{"ً":{"ٌ":1356,"ٍ":"المعتقد وأثره على مسائل أصول الفقه","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/fthalam/mtthrosol.pdf"]},"ّ":"الكتاب: المعتقد وأثره على مسائل أصول الفقه\nالمؤلف: عبد الرحمن بن علي الحطاب\nالناشر: دار طيبة الخضراء - مكة المكرمة\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٤ هـ - ٢٠٢٣ م\nعدد الصفحات: ١٩٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2483,"ٕ":11,"ٖ":1770155953,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"سبب جمع هذا المؤلف","level":2,"page":4},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":9},{"title":"الفصل الأول المسائل المتعلقة بالتوحيد","level":1,"page":11},{"title":"المبحث الأول أول واجب على المكلف: الشهادتان","level":2,"page":12},{"title":"المبحث الثاني طريق ثبوت وجوب النظر","level":2,"page":14},{"title":"المبحث الثالث تحقق لحوق الوعيد وحكم الخلف فيه","level":2,"page":15},{"title":"المبحث الرابع التحسين والتقبيح العقليان","level":2,"page":18},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الحكم الشرعي.","level":3,"page":22},{"title":"الثانية: تتعلق الأحكام بالأعيان والأفعال تعلقا حقيقيا","level":3,"page":23},{"title":"الثالثة: شكر المنعم","level":3,"page":23},{"title":"الرابعة: حكم الأشياء قبل ورود الشرع","level":3,"page":24},{"title":"الخامسة: تكليف الصبي","level":3,"page":25},{"title":"السادسة: تكليف المعدوم","level":3,"page":25},{"title":"السابعة: تكليف المكره","level":3,"page":25},{"title":"الثامنة: الواجب المخير، والحرام المخير","level":3,"page":26},{"title":"التاسعة: التعبد بالعمل بخبر الآحاد","level":3,"page":27},{"title":"العاشرة: منع المعصية على النبي ﷺ قبل بعثته عقلا","level":3,"page":27},{"title":"الحادية عشرة: ذهب بعض من قال بالتحسين والتقبيح إلى كون النسخ بيانا","level":3,"page":28},{"title":"الثانية عشرة: قبول جميع الأحكام للنسخ","level":3,"page":29},{"title":"الثالثة عشرة: نسخ الحكم مع بقاء التلاوة","level":3,"page":30},{"title":"الرابعة عشرة: نسخ التكليف بالخبر","level":3,"page":30},{"title":"الخامسة عشرة: حكم نسخ المأمور به قبل التمكن من الفعل","level":3,"page":31},{"title":"السادسة عشرة: حكم العمل بالقياس","level":3,"page":32},{"title":"السابعة عشرة: وصف العلة وتعريفها بأنها المؤثر","level":3,"page":33},{"title":"الثامنة عشرة: تعليل أحكام الله وأفعاله","level":3,"page":34},{"title":"التاسعة عشرة: شرع من قبلنا","level":3,"page":34},{"title":"العشرون: نسب القول بأن الاستحسان هو: مايستحسنه المجتهد بعقله، على القول بالتحسين والتقبيح","level":3,"page":35},{"title":"الحادية والعشرون: عدم وقوع المشترك في خطاب الشرع عند القائل بالتحسين والتقبيح","level":3,"page":35},{"title":"الثانية والعشرون: منع اجتهاد النبي ﷺ عند القائل بالحسن والقبح","level":3,"page":35},{"title":"الثالثة والعشرون: منع الاجتهاد في زمن النبي ﷺ عند القائل بالتحسين والتقبيح","level":3,"page":36},{"title":"الرابعة والعشرون: عدم تأثير المجتهد إذا بذل وسعه في المسائل العقدية ولم يصب الحكم","level":3,"page":36},{"title":"الخامسة والعشرون: منع التقليد في الفروع عند القائل بالتحسين والتقبيح","level":3,"page":36},{"title":"المبحث الخامس رعاية الأصلح","level":2,"page":38},{"title":"المسألة الأولى: منع فتور الشرائع عقلا عند من يقول بوجوب رعاية المصالح على الله","level":3,"page":39},{"title":"الثانية: منع تكليف ما لا يطاق","level":3,"page":39},{"title":"الثالثة: عدم جواز نسخ المأمور به قبل التمكن من الفعل","level":3,"page":39},{"title":"الرابعة: قبول جميع الأحكام للنسخ","level":3,"page":40},{"title":"الخامسة: عدم جواز نسخ الحكم إلى غير بدل عند القائلين بوجوب رعاية الأصلح","level":3,"page":41},{"title":"السادسة: من نسخ الكتاب بالسنة المتواترة عند القائلين بوجوب رعاية الأصلح","level":3,"page":41},{"title":"السابعة: منع المعصية قبل ورود البعثة على النبي ﷺ عقلا عند القائل بوجوب رعاية الأصلح","level":3,"page":42},{"title":"الثامنة: منع العمل بالقياس عقلا عند القائل بوجوب رعاية الأصلح","level":3,"page":42},{"title":"التاسعة: أفعال الله وأحكامه معللة بالمصلحة","level":3,"page":43},{"title":"العاشرة: شرع من قبلنا حجة عند من قال بوجوب رعاية الأصلح على الله","level":3,"page":43},{"title":"الحادية عشرة: منع اجتهاد النبي ﷺ عند القائل بوجوب رعاية المصلحة على الله بحسب زعمهم،","level":3,"page":43},{"title":"الثانية عشرة: منع التقليد في الفروع عند القائل بوجوب مراعاة المصلحة على الله","level":3,"page":43},{"title":"الثالثة عشرة: منع المقلد والمستفتي من التخيير بين الأحكام والفتاوى عند تعددها","level":3,"page":44},{"title":"المبحث السادس تكليف ما لا يطاق","level":2,"page":45},{"title":"المسألة الأولى: عدم التكليف بالمعدوم، لعدم تعلق القدرة به","level":3,"page":46},{"title":"الثانية: القول ببقاء التكاليف بعد فتور الشريعة","level":3,"page":47},{"title":"الثالثة: عدم جواز تكليف الغافل «كالنائم والناسي","level":3,"page":47},{"title":"الرابعة: منع تكليف المكره ممن يمنع تكليف ما لا يطاق","level":3,"page":47},{"title":"الخامسة: التكليف بخلاف ما علمه الله، كتكليف الكافر الذي علم الله أنه يموت على الكفر بالإيمان","level":3,"page":48},{"title":"السادسة: التمكن ليس شرطا للتكليف عند القائل بجواز تكليف ما لا يطاق","level":3,"page":48},{"title":"السابعة:، منع التكليف بما كان مشروطا بشرط مستحيل عند من يمنع تكليف ما لا يطاق","level":3,"page":48},{"title":"الثامنة: يتوجه التكليف على المكلف في كل وقت","level":3,"page":49},{"title":"التاسعة: اتفق العلماء على أن التكليف بالفعل المجهول","level":3,"page":49},{"title":"العاشرة: التكليف بفعل العبادة في وقت لا يتسع لها،","level":3,"page":50},{"title":"الحادية عشرة: من قسم ما لا يتم الواجب إلا به إلى قسمين","level":3,"page":50},{"title":"الثانية عشرة: يستحيل عقلا أن يكون الشيء الواحد بالشخص حراما واجبا من جهة واحدة","level":3,"page":50},{"title":"الثالثة عشرة: لا يجوز أن يرد في الكتاب ما لا يفهم معناه مما له تعلق بالتكليف","level":3,"page":51},{"title":"الرابعة عشرة: منع القول بقبول جميع الأحكام للنسخ","level":3,"page":51},{"title":"الخامسة عشرة: منع نسخ المأمور به قبل التمكن من الفعل","level":3,"page":52},{"title":"السادسة عشرة: عدم ثبوت النسخ في حق من لم يبلغه","level":3,"page":52},{"title":"السابعة عشرة: حجية العرف","level":3,"page":53},{"title":"الثامنة عشرة: عدم جواز الاستدلال على الحكم بعدم الدليل","level":3,"page":53},{"title":"التاسعة عشرة: الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده، بل هو مستلزم للنهي","level":3,"page":53},{"title":"العشرون: لا يلزم المجتهد إصابة الحق، بل عليه بذل الجهد واستفراغ الوسع في إصابة الحق","level":3,"page":54},{"title":"الحادية والعشرون: وجوب تقليد العامي للمجتهد","level":3,"page":54},{"title":"الثانية والعشرون: جواز تقليد أي واحد من المجتهدين عند تعددهم دون اشتراط الاجتهاد في أعيانهم","level":3,"page":54},{"title":"المبحث السابع التصويب والتخطئة","level":2,"page":55},{"title":"المسألة الأولى: من اشتبه عليه الحرام بالحلال","level":3,"page":59},{"title":"الثانية: حجية الإجماع السكوتي","level":3,"page":59},{"title":"الثالثة: منع تفويض الحكم للمجتهد بأن يحكم بما شاء من غير اجتهاد","level":3,"page":59},{"title":"الرابعة: جواز صدور قولين عن المجتهد","level":3,"page":59},{"title":"الخامسة: ينتقض حكم الحاكم في المسائل الاجتهادية","level":3,"page":59},{"title":"السادسة: عدم تسمية ما توصل إليه المجتهد بالاجتهاد دينا","level":3,"page":60},{"title":"الثامنة: جواز تقليد المجتهد غيره من المجتهدين","level":3,"page":60},{"title":"التاسعة: إذا ورد على المكلف أكثر من حكم واجتهاد","level":3,"page":60},{"title":"الفصل الثاني المسائل المتعلقة بالأسماء والصفات","level":1,"page":62},{"title":"المبحث الأول الاسم للمسمى","level":2,"page":63},{"title":"المبحث الثاني حكم إطلاق الأسماء الحسنى بلا توقيف","level":2,"page":67},{"title":"المبحث الثالث صفة الكلام","level":2,"page":75},{"title":"المبحث الرابع صفة الإرادة","level":2,"page":85},{"title":"المبحث الخامس الحكمة في أفعال الله وشرعه","level":2,"page":92},{"title":"المبحث السادس بقاء الأعراض","level":2,"page":101},{"title":"المسألة الأولى: كون النسخ هل هو رفع أو بيان","level":3,"page":101},{"title":"المسألة الثانية: كون الاستصحاب حجة مبني على هذا الأصل","level":3,"page":103},{"title":"الفصل الثالث المسائل المتعلقة بالقدر","level":1,"page":104},{"title":"مسألة اختلاف الناس في قدرة العبد","level":2,"page":105},{"title":"المسألة الأولى: من قال من الأصوليين بتوجيه التكليف قبل الفعل","level":3,"page":108},{"title":"الثانية: خلاف المعلوم هل هو ممكن أو مستحيل","level":3,"page":108},{"title":"الثالثة: جواز نسخ المأمور به قبل التمكن من الفعل","level":3,"page":109},{"title":"الرابعة: جواز تخصيص العلة، إن قيل إن الاستطاعة قبل الفعل","level":3,"page":109},{"title":"الفصل الرابع المسائل المتعلقة بالنبوات","level":1,"page":110},{"title":"المبحث الأول العصمة","level":2,"page":111},{"title":"المطلب الأول: عصمة الأنبياء قبل النبوة","level":3,"page":111},{"title":"المطلب الثاني: عصمة الأنبياء بعد النبوة","level":3,"page":113},{"title":"المبحث الثاني حقيقة المعجزة ومسائلها","level":2,"page":121},{"title":"المسألة الأولى: يرى عامة المتكلمين أن الدليل الوحيد الذي يعول عليه لإثبات النبوة هو المعجزة.","level":3,"page":122},{"title":"المسألة الثانية","level":3,"page":122},{"title":"المسألة الثالثة: من الطرق الممكنة في دلالة المعجزة على النبوة عند أهل السنة بإيجاز","level":3,"page":123},{"title":"المسألة الرابعة: تطرق الأصوليون لنوع دلالة المعجزة","level":3,"page":125},{"title":"المسألة الخامسة: أجمع المسلمون على أن الآية العظمى الدالة على نبوة النبي الخاتم ﷺ هي القرآن","level":3,"page":126},{"title":"المبحث الثالث نسخ هذه الشريعة لما قبلها من الشرائع","level":2,"page":132},{"title":"المبحث الرابع وضع عيسى ﵇ الجزية بعد نزوله","level":2,"page":134},{"title":"المبحث الخامس في إمامة علي بن أبي طالب ﵁","level":2,"page":137},{"title":"الفصل الخامس المسائل المتعلقة بالاستدلال والتلقي","level":1,"page":139},{"title":"المبحث الأول عدالة الصحابة","level":2,"page":140},{"title":"المبحث الثاني الإلهام","level":2,"page":143},{"title":"المبحث الثالث فهم الأدلة بحسب المعنى المراد والاستعمال","level":2,"page":149},{"title":"المسألة الأولى: المجاز من حيث الإثبات والمنع وآثاره.","level":3,"page":149},{"title":"المسألة الثانية: المتشابه.","level":3,"page":151},{"title":"المسألة الثالثة: التأويل","level":3,"page":157},{"title":"المبحث الرابع حقيقة الإيمان","level":2,"page":163},{"title":"المسألة الأولى: حقيقة الإيمان عند السلف","level":3,"page":164},{"title":"المسألة الثانية: الذي عليه سلف الأمة هو أن الإيمان يتفاضل حقيقة في نفسه من جهة أمر الرب ومن جهة فعل العباد","level":3,"page":165},{"title":"المسألة الثالثة: ومما وقع استطرادا في هذا الموضوع ما ذكره ابن النجار في حكم الاستثناء في الإيمان والإسلام","level":3,"page":167},{"title":"قائمة المصادر والمراجع","level":1,"page":170}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,69":63,"1,70":64,"1,71":65,"1,72":66,"1,73":67,"1,74":68,"1,75":69,"1,76":70,"1,77":71,"1,78":72,"1,79":73,"1,80":74,"1,81":75,"1,82":76,"1,83":77,"1,84":78,"1,85":79,"1,86":80,"1,87":81,"1,88":82,"1,89":83,"1,90":84,"1,91":85,"1,92":86,"1,93":87,"1,94":88,"1,95":89,"1,96":90,"1,97":91,"1,98":92,"1,99":93,"1,100":94,"1,101":95,"1,102":96,"1,103":97,"1,104":98,"1,105":99,"1,106":100,"1,107":101,"1,108":102,"1,109":103,"1,111":104,"1,113":105,"1,114":106,"1,115":107,"1,116":108,"1,117":109,"1,119":110,"1,121":111,"1,122":112,"1,123":113,"1,124":114,"1,125":115,"1,126":116,"1,127":117,"1,128":118,"1,129":119,"1,130":120,"1,131":121,"1,132":122,"1,133":123,"1,134":124,"1,135":125,"1,136":126,"1,137":127,"1,138":128,"1,139":129,"1,140":130,"1,141":131,"1,142":132,"1,143":133,"1,144":134,"1,145":135,"1,146":136,"1,147":137,"1,148":138,"1,149":139,"1,151":140,"1,152":141,"1,153":142,"1,154":143,"1,155":144,"1,156":145,"1,157":146,"1,158":147,"1,159":148,"1,160":149,"1,161":150,"1,162":151,"1,163":152,"1,164":153,"1,165":154,"1,166":155,"1,167":156,"1,168":157,"1,169":158,"1,170":159,"1,171":160,"1,172":161,"1,173":162,"1,174":163,"1,175":164,"1,176":165,"1,177":166,"1,178":167,"1,179":168,"1,180":169,"1,181":170,"1,182":171,"1,183":172,"1,184":173,"1,185":174,"1,186":175,"1,187":176,"1,188":177,"1,189":178,"1,190":179,"1,191":180,"1,192":181,"1,193":182,"1,194":183},"ٜ":{"1":[5,194]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,111","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,119","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194"],"ٞ":{"1":[1],"4":[2],"9":[3],"11":[4],"12":[5],"14":[6],"15":[7],"18":[8],"22":[9],"23":[10,11],"24":[12],"25":[13,14,15],"26":[16],"27":[17,18],"28":[19],"29":[20],"30":[21,22],"31":[23],"32":[24],"33":[25],"34":[26,27],"35":[28,29,30],"36":[31,32,33],"38":[34],"39":[35,36,37],"40":[38],"41":[39,40],"42":[41,42],"43":[43,44,45,46],"44":[47],"45":[48],"46":[49],"47":[50,51,52],"48":[53,54,55],"49":[56,57],"50":[58,59,60],"51":[61,62],"52":[63,64],"53":[65,66,67],"54":[68,69,70],"55":[71],"59":[72,73,74,75,76],"60":[77,78,79],"62":[80],"63":[81],"67":[82],"75":[83],"85":[84],"92":[85],"101":[86,87],"103":[88],"104":[89],"105":[90],"108":[91,92],"109":[93,94],"110":[95],"111":[96,97],"113":[98],"121":[99],"122":[100,101],"123":[102],"125":[103],"126":[104],"132":[105],"134":[106],"137":[107],"139":[108],"140":[109],"143":[110],"149":[111,112],"151":[113],"157":[114],"163":[115],"164":[116],"165":[117],"167":[118],"170":[119]},"ٟ":[170,171,172,173,174,175,176,177,178,179,180,181,182,183]},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>المقدمة</span>\n﷽\nالحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فإنني لما وقفت على كتاب (مسائل أصول الدين المبحوثة في علم أصول الفقه) للدكتور خالد بن عبد اللطيف (^١)، رأيته كتابًا حرَّر فيه المسائل العقدية الواردة في المصنفات الأصوليِّة، إلا أنَّ فيه إسهابًا في تقرير المسائل العقدية، وردًا للشبهات، مما جعل كثيرًا من المشتغلين بأصول الفقه ربما أعرض عنه، ورأيت من المناسب تهذيبه، بالاقتصار على تقرير المذاهب، وذكر بعض الأدلة المهمة في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة، وإضافة المسائل الأصولية التي بنيت على هذه المباحث العقدية، مما لم يذكرها.\nوقد عمدت إلى الرسائل العلمية الموسومة بتخريج الأصول على الأصول (^٢)، وبناء الأصول على الأصول (^٣)، وكذا ما يتعلق بالأبحاث المتعلقة\n_________\n(^١) مسائل أصول الدين المبحوثة في علم أصول الفقه عرض ونقد على ضوء الكتاب والسنة، د. خالد عبد اللطيف محمد نور عبد الله، رسالة دكتوراه بالجامعة الإسلاميَّة، قسم العقيدة، وهو ضمن مطبوعات عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، إصدار رقم (٨٠).\n(^٢) تخريج الأصول على الأصول في أبواب الحكم الشرعي، للباحث محمد بن غرم بن محمد العمري، رسالة ماجستير، بجامعة الملك سعود، إشراف فضيلة الدكتور عمر بن شريف السلمي، نوقشت عام ١٤٣٠ هـ.\n(^٣) رسائل ماجستير بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميَّة، في بناء الأصول على الأصول:\n١. بناء الأصول على الأصول، دراسة تأصيلية مع التطبيق على مسائل الأدلة المتفق عليها، للباحث وليد بن فهد الودعان، إشراف فضيلة الأستاذ الدكتور عياض بن نامي السلمي، نوقشت عام ١٤٢٧ - ١٤٢٨ هـ، وطبعت في دار كنوز إشبيليا، ضمن إصدارات الجمعية الفقهية [٣٠].\n٢. بناء الأصول على الأصول في الأدلة المختلف فيها، للباحثة أسمهان بنت محمد العمري، بإشراف فضيلة الدكتور عيسى بن محمد العويس، نوقشت عام ١٤٣٩ - ١٤٤٠ هـ.\n٣. بناء الأصول على الأصول في الاجتهاد والتقليد والتعارض والترجيح، للباحث عبد الحميد بن عبد الله المشعل، إشراف فضيلة الأستاذ الدكتور عياض بن نامي السلمي، نوقشت عام ١٤٣١ - ١٤٣٢ هـ.","vol":"1","page":5},{"text":"بأسباب الخلاف (^١)، وأخذت منها المسائل الأصوليَّة المتأثرة والمبنيَّة على أصل عقدي، وأفدت من رسائل وكتب مطبوعة، اهتمت بهذا الأمر، سواء كان بالعمل على أصل عقدي معين، مع بيان أثره على المسائل الأصوليَّة (^٢)، أو كانت من\n_________\n(^١) رسائل دكتوراه بجامعة أم القرى، بإشراف فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بن محمد القرني، نوقشت عام ١٤٣٨ هـ-٢٠١٧ م:\n١. أسباب الخلاف في المسائل الأصوليَّة المتعلقة بمقدمات أصول الفقه والحكم الشرعي، جمعًا ودراسة، للباحث محمد بن علي بن محمد الأسمري.\n٢. أسباب الخلاف في المسائل الأصوليَّة المتعلقة بالأدلة جمعًا ودراسة، للباحث إسماعيل الحاج.\n٣. أسباب الخلاف في المسائل الأصوليَّة المتعلقة بباب اللغات ودلالات الألفاظ جمعًا ودراسة، للباحث أحمد بن محمد أحمد السهلي.\n٤. أسباب الخلاف في المسائل الأصوليَّة المتعلقة بالاجتهاد والتقليد والتعارض والترجيح، جمعًا ودراسة، للباحث ياسر بن درويش بن غرم الله الغامدي.\n(^٢) ومن تلك:\n١. التحسين والتقبيح العقليان وأثرهما في مسائل أصول الفقه، للباحث عايض بن عبد الله الشهراني، رسالة دكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميَّة، طبعت في دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، عام ١٤٢٩ هـ -٢٠٠٨ م.\n٢. التصويب والتخطئة وأثرهما في مسائل أصول الفقه، ومنهج المدرسة العقلية الحديثة، للباحث يحيى بن حسين الظلمي، رسالة دكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، طبعت في دار التدمرية.\n٣. مفهوم العصمة عند الأصوليين وأثره في الاستدلال، للباحث علاء بن أحمد بن عبد الله مشهور، رسالة دكتوراه، بإشراف فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد بن باكر الباكري، نوقشت عام ١٤٣٧ هـ.","vol":"1","page":6},{"text":"منطلق مذهب عقدي معين (^١)، أو كانت عامة من رسائل وكتب (^٢)، أو بحوث محكَّمة للأغراض السابقة (^٣).\n_________\n(^١) ومن تلك:.\n١. آراء المعنزلة الأصوليَّة دراسة وتقويمًا، للباحث علي بن سعد الضويحي، رسالة دكتوراه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميَّة، نوقشت عام ١٤١٢ هـ، وطبعت في مكتبة الرشد.\n٢. معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة، للباحث محمد بن حسين الجيزاني، رسالة دكتوراه من الجامعة الإسلاميَّة، نوقشت عام ١٤١٥ هـ، وطبعت في دار ابن الجوزي، عام ١٤١٩ هـ.\n(^٢) ومن تلك:\n١. المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين، للدكتور محمد العروسي عبد القادر، طبع في مكتبة الرشد.\n٢. علاقة علم أصول الفقه بعلم الكلام، للباحث محمد بن علي الجيلاني الشتيوي، رسالة دكتوراه، من جامعة الزيتونة بتونس، نوقشت عام ٢٠٠٨ م، وطبعت بمكتبة حسن العصرية ببيروت عام ٢٠١٠ م.\n٣. الصلة بين أصول الفقه وعلم الكلام في مسألتي التحسين والتقبيح، وتعليل أفعال الله تعالى، للباحث أحمد حلمي حرب، مطبوع في دار النور المبين بالأردن، عام ٢٠١٥ م.\n٤. الخلاف العقدي وأثره في اختلاف الأصوليين، للباحث محمد الأنصاري، طبع الكتاب في جمعية مركز مداد للأبحاث والدراسات، عام ٢٠٢٠ م.\n٥. الأثر الكلامي في علم أصول الفقه، قراءة في نقد أبي المظفر السمعاني، للباحث السعيد صبحي العيسوي، رسالة دكتوراه من جامعة المدينة العالمية، وطبعت في مؤسسة داراسات تكوين عام ١٤٤٣ هـ.\n٦. أخطاء الأصوليين في العقيدة، تأليف أبي محمد صلاح بن فتيني العدني، طبعت في دار الآثار في صنعاء.\n(^٣) وهي بحوث كثيرة منها:\n١. المسائل الأصوليَّة المتعلقة بالمباحث القدريَّة، للباحث فخر الدين الزبير علي، بحث محكم، طبعه الباحث ضمن بحوث بعنوان (سلسلة تصفية علم الأصول من الفضول)، في مكتبة الديار بمصر عام ١٤٤٠ هـ-٢٠١٩ م.\n٢. استمداد علم أصول الفقه من علم الكلام، للباحث محمد بن إبراهيم الكلثم، بحث محكم.\n٣. المتكلمون وأصول الفقه، قراءة في جدليَّة العلاقة بين علمي الأصول والكلام، للباحث قطب مصطفى سانو، بحث منشور في مجلَّة إسلاميَّة المعرفة، السنة الثالثة، العدد التاسع.","vol":"1","page":7},{"text":"وأثبت كثيرًا من المصادر التي اعتمدوا عليها، وشيئًا من تعليقاتهم كما هي؛ لأجل الإفادة منها.\n\nو<span data-type='title' id=toc-2>سبب جمع هذا المؤلف </span>هو ما رأيته من نقص في البناء العلمي في هذا الجانب لدي ولدى كثير من المتخصصين في أصول الفقه، فهو في المقام الأول مسوَّدة لي، ثمَّ رأيت أن يستفيد منها إخواني طلبة العلم، ورجوت أن يكون المطلع على هذا الكتاب قد أكمل نقصه في هذا الجانب، وما ذكر في هذا الكتاب يدلُّ على ما لم يذكر.\nوأنبه هنا إلى أمور، منها:\nالأمر الأول: من المسائل العقدية ما ذكر في كتب أصول الفقه استطرادًا، أو مثالًا، أو مقدمة لمسألة أصوليَّة، وليس فيها بناء أو أثر على المسألة الأصوليَّة، وتركتها، بناء على الأصل المهذَّب (مسائل أصول الدين المبحوثة في علم أصول الفقه)، ولأجل أن يتنبَّه القارئ لها عند التأليف أو القراءة في كتب أصول الفقه، أو تكون عونًا لبيان عقيدة المؤلف لمن اضطر إلى ذلك، ولاسيما في الرسائل العلميَّة.\nومما ورد في هذا الكتاب من هذه المسائل: أول واجب على المكلف: الشهادتان، وطريق ثبوت وجوب النظر، والاسم للمسمى، وحكم إطلاق الأسماء الحسنى بلا توقيف، وعصمة الأنبياء قبل النبوة، وحقيقة المعجزة ومسائلها، ونسخ هذه الشريعة لما قبلها من الشرائع، ووضع عيسى ﵇ الجزية بعد نزوله لا ينافي ثبوت أحكام الشريعة الخاتمة، وإمامة علي بن أبي طالب ﵁، وفهم الأدلة بحسب المعنى المراد والاستعمال، وحقيقة الإيمان. والله أعلم.\nأما باقي المسائل العقدية الواردة في هذا الكتاب فهي مؤثرة في بناء المسألة","vol":"1","page":8},{"text":"الأصولية، وهذه مما لا يسع الأصولي جهله في هذا الباب.\nالأمر الثاني: إن في معرفة الأصل العقدي ضبطًا لمسائل الأصول المبنية عليه، وبعدًا عن الوقوع في التناقض، وقدرة على تمييز القول الصحيح من الباطل من مسائل أصول الفقه، وتجنبًا عن موافقة المبتدع في بدعته. كما أن في إبطال الأصل العقدي إبطالًا للقول الأصولي المبني عليه.\nالأمر الثالث: ثمَّة قواعد عامة لابد من العلم بها، ودراستها على أهل التخصص، مفيدة في هذا الباب، ومن ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والأشعرية: الأغلب عليهم أنهم مرجئة في باب الأسماء والأحكام (^١)، جبرية في باب القدر، وأما في الصفات فليسوا جهمية محضة، بل فيهم نوع من التجهم.\nوالمعتزلة: وعيدية في باب الأسماء والأحكام، قدرية في باب القدر، جهمية محضة» (^٢).\nوما ذكره ابن تيميَّة خلاصة مهمة؛ لأن أصول المتكلمين، تابعة للمعتزلة والأشاعرة.\nفباب الأسماء والأحكام: الأغلب على الأشاعرة الإرجاء، والمعتزلة الوعيدية (الخوارج) (^٣).\nوفي باب القدر، الأشاعرة جبرية، والمعتزلة قدرية.\nوفي باب الصفات: الأشاعرة ليسوا جهمية محضة؛ لأنهم يثبتون بعض\n_________\n(^١) المراد بالأسماء: أسماء الدين، مثل: مؤمن، ومسلم، وكافر، وفاسق، والمراد بالأحكام: أحكام هؤلاء في الدنيا والآخرة، أي: أحكام أصحاب هذه الأسماء ينظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٥).\n(^٣) سموا بالوعيديَّة؛ لأنهم غلَّبوا جانب الوعيد، وقالوا: أي كبيرة يفعلها الإنسان ولم يتب منها؛ فإنه مخلَّد في النار بها.","vol":"1","page":9},{"text":"الصفات، بخلاف المعتزلة الذين ينفون جميع الصفات، فهم بذلك جهمية محضة. لذا كان كل معتزلي جهميًا، وليس كل جهمي معتزليًا (^١).\nومما سبق يعرف أن الفرقة الواحدة تكون بدعتها في باب دون باب، وقد يطلق عليها أكثر من لقب باعتبار البدعة التي وقعت فيها، فيقال: المرجئة القدرية، أو القدرية المعتزلة، وقد تسمى الجبرية قدرية لغلوهم في إثبات القدر\nولابد من دراسة عامة لهذه الفرق، والوقوف على وسطية أهل السنة والجماعة في هذا، وسيأتي في الكتاب بيان وتفصيل لهذه الأمور، بإذن الله.\nالأمر الرابع: لأهل السنة والجماعة إطلاقان: إطلاق عام، وإطلاق خاص، أما الإطلاق العام فهو مقابل الشيعة، فيدخل فيه جميع الطوائف إلا الرافضة. وأما الإطلاق الخاص فهو مقابل المبتدعة، وأهل الأهواء، فلا يدخل فيه سوى أهل الحديث والسنة المحضة الذين يثبتون الصفات لله تعالى، ويقولون: إن القرآن غير مخلوق، وأن الله يُرى في الآخرة، وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل السنة، وهم مرادي في هذا الكتاب عند إطلاقي لأهل السنة والجماعة، وسموا بأهل السنة لتمسكهم بها، وبالجماعة لأنهم اجتمعوا على الحق وأخذوا به (^٢).\nولما كان الخلاف بين متكلمي الأصول في غالبه بين الأشاعرة والمعتزلة، حسن التعريف بهما هنا، على سبيل الإجمال:\nفالمعتزلة: سموا بذلك لاعتزالهم أقوال المسلمين في مرتكب الكبيرة، حيث قالوا: إنه في منزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن ولا هو كافر، وقيل غير ذلك،\n_________\n(^١) انظر: منهاج السنة لابن تيمية (١/ ٣٤٤).\n(^٢) انظر: منهاج السنة (٢/ ٢٢١)، ومجموع الفتاوى (٤/ ١٥٥)، ومقدمة كتاب معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة للجيزاني (١٧).","vol":"1","page":10},{"text":"وزعيمهم هو واصل بن عطاء. ومذهبهم يقوم على نفي الصفات عن الله تعالى، ونفي القدر في معاصي العباد، إضافة خلقها إلى فاعليها، وأن القرآن مخلوق، وهم فرق كثيرة، منهم الجبائية والنظامية وغيرها. ولهم أصول خمسة هي: ١ - التوحيد، ٢ - العدل، ٣ - المنزلة بين المنزلتين، ٤ - الوعد والوعيد، ٥ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (^١).\nأما الأشاعرة فهم: منسوبون إلى أبي الحسن الأشعري، يقولون بإثبات سبع صفات فقط لله على اختلاف بينهم في إثباتها بين المتقدمين والمتأخرين، لأن العقل كما يزعمون دل على إثباتها وهي: السمع، والبصر، والعلم، والكلام، والقدرة، والإرادة، والحياة. وقالوا: إن كلام الله هو المعنى القائم بالذات ويستحيل أن يفارقه، والحروف دلالات على الكلام الأزلي، وعندهم أن الإيمان هو التصديق بالقلب. والعمل والإقرار من فروع الإيمان لا من أصله، وقد رجع أبو الحسن الأشعري عن قوله في الأسماء والصفات إلى مذهب أهل السنة والجماعة (^٢).\nالأمر الخامس: لا يلزم في كل مسألة ذكر المذاهب كلها؛ لأن الأثر العقدي قد لا يكون مؤثرًا في المسألة الأصوليَّة عند أصحاب المعتقد الآخر، أو أن المسألة الأصوليَّة متأثرة عندهم بأصول أخرى، والنظر كان إليها عند تأصيل الأصل؛ إذ إن بناء الأصول الفقهية يكون بالأصل العقدي أو بغيره، بل قد يكون مخرَّجًا من الفروع.\nالأمر السادس: أثر العقيدة على مسائل أصول الفقه لا يُنكر، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنَّ المتكلمين: «صنفوا في أصول الفقه - وهو علم مشترك بين\n_________\n(^١) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٣٥)، والملل والنحل (١/ ٥٤)، والفرق بين الفرق للبغدادي (١١٤).\n(^٢) انظر: الإبانة (٢٠)، والملل والنحل (١/ ٩٤ - ٩٥)، والفرق بين الفرق للبغدادي (٩٠).","vol":"1","page":11},{"text":"الفقهاء والمتكلمين - فبنوه على أصولهم الفاسدة» (^١).\nوقال ﵀: «وكذلك أهل المذاهب الأربعة وغيرها، لاسيما وكثير منهم قد تلبس ببعض المقالات الأصوليَّة، وخلط بهذا، فالحنبلي والشافعي والمالكي يخلط بمذهب مالك والشافعي وأحمد شيئًا من أصول الأشعريَّة والسالميَّة وغير ذلك، ويضيفه إلى مذهب مالك والشافعي وأحمد، وكذلك الحنفي يخلط بمذهب أبي حنيفة شيئًا من أصول المعتزلة والكرَّاميَّة والكلابيَّة، ويضيفه إلى مذهب أبي حنيفة» (^٢).\nولكن أثر هذه الأصول الفقهية - المتأثرة بالعقيدة - على الفروع الفقهية ضعيف جدًا؛ إذ إن للفقهاء مآخذ ومدارك أخرى مؤثرة في الأصل وفي الفرع، غير الأصل العقدي - كما سبق الإشارة إليه - ويكون البناء في الغالب عليها، أو أنَّ التنظير في كتب العقيدة يخالف التأصيل في كتب أصول الفقه، فتقع بعض الفِرق في التناقض، كما وقع للأشاعرة في مسائل التعليل، والكلام النفسي.\nوفي هذا قال شيخ الإسلام عنهم: «والغالب عليهم عند الكلام في الفقه وغيره التعليل، وأما في الأصول: فمنهم من يصرح بالتعليل ومنهم من يأباه» (^٣).\nوقال الزركشي الأشعري عن مذهب التحسين والتقبيح العقليين إنه: «المنصور لقوته من حيث النظر وآيات القرآن المجيد وسلامته من التناقض، وإليه إشارات متأخري الأصوليين والكلاميين فليتفطن له» (^٤)، فخالف أصل الأشاعرة\n_________\n(^١) الاستقامة (١/ ٥٠).\n(^٢) منهاج السنة (٥/ ٢٦١).\n(^٣) منهاج السنة (١/ ٤٥٥).\n(^٤) البحر المحيط للزركشي (١/ ١٩١)، وانظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨)، (٣/ ٢٠ - ٢٣)، وإيثار الحق على الخلق (ص ٣٤٣).","vol":"1","page":12},{"text":"لما يترتب عليه من التناقض.\nومما يؤكد عدم تأثر الفروع بالأصول الكلامية، أن الفقه كان قبل أن تظهر هذه الفرق الكلامية، بل كان أئمة المذاهب كالشافعي وأحمد يذمون الخوض فيما خاض فيه المتكلمون.\nثمَّ إني أسميت الكتاب ب (المعتقد وأثره على مسائل أصول الفقه)، أسأل الله الكريم بمنه وكرمه أن ينفع به.\n\n•<span data-type='title' id=toc-3> خطة البحث:</span>\nيقسم الكتاب خمسة فصول.\nالفصل الأول: المسائل المتعلقة بالتوحيد (^١)، وتحته سبعة مباحث:\n* المبحث الأول: أول واجب على المكلف: الشهادتان.\n* المبحث الثاني: طريق ثبوت وجوب النظر.\n* المبحث الثالث: تحقق لحوق الوعيد وحكم الخلف فيه.\n* المبحث الرابع: التحسين والتقبيح العقليان.\n* المبحث الخامس: رعاية الأصلح.\n* المبحث السادس: تكليف ما لا يطاق.\n* المبحث السابع: التصويب والتخطئة.\nالفصل الثاني: المسائل المتعلقة ب بالأسماء والصفات، وتحته ستة مباحث:\n* المبحث الأول: الاسم للمسمى.\n* المبحث الثاني: حكم إطلاق الأسماء الحسنى بلا توقيف.\n* المبحث الثالث: صفة الكلام.\n_________\n(^١) ويندرج فيه مباحث التكليف والإثابة.","vol":"1","page":13},{"text":"* المبحث الرابع: صفة الإرادة.\n* المبحث الخامس: الحكمة في أفعال الله وشرعه.\n* المبحث السادس: بقاء الأعراض.\nالفصل الثالث: المسائل المتعلقة بالقدر، وتحته: مسألة: قدرة العبد.\nالفصل الرابع: المسائل المتعلقة بالنبوات، وتحته خمسة مباحث:\n* المبحث الأول: العصمة، وتحته مطلبان:\n* المطلب الأول: عصمة الأنبياء قبل النبوة.\n* المطلب الثاني: عصمة الأنبياء بعد النبوة.\n* المبحث الثاني: حقيقة المعجزة ومسائلها.\n* المبحث الثالث: نسخ هذه الشريعة لما قبلها من الشرائع.\n* المبحث الرابع: وضع عيسى ﵇ الجزية بعد نزوله لا ينافي ثبوت أحكام الشريعة الخاتمة.\n* المبحث الخامس: إمامة علي بن أبي طالب ﵁.\nالفصل الخامس: المسائل المتعلقة بالاستدلال والتلقي، وتحته أربعة مباحث الآتية:\n* المبحث الأول: عدالة الصحابة.\n* المبحث الثاني: الإلهام.\n* المبحث الثالث: فهم الأدلة بحسب المعنى المراد والاستعمال.\n* المبحث الرابع: حقيقة الإيمان.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>الفصل الأول المسائل المتعلقة بالتوحيد</span>","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>المبحث الأول أول واجب على المكلف: الشهادتان</span>\nأدخل الكلام عن الواجب الأول على المكلف في علم أصول الفقه في موضعين:\nالموضع الأول (^١): لما تكلموا عن موضوع أصول الفقه - وهو الدليل الشرعي - فاستطردوا في ذكر معنى الدليل، إلى أن تكلموا عن النظر وإفادته العلمَ، ومنه النظر المُعَرِّف لوجود الله تعالى، الذي عند أكثر المتكلمين الأصوليين أول واجب على المكلف.\nوأما الموضع الثاني (^٢): فلما تكلموا عن الاجتهاد والتقليد، فرَّعوا الكلام عن التقليد في أصول الدين، ومنه معرفة وجود الله.\nومذهب أهل السنة والجماعة هو أن أول واجب: شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ (^٣).\nومن الأدلة على ذلك: قول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ لما بعثه إلى اليمن:\n_________\n(^١) انظر على سبيل المثال: المستصفى للغزالي (١/ ٨٧)، والمحصول للرازي (١/ ٨٧)، والإحكام للآمدي (١/ ١٠ - ١١)، والبحر المحيط للزركشي (١/ ٧٠)، وفواتح الرحموت (١/ ٤٤)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٣٠٨ - ٣٠٩).\n(^٢) انظر على سبيل المثال: البرهان للجويني (٢/ ٧٤٣)، والفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (٢/ ٦٦)، وشرح تنقيح الفصول للقرافي (ص ١٩٠)، البحر المحيط للزركشي (٨/ ٣٢٤).\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ١١).","vol":"1","page":17},{"text":"(فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأني رسول الله) (^١).\nوهو نص في أن الشهادتين أول واجب على المكلف.\nوقال ابن القيم: «أجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد دخل في الإسلام» (^٢). وهذا يدل على أن ذلك أول الواجبات.\nوذهب المتكلمون إلى أن أول واجب هو: المعرفة، وقيل: النظر، وقيل: القصد، وقيل: الشك.\nوقيل: إن المعرفة واجبة قصدًا، والنظر واجب لكونه وسيلة قريبة إلى المعرفة، والقصد إلى النظر واجب لأنه وسيلة أبعد إلى المعرفة (^٣)، ويعدُّ هذا قولًا، والقول الآخر هو أن أول واجب هو الشك.\nوقد اتفقوا على أن معرفة الله غير ضرورية، ولذلك فهم كلهم قد أوجبوا النظر، على خلاف بينهم في المراد بالوجوب والنظر، وذكروا أن مقابل النظر هو التقليد.\nكما أنهم اتفقوا على أن الإيمان بالله ورسوله يعد الواجب الثاني (^٤).\n_________\n(^١) متفق عليه أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان، باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، برقم (٢٥)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله برقم (٢١)، واللفظ له.\n(^٢) مدارج السالكين (٣/ ٤٢١).\n(^٣) انظر زيادة عليه: درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٣٥٣)، المواقف للإيجي (ص ٣٢)، شرح المقاصد للتفتازاني (١/ ٢٧٢).\n(^٤) الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به للقاضي الباقلاني (ص ٣٣).","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>المبحث الثاني طريق ثبوت وجوب النظر</span>\nعندما تحدث الأصوليون عن مسألة: أول واجب على المكلف، استطردوا في مسألة طريق ثبوت وجوب النظر.\nوحكى بعض علماء أصول الفقه قولين في المسألة، فنقلوا عن الجمهور أن وجوب النظر ثابت بالشرع لا بالعقل، ونقلوا عن المعتزلة عكس هذا، فقالوا: إن النظر ثابت وجوبه بالعقل لا بالشرع (^١).\nوبنوا المسألة على مسألة التحسين والتقبيح، وخلاصته: أن قول المعتزلة بحسن دفع الضرر المتوقع من ترك النظر: صحيح، ولا يصح قولهم: إن ذلك دليل على الوجوب، وإنما هو دليل على حسنه، والحسن ليس محصورًا في الواجب، إذ يجوز أن يكون مستحبًا.\nوأن قول الأشاعرة بأن الوجوب بالشرع لا بالعقل: صحيح، ولكن لا يصح قولهم بمنع تحسين العقل لدفع الضرر المتوقع من ترك النظر.\nوكلا الطائفتين أغفلت فطرية المعرفة في حق عامة المكلفين إلا من تغيرت فطرهم.\n_________\n(^١) انظر: البرهان للجويني (١/ ٨٥)، والإحكام للآمدي (١/ ٨٥)، وفواتح الرحموت (١/ ٤٤)، وانظر: المواقف للإيجي (ص ٣١ - ٣٢)، وشرح المقاصد للتفتازاني (١/ ٢٦٣ - ٢٦٥).","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7>المبحث الثالث\nتحقق لحوق الوعيد وحكم الخلف فيه</span>\nهذه المسألة تكلم الأصوليون عنها في ضمن بحثهم عن العموم، فحكوا عن الأشعري القول بالوقف في صيغ العموم.\nقال الزركشي: «ومأخذ قول الوقف من أصله أن الأشعري لما تكلم مع المعتزلة في عمومات الوعيد الواردة في الكتاب والسنة، كقوله: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] ونحوه، ومع المرجئة في عموم الوعد، نفى أن تكون هذه الصيغ موضوعة للعموم، وتوقف فيها، وتبعه جمهور أصحابه» (^١).\nوقد نسب الوقف في عموم الأخبار للإمام أبي حنيفة، ولكن نفى الجصاص أن يكون مذهبه (^٢).\nونسب الوقف كذلك للإمام الشافعي، وليس بصحيح، قال أبو الحسين بن القطان: «شذت طائفة من أصحابنا فنسبت هذا القول للشافعي، لأشياء يتعلق بها كلامه، لأنه قال في مواضع من الآي: يحتمل الخصوص، ويحتمل العموم، ولم يرد الشافعي ما ذهبوا إليه، إنما احتمل عنده أن ترد دلالة تنقله عن ظاهره من العموم إلى الخصوص، لا أنه حقه الاحتمال» (^٣).\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٤/ ٣٢)، وانظر: اللمع للأشعري ص (١٢٧ - ١٣١).\n(^٢) البحر المحيط للزركشي (٤/ ٢٩).\n(^٣) البحر المحيط للزركشي (٤/ ٢٩).","vol":"1","page":20},{"text":"والذي عليه سلف الأمة وجمهور المتأخرين العمل بالعموم، وأن التوقف فيه مذهب متأخر نشأ في القرن الرابع الهجري، ولم يأخذ به إلا قليل من أهل العلم (^١).\nوسر المسألة أن الوعيدية احتجوا بآيات الوعيد المتعلقة بعصاة الموحدين، فأوجبوا لهم دخول النار قطعًا إن لم يتوبوا، وقد يبالغون أكثر من هذا فيحملون النصوص الواردة في شأن الكفار على العصاة الموحدين بدعوى العموم، كقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣].\nوقابل هؤلاء المرجئة، فحملوا كل ما ورد من بشارات لأهل الإيمان والتوحيد على كل من آمن ولو كان فاسقًا معه من السيئات ما يستوجب دخول النار، كقول الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩].\nوالتحقيق هو الجمع بين النصوص الواردة في الوعد والوعيد، وبيان ذلك:\n(١) ما ذهب إليه المعتزلة من أن آيات الوعيد في العصاة على عمومها، قلنا: هي كذلك، لكن لا يقطع بها في حق الشخص المعين، لأن لحوق الوعيد مشروط بانتفاء موانع.\n(٢) وأما القول بالتوقف في نصوص الوعد، بناء على احتجاج المرجئة بها على دخول أصحاب الكبائر الجنة بلا عذاب، فلا وجه له، لأنه قد ثبت بالأدلة المتواترة دخول بعض أهل الإيمان من أهل الذنوب النار وخروجهم منها، إما بالشفاعة، وإما بعد أن يكمل نقاؤهم بالعذاب، فيصيرون حممًا، فيخرجون إلى الجنة، وعندئذ فما ورد من الأدلة في دخول أهل الإيمان الجنة بلا عذاب، إنما هو في حق من كمل إيمانه، أو من شاء الله إدخاله الجنة بلا عذاب وإن كان\n_________\n(^١) الفصول في الأصول للجصاص (١/ ١٠٣ - ١٠٤)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ٤٤١).","vol":"1","page":21},{"text":"فعل ما يستوجب دخول النار، رحمةً منه وفضلًا وعفوًا.\nومن ههنا يعلم خطأ ما خاض فيه كثير من أهل العلم، من أن خلف الوعيد لا يعد كذبًا، وإنما هو كرم. لأنه لا يوجد خلف أصلًا، وإنما نصوص الوعيد وردت مقيدة، فوجب حمل المطلق على المقيد، فلا خلف ولا كذب.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8>المبحث الرابع\nالتحسين والتقبيح العقليان</span>\nذهب أهل السنة والجماعة: إلى أن الأفعال منشأ للمصلحة والمفسدة، إما لذاتها، وإما لاعتبارات، وإما لوصفها، وقد يستقل العقل بدرك بعض تلك الصفات، أي يعلم حسنها وقبحها، كحسن الإيمان بالله والعدل والصدق، وكقبح الكفر والظلم، وقد لا يستقل بذلك، ولا يعرفه مفصلًا في كل فعل بعينه إلا بخطاب الشرع، وما يعلم العقل حسنه أو قبحه لا يترتب على تركه أو فعله عقاب حتى يرد بذلك الشرع.\nوعبَّر الزركشي الأشعري عن هذا المذهب بأنه: «المنصور لقوته من حيث النظر وآيات القرآن المجيد وسلامته من التناقض، وإليه إشارات متأخري الأصوليين والكلاميين فليتفطن له» (^١).\nومن الأدلة الصحيحة التي يمكن التعويل عليها في إثبات الحسن والقبح العقليين: دليل الفطرة (^٢) - أو ما يعبِّر عنه بعضهم: أن ذلك معلوم بالضرورة، وما كان كذلك فلا يحتاج إلى بحثه وتقريره بالأدلة (^٣).\nولو تتبعنا نصوص الشرع لوجدنا الدلالة على أن هذا مركوز في الفطرة،\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (١/ ١٩١)، وانظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨)، (٣/ ٢٠ - ٢٣)، وإيثار الحق على الخلق (ص ٣٤٣).\n(^٢) انظر: إيثار الحق على الخلق (ص ٣٤٣).\n(^٣) انظر: الكاشف عن المحصول للأصفهاني (٢/ ٢٩٣) -القسم الثاني-.","vol":"1","page":23},{"text":"ومن ذلك:\nقوله الله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨].\nفالفاحشة هنا هي طواف المشركين عراة بالبيت رجالا ونساء، فبين الله أنه لا يأمر به لقبحه، فلو كان القبيح هو المقول فيه لا تفعل - كما تقول الأشاعرة - لكان معنى الآية: إن الله لا يأمر بما ينهى عنه، وهذا يصان عنه كلام الباري لعدم فائدته، ثم بين الله أنه لا يأمر إلا بما هو حسن (^١) فقال سبحانه: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: ٢٨ - ٢٩].\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، فوصف الله بعض رزقه بأنه طيب، وأن هذا الوصف يقتضي عدم تحريمه، فدل على ثبوت وصف للفعل هو منشأ للمصلحة مانع من التحريم، وهذا هو التحسين العقلي عينه (^٢).\nثمَّ إن المولى ﷾ ضرب أمثلة عقلية كثيرة دالة على حسن التوحيد ومدح فاعله، وعلى قبح الشرك وذمه وذم فاعله، والأدلة فيه كثيرة.\nكقوله تعالى: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [: يس: ٢٣ - ٢٤] فلم يحتج الله عليهم بمجرد الأمر، بل احتج عليهم بالعقل ومقتضى الفطرة، لأن من لا يملك دفع ضر عن نفسه فأولى أن لا يقدر على دفعه عن غيره، فكانت عبادته من كان ناقصًا\n_________\n(^١) انظر: مدارج السالكين (١/ ٢٤٩)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٣٣٥).\n(^٢) انظر: مدارج السالكين (١/ ٢٤٩).","vol":"1","page":24},{"text":"ضلالًا مبينًا (^١).\nأما المعتزلة فقد اتفقت على ثبوت الحسن والقبح للأفعال بالعقل، وترتب الثواب والعقاب على ذلك، ثم ينقل خلاف بينهم بعد ذلك في جهة حسن الفعل أو قبحه هل هو لذاته كحسن الصدق أو قبح الكذب، أم هل هو لصفة الفعل، كقبح الصدق الضار، وحسن الكذب النافع، كالكذب لإنجاء نبي مثلًا، فالكذب هنا نافع فيكون حسنًا لهذه الصفة، ويكون الصدق قبيحًا في هذه الحالة لضرره، أم هل هو لاعتبارات، كضرب اليتيم مثلًا، فإنه باعتبار التأديب حسن، وباعتبار الظلم قبيح.\nثم هؤلاء التزموا التسوية في الأحكام شاهدًا وغائبًا، فزعموا أن ما يحسن من العبد يحسن من الله، وما يقبح منه يقبح منه، فوضعوا لله شريعة بعقولهم، فأوجبوا عليه أشياء لم يوجبها على نفسه، وحرموا عليه أشياء لم يحرمها على نفسه (^٢).\nومنعت الأشاعرة تحسين العقل وتقبيحه، وجَوَّزُوا على الرب تعالى كل شيء ممكن، وزعموا أن القبيح في أفعال الله ما كان ممتنعًا كالجمع بين النقيضين ونحوه، ثم هم اتفقوا على أن ترتب الثواب والعقاب على الشرع وحده.\nوالمعروف عن المتقدمين منهم منع تحسين العقل وتقبيحه مطلقًا، وأن الحسن هو المأمور به شرعًا، والقبيح هو المنهي عنه شرعًا -ونحو هذه العبارات (^٣) - وأنه ليس للفعل صفات تقتضي أن يكون جائزًا أو ممنوعًا، فلا فرق في الأصل بين الكفر والإيمان، ولا بين الزنا والعفاف، ولا بين الصدق والكذب، ونحو ذلك.\n_________\n(^١) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٣٣).\n(^٢) انظر: البرهان (١/ ٨٠)، مفتاح دار السعادة (٢/ ٥٤١ - ٥٤٣).\n(^٣) انظر: البرهان للجويني (١/ ٧٩).","vol":"1","page":25},{"text":"أما المتأخرون فذكروا أن للحسن والقبح إطلاقات ثلاثة:\nالإطلاق الأول: على معنى ملاءمة الشيء للطبع أو منافرته.\nوالإطلاق الثاني: على معنى كون الشيء صفة كمال كالعلم والصدق، أو صفة نقص كالجهل والظلم.\nوالإطلاق الثالث: على معنى أن الفعل متعلَّق الذم عاجلا وعقابه آجلًا، أو المدح عاجلًا، والثواب آجلًا.\nوذكروا أنه لا خلاف في أن الإطلاقين الأولين عقليان، وأما الثالث فهو محل النزاع (^١).\nوخلاصة ما سبق أنَّ المعتزلة ذهبت في تعريف الحسن والقبح إلى أنَّ الحسن: ما لفاعله أن يفعله، والقبيح: ما ليس لفاعله أن يفعله، وهم يجعلون حسنه وقبحه ناشئ عن نفس الفعل.\nوذهبت الأشعرية إلى أنَّ الحسن: ما ورد الشرع بتعظيم فاعله، والثناء عليه، والقبيح يقابله. وجعلوا منشأ الحسن والقبح هو الأمر والنهي لا غير.\nوذهب أهل السنة والجماعة إلى أن منشأ الحسن والقبح مجموع الأمرين: الأوامر والنواهي، وكذا الأفعال، وتعريفهم موافق لتعريف الأشاعرة، فالحسن: ما أُمر به شرعًا، والقبيح: ما نُهي عنه شرعًا. وهذا لا يعني عدم وجود الصفات المتعلقة بالأفعال حقيقة (^٢).\n_________\n(^١) انظر: المستصفى (١/ ٥٦)، والمحصول (١/ ١٢٣ - ١٢٤)، والإحكام للآمدي (١/ ٧٩ - ٨٠)، والكاشف عن المحصول (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣) القسم الثاني، وشرح العضد (١/ ٢٠٠).\n(^٢) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ١٨٩ - ١٩١)، وشرح مختصر الروضة (١/ ٤٠٤)، الإبهاج (١/ ٦٢)، البحر المحيط (١/ ١٦٩)، مجموع الفتاوى (١٤/ ١٤٦)، (١٧/ ١٩٨)، شرح الكوكب (١/ ٣٠٦).","vol":"1","page":26},{"text":"ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل (^١):\n\n<span data-type='title' id=toc-9>المسألة الأولى: تعريف الحكم الشرعي.</span>\nعُرِّف بأنّه: «خطاب الله» عند من يمنع دخول العقل في الأحكام، وهم أهل السنة والجماعة والأشاعرة.\nوعرفته المعتزلة بأنّه: إعلام الله أيانا، أو دلالته لنا على كون الفعل واجبًا ومندوبًا ومباحًا وحرامًا ونحوها، والإعلام والدلالة يتناولان الإعلام بالشرع ودلالة العقل (^٢)، فالعقل يوجب حكمًا شرعيًا، فهو حاكم.\nومثل هذه المسألة: تقييد الأحكام بصفة التشريع، كتقييد تعريف الواجب، بالقول: (شرعًا)، أو (خطاب الشارع)، أو (من جهة نظر الشرع) عند من جعل الشرع هو الحاكم وليس العقل (^٣).\nقال الرازي: «وقولنا: شرعًا، إشارة إلى ما نذهب إليه من أنَّ هذه الأحكام لا تثبت إلَّا بالشرع» (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المسائل الأصولية المتأثرة بالأصل العقدي كثيرة، وقد ألف فيها ما يجمع شتاتها، وهنا أذكر جملة كبيرة من مختلف الأبواب، وبها يتمكن الناظر معرفة ما بقي بإذن الله. وقد تركت جملة منها وذكرتها في المسألة الآتية، وهي رعاية المصلحة أو الأصلح، وربما كررتها لزيادة بيان المأخذ، وإلا فإن مسألة رعاية المصلحة أو الأصلح مترتبة على مسألة التحسين والتقبيح العقليين، وذلك لأن المصلحة التي استحسنها العقل يجب أن تراعى عندهم. وعليه فإن القول بها قول بالتحسين والتقبيح، وأمثلتها أمثلة لها، عند من يقول بترتب الثواب والعقاب، والوجوب على الله برعاية الحسن، والأصلح، تعالى الله عن قولهم ..\n(^٢) انظر: تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٦٦ - ٦٧) ميزان الأصول (١/ ١١٩)، المستصفى (١/ ١٧٧).\n(^٣) انظر: تخريج الأصول على الأصول (ص ٤٤٣)، الإبهاج (١/ ٥٢) البحر المحيط (١/ ١٧٧) أسباب الخلاف للأسمري (ص ٣٩٦) شرح الكوكب (١/ ٣٤٦).\n(^٤) المحصول (١/ ٩٦). ومثله ما ورد في التعاريف الأخرى للأحكام الشرعية، المندوب: تخريج الأصول على الأصول (ص ٥٦٥)، المحرم: (ص ٥٨٥)، المكروه: (ص ٦٢٧)، المباح (ص ٦٦٠).","vol":"1","page":27},{"text":"ومثله ما ورد في التعاريف الأخرى للأحكام الشرعية: المندوب (^١)، والمحرم (^٢)، والمكروه (^٣)، والمباح (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-10>الثانية: تتعلق الأحكام بالأعيان والأفعال تعلقًا حقيقيًا</span>؛ لأجل صفات في العين أو الفعل اقتضت تلك الأحكام، عند من يقول بالحسن والقبح العقلي.\nوزعم «نفاة الحسن والقبح العقليين أنها ليست صفة ثبوتية للأفعال، ولا مستلزمة صفة ثبوتية للأفعال، بل هي من الصفات النسبية الإضافية، فالحسن: هو المقول فيه: \"افعله\" أو \"لا بأس بفعله\"، والقبيح: هو المقول فيه: \"لا تفعله\"» (^٥) أي: أنه مجرد الأمر والنهي، وتعلق تلك الصفات بالأحكام نسبي لا حقيقي وهو قول الأشاعرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-11>الثالثة: شكر المنعم.</span>\nأوجبت المعتزلة وجوب شكر المنعم ﷾ عقلًا؛ لأنّ العقل عندهم موجب بذاته.\nوأهل السنة يقولون بحسن شكر المنعم عقلًا؛ لإثبات الصفات الذاتية؛ لكنهم لا يوجبون ذلك على الله عقلًا، ولا ثواب، ولا عقاب إلّا بالشّرع.\nوأمّا نفاة الحسن والقبح العقليين -كالأشاعرة- فليس بواجب عندهم عقلًا؛\n_________\n(^١) انظر: تخريج الأصول على الأصول (٥٦٥).\n(^٢) انظر: تخريج الأصول على الأصول (٥٨٥).\n(^٣) انظر: تخريج الأصول على الأصول (٦٢٧).\n(^٤) انظر: تخريج الأصول على الأصول (٦٦٠).\n(^٥) منهاج السنة (٣/ ١٧٧ - ١٧٨)، وانظر: تخريج الأصول على الأصول (ص ٨٤)، المستصفى (١/ ٢٣٤)، ميزان الأصول (١/ ٣٨١)، البحر المحيط (١/ ١٢٠)، مجموع الفتاوى (١٤/ ٨٨)، (٨/ ١٣٦ - ١٣٧).","vol":"1","page":28},{"text":"لأنّهم ينفون الصفة عن الفعل، وهذا يستلزم ألا يدرك العقل فيه حسنًا ولا قبحًا، فضلًا عن أن يحكم عليه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-12>الرابعة: حكم الأشياء قبل ورود الشرع.</span>\nلا حكم للأشياء قبل الشرع، عند من لا يرى في الأفعال ولا في الأعيان صفات في أنفسها، -وهو مأخذ الأشاعرة- ومن ثمَّ فالحكم موقوف على الشرع، وقبل الشرع لا حكم لها؛ لأن أفعال العقلاء قبل الشرع لم يرد فيها خطاب شرعي حتى يحكم بالإباحة أو الحظر، وحيث لا شرع فإن العقل لا مدخل له في تعيين الأحكام الشرعية، فلا سبيل لمعرفة حكم الشرع فيها (^٢).\nولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «من لم يوافق المعتزلة في التحسين والتقبيح، وقال بالإباحة أو الحظر فقد ناقض» (^٣).\nوأهل السنة والجماعة وإن أثبتوا للأفعال قبل الشرع الحسن أو القبح، إلا أنّه لا حكم للعقل بثواب أو عقاب، بل ذلك للشرع (^٤).\nوذهب المعتزلة إلى أن الأصل في الأشياء قبل ورود الشرع إما الإباحة أو الحظر، أي إن للعقل فيها حكم.\n_________\n(^١) انظر: تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٢٠٦)، المحصول (١/ ١٨١ - ١٨٢)، الإحكام (١/ ٧٩)، أصول الفقه لابن مفلح (١/ ١٦٢)، شرح مختصر الروضة (١/ ٤١٠)، الإبهاج (١/ ٣١٣) المسودة (ص ٤٢١)، البحر المحيط (١/ ١٤٨ - ١٤٩)، أسباب الخلاف للأسمري (ص ٣٨٥).\n(^٢) انظر: البحر المحيط للزركشي (٨/ ١٩)، شرح التنقيح للقرافي (٤٤٧)، تخريج الأصول على الأصول للعمري (٢١٣، ٢١٧).\n(^٣) التحبير للمرداوي (٣/ ٧٨١)، شرح الكوكب المنير (١/ ٣٢٨).\n(^٤) انظر: تخريج الأصول على الأصول (ص ٢١٢)، بيان المختصر (١/ ٣١٧)، الإحكام (١/ ٨٧)، شرح مختصر الروضة (١/ ٣٩١)، المسودة (ص ٤٢٢)، البحر المحيط (١/ ١٤٨ - ١٤٩)، أسباب الخلاف للأسمري (ص ٣٧٣).","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>الخامسة: تكليف الصبي.</span>\nذهبت المعتزلة إلى تكليف الصبي متى عَقِل، وأمكنه معرفة الله تعالى، وجب عليه الإيمان؛ لقولهم بإدراك حسن الأشياء وقبحها، وبوجوب بعض الأحكام بالعقل.\nوأمّا أهل السنة فإنهم وإن أثبتوا الحسن والقبح، إلا أنهم ينفون أن يكون العقل حاكمًا في دين الله تعالى؛ ولهذا فلا يوجبون به شيئًا؛ لعدم تكليفه شرعًا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-14>السادسة: تكليف المعدوم.</span>\nذهبت المعتزلة إلى عدم جواز تكليف المعدوم؛ لأن الأمر والنهي بدون المخاطب عبث، فيكون التكليف به قبيحًا.\nوذهبت الأشاعرة إلى جواز تكليفه؛ نظرًا لإثبات الكلام النفسي، «وأن الله تعالى لم يزل آمرًا ناهيًا مخبرًا» (^٢).\nوأجاب الأشاعرة: «بأن تقبيح هذا مبني على مسألة التحسين والتقبيح، وهي منهدمة الأركان» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-15>السابعة: تكليف المكره.</span>\nمنع تكليف المكره من يعتبر في أوامر الشرع موافقتها لقضايا العقول؛ لأنّ تكليفه يخالف العدل فيكون قبيحًا.\nأمّا من يجعل مدار الأحكام الشرعية على محض الإرادة والمشيئة من غير\n_________\n(^١) انظر: تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٢٥٠). وجعل المسألة في تكليفه بأصول الدين.\nوانظر: البحر المحيط (٤/ ٣٠٦)، التحرير مع تيسير التحرير (٢/ ٢٥١).\n(^٢) البحر المحيط (١/ ٣٧٧).\n(^٣) الإبهاج (١/ ١٥٢ - ١٥٣)، وانظر: تخريج الأصول على الأصول (ص ٢٥٨)، المحصول (٢/ ٢٥٦).","vol":"1","page":30},{"text":"تعليل لها؛ فإنّه يجوَّزه، ولا يعد قبيحًا عنده؛ لأنّه لا معنى للفعل القبيح إلا ما نهى عنه الشرع (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-16>الثامنة: الواجب المخيَّر، والحرام المخيَّر.</span>\nمنع المعتزلة التخيير في الواجب المخير؛ لأنّها إمّا أن تكون الواجبات متساوية في الحسن، فلا معنى لاستقلال أحدها بالوجوب. وإما أن يختص واحد منها بما يقتضي الوجوب من الحسن دونها، فيكون هو الواجب دون ما سواها (^٢).\nقال الطوفي في بناء المسألة: «قلنا: مبني على وجوب رعاية الأصلح، وعلى أن الحسن والقبح ذاتيان أو بصفة، وهما ممنوعان، بل ذلك شرعي، فللشرع فعل ما شاء من تخصيص وإبهام» (^٣).\nومن منع وجوب رعاية الأصلح؛ فإنّه لا يجب عنده تساوي الخصال في الحسن والصلاح، ولم يجب تساويها في الوجوب (^٤).\nومثله - مأخذًا - الحرام المخير (^٥)؛ لأن منع المحرم المخير عند المعتزلة؛ لأنّ الأشياء المخيَّر بينها، إن لم تكن قبيحة لم يجز أن تكون محرمة؛ -لأنّ المحرم عندهم حرم؛ لقبحه- فإذا كانت كلها قبيحة لم يجز أن يكون بعضها محرمًا، وبعضها مباحًا؛ لتساويها في المفسدة، فيكون إباحة بعضها معارضًا لقاعدة رعاية الأصلح للعباد في التكليف.\n_________\n(^١) انظر: تخريج الأصول على الأصول (ص ٢٦٢)، البحر المحيط (١/ ٣٦٠)، سلاسل الذهب (ص ١٤٨).\n(^٢) انظر: تخريج الأصول على الأصول (ص ٧٧١) أسباب الخلاف للأسمري (ص ٤٧٧ - ٤٧٨).\n(^٣) البلبل مع شرح مختصر الروضة (١/ ٣٠٥).\n(^٤) انظر: التلخيص (١/ ٣٦٠) البلل من شرح مختصر الروضة (١/ ٣٠٥)، تخريج الأصول على الأصول (ص ٤٧٨).\n(^٥) انظر: تخريج الأصول على الأصول (ص ٥٩٢)، أسباب الخلاف للأسمري (ص ٦٤٠).","vol":"1","page":31},{"text":"وأمّا غير المعتزلة: فلا يجعلون مدار الأحكام على تحسين العقل وتقبيحه، ولا على وجوب الصلاح، فلا يمتنع أن يجعل الله المصلحة في اجتناب الجمع بين الفعلين، حتى لو فعل المكلف أحدهما لم تحصل المفسدة المترتبة على الجمع بينهما (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-17>التاسعة: التعبد بالعمل بخبر الآحاد.</span>\nاختلف القائلون بالتحسين والتقبيح في التعبد بالعمل بخبر الآحاد.\nفمنعه بعضهم؛ لأن «التكاليف تعتمد تحصيل المصالح ودفع المفاسد، وذلك يقتضي أن تكون المصلحة أو المفسدة معلومة، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن، وهو يجوز خطؤه فيقع المكلَّف في الجهل والفساد، وهو غير جائز» (^٢)، ولأن في تعليق التكاليف به مفسدة استباحة الأموال والأعراض بأمر مظنون يجوز خطؤه.\nوأجاز العمل به آخرون؛ لما في العمل به من الحسن؛ وذلك لأن المتواتر عزيز، فلو لم يعمل بخبر الآحاد لتعطلت المصالح (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-18>العاشرة: منع المعصية على النبي ﷺ قبل بعثته عقلًا </span>(^٤)؛ لأن المعصية توجب احتقارًا لصاحبها، فتنفر الطبائع عن اتباعهم، وذلك قبيح عقلًا، وهو خلاف المصلحة، ولذا يمتنع أن يقع ما هو خلاف المصلحة (^٥).\n_________\n(^١) تخريج الأصول على الأصول (ص ٥٩٢)، وانظر: البحر المحيط (١/ ٢٧٢) شرح الكوكب (١/ ٣٨٨ - ٣٨٩) وسلاسل الذهب (ص ١٢٢).\n(^٢) شرح تنقيح الفصول (٣٥٢).\n(^٣) انظر: أسباب الخلاف لإسماعيل الحاج (٢٣٩).\n(^٤) انظر: شرح العضد (٢/ ٢٢)، أصول ابن مفلح (١/ ٣٢٢)، التقرير والتحبير (٢/ ٢٢٤)، التحبير (٣/ ١٤٤٠)، شرح الكوكب (٢/ ١٦٩).\n(^٥) انظر: شرح الأصول الخمسة (٥٧٤)، شرح العضد (٢/ ٢٢)، أصول ابن مفلح (١/ ٣٢٢)، التحبير (٣/ ١٤٤٠).","vol":"1","page":32},{"text":"ومن لم يقل بوجوب رعاية المصلحة قال لا يمتنع عليه تعالى فعل شيء، فله أن يفعل ما يريد، ويحكم بما يشاء، ومن ذلك المعصية من النبي ﷺ قبل البعثة (^١). بل إن جواز ذلك لا يفضي إلى القبح العقلي؛ لأن الإنسان بعد صفاء السريرة وحسن السيرة ينعكس حال الناس معه من حال الازدراء والاستخفاف إلى حال التعظيم والإجلال، ويؤكد ذلك أن انعكاس حالهم حينئذ دلالة المعجزة على صدقه وأحقيته بالرسالة، والمشاهدة قاضية بهذا الانعكاس في كثير من الصلحاء، حيث كانوا موصوفين بضد الصلاح محقورين من الناس، ثم انعكس حالهم بعد الصلاح، فلا وجه للملازمة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-19>الحادية عشرة: ذهب بعض من قال بالتحسين والتقبيح إلى كون النسخ بيانًا</span>؛ لأنه لو كان رفعًا؛ لأدى إلى أن ينقلب الحسن - الذي أثبته الله بالأمر - إلى قبيح وذلك بالنهي عنه، وهذا محال (^٣).\nوبيانه: أنَّ الشيء إنما يؤمر به لحسنه وما فيه من مصلحة، وينهى عنه لقبحه وما فيه من مفسدة، ولو أمر بالحكم الواحد، ثم نهى عنه لكان حسنًا قبيحًا، مصلحة مفسدة، مرادًا غير مراد، وهو جمع بين النقيضين، والقول بالرفع يلزم منه ذلك؛ لأنه أمر بالحكم المنسوخ لحسنه، ثم نهى عنه برفعه لقبحه، فلزم أن يجتمع فيه النقيضان (^٤).\n_________\n(^١) انظر: شرح الأصول الخمسة (٥٧٤)، البحر المحيط (٤/ ١٦٩)، شرح العضد (٢/ ٢٢)، نهاية الوصول لابن الساعاتي (١/ ٢٥٤)، أصول ابن مفلح (١/ ٣٢٢)، التحبير (٣/ ١٤٤٠).\n(^٢) اعترض به الحنفية لقولهم بالتحسين والتقبيح مع قولهم بالجواز مطلقًا، ورأوا منع الملازمة بين القبح العقلي والمنع.\nانظر: التقرير والتحبير (٢/ ٢٢٤)، تيسير التحرير (٣/ ٢٠ - ٢١)، فواتح الرحموت (٢/ ٩٨).\n(^٣) انظر: المستصفى (١/ ١٠٨) التلخيص (١/ ٤٥٤)، الواضح (٢/ ٢١٢)، روضة الناظر (١/ ٢٨٦)، شرح المعالم (٢/ ٣٧ - ٣٨)، شرح مختصر الروضة (٢/ ٢٦٢) ..\n(^٤) انظر: شرح المعالم (٢/ ٣٧ - ٣٨).","vol":"1","page":33},{"text":"وذهب شذوذ من المسلمين، بعض طوائف اليهود (^١)، إلى عدم وقوع النسخ، بسبب ذلك.\nونوقش: بأن التناقض إنما يكون مع اتحاد الزمان، وشرط النسخ التراخي ولا تناقض مع تعدد الزمان (^٢).\nكما أنه يجوز أن يكون ذلك الفعل مصلحة في وقت ومفسدة في وقت آخر، فيأمر به في الوقت الذي علم أنه مصلحة فيه، فيكون حسنًا في وقت قبيحًا في وقت آخر، فلا يكون مناقضًا للحسن والقبح (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-20>الثانية عشرة: قبول جميع الأحكام للنسخ.</span>\nعدم قبول جميع الأحكام للنسخ (^٤)، لأن الحسن والقبح صفات وأحكام لا تتغير بتغير الشرائع، ولذا يمتنع النسخ في هذه الأفعال المقتضية للحسن والقبح لاستحالة الأمر بالقبح، والنهي عن الحسن (^٥)، وهذا عند القائلين بالتحسين والتقبيح.\nأما من لم يقل بالتحسين والتقبيح، فقد اختلفوا:\nفقال بعضهم بالمنع؛ لأن ما لا يمكن أن يقع إلا على وجه واحد، يمتنع أن يقع\n_________\n(^١) انظر: المعتمد (١/ ٤٠١)، اللمع (٥٥)، المحصول (٣/ ٢٩٤)، شرح مختصر الروضة (٢/ ٢٦٦)، التحبير (٦/ ٢٩٨٥).\n(^٢) انظر: شرح المعالم (٢/ ٣٨).\n(^٣) انظر: ميزان الأصول (٢/ ٩٨٦)، المحصول (٣/ ٣٠٢)، الإحكام (٣/ ١١٥ - ١١٦).\n(^٤) انظر: أصول الجصاص (١/ ٣٥٦)، المعتمد (١/ ٤٠٠)، الواضح (١/ ٢٣٤)، شرح العضد (٢/ ٢٠٤)، أصول ابن مفلح (٣/ ١١٨٧)، زوائد الأصول (٣١٢)، تشنيف المسامع (٢/ ٨٨٨)، الغيث الهامع (٢/ ٤٤٧)، التحرير ومعه التقرير والتحبير (٣/ ٥٣)، التحبير (٦/ ٣١٠٩)، شرح الكوكب (٣/ ٥٨٦)، تيسير التحرير (٣/ ١٩٣)، نشر البنود (١/ ٢٩٣).\n(^٥) انظر: أصول الجصاص (١/ ٣٥٦)، بيان المختصر (٢/ ٥٧٧)، رفع الحاجب (٤/ ١٣٤)، التحبير (٦/ ٣١٠٩).","vol":"1","page":34},{"text":"على وجهين، ولو أمر به ثم نسخ لوقع على وجهين، وهو غير قابل لذلك (^١).\nوقال بعضهم بالجواز نظرا لأدلة أخرى، كقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد:: ٣٩]، ونحو ذلك (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-21>الثالثة عشرة: نسخ الحكم مع بقاء التلاوة.</span>\nذهبت المعتزلة إلى منع نسخ الحكم مع بقاء التلاوة (^٣)؛ لأن «الحكم إذا نسخ وبقيت التلاوة كانت موهمة بقاء الحكم، وذلك مما يعرِّض المكلف إلى اعتقاد الجهل، والحكيم يقبح منه ذلك» (^٤).\nأما إن قيل إن الشرع هو الذي يثبت الحسن والقبح، والعقل لا مدخل له في ذلك فإن الشرع إن ورد بالنسخ للحكم دون التلاوة فهو حسن لورود الشرع به، ولا التفات إلى نظر العقل (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-22>الرابعة عشرة: نسخ التكليف بالخبر.</span>\nمنع نسخ التكليف بالخبر؛ «لأنه كذب، والتكليف بالكذب قبيح، وهو غير متصور من الشارع، وهو مبني على أصولهم في التحسين والتقبيح العقلي، ووجوب رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى» (^٦).\n_________\n(^١) انظر: شرح اللمع (١/ ٤٨٩)، قواطع الأدلة (١/ ٤٢٣).\n(^٢) انظر: بيان المختصر (٢/ ٥٧٧).\n(^٣) انظر: شرح العضد (٢/ ١٩٤)، أصول ابن مفلح (٣/ ١١٤١ - ١١٤٢)، التحرير مع التقرير والتحبير (٣/ ٦٧)، التحبير (٦/ ٣٠٣٤)، شرح الكوكب (٣/ ٥٥٩)، فواتح الرحموت (٢/ ٧٤).\n(^٤) الإحكام (٣/ ١٤٢ - ١٤٣).\n(^٥) انظر: الإحكام (٣/ ١٤٣).\n(^٦) الإحكام (٣/ ١٤٤)، ونقله عنه الزركشي في البحر المحيط (٤/ ٩٨)، وأقره عليه، وانظر: شرح العضد (٢/ ١٩٥)، تشنيف المسامع (٢/ ٨٨٠)، الغيث الهامع (٢/ ٤٤٤).","vol":"1","page":35},{"text":"فلو كلف الشارع الإخبار بشيء، ثم نسخه، وأمر بالإخبار بضده لكان في ذلك كذب؛ لأنه كلفه بالإخبار بنقيض الحق ولابد، وهذا أمر يستقبحه العقل فكان ممتنعًا في حق الله تعالى لتنزهه عن الكذب، ولهذا لا يجوز النسخ في هذه الحالة لما يلزم من القول بالجواز من إفضاء إلى الباطل، وما أفضى إلى باطل فهو باطل (^١).\nوقد أبدى ابن السبكي اعتراضًا على استناد المعتزلة إلى هذا الأصل، فقال: «بل لقائل أن يقول لا التفات لهذا على قاعدة التحسين والتقبيح، بل ينبغي القول به على أصلنا وأصلهم» (^٢).\nثم ذكر أنه على أصل الأشاعرة واضح الالتفات لإنكارهم للقاعدة، أما على أصلهم فلأنه قد يتعلق بالكذب قصد صحيح فلا يكون قبيحًا في حق المكلِّف أو المكلَّف، وقد ذكر الفقهاء مواضع يجب فيها الكذب لتعلق غرض شرعي به، ولا ينبغي للمعتزلة الخلاف في ذلك (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-23>الخامسة عشرة: حكم نسخ المأمور به قبل التمكن من الفعل.</span>\nذهبت المعتزلة إلى منع نسخ المأمور به قبل التمكن من الفعل، «لعدم حصول المصلحة من الفعل، وترك المصلحة عندهم يمنعه قاعدة الحسن والقبح» (^٤).\nثم إن نسخ الفعل قبل التمكن فيه أمر، ونهي، أمر بالعبادة، وهذا يقتضي حسن الأمر، ثم نهى عنها، وهذا يقتضي القبح، وبما أن الشرع كاشف عن الحسن والقبح فإنه لا يمكن أن يكشف عن الحسن أو القبح، ثم يأتي بما يدل على خلاف ذلك إذا\n_________\n(^١) انظر: المعتمد (١/ ٤٢١).\n(^٢) رفع الحاجب (٤/ ٧٥).\n(^٣) انظر: رفع الحاجب (٤/ ٧٥ - ٧٦)\n(^٤) نفائس الأصول (٦/ ٢٤٤٨).","vol":"1","page":36},{"text":"كان ذلك في فعل واحد، ومن هنا فمن قال بالحسن والقبح لزمه القول بعدم الجواز، ومن لم يقل به لم يلزمه ذلك (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-24>السادسة عشرة: حكم العمل بالقياس.</span>\nاختلف القائلون بالتحسين والتقبيح في حسن وقبح العمل بالقياس:\nفمن منع العمل بالقياس عقلًا (^٢)، قال: إن القياس رجم بالظن، والرجم بالظن جهل، والجهل قبيح، والأمر به قبيح، وما كان كذلك فلا يجوز عقلا القول به (^٣).\nومن قال بالعمل به منهم، قال: إن النصوص لا تحيط بالحوادث، ولذا كان من الواجب أن يكون للناس طريق صالح لإثبات الحكم فيما لا نهاية له، وليس ذلك إلا بالقياس فكان في القياس دفعًا لهذا الضرر المظنون، فاقتضى العقل وجوب العمل به لدفع ذلك الضرر (^٤). وعليه فإن من الحسن العمل به.\nوقالوا: إن الأحكام مبنية على المصالح، وهي متفاوتة حسب تفاوت الزمان والمكان، فلا يمكن ضبطها إلا بالتفويض إلى الرأي، وإلا خلت الوقائع من الأحكام لعدم كفاية عمومات النصوص، ولذا كان من الجائز عقلًا العمل بالقياس لتحقيق تلك المصالح (^٥).\nومن لم يقل بهذا الأصل فلا يلزمه ذلك، ونظر في العمل بالقياس إلى أدلة شرعية، وعقلية، ومنها ما ذكر في بيان كون العمل به حسنًا.\n_________\n(^١) انظر: أصول الجصاص (١/ ٣٧٤)، المعتمد (١/ ٤٠٧).\n(^٢) انظر: الإحكام (٤/ ١٣، ٢٢)، المعتمد (٢/ ٧٢٥)، الإبهاج (١/ ١٣٨)، المنخول (٤٢٥)، إحكام الفصول (٢/ ٧٢٥).\n(^٣) انظر: البرهان (٢/ ٤٩٢)، الإحكام (٤/ ١١).\n(^٤) انظر: المعتمد (٢/ ٧٢٥)، الإحكام (٤/ ١٣)، نهاية الوصول (٧/ ٣٠٧٧، ٣٠٧٥).\n(^٥) انظر: فواتح الرحموت (٢/ ٣١٠).","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type='title' id=toc-25>السابعة عشرة: وصف العِلَّة وتعريفها بأنها المؤثر.</span>\nذهب من قال بالتحسين والتقبيح إلى القول بأن العلة الشرعية مؤثرة في الحكم بذاتها (^١)؛ لأن العقل إن كان يدرك الحسن والقبح يلزم أن يكون مدركًا للوصف المشتمل على المصلحة أو المفسدة الذي لأجله تثبت الأحكام أو تنفى، وإذا ثبت كون الوصف علة فإن العقل يقضي بترتيب الأثر عليه، فيكون مؤثرًا بنفسه (^٢).\nومن قال بنفي التحسين والتقبيح العقليين فإنه لا يقول إن العقل يقضي بترتيب الأثر على الوصف، بل الوصف علامة تعرف الحكم ليس غير.\nواشترط القائلون بالتحسين والتقبيح أن تعلَّل الأحكام بالمصلحة (^٣)؛ لأنه «يقبح في العقل أن يأمر بما لا مصلحة فيه» (^٤).\nوالعالم الحكيم لا يحسن منه أن يفعل أو يأمر أو يحكم إلا بحسن، كما يقبح منه أن يفعل أو يأمر أو يحكم بقبيح، ولو أمر بقبيح يعلم قبحه لكان ذلك مخالفًا لعلمه وحكمته (^٥).\nومن لم يقل بالحسن والقبح قال له أن يفعل ما يشاء، ويحكم بما يريد، ولا يحمله شيء على شيء (^٦).\n_________\n(^١) انظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٢٥٥)، البحر المحيط (٥/ ١١٢)، تشنيف المسامع (٣/ ٢٠٦)، الغيث الهامع (٣/ ٦٧١)، التحبير (٧/ ٣١٧٨)، إرشاد الفحول (٣٥٢).\n(^٢) انظر: نبراس العقول (٢١٨).\n(^٣) انظر: شرح الأصول الخمسة (٣٠١)، المعتمد (١/ ٣٧١)، الأربعين في أصول الدين (١/ ٣٥٢، ٣٥٣)، شرح المعالم (٢/ ٢٩٨)، المواقف (٣٣١)، تعليل الأحكام لشلبي (٩٨).\n(^٤) العدة (٢/ ٤٢٢).\n(^٥) انظر: شرح الأصول الخمسة (٣٠١)، العدة (٢/ ٤٢٢)\n(^٦) انظر: تشنيف المسامع (٣/ ٢٠٨).","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type='title' id=toc-26>الثامنة عشرة: تعليل أحكام الله وأفعاله.</span>\nمن أثبت للفعل صفة تقتضي حسنه أو قبحه؛ فإنّه يثبت كون ذلك الحكم معللًا بما فيه من صفة، وجعل أحكام الله تعالى وأفعاله معللة.\nوالمعتزلة قالوا: «لا يصح أن يفعل فعلًا إلا لمصلحة العباد» (^١). فأوجبوا ذلك، وخالفهم أهل السنة في مسألة الإيجاب، كما تقدم في أصل المسألة العقدية.\nوأما الأشاعرة الذين أنكروا صفات الأفعال ونفوا الحسن والقبح العقليين، ونفوا أن يكون في الفعل مصلحة تقتضي أن يكون الأمر به لأجلها، وأن يكون فيه مفسدة تقتضي أن يكون النهي عنه لأجلها، وبناء على ذلك أنكروا أن تكون أحكام الله تعالى معللَّة؛ لعدم ما تُعلل به، «ومن أنكر أن يكون للفعل صفات ذاتية، لم يحسن إلا لتعلق الأمر به، وأن الأحكام بمجرد نسبة الخطاب إلى الفعل فقط، فقد أنكر ما جاءت به الشرائع من المصالح والمفاسد، والمعروف والمنكر وما في الشريعة من المناسبات بين الأحكام وعللها» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-27>التاسعة عشرة: شرع من قبلنا.</span>\nشرع من قبلنا حجة عند المعتزلة القائلة بالتحسين والتقبيح؛ لأن «الأحكام الشرعية حسنها ذاتي لا يختلف باختلاف الشرائع، فهي حسنة بالنسبة إلينا، فتركنا لها قبيح» (^٣).\n_________\n(^١) شرح المعالم (٢/ ٢٩٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٣٥٤)، وانظر: تخريج الأصول على الأصول (ص ٩٩)، المحصول (٢/ ٢٥٨).\nوقال ابن القيم في مفتاح دار السعادة (٢/ ٦١): «وكلُّ من تكلم في علل الشرع ومحاسنه وما تضمنه من المصالح ودرء المفاسد، فلا يمكنه ذلك إلا بتقرير الحسن والقبح العقليين».\n(^٣) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ١٧٩).","vol":"1","page":39},{"text":"وبناء عليه: فإن مجيء النبي بشريعة أخرى عبث لا فائدة فيه، «والحكيم لا يفعل فعلًا إلا لحكمة وغرض، والفعل من غير غرض سفه وعبث» (^١).\nنوقش: بأن «حسنها شرعي إضافي، فيجوز أن يكون الحكم حسنًا في حقهم، قبيحًا في حقنا» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-28>العشرون: نسب القول بأن الاستحسان هو: مايستحسنه المجتهد بعقله، على القول بالتحسين والتقبيح،</span> ولما نسب إلى أبي حنيفة ﵀ نفاه الحنفية عنه.\nقال عبد العزيز البخاري: «فأبو حنيفة أجلُّ قدرًا، وأشد ورعًا من أن يقول في الدِّين بالتشهي، أو يعمل بما استحسنه من غير دليل قام عليه شرعًا» (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-29>الحادية والعشرون: عدم وقوع المشترك في خطاب الشرع عند القائل بالتحسين والتقبيح</span>؛ لأنّ المقصود من الخطاب هو الإفهام، ولا يتحقق ذلك بالخطاب المشترك، فلا يتعلق به غرض صحيح؛ لما فيه من تجهيل للمكلف، فالمشترك «إن كان المقصود منه الإفهام، فإن وجد معه البيان فهو تطويل من غير فائدة، وإن لم يوجد فقد فات المقصود، وإن لم يكن المقصود منه الإفهام فهو عبث، وهو قبيح، فوجب صيانة كلام الله عنه، فهو مبني على الحسن والقبح الذاتي» (^٤).\n<span data-type='title' id=toc-30>الثانية والعشرون: منع اجتهاد النبي ﷺ عند القائل بالحسن والقبح</span>؛ لأنّ القول به يورد إيهامًا بوضعه للشرع، وهو مُورث للتهمة في حقه، ومنفر للناس عنه،\n_________\n(^١) نهاية الإقدام للآمدي (٣٩٧)\n(^٢) ذكره الطوفي في شرح مختصر الروضة (٣/ ١٧٩) كمأخذ ثان للمسألة.\n(^٣) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٢).\n(^٤) الإحكام للأمدي (١/ ٢٢)، أسباب الخلاف للسهلي (ص ٢٦٩).","vol":"1","page":40},{"text":"وهذا الأمر قبيح، كما أنّه يعود على الرسالة وعلى مقصود البعثة بالخلل، ويؤدي إلى تجويز مخالفة المجتهد له، فهو اجتهاد مقابل اجتهاد، ومقام النبوة يقتضي الانقياد والاتباع للتشريع (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-31>الثالثة والعشرون: منع الاجتهاد في زمن النبي ﷺ عند القائل بالتحسين والتقبيح</span>؛ لأنّ «الاجتهاد عرضة للخطأ بلا شك، والنص آمن منه، وسلوك السبيل المخوف مع القدرة على سلوك الآمن قبيح عقلًا» (^٢).\n<span data-type='title' id=toc-32>الرابعة والعشرون: عدم تأثير المجتهد إذا بذل وسعه في المسائل العقدية ولم يصب الحكم</span>؛ لأنّ «تأثيم المجتهد بعد استفراغ وسعه في الاجتهاد قبيح؛ إذ هو مفض إلى تكليف ما لا يطاق» (^٣).\nوأمّا عدم تأثيمه في الفروع لأنّ «هذه المسائل ليس فيها دليل قاطع، ولا فيها حكم معين، والأدلة الظنية لا تدل لذاتها، وتختلف بالإضافة، فتكليف الإصابة لما لم ينصب عليها دليل قاطع تكليف ما لا يطاق، وإذا بطل الإيجاب بطل التأثيم، فانتفاء الدليل القاطع ينتج نفي التكليف، ونفي التكليف ينتج نفي التأثيم» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-33>الخامسة والعشرون: منع التقليد في الفروع عند القائل بالتحسين والتقبيح</span>؛ لأنّ العامي «إذا قلَّد العالم فيها، كان إقدامه قبيحًا من حيث يجوز الخطأ\n_________\n(^١) انظر: المعتمد (٢/ ٢١١)، قواطع الأدلة (٤/ ٧٦)، التحبير (٨/ ٣٩٠٣)، بناء الأصول للمشعل (ص ١٧٥ - ١٧٦)، أسباب الخلاف للغامدي (ص ١٨٤)، التحسين والتقبيح العقليان (٢/ ٥١٥).\n(^٢) نهاية السول (٤/ ٥٤٣)، وانظر: المحصول (٦/ ١٨)، الإحكام (٤/ ٢١٢)، نفائس الأصول (٩/ ٤٠٠٨)، البحر المحيط (٦/ ٢٢٧)، بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص ١٩٤)، أسباب الخلاف للغامدي (ص ٢٢٢).\n(^٣) شرح مختصر الروضة (٣/ ٦١٠).\n(^٤) المستصفى (٢/ ٤٠٦)، وانظر: بناء الأصول للمشعل (ص ٢٧١).","vol":"1","page":41},{"text":"على العالم، والفعل الذي لا يؤمن كونه قبيحًا بمنزلة الخبر الذي لا يؤمن كونه كذبًا من القبح» (^١).\n_________\n(^١) شرح العمد (٢/ ٣٠٧)، انظر: بناء الأصول على الأصول للمشعل (٣٣٠)، أسباب الخلاف للغامدي (ص ٤٢٢).","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>المبحث الخامس رعاية الأصلح</span>\nرعاية المصلحة، وتسمى الأصلح، ويقصد به: إذا كان هناك صلاحان وخيران فكان أحدهما أقرب إلى الخير المطلق فهو الأصلح، وقد اختلف الناس في وجوب رعاية المصلحة أو فعل الأصلح على قولين:\nالأول: أنه لا يجب على الله تعالى فعل الأصلح، بل هو تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وبهذا قال أكثر الناس، وهو قول أهل السنة والأشاعرة وغيرهم.\nوهؤلاء اختلفوا:\nفقال بعضهم: إنَّ خلق الله وأمره متعلق بمحض المشيئة لا يتوقف على مصلحة، وهو قول الجهمية.\nوقال بعضهم: إنَّ الله أمر العباد بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم، وإن كان في بعض ذلك ضرر لبعض الناس، فلابد وأن يكون ذلك لمصلحة لأجلها خلقه الله، وهذا قول أكثر الفقهاء، وأهل الحديث والتصوف، وطوائف من أهل الكلام.\nالثاني: أنه يجب على الله تعالى فعل الأصلح، وبهذا قال عامة المعتزلة، ومنهم من قال يجب ذلك في أمور الدين والدنيا، وهؤلاء هم معتزلة بغداد، ومنهم من قال بوجوب فعل الأصلح في الدين فقط، وبهذا قال معتزلة البصرة، وقيل عنهم غير ذلك (^١).\n_________\n(^١) انظر: الإرشاد للجويني (٢٤٧)، نهاية الأقدام (٤٠٤، وما بعدها)، لباب العقول (٣٢٠)، منهاج السنة (١/ ٤٦٢ - ٤٦٣).","vol":"1","page":43},{"text":"ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل:\n\n<span data-type='title' id=toc-35>المسألة الأولى: منع فتور الشرائع عقلًا عند من يقول بوجوب رعاية المصالح على الله،</span> وهو مذهب الكعبي من المعتزلة؛ لما فيه فتور الشرائع، وعدم بقاء التكاليف عقلًا، من تبدل المصلحة بالمفسدة، وتخلف أصل رعاية المصالح، وجوابه على التنزيل بوجوب رعاية الأصلح، «فمن الذي أنبأك أن الأصلح تقدير الشرائع، فقد يكون الأصلح في فتورها، حتى يعملوا بمقتضى عقولهم» (^١).\n<span data-type='title' id=toc-36>الثانية: منع تكليف ما لا يطاق</span>؛ لأنّه ليس أصلح للعبد، وما كان كذلك استحال عقلًا على الله التكليف به، فيمتنع التكليف بما لا يطاق.\nوجوابه: أنّه ليس من قبيل الاستحالة العقلية التي هي ضد الايجاب العقلي؛ فإنّه سبحانه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لكن من قبيل أن ذلك لا يليق بحكمة الله تعالى وفضله؛ لأنّ «المأمور بفعل لا بدَّ من أن يكون قادرًا على تحصيل المأمور به حقيقة؛ لأنّ تكليف ما ليس في الوُسع ليس بحكمة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-37>الثالثة: عدم جواز نسخ المأمور به قبل التمكن من الفعل،</span> عند من قال بوجوب مراعاة المصلحة على الله (^٣)؛ لأن الأمر من الله يدل على أن المأمور به صلاح للمأمورين، وما كان صلاحًا لهم لا يجوز للحكيم أن ينهاهم عنه ويمنعهم منه، وهذا ما يوجد في نسخ الفعل قبل التمكن، ولذا لم يجز.\n_________\n(^١) البرهان (٢/ ٨٨٠)، وانظر المنخول (ص ٤٨٤)، البحر المحيط (١/ ١٦٤)، تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٢٣٢).\n(^٢) كشف الأسرار (١/ ٢٨٦). وانظر فتح الغفار (١/ ٥٩)، والتوضيح وشرح التلويح (١/ ٣٦٨)، والبحر المحيط (١/ ٣٤٣)، تخريج الأصول على الأصول (ص ٣٥٤)\n(^٣) انظر: التبصرة (٢٦٢)، البرهان (٢/ ٨٥٠) المستصفى (١/ ١١٣)، الإحكام (٣/ ١٣٣).","vol":"1","page":44},{"text":"أما من قال لا يجب رعاية المصلحة فقد جوَّز ذلك (^١).\nونوقش: بأن الأمر يدل على الصلاح ما دام الأمر قائمًا، فإذا نهى عنه علم أن الصلاح كان إلى غاية.\nثم إن هذا يعود على النسخ بالإبطال؛ لأن الأمر بالشيء يدل على صلاحه، وما كان صالحًا للعبد لم يجز للحكيم أن ينهى عنه أو يرفعه (^٢).\nولهم أن يجيبوا: بأن النسخ هو رفع مثل الحكم لا نفسه، فيكون المرفوع غير الحكم السابق، فلم ينه عن شيء قد أمر به، أما هنا فالفعل واحد، فأمر به، ثم نهى عنه قبل فعله.\n\n<span data-type='title' id=toc-38>الرابعة: قبول جميع الأحكام للنسخ</span>؛ عند القائل بوجوب الأصلح على الله تعالى (^٣)؛ لأنه يجب على الله - تعالى الله عن قولهم - إذا علم المصلحة في رفع التكليف أن يرفعه عنهم، وإذا علم أن المصلحة في عدم رفعه ألاَّ يرفعه عنهم، وإن لم يقع ذلك كان خارجًا عن نمط الحكمة وسبيل العدل إلى الجور والسفه تعالى الله عن ذلك (^٤).\nومن لم يقل بذلك قال له ﷾ أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.\nومن هؤلاء من ينكر التعليل، فعنده أن الله تعالى يفعل بمحض المشيئة، ومنهم من قال هو ﷾ يأمر بما فيه صلاح العباد، وينهى عما فيه فسادهم.\n_________\n(^١) انظر: التبصرة (٢٦٢).\n(^٢) انظر: التبصرة (٢٦٢).\n(^٣) انظر: المستصفى (١/ ١٢٢) الإحكام (٣/ ١٨٠)، المعتمد (١/ ٤٠٠)، الواضح (١/ ٢٣٦).\n(^٤) انظر: الواضح (١/ ٢٣٦).","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type='title' id=toc-39>الخامسة: عدم جواز نسخ الحكم إلى غير بدل عند القائلين بوجوب رعاية الأصلح</span>؛ لعدم مصلحة العباد - في عقولهم -أن يرفع عنهم الحكم دون أن يُثبت بدلا عنه، إذ ليس من الصلاح أن يترك عباده هملًا من التكليف (^١).\nوقد نوقش هذا من وجهين:\nالأول: لا نسلِّم بالمصلحة أصلًا، فإن الشرع لا ينبني عليها (^٢).\nوهذا الجواب مبني على المناقضة في الأصل، وهو جار على أصول الأشاعرة ونحوهم ممن ينكر التعليل.\nالثاني: أننا لا نسلِّم أن المصلحة في إثبات البدل، بل قد تكون المصلحة في رفعه دون بدل، ومن ذلك السلامة من عدم الإخلال به (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-40>السادسة: من نسخ الكتاب بالسنة المتواترة عند القائلين بوجوب رعاية الأصلح</span>؛ لأن الأمر من الله تعالى يدل على أن الشيء صلاح للمكلف، وما كان صلاحًا لا يجوز للحكيم أن ينهى عنه (^٤).\nوهذا الوجه لا يظهر تعلقه بهذه المسألة، ولهذا اعترض عليه بأنه يعود على أصل النسخ بالإبطال.\nونوقش أيضًا: بأن الصلاح وعدمه تابعان للأمر والنهي الشرعيين، فإذا ورد الأمر علم أن فيه صلاحًا، وإذا زال علم أنه لا صلاح فيه (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المستصفى (١/ ١١٩)، ميزان الأصول (٢/ ١٠٠٠) الوصول (٢/ ٢١)، شرح المحلي مع حاشية البناني (٢/ ١٣٣)، الآيات البينات (٣/ ٢٠٦).\n(^٢) انظر: المستصفى (١/ ١١٩)، الإحكام (٣/ ١٣٥)، حاشية البناني (٢/ ١٣٣).\n(^٣) انظر: المستصفى (١/ ١١٩)، الإحكام (٣/ ١٣٥)، حاشية البناني (٢/ ١٣٣).\n(^٤) انظر: التلخيص (٢/ ٥١٨ - ٥١٩)، الواضح (٤/ ٢٦٦)، أصول ابن مفلح (٣/ ١١٥٤).\n(^٥) انظر: التلخيص (٢/ ٥١٩)، الواضح (٤/ ٢٦٦).","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-41>السابعة: منع المعصية قبل ورود البعثة على النبي ﷺ عقلًا عند القائل بوجوب رعاية الأصلح</span>؛ لأن من قال بوجوب رعاية المصلحة منع المعصية على النبي ﷺ قبل بعثته عقلًا؛ لأن المعصية توجب احتقارًا لصاحبها فتنفر الطبائع عن اتباعهم، وذلك خلاف المصلحة، ولذا يمتنع أن يقع ما هو خلاف المصلحة.\nومن لم يقل بوجوب رعاية المصلحة قال لا يمتنع عليه تعالى فعل شيء، فله أن يفعل ما يريد، ويحكم بما يشاء، ومن ذلك المعصية من النبي ﷺ قبل البعثة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-42>الثامنة: منع العمل بالقياس عقلًا عند القائل بوجوب رعاية الأصلح </span>(^٢)؛ لأن القياس رجم بالظن، والرجم بالظن جهل، ولا صلاح للخلق في إقحامهم ورطة الجهل حتى يتخبطوا به، ويحكموا بما يجوز أن يكون مخالفًا لحكم الله تعالى (^٣).\nأما من قال بالوجوب من القائلين بوجوب رعاية المصلحة فقال: إن النصوص لا تحيط بالحوادث، ولذا كان من الواجب أن يكون للناس طريق صالح لإثبات الحكم فيما لا نهاية له، ولا طريق لذلك إلا بالقياس، فكان في القياس مصلحة للخلق، والله تعالى يجب عليه رعاية مصالح الخلق، ولذا وجب العمل بالقياس لتحقيق تلك المصالح (^٤).\nومن لم يقل بوجوب رعاية المصلحة فلا يلزمه ذلك.\n_________\n(^١) انظر: شرح الأصول الخمسة (٥٧٤)، البحر المحيط (٤/ ١٦٩)، شرح العضد (٢/ ٢٢)، نهاية الوصول لابن الساعاتي (١/ ٢٥٤)، أصول ابن مفلح (١/ ٣٢٢)، التحبير (٣/ ١٤٤٠).\n(^٢) انظر: البرهان (٢/ ٤٩٤)، وانظر: التلخيص (٣/ ١٥٦، ١٥٧، ١٦٠) الإحكام (٤/ ١٨)، العدة (٤/ ١٢٨٧)، إحكام الفصول (٢/ ٥٣٨)، المستصفى (٢/ ٢٣٥).\n(^٣) انظر: البرهان (٢/ ٤٩٢)، الإحكام (٤/ ١١).\n(^٤) انظر: المعتمد (٢/ ٧٢٥)، الإحكام (٤/ ١٣)، نهاية الوصول (٧/ ٣٠٧٧، ٣٠٧٥).","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type='title' id=toc-43>التاسعة: أفعال الله وأحكامه معللة بالمصلحة</span>؛ وذلك رعاية للمصلحة (^١)، وعليه فإنه «لا يصح أن يفعل فعلًا إلا لمصلحة العباد» (^٢).\nومن لم يقل بذلك لم يلزمه ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-44>العاشرة: شرع من قبلنا حجة عند من قال بوجوب رعاية الأصلح على الله</span>؛ معللين ذلك بقولهم: بأن مجيء النبي بشريعة آخر عبث لا فائدة فيه، «والحكيم لا يفعل فعلًا إلا لحكمة وغرض، والفعل من غير غرض سفه وعبث» (^٣).\n<span data-type='title' id=toc-45>الحادية عشرة: منع اجتهاد النبي ﷺ عند القائل بوجوب رعاية المصلحة على الله بحسب زعمهم،</span> «إن وافق الصلاح، فيمتنع أن يوافق في الجميع» (^٤).\nبإدارك المصالح في مختلف الأحكام والأوقات، بل إن اختياره واجتهاده متردد «بين أن يكون مصلحة، وبين أن يكون مفسدة، فلا يؤمن من اختياره المفسدة، وذلك خلاف ما وضعت له الشريعة، وهي المصالح» (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-46>الثانية عشرة: منع التقليد في الفروع عند القائل بوجوب مراعاة المصلحة على الله</span>؛ لأنّ العامي لا يأمن زلل ذلك المجتهد ووقوعه في الخطأ (^٦).\n_________\n(^١) العدة (٢/ ٤٢١)، وانظر: التوضيح (٢/ ١٣٤)، تعليل الإحكام لشلبي (٩٨).\n(^٢) شرح المعالم (٢/ ٢٩٨).\n(^٣) نهاية الإقدام للآمدي (٣٩٧)\n(^٤) روضة الناظر (٣/ ٩٧٠).\n(^٥) شرح المختصر للشيرازي (٥/ ١٩٠). وانظر المستصفى (٢/ ٣٩٦)، والإحكام للأمدي (٤/ ٢٠٦)، وآراء المعتزلة الأصولية (ص ٥٧٧)، وبناء الأصول على الأصول للمشعل (ص ١٧٧).\n(^٦) انظر: بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص ٣٣٠)، وآراء المعتزلة الأصولية (ص ٦١٩)، وأسباب الخلاف للغامدي (ص ٤١٩).","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type='title' id=toc-47>الثالثة عشرة: منع المقلد والمستفتي من التخيير بين الأحكام والفتاوى عند تعددها،</span> بل يجب عليه الأخذ بأشدِّها وأحوطها؛ رعاية للمصلحة فيه من تحصيل الأجر، والابتعاد عن الاثم (^١).\n_________\n(^١) انظر: المعتمد (٢/ ٣٦٤)، التلخيص (٣/ ٤٦٨)، بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص ٣٨٧ - ٣٨٨)، وآراء المعتزلة الأصولية (ص ٦٢٨)، أسباب الخلاف للغامدي (ص ٣٨٢).","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type='title' id=toc-48>المبحث السادس تكليف ما لا يطاق</span>\nانعقد الإجماع على أن التكليف بالمستحيل لذاته أو عادة غير واقع في الشريعة، كالجمع بين الضدين، والطيران والمشي على الوجه، ونحو ذلك، وعندئذ أمكن القول بأن تكليف ما لا يطاق على ضربين (^١):\nأحدهما: ما لا يطاق لوجود ضده من العجز، مثل تكليف المقعد القيام، والأعمى الخط ونقط الكتاب، فهذا قد انعقد الإجماع على عدم وقوعه في الشريعة، لأن عدم الطاقة فيه ملحقة بالممتنع والمستحيل (^٢).\nوالثاني: تكليف من علم الله كفره بالإيمان، علما بأن الإيمان في نفسه ممكن مقدور، فهذا التكليف به واقع قطعًا لكن بالغ الرازي ومن تبعه فسموه تكليفًا بما لا يطاق، وهذا خلاف الشرع، وأدخلوا هذا ضمن حججهم في جواز تكليف ما لا يطاق!.\nوللناس كلام طويل في تحقيق مذهب أبي الحسن الأشعري، هل هو من القائلين بتكليف ما لا يطاق بناء على رأيه في قدرة المكلف أنها لا تكون قبل الفعل، وهي لا تبقى زمانين، فيلزم أن يكون العبد مكلفا بما لا يطيقه لعدم قدرته!، فهذا\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ٢٩٨ - ٣٠٢).\n(^٢) والقول بأن التكليف بالمستحيل لذاته أو المستحيل عادة جائز عقلا، مما لا فائدة من بحثه أصلًا! انظر: إرشاد الفحول (١/ ٦٩ - ٧٠).","vol":"1","page":50},{"text":"لازم مذهبه، وهو غير لازم له (^١).\nوالنزاع في مثل هذا أكثره لفظي، ولكن منه ما هو اعتباري، فالقول بأن التكليف بما علم الله أنه لا يقع يسمى تكليفًا بما لا يطاق ليس صحيحًا، لكن مع ذلك قال أصحابه: إنه واقع في الشريعة، لكن القول بأن العبد ليست له قدرة بإطلاق، أو له قدرة ولا يوجد توفيق خاص لأهل الإيمان، فالنزاع فيه حقيقي (^٢).\nوالرازي يميل أحيانًا إلى الجبر المحض كما صنع في كتابه المحصول (^٣).\nومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل:\n\n<span data-type='title' id=toc-49>المسألة الأولى: عدم التكليف بالمعدوم (^٤)، لعدم تعلق القدرة به،</span> والإمكان شرط في التكليف، ومن لم يجعل الإمكان شرطًا في التكليف؛ فإنّه يجوِّز تكليف ما لا يطاق، فلا يمتنع عنده، أن يكون المطلوب عدمًا أو غيره؛ لأنّ غايته أنه تكليف بمحال، وهو على هذا القول جائز (^٥).\nوالقول بأن تعلق التكليف بالعدم، تكليف بما لا يطاق غير مسلم عند من يثبت\n_________\n(^١) انظر: البرهان للجويني (١/ ٨٩)، والإحكام للآمدي (١/ ١٣٣ - ١٣٤)، ونهاية الوصول للهندي (٣/ ٢٨)، (١/ ١٠٣)، ونهاية السول (١/ ١٤٨)، والإبهاج (١/ ١٧١)، والبحر المحيط (٢/ ١١١ - ١١٤)، ١٥٦).\n(^٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ٣٠٠ - ٣٠٢).\n(^٣) ووافقه على هذا ابن السبكي في جمع الجوامع انظره مع الآيات البينات (١/ ٣٥٨).\n(^٤) المقصود بالعدم هنا: العدم الأصلي؛ «لأنّ العدم الذي يقدر عليه، إنّما هو العدم المطلق، لا لعدم المضاف» نهاية السول (٢/ ٣٠٧).\n«إذ يمكنه أن لا يفعل فيستمر، وأن يفعل فلا يستمر» شرح العضد (٢/ ١٤).\n(^٥) انظر: تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ١٣٠) والإبهاج (٢/ ٧٣) ومختصر المنتهى مع رفع الحاجب (٢/ ٥٥) وشرح التنقيح (ص ١٧١) البحر المحيط (٢/ ٤٣٥) تشنيف المسامع (١/ ١٣٤).","vol":"1","page":51},{"text":"القدرة السابقة على الفعل التي هي توفر الأسباب وسلامة الأعضاء (^١).\nتنبيه: ذكر بعض الأصوليين تناقض من قال: بجواز التكليف بالمحال مع قوله: إنّه لا تكليف إلا بفعل (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-50>الثانية: القول ببقاء التكاليف بعد فتور الشريعة </span>ممن لا يرى حكمًا لغير الشّرع قول بتكليف ما لا يطاق؛ لتعذر الوصول إليه، والعلم به (^٣).\n<span data-type='title' id=toc-51>الثالثة: عدم جواز تكليف الغافل «كالنائم والناسي</span>؛ لمضادة هذه الأمور الفهم، فينتفي شرط صحة التكليف، وهذا بناء على امتناع التكليف بالمحال» (^٤).\nوكذا المجنون «ليس بمكلف إجماعا، ويستحيل تكليفه؛ لأنّه لا يعقل الأمر والنهي، ولا يبعد من القائلين تكليف ما لا يطاق جواز تكليفه كالغافل» (^٥).\nومثلهم: الصبي، والمغمى عليه، والسكران، والمخطئ فيما هو مخطئ فيه، إلا على القول بتكليف ما لا يطاق (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-52>الرابعة: منع تكليف المكرَه ممن يمنع تكليف ما لا يطاق</span>؛ لأنّه لا يجوز تكليف غير القادر، والمكره كذلك (^٧).\n_________\n(^١) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ١٣٢ - ١٣٣).\n(^٢) انظر: حاشية العطار (٢/ ١٧٢) تخريج الأصول على الأصول (ص ١٣٢).\n(^٣) انظر: البرهان (٢/ ٨٨١) المنخول (ص ٤٨٥) البحر المحيط (١/ ١٦٤) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٢٣٥).\n(^٤) البحر المحيط (١/ ٣٥١).\n(^٥) البحر المحيط (١/ ٣٥٠). وانظر سلاسل الذهب (ص ١٤٠).\n(^٦) انظر: المستصفى (١/ ٢٨١)، أصول الفقه لابن مفلح (١/ ٢٧٧)، الإبهاج (١/ ١٥٦)، تخريج الأصول على الأصول للعمري (٢٤٣ - ٢٤٤).\n(^٧) انظر: الإحكام (١/ ٢٠٥)، الإبهاج (١/ ١٦٢)، القواعد والفوائد (ص ٧٣) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٢٧٠).","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type='title' id=toc-53>الخامسة: التكليف بخلاف ما علمه الله، كتكليف الكافر الذي علم الله أنه يموت على الكفر بالإيمان،</span> ممكن في نفسه، وليس محالًا بل هو واقع، ومن قال: إنّه مستحيل قال: إنّ التكليف به تكليف بما لا يطاق على الخلاف في جوازه وعدمه (^١).\n<span data-type='title' id=toc-54>السادسة: التمكن ليس شرطًا للتكليف عند القائل بجواز تكليف ما لا يطاق،</span> فيجوز تكليف من علم الله أنّه لا يتمكن من الفعل في الوقت (^٢).\nوأما القائل بامتناع تكليف ما لا يطاق، فتبنى المسألة عندهم على مسألتي تلازم الأمر والإرادة، والحكمة من التكليف.\nفمن حصر فائدة التكليف بالامتثال، وكان الامتثال ممتنعًا لعدم القدرة عليه، امتنع كتكليف لامتناع فائدته.\nومن لم يشترط الإرادة للأمر، وجعل حكمة التكليف إمّا الامتثال، وإمّا الإرادة -وهم أهل السنة- فلم يمنعوا من التكليف بما علم الله عدم تمكن المكلف منه في الوقت؛ لأنّه وإن لم يحصل الامتثال، إلا أن للتكليف به فائدة أخرى: هي ابتلاء عزم المكلف على الفعل (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-55>السابعة:، منع التكليف بما كان مشروطًا بشرط مستحيل عند من يمنع تكليف ما لا يطاق</span>؛ لأنّ المشروط لا يوجد بدون شرطه.\nوأمّا من جوَّز تكليف ما لا يطاق، فإن كان لا ينظر في أفعال الله تعالى وأوامره إلى الحكمة والتعليل، فإنّه يجوِّز التكليف بالمشروط بشرط مستحيل، وحجته أنّ\n_________\n(^١) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٣٦٥) البرهان (١/ ٩٠) البحر المحيط (١/ ٣٧٥).\n(^٢) انظر: العدة (٢/ ٣٩٢) المسودة (ص ٥٢) البحر المحيط (١/ ٢٦٧) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٣٧٣).\n(^٣) تخريج الأصول على الأصول (ص ٣٧٣ - ٣٧٤) تشنيف المسامع (١/ ١٣٨) نثر الورود (١/ ٦٢ - ٦٣).","vol":"1","page":53},{"text":"لله أن يتصرف في ملكه بما شاء من أفعال وأوامر، ومن جملة ذلك هذا التكليف.\nوإن كان يقول: إن أفعال الله تعالى وأحكامه معللة، ولا تخلو من فوائد وحِكم؛ فإنّه يمنع هذا التكليف؛ لأنّه إنما أجاز تكليف ما لا يطاق عنده لما فيه من حكمة الابتلاء للمكلف، أو الإعلام بنزول العذاب به، وهذه الحكمة لا تتأتى هنا، فامتنع التكليف بالممكن المشروط بالمستحيل على القول بتجويز المحال (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-56>الثامنة: يتوجه التكليف على المكلَّف في كل وقت،</span> سواء كان المكلف وقت التوجه قادرًا أو غير قادر عند القائل بجواز تكليف ما لا يطاق.\nومن منع تكليف ما لا يطاق، فقياس مذهبه في هذه المسألة -وقت توجيه التكليف- أن يجعل التكليف مقارنًا للقدرة، حتى لا يكون تكليف ولا قدرة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-57>التاسعة: اتفق العلماء على أن التكليف بالفعل المجهول </span>-أي: الذي ليس معلوم الحقيقة للمكلف- لم يقع في الشريعة (^٣)؛ لذا نقلوا الإجماع على أنّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nواختلفوا في جوازه عقلًا، فمن منع تكليف ما لا يطاق عقلًا، منع من التكليف بالمجهول، واشترط في التكليف العلم بالتكليف، والعلم بالمكلَّف به.\nومن جوَّز تكليف ما لا يطاق، فبعضهم طرد أصله هنا فجوَّز التكليف بالمجهول، ولم يشترط العلم، وبعضهم منع التكليف بالمجهول لأسباب،\n_________\n(^١) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٣٩٧ - ٣٩٨)، وانظر: نهاية الوصول للهندي (٣/ ١٠٨٦) البحر المحيط (١/ ٣٧١ - ٣٩٣) منتهى السول للأمدي (ص ٤٤) والإحكام (١/ ٢٠٧ - ٢٠٩).\n(^٢) تخريج الأصول على الأصول (ص ٤٠٢). وعليه تبنى مسألة وقت توجيه التكليف على مسألة وقت القدرة.\n(^٣) انظر: الإحكام (١/ ٢٥٢)، البحر المحيط (٣/ ٤٩٣) تخريج الأصول على الأصول ح (١) (ص ٤٢٣).","vol":"1","page":54},{"text":"وفي الجملة ما تقدّم من تفريع مسألة تكليف الغافل على مسألة تكليف ما لا يطاق يأتي هنا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-58>العاشرة: التكليف بفعل العبادة في وقتٍ لا يتسع لها،</span> لم يقع في الشريعة، أما عقلا فعلى القول بتكليف ما لا يطاق (^٢).\n<span data-type='title' id=toc-59>الحادية عشرة: من قسَّم ما لا يتم الواجب إلا به إلى قسمين:</span> أحدهما: ما لا يقع تحت قدرة المكلف، جعل إيجاب هذا القسم ممتنعًا إلا على القول بتكليف ما لا يطاق (^٣).\nوجعل كثير من الأصوليين إيجاب الواجب من غير إيجاب لما لا يتم إلا به تكليفًا بالمحال (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-60>الثانية عشرة: يستحيل عقلًا أن يكون الشيء الواحد بالشخص حرامًا واجبًا من جهة واحدة</span>؛ لتضمنه الحكم بجواز الترك وعدمه؛ وذلك جمع بين النقيضين، فكان من قبيل المحال لذاته، وعليه فجواز ورود الشرع بذلك محال، فيتخرج\n_________\n(^١) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٤٢٤) شرح مختصر الروضة (١/ ٢٢١) الإحكام (٢/ ٢٥٦).\n(^٢) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٤٣٠) التلخيص (١/ ١٠١) المحصول (٢/ ١٧٣) شرح مختصر الروضة (١/ ٣١٢) شرح الكوكب المنير (١/ ٣٦٨) الإبهاج (١/ ٩٤).\n(^٣) تخريج الأصول على الأصول (ص ٥٠٦)، التلخيص (١/ ٢٩١) المستصفى (١/ ٢٣١)، المحصول (٢/ ١٩٠)، الإحكام (٢/ ١٥٠) شرح تنقيح الفصول (ص ١٦٠) شرح مختصر الروضة (١/ ٣٣٦) الإبهاج (١/ ١٠٣) البحر المحيط (١/ ٢٢٤).\n(^٤) ذكروا ثلاثة أوجه: «ترجع كلها إلى أن التكليف بالفعل بدون التكليف بمقدمته التي يتوقف عليها وجوده، يؤدي إلى التكليف باجتماع النقيضين، وهو تكلف بالمحال» قاله المطيعي في حاشيته سلم الوصول (١/ ٢٠٦)، وانظر: تخريج الأصول على الأصول (ص ٥٠٧ - ٥٠٨) والمحصول (٢/ ١٩٠)، نهاية الوصول (٢/ ٥٧٧) الإبهاج (١/ ١١٠)، نهاية السول (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧) شرح مختصر الروضة (١/ ٣٣٨).","vol":"1","page":55},{"text":"التكليف به على الخلاف في تكليف المحال، فمن جوزه جوزه؛ لأنّه فرد من أفراده، ومن منعه منعه (^١).\nوإذا كان الواحد بالشخص له جهتان متلازمتان، لا يتصور انفكاكهما؛ فإنهما في حكم الجهة الواحدة؛ ولذا فإنَّ اجتماع الأمر به والنهي عنه باعتبار جهتيه محالًا، كالأمر بالواحد بالشخص، والنهي عنه من جهة واحدة؛ وذلك لتلازمهما، والإتيان باللازم دون الملزوم محال (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-61>الثالثة عشرة: لا يجوز أن يرد في الكتاب ما لا يفهم معناه مما له تعلق بالتكليف </span>(^٣)؛ لأن الشارع إن خاطب العبد وكلَّفه بما لا يفهم كان في ذلك تكليفًا له بما لا يطيقه (^٤).\n<span data-type='title' id=toc-62>الرابعة عشرة: منع القول بقبول جميع الأحكام للنسخ،</span> إلا على القول بتكليف ما لا يطاق؛ لأنه يلزم منه جواز نسخ ما لا يقبل إلا وجهًا واحدًا،\nأنه إذا جاز تكليف ما لا يطاق جاز أنه يكلف باعتقاد تحريم ما لا يقبل إلا وجهًا واحدًا، وإذا جاز ذلك جاز النسخ له؛ لأنه إذا تصور التكليف بتحريم الاعتقاد تصور بقية الأحكام الخمسة، فأمكن التنقل بينها بالنسخ (^٥).\n_________\n(^١) تخريج الأصول على الأصول (ص ٦١٩)، وانظر: الإحكام (١/ ١٥٥ - ٢٠٦)، منتهى السول له (ص ٣٣)، مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٩٩) المحصول (٢/ ٢٨٥ - ٢٨٧).\n(^٢) تخريج الأصول على الأصول (ص ٦٢٠) المحصول (٢/ ٢٨٨) البحر المحيط (١/ ٢٦٧).\n(^٣) ترجم كثير من الأصوليين لهذه المسألة بقريب من هذه العبارة: انظر: الوصول (١/ ١١٣)، الإحكام (١/ ١٦٧)، أصول ابن مفلح (١/ ٣١٦)، التحبير (٣/ ١٤٠٦)، فواتح الرحموت (٢/ ١٧).\n(^٤) انظر: البرهان (١/ ٢٨٥) الإحكام (١/ ١٦٨)، نهاية الوصول (١/ ٢٥٣)، أصول ابن مفلح (١/ ٣١٧)، التحبير (٣/ ١٤٠٧)، شرح الكوكب (٢/ ١٤٩).\n(^٥) انظر: نفائس الأصول (٦/ ٢٥٤١).","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-63>الخامسة عشرة: منع نسخ المأمور به قبل التمكن من الفعل</span>؛ لأنه لو أمره بالفعل وأراده منه، ثم منعه كان قد كلَّفه ما لا يطيقه، وهذا ما يكون في النسخ قبل التمكن؛ لأن الله تعالى إذا أمر المكلف بأمر فهو يريده منه، فلا يتصور أن يأمره ويريده منه، ثم ينسخه قبل امتثال العبد له (^١).\nوأمَّا على القول بجواز التكليف بما لا يطاق فإن ذلك متصور، فيجوز أن يكلِّفه بالأمر، وهو يريد إيقاعه منه ثم ينسخه.\n\n<span data-type='title' id=toc-64>السادسة عشرة: عدم ثبوت النسخ في حق من لم يبلغه</span>؛ لأن التكليف مشروط بالعلم بالمكلف به والقدرة عليه، وإذا لم يكن الأمر المكلف به كذلك كان غير مقدور عليه، وكان التكليف به تكليفًا بما لا يطاق، وتكليف من لم يبلغه النسخ بحكم الناسخ هو تكليف له بما لم يعلمه ولم يمكنه؛ لأن الإمكان مترتب على العلم، ولذا كان جزءًا من مسألة التكليف بما لا يطاق (^٢).\nوهذا البناء قصره بعضهم على طلب الامتثال، أما الاستقرار في الذمة فليس من تكليف ما لا يطاق، فهو كالنائم ونحوه، أو هو من خطاب الوضع، فلا يشترط فيه العلم (^٣)، ومنهم من عمَّمه على القسمين؛ لأن الثبوت في الذمة حكم، وهو لا يثبت إلا بعد العلم، فلا يقضي ما لم يعلم بوجوبه (^٤).\nوكلام الأصوليين في نسبة هذه المسألة إلى أصل التكليف بما لا يطاق لا يخلو من حالين:\nالحال الأولى: أن يكون الكلام مرتبطًا بطلب الامتثال وثبوت الإثم مع عدم\n_________\n(^١) انظر: المعتمد (١/ ٤٠٧، ٤١٣)، التلخيص (١/ ١٤٦ - ١٤٧)، (٢/ ٤٩٠) سلاسل الذهب (٢٩٦).\n(^٢) انظر: التلخيص (٢/ ٥٤٠)، قواطع الأدلة (١/ ٤٥٩)، المنخول (٣٩٧).\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ٨٣ - ٨٤).\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٢٦ - ٢٢٧).","vol":"1","page":57},{"text":"الفعل، وأن هذا هو الذي يكون من تكليف ما لا يطاق دون الاستقرار في الذمة فإنه مما تجوِّزه العقول.\nوعلى هذا جرى الجويني، والغزالي، وغيرهما (^١).\nالحال الثانية: أن يكون الكلام مرتبطًا بالقسمين، وهذا هو المفهوم من كلام ابن تيمية (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-65>السابعة عشرة: حجية العرف</span>؛ لأن عدم اعتبار عوائد الناس والمكلفين مما يسبب الحرج والمشقة مما لا يطيقونه، لأنه يؤدي إلى توجيه التكليف إلى غير العالم (^٣).\n<span data-type='title' id=toc-66>الثامنة عشرة: عدم جواز الاستدلال على الحكم بعدم الدليل</span>؛ «لأنه لو ثبت حكم شرعي ولا دليل للزم منه تكليف المحال» (^٤).\n<span data-type='title' id=toc-67>التاسعة عشرة: الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده، بل هو مستلزم للنهي </span>عن ضده عند من يقول بعدم جواز تكليف ما لا يطاق.\nوأما على القول بجوازه، «فالأمر بالفعل لا يكون بعينه نهيًا عن أضداده، ولا مستلزما للنهي عنها، بل جائز أن نؤمر بالفعل وبضده في الحالة الواحدة، فضلًا عن كونه لا يكون منهيا عنه» (^٥).\n_________\n(^١) انظر: البرهان (٢/ ٨٥٥)، المنخول (٣٩٧).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٢٦ - ٢٢٧).\n(^٣) البحر المحيط (٨/ ٦)، وانظر بناء الأصول لأسمهان العمري (١٥٣).\n(^٤) البحر المحيط (٨/ ٦)، وانظر بناء الأصول للعمري (٣٤٥ - ٢٤٦).\n(^٥) الإحكام للأمدي (٢/ ٢١٢)، وانظر: الإبهاج (٢/ ٣٣٧)، وأسباب الخلاف للسهلي (ص ٤٧٦ - ٤٧٧).","vol":"1","page":58},{"text":"ومثل هذا الخلاف يجري في مسألة النهي عن الشيء هل هو أمر بضده (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-68>العشرون: لا يلزم المجتهد إصابة الحق، بل عليه بذل الجهد واستفراغ الوُسع في إصابة الحق </span>على القول بعدم التكليف بما لا يطاق؛ لأنّ الله أخفاه فوجب الاجتهاد في طلبه، و«ما أخفاه الله، لا طريق لنا إلى إظهاره، وفي إلزامه تكليف ما لا يطاق» (^٢).\n<span data-type='title' id=toc-69>الحادية والعشرون: وجوب تقليد العامي للمجتهد</span>؛ لأنّ في تكليفه الاجتهاد في كل مسألة تكليف بما لا يطاق، وكذا القول بأنّه: «لا يجوز للعامي العمل بقول العالم، حتى يعرف علة الحكم … تكليف ما لا يطيقه» (^٣)؛ لأنّ القدرة على معرفة الأحكام «من الأدلة المنفصلة تتعذر أو تتعسر على أكثر العامة» (^٤).\n<span data-type='title' id=toc-70>الثانية والعشرون: جواز تقليد أي واحد من المجتهدين عند تعددهم دون اشتراط الاجتهاد في أعيانهم</span>؛ لأننا «لو كلفنا العامي بمعرفة الفاضل من المفضول لكان تكليفًا بالمحال» (^٥).\n_________\n(^١) انظر: أسباب الخلاف للسهلي (ص ٥٥٥ - ٥٥٦).\n(^٢) البحر المحيط (٦/ ٢٣٥)، وانظر: بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص ٢٢٦) أسباب الخلاف للغامدي (ص ٢٣٤).\n(^٣) الفقيه والمتفقه (٢/ ١٣٤ - ١٣٥)، وانظر: أسباب الخلاف للغامدي (ص ٢٥٩)\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٠٣).\n(^٥) نشر البنود (٢/ ٣٢٥)، وانظر: العضد (٢/ ٣٠٩) بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص ٣٨٢)، أسباب الخلاف للغامدي (ص ٤٢٣).","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-71>المبحث السابع التصويب والتخطئة</span>\nحكى الأصوليون الإجماع القديم على أن الحق واحد لا يتعدد، ثم أشاروا إلى خلاف حادث نسبوه إلى الجاحظ وعبيد الله بن الحسن العنبري. وهو أنهما قالا: إن كل مجتهد في الأصول مصيب!، وقد اختلفوا في تصوير ما نقل عنه (^١).\nولا عبرة بخلافهما؛ لأنه خلاف حادث لا يلتفت إليه (^٢).\nوقد دلَّت نصوص كثيرة على أنه لا يكون القولان المتقابلان صوابًا مثل قول الله تعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] وقال ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]\n_________\n(^١) فقيل في ذلك ثلاثة أقوال:\n١. إن كل مجتهد في الأصول مصيب، وهذا يعني تصويب من اجتهد من النصارى واليهود والوثنيين الذين لم يهتدوا إلى الإسلام! وهذا أشنع ما نقل عنه.\n٢. إن المجتهدين من أهل القبلة هم المصيبون دون من سواهم، وهذا أقل شناعة من الذي قبله.\n٣. إن المخطيء في الأصول من أهل القبلة معذور، وهذا النقل يفيد أن الحق لا يتعدد في الأصول، لكن المخطيء المجتهد الذي بذل وسعه لا يأثم ويعذر في خطئه.\nانظر: المستصفى (٢/ ٣٥٩)، والوصول إلى الأصول (٢/ ٣٣٧)، وميزان الأصول للسمرقندي (٧٥٥)، وروضة الناظر (٢/ ٤١٨)، والإبهاج (٣/ ٢٥٧)، والبحر المحيط للزركشي (٨/ ٢٧٦ - ٢٧٧)، وشرح العضد (٢/ ٢٩٣).\n(^٢) انظر: الإحكام للآمدي (٤/ ١٧٩ - ١٨٠)، ونهاية السول (٤/ ٥٥٨).","vol":"1","page":60},{"text":"وقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٩٣] فهذه الأدلة صريحة في أن الحق في واحد من القولين أو الأقوال المتقابلة.\nوقد أجمع العلماء على بطلان مذاهب البراهمة واليهود والنصارى، فلو تعدد الحق لكانت تلك المذاهب صحيحة وحقًا، وحتى فيما دون ذلك مما اختلف فيه أهل القبلة؛ فإن الصحابة قد ثبت عنهم بلا نزاع تخطئة من خالف في الأصول،، فقاتلوا مانعي الزكاة والخوارج، ومن أدرك منهم القدرية فقد خطأهم، وهذا صنيع التابعين من بعدهم، فكان إجماعًا (^١).\nأما حكم المخطئ في الاجتهاد في أصول الدين هل يعد آثمًا؟ وهل يكفر به؟.\nفجمهور المصنفين في الأصول يطلقون القول بتأثيمه، ثم يتنازعون في تكفيره، وينقلون رأيًا يعدونه شاذًا وينسبونه إلى العنبري والجاحظ، وهو أن المجتهد المخطيء غير آثم ومعذور عند الله.\nوهذا القول الذي عدوه شاذًا، إذا حرر بذكر الشروط والموانع، كان هو قول السلف بلا شك.\nوالحجة التي يعتمد عليها من يقول بتأثيمه: أنه قد ثبت قتال الصحابة للمبتدعة، وتخطأتهم، كالخوارج، وثبت ذمهم للقدرية، وكذلك قد ثبت عن الأئمة الأعلام ردّ شهادة بعض أهل الأهواء، ونقل عنهم تكفير من قال بخلق القرآن، ونحو ذلك، ثم يخلصون إلى أن ذلك كان إجماعًا منهم (^٢).\n_________\n(^١) انظر: المعتمد (٢/ ٤٠٠)، والبرهان (٢/ ٨٦٠ - ٨٦١)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٤٤)، والتمهيد للكلوذاني (٤/ ٣٠٩)، والوصول إلى الأصول (٢/ ٣٣٨)، وميزان الأصول (٧٥٥).\n(^٢) انظر: المستصفى (٢/ ٣٦٢)، والوصول إلى الأصول (٢/ ٣٤٠)، والتحصيل (٢/ ٢٩٠)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦١١)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٠٥).","vol":"1","page":61},{"text":"ومن قال بعدم تأثيمهم استدل بذلك على رفع الإثم عمن أخطأ خطًا يعذر به؛ فمن ذلك:\nالدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقد ثبت أن الرسول ﷺ كما جاء في الحديث الصحيح قال: (قال الله: قد فعلت) (^١) وهذا فيمن أخطأ من المسلمين مريدًا للحق، ولكن أخطأه إما بتأويل محتمل للنص إن بلغه، أو لعدم بلوغه له، ولا فرق بين الأصول والفروع في ذلك، فمن فرق فعليه الدليل (^٢).\nالدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] ووجه الاستدلال: أن الله رفع الجناح والإثم عمن خاطبهم من المسلمين الذين أخطأوا فيما أخطأوا فيه، وتحمل الآية على العموم في الأصول والفروع لعدم الفرق (^٣).\nوالضابط المقرب لما سبق في حكم المخطيء من المسلمين:\n(أ) أن ينظر أولًا في المسألة التي وقع فيها الخطأ، فيشترط أن تكون شرعية لا عقلية كلامية، لأن الحكم للشرع، ثم ينظر هل هي من الأمور الدقيقة الخفية -ولو بحثت في ضمن أصول الدين-، أو هي ظاهرة جلية معلومة علمًا ضروريًا -وإن بحثت في ضمن الفروع-؟ فإن كانت من الأول فالخطأ فيها محتمل قريب، وإن كانت من الثاني فينظر فيما يلي:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، باب بيان أن الله لم يكلف إلا ما يطاق رقم (١٢٦).\n(^٢) انظر: منهاج السنة (٥/ ٩١)، ومجموع الفتاوى (١٩/ ٢١٠)، ٢١٦)، (١٢/ ٤٨٩)، (٢٠/ ٢٦٣ - ٢٦٨)، وفتح الباري (١٢/ ٣٠٤).\n(^٣) انظر: الفصل لابن حزم (٣/ ٣٠١)، ومجموع الفتاوى (١٢/ ٤٨٩)، (٢٠/ ٣٣ - ٣٦)، وإيثار الحق على الخلق (٤٣٥ - ٤٣٦).","vol":"1","page":62},{"text":"ينظر في اختلاف أحوال الناس، وذلك من جهات:\n(١) عدم بلوغ العلم له أصلًا خاصة إذا كانت المسألة ليست معلومة عند الخاصة والعامة، إذ بعض المسائل المجمع عليها، قد ينفرد بالعلم بها العلماء لا عوام الناس (^١).\n(٢) أن يكون من جهل ذلك حديث عهد بالإسلام (^٢).\n(٣) قد يكون في زمن كثر فيه الجهل ولم تتميز السنة من البدعة عنده، أو قد تندرس بعض معالم الرسالة، خاصة قرب آخر الزمان (^٣).\n(٤) ينظر في المكان الذي هو فيه، فقد يكون في مكان ينتشر فيه الجهل والخطأ، ولم يبلغه العلم الصحيح في كل المسائل (^٤).\n(ب) ينظر في انتفاء الموانع: وأكثرها يرجع إلى:\n(١) الجهل: وشرطه ألا يكون مقصرًا في طلب الحق، أو مقلدًا معرضًا عن طلبه (^٥).\n(٢) التأويل: وشرطه أن تحتمله الأدلة من الكتاب والسنة، وتحتمله اللغة احتمالًا ظاهرًا (^٦).\n_________\n(^١) انظر: الرسالة للإمام الشافعي (٣٥٩ - ٣٦٠)، وجامع العلوم والحكم (٦٧). وانظر ما سيأتي ذكره عن عارض الجهل في فقرة (ب).\n(^٢) انظر: كشف الأسرار (٤/ ٥٦٠ - ٥٦٣).\n(^٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١١/ ٤٠٨).\n(^٤) انظر المصدر نفسه.\n(^٥) انظر: ميزان الأصول للسمرقندي (١/ ٢٨٥)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٣/ ٣٤٦)، والرد على البكري له (ص ٢٥٩)، وشرح التلويح على التوضيح (٢/ ٣٧٧ - ٣٨٩)، وكشف الأسرار (٤/ ٥٣٤ - ٥٣٦)، ٥٤٥ - ٥٤٨)، وفواتح الرحموت (٢/ ٣٨٧ - ٣٩٢).\n(^٦) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، (٢٠/ ٢٦٣ - ٢٦٨)، والاستقامة له (٢/ ١٨٨ - ١٨٩)، وفتح الباري لابن حجر (١٢/ ٣٠٤).","vol":"1","page":63},{"text":"ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل:\n\n<span data-type='title' id=toc-72>المسألة الأولى: من اشتبه عليه الحرام بالحلال،</span> وهو قائل بأن للواقعة حكمًا في نفس الأمر، والمجتهد بين مصيب ومخطئ، فإن عليه أن يرجع إلى أصله، فإن كان أصله التحريم، فإنه يحكم به بعد الاشتباه.\nومن قال: إن كل مجتهد مصيب، وليس لله في الواقعة حكم واحد، فحكم كل واقعة بالنسبة للمجتهد ما أداه إليه اجتهاده (^١).\nولا يوصف ما وقعت الشبهة في تحريمه بالكراهة عند القائل بأن كل مجتهد مصيب (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-73>الثانية: حجية الإجماع السكوتي،</span> قال الزركشي فيها: \" خلاف مشهور ينبني التفاته على الخلاف في أن كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد؟ وذلك لاحتمال أن الساكت إنما ترك الإنكار لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب\".\n<span data-type='title' id=toc-74>الثالثة: منع تفويض الحكم للمجتهد بأن يحكم بما شاء من غير اجتهاد،</span> ويكون حكمه صوابًا، ومدركًا شرعيًا؛ «لأنّ الحق عند الله واحد» (^٣)، والاجتهاد قد يتعدد (^٤).\n<span data-type='title' id=toc-75>الرابعة: جواز صدور قولين عن المجتهد،</span> «على القول: إن كل مجتهد مصيب، وأمّا على قوله عن المصيب واحد فلا» (^٥).\n<span data-type='title' id=toc-76>الخامسة: ينتقض حكم الحاكم في المسائل الاجتهادية،</span> إذا طرأ له ما يغير\n_________\n(^١) انظر: تخريج الأصول على الأصول (ص ٦٠٦)، المستصفى (١/ ٢٣٤ - ٢٣٥).\n(^٢) تخريج الأصول على الأصول (ص ٦٥٤)، المستصفى (١/ ٢١٦ - ٢١٧)، البحر المحيط (١/ ٢٩٧).\n(^٣) التمهيد لأبي الخطاب (٤/ ٣٧٤).\n(^٤) البحر المحيط (٦/ ٤٩)، أصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٢١)، التحبير (٨/ ٣٩٩٧)، شرح الكوكب المنير (٤/ ٥٢١)، بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص ٢٠٤).\n(^٥) البحر المحيط (٦/ ١١٩)، وانظر: التلخيص (٣/ ٤١٨)، بناء الأصول للمشعل (ص ٢٣٣)، أسباب الخلاف للغامدي (ص ٣٤٣).","vol":"1","page":64},{"text":"حكمه على القول بأن المصيب واحد، ولا ينتقض على القول بتعدد الحق (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-77>السادسة: عدم تسمية ما توصل إليه المجتهد بالاجتهاد دينًا </span>عند من يقول: إن المصيب واحد، وما عداه خطأ؛ «لأنّه لا يأمن أن يكون ما أداه إليه اجتهاده خطأ» (^٢).\nالسابعة: جواز تقليد العامي أيَّ مجتهد في المسائل الاجتهادية؛ بناء على القول بأن كل مجتهد مصيب (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-78>الثامنة: جواز تقليد المجتهد غيره من المجتهدين</span>؛ بناء على القول بأن كل مجتهد مصيب (^٤).\n<span data-type='title' id=toc-79>التاسعة: إذا ورد على المكلَّف أكثر من حكم واجتهاد،</span> فيجوز له أخذ ما شاء منها؛ بناء على أن كل مجتهد مصيب، «ومن أوجب تقليد الأعلم، قال: المصيب واحد» (^٥).\nالعاشرة: عدم لزوم التمذهب بناء على التصويب؛ «لأنّ الكل على الحق والصّواب» (^٦).\n_________\n(^١) انظر: العدة (٥/ ١٥٦٩)، شرح اللمع (٢/ ١٠٦٥) التمهيد لأبي الخطاب (٤/ ٣٣٢)، بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص ٢٨٠ - ٢٨١)، أسباب الخلاف للغامدي (ص ٣١٩).\n(^٢) انظر: الفصول للجصاص (٤/ ٣٧٢)، مجموع الفتاوى (٤/ ١٦٨)، إعلام الموقعين (٢/ ٧٤ - ٨٢) (٦/ ٧٢)، بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص ٢٨٦).\n(^٣) انظر: المحصول (٦/ ١١٠)، نفائس الأصول (٩/ ٤١٢٨) نهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٩٠٣) صفة الفتوى (ص ٦٩) بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص ٣٣٢).\n(^٤) انظر: سلاسل الذهب (ص ٤٤٦)، بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص ٣٧٦ - ٣٧٧) أسباب الخلاف للغامدي (ص ٤٤٢).\n(^٥) البحر المحيط (٦/ ٣١٥)، بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص ٣٨٩)، أسباب الخلاف للغامدي (ص ٣٨١).\n(^٦) غاية السول (ص ٤٣٣)، وانظر: صفة الفتوى (ص ٧٢)، بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص ٤٠٣) أسباب الخلاف للغامدي (ص ٤٦٣).","vol":"1","page":65},{"text":"الحادية عشرة: جوزا تتبع الرخص عند القائل بأن كل مجتهد مصيب؛ لأنّ الرخصة المتبعة صدرت عن اجتهاد فهي حق وصواب (^١).\nالثانية عشرة: عدم جواز تعادل الأمارتين أو الظنيات في نفس الأمر عند من يقول إن المصيب من المجتهدين واحد؛ لأنّه يمنع معرفة الحق من الخطأ (^٢).\nالثالثة عشرة: يتوقف المجتهد عند تعارض الأدلة عند من يقول إن المصيب واحد، أمّا القائل كل مجتهد مصيب؛ فإنّه يتخير (^٣).\nالرابعة عشرة: لا يجب العمل بالراجح في الظنيات، عند من يقول كل مجتهد مصيب، بخلاف من قال: إن المصيب واحد، فيجب عليه العمل بالراجح (^٤).\nالخامسة عشرة: يقع الترجيح بين المذاهب على القول بأن كل مجتهد مصيب، «إذ إنّ ماهية الصَّواب أو الخروج عن العهدة لا ترجيح فيه، ومن زعم أن ليس كل مجتهد مصيبًا، اتجه الترجيح عنده في المذاهب؛ لتتميز بالنظر الحجة من الشبهة، والراجح من المرجوح، والصَّواب من الخطأ» (^٥).\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٢٤)، بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص ٤١٧ - ٤١٨).\n(^٢) انظر: التبصرة (ص ٥١٠)، الابهاج (٣/ ١٩٨)، بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص ٤٦٥ - ٤٦٦) أسباب الخلاف الغامدي (ص ٤٨٥).\n(^٣) انظر: التمهيد لأبي الخطاب (٤/ ٣٥٥)، شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٢٧) بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص ٤٧١).\n(^٤) انظر: نهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٦٥٠)، بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص ٤٨٤)، أسباب الخلاف الغامدي (ص ٥٤١).\n(^٥) شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٨٥)، انظر: بناء الأصول على الأصول للمشعل (ص ٤٩٧)، أسباب الخلاف الغامدي (٦١٨).","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type='title' id=toc-80>الفصل الثاني المسائل المتعلقة بالأسماء والصفات</span>","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type='title' id=toc-81>المبحث الأول الاسم للمسمى</span>\nأدخلت هذه المسألة في علم أصول الفقه استطرادًا، وذلك عند بحثهم في اللغات في الكلام عن العام (^١)، وعن نسبة الأسماء إلى المسميات (^٢).\nفالبزدوي لما عرف العام بقوله: «كل لفظ ينتظم جمعًا من الأسماء لفظًا أو معنىً) قال: «ومعنى قولنا من الأسماء: المسميات هنا) (^٣) علق عبد العزيز البخاري بقوله: «تفسيرُ الأسماء بالمسميات مع أن الاسم والمسمى واحد عندنا، احترازٌ عن التسميات؛ لأن الاسم يذكر ويراد به التسمية كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] أي: التسميات، وقوله ﵇: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا) (^٤).\nوالذي عليه جمهور أهل السنة أن الاسم للمسمى، ويفصلون إذا قيل لهم: أهو المسمى أم غيره؟، فيقولون: ليس هو نفس المسمى، ولكن يراد به المسمى (^٥)، فهو\n_________\n(^١) انظر: كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (١/ ٩٥ - ٩٦).\n(^٢) انظر: البحر المحيط للزركشي (٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨).\n(^٣) أصول البزدوي -مع شرحه كشف الأسرار- (١/ ٩٥).\n(^٤) متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد، باب إن لله مائة اسم إلا واحدة رقم (٧٣٩٢)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الذكر والدعاء، باب في أسماء الله تعالى، برقم (٢٦٧٧).\n(^٥) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ٢٠٦ - ٢٠٧).","vol":"1","page":69},{"text":"موضوع لإظهار المسمى (^١).\nواستدلوا على قولهم: الاسم للمسمى، بأدلة منها: قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقوله: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وبقول النبي ﷺ: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا) (^٢) وقول النبي ﷺ: (إن لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب) (^٣).\nفكل تلك النصوص دالة على أن الاسم للمسمى، أي أنه موضوع له ليظهره ويدل عليه ويبينه.\nومن أهل السنة من قال: الاسم هو المسمى نفسه، وهؤلاء قالوه ردًا على المعتزلة القائلين بأن الاسم غير المسمى، وما كان غيره فهو مخلوق! ولا شك أنهم لا يريدون أن اللفظ المؤلف من الحرف هو نفس الشخص المسمى (^٤).\nولذا كان أهل العلم بعد ذلك إذا سألوا هل الاسم غير المسمى؟ فصَّلوا فقالوا: إذا أريد أن الأسماء -التي هي أقوال- ليست هي المسميات نفسها: فهذا حق لا ينازع فيه أحد (^٥)، (وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماءً، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى) (^٦) اه\n_________\n(^١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ٢٠٦ - ٢٠٧).\n(^٢) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه.\n(^٣) متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ، برقم (٣٥٣٢)، وأخرجه مسلم (٤/ ١٨٢٨) -، كتاب الفضائل، باب في أسمائه ﷺ، برقم (٢٣٥٤).\n(^٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ١٨٨)، البحر المحيط للزركشي (٢/ ٣٠٧).\n(^٥) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ٢٠٣).\n(^٦) قاله ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية (ص ١٣١)، وانظر: ما سيأتي إن شاء الله (ص ١٥٤).","vol":"1","page":70},{"text":"وأما التسمية: فهي وضع الاسم للمُسمَّى (^١)، والله هو المسمي لنفسه كما قال الرسول ﷺ: (أسألك بكل اسم هو لك سمَّيْت به نفسك) (^٢).\nوذهبت إلى أن أسماء الله غير الله، وما كان غيره فهو مخلوق (^٣)، لذا انكروا صفات الله ﷿ (^٤) ..\nوللأشاعرة أقوال ثلاثة في المسألة:\nالأول: أن الاسم هو المسمى نفسه (^٥).\nوالثاني: أن الأسماء ثلاثة أقسام: ما دل على الذات كالموجود، فالاسم هنا هو المسمى نفسه، والقسم الثاني: ما اشتق من صفات المعاني كالسميع والعليم، فالاسم هنا لا هو المسمى ولا هو غير المسمى، والقسم الثالث: ما اشتق من الأفعال كالخالق والرازق، فالاسم هنا غير المسمى (^٦)، وأصحاب هذين القولين\n_________\n(^١) انظر: القاموس المحيط (ص ١٦٧٢)، والمعجم الوسيط (١/ ٤٥٢) مادة [سمو].\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٣٩١)، (٥/ ٢٦٧)، (٦/ ١٥٣)، والحاكم في مستدركه (١/ ٦٩٠)، برقم (١٨٧٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٣٧): \"رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني، وقد وثقه ابن حبان\"اه وقد حسنه الحافظ ابن حجر في تخريج الأذكار للنووي. انظر: ملخصه المطبوع مع الأذكار (١٦٦).\n(^٣) انظر: الرد على بشر المريسي للدارمي (١٠).\n(^٤) تنازع الناس في هذه المسألة بعد زمن الإمام أحمد ﵀ وقد كان الأئمة قبل ذلك يصرحون بالإنكار على الجهمية القائلين بأن أسماء الله مخلوقة ويقولون: الاسم غير المسمى، وأسماء الله غيره وما كان غيره فهو مخلوق!.\nانظر: الرد على بشر المريسي للدارمي (ص ١٠)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ١٨٥ - ١٨٦). وانظر: ما نقل عن الإمام الشافعي في أدب الشافعي ومناقبه (ص ٩٣)، والحلية (٩/ ١١٣)، والسنن الكبرى (١٠/ ٢٨)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢/ ٢١١).\n(^٥) وهو المحكي عن أبي الحسن الأشعري: انظر شرح أسماء الله الحسنى للرازي (ص ٢١).\n(^٦) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص ١١٨)، والمواقف للإيجي (ص ٣٤٣).","vol":"1","page":71},{"text":"يزعمون أن الاسم يرد بمعنى التسمية كثيرًا (^١).\nوالقول الثالث: وهو للغزالي: واختاره الرازي: التفريق بين الاسم والمسمى والتسمية (^٢).\nوأصحاب الأقوال الثلاثة متفقون على أن الأسماء -التي هي الأقوال- مخلوقة، لأنها من جملة الكلام - ولكن أصحاب القولين الأولين قالوا: إن الأسماء ترد بمعنى التسمية، حتى يتأتى لهم القول بخلقها، ولا يناقضوا أقوال أئمة السنة الصريحة في أن الأسماء غير مخلوقة. فهؤلاء إذا قالوا: الأسماء غير مخلوقة أرادوا المسمى، أي أن الله غير مخلوق! أما الأسماء - التي هي الأقوال- فيقولون إنها تسميات!\n_________\n(^١) انظر: تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد (ص ٨٧).\n(^٢) انظر المقصد الأسنى شرح الأسماء الحسنى للغزالي (ص ٢٩)، وشرح أسماء الله الحسنى للرازي (ص ٢١).","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type='title' id=toc-82>المبحث الثاني حكم إطلاق الأسماء الحسنى بلا توقيف</span>\nوردت مسألة أسماء الله توقيفية، وجواز الإخبار عنها في علم أصول الفقه (^١) في مواضع، ورودًا استطراديًا، وقد يحيلوها إلى كتب الكلام (^٢)، ومن تلك المواضع:\n(١) الكلام عن حكم القياس في اللغة (^٣).\n(٢) وفي المجاز، وهل يطلق على الله أنه متجوز؟ (^٤).\n(٣) وفي تعريف العلم، فهل يطلق على علم الله أنه معرفة؟ (^٥).\n(٤) وهل يطلق على الله أنه دليل (^٦)؟، وهل هو شيء (^٧)؟ وهل يطلق عليه أنه قديم (^٨) أو فرد أو فذ؟ (^٩).\n_________\n(^١) انظر: شرح الكوكب المنير (١/ ٢٨٧ - ٢٩٠) وأدخلها الزركشي معنونًا لها بفائدة: أسماء الله الحسنى توقيفية في البحر المحيط في أصول الفقه (٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩).\n(^٢) مثل الأسنوي في نهاية السول (١/ ٩) حيث أشار إلى أبكار الأفكار للآمدي.\n(^٣) انظر المحصول للرازي (١/ ٣٤٧)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٢٨٧).\n(^٤) انظر: المحصول للرازي (١/ ٣٣٣ - ٣٣٤) وكشف الأسرار (٢/ ٨٢).\n(^٥) انظر: البحر المحيط للزركشي (١/ ٧٨)، ونهاية السول (١/ ٩) وشرح الكوكب المنير (١/ ٦٥ - ٦٦).\n(^٦) انظر: الفقيه والمتفقه (٢/ ٢٣) وشرح اللمع (١/ ٩٧) والمحصول للرازي (٦/ ١٨١ - ١٨٢) والبحر المحيط للزركشي (١/ ٥٠)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٥١).\n(^٧) انظر: البحر المحيط للزركشي (٤/ ٣٣٢).\n(^٨) انظر الإحكام للآمدي (٢/ ٣١٤).\n(^٩) انظر الإحكام لابن حزم (١/ ٥٢١ - ٥٢٢).","vol":"1","page":73},{"text":"والعلماء متفقون على جواز إطلاق ما ورد به الشرع من الأسماء على الله، كما اتفقوا على منع ما منع منه الشرع، وما دل على نقص أو عيب، وأما الذي وقع فيه الخلاف فهو فيما لم يرد به إذن من الشرع ولا منع ولا يتضمن نقصًا ولا عيبًا (^١).\nوالذي عليه أهل السنة والجماعة وأكثر المتكلمين أن التسمية متوقفة على إذن الشرع، فلا يجوز أن يُسمى الله باسم، إلا إذا ورد ذلك الاسم في الكتاب أو السنة (^٢).\nواستدل أهل السنة بأن الله ﷿ أعلم بنفسه، ونحن لا يمكننا أن نراه في الدنيا، بل ولا نحيط به علمًا مطلقًا، فهذا يدل على أنه لا يمكننا إدراك كل ما يستحقه من الوصف دون خبر.\nوجمهور أهل العلم القائلين بأن الأسماء الحسنى على التوقيف ذكروا أنها تثبت بالقرآن، والسنة الصحيحة -سواء كانت متواترة أو آحادًا- وبالإجماع، ومنعوا استعمال القياس لإثباتها (^٣).\nوحكى بعض أهل العلم عن المعتزلة والكرامية (^٤) والقاضي أبي بكر الباقلاني (^٥) جواز إطلاق الأسماء على الله وإن لم يرد بها توقيف إن لم تتضمن\n_________\n(^١) انظر: المقصد الأسنى للغزالي (ص ١٧٣)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٢٨٩)، ولوامع الأنوار (١/ ١٢٤).\n(^٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ١٤١ - ١٤٣)، وتحفة المريد شرح جوهرة التوحيد (٨٩).\n(^٣) انظر: البحر المحيط للزركشي (٦/ ١٣٣).\n(^٤) هم أتباع محمد بن كرام السجستاني (ت ٢٥٥ هـ)، يعدون من مثبتة الصفات مع شيء من المبالغة تصل إلى حد التشبيه، ووافقوا على إثبات الحكمة لله وتحسين العقل وتقبيحه، لكن إلى درجة القول بوجوب معرفة الله بالعقل! وعدادهم في المرجئة لقولهم بأن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب. انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٢٣)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٠٨).\n(^٥) ولكن ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٢٢٦) يرى أن مذهب الباقلاني كمذهب الغزالي.","vol":"1","page":74},{"text":"وصفًا ممنوعًا (^١).\nوحكى بعض أهل العلم قولًا ثالثًا: وهو المنع من التسمية إلا بالشرع، والجواز في الوصف بما هو حق وصدق، وقد قال به الغزالي واختاره الرازي (^٢).\nولكن يبدو أن هذا القول يرجع إلى الأول، إذ الجميع قد اتفقوا على توقف التسمية على إذن الشرع، وأجازوا ما كان على سبيل الإخبار.\nوقد توقف إمام الحرمين الجويني في هذه المسألة (^٣).\nكما أن الإخبار عن الله بما لا يتضمن نقصًا جائز، ويظهر أنه محل اتفاق بين أهل العلم؛ أما الذين لا يشترطون التوقيف في الأسماء الحسنى، فظاهرٌ تجويزُهم للإخبار من باب أولى، والذين اشترطوا التوقيف، الملاحظ عنهم الإخبار عن الله بالموجود والقائم بنفسه وواجب الوجود والقديم … إلخ ولذلك فقد لا يوجد خلاف في هذه المسألة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ويُفرَّق بين دعائه والإخبار عنه، فلا يُدعى إلا بالأسماء الحسنى» (^٤).\nفباب التسمية توقيفي، وأما الإخبار فلا يشترط فيه التوقيف، ولكن تشترط فيه أمور لا بد منها، منها:\n_________\n(^١) انظر: المقصد الأسنى (ص ١٧٣)، وشرح أسماء الله الحسنى للرازي (٤٠) وشرح المقاصد (٤/ ٣٤٤ - ٣٤٥).\n(^٢) انظر المقصد الأسنى (ص ١٧٣) وشرح أسما ء الله الحسنى للرازي (ص ٤٠).\n(^٣) انظر: الإرشاد للجويني (ص ١٣٦ - ١٣٧) وتوقف إمام الحرمين هذا قل من يشير إليه، إذ أكثرهم يحكي الأقوال المتقدمة فقط، ولكن هو نفسه صرح بتوقفه، وممن أشار إلى توقفه السفاريني في لوامع الأنوار (١/ ١٢٤).\n(^٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ١٤٢).","vol":"1","page":75},{"text":"(١) أن يكون مدلول الاسم ثابتًا، -وهو المعنى- فيذكر ذلك الاسم لإثبات ذلك المعنى الحق الذي ينفيه من ينفيه، مثل: القديم، وواجب الوجود، والذات .. إلخ (^١).\n(٢) أن يكون الاسم المخبر به، ذكر لنفي ما تنزه الله ﷿ عنه من العيوب والنقائص، مثل: بائن من خلقه، فقد تكلم بهذا الأئمة ردًا على من أثبت الحلول والوحدة والاتحاد لله بخلقه -تعالى الله عن ذلك-.\n(٣) أن يكون الاسم المُخبر به ذُكر لإثبات معنى يستحقه ﷾، لكن لا يستعمل إلا مقرونًا مع غيره ليفيد الحسن التام، مثل: الضار النافع (^٢).\nوفيما يأتي الأسماء المخبر بها عن الله، الواردة في كتب أصول الفقه:\n(١) الدليل:\nوهذا الاسم لم يرد في أسماء الله الحسنى قط، ولكن إذا أضيف إلى معنى حسن فدل على صفة فعل لله تعالى، جاز استخدامه (^٣).\nفدليل على وزن فعيل بمعنى فاعل، ولذلك حسن أيضًا الإخبار عن الله أنه الدال لخلقه على طريق الخير.\nوصح عن الإمام أحمد أنه قال: «أصول الإيمان ثلاثة: دال، ودليل، ومستدل؛\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٤/ ١٤٠).\n(^٢) ذكرهما ابن القيم في بدائع الفوائد (١/ ١٦٧) اسمين لله، وكذا الغزالي في المقصد الأسنى (ص ١٤٥). والرازي في شرحه لأسماء الله الحسنى (ص ٣٤٥) ولكن يظهر أنهما من الأخبار لا الأسماء.\n(^٣) ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع فتاويه (٢٢/ ٤٨٤) وانظر المسائل والرسائل المنقولة عن الإمام أحمد في العقيدة (١/ ٢٧٥).","vol":"1","page":76},{"text":"فالدال الله ﷿، والدليل القرآن، والمستدل: المؤمن، فمن طعن على الله وعلى كتابه وعلى رسوله فقد كفر» (^١).\n(٢) عارف- والمعرفة:\nولا شك أن (عارف) لم يرد في الأسماء الحسنى، ولكن هل يخبر عن الله أنه عارف وأنه ذو معرفة؟.\nذكر أهل العلم أن المعرفة: اسم لعلم تقدمته غفلة (^٢)، ولذلك لا يصح أن يقال لله: عارف، بل حكى بعض أهل العلم الإجماع على ذلك المنع (^٣).\nولكن وردت لفظة المعرفة في حديث وهو: (تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) (^٤)،\nوهذه المعرفة إذا قصد بها التوفيق والهداية في الإنجاء للعبد مجازاة لمعرفته الخاصة بالله، فهذا المعنى صحيح، وإذا أطلقها الإنسان على علم الله العام، فقد يوهم نقصًا، فالأحوط ترك الإطلاق، ولزم التقييد كما جاء في النص دون الزيادة. والله أعلم.\n_________\n(^١) رواه عنه الخطيب في الفقيه والمتفقه (٢/ ٢٣).\n(^٢) انظر شرح أسماء الله الحسنى (ص ٤١) ونهاية السول للأسنوي (١/ ٩) وانظر بدائع الفوائد (٢/ ٥٥) ففيه تحقيق جيد طويل.\n(^٣) انظر: شرح الكوكب المنير (١/ ٦٦)، والبحر المحيط للزركشي (١/ ٧٨).\n(^٤) هذا جزء من حديث وصية النبي ﷺ لابن عباس وأولها: \"يا غلام إني أعلمك كلمات .. \" وأصح طرقه كما قال ابن رجب عن ابن منده: «وأصح الطرق كلها طريق حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي كذا قال ابن منده وغيره\"، جامع العلوم والحكم (١/ ٤٦١)، لكن هذه اللفظة ليست عند الترمذي برقم (٢٥١٦) وإنما عند أحمد في مسنده (١/ ٣٠٧)، ولا عند أبي يعلى في مسنده (٤/ ٤٣٠)، برقم (٢٥٥٦) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقد صحح الشيخ أحمد شاكر هذه الرواية في المسند (٤/ ٢٨٦ - ٢٨٨)، برقم (٢٨٠٤).","vol":"1","page":77},{"text":"(٣) شيء:\nوهذا الاسم لم يرد في أسماء الله الحسنى قط، ولكن إذا أطلقت من قبيل الإخبار جاز، ولذلك قال البخاري في صحيحه (^١): «باب ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩]، فسمى الله -تعالى- نفسه شيئًا، وسمى النبي ﷺ القرآن شيئًا - وهو صفة من صفات الله، وقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]». إه.\nوالحديث الذي يدل على إطلاق الشيء على صفة الله، فهو ما أخرجه البخاري في الباب نفسه، وهو قول الرسول ﷺ لرجل: (أمعك من القرآن شيء؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسور سماها) (^٢) اه.\n(٤) الفرد والفذ:\nلم يرد إذن من الشرع في تسمية الله بهما، أما إذا قصد الإخبار بهما عن الله، فصحيح لصحة معناهما.\nقال الأزهري: «والله هو الفرد، قد تفرد بالأمر دون خلقه» (^٣). ونقل الأزهري نفسه أن الفذ بمعنى الفرد (^٤).\n(٥) القديم:\nقال الآمدي في تقسيم العلم: «وهو منقسم إلى قديم لا أول لوجوده ..»، وعلق الشيخ عبد الرزاق عفيفي عليه بقوله: «وصف علم الله أو غيره من صفاته بالقدم،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤/ ٣٨٧) من كتاب التوحيد، وبعده حديث رقم (٧٤١٧) الآتي.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التوحيد، باب ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾، برقم (٧٤١٧).\n(^٣) تهذيب اللغة (١٤/ ٩٩).\n(^٤) انظر المصدر نفسه (١٤/ ٤١٢).","vol":"1","page":78},{"text":"لم يرد في نصوص الشرع، وهو يوهم نقصًا» (^١).\nوإيهام النقص هذا قاله تعليقًا على كلام الآمدي: «لاستحالة خلق القديم) فقال الشيخ: «أسماء الله وصفاته توقيفية ولم يرد في كتابه سبحانه ولا في سنة رسوله ﷺ تسميته بالقديم ولا إضافة القديم إليه أو إلى صفة من صفاته سبحانه، فيجب ألا يسمى سبحانه بذلك وألا يضاف إليه، وخاصة أن القدم يطلق على ما يذم كالبلى وطول الزمن وامتداده في الماضي، وإن كان لمن اتصف به ابتداء في الوجود) (^٢) اه.\nوما ذكره الشيخ عبد الرزاق لا شك أنه لم يرد في أسماء الله الحسنى لفظ (القديم)، ولذلك لا يجوز أن يعد في أسماء الله -جل وعلا-.\nوأما الإخبار بالقدم عن الله وصفاته فلا ينبغي إنكاره ما دام أن المُخبِر عنه قد أراد به معنىً صحيحًا (^٣)، خاصة وأنه قد جاء وصف ملك الله بالقدم في السنة وهو: عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد قال: (أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم …) (^٤).\nوالاسم الذي يغني عن القديم هو الأول، إذ هو الوارد في القرآن، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، وفسر\n_________\n(^١) انظر الإحكام للآمدي (١/ ١٢) وهامش (١) تعليق الشيخ عفيفي.\n(^٢) انظر الإحكام للآمدي (٢/ ٣١٤)، وتعليق الشيخ عفيفي عليه في هامش (١).\n(^٣) انظر شرح أسماء الله الحسنى للرازي (ص ٣٥٨ - ٣٥٩). وتحفة المريدشرح جوهرة التوحيد (١٧ - ١٨).\n(^٤) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل عند دخوله المسجد برقم (٤٦٦). وقال النووي في الأذكار (ص ٤٦)،: \"حديث حسن\" وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ٨٦٠)، برقم (٤٧١٥).","vol":"1","page":79},{"text":"رسول الله ﷺ هذا الاسم وبينه بيانًا شافيًا بقوله: (أنت الأول فليس قبلك شيء) (^١) الحديث، فوجب ترك تسمية الله بالقديم، ويجب الاكتفاء بما ورد به الشرع وهو اسمه (الأول).\n(٦) المُتَجَوِّز:\nقال الرازي ذاكرًا أدلة من منع المجاز في كلام الله: «لو خاطب الله بالمجاز، لجاز وصفه بأنه متجوِّز ومستعير» (^٢).\nثم أجاب -لأنه من القائلين بإثبات المجاز مطلقًا - بقوله: «إن أسامي الله تعالى توقيفية، وبتقدير كونها اصطلاحية (^٣) لكن لفظ المتجوز يوهم كونه تعالى فاعلًا ما لا ينبغي فعله، وهو في حق الله تعالى محال» (^٤) اه.\nوهذه الإجابة صحيحة بخصوص منع وصف الله بالمتجوِّز والمستعير.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع برقم (٢٧١٣).\n(^٢) المحصول للرازي (١/ ٣٣٣).\n(^٣) هذا من قبيل التنزل في المناظرة وإلا فالصحيح أنها توقيفية، ولو قال: وبتقدير كون الكلمة خبرًا … إلخ، لكان خيرًا من تعبيره بالاصطلاحية.\n(^٤) المحصول للرازي (١/ ٣٣٤).","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-83>المبحث الثالث صفة الكلام </span>(^١)\nذهب أهل السنة والجماعة إلى: أن الله متصف بالكلام، وأن نوع كلامه قديم، وهو يتكلم بما شاء متى شاء، وأن كلامه سبحانه بصوت يسمع، فقد كلَّم من أراد من رسله وملائكته، وسمعوا كلامه حقيقة، ولا يزال سبحانه يتكلم بقضائه وتسمعه ملائكته، وسيتكلم مع أهل الجنة ومع أهل النار يوم القيامة بما يناسبهم، فكلام الله سبحانه شامل للفظ والمعنى (^٢).\nوحقيقة الكلام عندهم هي: أنه إذا أطلق شمل اللفظ والمعنى، وإذا أريد به اللفظ فقط أو المعنى فقط ذكرت معه قرينة تدل عليه كما في قول الرسول ﷺ: (إن الله عفا لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به) (^٣)، فلم يسم حديث النفس كلامًا بإطلاق، وجعله معفوًا عنه حتى يتكلم به باللسان أو يُعمل به.\n_________\n(^١) انظر أقوال الناس في صفة الكلام في منهاج السنة النبوية (٢/ ٣٥٩ - ٣٦٣)، ونقلها عن شيخ الإسلام: ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية (١٧٩ - ١٨٠)، وابن النجار في شرح الكوكب المنير (٢/ ١٠٠ - ١٠٣).\n(^٢) انظر على سبيل المثال - لا الحصر -: التوحيد لابن خزيمة (١/ ٣٤٦، ٣٥٩، ٣٦٥، ٣٦٨، ٣٨٦، ٣٩٩)، والتوحيد لابن منده (٣/ ١٢٩، ١٣٩، ١٤١، ١٤٦، ١٤٨، ١٥٠)، ومنهاج السنة النبوية (٢/ ٣٦٢)، وشرح الكوكب المنير (٢/ ٢٤، ١٠٣، ١٠٦).\n(^٣) متفق عليه أخرجه البخاري في مواضع منها: كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسيًا، برقم (٦٦٦٤) ومسلم في كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب ما لم تستقر، برقم (١٢٧).","vol":"1","page":81},{"text":"والأدلة على إثبات الكلام صفة لله تعالى كثيرة جدًا، منها:\nقول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]. فنصَّ الله على خصوصية موسى ﵇ بتكليمه، وأكد ذلك بالمصدر ﴿تَكْلِيمًا﴾ وذلك ينفي احتمال المجاز كالإشارة والكتاب والإرسال، ولذلك قال: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، وجاء في السنة قول آدم ﵇ لموسى ﵇ في محاجتهما: (يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده …) (^١).\nويزيد ذلك توكيدًا لا يبقى للشك فيه مجال ما أخبر الله به من تكليمه لموسى ﵇ بقوله: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٣ - ١٤] فهذا كلام لا يجوز أن يقوله مخلوق لنفسه (^٢).\nودلت الآية على أن كلامه يسمع، والسمع للأصوات التي هي حروف فدل على أن كلام الله بحرف يسمع (^٣).\nوكلامه ﷾ صفة له ليس بمخلوق، ومن أدلة أهل السنة والجماعة في الدلالة على ذلك على ذلك تفريقه ﷾ في كتابه العزيز بين الخلق والأمر كما قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] فميز الله الأمر من الخلق (^٤).\nووردت الاستعاذة بكلمات الله، كما في قول الرسول ﷺ وهو يعوِّذ الحسن\n_________\n(^١) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب القدر، باب تحاج آدم وموسى، برقم (٦٦١٤)، ومسلم في كتاب القدر باب حجاج آدم وموسى ﵉، برقم (٢٦٥٢).\n(^٢) انظر: التوحيد لابن خزيمة (١/ ٣٣٢ - ٣٣٥)، ومنهاج السنة (٥/ ٤٢٤ - ٤٢٥).\n(^٣) انظر الحجة في بيان المحجة (١/ ٣٩٨)، والرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ١٦١)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ٥٣١).\n(^٤) انظر: خلق أفعال العباد للبخاري (ص ٣٨)، والسنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٠٣، ١٣٩، ١٦٩).","vol":"1","page":82},{"text":"والحسين ﵄: (أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة) (^١)، وقوله لرجل لدغته العقرب: (أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق، لم تضرك) (^٢) إلى غير ذلك من الأدلة، ومعلوم أنه لا تجوز الاستعاذة بمخلوق مما لا تصلح إلا بالله، فدل ذلك على أن كلمات الله غير مخلوقة (^٣).\nومن الأدلة الدالة على تعلق كلام الله بمشيئته: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فقوله: ﴿كُنْ﴾ هو بعد إرادته لتكوين ذلك الشيء.\nوذهبت الأشاعرة والماتريدية إلى أن كلام الله ﷿ نفسي، وهو صفة له أزلية، ولا يكون بحرف وصوت، ولا يتعلق بمشيئته، ويرى جمهورهم أنه معنى واحد، لا يتعدد، وأن الأمر والنهي والخبر صفات لذلك الكلام، وإنما يصير أمرًا ونهيًا وخبرًا عند حدوث التعلق.\nومنهم من قال: كله في الأزل خبر، ويرى قليل من هؤلاء أن الكلام منقسم في الأزل إلى أمر ونهي وخبر، وهو مع ذلك نفسي وواحد (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأنبياء، باب (١٠)، برقم (٣٣٧١).\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب في التعوذ من سوء القضاء، برقم (٢٧٠٩).\n(^٣) انظر: جامع البيان للطبري (١١/ ٢٠/ ٢ - ٥)، وأضواء البيان (٧/ ٦١٨ - ٦٢١).\n(^٤) انظر: التمهيد للباقلاني (ص ٢٨٤)، والإنصاف له (ص ١٠٩)، والإرشاد للجويني (ص ١١)، وقواعد العقائد للغزالي (ص ٨٣). وانظر في كتب الأصول التقريب للباقلاني (١/ ٣١٧)، والبرهان للجويني (١/ ١٤٩)، والبحر المحيط للزركشي (٢/ ١٠٠)، ١٠٣)، وشرح تنقيح الفصول (٤٠، ٦٩).\nوهذا الذي ذهب إليه هؤلاء لم يسبقوا إليه قط، وقد خرقوا الإجماع، فالناس قبلهم كانوا على قولين، قول السلف الذي تقدم بيانه، ثم قول المعتزلة المبتدع وهو أن كلام الله بحرف وصوت يسمع ولكنه مخلوق.","vol":"1","page":83},{"text":"وقد التزم الأشاعرة والماتريدية لأجل هذا القول لوازم سيئة، وأتوا بما لم يعقل، وتناقضوا كثيرًا، وآل قولهم إلى موافقة المعتزلة في خلق القرآن.\nولهم في حقيقة الكلام ثلاثة أقوال هي:\nالأول: أن متعلق الكلام: المعنى فقط دون اللفظ، فهو حقيقة في المعنى مجاز في اللفظ (^١).\nالثاني: أنه مشترك بين اللفظ والمعنى، فهو حقيقة فيهما (^٢).\nالثالث: أنه مشترك بين اللفظ والمعنى في كلام الآدميين، فكلاهما حقيقة فيه، ولكنه في كلام الباري حقيقة في المعنى مجاز في اللفظ (^٣).\nأما المعتزلة فقد تكلموا في القرآن خاصة، وهو نوع من أنواع كلام الله تعالى، وصرحوا بأنه مخلوق، فقال القاضي عبد الجبار: «وأما مذهبنا فهو أن القرآن كلام الله تعالى ووحيه، وهو مخلوق محدث» (^٤).\nومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل:\nالمسألة الأولى: تعريف الحكم الشرعي بأنّه (خطاب الله) عند القائل بأن كلام الله يسمع؛ لأنّ ما يسمع يصح أن يُسمى خطابًا.\nونسب إلى الأشعري (^٥)، بأن المعنى القائم بالنفس يسمع، وقاله بعض\n_________\n(^١) انظر: المستصفى (١/ ٤١٣)، والوصول إلى الأصول (١/ ٦٥) وعزاه لبعض الأشاعرة مع أنه أليق بمذهبهم كلهم، وانظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٢/ ٤٥٦)، وشرح الكوكب المنير (١/ ١٢٢).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة.\n(^٣) ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية (١٢/ ٤٥٧)، واستظهرت أنه يقول به هؤلاء.\n(^٤) شرح الأصول الخمسة (ص ٥٢٨).\n(^٥) نسبه الزركشي له في سلاسل الذهب (ص ٩٤).","vol":"1","page":84},{"text":"الأشعرية (^١)، إلا أنهم نفوا أن يقال: (خطاب الله)؛ لأن الخطاب يستلزم مخاطِبًا ومخاطَبًا، وهذا يستلزم وجود مخاطَب قديم مع الله؛ لذا قالوا: (كلام الله)، أو مدلول أو مقتضى خطاب الله؛ لما سبق أن الكلام النفسي لا يخاطب به (^٢).\nالثانية: لا يمنع أن تكون العلل والأسباب مؤثرة -بإذن الله-؛ لأنّ أحاد كلامه ﷾ حادث، ولا يمنع تعليل الحادث بالحادث. فكلامه صفة فعلية إرادية قائمة بذاته العلية، يتكلَّم متى شاء، وأفعاله سبحانه معلَّلة.\nأما القائل بإثبات الكلام النفسي، فإن العلل الشرعية ليست مؤثرة، بل هي أمارات لا غير؛ لأنّها حادثة، والحكم قديم، ويستحيل عقلًا أن يؤثر الحادث في القديم، لكن لا يمنع أن يكون الحادث معرِّفًا للقديم (^٣).\nوالقول بأنها موجبة يلزم منه تعليل القديم؛ لأن معناه أن الحكم وجب بتلك العلة، أو يلزم منه القول بأن كلام الله محدث.\nالثالثة: منع تفاضل كلام الله تعالى بعضه على بعض (^٤)، بناء على مأخذين يتعلقان بصفة الكلام: «أحدهما: أن صفات الرَّب لا يكون بعضها أفضل من بعض، وقد يعبِّرون عن ذلك بأن القديم لا يتفاضل، والثاني: أنه واحد، والواحد لا يتصور فيه تفاضل ولا تماثل، وهذا على قول من يقول إنه واحد بالعين» (^٥).\n_________\n(^١) كالقاضي في التقريب والإرشاد (١/ ٣٣٦)، والغزالي في الاقتصاد في الاعتقاد (ص ٣٧)، والسبكي في الابهاج (١/ ٤٣).\n(^٢) عبر الأشعرية (بخطاب الله)، ولهم توجيهات يرجع إليها في تخريج الأصول على الأصول (ص ٥٨).\n(^٣) انظر: المحصول (٥/ ١٢٧)، نفائس الأصول (١/ ٢٢٠)، البحر المحيط (٥/ ١١٢)، وشرح مختصر الروضة (١/ ٢٥٦)، والإبهاج (١/ ٤٧)، وتخريج الأصول على الأصول (ص ٧١٣).\n(^٤) الواضح (١/ ٢٥٤)، وانظر الفروع (٢/ ١٧٤) سلاسل الذهب (١٥٩ - ١٦٠)، وانظر: البرهان في علوم القرآن (١/ ٥٢٢).\n(^٥) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٦٢ - ١٦٣)، وانظر منه: (١٧/ ٥٢ - ٥٣).","vol":"1","page":85},{"text":"وذكر الزركشي أصل الخلاف في الكلام هل هو حقيقة في اللفظ أو في المعنى القائم بالنفس أو مشترك؟ وبيَّن عوده إلى أن الكلام صفة ذاتية أو فعلية، ثم قال: «ولعله أيضًا منشأ الخلاف في تفضيل بعض القرآن على بعض» (^١).\nوعليه فإن قيل إن كلام الله صفة ذاتية فيكون الكلام واحدًا، فلا يعقل فيه تبعض، فضلًا عن أن يعقل فيه فاضل ومفضول، وإذا كان الكلام كذلك، فالقرآن كذلك؛ لأنه كلام الله (^٢).\nوإن قيل إن الكلام صفة فعلية، فمعنى ذلك جواز تبعضه، وإذا جاز تبعضه، جاز كون بعضه أفضل من بعض، وإذا جاز فيه ذلك، جاز في القرآن؛ لأنه كلام الله.\nوهذه المسألة من المسائل التي ذكرها بعض الأصوليين (^٣) وليست هي من صميم أصول الفقه، ولهذا لم يعقد لها كثير من الأصوليين بحثًا مستقلًا، وإنما أشار إليها بعضهم عند حديثهم عن مسائل أخرى، خاصة في باب النسخ.\nالرابعة: ترجمة القرآن ليست قرآنًا؛ لأن القرآن هو هذا النظم المعجز، وبالترجمة يزول الإعجاز فلم يجز (^٤)، إذ القرآن هو اللفظ والمعنى (^٥) «فإذا غُيِّر خرج عن نظمه، فلم يكن قرآنًا ولا مثله، وإنما يكون تفسيرًا له» (^٦).\n_________\n(^١) سلاسل الذهب (١٥٩ - ١٦٠)، وانظر: البرهان في علوم القرآن (١/ ٥٢٢).\n(^٢) انظر: إكمال المعلم (٣/ ١٧٨)، الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٠٩)، مجموع الفتاوى (١٧/ ٥٢ - ٥٣).\n(^٣) انظر: شرح الكوكب (٢/ ١١٨).\n(^٤) المجموع (٣/ ٣٤١).\n(^٥) وردت هذه المسألة عند الأصوليين استطرادًا وجوابًا على ما نقل عن أبي حنيفة في التعليل بجواز الصلاة بالقراءة بغير العربية.\nانظر: كشف الأسرار (١/ ٧٤)، التقرير والتحبير (٢/ ٢١٣ - ٢١٤)، شرح منار الأنوار لابن ملك (٩)، فواتح الرحموت (٢/ ٨).\n(^٦) المغني (٢/ ١٥٨).","vol":"1","page":86},{"text":"وعليه من قال: إن القرآن يطلق على اللفظ، أو اللفظ والمعنى، فإن اللفظ حينئذ يكون مقصودًا لكونه معجزًا، أو لكونه من حقيقة الكلام، فعلى هذا لا تجوز الترجمة؛ لأنها نقل للفظ، وتغيير له.\nومن قال: إن القرآن يطلق على المعنى فقط - وهو الصفة القائمة بالله تعالى- فإنه بأي لفظ تأدى به ذلك المعنى صح ذلك، فالعربية إنما أصبحت قرآنًا لكونها ألفاظًا أدت معنى الكلام النفسي، فكذلك كل لغة أدت المراد تكون قرآنًا (^١).\nالخامسة: تعريف النسخ بأنه بيان وليس رفعًا لكون خطاب الله قديمًا (^٢)، والقديم لا يصح رفعه (^٣).\nونوقش: بأن القائلين بالرفع لا يرون أن الحكم وهو الخطاب نفسه هو المرفوع، وإنما المرفوع هو مقتضى الخطاب، أو تعلق الخطاب بالمكلف لا الخطاب نفسه، والحكم يزول تعلقه بالخطاب لطريان العجز والجنون، ويعود بعود القدرة والعقل، والخطاب في نفسه لا يتغير (^٤).\n_________\n(^١) انظر: بدائع الصنائع (١/ ١١٣).\n(^٢) ومرادهم بكونه قديمًا أنه قديم بعينه، وأن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا يريدون بالقديم أنه متقدم على غيره، فإن هذا لا ينازعهم فيه المعتزلة، ولا غيرهم ممن يقول بأن كلام الله يحدثه في غيره.\nانظر: مقالات الإسلاميين (٢/ ٢٠١)، مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٧١)، المواقف (٢٩٤).\n(^٣) انظر: المحصول (٣/ ٢٩٠)، البحر المحيط (٤/ ٦٥)، وانظر: تشنيف المسامع (٢/ ٨٥٩) روضة الناظر (١/ ٢٨٦)، شرح مختصر الروضة (٢٠/ ٢٦١ - ٢٦٢)، شرح العضد (٢/ ١٨٧)، التحبير (٦/ ٢٨٧٩) حاشية البناني (٢/ ١١٣ - ١١٤).\n(^٤) انظر: المستصفى (١/ ١٠٩)، روضة الناظر (٢/ ٢٨٨)، شرح مختصر الروضة (٢/ ٢٦٣)، شرح العضد (٢/ ١٨٧)، رفع الحاجب (٤/ ٣٣)، التحبير (٦/ ٢٩٧٩).","vol":"1","page":87},{"text":"السادسة: عدم نسخ المأمور به قبل التمكن من الفعل؛ لأن كلام الله قديم، والقديم لا يتجزأ ولا يتبعَّض.\nوبيانه: أن حقيقة النسخ قبل التمكن أمر ونهي في وقت واحد، وإذا كان الكلام لا يتجزأ فكيف يكون أمرًا ونهيًا لشيء واحد معًا (^١).\nونوقش: بأن كلام الله واحد قديم، وهو متعدد باعتبار الإضافات، ولذا يتصور الامتحان به إذا سمعه المكلف في وقتين، وقد اشترطنا التراخي في النسخ، ولم يجز سمعهما في وقت واحد، فأما جبريل فيجوز أن يسمعهما في وقت واحد، ويؤمر بتبليغ الأمة في وقتين لكونه غير داخل تحت التكليف (^٢).\nالسابعة: من قال: إن كلام الله حقيقة في اللفظ والمعنى، ذهب إلى أن للأمر صيغة تدلّ عليه بمجردها.\nومن قال: إنّ كلام الله حقيقة في المعنى، قال: بأنّه ليس للأمر صيغة تدل عليه بمجردها، وأن المراد لا يتبين إلا بالقرائن الدالة على المقصود منه.\nوما قيل: في الأمر يقال في صيغة النهي والعموم (^٣).\nقال الجويني في البرهان: «اختلف الأصوليون في صيغة العموم، اختلافهم في صيغة الأمر والنّهي» (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المستصفى (١/ ١١٤)، الإحكام (٣/ ١٣٢)، التنقيحات (١٧٠)، روضة الناظر (١/ ٣٠٤).\n(^٢) انظر: التلخيص (٢/ ٤٨٨ - ٤٨٩).\n(^٣) انظر: روضة الناظر (٢/ ٥٩٥)،، سلاسل الذهب (٢٠١)، ومذكرة أصول الفقه للشنقيطي (ص ٣٣٨)، المسائل المشتركة (ص ١١٣)، أسباب الخلاف للسهلي (ص ٣٧٩ - ٣٨٠) و(ص ٤٩٠ - ٤٩١).\n(^٤) البرهان (١/ ٢٢١).","vol":"1","page":88},{"text":"الثامنة: مقتضى صيغة الأمر المطلق عن القرائن الوجوب أو الندب، عند من قال: إن الأمر حقيقة في اللفظ والمعنى (^١).\nومن ذهب إلى أنّه حقيقة في المعنى فقط، قال: بالتوقف حتى يرد ما يدل على المراد. ومثله: اقتضاء النهي المجرد عن القرائن التحريم (^٢).\nالتاسعة: الأمر بالشيء ليس عين النهي عن ضده، لكن يستلزمه عند من يقول بأن الكلام صفة ذاتية فعلية، يتكلم متى شاء بصوت وحرف، يسمع قديم النوع، متجدد الأحاد.\nوأمّا القائل بأن كلام نفسي، لا يتعدد، ولا يتجدد، وليس بحرف ولا صوت، وغير مسموع، وهو من صفاته الذاتية، فعنده الأمر بالشيء، هو عين النهي عن ضده.\nومن اعتقد أنّ كلامه سبحانه ليس من صفاته، بل هو من مخلوقاته، مسموع بصوت، فقد ذهب إلى أنّ الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده، لا من حيث الصفة أو المعنى (^٣).\nومثله النهي عن الشيء هل هو أمر بضده أو لا؟ (^٤).\nالعاشرة: حمل المطلق على المقيد على الخلاف في أن كلام الله تعالى المنزل على رسوله ﷺ متحد أو غير متحد؟\n_________\n(^١) انظر: إيضاح المحصول (٢٠٠)، أسباب الخلاف للسهلي (ص ٣٨٩).\n(^٢) انظر: أسباب الخلاف للسهلي (ص ٥١١).\n(^٣) المستصفى (١/ ٢٧٠)، شرح تنقيح الفصول (ص ١٢٨) البحر المحيط (٢/ ٤١٦) أسباب الخلاف للسهلي (ص ٤٧٣ - ٤٧٤).\n(^٤) أسباب الخلاف للسهلي (ص ٥٥٤).","vol":"1","page":89},{"text":"وبيانه كما يقول الزركشي في سلاسل الذهب (^١): «والخلاف يلتفت على أن كلام الله المنزل على رسوله ﷺ أي: اللفظي عندنا ليس بمتحد، وهو عندهم متحد، وأنّ القرآن كالكلمة المتحدة، فالمذكور بقيدٍ في موضع، مقيد بذلك القيد فيما لا ذكر لذلك القيد منه» (^٢).\n_________\n(^١) سلاسل الذهب (ص ٢٨١).\n(^٢) أسباب الخلاف للسهلي (ص ١٠٠٥) والوصول لابن برهان (١/ ٢٨٨).","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-84>المبحث الرابع صفة الإرادة</span>\nذهب أهل السنة والجماعة إلى أن الإرادة نوعان: إحداهما الإرادة الدينية الشرعية، والأخرى الإرادة الكونية القدرية.\nأما الإرادة الكونية القدرية فهي بمعنى المشيئة التي تستلزم وقوع المراد، فهي إرادة الخلق، أي أن يريد ما يفعله هو ﷾، ولذلك كان المراد متحتم الوقوع، كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وهي متضمنة لما وقع دون ما لم يقع (^١).\nوأما الإرادة الشرعية الدينية، فهي متعلقة بالأمر، بمعنى: أن يريد الله من العبد فعل ما أمره به، وعليه فإن المأمور به يكون مرادًا لله إرادة شرعية دينية، وبه يتبين أن الإرادة الشرعية متضمنة لمحبة الله لما أمر به ورضاه، وهي لا تستلزم وقوع المراد، فقد يقع وقد لا يقع (^٢)، كوقوع الكفر والمعاصي من العباد، والله لا يريدها شرعًا (^٣).\n_________\n(^١) انظر: منهاج السنة النبوية (٣/ ١٥٦)، (٥/ ٤١٢)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ١٨٨)، والموافقات للشاطبي (٣/ ٣٧٠)، وشفاء العليل (٨٨ - ٨٩، ٤٦٥)، والبحر المحيط للزركشي (٣/ ٢٦٨)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٣٢١).\n(^٢) سيأتي إن شاء الله بيان الأقسام الأربعة في المرادات (ص ٥٢٦).\n(^٣) انظر: منهاج السنة النبوية (٥/ ٤١٢)، (٣/ ١٥٦)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ١٨٨)، وشفاء العليل (٨٨ - ٨٩، ٤٦٥)، والموافقات للشاطبي (٣/ ٣٧٠ - ٣٧١)، والبحر المحيط للزركشي (٣/ ٢٦٨)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٣٢١).","vol":"1","page":91},{"text":"ومن الأدلة الدالة على الإرادة الخلقية الكونية القدرية (^١)، كقول الله تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود: ٣٤]، فإرادة الله أن يغويهم هي إرادة كونية قدرية يتحتم وقوع المراد بها، ولذا لم ينفعهم نصح نوح ﵇. والأدلة في هذا النوع كثيرة جدًا.\nومن الأدلة الدالة على الإرادة الدينية الشرعية (^٢) قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فلو كانت هذه الإرادة كونية قدرية لما حصل العسر لأحد من الناس.\nوذهبت المعتزلة إلى: إنه يشترط للأمر إرادة الآمر من المأمور امتثال المأمور به، وربما قال بعضهم إن الأمر هو إرادة المأمور به.\nوقالت الأشاعرة: إن الأمر لا يستلزم إرادة المأمور به، وبنوا على هذا أن الطاعة موافقة الأمر لا الإرادة.\nومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل:\nالمسألة الأولى: نفت الأشاعرة الحسن والقبح العقليين، وجعلوا الحسن يتبع الأمر، كما أن القبح يتبع النهي.\nفالكفر والمعاصي ليست قبيحة في نفسها -بل هي محبوبة لله مرضية له؛ لكونها مما أراده الله كونًا وقدرًا، وإرادته ومحبته ورضاه بمعنى واحد-، وعليه؛ فقبح الكفر والمعاصي؛ لأجل نهيه تعالى عنه.\n_________\n(^١) انظر: منهاج السنة النبوية (٣/ ١٥٧، ٥/ ٤١٣)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ١٨٨، ٤٤٠ - ٤٤١)، والموافقات للشاطبي (٣/ ٣٧٢)، وشفاء العليل (٤٦٥)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٣٢١).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة نفسها.","vol":"1","page":92},{"text":"وأثبت أهل السنة والجماعة الحسن والقبح العقلي، ولم يجعلوا الإرادة الكونية مستلزمة للمحبة والرضا، فليست كلها مرضية، ومحبوبة له، فقد يخلق القبح لحكمةٍ، والعقل يدرك قبحها، لكن العقل لا يوجب أو يحرم شيئا من ذلك، بل ذلك للشرع (^١).\nالثانية: ذهب أكثر الأشعرية إلى أن التكاليف مدارها على محض المشيئة من غير حكمة ولا تعليل، ومن ثمّ جوَّزوا أن يكلف الله عباده بما يشاء من محال وغيره.\nومنعت المعتزلة التكليف بالمحال، والمعجوز عنه بكل صوره؛ لأنّ المحال لا يمكن امتثاله؛ وإذا لم يمكن امتثاله فلا توجد إرادته؛ إذ لا بدّ في الآمر من إرادة الأمر من المأمور امتثال ما أمر به، فلو وردت صيغة الأمر من غير إرادة الامتثال لم تكن أمرًا، وعليه فلا يمكن التكليف بما لا يطاق (^٢).\nالثالثة: التكليف بما علم الله انتفاء شرط وقوعه في وقته يدخل في الخلاف السابق؛ لأنّ القائل بامتناع تكليف ما لا يطاق، إمّا أن يقول بتلازم الأمر والإرادة -وهم المعتزلة-، وهؤلاء منعوا التكليف بما علم الله انتفاء شرط وقوعه في وقته؛ لأنّه إذا كانت فائدة التكليف الامتثال، وكان الامتثال ممتنعًا؛ لعدم القدرة عليه، امتنع التكليف لامتناع فائدته؛ لأن التكليف بلا فائدة عبث، وهو محال.\nومن لم يشترط الإرادة للأمر، وجعل حكمة التكليف، إمّا الامتثال، وإمّا الابتلاء -وهم أهل السنة- فلم يمنعوا من التكليف بما علم الله عدم تمكن المكلف\n_________\n(^١) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ١٦٢ - ١٦٣)، مجموع الفتاوى (١١/ ٣٥٥)، منهاج السنة (٣/ ٩٨).\n(^٢) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٣٤٥ - ٣٤٦)، انظر: سلاسل الذهب (ص ١٣٧)، البحر المحيط (١/ ٣٨٨)، رفع الحاجب (٢/ ٣٤)، شرح مختصر الروضة (١/ ٢٣٩).","vol":"1","page":93},{"text":"منه في الوقت، وإن لم يحصل الامتثال؛ إلا أنّ للتكليف به فائدة أخرى، هي ابتلاء عزم المكلف على الفعل (^١).\nالرابعة: متعلق الإرادة من الخصال في الواجب المخير عند المعتزلة، هو متعلق الأمر؛ لأنّهم جعلوا الإرادة ملازمة للأمر، فكل ما أمر الله تعالى به شرعًا، فقد أراد وقوعه كونًا وقدرًا، سواء وقع أو لم يقع، وعليه فإن كانت الخصال جميعًا مأمورًا بها، بحيث يجوز الجمع بينها شرعًا، فجميعها مرادة لله تعالى، وإن كان الأمر لم يتعلق بها جميعًا، بل بإحدها بأن يكون الجمع بينها غير جائز شرعًا، فمتعلق الإرادة إحدى الخصال فقط.\nأمّا الأشعرية فلم يجعلوا للأمر علاقة بالإرادة، بل جعلوا الإرادة ملازمة للوقوع، فكلُّ ما وقع كونًا وقدرًا، فقد أراده الله تعالى، سواء وافق أمره الشرعي أو خالفه؛ وبناء عليه، فإذا فعل المكلف إحدى الخصال فهي المرادة، وإذا فعلها جميعًا فكذلك.\nوأمّا أهل السنة، فإنّهم قسموا الإرادة إلى: شرعية وكونية، وفرقوا بينهما، ومن ثمَّ فالخصال المأمور بها مرادة لله، إرادة شرعية، وأمّا المراد قدرًا من تلك الخصال فهو ما وقع، وفعله المكلف (^٢).\nالخامسة: ذهبت المعتزلة إلى أنَّ المكروه غير مراد لله مطلقًا؛ لأنّ المكروه مضاد للأمر، فهو مضاد للإرادة مطلقًا، أي: إرادة المشيئة، وإرادة المحبة.\nوذهب الأشعرية إلى أنّه مراد لله؛ لتلازم الإرادة والوقوع عندهم، وإخبار\n_________\n(^١) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٣٧٤)، وانظر: البحر (ا/ ٣٧١ - ٣٧٢)، المسودة (ص ٥٣).\n(^٢) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٤٩٣ - ٤٩٤)، انظر: التلخيص للجويني (١/ ٣٧٢ - ٣٧٣)، البحر المحيط (١/ ٢٠٠)، قواطع الأدلة (١/ ١٧٥).","vol":"1","page":94},{"text":"المولى أنه لا يحب المكروه، فمعناه: أنّه لا يريد وقوعه ممن لم يقع منه، أمّا من وقع منه فلا يوصف بعد وقوعه بالكراهة (^١).\nوأما أهل السنة فقالوا: المكروه مخالف لمقتضى الأمر، فهو مكروه لله كراهية دينية شرعية؛ لأنّها هي الملازمة للأمر، لكن إذا فعله المكلف فقد تعلقت به الإرادة الكونية القدرية، وإذا لم يفعله فلم تتعلق به، لملازمة الإرادة الكونية للوقوع (^٢).\nالسادسة: ذهبت المعتزلة إلى أن المباح غير مراد، كما أنّه غير مكروه؛ لأنّه ليس مأمورًا به، والإرادة تابعة للأمر وملازمة له.\nوذهبت الأشعرية إلى أن المباح إذا فعله المكلف فهو مراد لله؛ لأنّ الإرادة عندهم ملازمة للوقوع، وإذا لم يقع المباح فهو غير مراد لله.\nوأهل السنة والجماعة، الذين جعلوا الوقوع تابعًا للمشيئة، والرضا تابعًا للأمر، قالوا: المباح غير مراد، ولا مكروه شرعًا؛ لعدم الأمر به أو النهي عنه، وأمّا قدرًا وكونًا؛ فإنّه تابع لوقوعه (^٣).\nالسابعة: مما سبق يعلم مسألة اشتراط الإرادة في الأمر، فمن ذهب إلى أن بين الأمر والإرادة الكونية ملازمة، أو هما شيء واحد، ذهب إلى اشتراط الإرادة في الأمر.\n_________\n(^١) قال إمام الحرمين: في التلخيص (١/ ١٧١): «فإن قيل: إذا تحقق وقوع الفعل، فهل تقولون إنّه مكروه؟ قلنا: هذا مما نتحاشى منه، فإنَّ الرب عزَّ اسمُه، موجد الأفعال ومخترعها، فلا يوجد إلا ما يريد، فإطلاق القول بأن الفعل الواقع مكروه له زلل …».\n(^٢) تخريج الأصول على الأصول للعمري (٦٣٢)، وانظر: التقريب والإرشاد (١/ ٣٠٢) ميزان الأصول للسمرقندي (ص ١٤٤).\n(^٣) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٦٩١)، انظر: التلخيص (١/ ١٢٥٥)، البحر المحيط (١/ ٢٧٦).","vol":"1","page":95},{"text":"ومن اعتقد عدم الملازمة بين الأمر والإرادة، وأن الكونية منفصلة عن الشرعية، ذهب إلى عدم اشتراط الإرادة في الأمر (^١).\nوالتحقيق في العلاقة بين الإرادتين هي: أن (الأقسام أربعة:\n(أحدها): ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع، فأمر به وأحبه ورضيه، وأراده إرادة كون فوقع، ولولا ذلك لما كان.\n(والثاني): ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الأمر الكفار والفجار، فتلك كلها إرادة دين، وهو يحبها ويرضاها لو وقعت ولولم تقع.\nو(الثالث): ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، وهو ما قدره وشاءه من الحوداث التي لم يأمر بها: كالمباحات والمعاصي، فإنه لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها، لما كانت ولما وجدت، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.\nو(الرابع): ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، فهذا مالم يكن من أنوع المباحات والمعاصي) (^٢).\nالثامنة: تعليل الأحكام بنيت على القول باشتراط الإرادة لصحة الأمر، وذلك أن من قال إنه يأمر بما لا يريد فعنده أن ما لا يريده لا مصلحة فيه، ولذا يلزم على قوله أن الأحكام لا يشترط أن تكون معللة.\n_________\n(^١) انظر: أسباب الخلاف للسهلي (ص ٣٧٠)، قواطع الأدلة (١/ ٩١ - ٩٢)، الوصول لابن برهان (١/ ١٣٢) المسائل المشتركة للعروس (ص ١٢٣).\n(^٢) منهاج السنة (١/ ١٤٦).","vol":"1","page":96},{"text":"ومن قال إنه يأمر بما يريد فعنده أن ما يريده فيه مصلحة، ولذا يلزم أن تكون أحكامه معللة بالمصلحة (^١).\nيقول شيخ الإسلام: «فجمهور أهل السنة يقولون: إن الله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان، ولا يرضاه، وإن كان داخلًا في مراده، كما دخلت سائر المخلوقات لما في ذلك من الحكمة، وهو وإن كان شرًا بالنسبة إلى الفاعل، فليس كل ما كان شرًا بالنسبة إلى شخص يكون عديم الحكمة، بل لله في المخلوقات حِكَم قد يعلمها بعض الناس، وقد لا يعلمها» (^٢).\n_________\n(^١) انظر: العدة (٢/ ٤٢٢).\n(^٢) قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع فتاويه (٨/ ١٨٨ - ١٨٩)، وانظر شفاء العليل (٨٨).","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-85>المبحث الخامس الحكمة في أفعال الله وشرعه</span>\nوهذه المسألة من المسائل الكبيرة حتى قال عنها ابن القيم: «هل أفعال الرب تعالى معللة بالحكم والغايات؟ وهذه من أجل مسائل التوحيد المتعلقة بالخلق والأمر بالشرع والقدر» (^١).\nوالمراد بالحكمة: الغايات المحمودة المقصودة بفعل الله وشرعه (^٢).\nوالحكمة تتضمن شيئين (^٣):\nأحدهما: حكمة تعود إلى الله تعالى يحبها ويرضاها فهي صفة له، تقوم به، لأن الله لا يوصف إلا بما قام به، وهي ليست مطلق الإرادة، وإلا لكان كل مريد حكيمًا، ولا قائل به.\nوثانيهما: حكمة تعود إلى عباده، هي نعمة عليهم يفرحون ويلتذون بها في المأمورات والمخلوقات.\nوالحكمة لا يحيط بها علمًا إلا الله تعالى، وبعضها معلوم للخلق، وبعضها مما يخفى عليهم.\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٠٩).\n(^٢) انظر: منهاج السنة (١/ ١٤١)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ٣٤، ١٨٧)، والنبوات (ص ١٣٦)، وأعلام الموقعين (١/ ١٩٧ - ٢٠١)، (٢/ ٢٧٩)، (٤/ ١١٠)، والعواصم والقواصم (٧/ ٣٠٩)، وإيثار الحق على الخلق (١٩٠).\n(^٣) انظر: منهاج السنة (١/ ١٤١)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ٣٤).","vol":"1","page":98},{"text":"والحكمة في أفعال الله تعالى نوعان (^١):\n(١) حكمة مطلوبة لذاتها، كما في قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] فبين الله أن الحكمة من خلقه الجن والإنس ليعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئًا، وهذه العبادة أمر محبوب لله تعالى ومطلوب له.\n(٢) حكمة مطلوبة لغيرها وتكون وسيلة إلى مطلوب لنفسه، كالحكمة التي يراد بها الامتحان، وبعض هذه الحِكم هي وسيلة إلى مطلوب لنفسه، فامتحان الله لهؤلاء يترتب عليه شكر هؤلاء وكفر هؤلاء، وذلك يوجب آثارًا مطلوبة للفاعل من إظهار عدله وحكمته وعزته، وقهره، وسلطانه، وعطائه من يستحق عطاءه، ويحسن وضعه عنده، ومنعه من يستحق المنع، ولا يليق به غيره، ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:: ٥٣].\nوأما الحكمة الحاصلة من الشرائع أربعة أنواع (^٢):\nالنوع الأول: حكمة حاصلة من الأمر بفعل مشتمل على مصلحة معلومة بأصل الفطرة والعقل، كالعدل، والإحسان، والصدق، أو حاصلة من النهي عن فعل مشتمل على مفسدة معلومة بأصل الفطرة والعقل، كالظلم والكذب.\nالنوع الثاني: حكمة حاصلة من الأمر بفعل، أو النهي عن فعل، بحسب اشتماله على المصلحة والمفسدة التي لا تعرف إلا بخطاب الشرع، فيكون الفعل قد اكتسب صفة الحسن والقبح بخطاب الشرع، كالتجرد في الإحرام، والتطهر\n_________\n(^١) انظر: شفاء العليل (٣٢٢).\n(^٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ٤٣٥ - ٤٣٦)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٤٤٥).","vol":"1","page":99},{"text":"بالتراب، والسعي بن الصفا والمروة، ورمي الجمار، ونحو ذلك. ومثل قبح الزيادة على أربع في النكاح.\nالنوع الثالث: حكمة يكون منشؤها من الأمر لا من المأمور به، فيكون المراد من الأمر الابتلاء والامتحان ولا يكون المراد فعل المأمور به، كأمر الله إبراهيم ﵇ بذبح ابنه إسماعيل ﵇.\nالنوع الرابع: حكمة منشؤها الفعل المأمور به والأمر معًا ومثاله: «الصوم والصلاة والحج وإقامة الحدود، وأكثر الأحكام الشرعية، فإن مصلحتها ناشئة من الفعل والأمر معًا، فالفعل يتضمن مصلحة، والأمر به يتضمن مصلحة أخرى، فالمصحلة فيها من وجهين» (^١).\nوالأدلة الدالة على الحكمة كثيرة جدًا ذكرها المصنفون في أصول الفقه عند بحثهم عن مسالك العلة (^٢).\nوقد حاول ابن القيم حصرها بأنواعها -بعد أن ذكر أن آحاد الأدلة كثيرة يصعب سردها كلها - وقد أوصلها إلى اثنين وعشرين نوعًا (^٣).\nكالتصريح بلفظ الحكمة (^٤)، أو ذكر ما هو من صرائح التعليل (^٥)، وهو من\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٤٥).\n(^٢) انظر: الفقيه والمتفقه (٢/ ٢١٠)، والمعتمد (٢/ ٢٥٠ - ٢٥٤)، والبرهان (٢/ ٥٢٩ - ٥٣١)، والمستصفى (٢/ ٢٨٨ - ٢٩٢)، والمحصول (٥/ ١٣٩ - ١٥٥)، إحكام الآمدي (٣/ ٢٥٢ - ٢٦٠)، والمسودة (٤٣٨)، وشرح تنقيح الفصول (٣٩٠)، وشرح العضد (٢/ ٢٣٤) وفواتح الرحموت (٢/ ٢٩٥)، وغيرها.\n(^٣) انظر: شفاء العليل (ص ٣١٩ - ٣٤٣).\n(^٤) انظر: شفاء العليل (٣١٩)، والبحر المحيط (٧/ ٢٣٨).\n(^٥) انظر: شفاء العليل (٣٢٨)، والبحر المحيط (٧/ ٢٣٩).","vol":"1","page":100},{"text":"أجل أو لأجل، أو الإتيان بكي الصريحة في التعليل (^١)، أو ذكر المفعول له (^٢) - المفعول لأجله - وهو علة للفعل المعلل به، أو التعليل ب (لعلّ) (^٣)، إلى غير ذلك.\nوالأنواع كثيرة، والأصل أن يأتي التعليل بالحروف، وقد تدل عليه الأسماء والأفعال، وقد يجعل بعض الأصوليين ما هو من صرائح التعليل في ظاهره، وذلك لاحتمال غيره، والحق أن السياق له أثر في الدلالة على العلية إن لم تكن الأداة نصًا في العلية، فينظر فيما يحتمل التعليل وعدمه بحسب السياق (^٤).\nخالف في إثبات أصل الحكمة المقصودة: الجهمية والأشعرية ومن وافقهم (^٥).\nأما المعتزلة فيثبتون الحكمة لله تعالى في أقواله وأفعاله، لكن إثباتهم يختلف عن إثبات جمهور أهل العلم المثبتين للحكمة.\nفالمعتزلة يثبتون حكمة تعود إلى المخلوق فقط، ولا يثبتون حكمة تعود إلى الله (^٦)، وكذلك فإن مقتضى مذهبهم: الإحاطة بوجوه الحكمة في كل أفعال الله، فتراهم ينفون أمورًا كثيرة بدعوى أن إثباتها ينافي حكمة الله، كنفيهم مزيد توفيق من الله لبعض الناس، وكنفيهم خلق أعمال العباد، بدعوى أنه لا يليق في حكمة الله تمييز بعض الناس عن بعض في الهداية، وزعموا كذلك أنه يلزم من القول بخلق\n_________\n(^١) انظر: شفاء العليل (٣٢٥)، والبحر المحيط (٧/ ٢٤٠)، والعواصم والقواصم (٧/ ٣٠٨).\n(^٢) انظر: شفاء العليل (٣٢٦)، والبحر المحيط (٧/ ٢٤١)، والعواصم والقواصم (٧/ ٣٠٥).\n(^٣) انظر: شفاء العليل (٣٢٨)، والبحر المحيط (٧/ ٢٤٩).\n(^٤) انظر: البحر المحيط للزركشي (٧/ ٢٣٧).\n(^٥) انظر: غاية المرام للآمدي (٢٢٤)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٤١٠) وتحفة المريد (٩٦).\n(^٦) انظر: المغني في أبواب العدل والتوحيد (٦/ ٤٨)، (١١/ ٩٢ - ٩٣).\nويرد عليهم أن من أسماء الله تعالى الحكيم أي أنه ذو الحكمة، ولا يسمى الله ﷿ إلا بما يتضمن وصفًا قائمًا به.","vol":"1","page":101},{"text":"أفعال العباد، أن يكونوا مجبورين عليها، فكيف يعذبون بما ليس فعلا لهم، فهذا -في زعمهم- لا يليق بالحكمة (^١).\nومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل:\nالمسألة الأولى: جوّز أكثر الأشعرية أن يكلف الله عباده بما يشاء من محال وغيره؛ لأن مدار التكليف على محض المشيئة من غير حكمة ولا تعليل.\nوذهبت المعتزلة إلى أن فائدة التكليف والحكمة منه، امتثال الأمر وتحصيل المأمور به، ومن ثم منعوا التكليف بالمحال والمعجوز عنه بكل صوره.\nوذهب أهل السنة والجماعة إلى أن فائدة التكليف، إما امتثال الفعل، وإما ابتلاء عزم المكلف على الفعل، ومن ثم منعوا التكليف بالمحال لذاته، والمحال العادي، وجوَّزوا التكليف بما علم الله، أن المكلف لا يتمكن منه في الوقت؛ لأنه وإن لم يحصل الفعل، فالابتلاء به ممكن، والفائدة الأخيرة منعتها المعتزلة لما سبق، وبه يظهر مأخذ الطوائف في مسألة تكليف ما لا يطاق (^٢).\nالثانية: مسألة حكم قبول جميع التكاليف للنسخ، والصواب عدم تصور قبول النسخ للأحكام التي هي حسنة بذاتها كالتوحيد والعدل والإحسان، أو التي هي قبيحة بذاتها، كنسخ تحريم الكفر أو الظلم، وذلك لأنّه ليس من الحكمة النهي عن التوحيد، أو الأمر بالكفر والظلم، تعالى الله عن ذلك، وليس ذلك بواجب على الله،\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ٩١)، وإيثار الحق على الخلق (٢٠١).\nوهو مبني على قياسهم أفعال الله بأفعال خلقه المستلزم ادعاء الإحاطة بوجوه حكمته، فمن الباطل، لأنه لا يجوز قياس أفعال الله بأفعال خلقه لعدم المساواة، وكذلك فإن بعض الأمور مما يخفى علينا فيه وجه الحكمة.\n(^٢) انظر: تخريج الأصول على الأصول (ص ٣٤٥ - ٣٤٦)، الإبهاج (١/ ١٧٢)، سلاسل الذهب (ص ١٣٧)، المسودة (ص ٥٣) تنشيف المسامع (١/ ١٣٨)، نثر الورود (١/ ٦٢ - ٦٣).","vol":"1","page":102},{"text":"بل ذلك هو مقتضى حكمته، خلافًا لنفاة التعليل الذين بالغوا حتى قالوا إنّه يجوز أن يأمر بالشرك، وينهى عن عبادته وحده (^١).\nقال ابن تيمية ﵀: عمن أجاز ذلك، ونفى كون أفعاله تعلل: «فهذا القول ولوزامه هو أيضًا قول ضعيف مخالف للكتاب والسنة ولإجماع السلف، مع مخالفته للمعقول الصريح، فإنّ الله تنزه عن الفحشاء، فقال: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨]، كما نزّه نفسه عن التسوية بين الخير والشر، فقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]» (^٢).\nالثالثة: جواز نسخ الحكم قبل التمكن منه، وذلك لأن «منشأ الخلاف في هذه المسألة هو: هل حكمة التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء - وهو الحق - أو هي الامتثال فقط، وهو قول القدرية؟ فعلى أن الحكمة مترددة بينهما فالمنسوخ بعد الفعل حكمته الامتثال، وقد امتثل بالفعل قبل النسخ، والمنسوخ قبل التمكن من الفعل حكمته الابتلاء، وقد حصل قبل النسخ» (^٣).\nقال ابن تيمية ﵀: «… وإذا كان مقصود الآمر الامتحان للطاعة، فقد يأمر بما ليس بحسن في نفسه، وينسخه قبل التمكن إذا حصل المقصود من طاعة المأمور وعزمه وانقياده وهذا موجود في أمر الله وأمر الناس بعضهم بعضا» (^٤).\nالرابعة: قد يمنع القائل بالتعليل نسخ الحكم مع بقاء التلاوة، ظنًا منه أن بقاء\n_________\n(^١) ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤١٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٣٣).\n(^٣) مذكرة في أصول الفقه للأمين الشنقيطي (٨٧ - ٨٨).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٤/ ١٤٦).","vol":"1","page":103},{"text":"الآية مع نسخ حكمها يوهم المكلَّف بقاء الحكم، ويعرضه لاعتقاد الجهل، وهذا قبيح ينزه الله عنه، أو أن بقاء التلاوة دون الحكم عبث ينزَّه الحكيم عنه (^١).\nوالصواب: أنه لا مانع من ذلك، ودليله الوقوع، فآية الاعتداد بحول - مثلًا - نسخت ما دلَّت عليه من إيجاب تربص الحول على المتوفى عنها، وبقيت أحكام أُخر من أحكامها لم تنسخ، وهي قراءتها في الصلاة، ومن المصحف، والتعبد بها. وعليه فلا مانع من ذلك (^٢).\nقال الزركشي: «وهنا سؤال، وهو أن يسأل: ما الحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة؟.\nوالجواب من جهتين: أحدهما: أن القرآن كما يُتلى لُيعرف الحكم منه، والعمل به، فيتلى لكونه كلام الله تعالى، فيثاب عليه، فتركت التلاوة لهذه الحكمة. وثانيهما: أن النسخ غالبًا يكون للتخفيف، فأبقيت التلاوة تذكيرًا بالنعمة، ورفعَ المشقة» (^٣).\nالخامسة: تعليل الأحكام، ولك أن تقول هي هي مسألة تعليل أفعال الله، وهي مسألة الأصل؛ لأن القول بتعليل فعله يلزم منه القول بتعليل أمره وحكمه، إذ حكمه وأمره من فعله (^٤).\nونبه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى تناقض من يمنع تعليل أفعال الله، فقال: «والغالب عليهم عند الكلام في الفقه وغيره التعليل، وأما في الأصول: فمنهم من\n_________\n(^١) انظر: الإحكام للآمدي (٣/ ١٤٢ - ١٤٣).\n(^٢) مذكرة في أصول الفقه للأمين الشنقيطي (١٢٩).\n(^٣) البرهان في علوم القرآن (٢/ ٣٩).\n(^٤) انظر: أصول ابن مفلح (١/ ١٥١)، والتحبير (٢/ ٧٤٩).","vol":"1","page":104},{"text":"يصرح بالتعليل ومنهم من يأباه» (^١).\nالسادسة: الخلاف في تعريف العلة بكونها أمارة أو باعثة ومؤثرة في الحكم، فمن قال بأن الأحكام الشرعية لا تعلل بالأغراض قالوا بأن العلة مجرد علامة وأمارة على الحكم (^٢)، غير مؤثرة فيه؛ إذ لا حكمة باعثة للمكلف على العمل تُدرك من خلال هذه العلة، ولذا نفوا كونها باعثة للحكم؛ لأن تعريفها بالباعث وهو المشتمل على حكمة مقصودة للشارع، وهذا يقتضي أن الفعل كان من أجل غاية معينة - وهو تلك الحكمة المقصودة - ومن فعل فعلًا لغرض فإنه مستكمل بذلك الغرض، والمستكمل بغيره ناقص بذاته، والله تعالى منزه عن ذلك؛ لأنه غني بذاته الغنى المطلق (^٣).\nلذا أنكر الأشعرية تأثير الأسباب الشرعية والعلل في الأحكام، وجعلوها من قبيل الأمارات والعلامات لا غير، خشية أن تعلل أفعال الله بالأغراض (^٤).\nأمّا القائل بتعليل أفعال الله فأثبتت تأثير الأسباب والعلل في الأحكام، وأهل السنة جعلوا العلل باعثة على الأحكام، ومناسبة لها من غير أن يقولوا: إنّها موجبة (^٥).\n_________\n(^١) منهاج السنة (١/ ٤٥٥).\n(^٢) انظر: مذكرة في أصول الفقه للأمين الشنقيطي (٣٢٨).\n(^٣) انظر: المحصول (٥/ ١٣٢)، ونهاية الوصول (٨/ ٣٢٥٧)، ومذكرة في أصول الفقه للأمين الشنقيطي (٣٢٨).\n(^٤) انظر: رفع الحاجب (٤/ ١٧٦)، البحر المحيط (٥/ ١١٣)، تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٧١٠).\n(^٥) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٧٠٩).\nوالمسألة: مبنية على نفي أو إثبات الصفات الذاتية في الأفعال، وهل يكون منها حسنا وقبيحًا، ومعلوم أن الخلاف في تعليل أحكام الله تعالى، مبني على الخلاف في إثبات الحسن والقبح أو نفيهما. تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٩٩).","vol":"1","page":105},{"text":"السابعة: الكسر الذي هو بمعنى وجود الحكمة بلا حكم، يشترط له وجود الحكمة المعلَّل بها، ولذا لا بد لصحته من القول بجواز التعليل بالحكمة، وإلا فلا معنى لإيراد النقض عليها (^١).\n_________\n(^١) انظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٢٣٠)، مختصر المنتهى مع شرحه بيان المختصر (٣/ ٤٨)، وشرحه رفع الحاجب (٤/ ٢١٢)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٥١٣)، والتحبير للمرداوي (٧/ ٣٢٣٩).","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type='title' id=toc-86>المبحث السادس بقاء الأعراض</span>\nعُرِّف العرض عند الأشاعرة بأنه: موجود قائم بمتحيز، وعند المعتزلة: ما لو وجد لقام بالمتحيز، وعند الحكماء: ماهية إذا وجدت في الخارج كانت في موضوع أي في محل مقوم (^١).\nوقد اختلف في بقاء الأعراض على قولين (^٢):\nالأول: أن العرض لا يبقى زمانين، وهو قول الأشعري، وأتباعه، واختاره النظام، والكعبي.\nوالثاني: أن العرض يبقى، وبه قال جمهور المعتزلة، واختاره الرازي، ونسبه ابن تيمية لجمهور العقلاء.\nومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل:\n\n<span data-type='title' id=toc-87>المسألة الأولى: كون النسخ هل هو رفع أو بيان؟</span> مبني على بقاء الأعراض (^٣)؛ لأن «من قال ببقاء الأعراض، قال: الضد الباقي يبقى لولا طريان الطارئ، ثم إن الطارئ يكون مزيلًا لذلك الباقي، ومن قال بأنها لا تبقى قال الضد الأول ينتهي\n_________\n(^١) عرفه الأيجي في المواقف (٩٦ - ٩٧)، وانظر: شرح المواقف (٥/ ٣٨)، التعريفات (١٩٢)\n(^٢) انظر: الإنصاف (٢٧)، محصل أفكار المتقدمين (١١٤)، طوالع الأنوار (١٨٩)، درء تعارض العقل والنقل (٦/ ١٨٥)، المواقف (١٠١)، شرح المواقف (٥/ ٣٨).\n(^٣) انظر: نهاية الوصول (٦/ ٢٢٢٩) تشنيف المسامع (٢/ ٨٥٩) وانظر: البحر المحيط (٤/ ٦٧) الفوائد السنية (٢/ ٦٥٧)، التقرير والتحبير (٢/ ٤٤)، التحبير (٦/ ٢٩٧٩)، نشر البنود (١/ ٢٨٠).","vol":"1","page":107},{"text":"بذاته، ويحصل ضده بعد ذلك من غير أن يكون للضد الطارئ أثر في إزالة ما قبله؛ لأن الزائل بذاته لا يحتاج إلى مزيل، وإذا ظهر هذا التمثيل عادت الدلائل المذكورة في تلك المسألة إلى هذه المسألة نفيًا وإثباتًا»، قاله الرازي (^١)، ثم قال بعد ذكره لأدلة المسألة: «والقول بكون النسخ رفعًا عين القول بإعدام الضد بالضد» (^٢).\nفالناسخ والمنسوخ ضدان وعرضان جاء أحدهما بعد الآخر، فمن قال إن العرض لا يبقى زمانين قال بأن الحكم الأول ينتهي بنفسه من غير أن يؤثر في زواله إثبات الحكم الثاني، فيكون المنسوخ إنما زال بنفسه، ويكون النسخ بيانا لزوال الأول وانتهائه.\nومن قال إن العرض يبقى زمانين قال الحكم الأول إنما زال لأجل إثبات الحكم الثاني، فكان ثبوت الحكم الثاني مؤثرًا في زوال الحكم الأول، وعلى هذا يكون النسخ رفعا؛ لأن الثاني رفع الأول وأثر في زواله (^٣).\nوقد أنكر القرافي هذا البناء؛ فقال: «لا نسلم أن الأعراض مساوية للمسألة؛ لأن كلام الله تعالى قديم واجب الوجود، لا يوصف بما توصف به الأعراض من عدم بقائها زمانين، وهذا المثال بعيد جدًا عن المسألة» (^٤).\nفالقرافي أنكر هذا البناء من جهة أن الحكم هو خطاب الله القديم الواجب الوجود، فيستحيل عليه أن يكون عرضًا، بل هو سبحانه ليس كمثله شيء في ذاته وصفاته، ودوام الحكم بدوام تعلقه وانقطاعه بانقطاعه، وتعلق الصفات نسب\n_________\n(^١) المحصول (٣/ ٢٨٧).\n(^٢) المحصول (٣/ ٢٩١)، وانظر: الكاشف (٣/ ٢٢٨).\n(^٣) انظر: الكاشف (٣/ ٢٢٣)، التحبير (٦/ ٢٩٧٩).\n(^٤) نفائس الأصول (٦/ ٢٤٠٨)، وانظر: الكاشف (٣/ ٢٣١ - ٢٣٢).","vol":"1","page":108},{"text":"وإضافات لا توصف، فإنها موجودة في الخارج ولا أعراض، فلا يستقيم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-88>المسألة الثانية: كون الاستصحاب حجة مبني على هذا الأصل</span>؛ «لأن الباقي إن لم يحتج إلى مؤثر كان الاستصحاب حجة، وإن احتاج لم يكن حجة؛ لجواز التغير لعدم المؤثر»، قاله الطوفي (^٢)، والمراد - والله أعلم - أن الباقي المستصحب حجة، لعدم بقاء المؤثر الرافع، أما إن احتاج إلى المؤثر الرافع فليس حجة؛ لأن الحجة حينئذ ليس استصحاب حكم سابق، بل بالمؤثر الرافع.\n_________\n(^١) انظر: سلاسل الذهب (٢٩٣).\n(^٢) شرح مختصر الروضة (٣/ ١٥٠).","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type='title' id=toc-89>الفصل الثالث المسائل المتعلقة بالقدر</span>","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type='title' id=toc-90>مسألة اختلاف الناس في قدرة العبد </span>(^١)\nذهب أهل السنة والجماعة إلى أن الاستطاعة على نوعين، نوع بمعنى التمكن والوسع، ونوع بمعنى الموجبة للفعل، وتشمل الإرادة الجازمة والتوفيق لإيقاع الفعل، فيقع بها (^٢)،\nالنوع الأول (^٣): استطاعة شرعية، بمعنى أنها التي بالكلمات الأمريات الشرعيات، فهي مناط الأمر والنهي والثواب والعقاب، فإذا انتفت، انتفى الأمر والنهي والوعد والوعيد، فهي إذًا شرط في التكليف، وحاصلها أنها استطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن من الفعل وسلامة الآلات والأسباب، وهي تكون قبل الفعل، ومقارنة له أيضًا، ومصححة له، وتصلح للضدين أي الترك والفعل، أو الخير والشر، وهذا النوع هو أكثر ما يتكلم عنه الفقهاء، بل هو الغالب في عرف الناس.\n_________\n(^١) إن اختلاف الناس في قدرة العبد يعد من أصول نزاعهم في جواز تكليف ما لا يطاق، وقد اختلف الناس في أنواع القدرة ووقت تعلقها بالفعل، وصلاحيتها للضدين، وبتحقيق هذه الأمور يرتفع أكثر النزاع في هذه المسألة علمًا بأن القدرة يطلق عليها الاستطاعة. انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ٢٩٣).\n(^٢) انظر: شرح التلويح على التوضيح (١/ ٣٧١)، والبحر المحيط للزركشي (٢/ ١٦٦).\n(^٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ٢٩٠)، ٣٧٢ - ٣٧٣)، ٤٤١).","vol":"1","page":113},{"text":"والأدلة من الكتاب والسنة المبينة لهذه الاستطاعة كثيرة؛ فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل: عمران: ٩٧] فالآية نص في أن وجوب الحج مشروط بالاستطاعة عليه، فالاستطاعة إذًا شرط، وهي هنا الزاد والراحلة، فلو كانت الاستطاعة في الآية بمعنى الاستطاعة الموجبة للفعل- وشرطها أن تكون مقارنة للفعل- لكان معنى الآية، لا يجب الحج إلا على من حج، ليس فقط بالعزم عليه والتمكن من فعله، وإنما بعد الفراغ منه، وهذا يؤول إلى اسقاط الواجبات كلها.\nومن السنة قول الرسول ﷺ: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه مااستطعتم) (^١) فهذه الاستطاعة بمعنى الوسع والتمكن من الفعل، فلو أريد بها الموجبة للفعل لكان المعنى: فأتوا منه ما فعلتم، فلا يكونون مأمورين إلا بما فعلوه.\nومنه قول الرسول ﷺ لعمران بن حصين ﵁: (صل قائما فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) (^٢) فلو أريد بالاستطاعة النوع الثاني منها، لكان المعنى صلِّ بالتخيير قائمًا أو قاعدًا أو على جنب.\nالنوع الثاني (^٣): استطاعة كونية، التي هي للكلمات الخلقيات الكونيات، فهي مناط القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود الفعل، فهي موجبة ومحققة له، وتكون دائمًا مقارنة للفعل فلا تكون إلا معه، فحقيقتها إذًا مجموع ما يجب بها الفعل، وتدخل فيها الإرادة وغيرها، فهي توجد في حق من فعل.\n_________\n(^١) متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام باب الإقتداء بسنن رسول الله ﷺ برقم (٧٢٨٨) ومسلم في كتاب الفضائل، باب توقيره ﷺ، برقم (١٣٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب تقصير الصلاة، باب إذا لم يطق قاعدا صلى على جنب، برقم (١١١٧).\n(^٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ٢٩١، ٣٧٢ - ٣٧٣، ٤٤١).","vol":"1","page":114},{"text":"ومن الأدلة الدالة على هذه الاستطاعة: قول الله تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [هود: ٢٠] وقوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١] وقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٧ - ٤٨].\nففي هذه الآية نفى الله استطاعة معينة، لا بد من تفسيرها بأنها استطاعة موجبة للفعل، وليست الاستطاعة المشروطة للفعل، إذ الثانية شرط في التكليف، فإذا انتفت فلا تكليف، فلما نفى الله هنا الاستطاعة، ورتب عليها الجزاء، علمنا أنها استطاعة موجبة للفعل، خاصة، وأن سمع الآذان كان حاصلًا لهم، فكان المنفي شيئًا آخر، وفي قوله: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ دلالة على العقاب بسبب الجحود، فعاقبهم الله بخذلانهم فلا يهتدون إلى طريق الحق، وهذا معنى عدم استطاعتهم، فدل على أن هذه الاستطاعة قدر زائد على مجرد الوسع والتمكن من الفعل.\nوزعمت القدرية أن قدرة العبد تكون قبل الفعل، وتصلح للضدين، وهي شرط لصحة الفعل، فالفعل مشروط، ويستحيل أن يتقدم المشروط على شرطه، فلو كانت مع الفعل لا قبله للزم عدم تكليف الكافر بالإيمان، بل للزم عدم تكليف أي إنسان.\nوالجبرية زعموا أن قدرة العبد تكون مقارنة للفعل لا قبله، لأنها لو فرضت قبل الفعل وهي عرض لكان الفعل واقعًا بلا قدرة، لأن العرض لا يبقى زمانين.\nفيلحظ أن ما أورده كل فريق على الآخر يدل على بطلان نفيه لما نفاه من القدرة التي لا يثبتها، فدل ذلك على أنه لو قيل بالقدرتين لما أمكن الاعتراض أصلًا.","vol":"1","page":115},{"text":"ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل:\n\n<span data-type='title' id=toc-91>المسألة الأولى: من قال من الأصوليين بتوجيه التكليف قبل الفعل </span>-كما هو مذهب أكثر الطوائف من أهل السنة والمعتزلة وكثير من الأشعرية- فينظر إلى قوله في وقت القدرة: فإن كان ممن يقول بتقدمها على الفعل -سواء قال بالقدرة المقارنة للفعل كأهل السنة أو نفاها كالمعتزلة- فإنّه يمنع تكليف ما لا يطاق؛ لأنّ التكليف والقدرة كانا قبل الفعل فتصادفا.\nوإن كان ممن يقول: إنَّ القدرة مع الفعل، ولا تتقدم عليه، -كما هو مذهب الأشعرية- فالقول بتكليف ما لا يطاق لازم له؛ لأنّ التكليف تقدم على القدرة، فكان تكليفًا لغير القادر.\nومن قال: إنّ التكليف لا يتوجه إلا مع الفعل-كما هو مذهب بعض الأشعرية- فينظر إلى قوله في وقت القدرة: فإن كان ممن يقول: إنها مع الفعل، فلا يلزمه القول بتكليف ما لا يطاق؛ لأنّ التكليف والقدرة تصادفا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-92>الثانية: خلاف المعلوم هل هو ممكن أو مستحيل؟</span> يبني على الخلاف في وقت القدرة، فمن يجعل القدرة نوعًا واحدًا مقارنًا للفعل -وهم الأشعرية- فإنّه يجعل خلاف المعلوم مستحيلا، وهو كذلك بهذا الاعتبار؛ فإنّ كل من لم يفعل الفعل لم تحصل له القدرة التي يوجد بها الفعل، فالقاعد ليس قادرًا على القيام بالنظر إلى القدرة المقارنة للقيام؛ لأنّه ما لم يحصل القيام لم تحصل تلك القدرة (^٢).\nأمّا من نظر إلى خلاف المعلوم باعتبار القدرة المتقدمة على الفعل، فإنّه يجعل خلاف المعلوم ممكنًا، وهو كذلك بهذا الاعتبار؛ إذ التكليف يتعلق بالقدرة\n_________\n(^١) تخريج الأصول على الأصول للعمري (ص ٣٣٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٨/ ١٣٠).","vol":"1","page":116},{"text":"المتقدمة الممكنة، والكلام في القدرة المقارنة الميسِّرة كلام في القضاء والقدر لا في الأمر والنهي (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-93>الثالثة: جواز نسخ المأمور به قبل التمكن من الفعل،</span> عند من يقول بجواز طلب المأمور به قبل خلق القدرة عليه؛ لأن القدرة لا تكون إلا مقارنة للفعل، والفعل لم يقع قبل التمكن منه.\nومن لم يجوِّز ذلك منع من النسخ قبل التمكن.\n\n<span data-type='title' id=toc-94>الرابعة: جواز تخصيص العلة، إن قيل إن الاستطاعة قبل الفعل</span>؛ لأن قوة الفعل علة للفعل، وعندهم القوة موجودة ولا فعل لمانع منع المستطيع من الفعل، وإذا جاز وجود علة الفعل ولا فعل لمانع جاز أن توجد العلة الشرعية ولا حكم لها لمانع.\nوإن قيل إنها مقارنة، ويستحيل تقدمها على الفعل، فلا يجوز التخصيص؛ لأنه لا يجوز أن تكون العلة موجودة ولا حكم (^٢).\nونوقش: بأنا وإن سلَّمنا أن القول بأن الاستطاعة قبل الفعل يلزم منه جواز التخصيص، لكنا لا نُسلِّم بأنها إن كانت مقارنة لا يجوز التخصيص؛ لأن العلل الشرعية ليست موجبة بذواتها، بحيث لا يتصور انفكاك معلولاتها عنها، كما هو الحال في مسألة الاستطاعة، وإنما هي أمارات، فيجوز انفكاك معلولاتها عنها (^٣).\n_________\n(^١) تخريج الفروع (ص ٣٦٨) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٢٠) البحر المحيط (١/ ٣٩١ - ٣٩٢).\n(^٢) انظر: كشف الأسرار (٤/ ٦٧٩)، الكافي شرح البزودي (٤/ ١٨٥٧ - ١٨٥٨)، سلاسل الذهب (٣٩٣).\n(^٣) انظر: كشف الأسرار (٤/ ٦٧)، سلاسل الذهب (٣٩٣).","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>الفصل الرابع المسائل المتعلقة بالنبوات</span>","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type='title' id=toc-96>المبحث الأول العصمة</span>\nوتحته مطلبان:\n\n•<span data-type='title' id=toc-97> المطلب الأول: عصمة الأنبياء قبل النبوة:</span>\nسبق الحديث عن عصمة الأنبياء، ومواطن ذكرها (^١)، وما قد يُبنى عليها من مسائل في أصول الفقه، وهنا الحديث عن عصمتهم قبل النبوة، وهي مما استطردوا الحديث فيها، وقد انعقد الإجماع على عصمتهم من الكفر والشرك قبل إنبائهم، إلا ما يذكر من مذهب الخوارج (^٢).\n_________\n(^١) ذكرها الأصوليون تمهيدًا للبحث عن الدليل الثاني السنة فإثبات السنة متوقف على عصمة النبي ﷺ حتى تتحقق الثقة فيما يصدر منه من أقوال وأفعال.\nانظر على سبيل المثال: الرسالة للإمام الشافعي (ص ٩١ - ١٠٤)، والبرهان (١/ ٣٨٨ - ٣٩١)، وشرح الكوكب المنير (٢/ ١٦٧ - ١٧٧)، والتقرير والتحبير (٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤).\n(^٢) نازع شيخ الإسلام ابن تيمية في دعوى الإجماع على أن الأنبياء كلهم معصومون من الشرك والكفر قبل بعثتهم، ونقل عن القاضي الباقلاني ما يدل على الخلاف، واستدل لما ذهب إليه بما ذكره الله عن شعيب ولوط، فقال الله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ٨٨ - ٨٩] وقال عن لوط: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]؛ وذكر أن عصمة النبي ﷺ خاصة، لا تدل على عصمة غيره قبل النبوة، لاختلاف درجات الأنبياء، ثم استثنى شيخ الإسلام أنبياء بني إسرائيل، لأنهم كانوا يحكمون بالتوراة، فعصمتهم من الكفر والشرك قبل نبوتهم حاصلة.\nوقيل: يحمل العود في ملة الكفر في خبر شعيب ﵇ على معنى المصير إليه ابتداءً، لا على العود إلى ما كان حاصلًا قبل.\nخاصة إذا علمنا أن الله ذكر مطالبة المشركين للأنبياء بالعود إلى ملتهم بصيغة عامة، فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [إبراهيم: ١٣] والمخالف يسلِّم بأن بعض الأنبياء لم يكونوا على الكفر قبل نبوتهم، فدل على أن العود ليس إلى حالة كانت ثابتة قبل. ولو قيل: العود لا يكون إلا إلى حالة ثابتة قبل، أمكن أن يجاب بأن العود عود إلى السكوت عن المشركين كما كانوا قبل الرسالة وكانوا أغفالًا، وذلك يصدق عليه عند المشركين كونهم عادوا إلى ملتهم.\nوأما إيمان لوط لإبراهيم ﵉، فلا يدل على وقوع الشرك والكفر منه، بل غايته الإيمان بنبوته وبما جاء به. والذي يظهر أن الباقلاني حكى الخلاف في جواز وقوع الأنبياء في الكفر والشرك قبل نبوتهم، لا في وقوعه حتمًا. والله أعلم.\nانظر تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء لابن تيمية (١/ ١٨٦، ١٩٣، ٢٣٠)، والمحرر الوجيز لابن عطية (١٠/ ٧١).","vol":"1","page":121},{"text":"وجاء في السنة ما يدل على عصمة النبي ﷺ قبل بعثته، ومما يدل على ذلك: (أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﷺ، وهو يلعب مع الغلمان، وأخذه وصرعه، فشق عن قلبه، واستخرج القلب، واستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه) (^١).\nفاستخراج حظ الشيطان منه يدل على سلامته من الكفر والشرك، بل ومن سائر المعاصي، ولذلك كان ﷺ لا يعبد الأصنام، ولا يشارك أهل الجاهلية في شيء من منكراتهم.\nوجمهور أهل العلم لا يوجبون عصمة الأنبياء من الذنوب قبل البعثة، إلا ما كان كفرًا أو دالًا على خسة.\nوقد بالغ الشيعة في أمر العصمة، فادعوا عصمة الأنبياء مطلقًا قبل البعثة وبعدها من سائر المعاصي كفرًا كانت أو غيره، كبائر أو صغائر (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الإسراء، برقم (٢٦١، ٢٥٩).\n(^٢) ومما يجدر ذكره هنا، أن هؤلاء الرافضة، قد ارتكبوا فضائح لا يبوء بها عاقل، فنسبوا النقائص والقبائح إلى الله، فنسبوا إليه البداء - تعالى الله عن ذلك- ومع ذلك رفعوا الأنبياء إلى ما لا يؤيده شرع، وكذلك الحال بالنسبة إلى الأئمة، بل قد تكون لهم منزلة عندهم فوق منزلة الملائكة والأنبياء. والعجب أنهم مع مبالغتهم في عصمة الأنبياء، إلا أنهم أثبتوا في حقهم ما لا يقوله مسلم، ويعود عليهم بالنقض والإبطال، إذ قد جوَّزوا على الأنبياء إظهار الكفر تقية! فعلى مذهبهم الرديء هذا لا يبقى وثوق بالشرائع مطلقًا.\nانظر: هداية العقول (١/ ٤٥٦)، منهاج السنة النبوية (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ٢٩٥). وانظر ما نقله عبد العلي الأنصاري عنهم في ذلك فيما نقلناه (ص ٥٠٣ - ٥٠٤).","vol":"1","page":122},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-98> المطلب الثاني: عصمة الأنبياء بعد النبوة:</span>\nاختلف الناس في العصمة بناء على مذاهبهم في الأفعال -أفعال العباد- وأثر قدرتهم في أفعالهم\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومما يبين الكلام في مسألة العصمة، أن تعرف النبوة ولوازمها وشروطها، فإن الناس تكلموا في ذلك بحسب أصولهم في أفعال الله تعالى، إذ كان جعل الشخص نبيًا رسولًا من أفعال الله تعالى» (^١).\nوتفصيل ذلك، ببيان أقسام الناس في أفعال الله، عند من يثبتها، وهم كل أهل الملة (^٢)، وهم على ثلاث طوائف:\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/ ٤١٣ - ٤١٤).\n(^٢) يستثنى من ذلك الفلاسفة القائلون بقدم العالم وأنه قد صدر عن الله صدور المعلول عن العلّة الموجبة، فهؤلاء ينكرون أن الله يفعل بقدرته ومشيئته - تعالى الله عن قولهم - فانكروا الفعل الاختياري، وقد بالغوا في إنكار وقوع صغائر الذنوب غير الخسيسة من الأنبياء، ولإنكارهم الملائكة، يرون أن الوحي ما يفيض من العقل الفعال يستقبله من كان عنده استعداد لذلك الفيض، وهي أمور مكتسبة، فالأنبياء عندهم امتازوا بقوتهم العلميّة، بحيث يستغنون عن التعليم، وامتازوا بقوة التخييل، فيتشكل في نفوسهم خطاب يسمعونه كما يسمع النائم، ويتشكل لهم شخص يخاطبهم كما يخاطب النائم، ولهم قوة في التأثير والعمل، بحيث يؤثرون في العناصر تأثيرًا غريبًا فتقع منهم الخوارق، ويملكون تأثيرًا عجيبًا على عامة الناس، فيعملون بما يأتونهم به.\nوهؤلاء كفار زنادقة ملاحدة، حقهم أن لا يذكروا هنا، وكلّ ما قالوه مبني على التخرص والكذب، ليس عليه أثارة من علم ولا عقل، وسبيل المباحثة معهم: ردهم إلى فطرتهم بالإقرار بالله -جل وعلا-، وقدرته ومشيئته بالطرق الصحيحة الدالة على ذلك. وإثبات النبوة كذلك.\nانظر: منهاج السنة النبوية (٢/ ٤١٥ - ٤١٦)، والجواب الصحيح (٥/ ٣٤٤)، ودرء تعارض العقل والنقل (٨/ ١٦١).","vol":"1","page":123},{"text":"الأولى: مثبتو الحكم والأسباب على وفق حكمة الله البالغة ومشيئته النافذة، وأن أفعال الله كلها حكمة سواء ظهرت للناس أم لم تظهر، وأن الله يمن على من يشاء بالهداية والتوفيق رحمة منه وفضلًا، ويضل من يشاء حكمة منه وعدلًا، وأنه يصطفي من يشاء حسب علمه وحكمته، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، وهذا قول أهل السنة والجماعة.\nقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] (^١)، فإنه يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس كما قال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج ٧٥]؛ فرسل الله هم خيار الناس، ومما علمناه من حكمة الله نعلم أن الله لا يبعث نبيًّا فاجرًا، ولذلك أجمعنا على تنزيه الأنبياء من أن يكونوا من الفجار والفساق، ونقطع أن ما ينزل على البر الصادق لا يكون إلا ملائكة، لا تكون شياطين أبدًا، ونعلم أن من كمال فضل الأنبياء وخوفهم وعبوديتهم وتواضعهم، أن تقع منهم بعض الصغائر غير الخسيسة (^٢)، يكمل الله بها عبوديتهم بالتوبة وزيادة الخوف والخضوع، فيرفع الله درجاتهم، فالعصمة حاصلة لهم في الصغائر غير الخسيسة بعدم الإصرار عليها أصلًا، وبالتنبيه عليها، ليتداركوها ويحصل لهم مزيد فضل ورفعة درجة.\n_________\n(^١) انظر: المصدر نفسه: (٢/ ٤١٦).\n(^٢) والمقصود بالصغائر الخسيسة: (ما يوجب الحكم على فاعله بالخسة ودناءة الهمة وسقوط المروءة، كسرقة حبة أو كسرة). الإحكام للآمدي (١/ ١٧١).","vol":"1","page":124},{"text":"وينبغي معرفة أن مقام الأنبياء مقام رفيع عظيم، وما وقعوا فيه قد يكون في حق غيرهم ليست من الذنوب (^١) لكن لرفعة مقامهم، قد يعاتبون، ومع ذلك فإن الله يوفقهم إلى التوبة، بل ما ذكر الله ذنبًا لنبي (إلا مقرونًا بالتوبة والاستغفار، كقول آدم وزوجته: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقول نوح: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] ..) (^٢).\nالطائفة الثانية: نفاة الحكم والأسباب في أفعاله، فيجوز عندهم أن يفعل الله كل ممكن ولا ينزه عن فعل من الأفعال، فأفعاله كلها متعلقة بمحض المشيئة، وهؤلاء هم الجهمية ومن تبعهم كالأشعري ومن وافقه من أهل الكلام (^٣).\nورتبوا على هذا الأصل ما يلي:\n(١) جواز أن يبعث الله كل مكلف، ولو كان كافرًا فاسقًا، فهو يفعل ما يشاء لا لحكمة.\n(٢) والنبوة عندهم ليست صفة ثبوتية، ولا مستلزمة لصفة يختص بها، فهي من الصفات الإضافية، فتكون مجرد إعلام من الله بما أوحاه إليه، فهي مثل الأحكام الشرعية، التي لا تدل على صفة في الفعل، والفعل الحسن حسنه لكونه مقولًا فيه: افعل، والقبيح عكسه، لا لصفة هي منشأ الحسن والقبح في الفعل.\n(٣) ثم بعد البعثة ذكروا أن ما يدل العقل على امتناعه على الأنبياء هو في التبليغ خاصة، لأن صدق التبليغ هو مدلول المعجزة، وما سوى ذلك فلا يدل عليه\n_________\n(^١) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (٢/ ٤٢١).\n(^٢) مجموع فتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٠/ ٢٩٦).\n(^٣) انظر: منهاج السنة (٢/ ٤١٤ - ٤١٥).","vol":"1","page":125},{"text":"عقل، فإن ورد السمع بامتناعه قلنا به، وإلا لم تجب العصمة منه، ولما كانت الأدلة السمعية ظواهر ظنية عند محققيهم اعتمدوا فيما تجب العصمة منه على الإجماع، وما سواه قالوا لم يدل عليه سمع ولا عقل.\nالطائفة الثالثة: مثبتو الحكم والأسباب، الذين يوجبون على الله بعقولهم، ومن ذلك أصلهم في التعويض والتجويز إذ يجعلون الجزاء عوضًا عن الأعمال، وعليه فلا يجوز عندهم أن يفضل الله أحدًا على أحد إلا بعمله، ورتبوا عليه أن النبوة أو الرسالة جزاء على عمل متقدم، فاستحق النبي النبوة جزاء على عمل صالح متقدم، وهؤلاء كثير من القدرية والمعتزلة والشيعة (^١).\nوهؤلاء زعموا أن النبوة أو الرسالة جزاء على عمل صالح متقدم، فالنبي فعل من الأعمال الصالحة ما استحق به أن يجزيه الله بالنبوة وجوبًا، فهي ليست محض فضل من الله.\nومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل:\nالمسألة الأولى: فعل الرسول ﷺ المتجرد عن القرائن «يحتمل الحظر عند من يجوِّز عليهم الصغائر» (^٢)، فلا يفيد حكمًا، وإنما يكون الحكم مستفادًا مما قبل ورود الشرع (^٣).\nومذهب أهل السنة والجماعة -كما سبق - أن الأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر الخسيسة مطلقًا، وأما الصغائر غير الخسيسة فيجوز صدورها منهم، لكنهم يوفقون إلى التوبة منها (^٤).\n_________\n(^١) انظر: منهاج السنة (٢/ ٤١٥).\n(^٢) المستصفى (٢/ ٢١٤)، وانظر: الكاشف (٣/ ١٥٣).\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ١٨٤)، المحقق من علم الأصول (٦٧).\n(^٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ٣١٩).","vol":"1","page":126},{"text":"الثانية: عدم حجية تقرير النبي ﷺ «عند من يحمل ذلك على المعصية، ويجوِّز عليه الصغيرة» (^١).\nوالقول بحجيته متفرع عند البعض على عصمته من ذلك، وأنه ﷺ إذا سكت عن منكر فيلزم منه وقوعه ﷺ في المحرَّم، وهو غير جائز عليه (^٢).\nوأشار الآمدي إلى أنه قد لا يلزم ذلك لمن جوَّز عليه ﷺ الصغائر، فقال: «وذلك لأنه لو لم يكن فعله جائزا لكان تقريره له عليه، مع القدرة على إنكاره، وكان استبشاره وثناؤه عليه حرامًا على النبي ﵇، وهو وإن كان من الصغائر الجائزة على النبي ﵇ عند قوم، إلاَّ أنه في غاية البعد، لاسيَّما فيما يتعلق ببيان الأحكام الشرعية، وإذا كان كذلك، فالإنكار هو الغالب، فحيث لم يوجد ذلك منه دل على الجواز غالبًا» (^٣).\nالثالثة: عدم وقوع السهو من النبي ﷺ عند من يقول بأن المعجزة دلت على صدق النبي ﷺ مطلقًا في العمد والسهو، وقيل: إنها لم تدل إلا على ما صدر عنه عمدًا (^٤).\nوهذه المسألة وإن ذكر الأصوليون بناءها على المعجزة (^٥)، إلا أن ارتباطها\n_________\n(^١) المستصفى (٢/ ٢٢٥).\n(^٢) انظر: أصول الجصاص (٢/ ٩١)، المنخول (٣١٦)، إيضاح المحصول (٣٦٨)، المحقق من علم الأصول (١٧١)، كشف الأسرار (٣/ ٢٨٧)، التحبير (٣/ ١٤٩١)، أفعال الرسول ﷺ للأشقر (٢/ ٩٦).\n(^٣) الإحكام (١/ ١٨٩)، وانظر: أفعال الرسول ﷺ للأشقر (٢/ ٩٦).\n(^٤) انظر: الإحكام (١/ ١٧٠)، البحر المحيط (٤/ ١٧٣)، أصول ابن مفلح (١/ ٣٢٣). التحبير (٣/ ١٤٤٣) شرح الكوكب (٢/ ١٧٠).\n(^٥) بيانه: أن من قال إن المعجزة دلت على صدقهم مطلقًا في العمد والسهو فإنه لا يجيز وقوع السهو منهم، لما فيه من مناقضة دلالة المعجزة القاطعة، ومن قال إن المعجزة دلت على صدقهم في ما صدر عنهم عمدًا قال بجواز السهو عليهم؛ لأن ما كان عن نسيان غير داخل تحت التصديق المقصود بالمعجزة.\nانظر: بناء الأصول على الأصول للودعان (١/ ٣٨٦ - ٣٨٧).","vol":"1","page":127},{"text":"بالعصمة ظاهر.\nقال الزركشي: «وفصَّل ابن عطية في الكلام على النسخ بين ما لا يحفظه أحد من الصحابة، فالنبي معصوم من النسيان قبل التبليغ وبعده، فإن حفظه جاز عليه ما يجوز على البشر، لأنه قد بلغ وأدى الأمانة. ومنه قول أبيٍّ [رضي: الله: عنه]: حسبت أنها رفعت، فقال النبي ﷺ لم ترفع ولكن نسيتها) (^١).) (^٢).\nوقال الغزالي: «أما النسيان والسهو فلا خلاف في جوازه عليهم فيما يخصهم من العبادات، ولا خلاف في عصمتهم مما يتعلق بتبليغ الشرع والرسالة، فإنهم كلفوا تصديقه جزمًا، ولا يمكن التصديق مع تجويز الغلط» (^٣).\nويدل على جواز النسيان قول الرسول ﷺ: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني) (^٤)، وكل ما ورد من أحاديث السهو في الصلاة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٧٣)، برقم (١٦٤٧)، وبنحوه عبد الله بن أحمد في زوائد مسند أبيه (٥/ ١٢٣)، وإسناده صحيح، وله شاهد لا بأس به: أخرجه أبوداود في سننه (١/ ٥٥٨)، برقم (٩٠٧)، وابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٧٣)، برقم (١٦٤٨) وعنه ابن حبان في صحيحه (٦/ ١٢)، برقم (٢٢٤٠) ومن طريق آخر برقم (٢٢٤١) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٧ - ٢٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢١١)، كلهم من طريق يحيى بن كثير الكاهلي عن المسور بن يزيد نحوه. ويحيى الكاهلي: لين الحديث. انظر: التقريب لابن حجر (٧٦٨٠).\n(^٢) البحر المحيط للزركشي (٦/ ١٩).\n(^٣) المستصفى للغزالي (٢/ ٢١٤).\n(^٤) متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، برقم (٤٠١). ومسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب السهو في الصلاة والسجود له، برقم (٥٧٣).","vol":"1","page":128},{"text":"الرابعة: اشتراط الإمام المعصوم في حجية الإجماع عند الشيعة (^١)، وبعض الأصوليين نسبه لبعضهم (^٢)، وشبهتهم: أنه إذا كان الإمام المعصوم موجودًا فلا تجوز مخالفته، ولذا لزم كونه مع المجمعين حتى يكون الإجماع حجة (^٣).\nولما أن كان مآل قولهم الاعتماد على قول المعصوم وحده دون الإجماع نقل عنهم كثير من الأصوليين إنكار الإجماع (^٤).\nالخامسة: إجماع أهل البيت حجة، على القول بعصمتهم (^٥)؛ لأنهم إن كانوا معصومين فلا يمكن أن يجمعوا على باطل.\nولا ريب ببطلان هذا، وأنهم بعض الأمة، فلا يكون إجماعهم حجة.\nالسادسة: عدم حجية الإلهام «لعدم ثقة من ليس معصومًا بخواطره» (^٦)\nالسابعة: اختلف العلماء (^٧) في جواز الخطأ في الاجتهاد على الأنبياء ﵈،\n_________\n(^١) انظر: نهاية الوصول لابن مطهر الحلي (٢٤٥/ ب)، مبادي الوصول (٢٧/ أ)، ونقله عنهم الأصوليون. انظر: المعتمد (٢/ ٤٥٨)، المحصول (٤/ ١٠١)، الإبهاج (٢/ ٣٦٤)، البحر المحيط (٤/ ٤٤٠).\n(^٢) ونسب لطوائف من الروافض. انظر: البرهان (١/ ٤٣٤)، منتهى الوصول والأمل (٥٢)، والظاهر أن المنسوب إلى بعضهم هو إنكار حجية الإجماع، أما غالبهم فهم يقولون بالإجماع غير أنهم يشترطون فيه المعصوم، وبعضهم يشترط انضمام العترة. انظر حجية الإجماع لمحمد فرغلي (٦٥، وما بعدها، ١١٩ وما بعدها)، ولعل من نقل عنهم إنكار الإجماع، أو عدم حجيته مطلقا من الأصوليين، فهو لأن مآل قولهم إنكار الإجماع وعدم حجيته، والاعتماد على قول المعصوم.\n(^٣) انظر: بناء الأصول على الأصول للودعان (٢/ ٤٨٥).\n(^٤) انظر: العدة (٤/ ١٠٦٤)، شرح اللمع (٢/ ٦٦٦)، المحصول (٤/ ١٠١)، الإحكام (١/ ٢٠٠)، المسودة (٢/ ٦١٥)، البحر المحيط (٤/ ٤٤٠)، فواتح الرحموت (٢/ ٢١٣).\n(^٥) نهاية الوصول (٦/ ٢٥٨٨) سلاسل الذهب (٣٤٩).\n(^٦) جمع الجوامع مع شرح المحلي وحاشية العطار (٢/ ٣٩٨).\n(^٧) وهذا الخلاف جارٍ بين الجمهور الذين يرون جواز الاجتهاد من الأنبياء، وقد أخرج من النزاع بعض الصور كالخطأ في الاجتهاد في الحروب، وكالخطأ في مصالح الدنيا، مما لا مدخل له بالبلاغ.","vol":"1","page":129},{"text":"فذهب الآمدي وابن الحاجب إلى جواز الخطأ لكن لا يقرون عليه، وإنما ينبهون فورًا.\nونسب الآمدي ذلك إلى أكثر أصحابه والحنابلة وأصحاب الحديث والجبائي وجماعة من المعتزلة (^١).\nوذهب بعض أهل العلم إلى منع وقوع الخطأ في اجتهادهم؛ لأجل عصمتهم.\n_________\n(^١) انظر: الإحكام للآمدي (٤/ ٢١٦) ومختصر ابن الحاجب -مع شرحه بيان المختصر (٣/ ٣٤١)، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (٤/ ٤٨٠).","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type='title' id=toc-99>المبحث الثاني حقيقة المعجزة ومسائلها</span>\nتحدث الأصوليون عن المعجزة عند تقريرهم للاستصحاب (^١)، حيث تكلموا عن لزوم استمرار العادة ليصح الاستدلال بخرقها على صحة النبوة (^٢).\nواستطرد بعضهم فذكر تعريفها المتضمن لشروطها خاصة عند بحث مدارك العلوم في الدين (^٣)، وفيه تشعب الكلام إلى نوع دلالة المعجزة على النبوة، هل هي عقلية أو سمعية أو وضعية؟.\nوعند بحثهم عن التكليف خاصة في التحسين والتقبيح تكلموا عن وجه دلالتها - أي المعجزة- على النبوة.\n_________\n(^١) المراد به استدامة حال أمر وجودي أو عدمي عقلي أو شرعي لعدم ما ينقله. وهو أربعة أنواع:\n١. استصحاب العدم الأصلي حتى يرد الناقل، وهو البراءة الأصلية والإباحة العقلية، ومثاله براءة الذمة من الدين أو من صيام شهر آخر غير رمضان.\n٢. واستصحاب الوصف المثبت للحكم حتى يثبت خلافه، كاستصحاب بقاء النكاح والملك.\n٣. والاستصحاب المقلوب؛ وهو ثبوت أمر في زمن حاضر على ثبوته في الزمن الماضي كوقف جهل مصرفه، وكمكيال جهل سابقه.\n٤. واستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع، ومثاله إجماعهم على بطلان التيمم لمن رأى الماء قبل الدخول في الصلاة، فهل يستصحب إجماعهم هذا فيمن رآه بعد الدخول فيها؟.\nانظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٩٥٥ - ٣٩٥٦)، وإعلام الموقعين (١/ ٣٣٩)، وتقريب الوصول (٣٩١)، وإرشاد الفحول (٢/ ٢٤٨)، وأضواء البيان (٢/ ٤٦٨)، (٤/ ٦٥٤ - ٦٥٥).\n(^٢) انظر: المحصول للرازي (٦/ ١٢٠)، الإحكام لابن حزم (٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣)، الإحكام للآمدي (٤/ ٢٢٠)، نهاية السول (٤/ ٣٦٨).\n(^٣) انظر: البرهان للجويني (١/ ٦٠ - ٦٢).","vol":"1","page":131},{"text":"وتكلموا في إعجاز القرآن عند بحثهم عن الدليل الأول - وهو القرآن-، وتضمن ذلك حقيقة إعجازه، والقدر المعجز منه (^١)، ودلالته على إثبات نبوة النبي ﷺ وأمور لها تعلق بختم النبوة - كنزول عيسى ﵇ آخر الزمان، فهل ينافي ثبوت أحكام الشريعة (^٢)؟ والرد على منكري نبوته من اليهود بدعوى عدم جواز النسخ (^٣).\nوفيما يأتي استعراض مختصر للمسائل العقدية، وموقف أهل السنة والجماعة منها:\n\n<span data-type='title' id=toc-100>المسألة الأولى: يرى عامة المتكلمين أن الدليل الوحيد الذي يعول عليه لإثبات النبوة هو المعجزة.</span>\nوهذا الرأي خطأ، ويعلم خطؤه بإيمان بعض الصحابة بمجرد علمه بسيرة الرسول ﷺ من صدقه وأمانته، وباستحلاف بعض الناس له واكتفائهم في التصديق بذلك، وبما علمه أهل الكتاب من صفاته الدالة على نبوته.\n\n<span data-type='title' id=toc-101>المسألة الثانية:</span> قال الجويني ﵀: «المعجزة تكون فعلًا لله ﷾، خارقًا للعادة، ظاهرًا على حسب سؤال مدعي النبوة، مع تحقيق امتناع وقوعه في الاعتياد من غيره، إذا كان يبغي معارضة» (^٤). فهذا التعريف تضمن أربعة شروط للمعجزة وهي:\n(١) أن تكون فعلًا لله تعالى.\n_________\n(^١) انظر: الإحكام لابن حزم (١/ ١٦٢)، والبحر المحيط للزركشي (٢/ ١٨٣ - ١٨٤)، وفواتح الرحموت (٢/ ٧٣، ١٢٦ - ١٢٨)، وشرح الكوكب المنير (٢/ ١١٥ - ١١٧، ١٢١).\n(^٢) انظر: البحر المحيط للزركشي (٥/ ٢١٣).\n(^٣) انظر: الإحكام للآمدي (٣/ ١١٥)، وغيره كما سيأتي عند بحث المسألة إن شاء الله (ص ٦١٢).\n(^٤) البرهان (١/ ١١٧)، فقرة (٦٤).","vol":"1","page":132},{"text":"(٢) أن تكون خارقة للعادة.\nو(لم يميزوا ما يخرق العادة مما لا يخرقها، ولهذا ذهب من ذهب من محققيهم إلى إلغاء هذا الشرط فالأمور العجيبة التي خص الله بالإقدار عليها بعض الناس لم يجعلوها خرق عادة، والأمور المحرمة أو هي كفر كالسحر والكهانة والطلسمات جعلوها خرق عادة، وجعلوها آية بشرط أن لا يعارض) (^١).\n(٣) ظهورها على حسب سؤال مدعي النبوة.\nنوقش بأنه: يخرج كثيرًا من المعجزات كإظلال الغمام وتسليم الحجر وغير ذلك، فليست كل المعجزات اقترن بها التحدي ولا دعوى النبوة (^٢).\n(٤) عدم معارضتها. وهذا هو خاصية المعجزة عندهم، لأنه بهذا الشرط والقيد يخرج السحر والشعوذة والكهانة إذ يمكن أن تعارض.\nوهذه الشروط مذكورة كذلك في كتب الكلام، بل ويزيدون عليها شروطًا أخرى (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-102>المسألة الثالثة: من الطرق الممكنة في دلالة المعجزة على النبوة عند أهل السنة بإيجاز:</span>\n(١) طريق الحكمة.\n_________\n(^١) النبوات (ص ٢٣٥).\n(^٢) انظر: غاية المرام (ص ٣٣٧ - ٣٣٨) والنبوات (ص ٢٣٦ - ٢٣٧)، وشرح المقاصد للتفتازاني (٥/ ١٢).\n(^٣) انظر: الغنية في أصول الدين للمتولي (ص ١٥٠ - ١٥٢)، والإرشاد للجويني (ص ٢٦١ - ٢٦٦)، وشرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (٥٦٩ - ٥٧١)، والمحصّل للرازي (ص ٣٠١)، وغاية المرام للآمدي (٣٣٣ - ٣٣٤)، والمواقف للإيجي (٣٣٩ - ٣٤٠)، وشرح المقاصد للتفتازاني (٥/ ١١ - ١٣).","vol":"1","page":133},{"text":"(٢) طريق القدرة.\n(٣) طريق العلم والضرورة.\n(٤) طريق العدل.\n(٥) طريق السنة والعادة.\n(٦) طريق الرحمة.\nويمكن جمعها كلها فيما يلي:\nأن الله -جل وعلا- له صفات الكمال، ومن الطرق الدالة على ذلك قياس الأولى؛ وأن من أرسل رسولًا ولم يجعل له آية وعلامة دالة على أنه مرسل من عنده عُدَّ نقصًا وعيبًا وسفهًا، فلله المثل الأعلى، فهو الحكيم في أفعاله وأقواله، فلا بد أن يُعرف الناس ما يدلهم على صدق رسوله ويميزه عن الكاذب، وهكذا: «فكل ما ترك من لوازم الرسالة إما أن يكون لعدم القدرة، وإما أن يكون للجهل والسفه وعدم الحكمة، والرب أحق بالتنزيه عن هذا وهذا من المخلوق، فإذا أرسل رسولًا فلا بد أن يعرفهم أنه رسوله، ويبين ذلك، وما جعله آية وعلامة ودليلًا على صدقه امتنع أن يوجد بدون الصدق، فامتنع أن يكون للكاذب المتنبيء، فإن ذلك يقدح في الدلالة، فهذا ونحوه مما يعرف به دلالة الآيات من جهة حكمة الرب» (^١)، ومن جهة قدرته، ومن جهة عدله كذلك؛ لأن إظهار المعجز على الكاذب تسوية بين الصادق والكاذب، وتؤدي هذه التسوية إلى تعذر التمييز بين الصادق والكاذب، وعندئذ يكون تكليف الناس بتصديق الصادق، وذمهم على ترك تصديقه واتباعه تكليفًا بما لا يطاق، وهذا خلاف العدل والحكمة والرحمة (^٢).\n_________\n(^١) النبوات لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٣٦٥).\n(^٢) انظر: المصدر نفسه (ص ٣٦٥).","vol":"1","page":134},{"text":"فالطرق المتقدمة - وهي الحكمة والعدل والرحمة والقدرة- كلها تدل على أن المعجزة دالة على صدق الرسول، (فكيف إذا انضم إلى ذلك أن هذه سنته وعادته) (^١) ﷾، وهذه الطريق -أي طريق السنة- تدل ضرورة على أن المعجزة لأجل التصديق، ولهذا اختار بعض الناس القول بأن دلالة المعجزة على الصدق تعلم بالضرورة، وهو صحيح (^٢).\nأما المتكلمون فلهم ثلاثة طرق في وجه دلالة المعجزة على صدق النبي المدَّعي للرسالة، (طريقة القدرة، وطريقة الحكمة، وطريقة الضرورة)، وهي طرق ذكرها الأشعرية والمعتزلة، وهي صحيحة في أصلها، ولكن من قال بها له أصول فاسدة، يرجع إليها في كتب العقائد.\n\n<span data-type='title' id=toc-103>المسألة الرابعة: تطرق الأصوليون لنوع دلالة المعجزة:</span> فذكرا في كتب أصول الفقه أن للناس قولين فيها؛ فمنهم من يرى أنها عقلية (^٣)، ومنهم من يرى أنها وضعية (^٤).\nوعند التحقيق لا تعارض بين القولين؛ فإن (الأدلة التي تدل بنفسها قد تسمى الأدلة العقلية، ويسمى النوع الآخر الأدلة الوضعية، لكونها إنما دلت بوضع واضع، والتحقيق أن كليهما عقلي إذا نظر فيه العقل علم مدلوله، لكن هذه تدل بنفسها،\n_________\n(^١) المصدر نفسه (ص ٣٦٥).\n(^٢) المصدر نفسه (ص ٣٦٠).\n(^٣) الدليل العقلي: وهو ما دل على المطلوب بنفسه من غير احتياج إلى وضع كدلالة الحدوث على المُحدِث، والإحكام على العالِم. انظر البحر المحيط للزركشي (١/ ٥٤).\n(^٤) الدليل الوضعي فهو ما دل على المطلوب بالمواضعة تخصيصًا، فهو لا يدل بوصف هو في نفسه عليه، مثل العبادات الدالة على المعاني في اللغات.\nانظر: التقريب والإرشاد للباقلاني (١/ ٢٠٥)، والتلخيص للجويني (١/ ١٢٠)، والبحر المحيط للزركشي (١/ ٥٤).","vol":"1","page":135},{"text":"وتلك تدل بقصد الدال بها فيعلم بها قصده، وقصده هو الدال بها، كالكلام فإنه يدل بقصد المتكلم به وإرادته، وهو يدل على مراده، وهو يدلنا بالكلام على ما أراد، ثم يستدل بإرادته على لوازمها، فإن اللازم أبدًا مدلول عليه بملزومه.) (^١). ولتوجيه ذلك يرجع إلى كتب العقائد.\n\n<span data-type='title' id=toc-104>المسألة الخامسة: أجمع المسلمون على أن الآية العظمى الدالة على نبوة النبي الخاتم ﷺ هي القرآن،</span> ويدل لذلك قول الرسول ﷺ: (ما من الأنبياء من نبي إلا آتاه الله من الآيات ما مثله آمن عليه الناس، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة) (^٢).\nوالقرآن هو الذي وقع به التحدي كما قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣].\nوالذي يدل عليه صنيع المتكلمين الأصوليين أنه يقتصر على معجزة القرآن.\nلذا نجد استغناء كثير من المتكلمين بمعجزة القرآن عما سواها من المعجزات\nويدل لهذا أمران:\nالأول: اشتراطهم في المعجزة مقارنتها للدعوى والتحدي بها والمنقول هو أن القرآن وحده الذي وقع به التحدي، وعليه فإنه لا آية سواه دالة على النبوة (^٣). والصواب عدم صحة اشتراط هذين الشرطين.\n_________\n(^١) النبوات ليشخ الإسلام ابن تيمية (ص ٢٩١ - ٢٩٢).\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) انظر: المحصول للرازي (٦/ ١٢٠).","vol":"1","page":136},{"text":"الثاني: لما كانت المسألة من الأصول، فإنه يشترط أن تنقل نقلًا متواترًا، وليس غير القرآن منقولًا نقلًا متواترًا، فإذن هو وحده المعجزة (^١).\nومن المعجزات التي وردت في كتب الأصول، واختلفوا في بعضها هل وردت متواترة أو بطريق الآحاد؟: انشقاق القمر (^٢)، وتسليم الحجر (^٣)، وسعي الشجرة (^٤)، ونبع الماء (^٥)، وتسبيح الطعام (^٦)، وتسبيح الحصى (^٧)، وحنين الجذع (^٨)، وتسليم الغزالة (^٩).\nولا شك أن تلك المعجزات، وإن كانت قد نقلت آحادًا، إلا أن القدر المشترك بين جميعها متواتر، وفي ذلك يقول الخطيب البغدادي: «وأما التواتر من طريق المعنى، فهو أن يروي جماعة كثيرون يقع العلم بخبرهم كل واحد منهم حكمًا غير الذي يرويه صاحبه، إلا أن الجميع يتضمن معنى واحدًا، فيكون ذلك المعنى بمنزلة ما تواتر به الخبر لفظًا … وهذا أحد طرق معجزات رسول الله ﷺ» (^١٠).\n_________\n(^١) انظر: الإحكام للآمدي (٢/ ١٧) مع تعليقات الشيخ عفيفي.\n(^٢) انظر المستصفى للغزالي (١/ ١٤٣)، والمحصول (٤/ ٢٩٣)، والإحكام للآمدي (٢/ ٤٢)، ونهاية الوصول للهندي (٧/ ٢٧٨٢)، وفواتح الرحموت (٢/ ١٢٧).\n(^٣) انظر: فواتح الرحموت (٢/ ١٢٧).\n(^٤) انظر: فواتح الرحموت (٢/ ١٢٧).\n(^٥) انظر: العدة لأبي يعلى (٥/ ١٤٤٥)، والمحصول (٤/ ٢٩٥)، والإحكام للآمدي (٢/ ٤٢)، ونهاية الوصول للهندي (٧/ ٢٧٨٣)، وفواتح الرحموت (٢/ ١٢٧).\n(^٦) انظر: المحصول (٤/ ٢٩٤)، والإحكام للآمدي (٢/ ٤٢)، وفواتح الرحموت (٢/ ١٢٧).\n(^٧) انظر: العدة لأبي يعلى (٥/ ١٤٤٤)، والمحصول (٤/ ٢٩٤)، والإحكام للآمدي (٢/ ٤٢)، ونهاية الوصول للهندي (٧/ ٢٧٨٢)، وفواتح الرحموت (٢/ ١٢٧).\n(^٨) انظر: العدة لأبي يعلى (٥/ ١٤٤٤)، والمحصول (٤/ ٢٩٤)، والإحكام للإمدي (٢/ ٤٢)، ونهاية الوصول للهندي (٧/ ٢٧٨٣)، وفواتح الرحموت (٢/ ١٢٧).\n(^٩) انظر: نهاية الوصول للهندي (٧/ ٢٧٨٣)، وفواتح الرحموت (٢/ ١٢٧).\n(^١٠) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (١/ ٩٥).","vol":"1","page":137},{"text":"وإذ قد علم أن بعض المعجزات نقلت تواترًا، وبعضها آحادًا، فالصواب عندئذ أن يقال: إنه لا يشترط نقل كل خبر تواترًا ولو كثر مشاهدوه، وإنما المعتبر الصحة فقط، خاصة إذا علمنا أن الراوي لم ينكر أحد عليه ما رواه، فهذه قرينة تقوي ذلك الخبر.\nثمَّ أورد الأصوليون مسائل تتعلق بالمعجزة الكبرى منها:\nالأولى: إعجاز القرآن في نفسه\nقال الزركشي: «ولا خلاف بين العقلاء، أن كتاب الله معجز، لأن العرب عجزوا عن معارضته، واختلفوا في سببه، هل كان لكونه معجزًا)، وهذا حق، ثم ذكر السبب الآخر فقال: «أو لمنع الله إياهم عن ذلك مع قدرتهم عليه، وهو المسمى بالصرف؟» (^١). أي صرفوا بسلب القدرة على معارضته، وقد نسب الزركشي القول الأول للجمهور، والثاني للمعتزلة.\nوالقول بأن القرآن معجز لسلب الله العربَ قدرتهم على الفصاحة والبلاغة باطل بدلالة سياق آية التحدي الذي يدل على نقيض هذا القول، فالله -جل وعلا- يقول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، فالسياق يقتضي (أنه لا يقال عن الشيء يُمنَعه الإنسان بعد القدرة عليه، وبعد أن كان يكثر مثله منه: إني قد جئتكم بما لا تقدرون على مثله ولو احتشدتم ودعوتم الإنس والجن إلى نصرتكم فيه، وإنما يقال: إني أعطيت أن أحول بينكم وبين كلام كنتم تستطيعونه وأمنعكم إياه» (^٢)، فالآية دالة على أن القرآن خارج عن قدرتهم على معارضته.\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (١/ ١٨٣ - ١٨٤).\n(^٢) الرسالة الشافية في إعجاز القرآن للجرجاني (ص ١٤٩)، وانظر: الجواب الصحيح (٥/ ٤٣١)، البحر المحيط للزركشي (٢/ ١٨٤).","vol":"1","page":138},{"text":"الثانية: وجوه إعجاز القرآن\nذكر الزركشي في البحر المحيط أربعة أقوال في إعجاز القرآن، واكتفى بها دون ترجيح، بينما ذكر في كتابه البرهان اثنى عشر وجهًا (^١).\nقال الإسلام ابن تيمية: «وكون القرآن أنه معجزة، ليس هو من جهة فصاحته وبلاغته فقط، أو نظمه وأسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط، ولا من جهة صرف الدواعي عن معارضته فقط، ولا من جهة سلب قدرتهم عن معارضته فقط (^٢). بل هو آية بينة معجزة من وجوه متعددة؛ من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أمر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته وغير ذلك، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي، وعن الغيب المستقبل، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد، ومن جهة ما بين فيه الدلائل اليقينية، والأقيسة العقلية، التي هي الأمثال المضروبة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ الإسراء ٨٩]، وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، وقال: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر ٢٧ - ٢٨]. وكل ما ذكره الناس من الوجوه في إعجاز القرآن هو حجة على إعجازه، ولا يناقض ذلك، بل كل قوم تنبهوا لما تنبهوا له» (^٣) ا. هـ.\n_________\n(^١) انظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي (٢/ ٩٣ - ١٠٦)، والبحر المحيط للزركشي (٢/ ١٨٤).\n(^٢) هذا الوجه -وهو الصرفة- تقدم ما فيه، وقد بين شيخ الإسلام ضعف هذا الوجه بعد نهاية هذه الفقرة المنقولة عنه في الجواب الصحيح (٥/ ٤٢٩ - ٤٣٢)، ثم وجهه على سبيل التنزل، بأنه دال على الإعجاز في حالة النفي والإثبات.\n(^٣) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٥/ ٤٢٨ - ٤٢٩).","vol":"1","page":139},{"text":"الثالثة: القدر المعجز من القرآن\nقال الزركشي - لما ذكر تعريف القرآن - وهو: «الكلام المنزل للإعجاز بآية منه، المتعبد بتلاوته). قال: «وقلنا: بآية منه، ولم نقل بسورة، كما ذكره الأصوليون، لأن أقصر السور ثلاث آيات، والتحدي قد وقع بأقل منها في قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] …» (^١).\nثم حكى أقوالًا أخرى في القدر المعجز منه، وحاصلها:\n(١) أن المعجز السورة الطويلة دون القصيرة. لأن البلغاء من العرب قد يقدرون على القليل دون الكثير (^٢).\n(٢) أن المعجز كل سورة من القرآن قصيرة كانت أو طويلة (^٣).\n(٣) أن المعجز أقله سورة الكوثر، وما يعادلها من القرآن، ولو كان آية واحدة، لأن كلماتها عشر كلمات (^٤).\n(٤) ونقل عن المعتزلة أن الإعجاز يحصل بجميع القرآن (^٥).\nولا شك أن القولين الأول والرابع لا يصحان، لأن القرآن صريح في إثبات التحدي بسورة، وأطلق ذلك دون تقييد بالطويلة ولا القصيرة، فقال الله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] والقول الرابع أشد بطلانًا وأبعد عن الصواب.\n_________\n(^١) البحر المحيط (٢/ ١٧٨).\n(^٢) انظر: المصدر نفسه (٢/ ١٧٩)، وهو قول ابن عقيل كما في مجموع الفتاوى (٢٠/ ٤٨١)، وحكاه الزركشي في البحر (٢/ ١٧٩) عن الآمدي.\n(^٣) انظر: إعجاز القرآن للباقلاني (٢٥٤ - ٢٥٨)، والبحر المحيط (٢/ ١٧٩).\n(^٤) انظر: الشفا للقاضي عياض (١/ ٥٢٤).\n(^٥) انظر: الإتقان للسيوطي (٤/ ١٧).","vol":"1","page":140},{"text":"وبقي النظر في القولين الثاني والثالث، فعلى أساس أن المنصوص عليه وقوع الحديث بسورة من القرآن، فهذا قدر اشتركا في صحته، ويمتاز القول الثالث بالقوة من جهة دلالة قول الله تعالى عليه: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]، فظاهر هذه الآية وقوع التحدي بأي حديث من القرآن - مما يصدق عليه أنه قرآن - سواء كان سورة أو بعض سورة.\nوقد انتصر لهذا القول ابن حزم (^١)، وهو اختيار كثير من أهل العلم، منهم القاضي عياض (^٢) وأحد قولي الباقلاني (^٣)، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤)، وابن كثير (^٥)، والزركشي (^٦).\n_________\n(^١) انظر: الفصل لابن حزم (٣/ ١٢ - ١٤).\n(^٢) انظر: الشفا (١/ ٥٢٤).\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٢/ ١٧٩).\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٣٦).\n(^٥) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٦٢).\n(^٦) انظر: البحر المحيط (٢/ ١٧٨).","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type='title' id=toc-105>المبحث الثالث نسخ هذه الشريعة لما قبلها من الشرائع</span>\nلقد أدرج الأصوليون ضمن مباحث النسخ: الكلام على إثباته عقلًا وشرعًا (^١)، وممن ذكروه في جملة المنكرين للنسخ ثلاث طوائف من اليهود، وهم: الشمعونية (^٢)، والعنانية (^٣)، والعيسوية (^٤)، فالأولى أنكرت جواز وقوع النسخ عقلًا، والثانية سلمت بجواز وقوعه عقلًا لكن أنكرت وقوعه سمعًا، ومرادهما إنكار نبوة النبي محمد ﷺ وعيسى ﵇ من قبل.\nوقالوا: إن الإقرار بنبوة النبي ﷺ لا تستقيم إلا مع القول بنسخها لشريعة\n_________\n(^١) انظر: العدة لأبي يعلى (٣/ ٧٦٩)، والبرهان للجويني (٢/ ٨٤٧)، والمعتمد لأبي الحسين (١/ ٣٧١)، والإحكام للآمدي (٣/ ١١٥)، وكشف الأسرار (٣/ ٣٠٤)، وشرح العضد على ابن الحاجب (٢/ ١٨٩).\n(^٢) لم أهتد لمعرفتهم، ولكن ذكر د. مصطفى زيد في كتابه النسخ في القرآن الكريم (١/ ٢٧)، وعلي حسن العريض في كتابه فتح المنان في نسخ القرآن (ص ١٤٣)، أنها إحدى فرق اليهود، وتنسب إلى شمعون بن يعقوب، وقد علمت دعواهم في الأصل أعلاه.\n(^٣) طائفة من اليهود تنسب إلى رجل يقال له عنان بن داود، رأس الجالوت، يخالفون سائر اليهود في السبت والأعياد، ينكرون نبوة عيسى ﵇ مع تصديقهم له في مواعظه وإشاراته، ويدعون أنه لم يخالف التوراة في شيء، وإنما قررها كلها.\nانظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٢١٥).\n(^٤) إحدى فرق اليهود، ونسبوا إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني، الذي كان في زمن المنصور، وبداية دعوته كانت في عهد آخر ملوك بني أمية، وقد زعم أنه نبي، وقد خالف اليهود في كثير من أحكام الشريعة المذكورة في التوراة.\nانظر: الفصل لابن حزم (١/ ٩٩)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٢١٥ - ٢١٦).","vol":"1","page":142},{"text":"موسى ﵇. فأنكروا النسخ لأجل ذلك.\nوأما الطائفة الثالثة فأقرت بجواز النسخ عقلًا ووقوعه شرعًا، لكنهم زعموا أن محمدًا ﷺ رسول للأميين العرب من بني إسماعيل خاصة دون غيرهم، أي أنهم ينكرون نسخ هذه الشريعة لشريعتهم على وجه الخصوص.\nوالحق أن هذه المسألة حقها أن لا تذكر في أصول الفقه أصلًا، أعني الرد على اليهود، وإنما موضعها كتب العقيدة (^١).\n_________\n(^١) نبه على هذا البلقيني، كما نقله عنه العطار في حاشيته على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ١٢١).","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-106>المبحث الرابع وضع عيسى ﵇ الجزية بعد نزوله</span>\nلا ينافي ثبوت أحكام الشريعة الخاتمة\nوهذه المسألة عقدها الزركشي في مباحث الحكم تحت عنوان: أحكام الشرع ثابتة إلى يوم القيامة (^١)، ثم إنه أورد إشكالًا على هذه المسألة، وهو في نزول عيسى ﵇ آخر الزمان -الثابت بالكتاب (^٢) والسنة المتواترة (^٣)، وقد أجمع السلف عليه (^٤) - وذلك في قول الرسول ﷺ: (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) (^٥).\nوالإشكال هو في قوله: (ويضع الجزية)، فقال الزركشي: «واستشكل بأنه نزل\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط للزركشي (١/ ٢١٧)، وأما نزول عيسى ﵇ فلا ينافي ختم النبوة، لأنه نبي متقدم أصلًا، ولأنه ينزل حاكمًا بهذه الشريعة الخاتمة، ويؤكده أنه يصلي خلف إمام من هذه الأمة، ويصلي الصلاة المشروعة في هذه الشريعة الخاتمة … إلخ فانظر تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص ١٧٥)، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني (٢/ ٢٧٧).\n(^٢) في قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩].\n(^٣) انظر: النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير (١/ ١٨٣).\n(^٤) انظر: شرح النووي على مسلم (١٨/ ٧٥).\n(^٥) متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم ﵉، برقم (٣٤٤٨)، ومسلم في صحيحه في كتاب الإيمان باب نزول عيسى بن مريم ﷺ حاكمًا-، برقم (١٥٥).","vol":"1","page":144},{"text":"مقررًا لشريعة نبينا، ومن شريعته إقرارهم بالجزية» (^١) فكيف يضعها عنهم؟\nومحصل إجابات أهل العلم فيه:\n(١) قال النووي: «إن هذا الحكم (أي أخذ الجزية) ليس بمستمر إلى يوم القيامة، بل هو مقيد بما قبل عيسى ﵇، وقد أخبرنا النبي ﷺ في هذه الأحاديث الصحيحة بنسخه، وليس عيسى ﵇ هو الناسخ، بل نبينا ﷺ هو المبين للنسخ، فإن عيسى يحكم بشرعنا، فدل على أن الامتناع من قبول الجزية في ذلك الوقت هو شرع نبينا محمد ﷺ» (^٢).\nوكونه حاكمًا، دل عليه الرواية المتقدمة (حكمًا): أي (حاكمًا، والمعنى أنه ينزل حاكمًا بهذه الشريعة فإن هذه الشريعة باقية لا تنسخ، بل يكون عيسى حاكمًا من حكام هذه الأمة) (^٣).\n(٢) وقد أجاب بعضهم بأن وضع الجزية زمن نزول عيسى ﵇ إنما هو لكثرة المال حتى لا يقبله أحد، بخلاف ما قبل نزوله، فالحاجة إلى المال قائمة (^٤).\nوهذه الإجابة محتملة، والأولى أقوى منها، لأن عيسى ﵇ لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتال، فمن هنا جاء وضع الجزية، لا من كثرة المال.\n(٣) وإجابة ثالثة نقلها ابن حجر عن بعض مشايخه -ولم يسمه- فقال: «ويحتمل أن يقال إن مشروعية قبولها من اليهود والنصارى لما في أيديهم من شبهة الكتاب، وتعلقهم بشرع قديم بزعمهم، فإذا نزل عيسى ﵇ زالت الشبهة بحصول معاينته،\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (١/ ٢١٧).\n(^٢) شرح النووى على صحيح مسلم (٢/ ١٩٠).\n(^٣) فتح الباري -لابن حجر (٦/ ٥٦٧).\n(^٤) انظر: فتح الباري -لابن حجر (٦/ ٥٦٧).","vol":"1","page":145},{"text":"فيصيرون كعبدة الأوثان في انقطاع حجتهم وانكشاف أمرهم، فناسب أن يعاملوا معاملتهم في عدم قبول الجزية منهم» (^١).\nلكن هذه الإجابة أضعف من سابقتها، فالأولى الاعتماد على الإجابة الأولى.\n_________\n(^١) فتح الباري -لابن حجر (٦/ ٥٦٧).","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-107>المبحث الخامس في إمامة علي بن أبي طالب ﵁</span>-\nوردت هذه المسألة في كتب أصول الفقه في المواضع الآتية:\nالأولى: بقاء النقل مع توفر الدواعي على إبطاله يدل على صحته قطعًا، كخبر الغدير والمنزلة (^١).\nالثانية: أن الواحد لو انفرد بنقل ما لو وجد لتوفرت الدواعي على نقله، إما لتعلق الدين به أو لغرابته، ولم ينقله الباقون على كثرتهم في مشاهدته، فيقطع بكذبه عند الجمهور خلافًا للشيعة في ادعائهم النص على إمامة علي ﵁ قبل الثلاثة (^٢).\nولا يختلف أهل السنة والجماعة في فضل علي ﵁ وأهل بيته الطاهرين، فهو أحد السابقين الأولين إلى الإسلام، والناصرين له، والمهاجرين، بل هو رابع هذه الأمة في الفضل بعد نبيها ﷺ باتفاق أهل السنة (^٣)، وقد يوجد قليل من يقدمه في الفضل على عثمان ﵃ جميعًا -.\nوبشأن الخلافة، فأهل السنة متفقون على أنه رابع الخلفاء الراشدين، وأنه أولى الناس بعد عثمان، وأن بيعته كانت صحيحة، وإمامته شرعية، لايجوز الخروج عليه، ولا شق عصا طاعته، وأنه كان فرضًا على أهل زمانه الدخول في بيعته\n_________\n(^١) انظر: نهاية الوصول للهندي (٧/ ٢٧٧٣)، ونهاية العقول (٢/ ٢٨ - ٣٠).\n(^٢) انظر: نهاية الوصول للهندي (٧/ ٢٧٨٠).\n(^٣) انظر قول الإمامين الشافعي وأحمد بهذا في الاعتقاد للبيهقي: (٣٣٦).","vol":"1","page":147},{"text":"وطاعته، وأن من قاتله يعد من البغاة، وأنه أقرب إلى الحق ممن سواه ممن قاتله (^١).\nولم يختلف أهل السنة في أن عليًا ليس بأولى من أبي بكر وعمر بالولاية قبلهما، ولا كذلك عثمان بعد اتفاق المهاجرين والأنصار عليه ومبايعتهم له، لكن نبغ الروافض فادعوا أحقيته في الخلافة عقيب موت رسول الله ﷺ وادعوا النص على ذلك، وأن الأمة قد كتمت ذلك، فأخرجوا صحابة رسول الله ﷺ من الدين -إلا قليلًا منهم- لأنهم غصبوا عليًا حقه، خاصة وأن الإمامة عندهم من أصول دينهم.\n_________\n(^١) انظر قول الإمامين الشافعي وابن خزيمة في هذا المعنى في الاعتقاد للبيهقي: (٣٧٥).","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-108>الفصل الخامس المسائل المتعلقة بالاستدلال والتلقي</span>","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type='title' id=toc-109>المبحث الأول عدالة الصحابة</span>\nالمراد بالعدالة ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة (^١).\nوليس المراد من عدالة كل فرد من الصحابة عصمتهم من المعاصي والخطأ، وإنما المراد بها قبول روايتهم وتصديق أقوالهم وعدم البحث عن تزكية لهم كما يحتاجها غيرهم (^٢).\nوقد أجمعت الأمة على عدالتهم (^٣)، ودلَّت الأدلة الدالة الكثيرة على ذلك منها: ثناء الله -جل وعلا- على صحابة رسول الله ﷺ ثناءً جميلًا، ولا تعديل فوق تعديل الله تعالى، وقد تنوع هذا الثناء في كتاب الله، فمنه ما كان في أصحاب بيعة الرضوان، ومنه ما هو في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ومنه ما هو عام يشمل سائر الصحابة رضوان الله عليهم.\nومن السنة: قول الرسول ﷺ: (خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) وفي رواية: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم …) (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الكفاية للخطيب البغدادي (١٠٢ - ١٠٣)، والمستصفى للغزالي (١/ ١٥٧) وشرح تنقيح الفصول (ص ٣٦١)، وشرح العضد (٢/ ٦٣)، ونزهة النظر (ص ٨٣).\n(^٢) تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة للعلائي (ص ٨٦)، وانظر منهاج السنة النبوية (٢/ ٤٥٦ - ٤٥٨)، والبحر المحيط (٦/ ١٨٩).\n(^٣) مقدمة علوم الحديث لابن الصلاح [مع كتاب التقييد والإيضاح للعراقي] (ص ٢٨٧).\n(^٤) تقدم تخريجه.","vol":"1","page":151},{"text":"وقوله ﷺ: (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) (^١).\nومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل:\nالمسألة الأولى: قبول رواية الصحابي؛ لأن من شروط قبول الرواية بالإجماع العدالة، والصحابة كلهم عدول (^٢).\nالثانية: لا تضر الجهالة بالراوي من الصحابة، فلو جهل اسم أحدهم فلا يخرج عن مطلق العدالة، فتقبل روايته، ولو «عن رجل من الصحابة أن النبي ﷺ قال كذا، كان ذلك كتعيينه باسمه لاستواء الكل في العدالة» (^٣).\nالثالثة: إذا قال الصحابي قال النبي ﷺ فإنه يحمل على السماع بلا واسطة، ويقبل خبره لعدالته (^٤)، ولو احتمل أن يكون قد سمعه من واسطة؛ لأن الواسطة إما أن يكون صحابي آخر، فتقبل؛ لأن الصحابة كلهم عدول (^٥)، وهذا هو المقصود هنا، وإن كان الواسطة غير صحابي ففيه خلاف.\nذكر ابن السبكي أن البناء على عدالة الصحابة يظهر لو تعين أن يكون من روى\n_________\n(^١) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، برقم (٣٦٧٣) ومسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة باب تحريم سب الصحابة، برقم (٢٥٤١).\n(^٢) انظر: شرح اللمع (٢/ ٦٣٤)، البرهان (٢/ ٤٠٤)، المنخول (٣٥٦)، الإحكام (٢/ ٩٠)، البحر المحيط (٤/ ٢٩٩).\n(^٣) التحبير (٤/ ١٩٩٥)، وانظر: البحر المحيط (٤/ ٢٠٠).\n(^٤) انظر: الإحكام (٢/ ٩٥)، نهاية الوصول لابن الساعاتي (١/ ٣٦٨)، أصول ابن مفلح (٢/ ٥٨١)، شرح العضد (٢/ ٦٨).\n(^٥) انظر: الإحكام (٢/ ٩٥)، شرح العضد (٢/ ٦٨).","vol":"1","page":152},{"text":"عنه صحابيًا آخر، أما لو كان تابعيًا فلابد من البحث عن عدالته (^١).\nويدخل في هذه المسألة، مسألة قبول مرسل الصحابي؛ لأنهم وإن لم يسمعوها من النبي ﷺ فهم قد سمعوها من صحابة آخرين، وكلهم عدول (^٢).\n_________\n(^١) انظر رفع الحاجب (٤/ ٤٠٧).\n(^٢) انظر: أدب القاضي (١/ ٤٠٠).","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type='title' id=toc-110>المبحث الثاني الإلهام</span>\nالإلهام: من لهم، وهو أصل يدل على ابتلاع شيء، ثم يقاس عليه، تقول العرب: التهم الشيء: أي التقمه، ومنه الإلهام كأنه شيء ألقي في الروع فالتهمه، وألهمه الله الخير: أي لقنه إياه (^١).\nوعُرِّف في الاصطلاح بأنه ما حرَّك القلب بعلم يدعوك إلى العمل به من غير استدلال بآية ولا نظر في حجة، وقيل: إيقاع شيء في الصدر يثلج له الصدر يخص الله به بعض أصفيائه (^٢).\nواتفق العلماء على أن إلهام الأنبياء حق وحجة، وأنَّه «من جملة طرق الوحي» (^٣).\nأمَّا يقع للنَّاس من إلهامات فهي محل خلاف، وذلك أن إلهامهم قد يوافق الحق وقد يخالفه، فليس هم معصومين، بل الغالب على الناس وسوسة الشياطين.\nومجمل أقوال أهل العلم ما يأتي:\nالقول الأول: الإلهام حجة مطلقًا، على الملهَم وغيره. وبه قال بعضٌ من\n_________\n(^١) انظر: مقاييس اللغة (٥/ ٢١٧)، القاموس المحيط (١٤٩٨) مادة: لهم.\n(^٢) انظر: تقويم الأدلة (٣٩٢)، جمع الجوامع مع تشنيف المسامع (٣/ ٤٥٥)، التعريفات (٥١)، البحر المحيط (٦/ ١٠٣)، شرح الكوكب (١/ ٣٢٩ - ٣٣٠).\n(^٣) البحر المحيط (٦/ ١٠٥).","vol":"1","page":154},{"text":"الحنفية، والصوفية، والرافضة (^١).\nوهذا القول ساقط، ويترتب عليه مفاسد عظيمة؛ إذ «لو أعطي كل امرئ بدعواه المعرَّاة، لما ثبت حق ولا بطل باطل، ولا استقر أحد على مال، ولا انتصف من ظالم، ولا صحت ديانة أحد أبدًا؛ لأنه لا يعجز أحد عن أن يقول: ألهمت أن دم فلان حلال، وأن ماله مباح لي أخذه، وأن زوجته مباح لي وطؤها» (^٢).\nومن الدلائل على بطلانه أنه يعارض بمثله، فإن قال قائل: ألهمت أن ما أقوله حق وصواب. قال خصمه: وأنا ألهمت أن قولي حق، أو أن ما تقوله خطأ (^٣).\nالقول الثاني: الإلهام ليس حجة مطلقًا، وبه قال جمع من أهل العلم منهم القفال الشاشي، وابن السبكي، والنسفي (^٤).\nوالدليل: كونه خيالًا، ولا يعرف أهو حق أو باطل، وأكثر ما يقع للناس إنما هو من وسوسة الشيطان، فليس هو من العلم، وليس على جوازه دليل.\nقال ابن أمير حاج: \"الإلهام ليس بحجة مطلقًا، لانعدام ما يوجب نسبته إلى الله\" (^٥).\nوالجواب أن الدليل قام على ما سيأتي في القول الثالث.\n_________\n(^١) انظر: ميزان الأصول للسمرقندي (٦٧٩)، جمع الجوامع مع تشنيف المسامع (٣/ ٤٥٥)، البحر المحيط (٦/ ١٠٣)، فواتح الرحموت (٢/ ٤٢٢)، درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٢٩).\n(^٢) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (١/ ١٧).\n(^٣) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (١/ ١٧)، قواطع الأدلة (٢/ ٣٥١).\n(^٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٠٣)، العقائد النسفية (٤١)، تيسير التحرير (٤/ ١٨٥)، روح المعاني للألوسي (٨/ ٣٤٠).\n(^٥) تيسير التحرير (٤/ ١٨٥).","vol":"1","page":155},{"text":"وذكر شيخ الإسلام ابن تيميَّة أنه «ليس من الممتنع وجود العلم بثبوت الصانع وصدق رسوله إلهامًا، فدعوى المدعي امتناع ذلك يفتقر إلى دليل. فطرق المعارف متنوعة في نفسها، والمعرفة بالله أعظم المعارف، وطرفها أوسع وأعظم من غيرها، فمن حصرها في طريق معين بغير دليل يوجب نفيًا عامًا لما سوى تلك الطريق لم يقبل منه، فإن النافي عليه الدليل، كما أن المثبت عليه الدليل» (^١).\nالقول الثالث: الإلهام ليس بحجة ولا دليلًا مستقلًا، ولكن يجوز أن يعمل به الملهم بشروط. وقال به جمع من أهل العلم منهم أبو زيد الدبوسي، ابن السمعاني، وابن الصلاح، وابن تيمية (^٢).\nوشروط العمل به:\nالأول: فقد الأدلة كلها، المتفق عليها والمختلف فيها. ويصلح للترجيح بين الأدلة عند تكافؤ الأدلة الظاهرة في نظر المجتهد.\nالثاني: اقتصار العمل به في المباحات، دون الواجبات والمندوبات، والمحرمات والمكروهات.\nالثالث: جواز عمل الملهَم به في حق نفسه فقط، ولا يتعداه إلى غيره.\nوهذا القول هو الأسعد بالدليل، ومن تلك الأدلة:\nقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨].\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٤٦).\n(^٢) انظر: تقويم الأدلة (٣٩٢)، قواطع الأدلة (٥/ ١٣٢)، فتاوى ابن الصلاح (١/ ١٩٦)، مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٧٣، ٢٠/ ٤٢)، درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٤٦) شرح الكوكب المنير (١/ ٣٣١ - ٣٣٢).","vol":"1","page":156},{"text":"قال ابن تيمية: «فهو سبحانه يلهم الفجور والتقوى للنفس، والفجور يكون بواسطة الشيطان، وهو إلهام وسواس، والتقوى بواسطة ملك، وهو إلهام وحي … وهذه الآية مما تدل على أنه يفرق بين إلهام الوحي وبين الوسوسة» (^١).\nوقوله ﷺ (اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله) (^٢) ثمَّ قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر:: ٧٥].\nوقوله ﷺ: (لقد كان فيما قبلكم من الأمم مُحَدَّثُون، فإن يك في أمتي أحدٌ فإنه عمر) (^٣).\nوالمحدَّث هو الملهم المخاطَب، الذي يُلقي في نفسه الشيء فيخبر به حدْسًا وفراسة (^٤).\nوهذه الأدلة وغيرها تدل على أن القلوب المؤمنة فيها من معرفة الحق والإذعان له ما يقوي الاعتماد عليها.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: أن \" ما يلقيه الله في قلوب المؤمنين من الإلهامات الصادقة العادلة هي من وحي الله\" (^٥).\nومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل:\nالمسألة الأولى: لا يشترط أن يكون للإجماع مستند عند من جعل الإلهام\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٥٢٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الحجر، برقم (٣١٢٧)، وقال: حديث غريب.\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب، برقم (٣٦٨٩)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عمر بن الخطاب، برقم (٢٣٩٨).\n(^٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٠٥).\n(^٥) مجموع الفتاوي (١٥/ ٩٨).","vol":"1","page":157},{"text":"دليلًا (^١) فقد جوَّز انعقاد الإجماع لا عن دليل؛ لأن الإجماع يكون حينئذ من توفيق الله وإلهامه لهم لإصابة الحق؛ وإذا كان توفيقًا وإلهامًا فلا حاجة إلى مستند ودليل.\nومن لم يجوِّز الإلهام منع من ذلك.\nالمسألة الثانية: حجية الاستحسان المعبَّر عنه بأنه: دليل ينقدح في نفس المجتهد تعسر عبارته عنه.\nقال ابن تيميَّة: «وأما الاستدلال على الأحكام بالإلهام، فتلك مسألة أخرى، ليس هذا موضعها، والكلام في ذلك متصل بالكلام على الاستحسان والرأي وأنواعهما، وأن ما يعنيه هذا بالاستحسان، قد يعنيه هذا بالإلهام. وليس الكلام فيما علم فساده من الإلهام لمخالفته دليل الحس والعقل والشرع، فإن هذا باطل، بل الكلام فيما يوافق هذه الأدلة لا يخالفها» (^٢).\nوقال الطوفي: «وإنما امتنع من هذا كثير من الناس من جهة أن هذا يصير حكمًا في الشرع بما يشبه الإلهام، وأحكام الشرع إنما بنيت على ظواهر الأدلة، فتدور معها وجودًا وعدمًا» (^٣).\nالمسألة الثالثة: حجية الترجيح بين الأدلة إذا تكافأت.\nقال ابن تيميَّة: «… ولكن إذا اجتهد السالك في الأدلة الشرعيَّة الظاهرة فلم ير فيها ترجيحًا، وألهم حينئذ رجحان أحد الفعلين مع حسن قصده وعمارته بالتقوى، فإلهام مثل هذا دليل في حقه، قد يكون أقوى من كثير من الأقيسة العقليَّة،\n_________\n(^١) انظر: ميزان الأصول (٢/ ٧٥٦)، سلاسل الذهب (٣٥٧)، البحر المحيط (٤/ ٤٥١)، التحرير مع التقرير والتحبير (٣/ ١١٠)، فواتح الرحموت (٢/ ٢٣٩).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٤٦).\n(^٣) شرح مختصر الروضة (٣/ ١٩٢ - ١٩٣).","vol":"1","page":158},{"text":"والأحاديث الضعيفة، والظواهر الضعيفة، والاستصحابات الضعيفة التي يحتج بها كثير من الخائضين في المذهب والخلاف، وأصول الفقه» (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٧٣).","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type='title' id=toc-111>المبحث الثالث فهم الأدلة بحسب المعنى المراد والاستعمال</span>\nوفيه الحديث عن المسائل الآتية:\n\n<span data-type='title' id=toc-112>المسألة الأولى: المجاز من حيث الإثبات والمنع وآثاره.</span>\nالمسألة الثانية: المتشابه.\nالمسألة الثالثة: التأويل.\n• المسألة الأولى: المجاز من حيث الإثبات والمنع وآثاره.\nومرادهم به وبخاصة الأصوليون: «الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح به التخاطب، على وجه يصح، مع قرينة عدم إرادته» (^١).\nوقد ذكر الأصوليون أن المذاهب في إثبات المجاز ونفيه ثلاثة (^٢):\nالمذهب الأول: إثبات المجاز في اللغة والقرآن، ونسب هذا المذهب إلى الجمهور (^٣).\nالمذهب الثاني: إثبات المجاز في اللغة دون القرآن، ونسبه الأصوليون إلى\n_________\n(^١) هذا تعريف القزويني في الإيضاح (ص ٣٩٤)، وانظر نحوه لابن الحاجب (١/ ١٨٦) (مع شرحه بيان المختصر).\n(^٢) انظر: الإحكام للآمدي (١/ ٤٥، ٤٧)، وغيره، لكن الزركشي في البحر (١/ ٥٠) أوصلها إلى خمسة مذاهب.\n(^٣) الإحكام للآمدي (١/ ٤٥).","vol":"1","page":160},{"text":"الرافضة، وبعض الظاهرية.\nالمذهب الثالث: منع المجاز مطلقًا، ونسبه الأصوليون إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^١) وابن القيم (^٢) ومحمد الأمين الشنقيطي (^٣) وغيرهم.\nوبسط الأدلة المناقشات يطول هنا، وللاستزادة يرجع إلى أصل الكتاب.\nأما الآثار المترتبة على القول بالمجاز في أصول الدين فظهر من خلال القول أن ظاهر اللفظ غير مراد، والمجاز قائم على أساس ذلك، وقد أدخله أكثر القائلين به في كلام الله، فنتج منه شر مستطير، وصار معتصم كل مبطل ومحرف لنصوص الشرع (^٤).\nفقالوا: إن الأدلة الواردة في صفات الله مجاز لم يرد بها حقائقها، والذي دل على المجاز ليس مفردات الألفاظ، وإنما العقل، وعندئذ يطالبون ببيان ما يمنع إجراءها على ظاهرها، وعلم بهذا أن الخلاف في المجاز إثباتًا ونفيًا، ليس لفظيًا، خاصة في العقلي منه.\nوقد أورد الأصوليون في أمثلتهم عددًا من الصفات، وقعوا في تحريفها باعتبار أن ظاهر اللفظ غير مراد، من تلك الصفات: الاستواء على العرش، صفة اليدين، والمجيء، والوجه، رؤية الله في الآخرة (^٥).\n_________\n(^١) ذكره في الإيمان، ضمن مجموع الفتاوى (٧/ ٩٦).\n(^٢) في الصواعق المرسلة، انظر مختصره (٢/ ٢٧١) فما بعدها.\n(^٣) انظر: رسالة منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز. وقد نص على منعه في اللغة كذلك (ص ٨).\n(^٤) نقله عنه الزركشي في البحر المحيط (٣/ ٥١).\n(^٥) وقد ذكر أبو الحسين البصري - وقد وافقه الرافضة - ضمن أمثلة المجاز في القرآن قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وهذا لأن الرؤية عنده مستحيلة، أما الأشاعرة الأصوليون فلم يوردوا ما يتعلق بالرؤية ضمن المجاز، لأنهم يثبتونها، ولكن بطريقة تخالف ما عليه السلف. انظر: التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٤ - ٤٤).\nثم استطردوا في كتب الأصول في مسألتين متعلقتين بالرؤية:\nالأولى: ما هي علة جواز الرؤية، والثانية: هل يرى الله في جهة أو لا؟ وإذا قيل: لا، فهل الرؤية على ظاهرها، أو هي علم أجلى؟.","vol":"1","page":161},{"text":"وهؤلاء يطالبون بالدليل على امتناع إرادة الحقيقة، وبالجواب عن الأدلة الموجبة لإرادة الحقيقة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-113> المسألة الثانية: المتشابه.</span>\nوالمقصود بحث معنى المتشابه في الأدلة السمعية - أعني الكتاب والسنة -، وبحث ما أطلق من كلام بعض الناس: أن نصوص الصفات من المتشابه.\nوالمتشابه في اللغة قد يكون من الشبه الذي هو بمعنى المثل، فالمتشابه إذًا يطلق على التماثل بين شيئين فأكثر، وقد يكون المتشابه من الاشتباه -لا التشابه- تقول: اشتبه الأمر إذا أشكل، فعلى هذا فالمتشابه هو المشكل (^١)، قال ابن قتيبة: «ويقال: لكل ما غمض ودق: متشابه، وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشبه بغيره …» (^٢).\nوعلى كلا المعنيين وردت الكلمة في التنزيل: قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [سورة: الزمر: ٢٣]، فهذا وصف للقرآن كله بأنه متشابه، أي يشبه بعضه بعضًا في الحسن فلا اختلاف فيه ولا تضاد (^٣).\n_________\n(^١) انظر: لسان العرب (٧/ ٢٣ - ٢٤)، والقاموس المحيط (١٦١٠)، مادة شبه.\n(^٢) تأويل مشكل القرآن (١٠٢).\n(^٣) انظر: جامع البيان للطبري (١٢/ ٢٣/ ٢١٠)، ومعالم التنزيل للبغوي (٧/ ١١٥).","vol":"1","page":162},{"text":"وأما المعنى الثاني وهو الدقة والإشكال، فيمكن تنزيل قول الله تعالى في آية آل عمران عليه، وهي: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل: عمران: ٧].\nففي هذه الآية نوَّع الله آيات الكتاب إلى محكمات ومتشابهات، فدل هذا على أن المتشابه هنا غير المتشابه الذي ذكره في آية الزمر، لأن هناك عم به كل القرآن، وهنا ذكره في بعضه، والذي في الزمر لا ينافي الإحكام الذي ذكره الله تعالى عن القرآن كله، كقوله: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، فالإحكام هنا بمعنى الإتقان (^١)، فالقرآن محكم أي أنه متقن ممنوع من الفساد، والاختلاف، والتضاد، وهنا في آية آل عمران ذكره الله مقابلًا للمحكم فدل على التغاير.\nوالتأويل إما أن يكون بمعنى التفسير، وإما أن يكون بمعنى المرجع والمصير (^٢)، والذي يدل عليه استعمال هذه الكلمة في القرآن هو المعنى الثاني خاصة، فمما جاء في تأويل القرآن آيتان:\nالآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [: الأعراف: ٥٢،: ٥٣] فالضمير في قوله ﴿تَأْوِيلَهُ﴾ راجع إلى الكتاب، وهو هنا بمعنى الحقيقة المخبر عنها في القرآن من\n_________\n(^١) انظر: معجم مقاييس اللغة (٢/ ٩١) (حكم).\n(^٢) سيأتي ذلك (ص ١٠٤٧).","vol":"1","page":163},{"text":"ذكر الآخرة والنار (^١).\nوإذا رجعنا إلى آية آل عمران في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ وفسر التأويل فيها على معنى الحقيقة والمآل، يكون المتشابه بمعنى: ما لا تدرك حقيقته ومآله ويتعين الوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، وعلى هذا يحمل ما ورد عن السلف، كابن عباس ﵄ فإنه قرأ الآية هكذا: (وما يعلم تأويله إلا الله، ويقول الراسخون في العلم آمنا به) (^٢).\nوفرق بين علم تأويله وعلم معناه، فقد أثر عن السلف أنهم كانوا يقرأون القرآن ويفسرونه كله، وهذا يدل على أن معناه معلوم لهم.\nوقد رأى بعض أهل العلم أن الوقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ غير متعين، ويرون عطف ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ على اسم الله، فيكون الراسخون ممن يعلم تأويله، وجاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «أنا ممن يعلم تأويله» (^٣)، وقال مجاهد: «والراسخون في العلم يعلمون تأويله» (^٤) وعلى هذا يتعين أن يكون التأويل الذي\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٣/ ٢٧٨ - ٢٧٩).\n(^٢) رواه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١١٦)، ومن طريقه ابن جرير في تفسيره جامع البيان (٣/ ٣/ ١٨٢)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣١٧)، برقم (٣١٤٣) وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٥٨): \"إسناده صحيح. \".\n(^٣) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٣/ ٣/ ١٨٢) عن محمد بن عمرو (وهو ابن العباس الباهلي - ثقة) عن أبي عاصم (وهو الضحاك بن مخلد - ثقة) عن عيسى (هو ابن ميمون المكي -ثقة) عن أبي نجيح (هو عبد الله بن يسار - ثقة) عن مجاهد (وهو ابن جبر -ثقة) عن ابن عباس ﵄ فإسناده صحيح. وانظر تراجم المذكورين -على التوالي- في تقريب التهذيب (٨٢٦٦)، (٢٩٩٤)، (٥٣٦٩)، (٣٨٨٦)، (٥٦٢٣).\n(^٤) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (٣/ ٣/ ١٨٣) وإسناده صحيح - وهو نفس إسناد الأثر المتقدم عليه- وأخرجه من وجه آخر حسن.","vol":"1","page":164},{"text":"يعلمه الراسخون في العلم، ليس هو ذاك التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، فوجب أن يفسر بمعنى التفسير.\nوعلى هذا يكون المتشابه في الآية: ما أشكل معناه، وهذا أمر نسبي إضافي، فقد يستشكل عالم ما لا يستشكله آخر، لكن في مجموع الأمة وجب أن يكون كل ما في القرآن معلوم المعنى.\nوبهذا يرتفع الخلاف المحكي عن العلماء حول معنى المتشابه، فمنهم من قال: المتشابه: ما لا يعلم معناه إلا الله (^١)، ومنهم من قال هو المجمل نفسه الذي لا يتضح معناه من نفسه إلا ببيان آخر (^٢)، وربما زاد بعضهم أن الاشتباه قد يكون للإجمال أو الاشتراك (^٣).\nفإذا جمع بينهما على أساس أن ما لا يعلم معناه إلا الله، هو علم تأويله -أي حقيقته ومآله- والذي يعلمه الله والراسخون في العلم: هو علم معناه، ارتفع الخلاف (^٤).\nورود هذه المسألة في كتب أصول الفقه:\nالذي يلحظ من صنيع أكثر المؤلفين في الأصول: أنهم يرون أن نصوص الصفات من المتشابه، وقد قال بذلك من تأولها أو تأول أكثرها-، وبعض من لم يتأولها أي المثبتة.\n_________\n(^١) انظر: العدة لأبي يعلى (٢/ ٦٨٩)، وروضة الناظر (١/ ١٨٦)، وأصول البزدوي -مع كشف الأسرار- (١/ ١٥٠)، وشرح التلويح (١/ ٢٣٧)، والبحر المحيط (٢/ ١٩١).\n(^٢) انظر: البرهان ١/ ٢٨٤)، والتلخيص (١/ ١٨٠)، وإحكام الفصول للباجي (١/ ٤٨).\n(^٣) انظر: المستصفى (١/ ١٠٦)، والإحكام للآمدي (١/ ١٦٥)، والمسودة (ص ١٦١)، وشرح الكوكب المنير (٢/ ١٤١).\n(^٤) انظر: كشف الأسرار (١/ ١٥١ - ١٥٢)، والبحر المحيط (١/ ٢٣٩)، وشرح التلويح (١/ ٢٣٩).","vol":"1","page":165},{"text":"فمن المثبتة: ابن قدامة، فإنه قال: «والصحيح أن المتشابه: ما ورد في صفات الله سبحانه مما يجب الإيمان به ويحرم التعرض لتأويله، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]» (^١).\nوهذا الكلام يوجه توجيهين:\nالتوجيه الأول: إنها متشابهة من جهة حقائقها، وهذا شأن الأسماء المتواطئة، فإنها عند التجرد من الإضافة والتخصيص يفهم منها معنى كلي ذهني، وبعد الإضافة والتخصيص يمتنع أن يكون ما ثبت لله مشابهًا لما ثبت للمخلوقين، ومجرد الاشتراك في ذلك المطلق لا يوجب التماثل، فما ثبت لله يكون على وجه الكمال والتنزه عن مشابهة خلقه، ونقطع الطمع عن إدراك الكيفية التي حجبها الله عنا، فيكون التأويل المحرم فيها على هذا الأساس طلب معرفة الكيفية (^٢).\nالتوجيه الثاني: أو يقصد أنها متشابهة من جهة استشكال المتكلمين لها (^٣)، إذ لاحظوا الاتفاق والتواطؤ في الأسماء العامة، فظنوا أن ذلك يقتضي تشبيه صفات الله بصفات خلقه، فطلبوا تأويلها بصرفها عن ظاهرها المراد شرعًا، والحق خلاف ما توهموه، ولذلك قال: «ويحرم التعرض لتأويله»، ولذلك قال بعد سرده للآيات: «فهذا اتفق السلف ﵏ على الإقرار به، وإمراره على وجهه، وترك تأويله …» (^٤).\nوإنما تعين ذكر التوجيهين، لأن من قال: المتشابه ما استأثر الله بمعناه، يكون\n_________\n(^١) روضة الناظر (١/ ١٨٦).\n(^٢) انظر: الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم الأصفهاني التيمي (٢/ ٢٥٧).\n(^٣) انظر: شرح الكوكب المنير (٢/ ١٤١).\n(^٤) روضة الناظر (١/ ١٨٦).","vol":"1","page":166},{"text":"عده نصوص الصفات من المتشابه، تسليمًا للجهمية القائلين إن لها ظاهرا غير مراد، ولا يعلم تأويلها إلا الله. علمًا بأن السلف لم يقروا الجهمية، فلا بد إذًا من القول بأن نصوص الصفات ليست من المتشابه إذا أريد فهم المعنى (^١).\nوأما المتكلمون الذين ينفون الصفات - كلها أو بعضها- فقد عدوا نصوص الصفات من المتشابه كذلك.\nوقد يتمسك بعضهم بعبارات للأئمة توهموا أنها تفيد تفويض المعنى، ومن ثَمَّ القول بأن نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله، ومن ذلك قولهم: «أمروها بلا تفسير)، وقول الإمام مالك: «الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» (^٢).\nومراد الأئمة من قولهم: (أمروها بلا تفسير) أو (لا تفسر) أو (تمر كما جاءت)، أحد معنيين؛ إما أن يريدوا: لا تفسر الكيفية، لأنها غير مدركة للخلق، أو أنها تمر كما جاءت دون تفسير الجهمية الذي حقيقته التحريف.\nفظهر من شرح عبارات أهل العلم أنهم لا يقولون إن نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، بل هي واضحة معلومة عند السامعين، وأن المنكر عندهم هو تفسيرها تفسير الجهمية - الذي حقيقته التحريف والتبديل - وأن الكيفية كذلك لا تفسر، لأنها غير معلومة لنا.\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٣/ ٢٩٦).\n(^٢) هذا الخبر مروي عن الإمام مالك من عدة طرق، أجودها طريق عبد الله بن وهب أخرجها البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٠٤)، برقم (٨٦٦) وعن طريقه الذهبي في العلو (ص ١٠٣)، والطريق الثاني عن يحيى بن يحيى أخرجها الدارمي في الرد على الجهمية (ص ٥٥ - ٥٦) رقم (١٠٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٠٥) برقم (٨٦٧) وفي الاعتقاد (ص ١١٦)، والصابوني في اعتقاد أهل الحديث (ص ١٧ - ١٩) برقم (٢٥، ٢٦)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٣٥، ٣٢٦)، واللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٩٨)، برقم (٦٦٤).","vol":"1","page":167},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-114> المسألة الثالثة: التأويل</span>\nاصطلح المتأخرون من الأصوليين على تعريف التأويل بأنه: صرف الكلام عن ظاهره إلى وجه مرجوح يحتمله لدليل راجح، وهذا حدُّ التأويل الصحيح، وإذا أريد تعريف التأويل دون اعتبار الصحة، أي ليشمل الصحيح والفاسد حذف قيد (دليل راجح) (^١).\nولا مشاحة في الاصطلاح، فالحد المذكور للتأويل الصحيح سليم، إذا روعيت شروطه واعتبرت.\nوشروط التأويل الصحيح هي:\nالشرط الأول: ألا يكون الدليل نصًا في معناه (^٢).\nالشرط الثاني: احتمال التركيب المعين لذلك التأويل بعينه (^٣).\nوإنما اعتبر التركيب، لأن معرفة ما يحتمله اللفظ من المعاني بحسب اللغة فقط لا يكفي، وإنما لا بد من ملاحظة التركيب الذي يحدد المعنى، وهذا يفيد كذلك في التمييز بين مدلولات الكلمة في تراكيب مختلفة، إذ لا يلزم أن يكون ورود اللفظ بمعنىً في سياق ملازمًا له في كل سياق. وبالجملة فهذا الشرط تضمن أمرين:\n(١) احتمال اللفظ للمعنى المؤول إليه (^٤).\n_________\n(^١) انظر: إحكام الفصول للباجي (٤٩)، والإحكام للآمدي (٣/ ٥٣)، وكشف الأسرار (١/ ١١٨)، وإرشاد الفحول (٢/ ٤٤).\n(^٢) انظر: بدائع الفوائد (١/ ١٥).\n(^٣) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (١/ ٢٩٠).\n(^٤) انظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٥٤)، والموافقات (٣/ ٣٣٠)، والصواعق المرسلة لابن القيم (١/ ٢٨٩) والبحر المحيط للزركشي (٥/ ٤٦).","vol":"1","page":168},{"text":"(٢) ثم احتماله في ذلك التركيب الخاص (^١).\nومن ههنا يعرف خطأ إيراد كثير من معطلة الصفات لنصوص هي ظاهرة في معناها، كقول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] الدال على أنه لا يبقى إلا ما أريد به وجهه، بقرينة أول الآية: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ونحو قول الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٥] أي قبلة الله، فيأتي المعطل، ويحاول إلزام المثبت أن يؤول ما هو صريح في إثبات الوجه في أدلة أخرى، لمجرد وجود لفظ (الوجه) الذي هو ظاهر في معناه في تلك الآيات (^٢)، فيدعي أنه كذلك في أدلة أخرى، كقول الرسول ﷺ: (جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) (^٣)، وكقوله ﷺ لما نزل قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] قال: (أعوذ بوجهك) الحديث (^٤)، والأدلة الدالة على إثبات الوجه كثيرة.\nالشرط الثالث: إقامة دليل يرجح المعنى المؤول إليه بحيث يكون المعنى المؤول إليه أقوى من المعنى الظاهر الذي أفاده الكلام قبل ذلك الدليل المرجح، فهذا الشرط تضمن أمرين (^٥):\n_________\n(^١) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (١/ ٢٨٩)، ٢٩٢)، والبحر المحيط للزركشي (٥/ ٤٦).\n(^٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ١٤ - ١٧).\n(^٣) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، برقم (٧٤٤٤) ومسلم في كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة لربهم سبحانه - برقم (٢٩٦).\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ من سورة الأنعام، برقم (٤٦٢٨).\n(^٥) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (١/ ٢٩٢)، والبحر المحيط للزركشي (٥/ ٤٦).","vol":"1","page":169},{"text":"(١) الإتيان بدليل شرعي يوجب التأويل، وإلا كان تلاعبًا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وتحريفًا لهما (^١).\n(٢) أن يكون ذلك الدليل المرجح للمعنى المؤول إليه أقوى من الظاهر الذي يعارضه، لأن الأصل البقاء على الظاهر، ولا يقاوم هذا الظاهر إلا ما كان أقوى منه، حتى يكون المعنى المؤول إليه أقوى من ذلك الظاهر الذي أفاده الكلام (^٢).\nوبالجملة فإنه كما قال ابن القيم: «فمن عرف مراد المتكلم بدليل من الأدلة وجب اتباع مراده، والألفاظ لم تقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مراده ووضح بأي طريق كان، عمل بمقتضاه» (^٣).\nوقال أيضًا «وبالجملة فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص، وجاءت به السنة ويطابقها هو التأويل الصحيح، والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة هو التأويل الفاسد، ولا فرق بين باب الخبر والأمر في ذلك» (^٤).\nورود المسألة في كتب أصول الفقه:\nذكر ابن برهان في تسليط التأويل المصطلح عليه على نصوص الصفات ثلاثة أقوال - وتبعه على ذلك الزركشي وزاد عليه في العقائد مطلقًا (^٥).\nالقول الأول: «أنه لا مدخل للتأويل فيها، بل تجرى على ظاهرها، ولا يؤول\n_________\n(^١) انظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٥٤)، والموافقات (٣/ ٣٣١).\n(^٢) انظر: الموافقات (٣/ ٣٣٢)، والبحر المحيط للزركشي (٥/ ٣٧، ٣٨).\n(^٣) أعلام الموقعين (١/ ٢١٨).\n(^٤) الصواعق المرسلة لابن القيم (١/ ١٨٧)، وقد بين ابن القيم أنواع التأويل الفاسد، فأوصلها إلى عشرة في كتابه الصواعق المرسلة (١/ ١٨٧ - ٢٠١).\n(^٥) انظر: الوصول إلى الأصول لابن برهان (١/ ٣٧٥)، والبحر المحيط للزركشي (٥/ ٣٩).","vol":"1","page":170},{"text":"منها شيء، وهم المشبهة» (^١) ومعنى حملهم لها على ظاهرها أنهم: «… حملوا اليد على الجارحة، والاستواء على الاستقرار» (^٢).\nالقول الثاني: «وذهب كثير من السلف إلى ترك تأويل الآيات والأخبار مع اعتقاد نفي التشبيه، وزعموا أن الإقدام على التأويل خطأ من غير أن يكون هناك دليل قاطع يدل عليه» (^٣).\nالقول الثالث: «أنها مؤولة، وأولوها» (^٤) بالفعل.\nوما ذكروه في المذهب الثاني أنه قول السلف ليس بصحيح- وقد تقدم ذكر مذهب السلف في صفات الله، والأسس التي قام عليها.\nلكن المتكلمين لما ظنوا أن ظواهر نصوص الصفات توهم التشبيه، عدُّوا كل مثبت للصفات مشبهًا، ويلقبونه بألقاب سيئة كالحشوي.\nثم إن لفظ الظاهر صار فيه إجمال، فإن أريد بالظاهر: الظاهر الشرعي الذي يفيد إثبات الصفات على وجه الكمال مع التنزيه عن المماثلة - فهذا ظاهر مقبول لا يرد، وإن أريد به ما يظهر للمتكلم المتأثر بالأوهام والشكوك والظنون، من أنه يثبت له كما يثبت للخلق، فهذا الظاهر يجب نفيه، ويبين المعنى الصحيح لنصوص الصفات (^٥).\nمن الأمثلة التي ذكرها المؤلفون في الأصول أنه يحتاج إلى تأويل: قول الله\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٥/ ٣٩).\n(^٢) الوصول إلى الأصول (١/ ٣٧٧).\n(^٣) المصدر نفسه (١/ ٣٧٧).\n(^٤) البحر المحيط للزركشي (٥/ ٣٩).\n(^٥) انظر: الرسالة التدمرية لابن تيمية (ص ٦٩).","vol":"1","page":171},{"text":"تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل: عمران: ٥٤]، وقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [: البقرة: ١٥] قوله الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وقوله الله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١]، قال الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [: الرحمن: ٢٧]، قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:: ٥] إلى غير ذلك من الآيات.\nومن الأحاديث قوله ﷺ: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض) (^١)، وقوله ﷺ: (قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن) (^٢).\nوالتحقيق أن صلة هؤلاء المتكلمين في هذا الباب باب الأسماء والصفات - مما عطلوا الباري منها - منقطعة بسلف الأمة (^٣)، وهم في اضطراب من أمرهم\n_________\n(^١) هذا الحديث لا يصح مرفوعًا قطعًا، فروي مرفوعًا عن أنس عند أبي يعلى في إبطال التأويلات (١/ ١٨٢ - ١٢٣) رقم (١٧٧) وفيه أبان بن أبي عياش - متروك- والعلاء بن مسلمة الرواسي - كان يضع الحديث-[انظر: ميزان الاعتدال (١٥) (٥٧٤٣)] وروي مرفوعًا عن جابر عند الخطيب في تاريخه (٦/ ٣٢٨) - وفيه: إسحاق بن بشر الكاهلي -وهو وضاع-[انظر: ميزان الاعتدال (٧٤٠)] ولذلك قال ابن تيمية: «روي عن النبي ﷺ بإسناد لا يثبت» [مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩٧)]. وقد روي عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا، أما المرفوع فقد علم حكمه [وانظر تمييز الطيب من الخبيث (ص ٦٥)]. أما الموقوف فأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٣٩) وأبو يعلى في إبطال التأويلات (١/ ١٧٨) معلَّقًا، وفيه ابن جريج وهو مدلس، وقد عنعنه فهو ضعيف، ولذلك اكتفى شيخ الإسلام بقوله: «والمشهور إنما هو عن ابن عباس» [مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩٧)] والشهرة لا تعني الصحة، ولكن مع ذلك قال ابن الديبع في تمييز الطيب من الخبيث (ص ٦٥): «قال شيخنا: هو موقوف صحيح» .. والله أعلم.\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب القدر باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء، برقم (٢٦٥٤).\n(^٣) وللشاطبي كلام رصين متين في أن كل من خالف السلف الأولين فهو على خطأ، وأنه لا بد من مراعاة فهمهم وما كانوا عليه، وأن ترك ذلك يفتح باب التلاعب بالدين، ولذلك لا تجد طائفة ولا فرقة إلا وتحتج على باطلها بأدلة من الكتاب والسنة متبعين للأهواء وتحريف النصوص وتحميلها ما لا تحتمل، فانظر: الموافقات (٣/ ٢٥٢، ٢٨٠ - ٢٨١، ٢٨٧ - ٢٨٩)، وانظر أيضًا: مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٧)، (٤/ ٩١ - ٩٤، ١٣٢) وغيرها، وأعلام الموقعين لابن القيم (١/ ٧٩ - ٨٠)، (٤/ ١١٨، ١٤٧ - ١٥٥).","vol":"1","page":172},{"text":"وحيرة، إذ لم يجدوا عن سلف الأمة ما يدل على تأويل نصوص الصفات فارتكبوا جهالة أخرى بزعمهم أن طريقة الخلف أعلم وأحكم، فما زعموه أعلم حقيقته أنه أجهل، إذ بعضهم لما قرب من الموت قال: أموت ولا أعرف شيئًا! وما زعموه أحكم، آل إلى أفسد ما يتصوره الإنسان. فكم فتحوا من شبهات، وزلزلوا من قواعد وأركان، وأضعفوا من إيمان في نفوس من تطلع إلى علومهم واغتر بها، وحقيقة أمرهم أنهم لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا، تجد من فلتات كلامهم كفرًا وزندقة وحيرة وشكًا، والله المسؤول أن يعصم من الفتن والبدع والأهواء.","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type='title' id=toc-115>المبحث الرابع حقيقة الإيمان</span>\nلما تكلم الأصوليون في مبحث اللغات عن الحقيقة الشرعية، هل هي منقولة من معناها اللغوي قطعًا، أو هي باقية على معناها اللغوي قطعًا، أو لم تنقل لكن قيدت بمعنى معين في الشرع متضمن لذلك المعنى اللغوي، لما تكلموا عن ذلك، أدرجوا موضوع الإيمان مثالًا لهذه المسألة (^١)، وجرّهم ذلك إلى الكلام عن معنى الإيمان لغة، وعن دخول الأعمال في مسماه ذاكرين لأقوال الفرق المشهورة في ذلك.\nكما أنهم تكلموا عن موضوع زيادة الإيمان ونقصانه في علم أصول الفقه باعتبار كونه مبنيًا على مسألة تفاوت العلوم.\nوقد جاء في مراقي السعود (^٢):\nوالعلم عند الأكثرين يختلف … جزمًا وبعضهم بنفيه عرف\nوإنما له لدى المحقق … تفاوت بحسب التعلق\n_________\n(^١) انظر: المعتمد (١/ ١٨ - ٢٠)، والتقريب للباقلاني (١/ ٣٨٧ - ٣٩٨)، والعدة (١/ ١٨٩ - ١٩٠)، وإحكام الفصول/ ٢٠٥ - ٢١٠)، والتلخيص للجويني (١/ ٢٠٩ - ٢١٦)، والبرهان (١/ ١٣٣ - ١٣٥)، وشرح اللمع (١٨١ - ١٨٥)، والمستصفى (١/ ٣٢٦ - ٣٣٣)، والمحصول (١/ ٢٩٨ - ٣١٤)، والإحكام للآمدي (١/ ٣٥ - ٤٤)، وروضة الناظر (٢/ ١٠ - ١٥)، وشرح تنقيح الفصول (٤٣)، ونهاية السول (٢/ ١٥٠ - ١٥٩)، البحر المحيط (٣/ ١٤ - ٢٨)، وشرح الكوكب المنير (١/ ١٤٩ - ١٥٢)، ونشر البنود (١/ ١٢١ - ١٢٢).\n(^٢) مراقي السعود مع شرحه نشر البنود (١/ ٥٧٥٩).","vol":"1","page":174},{"text":"لما له من اتحاد منحتم … مع تعدد لمعلوم علم\nيبنى عليه الزيد والنقصان … هل ينتمي إليهما الإيمان؟\nوبحث هذه المسائل العقدية باختصار في المسائل الآتية:\n\n<span data-type='title' id=toc-116>المسألة الأولى: حقيقة الإيمان عند السلف:</span> قول وعمل، يزيد وينقص (^١). وقصدوا بالقول قول اللسان، وبالعمل عمل القلب والجوارح.\nوبعض الناس يقسم ما في القلب إلى قول وعمل، ويقصد بقوله: تصديقه، وبعمله: النية واليقين والمحبة والإقبال على الله ونحو ذلك، ويدخل فيه ما كان مستحبًا من أعمال القلوب. وأما قول اللسان فقصدوا به الإقرار لفظًا بالأركان، ويدخل فيه ما كان واجبًا أو مستحبًا من أقواله، كالاستغفار وذكر الله، وقول الحق، وأما أعمال الجوارح، فهي ظاهرة مثل الركوع والسجود والقيام والجهاد … ونحو ذلك (^٢).\nأما المرجئة فهم على ثلاث طوائف (^٣):\n(١) مرجئة الفقهاء. وهؤلاء يقولون إنه تصديق بالقلب وإقرار باللسان، ولا يعدون الأعمال من مسمى الإيمان.\n(٢) المرجئة الجهمية: وهؤلاء يقولون: إنه تصديق القلب فقط، وما عداه من قول اللسان وعمل الجوارح ليس من مسماه، وتبعهم على هذا كثير من الأشعرية. وقد ذهب الغلاة من المرجئة إلى أنه المعرفة فقط (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الإيمان لابن أبي شيبة (٤٦)، والإيمان لأبي عبيد (٥٣، ٨٣)، والسنة لعبد الله بن أحمد (١/ ٣١٥ - ٣١٧)، والكاشف عن المحصول للأصفهاني (٢/ ٥٦٥) القسم الأول.\n(^٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ١٧١).\n(^٣) انظر: الإرشاد للجويني (٣٣٣)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ١٩٥ - ١٩٧، ٣٨٧).\n(^٤) انظر: الكاشف عن المحصول للأصفهاني (٢/ ٥٦٣ - ٥٦٤) القسم الأول.","vol":"1","page":175},{"text":"(٣) الكرامية: وزعموا أنه القول فقط، فالمنافقون عندهم مؤمنون لكنهم يستحقون الوعيد في الآخرة (^١).\nوأما الخوارج والمعتزلة فوافقوا السلف في مسمى الإيمان من جهة تعلقه بالقلب واللسان والجوارح، ثم خالفوهم في الحكم، فقالوا: إن ارتكاب المعاصي بفعل المحرمات أو ترك الواجبات يذهب بالإيمان كله، ذلك أن الإيمان -عندهم- كله شيء واحد، فصاحب الكبيرة مخلد في النار إن مات على كبيرته، لكنهم اختلفوا في أحكام الدنيا، فالخوارج كفّروا أصحاب الكبائر مطلقًا، فأخرجوهم من الإيمان إلى الكفر في الدنيا والآخرة، أما المعتزلة فوافقوا على إخراجهم من الإيمان وعلى خلودهم في النار يوم القيامة، وخالفوا الخوارج في الحكم عليهم بالكفر في الدنيا وقالوا: هم في منزلة بين المنزلتين، واستحقوا وصف الفسق (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-117>المسألة الثانية: الذي عليه سلف الأمة هو أن الإيمان يتفاضل حقيقة في نفسه من جهة أمر الرب ومن جهة فعل العباد،</span> فما أوجبه الله آخر الأمر أكثر مما أوجبه أولًا، إذ كان المطلوب أولًا التوحيد، ثم فرضت الصلاة بعد ذلك وهكذا، وأيضًا فإن الوجوب يتنوع بتنوع أهله، فما يجب على شخص قد لا يجب على غيره، والناس في امتثالهم لشرع الله يتفاوتون تفاوتًا عظيمًا، بل إن الشخص الواحد يجد ذلك من نفسه فليست أحواله كلها على السواء سواء كان ذلك فيما يتعلق بقلبه أم لسانه أم جوارحه، فمن عباد الله من هو سابق مقرب، ومنهم مقتصدون، ومنهم ظالمون لأنفسهم.\nواستدلوا على صحة مذهبهم في زيادة الإيمان ونقصانه بأدلة من كتاب الله\n_________\n(^١) انظر: الكاشف عن المحصول للأصفهاني (٢/ ٥٦٣ - ٥٦٤) القسم الأول.\n(^٢) انظر: الإيمان لأبي عبيد (٨٨ - ١٠١)، وشرح الأصول الخمسة (٧٠١)، والكاشف عن المحصول للأصفهاني (٢/ ٥٦٦) القسم الأول.","vol":"1","page":176},{"text":"ومن سنة رسول الله ﷺ وبإجماع السلف، ومن ذلك:\nقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال ٢]. ففيها نص واضح على زيادة الإيمان، وعلى نقصانه لزومًا.\nوفي زيادة الإيمان من جهة أمر الرب ومن جهة فعل العبد، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [: التوبة: ١٢٤].\nومن السنة قول رسول الله ﷺ: (من رأي منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) (^١). حيث جعل رسول الله ﷺ النهي عن المنكر من الإيمان، وبين درجات إنكاره ورتبها، الأقوى والأضعف، وهذا يدل على زيادة الإيمان ونقصانه.\nوفي قوله ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) (^٢)، دلالة على أن الإيمان شعب كثيرة متفاضلة في نفسها، ويلزم عندئذ تفاضل المؤمنين فيه لتفاوت مراتبهم في العمل بها.\nوقال ابن عبد البر ناقلًا إجماع العلماء على زيادة الإيمان ونقصانه: «أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص رقم (٧٨).\n(^٢) تقدم تخريجه\n(^٣) التمهيد لابن عبد البر (٩/ ٢٣٨).","vol":"1","page":177},{"text":"وخالف طوائف من أهل البدع في هذه المسألة، فزعموا أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وربما سلم بعضهم بزيادة الإيمان من جهة أمر الرب على معنى أن ما وجب أول الإسلام زادت عليه واجبات أخرى في آخره، ومن جهة فعل العبد في بعض الحالات كمن أسلم حديثًا فإنه يزداد إيمانه من جهة العمل، لا من جهة التصديق، وهؤلاء على نوعين؛ فالمرجئة يزعمون أن الإيمان هو التصديق، وهو عندهم شيء واحد لا يتفاضل، والآخرون هم الخوارج والمعتزلة وقد سلموا بأن الإيمان قول وعمل لكنه إذا ذهب بعضه ذهب كله، وعليه فلا يقبلون القول بزيادة الإيمان ونقصانه بترك الواجبات وفعل المحرمات وضدهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-118>المسألة الثالثة: ومما وقع استطرادًا في هذا الموضوع ما ذكره ابن النجار في حكم الاستثناء في الإيمان والإسلام </span>فقال: «ويجوز الاستثناء فيه - أي في الإيمان - بأن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، نص على ذلك الإمام أحمد (^١) والإمام الشافعي رحمهما الله تعالى، وحكي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه» (^٢).\nوقال ابن عقيل: يستحب، ولا يقطع لنفسه.\nومنع ذلك الإمام أبو حنيفة وأصحابه (^٣) والأكثر؛ لأن التصديق معلوم لا يتردد\n_________\n(^١) انظر: السنة للخلال (٣/ ٥٩٧، ٦٠٠، ٦٠١، ٦٠٢).\n(^٢) وهو أنه: «قال رجل عند عبد الله: إني مؤمن، قال: قل إني في الجنة!، ولكنا نقول: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله» رواه أبو عبيد في الإيمان (ص ٦٧) رقم (١١)، وابن أبي شيبة في الإيمان (ص ٩) رقم (٢٢)، وعبد الله في السنة (١/ ٣٢٢) رقم (٦٥٥) وهو صحيح الإسناد.\n(^٣) ما ذكره عن الإمام أبي حنيفة لا أدري ما صحته، لكن المعلوم أن الماتريدية يرون عدم جواز الاستثناء في الإيمان. الدليل الذي ذكره للماتريدية في منع الاستثناء في الإيمان مبني على أن الإيمان هو التصديق فقط، فيكون الاستثناء فيه شكًا من صاحبه فيه، وهذا خطأ، لأن الإيمان عندنا قول وعمل، فيصح أن يقع الاستثناء على العمل.\nانظر: شرح الفقه الأكبر للملا علي القاري (٢٠٨ - ٢٠٩).","vol":"1","page":178},{"text":"فيه عند تحققه، ومن تردد في تحققه لم يكن مؤمنًا، وإن لم يكن للشك والتردد، فالأولى أن يقول: أنا مؤمن حقًا، دفعًا للإيهام.\nواستدل للقول الأول بوجوه:\nأحدها: أن الاستثناء للتبرك بذكر الله تعالى والتأدب بإحالة الأمور إلى مشيئة الله تعالى، والتبري من تزكية النفس والإعجاب بحالها.\nالثاني: أن التصديق الإيماني المنوط به النجاة أمر قلبي خفي، له معارضات خفية كثيرة من الهوى والشيطان والخذلان، فالمرء - وإن كان جازمًا بحصوله- لكنه لا يأمن أن يشوبه شيء من منافيات النجاة، ولا سيما عند تفاضل الأوامر والنواهي الصعبة المخالفة للهوى والمستلذات من غير علم له بذلك، فلذلك يفوض حصوله إلى مشيئة الله تعالى.\nالثالث: أن الإيمان ثابت في الحال قطعًا من غير شك فيه، لكن الإيمان الذي هو علم الفوز وآية النجاة إيمان الموافاة، فاعتنى السلف به وقرنوه بالمشيئة، ولم يقصدوا الشك في الإيمان الناجز.\nوأما الإسلام: فلا يجوز الاستثناء فيه، بأن يقول: أنا مسلم إن شاء الله، بل يجزم به، قاله ابن حمدان في نهاية المبتدئين، وقيل: يجوز إن شرطنا فيه العمل (^١) (^٢).\n_________\n(^١) إن أريد بالعمل الكلمة - أعني التلفظ بالشهادتين - فلا استثناء فيه. وإن أريد العمل من الصلاة وغيرها من أركان الإسلام، صح الاستثناء فيه، للعلل والآفات التي تلحق الأعمال. وما صدره بقوله: قيل: يجوز إن شرطنا فيه العمل، هو الصحيح، وإن حكاه بصيغة التضعيف. والله أعلم.\nانظر: الإبانة لابن بطة (٢/ ٨٧٦) - الكتاب الأول-. ومسائل الإيمان لأبي يعلى (٤٢٨)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ٤١٥، ٢٥٩).\n(^٢) شرح الكوكب المنير لابن النجار (١/ ١٥١ - ١٥٢).","vol":"1","page":179},{"text":"وللسلف في جواز الاستثناء في الإيمان توجيهًا آخر، وهو أن العمل عند السلف جزء مسمى الإيمان، ولا شك أن الإحاطة بالأعمال وتحقيقها على الكمال مما يصعب، ولذلك صح الاسثتناء فيه من هذه الجهة (^١).\nوعلى هذا يعلم أن مأخذ السلف في الاستثناء راجع إلى أربعة أوجه: أنه ليس للشك وإنما للتحقيق، وهذا محله أصل الإيمان. والثاني: خوف التزكية. والثالث: احتمال القبول وعدمه. والرابع: باعتبار العمل وهو يحتمل الخلل والنقصان (^٢).\n_________\n(^١) انظر: السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ٣٠٨)، والسنة للخلال (٣/ ٦٠٠ - ٦٠١)، والشريعة للآجري (١٣٦)، الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم التيمي (١/ ٤٠٩ - ٤١٠)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ٤٤٧، ٤٤٨).\n(^٢) انظر: زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه (ص ٤٥٥ - ٤٩٠).","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type='title' id=toc-119>قائمة المصادر والمراجع</span>\n(١) الآيات البينات، لأحمد بن قاسم العبادي (ت ٩٩٤ هـ) على شرح جمع الجوامع. ضبطه وخرج أحاديثه الشيخ زكريا عميرات-دار الكتب العلمية-بيروت، ط ١، ١٤١٧ هـ، ١٩٩٦ م\n(٢) الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، لابن بطة (ت: ٣٨٧ هـ) المجلد الأول تحقيق ودراسة رضا بن نعسان معطي، ط ١، ١٤٠٩ هـ-١٩٨٨ م، الكتاب الثاني تحقيق د/ عثمان عبد الله آدم، ط ١، ١٤١٥ هـ، الكتاب الثالث تحقيق د/ يوسف عبد الله الوابل، ط ١، ١٤١٥ هـ، دار الراية للنشر والتوزيع-الرياض.\n(٣) الإبهاج في شرح المنهاج، عبد الوهاب بن علي السبكي (٧٥٦ هـ) وولده (٧٧١ هـ) -ط ١، ١٤٠٤ هـ-١٩٨٤ م-دار الكتب العلمية.\n(٤) إحكام الفصول في أحكام الأصول لسليمان بن خلف الباجي، ت (٤٧٤ هـ). تحقيق ودراسة د-عبد الله محمد الجبوري، مؤسسة الرسالة-بيروت-الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ-١٩٨٩ م.\n(٥) الإحكام في أصول الأحكام، لعلي بن محمد الآمدي. تعليق عبد الرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢، ١٤٠٢ هـ.\n(٦) الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم الظاهري ت (٤٥٦ هـ) دار الكتب العلمية-بيروت، ط ١، ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م.\n(٧) الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، لابن قتيبة الدينوري ت (٢٧٦ هـ) تحقيق -عمر بن محمود أبو عمر، دار الراية للنشر والتوزيع. ط ١، ١٤١٢ هـ-١٩٩١ م.\n(٨) آراء المعنزلة الأصوليَّة دراسة وتقويمًا، للباحث علي بن سعد الضويحي، رسالة","vol":"1","page":181},{"text":"دكتوراه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميَّة، نوقشت عام ١٤١٢ هـ، وطبعت في مكتبة الرشد.\n(٩) الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، لإمام الحرمين الجويني-تحقيق: أسعد تميم، مؤسسة الكتب الثقافية-بيروت، ط ١ - ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م.\n(١٠) الاستقامة، لابن تيمية-تحقيق د/ محمدرشادسالم ط ٢، مؤسسةقرطبة.\n(١١) أسباب الخلاف في المسائل الأصوليَّة المتعلقة بمقدمات أصول الفقه والحكم الشرعي، جمعًا ودراسة، للباحث محمد بن علي بن محمد الأسمري، رسالة دكتوراه (آلة) بجامعة أم القرى، نوقشت عام ١٤٣٨ هـ-٢٠١٧ م.\n(١٢) أسباب الخلاف في المسائل الأصوليَّة المتعلقة بالأدلة جمعًا ودراسة، للباحث إسماعيل الحاج، رسالة دكتوراه (آلة) بجامعة أم القرى، نوقشت عام ١٤٣٨ هـ-٢٠١٧ م.\n(١٣) أسباب الخلاف في المسائل الأصوليَّة المتعلقة بباب اللغات ودلالات الألفاظ جمعًا ودراسة، للباحث أحمد بن محمد أحمد السهلي، رسالة دكتوراه (آلة) بجامعة أم القرى، نوقشت عام ١٤٣٨ هـ-٢٠١٧ م.\n(١٤) أسباب الخلاف في المسائل الأصوليَّة المتعلقة بالاجتهاد والتقليد والتعارض والترجيح، جمعًا ودراسة، للباحث ياسر بن درويش بن غرم الله الغامدي، رسالة دكتوراه (آلة) بجامعة أم القرى، نوقشت عام ١٤٣٨ هـ-٢٠١٧ م.\n(١٥) الأسماء والصفات، لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي-تصحيح: محمد زاهد الكوثري، دار إحياء التراث العربي-بيروت. إضافة إلى النسخة المحققة باليمن.\n(١٦) إظهار الحق تأليف الشيخ رحمت الله بن خليل الرحمن الهندي ت (١٣٠٨ هـ) دراسة وتحقيق وتعليق-د. محمد أحمد عبد القادر ملكاوي-دار الوطن للنشر-١٤١٢ هـ.\n(١٧) أعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ) تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد-بيروت-دار الجيل: ١٩٧٣ م.","vol":"1","page":182},{"text":"(١٨) الاقتصاد في الاعتقاد، لأبي حامد الغزالي ت (٥٠٥ هـ) قدم له وعلق عليه وشرحه د. علي بو ملحم. دار ومكتبة الهلال، بيروت-ط ١، ١٩٩٣ م.\n(١٩) إلجام العوام عن علم الكلام، لأبي حامد الغزالي-ط ٢ - ١٣٩٥ هـ، القاهرة، مكتبة الخديوي.\n(٢٠) إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق في أصول التوحيد، لمحمد بن المرتضى اليماني، (ابن الوزير) ت (٨٤٠ هـ). دار الكتب العلمية، بيروت ط ١، ١٤٠٣ هـ-١٩٨٣ م.\n(٢١) الإيمان، لابن مندة، ت (٣٩٥ هـ) حققه وعلق عليه د/ علي بن محمد بن ناصر الفقيهي-مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢، ١٤٠٦ هـ، ١٩٨٥ م.\n(٢٢) الإيمان، لابن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ) تحقيق وتعليق محمد ناصر الدين الألباني-دار الأرقم-الكويت-ط ٢، ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م. (ضمن أربع رسائل).\n(٢٣) الإيمان، لأبي عبيد القاسم بن سلام تحقيق الألباني -دار الأرقم-الكويت -ط ٢، ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م (ضمن أربع رسائل).\n(٢٤) البحر المحيط في أصول الفقه، للزركشي ت (٧٩٤ هـ) حققه لجنة من علماء الأزهر ط ١، ١٤١٤ هـ، ١٩٩٤ م، دار الكتبي.\n(٢٥) بدائع الفوائد، لابن قيم الجوزية-دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. د-ت.\n(٢٦) البداية والنهاية، لابن كثير الدمشقي، تحقيق مجموعة من المحققين-دار الكتب العلمية-بيروت-ط ١، ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م.\n(٢٧) البرهان في أصول الفقه، لإمام الحرمين الجويني، حققه د/ عبد العظيم محمود الديب، دار الوفاء، المنصورة، ط ٣، ١٤١٢ هـ-١٩٩٢ م.\n(٢٨) بناء الأصول على الأصول، دراسة تأصيلية مع التطبيق على مسائل الأدلة المتفق عليها، للباحث وليد بن فهد الودعان، ماجستير بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميَّة، بإشراف فضيلة الأستاذ الدكتور عياض بن نامي السلمي، نوقشت عام ١٤٢٧ - ١٤٢٨ هـ، وطبعت ضمن إصدارات الجمعية الفقهية (٣٠)، دار كنوز إشبيليا.","vol":"1","page":183},{"text":"(٢٩) بناء الأصول على الأصول في الأدلة المختلف فيها، للباحثة أسمهان بنت محمد العمري، ماجستير (آلة) بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميَّة، بإشراف فضيلة الدكتور عيسى بن محمد العويس، نوقشت عام ١٤٣٩ - ١٤٤٠ هـ.\n(٣٠) بناء الأصول على الأصول في الاجتهاد والتقليد والتعارض والترجيح، للباحث عبد الحميد بن عبد الله المشعل، ماجستير (آلة) بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميَّة، بإشراف فضيلة الأستاذ الدكتور عياض بن نامي السلمي، نوقشت عام ١٤٣١ - ١٤٣٢ هـ.\n(٣١) بيان تلبيس الجهمية، لابن تيمية-تعليق محمد بن عبد الرحمن بن قاسم-ط ١، ١٣٩١ هـ مكة المكرمة-مطبعة الحكومة.\n(٣٢) التحسين والتقبيح العقليان وأثرهما في مسائل أصول الفقه، للباحث عايض بن عبد الله الشهراني، رسالة دكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميَّة، طبعت في دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، عام ١٤٢٩ هـ -٢٠٠٨ م.\n(٣٣) تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة، لخليل بن كيكلدي العلائي (ت ٧٦١ هـ) تحقيق د/ عبد الرحيم القشقري-دار العاصمة-الرياض-ط ١ - ١٤١٠ هـ.\n(٣٤) تخريج الأصول على الأصول في أبواب الحكم الشرعي، للباحث محمد بن غرم بن محمد العمري، رسالة ماجستير (آلة)، بجامعة الملك سعود، إشراف فضيلة الدكتور عمر بن شريف السلمي، نوقشت عام ١٤٣٠ هـ.\n(٣٥) التدمرية أو تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع لشيخ الإسلام ابن تيمية ت (٧٢٨ هـ) تحقيق محمد ابن عودة السعوي. طبع شركة العبيكان للطباعة والنشر-الرياض ط ١، ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م.\n(٣٦) التصويب والتخطئة وأثرهما في مسائل أصول الفقه، ومنهج المدرسة العقلية الحديثة، للباحث يحيى بن حسين الظلمي، رسالة دكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، طبعت في دار التدمرية.\n(٣٧) تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ)","vol":"1","page":184},{"text":"دراسة وتحقيق: عبد العزيز بن محمد الخليفة-ط ١، ١٤١٧ هـ ١٩٩٦ م-مكتبة الرشد-الرياض\n(٣٨) التقريب والإرشاد، للباقلاني-ت (٤٠٣ هـ) تحقيق: عبد الحميد أبو زنيد-ط ١، ١٤١٣ هـ. ١٩٩٣ م، بيروت-مؤسسة الرسالة.\n(٣٩) التقرير والتحبير، لابن أمير حاج-ت (٨٧٩ هـ) دار الكتب العلمية-بيروت ط ٢.\n(٤٠) التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من مقدمة ابن الصلاح-للعراقي ت: (٨٠٦ هـ) مؤسسة الكتب الثقافية -لبنان، ط ١، ١٤١١ هـ، ١٩٩١ م.\n(٤١) التمهيد في أصول الفقه، للكلوذاني- (ت ٥١٠ هـ) تحقيق: د. مفيد محمد أبو عمشة، ط ١، ١٤٠٦ هـ-١٩٨٥ م، مكة المكرمة-جامعة أم القرى-مركز البحث العلمي-وإحياء التراث الإسلامي.\n(٤٢) تنقيح المحصول، للتبريزي (ت ٦٢١ هـ) تحقيق: د. حمزة زهير حافظ-رسالة دكتوراة بالجامعة الإسلامية-بالمدينة المنورة-١٤٠٧ هـ.\n(٤٣) التنقيح مع شرحه المسمى بالتوضيح للإمام، لعبد الله بن مسعود المحبوبي (ت ٧٤٧ هـ) ضبطه وخرج آياته وأحاديثه الشيخ زكريا عميرات-دار الكتب، بيروت-ط ١، ١٤١٦ هـ، ١٩٩٦ م.\n(٤٤) التوحيد وإثبات صفات الرب ﷿، لابن خزيمة ت (٣١١ هـ) تحقيق ودراسة د/ عبد العزيز إبراهيم الشهوان-دار الرشد-الرياض-ط ١ - ١٤٠٨ هـ ١٩٨٨ م\n(٤٥) تيسير التحرير شرح كتاب التحرير في أصول الفقه، لأمير بادشاه-تصحيح محي الدين-والسبكي-والمطيعي-مكتبة محمد علي صبيح-القاهرة-١٣٥٢ هـ.\n(٤٦) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب-المكتب الإسلامي-بيروت-ط ٥ - ١٤٠٢ هـ.\n(٤٧) جامع الرسائل، لابن تيمية-تحقيق د/ محمد رشاد سالم-دار المدني-جدة، ط ٢، ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٤ م.","vol":"1","page":185},{"text":"(٤٨) الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي، لأبي عيسى محمد بن عيسى ابن سورة ت (٢٧٩ هـ) بتحقيق وشرح أحمد محمد شاكر، شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي مصر. ط ٢، ١٣٩٨ هـ، ١٩٧٨ م.\n(٤٩) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لشيخ الإسلام ابن تيمية ت: (٧٢٨ هـ) تحقيق وتعليق د/ علي بن حسن بن ناصر ود/ حمدان بن محمد الحمدان وعبد العزيز العسكر. دار العاصمة، الرياض ط ١، ١٤١٤ هـ.\n(٥٠) حاشية البناني على شرح الجلال المحلي، لعبد الرحمن المغربي البناني -شركة مصطفى البابي الحلبي مصر-ط ٢ - ١٣٥٦ هـ ١٩٣٧ م.\n(٥١) حاشية التفتازاني (ت-٧٩١ هـ) على شرح العضد على مختصر ابن الحاجب، مطبوع بهامش شرح العضد.\n(٥٢) حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع-حسن العطار ت- (١٢٥٠ هـ) المطبعة العلمية-القاهرة-١٣١٦ هـ.\n(٥٣) حجية السنة-د. عبد الغني عبد الخالق-ط ١، ١٤٠٧ هـ-١٩٨٦ م، -ألمانيا الغربية-شتوتغارت-المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن.\n(٥٤) خلق أفعال العباد-للبخاري ت- (٢٥٦ هـ) -تحقيق بدر البدر-الدار السلفية-الكويت ط ١ - ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م.\n(٥٥) درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية-تحقيق د/ محمد رشاد سالم-مكتبة ابن تيمية، القاهرة.\n(٥٦) دلائل النبوة، للبيهقي، ت-٤٥٨ هـ-تحقيق د/ عبد المعطي قلعجي-ط ١ - ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م-بيروت دار الكتب العلمية.\n(٥٧) رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد، علق عليه محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية، بيروت-ط ١، ١٣٥٨ هـ.\n(٥٨) الرد على الزنادقة والجهمية، للإمام أحمد بن حنبل ت ٢٤١ هـ-المطبعة السلفية، القاهرة، ١٣٩٣ هـ.","vol":"1","page":186},{"text":"(٥٩) الرد على المنطقيين، لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ت (٧٢٨ هـ) مطبعة معارف، لاهور، ١٣٩٦ هـ-١٩٧٦ م.\n(٦٠) الرسالة، للإمام الشافعي ت-٢٠٤ هـ-تحقيق وشرح: أحمد محمد شاكر، المكتبة العلمية بيروت.\n(٦١) روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب أحمد بن حنبل، لابن قدامة المقدسي، مع شرحها نزهة الخاطر. ط ٢، ١٤٠٤ هـ-١٩٨٤ م. مكتبة المعارف-الرياض.\n(٦٢) زاد المعاد في هدى خير العباد، لابن قيم الجوزية- (ت ٧٥١ هـ) تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة-بيروت، ط ٨، ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م.\n(٦٣) زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه-د. عبد الرزاق العباد البدر-ط ١ - ١٤١٦ هـ-١٩٩٦ م، الرياض-دار القلم والكتاب.\n(٦٤) سلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني-المكتب الإسلامي، بيروت-ط ٤، ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م.\n(٦٥) سلسلة الأحاديث الضعيفة، للألباني-ط ١، ١٤٠٨ هـ-١٩٨٧ م، مكتبة المعارف-الرياض.\n(٦٦) سلم الوصول لشرح نهاية السول، الشيخ محمد بخيت المطيعي-بهامش نهاية السول\n(٦٧) السنة، لعبد الله بن أحمد الشيباني-ت (٢٩٠ هـ) -تحقيق ودراسة د/ محمد سعيد القحطاني، دار ابن القيم للنشر والتوزيع-ط ١، ١٤٠٦ هـ-١٩٨٦ م.\n(٦٨) السنة للخلال، ت (٣١١ هـ) دراسة وتحقيق د/ عطية الزهراني، ط ١، ١٤١٠ هـ، ١٩٨٩ م، دار الراية-الرياض.\n(٦٩) سنن ابن ماجة ت (٢٧٥ هـ) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي-دار الفكر العربي.\n(٧٠) سنن أبي داودالسجستاني-ت: (٢٧٥ هـ) تعليق عزت عبيد الدعاس، وعادل السيد-دارالحديث-بيروت-ط ١، ١٣٨٨ هـ-١٩٦٩ م.","vol":"1","page":187},{"text":"(٧١) سنن الدارقطني، للإمام الدارقطني، ت (٣٨٥ هـ) تحقيق: عبد الله هاشم اليماني، القاهرة، دار المحاسن للطباعة، د-ت.\n(٧٢) سنن الدارمي ت (٢٥٥ هـ) حققه فواز أحمد زمرلي، وخالد السبع العلمي، دار الكتاب العربي، بيروت ط ١، ١٤٠٧ هـ-١٩٨٧ م.\n(٧٣) السنن الكبرى، لأبي بكر البيهقي ت (٤٥٨ هـ) دار المعرفة بيروت.\n(٧٤) السنن الكبرى، للنسائي (ت ٣٠٣ هـ) تحقيق-عبد الغفار سليمان، وسيد كسروي-بيروت-دار الكتب العلمية-ط ١، ١٤١١ هـ.\n(٧٥) شرح أسماء الله الحسنى، للرازي، راجعه وعلق عليه طه عبد الرؤوف سعد-دار الكتاب العربي-بيروت ط ١، ١٤٠٤ هـ-١٩٨٤ م.\n(٧٦) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، للالكائي-ت (٤١٨ هـ) تحقيق د/ أحمد سعد حمدان-دار طيبة للنشر والتوزيع-الرياض-ط ١، ١٤٠٩ هـ-١٩٨٨ م.\n(٧٧) شرح الأصول الخمسة، لعبد الجبار بن أحمد-تعليق/ أحمد بن الحسين بن أبي هاشم، حققه د/ عبد الكريم عثمان-مكتبة وهبة-القاهرة-ط ١، ١٣٨٤ هـ -١٩٦٥ م.\n(٧٨) شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه، للتفتازاني ت (٧٩٢ هـ) -ضبطه وخرج آياته وأحاديثه الشيخ زكريا عميرات-ط ١، ١٤١٦ هـ-١٩٩٦ م-دار الكتب العلمية بيروت.\n(٧٩) شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول، للقرافي ت (٦٨٤ هـ) حققه طه عبد الرؤوف سعد-المكتبة الأزهرية للتراث-مصر-ط ٢ - ١٤١٤ هـ ١٩٩٣ م.\n(٨٠) شرح العضد على مختصر ابن الحاجب الأصولي-ط ٢، دار الكتب العلمية-بيروت ١٤٠٣ هـ-١٩٨٣ م.\n(٨١) شرح الكوكب المنير في أصول الفقه، لابن النجار ت (٩٧٢ هـ) تحقيق د/ محمد الزحيلي ود/ نزيه حماد، دار الفكر-دمشق، ١٤٠٠ هـ- ١٩٨٠ م.","vol":"1","page":188},{"text":"(٨٢) شرح اللمع-للشيرازي-حققه عبد المجيد التركي-دار الغرب الإسلامي-بيروت-ط ١، ١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م.\n(٨٣) شرح مختصر الروضة، للطوفي ت (٧١٦ هـ) تحقيق د/ عبد الله ابن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت-ط ١، ١٤١٠ هـ ١٩٩٠ م.\n(٨٤) شرح المقاصد، للتفتازاني-ت (٧٩٣ هـ) تحقيق وتعليق د/ عبد الرحمن عميرة-عالم الكتب-بيروت-ط ١، ١٤٠٩ هـ-١٩٨٨ م.\n(٨٥) شرح المواقف في علم الكلام للجرجاني-الآستانة-دار الطباعة العامرة ١٣١١ هـ.\n(٨٦) شرح النووي لصحيح مسلم-دار الفكر.\n(٨٧) الشريعة للآجري (ت ٣٦٠ هـ) تحقيق محمد حامد الفقي-الناشر: أنصار السنة المحمدية بمصر.\n(٨٨) صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان-علاء الدين بن بلبان الفارسي، ت ٧٢٩ هـ-تحقيق شعيب الأرنؤوط-مؤسسة الرسالة-بيروت-ط ٢ - ١٤١٤ هـ-١٩٩٣ م.\n(٨٩) صحيح ابن خزيمة (ت ٣١١ هـ) تحقيق د/ محمد مصطفى الأعظمي-المكتب الإسلامي-بيروت-١٤٠٠ هـ-١٩٨٠ م.\n(٩٠) صحيح البخاري ت (٢٥٦ هـ)، لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي المكتبة السلفية بالقاهرة.\n(٩١) صحيح مسلم ت (٢٦١ هـ) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي-دار إحياء التراث العربي-بيروت.\n(٩٢) الصفات، للدارقطني (ت ٣٨٥ هـ) تحقيق أ. د. علي بن محمد ناصر الفقيهي-ط ١ - ١٤٠٣ هـ-١٩٨٣ م.\n(٩٣) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن قيم الجوزية-حققه د/ علي بن محمد الدخيل الله -دار العاصمة-الرياض-ط ١، ١٤٠٨ هـ.\n(٩٤) العدة في أصول الفقه، للقاضي أبي يعلى ت: (٤٥٨ هـ) حققه د/ أحمد بن علي بن سير المباركي، مؤسسة الرسالة-بيروت-ط ١، ١٤٠٠ هـ-١٩٨٠ م.","vol":"1","page":189},{"text":"(٩٥) عقيدة السلف أصحاب الحديث، للصابوني-تحقيق بدر البدر، الدار السلفية-الكويت-ط ١، ١٤٠٤ هـ ١٩٨٤ م.\n(٩٦) العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية، لإمام الحرمين الجويني-ت (٤٧٨ هـ) تقديم وتعليق د/ أحمد حجازي السقا-مكتبة الكليات الأزهرية-مصر-ط ١، ١٣٩٨ هـ-١٩٧٨ م.\n(٩٧) العلو للعلي الغفار في تصحيح الأخبار، للذهبي-علق عليه عبد الرزاق عفيفي-تصحيح زكريا علي يوسف-مطبعة أنصار السنة-القاهرة-١٣٥٧ هـ.\n(٩٨) العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، لابن الوزير ت (٨٤٠ هـ) تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة بيروت ط ٢، ١٤١٢ هـ-١٩٩٢ م.\n(٩٩) غاية المرام في علم الكلام، للآمدي، تحقيق حسن محمود عبد اللطيف-مطبعة الأهرام التجارية-القاهرة-١٣٩١ هـ.\n(١٠٠) الفصول في الأصول، للجصاص ت (٣٧٠ هـ) تحقيق د-عجيل جاسم النشمي، ط ٢، ١٤١٤ هـ، ١٩٩٤ م، الكويت، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية.\n(١٠١) فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، للغزالي، تصحيح وتعليق: مصطفى القباني الدمشقي-ط ١ - ١٣١٩ هـ-١٩٠١ م-مطبعة الترقي-مصر.\n(١٠٢) قواعد العقائد، لأبي حامد الغزالي، تحقيق موسى محمد علي-عالم الكتب-بيروت-ط ٢، ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م.\n(١٠٣) الكاشف عن المحصول، للأصفهاني- (ت ٦٨٨ هـ) قسم إلى ست رسائل علمية -للماجستير-بالجامعة الإسلامية بالمدينة-١٤٠٦ هـ. القسم الأول-بتحقيق سعيد غالب المجيدي-من أول الكتاب إلى نهاية المقدمات. القسم الثاني-بتحقيق سعد محمد محمد إبراهيم-مباحث اللغات. والقسم الثالث-بتحقيق إبراهيم تورين إبراهيم-الأوامر والنواهي. والقسم الرابع-بتحقيق محمد النامي الحازمي-من العموم والخصوص إلى المجمل والمبين. والقسم السادس-بتحقيق عبد القيوم بن محمد شفيع-القياس وما بعده.","vol":"1","page":190},{"text":"(١٠٤) كشف الأسرار عن أصول البزدوي للإمام عبد العزيز بن أحمد البخاري ت (٧٣٠ هـ) -تعليق محمد المعتصم بالله البغدادي-دار الكتاب العربي-بيروت-ط ١، ١٤١١ هـ-١٩٩١ م.\n(١٠٥) لسان العرب، لابن منظور الإفريقي (ت ٧١١ هـ) تصحيح: أمين محمد عبد الوهاب، ومحمد الصادق العبيدي، ط ١، ١٤١٦ هـ-١٩٩٦ م-بيروت-دار إحياء التراث العربي.\n(١٠٦) اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، للأشعري ت (٣٣٠ هـ) تعليق د/ حمودة غرابة-مطبعة وشركة مساهمة مصر: ١٩٥٥ م.\n(١٠٧) لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية، للسفاريني-مع تعليقات للشيخين أبا بطين وسليمان بن سحمان-المكتب الإسلامي-بيروت-ط ٢، ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م.\n(١٠٨) المجاز وأثره في الدرس اللغوي، د/ محمد بدري عبد الجليل-دار النهضة العربية لبنان-١٤٠٦ هـ ١٩٨٦ م.\n(١٠٩) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وابنه محمد-إشراف الرئاسة العامة لشئون الحرمين الشريفين\n(١١٠) محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين، للرازي، تعليق طه عبد الرؤوف سعد-دار الكتاب العربي-بيروت-ط ١، ١٤٠٤ هـ-١٩٨٥ م.\n(١١١) المحصول في علم أصول الفقه للرازي-ت (٦٠٦ هـ) تحقيق د/ طه جابر العلواني، مؤسسة الرسالة-بيروت-ط ٢ - ١٤١٢ هـ ١٩٩٢ م.\n(١١٢) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن قيم الجوزية، تحقيق سيد إبراهيم-دارالحديث-القاهرة-ط ١، ١٤١٢ هـ ١٩٩٢ م.\n(١١٣) مختصر العلو للعلي الغفار، للألباني، المكتب الإسلامي-بيروت-ط ١ - ١٤٠١ هـ-١٩٨١ م.","vol":"1","page":191},{"text":"(١١٤) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن قيم الجوزية ت (٧٥١ هـ) تحقيق وتعليق محمد المعتصم بالله البغدادي. دار الكتاب العربي، بيروت-ط ١ - ١٤١٠ هـ-١٩٩٠ م.\n(١١٥) المسائل الأصوليَّة المتعلقة بالمباحث القدريَّة، للباحث فخر الدين الزبير علي، بحث محكم، طبعه الباحث ضمن بحوث بعنوان (سلسلة تصفية علم الأصول من الفضول)، في مكتبة الديار بمصر عام ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م.\n(١١٦) المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين، للدكتور محمد العروسي عبد القادر، طبع في مكتبة الرشد.\n(١١٧) مذكرة أصول الفقه، لمحمد الأمين الشنقيطي، المكتبة السلفية-المدينة المنورة.\n(١١٨) المستصفى، لأبي حامد الغزالي-ت (٥٠٥ هـ)، الطبعة القديمة ط ١، بالمطبعة الأميرية ببولاق مصر المحمية-١٣٢٢ هـ-دار صادر.\n(١١٩) المسند للإمام أحمد بن حنبل -ثلاث طبعات-أ- المكتب الإسلامي -بيروت-ط ٤ - ١٤٠٣ هـ-١٩٨٣ م. ب-تحقيق شعيب الأرنؤوط ومن معه، بيروت-مؤسسة الرسالة-ط ١ - ١٤١٣ هـ-١٩٩٣ م. ج-تحقيق أحمد شاكر-ط ٣ - مصر-دار المعارف للطباعة والنشر-١٣٦٨ هـ-١٩٤٩ م.\n(١٢٠) المسودة في أصول الفقه جمعها أبو العباس الحنبلي ت (٧٤٥ هـ) تحقيق وتعليق محمد محي الدين عبد الحميد-دار الكتاب العربي-بيروت.\n(١٢١) المصنف، لعبد الرزاق الصنعاني (ت ٢١١ هـ) تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي-بيروت-المكتب الإسلامي-١٩٧٠ م.\n(١٢٢) المصنف في الأحاديث والآثار، لابن أبي شيبة ت (٢٢٥ هـ) تحقيق: كمال يوسف الحوت-بيروت-دار التاج-١٤٠٩ هـ.\n(١٢٣) معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة، للباحث محمد بن حسين الجيزاني، رسالة دكتوراه من الجامعة الإسلاميَّة، نوقشت عام ١٤١٥ هـ، وطبعت في دار ابن الجوزي، عام ١٤١٩ هـ.","vol":"1","page":192},{"text":"(١٢٤) المعتمد في أصول الفقه، لمحمد بن علي البصري (أبو الحسين) ت (٤٣٦ هـ) قدم له الشيخ خليل الميس-دار الكتب العلمية-بيروت-ط ١، ١٤٠٣ هـ ١٩٨٣ م.\n(١٢٥) المعجم الوسيط-قام بإخراجه إبراهيم مصطفى وأحمد حسن الزيات-وحامد عبد القادر ومحمد علي النجار. مطابع دار المعارف-١٤٠٠ هـ ١٩٨٠ م.\n(١٢٦) المغني في أبواب التوحيد والعدل، للقاضي عبد الجبار، تحقيق جماعة من المحققين-ط ١، ١٣٨٢ هـ-القاهرة-المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر.\n(١٢٧) مفهوم العصمة عند الأصوليين وأثره في الاستدلال، للباحث علاء بن أحمد بن عبد الله مشهور، رسالة دكتوراه (آلة) بالجامعة الإسلامية، بإشراف فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد بن باكر الباكري، نوقشت عام ١٤٣٧ هـ.\n(١٢٨) مقاييس اللغة، لأحمد بن فارس، تحقيق عبد السلام هارون-مكتبة مصطفى البابي الحلبي-القاهرة-ط ٢، ١٣٨٩ هـ-١٣٩٢ هـ.\n(١٢٩) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، لأبي الحسن الأشعري ت (٣٣٠ هـ) تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد-مكتبة النهضة المصرية-ط ٢ - ١٣٨٩ هـ-١٩٦٩ م.\n(١٣٠) المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، لأبي حامد الغزالي ت (٥٠٥ هـ) الجفان والجابي للطباعة والنشر-قبرص-ط ١، ١٤٠٧ هـ-١٩٨٧ م.\n(١٣١) منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز، للشنقيطي، مطبوع ضمن أضواء البيان الجزء العاشر.\n(١٣٢) المنقذ من الضلال، لأبي حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) مؤسسة الكتب الثقافية-بيروت- ط ١، ١٤٠٨ هـ-١٩٨٧ م.\n(١٣٣) منهاج السنة النبوية، لابن تيمية، تحقيق د/ محمد رشاد سالم-إدارة الثقافة والنشر بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ط ١، ١٤٠٦ هـ- ٩٨٦ م.\n(١٣٤) منهاج العقول في شرح منهاج الأصول في علم الأصول، للبدخشي ط ١ - ١٤٠٥ هـ-١٩٨٤ م.","vol":"1","page":193},{"text":" (١٣٥) المواقف في علم الكلام، للإيجي، عالم الكتب-بيروت-د. ت.\n(١٣٦) ميزان الأصول في نتائج العقول، لمحمد بن أحمد السمرقندي ت (٥٣٩ هـ) حققه وعلق عليه د/ محمد زكي عبد البر، ط ١، ١٤٠٤ هـ-١٩٨٤ م، طبع على نفقة إدارة إحياء التراث الإسلامي-قطر.\n(١٣٧) النبوات، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) تحقيق محمد عبد الرحمن عوض-دار الكتاب العربي-بيروت-ط ١ - ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م.\n(١٣٨) النسخ في القرآن الكريم دراسة تشريعية نقدية د/ مصطفى زيد- (ت: ١٣٥٠ هـ) دار الفكر العربي-القاهرة-١٣٨٣ هـ.\n(١٣٩) نصب الراية لأحاديث الهداية، للزيلعي (ت ٧٦٢ هـ) ط ٢ - المجلس العلمي-.\n(١٤٠) نهاية الإقدام في علم الكلام، للشهرستاني، تحقيق: الفرد جيوم-مكتبة المثنى-مصر\n(١٤١) نهاية السول في شرح منهاج الأصول، للبيضاوي ت (٦٨٥ هـ) تأليف عبد الرحيم الأسنوي ت (٧٧٢ هـ) عالم الكتب-بيروت.\n(١٤٢) نهاية الوصول في دراية الأصول، لصفي الدين الهندي، تحقيق: د/ صالح اليوسف، ود/ سعد السويح، المكتبة التجارية-مكة المكرمة.\n(١٤٣) الوصول إلى الأصول، لابن بَرهان ت (٥١٨ هـ) تحقيق د/ عبد الحميد علي أبو زنيد-مكتبة المعارف-الرياض-١٤٠٣ هـ ١٩٨٣ م.","vol":"1","page":194}]}