو أمر جازم مانع للتخيير بين الإيفاء به، وبين شيء آخر» (^٢).\nوقال في صدر الآية: «قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ صيغة الأمر في هذه الآية الكريمة تدل على وجوب الإيفاء بالنذر، كما قدمنا مرارًا أن صيغة الأمر تقتضي الوجوب على الأصح إلا بدليل صارف عنه» (^٣) ثم ساق آيات من القرآن تدل على القول بالوجوب.\n* المسألة الثالثة: الطواف بالبيت، الوارد في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾\nذهب جمهور أهل العلم أن المراد به طواف الإفاضة، ويسمى بطواف الزيارة، وقد نقل بعضهم الإجماع على كونه هو المراد.\nيقول الموزعي: «أمر الله سبحانه بالطواف بالبيت العتيق، وقد أجمع أهل العلم على أن المراد به طواف الإفاضة، وأجمعوا أنه ركن من أركان الحج» (^٤).\nوقيل: إنه طواف الوداع، ويرده ما قاله الجصاص بعد أن بيَّن أن المراد به طواف الزيارة، قال: «قال أبوبكر: ظاهره يقتضي الوجوب؛ لأنه أمرٌ، والأوامر\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٣/ ٣١١).\n(^٢) أضواء البيان (٥/ ٧٢٢).\n(^٣) أضواء البيان (٥/ ٧١٨).\n(^٤) تيسير البيان (٤/ ٢٧).","vol":"1","page":188},{"text":"على الوجوب، ويدل عليه أنه أمر به معطوفًا على الأمر بقضاء التفث، ولا طواف مفعول في ذلك الوقت وهو يوم النحر بعد الذبح إلا طواف الزيارة، فدل على أنه أراد طواف الزيارة» (^١).\nقلت: وعلى القول بأنه طواف الإفاضة أو الوداع فكلاهما واجب، فالأول باتفاق والثاني عند من قال به، والأمر غير مصروف.\nقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: «دلَّت الآية الكريمة على لزوم طواف الإفاضة، وأنه لا صحة للحج بدونه» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-122>(١٣) قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾</span> [النور: ٢]\nأمر المولى ﷾ في هذه الآية بأن يشهد عذاب الزناة طائفة من المؤمنين، فقال سبحانه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية وهو أمر بصيغة المضارع المجزوم (ليفعل) وحمله الفقهاء على الاستحباب.\nيقول الموزعي: «وهذا الأمر عند أهل العلم للاستحباب، وإنما اختلفوا في أقل الطائفة: فقيل: أربعة، وقيل: ثلاثة، وقيل: اثنان» (^٣).\nوذكر القصاب بأن الآية: «دليل على أنه يقام علانية غير سر، ليتعظ به سائر الناس» (^٤).\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٣/ ٣١١).\n(^٢) أضواء البيان للشنقيطي (٥/ ٧٤٩).\n(^٣) تيسير البيان (٤/ ٤٥).\n(^٤) نكت القرآن للقصاب (٢/ ٣٨٣).","vol":"1","page":189},{"text":"وكثير من كتب التفسير وأحكام القرآن لم تتعرض للحكم الشرعي في الآية، ويكتفون بذكر الحكمة من الأمر بالشهود للرجم (^١).\nيقول القرطبي: «اختلف في المراد بحضور الجماعة هل المقصود بها الإغلاظ على الزناة، والتوبيخ بحضرة الناس؟ وأن ذلك يردع المحدود، ومن شهده وحضره يتعظ به، ويزدجر لأجله، ويشيع حديثه فيعتبر به من بعده، أو الدعاء لهما بالتوبة والرحمة، قولان للعلماء» (^٢).\nقلت: وبالقول الأول ربما يتقوى جانب الإيجاب، إذ هي مصلحة عامة مقصودة للشريعة، ولا تتحقق إلا بالحضور، فتكون واجبًا كفائيًا، إذ أن هذا هو شأن الواجبات الكفائية. والله أعلم.\nيقول الهروي: «﴿وَلْيَشْهَدْ﴾؛ أي: وليحضر وجوبًا نظرًا لظاهر الأمر، لكن الفقهاء قالوا بالاستحباب …» (^٣).\nوعلى القول بالاستحباب، فيكون الصارف - والله أعلم - هو مقصد الشارع من الستر على المؤمن عند القائلين بأن الحكمة التوبيخ، أما القائلين بأنه الدعاء للزاني فهذا إلزام للمكلف بالدعاء لحي قادر أن يدعو لنفسه، أو لمخالفته بعض الأصول، وهي هنا إيجاب وإلزام الإنسان في غير العبادات ما لم يجب عليه أصلًا.\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٣٤٤)، أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ١٣٢٧)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ١٤٩)، أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٢٨).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ١٤٩).\n(^٣) تفسير حدائق الروح والريحان (١٩/ ٢١٤ - ٢١٥).","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type='title' id=toc-123>(١٤) قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ </span>وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]\nنزلت هذه الآية في حق أبي بكر الصديق ﵁ عندما حلف ألا ينفق على مسطح بن أثاثة؛ لأنه تكلم في حادثة الإفك، فقال ﷾: ألا يحلف أولو الغنى والسعة على ألا يحسنوا إلى المستحقين، وليعفوا عن ذنبهم الذي أذنبوه في حقهم، وجنايتهم التي اقترفوها، وليصفحوا عن الجاني (^١).\nوورد في السنة أن أول رجل قطع في الإسلام - أو من المسلمين - رجل أتي به النبي ﷺ، فقيل: يا رسول الله إن هذا سرق، فكأنما أُسِفّ وجه رسول الله ﷺ رمادًا، فقال بعضهم يا رسول الله! - أي: يقول مالك (^٢)؟ - فقال: «وما يمنعني؟ وأنتم أعوان الشيطان على صاحبكم، والله ﷿ عفوٌ يحب العفو، ولا ينبغي لوالي أمر أن يؤتى بحد إلا أقامه، ثم قرأ: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾» (^٣).\nوالآية فيها الأمر بالعفو والصفح، وقيل إن الفرق بينهما (^٤):\nأن العفو: ترك المؤاخذة بالذنب، والصفح: إزالة أثره من النفس، صفحت عن فلان: إذا أعرضت عن ذنبه.\nفالصفح: ترك التأنيب، وهو أبلغ من العفو، فقد يعفو الإنسان ولا يصفح.\n_________\n(^١) انظر: فتح القدير (٤/ ١٧).\n(^٢) جاء عند البيهقي في السنن (٨/ ٣٣١): \"كأن هذا شق عليك؟ \".\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٧/ ٨٤) برقم (٣٩٧٧)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٢٤) برقم (٨١٥٥)، وقال: \" صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي \".\n(^٤) انظر: المفردات (٤٨٦)، وتاج العروس (١٠/ ٢٤٧).","vol":"1","page":191},{"text":"إذا تبين ما سبق فما حكم عفو الإنسان وصفحه عمن ظلمه؟\nالذي يظهر لي أن دلالة الأمر (ليفعل) هنا على الندب، والصارف له عن الوجوب إلى الندب أمور:\n(١) إن العفو والصفح من الآداب التي ترشدنا إليها الشريعة، لتحسين الخلق والأخذ بمكارمه.\n(٢) في الآية قرينة لفظية تشعر بعدم الوجوب، وهي تعليل الأمر وتعليقه على المحبة بطريق العْرض ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.\nيقول الدكتور عبد العظيم المطعني عن الاستفهام: «المراد منه هو: الحث والترغيب في الإنفاق في سبيل الله، وإن أساء المنفق مستحقُّ العطاء، وبخاصة إذا كانوا من ذوي القربى، وذوي الأعذار الشديدة» (^١).\nوقال أيضًا: «﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب مبالغة في الترغيب في المغفرة، واستمالة للنفوس نحو التحلي بأسبابها، وإسناد المغفرة إلى ﴿اللَّهُ﴾ لاستنهاض الهمم نحو العمل الصالح، والأخذ بالتي هي أحسن» (^٢).\n(٣) قُرن العفو بالصفح، والصفح قد لا يكون في مقدور الإنسان؛ لما سبق من بيان للفارق بينهما.\nقلت: وإذا نظر إلى الاستفهام في قوله ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ على أنه\n_________\n(^١) الاستفهام في القرآن للمطعني (٣/ ٣٤).\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"1","page":192},{"text":"استفهام توبيخي، فإنه يتردد بين الوجوب؛ باعتبار الذم اللاحق لترك العفو، وقد يحمل على الكراهة، إذ إن ترك المندوب مكروه؛ أو خلاف الأولى. والله أعلم.\nقال الهرري: «﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ بهمزة الاستفهام التوبيخي، أي: ألا تحبون يا أرباب الفضل والسعة أن يستر عليكم ذنوبكم بأفضاله عليكم، والجزاء من جنس العمل، فكما تغفر ذنب من أذنب إليك يغفر الله لك، وكما تصفح يصفح الله عليك» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-124>(١٥) قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾</span> [النور: ٣١]\nفقد ورد الأمر من المولى ﷾ بصيغة المضارع المجزوم بلام الأمر (ليفعل) في قوله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾، والخطاب موجه للمؤمنات بأن يسترن مواطن الزينة عن الرجال، وذلك أن المولى سبحانه لما نهى النساء عن إبداء الزينة أرشد إلى إخفاء بعض مواضعها، فقال: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾، أي: وليلقين ويضعن خمرهن ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وصدورهن عن الأجانب، حتى لا يرى منها شيء، والمراد بالجيب هنا محله وهو العنق (^٢).\nوالآية استُدل بها على أن صدر المرأة ونحرها عورة لا يجوز للأجنبي النظر إليهما منها، ويجب على المرأة سترهما (^٣)، وعليه يحمل الأمر في الآية بلا خلاف.\n_________\n(^١) تفسير حدائق الروح والريحان (١٩/ ٢٦٧).\n(^٢) انظر: تفسير حدائق الروح والريحان (١٩/ ٣٠٥).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٤٠٩).","vol":"1","page":193},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-125> وهل يجب على المرأة بمقتضى هذه الآية تغطية وجهها؟</span>\nقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: «وقال البخاري ﵀ في صحيحه: باب ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، وقال أحمد بن شبيب: حدثنا أبي عن يونس، قال ابن شهاب عن عروة، عن عائشة ﵄ قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن (^١) فاختمرن بها (^٢).\nحدثنا أبو نعيم، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة: أن عائشة ﵄ كانت تقول: لما نزلت هذه الآية ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي (^٣)، فاختمرن بها. انتهى من صحيح البخاري (^٤).\nوقال ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث: قوله: فاختمرن؛ أي: غطين وجوههن. وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقنع. قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار. انتهى محل الغرض من فتح الباري (^٥).\nوهذا الحديث الصحيح صريح في أن النساء الصحابيات المذكورات فيه فهمن أن معنى قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ يقتضي ستر وجوههن،\n_________\n(^١) المُرُطُ: الكساء، والواحد مِرْطٌ، ويكون من صوف، وربما كان من خَزّ، أو غيره.\nانظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (٨/ ٣٩١٧).\n(^٢) أي: غطين وجوههن كما سيأتي، وانظر المصدر السابق (٣/ ١٢٧١).\n(^٣) حاشية كل شيء جانبه وطرفه.\nانظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (٣/ ٩٢٠).\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب، باب ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ برقم (٤٧٥٩).\n(^٥) فتح الباري (٨/ ٤٩٠).","vol":"1","page":194},{"text":"وأنهن شققن أزرهن فاختمرن، أي: سترن وجوههن بها امتثالًا لأمر الله في قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ المقتضي ستر وجوههن. وبهذا يتحقق المنصف: أن احتجاب المرأة عن الرجال وسترها وجهها عنهم ثابت في السنة الصحيحة المفسِّرة لكتاب الله تعالى، وقد أثنت عائشة ﵄ على تلك النساء بمسارعتهن لامتثال أوامر الله في كتابه. ومعلوم أنهن ما فهمن ستر الوجوه من قوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ إلاَّ من النبي ﷺ لأنه موجود، وهن يسألنه عن كل ما أشكل عليهن في دينهن، والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فلا يمكن أن يفسرنها من تلقاء أنفسهن.\nوقال ابن حجر في فتح الباري: ولابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن صفية ما يوضح ذلك: ولفظه: ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن فقالت: إن لنساء قريش لفضلاًّ، ولكن والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقًا بكتاب الله ولا إيمانًا بالتنزيل، ولقد أنزلت سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، ما منهن امرأة إلاَّ قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح متعجرات (^١) على رؤوسهن الغربان. انتهى محل الغرض من فتح الباري (^٢).\nومعنى متعجرات مختمرات كما جاء موضحًا في رواية البخاري المذكورة آنفًا. فترى عائشة ﵄ مع علمها، وفهمها وتقاها أثنت عليهن هذا الثناء العظيم، وصرحت بأنه ما رأت أشد منهن تصديقًا بكتاب الله، ولا إيمانًا بالتنزيل. وهو\n_________\n(^١) متعجرات: أي ملقين خمرهن على روؤسهن، مع رد طرفهن على وجوههن.\nانظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٦/ ٢٦٦٢).\n(^٢) فتح الباري (٨/ ٤٩٠).","vol":"1","page":195},{"text":"دليل واضح على أن فهمهن لزوم ستر الوجوه من قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ من تصديقهن بكتاب الله وإيمانهن بتنزيله، وهو صريح في أن احتجاب النساء عن الرجال وسترهن وجوههن تصديق بكتاب الله وإيمان بتنزيله كما ترى. فالعجب كل العجب ممن يدعي من المنتسبين للعلم أنه لم يرد في الكتاب ولا السنة ما يدل على ستر المرأة وجهها عن الأجانب، مع أن الصحابيات فعلن ذلك ممتثلات أمر الله في كتابه إيمانًا بتنزيله. ومعنى هذا ثابت في الصحيح كما تقدم عن البخاري. وهذا من أعظم الأدلة وأصرحها في لزوم الحجاب لجميع نساء المسلمين كما ترى» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-126>(١٦) قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾</span> [النور: ٣٣]\nفي الآية الكريمة أمر بصيغة المضارع المجزوم بلام الأمر (ليفعل) وهو قول ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ وهو أمر من المولى ﷾ لعباده الذين لا يجدون ولا يقدرون على النكاح بسبب عدم وجود المال الذي يتزوج به، أو ما ينفق به على المرأة المتزوجة، أمرهم أن يجتهدوا في العفة ويحفظوا فرجوهم عن الزنا إلى أن يغنيهم الله من فضله (^٢).\nهذا على القول بأن ﴿حَتَّى﴾ في قوله ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ للغاية، وهو قول الجمهور (^٣). فيكون مفهوم الغاية أن الله سبحانه إذا أغناه فلا يستعفف بل يطلب النكاح (^٤).\n_________\n(^١) أضواء البيان (٦/ ٦٥٣ - ٦٥٥).\n(^٢) انظر: تفسير حدائق الروح والريحان للهرري (١٩/ ٣١٨).\n(^٣) انظر: تيسير البيان للموزعي (٤/ ٨٧)، أضواء البيان للشنقيطي (٦/ ٢٤٤)، تفسير حدائق الروح والريحان (١٩/ ٣١٨).\n(^٤) انظر: تيسير البيان للموزعي (٤/ ٨٧).","vol":"1","page":196},{"text":"والأمر هنا محمول على الوجوب بلا خلاف ولا سيما في صورة التوقان (^١).\nويرى الشيخ محمد الأمين الشنقيطي أن «الاستعفاف المأمور به في هذه الآية، هو المذكور في قوله ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] ونحو ذلك من الآيات» (^٢) وهو تفسير للقرآن بالقرآن مؤكدًا لما ذهب إليه الجمهور من حمل الأمر على الوجوب.\nأما إذا قيل بأن ﴿حَتَّى﴾ للتعليل وليست للغاية، «والمعنى: وليطلب العفة الذين لا يجدون نكاحًا بالاكتساب؛ لكي يغنيهم الله من فضله، فحينئذ يحصل الوعد من الله بالغنى في طلب النكاح للعفة، ويكون الأمر على الاستحباب» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-127>(١٧) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾</span> [النور: ٥٨]\nاللام في قوله ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ لام الأمر، والاستئذان طلب الإذن، أي: يطلب منكم الإذن في الدخول (^٤)، الأناس الذين ملكت أيديكم من العبيد، والإماء الكبار والصبيان الذين ﴿لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ أي البلوغ، فليستأذنوا في الدخول عليكم ثلاث أوقات في اليوم والليلة؛ لأنها ساعات غرة وغفلة، فهي أوقات تكشف فيها العورات غالبًا، وتقلُّ الحاجة إلى تطوف الصبيان والخدم، وتعدم المشقة التي هي سبب رفع الحرج.\n_________\n(^١) انظر: تفسير حدائق الروح والريحان للهرري (١٩/ ٣١٨).\n(^٢) أضواء البيان (٦/ ٢٤٤).\n(^٣) تيسير البيان (٤/ ٨٧).\n(^٤) انظر: المفردات (٧١)، تفسير حدائق الروح والريحان للهرري (١٩/ ٤٢٣).","vol":"1","page":197},{"text":"والأمر بالاستئذان اختلف أهل العلم في محموله.\nفقيل هو للوجوب؛ لأنه الأصل، وعزاه القرطبي إلى قول أهل العلم.\nوقيل: هو محمول على الندب.\nقلت: ولعل الصارف عندهم كونه منسوخًا - كما ستأتي الإشارة إليه -، وقد تقرر في الأصول أن الواجب إذا نسخ بقي الندب.\nوالأول أولى؛ لأنه أستر للعورة، والشرع حرّم النظر إليها وسدّ كل طريق يؤدي إلى هذا الممنوع وذلك هنا بالاستئذان، وترك الحرام واجب، ووسيلة الواجب واجبة.\nوهاهنا تنبيهان: التنبيه الأول: اختلف العلماء في كون هذه الآية محكمة أو منسوخة، والجمهور على كونها محكمة، وبعضهم يرى أن الحكم شُرع لمعنى وقد زال ذلك المعنى، فزال هذا الحكم لزواله.\nيقول الموزعي: «سئل ابن عباس بن عباس ﵄ عن هذه الآية فقال: لا يُعْمل بها اليوم، وذلك أن الناس كانوا لا سُترة لهم، ولا حجاب، فربما دخل عليهم الخدم والولد وهم في حال الجماع، فأمر الله جل ذكره بالاستئذان في هذه الأوقات المذكورة، ثم جاء الله سبحانه بالسِّتر، وبسط الرزق، فاتخذ الناس الأبواب والسُّتور، فرأى الناس ذلك كفاهم عن الاستئذان الذي كانوا أمروا به. وكذا قال مالك لما سُئل عن الآية. وقال أكثرهم: حكم هذه الآية باقٍ ولم ينسخ، ولم يزل» (^١).\n_________\n(^١) تيسير البيان (٤/ ٩٣ - ٩٤)، أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ١٣٩٦).","vol":"1","page":198},{"text":"التنبيه الثاني: لو قال قائل بأن الخطاب للصبيان خطاب تأديب فكيف يكون واجبًا؟\nالجواب: أن الأمر في حق الصبيان للندب؛ لأنه خطاب تأديب، أما الستر فهو واجب وهو معلق بالنساء (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-128>(١٨) قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾</span> [النور: ٥٩]\nأمر المولى ﷾ هؤلاء الذين بلغوا الحلم أن يستأذنوا في جميع الأوقات، في أوقات العورات الثلاث وفي غيرها، كما استأذن الذين من قبلهم من الكبار الذين أمروا بالاستئذان من غير استثناء (^٢).\nوالأمر محمول على الوجوب بلا خلاف؛ إذ إن الأطفال إذا بلغوا صاروا رجالًا.\nقال ابن العربي: و«الآية مبيِّنة لقوله تعالى ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]، فكان الطفل مستثنى من عموم الحجية في الآية الأولى، إذا لم يظهر على العورة، ثم بيّن الله أن الطفل إذا ظهر على العورة وهو البلوغ يستأذن، وقد كان قوله ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ كافيًا، لأن المستثنى طفل بصفته المختصة به، ويبقى غيره على الحجر، فكانت هذه الآية زيادة بيان، لإبانة الله في أحكامه وإيضاح حلاله وحرامه» (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٤/ ٨١).\n(^٢) انظر: تفسير حدائق الروح والريحان للهرري (١٩/ ٤٢٩ - ٤٣٠).\n(^٣) أحكام القرآن (٣/ ١٤٠٠).","vol":"1","page":199},{"text":"قلت: فالأولى دلّ الحكم عليها بالمفهوم، والثاني مصرحة وناطقة بالحكم، فتضافر في دلالتها المفهوم والمنطوق.\nتنبيه: وهذا الحكم عام في جميع البالغين من ابن وأخ وأب، وغيره، لا يجوز لهم أن يدخلوا إلا بإذن (^١).\nقال ابن المسيب: يستأذن الرجل على أمه؟، قال: إنما أنزلت - أي الآية - في ذلك (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-129>(١٩) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ </span>اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠]\nورد الأمر في الآية بصيغة المضارع المجزوم بلام الأمر (ليفعل) موجهًا للكفار، مقابل الأمر الوارد بصيغة (افعل) والموجه إلى المؤمنين، وهو دال على مشروعية سؤال كل واحد من الطرفين ما أنفق من مهر زوجته فقال: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾.\nوالمراد بالآية كما يقول ابن العربي: «كل من ذهب من المسلمات مرتدات - من أهل العهد - إلى الكفار، يقال للكفار: هاتوا مهرها. ويقال للمسلمين إذا جاء أحد من الكافرات مسلمة مهاجرة: ردوا إلى الكفار مهرها. وكان ذلك نصفًا وعدلًا بين الحالتين» (^٣).\n_________\n(^١) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٨٣).\n(^٢) تفسير الطبري (١٩/ ٢١٥).\n(^٣) أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ١٧٨٨)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٦١ - ٦٢).","vol":"1","page":200},{"text":"وهذا الحكم حكم الله - كما بينت الآية - مخصوصًا بذلك الزمان، في تلك النازلة خاصة بإجماع الأمة (^١).\nومدلول الأمر فيها يرجع - والعلم عند الله - إلى الإرشاد؛ وذلك لأن إسقاط المطالبة بالمهر حق للزوج، فإن شاء طالب به، وإن شاء تركه، وما فوِّض لمشيئة المكلف فليس بواجب.\nأما إذا قيل المراد بالآية: إن عليكم أن تؤدوا لهم ذلك (^٢)، فيقوى جانب الوجوب، ويعضده ما ورد في الآية: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾.\nومن العلماء من قال بالندب.\nومنهم من قال بكون الحكم منسوخًا بالقتال في آية السيف.\nوقيل: إنه مخصوص بزمن معين كما سبق.\nتنبيه: استدل بالآية بعض العلماء على أن الكفار مخاطبون بالفروع (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-130>(٢٠) قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾</span> [الطلاق: ٧]\nهذه الآية لها تعلق بالآية السابقة عليها وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) انظر: تفسير حدائق الروح والريحان للهرري (٢٩/ ٢٢٥).\n(^٣) انظر: تفسير حدائق الروح والريحان للهرري (٢٩/ ٢٢٥).","vol":"1","page":201},{"text":"والمعنى: أي وإن ضيق بعضكم على بعض، بأن شاحَّ الأب في الأجرة، أو اشتطت الأم في طلب زيادة لا يؤديها أمثاله … فليحضر الأب مرضعًا أخرى تقوم بالإرضاع (^١) … ثم بيان مقدار النفقة بقوله: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ الآية، وفي الآية حكمان شرعيان:\nالحكم الأول: بيان إن نفقة الأبناء على الآباء، والآية على بابها محمولة على الوجوب بالإجماع.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «يجب على الرجل أن ينفق على ولده، وبهائمه، وزوجته بإجماع المسلمين» (^٢).\nوإنما وقع الخلاف في الأم هل يجب عليها نفقة الأبناء؟، وهل النفقة تكون واجبة على الأب إلى البلوغ أو إلى الكفاية؟.\nوهذه الآية كما صرح عدد من العلماء هي أصل في وجوب النفقة للولد على والده (^٣).\nالحكم الثاني: ذكرت الآية مقدار النفقة، آمرة الوالد بأن تكون نفقته على حسب حاله، فإن كان موسرًا فليوسع على أولاده، وإن كا معسرًا فبحسب وسعه وطاقته.\nوالأمر هنا بيان لكيفية النفقة، والمبيِّن يأخذ حكم المبيَّن، فيكون للوجوب، وجوب التوسعة على الأبناء حال اليسر، وبحسب الطاقة حال اليسر، والمرجع في ضبطها عند الاختلاف إلى العرف.\n_________\n(^١) انظر: تفسير حدائق الروح والريحان للهرري (٢٩/ ٤٢٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٥٣٥).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ١٨٤٣)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٨/ ١٥٣).","vol":"1","page":202},{"text":"يقول الجصاص: «وقوله ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ يدل على أن النفقة تفرض عليه على قدر إمكانه وسعته، وأن نفقة المعسر أقل من نفقة الموسر» (^١).\nواستدل القصاب على وجوب التوسعة بقوله: «… دليل على أن التقتير في الإنفاق - مع السعة - على الأنفس والعيال مذموم» (^٢).\nقلت: والحرام مذموم، وتركه واجب، فيجب التوسيع عليهم حال السعة.\nتنبيه: في الآية السابقة لهذه الآية: وجوب النفقة على الأم الحامل لأجل ولدها، وبعد الوضع تكون النفقة لأجل إرضاع الولد، فالنفقة في الحالين هو للولد.\nوجعل القصاب وجوب النفقة على المرضعات ثابت بقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، أما في الآية التي معنا ففيها وجوب عدم التقتير (^٣).\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٦١٩).\n(^٢) نكت القرآن للقصاب (٤/ ٣٤٧).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٤/ ٣٤٦).","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type='title' id=toc-131>الدراسة الخامسة تطبيق الخبر بمعنى الأمر على آيات الأحكام</span>","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-132>المقدمة</span>\n﷽\nالحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:\nفقد تنوعت أساليب القرآن الدالة على الأمر، فكان منها الصريح على الطلب، ومنها غير الصريح، وقد حصر الأصوليون الصريحة في صيغة (افعل)، والفعل المضارع المقترن بلام الأمر، واسم فعل الأمر، والمصدر النائب عن فعل الأمر، أما غير الصريحة فهي متنوعة، ومنها صيغة الخبر بمعنى الأمر، وهو الذي رغبت في إفراده في هذه الدراسة بدراسة نظرية تأصيلية، ثم تطبيقية على آيات الأحكام، وجعلت عنوان البحث (الخبر بمعنى الأمر في القرآن الكريم دراسة نظرية أصولية وتطبيقية على آيات الأحكام)\nوالمراد بالخبر في معنى الأمر: أي المتضمن له. وهو كل جملة مثبتة وردت في صورة الخبر سواء كانت فعلية أو اسمية، لا يمكن أن يراد منها حقيقة الإخبار بل المقصود منها الإنشاء والطلب.\nقال ابن حزم: \"الأوامر الواجبة ترد على وجهين، أحدهما: بلفظ افعل، وافعلوا. والثاني: بلفظ الخبر، إما بجملة فعل وما يقتضيه من فاعل أو مفعول. وإما بجملة ابتداء وخبر \" (^١). ثم شرع بضرب أمثلة لجميع تلك الأنواع، ثم\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام (٣/ ٣٢).","vol":"1","page":207},{"text":"قال: \" فلا طريق لورود الأوامر والشرائع الواجبة إلا على هذين الوجهين فقط\" (^١).\nويمكن إجمال أساليب الخبر بمعنى الأمر الواردة في القرآن الكريم إلى ثلاثة أساليب:\nوهذه الأساليب مستفادة من قول المرداوي في التحبير: «فائدة: أدلة الأحكام لا تتقيد استفادتها من صريح الأمر والنهي، بل تكون بنص، أو إجماع، أو قياس. والنص إما أن يكون أمرًا، أو نهيًا، أو إذنًا، أو خبرًا بمعناها، أو إخبارًا بالحكم، نحو: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) (^٢)، ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، أو بذكر خاصية لأحدهما، كوعيد عن فعل شيء، أو تركه، أو وعد على فعل شيء أو تركه، ونحو ذلك» (^٣) ا. هـ\n* ويمكن تفصيل شيء مما ذكر على النحو التالي:\nالأسلوب الأول: أسلوب الإخبار عن حكم الشارع، وفيه يخبر المولى ﷾ عن الحكم إما بلفظ صريح، أو ظاهر، ومن ذلك:\n(١) إثبات الحكم بلفظ الفرض وما تصرف منه (^٤): ومن أمثلته:\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام (٣/ ٣٣).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم، برقم (٦٢٧٠).\n(^٣) التحبير (٢/ ١٨٠).\n(^٤) لم يرد في القرآن إثبات الحكم بلفظ (وجب) وما تصرف منه، مطابقًا للمعنى الأصولي المصطلح عليه، وورد في السنة من قوله ﵇ «الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب وضوء الصبيان ومتى يجب عليهم الغسل والطهور، برقم (٨٥٨)، ومسلم في كتاب الجمعة، باب الطيب والسواك يوم الجمعة برقم (٨٤٦).","vol":"1","page":208},{"text":"قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، أي: ما فرضنا عليهم التزامه من الأحكام المتعلقة بالزوجات، والإماء، مثل عدم الزيادة على أربع نسوة، وعدم الزواج إلا بِوَلِيّ وشهود، أو أن تكون المرأة الموطوءة بملك اليمين مسلمة أو كتابية، وأن تستبرأ قبل الوطء، فهذه جملة من الأحكام التي فرضها الله على المؤمنين، فيجب التزامها.\nوقوله تعالى بعد أن بين مصارف الزكاة والصدقات: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]، والتقدير: «فرض الله هذه الأشياء فريضة».\nلطيفة: جاء في المعجم الاشتثقاقي المؤصل لألفاظ القرآن في قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ١]، «مخففة بمعنى الإلزام بما فيها من أحكام، ومضعفة على معنى تكثير الفرائض، أو على معنى التفصيل والبيان -من القطع- أو للتنجيم …» (^١).\n(٢) إثبات الحكم بلفظ الكتب وما تصرف منه، فقد ورد بلفظ \"كتب\" ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وورد بلفظ \"كتاب\" ومن أمثلته: قوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: الزموا ما كتب الله عليكم، أي: فرضه. ومثله قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أي: واجبًًا مفروضًا مؤقتًا وقّته الله عليهم.\n_________\n(^١) انظر: المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن (٣/ ١٦٩٦).","vol":"1","page":209},{"text":"(٣) إثبات الحكم بلفظ الأمر وما يتصرف منه، ومن أمثلته: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠].\n(٤) إثبات الحكم بلفظ «قضى» ومن أمثلته: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].\n(٥) إثبات الحكم بلفظ «وصى» وما تصرف منه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]، وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، وقوله في آية المواريث: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ يَكُنْ﴾ [النساء: ١٢].\n(٦) الدلالة على الحكم بلفظ (على) ملفوظًا، أو مقدّرًا، ومن ذلك قوله تعالى في آية الصيام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وجاء بصيغة الجمع كقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].\nأما المقدَّر فيه لفظ (على) فهو كثير في كتاب الله، أكتفي بمثال واحد، وهو ما ورد في آية الظهار.\nيقول القرطبي: «قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ هذا ابتداء، والخبر: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وحذف «عليهم» لدلالة الكلام عليه، أي: فعليهم تحرير رقبة» (^١).\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٨٠).","vol":"1","page":210},{"text":"(٧) وصف الشارع للفعل بأنه (حق)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١].\nالأسلوب الثاني: ذكر خاصية من خواص الواجب، إما بالوعيد على الترك، أو بترتب العقاب على الترك، أو الذم والتوبيخ، ولها صوَر عديدة، كما أن ترتب الثواب أو المدح على طلب الفعل والأمر به، وله صور متعدّدة.\nيقول السيوطبي: «وقد نوّع الشّارع ذلك أنواعًا كثيرة ترغيبًا لعباده، وترهيبا وتقريبًا إلى أفهامهم، فكل فعل عظمه الشرع، أو مدحه، أو مدح فاعله لأجله، أو أحبّه، أو أحب فاعله، أو رضي به، أو رضي عن فاعله، أو وصفه بالاستقامة، أو البركة، أو الطيب، أو أقسم به أو بفاعله كالإقسام بالشفع والوتر، وبِخَيْل المجاهدين، وبالنفس اللوّامة، أو نصبه سببًا لذكره عبده، أو لمحبته، أو للثواب عاجلًا أو آجلًا، أو لشكره له، أو لهدايته إياه، أو لإرضاء فاعله، أو لمغفرة ذنبه وتكفير سيئاته، أو لقبوله، أو لنصرة فاعله أو بشارته، أو وصف فاعله بالطيب، أو وصف الفعل بكونه معروفًا، أو نفي الحزن والخوف عن فاعله، أو وعده بالأمن له، أو نصبه سببًا لولايته، أو أخبر عن دعاء الرسول بحصوله، أو وصفه بكونه قربة، أو بصفة مدح كالحياة والنور والشفاء فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب» (^١) ا. هـ.\nالأسلوب الثالث: أسلوب الخبر المراد به الأمر، فيما عدا الأسلوبين السابقين، وهو الأسلوب الذي ينبه عليه المفسرون بأنه طلب أو أمر خرج مخرج\n_________\n(^١) الإكليل في استنباط التنزيل (٤٦ - ٤٧).","vol":"1","page":211},{"text":"الخبر، وهو محط أمثلة الأصوليين غالبًا، وهذا الأسلوب يعرف كونه مستعملًا في معنى الأمر من سياق الكلام، وما يستوجه من الإلزام. والمقصود بالإلزام هنا: ما يشير إليه العلماء غالبًا في إثبات كون الصيغة للطلب مثل قولهم: لو لم يكن للطلب للزم الخلف لما هو مشاهد في الواقع، فيقولون -مثلا- عند قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وجدت مطلقات لا يتربصن ثلاثة قروء، ولو كان خبرًا محضًا لما تخلف الخبر عن مخبره، لأن أخبار الله تعالى لا تنفك من وجود مخبراتها، فلما وجد الانفكاك علمنا بأنه خرج من الخبرية إلى الإنشائية معنًى دون اللفظ (^١).\nيقول الزركشي عن الآية نفسها: «إن السياق يدل على أن الله تعالى أمر بذلك لا أنه خبرٌ، وإلا لزم الخلف في الخبر» (^٢).\nوهذا الأسلوب -الثالث- هو مجال البحث التطبيقي، وقبل ذلك تجدر الإشارة بذكر خلاف العلماء في كونه يأخذ حكم الأمر أو لا؟\nفذهب جمهور العلماء (^٣) إلى أن الخبر الذي بمعنى الأمر يأخذ حكمه فيحمل على الوجوب، عند تجرده عن القرائن الصارفة له عن ذلك.\nقال ابن حزم: «الأوامر الواجبة ترد على وجهين: أحدهما: بلفظ: افعل، أو افعلوا. والثاني: بلفظ الخبر …» (^٤).\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٥١٧).\n(^٢) البرهان في علوم القرن (٢/ ٢٢٠). (٢/ ٣٢٠)\n(^٣) انظر: شرح تنقيح الفصول (١١٥)، والتنقيح وشرحه التوضيح مطبوعان مع شرح التلويح على التوضيح (١/ ٢٨١٢٨٢)، والموافقات (٣/ ١١٧)، والبحر المحيط (٢/ ٣٧١) و(٣/ ٤٦٥)، و(٤/ ٢٢٦٢٢٧)، وفتح الغفار (٣٥)، وإرشاد الفحول (٢/ ٢٠).\n(^٤) الإحكام (٣/ ٣٠١).","vol":"1","page":212},{"text":"وذكر الشاطبي أنها من الأوامر غير الصريحة وأنها تدل على تقرير الحكم حيث قال: «وأما الأوامر والنواهي غير الصريحة فضروب:\nأحدها: ما جاء مجيء الإخبار عن تقرير الحكم، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] … وأشباه ذلك مما فيه معنى الأمر، فهذا ظاهر الحكم، وهو جار مجرى الصريح من الأمر والنهي». (^١)\nوقال ابن النجار: «وكأمر خبر بمعناه، يعني: أن الأمر الذي بلفظ الخبر نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] حكمه حكم الأمر الصريح في جميع ما تقدم (^٢).\nونقل الخلاف في هذه المسألة عن ابن الزملكاني (^٣)، وبعض الشافعية الشافعية. (^٤)، حيث ذهب إلى عدم جريان الخلاف الذي في الأمر والنهي في الخبر الذي في معناهما، فلا يأخذ حكمهما (^٥).\nوحجته: أن ما كان موضوعًا حقيقة لغير الأمر والنهي، ويفيد معناهما\n-كالخبر الذي هو بمعناهما- لا يدعي أنه حقيقة في الوجوب أو الحرمة؛ لأنه\n_________\n(^١) الموافقات (٣/ ٤٢٢ - ٤٢٣).\n(^٢) شرح الكوكب المنير (٣/ ٦٦).\n(^٣) هو: محمد بن علي بن عبد الواحد بن الزملكاني، الشافعي، القاضي، الفقيه، الأصولي، النحوي، رأس الشافعية في زمانه، توفي سنة (٧٢٧ هـ). انظر: طبقات الشافعية (٩/ ١٩٠)، وشذرات الذهب (٦/ ٧٨).\n(^٤) انظر: البحر المحيط (٢/ ٣٧١) و(٣/ ٤٦٥)، و(٤/ ٢٢٦٢٢٧)، وإرشاد الفحول (٢/ ٢٠).\n(^٥) قاله ابن الزملكاني في رد له على شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة الزيارة، حيث جعل شيخ الإسلام ابن تيمية قوله ﷺ: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث» في معنى النهي، والنهي للتحريم، كما أن الأمر للوجوب، فنازعه ابن الزملكاني، وألف في ذلك مؤلفًا يرد فيه على ابن تيمية في مسالتي الطلاق والزيارة، كما في كتب ترجمته السابقة، وانظر: البحر المحيط (٢/ ١٠٥).","vol":"1","page":213},{"text":"يستعمل في غير موضعه إذا أريد به الأمر أو النهي. وادعاء كونه حقيقة في الخبر مكابرة.\nويمكن أن يجاب عنه: بأن الخبر هنا وإن كان مستخدمًا في غير معناه الحقيقي إلا أن منع دلالته على الوجوب غير مسلمة؛ إذ العبرة بالمعنى لا بصورة اللفظ، والمعنى أمر فيكون دلالته كدلالة الأمر، بل إن بعض العلماء قال: إنه أقوى في الدلالة، كما سيأتي في بيان أسباب العدول من صيغة الأمر إلى أسلوب الخبر في المبحث القادم.\nقال ابن النجار: «قال أرباب المعاني: وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي؛ لأن المتكلم لشدة طلبه نزَّل المطلوب بمنزلة الواقع لا محالة …» (^١)\nواستدل أصحاب القول الأول القائلين بجريان الخلاف الوارد في الأمر والنهي، أنه ربما يكون حقيقة في الأمر أو النهي، ويترتب عليه أحكامهما، بالأدلة التالية:\nالدليل الأول: إن الخبر الذي بمعنى الأمر والنهي، يدخله النسخ، كما يدخل الصيغ الصريحة في ذلك، أما الأخبار المحضة فلا يدخلها النسخ (^٢).\nالدليل الثاني: إن مدلول الخبر هو الحكم بثبوت مفهوم لمفهوم أو نفيه عنه، فالمحكوم به في خبر الشارع إن كان هو الحكم الشرعي مثل ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] و﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فلا يخفى أنه يفيد\n_________\n(^١) شرح الكوكب المنير (٣/ ٣٢). وانظر: شرح تنقيح الفصول (١١٥)، والبحر المحيط (٢/ ٣٧٢)، وفتح الغفار (٣٥).\n(^٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ٣٧١)، وشرح الكوكب المنير (٣/ ٦٦).","vol":"1","page":214},{"text":"ثبوت الحكم الشرعي من غير أن يجعل مجازا عن الأمر، وإن لم يكن كذلك فوجه إفادته للحكم الشرعي أن يجعل الإثبات مجازًا عن الأمر، والنفي مجازًا عن النهي، فيفيد الحكم الشرعي بأبلغ وجه؛ لأنه إذا حكم بثبوت الشيء أو نفيه فإن لم يتحقق ذلك لزم كذب الشارع وهو محال، بخلاف الأمر فإنه لا يلزم من عدم الإتيان بالمأمور به كذب الشارع (^١).\nالدليل الثالث: أن هذا الخبر يوجد خلافه، ولو كان خبرًا محضًا لما وجد ذلك؛ لما يلزم عليه من الخُلْف في خبر الشارع، فوجب حمله على الأمر إذًا (^٢).\nالدليل الرابع: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن صيغ العقود كبعت واشتريت، والفسوخ، كفسخت، وطلقت، والالتزامات، كقول القاضي: حكمت، أنها وإن كانت إخبارات في أصل اللغة إلا أن معناها الإنشاء، وتأخذ حكمه.\nالدليل الخامس: إن استعمال الأمر أو النهي بلفظ الخبر عرف سائد عند العرب، فيقولوا مثلًا: جمع رجل عليه ثيابه، وحسبك درهم، أي اكتف به (^٣).\nالدليل السادس: أن من العلماء من يرى أنه داخل تحت دلالة الاقتضاء، إذ قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. معناه: ليرضعن، وكذا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي: ليتربصن، فقدروا صيغة الأمر في الخبر (^٤).\n_________\n(^١) انظر: شرح التلويح على التوضيح للتفتازاني (١/ ٢٨٢)، وقال المرداوي في التحبير (٥/ ٢١٩٦): \" واستند بعضهم في ذلك لقول البيانيين وغيرهم إن ذلك أبلغ من صريح الأمر والنهي فينبغي أن يكون للوجوب قطعًا \".\n(^٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ٣٧١).\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٢/ ٣٧٢).\n(^٤) انظر: البحر المحيط (٣/ ٢٨٢) (٣/ ٢٩٦)، الإبهاج (٢/ ٧٠٤).","vol":"1","page":215},{"text":"يقول ابن نجيم عند قوله تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾: \" … وأصل الكلام ليتربصن، ولام الأمر محذوفة، فاستغنى عن ذكره، وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد له، وللإشعار بأنه مما يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله .... \" (^١).\nالدليل السابع: إن أهم عنصر ذاتي في مفهوم لفظ الأمر، هو طلب الفعل الجازم، وفي النهي طلب الترك الجازم، وهذا يشمل المستعمل في الطلب حقيقة أو مجازًا، إذ أن المقصد والهدف هو إخراج الصيغ المستعملة في الطلب غير الجازم وهو الندب، أو إخراج الصيغ المستعملة في الترك غير الجازم كالكراهة (^٢).\nالدليل السادس: أن الحكم تابع للمعنى الذي دلّ عليه اللفظ دون صورة اللفظ (^٣)؛ وعليه يمكن أن يستند في إثبات الوجوب بهذا الأسلوب على ما يأتي:\n(١) قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].\nحيث حذر تعالى من مخالفة الأمر بإطلاق فيدخل فيه ما جاء بصيغة الخبر وأُريد به الأمر، والتحذير لا يكون إلا في ترك الواجب.\n(٢) قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].\n_________\n(^١) البحر الرائق (٤/ ١٤٠).\n(^٢) انظر: المناهج الأصولية للدكتور الرديني (٧٠١).\n(^٣) شرح الكوكب المنير (٣/ ٦٦).","vol":"1","page":216},{"text":"حيث بين تعالى أنه لا خِيَرة لأحد بعد أمره وأمر رسوله ﷺ، وأن فعل ذلك يؤدي بالشخص إلى الوقوع في المعصية والضلال المبين، وقد أطلق تعالى الأمر فيدخل فيه ما جاء بصيغة الخبر وأُريد به الأمر، وعلى هذا فإنه يفيد الوجوب، إذ مثل هذا التحذير لا يكون إلا في ترك الواجب.\nتنبيه: نازع ابن العربي العلماء وقال إنه: لا يصح ورود الخبر ومعناه الأمر بل هو خبر لفظا ومعنى فهو خبر عن حكم الشرع، ثم قال: هذه الدفينة التي فاتت العلماء فقالوا: \"إن الخبر يكون بمعنى الأمر\" وما وجد ذلك قط ولا يصح أن يوجد فإنهما مختلفان حقيقة ومتباينان وضعا (^١).\nوالظاهر أن كلامه لا يعارض استعمال الخبر في معنى الأمر مجازا إذ استبعد استعمال الخبر في الأمر حقيقة ولا يصح ذلك فعلا، إذ حقيقته الخبر وليس الأمر.\nولا شك أن الخلاف بينه وبين غيره في الطريق والأسلوب وليس في إثبات الحكم فإن كلا منهما يرى ثبوت حكم الوجوب بالخبر إلا أن ابن العربي أثبته بالخبر مباشرة وقال إنه خبر عن الحكم الشرعي، وغيره أثبته بعد أن جعله في معنى الأمر لما سلف آنفا.\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٨٨، ٢٥٣، ٢٨٠)، الإتقان (٢/ ٢٠٥)، بدائع الفوائد (١/ ١١٦)، البرهان في علوم القرآن (٣/ ٣٤٩).","vol":"1","page":217},{"text":"تنبيه في بيان أسباب العدول عن أسلوب الأمر وصيغه إلى أسلوب الخبر:\nعدل الشارع عن أسلوب صيغ الأمر الصريحة إلى الأسلوب الخبري لأسباب مظانها كتب علم المعاني، وذكرها الأصوليون لما لها تعلق بالأحكام، ومن تلك الأسباب:\nأولا: إن الحكم المخبر به يؤذن باستقرار الأمر وثبوته على حدوثه وتجدده فإن الأمر لا يتناول إلا فعلا حادثا فإذا أمر بالشيء بلفظ الخبر آذن ذلك بأن هذا المطلوب في وجوب فعله ولزومه بمنزلة ما قد حصل وتحقق فيكون ذلك أدعى إلى الامتثال. وهو أبلغ من صريح الأمر لأن المتكلم لشدة طلبه نزل المطلوب منزلة الواقع لا محالة (^١).\nيقول الزمخشري: \" ورود الخبر والمراد الأمر أو النهي، أبلغ من صريح الأمر أو النهي، كأنه سُورع فيه إلى الامتثال وأخبر عنه \" (^٢).\nيقول الزركشي: \" فإنما يجيء الأمر بلفظ الخبر الحاصل تحقيقًا لثبوته، وأنه مما ينبغي أن يكون واقعًا ولابدَّ، وهذا هو المشهور \" (^٣).\nثانيا: أن أسلوب الأمر وإن دل على الوجوب فقد يحتمل في اللغة معنى الاستحباب فإذا جيء بأسلوب الخبر علم أنه أمر ثابت مستقر وانتفى احتمال الاستحباب (^٤).\n_________\n(^١) انظر: التحبير شرح التحرير (٥/ ٢١٩٦) البحر المحيط (٢/ ٣٧٢)، الإبهاج (٢/ ٧٠٤).\n(^٢) الكشاف للزمخشري (١/ ١٥٦).\n(^٣) البرهان في علوم القرآن (٣/ ٤٠١).\n(^٤) انظر: البحر المحيط (٢/ ٣٧٢).","vol":"1","page":218},{"text":"ثالثا: أن الأحكام قسمان أحدهما خطاب وضع وأخبار: وهو جعل الشيء سببا وشرطا ومانعا كالطلاق سبب لوجوب العدة، فإذا جيء بأسلوب الخبر كانت فيه دلالة على أنه من قبيل خطاب الوضع والأخبار الممتازة عن سائر خطاب التكليف (^١).\nرابعًا: على القول إن الخبر لا يأتي بمعنى الأمر، وإنما المقصود من مثل هذا الخبر إخبار محض عن حكم الشرع واستقرار حسنه في العقل والشريعة والفطرة، فمعنى قول عمر ﵁: صلى رجل في إزار ورداء\" أي هذا مما وجب في الديانة وظهر وتحقق من الشريعة، ومعنى قول العرب: أنجز حر ما وعد\" أي ثبت ذلك في المروءة واستقر في الفطرة. فالإشارة إلى هذه المعاني حسنت صرفه إلى صورة الخبر (^٢).\nخامسا: تنويع الأساليب وتعددها مثل تعدد الصيغ، والألفاظ المشتركة، والمترادفة.\n_________\n(^١) البحر المحيط (٢/ ٣٧٢).\n(^٢) بدائع الفوائد (١/ ١١٦).","vol":"1","page":219},{"text":"الدراسة التطبيقية\nقوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].\nتضمنت الآية أحكامًا فقهية بالأسلوب الخبري وتفاصيل ذلك فيما يأتي:\nأولا: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ تضمنت هذه الآية وجوب العمرة، ووجوبها على الآفاقي استدلالًا بهذه الآية، أو بغيرها- كما سيأتي- في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] هو مذهب الشافعية (^١) والحنابلة (^٢) وقول عند الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤).\nووجه الاستدلال على هذه الحكم من هذه الآية- على القول بأنها بمعنى الطلب (^٥) - هو: أن المولى ﷾ أخبر بأنه جعل البيت مثابة للناس، أي: معادًا\n_________\n(^١) انظر: المجموع (٧/ ١١، ٧)، مغني المحتاج (١/ ٤٦٠)، نهاية المحتاج (٣/ ٢٢٨).\n(^٢) انظر: المغني (٥/ ١٣)، الإنصاف (٣/ ٣٨٧)، كشاف القناع (٢/ ٣٧٦).\n(^٣) انظر: مجمع الأنهر (١/ ٢٥٧).\n(^٤) انظر: المقدمات الممهدات (١/ ٣٠٤).\n(^٥) وهو الصحيح - بإذن الله - كما هو ظاهر؛ ولأن العلماء قدروا (القول) في الجملة التي تليها (واتخذوا) أي: وقلنا اتخذوا، حتى لا يكون من باب عطف الإنشاء على الخبر وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالآية الخبر على حقيقته، وحملوا الآية على أحد التأويلات التالية:\n١ - إنهم يثوبون إليه في كل عام.\n٢ - إنه لا ينصرف أحد عنه إلا وهو يتمنى العود إليه.\n٣ - إنهم يحجون إليه فيثابون عليه.\nانظر: تفسير حدائق الروح والريحان للشيخ محمد الأمين الهروي (٢/ ٢٥٧).","vol":"1","page":220},{"text":"يرجعون ويعودون إليه، وهذا يستلزم عدم خلو البيت منهم سواء كان في الحج أو العمرة في جميع أيام السنة، ولا يمكن إجراء الآية على هذا المعنى إلا بحملها على الوجوب؛ لأن كونه مثابة للناس صفة تتعلق باختيار الناس، وما يتعلق باختيار الناس لا يمكن تحصيله بالجبر والإلجاء، فوجب حمل الآية على الوجوب؛ لأن الحمل على الوجوب يفضي إلى صيرورته مثابًا، أكثر من حمله على الندب (^١).\nثانيا: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] تضمنت هذه الآية - أيضًا - وهو تأمين البيت. وقد أمر المولى ﷾ عباده أن يجعلوا مكة مكانًا مأمونًا من الغارات والقتل ونصب الحروب (^٢).\nفكأنه ﷾ قال: أمنوا من دخل البيت. ولا يمكن حمل الآية على الخبرية المحضة، إذ الواقع والمشاهد وقوع القتل المحرم والمباح في الحرم، فيلزم الخلف في إخباره ﷾ وهذا مستحيل.\nووجوب تأمين الداخل للحرم محل اتفاق بين العلماء، سواء كان الداخل إنسانًا أو حيوانًا، أو طيرًا، وأمن الإنسان يكون في نفسه أو أهله أو ماله.\nووجه العموم في الآية ورود الأمن في الآية بلفظ النكرة ﴿وَأَمْنًا﴾ كما أشار إلى ذلك ابن الفرس (^٣)، ولعل ذلك لورودها في سياق الامتنان.\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير (٤/ ٤٦).\n(^٢) انظر: التفسير الكبير (٤/ ٤٧).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١١٠).","vol":"1","page":221},{"text":"يقول ابن العربي: \" … وهذا إخبار من الله تعالى عن منته على عباده، حيث قرر في قلوب العرب تعظيم هذا البيت، وتأمين من لجأ إليه\" (^١).\nوقد استثنى العلماء من عموم الآية أشياء منها ما ذكره ابن الفرس من الداجن، من الإبل والبقر والغنم والدجاج، فإنه يجوز ذبحه حتى للمحرم.\nوذكر - أيضًا- الفواسق الخمس التي يجوز قتلها في الحل والحرم، والاختلاف في العلة المخرَّجة هل هي الضرر كما يقول مالك، أو عدم أكل لحمها كما يقول الشافعي، وبحسب ذلك طرد كل واحد علَّته (^٢).\nومن المستثنيات: \" الدفاع عن النفس (^٣) بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١].\nوبحسب تعميم الأمن الوارد في الآية يدخل ما ذكره أبو حنيفة من عدم إقامة الحدود في الحرم (^٤)، وخالفه العلماء في ذلك (^٥).\nوقد نقل القرطبي الإجماع على أنه لو قتل في الحرم قُتل به، ولو أتى حدًَّا أقيد منه فيه، ولو حارب فيه حورب وقتل مكانه .... فنحن نقتله بالسيف، وهو-أي: أبي حنيفة - يقتله بالجوع والصدِّ، فأي قتل أشد من هذا \" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٩).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١١٠).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن لابن عثيمين (١/ ٤٤٦).\n(^٤) وذلك لمن جنى خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم، وهو مذهب الحنابلة. انظر: حاشية ابن عابدين (٢/ ٦٢٥)، الإنصاف (١٠/ ١٦٧).\n(^٥) انظر: الشرح الكبير للدسوقي (٤/ ٢٦١)، شرح الزرقاني (٨/ ٢٤)، والمجموع (٧/ ٤٦٦)، مغني المحتاج (٤/ ٤٣).\n(^٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٢/ ١١١).","vol":"1","page":222},{"text":"ثالثا: قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. كون الجملة خبرية ثابت بقراءة نافع وابن عامر بفتح الخاء على جهة الخبر (^٢) عمن اتخذه من مبتغي إبراهيم ﵇، فهو إخبار عن قوم إبراهيم أنهم اتخذوا من مقامه مصلى\".\nواختلف المفسرون في المراد بمقامه (^٣)، والأكثر على الموضع المخصوص للصلاة، والمعهود، ويؤيده سبب نزول الآية حين طلب عمر بن الخطاب ﵁ من النبي ﷺ أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت الآية (^٤)، وبيَّن المراد منها النبي ﷺ بفعله حين قرأ بالآية ثم صلى خلف المقام المعهود ركعتي الطواف (^٥).\n* وقد اختلف العلماء في حكم ركعتي الطواف على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: إنها واجبة، وهو مذهب الحنفية (^٦)، والمالكية (^٧)، وقول للشافعية (^٨)، ورواية عن الإمام أحمد (^٩).\nالقول الثاني: إنها سنة، وهو مذهب الشافعية (^١٠)، والحنابلة (^١١)، وقول للحنفية (^١٢)،\n_________\n(^٢) انظر: القراءات وأثرها في التفسير والأحكام بازمول (٢/ ٩١٢)، تفسير الروح والريحان للهرري (٢/ ٢٥٧).\n(^٣) انظر: جامع البيان للطبري (١/ ٥٣٦).\n(^٤) كما عند البخاري في كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ برقم (٤٢١٣).\n(^٥) كما في صحيح مسلم، كتاب الحج، باب حجه ﷺ برقم (١٢١٨).\n(^٦) انظر: شرح فتح القدير (٢/ ٤٥٦).\n(^٧) انظر: حاشية العدوي (١/ ٤٦٩)، بلغة السالك (١/ ٢٧٤).\n(^٨) انظر: المجموع (٨/ ٥١)، مغني المحتاج (١/ ٤٩٢).\n(^٣) انظر: الفروع (٣/ ٣٠٥)، الإنصاف (٤/ ١٨).\n(^٤) انظر: المجموع (٨/ ٥١)، مغني المحتاج (١/ ٤٩٢).\n(^٥) انظر: الفروع (٣/ ٥٠٣)، الإنصاف (٤/ ١٨).\n(^٦) انظر: مجمع الأنهر (١/ ٢٦٥)، حاشية ابن عابدين (٢/ ٤٩٩).","vol":"1","page":223},{"text":"والمالكية (^٧).\nالقول الثالث: إنها تابعة للطواف، فتجب بعد الطواف الواجب، وتسن بعد الطواف المسنون، وهو قول للمالكية (^٨)، والشافعية (^٩).\nوالذي يهمنا هنا هو استدلال أصحاب القول بالآية باعتبار كونها أمرًا ووردها بالأسلوب الخبري، وقد ثبت هذا الأمر بصيغة الأمر الصريحة في قراءة الجمهور (^١٠)، والأصل فيه أنه يقتضي الوجوب، وهو عند أصحاب القول الأول على ظاهره وأصله، غير مصروف إلى الندب.\nأما أصحاب القول الثاني فقد صرفوه إلى الندب بما ورد في عدد من الأحاديث بأن الواجب على العبد من الصلوات هو الصلوات الخمس لا غير، ومن ذلك حديث معاذ ﵁، وفيه: \" فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة\" الحديث (^١١).\nوحديث طلحة بن عبيد الله ﵁ في الرجل من أهل نجد الذي جاء يسأل عن الإسلام وفيه: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوّع .. \" الحديث (^١٢).\n_________\n(^٧) انظر: حاشية الدسوقي (٢/ ٤٢، ٤١)، جواهر الإكليل (١/ ١٧٩).\n(^٨) انظر: بلغة السالك (١/ ٢٧٤)، جواهر الإكليل (١/ ١٧٩).\n(^٩) انظر: المجموع (٨/ ٥١)، مغني المحتاج (١/ ٤٩٢).\n(^١٠) تفسير حدائق الروح والريحان للشيخ محمد الأمين الهروي (٢/ ٢٥٧)، القراءات وأثرها في التفسير والأحكام لمحمد بازمول (٢/ ٤٧٤).\n(^١١) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا، برقم (١٤٩٦). ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، برقم (٢٩).\n(^١٢) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب الزكاة من الإسلام، برقم (٤٦). ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد الأركان، برقم (٨).","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type='title' id=toc-134>(١) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾</span> [البقرة: ١٥٨]\nأجمع العلماء على مشروعية السعي بين الصفا والمروة، واختلفوا في حكمه، وكل استدل بالآية وهي خبر متضمنة للأمر.\nقال السيوطي: \" وقال قوم: قوله ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ دليل على الوجوب؛ لأنه خبر بمعنى الأمر، ولا دليل على سقوطه \" (^١) ا. هـ.\n\n* ثم<span data-type='title' id=toc-135> اختلف العلماء القائلون بحتميته، هل السعي ركن في الحج أو أنه واجب؟</span> على قولين:\nالأول: هو ركن من أركان الحج، فلا يصح الحج بدونه، ولا يجبر بدم ولا غيره، وهو مذهب المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).\nالقول الثاني: هو واجب من واجبات الحج، يجبر بدم، وهو مذهب الحنفية (^٥) ورواية عن أحمد (^٦) اختارها بعض الحنابلة ورجحها ابن قدامه (^٧).\nوعضد الجميع حتمية السعي بين الصفا والمروة بما ورد في الآية، وبما ذكر في سبب نزولها وذلك على النحو التالي:\n١) تصريحه ﷿ بأن الصفا والمروة من شعائر الله يدل على أن السعي بينهما\n_________\n(^١) الإكليل في استنباط التنزيل (٧٧).\n(^٢) انظر: الاستذكار (٣/ ٥٢٠)، جواهر الإكليل (١/ ١٦٥)، الجامع لأحكام القرآن (٢/ ١٨٣).\n(^٣) انظر: المجموع (٨/ ٨١)، مغني المحتاج (١/ ٧٤٦)، أسنى المطالب (٣/ ٢٠٠).\n(^٤) انظر: المغني (٥/ ٢٣٨)، المبدع (٣/ ٢٦٣)، منتهى الإرادات (٢/ ١٧٤).\n(^٥) انظر: بدائع الصنائع (٢/ ٢١٤)، فتح القدير (١/ ١٦١)، تبين الحقائق (٢/ ٢١).\n(^٦) انظر: المغني (٥/ ٢٣٩).\n(^٧) المصدر السابق.","vol":"1","page":225},{"text":"أمر حتم، ولابُدَّ منه؛ لأن شعائر الله عظيمة لا يجوز التهاون بها، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، فدَّل ذلك على وجوب إقامة شعائر الله، ومنها السعي بين الصفا والمروة (^١).\n١) سبب نزول الآية، وتفسير أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق ﵄ للآية وفيه جواب لما ذهب إليه بعض العلماء من القول إن السعي بين الصفا والمروة تطوع وليس بركن ولا واجب.\nوبيان ذلك أن عروة قال: \" سألت عائشة ﵄ فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، فوالله ما على أحد جناح أن لا يطَّوف بالصفا والمروة. قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت: لا جناح عليه أن لا يتطوَّف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يُسلموا يهلّون لمناة (^٢) الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المُشلَّل (^٣)، فكان من أهل يتحرّج أن يطوف بالصفا والمروة، فلمَّا أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك. قالوا: يا رسول الله إنا كنّا نتحرَّج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله\n_________\n(^١) انظر: أضواء البيان للشنقيطي (٣/ ٢٨١).\n(^٢) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٣/ ٦٣٠): \" مناة: بفتح الميم والنون الخفيفة: صنم كان في الجاهلية. وقال ابن الكلبي: كانت صخرة نصبها عمرو بن لحي لهذيل، وكانوا يعبدونها. والطاغية صفة لها إسلامية \".\n(^٣) المشلَّل: بضم الميم وفتح الشين، ولام مشدَّدة مفتوحة، وآخره لام ثانية، موضع على الطريق بين مكة والمدينة. والمشلل: ثنية مشرفة على قديد. ينظر: فتح الباري (٣/ ٦٣٠)، معجم البلدان (٥/ ١٣٦).","vol":"1","page":226},{"text":"تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ قالت عائشة ﵄: وقد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. \". (^١)\nفهذا حديث صحيح صريح في أن النبي ﷺ سنّ الطواف بين الصفا والمروة، أي فرضه بالسنة، وليس مرادها نفي فرضيته (^٢)، ويؤيده قولها: \" فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة. \" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-136>(٢) قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾</span> [البقرة: ١٩٤].\nقوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ جملتان خبريتان تدلان على جواز قتال المشركين في الأشهر الحرم إذا ابتدؤوا بالعدوان.\nومعنى الآية: من استحل دمكم في الشهر الحرام فاستحلوا دمه فيه. وهذا الحكم لا خلاف في جوازه بين أهل العلم.\nقال ابن القيم: \" ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام إذا بدأ العدو، إنما الخلاف أن يقاتل فيه ابتداء\" (^٤). ويؤيد هذا الحكم منطوق الآية ذاتها: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب وجوب الصفا والمروة، وجُعل من شعائر الله، برقم (١٦٤٣).\n(^٢) انظر: فتح الباري (٣/ ٦٣٢)، أضواء البيان (٣/ ٢٨٣)، اختيارات الشيخ محمد الأمين الشنقيطي الفقهية في العبادات (٢/ ١٤٣٩).\n(^٣) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركنٌ لا يصحّ الحجَّ إلا به، برقم (٣٠٧٠).\n(^٤) زاد المعاد (٣/ ٣٠١).","vol":"1","page":227},{"text":"وهنا فائدتان: الأولى: المراد بالأشهر الحرم: ذي العقدة، وذي الحجة، والمحرم، ورجب، وهذا أيضا باتفاق أهل العلم (^١)، وقد ورد فيها قوله ﵇: \"إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو العقدة، وذو الحجة، والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان\" (^٢).\nالفائدة الثانية: ذهب جمهور أهل العلم (^٣) إلى أن ابتداء القتال في الأشهر الحرم كان منهيًا عنه وغير جائز، ثم نسخ ذلك وصار القتال فيها جائزًا.\nيقول أبو عبيد: \" والناس اليوم بالثغور جميعًا على هذا القول، يرون الغزو مباحًا في الشهور كلها حلالها وحرامها، لا فرق في ذلك عندهم، ثم لم أر أحدًا من علماء الشام والعراق ينكره عليهم، وكذلك أحسب قول أهل الحجاز. \" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-137>(٣) قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ </span>فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nذكرت الآية الكريمة أحكاما فقهية، ما ثبت منها بلفظ الخبر حكمين فقهيين\n_________\n(^١) نقل الإجماع النووي في شرحه على صحيح مسلم (١/ ١٨٢).\n(^٢) أخرجه البخاري، في كتاب التفسير، باب تفسير سورة براءة، برقم (٤٣٨٥).\n(^٣) انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (٣٣)، أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٩٠)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٤٧)، الجامع لأحكام القرآن القرطبي (٣/ ٤٣)، نواسخ القرآن لابن الجوزي (١/ ٢٧١).\n(^٤) الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (٢٠٨).","vol":"1","page":228},{"text":"وهما:\nالحكم الأول: وجوب العمرة.\nوقد سبق القول بأن وجوب العمرة هو مذهب الشافعية والحنابلة، وهو قول عند الحنفية والمالكية عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥].\nوقد استدلوا بهذه الآية على قراءة الجمهور بنصب لفظ ﴿وَالْعُمْرَةَ﴾ عطفًا على ﴿الْحَجَّ﴾ على خلاف بينهم في معنى الإتمام (^١) في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا﴾.\nووردت الآية بقراءة آحادية عن ابن مسعود برفع لفظ (العمرةُ) (^٢) وهي بهذه القراءة خبر بمعنى الأمر، والمعنى أنها مما تتقربون بها إلى الله ﷿ وقد ذكر أبو منصور الماتريدي (ت ٣٣٣ هـ) أن الكفار كانوا يفعلون الحج لله والعمرة للصنم (^٣). فتكون الآية تأمرهم بأن تكون العمرة كذلك لله ﷾.\nيقول الدكتور محمد بازمول: \" والقراءة الآحادية برفع (العمرةُ) أفادت الأمر بإتمام الحج، ثم استئناف كلام جديد يخبر الله تعالى بأن العمرة لله، وهو خبر بمعنى الأمر ليفيد مزيد الاهتمام بالعمرة فلا تصرف إلا لله، لأن بعض المشركين\n_________\n(^١) اختلف العلماء في تأويل الإتمام على خمسة أقوال:\nالأول: يعني، وأتموا الحج لمناسكه، وسننه، وأتموا العمرة بحدودها وسننها.\nالثاني: أن إتمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك.\nالثالث: أن إتمام العمرة أن تحرم بها في غير الأشهر الحرم، وإتمام الحج أن تأتي بجميع مناسكه، حتى لا يلزم دمٌ لجبران نقصان.\nالرابع: أن تخرج من دويرة أهلك لأجلها لا تريد غيرهما من تجارة ولا مكسب.\nالخامس: أن إتمامهما واجب بالدخول فيهما.\nانظر: جامع البيان للطبري (٢/ ٢١٤)، معاني القرآن للزجاج (١/ ٢٦٦).\n(^٢) انظر: زاد المسير (١/ ٢٠٤)، الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٦٩)، البحر المحيط (٢/ ٧٢).\n(^٣) انظر: تفسير البحر المحيط (٢/ ٧١).","vol":"1","page":229},{"text":"كان يحج لله ويعتمر للصنم، كما قال الماتريدي في كلامه السابق والله أعلم\" (^١). اه\nالحكم الثاني: وجوب صيام عشرة أيام كاملة لمن لم يجد الهدي للمتمتع، فإن كان عاجزًا عن الدم فإنه ينتقل إلى صيام عشرة أيام، ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده، ثم قال ﷾: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فقال بعض أهل العلم: إن لفظه خبر ومعناه أمر، أي: أكملوها ولا تنقصوها ذلك، وهذا الحكم متفق عليه بين أهل العلم (^٢)، وإنما الخلاف فيما إذا فات المتمتع صيام الأيام الثلاثة في الحج، فهل يجب عليه صيام السبعة الباقية أم تسقط عنه ويتعين عليه الدم؟. وبسط هذا في كتب الفقه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-138>(٤) قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ </span>فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧].\nأجمع العلماء على أن المراد بأشهر الحج: ثلاثة أشهر، أولها شوال، واختلفوا في آخرها، هل هو العاشر من ذي الحجة، أم ذي الحجة بأكمله؟ (^٤)\nوقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ خبر بمعنى الأمر، أي: إن أشهر الحج هي: شوال، وذو العقدة، وذو الحجة، فمن أراد الحج فليبدأ بالإحرام من شوال إلى\n_________\n(^١) القراءات وأثرها في التفسير والأحكام لمحمد بازمول (٢/ ٤٧٤).\n(^٢) نقل الإجماع عليه ابن قدامة في المغني (٥/ ٣٦٠)، والنووي في المجموع (٧/ ١٨٦).\n(^٣) انظر: الاستذكار لابن عبد البر (٣/ ٣٩٨)، شرح الزركشي على الخرقي (٣/ ٣١٠ - ٣١١)، الفروع لابن مفلح (٣/ ٣٢٣)، المحلى لابن حزم (٧/ ١٤٥).\n(^٤) انظر: المجموع (٧/ ١٣٦)، فتح الباري (٣/ ٥٢٩)، نيل الأوطار (٥/ ٢٩).","vol":"1","page":230},{"text":"عشر ذي الحجة (^١).\nومن قال بأن شهر ذي الحجة كاملة من أشهر الحج، كالمالكية، فباعتبار ما يمتد فيه الإحلال (^٢).\nفائدة: قال العلماء بأن المولى ﷾ أطلق الأشهر على شهرين، وبعض شهر، تنزيلًا للبعض منزلة الكل (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-139>(٥) قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾</span> [البقرة: ٢٢٨].\nقال القرطبي ﵀: \" قوله: \" ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ التربص: الانتظار على ما قدمناه، وهذا خبر والمراد الأمر\" (^٤).\nوقد اتفق العلماء (^٥) على وجوب تربص المرأة المطلقة واعتدادها ثلاثة قروء. قال ابن قدامه: \" عدة المطلقة إذا كانت حرة، وهي من ذوات القروء، ثلاثة قروء بلا خلاف بين أهل العلم\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: فتح القدير (٣/ ١٧ - ١٨)، حاشية ابن عابدين (٣/ ٤٧٤)، المجموع (٧/ ١٣٥)، مغني المحتاج (١/ ٦٨٦ - ٦٨٧)، المغني (٥/ ١١٠)، شرح منتهى الإرادات (٢/ ١١).\n(^٢) انظر: شرح الخرشي على خليل (٣/ ١٣٠)، الشرح الكبير (٢/ ٢١).\n(^٣) انظر: الغرر البهية (٤/ ١٠٨)، اختيارات الشيخ محمد الأمين الشنقيطي الفقهية من خلال أضواء البيان (٢/ ٩٥١).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ١١٢).\n(^٥) نقل الإجماع عليه عدد من العلماء، منهم ابن حزم في مراتب الإجماع (١٣٤)، وابن رشد في بداية المجتهد (٢/ ١٥١ - ١٥٢)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (٣/ ١١٢).\n(^٦) القرء في اللغة: الحيض والطهر معًا، فهما من الأضداد. وأصله من دنو وقت الشيء، فيكون للحيض والطهر جميعًا. واختلف الفقهاء في المراد منه؛ هل هو الحيض، أو الطهر؟، على قولين: فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه: الحيض. وذهب المالكية والشافعية إلى أنه الطهر.\nانظر: لسان العرب (١/ ١٣٠ - ١٣١)، المبسوط (٦/ ١٣)، المدونة (٢/ ٢٣٤)، روضة الطالبين (٧/ ٣٦١)، الإنصاف (٩/ ٢٧٩).","vol":"1","page":231},{"text":"* وهو حكم ثابت غير مصروف إلا أن العلماء استثنوا من عموم لفظ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ عددًا من المطلقات وهن:\n(١) المرأة التي لم تحض، والحامل، والمخصص لهن قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].\nفأما المرأة التي بلغت سنّ اليأس من المحيض، أو كانت صغيرة لم تحض، فإن العدة في حقهن ثلاثة أشهر باتفاق أهل العلم (^١).\nوأما الحامل فتنقضي عدتها بوضع حملها بلا خلاف بين العلماء (^٢).\n(٢) المطلقة قبل الدخول بها، والمخصص قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩].\n(٣) الأمة المطلقة، وعدتها حيضتان، إذا كانت ممن تحيض، والمخصص لها قوله ﷺ: «طلاق الأمة طلقتان، وعدتها حيضتان» (^٣).\nقال ابن قدامه: \" أكثر أهل العلم يقولون: عدة الأمة بالقرء قرءان .... فمنهم: عمر، وعلي، وابن عمر ﵃ ولم نعرف لهم مخالفًا في الصحابة فكان إجماعًا\" (^٤).\n_________\n(^١) المغني لابن قدامة (١١/ ١٩٩).\n(^٢) نقل الإجماع عليه ابن حزم في مراتب الإجماع (١٣٤)، وابن قدامة في المغني (١١/ ٢٠٧).\n(^٣) نقل الإجماع عليه ابن حزم في مراتب الإجماع (١٣٤)، وابن قدامة في المغني (١١/ ٢٢٨).\n(^٤) أخرجه ابن ماجة في كتاب الطلاق، باب طلاق الأمة وعدتها برقم (٢٠٧٩)، وضعفه محققه محمد فؤاد عبد الباقي.","vol":"1","page":232},{"text":"وقيَّده ﵀ بالصحابة؛ لأنه نقل عن داود الظاهري القول بأن عدتها كالحرة ثلاثة قروء، وهو قول ابن حزم كما في المحلى (^١).\nونقل عن ابن سيرين والأصم، إلا أن ابن سيرين قال: إلا أن تكون مضت بذلك سنة، فالسنة أحق أن تتبع (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-140>(٦) قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾</span> [البقرة: ٢٢٩].\nأخبرت الآية الكريمة أن مسنون الطلاق التفريق بين الطلقات، والمعنى: طلقوا مرتين متى أردتم الطلاق، ومما يدل على كون الخبر هنا أريد به الأمر هو وجود الخلف في واقع الناس؛ إذ لو كان خبرًا لوجد مخبره على ما أخبر به؛ لأن أخبار الله تعالى لا تنفك من وجود مخبراتها (^٣)\nوطلاق السنة المجمع عليه (^٤) هو: أن يطلق الرجل امرأته، وهي طاهر طهرًا لم يمسها فيه بعد أن طهرت من حيضها طلقة واحدة، ثم يتركها حتى تنقضي عدتها، أو يراجعها مراجعة رغبة. واستحب العلماء له مراجعتها، ولو بعد انقضاء عدتها (^٥).\nأما الطلاق المحظور فهو: الطلاق في الحيض، أو في طهر جامعها فيه، وقد \"أجمع العلماء في جميع الأعصار على تحريمه، ويسمى طلاق البدعة؛ لأن المطلق خالف السنة\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: المحلى لابن حزم (١٠/ ١١٥).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٤٤)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣/ ١٦٨).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص (١/ ٥١٧).\n(^٤) نقل الإجماع ابن عبد البر في التمهيد (١٥/ ٥٣)، وابن قدامة في المغني (١٠/ ٣٢٥)، وابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٠/ ٤٧٩).\n(^٥) انظر: الاستذكار لابن عبد البر (٦/ ١٤٤).\n(^٦) انظر: المغني (١٠/ ٣٢٤)، مجموع الفتاوى (٣٣/ ٧٥ - ٧٦).","vol":"1","page":233},{"text":"وقد اختلف العلماء في وقوعه وبسط ذلك في كتب الفقه.\n(١) قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\nقال القرطبي: \" قوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ﴾ خبر معناه الأمر على الوجوب لبعض الوالدات، وعلى الندب لبعضهن \" (^١).\n\n* وقد ا<span data-type='title' id=toc-141>ختلف العلماء في مسألة حكم استرضاع الأم لولدها؟.</span>\nالقول الأول: وجوب استرضاع الأم لولدها مطلقًا، وهو قول الظاهرية (^٢)، حيث إن الإرضاع من جملة منافعها المستحقة للزوج، بدليل أن الآية لم توجب على الزوج إلا النفقة والكسوة التي هي من خصائص الزوجية (^٣).\nوهو مذهب الحنفية إلا أن الوجوب عندهم ديانة لا قضاءً (^٤).\nالقول الثاني: يجب استرضاع الأم لولدها إن كانت دنيئة، أما الشريفة فلا يجب ذلك عليها، وهو مشهور مذهب مالك (^٥)؛ نظرًا إلى عادة الناس وعرفهم.\nالقول الثالث: لا يجب على الوالد استرضاع ولدها، بل الواجب على الوالد، إلا إذا تعينت عليها، بأن لم يجد الأب من ترضع له غيرها، أو لم يقبل ثدي غيرها، أو لم يكن للأب ولا الطفل مال فيجب حينئذ على الأم الإرضاع.\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ١٥٣).\n(^٢) انظر: المحلى لابن حزم (١٠/ ٣٣٧)، المغني (١١/ ٤٣٠).\n(^٣) تيسير البيان للموزعي (٢/ ٧٤).\n(^٤) انظر: تبين الحقائق (٣/ ٦٢)، فتح القدير (٤/ ٤١٢)، البحر الرائق (٣/ ٢٣٨).\n(^٥) انظر: المدونة (٢/ ٤١٦ - ٤١٧)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٠٤)، الجامع لأحكام القرآن (٣/ ١٥٣).","vol":"1","page":234},{"text":"وهو قول الشافعية (^١) والحنابلة (^٢). وحجتهم:\n١ - قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]؛ حيث إنهم جعلوا آية الطلاق مبيِّنة لآية البقرة (^٣).\n٢ - قياس الأم المرضعة التي في عصمة الزوج على الأم المرضعة المطلقة، فلما لم يجب الاسترضاع على المطلقة لم يجب على من كانت في العصمة.\nيقول ابن قدامة: \" ولأن إجبار الأم على الرضاع لا يخلوا: إما أن يكون لحق الولد أو لحق الزوج، أو لهما: لا يجوز أن يكون لحق الزوج؛ لأنه لا يملك إجبارها على رضاع ولده من غيرها، ولا على خدمة نفسه فيما يختص به. ولا يجوز أن يكون لحق الولد؛ لأنه لو كان لحقه للزمها بعد الفرقة ولم يقله أحد؛ ولأن الرضاع مما يلزم الوالد لولده، فلزم الأب على الخصوص كالنفقة، أو كما بعد الفرقة. ولا يجوز أن يكون لهما، لأن ما لا مناسبة فيه لا يثبت الحكم بانضمام بعضه إلى بعض، ولأنه لو كان لهما لثبت الحكم به بعد الفرقة. وقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ محمول على حال الاتفاق وعدم التعاسر\" (^٤) أ. هـ\nومما صرفوا فيه الوجوب إلى الاختيار أو الندب - أيضًا - كون الآية سيقت لبيان مدَّة الرضاع، لا لبيان إيجابه (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الحاوي للماوردي (١١/ ٤٩٤)، روضة الطالبين (٩/ ٨٨).\n(^٢) انظر: المغني (١١/ ٤٣٠)، الفروع (٥/ ٦٠٠)، الإنصاف (٩/ ٤٠٦ - ٤٠٧).\n(^٣) انظر: تيسير البيان للموزعي (٢/ ٧٥).\n(^٤) المغني (١١/ ٤٣١).\n(^٥) انظر: تيسير البيان للموزعي (٢/ ٧٥).","vol":"1","page":235},{"text":"(٢) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٣٤].\nأخبرت الآية الكريمة المرأة المتوفى عنها زوجها بوجوب تربصها وإحدادها عليه مدة أربعة أشهر وعشرة أيام مع لياليها.\nوالإحداد: امتناع المرأة عن الزينة من لباس وغيره بعد زوجها للعدة (^١).\nومما يدل على أن الخبر هنا أريد به الأمر والوجوب، هو وجود الخلف في واقع الناس، فنجد امرأة توفي عنها زوجها ولم تتربص أربعة أشهر وعشر، ولو كان خبرًا لاستحال وجود مخبره على خلافه.\nوالتربص هذه المدة باق على وجوبه، غير مصروف، وبه قال أكثر أهل العلم، حتى نقل بعضهم الإجماع عليه (^٢).\nوالعموم في اسم الموصول باق على عمومه، فتدخل كل امرأة توفي عنها زوجها، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، آيسة أو غير آيسة.\nولم يخرج من العموم السابق إلا الحامل، فقد اختلف العلماء في سقوط وجوب إحدادها هل هو بانقضاء حملها فتستمر حتى الوضع، أو تشملها الآية الكريمة بعمومها؟ وبسط ذلك في كتب الفقه (^٣).\n_________\n(^١) انظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع (٧/ ٧٩).\n(^٢) نقل الإجماع على وجوب إحداد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا عدد من العلماء، منهم ابن المنذر في كتابه الإجماع (٧٣)، وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٣٢١)، وابن قدامة في المغني (١١/ ٢٨٤)، وغيرهم، ويقدح في هذا الإجماع مخالفة الحسن البصري والشعبي. قال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٥٨٤): \" ومخالفتهما لا تقدح في الاحتجاج، وإن كان فيها رد على من ادعى الإجماع \".\n(^٣) يقول النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ٨٩): \" عدة المتوفى عنها بوضع الحمل، حتى لو وضعت بعد موت زوجها بلحظة قبل غسله، انقضت عدتها، وحلَّت للأزواج، وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، والعلماء كافة \".","vol":"1","page":236},{"text":"(٣) قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧].\nدلت الآية على وجوب تأمين من دخل مكة.\nقال القرطبي: \"وقال بعض أهل المعاني: صورة الآية خبر، ومعناها أمر، تقديرها: ومن دخله فأمنوه … \" (^١).\nوسبق دراسة المسألة عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥].\n(٤) قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤].\nفي الأية الكريمة حكمين فرعيين من الأحكام التي وردت بالأسلوب الخبري وهما:\nالحكم الأول: قوامة الرجل على المرأة، من قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ والقوامة هي: الولاية التي يفوَّض الزوج بموجبها بتدبير شؤون زوجته، والقيام بما يصلحها.\nقال الجصاص: \"قيامهم عليهن بالتأديب والتدبير والحفظ والصيانة ..... \" (^٢).\nوقال السعدي: \" يخبر الله تعالى أن ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، أي: قوامون بإلزامهن بحقوق الله تعالى، من المحافظة على فرائضه، وكفهن عن\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٤/ ١٣٧).\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٢٣٦).","vol":"1","page":237},{"text":"المفاسد، والرجال عليهم أن يلزموهن بذلك، وقوامون أيضًا بالإنفاق عليهن، والكسوة والمسكن \" (^١).\nالحكم الثاني: طاعة المرأة لزوجها، من قوله: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ وهذا الحكم هو من مقتضيات القوامة السابق ذكرها.\nيقول ابن العربي: \" والمعنى: هو أمين عليها، يتولى أمرها ويصلحها في حالها، قاله ابن عباس ﵄، وعليها الطاعة ..... \" (^٢).\nوقال ابن كثير في قوله: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾: \"وقوله ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ أي من النساء، ﴿قَانِتَاتٌ﴾ قال ابن عباس ﵄ وغير واحد: يعني مطيعات لأزواجهن \" (^٣).\nوقال ابن القيم عند حديثه عن وجوب خدمة المرأة لزوجها - وهي من مقتضيات الطاعة -: \" .... وإذا لم تخدمه المرأة، بل يكون هو الخادم لها، فهي القوَّامة عليه \" (^٤).\nولم أقف على من خالف في قِوامة الرجل على المرأة، أو في وجوب طاعة المرأة لزوجها، والله أعلم.\n(٥) قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ\n_________\n(^١) تيسير الكريم المنان للسعدي (٢/ ٦٠).\n(^٢) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤١٥ - ٤١٦).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/ ٩٥).\n(^٤) زاد المعاد لابن القيم (٥/ ١٨٧).","vol":"1","page":238},{"text":"رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].\nأخبر المولى ﷾ في هذه الآية أن كفارة من حنث في يمينه المنعقدة، بقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، وهو خبر بمعنى الأمر، أي: كفروا بالإطعام والكفارة المذكورة.\nوالكفارة هي: ما كفِّر به من صدقة أو صوم أو نحو ذلك، واستعملت فيما وجد فيه صورة مخالفة، أو انتهاك، وإن لم يكن فيه إثم، كالقتل الخطأ وغيره (^١).\nولا خلاف بين العلماء في وجوب الكفارة الواردة في النص لمن حنث في يمينه، وإنما الخلاف في مقدار الإطعام، والمراد بالوسط والكسوة، وفي أيهما أفضل من المخيرات المذكورة، لكي يقدمها الحانث (^٢).\n(٦) قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦].\nأخبرت الآية بأسلوبها الخبري عن حكم الشهادة على الوصية، فقال تعالى: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ وهو خبر يقتضي الطلب، والمعنى: استشهدوا على وصيتكم ذوي عدل منكم أو من غيركم.\n_________\n(^١) انظر: شرح المنتهى (٣/ ٣٢٨)، كشاف القناع (٦/ ٦٥).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٦٤٩)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٢٥٨).","vol":"1","page":239},{"text":"وشهادة العدل المسلم هي الأصل ولا خلاف فيها بين العلماء، وإنما الخلاف في شهادة الكافر على وصية المسلم في حال الضرورة، وفي السفر خاصة، لمن حضره الموت.\nفذهب بعض المالكية (^١)، والشافعية (^٢)، وهو المذهب عند الحنابلة (^٣) إلى جوازها، بل نقل ابن القيم الإجماع على ذلك فقال: \" والآية صريحة في قبول شهادة الكافر على الوصية في السفر عند عدم الشاهدين المسلمين، وقد حكم به النبي ﷺ والصحابة بعده، لم يجئ بعدها ما ينسخها، فإن المائدة من آخر القرآن نزولًا، وليس فيها منسوخ، وليس لهذه الآية معارضا البتة فكان إجماعًا\" (^٤).\nوكلام ابن القيم ﵀ السابق عورض بوقوع الخلاف في المسألة فقد خالف الحنفية (^٥)، والمالكية (^٦)، والشافعية (^٧) في هذه المسألة، ويرون عدم قبول شهادة الكافر على المسلم لا في الوصية ولا في غيرها، وقالوا بأن الآية التي معنا - أي آية المائدة- منسوخة بآية الدين (^٨)، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٣٥٠).\n(^٢) انظر: أسنى المطالب شرح روض الطالب (٩/ ٢٩٧).\n(^٣) انظر: المغني (١٤/ ١٧٠)، الإنصاف (١٢/ ٦٠).\n(^٤) إعلام الموقعين عن رب العالمين (١/ ٩٧).\n(^٥) انظر: المبسوط (١٦/ ١٤١)، بدائع الصنائع (٦/ ٢٨٠).\n(^٦) انظر: بداية المجتهد (٤/ ١٧٧٤)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٣٢٤).\n(^٧) انظر: الأم (٦/ ٢٥٨)، المجموع (١٨/ ٤٦٣).\n(^٨) انظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي (٢/ ٤٢١) ...... الخ. وكون آية الدين في سورة البقرة نزلت بعد آية الوصية التي في سورة المائدة غير مسلم؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم عملوا بآية الوصية بعد موت النبي ﷺ. انظر: الطرق الحكمية لابن القيم (١٤٤)، وفتح الباري لابن حجر (٥/ ٤٨٩)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ٣٢٤ - ٣٢٥).","vol":"1","page":240},{"text":"مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، والكافر غير مرض فلا تجوز شهادته. قلت: إن دعوى النسخ إنما يصار إليه إذا لم يمكن الجمع بين الأدلة، وعلم تأخر الناسخ وتراخيه عن المنسوخ، وفي هذه المسألة لا يوجد ما يدل على تأخر ما يقال بأنه الناسخ، ويمكن الجمع بين الأدلة، وذلك بحمل ما يدل على اشتراط العدالة والإسلام في الشهادة على الحالة العامة، وحمل ما يدل على جواز شهادة غير المسلم على الحالة الخاصة، وهو جواز شهادته على الوصية في السفر، إذا لم يوجد أحد من المسلمين، فهذه حالة ضروة فتقبل شهادته فيه (^١).\nفائدة: عدل المولى ﷾ عن أسلوب الطلب إلى أسلوب الخبر؛ لأن الناس معتادون باستحفاظ وصاياهم عند محل ثقتهم (^٢).\n(٧) قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٥ - ٦٦].\nأخبرت الآية بوجوب مصابرة الواحد من المسلمين للعشرة من الكافرين، وعدم الفرار أمامهم، ثم خفف عنهم أو نسخ (^٣) إلى مصابرة الواحد للاثنين.\n_________\n(^١) انظر: الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ للدكتور محمد إبراهيم سركند (٥/ ٢٥٤٤).\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور (٥/ ٢٥٥).\n(^٣) انظر خلاف العلماء في كون نسخًا أو تخفيفاُ: الناسخ والمنسوخ للنحاس (١٥٦)، ونواسخ القرآن لابن الجوزي (٢/ ٤٥٢) وحجة القائلين بأنه نسخ، أن قوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾، يستلزم وجود التثقيل قبله.\nوعورض بأنه لا يستلزم ذلك، بل إن عادة العرب الرخصة بمثل هذا الكلام، كقوله تعالى في ترخيصه للحر في نكاح الأمة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، وليس هناك نسخ، إنما إطلاق نكاح الأمة لمن لم يستطع نكاح الحرائر.\nثم إن الأصل في الناسخ أن يكون متراخيًا عن المنسوخ، ولا تجوز مقارنته له إلا بدليل قاهر، وهنا ذُكرت الآيتان متقارنتان.\nوفائدة الخلاف في كونه تخفيفًا أو نسخًا تظهر فيما لو قاتل واحد عشرة، فقُتل هل يأثم أو لا؟ فعلى القول الأول بأن الآية منسوخة يأثم، وعلى القول بأنها تخفيفٌ لا يأثم. انظر: التفسير الكبير للرازي (١٥/ ١٩٤)، ومحاسن التأويل للقاسمي (٨/ ٩٤ - ٩٥).","vol":"1","page":241},{"text":"يقول ابن الجوزي: \" لفظ هذا الكلام لفظ الخبر ومعناه الأمر\" (^١).\nوقد نقل جمع من العلماء (^٢) الإجماع على وجوب مصابرة الواحد للإثنين، وعدم جواز الفرار منهم.\nيقول ابن هبيرة: \" واتفقوا على أنه إذا التقى الزحفان وجب على المسلمين الحاضرين الثبات، وحرم عليهم الانصراف والفرار إذ قد تعين عليهم، إلا إن يكون مُتحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة، أو يكون الواحد مع ثلاثة أو المائة مع ثلثمائة؛ فإنه أبيح لهم الفرار، ولهم الثبات لا سيما مع غلبة ظنهم بالظهور \" (^٣).\n_________\n(^١) زاد المسير (٣/ ٣٧٨).\n(^٢) كابن رشد في بداية المجتهد (١/ ٢٨٧).\n(^٣) الإفصاح لابن هبيرة (٢/ ٣٠٠)، خالف في هذه المسألة الحسن والضحاك ومقاتل، ورأوا أن تحريم الفرار خاص لأهل بدر دون غيرهم. واحتجوا بقوله تعالى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] فظنوا: أن ذلك إشارة إلى يوم بدر. ورأى ابن العربي في إحكام القرآن (٢/ ٨٤٣ - ٨٤٤): أن خلافهم شاذ لا يقدح في الإجماع. وقال في (٢/ ٨٧٧) عند آيتنا ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ الآية [الأنفال: ٦٥]: \" قال قوم: كان هذا يوم بدر ثم نسخ، وهذا خطأ من قائله؛ لأن المسلمين كانوا يوم بدر ثلاثمائة ونيِّفًا، والكفار كانوا تسعمائة؛ فكان للواحد ثلاثة. وأما هذه المقابلة وهي الواحد بالعشرة فلم ينقل أن المسلمين صافُّوا المشركين عليها قطّ ..... الخ\".","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type='title' id=toc-142>الدراسة السادسة التطبيق على نوازل أحكام العبادات</span>","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type='title' id=toc-143>المقدمة</span>\n﷽\nالحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:\nفما زالت الجامعات تخرج من رحمها رسائل علمية موسومة بتخريج الفروع على الأصول، إلا أنني لم أر من جمع وحصر التخريج الأصولي في نوازل أحكام القرآن، فعقدت العزم على وضع لبنة في هذا الجانب، بجمع ما أمكنني من نوازل في العبادات، استدل عليها بكتاب الله.\nوالقرآن أصل الأدلة، والأحكام ثمرة تلك الأدلة، يقول الإمام الشاطبي في معرض بيانه أن القرآن فيه بيان لكل شيء، ومنها الأحكام، فقال: «ومنها التجربة: وهو أنه لا أحد من العلماء لجأ إلى القرآن في مسألة إلا وجد لها أصلًا، وأقرب الطوائف من إعواز المسائل النازلة أهل الظواهر الذين ينكرون القياس، ولم يثبت عنهم أنهم عجزوا عن الدليل في مسألة من المسائل، وقال ابن حزم الظاهري: \" كل أبواب الفقه ليس منها باب إلا وله أصل في الكتاب والسنة، نعلمه والحمد لله، حاش القِراض، فما وجدنا له أصلًا فيهما ألبتة \" إلى آخر ما قال، وأنت تعلم أن القِراض نوع من أنواع الإجارة، وأصل الإجارة في القرآن ثابت» (^١).\n_________\n(^١) الموافقات (٤/ ١٨٩).","vol":"1","page":245},{"text":"قلت: ومما سبق يُعلم أن القول بأن الحوادث لا تنتهي: حق، وأن النصوص محصورة: حق، أما القول بأن المحصور لا يشمل غير المحصور: ففيه نظر.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الأحكام كلها بلفظ الشارع ومعناه، فألفاظه تناولت جميع الأحكام، والأحكام معلَّلة بالمعاني المؤثرة، فمعانيه أيضًا متناولة لجميع الأحكام، لكن قد يفهم المعنى من لم يعرف اللفظ العام، وقد يعرف اللفظ العام ودلالته من لم يفهم العلَّة العامة» (^١).\nفالدراسة تهدف إلى إكمال مسيرة العلماء بإضافة النوازل إلى كتب أحكام القرآن، مع ربطها بأصولها.\n* وقد قسمت الدراسة إلى خمسة فصول، بحسب أبواب العبادات:\nالفصل الأول: تخريج نوازل أحكام الطهارة.\nالفصل الثاني: تخريج نوازل أحكام الصلاة.\nالفصل الثالث: تخريج نوازل أحكام الزكاة.\nالفصل الرابع: تخريج نوازل أحكام الصيام.\nالفصل الخامس: تخريج نوازل أحكام الحج.\n_________\n(^١) جامع المسائل (٢/ ٢٠٧).","vol":"1","page":246},{"text":"الدراسة التطبيقية\n\n<span data-type='title' id=toc-144>الفصل الأول تخريج نوازل أحكام الطهارة</span>\n•<span data-type='title' id=toc-145> المبحث الأول: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣].</span>\nاستدل بالآية من حرّم استعمال المنظفات التي تستخدم فيها النجاسات ولم تستهلك (^١). أي: المنظفات التي يكون في تركيبها شيء من النجاسات؛ كدهن الخنزير، أو الكحول، كالصابون ونحوه (^٢).\nوتخريج الحكم: أن ما حرم لعينه؛ فإنّه نجس، والميتة والدّم والخنزير حرمت لعينها فهي نجسة، وقد نصّ الشّارع على تحريمها بقوله: ﴿حُرِّمَتْ﴾ وهي صيغة إخبار عن الحكم ثم أتى بصيغة العموم (أل) غير العهدية؛ ليشمل التحريم جميع وجوه الانتفاع من أكل وبيع واستعمال للتنظيف، وغير ذلك، فلا يجوز الانتفاع بالنّجاسة مطلقًا.\n_________\n(^١) قال ابن رجب في القاعدة الثانية والعشرين من قواعده: «أن العين التي تنغمر في غيرها وتستهلك لا حكم لها.\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٧٠)، وفتاوى المنار (١٦٣١)، وفتاوى ابن عثيمين (١/ ٢٥٤)، الفقه الميسر (٩/ ١٥)، فقه النوازل في العبادات للمشيقح (٦٦).","vol":"1","page":247},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-146> المبحث الثاني: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ </span>وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].\n*<span data-type='title' id=toc-147> المطلب الأول: وجوب إزالة كل ما يعلق بأعضاء الوضوء:</span>\nاستدل بالآية على وجوب إزالة ما يعلق بأعضاء الوضوء، ويمنع وصول الماء إلى البشرة مما له جرم، كالدّهون والكريمات، وطلاء الأظافر، والأكحال التي تكون مادتها بلاستيكية، والأصابع المعدنيّة التي تحتوي على الكبريت أو الرّصاص أو النحاس، وبيضات الشعر (^١).\nتخريج الحكم: يمكن تخريج الحكم السابق من الآية بواسطة قاعدة: ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب.\nوبيانه: أنَّ غسل جميع أعضاء الوضوء واجب، ولا يتمّ هذا لواجب إلّا بإزالة ما يحول دون وصول الماء إليها، فيكون إزالة تلك الحوائل من الدّهون والكريمات ونحوها واجب.\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٥/ ٢١٨)، فتاوى ابن باز (١٠/ ٤٩)، مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٤/ ١٤٠)، الفقه الميسر (النوازل في العبادات) (٩/ ٩)، فقه النوازل في العبادات للمشيقح (٣٢، ٤٢)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٢٠).","vol":"1","page":248},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-148> المطلب الثاني: نزع الأطراف الصناعية عند الغسل والوضوء إن بقي من العضو المقطوع شيئ مما هو داخل في محل فرض الوضوء غسلًا أو مسحًا.</span>\nاستدل بالآية من قال بوجوب غسل ما بقي من العضو إن كان القطع من المفصل فما دونه، سواء كان في اليد أو القدم، وتنزع الأطراف الصناعية لأجل ذلك (^١).\nتخريج الحكم: إن معنى (إلى) هنا بمعنى (مع) (^٢) ويفسرها فعل النبي ﷺ الدائم في الوضوء.\nنوقش: بأنّ (إلى) الأصل أنها للغاية، فلا يدخل ما بعدها إلى ما قبلها، وعليه فلا يدخل المرافق في الغسل مع الأيدي، ولا الكعب في الغسل مع الأرجل (^٣).\nوأجيب: بأنّ ورود (إلى) بمعنى (مع) شائع في اللسان (^٤).\n\n*<span data-type='title' id=toc-149> المطلب الثالث: المسح على الجورب الملبوس على الأرجل الصناعية.</span>\nاستدلَّ بوجوب المسح على الجورب الملبوس على الأرجل الصناعية على قراءة: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بكسر (أرجلِكم) وذلك إن كان القطع من الكعب فما دونه من جهة القدم.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (١١/ ١٠٦، ١٥٢)، الفقه الميسر (٩/ ١٨)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٢٥ - ٢٦).\n(^٢) ينظر: المغني (١/ ١٧٢)، الشرح الممتع (١/ ٢١٣)، أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص (٢٥٢).\n(^٣) ينظر: تيسير البيان لأحكام القرآن (٢/ ٧٣١).\n(^٤) لقول جابر بن عبد الله ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ) وقالوا: لفظ: «كان» في الحديث يدل على المداومة، ولم ينقل إلينا أنه ﷺ اقتصر على ما دون المرفق، فدلّ على دخوله وجوبًا، وفي فعله ﷺ بيانٌ للغسل المأمور به في الآية.\nينظر: تيسير البيان (٢/ ٧٣٢)، أثر العربية في استنباط الأحكام الفقهية من السنة النبوي، ص (٤٠٦).","vol":"1","page":249},{"text":"فالقول في هذا المطلب كالقول في المطلب السابق، إلا أنّ الحكم -هنا- متعلِّقٌ بالمسح على الجورب أو الخف الذي على الرّجل الصناعية\nتخريج الحكم: ما سبق في المسألة السابقة من دلالة معنى حرف (إلى) وأنه بمعنى (مع)، مع جواز الاحتجاج بالقراءة الأخرى، فيأخذ حكم الغسل في المسألة السابقة، فيمسح عليها، إن كان قطع الرِجل من الكعب فما دون جهة القدم.\nتنبيه: الكلام في هذه المسألة هو نفس الكلام في المسألة السابقة.\n\n*<span data-type='title' id=toc-150> المطلب الرابع: المسح على الشماغ والغترة والطاقية والقبعات.</span>\nاستدل بقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ من قال بعدم جواز المسح على الشماغ والغترة والطاقية (^١) والقبعات (^٢).\nتخريج الحكم: أن الباء في قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ للإلصاق، وهذا يقتضي عدم وجود الحائل بين الراس والماء.\nتنبيه: ثبت عن النبي ﷺ المسح على العمامة (^٣)، ومن أجاز ذلك اشترط للمسح عليها شروطًا لا تنطبق على الشماغ وما ذكر معه. فالحنابلة يشترطون في\n_________\n(^١) ينظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ١٧٠)، الشرح الممتع (١/ ١٩٣)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٢٤).\n(^٢) يرى الشيخ العثيمين جواز المسح على القبّعة التي تلبس على الرأس أيام الشتاء لتقية البرد؛ لأنّ نزعها قد يكون أشق من العمامة، ولأنها أشد تدفئة من العمامة فتأخذ حكمها.\nينظر: شرح صحيح مسلم، لابن عثيمين (١/ ٥٨٠)، مجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ١٧٠)، فتح ذي الجلال والإكرام (١/ ٣٨٦).\n(^٣) كما في حديث عمرو بن أمية ﵁ قال: (رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب المسح على الخفين، برقم: (٢٠٥).","vol":"1","page":250},{"text":"جواز المسح على العمامة كونها محنّكة أو ذات ذؤابة (^١)، والشماغ والغترة والطاقية ليست كذلك\nولعل ضابط ذلك ما ذكره الشيخ العثيمين: «ما كان بمعنى العمامة مما يشق نزعه، فإنه يلحق بها، وما لا فلا» (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-151> المطلب الخامس: المسح على الباروكة.</span>\nاستدل بالآية على عدم جواز المسح على الباروكة (^٣).\nتخريج الحكم: أن الباء في قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ للإلصاق، وهذا يقتضي عدم وجود الحائل بين الراس والماء.\nويستصحب التنبيه السابق في المسألة الماضية.\nكما ينبه: أن لبس الباروكة للرجال والنساء محرم، هذا هو الأصل فيها؛ لأنها داخلة في الوصل، وهي وإن لم تكن وصلًا إلا أنها تظهر شعر الرأس على وجه أطول من حقيقته فتشبه الوصل، فتأخذ حكم وصل الشعر، وقد أجاز الشيخ العثيمين ﵀ لبس الباروكة للمرأة القرعاء التي لا شعر لها أصلًا؛ لأنه من باب إزالة العيب وهو جائز قياسًا على إذن النبي ﷺ باتخاذ أنف من ذهب لمن جدع أنفه (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: كشاف القناع عن متن الإقناع (١/ ١١٩)، الإنصاف (١/ ١٨٥)، الشرح الممتع (١/ ٢٣٧).\n(^٢) ينظر: شرح صحيح مسلم، لابن عثيمين (١/ ٥٧٩).\n(^٣) ينظر: فتاوى العثيمين (١١/ ١٩٣)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٢٢).\n(^٤) ينظر: فتاوى المرأة ص (١٦٦ - ١٨٣).","vol":"1","page":251},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-152> المطلب السادس: عدم نقض الوضوء من خروج غير البول والعذرة من النجاسات.</span>\nاستدل بقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ من قال بعدم نقض الوضوء من الخارج من النجاسات غير البول والعذرة، سواء كان الخارج من المخرج المعتاد - السبيلين - أو من غيرهما (^١).\nتخريج الحكم: يخرج الحكم على مفهوم الآية، حيث دلت الآية بمنطوقها على النقض من الغائط. والخارج في الغائط: البول والعذرة. ومفهومه: أن غير ذلك ليس بناقض.\n\n*<span data-type='title' id=toc-153> المطلب السابع: نقض الوضوء من الخارج عن طريق القسطرة والشرج الصناعي</span>\nاستدل بالآية من قال بنقض الوضوء عن طريق خروج البول عن طريق القسطرة، أو الغائط عن طريق الشرج الصناعي (^٢):\nوالقسطرة: أن يوضع للمريض في مجرى البول قِسْطار أي: (ماسور بلاستيكي) يخرج منه البول دون إرادة المريض (^٣).\nأمّا الشرج الصناعي: فكأن يفتح الطبيب في جدار البطن فتحة يخرج منها البراز دون إرادة المريض، وتجتمع في علبة وتزال بين فترة وأخرى (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: الإنصاف (٢/ ١٣)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٠/ ٥٢٦)، الشرح الممتع (١/ ٢٧٤).\n(^٢) ينظر: الشرح الممتع (١/ ٢٧٤)، شرح عمدة الفقه للجبرين (١/ ١٢٤)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٢٦). وخروج النجاسة من غير المخرج لا ينقض الوضوء إلا إذا كان بولًا أو غائطًا وهي رواية في المذهب الحنبلي كما في الإنصاف (٢/ ١٣)، واختارها شيخ الإسلام في مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٠/ ٥٢٦).\n(^٣) ينظر: فقه النوزال للمشيقح (٤٢)، الفقه الميسر (٩/ ١٢).\n(^٤) ينظر: المصدر السابق.","vol":"1","page":252},{"text":"وتخريج الحكم: ما سبق في المسألة السابقة من كون المطلق يجري على إطلاقه، وقد أطلق الشرع نقض الوضوء من خروج البول والغائط، ولم يقيّده من مخرجه المعتاد، فإن خرجا من أي مخرجٍ فإنهما ناقضان.\nتنبيه: ذكر ابن رشد أن سبب اختلافهم في ذلك هو: «أنه لما أجمع المسلمون على انتقاض الوضوء مما يخرج من السبيلين من غائطٍ وبولٍ وريح ومذي؛ لظاهر الكتاب، ولتظاهر الآثار بذلك، تطرق إلى ذلك ثلاثة احتمالات:\nأحدها: أن يكون الحكم إنما علّق بأعيان هذه الأشياء فقط، الاحتمال الثاني: أن يكون الحكم إنما علّق بهذه من جهة أنها أنجاسٌ خارجةٌ من البدن لكون الوضوء طهارة، والطهارة إنما يؤثر فيها النجس، والاحتمال الثالث: أن يكون الحكم -أيضًا- إنما علّق بها من جهة أنها خارجةٌ من هذين السبيلين» (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-154> المطلب الثامن: نقض الوضوء بالغسيل الكلوي البروتيني.</span>\nاستدل بالآية من قال بنقض الوضوء بالغسيل الكلوي البروتيني والغسيل الكلوي (^٢). البروتيني: هو عبارة عن أنبوب يوضع في جوف المريض، وهذا الأنبوب يوضع بين السّرة والعانة، ويُعطى المريض بعض السوائل والأدوية الخاصّة التي تساعد الجسم على التّخلص من السموم، والفضلات السائلة، والأملاح الزائدة، ثم بعد ذلك تجتمع هذه الفضلات السائلة والسموم والأملاح الزائدة في هذا الأنبوب، ما يقارب من ثمان ساعات، ثمّ بعد اجتماعها يقوم المريض بتفريغ هذا الأنبوب في كيس خارجي (^٣).\n_________\n(^١) بداية المجتهد (١/ ٤١).\n(^٢) ينظر: فقه النوزال للمشيقح (٤٨ - ٤٩)، الفقه الميسر (٩/ ١٤).\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"1","page":253},{"text":"وتخريج الحكم: أوجب المولى ﷾ في الآية التطهر بالوضوء أو التيمم عند خروج البول أو الغائط لمن أراد القيام للصلاة، وأطلق في المحل، ولم يقيده بالمخرج المعتاد؛ لذا ذهب الحنفية والحنابلة إلى نقض الوضوء بخروج البول والغائط من أي محل خرجا؛ وذلك لأنّ المطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد التّقييد الشّرعيّ له (^١).\nتنبيه: الخارج من الغسيل الكلوي فيه صفات البول من الفضلات والأملاح والسموم؛ لذا أخذ حكمه، ولم يأخذ حكم الدّم، ونُقل عن بعض الباحثين أن من استعمل الغسيل البرويتيني في الغالب أنه يستغني عن التبول الطبيعي (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-155> المطلب التاسع: طهوريّة الماء المتغير بالدواء</span>\nاستدل بقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ من قال بطهوريّة الماء المتغير بالدواء، شريطة أن يبقى اطلاق اسم الماء عليه (^٣).\nتخريج الحكم: أن لفظة ﴿مَاءً﴾ نكرة في سياق النّفي، فتعمّ كل ما يطلق عليه ماء، والماء المتغير بالدواء يطلق عليه اسم الماء، فلم يسلبه الدواء المخالط اسم الماء، وعليه لا يجوز العدول عنه إلى التيمم.\nتنبيه: هذا الحكم مبني على أن الماء إذا خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه؛ فإنّه يبقى على طهوريته، ما لم يسلبه اسم الماء المطلق، وهذا مذهب الحنفية، ورجحه كثير من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رأي الشيخين عبد العزيز بن باز وابن عثيمين -رحمهما الله-.\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين (١١/ ٢٦٠) والمبدع شرح المقنع (١/ ١١٧).\n(^٢) ينظر: فقه النوزال للمشيقح (٤٩ - ٥٠)، الفقه الميسر (٩/ ١٥).\n(^٣) ينظر: فقه النوزال في العبادات للمشيقح (٢٠).","vol":"1","page":254},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-156> المطلب العاشر: طهورية المياه المتغيرة بصدأ الأنابيب والخزانات</span>\nاستدل بالآية على من قال بأن المياه المتغيرة بصدأ الأنابيب والخزانات باقية على طهوريتها، ولا يجوز التيمم مع وجود هذا الماء، ولا يؤثر تغير الصدأ فيها؛ لعدم القدرة عن الانفكاك عنه، ولا يمكن التحرز ولا صون الماء منه (^١).\nتخريج الحكم: ما سبق من كون لفظ ﴿مَاءً﴾ في الآية نكرة في سياق النفي فتعمّ كل ماءٍ، وهذا ماء فلا يجوز التيمم مع وجوده.\nوكذا يمكن تخريجها على عموم النكرة في سياق الامتنان الواردة في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١].\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨].\n\n*<span data-type='title' id=toc-157> المطلب الحادي عشر: طهورية مياه الصرف الصّحي بعد تنقيتها.</span>\nاستدل بالآية من قال بطهورية مياه الصرف الصحي بعد تنقيتها، وعدم جواز التيمم مع وجودها (^٢).\nوتخريج الحكم: ما سبق من تخريج، من كون لفظة ﴿مَاءً﴾ نكرة في سياق نفي، تعمّ كل ما يتعلق عليه ماء، ومياه الصّرف الصّحيّ بعد تنقيها يطلق عليها ماء، فيكون المتيمم واجدًا، ولا يجوز له العدول عنه إلى التيمم عند وجوده.\n_________\n(^١) ينظر: فقه النوزال في العبادات للمشيقح (٢٠ - ٢١).\n(^٢) ينظر: قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الحادية عشرة (٢٥٨)، ورجحه مجلس هيئة كبار العلماء في قراره رقم (٦٤)، وفتاوى اللجنة الدائمة (٥/ ٨٠ - ١٠٠)، وأبحاث الهيئة (٦/ ٢١٦)، ومجلة البحوث الإسلامية (٤٩/ ٣٥٩ - ٣٦١)، ومجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز (١٠/ ٤٠٤)، والشرح الممتع (١/ ٤٧)، وفقه النوازل للمشيقح (٥٧)، والفقه الميسر (٩/ ٧)،.","vol":"1","page":255},{"text":"وناقش البعض: صحة التخريج السابق، بأنّ مياه الصّرف الصّحي لا يطلق عليها اسم الماء إلّا بالإضافة.\nيقول الدكتور عبد الله بن بكر أبوزيد: وماء الصرف الصحي بعد تنقيته ليس ماءً مطلقًا باقيًا على أصل خلقته بل مقيدًا بوصف التنقية المشعر بالاستقذار والاستخباث (^١).\nثم نقل عن النووي ﵀ قوله: (وأما الماء المطلق فالصحيح في حده أنه: العاري عن الإضافة اللازمة، وإن شئت قلت: هو ما كفى في تعريفه اسم ماء.\nوهذا الحد نص عليه الشافعي ﵀ في البويطي.\nوقيل: هو الباقي على وصف خلقته، وغلطوا قائله؛ لأنه يخرج عنه المتغير بما يتعذر صونه عنه أو بمكث أو تراب ونحو ذلك، واختلفوا في المستعمل هل هو مطلق أم لا على وجهين: أصحهما وبه قطع المصنف في باب ما يفسد الماء من الاستعمال وآخرون من محققي أصحابنا: أنه ليس بمطلق، والثاني: أنه مطلق) (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-158> المطلب الثاني عشر: التيمم على جدار الأسمنت أو البلاط، أو الجدار الذّي عليه دهان</span>\nاستدل بقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ من قال بعدم جواز التيمم على جدار الأسمنت أو البلاط، أو الجدار الذّي عليه دهان (بوية) (^٣).\nوتخريج الحكم: أن (من) في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ تبعيضية، وهذا يقتضي أن يكون\n_________\n(^١) فقه القضايا المعاصرة في العبادات (١١٧) رسالة دكتوراه غير منشورة.\n(^٢) المجموع شرح المهذب (١/ ٢١).\n(^٣) ينظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ٢٤٠)، (١٥/ ٤١٢)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٢٧).","vol":"1","page":256},{"text":"هناك غبار يعلق باليد، وهذا لا يتحقق بجدار الأسمنت أو البلاط، فلا يتحقق المسح.\nنوقش: أن التيمم غير مختص بالتراب، بل بكل ما تصاعد على وجه الأرض؛ لقوله سبحانه: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، والصعيد: كل ما تصاعد على وجه الأرض (^١).\nوحمل بعضهم (من) في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ على كونها ابتدائية، أي لابتداء الغاية (^٢)، أي: مبدأ ذلك المسح كائن من الصعيد الطّيب، وعليه فلا يتعين ما له غبار، ويصحّ التيمم بجدار الأسمنت وغيره.\n\n•<span data-type='title' id=toc-159> المبحث الثالث: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]</span>\n*<span data-type='title' id=toc-160> المطلب الأول: وضع المصلي على يده أو ثوبه العطور المسماة بالكولونيا</span>\nاستدل بالآية على عدم جواز الصّلاة فيما إذا وضع المصلي على يده أو ثوبه العطور المسماة بالكولونيا.\nقال محمّد الأمين الشّنقيطي: «… وعلى هذا، فالمسكر الذي عمت البلوى اليوم بالتطيب به المعروف في اللسان الدارجي ب (الكولانيا) نجس لا تجوز الصلاة به» (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: الشرح الممتع (١/ ٣٩٢).\n(^٢) ينظر: أضواء البيان (٢/ ٤٥) (٢/ ١٢٧)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (١٩ - ٢٠).\n(^٣) أضواء البيان (٢/ ١٥٤)، الجامع الأحكام القرآن (٦/ ٢٧).","vol":"1","page":257},{"text":"وتخريج الحكم: أن الأمر في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ يقتضي الاجتناب المطلق الذّي لا ينتفع معه بشيء من المسكر. وهو أمرٌ بمعنى النهي، فيقتضي تحريمه، وفساد الصلاة به؛ لأنّ النّهي يقتضي التحريم والفساد.\nوقد دلت الآية على نجاسته بقوله: ﴿رِجْسٌ﴾، والرجس هو: النّجس.\nنوقش: بأن النجاسة هنا حكمية لا حسية. ويؤيد ذلك قوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾\nقال الشيخ العثيمين: «أنّ المراد بقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ هو الخمر، وهو الشراب المسكر الذي أعدّ لذلك الذي يؤدّي شربه إلى المفاسد التي جعلها الله مناط الحكم في التحريم، وقد بيّن ذلك في الآية التي بعدها بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة ٩١]، فإذا كان لهذه الكحول منافع خالية من هذه المفاسد فإنه ليس لنا القول بتحريمها إلا بدليلٍ ناهضٍ، ولا دليل، وغاية ما يمكن أن يقال فيها: أنها من الأمور المشتبهة، والمشتبه إذا احتيج إليه فإنه يزول عنه حكم الاشتباه كما هو مقرّرٌ في القواعد الفقهية» (^١).\nوالجواب: بل النجاسة حقيقية وليست حكمية؛ لأنّ التّحريم كان لذات الخمر، وما كان لذاته وعينه؛ فإنّه يدلّ على نجاسته. وهذا من القواعد التي يُخرَّج عليها هذا الحكم.\nقال ابن قدامة: «الخمر نجسة في قول عامة أهل العلم؛ لأن الله حرمها\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ٢٥٤ - ٢٥٦)، وينظر: مجموع فتاوى ابن باز (١٠/ ٣٨) حيث يرى عدم نجاستها مع تحريم التطيب بالطيب المعمول من الكالونيا.","vol":"1","page":258},{"text":"لعينها، فكانت نجسة كالخنزير، وكل مسكر فهو حرام، نجس، لما ذكرنا» (^١)\nكما أن العلماء علقوا نجاسة الخمر على وصف الإسكار، وهذا الوصف موجود في الكالونيا.\nقال ابن القيم: «الخمر علق بها حكم التنجيس ووجوب الحد لوصف الإسكار» (^٢).\nوقال القرافي: «نجاسة الخمر معللة بالإسكار» (^٣).\nومما يؤيد نجاسته مفهوم قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، حيث دلَّ منطوق الآية أن شراب الآخرة طهور، ومفهومه أن شراب الدنيا ليس بطهور.\nتنبيه: يأخذ حكم الكالونيا كل المواد المشتملة على الكحول، كمستحضرات التجميل، والمسحات الطبية، ونحوها (^٤) في أثرها على الطهارة.\n_________\n(^١) المغني (٩/ ١٤٤). وقد ذكر النووي في المجموع شرح المهذب للنووي (٢/ ٥٨٤) هذا المعنى وهو أن الخمر يحرم تناوله من غير ضرورة فكان نجسًا كالدم.\n(^٢) إعلام الموقعين (٤/ ٨٠). وانظر: مدارج السالكين (٢/ ٤٩٧).\n(^٣) الذخيرة (١/ ١٦٤).\n(^٤) استعملت الكحول بجميع أنواعه بشكلٍ واسعٍ مع التّطوّر الهائل في الصناعة، حتى دخلت في العديد من المنتجات الحديثة، مثل:\n* العطورات ومستحضرات التجميل.\n* محاليل الغسيل، ومستحضرات التنظيف، كالصابون، والشامبو، ونحوها.\n* مستحضرات التطهير والتعقيم، كالمسحات والمحاليل الطبية المستخدمة لتطهير الجروح، أو للتعقيم قبل العمليات الجراحية أو قبل ضرب الإبر العلاجية، ونحو ذلك.\n* الروائح والمنكهات التي تضاف إلى الأطعمة.\n* وقود المحرّكات، والطلاء، والأصباغ، والمذيبات، ومنها مذيبات المواد الصمغية واللواصق، كالمحاليل الخاصة بإزالة طلاء الأظافر، والمعروفة باسم الراتينج.\nكما أنها تستخدم في تحضير كثير من الأدوية.\nومنها ما يضاف للبترول، فيؤدي إلى تحسين المعدل الأوكتاني للبترول، ومنه ما يخلط مع البترول، فينتج عنهما وقود للمحركات، يسمى البترول الكحولي، إلى غير ذلك من الصناعات التي يصعب حصرها. انظر: الموسوعة العربية العالمية (١٩/ ١٥٢)، والكحول والمخدّرات في الغذاء والدواء، لمحمد البار.","vol":"1","page":259},{"text":"ولذا تسامح بها البعض؛ لكونها مما عمَّت بها البلوى، وانتشرت، ولا يكاد يخلو منها بيت من بيوت المسلمين.\nوقالوا: إن في القول بنجاستها حرج عظيم؛ لأن فيه تأثيمًا للأمة، وإبطالًا لعباداتها من صلاة وطواف ونحوه (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-161> المطلب الثاني: استعمال السوائل الكحولية لأغراض الصّناعة والرسوم، والخرائط والمختبرات</span>\nاستدل بالآية على جواز استعمال السوائل الكحولية لأغراض الصّناعة والرسوم، والخرائط والمختبرات (^٢).\nتخريج الحكم: إنّ الحكم يدور مع علته، حيث قالوا: إنّ علة تحريم الخمر هي ما ورد في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ﴾ [المائدة: ٩١]، وهذه العلة لا تحصل فيما إذا استعمل في غير الشراب (^٣).\nتنبيه: هذا القول مبني على القول بعدم نجاسة الخمر من جهة، والقول بأن المحرم من الخمر هو الشرب فقط من جهة أخرى.\nوقالوا: إن الخمر ليس هو الكحول، وإنما هو كلّ مادّة أعدّت للشرب،\n_________\n(^١) ينظر: فقه القضايا المعاصرة في العبادات (١٧٥) رسالة غير منشورة د. عبد الله بن بكر أبو زيد، والفقه الميسر (٩/ ١٧).\n(^٢) ينظر: فتاوى ابن عثيمين (١١/ ٢٥٤).\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"1","page":260},{"text":"وهي تؤدّي إلى الإسكار، سواءٌ أكانتْ من الكحول أم من غيرها، وعلى هذا فالعطورات الكحولية لا تدخل في مسمّى الخمر؛ لأنها من الطيب المباح في عرف جميع الناس، فهي لم تعدّ لغرض الإسكار، مثلها مثل البنزين، ومذيب البوية، والصمغ، والأصباغ، وغيرها مما قد يسكر وهو لم يعدّ لذلك.\n* * *\n\n•<span data-type='title' id=toc-162> المبحث الرابع: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]</span>\n*<span data-type='title' id=toc-163> المطلب الأول: جواز التطهر بمياه الصرف الصحيّ بعد التنقية بالوسائل الحديثة</span>\nاستدل بالآية على جواز التطهر بمياه الصرف الصحيّ بعد التنقية بالوسائل الحديثة (^١).\nوتخريج الحكم: على قاعدة دوران الحكم مع علته وجودًا وعدمًا؛ حيث نصت الآية على كونها حلالًا إن كان طيبًا، وجعل مقابل الطّيب الخبيث، وقد فصل ﷾ ما حرم من الخبائث في القرآن من الدّم والخنزير والميتة وغيرها من النجاسات، وعليه فإذا زالت واستحالت لم يبق لها أثر فينتفي حكمها، وتكون من الطيبات. والجواز مأخوذ من لفظ الحلِّ\nوقد أصدر المجمع الفقهي بمكة قراره الخامس في دورته الحادية عشرة عام ١٤٠٩ بشأن: (حكم التطهر بمياه المجاري بعد تنقيتها) وهذا نصه: (… نظر\n_________\n(^١) صدر به قرار المجمع الفقهي، وهيئة كبار العلماء في المملكة قرارها رقم (٦٤).\nينظر: قرارات المجمع الفقهي الإسلامي (٩١ - ٩٣، ٢٥٨)، فتاوى اللجنة الدائمة (٥/ ٨٠)، ومجلة البحوث الإسلامية (٤٩/ ٣٥٩ - ٣٦١)، مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (١٠/ ٤٠٤).","vol":"1","page":261},{"text":"في السؤال عن حكم ماء المجاري بعد تنقيته هل يجوز رفع الحدث بالوضوء والغسل به؟ وهل تجوز إزالة النجاسة به؟ وبعد مراجعة المختصين بالتنقية بالطرق الكيماوية وما قرروه من أن التنقية تتم بإزالة النجاسة منه على مراحل أربعة وهي الترسيب والتهوية وقتل الجراثيم وتعقيمه بالكلور بحيث لايبقى للنجاسة في طعمه ولونه وريحه وهم مسلمون عدول موثوق بصدقهم وأمانتهم.\nقرر المجمع ما يأتي:\nإن ماء المجاري إذا نقي بالطرق المذكورة أو ما يماثلها ولم يبق للنجاسة أثر في طعمه ولا في لونه ولا في ريحه صار طهورًا يجوز رفع الحدث وإزالة النجاسة به بناءً على القاعدة الفقهية التي تقرر أن الماء الكثير الذي وقعت فيه النجاسة يطهر بزوال هذه النجاسة منه إذا لم يبق لها أثر فيه والله أعلم) (^١).\nنوقش: بعدم التسليم في كونه أصبح طيبًا، مع وجود صفة الاستخباث، كما سيأتي في المطلب التالي.\n\n*<span data-type='title' id=toc-164> المطلب الثاني: عدم جواز التطهر بمياه الصرف الصحيّ بعد التنقية بالوسائل الحديثة.</span>\nاستدل من قال بعدم جواز التطهر بمياه الصرف الصحيّ بعد التنقية بالوسائل الحديثة بالآية الكريمة.\nوتخريج الحكم: ما ورد بقوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وهو إخبار عن الحكم شرعي.\nسبق في المسألة السابقة القول بصدور قرار المجمع الفقهي بمكة بجواز\n_________\n(^١) قرارات المجمع ص (٩١ - ٩٣).","vol":"1","page":262},{"text":"التطهر بمياه الصرف الصحي بعد تنقيتها، وقد توقف في هذا القرار عضو المجمع الشيخ صالح الفوزان، والشيخ بكر بن عبد الله أبوزيد، وكتب الشيخ بكر وجهة نظره، فقال: (الحمد لله وبعد .. فإن المجاري في الأصل معدة لصرف ما يضر الناس في الدين والبدن طلبًا للطهارة ودفعًا لتلوث البيئة.\nوبحكم الوسائل الحديثة لاستصلاح ومعالجة مشمولها لتحويله إلى مياه عذبة منقاة صالحة للاستعمالات المشروعة والمباحة مثل: التطهر بها، وشربها، وسقي الحرث منها، بحكم ذلك صار السبر للعلل والأوصاف القاضية للمنع في كل أو بعض الاستعمالات، فتحصل أن مياه المجاري قبل التنقية معلة بأمور:\nالأول: الفضلات النجسة باللون والطعم والرائحة.\nالثاني: فضلات الأمراض المعدية، وكثافة الأدواء والجراثيم (البكتيريا).\nالثالث: علة الاستخباث والاستقذار لما تتحول إليه باعتبار أصلها، ولما يتولد عنها في ذات المجاري من الدواب والحشرات المستقذرة طبعًا وشرعًا.\nولذا صار النظر بعد التنقية في مدى زوال تلكم العلل، وعليه:\nفإن استحالتها من النجاسة بزوال طعمها ولونها وريحها لا يعني ذلك زوال ما فيها من العلل والجراثيم الضارة. والجهات الزراعية توالي الإعلام بعدم سقي ما يؤكل نتاجه من الخضار بدون طبخ فكيف بشربها مباشرة. ومن مقاصد الإسلام المحافظة على الأجسام؛ ولذا لايورد ممرض على مصح، والمنع لاستصلاح الأبدان كالمنع لاستصلاح الأديان.\nولو زالت هذه العلل لبقيت علة الاستقذار والاستخباث باعتبار الأصل لماء يعتصر من البول والغائط فيستعمل في الشرعيات والعادات على قدم","vol":"1","page":263},{"text":"التساوي .... الخ) (^١).\nونوقش: بأن العبرة في التحليل والتحريم للنصوص وليس لما تحسنه أو تقبحه النفوس.\nوقال شيخ الإسلام ﵀: (من قال من العلماء أنه حَرَّم على جميع المسلمين ما تستخبثه العرب وأحل لهم ما تستطيبه، فجمهور العلماء على خلاف هذا القول: كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وقدماء أصحابه، ولكن الخرقي وطائفة منهم وافقوا الشافعي على هذا القول، وأما أحمد نفسه فعامة نصوصه موافقة لقول جمهور العلماء.\nوما كان عليه الصحابة والتابعون: أن التحليل والتحريم لا يتعلق باستطابة العرب ولا باستخباثهم، بل كانوا يستطيبون أشياء حرمها الله: كالدم، والميتة، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وأكيلة السبع، وما أهل به لغير الله، وكانوا بل خيارهم يكرهون أشياء لم يحرمها الله حتى لحم الضب كان النبي يكرهه، وقال: (لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه) (^٢)، وقال مع هذا: (أنه ليس بمحرم)، وأُكل على مائدته وهو ينظر وقال فيه: (لا آكله ولا أحرمه) (^٣).\nوقال جمهور العلماء: الطيبات التى أحلها الله ما كان نافعًا لآكله فى دينه، والخبيث ما كان ضارًا له فى دينه) (^٤).\n_________\n(^١) قرارات المجمع ص (٩١ - ٩٣)، وفقه القضايا المعاصرة في العبادات د. عبد الله أبوزيد (١١١) رسالة دكتواره غير منشورة.\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب الضب، برقم (٥٢١٧)، ومسلم برقم (١٩٤٥)، (١٩٤٦).\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب الضب، برقم (٥٢١٦).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٤).","vol":"1","page":264},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-165> المبحث الخامس: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]</span>\nاستدل بها من قال بعدم إزالة النجاسة بالبخار.\nتخريج الحكم: أن الامتنان بالماء يقتضي اختصاصه بالتّطهر، فلو جعل التطهير بغيره لفات الامتنان به (^١). والبخار لا يسمى ماء على الإطلاق بل بخارًا أو رشحًا (^٢).\nنوقش: بعدم التسليم بأن الامتنان يفوت بمشاركة غير الماء للماء في التطهر؛ لأنّ الشّارع إنّما ذكر الشارع الماء وامتنّ به على عباده - هنا - لكونه أنفع المطهرات؛ ولكونه الغالب المتيسر في ذلك الوقت، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له.\nكما نوقش بعدم تسمية البخار ماء، وفي ذلك يقول الروياني: «وهذا غير صحيح عندي؛ لأن رشح الماء ماء حقيقة، وينقص منه بقدره فهو ماء مطلق فيتطهر به» (^٣).\nأو يقال: إن البخار ماء باعتبار ما سيؤول إليه بعد جمعه فما جمع من البخار يسمى ماءً، ويسمى بخارًا حال تبخره.\n_________\n(^١) ينظر: المجموع (١/ ٩٦)، الشرح الممتع (١/ ٤٢٣).\n(^٢) نقله الرافعي عن بعض الشافعية. ينظر: أسنى المطالب شرح روض الطالب لابن زكريا الأنصاري (١/ ٦).\n(^٣) المجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٣٤).","vol":"1","page":265},{"text":"تنبيه: يرى الحنفية جواز إزالة النجاسة بغير الماء (^١)، وهو رواية عند الحنابلة اختارها شيخ الإسلام ابن تيميّة (^٢)، والشيخ ابن عثيمين (^٣).\nوهؤلاء يرون أن إزالة النجاسة ليست مما يتعبد به قصدًا، أي أنها ليست عبادة مقصودة، وإنما إزالة النجاسة هو التخلي من عين خبيثة نجسة، فبأي شيء أزال النجاسة وزالت وزال أثرها فإنه يكون ذلك الشيء مطهِّرًا لها، سواء بالماء أو البنزين، أو أي مزيل يكون (^٤).\n* * *\n\n•<span data-type='title' id=toc-166> المبحث السادس: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]</span>\nاستد بالآية على جواز استعمال ما يرد إلينا من بلاد الكفار من الثياب والمفارش والأغطية والبسط وغيرها، مما يصنع من الصّوف أو الشّعر أو الريّش (^٥).\nتخريج الحكم: أن السياق سياق امتنان، ولا يمتن ﷾ إلّا بما هو طاهر وجائز الانتفاع به، كما أن سياق الامتنان يقتضي التّعميم، فيعم شعر المذكاة والميتة إلا ما منعه الدليل (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٣٠٩).\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٧٦).\n(^٣) ينظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ٨٦)، الشرح الممتع (١/ ٤٢٤).\n(^٤) ينظر: الفقه الميسر (٩/ ١٦)، ومجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ٨٦)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (١٦).\n(^٥) ينظر: شرح عمدة الفقه د. عبد الله بن عبد العزيز الجبرين (٤٤١)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (١٦).\n(^٦) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٠/ ١٥٥).","vol":"1","page":266},{"text":"والقول بأن الشعر والصوف والريش من الميتة طاهر إذا جُزَّ، هو قول الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)؛ لكون الأصل طهارتها قبل الموت بإجماع، فيستصحب هذا الأصل، ومن زعم أنه انتقلت إليها النجاسة فعليه الدليل (^٢).\nوعلى هذا الأصل، وكون الأصل في الأشياء الإباحة يمكن استصحاب ما يرد إلينا من بلاد الكفر من الثياب والمفارش والأغطية والبسط وغيرها.\n\n•<span data-type='title' id=toc-167> المبحث السابع: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]</span>\nاستدل بها من قال بأن المتوضئ لا يلزمه إزالة الأسنان الاصطناعية عند الوضوء (^٣).\nتخريج الحكم: يؤخذ من عموم نفي الحرج في الشريعة، وقد ورد ﴿حَرَجٍ﴾ منكرًا في سياق النّفي فيعمّ كل حرج، ونزع الأسنان قد يكون فيه حرج، فيدخل في العموم.\n_________\n(^١) ينظر: البحر الرائق (١/ ١١٥)، ومواهب الجليل (١/ ١٢٦)، والشرح الكبير (١/ ٧٤)، والشرح الممتع (١/ ٩٣).\n(^٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٠/ ١٥٥).\n(^٣) وبه أفتت اللجنة الدّائمة بالمملكة العربيّة السّعوديّة. ينظر فتاوى اللجنة الدائمة (٢٤/ ٧٣)، والشرح الممتع (١/ ٢٠٩)، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٤/ ١٤٠) وذكر ﵀ أنه قد يكون في خلعها مشقة فلا تنزع ولا تتحرك.، وينظر: فقه النوازل للمشيقح (٣٠)، والفقه الميسر (٩/ ٨)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٢١).","vol":"1","page":267},{"text":"يقول الشيخ العثيمين: «إنسانٌ عليه تركيبة أسنان، هل نقول: يجب أن يخلعها عند الوضوء أو لا يجب؟ الظاهر: أنه لا يجب؛ لأنّ الفقهاء يقولون: إن المضمضة يكفي فيها إدارة الماء أدنى إدارة، يعني ليس بلازمٍ أن يستوعب كل الفم، فإذا كان كذلك فإنه لا يجب؛ لأنّ هذا شيءٌ يسيرٌ، لا سيما إذا كان سنًّا أو سنّين، أما لو كان كلّ الحنك مركّبًا فقد يقال: إنّ هذا شيءٌ كثير» (^١).\nتنبيه: ويدخل في ذلك كل ما فيه مشقة وعنت في رفعه وإزالته، كالمسح على الباروكة أو الأرجل الصناعية (^٢).\n* * *\n\n•<span data-type='title' id=toc-168> المبحث الثامن: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٨٠]</span>\nاستدل بها على عدم جواز مسح السّبورة الثّابتة بلا وضوء، إذا كتب فيها آية فأكثر؛ لأنها تلحق باللوح (^٣)\nتخريج الحكم: يخرج الحكم على قاعدة النّهي يقتضي التّحريم، والفعل في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ ينزل منزلة النكرة، فيكون عامًّا في أيّ مسٍّ سواء كان على الورق أو السبورة.\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري، لابن عثيمين (١/ ٤٣١).\n(^٢) ينظر: ص (٥، ٧) من هذا البحث.\n(^٣) وكان هذا اختيارًا للشيخ العثيمين كما في الشرح الممتع (١/ ٣٢٢، ٣٣٣). وتوقّف في مجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ٢١٤)، وقال: هي عندي محلّ توقّفٍ","vol":"1","page":268},{"text":"تنبيه: وهذا القول مبني على أمرين:\nالأول: على القول بتحريم مس المصحف، وإليه ذهب الجمهور (^١)، واختاره ابن تيمية (^٢)، وتلميذه ابن القيم (^٣)، وهو الذي رجحه الشيخ ابن عثيمين أخيرًا (^٤).\nالثاني: أنَّ الضّمير في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ يعود إلى القرآن؛ بقرينة: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ والمنزّل هو القرآن (^٥).\nونوقش بما يلي:\nأنّ الضّمير في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ لا يعود إلى القرآن، وإنما يعود إلى الكتاب المكنون؛ لأنّ الضّمير يعود إلى أقرب مذكور (^٦)، وأما قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فهو عائدٌ بلا شكّ إلى القرآن الكريم، ولا مانع من تداخل الضّمائر إذا كان ثمّة قرينة تدلّ على ذلك (^٧)، ثم إنّه على احتمال تساوي الأمرين فإنّ الاستدلال بهذه الآية يسقط؛ لأنّ الدليل إذا تطرّق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.\n_________\n(^١) ينظر: المبسوط (٣/ ١٥٢)، وبدائع الصنائع (١/ ٣٣)، وبداية المجتهد (١/ ٥٥) والمجموع (٢/ ٦٧، ٧٢)، والمغني (١/ ١٣٧).\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٦٦).\n(^٣) ينظر: أعلام الموقعين (١/ ١٧٢).\n(^٤) ينظر: فتح ذي الجلال والإكرام (١/ ٤٦٢)، الشرح الممتع (١/ ٣٢٠).\n(^٥) ينظر: المغني (١/ ٢٠٢)، المجموع (٢/ ٧٢)، إعلام الموقعين (١/ ١٧٢).\n(^٦) ينظر: نيل الأوطار (١/ ٣٢٠)، فتاوى القنوجي (٤٠٤).\n(^٧) انظر: الشرح الممتع (١/ ٣١٨).","vol":"1","page":269},{"text":"ومما يدلّ على أنّ الضّمير لا يعود على القرآن قوله: ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾؛ لأنه لو أراد منع المحدث من مسّه لقال: «إلا المتطهِّرون»؛ كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فالمتطهّر: فاعل التطهير، والمطهّر: الذي طهّره غيره، فالمتوضِّئ متطهِّرٌ، والملائكة مطهَّرون (^١).\n_________\n(^١) ينظر: التبيان في أيمان القرآن لابن القيم (٣٣١). وقد ناقش ابن القيم في هذا الكتاب استدلال الجمهور بهذه الآية من عشرة أوجه.","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-169>الفصل الثاني تخريج نوازل أحكام الصلاة</span>\n•<span data-type='title' id=toc-170> المبحث الأول: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] ومثلها في الحجّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].</span>\nاستدل بالآية على جواز الائتمام بالإمام الذي تنقل في صلاته عن طريق المذياع (^١).\nتخريج الحكم: بناء على قاعدة: المطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد دليل التقييد.\nوبيانه: أن الأمر بالصلاة مطلق غير مقيد بمكان واحد يجتمع فيه، والصّلاة مع الإمام عبر التلفاز متحققة، فتدخل في الإطلاق المذكور في الأمر.\nويمكن مناقشة ما سبق، بأنّ الأصل حمل كلام الشارع على المعهود، وقت نزول الخطاب، ولا شك أن المعهود هو الاجتماع في مكان واحدٍ مع الإمام حقيقة، ولا سيما أن من مقاصد الصّلاة الاجتماع لها، وكل ما خالف مقصود العبادة فهو باطل.\n_________\n(^١) ينظر: بواسطة فقه النوازل للمشيقح (١٠١) المصادر التالية: رسالة الإقناع بصحة صلاة الجمعة بالمنزل خلف المذياع للغماري، وفقه المستجدات في باب العبادات (٢١٠ - ٢١٨)، والأجوبة النافعة (٣٢٠)، وإتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٤٥).","vol":"1","page":271},{"text":"يقول الشيخ العثيمين: «لا يجوز للإنسان أن يقتدي بالإمام بواسطة الراديو أو بواسطة التلفزيون؛ لأنّ صلاة الجماعة يقصد بها الاجتماع، فلا بدّ أن تكون في موضعٍ واحدٍ، أو تتّصل الصفوف بعضها ببعض، ولا تجوز الصلاة بواسطتهما، وذلك لعدم حصول المقصود بهذا، ولو أننا أجزنا ذلك لأمكن كلّ واحدٍ أن يصلّي في بيته الصلوات الخمس، بل والجمعة أيضًا، وهذا منافٍ لمشروعية الجمعة والجماعة، وعلى هذا فلا يحلّ للنساء ولا لغيرهنّ أنْ يصلّي أحدٌ منهم خلف المذياع أو خلف التلفاز» (^١).\nكما أن الصلاة قد تقع على أحوال لا تصح معها صلاته عند جماعة من أهل العلم، مثل كونه منفردًا خلف الصف مع إمكان دخوله في صفّ لو كان بالمسجد، وكونه أمام الإمام، وقد يعرض ما لا يمكنه معه الاقتداء بالإمام كخلل في جهاز الاستقبال أو الإرسال، أو انقطاع التيار الكهربائي، وهو في أمن من هذا؛ لو صلى في مكان يرى فيه الإمام والمأمومين (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-171> المبحث الثاني: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]</span>\nاستدل بالآية على عدم جواز الصّلاة خلف المذياع (^٣).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين (١٥/ ٢١٣)، وينظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع (٤/ ٢٩٩).\n(^٢) ينظر: الفقه الميسر (النوازل في العبادات) (٩/ ٥٢).\n(^٣) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (٨/ ٢١٣) فتوى رقم (٢٤٣٧)، ومجموع فتاوى ابن عثيمين (١٣/ ٤٢)، (١٥/ ٢١٣)، والفقه الميسر (٩/ ٥٢)، فقه النوازل للمشيقح (١٠١)، وإتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٤٥).","vol":"1","page":272},{"text":"تخريج الحكم: بناء على أن حرف (مع) في قوله: ﴿مَعَكَ﴾ يقتضي المعيّة والجمعيّة.\nتنبيه: سبق في المسألة السابقة - عند مناقشة القول بالجواز - بيان وجه الجمع.\n* * *\n\n•<span data-type='title' id=toc-172> المبحث الثالث: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]</span>\nاستدل بها من قال بسقوط الصّلاة عمن كان في بلاد يستمر فيها الليل والنهار أربعًا وعشرين ساعة فأكثر (^١).\nتخريج الحكم: إن الشرط الشرعي يقتضي أنّه يلزم من عدم الشرط عدم المشروط، وقد عدم شرط الصّلاة، وهو الوقت المؤقت لكل صلاة، فيعدم حكمها.\nوبيانه: إنّه ﷾ جعل للصّلاة أوقاتًا محدّدة، يوقع فيها المسلم صلاته، فإذا لم توجد هذه الأوقات لم تجب الصّلاة؛ وذلك بناء على قاعدة: الشرط الشرعي حجة.\nنوقش: بوجوب الصلاة وعدم سقوطها، ويكون التقدير في حقهم بحسب وقت أقرب البلدان التي وقتها منتظم إليهم، بحيث يصلون في كل أربع وعشرين ساعة خمس صلوات (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: الفقه الميسر: (٩/ ٤٨ - ٤٩)، وإتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٣٦ - ٣٧).\n(^٢) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (٨/ ١٠٥)، ومجموع فتاوى ابن عثيمين (١٢/ ٢٠٦)، وفقه النوازل في العبادات للمشيقح (٩٥)، والفقه الميسر (٩/ ٤٨).","vol":"1","page":273},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-173> المبحث الرابع: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]</span>\nاستدل بالآية من قال بعدم جواز الصّلاة بالنّظارة (^١)، إن أدّى إلى منع تمكين الأعضاء من السجود على الأرض، ومثلها بعض القبعات.\nوبيانه: السجود فرض من فروض الصّلاة بلا خلاف، وإنّما الخلاف في كيفية تمكين أعضاء السجود على الأرض (^٢)، إن كان قادرًا عليه (^٣)، ولا شك أن المصلي قادر على خلع النظارة لتمكين نفسه من السجود.\nقال الشيخ محمّد صالح العثيمين ﵀: «أمّا بالنّسبة للنّظارة فإن كانت تمنع من وصول طرف الأنف إلى الأرض، فإنّ السجود لا يجزئ، وذلك لأن الذي يحمل الوجه هما النظارتان، وهما ليستا على طرف الأنف بل هما بحذاء العينين، وعلى هذا فلا يصح السجود، ويجب على من عليه نظارة تمنعه من وصول أنفه إلى مكان السجود أن ينزعها في حال السجود» (^٤).\nتخريج الحكم: يخرّج الحكم على قاعدة: ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب، ولما كان تمكين أعضاء السجود واجبًا، ولا يتمّ إلّا بإزالة ما يمنع من\n_________\n(^١) ينظر: فتح ذي الجلال والإكرام (٣/ ٢٥٦)، وإتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٤٣).\n(^٢) في المسألة أقوال: منها: أن الفرض في السجود هو جزء من الجبهة ولو قليلًا، وهو قول الحنفية والمالكية، وقيل: إن الفرض هو السجود على الأعضاء السبعة إلا الأنف، وهو مذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية، وقيل: وجوب السجود على جميع الأعضاء السبعة وهو المذهب عند الحنابلة. والخلاف يرد في مسألة الصلاة في النظارة على المذهب الثالث، وهو مذهب الحنابلة.\nينظر: بدائع الصنائع (١/ ١٠٦) حاشية الدسوقي (٢/ ٣٩٠) المجموع للنووي (٣/ ٤٢٣) المغني (٢/ ٣٩٨) المحلى (٣/ ٣٥٥).\n(^٣) العاجز: لا يكلف بالفعل غير المقدور عليه، ويكفيه الإيماء إن قدر عليه.\n(^٤) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (١٣/ ١٨٦ - ١٨٧).","vol":"1","page":274},{"text":"ذلك، فكان إزالة ما يمنع ذلك واجبًا، فيجب نزع النظارة، إن كانت تمنع تمكين الجبهة أو الأنف من الأرض.\nتنبيه: يؤخذ حكم ما سبق العقال، وبعض القبعات، وكل ما يمنع من تمكين الجبهة على الأرض، وكذا الفرش الذي يحول دون تمكين الجبهة من السجود (^١).\n* * *\n\n•<span data-type='title' id=toc-174> المبحث الخامس: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]</span>\nاستدل بالآية من قال بوجوب حضور الجماعة على كل من سمع النداء، ولو بمكبر الصوت (^٢).\nتخريج الحكم: أن الأمر في قوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ للوجوب وهو معلّق على شرط، وهو الأذان ليوم الجمعة، في قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾، والمقصود من النّداء هو إسماع الغير؛ بدلالة قوله ﵇: «من سمع النّداء فلم يجب، فلا صلاة له إلا من عذر» (^٣)، فيجري العام في قوله: ﴿نُودِيَ﴾ على عمومه، أي سواء كان\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (١٣/ ١٨٤)، وفتاوى اللجنة الدائمة (٦/ ١٧٥)، وإتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٤٣).\n(^٢) هذه المسألة تبنى على قول من قال بأن صلاة الجماعة فرض عين على الرجال، وهم الحنابلة.\nينظر: المغني (٢/ ١٣٠)، والإنصاف (٢/ ٢١٠).\n(^٣) أخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب المساجد والجماعات، باب التغليظ في التخلف عن الجماعة، برقم (٧٩٣)، وابن حبان في صحيحه (٥/ ٤١٥)، كتاب الصلاة، باب ذكر الخبر الدال على أن هذا الأمر حتم لا ندب، برقم (٢٠٦٤)، والدارقطني في سننه (٢/ ٢٩٣)، كتاب الصلاة، باب الحث لجار المسجد على الصلاة فيه إلا من عذر، برقم (١٥٥٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٧٣) وقال: «وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه «. وقال الألباني في إرواء الغليل (٢/ ٣٣٧): «وهو كما قال «.","vol":"1","page":275},{"text":"السماع بمكبر الصوت أو بدونه.\nووجه كونه عامًا: أن الفعل هنا ينزل منزلة النكرة، وهو مثبت وفي سياق شرط فيعم.\nأما والوجوب على كل من سمع النداء فهو مأخوذ من دلالة ضمير الجمع في قوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ فيعم كل من سمع النداء.\nنوقش: بأن الأمر في الآية محمول على الأذان المعتاد في زمن التشريع.\nقال الشيخ العثيمين: «فالظاهر أن هؤلاء لا يلزمهم صلاة الجماعة في المسجد إذا كانوا إنما يسمعون صوت المؤذن بواسطة مكبر الصوت، وأنه لولا المكبر ما سمعوا، فالظاهر أنه لا يجب عليهم حضور الجماعة في الحال؛ لأن هذا السماع غير معتاد ولا ضابط له، ولا يقول قائل إن عموم قول النبي ﷺ: «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر» يتناول ما سمع بواسطة المكبر وما سمع بدونه، فبعض المكبرات يكون صوته عاليًا يسمع من بعيد، وبعضها دون ذلك، والمرجع في هذا إلى ما كان معروفًا في عهد الرسول ﷺ وهو السماع بدون مكبر» (^١).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (١٥/ ٢٧)، وإتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٤٩).","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-175>الفصل الثالث تخريج نوازل أحكام الزكاة</span>\n•<span data-type='title' id=toc-176> المبحث الأول: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]</span>\nاستدل بالآية على وجوب زكاة أنواع التجارات؛ لأنّ التجارة نوع من الكسب.\nوقد روي من عدة طرق عن مجاهد في تفسير قوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾، أنه قال: من التجارة (^١).\nوقال الرازي: «ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل ما يكتسبه الإنسان، فيدخل فيه زكاة التجارة، وزكاة الذهب …» (^٢).\nوعليه فيستدل على وجوب الزكاة في كثير من أنواع التجارات العصرية، كربح المحطات، والنفط الخارج بواسطة عقد الامتياز .... إلخ.\nتخريج الحكم: عموم الكسب الطيب، أو عموم الطيبات المكتسبة، والتي دلّت عليها صيغة العموم، وهي الإضافة في قوله: ﴿طَيِّبَاتِ﴾ بما بعدها، أو عموم (ما) الموصولة في قوله: ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾، وكل ما سبق مأمورون أن ننفق منه\n_________\n(^١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ٥٥٦).\n(^٢) التفسير الكبير (٧/ ٥٢).","vol":"1","page":277},{"text":"بالأمر في قوله: ﴿أَنْفِقُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب.\n\n•<span data-type='title' id=toc-177> المبحث الثاني: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤].</span>\nاستدل بالآية من قال بوجوب الزكاة في الأوراق النّقديّة (^١).\nتخريج الحكم: استنباط كون العلّة فيما يزكى (النّقديّة) أي: كونها نقودًا، والأوراق تكون نقودًا فتجب فيها الزكاة.\nووجه استنباط العلّة من الآية: هو أن قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ إيماء إلى أنّ المراد بالذهب والفضة في الآية نقودهما؛ لأنها المعدّة للإنفاق، والآلة المباشرة له، والضّمير عائد عليهما باعتبارهما دراهم ودنانير، أي: باعتبارهما نقودًا؛ ولهذه الخاصيّة نصّ عليها في الآية لا لنفاستهما في نفسيهما (^٢)؛ لأنّه وجدت معادن لا تقل غلاء ونفاسة عن الذهب والفضة، بل قد تزيد كالألماس، واليورانيم، ولا زكاة فيهما؛ لأنّها ليست نقودًا (^٣).\n_________\n(^١) وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، وصدر قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي.\nينظر: فتاوى اللجنة الدائمة المجموعة الأولى (١٣/ ٤٤٤)، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، ع ٣، ج ٣، ص (١٩٥٠)، (١٨٩٣)، ومجلة البحوث الإسلامية (٣١/ ٣٧٦) ومجموع فتاوى ابن عثيمين (١٨/ ١٧٣)، والشرح الممتع على زاد المستقنع (٦/ ٩٣)، ومجموع فتاوى ابن باز (١٤/ ٣٣٣، ٧٩)، والفقه الميسر (٩/ ٨١)، وفقه النوازل للشيقح (١٦٣)، شرح عمدة الفقه للجبرين (١/ ٥٠٩)، وإتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٦٦).\n(^٢) ينظر: الفتاوى السعدية، ص ٣١٤، مختصر فقه الزكاة، ص ٩٢، توضيح الرؤية القاصرة، ص ٧٣.\n(^٣) وسبب اختلافهم راجع إلى اختلافهم في حقيقة الأوراق النقدية فمن رأى أنها أسناد بدين على جهة إصدارها لم يوجب الزكاة قبل قبض هذه الأسناد أو بعبارة أدق جعلها في حكم زكاة الدين، ومن قال بأنها عرض من العروض لها ما للعروض من الخصائص والأحكام لم يوجب الزكاة فيها إلا إذا أعدت للتجارة، ومثله من ألحقها بالفلوس مع ملاحظة أصل الفلوس وهو العرضية وأما من لحظ عامل ما انتقلت إليه وهو الثمنية فإنه أوجب الزكاة فيها، ومن نظر إلى أن هذه الأوراق بدل لما استعيض بها عنه وهما النقدان أو أنها نقد قائم بنفسه كالذهب والفضة فإنه أوجب الزكاة فيها. انظر: أبحاث هيئة كبار العلماء ١/ ٣٥.","vol":"1","page":278},{"text":"ثمّ إنّ كون الزّكاة واجبة دلّ عليه قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولا عقاب إلا على ترك واجب، فدلّ على أن الانفاق واجب.\n* * *\n\n•<span data-type='title' id=toc-178> المبحث الثالث: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ </span>وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].\n*<span data-type='title' id=toc-179> المطلب الأول: الإقراض من مال الزكاة.</span>\nاستدل بالآية من قال بعدم جواز الإقراض من مال الزكاة (^١)، أي: لمن ليس من أهل الزكاة.\nتخريج الحكم ما يلي:\nأولًا: أن المال هو مال للفقير والمسكين يملكونه بنص الآية، حيث أضاف المولى سبحانه الصّدقات لهم بلام الملك، وهذا يقتضي عدم جواز التّصرف بغير إذن مالكه.\nثانيًا: صدرت الآية بأداة الحصر ﴿إِنَّمَا﴾ ومفهوم الحصر عدم جواز أخذها لغير الأصناف الثمانية (^٢).\n_________\n(^١) وبه أفتت لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت، بفتواها رقم (٤/ ٣١٦).\nينظر: الإقراض من أموال الزكاة لنايف حجاج العجمي (١٣ - ١٤).\n(^٢) ينظر: الإقراض من أموال الزكاة (٥١).","vol":"1","page":279},{"text":"ثالثًا: إنّ لفظ ﴿الصَّدَقَاتُ﴾ جمع محلى ب (أل)، وهو يفيد العموم، وهذا يقتضي أن جميع الصّدقات تعطى لهؤلاء المذكورين في الآية، وإذا كان جميعها يعطى لهم، فلا يجوز إقراض غيرهم منها (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-180> المطلب الثاني: استثمار أموال الزكاة من قبل المالك أو وكيله</span>\nاستدل بالآية من قال بعدم جواز استثمار أموال الزكاة من قبل المالك أو وكيله (^٢).\nوتخريج الحكم: ما سبق من كون اللام للتّمليك، فهي خرجت من ملكه إلى ملك الفقير، ومن ثمَّ لا يجوز له التّصرف بها.\nوأيدوا قولهم: بأنّ الأصل دفع الزّكاة للفقير على الفور؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ والأمر يقتضي الفور (^٣).\nتنبيه: إذا تأخر المالك عن إخراج الزكاة واستثمرها مع ماله، هل يشاركه الفقير والمسكين في الربح والخسارة أو لا؟ خلاف يتوقف على كون الزكاة متعلقة بالعين (المال) أو الذّمة؟ (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: المصدر السابق.\n(^٢) وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، وبه صدر قرار من المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشرة والمنعقدة بمكة، ومن مجمع الفقه الإسلامي من الهند في ندوته الثالثة عشرة.\nينظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٩/ ٤٥٤ - ٤٥٥)، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، ع ٣، ج ١، ص (٣٣٤)، وفتاوى ابن عثيمين (١٨/ ٤٧٨)، والفقه الميسر (٩/ ١٢٥)، النوازل في الزكاة للغفيلي (٤٧٥)، وإتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٧١ - ٧٢).\n(^٣) ينظر: المغني (٤/ ١٤٦)، ووفقه النوازل للشيقح (٢١٨)، والنوازل في الزكاة (٤٧١).\n(^٤) ينظر: مصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بين العموم والخصوص د. سعود الفنيسان (٩٧).","vol":"1","page":280},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-181> المطلب الثالث: صرف الزكاة في حفر الآبار العامّة للفقراء</span>\nاستدل بالآية من قال بعدم جواز صرف الزكاة في حفر الآبار العامّة للفقراء (^١).\nتخريج الحكم: أن اللام في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ لام الملك والاختصاص، وتقتضي التمليك، والآبار يردها الفقير والغني، فليس فيها تمليك خالص للفقراء.\nكما أن مفهوم التمليك هو أن يخلي بين المالك - الفقير هنا - وماله، يتصرف به كيف شاء، ويؤيده قوله سبحانه: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ والايتاء الاعطاء.\nولذا رأت الهيئة الشرعيّة في بيت الزكاة الكويتي إنّه يجوز شرعًا تمليك مال الزكاة لأهل المنطقة الفقراء، ثم يوجهون إلى وضعه في حفر بئر يبيحون الانتفاع بها لهم ولغيرهم (^٢).\nويرى بعض المفسرين (^٣) ان الفقير والمسكين والعامل والمؤَّلف قلبه، الذين دخلت عليهم لام التّمليك في الآية، إنّما هو تمليك لما عساه أن يدفع إليهم، ويأخذونه تملكًا؛ لذا كان دخول اللام لائقًا بهم.\nأمّا الأصناف الأربعة الأواخر، الذين دخل عليهم حرف (في) في قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فلا يملكون لما يصرف نحوهم، بل ولا يصرف إليهم، ولكن يصرف في مصالح تتعلق بهم.\n_________\n(^١) ينظر: الفقه الميسر (٩/ ١٢٥)، وفقه النوازل للشيقح (٢٠٥).\n(^٢) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (ص: ٣٦٠).\n(^٣) الألوسي في روح المعاني (١٠/ ١٢٤).","vol":"1","page":281},{"text":"تنبيه: أمّا حفر بئر في ملك فقير معين، فحكمه يتخرج على مسألة مقدار ما يُعطاه الفقير والمسكين؛ فإن قيل لا يعطى أكثر من كفاية السنة فإنّه يمنع ذلك، أمّا على القول يُعطى كفاية العمر فيجوز، كما يجوز شراء بيت ومسكن له (^١).\nوينبه - أيضًا -: أن بعض المتأخرين استثنى إذا لم يمكن حفر الآبار إلا بمال الزكاة فإنه يجوز حفرها به؛ للضرورة، والضرورة تبيح المحظور (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-182> المطلب الرابع: شراء الكتب المدرسيّة ونفقة الزواج للفقراء من مال الزكاة</span>\nاستدل بها من أجاز شراء الكتب المدرسيّة ونفقة الزواج … إلخ (^٣)، مما يحتاجه الفقير والمسكين.\nقال الشيخ العثيمين: «والمعتبر ليس فقط ما يكفيه للأكل والشرب، والسكنى، والكسوة، فحسب، بل يشمل حتى الاعفاف، أي: النكاح، فلو فرض أن الإنسان محتاج إلى الزواج، وعنده ما يكفيه لأكله، وشربه، وكسوته، وسكنه، لكن ليس عنده ما يكفيه للمهر، فإنّنا نعطيه ما يتزوج به ولو كان كثيرًا» (^٤).\nتخريج الحكم: أن المولى سبحانه حدد المصرف، وأطلق في وجوه الصّرف، والمطلق يجري على إطلاقه، فيشمل كل ما يحتاجه.\nثمّ إنّ المقصد هو سد حاجة الفقير والمسكين، والفقر قد يكون في الطعام أو المسكن أو غير ذلك، فيشمل جميع الحاجات من جهة المعنى (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: نوازل الزكاة (ص: ٣٦١).\n(^٢) ينظر: الفقه الميسر (٩/ ١٢٥)، وفقه النوازل للشيقح (٢٠٥).\n(^٣) ينظر: الفقه الميسر (٩/ ١٢٥)، وفقه النوازل (٢٠٩).\n(^٤) الشرح الممتع (٦/ ٢٢١).\n(^٥) قال الشيخ العثيمين في الشرح الممتع (٦/ ٢٢٠).: «وسمي الفقير فقيرًا؛ لأنه خالي اليد، وأصلها من القفر - وهو مطابق للفقر في الاشتقاق الأصغر بموافقة الحروف مع اختلاف الترتيب- وهي الأرض الخالية من السكان».","vol":"1","page":282},{"text":"قال الشيخ العثيمين ﵀: «وإذا كان رجل عنده ما يكفيه، لأكله، وشربه، وسكنه، وكسوته، ولكنه طالب علم يحتاج إلى كتب تُشترى له، فإننا نعطيه ما يحتاج إليه فقط من الكتب؛ لأنه إذا كان يعطى لغذائه البدني، فيعطى أيضًا لغذائه الروحي والقلبي، ولكن لا يعطى ليؤثث مكتبة كبيرة، بل لسد حاجته في طلب العلم فقط» (^١).\nتنبيه: هذه المسألة مبنية على مقدار ما يُعطاه الفقير والمسكين، والجمهور على أن مقدار ما يُعطاه هو كفاية السنة، وعليه فإنه لا يجوز صرف الزكاة لبناء أو شراء بيت للفقير والمسكين. وأما على القول بجواز إعطائه كفاية العمر فيجوز ما سبق (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-183> المطلب الخامس: دخول الموظفات في المؤسسات الزكوية في مصرف العاملين عليها</span>\nاستدل بقوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ من قال بأن الموظفات في المؤسسات الزكوية (^٣) لا يدخلن في مصرف العاملين عليها (^٤).\nوتخريج الحكم: أن لفظ ﴿وَالْعَامِلِينَ﴾ لفظ مذكر يصرف على الذكور دون الإناث، وأكدّوا ما ذهبوا إليه من كونها نوعًا من أنواع الولايات، فلا يجوز أن\n_________\n(^١) الشرح الممتع (٦/ ٢٢١).\n(^٢) ينظر: النوازل في الزكاة للغفيلي (٣٥٣، ٣٦١).\n(^٣) ينظر: فقه النوازل للمشيقح (٢١٢ - ٢١٣)، ونوازل الزكاة للغفيلي (٣٨٣).\n(^٤) هذه المسألة حاجتها اليوم أظهر من ذي قبل؛ لذا أعاد المعاصرون النّظر فيها. ومن حيث القواعد الشّرعيّة المرعيّة، فإنّ لفظ الذكور في خطابات الشّرع يطلق أيضًا على المرأة؛ لذا وقع الخلاف في هذا الأصل. وعدم جواز صرف سهم العاملين على النساء هو مذهب المالكية والشافعية وقول عند الحنابلة.\nينظر: التاج والإكليل (٣/ ٢٣٠)، وإعانة الطالبين (١/ ١٩٠)، والإنصاف (٣/ ٢٦٦).","vol":"1","page":283},{"text":"تتولاها؛ لقوله ﷺ: «لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة» (^١).\nنوقش: بعدم التسليم بأن اللفظ يختص بالذكور، بدليل ألفاظ باقي المصارف، كالفقراء، والمساكين، والعاملين، وهي شاملة للمذكر والمؤنث (^٢).\nيقول القرضاوي: «والحق أنّه ليس في المسألة دليل خاص يمنع المرأة من الاشتغال بالعمالة على الزّكاة، لكن القواعد العامّة التي توجب …» (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-184> المطلب السادس: صرف سهم العاملين للموظفين في المؤسسات الخيريّة</span>\nواستدل بالآية على جواز صرف سهم العاملين للموظفين في المؤسسات الخيريّة (^٤)؛ والأصل في العامل هو: الذّي يعينه الإمام لجباية الزكاة وصرفها، وهذا أمر متفق عليه. ولا شك في دخول المرخص لهم من قبل الإمام من المؤسسات.\nوتخريج الحكم: يمكن تخريجها على قاعدة: المطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد دليل التقييد، وذكر ﷾: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ مطلقة دون أن يقيد ذلك بنوع من العمل.\nكما يخُرَّج على قاعدة تحقيق المناط. وبيانه: أن تعليق الاستحقاق بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾، وهو الحكم، على وصف العمل في قوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ﴾، إيماء بأن علة الاستحقاق هي كونه عاملًا عليها، وهذه العلة متحققة في الموظفين في المؤسسات الخيرية، فيدخل فيه العاملون على الزكاة في المؤسسات الخيرية الزّكويّة على اختلاف أنواع أعمالهم (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب كتاب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر، برقم (٤١٦٣).\n(^٢) ينظر: فقه الزكاة د. القرضاوي (٢/ ٦٣٠)، والي إدارة الزكاة د. سليمان الأشقر (٢/ ٧٤١).\n(^٣) فقه الزكاة د. القرضاوي (٢/ ٥٨).\n(^٤) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٣٧٧).\n(^٥) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٣٧٩).","vol":"1","page":284},{"text":"تنبيهان:\nالأول: لا يحق للموظفين الجمع بين الأخذ من المؤسسة الخيرية - من سهم العاملين عليها - ومن بيت المال (^١).\nالثاني: ذكر العلماء ضوابط في استحقاق الموظفين في المؤسسات الخيرية من مصرف العاملين عليها، ومن تلك الضوابط:\n(١) أن يكون العمل الذي يقوم به الموظف مما يحتاج إليه في جمع الزكاة وتوزيعها.\n(٢) أن يراعى في ذلك إعطاء العامل بقدر عمله (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-185> المطلب السابع: إعطاء الكافر من سهم المؤلفة قلوبهم؛ ليدفع المخاطر عن المسلمين</span>\nوقد استدل بعض العلماء بقوله: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ على جواز إعطاء الكافر من سهم المؤلفة قلوبهم؛ ليدفع المخاطر عن المسلمين (^٣).\nالمؤلفة قلوبهم: «قوم كانوا يأتون رسول الله ﷺ قد أسلموا، وكان رسول الله ﷺ يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقات فأصابوا منها خيرًا، قالوا: هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك عابوه وتركوه» (^٤)، قاله ابن عباس ﵁ تفسيرًا للآية.\n_________\n(^١) ينظر: المغني (٦/ ٣٢٧)، نوازل الزكاة للغفيلي (٣٧٨).\n(^٢) ينظر لها بشيء من البسط في: نوازل الزكاة للغفيلي (٣٧٩ - ٣٨٠).\n(^٣) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٠٥).\n(^٤) رواه ابن جرير بإسناده في تفسيره (٦/ ٣٩٩)، قال الألباني في إرواء الغليل (٣/ ٣٦٩): \"لم أقف على إسناده الآن\". ونقله صاحب التحجيل في تخريج ما لم يخرج من الأحاديث والآثار في إرواء الغليل ص (١٤١) عن ابن جرير وضعف إسناده.","vol":"1","page":285},{"text":"واستدل العلماء بالعموم السابق على مسائل أخرى منها (^١):\n(١) إيجاد مؤسسات لرعاية المسلمين الجدد يصرف لها من سهم المؤلفة قلوبهم.\nومن منع ذلك احتج بعدم وجود التّمليك للأفراد، والذي دلّت عليه لام التمليك في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ وما عطف عليها، ومنها ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾.\n(٢) إعطاء رؤساء الدول الفقيرة والقبائل الكافرة لتأليف قلوبهم للإسلام.\nوقد جاء في قرار الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة، في بيان أهم المجلات التي يصرف عليها هذا السهم «تأليف من يرجى إسلامه، وبخاصة أهل الرأي والنفوذ ممن يظن أن له دورًا كبيرًا في تحقيق ما فيه صلاح المسلمين» (^٢).\n(٣) القيام بحملات دعائية؛ لتوضيح صورة الإسلام والمسلمين لدى المدعوين، يُصرف لها من هذا السهم؛ لكونه من معاني تأليف القلوب على الإسلام، فيدخل في العموم، ومن منع ذلك احتج بعدم وجود التمليك لمعينين.\nوبعضهم: جعله من مصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لكونه نصرة للإسلام.\nوتخريج الحكم: عموم قوله: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وكلام ابن عباس ﵄، وإن كان في قوم قد أسلموا، إلا أن عموم النّص يشمله.\n_________\n(^١) أبحاث الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة، مصرف المؤلفة قلوبهم. ينظر: فتاوى وتوصيات ندوة قضايا الزكاة المعاصرة (٥٤)، نقلًا عن نوازل الزكاة للغفيلي (٤٠٧ - ٤١٣).\n(^٢) ينظر: فتاوى وتوصيات ندوة قضايا الزكاة المعاصرة (٥٤)، نقلًا عن نوازل الزكاة للغفيلي (٤٠٧ - ٤١٣).","vol":"1","page":286},{"text":"فائدة: ذكرت الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة ضوابط لصرف سهم المؤلفة قلوبهم (^١)، وتلك الضوابط هي:\n(١) أن يراعى في الصرف المقاصد ووجوه السياسة الشرعية، بحيث يتوصل به إلى الغاية المنشودة شرعًا.\n(٢) أن يكون الإنفاق بقدر لا يضر بالمصارف الأخرى، وألا يتوسع فيه إلا بمقتضى الحاجة.\n(٣) توخي الدِّقة والحذر في أوجه الصرف؛ لتفادي الآثار غير المقبولة شرعًا، أو ما قد يكون له ردود فعل سيئة في نفوس المؤلفة قلوبهم، وما قد يعود بالضرر على الإسلام والمسلمين.\n\n*<span data-type='title' id=toc-186> المطلب الثامن: فك الأسرى</span>\nاستدل بقوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ بعض العلماء على جواز فك الأسرى، وهو مذهب الحنابلة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢).\nتخريج الحكم: عموم اللفظ، والأسير رقبته مقيدة بالأسر، فيصرف عليه من هذا السهم؛ لفكاكها.\nنوقش: بأن المقصود فك الرِّقاب، وليس من ذلك فكاك الأسرى؛ لأنهم أحرار، فالمراد بالرِّقاب: الأرقاء (^٣).\nوأجيب: بأن النص جاء بلفظ ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، ولم ينص فيه على الأرقاء، أو\n_________\n(^١) ينظر: فتاوى وتوصيات ندوة قضايا الزكاة المعاصرة (٥٤)، نقلًا عن نوازل الزكاة للغفيلي (٤١٣).\n(^٢) ينظر: المغني (٩/ ٣٢٢)، نوازل الزكاة للغفيلي (٤٢٣)، وفقه النوازل للمشيقح (٢٣٣).\n(^٣) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٢٤).","vol":"1","page":287},{"text":"العبيد، وهذا يدل على عموم اللفظ وشموله للعبيد، والمكاتب، والأسير، والأخير -كما سبق- رقبته مُقيَّدة بالأسر، ويكون الصرف عليها بفكاكها من الأسر (^١).\nقال ابن قدامة: «فصل: ويجوز أن يشتري من زكاته أسيرًا مسلمًا من أيدي المشركين؛ لأنه فك رقبته من الأسر، فهو كفك قيد العبد من الرِّق، ولأن فيه إعزازًا للدين، فهو كصرفه إلى المؤلفة قلوبهم، ولأنه بدفعه إلى الأسير في فكِّ رقبته فأشبه ما يدفعه إلى الغارم لفكِّ رقبته من الدَّين» (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-187> المطلب التاسع: فكاك الشعوب المسلمة المحتلة من الكافرين</span>\nاستدل بها بعض المعاصرين على جواز فكاك الشعوب المسلمة المحتلة من الكافرين (^٣).\nوتخريج الحكم: النظر إلى المقصد والمعنى؛ إذ إن استرقاق الشعوب في عقائدها وأموالها وسلطانها وحرياتها أشدّ وأخطر من استرقاق الفرد في حريته. وإن شئت قلت بقياس الأولى.\nجاء في فتيا الشيخ محمود شلتوت ﵀ وبعد ذكره انقراض الرِّق قال: «ولكن حلَّ محلَّه الآن رقٌّ هو أشد خطرًا منه على الإنسانية، ذلكم هو رق الشعوب في أفكارها، وأموالها، وسلطانها، وحريتها في بلادها .... فهو رقٌّ عام دائم، وهو أجدر وأحق بالعمل على التخلص منه، ورفع ذله عن الشعوب، لا بمال\n_________\n(^١) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٢٥).\n(^٢) المغني (٩/ ٣٢١ - ٣٢٢).\n(^٣) ينظر: تفسير المنار (١٠/ ٥٩٨)، وفتاوى الشيخ محمود شلتوت (١١٨)، بواسطة كتاب نوازل الزكاة للغفيلي (٤٢٧).","vol":"1","page":288},{"text":"الصدقات فقط، بل بكل المال والأرواح» (^١)\nنوقش: بأن احتلال الكافرين لبلاد المسلمين ليس داخلًا في دلالة لفظ الرقاب لغة ولا شرعًا (^٢).\nفالرقبة لغة وشرعًا تحمل على المعروف في العهد النبوي، وهو الرِّق الفردي، وهو الذي كان سائدًا قبل الإسلام. وجاء الإسلام متشوفًا للتخلص منه، وألفاظ الشارع تحمل على عرفه (^٣).\nكما أن المقصود المذكور يتحقق بالموارد الأخرى للزكاة، كمصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^٤).\n\n*<span data-type='title' id=toc-188> المطلب العاشر: صرف الزكاة للمقاتلين في سبيل الله</span>\nاستدل بقوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ من قال بصرف الزكاة للمقاتلين في سبيل الله دون غيرهم (^٥)، وصرفه لهم لا خلاف فيه بين العلماء.\nويخرج الحكم: على قاعدة: تقديم الحقيقة الشرعيّة على الحقيقة اللغويّة، إذا تعارضتا، فإن لفظ ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني لغة: كل طريق يؤدي إلى مرضات الله، وهذا عامّ في كل معروف، لكن الشارع نقل هذا اللفظ العامّ على معنى خاص وقصره على الجهاد، فقدمت الحقيقة الشّرعية؛ لأنها مقصود الشارع في خطابه غالبًا.\n_________\n(^١) فتاوى الشيخ محمود شلتوت (١١٨).\n(^٢) ينظر: فقه الزكاة للقرضاوي (٢/ ٦٦٤)، نوازل الزكاة (٤٢٨).\n(^٣) ينظر: بحث مصرف الزكاة د. نزيه حماد، ضمن أبحاث الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة (٣٢٠)، بواسطة نوازل الزكاة للغفيلي (٤٢٨) حاشية (١).\n(^٤) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٢٨).\n(^٥) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٣١).","vol":"1","page":289},{"text":"تنبيه: من مصارفه العصريّة: إنشاء وتمويل المصانع الحربيّة، التي تصنع مختلف أنواع الأسلحة الثّقيلة والخفيفة، وشراء تلك الأسلحة عند الاحتياج، وإنشاء معاهد التّدريب على الأسلحة، والقتال للمؤهلين للدّفاع عن ديار الإسلام، وطبع الكتب والمجلات العسكريّة والتّوجيهيّة للمقاتلين المسلمين مما يحتاجونه في جهادهم، وإنشاء مراكز للدّراسات المختصّة بمواجهة خطط الأعداء (^١).\nقال الدكتور عبد الله بن منصور الغفيلي: «وهذه الصور المذكورة إنّما يجوز صرف الزكاة فيها، إذا قرر علماء الأمّة انطباق الوصف الشّرعيّ عليها» (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-189> المطلب الحادي عشر: صرف الزكاة في وجوه البر والخير</span>\nواستدل بالآية على تعميم هذا المصرف في وجوه البر والخير، سواء كان جهادًا بالنّفس أو المال أو الحج والعمرة، أو الوقف، أو طلب العلم، أو بناء المساجد والقناطر، وتعبيد الطرق، وتكفين الموتى، وكفالة الأيتام والأرامل، والدّعوة إلى الله بنشر الكتب العلميّة وبناء المدارس والمستشفيات ومراكز الإغاثة … إلخ (^٣).\nوتخريج الحكم السابق: وهو توسيع مفهوم ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ على أعمال البرّ ووجوهه.\nأولًا: تحقيق مناط المصرف، باعتبار انطباق الوصف الشّرعيّ عليها.\n_________\n(^١) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٤٥ - ٤٤٦).\n(^٢) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٤٦).\n(^٣) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٤٥ - ٤٤٦)، مصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ للفنيسان (١٠٦).","vol":"1","page":290},{"text":"ثانيًا: تفسير بعض الصّحابة لهذا المصرف؛ منهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس، وحذيفة (^١).\nثالثًا: ويمكن القول بعموم اللفظ، في كل تلك الوجوه؛ لأنها داخلة في معنى سبيل الله.\nرابعًا: المقصد الشّرعيّ، أو تعميم الحكم لتعميم علته، وبيان ذلك: أن القصد من الجهاد في سبيل الله في الإسلام هو: أن تكون كلمة الله هي العليا، وهذا القصد يتحقق بإعداد الدعاة، وفتح المدارس والمعاهد .... إلخ.\n\n*<span data-type='title' id=toc-190> المطلب الثاني عشر: صرف الزكاة على المهاجرين الفارين بدينهم</span>\nاستدل بقوله: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ صرف الزكاة على المهاجرين الفارين بدينهم، ومنهم من قصره على المسافر المنقطع.\nوالأصل أن ابن السبيل: هو المسافر، مهما كانت مسافة سفره الذي طرأت عليه الحاجة؛ بسبب ضياع ماله، أو نفاد نفقته، وإن كان غنيًا في بلده (^٢).\nتخريج الحكم: يرجع إلى تحقيق معنى ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، فمن عممّه جعله شاملًا للمهاجرين الفارين بدينهم وغيرهم (^٣)، ومن قصره على حقيقته الشرعية، وهو المسافر المنقطع الغريب. بناء على تقديم الحقيقة الشرعية على اللغوية.\n_________\n(^١) ينظر: مصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ للفنيسان (١٠٧).\n(^٢) فتاوى وتوصيات ندوات قضايا الزكاة المعاصرة، المتعلقة ببيان مصرف ابن السبيل (١٥٢) بواسطة كتاب نوازل الزكاة للغفيلي (٤٥٤).\n(^٣) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٥٤).","vol":"1","page":291},{"text":"وأدخل بعض المعاصرين في هذا المصرف المبعدون عن بلادهم التي بها أموالهم، مع رجاء عودتهم لبلادهم، بخلاف من لا يرجو ذلك فهو في حكم الفقير (^١).\nوأدخل بعضهم في هذا المصرف: المغتربين عن أوطانهم لطلب العلم أو العمل، إن لم يستطيعوا أن يصلوا إلى أموالهم التي في بلادهم، ولم يقصدوا الإقامة والاستقرار في بلد الغربة، وغلب على الظن رجوعهم قريبًا، حتى لا يدخلوا في مصرف الفقراء (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-191> المطلب الثالث عشر: صرف الزكاة على المحرومين من المأوى في بلادهم لظروفهم المعيشية الصعبة</span>\nاستدل بالآية من أجاز صرف الزكاة على المحرومين من المأوى في بلادهم لظروفهم المعيشية الصعبة (^٣).\nتخريج الحكم: يرجع إلى تحقيق معنى ومناط ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، وقالوا يدخل هؤلاء فيه بمعنى السؤال، كما نص عليه بعض الحنابلة (^٤).\nأو لكونهم ابناء الطريق؛ لسكنهم في الطرقات والتجائهم إليها، فيأخذون حكم المسافر المنقطع عن ماله (^٥).\nنوقش: بعدم التسليم بأن ابن السبيل بمعنى السؤال لا لغة ولا شرعًا.\n_________\n(^١) فلا يدخل في مصرف ابن السبيل. ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٥٧).\n(^٢) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (٤٥٩ - ٤٦٠).\n(^٣) ينظر: فقه الزكاة للقرضاوي (٢/ ٧٢٩)، ونوازل الزكاة للغفيلي (٤٥٨).\n(^٤) ينظر: الإنصاف للمرداوي (٧/ ٢٥٢)، ونوازل الزكاة للغفيلي (٤٥٨).\n(^٥) ينظر: فقه الزكاة للقرضاوي (٢/ ٧٢٩)، ونوازل الزكاة للغفيلي (٤٥٨).","vol":"1","page":292},{"text":"وكما سبق فإن ألفاظ الشارع تحمل على عرفه، وعرفه في ابن السبيل هو المسافر المنقطع عن ماله كما سبق.\n\n*<span data-type='title' id=toc-192> المطلب الرابع عشر: صرف الزكاة على المسافرين لمصلحة عامة يعود نفعها للمسلمين</span>\nاستدل بالآية من أجاز صرف الزكاة على المسافرين لمصلحة عامة يعود نفعها للمسلمين.\nتخريج الحكم: يرجع إلى تحقيق معنى ومناط ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، على القول بجواز إعطاء من يريد سفرًا ولا يجد نفقة، فإنه يعطى من هذا المصرف (^١).\nنوقش: «بعد التسليم، فابن السبيل هو المسافر فعلًا، لا المنشاء للسفر، كما هو مذهب الجمهور، مع كون القائل بذلك أخذ بقول الشافعي فيما إذا كان في سفره مصلحة للمسلمين، ولم يأخذ بإطلاق الشافعي في حق كل من أنشأ سفرًا وهو لا يجد نفقة، وفي ذلك تجزئة للقول على خلاف مراد الإمام؛ لأنه مبني على أصل واحد، وهو أن الأخذ لحاجته وهو يريد سفرًا ممن لا مال عنده يُعدُّ ابن سبيل؛ لأنه سينفق المال في سفره، فكل من كان هذا حاله جاز له الأخذ، فالقول بجواز الأخذ في حال دون حال غير متَّجه» (^٢).\n_________\n(^١) وهذا على مذهب الشافعية. ينظر: فقه الزكاة للقرضاوي (٢/ ٧٢١)، ونوازل الزكاة للغفيلي (٤٦١).\n(^٢) نوازل الزكاة للغفيلي (٤٦٢)، وأحال إلى مصرف ابن السبيل وتطبيقاته المعاصرة، ضمن أبحاث الندوة التاسعة لقضايا الزكاة المعاصرة (٤٠١).","vol":"1","page":293},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-193> المبحث الثالث: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]</span>\n*<span data-type='title' id=toc-194> المطلب الأول: الزكاة في جميع ما يملكه الانسان من مال</span>\nاستدل بها من قال: بأن الزكاة تجب في جميع ما يملكه الانسان من مال، كالراتب الشّهري، وأجرة العمل، والمهن الحرّة، وكذا المستغلات، كأجرة الدور، وغلة المصانع سواء كان في يده أو في يد غيره.\nومن ذلك المال المودع في الحساب الجاري، وكذا الحقوق المعنوية للأسهم التجاري، إذا عرضت للبيع، ومواد الخام، - على القول بأنّها من عروض التجارة، والمواد المصنعة، وجمعيات الموظفين، ومحطات الوقود - من قال بأنها: من العروض.\nأمّا ربحها فلا خلاف في ذلك. ويدخل في عموم الآية المنافع على اعتبار كونها مالًا، كما يدخل الدّين المقسَّط.\nتخرج الأحكام السابقة: كلها يعود إلى عموم قوله: ﴿أَمْوَالِهِمْ﴾ وهي جمع مضاف، يفيد العموم، فكل ما يطلق عليه مال، فتجب فيه الصّدقة، ومأمورون بالأخذ منه، والأمر يقتضي الوجوب، فتجب الزكاة في جميع ما سبق.\nوكونه مالًا أو غير مال مرجعه للعرف؛ إذ إن المال من المسميات التي علَّق الشرع بها حكمًا، ولم يرد لها حدٌّ لها في الشرع أو اللغة، فيكون مرجعه للعرف.","vol":"1","page":294},{"text":"<span data-type='title' id=toc-195>المطلب الثاني: زكاة المال العامّ</span>\nاستدل بالآية على عدم زكاة المال العامّ.\nوالمقصود بالمال العامّ: المال الذّي رصد للنّفع العامّ دون أن يكون مملوكًا لشخص أو جهة معيَّنة (^١).\nوعُرِّف بأنه: كل مال ثبتت عليه اليد في بلاد المسلمين، ولم يتعين مالكه بل هو لهم جميعا (^٢).\nوبذلك أفتى كثير من المعاصرين بعدم الزّكاة في أموال الجمعيات الخيرية، والأوقاف الخيريّة (^٣)، وريعها حتى لو استثمرت (^٤)، وأدخل فيها البعض أموال التأمين التّعاوني (^٥)،\n_________\n(^١) وهو تعريف الندوة الثامنة لقضايا الزكاة المعاصرة (١٣٩)، ينظر: فقه النوازل (١٧٨)، والفقه الميسر (٩/ ١١٠)، ونوازل الزكاة للغفيلي (ص: ٢١٤).\n(^٢) الموسوعة الفقيّة الكويتية (٨/ ٢٤٢).\n(^٣) ينظر: اللجنة الدائمة للإفتاء (٩/ ٢٩٤)، وأفتت به الندوة الثالثة عشر لقضايا الزكاة المعاصرة بالأكثرية. ينظر: أبحاث الندوة (٤١٤)، ونوازل الزكاة للغفيلي (ص: ٢٤٣)، والفقه الميسر (٩/ ١١٠)، وفقه النوازل (١٧٨ - ١٧٩).\n(^٤) لكون الربح تابع لأصله، وأصله لا زكاة فيه فكذا التابع؛ لأنّ التابع تابع.\nينطر: أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة (٣/ ٤٢٤ - ٤٢٥)، نوازل الزكاة للغفيلي (٢٤٣) وأفتت به الندوة الثالثة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة بالأكثرية.\n(^٥) التأمين التّعاوني: هو تعاون مجموعة من النّاس؛ لدفع الأخطار المحتملة عن بعضهم البعض، وذلك بتبرع كل منهم بقدر من المال لصندوق تعاوني، على أسس علمية رياضية إحصائية، بحيث يكفي لإقالة عثرة المتضررين من الأخطار المحتملة، وتحديد مقدار قدرة الصندوق على تعويض المشترك عند وقوع الخطر الذّي قد يتعرض له، فإنّ تحقق فائض سنوي من الإشتراكات بعد دفع التعويضات والمصروفات وخصم الاحتياطات أعيد الفائض دون إلتزام على المتبرع، أو ينفق فيما يحقق الخير للإسلام والمسلمين. ينظر: التأمين التعاوني وتطبيقاته المعاصرة (ص: ٣٨).","vol":"1","page":295},{"text":"أو الاجتماعي (^١)، كالضّمانات العمالية، ومعاشاة التقاعد.\nووجه كون المال العامّ لا زكاة فيه: هو كونها ليست مملوكة لمعين، ومن شرط الزّكاة تمام الملك للمال، وكونه مملوكًا لمعين (^٢).\nوبيان ذلك: أن المولى ﷾ أضاف الأموال إليهم بقوله: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ وهذه الإضافة تدلّ على ملكهم إيّاها، واختصاصهم بالتّصرف والانتفاع بها، والمال العامّ ليس كذلك، فلا تجب فيه الزّكاة.\nفالإضافة المذكورة استنبط منها العلماء كون الملك المعيَّن شرطًا في المال الذي هو وعاء الزكاة، والمال العامّ ليس ملكًا لمعين فلا زكاة فيه.\nوتخريج الحكم: كان على أصل حجية الشّرط الشّرعيّ، والشّرط الشّرعي يلزم من عدمه العدم، فيلزم من عدم الملك المعيَّن عدم الزكاة.\n_________\n(^١) التأمين الاجتماعي: هو نظام إجباري غالبًا، تشرف عليه الدولة، وغالبًا ما تقوم به لا بقصد تحقيق الأرباح المالية، يموله المؤَمَن عليه، وصاحب العمل، والحكومة، أو بعضهم بمساهمات دوريّة موحدة أو مختلفة في المقدار أو النّسبة؛ ليحصل المستحق من المؤمن عليه، أو من يعوله كلهم أو بعضهم على مبلغ جملي ومعاش وبدل دوريين، يتناسب مع دخله ومدّة الاشتراك، أو من غير تناسب عند انقطاعه، أو قيام ما يستلزم نفقات ماليّة، وعلى غيرها من الخدمات، كالعلاج والتّدريب والتأهيل عند الحاجة إليها، أو بعض ذلك.\nوللتأمين الاجتماعي عنصران أساسيان هي:\n١ - الضمانات العماليّة؛ كتأمين إصابات العمل، والتأمين ضد البطالة، والتأمين الصّحيّ، والتأمين ضد الشيخوخة، والعجز والوفاة.\n٢ - معاشاة التقاعد.\nينظر: أبحاث هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعوديّة (٤/ ٤٥) ومعالم التأمين الاسلامي د. صالح العلي وسميح الحسن (ص: ٣٣ - ٣٤) نوازل الزكاة (ص: ٢٦٩ - ٢٧٠).\n(^٢) ينظر: نوازل الزكاة للغفيلي (ص: ٢٣٥ - ٢٣٦).","vol":"1","page":296},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-196> المطلب الثالث: زكاة في المال المحرم</span>\nاستدل بالآية من قال لا زكاة في المال المحرم كالسّيجارة (^١).\nتخريج الحكم: أن المال إذا أطلق فإنّه ينصرف إلى الكامل وهو الحلال بخلاف مطلق المال فإنّه يدخل فيه الحلال والحرام. عليه فلا يدخل المحرم فيما أمر بزكاته من الأموال.\nكما أنّ المولى ﷾ جعل الزّكاة من المال؛ لأجل الطّهرة والتّزكية به، والحرام خبيث فلا يطهر (^٢).\nتنبيه: السيجارة محرَّمة لذاتها، والمحرَّم لذاته لا يعتبر مالًا زكويًا، ويجب التخلص منه بإتلافه، والإمساك به إثم وعصيان، وأما المحرم لغيره، كالمغصوب أو المسروق، فهذه يتعين ردُّها إلى أصحابها، وهم يقومون بإخراج زكاتها بعد قبضها (^٣).\nويقول د. عبد الله الغفيلي: «… وإن كان المال حرامًا بوصفه لا بأصله كالأموال الربوية فيده عليه يدُ تمليك، فيجب عليه إخراج زكاته؛ لأنه مال منسوب إلى مسلم متعبد بجميع أحكام الإسلام … الخ» (^٤).\n_________\n(^١) وهو قول عامة الفقهاء المتقدمين، وأكثر الفقهاء المعاصرين، وصدرت به فتوى الندوة الرابعة لقضايا الزكاة المعاصرة. ينظر: فتاوى وتوصيات ندوات قضايا الزكاة المعاصرة (٦٧)، ونوازل الزكاة (٢١٠).\n(^٢) ينظر: نوازل الزكاة (٢١٢).\n(^٣) ينظر: فقه النوازل (١٧٣ - ١٧٤)، وفتاوى وتوصيات ندوةقضايا الزكاة المعاصرة (٦٨)، ونوازل الزكاة (٢١٠).\n(^٤) نوازل الزكاة (٢١١).","vol":"1","page":297},{"text":"<span data-type='title' id=toc-197>الفصل الرابع تخريج نوازل أحكام الصيام</span>\n•<span data-type='title' id=toc-198> المبحث الأول: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]</span>\nاستدل بالآية من قال بوجوب الصيام في البلاد التي يستمر فيها الليل أو النّهار، ويقدِّرون صومهم بصوم أقرب البلاد المعتدلة إليهم؛ وبه أفتت اللجنة الدّائمة، وصدر قرار مجمع الفقه الإسلامي (^١).\nتخريج الحكم: عموم الأدلة الواردة على وجوب الصيام على المسلمين.\nومنها: قوله: في هذه الآية ﴿كُتِبَ﴾ وهو إخبار عن حكم الشّارع، والكتب معناه الإيجاب (^٢).\nوأكد الوجوب بقوله: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ وهي نص في الوجوب أيضا، وضمير الجمع يدلّ على العموم، فيشمل البلاد والزمن المعتاد، وغير المعتاد.\n_________\n(^١) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (٦/ ١٣٣ - ١٣٤)، و(٩/ ٣٤٢ - ٣٤٣) فتوى رقم (١٢٧٥٦)، وقرارات المجمع الفقهي الإسلامي (٩٣)، مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (١٥/ ٢٩٣)، فتاوى إسلامية لابن عثيمين (٢/ ١٢٤)، وإتحاف رب البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٧٦ - ٧٧).\n(^٢) وقد جعلها بعض الأصوليين نصًَّا في الوجوب.\nينظر: المختصر في أصول الفقه (١١٥)، وشرح الكوكب المنير (١/ ١٨١).","vol":"1","page":298},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-199> المبحث الثاني: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]</span>\n*<span data-type='title' id=toc-200> المطلب الأول: حكم الاعتماد على الحساب الفلكي في دخول الشّهر:</span>\nاستدل بها من أجاز دخول الشّهر بالاعتماد على الحساب الفلكي (^١)؛ حيث فسر معنى شهود الشهر بالعلم بوجوده، ومن علم بوجود هلال الشهر بعد غروب شمس آخر يوم من شعبان، بأي طريق من طرق العلم، - ومنها الحساب الفلكي - وجب عليه الصّوم.\nقال ابن عبد البر: «إنَّ شهوده رؤيته أو العلم برؤيته» (^٢).\nتخريج الحكم هو: أن قوله ﴿شَهِدَ﴾ جملة فعلية تنزل منزلة النكرات، وهي في سياق الشّرط، فتعمّ أي: شهود، وقد فسر الشهود بالعلم، أي: بأي علم كان.\nنوقش: بأن المراد ب ﴿شَهِدَ﴾ في الآية حضر لا شاهد بدليل قوله بعده: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ﴾؛ لأن قوله: ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ يقابل حضر (^٣).\n_________\n(^١) وبهذا قال بعض الحنفية، والمالكية، والشافعية،، وقال به جمعٌ من المعاصرين: كمحمد رشيد رضا، ومحمد نجيب المطيعي، وأحمد شاكر، ومصطفى الزرقا، ويوسف القرضاوي، وأحمد الغماري.\nينظر: العلم المنشور في إثبات الشهور، ص (٢٠)، وإحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (٣/ ٣٢٧)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (٢٥/ ١٢١)، وإحكام الأحكام مع العدة (٣/ ٣٢٦)، وتفسير المنار (٢/ ١٥١)، وإرشاد أهل الملة في إثبات الأهلة، ص (٢٥٨)، والعقل والفقه في فهم الحديث النبوي، ص (٨٤، ٨٥)، وتيسير الفقه في ضوء القرآن والسنة «فقه الصيام «، ص (٣٠، ٣١)، وتوجيه الأنظار، ص (٥٢، ٥٣) وأوائل الشهور العربية، ص (١٣، ١٤).\n(^٢) التمهيد (٢/ ٣٩).\n(^٣) ينظر تفسير القرآن الكريم، لابن عثيمين (٢/ ٣٣٤).","vol":"1","page":299},{"text":"وبهذا التفسير استدل من قال بعدم جواز الاعتماد على الحساب الفلكي بالآية نفسها.\nتنبيه: القائلون بجواز الاعتماد على الحساب الفلكي اختلفوا في حدود العمل به: فمنهم من قصر العمل بالحساب الفلكي في الحالة التي يكون فيها الجوّ غائمًا، أو يحول دون رؤية الهلال قتر ونحوه، ومنهم من جعل الحكم خاصًّا بالحاسب دون غيره، ومنهم من أجاز الاعتماد عليه في النفي لا الإثبات، ومنهم من قال بجواز الاعتماد عليه مطلقًا (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-201> المطلب الثاني: حكم الاستعانة (بالدربيل) لرؤية الهلال</span>\nاستدل بها على جواز الاستعانة (بالدربيل) لرؤية الهلال (^٢).\nتخريج الحكم: أن ﴿شَهِدَ﴾ هنا بمعنى شاهد، والمشاهدة في الآية عامّة -كما سبق - فتشتمل ما إذا رؤي بالعين المجردة أو بواسطة (الدربيل) والمراصد، فيحمل العام على عمومه\nووجه كون ﴿شَهِدَ﴾ عامة؛ لأنّها فعل فتنزل منزلة النكرة، وهي في سياق الشرط فتعم، وتشمل كذلك المشاهدة بواسطة المراصد (الدربيل) (^٣)؛ لأنّ العام\n_________\n(^١) ينظر: إثبات هلال رمضان، ص (٤٠)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (٢٥/ ٢٠٨)، والفتاوى الكبرى (٢/ ٤٦٤)، تيسير الفقه، ص (٣١، ٣٢)، أقوال الشيخ ابن عثيمين في المستجدات الفقهية (٥٨٤) رسالة علمية آلة.\n(^٢) ينظر: أبحاث هيئة كبار العلماء (٣/ ٤٧)، مجلة البحوث الإسلامية، ع ٢٩، عموم البلوى (٤٣٢، ٤٣٣)، وأثر التقنية الحديثة في الخلاف الفقهي (٢٣٦، ٢٣٧)، المستجدات في وسائل الإثبات (٢٠٢، ٢٠٣)، مجموع فتاوى ابن باز (١٥/ ٧٠)، فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية (١٠/ ٩٩)، مجموع فتاوى ابن عثيمين (١٩/ ٣٦، ٣٧)، الفقه الميسر (٩/ ١٣٤).\n(^٣) ينظر: أبحاث هيئة كبار العلماء ٣/ ٤٧، فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٠/ ٩٩.","vol":"1","page":300},{"text":"يجري على عمومه مالم يرد دليل التّخصيص.\n\n*<span data-type='title' id=toc-202> المطلب الثالث: اختلاف المطالع</span>\nاستدل بالآية على القول بأنّه لا عبرة باختلاف المطالع، فمتى ما رأى الهلال أهل بلد، وجب الصّيام على جميع البلاد الإسلاميّة (^١).\nتخريج الحكم: دلّت الآية على ثبوت الشّهر بنفسه، من أي مطلع كان؛ إذ علق سبحانه الصيام بشرط ثبوت الشهر والعلم به، والشرط هنا لغوي، فهي أسباب شرعيّة، والمعلق على سبب يثبت بثبوته، والشهود عامّ على ما سبق، ويبقى على عمومه ما لم يرد تخصيصه.\n\n*<span data-type='title' id=toc-203> المطلب الرابع: حكم الصوم على السّاكنين في المناطق التي يستمر فيها الليل والنهار</span>\nاستدل بالآية على وجوب الصوم على السّاكنين في المناطق التي يستمر فيها الليل والنهار، بعموم الأوامر الدّالة على وجوب صيام رمضان على المسلمين عامّة (^٢).\nتخريج الحكم: أن قوله سبحانه ﴿مِنَ﴾ شرطيّة تعمّ كل من شهد الشهر وهؤلاء أمروا بالصّيام بقوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ وهو فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، يقتضي وجوب الصيام على جميع المسلمين.\n_________\n(^١) ينظر: اللجنة الدائمة (١٠/ ٩٦، ١٠٠، ١٠٢، ١١٠)، والفقه الميسر (٩/ ١٣٢)، وإتحاف رب البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٨٠).\n(^٢) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (٦/ ١٣٣ - ١٣٤)، وقرارات المجمع الفقهي الإسلامي (٩٣)، مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (١٥/ ٢٩٣)، فتاوى إسلامية لابن عثيمين (٢/ ١٢٤).","vol":"1","page":301},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-204> المبحث الثالث: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]</span>\n*<span data-type='title' id=toc-205> المطلب الأول: وضع وقت للإمساك في التقاويم</span>\nاستدل بها من قال بعدم الجواز، بل ببدعية وضع وقت للإمساك في التقاويم قبل وقت الفجر احتياطًا.\nيقول الشيخ العثيمين: «هذا من البدع، وليس له أصلٌ من السنة، بل السنة على خلافه، لأنّ الله تعالى قال في كتابه العزيز ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقال النبي ﷺ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فُكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» (^١)، وهذا الإمساك الذي يصنعه بعض الناس زيادة على ما فرض الله ﷿ فيكون باطلًا، وهو من التنطّع في دين الله، وقد قال النبي ﷺ: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» (^٢) (^٣).\nتخريج الحكم: يخرَّج الحكم على مفهوم الغاية في قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ ومنطوقه: له الأكل والشرب إلى الفجر، فهذه هي الغاية الشّرعيّة، ووضع الإمساك قبل ذلك مخالف لهذا المنطوق، فهو لا يجوز، وهو بدعة لما فيه من ابتداع وقت للإمساك غير مشروع.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره، برقم: (٦١٧)، ومسلم، كتاب الصيام، باب بيان أنّ الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، برقم: (١٠٩١). أخرجه مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، برقم: (٢٦٧٠).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، برقم: (٢٦٧٠).\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين (١٩/ ٢٩٢).","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-206>المطلب الثاني: من أفطر ثم سافر بطائرة إلى بلد لم تغرب فيه الشمس</span>\nاستدل بها من قال إن من أفطر ثم سافر بطائرة إلى بلد لم تغرب فيه الشمس، فإنّه قد أتمّ صيامه ذلك اليوم (^١)، ولا يلزمه الامساك قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.\n\n*<span data-type='title' id=toc-207> المطلب الثالث: من أفطر في الطائرة، وبعد الإقلاع رأى الشمس</span>\nاستدل بها من قال إنّ من أفطر في الطائرة، وبعد الإقلاع رأى الشمس؛ فإنّه لا يلزمه الامساك لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وهذا قد أتمّ (^٢).\nتخريج الحكم للحكمين السابقين: أن المأمور يخرج من عهدته بفعله ولو بمرة- عند من يقول بعدم التكرار- وقد أمر بالإتمام، فأتمه فسقطت المطالبة به.\nيقول الشيخ العثيمين لما سئل عن من أفطر في الطائرة، وبعد الإقلاع رأى الشمس: «جوابنا على هذا أنه لا يلزمهم الإمساك؛ لأنه حان وقت الإفطار وهم في الأرض .... فإذا كانوا قد أفطروا فقد انتهى يومهم، وإذا انتهى يومهم فإنه لا يلزمهم الإمساك إلا في اليوم الثاني، وعلى هذا فلا يلزمهم الإمساك في هذه الحالة، لأنهم أفطروا بمقتضى دليل شرعي، فلا يلزمهم الإمساك إلا بدليل شرعي» (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (١٠/ ٢٩٦، ١٣٧)، ومجموعة فتاوى ابن عثيمين (١٥/ ٣٣١ - ٣٣٣)، (١٩/ ٣٣٢)، إتحاف رب البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٧٧).\n(^٢) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (١٠/ ٢٩٦)، ومجموعة فتاوى ابن عثيمين (١٥/ ٤٣٨)، (١٩/ ٣٣٢)، وإتحاف رب البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٧٧ - ٧٨).\n(^٣) مجموعة فتاوى ابن عثيمين (١٩/ ٣٣٢).","vol":"1","page":303},{"text":"*\n\n<span data-type='title' id=toc-208>المطلب الرابع: من سافر بالطّائرة من الشرق إلى الغرب فطال عليه النهار</span>\nاستدل بها من قال إنّ من سافر بالطّائرة من الشرق إلى الغرب فطال عليه النهار؛ فإنّه يلزمه الامساك، أي: حتى تغرب الشمس.\nتخريج الحكم: دلَّ منطوق الآية على وجوب الإتمام والإمساك إلى الليل، ومفهومه عدم جواز الإفطار ما لم تغرب الشمس، ويخل الليل.\n\n*<span data-type='title' id=toc-209> المطلب الخامس: هل يفطر الصائم الذّي في الطائرة، إذا علم بإفطار البلد الذي تحلق الطائرة فوقها وهو يرى الشمس</span>\nاستدل بها من قال بأنّ الصائم الذّي في داخل الطائرة، لا يفطر، إذا علم بإفطار البلد الذي تحلق الطائرة فوقها أو قريب منها، عن طريق الإذاعة أو الجولات، وهو يرى الشمس؛ وبه أفتت اللجنة الدّائمة (^١).\nوتخريج الحكم: ما سبق في منطوق الغاية ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ ومفهومه أن ما قبله داخل في الأمر، ويجب عليه الإمساك، ولا يجوز له الإفطار.\nكما أن تفسير النبي ﷺ للقرآن يبين ذلك، كما في قوله ﷺ: «إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (١٠/ ٢٩٦، ١٣٧)، ومجموعة فتاوى ابن عثيمين (١٥/ ٣٣١ - ٣٣٣)، (١٩/ ٣٣٢)، إتحاف رب البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٧٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب متى فِطر الصائم؟، برقم (١١٠٠)، ومسلم في كتاب الصيام، باب بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار، برقم (١٩٥٤).","vol":"1","page":304},{"text":"*\n\n<span data-type='title' id=toc-210>المطلب السادس: منظار المعدة هل يفطر؟</span>\nاستدل بالآية من قال بأن منظار المعدة مفطر (^١)، باعتبار أن الأكل في الآية يشمل ما هو مطعوم وغير مطعوم (^٢) ..\nتخريج الحكم: أنّ الإطلاق في الآية ﴿وَكُلُوا﴾ يحمل على إطلاقه حتى يرد الدليل على تقييده، وكونه مطلقا؛ لأنّها جملة فعلية فهي نكرة، وفي سياق إثبات، فهي مطلق.\nأو يقال: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. والصوم هو الإمساك، وقد حصل منه بلع شيءٍ يمكن الاحتراز منه فيفطر بذلك (^٣).\nنوقش: بأن المعنى والقصد مقيد له، فيحمل الأكل على المغذي للبدن من الطعام والشراب عادة، فالعبرة بالحقائق والمعاني، لا بالصور والمباني، والغرض من الأكل هو نفع البدن، وهذا ينحصر بالغذاء والدواء (^٤).\nتنبيه: فصَّل بعضهم وقال بأن المنظار إن كان معه سائل، فإنه يُعدَّ مفطرًا، لدخول سائل إلى جوف الأنسان (^٥).\n_________\n(^١) وبه أفتى المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ينظر: قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي، ص (١٣٦).\n(^٢) القول بأن دخول الشيء إلى المعدة يعتبر مفطرًا، سواء كان مغذيًا أم غير مغذ هو المذهب عند المالكية والشافعية والحنابلة، ومقتضى هذا القول أن منظار المعدة مفطر.\nينظر: بداية المجتهد (٣/ ١٦٢)، مغني المحتاج (١/ ٦٢٦)، المغني (٤/ ٣٥٣).\n(^٣) ينظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٤٣٨).\n(^٤) ينظر: فقه النوازل للمشيقح (٢٤٧)، واختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية الفقهية (٤/ ١٦٩)، ذكره في مسألة بلع الخيط ونحوه، وأنه غير مؤثر في الصوم، وهذه النازلة مخرَّجة عند البعض على هذه المسألة ما إذا ابتلع طرف خيطٍ وطرفه الآخر بارزٌ.\n(^٥) ينظر: فقه النوازل للمشيقح (٢٤٧)، والفقه الميسر (٩/ ١٣٧).","vol":"1","page":305},{"text":"يقول الشيخ العثيمين: «… فلو أنّ إنسانًا أدخل منظارًا إلى المعدة حتى وصل إليها، فإنه يكون ذلك مفطِرًا (^١)، والصحيح أنه لا يفطر إلا أنْ يكون في هذ االمنظار دهنٌ أو نحوه يصل إلى المعدة بواسطة هذا المنظار، فإنه يكون بذلك مفطرًا، ولا يجوز استعماله في الصوم الواجب إلا للضرورة» (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-211> المطلب السابع: هل الدخان مفطر؟</span>\nاستدل بالآية من قال بأن الدخان مفطر (^٣).\nتخريج الحكم: أنّه سبحانه أطلق الشرب في الآية، وأمرنا بعد ذلك بالإمساك إلى الليل، فيدخل في الإطلاق كل مشروب، والدخان مشروب؛ لأنّ شرب كل شيء بحسبه، وشرب الدخان باستنشاقه وإدخاله للجوف.\nويؤيد هذا الحكم بعضهم ما ورد في الحديث أن الصائم (يدع شهوته من أجلي) (^٤)، والشهوة هنا: مفرد مضاف، فيعمّ أي: شهوة يشتهيها المكلَّف، ومنها: الدخان للشارب له.\n* * *\n\n•<span data-type='title' id=toc-212> المبحث الرابع: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]</span>\nاستدل بها جمهور أهل العلم على وجوب الاعتماد على الحول القمري، الذي يعتمد على السّنة القمرية، دون الحول الشّمسي (^٥).\n_________\n(^١) أي عند الحنابلة.\n(^٢) الشرح الممتع (٦/ ٣٧١).\n(^٣) ينظر: مجموعة فتاوي ابن عثيمين (١٩/ ٢٠٢)، فقه النوازل للمشيقح (٢٦٥).\n(^٤) أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب فضل الصيام، برقم (٥٧٩).\n(^٥) ينظر: المغني (٨/ ٨٤)، رؤية الهلال الفلكي لشيخ الإسلام (٤٨)، أحكام الأهلة والآثار المترتبة عليها لأحمد ابن عبد الله الفريح (٢٨).","vol":"1","page":306},{"text":"وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، فاعتبر سبحانه التوقيت بالهلال؛ إذ إنّ الحول القمريّ هو المكون من اثني عشر شهرًا.\nقال القرطبي: «هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها، إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب، دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط» (^١).\nوقال الرّازي: «الواجب على المسلمين بحكم هذه الآية، أن يعتبروا في بيوعهم ومدد ديونهم وأحوال زكواتهم وسائر أحكامهم، السنة العربية بالأهلة، ولا يجوز لهم اعتبار السنة العجمية والرومية» (^٢).\nوتخريج الحكم للآيتين: هو أن المعتبر في الأحكام الشرعية حقائقها؛ إذ الشارع يخاطبنا بعرفه، كيف وقد نصّ في الآية الأولى على كون الأهلة ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ وبلفظه العامّ؛ ليشمل الصّيام وغيره.\nوفي الآية الثانية: حصرها بالعرف الشّرعي بقوله ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ وعليه فوجب تعليق العبادات وغيرها بها.\n_________\n(^١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (٨/ ١٣٣).\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (١٦/ ٢٣).","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type='title' id=toc-213>الفصل الخامس تخريج نوازل أحكام الحج</span>\n•<span data-type='title' id=toc-214> المبحث الأول: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] وفيه مطلبان:</span>\n*<span data-type='title' id=toc-215> المطلب الأول: جواز نقل مقام إبراهيم</span>\nاستدل بالآية من قال بجواز نقل مقام إبراهيم من مكانه لأجل التوسعة (^١).\nتخريج الحكم: أن الأمر في قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ جاء مطلقًا، والمطلق يجري على إطلاقه، وإطلاق التّطهير يشمل التطهير من الشّرك بلا ريب، ومن معاني التّطهير: إزالة كل ما يمنع من أداء هذه العبادة، أو يعسرها أو يخل بها، وخاصة الطائفين لاختصاصهم بهذا المكان دون مشارك، خاصّة إذا تزاحمت الاستحقاقات، فوجب إعطاؤهم حقهم، وعدم الحيلولة بينهم وبينه في حال تزاحم الحقوق لا لحجر ولا لغيره (^٢).\nوكونه مطلقًا لأنّ الفعل ﴿طَهِّرَا﴾ نكرة وهو في سياق إثبات.\n_________\n(^١) ينظر: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (٥/ ١٥)، والشرح الممتع على زاد المستقنع (٧/ ٢٦٥)، ومقام إبراهيم ﵊، ص (٧)، والنوازل في الحج للشلعان (٢٩٠)، والفقه الميسر (٩/ ١٦٩).\n(^٢) ينظر: النوازل في الحج للشلعان (٣٠٥).","vol":"1","page":308},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-216> المطلب الثاني: جواز توسعة المطاف</span>\nاستدل بالآية من قال بجواز توسعة المطاف (^١).\nتخريج الحكم: هو ما سبق من كون الأمر جاء على جهة الإطلاق، والمطلق يجري على إطلاقه، فيشمل التطهير إزالة كل ما يمنع من أداء العبادة.\n* * *\n\n•<span data-type='title' id=toc-217> المبحث الثاني: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]</span>\n*<span data-type='title' id=toc-218> المطلب الأول: حكم توسعة المسعى</span>\nاستدل بالآية من أجاز، أو منع توسعة المسعى بين الصفا والمروة، وذلك للخلاف في حقيقة حجم جبلي الصفا والمروة التي أمرنا بالسعي بينهما.\nفمن قال إنه أكبر من حجمه الظاهر لنا الآن أجاز التوسعة، ومن قال بأن هذا حجمه لم يجز التوسعة عليه.\nوتخريج الحكم: يرجع إلى تحقيق مناط البينونة بينهما، وهو يعود لحقيقة حجم الجبلين.\nجاء في الفقه الميسر: «والذي نراه أن الخلاف في ذلك ليس راجعًا في حكم واحد لحقيقة واحدة، بل هو اختلاف في حكم لحقيقتين مختلفتين.\nفالعلماء متفقون على أنه لا يجوز السعي خارج الحد الذي ينتهي إليه الصفا والمروة، ومتفقون على أنه يجوز ويصح لما كان واقعًا بين حدود الصفا والمروة، ولكنهم يختلفون هل التوسعة داخلة بحيث تكون بين الصفا والمروة،\n_________\n(^١) ينظر: فقه النوازل (٢٩٦)، والفقه الميسر (٩/ ١٦٤ - ١٦٥).","vol":"1","page":309},{"text":"أم أنها خارجة عن حد الصفا والمروة.\nفمن رآها داخلة أجاز السعي فيها، ومن رآها خارجة عن الحد الذي ينتهي إليه الصفا والمروة منع ذلك» (^١).\nومما استدلَّ به القائل بعدم صحة التوسعة، قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، وقالوا: ظاهر المعنى اللغوي للمشعر يدل على الإشعار والإعلام، فالعلم به من الواضحات التي لا تخفى على أحد، وعليه فيبعد أن يجهل المسعى طيلة هذه القرون، ويكتشف سعته هذه الأزمان (^٢).\nونوقش: بأن عرضه كان ظاهرًا - كما نصت الآية - ولم تكن الحاجة لبيانه، ولما زاحمت البيوتات المكان احتيج لبيانه (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-219> المطلب الثاني: صحة السعي في التّوسعة الجديدة</span>\nاستدل بالآية من قال بصحة السعي في التّوسعة الجديدة.\nوتخريج حكم من قال بالصحة: هو أن المولى ﷾ أطلق الطّواف بالصّفا والمروة، والمطلق يجري على إطلاق، ويقع على أي وجه كان شريطة أن يكون مبتدأه الصفا ومنتهاه المروة. وهذا مبني على المسألة السابقة، وهي جواز توسعة الصفا والمروة.\nثم إنَّ القول بتحديد المسعى - على القول بأنه كذلك - ليس فيه عن النبي ﷺ إلا فعله ﵊، والفعل المجرد ليس له مفهوم، فلا يفهم منه سوى\n_________\n(^١) الفقه الميسر (٩/ ١٦٤ - ١٦٥).\n(^٢) حسن المسعى في الرد على القول المحدث في عرض المسعى (٣٨).\n(^٣) ينظر: نبل المسعى في مشروعية توسعة المسعى للسديس (٦٣).","vol":"1","page":310},{"text":"المكان الذي سعى فيه فقط، ولا يدل على عدم جواز السّعي في غيره.\nقال السعدي: وكذلك المسعى منهم من قال: إن عرضه لا يحد بأذرع معيَّنة؛ بل كان بين الصفا والمروة، فإنه داخل في المسعى كما هو ظاهر النصوص من الكتاب والسنة، وكما هو ظاهر النصوص من الكتاب والسنة، وكما هو ظاهر فعل النبي ﷺ وأصحابه ومن بعدهم .... (^١).\nنوقش: بأنّه ليس مجرد فعل، بل فعل لبيان مجمل الآية، مقرونًا بالأمر باتباعه في قوله: «لتأخذوا مناسككم» (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-220> المطلب الثالث: جواز السعي في الدورين والسطح وكذا عدم الجواز.</span>\nاستدل بالآية على جواز السعي في الدورين والسطح (^٣). وكذا استدل بها من قال بعدم جواز ذلك (^٤).\nتخريج الحكم: أما القائل بالجواز فلأن السّعي في الآية ورد مطلق - كما سبق تقريره في الحكم السابق - والمطلق يجري على إطلاقه، والسعي فوق السقف، لا يخرج عن مسمى السعي فيدخل في إطلاق الآية.\nنوقش: بمنع دخولها في الآية، بل الآية جعلت للمسعى حدًّا، والمكان الذّي حددّه الشارع لعبادة معينة لا يجوز الزيادة عليه، أو النقص منه إلّا بنص من\n_________\n(^١) الأجوبة النافعة في المسائل الواقعة للشيخ ابن سعدي (٢٩٣).\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، برقم (١٢٩٧).\n(^٣) ينظر: فتاوى ابن عثيمين (٢٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨)، وفقه النوازل (٢٩٤)، والفقه الميسر (٩/ ١٦٢)، النوازل في الحج للشلعان (٣٦٤)، وعليه فتوى هيئة كبار العلماء، ينظر: أبحاث هيئة كبار العلماء (١/ ١٦) (٢/ ٣٨٨) قرار رقم (٣)، وإتحاف رب البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (١٠٢ - ١٠٣).\n(^٤) ينظر: الرحلة إلى أفريقيا - القسم الأول - (٧١)، وفقه النوازل (٢٩٤)، والفقه الميسر (٩/ ١٦٢)، النوازل في الحج للشلعان (٣٦٤).","vol":"1","page":311},{"text":"الكتاب والسّنة.\nوهذه الأمكنة المحددة شرعًا لنوع من أنواع العبادة ليست محلًا للقياس؛ لأنه لا قياس ولا اجتهاد مع النّص الصّريح المقتضي تحديد المكان المعين للعبادة (^١).\nويفهم من النقاش السابق وجه القائل بالجواز، ووجه القائل بالمنع.\nومن المآخذ التي خرَّج عليها الشيخ محمد الأمين ﵀ القول بعدم جواز السعي في الدورين، ما يلي:\nالأول: فعله ﷺ كان بيانًا لمجمل القرآن، ولا يجوز العدول عن بيانه ﷺ، يقول الأمين ﵀: «وقوله: ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ إجمال يحتاج إلى بيان كيفية الطواف ومكانه ومبدئه ومنهاه، وقد بين النبي ﷺ ذلك بالسعي بين الصفا والمروة مبينًا فعله المذكور واقع لبيان القرآن المذكور لقوله: «خذوا عني مناسككم» وعليه فلا يجوز العدول عن كيفيته ولا عدده ولا مكانه ولا مبدئه ولا منتهاه إلا بدليل من كتاب وسنة» (^٢).\nوالمأخذ الثاني: كون الآية نص في تحديد مكان السعي، ولا اجتهاد مع النص، فقال: «… إن الأمكنة المحددة شرعًا لنوع من أنواع العبادات ليست محلًا للقياس؛ لأنه لا قياس ولا اجتهاد مع النص الصريح المقتضي تحديد المكان المعين للعبادة» (^٣).\n_________\n(^١) أبحاث هيئة كبار العلماء (١/ ٤٣).\n(^٢) الرحلة إلى إفريقيا (٧١).\n(^٣) أبحاث هيئة كبار العلماء (١/ ٤٣).","vol":"1","page":312},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-221> المبحث الثالث: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]</span>\n*<span data-type='title' id=toc-222> المطلب الأول: حكم من مُنع بسبب عدم حمل التصريح</span>\nاستدل بها من قال بأن من حجّ بدون تصريح، فمُنع فإن حكمه حكم المحصر (^١).\nحيث إن ظاهر الآية الكريمة أن الإحصار عامّ لكل ما يكون به المنع من إتمام النّسك، فلم يخصصه سبحانه بحصر العدو.\nتخريج الحكم: العموم الوارد في الإحصار، يعمّ كل ما يكون به المنع من إتمام النّسك، ووجه العموم أن الفعل ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ ينزل منزلة النكرة، وهو في سياق الشرط فيعمّ.\nووروده على سبب وهو حصر العدو لا يقصر به عموم اللفظ.\nتنبيه: هذا القول مبني على القول بأن الإحصار يكون بكلّ ما يمنع من الوصول إلى البيت، سواءٌ أكان بعدوّ أم غيره، وبهذا قال الحنفية (^٢)، والظاهرية (^٣)، ورواية عند الحنابلة (^٤)، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥)، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: فتاوى ابن عثيمين (٢١/ ٣٥٦) (٢٣/ ٤٣٣)، وإتحاف البرية (١٠٠).\n(^٢) ينظر: فتح القدير (٣/ ١٢٤).\n(^٣) ينظر: المحلى بالآثار (٥/ ٢١٩).\n(^٤) ينظر: المغني (٥/ ٢٠٣).\n(^٥) الاختيارات، للبعلي، ص (١٢٠).\n(^٦) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (١١/ ٣٥١).","vol":"1","page":313},{"text":"وأما إذا أحصر بعدوّ فإنه يحلّ بعد أنْ يذبح هديه بلا خلاف (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-223> المطلب الثاني: جواز الإحرام قبل الميقات في الطائرة</span>\nاستدل بالآية على جواز الإحرام قبل الميقات في الطائرة.\nتخريج الحكم: ما ورد عن الصحابي من تفسيره للآية، وتفسيره حجة، وقد روي عن علي ﵁، أنّ الإتمام هو الإحرام من دويرة أهله، فقال: (تُحْرِمُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ) (^٢)، وهذا يعني جواز كونه قبل الميقات، بل هو الإتمام المراد بالآية.\nويناقش: إنْ صحّ هذا عن عليّ ﵁ فهو مخالفٌ لما روي عن عمر وعثمان ﵃ إذْ ثبت عنهما كراهة الإحرام قبل الميقات (^٣)، وليس قول علي ﵁ بأولى من قوليهما.\nلكن على القول بكراهة الإحرام قبل الميقات (^٤)، إلا أن الكراهة تزول عند الحاجة، كما هو مقرّرٌ عند الأصوليين.\nقال الشيخ العثيمين: «الذي يكون في الطائرة نرى أنه يحتاط أي يحرم قبل خمس دقائق؛ لأنه لو أخّر حتى يحاذي الميقات فالطائرة في دقيقة واحدة تأخذ مسافة طويلة، ولهذا نقول: احتط، ومن ثم كان القائمون على الطائرة -جزاهم\n_________\n(^١) ينظر: المغني (٥/ ١٩٤).\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب التفسير، (٢/ ٢٧٦). وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال ابن حجر: إسناده قويّ. انظر: التلخيص الحبير (٤/ ١٥٢٧).\n(^٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الحج، باب كيف التلبية؟ (٥/ ٤٤).\n(^٤) اتفق الفقهاء على صحّة إحرام من أحرم قبل الميقات، واختلفوا في كراهة ذلك، وذهب الجمهور إلى الكراهية.\nينظر: الإجماع لابن المنذر، ص (٥١)، وحاشية الدسوقي (٢/ ٢٢)، والمجموع شرح المهذب (٧/ ١٠٥، ٢٠٦)، والإنصاف (٨/ ١٢٧).","vol":"1","page":314},{"text":"الله خيرا- يعلنون قبل الوصول إلى الميقات أولا بنصف ساعة أو ثلث ساعة، ثم بعشر دقائق» (^١). وهذا محمول منه عند عدم إعلان القائمين على الطائرة، أو الخوف من عدم ذلك، أما إذا كان يعلم أو يظن بأنّ ملاحي الطائرة يعلنون عن المحاذاة بوقتٍ كافٍ للإحرام وأراد أن يحرم قبل الصعود أو الميقات، فقد قال الشيخ: «هذا ليس بحسنٍ، والعلماء قالوا: يكره أنْ يحرم قبل الميقات، ولا داعي للاحتياط هنا» (^٢).\n* * *\n\n•<span data-type='title' id=toc-224> المبحث الرابع: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]</span>\n*<span data-type='title' id=toc-225> المطلب الأول: عدم وجوب الحجّ على من لم يحصل على التّصريح بالحجّ</span>\nاستدل بها على عدم وجوب الحجّ على من لم يحصل على التّصريح بالحجّ (^٣)؛ إذ إنّ إخلاء الطريق له شرط في الوجوب.\nتخريج الحكم: يخرج على قاعدة الشّرط الشّرعي حجة، ويلزم من عدم الشّرط عدم المشروط، إذ إن الشرط الشرعي يلزم من عدمه العدم. والاستطاعة من شرائط الوجوب.\nوالسّبيل في الأصل هو: الطريق والسبب، وكل ما يوصل إلى الشيء فهو طريق إليه وسبب فيه، فمن استطاع إليه سبيلًا، فقد وجب عليه الفعل وإلّا فلا (^٤).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين (٢١/ ٣٨٧).\n(^٢) المرجع السابق (٢١/ ٣٨٨).\n(^٣) ينظر: فتاوى نور على الدرب لابن باز (٦/ ١٩١)، وفتاوى العثيمين (٢٣/ ٤٣٢)، وفقه النوازل (٢٧٠)، والفقه الميسر (٩/ ٩/ ١٥١)، والنوازل في الحج للشلعان (٤٨ - ٤٩).\n(^٤) ينظر: النوازل في الحج للشلعان (٤٩).","vol":"1","page":315},{"text":"ويمكن تخريج الحكم: على قاعدة وجوب حمل الأمر على ظاهره، ما لم يعارضه ما هو أقوى منه؛ إذ إنّ ظاهر الآية دلّ على سقوط الحجّ عمن لا يجد سبيلًا إليه.\n\n*<span data-type='title' id=toc-226> المطلب الثاني: وجوب الحجّ لمن لم يأذن له مرجعه أو كفيله</span>\nاستدل بالآية على وجوب الحجّ لمن لم يأذن له مرجعه أو كفيله، وكان حجه حجّ الفرض (^١).\nتخريج الحكم: الأمر في الآية يقتضي الإيجاب والفور، وكونه مستطيعًا يوجب عليه الحجّ؛ إذا توفرت شروطه وانتفت موانعه.\n\n*<span data-type='title' id=toc-227> المطلب الثالث: عدم جواز تحديد نسبة الحجاج من الخارج</span>\nاستدل بالآية من قال بعدم جواز تحديد نسبة الحجاج من الخارج، حيث إنّ كل من تحققت فيهم شروط الحجّ، يجب ألّا يمنعوا من الحجّ إذا أرادوا (^٢).\nتخريج الحكم: ورود الأمر على جهة العموم، فالأمر بصيغة (على) الدّالة عليه في قوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾، وعموم ﴿النَّاسِ﴾ يقتضي دخول جميع النّاس، إلّا أنّه مخصوص ببدل البعض في قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فالواجب عدم منع من وجب عليه الحجّ وهو مستطيع.\nنوقش: بأن العموم الوارد في الآية معارض بعمومات أخر، كالعمومات الواردة في رفع الحرج عن الأمة، في قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:\n_________\n(^١) ينظر: اللجنة الدائمة (١١/ ١١٦)، ومجلة البحوث الإسلامية (١٣/ ٦٧)، وفتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (٥/ ١٨٩)، وفتاوى ابن باز (١٧/ ١٢٢ - ١٢٣)، فتاوى ابن عثيمين (٢١/ ١٦٣)، والنوازل في الحج للشلعان (٧٤)، إتحاف البرية (٩٠).\n(^٢) ينظر: أحكام الاستطاعة في الحج في ضوء المستجدات المعاصرة (١٨٢).","vol":"1","page":316},{"text":"٧٨]، وكذا في تحريم إلقاء النفس بالتهلكة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وفي تحديد نسبة الحجاج رفع للحرج عن الحجاج، ومنع للتهلكة بسبب الزحام، وعليه فتخصص هذه العمومات عموم ما قد يحتج به على المنع والصَّد، جمعًا بين النصوص. وقد افتت اللجنة الدائمة بجواز تحديد نسبة الحجاج نظرًا للمصالح العظمى المتحققة في ذلك، ودفعًا للمفاسدة المتحققة من عدم جواز التحديد (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-228> المطلب الرابع: إلزام الناس بالحج عن طريق الحملات.</span>\nاستدل بالآية من قال بعدم وجوب الحج لمن لا يستطيع الحج عن طريق الحملات (^٢).\nقال الشيخ العثيمين: «إذاكان مفهوم النظام أنّ الإنسان يجب أن يعقد مع الحملة من بلده، حتى يرجع، وهذا يكلّفه ما لا يستطيعه، فإنّه لا يجب عليه الحجّ؛ لأنّه غير مستطيعٍ» (^٣).\nتخريج الحكم: ورود الأمر على جهة العموم، فالأمر بصيغة (على) الدّالة عليه في قوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾، وعموم ﴿النَّاسِ﴾ يقتضي دخول جميع النّاس، إلّا أنّه مخصوص ببدل البعض في قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، ومن لا يستطع الحج عن طريق حملة فهو غير مستطيع.\n_________\n(^١) ينظر: قرار هيئة كبار العلماء رقم (١٨٧)، وقرار رقم (٢٢٤)، والنوازل في الحج للشلعان (٤٦ - ٤٧).\n(^٢) ينظر: فتاوى ابن عثيمين (٢١/ ١١٨، ٣٥٥)، وإتحاف رب البرية (٩١).\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين (٢١/ ١١٨).","vol":"1","page":317},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-229> المبحث الخامس: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥].</span>\n*<span data-type='title' id=toc-230> المطلب الأول: عدم جواز تحديد نسبة الحجاج</span>\nاستدل بها من قال بأن تحديد نسبة الحجاج الصدّ عن سبيل الله؛ لما فيه من منع بعض المسلمين الذين يريدون أداء الفريضة مع الاستطاعة (^١).\nتخريج الحكم: قرن المولى ﷾ بصدّ عن المسجد الحرام بالكفر، ودلالة السياق تقتضي المشاركة في الإثم، واستحقاق العذاب الأليم، الذي ختمت به الآية، ولا يستحق العقاب إلّا على ترك واجب، أو ارتكاب محرّم، فدلّ على عدم جواز تحديد النّسبة لما فيها من صدّ بعض المستطعين عن فريضة حجهم.\nتنبيه: سبق مناقشة هذا القول في المطلب الثالث، من المبحث السابق (الرابع).\n\n*<span data-type='title' id=toc-231> المطلب الثاني: عدم جواز تأجير المخيمات بمنى</span>\nاستدل بالآية على عدم جواز تأجير المخيمات بمنى (^٢).\nتخريج الحكم: أنّ تأجير المخيمات يتسبب في الصدّ عن المسجد الحرام، وما أدّى إلى الصدّ عن المسجد الحرام فهو حرام؛ وذلك لأنّ وسيلة الحرام محرّمة.\n_________\n(^١) ينظر: أحكام الاستطاعة في الحج في ضوء المستجدات المعاصرة (١٨٠).\n(^٢) ينظر: النوازل في الحج للشلعان (٤٥٢).","vol":"1","page":318},{"text":"ثمَّ إنه ﷿ جعل المسجد الحرام ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، ومثله بقية المشاعر.\nتنبيه: رأت هيئة كبار العلماء في المملكة بالأغلبية: أنه يجوز للدولة أنْ تؤجّر هذه الخيام بقيمة متناسبة مع ما كلّفه هذا المشروع حتى تحصل على قيمة التكلفة، وبعد ذلك لا يجوز الأخذ إلا بقدر تكاليف الصيانة فحسب، مع وجوب مراعاة الأسبقية في تأجيرها؛ لأنّ منى مناخ من سبق، فإنْ تعذّر مراعاة الأسبقية فيرجع إلى الاقتراع؛ لأنّ القرعة يلجأ إليها عند التزاحم ولا مميّز لأحدهم، أو إذا علمنا أنّ الشيء لأحدهم وجهلناه (^١).\nولعل القول به مبني على الاستحسان، واعتبروه التأجير معدول به عن الأصل للمصلحة المترتبة على المشروع من سلامة الحجاج، وحفظ أرواحهم. وإلا فالأصل أن حكم منى حكم نظائرها من أراضي المشاعر، فيشملها الحكم العام، وهو حكم المساجد - الوارد في الآية - في قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥].\n\n*<span data-type='title' id=toc-232> المطلب الثالث: إلزام الناس الحج عن طريق الحملات</span>\nاستدل بالآية على عدم جواز إلزام الناس الحج عن طريق الحملات.\nتخريج الحكم: أنّ إلزام الناس الحج عن طريق الحملات يتسبب في الصدّ عن المسجد الحرام، وما أدّى إلى الصدّ عن المسجد الحرام فهو حرام؛ وذلك لأنّ وسيلة الحرام محرّمة.\nويقال هنا ما قيل في المطلب السابق - تأجير المخيمات - من التنبيه.\n_________\n(^١) انظر: قرار هيئة كبار العلماء رقم (١٨٥)، بتاريخ ٩/ ٢/ ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":319},{"text":"يقول الشيخ العثيمين: «أنّ لوليّ الأمر أنْ يلزم الناس بالحجّ عن طريق الحملات إذا رأى أنّ المصلحة تقتضي ذلك» (^١).\n* * *\n\n•<span data-type='title' id=toc-233> المبحث السادس: تخريج نوازل أحكام قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]</span>\n*<span data-type='title' id=toc-234> المطلب الأول: عدم جواز الطواف في الطّابق العلوي</span>\nاستدل بها من قال بعدم جواز الطواف في الطّابق العلوي؛ لأنّ ظاهر الآية لزوم كون الطواف بنفس البيت لا بفضائه (^٢).\nالتخريج: على المعنى اللغوي، واللغة حجة، حيث إنّ معنى الطواف جعل المكان في وسطه، لا فوقه لا تحته.\nيمكن أن يناقش بأنّ الهواء له حكم القرار (^٣)، فيتحقق الطواف حكمًا، وحقيقة شرعية، لا حقيقة لغوية، والحقيقة الشرعية مقدَّمة، وسبق أن قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ مطلق؛ لأن الأفعال نكرات، وهو في سياق إثبات، والمطلق يجري على إطلاقه، سواء كان أسفل أو في الهواء، فيجري على إطلاقه ما لم يأت دليل التقييد.\n\n<span data-type='title' id=toc-235>المطلب الثاني: جواز الطواف من المحدث</span>\nاستدل بها على جواز الطواف من المحدث (^٤).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين (٢١/ ١١٨).\n(^٢) ينظر: النوازل في الحج للشلعان (٢٧٢).\n(^٣) ينظر: الفقه الميسر (٩/ ١٥٥)، وبه أفتت اللجنة الدائمة كما في فتاويها (١١/ ٢٣٢).\n(^٤) ينظر: المبسوط (٤/ ٣٨)، وبدائع الصنائع (٢/ ١٢٩)، والنوازل في الحج للشلعان (٣١٥).","vol":"1","page":320},{"text":"تخريج الحكم: أخذ من المعنى اللغوي؛ إذ إنّ الطواف هو الدوران حول الكعبة، وهذا يتحقق من المحدث والطّاهر.\nأو يقال بأن الطواف مطلق، والمطلق يجري على إطلاقه، فلا يتقيد بكون على طهارة أو لا، إلّا بدليل يقيد ذلك.\n\n*<span data-type='title' id=toc-236> المطلب الثالث: جواز الطواف على العربة أو السير</span>\nويستدل بالآية على جواز الطواف على العربة أو السير (^١).\nوتخريج الحكم: على ما سبق من أن المطلق يجري على إطلاقه.\nتنبيه: هذا الحكم مبني على القول بأن المشي في الطواف مع عدم العذر سنّةٌ، وبهذا قال الشافعية (^٢)، واختاره المجد (^٣)، وابن قدامة (^٤)، والشنقيطي (^٥)، وابن باز (^٦).\nيقول الشيخ العثيمين: «لو تحذلق متحذْلِقٌ، وقال: إنّ من المهم عمل مشروع، وهو: أنْ يجعل المطاف متحرِّكًا بحركة الكهرباء كالدّرج، فهناك درجٌ الآن لا تترجّل فيه، وإنما تصعد عليه ويسير هو بك بالكهرباء، قال: تسهيلًا للناس، يدور بالناس وهم واقفون؛ لأنّ هذا أهون عن التزاحم، فنقول: أما على رأي من يرى أنّ الركوب في الطواف جائزٌ ولو بلا عذر، فهذا سائغٌ، وأما على رأي من يرى أنه\n_________\n(^١) ينظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٥/ ٢٧٢)، والحلل الإبريزية من التعليقات البازية (٢/ ٣٦)، والنوازل في الحج للشلعان (٢٧٦).\n(^٢) ينظر: المجموع شرح المهذب (٨/ ٢٧).\n(^٣) ينظر: الشفا الشافيات (١/ ٢٣٦).\n(^٤) ينظر: المغني (٥/ ٢٥١).\n(^٥) ينظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٥/ ٢٧٢).\n(^٦) ينظر: الحلل الإبريزية من التعليقات البازية (٢/ ٣٦).","vol":"1","page":321},{"text":"لا يجوز، فهذا لا يجوز، على أنه ينبغي أنْ يمنع مطلقًا؛ لأنّ هذا يخرج مكان الطواف عن الطواف في الحقيقة، هذا رجلٌ واقفٌ لا يتحرّك، والأرض تدور به، فهذا المشروع ينبغي أن يردّ جملةً وتفصيلًا، والحجّ لا بدّ فيه من تعبٍ» (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-237> المطلب الرابع: جواز الانتقال من طابق إلى طابق أثناء الطواف.</span>\nويستدل بالآية على جواز الانتقال من طابق إلى طابق أثناء الطواف والسعي.\nوتخريج الحكم: على ما سبق من كونه مطلقًا، والمطلق يجري على إطلاقه، فيتحقق الطواف والسعي في جميع الحالات السابقة، فدلَّ على جواز ذلك (^٢).\n_________\n(^١) شرح صحيح مسلم، لابن عثيمين (٤/ ٤٢٣).\n(^٢) ينظر: المغني (٥/ ٢٥٠).","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type='title' id=toc-238>الدراسة السابعة الاستثمار الأصولي للنص التطبيق على قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾</span>","vol":"1","page":323},{"text":"<span data-type='title' id=toc-239>المقدمة</span>\n﷽\nالحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:\nفإن المراد بالنص - كما في عنوان الدراسة - مجرد لفظ الكتاب والسنة (^١)، وقد احتفى الأصوليون بالنص - الكتاب والسنة - احتفاءً كبيرًا؛ لكون علم أصول الفقه قائمًا على الأدلة، فموضوعه هو الأدلة كما هو عند جمهور أهل العلم، وقيل: الأدلة الأحكام (^٢).\nوالأدلة كلها متوقفة وراجعة إلى دليل القرآن الكريم، وهو أصل الأدلة إذ كلها يرجع إليه، واستدل على حجتها به، فالسنة بيانه، والاجماع لا يكون إلا عن دليل منه أو من السنة، والقياس لا يكون إلا على أصل ثبت حكمه بالكتاب والسنة والإجماع.\n_________\n(^١) يطلق النص على معان كثيرة منها: ما يذكر في باب القياس، وما يقابل الإيماء، وعلى نصوص الأئمة، وهي أقوالهم وألفاظهم الدالة على حكم شرعي، وعلى حكاية اللفظ على صورته، كما يقال: هذا نص كلام فلان، وما يقابل الظاهر، وهو ما لا يحتمل إلا معنىً واحد،، وهناك معان أخرى يرجع فيها إلى بحث قراءة نقدية في مصطلح النص في الفكر الأصولي للدكتور أيمن علي صالح منشور في مجلة إسلامية المعرفة ص (٥٢ - ٨٧)، العدد (٣٣ - ٣٤) عام ١٤٢٤ هـ، والشامل للدكتور عبد الكريم النملة (٢/ ٥٨٧ - ٥٩٠).\n(^٢) انظر: المستصفى (١/ ٣٦)، الإحكام (١/ ٢٣)، منتهى الوصول لابن الحاجب (٤)، التحبير (١/ ١٤٣)، شرح الكوكب (١/ ٢٢)، فواتح الرحموت (١/ ١٦ - ١٧).","vol":"1","page":325},{"text":"والمقصود بالاستثمار: طلب الثمرة، وثمرة الشيء نتاجه، وسميت الأحكام ثمرة للأصول؛ لأنها نتاجه، كما سمي الولد ثمرة أبيه؛ لأنه نتاجه، وهذا كله أخذًا من ثمر الشجر الذي هو نتاجه (^١).\nفالثمرة عند الأصولي - كما عبّر بذلك الغزالي - هي الأحكام، فاستخراج الأحكام من الأدلة بطريق من طرق الاستنباط بواسطة المجتهد، ذلك هو هدف الأصولي وغايته.\nوالأحكام هي: الوجوب، والحظر، والإباحة، والندب، والكراهة، وكون العقد: صحيحًا، وفاسدًا، وباطلًا، وكون العبادة: أداء وقضاء، وأمثاله (^٢).\nويشترك في إخراج تلك الأحكام الأصولي والفقيه، أما الأصولي فبتمهيد القواعد وضبطها، وأما الفقيه فبربطها وتحقيق مناطها … إلخ.\nقال الغزالي: «.... فخصوص النظر في الآحاد ليس من شأن الأصوليين، وإنما على الأصوليين ضبط القواعد، وتأسيس الأجناس. ثم إدخال التفاصيل في الجمل من شأن الفقهاء الناظرين في تفاصيل المسائل» (^٣).\nويوضح الغزالي ﵀ الفرق بين عمل الأصولي والفقيه بقوله: «أصول الفقه عبارة عن: أدلة هذه الأحكام، وعن معرفة وجوه دلالتها على الأحكام من حيث الجملة، لا من حيث التفصيل، فإن علم الخلاف من الفقه - أيضًا - مشتمل على أدلة الأحكام، ووجوه دلالتها، ولكن من حيث التفصيل، كدلالة حديث\n_________\n(^١) انظر: لسان العرب (٢/ ١٢٦) مادة (ثمر).\n(^٢) انظر: المستصفى (١/ ٣٥).\n(^٣) شفاء الغليل للغزالي (٥٩).","vol":"1","page":326},{"text":"خاص في مسألة النكاح بلا ولي على الخصوص، ودلالة آية خاصة في مسألة متروك التسمية على الخصوص، وأما الأصول، فلا يتعرض فيها لإحدى المسائل - إلا على طريق ضرب المثال - بل يتعرض فيها لأصل الكتاب والسنة والإجماع، ولشرائط صحتها وثبوتها، ثم لوجوه دلالتها الجُملْيّة: أما من حيث صيغتها، أو مفهوم لفظها، أو فحوى لفظها، أو معقول لفظها - وهو القياس - من غير أن يتعرض فيها لمسألة خاصة، فبهذا فارق أصول الفقه فروعه، وقد عرفت من هذا أن أدلة الأحكام: الكتاب، والسنة، والإجماع. فالعلم بطريق ثبوت هذه الأصول الثلاثة، وشروط صحتها، ووجوه دلالتها على الأحكام، هو العلم الذي يعبر عنه بأصول الفقه» (^١)\nوقول الغزالي: «أما من حيث صيغتها، أو مفهوم لفظها، أو فحوى لفظها، أو معقول لفظها، وهو القياس»، هذا بيان منه لطرق الاستثمار، وقد صرّح بذلك بعد فقال: «وطرق الاستثمار، وهي وجوه دلالة الأدلة، وهي أربعة؛ إذ الأقوال إما أن تدل على الشيء بصيغتها ومنطوقها، أو بفحواها ومفهومها، أو باقتضائها وضرورتها، أو بمعقولها، ومعناها المستنبط منها» (^٢).\nقلت: وبالجملة يلاحظ أن الأصولي يستعمل النص ويستثمره - مستعملًا الطرق الأربع السابقة - فيما يلي:\nالأول: الاستدلال بالنص في إثبات قاعدة أو نقض قاعدة للخصم، وهذا ظاهر بالنظر في النصوص المستدل عليها على إثبات دليل الإجماع أو القياس أو غيرها، وقد يستدل الخصمان بالنص الواحد، كل يستنبط من النص ما يقرر قاعدته.\n_________\n(^١) المستصفى للغزالي (١/ ٣٦).\n(^٢) المستصفى للغزالي (١/ ٣٩).","vol":"1","page":327},{"text":"وتفصيل هذا النوع من الاستثمار يرجع فيه إلى كتاب: (استدلال الأصوليين بالكتاب والسنة على القواعد الأصولية) للدكتور: عياض بن نامي السلمي (^١).\nالثاني: الاستشهاد بالنص على إثبات القاعدة الأصولية، وهذا أخص من الأول؛ إذ كل شاهد دليل، وليس كل دليل شاهد.\nفالشاهد هو: الجزئي الذي يُذكر لإثبات القاعدة؛ كآية من التنزيل، أو قول من أقوال العرب الموثوق بعربيتهم (^٢).\nالثالث: استنباط الأحكام الشرعية من النص، بواسطة القاعدة الأصولية، وهذا يشترك فيه كما سبق الأصولي والفقيه، ودور الأصولي - كما سبق النقل عن الغزالي- هو التمثيل غالبًا.\nوعليه: فليس القصد هنا تقرير المسألة الفقهية، أو حتى القاعدة الأصولية، بل مجرد بيان المأخذ الأصولي في المسألة.\nقلت: ودراستي هذه ستقتصر على النوعين الأخيرين - بإذن الله - مع الآية الكريمة، مع زيادات فوائد ولطائف لأهل العلم، يلحظها الأصولي باعتبار كونها وسيلة لاستنباط الحكم.\n_________\n(^١) مطبوع عام ١٤١٨ هـ بدون اسم المطبعة.\n(^٢) ذكره الألوسي في رسالته إتحاف الأمجاد في ما صحَّ به الاستشهاد، وقال فيها «.... وأما قول ربنا ﵎، فهو أفصح كلام وأبلغه، فلا خلاف في جواز الاستشهاد بمتواتره وشاذه، كما بيَّنه ابن جني في أول كتابه (المحتسب)، وأجاد القول فيه» (٦٠).","vol":"1","page":328},{"text":"الدراسة التطبيقية\n\n•<span data-type='title' id=toc-240> المبحث الأول: مباحث الأحكام والأدلة:</span>\n*<span data-type='title' id=toc-241> المطلب الأول: معنى الحل والحرمة.</span>\nورد الحلُ في الشرع مقابلًا للحرمة، كما في هذه الآية وغيرها من الآيات (^١) والأحاديث النبوية (^٢)، وهذا يعني أن الحلال «كل شي لا يعاقب عليه باستعماله» (^٣)، فإذا ما عوقب على استعماله فهو الحرام.\nفدخل في الحل المباح، والمندوب، والمكروه، والواجب، فهذه الأربعة لا يعاقب المكلف على فعلها.\nيقول الكفوي: «الحلال هو المطلق بالإذن من جهة الشرع، والحرام ما ستحق الذم على فعله» (^٤).\n_________\n(^١) ومن تلك الآيات، قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وانظر: [المائدة: ٩٦]، [التوبة: ٣٧].\n(^٢) كقوله ﷺ: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن …» الحديث، أخرجه البخاري، برقم (٥٢)، ومسلم، برقم (١٥٩٩).\n(^٣) التعريفات للجرجاني (٩٢).\n(^٤) الكليات (٤٠٠).","vol":"1","page":329},{"text":"<span data-type='title' id=toc-242>المطلب الثاني: دلالة الآية على الحكم.</span>\nدلت الآية بظاهرها على حل البيع وحرمة الربا، والعمل بالظاهر حجة (^١).\nوالظاهر عند الحنفية هو: ما يعرف المراد منه بنفس السماع من غير تأمل (^٢)، وإحلال البيع وتحريم الربا في الآية ظاهر يفهمه السامع من غير تأمل، فلا يحتاج في فهم الحكم المراد منه إلى قرينة خارجية، وإنما يتضح مدلوله من ذات صيغته، فسماع اللفظ كافٍ للحكم على المعنى الذي يدل عليه اللفظ.\nوالظاهر عند المتكلمين: المعنى الذي يسبق فهم السامع من المعاني التي يحتملها (^٣)، أو يقال: ما احتمل معنيين أحدهما أظهر من الآخر (^٤).\nفهو يحتمل أكثر من معنى، ولكن هذه المعاني متقاربة من حيث قوة دلالة اللفظ عليها، وأقواها هو المعنى الذي يسبق فهم السامع إليه لقوته، وهو الظاهر إصطلاحًا.\nولما قيل بأن لفظ «البيع» و«الربا» مترددان بين معنييهما الشرعي واللغوي.\n- كما سيأتي في دلالة الإجمال - يقال: إن شأن الشرع أن يبين أحكام الشرع لا أحكام اللغة، وعليه فينصرف اللفظ ويترجح في الآية إلى الحقيقية الشرعية، ويكون ظاهرًا فيها، ومن ثم يجب حمل اللفظ على أظهر معانيه، ودلالته ظنية\n_________\n(^١) حجية الظاهر، والعمل بمقتضاه مما تضافرت النصوص في الدلالة عليه، وإن كانت آحادها لا تفيد العلم، إلا أن مجموعها يفيده.\nانظر بعض تلك الأدلة في كتاب: الأصل والظاهر لمحمد سمَّاعي (١١٩).\n(^٢) انظر: أصول السرخسي (١/ ١٦٣)، كشف الأسرار للبخاري (١/ ٤٦).\n(^٣) انظر: روضة الناظر لابن قدامة (١/ ١٧٨).\n(^٤) انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٤٠)، شرح مختصر الروضة للطوفي (١/ ٥٥٨).","vol":"1","page":330},{"text":"راجحة (^١).\nومن العلماء من جعل دلالة الآية على الحكم بطريق النص (^٢)، وذلك بسبب القرائن المحتفة بالآية ومن تلك القرائن المتصلة: التغليظ في تحريمه بالتهديد والوعيد لأصحابه، ووصفهم بأنهم محاربون الله ورسوله، ووصف قيامهم يوم القيامة بوصف بشع ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].\nوتعتبر الآية شاهدًا عند الحنفية على ما يسمى بدلالة العبارة، أو عبارة النص وهي: ما كان السياق لأجله، ويعلم قبل التأمل أن ظاهر النص متناول له (^٣)، وذلك لأن الآية _عندهم _تحمل على معنيين، الأول: حل البيع وحرمة الربا.\nوالثاني: التفرفة بين البيع والربا، وكل واحد من الحكمين مقصود، فدلالة الآية عليهما تسمى دلالة العبارة، لأنها ثابتة باللفظ والنظم، إلا أن المعنى الأول لم تُسق الآية من أجله فهو مقصود تبعًا، وهذا ما يسمى باعتبار وضوح الدلالة، دلالة الظاهر (^٤). والثاني من المعاني: وهو التفرفة بين البيع والربا فقد سيق النص للدلالة عليه، وذلك لأن الكفار قالوا ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فسووا بينهما، فأراد الشارع أن يرد عليهم بحكم التفرفة بينهما، وهذا ما يسمى عند الحنفية بدلالة النص (^٥).\n_________\n(^١) سيأتي في مبحث الإجمال.\n(^٢) يقول السرخسي في أصوله (١/ ١٦٤): «أما النص: فما يزداد وضوحًا، بقرينة تقترن باللفظ من المتكلم، ليس في اللفظ ما يوجب ذلك ظاهرًا بدون تلك القرينة».\n(^٣) انظر: أصول السرخسي (١/ ٢٣٦).\n(^٤) انظر: علم أصول الفقه لخلاف (١٥٨)، دراسات أصولية للحفناوي (٢٢٦).\n(^٥) انظر: أصول السرخسي (١/ ٢٤١)، أصول الشاشي (٦١).","vol":"1","page":331},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-243> المطلب الثالث: دلالة صيغة الخبر في الآية على الحكم</span>\nوردت الآية دالة على الحكم بصيغة الخبر، وهي متضمنة للإنشاء (^١)، وبيان ذلك: إن كان مدلول الخبر (^٢) وهو الحكم بثبوت مفهوم لمفهوم - كثبوت الحل للبيع - أو نفيه عنه - كنفي الحل بالحرمة للربا - والمحكوم به في الآية وهو الحل أو الحرمة هو الحكم الشرعي، فهذا يفيد ثبوت الحكم الشرعي من غير أن يجعل مجازًا عن الإنشاء (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-244> المطلب الرابع: ما يترتب على الحل من الأحكام.</span>\nيترتب على الحل صحة البيع، فالصحة مستنبطة من الحل، لأن الحل دليل المشروعية، والملك المشروع لا يثبت إلا بالعقد المشروع ولولا الشرع لم يعرف شيء من هذه العقود وقد شرع الله تعالى هذه العقود على شرط مخصوص، في محل مخصوص، من فاعل مخصوص، فما وراء ذلك غير مشروع أصلًا (^٤).\nكما أن الصحة مستنبطة من اقتران الحكم بالوصف، بدلالة الإيماء على العلة كما سيأتي في مبحث القياس.\n*\n_________\n(^١) الجمهور على أن الخبر بمعنى الأمر يأخذ حكم الأمر، انظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي (١١٥)، الموافقات (٣/ ١١٧)، البحر المحيط (٢/ ٣٧) (٣/ ٤٦٥)، فتح الغفار (٣٥).\n(^٢) مدلول الخبر: الحكم بثبوت النسبة لا نفس الثبوت، فإذا قلت: زيد قائم، فمدلوله: الحكم بثبوت قيامه، لا نفس ثبوت قيامه، إذ لو كان الثاني لزم فيه أن لا يكون شئ من الخبر كذبًا.\nانظر: شرح التلويح على التوضيح (١/ ٢٨٢)، التحبير (٥/ ٢١٩٦).\n(^٣) انظر: شرح التلويح على التوضيح (١/ ١٤٩)، البحر المحيط (٤/ ٢٢٨)، بدائع الفوائد (٢/ ١٢).\n(^٤) انظر: قواطع الأدلة (١/ ١٤٧)، التحبير (٧/ ٣٣٤٧).","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type='title' id=toc-245>المطلب الخامس: ما يترتب على الحرمة من الأحكام.</span>\nيترتب على الحرمة فساد ذلك المحرم، فيترتب على تحريم الربا فساد العقد المعقود عليه، وذلك لأن الحرمة تقتضي وجوب الامتناع من التصرف فيما أخذ عن عقد الربا، وإذا وجب الامتناع عنه لم يجز أن يكون مشروعًا، وإذا لم يكن عقد الربا مشروعًا لم يثبت الملك المشروع، لأن الملك المشروع لا يثبت إلا بالعقد المشروع، وهذا يقتضي فساده (^١)، إذ الفاسد ما لا يترتب عليه أثره (^٢).\nكما أن الحرمة وقعت مقابلة للحل والمشروع - كما سبق - فإذا كان وقوع البيع علة الوجه المشروع يوجب صحته، فوقوع الربا على غير الوجه المشروع - وهو المحرم - يوجب فساده لما بينهما من تطابق «الحل والحرمة» و«الصحة والفساد».\nويدل على ما سبق - أيضا - من فحوى الآية من إيجاب التفرفة بينهما من هذه الجهة (^٣).\n_________\n(^١) انظر: قواطع الأدلة للسمعاني (١/ ١٤٧)، وقد نقل عدد من العلماء الإجماع على فساده. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣٣/ ٢٧): «وقو القائل: إنه شرعي [أي: البيع المنهي عنه] إن أراد أنه يسمى بما سماه به الشارع، فهذا صحيح، وإن أراد أن الله أذن فيه، فهذا خلاف الإجماع. وإن أراد أنه رتب عليه حكمه، وجعله يحصل المقصود، ويلزم الناس حكمه - كما في المباح - فهذا باطل بالإجماع».\n(^٢) انظر: المنثور للزركشي (٢/ ٤٠٩)، قواعد ابن رجب (٦٦).\n(^٣) كما يدل على فساد عقد الربا القرائن المحتفة بالنص، ومن تلك وجوب رد الزيادة المأخوذة عن عقد الربا إلى بائعها، وذلك لا يكون إلا مع فساد العقد انظر: اللباب في علوم الكتاب (٤/ ٤٥٣).\nانظر: اللباب في علوم الكتاب (٤/ ٤٥٣).","vol":"1","page":333},{"text":"*\n\n<span data-type='title' id=toc-246>المطلب السادس: المنهج القرآني في التدرج بالأحكام.</span>\nمن الشواهد على تدرج القرآن الكريم في تشريع الأحكام هذه الآية.\nوقد مر تحريم الربا بأربع مراحل وهي (^١):\nالمرحلة الأولى: أول ما نزل في الربا قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩].\nوليس في هذه الآية نص على تحريم الربا وإنما إشارة إلى أن الله يمحق الربا فلا ينمو ولا يبارك الله فيه بخلاف الزكاة التي يراد بها وجه الله فإنه سبحانه يضاعف الثواب لصاحبه.\nالمرحلة الثانية: قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١]\nبين ﷾ إلى أن من معاصي اليهود أكلهم الربا وقد نهوا عنه، وفي ذلك إشارة إلى أنه إذا كان أكل الربا والتعامل به محرمًا على اليهود فأولى أن يكون كذلك بين المسلمين وهم خير أمة أخرجت للناس وهو تحريم بالتلويح والتعريض لا بالنص الصريح وفي هذا توطئة للنص على التحريم في المرحلة التالية.\nالمرحلة الثالثة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠].\n_________\n(^١) انظر: دراسات في علوم القرآن للرومي (٢٥٠).","vol":"1","page":334},{"text":"بدأ تحريم الربا بتحريم نسبة منه معينة وهي ما كانت أضعافًا مضاعفة تمهيدًا لتحريمه كله في المرحلة الأخيرة.\nالمرحلة الرابعة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩] الآيات من سورة البقرة.\nفغلظ سبحانه في تحريم الربا، وغلظ في تحريمه بالتهديد والوعيد لأصحابه ووصفهم بأنهم محاربون لله ورسوله وهل بعد هذا أغلظ في التحريم وأبشع في الوصف، وأصرح بالتحريم.\nملحوظة: وقع بعض المفتين في الخطأ في الفتيا فأباح بعضهم الربا اليسير وهو الذي لا يصل إلى الأضعاف المتضاعفة جهلًا منه بأن هذا كان في مرحلة من مراحل تحريم الربا (^١)، وأنه بهذا كمن يبيح الخمر في غير أوقات الصلاة مستدلًّا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] ولعله يظهر بهذا أهمية معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل.\n\n*<span data-type='title' id=toc-247> المطلب السابع: الاستشهاد بالآية على مستند الإجماع.</span>\nأجمع العلماء على حل البيع وحرمة الربا (^٢)، والإجماع حجة، ولا بد له من مستند (^٣)، ويستدل بالآية على كونها مستندًا للإجماع.\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) نقل الإجماع على تحليل البيع وتحريم الربا جمع من العلماء: منهم ابن قدامة في المغني (٦/ ٧، ٥١).\n(^٣) قال الآمدي في الإحكام (١/ ٢٦١): «اتفق الكل على أن الأمة لا تجتمع على الحكم إلا على مأخذ ومستند يوجب اجتماعها عليه، خلافًا لطائفة شاذة …» وانظر: كشف الأسرار (٣/ ٢٩٣ - ٢٩٥)، شرح الكوكب (٢/ ٢٥٩).","vol":"1","page":335},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-248> المطلب الثامن: من قواعد القياس.</span>\n(١) استدل بالآية من قال بعدم حجية القياس.\nووجه الاستدلال منها: أنه لو كان الدّين بالقياس لكانت هذه الشبهة لازمة، لكن لما كانت الشبهة مدفوعة وذمهم الله تعالى عليها تبين أن الدّين بالنص لا بالقياس، وأن القياس ليس حجة.\nوالجواب عن هذه الاستدلال: إن هذا القياس في مقابلة نص، ولا قياس مع النص، فلا تبطل بذلك جميع الأقيسة إذا توفرت شروطها وأركانها.\nكما أن الكفار قدموا ذكر البيع على الربا مع أن القياس تقديم الربا للمبالغة، لأن البيع متفق على جوازه، فمرادهم المناقضة والإلزام، وليس التمسك بطريقة القياس (^١).\n(٢) التعليل بالحكمة (^٢): ذكر بعض العلماء أن مرجع التفرقة بين البيع والرّبا هو التعليل بالمظنة، وذلك لمراعاة الفرق بين حالي المقترض والمشتري «فقد كان الاقتراض لدفع حاجة المقترض للإنفاق على نفسه وأهله لأنهم كانوا يعدّون التداين همًا وكربًا، وقد استعاذ منه النبي ﷺ، وحال التاجر حال التفضّل. وكذلك اختلاف حالي المسْلِف والبائع، فحال باذل ماله للمحتاجين لينتفع بما يدفعونه من الربا فيزيدهم ضيقًا؛ لأنّ المتسلّف مظنّة الحاجة، ألا تراه ليس بيده مال، وحال بائع السلع تجارةً حال من تجشّم مشقّة لجلب ما يحتاجه المتفضّلون وإعداده لهم عند دعاء حاجتهم إليه مع\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير للرازي (٧/ ٧٧)، اللباب في علوم الكتاب (٤/ ٤٥٢).\n(^٢) الحكمة هي: الأمر المناسب الذي تضمنه الوصف الظاهر. قاله السفياني في كتابه الثبات والشمول (٣٩٠)، وانظر: تشنيف المسامع (٣/ ٢١٥).","vol":"1","page":336},{"text":"بذلهم له ما بيدهم من المال. فالتجارة معاملة بين غنيّين: ألا ترى أن كليهما باذل لما لا يحتاج إليه وآخذٌ ما يحتاج إليه، فالمتسلّف مظنّة الفقر، والمشتري مظنّة الغِنى، فلذلك حرم الربا لأنّه استغلال لحاجة الفقير وأحلّ البيع لأنّه إعانة لطالب الحاجات. فتبيّن أنّ الإقراض من نوع المواساةِ والمعروف، وأنّها مؤكّدة التعيُّن على المواسي وجوبًا أو ندبًا، وأيًّا ما كان فلا يحل للمقرض أن يأخذ أجرًا على عمل المعروف. فأما الذي يستقرض مالًا ليتجَّر به أو ليوسع تجارته فليس مظنّة الحاجة، فلم يكن من أهل استحقاق مواساة المسلمين، فلذلك لا يجب على الغني إقراضه بحال فإذا قرضه فقد تطوّع بمعروف. وكفى بهذا تفرقة بين الحالين» (^١).\n(٣) من المعلوم أن من شروط القياس ألا يكون حكم الفرع منصوصًا على حكمه (^٢)، إذا لا قياس مع النص. وهذا الشرط غالبا ما يذكر ضمن شروط الفرع الذي هو أحد أركان القياس، وفي الآية الكريمة قياس البيع على الربا، فجعلوا الفرع الذي هو «البيع» هنا مثل الربا، الذي جعلوه أصلا في قياسهم (^٣)، والفرع الذي هو البيع منصوص على حكمه.\n_________\n(^١) التحرير والتنوير للطاهر ابن عاشور (٣/ ٨٥)، ثم ذكر أن الفخر الرازي ذكر لحكمة تحريم الربا أسبابًا أربعة، قلت: انظرها في التفسير الكبير (٧/ ٧٤).\n(^٢) انظر: تقريب الوصول لابن جزي (٣٥٥)، وعلق محققه - شيخنا الدكتور محمد المختار بن محمد الأمين - على هذا الشرط بقوله: «سواء أكان النص عليه بموافق، أو مخالف؛ لأن التعدية إن كانت على وفاق النص الذي في الفرع فلا فائدة فيه؛ لأن النص يغني عنه، وإن كانت على خلافه فهو باطل؛ لمخالفته حكم النص، والصحيح أنه إن كان موافقًا فلا مانع منه؛ لأنهم درجوا على القول بأن هذه المسألة دلَّ عليها النص، والإجماع، والقياس، وأنه لا مانع من توارد الأدلة على مدلول واحد، كما هو الواقع في الأدلة من الكتاب والسنة» وانظر: الشرط في: البحر المحيط (٥/ ١٠٨)، شرح الكوكب (٤/ ١١٠).\n(^٣) صنيعهم هذا يسمى عند الأصوليين بقياس العكس، ويقصد به هنا إبطال مذهب الخصم، وهو إنما يلجأ إليه عند المناظرة، لا في وقت استنباط المجتهد في خاصة نفسه.\nانظر: التحرير والتنوير للطاهر ابن عاشور (٢/ ٥٥١).","vol":"1","page":337},{"text":"(٤) من الطرق الدالة على العلة طريق الإيماء والتنبيه وهو اقتران الحكم بوصف لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل لكان بعيدًا فيحمل الوصف على التعليل دفعًا للاستبعاد (^١).\nوهو أنواع كثيرة (^٢)، اتفق الأصوليون على بعض صوره، واختلفوا في البعض الآخر، ومن الصور المختلف فيها: أن يذكر الوصف صريحًا، ولا يذكر الحكم معه، بل يكون الحكم مستنبطا منه (^٣)، ومن ذلك الآية الكريمة فالوصف هنا وهو البيع مذكور صريحًا، أما الحكم وهو صحة البيع فهو مستنبط من كونه بيعًا.\nفمن قال بأنه إيماء فبناء على أن الاقتران بين الوصف والحكم قد حصل من غير نظر إلى أن الحكم أو الوصف صريح أو مستنبط أو مقدر.\nأو يقال: إن الحكم لما كان مستلزمًا - بالفتح - للوصف فذكر الوصف يغني عن ذكره فتحقق الاقتران.\nويرى بعض الأصوليين أنه ليس بإيماء، لعدم ذكر الحكم والوصف صريحين (^٤).\nوينبني على كونه إيماء تعميم الحكم في كل ما وجدت فيه العلة.\n_________\n(^١) انظر: المحصول (٥/ ١٤٣)، روضة الناظر (٣/ ٨٣٩ - ٨٤٦)، شرح مختصر الروضة (٣/ ٣٦٢)، البحر المحيط (٥/ ١٩٨)، التحبير (٧/ ٣٣٣١)، شرح الكوكب (٤/ ١٢٥).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة.\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٧/ ٢٥٢)، تسنيف المسامع (٣/ ٢٦٨)، التحبير (٧/ ٣٣٤٧)، بيان المختصر للأصفهاني (٣/ ١٠٠).\n(^٤) انظر: المصادر السابقة.","vol":"1","page":338},{"text":"(٥) من قوادح القياس، فساد الاعتبار، والمعارضة. أما فساد الاعتبار وهو القياس في مقابلة النص (^١)، فقد بيّن ﷾ فساد قياسهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ بأنه مخالف للنص وهو قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ والقياس مع النص فاسد (^٢).\nأما المعارضة، فقد يعترض على الاستدلال بظاهر الآية بعدة اعتراضات منها:\n(أ) الاستفسار (^٣) على القول بالإجمال وعدم ظهور المراد بالبيع أو الربا لما سيأتي من القول بالإجمال.\n(ب) منع ظهور صحة كل بيع في الدلالة، وذلك لخروج صور لا تحصى، أو لا نسلم أن اللام للعموم - كما سيأتي في مباحث العموم - فإنه يجيء للعموم والخصوص (^٤).\n(ج) التأويل، وهو أنه وإن كان ظاهرًا فيما ذكرت، لكن يجب صرفه عنه إلى محمل مرجوح بدليل يصيره راجحًا (^٥).\nفيقال مثلا في البيع الغائب غير داخل في العموم لما فيه من الغرر وقد نهى ﵊ (^٦) عن بيع الغرر وهذا أقوى، لأنه عام لم يتطرق إليه تخصيص أو التخصيص فيه أقل (^٧).\n_________\n(^١) انظر: روضة الناظر (٣/ ٩٣٠)، شرح مختصر الروضة (٣/ ٤٦٧).\n(^٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب (٤/ ٤٥٢).\n(^٣) الاستفسار هو: طلب تفسير اللفظ، وبيان المراد منه، ويتوجه على الإجمال.\nانظر: روضة الناظر (٣/ ٩٣٠)، شرح مختصر الروضة (٣/ ٤٦٧).\n(^٤) انظر: التحبير (٧/ ٣٥٨٠)، شرح الكوكب (٣/ ٢٦١).\n(^٥) انظر: التحبير (٧/ ٣٥٨٠)، شرح الكوكب (٤/ ٢٦٠).\n(^٦) أخرجه مسلم، في كتاب البيوع، باب بطلان بيع الحصاة، والبيع الذي فيه غرر، برقم (١٥١٣).\n(^٧) انظر: التحبير (٧/ ٣٥٨٠)، شرح الكوكب (٤/ ٢٦٠).","vol":"1","page":339},{"text":"فصرف بيع الغرر - إن قلنا بأن حكمه ظاهر في حل البيع - عن ظاهره لدليل راجح وهو النهي عن بيع الغرر.\n\n•<span data-type='title' id=toc-249> المبحث الثاني: مباحث العموم.</span>\n*<span data-type='title' id=toc-250> المطلب الأول: من صيغ العموم.</span>\nمن صيغ العموم، دخول «أل» غير العهدية على المفرد المشتق (^١)، كما في لفظي «البيع»، و«الربا» في الآية ومن ثم يعم لحل كل بيع، وحرمة كل ربا.\nواشترط بعض الشافعية للعموم في «أل» الداخلة على المفرد المشتق، عدم مخالفته لأصل، فعم في البيع لأنه موافق للأصل من حيث إن الأصل في المنافع الحل، فمهما حرم البيع فهو على خلاف الأصل، وعم في الربا من حيث إن الأصل في المضار المنع.\nأما إذا لم يكن موافقًا للأصل فأن اللفظ المفرد المشتق وإن دخلت عليه «أل» غير العهدية فإنها لا تعم. ومثّل ذلك ب «الزكاة» في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وذلك لأن الزكاة على خلاف الأصل لتضمنها أخذ مال الغير بغير إرادته، فوجوبها على خلاف الأصل (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-251> المطلب الثاني: الخلاف بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص.</span>\nاختلف الأصوليون في قوله ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ هل هو عام مراد به الخصوص أو عام مخصوص؟\nوسبب الخلاف راجح إلى الخلاف في التفرقة بينهما، وقد ذكر جمع\n_________\n(^١) انظر: روضة الناظر (٢/ ٦٦٥)، شرح مختصر الروضة (٢/ ٤٦٥)، التحبير (٥/ ٢٣٦٣).\n(^٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ١٤١)، التحبير (٦/ ٢٧٧٥)، شرح الكوكب (٣/ ٤٢٧).","vol":"1","page":340},{"text":"الأصوليين فروقًا بينهما (^١)، ومن تلك الفروق: إن الذي يراد به الخصوص يكون المراد به أقل فإذا كان المراد به هو الأكثر فذلك العام المخصوص.\nوالباقي بعد تخصيص الربا، والبيوع المحرمة المنهي عنها دائر بين الأقل والأكثر.\nويترتب على الخلاف في كونه عامًا مخصوصًا، أو عامًا مرادًا به الخصوص ما قاله البرماوي حيث قال: «وحاصل ما قرره أن العام إذا قصر على بعضه له ثلاث حالات:\nالأولى: أن يراد به في الإبتداء خاص، فهذا هو المراد به خاص.\nالثانية: أن يراد به في عام ثم يخرج منه بعضه فهو نسخ.\nالثالثة: أن لا يقصد به خاص، ولا عام في الابتداء، ثم يخرج منه أمر، ويتبين بذلك أن لم يرد به في الابتداء عمومه، فهذا هو العام المخصوص. ولهذا كان التخصيص عندنا بيانًا لا نسخًا إلا إن أخرج بعد دخول وقت العمل بالعام فيكون نسخًا لأنه قد تبين أن العموم أريد في الابتداء» (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-252> المطلب الثالث: الخلاف بين العام المخصوص والعام الباقي على عمومه.</span>\nاختلف العلماء في العموم الوارد في قوله ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فالقائل بأنه باق على عمومه قائل بأن التحريم يشمل كل عقد فيه ربا سواء كان ربا فضل أو نسيئة.\nأما القائل بأنه عام مخصوص، باعتبار تخصيصه بقوله ﵊: «إنما الربا في النسيئة» (^٣) كما خص بالقرائن المتصلة وسيأتي تفصيل ذلك في مباحث التخصيص.\n_________\n(^١) انظر: الفروق في أصول الفقه للحمد (٥٥٨ - ٥٦١).\n(^٢) انظر: التحبير (٥/ ٢٣٨٠)، شرح الكوكب (٣/ ١٦٧).\n(^٣) أخرجه مسلم في كتاب المساقاة، باب بيع الطعام مثلًا بمثل، برقم (١٥٩٦).","vol":"1","page":341},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-253> المطلب الرابع: حمل العام على الخاص.</span>\nتكاد تتفق كلمة الأصوليين على وجوب حمل العام على الخاص فيما إذا استقلَّ العام - كما في الآية - (^١) ثم إن الخاص قد يكون كتابًا أو سنة أو غير ذلك، وقد حمل العلماء عموم البيع في الآية على غير ما نهى الله ورسوله من البياعات، وسيأتي أمثلة لذلك في مباحث التخصيص.\n\n*<span data-type='title' id=toc-254> المطلب الخامس: حجية العام المخصوص فيما بقي بعد التخصيص.</span>\nسبقت الإشارة إلى الخلاف في كون قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ عامًا مرادًا به الخصوص أو عامًا مخصوصًا، وعلى القول بأنه عام مخصوص فهل الباقي بعد التخصيص حجة؟\nوقع خلاف بين العلماء في العام إذا خُصَّ بمبهم، هل يكون حجة في الباقي؟ (^٢)\nوعلى القول بأن لفظ «الربا» في الآية مجمل، وهو بمنزلة الاستثناء من جمل البيع، فإن الخلاف ينسحب عليه. ومن قال بأنه لم يبق حجة قال: إما لأنه خص بمبهم، أو لأنه ليس بعام بل لكون البيع أصبح مجملًا بهذا الاستثناء كما سيأتي في مباحث الإجمال. وعلى القول ببقاء عمومه، وبأن الربا معلوم، كما في المخصصات المعلومة المعينة الأخرى من عموم البيع، فهل يجعل البيع - العام المخصوص - حجة فيما بقي بعد التخصيص؟\n_________\n(^١) انظر: المحصول (٣/ ١٠٤)، البحر المحيط (٣/ ٤٠٧)، شرح مختصر الروضة (٣/ ٧٣٣)، شرح الكوكب (٣/ ٣٨٢).\n(^٢) نقل الأصبهاني في بيان المختصر (٢/ ١٤٢) الاتفاق على حجيته. وقال ابن السبكي في إبهاجه (٢/ ١٣٧ - ١٣٨): «وقد ادعى جماعة فيه الاتفاق، وهي دعوى غير مسموعة، فقد صرح ابن برهان في الوجيز بأن محل الخلاف فيم إذا خُصَّ بمبهم ....».","vol":"1","page":342},{"text":"ذهب جمهور أهل العلم (^١) إلى بقاء حجيته في غير ما تناوله التخصيص، ولهذا استدل العلماء بالآية على أن الأصل حل البيع وجوازه، فمن ادعى الحظر وإخراج شيء فعليه إقامة الدليل (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-255> المطلب السادس: دلالة العام على أفراده.</span>\nاختلف العلماء في دلالة العام على أفراده هل هي بطريق الظهور أو التنصيص (^٣)؟.\nوثمرة الخلاف تظهر في التخصيص بالتراخي، فعلى القول بأنه بطريق الظهور لا يكون نسخًا، ولو كان العام نصًا على أفراد لكان نسخًا.\nكما أن دلالة العام إن كانت بطريق التنصيص فإذا ما تعارضت مع الخاص في شيء واحد فإنهما يتساويان، فيطلب الترجيح من خارج.\nأما على القول بالأول وهو أن دلالته على أفراده بطريق الظهور فالحديث المخصص للآية يعتبر قاصرًا لبعض أفراده عليه وليس ناسخًا للعام.\nيقول الغزالي في مسألة تخصيص خبر الآحاد للقرآن: «قولهم: إن الحديث إما أن يكون نسخًا أو بيانًا، والنسخ لا يثبت بخبر الواحد اتفاقًا، وإن كان بيانًا فمحال إذ البيان ما يقترن بالمبين، وما يعرفه الشارعُ أهلَ التواتر حتى تقدم الحجة به قلنا: هو بيان ولا يجب اقتران البيان بل يجوز تأخيره عندنا …» (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق. وانظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٥٦٨)، أصول السرخسي (١/ ١٤٤)، وروضة الناظر (٢/ ٧٠٦)، المسودة (١١٦).\n(^٢) انظر: المغني لابن قدامة (٤/ ١٣٤)، البحر المحيط (٤/ ١٤١).\n(^٣) انظر: أصول السرخسي (١/ ١٣٢)، كشف الأسرار (١/ ١٦١)، البرهان (٢/ ١١٩٥)، جمع الجوامع (٢/ ٨).\n(^٤) المستصفى (٢/ ١٦٠).","vol":"1","page":343},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-257> المطلب السابع: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب </span>(^١).\nيقال في سبب نزول الآية أن ثقيفًا كانوا أكثر العرب ربًا، فلما نهوا عنه قالوا: كيف ننهي عن الربا وهو مثل البيع، فحكى الله تعالى ذلك عنهم، ثم أبطل ما ذكروه من التشبيه بالبيع (^٢)، فقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.\nفيقال العبرة بعموم اللفظ، فيحرم جميع أنواع الربا، ومنها الربا الذي يعامل به أهل الجاهلية إذا حل دينه على غريمة طالبه، فيقال: زدني في الأجل وأزيدك في المال، وهو ربا النسأ، واللفظ يعمه ويعم ربا الفضل.\n\n•<span data-type='title' id=toc-256> المبحث الثالث: مباحث التخصيص.</span>\n*<span data-type='title' id=toc-258> المطلب الأول: تخصيص الآية بالكتاب.</span>\nتخصيص الكتاب بالكتاب مما لا خلاف فيه بين أهل العلم (^٣)، ومن أمثلة ذلك وشواهده تخصيص عموم حل البيع الوارد في هذه الآية بالربا الوارد تحريمه بنفس الآية، فيكون بمنزلة الاستثناء من الجملة، ولو لم يخصه لكانت الاباحة عامة في سائر البياعات ربًا كان أو غيره (^٤).\nكما خصصوا الآية بالآيات التي حرمت بعض البيوع، بعموم لفظها، كالبيوع الداخلة تحت قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]\n_________\n(^١) انظر: العدة (١/ ٥٠١)، روضة الناظر (٢/ ٦٩٣)، شرح الكوكب (٣/ ١٧٨)، المستصفى (٢/ ١٣١)، الإحكام (٢/ ٢٥٨)، شرح التنقيح (٢١٦)، فواتح الرحموت (١/ ٢٩٠).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٤٠).\n(^٣) يقول الآمدي في الإحكام (٢/ ٤٥٦): «اتفق العلماء على جواز تخصيص الكتاب بالكتاب، خلافًا لبعض الطوائف» والمخالف هم الظاهرية كما الإحكام لابن حزم (١/ ٧٧)، وانظر: شرح تنقيح الفصول (٢٠٢)، والإبهاج (٢/ ١٨٠)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٣٥٩).\n(^٤) انظر: الفصول في الأصول للجصاص (١/ ٤٠٦)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣/ ٣٣٩).","vol":"1","page":344},{"text":"أو الداخلة تحت عموم مقتضاها، كتحريم بيع الميتة والدم من قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] إلى غير ذلك من الآيات.\n\n*<span data-type='title' id=toc-259> المطلب الثاني: تخصيص الآية بالسنة.</span>\nوتخصيص الكتاب بالسنة ولو كانت آحادية هو قول جمهور أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة (^١).\nقال السيوطي: «ومن أمثلة ما خُصَّ بالحديث: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ خُصَّ منه البيوع الفاسدة، وهي كثيرة في السنة» (^٢).\nقلت: وجواز هذا التخصيص إجماع الصحابة كما سيأتي في المطلب القادم.\nثم إن العام والخاص دليلان متعارضان، وخبر الواحد أخص من العموم الوارد في الآية، فيتقدم عليه، لأن تقديم العموم عليه يقتضي إلغاء خبر الواحد بالكلية، وتقديم الخبر على العموم، لا يبطل العموم بل يبقى في غير ما يتناوله الخبر فكان أولى (^٣).\nكما أن المسألة ترجع إلى الخلاف في تخصيص المقطوع بالمظنون، والواقع أن الخبر يتسلط على فحوى العام، وفحواه غير مقطوع به (^٤).\n_________\n(^١) انظر: العدة (٢/ ٥٥١)، التبصرة (١٣٢)، الإحكام للآمدي (٢/ ٣٤٧)، أحكام الفصول للباجي (٢٦٢)، البحر المحيط (٤/ ٢٤٢)، شرح الكوكب (٣/ ٣٥٩).\n(^٢) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (٤/ ١٤١٩).\n(^٣) انظر: شرح تنقيح الفصول (٢٠٨).\n(^٤) انظر: المنخول (٢٥٢)، البحر المحيط (٤/ ٤٨٢) ونقل الزركشي عن القاضي قوله: «أنا أتوقف فيه إذا ظاهر القرآن مقطوع الأصل غير مقطوع الفحوى، ونص أخبار الآحاد مقطوع الفحوى غير مقطوع الأصل».","vol":"1","page":345},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-260> المطلب الثالث: تخصيص الآية بالقياس.</span>\nذهب كثير من العلماء إلى جواز تخصيص الكتاب بالقياس على النص الخاص (^١).\nفقوله ﷾ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ دل على جواز كل بيع بلفظ عام، ثم ورد النص بتحريم الربا في البرّ بعلة الكيل - مثلا- ثم يقاس على البر الأرز، فيحرم الربا في الأرز، ويخص تحريم الربا في الأرز من حل البيع فهو قياس نص خاص يخص به عموم إحلال البيع (^٢).\nملحوظة: قد يقال: إن القياس فرع على النص، فلو خص القياس العموم لكان قد اعترض بالفرع على الأصل. وبمعنى آخر يقال: إن حكم القياس حكم أصله الذي هو النص الخاص، وكما أن النص الخاص يخص العموم، فكذا قياسه الذي حكمه حكمه، فكما أن النص على تحريم الربا في البر خصَّ عموم البيع، فكذا قياس البر في الأرز (^٣).\nوالجواب: إن قياس الأرز على البر إنما يخص قول الله: ﷿ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. وليس هذه الآية أصلًا لهذا القياس، لأن أصل القياس هو ما يقع الرد إليه كالبر، أو تحريمه، أو ما يدل على تحريمه، أو ما يدل على صحة القياس كإجماع الصحابة وغيره.\nفأما قول الله ﷿ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ فليس هو الذي رددنا إليه الأرز،\n_________\n(^١) انظر: شرح تنقيح الفصول (٢٠٣)، فواتح الرحموت (١/ ٣٥١)، روضة الناظر (٢/ ٧٣٤) وقال محقق الروضة الدكتور عبد الكريم النملة: «والخلاف في القياس الظني، أما القياس القطعي فيجوز التخصيص به إجماعًا».\n(^٢) انظر: المعتمد (٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، شرح مختصر الروضة (٢/ ٥٧٢).\n(^٣) انظر: شرح مختصر الروضة (٢/ ٥٧٢).","vol":"1","page":346},{"text":"ولا هو الدال على صحة القياس، فلم يعترض بالفرع على أصله.\n\n*<span data-type='title' id=toc-261> المطلب الرابع: تخصيص العام بمقصوده.</span>\nلما كانت الآية القصد منها التفريق بين البيع والربا، والرد على من قال ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] اختلف العلماء في تخصيص العام بمقصوده فذهب الجمهور إلى عدم تخصيصه بمقصوده (^١)، بل يجب إجراء اللفظ على موجبه لغة، فيحمل لفظ «البيع» على عمومه.\nوذهب بعض الأصوليين إلى وجوب وقف العموم على ما قصد به، وأن لا يتعداه إلى غيره إلا بدليل، وإن كانت الصيغة تقتضي العموم وذلك لأن العموم لم يقع مقصودًا.\nوعليه يكون البيع غير عام، فلا يدخل في العموم الصور غير المقصودة فلا يستشهد به - مثلًا- على جواز بيع لبن الآدميات ونحوه مما وقع فيه الخلاف (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-262> المطلب الخامس: تخصيص العام بالقرائن.</span>\nتكلم أهل الأصول عن القرائن وبينوا أن اللفظية المتصلة منها تخصص اللفظ العام، ومثلوا لذلك بالآية الكريمة، حيث بيّن قوله تعالى ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ أن المراد من قوله سبحانه ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ البعض دون الكل. كما أن قوله ﷾ ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ قد خصصه بعضهم بربا النسيئة، للحديث «إنما الربا في النسيئة» وبالقرائن اللفظية المتصلة بالآية، ومن تلك قوله تعالى ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].\n_________\n(^١) أي لا يقصر العام على مقصوده، بل يحمل على عموم لفظه، وانظر قول الجمهور في: المسودة (١٣٢)، أصول الفقه لابن مفلح (٣/ ٩٧٥)، البحر المحيط (٣/ ٥٨)، شرح الكوكب (٣/ ٣٨٩).\n(^٢) انظر: التمهيد للإسنوي (٣٢٩)، الكوكب الدري للإسنوي (٢١٦)، القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام (٢٦٥).","vol":"1","page":347},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-263> المبحث الرابع: مباحث الإجمال.</span>\n*<span data-type='title' id=toc-264> المطلب الأول: وجود الإجمال في القرآن الكريم.</span>\nنقل غير واحد من أهل العلم وجود الإجمال في القرآن الكريم، وأن ذلك المجمل قد فُسِّر وبُيِّن في سنة الرسول الكرم عليه أفضل الصلاة والتسليم.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية «وقد اتفق الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وسائر أئمة الدين: أن السنة تفسر القرآن وتبينه، وتدل عليه، وتعبّر عن مجمله، وأنها تفسر مجمل القرآن، من الأمر والخبر» (^١).\nوقال القرطبي بعد أن نقل القول بأنه عام واختاره: «وقال بعضهم: هو من مجمل القرآن الذي فُسِّر بالمحلَّل من البيع وبالمحرم فلا يمكن أن يُستعمل في إحلال البيع وتحريمه إلا أن يقترن به بيان من سنة رسول الله ﷺ، وإن دلَّ على إباحة البيوع في الجملة دون التفصيل وا وهذا فرق ما بين العموم والمجمل، فالعموم يدل على إباحة البيوع في الجملة والتفصيل ما لم يخص بدليل، والمجمل لا يدل على إباحتها في التفصيل حتى يقترن به بيان» (^٢)\n\n*<span data-type='title' id=toc-265> المطلب الثاني: دلالة الإجمال في لفظي «البيع» و«الربا».</span>\nلورود الإجمال في لفظي (البيع) و(الربا) أسباب عدة منها (^٣):\n(١) تردد اللفظ بين الحقيقة الشرعية، والحقيقة اللغوية، فإذا أطلق الشرع لفظ «الربا» فإنه يتردد بين مسمييه اللغوي والشرعي، لأن الربا في اللغة: الزيادة كيف كانت، وحيث كانت، وفي الشرع هو زيادة مخصوصة، وهو التفاضل\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٣٢).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٣٩).\n(^٣) انظر: التفسير الكبير للرازي (٧/ ٨١).","vol":"1","page":348},{"text":"في الأموال الربوية، كبيع درهم بدرهمين، وصاع بصاعين، فنتوقف فيه حتى نعلم أيّ الزيادتين أراد (^١).\nيقول الجصاص في ترجيح كون الربا منقولًا من معناه اللغوي إلى معناه الشرعي: «وهو في الشرع يقع على معان لم يكن الاسم موضوعًا لها في اللغة، ويدل عليه أن النبي ﷺ سمى النساء ربا في حديث أسامة بن زيد فقال: «إنما الربا في النسيئة» (^٢).\nوقال عمر بن الخطاب: إن من الربا أبوابًا لا تخفى منها السلم في السن (^٣)، يعني الحيوان. وقال عمر: - أيضا -: إن آية الربا من آخر ما نزل من القرآن، وإن النبي ﷺ قبض قبل أن يبينه لنا، فدعوا الربا والريبة (^٤).\nفثبت بذلك أن الربا قد صار اسمًا شرعيًا؛ لأنه لو كان باقيًا على حكمه في أصل اللغة، لما خفي على عمر؛ لأنه كان عالمًا بأسماء اللغة؛ لأنه من أهلها، ويدل عليه أن العرب لم تكن تعرف بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة نساء ربًا، وهو ربا في الشرع، وإذا كان ذلك على ما وصفنا صار بمنزلة سائر الأسماء المجملة المفتقرة إلى البيان، وهي الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع لمعان لم يكن الاسم موضوعًا لها في اللغة» «البيع».\n_________\n(^١) التفسير الكبير للرازي (٧/ ٨١)، واللباب لابن عادل (٤/ ٤٥٣).\n(^٢) أخرجه مسلم، وقد سبق.\n(^٣) أخرجه ابن كثير في مسند أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب ﵁ وأقواله على أبواب العلم (١/ ٣٤٧)، ونقل الألباني في إرواء الغليل (٥/ ٢١٥) برقم (١٣٧٣) عن الجوزجاني ص (٣٤١) ولم يحكم عليه.\n(^٤) أخرجه ابن ماجة في كتاب التجارات، باب التغليظ في الربا، برقم (٢٢٧٦) وقال محققه محمد فؤاد عبد الباقي: «إسناده صحيح، ورجاله موثوقون، إلا أن سعيدًا، وهو ابن عروبة، اختلط بآخره. كذا في الزوائد».","vol":"1","page":349},{"text":"يريد أن الشارع وإن بيَّن الإجمال في لفظ «الربا» إلا أن البيان ليس وافيًا؛ لأنه لم يحصر الربا فيما بيَّنه، فجاز الاجتهاد ولبيان ما يكون فيه الربا قياسًا على ما ورد في بيان السنة (^١).\nوقال ابن العربي: «قال علماؤنا: الربا في اللغة هو الزيادة، ولا بد في الزيادة من مزيد عليه تظهر الزيادة به، فلأجل ذلك اختلفوا هل هي عامة في تحريم كل ربا، أو مجملة لا بيان لها إلا من غيرها؟ … فحرم الله تعالى الربا، وهو الزيادة، ولكن لما كان كما قلنا لا تظهر الزيادة إلا على مزيد عليه، ومتى قابل الشيء غير جنسه في المعاملة لم تظهر الزيادة، وإذا قابل جنسه لم تظهر الزيادة أيضًا إلا بإظهار الشرع؛ ولأجل هذا صارت الآية مشكلة على الأكثر، معلومة لمن أيَّده الله تعالى بالنور الأظهر … الخ» (^٢).\nوبعض الأصوليين قرر الإجمال بسبب التردد بين مسمييه اللغوي والشرعي في لفظ «البيع».\nوبيان ذلك: أن البياعات في الشرع منها حلال، كالعقود المستجمعة لشروط الصحة، ومنها حرام كبيوع الغرر (^٣)، وبيع تلقي الركبان، وبيع الحاضر للبادي (^٤) … الخ، فتردده بين هذه البياعات الجائزة والمحرمة جعلها مجملة، ثم ورد البيان من الشرع بالمحرم منها من الجائز (^٥).\n_________\n(^١) انظر: أصول السرخسي (١/ ١٦٨ - ١٦٩)، أصول البزدوي مع شرحه كشف الأسرار (١/ ٨٦).\n(^٢) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٤١).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) ورد عنه ﷺ قوله: «لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد»، أخرجه البخاري برقم (٢١٥٨)، ومسلم، برقم (١٥٢١).\n(^٥) انظر: شرح مختصر الروضة (٢/ ٦٦١).","vol":"1","page":350},{"text":"قال ابن السمعاني: - «… وعلى القول الثاني ليس بمجمل، وهو الأصح، لأن البيع معقول في اللغة، فيحمل اللفظ على العموم إلا ما خصه الدليل ..» (^١).\n(٢) من أسباب الإجمال تردد «أل» في لفظي «البيع» و«الربا» هل هي للتعريف أو للاستغراق (^٢).\n(٣) إن قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ مجمل - على القول بذلك كما في السبب الأول - وهو مذكور في حكم الاستثناء عن البيع، والمجهول إذا استثنى من المعلوم انسحب على الكلام كله فأصبح لفظ «البيع» أيضا مجملًا.\nيقول ابن القشيري في تفسيره: «قال العلماء: هذه الآية مجملة لأن قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ يقتضي تحليل كل بيع. وقوله ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ يقتضي تحريم كل بيع، لأنه لا يبيع إلا ويقصد منه الزيادة» (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-266> المطلب الثالث: السنة تبين القرآن الكريم.</span>\nوضع الله ﷾ نبيه محمد ﷺ موضع الإبانة عنه ﷾، وفرض على خلقه اتّباعه فقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فهذه الآية - ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ على القول بأنها مجملة فهي مما تولى سبحانه تنزيله، ووقعت الإحالة على النبي ﷺ بيانه، فبين ﵊ ما يحل وما يحرم فعلم من ذلك أنه ﷾ أراد بإحلال البيع ما لم يحرّم منه دون ما حرّم على لسان نبيه، أو يقال: أحل\n_________\n(^١) انظر: قواطع الأدلة (١/ ٢٩١)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٤١)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣/ ٣٤٠).\n(^٢) انظر: أصول السرخسي (١/ ١٦٨) كشف الأسرار للبخاري (١/ ٨٦).\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٥/ ٦٧ - ٦٨)، والتفسير الكبير للرازي (٧/ ٩٣).","vol":"1","page":351},{"text":"الله البيع إذا كان على غير ما نهى الله في كتابه أو على لسان نبيه.\nفائدة: ذكر الجصاص في كتابه الفصول بابًا فيما يحتاج إلى البيان، وما لا يحتاج إليه، وذكر الضابط في ذلك فقال: «كل لفظ أمكن استعماله على ظاهره وحقيقته، ولم يقترن إليه ما يمنع استعمال حكمه على مقتضى لفظه فغير محتاج إلى البيان، إلا أن يريد به المخاطب بعض ما انتظمه، أو كان مراده غير حقيقته، فيحتاج إلى بيان المراد به، وكل لفظ لا يمكن استعمال حكمه إما لأنه مجمل في نفسه، أو لأنه اقترن إليه ما جعله في معنى المجمل على حسب ما تقدم من القول في صفة المجمل، وما في معناه فهو مفتقر إلى البيان، فالأول نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] هذه ألفاظ معانيها معقولة ظاهرة فهو غير مفتقر إلى البيان بنفس ورودها …» (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-267> المطلب الرابع: جواز كون المبيِّن أضعف من المبيَّن </span>(^٢).\nعلى القول بأن الآية مجملة، وقد بينتها السنة الآحادية، وهي من حيث الثبوت أضعف من الآية الكريمة، فتكون الآية شاهده على جواز ذلك.\nيقول الغزالي: «وعلى القول بأنه بيان فلا يشترط فيه التواتر، بل العمل جار على تكليفهم بقول عدل واحد، ثم ما يدريهم؟ فلعله ألقاه إلى عدد التواتر .....» (^٣).\n_________\n(^١) الفصول في الأصول للجصاص (٢/ ٢٧)، وانظر: العدة لأبي يعلى (١/ ١٠٨).\n(^٢) انظر: المحصول (٣/ ١٨٤)، التحبير (٦/ ٢٨١٤).\n(^٣) المستصفى (٢/ ١٦٠).","vol":"1","page":352},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-268> المطلب الخامس: جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة.</span>\nمن المعلوم إن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (^١)، لدخوله في تكليف ما لا يطاق، ولم يقع شيء من ذلك في الشريعة، بخلاف تأخيره إلى وقت الحاجة، فأنه جائز وواقع في الشريعة الإسلامية (^٢)، ومما يستدل به على ذلك الحديث المبين للإجمال في الآية.\nيقول الغزالي: «ويجوز تأخيره عندنا، وما يدريهم أنه وقع متراخيًا؟ فلعله كان مقترنًا، والراوي لم يرو اقترانه» (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-269> المطلب السادس: ثمرة الخلاف في دلالة الآية على العموم أو الإجمال.</span>\nتظهر فائدة الخلاف في دلالة الآية على العموم أو الإجمال، إذا قلنا بأن البيع مجمل قد بُيِّن كان حجة بلا خلاف، وأن قلنا بأنه عام خصَّ كان في بقائه بعد التخصيص حجة خلاف، والجمهور على حجته.\nوإن كان القولان متقاربين، وذلك لأن تخصيص العموم نوع من البيان، وكونه من باب العام المخصوص أولى وأكثر وأشهر (^٤).\n_________\n(^١) انظر: العدة (٣/ ٧٢٤)، التحبير (٣/ ٤٩٣)، شرح التنقيح (٢٨٢)، فواتح الرحموت (٢/ ٤٩).\n(^٢) انظر: العدة (٣/ ٧٢٥)، روضة الناظر (٢/ ٥٨٥)، الإحكام للآمدي (٣/ ٣٦)، شرح مختصر الروضة (٢/ ٦٨٨)، البحر المحيط (٣/ ٤٩٤)، التحبير (٦/ ٢٨٢٠ - ٢٨٢١)، فواتح الرحموت (٢/ ٤٩).\n(^٣) المستصفى (٢/ ١٦٠).\n(^٤) انظر: شرح مختصر الروضة (٢/ ٦٦٢)، التحبير (٦/ ٢٧٧٣).","vol":"1","page":353},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-270> المبحث الخامس: مباحث التعارض والترجيح.</span>\n*<span data-type='title' id=toc-271> المطلب الأول: تعارض الحقيقة الشرعية والعرفية واللغوية.</span>\nسبق في بيان أسباب الإجمال في لفظي «البيع» و«الربا» ترددها بين مسمييها الشرعي واللغوي، وهناك من اعتبرها داخله في المسمى العرفي، والعرفي غالبًا ما يوافق المعنى اللغوي، ومن خلال عبارات المفسرين في أسباب الإجمال يظهر لي التطابق بينهما هنا.\nوعلى كل حال فقد تعارضا مع الحقيقة الشرعية، والقاعدة تقديم الحقيقة الشرعية عليهما (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-272> المطلب الثاني: تعارض الظاهر مع الإجمال.</span>\nذكر عبد العزيز البخاري في كشف الأسرار بأنه: «لو استدل مستدل في حل البيع في صورة من الصور بعموم في قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ لا يكون لخصمه أن يعارضه بقوله عزّ اسمه ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ لأنه مجمل فلا يعارض الظاهر» (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-273> المطلب الثالث: تعارض التخصيص مع النقل.</span>\nذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالبيع في الآية، البيع اللغوي، وهو مبادلة الشيء بالشيء مطلقًا، وحمله على هذا المعنى يقتضي التخصيص بالبيوع الباطلة والفاسدة التي ورد النهي عنها في الشرع (^٣).\n_________\n(^١) انظر: المحصول (٥/ ٤٢٩)، شرح الكوكب (٣/ ٤٣٤).\n(^٢) كشف الأسرار (٣/ ٨٩).\n(^٣) انظر: الإبهاج للسبكي (١/ ٣٣٠ - ٣٣١).","vol":"1","page":354},{"text":"ويترتب على هذا القول بأن جميع البيوع حلال لعموم الآية، إلا ما خصّ منها، وذهب بعض العلماء بأن المراد بالبيع معناه المنقول إليه شرعًا، وهو البيع المستجمع لشرائط الصحة ككونه طاهرًا، منتفعًا به، مملوكًا .... إلخ (^١).\nويترتب على هذا القول: إنه لا داعي للقول بالتخصيص؛ لأنه لم يبق مستعملًا في الشرع بمعناه اللغوي المفيد للعموم، فمن شك في كون البيع مكتملًا لشرائط صحته كبعض البيوع المختلف فيها فإنه يحكم بعدم صحته لأن الأصل عدم استجماعه لشرائط الصحة (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-274> المطلب الرابع: تعارض الإضمار مع النقل.</span>\nقال بعض العلماء: الربا في الآية مستعمل بمعناه اللغوي، وهو الزيادة، والزيادة بعينها لا توصف بحل ولا حرمة، فكان لا بد من تأويل الآية، وتقدير كلمة مضمرة. «أخذ»، فيكون معنى الآية: حرم أخذ الربا، فالمنهي عنه هو أخذ الزيادة، وليس العقد.\nوذهب بعض العلماء: إلى أن الربا في الآية منقول من معناه اللغوي إلي معناه الشرعي، وهو العقد المشتمل على الزيادة لقرينة قوله ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، فالمنهي عنه هو نفس العقد المشتمل على الزيادة، فيكون المضمر في الآية لفظ «عقد» ومعنى الآية حرم عقد الربا.\nويترتب على ما سبق حكم البيع المشتمل على الربا، فعلى القول الأول إذا اتفق البائع مع المشتري بعد العقد على إسقاط تلك الزيادة صح العقد؛ لأن\n_________\n(^١) انظر: نهاية السول للإسنوي (١/ ١٣٩).\n(^٢) انظر: نهاية السول (١/ ١٣٩).","vol":"1","page":355},{"text":"المحرم هو الأخذ دون أصل العقد فلو تعاقدوا على بيع درهم بدرهمين ثم أسقطت الزيادة صح البيع وارتفع الإثم.\nأما على القول الثاني فالإثم باق، والعقد باطل؛ لأن المنهي عنه هو نفس العقد المشتمل على الزيادة (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-275> المطلب الخامس: تعارض المجاز مع الاشتراك.</span>\nقال بعض العلماء: وردت صيغة «أل» للعموم تارة وللخصوص تارة أخرى، والأصل في الاستعمال الحقيقة، فتكون مشتركة، وإذا كانت مشتركة كانت مجملة فيسقط الاستدلال بها.\nوقد سبق بيان سبب القول بالإجمال في المفرد المشتق، المعرف ب «أل» كالبيع والربا.\nوذهب بعض العلماء: جعلها مجازًا في الخصوص أولى من الاشتراك.\nويترتب على ذلك حكم بعض البيوع المختلف فيها، كحكم بيع الغائب على الصفة، فعلى القول الأول لا يصح الاستدلال بالآية، وهي حل البيع، لكون لفظ «البيع» مجملا فيسقط الاستدلال به. وعلى القول الثاني يصح البيع بحمل الصيغة على العموم فيتناول صورة النزاع.\n_________\n(^١) انظر: الإبهاج (١/ ٣٣٠)، غاية الوصول شرح لب الأصول للأنصاري (٥١)، حاشية العطار على شرح جمع الجوامع (١/ ٤٠٩).","vol":"1","page":356},{"text":"<span data-type='title' id=toc-276>المبحث السادس: المقصد الشرعي من تحريم الربا.</span>\nقال الطاهر ابن عاشور في تفسيره مبيِّنًا المقصد الشرعي من تحريم الربا: «وحكمة تحريم الربا هي قصد الشريعة حمل الأمة على مواساة غنيها محتاجها احتياجًا عارضًا موقتًا بالقرض، فهو مرتبة دون الصدقة، وهو ضرب من المواساة إلا أن المواساة منها فرض كالزكاة، ومنها ندب كالصدقة والسلف، فإن انتدب لها المكلف حرم عليه طلب عوض عنها، وكذلك المعروف كله، وذلك أن العادة الماضية في الأمم، وخاصة العرب، أن المرء لا يتداين إلا لضرورة حياته، فلذلك كان حق الأمة مواساته. والمواساة يظهر أنها فرض كفاية على القادرين عليها، فهو غير الذي جاء يريد المعاملة للربح كالمتبايعين والمتقارضين: للفرق الواضح في العرف بين التعامل وبين التداين إلا أن الشرع ميز هاته الواهي بعضها عن بعض بحقائقها الذاتية، لا باختلاف أحوال المتعاقدين، فلذلك لم يسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الربا في السلف، ولو كان المستسلف غير محتاج، بل كان طالب سعة وإثراء بتحريك المال الذي يتسلفه في وجوه الربح والتجارة ونحو ذلك، وسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الشركة والتجارة ودين السلم، ولو كان الربح في ذلك أكثر من مقدار الربا تفرقة بين المواهي الشرعية.\nويمكن أن يكون مقصد الشريعة من تحريم الربا البعد بالمسلمين عن الكسل في استثمار المال، وإلجاؤهم إلى التشارك والتعاون في شؤون الدنيا، فيكون تحريم الربا، ولو كان قليلًا، مع تجويز الربح من التجارة والشركات، ولو كان كثيرًا تحقيقًا لهذا المقصد» (^١).\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (٤/ ٨٦ - ٨٧).","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type='title' id=toc-277>الدراسة الثامنة دراسة تحليلية لآيات المحرَّمات في سورة النساء مع تخريج النوازل عليه</span>","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type='title' id=toc-278>المقدمة</span>\n﷽\nالحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:\nفإن فهم القران الكريم له مناهج عدَّة، ويحتاج المفسر الإلمام بها، وإعمالها بحسب ما يرد عليه من النصوص القرآنية، وإن كان النص المراد تفسيره متعلقًا بآية من آيات الأحكام فإن أنسب تلك المناهج هو المنهج الاستدلالي، وقد ضبطه الأصوليون، باستقراءات خاصة، حيث إنهم درسوا كل ما يتعلق بفهم النص، فدرسوا الأساليب العربية التي نزل بها القرآن، تحت ما أسموه \" دلالات الألفاظ \"، وربطوا من خلالها الألفاظ بمعانيها ومقاصدها، وازدوج النقل عندهم بالعقل، والرواية بالدراية، بقواعد استدلالية محكمة، وبقدر الإحاطة بهذا المنهج الاستدلالي يتفاوت الناس في فهم النص القرآني.\nيقول ابن القيم في إعلام الموقعين: \" منهم من يفهم من الآية حكمًا أو حكمين، ومنهم من يفهم عشرة أحكام أو أكثر من ذلك، ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه واعتباره، وأخص من هذا وألطف ضمه إلى نص آخر متعلق به، فيفهم من اقترانه به قدرًا زائدًا على ذلك اللفظ بمفرده، وهذا باب عجيب من فِهم القرآن لا يتنبه له إلا النادر من أهل العلم، فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلقه \" (^١).\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (١/ ٣٢١).","vol":"1","page":361},{"text":"وما ذاك إلا بحسب التضلع من علم أصول الفقه، والقدرة على الاستنباط والتخريج، وهي منزلة لا يقوم بها إلا مجتهد، يقول القرافي: \" لا يجوز التخريج إلا لمن هو عالم بتفاصيل أحوال الأقيسة والعلل، ورتب المصالح، وشروط القواعد، وما يصلح أن يكون معارضًا وما لا يصلح، وهذا لا يعرفه إلا من يعرف أصول الفقه معرفة حسنة .... وبهذا التقرير يتعين على من لا يشتغل بأصول الفقه أن لا يخرج فرعًا على نازلة \" (^١).\nونظرًا لما يتخرج من آيات النكاح من أحكام، وما يتخرج عليها من نوازل، فإني أحببت تطبيق المنهج الاستدلالي الأصولي، ب (دراسة تحليلية أصولية لآيات المحرَّمات في سورة النساء مع تخريج النوازل عليها)، معتمدًا وواصفًا أقوال العلماء المجتهدين في الدراسة التحليلية، لتكون مادة تطبيقية أصوليَّة يستفاد منها بإذن الله، وتأكيدًا لنتيجة معلومة وهي أن المفسِّر لكتاب الله لا غنى له عن المنهج الأصولي، لوجود آيات الأحكام، فأصول الفقه شرط ضروري لمن تصدى لتفسير كلام الباري.\n_________\n(^١) الفروق (٢/ ١٠٧ - ١٠٩).","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type='title' id=toc-279>دراسة تحليلية لآيات المحرَّمات</span>\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾ [النساء: ٢٢ - ٢٤]\nتضمنت الآيات السابقة المحرَّمات من النساء، وتنوعت فيها أسباب التحريم، ففيها المحرَّمات بسبب النسب وهنَّ ﴿أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾، والمحرَّمات بسبب الرضاع، وهنَّ ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، والمحرَّمات بسبب المصاهرة، كما في قوله تعالى ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقوله ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا","vol":"1","page":363},{"text":"جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ والمحرَّمات بسبب الجمع بين المحارم، وذلك في قوله تعالى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، والمحرَّمات بسبب الإحصان، كما في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، والمحرَّمات بسبب التأقيت، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، وتفصيل هذا، وبحسب ترتيب الآيات كما يلي:\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ [النساء: ٢٢].\nقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وهي صيغة النهي الصريحة، والنهي يقتضي التحريم، فحرم المولى ﷾ منكوحة الأب، كما أن النهي يقتضي فساد العقد.\nوأكد سبحانه التحريم بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. (^١)\nضمير الجمع في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ يفيد العموم، فيشمل جميع الأبناء، وأبناءهم وإن نزلوا.\nو﴿مَا﴾ الموصوله، وأُتي بهذه الصيغة، ولم يؤت بصيغة (مَنْ) التي للعاقل؛ لأن المراد به هنا نوع النساء، و﴿مَا﴾ تقع على الأنواع، أي: صفات ما يعقل\n_________\n(^١) انظر: أجمعت الأمة على تحريم موطوءة الأب على الابن، وجعل ابن كثير الإجماع على التحريم شاملًا ما وطئها الأب بالتزويج، أو ملك اليمين، أو كان شبهة\". تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٤١٤).","vol":"1","page":364},{"text":"وما لا يعقل (^١).\nوهي تفيد بعموم صلتها، منكوحة الأب سواء كانت حرة أو أمة بملك اليمين، لأن النكاح كما سبق حقيقة في الوطء عند البعض، ومجاز يمكن حمل الكلام عليه عند البعض الآخر.\nقوله: ﴿نَكَحَ﴾ تردد اسم النكاح بين معناه الشرعي، وهو العقد، ومعناه اللغوي وهو الوطء، ويدخل في الوطء المحرَّم والمباح، والقاعدة تقتضي تقديم الحقيقة الشرعية وهي العقد؛ لأن الرسول ﷺ بعث لبيان المعاني الشرعية، ولم يبعث ﵇ لبيان المعاني اللغوية، كما أن الشرع طارئ على اللغة وناسخ لها، والحمل على الناسخ المتأخر أولى (^٢).\nوإذا حمل لفظ النكاح على معناه الشرعي، فإن المرأة التي زنى بها الأب لا تحرم على أبناءه، وهو قول المالكية والشافعية (^٣).\nوحمله بعض العلماء على الوطء دون العقد للقرينة المتصلة بالآية نفسها ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ والفاحشة: الوطء، والتغليظ إنما يكون في الوطء لا العقد، ولا مانع من هذا الحمل إذ القاعدة تقتضي حمل الكلام على حقيقته (^٤) إلا إذا ورد ما يصرفه عنه، والصارف\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١١٨)، وقول القرطبي في جامعة (٥/ ١٠٠) عن (ما): \" بمعنى الذي، أو بمعنى مَنْ، وقد تلقت الصحابة هذه الآية على هذا \".\n(^٢) انظر: تخريج الفروع على الأصول للزنجاني (٢٧٢).\n(^٣) انظر: موطأ مالك رواية مصعب الزهري (١/ ٥٨٠)، والأم للشافعي (٥/ ٢٥).\n(^٤) يقول ابن القيم في إعلام الموقعين (٥/ ١٩٢): \" وكذلك قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ إنما المراد به النكاح الذي هو ضد السفاح، ولم يأت في القرآن النكاح المراد به الزنا قط، ولا الوطء المجرد عن عقد \".","vol":"1","page":365},{"text":"هنا القرينة المتصلة بهذا اللفظ (^١).\nيقول ابن قدامة: \" والوطء يسمى نكاحًا … وفي الآية قرينة تصرفه إلى الوطء، وهو قوله تعالى ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ \" (^٢).\nويقول التلمساني: \"وذلك أن العرب كانت في الجاهلية تخلف الآباء في نسائهم، وإنما كانوا يخلفونهم في الوطء لا في العقد، لأنهم لم يكونوا يجدون عليهن عقدًا، بل كانوا يأخذونهن بالإرث، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] وأيضا فقد قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ والفاحشة: الوطء لا العقد. \" (^٣).\n* وثمَّة قواعد أصولية أخرى تؤثر في أحكام هذه الآية منها:\nما سبق بيانه من جواز حمل لفظ النكاح على محتملاته من حقيقة ومجاز، وهذا مذهب المعميمين، وعليه فتحرم على الابن زوجة الأب غير المدخول بها، وكذا التي وطأها من غير عقد صحيح، أو من غير عقد أصلًا، فتحرم من زنى بها الأب ولا تحل لأبنائه، وهو ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة (^٤).\nومن القواعد المؤثرة، ما تقرر عند الأصوليين من أن الحقيقة مقدمة على المجاز (^٥)، والمجاز مقدم على الاشتراك، فالحقيقة مقدمة على الاشتراك، وعليه\n_________\n(^١) انظر: القرائن وأثرها في فهم الخطاب الشرعي للدكتور حمادي (٤٠٠).\n(^٢) المغني (٧/ ٩٠).\n(^٣) مفتاح الوصول للتلمساني (٥١٧ - ٥١٨)، وانظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١١٧).\n(^٤) أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٥١ - ٦١)، المغني لابن قدامة (٧/ ٩٠).\n(^٥) إن حمله على العقد داخل في باب إطلاق السبب على المسبب وهو أقوى من حمله على الوطء، بيان ذلك: إن علاقة السببية أقوى من علاقة المسببية، والعقد سبب للوطء، لأنا لو جعلناه مجازًا في العقد لكان من إطلاق المسبب على السبب؛ إذا العقد سبب للوطء، والوطء مسبب له، ولو عكسنا ما جعلناه مجازًا في الوطء لكان من إطلاق اسم السبب على المسبب، وإطلاق السبب على المسبب أقوى. انظر: تخريج الفروع على الأصول للزنجاني (٢٧٣).","vol":"1","page":366},{"text":"فحمل لفظ النكاح على الحقيقة وهو العقد، أولى من جعله مشتركًا بين العقد والوطء، لأن الاشتراك خلاف الأصل، فتكون بذلك موطوءة الأب محرمة على الابن سواء وطئها الأب أم لا (^١).\nومن القواعد المؤثرة - وذلك عند من يجعل الكلام مشتركًا بينه وبين الحقيقة - قاعدة: الحكم المعلق على اسم هل يقتضي أوله أو لا بد من آخره؟، فمن يقول الحكم متعلق بأوله قائل بتحريم منكوحة الأب على الابن بمجرد العقد، سواء دخل بها أو لا، ومن قال بأن الحكم متعلق بآخره فلا تحرم منكوحة الأب عنده إلا بالوطء، ومغيب الحشفة، وربما الإنزال؛ لأنه آخر ذوق العسيلة، الوارد في إباحة المرأة لزوجها الأول (^٢).\nقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ جمع مضاف فيعم آباء الآباء ومن فوقهم من الأجداد من النسب والرضاعة.\nويفهم من تحريم منكوحة الآباء بملك اليمين تحريم نكاح الشبهة الذي وقع من أبيه، وذلك بمفهوم الموافقة الأولوي.\nقال الموزعي: \"وبنكاح الشبهة بطريق التنبيه والأولى. \" (^٣) ولعل الأولوية، لأن النكاح يطلق على الوطء كحقيقة لغوية، وبه دخلت الأمة في التحريم، أما نكاح الشبهة ففيه الوطء والعقد أيضًا فكان أولى بالتحريم لدخوله في معنى النكاح بلا خلاف.\n_________\n(^١) انظر: المغني (٧/ ١١٣ - ١١٧)، أثر الدلالة النحوية للسعدي (٣٠٧).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٩٨).\n(^٣) تيسير البيان للموزعي (٢/ ٣١٣).","vol":"1","page":367},{"text":"قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ استثناء منقطع، وقال ابن العربي: \" قال علماؤنا هو استثناء منقطع، وصدقوا فإنه ليس بإباحة المحظور، وإنما هو خبر عن عفو سحب ذيله عما مضى من عملهم القبيح فصار تقديره: إلا ما قد سلف فإنكم غير مؤاخذين به \" (^١).\nوقيل إن الاستثناء متصل ويكون المراد بالآية: النهي أن يطأ الرجل امرأة وطئها الآباء، إلا ما قد سلف من الأباء في الجاهلية من الزنى بالنساء لا على وجه المناكحة فإنه جائز لكم زواجهن، وأن تطئوا بعقد النكاح ما وطئه آباؤكم من الزنى. وعلى هذا التقدير يكون أصلًا في أن الزنى لا يحرِّم (^٢).\nقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣ - ٢٤]\nخصصت هذه الآيات عموم آيات أخرى تقتضي إباحة نكاح جميع النساء (^٣)، منها قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وقوله تعالى:\n_________\n(^١) أحكام القرآن (١/ ٣٦٩)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ١٠٠)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١١٨).\n(^٢) انظر: والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ١٠١).\n(^٣) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٢٢).","vol":"1","page":368},{"text":"﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢].\n﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ نصت الآيات على تحريم نكاح النساء المذكورات، وهو نص صريح لا إجمال فيه.\nقال ابن الفرس: \" .... ومن لاحن العرب ومارس اللغة واطَّلع على عرف أهلها علم أنه لا يستراب في أن من قال: حرمت عليك الدار إنما يريد الدخول فيها خاصة، أو الطعام إنما يريد الأكل خاصة، أو النساء إنما يريد الجماع، وهذا صريح عندهم مقطوع به، فكيف يكون مجملا \" (^١).\nوسبب الخلاف يرجع إلى إضافة التحريم لأعيان النساء، والتحريم المضاف إلى الأعيان يكون المراد منه تحريم ما يتعلق بالأعيان من أفعال، لأن الأعيان ليست موردًا للتحليل والتحريم، وإنما يتعلق الحل والحرمة بأفعال المكلفين (^٢).\nفقال قوم: إن الفعل في هذه الآية لا يدري ما هو؟ هل النظر أو المضاجعة، أو الوطء، فلا يُدرى أي ذلك حرِّم، ولولا تبيينها بغيرها لما عُلم المرد منه، فهي إذًا مجملة. وذهب جمهور أهل العلم إلى أن المحرم هو نكاحهن، لدلالة العرف كما سبق.\nونقل ابن الفرس عن قوم قولهم: \"إن الآية من قبيل المحذوف، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ثم قال: \" وهذا إن أراد أنه مجاز فيلزم أن تسمى الأسماء العرفية مجازا .... فأما على قول من يرى اللفظ الشامل للحقيقة\n_________\n(^١) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٢٤).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٧١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٢٣).","vol":"1","page":369},{"text":"والمجاز عامًا فتعلقه بالآية في التحريم ظاهر، لكنه قول ضعيف، ومن لم ير ذلك فوجه تعلقه بالتحريم الإجماع. \" (^١) وسيأتي بيان هذا عند تفصيل المحرمات.\nوقوله: ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ جمع مضاف يعم كل أم شرعًا، وهي: كل أنثى لها عليك ولادة، أو انتهى نسبك إليها بالولادة، سواء وقع عليها اسم الأم حقيقة وهي التي كانت فيها الولادة المباشرة، أو مجازًا وهي التي منها الولادة بواسطة وإن علت، فيدخل فيه أم الأب، وأم الأم، وجدتي الأب، وجدتي الأم وإن علون، وارثات كنّ أو غير وارثات، كلهن محرمات (^٢).\nوهذا على قول من يرى أن اللفظ العام يشمل الحقيقة والمجاز، أو أن اللفظ العام يجوز أن يقصد به كلا الحقيقة والمجاز في مكانين مختلفين (^٣).\nأما القائلون بأن اللفظ الواحد لا يقصد به الحقيقة والمجاز فإن تحريم الجدات -الأمهات مجازًا- إنما كان عندهم بدليل الإجماع.\nوقد يتبادر إلى الذهن أن الجمع المضاف يعم، فما وجه العموم في الآية إذا حملت على الأم حقيقة؟\nقلت: لعل هذا داخل تحت قاعدة مقابلة الجمع بالجمع، فبيَّن الشارع حكم نكاح كل رجل لأمه (^٤).\n_________\n(^١) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٢٤ - ١٢٥).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٧٢)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ١٠٣).\n(^٣) يقول الرازي في المحصول (١/ ٣٤٣): \" المسألة الثانية: في أن اللفظ الواحد هل يكون حقيقة ومجازًا؟ أما بالنسبة إلى معنيين فلاشك في جوازه \".\n(^٤) يقول الزركشي في البحر المحيط (٣/ ١٤٥): \" اختلفوا في مقابلة الجمع بالجمع، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ فقيل: إن آحاده تقابل آحاده. وقيل: بل الجمعُ لجمع، فعلى الأول يكون الظاهر موجبًا تحريم كل من يقع عليه اسم الأمومة على كل واحد. والثاني يوجب تحريم كل أم على ابنها، ويطلب في تحريمه على غيره دليل يختص به .. \".","vol":"1","page":370},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ جمع مضاف فيعم كل أنثى انتسبت إليك بالولادة (^١)، كابنة الصلب، وبنات البنين والبنات وإن نزلت درجتهن، وارثات أو غير وارثات (^٢).\nوعلى كلا القولين فإن البنات داخلات في التحريم بلا خلاف، وإنما الخلاف واقع في تحريم البنت إن كانت من الزنا (^٣).\nفذهب فريق من العلماء إلى أنها داخلة في عموم الآية، لأنها أنثى مخلوقة من مائه، وهذه حقيقة كونها ابنته، ولا تختلف هذه الحقيقة بالحل والحرمة، وقاسوها على المخلوقة من وطء الشبهة.\nوذهب فريق آخر إلى عدم حرمة نكاح الرجل ابنته من الزنا، لعدم دخولها في الآية، بحجة أنها لا تسمى بنتا شرعًا، بدليل أن نسبها لا يثبت في الوارثين، ولا تستحق النفقة، فليست داخلة في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، ولا في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وإذا لم تكن داخلة في عموم الآية المحرمة، فهي داخلة في قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٧٢)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ١٠٣ - ١٠٤)\n(^٢) يرى الدكتور أمير عبد العزيز في كتابه الأنكحة الفاسدة (١/ ١٢٩) إن تحريم بنات البنات، وبنات الأبناء وإن نزلن ثبت بدلالة النص - مفهوم الموافقة الأولوي - لأنهن أقرب من بنات الأخ، وبنات الأخت اللواتي ورد تحريهن بالإجماع.\n(^٣) ذهب أبوحنيفة وأحمد والمشهور من مذهب مالك: أنها تحرم. ومذهب الشافعي عدم الحرمة، وهي رواية عن مالك. انظر: المبسوط للسرخسي (٤/ ٢٠٦)، والشرح الكبيرللدردير مع حاشية الدسوقي (٢/ ٢٥٠)، والمغني لابن قدامة (٧/ ١١٩).","vol":"1","page":371},{"text":"وذكر ابن الفرس وجهًا من الآية للقائلين بعدم حرمتها فقال: \" واحتج من لم يحرم بأن الله تعالى إنما حرم على الإنسان البنت المضاف إليه، لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ فأضاف التحريم إلى هذا الاسم المشتق، فكأنه قال: حرمت البنت لبنوتها، وهذه الصبية الحاصلة من الزنا غير مضافة إلى الزاني، فلم تدخل في آية التحريم. \" (^١)\nقلت: لعل هذا على القول بأن مفهوم اللقب إن كان مشتقًا فإنه حجة (^٢).\nواستدل كل واحد من الفريقين بالسنة باعتبارها مبينة للقرآن، وبأدلة أخرى ليس هذا مجال الاستطراد بها (^٣).\nقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ جمع معرف بالإضافة، فيعم الأخوات من الجهات الثلاث، من الأبوين، أو من الأب، أو من الأم، فإن اسم الأخت حقيقة يتناول الأصناف الثلاثة، لأن الأختية تعني المجاورة، إما في الرحم وإما في الصلب (^٤).\nقوله: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ جمع معرف بالإضافة فيعم العمات- وهن كل من ولده جدك أو جدتك من قبل الأب وإن علو - وهن أخوات الأب من الجهات الثلاث حقيقة، وأخوات الأجداد من قبل الأب، ومن قبل الأم، قريبًا كان الجد أو بعيدًا مجازا، كلهن محرمات (^٥).\n_________\n(^١) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٢٥).\n(^٢) انظر: التحبير شرح التحرير للمرداوي (٦/ ٢٩٤٥ - ٢٩٤٦).\n(^٣) انظر: الأنكحة الفاسدة للدكتور عبد الرحمن الأهدل (٧٤)، الأنكحة الفاسدة للدكتور أمير عبد العزيز (١/ ١٣١).\n(^٤) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٧٢)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ١٠٤).\n(^٥) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٧٢)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ١٠٤)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٢٦).","vol":"1","page":372},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ جمع معرف بالإضافة، فيعم الخالات- وهن كل من ولده جدك أو جدتك من قبل الأم وإن علو- فيدخل فيها أخوات الأم من الجهات الثلاث حقيقة، وأخوات الجدات وإن علون مجازًا، فكلهن محرمات (^١).\nقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ جمع معرف بالإضافة، فيعم كل من لأخيك عليه ولادة، فيعم جهات الأخ الثلاثة (^٢).\nقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ جمع معرف بالإضافة فيعم كل من لأختك عليه ولادة، فيعم جهات الأخت الثلاثة (^٣).\nقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾. قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ﴾ جمع مضاف-كما سبق- فيعم اللواتي أرضعننا وأمهاتهن وإن علون.\nقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ جمع مضاف فيعم الأخوات، ويدخل في الأخوات كل امرأة أرضعتك أمها، أو أرضعتها أمك، أو أرضعتك وإياها امرأة واحدة، أو ارتضعت أنت وهي من لبن رجل واحد، كرجل له امرأتان لهما منه لبن، أرضعتك إحداهما، وأرضعتها الأخرى (^٤).\nودلت الآية بمفهوم الموافقة الأولوي على تحريم نكاح زوج المرضعة للمرضعة؛ لأنه أبٌ.\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٧٢)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ١٠٤).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٢٦).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٧٣).\n(^٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ١٠٨).","vol":"1","page":373},{"text":"يقول ابن القيم: \" وإذا صارت المرضعة أمه صار صاحب اللبن أباه، وآباؤه أجداده، فنبه بالمرضعة صاحبة اللبن التي هي مودع فيها للأب على كونه أبًا بطريق الأولى؛ لأن اللبن له، وبوطئه ثاب، ولهذا حكم رسول الله بتحريم لبن الفحل، فثبت بالنص وإيمائه انتشار حرمة الرضاع إلى أم المرتضع وأبيه من الرضاعة، وأنه قد صار ابنًا لهما، وصار أبوين له \" (^١).\nثمَّ إن الله سبحانه أطلق الإرضاع في الآية ولم يقيده بصفة، فظاهر الآية أن مطلق الإرضاع يحرم، والظاهر لا يعدل عنه إلا بدليل، وقد عدل العلماء عن ظاهر إطلاقه إلى تقييد بالقرآن والسنة (^٢).\nأما القرآن فقد استنبط بعض أهل العلم من قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أن الرضاع المحرِّم ما كان في مدة الحولين، واستدلوا بقوله ﷺ: «إنما الرضاعة من المجاعة» (^٣)، والمجاعة إنما تثبت في حق من يقوم له الرضاع مقام الغذاء عند الجوع، وهذا إنما يكون في الحولين.\nكما أن العلماء عدلوا عن ظاهر الآية وقيدوا إطلاق الرضاع بقيد آخر، وهو العدد، واختلفوا في قدر ما يحرم من الرضاع، فقيل المصة الواحدة تحرّم، وقيل الثلاث، وقيل الخمس، وقيل: العشر (^٤).\nوتخصيص الأمهات والأخوات بالذكر لا يدل على أن ما عداهن ممن يدلي\n_________\n(^١) زاد المعاد لابن القيم (٥/ ١٢٠ - ١٢١).\n(^٢) انظر: تيسير البيان للموزعي (٢/ ٣١٥ - ٣١٦).\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب الشهادة، باب الشهادة على الأنساب برقم (٢٥٠٤)، ومسلم في كتاب الرضاع، باب إنما الرضاعة من المجاعة، برقم (١٤٥٥).\n(^٤) انظر: تيسير البيان للموزعي (٢/ ٣١٥ - ٣٢٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٢٧).","vol":"1","page":374},{"text":"بجهة غير جهة الأم بخلافهن، لأنه من مفهوم اللقب وهو غير حجة، ومن قال بالمفهوم قال: لا يحرم بالرضاع إلا الأمهات والأخوات، ولو حرمن غيرهن لذكره المولى ﷾ (^١).\nوقد تعلق بعض العلماء بهذا المفهوم، واستدلوا على عدم تحريم رضاع الرجل، لأنه ليس أُمًّا، وكذا البهائم لا تكون أمّهات. (^٢)\nقال ابن العربي: \" ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وهما محرمتان بالقرآن، ولم يذكر المحرم بالرضاعة في القرآن سواهما، والأم أصل والأخت فرع، فنبه بذلك على جميع الأصول والفروع، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة» (^٣) \" (^٤).\nقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ جمع مضاف فيعم، فتحرم على الزوج أم زوجته، وجدتها، سواء كانت من جهة الأب أو من جهة الأم من نسب أو رضاع، سواء دخل بالمرأة أو لم يدخل بها، \"لصدق الاسم على هؤلاء كلهن\" (^٥)، فقال سبحانه: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ عطفا على قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ أما تحريم الجدات فإما أن يكون بعموم اللفظ لحقيقته ومجازه، أو أن تحريمهن كان بالإجماع -كما سبق- وقد يكون التحريم بمفهوم الموافقة المساوي، إذا قلنا: إن الأم في الآية بمعنى الأصل.\n_________\n(^١) انظر: تيسير البيان للموزعي (٢/ ٣٢٤ - ٣٢٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٢٧).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٢٧)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ١٠٧).\n(^٣) أخرجه مسلم في كتاب الرضاع، باب: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة، برقم (١٤٤٤).\n(^٤) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٧٣).\n(^٥) زاد المعاد لابن القيم (٥/ ١٢١).","vol":"1","page":375},{"text":"وأطلق ﷾ تحريم أمهات الزوجات ولم يقيده بالدخول كما فعل مع البنت الربيبة-كما سيأتي -، وقد وقع خلاف بين العلماء هل يحرمن بالعقد على البنات أو بالدخول عليهن؟ (^١)، ومن قال بالدخول فكان مأخذه القياس على البنت، فكما أن البنت لا تحرم إلا بالدخول على أمها فكذلك الأم لا تحرم إلا بالدخول على بنتها. وأخذ جمهور أهل العلم بمقتضى الإطلاق، ولم يشترطوا الدخول بهن (^٢).\nونقل الموزعي عن بعض المتأخرين أن منشأ اختلاف الفريقين هو الأصل المشهور في الصفة إذا تعقبت جُملًا عطف بعضها على بعض هل يعود إلى الجميع أو يختص بالأخيرة؟.\nوأعتقد أن قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ -وهي الصفة هنا (^٣) - عائد إلى ﴿نِسَائِكُمُ﴾ في قوله ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ وقوله ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ على قول. وعائد إلى الأخيرة في قول.\nثم قال الموزعي: \"وليس كذلك، بل تقييد الصفة خاص بالربائب. \" (^٤) ..\nقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وهو معطوف على قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فدل على تحريم الربائب (^٥).\n_________\n(^١) تيسير البيان للموزعي (٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨).\n(^٢) نسبه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٠٢) للجمهور، وقال: \" وعليه الحكم والفتيا\"، وانظر مزيد تدليل وتفصيل عند ابن القيم في زاد المعاد (٥/ ١٢٢).\n(^٣) وهو متضمن للشرطية. فإن تحقق الدخول بالزوجة تحقق الحكم وهو تحريم أمها، وإلا فلا.\n(^٤) تيسير البيان للموزعي (٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨)، وانظر: للجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ١٠٢).\n(^٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ١٠٨).","vol":"1","page":376},{"text":"قال ابن عبد البر: \"لا أعلم أحدًا قال بهذا من فقهاء الأمصار، أهل الرأي والحديث الذين تدور عليهم وعلى أصحابهم الفتوى\" (^١).\nقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ جمع مضاف فيعم، كل ربيبة سواء كانت في حجر الزوج، أو ليست في حجره، وسواء دخل بأمها أولا. كما أن اللفظ يشمل بنات الربيبة، وبنات الربيب، \" فإنهن داخلات في اسم الربائب\" (^٢)، وانعقد الإجماع على تحريمهن (^٣).\nقلت: لعله من الإجماع بعد الخلاف؛ لثبوت الخلاف عن عمر بن الخطاب ﵁، وعلي بن أبي طالب ﵁، وبعض الصحابة (^٤). *\nوهل تدخل بنت الجارية؟، يرى ابن القيم أن \" السرية قد تدخل في جملة نسائه، كما دخلت في قوله ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، ودخلت في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ودخلت في قوله ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] \" (^٥)، وعليه فهي تدخل في لفظ النساء في قوله ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾.\n_________\n(^١) الاستذكار لابن عبد البر (٥/ ٤٥٨ - ٤٥٩).\n(^٢) زاد المعاد لابن القيم (٥/ ١٢١).\n(^٣) نقل ابن قدامة الإجماع في المغني (٧/ ٨٥) عن ابن المنذر. وانظر: فتح الباري لابن حجر (٩/ ١٥٨)، والجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٠٨).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب النكاج، باب وربائبكم، برقم (١٠٨٣٤)، ورقم (١٠٨٣٥)، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٩/ ١٥٨): \" والأثر صحيح عن علي وكذا صح عن عمر .... ولولا الإجماع الحادث في المسألة وندرة المخالف لكان الأخذ به أولى .. \".\n(^٥) زاد المعاد (٥/ ١٢٢ - ١٢٣)، وبيَّن ﵀ إن الزوجة صارت من نسائه بمجرد العقد، وأما المملوكة فلا تصير من نسائه حتى يطأها، فإذا وطئها صارت من نسائه فحرمت عليه أمها وبنتها.","vol":"1","page":377},{"text":"قوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ قيد يدل بمفهوم صفته على أنّهن إذا لم يكن في الحجور لا يحرمن (^١).\nوذهب جمهور أهل العلم على أنه لا مفهوم له في هذه الآية، لخروجه مخرج الغالب، فإن الغالب الموجود من أحوال الناس أن الربائب لا يكن إلا في حجور أزواج أمهاتهن (^٢).\nوضمير الجمع في قوله: ﴿حُجُورِكُمْ﴾ ورد لمقابلة الجمع في قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾\nوقوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ اسم جمع مضاف فيعم كل من للربائب عليهن ولادة (^٣).\nيقول ابن القيم: \" فتتناول بذلك بناتهن وبنات أبنائهن، فإنهن داخلات في اسم الربائب \" (^٤).\nقوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ قيد يدل بمفهوم صفته أنه إن لم يكن دخل بأمها فله أن ينكحها فلا جناح ولا إثم عليه، وهذا مفهوم معمول به، وجاءت تكملة الآية منطوقة به فقال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾\n_________\n(^١) انظر: تيسير البيان للموزعي (٢/ ٣٢٧).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٧٢)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٨٧)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٣٢٨)، وزاد المسير لابن الجوزي (٢/ ٤٧).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٧٧)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٢٩).\n(^٤) زاد المعاد (٥/ ١٢١).","vol":"1","page":378},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ النساء: ٢٣\nدلت الآية على تحريم زوجات الأبناء، حيث صُدِّرت بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ النساء: ٢٣ ثم عطف عليها تحريم زوجات الأبناء.\nقوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ جمع مضاف فيعم زوجة الابن، وابن الابن، وابن البنت من النسب وإن نزلوا، سواء دخل الفرع بزوجته أو لم يدخل (^١).\nقوله: ﴿وَحَلَائِلُ﴾ مفهومه بالصفة يقتضي عدم تحريم ما وطئه الابن بملك اليمين، لأن لفظ الحليلة مخصوص بالمنكوحة -على قول- لكن الإجماع دل على عدم اعتبار هذا المفهوم، وألحق ما وطئها الابن بملك اليمين بالمنكوحة (^٢).\nوعلى القول الآخر: إن الحليلة بمعنى المحلَّلة، فيدخل موطوآت الابناء بملك اليمين بالنص، وليس بالإلحاق والقياس (^٣).\nيقول الألوسي: \" والظاهر من كلام اللغويين إن الحليلة: الزوجة - كما أشرنا إليه - واختار بعضهم: إرادة المعنى الأعم الشامل لملك اليمين، ليكون السر في التعبير بها دون الأزواج أو النساء: أن الرجل ربما يظن أن مملوكة ابنه مملوكة له بناء على أن الولد وماله لأبيه، فلا يبالي بوطئها وإن وطئها الابن، فنبهوا على تحريمها بعنوان صادق عليها وعلى الزوجة، صدق العام على أفراده للإشارة إلى أنه لا فرق بينهما فتدبر \" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: زاد المعاد (٥/ ١٢٣).\n(^٢) انظر: تيسير البيان للموزعي (٢/ ٣٢٩)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٢٩).\n(^٣) انظر: زاد المعاد (٥/ ١٢٣).\n(^٤) روح المعاني للألوسي (٤/ ٢٦٠).","vol":"1","page":379},{"text":"وهل مازنى بها الابن تدخل في التحريم على الآباء؟ بمعنى هل حرمة المصاهرة تثبت بالزنا؟.\nدلت الآية بإشارتها إلى عدم دخولها في التحريم؛ لأن القرآن أتى بلفظ الحلائل، وهو جمع حليلة، \"ومن زنى بها الابن لا تسمى حليلة لغة، ولا شرعًا ولا عرفًا\" (^١)، ومن أدخلها فهو باعتبار اشتقاق الحلية، من الحَل، أو من الحلول (^٢).\nقوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ جمع مضاف، يقول الجصاص: \"فيتناول عند الجميع تحريم حليلة ولد الولد على الجد، وهذا يدل على أن ولد الولد يطلق عليه أنه من صلب الجد، لأن اطلاق الآية قد اقتضاها عند الجميع، وفيه دلالة على أن ولد الولد منسوب إلى الجد بولادة\" (^٣)\nوهو قيد دل بمفهوم صفته على أن زوجة الابن من التبني لا تحرم. وهذا المفهوم صرح القرآن به في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] وقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. (^٤)\n_________\n(^١) إعلام الموقعين لابن القيم (٥/ ١٩٢).\n(^٢) يقال للمرأة حليلة وللرجل حليل، وسميا بذلك من الحَل؛ لأن كل واحد منهما يحل إزاره للآخر. وقيل: من الحلول، أي النزول؛ لأن كل واحد منهما يحل مع الآخر، وقيل: من الحِل؛ لأن كل منهما حلال للآخر. انظر: معاني القرآن للنحاس (٢/ ٥٤)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ١٠٩).\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٧٣).\n(^٤) انظر: تيسير البيان للموزعي (٢/ ٣٢٩)، وأضواء البيان للشنقيطي (١/ ٢٤٩).","vol":"1","page":380},{"text":"كما أن الآية أخرجت بمفهوم الصفة - أيضًا - حليَّة زوجة الابن من الرضاع. وعليه فإن زوجة الابن من الرضاع تحل لأبيه إذا طلقها الابن أو مات عنها.\nيقول ابن القيم: \"ومعلوم أن لفظ الابن إذا أطلق لم يدخل فيه ابن الرضاع، فكيف إذا قيد بكونه ابن الصلب؟ وقصد إخراج التبني بهذا لا يمنع إخراج ابن الرضاع، ويوجب دخوله \" (^١).\nقلت: واعتبار هذا المفهوم خلاف بين أهل العلم، وقد نقل كثير من أهل العلم الاتفاق والإجماع على تحريم حليلة ابن الرضاع (^٢)، واستدلوا لذلك بقوله ﷺ: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (^٣) وبهذا الحديث يدفع المفهوم الدال على حليلة ابن الرضاع، ومعلوم أن المفهوم إنما يكون حجة إذا لم يعارضه منطوق.\nيقول الخطابي: \"وفي هذا الحديث بيان حرمة الرضاع في المناكح كحرمة الأنساب، وأن المرتضعيْن من الرجال والنساء باللبن الواحد كالمنتسبين منهم إلى النسب الواحد\" (^٤)\nقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] عطفًا على قوله في أول الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ وفيه بيان للحكم\n_________\n(^١) زاد المعاد (٥/ ٥٥٧ - ٥٦٤).\n(^٢) انظر: تيسير البيان للموزعي (٢/ ٣٢٩)، يقول ابن القيم في زاد المعاد (٥/ ٥٥٧ - ٥٦٤): \" ودعوى الإجماع في هذه المسألة مردود بلاخلاف في التحريم بلبن الفحل، فيلزم من لا يحرم بلبن الفحل ألا يحرم على المرأة أبا زوجها من الرضاعة، ولا ابنه من الرضاعة \".\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب، برقم (٢٦٤٥)، ومسلم في كتاب الرضاع، باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة، برقم (١٤٤٧).\n(^٤) معالم السنن للخطابي (٢/ ٢٤٥).","vol":"1","page":381},{"text":"الشرعي، وهو تحريم الجمع بين الأختين.\nقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ تنحل الجملة إلى مصدر، وهو (الجمع) فيحرم الجمع بين الأختين، و(الجمع) اسم جمع معرف بأل غير عهدية فيعم، ويشمل نكاحهن معًا أو مترتبات.\nوضمير الجمع في قوله: ﴿تَجْمَعُوا﴾ يشمل كل ناكح سواء كان حرًا أو عبدًا.\nوقوله: ﴿الْأُخْتَيْنِ﴾ مثنى عرف بأل وهو يفيد العموم، فتشمل الحرائر بالاتفاق سواء كن شقيقتين أو لأب أو الأم، وسواء كن بالنسب أو الرضاع، واختلفوا في الأختين بملك اليمين هل يجوز الجمع بينهما في الوطء.\nقال ابن القيم: \" وحرم سبحانه الجمع بين الأختين، وهذا يتناول الجمع بينهما في عقد النكاح، وملك اليمين، كسائر محرمات الآية، وهذا قول جمهور الصحابة ومن بعدهم وهو الصواب \" (^١).\nوسبب الخلاف راجع إلى التعارض الوارد بين هذه الآية - التي دلت على تحريم الجمع بين الأختين - وبين الآية التي بعدها، وهي وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وذلك عند من يقول بأن الاستثناء يعود إلى الجمل السابقة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، وسيأتي بيان ذلك في محله.\nكما أن الآية تفيد بمفهومها المخالف عدم دخول غير الأختين أما بمفهومها الموافق، فدلت على حرمة الجمع بين سائر المحارم، ويرى البعض أن تحريم\n_________\n(^١) زاد المعاد (٥/ ١٢٥ - ١٢٦)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ١١٢).","vol":"1","page":382},{"text":"الجمع بين سائر المحارم إنما كان بالقياس (^١).\nوقد وردت السنة بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، ومما ورد في الصحيحين قوله ﵇: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها، فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» (^٢).\nتنبيه: يرى ابن الفرس أنه حتى يصح إلحاق ما في الخبر بما في الآية فإنه يجب أن لا تكون هذه الزيادة نسخًا، لأنه يرى أن نسخ القرآن بخبر الآحاد فاسد، والجمهور خلافًا للحنفية لا يرون الزيادة على النص نسخًا (^٣).\nقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الاستثناء في الآية راجع إلى الجملة الأخيرة، ومعلوم أن الاستثناء المتعقب جملًا يعود إلى الجميع عند الجمهور إلا إذا دلّ دليل على قصره على الجملة الأخيرة.\nومما يستدل على رجوع الاستثناء للجملة الأخيرة قول ابن عباس ﵄: \"كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين\" (^٤).\nقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ الواو حرف عطف، وهو يقتضي مطلق الجمع (^٥)، وهذا يقتضي الجمع بين المحصنات والمعطوف عليه من المحرمات من النساء في التحريم.\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٣٣).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها، برقم (٥١٠٩)، ومسلم في كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، برقم (١٤٠٨).\n(^٣) انظر: شرح التنقيح للقرافي (٣١٧)، والمحصول للرازي (٣/ ٣٦٣)، والتحبير شرح التحرير للمرداوي (٦/ ٣٠٩٣).\n(^٤) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٣٦، ٣٣٠).\n(^٥) انظر: التحبير شرح التحرير للمرداوي (٢/ ٦٠٢).","vol":"1","page":383},{"text":"﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ جمع عرف بالألف واللام غير العهدية فيعم جميع المحصنات، وهن الزوجات (^١)، ويدخل في ذلك الحرائر والإماء.\nقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (إِلَّا) استثناء متصل فأخرج الإماء من الحكم السابق فيحل نكاحهن.\nوقوله: ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾ جمع مضاف، فيشمل كل من دخلت تحت ملك اليمين، سواء كانت مسبية، أو مشتراة، أو غير ذلك، وثنية كانت أو كتابية، وسواء كن أخوات أو غير أخوات (^٢).\nوقد اختلف أهل العلم في عود الاستثناء إلى جميع الجمل السابقة، أو إلى الجملة الأخيرة، والذي عليه الجمهور هو عوده إلى الجميع، ويرى بعض المحققين \"أن الصواب في رجوع الاستثناء لجميع الجمل المتعاطفة قبله، أو بعضها، يحتاج إلى دليل منفصل؛ لأن الدليل قد يدل على رجوعه للجميع، أو لبعضها دون بعض، وربما دلَّ الدليل على عدم رجوعه للأخيرة التي تليه\" (^٣). وبناء على الخلاف السابق في عود الاستثناء، اختلف العلماء في عوده للأختين بملك اليمين، هل يجوز الجمع بينهما في الوطء، فمن قال بعود الاستثناء للجميع قال بأنه يحل الجمع بينهما في الوطء؛ لأن ملك اليمين مستثنى من التحريم المنصوص عليه في الجملة المعطوفة السابقة، وهي ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا\n_________\n(^١) هذا ما عليه جمهور المفسرين. وقيل المراد بهن: الحرائر، يقول ابن القيم في زاد المعاد (٥/ ١٢٩ - ١٣٠): \" ورد هذا لفظًا ومعنى … \" ثم بين ذلك فراجعه. وانظر: تيسير البيان للموزعي (٢/ ٣٣٢ - ٣٣٣)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ١١٥).\n(^٢) انظر: تيسير البيان للموزعي (٢/ ٣٣٣).\n(^٣) أضواء البيان للشنقيطي (٥/ ٥٢٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.","vol":"1","page":384},{"text":"بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾.\nويرى الشيخ محمد الأمين الشنقيطي أن هناك مانعًا من رجوع الاستثناء إلى قوله ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، فقال: \"لما قدمنا من أن قوله ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي بالسبي خاصَّة مع الكفر، وأن المعنى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: وحرمت عليكم المتزوجات من النساء، لأن المتزوجة لا تحل لغير زوجها، إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي مع الكفر، فإن السبي يرفع حكم الزوجية عن المسببية، وتحل لسابيها بعد الاستبراء … وإذا كان ملك اليمين في قوله ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في السبي خاصَّة - كما هو مذهب الجمهور - كان ذلك مانعًا من رجوعه إلى قوله ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ لأن محل النزاع في ملك اليمين مطلقًا \" (^١)\nوكونه خاصًا بالمسبيات يؤيده سبب نزول الآية، وهو ما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس فلقي عدوًا، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، فأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرَّجوا من غشيانهن من أجل أزواجهنَّ من المشركين، فأنزل عليه في ذلك (^٢): ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، أي فهن لهم حلال إذا انقضت عدتهن (^٣).\n_________\n(^١) أضواء البيان للشنقيطي (٥/ ٥٢٢).\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب الرضاع، باب جواز وطء المسبية بعد الاستبراء، وإن كان لها زوج انفسخ نكاحها بالسبي، برقم (١٤٥٦). وانظر: أسباب النزول للواحدي (١٤١ - ١٤٢).\n(^٣) انظر: تيسير البيان للموزعي (٢/ ٣٣٢ - ٣٣٣).","vol":"1","page":385},{"text":"يقول ابن عبد البر: \" وهذا دليل واضح على ذلك، وفيه تفسير الآية، وهو أولى ما قيل في تفسيرها\" (^١).\nثمَّ ذكر المولى سبحانه حلِّية ما وراء هؤلاء المحرَّمات بقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ النساء: ٢٤ (^٢). ثمَّ قال ﷾: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤]، وقيل: إنها نزلت في نكاح المتعة، ويؤيده القراءة الشاذة (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن) (^٣)، ثمَّ اختلف القائلون بأنها نزلت في نكاح المتعة في الناسخ لها بعد الاتفاق على نسخ حكم المتعة، وثبوت حرمتها بالسنة (^٤). وجمهور المفسرين على كون الآية محكمة (^٥)، ولا علاقة لها بالمتعة، وتأويلها بمعنى: ما استمتعتم به منهن، فآتوهن أجورهن، أي مهورهن فريضة (^٦).\nوسباق الآية وسياقها يمنع حملها على المتعة، وذلك لأن سياق الآية بيان المحرمات، وكان آخر المحرمات المتزوجات من النساء إلا ما ملكت اليمين،\n_________\n(^١) التمهيد لابن عبد البر (٣/ ١٤٤)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ١١٧).\n(^٢) يقول ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ٣٨٤): \" هذا عموم متفق عليه ممن نفاه، وممن أثبته\".\n(^٣) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٨٩)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ١٢٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٤٤)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٣٤٢).\n(^٤) لقوله ﵊: «ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة، ومن كان أعطى شيئا فلا يأخذه» وفي رواية ما يفيد أن إباحتها بالسنة، لقوله ﵊: «أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذالك إلى القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا».\n(^٥) ونقل القرطبي نسخها عن سائر العلماء والفقهاء من الصحابة والتابعي. انظر: الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٢٨).\n(^٦) انظر: تفسير الطبري (٥/ ١٣)، تيسير البيان للموزعي (٢/ ٣٤٤).","vol":"1","page":386},{"text":"ثم قال سبحانه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] أي تلذذتم به منهن في النكاح الصحيح ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن.\nثم قال بعدها ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] إلى آخر الآيات التي تبين أن المعنى بهذه الآيات إنما هو النكاح الدائم لا المتعة.","vol":"1","page":387},{"text":"<span data-type='title' id=toc-280>تخريج النوازل على أحكام وأصول المحرَّمات</span>\nالمقصود هنا تخريج الفروع النازلة على الفروع والأحكام المستنبطة من آيات المحرَّمات، وكذا تخريج النوازل على أصول تلك الأحكام، فيتضمن البحث نوعان من أنواع التخريج هما: تخريج الفروع على الفروع، والمقصود بالفروع الأولى النازلة العصرية، وكذا يتضمن تخريج هذه النوازل على الأصول، وهذان هما التخريج الشائع عند الفقهاء والأصوليين، والأول وهو عبارة عن استنباط للأحكام من فروع الأئمة المنسوبة إليهم، سواء كانت أقوالهم أو أفعالهم أو تقريراتهم، واصطلح على تسميته بتخريج الفروع على الفروع.\nوالثاني وهو عبارة عن استنباط للأحكام من القواعد، واصطلح على تسميته بتخريج الفروع على الأصول (^١).\n_________\n(^١) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (١٨٥ - ١٨٦).","vol":"1","page":388},{"text":"إذا تبيَّن المقصود - هنا - ففيما يلي<span data-type='title' id=toc-281> بعض النوازل المخرَّجة على ما سبق تقريره في المبحث الأول:</span>\n(١) سبق القول أن التحريم في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآيات، لايضاف إلى الأعيان، ويجب تقدير محذوف، وقدَّر العلماء فعلًا من أفعال المكلف، وهو (نكاح)، أي حرِّم عليكم نكاح أمهاتكم، كما سبق أن النكاح حقيقة في العقد، وبالقول بعموم المقتضى والمحذوف فإنه يتخرَّج على القاعدة: تحريم جميع صور عقود النكاح، سواء كانت حقيقية أو صورية.\nومن العقود الصورية الواقعة في بلاد الغرب - ويفعلها بعض الجاليات المسلمة - عقد زواج صوري للجنس الآخر - من غير قصد له، وقد يكون بمقابل مادي - بغية حصول أحد الطرفين، وهو غير المتجنس بجنسية تلك البلد الغربي الإقامة، أو الهجرة لها إذ أن النظام في بعض الدول الغربية يتيح الإقامة أو الهجرة لمن كان متزوجًا بطرف يحمل جنسية تلك البلاد (^١)، ولهذه العقود صور، والقصد أن الطرف الآخر قد يكون من المحارم (^٢)، فهنا يخرَّج حكم التحريم بالنص على هذه النازلة.\n(٢) وهذه المسألة متعلقة بحقيقة النكاح أيضًا، وسبق ذكر خلاف العلماء في أن النكاح في القرآن الكريم يراد به: العقد، أو الوطء، أو يطلق عليهما بالاشتراك\n_________\n(^١) انظر: القواعد الأصولية المؤثرة في فقه الأقليات المسلمة (٢٨٧ - ٢٨٨)، رسالة مقدمة لمرحلة العالمية الماجستير (آلة) من الطالب يحي عثمان صوفي - إمريكي الجنسية- بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n(^٢) بعض القوانين الغربية تبيح نكاح المحارم إن كانوا من الدرجة الثانية، كالعمات والخالات، وتبيح نكاح الأصهار مطلقًا، بزعمهم لعدم وجود ما يثبت ضرره من الناحية الطبية. انظر: أحكام الأحوال الشخصية للمسلمين في الغرب للدكتور سالم عبد الغني الرفاعي (٣٦٤ - ٣٦٦).","vol":"1","page":389},{"text":"اللفظي. وإذا ما خرجنا عن تحريم النكاح بسبب القرابة، وتوجهنا إلى المحرمات بسبب المصاهرة، كتحريم ما نكح الأب، وأمهات النساء، وابنة المرأة التي دخل الرجل بأمها. أو حتى التحريم بسبب الوطء المحرم سواء من الأب على الابن، أو من الابن فتحرم على الأب، فحصل ما يسمى اليوم بتأجير الرحم، كأن تؤجر زوجة الأب رحمها لزراعة لقيحة الابن (^١)، وهذه الصورة محرمة بالاتفاق (^٢)، لا لكونها نكاحًا، بل لكونها مؤديةً إلى اختلاط الأنساب، وقد يحدث حملين في الزوجة الحاضنة، أحدهما من معاشرة زوجها لها، والثاني من اللقيحة المزروعة، فيحدث الاختلاط في الأنساب. والشاهد هنا أنه وقع التحريم في جميع صور ما يسمى بتأجير الأرحام، إلا فيما إذا زرعت لقيحة الزوجين حال قيام الزوجية في رحم الزوجة الثانية للرجل، عند عدم إمكانية حمل الزوجة الأولى صاحبة البيضة، ونظرًا لهذا الخلاف فقد توقف مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في المسألة بعد أن قرروا جوازها أولًا (^٣).\nقلت ومن المعلوم أن العقد سبب للوطء، والوطء سبب للإنزال وبه يثبت النسب أو يختلط، فهو علة العلة، أو الحكمة التي من أجلها أباح الله النكاح وحرم الزنا (^٤)\n_________\n(^١) يتقدم الزوجان - الابن وزوجته هنا - بالتلقيح الخارجي، ثم تنقل اللقيحة إلى رحم زوجة الأب مثلًا، وهم يقسمون الرحم إلى الرحم المضيف الأجير، وهذا بأجرة، والرحم القريبة، وهي رحم أحد قريبات الزوجين، أو أحدهما، وقد تكون بغير مقابل ..\n(^٢) انظر: الأم البديلة رؤية إسلامية للدكتور عارف علي عارف (٢/ ٨١٢)، وأحكام التلقيح غير الطبيعي للدكتور سعد الشويرخ (١/ ٣٥٦).\n(^٣) انظر: قرارات وتوصيات المجمع الفقهي الإسلامي (١٥٢).\n(^٤) يجب التأكيد هنا على أن العلة في تحريم الزنا كونه زنا، وليست العلة اختلاط الأنساب، وبناء عليه لو أدخل ذكره في فرج امرأة أجنبية عنه فهو زان وإن لم ينزل، أو لو أنزل مع وجود حائل من جهته أو جهتها فهو زان، قلت هذا لوجود من يبيح الزنا بدعوى أن العلة اختلاط الأنساب، والاكتشافات الحديثة، والطب المتقدم استطاع معالجة ما قد يخشى منه؟!!.","vol":"1","page":390},{"text":"وهنا مسألتان متعلقتان بهذه المسألة:\nالمسألة الأولى: هل تسمى صاحبة الرحم المستأجرة أمًا، فتدخل في آية المحرمات، لقوله تعالى ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ ومفهوم الآية يدل على أن الأمومة الحقيقة محصورة في الولادة، وتتصف به صاحبة الرحم المستأجرة.\nأما الثانية: وهو عدم تسمية صاحبة النطفة أمًا، باعتبار ما سبق، وهو عدم حصول الولادة منها، وقد يبنى عليه عدم المحرمية.\nوالذي يظهر لي عدم صحة الاستدلال بقوله: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ على عدم تسمية صاحبة النطفة أمًا؛ لأن الآية تحمل على أنها لبيان الواقع، وليس لها مفهوم.\nثم إن الآية نزلت على سبب خاص، وهو الرد على من يظاهرون من نسائهم بتشبيه الزوجة بالأم في الحرمة، فبيّن المولى سبحانه أن الأمومة ليست قولًا باللسان وإنما هي حقيقة تترتب عليها أحكام معينة، وذلك لأن المظاهر أمام امرأتين: زوجته التي ظاهر منها، وأمه التي ولدته، وشبه زوجته بها، أما زوجته فهي بعيدة كل البعد عن معنى الأمومة بالنسبة له، ولذلك فهي غير محرمة عليه وإنما تحرم عليه المرأة التي ولدته (^١).\nوأما تسمية صاحبة الرحم أمًا باعتبار الحمل والولادة - وتسمى بالأم البديلة (^٢) - فهو وارد في نظري، ولاسيما أن الطفل يتغذى بدمها وعبر مشيمتها،\n_________\n(^١) انظر: أحكام التلقيح غير الطبيعي للدكتور سعد الشويرخ (١/ ٣٩٨ - ٣٩٩).\n(^٢) سمى الدكتور عارف علي عارف: الأم البديلة رؤية إسلامية، منشور ضمن كتاب: دراسات في قضايا طبية معاصرة، مع مجموعة باحثين، دار النفائس للنشر والتوزيع.","vol":"1","page":391},{"text":"وقد يسقى بماء زوجها. وقياسًا على الأم المرضعة بجامع المشاركة في نمو جسم الطفل بالتغذية.\nالمسألة الثانية: يدخل ضمن تحريم البنات بقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ تحريم بنته من التلقيح غير الشرعي، عبر ما يسمى بالتلقيح الاصطناعي، أو أطفال الأنابيب؛ كما في بعض صوره فيما إذا تبرع بالنطفة، ودخولها في معنى البنت؛ لأنها مخلوقة من مائه (^١).\nومما يدل على أن ابنته المتخلقة من تلقيح محرم داخلة في عموم آية المحرمات، أن الله ذكر في تحريم حليلة الابن، قيدًا في تحريمها وهو أن يكون الابن من صلب الأب، وكان القيد احترازًا عن ابنه الذي تبناه، فعلم بذلك أن لفظ البنت والابن يشمل كل من كان في لغتهم داخلًا في الاسم، فيدخل في لفظ البنت بنته من تلقيح غير شرعي؛ لأنها ابنته لغة (^٢).\n(٣) ذكر المولى ﷾ من أسباب التحريم الإرضاع فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وقد حلَّت نوازل عصرية بسبب غياب ما كان يعرف بالمرضعات، والطفل قد يحرم من حليب أمه لأسباب كثيرة (^٣)، مما أدى في هذا العصر إلى البحث عن بدائل أخرى وكان من تلك البدائل:\n(أ) بنوك الحليب، وهي عبارة عن مجمع لحليب خليط من الأمهات يرضع منه الأطفال الخدج (^٤) بمقابل مادي، واختلف المعاصرون في نشرها للحرمة، ونظرًا\n_________\n(^١) انظر: أحكام التلقيح غير الطبيعي للدكتور سعد الشويرخ (١/ ٢٥٧).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (١/ ٢٦٠).\n(^٣) كوفاة الأم، أو إصابتها بمرض معد، أو لنضوب اللبن، إلى غير ذلك من الأسباب.\n(^٤) جمع خديج، وهو الطفل الذي يولد قبل تمام أيامه. انظر: المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية بمصر (٢١٩).","vol":"1","page":392},{"text":"لهذا الخلاف وخشية اختلاط الأنساب، ذهب كثير من المعاصرين إلى حرمة الرضاع منها، وبه صدر قرار المجمع الفقه الإسلامي بجدة (^١).\n(ب) ومما ظهر في هذا العصر أيضًا ما يسمى بالحليب المعدّل وراثيًا، وقد توصل العلم الحديث من خلال الهندسة الوراثية إلى طريقة يمكن من خلالها إنتاج كميات كافية من الحليب البشري، وذلك بنقل الجين المخلق للبروتين البشري (ألفالاكتالبومين) إلى الحيوان المدر للحليب، كالبقرة مثلًا، فتصبح البقرة منتجة لهذا البروتين في حليبها الذي تدره، فيكون من شرب حليب البقرة كأنما شرب من حليب السيدة التي أخذ منها الجين، وهناك طرق أخرى لإنتاجه.\nوذهب إلى جواز إنتاج وشرب هذا الحليب كثير من الباحثين، وصدر به قرار المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في ندوة الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري رؤية إسلامية، وجمعية العلوم الطبية الإسلامية الأردنية (^٢).\nقلت ولا يمكن قياس هذه المسألة على سابقتها لوجود الفرق، إما من خلال المفاسد والسلبيات المترتبة من كلٍ، كما أن الحليب المعدل مستهلك فيه الحليب البشري، إن قلنا بوجوده، إذ أن العرف العلمي الخاص لا يسمي هذا حليبًا بشريًا.\nومما يتعلق بالإرضاع - أيضًا- من المسائل العصرية حكم نقل الدم لطفل دون الحولين من امرأة غير أمه التي ولدته، مما قد يتغذى منه الطفل، فهل\n_________\n(^١) انظر: فقه النوازل للدكتور محمد حسين الجيزاني (٤/ ١٦٠).\n(^٢) انظر: أحكام الهندسة الوراثية للدكتور سعد الشريرخ (٥٦٨)، وأثر النظر المقاصدي في المسائل الطبية (٣٥٨)، رسالة مقدمة لمرحلة العالمية الماجستير (آلة) من الطالب ديالو حذيفة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ..","vol":"1","page":393},{"text":"للتخصيص بالإرضاع مفهوم، والذي عليه إجماع المعاصرين وبه صدر قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي بمكة أن التحريم خاص بالرضاع ولا يتعدى إلى نقل الدم (^١).\nوفي ظني لا ينتقض هذا مع ماذكرناه سابقًا من أن الطفل المتغذي بدم الأم البديلة، أو ما يسمى بالمؤجرة رحمها؛ لأن غذاءه قبل الولادة هذا طريقه، وبعد الولادة طريقه الرضاعة، وإذا حصل الفرق اختلف الحكم، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: فقه النوازل للدكتور محمد الجيزاني (٤/ ١٥٦).","vol":"1","page":394},{"text":"<span data-type='title' id=toc-282>فهرس المصادر والمراجع</span>\n(١) القرآن الكريم.\n(٢) إتحاف البرية فيما جدّ من المسائل الفقهية، محمد سعود الحربي، تركي محمد حامد النصر، ط: الأولى، ١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م، مجلة الوعي الإسلامي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، دولة الكويت.\n(٣) الاتقان في علوم القرآن، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تحقيق مركز الدراسات القرآنية، بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف، مطبعة المجمع.\n(٤) أثر التقنية الحديثة في الخلاف الفقهي، د. هشام بن عبد الملك بن عبد الله بن محمد آل الشيخ، ط: الثانية، ١٤١٨ هـ - ٢٠٠٧ م، مكتبة الرشد.\n(٥) الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة، العلاّمة عبد الرحمن بن ناصر السّعدي، اعتنى به: هيثم بن جواد الحداد، إشراف: الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل، ط: الثانية، شوال ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م، دار المعالي، ودار ابن الجوزي للنشر والتوزيع.\n(٦) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد، تحقيق: علي الهندي، المكتبة السلفية، ط: الثانية، ١٤٠٩ هـ.\n(٧) أحكام الأحوال الشخصية للمسلمين في الغرب، د. سالم بن عبد الغني الرفاعي، دار الوطن للنشر، ط. ١، ١٤٢٢ هـ.","vol":"1","page":395},{"text":" (٨) أحكام التلقيح غير الطبيعي (أطفال الأنابيب)، د. سعد بن عبد العزيز الشويرخ، كنوز إشبيلية. الرياض، ط. ١، ١٤٣٠ هـ\n(٩) أحكام القرآن لأبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم المعروف بابن الفرس، تحقيق الدكتورة منجية السوايجي، دار ابن حزم، ط: الأولى ١٤٢٧ هـ.\n(١٠) أحكام القرآن، لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، تحقيق علي البجاوي، دار المعرفة ببيروت، بدون تاريخ.\n(١١) أحكام القرآن، للإمام أبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، دار الكتب العلمية بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ.\n(١٢) الإحكام في أصول الأحكام: للإمام علي بن أحمد بن حزم الظاهري، دار الكتب العلمية، بيروت.\n(١٣) الإحكام في أصول الأحكام: للإمام علي بن محمد الآمدي، تحقيق: د/ سيد الجميلي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ٣، ١٤١٨ هـ.\n(١٤) إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، محمد ناصر الدين الألباني، بإشراف: محمد زهير الشاويش، ط: الثانية، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م، المكتب الإسلامي، بيروت - دمشق.\n(١٥) استثمار أموال الزكاة، د. محمد عثمان شبير، ضمن أبحاث فقهية في قضايا المعاصرة.\n(١٦) استدلال الأصوليين بالكتاب والسنة على القواعد الأولية، للدكتور عياض بن نامي السلمي، بدون اسم مطبعة وناشر، ط. الأولى ١٤١٨ هـ.\n(١٧) الإشارات الألهية إلى المباحث الأصولية، لنجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي، تحقيق الحسن بن عباس بن قطب، نشر مكتبة الفاروق الحديثة بمصر.","vol":"1","page":396},{"text":" (١٨) أصول السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي، دار المعرفة - بيروت.\n(١٩) أصول الشاشي، نظام الدين أبو علي أحمد بن محمد بن إسحاق الشاشي، دار الكتاب العربي - بيروت.\n(٢٠) أصول الفقه: لشمس الدين محمد بن مفلح المقدسي، تحقيق: فهد بن محمد السدحان، مكتبة العبيكان، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n(٢١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، ط: الأولى، ١٤٢٦ هـ، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع.\n(٢٢) الإكليل في استنباط التنزيل، لجلال الدين السيوطي، تحقيق د. عامر بن علي العرابي، دار الأندلس الخضراء، بجدة، ط: الأولى ١٤٢٢ هـ.\n(٢٣) الأم البديلة - رؤية إسلامية- د. عرف علي عارف، ضمن دراسات في قضايا طبية معاصرة، لمجموعة باحثين، دار النفائس، الأردن، ط. ١، ١٤١٨ هـ.\n(٢٤) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان بن أحمد المرداوي، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط: الأولى، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م، هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان.\n(٢٥) الأنكحة الفاسدة دراسة فقهية مقارنة، عبد الرحمن بن عبد الرحمن الأهدل، منشورات المكتبة الدولية بالرياض، ط. ١، ١٤٠٣ هـ\n(٢٦) الأنكحة الفاسدة والمنهي عنها في الشريعة، د. أمير عبد العزيز، مكتبة الأقصى، الأردن، ط. ١. ١٤٠٢ هـ\n(٢٧) البحر المحيط في أصول الفقه: لبدر الدين الزركشي، حرره عبد القادر العاني، طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، ط ٢، ١٤١٣ هـ.","vol":"1","page":397},{"text":" (٢٨) بحوث فقهية حديثية (مقام إبراهيم ﵇، بقلم المُحدث: العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، تحقيق: علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد الحلبي الأثري، ط: الأولى، ١٤١٧ هـ، دار الراية للنشر والتوزيع.\n(٢٩) بحوث في الاقتصاد الإسلامي، د. علي القرة داغي، ط: الأولى، ١٤٢٣ هـ، دار البشائر الإسلاميَّة.\n(٣٠) بداية المجتهد ونهاية المقتصد، أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الشهير بابن رشد الحفيد، ط: بدون طبعة، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م، دار الحديث، القاهرة، ومكتبة ابن تيميّة بتحقيق: محمد صبحي حلاق، ط: الأولى.\n(٣١) بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب: لشمس الدين محمود عبد الرحمن الأصفهاني، تحقيق: د/ محمد مظهر بقا، من مطبوعات مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى، ط ١، ١٤٠٦ هـ.\n(٣٢) التبصرة في أصول الفقه: لأبي إسحاق الشيرازي، تحقيق: محمد حسن هيتو، دار الفكر، ١٤٠٠ هـ.\n(٣٣) التبيان في أيمان القرآن، الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية، تحقيق: عبد الله بن سالم البطاطي، إشراف: بكر بن عبد الله أبو زيد، ط: الأولى، ١٤٢٩ هـ، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع.\n(٣٤) التحبير في شرح التحرير: لعلاء الدين المرداوي، تحقيق: د عبد الرحمن الجبرين، وعوض القرني، وأحمد السراح، مكتبة الرشد ناشرون، (ط ١)، ١٤٢١ هـ.\n(٣٥) التحرير والتنوير، لمحمد الطاهر ابن عاشور، الدار التونسية للنشر، تونس ١٩٨٤ م.","vol":"1","page":398},{"text":" (٣٦) تحقيق المقال في جواز نقل المقام لضرورة توسعة المطاف بالبيت الحرام، الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، مطابع العروبة.\n(٣٧) تسهيل الفقه، للدكتور عبد الله بن عبد العزيز الجبرين، ط: الأولى ١٤٣٦ هـ، مدار الوطن.\n(٣٨) تشنيف المسامع بجمع الجوامع: لبدر الدين الزركشي، تحقيق: د/ عبد الله ربيع، د/ سيد عبد العزيز، مؤسسة قرطبة، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n(٣٩) تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن، للشيخ محمد الأمين بن عبد الله الهرري، إشراف ومراجعة د. هاشم محمد علي، دار المنهاج، ودار طوق النجاة.\n(٤٠) تقريب الأصول إلى علم الأصول: لأبي القاسم محمد بن أحمد بن جزي المالكي، تحقيق: د/ محمد المختار بن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، ط ٢، ١٤٢٣ هـ.\n(٤١) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري، ١٣٨٧ هـ، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلاميَّة، المغرب.\n(٤٢) تنقيح الفصول وشرحه: لشهاب الدين القرافي، تحقيق: طه عبد الرؤوف، مكتبة الكليات الأزهرية، ط ٢، ١٤١٤ هـ.\n(٤٣) تيسير البيان لأحكام القرآن، لمحمد بن علي اليمني الشافعي، المشهور بالموزعي، تحقيق عبد المعين الحرش، طبعة دار الأنوار، ط: الأولى ١٤٣٣ هـ.\n(٤٤) تيسير التحرير: لمحمد أمين، بأمير بادشاه، دار الكتب العلمية، بيروت.","vol":"1","page":399},{"text":" (٤٥) جامع البيان في تأويل القرآن، لمحمد بن جرير الطبري، تحقيق أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ١٤٢٠ هـ.\n(٤٦) الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٣٣ هـ\n(٤٧) جمع الجوامع مع شرح المحلي وحاشية البناني: لتاج الدين عبد الوهاب السبكي، دار الفكر، ١٤١٥ هـ.\n(٤٨) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، العلاّمة شمس الدين الشيخ محمد عرفة الدسوقي على الشرح الكبير، أبي البركات سيدي أحمد الدرّدير، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.\n(٤٩) حاشية رد المختار، خاتمة المحققين محمد أمين الشهير بابن عابدين على الدر المختار، شرح تنوير الأبصار في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، ط: الثانية، ١٣٨٦ هـ - ١٩٦٦ م، دار الفكر، والمكتبة التجارة.\n(٥٠) دراسات في علوم القرآن الكريم، للدكتور فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي، الناشر: حقوق الطبع محفوظة للمؤلف، ط ١٢، ١٤٢٤ هـ.\n(٥١) روضة الطالبين وعمدة المفتين، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، تحقيق: زهير الشاويش، ط: الثالثة، ١٤١٢ هـ - ١٩٩١ م، المكتب الإسلامي، ودار الكتب العلمية، بيروت، دمشق، عمان.\n(٥٢) روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه: لموفق الدين ابن قدامة، تحقيق: د/ عبد الكريم النملة، مكتبة الرشد، الرياض، ط ٤، ١٤١٦ هـ.\n(٥٣) زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم الجوزية، مؤسسة الرسالة، ط. ٥، ١٤١٢ هـ","vol":"1","page":400},{"text":" (٥٤) سنن ابن ماجة للإمام محمد بن يزيد بن ماجة القزويني، مع شرح السندي، دار المعرفة، ط: الثالثة، ١٤٢٠ هـ ٢٠٠٠ م.\n(٥٥) سنن أبي داود، للإمام الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، إعداد وتعليق: عزت عبيد الدعاس وعادل السيد، ط: الأولى ١٤١٨ هـ-١٩٩٧ م، دار ابن حزم.\n(٥٦) سنن الدارقطني، للحافظ الكبير علي بن عمر الدار قطني وبذيله التعليق المغني على الدارقطني، للمحدث العلامة أبي الطيب محمد شمس الحقّ العظيم آبادي. حققه وضبط نصّه وعلق عليه الشيخ شعيب الأرناؤوط، حسن عبد المنعم شلبي، عبد اللطيف حرز الله، أحمد برهوم، ط: الأولى ١٤٢٤ هـ-٢٠٠٤ م، مؤسسة الرسالة.\n(٥٧) السنن الكبرى، للحافظ الكبير أبي بكر بن الحسين بن علي البيهقي، ومعه الجوهر النقي، دار الفكر.\n(٥٨) سنن النسائي، للإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، دار المعرفة، ط: الخامسة، ١٤٢٠ هـ- ١٩٩٩ م.\n(٥٩) شرح الكوكب المنير: للشيخ محمد بن أحمد الفتوحي المعروف بابن النجار، مكتبة العبيكان، الرياض، ١٤١٣ هـ.\n(٦٠) الشرح الممتع على زاد المستقنع، فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين، دار ابن الجوزي، ط: الأولى، ومركز فجر للطباعة ودار الآثار للنشر والتوزيع، القاهرة.\n(٦١) شرح مختصر الروضة: لنجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي، تحقيق: د/ عبد الله التركي، مؤسسة الرسالة، ط ٢، ١٤١٩ هـ.","vol":"1","page":401},{"text":" (٦٢) صحيح البخاري (الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه)، للإمام الحافظ الحجة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، ط: الأولى ١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م، دار السلام.\n(٦٣) صحيح مسلم (الجامع الصحيح)، لأبي الحجاج مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، ط: الأولى ١٤١٩ هـ، دار المغني.\n(٦٤) عموم البلوى دراسة نظرية تطبيقيّة، مسلم بن محمد الدوسري، ط: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م، مكتبة الرشد، الرياض.\n(٦٥) فتاوى إسلامية، لجمع من العلماء، جمع ترتيب: محمد عبد العزيز المسند، ط: الأولى، ١٤١٣ هـ، دار الوطن للنشر.\n(٦٦) الفتاوى الكبرى، للإمام العلامة تقي الدين ابن تيمية، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، ومصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n(٦٧) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع وترتيب: أحمد بن عبد الرزاق الدويش، ط: الرابعة، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م، طبع ونشر: مؤسسة الأميرة العنود آل سعود الخيريَّة.\n(٦٨) فتاوى وتوصيات ندوات قضايا الزكاة المعاصرة، من الندوة الأولى إلى الثالثة عشر، إصدار بيت الزكاة.\n(٦٩) فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، دار المعرفة بيروت، ١٣٧٩ هـ.\n(٧٠) فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام، محمد بن صالح العثيمين، مدار الوطن، ط: الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n(٧١) الفروق: للقرافي، دار المعرفة، بيروت.","vol":"1","page":402},{"text":" (٧٢) الفصول في الأصول: للإمام أحمد بن علي الرازي الجصاص، تحقيق: د/ عجيل جاسم الشمس، طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، ط ١، ١٤٠٥ هـ.\n(٧٣) فقه الزكاة دراسة مقارنة لأحكامها وفلسفتها في ضوء القرآن والسنة، د. يوسف القرضاوي، ط: السادسة عشرة، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، مؤسسة الرسالة.\n(٧٤) الفقه الميسر (النوازل في العبادات)، أ. د. عبد الله بن محمد الطيار، وأ. د. عبد الله بن محمد المطلق، ود. محمد بن إبراهيم الموسى، ط: الأولى، ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م، مدار الوطن للنشر.\n(٧٥) فقه النوازل في العبادات، د. خالد بن علي المشيقح، اعتنى به: عبد العزيز بن حواس الشمري، ط: الأولى، ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م، جمعية إحياء التراث الإسلامي، ومكتبة الرشد.\n(٧٦) فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت: عبد العلي محمد بن النظام، بهامش المستصفى، دار الفكر.\n(٧٧) قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي - جدة، تنسيق وتعليق: د. عبد الستار أبو غدة، ط: الثانية، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م، دار القلم، دمشق.\n(٧٨) القرائن وأثرها في الخطاب الشرعي، د. حمامي مختار، دار ابن حزم، بيروت، ط. ١، ١٤٣٠ هـ\n(٧٩) القضايا المعاصرة في فقه العبادات، عبد الله بن بكر أبو زيد، رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الدكتوراه، المعهد العالي للقضاء، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميَّة.","vol":"1","page":403},{"text":" (٨٠) قواطع الأدلة في الأصول، أبي المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، تحقيق: محمد حسن محمد حسن اسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط الأولى، ١٤١٨ هـ.\n(٨١) القواعد في الفقه المسمى تقرير القواعد وتحرير الفوائد، تصنيف: الإمام الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن البغدادي الشهير بابن رجب الحنبلي، حققه: إياد بن عبد اللطيف بن إبراهيم القيسي، بيت الأفكار الدوليَّة.\n(٨٢) كشاف القناع، منصور يونس البهوتي الحنبلي عن متن الإقناع للإمام موسى بن أحمد الحجاوي الصالحي، قدّم له: أ. د. كمال عبد العظيم العناني، وحقّقه: أبو عبد الله محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، ط: الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n(٨٣) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، لأبي القاسم محمد بن عمر الزمخشري\n(٨٤) كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي: للبخاري، دار الكتب العلمية، بيروت، (ط ١)، ١٤١٨ هـ.\n(٨٥) اللباب في علوم الكتاب، لأبي حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان، ط: الأولى، ١٤١٩ هـ.\n(٨٦) لسان العرب: لابن منظور، دار صادر.\n(٨٧) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، أحمد بن تيميّة، جمع: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وابنه محمد، دار عالم الكتب للطباعة والنشر، ١٤١٢ هـ.","vol":"1","page":404},{"text":" (٨٨) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (فتاوى الفقه)، جمع: فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان، ط: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٠ م، دار الثريا للنشر.\n(٨٩) مجموع فتاوى ومقالات متنوّعة، للشيخ عبد العزيز بن باز، جمع وترتيب: د. محمد بن سعد الشويعر، ط: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م، رئاسة إدارة البحوث العلميَّة والإفتاء، المملكة العربية السعودية.\n(٩٠) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبد الحق بن غالب، ابن عطية الأندلسي، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٢٢ هـ.\n(٩١) المحصول في علم أصول الفقه لفخر الدين محمد بن عمر الرازي، تحقيق: د. طه العلواني، مؤسسة الرسالة، ط. ٢، ١٤١٢ هـ\n(٩٢) المستصفى من علم الأصول: للغزالي، تحقيق: د محمد سليمان الأشقر، مؤسسة الرسالة، بيروت، (ط ١)، ١٤١٧ هـ.\n(٩٣) المسودة في أصول الفقه: لآل تيمية، جمع: شهاب الدين أبو العباس الحراني، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، دار الكتاب العربي، بيروت.\n(٩٤) المعجم الوسيط: مجمع اللغة العربية بمصر، مكتبة الشروق الدولية، (ط ٤).\n(٩٥) معجم مقاييس اللغة: لأبي الحسين أحمد بن فارس، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر.\n(٩٦) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، شرح: الشيخ محمد الخطيب الشربيني على متن منهاج الطالبين للإمام أبي زكريا بن شرف النووي، دار الفكر.","vol":"1","page":405},{"text":" (٩٧) المغني، لابن قدامة، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، ود. عبد الفتاح محمد الحلو، ط: الثانية، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة.\n(٩٨) مفاتيح الغيب = التفسير الكبير، لأبي عبد الله محمد بن عمر بن الحسن الرازي، دار إحياء التراث العربي بيروت، ط الثالثة، ١٤٢٠ هـ.\n(٩٩) مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول للإمام الشريف أبي عبد الله محمد بن أحمد الحسني التلمساني، دراسة وتحقيق: محمد علي فركوس، مؤسسة الريان، بيروت، ط. ١، ١٤١٩ هـ\n(١٠٠) مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان داوودي، دار القلم، دمشق، ط. ١، ١٤١٢ هـ.\n(١٠١) منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل: لأبي عمرو عثمان بن عمرو المعروف بابن الحاجب، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٥ هـ.\n(١٠٢) المنخول من تعليقات الأصول: للإمام أبي حامد الغزالي، تحقيق: محمد حسن هيتو، دار الفكر، بيروت، ط ٣، ١٤١٩ هـ.\n(١٠٣) نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام، للحافظ محمد بن علي الكرجي القصاب، تحقيق د. علي بن غازي التويجري وزملاؤه، دار ابن القيم بالسعودية، ودار ابن عفان بمصر، ط ٢، ١٤٢٩ هـ.\n(١٠٤) نهاية السول في شرح المنهاج: لجمال الدين عبد الرحيم الأسنوي، عالم الكتب.\n(١٠٥) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة شهاب الدين الرملي، ط: الأخيرة، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م، دار الفكر، بيروت.","vol":"1","page":406},{"text":" (١٠٦) نوازل الزكاة دراسة فقهية تأصيلية لمستجدات الزكاة، د. عبد الله بن منصور الغفيلي، ط: الأولى، الدوحة، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م، دار الميمان للنشر والتوزيع، الرياض، القاهرة.\n(١٠٧) النوازل في الحج، علي بن ناصر الشلعان، ط: الأولى، ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م، دار التوحيد للنشر، الرياض.","vol":"1","page":407}]}