{"ً":{"ٌ":13782,"ٍ":"تقويم الأدلة في أصول الفقه","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/WAQ69871/69871.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تقويم الأدلة في أصول الفقه\nالمؤلف: أبو زيد عبيد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي الحنفي (ت ٤٣٠ هـ)\nالمحقق: خليل محيي الدين الميس، مفتي زحلة والبقاع ومدير أزهر لبنان\nالناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان\nالطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م\nأعده للشاملة: فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)\nعدد الصفحات: ٤٦٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2643,"ٕ":11,"ٖ":1770156018,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":1},{"title":"القول في أسماء أنواع الحجج","level":1,"page":5},{"title":"القول في أنواع الحجج نفسها","level":1,"page":10},{"title":"القول في أنواع الحجج الشرعية الموجبة للعلم","level":1,"page":11},{"title":"القول في بيان حد الكتاب وكونه حجة","level":1,"page":12},{"title":"القول في تحديد المتواتر وكونه حجة موجبة","level":1,"page":14},{"title":"القول في بيان أن الإجماع من هذه الأمة حجة","level":1,"page":15},{"title":"القول في تحديد الإجماع","level":1,"page":20},{"title":"القول في أقسام الإجماع","level":1,"page":23},{"title":"القول في أنواع التكلم وضعا وتفسيرها حقا","level":1,"page":26},{"title":"القول في حكم الأوامر المطلقة في حق المأمورين شرعا","level":1,"page":28},{"title":"القول في الأمر بالفعل ماذا حكمه في التكرار؟","level":1,"page":32},{"title":"القول في صفة حسن المأمور به","level":1,"page":36},{"title":"القول في مطلق الأمر ماذا موجبه في حسن المأمور به من الفعل","level":1,"page":39},{"title":"القول في الأمر بفعل واجب، ماذا حكمه في ضده؟","level":1,"page":40},{"title":"القول في النهي ماذا حكمه؟","level":1,"page":41},{"title":"فصل: الأقوال في تكرار الانتهاء","level":1,"page":42},{"title":"فصل في بيان علة وجوب الانتهاء","level":1,"page":42},{"title":"القول في صفة قبح المنهي عنه وحكمه","level":1,"page":44},{"title":"القول في النهي المطلق ماذا حكمه؟ وإلى أي قسم ينصرف؟","level":1,"page":46},{"title":"القول في بيان أسباب الشرائع","level":1,"page":53},{"title":"فصل","level":1,"page":55},{"title":"القول في العبادات","level":1,"page":59},{"title":"فصل","level":1,"page":59},{"title":"فصل","level":1,"page":60},{"title":"فصل","level":1,"page":62},{"title":"القول في منازل المشروعات حقا لله تعالى وبيان أحكامها","level":1,"page":69},{"title":"القول في العزيمة والرخصة","level":1,"page":73},{"title":"القول في الأداء والقضاء","level":1,"page":79},{"title":"القول في أسماء الألفاظ في حق قذر تناولها المسميات، وحكمها فيما تتناوله","level":1,"page":86},{"title":"حكم المشترك","level":1,"page":96},{"title":"القول في العام إذا خص منه شيء","level":1,"page":97},{"title":"القول في بيان ألفاظ العموم","level":1,"page":102},{"title":"القول في الأسماء الظاهرة التي تتفاوت معانيها ظهورا من الأسماء المستعملة بين الفقهاء","level":1,"page":108},{"title":"القول في أقسام أنواع استعمال الكلام","level":1,"page":111},{"title":"القول في أقسام ما يترك به حقيقة اللفظ بلا معارضة","level":1,"page":119},{"title":"القول في أقسام الأحكام الثابتة بالنص الظاهر دون القياس بالرأي","level":1,"page":122},{"title":"فصل","level":1,"page":141},{"title":"القول في إبانة طريق المراد بمطلق الكلام","level":1,"page":152},{"title":"القول في الحجج المجوزة من الشرعيات","level":1,"page":160},{"title":"القول في الآية المؤولة","level":1,"page":161},{"title":"القول في الخبر الواحد","level":1,"page":162},{"title":"القول في أقسام المخبرين","level":1,"page":167},{"title":"القول في بيان أقسام ما كان خبر الواحد فيها حجة","level":1,"page":169},{"title":"القول في أقسام الرواة الذين تقبل روايتهم","level":1,"page":172},{"title":"القول في شرائط الراوي","level":1,"page":176},{"title":"القول في حدود هذه الشروط","level":1,"page":177},{"title":"القول في الرواية عن الخط وما فيه من بيان الضبط","level":1,"page":183},{"title":"القول في ضبط المتن ونقل الخبر بالمعنى","level":1,"page":186},{"title":"القول في انتقاد خبر الواحد بعد ثبوته عن الرسول ﵇ مسندا أو مرسلا","level":1,"page":188},{"title":"القول فيما يلحق الخبر بتكذيب من جهة الراوي نفسه","level":1,"page":193},{"title":"القول في أقسام جملة الأخبار في حق العمل بها","level":1,"page":197},{"title":"القول في أقسام الصحيح من الأخبار","level":1,"page":199},{"title":"القول في بيان المعارضة من تفسيرها وركنها وشرطها وحكمها","level":1,"page":206},{"title":"القول في بيان المخلص من المعارضات بين النصوص","level":1,"page":209},{"title":"القول في البيان","level":1,"page":213},{"title":"القول في النسخ تفسيرا وجوازا","level":1,"page":220},{"title":"القول في أقسام النسخ في نفسه","level":1,"page":223},{"title":"القول في البيان ما يحتمل النسخ من الأحكام وما لا يحتمل","level":1,"page":227},{"title":"القول فيما يجوز النسخ به","level":1,"page":231},{"title":"القول في أفعال النبي ﷺ","level":1,"page":239},{"title":"القول في شرع الرسول ﷺ من تلقائه بالرأي","level":1,"page":241},{"title":"القول في شريعة من قبلنا","level":1,"page":245},{"title":"القول في تقليد الصحابي والتابعي","level":1,"page":248},{"title":"فصل","level":1,"page":250},{"title":"القول في القياس","level":1,"page":252},{"title":"القول في أقسام نفاة القياس","level":1,"page":269},{"title":"القول في بيان ما لا بد للقياس من معرفته","level":1,"page":270},{"title":"القول في بيان الشروط","level":1,"page":271},{"title":"القول في ركن العلة","level":1,"page":284},{"title":"القول في حكم العلة","level":1,"page":286},{"title":"القول في أسماء لا بد للقائس منها","level":1,"page":292},{"title":"القول في الأصول في أنها معلولة أم غير معلولة","level":1,"page":293},{"title":"القول في الوصف وثبوته علة يجب العمل بها","level":1,"page":296},{"title":"القول في الاحتجاج بلا دليل","level":1,"page":311},{"title":"القول في جملة القائلين بلا دليل مع اعتقادهم بطلان الاحتجاج به","level":1,"page":316},{"title":"القول في بيان الاعتراضات الصحيحة على العلل المؤثرة من الفاسدة","level":1,"page":319},{"title":"القول في بيان صحيح الممانعة من فاسدها","level":1,"page":321},{"title":"القول في القلب والعكس","level":1,"page":323},{"title":"القول في الموانع","level":1,"page":326},{"title":"القول في أقسام المعارضات الصحيحة والفاسدة","level":1,"page":328},{"title":"القول في بيان الترجيح","level":1,"page":331},{"title":"القول فى المناقضة","level":1,"page":341},{"title":"القول في صحيح الاعتراضات على العلل الطردية التي لا يضلل القائل بها ويجوز العمل بها بالإجماع","level":1,"page":344},{"title":"القول بموجب العلة","level":1,"page":345},{"title":"القول في الممانعات","level":1,"page":348},{"title":"القول في بيان فساد الوضع","level":1,"page":352},{"title":"القول في المناقضة","level":1,"page":356},{"title":"القول في بيان الطرد الفاسد ظاهرا","level":1,"page":358},{"title":"القول في وجوه الانتقال","level":1,"page":361},{"title":"القول في الفرق بين العلة والسبب والشرط والعلامة","level":1,"page":363},{"title":"القول في أنواع السبب","level":1,"page":365},{"title":"فصل","level":1,"page":370},{"title":"فصل","level":1,"page":371},{"title":"القول في أنواع العلل المعتبرة شرعا","level":1,"page":374},{"title":"القول في أنواع الشروط","level":1,"page":376},{"title":"القول في أنواع العلامة","level":1,"page":379},{"title":"القول في أسماء الحجج التي هي مضلة","level":1,"page":380},{"title":"القول في أقسام التقليد وما فيه من الحجة على صحته وفساده","level":1,"page":381},{"title":"القول في الإلهام","level":1,"page":384},{"title":"القول في أقسام استصحاب الحال","level":1,"page":392},{"title":"القول في أقسام الطرد","level":1,"page":394},{"title":"القول في الاستحسان ما هو لغة؟ وحكمه؟","level":1,"page":396},{"title":"القول في صفة المجتهد في الأحكام التي تجوز الفتوى فيها بغالب الرأي","level":1,"page":399},{"title":"القول في المخطئ من جهة المجتهدين في هذه الأبواب التي لا نص فيها","level":1,"page":407},{"title":"القول في حين أهلية الآدمي لوجوب الحقوق المشروعة عليه","level":1,"page":409},{"title":"القول في حين الخطاب شرعا","level":1,"page":412},{"title":"القول في بيان ما أسقط من الحقوق بعذر الصبي رحمة","level":1,"page":413},{"title":"فصل في بيان ما سقط من حقوق الله تعالى بأصله","level":1,"page":413},{"title":"القول في حين صحة عبارات الصبي شرعا","level":1,"page":420},{"title":"القول في حين لزوم ما يتجدد بالشرع من الأحكام","level":1,"page":423},{"title":"باب القول في الأعذار المسقطة للوجوب بعد البلوغ","level":1,"page":425},{"title":"القول في الحجج العقلية","level":1,"page":434},{"title":"فصل","level":1,"page":436},{"title":"القول في أقسام دلائل العقل الموجبة","level":1,"page":440},{"title":"القول في مباحات العقول للحياة الدنيا","level":1,"page":441},{"title":"القول في موجبات العقول الواجبة دينا","level":1,"page":443},{"title":"القول في محرمات العقل قطعا للدنيا","level":1,"page":447},{"title":"القول في محرمات العقل قطعا للدين","level":1,"page":448},{"title":"القول في مباحات العقول الجائزة للدنيا","level":1,"page":450},{"title":"القول في المشروعات الدينية الجائزة بالعقول","level":1,"page":454},{"title":"القول في أحوال قلب الآدمي قبل العلم، وأحواله بعد العلم","level":1,"page":457}],"ٛ":{"1,9":1,"1,10":2,"1,11":3,"1,12":4,"1,13":5,"1,14":6,"1,15":7,"1,16":8,"1,17":9,"1,18":10,"1,19":11,"1,20":12,"1,21":13,"1,22":14,"1,23":15,"1,24":16,"1,25":17,"1,26":18,"1,27":19,"1,28":20,"1,29":21,"1,30":22,"1,31":23,"1,32":24,"1,33":25,"1,34":26,"1,35":27,"1,36":28,"1,37":29,"1,38":30,"1,39":31,"1,40":32,"1,41":33,"1,42":34,"1,43":35,"1,44":36,"1,45":37,"1,46":38,"1,47":39,"1,48":40,"1,49":41,"1,50":42,"1,51":43,"1,52":44,"1,53":45,"1,54":46,"1,55":47,"1,56":48,"1,57":49,"1,58":50,"1,59":51,"1,60":52,"1,61":53,"1,62":54,"1,63":55,"1,64":56,"1,65":57,"1,66":58,"1,67":59,"1,68":60,"1,69":61,"1,70":62,"1,71":63,"1,72":64,"1,73":65,"1,74":66,"1,75":67,"1,76":68,"1,77":69,"1,78":70,"1,79":71,"1,80":72,"1,81":73,"1,82":74,"1,83":75,"1,84":76,"1,85":77,"1,86":78,"1,87":79,"1,88":80,"1,89":81,"1,90":82,"1,91":83,"1,92":84,"1,93":85,"1,94":86,"1,95":87,"1,96":88,"1,97":89,"1,98":90,"1,99":91,"1,100":92,"1,101":93,"1,102":94,"1,103":95,"1,104":96,"1,105":97,"1,106":98,"1,107":99,"1,108":100,"1,109":101,"1,110":102,"1,111":103,"1,112":104,"1,113":105,"1,114":106,"1,115":107,"1,116":108,"1,117":109,"1,118":110,"1,119":111,"1,120":112,"1,121":113,"1,122":114,"1,123":115,"1,124":116,"1,125":117,"1,126":118,"1,127":119,"1,128":120,"1,129":121,"1,130":122,"1,131":123,"1,132":124,"1,133":125,"1,134":126,"1,135":127,"1,136":128,"1,137":129,"1,138":130,"1,139":131,"1,140":132,"1,141":133,"1,142":134,"1,143":135,"1,144":136,"1,145":137,"1,146":138,"1,147":139,"1,148":140,"1,149":141,"1,150":142,"1,151":143,"1,152":144,"1,153":145,"1,154":146,"1,155":147,"1,156":148,"1,157":149,"1,158":150,"1,159":151,"1,160":152,"1,161":153,"1,162":154,"1,163":155,"1,164":156,"1,165":157,"1,166":158,"1,167":159,"1,168":160,"1,169":161,"1,170":162,"1,171":163,"1,172":164,"1,173":165,"1,174":166,"1,175":167,"1,176":168,"1,177":169,"1,178":170,"1,179":171,"1,180":172,"1,181":173,"1,182":174,"1,183":175,"1,184":176,"1,185":177,"1,186":178,"1,187":179,"1,188":180,"1,189":181,"1,190":182,"1,191":183,"1,192":184,"1,193":185,"1,194":186,"1,195":187,"1,196":188,"1,197":189,"1,198":190,"1,199":191,"1,200":192,"1,201":193,"1,202":194,"1,203":195,"1,204":196,"1,205":197,"1,206":198,"1,207":199,"1,208":200,"1,209":201,"1,210":202,"1,211":203,"1,212":204,"1,213":205,"1,214":206,"1,215":207,"1,216":208,"1,217":209,"1,218":210,"1,219":211,"1,220":212,"1,221":213,"1,222":214,"1,223":215,"1,224":216,"1,225":217,"1,226":218,"1,227":219,"1,228":220,"1,229":221,"1,230":222,"1,231":223,"1,232":224,"1,233":225,"1,234":226,"1,235":227,"1,236":228,"1,237":229,"1,238":230,"1,239":231,"1,240":232,"1,241":233,"1,242":234,"1,243":235,"1,244":236,"1,245":237,"1,246":238,"1,247":239,"1,248":240,"1,249":241,"1,250":242,"1,251":243,"1,252":244,"1,253":245,"1,254":246,"1,255":247,"1,256":248,"1,257":249,"1,258":250,"1,259":251,"1,260":252,"1,261":253,"1,262":254,"1,263":255,"1,264":256,"1,265":257,"1,266":258,"1,267":259,"1,268":260,"1,269":261,"1,270":262,"1,271":263,"1,272":264,"1,273":265,"1,274":266,"1,275":267,"1,276":268,"1,277":269,"1,278":270,"1,279":271,"1,280":272,"1,281":273,"1,282":274,"1,283":275,"1,284":276,"1,285":277,"1,286":278,"1,287":279,"1,288":280,"1,289":281,"1,290":282,"1,291":283,"1,292":284,"1,293":285,"1,294":286,"1,295":287,"1,296":288,"1,297":289,"1,298":290,"1,299":291,"1,300":292,"1,301":293,"1,302":294,"1,303":295,"1,304":296,"1,305":297,"1,306":298,"1,307":299,"1,308":300,"1,309":301,"1,310":302,"1,311":303,"1,312":304,"1,313":305,"1,314":306,"1,315":307,"1,316":308,"1,317":309,"1,318":310,"1,319":311,"1,320":312,"1,321":313,"1,322":314,"1,323":315,"1,324":316,"1,325":317,"1,326":318,"1,327":319,"1,328":320,"1,329":321,"1,330":322,"1,331":323,"1,332":324,"1,333":325,"1,334":326,"1,335":327,"1,336":328,"1,337":329,"1,338":330,"1,339":331,"1,340":332,"1,341":333,"1,342":334,"1,343":335,"1,344":336,"1,345":337,"1,346":338,"1,347":339,"1,348":340,"1,349":341,"1,350":342,"1,351":343,"1,352":344,"1,353":345,"1,354":346,"1,355":347,"1,356":348,"1,357":349,"1,358":350,"1,359":351,"1,360":352,"1,361":353,"1,362":354,"1,363":355,"1,364":356,"1,365":357,"1,366":358,"1,367":359,"1,368":360,"1,369":361,"1,370":362,"1,371":363,"1,372":364,"1,373":365,"1,374":366,"1,375":367,"1,376":368,"1,377":369,"1,378":370,"1,379":371,"1,380":372,"1,381":373,"1,382":374,"1,383":375,"1,384":376,"1,385":377,"1,386":378,"1,387":379,"1,388":380,"1,389":381,"1,390":382,"1,391":383,"1,392":384,"1,393":385,"1,394":386,"1,395":387,"1,396":388,"1,397":389,"1,398":390,"1,399":391,"1,400":392,"1,401":393,"1,402":394,"1,403":395,"1,404":396,"1,405":397,"1,406":398,"1,407":399,"1,408":400,"1,409":401,"1,410":402,"1,411":403,"1,412":404,"1,413":405,"1,414":406,"1,415":407,"1,416":408,"1,417":409,"1,418":410,"1,419":411,"1,420":412,"1,421":413,"1,422":414,"1,423":415,"1,424":416,"1,425":417,"1,426":418,"1,427":419,"1,428":420,"1,429":421,"1,430":422,"1,431":423,"1,432":424,"1,433":425,"1,434":426,"1,435":427,"1,436":428,"1,437":429,"1,438":430,"1,439":431,"1,440":432,"1,441":433,"1,442":434,"1,443":435,"1,444":436,"1,445":437,"1,446":438,"1,447":439,"1,448":440,"1,449":441,"1,450":442,"1,451":443,"1,452":444,"1,453":445,"1,454":446,"1,455":447,"1,456":448,"1,457":449,"1,458":450,"1,459":451,"1,460":452,"1,461":453,"1,462":454,"1,463":455,"1,464":456,"1,465":457,"1,466":458,"1,467":459,"1,468":460},"ٜ":{"1":[9,468]},"ٝ":["1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468"],"ٞ":{"1":[1],"5":[2],"10":[3],"11":[4],"12":[5],"14":[6],"15":[7],"20":[8],"23":[9],"26":[10],"28":[11],"32":[12],"36":[13],"39":[14],"40":[15],"41":[16],"42":[17,18],"44":[19],"46":[20],"53":[21],"55":[22],"59":[23,24],"60":[25],"62":[26],"69":[27],"73":[28],"79":[29],"86":[30],"96":[31],"97":[32],"102":[33],"108":[34],"111":[35],"119":[36],"122":[37],"141":[38],"152":[39],"160":[40],"161":[41],"162":[42],"167":[43],"169":[44],"172":[45],"176":[46],"177":[47],"183":[48],"186":[49],"188":[50],"193":[51],"197":[52],"199":[53],"206":[54],"209":[55],"213":[56],"220":[57],"223":[58],"227":[59],"231":[60],"239":[61],"241":[62],"245":[63],"248":[64],"250":[65],"252":[66],"269":[67],"270":[68],"271":[69],"284":[70],"286":[71],"292":[72],"293":[73],"296":[74],"311":[75],"316":[76],"319":[77],"321":[78],"323":[79],"326":[80],"328":[81],"331":[82],"341":[83],"344":[84],"345":[85],"348":[86],"352":[87],"356":[88],"358":[89],"361":[90],"363":[91],"365":[92],"370":[93],"371":[94],"374":[95],"376":[96],"379":[97],"380":[98],"381":[99],"384":[100],"392":[101],"394":[102],"396":[103],"399":[104],"407":[105],"409":[106],"412":[107],"413":[108,109],"420":[110],"423":[111],"425":[112],"434":[113],"436":[114],"440":[115],"441":[116],"443":[117],"447":[118],"448":[119],"450":[120],"454":[121],"457":[122]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nوالله المستعان\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة على رسول الله محمد وآله أجمعين وبعد:\nفإن الأصل عقم عن الإنجاب إلا ما شاء الله تعالى، وحكم النسل بالإعجاب، وحكموا بالظن، وخصموا بالطعن، ولم يبق لمن أصاب بتوفيق ربه شيئًا من الإفاقة عن عجبه متعلق غير الكتاب المتلو بلا شك، والخبر المروي بلا إفك، ولا مقتدى غير السلف الذين أخفاهم التراب، ولا مهتدى غير العقول والألباب، ما له من أقرانه إلا ريبة على التلاق، وعيبة لدى الفراق، وما العبد بموفق لسلوك هذا الصراط إلا بعد علمه بالطبقات، ليقرب من الهادية بقدوةٍ، ويبعد من النابية بنبوة، فلن يصل العبد إلى الهدى سابقًا، وقد عرف نفسه فيه لاحقًا.\nفنقول وبالله التوفيق: إن الله تعالى جمع في الإنسان بين روح وعقل، وهوى ونفس، تحقيقًا للبلوى، على ما مر شرحه في كتاب \"الأمد الأقصى\" فالنفس بهواها تدعوه إلى الحاضرة جهلًا، والروح بعقلها تدعوه إلى العاقبة علمًا، فتفرق الناس عن ذلك طبقات أربعًا:\nضال بالهوى غافل عن نفسه، عامه في طغيانه بجهله.\nوضال بنفسه ظان أن الأمر كذلك إلى جنسه.\nومهتد إلى ربه بدلائل عقله متأيد بنصوص شرعه.\nومهتد بالروح القدس في أنوار العقل والشرع.\nوهؤلاء الطبقة من بينهم إمامهم. فنور الروح أصلي، ونور العقل فرعي على ما بينا في كتاب \"الأمد الأقصى\" وكتاب \"خزانة الهدى\".\nثم تفرق هؤلاء الطبقة أحزابًا أربعةً:\n- عارف لربه على جهل بتأويل الكتاب والسنة والفقه والحكمة، وأنه لعلى شفا العبث والبدعة.\n- وعارف لربه عالم بتأويل الكتاب والسنة بلا فقه واستمداد من الألباب، وأنه لعلى شفاه الضلال والارتياب، فالحوادث ممدودة والنصوص معدودة، فلا يأمن الابتلاء بما لم ينل فيرتاب أو يضل.\n- وعارف لربه متفقه برأي قلبه غائب عن طرق الفقه في نصوص شرعه، وأنه لعلى","vol":"1","page":9},{"text":"شفا الهلاك بهواه وعجبه، فما بالعقل وحده هداية إلى حدود الهدى، وما بعد العقل ولا شرع معه إلا الهوى.\n- وعارف لربه عالم بنصوص شرعه تفسيرًا وتأويلًا وطرق الفقه في أصل الشرع تعليلًا، وهذا الرجل من بينهم إمامهم لكنه على شفا الفسق، فالعلم صالح لكسب الدنيا والآخرة وطلب المولى والورى، ما ينجو عن المحظور بالمأمور إلا بالنظر في المستور من أقسام أعماله وأحواله.\nوأنها أقسام أربعة:\n- قسم لهو عن العمل بالعلم.\n- وقسم شغل بالعمل عن العلم.\nواللاهي قسمان:\n- قسم اتخذ العلم مكسبه للدنيا.\n- وقسم اكتفى بالعلم حظًا يبتغي.\nوهما على ضلال، فما العلم إلا للعمل به، وما العمل إلا ترك العاجلة بالآخرة على مخالفة الهوى في إشارته إلى كسب الحاضرة.\nوالعامل قسمان:\n- عامل على قرار وعزلة.\n- وعامل على قرار ودعوة، وأنه من بينهم إمامهم، وإليه نهاية الطبقات.\nفأقصى مراتب العبد في الدعوة إلى الله تعالى فإنها رتبة الأنبياء ﵈، وتركوها ميراثًا للعلماء، ولأن الداعي إلى الحق هو الله تعالى بآياته، والعبد عامل له فيها بأمره.\nوأما العبادة فحق الله تعالى على عبده، والعبد مؤدٍ عن نفسه ما عليها، فلن يصير العبد بالعمل عاملًا لله حتى يدعو، قال الله تعالى: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا﴾، وقوله: ﴿ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا﴾، وقال الله تعالى في شأن الرسول ﵇: ﴿إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا﴾، ﴿وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا﴾.\nفأبان الله تعالى شرف الرسول بالدعوة والهداية دون العزلة والعبادة، وقال الله تعالى في شأن الأمة: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض﴾ يعني يثبت لهم ولاية الأرض وأهلها وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومبدأه من الهدى ثم العمل به.\nوقال الله تعالى: ﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض﴾. فالخلافة","vol":"1","page":10},{"text":"بالولاية من أقصى المراتب، وأنها تقوى بالنبوة وتزداد قوة بالرسالة، وتضعف بالاستنباط والدلالة، وتزداد ضعفًا بالقنوع بظواهر المسموع.\nواليوم قد انقطعت النبوة فكان ما ذكرنا نهاية في القوة، ولأن نفع العبادة خاص ونفع الدعوة عام.\nقال العبد ﵁: إني لما رأيت كل هذا الشرف للعلم ونوره كامن في قلوب البشر، كمون النار في الشجر، ما يقدحها إلا أيدي الهمم العالية، بفكر في الحجج الهادية، وأكثر الناس قبسوه بحواسهم ففقدوه في اقتباسهم، رأيت اتباع السلف في إثارة هذا النور ببيان الحجج فرضًا، ثم إنارته بوقود المداد في صحائف الكتب حقًا، رجاء أن أكون من الأشباه، واستعنت بالله تعالى ولا حول ولا قوة إلا بالله على قصد مني تقويم كتاب \"الهداية\" الذي ذل خاطري [في بعضه] بحكم البداية، فرارًا عن التمادي في الباطل، وتخريجًا على الأصول الأربعة التي بها يتعلق الابتلاء في الحاصل، وبيانًا للحدود التي بها يمتاز البعض عن البعض على وجه خرس دونه ألسنة الأكثر من أولي هذه الصناعة، والله ولي التوفيق لتتميم هذه البضاعة.","vol":"1","page":11},{"text":"وصف النسخ المخطوطة للكتاب\nاعتمدنا في إخراج الكتاب على ثلاثة نسخ مخطوطة للكتاب، اثنتان كاملتان وواحدة فيها نقص، عملنا على مقارنتها ببعضها وإخراج النص الحالي بهذا الشكل. والنسخ هي:\nأولًا: مصورة نسخة خطية من المكتبة السليمانية باستنبول، تحت رقم (٦٩٠)، تم نسخها في الليلة التاسعة من شعبان سنة سبع عشرة وسبعمائة هجرية (٧١٧هـ).\nتقع في ٢٦٠ لوحة، في الصفحة الواحدة ٢٢ سطرًا.\nوقد كتبت بخط النسخ الواضح، وعليها كثير من التعليقات والهوامش والتصحيحات المهمة.\nناسخها: هو ابن العميد قوام الدين أمير كاتب الاتقاني. وجاء عنوان الكتاب في بدايتها: \"كتاب التقويم في أصول الفقه\".\nثانيًا: مصورة نسخة خطية من الكتبخانة المصرية (دار الكتب المصرية) بالقاهرة تحت رقم (٢٥٥). وهي موجودة في مكتب الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة تحت رقم (١٨٢٢)، تم نسخها في السابع والعشرين من صفر الخير سنة ألف وثلاثمائة وعشرين هجرية (١٣٢٠هـ).\nتقع في ٩٥٦ لوحة، في الصفحة الواحدة ١٥ سطرًا.\nوقد كتبت بخط واضح مقروء.\nناسخها: اسمه محمد أمين الدنف الأنصاري، وجاء عنوان الكتاب في أولها: \"تقويم أصول الفقه وتحديد أدلة الشرع\".\nثالثًا: مصورة نسخة موجودة بمكتبة سماحة الشيخ خليل الميس من مجموعة مصورات المخطوطات التي يملكها، فيها بعض النقص والطمس في صفحاتها وأسطرها. تم نسخها سنة أربع وسبعين وتسعمائة (٩٧٤هـ).\nتقع في ٤٣٢ لوحة، في كل صفحة ٢١ سطرًا. خطها واضح مقروء.\nناسخها: هو سيد محمد بن سيد عبد القادر، وجاء عنوان الكتاب في بدايتها: \"تقويم الأدلة لأبي زيد الدبوسي في علم أصول الفقه\".\nوبالجملة فقد حفظ لنا التاريخ هذا الأثر العلمي النفيس كاملًا غير منقوص، وفي حالة جيدة.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>القول في أسماء أنواع الحجج</span>\nالتي بها ابتلينا بعلم ما شرع الله تعالى من أحكامه ولزمنا العمل بها، وبها يمتاز البعض عن البعض بعرف لسان الفقهاء، وهذه الأسماء أربعة: الآية، والدليل، والعلة، والحال.\nفأما الحجة: فاسم يعم الكل، وكذلك البينة والبرهان.\nوتفسير الحجة: أنها اسم من حج إذا غلب، يقال: لج فحج أي غلب، وحاججته فحججته أي: غلبته ألزمته بالحجة حتى صار مغلوبًا.\nفسميت الحجة حجة لأن حق الله تعالى يلزمنا بها، ويجعلنا مغلوبين في المناظرة مع الله تعالى بانقطاع العذر بها.\nويحتمل أن يقال بأن الاسم مأخوذ من معنى وجوب الرجوع إليه عملًا به من قول الشاعر:\nيحجون سب الزبرقان المزعفرا\nأي يرجعون إليه معظمين إياه، ومنه: \"حج البيت\".\nألا يرى أن الله تعالى سمى البيت مثابة للناس كما يسمى من الحج محجة، والمثابة المرجع، وسواء أوجبت علم اليقين أو دونه لأن العمل يلزمنا بنوعي العلم على ما يأتيك بيانه من بعد في باب خبر الواحد والقياس.\nوكذلك البينة: وهي من البيان قال الله تعالى: ﴿فيه آيات بينات﴾ أي ظاهرات، وهذا لأن الحجة إنما يجب العمل بها إذا ظهر للقلب وجه الإلزام منها، وسواء ظهر ظهورًا أوجب علم اليقين وما دونه لأن العمل يجب بها على ما قلناه.\nوكذلك البرهان: اسم للحجة على العموم لغة، وأنواعه أربعة على ما قلنا.\nأما الآية: فاسم على الإطلاق لما يوجب علم اليقين، ولذلك سميت معجزات الرسل آيات، قال الله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات﴾، وقال تعالى: ﴿فاذهبا بآياتنا﴾ وهي المعجزات لأن المعجزة توجب علم اليقين بنبوة الرسل. وتفسيرها لغة: العلامة، قال الشاعر:","vol":"1","page":13},{"text":"درست وغيرت أيها العصر\nوقال الله تعالى: ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم﴾ أي: علامات.\nفإن قيل: ومن الناس من لم يعلم بالنبوة بعد ظهور الآيات فكيف يكون تفسيرها ما يوجب العلم؟\nقلنا: إن هذه الحجج التي نتكلم فيها مما لا توجب العلم جبرًا بل بالتأمل فيها توجب، وإنما جهل من جهل بعد الآيات بالرسل بترك التأمل لكنه لم يعذر لأن العاقل مما يلزمه التأمل فيها فلم يعذر بالترك، ولو كانت الحجج موجبة للعلم جبرًا لما تعلق بها ثواب ولا عقاب.\nوأما الدليل: فهو اسم لحجة منطق، لأنه في اللغة؛ فعيل بمعنى فاعل، فكان اسمًا لفاعل الدلالة كالدال. وعنه قيل: يا دليل المتحيرين أي: هاديهم إلى ما يزول به حيرته، وكذلك دليل القافلة، ثم سمي كلامه باسمه دليلًا، ولما كان حجة نطق كان غير الاسم الموضوع لما لا نطق له. فإن قيل: إن الدخان دليل على النار، والبناء دليل على الباني ولا نطق هناك!. قلنا: إنه اسم مجاز لوجود معنى دلالة النطق منهما، كما قال الله تعالى: ﴿جدارًا يريد أن ينقض فأقامه﴾.\nوقال تعالى: ﴿قالتا أتينا طائعين﴾ وكقول الشاعر:\nوعظتك أجداث صمت\nثم الدليل مجازًا كان أو حقيقة: اسم لما يبين أمرًا كامن، وسائر الحجج أسماء لما يبين أو يوجب حكمًا مبتدأ فصار الدليل اسمًا خاصًا لما هو مبين.\nوالشهادة مثل الدليل، لأنها حجة منطق في الأصل كالدلالة، إلا أنه أخص من الدلالة وهما سواء أوجبا علم اليقين أو دونه، فالشهادات في مجلس القضاة تسمى بينات، وهي لا توجب العلم يقينًا.\nوأما العلة: فتفسيرها لغة: اسم لحال تغير بحلوله حكم الحال، أو اسم لما أحدث أمرًا بحلوله لا عن اختيار كالمرض يسمى علة لتغير حكم حال الإنسان بحلوله لا عن اختيار للمريض فيه، وكذلك الجرح علة الموت إذا سرى إليه لهذا الحد، ولا يسمى الجارح علة لأنه مختار غير حال بالمجروح، ولهذا لم يجز وصف القديم -عز ذكره- \"بالعلة\" لأن الله تعالى أنشأ عن اختيار، ولا يوصف بالحلول، فكانت العلة على هذا السبيل نوعًا ثالثًا غير الآية والدليل لأنهما يوجبان الحكم بلا حلول.\nوالمراد بالعلة بعرف لسان الشرع: المعاني المستنبطة من النصوص التي تعلقت بها الأحكام شرعًا فيها، وتعدت بتعديها إلى الفروع، لأن تلك المعاني بحكم حلولها في","vol":"1","page":14},{"text":"المنصوص عليها غيرت أحكامها لا عن اختيار إلى العموم عن الخصوص.\nفإن قوله ﷺ: \"الحنطة بالحنطة مثل بمثل والفضل ربا\" غير حال بالحنطة.\nولكن قولنا: إنه مكيل أو مطعوم حال بها.\nوهذه العلل تسمى مقاييس لأنها قد تستنبط بالمقايسة فسميت باسم سببها وتسمى نظرًا لهذا المعنى.\nوأما حكمها: فالعلم على شبهة متى أريد بها هذه العلل التي هي مقاييس اجتهاد، وقد توجب حكم العلة بلا شبهة إذا أثبتت عللًا بطريق بلا شبهة.\nوقد يجوز أن تسمى هذه العلل الشرعية أدلة لأن هذه المعاني دلتنا على حكم الله تعالى في الفروع.\nوعلل الشرع أعلام وآيات في الحقيقة على الأحكام والموجب هو الله تعالى.\nولا يجوز أن تسمى الأدلة عللًا لأن في العلة معنى الإيجاب، وما في الدليل ذلك كالدخان نسميه دليلًا على النار ولا نسميه علة.\nوكل دليل على شيء علة في حق علمك لأن العلم وجب لك به.\nوأما الحال: فعبارة عن الحكم الثابت عن دليل غير متعرض لبقائه ولا لزواله محتمل للزوال بدليله لكنه ملتبس عليك حاله لأن ما ثبت دام حتى يقوم دليل البطلان، على ما نبينه في موضعه.\nثم كل نوع مما ذكرنا من أنواع الحجج ينقسم إلى قسمين: ظاهر وباطن.\nفالظاهر: ما عقل بالبديهة.\nوالباطن: ما لم يعقل إلا بتأمل. فعصا موسى كانت آية ظاهرة، إذ تلقفت عصي آل فرعون فعلمتها السحرة آية ببديهة عقولهم، وكذلك انفلاق البحر وانفجار الصخرة.\nوالقرآن لمحمد ﷺ آية باطنة ما يعرف معجزة إلا بعد تأمل ونظر ومعارضة بسائر أنواع كلام البشر، وما للظاهر رجحان بظهوره، ولا للباطن رجحان ببطونه، بل الرجحان موقوف على قدر الأثر في مضمونه.\nألا ترى أن الله تعالى خلق الدنيا ظاهرة والآخرة باطنة، ثم لم يكن الرجحان بظهور ولا بطون بل كانت الراجحة منهما ما كانت باقية.\nوكذلك الرأس ظاهر والقلب باطن ولكل واحد منهما ضرب درك، وكان الرجحان للقلب لوقوفه على العاقبة.","vol":"1","page":15},{"text":"والنص حجة ظاهرة من الرسول ﷺ.\nوالعلة حجة باطنة لا تنال إلا بتأمل من العقول.\nوكذلك الشمس ضياء ظاهر والعقل ضياء باطن.\nوالأغذية علل ظاهرة لمصالح عاجلة، والأدوية علل باطنة لمصالح في العاقبة.\nوكذلك علل الشرع بعضها أظهر من بعض حتى سمى علماؤنا الظاهر منها؛ قياسًا، والباطن استحسانًا، ثم أخذوا بالقياس مرة وبالاستحسان أخرى ليعلم أن الرجحان بقدر قوة المعنى.\nوكذلك الدليل قد تكون دلالته ظاهرة كالدخان على النار، وقد تكون دلالته باطنة كالنجم على الطريق، فإنه لا يهتدى به إلا بضرب تأمل فصار حد الآية ما يفيد العلم يقينًا إذا أبصرها القلب على اضطرار كما إذا رأى شخصًا بالعين بلا ستار، والآية آية سواء نظر العبد فيها فأبصر، أو لم ينظر وقصر. وصار حد الحجة ما يغلب الهوى، فإن للقلب نظرًا بموجب الهوى ونظرًا بموجب العقل فإذا قامت الحجة عليه غلبت جهة العقل جهة الهوى، وسواء في ذلك اضطر القلب إلى العلم بارتفاع الشبهة أو لم يضطر، ووقعت الغلبة بالنظر أو تكاسل فلم يبصر.\nوصار حد الدليل ما أتى منه فعل الدلالة بحيث لو تأمله ذو البصيرة لاستدلال به واهتدى، وسواء فيه تأمل أو لا، فأوجب العلم قطعًا أو كان دونه حدًا، وصار حد العلة ما تعلق به الإحداث والإيجاد بلا اختيار بقدر الحلول بمحل الحكم ولكن في علل الشرع يراد بها ما تعلق بحلولها وجوب الأحكام في حقنا لا حدوثها في أنفسها بذوات تلك العلل.\nفالعلل الشرعية صارت عللًا بجعل الشرع إياها عللًا لا بذواتها، فصارت بذواتها أعلامًا لما لم تكن موجبة.\nغير أنا سمينا هذه المعاني المستنبطة من النصوص عللًا مجازًا لتعلق وجوب الأحكام بها في حقنا شرعًا لا في حق الله، وهي حالة بمحل الأحكام لا وجوب في حقنا قبل الشرع، ولا وجود بعد الشرع قبلها فكانت هذه العلل بمنزلة شرط الطلاق في اليمين بالطلاق في حق المرأة.\nفالشرط علم على الطلاق في حق الزوج وفي حق الطلاق، فإنه وجب معه بتطليق الزوج، ولكنه علة في حق الوجوب للمرأة حتى إن الطلاق لا يعمل فيها إلا إذا كانت بمحل الإيقاع ابتداءً حال وجود الشرط، ويعمل وإن لم يكن الرجل من أهله حين الشرط.\nلأن العلة في حق الطلاق نفسه لفظ الزوج فيعتبر شرط صحته حال تلفظه.","vol":"1","page":16},{"text":"والدليل عليه أن هذه المعاني كانت موجودة قبل الشرع ولم تكن موجبة لهذه الأحكام، ولو كانت موجبة لذواتها لم تنفك عن معلولاتها كشرط الطلاق يوجد من المرأة قبل تعليق الزوج الطلاق به ولا يوجب طلاقًا.\nوصار حد الحال ما يوجب البقاء على الثابت من الحكم لجهلك بالدليل المغير لا لعلمك بالدليل المبقي.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>القول في أنواع الحجج نفسها</span>\nالحجج نوعان: عقلية وشرعية.\nوكل نوع قسمان: موجبة للعلم ومجوزة.\nفالموجبة: ما أوجبت العلم قطعًا بموجبها ولم تجوز خلافه.\nوالمجوزة: ما جوزت إطلاق اسم العلم على موجبها وإن جوزت خلافه.\nثم العقلية: ما عرفت حججًا بالاستدلال بمجرد العقول.\nوالشرعية: ما لم تعرف حججًا إلا بوحي الله تعالى وسنة الرسول ﷺ، وهذه جملة لا نعرف فيها خلافًا فإن من بنى على السماع علمه ما اهتدى إليه حتى يحكم عقله.\nفالمسموع في نفسه خبر يحتمل الصدق والكذب، وقائله رجل مثله من الخلق فلا يجوز له اتباع مثله ولا الحكم بقوله حتى تزول عنه جهة كذبه، ولن تزول إلا بمعجزة، ولا معجزة نعرفها إلا بتأمل عن عقله.\nولأنا نرى من لا يعرف الشرع أصلًا يستدل بالبناء على الباني، ويهتدي إلى المصالح الدنيوية ويصل إليها بالدلالات العقلية بنوعي علم: علم بلا شك، وعلم بغالب الرأي مع ضرب ارتياب بحيث جاز أن يتبين له في ضده الصواب.\nوكذلك الشرعية فكتاب الله تعالى حجة يوجب العلم قطعًا بلا ريب.\nوخبر الواحد يوجب علمًا مع ضرب شك فعلمت أن هذه جملة لا خلاف فيها، وإنما الخلاف في حق أحكام الله تعالى على ما يأتيك شرحها.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>القول في أنواع الحجج الشرعية الموجبة للعلم</span>\nقال العبد ﵁: إن الحجج العقلية وإن كانت قبل الشرعية وجودًا في الذوات، فإني قدمت الشرعية فهي أظهر منها بدرجات.\nفالشرع على مثال ضوء النهار.\nوالعقل على مثال نور النار.\nوالقلب على مثال العين، فكم من عين لم تر في ضوء السراج، رأت إذا بزغ الضياء الوهاج، لا نظره الجلي فيرغب به في الخفي.\nفأقول وبالله التوفيق: إن الحجج الشرعية الموجبة للعلم أربع: كتاب الله تعالى، وخبر الرسول المسموع منه، والمروى بالتواتر عنه، والإجماع.\nوطريق ذلك كله واحد، وهو خبر الرسول لأنا لم نعرف الكتاب -كتاب الله تعالى- إلا بخبر رسول الله ﵊.\nوكذا الإجماع ما ثبت حجة قاطعة إلا بكتاب الله والسنة.\nوالمروي عن النبي ﷺ بالتواتر كالمسموع منه على ما يأتيك بيان كل قسم في بابه.\nفثبت أن المدار على خبر الرسول، وخبر الرسول صدق وحق لدلالة قامت على أن رسول الله لا يكون رسولًا حتى يكون معصومًا عن الكذب وبالله التوفيق.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>القول في بيان حد الكتاب وكونه حجة</span>\nكتاب الله تعالى: ما نقل إلينا بين دفتي المصاحف على الأحرف السبعة المشهورة نقلًا متواترًا، لأن ما دون المتواتر من الأخبار لا يبلغ مرتبة العيان على ما يأتيك البيان، فلا يوجب الإيقان، وكتاب الله تعالى ما علم يقينًا، وأوجب علم اليقين إلا لأنه أصل الدين وبه ثبتت الرسالة وقامت الحجة على بطلان الضلالة.\nفإن قيل: كون كتاب الله تعالى معجزًا دليل على أنه من الله تعالى من غير نقل متواتر.\nقلنا: إن كل آية منه ليست بمعجزة، وهي حجة قطعًا فلا تثبت إلا بعد السماع من الرسول ﷺ. أو نقل عنه بالتواتر.\nعلى أن كونه معجزًا آية على صدق صاحبه في دعواه، وليست بآية على أنه كلام الله، فإنه كان جائزًا أن يقدر الله تعالى رسوله على كلام يعجز عنه الأنام فيكون آية على صدق رسالته، كما أقدر عيسى ﵇ على إحياء الموتى، ولهذا قالت الأئمة فيمن قرأ في صلاته بكلمات تفرد بها عبد الله بن مسعود ﵁: أن صلاته لا تجوز، كما لو قرأ خبرًا من أخبار الرسول.\nفإن قيل: فإذا الدليل على القرآن النقل المتواتر لا دفات المصاحف؟\nقلنا: إن الصحابة ﵃ ما أثبتوا القرآن في المصاحف بعد حفظ القلوب إلا ليصونوه بها عن الزيادة والنقصان، حتى كرهوا التعاشير وكتابة رأس السورة وأمروا بالتجريد فأثبتوا فيها ما تواتر إليهم نقله وأطبق عليه أهله وشهدت به نسخة رسول الله ﷺ ونظمه.\nفإن قيل: إن التسمية نقلت إلينا مكتوبة بقلم الوحي بين دفات المصاحف لمبدأ كل سورة ثم لم يعدوها آية منها.\nقلنا: إن أصحابنا قالوا في المصلي؛ ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم يفتتح القراءة ويخفي بسم الله الرحمن الرحيم. ففصلوها عن الثناء، ووصلوها بقراءة القرآن فدل هذا الإطلاق على أنها من القرآن عندهم، لكنهم قالوا: ويخفي. كما قالوا بإخفاء القراءة في الأخريين ليعلم أنها ليست بآية من الفاتحة وإنما قرئت تبركًا بها لا أداءً لفرض القراءة، فإن الفاتحة عينت لذلك شرعًا.\nوقد روي عن محمد بن الحسن أن التسمية آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور","vol":"1","page":20},{"text":"وللبدء تبركًا بها فكتبت بقلم الوحي لأنها آية من الكتاب، وكتبت بخط على حدة غير موصولة بالسورة لأنها ليست من تلك السورة، وكيف تثبت التسمية آية من كل سورة مع اختلاف الناس والأخبار، وأدون أحوال الاختلاف المعتبر إيراد شبهة، والقرآن لا يثبت مع الشبهة.\nفإن قيل: إنكم أخذتم بقراءة عبد الله بن مسعود ﵁ في كفارة اليمين: \"فصيام ثلاثة أيام متتابعات\" فشرطتم التتابع لجواز الكفارة.\nقلنا: أخذنا بها عملًا بها كما لو روي خبر عن الرسول ﵇ لأنه ما قرأها إلا نقلًا عن رسول الله ﷺ، فلما لم يثبت قرآنًا لفوات شرطه بقي خبرًا.\nفإن قيل: فهلا أخذتم بأخبار التسمية الدالة على أنها من الفاتحة عملًا بها من حيث الجهر بها في الصلاة، وحرمة القراءة على الحائض والجنب التي هي من حكم القرآن.\nقلنا: لأنا متى صرفناها إلى أن التسمية في حكم الفاتحة لم تكن حكمًا لها بظاهر ما توجبه التسمية لغة بل كان عملًا بمقتضى أنها من القرآن، ولا عموم للمقتضى عندنا، وإنما يوجب العمل به بأدنى ما لا بد منه.\nوالحرمة على الحائض لا بد منها، ولم يرو عن أصحابنا شيء في إباحة القراءة لها.\nفأما الجهر بها في الصلاة فمما لا يجب لا محالة بحكم أنها من الفاتحة على ما بينا أنه لا يجهر بها في الأخريين.\nولأن متى لم تثبت التسمية آية من القرآن على قول بعضهم بقيت خبرًا عن رسول الله ﷺ.\nولو كانت خبرًا لم يكن من حكمه الجهر بقراءته ولا حرمته على الجنب لغة.\nفإما الكلام في أن القرآن حجة:\nفإنه كلام الله تعالى، وقد ثبت ان الله تعالى لا يتكلم بالباطل، وبالله التوفيق.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>القول في تحديد المتواتر وكونه حجة موجبة</span>\nاختلفت العبارات في حد المتواتر، والمختار عندنا؛ ما تواتر نقله أي: اتصل بك من النبي ﷺ بتتابع النقل.\nيقال: تواترت الكتب أي: اتصل بعضها ببعض بتتابع الورود.\nولا تثبت حقيقة الاتصال إلا بعد ارتفاع شبهة الانفصال ومتى ارتفعت الشبهة ضاهى المتصل منه بك بحاسة سمعك.\nفطريق هذا الاتصال أن ينقله إليك قوم لا يتوهم في العادات تواطؤهم على الكذب لكثرتهم، لأن الناس على همم شتى تبعثهم على العمل بموافقتها ما يرجعون عنها إلى سنن واحد، إلا عن أصل آخر جامع مانع وذلك سماع اتبعوه أو اتفاق صنعوه، فمتى بطل وهم الاجتماع تعين لهم السماع.\nألا ترى أنك علمت بكون السماء فوقنا، كذلك قبلنا بالسماع كما علمتها للحال بالرؤية.\nوعلمت أباك سماعًا حسب ما علمك أبوك عيانًا.\nثم إنه حجة بمنزلة آية من كتاب الله تعالى لأنه قد ثبت بالدلائل أن النبي ﷺ معصوم عن الكذب والكلام بالباطل، ولأن كتاب الله تعالى ما ثبت إلا بخبره، وعلى هذا أسئلة ذكرناها في باب \"مراتب الأخبار\" من بعد.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>القول في بيان أن الإجماع من هذه الأمة حجة</span>\nإجماع هذه الأمة حجة موجبة للعلم شرعًا، كرامة لهذا الدين، لدلالة أن المجوس اجتمعت على أشياء كانت باطلة، وكذلك النصارى واليهود وسائر الكفرة، وهم أكثر منا عددًا.\nولأن الإجماع جائز من الخلق اتباعًا للآباء من غير حجة بطباعهم كما فعلت الكفرة، فلا يصير عينه حجة فثبت أن إجماعنا جعل حجة شرعًا وذلك بقوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾.\nأخبر أنه يخرج المؤمنين من ظلمات الكفر والباطل إلى نور الإيمان والحق، ولو جاز إجماعهم على الباطل لكانوا في ظلمة فكيف يكون خلاف ما أخبر الله تعالى وأنه لا يجوز.\nوقال الله تعالى: ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور﴾.\nوقال: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ وكلمة خير بمعنى أفعل فيدل على نهاية الخيرية ونفس الخيرية في كينونة العبد مع الحق، والنهاية في كينونته مع الحق على الحقيقة، فدل صفة الخير وهو بمعنى أفعل على أنهم مصيبون لا محالة الحق الذي هو حق عند الله تعالى إذا أجمعوا على شيء، وإن ذلك الحق لا يعدوهم إذا اختلفوا.\nوكذلك قال الله تعالى: ﴿تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ والمعروف والمنكر على الإطلاق ما كان معروفًا ومنكرًا عند الله.\nفأما الذي يؤدي إليه رأي المجتهد من غير إصابة ما عند الله تعالى فمعروف ومنكر في حقه ورأيه لا أن يكون معروفًا ومنكرًا مطلقًا، فكان هذا بيانًا لصدر الآية في أن كانوا خير أمة بهذا السبب وهو إصابة المعروف المطلق.\nفإن قيل: معنى قوله \"تأمرون\" أي: يأمر كل واحد منكم كقولك: لبس القوم ثيابهم، وقول كل واحد ليس بحجة.\nقلنا: نعم، فيجب إذا أمر كل واحد منهم بمعروف أن يكون المعروف المطلق في جملة ما أمروا.\nوقال تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا﴾ والوسط في اللغة: من يرتضى قوله.\nوقال الله تعالى: ﴿قال أوسطهم ألم أقل لكم﴾ أي أرضاهم قولًا، ومطلق","vol":"1","page":23},{"text":"الارتضاء في إصابة الحق عند الله تعالى لأن الخطأ في الأصل مردود ومنهي عنه، إلا أن المخطئ ربما يعذر بسبب عجزه ويؤجر على قدر طلبه للحق بطريقه لا أن يكون الخطأ بعينه مرضيًا عند الله تعالى.\nوقال تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ والشاهد: اسم لمن ينطق عن علم ولمن قوله حجة.\nفدل النص على أن لهم علمًا بما على الناس من الأحكام، وأن أقوالهم حجة على الناس في حق الله تعالى.\nوالله تعالى عالم بحقائق الأمور فلا تثبت الحجة حجة في حقه على حكمه إلا ما أوجب العلم يقينًا قطعًا.\nبخلاف حجج العباد لأنا لا نقف على حقوقنا إلا من طريق الظاهر فكانت حجتنا ثابتة وفاق حقوقنا.\nوكذلك خبر الله تعالى عن علمهم لا يقع إلا حقيقة. ألا ترى أن الله تعالى شبه شهادتنا على الناس بشهادة الرسول علينا فقال الله تعالى: ﴿ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾ وشهادة الرسول موجبة للعلم قطعًا فكذلك شهادتنا.\nولأن شهادة جماعتنا لو لم تكن موجبة علمًا كالوحي لصارت معارضة بشهادة غيرنا بآرائهم فلا تبقى حجة.\nفإن قيل إن الآية وردت في أمور الآخرة!.\nقلنا: لا تفصيل في الآية، ولأن شهادة أداء في مجلس القضاء بما علمنا في الدنيا.\nفلو لم تكن شهادتنا حجة موجبة للعلم قطعًا لما طلب أداؤها في مجلس الحكم للقضاء بها، والقاضي علام الغيوب لا يقضي إلا بالثابت حقًا على الحقيقة.\nومتى احتمل علمنا للحال الخطأ لم تكن شهادتنا موجبة علمًا لا يحتمل الخطأ.\nولن الله تعالى حيث نص على الآخرة خص الرسول ﵇ بالشهادة فقال: ﴿وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا﴾ وقال: ﴿ويوم نبعث في كل أمة شهيدًا عليهم من أنفسهم﴾ ولم يقل شهيدًا من أمتك فلت هاتان الآيتان على أن المراد بشهادة الأمة الشهادة في الدنيا.\nفإن قيل: إن المراد بها في نقل القرآن والأخبار.\nقلنا: لا تفصيل في الآية، ولأنه لا ذكر للمشهود به فتعين المشهود به لتعليق الحكم به زيادة على كتاب الله تعالى وذلك يجري مجرى النسخ على ما يأتيك بيانه فلا يكون تأويلًا.","vol":"1","page":24},{"text":"ولأن نقل المتواتر لا يثبت إلا بقوم لا يجوز تواطؤهم على الكذب في العادات لكثرتهم، والإجماع من علماء الأمة حجة وإن كانوا ثلاثة أو خمسة أو عشرة، وجاز تواطؤهم على الكذب عادة.\nفإن قيل: إن جعلهم الله تعالى وسطًا ليكونوا حجة لا يدل على امتناع إجماعهم على الضلالة كما قال الله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ أخبر أنه خلقهم ليعبدوه ثم لم يمتنع إجماعهم على ترك العبادة.\nقلنا: لأن معنى قوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ بجعل الله تعالى وإكرامه إياهم بأن جعلهم وسطًا، واصطفاهم حتى كانوا وسطًا فصاروا شهداء عن علم بإصابتهم الحق بهذه الصفة، كما خلقهم الله أحرارًا ليكونوا من أهل ملك ما سواهم، فكانت اللام لبيان حكم صفة الوساطة التي من الله تعالى بها عليهم فحقيقتها تقتضي ثبوت الحكم إذا ثبتت العلة كما تثبت أهلية الملك إذا ثبتت الحرية، على هذا موجب اللغة.\nوكما خلق الله الأنبياء ﵈ معصومين عن الكذب والباطل، وكذلك الملائكة حتى كان قولهم موجبًا علم اليقين إلا أن الحقيقة تركت في قوله: ﴿ليعبدون﴾ إذ لو عمل بها لاقتضت وقوع العبادة على سبيل الجبر حكًا للتخليق.\nوالمطلوب منا عبادة يوصف العبد بالاختيار في فعلها فبهذه الدلالة علمنا ان المراد بها: وما خلقت الجن والإنس إلا وعليهم عبادتي، وما منا أحد غلا وعليه أمانة الله تعالى التي حملها الإنسان على ما يأتيك سلاحه على التفصيل.\nونظير قوله: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ قوله: ﴿ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾ فإن قيل: خبر الواحد حجة في حق الله تعالى وكذا القياس ولا يوجبان العلم قطعًا!.\nقلنا: أصل الحجة خبر الرسول، وخبره يوجب العلم قطعًا، والشبهة وقعت في النقل وتحمل ذلك لضرورة.\nوأما القياس فليس بحجة لنصب الحكم ولكن لتعديه حكم ثبت بنص أصله موجب للعلم إلى محل لم يتناوله النص.\nوالكلام في الأصل والإجماع من قبلهم حجة لحكم لا نص فيه كرامة لهم على ما قال: ﴿كنتم خير امة اخرجت للناس﴾، وقال: ﴿لتكونوا شهداء﴾ أثبت تلك الصفة لهم من قبله لا من قبلهم على ما مر.\nعلى أنا لم نجعلهما حجة في حق العلم بما عند الله تعالى بل في حق العمل الذي يلزمنا بهما.","vol":"1","page":25},{"text":"ويجوز ذلك في حق ما عندنا لأنا لم نؤت في كل شيء علم الحقيقة كما نعمل بالشهادات، وهي لا توجب العلم قطعًا وقال: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى﴾ الآية ولو جاز إجماعهم على الضلالة لما كان مخالفتهم نظيرًا لمشاقة الرسول.\nفلما جعل مخالفتهم أحد شطري استيجاب النار علم أنها مثل الشطر الآخر.\nوقال: ﴿وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم﴾ والذي ارتضاه الله تعالى لنا هو الذي هو حق عنده دون الخطأ، وإن عذر الله المجتهد على خطئه وأثابه على قدر طلبه فإن الثواب قابل الطلب لكونه مصيبًا فيه.\nوالدين اسم للمطلوب وقد جاء عن الرسول ﵇ من غير واحد: \"إن الله تعالى لا يجمع أمتي على الضلالة\" وقد جاء الوعيد بمخالفة الجماعة وهو قوله ﵇: \"من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه\" وقد صنف الناس في هذا الباب، وأوردوا من المشاهير ما يوجب العلم وكتابنا هذا كان يضيق عن ذكرها على الاستقصاء فاكتفينا بالكتاب وبالإشارة إلى السنة.\nفإن قال قائل: إن الاختلاف وقع من إجماع انعقد عن رأي او خبر واحد وإنهما لا يوجبان العلم فكيف أوجب العلم إجماع تفرع عنهما؟\nقلنا: اتصالهما بالإجماع وقد ثبت بالأدلة أن الكل عصموا عن الباطل كان بمنزلة الاتصال برسول الله ﷺ وتقريره على ذلك، او الاتصال بآية من كتاب الله تعالى وغير مستنكر أن لا يصيب الواحد الحق برأيه، ويصيب إذا قوي بآراء مثله، كما يجوز ضعفه عن حمل شيء ثقيل وقدرته عليه مع غيره.\nفإن قيل: قال الله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله﴾ إلى قوله: ﴿وأنتم شهداء﴾.\nقلنا: يحتمل أن يقال؛ أن إجماعهم كان حجة ما داموا متمسكين بالكتاب، وإنما لم نجعل اليوم إجماعهم حجة لأنهم كفروا به وإنما ينسبون إلى الكتاب بدعواهم لأن تأويل الآية: ﴿وأنتم شهداء﴾ بما فيه نبوة محمد ﷺ فلم لا تشهدون بالحق، ألا ترى أنه قال: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس﴾ يعني الكتاب وهو الذي سبق ذكره، وابتدأ الآية بقوله: ﴿يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجًا وأنتم شهداء﴾ فثبت أنهم شهداء بنبوة محمد ﷺ وبنقل ما في الكتاب لا غير.","vol":"1","page":26},{"text":"وقال: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور﴾ إلى قوله: ﴿وكانوا عليه شهداء﴾ وشهادتهم بما أثبت الله تعالى لهم كانت حجة موجبة قطعًا وصاروا كفارًا بمنعها ولم يجز خلوهم عن ذلك العلم.\nوقال في شان هذه الأمة: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ ولم يقل على الكتاب، فدل على علمهم قطعًا بما على الناس من أحكام الله تعالى وأنهم بالإعراض عن ذلك قصدًا يكفرون ولم يجز أن يعدوهم علم الحق.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>القول في تحديد الإجماع</span>\nحد الإجماع الذي هو حجة؛ إجماع علماء العصر من أهل العدالة والاجتهاد على حكم.\nوثبوت الإجماع منهم قد يكون بنصهم عليه، وبنص بعضهم وسكوت الباقين على الرد.\nوالسكوت الذي هو حجة: السكوت عند عرض الفتوى عليهم أو اشتهار الفتوى في الناس من غير ظهور رد من أحد، وذلك لأنه إذا كان الحكم عنده بخلاف ما سمع لم يسعه السكوت عن ذكره فيدل حاله على سكوت يحل، وذلك إذا كان عنده الحكم كذلك، هذا إذا دام على السكوت إلى مدة تنقضي في مثلها الحاجة غلى النظر لإصابة الحق.\nفنفس السكوت قد يكون لطلب الصواب ولا عبرة لقلة العلماء وكثرتهم.\nولا عبرة بالثبات على ذلك حتى يموتوا.\nولا عبرة لمخالفة العامة الذين لا رأي لهم في الباب.\nولا بالمتهمين بالهوى فيما خالفونا فيما نسبوا به إلى الهوى.\nفأما خلافهم فيما عدا ذلك فمعتبر ما لم يغلو في هواهم حتى كفروا أو تسفهوا حتى صاروا ماجنين لا تقبل شهادتهم.\nأما الإجماع نصًا فما فيه إشكال وأما سكوتًا فلأن السامع ما يحل له السكوت عن بيان الحق إذا كان علمه بخلافه فتدل عدالته على أن سكوته على سبيل يحل له، وهو في كون المسموع حقًا إلا أنا شرطنا مدة التأمل لدرك الحق لأن الحق لا ينال بالاجتهاد إلا بعد نظر في أشباه المحادث، وتمييز الأشبه من بين الجملة ولا بد لهذا من مدة.\nثم المدة لمثله في العادات لا يمتد إلى الموت بل إلى حين يتبين له الوجه فيه إما على الموافقة فلا يلزمه النطق به فسكوته عن الرد دليل عليه، أو على المخالفة فيرده، أو يتعارض عليه الأشباه فيلزمه الفتوى بأي الأشباه كان فيصير سكوته فتوى بما ظهر من فتوى الأول.\nفإن قيل: وقد يبدو للمجتهد في عمره ما يرجع به عن الأول، فهلا شرط لصحة الإجماع الثبات على الفتوى منهم ما لم يموتوا؟\nقلنا: لما ثبت أن الحق لا يعدو إجماعهم علم يقينًا بعد الإجماع إصابتهم الحق","vol":"1","page":28},{"text":"بعينه، فلا يجوز بعد ذلك من واحد منهم ولا جماعتهم خلافه كما لا يسعهم خلاف كتاب الله تعالى.\nفإن قيل: إن السكوت قد يكون مهابة، فقد سئل ابن عباس ﵄ عن حجته على رد العول في الفرائض فذكرها، فقيل له: هلا ذكرتها لعمر ﵁؟ فقال: مهابة له.\nقلنا: ما هذا بصحيح عندنا فعمر ﵁ كان يقدمه على الكثير من الصحابة ويسأله ويمدحه ويستحسن اجتهاده، وقد ظهر رده عليه في مسائل.\nولئن ثبت فتأويله أن مهابته لسبقه عليه في الدين والفقه والرأي، منعته عن المبالغة في المناظرة لا أنه سكت عن نفس الرد فعمر ﵁ كان ألين للحق من غيره.\nوكان يقول: لا خير فيكم ما لم تقولوا ولا خير في ما لم أسمع.\nوكان يقول: رحم الله امرأً أهدى إلى أخيه عيوبه وكان أكثر الصحابة شورى.\nوجائز عندنا ان يكون فقيهان مختلفان في مسألة، واحدهما أسبق وأكثر فقهًا فيسلم الذي هو دونه للذي هو فوقه اتهامًا لرأي نفسه، ولا يرد عليه رد منكر.\nفإن قيل: أليس أن عمرًا ﵁ شاور الصحابة في مال فضل عنده للمسلمين، فأشاروا عليه بالإمساك إلى وقت الحاجة، وعلي ﵁ كان ساكتًا في القوم فسأله عمر ﵁ فقال: قد تكلم القوم. فقال: لتتكلمن، فأمر بالقسمة. وروى فيها حديثًا عن النبي ﵇ فقد استجاز علي ﵁ السكوت وعنده الحكم بخلاف ما أفتوا.\nقلنا: إن عليًا ﵁ استجاز السكوت لأن ما أشار القوم إليه من الإمساك إلى وقت نائبة أخرى كان حسنًا جائزًا، ولكن لما استنطق نطق بالقسمة ففيها الاحتياط للخروج عن الأمانة وهو الأحسن والنطق بمثل هذا لا يجب، ولكن يحسن فيجوز السكوت عنه، ويكون دلالة على حسن ما ظهر على أنا لم نجعل نفس السكوت دلالة على التقرير فإنه جائز للتأمل فيما قال القوم، ولتجربة أفهامهم إلى وقت الإمضاء.\nثم لا عبرة لمخالفة العامة لأنه لا بصر لهم في الباب، كما لا عبرة بالمجانين في كل باب.\nولا عبرة بالذين لا تقبل شهادتهم في ابا الدنيا لتهمة الكذب بسبب الفسق لأن أمر الدين فوق أمر الدنيا فكل تهمة أوجبت رد شهادتهم في باب الدنيا أوجبت ردها في باب الدين، إلا أن ما وراء تهمة الفسق من نحو الأبوة [من الإباء] والضغينة لا تتصور تهمة في","vol":"1","page":29},{"text":"باب الدين وإظهار أحكام الله تعالى فلم تعتبر.\nوأما صاحب الهوى فلا عبرة بخلافه في نفس ما نسب إلى الهوى لأنه لا ينسب إلى الهوى إلا إذا خالف فيما يجب الفتوى به بدليل يوجب العلم يقينًا، فيصير خلافه ذلك الدليل برأيه ساقطًا كخلافه نصًا يروى له فيصير هوى.\nوأما في غير ذلك من الأحكام فإن ظهرت منه مجانة في نحلته بخلاف الحجج تعصبًا لمذهبه بلا دليل أو قلة التأمل لا عن تأويل لشبهته لم يعتبر خلافه، كما لم تقبل شهادته.\nوكذلك إذا غلا في هواه حتى كفر لأن المعتبر إجماع المسلمين ولهذا لم نبال بخلاف الروافض إيانا في إمامة أبي بكر الصديق ﵁.\nوبخلاف الخوارج إيانا في إمام علي ﵁ لفساد تأويلهم وإن لم نكفرهم للشبهة.\nوإنما قلنا: إن السكوت الذي هو حجة مرة يثبت بالسكوت بعد عرض الفتوى عليهم، وهو ظاهر ومرة يثبت بعدم الخلاف مع اشتهار الفتوى لأن الفتوى من البعض إذا اشتهر في العامة لم يجز الخفاء على الأقران في العادة فيصير الاشتهار كالعرض عليه.\nثم الرد يجب على السامع إذا كان الحق عنده بخلاف ذلك على سبيل الاشتهار كالأول ليصير معارضًا إياه أينما ثبت الأول، كالآية إذا نسخت لزم الرسول أن يبلغ الناسخ أينما بلغ الأول، وإذا لزمه رد شائع مثل الأول لم يجز ظهور أحدهما دون الآخر، وهذا كما قيل: إن القرآن معجزة لعجز العرب عن المعارضة وهذا العجز لا يمكن إثباته إلا من طريق عدم الظهور فكان حجة، لأنه ممتنع في العادات اندراس أثر مثل القرآن بعد وجوده والمنكرون للقرآن أكثر من المؤمنين به وكانوا محتاجين إلى رده بالمعارض ولا يمكنهم إلا بالرواية كما احتاج المؤمنون إلى رواية القرآن لإثباته.\nفإن قيل: إن المزارعة اشتهرت في الناس بعد أبي حنيفة ﵁ من غير ظهور رد ثم لم يصر إجماعًا!.\nقلنا: إن الرد شائع من شيعة أبي حنيفة ﵁ فتوى وناظرة إلا أن الناس عملوا بقول غيره.\nوعند من لا يجوز المزارعة جائز اتباع الناس في هذا الباب من خالف أبا حنيفة ﵁ لضرب رجحان يبدو لهم، فلا يكون سكوتمه عن تضليلهم عن الرد والتشنيع عليهم، تقريرًا إياهم على أنه هو الحق دون ما قاله أبو حنيفة ﵁.\nوهذا كما إذا بلغ المفتي قضاء القاضي بخلاف رأيه فسكت، لم يدل سكوته على الرجوع إلى قول القاضي لأنه مع خلافه رأيًا يعتقد نفاذ قضائه بخلاف رأيه، والله أعلم.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>القول في أقسام الإجماع</span>\nأقسام الإجماع أربعة:\n١ - إجماع الصحابة نصًا.\n٢ - وإجماعهم بنص البعض وسكوت الباقين.\n٣ - وإجماع أهل كل عصر بعدهم على حكم لم يسبقهم فيه قول.\n٤ - وإجماعهم على أحد أقوال اختلف فيها السلف.\nومن الناس من قال: إن إجماع أهل كل عصر حجة.\nومنهم من قال: لا إجماع لمن بعد الصحابة.\nومنهم من قال: لا إجماع إلا لأهل المدينة.\nومنهم من قال: لا إجماع إلا لعترة الرسول ﷺ لأن الإمام منهم والإمام معصوم عن الكذب.\nومنهم من قال: لا إجماع إذا كان في السلف من خالفهم.\nوالصحيح هو القول الأول، لأن الدلائل التي جعلت الإجماع حجة لم تخص قومًا بنسب ولا مكان ولا قرن، والأقوال الأربعة الأخيرة مهجورة.\nوقد حكى مشايخنا عن محمد بن الحسن نصًا: أن إجماع أهل كل عصر حجة إلا أنه على مراتب أربعة.\nفالأقوى إجماع الصحابة نصًا لأنه لا خلاف فيه بين الأمة لأن العترة يكونون فيهم، وكذلك أهل المدينة.\nثم الذي ثبت بنص بعضهم وسكوت الباقين، لأن السكوت في الدلالة على التقرير دون النص.\nثم إجماع من بعد الصحابة على حكم لم يظهر فيه قول من سبقهم لأن الصحابة كانوا خلفاء الرسول ﷺ، ومن بعدهم كانوا خلفاء الصحابة فيقع بينهم وبين من خلفهم من التفاوت قريب ما يقع بينهم وبين الرسول ﷺ، ولأن النبي ﷺ قال: \"خير الناس رهطي الذين أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب\".","vol":"1","page":31},{"text":"فرتبهم رسول الله ﷺ على مراتب الخيرية.\nفكذلك نحن نرتبهم في كونهم حجة أنه نهاية ما ينتهي إلى صفة الخيرية.\nثم إجماعهم على حكم سبق فيه مخالف لأن هذا فصل اختلف فيه العلماء والفقهاء.\nفقال بعضهم: هذا لا يكون إجماعًا لأن الدلائل الموجبة عمت جميع الأمة، والأم: اسم يعم الحي والميت، فلا ينعقد الإجماع ما وجد في الأمة مخالف من حي أو ميت.\nولأن ذلك المخالف لو كان حيًا للحال لم ينعقد إجماع من سواه إجماعًا فكذلك وإن مات، لأنا لا نعتبر خلافة خلافًا لحياته بل لحجيته وبالموت لا تتبدل الحجة.\nولأنا متى جعلنا إجماع المتأخرين حجة موجبة وجب تضليل المخالف ولا يجوز تضليله.\nأيجوز تضليل ابن عباس ﵄ في مسألة العول؟ ومسألة توريث الأم مع الزوج والأب ثلث المال كاملًا؟ وقد أجمعوا على خلافه.\nوقال محمد بن الحسن رحمه الله تعالى فيمن قال لامرأته: أنت خلية، ونوى به ثلاثًا ثم جامعها في العدة وقال: علمت أنها علي حرام: لم يحد، لأن عمر ﵁ كان يراها واحدة رجعية، وقد أجمعنا بخلافه فنية الثلاث صحيحة بلا خلاف بين الأمة اليوم.\nولو سقط قول السابق لانقطعت الشبهة كالآية المنسوخة لا تبقى شبهة في استباحة المنسوخ، ولكن الذي ثبت عندنا أنه إجماع.\nوقد روى محمد بن الحسن عنهم جميعًا أن القاضي إذا قضى ببيع أم الولد لم يجز وقد اختلف فيها الصدر الأول لأن الخلف بعدهم أجمعوا على أنه لا يجوز، ولو بقي قول القاضي معتبرًا كأنه حي لنفذ قضاء القاضي بما اختلف فيه الفقهاء.\nوالحجة فيه ان إجماع الصحابة إنما كان حجة لامتناع ان يعدو الحق جماعتهم بالدلائل التي أوجبت الكرامة لهم لكونهم امة محمد ﷺ، فلم يجز كذلك: أن يعدو الحق جماعة التابعين أو من بعدهم.\nولأن الله تعالى جعلهم خير امة يأمرون بالمعروف وجعل إجماعهم حجة، وصفة الخيرية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتصور إثباتها إلا مع الحياة فإن الميت لا يتصور منه الأمر بالمعروف فثبت أنه لم يرد بهذه الكلمة جماعة الأمة من حين رسول الله ﷺ إلى يوم القيامة، ولكن أمته الأحياء في كل عصر.","vol":"1","page":32},{"text":"وإذا كان كذلك فتبين بإجماع الخلف على قول واحد من الجملة أن ما سواه خطأ يقينًا، كما لو عرض على الرسول ﷺ فصوب ذلك الواحد ولا يصير من خالفه ضالًا لأنه خالف حين لا إجماع، فكان كخلاف وجد من الصحابة فعرض على الرسول ﷺ فبين خطا بعضهم فإنه لا يصير ضالًا بما قاله قبل بلوغه نص رسول الله ﷺ.\nوكما كان أهل قباء يصلون إلى بيت المقدس بعد نزول التوجه إلى الكعبة فأتاهم آتٍ وهم في الصلاة فأخبرهم بذلك فاستداروا كهيئتهم إلى الكعبة في صلاتهم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلم ينكر عليهم.\nوهذا لأن الإجماع هو الحجة التي يضل الإنسان بمخالفتها ولم يكن حين ما قاله هذا القائل يخالفه إجماع.\nأليس أن ابن عباس ﵄ كان يجوز بيع الدرهم بالدرهمين؟ وكان يبيح المتعة بعد وفاة النبي ﷺ ثم رجع لما بلغه النص؟ ولسنا نسميه ضالًا فيما كان يقوله أولًا قبل بلوغه النص فهذا مثله.\nوإنما أسقط محمد بن الحسن ﵀ الحد عن الذي جامع امرأته في العدة وقد قال لها: أنت خلية، ونوى بها ثلاث؛ لأن الحد لا يجب مع الشبهة، وقد اختلف الناس في هذا الإجماع أهو حجة أم لا؟ فلا يصير موجبًا علمًا بلا شبهة ولهذا كان هذا الإجماع حجة على أدنى المراتب.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>القول في أنواع التكلم وضعًا وتفسيرها حقًا</span>\nانواع التكلم أربعة:\nأخبار، واستخبار، وأمر، ونهي.\nلأن الكلام إما شرعه القديم عز ذكره، أو وضعه حكيم فلم يجز خلوه عن فائدة حميدة وما هي إلا إفادة العلم لما يحتاج إليه، والفائدة منه تحصل بالتكلم وتنتهي بهذه الأنواع.\nالإخبار بما عندك لتفيد غيرك العلم بما كان أو يكون أو بما توجبه إن جعلته إنشاء كقولك: بعت عبدي أو أعتقته ونحوهما.\nوالاستخبار: لتستفيد من غيرك ذلك العلم بما كان.\nوالأمر: بفعل لبيان أنه مما ينبغي أن يوجد.\nوالنهي: لبيان أنه مما ينبغي أن لا يكون وأن يعدم.\nولأن أقسام صرف الفعل تنتهي بأربعة أقسام لأنك تقول: فعل يفعل، وتقول افعل ولا تفعل فإذا دخلها حرف الاستفهام صارا للاستخبار وتقول: افعل ولا تفعل وما لها خامس، ثم كل قسم منها ينقسم إلى أقسام قد ذكرنا منه قدر الحاجة إليه لأحكام الشرع. وأما تفسيرها:\nفالإخبار: تكلم بكلام يسمى خبرًا.\nوالخبر: الكلام الدال على أمر كان أو سيكون غير مضاف كينونته إلى الخبر كقولك: \"جاء زيد\" أو \"يجيء عمرو\" ونحوه.\nوالإخبار: تكلمك به.\nوأنه ينقسم إلى قسمين في الماضي: صدق، وكذب.\nوقسمين في المستقبل: جد، وهزل.\nلأن الإخبار نكلم.\nوالتكلم فعلك باللسان التفعيل منها.\nوالانفعال في الحروف التي تنتظم حتى يصير مفهوم المعنى والانفعال على هذا متحقق، كذبًا كان الإخبار أو صدقًا، جدًا أو هزلًا.\nنحو \"الكتابة\" تكون كتابة للكلام كتب باطلًا أم حقًا لأنها فعلك بالقلم.\nوالانفعال في حرف تنتظم صورة حتى يكون مفهوم المعنى.","vol":"1","page":34},{"text":"قال علماؤنا- فيمن حلف لا يخبر أن فلانًا قدم فأخبر كذبًا: حنث ولم يفد علمًا.\nوكذلك إذا حلف لا يكتب أن فلانًا قدم فكتب باطلًا؛ حنث وإن لم يفد علمًا بما قال.\nلأن العلم فيه ثمرته المطلوبة منه بحكمة الوضع لا أنه من نفسه وأنه لا يتم بدونه كما في الكتابة.\nبخلاف الإعلام فإنه فعل لا ينفعل إلا بوجود العلم.\nوبخلاف ما إذا حلف لا يبيع فباع حرًا لم يحنث لأن البيع ليس من أقسام التكلم إنما هو اسم لسبب تمليك بالمال، وانه عبارة عن قوله: لا يملك مالًا بمال فلا ينفعل تمليك المال في غير المال، كما لا ينفعل التكلم في غير الحروف التي يدور عليها الكلام غير أن هذا السبب مما ينفعل بالكلام فيكون آلة في نفسه بفوات ثمرته فإنه يحنث بالبيع الخاسر، فكذلك التكلم بالإخبار لا ينعدم بفوات ثمرته من الإعلام.\nوأما الأمر: فتكلم بقولك: افعل وانفعاله بحروفه.\nوأما بيان أنه مما ينبغي أن يوجد بحكمه الأمر كالصدق من الأخبار الذي فيه وجود المخبر عنه لأن الأمر أحد أقسام تصاريف الفعل على ما ذكرنا فتكون الفائدة منه على مثال سائره.\nوقولك \"قدم زيد\" لفائدة بيان وجود قدومه، ويقدم لبيان أنه سيوجد فكذا أقدم لبيان أنه مما ينبغي أن يوجد منه حتى لا يستقيم في الحكمة أن نقول للعمى: أبصر لأنه لا يتصور وجوده منه.\nولما كان وجود فائدة الحكمة صح وضع الأمر لغة لكل فعل يتصور وجوده منه في نفسه، وإن وجب أن يعدم في الحكمة كالسفه والعبث وإذا كان الأمر لهذا الضرب من البيان كان النهي الذي هو خلاف الأمر لبيان ضده، وهو: بيان أنه مما ينبغي أن لا يكون وأن يعدم إلا أن حقيقة إعدام الفعل لا يتصور لأن الموجود منه عرض انقضى، فلا يتصور إعدامه.\nوما لم يوجد كذلك لا يمكن أن يعدم ولكن يعدمه بالامتناع عن إيجاده فصار الامتناع حكمه وكان النهي للمنع عن الفعل لغة فيلزمه بالنهي ما يتعلق بعده انعدام ذلك الفعل منه، كما يلزمه بالأمر ما يوجد منه ذلك الفعل.\nوأقسام النهي من التصرف: ما علم زيد، ولا يعلم زيد.\nوالنهي: لا تعلم، على خلاف؛ علم يعلم واعلم.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>القول في حكم الأوامر المطلقة في حق المأمورين شرعًا</span>\nاختلف العلماء في حكم الأمر على أربعة أقوال:\nفقال بعضهم: حكمه الوقف حتى يأتي البيان.\nوقال بعضهم: الإباحة إلا بدليل زائد عليها.\nوقال بعضهم: الندب إلا بدليل مغير.\nوقال جمهور العلماء: حكمه الوجوب إلا بدليل مسقط.\nأما الواقفون: فذهبوا إلى أنا وجدنا موجب الأمر مختلفًا لغة أريد به الإيجاب وأريد به السؤال كقول العبد: اللهم اغفر لي.\nوأريد به الإفحام كقول الله تعالى: ﴿فأت بها من المغرب﴾، وقوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾.\nوأريد به التوبيخ كقول الله تعالى: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك﴾.\nوأريد به الإباحة كقول الله تعالى: ﴿فانتشروا في الأرض﴾.\nوأريد به الندب كقوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ ولهذا كان الأمر موضوعًا لغة لما يجب فعله، ولما يباح، ولما يقبح نحو السفه والعبث، فثبت أن الأمر محتمل وجوهًا شتى والمحتمل لا يكون حجة حتى يتعين أحد وجوهه بدليل.\nوأما المبيحون: فذهبوا إلى أن الأمر لطلب وجود المأمور به من المأمور، ولا وجود إلا بالائتمار، فدل ضرورة على انفتاح طريق الائتمار عليه وأدناه الإباحة.\nفأما الإفحام والتوبيخ ونحوهما فما فهمت مراده للأوامر إلا بدلالة من النص دلت عليه فكانت مجازًا لما لم تفهم إلا بقرينة أخرى على ما قال الله تعالى: ﴿وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا﴾ فتبين أنه وبخهم بما أمره، فالغرور حرام والله تعالى لا يوجب الحرام.\nوأما أمر الإفحام فمذكور في باب المناظرة فدل سياق الخطاب أنه للإفحام لأن الحجة إنما تقوم لعجزهم عن المأمور به.\nوالحكيم عند المناظرة لا ينطق إلا بما تقوم به حجته وهذا كما أن لفظة \"المشيئة\" للتخيير عن تمليك والله تعالى قال: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ ثم كان للردع بدلالة السياق: ﴿إنا أعتدنا للظالمين نارًا﴾ النار لا تستقيم جزاء","vol":"1","page":36},{"text":"على اختيار العبد ما خيره الله فيه وملكه.\nولأن الأمر لو وجب به الوقف لوجب بالنهي مثله فحينئذ يصير الأمر والنهي واحدًا، وأنه قول محال، وإذا لم يجب الوقف بالنهي ووجبت الحرمة به والأمر ضده وجب أن يثبت به الإباحة.\nوأما النادبون: فذهبوا إلى أن الإباحة لا ترجح جهة الفعل على جهة الترك، وفي الأمر طلب الفعل فإن الوجود متعلق بالفعل فلا بد من إثبات ما يترجح به الفعل على الترك وهو في أن يجعل الفعل أحين من الترك وأدنى صفة جهة الحسن في الندب. قالوا: ولا يلزمنا قول الله تعال: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ ولا تنقطع الخيرة إلا بعد الوجوب، لأن الخلاف في مطلق الأمر والله تعالى علق انقطاع الخيرة بأمر مقضي به، وفي القضاء دلالة الإلزام من حيث الحقيقة وإن كان يقام مقام الأمر مجازًا.\nثم دل تعليق الله تعالى انتفاء الخيرة بالقضاء بالأمر، على أن الخيرة غير منتفية ما لم يتصف الأمر بالقضاء.\nولا يلزمنا كفر إبليس- عليه اللعنة- لمخالفته أمر ربه بالسجود لآدم ﵇ لأنه إنما كفر لاستكباره على ما نص الله تعالى عليه، حتى قال الله تعالى: ﴿فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج﴾ فأخبر أنه أخرجه لتكبره.\nولنه قال: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت﴾ وقوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه﴾ فبين أنه تركه له لرؤيته الفضل لنفسه بغير حق وهو الكبر، وقال الله تعالى: ﴿إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين﴾ أخبر أنه كفر باستكباره، ولأن الأمر بالسجود لآدم ﵇ نص على أن الفضل لآدم فصار كافرًا برده حكم الله تعالى في تفضيل آدم.\nوأما الشرائع التي افترض أداؤها بالأوامر فعرفت فرائض الله بقرائن؛ إما إلحاق وعيد، أو إيجاب صريح، أو بأسباب أخر غير الأوامر على ما بينا.\nوالحجة لعلمائنا﵏- ما ذكرنا أن الأمر لبيان أن المأمور به مما ينبغي أن يوجد من قبل المأمور، وهي صفة لازمة بالأمر، كما كانت صفة الوجود لازمة من سائر أقسام التصريف، فإن قولك: \"دخل فلان الدار\" على ما عليه حق الكلام وهو الصدق يقتضي وجود الدخول لا محالة.\nوكذلك يدخل على ما عليه الحد مقتضى وجود الدخول في الثاني، فكذلك أدخل على ما عليه الحد.\nوإذا صار صفة الأمر أن يوجد صفة لازمة للفعل المأمور به من قبل المأمور بحكم","vol":"1","page":37},{"text":"اللغة على ما عليه حق الكلام، ولا وجود إلا بفعله صار طلبًا للفعل على وجه لا بد من وجوده، وهذا معنى الإيجاب والفرض، ولهذا فرق لغة بين الآمر والمأمور في رتبة الولاية، فكان الآمر واليًا والمأمور موليًا عليه حتى يسمى السلطان الذي له ولاية الإلزام أميرًا.\nولن موجب الأمر الائتمار لغة. يقال: أمرته فأتمر، ونهيته فانتهى، كما تقول: كسرته فانكسر وهدمته فانهدم، وعلمته فتعلم.\nوإذا كان حكمًا له لم يتصور إلا واجبًا به كأحكام سائر العلل لا يتصور حكم العلة إلا واجبًا بالعلة وقد تراخى عناه بمانع أو اتصل بها.\nوكان ينبغي أن يحصل الائتمار مقرونًا بالأمر حكمًا له واجبًا به إلا أنه تراخى لأن حصوله من مختار فيتراخى إلى حين اختياره، وانعدم الفعل إلى حين اختياره، وبقي الوجوب حكمًا له لأنه مما يثبت بالآمر الذي إليه الولاية حتى لما أنبأنا الله تعالى عما لا اختيار له في الإجابة أنبأ عن الائتمار مقرونًا به فقال: ﴿كن فيكون﴾ فلولا أن الأمر لإيجاد المأمور به، لما استقامت الكناية عن الإيجاد بالأمر.\nوكذلك قال الله تعالى: ﴿ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره﴾ فجعل القيامة بحيث لا يجوز غيره موجب الأمر فيما لا اختيار له.\nفإن قيل: أليس العبد فيما يتطوع عاملًا لله تعالى بأمره، ولم يدل على الوجوب؟\nقلنا: إنه عامل لله تعالى لا بأمره بل بإذنه بأن يجعل لله تعالى ما جعله الله تعالى له من عمل تلك المدة.\nوالمفترض عامل لله تعالى بالأمر من حيث يوفيه ماله عليه بالأمر، كالأجير يعمل للمستأجر من حيث يوفيه ما له عليه من عمل في تلك المدة.\nوالمعين يعمل له من حيث يجعل له عمله بلا وجوب له عليه.\nوالبائع يسلم المبيع موفيًا ما عليه.\nوالواهب يسلم الموهوب جاعلًا للموهوب له ماله لا موفيًا ما عليه.\nولهذا سمى الله تعالى نفل الصدقة قرضًا، لأن المقرض لا يسلم ما عليه ولكن يجعل ما له للمستقرض.\nولهذا سمي خلاف الأمر فسقًا قال الله تعالى: ﴿إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾، وسمي عصيانًا قال تعالى: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم﴾ قال دريد بن الصمة:\nأمرتهم أمري بمنعرج اللوا .... فلم يتبينوا الرشد إلا ضحى الغد","vol":"1","page":38},{"text":"فلما عصوني كنت منهم وقد .... أرى غوايتهم وأني غير مهتد\nوهل أنا إلا من غزية: إن غوت .... غويت، وإن ترشد غزية أرشد.\nوالفسق في عرف اللسان: اسم لفعل حرام شرعًا، وكذلك المعصية، ولو لم يجب الائتمار لم يكن خلافه حرامًا، ولن النهي خلاف الأمر لغة، وبالنهي يجب أن يعدم المنهي عنه فيجب بالأمر أن يوجد المأمور به، وبالله التوفيق.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>القول في الأمر بالفعل ماذا حكمه في التكرار</span>؟\nقال بعض العلماء: الأمر بالفعل يقتضي التكرار إلا بدليل.\nوقال بعضهم: يحتمله ولا يثبت التكرار إلا بدليل.\nوقال بعضهم: المطلق لا يقتضي تكرارًا، ولكن المعلق بشرط أو وصف يتكرر بتكرره.\nوالصحيح: أنه لا يقتضي التكرار ولا يحتمله ولكنه يحتمل كل الفعل المأمور به وبعضه، غير ان الكل لا يثبت إلا بدليل وعليه دلت مسائل علمائنا.\nفأما الذين قالوا بالتكرار؛ فإنهم احتجوا بما روي أن الأقرع بن حابس سأل النبي ﷺ فقال: الحج في كل عام أو مرة؟ فقال ﷺ: \"بل مرة، ولو قلت في كل عام لوجب، ولو وجب ثم تركتموه لضللتم\" ولو لم يكن الأمر يحتمل الوجهين لما سأله الأقرع ولما احتملهما.\nوالتكرار من المرة يجري مجرى العموم من الخصوص فوجب القول بالعموم حتى يقوم دليل الخصوص.\nولأن للفعل بعضًا وكلًا من جنسه كما للمفعول، فمطلقه يتناول كله كما في الاسم.\nثم كل الفعل لا يتأدى إلا بالتكرار فيصير التكرار مقتضاه. ولهذا قالوا- فيمن قال لامرأته: طلقي نفسك! ونوى الثلاث: أن النية تصح لأنه نوى ما يحتمله لفظه من حيث العموم وبالكلية، ولو نوى ثنتين لم يصح عندنا لأنه نوى العدد ولفظه لا يحتمل عددًا، إلا أن تكون المرأة أمة فيصح لأن الثنيتين كل فعل تطليقها.\nوكذلك فيمن قال لعبده: تزوج فتزوج امرأتين ونوى المولى ذلك صح. لأن ذلك كل تزوجه.\nوكذلك أمر الله تعالى بالصلاة مطلقًا وتكرر به الوجوب علينا، وكذلك سائر العبادات.\nفأما الحج فإنما سقط تكراره بدلالة السنة، ولن النهي عن فعل يقتضي النفي عامًا فكذا الأمر بالفعل الذي هو ضد النهي يقتضي الوجود عامًا.","vol":"1","page":40},{"text":"- وأما الذين قالوا: إنه لا يقتضي التكرار إلا بدلالة فذهبوا إلى أن الأمر بالفعل لا يصح إلا بمفعول هو اسم على سبيل النكرة كقولك: صل، لا يستقيم إلا بمفعول هو صلاة، ولكنه ثبت على سبيل التنكير لأنه يثبت مقتضى بالنص لا منصوصًا عليه، والمقتضى لا يثبت إلا ضرورة، والضرورة ترتفع بالنكرة فيصير في التقدير كأنك قلت: صل صلاة، فتكون الصلاة نكرة في الإثبات فتخص كقول الله تعالى: ﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ إلا ان يزيد القائل زيادة فتثبت لأنه يحتمل ذلك فإن المقتضى يجوز أن تكون صلاة، وكل الصلوات، ألا ترى أنه لو صرح به فقال: صل الصلوات استقام وكان بيانًا.\nبخلاف النهي فإنه للنفي، فإذا قلت: لا تصل فكأنك قلت: لا تصل صلاة، فتكون نكرة في النفي فيعم كقول الله تعالى: ﴿ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا﴾ فثبت أن التكرار لا يثبت إلا بدلالة أخرى ولهذا قلنا- فيمن قال لآخر: تصدق من مالي بدرهم-: لم يملك إلا مرة واحدة، ولأن الأمر أحد أقسام التصريف.\nومن قال دخل فلان الدار لم يفهم منه التكرار ولكن يحتمل أنه دخل مرارًا، وكذلك إذا قيل: يدخل فكذلك إذا قيل له: ادخل.\nفأما الذين قالوا بالتكرار في المعلق بالشرط فإنهم تمسكوا بالأوامر الشرعية المتعلقة بأوقات أو أموال في باب الزكاة، والعقوبات المتعلقة بالمعاصي فإنها متكررة بتكرر شروطها.\nوأما الدليل لما قلنا، وهو أن الأمر بالفعل لا يقتضي تكرارًا ولا يحتمله: فإن التكرار في اللغة: العود مرة بعد أخرى والفعل لا يحتمل العود لأنه حركات تنقضي فيكون الثاني غير الأول لا محالة، وإنما يسمى تكرارًا مجازًا لعود مثل الأول، وهو في الحقيقة إعداد يحتمل كما في الأعيان، وليس في النص ما يحتمل العدد لأن قول القائل: ادخل الدار، أمر بحركات معلومة في تمامها دخول، لا عدد دخول ولهذا قلنا- فيمن قال لامرأته؛ طلقي نفسك ونوى به ثنتين-: لم يصح، لأنه نوى زيادة عن عدد التطليق. وما في نصه ما يحتمل التعدد لأن التطليق اسم للقول لا للحساب كما لو قال: اشتر لي عبدًا لم يحتمل عبيدًا ولا شراء بعد شراء.\nوكذلك لو قال: تزوج امرأة ونوى به مرة بعد أخرى لم يصح.\nوكذلك لو قال لامرأته: طلقتك، ونوى به ثنتين لم يصح لأنه نوى ما لا يحتمل لفظة.\nفأما عبادات الله تعالى فإنما لزمتنا على سبيل التكرار لا بالأوامر، ولكن بتكرر علل الوجوب على ما نذكرها، وهي أسباب أخرى غير الأمر، فالأمر كان طلبًا لأداء الواجب","vol":"1","page":41},{"text":"بسببه كقولك لآخر: أد الثمن للشراء والنفقة للنكاح.\nفإن قيل: كيف يقال أن الأمر لا يحتمل التكرار، ولو قرن به التكرار تفسيرًا له لاستقام كقول القائل لآخر: طلق امرأتي! مرتين أو ثلاث مرات فكانت المرة نصبًا على التفسير، ولو لم يحتمله مطلق الأمر كان الذكر تفسيرًا له، وكذلك تقول: صم أبدًا، أو أيامًا كثيرة.\nقلنا: هذا القرآن لم يصح لغة على سبيل التفسير لما يحتمله، ولكن على سبيل التغيير إلى معنى آخر ما كان يحتمل مطلقه بل يحتمل التغيير إليه، كما يصح قران الشرط بالطلاق والاستثناء بالجملة على سبيل تغيير موجبه إلى وجه آخر لا على سبيل بيان موجب المطلق منه.\nفإن قول القائل: أنت طالق ثلاثًا ما كان يحتمل التأخير ولا ثنتين، ولو قال: إلى شهر إلا واحدة تأخر إلى شهر ولم يقع إلا ثنتان.\nوأما النصب فليس على معنى التفسير ولكنه لقيامه مقام المصدر، وقوله: طلق امرأته ثلاث مرات أي؛ تطليقات ثلاثًا على أن النصب وإن جاز على سبيل التفسير فيجوز على بيان تغيير موجبه مطلقًا إلى موجب آخر باقتران زيادة به، ولهذا قالوا: إن من قال لامرأته: أنت طالق وسكت؛ طلقت مع هذه اللفظة، ولو قال: ثلاثًا لم تطلق إلا مع قوله: ثلاثًا، فتأخر الوقوع إلى العدد، ولو كان هذا تفسيرًا له لم يتغير به حكمه بل كان يتقرر، وكذلك المرات.\nوأما قولنا: إنه يحتمل كل الفعل المأمور به، فلأن قول القائل لآخر: ادخل الدار! أمر بفعل الدخول وإنه يتناول كل ما يتصور منه دخولًا كما يتناول البعض.\nوالدخول اسم للفعل وللفعل كل وبعض من جنسه كما لغير الفعل من الأعيان وغيرها، فإنه اسم لجنس الفعل فيعتبر بأسماء أجناس الأشياء سوى الأفعال نحو الماء والطعام والناس.\nثم حكم المتعلق باسم الجنس يتعلق بأدنى ما ينطلق عليه الاسم على احتمال العموم على ما نذكر في باب ألفاظ العموم، فكذلك هذا.\nولهذا قلنا فيمن قال لامرأته؛ طلقي نفسك: أنها على واحدة فإن نوى ثلاثًا صح لأنه نهوى الكل وهو يحتمله وإن نوى ثنتين لم يصح لأنه نوى التكرار والعدد لا غير، إلا أن تكون المرأة أمة فيصح لأنهما كل طلاقها عندنا.\nولو قال لعبده: تزوج، لم يملك إلا امرأة ولو نوى ثنتين يصح لأنه نوى الكل لأنهما كل نكاحه، لا لأنه نوى التكرار.","vol":"1","page":42},{"text":"وذكر عيسى بن أبان: أن الأمر بالفعل إذا كان له نهاية معلومة يجوز أن يقال فيه بالعموم حتى يقوم الدليل على الخصوص اعتبارًا بالنص العام فيما عدا الفعل، إلا أن الرواية تخالف هذا، فإن الأمر بالطلاق لامرأته أمر بفعل معلوم كله ولم ينصرف إليه إلا بينة، والجواب عن حجته ما ذكرنا أن هذا بمنزلة أسماء الأجناس، والفرق بين اسم الجنس وغيره من العام ما نذكره بعد هذا في موضعه.\nوأما إذا كان الأمر بفعل لا نهاية له معلومة، كالأمر بالصلاة والصوم، فإن المأمور به، مما لا يتناهى في نفسه، وإنما نهايته بعجز الفاعل بموته، فهذا من جنس ما لا يمكن القول فيه بعمومه، وكل لأنه ليس في وسع العبد فعل كل الصيام التي هي قربة لله تعالى، ولا فعل كل الصلاة، وإذا لم يكن بوسعه ذلك لم يخاطب بتعمبم هذا الفعل بل يصير مخاطبًا بالبعض، فيصير الأمر بهذا الفعل من قبيل ما لا يمكن القول بعمومه من النصوص فيما عدا الأفعال نحو قول الله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾ وقوله: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ ولما انصرف إلى البعض لم يلزمنا منه إلا ما يتيقن به إلا بدليل زائد.\nوأما حديث الأقرع بن حابس فالجواب عنه: أن الأقرع إنما أشكل عليه أمر تكرره، لاعتباره الحج بالصلاة والصيام، فإنه كان عرف الصلاة متكررة وقتها، وكذلك الصوم ثم وجد الحج متعلقًا بالوقت أيضًا، فأشكل عليه أمر تكرره بتكرر وقته فسأل عنه.\nولو أجيب بنعم لصار الوقت علته وتكرر بتكرره كالصلاة، فلما أجيب بالمرة في العمر تبين له أن الوقت شرط محض لجواز الأداء كالطهارة للصلاة وأن سبب الوجوب مما لا يتكرر وهو البيت على ما نبين في باب أسباب هذه العبادات.\nولأن كينونة البيت بيت الله تعالى يجوز أن يكون علة لوجوب الحج في العمر مرة، ويجوز أن يكون علة لوجوبه كل سنة أو كل شهر ككينونة النصاب في ملك الرجل يكون علة للزكاة كل سنة، فإن البقاء في زمن آخر غير الأول فإذا كان البقاء علة جاز تكرار الوجوب بتكرار البقاء، وجاز ان لا يتكرر ترفيهًا علينا ودفعًا للحرج.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>القول في صفة حسن المأمور به</span>\nقد ذكرنا أن الأمر لغة لبيان أنه مما ينبغي أن يوجد، ومطلقه على الوجوب، فإذا كان الأمر من الله تعالى صار وجود المأمور به منا واجبًا علينا لله تعالى، ولا يجوز في الحكمة أن يجب علينا إيجاده لله تعالى إلا لحسنه عند الله تعالى على الحقيقة، فغن القبيح في الحكمة: اسم لما ينبغي أن يعدم، والله تعالى هو الحكيم الذي لا سفه له فلا يأمرنا به فلا نجد بدًا من معرفة صفة الحسن فيما أمرنا به، فنقول:\n- إن هذه الأفعال في صفة الحسن على أقسام أربعة:\nأ- ما حسن لمعنى في غيره.\nب- وما حسن لمعنى في غيره.\nوالذي حسن لمعنى في عينه على نوعين:\nأ- ما كان المعنى في وضعه.\nب- وما كان اتصل المعنى بوضعه بواسطة حتى التحق بالواسطة القسم الأول، والذي حسن لمعنى في غيره على نوعين:\nأ- ما يحصل المعنى بفعل العبادة.\nب- وما يحصل بعده بفعل مقصود له.\nفصارت الأقسام أربعة:\n- فأما الأول: فنحو الصلاة لأنها تتأدى بأفعال وأقوال وضعت للتعظيم في الشاهد، والتعظيم حسن في نفسه في حق المعظم إلا أن يكون في غير حينه أو حاله فيشوبه القبح لذلك المعارض، ولهذا كانت الصلاة حسنة دائمة، واستقبحت لأوقات مخصوصة وأحوال فنهينا عنها.\n- وأما الثاني: فنحو الزكاة والصوم والحج، لأن الزكاة تمليك المال للفقير على سبيل الكفاية بأمر الله تعالى، ولا يتم هذا العمل عملًا لله تعالى إلا بواسطة الفقير المحتاج.\nوالصوم: كف النفس الشهوانية عن اقتضاء شهوة البطن والفرج بأمر الله تعالى ما يتم عملًا لله تعالى إلا بالنفس الشهوانية.\nوالحج: زيارة البقعة المعظمة على سبيل التعظيم بأمر الله تعالى، ما يتم عملًا لله تعالى إلا بواسطة البقعة المعظمة، غير أن احتياج الفقير إل الكفاية كان بخلق الله تعالى","vol":"1","page":44},{"text":"إياه على صفة لا يبقى إلا بالكفاية، واشتهاء النفس كذلك بخلق الله تعالى.\nوكذلك شرف المكان وفضله كان بخلق الله تعالى.\nولما حسنت هذه الأفعال من حيث أن في الزكاة إغناء عباد الله تعالى المحتاجين.\nوفي الصوم قهر النفس التي هي عدو الله تعالى.\nوفي الحج تعظيم شعائر الله تعالى وهذه الأفعال بهذه الوسائط حسنة في الشاهد لمن وقعت له، والوسائط تثبت وسائط بخلق الله تعالى فصارت حسنة من العبد للرب عزت قدرته بلا ثالث معنى.\nفالوسائط لما ثبتت لله تعالى كانت مضافة إليه، ولم يبق للواسطة عبرة حكمًا فصارت كأفعال الصلاة التي حسنت لأنها في نفسها تعظيم للمفعول له.\nوأما الوجه الثالث: فنحو قتال الكفرة والصلاة على الميت وإقامة الحدود.\nفالقتال فساد وما حسن إلا لما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى وكبت أعدائه ودفع قتالهم، فحسن بواسطة العدو وإن كان عدوًا بمعصية كانت منه باختياره فصارت الواسطة واسطة بسبب مضاف إلى الكافر فصار حسنًا لمعنى في غير العبادة.\nفالعبادة تتم بالعبد للرب تعالى فتكون الواسطة المضافة إلى غير الله تعالى غير فعل العبادة صورة ومعنى.\nوكذلك إقامة الحدود إضرار وإفساد وإنما حسنت لأنها زاجر عن المعاصي فحسن بواسطة المعاصي، وإنما كان عاصيًا لمعنى مضاف إليه.\nوالصلاة على الميت حسن عبادة شرعية بالميت فأما بدون الميت فعبث وإنما صلح بواسطة الميت لا بموته الثابت بالله تعالى. ولكن بإسلامه المضاف إلى المسلم كالكفر في الفصل الأول.\nوأما الوجه الرابع: فنحو الوضوء والسعي إلى الجمعة والغسل تبرد وتطهر عادة، وإنما انقلب عبادة شرعية وعملًا لله من حيث أنه مفتاح الصلاة المشروعة لله تعالى ألا ترى أن الوضوء لا يلزم من لا صلاة عليه، وإن كان محدثًا وكذلك لا يجب قبل مجيء وقت الصلاة.\nوكذلك السعي إلى الجمعة حسن لأنه سبب لإمكان إقامة الجمعة، فأما هو في نفسه فعمل مباح.\nوالجمعة التي هي الحسنة لا تحصل بالسعي ولا بالوضوء بل بعدهما بفعل مقصود لها، وفي الفصل الأول يحسن ما فيه الحسن من قضاء حق الميت وكبت أعداء الله تعالى وزجر العاصي بنفس الفعل.","vol":"1","page":45},{"text":"ثم حكم وجوب القسمين الأولين واحد وهو أن الوجوب متى ثبت لم يسقط إلا بفعل الواجب أو اعتراض ما يسقط لعينه ولا يسقط بغيره، لأنه وجب لعينه لا لغيره فلا يسقط بغيره.\nوحكم وجوب القسمين الآخرين واحد أيضًا وهو بقاء الوجوب ببقاء وجوب الغير، والسقوط بسقوط الغير حتى إذا سقطت الجمعة بسبب سقط السعي.\nوكذلك الطهارة.\nوكذلك حق الميت مت سقط ببغيه أو بكفره سقطت الصلاة.\nوكذلك لو سقطت بقضاء الولي حقه بالصلاة عليه سقطت الصلاة عن الباقين، والناس لو أسلموا حتى علت كلمة الله تعالى وذهب القتال سقط الجهاد ما لم يحدث قتال مثله من البغاة.\nومتى لم يقض حق الميت بالصلاة بأن صلى عليه غير وليه كانت الصلاة باقية على الولي.\nوكذلك شوكة الكفار متى لم تنكسر بالقتال مرة لم يسقط الفرض ووجب ثانيًا لأن المعنى الذي له وجبت العبادة في ذلك الغير بمنزلة السبب الموجب فلا يبقى الحكم بدون السبب.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>القول في مطلق الأمر ماذا موجبه في حسن المأمور به من الفعل</span>\nقال العبد رحمه الله تعالى: إني لم أقف على أقوال الناس في هذا الفصل كما وقفت على أقوالهم في حكم الأمر، فما أحد استقصى كل هذا، والذي مال إليه رأيي أن ينصرف مطلق الأمر إلى القسم الأول دون الثاني، ويحتمل القسم الثاني لأن الحسن إنما يثبت صفة للفعل المأمور به مقتضى حكمة الأمر لا موجبًا للأمر لغة، لما ذكرنا إن اللغة لا تفصل بين الحسن والقبيح من الأفعال بل لكل فعل أمر موضوع منه لغة، ولما كان طريق ثبوته مقتضى الحكمة ثبت أدنى ما يرتفع به الضرورة على ما يأتيك البيان في باب المقتضى. والأدنى يتأدى بحسن في غيره، فلا يثبت الحسن في نفسه إلا بدلالة زائدة.\nولكن القول الأول أصوب لأن الكلام في الأوامر بأفعال هي لله تعالى عبادة، وإذا كان المر استعبادًا في نفسه صار صفة العبادة للفعل ثابتة لغة لا اقتضاءً، فقول الله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة﴾ واعبدوني بها واحد فهو اسم وضع للعبادة، وكذلك الصوم إلا أنها عرفت لغة باستعارة لسان الشرع، ولسان الشرع لسان العرب، ولما وجب إثبات صفة العبادة للفعل لغة لا اقتضاء وجب إثبات صفة العبادة للفعل نفسه لا لغيره، حتى لا يصير مجازًا، ولما وجب هذا تبع صفة الحسن صفة العبادة، وكذلك شرع الله تعالى بيان للأحسن.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>القول في الأمر بفعل واجب، ماذا حكمه في ضده</span>؟\nقال بعضهم: الأمر بفعل واجب لا حكم له في ضده.\nوقال بعضهم: يقتضي نهيًا في ضده، وإليه ذهب أبو بكر الجصاص.\nوقال بعضهم: يدل على كراهة ضده.\nوقال بعضهم: يقتضي كراهة ضده، وهو المختار عندنا.\nفأما الأولون: فذهبوا إلى أن ضده مسكوت عنه فيبقى على ما كان عليه قبل الأمر، كالمعلق بشرط لا يقتضي نفيًا عند عدم الشرط لأنه مسكوت عنه فيبقى على ما كان عليه قبل التعليق. قالوا: والعبد يأثم إذا لم يأتمر بترك الواجب لا بارتكاب الضد.\nوأما أبو بكر الجصاص فقد ذكر في \"أصوله\" أن الأمر المطلق على الفور، لأن الأمر اقتضى نهيًا عن ضده، والنهي عن مطلق الفعل يوجب موجبه على الفور، فكأنه ذهب إلى أن الفعل إذا وجب الإتيان به حرم تركه ضرورة واقتضاء، والحرمة حكم النهي فيثبت النهي عن ضده اقتضاء.\nوأما الثالث فوجهه: أن وجوب الفعل يدل على حرمة الترك ضرورة، كما قاله أبو بكر إلا أن الحرمة التي تثبت ضرورة لا تكون كالتي تثبت بالنص عليها بالتحريم او النهي.\nلأن الثابت بالنص يثبت بقدر ما ترتفع به الضرورة.\nوالثابت بالضرورة يثبت بقدر ما ترتفع به الضرورة.\nوالضرورة ترتفع بكون ضده مكروهًا لقبح في غيره، وإن كان في نفسه حسنًا كالصلاة في أرض مغصوبة، إلا أنا نقول ان الثابت بهذا الطريق يكون بالاقتضاء دون الدلالة.\nفإن النص يدل على مثل المنصوص عليه كتحريم التأفيف يدل على تحريم الشتم لوجود ذلك الأذى فيه وزيادة.\nفالدلالة أخت الإيجاب، فكما لا يوجب النص ضد الحكم المنصوص عليه لا يدل عليه، ولكن ثبوت الضد يقتضي نفي ضده كالليل مع النهار، وكذلك في الحكام إذا","vol":"1","page":48},{"text":"وجب فعل في وقت لا بد أن يحرم تركه اقتضاءً فيحرم ضده لما فيه من ترك المأمور به الواجب، فكان لمعنى في غيره فلا يوجب الفساد بخلاف النهي.\nفأما الجواب عن القول الأول: ما ذكرنا ان الكراهة تثبت بمقتضى النص لا بالنص، والمقتضى أبدًا إنما يثبت حيث لا نص ما له حد غير هذا، وليس هذا كالمعلق بالشرط فإن تعليق الحكم بالشرط لإيجاد الحكم ابتداء عند الشرط، ولما كان ابتداء الوجود عنده لم يقتض هذا نفيًا قبله لأن النفي لا يتصور ابتداء الوجود عند الشرط أن يكون عدمًا قبل الشرط، ولما لم يكن موجودًا من الأصل لا يتعلق عدمه بمعدم فلذلك قلنا غنه يقتضي عدمًا من حيث عدم دليل الوجود، لا عدمًا بدليل نافٍ.\nوأما الإيجاب فيقتضي حرمة ترك الواجب ضرورة، وكان حلالًا قبل الإيجاب فلذلك أضفنا ثبوتها إلى الأمر.\nثم قول أبي بكر أن الأمر المطلق على الفور لأنه نهي عن ضده دعوى، والرواية في الأصول في الأمر المطلق بخلاف ما قاله أبو بكر الجصاص على ما نذكره.\nوكذلك النهي فإن النهي إنما يكون على الفور إذا كان مما يستغرق انتهاء العمر، فأما ما لا يستغرق انتهاء العمر فلا، فإنا نهينا عن ترك فرض الصلاة وقت الظهر ويباح الترك لأول الوقت لأن فعل الصلاة مما لا يعم ولا يستغرق الوقت فالانتهاء عن النهي بفعل الصلاة مما لا يستغرق الوقت فلا يجب البدار إلى الانتهاء على الفور، والذي يدل عليه أنا متى جعلناه نهيًا عن ضده نصًا أو دلالة فقد جعلنا ضده حرامًا لمعنى يرجع إليه كما في مطلق النهي، وإنه ما حرم إلا لمعنى في غيره وهو من حيث المأمور به وبينهما فرق على ما مر، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>القول في النهي ماذا حكمه</span>؟\nقال العبد﵀-: إني لم أقف على الأقوال في حكمه على الاستقصاء من السلف، كما وقفت على حكم الأمر. ولكنه ضد المر لغة فيحتمل أن يكون للناس فيه أقوال أربعة على حسب أقوالهم في الأمر.\nفمن وقف في الأمر فليجب مثله في النهي.\nومن قال بالندب في الأمر فكذا يجب في النهي أن يقول بندب على ضده.\nومن قال بالإباحة فيه قال بإباحة الانتهاء هنا.\nومن قال بالوجوب، ثم قال بوجوب الانتهاء هنا وعليه جمهور العلماء.\nويحتمل ان لا يكون على الاختلاف لأن القول به يؤدي إلى أن يصير موجب الأمر","vol":"1","page":49},{"text":"والنهي واحدًا وهو الوقف، وهذا لا سبيل إليه لأن الضدين يختلف أثرهما كالإحياء والإماتة والتحريك والتسكين والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>فصل: الأقوال في تكرار الانتهاء</span>\nوأما الأقوال في تكرار الانتهاء فلا يتصور لأن الانتهاء بالنهي مما يستغرق العمر إن كان مطلقًا لأنه لا انتهاء إلا بانعدام المنهي عنه من قبله، ولا يتم الانعدام من قبله إلا بالموت عليه قبل الفعل، فلا يتصوره تكراره، بخلاف الأمر بالفعل لأن الأمر بالفعل المسمى له حد يعرف وجوده بحده ثم يتصور التكرار بعده، إلا ترى ان من حلف لا يدخل الدار لم يبر إلا بالموت قبل الدخول، ولو حلف ليدخلن الدار فدخل ساعتئذ بر في يمينه وإن ترك بعد ذلك وتصور منه بعده دخول آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>فصل في بيان علة وجوب الانتهاء:</span>\nاعلم بأن الشرع لا ينهى عن فعل غلا لقبحه كما لا يأمر به حقًا لله تعالى إلا لحسنه، فالقبيح: اسم لما ينبغي أن يعدم في الحكمة بخلاف الحسن، وقد ذكرنا ان النهي لغة لبيان أنه مما ينبغي ان يعدم على خلاف الأمر، فدل النهي على قبح المنهي عنه كما دل الأمر على حسن المأمور به تحقيقًا للمخالفة.\nفإن قال قائل: فهلا قيل إن النهي ورد لحسن الانتهاء كما قيل في الأمر أنه ورد لحسن الائتمار؟\nقلنا: لأن المطلوب بالأمر فعل، والفعل حادث يكون من العبد، فالصفة التي لأجلها صح الأمر لا بد أن تثبت لذلك الحادث.\nفأما المطلوب من النهي أن لا يوجد المنهي عنه من قبل العبد ويبقى عدمًا كذلك، والعدم الأصلي لا يكون بعلة ولا مضافًا غلى العبد حقيقة فلا يصح النهي لحسن الانتهاء فإنه ضرب فعل من العبد، وفعل العبد غير مطلوب بالنهي، بل المطلوب أن لا يوجد من قبله ذلك الفعل، وأن لا يوجد المعدوم ولا يتعلق بسبب موجب للعدم بل بانعدام أسباب الوجود فوجب ضرورة أن يقال: إن النهي صح لقبح الفعل المنهي عنه على خلاف الأمر، فإنه لحسن الفعل المأمور به يصير الفعل المسمى بالأمر مما ينبغي أن يوجد، وبالنهي مما ينبغي أن يعدم، ولهذا يصير العبد منتهيًا بالنهي أولى إذا لم يوجد منه فعل المنهي عنه، ولو كان الانتهاء مطلوبًا به حقًا لله تعالى لما أمرنا بالصوم وتأدية بالترك لم يكن الترك صومًا لله تعالى إلا على وجه يضاف وجوده إلى العبد بحق الأمر من الله تعالى من قصد لما فيه من منع نفسه عن اقتضاء الشهوات، وغنه ضرب فعل لأنه يثبت بالأمر ولا","vol":"1","page":50},{"text":"يتصور إلا بفعل يوجده وهذا كما قالوا- فيمن حلف وقال لامرأته: إن لم أشأ طلاقك فأنت طالق، ثم قال: لا أشأ- لم تطلق حتى يموت لأنه علق بعدم المشيئة لا بفعل سماه والعدم لا يتحقق إلا بالموت.\nولو قال: إن أبيت طلاقك فأنت طالق حنث إذا قال أبيت طلاقك لأن الإباء اسم لضرب فعل كالصوم وله حد يعقل فثبت ان الواجب بالنهي أن لا يوجد الفعل المنهي عنه من قبله، فغن دعته نفسه إلى فعل المنهي عنه فعليه الآن أن يمنع نفسه عن ذلك بالرد عليه وينتهي عنه ولا يطيعه ضرورة أنه إن لم ينته وجد منه ما نهي عنه فصار مرتكبًا للنهي فيصير الانتهاء حسنًا الآن مقتضى الفرار عن ارتكاب النهي لا لنفسه فيصير من قبيل الأمر الذي حسن لغير المأمور به، فلا يلزمه غلا بقدر ما يتعلق به حصول المقصود وبقدر ما يتعلق به المقصود يلزمه لله تعالى فيكون عبادة فإنها اسم لفعل يأتي به العبد تعظيمًا لربه.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>القول في صفة قبح المنهي عنه وحكمه</span>\nالنهي على أربعة أقسام في هذا الباب، كالأمر في حق الحسن.\n- منه ما ورد لقبح الفعل المنهي عنه في عينه.\n- ومنه ما ورد لقبح في غيره.\n- والذي قبح في عينه نوعان:\n- ما قبح وضعًا.\n- وما التحق به شرعًا.\nوالذي قبح لغيره نوعان:\n- ما صار القبح مهم وصفًا.\n- وما جاوره جمعًا.\n- أما الأول: فكالسفه والعبث، فواضع اللغة وضع الاسمين لفعلين عرفهما قبيح في ذاتهما عقلًا.\n- وأما الثاني: فكالنهي عن بيع الملاقيح والمضامين، والصلاة بغير وضوء، فالبيع في نفسه مما يتعلق به المصالح ولكن الشرع لما قصر محله على مال متقوم حال العقد، والماء قبل أن يخلق منه الحيوان ليس بمال صار بيعه عبثًا لحلوله في غير محله كضرب الميت وقتل الموات وأكل ما لا يتغذى به.\nوكذلك الشرع قصر اهلية العبد لأداء الصلاة على حال طهارته عن الحدث فصار فعل صلاته مع الحدث عبثًا لخروجه من غير أهله، نحو كلام المجنون والطائر فالتحقا بالقبيح وضعًا بواسطة عدم الأهلية والمحلية شرعًا.\n- وأما الثالث: فنحو البيع بشرط فاسد، وبيع الدرهم بالدرهمين فالنهي ورد بمعنى الشرط والشرط غير البيع، وبيع الربا منهي عنه لعدم شرط المماثلة الذي علق الجواز به فالمماثلة شرط زائد على البيع فتمامه بوجوده من أهله في محله والمحل قائم شرعًا مع المفاضلة فإنهما مالان متقومان.\nوأما الرابع: فنحو البيع وقت النداء يوم الجمعة، والصلاة في أرض مغصوبة، والنهي ورد لمعنى الاشتغال بالبيع عن السعي إلى الجمعة، وبين الاشتغال والبيع مجاورة فما هو من البيع في شيء، والنهي عن الصلاة في أرض مغصوبة جاء لمعنى الغصب، وما هو من الصلاة في شيء فغصب الأرض في شغلها بنفسه لا بصلاته.","vol":"1","page":52},{"text":"وحكم القسمين الولين أنهما حرامان غير مشروعين أصلًا لأن القبح صار صفة لعينه، والقبيح لعينه لا يجوز أن يكون مشروعًا، فالشرع ما جاء إلا لشرع ما هو حسن ورفع ما هو قبيح.\nوحكم القسمين الآخرين: أنهما دليلان على كون المنهي عنهما مشروعين لأن القبح ثابت في غير المنهي عنه فلم يوجب دفع المنهي عنه بسبب القبح والقبح في غيره.\nوهذا مذهب علمائنا رحمهم الله تعالى على ما نبينه في الباب الذي يليه.\nقال الشافعي ﵀: النهي على أقسام ثلاثة، فالقسم الثالث الذي ذكرناه من جملة ما قبح لمعنى في عينه شرعًا، والله أعلم.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>القول في النهي المطلق ماذا حكمه؟ وإلى أي قسم ينصرف</span>؟\nقال علماؤنا: مطلق النهي عن الأفعال التي تتحقق حسًا ينصرف إلى القسم الأول.\nوعن التصرفات والأفعال التي تتحقق شرعًا نحو العقود والعبادات ينصرف القسم الثالث إلا بدليل.\nوقال الشافعي ﵀: النهي في البابين يدل على قبحه لمعنى في عينه، ويكون نسخًا لما كان مشروعًا إلا بدليل.\nويحتمل أن يقال ينصرف إلى القسم الرابع بلا تفصيل.\nويحتمل الانصراف إلى القسم الأول غير أني لم أقف على هذين القولين الاخرين من السلف.\nوإنما قلنا يحتمل لأن النهي للمنع عن الفعل والقبح يثبت ضرورة ومقتضى فيثبت الأدنى وذلك في القسم الرابع كما قلنا مثله في المر في صفة الحسن.\nويحتمل أن يقال: إن النهي عن الفعل تقبيح كالأمر تحسين فيثبت الأكمل كما في الأمر.\nوالحجة للشافعي أن النهي ضد الأمر فلما كان الأمر شرعًا للمأمور به كان النهي رفعًا للمنهي عنه إلا بدليل.\nولن الأمر شرعًا لتحسين المأمور به في نفسه إلا بدليل فكذلك النهي يكون لتقبيحه في نفسه.\nوكذلك التحريم والإحلال متضادان فيرتفع بأحدهما الآخر.\nولأن الشرع ابتلاء من الله إيانا بما أمر ونهى وأحل وحرم بأصل الحكم، ثم الفعل بناء عليه فيتعين بهما أصل الحكم ثم الأداء ألا ترى أن الشرع نهانا عن الصلاة محدثًا، وعن نكاح المعتدة وبغير شهود، فلم يبق المنهي عنه مشروعًا، وغن كان النهي ورد لدخول زيادة أو لفقد شرط زائد على أصل الاسم.\nولأن أدنى درجات المشروع ان يكون مباحًا في نفسه، ثم مندوبًا إلى فعله، ثم واجبًا، ثم فرضًا.\nوالربا حرام في نفسه فلم يجز أن يكون مشروعًا لأن الله تعالى كما قال: ﴿وحرم عليكم الربا﴾ قال: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ ثم لم يبق نكاح الأم مشروعًا بتحريم مضاف إلى الأم فلأن لا يبقى الربا مشروعًا والتحريم مضافًا إليه أولى.","vol":"1","page":54},{"text":"ولا يلزمنا قولنا: أن الظهار حرام وأنه سبب مشروع لإيجاب الكفارة، لأن الكفارة تجب جزاء على ارتكاب حرام في الأصل زجرًا كالحدود فلا تكون أسبابها مشروعة، ولا حسنة، فأسبابها في الحقيقة المعاصي التي هي غير مشروعة.\nولا يلزمنا قولنا: إن طلاق الحائض مشروع وقد نهينا عنه لأن الطلاق مشروع بسبب ملك النكاح، والحيض صفة المرأة غير موجب خللًا في ملك النكاح، والنهي جاء لأجلها فكان لمعنى في غير المنهي عنه غير متصل به إلا على سبيل الوجود معه فكان من القسم الرابع.\nولا يلزم استيلاد الرجل امة بينه وبين شريكه فإنه سبب مشروع للنسب وتملك نصيب الشريك وأنه حرام، لأن سبب النسب وطؤه ملك نفسه والحرمة لملك الشريك وانه مجاور لملكه لا أن يكون وصفًا له، وإنما تملك نصيب الآخر لصحة النسب ولا حرمة فيه، وإنما الحرمة في وطئه نصيب الشريك.\nولا يلزم الإحرام مجامعًا لأهله فإنه مشروع وفاسد وحرام ومنهي عنه، لأن الفساد او النهي جاء لمعنى الجماع، وأنه غير الإحرام فلا يصير وصفًا له ولا لما لا يتعلق به صحة الإحرام.\nوالحج من وقت أو مكان أو فعل، وإنما يوجد معه على سبيل المجاورة فلا يرفع أصل صحة الإحرام وكان من القسم الرابع ألا ترى ان القضاء لازم والشروع في الفساد لا يوجب القضاء بحال، وإنما الجماع منه محظور فيه غير مشروع مفسد للحج كالكلام للصلاة والحدث للطهارة، غير أن الحج لا يحتمل النقض بالأسباب الناقضة من الجماع، بخلاف الصلاة والصيام فلا يخرج من الحج لعجزه، وإذا لم يخرج منه وقد تحقق المفسر من قبله لزمه المضي ضرورة ليخرج عنه بالداء لما شرع، ويلزمه القضاء بإفساد الأول وباب الضرورة مستثنى عن أصل القياس ولذلك أبقينا طوافه مشروعًا مع فساده.\nوكلامنا أن النهي لرفع المشروع في وضعه لا أنه لا يجوز الامتناع عن عمله بمانع بل جائز ذلك بدليله كما يجوز مثله في العلل كلها.\nولأن الكلام وقع في تحريم الله تعالى ونهيه عما كان شرع، لا في تصرف جاء من العبد ومفسد تحقق من قبله فما إلى العبد تغيير المشروعات في أنفسها، ولكنه إذا لم يؤدها بشرائط صحتها بقي تحت الوجوب، وإذا ارتكب ما يفسدها أفسد بقدر ما تحتمله العبادة شرعًا.\nوالحج شرعًا يحتمل الفساد من حيث يجب القضاء ولا يحتمل الارتفاع أصلًا فلم يقدر عليه لعجزه، وإذا كان الرافع من الله تعالى عمل لأنه لا يوصف بالحجة عليه.\nولهذا قلنا: الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأنها نعمة علقت بسبب مشروع لها وهو","vol":"1","page":55},{"text":"النكاح أو الوطء الحلال فلم يكن الحرام المحض سببًا لها.\nوكذلك الملك لا يثبت بالغصب وإن ضمن الغاصب لأن الملك نعمة علقت بأسباب مشروعة فلم يكن الحرام المحض سببًا للملك، والزنا حرام محض، وكذلك الغصب، وكذلك رخص السفر لا تثبت للعبد الآبق لأن الرخصة نعمة علقت بالسير المديد لغرض مباح او مندوب إليه فلا يثبت بالإباق عن المولى فإنه حرام محض.\nوكذلك قال: الدهن النجس لا يجوز بيعه لأن النجاسة بعد إخراج الفأرة منه صفة لازمة للدهن فصارت بمنزلة نجاسة ودك الميتة.\nواحتج محمد بن الحسن لتصور صوم يوم النحر مشروعًا بما روي أن النبي ﷺ نهى عن صوم يوم النحر وقال: \"إنها أيام أكل وشرب\" ويقال إنما نهانا عن فعل يتكون أو لا يتكون؟.\nفغن النهي عما لا يتكون لغو، فإنه لا يقال للأعمى لا تبصر ولا للآدمي لا تطر.\nفلما نهى عن الصوم، والمراد به صوم شرعي فنفس الإمساك للحمية او المرض غير حرام علم به أنه متصور منا شرعًا، ولأن الصوم اسم شرعي لعبادة خاصة كالحج فمطلقه ينصرف إلى حقيقته بتسمية الشرع دون اللغة لأن مطلق الاسم لحقيقته المتعارفة إلا بدليل، ولهذا لما قلنا: أن النهي طلب إعدام المنهي عنه من قبل العبد بامتناعه عن فعله، وإنما ينعدم بامتناعه إذا كان بحيث يتصور منه موجودًا بفعله بخلاف النسخ لأنه تبديل لما كان فكان تصرفًا من الله تعالى في المشروع بتبديل، وهذا تصرف في منع العبد عن الأداء، وكذلك الأمر تصرف في إيجاب الفعل فلا يرتفع بالنهي أصل الحكم، ولكن يرتفع ما لزمنا من الأداء بالأمر فيحرم فعله.\nوإذا ثبت هذا علم أن المنهي عن فعله من المشروع مما لا ينعدم بالنهي فبقي مشروعًا لكن حرم الفعل الذي هو سبب لوجوده مؤدى.\nولأنا ذكرنا ان الأمر لبيان أن المأمور به مما ينبغي أن يوجد من المأمور، والنهي لبيان أن المنهي عنه مما ينبغي أن يعدم من قبله فيرتفع بالنهي عن المأمور به قدر هذا الوصف، ودل وجوب الانعدام بتركه على بقائه مشروعًا بحيث يوجد لو فعله.\nولما بقي مشروعًا بحيث يوجد بفعله لو فعله فلم يقبح الفعل في نفسه لأنه لم يصر عبثًا لما تصور، ووجب إثبات القبح في غيره ليمكن تحريم الفعل بذلك الغير، لكن نثبته على وجه يكون ألزم فنجعله قبيحًا عند الإطلاق لوصف زائد متصل به ما أمكن كما نثبت الحسن في الأمر صفة للمأمور به على وجه يكون ألزم وهو الإثبات لعينه فإنه يوجب","vol":"1","page":56},{"text":"الأداء لحسنه، وإثباته لعينه يحقق الوجوب عليه والوجوب من قبله.\nوفي النهي متى أثبت القبح لعينه انعدم المنهي مشروعًا في نفسه، والنهي للانعدام بانتهاء العبد فلم نثبته لعينه ليبقى مشروعًا، وأثبتناه وصفًا له ما أمكن لتكون حرمة الفعل لازمة أبدًا لمعنى راجع إلى المنهي عنه لأن الوصف منه، وإذا كان الفعل مما لا يتصور حسًا كشرب الخمر والزنا انصرف إلى قبح غي عينه، لأنه مع قبح عينه مما يتصور وجوده منا فيتعلق العدم بامتناعنا عنه، فلما تصور الانعدام بامتناعنا عنه أثبتنا القبح لعينه كما أثبتنا بالأمر الحسن لعينه لما تصور الوجود بفعلنا معه هذا هو الحقيقة من المر والنهي إلا بدليل.\nوكذلك تحريم البيع والأفعال الشرعية دليل على بقائها مشروعة، لأن الحرمة صفة لما سماه الشرع فينبغي أن يكون المسمى متصورًا ليمكن إثبات الوصف له فإنه لا يثبت بدون الموصوف كتحريم العين باسمه دليل على ثبوت المسمى ليثبت الوصف له.\nوإذا وجب إثبات المسمى وجب إثباته على حقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه.\nغير أن اسم العين لا يبطل بأن يحرم أصل الفعل فيه، ويصير غير مشروع فيه فيثبت ومتى حرمنا أصل الفعل في الشرعيات وجعلناها غير مشروعة بطل حقيقة الاسم للمسمى كتحريم الربى، فالربا: اسم لضرب بيع، وأنه ما لم ينسخ لم يحرم أصل المعاقدة، ولم يخرج من أن يكون مشروعًا ومتى انتسخ بقي الاسم له مجازًا فثبت أن الحقيقة في الجمع بين صفة حرمة وبين المسمى إلا أن لا يمكن.\nوفي باب ملك اليمين إثبات صفة الحرمة مع بقاء الملك مشروعًا كالعصير يتخمر فأمكن ذلك فيما شرع سببًا لملك اليمين.\nولأن المشروع ثابت مشروعًا بشرع الله تعالى وتقديره كالمخلوق حادث بخلق الله تعالى وتقديره، فلم يجز أن يوصف بأنه حرام شرعًا أو قبيح شرعًا.\nفالقبيح شرعًا ما كانت الحكمة في إعدامه، وهذه مما كانت الحكمة في إيجادها، وإنما أضيفت الحرمة الشرعية إليها على معنى أنها أسباب لحرمة أفعالنا فيها بخروجها من أن تكون محال لها شرعًا بالأسباب التي ذكرت.\nوالعين باسمه يبقى على الحقيقة مع خروجه عن محلية الفعل المشروع الذي نهينا عنه فجمع بين الأمرين.\nوأما المشروع من العقد والعبادة فلا يبقى على الحقيقة متى لم يبق بحيث يوجد بالمباشرة لأنه اسم لما يوجد بالمباشرة لا لموجود للحال، ولا أيضًا يصير سببًا لحرمة الإيجاد متى لم تتعلق الحرمة بوصف قائم به فإنه متى كان لمعنى في غيره مجاور كان السبب ذلك المعنى لا هذا المسمى وحاصل الأمر أن النسخ رفع للمشروع ثم ينعدم أداؤنا","vol":"1","page":57},{"text":"بانعدام المشروع، والنهي تحريم للفعل ثم ينعدم المشروع بامتناعنا عن الأداء فلم يجز أن يجعلا بابًا واحدًا.\nفأما قوله: إن أدنى درجات المشروع أن يكون مباحًا فعله، فكذلك في أصله ولكنه جائز أن يحرم بعارض لا يرفع أصله ولا يفارقه فيحرم بالعارض الذي هو غير مشروع لا بالمشروع، كالطواف مشروع مباح صحيح مندوب إليه، وبعد الجماع يفسد ويبقى مشروعًا فاسدًا، فدلنا بقاء الطواف مع صفة الفساد مشروعًا، وهو عبادة بدنية بأي سبب كان الفساد، على أنه ليس بوصف يرتفع به أصل المشروع بمنزلة ملك اليمين حيث لم يرتفع بالحرمة.\nثم أثر الضرورة التي ذكرها الخصم ثابت في حقنا بأن عجزنا عن نقض الحج ولزمنا المضي مع الفساد، وإن كان الفساد سبيله الترك، فأما البقاء مشروعًا مع الفساد فبحكم الله وتقديره، والله تعالى قادر على أن يرفعه به كما رفعه بالإحصار.\nوالخمر مملوك ملكًا شرعيًا وأنه حرام لا يجوز الانتفاع به بوجه.\nوالصيد المملوك بعد الإحرام ملك، والانتفاع به والتصرف حرام لأن الحرمة تعلقت بوصف زائد عارض وهو الأمر الثابت له بإحرامه أو بالحرم، وأمكن الجمع بينهما لأن ملك التصرف غير ملك الرقبة.\nوكذلك الدهن إذا تنجس بمجاورة الفأرة حتى صارت النجاسة صفة لازمة له فبقيت بعد إخراج الفأرة لا يحرم أصل الدهن ولا الانتفاع به إلا ما لا يتأدى مع النجاسة، لأنه لم يغير أصله كالنجاسة بالثوب، بخلاف ودك الميتة لأن النجاسة للعين بالشرع ولا مجاورة بين العين والشرع، والشرع مبدل بأن كان ظاهرًا فجعله نجسًا بالتحريم، وكذلك النهي عن بيع وشرط، فالنهي جاء لمعنى الشرط وأنه شيء زائد جاوره وصفًا له لازمًا لأن الشرط لو كان يصح لصار من حقوقه لازمًا إياه قل لزوم أصله فصار حرمتها بسببه مثل حرمة الدهن بسبب النجاسة المجاورة فتغير الوصف إلى حرمة وفساد ولم يتغير الأصل.\nوكذلك النهي عن صوم يوم النحر فإنه جاء لوصف زائد في الوقت الذي لا يتأدى إلا فيه وهو اليوم فإنه عين للصوم ضرعًا على مخالفة الليل بأن عين للفطر، ثم عين يومًا للفطر بصفة زائدة وهو العيد فبقي محلًا للصوم بأصل اليوم، ومحلًا للفطر بصفة أنه عيد فبقي الصوم بأصله مشروعًا وبوصفه غير مشروع.\nولا يلزم النكاح بغير شهود فإنه غير موجب للملك لأن الأصل الذي قلنا في النهي عن طلب العقد الذي هو طلب الإعدام من العبد بالانتهاء، وقوله ﷺ: \"لا نكاح إلا بشهود\" إخبار عن عدمه دونهم كقوله: لا زيد في الدار، وقوله ﷺ: \"لا صلاة إلا","vol":"1","page":58},{"text":"بوضوء\". ولا يلزم نكاح المعتدة عن الغير لأن الحرمة ثابتة بتحريمها لا بتحريم العقد عليها لأن قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء﴾ عطف على قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ أي وحرمت المنكوحات، وإنما حرمت المنكوحة كالأم على غير الزوج صيانة للأنساب، دلنا ذلك على حرمة المعتدات بلا نكاح قائم لأنها لا تجب إلا لما صار معتبرًا شرعًا من وجه.\nولا يلزم قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ فإنه إخبار عن تحريم العقد والوطء جميعًا، ولم يبق مشروعًا لأن معناه: وحرمت الأختان جمعًا بعقد أو وطء لأنهما عطفتا على الأمهات ولا يعطف الفعل على الاسم، والاسم على الفعل، وإنما يعطف الاسم على الاسم والفعل على الفعل فلذلك وجب الحمل على المعنى الذي قلناه ليكون عطف اسم على اسم ولا يلزم ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ لأن الدليل قام على أنا نهينا عنه لحرمة المحل علينا شرعًا كالأم لقيام الصهرية مقام النسب في هذا الباب شرعًا حتى كانت حليلة الولد بمنزلة البنت وذكرت في المحرمات.\nوكذلك قول النبي ﷺ: \"ولا تنكح الأمة على الحرة\" إخبار وليس بنهي ولأن العقد حرم على الأمة لكونها محرمة في هذه الحالة- على ما بينا في النكاح- لأن الحل الذي ثبت به محلية النكاح يتصف بالرق فبقي محللة مع الحرة قبلها لا بعدها لتكون على النصف بقدر ما يمكنه إثبات التصنيف في قبول النكاح مقابلة للحرة، كما لم يحل للعبد إلا امرأتين وحل للحر أربع، ولأن ملك النكاح متى وصف بالحرمة لم يبق كما إذا اعترض رضاع فكذلك سببه إذا وصف بالحرمة لا يبقى لأنه مشروع لملكه، فلما لم يمكن الجمع بينهما تركت الحقيقة.\nوأما سفر الآبق فمشروع بسبب رخصة من حيث أنه سير مديد، والمعصية ثابتة صفة للعبد لا للسير بامتناعه على مولاه حتى إذا جاء الإذن ذهبت المعصية، وإن سار وبقيت المعصية مع الامتناع عليه وإن ترك السير.\nوالغصب سبب ملك من حيث أن المشرع جعله سبب ملك للمغصوب منه بدل ماله كالبيع لا من حيث أنه أخذ بغير حق.\nوالزنا سبب للمصاهرة من حيث أنه حرث للولد وأنه ثابت بخلق الله تعالى لا بمعصيته.\nوالظهر يوم الجمعة مشروع لأنه معلق بزوال الشمس من اليوم ونهينا فيه عنه لأن الشرع أمرنا بأداء الجمعة مقامه فصار نهيًا لمعنى في غيره كالبيع وقت النداء في هذا اليوم.","vol":"1","page":59},{"text":"وكذلك إذا صلى النفل وقت الطلوع كان نفلًا مشروعًا، وقد نهينا عنه لأن أصل الصلاة مشروع بأصل الوقت والنهي جاء لوصف زائد وهو أنه وقت مقارنة الشمس قرن الشيطان فبقي الأصل مشروعًا ولم ينعدم وإن لزمه الترك بوصفه.\nوقلنا إذا أدى في ذلك الوقت فرضًا لزمه بوقت آخر مطلق عن النهي لم يجز لأن الوقت لما لم يبق وقت صلاة بوصفه لم يوجد بالوصف فلا تتأدى بها صلاة مشروعة عليه بأصلها ووصفها كما لا يتأدى بصوم يوم النحر صوم واجب مطلقًا.\nوإذا نذر صوم يوم النحر أو صلاة وقت الطلوع لزمه لأنه لما بقي مشروعًا نفلًا صح الإيجاب بالنذر لأن الشرع شرع النذر لإيجاب ما هو نفل من الصيام والصلاة، ولكن لا يؤدي فيهما لأن الأداء فيهما صار حرامًا لوصفه فلا يلزمه ما حرم، وانعدم ولزمه ما بقي، وإذا أدى خرج عن النذر لأن الوصف لم يلزمه لما لم يبق الوقت محلًا له فيؤدي كما وجب وإنما لا يلزمه الأداء فيه لأنه معصية فلم يجب بالنذر، لأن الواجب عليه صوم مطلق وقد أضافه إلى محل لم يبق فيه صوم مطلق، وها كما يجوز أداء العصر وقت الغروب لأنه وجب لوقته كما يحتمله الوقت وقد أدى كذلك ولو أدى فيه الظهر لم يجز لأنه وجب مطلقًا، ونظيره أنه لا يتأدى عتق وجب في كفارة يمين بتحرير رقبة مطلقة بالعمياء فإنها مستهلكة من وجه، ولو نذر أن يعتقها صح النذر لبقاء أصل التحرير ويتأدى الواجب بإعتاقها وكذلك أم الولد.","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>القول في بيان أسباب الشرائع</span>\nقال العبد ﵁: إن أصل الدين وفروعه من العبادات والكفارات والحدود والمعاملات مشروعة بأسباب عرفت أسبابًا لها بدليلها سوى الأمر، وإنما الأمر لإلزام أداء ما وجب علينا بسببه، كما يقول البائع للمشتري: اشتريت فأد الثمن كان الأمر طلبًا للأداء لا سببًا للوجوب في الذمة.\nوقد بينا في آخر الكتاب في فصل أهلية الآدمي لوجوب حقوق الله تعالى عليه أن أداء الواجب في الذمة لا يجب بحق الوجوب بل بالطلب من مستحقه، وذلك بالخطاب، والوجوب بأسباب شرعية غير الخطاب عرفنا شرع الله تعالى على هذا بدليله مع استقامة الإيجاب بمجرد الأمر وذلك لما ذكرنا في ذلك الباب أنا نجد وجوب حقوق الله تعالى على من لا يصح خطابه، نحو النائم والمغمى عليه والمجنون إذا قصر جنونه، وإن استغرق وقت العبادة، وكذلك الصبي على أصل الشافعي يلزمه الزكاة وكفارات الإحرام والقتل وإن كان طفلًا لا يصح خطابه، فعلمنا بذلك أن الوجوب بأسباب غير الخطاب حتى صحت في حقهم كما في حق غيرهم، وإنه كان لزمهم حقوق العباد بمداينة الولي عليهم ويعتق عليه أبوه إذا ورثه لأن السبب هو الملك، وقد صح في حقه.\nألا يرى أن وجوب الأداء لما كان بالخطاب لم يلزم واحدًا من هؤلاء أداء حقوق الناس كما لم يجب أداء حقوق الله تعالى والدليل عليه أن الصلاة تجب مكررة، وكذلك سائر الحقوق، إن كان الأمر بالفعل لا يوجب تكرارًا بحال أطلق أو علق بوقت.\nفإن من قال لآخر: تصدق بدرهم من مالي لم يملك إلا مرة واحدة، وكذلك إذا قال: حين تصبح أو تمسي، أو قال: لمجيء غد كمال قال الله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ وقال تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ ونحوها، وكما لم يجب التكرار بهذه النصوص علم أن التكرار بسبب موجب يتكرر كل حين الوجوب.\nفنقول وبالله التوفيق:\nإن سبب وجوب أصل الدين وهو معرفة الله تعالى، كما هو الآيات الدالة في العالم على حدوث العالم، وهي دائمة أبدًا لا يحتمل زوالها عنه، فدام وجوب أصل الدين كذلك بحيث لا يحتمل النسخ والزوال والتبدل، وإنما يسقط الأداء في بعض الأحوال للعجز كما يسقط أداء الصلاة عن النائم مع الوجوب عليه لعجزه، وقد شرحناه في باب أهلية الآدمي لوجوب حقوق الله تعالى عليه.\nوسبب وجوب الصلاة أوقاتها بدليل تكرار الوجوب بتكرار الأوقات فإنها لو كانت","vol":"1","page":61},{"text":"شروطًا لما تكرر الوجوب بتكررها بدون أسبابها.\nولم يعقل غير الخطاب سببًا آخر للوجوب مع الوقت فلما بطل أن يكون الخطاب موجبًا للتكرار فكان سببًا لوجوب أداء ما لزمه في ذمته بسبب آخر بقي الوقت مناسبًا بنفسه، وكذلك يضاف إليه فيقال؛ صلاة الظهر والعصر ومطلق إضافة الحادث إلى شيء يدل على حدوثه به كقولك: عبد الله وكفارة القتل، وهذا كسب فلان وتركته وقتله، والوجوب هو الحادث فدل أنه كان بالوقت، وقد يضاف إلى الشروط لكنه مجاز لما أن الحكم وجد عنده فأشبه العلة التي يوجد الحكم عندها بها ولكن الكلام لحقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه.\nوكذلك الله تعالى قال: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ واللام تذكر للتعليل في مثلها كما تقول تطهر للصلاة وتأهب للشتاء، فثبت أن الوقت هو السبب، وكل جزء من الوقت سبب تام، فإنه لو كانت السببية تتعلق بالجميع لوجبت الصلاة بعد الوقت كالزكاة بعد الحول.\nوكذلك تجب على الصبي إذا بلغ لآخر الوقت، ولو كان السبب أول الوقت لما وجب كما لو بلغ بعد الوقت.\nوكالصبي المسافر في رمضان إذا بلغ بعد رمضان ثم أقام لا يلزمه شيء، وإن كان البالغ في مثله يلزمه حين الإقامة لأن السبب في حق المسافر البالغ هو رمضان لا حين الإقامة فلا يلزم لحين الإقامة إلا من كان أهلًا للوجوب عليه في الشهر لولا السفر.\nوأما الصوم فسببه الشهر لأنه يضاف إليه فيقال: صوم رمضان ويتكرر بتكرره كالصلاة مع الوقت، وقال ﷺ \"صوموا لرؤيته\" كما قال الله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ وقال تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ علق إيجاب الأداء بشهادة الشهر فعلم أنها سبب الوجوب حتى استقام طلب الأداء بعده كالرجل يقول: من اشترى شيئًا فليؤد ثمنه، أي الواجب بالشراء إلا أن الدليل قام لنا بإباحة الله تعالى الأكل في ليالي الشهر كلها، وبأن لا يجوز فيها صوم إذ المراد بالشهر أيامه، وكذلك الصبي إذا بلغ لأول الصبح لزمه الصوم وإن لم يشهد الليل.\nفإن قيل: انتفاء جواز الأداء ليلًا لم يدل على خروجه عن كونه سببًا للوجوب!\nقلنا: إن المطلوب من الإيجاب الأداء، وفي جعل الله تعالى وقتًا سببًا لوجوب عبادة بيان شرف ذلك الوقت لحق العبادة، والعبادة في الأداء دون الإيجاب فإنه صنع الله تعالى","vol":"1","page":62},{"text":"فلم يستقم الوقت المنافي للأداء شرعًا سببًا لوجوبه فعلمنا أن الأيام هي الأسباب، وكل يوم سبب لصومه على حدة، حتى إذا بلغ الصبي في أثناء الشهر لم يلزمه ما مضى، وإنما يلزمه ما بقي ولأن الصيام متفرق في الأيام تفرق الصلوات في اليوم والليلة بل أشد فإن أوقات الصلاة كانت متفرقة بأن لم يجز أداء الظهر في وقت الفجر وفات بمجيء وقت العصر قبل أداء الظهر وهذا المعنى فيما نحن فيه موجود وزيادة وهو أن بين كل يومين ليلًا لا يصلح لأداء الصوم لا أداء لما يجب ولا قضاء لما مضى ولا نفلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>فصل</span>\nوسبب وجوب الزكاة: النصاب من المال الذي عرف في الزكاة، بدليل تضاعف الوجوب بتضاعف النصب في وقت واحد، وبدليل الإضافة إليه فيقال: زكاة مال السائمة، وزكاة مال التجارة وقال ﷺ: \"لا صدقة إلا عن ظهر غنى\"، وقال لمعاذ: \"ثم أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم\" والغنى يكون بالمال.\nفإن قيل: إن الزكاة في مال واحد تتكرر بتكرار الحول فعلم أنه سبب؟\nقلنا: نعم لأن المال إنما يصير سببًا ونصابًا إذا أعد للنمو بسببه من تجارة أو سائمة، فبهذا الوصف يصير مال الزكاة فيصير السبب هو الوصف في الحقيقة فإنه الجاعل للمال سببًا، والنمو لا يكون إلا بمدة فقدر الشرع بالحول تيسيرًا علينا فقام الحول مقام النمو الذي به يصير المال سببًا، ولما قام مقام السبب تكرر بتكرره وفي الحقيقة التكرار بتكرار النمو فإن الذي يوجد في حول يجيء غير الذي مضى في الحول الأول.\nوسبب وجوب العشر الأراضي النامية ونموها بما نستنبتها، وكذلك الخراج بدلالة أنه يقال: عشر الأرض وخراج الأرض ولا يجبان إذا اصطلم الزرع آفة قبل حين الوجوب لذهاب النماء، ثم تكرر الوجوب بتكرر الحول في الخراج وفي العشر بتكرر الخارج على مثال تكرر الزكاة بتكرر الحول لا فرق بينهما.\nوسبب وجوب الجزية الرؤوس بأوصاف معلومة لأنه يقال: خراج الرأس، ويتضاعف بعدد الرؤوس وتكرارها بالحول على نحو تكرار الزكاة.\nوبيانها أن أهل الذمة يصيرون من أهل الإسلام بالذمة كالمسلمين، والله تعالى فرض على المسلمين نصرة الدار بقتال أهل الحرب كما ينصر كل قوم دورهم إذا قصدهم عدو، وأهل الذمة لم يصلحوا لذلك فإن القتال نصرة لدار الإسلام ودين الله تعالى عبادة، وليسوا","vol":"1","page":63},{"text":"هم بأهل لها فضرب الشرع على الرؤوس الصالحين للقتال لو كانوا مسلمين مالًا للمقاتلة من المسلمين ليكون المال عونًا لهم فيحصل بأموالهم بعض النصرة، ثم النصرة بالقتال كان يجب متكررًا غير دائم فكذلك المال الذي هو بدله إلا أن الشرع قدره بالحول تيسيرًا للعمل به وتشبيهًا بالمؤن الشرعية.\nأما الحج فسبب وجوبه: البيت دون الوقت، بدليل أنه لا يتكرر بتكرر الوقت، وإنما يجب مرة لأن السبب هو البيت وإنه لا يتجدد بتجدد الوقت، وكذلك يضاف إلى البيت فيقال: حج البيت قال الله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ إنما الوقت شرط عنده يجب كحين الإقامة في صوم المسافر، وفيه يؤدى كوقت الصلاة واليوم في حق الصوم والأداء.\nوأما الاستطاعة فصفة للعبد عندها يحل الوجوب به تيسيرًا علينا لما في السفر بلا زاد ولا راحلة من المشقة، كالإقامة في باب الصوم وليس بصفة لما هو سبب من البيت فلا يجعل من السبب كالطهارة تجب للصلاة، ولا تجب إلا على المحدث فلم يكن الحدث سببًا للوجوب ولهذا قيل: إذا عجل العبد الحج قبل الاستطاعة أجزأه، فتفسير الاستطاعة ملك الزاد والراحلة، والأداء قبل ملكهما جائز لأن السبب قد وجد كما يجوز للمسافر أن يصوم قبل الإقامة لأن السبب وهو الشهر قد وجد، ولذلك لا يتجدد الوجوب بتجدد ملك الزاد والراحلة، ولا يضاف إليهما فصار تأويل الآية- والله أعلم-: ولله على الناس المستطيعين حج البيت حقًا للبيت، واجبًا بسببه إذا جاء وقت الأداء.\nفإن قيل: إن وقت الحج أشهر الحج وهي شوال إلى العاشر من ذي الحجة، والأداء غير جائز لأول شوال فكيف يقال إنه شرط الأداء، وعلم أنه سبب الوجوب؟\nقلنا: قد ذكرنا أن امتناع جواز الأداء شرعًا في وقت يدل على أنه ليس بسبب للوجوب، ثم الجواب أن الأداء جائز في الوقت كله فإن من أحرم بالحج في رمضان وطاف بالبيت وسعى فيه ثم طاف طواف الزيارة فعلية أن يعيد السعي لأنه كان قبل الوقت، ولو طاف وسعى في شوال لم يكن عليه الإعادة لأنه كان في وقته إلا أن للحج أركانًا أخر ولكل ركن وقت على حدة، فلم يجز قبل وقته الخاص، كما لا يجوز طواف الزيارة قبل يوم عرفة وهو وقت أداء الركن الأعظم، ولا يجوز رمي اليوم الثاني في اليوم الأول ولا قبل الزوال، والسعي واجب غير مؤقت بوقت خاص فيؤدى في جميع وقت الحج.\nوأما سبب وجوب صدقة الفطر على المسلم: فرأس يلزمه مؤنته بولايته عليه، ووقت الفطر شرط عمل السبب في الإيجاب عنده بدليل تضاعف الوجوب بتضاعف هذه الرؤوس أحرارًا كانوا كالأولاد الصغار أو مماليك، وإن كان يوم الفطر واحدًا.\nوكذلك يجب على من أسلم ليلة الفطر أو بلغ ولم يكن عليه صوم فعلم أن الصوم","vol":"1","page":64},{"text":"ليس بسبب إلا أنها لما ألحقت بمؤنة اليوم كفاية للفقراء تكررت بتكرر اليوم، كما تكررت المؤنة على مثال تكرار الجزية بتكرر الحول لقيامها مقام النصرة وهي متكررة.\nفإن قيل: أليس أنه لا يجب على من أسلم بعد الصبح بمضي السبب على المفر؟\nقلنا: نعم فإن الرأس ليس بسبب للوجوب في وقت خاص وهو انفجار الصبح يوم الفطر فإذا لم يكن أهلًا للوجوب فيه لم يجب كما لا يجب الحج على المستطيع إذا كان كافرًا أو صبيًا في أشهر الحج كله لا فرق بينهما إلا أن ذلك وقت ممدود، وهذا وقت مقصور وإنما تضاف الصدقة إلى الفطر مجازًا لأنها تجب فيه لا لأنه سبب فطر بدليل ما ذكرنا، ولأن صدقة الفطر لا تجب بيوم الفطر عن رأس آخر غير رأسه ما لم يكن بالوصف الذي قلناه، وذلك الرأس لو جعل شرطًا والوقت سببًا لكان شرطًا من حيث يجب عليه وكان محل الوجوب، وقد قام لنا الدليل أنه لا يجب عليه فإنه يجب عندنا عن عبده الكافر والكافر لا يجب عليه عبادة، ولا صدقة، وإذا لم يكن الرأس شرطًا كان سببًا لا محالة لصفة غير الكفر، فإن الزكاة تجب عن عبده الكافر إذا كان للتجارة والوقت صالح للشرط كوقت الحج فجعل الوقت شرطًا والرأس سببًا.\nفأما الكفارات: فأسبابها ما أضيفت إليه كالقتل خطأ واليمين والظهار والإفطار عن صوم رمضان، وكذلك الحدود كالزنا والسرقة والقذف وشرب الخمر والسكر.\nوسبب وجوب الوضوء الصلاة: يقال إنه طهارة الصلاة ويسقط في نفسه متى سقطت الصلاة، ولكنه لا يجب إلا على المحدث كما لا يجب الحج إلا على المستطيع، والصوم إلا على المقيم، ولأن الوضوء شرط لإقامة الصلاة، والشروط لا تجب إلا لما علق صحته بها كالشهادة في النكاح واستقبال القبلة في الصلاة.\nوقد ذكرنا سبب وجوب أصل الدين وسبب العبادات، وسبب العقوبات وهي الحدود وسبب الكفارات المترددة بين العبادة والعقوبة.\nفأما سبب المعاملات وهو رابع الأسباب: فتعلق البقاء المقدور بتعاطيها.\nوبيانه أن الله تعالى خلق هذا العالم وقدر بقاء جنسه إلى حين القيامة من طريق التناسل، ولا تناسل إلا بإتيان الذكور النساء في موضع الحرث فشرع الله تعالى له طريقًا يتأدى به ما قدر الله تعالى من غير أن يتصل به فساد وضياع، وهو طريق الازدواج بلا شركة في الوطء.\nففي الوطء على التغالب فساد.\nوفي الشركة ضياع النسل فإن الأب متى اشتبه عليه الولد بقي على الأم وما بها قوة كسب الكفايات في أصل الجلبة.","vol":"1","page":65},{"text":"وكذلك خلق النفوس وقدر بقاءها إلى آجالها ولا طريق للبقاء غير إصابة المال بعضهم من بعض فقدر المحتاج إليه لكل شخص لن يتهيأ له إلا بأناس آخرين وبما في أيديهم، فشرع الله لذلك أسبابًا للإصابة على تراض ليكون طريقًا لبقاء ما قدره الله تعالى من غير فساد ففي الأخذ بالتغالب فساد.\nويدل عليه أن الله تعالى خلق الدنيا دار محنة وابتلاء بخلاف هوى النفس على ما قال: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ والعبادة أعمال بخلاف هوى النفوس، وما خلقها دار نعمة واقتضاء شهوة، وإنما هي دار الآخرة للمؤمنين فعلمنا أنه ما شرع لنا طريق الأكل والوطء وما يقضى من الشهوات بالأموال لأنفسها بل لحكم تحتها ابتلانا بإقامته.\nوفي الناس مطيع يعمل لله تعالى بلا شهوة له، وعاص لا يعمل فخلق الله الشهوات مقرونة بها ليأتيها المطيع لحق الأمر، والعاص لحق الشهوة فيتأدى بالفريقين جميعًا حكم قدرة الله تعالى فيكونوا جميعًا في ما فعلوا مبتلين بها من الله تعالى بخلاف هوى نفوسهم، فإن الله تعالى قدر أن يكون للنار خلق استوجبوها بما كان منهم، وكذلك قدر أن يكون للجنة خلق استحقوها بما كان منهم جزاء وفاقًا فحفت النار بالشهوات والجنة بالمكاره، فصار مرتكب الشهوة مع الصابر على المكروه مبتلين بإقامة ما حكم الله تعالى على ما قال تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس﴾ الآية وإنما كانوا لجهنم بما كان منهم من خلاف الأمر على سبيل الاختيار وقال: ﴿فسنيسره لليسرى﴾ ﴿فسنيسره للعسرى﴾ وقال ﷺ: \"كل ميسر لما خلق له\" فصار كل منا مبتلى بعمل خلق له في عامة أمره تقديرًا أطاع الأمر أو ارتكب النهي اثباتًا لقهر العبودية عليهم، وعظمة الألوهية تبارك الله الواحد القهار.\nفالمطيع في طاعة ربه لأول أمره مبتلى بخلاف هوى نفسه.\nوالكافر مبتلى في طاعة نفسه لإقامة حكم الله في عاقبة أمره، بخلاف هوى نفسه إلا أن ابتلاء المطيع بالأمر وابتلاء الكافر بالقدر والحكم لله الأكبر.","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>القول في العبادات</span>\nالعبادات مؤقتة وغير مؤقتة.\nفالمؤقتة: ما اختص جوازها بوقت عين، تفوت العبادة بفوته.\nوغير المؤقتة: ما لم يذكر لها وقت وكان اعتباره لغوًا في حق جواز أدائها.\nثم المؤقتة على ضربين: ما كان الوقت شرطًا لجواز الأداء فيه، دون أن يكون معيارًا للفعل المأمور به.\nوهو نوعان: وقت عين متوسع.\nووقت عين مشكل توسعه وتضيقه، والضرب الآخر ما يكون معيارًا للفعل المأمور به، وهو نوع لا يتصور أن يكون متوسعًا فصارت أقسام المؤقتة ثلاثًا.\n- وما ليست بمؤقتة: قسمًا رابعًا.\nأما الأول فنحو وقت الصلاة كالظهر والعصر ونحوهما.\nفالظهر اسم معرفة لسعة من النهار ولا يشاركها سائر الطاعات فيه فكانت معرفة وعينًا لا جهالة فيه بوجه، ولا جواز للأداء إلا فيه، وهو متوسع لأنه يفضل عن أدائها إذا أداها بقدر المفروض وليس بمعيار للفعل المأمور به.\nوالمعنى بالمعيار الوقت المثبت لقدر الفعل كالكيل في المكيلات، وقدر فعل الصلاة لا يثبت بالوقت بل بأفعال معلومة مما يشاهد من الفاعل من نحو القيام والركوع والسجود فيتم بها قدر ما أمره به من الفعل لا أثر لقدر الوقت في إثبات قدرها بوجه، فإن العبد متى قصر الأفعال تأدت بجزء قليل منه وإذا أطال ركنًا منه مضى الوقت قبل أداء ما بقي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>فصل</span>\nوأما المشكل فوقت الحج، فالوقت أشهر الحج وهو: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وهذه أسماء معرفة لشهورها تصير بها عينًا كزيد وأحمد، والسبت والأحد للأيام، والظهر والعصر للساعات، وهذا الوقت من سنته تلك لا يفضل عن حجة لأخرى لكن الحج يجب في العمر مرة واحدة، والله تعالى ما عين أول السنة للأداء فيها حتى يكون الوقت متضيقًا لا يفضل عن الأداء، ولا يعلم يقينًا بالعشر سنين حتى يكون متوسعًا يفضل بعض الوقت عن الأداء فسميناه مشكلًا إن مات فهو متضيق وإن عاش فهو متوسع.\nفإن قيل: إذا عاش لم يكن الوقت عينًا والوقت أشهر الحج من سنة من جملة سني عمره.","vol":"1","page":67},{"text":"قلنا: إنما سميناه عينًا لأن الاسم في الأصل اسم معرفة على ما قلنا، وإنما تحصل الجهالة بحكم المعارضة كقولنا: زيد اسم معرفة، وإذا اجتمع رجال تسموا بزيد صار المسمى به مجهولًا بحكم المعارضة، لا لأن الاسم في نفسه نكرة فكذلك هذا وليس بمعيار على ما قلناه في الصلاة.\nوأما المعيار فوقت الصوم فإن الصوم الشرعي لا يثبت قدره الذي يتم عنده عبادة إلا بوقته وهو اليوم يتم بتمامه، وينتقص بانتقاصه لا بفعل يشاهد من الصائم يعرف قدره بنفسه فإنه ترك ما يتصور تقديره إلا بزمان يذكر.\nونظيره من المعاملات ذكر اليوم في إجارة الرجل نفسه يومًا بعمل ما فإن اليوم معيار، لأن العقد وقع على منافع يومه، والمنافع لا يمكن معرفة قدر لها بالإشارة إليها بل بزمان يذكر وإنما تكون بذكر المدة، ونظير الأول رجل آجر نفسه ليخيط هذا الثوب قميصًا بدرهم اليوم فإن اليوم لا يكون معيارًا، لأن العمل الذي يجعل الثوب مخيطًا قميصًا مما يعلم قدره بتغيير صفة الثوب وتمامه بصيرورة الثوب قميصًا، وذلك معلوم من الثوب لا بالوقت فلم يصر الوقت معيارًا بل بيانًا لطلب الأداء فيه.\nثم العين منه كرمضان فإنه اسم معرفة لذلك الشهر لا يشاركه سائر الشهور من السنة فيه، فيكون عينًا معرفة لا جهالة فيه بوجه والنكرة كقوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام﴾ فالصوم مؤقت باليوم لا يجوز تأديته بالليل، وقولنا يوم لتمييز جنس النهار عن الليالي، وهذا الجنس يشتمل على أعداد كثيرة كل فرد منها يسمى يومًا فكان كقولك: رجل ودرهم وكقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿فصيام شهرين﴾، ولأن الشهر اسم لزمان أمد من اليوم كاليوم من الساعة ثم هو في نفسه يشتمل على أعداد كثيرة كل فرد يسمى شهرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>فصل</span>\nثم إن لكل وقت أحكامًا عرفت منه.\nأما الوقت المعين المتوسع الذي ليس بمعيار كوقت الصلاة فمن حكمه أن الواجب فيه يجب وجوبًا متوسعًا لا يتضيق إلا لآخره، أو دليل آخر كما ذكرنا في باب أهلية الآدمي لوجوب حقوق الله تعالى عليه أن الوجوب في الذمة لا يوجب المبادرة إلى الأداء، لأن الواجب للغير في الذمة لا يكون فوق الواجب له عينًا في بيته أو في يده، ومتى وقع حق الغير في يد إنسان بغير صنعة لم يجب التسليم إلى صاحبه إلا بعد الطلب، وكذلك إذا وجب بصنعه وهو غير متعدي كالمشتري فإنه لا يلزمه أداء الثمن إلا بعد الطلب، ولكن يحرم عليه الإفاتة لأن الحق للغير والإفاتة في خروج الوقت. فمتى توسع الوقت لم يكن في التأخير إفاتة فلا يتضيق عليه الأداء.","vol":"1","page":68},{"text":"ومن الناس من ظن أنه لم يلزمه الأداء لأول الوقت لم يكن الوجوب متعلقًا بأوله، وإنه غلط، لما ذكرنا أن الثبوت في ذمته حقًا للغير غير لزوم الأداء، كما في الدين المؤجل الحق ثابت لصاحبه عليه ولا أداء عليه كذا هذا ثبوت فعل يسمى صلاة في ذمته حق لله تعالى غير الأداء الذي هو تسليم إلى الله تعالى.\nوكمن آجر لخياطة هذا الثوب قميصًا في هذا الشهر، صحت الإجارة وصار العمل حقًا عليه لصاحب الثوب والعمل متوسع عليه في الشهر، ولأن الوقت لما توسع وقد شرع للأداء فيه، ولا يقع إلا في بعضه وذلك غير معلوم بالشرع، كان العبد بالخيار في الإيقاع في أي جزء شاء، كما ان الله تعالى لما أمر بتحرير رقبة ولم يعين واحدة يخير العبد في الإيقاع في أي رقبة شاء.\nوكمن يقول لعبده: تصدق بدرهم اليوم يخير في ساعات اليوم إلا بدليل آخر يعين عليه البعض دون البعض.\nومن حكمه: أن الخيار لا ينقطع بقول العبد: عينت هذا الجزء، لن الله تعالى لم يفوض إليه ذلك، إنما له الخيار في التعيين بالداء كالمكفر إذا عين رقبة للتكفير لم يتعين ما لم يعين بالإعتاق.\nوأما الإفاتة عن الوقت فحرام لأنه بمنزلة الإهلاك لعين مشار إليها، وكان القضاء بعد الوقت غير ما وجب عليه يضمنه من عنده بدل ما أفاته، وهذا حرام في كل حقوق الغير عنده إلا بإذن صاحبه، وهذا التفويت بفوت الوقت حكم كل مؤقت لا حكم الوقت المتوسع.\nومن حكمه: أن الوقت ما بقي بحيث يسع للأداء كان في حكم أول الوقت في حق أن الوجوب على العبد للوقت القائم لا لما مضى، كأن ما مضى لم يكن وقتًا لأن الوجوب لو كان لما مضى، ووقت الوجوب شرط للأداء على ما مر فصارت الصلاة فائتة بمضي وقت الوجوب، فلما لم تصر فائتة علم أنه يؤدي ما لزمه لوقته القائم حتى سقطت الصلاة بكل عذر لو كان قائمًا لأول الوقت، أسقطها إذا اعترض بعد التمكن منها من حيض أو سفر او جنون أو موت.\nومن حكمه: أن فرضه لا ينفي صلاة أخرى من نفل او فرض لأن الإيجاب يختص بالذمة حكمة بلا اتصال بشيء آخر سواها وفي الذمة متسع فلم يجز أن ينتفي عن الوقت بسبب الإيجاب عبادة كانت فيها مشروعة قبل الإيجاب، ولا اتصال لحكم الإيجاب به بوجه، ونظيره رجل آجر نفسه من رجل ليخيط له هذا الثوب قميصًا بدرهم اليوم، ثم آجر من غيره، صحا جميعًا لأن العمل استحق عليه في الذمة لا اتصال له بالوقت فلم يضق الوقت عن أخر، وفي الذمة متسع.","vol":"1","page":69},{"text":"فإن قيل: لو كان وقت الصلاة كيوم الإجارة لما فاتت الصلاة بفوت الوقت كما لا تبطل الإجارة بمضي اليوم.\nقلنا: إنما فاتت الصلاة لأن الوقت صار شرطًا للأداء كالطهارة عرف ذلك شرعًا، والصلاة عبادة شرعية لا حسية، واليوم لا يكون شرطًا للخياطة فإنها صفة حسية توجد بدون اليوم وليست بشرعية ومن حكمه أن فرضه لم يتأدى بنية مطلق الصلاة لأن الصلوات المشروعة فيه أنواع، فلا يتعين الواحد من الجملة إلا بدليل معين.\nومن حكمه: أن الصبي إذا بلغ لآخر الوقت بحيث لا يمكنه الأداء فيه لزمه الفرض، لما ذكرنا أن السبب جزء من الوقت وقد أدركه، وبضيق الوقت عجز عن الأداء، والقدرة على الأداء ليس بشرط للوجوب لا محالة على ما مر، وهذا كالمغمى عليه تلزمه الصلاة بالوقت وهو عاجز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>فصل</span>\nوأما المشكل، وهو وقت الحج: فمن حكمه أنه إذا وجب مضيقًا لا يحل له التأخير عن السنة الأولى عند أبي يوسف، وعند محمد يحل، وعن أبي حنيفة ﵁ فيه روايتان.\nلمحمد ﵀: أن الحج فرض العمر، والعمر يشتمل على سنين فيها أشهر الحج ما لم يقطع بالموت، والعمر ثابت والموت فيه شك فلا يرتفع الثابت بالشك فيبقى حكمه على الحياة فيصير الوقت متسعًا كوقت الصلاة، وهذا كما قلنا في صيام قضاء رمضان، وصيام الكفارة أن للعبد التأخير لأن قضاء ذلك القدر يجب في العمر كله، والعمر مشتمل على أيام وشهور كثيرة ما لم يقطع بالموت وفيه شك فلم يثبت وبقيت الحياة حكمًا.\nولأبي يوسف ﵀: أن الأداء يفوت بفوت وقت الحج لا محالة من تلك السنة، وإنما يرتفع الفوت بإدراكه سنة أخرى، وفي الإدراك شك لأن حال عيشه سنة ليست بالأرجح من موته فيها فلا يثبت الإدراك فيبقى على الفوت حكمًا فيحرم التفويت.\nبخلاف ما لا وقت له من العبادات لأن الفوت بموته، ولا فوت للحال لأنه حي، وقد وقع الشك في موته إن أخر لأنه ربما يموت وربما لا يموت فلا يثبت بالشك فيبقى على أن لا فوت.\nوبخلاف الصوم لأن الوقت وإن فات بمجيء الليل فلا يعود إلا بالحياة إلى اليوم، وربما يموت فجهة الحياة أرجح لأن الفجاءة نادرة في باب المنايا، وموت الإنسان في قدر ليلة أو يومين أو ثلاثة من الفجاءة ولا يقع إلا نادرًا، ولما ترجح جهة الحياة بقي عليها","vol":"1","page":70},{"text":"كالمفقود بحكم موته إذا انقضت مدة يموت فيها أقرانه لأن الحياة بعدها نادر فيترجح الموت.\nفأما الموت على سنة أو شهر فلن يكون نادرًا للحي الصحيح، وإذا لم يكن نادرًا لم تترجح جهة الحياة على جهة الممات، والفوت ثابت للحال فلا يرتفع بالشك على أن الصيام التي تجب مطلقة غير مؤقتة فذكر شهرين أو ثلاثة أيام لتقدير الواجب لا لتوقيته، وإنما لا يجوز الأداء ليلًا لعدم العبد ما يؤدي به، فالصيام لم يشرع ليلًا لعدم وقت أداء الكفارة، ألا ترى أنه لو أدى بالإطعام يجوز وهذا كما يعجز عن الأداء إذا لم يملك الرقبة ووجد ثمنها، وإن كان وقت الأداء قائمًا.\nومن حكمه: أن فرضه لا ينفي حجًا آخر لأنه لا فرق بين الحج والصلاة على ما مر بيانه، إلا أن وقت الحج متضيق على أصل أبي يوسف﵀- فيعتبر بوقت الصلاة إذا ضاق وإنه لا ينفي صلاة أخرى.\nفإن قيل: لو لم ينتف النفل بالفرض لما تأدى الفرض بنية مطلق الحج كالصلاة.\nقلنا: إنما لم تتأد الصلاة بمطلق النية لأن فيه صلوات مشروعة ولم يكن بعضها بأولى من بعض شرعًا ولا عرفًا، فالشرع قدم القضاء على الأداء وقدم السنن، وكذلك يفعل العرف.\nفأما الفرض في باب الحج فمتعين أداء بالعرف والعادة، لأنا لا نجد في العرف من يتكلف لحج بيت الله تعالى وعليه الفرض إلا للفرض، فلما ترجح الفرض بالعرف انصرف مطلق تسمية الحج إليه كما إذا باع شيئًا بدراهم، انصرف المطلق إلى نقد البلد مع بقاء سائر النقود دراهم حتى إذا سماها ثبتت.\nولأنا لم نجد في العادات السليمة خروج أحد حاجًا وعليه حجة الإسلام إلا لها فتثبت النية متعينة كذلك بالخروج نفسه، وتبقى على ذلك ما لم يوجد منه ما ينافيها، والمطلق لا ينافيها فبقيت الأولى وهي متعينة فصح الأداء بنية التعيين، وهذا كما تقول فيمن أغمي عليه في رمضان ليلًا ولم يفق إلى يومين: أن صوم اليوم الأول تام وإن لم يشعر بحاله، لأنا لا نجد في العادات السليمة من أهل الإسلام إلا وأن يكون على نية الصوم أيام الشهر، كما دخل الشهر، إلا أنها لا تصح قبل الليل فحكمنا بصحة صومه بدخول الليل وإن لم يعلم بنيته لأن النية ثابتة بالعادة، لا لأن الصوم يجوز بغير النية.\nومن حكمه: أنه إذا أحرم بعد سنين كان مؤديًا لا قاضيًا لأن التضييق كان بحكم الإشكال على ما مر، فلما عاش ارتفع الإشكال وصار بمنزلة وقت الصلاة.\nفإن قيل: لو كان الوقت على حكم التضييق لما حل له تأخير الإحرام عن أول أشهر الحج، كما لا يحل التأخير عن آخر وقت الصلاة.","vol":"1","page":71},{"text":"قلنا: لا تضيق في حق تلك السنة، فإن الوقت لا يفوته إلا يوم عرفة بمنزلة وقت الصلاة.\nومن حكمه: أنه لا يسقط عن العبد إذا مات بعد التمكن من الأداء بعد الوجوب، لأن الفوت ثابت بمضي الوقت من أول السنة الأولى، وإنما يرتفع بإدراك وقت آخر من سنة أخرى فإذا مات ولم يدركه تحقق الفوت بما أخر عن السنة الأولى، والتفويت موجب ضمان القضاء لا السقوط، كما في الكفارات لا يبرأ عنها بالموت بعد المكنة، لما في الموت من التفويت.\nومن حكمه أيضًا: الإثم إذا مات، أما على قول أبي يوسف فلأن التأخير كان حرامًا.\nوعلى قول محمد ﵀ حل له بشرط ألا يصير مفوتًا وذلك برجاء الحياة وإدراك وقت آخر، وإذا مات صار مفوتًا فذهب شرط الإباحة فبقي حرامًا، والإباحات جائزة بشروط فيها حظر لأن العبد إن شاء لم يستبح بالحظر كما أبيح للرامي رمي الصيد بشرط أن لا يصيب مسلمًا أو مالًا محترمًا، وكان كمن أخر الصلاة بلا عذر على تأويل أن في باقي الوقت سعة حتى ذهب الوقت فإنه يأثم.\nوأما حكم الوقت الذي هو معيار، وهو وقت الصوم على ما مر فحكمه أن لا يحل التأخير عن أوله لأنه لا يتأدى إلا في جميعه.\nومن حكمه: أن فرضه ينفي سائر الصيام عنه شرعًا، لأن الشرع إنما يشرع من العبادات ما يتصور منا فعلها، لأنها أسماء لأفعالنا تعظيمًا لله تعالى واليوم الواحد لا يتصور منا فيه إلا فعل صوم يوم واحد لأنه مقدر به ومعيار لوجوده لا يوجد ببعضه ولا في غيره، وإذا صار الذي يتصور شرعه فيه فعل صوم واحد وجعل بالشرع فرضًا لم يبق فيه غيره، وإن كان فعل الأداء في الذمة كأن الله تعالى يقول: جعلت ما يتصور من الصوم غدًا فرضًا لي بحق الوقت عليكم.\nوكمن استأجر رجلًا ليخيط له هذا الثوب قميصًا بدرهم فخاطه الرجل يريد الإعانة كانت على الإجارة، وإن كان الإيجاب تناول فعلًا في الذمة لا منفعة وقت الأداء إلا أنه أوجب في ذمته خياطة ذلك الثوب قميصًا، وإنه لا يتصور فيه إلا خياطة واحدة، وإذا صارت واجبة بالإجارة لم يبق غيرها فيه خياطة أخرى منه.\nبخلاف وقت الصلاة لأن الوقت ليس بمعيار لفعل الصلاة على ما مر بل هو شرط للأداء أو سبب، والشرط الواحد يصلح لصلوات وكذلك العلة ولهذا يجتمع فيه صلوات يؤديها جملة فانقلاب إحداها فرضًا لم ينف الأخرى كالرجل يؤاجر نفسه للخياطة قميصًا في يوم عيّنه يمكنه أن يخيط لغيره فيه بإجارة، وكذلك له في ثوب آخر لأن الوقت ليس بمعيار لعمله الذي سماه، إنما المعيار لعمله الذي سماه هو الثوب فلا ينفي فيه منه","vol":"1","page":72},{"text":"خياطة أخرى وتبقى في الوقت إذا كان المعيار هو الوقت.\nومن حكمه: التأدي فيه بنية مطلق الصوم، لأن نية صفة الصوم لتعيين الصوم بوصفه الخاص عن سائر العبادات والأعمال، وإذا لم يكن في رمضان غير الفرض أصابه بمطلق الاسم الذي يعينه عن سائر العبادات والأعمال، ولهذا قال زفر ﵀: إنه يؤدي بغير نية لأنه متعين إلا أنا شرطنا النية لأن المتعين مشروع لله تعالى من فعل الصوم علينا، لا ما يؤدي العبد الواجب عليه به، فالواجب في الذمة، والعبد يؤديه بفعل مملوك له بجعله عمله لله تعالى، فيتأدى به الواجب كدراهم في الذمة يؤدي من عليه بدراهم له، فيتأدى به الواجب بعمله.\nولما لم يتناول الإيجاب عمله بقي له ولم يصر لله تعالى ما لم يجعله العبد له بخلاف من آجر نفسه لخياطة ثوب قميصًا فخاطه لا ينويها لصاحبه لأنه لما سلم إليه الثوب الذي أمره بتسليم العمل إليه بجعله صفة له، والصفة تابعة للموصوف تعين العمل للأمر بتعيين الموصوف له من غير قصد تعيين كمن آجر داره بدهم ثم قال للمستأجر: رم ما استرمت من الأجر الذي لي عليك، فرمها تعين ما أنفق فيها للآمر، لصيرورة المرمة صفة للدار المتعينة للآمر حسب التعين بالصرف إلى الآمر.\nفأما هنا فالوقت معيار لأداء الصوم من غير أن يصير الصوم صفة له، فلا يتعين لله تعالى بتعين الوقت لله تعالى كرجل عليه دراهم فدفع صاحب المال إليه ميزانًا ليزنها فوزن به لم يتعين لصاحب الدين بتعين المعيار له، والوقت معيار يعرف به قدره لا غير، ولكنه إذا فعله لله تعالى كانت عبادة، وذلك بقصده كفعل الصلاة.\nومن حكمه: جواز الأداء بوجود النية في أكثر النهار، لأن الوقت لما صار معيارًا للمشروع وللأداء أيضًا، فلا يتصور إلا بالوقت كله لم يجز الأداء إلا من أول النهار إلى آخره، وأول النهار وقت لا يوقف عليه أصلًا، ولا يوقف عليه إلا بحرج عظيم، والله تعالى ما جعل في الدين من حرج فسقط اعتبار أوله وجعل مطلق الإمساك موقوفًا على أن ينقلب صومًا إذا وجدت النية بعده بحيث لا حرج فيه فمعنى الحرج يزول ببعض اليوم فصار عفوًا، وجوزنا بالنية بعد البعض والباقي بعد البعض الأكثر من النهار، كما قالوا جميعًا في النفل إلا أن الإمساك يقف على الصوم الذي هو أصل في الوقت شرعًا، فلا ينفذ بالنية إلا عليه فإن كان الوقت عينًا لفرض كرمضان ينافيه صوم غير الفرض فكان الوقت عليه. فنفذ عليه.\nوإن كان غير رمضان فالأصل فيه النفل فوقف المطلق عليه فلا ينفذ على غيره.\nومن حكمه: أنه إذا نوى صومًا آخر كان عن الفرض لأن كونه صومًا بصفة أخرى غير مشروع فيلغو نية الوصف كما يلغو ليلًا أصل النية، وكما يلغو نية صفة الفرض في غير رمضان ولا فرض عليه فتبقى نية مطلق الصوم لأنه مشروع فيقع عن الفرض كما لو أطلق النية ابتداء.","vol":"1","page":73},{"text":"ومن حكمه: أن الصوم لا يتأدى إلا في الوقت كله لأنه معيار لقدره فلا يتم بدونه، كما لا تتأدى الصلاة ما لم يتم بالأفعال التي نعقلها صلاة.\nومن حكمه: أن كينونة الصائم من أهل الوجوب شرط في جميع اليوم ليجب عليه الصوم لأنه لا يتصور شرعًا إلا في جميع اليوم ككينونة المصلي من أهل الوجوب عليه شرط في جميع أفعال الصلاة لكون صلاته واجبة، إلا أنا نأمره بالصوم لأول الوقت لأنه أهل للحال، وشككنا في تبدله فتبقى العبرة للحال، ولأنا لو انتظرنا آخر أمره لفاته الوقت، ولم يمكن الأداء، والله تعالى أمره بالأداء.\nوقد اختلف علماؤنا بالمسافر إذا نوى صومًا غير صوم رمضان؟\nقال أبو حنيفة ﵁: إن نوى صومًا واجبًا بنذر أو كفارة أو قضاء صحت نيته، وإن نوى نفلًا قال في رواية: يصح.\nوقال في رواية: لا يصح.\nوقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: صومه عن الفرض لأن الله تعالى رخص للمسافر الفطر في رمضان ولم يسقط عنه أصل الوجوب، بدلالة أنه إذا صام جاز ولو سقط الأصل وصار رمضان كشعبان لم يجز، وكذلك لو لم يكن أهلًا للوجوب في رمضان لم يلزمه بالإقامة نحو إن كان صبيًا فيه أو كافرًا ثم أسلم أو بلغ ثم أقام لم يلزمه شيء، فثبت أن رمضان بقي سببًا للوجوب ومحلًا للأداء، ولكن رخص له الفطر فإذا لم يترخص وصام التحق بالمقيم.\nولأبي حنيفة ﵁: أنه يصوم القضاء ما ترك الترخص بالفطر عن رمضان لأنه صرف الوقت إلى صوم هو ألزم فالقضاء عليه وإن لم يقم وصوم الشهر لا يلزمه ما لم يقم حتى إذا مات قبل إدراك العدة لم يؤاخذ به ويؤاخذ بالآخر، وإذا بقي مترخصًا تأخر الوجوب عن رمضان وبالوجوب انتفى سائره فلم ينتف وصح الأداء.\nأو نقول: لما لم يبطل الترخص بقي لأدائه وقتان: رمضان وعدة من أيام أخر، فلا ينفي الفرض في أحدهما صومًا آخر في الآخر، كمن استأجر رجلًا ليخيط له هذا الثوب أو قميصًا بدرهم أمكن للخياط أن يخيط أحدهما تبرعًا والآخر بإجارة لأن المحل قد اتسع.\nوأما إذا نوى المسافر النفل؟\nفقال أبو حنيفة ﵀ في رواية: صومه عما نوى لأن المحل متسع على ما قلنا بل الوجوب متأخر إلى حين الإقامة ما لم يجعله بقصد الفرض.\nوفي رواية: يكون عن الفرض لأن صوم الشهر أهم من النفل لأنه يلزمه بعد الإقامة","vol":"1","page":74},{"text":"والنفل لا يلزمه بحال، فلما صرف الوقت إلى صوم النفل صار تاركًا لرخصة الفطر عن صوم الشهر من كل وجه فالتحق بالمقيم، وأما التي ليست بمؤقتة فالكفارات وقضاء رمضان والزكاة.\nفإن قيل: الصوم لا يتأدى إلا بالوقت فكان مؤقتًا!\nقلنا: من حيث إنه صوم ما شرع الوقت إلا في النهار فلم يجز ليلًا لعدمه شرعًا لا لعدم وقت التكفير، كما إذا حرر رقبة عمياء لم يجز لأن عتقه لا يصلح كفارة لا لعدم وقت التكفير.\nومن حكمها: أن الواجب يجب متوسعًا نص عليه محمد﵀- في غير موضع كما نص على الحقوق التي ليست بمؤقتة، وذلك نحو الزكاة والنذور والكفارات المالية.\nوذكر الكرخي ﵀: أن هذه المسائل كلها على الخلاف.\nفعلى قول أبي يوسف ﵀؛ تجب متضيفة لأنه ربما يموت عقيب الإمكان بلا فعل، فيكون هذا آخر الوقت فلا يحل له التأخير إلى وقت تشككه في الخروج عنه، لأن اللزوم ثابت يقينًا، وكان هذا بمنزلة وقت الحج الذي مر ذكره.\nوالصحيح عندنا ما قاله محمد بن الحسن ﵀، لأن الوقت غير مذكور شرطًا فيصير العبد مأمورًا بالأداء في عمره فلا يتعين عليه جزء منه إلا بدلالة.\nوالجواب عما قاله الكرخي ﵀: أن الأيام كثيرة وقد أمر بصوم يوم من الجملة فكان خيار التعيين إلى العبد على ما مر، والوقت مذكور لتقدير الواجب لا لبيان وقت الأداء فيصير على هذا من جملة الواجبات المطلقة عن الوقت، وهو الذي يجوز في كل وقت، فالعبد مأمور بالأداء في عمره فلا يتعين جزء منه إلا بدلالة.\nوالجواب عما قاله الكرخي ﵀: أن الفوت في هذه المسائل بالموت لا غير، والحياة ثابتة للحال وقد وقع الشك في المستقبل من الوقت فلا يزال الثابت بالشك فيبقى على حكم الحياة بلا إشكال على قدر ما يجوز العمل به، ألا ترى أن المفقود في حكم الأحياء فيما كان ثابت له فيعمل بذلك لأنا علمنا بحياته وشككنا بموته فيبقى الحكم على الحياة ما لم يبلغ مدة لا يعيش إليها أقرانه فيترجح بالعادة جهة الممات.\nوكذلك الصلاة له أن يؤخرها ما لم يغلب في رأيه أن الوقت يفوت إن أخره فيحرم إذا ترجح جهة الفوات في رأيه، ولا يحرم بالشك ولكن إذا شككت فصل للحال","vol":"1","page":75},{"text":"احتياطًا، وكذلك نقول في مسألتنا هذه، وهذا كما نقول في الصائم إذا شك في الفجر ترك السحور احتياطًا فإن لم يترك فصومه تام ولا يأثم.\nفإن قيل: الوقت مذكور في التكفير بصوم شهرين.\nقلنا: إنه ذكر لبيان قدر الكفارة كما مر أن الصوم لا يقدر إلا بالأيام، وما ذكر شرطًا للأداء فبقيت مطلقة عن الوقت في حق الأداء.\nومن حكمه: أن الواجب لا يفوت بالتأخير عن أول أحوال الإمكان لأن الحال لم يكن شرطًا لأدائه بل الشرط يوم من العمر، وقد بقي فكان بمنزلة وقت الحج لا يفوت ما لم يمت كما في تحرير رقبة لا يفوت بموت رقبة عينها لأن الرقاب كثيرة، والواجب عليه نكرة من الجملة والواجب في المطلق عمل في عمره وعمره ثابت للحال، وإنما يفوت بالموت وفيه شك فلا يثبت بالشك فتبقى العبرة لبقاء العمر.\nوهذا كما قيل: إن المفقود لا يورث لأن ملكه ثابت له فلا ينقطع بالشك ولا يرث لأن ملك غيره لم يكن له فلا يثبت له بالشك.\nوكذلك صوم شهرين للكفارة لأن ذكر الشهرين لتقدير العمل على ما مر، لا لبيان الوقت حتى قيل في الماليات نحو الزكاة إذا مات وأوصى وصحت شرعًا لم تصر فائتة لأن الأداء يصح بنائب عنه بأمر صح منه شرعًا فلم يفت بالموت على ما مر.\nومن حكمه: أن الواجب لا يصير فائتًا بالتأخير كالصلاة إذا أخرت عن أول الوقت إلا أنا أبحنا له التأخير بناء على ظاهر الحال، وهو البقاء فإذا مات تبدل ذلك الظاهر فصارت العبرة لما آلى إليه فضمن الفائت والله أعلم.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>القول في منازل المشروعات حقًا لله تعالى وبيان أحكامها</span>\nالمشروعات حقًا لله تعالى في منازل أربعة:\nالفريضة، والواجب، والسنة، والنافلة.\nأما الفريضة: فعبارة عن المقدّرة، قال الله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ أي سميتم وقدرتم وأوجبتم، فكانت الفريضة ما أوجبها الله تعالى علينا وقدرها وكتبها علينا في اللوح المحفوظ، ولهذا سميت مكتوبة وإنما جعلها مقدرة لتكون متناهية فلا يصعب علينا الأمر فيدل الاسم على نهاية الوجوب من الأصل فلا يسمى بها إلا ما ثبت وجوبه بطريق لا شبهة فيه، نحو أصل الدين وفروعه من الصلاة والزكاة والصوم والحج فهن المكتوبات المثبتات بالكتاب والسنة المتواترة والإجماع وما سواها اتباع لها أو شروط.\nوأما الواجب: فعبارة عن اللازم لغة، ويقال الساقط، من قوله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ أي سقطت، فكأن اللازم سمي به لسقوطه على الإنسان حتى لزمه، والمراد به في باب الشرع ما ثبت لزومه بخبر الواحد الذي يوجب العمل دون العلم فيكون كالمكتوبة في حق لزوم العمل به، والنافلة في حق الاعتقاد، حتى لا يجب تكفير جاحده ولا تضليله، فكأنه سمي به لأنه يسقط على العبد عمله، ولم يثبت كتابة الله تعالى علينا إياه وهو نحو العمرة وصدقة الفطر والأضحية وشبهها.\nفأما ما يلتزم بالنذر فهو غير محدود ولا مقدر كالنوافل، ويدل عليه أنه قد ثبت من أصلنا أن الزيادة على النص نسخ والمكتوبات معلومة بكتاب الله تعالى معدودة فالزيادة عليها تكون بمنزلة نسخها فلم يجز إثباتها بخبر الواحد، فلذلك لم نجعل رتبتها في الوجوب رتبة الفريضة حتى لا تصير زيادة عليها.\nوقد قال علماؤنا ﵏: إن قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة وليست بفريضة كأصل القراءة، لأن أصل القراءة ثبت بالكتاب والفاتحة بخبر الواحد، وكذلك تعديل أركان الصلاة، وكذلك الوقوف بمزدلفة في الحج، وكذلك الطهارة للطواف.\nوأما السنة: فعبارة عن طريقة معتادة، والسنن الطريق البين، قال النبي ﷺ: \"من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة\" وكلمة \"من\" تعم الناس فثبت أن السنة من","vol":"1","page":77},{"text":"حيث اللغة لا تخص طرائق الرسول، ولكنها في عرف الشرع يراد بها طرائق الدين إما للرسول ﷺ بقوله أو فعله، أو للصحابة على ما نبين بعد هذا أن الرسول ﷺ متبع قولًا وفعلًا، وكذا الصحابة.\nوسنة العمرين ظاهر إطلاقها في السلف حتى كانوا يأخذون البيعة من الخلفاء الراشدين على سنة الرسول وسنة العمرين.\nفأما بعد الصحابة فما لأحد طريق في الدين يتبع، وإنما يتبع حجته وإذا كان كذلك لم يدل إطلاق السنة على أنها طريق رسول الله ﷺ ولا أنها واجبة لأن طرائق الدين متنوعة من واجب وغيره، وكذلك قول الصحابي أمرنا بكذا ونهينا عن كذا لا يدل على أنه من رسول الله ﷺ لأنه كان ظاهرًا بينهم أمر الخلفاء إياهم وانقيادهم لهم على ما قال الله تعالى: ﴿وأولي الأمر منكم﴾ وسيأتيك تمام بيانه في باب أفعال رسول الله ﷺ.\nوأما النافلة: فعبارة عن الزيادة، والنفل: الغنيمة لأنها زيادة حصلت بلا عوض، وولد الولد نافلة لأنه ربح ولده المكسوب، وزيادة بلا صنع كان له فيه، وسميت زوائد العبادات من جهة العبد النوافل لهذا المعنى، وهي التي يتعبد بها العبد زيادة على الفرائض والسنن المشهورة، والنافلة والتطوع نظيران في متعارف اللسان ويراد بكل واحد منهما عبادة ليست على العبد، وهذا لأن التطوع في اللغة: عبارة عن التبرع بما ليس على الفاعل، فكان بمعنى الزيادة على ما عليه.\nوأما أحكامها\nفحكم الفريضة: لزومها إيانا في حق القلب اعتقادًا بلا شبهة، حتى كان تركه كفرًا، وفي حق البدن عملًا بها حتى كان تركه عصيانًا، لأن تصديق العبد ربه بما جاء منه بقلبه إيمان فكان الترك كفرًا، وأما العمل بالبدن فطاعة وليس بإيمان لأن الإيمان تصديق بعد المعرفة، ولا معرفة لما سوى القلب بل لها إسلام لما عرفه القلب فكان ضد الطاعة عصيانًا وفسقًا.\nوالفسق في اللغة: الخروج، يقال فسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها، وفسق العبد إذا خرج عن أمر ربه، والكافر على هذا رأس الفساق إلا أنه اختص باسم الكفر الذي هو فوق الفسق فبقي الفسق المطلق في العرف لما دون الكفر في الخروج.\nوأما الواجب فحكمه: حكم الفريضة في حق العمل بدنًا، وحكمه حكم السنة في حق القلب علمًا، لما ذكرنا أن سبب وجوبه مما لا يوجب العلم به فلا نكفر المخالف بتكذيبه، ولا نفسقه بتركه عملًا، إلا أن يكون استخفافًا بأخبار الآحاد فنفسقه لوجوب المصير إلى خبر الواحد بالإجماع على ما نذكره، ونؤثمه بترك الواجب لتركه ما عليه.","vol":"1","page":78},{"text":"وأما السنة فحكمها: قبل تبين أمرها أن العبد مطالب بإقامتها معاتب على تركها من غير وجوب ولا افتراض، لأن أدنى منزلتها أنها طريقة رسول الله ﷺ أو الصحابة، وهذه طريقة أمرنا بإحيائها، ونهينا عن إماتتها، والإحياء في الفعل ما يستحق التارك الملام إلا أن يتركها استخفافًا بها فيكفر أو يفسق لأن ذلك ينصرف إلى واضعها.\nوأما النافلة فحكمها: أن يثاب على فعلها، ولا يذم على تركها لأنها جعلت زيادة له لا عليه، بخلاف السنة فإنها طريقة رسول الله ﷺ فمن حيث سبيلها الإحياء كان حقًا علينا فعوتبنا على تركها، وعن هذا قال أصحابنا رحمهم الله_في صلاة السفر_: أنها ركعتان، لأن العبد لا يلام على ترك الأخريين أصلًا ورأسًا، ويثاب على فعلهما في الجملة، وهذا حد النوافل.\nوذكر أصحاب الشافعي أن السنة المطلقة عند صاحبنا تنصرف إلى سنة الرسول، وأنه على مذهبه صحيح لأنه لا يرى اتباع الصحابي إلا بحجة كما لا يتبع من بعده إلا بحجة، ويحتمل أنه لم يبلغه استعمال السلف إطلاق السنة على طرائق العمرين والصحابة، لأنه كان بعد أبي حنيفة ﵁ بقرنين أو بقرن واستعمال أهل اللسان سنن المتقدمين مما يختلف ببعد المسافة وطول المدة.\nوكذلك لا يفرقون بين الواجب والفريضة، فإنه لما قال بوجوب قراءة الفاتحة أفسد الصلاة بتركها، كما لو ترك أصل القراءة، وكذلك تعديل الأركان، وكذلك لما قال بوجوب الطهارة للطواف، قال بفساده أصلًا إذا تركها، كما قال في باب الصلاة، ونحن شبهناه بالصلاة عملًا فألزمناه القضاء ما دام بمكة ولم نشبهه بها علمًا حتى إذا لم يقض لم يحكم ببقاء الطواف عليه، وكذلك إذا طاف منكوسًا لأن أصل الطواف ثابت بكتاب الله تعالى والتيامن به بالخبر فلم يبلغه رتبته.\nوكذلك إذا لم يطف حول الحطيم لأنه لم يثبت من البيت إلا بخبر الواحد فوجب الطواف به عملًا لا علمًا.\nوكذلك السعي عندنا واجب وليس بركن في الحج حتى لو تركه جبر بالدم لأنه وجب بخبر الواحد.\nوكذلك قال أبو حنيفة ومحمد_رحمهما الله_ في الحج إذا صلى المغرب ليلة الإفاضة من عرفة في الطريق: أنه يعيدها في المزدلفة فإن لم يعدها حتى طلع الفجر سقطت الإعادة، لأن التأخير إلى مزدلفة ثبت بخبر الواحد فظهر في حق العمل دون العلم، والعمل من الرسول ﷺ من حيث فعل صلاة المغرب كان ليلة النحر في وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب الوقت لم يكن عملًا بالسنة بل كان قضاء محضًا لوقوع الأول فاسدًا ونحن لم نعمل بذلك.","vol":"1","page":79},{"text":"وكذلك قال أبو حنيفة ﵀- فيمن ترك الفجر ثم صلى الظهر وهو ذاكر لما عليه-: إن ظهره فاسد وعليه القضاء، فإن لم يقض حتى كثرت الفوائت فلا قضاء عليه لأنا أمرنا بقضاء الظهر بخبر الواحد، لأن الترتيب لم يجب بالكتاب فظهر في حق العمل دون العلم، والعمل بالترتيب بخبر الواحد ثابت عندنا ما دامت الصلوات الفوائت قليلة، وإذا كثرت الفوائت فلا ترتيب فلا يحجب بعد الكثرة عملًا بالخبر وإنما يجب لوقوعها فاسدة كما في مسألة المغرب، ونحن لم نعلم به فما قاله الخصم أظهر، وما قلناه أحق وأدق.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>القول في العزيمة والرخصة</span>\nالعزيمة في اللغة: عبارة عن الإرادة المؤكدة غاية حتى كان العزم يمينًا.\nوهي في أسماء أحكام الشرع: عبارة عن ما لزمنا من حقوق الله تعالى بأسبابها من العبادات والحل والحرمة أصلًا بحق أنه إلهنا ونحن عبيده فابتلانا بما شاء.\nوالرخصة في اللغة: عبارة عن معنى الإطلاق والسهولة ونحوها، ومنه رخص السعر إذا تراجع وخف على الناس واتسعت السلع وكثرت وسهل وجودها.\nوالمراد بها في عرف اللسان: إطلاق بعد حظر لعذر تيسيرًا، يقال: رخصت لك كذا: أي أطلقتك تيسيرًا عليك لعذر بك، وهو المراد منها في ألفاظ الشرع.\nثم العزيمة في أحكام الشرع لا تختلف أنواعها في اللزوم، لأن السبب واحد وهو النفاذ علينا على ما أمرنا الله تعالى ونهانا بحق أنا عبيده.\nوأما الرخصة فتختلف أحكامها في اللزوم لأنها ثبتت بسبب العذر، وأعذارنا مما يختلف.\nوهذا الباب لبيان أنواعها وهي أربعة:\nنوعان منها حقيقة، وأحدهما أحق.\nونوعان منها مجاز، وأحدهما أتم مجازًا.\nفأحق نوعي الحقيقة: ما أبيح للعبد لعذر به مع سبب الحرمة وثبوت الحرمة تيسيرًا ودفعًا للحرج فإن الله تعالى ما جعل في الدين من حرج، كإجراء كلمة الكفر على اللسان حال الكره فإنه مباح لدفع الكره مع قيام الحرمة، فإنه من قبيل ما لا يحل بحال حتى لو صبر فقتل أجر عليه، وكان أفضل لطاعته ربه في اتقاء ما حرم عليه.\nوكذلك الفطر في رمضان مكرهًا على هذا.\nوكذلك ترك الأمر بالمعروف مخافة على نفسه بدليل أنه لو أمر فقتل أو صبر عن الفطر حتى قتل كان مأجورًا لطاعة ربه في اتقاء ما حرم عليه، وكان ضده مباحًا له لإحياء نفسه فلم يكن طاعة بل كان مباحًا له تيسيرًا عليه.\nوحكمها: أن الأخذ بالعزيمة أولى لما فيه من طاعة الله، والآخر مباح له.\nوالنوع الثاني: ما أبيح للعبد فعله مع قيام السبب المحرم، ولكن بعد سقوط الحرمة لمانع اتصل بالسبب فمنعه أن يعمل عمله كالأجل يتصل بالثمن فلا تجب المطالبة.\nوخيار الشرط يتصل بالبيع فلا يجب الملك فإنه في الشرع كالفطر للمسافر في","vol":"1","page":81},{"text":"رمضان فإنه مباح له مع وجود سبب الوجوب وهو شهود الشهر على ما مر بيانه.\nولكن بعد سقوط حكم السبب بالأجل إلى عدة من أيام أخر حتى إذا مات قبل إدراك العدة لم يكن عليه شيء كما لو مات قبل رمضان، ولو لزمه حكم السبب لما سقط عنه القضاء بالفطر بعذر كما في الفصل الأول، وكالحائض.\nوحكها: أن الصوم أفضل لأن السبب قائم وتأخر الحكم بالأجل لا يمنع التعجيل لأنه حقها فيملك التعجيل معه إلا أن تلحقه المشقة فيكون الفطر أفضل لأن الوجوب ساقط عنه شرعًا نفيًا للمشقة عنه فيكون التعجيل مع المشقة ردًا لما أحسن الله تعالى إليه بالإسقاط، فلم يكن حسنًا بخلاف الفصل الأول فإن حكم الله تعالى عليه لازم وعليه القضاء، فلا يكون في الاشتغال في إقامته إيجاب من قبله بل يكون فيه طاعة لله تعالى فما لزمه فكان حسنًا.\nوأما المجاز: فأتم نوعيه ما وضع عنا من الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا على ما قال الله تعالى، فتكون فيه عند المقابلة بمن قبلنا توسعة وترفيهًا وإنها معنى الرخصة، ولكن لما لم يكن لعذر فينا بل لعدم الوجوب أصلًا لم يكن رخصة حقيقة لانعدام معنى الموجب للتوسعة الذي يكون به رخصة وكان الاسم مجازًا لوجود صورته.\nوأما النوع الآخر: فما ثبت بشريعتنا ثم أسقط أصل الوجوب تيسيرًا علينا بعذر، فمن حيث كان السقوط بعذر للتيسير بعذر كان بمعنى الرخصة.\nومن حيث كان سقوط الحكم لسقوط الوجوب لا رفعًا للحكم بالعذر مع قيام الوجوب لم يكن حقيقة، لأن حقيقته ما كان سقوط حكمه برفع العذر لا لزوال سببه في نفسه.\nوهذا مثل السلم فإنه جوز رخصة على ما روي عن النبي ﷺ: \"أنه نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم\" فهو رخصة تثبت للمحتاج إلى بيع ما ليس عنده لإعدامه ليدفع به حاجته، فأبيح له وإن لم يكن المبيع عنده بعذر عدمه لكن على طريق سقوط الحرمة عنه، حتى إذا لم يبع سلمًا وتلف جوعًا أثم بربه لأنه لم يكن فيما أتلف نفسه مقيمًا حكمًا من أحكام الله تعالى.\nومن نظيره المسح بالخف بعذر اللبس وزيادة مدة المسح للمسافر بعذر السفر فإن الغسل ساقط لسقوط وجوبه، لأن الخف يمنع سريان الحدث إلى القدمين حكمًا ولا وجوب غسل بلا حدث كما سقطت الأغلال التي كانت على من قبلنا حكمًا بوضع الله تعالى عنا.\nومن هذا القبيل عندنا قصر الصلاة للمسافر، حتى إذا صلى الفجر أربعًا كان كمن يصلي الفجر أربعًا، خلافًا للشافعي فإنه يقول؛ لا قصر إلا أن يختار العبد القصر كما خير","vol":"1","page":82},{"text":"المسافر بين الصوم والفطر، قال: لأن وجوب الأربع متعلق بالوقت إلا أن الشرع رخص لنا في القصر دفعًا لمشقة السفر كما في الصوم.\nبخلاف المسح على الخفين فإن الغسل للصلاة مقصور على محل الحدث من العضو والخف منع الحلول.\nقال: وغير مستنكر ثبوت الخيار للعبد بين الركعتين والأربع كالذي حلف بصوم سنة فحنث، فإنه مخير بين صوم ثلاثة أيام، وبين صوم سنة إذا كان معسرًا في قول الأكثرين.\nوكذا أبو البنتين خير موسى ﷺ بين الثمانية والعشرة في مدة الإجارة وهذا لما فيه من فائدة التيسير على المخير، إلا أنا نقول: هذه الرخصة من قبيل رخصة زيادة مدة المسح بالسفر، ثم تلك الزيادة ثبتت شاء العبد أو أبى فإنه إن لم يقبل لم ينتقض مسحه بمضي يوم وليلة فكذلك هذا.\nوإنما قلنا أن هذه من قبيل تلك، لأن أصل الفرض هنا أربعة، وبهذه الرخصة أسقط عنه ركعتان بلا بدل يلزمه، ولا إثم يلحقه كما أن الفرض في باب المسح حال الإقامة أن ينزع خفيه ويغسل قدميه بمضي يوم وليلة وبالسفر سقط عنه هذا النزع، وهذا الغسل أصلًا بلا إثم يلحقه ولا بدل يلزمه، وتبين أنهما من جملة الإسقاطات المحضة بحكم سقوط الوجوب نحو إسقاط الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا فكانت رخصة مجازًا، وهو إسقاط حقيقة الواجب لما لم يبق له حكم بوجه فلا يبقى الأصل عزيمة بعد سقوط الواجب أصلًا.\nولأن الرخصة للترفيه على ما بينا ومعنى الترفيه فيما نحن فيه متعين في القصر كما تعين معنى الترفيه في زيادة المدة في باب المسح متى قوبل بحال الإقامة.\nولما أثبت الله تعالى هذا الحكم رخصة وقد تعين معناه في الثبوت كما أثبت لم يبق للعبد خيار التعيين بخلاف رخصة الإفطار، لأن الله تعالى أسقط عنه صوم الشهر بعدة من أيام أخر فعلم أنه ليس بإسقاط محض، وأن أصل الواجب لم يسقط ولكن تأخر فبقي العمل بأصل الواجب عزيمة وبالثاني رخصة.\nولأن الرخصة في رمضان لما كان بتأخير العمل لم يتعين معنى الرفاهية في التأخير بل تردد لأن الصوم في الشهر مع الناس أيسر في العادات، ولكن في السفر أشق والتأخير في السفر أوسع ولكن الصوم بعده وحده أشق فثبت أن في الترخيص ضرب رفاهية فخير تحقيقًا لمعنى الرخصة، وفيما نحن فيه ضرب من الرفاهية واحد فتعين ثبوت الرخصة فيما فيه الرفاهية بلا خيار.\nفإن قيل: إن الله تعالى رخص في أن تصدق علينا بشرط الصلاة وقد ثبت ما أوجبه الله تعالى بلا تخيير لأحد وإنما الخيار في القبول.","vol":"1","page":83},{"text":"كما تصدق الله تعالى برخصة المسح بشرط اللبس وللعبد خيار في اللبس.\nوكما رخص في أيام الرمي في الحج بقوله: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى﴾ فخير العبد بين القليل والكثير.\nوكما أن الله تعالى رخص لنا في أحكام علقها بسفر نختاره، كذلك هنا رخص بصدقة علقها بقبولنا فكان الخيار ثابت فيما فوض إلينا مباشرته ولم يلزمناه في ما شرع من تعليق الرخصة بالقبول فإنه ماض ثابت.\nقلنا: إن الرخصة في قصر الظهر لا في شيء آخر، وقد ثبت بقول النبي ﷺ: \"إنها صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته\" والصدقة بالواجب في الذمة إسقاط كصدقة الدين على الغريم وهبة الدين له فيتم بغير قبول، وكذلك سائر الإسقاطات تتم بغير قبول، إلا أن ما فيه تمليك مال من وجه قبل الارتداد بالرد، وما ليس فيه تمليك مال لم يقبل كإبطال حق الشفعة والطلاق، وفيما نحن فيه ليس بمال، ولأنا لم نجد في أصول الشرع سبب شريعة شرعها الله تعالى وعلق تمام ذلك السبب لما شرع بنا حتى يصير ثبوت الشرع بسبب شرعه الله تعالى ونحن جميعًا فيكون بالشركة فإن ثبوت الشرائع بالله تعالى وبرسوله.\nوالمشروعات ضربان: علل للأحكام مفوضة مباشرة العلل إلينا، كما شرع الشراء علة للملك ومباشرته إلينا، والسفر سببًا للرخص ومباشرته إلينا فكان المشروع علة وتمت العلة علة بشرع الله تعالى لا بنا، وإنما يكون بنا أداؤها وقد يكون أحكامًا تتم بالشرع وإلينا إقامتها.\nوالمشروع هنا سبب وهو السفر وإلينا تحصيل السفر، ثم حكمه وهو القصر فعلينا العمل به.\nفإما أن يكون لنا شركة في نصب الشرع بمشيئتنا فهذا لا نظير له لأنه يخرج عن حد الابتلاء بالتعليق بمشيئتنا والله تعالى ابتلانا بما شرع من الشرائع على حدودها، والابتلاء فيما يلزمنا بلا مشيئة منا ألا ترى أنا لا نقول: أن الله تعالى ابتلانا بالشراء والهبة لأن لا لزوم، ولكن نقول: ابتلانا بعقد أنه مباح لأنه يلزمنا ذلك، وابتلانا بأحكامها إذا باشرناها لأنها تلزمنا، وابتلانا بأنا لا نملك إلا بسبب لأنه حكم يلزمنا ويصير هذا كقوله: اقصروا الصلاة إذا شئتم، وما ورد به أمر في شيء من الشرائع فكان التعليق بالمشيئة تمليكًا لأن المالك هو الذي يتصرف عن مشيئته، ولم يكن أمرًا واستعبادًا ولا ابتلاء ويكون تفويضًا إلينا نصب الشريعة.","vol":"1","page":84},{"text":"فإن قيل: هذا يعم في الإجابات، أما الإسقاطات فلا ابتلاء فيها فيجوز التعليق.\nقلنا: في الإسقاط ابتلاء بالاعتقاد فإنه لا يتصور الفرض أربعًا وإن صلى، والابتلاء قد يكون بالفعل، وقد يكون بالعقد ولا بد من ثبوته مع أوامر الله تعالى.\nفإن قيل: هذا من الله إباحة للقصر، وما في الإباحة ابتلاء إلا من حيث اعتقاد أنه غير لازم وهذا الاعتقاد عندنا لازم ما بقيت الإباحة، وقد وقتت بوقت الأداء باختيار العبد القصر مؤديًا الذي هو سبب سقوط الزيادة.\nقلنا: اختيار العبد القصر مؤديًا اختيارًا لسقوط الزيادة، فما القصر إلا عبارة عن إسقاط البعض وقد ذكرنا أن الشريعة لم تبن على ثبوت الأحكام المشروعة باختيارنا، ألا ترى أنا لا نجد فرضًا يسقط باستباحة العبد تركه قصدًا، وإنما يستبيح بمباشرة سبب شرع بسبب إسقاط.\nوعلى هذا باب الرمي في الحج فإن الله تعالى شرع الإقامة سببًا لوجوب الرمي عليه.\nوتعجل النفر سببًا للسقوط فكان لنا الخيار في مباشرة السبب لا في نفس الإسقاط، وليس هذا كالعبد إذا أذن له مولاه في الجمعة إن شاء صلى الجمعة، وإن شاء ترك لأن الجمعة غير الظهر لا يصح أداء إحداهما بنية الأخرى، وتعتبر للجمعة شروطًا لا تعتبر للظهر فجاز أن يشرع له الخيار في تعيين إحداهما فإن الله تعالى نص على مثله في كفارة اليمين.\nفأما هنا فالصلاة واحدة، بدليل اتفاق الاسم والشروط إلا أن صلاة الظهر في السفر أقصر وإذا كان واحدًا وقصر في السفر لم يبق له الخيار فإن الخيار لا يتصور إلا بين الشيئين، ولا يشتغل به وإن تصور بين شيئين متماثلين لأنه لا فائدة فيه.\nواعتبره بمعاملات الناس، فإن المشتري إذا وجد بالسلعة عيبًا خير بين رده بالثمن وبين إمساكه لأنهما شيئان.\nولو اشترى عيبًا لم يره خير بين رده بالثمن وإمساكه لأنهما شيئان، ولو كان سلمًا وقبض لم يكن له الخيار لعدم الرؤية لأنه لو رده لعاد في مثله لا في رأس المال والعبد إذا جنى خير المولى بين دفعه والفداء بالأرش لأنهما مختلفان، ولو كان مدبرًا لا يحتمل الدفع لزمه الأقل من قيمته ومن الأرش، ولم يخير لأنهما مثلان، وإن كانا غيرين فصار الضمان واحدًا بعضه أقل وبعضه أكثر فلم يستقم إثبات الخيار بين الأقل وبين الأكثر لأنه لا يفيد إذ لا فائدة في نفس اللزوم تحسن في الحكمة، وما في الأكثر إلا زيادة لزوم.\nوليس هذا كاليمين بالصوم سنة فإنه يخير بين صوم سنة نذرًا وصوم ثلاثة أيام كفارة يمين فإنهما مختلفان حكمًا ففي الكفارة معنى الزجر والعقوبة، وما في النذر ذلك.","vol":"1","page":85},{"text":"فأما قصة موسى فإنه خير في فعل ما جعل الله إليه إيجابه وإنما أنكرنا نحن فيما هو مشروع الله تعالى ولم يجعل للعبد ولأنه خير في فعل ما ليس عليه من معنى زائد، والعبد أبدًا مخير في فعل ما ليس عليه، وإنما أنكرنا إثبات الخيار بين الأقل والأكثر فيما عليه لسقوط الفائدة.\nفإن قيل: في العبادات فائدة لأنه في الأكثر زيادة ثواب، وفي الأقل زيادة سعة ورفاهية بخسران ثواب فيختار إما السعة وإما الثواب.\nقلنا: أحكام الدنيا لا تبنى على الثواب فإنها من أحكام الآخرة بل على ما نفعله في الدنيا من لزوم ونراه في الأداء كما في حقوق العباد.\nولأن صلاة السفر في إيجاب ثواب الظهر مثل الأربع لأنه كل فرض الوقت والشأن في أداء الكل لا في زيادة العدد، ألا ترى أن النبي ﷺ سئل عن أفضل الصدقة؟ فقال: \"جهد المقل\" لأنه أدى كل ماله.\nوقد ذكر محمد بن الحسن في كتاب الإكراه: إن من أكره على أكل ميتة فصبر حتى قتل؛ أثم، ولو كان مكرهًا على أكل طعام الغير فصر حتى قتل لم يأثم، لأن رخصة الميتة عند الضرورة رخصة سقوط التحريم لأن الله تعالى استثناها من التحريم فلا يصير مطيعًا ربه على إقامة حكمه بالصبر، ورخصة أكل مال الغير عند الضرورة رخصة ترفيه مع قيام الحظر لحق المالك فيصير بالصبر مقيمًا حكم الله تعالى فلا يأثم. فمحمد﵀- سمى النوع الثاني رخصة دون الأول على اعتبار الحقيقة.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>القول في الأداء والقضاء</span>\nإن الأداء: اسم لفعل تسليم ما طلب من العمل بعينه.\nوالقضاء: بمثل ذلك العمل من عند المطلوب منه.\nقال الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ وإنه في تسليم أعيانها إلى أربابها، ويقال للغاصب_ إذا رد المغصوب بعينه_ أدى إلى صاحبه حقه.\nوإذا استهلكه وسلم المثل يقال: قضاه حقه.\nويقال: أدى الصلاة لوقتها لأنه أتى بعين الواجب من العمل المطلوب منه، وقضاء الفائتة لأن العين فائتة بفوات الوقت، وإنما جعل العبد صلاة من عنده قائمة مقام ما ضمن بالفوات.\nثم الأداء نوعان:\nواجب: كالفرض في وقته.\nوغير واجب: كالنفل، والقضاء على ما فسرنا لا يتصور إلا واجبًا، لأن النفل لا يضمن بالترك غير أنه نوعان:\nأ- مثل مشروع معقول.\nب- ومثل مشروع غير معقول.\nفتصير الأنواع أربعة.\nوقد يستعار القضاء لأداء الواجب لما فيه من إسقاط الحق كما في القضاء.\nويستعار الأداء للقضاء لما فيه من التسليم، ولهذا اختلف المشايخ المتأخرون في قضاء العبادات؟\nفقال بعضهم: لا يجب إلا بالنص لأن الفائتة عبادة فلا تقضى إلا بمثل هو عبادة، ولا يصير المثل عبادة إلا بالنص.\nوالجواب عنه: أن مثل الواجب لا يصير عبادة إلا بالنص ولا كلام فيه، وإنما الكلام في عبادة شرعت عبادة بوقت علم إنها شرعت عبادة لذلك الوقت أو لسبب آخر وقد وجد السبب: أيجب بتفويت الواجب مثله قياسًا من غير نص؟.\nفنقول بأنه يجب لأن الله تعالى قد أوجب في باب الصيام والصلاة القضاء بالمثل في الوقت الذي علم سببًا لشرع مطلق الصوم، والصلاة عبادة فيقاس عليهما غيرهما.","vol":"1","page":87},{"text":"وكذلك الله تعالى جعل لمن عليه حق العباد أن يخرج عنه بعين الواجب وبمثله حتى يجب على صاحبه الحق أخذ المثل كما يجب أخذ العين نظرًا لمن عليه الحق ليخرج عن عهدة الواجب، فلما كان كذلك في حقوق العباد ففي حقوق الله تعالى أولى لأنه أكرم.\nثم الشرع فرق بين وجوب القضاء والأداء حكمًا فجعل من شرط وجوب الأداء مكنة الصبر منه حكمة وعدلًا فقال: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ ولأن المطلوب بالأمر فعل مختار على ما عرف، ولا اختيار بدون القدرة والمكنة، ومكنة المال بملك المال لأنه لا يتأدى ما هو عبادة بمال غيره، وإن أذن صاحبه، وغير العبادة وإن كان يتأدى بمال الغير فلا يقدر عليه من عليه الحق بدون الإذن من صاحبه، ويتأدى بدون قدرة بدنه فإنه يأمر غيره بالأداء من ملكه فيصح، وإن عجز هو في نفسه ومكنه البدني بقدرة بدنه لأنه لا يتأدى ببدن غيره بحال.\nثم المكنة التي هي شرط وجوب الأداء حكمة وعدلًا ما لابد لأداء الواجب منه وهي بوجودها بالعمر بقدر ما يتمكن من الأداء بها لجواز الإيجاب على أن يكون الأداء متأخرًا عنه إلى حين، فإن كانت المكنة قائمة عند الوجوب ثم زالت بعد التمكن من الأداء لم يسقط الواجب بزوالها، لأن العجز جاء من قبل العبد بالتأخير مع الإمكان فاعتبر في حق الوقت الذي هو ظرف الفعل قدر الإمكان، كما اعتبر في حق الآلة التي يؤدى بها بقدر الإمكان فإن مات بعد أن تعذر أن يقدر، أثم لما فيه الفوت بتأخيره مختارًا ولم تكن الإباحة عذرًا له، لما ذكرنا في تأخير الحج على أصل محمد ﵀، ولم يأثم قبله لأنه تأخير وإنه مباح له ما لم يصر تفويتًا على ما مر أن نفس الوجوب لا يوجب البدار إلى الأداء لازمًا إلا بطلب صاحبه، وإن لم تكن المكنة قائمة عند الإيجاب ولم يقدر حتى مات لم يؤاخذ به لأنه لم يصيب المكنة وإنها شرط ليجب الأداء، وما لم يجب لم يأثم بتفويته.\nومن الأداء ما لا يجب إلا بقدرة زائدة على المكنة ميسرة للأداء رحمة من الله تعالى وفضلًا على ما قال الله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ وقال: ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾.\nومن حكم هذه القدرة: أن دوامها شرط لبقاء أداء الواجب كما يشترط للابتداء بخلاف الأولى لأنها شرطت بقدر المكنة، وإنها تحصل بالتمكن من الأداء فلم تشترط أمد منه، وهذه شرطت ميسرة وهي في الزيادة على قدر المكنة فلم يتقدر الوجوب بقدر المكنة من الفعل في حق الوقت الذي هو ظرف كما لم يجب بقدر الممكن من حيث الآلة التي بها يتأدى فبقي متعلقًا بالزيادة عليه، وهي في الدوام، ولأن القدرة الميسرة متي شرطت للوجوب كانت مغيرة لصفة الوجوب بأن تجعله خفيفًا سهلًا بالحال التي تعلق الوجوب بها","vol":"1","page":88},{"text":"التي تثبت له بها زيادة القدرة، وإذا وجب خفيفًا لا يبقى إلا كذلك، كما إذا وجب بقدر ناقص لا يبقى إلا كذلك وبيانه فيما قال علماؤنا: أن العشر يسقط بهلاك الخارج بعد التمكن من الأداء، لأن الوجوب متعلق بسلامة الخارج وبه إثبات تيسير الأداء لا الإمكان فإن الإمكان ثابت بمال آخر ولكنه من الخارج الذي هو نماء أيسر لئلا ينقص أصل ماله به، وكذلك الخارج لا يجب بإمكان الأداء نفسه فإن لا يجب إذا أهلك الخارج أو إذا نزت الأرض، وفسدت قبل وقت الوجوب وإن أمكنه الأداء بمال آخر، وإنما يجب إذا سلم له الخارج حقيقة أو اعتبارًا وهو في أن يكون بحيث لو انتفع بها سلم له الخارج، ولكن حرم بسبب أنه لم ينتفع به فاعتبر سالمًا حكمًا بقيام صلاحها له وفوت السلامة من قبله لا بأنه لم يزرع ولم يأمر، ولما تعلق بسلامة الخارج صار كالعشر.\nوكذلك لا يجب الخراج إذا قل الخارج إلا الأقل من الموظف، ومن نصف الخارج ليكون بعض الخارج له على كل حال، ولا ينتقص به أصل ماله إلا بسبب تقصير جاء منه في الانتفاع بالأرض.\nوكذلك الزكاة تسقط بهلاك النصاب بعد التمكن من الأداء لأنها لا تجب إذا هلك قبل التمكن، وإن قدر على الأداء بمال آخر فثبت أن الشرط سلامة النصاب لتيسير الأداء عليه بقليل من كثير مال نام ينجبر ما انتقص منه بالأداء بنموه إلى زوائد في سنته في الأغلب فصار كالعشر أيضًا فيشترط دوام القدرة بذلك المال ما لم يفت، ولا فوت بالتأخير لأنه غير مؤقت.\nوكذلك دوام القدرة على التفكير بالمال شرط لبقاء وجوبها على العبد لأن الله تعالى لما أسقط المالية إلى الصوم بعدم المال عند الوجوب علم أن الشرط لوجوبه ليس أصل المكنة فأصلها مما يثبت بعده في العمر على ما مر، ولكن الشرط قدرة ميسرة حال الوجوب حتى سقطت بالعدم إلى الصوم ليبرأ عنها بصوم الممكن ولا تبقى تحت عهدة الوجوب إلى أن يقدر في الثاني، ولما صار الشرط قدرة ميسرة اعتبرت دائمة ما بقيت أداء، والكفارة غير مؤقتة فلا تصير فائتة بالتأخير، بخلاف موت صاحب المال فإن الموت مانع من الوجوب، ولا تسقط إذا طرأ لأنا نشترط حياته للوجوب لا للقدرة تحريم الأمر الميسر للأداء، فأداء المالي بماله لا بحياته؛ ألا ترى كيف يجوز الأداء بعد موته إذا أوصى به، ولكن لا وجوب إلا في الذمة، ولا ذمة إلا مع الحياة.\nوبخلاف صدقة الفطر فإنها لا تجب بدون مال محرم للصدقة وبدونه يبقى واجبًا إذا هلك المال بعد التمكن من الأداء لأنا نشترط قيام الغنى بالمال للوجوب لا للأداء، ولأن الصدقة لا يستقيم إيجابها شرعًا إلا على غنى، كما لا يستقيم إيجابها إلا على مؤمن لأنها ما شرعت إلا لإغناء الفقير وكفاية المحتاج بدليل أنها لا تتأدى إلا بمال يصرف إلى الفقير","vol":"1","page":89},{"text":"المحتاج بالتمليك ليدفع به إذا ملك ما شاء من وجوه حاجته، ولم يتأدى بالغنى الذي لا حاجة به، ولا بغير المال الذي لا يدفع حاجة الفقير.\nولما شرعت للإغناء عن الفقر لم يكن الفقير أهلًا لوجوبها عليه فتصير مشروعة لأحواجه بخلاف الكفارة فإنها شرعت للتكفير عن ارتكاب المحظور بدليل أنها تتأدى بالصوم الصالح للتكفير، وإن لم يصلح للإغناء ولكن الإغناء صالح للتكفير لأنه عبادة أيضًا يصلح للتكفير فيصير الإغناء آلة للتكفير لا أن تكون الكفارة شرعت للإغناء فلذلك لم نشترط الغنى بالمال لوجوب الكفارة، بل جعلها الشرط من يصلح لثواب العبادة، فالتكفير يقع بالثواب.\nولما ثبت بالدليل أن الغنى بالمال شرط للوجوب لم يشترط للأداء بل يشترط للأداء نفس المكنة، والزيادة لا تثبت إلا رحمة بدليل زائد فإذا تمكن من الأداء تقرر الوجوب ولم يشترط دوامها لبقاء الواجب لما ذكرنا.\nوكذلك قيام كمال النصاب شرط للوجوب عند الحول ويبقى بعض الواجب بعد هلاك بعض النصاب بعد الحول، لأن الكمال شرط للوجوب لا شرط للأداء لما ذكرنا أن الغنى شرط لوجوب الصدقة فأكد الشرع هذا الشرط في باب الزكاة، ولم يجعل الغنى أهلًا لوجوب الزكاة إلا إذا غني بالمال الذي جعل سببا لوجوب الزكاة، ولا يغنى به الغنى المحرم للصدقة لولا مال آخر إلا إذا كان نصابًا كاملًا.\nوالدليل عليه: أن أداء الواجب وهو ربع عشر النصاب لا يتيسر بكمال النصاب فإن انتقص أو كمل لم يؤد إلا ربع عشر ما عنده من المال النامي، ونحن شرطنا دوام الشرط الذي يتيسر به الأداء لا ما لا يتيسر به الأداء.\nوكذلك الحج لا يجب إلا بشرط الاستطاعة بملك الزاد والرحلة ويبقى بدونها إذا فات بعد التمكن من الأداء لأن الشرط من الاستطاعة بقدر المكنة من السفر المعتاد بزاد وراحلة، لا بما يتيسر زيادة يسر على المعتاد من محمل وخدم ونحوها.\nوقدر المكنة معتبر في حق الوقت بقدر التمكن من الأداء فيه على ما مر، ولا يلزم إذا استهلك المال، فإنه لو استهلك النصاب قبل الوجوب لم يجب.\nولو استهلك بعده لم يسقط لأنه إذا استهلك قبل أن يجب لم يضمن شيئًا لأن المال خالص له.\nوإذا استهلك بعدما وجب صدق بعضه إلى الفقير ضمن مثل ما صار محلًا لزمه تمليكه وصرفه إلى الفقير، وهذا كعبد جنى جناية ولزم المولى دفعه فأعتقه قبل العلم به ضمن قيمته لأنه صار واجب الصرف إلى الولي، وإن لم يصر ملكًا له فضمن بالاستهلاك مثل الواجب بعينه فيكون قضاء لا أداء.","vol":"1","page":90},{"text":"وكذلك إذا عين شاة ليضحي بها ثم استهلكها ضمن شاة أخرى مثلها، وإن كانت الأولى في ملكه لأنها تعينت لأداء الواجب منها، ولأنه بالاستهلاك يريد إسقاط ما عليه باختياره فيه فيصير متعديًا في حق الواجب فلم يعذر، وجعل كأنه لم يستهلك وإن كان الهلاك مسقطًا، ألا ترى أن الصائم إذا سافر لم يسقط عنه وجوب الصوب ولو مرض سقط، وهما سواء في الإسقاط قبل الشروع لأن السفر باختياره كان، ثم القضاء بالمثل يجب على ما مر، وإنما قصر على المثل لأنه يجب انتصافًا منه على تعديه بالتفويت، معنى الانتصاف يفوت بالزيادة على المعتدي والنقصان لصاحب الحق فوجب المثل ليكون عدلًا فمجازاة العدوان واجبة بالعدل، وإيجاب القضاء مجازة والعفو جائز فضلًا إن شاء صاحبه.\nفإذا عرفنا هذا وجب قضاء الصلاة الفائتة بمثلها، لأن مثلها صلاة هي عبادة مشروعة في كل وقت فأمكن العبد قضاءها بالمثل.\nوكذلك الصيام في الأيام والصدقة في كل مال.\nوكذلك الحج في وقته والأضحية في أيامها فإذا عين واحدة واستهلكها ضمن مثلها.\nوكذلك الرمي في أيامه في الحج فإذا لم يضح بها حتى مضت الأيام لزمه التصدق بها ولا يخرج بالتضحية وإن عاد الوقت في السنة القابلة لأن الشاة في الأصل محل التقرب إلى الله تعالى بالصدقة إما واجبة في باب الزكاة، وإما نذرًا، وإما تطوعًا وبأيام النحر جعلت محلًا للتقرب بالتضحية قائمة مقام الصدقة مخصوصة بهذه الأيام لأنا أمرنا بها مقدمة على الصدقة، فإذا ذهبت الأيام وجب القضاء بالصدقة.\nألا ترى أنه لو جز صوفها حتى لم يمكن التقرب في حقه بالإراقة وجب التقرب بالصدقة لأن شرع الله تعالى التضحية مكان الصدقة دليل على ضرب مماثلة حتى صلحت للقيام مقام الصدقة.\nولما تعينت الصدقة لم تعد إلى المثل بعود الوقت، كمن استهلك رطبًا فذهب أوانه وقضى عليه بالقيمة له لم يعد إلى الرطب بمجيء أوانه.\nوكذلك الرمي في الحج إذا فات عن وقته قضى في أيامه لأنه مشروع عبادة في تلك الأيام وإذا ذهبت الأيام وجب الجبر بالشاة عينًا شرعًا فلا يعود الرمي، وإن عاد الوقت.\nوأما إذا عجز عن قضاء الصوم بالصوم فالقياس أن لا يقضي بالمال لأنه غيره اسمًا ومعنى ولكنا أوجبناه إذا أيس عن الصوم بالشرع بخلاف القياس.\nوإذا عجز عن الحج بنفسه كان القياس أن لا يقضي بالإحجاج لأن الذي يؤديه بالإحجاج مال، وإنه غير الحج إلا أنا جوزنا بشرط اليأس عن الحج بالشرع.","vol":"1","page":91},{"text":"وأما الصلاة فلا نص فيها فقلنا تقضى بما يقضى به الصوم لأنها بالصوم أشبه لأنها عبادة بدنية محضة لا تعلق لوجوبها ولا لأدائها بالمال، بخلاف الحج لأنه لا يجب إلا بعد ملك الاستطاعة ولا يتأدى بدون المال للنفقة والراحلة.\nفإن قيل: أليس قضاء الصوم بالمال ليس بقياس فكيف قستم عليه الصلاة؟\nقلنا: إن الندم على ما فات والتوبة مما يمحو الذنب بينه وبين ربه تعالى إذا لم يقدر على زيادة أمر سوى التوبة إلا أنهم أوجبوا فدية الصوم احتياطًا لقدرته عليها حتى إذا كانت كالصوم عند الله تعالى لم يبق تحت عهدة المال.\nوعلى هذا المثال وجب الخروج عن حقوق العباد فإن الغاصب يلزمه الخروج عن ضمانه برد العين، فإن عجز عنه بفواته رد مثله صورة ومعنى، فإن عجز عنه بتفاوت جنس ذلك العين رد قيمته التي هي معنى ذلك العين وبه صار مضمونًا بالغصب.\nفإن لم يكن أصل الحق مالًا نحو المنكوحة أمة كانت أو حرة أو رجلًا عليه قصاص عبدًا كان أو حرًا لم يضمن بالغصب لصاحب ملك القصاص، وملك النكاح إلا في حق تسليم العين فإذا هلك العين فلا يضمن شيئًا في الدنيا.\nوكذلك إذا شهد شاهدان على ولي القصاص أنه عفا عن القصاص وقضى القاضي به ثم رجعا لم يضمنا شيئًا للولي.\nوكذلك إذا شهدا على رجل أنه طلق امرأته ثلاثًا وقضى القاضي به ثم رجعا وكان دخل بها لم يضمنا شيئًا، وإن أتلفا الملك بالشهادة لأن المتلف لم يكن مالًا فلا يكون المال مثلًا له لا صورة ولا معنى فمعنى النكاح إقامة النسل والسكن، ومعنى المال مصالح البدن. لذلك قال علماؤنا ﵏: إن المنافع لا تضمن بالإتلاف بعد قولهم أنها أموال حتى كان عقد الإجارة واردًا عليها، وعقد الإجارة من التجارة والتجارة لا تكون إلا بعقد المال بالمال.\nوكذلك قالوا: لا يثبت الحيوان دينًا في الذمة بدلًا عن المنفعة وثبت دينًا بدلًا عما ليس بمال من العتاق وملك النكاح وملك القصاص لأن ضمان الإتلاف مقيد بشرط المماثلة، وما للمنافع مثل إما من جنسها فلا إشكال، وفيه إجماع لأنها تحدث ساعة فساعة من أعيان متفاوتة فكذلك هي تتفاوت بحسب تفاوت الأعيان.\nوأما من الدراهم والدنانير فلأنها في الجملة خير من المنافع ذاتًا لأنها من جملة الجواهر، والمنافع أعراض، والجوهر خير من العرض ذاتًا في الجملة لأن الأعراض قيامها بغيرها والجواهر تقوم بنفسها فكانت الأعراض منها كالتبع من المتبوع.\nثم هذا التفاوت وإن كان عفوًا في التجارات في حق المالية حتى كانت المنافع في الأسواق في حكم الأعيان في حق المالية يبادل أحدهما بالآخر بلا حرج.","vol":"1","page":92},{"text":"وكذلك الوصي يبادل عن مال اليتيم بالمنفعة فيجوز.\nوكذلك في العقود الفاسدة التي توجب ضمان المثل توجب الدراهم عن المنافع فإنه لا يعفى في حق ضمان الإتلاف لأن ضمان التجارة على ما يتراضى عليه الناس في الأصل دون المعادلة والمماثلة، ولكن الشرع ربما حجر على بعض التجار الذين أطلق لهم بشرط النظر إن يأتوا بخسر هو خسر في عرف التجار فما لا يتعارف خسرًا في الأسواق لقلة التفاوت وتعذر إقامة السوق مع اعتباره كان عفوًا لأن التجارة أمر مشروع لا تقوم بدونها مصالح الناس فلا يبتنى على ما يضيق معه استعماله كالعبادات، ألا ترى أنه في الأسواق لا يظهر التفاوت الذي يكون بين الحجر المبنية للإيجارة على هيئة واحدة بل تؤاجر بغلة واحدة.\nوكذلك للوصي أن يؤاجر منها واحدًا بواحد على قول من يرى الجواز مع اتفاق جنس المنفعة.\nوكذلك المأذون في التجارة يملك من التبرع ما لابد للتجارة منه وإن كان هبة على الحقيقة فكذلك التفاوت الذي لابد منه لأنه دونه.\nفأما ضمان الإتلاف فمبني على المثل في الأصل فوجب اعتبار التفاوت وإن قل حتى لا يجب على المعتدي زيادة فيكون جورًا وليس يجب اعتباره تضييق على الناس فإنه يجب بالعدوان وسبيل العدوان أن لا يكون وإن كان، فإن تقرب في الجزاء من باب الإحسان كان أولى من باب الجور.\nألا ترى أنه إذا أتلف منفعة حجرة لا يضمن بإزائها منفعة حجرة أخرى مثلها في الغلة عرفًا وتجارة، وكان التأخير إلى الآخر أهون لأن الزيادة جور وإنه لا يحل بحال والتأخير جائز كما في إتلاف الخمر وإيذاء الحر والشتم ولهذا قلنا: إن القياس أن لا يجب مال بإتلاف الآدمي لأنه لا مماثلة بينهما معنى ولا صورة، وإنما وجب بالنص حال تعذر القصاص بالخطأ كي لا يهدر دم الآدمي بخلاف القياس فلا نقيس عليه حال إمكان القصاص.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>القول في أسماء الألفاظ في حق قذر تناولها المسميات، وحكمها فيما تتناوله</span>\nهذه الأسماء أربعة:\nالخاص، والعام، والمؤول، والمشترك.\nأما الخاص: فاسم للفظ لا يتناول إلا الواحد بذاته ومعناه، كقولك: \"زيد\" إذا أردت بالخصوص خصوص العين من الجملة.\nوإن أردت خصوص الجنس قلت: إنسان وجن وملك.\nوإذا أردت خصوص النوع قلت: رجل وامرأة. يقال: اختص فلان بملك كذا إذا لم يشركه فيه غيره، ومنه: خاصة الناس وهم أهل العلم، والحكمة لقلتهم.\nوأما العام: فما ينتظم جمعًا من الأسماء لفظًا أو معنى، كقولك: الشيء، فإنه اسم لكل موجود ولكل موجود اسم على حدة وإن الإنسان اسم عام في جنسه لأن جنسه يشتمل على أفراد، ولكل فرد اسم على حدة كقولك: مطر عام، إذا عم الأمكنة فيكون عامًا بمعناه وهو الحلول بالأمكنة لا بأسماء يجمعها المطر، وكذلك يقال خصب عام، ومنه عامة الناس وهم أهل الجهل والسفه لكثرتهم.\nومن الناس من زعم أن العام ما ينتظم جمعًا من الأسماء أو المعاني، وليس كذلك لأن المعاني لا يتصور انتظامها تحت لفظ واحد إلا إذا اختلفت في أنفسها وإذا اختلفت تدافعت ولم تنتظم جمعيًا تحت اسم واحد بل يصير كل واحد منها يحتمل الاسم فلا يثبت مرادًا بالاحتمال، وهذا الاسم يسمى مشتركًا وإنه لا عموم له على ما نذكر وهو بمنزلة المجمل.\nوقد ذكر أبو بكر الجصاص: أن العموم ما ينتظم جمعًا من الأسامي أو المعاني.\nوكان هذا منه غلطًا في العبارة دون المذهب فإنه ذكر من بعد أن المشترك لا عموم له، وإنما أراد بالمعاني معنى واحدًا كقولك: خصب عام، ومطر عام، فإن عموم الأمكنة منهما بمعنى واحد لا بمعان، فالعام خلاف الخاص بمعنى واحد وهو الشمول.\nوأما المشترك: فما اشترك فيه جمع من الأسامي أو المعاني من غير انتظام، ولكن على الاختلاف كالعين فإنه يشترك فيه يشترك فيه مقلة الوجه وينبوع الماء والطليعة ونقد المال.\nوالشيء المتعين في نفسه من غير انتظام فإن الكل لا يدخل تحته ولكن يحتمل هذا وهذا، وهذا على الاختلاف أي إذا ثبت هذا بطل الآخر.","vol":"1","page":94},{"text":"وكالقرء: يشترك فيه الحيض والطهر على اختلاف وتناف.\nوالبائن: يشترك فيه البينونة والبين والبيان، يقال: بان عني فلان أي هجرني، وبان العضو عن الجسم إذا انفصل عنه، وبان الشيء إذا ظهر، وهذه أسماء مختلفة بخلاف قولنا الشيء، فإنه يشتمل على الموجودات بمعنى واحد وهو صفة الوجود، وفيما ذكرنا من المشترك إنما يدخل كل واحد من الجملة تحته باسم على حدة، أو بمعنى على حدة، وإذا كان كذلك لم يكن للمشترك عموم ولا ظهور مراد لأنا سميناه: \"مشتركًا\" لاشتراك الأسامي أو المعاني في الدخول تحته والاشتراك يوجب الاستواء وإذا دخلت متساوية ولم يمكن الجمع بينهما ولم يصر بعضها بأولى من بعض صار المراد منه مجهولًا فيصير بمنزلة المجمل.\nوأما اختلاف المعاني فإنما يتحقق في المستعار من الكلام وهو المجاز لأن اللفظ إنما يستعار لغير ما وضع له للاتصال بينهما معنى، فيصير المجاز: عبارة عن المعنوي من الكلام.\nوالحقيقة: ما عبر به عن الشيء باسم علمه عقل معناه أو لم يعقل، فإذا اختلف المعنى الذي يجوز الاستعارة لأجله كان ذلك المجاز مشتركًا.\nوقد أجمعت الأمة أن لا عموم لقوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾ بل المراد بها إما الحيض وإما الأطهار، وقد قال علماؤنا ﵏– فيمن أوصى لمواليه وله موال أعتقوه وموال أعتقهم-: أن الوصية باطلة لأن معنى الولائين مختلف في حق الوصية فيراد بالوصية للمولى الأعلى الجزاء وللمولى الأسفل زيادة إنعام ترحمًا، ولم يدخل النوعان تحت الاسم على العموم فبقي المراد أحدهما فبطلت الوصية للجهالة.\nوإذا قال لامرأة: إن نكحتك فأنت طالق، لم ينصرف إلى الوطء والعقد جميعًا، لأنهما مختلفان معنى بل انصرف إلى أحدهما على ما دل عليه الحال.\nوأما المؤول: فما يتبين من المشترك أحد وجوهه المحتملة بغالب الرأي والاجتهاد لا بسماع من يجب تصديقه فإنه متى تبين بالسماع كان مفسرًا بالتحاق هذا البيان، وهو نص مثل الأول، وإذا كان بالرأي لم يكن تفسيرًا لأنه عبارة عن الكشف على ما يأتيك بيانه. والانكشاف على الحقيقة لا يثبت بالرأي ولكن بالرجحان يزول مشاركة سائر الوجوه إياه على السواء فيؤول إليه مراد الكلام من غير انكشاف على الحقيقة فكان تأويلًا.\nوكذلك المراد من الكلام متى خفي لدقته فأوضح بالرأي كان مؤولًا فكان المؤول خلاف المشترك والخفي جميعًا.\nفالعام في قدر تناوله المسميات أكثر من الخاص.\nوالخاص في قدر تناوله المسمى أثبت من المؤول أو المشترك، فلا ثبوت للمراد به إلا على سبيل الاحتمال فهذا بيان تفاوتها في قدر التناول في الجملة.","vol":"1","page":95},{"text":"وأما الأحكام فإن العلماء اختلفوا في العام ما حكمه؟\nفقال بعض الأحداث ممن لا سلف له في القرون الثلاثة: إن حكم العام الوقف فيه حتى يتبين المراد به كالمشترك ..\nوقال بعضهم: الثابت به أخص الخصوص حتى تقوم الدلالة على العموم.\nوقال الشافعي: إنه على العموم حتى يقوم الدليل على الخصوص، ولكنه غير موجب حكمه لعمومه قطعًا كالخاص لخصوصه، بل على تجوز الخصوص واحتماله كالحكم الثابت بالقياس يكون ثابتًا لا قطعًا، ولكن على تجوز الخطأ واحتماله حتى جوز تخصيص العام بالقياس وجعل الثابت بالقياس أولى من الثابت بالعموم، وإذا عارضه الخاص في بعض محاله جعل الخاص أولى، وجعل قوله هذا قولًا واحدًا فيما يمكن القول بعمومه في نفسه أو لا يمكن في نفسه فإنه عممه بقدر الإمكان.\nوقال علماؤنا ﵏: العام يوجب الحكم بعمومه قطعًا وإحاطة، بمنزلة الخاص، أمرًا كان أو نهيًا أو خبرًا. إلا عامًا يمتنع القول بعمومه لكون المحل غير قابل له على ما نذكره، فإنه يجب الوقف فيه حتى يتبين بدليل آخر، ولا يعمل به بقدر الإمكان، وقد دل على هذا القول فتاويهم ومحاجتهم.\nأما الفتوى: فقد قالوا- في رجل أوصى لرجل بخاتم وأوصى لآخر بفصه-: أن الحلقة لصاحب الخاتم والفص بينهما. لأن الوصيتين اجتمعتا في الفص، لأن إحدى الوصيتين لا تبطل بالأخرى على ما عرف، ثم الفص اسم خاص له، والخاتم يتناوله بعموم اسمه، فجعلوا الاستحقاق بهما سواء ولم يجعلوا الخاص أولى. هكذا ذكر في \"الزيادات\".\nوذكر في الوصايا: وقرن الوصية بالفص بالوصية بالخاتم وذكر أن الفص لصاحب الفص والحلقة للآخر، لأن الخاص لما قرن بالعام صار بيانًا، ولما تأخر لم يصر بيانًا وكان عارضًا.\nوقالوا– في المضارب ورب المال إذا اختلفا في عموم الإذن وخصوصه وأقاما البينة وأرخا-: كانت العبرة للتاريخ وكان الآخر منهما أولى، فرفعوا الخاص بالعام، كما خصوا العام بالخاص فسووا بين التخصيص والرفع أصلًا ولم يرتبوا العام على الخاص، تقدم الخاص أو تأخر، على ما قاله الخصم في ألفاظ الشرع.\nوأما الحاجة: فقد قالوا– بجواز الصلاة بدون الفاتحة لعموم قوله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾ ولم يروا ترتيب هذا العام على قوله ﷺ: \"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب\" لأنه خبر الواحد، فجعلوا الآية أولى وإن كانت عامة، والخبر خاصًا، وكان هذا مذهبًا ظاهرًا لعلمائنا.\nأما الواقفون: فإنهم احتجوا بأن العام يذكر ويراد به الخاص، وهذا مشهور بين أهل","vol":"1","page":96},{"text":"اللسان، وقد نطق به الكتاب والسنة والشعر حتى استحسن الكناية عن الواحد بلفظة الجمع، قال الله تعالى: ﴿إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا﴾ وقال: ﴿رب ارجعون﴾ ولما كان كذلك احتمل العام العموم والخصوص وهما مختلفان لا يجتمعان فحل محل الاسم المشترك.\nوأما الذين قالوا بأخص الخصوص فنوع من الواقفية، إلا أنهم قالوا: إن أخص الخصوص ثابت يقينًا أريد به الخصوص أم العموم فزال مهنى الاشتراك فيه، فثبت كما في الكل بعد البيان.\nوأما الشافعي فقال: إن العموم من العام حقيقة من حيث الوضع لأن الواضع كما احتاج إلى وضع أسماء خاصة لتعريف الأفراد بمقاصد في كل فرد احتاج إلى وضع أسماء عامة لتعريف الجمل لمقاصد فيها كي لا يحتاج إلى ذكر كل فرد باسمه على حدة لتحصيل المقصود الذي لا ينال إلا من الجملة فيتعذر الذكر عليه، إلا أن العرب استعارت الألفاظ العامة للخاصة توسعة، وتحسينًا للعبارة لمعنى التعظيم بالكناية عن الواحد بذكر الجماعة، كما استعارت لسائر ضروب المجاز، وإذا كان كذلك كان الحكم لحقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه لأن المجاز معناه لا يشارك معنى الحقيقة فلا يزاحمه بل الحقيقة هي الثانية قبله، واحتجاجه بالاستعمال ضعيف لأن العام قد استعمل بحقيقته كما استعمل بمجازه كقوله تعالى: ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ وقوله: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ ونحوهما مما لا يحتمل الخصوص مع شدة العموم، فصار الاستدلال بالعموم استدلالًا بدليل محتمل فلم يكن حجة فبقي الحكم للوضع وقد ظهر القول بالعموم من السلف ظهورًا لا يمكن إنكاره.\nاحتج عمر ﵁ للمن بسواد العراق على أهلها على الصحابة ﵃ منهم الزبير ألزمه بقول الله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين﴾ إلى قوله: ﴿والذين جاءوا من بعدهم﴾ فقال عمر: أما إني لو قسمتها بينكم لم يكن لمن يجيء بعدكم نصيب في الفيء والله تعالى جعل لهم نصيبًا فرجعوا إلى قوله، وهذه الآيات غاية في العموم.\nوأراد عثمان ﵁ رجم امرأة ولدت لستة أشهر فقال ابن عباس ﵁: أما إنها لو خاصمتكم بكتاب الله تعالى لخصمتكم إن الله تعالى يقول: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾ وقال: ﴿وفصاله فى عامين﴾ فيبقى للحمل ستة أشهر، وأخذوا بقوله.\nواختلف علي وعبد الله بن مسعود ﵄ في عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملًا؟","vol":"1","page":97},{"text":"فقال علي ﵁: عليها أبعد الأجلين لعموم آية عدة الوفاء وعدة الحوامل.\nوقال عبد الله: عدتها بوضع ما في بطنها لأن هذه الآية آخرهما نزولًا وهما آيتان عامتان واحتجا بهما.\nفإن قيل: إن الصحابة ﵃ فهموا العموم منها بدلائل وأحوال اقترنت بها دلت على العموم.\nقلنا: إن الحكم بالعموم قد ظهر ولم يظهر له سبب آخر إلا عموم النص فلم يجز الحمل على سبب لم يظهر على أن العمل بها لو وجب بدلائل أخر لما قبل منهم الاحتجاج به بدون تلك الدلائل والأحوال، ولأن الشريعة لازمة إلى يوم القيامة، ووجوبها بالكتاب ثم بالسنة ولو لم تكن هذه النصوص حجة في أنفسها بدون تلك الدلائل الموجبة لما حل لهم السكوت عن نقل تلك الدلائل، ولا لزمهم نقلها كما نقلوا النصوص، ولو نقلوها لظهرت ظهور النصوص بأنفسها، وظاهر عن أبي بكر ﵁ أنه قال– لما اختلفت الصحابة في نقل الأخبار-: إنكم إذا اختلفتم في شيء كان من بعدكم أشد اختلافًا، فإذا سألتم عن شيء فلا ترووا ولكن قولوا: معكم كتاب الله فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، ولم ينكر عليه أحد فثبت أن الكتاب بنفسه حجة بدون الأحوال التي توهمتها حجة للصحابة.\nفإن قيل: إن الخلاف بيننا وبينكم في موجب العام للحال لا لحال النزول فإنا لم نبتل بالعمل به فيما سلف.\nفنقول: موجب العام للحال الوقت فيه حتى يتبين ما حكمه، لأن النصوص العامة صارت متفاوتة في أنفسها اليوم من باق على عمومه، ومن مخصوص، ومن منسوخ، فإذا صار حكمها في البقاء محتملًا لم تكن حجة حتى يزول الاحتمال.\nقلنا: يلزمك مثله في الخاص فإنه يحتمل الانتساخ، والمجاز ولم يجب الوقف به، وكذلك الشاهد إذا عاين سبب ملك الإنسان حل له الشهادة بالملك له بعد ذلك، وإن احتمال الفسخ أو البيع من آخر وكان ما عاين حجة له للحال ما ذكرنا أن الشيء إذا ثبت دام على ذلك من غير دليل وأنما زواله افتقر إلى دليل مبتدأ فعند عدم الدليل لا يزول ما كان ثابتًا بالاحتمال لأنه كما احتمل الزوال احتمل البقاء.\nوجملة الجواب فيه: أن العامي يلزمه العمل بعمومه كما سمع.\nوأما الفقيه فيلزمه أن يحتاط لنفسه فيقف ساعة لاستكشاف هذا الاحتمال بالنظر في الاشتباه مع كونه حجة للعمل إن عمل به، ولكن يقف احتياطًا حتى لا يحتاج إلى بعض ما أمضاه بتبين الخلاف، وهذا كالحاكم إذا قامت لديه الحجة فإن شاء حكم بها، وكان الأحوط الوقف وإمهال الخصم للرفع ثم القضاء عند العجز.","vol":"1","page":98},{"text":"وكذلك إذا قامت البينة أن هذا الرجل وارث فلان جاز له القضاء بالمال والأحوط له أن يقف فيتعرف عن وراث آخر ثم يقضي إذا لم يتبين له بعد التعرف.\nوالكلام ليس فيما يجب احتياطًا، واحترازًا عن وهم يتحقق، ولكن الكلام في موجب النص بنفسه وأما الاحتياط فضرب معنى يترك له ما عليه الأصل إلا أن الترك به لا يجب حتمًا.\nفإن قيل: فالذي يقف هكذا يحتج لامتناعه عن العمل به ويقول أنا أقف مترويًا.\nقلنا: هذا صحيح ولكن لا يثبت الوقف على هذا الحد إلا بعد التزام أصل الحكم واعتقاده أنه ثابت، وأن الوقف بدليل عارض لا من نفس النص، ومتى قال هذا واعتقد ارتفع الخلاف فلا يتحسن مثله في الخاص.\nويقول في الشهادات الخاصة أن الحكم يقف احتياطًا، وكذلك في الخاص إذا احتمل المجاز كان الوقف للتعريف أحوط ما لم يؤد إلى ترك واجب يفوت بالوقت.\nقال الشافعي ﵀: وسواء فيه ما أمكن القول بعمومه وما لا يمكن لكون المحل غير قابل له كقول الله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ فإن هذا المحل غير قابل عموم نفي المساواة بينهما لتساويهما وجودًا وإنسانية وبشرية وصورة وكثيرًا من الأوصاف.\nوقال: هذا المانع من القول بعمومه جملة لا يمنع القول بعمومه فيما يمكن منه من الأحكام الشرعية حتى لا تكون دية الذمي مثل دية المسلم ولا يقتل المسلم بالذمي ولا يساوي الذمي المسلم في تملك العبد المسلم لأن العام الذي يثبت خصوصه بدليل شرعي يبقى عامًا في ما بقي بعد الخصوص، والخصوص لا يكون إلا بدليل مقارن للعموم يبين أن المراد به ما بعد الخصوص فأما الرفع بعد الثبوت فيكون نسخًا، ومتى كان الخصوص على هذا الوجه كان ما نحن فيه من الذي امتنع القول بعمومه من حيث الحسن، والذي امتنع من حيث الشرع واحدًا.\nقال: ولكن الثابت بالعموم لا يكون قطعًا مثل الثابت بالخصوص لأن العام لا يرد قط إلا على احتمال الخصوص في نفسه، وكذلك الحكم بعمومه يثبت على احتمال أنه غير ثابت فلا يثبت قطعًا كالثابت بالقياس إلا عمومًا ثبت بالدليل أنه غير محتمل للخصوص كقول الله تعالى: ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ بخلاف الخاص فإن حكمه لا يرتفع إلا بالنسخ وإنه لا يحتمل كونه منسوخًا حال وروده، وإنما النسخ يرد على بقاءه بعد ثبوته والكلام في موجب حكمه حال الورود لا حال بقائه.\nودل على صحته رواية الصحابة والسلف والناس إلى يومنا أخبار الأحاد الخاصة في معارضة عموم الكتاب وتخصيص العموم بها. وكذلك بالقياس.","vol":"1","page":99},{"text":"وأما علماؤنا فإنهم ذهبوا إلى أن الخاص إنما وجب حكمه قطعًا لأن اللفظ وضع له في الأصل فكان ذلك حقيقته فلاحتمال المجاز لم يتغير حكمه في نفسه ما لم تقم الدلالة، والعموم في الأصل ما وضع إلا للتعميم والشمول منه حقيقة على ما بينا فلاحتمال مجازه وهو المخصوص لا يتغير حكمه في نفسه حتى تقوم الدلالة.\nفإن قال قائل: فكذا أقول في الخاص إن حقيقته لا تثبت قطعًا ما لم يتبين أنه لم يرد به مجازه كالنصوص في زمان رسول الله ﷺ ما كانت توجب بقاء الحكم قطعًا لاحتمال النسخ وإن لم يثبت النسخ بعد.\nقلنا له: إن المجاز لا يثبت من الكلام إلا بإرادة المتكلم النقل إليه عما وضع اللفظ له، والإرادة لا تثبت إلا ببيان من قبله أو دلالة الحال أو العرف ونحوها، فإذا انعدمت دلالات الإرادة لم يثبت الناقل فلم يثبت النقل فبقيت الحقيقة قطعًا بلا احتمال، وهذا كالنص المطلق فإن حكمه يثبت مطلقًا قطعًا، وإن احتمل التغيير بزيادة قيد أو تعليق شرط لأن الثاني إنما يثبت بزيادة بيان ولم يثبت.\nوما هذا بنظير بقاء الحكم قطعًا على ما يثبت ابتداء ً لأن النص أوجب حكمه فأما البقاء على ما يثبت فليس بموجب به، ولكن من حيث أن الشيء إذا ثبت دام حتى يقوم دليل الزوال فكان البقاء بحكم استصحاب الحال لعدم الدلالة والعدم في نفسه فيه احتمال ما كان يعلم قطعًا فكذلك موجبه لا يثبت قطعًا حتى لما تيقنا بعد رسول الله ﷺ بعدم النسخ ثبت البقاء قطعًا.\nفإن قيل: إن عدم إرادة المتكلم الخصوص ما عرفت إلا بعدم الدلالة عليها فلا يثبت قطعًا كعدم النسخ في زمن رسول الله ﷺ، بخلاف عدم التعليق والاستثناء فإن طريق ثبوتهما النص عليهما فإذا سكت عنهما ثبت العدم يقينًا.\nقلنا: إن الإرادة لما كانت باطنة لا يوقف عليها إلا ببيان لم يكن حجة علينا أصلًا حتى تظهر بطريقها لأن الله تعالى لم يكلفنا ما ليس في وسعنا فلا يجعل الباطن الذي لا نقف عليه حجة حتى يظهر، ويكون ابتداء ثبوته حجة بظهوره فصارت بمنزلة الشرط والاستثناء في الحكم، وهذا كما قيل إن ابتداء الشرائع ما كانت تلزم إلا بعد السماع لأن العبد لا يقف عليه إلا بسماعه فكان لحال سماعه حكم نزول الخطاب ابتداء، وهذا كما قيل فيمن قال لامرأته: إن كنت تحبيني فأنت طالق، فقالت: أحبك، كذبًا وهي تبغضه، أو علق الطلاق بمحبتها النار، فقالت: أحب. طلقت، وإن تيقنا بالكذب لأن المحبة لا تعرف إلا بالخبر عنها فقام الخبر مقام المحبة حقيقة ليكون بناء الحكم على ما نطلع عليه، وصار كأنه قال لها: إن أخبرتني أنك تحبيني فأنت طالق، والخبر يشتمل على الكذب والصدق جميعًا فطلقت في الحالتين بوجود الخبر دون المحبة حقيقة، فهذا سر المسألة ومزل القدم.","vol":"1","page":100},{"text":"فالخصم مال إلى أن الإرادة مغيرة حكم الحقيقة لا محالة، واحتمال الإرادة ثابت حال التكلم فثبت احتمال التغيير به إلا أن الله تعالى لما لم يكلفنا ما ليس في وسعنا سقط اعتبار الإرادة في حق العمل فلزمنا العمل بالعموم الظاهرة دون ما لا نصل إليه من الإرادة الباطنة، وبقيت الإرادة معتبرة في حق العلم فلا يعلم قطعًا لأنه ليس في وسعنا ذلك، وإنه كلام حسن.\nويجب على هذا الأصل أن لا تطلق المرأة فيما إذا قال لها زوجها: إن كنت تحبين النار فأنت طالق، فقالت: أحب لأنا علمنا يقينًا ببغضها النار طبعًا، وإنما يقام الخبر مقام المحبة لأن سبب علمنا به فيما يحتمل المحبة والبغض فإذا كان الاحتمال زائلًا بدلالة أخرى وجب الحكم بها ولم يجز الوقوف على بيان يقع بالخبر، كما قال في مسألة العموم إنه إنما يحتمل بيان الخصوص بدليل يرد إذا كان مما يحتمل الخصوص بإرادة المتكلم وامتنع العمل بالإرادة لاحتمالها.\nفأما إذا كان لا يحتمل إرادة الخصوص كقول الله تعالى: ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ فلا يجب الوقوف على البيان، وكذلك يجب أن يقول به في حقيقة الخاص مع مجازه.\nوالجواب عنه لعلمائنا: أن الله تعالى لما لم يكلفنا ما ليس في وسعنا وليس في وسعنا الوقوف على الباطن إلا بدلالة ظاهرة لم يجعل الباطن حجة أصلًا في حقنا فسقط اعتباره في حق العمل والعلم جميعًا، وجعل الحجة ما يظهر به الباطن وإن كان سببًا لثبوت الحجة في الباطن إقامة السبب الظاهر مقام ما هو حجة باطنة في نفسها تيسيرًا على عباده بزوال كلفة التأمل في الباطن، لاعتبار الحكم بحسب احتمال ثبوته على ما قاله الخصم.\nوهذا كما أن الخطاب متعلق باعتدال العقل وإنه أمر باطن والبلوغ سبب ظاهر له على ما عليه الجبلة بلا آفة فعلق الشرع الخطاب بالبلوغ الذي هو سبب ظاهر، وأقامه مقام اعتدال العقل الذي هو أصل فيه تيسيرًا فأسقط حقوقه عن الصبي وإن اعتدل عقله كأنه لم يعتدل، وخاطب البالغ وإن لم يعتدل عقله بلا خلاف كأنه اعتدل.\nوكذلك رخص السفر في الأصل متعلقة بالمشقة وهذه صفة باطنة، والسفر سبب ظاهر لها فأقام هذا السبب الظاهر مقام المشقة فأثبت به الرخص وإن لم يلحقه مشقة وأزالها بالإقامة وإن لحقته فيها مشقة السفر إلا أن يضطر فيباح له الترك دفعًا للضرورة لا بحكم سقوط الخطاب حتى إذا صبر فقتل كان مأجورًا، أو بمرض في الإقامة فيثبت الرخص في المرض، وإنه جنس آخر غير جنس المشقة.","vol":"1","page":101},{"text":"وكذلك الاستبراء في الأصل يجب صيانة للمياه عن الاختلاط في الإماء وسبب الاختلاط في الإماء استحداث ملك الوطء بملك اليمين لأن زوال ملك اليمين عن الأول وإن كان بعد الوطء لا يوجب استبراء مانعًا من الحدوث لآخر، فلو أبحنا للآخر بلا استبراء لاختلاط الماءان، والماء أمر باطن والإباحة بسبب ملك اليمين أمر ظاهر فأقيم هذا السبب الظاهر مقام الماء، وجعل علة في نفسه وأدير الحكم معه.\nفقيل؛ متى استحدث الرجل ملك الوطء بملك اليمين لم يحل له إلا بالاستبراء، سواء كانت الأمة بكرًا أو ثيبًا، وطئت عند الأول أو لم توطء ومتى كان الاستحداث بالنكاح لم يجب الاستبراء.\nوإن كانت وطئت عند الأول نحو الأمة يطأها مولاها ثم تزوجها فإنه لا استبراء يجب على الزوج، وإن كان يؤدي إلى اختلاط المياه لأن النكاح أصله في الحرائر لأن الرق أمر عارض والحرة لا توطأً إلا بنكاح، وزواله بعد الوطء يوجب عدة مانعة من نكاح آخر والاستبراء يقع بالعدة فلم يصر إباحة الوطء للزوج على ما عليه أصل الوضع بلا استبراء موجبًا لاختلاط المياه فلم يصر علة.\nوكذلك قال علماؤنا- في رجل قال لامرأته؛ إن كان في علم الله تعالى أن فلانًا يقدم إلى شهر فأنت طالق الساعة، فقدم فلان إلى شهر-: فإن الطلاق يقع بعد القدوم، كما قال لها: أنت طالق الساعة إذا قدم فلان إلى شهر، وإن تبين بالقدوم أنه كان في علم الله ذلك وأنه علق الطلاق بشرط موجود لأنا لا نطلع على علم الله تعالى بقدومه إلا بعد قدومه، فكان القدوم هو الدليل الذي نقف به على العلم فقام مقام العلم فيما علق به من الحكم ولغا اعتبار الباطن في حق تعلق الطلاق به كأنه لم يذكره.\nبخلاف ما إذا قال: إن كان زيد في الدار فأنت طالق فعلم به بعد شهر أنه كان في الدار يوم حلف طلقت امرأته من حين تكلم لأن كينونته في الدار مما نقف عليه نحن فلم يلغ اعتباره وتعلق الحكم بحقيقته لا بالدليل الذي يظهرها فثبت أن ما قلناه طريق بين في الشرع تيسيرًا ودفعًا للحرج، فكان أولى مما قاله خصمنا فإنه أسقط اعتبار الباطن بقدر ما لا يمكنه لا غير، والله تعالى كما أخبر أنه لم يكلف إلا بقدر الوسع أخبر أنه ما جعل في الدين من حرج، واعتبار الباطن على الوجه الذي قاله في حق العمل يوقعنا في الحرج والتأمل ليمكننا التمييز بالإرادة الباطنة أحرج من التأمل في الصبيان للتمييز بين من اعتدل عقله منهم ومن لم يعتدل، ولهذا أبى علماؤنا تأخير بيان الظاهر بوجه يحتمله من حيث ترك ظاهره على ما يأتيك من بعد.\nلأن الظاهر يوجب موجبه قطعًا على حقيقة بلا احتمال فيه فلا يبقى للبيان وجه فإنه لا يتصور إلا بعد احتمال.","vol":"1","page":102},{"text":"ولأن الله تعالى خاطبنا بلسان العرب فيلزمنا فيه ما يتفاهم من خطابنا فيما بيننا وفيما بينا لو قائل: أعط هؤلاء الفقراء مئة درهم وهم مئة فهم منه تفريق المئة عليهم على السواء، كما لو قال: اعط كل واحد منهم درهمًا.\nولو قال: لا تعتق عبدي سالمًا، ثم قال: اعتق البيض من عبيدي، ومنهم سالمًا دخل تحت الأمر العام وارتفع النهي الخاص به فثبت أن العام والخاص، سواء في خطابنا فيما بيننا فكذلك في خطاب الشرع وإن الإرادة التي هي موهمة ليس لها عبرة حتى تنص عليها أو تثبت بدلالة أخرى ظاهرة.\nفإن قيل: إن تخصيص العام بالقياس جائز، وكذلك حمل الخاص على مجازه بالقياس جائز، وما يجوز تركه رأسًا بالقياس ولو كان العموم ثابتًا قطعًا لما جاز تبديله بالقياس كترك الكل.\nقلنا: عندنا لا يجوز تخصيص العام ابتداء بالقياس، ولا الحمل على المجاز، وإنما يجوز بيان العموم بالقياس إذا ثبت خصوصه بدلالة يجوز رفع الكل بها من خبر ثابت تأيد بالإجماع أو بالاستفاضة في السلف أو بالإجماع نفسه ثم وقع الإشكال في حادثة إنها من جنس ما دخل تحت الخصوص، أو من جنس ما بقى تحت العموم فيعرف ذلك بالقياس لأن حكمها في نفسها قبل القياس عن ثابت قطعًا لظهور دليل الخصوص، واحتمال الحادثة في نفسها أن تكون داخلة تحت الخصوص وإنا وإنما ألغينا الباطن واحتماله دون الظاهر واحتماله لعموم النص بعد الخصوص، فيبقى عندنا على حكم عمومه. قيل: الخصوص عند الشافعي على ما بينا في بابه بعد هذا.\nفإن قيل: في إثبات المعارضة بين الخاص والعام إذا لم يعلم التاريخ ألغي الحكم الخاص أصلًا ولبعض العام بقدر المعارضة بين العام والخاص، وفي نسخ الخاص بالعام إذا تأخر العام رفع الخاص بأصله وفي ترتيب العام على الخاص عمل بالخاص في الحالين كله حقيقة وبالعام بما بقى مجازًا والأصل في النصوص إنما يعمل بها ما أمكن فكان هذا الوجه أولى.\nقلنا: نعم يجب العمل بها ما أمكن ولا إمكان لما ذكرنا أن موجب العام في كل ما دخل تحته بمنزلة موجب الخاص فيما دخل تحته فلا يثبت ترجيح الخاص على العام مع التساوي في قدر ما تعارضا فيه، وإذا لم يثبت الرجحان بطل الترتيب وسقط هذا الإمكان الذي يشير إليه.\nأرأيت قائلًا لو قال: إني أعمل بحقيقة العموم وأحمل الخاص بالعموم على ما ضرب من المجاز أكان ذلك مقبولًا منه؟ لا، فكذلك منك إذا قلت: إني أحمل العموم على الخصوص وهو مجازه ليمكنني العمل بحقيقة الخاص وكل واحد من هذين القولين","vol":"1","page":103},{"text":"يكون معارضًا بالآخر، ولأن موجب الحجة ليس العمل بها وحدها بل العمل بها إذا لم يعارضها أخرى والمدافعة إذا عارضتها أخرى مثلها كالشهادات في خصومات العباد، فمن لم يثبت المدافعة بعد التساوي فهو الذي ترك العمل بحقيقة الحجج وحكمها في هذه الحالة.\nفالخصم سوى بين محتمل الحال وبين محتمل اللفظ الذي ورد مخصصًا فسلب حكم العموم بالاحتمالين قطعًا.\nوفرق أصحابنا بين محتمل اللفظ ومحتمل الحال فألغوا اعتبار محتمل الحال لأنه أمر باطن، واعتبروا محتمل اللفظ لأنه أمر ظاهر على ما بينا، وسواء عندنا الأمر والنهي والخبر لأن صيغة العموم توجد في الكل.\nوأما ما امتنع العمل بعمومه لمعنى في المحل قارن الخطاب فلا عموم له فيما بقي بدليل ما ذكرناه في باب: \"العام إذا خص منه شيء ما حكمه في البقية؟ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>حكم المشترك</span>\nوأما المشترك: فحكمه التوقف فيه بلا اعتقاد حكم معلوم سوى أن المراد به حق حتى يقوم دليل الترجيح، لما ذكرنا أن المشترك ما يمتنع تعميم معانيه أو أساميه بحكم التعارض والتدافع على السواء فالشركة تنبئ عن المساواة، أما إذا لم يكن السواء فذلك احتمال ولا يصار إليه إلا ببيان زائد.\nوالأصل في تعارض الأدلة الوقف على اعتقاد أن الثابت منها بحكمه حق.\nوأما المؤول: حكمه حكم الظاهر إلا أن الظاهر بنفسه يوجب العلم بحكمه قطعا، وهذا يوجب غالب الرأي كخبر الواحد والله أعلم.","vol":"1","page":104},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>القول في العام إذا خص منه شيء</span>\nاختلف القائلون بالعموم فيه على أربعة أقوال:\nرأيت عن أبي الحسن الكرخي، وكثير من كبار شيوخنا: أن العام إذا خص منه شيء وجب الوقف فيه حتى يأتي البيان من غير إسناد إلى السلف.\nونص أبو الحسن الكرخي أنه شيء أقوله من عندي، وعلى هذا القول يجب أنه يثبت منه أخص الخصوص إذا كان معلومًا.\nوقال بعضهم: إن خص منه شيء مجهول فالجواب على هذا، وإن خص منه شيء معلوم بقي الباقي على عمومه على ما كان قبل التخصيص.\nوقال بعضهم: إن خص منه شيء مجهول لم يثبت به الخصوص.\nقال القاضي أبو زيد ﵀: والذي ثبت عندي من مذهب السلف أنه يبقى على عمومه بعد التخصيص في الفصلين جميعًا، ولكن غير موجب للعلم قطعًا كما قاله الشافعي قبل الخصوص.\nأما أبو الحسن الكرخي فإنه احتج بأن العام إذا خص منه شيء زالت حقيقته وصار مجازًا، ومجازه في إرادة المتكلم البعض منه، وذلك البعض مجهول فلم يبق حجة كما في قوله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾ فإنه لما امتنع القول بعمومه وجب الوقف فيه على ما يأتيك بيانه.\nولأن التعميم فيما بقي حقيقة والكلام لا يشتمل قط على الحقيقة والمجاز بخلاف الكلام إذا استثني منه شيء معلوم فإن الباقي يبقى على عمومه، لأن المستثنى بالنص غير داخل تحت الجملة نصًا، ويصير كأنه ما تكلم إلا بالباقي بعده، والباقي بعده كله ثابت على حقيقته إلا أن تكون أخص الخصوص معلومًا فيجب القول به لزوال الجهالة.\nولأن دليل الخصوص في حق حكم النص بمنزلة الاستثناء لأنه تبين أن الثابت من حكمه ما بعده، وإن فارق الاستثناء في صيغة اللفظ على ما نبين.\nوإذا صار في الحكم كالاستثناء قلنا: إن كان دليل الخصوص مجهولًا لا يوجب جهالة ما بقي حكمًا فيصير كاستثناء بعض مجهول، وكذلك إن كان دليل الخصوص معلومًا لأنه يحتمل أن يكون معلولًا بعلة موجبة أكثر مما يوجبه النص فيتضمن جهالة على","vol":"1","page":105},{"text":"الاحتمال والشك فيوجب شكًا فيما بقي من الحكم كاستثناء فيه شك فإنه يوجب شكًا في المستثنى منه كقولك: والله لا أكلم الناس إلا زيدًا أو عمروًا، فإنهما لا يدخلان تحت اليمين لدخولهما تحت الاستثناء بالشك.\nوأما الذين فرقوا بين تخصيص المجهول والمعلوم فإنهم ذهبوا إلى أن تخصيص العموم بدليل منفصل بمنزلة التخصيص بالاستثناء، إذ الخصوص لا يثبت إلا بدليل يبين لنا أن المراد به ما بعده، وأن قدر المخصوص لم يدخل تحته كالاستثناء.\nفأما الطارئ الذي يرفع بعد ثبوته فهو نسخ، وإذا كان كذلك كان بمنزلة الاستثناء.\nثم استثناء المعلوم لا يسقط عموم ما بقي، واستثناء المجهول يسقطه ويوجب الوقف إلى البيان، فكذلك التخصيص.\nفعلى قول هذا القائل لا يصح الاحتجاج بعموم آية البيع لأنه خص منه الربا وإنه مجهول، ولا بآيات الحدود لأنه خص منها حالة الشبهة وهي مجهولة.\nوأما الذين قالوا؛ إن تخصيص المجهول ساقط حكمه قبل البيان، وأنه يبقى على العموم بعد الخصوص المجهول والمعلوم موجبًا للعلم فقد ذهبوا إلى أن التخصيص لا يكون إلا بدليل منفصل عن العام له موجب في بعض ما تناوله العام بخلافه على سبيل ما لو تأخر كان نسخًا، فإذا جاء مقارنًا كان بيانًا، وإذا كان كذلك لم يتغير بالثاني صيغة الكلام الأول كما في النسخ، وكيف تتغير ولم تتصل بالصيغة بل انفصلت عنه، وكل كلام تام بنفسه وإذا لم تتغير وجب اعتبار كل صيغة في نفسها على حدة.\nثم صيغة العام للتعميم وقد خرج من أهله فصح خروجه وأضيف إلى محل قابل للعموم فانعقد موجبًا للعموم إلا أنه امتنع عن العمل في بعض المحال لمانع على سبيل المدافعة وهو النص الذي يخصصه فيتغير حكمه بقدر المانع، لأن صيغته لم تتغير به، وإذا لم تتغير الصيغة وهي للتعميم يقينًا بقي كذلك وراء ما ثبت الخصوص، والخصوص إنما يثبت بقدر ما يتبين بالخاص.\nفأما ما لم يتبين منه بأن كان دليل الخصوص مجملًا فلا يمتنع به لأنه لا مساواة بين الظاهر والمجمل، بل المجمل مما لا يجب العمل به حتى يلتحق به البيان فيصير في حق العمل كنص لم ينزل بعد ألا ترى أنه لو طرأ المجمل على ظاهر ناسخًا لم يثبت به النسخ حتى يتبين، بخلاف الاستثناء فإنه يرد على صيغة الكلام فيستخرج منه بعضه فيصير كأنه لم يتكلم بالمستثنى وإنما تكلم بالباقي بعده.\nألا ترى أن الاستثناء لو فصل وهو قوله إلا كذا لم يكن له موجب بنفسه، وإذا اعتبر المستثنى منه مع الاستثناء كلامًا واحدًا أوجبت الجهالة بالاستثناء جهالة في المستثنى منه، والشك فيه شكًا في الأصل فيصير الأصل مجهولًا محتملًا فلا يجب العمل به حتى يرد","vol":"1","page":106},{"text":"البيان، وها هنا لما انفصلا في حق الصيغة اقتصرت الجهالة على دليل الخصوص فبقي الآخر على ظاهره معمولًا به.\nوهذا بخلاف قول الله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾ لأن الكلام إنما يصح في نفسه إذا خرج من أهله وأضيف إلى محل يقبله فإن بيع المجنون ضائع لأن المجنون ليس بأهل له، وبيع العاقل حرًا ضائع لأنه ليس بمحل للبيع.\nوقوله: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾ إنما لم يثبت عمومه لأن المحل غير قابل للعموم، لأن نفي المساواة بينهما مضاف إليهما، وهما غير قابلين لعمومه لتساويهما في الوجود والعقل والإنسانية والحيوانية فضاع هذا الكلام من حيث اقتضاء العموم لعدم المحلية فلم يبق إلا الخاص، وأنه مجهول وكان كالذي استثني منه شيء مجهول لأن المستثنى يصير غير ثابت في نفسه كان المتكلم لم يتكلم إلا بالباقي بعده.\nفأما إذا كان المحل قابلًا في نفسه، والكلام صدر من أهله ولم يستثن منه شيء حتى صح مخرجه وقراره فالعمل به لا يمتنع إلا بمانع فيتقدر بقدره، كما في الكلام إذا استثني منه طرف، وكالبيع بشرط الخيار لا يضيع أصلًا لوجوده من أهله في محله، ولكن يمتنع العمل به بقدر المانع، وكما إذا استحق بعض المبيع امتنع عمل البيع فيه بقدره.\nوأما القول الرابع الذي عليه جمهور العلماء: وهو أن العام إذا خص منه شيء معلوم، أو مجهول بقي على عمومه ولكن غير موجب للعلم قطعًا، كما قاله الشافعي رحمه الله تعالى قبل التخصيص.\nالدليل على أنه مذهب جمهور العلماء أنا توارثنا الاحتجاج بالعام في أحكام الحوادث، وما فيها عموم لم يثبت خصوصه.\nوالدليل على أنه غير موجب علمًا أنا توارثنا أيضًا تخصيصها بالقياس وبخبر الواحد والمعقول يدل عليه، وهو أن دليل الخصوص يشبه دليل النسخ من حيث الصيغة، ويشبه الاستثناء في حق الحكم.\nأما في حق الصيغة: فكما ذكره الأول أنه لا اتصال بين النصين وكل واحد منهما كلام تام بنفسه وردا منفصلين حتى لو كانا متراخيين كان الثاني ناسخًا للأول، فمن هذا الوجه يجب بقاء العموم فيما لم يثبت خصوصه قطعًا، كما يجب فيما لم يثبت نسخه قطعًا.\nوأما من حيث الحكم: فلأن دليل الخصوص يبين لنا أن قدر المخصوص منه لم يدخل تحت العموم حكمًا كالاستثناء بخلاف النسخ فلم يجز الاعتبار بأحدهما بل اعتبر في كل باب بنظيره.\nفنقول في حق الصيغة تعتبر بالنسخ كأن الحكم ثابتًا ثم ارتفع إذ صح مخرجه وانعقد في محل قابل للعموم.","vol":"1","page":107},{"text":"ألا ترى أنهم قالوا فيمن اشترى عبدين ونفذ البيع فيهما جميعًا بألف، فإذا أحدهما مدبرًا: إن البيع نافذ على الثاني بحصته من الثمن كأنهما كانا عبدين، ونفذ البيع فيهما جميعًا ثم هلك أحدهما قبل التسليم فإن الباقي يبقى بحصته من الثمن، ولم يعتبر بما لو باع عبدين بألف درهم إلا هذا بحصته من الألف لأحدهما بعينه فإن البيع يفسد في الباقي كأنه باعه وحده بحصته من الألف لو قسم عليه وعلى الآخر على قدر القيمة.\nوكذلك لو كان أحدهما حرًا لأن الاستثناء يبطل الصيغة فيجعله متكلمًا ببيع جميع الذي يبقى بعد الاستثناء وحده كأنه ما تكلم بالآخر فيصير بائعًا بثمن المجهول، والجهالة تمنع الصحة.\nوكذلك إذا كان أحدهما حرًا لبطلان الكلام فيه لعدم المحل، وفي مسألة المدبر لا يكون هكذا لأن البيع عمهما جميعًا وهما حل له لقيام المالية المتقومة التي تقصد بالأشرية وانعقد من الصيغة موجبة عمومها، ولكن النفاذ والعمل امتنع في المدبر لمانع فيه من استحقاق له فاعتبر في حق الانعقاد جملته، وجملة الثمن معلومة وإن كان المدبر في حكم الاستحقاق والعمل به كأنه لم يدخل تحته، وجعل كأنه خرج بعد الدخول في الصيغة فلم يفسد العقد في الآخر لأن طريان الجهالة لا يوجب فساد العقد.\nوكذلك إذا باع عبدين له بألف على أنه بالخيار ثلاثة أيام في واحد منهما بعينه فإن ثمنه لا يجب والبيع لا يعمل فيه ويصح في الآخر ويعمل.\nوكذلك يبقى على الصحة لو فسخ العقد في الذي فيه الخيار لهذا المعنى، واعتبر بالذي ملك ثم فسخ، وهذه مسألة لا خلاف فيها.\nوإذا كان كذلك اقتصرت جهالة دليل الخصوص أو الشك عليه ولم يتعد إلى العام في حق الصيغة فلا يصير العام مجملًا مجهولًا أو مشكوكًا فيه بما وقع في دليل الخصوص كما لو جاء ناسخًا وهو مجمل في نفسه فإن الأول لا يصير منسوخًا به حتى يقترن به البيان ولكن لما كان في حق الحكم بمنزلة الاستثناء على ما بينا أنه يتبين به أنه لم يدخل تحت العموم حكمًا، وإن دخل صيغة اعتبر بالاستثناء في حق الحكم فالجهالة في دليل الخصوص توجب جهالة في حكم العموم فلا يبقى يقينًا.\nوكذلك إن كان الخاص معلومًا لأن النص معلول عندنا في الأصل ما لم يتبين خلافه، والعلة تكون أعم من النص فيتعدى إلى ما وراءه ولكن لا يجب العمل به ما لم يقم دليل لتركه، على ما يأتيك بيانه، فيصير بمنزلة المجمل الذي هو حجة ولكن لا يجب العمل به إلا ببيان.\nفمن حيث قيام دليل موجب حكمًا بخلاف العام لم يبق العام موجبًا علمًا على سبيل القطع من حيث لم يجب العمل بالدليل الذي أوجب التخصيص بقي العام معمولًا به،","vol":"1","page":108},{"text":"والنص المعلوم ورد مخصصًا أو المجهول لما احتمل البيان بتفسيره أو بتعليله كان بمنزلة إرادة المتكلم الذي اعتبرها الشافعي رحمه الله تعالى.\nإلا أن النص ظاهر فاعتبر بالإجماع، والإرادة باطنة فلم نعتبرها بخلاف الاستثناء لأنه تكلم بالباقي بعد الاستثناء ويصير قدر المستثنى كأن لم يتكلم به.\nوإذا كان هكذا لغة على ما يأتيك بيانه في بابه وجب العمل بالباقي قطعًا لعدم دليل يعارضه بنصه أو بعلته لأن ما صار عدمًا حكمًا لا يعلل.\nوبخلاف الناسخ لأن الأول لما تقرر حكمه لم يجز رفعه في زماننا هذا إلا بدليل مثله، حتى لم يجز رفع الكتاب بالخبر الواحد ولا بالقياس، فإذا جاء الناسخ خاصًا فباحتمال أن يكون معلولًا لا يمكن تغيير حكم العام الذي بقي لامتناع جواز النسخ ما ثبت بالنص بعلة مجتهد فيها فأما إذا كان مخصصًا، وهو بيان أن قدر المخصوص لم يرد بالكلام لم يثبت موجب العام قطعًا، وفي معارضته حال ثبوته دليل يمنع الدخول تحته قطعًا أو احتمالًا، بل إذا ثبتت المعارضة قطعًا لم يدخل تحته قطعًا فإذا كان احتمالًا لم يمنع الدخول بل دخل على احتمال أنه خارج إذا تبين ما احتمل كما في الاستثناء، على ما مر فيمن حلف لا يكلم الناس إلا زيدًا وعمروًا أنه لا يحنث إذا كلمهما جميعًا لأن الاستثناء لبيان التكلم بالباقي بعده، فإذا وقع الشك في الاستثناء وقع في الثابت بعده فلم يثبت بالشك، فكذلك ما نحن فيه لما احتمل النص الخاص أن يكون معلولًا بعلة يعمل بها تعدى حكم الاحتمال إلى ما بقي.\nوبالاحتمال لا يمتنع العمل الأول ولكن اليقين يزول عنه به.\nوبعد التعارض يبقى ما كان ثابتًا على ما كان، لمعنى أنه كان ثابتًا فلا يزول إلا بدليل، وما كان طريق بقائه عدم الدليل لم يكن فيه يقين بوجه لأنه لا يثبت إلا بدليل وكان هذا دون الثابت بخبر الواحد والقياس، ولهذا جوزنا ترك العموم الذي ثبت خصوصه بالقياس ولم نجوز ترك موجب الخبر الواحد بالقياس.\nوتبين بما قلنا؛ أن هذا العموم الذي خص منه شيء ليس كقوله: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾ لأن الصيغة منه لم تنعقد موجبة للعموم لفقد المحل، فأشبه الذي فسد صيغته باستثناء بعض مجهول حتى صارت العبرة بما بقي من الصيغة.\nألا ترى أنهم قالوا في الرجل إذا اشترى عبدين بألف فإذا أحدهما حر؛ كان البيع فاسدًا في الباقي، كما لو كانا عبدين فقال: إلا هذا بحصته من الألف لأن الحر ليس بمحل للبيع فسقطت صيغة النص بقدره، كما لو سقط بالاستثناء، فتكون على هذا آية البيع عامة لأنه ظاهر وقوله: ﴿وحرم الربا﴾ كلام آخر معطوف عليه وليس باستثناء، فإجمال الربا لا يوجب إجمالًا في آية البيع ولكن لا يكون موجبًا علمًا على سبيل القطع والله أعلم.","vol":"1","page":109},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>القول في بيان ألفاظ العموم</span>\nألفاظ العموم أربعة أنواع:\nلفظ الجماعة معنى وصيغة كقولنا: رجال ونساء ومسلمون.\nولفظ الجماعة معنى لا صيغة: كالإنس والجن والشيء. فهما نوعا عموم نصًا.\nونوعان آخران لفظًا عموم إبهامًا نحو: \"من\"، فإنها عامة فيمن يعقل.\nو\"ما\" عامة فيمن لا يعقل.\nونحو: كلمة\"الذي\" فإنها عامة كالشيء لكن على سبيل الكناية، و\"أين\" و\"حيث\" يعمان الأمكنة إبهامًا.\nو\"متى\" تعم الأزمنة إبهامًا.\nو\"كل\" يعم الفرد النكرة وغيره كقولك: كل رجل، وكل زيد وكل الناس.\nو\"كلما\" تعم الفعل كلما فعلت فعلًا، لأن كلمة كل خلاف البعض لغة فكانت مشتملة على الأبعاض.\nفهذه أسماء مبهمة عامة فكانت نوعًا.\nوالنوع الآخر: الألف واللام إذا دخلتا على اسم غير معهود كانتا لبيان الجنس.\nفأما قولنا: رجال، فلأن واضع اللغة لم يضع هذه الصيغة إلا علمًا على جمع الآحاد من ذلك الاسم فإنك تقول: رجل واحد، ورجلان اثنان، ورجال ثلاثة، وألف فصاعدًا، ولهذا قالوا فيمن قال: لفلان عليً دراهم؛ أنه يلزم ثلاثة إلا أن يبين أكثر من ذلك لأن أقل ما يتحقق فيه صيغة الجمع على ما قلناه ثلاثة، وعلى ما نذكره من بعد، وما وراءها محتملة فلم يثبت بالشك وقبل البيان.\nوأما الإنس: فاسم خاص صيغة ماله وحدات، ولكن عام معنى لأنه اسم علم على جنس، والجنس يشتمل على أعداد كثيرة، والعبرة للمعنى لا للصورة، وكان اسمًا عامًا.\nفإن قيل: أليس لو حلف لا يشرب الماء حنث بأدنى ما ينطلق عليه الاسم إلا أن ينوي الجميع؟\nقلنا: إن من صرف إلى الخصوص بدلالة العرف وهو أن الحالف إنما يمنع نفسه","vol":"1","page":110},{"text":"باليمين مما يخاف على نفسه فعله، وذلك في نفس شرب الماء لا جميعه فانصرف إليه بدلالة الحال إلا أن ينوي الجميع فيصدق لأنه حقيقة، ولو كان مجازًا لما صدق في القضاء كما إذا نوى التخصيص فيما هو عام، هذا جواب عامة الشيوخ.\nقال القاضي أبو زيد ﵁: والذي يصح عندي أن اسم الجنس عام ولكنه يتناول بحقيقة أدنى ما ينطلق عليه الاسم كما يتناول الكل بحقيقته، لأن القطرة من الماء صالحة لكونها كلًا فإن المياه لو انعدمت كانت القطرة كلًا وكان الاسم لها حقيقة، وكذلك الإنس يعم جنس بني آدم، وكان الاسم لآدم حين لم يكن إلا هو حقيقة، وكان كل الجنس فثبت أن البعض من الجنس صالح في ذاته لهذا الاسم حقيقة، وإنما صار بعضًا بمزاحمة أمثاله لا بنقصان في نفسه، وإذا كان كذلك ساوى البعض الكل في الدخول تحت الاسم فتأدى به حكم الكل إلا بدليل يرجح حقيقة الكل على الأدنى كقولنا: دراهم اسم للثلاثة حقيقة وللألف.\nولهذا قالوا- فيمن قال لامرأته: أنت طالق الطلاق، أو أنت الطلاق ونوى الوقوع-: أنها تطلق واحدة إلا أن يعني ثلاثا ًلأن الألف واللام لبيان الجنس فقام الأدنى مقام الكل في تأدي حكم الخطاب به إلا أن ينوي الكل، وإن أمكن تعليق الحكم بالكل فإنه معلوم ممكن فثبت أن العذر في الماء ليس ما قالوه ولكن ما قلناه، والله أعلم.\nوأما كلمة\"من\" و\"ما\": فمن عامة فيمن يعقل لأنك إن قلت: من في الدار؟ استقام الجواب بكل من يعقل، ولا يستقيم الجواب عنه بالشاة والدابة، واستقام الجواب عنها بالواحد والجماعة فكانت بمنزلة اسم الجنس.\nوإذا قلت: ما في الدار لم يستقم الجواب عنها بالعاقل ولكن بما لا يعقل ألا ترى أن فرعون لما قال لموسى ﵇: ﴿وما رب العالمين﴾ فأجاب موسى ﴿رب السموات والأرض﴾، قال فرعون: ﴿إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾ لأني سألته عن المائية، وهو يجبني عن المنية فما يتناول ما لا يعقل فيكون سؤالًا عن أصل الشيء أنه جوهر أو عرض، ولكن لما تعالى الله عن المائية أعرض موسى عن سؤاله فإن من شأن الحكيم إذا سمع اللغو أن يعرض عنه، قال الله تعالى: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ لأن الكلام كان جوابًا، ولكن بيان أنهم أعرضوا عن اللغو وتحقيق الإعراض بذكر كلام مبتدأ مفيد، فكذلك موسى أعرض عن جواب سؤاله لأنه كان لغوًا، وحقق الإعراض بذكر كلام مبتدأ مفيد وهو أن الله تعالى لا يصير معلومًا بذكر المائية فقد تعالى الله عنها ما هو بجوهر ولا عرض، ولكن يصير معلومًا بصفاته وأسمائه التي تعالى الله بها عن جنس المدبرين والحكماء ممن لهم عقل وتمييز على أن ما يقام مقام \"من\" مجازًا، وإنما الحد الذي قلناه للحقيقة.","vol":"1","page":111},{"text":"فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ ولم يعم هذا المستمعين أجمع!\nقلنا له: لأن الله تعالى أخبر عن معهود استمع إليه وجعل الله تعالى على قلوبهم أكنة و\"من\" في المعرفة لا تعم بل تخص تلك المعرفة لأنها صالحة للخصوص كاسم الجنس على ما ذكرنا فيصير المراد بها إذا أضيفت إلى معرفة تلك العين لا غير، ألا ترى أنه لو قال: من في الدار من عبيدي الذين صاموا؟ لم يتناول غير الصائمين من عبيده لاستخباره عنهم لا غير.\nفأما \"من\" في الاستخبار المطلق والوعد والمجازاة فلا تخص عينًا فتعم لعدم دليل التعيين.\nقال علماؤنا- رحمهم الله تعالى- فيمن قال لآخر: من شاء من عبيدي العتق فأعتقه، فشاؤوا جميعًا: فإنه يعتقهم لعموم كلمة \"من\" فيمن تناولهم، وهو الذي شاء من العبيد.\nفأما إذا قال: من شئت من عبيدي عتقه فأعتقه، كان له أن يعتقهم إلا الواحد بسبب كلمة\"من\" التي وضعت للتبعيض على ما بينا في موضعه، وقد دخلت على العبيد.\nوفي المسألة الأولى دخلت على من شاء العتق فإنه يعم العبيد وغيرهم فميز العبيد من غيرهم وبعضهم، فأما \"من\" فقد أوجب التعميم حيث لم يقتصر على الواحد قال رسول الله ﷺ: \"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن\" وكان عامًا، وقوله: \"من قتل قتيلًا فله سلبه\".\nفأما الألف واللام فإنها للتعريف في أصل اللغة، تقول العرب: رأيت رجلًا، ثم كلمت الرجل، أي كلمته بعينه، قال الله تعالى: ﴿كما أرسلنا إلى فرعون رسولًا، فعصى فرعون الرسول﴾ أي ذلك بعينه، وإذا لم يكن في كلامه نكرة سابقة يمكن تعريفها بالألف واللام اقتضى ضرورة تعريف جنس ما سماه لأنه متعين من بين الأجناس بالاسم إن لم يتعين فرد من أفراد الجنس للتعريف.\nقال علماؤنا- فيمن حلف لا يتزوج النساء، فتزوج امرأة- حنث، كما إذا حلف لا يشرب الماء، بخلاف ما إذا حلف: لا يتزوج نساء، فإنه لا يحنث إلا بثلاث منهن فجعلت الصيغة بسبب الألف واللام عبارة عن الجنس، لأنا لو اعتبرنا معنى الجماعة صيغة الذي هو ثابت من قولنا: نساء على التنكير كانت الألف واللام لتعريف تلك النكرة،","vol":"1","page":112},{"text":"وذلك الاسم يتناول بعض الجنس غير معلومات فلا يمكن تعريفهن فلغى معنى الجماعة صيغة، وكانتا لتعريف الجنس لأن الجنس معلوم، وأما النكرة من الاسم كقول الله تعالى وتعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾، وقولنا: اشتر لي عبدًا بألف درهم، ولفلان علي درهم فللخصوص في أصل اللغة لأنه اسم وضع لفرد من أفرد الجملة، فتقول: رقبة من الرقاب، وعبد من العبيد. ولا تقول: النساء من النساء، ولا الماء من الماء، قال الله تعالى: ﴿إنا أرسلنا إليكم رسولًا شاهدًا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولًا﴾ فالمراد بذلك الواحد، وإذا كان للخصوص لغة قلنا: إذا جاءت في الإثبات خصت صورة ومعنى كقولك: رأيت رجلًا، ولفلان علي درهم، وقد حججت حجة، وكقول الله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ فإنها للإيجاب، ولا تجب إلا واحدة، كقول النبي ﷺ: \"في خمس من الإبل شاة\" ولا يجب إلا واحدة.\nفإن قيل: أليس قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ تناول كل رقبة حتى قيل تخصيص العمياء والمجنونة والمدبرة من الجملة؟\nقلنا: إن الآية للإيجاب ولا يجب إلا تحرير رقبة واحدة، فأما المحل الصالح للأداء فعام ما من رقبة إلا وهي صالحة للتحرير، ولكن الصلاح ليس من حكم النص بل كان صالحًا له قبل النص ولكن كان التحرير قبل النص غير واجب وبالنص انقلب واجبًا فانقلب خاصًا لا عامًا بحكم النص كمن نذر أن يتصدق بدرهم يلزمه درهم، وكل درهم يصلح لأداء الصدقة وليس ذلك بحكم النذر بل كان صالحًا لها قبل النذر، ولهذا قيل: إن النكرة إذا كرر ذكرها كانت الثانية غير الأولى قال الله تعالى: ﴿فإن مع العسر يسرًا * إن مع العسر يسرًا﴾ قال ابن عباس ﵄: \"لن يغلب عسر واحد يسرين\" لأن اليسر كرر بلفظ النكرة، وهذا لأنها تتناول واحدًا من الجملة غير عين.\nولو انصرفت الثانية إلى الأولى لتعينت ضرب تعين بأن لا يشاركها غيرها فيه.\nولو كانت عامة لما كانت شيئًا آخر بالتكرار لأن المسمى على العموم واحد في البابين كاسم الجنس.\nولهذا قال أبو حنيفة ﵁، فيمن قال: لفلان علي ألف درهم وأشهد ثم كررها في مجلس آخر وأشهد: كانا مالين على اعتبار الحقيقة ولهذا لم تعتبر صفة الإيمان بحكم النص وهو قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ لأن النص سكت عن أوصاف الرقبة فيكون إثبات ما سكت عنه النص زيادة عليه لا تخصيصًا، بخلاف العمياء لأن الرقبة اسم لغير الهالكة لغة، والعمياء هالكة من وجه وإذا كانت النكرة في النفي عمت","vol":"1","page":113},{"text":"اقتضاء كقوله: ما رأيت رجلًا، وكقول الله تعالى: ﴿فلا تدعوا مع الله أحدًا﴾ إلا أنا ذكرنا أن الصيغة تناولت واحدًا من الجملة غير عين، فإذا كانت في النفي لم تتصور نفي ما أخبر إلا بنفي الكل فإنه إذا قال: ما رأيت أحدًا، وكان رأى رجلًا وهو واحد من الجنس كان كاذبًا ألا ترى أنه تستقيم العبارة عنه: رأيت رجلًا، وهذا لما ذكرنا أن المنصوص عليه نفي فعل أو إثبات فعل، وما يقع عليه الفعل محل الفعل، والنكرة يتناول أدنى ما ينطلق عليه الاسم من جنسه، فلا يتصور نفي الأدنى إلا بعد نفي الكل فيعم النفي اقتضاء لا نصًا، فأما النص في البابين فما يتناول إلا الأدنى.\nأي\nوأما كلمة \"أي\" فبمنزلة النكرة عندنا لأنها تصحب النكرة لفظًا ومعنى لاستحضارها فيقول: أي رجل فعل هذا، وأي دار تريدها، قال الله تعالى: ﴿أيكم يأتيني بعرشها﴾ أي رجل منكم وهي نكرة معنى لأن المراد بها واحد منهم.\nوقال علماؤنا ﵏؛ في رجل قال لآخر: أي عبيدي ضربته فهو حر، فضربهم جميعًا: لم يعتق إلا واحد وهو الأول.\nفإن قيل: لو قال: أي عبيدي ضربك فهو حر، فضربوه، عتقوا جميعًا، وقال الله تعالى: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملًا﴾ وقد تناول الكل!\nقلنا: لأنه وصف النكرة بالضرب فميز للوصف جنس الضاربين عن غيرهم كما إذا وصف النكرة بصفة عامة كقولنا: لا أكلم الناس إلا رجلًا كوفيًا فإنه يخرج عن اليمين جميع رجال الكوفة لعموم الوصف من حيث انصرافه إلى تمييز الجنس كأنه قال: إلا كوفيًا.\nفأما إذا قال: أي عبيدي ضربته، فالضرب مضاف إلى المخاطب فبقيت العبرة للعبد الداخل تحت كلمة \"أي\" فكان خاصًا كالنكرة.\nفإن قيل: لو قال: أيكم حمل هذه الخشبة فهو حر، فحملوها جميعًا، وهي خفيفة يحملها كل واحد، لم يعتقوا وإن عمهم صفة الحمل.\nقلنا: إنه ما ميز العتق بالحمل مطلقًا، ولكن بحمل الخشبة فإذا حملوها جملة فما اتصف واحد منهم بحمل الخشبة، وإنما اتصف بحمل البعض فلم يوجد الوصف الذي تعلق العتق به، فأما الضرب فيتم من الواحد بفعله وإن ضرب معه غيره، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿أيكم يأتيني بعرشها﴾ إلا أن تكون الخشبة ثقيلة لا يحملها الواحد فإنهم يعتقون لأن دلالة الحال تدل على أن المراد به الحمل الممكن وهو الحمل على الشركة إذ باليمين لا يمنع نفسه عما ليس يمكن عادة، فينصرف المطلق إلى المعتاد إلا أن لا يحتمل","vol":"1","page":114},{"text":"المعتاد، وكذلك قول الله تعالى: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملًا﴾ كان على العموم لعموم صفة العمل الحسن وما ذهب علينا ممن لم نذكره فهو قياس ما ذكرنا والله أعلم بالصواب.","vol":"1","page":115},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>القول في الأسماء الظاهرة التي تتفاوت معانيها ظهورًا من الأسماء المستعملة بين الفقهاء</span>\nهذه الأسماء أربعة: الظاهر، والنص، والمفسر، والمحكم.\nأما الظاهر: فما ظهر للسامعين بنفس السماع، كقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم﴾، ﴿وأحل الله البيع﴾، ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾.\nوحكمه: التزام موجبه بنفس السماع يقينًا وقطعًا، عامًا كان أو خاصًا على ما مر.\nوأما النص: فهو الزائد عليه بيانًا إذا قوبل به بضرب دلالة خاصة بعد دلالة اللفظ بعد ذلك في الظاهر من قولك: نصصت الدابة أظهرت سيرها بسبب منك فوق سيرها المعتاد، وهو اسم لما دون الخبب من الأنواع.\nوالمنصة: العرش الذي يحمل عليه العروس لأنه سبب زيادة ظهور، ولهذا ظن بعض الناس أن النص اسم للخاص وليس كذلك، بل هو اسم لما ذكرنا من تفسيره، ولكن تلك الزيادة لما كانت لا تحصل إلا بقرينة خاصة ظن بعض الناس أنه يختص به فيكون خاصًا.\nوزعم أن الظاهر لا يكون حجة في غير ما سيق له، وإنما السياق دليل النص، وليس كذلك لأن العبرة عندنا لعموم اللفظ لا لخصوص السبب الذي سيق الكلام له على ما سيأتيك بيانه.\nومثاله قول الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ نص في التفرقة بين البيع والربا في صفة الحل والحرمة، وآية البيع ظاهرة تجيز كل بيع وليست بنص لأن الآية ما سيقت لإحلال البيع ولكن لإثبات التفرقة بينهما درًا على الفكرة.\nوكذلك قول الله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ نص على بيان العدد لأنها سيقت لأجله عامة ظاهرة تجيز نكاح ما يطيب لنا من النساء.\nوقوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ نص على وجوب الطلاق للعدة إذا أراد الطلاق لأنها سيقت لبيان الوقت ظاهرة على وجوب الاقتصار على قوله: طلقت،","vol":"1","page":116},{"text":"ليكون الامتثال بالأمر بقدر ما يوجبه الأمر.\nفيكون النص والظاهر مما يجب العمل بظاهرهما وإنما يظهر الفرقان بينهما عند المقابلة فيكون النص أولى من الظاهر.\nوأما المفسر: فالمكشوف معناه الذي وضع الكلام له كشفًا لا شك فيه، سواء كان الكشف من حيث النص بأن كان لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، ولكنه كان خفيًا بكون العربية غربية.\nأو المعنى دقيقًا من الاستعارات فكشف عنه بالدلالة.\nأو كان ظاهرًا ولكنه يحتمل التأويل بدلالة تقوم فسد باب التأويل بالتفسير حتى لم يبق له محمل فصار فوق النص بانسداد باب التأويل بدليل كقول الله تعالى: ﴿فسجد الملائكة﴾ هذا اسم ظاهر للجماعة ولكنه يحتمل الخصوص فلما فسره بقوله: \"كلهم\" انسد باب الاحتمال.\nوحكمة: اعتقاد ما في النص وزيادة أنه لا يحتمل تأويلًا.\nوأما المحكم: فما أحكم المراد منه بحجة لا تحتمل التبدل، من قولك: أحكمت الصنعة إذا أمنت انتقاضها فيصير حكم المحكم بتلك الحجة من قبيل ما لا يحتمل الانتساخ فيصير فوق المفسر لأنه مما يحتمل الانتساخ إن لم يحتمل التأويل، وهذا كقول الله تعالى: ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ وقد ثبت بدليل المعقول أنه وصف دائم أبدًا لا يجوز سقوطه، ولهذا سمى الله تعالى المحكمات: أم الكتاب أي الأصل الذي يجب الرجوع إليه كأم الولد لأن مرجع الولد إليها، ومكة أم القرى لأن المرجع إليها في الحج، وفي آخر الأمر.\nوحكمه: حكم المفسر وزيادة أنه لا يحتمل الانتساخ.\nولهذا الأسماء أضداد:\nالخفي: ضد الظاهر.\nوالمشكل: ضد النص.\nوالمجمل: ضد المفسر.\nوالمتشابه: ضد المحكم.\nفالخفي: اسم لما خفي معناه بعارض دليل غير اللفظ في نفسه فبعد عن الوهم بذلك العارض حتى لم يوجد إلا بطلب، من قولنا: اختفى فلان إذا صار بعارض حيلة صنعها بحيث لا يوقف عليه إلا بطلب، وإنها كآية السرقة فإنها ظاهرة في كل سارق لم يعرف باسم آخر خفية في حق الطرار والنباش لأنهما يعرفان باسمين خاصين، فبعدا عن اسم السارق بسبب اسم معرفة عن اسم السرقة على ما تستبق إليه الأوهام حتى اختلف","vol":"1","page":117},{"text":"العلماء في قطع النباش لشدة الخفاء في حقه.\nوفوق الخفي المشكل: وهو الذي أشكل على السامع طريق الوصول إلى المعنى الذي وضع له واضع اللغة الاسم أو إرادة المستعير لدقة المعنى في نفسه لا بعارض حيلة.\nكما يشكل طريق المنزل إذا دق في نفسه فكان هذا الخفاء فوق الذي كان بعارض حلية حتى كاد المشكل يلتحق بالمجمل، وكثير من العلماء لا يهتدون إلى الفرق بينهما.\nوفوق المشكل المجمل: وهو الذي لا يعقل معناه أصلًا لتوحش اللغة وضعًا، أو المعنى استعارة، وهو الذي يسميه أهل اللسان: الغريب، والغريب: اسم لمن فقد في مكان وجوده عادة، وهو الوطن وصار بحيث لا يوفق عليه بعد الغربة إلا عن استفسار، وهو كقول الله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾ لأن الربا في اللغة: الفضل، ولكن الله تعالى ما أراده فالربح حلال ولكن أراد به بيوعًا محرمة شرعًا بسبب فضل أو غيره، فصارت غربية بأن نقلت عما وضع له واضع اللغة إلى معنى أراده المتكلم، فصار لا يوقف على المعنى المراد إلا بعد البيان، إلا أن يكثر الاستعمال لمعنى معلوم فيصير المعنى بالاستعمال كالأهلي وكالغريب إذا توطن ببلدة عرف بها فكان المجمل فوق المشكل، فالمشكل ما له طريق إلى مراده ولكن اشتبه لدقته وخفائه، والمجمل ما لا طريق إلى مراده ولكن احتمل بيان الطريق.\nوفوق المجمل المتشابه: وهو الذي تشابه معناه على السامع من حيث خالف موجب النص موجب العقل قطعًا ويقينًا التبديل فتشابه المراد بحكم المعارضة بحيث لم يحتمل زوالها بالبيان، لأن موجبات العقول قطعًا لا تحتمل التبديل ولا موجب النص بعد رسول الله ﷺ، قال الله تعالى في المتشابه: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ فكان فوق المجمل الذي يحتمل البيان والله أعلم به.\nوحكم الخفي: وجوب الطلب على العبد بتأمله في نفسه حتى يظهر.\nوحكم المشكل: وجوب الطلب بتأمله في نظيره من كلام العرب مما عقل معناه.\nوأما المجمل فحكمه: التوقف فيه، واعتماد أن ما أراد الله تعالى منه حق إلى أن يأتيه البيان من غيره، كالذي ضل الطريق فسبيله التوقف إلى أن يأتيه من يهديه، وكذلك يلزمه الاشتغال بطلب من يهديه إن رجا ذلك، ثم بعد البيان يلزمه ما يلزمه بالمفسر أو الظاهر عل حسب اقتران البيان به.\nوأما المتشابه فحكمه: التوقف أبدًا على اعتقاد الحقيقة للمراد به فيكون العبد به مبتلى بنفس الاعتقاد لا غير، والله أعلم.","vol":"1","page":118},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>القول في أقسام أنواع استعمال الكلام</span>\nأنواع الاستعمال أربعة: حقيقة، ومجاز، وصريح، وكناية.\nأما الحقيقة: فتفسيرها ما أريد من التكلم ما وضع واضع اللغة الكلام له، لأنه هو الحق منه على ما عليه الوضع.\nوأما المجاز: فتفسيره ما أريد به غير ذلك المعنى، لأنه ليس بحق منه على اعتبار الوضع، ولكن تجوز به على طريق الاستعارة عن المعنى الأصلي لهذا المعنى، وكان هذا المعنى على اعتبار الأصل غير حق من قولك: حبك لي مجازًا، أي: باللسان دون القلب الذي هو معدنه، وهذا الوعد منك مجازًا أي لم ترد التحقيق بل الترويج لأنه باطل على ما عليه أصل العدات في الحكمة، ولهذا سمي المجاز مستعارًا كأن القائل استعاره للمعنى الذي قصده فكساه به، وقد ظهر ظهورًا بينًا من كلام الناس وكتاب الله تعالى، ورسائل الكتبة، وأشعار العرب حتى كاد المجاز يغلب الحقيقة وجودًا أو استحسانًا، وبه توسعة اللسان وملحته.\nفإذا عرفت حديهما علمت أن الحقيقة لا تنال إلا بالسماع، وطريقها الوضع ولا يوقف عليه إلا بالنقل عن واضع اللغة كالنصوص في باب الشرع فإنها لا تثبت حججًا إلا بعد النقل عمن لا يجوز عليه الكذب.\nوأما المجاز فلا حاجة بنا إلى السماع ليثبت لغة يجوز استعمالها بل يثبت من قبل المتكلم، لأن العرب إنما استعارت اللفظ لغير ما وضع له لاتصال بينهما بوجه ما.\nإما من حيث معنى اللفظ كالشجاع يسمى: أسدًا لوجود المعنى المطلوب من الشجاع في الأسد، وكالبليد يسمى حمارًا لهذا المعنى.\nوأما من حيث الذات كالمطر يسمى سماء لاتصال بينهما ذاتًا لأنه من السماء ينزل على ما تراه العيون ظاهرًا، وقال الله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمرًا﴾ أي ماء العنب، وماؤه ليس بخمر حال العصر ولكن قد يتصل هذا العين بذلك الوصف، وقال: ﴿أو لامستم النساء﴾ أي جامعتم لاتصال فعل اللمس بفعل الجماع، وقال ﷺ: \"كل مسكر خمر\"، لاتصال بينهما في معنى المخامرة والإنشاط.","vol":"1","page":119},{"text":"وقال الله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي﴾ أي أنكحت بالإجماع فاستعارت المرأة الهبة للنكاح لاتصال بينهما سببًا، فإن الهبة وإن وضعت لتمليك الرقبة فإنه يتصل بتمليك ملك المتعة اقتضاء، فإن من ملك جارية هبة ملكها متعة وحل له وطؤها إلا بمانع كالعقد سبب لتمليك الوطء إلا بمانع.\nولما كان لفظ تمليك الرقبة سببًا لملك المتعة صح استعارة الألفاظ المملكة للأعيان لعقد النكاح الموضوع لملك المتعة، وصحت الاستعارات بهذين المعنيين من كل متكلم لأن سبب صحة الاستعارة هذا الاتصال الذي أشرنا إليه، وهذا مما يقف عليه كل متكلم إذا تأمل لأن هذا السبب الذي به صحت الاستعارة سمعًا مما يوقف عليه بالتأمل.\nوكان هذا من حجج الشرع كالمقاييس التي أقيمت مقام النصوص لا يتبع فيها السماع، ويصح من كل قايس لأن المسموع من القياس إنما صح لأن النص كان معلومًا بوصف منه لتبين أثره دون سائله فيه في إيجاب ذلك الحكم، ولما صح من السلف بهذا المعنى صح من كل قائس فإن المؤثر مما يوقف عليه بالتأمل في نظائره، والبحث عن وجوه الطلب والاستعارة أمر شائع من الخطباء والكتبة والشعراء حتى استحق الواحد منهم المدح بإبداع الاستعارات والتعريضات فتبين أن المجاز أحد نوعي الكلام.\nوالنوع الآخر هو الحقيقة، وأن للمجاز من الأنواع والعموم والأحكام ما للحقيقة لأنه مستعمل بمنزلته إلا أن المطلق من الكلام لحقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه، لأن معنى الحقيقة أصل منه، والثاني طارئ عليه فلا يثبت ِإلا بدليله.\nومن المتأخرين من ظن أن المجاز لا عموم له، وأنه غلط لأن الاستعارة إقامة المستعار من اللفظ مقام الحقيقة لذلك المسمى الذي استعير له، لولاه لكان المتكلم به مخلًا بالغرض فكان لا يحسن التكلم به.\nفلما كان المستعار أحسن من الحقيقة علم أنه مثله في البيان وأربى عليه بحسن الصيغة.\nوتبين أن حد المجاز ما أثبت المراد بالكلام بظاهره كذلك مجازًا إلا بما لم يتكلم به من ضمن أو اقتضاء ونحوه كما يكون بعينه لو تكلم بالحقيقة الصريح.\nوتبين بما قلنا أن اللفظ الواحد لا يشتمل على الحقيقة والمجاز لأنهما مختلفان لا يجتمعان كالثوب على البدن لا يجوز أن يكون عارية وملكًا في وقت واحد، وكانا عن الانتظام أبعد من المعاني التي تشترك تحت لفظ واحد؛ وقد مر أن المشترك لا عموم له فهذا أولى.\nولهذا لم يجعل علماؤنا المس حدثًا لأن الجماع مراد بقوله: ﴿أو لامستم النساء﴾ وهو مجاز فبطل أن تكون الحقيقة مرادة وهو المس.","vol":"1","page":120},{"text":"وقال علماؤنا بأن النص الموجب لتحريم الخمر لا يتناول سائر المسكرات، لأن الاسم للنيء من ماء العنب إذا غلا واشتد حقيقة ولغيره مجازًا لاتصال بينهما لمعنى مخامرة العقل فلا يدخلان جميعًا تحته.\nوقالوا فيمن حلف لا يأكل من هذه النخلة فأكل من ثمرها، حنث، وهو مجاز لأن النخلة سبب للثمرة، ولو أكل من عينها لم يحنث لأنه حقيقة.\nوقالوا: لو حلف لا يأكل من هذه الشاة فأكل من لحمها حنث، وهو حقيقة ولا يحنث بشرب لبنها مجازًا.\nفإن قيل: لو حلف لا يضع قدمه في دار فلان فدخل ماشيًا حنث، وهو حقيقة ويحنث إذا دخلها راكبًا وهو مجاز.\nقلنا: وضع القدم بعرف اللسان في مثل هذا صار عبارة عن الدخول لأنه سببه فصار كأنه حلف لا يدخل دار فلان فيحنث دخل راكبًا أو ماشيًا بمطلق الدخول الذي هو مجازه، لا بمجاز وضع القدم.\nوحقيقته ونظيره رجل قال: عبده حر يوم يقدم فلان، فقدم ليلًا أو نهارًا أعتق عبده لأنه صار مجازًا عن الوقت، ثم الوقت يدخل تحته الليل والنهار.\nفإن قيل، قد قال أبو يوسف ومحمد– ﵏– في رجل حلف لا يأكل من هذه الحنطة فأكل من عينها: حنث، وهو حقيقة ويحنث إذا أكل من خبزها مجازًا.\nوكذلك لو حلف لا يشرب من الفرات فشرب منه كرعًا حنث، وهو حقيقة ويحنث إذا شرب منه اغترافًا مجازًا.\nقلنا: إنهما يقولان لا أشرب من الفرات عبارة عن ماء الفرات مجازًا، واسم ماء الفرات لا ينقطع بالاغتراف أو الإحراز في آنية لأنها في الظرفية ليست كالفرات فلا تنقطع النسبة الأولى بها، فحنث في البابين لعموم ماء الفرات الذي هو مجاز حتى إذا أخذ الماء من نهر آخر يأخذ من الفرات لم يحنث لانقطاع الإضافة إلى الفرات بالنهر الآخر.\nوكذلك أكل الحنطة بعرف اللسان صار عبارة عما فيه حتى قيل، فلان يأكل الحنطة وإن كان يأكل من خبزها، فصار بمنزلة ما لو حلف لا يأكل ما في الحنطة فحنث أكل عينها أو خبزها لعموم المجاز لأنه أكل ما فيها حال ما أكل عينها. وأبو حنبفة﵁- اعتبر الظاهر فوجد أحدهما حقيقة والآخر مجازًا فلم يجمع بينهما.\nوهما اعتبرا الباطن فوجدا مجازه يعم النوعين فجمعا بينهما العموم بعموم المجاز لا أنهما جمعا بين الحقيقة والمجاز، كمن حلف لا يدخل دار فلان فدخل دار فلان بملك أو عارية حنث، فالملك حقيقة والعارية مجاز لأن المراد به عرفًا الإضافة بملك السكنى","vol":"1","page":121},{"text":"مجازًا، إلا أن ملك السكنى ثابت بحق الملك والاستعارة.\nوقد قالوا فيمن أوصى لمواليه بثلث ماله وهو حر الأصل: لم يعتق، وله مولى واحد أعتقه وموالي مولى، كان نصف الثلث لمولاه والنصف للورثة دون موالي مولاه لأن الحقيقة وهو المولى دخل تحت الوصية فلا يدخل تحته موالي المولى لأنه مجاز، إذ الأسفل في الحقيقة مضاف إلى الذي أعتقه دون الذي أعتق من أعتقه فما وجد من الأعلى إعتاق إياه حقيقة، إنما وجد منه التسبيب بأن أعتق الأول حتى قدر الأول على إعتاق الثاني فكانت الإضافة إليه بالتسبيب فكان مجازًا، فلم يثبت مع الحقيقة.\nكما لو أوصى رجل بثلث ماله لمواليه وله موالي أعتقوه، وموالي أعتقهم لم تصح الوصية لأن الموالي لفظ مشترك يتناول الأعلى والأسفل على السواء بحق الولاء، لكن بمعنيين مختلفين، لأن ولاء الأعلى ولاء منعم وولاء الأسفل ولاء منعم عليه فلما لم يجتمعا ولم يكن أحدهما بأولى من الآخر تدافعا فثبت أنهم أبوا الجمع بين الحقيقة والمجاز، كما أبوا الجمع بين المعاني المختلفة، إلا أن المشترك يصير كالمجمل بحكم المعارضة والمساواة، والذي يحتمل الحقيقة والمجاز تثبت منه حقيقة إلا بدلالة على المجاز لأن الحقيقة أولى على ما مر، وبمثله لو كان للموصي موالي مولى، وما له موالي كان الثلث لموالي المولى دون الورثة قولًا بالمجاز.\nوأما الصربح: فهو اسم لكلام مكشوف المعنى كالنص سواء كان حقيقة أو مجازًا، يقال: فلان صرح فلانًا بكذا أي: خاطبه بأبلغ إظهار لما أراده من مكروه أو محبوب، والعرب تقول: صرح الحق عن محضه إذا انكشفت الرغوة عن محض اللبن.\nوأما الكناية: فخلاف الصريح حتى أن الكلمة ما لم تتم مفهمة بنفسها لم تكن صريحة، والحرف الواحد يجوز أن يكون كناية مثل هاء المغايبة وكاف المخاطبة حتى جعلت الهاء في الكناية تامة، فقيل هو كذا كقول الله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ وهذا لأن الهاء لا تميز بنفسها بين اسم واسم إلا بدلالة أخرى فلم تكن صريحة.\nولما احتملت التمييز بدلالة استقامت كناية عن الصريح فكانت حروف الكناية من الصريح كالاسم المشترك من المفسر.\nمن حيث أن حرف الكناية مما لا يفهم معناها إلا بدلالة أخرى.\nوالصريح اسم لما فهم معناه منه بنفسه.\nوعن هذا سمي كل كلام يحتمل وجوهًا كناية.\nوسمي المجاز قبل أن يصير متعارفًا كناية لاحتماله الحقيقة وغيرها.","vol":"1","page":122},{"text":"ومن معنى الكناية أخذت الكنى فإن الرجل معروف باسم العلم والتصريح عنه يكون بذلك الاسم ثم يكنى عنه بالنسبة إلى ولده، وهي لا تعرفه إلا بدلالة زائدة، وهي معرفة الولد به وتلك الكنية حقيقة وليست بمجاز عن الاسم العلم لأنه لا اتصال بينهما فعلمت أن الكناية قد تكون بالحقيقة وتكون بالمجاز والصريح قد يكون بالمجاز ويكون بالحقيقة.\nوالفقهاء– ﵏– يقولون: لفظ التحريم من كنايات الطلاق، والتحريم في باب الفرقة عامل بحقيقته حتى كانت موجبة للحرمة بخلاف لفظ الطلاق، ولو كان مجازًا عن الطلاق يعمل عمله، ومع هذا سمي كناية في باب الطلاق لأنه احتمل وجود حرمة سوى حرمة الطلاق فلم يكن صريحًا لما لم يكن مراده بينًا، فلعدم ظهور المراد منه بسبب الاحتمال والاشتراك سمي كناية.\nوكذلك الاستعارة الغربية تسمى كناية، وضروب التعريضات تسمى كناية لأنه يراد بها خلاف ظاهرها.\nفالعرب تكني عن الحبشي بأبي البيضاء، وعن الضرير بأبي العيناء ولا اتصال بين الاسمين بوجه، بل بينهما تضاد.\nفثبت أن الكنايات حدها غير حد المجاز، وأنها من ضروب التعريضات فعرضت العرب لما يذم بما يحمل تفاؤلًا.\nوقد يقال ذلك على جهة السخرية، وكما أرادوا من الأمر الزجر بضرب دلالة ويقولون: تربت يداك، على سبيل التعطف فهذه كلها وما أشبهها من ضروب الكنايات دون المجاز الذي حددناه فإن هذه الألفاظ التي ذكرناها ما فيها معاني حقائقها ولا اتصال بينهما ليستحضر معاني الحقائق بها وأنها تجري مجرى أسماء الأعلام لسقوط الاعتبار بالمعنى.\nوسميت كناية حيث أراد به القائل الاسم المعنوي وضعًا تفاؤلًا به فكان كناية عنه بخلاف المجاز فإنه اسم أستعير لغيره لاتصال بينهما لا جواز له بدون الاتصال، والاتصال بين اللفظين مقصور على تشاكل المعنى فيكون للاتصال بينهما معنى أو السببية فيكون الاتصال بينهما ذاتًا، وطريق المجاز مقصور عليهما لأن الشيء يكون شيئًا بذاته ومعناه فلا يتصور الاتصال لغيره بدونهما.\nقال علماؤنا– فيمن قال لعبده وله نسب معروف: هذا ولدي-: عتق عليه ولا يثبت النسب، كأنه أخبر عن حريته فقال أنه عتق على من حين ملكته لأن ما صرح به على حقيقته لو ثبت كان سببًا للعتق عليه من حين ملكه فإن من اشترى ولده عتق عليه فلما تعذر إثبات حقيقته صار مجازًا عن كلمة لأن المجاز أحد نوعي الكلام استعمالًا على ما مر إلا أن الحقيقة أسبقهما ثبوتًا، فإذا تعذر بدلالة وضرب المجاز متعين غير مجهول ثبت","vol":"1","page":123},{"text":"عينا كضرب الحقيقة إذا كان عينًا، وكذلك قال أبو حنيفة– ﵁– فيما إذا كان العبد كبيرًا، يولد لمثله مثله، لأن العتق ثبت من حيث انقلب النص إخبارًا عن عتقه من حيث ملكه مجازًا لا من حيث تثبت حقيقته، وقد يسمى هذا كناية لأن الاستعمال غير ظاهر.\nوقالوا: إذا قال لامرأته: هذه ابنتي، ولها نسب معروف لم تحرم لأن حقيقة ما تلفظ به ليست بسبب الفرقة عن النكاح فإنه لو كان ثابتًا ما كان بينهما نكاح، وكان سببًا لانتفاء النكاح بينهما من الأصل فيصير مجازًا عنه إذ لم يمكن إثبات حقيقته كأنه قال: ما تزوجتها.\nوكذلك قالوا: إن ألفاظ تمليك العين ينعقد بها النكاح بلا نية ولا قصد لأنها متى تحققت فيمن يصلح لملك المتعة كانت أسبابًا لإيجاب ملك المتعة فمتى تعذر إثبات حقائقها بكون المحل غير قابل لها صار مجازًا وكناية عما يوجب ملك المتعة.\nفإن قيل: من اشترى حرًا لم يصح أصلًا فلم يصح كناية عن الإجارة، وإن كان شراء الأصل سببًا لملك المنفعة وقد تعذر إثبات حقيقته في الحر ولم يصر مجازًا عن الإجارة.\nقلنا: إنما يستقيم هذا إذا اتحد محل الحقيقة والمجاز لأن اللفظ المضاف إلى محل لا يعمل في محل آخر، ومحل الحقيقة والمجاز واحد في مسألة العتق والنكاح، لأن المملوك بالشراء والهبة هو العين، وكذلك المملوك بملك بالنكاح في حكم ملك العين على ما بينا في كتاب: \"تحديد الأسرار\"، والثابت بقوله هذا ولدي على حقيقة النسب وأنه وصف يثبت للعين، وكذلك مجازه وهو الحرية يثبت للعين.\nفأما الشراء والإجارة فمحلهما مختلف فالشراء يعمل في العين والإجارة في المنفعة فلذلك لم يصر مجازًا، ألا ترى أنه وإن صار مجازًا في ذلك المحل لم يقدر على العمل.\nفإن قيل: لو قال؛ آجرتك عبدي هذا يومًا عمل العقد عمله، وإنما أضاف إلى العين.\nقلنا: تفسير قولنا: آجرتك هذا العبد، أني ملكتك منافعه شهرًا بكذا فهو لفظ وضع لتمليك المنفعة، وإن كانت مضافة إلى الرقبة صورة.\nفأما البيع فمضاف إلى الرقبة صورة ومعنى فمتى صار مجازًا صارًا مجازًا موجبًا في ذلك المحل، والإجارة لا تعمل في العين فلم يصح، حتى إذا قال: بعت منافع عبدي شهرًا بعشرة دراهم كانت إجارة صحيحة بلفظ البيع، وأهل المدينة يسمون الإجارة بيعًا، ولذلك أول علماؤنا خبر بيع المدبر أنه كان إجارة.","vol":"1","page":124},{"text":"قالوا: وإذا قال لامرأته: أنت حرة ينوي طلاقها طلقت، لأن التحرير سبب لإزالة ملك المتعة فإن من اعتق أمته حرمت عليه فاستقام أن يكون مجازًا عن الطلاق الموضوع لقطع هذا الملك إلا أنه لا يصير كناية عنه إلا بالنية لأن المحل المضاف إليه هذا الوصف كان قابلًا لهذا الوصف على حقيقته فلا يكون مجازًا إلا بدلالة زائدة.\nوإذا قال لأمته: أنت طالق ينوي عتاقًا لم يصح، لأن الطلاق لو تحقق لم يكن سببًا للعتاق فلم يكن بينهما اتصال بالسببية، ولا اتصال بينهما من حيث المعنى لأن العتاق عبارة عن قوة لذات الموصوف به، يقال: عتق الطير إذا قوي وطار عن وكره، فكذلك الشخص إذا قوي حكمًا حتى لم ينفذ عليه حكم الاستيلاء ولم يتملك بأسباب الملك بقوة دافعة أثبتها الله تعالى له نعمة وكرامة قيل عتق وإذا ضعف فصار عرضة للتمليك بأسباب الملك والاستيلاء ولم يقدر على الدفع قيل: رق، والطلاق لا ينبئ عن هذه القوة بل ينبنئ [ينبئ] عن رفع المانع عن استعمال قوة كانت من قولك: أطلقت فلانًا عن القيد فطلق، وأطلقت الدابة عن الوثاق فإن القيد ما يضعف الدابة ولكن يمنعها عن المشي فكان الطلاق لإزالة المانع عن استعمال قوة كانت فلم يبق بينهما اتصال معنى فما لإزالة المانع معنى العلة.\nوإذا كان كذلك لم يثبت أحدهما بالآخر من حيث المعنى، وإنما يثبت بالسببية فيثبت بالعتاق الطلاق لأنه سبب لإزالة ملك المتعة متى ثبت بنفسه في محل المتعة ولا يكون الطلاق قط سببًا لإزالة ملك الرق وإن وجد فيه، وهذا كما تثبت العارية بالهبة إذا أضيفت إلى المنفعة ولا تثبت الهبة بالعارية لأنه لا اتصال بينهما معنى فإن أحديهما تغير صفة الذات فإن الملك ثابت للذات والأخرى صفة المنافع فالملك بالعارية يثبت فيها.\nوالمنفعة ليست بمعنى العين وما تحقيق المنفعة إلا العمل فلا تستقيم الاستعارة من حيث المعنى، ولكن من حيث السببية فاستقام من جانب ما هو سبب للآخر كالهبة للعارية ولم يستقم من جهة ما ليس بسبب كالعارية للهبة. ألا ترى أن ضد العتق الرق وضد الطلاق والنكاح والرق ما فيه معنى النكاح بوجه فإنه ينبئ عن ضعف حكمي يعجز به عن دفع نفوذ أسباب الملك عليه فيصير كالبهيمة، والنكاح لا ينبئ عن الضعف بل ينبئ عن ملك يثبت كرامة يتوصل به إلى اقتضاء الشهوات واستحداث النسل وإقامة مصالح المعيشة.\nفلما لم يكن الرق بمعنى ملك النكاح لم يكن ما وضع لإزالة الرق بمعنى ما وضع لإزالة ملك النكاح ضرورة وما روي عن النبي ﷺ أنه قال: \"النكاح رق\" محمول على مجاز الرق لضرب ملك يثبت بالنكاح لا حقيقة.","vol":"1","page":125},{"text":"فإن قيل: أليس من قال لآخر أعتق عبدك عني على ألف درهم يصير متملكًا بألف ثم معتقًا فصار مجازًا عن الشراء وليس بينهما اتصال معنى ولا سببية، وكذلك شراء القريب إعتاق وما بينهما اتصال معنى؟\nقلنا: إن الشراء بقوله: أعتق عبدك عني ليس يثبت على طريق أن العتاق يصير مجازًا عنه ألا ترى أن العتق يثبت بنفسه، وقد ذكرنا أن اللفظ متى صار مجازًا عن غيره سقطت حقيقته وإنما يثبت الشراء مقتضى هذا العتق فإن العتاق لا يقع إلا أن يكون العين مملوكًا له فاقتضى العتق عنه شرطه، وهو ملك المحل على ما بينا في موضعه، فالمقتضى حده ما يثبت ضرورة ثبوت النص بنفسه على حقيقته لا باللفظ وإنه صار عبارة عنه على ما بينا في حد المقتضى من بعد وأنه ليس من باب المجاز في شيء وأنه من ضروب الكناية.\nوكذلك شراء القريب إعتاق لا على سبيل أن الشراء يصير مجازًا عنه ولكن على سبيل أن الشراء ثابت بنفسه موجب للملك على حقيقته ثم العتق موجب الملك على ما بينا في موضعه فصار الشراء بمنزلة العلة في إضافة الحكم الثاني، وهو العتق إليه لأنه علة العلة، ولم يكن علة بنفسه من حيث يصير مجازًا عن العتق، ألا ترى أنه كيف ثبت بنفسه لم يثبت العتق بناء عليه وعلى هذا إذا قال لامرأته: اعتدي، ونوى به طلاقًا طلقت على طريق أنه يقتضيه إذا أراده لأن الطلاق شرط العدة ألا ترى أن حقيقته وهي العدة ثبتت بنفسها، وبالله التوفيق.","vol":"1","page":126},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>القول في أقسام ما يترك به حقيقة اللفظ بلا معارضة</span>\nإن حقيقة اللفظ تترك بوجوه أربعة:\nأ- دلالة عرف الاستعمال لسانًا.\nب- ودلالة اللفظ في نفسه.\nج- ودلالة المتكلم في صفته.\nد- ودلالة محل الكلام من حيث صلاحه له.\nفهذه وجوه يجب ترك حقيقة اللفظ بها لا على سبيل معارضة لفظ آخر إياه.\nفأما عرف اللسان: فلأن الكلام وضع للإفهام وأن المتعارف استعمالًا يستبق الأوهام كالصلاة إذا أطلقت انصرفت إلى هذه العبادة الشرعية، وهي مجاز دون الحقيقة لغة لغلبة الاستعمال، وكذلك الصوم والحج.\nوإذا حلف لا يضع قدمه في دار فلان انصرف إلى الدخول مجازًا حتى إذا دخلها راكبًا أو ماشيًا يحنث.\nوإذا قال: يوم يقدم فلان فعبده حر، فقدم فلان ليلًا أو نهارًا عتق عبده وصار بعرف اللسان عبارة عن الوقت بلا إرادة.\nوإذا حلف لا يأكل لحمًا لم يحنث بأكل السمك بلا نية لأن اللحم بعرف اللسان لا يراد به لحم السمك إلا مقرونًا بالسمك لنقصانه في نفسه من حيث معنى اللحم، فيقال: أكلنا لحم السمك فلم ينصرف إليه بدون القرينة.\nوكذلك لو حلف لا يأكل بيض العصفور لا يحنث لأنها لا تسمى بيضًا إلا مقرونة بالعصفور لمعنى النقصان.\nوالدراهم مطلقة تنصرف إلى نقد البلد لأن غيره لا يسمى دراهم إلا مقرونًا بالبلد الذي هو نقده لنقصان حال الرواج في بلدهم.\nفإن قيل: لو حلف لا يأكل لحمًا فأكل لحم آدمي أو خنزير حنث!\nقلنا: لأن اللحم إنما سمي لحمًا لصورة معنوية بمعنى خاص امتاز به عن غيره، وتلك الصورة بمعناها غير مختلفة فيهما، وإنما قل الاستعمال تسمية لحرمتهما وعدم","vol":"1","page":127},{"text":"الاستعمال أكلًا، فلم يفتقر إلى القرينة للإلحاق بالجنس ولم يمتنعا عن الدخول تحت المطلق، فأما لحم السمك فدون سائر اللحوم في الإغذاء لأن اللحوم تتولد من الدم ولا دم للسمك، وكذلك الجراد فكانت القرينة لإلحاقها بسائرها فلم يلتحق بها بدون القرينة كالصلاة المطلقة لا تدخل فيها صلاة الجنازة لأنها ناقصة، وإنما التحقت بالصلاة بالقرينة، وكذلك البيض من هذا القبيل بدلالة عدم الأكل عرفًا لا لحرمة مانعة بل لقلة رغبة فيها فكانت القرينة في الخنزير لبيان أنه من جنس المحرمات لا لبيان أنه من جنس اللحوم.\nوإذا قال: كل مملوك له حر لم يدخل تحته المكاتب لأنه اختص باسم آخر لنقصان حاله في المملوكية، لأنه بين الحر والعبد مالك من وجه، مملوك من وجه، فصار الاسم علمًا على خروجه عن مطلق المماليك، وكان هذا أمنع من الدخول تحت المطلق من دون القرينة ولم يمتنع المكاتب من الدخول تحت المطلق، قوله: ﴿فتحرير رقبة﴾ لأن الرقبة اسم لصورة مرقوقة والرق تام على ما بينا في موضعه والصورة التامة.\nوكذلك النباش لا يدخل عند أبي حنيفة ومحمد﵄- تحت مطلق اسم السارق لأنه اختص باسم لنقصان حال السرقة لأنه اسم لأخذ مال محرز بحيلة من صاب محرز، ومعنى الحرز بالقبر ناقص أو فائت لأنه يوضع فيه للبلى، وكذلك الإحراز من صاحبه الميت فائت ولا يحتاج إلى حيلة لأجله.\nوالطرار داخل تحته وإن اختص باسم الطر. لأنه اختص به لزيادة معنى على السرقة، وهو اللطف في العمل، والحذق في الأخذ لأنه يأخذها مجاهرة على مثال الأخذ من غافل أو نائم بلطف الصنعة كالصرف يدخل تحت مطلق اسم البيع لأنه اختص باسمه لإيجاب زيادة حكم وهو القبض في المجلس للبدلين جميعًا.\nوأما دلالة اللفظ: في نفسه كقوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارًا﴾ دل سياق الآية على أن صدرها للتهديد وهذا نظيره مما قرن باللفظ ما يوجب ترك حقيقته إلى وجه يحتمله.\nومثاله من ألفاظنا قول الرجل: لفلان علي ألف درهم إن شاء الله تعالى، فإنه لا يلزمه شيء لأن العرب تتكلم بالخبر مرسلًا ومعلقًا فكان التعليق بيانًا أنه لا إرسال فلا يلزمه حكم الإرسال.\nوإذا قال: لفلان علي ألف درهم لسبب، لزمه المال وبطل قوله: لسبب، لأنه لا بيان فيه بوجه بل هو رجوع محض والكلام لا يحتمله.\nوأما دلالة المتكلم في صفته: فكقول الله تعالى: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك﴾ الآية، فإنها أوامر أريد بها التوبيخ بدلالة أن الله تعالى لا يوصف بجواز الأمر بالكفر عليه، ومن هذا القبيل قولنا: تربت يداك، فإنه محمول على الخير","vol":"1","page":128},{"text":"بدلالة حال الداعي، وكذلك قول العبد: اللهم اغفر لي، يجعل سؤالًا بدلالة حال القائل وهو العبد فإنه لا يليق بحاله طلب النعمة من مولاه إلزامًا، وإنما يليق سؤالًا وقد قال علماؤنا فيمن دعي إلى غداء فقال: والله لا أتغدى: إنه ينصرف إلى ذلك الغذاء في ذلك الفور لأنه أخرج كلامه مخرج الجواب والحال حال الحاجة إلى الجواب فصار جوابًا بدلالة الحال فاقتصر حكمه على موجب السؤال وهو أكل ذلك الطعام في الحال.\nوأما دلالة المحل: فنحو قول الله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾ فالمحل عام لم يقبل تعميم النفي باستوائهما في صفات كثيرة محسوسة علم أن المراد به نفي المساواة من وجه دون وجه، وإذا حلف الرجل لا يبيع فباع حرًا لم يحنث لأن المحل غير قابل فسقطت حقيقته بالمحل.\nوأما ترك الكلام بدليل معارض كالنسخ والتخصيص فليس من هذا القبيل، لأن دليلي النسخ والتخصيص كلامان آخران يعارضان معنى النص الأول إلا أن المقارن يوجب التخصيص، والمتأخر يوجب النسخ، وامتناع عمل اللفظ بحكم المعارضة ليس من أبواب بيان موجب اللفظ في نفسه.\nوإنما سمي التخصيص بيانًا لأنه من حيث المعنى كالمتصل به حتى لم يصح وروده متأخرًا عنه فجرى الاستثناء من هذا الوجه فكان بيانًا، ولكن لما كان بنص آخر فنفصل عنه صيغة أشبه المعارض والناسخ، فنزل منزلة بين المنزلتين.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>القول في أقسام الأحكام الثابتة بالنص الظاهر دون القياس بالرأي</span>\nهذه الأقسام أربعة:\nأ- الثابت بعين النص.\nب- والثابت بإشارة النص.\nج- والثابت بدلالة النص.\nد- والثابت بمقتضى النص.\nفأما النوعان الأولان: فالثابت بالنص ما أوجبه نفس الكلام وسياقه.\nوالثابت بالإشارة ما لا يوجبه سياق الكلام ولا يتناوله، ولكن يوجبه الظاهر نفسه بمعناه من غير زيادة عليه أو نقصان عنه، وبمثله يظهر حد البلاغة ويبلغ حد الإعجاز ويكون على مثال من ينظر فيرى شخصًا بإقباله عليه، وآخرين يمنة ويسرة بغمز عينه.\nويرمي سهمًا فيصيب صيدين أحدهما قصدًا على ما يوجد في العادة والآخر فضلًا على ما يوجد في العادة بزيادة حذقه في الباب وذلك نحو قوله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين﴾ الآية، فإنها نص على إيجاب سهم لهم من الغنيمة، فالآية سيقت لبيان قسمة الغنائم وإشارة إلى زوال أملاكهم بمكة بقهر الكفار، فالفقير في الحقيقة عديم الملك لا البعيد عن الملك لأنه ضد الغنى والغني من ملك المال لا من أصابه بيده حتى كان المكاتب فقيرًا وإن أصاب كثيرًا.\nونحو قول الله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾ فهو نص على بيان منة الوالدة على الوالد، فالآية سيقت له وإشارة إلى أن أقل مدة الحمل ستة أشهر فمدة الفصال حولان بنص آخر (وفصاله في عامين) فاختفى هذا الحكم على الصحابة واختص بفهمه عبد الله بن عباس ولما أظهره قبلوه منه.\nومنها قول الله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ فالآية نص على إيجاب رزق الولد على الوالد، وفيه إشارة بالإضافة إلى الوالد بلام التمليك إلى أن الأنساب إلى الآباء، وإلى علة اختصاص الأب بالتزام النفقة فإنها تجب بسبب الإضافة إليه بلام التمليك كما تجب نفقه عبده.\nومنها قول الله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ إلى قوله: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ فالآية","vol":"1","page":130},{"text":"نص على إباحة الأكل والشرب والجماع جميع الليل.\nوفيها إشارة إلى صحة الصوم مع الجنابة فإن من ضرورة الجماع إلى النهار أن يصبح جنبًا وقد أمر بالصيام بعد ذلك.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ نص على وجوب الصوم نهارًا وفيه إشارة إلى تأدي الصوم بالكف عن الأكل والشرب والجماع لأن الآية سيقت لبيان قسمة الزمان للفطر والصوم إذ الصوم لا يمكن وصالًا فلا بد من أن يكون الزمان في حقه قسمين.\nفقسم الليالي للفطر وجعل العلم عليه علة فعل الجماع والأكل والشرب فكانت القسمة إشارة إلى أن العلم على قسم الصوم ضده وهو الكف عن الأكل والشرب والجماع فيصير بإشارة النص الكف عنها نمطًا وركنًا به يتأدى الصوم ضرورة معرفة ضد الشيء بعلم هو ضد علم الآخر.\nوقال الله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ إلى قوله: ﴿أو كسوتهم﴾ فكانت الآية بكلمة أو نصًا على أن الواجب أحد الفعلين والخيار إلينا.\nوبكلمة الكسوة إشارة إلى أن تمليك الكسوة شرط دون تمليك الطعام لأن الواجب علينا فعل التكفير كما في العبادات فحقوق الله تعالى قبلنا أفعال ابتلانا بإقامتها أو الكف عنها، وقد شرع التكفير بالطعام بالفعل وهو الإطعام كما شرع التكفير بالتحرير فصار الواجب الفعل الذي يسمى إطعامًا لغة إلا أن لا يصلح فنزيد ضرورة ما فيه الكفاية.\nوالإطعام اسم لفعل يتصف به الغير بطاعم فمتى اتصف الغير بطاعم بتسليط من قبل إنسان كان المسلط مطعمًا لغة لأنه متعدي من طعم كالإجلاس متعد من جلس وذا القدر يكفي للتكفير لأن ملكه يتلف بالإطعام إذا تم.\nوالكفارة قد شرعت بإتلاف الملك بالتمليك كالتحرير فلم تجز الزيادة.\nوشرع الآخر بلفظ الكسوة، وهو اسم لما يكتسى لا لفعله والتكفير فعله فاضطررنا إلى زيادة فعل منه لتصير الكسوة كفارة لذلك الفعل، وإنما تصير الكسوة كفارة بفعل يخرج الكسوة عن ملكه لأن التكفير يكون بالإخراج عن ملكه إلى ملك غيره.\nوقد يكون بالإخراج لا غير وهو الأدنى وبأن يكسو الفقراء عارية لا يخرج عن ملكه فلا يكون فعل تكفير وقد اضطررنا إلى ما يخرج، وما ذلك إلى إخراج بتمليك فتزيد ضرورة وإشارة بلفظة الإطعام والكسوة إلى أن المصروف إليه صار أهلًا لحاجته إلى الطعام والكسوة لأن الله تعالى ما شرع صلة مالية إلا للحاجة إليها.","vol":"1","page":131},{"text":"ولما خص هذه الصلة بالكسوة وهي اسم لثياب تكتسى وبالإطعام علم أن سبب الاستحقاق حاجة خاصة أيضًا، وهي الحاجة إلى الإطعام والإكساء وهذه الحاجة مما يتجدد بالأزمنة لفقير واحد على أصل الخلقة، فصار الواحد على اختلاف الأزمنة المجددة للحاجة قائمًا مقام العشرة بإشارة النص إلى هذه العلة، لا بذكر بالنص فصارت الآية نصًا على شرع أنواع ثلاثة، ونصًا على التخيير، وإشارة باختيار اسم الفعل لأحدهما واسم الثوب للآخر على تعليق الحكم بعين المنصوص عليه من الفعل، وبزيادة على المنصوص عليه من اسم الثوب.\nوإشارة أيضًا باختيار الاسم المشتق من الأكل والاكتساء اللذين لا يتصوران إلا بحاجة إلى العلة التي بها صار الفقير أهلًا للصرف إليه فجرت الإشارة من النص مجرى التعريض والكناية من الصريح والمحتمل من المحكم أو المشكل من الواضح الذي لا ينال المراد به إلا بضرب تأمل، وتبين ثم قد يوجب العلم بموجبه بعد البيان، وقد لا يوجب وإنه من أبلغ الكلام فقد أصاب عرضين بنص واحد فهذان نوعان ظاهران ثابتان بالظاهر نفسه بلا زيادة ولا نقصان والله أعلم.\nوأما الثابت بدلالة النص: فما ثبت بالاسم المنصوص عليه عينًا أو معنى بلا خلل فيه، ولكن في مسمى آخر هو غير منصوص عليه.\nفمن حيث كان الموجب ثابتًا بمعنى النص لغة بلا خلل لم يكن الحكم في المحل الذي لا نص فيه ثابتًا قياسًا شرعيًا، لأن معناه بلا خلل فيه معروف باللغة لا بالشريعة.\nومن حيث ثبت في محل لا نص فيه لم يكن منصوصًا عليه بعينه فسميناه دلالة النص لأن الحكم أبدًا يعم بعموم موجبه فالمحل المنصوص عليه وإن كان خاصًا فالموجب عام فدل عمومه على عموم الحكم لما لا نص فيه.\nمثال قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾ فالتأفيف حرام نصًا والشتم والقتل دلالة النص حتى فهمه كل من عرف معنى النص لغة كما لو كان النص عامًا، وذلك لأن الحرام بالنص التأفيف وإنه اسم وضع لكلام فيه ضرب إيذاء واستخفاف فصار حرامًا بمعناه لا بصورة النظم حتى لا يحرم على قوم لا يعقلون معناه أو كان عندهم هذا اسمًا لضرب كرامة فكانت الصورة محلًا للمعنى.\nولما كان سبب الحرمة معناه وهو الإيذاء وإنه بقدره موجود في كلمات أخر وأفعال من الضرب والقتل مع زيادة ثبتت الحرمة عامة، ولم يكن قياسًا.\nفالقياس منا: استنباط علة من النص بالرأي ظهر أثرها في الحكم بالشرع لا باللغة متعدية إلى محل لا نص فيه كما قلنا في قوله ﷺ: \"الحنطة بالحنطة\" إنه معلول","vol":"1","page":132},{"text":"بالكيل والجنس بالرأي لأنه ليس بعين الحنطة ولا عين معناها لغة، ولا ما أوجبه النص.\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤] فإنه نص على إيجاب القضاء على المسافر إذا أفطر.\nودليل على إيجاب القضاء على من أفطر بغير عذر لأن القضاء بالإجماع لا يجب إلا بعد وجوب الأداء.\nفوجوب الأداء في حق المسافر لما أوجب القضاء إذا لم يصم مع العذر المبيح للتأخير فإذا زال العذر والوجوب قائم مع ترك الأداء بلا عذر في حق غيره فكان الحكم ثابتًا من طريق الأولى.\nوروي أن ماعزًا زنا وهو محصن فرجم فصار رجمه ثابتًا بالنص، ورجم من سواه إذا زنا وهو محصن ثابت دلالة لأنا عرفنا بالنص وبالإجماع أن السبب الموجب في حق ما عززناه في إحصانه لا كونه ماعزًا، وهذا السبب يعم غيره فكذلك حكمه.\nوقال ﷺ: \"الهرة ليست بنجسة لأنها من الطوافين والطوافات عليكم\" فثبتت الطهارة للهرة نصًا وللحية بدلالة النص لعموم العلة.\nوقال ﷺ للمستحاضة: \"إنه دم عرق توضئي لكل صلاة\" فوجب الوضوء عليها بدمها نصًا، وعلى غيرها بسائر الدماء دلالة لعموم العلة فالعلة منصوص عليها في هذين البابين وبمنزلة المنصوص عليه فيما مضى.\nلأن معنى النص لغة الذي لأجله صح وضع الاسم دون غيره بمنزلة المنصوص عليه لأن الكلام ما صار مفيدًا ولا موجبًا إلا بمعناه.\nوكذلك الله تعالى أوجب الحد على الزاني ثم أوجب عامة العلماء الحد على اللوطي دلالة فإن الحدود لا تثبت قياسًا فقالوا: إن الزنا اسم لفعل حرام لغة وهو اقتضاء شهوة الفرج على قصد اقتضاء الشهوة بسفح الماء لا غير، ولهذا سمي سفاحًا لا لقصد الولد.\nواللواطة من حيث اقتضاء الشهوة وسفح الماء على سبيل تضييع النسل مثل الزنا بل أبلغ.\nأما الاشتهاء فالمحلان فيه سواء طبعًا.\nوأما الحرمة فآكد في حق اللواطة شرعًا وعقلًا لا تزول بحال في هذا المحل.\nوأما الضياع فلأن الولد لا يتخلق في هذا المحل أصلًا فتعدى الحكم إليها لعموم","vol":"1","page":133},{"text":"معنى الزنا، إلا أن أبا حنيفة ﵁ يقول فيه معنى زائدًا وهو أن الحدود شرعت زواجر، وليست اللواطة كالزنا في الحاجة إلى الزاجر.\nلأن الزنا مما يرغب فيه الفاعل والمفعول بها، واللواطة لا يرغب فيها المفعول به طبعًا.\nولأن في الزنا ضياع النسل وفساد فراش الزوج، وليس في اللواطة فساد الفراش فلم تساويه جناية.\nومن ذلك أن النبي ﷺ قال للذي أكل وشرب ناسيًا: \"أتم على صومك فإن الله تعالى أطعمك وسقاك\" فسقط حكم الفطر من الأكل بالنص، ومن الجماع بدلالة النص.\nلأن المسقط من حيث النص نسيانه للصوم وإنه يتعدى إلى الجماع، والجماع مفطر مثل الأكل سواء.\nوكذلك كفارة الإفطار على الأعرابي الذي جامع امرأته في نهار رمضان ثبت بالنص، وعلى غيره بدلالة النص بالإجماع.\nوكذلك يجب بالأكل والشرب بدلالة النص لأن الجماع أوجبها بالإجماع لا بمعناه وقوعًا على المرأة، وهو اقتضاء شهوة الفرج فإنه لو كان سببًا لصومه لا يجب ولكن بمعناه وقوعًا على الصوم فإنه مفطر للصوم، والكفارة كفارة فطر، ومعنى الإفطار عام تعلق به وبالأكل والشرب سواء لأن الصوم كان صومًا للكف عن اقتضاء شهوة البطن والفرج، فلما استويا في قيام الصوم بالكف عنهما استويا في انتقاضه بفعلهما ضرورة، وذلك هو الإفطار.\nولما كان الإيجاب في الأكل بالإفطار الذي هو في الجماع لم يكن قياسًا بل كان عملًا بمعنى الاسم الثابت نصًا إلا أنه اسم شرعي فالأكل اسم للإفطار شرعًا كالصوم بل كان القياس ما قاله الشافعي رحمه الله تعالى في أن من أكل مكرهًا لم يفسد صومه كالناسي لأن الكره غير النسيان اسمًا ومعنى.\nفلما لم يكن الحكم مضافًا إلى الموجب الثابت بالنص بل إلى غيره كان قياسًا فكان فاسدًا لأن النص معدول بحكمه عن القياس على ما بينا في موضعه.\nومن ذلك قول النبي ﷺ: \"لا قود إلا بالسيف\" فوجب القود بالسيف بالنص، وبالرمح لأنه مثل السيف فالمراد بالسيف هو القتل به لا قبضه، والرمح مثله قتلًا به، وكذلك السهم وما يجرح.","vol":"1","page":134},{"text":"ومن ذلك الجماع لما أوجب على الرجل الكفارة بعلة الفطرية نصًا دل على الإيجاب على المرأة لأن الجماع يعمهما.\nولما صح صوم عاشوراء بالنية من النهار وهو واجب نصًا بالأمر دل على صحة صوم رمضان وإن لم يتناوله النص لأنه مثله في صفة الوجوب، وهو أنه واجب بسبب ذلك الوقت عينه لا سبب له غيره.\nوضرب الدلالة من باب البلاغة معنى.\nوضرب الإشارة من باب البلاغة لفظًا فذلك لفظ تضمن معنيين وهذا لفظ في محل خاص تضمن معنى عامًا فكانا من ضروب الفصاحة.\nوقد قال الشافعي ﵀: إن الكفارة لما وجبت بقتل الخطأ فبقتل العمد أولى لأن الخطأ عذر مسقط لا موجب لحقوق الله تعالى، فلما لم يسقط ضمان الكفارة مع قيام العذر فبدون قيامه أولى كما قلنا نحن في قضاء صوم السفر.\nوكذلك الكفارة لما وجبت باليمين المعقودة إذا حنث فيها وصارت كاذبة فالتي هي كاذبة من الأصل أولى بالإيجاب لوجود ذلك الكذب فيه وزيادة إلا أن نقول بالقتل خطأ وجبت الكفارة لا بنفس القتل لأن نفسه فعل محظور إذا كان بغير حق، وإنما يأخذ صفة الإباحة بالخطأ فإن الشرع أباح له الرمي باجتهاده.\nولا بد لسبب الكفارة من صفة الإباحة مع صفة الحظر لأن في الكفارة معنى العبادة، ومعنى العقوبة على ما بينا من بعد.\nووجوب العبادات لا يتعلق بارتكاب المحظورات والمعاصي، بل بأسباب مباحة موجبة كملك النصاب.\nووقت الصلاة، والعقوبات تتعلق بارتكاب الجرائم، فإذا اجتمع لها صفة العبادة والعقوبة لم يجب إلا بسبب مباح محظور فلم يصر الحرام المحض بمعنى ما فيه الإباحة في صلاحه سببًا للكفارة.\nوكذلك اليمين الغموس حرام محض ما فيه وجه إباحة شرعًا، والمعقودة مباحة فإن الشرع أمر به في بيعة الرسول ﷺ والحلف الحق محظورة من وجه لقوله تعالى: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ أي لا تحلفوا، وقوله: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ الآية فكان الوجوب معلقًا في المعقودة بالوصفين جميعًا فلا يصير الحرام المحض من جنسه بل الحرام المحض من جنس الزنا والردة والسرقة فلا يصلح سببًا للكفارة بل للعقوبة المحضة إما في الدنيا وإما في الآخرة.\nوأما النوع الرابع وهو المقتضى فزيادة على النص لم يتحقق معنى النص بدونها","vol":"1","page":135},{"text":"فاقتضاها النص ليتحقق معناه، ولا يلغو فصار حكم المقتضى مضافًا إلى النص لأن النص أوجب المقتضى فصار المقتضى مع حكمه حكمين للنص، كشراء الأب إعتاق حكمًا، وإن لم يوجب العتق بنفسه بل بزيادة الملك، ولكن الملك لما ثبت بالشراء كان حكمه، وهو العتق مع الملك حكمين للشراء فكذلك ها هنا، ولما أضيف المقتضى مع حكمه إلى النص صار بمنزلة الحكم الثابت بالنص بعينه بلا مقتضى ولم يكن قياسًا وهذا لا خلاف فيه، إنما الخلاف في أن المقتضى هل له عموم النص أم لا؟\nقال علماؤنا: لا عموم له.\nوقال الشافعي: له عموم لما ذكرنا أن الحكم الثابت به بمنزلة الحكم الثابت بالنص، والحكم الثابت بالنص، والحكم الثابت بالنص له عموم فكذلك هذا إلا أنا نقول أن مقتضى النص ساقط من النص بنفسه في الأصل لا حكم له، وإنما يثبت ضرورة أن يصير الكلام مفيدًا فيتقدر بقدر الضرورة.\nوإذا ثبت بقدر ما يصير الكلام مفيدًا زالت الضرورة المثبتة فسقط ثبوته كالميتة حكمها الحرمة في الأصل، والحل يثبت بالضرورة فيتقدر بقدرها، وهو قدر سد الرمق دون ما سواه من التمول والحمل والشبع، بخلاف الثابت بالنص نفسه لأن ثبوت معناه منه الأصل فلا يسقط إذا كان عامًا إلا بدلالة كحل الذبيحة.\nومثاله: قول الله تعالى: ﴿وسئل القرية﴾ أي أهلها اقتضاء لأن السؤال للتبيين، فاقتضى موجب هذا الكلام أن يكون المسؤول من أهل البيان ليفيد فيثبت الأهل زيادة اقتضاء ليفيد.\nوقال النبي ﷺ: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" وعينها غير مرفوع فيصير كذبًا لو أريد بها عينها، وهذا لا يجوز على النبي ﷺ فاقتضى ضرورة زيادة وهو الحكم ليصير مفيدًا وصار المرفوع حكمها، وثبت رفع الحكم عامًا عند الشافعي في الآخرة وهو المؤاخذة بالعقاب، وفي الدنيا من حيث الصحة شرعًا.\nوقال: طلاق المكره والمخطئ باطل وكذلك كل تصرفاته، والأكل مكرهًا ومخطئًا لا يفسد الصوم لأنه متى فسد لزمه القضاء، وهو من الأحكام المشروعة في الدنيا.\nوكذلك صحة أداء الصوم في نفسه حتى يسقط المؤاخذة عنه من أحكام الدنيا والثواب من أحكام الآخرة فتثبت عامة، كما لو ثبت نفي حكم الخطأ نصًا فقال ﷺ: \"رفع عن أمتي\" حكم الفعل ناسيًا ومكرهًا وخطئًا.","vol":"1","page":136},{"text":"وقال علماؤنا رحمهم الله تعالى: إنما يرتفع بها حكم الآخرة لا غير، ولا يرتفع عامًا لأن حكم الآخرة وهو المؤاخذة مرفوع بها بالإجماع وبهذا القدر يصير مفيدًا فتزول الضرورة فلا يتعدى إلى حكم آخر.\nوقال ﷺ: \"إنما الأعمال بالنيات\" والمراد بها: حكم الأعمال فعينها تثبت بلا نية.\nوقال الشافعي: كل حكم يتعلق ثبوته شرعًا بالنية إلا حيث قام الدليل.\nوقلنا: لا يتعلق بها إلا حكم الآخرة من الثواب فإنه مراد بالإجماع فالعبادات التي يتعلق بها ثواب لا تصح مؤادة بنفسها إلا بنية، ولما ثبت هذا مرادًا وبه يصير الكلام مفيدًا لم يتعد إلى ما وراءه، وصار كأنه قال: إنما ثواب الأعمال بالنيات.\nوقال علماؤنا فيمن قال لامرأته: أنت طالق، ونوى بها ثلاثًا: لم يصح.\nوقال الشافعي: يصح، لأن قوله: طالق يقتضي طلاقًا لا محالة، ولو قال لها: أنت طالق طلاقًا، ونوى به ثلاثًا صح فكذلك ها هنا.\nوقلنا: النية لا تصح في قوله: طالق، لأنه نعت لفرد لا يحتمل الثلاث، وإنما يصح في الطلاق لأنه اسم يحتمل العموم والخصوص، والطلاق غير منصوص عليه، ولكنه مقتضى النص، والمقتضى لا عموم لثبوته عندنا بل يثبت بقدر ما ترتفع به ضرورة النص، وضرورته ترتفع بثبوته في حق طالق ليقع لأن النعت لا يثبت بدون المصدر فلم يبق ثابتًا في حق نية الثلاث، لأن النعت صح بدون الثلاث فلم تكن الضرورة المثبتة في حق نية الثلاث ثابتة فلم يثبت في حقها، وكان كالاستحقاق الثابت على المشتري بإقراره يثبت خاصًا في حقه دون البائع، لأن قوله جعل حجة عليه لا على غيره فثبت خاصًا بقدر خصوص الحجة.\nوكما قالوا فيمن قال لآخر: اعتق عبدك عني بألف درهم. فقال: أعتقت، ثبت العتق عنه، وثبت الشراء من المأمور مقتضيًا بالإجماع، فصار الطلب مقتضيًا بيعًا منه ضرورة أن يصح العتق عنه، وثبت البيع خاصًا في حق تصحيح العتق عنه، ولم يثبت حيث لا تصحيح للعتق، حتى لو قال المأمور: بعتك بألف درهم ثم أعتقه لم يصر مجيبًا لكلامه بل كان مبتدئًا ووقع العتق عن نفسه.\nوكذلك من قال لامرأته: حجب، ونوى الطلاق لم يصح وإن اقتضى الحج ذهابًا لأنه اقتضاء ضرورة أن الحج لا يتصور إلا بذهاب، فثبت ذهاب لتصحيح الحج لا ذهاب","vol":"1","page":137},{"text":"مطلق، وذهاب الحج لا يحتمل معنى الطلاق فلم يصح فيه نية الطلاق، كما لو قال: اذهبي إلى بيت الله، والذي يدل على أن المقتضى من باب الاختصار، والعرب إنما تختصر على وجه يدل الباقي على ما سقط كما في قوله تعال: ﴿وسئل القرية﴾ فالسؤال للتبيين، فدل على أن المختصر هو الأهل الذي هو أهل للبيان.\nوكذلك في قوله ﷺ: \"رفع عن أمتي الخطأ\" الخبر وقوله: \"إنما الأعمال بالنيات\" دليل على أن المرفوع والواجب حكمان من حقوق الله تعالى دون الناس لأن الخطأ والنسيان والكره من صفات القلب، وكذلك النية، والقلب باطن لا يقف على عمله إلا الله تعالى، فحكم عمله لا يثبت إلا في حق الله تعالى، وذلك في معنى العبادة من العمل أو معنى المعصية فأما ما عداها فللعباد.\nولهذا قال علماؤنا أن بيع المكره يجوز، وكذلك كل تصرفاته معتبرة لأنه صفة القلب، ولكن لا يحل ولا يطيب. لأن الحل والطيب والحرمة حق الله تعالى.\nوجملة حد المقتضى أن تنظر إلى النص نفسه، وإلى المعنى الذي هو شرط صحة الكلام فتثبته مقتضيًا كما في قوله تعالى: ﴿وسئل القرية﴾ فإنه لو تم بنفسه لوجب أن تكون القرية ذات بيان فإذا لم يوجد فيها هذا الشرط أثبتنا من فيه ذلك، وقوله: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان\" لأن الفعل خطأ لو تم بنفسه لوجب أن يكون المرفوع حقًا لله تعالى لما ذكرنا، فإذا لم يتم وتصور العمل واقعًا معه أثبتنا ما فيه ذلك الوصف، وهو معنى المعصية من العمل ليكون ثبوت المقتضى من حيث يدل عليه اللفظ، فإن الإثبات بلا نص أو دلالته أو إشارته لا يكون إلا بالقياس والقياس حجة في تعدية حكم النص إلى غيره، دون إثبات النصوص وقد نص كتاب الله تعالى على هذا فإن من قتل خطأ لم يأثم ولم يعاقب عليه في الآخرة، ولزمه ضمان الدم والكفارة لأنها ليست بعقوبة محضة.\nومن حنث في يمينه خطأ أو ناسيًا ليمينه لزمته الكفارة ولم يأثم.\nومن زنى بامرأة خطأ لزمه العقد ولا يلزمه الحد لأنه عقوبة خالصة لله تعالى، وهذا قريب من الضرب الأول فإنا أوجبنا بالضرب الأول حكما حيث لا نص فيه بدلالة النص، وها هنا أوجبنا زيادة موجب ليس في النص بدلالة النص إلا أن تلك في محل الحكم، وههنا في علة الحكم.\nفإن قيل، إذا قال الرجل لولد له أم معروفة: هذا ولدي، حتى يثبت النسب منه، ثم","vol":"1","page":138},{"text":"جاءت أم الغلام بعد موت الأب وصدقته ورثته ودعوة الغلام نصًا إقرار بنكاح الأم اقتضاء، وثبت في حقق تصحيح النسب الذي لا بد له من الوالدة في حق الميراث، كما لو ثبتت أمًا بالإقرار.\nقلنا: قوله: هذا ولدي، إقرار بأنه ولده منها إشارة لا اقتضاء ولأن الولد اسم مشترك لا يتم إلا بوالد ووالدة كاسم الأخ لا يتم إلا بأخ آخر، فكذلك الولد لا يتم إلا بوالدين، ولو صار تسمية الولد تسمية للوالدين إشارة، صار الثابت بالإشارة كالثابت بالظاهر فثبت عامًا بخلاف المقتضى فهذه حدود متشابهة ما يميز بينها إلا الفهم المنصف وشيء منها لا يحتمل الخصوص.\nأما المقتضى فلأنه لا عموم له.\nوأما الدلالة فلأنها تعم بحسب عموم العلة، والعلة بعدما ثبتت علة لا تحتمل الخصوص لما ذكرنا أن الخصوص لبيان أن قدر المخصوص لم يدخل تحت النص فأما بعد الدخول فلا يكون تخصيصًا بل يكون تركًا.\nوأما الإشارة فلأنها زيادة معنى على معنى النص، وإنما تثبت بإيجاب النص إياه لا محالة فلا يحتمل الخصوص وبيان أنه غير ثابت.\nوقد لقب بعض الناس فقال: أن النص يعمل بمنظومه ومفهومه، وإنه لقب حسن غير أنهم لم يفرقوا بين أنواع ما فهم من النص بهذا الاسم مما قد مر، وبين ما لا يفهم منه.\nومنها ما قال بعضهم: أن التنصيص دليل على التخصيص، وعنى به قطع المشاركة بين المنصوص عليه وغيره من جنسه، قال: لأن الشرع لما نص على عين من الجملة دل على تخصيصه إياه بذلك الحكم لولاه لما كان للتخصيص بنصه فائدة.\nوهذا تلبيس ظاهر لأنه إن عنى بالتخصيص أن ما لا يدخل تحته لا يشاركه في حكم النص بالنص فما أحد يخالفه، إلا أن نقول إنما لا يشاركه لأن سبب الوجوب لم يتناوله، والحكم إنما يثبت بحسب سببه لا أن الخالص نفاه، وإن قال لا يجوز أن يشاركه ما عداه في حكمه لمانع من حيث النص فغلط ظاهر لأن ما عداه لم يدخل تحته فكيف يتعدى إليه حكمه بنفيه، على أن النص كان لإيجاب حكم فكيف يوجب نفيا؟ وهو ليس بمعناه لغة بل هو ضده فكيف يقال هذا؟\nوما من نص إلا ويجوز تعليله عند من يقول بالقياس وإذا علل يتعدى، ولو كان النص مانعا من التعدي لما كان بعرض التعليل ولأن من أبى القياس أباه لأنه رآه محتملا","vol":"1","page":139},{"text":"للكذب والصدق فأبطله لضعف فيه لا لأن النص منع القياس عليه كما لا يكون خبر الفاسق حجة لا لأن النص الذي يرويه الفاسق يمنعه من كونه صحيحا في ذلك بل لضعف في سنده، فيصير هذا القول خارجا عن حدود الإجماع.\nومنها ما قال الشافعي﵀- فيما يحكي عنه أصحابه: أن تنصيص الشرع على وصف من جملة أوصاف المسمى باسمه يفهمنا نفي ذلك الحكم عند عدم ذلك الوصف ويجري مجرى النص عليه نفيًا كقول النبي ﷺ: \"في خمس من الإبل السائمة شاة\" فلا تجب الزكاة إذا لم تكن سائمة، كأنه قال: ولا زكاة إذا لم تكن سائمة، قال ألا ترى أنا خصصنا به عموم قوله: \"في خمس من الإبل شاة\".\nوقال ﷺ: \"أدوا صدقة الفطر عن كل حر وعبد من المسلمين\" فأوجب بمفهومه نفي الصدقة عن الكفار فأوجب تخصيص عموم الأمر بالأداء عن كل حر وعبد تقييده بالإسلام.\nوكذلك النبي ﷺ: \"نهى عن ربح ما لم يضمن\" فدل بمفهومه على طيبة ربح ما قد ضمن، قال: لأن تخصيص صاحب الشرع وصفًا من أوصاف المسمى باسمه يوجب تعلق الحكم بذلك الوصف نصًا بدليل أنه لولا الوصف لثبت الحكم قبله والآن تعلق ثبوته مع وجود الاسم العام الموجب لولا ذكر الوصف بوجود الوصف، وهو كقول الرجل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار فالدخول شرط لأن الطلاق كان يجب بقوله: أنت طالق لولا الدخول فلما تعلق بالدخول كان شرطًا، وإذا قال: أنت طالق إن دخلت الدار وأنت راكبة، كان الركوب شرطًا، والطلاق يتعلق بالركوب كما يتعلق بالدخول، ولما جرى مجرى الشرط وجد الحكم عند وجوده بمنظومه وعدم عند فقده بمفهومه، بخلاف اسم العلم فإنه يذكر للتعريف لا لتعليق الحكم به.\nفأما الوصف فهو اسم الحال والنعت المعنوي فدل على تعلق الحكم به، ولأن الاسم لابتداء الإيجاب كالعلة والوصف بعده لتعليق حكم الاسم بالوصف حكمًا فكان شرطًا والفرق بينهما ما نذكره في فصل الشرط.\nوأبى علماؤنا﵏- هذا فإن أبلغ ما في الباب أن يصير الوصف المعنوي المؤثر في إيجاب الحكم بمنزلة ذكر العلة.\nولا خلاف بين العلماء أن العلة توجد الحكم عند وجودها ولا يعدم عند عدمها بل الحكم يبقى عند العدم على ما كان قبل معرفة العلة، وإنما يصير الوصف شرطًا إذا عطف على شرط كما في مسألة الطلاق فإن حكم المعطوف حكم المعطوف عليه.","vol":"1","page":140},{"text":"فأما إذا قرن بنص فيصير بمنزلته ثم الاسم كان موجبًا للحكم ابتداءً فكذلك الوصف إلا أنه معنوي مؤثر فيصير عليه النص، ولهذا كان السوم بمنزلة العلة في باب الزكاة يضاف إليه الوجوب، والشرط لا يضاف إليه الوجوب، نحو قول الرجل لآخر: أعتق عبدي الصالح، أو طلق امرأتي البدية فيدل الوصف على أنه المشير للحكم فيصير بمنزلة العلة.\nعلى أنا وإن سلمنا أنه يصير شرطًا فالشرط عندنا يوجد الحكم عند وجوده، ولا يقتضي نفيًا عند عدمه بل الحكم حال عدم الشرط يبقى موقوفًا على قيام الدلالة، كما قلنا في العلة، ولهذا قلنا: إن صدقة الفطر تجب عن العبد الكافر لقول النبي ﷺ: \"أدوا عن كل حر وعبد\" من غير تفصيل، وقوله: \"من المسلمين\" لا يوجب التخصيص لأنه لا حكم له فيمن ليسوا مسلمين، وإنما أوجب تقييد كل عبد ذكر في صدر هذا النص بالإسلام لأنه كلام واحد فلا يحكم بصدره قبل الاختتام عليه وما اختتم إلا بقيد الإسلام فصار المذكور عبدًا مسلمًا من الأصل فلم يدخل تحته الكافر، لا أن صفة الإسلام رفع الحكم عن الكافر فأما النص المطلق الذي اختتم على إطلاقه فقد دخل تحته الكافر والمسلم فلا يخرج الكافر إلا برافع.\nوأما الزكاة فإنما لم تجب في الإبل العوامل لقوله ﷺ: \"لا زكاة في الإبل العوامل\" لا بقوله: \"في خمس من الإبل السائمة شاة\" ألا ترى أن من قال لآخر: اعتق عبدي الأسود، ثم قال: اعتق عبدي الأبيض لم يكن نهيًا عن عتق الأسود.\nومنها الحكم المعلق بشرط.\nقال الشافعي﵀-: إنه ينتفي حال عدم الشرط بمفهومه.\nوقال علماؤنا﵏-: انتفاء المعلق حال عدم الشرط لا يفهم من التعليق بل يبقى على ما كان قبل ورود النص.\nواحتج الشافعي بأن تعليق الحكم بشرط ينفيه عما قبله ويعدمه على اعتبار أنه لولاه لكان موجودًا كقول الرجل لعبده: أنت حر، يوجب وجود الحرية صفة للعبد، فإذا قال: إن دخلت الدار، وتعلق به العتق أوجب إعدامه عن محله ونفيه مع وجود قوله: أنت حر فثبت أن التعليق كما يوجب الوجود عند الشرط أوجب النفي عما قبله وكذلك التعليق الحسي فإن تعليق القنديل بالحبل بسماء البيت يوجب وجوده في الهواء ونفيه عن الأرض والمكان الذي كان فيه لولا العلقة.\nوليس الشرط كالعلة فإن العلة يتعلق بها ابتداء ثبوت الحكم وعدم الحكم قبل أولية","vol":"1","page":141},{"text":"الوجود لا يكون بعلة ولكن بانعدام علة الوجود أو سببه فلم يكن من حكم العلة إلا وجوب الحكم عندها، فإنه السبب لابتداء الوجوب والتعليق لتغيير حكم الوجوب بعد وجود سبب الوجوب فجرى مجرى الأصل ولهذا لم يجوز الشافعي تعليق الطلاق أو العتاق بالملك، لأن وجوده لا يسبق الملك وملك المحل هو الشرط لابتداء صحة التطليق أو الإعتاق فيه والتعليق لتغيير حكمهما بعد وجودهما، فلا بد أن يكون ملك التعليق مرتبًا على شرط صحة العلة.\nوقال الشافعي﵀-: لا يجوز نكاح الأمة حال وجود طول الحرة لأن الله تعالى قال: ﴿ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ فعلق جواز نكاح الأمة بعدم طول الحرة فأوجب الإباحة عند عدم الطول ونفيها عند وجود الطول.\nوقال أيضًا: لا يجوز نكاح الأمة الكتابية لأن الله تعالى علق الإباحة في الأمة بصفة الإيمان وقد ذكرنا أنه يجري مجرى الشرط.\nوقال: إن تعجيل الكفارة قبل الحنث جائز، وإن علق الوجوب بالحنث كما لو قال: إن دخلت الدار فعلي كفارة لأنه، على أصله بمنزلة التأجيل، كأنه قال: لله علي أن أتصدق بدرهم غدًا، والأجل لا يمنع تعجيل العبادة المالية بالإجماع فكذلك الكفارة بالمال وهذا لما ذكرنا أن ابتداء وجوب الحكم يكون مع السبب لا مع الشرط.\nوإنما يكون مع الشرط تأدية فإذا وجد السبب لم يمتنع أداؤه قبل الشرط فيما يتصور وجوده ثابتًا قبل فعل الأداء من نحو العبادات المالية لأنها حقوق مالية تجب في الذمة ثم تؤدى بالفعل كديون العباد، فيتصور فيها الفصل بين الواجب بنفسه وبين وجوب الأداء على العبد فعلًا، كما في الديون المؤجلة فإذا تأخر الأداء بسبب جاز التعجيل بعد السبب بناء على ثبوته في نفسه.\nفأما البدني فلا يمكن الفصل فيه بين الواجب وبين المؤدى فإنه فعل فيكون ابتداء وجوده حال الأداء فالشرط الذي يؤخر الأداء كينونته في نفسه فيمنع ثبوته قبل الشرط ويستوضح هذا بالعقد الوارد على العين دون الذمة، كمن اشترى عبدًا بعينه فلا بدأن يكون التسليم مرتبًا على ملك المبيع في نفسه.\nوإذا اشترى منفعة عين نحو استئجار الدار لم تسبق المنفعة في الحقيقة التسليم لأنه لا يبقى زمانين، فحال التسليم حال ابتداء دخوله تحت العقد حقيقة، فكذلك ما يلتزم في الذمة إن كان الملتزم مالًا فالأداء يترتب على الواجب، ويمكن الفصل بينهما حقيقة أو اعتبارًا، وإن كان الملتزم فعلًا فلا يمكن الفصل بين المؤدى والواجب.\nوأما علماؤنا فإنهم ذهبوا إلى أن الأسباب الموجبة للأحكام إذا علقت بالشروط كان","vol":"1","page":142},{"text":"التعليق تصرفًا في العلل بإعدامها لا في أحكامها وعند وجود الشرط يكون ابتداء وجود الأحكام كما عند وجود العلل لا فرق بينهما في حكم الابتداء، وإنما يفترقان في الإضافة فيقال عند الشرط تجب ابتداء، ولكن بالعلة تجب، وإذا كانت بمنزلة العلل في حكم الابتداء كان الانعدام قبلها بحكم أن لا تصور للوجود قبل ابتدائه لا بسبب باق كما قال الخصم في العلة، ولا إشكال فيه، وإنما الإشكال في إثبات هذا الأصل وبيانه فيمن قال لعبده: أنت حر إن دخلت الدار، فالحرية قبل الدخول منعدمة لانعدام العلة لا لأن الشرط نفاه بعد وجود سببه لأن قوله: أنت حر كما لا يعمل حتى يتم الصيغة بقوله أنت مقرونًا بقوله حر لا يعمل حتى يحل محلًا صالحًا للتحرير، فإنه لو أضافه إلى بهيمة أو ميتة؛ لغا، كما إذا قال: أنت، وسكت، أو قال: حر، وسكت.\nوقوله: إن دخلت الدار، منع وصول هذا الإيجاب إلى العبد لأنه تعلق بالدخول فلا يصل إليه قبل وجوده كالقنديل المعلق بحبل لا يكون واصلًا إلى الأرض ضرورة لاستحالة كينونته كائن في مكانين أو زمانين في حين واحد، وإذا لم يصل إلى محله لم يصر أنت حر علة بل كان يعرض أن يصير علة للوصول إليه عند وجود الشرط كالرمي لا يكون سببًا للقتل قبل وقوع السهم في المرمى ولكنه يعرض أن يكون علة إذا وصل إلى محله.\nوكذلك النذر المعلق بالشرط ليس بسبب لأنه لا يصير سببًا ما لم يضف إلى ذمة قابلة للحكم، والشرط يمنع الوصول إلى الذمة فلا يكون سببًا كبعض النذر، ألا ترى أن بعض النصاب لما لم يكن سببًا للزكاة فكذلك النصاب بكماله في ملك كافر ليس بسبب لأنه ليس بأهل العبادة فالتعليق قرن العلة بالشرط فانعدم للحال وانعدم الحكم حكمًا لانعدام أصل العلة لا لمنع الشرط الحكم بعد العلة، وعند وجود الشرط توجد العلة ثم الحكم.\nفأما قوله: بأن الشرط يمنع الحكم بمنزلة الأجل فلا كذلك بل الشرط يحول بين صورة العلة ومحلها فلا تصير معه علة لأنه دخل على أصل العلة دون الحكم ومتى دخل الشرط على الحكم ما منع السبب أن يكون سببًا كالبيع بشرط الخيار فإن الخيار داخل على الحكم دون البيع فكان البيع بيعًا وأحكامه معدومة حتى يسقط الخيار فيكون حينئذ كالأجل الداخل على حكم السبب دون السبب.\nوقيل: إن من حلف لا يبيع فباع بأجل أو بشرط الخيار حنث، ولو حلف لا يطلق فقال لها: أنت طالق إن دخلت الدار لا يحنث لأنه لم يطلقها بعد، وليس هذا بنظير تعليق القنديل بالحبل لأن القنديل موجود بذاته في مكان قبل التعليق، فالتعليق لم يكن لابتداء وجوده بل كان للنقل عن مكان إلى مكان آخر فلذلك أوجب تفريغ مكان وشغل مكان آخر ولهذا جوزنا تعليق الطلاق بالملك لأنه ليس بطلاق ما دام معلقًا بشرط غير واصل إلى","vol":"1","page":143},{"text":"المرأة على ما ذكرنا، ولكنه يمين وإنما يصير طلاقًا عند الشرط فاعتبر ذكر الملك حينئذ لأن ملك المرأة شرط الطلاق لا اليمين بل اليمين تتناول الذمة كاليمين بالله، ولذلك لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث، ولا النذر المعلق بشرط قبل الشرط لأن الكفارة علقت بالحنث لأن اليمين عنده تصير علة الكفارة، فاليمين سبب الوجود بشرط الحنث فقبل الحنث لا تكون سببًا ويكون ابتداء وجوب الكفارة حال الحنث فلا يتصور الأداء قبله كما لا يتصور قبل اليمين وكما لا يتصور تعجيل الصوم.\nوفرقه الذي ذهب إليه بين المالي والبدني ساقط لما ذكرنا فيما مضى أن العبادة عبارة عن فعل العبد ماليًا كان أو بدنيًا وإنما يختلف محل الفعل.\nفالمالي: ما يكون محل فعل العبد من تمليك أو إعتاق المال.\nوالبدني: ما يكون محل فعله بدنه.\nفأما الواجب: ففعل في الحالين واجب في الذمة بإيجاب الله تعالى.\nوالأداء: فعل العبد بماله أو بدنه بعد الوجوب، والمسمى من صلاة أو صدقة ما يحصل بفعل العبد لا بالأمر فيكون ابتداء وجوده حال فعله على ما قرره بخلاف ديون العباد التي تجب أعواضًا لأن الواجب هو المال، والتسليم لتعيين الواجب لأن صاحبه ما استحق لنفسه عوضًا إلا مالًا بإزاء حقه وما استحق فعلًا، والله تعالى ما استحق على عباده إلا عبادة وما هي إلا فعل، فأما ذوات الأموال والنفوس فلا تكون عبادة على ما مر بيانه فيما مضى.\nوكذلك الله تعالى يقول: ﴿ومن لم يستطع منكم طولًا﴾ أباح نكاح الأمة حال عدم الطول وما حرم حال وجوده بل لم يذكره فاستبيح بسائر الآيات فصار نكاح الأمة حال طول الحرة حلالًا بالآيات المطلقة، وحال عدم طول الحرة حلالًا بتلك الآيات وبهذه، وهذا جائز لأن عقد النكاح بعد معدوم والحل صفة له فصح أن يتعلق ابتداء وجوده حلالًا بوصفين وبعلتين وبعلل كثيرة.\nألا ترى أن الرجل يقول لآخر: اعتق عبدي إن دخل الدار، ثم يقول: اعتق عبدي إن كلم زيدًا، ودخل الدار فيصح، ولو دخل الدار فأعتقه كان حلالًا له، ولو كلم زيدًا ودخل الدار كان إعتاقه حلالًا له أيضًا بالأمرين جميعًا.\nوكذلك لو قال له: اعتق عبدي ثم قال له: اعتقه إن دخل الدار. ملك المرسل والمعلق جميعًا حتى إذا عزله عن أحدهما بقي له الآخر وأحدهما متعلق بذاته والآخر بشرط.\nولو قال لعبده: أنت حر إذا جاء يوم الخميس، ثم قال له: أنت حر إذا جاء يوم الجمعة مع التعليقان، ويوم الخميس يوجد قبل الجمعة ولا يعتبر مانعًا لجواز أن يوجد","vol":"1","page":144},{"text":"العتاق يوم الجمعة في الجملة نحو أن يبيع العبد حتى يمضي يوم الخميس ثم يشتريه وإنما يستنكر بأن يكون الحكم حالًا ومعلقًا في ساعة واحدة، فأما إذا كان الحكم منعدمًا فجائز تعلق وجوبه بما شاء الموجب أن يعلقه به، والتعليق بشرط لا يمنع تعليقه بآخر قبله أو بعده.\nفإن قيل: كيف يتعلق الحكم بشرطين وبأحدهما فيصير أحدهما كل الشرط وبعضه؟\nقلنا: هذا مستنكر بعلقة واحدة فأما إذا ثبتت العلقة بنصين فهما علقتان أحدهما بشرطين، والأخرى بشرط واحد منهما فيكون كلًا في واحد وبعضًا في الآخر كصوم ثلاثة أيام كل في كفارة اليمين بعض في كفارة الكتل.\nوكذلك لو قال لعبده: أنت حر إن أكلت، ثم قال: إن أكلت وشربت فأنت حر صح اليمينان جميعًا.\nوأما الآجال التي لم تمنع التعجيل فهي آجال دخلت على أحكام العلل وأخرتها إذا كان الحكم مما يقبل التأخير.\nفأما العلل فقد بقيت على ما كانت فلذلك لم تمنع التعجيل لأن الأجل متى سقط وجب الحكم بالعلة، وكانت موجودة قبل سقوط الأجل على ما ذكرنا أن الأجل تعرض للحكم لا غير فيستند الوجوب إلى العلة بعد زوال الأجل فيبقى الأداء بعد الوجوب حقيقة فيجوز.\nفأما الشروط التي فيها النزاع فقد دخلت على نفس العلل فمنعتها الوصول إلى محالها فلم تصر علة للحال، وإنما تصير علة عنه حين وجود الشرط فلا يسبق الحكم العلة والأداء كان قبل ذلك فلم يجز.\nفإن قيل: أليس إن من قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا إن دخلت الدار ثم طلقها ثلاثًا بطلت اليمين لوجود الجزاء قبل الشرط، حتى لو تزوجها بعد زوج ودخلت الدار لم تطلق فدلت هذه المسألة أن المعلق بالشرط ينتفي وجوده قبله، وأن الوجود قبله يبطل التعليق به فلا يجوز أن تكون الأمة مباحة النكاح بنفسها وتتعلق الإباحة بعدم الطول؟\nقلنا: إن التعليق بالشرط لا ينفي، ولكن يقتضي أن يكون ابتداء الوجود عنده على ما ذكرنا كالعلة سواء، فإذا ثبت الوجود قبله لا بد أن يبقى معه الابتداء إذا كان الحكم واحدًا فيبطل التعليق والحكم في مسألة نكاح الأمة جواز النكاح، والجواز صفة النكاح لا صفة المنكوحة، والنكاح قبل أن يقع معدوم للحل فنقول نحن: إن جواز النكاح قبل أن يقع معلق بذاتها وبعدم طول الحرة أيضًا، كما أن حل الوطء معلق بتزوجها وبشرائها وإذا وكل رجل بعتق عبده، ثم وكله بعتقه إن دخل الدار فالوكالة معلقة بذات العبد ودخوله الدار، حتى إذا تزوجها مع الطول وجاز النكاح لم يبق هذا الجائز معلقًا بعدم الطول،","vol":"1","page":145},{"text":"وإنما يبقى معه نكاح آخر لو تصور كالطلاق الثلاث جاز أن يتعلق وجودها بالشرط وبذاتها كما لو أرسل الثلاث للحال فبان.\nوإن ملك الإرسال بغير شرط لم يدل على بطلان الوجود بالشرط إذا لم يرسل، ولكن إذا أرسل ووجدت قبل الشرط لم يبق مع الشرط لأن الثلاث كل طلاقها في هذا المحل على ما عرف والكل لا يثنى، فإذا وجد قبل الشرط لم يبق مع الشرط ضرورة لأن الواحد لا يتصور في مكانين.\nوأبعد من هذا أن الشافعي فهم من المقيد حمل المطلق عليه، وإن كانا حكمين فقيد كفارة اليمين بالأيمان كما قيده الله تعالى به في كفارة القتل وهما كفارتان مختلفتان.\nوفهمنا نحن من النصين أن نعمل بهما على حسب مقتضاهما في اللغة من غير حمل قال: لأن القيد زيادة وصف وإنه بمنزلة التعليق بالشرط على ما مر، والتعليق ينفي الجواز دونه فثبت النفي فيه وفي نظيره من التحرير في أنواع التكفير بخلاف زيادة الصوم في القتل فإنها لم تثبت في اليمين لأنه زيادة قدر باسم العلم، وههنا تخصيص بوصف ومثل هذا يوجب الإثبات والنفي وهذا عندنا أبعد من الأول لأنه في الباب الأول اتحد الحكم وإن اختلفت العلة وههنا اختلف الحكم والعلة، وقد روي عن ابن عباس﵄-: \"أبهموا ما أبهم الله\"، وعن عمر﵁-: \"أم المرأة مبهمة في كتاب الله تعالى\" أي حال تحريمها عن قيد الدخول الثابت في الربيبة وعليه إجماع من بعدهم، لأن النساء في حق الأمهات ذكرن مطلقات، وفي حق الربائب قيدن بالدخول، فلم يحمل المطلق على المقيد.\nوالدليل على أن الدخول زيادة قيد وليس بشرط أنه دخل على النساء، والنساء معارف بالإضافة إلينا فكان زيادة القيد فيهن زيادة معرفة أيضًا كقولك عبد امرأتي، وعبد امرأتي البيضاء وهذا لما ذكرنا أنه ليس في التعليق نفي لذلك الحكم قبل القيد وإنما لا يجوز في القتل تحرير الكفارة لأنها تشرع كفارة كما لا يجوز تحرير النصف أو ذبح شاة لا لأن القيد نفى جوازه فالكفارة في نفسها وقدرها ليس تعرف إلا شرعًا، فلا يحتاج إلى الشرع لانعدام الكفارة.\nولأنا وإن سلمنا نفي ذلك الحكم بعينه قبل الشرط فلا يثبت في غيره إلا استدلالًا به، وإنما يثبت استدلالًا به إذا كان الثاني مثله سواء، والتحرير في كفارة اليمين يخالف كفارة القتل لأن الأسباب مختلفة فتختلف الأحكام وإن اتفقت اسمًا كالملك الثابت بالهبة، غير الثابت صدقة وشراء وإرثًا ألا ترى كيف اختلفت صورة وحكمًا فيما عدا الإعتاق من الصيام والإطعام، وكيف ظهر اختلاف في التعيين وعدمه فإن كفارة القتل تتعين وكفارة اليمين أحد الأنواع الثلاثة غير عين.","vol":"1","page":146},{"text":"ولا فرق عندنا بين التخصيص بوصف وبين التخصيص باسم العلم لا لأن اسم العلم إذا لم تعقل علته يصير بمنزلة العلة، والعلة لابتداء الوجوب فلا يكون الانعدام قبل الابتداء بسبب باقي وهذا حكم الشرط والقيد عندنا على ما بينا فصار زيادة القيد، وزيادة عدد أيام الصوم والمساكين بمنزلة واحدة على هذا الوجه فلما لم تثبت زيادة العدد في كفارة اليمين، فكذلك زيادة الوصف وكان يجب على هذا القياس أن تصير أعداد ركعات الصلاة على نمط واحد.\nولما تعلق جواز الجمعة بزيادة صفة الجماعة إن وجب أن تثبت شرطًا في سائر الصلوات فإنها جنس واحد على أن الكفارات أجناس مختلفة حكمًا لاختلاف أجناس أسبابها.\nوكذلك صفة التتابع زيد في كفارة القتل ولم يزد على صوم كفارة اليمين، وليس في الكفارات ما قيد بصفة التفريق ليمتنع الحكم به بحكم المعارضة.\nوكذلك الجواب عندنا في الحكم المطلق أنه على إطلاقه والمقيد على قيده في الحادثة الواحدة بعد أن يكونا حكمين.\nقال أبو حنيفة –﵁- فيمن كفر عن ظهاره بالصيام وجامع التي ظاهر عنها ليلًا: استقبل الصيام لقول الله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ وكذلك قال أبو حنيفة –﵁-: لو كفر بالعتق فأعتق نصف عبده ثم جامعها ثم أعتق البقية لم يجزه، وعليه الاستقبال لأن الله تعالى قال: ﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾، وبمثله لو كفر فأطعم ثلاثين مسكينًا ثم جامعها ثم أطعم ثلاثين مسكينًا أجزأه لأن الله تعالى لم يقل فيه ﴿من قبل أن يتماسا﴾.\nفإن قيل: إنكم زدتم صفة التتابع في كفارة اليمين حملًا على كفارة القتل.\nقلنا: لا هكذا، ولكن بقراءة عبد الله بن مسعود –﵁-: ﴿فصيام ثلاثة أيام﴾ متتابعات وقراءته كانت رواية عن رسول الله ﷺ فكانت مشهورة في السلف فجوزنا الزيادة على النص بها كما جوزنا النسخ بمثلها من أخبار الآحاد.\nفإن قيل: ألا جعلتهما كنصين فعملت بكل واحد منهما فجوزت المتابعة بقراءة عبد الله بن مسعود، والمطلقة بقراءة الجماعة، كما قلت في صدقة الفطر عن العبد الكافر أنه يجب بالنص المطلق باسم العبد، وعن المسلم بالنص المقيد بالإسلام؟\nقلنا: لأن القيد هاهنا ورد على الوجوب باليمين، وأنه حكم واحد إذا قيد لم يبق غير مقيد وفي باب صدقة الفطر ورد القيد على سبب الوجوب، ويجوز أن يكون لواجب واحد سببان فأثبتنا المقيد بقيده سببًا والمطلق بإطلاقه سببًا آخر.\nفإن قيل: أليست العدالة شرطًا في باب الشهادات أجمع، فالله تعالى قيد بالعدالة بعضها.","vol":"1","page":147},{"text":"قلنا: إنما توقفنا في شهادة الفاسق بقول الله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ لا بقيد العدالة في البعض، وبقوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ والفاسق لا يرتضى بشهادته.\nوالجملة: أن النفي ليس من جنس الإثبات ليثبت بدليل النص ولا مما دخل تحت النص ليثبت به أو إشارته ولا مما لا يستغنى النص عنه ليثبت مقتضى به، لأن القياس في علتين أو شرطين أو حكمين فتعيين أحدهما لا يوجب تعيين الآخر إذا كانا ينفصلان فكان هذا من جنس الاستدلال بلا دليل والاحتجاج بلا حجة، وإنه كلام متناقض في نفسه، وسيأتيك بيانه على الوجه في أبواب المقاييس في باب مفرد لقولهم لا دليل حجة، وبالله التوفيق.\nثم الخصم ترك أصله في الصوم المطلق حيث لم يشترط التتابع والله تعالى قيد بعض الصيام بالتتابع.\nفإن قيل: إن الله تعالى قيد بعض الصيام بالتتابع وبعضها بالتفرق كما في صوم المتعة، وقال: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ فالعشرة الكاملة صوم المتعة بالنص، ولو صامها متصلة لم يجزه فالمطلق منها بقي على إطلاقه لتعارض وقع بين التفريق والتتابع.\nقلنا له: إن صوم السبعة لا يجب إلا بعد الرجوع فلم يصح الأداء قبله، كمن صام رمضان قبل الوقت لا أن يكون الفساد لعدم التفريق حتى لو فرق ولكن صام قبل الرجوع لم يجزه فعلم أن الفساد ليس لعدم التفريق وأنه ليس بشرط للجواز، والتتابع شرط الجواز فلا يبقى للتتابع معارض، ومع ذلك المطلق من الصيام لم يتقيد بالتتابع فبطل هذا الأصل.\nفإن قيل: ألستم قلتم في رجل له أمة فولدت ثلاثة أولاد في بطون مختلفة، فقال الأكبر: ابني لم يثبت نسب الأصغرين، وإن كان المذهب عندكم أن ولد أم الولد يحدث ثابت النسب ولا ينتفي إلا بالنفي وقد صارت أم ولد بالولد الأكبر، فعلم أن نسب الأصغرين ما انتفى إلا بنفي وإن تخصيص الأكبر بالإثبات، نفي لنسب الأصغرين.\nقلنا: قد ذكرنا أن التخصيص بوصف سكوت عما وراءه غير أن السكوت في موضع الحاجة إلى بيان حجة على أن حكم المسكوت عنه بخلاف المنطوق به لأنه لو لم يكن كذلك لما حل السكوت عن بيانه مع وقوع الحاجة إليه، وفي غير موضع الحاجة إلى","vol":"1","page":148},{"text":"البيان لا يكون حجة وفي مسألة الأولاد سكت المولى عن البيان في وقت الحاجة إليه لأن دعوة الأولاد فريضة عليه متى علم أنهم منه نصًا، لا بناءً على أنهم ولدوا على فراشه لأن في ذلك إثبات النسب على طريق استصحاب الحال.\nألا ترى أنه ينتفي بالنفي والواجب علة إذا علم أنهم منه بيان نصًا حتى يصير بحيث لا يحتمل النفي بعده.\nولأنه حين الدعوة لم يكن لواحد منهم فراش يغنيه عن النص فلما خص الأكبر بالبيان وسكت عن الأصغرين مع الحاجة لو كانوا منه علم أنهم لم يكونوا منه، ولم يحتج إلى بيان النسب في حقهم ليكون حملًا لحاله على ما يحل له، ألا ترى أنه لو قال: هذا ابني، وأشار إلى الأكبر كان الجواب هكذا وما هنا هنا تخصيص بوصف بل بالإشارة وإنها تجري مجرى اسم العلم ولا إشكال أنه لا يتضمن نفيًا.\nفإن قيل: قد قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله في شاهدين شهدا أن هذا الرجل وارث فلان لا نعلم له وارثًا آخر بأرض كذا: إن هذه الشهادة لا تقبل لأن تخصيص بعض الأماكن بالنفي دليل على الإثبات من غيره.\nقلنا: إنهما قالا إن الشهادة تتم بقولهما إنه وارث فلما زاد لا نعلم له وارثًا آخر وخصا موضعًا اتهما بعلم الوارث في مكان آخر، والشهادات ترد بالتهم. فأما الأحكام فلا تثبت بالتهم، وأبو حنيفة ﵁ يقول: هذه الشهادة مقبولة لأنهما سكتا عن النفي فيما عدا المخصوص من غير حاجة إلى البيان، لأنهما لو سكتا أصلًا عن النفي كانت الشهادة تامة والسكوت في غير موضع الحاجة أن البيان لا يكون حجة فأما التهمة فليست تثبت بالتخصيص لاحتمال أنهما خصا احترازًا عن الكذب بعلمهما بوارث في مكان آخر ويحتمل أنهما خصا احترازًا عن الخبر بغير دليل كأنهما تفحصا عن الوارث في المكان المذكور فلم يقفا عليه ولم يتفحصا عن الوارث في سائر الأمكنة، والنفي لا يعلم علم مثله إلا بدليل التفحص، فإذا احتمل الأمرين جميعًا لم تثبت التهمة بالاحتمال إلا أنهما احتاطا لأمر الشهادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>فصل</span>\nومن ذلك الكلام المقرون به الاستثناء، فإن قدر المستثنى من الجملة لا يثبت فيه حكم الجملة بالإجماع، وإنما لا يثبت عندنا لعدم النص الموجب في حقه، والذي يدل عليه مذهب الشافعي﵀- أنه لا يثبت بمعارضة نص الاستثناء النص المستثنى منه كما قالوا جميعًا في العام إذا خص منه شيء لم يثبت حكم العام في قدر ما تناوله الخاص لا بعدم العام فيه، ولكن بالنص الخاص الذي ورد مبينًا فالاستثناء عنده بمنزلة","vol":"1","page":149},{"text":"التخصيص إلا أن هذا متصل لفظًا، وذاك منفصل لفظًا.\nوعندنا لا عمل لنص الاستثناء في الحكم وإنما ينعدم حكم الجملة في قدر المستثنى لتناهي نص الجملة إلى قدر الاستثناء، كالإيجاب إلى غاية ينعدم حكمه إذا انتهى إلى الغاية لا بنص الغاية بل بانعدام الأول إذا جاءت الغاية كالصوم إلى الليل، وإباحة الأكل إلى الفجر ونحوهما.\nولنا ولهم مسائل تدل على صحة المذهبين على ما نذكرها بعد ذكر الحجة.\nأما الشافعي فإنه احتج بكلام أهل اللغة أن الاستثناء من النفي إثبات، والاستثناء من الإثبات نفي، فقد أطبقوا على أن لنص الاستثناء حكم بخلاف حكم الجملة المستثنى منها قال الله تعالى: ﴿فشربوا منه إلا قليلًا منهم﴾: أي إلا قليلًا لم يشربوا، إلا أنه لم يقله اختصارًا لدلالة الصدر عليه بدليل عدم ثبوت الشرب صفة لهم بموجب اللغة.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا﴾ أي خمسين عامًا لم يلبث فيهم.\nوكذلك كلمة الشهادة (لا إله إلا الله)، أي إلا الله فإنه الإله لأنها شرعت لنفي الألوهية عما سوى الله تعالى وإثباتها لله تعالى وحده.\nوكذلك قول الله تعالى: ﴿لا يسمعون فيها لغوًا ولا تأثيمًا* إلا قيلًا سلامًا سلامًا﴾ أي إلا سلامًا، فإنهم يسمعونه وقد نص الله عليه في قوله: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعين إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين﴾ ثم قال في قول الله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من﴾ أن ظاهر الاستثناء نص على أن التائبين ليسوا بفاسقين إلا أنهم لم يدخلوا تحت خطاب التفسيق، فكذا يكون نصًا على قبول شهادة التائبين لأنه بيان ورد على الجملة في حق الزمان فينصرف إلى كل ما يتوقت كأن الله تعالى قال: ﴿إلا الذين تابوا﴾ فإنهم بعد التوبة ليسوا بفاسقين وتقبل شهادتهم.\nوقال في قول النبي ﷺ: \"لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء\" أي إلا سواء بسواء فإنه حلال، فيثبت به حكمان: حرمة البيع بالقدر مطلقًا، وحله إذا جاءت المساواة بالمعيار لا اتصال لأحدهما بالآخر.\nفقال: إن الحبة بالحبة حرام وإن لم يكن لها حد بالمساواة في حالة بوجه.\nوأما الحل فيتناول ما له معيار شرعي قال: ومثاله قول الله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون﴾ أي إلا أن يعفون فيسقط الكل فيثبت به حكم مخالف للأول.","vol":"1","page":150},{"text":"فيكون الأول ثابتًا في حق المجانين والصغائر، وحكم العفو ثابتًا في حق الكبائر العاقلات.\nوقال فيمن أقر وقال: لفلان علي ألف درهم إلا ثوبًا إن قدر الثوب من الألف: لا يلزمه لأن معناه: إلا ثوبًا فإنه ليس علي من الألف لأنه لا يكون بيانًا إلا هكذا ثم عين الثوب لا يمكن أن يجعل بيانًا من الألف في أنه لم يدخل تحته فانصرف إلى قدر قيمته ليستقيم.\nوقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف– ﵄- فيما إذا قال: لفلان علي ألف درهم إلا كر حنطة: إن قدر قيمة الحنطة يسقط من الألف عنه.\nومتى جعل حكم الجملة ساقطًا عن الاستثناء لعدم النص لم ينتقص من الألف شيء، لأن عدم لزوم الحنطة إياه لمعنى أن الإقرار بالألف لم يتناوله ولا يوجب نقصانًا عن الألف المقر به على ما قاله محمد بن الحسن– ﵀-.\nفجعل الشافعي الاستثناء تعرضًا لحكم النص المستثنى منه كما جعل الشرط تعرضًا لحكم المرسل والله أعلم.\nأما علماؤنا﵏- فإنهم قالوا: إن الكلام إذا اتصل به الاستثناء كان تكلمًا بالباقي بعد الثنيا، لأن الاستثناء في اللغة استخراج، ولم يستخرج به بعض حكم الجملة، بل استخرج به بعض نص الجملة على سبيل البيان، وإنما يكون بيانًا إذا جعل غير ثابت كما في التخصيص للحكم متى كان تخصيصًا، وبيانًا لم يكن من الأصل ثابتًا، وعلم أن المراد به بعضه فكذلك إذا جاء الاستثناء وهو بيان علم أن المراد به ما بقي، إلا أن الاستثناء تعرض للنص فتبين أن بعضه غير ثابت، والتخصيص تعرض للحكم بنص آخر بخلافه.\nوالدليل على أن الاستثناء تعرض للنص قول الله تعالى: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا﴾ فخمسون تعرض للعدد المثبت للألف لا لحكمه مع بقاء العدد، لأن الألف متى بقيت ألفًا لم تصلح اسمًا لما دونها.\nوكذلك قول الله تعالى: ﴿فشربوا منه إلا قليلًا منهم﴾ تعرض للشاربين فإن الشاربين هم الثابتين والقليل مستثنى منهم، ولما تعرض للعدد الذي تضمنهم الشاربون فاستخرج عن جملتهم انعدم فيهم حكم النص المتناول للشاربين لانعدام تناول النص إياهم بخروجهم بالاستثناء عن جملتهم.\nولما كان الانعدام فيهم لعدم تناول نص الشرب لم يحتج إلى أن يسقط الشرب عنهم بمعارضة الاستثناء.\nوهو كمن قال: لفلان علي ألف درهم إلا مائة لم يلزمه المائة لعدم الإقرار لا لسبب","vol":"1","page":151},{"text":"مسقط وتبين أن الاستثناء يصير بمعنى الحد والغاية للمستثنى منه لانعدامه عنده في نفسه ثم انعدام حكمه لانعدامه.\nوهذا على مثال الشرط فإن الإيجاب متى علق به صار متعرضًا لنفس الإيجاب بأن أعدمه عن محله للحال فانعدم الحكم قبل وجوده، لانعدام الموجب لا لنفي الشرط الحكم بعد وجود علته.\nفالخصم مال إلى الظاهر في الفصلين فإن الإيجاب لولا الشرط موجب للحال وجاء الانعدام ظاهرًا بالشرط فجعله نافيًا.\nوكذلك النص العام لولا الاستثناء لأوجب عامًا وإنما سقط حكم العموم في البعض بالاستثناء.\nإلا أنا قلنا انعدم الحكم بالشرط والاستثناء بواسطة انعدام العلة بهما من الوجه الذي بينا فلا يكون انعدام الحكم بعد عدم العلة بعلة نافية للحكم.\nوإذا كان كذلك صار الحكم الثابت بنص قرن به الاستثناء واحدًا وهو الثابت بالمستثنى منه.\nوما للاستثناء في نفسه حكم غير حكم انعدام بعض ما نطق به.\nبخلاف التخصيص لأنه لا يكون تخصيصًا إلا بنص آخر معارض للأول في حكمه مبين أن العام لم يرد به ما يتناوله الخاص من غير تعرض للفظ العام، بل مغير للحكم.\nفأما قول أهل اللغة: الاستثناء من النفي إثبات، فإطلاق على ظاهر الحال مجازًا لا حقيقة لأنك إذا قلت: لفلان علي ألف درهم إلا عشرة لم تجب العشرة كما لو نفيتها، ولكن عدم الوجوب على المقر ليس بما ينافي الوجوب عليه بل لعدم دليل الوجوب.\nوكما قالوا ذلك فقد قالوا: أنه تكلم بالباقي بعد الثنيا فلا بد من الجمع بينهما فيجعل الأول مجازًا، وهذا حقيقة حتى قالوا بأن الاستثناء ضربان: حقيقة واستثناء مقطوع وهو بمعنى \"ولكن\"، ثم قالوا: ما يكون من جنس الأول لم يكن استخراجًا لأنه لم يكن داخلًا تحته فكان كلامًا مبتدأ حكمه بخلاف الأول فلا يتغير به أصل الثبوت بالأول، وإنما يتغير بقاؤه.\nفإن قيل: إذا قيل: لا عالم إلا زيد، كان نصًا على أن زيدًا عالم، وكذلك قول الناس: لا إله إلا الله ولو جعل الاستثناء تكلمًا بالباقي بعده لكان زيد مسكوتًا عن صفته.\nقلنا: قول القائل: لا عالم لنفي صفة العلم أصلًا، فلما قال: إلا زيدًا صار توقيتًا","vol":"1","page":152},{"text":"لنفي الصفة به وقد ذكرنا أن الاستثناء بمعنى الغاية فإنا متى لم نجعل هكذا لم يكن بيانًا لتقدير النفي بما قدر وقد قدره لما استخرج بعض ما نفي نصًا، ولما صار توقيتًا دل ضرورة على سقوطه بوقته وإنما يسقط نفي العلم بالعلم ضرورة كالحركة لا تزول إلا بالسكون فيما يقبل الحركة والسكون، والليل لا يزول إلا بالنهار، وكذلك كل ما يوقت ولا انعدام له إلا بضده دل ضرورة أن وقته ضده، وعلى هذا كلمة التوحيد.\nولأن الآدمي لا يخلو إما أن يكون عالمًا أو غير عالم ما بينهما ثالث.\nفإذا استثنى زيدًا عمن ليس بعالم تعين عالمًا ضرورة لا بالنص.\nوكذلك الموجود اسم لما هو مخلوق أو إله ما هناك ثالث فإذا استثنى الله عما ليس بآله تعين إلهًا بالضرورة، فإذا عرفنا ما هذه الجملة لم يلزم آية القذف لأنا ذكرنا أن حقيقة الاستثناء لبيان أن المستثنى لم يدخل تحت خطاب المستثنى منه إلا أن لا يمكن فيجعل استثناء مقطوعًا.\nولا يمكن حمل الاستثناء على الحقيقة في آية القذف لأن التائبين هم القاذفون فهم الذين كانوا فسقة فجعل استثناء مقطوعًا وصار بمعنى \"ولكن إن تابوا فالله يغفر لهم\" فلا يتغير من ثبوت حكم الصدر شيء، وإنما يتغير بقاء ما تنفيه التوبة، وهو الفسق لا على سبيل بيان أنه لم يدخل تحت الصدر، وليس تحت التوبة قبول الشهادة لا محالة فالعبد العدل التائب لا شهادة له.\nوكذلك آية العفو ﴿إلا أن يعفون﴾ استثناء مقطوع لا يبين أن التصنيف لم يكن إذا جاء العفو فكان مقطوعًا بمعنى ولكن إذا جاء العفو سقط الباقي بتصرف طارئ، والاستثناء المقطوع بمنزلة نص آخر يعمل به بنفسه والأول بنفسه كما قاله الشافعي ﵀، وإنما خالفناه في الاستثناء حقيقة كقول النبي ﷺ: \"لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء\" فنقول: إن حكم هذا النص واحد لأن الاستثناء استثناء على الحقيقة حتى يقوم الدليل على مجازه، فيكون بيانًا أن بيع الحنطة بالحنطة متساويين لم يدخل تحت النهي لأن النهي لما تناهى إلى الاستثناء ولتناهيه سقط حكمه لا بمعارض مع حال قيامه عامًا فكذا حكمه يثبت متناهيًا إلى حين التساوي، لأن الحكم يثبت بقدر سببها، فيثبت به حرمة مؤقتة إلى حين التساوي كيلًا والحكم بهذا الوصف لا يثبت إلا في محل قابل لصفة التساوي وعدمه.\nفأما محل لا يقبل صفة التساوي الذي بها وقتت الحرمة فلا يكون محلًا لحرمة مؤقتة بالتساوي كالحبة من الحنطة بالحنطة فإنهما بنفسهما لا يقبلان صفة التساوي التي بها تزول الحرمة، وإنما يقبلان بحبات أخر تنضم إليهما.","vol":"1","page":153},{"text":"وكل ما لا ينهض لإفادة حكم إلا بما يوجد معه لم يسم بنفسه علة ولا محلًا ولا شرطًا.\nوكان كقوله: \"لا تنكح الثيبة حتى تستأمر\" فإنه نص واحد أوجب حرمة إلى غاية، وهي حرمة نكاح امرأة تزول باستئمارها فلا يدخل تحته إلا امرأة صالحة للاستئمار، وأما من لا تصلح إلا بوصف آخر لم يوجد بعد وهو البلوغ أو العقل فلا تكون صالحة قبل ذلك على ما مر فلا يكون محلًا لهذا الحكم المؤقت بالاستئمار، إلا أن يحمل حتى تستأمر على البلوغ فيصير مجازًا.\nوكذلك قوله: إلا كيلًا بكيل حتى يصير كيلًا بكيل فيكون مجازًا.\nوكذلك إذا قال: لفلان علي ألف درهم، إلا ثوبًا. لم يتعرض لما وجب بالجملة لأنه استثناء مقطوع فلا يكون بيانًا في حق ما دخل تحت الأول بل يكون معمولًا به بنفسه على حدة، فإن أوجب العمل به معارضة الأول في حكمه تعرض بحكم المعارضة على ما مر وإلا سقط حكم البيان من كل وجه.\nوههنا إذا جعل مقطوعًا وجعل كأنه قال: لكن لا ثوب له علي لم يصر متعرضًا نفي الثوب حكم الوجوب الثابت بالإقرار فبقي هذا منفيًا بنصه.\nوالأول ثابتًا بنصه ولو أوجب دفعه لم يقدر لأنه يكون بمنزلة الرجوع بعد الإقرار.\nولهذا قال محمد ﵀- في قوله: لفلان علي ألف درهم إلا كر حنطة-: إنه لا ينقص من الألف شيء، إلا أن أبا حنيفة ﵁ يقول: إلا كر حنطة إن لم يكن من جنس الألف تسمية فهو من جنسها في حكم الوجوب في الذمة لأن المكيلات تجب في الذمة مطلقة بكل سبب كالأثمان، والثابت بالإقرار ألف درهم واجب في الذمة فتعرض الاستثناء للوجوب إن لم يتعرض عن الدراهم فصار بيانًا إن قدر المستثنى غير واجب من الألف.\nفأما الثوب فليس من جنس الدراهم تسمية ولا وجوبًا لأن الثوب لا يجب في الذمة مطلقًا بكل سبب لا يثبت إلا سلمًا أو ثمنًا مؤجلًا، فأما استهلاكًا واستقراضًا وثمنًا حالًا فلا.\nفإذا لم يكن من جنس الدراهم اسمًا ولا حكمًا لم يصر بيانًا في حق الحكم، ولا الاسم، فبقي كلامًا مبتدأ وأوجب نفيًا مبتدأ.\nوعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة ومحمد فيمن حلف: لا يكلم فلانًا إلا أن يأذن له","vol":"1","page":154},{"text":"فلان، فمات فلان قبل الإذن بطلت اليمين لأن الإذن بمنزلة التوقيت، كأنه قال: حتى يأذن له فلان فيوجب اليمين حظرًا مؤقتًا بإذنه فلا يبقى به حظر مطلق، ولو بقي الحظر بعد موته لبقي حظر مطلق.\nفإن قيل: لو حلف لا يخرج من الدار إلا بإذني فأذن مرة لم تبطل اليمين، ولو قال: حتى آذن لك بطلت اليمين إذا أذن مرة ففرقوا بين الغاية والاستثناء.\nقلنا: لأنهما لم يتناولا محلًا واحدًا لأن قوله: \"حتى\" دخلت على الحظر الثابت باليمين فتوقف الحظر به \"وإلا\" دخلت على المصدر إي إلا خروجًا بإذنه فالخروج محظور بيمينه مطلقًا، فلما استثنى خروجًا بإذنه بقي ما عداه تحت اليمين، كذلك فصار الاستثناء نهاية للخروج المحظور، وحتى غاية للحظر الثابت باليمين لنفس الفعل لا للاسم والمصدر.\nومن هذا القبيل قول الشافعي إن الأمر بفعل رفع لضده، والنهي عن الفعل رفع للأمر به، وهذا عندنا حكم السكوت على ما مر ذكره في أبواب الأوامر والنواهي.\nومن ذلك قول بعض أهل النظر إن العام يخص بسببه وهذا عمل بالسكوت على الإطلاق، وإنه على أقسام أربعة:\nنص نقل معه سببه، كما روي: زنى ماعز فرجم، وسهى رسول الله ﷺ فسجد، وكقوله: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمىً فاكتبوه﴾ الآية.\nومنها ما لا ينقل معه سببه وإنه على أوجه ثلاثة:\nما لا يستقل بنفسه حتى يربط بسببه كقوله تعالى: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ قوله: بلى لا يستقل بنفسه فلا بد ا، يربط بسببه.\n- ومنها ما يستقل وهو على ضربين: ما خرج جوابًا للسؤال وكان السؤال سبب خروجه ما فيه زيادة على حرف الجواب فيختص بالسبب كالرجل يقول لآخر: إنك لتغتسل هذه الليلة في هذه الدار عن جنابة، فقال: إن اغتسلت فعبدي حر. فإنه يختص بما تقدم حتى إذا اغتسل لا عن جنابة لم يحنث.\nوالوجه الآخر ما فيه زيادة يستغني عنها الجواب فلا يقتصر على السبب بل يعم وفيه الخلاف كما لو قيل له: إنك لتغتسل الليلة في هذه الدار عن جنابة فقال: إن اغتسلت الليلة فعبدي حر كان عامًا حتى يحنث عن أي سبب اغتسل.\nوأما الأول فلأنه لما نقل معه السبب صار النص حكمًا لذلك السبب، وحكم العلة مخصوص بها لا يبقى بدونها مضافًا إليها بحال ولا بد للبقاء دونها من علة أخرى.","vol":"1","page":155},{"text":"وكذلك النوع الثاني لأنه متى لم يستقل بنفسه حتى يربط بما قبله من السبب صار كبعض الكلام من جملة فلا يجوز تفصيله للعمل به.\nوأما إذا استقل بنفسه فإن خرج مخرج الجواب وقت الحاجة إليه، وما فيه زيادة على الجواب ابتنى على السؤال لأنه جواب عنه، وصار بمنزلة الحكم للعلة- على ما مر- وبعض الكلام من الجملة فصار مقتضيًا حكاية ما في السؤال أي: إن اغتسلت عن ذلك السبب الذي قلته فعبدي حر.\nوكمن إذا قيل له: تعال فتغد، فقال: والله لا أتغدى. اختص بذلك الغداء في ذلك الفور.\nفأما إذا كان فيه زيادة فتعم لأنا متى جعلناها جوابًا لغت الزيادة فجعلناها ابتداء لتصير معمولًا بها وصار إلغاء الحال أولى من إلغاء الكلمة في نفسها، لأن السبب ساكت عن إيجاب القصر عليه، والزيادة ناطقة بالعمل بها بلا تخصيص.\nوعلى هذا القول جمهور العلماء نزلت آية الظهار بسبب خولة ولم يقتصر عليها لعمومها في نفسها وخلوها عن دلالة التخصيص.\nونزلت آية حد القذف بسبب عائشة﵂- فكانت عامة.\nونزلت آية اللعان بسبب سعد بن معاذ وكانت عامة.\nودخل رسول الله ﷺ المدينة فوجدهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: \"من أسلم منكم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم\" ولم يختص الخطاب بمن يسلف إلى أجل مجهول فيلزمه الخطاب إعلام الأجل دون غيره، وإن كان سبب الخطاب إسلافهم إلى آجال مجهولة لأن النص مستقل بنفسه خال عن قيد الخصوص غير سببه فلم يكن السبب بنفسه مخصصًا.\nومن ذلك قول بعض أهل النظر ممن لا تبع له من نحارير الفقهاء: أن الاتفاق في النظم يدل على الاتفاق في الحكم كقول الله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ هذه كلمات نفي اتفقت نظمًا، ومعنى الاتفاق نظمًا ان يكون الكلام جملًا تامة لو فصل بعضها عن بعض أفاد كما لو وصل فوصل بينهما تكلمًا بواو فهذه تسمى واو نظم فقد حسن بها نظم الكلام، وإن كان جملًا كقولك: جاء زيد، وتكلم عمرو.\nفأما واو العطف فما دخلت بين جملتين إحداهما ناقصة فتمت بحكم تلك الواو العاطفة على الولى حتى تصير بحكم الانعطاف مثل الأولى فيما تمت به الأولى كقولك:","vol":"1","page":156},{"text":"جاء زيد وعمرو، فعمرو إنما يتم بخبر زيد، هذا حر وهذا، فهذا يتم بخبر الأول، فهذا تفسير واو العطف.\nوأما الذين قالوا؛ هذه الواو تدل على الاتفاق حكمًا، فشبهوا هذه الواو بواو العطف، وقالوا: إذا تحقق العطف صار الكل كلامًا واحدًا كما لو تكرر الخبر لكل اسم فيصير خبر الأول خبر بعينه للثاني ألا ترى أن خطاب الشرع محمول على المتفاهم من مخاطبة العرب بينهم، والواحد منا إذا قال: عبده حر، وامرأته طالق إن كلمت زيدًا تعلق الأمران بالشرط وكل واحد جملة تامة فلو اعتبرا منفصلين لما تعلق الأول بالشرط.\nإلا أن نقول هذه الواو ساكتة عن جعل الجمل كلامًا واحدًا، وجعل خبر الأولى خبرًا للأخرى. لأن الخبر منصوص عليه بالأخرى فاستغنى عن خبر الأولى.\nولأنا متى جعلنا ذلك صار خبر كل جملة خبرًا للجميع كما لو لم يوجد إلا خبر واحد فإنه يكون خبر للجملة، وإنه ساقط بإجماع أهل اللسان.\nفأما الواو فقد استعملت لا للعطف قال الله تعالى: ﴿لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء﴾ ﴿وريشًا ولباس التقوى﴾ فلباس ابتداء لولا ذلك لما استقام مخالفة المعطوف المعطوف عليه إعرابًا، وكانت الواو لتحسين نظم المتكلم لا غير فمن جعل واو النظم لإثبات الشركة بين الجمل فقد أثبت بها بما ليس بموجبها لغة وعمل بما سكتت عنه وغنما يجب ذلك بدلالة أخرى توجب الوصل أو الاشتراك.\nومن ذلك قول الله تعالى في آية القذف: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ فهذه الواو عندنا واو النظم لا واو العطف فتبقى هذه الجملة مفصولة عن الأولى فلم يلتحق الاستثناء بالأولى.\nوعند الشافعي هذه واو العطف وإنما واو النظم ما قبلها: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا﴾ فهذا حكم مفصول عنده عن الجلد موصول بالفسق فانصرف الاستثناء إليه، ولم ينصرف إلى الجلد ثم هذا من الشافعي عمل بالسكوت لأن كل واحدة من الجملتين تامة خبر وجواب متى اعتبر ابتداء وإنما ينتقص إذا اعتبر جزاء عن القذف وقوله: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة﴾ يصلح جزاء دون الفسق لأن ظاهر الآية شاهد بكون النصين جزاء ﴿فاجلدوهم﴾ ﴿ولا تقبلوا﴾ فإنه خطاب راجع إلى الأئمة معطوفًا على خطاب الجلد والأول جزاء فكان الثاني جزاء لأن النص وإن فهم بنفسه فقد نقل معه سببه، وهو القذف فيجب ربط كل ما يصلح جزاء له به وجرح العدالة يصلح جزاء كالجلد لأنه ضرب عقوبة إذا قوبل بقبول القول منه فبهذه الدلالة جعلنا الواو الأولى للعطف.\nفأما الفسق فلا يصلح جزاء فإن الفسق في اللغة الخروج، وفي الشرع الخروج عن","vol":"1","page":157},{"text":"أوامر الله تعالى بمعصية يرتكبها فلا يقع الفرق بين قولنا: فسق، وبين قولنا: عصى فيكون الفسق عصيانًا لا بيانًا لجزائه.\nوكذلك النظم دليل عليه، لأنه لم يخاطب الأئمة، والأئمة هم المخاطبون بإقامة الحدود كما في الزنا والسرقة بل أخبر عن صفة القاذف كما قال: ﴿فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ أي: القذفة وإن كان خبرًا يحتمل الحسبة لإقامة الحد والمعصية لقصد هتك الستر فإنه متى عجز عن الشهود حتى حد صار معصية وفسقًا فأخبر الله بذلك لتزول عنها شبهة الاحتمال، وشبهة إيجاب الحد عليه بما فعله محتسب ومتى لم يصر الفسق جزاء وهو كلام تام بنفسه صار ابتداء فالشافعي متى قطع: ﴿ولا تقبلوا﴾ عن قوله: ﴿فاجلدوهم﴾ صار قاطعًا بلا دليل من النص ونحن متى قطعنا الفاسقين عما قبله قطعنا بدليل من النص نفسه فلم يلتحق الاستثناء بما تقدم.\nفأما قول الرجل: عبده حر، وامرأته طالق إن كلمت زيدًا، فإنما التحق الشرط بهما لأنه بين بأجزاء الكلام أنه حلف ولم يرسل الإيجاب، والحلف غير الإرسال وتمام الحلف بالشرط والجواب فصارت الجملة الأولى ناقصة على اعتبار الحلف لأنه لا شرط لها، فصارت الواو واو العطف كما لو كان إرسالًا فقال: هذه طالق، وهذه فإنهما تطلقان لأن الثانية ناقصة إرسالًا فانعطفت على الأولى وشركتها في خبرها، وصارت جملة واحدة فكذلك هذه اعتبرت يمينًا، ونظير ما نحن فيه قوله: لفلان علي ألف درهم ولفلان علي ألف درهم إلا عشرة فإن الاستثناء يقتصر على الثاني.\nومن ذلك الجمع المضاف إلى جماعة كقول الله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾ فمن الناس من قال: حقيقة هذا الجمع تتناول جماعة أموال كل واحد من الجملة لأنها اسم جمع لولا الإضافة، ومع الإضافة يمكننا العمل بحقيقة موجبها مطلقة فلا نخصها بغير دليل، وهذا عند عامة العلماء عمل بلا دليل.\nقال علماؤنا فيمن قال لامرأتين له: إن ولدتما ولدين او دخلتما دارين فأنتما طالقان، فولدت كل واحدة ولدًا أو دخلت دارًا واحدة طلقتا جميعًا.\nلأن هذه جماعة مضافة إلى جماعة فيجب تحقيق الجماعة المضافة بسبب الإضافة حتى لا تصير الإضافة لغوًا اعتبراها في الجماعة المعرفة بالإضافة، فإن الإلغاء لا يجوز إلا بدليل، واعتمادهم على الجماعة ليس بدليل، لأن الجماعة مقيدة بالإضافة ونحن نحققها كذلك.\nفأما المطلقة فمعدومة كالإيجاب المعلق بشرط يكون سكوتًا عما عداه، وعلى هذا تفاهم الناس من خطابهم: لبس القوم ثيابهم ونعالهم وحلقوا رؤوسهم ومشطوا لحاهم، ويقول الشاعر:","vol":"1","page":158},{"text":"وإنا نرى أقدامنا في نعالهم ... وآنفنا بين اللحى والحواجب\nولا يكون لكل واحد إلا أنف، والله تعالى يقول: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ ولن يكون لواحد إلا قلب، وقال: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ الآية، ولم يجب بالسرقة الواحدة من السارق والسارقة إلا قطع يد واحدة من كل واحد منهما.\nولو اوجب هذا الاسم جماعة الأيدي؛ في حق كل واحد منهما لوجب قطع الأيدي جملة منهما بالمرة الواحدة، لأن الله تعالى جعل جزاء سرقة واحدة قطع أيديهما.\nفلما لم يجب إلا قطع يد واحدة، علم أن الجمع المضاف إلى جماعة، آحاد في حق الآحاد.\nوقال الله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ والمحظور على كل واحد منهم حلق رأس نفسه بهذا الخطاب حتى لو حلق رأس غيره لم يلزمه الدم المتعلق بحلق رأسه، وقال ﷻ: ﴿جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم﴾.\nومن ذلك قول بعضهم: إن العام يخص بغرضه ولا يكون حجة فيما عداه وانه بمنزلة التخصيص بسببه لأن المتكلم إنما يتكلم لغرضه فذلك الغرض سبب خروج الكلام من المتكلم، ومن ذلك قولهم: إن كلام المدح والذم والثناء، والاستثناء لا عموم له. وذلك قول بالتشهي لأن العام حيث قيل بعمومه، فإنما قيل به لأن الوضع للعموم وإنه قائم مع كونه ذمًا أو مدحًا أو استثناء، لأن العرب تمدح العام بوصف عام، وقد تذم كذلك وقد تستثني كذلك فلا تدل هذه الصفات على التخصيص وترك الحقيقة.\nفهذه جملة ما ذكرنا من فنون الأقوال في هذا الباب فإن شذ عنا شيء فليقس بما ذكرنا، فقد حددنا للعمل باللفظ حدًا لا يعدوه، وهو العمل بنصه وإشارته ودلالته ومقتضاه، وحددنا كل قسم بحد يمتاز به عن غيره، ليعلم أن ما لا يدخل تحت الحد أنه عمل لا بالنص فلا يبقى إلا الرأي والقياس، غير أن الحدود التي قلناها متقاربة، يشبه بعضها بعضًا، لا يثبت قدم سالكها على الحد إلا بحد التأمل.\nفليشمر المهتدي لما أشرنا إليه أذيال خاطره، ثم ليستعن بالله فلا يضل، فإن التخريج على هذه الحدود ورد كل نوع إلى نظيره أصعب انقيادًا للقلب من معرفة الأقسام بحدودها، وما التوفيق إلا بالله تعالى.","vol":"1","page":159},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>القول في إبانة طريق المراد بمطلق الكلام</span>\nقد ذكرنا فيما مضى أن الكلام ضربان: حقيقة ومجاز، فإن المجاز لا يصل إليه إلا بدلالة وربما يشكل على السامعين مجاز الكلام من حقيقته، وربما يشكل أيضًا المراد من النوعين ولا يمكن التبين إلا بروية فيقع فيه الاختلاف بين أهل الروية فيحتاج إلى معرفة طريق التبين عند الإشكال ليمكننا الوصول إلى المراد بالكلام.\nوطريقته بالنظر في السبب الداعي إلى ذلك الاسم من تعريف الأسماء في باب الوضعيات التي لا معنى لها، أو تعريف المعنى في المعنويات فما كان أكثر إفادة كان أحق بالإرادة.\nوظهور ذلك من أحد طريقين:\nأ- إما بمحل الكلام.\nب- وإما بنفس الكلام في نوعي الكلام جميعًا: حقيقته ومجازه، فصير أربعًا.\nأما من حيث المحل فنحو اللفظ العام فقد اختلف أهل العلم فيه.\nفقال بعضهم: مطلقه ينصرف إلى الخصوص.\nوقال بعضهم: إلى العموم.\nوهذا أحق لأن بعض المحل الذي وضع الاسم علمًا عليه يبقى غير مراد به إذا انصرف إلى الخصوص.\nولأنا لو جعلنا المراد به الخصوص، وقد وجدنا لذلك الخاص اسمًا خاصًا، لصار لمسمى واحد اسمان لغرض واحد، فيكون تكرارًا فتقل فائدة أصل الاسم لأنه لأجل الإعلام وضع.\nوالإعلام حاصل قبل الاسم المكرر وإنما يحصل بالتكرار التأكد وتوسعة البيان فيكون دون فائدة أصل الوضع فلا يجوز ترك إكمال الفائدة إلى البعض إلا بدلالة، فهما معنيان يدلان على ما قلناه مأخوذان من محل الكلام، وهو ما يدخل تحته مسمى به لا من نفس الكلام، فإنه متى حمل على الخصوص صار تناوله قدر ما تناوله تناولًا بحقيقته كما لو عم.","vol":"1","page":160},{"text":"وأما ما يعرف من نفس الكلام وهو أقوى البابين وأكثر فقهًا فنحو قول الله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ فقد اختلف أهل العلم في تفسير معنى اللغو؟\nقال علماؤنا﵏-: لغو اليمين ما لا يفيد فائدتها المطلوبة منها شرعًا ووضعًا، وهو تحقيق الصدق من الخبر الذي عقد عليه اليمين وإنما تنعدم هذه الفائدة إذا كان الخبر غير محتمل للصدق.\nوقال الشافعي: لغو اليمين ما جرى على اللسان من غير قصد.\nوإجماع منا على جواز الإطلاق على كل واحد من المنعيين فنقول:\nما ذهبنا إليه أولى لأنا وجدنا للخارج من غير قصد اسمًا موضوعًا له.\nوهو الخطأ الذي هو ضد العمد.\nوالسهو الذي هو ضد التحفظ.\nفمتى حملنا اللغو عليه كان تكرارًا.\nفأما الكلام الذي لا يفيد فائدته لانعدام شرط صحته لا لحال المتكلم فما له اسم سوى اللغو قال الله تعالى: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه﴾ أي الكلام الفاحش الذي هو خلو عن الفائدة المطلوبة منه في الحكمة، ليس الكلام الخارج من غير قصد فإن ذلك عفو لا عنت فيه وقال الله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه﴾ أي عارضوا بالتعنت، وما ليس بصحيح في الحكمة فلعلكم تغلبون بالمغالبة إن لم يكن بالمحاجة الصحيحة ولم يرد به: تكلموا من غير قصد، فإن الأمر به لا يستقيم.\nوكذلك الرجل إذا تكلم بالخنا قيل له: ألغيت: ﴿وإذا مروا باللغو مروا كرامًا﴾ أي صبروا عن الجواب، دل عليه أنه متى حمل على ما قالوا كان الفساد لمعنى في القلب؛ الذي هو سبب التكلم فيصير لغوًا لفساد السبب، وعلى ما نقوله نحن يصير لغوًا بنفسه لكونه غير مفيد وضعًا ولا شرعًا.\nوكذلك العلماء اختلفوا في العقد؟\nفقال بعضهم: هو القصد.\nوعندنا: العقد هو ربط اللفظ باللفظ لإيجاب حكم نحو: ربط اليمين بالخبر المضاف إليه لإيجاب الصدق منه وتحقيقه، وربط البيع بالشراء لإيجاب الملك، وهذا أقرب إلى الحقيقة لن العقد حقيقته؛ من حيث عقد الحبل إذا شددت بعضه ببعض لأمر تريده لا يتم إلا به وضده الحل.","vol":"1","page":161},{"text":"تقول العرب: يا عاقد اذكر حلًا.\nثم استعير للألفاظ إذا عقد بعضها ببعض لإيجاب حكم.\nثم استعير للقبل إذا عقد عزمه لأمر ما فصار عقد اللفظ أقرب غلى الحقيقة بدرجة.\nولأنا متى حملنا على عقد اللفظ بالإضافة إلى خبر يحتمل الصدق لينعقد لإيجابه كان الانعقاد صفة لليمين نفسها.\nومتى حمل على القصد لم يصر صفة لليمين نفسها، لأن اليمين لا تكون بالقصد حتى يتكلم بها وإنما القصد سبب خروج الحلف فتصير اليمين معقودة بسببه لا بنفسه، ألا ترى ان ضد العقد الحل، فما ينعدم بالحل يكون عقدًا حقيقة.\nعلى ما نفسره نحن ينعدم بالحل فإن اليمين تنحل بالحنث فتنعدم، وضد العقد الذي هو قصد القلب السهو لا الحل فلما لم ينعدم العقد بشرط الحنث الذي هو حل، علم أنه حين وجد لم يكن عقدًا حقيقة بل كان مجازًا، وكان غيره حقيقة.\nومن ذلك اختلاف الناس في القرء؟\nقال بعضهم: حيض.\nوقال بعضهم: إطهار.\nفالقول بالحيض أقرب إلى الحقيقة لأن القرء: اسم معنوي للحيض أو الطهر بلا اختلاف فلئن أخذ الاسم لهما من معنى الاجتماع كما في قول الله تعالى: ﴿فإذا قرأناه﴾ أي جمعناه، ويقول الشاعر:\nهجان اللون لم تقرأ جنينًا\nأي لم تجمع إلى رحمها ولد فالحيض أولى بهذا المعنى من الطهر لأن الحيض: اسم لدم مجتمع في نفسه، فإن نفس الدم لا يكون حيضًا حتى يدوم مدة وإن اختلف الناس في تلك المدة.\nوأما الطهر فليس بشيء مجتمع ولكنه حال لاجتماع دم الحيض بأن كان يجتمع وقت الطهر ثم يدر.\nولئن أخذ هذا الاسم من الوقت المعتاد كما يقول الشاعر:\nإذا هبت لقارئها الرياح\nأي لوقتها المعلوم، ويقول آخر:\nيا رب ذي ضغن وضب فارض .... له قروء كقروء الحائض","vol":"1","page":162},{"text":"أي أوقات معلومة، فالحيض أولى بهذا الاسم لأن الوقت المعلوم نصب للحيض لنفس الحيض، ونصب للطهر لا لنفس الطهر، بل للحيض فإن النصب احتيج إليه لإقامة الأحكام، والحكام تتغير بالحيض لا بالطهر.\nوكذلك القروء: اسم جمع وأقل الجمع الصحيح ثلاثة كوامل والبعض مجاز على ما نذكره، ولن يكمل الأطهار ثلاثة قروء قط للطلاق المشروع لن الطلاق شرع في الطهر فيكون الجزء الماضي قبل الطلاق والمقارن إياه غير محسوب من العدة.\nومن ذلك اختلاف العلماء في (النكاح المطلق) أنه ينصرف إلى الوطء أو العقد فالقول بالوطء أقرب إلى الحقيقة لأنه اسم معنوي مأخوذ من الظن يقول الشاعر:\nأنكحت ضم صفاها خف يعملة ... تغشمرت بي إليك السهل والجبلا\nأي: ألزمت وضممت، والضم إنما يتحقق بالجماع. فأما العقد فسبب للضم فكان للوطء حقيقة وللسبب مجازًا.\nومن ذلك اختلاف العلماء في ان أقل الجمع الصحيح للثلاثة أو للاثنين بعد وجود الإطلاق عليهما جميعًا.\nوالقول بأنه اسم للثلاثة حقيقة وللاثنين مجازًا أولى لأن العرب فصلت بين علامة الاثنين وعددهما، وعلامة الثلاث وعددها، كما فصلت بين الاثنين والواحد فقالت: رجل واحد، ورجلان اثنان، ورجال ثلاثة فما فوقهم.\nفعلم أنها على الحقيقة أسماء لمسميات ثلاثة، وفي جعل الجمع اسمًا للاثنين إثبات تكرار فيكون رجلان ورجال اسمين للاثنين ثم يجب على قياد هذا أن يكون اسم رجلين اسمًا لثلاثة أيضًا لما صارا واحدًا.\nوقد قال علماؤنا- فيمن حلف لا يكلم رجالًا-: أنه على الثلاثة، وكذلك إذا أقر بدراهم، لزمته ثلاثة، وكذلك الجمعة لا تصح إلا بالجماعة، ثم كان الشرط ثلاثة من الجماعة فعلم انه أقل الجمع.\nوقالوا- في سائر الصلوات-: أن الإمام إذا صلى بواحد قام بحذائه لأنهما ليسا بجماعة والاصطفاف بعد الإمام من حكم الجماعة، ولو كان سوى الإمام رجلان قاما خلفه صفًا لأنهما جماعة مع الإمام والإمام منهم في حق الجماعة، لأن صلاة الإمام تصح بلا جماعة، ولكن أمرنا ان تكون الصلاة بجماعة والصلاة حصلت بثلاثة فكانت بجماعة.\nفعلى هذا مسائل علمائنا إلا باب الوصايا فإنهم جعلوا الاثنين في حكم الثلاثة في استحقاق الوصية المضافة إلى جماعة لأنها أخت الميراث، وقد قام الدليل في المواريث ان الاثنين في حكم الثلاثة لا من جهة النص، فإن النص قوله: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين","vol":"1","page":163},{"text":"فلهن ثلثا ما ترك﴾ والنساء فوق الثنتين لا يتناولن الثنتين بلا إشكال، ولكن من جهة دليل آخر تبين لنا ان فوق مؤخر والمراد به نساء اثنتين فما فوقهما فلما ثبت ذلك في باب المواريث ثبت في الوصايا استدلالًا بها، ولهذا كان أقل الاسم على ثلاثة أحرف في أصل الوضع، لأن الكلام حروف مجموعة فكان أقلها ثلاثة أحرف.\nومن ذلك موجب الواو فقد قيل: إنها للترتيب والإشراك، والجمع.\nوالصحيح ان الواو تقتضي مشاركة المعطوف والمعطوف عليه في خبره كأن الخبر كرر في حقه شركة مطلقة من غير وصف المقارنة أو الترتيب أو غيرهما ذلك لأنا وجدنا كلمة \"مع\" توجب المقارنة.\nو\"الفاء\" توجب الترتيب بلا فصل.\nو\"ثم\" توجب الترتيب بفصل.\nفلو حملت الواو على أحد هذه المعاني لصار الاسم لذلك المعنى مكررًا.\nولو حملت على شركة بصفة متعينة محتملة للقرآن والفصل والترتيب صار لها فائدة جديدة، ألا ترى انك إذا قلت: جاء زيد وعمرو وكنت أخبرت عن مجيئهما جميعًا مطلقًا، وكنت صادقًا في الخبر، جاءا معًا أو متفرقين او متعاقبين.\nوقد يراد بها معنى بعينه بدلالة توجب زيادة الوصف كالاسم المطلق قد يختص بقيد بدلالة، ولهذا قال علماؤنا: إن الواجب من غسل الوضوء غسل الأعضاء مطلقًا بلا تعيين وصف، من ترتيب أو مقارنة أو تفريق. وإذا قال لعبيده- وهم ثلاثة-: هذا حر أو هذا وهذا عتق الثالث وله الخيار في الأولين.\nوقال الفراء: له الخيار بين أن يعتق الأول او الآخرين لأن الواو للجمع فيصير قوله أو هذا وهذا، كقوله: أو هذان كما إذا قال: هذه الألف لفلان وفلان، كان بينهما كما لو قال لهما.\nإلا انا نقول: الواو لا توجب صفة الجمع والمقارنة على ما قلنا، فلا يصير الثالث داخلًا تحت العتق مع الثاني بكلمة الواو وقد فرق بينهما لفظًا فبقي داخلًا وحده كما تكلم وبقي الخيار بين الأول والثاني ويصير الثالث معطوفًا على الذي عتق لما بقي وحده إذ لا يصح العطف على الذي لم يعتق لن المراد بالجملة الأولى الذي عتق فإن قوله هذا حر أو هذا كقوله: أحدهما حر، ولو قال: أحدهما حر وهذا، عتق الثالث عينًا لأنه لا جهالة فيه وقد عطف على حر مجهول ألا ترى أن المعطوف يدخل تحت خبر المعطوف عليه كأنه كرر في حقه ومتى جعلا مجموعين لم يستقم فإنه لا يستقيم أن تقول هذا حر وهذان حر بل يجب أن يقال هذان حران.","vol":"1","page":164},{"text":"فثبت أن الصحيح أن يجعل كأنه قال: هذا حر أو هذا حر وهذا حر.\nولا يلزم مسألة الإقرار فإنا حملناه على الشركة على سبيل المقارنة بدلالة، وهو أن أول الكلام موقوف على آخره فيما يخرج بيانًا وهو بذكر فلان وفلان يبين من يستحق المال ولا يستقيم البيان على معنى أن يجعل الكل للأول ثم للثاني، وإنما يستقيم على سبيل الشركة على المساواة.\nفإن قيل: أليس الرجل إذا قال لامرأته ولم يدخل بها: إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق، فدخلت، لم تطلق إلا واحدة عند أبي حنيفة﵁- لأن التطليقات تعلقن مرتبة بحرف الواو، وعندهما: تقع جملة لأن الواو للجمع فكأن قولك: هذا مما يخالف الأصلين؟\nقلنا: ما هذا الاختلاف من هذا الجانب بل أبو حنيفة ﵁ يقول: إن الطلاق الأول تعلق بالشرط بلا واسطة، والثاني تعلق به بواسطة بينهما، وهو الطلاق الأول لأن كل واحد منهما تعلق حين ما تكلم به، وقد تكلم بهما في وقتين فبالواو لا يجتمعان لأن الواو لا توجب الجمع وهما يقولان: تفرق أوقات تعلق الطلاق بشرط لا يوجب تفرق الوقوع كما لو تكرر الشرط فلا يتفرق بالواو، لأن الواو لا توجب التفريق.\nومن ذلك كلمة \"أو\" فقد زعم عامة الناس أنها للتخيير في الإثبات وللنفي في النفي محتجين بقول الله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾ وكان للتخيير، وقال: ﴿ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا﴾ أي: ولا كفورًا.\nوالصحيح عندنا أن كلمة \"أو\" كلمة تشكيك لأنا متى جعلناها للتخيير مرة وللنفي مرة أخرى كان كلامًا محتملًا.\nوالأصل أن الاسم له معنى واحد، ويدل عليه أنك إذا قلت: رأيت زيدًا أو عمرًا أخبرت عن رؤية كل واحد منهما على سبيل الشك، واحتمال أنك لم تره لا يفهم غير ذلك حتى تصير كاذبًا إذا رأيت أحدهما بعينه وأنت تعلمه أو رأيتهما جميعًا.\nولأنك إذا قلت: رأيت زيدًا وعمرًا أوجب الواو رؤيتهما.\nوإذا قلت: رأيت زيدًا بل عمرًا فكان \"بل\" لإقامة عمرو مقام زيد في الرؤية على سبيل استدراك الغلط به.\nوإذا قلت: رأست زيدًا أو عمرًا أخبرت أنك لم ترهما يقينًا وإنما رأيت أحدهما، ولكنك شككت في معرفة ذلك منهما حتى احتمل كل واحد منهما ان يكون هو المرئي وأن لا يكون، فتكون لهذه الكلمة فائدة على حدة إلا أنها إذا استعملت في الإيجابات والأوامر والنواهي والإنشاءات لم توجب شكًا لأن الشك إنما يتحقق عند التباس العلم","vol":"1","page":165},{"text":"بشيء وذلك إنما يكون في الإخبارات، وأما الإنشاءات من إيجاب وأمر ونهي وتحريم وهي لإيجاب حكم مبتدأ، فلا يتصور فيهما شك ولا التباس وإذا بطل معنى الشك إذا استعملت في غير الخبر.\nقلنا: إن دخلت بن أمرين أو إيجابين أوجبت التخيير لما ذكرنا أنها إذا دخلت في الخبر نفت دخول المذكورين جميعًا تحت ما أخبر به وثبت أن المراد به إما هذا وإما هذا لما ذكرنا أن اللفظ يتناول كل واحد منهما على سبيل الشك، وإنهما ليسا بثابتين معًا.\nوإذا انتفى معنى الشك في الإيجابين بقي المعنى الآخر وهو أن الثابت إما هذا، وإما هذا فأوجب ضرورة التمكن من أداء الواجب لأن الأداء لا يتصور إلا بمعين.\nوإذا دخلت بين إباحتين كقولك: جالس الحسن أو ابن سرين، وكل هذا الطعام أو هذا، صارا جميعًا مباحين لأن معنى الشك باطل لما قلنا في الأمر.\nوكذلك معنى الخيار إنما وجب للتمكن من أداء الواجب، على ما ذكرنا ولا وجوب في الإباحة فلم يثبت الخيار.\nوإذا دخلت بين نفيين أو تحريمين كقول الله تعالى: ﴿ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا﴾ صارت بمعنى \"ولا\"، وكذلك إذا حلف فقال: والله لا أكلم فلانًا، أو فلانًا.\nلأن معنى الشك ساقط لما ذكرنا في الإيجاب.\nومعنى الخيار ساقط لأنه لا فعل عليه في التحريم والخيار كان لضرورة الإمكان من الفعل فبقي معنى دخول كل واحد منهما على الإنفاد بلا خيار.\nوكذلك إذا قال: ما رأيت زيدًا أو عمرًا، لو انصرف إلى نفي رؤية أحدهما دون الاخر لصار بمعنى قوله: رأيت زيدًا أو عمرًا فيكون حينئذ النفي والإثبات واحدًا، بل لما ثبت بقوله رأيت زيدًا أو عمرًا رؤية كل واحد منهما على الشك صار ذلك بعينه منفيًا بقوله: ما رأيت زيدًا أو عمرًا، فأوجب دخول كل واحد منهما تحت النفي على الانفراد وصار كقوله: ما رأيت زيدًا ولا عمرًا، لا كقوله: ما رأيت أحدهما. وإن كانا يتفقان معنى.\nوأما إذا دخل بين نفي وإثبات، كقوله: والله لا أدخل هذه الدار أو أدخل هذه الدار الأخرى. كان بمنزلة \"حتى\" فإن دخل الدار الأولى حنث وإن دخل الدار الأخرى سقطت اليمين إلى بر لأن عمل \"أو\" في النفي عمل بلا شك، وعمله في الإثبات بأن لا يثبت إلا أحدهما فاعتبر في حق الدار الأولى بنفيين كأنه قال: والله لا أدخل هذه الدار أو هذه الدار، وفي الدار الأخرى بالإثباتين، كأنه قال: والله لأدخلن هذه الدار أو هذه الدار فإذا دخل في أحدهما بر في يمينه وتمت اليمين برًا فكذا ههنا إذا دخل الدار الثانية.","vol":"1","page":166},{"text":"ثم البر بهما وما ينتهي إليه بر اليمين معقودة على النفي كان غاية، قالوا: وإذا قال والله لا أكلم الناس غلا فلانًا أو فلاتًا كان له أن يكلمهما جميعًا لأن الاستثناء من الحظر إباحة، وقد ذكرنا أنها في الإباحة توجب إباحة كل واحد مما دخلت عليه، كقولهم: كل هذا أو هذا، والله أعلم بالصواب.","vol":"1","page":167},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>القول في الحجج المجوزة من الشرعيات</span>\nوهي التي توجب العمل بها دون العلم.\nفلما أوجبت العمل بها كانت حجة.\nولما لم توجب العلم- والعمل بغير علم باطل في الأصل- سميناها مجوزة، حيث جوزت العمل بغالب الرأي في ثبوتها بلا علم حقيقة توسعة علينا.\nوهي أربعة انواع:\nالآية المؤولة: لكونها مشكلة قبل التأويل، أو مشتركة، أو مجملة.\nوالعام الذي ثبت خصوصه، على ما مر من الأنواع التي لا توجب العلم قطعًا من كتاب الله تعالى.\nوخبر الواحد أو خبر الصحابي.\nوالقياس، لأنا ما عرفناها حجة إلا بضرب من الرأي.\nفالتأويل ما آل إليه أمر النص بالرأي على ما مر.\nوكذلك خبر الواحد إنما صار حجة بضرب رأي ذكرناه من بعد فإنه محتمل للكذب، وليس بحجة يقينًا.\nوكذلك خبر الصحابي لأنه ممن يجوز عليه الغلط كما يجوز علينا إلا أنا رجحنا رأيهم على رأينا إما بخبر الواحد أو بضرب اجتهاد.\nوأما القياس فمحض الرأي.","vol":"1","page":168},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>القول في الآية المؤولة</span>\nوقد مر تفسيرها وإنما أعدنا لبيان جواز التأويل بالرأي، وكونها حجة فقد قال النبي ﷺ: \"من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار\" والجواب عنه من وجهين:\nأحدهما: أنا جوزنا التأويل دون التفسير- وقد يبق الفرق بينهما- فالتفسير: بيان لا يبقى فيه شك وشبهة ويضلل مخالفه، ومن ادعى ذلك برأيه وضلل مخالفه فسق كالخوارج والروافض وكان لهم النار.\nوالثاني: أن هذا الوعيد لمن فسر برأيه، ورأيه على الإطلاق ما استفاد بنفسه دون شرعه، وإنما يستفيد من نفسه رأي الهوى وما فيه مصالح دنياه، وحصول مراده فمن فسر القرآن بهذا الرأي فسق أو كفر كالروافض.\nوإنما يجوز له التفسير بالرأي الذي أفادته الشريعة بأن عرف أصول الشرع وإشاراته وما يبتنى عليه أمر دينه فأول المشكل على ذلك، ولفق بين المتناقض منه ظاهرًا، فيكون هذا تفسيرًا برأي الشرع لأنه ما استفاد هذا الرأي إلا من الشرع وقد اشتغل به الصحابة، والسلف الصالحون إلى يومنا هذا ومتى لم نجوز هذا لم يمكننا الخروج عن طعن الملحدين في القرآن، والله أعلم.\nفإن قيل: كيف تكون الآية المؤولة حجة مع احتمال الغلط والله تعالى يقول: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾؟\nقلنا: إن المؤول وإن احتمل الغلط فإنه يجوز العمل به إذا ترجح أحد الوجهين على الآخر، وعند الرجحان يقع بالراجح علم مثله، وهو علم الظاهر دون الإحاطة واليقين لبقاء الوجه الآخر، وعند الرجحان يقع بالراجح علم مثله، وهو علم الظاهر دون الإحاطة واليقين لبقاء الوجه الآخر محتملًا في الجملة توسعة علينا كما جوزوا العمل بالخبر الواحد على ما نذكره، وبالقياس مع احتمال الغلط، وقوله: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ ورد فيما لا علم له به أصلًا لأنه نكرة في النفي والعلم له مراتب على ما بينا في آخر الكتاب.\nوإنما يذم الإنسان إذا قصر في الطلب فاقتصر على أدنى منازل العلم، وقد أمر ببلوغ الأقصى فأما ما دام في الطلب وللعلم درجات فحميد منه سعيه وإن كان قولًا بما لا علم له به يقينًا لأنه لا وسع له إلا ذلك ولا تكليف إلا به، والله أعلم.","vol":"1","page":169},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>القول في الخبر الواحد</span>\nاختلف العلماء في الخبر الواحد على أربعة أقوال؟\nفقال جمهور العلماء: إنه حجة، وإن لم يكن المخبر معصومًا عن الكذب.\nوقال بعضهم: لا يكون حجة حتى يبلغ عدد الشهادة.\nوقال بعضهم: لا يكون حجة أقصى عدد الشهادة.\nوقال بعضهم- ممن لا يعتبر خلافه خلافًا-: لا يكون خبر الواحد حجة في باب الدين إلا أن يكون معصومًا عن الكذب أو يبلغ حدًا ذكرناه في التواتر لقول الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾؟ والعلم لا يقع بخبر احتمل الكذب وقال: ﴿ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ وقال:\nولأنا لا نعمل بالنص المحتمل لوجهين، وغن كان كل واحد منهما مما يجوز ان يكون شريعة فلأن لا نعمل بالذي يحتمل الصدق والكذب- والكذب باطل- أولى وأحرى.\nقال: ولا يلزمنا العمل بالشهادة لأنا تركنا هذا الأصل بكتاب الله تعالى بخلاف القياس فلا نقيس عليها غيرها. ولأن حقوق العباد ليست كأصل الشريعة فإنها باب يثبت بإيجابهم وتصرفهم وبهم ضرورة إليها، ولا يمكنهم إظهارها بدليل لا يبقى فيها شك وشبهة، وأما الدين فحق الله تعالى، والله تعالى قادر على إظهار حقه بما يوجب العلم فلم يجز إثباته بما دونه كما لا يجوز إثبات أصل الدين من التوحيد والنبوة، وصفات الله تعالى بما فيه شبهة.\nواما جمهور العلماء فإنهم احتجوا بقول الله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ وبقوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ الآية، فالله تعالى توعدهم بالكتمان وبترك البيان، وحقيقة هذه الإضافة تتناول كل واحد من آحاد الجمع على ما مر ذكره في الجمع المضاف إلى جماعة.\nولأن أخذ الميثاق علينا من أصل الدين والخطاب بأصل الدين، وإن تناول الجماعة فكل واحد منهم مخاطب به على حدة بالإجماع وبالدلائل التي لا شك فيها ولما افترض","vol":"1","page":170},{"text":"البيان على كل واحد من الجملة دل ضرورة أنه مقبول منه ذلك وواجب قبوله كما كان يجب من رسول الله ﷺ وكذلك كل مأمور بشيء إذا أتى به كما أمر كان القبول منه حقًا له، وقال الله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ والفرقة اسم لجماعة أقلها ثلاثة، والطائفة منتزعة منهم فيكون بعضهم وبعض الثلاثة واحد او اثنان وقد يسمى الواحد طائفة قال الله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ روي أنهما كانا رجلين، وقد دلت عليه الآية: ﴿فأصلحوا بينهما﴾ إلى قوله: ﴿فأصلحوا بين أخويكم﴾ ولم يقل بين إخوتكم.\nوإن جعلنا الطائفة جماعة فهي إلى العشرة وخبرهم يحتمل الكذب. ولن أحدًا لم يقل أن الطائفة او الفرقة اسم جماعة بلغوا عددًا نشترطه في التواتر، والله تعالى أمر الطائفة بالتفقه ثم بإنذار قومهم بما تعلموا، ولو لم يكن قولهم حجة لما وقع به إنذار ولا حذر.\nفإن قيل: إن الله تعالى أمر به الطوائف أجمع.\nقلنا: قد ذكرنا أن الجماعة المضافة إلى جماعة حقيقية آحاد في حق كل مضاف إليه كقولنا: لبس القوم ثيابهم، وركبوا دوابهم، ولأنه قال: ﴿إذا رجعوا إليهم﴾ علق الإنذار بالرجوع، ولا يتصور الرجوع من الطوائف كلها إلى قوم واحد منهم لأنه اسم للعود بعد المسير عنهم وإنما يسمى الآتي ابتداء قادمًا.\nولأن الواجب لو كان اجتماع الطوائف والدوران على الناس لكان أمرًا مشهورًا لا يخفى ذلك.\nولو كان الحق متعلقًا بذلك لوجب نقل ذلك كما نقلت الطهارة وسائر الفرائض، ولكان لا يندرس أثره فلما لم ينقل علم أنه لم يكن.\nولو وجب ذلك لما تركهم رسول الله ﷺ والإعراض عنه. على أن الحجة قائمة مع الاحتمال لأنهم إذا اجتمعوا وداروا وجب الحذر من قولهم وبيانهم بظاهر الآية، وبعد الاجتماع جائز عليهم الاتفاق على الكذب عادة وإنما يصير الخبر حقًا من الجماعة إذا كانت الجماعة جماعة لا يتوهم عليهم الاتفاق يقينًا على الكذب عادة، والاتفاق على الكذب عادة يتوهم على المجتمعين عادة.\nفإن قيل: إنما يلزم الواحد البيان، ولكن لا يلزم السامع القبول حتى يكثروا كالشاهد الواحد يلزمه أداء الشهادة ولكن لا يجب على القاضي العمل حتى يتم العدد.\nقلنا: إن الله تعالى ألزم البيان ليحذر الناس ولم يشترط عددًا فمتى لم يلزم العمل","vol":"1","page":171},{"text":"بذلك البيان إلا بعدد لم يقع الحذر إلا بزيادة فيكون نسخًا ولا يكون تأويلًا، ألا ترى ان الله تعالى ما ذكر الشهادة للعمل بها إلا مقرونة بالعدد وما ذكر عددًا في باب الدين، وعلى ان الشاهد إذا علم أنه لا شاهد غيره لا يلزمه الأداء وظاهر الآية يدل على وجوب البيان على الآحاد.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ وإنه يتناول الآحاد فصار الأمر من كل واحد أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر بنص الكتاب فيجب القبول منه.\nووجه آخر أنا نعلم يقينًا أن النبي ﷺ ما كان يعيش إلا بأكل، وما كان يزرع بنفسه ليعلم طيبة الخارج يقينًا بل كان يأكل مما يهدى إليه أو يشتري أو يدعى إلى طعام على ما يخبره الخبر من غير نزول وحي في كل ذلك حتى أكل الشاة المصلية فلم يسغها فسأل عن شأنها فأخبروه بالقصة فأمر بالتصدق.\nووجه آخر انا نعلم يقينًا أنه كان مبعوثًا إلى الناس كافة، وإنه لم يأت الجميع بنفسه وإنما أرسل إليهم، وكتب وأنه أدى ما حمل من الأمانة فلو لم يكن خبر الواحد حجة أو الكتاب، لما كان ذلك تبليغًا، ولكان تجنب الأمانة وهذا غير جائز.\nووجه آخر أنا نعلم يقينًا أن المخدرات ما كن يحضرنه لتعلم الدين وكن يعلمن من جهة أزواجهن، والقوام عليهن، ولو لم يكن خبرهم حجة للزمهن الخروج إلى النبي ﷺ ولو فعلن لاشتهر ذلك كما اشتهر اجتماع الرجال ولم يخف.\nووجه آخر هو أن البلاد النائية افتتحت على عهده مثل بلاد اليمن والبحرين وما أتاهم رسول الله ﷺ بنفسه بل بعث إليهم من علمهم، وهداهم من الخلفاء على مثال سير الملوك في ولايتهم اليوم فلو لم يكن خبر الواحد حجة لما جاز ذلك وللزمهم الخروج بأجمعهم إلى رسول الله ﷺ، ولو وجد ذلك لكان أمرًا مشهورًا ظاهرًا لا ينكتم على أحد.\nووجه آخر ان الله تعالى جعل الشهادات حجة موجبة حتى لو امتنع القاضي عن العمل بها فسق وهي لا توجب علم اليقين فدل على أن العمل واجب بالحجة أوجبت علم يقين أو ظاهر يحتمل غيره.\nفإن قيل: باب الديانات أعظم من باب معاملات الناس في حقوقهم!\nقلنا: لزوم القاضي أن يعمل بالشهادة من الدين ويجب حقًا لله تعالى، وفرضًا من فروضه حتى إذا تركه فسق وأثم [برفضه]، ولو لم ير العمل به حقًا كفر، وحق العبد سبب للوجوب حقًا لله تعالى كما تجب الزكاة حقًا لله تعالى بسبب ماله فما بينهما فرق بل هذا فوق ذلك ثبوتًا على ما نذكر بعد هذا، فإنا نشترط العدد في الشهادات دون الأخبار.","vol":"1","page":172},{"text":"على أن خبر الواحد قد يقع في باب الدين وفي غيره كرجل يقول هذا الماء طاهر أو نجس، وهذه هدية فلان بعثها إليك، وأنا وكيل فلان بالتصرف في ماله، والخلاف ثابت في الكل فإن سلموا هذه الوجوه، ولا بد منها لتقوم به مصالحهم إن حقائق الأملاك لا تعرف بأسباب الملك فلعل الذي باعك غاصب، كان الباقي قياسًا عليه.\nلأنك متى صدقته، وعملت به اعتقدت الحل.\nومت كذبته اعتقدت الحرمة.\nواعتقاد الحل والحرمة دين وليس من حقوق الناس في شيء.\nفإن قيل الكلام في الأحكام الشرعية فإنها تثبت إلا من جهة الرسول، ولم يجز نصبها بعده، وكان معصومًا عن الكذب فلم تقع الضرورة إلى معرفتها بما لا يوجب العلم، فأما ما نحن نضطر إليه مما يحدث كل يوم وكل ساعة، ولا يمكننا البناء على اليقين فجائز العمل بما لا يوجب العلم يقينًا دفعًا للضرورة.\nقلنا: إن الكلام فيما بلغنا عن رسول الله ﷺ من الأحكام، وحدث لنا من العلم بها وذلك بعد رسول الله ﷺ كحدوث حوائجنا إلى مصالحنا، وطريق اليقين إلى الكل مسدود كما في المعاملات التي تكون منا لأنه لا طريق إليها يقينًا إلا الآيات المحكمة من كتاب الله تعالى وقلما يوجد ذلك، بل أكثرها مؤولة، وعمومات لحقها الخصوص وبقيت غير موجبة يقينًا.\nوكيف تكون يقينًا وللناس اختلاف في بعض السراق بعينه أيقطع ام لا؟ وكذلك الزاني، فلا يضلل بعضهم بعضًا، على أن النبي ﷺ كان يقضي بالشاهد وباليمين في عصره وكان يقول: \"إنما انا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فكأنما أقطع له قطعة من النار\" فأخبر أنه يقضي بالظاهر كسائر البشر.\nفتبين ان الله تعالى شرع لنا وعلينا العمل بما يوجب علم اليقين، وما لا يوجب اليقين توسعة ونفيًا للحرج، وغنما يختص باليقين ما يرجع إلى الاعتقاد بلا عمل يلزمنا من معرفة الله تعالى وصفاته وأحكام الآخرة، ومعرفة النبوة، وما هو من أصل الدين الذي بدونه ينهار ركن منه.\nووجه آخر أن الأخبار المروية في الباب أن النبي ﷺ كان يحكم بخبر الواحد وكذلك الصحابة، وظاهر مثل الشمس عمل الصحابة بأخبار الآحاد.\nوكذلك السلف وقد أوردها محمد بن الحسن.","vol":"1","page":173},{"text":"وكذلك أصحاب التصانيف ما يضيق كتابنا عن ذكرها ونحن سكتنا عنها اختصارًا واكتفاء بما فعل الناس وتقرر في قلوبهم، ولعلمنا ان خصومنا متعنتون، وانهم منكرون كل ذلك فاشتغلنا بما لا يمكنهم الإنكار من الأمور التي هي على مثال المحسوسات دل عليه ما بينا بإجماع الصحابة، وبنص الكتاب أن القياس حجة وأنه دون خبر الواحد.\nفإن قيل: قال محمد بن الحسن ﵀ في كتاب \"الاستحسان\": إذا تزوج الرجل امرأة فأخبرته امرأة عدل أنها أرضعتهما لم تحرم عليه.\nقلنا: لأن هذه الحرمة لا تثبت إلا بزوال ملك الزوج، وخبر الواحد ليس بحجة في حقوق الناس، إزالة وإثباتًا، ولهذا لم تفصل المنازعات الجارية بين العباد في حقوقهم بالإخبار.\nلأن أصل المنازعة لا يثبت فيما بينهما لهما إلا بحقهما حتى يكون شهادة أو يمينًا، ففي اليمين زيادة صدق للخبر لا توجبه عدالة المخبر.\nوكذلك في لفظ الشهادة ثم قصر العدد على أربع وشاهدين، وواحدة في باب النساء أمر عرف شرعًا لا لعلة معقولة، إذ لو كانت معقولة لما اختلف العدد، ولما اختلفت، وقبلت شهادة القابلة وحدها وكانت حجة، وقبلت شهادة خزيمة وحدها، علم ان زيادة العدد ليست لإفادة أصل العلم بل لحكمة اختص الله تعالى بعلمها فلم نقس عليها سائر الأخبار التي ليست من قبيل تلك المنازعة.\nويحتمل أن يقال: إن المنازعات في حقوق الناس تجري بينهم لهواء أنفسهم فتكون أشد من باب الديانات فغلظ بتخصيص اللفظ الدال على الوكادة من الحلف والشهادة، وكذلك زيادة العدد، والله أعلم.","vol":"1","page":174},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>القول في أقسام المخبرين</span>\nأقسامهم أربعة:\nأ- الصبي العاقل والمعتوه بعد البلوغ، ومن بمنزلتهما ممن به نقصان عقل ومعرفة بعد وجود أصل العقل والمعرفة.\nب- والعاقل التام العقل الفاسق، ومن بمنزلته ممن انعقد له سبب تهمة الكذب في خبره.\nج- والعدل الضابط الذي لا تهمة له سوى أنه غير معصوم عن الكذب.\nد- ورسل الله وأنبياؤه﵈- المعصومون عن الكذب.\nفأما المجنون ومن بمنزلته كالنائم والمغمى عليه: فلا عبرة بهم لأنه لا معرفة لهم ولا تمييز.\nوالخبر إنما يقبل لما فيه من الإعلام، وكذلك أصل الكلام إنما يصح ممن له معرفة إخبارًا كان أو إنشاء لأنه اسم لصوت مفهم وحروف منظمة أعلامًا على أعيان وأفعال.\nهذا حد الكلام في الشاهد فلا يصير صاحب الصوت من أهله إلا بعد المعرفة والتمييز بين الاسم والاسم لينطق به على وجهه فيصير الكلام قبل المعرفة وسائر الألحان من ألحان الطيور بمنزلة كلام السكران.\nفإنه إذا أنشأ شيئًا يلزمه واعتبر صحيحًا منه عقوبة له بأن بقي مخاطبًا غير معذور بالتباس عقله لسكره لأنه كان منه بفعل هو معصية.\nفأما إذا أخبر فلا يقبل منه ولا يعمل به لأن حكمه في صدقه لا عينه فالعين وإن صح لقيام الخطاب لم يثبت معنى الصدق، لأنه أمر لا يبنى على الخطاب بل على ما يزيل جهة الكذب، ولم توجد هذه الشريطة فأشبه إقرار المكره.\nفأما الصبي العاقل ومن بمنزلته فخبره مقبول في البعض دون البعض على ما نبينه في البا الذي يلي هذا الباب لبيان أقسام المخبر عنه لأنه ينطق عن معرفة، وهذا حد صحة الكلام.\nإلا أنه لا ضابط له لنقصان عقله وغلبة هواه، والخبر صحته من حيث يعمل به في صدقه وتمام ذلك في ضبطه بعد المعرفة فقبل خبره في البعض دون البعض على ما نبين","vol":"1","page":175},{"text":"الحد بينهما، والمعتوه بمنزلته لأنه هو الذي اختلط عقله ولم يزل، وكذلك المغفل هو الذي به غلبة النسيان فلا يبقى له ضبط لما يسمع فيلتحق بغلبة النسيان بالذي انتقص عقله أو به غفلة عن التأمل والتحفظ فليلتحق بالعاجز عن الحفظ بترك استعمال الآلة.\nوأما العاقل البالغ الفاسق: فقد أخبر عن عقل تام وضبط إلا أنه متهم بالكذب لفسقه، فإن الفسق في ارتكاب الإنسان ما اعتقده حرامًا في دينه فأما إذا ظهر منه ذلك وفيه مكابرة لدينه وعقله، فإن عقله يلزمه إقامة دينه اتهم أيضًا بالكذب مكابرًا لعقله ودينه.\nوالكافر العدل في تعاطيه بمنزلته فيما يخبر من أمور الدين لظهور العداوة فيه بيننا وبينهم، والعداوة سبب تحمل المرء على مكابرة عقله فيما يضر بعدوه.\nوكذلك كل من أخبر على عدوه أو أخبر لمن اتهم به كالأب لولده ونحوهم فهؤلاء كلهم متهمون بالكذب بأسباب باعثة على الكذب لا بقلة الضبط وخبرهم مما يجب التثبت فيه، لقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإٍ فتبينوا﴾ الآية، إلا في بعض الأحوال على ما يأتيك بيانه في الباب الذي يليه.\nولهذا المعنى يجب التثبت في القسم الأول إلا فيما استثنى بدليله لأن التهمة بسبب الغفلة ونقصان العقل تقرب من تهمة قصد الكذب بأسباب باعثة عليه مع كمال العقل.\nوأما العدل: فخبره حجة لترجح جهة صدقه على جهة كذبه، على ما مر في الباب الأول، ولا يبطل إلا بمعارضة.\nوأما خبر الرسل: فحجة موجبة علمًا يقينًا لقيام الدلالة على عصمتهم عن الكذب كرامة من الله تعالى حتى صلحوا لنقل رسالته، وخبرهم من قبيل ما مضى من الحجج الموجبة.","vol":"1","page":176},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>القول في بيان أقسام ما كان خبر الواحد فيها حجة</span>\nهذه الأقسام أربعة:\nمنها الأحكام الشرعية كلها التي تحتمل النسخ والتبديل، وهي من فروع الدين لأن الأحكام على ما شرعت حق الله تعالى علينا يلزمنا أن ندين الله بها.\nومنها حقوق العباد مما يجب لهم وعليهم مما يقوم به مصالحهم العاجلة التي اشترك فيها أهل الملل كلهم.\nوالثالث: المعاملات التي أبيحت لنا وكنا مختارين في إنشائها مما يتعلق بها اكتساب تلك الحقوق.\nوالرابع: حجر يلحقنا لحق الغير فيلزمنا الكف عن ضروب أفعال صيانة للحد الذي بين ما للمرء ولغيره مما ظهر ذلك من الناس أجمع في أملاكهم وولاياتهم وأفعالهم.\nفأما ما لله تعالى فخبر الواحد فيها حجة ويجب العمل به بلا شرط عدد معلوم ولا لفظ معين بل بشروط تراعي المخبر على ما يأتيك بيانه في بابه.\nفأما حقوق العباد فلا يكون الخبر حجة لهم ولا عليهم عند المنازعة إلا بعدد معلوم، ولفظ معلوم وشرائط معدودة في المخبر زائدة على شرائط المخبر عن حقوق الله تعالى، وموضع معرفتها كتاب تقسيم فروع الفقه.\nوأما المعاملات فخبر كل مخبر صحيح العبارة فيها حجة يجوز العمل بها.\nوأما الحجر فقد شرط أبو حنيفة ﵁ لصيرورة الخبر حجة أحد شرطي الشهادة إما العدد وغما العدالة، وخالفه أبو يوسف ومحمد رحمهما الله وذلك في الوكيل يبلغه خبر العزل، أو العبد المأذون يبلغه خبر الحجر، أو المولى يبلغه أن عبدك قد جنى فإنه يلحقه الحجر عن التصرف فيه إلا باختيار الأرش.\nأما الفصل الأول: فإنما لم نشترط زيادة عدد ولا تعيين لفظ لأن احتمال الكذب لا يرتفع بنفس زيادة العدد ولا تعيين لفظ فلم نشتغل به ولأن نقل الأخبار كان في زمن النبي ﷺ والصحابة والسلف ولم يبلغنا شرط زيادة عدد ولا تعيين لفظ إلا احتياطًا، فقد روي أن عليًا ﵁ كان يحلف الراوي فروى له أبو بكر الصديق فصدقه ولم يحلفه، ألا ترى اللفظ والعدد لما كان شرطًا في باب حقوق العباد كيف ظهر ذلك ولم يختلف باختلاف الشاهدين في العدالة.","vol":"1","page":177},{"text":"وأما القسم الثاني: فإنما شرطنا العدد واللفظ بنص الكتاب لأنها شرعت حجة لفصل منازعة ثابتة بين اثنين بخبرين صحيحين متعارضين من الدعوى والإنكار، فلم يقع الفصل بجنسه خبرًا بل بنوع خبر ظهرت مزيته في التأكيد على غيره من يمين أو شهادة ثم ضرب احتياط بزيادة العدد وهذا المعنى معدوم في حق أحكام الله تعالى، فإن الذي لم يبلغه الخبر لم يكن يعمل به لعدم الدلالة لا لدليل موجب عملًا بما كان عليه فكانت الحالة أخف من حال قيام المنازعة بدليلين صحيحين شرعًا، أعني خبر المنكر والمدعي لأن الشرع جعل خبر كل ذي عقل في الأصل حجة وإنما الرد بعوارض.\nوأما المعاملات: فإنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يدعى إلى الطعام وكان يجيب البر التقي وغيره وكان يشتري من الكافر وكان يصدقه.\nوكذلك الأسواق القائمة من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا قائمة بعدول وفساق، والشراء مباح من الكل إلا أن يقع في القلوب تهمة الكذب بأمارات غير فسقهم بزناهم وشرب الخمر وما لا يتصل بالأموال، وقد نص عليها محمد بن الحسن في كتاب \"الاستحسان\".\nولأن هذا إخبار عن أمر من امور الدين لأن الحل والحرمة دين ولا دليل مع السامع ينازعه به كالرواية عن النبي صلى الله عليه وسلمبل السامع متمسك بأصل كان لعدم الدليل على زواله فلم يشترط لفظًا عينًا ولا عددًا كما في الخبر عن النبي ﷺ إلا أنه أخف من ذلك.\nوذلك لأن للناس ضرورة في التصرف مع الناس لإقامة مصالحهم، ومع وكلاء الملاك وأكثر الناس أبدًا فسقة فلو لم يجز التصرف إلا مع العدول لانسد باب التجارات وضاق الأمر على الناس والله تعالى ما جعل في الدين من حرج فلم نشترط العدالة لذلك.\nبخلاف الخبر عن النبي ﷺ فإنه لا ضرورة بنا إلى تصديق الفاسق بعد قيام المعارضة بين صدقه وكذبه، وإن بعدنا عن رسول الله ﷺ فإن حكم الله تعالى في تلك الحادثة ممكن إقامته بالقياس الصحيح الذي شرع حجة بلا معارضة حتى إذا تعارض القياسان حل له العمل بما يقع في قلبه أنه الحق، ولهذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله في القسم الرابع: ان خبر الفاسق حجة وإن كان واحدًا.\nواما الحجة لأبي حنيفة ﵁ في القسم الرابع: أن المخبر عنه من جنس الأول لأنه خبر عن تصرف المالك بحكم ملكه فإن له الإطلاق والحجر، إلا أن في هذا إلزامًا عدم في الإطلاق ذلك، فأشبه من هذا الوجه القسم الثاني من حقوق الناس التي تجب لهم وعليهم فصار بينهما، فشرط لصحته أحد شرطي الشهادة من عدد أو عدالة بخلاف الرسول فإن قوله وحده حجة في هذا الباب وإن كان فاسقًا، لأن الموكل قد يبدو له في العزل للوكيل، فلا يجد عدلًا ولا اثنين فلو لم تقبل رسالة الفاسق لضاق الأمر على","vol":"1","page":178},{"text":"الناس ولما أمكن ذا الحق تدارك حقه وهذا المعنى معدوم في حق المخبر لأنه يخبر من عند نفسه وماله حق يفوته إذا كذب، ولو أراد ذو الحق تدارك حقه لأرسله فلما لم يرسله؛ والعزل غير صحيح على غيب، علم أنه ما قصد التدارك.\nفإن قيل: فما الفائدة في زيادة العدد مع قيام الفسق؟\nقلنا: كما قلنا في الشهادة مع قيام العدالة في الواحد والاثنين، وقد نص محمد بن الحسن في كتاب \"الاستحسان\" في ماء أخبره رجل بنجاسته والآخر بطهارته، وأحدهما فاسق والآخر عدل: أن خبر العدل أولى، وإن كانا فاسقين: توقف، وغن كان أحد الفريقين رجلين: فخبرهما أولى فرجح بالزيادة كما رجح بالعدالة، وكذلك إذا اختلف المزكون في جرح الشاهد وتعديله، ومن جانب رجلان، ومن جانب رجل فقول الرجلين أولى، والله أعلم.","vol":"1","page":179},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>القول في أقسام الرواة الذين تقبل روايتهم</span>\nالراوي إما أن يكون معروفًا بعلمه ونسبه، أو مجهولًا ما عرف إلا بحديث رواه أو بحديثين.\nثم كل واحد منهما إما أن يكون ظهر من الصحابة أو السلف ﵃.\nرد عليه أو قبول منه. فيصيرون أقسامًا أربعة.\nأما المشهورون: فنحو الخلفاء الراشدين، والعبادلة الثلاثة ﵃.\nوأما المجهولون: فنحو معقل بن يسار، وسلمة بن المحق، ووابصة بن معبد، وسائر الأعراب الذين ما عرفوا إلا بما رووا.\nثم خبر المشهور حجة ما لم يخالف القياس الصحيح.\nفإذا خالف نظر: فإن كان الراوي من أهل الفقه والرأي والاجتهاد رد القياس بخبره.\nوإن لم يكن من أهل الفقه والرأي رد خبره بالقياس.\nأما الأول فلأن الخبر أولى في الجملة من القياس، لأن الخبر في الأصل حجة يقينًا، وإنما وقع الإشكال في نقل الناقل والرأي في أصله إشكال في حق الإصابة، ولأن شبهة الرأي من حيث أنه لعله لم يبلغ حيث كان الحق، وشبهة الرواية من حيث قصد الكذب أو اعتراض نسيان، فيكون لا محالة بعارض فكان دون الذي يتوهم من قبل عدم علة الإصابة.\nولأن القائس استشهد بوصف هو ساكت عن إيجاب ما ادعى، وإنما جعله شاهدًا بضرب إشارة من الشرع والراوي استشهد بكلام مبين.\nفالرأي للقياس مقام السماع للخبر، وبينهما تفاوت في الإصابة.\nوالوصف الذي به جمع القائس بين الأصل والفرع مقام النص المنقول وبينهما تفاوت في الإبانة وقد اشتهر من الصحابة والسلف ترك الرأي بالخبر الواحد، وإثبات الحكم بخلاف القياس فسموه معدولًا به عن القياس وأبوا القياس عليه.\nوأما الذي ليس من أهل الفقه، فلأنه قد ثبت ثبوتًا ظاهرًا الرد على أبي هريرة بالقياس، وكان ﵁ من المشهورين المعدلين روى أبو هريرة ﵁: \"الوضوء مما مسته النار\"، فقال عبد الله بن عباس ﵄: أنتوضأ من الماء","vol":"1","page":180},{"text":"السخن أو نتوضأ من دهن ندهن به؟ فرده بالقياس، ولم يشتغل بالسنة ولو كان لا يجوز الرد بالقياس لما احتج به أو كانت عنده سنة لما سكت عن أقوى الدليلين أو لكان يتفحص عن التاريخ ليعمل بالآخر منهما، ولأن السنة المروية بخلاف هذا أن النبي ﷺ أتي بكتف مؤربة فأكلها وصلى، ولم يتوضأ وأنه يوجب تخصيصه في حق اللحم لا رده.\nفإن قيل: وقد قال له أبو هريرة: إذا رويت لك الحديث فلا تضرب له الأمثال!\nقلنا: نعم، ولكن أبو هريرة ﵁ وإن جل قدره فلا يعارض مع ابن عباس في الفقه والعلم، فقد ظهر آثار ابن عباس ظهورًا ما يخفى على أحد وما لأبي هريرة إلا الرواية، وكان عمر يستشيره في أكثر الحوادث وكان يقدمه على كبار من الصحابة ﵃، وكان يقول: غص يا غواص، ويقول: شنشنة أعرفها من أخزم، وهو مثل تمثلت به العرب لتشبيه الولد بوالده، وكان يريد به مدحه على رأيه.\nفقد قيل: لم يكن لقريش رأي مثل رأي ابن العباس ﵁ ألا ترى أن السلف الصالحين عملوا برد ابن عباس دون رواية أبي هريرة فصار إجماعًا.\nوكذلك روى أبو هريرة أن ولد الزنا شر الثلاثة، فردت عائشة ﵂ بقول الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وإنها عامة تقبل التخصيص. وقال عامر الشعبي: لو كان شر الثلاثة لما انتظرنا بالحامل عن زنا إلى أن تلد، فرده بالقياس.\nوقال إبراهيم النخعي: كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون.\nوعن عائشة ﵂ أنها قالت، وأشارت إلى أبي هريرة: ألا تعجب من هذا وكثرت حديثه إن رسول الله ﷺ كان يحدث حديثًا لو عده عاد لأحصاه.\nفثبت أن العدل ممن ترد روايته بالقياس إذا لم يكن ذا فقه، فإن أبا هريرة ما كان يشكل على أحد عدالته وكثرة صحبته مع رسول الله ﷺ حتى قال له رسول الله ﷺ: \"زر غبًا تزدد حبًا\" وكذلك حفظه فإنه روي أن رسول الله ﷺ: \"دعا له بالحفظ\" ومع ذلك رد حديثه بالقياس، لأنه لم يكن من أهل الاجتهاد، ووجه ذلك أنهم كانوا يستجيزون نقل الخبر بالمعنى على ما نذكر.\nولما ظهر ذلك منهم احتمل كل حديث أن يكون نصه لفظ الراوي نقلًا لما فقه من المعنى.\nفإذا لم يكن فقيهًا صار متهمًا بالغلط لما خالف معنى لفظه القياس الصحيح فالتحق برواية الصبي والمغفل فرد.","vol":"1","page":181},{"text":"وإذا كان الراوي فقيهًا لم يتهم، وعلم أنه ما نقل بخلاف القياس بالاجتهاد فإنه عليم بطريقه وعامل به، فلا يظن به تركه برأيه بل بمحكم نص ما احتمل الموافقة، ولهذا رد علماؤنا حديث المصراة، وبيع العرية بالقياس فإنهما لم ينقلا عن فقيه.\nولما ثبت ما قلنا في رواية أبي هريرة فمن لم يبلغه في المنزلة شهرة وصحبة مع الرسول ﷺ، وهو مثله في باب الرأي والفقه أولى به إلا أن يكون حديثًا نقل السلف عنهم وعملوا به، لأنهم كانوا أهل فقه وضبط وتقوى وكان ظهر منهم رد ما خالف القياس من روايتهم، فيدل قبولهم الواحد من بين الجملة على عملهم بصحته من طريق آخر.\nوأما المجهول فخبره حجة إن نقل عنه السلف، وعملوا به لما ذكرنا في الباب الأول.\nوكذلك إن سكتوا عن الرد وإن لم يظهر العمل به لأن النقل للعمل به في الأصل، ولو كان مما لا يجوز العمل به في الأصل لما كان يحل لهم السكوت عن بيانه والوقت وقت الحاجة إليه.\nفأما قبل الظهور فيعمل به إن وافق القياس ولا يعمل به إن خالف لأنه في الرتبة دون أبي هريرة بكثير، بدليل ما روي أن معقل بن يسار روى أن النبي ﷺ قضى في بروع بنت واشق الأشجعية بمثل قضاء عبد الله بن مسعود ﵁ بمهر المثل لامرأة كان مات عنها زوجها قبل الدخول بها ولم يكن سمى لها مهرًا، فسر عبد الله بذلك وقبله لما وافق رأيه، ورده علي ﵁ لما خالف رأيه.\nفإن قيل: كيف تقبل روايته وهو مجهول لم تظهر عدالته ولا ضبطه؟\nقلنا: رواية المشهور بالعدالة عنه من غير رد عليه تعديل إياه، ولأن الأصل في العقلاء العدالة والضبط حتى يثبت غيره من واحد على الخصوص أو الجنس على العموم فيصير كل واحد منهم متهمًا به وهذا المجهول ما عرف بذلك على الخصوص، وكان من قرن كان الغالب عليهم العدالة والضبط، وهو قرن رسول الله ﷺ وعلى هذا أمر التابعين والصالحين على ما قال النبي ﷺ: \"خير الناس رهطي الذين أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشوا الكذب\" فأما اليوم فرواية المجهول لا تقبل حتى تظهر عدالته لغلبة الفسق.\nوعلى هذا تأويل قول أبي حنيفة ﵁ في الشاهد أنه يقضى به قبل التعديل، لأنه كان في القرن الثالث.","vol":"1","page":182},{"text":"على أن الخبر المحتمل للكذب والصدق لا يكون باطلًا بل يجب التثبت فيه ليتبين، فإذا وافق القياس ترجحت جهة صدقه فيكون حجة من الكل.\nويحتمل أن يقال: أن خبر المشهور حجة ما لم يخالف القياس، وخبر المجهول مردود ما لم يؤيد بالقياس ليقع الفرق بين الذي ظهرت عدالته والذي لم تظهر ليكون رد العدل لعارض تهمة وقبول غير العدل بعارض دليل.\nقال عيسى بن أبان في حديث عمر ﵁ حين روت فاطمة بنت قيس أن النبي ﷺ لم يقض لها بنفقة ولا سكنى- وكانت طلبت النفقة في العدة عن طلاق بائن- قال عمر ﵁: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة، لا ندري أصدقت أم كذبت، أحفظت أم نسيت؟ أنه أراد بالكتاب والسنة القول بالقياس فإنه ثابت بالكتاب والسنة على ما نذكر، إذ لو كان عنده خبر يخالفه لروي، ولكان أيضًا يشتغل بالتاريخ ليعمل بآخرهما، وقد قبل هذا الحديث من وافق قياسه هذا الخبر.\nفإن قيل: عمر ﵁ إنما رد حديثها بتهمة الكذب والنسيان وبهما يرد كل خبر وإن وافق القياس!\nقلنا: لو أراد به ذلك لقال: لا نقبل، ولما قال: لا ندع كتاب ربنا، فلما ذكر الكتاب- والمراد به القياس- علم أنه رد بسبب مخالفة القياس.\nولأنه قال: لا ندري هذا من هذا، وهذا حكم الجهالة بحالها لا حكم العمل بالكذب، والله أعلم.","vol":"1","page":183},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>القول في شرائط الراوي</span>\nالشرائط أربعة: العقل، والضبط، والعدالة، والإسلام.\nأما العقل: فلأن الكلام اسم في الشاهد لحروف مجموعة وضعت أعلامًا على المسميات، فما لم يعقل، ولم يميز الاسم عن الاسم لم يوجد منه إلا الصورة بلا معنى، فلا يكون كلامًا، كالآدمي لما كان اسمًا لصورة لها معنى لم تكن الصورة من خشب آدميًا، فالعقل والمعرفة أصل لصحة الكلام من المتكلم ولهذا لا يعد صياح الطيور كلامًا، وإن انتظم له حروف وسمي ألحانًا، وكذلك الإنسان إذا نظم حروفًا فصاح بها بما ليست بلغة لم يسم متكلمًا.\nوأما الضبط: فلأن الباب لبيان قسم ما هو خبر والصحيح من الخبر الذي يتعلق به موجبه صدقه لا كذبه، والصدق لا يتصور إلا بعد ضبط لما سمع إلى أن نقل، فكان معنى الصدق للخبر ليثبت به موجبه لمعنى المعرفة لأصل الكلام.\nوأما العدالة: فلأن السامع بعد المعرفة والضبط قد يصدق وقد يكذب، وهذا الباب لبيان خبر من هو غير معصوم عن الكذب فلا يصير خبره حجة على احتمال الكذب والصدق حتى يترجح جهة صدقه على كذبه وذلك بالعدالة، فإن تفسير العدل: من اتقى محظور اعتقاده، والكذب محظور عقده عقلًا وشرعًا، فيكون منفيًا عنه بظاهر عدالته فتصير جهة الصدق راجحة، فيجب العمل بها.\nوأما الإسلام: فلأن الباب لبيان رواية أحكام الشرع، ومن خالفنا دينًا يعادينا على شريعتنا بغير حق، عداوة لا تكون بعدها نهاية، والعداوة بغير حق تبعت العدو على السعي لرده ما أمكن فيصير متهمًا بالكذب على شريعتنا ليهدمها بما ليس بشرع.\nفهذه تهمة كذب لا بنقصان حال ولكن بزيادة حال، وهو العداوة حتى لم تقبل شهادتهم بحق على المسلمين، ولهذا لا تقبل شهادة ذي ضغن بغير حق على أخيه، ولا شهادة الأب لولده لأن شفقة الوالد تبعثه على الكذب لولده كما لا تقبل إذا شهد لنفسه، والله أعلم.","vol":"1","page":184},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>القول في حدود هذه الشروط</span>\nأما العقل: فأصله في نفسه إنما يعرف باختبار الإنسان فيما يأتيه ويذره الخبر الذي لا ينال بالحواس فإن الفعل أو الترك قد يكون بحكمة وعاقبة حميدة، وبغير حكمة كما يكون من البهائم وبالعقل ما يوقف على العواقب الحميدة، والحكم الباطنة التي لا تنال بالحواس فيظهر عقله بوقوع فعله على سنن أفعال العقلاء.\nإلا أنه في أصله معدوم فينا جبلة ثم يحدث شيئًا فشيئًا، وكان يتعذر علينا ضبطه من كل صبي.\nفحد الشرع لاعتداله حدًا بالبلوغ تيسيرًا علينا ونظرًا للصبي حتى لا يبقى في عهدة الخطاب لعلم الله تعالى باعتدال العقول بالبلوغ في أغلب العادات، فإنه العلام بما وضع فينا وخلقنا عليه فصار الصبي شرعًا دليلًا.\nعلى أنه في حكم من لا عقل له فيما يخاف لحوق عهدة به دون ما لا يخاف، لأن الله تعالى حكم به نظرًا له لا عقوبة.\nلأن الصبا سبب المرحمة دون العقوبة فلم يقبل خبره في نقل الشريعة وفيه أعظم عهدة.\nولأن الشرع لما لم يوله أموره في ماله لنقصان عقله فلأن لا يوليه أمر شرعه أولى فصار العاقل المطلق أعنى به حقيقة وشرعًا العاقل البالغ.\nفأما المجنون بعد البلوغ فضد العاقل حقيقة، والمعتوه بمنزلة الصبي، لأن نقصان العقل بالعته فوق نقصان العقل بالصبا فلا يدخلان تحت اسم العاقل مطلقًا.\nفصار العاقل نوعين: من عد في العقلاء بظاهر تمييزه كالصبي والمعتوه.\nومن عد عاقلًا باعتدال حاله وذلك بزوال سبب النقصان وهو الصبا وانعدام آفة العته، فهذا هو العاقل المطلق.\nفأما الأول فعاقل من وجه دون وجه لمصاحبته ما ينافيه، والشرط هو العقل المطلق الثابت حقيقة وشرعًا والعقل كالشهاب لبصر القلب، فيرى القلب مع نور العقل ما غاب عن الحواس أي يعلم إذا نظر وذلك بتفكيره وتمييزه.\nوأما العدالة: فتفسيرها: الاستقامة، يقال: طريق عادل لطريق الجادة، ومنه عدل","vol":"1","page":185},{"text":"العاملين، إذا أتوا بالسيرة على الاستقامة غير ممالة عن سنن الإنصاف والحق.\nوضد العدل: الجور، وهو الميل، ويقال: طريق جائر إذا كان من البنيات.\nوضد العدالة الفسق، وهو: الخروج عن الحد الذي جعل له.\nوالعدالة أيضًا قسمان:\nأ- عدالة ظاهرة يحكم بها للمرء بعقله ودينه فإنهما حجتا الله تعالى عليه فإذا وجدهما المرء دل ظاهر حاله على العمل بهما جميعًا فكان عدلًا ظاهرًا.\nب- وعدالة باطنة يوقف عليها بالنظر في باطن معاملاته، فإذا وجدناه لا يرتكب ما اعتقده حرامًا بدينه وعقله كان عدلًا، لاستقامته على سواء الحجة، وترجح جهة صدقه من خبره لأن الكذب محظور دينه وعقله وقد ظهر منه الانزجار عن المحظور.\nوبهذه العدالة يصير الخبر حجة لأن الظاهر الأول يعارضه مثله، وهو هوى النفس فإنه الأصل قبل العقل، وحين رزق العقل والنهى ما زايله الهوى، فيصير الرجل عدلًا من وجه دون وجه كالصبي والمعتوه من باب العقلاء فلا يدخل تحت الاسم المطلق حتى يظهر بالتجربة رجحان دليل العقل على الهوى، وذلك بالتأمل في باطن أمره.\nثم محمد بن الحسن﵀- ذكر في باب الشهادات: أن الرجل إذا ارتكب فاحشة كبيرة ذهبت عدالته بنفس الارتكاب، وإذا لم يكن أمرًا فاحشًا لم تذهب عدالته إلا بالإدمان عليه.\nوهذا لأن الأصل أن الارتكاب قل أم فحش مما يزيل العدالة لأنه خروج عن حده وميل إلى ما ليس له إلا أنه يتعذر عليه الانزجار عن الصغائر أجمع، فلو شرط الانزجار عن الصغائر مطلقًا لإثبات العدالة ما أمكن إثباتها إلا نادرًا لأن لله تعالى في كل لحظة أمرًا ونهيًا فلم يشترط تيسيرًا، إلا أن يدوم لأن الرجوع غير متعذر، والدوام لا يقع إلا عن قصد لا عذر فيه فيصير في حكم الفاحش الذي هو في نفسه لا يكثر وقوعه ولا يتعذر الانزجار عنه.\nولهذا لا يسلب اسم العدالة من صاحب الهوى في الدين وإن كان ضالًا عندنا، وفسق اعتقادًا لأنه صار إليه لغلوه في طلب الحق وشدة عمله بالحجة، إلا أنه التبس عليه فغلط لا أنه خالف عقيدته، والغلو في الدين يدل على شدة اتباع الحجة، فيدل على تأكد جهة الصدق الذي قامت عليه حجته.\nوكذلك يجعل الكافر عدلًا لأنه ما خالف عقيدته ولكن لا تقبل على المسلم خبره","vol":"1","page":186},{"text":"لعداوته معنا بغير حق أو لانقطاع ولايته لا لزوال عدالته فيما يظهر من أقواله وأفعاله، ففسق الاعتقاد تدينًا لا يدل على فسق لا تدين به بحال.\nوكذلك لا تسلب العدالة بالرق، ولا بالأنوثة، ولا بالعمى لأن هذه الأوصاف لا تدل على ترك التقوى، والعمل بالهوى بخلاف الهدى، وإنما تدل على الكذب الذي هو خلاف عقده تعاطيه بخلاف ما اعتقده حرامًا بدينه وعقله لا غير.\nوأما الضبط: فعبارة عن حزم في باب العلم، وله طرفان:\nأ- طرف وقوع العلم له حين السماع.\nب- وطرف الحفظ بعد العلم حين التكلم.\nحتى إذا سمع المرء ولم يعلم لم يكن شيئًا معتبرًا كما لو سمع صياحًا لا معنى له فإذا لم يفهم اللفظ بمعناه على الحقيقة كان بين الصحة والفساد ولم يكن ضبطًا وإذا شك في حفظه بعد العلم والسماع لم يكن ضبطًا.\nثم الضبط نوعان: ظاهر وباطن.\nفأما الظاهر: فضبط المتن بمعناه، من حيث اللغة.\nوأما الباطن: فضبط الشيء بمعناه من حيث نطق به الحكم الشرعي، وهو الفقه، وهذا مما لا يوقف عليه إلا بعد التجربة في مسائل الفقه، ومعاني لسان العرب.\nومطلق الضبط الذي هو شرط الراوي هو الضبط ظاهرًا وباطنًا كالعدالة والعقل وهذا لأنه جائز نقل الخبر بالمعنى على ما يأتيك بيانه فيلحقه تهمة تبديل المتن بلفظه قل فقه المعنى لغة وضبطه فلا تقبل، كما لو لحقه تخمة تبديل المتن بروايته قبل الحفظ أو قبل العلم حين سمع، وأما من حيث فقه الشرع فيوجب ضرب وهن يجب اعتباره إذا خالفه الفقه وهو القياس على ما مر.\nفإن قيل: أليس القرآن يصح نقله ممن لا يفهم معناه؟\nقلنا: لأن القرآن معجزة، وإعجازه في نظمه كذلك فلم يجز نقله بالمعنى، فلم يشترط لصحة نقله علم معناه، وكذلك القرآن له حرمة متعلقة بعين النظم حتى حرمت قراءته كذلك على الحائض والجنب ولم يحرم نقل معناه عليهما، كذلك جواز الصلاة في قول الأكثرين متعلق بالعين دون المعنى، وأما خبر الرسول فحجة بمعناه وجائز نقل الخبر بمعناه فيشترط لصحة نقله ضبط المعنى.\nوقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: إن الشهادة لا تصح بالإشهاد حتى يعلم الشاهد ما في الكتاب. ويدل عليه أن من لا يفقه لغة العرب قلما نقل المسموع منها على وجهه فيصير متهمًا بالتبديل، ولم يبلغنا أن القرآن أثبت ابتداءً بنقل من لا يحسن لغة العرب.","vol":"1","page":187},{"text":"ولأنه لا يثبت إلا بنقل متواتر يرفع شبهة التبديل بتهمة الجهل بالمعنى.\nولأن ناقل القرآن عن جهل لا يقدر عليه إلا بعد الجهد لحفظه سنين كثيرة، ولو ظهر مثله في الحفظ عن رسول الله ﷺ قبل.\nولهذا قلت الرواية من كبار الصحابة وكانوا يمتنعون عن كثرة الرواية.\nقال أبو بكر الصديق ﵁: \"إذا سئلتم عن شيء فلا ترووا، ردوا الناس إلى كتاب الله تعالى\".\nوعن عمر ﵁: \"لو حدثتم فأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ وأنا شريككم\".\nوكان زيد بن أرقم إذا سئل عن الحديث عن رسول الله ﷺ امتنع وقال: \"كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله ﷺ شديد\".\nوعن عمرو بن ميمون: جالست عبد الله بن مسعود سنة فما سمعته يروي عن رسول الله ﷺ إلا مرة واحدة فقال: سمعت رسول الله ﷺ ثم أخذه البهر والعرق- ثم قال: هذا أو نحوه أو قريبًا منه أو كما قال.\nوكان أبو هريرة ﵁ يكثر الرواية وكان يرد عليه به، قالت عائشة ﵂ وأشارت إلى أبي هريرة ﵁: أما تعجب من هذا وكثرة روايته ما تكلم رسول الله ﷺ إلا بكلمات لو عدها عاد لأحصاها. أو نحوًا من ذلك. وكانوا يستدلون بكثرة الرواية على قلة المبالاة بموضع التوقف للحزم.\nوهذا باب معتبر حتى قيل- فيمن يعتاد فعل مباحات بحرم المروءة وآداب النفس نحو الأكل في الأسواق وقضاء حاجته بينهم-: أنه لا تقبل شهادته لقلة مبالاته.\nوعن عبد الله بن عباس ﵄: \"كنا نروي عن رسول الله ﷺ حتى ركب الناس الصعب والذلول فتركنا الرواية\". اللفظ كما هو، وقد تكلم أهل الأخبار في هذا الباب فأطالوا واقتصرنا نحن على الإشارة إلى ما فيه الضبط والدين والورع.\nوأما الإسلام: فاسم لهذه الشريعة وإنه نوعان:\nأ- ظاهر وهو بالميلاد في المسلمين والنشوء بينهم على طريقهم شهادة عبادة.\nب- وباطن لا يوقف عليه إلا باستيصاف الصانع عز ذكره، فإذا وصفه بجميع أسمائه وصفاته التي لا بد من وجودها للألوهية عن علم لا تلقن، كان مسلمًا على الحقيقة، وإذا لم يعلم شيئًا منها كان كافرًا.\nقال محمد بن الحسن﵀- في المرأة إذا بلغت فاستوصفت فلم تصف أنها تبين من زوجها، وإن كنا حكمنا بصحة النكاح بناء على ظاهر الإسلام، وهذا لأن الشرط","vol":"1","page":188},{"text":"أن تعلم الله تعالى بأسمائه وصفاته، وحفظ اللغة غير العلم بالمعنى.\nوكذلك من آمن برسالة محمد ثم لم يعرفه ولم يدر أي محمد هو فإنه لا يكون مؤمنًا به ولا من أمته، وكالنصارى آمنوا بعيسى وهو ولد الله تعالى عندهم فلم يكن إيمانًا بعيسى هو رسول الله ﷺ وعبده، وهذا من أهم العلوم فقد استخف الناس به ولا ينبغي ذلك.\nفإن كان الرجل ممن له معرفة بالوصف لكنه عاجز عن العبارة عنه إذا سئل كان مسلمًا حقيقة فيما بينه وبين ربه، إلا أنا لا نعرف باطنه فنحكم بكفره إذا عجز واستحسانًا أن نستوصفه على سبيل التلقين، فنقول له: أليس الله بقادر وعالم أيضًا، وأيضًا حتى يسهل عليه الجواب به إذا وافق استفهامي ما قلبه وعلمه.\nفإذا تمت هذه الشروط كان مقبول الرواية وإن كان عبدًا، لأن الرق لا يؤثر في شيء من هذه الأوصاف وإنما لم تقبل شهادته لأنها مبنية على الولاية على غيره، والرق يسلب الولاية على الغير وإنما بنيت الولاية على غيره لأن فيها تنفيذ حكم قوله عليه، كما ينفذ بيع ماله وإجارته نفسه.\nوأما أخبار الدين فإنها تلزم السامع باعتقاده أن الله تعالى إله تجب طاعته ومحمد رسول الله تجب طاعته وتصديقه وهذا كما يلزم القاضي الاستماع إلى خبر المدعي الكافر إذا ادعى وإلى إنكاره وإلى شهادته على الكافر ويلزمه القضاء به لأنه لا يلزمه بشهادة الشاهد فإن في لفظه إلزام المشهود عليه دون القاضي، وإنما يلزمه بقبول أمانة القضاء من الله تعالى بالشروع فيه.\nوكذلك قول النبي ﷺ: \"لا صلاة إلا بقراءة\" ما فيه إلزام السامع شيئًا لغة بل فيه إخبار عن صفة تقوم بها الصلاة كما تقول: لا خياطة إلا بإبرة، لم يكن هذا خطابًا يلزم السامع شيئا وإنما يلزمه ما يلزمه لاستعماله الخياطة باختياره فكذا السامع خبر الرسول ﷺ يلزمه بعقد أن ما قاله رسول الله ﷺ فهو حق يدان الله به.\nولما لم يكن فيه إلزام من الراوي لم يشترط قيام ولايته على السامع، ألا ترى أنا نسمع أخبار الحدود من النساء وما لهن من ولاية إقامة الحدود ولا شهادتها، ألا ترى أن كثيرًا من الصحابة الذين هم موالي نقلوا أخبارًا وتلقتها الأمة بقبولها ولم يتفحصوا عن التاريخ والنقل أنه كان قبل العتق أو بعده.\nولو كانت الحرية شرطًا لما كانت حجة حتى يعلم أن النقل كان بعد العتق.\nوكان رسول الله ﷺ يجيب دعوة العبد المملوك، وما كان يجيب إلا بخبره أن","vol":"1","page":189},{"text":"المولى أذن له به ولم يظهر أن رسول الله ﷺ استخبر المولى به ولو كان شرطا لنقل في الحديث ولم يجز الإعراض عنه.\nوكذلك بريرة: كان يتصدق عليها وهي تهدى إلى رسول الله ﷺ وكان يقبل ويصدقها على ذلك.\nوثبت أن رواية الأعمى مقبولة لأن العمى لا يوجب خللًا في العلم ولا في العبارة، بخلاف الشهادة لأنه يحتاج إلى تمييز المشهود له من المشهود عليه عند الأداء، والعمى يوجب خللًا فيه لأنه حال البصر يميز بالعيان والآن بالاستدلال، والراوي لا يحتاج إلى هذا التمييز.\nولأن باب الشهادة أضيق على ما مر في بيان شرط العدد ولفظ بعينه ليصير حجة، وهذا لأن الشاهد يلزم غيره ولا يلزم نفسه وراوي الخبر يلتزم كما يلزم غيره فجرى التزامه مجرى شاهد آخر معه.\nولأن كثيرًا من الصحابة كف بصرهم وقبلت روايتهم بلا فحص عن التاريخ، منهم: عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع﵃-.\nوكذلك رواية النساء مقبولة لأنهن في الشهادات فوق العميان ثم قبلت رواية العميان فالنسوان أولى، ولأن النقصان قيهن في باب الشهادات بشرط زيادة العدد، وزيادة العدد لها عبرة في باب الشهادات، ولا عبرة لها في باب الروايات لأخبار الشرع، ألا ترى أن زيادة العدد شرط في شهادة الرجال وليس بشرط في روايتهم الأخبار.\nولأن شهادة القابلة حجة بانفرادها لضرب عذر، فباب الخبر أولى لأنه أوسع من كل شهادة.\nولأن الصحابة كانوا يسألون نساء النبيﷺ ورضي عنهن- فيما يختص بهن وكانوا يعملون بروايتهن وعائشة ﵂ كانت من علماء الصحابة رأيًا ورواية، والله أعلم.","vol":"1","page":190},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>القول في الرواية عن الخط وما فيه من بيان الضبط</span>\nقال القاضي: إما أن يكون الكتاب تذكرة، والرواية عن علمه بعد ما تذكر بالنظر فيه. أو يكون الكتاب إمامًا لا يتذكر ما فيه.\nوإذا كان تذكرة لم يخل عن تذكرة سماع أو كتاب إليه من الراوي بالحديث عنه أو رسالة أو إجازة.\nفالسماع والإجازة ضرب والكتاب إليه والرسالة ضرب لا سماع فيهما حقيقة.\nوإذا كان الكتاب إمامًا فهو ضربان أيضًا:\nإما أن يكون كتابه بسماعه وخطه أو سماعه بخط غيره والخط معروف، والكاتب ثقة أو سماع أبيه بخط أبيه أو راوي معروف بالرواية معروف الخط، فسماعه نوع وسماع غيره نوع.\nأما إذا كان الكتاب للتذكرة قبلت الرواية لأنه لا فرق بين التذكر بالتفكر وبين التذكر بمذكر إذ في الحالين جميعًا روى عن ذكر ولا يمكن اشتراط أن لا ينسى لأن الإنسان لا يمكنه الاحتراز عنه، وكان رسول الله ﷺ مخصوصًا به على ما قال الله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ وعلى أنه قد استثنى ﴿إلا ما شاء الله﴾، وروي أنه كان يقرأ في الصلاة فتردد في آية.\nوهذا إذا كان صحيحًا علمه ابتداء بأن كان سماعًا فعلى الحد الذي مر من قبل.\nوأما إذا كان علمه بالكتاب إليه.\nفإن كان كتابًا على وجهه على رسم الكتب وثبت الكتاب بحجة يثبت بمثله الكتاب وفيه: إذا جاءك كتابي هذا فحدث عني هذا الحديث بهذا الإسناد، حل له الرواية وقبلت منه روايته، وإن علمنا به، لأن الكتاب من الغائب بمنزلة الخطاب من الحاضر، ألا ترى أن رسول الله ﷺ كان مأمورًا بتبليغ الرسالة إلى الناس كافة، وبلغه مرة بالخطاب، ومرة بالكتاب ومرة بالرسالة، وكذلك اليوم يثبت بالكتاب من السلاطين إلى الرعية ولاية السلطنة والقضاء ويثبت به الوكالات، ويقع به الطلاق، والرسالة بمنزلة الكتاب بل أولى لأن الرسول يضبط كالكتاب ثم ينطق والكتاب لا ينطق.\nوأما الإجازة فالرواية بها لا تحل حتى يعلم المجاز له ما في الكتاب ثم يقول الروي: أتعلم ما فيه؟ فيقول: نعم، ثم يجيز له الرواية عنه به.","vol":"1","page":191},{"text":"فأما إذا قال له الراوي: أجزت لك الحديث عني بما فيه، والسامع غير عالم به فلا يحل له، فإنا قد ذكرنا أنه لو سمع، ولم يعلم لم يحل فكيف الإجازة.\nوهذا كما قالوا في القاضي يشهد الشاهد على كتابه أو المقر على صك عليه، والشاهد لا علم له بما فيه أن شهادته باطلة.\nوهذا مذهب أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف: جائز ذلك إذا كان الكتاب معلومًا بنفسه وصورته بحيث يعلم ما يزاد فيه أو ينقص منه، فأما ما كان على غير ذلك ينبغي أن لا يحل بحال لأنه لا يدري عند الشهادة أنه ذلك إلا أن يشهد على كتاب ويسلمه إلى الشاهد فيصير كالمختوم.\nوالاحتياط فيما قاله أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله، لأنه إذا لم يعلم بما فيه كان الضبط بالخط والختم وكل ذلك يحتمل التغيير فإن الخط يشبه الخط والكتاب يشبه الكتاب وكذلك الختم.\nثم الإجازة إذا صحت كانت كالسماع وحلت الرواية بحدثنا، أو خبرنا جميعًا لأنهما خطاب.\nفأما الكتاب والرسالة فإنما نقول: أخبرنا بكذا، ولا نقول: حدثنا، كما نقول: أخبرنا الله بما أنزله من كتاب ورسول، ولا نقول حدث ولا كلم، وكان موسى ﵇ مخصوصًا بالتكليم.\nفأما إذا كان الكتاب إمامًا فمن أهل الحديث من جعل الكتاب كالسماع، وقال: إذا وقع في علم الراوي أنه كتابه بسماعه وخطه ووثق به أو كتاب أبيه بخطه وله ثقة بعلمه بخط أبيه حلت له الرواية كما لو سمعه، وتذكر سماعه ما فيه، وعلى هذا يجب أن يحل له إذا علم أنه خط راو معروف فلا فرق بين خط أبيه وخط غيره.\nوقال أبو يوسف في باب القضاء: إن القاضي إذا رأى خطه بقضاء فلم يتذكر حل له العمل بذلك إذا كان قمطره بخاتمه.\nوقال أيضًا- في الشاهد- أنه يحل له أن يشهد بخطه وإن لم يتذكر. فعلى هذا تحل له الرواية بالخط وإن لم يتذكره.\nوعلى قياس قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ أنه لا يحل له إلا بعد التذكر ولا تقبل روايته عن الخط بنفسه.\nوهذا هو الصحيح لأن الخط في الأصل لم يوضع إلا للتذكرة فما في عينه إعلام وإنما الكتاب للقلب بمنزلة المرآة للعين، وإنه لا عبرة بالمرآة إذا لم تر بها العين وجهه فكذا الكتاب إذا لم يتذكر القلب به علمًا.","vol":"1","page":192},{"text":"وعن إبراهيم النخعي: أنهم كانوا يكرهون الكتابة ثم أباحوا بعد ذلك لكسل حدث بالناس، وكذلك القرآن كان محفوظًا بالقلوب ابتداء ثم كتب مخافة النسيان.\nفإن قيل: أليس كتب ليحفظ به، فلو لم يكن عينه حجة على القارئ لما كان حافظًا؟\nقلنا: التحفظ به على سبيل أنه مذكر كالمرآة على ما قلنا لا أنه حجة بنفسه فإن الخط غير ناطق بنفسه، ولكن مذكر بصورته وقد يشبه الخط الخط شبهًا لا يمكن التمييز بينهما فيقع بالبناء عليه ضرب شبهة يمكن الاحتراز عنه بالجد في الحفظ فلا يلغو اعتبار تلك الشبهة بنسيان يكون بالتقصير في الحفظ وما فسد دين الأديان إلا بالبناء على الصور دون المعاني.\nألا ترى أنا لا نقبل رواية الأخرس وإن كانت له إشارة معلومة معقولة لضرب شبهة فيها يقع الاحتراز عنها بغيره فاعتبرناها، ولم نعتبر فيما يتصرف لنفسه وعليه فيثبت بها النكاح والطلاق والعتاق لأنه لم يمكن الاحتراز عنها في حقه.\nألا ترى أنه لا فرق بين علمه بخطه وخط غيره ثم خط غيره لم يكن حجة فكذا خطه، فعلمنا أن الرواية عن كتاب لا تحل إلا عن ذكر سماع أو ما يقوم مقامه من كتاب إليه أو برسالة أو بالسماع بإجازة صحيحة على الوجه الذي فسرناها أو برواية المحدث له بلسانه أو القراءة عليه وتصديقه القارئ، وروي عن أبي حنيفة ﵁: إن قراءتك على الراوي أضبط من قراءة الراوي عليك فلعله يغفل فيقرأ خطأ وأنت لا تشعر لتداركه وتشعر بخطائك وتداركه بالإعادة.\nفإن قيل: إذا قرأت على الراوي لم تأمن غفلة الراوي عن سماعك!\nقلنا: الغفلة عن السماع أهون من الخطأ في القراءة فلما يمكن الاحتراز عنهما سقط اعتبار ما لم يمكن ووجب الاحتراز عن الأهم منهما، والله أعلم.","vol":"1","page":193},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>القول في ضبط المتن ونقل الخبر بالمعنى</span>\nقال بعض أهل الحديث: ضبط المتن في مراعاة اللفظ ويحل له نقله بالمعنى عنده.\nقال القاضي ﵀: وقد رأيت عن بعض أهل النظر أنهم قالوا: لفظ الراوي لا يكون حجة بل يطلب في تلك الحادثة لفظ رسول الله ﷺ فيحمل عليه لفظ الراوي. وهذا قول مهجور.\nوقال جمهور العلماء: يجوز نقل الخبر بالمعنى في الجملة لكنه على أقسام أربعة تفصيلًا فتقول:\nإن كان الخبر محكمًا فإنه يجوز نقله بالمعنى لكل من سمعه من أهل اللسان.\nوإن كان ظاهرًا يحتمل غيرها ما ظهر لم يحل له النقل بالمعنى إلا للفقيه بعلم الشريعة وطرق الاجتهاد.\nوإن كان مشكلًا أو مشتركًا لم يحل لأحد النقل بتأويله.\nوإن كان مجملًا فلا يتصور نقله بالمعنى.\nأما الأولون فإنهم احتجوا بما روي عن النبي ﷺ قال: \"نضر الله وجه امرء سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه\" فالنبي ﷺ رغب في مراعاة الحفظ ونبه على المعنى وهو اختلاف الناس في معرفة معاني الألفاظ، والفقه الذي يدور عليه أمر الشرع، فإذا صار الأصل هذا ثبت الحجر عامًا، وإن كان من الألفاظ ما لا يتفاوت الناس في معرفة معناه.\nوأما عامة العلماء فإنه يحتج لهم بما ظهر من الصحابة ﵃: \"نهى رسول الله ﷺ عن كذا، وأمر بكذا، ورخص في كذا\". ظهورًا لا يرده إلا متعنت ولو لم يكن حجة لما نقلوا للعمل به ولا للإلزام هكذا، وعن عامر الشعبي وإبراهيم النخعي أنهما كانا ينقلان بالمعنى.\nوروينا عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يروي ويقول: هذا أو نحوه. والفقهاء","vol":"1","page":194},{"text":"كلهم في تصانيفهم احتجتوا [احتجوا] بقولهم: وبلغنا نحو من ذلك: ومثل ذلك، وكثيرًا ما أورده محمد بن الحسن ﵀.\nولأن اللفظ إنما يجب مراعاته لعينه إذا كان معجزًا أو آية لزوال الإعجاز فإنه يزول الإعجاز بالتبديل أو تعلق بعينه حكم يزول بغيره.\nفأما إذا كان اللفظ مما يجب نقله للعمل بمعناه فوقف على معناه حقيقة ثم أداه بلفظ آخر بلا خلل فيه سقط اعتبار اللفظ، ونحن أنما نجوز ترك اللفظ بهذا الشرط.\nوأما الجواب عن احتجاجهم بالحديث فإن أكثر ما فيه أن حفظ اللفظ مرغوب فيه في الجملة ونحن هكذا نقول فالنقل باللفظ عزيمة عندنا وبالمعنى رخصة في بعض الأخبار على ما فصلناه.\nأما المحكم من الألفاظ فلأنه لا يحتمل إلا معنى واحدًا دائمًا على ما مر تفسيره ولما تعين المعنى فيه ولم يقع وهم الخلل في الوقوف عليه ممن عرف اللسان رخص لهم ذلك لحصول الغرض منه بأجمعه بلفظ آخر.\nوأما الظاهر فلأن المعنى وإن ظهر منه بظاهره فقد احتمل مجازه، والخصوص من عمومه بدليل موجب فلا يرخص في نقله بالمعنى إلا للعالم بطريق الدين والفقه حتى يؤمن بعلمه عن الخلل بمعناه إذا كساه بلفظ آخر فلعل الجاهل بالفقه يكسوه بلفظ لا يحتمل ضرب مجازه ولا ضرب خصوصه، ويكون المراد باللفظ المسموع مجازه أو خصوصه فتفوت تلك الفائدة، أو ينقله بلفظ أعم من اللفظ الأول لجهله بالفرق بين الخاص والعام فيوجب ما لا يوجبه الأول فيلزمه المحافظة على اللفظ فأما العالم بطريق الدين فخال عن هذه التهمة فأبيح له.\nوأما المشكل أو المشترك من الألفاظ فلا يوقف على معناه، والمراد منه إلا بضرب تأويل وتأويل الراوي لا يكون حجة على غيره لأنه يصدر عن رأيه في أصول الشرع فجرى إظهار المعنى بالتأويل مجرى القياس فلا يحل نقله إلا بلفظ مسموع، ولا يظن بالعدل إذا نقل بلفظه إلا أحد الضربين الأولين اللذين يحلان له.\nوأما المجمل مما لا يوقف على معناه فلا يتصور نقله بمعناه فيكون الامتناع بذاته لا بدليل يحجر الناقل عنه فيكون ضربًا آخر من الحجر غير الضرب الأول، والله أعلم.","vol":"1","page":195},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>القول في انتقاد خبر الواحد بعد ثبوته عن الرسول ﵇ مسندًا أو مرسلًا</span>\nخبر الواحد ينتقد من وجوه أربعة:\nالعرض على كتاب الله تعالى، ورواجه بموافقته، وزيافته بمخالفته.\nثم على السنه الثانية عن رسول الله ﷺ تواترًا أو استفاضة أو إجماعًا.\nثم العرض على الحادثة فإن كانت مشهورة لعموم البلوى بها والخبر شاذ كان ذلك زيافة فيه.\nوكذلك إن كان حكم الحادثة مما اختلف فيه السلف اختلافًا ظاهرًا ولم ينقل عنهم المحاجة بالحديث كان عدم ظهور الحجاج به زيافة فيه.\nأما الأول: فلما روي عن رسول الله ﷺ: \"كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وإن كان مئة شرط\" أي كان حكمه بخلاف ما في كتاب الله تعالى، فإن نفس هذا الحديث ليس في كتاب الله تعالى فيبطل لو أريد به ظاهره.\nوكذلك كثير من الأحكام مما يثبت بخبر الواحد والقياس بعد كتاب الله تعالى. وعن النبي ﷺ أنه قال: \" إذا روي لكم مني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فما وافق فاقبلوه وما خالف فردوه\" ولأن كتاب الله تعالى ثابت يقينًا وخبر الواحد ثابت ثبوتًا فيه شبهة فكان رد ما فيه شبهة باليقين أولى من رد اليقين به.\nوسواء عندنا خالف الخبر من الكتاب أصله أو عمومه أو ظاهره بأن حمله على مجازه.\nوعند الشافعي جائز تخصيص العموم به.\nوكذلك الحمل على المجاز على ما مر أنه جوز مثله بالقياس وبخبر الواحد، إلا أنا لم نجوز لما مر من قبل: أن العام عندنا يوجب العلم بالعموم يقينًا كالخاص.","vol":"1","page":196},{"text":"ولأن متن العام من كتاب الله تعالى ثابت يقينًا ومتن خبر الواحد فيه شبهة وإن كان معنى المتن لا شبهة فيه وفي معنى متن الكتاب ضرب شبهة احتمال الخصوص فكان ترجيح متن الكتاب لقوة ثبوته أولى من ترجيح معنى خبر الواحد لقوة ثبوته، لأن المتن قالب المعنى وقوامه فيجب طلب الترجيح من قبله أولًا إذا استويا فمن جهة المعنى، والله أعلم.\nوكذلك السنة الثابتة بالتواتر أو الاستفاضة أو الإجماع لأنها بمنزلة الكتاب في إفادة العلم على ما مر.\nوالمشهور فوق خبر الواحد وإن كان في ثبوته أدنى شبهة، وفي هذا الانتقاد علم كثير وصيانة للدين بليغة.\nفأكثر الأهواء والبدع كانت من قبل العمل بخبر الواحد اعتقادًا أو عملًا بلا عرض على الكتاب أو السنة الثابتة، ثم تأويل الكتاب بموافقة خبر الواحد وجعل المتبوع تبعًا، وبناء الدين على ما لا يوجب العلم يقينًا، فيصير الأساس علمًا بشبهة فلا يزداد به إلا بدعة.\nوكان هذا الضرر بالدين أعظم من ضرر من لم يقبل خبر الواحد فاضطر إلى القول بالقياس، أو استصحاب الحال، إذا لم يجد الحكم الواقع فى كتاب الله تعالى، لأن هذا الرجل ما أخذ بحكم الكتاب، وجعل أساس دينه ما فيه اليقين إلا أنه رد خبر الواحد لتهمة الكذب وشبهته ثم وقع فيما هو أبلغ منه تهمة من رأيه أو التمسك بأي أصل كان.\nوالأول جعل خبر الواحد أصلًا فعرض كتاب الله عليه وبنى دينه على ما لا علم له به يقينًا، فكان القول العدل الوسط أن يجعل كتاب الله تعالى أصلًا، وهو الثابت يقينًا، وخبر الواحد مرتبًا عليه يعمل به على موافقته أو إذا لم يوجد في الكتاب ما فيه خبر الواحد، ويرد إذا خالف بحكمه حكم كتاب الله تعالى.\nثم القياس بعده مرتبًا عليه يعمل به على موافقته أو إذا لم يوجد في الكتاب والسنة ذلك الحكم الثابت بالقياس ويرد إذا خالف الخبر الصحيح بشروطه.\nونظير ذلك عمل مخالفنا بخبر مس الذكر وأنه مخالف لكتاب الله تعالى والسنة الثابتة والإجماع.\nفإن الاستنجاء بالماء مشروع بالكتاب في أهل قباء وبالسنة والإجماع.\nولا بد من مس الذكر حال الغسل بالماء على الوجه الذي جعله الخصم حدثًا والاستنجاء طهارة، والطهارة لا تحصل بما هو حدث يضاده.\nومن ذلك خبر القضاء بالشاهد واليمين، فإنه ورد مخالفًا لكتاب الله تعالى والسنة الثابتة.","vol":"1","page":197},{"text":"أما الكتاب فلأن الله تعالى قال: ﴿واستشهدوا شهيدين﴾ الآية أمر بالاستشهاد لإحياء الحق فكان الأمر مجملًا في حق ما هو شهادة كقول القائل: كل مجمل في حق بيان المأكول، فلما قال، ﴿شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ كان بيانًا لجميع ما دخل تحت الأمر كقول القائل: كل هذا الطعام أو هذا، وجالس فلانًا، وكقولك للآخر: استشهد زيدًا أو بكرًا على صفقتك، لم يكن استشهاد غيرهما من المأمور استشهادًا غيرهما من المأمور استشهادًا بحكم الأمر لا محالة، بل يكون زيادة عليه، وكذلك ههنا يكون الشاهد واليمين زيادة، والزيادة على النص في حكم النسخ عندي على ما نذكر فيكون خلافًا على أصلي.\nولأنه قال: ﴿وأدنى ألا ترتابوا﴾ فجعل المذكور أدنى ما تقطع به الريبة من الشهادات فمن جعل الشاهد، واليمين حجة كانت أدنى من المنصوص عليه في الشهادة فيكون خلافًا للنص بعينه.\nولأن الله تعالى بين ما هو المعتاد بين الناس في الشهادة من شهادة الرجال وما لا يوجد عادة من شهادة النساء، فإن النساء لا يحضون مجالس الحكام للشهادات عادة ولو كانت اليمين مع شاهد حجة وهي شهادة تستوفي من الخصم الذي يحضر عادة لم يصلح النقل إلى بيان ما ليس بمعتاد مع ترك ما هو المعتاد ولا كان لائقًا بالحكمة، ولأن النقل إلى غير المعتاد دليل الاستقصاء وحقيقة الاستقصاء في الإتيان على الكل.\nوكذلك في آية الوصية أمر بشاهدين منا أو من أهل الذمة وذلك اليوم ليس بحجة فعلم أنه لم يكن بعد الشاهدين منا حجة أولى من شهادة الذميين ولأنه أمر الشاهدين بالقسم لإثبات الحجة وهو اليوم ليس بحجة فلو كان يمين المدعي حجة ثابتة لما عدل عنه إلى يمين الشاهد التي هي أبعد عن الحجة من يمين الخصم.\nوأما السنة الثابتة فقوله ﷺ: \"البينة على المدعي واليمين على من أنكر\" فهذه السنة نصت على أن اليمين غير البينة لأنها عطفت اليمين على البينة ونصت على أن اليمين على غير من عليه البينة، وخبر الشاهد واليمين يرده من طريقين: فقد جعل اليمين من البينة وعلى من عليه البينة.\nومن ذلك خبر تحريم الرطب بالتمر بعلة أنه ينقص إذا جف لأنه ورد مخالفًا للسنة الثابتة \"التمر بالتمر مثلًا بمثل يدًا بيد والفضل ربا \" لأن الحديث قصر الربا على فضل يضاد المماثلة المبيحة لأن قوله: \"مثلًا بمثل \" للإجابة وقوله: \"والفضل ربا \" إشارة إلى","vol":"1","page":198},{"text":"فضل يضادها لا محالة وعليه الإجماع.\nوخبر الرطب بالتمر جعل الربا فضلًا يتوهم حدوثه لمعنى طارئ وهو الجفاف، وفضلًا لا يضاد المماثلة المبيحة في الأصل وحرم البيع مع قيام المماثلة كيلًا فالتحريم مع المماثلة خلاف للأول بالرد والوجهان الآخران خلاف بالزيادة بجعل فضل آخر سوى المنصوص عليه فيه ربا.\nإلا أن أبا يوسف ومحمدًا رحمهما الله قبلا هذا الحديث ميلًا إلى أن الرطب بالتمر لم يدخل تحت قوله: \"التمر بالتمر\" لأن الرطب لا يسمى تمرًا عرفًا حتى إذا حلف لا يأكل تمرًا فأكل رطبًا لم يحنث، فبقي حكم الرطب بالتمر مأخوذًا من الحديث الغريب.\nوأما الوجه الثاني فلأن البلوى بالحادثة متى كانت عامة فلا بد من معرفة حكمها من الحجة، وما كان الراوي يعلم به إلا بعد النص، كان النص يشتهر لديهم لو كان ثابتًا اشتهار حكم الحادثة، لأخذهم الحكم عن النص، ألا ترى أن النص كيف اشتهر اليوم لدينا لما كان ظاهرًا في الخلف فصار الخلفاء لديهم وعنايتهم بالحجج أشد من عنايتنا زيافة في ثبوته.\nوقال علماؤنا﵏- في الشهادة بهلال رمضان: قول الواحد مقبول إذا كان بالسماء علة أو جاء من موضع آخر، وإذا لم يكن بالسماء علة لم يقبل قول الواحد من أهل المصر بالهلال، لأن الناس لما شاركوه في النظر والمنظر والأعين، كان اختصاص الواحد بالرؤية خارجًا عن العادة فأوجب تهمة في خبره.\nوكذلك الوصي إذا أخبر بنفقة على اليتيم كثيرة خارجة عن المعتاد لم يصدق، وإن احتمل الصديق للتهمة بتكذيب العادة.\nفكذلك خبر الواحد مما سبيله الاشتهار لعموم البلوى مكذب في العادة فيرد بالتهمة.\nومن ذلك خبر مس الذكر، وخبر الوضوء مما مسته النار، وخبر التوضئ عن حمل الجنازة.\nوكذلك الحادثة التي ظهر الخلاف فيها من السلف ولم تجز المحاجة بالخبر، لأنه لو كان ثابتًا لما حل لهم الإعراض عن المحاجة به، ولو وقعت المحاجة به لظهر ظهور الفتوى ولوجب الرجوع عن الاختلاف على ما عليه عاده المتدينين، فإذا لم يظهر كذب بخلاف العادة، منها: اختلاف الصحابة في زكاة مال الصبي ورواية عمرو بن شعيب: \"ابتغوا في أموال اليتامى خيرًا كي لا تأكله الصدقة\" فأنهم لم يرد عنهم المحاجة به.\nواختلاف الصحابة في عدد الطلاق أنه بالرجال أو النساء والخبر المروي: \"الطلاق بالرجال\" فإن المحاجة لم تجز به، فثبت أنه مخترع أو تأويله المباشر بالرجال.","vol":"1","page":199},{"text":"فثبت أن الخبر: يصير مزيفًا بالوجهين الأولين بمقابلة ما هو فوقه كنقد بلد رائج يصير زيفًا في مقابلة نقد فوقه ببلد آخر، ويصير مزيفًا بالوجهين الآخرين لتهمة الكذب إما قصدًا أو غفلة كالزيف من نقد بلده لزيادة غش وقع فيه، والله أعلم.","vol":"1","page":200},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>القول فيما يلحق الخبر بتكذيب من جهة الراوي نفسه</span>\nالتكذيب من جهة الراوي يلحق الخبر من جهات أربع:\nإنكاره الرواية نصًا وعملًا بخلاف الخبر قبل الرواية أو بعدها، وامتناعه عن العمل به.\nفأما الإنكار نصًا: فما اختلف فيه أهل الحديث:\nفمنهم من زيف الحديث به ورده.\nومنهم من قبله.\nوروى ربيعه عن سهيل عن أبى صالح عن أبى هريرة أن النبي ﷺ قضى بشاهد ويمين، فسأل سهيل فلم يذكره، فقيل له: إن ربيعة يرويه عنك، فكان يقول بعد ذلك: حدثني ربيعة عني. وعن أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- في قاض ادعى رجل عليه قضاه بحق له على رجل فلم يذكره، فأقام عليه البينة بذلك- قال أبو يوسف: لا يسمع البينة، وقال محمد: يقبلها وهذه شهادة عليه وهو منكر، فتدل هذه المسألة على اختلافهما على ذلك في مسألة الرواية، لأن نفس الرواية في باب الدين كالشهادة في حقوق الناس إلزامًا، ولا يجوز أخذ هذا من الشهادة على الشهادة، فإنها تبطل بإنكار الأصل لأن شاهد الفرع لا يشهد عن علم بل عن تحمل على ما عرف.\nألا ترى أنه لا بحل له أن يشهد بأصل الحق ولا تقبل شهادته حتى يقول، وأمرني أن أشهد على شهادته أو: أشهدني.\nفأما الذين قالوا بالقبول فاحتجوا بما روي أن النبي ﷺ: \"صلى إحدى صلاتي العشاء فسلم على رأس ركعتين فقال ذو اليدين: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيتها؟ \" فقال: \"كل ذلك لم يكن\". فقال: \"وبعض ذلك قد كان، فأقبل على القوم وفيهم أبو بكر وعمر ﵄ فقال: أحق ما يقوله ذو اليدين؟ فقالا: نعم، فقام وصلى ركعتين\" فقبل روايتهما وهو منكر وهذا ظاهر فيما يتعاطى الإنسان من أمور دينه فقد ينسى عمله ويعمل بخبر غيره.","vol":"1","page":201},{"text":"وأما الذين قالوا بالرد، فاحتجوا بأن خبر الواحد يرد بتكذيب العادة على ما مر في الباب الأول فلأن يرد بتكذيب الراوي نفسه أولى، لأن إنكاره حجة في حق نفسه فسقط روايته: إما بالحجة، وإما بالتناقض فيصير الحديث منقطعًا.\nوعن عمر ﵁ أنه كان لا يرى للجنب التيمم، فروى له عمار فقال له: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذا كنا الإبل فأجنبت فتمعكت في التراب ثم سألت رسول الله ﷺ فقال: \"كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض فتمسح بهما وجهك وذراعيك\" فلم يذكره عمر ولم يعمل به، وعمار كان عدلًا ثقة.\nوكذلك لم يعمل أبو حنيفة وأبو يوسف بحديث سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ: \"أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل\" لأن ابن جريج سأل الزهري عن هذا الحديث فلم يعرفه.\nولأن خبر الفرع في إثبات الراوية ليس بأولى من خبر الأصل في إنكاره إن لم يترجح الإنكار على الدعوى لأن كل واحد منهما عدل، وكما يحتمل حال المنكر النسيان بعد المعرفة احتمل حال المدعي الاشتباه والغفلة، وأنه قد سمع الحديث غيره فنسي فظن أنه سمع هذا.\nوإذا كان كذلك تثبت المعارضة فلم يثبت أحدهما، يدل عليه أن الإنسان كما يعلم بسماعه عن أمر يقين فكذلك يعلم بتركه الرواية عن سبب يقين فلا فرق بينهما بوجه.\nوحديث ذو اليدين محمول على أن رسول الله ﷺ تذكر أنه ترك الشفع من الصلاة، أو تذكر غفلته عن حاله يشغل قلب اعتراض له.\nوعلى هذا عادات الناس أنهم إذا عملوا من أحوالهم في الغفلة تعرفوا من غيرهم.\nوعلى هذا يجوز أن يقال في الخبر أن الراوي الأصلي ينظر في نفسه فإن كان رأيه يميل إلى غلبة نسيان إذا كانت عادته ذلك في محفوظاته قبل رواية غيره عنه، وإن كان رأيه يميل إلى جهله أصلًا بذلك الخبر رده وقلما ينسى الإنسان شيئًا ضبطه نسيانًا لا يتذكر بالتذكير، والأمر يبتنى على الظواهر لا على النوادر.\nوأما عمل الراوي بخلاف الخبر:\nفإن كان قبل الرواية فلا يكون تكذيبًا بوجه لأن الظاهر أنه تركه لما بلغه الخبر وكذلك إذا لم يعلم التاريخ حمل عليه تحريًا لموافقة السنة.\nوأما إذا كان بعد الرواية نظر فيه: فإن كان الخبر يحتمل ما عمل به الراوي بضرب","vol":"1","page":202},{"text":"تأويل لم يكن تكذيبًا لأن باب التأويل في الإخبار غير مسدود، ولكن الخبر لا يترك على ذلك، لأن الحجة هو الخبر لا تأويله لأن تأويله كان برأيه ورأيه ورأي غيره بمنزلة، وظاهر النص فوق رأيه بلا شك.\nوأما إذا كان الخبر لا يحتمل ما عمل به فالخبر مردود لأن عمله بخلافه لا يخلو: إما أن يكون عن غفلة أو إنكار أو نسيان، أو علم بانتساخ الخبر أو تقول الراوي عنه كذبًا عليه، ولم يكن عنده ذلك الحديث فلا شك بأنه مردود.\nوكذلك إذا ثبت انتساخه فهو مردود في حق العمل به وإن ارتكب خلافه فسق، ورواية الفاسق لا تقبل.\nوكذلك إن غفل أو نسي فرواية المغفل أو الناسي ساقطة دل عليه ما ذكرنا في القسم الأول من بطلان الرواية بإنكار الأصل والعمل بخلافه إنكارًا ظاهرًا فيصير الخبر به مردودًا ظاهرًا ما لم يثبت رجوعه إلى تصديق الراوي عنه، والعمل به على قول من يجوز مثله وإن لم يتذكر الحديث.\nوالوجه في مثل هذا الخبر أن يحمل على الانتساخ فرارًا عن تكذيب الراوي ليكون الإسناد ثابتًا والعمل به ساقطًا على ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج. فدل العمل بخلاف ما روى أنه علم بانتساخه.\nوروت عائشة﵂ وعن أبيها-: \"أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل\" ثم زوجت بنت أخيها عبد الرحمن بغير إذنه فدل على أنها عرفت بطلاته.\nوروى ابن عمر ﵄ - أن النبي ﷺ - رفع يديه في الصلاة عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع، ثم روي عن مجاهد أنه صحب ابن عمر سنين فلم يره يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة فدل أنه علم بانتساخه.\nوعن عيسى بن أبان أن غير الراوي أذا عمل بخلافه من أئمة الدين والحديث ظاهر كان دليلًا على انتساخ الحديث وبطلانه، لأنه يجوز إساءة الظن كان مقتدى به في دين الله وإمامًا يشار إليه بالأصابع.\nوهذا كما روي عن النبي ﷺ \"البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائه ورجم بالحجارة\" فدل عمل الأئمة بخلاف ذلك في الثيب بالثيب، على أنه منسوخ.","vol":"1","page":203},{"text":"وكذلك عمر ﵁ نفى رحلًا فلحق بالروم فحلف أن لا ينفي أحدًا بعده.\nوقال علي ﵁: \"كفى بالنفي فتنة\" فدلت فتواهم بخلاف الخبر في النفي على أن خبر النفي غير ثابت على ظاهره.\nوعن ابن سيرين في متعة النساء أنه قال: \"هم شهدوها وهم نهوا عنها، فما في رأيهم ما يرغب عنه، ولا في نصيحتهم ما يتهم\".\nوكذلك عمر ﵁ لما فتح سواد العراق وامتنع عن القسمة علم أن القسمة من رسول الله ﷺ لم تكن حتمًا.\nفإن قيل: عبد الله بن مسعود﵁- كان يرى التطبيق في الركوع سنة، وخبر الأخذ بالركب مشهور، ولم يدل على ضعفه.\nقلنا: لأنه كان يحمل الأخذ بالركب على الرخصة لما فيه من الترفيه. وقد ذكرنا أن تأويل الراوي لا يكون حجة، فكذا تأويل السامع. وأما إذا لم يكن الخبر مشهورًا، فخلاف غير الراوي لا يضعفه لاحتمال أنه خالفه، لأنه لم يبلغه، وكذلك إذا امتنع عن العمل به، لأنه حرام مثل العمل بخلافه. والله أعلم.","vol":"1","page":204},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>القول في أقسام جملة الأخبار في حق العمل بها</span>\nهي أربعة أقسام:\nأ. قسم يحيط العلم بصدقه.\nب. وقسم يحيط العلم بكذبه.\nج. وقسم يحتملهما على السواء لا يترجح أحد احتماليه على الآخر.\nد. وقسم يترجح أحد احتماليه على الآخر.\nفأما الأول: فأخبار الرسل، لأنه ثبت بالدليل أنهم كانوا معصومين عن الكذب. وحكمها افتراض الاعتماد بصدقها والعمل بها بقدرها.\nوأما القسم الثاني: كدعوى فرعون الألوهية مع عياننا آيات الحدث فيه، وخبر الكفار أن الأصنام لآلهة مع عياننا أنها جماد لا قدرة لها بوجه بعد قيام آيات الحدث فيها، وكأخبار مسيلمة، وزرادشت، وماني من المتنبئين كذبًا لظهور آيات الكذب من معاملاتهم الخارجة على سبيل السفه، ولعدم آيات التصديق من المعجزات، فإن النبوة لا تثبي إلا بمعجزة ليمتاز بها الصادق من الكاذب.\nوحكمها، وجوب اعتقاد الكذب فيها وردها باللسان، أو بما فوقه بحسب قيام الأمر.\nوأما القسم الثالث: فنحو خبر الفاسق، لأن الخبر في أصله يحتمل الكذب والصدق، إلا أنا نرجح من العدل صدقه، لأنه عاقل متدين، وهما يمنعانه الكذب، ولم يظهر منه لما ثبتت عدالته مخالفة المانع، فصار الحكم للجري على موافقة العقل والدين الذي اعتمده، فإذا فسق ظهر منه مكابرة المانع ومخالفته فيما ارتكب من المحظور حتى فسق به، وذلك إنما يكون بغلبة الهوى، ولابد من وقوع ضروب فعل على موافقة العقل من كل عاقل، وإن كان فاسقًا، وذلك يدل على غلبة العقل، فيصير الخبر مشكلًا بينهما في خروجه على حكم غلبة عقلة فيكون صدقًا، أو هواه فيكون كذبًا.","vol":"1","page":205},{"text":"وحكمه التوقف فيه على ما قال الله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾ وعلى ما هو الحكم في النص الذي هو محتمل وجوهًا على السواء، وفي الحجج المتعارضة.\nوأما القسم الرابع: فنحو خبر العدل، فإن جانب صدقه أرجح لظهور غلبة عقله على هواه، حتى امتنع عما يوجب الفسق من دواعي نفسه، لكنه غير يقين لاحتمال حاله مساعدة هواه.\nوحكمه العمل به لا عن اعتقاد بحقيقة ذلك، وكذلك الفاسق، إذا شهد فردت شهادته صار جانب الكذب برد القاضي أرجح، والله أعلم بالصواب.","vol":"1","page":206},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>القول في أقسام الصحيح من الأخبار</span>\nالأخبار التي يعمل بها ضربان: مشهور، وغريب.\nفالمشهور: ضربان، ما بلغ حد التواتر، وما اشتهر ولم يبلغ حد التواتر.\nوالغريب: نوعان، ما لم يشتهر، ولكنه لم يدخل في حد الاستنكار، وما دخل في حد الاستنكار.\nوأما المتواتر: فحده ما مر في أول الكتاب، وهو أن يتصل بك عن المخبر اتصالًا لا يبقى لك شبهة فيه، كما يتصل بقلبك من طريق السماع من المخبر نفسه، وذلك بأن ينقل إليك قوم لا يتوهم في العادات تواطؤهم على الكذب لكثرتهم، وبعد أماكنهم عن قوم مثلهم، حتى يكون آخر طرفيه كأوله، وأوسطه كطرفيه.\nوحكمه: أنه يوجب العلم يقينًا كما يكون بالسماع.\nوقال بعض الناس: إن المتواتر من الأخبار لا يوجب علم اليقين، وإنما يوجب علم طمأنينة، وذلك لأن اليهود والنصارى نقلوا قتل عيسى نقلًا متواترًا وإن كان كذبًا، وهم أكثر منا عددًا.\nوالمجوس نقلوا معجزات زرادشت نقلًا متواترًا وكان كذبًا.\nوإذا رجعت إليهم كانوا على طمأنينة القلب بصدق ما عندهم من الخبر كما نحن بما لدينا من الأخبار المتواترة من رسالة محمد ﷺ وآياته ثم إنهم لم يكونوا على يقين. فلم وجب لنا اليقين بمثله.\nوكذلك الرجل يعلم بحياة الرجل يقينًا، ثم يمر بداره فيسمع النياح ويرى أعلام الموت، ويرى المأتم، فيقولون: إنه قد مات، فيعزيهم ويعزونه، ويطمئن قلبه إلى العلم الحادث، ويزول الأول على احتمال أنه حيلة وليس بحقيقة.\nقال العبد ﵁: وهذا مع الحجة قول رذل. لأنه زعم أنه لم يعرف رسولًا من الرسل، ولا كتاب الله، ولا أباه، ولا أمه، لأنه ما توصل إلى علمهم إلا بالخبر، ولم يعرف أنه مولود، وكان قبله بشر من جنسه. ومن قال: إني لا أعرف ذلك فقد أبطل دينه قبل كل شيء، ثم عقله، لأنا إذا رجعنا إلى قلوبنا التي هي معدن المعرفة، وجدناها عارفة بالآباء والأمهات عن خبر متواتر مثل معرفتنا بالبنين والبنات عن عيان، ووجدناها تعرف","vol":"1","page":207},{"text":"أنهم مولودون عن أصول، كما تعرف أنهم يلدون فروعًا، ويعرف كل مسلم نحو مكة بالخبر المتواتر كما يعرف نحو بيته بالعيان.\nوهذا كما عرفنا الله تعالى محدثًا بالاستدلال، كما نعرف أولادنا حادثة بالعيان فيصير إنكاره بعد ثبوت حد المعرفة على الحقيقة كمن أنكر العيان، وشبهه بما يرى النائم في نومه.\nوأما قوله: بأن حد المعرفة على الحقيقة لم يثبت بعد، ولكن وقعت الطمأنينة بغلبة دلائل الصدق كما ذكر في المثل، فليس بقوي، لأن الطمأنينة في الأصل دليل على المعرفة حقيقة، وإنما يحمل على الغلبة بلا حقيقة. بدليل تبين الغفلة من القلب عن النظر في باطن الدليل، وإنما يعرف ذلك بإبانة حد آخر وراء ما تراءى له، كما قيل في رؤيا النائم أنها ليست بحقيقة، وإن كان لا يقف على بطلانها حال ما يرى، لأنا وجدنا لرؤيتها حالة في حياته، وتمييزه فوق هذه الحالة وهي حال اليقظة، وكان ما أرى حالة النوم لضرب غفلة، وأبطلنا تلك الحالة وجعلنا الرؤية يقظانًا حقيقية، لأنه لا حالة له فوق هذا للدرك.\nفكذلك ما يطمئن القلب إلى علم بالسماع، فإن اطمأن وبحاله ضرب غفلة، كالداخل على المأتم، لأنه لو تأمل حق التأمل لأصاب جهة الكذب، لجواز تواطئهم على ذلك لأمر أرادوه، ما كان يحصل إلا بما تواضعوا عليه لم يكن موجبًا يقينًا.\nفأما إذا سمع أقوامًا مختلفين لا يتواطأ أمثالهم على الكذب عادة لكثرتهم واختلاف أمكنتهم، فلم تكن الطمأنينة بحكم الغفلة عن الكذب، بل بقيام الذليل الموجب للصدق الذي باطنه لو تأمله أكد ظاهره.\nوذلك لأن الله تعالى خلق الخلق أطوارًا على همم شتى ما يصدر عنهم فعل أو قول بحكم الجبلة على سنن واحد، بل يكون الحدوث على اختلاف بحسب هممهم وهوى نفوسهم، لأن الحوادث عن علل مختلفة لابد أن تكون مختلفة، فلما أخبروا خبرًا واحدًا، علم أن الإخبار لم يكن من قبل اختراعهم، بل عن أصل جمعهم على ذلك، وذلك سماع اتبعوه، أو اتفاق صنعوه، فإذا انقطع وهم الاتفاق، بقي السماع.\nفإن قيل: الناس وإن كثروا لم ينقطع وهم الاتفاق على الكذب، لأن شرط التواتر ليس اجتماع أهل الدنيا، بل أهل بلدة أو عامتهم، وما نقل الرسالة عن الرسول ﷺ إلا أصحابه، وكان عسكره وإن كثروا كان يجوز اتفاقهم على ذلك.\nقلنا: إن توهم هذا الاتفاق نادر فيما يتوهم كتمان الاتفاق بعد مرور الزمان من جمع عظيم، عشرة آلاف أو عشرين ألفًا فإن الإنسان في نفسه يتعذر عليه كتمان سره حتى يفشيه إلى صديق له ويستكتمه ثم يضيق عنه صدر صديقه فيفشيه إلى ثالث فيصير السر فاشيًا","vol":"1","page":208},{"text":"عن قريب، فلا يتوهم كتمان المواضعة من الجمع على امتداد المدة، وفي الجمع المؤمنون والمنافقون والجواسيس لأهل الكفر هذا مما ترده العقول، ولا تجد لقبوله مساغًا فيها.\nفكان الوقوف على بطلان هذا القول أسهل من الوقوف على معرفة الصانع عز ذكره بآيات الحدث في المحسوسات، فإنا نجد الناس مختلفين في معرفة الصانع ولا نجد أحدًا ينكره ميلاده، وكون السماء قبله قرارًا، وكون آدم أبا البشر، وهل عرفت المعجزات آيات يقينًا على الرسالة إلا بخروجها عن حد معتاد البشر، فكذلك مثل هذا الاكتتام خارج عن معاد البشر، فيقطع القول بعدمها منهم، وكما نكذب اليوم رجلًا يخبر عن عروجه إلى السماء، ومسه، وكلامه الملائكة متى شاء قطعًا، وإن جاز مثله في فدرة الله تعالى، لأنه خارج عن معتاد البشر حتى رددنا شهادة شاهدين على رجل بطلاق امرأته بمكة يوم النحر مع الشهادة أخرى بعتاق عبده ذلك اليوم بالكوفة.\nوكيف يتوهم إنكتام هذه المواضعة وكانوا يلقون إلى الكفار بالمودة ويفشون أسرار النبي ﷺ في باب الحرب، وكان الكفار يتقولون عليه ما لم يكن منه إطفاء لنوره، وهذا على مثال من زعم أن القرآن ليس بمعجز إلا أن العرب لو تشتغل بمعارضته أو جاؤوا بمثله، ولكن المسلمين أخفوه، فكان هذا قولًا مردودًا، لأن العرب لو قدرت عليه لعارضت ولما صبرت عن فعلها، وفيه ذهاب دينهم ومالهم ونفوسهم وحزمهم، لأنه غير متصور مثل هذا الصبر في العادات إلا عن عجز، ولو عارضت لما صبرت عن الإظهار، فإن الحجة كانت تسقط بالإظهار على سبيل المعارضة ما كان يتصور الاختفاء عادة.\nوكيف يتصور وغير المسلمين كانوا أكثر من المسلمين وكانوا ينقلون ذلك مثل نقل المسلمين كلام رب العزة، وكيف يتوهم ذلك، ولم تختفِ كلمات مسيلمة، ومخاريف المتنبئين، وهذا القائل قد قال: بأن القرآن بمعجز، وأن السؤال باطل من هذا الطريق، فيبطل بهذا الطريق أيضًا سؤال من ينكر العلم اليقين بالتواتر بدعوى احتمال أو شبهة تردها عادات النفوس.\nوأما الجواب عن تواتر الخبر بين اليهود بقتل عيسى ﵇ فمن وجهين:\nأحدهما: أن التواتر غير ثابت، لأن حده أن يساوي الطرف الأول الآخر ولم يوجد، لأن القتل نقل عن الذين دخلوا عليه في بيت للقتل، وقوم يرتدون أن يقتلوا رجلًا في بيت لا بد أن يكونوا بحيث يجتمعون في العادات على الكذب لأنه أيسر من الاجتماع على قتله، وقد روي أنهم كانوا تسعة نفر.\nفإن قيل: تواتر الخبر بينهم بالصلب، والصلب مما يعانيه أطوار الناس الذين لا يتواطئون على الكذب عادة.","vol":"1","page":209},{"text":"قلنا: إنهم نقلوا الصلب بعد القتل، والمصلوب بعد القتل لا يتأمل فيه كل التأمل على ما جرت به العادات، بل يكتفي فيه العلم بالأعلام الظاهرة، والتسامع أنه فلان، وهذا معلوم بين الناس بمن يصلب في أزمنتهم، فإن الذين يباشرونه قوم معدودون، ثم ينقل عنهم ويقع العلم للناس بالتسامع أو النظر إليه من غير تأمل، فإن الطباع تنفر عن التأمل والخلق يتغير بالصلب ويشتبه أيضًا ببعد مسافة النظر، وإذا كان كذلك كان العلم به علم طمأنينة لا علم يقين، وروي أن اليهود كانوا لا يعرفونه، وإنما دلهم عليه رجل يقال له يهوذا وبقول الواحد لا يقع العلم.\nوالثاني: أن تواترهم أوجب العلم بقتل من علموه عيسى ولم يكن وكان شبيهه على ما قال الله تعالى: ﴿ولكن شبه لهم﴾، وروي أيضًا: أن اليهود لما دخلوا عليه فال عيسى لأصحابه: من يريد أن يلقي الله عليه شبهي فيقتل وله الجنة، فرضي به واحدًا منهم، فقتل ورفع عيسى من بينهم فلم ير.\nفإن قيل: هذا أنكر من الأول، فإنه باب يبطل المعارف أصلًا، ويكذب العيان، ويبطل أخباركم المتواترة عن النبي ﷺ لجواز أن يكون قد شبه لهم، ويبطل الإيمان بالرسل لجواز أن غيرهم تشبهوا بهم، وكيف يجوز ذلك والإيمان بعيسى كان واجبًا، وما كانوا يعرفونه إلا بالعيان، فكان يجب بعد التشبيه، الإيمان بالشبه، وأنه كفر، وما جائز من الله ﷾ إلزام الكفر بالحجة.\nقلنا: أما التشبيه من الله تعالى غير منكر قدرة، ولا ينكر أيضًا حكمة إذا ألقى شبهه على غير حال دفع القتل عنه، ففي الدفع حكمة عظيمة، والتشبيه دفع لطيف، ولله تعالى لطائف في الدفاع عن الرسل ﵈ وعنا. وإنما يستنكر هذا حال الإيمان به فيؤدي التشبيه إلى التلبيس، والله تعالى كان علم منهم أنهم لا يؤمنون به، فشبه لهم وزادهم مرضًا وطغيانًا، ودفع عن عيسى ﵇.\nوهذا كما تحول إبليس في صور شيخ من نجد مرة، ومرة في صورة سراقة بن جعثم وكلم الناس إغواء للكفرة فلم ينكر، فكذلك تحول عيسى بأقدار الله تعالى عليه.\nوكذلك عبد الله بن عباس ﵄ رأى جبريل صلوات الله عليه في صورة دحية الكلبي واعتقده ولم يكن كذلك، وعذر لأنه عمل بما في وسعه ولم يكن كلف غير ما علم حينئذ.\nوكذلك الله تعالى قلل المؤمنين في أعين الكفار، وقللهم في أعينهم وصح ذلك للتحريض على القتال، ليقتل المسلمون الكفرة ويشفوا صدورهم منهم فلو كثر المسلمون في أعينهم لرجعوا ما قتلوا، فلما أثبت الله تعالى تقليل المسلمين في أعين الكفار تحريضًا على القتال ليقتلوا، جاز تشبيه غير عيسى به ليصان.\n\nثم هذا الاحتمال لا يبطل المعارف لأنه يكون معجزة، ونحن خوطبنا بالعمل على ما يكون في العادات الجارية دون البناء على ما يجوز في قدرة الله تعالى وهذا التشبيه كان من قدرة الله تعالى لا من قدرتنا فلا يبتنى عليها الأحكام.\nولأنا لا نجوز هذا الحال الإيمان بالرسول أو النقل عنه فيصير إضلالًا بالحجة، والله تعالى غني عنه.\nولأن الجواب عنه يلزم الجميع فقد سلم لنا مثله فيما نقلنا.\nوأما خبر زرادشت فتلك مخاريق أظهرها بحيل على سبيل عرفها المتأملون من ذوي البصائر وقدروا على مثلها إلا ما يحكى أنه أدخل قوائم فرس الملك في البطن ثم أخرج.","vol":"1","page":210},{"text":"وهذا يحكى انه فعله بين يدي الملك في خاصته والنقل عن مثلهم لا يكون حجة متواترًا، فقد روي أن الملك لما رأى شهامته بايعه على أن يظهر الإيمان به فيكون زرادشت اللعين معه برأيه وهو وراءه بسيفه فيملكوا وجه الأرض، فظهر عقيب ذلك مخاريق حكوها عن فعله في مجلس الملك أو كان عن تواطىء منهم على ما حكينا.\nفإن قيل: كيف أنكرتم ذلك؟\nقلنا: نحن أنكرنا الكتمان من قوم يتعذر تواطؤهم على الكذب والاتفاق عليه عادة لا على ملك بخاصته فإنهم رصد لحفظ الأسرار، وعليه بناء أمر الملك ومن حكمة خلق الله تعالى الخلق أطوارًا على همم شتى، وهي سبب الاختلاف أن يعلم باتفاقهم على نقل الشرائع تواترًا أنها ثابتة كما يكون بالعيان حتى لا تبطل الشريعة بوفاة رسول الله ﷺ بل تبقى بعده على وجهها إذا صار المتواتر كالمسموع من النبي ﷺ فلا يبقى الناس وعقولهم سدى عن عون الشرع فما بالعقل كفاية لتمام الهداية.\nفإن قيل: أرأيت القاضي لو بلغه خبر بالتواتر أو شهادة فساق كثيرين بملك في يد رجل أنه لغيره أيقضي به كما لو عاين أم لا؟\nقلنا: يجوز أن يقضي به ويحتمله، ويجوز أن لا يقضي، كما لا يقضي بعلم ثبت له عيانًا قبل القضاء فمن شرطّ علمًا بالحادثة بعد القضاء جاز أن يشترط العلم بلفظة: أشهد، دون الخبر، وجاز أن يشترط العلم بخير عدول دون فساق واحتياطًا لأمر القضاء.\nوأما المشهور: فحده ما كان وسطه وآخره على حد المتواتر وأوله على حد خبر الواحد.\nوقد اختلف العلماء في حكمه؟\nقال أبو بكر الرازي: هو أحد قسمي المتواتر، لأنا نجد في أنفسنا العلم بكل واحد منهما بلا اضطرار، إلا أن العلم بالأول يقع عن اضطرار لا مرد له في النفوس، وبالثاني","vol":"1","page":211},{"text":"يقع عن استدلالٍ كما يكون مثله عن العقليات الموجبة للعلم يقينًا فإن العلم بحدوث المحسوسات يقع عن اضطرار يعرفه كل إنسان ذي بال والعلم بالصانع يقع عن استدلال.\nقال عيسى بن أبان: الأخبار ثلاثة أقسام:\nأقسم يضلل جاحده، كخبر الرجم.\nب وقسم يخشى المأثم على جاحده، ولا نضلله كخبر المسح بالخف.\nجـ- وقسم لا يخشى المأثم على جاحده كالأخبار التي اختلف العلماء فيها في مسائل خلافهم.\n\nفلم يكفر عيسى من جحد المشتهر.\nثم جعل المشتهر بعضه فوق بعض في الرتبة وهو الصحيح عندنا.\nويسمى العلم عن الخبر المتواتر علم يقين وعن الخبر المشتهر علم طمأنينة، وعن الخبر الغريب علم غالب الرأي، وعن الغريب المستنكر علم ظن.\nفهذه المراتب أربعة للعلوم ثبتت بمراتب الأخبار، والدليل على ذلك: أن المشتهر لما لم يتصل برسول الله ﷺ بالتواتر، ولكن بالآحاد تمكنت الشبهة في الاتصال برسول الله ﷺ على نحو ما ذكرنا في أخبار اليهود والنصارى والمجوس إلا أنها لما اشتهرت في السلف وتواترت ولم يظهر منهم رد اطمأنت النفوس إلى قبولها والعمل بها، لأنها شاهدت قرنهم لا من قبلهم فاطمأنت النفوس إلى ما شاهدت، والعادات تثبت بالحواس لا بالاستدلال، ولهذا تتبدل الشرائع بالبدع إذا اشتهرت في الناس لأن الحواس تشاهدها، ولا يمكن ردها إلا بالاستدلال، ألا أنا جعلنا المشتهر حجة شرعية يجوز بمثلها الزيادة على كتاب الله تعالى، ونسخ الآيات أيضًا لأن السلف كانوا أئمة الدين وكان إجماعهم حجة، وما كان فيهم تهمة فلما تواتر النقل فيهم ولم يظهر رد منهم صار حجة من حجج الله تعالى حتى زدنا على كتاب الله تعالى الرجم.\nوزدنا تحريم عمة المرأة على الكتاب.\nوزدنا على أعضاء الوضوء الخف بالسنة.\nوالتتابع على صوم كفارة اليمين.\nوالزيادة عندنا تجري مجرى النسخ إلا أنا أبقينا مع هذا شبهة الآحاد الثابتة في الطرف الأول فلم نكفر جاحده، وحططنا رتبته عنه رتبة المتواتر، وهذا لأن الله تعالى كما لا يكلفنا ما ليس في الوسع وما جعل في الدين من حرج بنص الكتاب وكما لا نجد في الوسع، رد العلم بالمتواتر يخرج برد المشتهر فإنا لا يمكننا الفرق بينهما على ما عليه الجبلة إلا بحد استدلال.","vol":"1","page":212},{"text":"ثم الاستدلال فيما نحن فيه يوجب القبول فلزم القول به شرعًا ما لزم طبعًا لكن على ضرب شبهة بيناها، وظهرت الشبهة في حق التكفير دون العمل فصار المتواتر موجبًا علمًا يزداد يقينه بالتأمل في سببه الداعي إليه من طريق الضرورة على ما عليه جبلة النفوس، وإنما الشك يعتري القلب بضرب وسواس كما يعتري بعض الناس فيما يدرك بالحواس، وصار المشتهر موجبًا علمًا بمنزلة المتواتر بقلة التأمل، ومتى تأمل السامع حق تأمل، وجد في أوله ما يوجب ضرب شبهة في آخره فيكون العلم به لسكون النفس إلى ما ظهر له به، فلذلك سميناه علم طمأنينة.\nفإن قيل: فكيف لم يجب العلم بخبر اليهود، وقد اشتهر؟\nقلنا: بمعارضة ما هو فوقه سقط اعتباره، وكذلك سبيل كل حجة.\nوأما الغريب المقبول: فما اختلف العلماء خلفًا وسلفًا من أحكام الحوادث على ورود أخبار فيها متعارضة قبلها بعضهم وردها بعضهم بلا إنكار ولا تضليل حسب اختلافهم في مثلها بالمقاييس المتعارضة، فيكون العلم به علم غالب الرأي على نحو ما يقع بالمقاييس المتعارضة.\nوأما الغريب المستنكر: فنحو ما ذكرنا من الوجوه التي رد السلف بها الأخبار، وربما نخشى الإثم على العامل كما خشينا الإثم على تارك المشتهر لأنه قرب من اليقين، وهذا قرب من الكذب فيكون العلم به علم ظن على تحري الحق كالذي تشتبه عليه القبلة فيتوجه إلى جهة بتحري قلبه بلا دليل.","vol":"1","page":213},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>القول في بيان المعارضة من تفسيرها وركنها وشرطها وحكمها</span>\nأما المعارضة فتفسيرها: الممانعة على سبيل المقابلة، يقال: عرض لي أمر أي استقبلني فمنعني، والعوارض في اللغة الموانع.\nوسميت المعارضة بين الحجج معارضة لأنها تقوم متقابلة متمانعة لا يمكن الجمع بينهما.\nأما شرط المعارضة: فاجتماع الحجتين المتدافعتين بإيجاب كل واحدة منهما ضد الأخرى في محل واحد ووقت واحد كالتحليل والتحريم والإثبات والنفي، وهما متساويتان في القوة لأن الضعيف لا يقابل القوي.\nوإنما قلنا في وقت واحد ومحل واحد لأن الضدين إنما يستحيل ثبوتهما لمحل واحد لتنافيهما بذواتهما.\nفأما في محلين فجائز لارتفاع التنافي كالليل جائز في بعض ساعات الزمان والنهار في بعضها.\nوكذلك سواد العين وبياضها اجتمعا في العين في مكانين منهما، فاتحاد المحل شرط قيام المعارضة لأنها لا تعمل عملها إلا عند اتحاد المحل، ولا تعمل بالمحل وهذا آية الشرط على ما يأتيك بيانه.\nوكذلك اتحاد الوقت شرط لجواز اجتماع الضدين في محل واحد في وقتين على التعاقب كالحياة والممات في شخص واحد في وقتين.\nوأما الركن: فالحجتان فيهما تقوم المعارضة وركن كل شيء ما يقوم به الشيء.\nفإن قيل: لما كانت المعارضة لا تثبت إلا بالتراد، كيف استقامت في حجج الله تعالى الثابتة يقينًا.\nقلنا: لا تثبت بين الحجج الثابتة يقينًا لأن التعارض بين آيتين أو سنتين لا يثبت إلا بحيث لو علم تاريخهما لكان الآخر ناسخًا للأول، والأول منسوخًا به فتكون الثابتة أحديهما إلا أنا جهلنا الآخرة فيثبت التعارض.\nوأما القياسان إذا تعارضا فالذي معه الحق عند الله، وحجته على الحق الذي عنده","vol":"1","page":214},{"text":"واحد منهما إلا أنه جوز لنا العمل بما نصيب به الحق عند الله وبما لا نصيب بحكم العجز على ما بينا في باب الاجتهاد فصار أحد القياسين حجة يقينًا، والآخر حجة ظاهرًا في حق جواز العمل به تيسيرًا علينا لا فيما عند الله تعالى فيصير الأول أولى ومتى لم نعلم جاءت المعارضة.\nفأما الحكم: فإن كان التعارض بين الآيتين فالميل إلى السنة وإن كان بين السنتين فالميل إلى أقوال الصحابة ثم إلى الرأي لأن التعارض بين الحجتين متى ثبت تساقطا لاندفاع كل واحدة بالأخرى وامتنع العمل بهما، وبأحديهما عينًا لأنها ليست بأولى من الأخرى، فإذا تساقطتا وجب المصير إلى ما بعدهما من الحجة والحجج شرعت على هذا الترتيب.\nوأما التعارض: إذا ثبت بين القياسين، فكذا كان يجب أن يتساقطا ويتوقف عن العمل إلا أنه قيل: يعمل المجتهد بأيهما شاء ثم لا يكون له العمل بالآخر إلا بفساد يظهر في الذي عمل به بضرب دليل لأنه اضطر إلى العمل بحكم الحادثة الواقعة، ولا يمكنه إلا بدليل، ولم يشرع الله لنا دليلًا بعد القياس إلا الحال، وأحد القياسين معه الحق عند الله تعالى لا محالة، وحجة يقينًا فكان العمل بأحدهما على احتمال أنه الحجة حقيقة أولى من العمل بالحال، فإنه عمل بلا دليل فجاز له العمل بالمحتمل لهذه الضرورة ولما اندفعت الضرورة به وجعل عمله بما عين صوابًا لم يجز العمل بالآخر إلا بدليل غير محتمل.\nومثاله ما قال علماؤنا ﵏: في إنائين ماء أحديهما نجس، والآخر طاهر فأشكل الأمر علينا فإنه لا يجوز استعمال ماء أحديهما بالتحري لطهارة الصلاة، ويجوز للشرب لأن التراب طهور بيقين خلفًا عن الماء في حق الصلاة فوجب الميل إليه عند التعارض بين الماءين، ولا خلف للماء في حق الشرب فجاز تعيين أحديهما للشرب مع الاحتمال.\nوقال علماؤنا في سؤر الحمار: أنه مشكل لتعارض الأدلة، فقالوا: لا ينجس العضو الطاهر باستعماله، ولا يرتفع به الحدث للصلاة لأنه مشكل في نفسه فلا يزول به ما كان ثابتًا قبله من نجاسة أو طهارة، ولم يجوز تعيين أحد الحكمين بلا دليل ولا ضرورة فإنها ارتفعت بهذا التقسيم.\nوكذلك قالوا في الخنثى: أنه مشكل أمرها ما لم تترجح إحدى حالتيها بدليل، ومتى لم يتبين لم تترجح بلا دليل بل رد إلى الرجل من بعض الأحكام وإلى المرأة في البعض على حسب الثبوت يقينًا.\nووجه آخر أن النصين لا يتعارضان إلا والأول منهما منسوخ إلا أنا جهلناه، والجهل لا يطلق عملًا شرعيًا والاختيار عمل شرعي.","vol":"1","page":215},{"text":"وأما القياسان فيتعارضان على طريق أن كل واحد منهما صحيح العمل به لأنه جعل حجة يعمل به أصاب المجتهد به الحق عند الله تعالى أو أخطأه، ولما كان كل واحد منهما حجة لم يسقط وجوب العمل، ولكن الحكم عند الله واحد فثبت له تحري الذي الحق عند الله معه لأنه أولى من الآخر لا محالة فإذا تحرى وعمل به، وجعل التحري حجة له ضرورة صار الذي عمل به هو الحق عند الله تعالى بدليل التحري والآخر خطأ فلا يجوز نقضه إلا بدليل فوق التحري.\nومثاله في مسائل الفقه: رجل طلق إحدى امرأتيه فإن له خيار التعيين لأن التطليق كان حقه، وكذلك تعيين المطلقة فإذا لم يعين بقي التعيين ملكًا له فإذا عين لم يبق له الرجوع.\nولو طلق إحديهما بعينها ثم نسيها لم يكن له خيار بالجهل لأن ما كان له خرج من ملكه إلا أنه جهل المحرمة فلم يثبت له خيار شرعي بالجهل.\nفإن قيل: لما كان كل واحد من القياسين حجة يجوز العمل به وجب أن يثبت خيار التعيين مطلقًا، لا لضرورة الجهالة فإنه لا جهالة لما صار كل واحد منهما حجة، ألا ترى أن الخيار لما ثبت في تعيين كفارة اليمين لثبوت كل نوع مشروعًا كفارة ثبت مطلقًا ولم يرتفع بتعيين العبد نوعًا مرة.\nقلنا: إن القياسين ليسا بحجة في حق ما عند الله تعالى فإن الحق عند الله واحد على ما نذكر، ولكن جعلا حجة في حق جواز العمل لنا بالقياس أخطأنا أو أصبنا لفقد الدليل الذي هو فوقه، والذي هو حق عند الله فوق الذي ليس بحق ولا دليل معه للتمييز إلا التحري بقلبه فأمر بتعيينه بدليل التحري وللقلب فراسة، ونظر بنور الله تعالى على ما جاءت به الأخبار فإذا عين تعين وبقي الآخر خطأ ما لم يتبين خطاؤه بدليل آخر فوق التحري.\nقال علماؤنا فيمن أدرك الظهر ومعه ثوبان أحدهما نجس ولا يدريه: أنه يتحرى ويصلي في أحدهما الظهر فيجوز فإن صلى العصر في الآخر لا يجوز حملًا على أنه نجس لأن كل ثوب منهما حال وجوب الظهر مما تجوز الصلاة فيه لوجوب الصلاة وما عنده ثوب طاهر يقينًا وحكم النجاسة سقط بالعجز، والذي هو طاهر منهما هو الحق في الأصل ولا دليل معه عليه غير التحري بقلبه فأمر به فإذا تحراه جعل طاهرًا بدليله فبقي الآخر نجسًا، ولم يتبدل إلا بدليل آخر فوق التحري.\nوقولا الصحابة مثل القياسين لأنهما يقولان عن الرأي، ولا يجوز العدول بالرأي عن قولهما جميعًا- على ما نذكر- فحلا محل القياسين اللذين لا حجة بعدهما، والله أعلم.","vol":"1","page":216},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>القول في بيان المخلص من المعارضات بين النصوص</span>\nالمعارضة إنما تكون بين آيتين، أو آية قرأت بقراءتين، أو آية وسنة ثابتة، أو خبرين رويا عن رسول الله ﷺ عن راويين، أو راوٍ واحد.\nلما ذكرنا أن المعارضة بين النصوص إنما تثبت إذا كانا بحيث لو علم المتأخر منهما كان ناسخًا للأول، والنسخ يثبت بهذه الطرق على ما نذكر.\nفأما المخلص منها فأول ما يطلب من جهة الحكم لأن التعارض إنما يكون بتدافع الحكمين فلا بد أن يكون المدفوع بالآخر ما كان ثابتًا بالأول لتتصور المعارضة، فإذا أمكنك بيان أن الذي تصور مدفوعًا ظاهرًا غير ثابت بالنص بل هو غيره بطلت المعارضة كما في قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمن﴾ فإنه عندنا عبارة عن عقد اللسان دون القلب وقوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ لا يدفع هذا وإن نص على القلب لأن حكم العقد مؤاخذة معجلة في الدنيا، وحكم كسب القلب مطلق المؤاخذة والمطلق ما يكون في الآخرة لأنها خلقت للجزاء الوفاق فأما الدنيا فقد يؤاخذ فيها وقد لا، لأنها خلقت للابتلاء لا للجزاء فيكون الكسب بالقلب علة لحكم لم يتعرض له عقد اللسان فلا يجوز حمل أحدهما على الآخر لما بطل التدافع.\nفإن لم يوجد ذلك يتخلص بالحال نحو قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ بالتخفيف ويطهرن بالتشديد والأطهار: الاغتسال، والطهر انقطاع دم الحيض في اللغة، والتحديد بكل واحد غير ممكن فيتخلص عنه بالحال فتحمل الآية المخففة على أكثر أيام الحيض، والمشددة على ما دون أيامها فيبطل التعارض باختلاف الحالين، وصيرورة هذا في حالة غير الأولى فإن لم يوجد ذلك وجب التخلص بالتاريخ إن عرف فيجعل آخرهما أولى لما ذكرنا أن المعارضة إنما تثبت إذا كان الآخر مما ينسخ الأول فإذا عرف الناسخ بطلت المعارضة.\nفإن لم يوجد ذلك وجب التخلص بتعيين الناسخ منهما بظاهره نحو أن تثبت إحدى الحجتين حكمًا، كان عرف ثبوته والأخرى رفعًا لذلك الحكم فالرافع يكون أولى ويجعل الذي يبقى ما كان إذا جهل التاريخ متقدمًا والآخر متأخرًا.","vol":"1","page":217},{"text":"لأنا لو لم نجعل هكذا نسخنا الأصل، ثم نسخنا الرافع بما أعاد حكم الأصل ولا يصار إلى النسخ ما أمكن نحو ما روي عن النبي ﷺ أنه أباح الضب، وروي أنه كرهه وروي أنه أباح الضبع وروي أنه نهى عنه، فكان التحريم أولى.\nولأن المحرم بالإجماع ناسخ والآخر احتمل أن يكون ناسخًا لو تأخر وأن لا يكون لو تقدم فلم يقابل المحتمل المحكم فإن لم يكن قامت المعارضة وإن كانت إحدى الحجتين نافية والأخرى مثبتة، ويحكى هذا القول عن عيسى بن أبان، وعن أبي الحسن الكرخي أن المثبت أولى.\nوقد ذكر محمد بن الحسن ﵀ في كتاب \"الاستحسان\" في ماءٍ أخبره مخبره بنجاسته والآخر بطهارته، ولم يترجح قول أحدهما على الآخر في رأي السامع. فقال: إنهما يتساقطان، ويبقى الماء على ما كان قبل الخبرين والنجاسة إثبات حكم جديد.\nوعن ابن عمر وابن عباس أنهما سألا عن الفجر فاختلف رجلان فقال أحدهما: طلع، وقال الآخر: لم يطلع فشرب الماء.\nوفرع محمد بن الحسن في كتاب \"الاستحسان\" إذا كان المخبر بأحد الخبرين اثنين عدلين، ومن الجانب الآخر واحد، قال: خبر الاثنين أولى وإن كان من جانب عبدين، ومن جانب حرين فالحران أولى فرجح بمعاني في الحجة لا بالحكم، وهذا لأن الخبر حجة في النفي كما في الإثبات بخلاف الشهادات.\nفإن قيل: خبر المثبت أصدق!\nقلنا: لا كذلك فإن طهارة الماء تعرف يقينًا كنجاسته باغتراف الماء من وادٍ جارٍ في آنية طاهرة وحفظها كذلك عن النجاسات.\nومثال ذلك ما روي أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حرام، وروي أنه تزوجها وهو حلال، ولا يرجح الحلال بكونه طارئًا فإنهم أجمعوا أن النبي ﷺ ما تزوجها قبل الإحرام وإنما تزوجها بعد الإحرام.\nواختلفوا في أنه تزوجها قبل أن يحل أو بعدما حل.\nوالذي يروي الحل روى أمرًا طارئًا ولم نره ترجيحًا وقد اجتمعا في حادثة واحدة، بل رجحنا الحرام لأن رواية عبد الله بن عباس ﵄ وهو أثبت من يزيد بن الأصم راوي الحلال.\nوروي أن بريرة أعتقت وزوجها عبد، وروي: وزوجها حر، وزوج بريرة كان عبدًا ثم أعتق فكانت الحرية طارئة وأخذ بها علماؤنا ﵏ فثبت أنهم طلبوا الترجيح من وجوه أخر لا بالطريان واستصحاب الحال.","vol":"1","page":218},{"text":"وكذلك روي أن النبي ﷺ رد زينب على أبي العاص بالنكاح الأول وروي بنكاح جديد ورجحوا هذا الخبر فلما اختلف عمل علمائنا في هذا الباب علم أنهم رجحوا بوجه آخر غير الإثبات.\nوالوجه الصحيح في ذلك أنا نستفسر النافي للحادث فإن أخبر عن سبب علمه بالنفي على وجهه صار هو والمثبت سواء.\nوإن قال: لم أعلم بما يزيله كان المثبت أولى، لأنه إذا أخبر عن دليل النفي ساوى المثبت في العلم بما أخبر على ما بيناه في مسألة طهارة الماء ونجاسته فإذا لم يخبر عن دليله، ولكن قال لم أعلم بما يزيله فقد أخبر أنه بقي على ما كان يجهله عما يزيله لا بعمله حجة تنفي الثبوت للحال، فلم يصر خبره عن جهل حجة في مقابلة الخبر عن علم، وإنما لا يكون هذا حجة بعذره في التمسك بما كان علم على ما نشرحه في باب استصحاب الحال، ولأن السامع يساويه في ضرب هذا العلم لأن علم بثبوت الأول ولم يعلم بزواله مثل الذي أخبره به.\nفلو كان هذا الخبر حجة دافعة لخبر المثبت لصار علمه بنفسه دافعًا، وكانت الأخبار أكثرها تبطل بهذا الطريق لأن أكثر الشرائع مما تبدلت، والتي كانت ثبتت يقينًا قبل التبدل فكان ثبوتها من قبل يعارض ما يرفعها فلا يثبت الرفع، وإلى هذا التفسير أشار محمد بن الحسن ﵀.\nوعلى هذا رجح علماؤنا خبر حرية زوج بريرة ونكاح جديد لزينب لأن الذي نفى الحالة الأولى لم يبلغنا منه ما نعلم به سبب شهادته بالحالة الأولى، فقبل التفسير الشهادة بالحادث أولى وبلغهم في خبر نكاح ميمونة بسبب شهادة عبد الله بن عباس ﵄ فإنه نقل القصة على وجهها فتساويا في حق المشهود به، ثم ترجح عبد الله لإتقانه.\nومن أهل النظر من تخلص عن المعارضة بزيادة عدد الراوي وقال: إن خبر الاثنين أولى من خبر الواحد كما قاله محمد بن الحسن ﵀ في باب طهارة الماء ونجاسته لأن في الصحابة من لم يقبل خبر الواحد حتى شهد معه آخر، ولأن القلب أميل إلى خبر الاثنين.\nوتخلص أيضًا بحرية الراوي لأن الحرية تجعل خبره حجة في باب الشهادات فيوجب ترجيحًا كزيادة العدد وكما رجح محمد بن الحسن في باب خبر نجاسة الماء وطهارته.\nقال القاضي ﵁: والذي ثبت عندي من مذاهب علمائنا أنه لا مخلص بهذا لأن خبر الواحد لما ثبت حجة لم يترجح بزيادة العدد من جنسه كما لا تترجح الشهادة بزيادة الشهود، وإن كان القلب إلى شهادة العشرة أميل وكما لا يترجح بالأربعة،","vol":"1","page":219},{"text":"وهي حجة في باب الزنا دون الاثنين فعلم أن الرجحان لا يطلب لباب بباب آخر، ولا بميل القلب، بل بمعاني في الحجة ألا ترى أن خبر المرأة والرجل سواء، والقلب إلى شهادة الرجل أميل.\nوشهادة النساء ليس بحجة في بعض الأبواب بخلاف المشهور لأنا لم نرجح بزيادة العدد بل بدخول الخبر في حد العيان، وصيرورته بابًا آخر حكمًا على ما مر، ولأن المناظرات من لدن الصحابة إلى يومنا هذا جرت بأخبار الآحاد ولم يرو في شيء منها اشتغالهم بالترجيح بزيادة عدد، ولو كان صحيحًا لقالوا، ولو قالوا لنقل كما نقل في ابتداء قبول أخبار الآحاد، والله أعلم.","vol":"1","page":220},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>القول في البيان</span>\nالبيان في اللغة: عبارة عن الظهور، يقال: بان لي معنى هذا الكلام أي: ظهر بيانًا، وبانت المرأة عن زوجها بينونة أي: حرمت، وبان الحبيب بينًا أي: بعد وكلها ترجع إلى معنى واحد وهو: الامتياز، ولكن على أنحاء مختلفة ففرق بين أنواعها بالمصادر.\nوأكثر ما يستعمل البيان في باب اللسان، وأنه على أربعة أوجه:\nبيان تقرير، وبيان تفسير، وبيان تغيير، وبيان تبديل.\nفأما بيان التقرير: فنحو قول الله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ فقوله تعالى كلهم قرر معنى العموم من الملائكة حتى صار لا يحتمل الخصوص.\nوأما بيان التفسير: فنحو بيان المجمل والمشترك والمشكل وما لا يمكن العمل به إلا بدليل، فذلك الدليل بيان تفسير فإنه عبارة عن الكشف، وبه انكشف المعنى لأنه كان معقولًا فتقرر به.\nوأما بيان التغيير: فنحو الاستثناء ﴿فلبث فيهم ألف سنه إلا خمسين عاما﴾ لأن قوله إلا خمسين ليس بتفسير للألف بل رد لبعضه فمن حيث قرر البقية كان بيانًا ومن حيث رفع بعضه كان تغييرًا.\nوأما بيان التدليل: فكالتعليق بشرط نحو قوله الله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ لأن لا جناح لإزالة الحرج للحال، ولما علق بشرط، تبدل أصله فلم يوجب إزالة حتى يوجد شرطه.\nفبيان التقرير والتفسير: بيان محض ما فيه تغيير، ولا تبديل بوجه فيصبح مقارنًا وطارئًا.\nفإن قيل: كيف صح تأخير بيان المجمل، ولا يمكن العمل به قبل البيان فيكون تكليف ما ليس في الوسع؟\nقلنا: قبل البيان لا يلزمنا العمل بل يلزمنا أن نعتقد أن الله تعالى أراد به حقًا فيكون ابتلاء بمجرد الاعتقاد، وأنه صحيح فإنه أعظم من الابتلاء بالفعل ألا ترى أن من النصوص ما هو متشابه أيسنا عن بيانه، وقد صح وروده لإيجاب اعتقاد الحقيقة في الجملة، قال علماؤنا فيمن اقر أن لفلان عليه شيئًا: إن البيان متصلًا منفصلًا لأنه تكلم بكلام مجمل.","vol":"1","page":221},{"text":"وإذا قال: لفلان علي ألف درهم، وفي البلد نقدي مختلف كان البيان إليه متصلًا ومنفصلًا لأن الاسم يحتمل ضروب دراهم.\nوإذا قال لامرأته: أنت بائن فالبيان إليه متصلًا ومنفصلًا لأنه يحتمل ضروب بينونات.\nوإذا قال: أنت طالق، وقال: عنيت الطلاق للنكاح كان صحيحًا لأنه تقرير فعلمت أن هذين النوعين يصحان بوصل وفصل.\nوأما بيان التغيير والتبديل: فيصح موصولًا، ولا يصح مفصولًا لأنه يتمحض نسخًا للكل أو للبعض مفصولًا والنسخ رفع وليس ببيان على ما نذكر، ولأن حكم الكتاب كان ثابت قبل النسخ فلو كان بيانًا لتأكد ثبوته وما انقطع، وإنما قلنا: أنه يتمحض نسخًا مع الفصل لأن الألف اسم علم لعدد معلومات على سبيل القطع لا احتمال فيه لما دونه، فلا يصير تسعمائة إلا برفع مثة منها وكان نسخًا لبعضها فكان تغييرًا، وإذا قلت: أنه حر، كان إعتاقًا لا يحتمل غيره بوجه، فيكون تعليقه بشرط رفعًا بعد ثبوته لا محالة كالقنديل يوضع ثم يعلق، وكإرسال التوكيل للحال ثم العزل إلى ما بعد شهر فيكون التعليق تبديلًا من الأصل.\nولا يكون بيانًا بوجه إلا أن يكون موصولًا بالكلام الأول لأن الكلام كما لا يتم مفهمًا للغرض منه إلا بنظم الحروف وتأليفه فكذلك الكلمة بنفسها لا تفهم المراد إلا بنظم كلمات أخر إليها، وإذا كان كذلك لم يجز الحكم بأول الكلمة حتى ينقطع النظم بالسكوت أو الانتقال إلى ضرب آخر من الكلام والاستثناء ليس بانتقال، لأنه دون المستثنى منه لا يكون كلامًا مفهمًا، وإذا لم يكن انتقالًا اعتبر جملة واحدة، وإذا اعتبر جملة والاستثناء لو طرأ كان رفعًا للبعض فإذا قارن منع الثبوت بقدره، وكان تكلمًا بما بقي بعده على ما قررنا في مسائل الاستثناء.\nوكذلك التعليق بالشرط لو طرأ بعد الثبوت وصح اقتضى انعدام ذلك المرسل قبل الشرط لأن الشيء الواحد لا يوجد ابتداؤه في زمانين، وكما في المحسوس إذا أرسل القنديل استقر بالأرض، وإذا علق انعدم في مقره وإذا قارن التعليق الإرسال منع الوجود بالمقر أيضًا فكانا متصلين بيانًا يمنع اللفظ أن يعمل عمله على حسابه لولا المانع.\nفمن حيث ما فيه من المنع لم يكن بيانًا.\nومن حيث لا رفع بعد الثبوت لم يكن نسخًا.\nومن حيث غير الكلام من جهة إلى جهة أخرى بالنظم كان بيانًا لما صار إليه فسميناه بيان تغيير وتبديل لاجتماع المعنيين فيه، وهذا مما لا خلاف فيه.\nفإن من قال: لفلان علي ألف درهم إلا مئة، كان بيانًا ولا يلزمه المئة.","vol":"1","page":222},{"text":"ولو سكت ثم قال: إلا مئة كان رجوعًا ويلزمه الألف كلها.\nوكذلك إذا قال: لفلان علي ألف درهم وديعة صدق فيما بين إذا وصل، ولا يصدق إذا فصل لأنه بيان تغيير، فإنه غير حكم الالتزام عن الدراهم إلى الحفظ ألا ترى لو سكت على ألف درهم كان المضمون عين الألف لا الحفظ فالصرف إلى الحفظ تغيير، ولكن فيه معنى البيان على معنى التغيير كأنه يقول: لفلان علي ألف درهم، فكان بيانًا من حيث النقل إلى مجازه، وإذا قال: لفلان علي ألف درهم من ثمن جارية باعنيها إلا أني لم أقبضها.\nقال أبو يوسف ومحمد: إن صدقه المقر له في الجهة صدق المقر، وصل أم فصل لأن السبب لما ثبت بالتصادق صار القبض محتملًا لا موجب للإقرار فيه فيكون قوله قبضتها أو لم أقبضها بيانًا محضًا.\nوإذا كذبه المقر له في الجهة صدق إذا وصل ولا يصدق إذا فصل لأن قوله: لفلان علي ألف درهم إقرار بمال صحيح لو سكت عليه من ثمن جارية باعنيها إلا أني لم أقبضها بيانًا فيه معني الإبطال، لأنه متى ثبت هذا لم يبق للمقر له قبله مطالبة إلا بتسليم الجارية، ولا جارية هناك، ولكن في الجملة يجوز أن يكون الوجوب بهذا السبب فكان بيانًا فيه معنى الإبطال فأشبه الاستثناء.\nوقال أبو حنيفة ﵁: لا يصح إن وصل لأنه رجوع عن القبض بعد الإقرار به، وما فيه معنى البيان من وجه لأن البيع يوجب مطالبة المشتري بالثمن حالًا قبل تسليم الجارية لا براءة له عنها إلا بعارض فلا يكون دعوى العارض بيانًا بل البيان بما يكون مقارنًا للعلة على سبيل المنع.\nفأما إذا لم يصدق في دعوى العارض المسقط للمطالبة، ولا مطالبة والجارية غائبة إلا بعد القبض صار إقرارًا بالقبض ثم رجوعًا.\nوإنما الاختلاف بيننا وبين الشافعي في بيان الخصوص.\nقال علماؤنا ﵏: هو من قبيل بيان المحتمل فيصح مقارن وطارئًا.\nقال أصحابنا فيمن قال: أوصيت لفلان بهذا الخاتم، ولآخر بفصه بكلام متصل: أن الفص كله لصاحب الفص والتخصيص يصير بيانًا كالاستثناء.\nولو فصل فقال: أوصيت لآخر بفصه، كان الفص بين الأول والثاني ولا يصير بيانًا مع الفصل كالاستثناء.\nوإن كان خاصًا فعلم أنهم لم يروا التخصيص بيانًا إلا مقارنًا ولا كلام في المسألة","vol":"1","page":223},{"text":"من حيث المعنى ابتداء بل يبتنى على ما مضى من حكم العموم، فإن حكمه عندنا عموم على سبيل القطع بلا احتمال خصوص كالألف اسم لكل ذلك العدد على سبيل القطع بلا احتمال خصوص لغيره فيكون التخصيص رفعًا للحكم عن بعضه بعد ثبوته كما في الألف مع الاستثناء فيكون بيان تغير.\nوالمذهب عنده أن العام ظاهره التعميم مع احتمال الخصوص.\nوإذا كان ثبوته على هذا الاحتمال كان التخصيص بيانًا لما كان يحتمله ولم يكن رفعًا، وكان من قبيل بيان المحتمل وقبيل العام الذي ثبت خصوصه.\nفإن القول بعمومه واجب بعد الخصوص على اعتقاد احتمال الخصوص وجواز الخطأ فيما قال به من العموم، وكآية إحلال البيع فإنها عامة يقال بعمومها وأبواب الربا بيان أنها لم تدخل تحته وكان رسول الله ﷺ يبين الأبواب واحدًا بعد واحد.\nوكما يجب العمل بالقياس على احتمال أنه خطأ وأنه يجوز أن يتبين بالخبر فساد قوله، فثبت أن البيان مما يجوز وروده مقارنًا ومتراخيًا بلا خلاف.\nوإنما الاختلاف فيما ليس ببيان محض إذا كان مقارنًا، ولكنه تبديل فيكون الاختلاف بعد هذا في تمييز البيان عن التبديل لا في جواز تأخير البيان.\nواحتج الخصم بنصوص منها قوله تعالى: ﴿فإذا قرأنه فاتبع قرءانه* ثم إن علينا بيانه﴾ ضمن البيان بعد إلزام اتباع الظاهر لأن كلمة ثم للتراخي.\nوقال: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ وكان المراد بها الأصنام دون عيسى والملائكة عليهم الصلاة والسلام، وإنما يتبين ذلك ببيان متراخ بقوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ فإنها نزلت بعدما عارض الكفرة منهم ابن الزبعرى رسول الله ﷺ بعيسى والملائكة صلوات الله عليهم.\nوقال الله تعالي: ﴿إنا مهلكوا أهل هذه القرية﴾ والمراد بها غير لوط وأهله. وتأخير البيان إلى أن سأل إبراهيم ﵈ أن فيها لوطًا ﴿قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله﴾.\nوكذلك قال الله تعالى لنوح: ﴿قلنا أحمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك﴾ والمراد غير ابنه، وتأخر البيان إلى أن سأل نوح ﴿إن أبنى من أهلى﴾ فقال الله تعالى: ﴿إنه ليس من أهلك﴾.\nوقال في خمس الغنائم: ﴿ولذى القربي﴾ والمراد بالقربى بنو هاشم وبنو المطلب دون غيرهم وتأخر البيان إلى أن سال عثمان وجبير بن مطعم، وأمر الله","vol":"1","page":224},{"text":"تعالى بني إسرائيل بذبح بقرة وتأخير بيان أوصافها إلى إن سألوا ولأن البيان مرة يكون بالقول ومرة يكون بالفعل كما قال ﷺ: (صلوا كما رأيتموني أصلي) والبيان بالفعل لا يكون إلا متراخيًا.\nوقال الشافعي: الله تعالى أثبت المواريث بين الناس ثم إن النبي ﷺ يبن أن لا ميراث بين أهل الكفر والإسلام، وأثبت الميراث بعد الوصية مطلقًا، ثم بين النبي ﷺ أن المراد به وصية من الثلث فما دونه.\nفأما الجواب عن الأول: فإنا نجوز البيان متراخيًا كما قال الله تعالى، ولكن نقول: ما فيه رفع أو تغيير لا يكون بيانًا إلا متصلًا وإذا جاء متراخيًا كان نسخًا، والنسخ لا يكون بيانًا ألا ترى أن من الآيات ما هي محكمات كآيات صفات الله تعالى لا تقبل النسخ، وهي قابلة للبيان والتقرير فثبت أنهما مختلفان وعلى ما نبينه بعد هذا في باب النسخ.\nوعن الثاني: أن عيسى والملائكة ﵈ لو يكونوا دخلوا تحت قوله: ﴿وما يعبدون﴾ بطريقين:\nأحدهما: أن الله تعالى خاطب قريشًا بذلك وهم كانوا عبدة أوثان.\nوالثاني: أن كلمة ما عام فيما لا يعقل ولا يدخل تحتها من يعقل إلا على سبيل المجاز، وكان الكفر متعينين بمعارضتهم متكلمين بلبس، وكان رسول الله ﷺ يسكت عن جوابهم إعراضًا عن اللغو كما قال الله تعالى: ﴿وإذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه﴾، ﴿وإذا مروا باللغو مروا كرامًا﴾ ثم إن الله تعالى تولى الجواب ببيان شاف يرد لبسهم فقال: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ فكان بيانًا زائدًا لا واجبًا كما قال الله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون* إلا إبليس﴾ وهو لم يكن منهم فكان الاستثناء بيانًا صورة، وهو استثناء مقطوع عن الأول معنى.\nوكذلك قوله: ﴿لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما* إلا قيلا سلاما سلاما﴾ فهذا بيان ما فيه تغيير للأول ولا تقرير بل زيادة حكم على سبيل الابتداء غير متصل بالأول حقيقة وإنما يتصل به صورة فكذا فيما نحن فيه.\nونظير ذلك محاجة إبراهيم نمرود اللعين حيث قال: ﴿ربي الذي يحي ويميت﴾ وكان\nيحاجه بإحياء حقيقي فقال اللعين: ﴿أنا أحى وأميت﴾ وإنما أراد إحياء مجازا بدفع سبب الهلاك عن حي فأعرض إبراهيم عن جوابه وجاء بما يزيل اللبس عن العامة فقال: ﴿فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتب ها من المغرب﴾","vol":"1","page":225},{"text":"ولم يكن هذا بيان الأول بوجه بل كان كلامًا مبتدأ جاء به لإزالة اللبس وأعرض عن الأول من غير إفحام.\nوأما قصة لوط: فكان البيان فيها مقرونًا بالنص: فإن الرسل ﵈ قالوا: ﴿إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين﴾ فأخبروا بالهلاك بسبب الظلم فكان لوط ﵇ وأهله لا يدخلون تحت هذا النص، إلا أن إبراهيم ﵇ اغتم للوط ﵇ وإن لم يدخل تحت النص فإن العذاب قد ينزل خاصًا بالظالمين، كما كان بأصحاب السبت.\nوقد ينزل عامًا كما قال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ ولما كان السؤال لإشكال ثبت له باحتمال الحال دون النص صح ورود البيان متراخيًا للحال دون النص، ويحتمل أنه سأل عن حال لوطًا ﵇ وإن علم بنص الملائكة على سبب الهلاك؛ أن لوطًا ﵇ غير داخل تحتهم ليزداد علمًا بنص خاص في لوط ليزداد به طمأنينة القلب كما سأل ريه فقال: ﴿رب أرنى كيف تحى الموتى﴾، وإن كان علم تلك القدرة، ولكن قال ليطمئن قلبه بزيادة البصيرة بالمعاينة على أن الملائكة كانوا نصوا على استثناء لوط إنا لمنجوهم أجمعين* إلا امرأته﴾ إلا أن الله تعالى لم يحك الاستثناء في بعض القصص اختصارًا أو اكتفاء بما دل عليه اللفظ.\nوأما قصة نوح فكان بيان الابن مقرونًا بالنص فإنه قال: ﴿وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم﴾ فكان استثنى من أهله من سبق عليه القول غير أن نوحًا ﵇ لم يتيقن بالاستثناء بلا نص على ابنه أنه ابنه وظن- والله اعلم- أنه استثنى من سبق عليه القول من الكفرة، فإن الاستثناء يحتمل ما ذهب إليه نوح بين الله تعالى لنوح فقال: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ بل هو ممن سبق عليه القول فكان تقريرًا لظاهر الاستثناء وصح متراخيًا.\nويحتمل أن نوحًا ﵇ لما دعاه بعدما نزل العذاب وقال له: ولا تكن مع الكفرين﴾ ظن إجابته بعدما غاب عنه بسبب تلك الأهوال فسأل ربه بناء على ظنه فقال الله تعالى: ﴿إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم﴾ وإنه لم يؤمن وإنه ليس من أهلك معنى، وكان اعتقاد نوح إنه من أهله على ظنه الإجابة لا عن نص الله تعالى على أهله، فإن الله تعالى كان استثنى من النص من سبق عليه القول وكان الجواب من الله تعالى بيانًا لما تخيل لديه لا للنص.","vol":"1","page":226},{"text":"وهذا كما استغفر إبراهيم لأبيه عن موعدة وعدها إياه حتى بين الله تعالى له أنه لم يؤمن فتبرأ منه.\nوأما قصة بقرة بني إسرائيل فذلك الوصف عندنا زيادة على الإطلاق ولم يكن له حكم النسخ على ما مر بيانه، والنسخ لا يكون إلا طارئًا.\nوهكذا روي عن ابن عباس: أنهم لو عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لكفاهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم. اللفظ كما هو.\nوأما آية (ذوي القربى) فلا عموم لها، لأن القربى تحتمل ضروب قرب، وضروب قرابات بنفسه وبأبيه وجده وجد جده إلى آدم ﵇ فلا يمكن تعميمها، وكل لفظ لا يمكن إثبات عمومه يجب التوقف فيه كقول الله تعالى: ﴿وما يستوى الأعمى والبصير﴾ فصح البيان متراخيًا فبين رسول الله ﷺ بما قال لهم أن المراد بها القربى بنصرتي لا بنفس النسب، أو المراد بها قربى عمومتي من بني هاشم دون غيرهم إلا أن بني المطلب التحقوا بهم بسبب النصرة.\nوأما البيان بالفعل متراخيًا فلا يصح بخلاف عموم وجب القول بظاهره، وإنما يجوز على الوجه الذي يجوز بالقول، وإنما لا ننكر تأخير البيان قولًا، وفعلًا على ما بينا وإنما ننكر أن يكون التخصيص الطارئ بيانًا للعموم بل نقول إنه بمنزلة النسخ إلا عمومًا ثبت خصوصه بدليل مقارن، فتكون زيادة التخصيص بعد ذلك بيانًا لما ثبت من التخصيص بالدليل المقارن من حيث إنه يجعله من قبيله، لا أن يكون بيانًا للعموم بحال فإن البيان حده ما ذكرنا من تفسير الكلام على محتمله وضعًا أو معنى أو تقريرًا لما ثبت منه بزيادة بيان فأما معنى لا يثبت منه إلا بدليل يصده عن وجهه إلى غيره، فلا يكون بيانًا إلا على سبيل المقارنة لأن الصاد متى اقترن به منع عمل مطلقه فأما إذا لم يقترن به عمل اللفظ عمله عند عدم المانع فيصير المانع بعده رافعًا لا محالة فلا يكون بيانًا، والله أعلم.\nوأما الجواب عن فصل الميراث والوصية: أن شرط الإسلام في باب الميراث من باب الزيادة على المطلق، وذلك من النسخ عندنا دون التخصيص، وقد ثبت بخبر اقترن به الإجماع أو بآية قطع الولاية بيننا وبينهم وقد احتمل أن آية قطع الولاية كانت قبل آية المواريث، وأما الوصية فتحتمل أن السنة في الثلث كانت قبل الآية فكان البيان مقارنًا، والله أعلم.","vol":"1","page":227},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>القول في النسخ تفسيرًا وجوازًا</span>\nأما التفسير: فالنسخ هو التبديل والإبطال ونحو ذلك، تقول العرب: نسخت الشمس الظل؛ إذا أبطلته، ونسخت الرياح الديار، إذا أبطلت أعلامها، ونسخت الرسوم؛ إذا بدلت.\nومنه مذهب التناسخ وهو: تبديل جسم بجسم آخر بالروح الأول.\nومنه انتساخ الكتاب وهو: نقله إلى كتاب آخر نقل مثله، وهو نقل مثل المكتوب الأول لا نقل الأول بعينه إلى الثاني لأنه لا يتصور فسمي النقل بحسب الإمكان انتساخًا مجازًا.\nومنه نسخ الشرائع بتبديلها بشريعة أخرى، وقد نطق القرآن بالنسخ ﴿ما ننسخ من اية أو ننسيها﴾، ونطق بالتبديل ﴿وإذا بدلنا أية مكان أية﴾.\nوأما الجواز: فقد قال به أهل الإسلام إلا قليلًا لا يعتد بهم قالوا: إنه لا يجوز.\nوقالت اليهود: النسخ باطل إلا أن منهم من أبى جوازه عقلًا، ومنهم من جوزه عقلًا وأبى شرعًا فصاروا فريقين، وكذلك المسلمون فريقان إلا أن من أنكر جوازه قوم لا يعتد.\nفأما الذين أبوه شرعًا سمعًا فقد احتجوا بأنهم وجدوا في التوراة (تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرضون) فثبت أنه دائم بالنص إلى يوم القيامة، وفي تجويز النسخ ارتفاعه فيكون بخلاف ما نص عليه وفيه تناقض، ولأنه لا خلاف أن وقت الثبوت متى نص عليه لم يجز النسخ فيه قالوا: ولأنه بلغنا بالتواتر عن موسى ﵇ أنه لا نسخ لشريعته كما تدعون أنتم ذلك في شريعتكم وتحتجون له بالتواتر.\nوأما الذين قالوا: لا يجوز عقلًا، فقالوا: إن الله لا يشرع شريعة إلا لحسنها ولا ينهى عن فعل إلا لقبحه، فلما دل الشرع على الحسن لم يجز النسخ والرفع إلا للقبح، ولا يتصور القبح إلا بتبين الغلط، ولا يجوز ذلك على الله تعالى، ولأن الأوامر المطلقة ثابتة أبدًا ألا ترى أنها تبقى ما لم يظهر نسخها موجبة كذلك كما كانت موجبة ابتداء فصارت بمنزلة ما لو نص على الأبد ولو نص على الأبد فقال: افعلوا كذا أبدًا، لم يجز نسخه فكذلك هذا.\nوأما الفريق من المسلمين فقوم لا يمكنهم الخروج عما ثبت في القرآن من النسخ","vol":"1","page":228},{"text":"نحو قوله: ﴿ما ننسخ من أية﴾ الآية وقوله: ﴿وإذا بدلنا أية مكان أية﴾ ونسخ بيت المقدس بالكعبة في باب القبلة، ونسخ حد الزنا من الإيذاء والحبس بالجلد، ولا وجه لقولهم مع الإقرار بشريعة محمد ﷺ وانتساخ سائر الشرائع بشريعته.\nوأما الحجة للمسلمين: فهو أن النسخ عندنا إنما يجوز لأحكام تحتمل أن لا تكون مشروعة ثابتة لولا الشرع، ويرد النسخ علي البقاء ثابتًا فيما يحتمل أن تثبت مؤقتة بالنص وسكت النص عن ذكر المدة على ما بيننا بعد هذا، لأن المدة لما لم تذكر واحتملت البيان.\nولما كان بيانًا لما غاب عنها من قدر المدة وهي معلومة عند الله تعالى من الابتداء لم يكن رجوعًا، ولا رفعًا لثابت تبين الغلط فيه، وكان إحياء الله تعالى شريعته بأمره يحتمل التوقت كإحياء الله تعالى إنسانًا أو تكوين العالم ثم كانت الإماتة والإفناء في الحق الله تعالى بيانًا لمدة البقاء ولم يكن فيه بد وغلط فيما أبرم وحكم فكذلك هذا لأن الله تعالى كما لا يأمر إلا لحكمة حسنة فكذلك لا يخلق إلا لحكمة حسنة.\nفإن قيل: لما لم يوجب شرع الأحكام بقاؤها كيف بقيت اليوم؟\nقلنا: إن البقاء بدليل آخر كما في كل العالم، وكما قيل في إحياء الشخص أنه لا يوجب البقاء بل هو بدليل آخر أو بعدم ما يعدمه، وأنه في الجملة في زمان الوحي بمنزلة حي يغيب ولا يدري حاله فإنه في نفسه على الحياة حتى يقوم دليل الممات لأنه في نفسه يحتمل البقاء والموت، والأصل هو الحياة فاستصحبنا تلك الحالة ولم نبدلها بالاحتمال فكذلك ما حسن من الأحكام بالنص احتملت البقاء كذلك حسنة، واحتملت التبدل والزوال، ولا تبدلها بالاحتمال.\nفإن قيل: فعلي هذا لا يكون نسخًا للأمر.\nقلنا: نعم ولا يجوز النسخ لأصله لأنه لا يجوز إلا بعد تبيين الغلط فيه، ولكنه نسخ للبقاء في حقنا ظاهرًا لأنه ما ارتفع في حقنا إلا بالناسخ فأما في حق الله تعالى فانتهاء كالقتل يجعل قطعًا للحياة في حق العباد وهو نهاية في علم الله تعالى، وموته بأجله المكتوب له فكان النسخ على الحقيقة بيانًا لمدة البقاء كالموت للحي غير أن قدر المدة لما غاب عنا.\nولولا الناسخ لزمنا الحكم بالأول أبدًا، وبالناسخ رفع الحكم فسمي نسخًا، ولا إشكال أن الأخت كانت حلًالا للأخ في شريعة آدم ﵇، وبذلك تناسلوا، وأنه حرام في شريعة موسي ﵇.","vol":"1","page":229},{"text":"وأما الجواب عن السمع فإنه ثبت عندنا بكتاب الله تعالى أنهم حرفوا ما في التوراة فلم يبق نقلهم اليوم حجة دل عليه أن حواء خلقت من آدم وحلت له، واليوم حرام على الأب ما خلق من الإناث، والله أعلم.","vol":"1","page":230},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>القول في أقسام النسخ في نفسه</span>\nأقسام النسخ نفسه في أربعة:\nنسخ الحكم مع تلاوة نظمه.\nونسخ الحكم كله أو بعضه دون تلاوة النص برسمه.\nونسخ تلاوة النص دون حكمه.\nونسخ بزيادة على النص برسمه.\nوهذا مذهبنا إذا كان الثابت بالنص سببًا للحكم أو حكمًا.\nوقال الشافعي: الزيادة على النص بيان، وليس بنسخ.\nوقال يعضهم: لا يكون النسخ للتلاوة دون الحكم، ولا للحكم بدون التلاوة، لأن النص متلو هو الموجب للحكم، فلا يجوز أن يبقى السبب الموجب بلا وجوب أصلًا لأن الأسباب لا تبقى بدون أحكامها مقصودة، وكذلك الحكم لا يبقى بنفسه بلا سببه.\nوأما نسخ التلاوة مع الحكم فنحو صحف إبراهيم التي أخبر بها الله تعالى، وما بقي منها أثر، وذلك بأحد طريقين إما بصرف الله تعالى القلوب عن حفظها ورفع ذكرها عن القلوب أو بموت العلماء بلا خلف، وهذا الضرب كان جائزًا على القرآن ما كان رسول الله ﷺ حيًا فأما بعد وفاته فممتنع لأنه لو جاز ذلك في البعض لجاز في الكل والله تعالى يقول: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ ولم يرد الله حفظه لديه فإنه مما لا يجوز أن يتصف الله بنسيان أو غفلة.\nفثبت أنه أراد حفظه لدينا فإنه مما يحتمل ضياعه بتبديل منا قصدًا كما فعل أهل الكتاب أو بنسيان.\nولأن الله تعالى ما أخلى عباده فيما ابتلاهم به من أداء أماناته عن الوحي، وما تركهم ومجرد العقول.\nولو احتمل ذهاب القرآن ولا وحي يتجدد بعد رسول الله ﷺ لخلو عن الوحي في مدة الابتلاء، ولم يوجد ذلك من الله تعالى فيما مضى قبلنا، وغير جائز ذلك مع قيام الابتلاء بهذه الحدود من العبادات، لأنا لاننالها بمجرد العقول، ولا انتساخ لهذه الشريعة فعلم ضرورة بقاء الوحي كما أنزل معنا إلى وقت ارتفاع الخطاب بالابتلاء بآيات القيامة","vol":"1","page":231},{"text":"التي ﴿لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرًا﴾.\nوالدليل على الجواز نسخ التلاوة دون الحكم، أو الحكم دون التلاوة أن حد الزنا كان هو الحبس والإيذاء باللسان بنص الكتاب ثم نسخا بالجلد والرجم، والتلاوة باقية غير منسوخة، وهذا لأن للتلاوة أحكامًا أخر غير ما يثبت به من حكم عرف لغة نحو تعلق جواز الصلاة بها وثبوت الإعجاز على أن بقاء الحكم لو لم ينسخ ما كان يضاف إلى النص فإن الأمر بفعل مطلق لا يوجب إلا ثبوت ذلك الفعل المأمور به.\nوأما بقاؤه كذلك ثابتًا فلا يضاف إليه على ما بينا في الباب الأول، بل ما ثبت يبقى كذلك بلا دليل حتى يقوم دليل الزوال.\nوإذا لم يضف إليه لم يتبدل حكم النص في نفسه بانتساخ الحكم كالبيع يوجب الملك لا دوامه فإن فسخ المشتري ملكه ببيع أو إعتاق لم يتدل به حكم البيع الأول فيما أوجب له من الملك، وإنما يتبدل ما لم يجب به، وإنما يحتج بالآيات للأحكام لبيان ثبوتها بها ابتداء لا لبقائها فينا اليوم.\nوأما نسخ التلاوة دون الحكم فجائز لما ذكرنا أن التلاوة حكم زائد غير العمل بموجب النص، وذلك لن الأحكام مرة تثبت بوحي متلو كالقرآن، ومرة بوحي غير متلو مما أوحى الله إلى النبي ﷺ لا قرآنًا، فكان وجوب التلاوة للقرآن حكمًا زائدًا مخصوصًا به للتشريف والإظهار من حيث أنه معجز تم البقاء كما ثبت بحكم لا دليل على زواله، فإذا قامت الدلالة زالت وتبين بها مدة البقاء محتملة للثبوت، ولضده. وكذلك التلاوة كانت سببًا لجواز الصلاة فيبقى كذلك سببًا حتى يقوم دليل الزوال.\nقال علماؤنا: إن صيام كفارة اليمين متتابعة لأن في قراءة عبد الله بن مسعود ﵁ ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعين﴾ فمتتابعات نسخت تلاوتها وبقي حكمها وهذا صحيح. لأن التلاوة متى نسخت بقيت وحيًا غير متلو. فالحكم مما يجب به وقد مر أن نفس التلاوة حكم مقصود، يجوز ثبوتها بنفسها، وانتساخها كذلك.\nفإن قيل: وبم يعرف الانتساخ للتلاوة فيما ذكرت؟\nقلنا: لأن عبد الله كان يرويها وهو عدل، فلا يبقى لتصديقه وجه سوى أنها كانت ثابتة، غير أن الله تعالى لما نسخها دون حكمها، رفع ذكرها عن القلوب إلا عن قلب عبد الله، ليبقى الحكم بقراءته. ولا تثبت التلاوة بروايته.\nوأما الزيادة على النص فقال الخصم: إنها بيان لآن النسخ تبديل على ما مر، وفي الزيادة تقرير لما كان ثابتًا، وضم آخر إليه. نحو آية الزنا أثبتت الجلد مئة والسنة أثبتت النفي معه حدًا، وآية كفارة اليمين رقبة مطلقًا، والآية المقيدة أثبتت زيادة الإيمان عليه.","vol":"1","page":232},{"text":"ولأن بني إسرائيل أمروا بذبح بقرة فاستوصفوا فوصفت لهم بما لم تكن ثابتة بمطلق البقرة وكان بيانًا.\nولأن زيادة القيد على المطلق تجري مجرى التخصيص من العموم لأن الرقبة متى قيدت بالإيمان صارت الكافرة مخصوصة من بين الجملة.\nولعلمائنا ﵏ أن الذي ذكرتم صورة، وأن الزيادة نسخ معنى لأن الآية جعلت الجلد مئة حد الزنا، ومتى كان الجلد حدًا مع النفي لم يكن المذكور في الكتاب حدًا بنفسه لأن حقوق الله تعالى من عبادة أو عقوبة أو كفارة لا يتجزأ ثبوتها ولا أداؤها، ومتى عدم شيء منها لم يكن للباقي حكم الجواز بحال، كالركعة من الفجر، والركعتين من الظهر، إذا فصلت عما بقيت لم يكن ظهرًا ولا بعضها. وكذلك صوم نصف يوم، وكذلك من صيام شهرًا عن كفارة القتل ثم مرض، فأراد أن يتمه بالإطعام لم يجز، لأن المشروع كفارة صوم شهرين، فلا يكون لأحد الشهرين قبل الإتمام بما بقي حكم الأداء.\nوكذلك قال علماؤنا: إن الشهادة في حد القذف تبطل بناء على إقامة الجلد، ولو جلد إلا سوطًا لم تبطل الشهادة، وكانت في أنها لا تتجزأ ثبوتًا بمنزلة العلل.\nوالعلة متى عدم بعض منها لم يكن للموجود منها حكم الوجود بحال. وإذا لم يكن الباقي دون الزيادة حدًا كان نسخًا.\nوكذلك كفارة اليمين متى جعلت رقبة مؤمنة، لم تبق المطلقة عن هذا الوصف كفارة بوجه.\nوكذلك ركن القراءة في الصلاة، متى كانت فاتحة الكتاب لم تبق قراءة القرآن مطلقًا على ما قال الله تعالى ركنًا.\nوكذلك حكم كل علة لا يتجزأ ثبوته فثبوت بعضه دون بعضه لا يكون، إلا بعلة أخرى وإن كان حكمها بعض حكم تلك العلة.\nوكذلك بقرة بني إسرائيل فقد ذكرنا فيما مضى أن الوصف لم يكن بيانًا بل كان نسخًا بزيادة.\nوأما التخصيص عندنا فيكون بيانًا إذا جاء مقرونًا بالنص، وأما طارئًا فلا يكون بيانًا ولا تخصيصًا، على أن الزيادة ليست بتخصيص.\nفإن حكم العموم إذا خص منه بقى الحكم فيما لا يخص بالنص العام بعينه لا بشيء آخر فلم يكن نسخًا، لما بقي من الحكم بقدر ما بقى على ما كان. ومتى زيدت لم يبق للنص الأول حكم.\nفإن نص الزنا جعل الجلد حدًا ولا يبقى حدًا بنفسه بعد ثبوت النفي حدًا معه.\nوآية الكفارة جعلت الرقبة بدون صفة الإيمان كفارة، ولا تبقى بعد قيد الإيمان","vol":"1","page":233},{"text":"كفارة، لأن الكافرة تخرج من الجملة والمؤمنة تجوز، لا لأنها رقبة على ما قال الله تعالى، بل للوصف الزائد الذي ليس في الكتاب، وبدونه لا يكون ما يبقى كفارة ولا بعضها، فالزيادة نسخ معنى، وبيان الصورة. ولأن البيان اسم لما يحتمله اللفظ، ولما ينتظم عليه الاسم والرقبة لا تنتظم على الأوصاف.\nوالجلد مئة لا يحتمل النفي فلا يكون إثبات هذه الزيادة بيانًا بل رفعًا لذلك، الحكم عن القدر المذكور، وتعليقًا بالزائد كالتحرير المرسل إذا علق بالشرط تبدل الإرسال ويصير شيئًا آخر معنى، بل يسقط حكم العلة أصلًا إلى أن يوجد الوصف الآخر، فيصير جملته علة فكأن الخصم اعتبره بحقوق العباد، فإن الزيادة من جنسها لا توجب تغيير ما كان، لأنها تتجرأ ثبوتًا وأداء، فيصير بين الزيادة والأصل مجاورة، وبالجوار لا يصير الجار شيئًا آخر.\nوأما في أحكام الشرع وأسبابها فيصير ما كان مع الزيادة شيئًا واحدًا، إما علة واحدة أو حكمًا واحدًا، وإذا كان يصير شيئًا واحدًا والاسم تعلق بما زيد ذهب ما دونها، ولهذا قال أبو حنيفة، وأبو يوسف: إن الطلاء إذا اشتد لم يحرق قليله، وإن حرم كثيره بصفة الإسكار، لأن القليل غير مسكر وماله حكم السكر بوجه، لأن السكر حكم والشراب بقدر معلوم علته، فلا يكون لبعضه حكم العلة.\nقال علماؤنا: فيمن وجد ماء لا يكفيه لوضوئه لم يلزمه استعماله ويباح له التيمم، لأن الماء لما لم يجب استعمال لنفسه بل لحكم وهو إباحة الصلاة، والإباحة حكم علق بماء يكفي الأعضاء كلها، فلا يكون لبعضه حكم ذلك القدر بحال، وكان كالنجاسة إذا كثرت منعت الصلاة، فلا يكون لما دون المقدار حكم تلك النجاسة بوجه.\nوالأربع من النساء علة لتحريم النكاح عليهن، ولا يكون للواحدة من الأربع حظ في التحريم، وشطر البيع علة لإيجاب الملك، فلا يكون لأحد شطريه أثر في الإيجاب.\nولهذا أبى علماؤنا رحمهم الله تعالى إثبات الفاتحة ركنًا في الصلاة بخبر الواحد لأنه نسخ.\nوزيادة النفي حدًا في الزنا بخبر الواحد.\nوزيادة الطهارة شرطًا أصليًا في الطواف يخبر الواحد.\nوزيادة صفة الإيمان على الرقبة للكفارة بخبر الواحد، أو القياس.\nوقد قالوا: أن شاهدين لو شهد أحدهما لرجل ببيع عبد له بألف، والآخر بألف وخمسمائة بطلت الشهادة. وكانا غيرين، لأن الشراء جعل سببًا للوجوب بالثمن والمثمن فكان شرطين لصيرورته بيعًا، فيكون زيادة القدر في الثمن بمنزلة زيادة شرط والمعلق بشرطين غير المعلق بشرط والله أعلم.","vol":"1","page":234},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>القول في البيان ما يحتمل النسخ من الأحكام وما لا يحتمل</span>\nوقد ذكرنا أن النسخ بيان لمدة بقاء المشروع مشروعًا، فلا بد أن يكون المشروع مما يحتمل الثبوت مؤقتا بالنص حتى يقبل النسخ.\nفإما ما لا يحتمل التوقيت بالنص فلا يقبل النسخ. كوجوب الإيمان بالله تعالى، وبصفاته، وبكتبه وبرسله، لأن الله تعالى بصفاته كان لم يزل ويكون لا يزال ومن صفاته أنه مطاع، وأنه صادق.\nوإنما يجوز فيما لو قال الله شرعت هذا إلى وقت كذا لصح ولم يبق بعده، وهو شرع الفروع التي لم تكن، ثم شرعت وما كانت تكون ثابتة لولا الشرع، لأنها لم احتملت أن لم تكن حقًا لله تعالى احتملت أن لا تبقى ثم هذه الأحكام في ثبوتها في حق الوقت أقسام أربعة:\n١ - إما أن تكون ثابتة أبدًا بدلالة موجبة اقترنت به، كشريعة محمد ﷺ بعده ثابتة أبدًا لأنه لا نسخ إلا بخبر عن الله تعالى. وثبت بالنص أنه خاتم الأنبياء فعرف دوامه بدلالة أن لا نبي بعده، وكانت كالمخلوق الذي نص على بقائه أبدًا كالدار الآخرة وقد شرع الله تعالى علينا أن نعتقده كذلك.\n٢ - وإما أن تكون ثابتة أبدًا بالنص كقوله تعالى: ﴿وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة﴾.\n٣ - أو تكون ثابتة إلى وقت معلوم بالنص كقول القائل: حرمت كذا سنة، أو أحللت سنة، أو جعلت لك كذا أو كذا عملًا تعمله عشر سنين، ومالها مثال من المنصوصات شرعًا.\n٤ - أو كان مطلقًا عن ذكر الوقت من حكم وسبب لحكم كالوقت لوجوب الصلاة والصيام، والزنا لوجوب الحد، واليمين لوجوب الكفارة.\nوالنسخ لا يرد إلا على القسم الرابع:\nأما الذي نص الله عليه وقته أبدًا، أو شهرًا، أو يومًا، فلأن الله تعالى أخبر أنه مشروع في ذلك الوقت كله فلا يجوز أن يصير غير مشروع إلا بغلط، فيما أخبر أو فيما قدر حتى رجع عنه وكلاهما لا يجوز على الله تعالى.","vol":"1","page":235},{"text":"وأما المطلق عن الوقت فلأن المشروع بالشرع هي الأسباب. والأحكام وجبت بناء عليها لما ذكرنا في أول الكتاب في باب بيان أسباب الشرائع، فكان حكم الجعل الذي هو شرع أن تصير تلك الأسباب أسبابًا موجبة.\nولا يجوز أن يرد النسخ على أنها لم تكن أسبابًا، وإنما يرد على البقاء سببًا. لأن البقاء كذلك سببًا لم يثبت بنص على البقاء والنص الجاعل سببًا لا يوجب البقاء كالأمر الذي أوجب كون العالم ما أوجب البقاء.\nوكالإحياء الذي أوجب حياة الأرض بالنبات، وحياتنا بالقدرة على الأفعال الاختيارية لم يوجب البقاء.\nوكالبيع الذي يوجب الملك لا يوجب البقاء.\nولما لم يجب البقاء بما شرعها أسبابًا لم يكن رفع البقاء تعرضًا لما وجب بالأول بل كان بياتًا لمدة البقاء التي كانت محتملة للتوقت والتأبد كإماتة الأحياء.\nوإفناء العالم يوم القيامة يكون بيانًا لمدة البقاء الثابتة بحكم الله تعالى لما خلقها لعباده، فثبت أن النسخ بيان لمدة البقاء التي كانت مجهولة في حقنا ولم تكن ثابتة بالنص.\nثم الحكم بعده يرتفع لزوال سببه كما لا يبقى صوم بمجيء الليل لانتهاء الصوم بالليل.\nوكذلك جعل الموت سببًا لحرمة ما يؤكل ثم حرمت الميتة بوجود سببه ثم بقاء الموت سببًا لذلك ليس بالنص بل لعدم ما يزيله كبقاء الملك في المبيع بعد الشراء.\nوكبقاء الدين واجبًا على العبد بعد سبب الإيجاب عليه.\nوهذا لأن الله تعالى ابتلانا بما شرع لصلاح لنا فيه إما عاجلًا وإما آجلًا، أو لحكمة علم الله تعالى فيها.\nثم تلك الحكمة والصلاح مما يختلف باختلاف الأزمنة والقرون فحسن التبديل فيما احتمل التبدل والتوقت بتبدل الحال كالطبيب يأمر المريض بغذاء أو دواء ثم يأمره بغيره بعد حين إذا تبدل حاله بلا غلط ولا مناقضة.\nوعلى هذا يجب أن يقال: أن الله تعالى إذا أمر بأمر وجعل المأمور به حسنًا منا فعله غير معلق بشرط أن لا يرد عليه نسخ بعينه بحال، لأنه بعينه متى صار حسنًا بالنص لم يجز أن يكون قبيحًا، وهو شيء واحد إلا بغلط من المخبر، وفي النسخ إثبات قبح.\nفإن قيل: إن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده ثم نسخه، وكان ذبحًا واحدًا ما كان يبقى بعد الامتثال به فثبت أن النسخ فيه جائز والدليل على أنه نسخ أن الذبح بعد الفداء حرم في الولد.","vol":"1","page":236},{"text":"قلنا: الذبيح جعل محلًا للذبح لحكمة أن يصير الذبح قربانًا لله تعالى، والأب متقربًا به بذبحه فصار كذلك ثم حسن ذبحه بأن صار محلًا كما يحسن التضحية بالشاة اليوم، ثم النسخ ورد على بقائه محلًا على صيرورته محلًا فكان من قبيل ما ذكرنا، ولما انتسخ المحل لم يبق الذبح حسنًا في غير محله لأنه لم يحسن ابتداء إلا بمحله فلا يبقى إلا معه.\nفإن قيل: فما الحكمة في جعله محلًا للذبح سوى إقامة القربة بالذبح فيصير النسخ قبل الإقامة عبثًا بالخلو عن الفائدة.\nقلنا: إنه لا يجوز النسخ عندنا إلا بعد التمكن من الفعل فإن اشتعل العبد بالإقامة، وعجز لمانع حتى نسخ أثبت على جهاده وإسلامه للطاعة بقدر الوسع وإن أعرض مع التمكن حتى ذهبت مدة بقائه صار آثمًا، وصار بعد النسخ وبعدما ثبت مدة بقائه كما لو وقت الله تعالى في النص.\nوقال: أوجبت هذا الفعل عليك، وجعلته حسنًا يومًا ثم إنه قبح بعده، ولم يفعل العبد إما معذورًا أو غير معذور لم يكن الشرع عبثًا فحكمة الشرع تنتهي إلى وجوب الجزاء، إما بالجنة أو بالنار أو بالعفو والجزاء وجب، قصر أو لم يقصر.\nوإن لم يفعل ما أمر. على أن الله تعالى في ذبح الولد ما في نسخ الذبح بل نقله إلى الشاة، وجعله قائمًا مقام الولد فداء عنه محلًا لإقامة ما وجب بإيجاب الذبح المضاف إلى الولد حتى سلم الولد، وصار قربانًا لله تعالى بالشاة والأب متقربًا بذبحها.\nوهذا كما جعل الأضحية محلًا لإقامة القربة بالذبح أيام النحر ثم تبطل بمضيها، ولا تتأدى القربة إلا بالصدقة بعدها ولا يصير الجعل عبثًا.\nفكذلك الرمي في الحج لا يقضي بعد أيامها ولم يصر عبثًا.\nوكذلك إقامة الجلد على الزاني فرض حسن، وإذا مرض مرضًا شديدًا يخاف عليه التلف إن ضرب فيه قبح لتغير صفة المحل لأنه حسن ابتداء لأنه يحتمله فإنه حد زاجر لا متلف، فإذا صار بحيث لا يحتمله قبح.\nفإن قيل: كيف يستقيم تصوير هذا في وقت الصوم فإنه متى جعلنا السبب رمضان بعينه لم يتصور وجوده بعد مضيه، وإن جعلنا السبب كل شهر هو رمضان كان الكل سببًا بالنص؟\nقلنا: أن الله تعالى لم يذكر كل رمضان، فإنه لم يقل: كلما شهدتم رمضان فصوموه، بل قال: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهذا لا يتناول إلا واحدًا من سنته، كمن شهد منكم رجبًا فليتصدق يدرهم من ماله، لم يملك إلا مرة واحدة برجب تلك السنة.","vol":"1","page":237},{"text":"فلما تكرر وجوب صوم رمضان علم أنه تكرر لأن الوقت المسمى برمضان جعل سببًا للوجوب باسمه.\nكما جعل الفعل المسمى بأنه الزنا سببًا للحد ثم بقي كذلك، ولما بقي الاسم سببًا عمل متى وجد، إلى أن تنتهي مدة بقائه بالنسخ، ويصير بعد التبين بالنسخ، كأنه قال حين شرع: أنه سبب إلى وقت كذا.\nفإن قيل: لو كان البقاء مشروعًا بعدم دليل الزوال لما بقيت الشرائع قطعًا كحياة المفقود.\nقلنا: بعد رسول الله ﷺ وجب الحكم بالبقاء قطعًا، لتيقننا بأن لا نسخ بعد انقطاع الوحي، فأما زمان الوحي فالبقاء غير يقين حتى كان تركه جائزًا بخبر الواحد، الذي لا يقين فيه كأهل قباء تركوا قبلة بيت المقدس بخبر الواحد وصوبهم الرسول ﷺ، فصار على هذا سقوط الحكم بالنسخ سقوطًا بانتهاء مدة الوجوب في الباطن وبالرفع في الظاهر، والله أعلم.","vol":"1","page":238},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>القول فيما يجوز النسخ به</span>\nقال علماؤنا: يجوز نسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ السنة بالسنة، ويجوز نسخ الكتاب بسنة رسول الله\nﷺ، ونسخ السنة بالكتاب.\nوقال الشافعي: القسمان الأخيران لا يجوز.\nقال الشافعي في كتاب (الرسالة): وسنة رسول الله ﷺ لا ينسخها إلا رسول الله ﷺ، فلو أحدث الله لنبيه في أمر سن فيه غير ما سن رسول الله لبين فيما أحدث الله تعالى إليه، حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتي قبلها مما يخالفها.\nوبالإجماع لا نسخ بالرأي لما ذكرنا أن النسخ لا يجوز إلا على طريق بيان مدة بقاء الأول حسنًا عند الله تعالى، وهو غيب عنا كمدة حياة الحي.\nاحتج الشافعي لقوله: الكتاب لا ينسخ إلا بالكتاب في كتاب (الرسالة) بقوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا اثبت بقران غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي﴾ والنسخ بالسنة تبديل من تلقاء نفسه.\nوقد يحتج له بقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ فأخبر الله تعالى أن النبي ﷺ مبين لما نزل إليهم، والنسخ تبديل.\nولأنه قال: ﴿ٍولعلهم يتفكرون﴾ أي فيما تبين لهم، والتفكر إنما يقع في معنى ما بين لهم، ولا يقع في مدة الأول بالنسخ لأنه تاريخ، والتواريخ تحفظ لا أن يتأمل تفسيرها.\nولأن مدة البقاء لم تنزل إليهم لما ذكرنا أن الثبوت كما بالنص، والتنزيل.\nفأما البقاء فثابت بلا دليل ويحتج له أيضًا بقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من أية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ والسنة لا تكون مثلًا للآية وقال ﷺ: (إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافق فاقبلوه وما خالف فردوه)، والناسخ مخالف لما في الكتاب فيجب رده بهذا الحديث.\nفتبين بهذه الأدلة أن النبي ﷺ ما كان ينطق من قبله بمخالفة الكتاب، وكان من","vol":"1","page":239},{"text":"شريعته أن الله لا ينسخ الكتاب بلسانه كي لا يظهر عليه ما يؤدي إلى مخالفة الكتاب سدًا لباب الطعن عليه.\nوأما النسخ السنة بالكتاب: فيحتج له بقوله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩] وإذا صار القرآن تبيانًا لكل شيء، والسنة شيء فيكون الناسخ بيانًا لحكم تلك السنة أنه كان غلطًا، كما لو نزل مقارنًا، وما يجوز ذلك إلا حين الوقوع لأن تصديقنا إياه كان يفترض علينا من جهة الله تعالى بعد التمكن فيصير أمره بعد القرار كأمر الله تعالى فلا يجوز الغلط بعد القرار.\nوما كان جائزًا أن يقر رسول الله ﷺ على خطأ، ولأن الله تعالى أمرنا في غير موضع من كتابه باتباع الرسول.\nوفي نزول الكتاب بخلاف السنة أمر بمخالفته إما حقيقة وإما ظاهرًا، فيكون فتحًا لباب الطعن على رسول الله ﷺ فسد الله تعالى هذا الباب إكرامًا لرسوله وصيانة لشريعته فلم ينزل كتابًا إلا مصدقًا لما بين رسول الله ﷺ، ولم ينطق رسول الله ﷺ إلا متبعًا لما في الكتاب مبينًا له أو زائدًا ما ليس فيه ليزداد علم ما في الكتاب برسول الله ﷺ وبيانه ويزداد ثبوت صدق رسول الله ﷺ ورسالته بتصديق الكتاب إياه.\nفتكون السنة مع الكتاب مما يتأيد كل واحد منهما بالآخر إذ كل واحد منهما حجة من حجج الله تعالى، وحجج الله تعالى لا تتناقض ولا تتراد بل تتأيد.\nوهذا كما قيل: أن الشرع حجة والعقل حجة من حجج الله تعالى، وإنهما لا يستدل بهما إلا على سبيل التعاون والتأييد على ما بيناه في آخر الكتاب.\nوأما علماؤنا ﵏ فمن مشايخنا من احتج عليهم بآية الوصية \"للوالدين والأقربين\" حيث نسخت بقوله النبي ﷺ \"لا وصية لوارث\".\nفإن قيل: إنما نسختها آية المواريث.\nقلنا: آية المواريث أوجبت لهم مالًا بسبب آخر، والإيجاب بسبب لا يرفع إيجابًا كان بسبب آخر قبله، ولأن آية المواريث توجب إرثًا بعد وصية أو دين فيوجب تقريرها ولا يوجب رفعها.\nفإن قيل: يحتمل أن الله تعالى أنزل آية أخرى ناسخه إلا أنها لم تبلغنا لأنها نسخت تلاوتها وبقى حكمها؟\nقلنا: لا يجوز الإحالة إلى دلائل محتملة الثبوت لم تظهر، لأنه لو صح هذا الباب","vol":"1","page":240},{"text":"لتطرق به الوقف عن العمل بالكتاب كله لاحتمال كل نص أن يكون منسوخًا بآية أخرى لم تبلغنا أو محمولًا على وجه آخر لم نعقله وعقله رسول الله ﷺ ببيان خفي.\nوذكر أبو بكر الجصاص: أن استدلالنا بهذه الآية لا يستقيم لأن الله تعالى قال: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ رتب الإرث على وصية نكرة فكانت غير الوصية المعهودة الواجبة للوالدين والأقربين بهذه الوصية فتكون هذه النكرة هذه الوصايا المشروعة اليوم، لا تلك الوصية الواجبة، ولو بقيت الوصية الواجبة لكان الإرث مرتبًا على تلك الوصية أولًا ثم الوصية النافلة.\nفلما رتب هذه على النافلة كان الترتيب بيانًا على أنه لا يزاد عليه ترتيب آخر أولى منه لأن الزيادة كالنسخ على أصلنا، ودل الإطلاق عن الترتيب على الوصية الواجبة؛ على نسخ القيد كما يدل القيد على نسخ الإطلاق على أصولنا.\nقال القاضي ﵁: وإني أقول أن الاستدلال بهذه الآية لا يستقيم من وجه آخر، لأن الله تعالى بين أحكامًا ابتداء للشرع، وقد بين أحكامًا على سبيل الإقامة مقام أحكام كانت فتحولت إلى الثانية لقيامها مقامها، وانتسخت الأولى بها على سبيل الإحالة كما شرع الكعبة قبلة فانتسخ بيت المقدس به على جواز أن يكون للصلاة قبلتان، لأن الله تعالى شرع الكعبة قبلة على سبيل حوالة القبلة عن ذلك البيت إلى هذا البيت.\nوإنه في المعاملات كحوالة الدين توجب براءة الأصيل لأن الذمة الثانية اشتغلت به على سبيل الحوالة إليه.\nوالحوالة توجب البراءة كالعين تحول من مكان إلى مكان فانتسخ الشغل في حق الذمة الأولى مع إمكان الجمع بينهما كما في الكفالة.\nوكما لو أدان المحتال عليه دينًا مبتدًأ فكان إيجاب الإرث للأقارب والوالدين محتملًا ابتداء حتى أوجب لهم، ومحتملًا نقل ما جعل لهم بالوصية إلى الإرث، ولما احتمل هذا كان قول النبي ﷺ: \"إن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث\" بيانًا أن هذا الإعطاء على سبيل التحويل دون الابتداء.\nولأن الله تعالى كان فوض ابتداء الإيجاب إلى العباد ثم تولى بيانه بنفسه فبطل ما فوض إليهم فجرت آية الإرث على هذا مجرى تفسير ما أثبت لهم من الحق بالوصية كالرجل يأمر رجلًا بإعتاق عبد له بعينه ثم يعتقه بنفسه فإنه تضمن بطلان تلك الوكالة لحصول ما أمر بتحصيله بتوليه، وإليه وأشار النبي ﷺ بقوله: \"أعطى كل ذي حق حقه\" أي الحق الثابت بالوصية لهم صار معطى بالإرث.","vol":"1","page":241},{"text":"ومنهم من احتج أن الله تعالى شرع حد الزنا الإمساك بالبيوت، ونسخته سنه الرجم إلا أنه غير صحيح لأن عمر ﵁ أخبر أن آية الرجم كان مما يتلا في القرآن، ولأن الله تعالى شرع الإمساك حدًا إلى غاية وهو أن يجعل الله لهن سبيلًا، وهذه الغاية مجملة لأن السبيل غير معلوم معناه فبينه رسول الله ﷺ بسنته فقال: \"خذوا عني خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام والثيب بالثيب رجم مئة ورجم بالحجارة\".\nومنهم من احتج بقوله تعالى: ﴿وإن فاتكم شيء من أزوجكم إلى الكفار﴾ الآية وهذا الحكم منسوخ اليوم ولم يظهر نسخه بالكتاب. إلا أنه يقال ولم يظهر لها سنة ناسخة أيضًا، فإن جاز لكم الحمل على سنة لم تظهر جاز لنا الحمل على كتاب لم يظهر وإن لم يجز الحمل على دليل لم يظهر حمل على استقرار حكم الاستغنام، فإنه في الابتداء لم يكن على ما عليه اليوم وكان لأموال الكفرة ضرب حرمة ابتداء، ولدمائهم، ورد النفقة عليهم احترامًا لما لهم، ثم استبيحت دمائهم وأموالهم من بعد فانتسخ ذلك فثبت أنه لا يوجد في كتاب الله تعالى ما نسخ بالسنة، ولا في السنة ما نسخ بالكتاب إلا من طريق الزيادة على النص بالسنة، أو السنة بالكتاب كما زاد الشافعي على آية الجلد النفي بالسنة.\nوزاد تعيين الفاتحة في باب الصلاة على مطلق القراءة التي نص عليها كتاب الله تعالى.\nوقد ثبت عندنا أن الزيادة في حكم النسخ.\nوعنده الزيادة في حكم البيان.\nفاضطررنا بهذا السبب إلى القول بجواز ذلك فتوى فقد صارت المسألة واقعة.\nثم الدليل على الجواز ابتداء قول الله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ فإذا أنزل الله تعالى نسخ ما في القرآن بحكم آخر بوحي غير متلو في القرآن صار الحكم الثاني مما نزل إلى الناس، ويلزم النبي ﷺ بيانه للناس بحكم هذه الآية فإنه ألزمه بيان ما نزل إلى الناس من الأحكام وصار قوله: ﴿وأنزلنا إليك الذكر﴾ في معنى إنا أرسلنا إلى الناس، وجعلناك رسولًا بما أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم من الأحكام، ولو كان المراد ما قاله الخصم لكان من حق الكلام لتبين للناس ما أنزل إليك.\nوقوله: ﴿ولعلهم يتفكرون﴾ يعني: يتفكرون فيما تبين لهم من الحكم الثاني فيعرفون الحكمة في التبديل فإنا لا نبدل في الأكثر إلا بخير.","vol":"1","page":242},{"text":"ولأن من تفكر في أحكام الشرع ناسخها ومنسوخها علم يقينًا أن شارعها علام الغيوب لأنه يجدها جامعة لمصالح الدين والدنيا لا يصل إليها العباد باجتهادهم بحال.\nوقد دلت عليه هذه الآية التي تلاها الشافعي ﵀ فإنه قال في آخرها ﴿إن أتبع إلا يوحى إلى﴾ فإذا أوحى الله تعالى إليه نسخ آية لزمه اتباعه عملًا به وإن لم ينزل قرآنًا وإنما حرم عليه التبديل من تلقائه.\nوعندنا النسخ ممتنع بسنة من تلقاء رسول الله ﷺ بل بما أوحي إليه مما ليس بكتاب حتى كان اللفظ لرسوله الله ﷺ، والحكم مضاف إلى الله تعالى لا إلى ما أنزل إليه فإنه باطن وإنا لا نضيف إلى ما هو باطن، ولذلك نسميه سنة رسول الله ﷺ لا أن تكون السنة كلها اسمًا لما كان برأيه.\nولأن كتاب الله تعالى مع سنة رسول الله ﷺ كما كانا حجتين فكذلك آيات الكتاب كلها حجج الله تعالى ثم جاز التناسخ بها، وكان بيانًا لمدة البقاء لا تناقضًا واختلافًا.\nفكذلك بين الكتاب والسنة.\nوجائز أن يتولى النبي ﷺ بيان مدة بقاء ما ثبت بالكتاب بلفظه كما جاز أن يبين مدة حي حيي بإحياء الله تعالى، ويتولى الله بيان مدة بقاء ما سنه بلسان رسول الله ﷺ بكتابه.\nوقولهم بأن هذا يوهم الاختلاف فغلط فإنه غير جائز ذلك على كتاب الله تعالى بعضه بعضًا بل يوجب قرب المنزلة حيث جوز له نسخ ما ثبت بالكتاب بلسانه من غير إضافة إلى الله تعالى.\nوالذي يوضحه أنه جائز نسخ التلاوة دون الحكم بغير كتاب الله تعالى فإنا قد ذكرنا أن التلاوة لا تنسخ إلا بمحو الحفظ عن القلوب إما رفعًا، وإما بانقراض القوم عن غير خلف علمًا، كما انتسخت تلاوة صحف إبراهيم.\nوما معنا دليل سوى أنها اندرست ولم يبق آثارها فلما جاز من هذا الطريق جاز بلسان رسول الله ﷺ يوحي الله إليه فإنهما سواء في أن النسخ كان بغير كتاب.\nوكذلك روي أن النبي ﷺ كان يصلي فنسي آية فلما فزع قال: (ألم يكن فيكم أبي)؟ فقال أبي: نعم، ولكن ظننت أنها نسخت، ولم ينكره عليه رسول الله ﷺ، وإنما ظن نسخها من غير كتاب سمع بترك النبي ﷺ القراءة.\nولما جاز ذلك في التلاوة فكذلك في الحكم لأن التلاوة وجوبها حكم مخصوص بالكتاب كسائر الأحكام.\nفإن قيل: أخبر الله تعالى أن رسوله مبين، ولو جاز النسخ على لسانه لكان مبينًا للحكم الأخير رافعًا للحكم الأول.","vol":"1","page":243},{"text":"قلنا: إنه بين الأول بتأويله وتبليغه.\nوبين الثاني بتبليغه وتأويله.\nوإنما رفع بقاء الأول ظاهرًا، وإنه بيان أيضًا لمدة البقاء حقيقة على ما مر وهذا الذي يتصور رفعًا ليس برفع لما ثبت بالنص على ما مر أن البقاء حكم ثبت بلا دليل، فثبت أنه مبين محض لما نزل إلينا.\nوإنما رفع ظاهرًا ما لم يثبت بالتنزيل.\nوالذي يوضحه أنا وإن سلمنا أن البقاء من حكم الكتاب فالبقاء يكون أبدًا، ويكون مؤقتًا، فيكون بيان الوقت بيانًا لأحد وصفيه، فأما قوله: ﴿ما ننسخ من أيه أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ [البقرة: ١٠٦] فليس فيه أن الله تعالى يأتي بخير، أو بالمثل بوحي متلو أو غير متلو.\nوعندنا لا يجوز إلا بوحي على ما مر.\nوقد يكون ما يبينه بوحي غير متلو خيرًا من الأول وأجمع لمصالح الناس، أو أيسر عليهم فعلًا وأكثر أجرًا، وإن لم يكن خيرًا من حيث التلاوة والإعجاز، على أن الخلاف ثابت في نسخ الحكم مع بقاء التلاوة غير منسوخة فيكون ما ثبت بالنسنة مثل الأول أو خيرًا إذ من حيث الحكم لا يفترق المتلو وغير المتلو.\nفإن قيل: غير المتلو يضاف إلى رسول الله ﷺ.\nقلنا: يضاف إلى رسول الله ظاهرًا وإلى الله حقيقة، كما قال الله تعالى: ﴿أفرءيتم ما تمنون * ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾.\nوأما حديث النبي ﷺ: \"إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله\" فحكم أثبته رسول الله ﷺ عند التعارض والتباس التاريخ والأولى في مثل ذلك ترتيب الخبر على الكتاب، وتقديم الكتاب.\nفأما إذا ظهر تأخر الحديث فلا كذلك على أن هذا الحديث في خبر الواحد وظاهر النص يدل عليه لأنه قال: \"إذا روي لكم عني حديث\"، وبنفس الرواية لا يقبل الخبر بخلاف الكتاب بل يرد به ما لم يثبت تواتره ولم يقل رسول الله ﷺ إذا سمعتموني، ليكون بيانًا أنه محجور عن مثله ويدل عليه أن الله تعالى أمرنا بطاعة رسول الله ﷺ على ما أمر ونهى، من غير قيد العرض على كتاب الله تعالى.\nفثبت أن العرض فيما يروى عنه من طريق الآحاد بعد موته.\nوقد روى ابن عمر عن عائشة ﵄ أن النبي ﷺ لم يمت حتى أباح الله تعالى له من النساء ما يشاء فيكون نسخًا لما في الكتاب، والناسخ ليس فيه.","vol":"1","page":244},{"text":"وأما قوله: ﴿ونزلنا عليك الكتب تبينا لكل شيء﴾ فحجة لنا على جواز نسخ السنة بالكتاب لأن النبي ﷺ إذا سن سنة ولم ترد عليه كان تقريرًا من الله تعالى عليه كما لو ثبت بالكتاب، فجاز ظهور بيان مدة البقاء بالكتاب لأن بقاءه من جملة الأشياء، ولم يكن بيانًا لغلط رسول الله ﷺ كما في حق الكتاب بالكتاب.\nولأن نسخ السنة بالسنة جائز ولا يجوز إلا بوحي غير متلو لما ذكرنا أن انتهاء مدة الحسن عند الله لا يعرفه إلا الله لأن انتهاءها بأن تصير حكمة الشرع في غيرها، وتلك الحكمة مما نقف عليها، ولا نقف، ومما يتعجل، ومما يكون في الآخرة.\nولما جاز بوحي غير متلو فالمتلو أولى ولأن الصلاة إلى بيت المقدس ما كان بالكتاب وإنما كان بفعل النبي ﷺ ثم نسخ بالكتاب.\nولا يقال إنه كان شريعة من قبلنا لأنه لم يتبين أنه كان شرعًا بكتاب.\nولأن المذهب عنده أن شريعة من قبلنا لا تلزمنا إلا بتقرير في شرعنا فيصير ابتداء لا بقاء للأول، وما ثبت التقرير في شريعتنا إلا بفعل النبي ﷺ ولئن كانت القبلة الأولى ثابتة بالكتاب فأهل قباء تركوها بخبر المخبر أنها حولت إلى الكعبة من غير سماع كتاب الله ولم ينكر عليهم رسول الله ﷺ، وصالح رسول الله ﷺ قريشًا على أن يرد عليهم من جاءه من نسائهم ونسخها قوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾.\nفإن قيل: يحتمل أن تكون لهذه السنن دلائل من الكتاب لكنا لا نقف عليها.\nقلنا: قد ذكرنا أنه لا يجوز التأويل بما يجوز مما لا نقف عليه لأنه يؤدي إلى تعطيل الشرائع، وهل يجوز أن يقال أن لكل ملة ودين باطل حجة لكنا لا نقف عليها ومعجزة لكنها باطنة.\nوأما نسخ الكتاب بالكتاب: فكقول الله تعالى: ﴿فأذوهما﴾ في باب الزنا، ثم قال: ﴿فأمسكوهن في البيوت﴾، ثم قال: ﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾، وقال: ﴿وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا﴾، ثم قال: ﴿الئن خفف الله عنكم﴾ إلى قوله: ﴿وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله﴾.\nوأما نسخ السنة بالسنة: فنحو قول النبي ﷺ: \"إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرًا، وكنت نهيتكم عن الشرب في الدباء والنقير والحنتم والمزفت فاشربوا ولا تسكروا، وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تدخروها فوق ثلاث فكلوا وادخروا ما بدا لكم\". فثبت أن نسخ الكتاب بالكتاب جائز وكذلك بالسنة، وكذلك","vol":"1","page":245},{"text":"نسخ السنة بالسنة وبالكتاب، وإنما يجوز نسخ الكتاب بالسنة في زمن النبي ﷺ سواء كانت مسموعة أو مروية من طريق التواتر والآحاد لأن بقاء الثابت في زمنه كان على احتمال الزوال كل ساعة، لأنه زمان نسخ فلما احتمل الثابت البقاء والزوال صلح العمل بخبر الواحد كما في موت المفقود.\nفأما بعد رسول الله ﷺ فلا يجوز إلا بسنة متواترة أو مشهورة بمنزلتها لأنه لا نسخ على سبيل الابتداء بعد رسول الله ﷺ وشرائعه بعده باقية أبدًا بالنص والإجماع، وإنما يزول هذا اليقين بثبوت ناسخ بزمن النبي ﷺ، ولا يثبت إلا بالإسناد إلى زمن الوحي كما لم يثبت الأول إلا به، ولما لم يثبت ناسخًا إلا بالإسناد لم يثبت إلا بالإسناد مثل الأول فإنه لا معارضة إلا بعد المساواة ولا نسخ إلا بما لو جهل التاريخ كان معارضًا ولأن النبي ﷺ كما يلزمه تبليغ الناسخ يلزمه تبليغ مثل الأول في الظهور لأن لا يبقى أحد على المنسوخ فيدل خفاء الناسخ على بطلانه، والله أعلم.","vol":"1","page":246},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>القول في أفعال النبي ﷺ</span>\nأفعال النبي ﷺ عن قصد على أقسام أربعة: واجبة، ومستحبة، ومباح، وزلة.\nفأما ما كان يقع من الأفعال من غير قصد كما يكون من النائم والمخطئ ونحوهما فلا عبرة بها، لأنها غير داخلة تحت الخطاب على ما نذكر.\nثم الزلة لا تخلو عن القران ببيان أنها زلة إما من الفاعل نفسه كقول موسى ﵇ حين قتل القبطي بوكزته ﴿هذا من عمل الشيطان﴾، أو من الله تعالى كما قال في آدم ﵇ ﴿وعصى أدم ربه فغوى﴾، وحتى بين الله تعالى ما لولا عصمته لزلوا كما قال: ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا﴾ ونعني بالقصد في الزلة قصد الفعل لا قصد العصيان، وإذا لم تخل الزلة عن البيان لم يشكل على أحد أنه مما لا يتبع النبي ﷺ فيها فتبقى العبرة للأنواع الثلاثة.\nوقد اختلف أهل العلم فيما يلزمنا منها؟\nفقال بعضهم: يلزمنا اتباعه فيها ما لم يقم دليل المنع.\nوقال بعضهم: نقف فيها حتى يقوم الدليل.\nوقال أبو الحسن الكرخي: نعتقد الإباحة حتى يقوم دليل بيان سائر الأوصاف. وإذا قام الدليل على وصف زائد كان النبي ﷺ مخصوصًا به حتى يقوم دليل المشاركة.\nوقال أبو بكر الرازي: نعتقد الإباحة ما لم يقم دليل البيان على صفة فعل رسول الله ﷺ، ثم يلزمنا على ذلك الوصف حتى يقوم دليل اختصاصه به، وهو الصحيح عندنا.\nفأما الأولون فإنهم احتجوا بالآيات الموجبة اتباع الرسول الله ﷺ وطاعته والاقتداء به، وبقوله: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ فالمراد به السمت كما قال الله تعالى: ﴿وما أمر فرعون برشيد﴾.\nوأما الفريق الثاني فإنه زعم أن الاقتداء والاتباع والموافقة لا تحصل بنفس الفعل، ألا ترى أنك إذا حصلت مثله على سبيل المعارضة كنت منازعًا كسحرة فرعون مع موسى ﵇ وإذا فعله رسول الله ﷺ نفلًا. وفعلته أنت فرضًا كنت مخالفًا، وإنما الاقتداء في فعلك مثل فعله على صفته طاعة له، والصفة للفعل كانت محتملة فإنه ﷺ كان يفعل","vol":"1","page":247},{"text":"المباح والمستحب والواجب فيجب الوقف فيه حتى يتبين.\nوأما أبو الحسن فإنه يقول: الإباحة لا بد منها في الأنواع كلها، وأما الزيادة فموقوفة على البيان، وبعد البيان لا يلزمنا إلا بدليل لأنه قد تبين لرسول الله ﷺ خصوصيته في الأحكام، فهذا المطلق من فعله احتمل أن يكون من ضرب الخصوص واحتمل غيره فلا يعمل به إلا بدليل.\nوأما أبو بكر فإنه يقول: إن الاقتداء برسول الله ﷺ أصل لقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾، ولقوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾، وبقوله: ﴿فاتبعوا﴾ ولقوله: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ ولأن تمام الشرف في هذا، والخصوص كان بدليل عارض لمفارقة حال بيننا وبينه صار الصلاح لنا في المفارقة لمفارقة الحال، إلا أنا كنا لا نقف قبل البيان إلا في الإباحة لأن الإباحة ثابتة مع الأوصاف كلها أيها ثبت في وصف بعينه زائد عليها إشكال ولا موافقة إلا بعد الإيقاع بذلك الوصف الذي أوقعه رسول الله ﷺ فإذا أزال الإشكال المانع لزمنا الاتباع.\nوهذا كما قال علماؤنا ﵏ فيمن وكل آخر في أموال أنه يصير وكيلًا بالحفظ لأنه احتمل أنواع تصرف فلا يثبت شيء بالاحتمال، لكن الحفظ ثابت مع كل تصرف فثبت قدر ما لا شك فيه، فكذلك أفعال رسول الله ﷺ مما ليس بزلة لا بد أن تكون مباحة.\nوأما فوق الإباحة ففيه احتمال فنعتقد الإباحة لا مقصورة عليها قطعًا، ولكن على احتمال غيرها معنى ما يأتيك البيان، والله أعلم.","vol":"1","page":248},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>القول في شرع الرسول ﷺ من تلقائه بالرأي</span>\nقال بعض العلماء: لم يكن له إلا بالوحي.\nوقال بعضهم: لم يكن له ذلك إلا بالوحي والإلهام.\nوقال بعضهم: كان له ذلك بالوحي والرأي جميعًا.\nوالقصد عندنا أن نقول: لم يكن له الشرع بالرأي ابتداء حتى ينقطع طمعه عن الوحي فيما ابتلي به، ثم كان له العمل برأيه بعد ذلك.\nفأما الأول فاحتج بقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى﴾ وبقوله: ﴿قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي﴾ ولأنه لا يجوز أن يخالف فيما يشرع من الأحكام، ولو كان يشرع برأيه لكان لا يؤمن من الغلط عليه فكان يجوز خلافه، كما كان يجوز ذلك في رأي الحروب والمعاملات فإن رسول الله ﷺ أراد النزول دون الماء يوم بدر فقال له الحباب بن المنذر: أرأي رأيته أم وحي؟ فقال: \"بل رأي\" فقال: إني أرى أن تنزل على الماء، ففعل.\nوأراد رسول الله ﷺ يوم الأحزاب أن يعطي الكفار شطر ثمار المدينة فقالت الأنصار: أرأي رأيته أم وحي؟ فقال: \"بل رأي\" فقالت: لا نعطيهم إلا السيف ففعل رسول الله ﷺ ذلك.\nولما دخل المدينة نهاهم عن تأبير النخل ففسدت فأمرهم بالتأبير فقال: \"أنتم أعلم بأمور دنياكم، وأنا أعلم بأمور دينكم\"\nفثبت أنه ﷺ لم يكن معصومًا عن الغلط برأيه.\nوالدين في الأصل لله تعالى فما يجوز شرعه برأي لا يؤمننا عن الغلط إلا عن ضرورة، ولا ضرورة لصاحب الوحي وكان هذا كتحري القبلة بالرأي فإنه جائز لمن نأى عن الكعبة للضرورة، ولا يجوز لمن قرب لقدرته على العيان الذي لا شك فيه، ولأنا نحن اليوم لا ننصب شرعًا مبتدأ بالرأي وما يجوز لنا ذلك وإنما نعدي شرعًا ثابتًا في محل إلى محل آخر.","vol":"1","page":249},{"text":"والخلاف في نصب ابتداء الحكم الشرعي بخلاف أمور الدنيا من الحروب والمعاملات والزراعات فإنها لنا، إما دفعًا عنا كالحروب، وإما طلبًا لما فيه بقاؤنا كاكتساب الأموال.\nولما كانت لنا كانت مفوضة إلى آرائنا إلا بما رأى الشرع الحجر ببيان شافٍ تتميمًا لصلاحنا، وأما الأحكام فلله تعالى فلم يكن لنا إثباتها ونفيها.\nوأما الفريق الثاني فقرب من الفريق الأول لأن الإلهام وحي خفي، ومن له الوحي الجلي يكون له الوحي الخفي.\nوحد الإلهام أن يؤخذ على قلبه حتى لا يرى إلا شيئًا واحدًا فيعرف صاحبه بقرار القلب عليه أنه من الله تعالى، وقد قال رسول الله ﷺ: \"إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها ألا فاتقوا الله وأجملوا في الطلب\" وقال الله تعالى في قصة داود وسليمان: ﴿إذ يحكمان في الحرث﴾ إلى قوله: ﴿ففهمناها سليمان وكلًا أتينا حكمًا وعلمًا﴾ غير أن الإلهام أمر خفي ما يبنى الأمر عليه، فإنا كلفنا البناء على الظاهر الذي نقف عليه وسيأتيك بيان الإلهام بعد هذا إن شاء الله تعالى.\nوأما القول الثالث: فالحجة له قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولى الأبصار﴾ من غير تفصيل بين الأمة والنبي ﷺ.\nوقال تعالى لرسوله: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ ولو لم يكن له فصل الأمر بالرأي لما أمره بالمشورة ولا ينال بها إلا بالرأي، وظاهر هذا الأمر لا يخص بابًا.\nفإن قيل: يحتمل أنه أمر به تطييبًا لنفوسهم.\nقلنا: ظاهر الأمر بخلافه، والصحابة ما كانوا يعلمون إلا الظاهر وكانوا يعتقدون ذلك فكان لا يحل لرسول الله ﷺ أن يقرهم عليه ولو بين لهم أنهم يشاورون، ولا يحل العمل برأيهم ما طابت به نفوسهم بل خبثت فإنه من باب الاستهزاء.\nوقد شاور رسول الله ﷺ في أسارى بدر أبا بكر وعمر وعمل بقول أبي بكر ثم نزل العتاب.\nوروي أن خولة سألت رسول الله ﷺ عن ظهار زوجها منها؟ فقال: ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت: أشتكي إلى الله تعالى، فأنزل الله تعالى آية الظهار.\nوسأله عمر عن القبلة للصائم؟ فقال: أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان","vol":"1","page":250},{"text":"يضرك؟ فقال عمر: لا، فقال النبي ﷺ: \"ففيم إذًا\".\nوقال للخثعمية وقد سألته عن الحج عن أبيها؟ \"أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان يجزيك؟ فقالت: بلى. قال: فدين الله أحق\" فهذا فتوى بمحض القياس، فلا يجوز أن يحمل على نص لم يظهر لما مر أنه لو جاز ذلك لتعطلت الحجج، ولن نكلف إلى بالأخذ بما ظهر وما ظهر لنا من السبب إلا القياس الذي ذكره.\nوكذلك رسول الله ﷺ شاور الصحابة في أمر جماعة الصلاة فلم يتفقوا على شيء حتى رأى عبد الله بن زيد الرؤيا وقصها لرسول الله ﷺ فاستحسنها رسول الله ﷺ برأيه وأمر بذلك فصارت شريعة. ولا يجوز أن يحمل على وحي لأنه لم يظهر ذلك.\nولأن عمر ﵁ جاء وأخبر أنه رأى مثل ذلك فقال النبي ﷺ \"الله أكبر\" وذلك أثبت فاستدل برؤيا عمر على الثبوت فلا يتوهم أن يكون عنده نص فيكتمه.\nولأن النبي ﷺ كان منهيًا عن كتمان الوحي وأمر بأن يبين للناس ما نزل إليهم.\nوكذلك سليمان أفتى في غنم القوم بالرأي وداود معه وأصاب سليمان، وقوله: ﴿ففهمناها سليمان﴾ دليل مؤكد على أنه عمل بالرأي.\nولكن الصواب كله مضاف إلى الله تعالى وكذلك أفتى داود ﵇ عن سؤال الخصمين في باب النعاج بالرأي فإنه أجاب كما سئل ولم ينتظر وحيًا.\nوقال الله تعالى لرسوله: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ فتبين أنه كان أذن بالرأي.\nوكذلك الإجماع قد انعقد على عمله بالرأي في باب الحروب.\nوكذلك سائر الأبواب لأنه كان يوحى إليه في الأبواب كلها فعلم أن الوحي لا يسد باب الرأي بل يقويه.\nوباب الحرب أصل الدين لأنا لم نؤمر به إلا لإعلاء كلمة الله تعالى.\nولأن كون الرأي حجة لنا في باب الدين والأحكام من أشرف المراتب إذ باب الوحي متناهي وباب الرأي غير متناهي.\nوفي قصر الأمر على الوحي ضرب حجر، وفي العمل بالرأي ضرب إطلاق فلا يجوز أن يحرم رسول الله ﷺ شرف الإطلاق وعموم الحجة، لكن فيه ضرب نقصان من حيث خوف الخطأ فكان الرسول ﷺ مصونًا عنه فكان لا يقع رأيه الذي يقر عليه خطأ، لأن المشاهدة تحققت له حكمًا بالوحي، وكان هو من الله تعالى مثل صحابي يتكلم","vol":"1","page":251},{"text":"بحضرته فلا يرد عليه فيكون تقريرًا على أنه صواب.\nوأما قوله: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ فنزل في شأن القرآن، ولأن الهوى عبارة عن هوى النفس الباطل لا عن الرأي الصواب عن عقل، ونظر في أصل الشرع.\nوأما قوله: الأحكام لله تعالى، فكذلك، ولا يحل لأحد وضعها اختراعًا ومشيئة، وإنما ذلك إلى الله تعالى يحكم ما يريد، وإنما يجوز للنبي ﷺ لعلمه أنه لا يقر على الخطأ فيصير التقرير بمنزلة الوحي.\nوأما القول الأخير الذي هو الصواب فبناء على أن الرأي كان حجة له، ولكن على الترتيب كما في حقنا نحن يلزمنا أن ننظر في كتاب الله ثم بسنة الرسول ثم بالرأي، إلا أنا إذا علمنا أن الحادثة غير منصوص عليها اشتغلنا بالرأي ولم نقف ورسول الله ﷺ كان يقف متربصًا للوحي لأنه صاحبه، وكان تربصه للنزول بمنزلة تربصنا للتأمل في المنزل.\nوأما قوله: بأنه كان صاحب الوحي، فلا يحل له العمل بالرأي الذي لا يوجب العلم. فالجواب: أنا لا نبيح ذلك إلا إذا عدم الوحي، ووجب العمل، ولأنه كان يعلم أن رأيه الذي يقر عليه يوجب العلم يقينًا كالوحي بخلاف غيره، والله أعلم.","vol":"1","page":252},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>القول في شريعة من قبلنا</span>\nاختلف أهل العلم في شريعة من قبلنا؟\nفقال قائلون: الشريعة إذا ثبتت لنبي ﵇ بقيت له كذلك ما لم تنسخ.\nوقال بعضهم: تنتهي شريعته إذ بعث نبي آخر إلا فيما لا يقبل النسخ والتوقيت.\nوقال بعضهم: لا تنتهي وتبقى حقًا، ولكن شريعة للنبي الذي بعث بعده.\nوالقول القصد أن ما حكى الله من شرائع سائر الأنبياء لنبينا ولم يعقب بنسخ بقيت حقًا شريعة لرسول الله ﷺ دون ما لم يحكها، وقد احتج محمد بن الحسن ﵀ بقسمة الشرب بقوله تعالى: ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر﴾، وبقوله: ﴿لها شرب ولكم شرب يوم معلوم﴾.\nفأما الأولون فقد ذهبوا إلى أن التوقيت لا يثبت إلا بالنص.\nوأما الحجة للقول الثاني فإن الله تعالى كان يبعث الرسول إلى قوم دون قوم في زمنه وكانت الرسالة وشريعته تختص بالمكان فجاز مثله في الزمان، فلا تعم شريعته الأزمنة إلا بزيادة دلالة كما لا تعم الأمكنة إلا بزيادة دلالة، ولأنه قد كان في زمان واحد نبيان في مكانين ولم يكن يلزم شريعة كل واحد منهما صاحبه فكذلك في الزمانين قال الله تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾، وقال تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به﴾ فجعلهم بعد مبعث نبي آخر بمنزلة أمته فثبت أن شريعتهم انتهت به.\nوروي أن النبي ﷺ رأى صحيفة في يد عمر فقال له: \"ما هذه الصحيفة؟ \" فقال: التوراة فغضب رسول الله ﷺ وقال: \"لو كان موسى حيًا لما وسعه إلى اتباعي\" فبين أنه كان يصير بمنزلة واحد من أمته وأن شريعته قد انتهت به.\nولأن النبي الثاني يدعو الناس إلى شريعته لا محالة فلم يجز أن تبقى الشريعة الأولى معه، وهو كان يدعوهم إلى نفسه لأنه لا يجوز أن يدعى واحد إلى نبيين مختلفين كل واحد منهم يدعي الاختصاص بالاتباع إياه لما فيه من التعارض ألا ترى أنه لما تصور","vol":"1","page":253},{"text":"نبيان في زمان واحد في مكانين كانت شريعة كل واحد منهما متناهية بمكانه أو كان يكون أحدهما تبعًا للآخر كلوط تبع إبراهيم ﵉ على ما قال الله تعالى: ﴿فآمن له لوط﴾ وكموسى وهارون صلوات الله عليهما فكذلك يجب أن يكون في زمانين.\nأما القول الثالث: فالحجة له قوله تعالى: ﴿قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا﴾ فثبت بالنص أن هذه الشريعة ملة إبراهيم، وقد امتنع بثبوتها ملة له للحال لما ذكرنا في القول الثاني، فثبت أنها ملته على معنى أنها كانت له فبقيت حقًا كذلك، وصارت لرسول الله ﷺ كالمال الموروث مضاف إلى الوارث للحال، وهو عين ما كان للميت لا ملك آخر لكن الإضافة إلى المالك تنتهي بالموت إلى من خلفه فكذلك الشريعة في حق الأنبياء ودل عليه قوله: ﴿ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به﴾ فقوله مصدق دليل على بقاء تلك الشريعة حقًا وقوله: ﴿لتؤمنن به﴾ دليل على صيرورة الشريعة بالآخر منهم.\nوقال الله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ والهدى اسم للإيمان والشرائع جميعًا لأن الاهتداء إنما يقع بها كلها.\nوقال الله تعالى: ﴿الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب﴾ والاتقاء المطلق بالشرائع ما يكون مع الإيمان.\nولأنه سمى الكتاب هدى وفيه الإيمان والشرائع وقال: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون﴾ والحكم بالشرائع ما يكون وسأل عبد الله بن عباس عن سجدة \"ص\" فقال: سجدها داود، وهو ممن أمر نبيكم بأن يقتدي به صلوات الله عليه وقال: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا﴾ والدين اسم لما يدان الله تعالى به من الإيمان والشرائع، وأول ما رجم رسول الله ﷺ رجم بالتوراة.\nفإن قيل: كيف يستقيم وفيها ناسخ ومنسوخ؟\nقلنا: كما استقام في شريعتنا القول ببقائها بعد النبي ﷺ وفيها ناسخ ومنسوخ.\nفإن قيل: قد قال الله تعالى: ﴿ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم﴾ وفيهم من لم يكن نبيًا ولا شريعة له ثم أمرنا بالاقتداء بهداهم، فعلم أن المراد به الإيمان الذي لا يختلف حكمه.\nقلنا: وليس في الآية أنهم لم يكونوا أنبياء، وقد احتمل ذلك فلم يترك عموم الهدى بكلام محتمل على أنه لم يدخل تحت الآية إلا نبي أو ولي والوالي لا يكون وليًا إلا باتباع شريعة نبي فيجب الاقتداء بهداه، وشريعته التي ثبتت بها ولايته قال الله تعالى: ﴿واتبع سبيل من أناب إلي﴾ وقال: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى﴾ وقال ﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة","vol":"1","page":254},{"text":"فيها حكم الله﴾ ولو انتهت بمبعث رسول الله ﷺ لم يكن للحال فيها حكم الله، ولما صاروا كافرين بالتولي عنه إلا أنا نقول أن الصحيح منها هذا القول إلا أن البقاء لا يثبت بعد مبعث رسول الله ﷺ إلا بحكايته أنها ثابتة لأحد طرق:\nأما لأن الله تعالى أنبأنا أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه وخانوا في النقل فصاروا مردودي الشهادة.\nأو لأن الرسول ﷺ فيما يحكى لنا منزه عن تهمة الكذب من كل وجه، ولا يخلو نقلهم، وإن كان عن تواتر للحال عن ضرب شبهة حتى يصير متواترًا على حده من الأصل فيجب ترك ما فيه شبهة بما لا شبهة فيه.\nأو لأن عداوة الدين كانت ظاهرة فاتهموا بالحيل واللبس في إظهار شرائعهم فلم يصر كلامهم حجة علينا إلا ما نقلها رسول الله ﷺ، وأخبرنا أنها ثابتة بوحي متلو أو غير متلو فثبت أن الشرائع تبقى حقًا في أنفسها لعدم التوقيت من الله تعالى بمبعث نبي آخر.\nولكن يجعل للثاني من حيث الإضافة ولا يثبت إلا بنقل الثاني.\nوفيه كمال شرف محمد ﵇ حيث لم يصدق غيره عليه ولزم الماضين من الرسل اتباعه لو كانوا أحياء، كما قال لعمر، بأن صارت الشرائع كلها له، ثم ختمت عليه حتى لزم الباقين إلى يوم القيامة اتباعه فصار كالقلب يطيعه الرأس وتتبعه الرجل.\nوأما قوله: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ ففيه دليل على جواز النسخ في الجملة ولا دليل فيه على انتساخ الكل فإن تبدل الطريقة يثبت بتغيير بعض الأحكام ألا ترى أنهم أجمعوا كلهم على طريقة واحدة في الإيمان بالله تعالى والطاعة إياه على أوامره، والله أعلم.","vol":"1","page":255},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>القول في تقليد الصحابي والتابعي</span>\nقال أبو سعيد البردعي: تقليد الصحابي واجب يترك بقوله القياس، وعليه أدركنا مشايخنا.\nوقال أبو الحسن الكرخي: لا يجوز تقليده إلا فيما لا يدرك بالقياس.\nوذكر محمد بن الحسن: أن شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن لا يجوز، واحتج بأثر عائشة والقياس يجوزه.\nوقال بعضهم: لا يقلد الصحابي، وهو قول الشافعي.\nوقال بعض مشايخنا: يقلد التابعي الذي انتصب مفتيًا في زمن الصحابة.\nوليس عن أصحابنا المتقدمين مذهب ثابت، والمروي عن أبي حنيفة ﵁: \"إذا اجتمعت الصحابة سلمنا لهم، وإذا جاء التابعون زاحمناهم\". لأنه كان منهم فلا يثبت لهم بدونه إجماع.\nوقد ذكر محمد بن الحسن: أن الحامل لا تطلق ثلاثًا للسنة، وروي ذلك عن جابر وابن مسعود، وخالفه أبو حنيفة وأبو يوسف وما لقولهما قول في الصحابة.\nوقال أبو حنيفة: إعلام قدر رأس المال شرط لجواز السلم، ورواه عن ابن عمر في الأصل. وخالفه أبو يوسف ومحمد بالرأي.\nوقال أبو يوسف ومحمد: الأجير المشترك ضامن لما ضاع عنده، ورويا ذلك عن علي وخالفهما أبو حنيفة بالرأي.\nوأما أبو سعيد: فإنه يحتج له بقول النبي ﷺ: \"اقتدوا باللذين من بعدي\" وقوله ﵇: \"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\" فقد صار قول الصحابي حجة كرامة له لصحبته رسول الله ﷺ، وإن احتمل الغلط كما صار إجماع هذه الأمة حجة كرامة لهم بالنص وإن احتمل الغلط على ما مر لولا النص والكرامة.\nوأما الذين جعلوا قول التابعي حجة فذهبوا إلى أنهم لما قرروه على الفتوى بينهم","vol":"1","page":256},{"text":"صار كواحد منهم بتقريرهم.\nوأما أبو الحسن فإنه يقول: قول الصحابي ليس بحجة إذ لو كان قوله حجة لدعى الناس إلى قوله كالنبي ﷺ، وكالأمة لما كان إجماعهم حجة دعوا سائر الأمم إلى ما أجمعوا عليه.\nوروي عن عمر أنه كتب إلى شريح: \"أن اقض بكتاب الله، ثم بسنة رسول الله ﷺ، ثم برأيك\". ولم يقل بقولي.\nولا معنى لقولهم: إن معناه برأيك في أقوالنا، لأنه حمل على زيادة قيد لم يذكر وهذا عندنا نسخ وليس بتأويل. ولأن الرأي واحب استعماله في آيات الكتاب، وأخبار الرسول ﵇ وقد تقدم ذكرهما فصار كأنه قال: برأيك فيهما.\nولأنه ظهر من شريح الحكم بخلاف رأي علي ﵁ بين يديه.\nوعن مسروق أنه أفتى فيمن نذر أن يذبح ولده بذبح شاة، وخالف فيه ابن عباس، ورجع ابن عباس ﵁ إلى قوله.\nولأن رأي الصحابة كان حجة بالنظر في أصول الشرع الثابتة بالنص لا بالوحي وكان يحتمل الغلط، ولهذا كان يخالف بعضهم بعضًا ويرجع الواحد منهم عن فتواه إلى فتوى غيره وكان يقول المجتهد منهم: إن أخطأت فمن الشيطان، ولما احتمل الخطأ لم يصر حجة يجب تقليدها لا محالة.\nولما ساغ لهم ذلك بالنظر في النصوص وهم وغيرهم إذ بلغهم النصوص وعقلوا معانيها سواء إذا استوت آراؤهم.\nألا ترى أنهم إذا اختلفوا في تأويل النص ساوى تأويل غير الصحابي الصحابي لأنه يصار إليه بالوقوف على معنى اللغة وهم وغيرهم فيه سواء.\nفكذلك إذا اختلفوا في التعليل وذلك يعرف بالوقوف على المعاني التي عرفت بالشرع أعلامًا على الأحكام، ولا معنى لترجيحهم على غيرهم لسبقهم في الفتوى واختصاصهم بزيادة توفيق من الله تعالى لأن مثله ثابت بين التابعي ومن بعده، وللصالحين من بعدهم، وهذا لأنه أمر باطن ولم نتعبد بالبناء على البواطن وإنما تعبدنا بما نقف عليه مما يظهر لنا من علم الرجل بأصول الشرع وحسن قياسه على النظائر بعبارة لسانه، عما أحاط علمه به.\nولا يجوز أن يقال إنه كرامة تثبت نصًا على ما رووا لأن النص عم الصحابة، وفيهم من لا يجوز تقليدهم بالإجماع كالأعراب فثبت أنه أراد به أهل البصر منهم، وأهل البصر عملوا بالرأي بعد الكتاب والسنة فيجب الاقتداء بهم في ذلك.","vol":"1","page":257},{"text":"وكذلك قوله: \"اقتدوا باللذين من بعدي\" أبي بكر وعمر ﵄ في أنهما عملا بالرأي بعد الكتاب والسنة فثبت أن معنى الاقتداء الاهتداء بهم، والاهتداء يكون على معنى طلب الصواب بالرأي من أقوالهم دون التقليد، ألا ترى أنه شبههم بالنجوم وإنما يهتدى بالنجم بعد الاستدلال بالرأي بناء عليه، فكذلك الاهتداء بهم إنما يكون بالرأي بناء على أقوالهم لا بنفس القول.\nوعن أصحاب عبد الله بن مسعود أن ابن عباس كان يدعونا إلى الطعام وكان يجري المسائل وربما كان يخطئ وما كان يمنعنا من الرد عليه إلا أنا كنا على طعامه ولو وجب تقليده لما كان المانع طعامه إلا ما لا يعرف بالقياس، لأنه لا يظن بهم القول جزافًا، فإذا بطل الرأي لم يبق إلا السماع إلا أنه يشكل عليه قول التابعي بخلاف القياس.\nوكذلك قول من بعده إذا كان فقيهًا عدلًا وليس هذا كالراوي إذا عمل بخلاف ما روى فإنه يحمل على أنه علم بانتساخ ما روى، وإن لم يرو حملًا لأمره على الصلاح لأنه لو لم يحمل عليه لكنا فسقناه وأبطلنا روايته كما أبطلنا بالوجه الأول فلم نصر إلى التفسيق بلا فائدة.\nفأما ههنا فنحتاج إلى رد القياس متى حمل قوله عن سماع فلم يجز رد الدليل بموهوم حال.\nويمكن أن يقال: قد ثبت بالنص أنهم كالنجوم يهتدى بهم فثبت في الجملة أن قول من هو من أهل الاجتهاد منهم لا يخرج عن الصواب بل يكون بحيث يهتدى به وذلك بقياس أو نص.\nفإذا بطل أحدهما تعين الآخر بخلاف من بعده لأن الصحابي أصل علمه من صاحب الوحي فلا تجعل فتواه منقطعًا عن السماع إلا إذا ظهر دليل غيره، وهو الرأي ولا يحكم بالانقطاع بالاحتمال فأما غير الصحابي فعلمه منقطع عن السماع إلا بواسطة فلا يحكم بالاتصال مع عدم الواسطة بالاحتمال، أو نقول: معناه أن الصحابة إذا اختلفوا لم يجب الوقوف بحكم التعارض كما في أخبار الرسول ﷺ وآيات الكتاب، بل بأي قول عمل به وقع الاهتداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>[فصل]</span>\nولهذا لم تحمل أقوال الصحابة إذا اختلفت بعضها على بعض بخلاف آيات الكتاب لأن الصحابي كان يفتي عن الرأي، وكان يجوز للآخر خلافه برأيه مع علمه بالأول، وكان قول كل واحد منهما حجة يعمل بها فلم يطلب جهة التوفيق بينهما لثبوتهما كالمقاييس اليوم إذا تعارضت عمل بواحد منها ولم يجب الوقف.","vol":"1","page":258},{"text":"فأما الآيتان فلا تردان إلا والحجة أحدهما وهي الأخيرة فإذا لم يعرف التاريخ وجب حمل إحديهما على الأخرى ليمكن العمل بإحديهما إذا لو لم يحمل لتعارضتا وتساقطتا، ولكن يجب في أقاويل الصحابة ترجيح واحد منهما بالرأي إن أمكنه ثم العمل به ولا يجوز العدل بالرأي إلى قول ليس في أقوالهم لأن اختلافهم فيها إجماع على بطلان ما عداها لأن الحق ما كان يعدو إجماعهم، والله أعلم.","vol":"1","page":259},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>القول في القياس</span>\nقال جمهور العلماء وجميع الصحابة: إن القياس بالرأي على الأصول التي ثبتت أحكامها بالنصوص لتعدية أحكامها إلى الفروع حجة يدان الله تعالى بها، وهي من حجج الشرع لا لنصب الحكم ابتداء.\nوقال داود ومن تابعه من أصحاب الظواهر: إن هذا القياس ليس بحجة لهذا الحكم.\nوسلم إبراهيم النظام أنه خلاف إجماع السلف وطعن، وروى بعضهم المذهب عن قتادة وابن سيرين ومسروق واحتجوا بكتاب الله تعالى: ﴿أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم﴾ فأخبر الله تعالى أن الكتاب كاف فمن لم يكتف به إلا بالقياس فقد خالف.\nوقال: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ والقياس الذي نستنبطه من آرائنا ليس مما أنزل الله تعالى بل ذلك مما ولده رأينا إنما المنزل كتاب الله وسنة رسول ﷺ، فإنه ما كان ينطق عن الهوى وما كان إلا عن وحي.\nوقال الله لرسوله ﷺ: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ أي من الوحي ولم يقل لتبين للناس ما يقع في رأيك.\nوقال ﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾.\nوقال: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ فأخبر أن الكل بيانه في كتاب الله تعالى إما في نصه أو إشارته أو اقتضائه أو دلالته فإن لم يوجد ذلك فالإبقاء على الأصل الثابت من وجود أو عدم فإن ذلك في كتاب الله تعالى.\nقال الله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم﴾ الآية، فالله تعالى أمره بالاحتجاج بعدم نزول التحريم في كتاب الله لبقاء الإباحة لأنها أصل لنا","vol":"1","page":260},{"text":"بقول الله تعالى: ﴿هو الذي خلف لكم ما في الأرض جميعًا﴾ والإضافة بلام التمليك أبلغ جهتي الإباحة، فتصير على هذا كل الأحكام من رطب ويابس ثابتة بما في الكتاب فيبقى الرأي مستعملًا لتعرف الحكمة التي فيها علم المصلحة عاقبة.\nوهي مما لا يوقف عليها بالرأي بالإجماع لأن المصلحة في أداء ما شرع الله تعالى من الأحكام النجاة في الآخرة لا الفوز في الدنيا، وبالآراء لا تدرك مصالح الآخرة وإنما تدرك مصالح العاجلة التي وقف عليها بالحواس والتجارب فتعرف نظائرها بالقياس.\nوهذا كما قلتم إن تعليل النص بعلة لا تتعدى باطل لأنه لا يفيد إلا ما أفاده النص من الحكم فتبقى الفائدة في بيان حكم المصلحة فلم يثبت بالرأي.\nوقال الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ ﴿ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ والقياس لا يوجب العلم.\nوأما خبر الواحد فأصله كلام النبي ﷺ فإنه يوجب العلم يقينًا، ويكون حجة وإنما دخل الشك والاحتمال في الانتقال إلينا فلا يبطل بالاحتمال، وكان بمنزلة النص المؤول بالرأي من كتاب الله تعالى على بعض ما يقتضيه لسان العرب، وأنه حجة ولا يوجب العلم لأنه في أصله موجب.\nوالقياس في نفسه محتمل فلا يصير حجة مع الاحتمال، ولا يشكل علينا تعرف جهة الكعبة وبيان قدر مهر المثل وقيمة المستهلك بالرأي لأن معرفة جهات البلدان من مصالح الدنيا، ومما يوقف عليها بالحواس، وكذلك قيمة الشيء تعرف بمعرفة النظائر، وطريق العلم بها حس البصر، وهذا كما أن الله تعالى أخبرنا بإهلاك من مضى بكفرهم وأمرنا بالاعتبار بهم، وذلك يكون بالرأي لأنه قد عرف هلاك مثله بمثل ذنبه بحس العين أو السماع، فكان الاحتراز عن مثل سببه من مصالح الدنيا وحل محل الاحتراز عن تناول ما يتلفه مما وقف على ما تلف مثله بتناوله، ومحل الاحتراز عن سيف يقع عليه لعلمه بقطعه بتجربة وعلمه أن القطع سبب تلفه فلم تكن معرفة الجهة من أحكام الشرع إنما الحكم وجوب التوجه إلى الكعبة بعد تبين الجهة.\nفالله تعالى أكرم الآدمي بالرأي المميز ليستدرك به مصالحه العاجلة ليبقى إلى حينه بتدبيره وجعل طريق الاستدراك به الوقوف على نظير ما علمه سببًا لخير أو شر بحواسه، فكان الرأي حجة له في مثلها.\nفأما الشريعة فما شرعت إلا لأمور الآخرة، وإن تلك المصالح بنيت على خلاف مصالح العاجلة وكل الدين مبني على خلاف العادة الثابتة لتحري مصلحة عاجلة، فلم يكن الرأي فيها حجة.\nولأنا متى لم نصل إلى تلك المصالح بحواسنا، وهي طريق العلم لنا في الأصل لم","vol":"1","page":261},{"text":"نقف على النظائر بالرأي ولا يلزمنا وجوب التأمل بالرأي في معاني النصوص لأن معانيها لغة من أمور الدنيا، ومما يوقف عليها بحاسة السماع من أهلها ولم تكن من الشريعة في شيء، فإنها كانت قبل الشرع وباقية في الكفار بعد الشرع وإنما أنكرنا استنباط المعنى الذي تعلق به حكم الشرع فإنه من أمور الآخرة فثبوت الحكم على ما يثبت من حظر أو إباحة حق الله تعالى.\nوما هو من معاني اللسان في شيء فنحمل الآيات الموجبة للتفكير والاعتبار على هذا القبيل.\nوالنصوص التي نهت عن العمل بالرأي وألزمت اتباع الوحي على أحكام الشرع.\nوعلى هذا تحمل مشورة النبي ﷺ أصحابه فإن الله تعالى أمره بها في تدبير الحرب وشاورهم فيها والوقوف على جهة الغلبة من مصالح الدنيا ما هو بحكم شرعي، وإنما حكم الشرع في كونهم محقين.\nوما شاورهم النبي ﷺ عليه في تعرف كونهم محقين بل الوحي إنما خص باب الحرب بالمشورة دون أحكام الشرع، وكذلك الخصوص ظهر من فعل رسول الله ﷺ فإنه روى الشورى في باب الحرب ولم يرو في شيء من الأحكام، علم بانسداد باب الشورى في معرفة الأحكام.\nواحتجوا أيضًا بالأخبار منها: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: \"لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيمًا حتى كثر فيهم أولاد السبايا، فقاسوا ما لم يكن بما قد كان فضلوا\".\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"تعمل هذه الأمة برهة من الدهر بكتاب الله تعالى، وبرهة بالسنة، وبرهة بالرأي فإذا فعلوا ذلك فضلوا وأضلوا\".\nوعن عمر ﵁ أنه قال: \"إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا\".\nوعن ابن مسعود: \"إياكم وأرأيت وأرأيت، فإنما هلك من كان قبلكم في أرأيت وأرأيت، ولا تقيسوا شيئًا بشيء فتزلوا قدم بعد ثبوتها\".\nوقال ﵇: \"من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار\" والمقايسة تفسير","vol":"1","page":262},{"text":"بالرأي لأنه استنباط معنى لا يدل عليه اللسان فيعلق به حكم الله تعالى.\nفأما من الوجه الذي يدل عليه اللسان فحسن نحو اختلاف عبد الله بن عباس وزيد ﵄ في زوج وأبوين؟ فقال عبد الله: للأم ثلث المال كاملًا، لأن الله تعالى لم يقل: ثلث ما بقي.\nوقال زيد: لها ثلث ما بقي لأن الله جعل للأم ثلث ما يرث الأبوان، وإرث الأبوين في هذه المسألة بعد الزوج.\nووجه آخر أن الله تعالى جعل أحكام الشرع متباينة كمقادير العبادات والعقوبات والكفارات ولم يشرعها نظائر ليبين لنا أن الشرع باب لا مدخل للرأي فيه.\nووجه آخر أن أصل الشرع على ما هو من أحكام الله تعالى في الإيجاب والإسقاط والإحلال والتحريم خالص حق الله وحق الله ما ينبغي إلا بحجة فاصلة موجبة للعلم قطعًا لأن الله تعالى لا يشتبه عليه حق والرأي لا يوصلنا إليه.\nولأن أكثر النصوص التي عللت بعلل مختلفة وحجج الله تعالى لا تثبت مختلفة فإنها نتيجة الاشتباه، والله تعالى علي غني عن ذلك ولا يلزم أخبار الرسول فإنها في الأصل غير مختلفة، وإنما اختلفت الرواية، والحجة هو الخبر لا الرواية.\nوهذا كما يشتبه علينا من كتاب الله تعالى ناسخه من منسوخه، وقد يتعرف بالرأي ويعمل به ولا يكون قياسًا.\nقالوا: وكان في حجرنا عن القياس أمران بهمل قوام الدين ونجاة المؤمنين، فإنا متى حجرنا عن القياس لزمنا المحافظة على النصوص والتبحر في معاني اللسان.\nوفي محافظة النصوص إظهار قالب الشريعة كما شرعت.\nوفي التبحر في معاني اللسان إثبات حياة القالب فتموت البدع بظهور القالب.\nفعند ظهورها يتبين عنه الذي هو بدعة وفي حياة قالبه سقوط الهوى لأن القالب لا يحيى إلا باستعمال الرأي في معاني النصوص ومعانيها غائرة جمة لم تنزف بالرأي.\nوإن فنيت العمار فيها فلا نفضل الرأي للهوى فيتم أمر الدين بموت البدع ويستقيم العمل بسقوط الهوى وفيها الفوز والنجاة للناس، فهذا أعدل طريق لنفاة القياس وسنذكر أقسامهم من بعد إن شاء الله تعالى.\nوأما عامة العلماء فإنهم احتجوا بقول الله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ أمر بالاعتبار، وأنه عبارة عن رد الشيء إلى نظيره.\nوالعبرة أصل يرد إليه النظائر والقياس مثله، فإنه حذو الشيء بنظيره، يقال: قس النعل بالنعل أي أحذه به.","vol":"1","page":263},{"text":"وقال الله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ وبصر القلب برأيه، والعرب تقول وكانت على الجاهلية: السعيد من وعظ بغيره، ولا إمكان إلا بعد استعمال الرأي والاعتبار بما كان، والانزجار عن مثل سبب من هلك قبله به.\nوالله تعالى يقول: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ وفيه هلاك حسًا، وإنما الحياة في الاعتبار له بمن قتل، فقتل لينزجر عن القتل ابتداء فلا يقتل جزاء، وهذا ضرب من الرأي واستعمال الرأي لا بد من القول به.\nوكل إنسان إذا تأمل في حاله لم يجد لنفسه قوامًا إلا بهذا الضرب من الاعتبار فما سخر الآدمي غيره مما في الأرض إلا بالرأي.\nوما تفاوتوا في درجاتهم العاجلة إلا بتفاوتهم في الآراء ومتى ثبت هذا ثبت مثله فيما يختلف فيه فإن الله تعالى كما بين إهلاك قوم بكفرهم وأمر الباقين بالاعتبار بهم لينزجروا عن الكفر فلا يهلكوا فكان اعتبارًا واجب العمل به.\nفكذلك إذا بين اسمًا أو صفة فعلق به حكمًا من أحكامه وجب الاعتبار به في أصل آخر ووجب إثبات الحكم فيه متى وجد الوصف فيه، فإنه لا فرق بين حكم هو تحليل أو تحريم تعلق بوصف هو كيل وبين حكم هلاك تعلق بوصف هو كفر.\nفإن قيل: نحن نستجيز ذلك إذا ثبت التعلق بالنص كما ثبت تعلق الهلاك بالكفر نصًا، فإن النبي ﷺ قال: \"الهرة ليست بنجسة لأنها من الطوافين والطوافات عليكم\" ثم الحكم يثبت في الفأرة اعتبارًا بالهرة.\nوكذلك روى أن ماعزًا زنا وهو محصن فرجم، ثبت بالزنا في حال الإحصان في غير ذلك الحكم لأنا عرفنا العلة سماعًا وإنما أنكرنا إثبات العلة بالرأي نحو قولكم: إنما صار الفضل من الحنطة بالحنطة ربا لعلة الكيل، والجنس على الخصوص من بين سائر الأوصاف التي يشتمل عليها اسم الحنطة بالحنطة بالنص فإنكم ما أثبتم الوصفين على الخصوص علة إلا بالرأي.\nقلنا: إنا ما خصصنا إلا من الطريق الذي وجب تخصيص الزنا لإيجاب الرجم من ماعز وإحصانه، فماعز كان موجودًا قبل الزنا وكذلك إحصانه، ولا رجم فلما زنا ورجم عقيبه، والزنا معصية، والحد عقوبة وقد ظهر أثر المعاصي في إيجاب العقوبات شرعًا وجب الإحالة إليه وجعل قيام الإحصان شرطًا لأنه عبارة عن نعم حميدة من الله تعالى على عبده، ولا أثر لنعم الله تعالى في إيجاب العقوبة فلم تجعل علة بل أثرها في تغليظ","vol":"1","page":264},{"text":"حكم المعصية، فكانت علة لغلظ حكم الزنا معه فصار موجبًا رجمًا بعدما كان موجبًا جلدًا دونه.\nوقد عرف هذا الأثر في التغليظ بالنص بأن توعد الله تعالى نساء رسول الله -ﷺ ورضي عنهن- بالعذاب ضعفين بنعمة القرب من رسول الله ﷺ.\nفكذا نحن خصصنا الكيل والجنس من بين سائر الأوصاف بإحالة الحرمة إليهما من هذا الطريق.\nوبيان ذلك: أن قوله: \"الحنطة بالحنطة\" عبارة عن بيعها بجنسها وقوله: \"مثلًا بمثل\"، تفسير وبيان للشرط الذي يجوز معه، \"والفضل ربا\" أي حرام، والفضل: مال مستحق بالبيع كسائر الأموال فيلزمنا أن نعرف حرمته من الوجه الذي يحرم أصل المال بسبب البيع لأن كل واحد مال مكتسب بالبيع، وإنما ظهر تحريم بيع المال المكسوب به إذا ملكه بغير مال، كشراء مال بغير عوض أو بعوض ليس بمال كالشراء بالحر فالحرمة للخلو عن المال بسبب أن التملك كان بلفظ البيع فإنه لو ملك بلفظ الهبة يحل نحو أن يقول ملكتك هذا العبد هبة بلا مال.\nوكذلك الفضل في غير هذا البيع حلال كشراء عبد بعبدين وثوب بثوبين ولؤلؤة بلؤلؤتين وقفيز بقفيزين حال اختلاف الجنس.\nوكيف لا يحل والربح إنما يتحقق بالفضل والبيع، وهو تجارة وهو سبب الاسترباح ولهذا الغرض فتحت الأسواق فوجب إثبات هذه الحرمة بالبيع من الوجه الذي ظهر أثر البيع فيه بالنص والإجماع، وذلك في إثبات حرمة الفضل للخلو عن العوض كما أحيل الحد في قصة ماعز إلى الزنا.\nوأيضًا لئلا يكون هذا الحكم مناقضًا لحكم فضول سائر البيوع فإنها تحرم في البيوع كلها إذا أخذت بغير عوض، لأن السبب واحد وهو البيع، والمال واحد وهو فضل ذات لأحدهما على الآخر وإنما اختلف اسم المال ولم نر لاختلاف اسم المال وحده في سائر الأموال أثرًا في تغيير الحكم، ولما وجب إثبات الحرمة بهذا الوصف ولم يثبت الخلو عن العوض مع وجود المقابلة مالًا بمال في أصل البيع إلا بتقييد بشرط المماثلة نحو أن يقول: بعتك هذا المكيال من الحنطة بمثله على أن تسلم إلي مكيالين.\nفإنه متى قال هذا صار الزائد على المكيال بلا عوض.\nأو يقول: بعتك هذا العبد بهذا العبد على أن تسلم إلي العبد مع عبد آخر أو ثوب فإنه يصير ربا لأنه لم يبق للزائد عوض لما قصر المقابلة بالنص على العبد بالعبد، وشرط المماثلة لم يوجب من المتعاقدين لتجب القسمة كذلك فيخلو الفضل عن العوض فعلم أنه موجود من الشرع كما قال: \"الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل\" أي: حلًا له مقصور على شرط","vol":"1","page":265},{"text":"المماثلة، وأنه واجب شرعًا للحل والواجب شرعًا فوق الواجب شرطًا منا.\nوهذا كما يرد المبيع بالعيب لأن الشرع أوجب له بشرط السلامة عن العيوب لئلا يغبن فوجب كذلك كما لو شرط بنفسه فاشترى عبدًا على أنه كاتب أو تركي فإذا هو ليس كذلك.\nوهذه معان وأحكام أثبتناها بتعرف معاني اللغة فقول الرجل: بعتك هذا بهذين إثبات المقابلة بين الجميع لغة.\nوإذا قال هذا بمثله على أن تسلم زيادة قصر للمقابلة على البعض دون البعض وإن حرم بغير مقابلة عرف بالنص والإجماع لا بالرأي وإن المماثلة مشروطة للجواز ثابتة نصًا لا بالرأي، فبقي بعد هذا أن شرط المماثلة لأي علة وجبت للجواز في الحنطة بالحنطة فقلنا: وجبت لأن الحنطة بالحنطة مثلان متساويان في المالية قطعًا ويقينًا بذاتيهما لأنهما متى تساويا مالية قطعًا ويقينًا بالذاتين لم تثبت المقابلة بينهما مالًا إلا بثبوت المقابلة ذاتًا لأن المالية معه وقيام المقابلة بين الذاتين يعرف عيانًا لا بالرأي، وهو أن يكون كل واحد بقدر الآخر كالمقابلة بين الحنطتين، وكل شيء له طول وعرض فمتى لم تثبت المقابلة في قدر الذات يثبت الزائد بلا مقابلة ذاتًا فيبقى بلا مقابلة مالًا لما كانت ماليته مع ذاته، فثبت أن الفضل بلا عوض يعرف عيانًا لا بالرأي بعد ثبوت المماثلة بين الذاتين في المالية قطعًا فنحتاج الآن إلى معرفة ثبوت المماثلة بين الحنطتين في المالية قطعًا.\nفنقول: أما أصل المماثلة بين الحنطتين بصفة الكيل والجنس بالإجماع، والنص، واستعمال التجار، وذلك لأن التجار لا يعدونها أمثالًا بحباتها ولا حفناتها بل بمكاييلها، وكذلك الشرع فإنه علق الجواز بالمماثلة ولا يجوز بالمماثلة حبة بحبة، ولا حفنة بحفنة بل يجب كيلًا بكيل وكذلك في ضمان الإتلاف لا يجب حفنة بحفنة ويجب كيلًا بكيل، وعليه نص النبي ﷺ: فقال: \"الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل كيل بكيل\" فصار الكيل والجنس علة المماثلة بالنص ووضع التجار والشرع.\nوكذالك بالمعقول من معنى اللغة لأن المماثلة لغة: عبارة عن المساواة، ومثل الشيء: نظيره مساويًا له، والمالية تكون بالعين ومعناه.\nوالمعاني تختلف بالأجناس فباتفاق الجنس تساوى معنى المالية وبالكيل تساوى قدر الذات فإنه ما وضع عرفًا ولا شرعًا إلا لتعريف قدر الحنطة فثبت أنا لم نجعل الكيل والجنس علة لحكمها وهو تماثل الحنطة بالرأي ثم جعلنا ثبوت المماثلة علة لوجوب شرط أن يقابله مثله شرعًا كما لو شرطا شرطًا في حال سقوط عبرة مالية الصفة بأن لا تبقى لها قيمة لأنه ما دام يبقى للوصف قيمة.","vol":"1","page":266},{"text":"ولا بد من أدنى تفاوت وصف بين الحنطتين لم يجب معرفة مماثلة المال بالمال بين العوضين بمقابلة الذات بالذات لأن قدر المالية ليس معه ليعرف به.\nوإنما يصير قدر المالية مع قدر الذات إذا لم يبق للوصف بانفراده قيمة لأنه لا يتوهم بعد اتفاق الجنس تفاوت قدر المالية بغير قدر الذات إلا بتفاوت الوصف.\nوإنما أثبتنا هذا الشرط وهو سقوط قيمة مالية الوصف بانفراده في مسألتنا بالنص، وتعرف حكم النص لا بالرأي.\nأما النص فقوله ﷺ: \"جيدها ورديئها سواء\" ولا يتساويان حتى يصير قيام الجودة عدمًا حكمًا.\nوأما حكم النص فلأن الشرع حرم الاعتياض في بيع القفيز الجيد بالرديء على الجودة فإنه لو شرط زيادة بإزاء جودة حنطته لم يحل، وفضل وصف المال بأن يحل الاعتياض عليه مع الأصل كأصل المال ألا ترى أنه كيف يحل إذا اختلف الجنس وفي غير مال الربا ثم أصل المال من حيث أنه مال لا أثر له في تحريم الاعتياض ما دام متقومًا، وإنما يؤثر فيه إذا سقطت قيمته، إما شرعًا كالخمر وإما عرفًا كحبة حنطة أو قطرة ماء ونحوهما مما لا يتحول ويهان عادة.\nفكذلك الوصف مع الأصل لا يحرم الاعتياض عليه إلا إذا لم يبق له قيمة فلما حرم الاعتياض حال المقابلة بجنسه.\nوانفراد الوصف فصلًا في أحدهما علم أنه حرم لأن الشرع أسقط قيمته في هذه الحالة فيكون معلومًا هذا بتعرف أثر علمنا للمال في تحريم الاعتياض عليه بالنص والإجماع لا بالرأي.\nولا يلزم بيع المحرم صيدًا في يده فإنه لا يحل وهو مقتول لأنه حرم بحق أمن ثبت للصيد عن استيلاء الناس بطريق لم يكن ثابتًا حال كونه صيدًا غير محرز لما يحرم بيع الرهن بحق ثابت للمرتهن، وبيع المدبر بحق عتق ثابت للمدبر عندنا وما لفضل الوصف حق أمن عن الاستحقاق بيعًا أو الإتلاف تناولًا.\nفثبت أن الحرمة محالة إلى سقوط القيمة في هذه الحالة شرعًا كالخمر وكما سقطت قيمة الجودة من الفلوس الرائجة باصطلاح الناس على تقدير ماليتها بأعيانها ما دامت رائجة.\nفثبت أنا لا نخص وصفًا من بين الجملة بكونه علة إلا بأن عرف أثره في ذلك الحكم بعينه أو مثله ولا يعرف الأثر إلا بالنظر فيما سمعنا من النصوص أو عاينا من الأوضاع.","vol":"1","page":267},{"text":"وكان النظر بالرأي لنعرف الحكم بحده من الحجج الشرعية، بمنزلة النظر في الأسامي اللغوية لنعرف المسمى بوصفه، ما بينهما فرق إلا من حيث أن الأسماء مما تعرف مسمياتها من جهة واضعيها.\nوالحجج مما تعرف أحكامها من جهة شارعيها.\nفالحجج نصوص عربية.\nوالأحكام كذلك لها أسماء عربية.\nوكان النظر لتعرف الوصف المؤثر في الحكم من النص ليمكن استعماله في غير المنصوص عليه بمنزلة تعرف جهة استعارة الأسماء لغير ما وضعه واضع اللغة ليمكننا الاستعمال في غير ذلك، لأنا لا نعرف المؤثر إلا بالعيان أو السماع من صاحب الشريعة على ما مر، كما لا نعرف طريق الاستعارة إلا من العرب فكان البابان واحدًا إلا أن المصير في أحد البابين إلى سماع العرب وفي الآخر إلى سماع صاحب الشريعة فيما نعرفه سماعًا.\nوفيما نعرفه عيانًا فهو كاستعمال الرأي في قدر قيم المتلفات بنظائرها التي عرفت نظائر بالعيان وجهة الكعبة التي عرفت أعلامها بالعيان.\nوتبين أن قولنا: إن الكيل والجنس علة لصيرورة الحنطة أمثالًا متساوية إثبات بوصفين ظهر أثرهما في المساواة والتماثل شرعًا وحسًا، فوق أثر الزنا في إيجاب الرجم.\nوإن قولنا: إن سقوط قيمة مالية وصف الحنطة بانفراده شرط ليبقى قدر المالية في الحنطة مع قدر ذاتها معنى معقول حسًا لأنه ما بقي متقومًا ازداد الجيد الأقل في قدر الذات على الأزيد بذاته بزيادة الجودة، كقولنا: إن الإحصان سبب لتغليظ حكم المعصية، قول عرف ذلك شرعًا بل فوقه لأن المعقول عيانًا وحسًا فوق المعقول سماعًا.\nوإنما اشتبه على مخالفينا لقلة تأملهم في الأحكام ليعرفوها بأوصافها وترتيبها بعضها على إثر بعض بعلل مترتبة، حتى وقع عندهم أن الذي ثبت بناء على غيره، ثابت بالعلة التي ثبت الأول فلم يجدوه مؤثرًا بالشرع فيه فأنكروا، وظنوا أنا جعلناه حجة باقتراح الرأي الذي جاء الشرع بذمه وجعله مدرج الضلال. ثم نسبنا بأن فهم أنا ننصب عللًا وحججًا باقتراح الرأي إلى الغفلة عن النصوص لاستغنائنا بالرأي عنها.\nولم يعلم أنا لم نجعل الرأي حجة إلا عند عدم النص والعدم لا يثبت من حيث يصير العبد معذورًا إلا بعد الجد في الطلب من أهلها والمحافظة عليها بعد الطلب.\nثم لم نطلق له القياس إلا بأوصاف مؤثرة ثبت تأثيرها شرعًا، ولم يعرف ذلك إلا بتتبع معاني النصوص، وطرق تعليلات صاحب الشرع بعد المحافظة على النصوص إلا أنا","vol":"1","page":268},{"text":"بالقياس أحيينا الحجج حتى عمت بالتعليل فأمكن العمل بها في غير ما تناوله النص لغة كما أحيا هو.\nونحن معه حقائق النصوص بالوقوف على طريق المجاز والاستعارات فأمكننا العمل بها في غير ما وضعها واضع اللغة في الأصل ولم يكن ذلك اقتراحًا على اللسان ولا وضعًا من عند نفسه وكذلك هذا.\nبل نفاة القياس لما حجروا عنه ألزموا العمل بلا دليل فيما عدا النصوص ولا دليل حكمه الجهل.\nوالعمل بالجهل هو طريق البدعة وعمل بالهوى على ما نذكره في بابه وأنه حرام في أصله إلا عند الضرورة كالميتة حرام إلا عند الضرورة، والضرورات لا تقع على ما بنى الله الأمر عليه إلا نادرًا.\nوأكثر المسائل الشرعية مما صنفها الناس مما لا نص فيها.\nولا يجعل مما يعمل فيها بالضرورة بل دلت على غير حال الضرورة وأن العمل حرام بأحكامها إلا بحجة شرعية وما هو إلا بالقياس الذي قلناه، إلا أنه غير موجب للعلم كخبر الواحد والآية المؤولة لأنا عرفنا حد صحته بغالب الرأي، وإن كان أصله سماعًا فكذا هذا وأنه مما أنزله الله تعالى في كتابه ودخل تحت قوله: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ لا أنه حجة صير إليه لضرورة عدم الأدلة وهذا ليكون العمل بالدليل والعلم أبدًا إلا في أحوال نادرة فيكون من جملة ما يباح بالضرورة.\nوثبت أن القرآن تبيان لكل شيء وكاف بنصه، ودليل نصه ومقتضاه وإشارته والاعتبار به قياسًا ثم باستصحاب الحال حال عدم الأدلة كلها وهي: حال ضرورة وجوب العمل مع عدم الأدلة.\nوثبت أن الذم عن الرأي راجع إلى نصب العلة باقتراح الرأي أو العمل به في المنصوصات بخلاف النص.\nوهذا كما ذم من فسر القرآن برأيه، ويجوز تفسيره بالرأي تخريجًا على أصول اللغة والشرع، وإنما يحرم على سبيل الاقتراح من عند نفسه ثم سقوطه بخبر الواحد لا يدل على أنه ليس بحجة كالآية المؤولة تسقط بالمحكم والخبر يسقط بالآية.\nووجه آخر أن النبي ﷺ كما علمنا الأحكام علمنا القياس فقال لعمر وقد سأله عمر عن القبلة وهو صائم: \"أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك؟ \" فقال: لا، قال: \"ففيما إذً\" أي أن القبلة مبدأ الجماع كالمضمضة مبدأ الشرب ثم الفطر لم يتعلق","vol":"1","page":269},{"text":"بمبدأ الشرب حتى يقضي به شهوة البطن، فكذلك هذا لا يضر ما لم يقض به شهوة الفرج.\nوقال للمرأة التي سألته عن الحج عن أبيها: \"أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان يجزيك؟ \" فقالت: بلي، قال: \"فدين الله أحق\" يعني لما سقط دين العبد الذي يحتمل النيابة في القضاء بأمر من عليه، فكذلك بغير أمره احتمل فدين الله أولى بأن يجوز بغير أمر من عليه، كما يجوز بأمره لأن الواجبين قد استويا من حيث احتمال النيابة مع الأمر.\nوإنما اختلف المستحق والقبول من غير من عليه ضرب من المساهلة والله تعالى أولى بالمساهلة.\nوعلل رسول الله ﷺ بنفسه، فقال للمستحاضة: \"إنه دم عرق انفجر توضئي لكل صلاة\"، فعلل لإيجاب الوضوء بسيلان دم العرق لأنه متى سال أوجب حكمه من النجاسة حتى يجب غسله عن محله فاستقام إحالة وجوب الطهارة إلى ما ظهر أثره في التنجيس.\nوقال: \"الهرة ليست بنجسة لأنها من الطوافين والطوافات عليكم\" فأسقط نجاستها بصفة مؤثرة في السقوط وهو ضرورة الطواف علينا وتعذر الاحتراز عنها فللضرورات تأثير في الإباحات.\nووجه آخر أن النبي ﷺ كما بين لنا الأحكام المشروعة، بين لنا أن العمل بالرأي مشروع كما هو بالنص فإنه قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: \"بما تقضي؟ \" قال: بكتاب الله تعالى، فقال: \"فإن لم تجد؟ \" قال: بسنة رسول الله، قال: \"فإن لم تجد؟ \" قال: أجتهد فيه رأي، فقال ﷺ: \"الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله\".\nووجه آخر أن الصحابة أجمعوا على صحة القياس، وإجماعهم حجة كآية من كتاب الله تعالى على ما مر والدليل على ذلك أنهم اختلفوا في مسألة الجد اختلافًا ظاهرًا، ولم يحتج أحد بالنص وإنما مثلوا أمثلة بالرأي بالوادي يتشعب منه أنهار والشجر يتفرع منها فروع، واختلفوا في مسألة العول بالرأي؟\nوكان عمر ﵁ يكتب إلى العمال: عليكم بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ، ثم بالأمثال والأشباه. وقال لشريح: اقض بكتاب الله، ثم بسنة رسول الله ﷺ، ثم برأيك.\nوسئل ابن مسعود ﵁ عمن تزوج امرأة ولم يسم لها مهرًا ثم مات عنها","vol":"1","page":270},{"text":"قبل الدخول بها؟ فلم يجب شهرًا، ثم قال: أجتهد فيها رأيي فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن ابن أم عبد، أرى لها مهرًا مثل نسائها، لا وكس، ولا شطط. وخالفه علي بالرأي، ولو كان عنده خبر لرد عليه.\nوقال عبد الله بن مسعود في دم بين اثنين عفا أحدهما: أرى هذا إحياء بعض النفس، وقال عمر ﵁: وأنا أرى ذلك.\nوأجمع عمر وعلي ﵄ على فساد بيه أمهات الأولاد بالرأي ثم رجع علي وأفتى بالجواز، وعقد مجالس الشورى مشهور من عمر ليعرف أحكام الحوادث، وكذلك من غيره، ولم يرو عن أحد خلاف ذلك.\nوالنهي عنه محمول على ما حملنا عليه نهي رسول الله ﷺ أو عن \"أرأيت\" على سبيل التعنت، أو ترك الاكتفاء بالمشروع مع الغنية عن الزيادة كما قال الله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ وقال النبي ﷺ: \"اتركوني على ما تركتكم عليه فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم\" أو المراد به النهي عن المقايسة بالصور دون الاستدلال بالمعاني كما ظهر اليوم من أصحاب الطرد ألا ترى أن النهي يروى عن عمر وعن عبد الله بن مسعود ﵄ والقول بالرأي منهما أظهر من الشمس.\nووجه آخر: أن الله تعالى سمى هذا الدين نورًا، وشرحًا للصدور فقال: ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه﴾ وفي إلزام العمل بالنص على حجر عن التأمل في العلل المعقولة بالرأي ضرب حرج، وهذا مما يعرفه كل عاقل من نفسه إذا تأمل في حاله.\nولأن القلب يبصر بالغائب كالغيب بالحاضر، ومعقول القلب بالرأي كمرئي العين بالبصر، وإنا نرى ضال الطريق حرجًا صدره وينشرح بعض الانشراح بقول الهادي إذا عرفه صادقًا، ويتم الانشراح ببصره بعينه الطريق العادل وإعلامه، فكذلك القلب إذا عقل الحكم برأيه انشرح الصدر به غاية، وإذا قلد الحاكي بقي معه بعض الحرج وإن اعتقد صدقه ولا اختلاف أن الدين يشرح الصدور بأتم ما يكون من النور.\nفإن قيل: كيف يستقيم هذا والشرع ما جاء إلا بخلاف معتاد الصدور مما عقلته من الأمور؟.\nقلنا: نعم جاء هذا بخلاف معتاد المعقول بهوى النفس وإشارته لكن بمعقول خير منه ما كان القلب يعقله بدون الشرع وعباراته، فكان خلاف المعتاد قبل البيان ووفاقًا بعد","vol":"1","page":271},{"text":"البرهان ليصير الشرعي بعد التأمل طبيعيًا فيعتقده العبد على طمأنينة قلب، وانشراح صدر فكان في وجوب الإسلام لقالب الشريعة حسن الطاعة والانقياد لله تعالى وفي المصير إلى القياس والمعاني المعقولة طمأنينة القلوب بالوقوف على الحجج من الطريق الذي هو معتادها في مصالح الدنيا، والإسلام لله تعالى حق، وطلب ما تطمئن إليه القلوب حسن، قال إبراهيم صلوات الله عليه: ﴿بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾.\nفأما الجواب عن الأول فإن الكتاب كاف وهذا القياس منزل في كتاب الله تعالى دلالة، وإن لم يكن نصًا على ما بينا أنه نظير الاعتبار الذي ثبت نصًا بكتاب الله تعالى، وكان الحكم به حكمًا بما أنزل الله تعالى فإن الله تعالى أمرنا به، ولأنا نعرف بالرأي ما أثر في الحكم شرعًا لا أن نجعله مؤثرًا بالرأي.\nوأما قوله: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ فقد بين رسول الله ﷺ المقايسة فعلم أنها مما أنزلت إلى الناس.\nوأما قوله: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ فحجة لنا لأنه نهي عن قفو ما ليس لك به علم، وأنه يقتضي كل علم لأنه نكرة في النفي، والقياس يوجب ضرب علم من الطريق الذي يوجبه خبر الواحد وإنما لا يوجب العلم من كل وجه، وهذا كما لا يقبل العاقل على ما أمر بقصده من مصالحه بغير علم ويقبل عليه بغالب رأيه وإن لم يعلم يقينًا ويعد ذلك إقبالًا بعلم.\nفثبت أن العلم ضربان: علم يقين، وعلم غالب الرأي.\nوالعمل بكل واحد منهما جائز للدين والدنيا ألا ترى أنهم جوزوا العمل باستصحاب الحال وأنه دون القياس.\nوأما قوله: ﴿ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ فكذا نقول والقول بالقياس حق من الوجه الذي قلناه، ولأن الحق نوعان كالعلم:\nأحق ما هو حق من كل وجه ظاهرًا أو باطنًا.\nب وحق عند العبد وليس بحق عند الله تعالى. والمراد به ما عند الله تعالى فيما يرجع إلى الله وصفاته، فأما فيما تعبدنا من أحكامه التي يجوز القياس بها فالمراد به الحق عندنا على ما يأتيك شرحه في باب الاجتهاد، ألا يرى أنه يعمل بخبر الواحد واستصحاب الحال.\nوأما الجواب عن استدلالهم بالأخبار فما ذكرنا أن النهي منصرف إلى العمل برأي الهوى عن أن النبي ﷺ مدح العالمين بكتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ، والقياس من كتاب الله وسنة رسوله فإنه قاس وأمر به وعلمه، وأما الجواب عن استدلالهم باختلاف الأحكام: فإن منها ما لا يعقل، ومنها ما يعقل، ونحن لا نستجيز القياس إلا لما يعقل،","vol":"1","page":272},{"text":"وهذا ليتحقق الإسلام لأمر الله تعالى بما لا يعقل، ويتم شرح الصدور بتعليل ما يعقل.\nوأما قولهم إن حجج الله موجبة قطعًا؟ فكذلك في إظهار الحق عند الله تعالى فأما حق يلزمنا العمل به فلا كذلك على ما مر، ألا يرى أنا نجعل خبر الواحد حجة ولم يظهر الحق يقينًا إلا على الوجه الذي بلغنا عنه فإنه صار حجة علينا برواية الراوي، وأنها لا توجب إلا غالب الرأي ولا فرق بين الخبر والعلة فإن الخبر أصله حق موجب للعلم بلا تعارض وبلغتنا الأخبار بالرواية متعارضة غير موجبة للعلم قطعًا.\nوكذلك الوصف الذي هو علة هو واحد عند الله تعالى موجب للعلم قطعًا، ويبلغنا بآرائنا متعارضة.\nفالتعليل منا كالرواية.\nوالوصف كالخبر.\nوكما احتملت الرواية الغلط ولم يجب العمل بها قطعًا احتمل تعليل المعلل الغلط فلا فرق بين الأمرين.\nوإنما جعلنا ما ليس بيقين حجة في حقنا كما جعل في مصالح الدنيا ليكون التكليف بقدر الوسع أو بما لا يخرج فيه من لزومنا إصابة ما عند الله في كل الأمور أليس قد جوز التمسك بالأصل الثابت حال عدم الأدلة عندنا، وإن احتمل قيام الليل على زواله إلا أنه لم يبلغنا بعد فثبت أن ترك القول بالقياس خروج على العقل والشرع وعلى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.\nثم من نفاة القياس من طعن على الصحابة، وأنه منكر من القول وزور، فغن الله تعالى أثنى عليهم، وكذلك رسول الله ﷺ فقال: \"خير الناس رهطي الذين أنا فيهم\" والآيات كثيرة في إبانة فضل الصحابة وسبقهم بحيث لا خفاء لها، ولأنا متى اتهمناهم لن تثبت شريعة لأنها لم تبلغنا إلا من قبلهم.\nومنهم من أول فزعم أنهم كانوا مخصوصين بأن جعلت آراؤهم حجة، كما كان رسول الله ﷺ مخصوصًا بكرامة أن جعل قوله حجة؟.\nقالوا: والدليل عليه أنا لا نجيز من أحد بعدهم استعمال الرأي بخلاف النص وهم كانوا يستعملونه وكانت آراؤهم حجة بخلاف النص كرامة لهم على الخصوص فإن السنة كانت للمسبوق بشيء من صلاته أن يصلي ما فاته ثم يتابع الإمام فيما بقي حتى دخل معاذ المسجد وقد سبق بشيء من الصلاة فتابع رسول الله ﷺ ثم قام إلى القضاء فسأله رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: يا رسول الله كرهت أن أصادفك على شيء فأخالفك فيه،","vol":"1","page":273},{"text":"فقال رسول الله ﷺ: \"سن لكم معاذ سنة حسنة فاستنوا بها\" فهذا معاذ ترك السنة برأي نفسه وحمد عليه.\nوروي أن النبي ﷺ كان خرج لصلح بين الأنصار، فصلى أبو بكر بالناس فقدم رسول الله، وأبو بكر في الصلاة فصفق الناس وأبو بكر لا يلتفت فلما أكثروا التفت فرأى رسول الله ﷺ فأشار رسول الله ﷺ أن امكث مكانك فرفع أبو بكر يده وحمد الله ثم استأخر فكان التأخر بالرأي على خلاف الأمر والرفع والحمد بالرأي بخلاف النهي.\nوكذلك الإمامة كانت بالرأي وكانت السنة في الإمامة لرسول الله ﷺ.\nوروي أن النبي ﷺ أمر عليًا ﵁ بكتاب الصلح عام الحديبية فكتب: هذا ما عهد رسول الله وسهيل بن عمر، فقال سهيل: لو علمنا انك رسول الله ما كذبناك، فقال رسول الله ﷺ لعلي: امح رسول الله، فقال علي: ما أنا بماح. فمحى رسول الله ﷺ بيده، فخالف علي رسول الله ﷺ برأيه، ولم يكن خطأ.\nوأراد رسول الله ﷺ الصلاة على المنافق فجر عمر ﵁ رداء رسول الله ﷺ يمنعه من الصلاة، وإنما فعل برأيه بخلاف فعل رسول الله ﷺ فنزلت الآية على موافقة رأيه.\nوكذلك حد شرب الخمر ثبت باجتهادهم وإنه باب لا يعرف بالاجتهاد، وهذا القول قريب من الأول لأن شرف الأمة بقدر طاعة رسول الله ﷺ فيلزمنا بقولنا: إنهم خير القرون، أنهم كانوا أطوع لرسول الله ﷺ منا.\nومن قال غير هذا كان منكرًا من القول وزورًا، ولم يكن إثبات كرامة لهم، بل كان طعنًا فيهم أشد طعن بلا شك.\nفكيف يقال غير هذا وهم كانوا قدوة الأمة بالكتاب والسنة المشهورة فلو جاز لهم الخلاف بالرأي لجاز لنا، بل كان الواجب إذا أجمعنا أنهم خير الأمة أنهم كانوا أشد طاعة لرسول الله ﷺ منا، ولزمنا طلب تأويلات ما تصور خلافًا ظاهرًا حتى يصير طاعة وتعظيمًا باطنًا.\nووجه ذلك من طريق الفقه أن يكون الأمر محتملًا جهة الرخصة أو الإكرام على وجه يجوز ولا يجب، ومحتملًا جهة العزيمة فكان الترك من الصحابي على تأويل جائز الترك به كان تبين له ذلك الوجه بدلالة حال أو بغيرها من الدلالات، نحو صنيع معاذ في متابعة رسول الله ﷺ مسبوقًا في صلاته لأن النصوص باتباع الرسول ﷺ كانت نازلة قطعًا فحمل معاذ ما أمر به من فعل ما سبق به أولًا على الرخصة فإنها أيسر والاتباع عزيمة فكانت سنة حسنة.","vol":"1","page":274},{"text":"وكذلك أبو بكر صلى بالناس ولم يكن نهي عنها لأنه رأى تقديم حق الله تعالى في إقامة الصلاة لوقتها أولى من الانتظار لرسول الله ﷺ ثم تأخر وقد أمر بالتقدم لأن الحالة دلته على أنه أمر توقير وإكرام لا أمر إلزام فرأى توقير رسول الله ﷺ أوجب فتأخر.\nوكذلك علي أمر بمحو اسم رسول الله ﷺ ولكن علم أنه لم يؤمر به لغلطه فيما كتب بل تيسيرًا لأمر الصلح فرأى الكف وإظهار الصلابة للكفار عزيمة، وما أمره رسول الله ﷺ رخصة.\nولأن الصلح لا يجوز مع الكفرة إلا لنفع عائد إلى الإسلام والأعود أن يكون صاحب الأمر على سبيل الإحسان إليهم والفضل عن شدة في قومه لا عن ضعف في قومه، وذلك المعنى فيما أبداه علي ﵁ وفعله رسول الله ﷺ.\nوكذلك عمر ﵁ رأى ترك الصلاة على المنافق وإظهار العداوة هزيمة والصلاة وإظهار حسن المعاشرة على قصد تأليف القلب رخصة.\nوأما حد السكر فإنما أجمعوا عليه استدلالًا بحد القذف، فإن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: يا أمير المؤمنين إنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وإذا افترى لزمه حد الفرية، وحد الفرية ثمانون. فأخذوا بقوله، على أن الإجماع ليس من قبيل القول بالاجتهاد بل يحل الرأي محل النص إذا تأيد بالإجماع، والله أعلم.\nوجواب آخر عن كل ما يتصور خلافًا للأمر من حيث أنه لا يوجد له تأويل نحو صنيع موسى صلوات الله عليه حين أخذ بلحية أخيه ورأسه يجره إليه على ما قال الله تعالى: ﴿وأخذ برأس أخيه يجره إليه﴾ وهذا استخفاف ظاهر، وإنه حرام بالمؤمن لا ريب وبالنبي كفر أن موسى أخذ منه نفسه بفرط الحمية لدين الله تعالى، وشدة الغضب في الله تعالى فسقط عنه خطاب الكف عما لا يحل كما سقط بالنوم والإغماء فوقع الفعل هدرًا والحمية محمودة.\nوهذا كما أن رسول الله ﷺ يؤخذ منه نفسه حال ما يوحى إليه حتى كان لا يدرك شيئًا إلا الوحي وكان يتراءى للناظر إليه مغشيًا عليه، وكان لا يسرى عنه إلا بعد إبلاغ الوحي إليه فكان يسقط الخطاب عنه وراء حفظ الوحي في تلك الساعة.\nوعلى هذا يجوز تأويل صنيع عمر ﵁ في جر رداء رسول الله ﷺ أنه فعله في سكر حمية الدين.\nوكذلك علي ﵁.\nوكذلك أبو بكر ﵁ كأنه سكر في تعظيم رسول الله ﷺ إياه فغفل عن حد الائتمار فكان معذورًا، وكذلك معاذ أخذته شدة حالة في تعظيم رسول الله ﷺ في اتباعه فغفل عن الأمر الأول كما يغفل الإنسان بالنوم والنسيان فيكون معذورًا ثم نزل","vol":"1","page":275},{"text":"الوحي على موافقة صنيعه لما كان سببه أمرًا محمودًا شرعًا، كما نزل الوحي على موافقة صنيع عمر: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا﴾ ولو تصور لأحد بعدهم مثل هذه الحالة فخالف الأمر فيه عذر، والله أعلم.","vol":"1","page":276},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>القول في أقسام نفاة القياس</span>\nنفاة القياس أربعة أقسام:\nأ- قسم منهم لا يرى دليل العقل حجة والقياس منه.\nب- وقسم لا يراه حجة إلا في موجبات العقول والقياس ليس من تلك الجملة.\nج- وقسم لا يراه حجة لأحكام الشرع.\nد- وقسم لا يراه حجة في الأحكام إلا عند الضرورة، ولا ضرورة لأنا نحكم فيما نص فيه باستصحاب الحالة الأصلية، فيقدم القول باستصحاب الحال على القياس.\nوإنه أقرب الأقوال إلى القصد.\nفأما القسمان الأولان: فسنذكر وجوه ذلك في أبواب العقليات آخر الكتاب إن شاء الله.\nوأما القسم الثالث: فقد أبطلناه في باب إثبات القياس.\nوكذلك الرابع لأنا قد بينا رجحان القياس على استصحاب الحال، وبينا أنه حجة أصلية لا حجة ضرورية، والله أعلم.","vol":"1","page":277},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>القول في بيان ما لا بد للقياس من معرفته</span>\nللقياس معنى لغة، وركن يقوم به، وشرط لا يعمل به إلا عنده، وحكم يثبت به وهو أثر علمه، ولا بد من معرفتها، لأن الاسم بلا معنى فاسد من الدعوى فلا بد فيه من معرفة المعنى، ولا قوام لشيء إلا بركنه، ولا عمل إلا عند شرطه، ولا يخرج من الفعل عن حد السفه والعبث إلا بفائدته، وذلك حكمه الثابت به.\nفأما القياس لغة: فإنه اسم من قاس يقيس، وتفسير قاس الشيء بالشيء، جعله نظيرًا له، يقال: قس النعل بالنعل أي احذه به واجعله نظيرًا للآخر.\nوقد يكون القياس مصدر قايس يقايس مقايسة وقياسًا.\nونظير القياس العبرة وهي الأصل الذي يقاس به غيره.\nوسمي القياس الشرعي نظرًا لأنه بنظر القلب يصاب.\nويسمى اجتهادًا لأنه باجتهاد القلب أي ببذله مجهوده في معرفة النظير يصير قياسًا.\nفأما الركن: فالذي يصير به الفرع نظيرًا للأصل بما تعلق به حكم الأصل لأن القياس والمحاذاة به تقوم.\nوركن الشيء ما يقوم به الشيء كأركان البيت اسم لما يقوم به البيت من البناء.\nوأما الشرط فما لا يعمل الركن عمله إلا معه لأن الشرط علامة في الأصل على ما يأتيك تفسيره وحده، فتكون العلامة على الشيء ما يظهر عندها لا أن يوجد بها كالشهود في النكاح لا يثبت النكاح موجودًا بهم بل بالإيجاب، والقبول لكن لا يوجد على ما شرع النكاح له إلا معهم.\nوكشرط الطلاق علم على وجوده فأما الوجود فمضاف إلى تطليق الزوج، والله أعلم.","vol":"1","page":278},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>القول في بيان الشروط</span>\nقال القاضي ﵀: نبدأ بالشروط لأن الركن لا يعمل إلا معها وهذا كالرجل يريد النكاح فسبيله أن يبدأ بإحضار الشهود، وكذلك من يريد الصلاة فسبيله أن يقدم الوضوء ويستر العورة.\nوجملة شروط القياس الصحيح أربعة.\nأن يكون الأصل غير مخصوص بحكمة بنص آخر.\nوأن لا يكون الحكم معدولًا به عن القياس.\nوأن يتعدى الحكم الشرعي بنص بعينه إلى فرع هو نظيره ولا نص فيه.\nوأن يبقى حكم الأصل المعلول بعد التعليل على ما كان قبل التعليل.\nأما الأول: فلأنه متى ثبت اختصاص الحكم بنص آخر لم يجز إبطال الخصوصية الثابتة بالنص الآخر بالقياس لأن القياس ليس بحجة في معارضة النص على ما مر.\nوأما الثاني: فلأن حكم النص متى ثبت على وجه يرده القياس الشرعي لكنه ترك بمعارضة النص إياه ومجيئه بخلافه لم يجز إثباته في الفرع بالقياس كالنص إذا جاء نافيًا لحكم لم يجز إثباته به، وكذلك لا يجوز إثبات التحريم في عين بنص جاء محللًا إياه.\nوأما الثالث: فلأن المقايسة هي المحاذاة بين الشيئين فلا يتصور ثبوتها في شيء واحد ولا إذا لم يكن نظيرًا، ومتى لم يتعد الحكم إلى فرع بقي الأصل وحده، ولا يكون النظر لإثبات الحكم فيه مقايسة فعلمت أن محل المقايسة حادثتان ليسوى بينهما بالمقايسة، ومحل ما ينفعل فيه الأقوال والأفعال شرط لصحتها في كل باب كالحي شرط ليكون صدمته ضربًا، وقطعه قتلًا.\nفأما كون الحكم شرعيًا فلأن الكلام مفروض في القياس على أصول ثابتة شرعًا، ولا يعرف بالتأمل فيها ما كانت ثابتة لا شرعًا كما لا يعرف بالتأمل في أصول الشرع أحكام الطب واللغة.\nوأما الرابع: فلأن النص فوق القياس فلم يجز استعمال القياس لتغيير حكمه بوجه، ولأن الرأي مشروع حجة بعد النص فلم يبق حجة حيث ثبت فيه النص على سبيل المعارضة بحال ما.","vol":"1","page":279},{"text":"وقال الشافعي: يجوز أن يكون الفرع حادثة فيها نص فيزداد بالقياس بيان ما كان النص ساكتًا عنه، ولا يجوز إذا كان مخالفًا للنص لأن الكلام وإن ظهر معناه يحتمل البيان الزائد ولا يحتمل الخلاف فيبطل القياس إذا جاء مخالفًا.\nوقال أيضًا: يجوز تعليل النص بالرأي بما لا يتعدى حكمها إلى فرع ومثل هذا التعليل لا يكون مقايسة.\nوعندنا لا يجوز متى لم يكن مقايسة ولم يتعد فإذا صار من شرط صحته تعليل النص أن يتعدى حكمه إلى فرع لا نص فيه عندنا.\nوعنده لم يكن شرطًا وتبين بهذا الحد أن حكم العلة عندنا تعدي حكم النص إلى الفرع.\nوعنده تعلق الحكم في النص المعلول بتلك العلة لا التعدي واحتج بأن العلة المستنبطة بالرأي نوع حجة من حجج الله تعالى لوجوب العمل بها على ما مر.\nوالحجج الشرعية اسمًا لما تعلق وجوب الأحكام التي ابتلينا بإقامتها بها فكذا العلة يجب أن تكون اسمًا لما تعلق وجوب الحكم بها إلا أنا كنا لا نقف عليها بالنص ووقفنا عليها بالرأي.\nوإذا وقفنا وجب تعليق الحكم بها ولزمنا أن نعرفها علة بهذا الحكم لا بالتعدي.\nولأن الوصف من بين الجملة إنما يصير علة للنص إذا تعدى بدليل أوجب التمييز بينه وبين سائره لا بالتعدي.\nومتى قام ذلك الدليل بعينه ثبت الوصف علة فإن تعدى كان عامًا وإن لم يتعد كان خاصًا فإن لم يقو بأن كان خاصًا لم يبطل كالنص قد يكون خاصًا وقد يكون عامًا ولا يضعف بكونه خاصًا.\nوالجواب عنه وهو الحجة لنا: أن التعليل إنما يصار إليه ليكون حجة زائدة بعد النص، وحجج الله تعالى إما أن تكون حججًا لإيجاب العلم أو لإيجاب العمل والتعليل بالرأي لا يكون حجة موجبة علمًا.\nوإنما يصير إليه لفائدة العمل فإذا لم يتعد لم يفد عملًا فيما لم يتناوله بالنص، ولا فيما تناوله النص لأن النص فوق العلة.\nولأنه بالإجماع لا يجوز تغيير حكم النص المعلول بعلته فإذا لم يتغير وبقي الأول بعينه والنص فوقه في الإيجاب وجب إضافة الحكم فيما تناوله النص إليه دون العلة، وإذا لم يبق لها حكم لغت.\nفإن قيل: يثبت بها اختصاص الحكم بالنص فالنصوص ضربان: ما يقاس عليه غيره، وما يختص الحكم به.","vol":"1","page":280},{"text":"قلنا: هذه الفائدة حاصلة متى لم يعلل النص وعلق الحكم بعين النص، ولأن تعليل النص بعلة خاصة لا يمنع التعليل بعلة أخرى عامة كما يجوز التعليل بعلتين متعديتين أحدهما أكثر تعديًا من الأخرى دل عليه أن عدم العلة لا يوجب عدم حكمها على ما تأتيك المسألة، وإذا لم يوجب العدم لم يوجب قصر الحكم بوجودهما فلا يثبت ما ادعيت.\nفإن قيل: تبقى العلة لإفادة معرفة الحكمة من المشروع.\nقلنا: الحكمة مقصورة فيما ابتلينا بها من الأحكام على العاقبة التي بها تثبت حكمة التخليق والاستعباد، وهي من باب العلم والاعتقاد لا من باب العمل، والرأي لا يوجب العلم وإنما يصح القياس لبيان حكمة يتعلق بها العمل فيلغو، إلا على سبيل أن يقال يحتمل أن يكون لحكمة كذا.\nويحتمل كذا فيخرج عن حد الحجة وبهذا الحد يفرغ المرء عن التكليف بمعرفة كثير من الأدلة المنقولة من أخبار الآحاد والنظر بأغلب الرأي فإنهما ليسا بحجة في إفادة العلم.\nفمتى لم ترد موجبة عملًا وجب الإعراض عنها بالنظر فيما كلفنا العمل به أو فيما يفيد العلم.\nومثال ما لا يتعدى من العلة تعليلهم الذهب بالذهب مثلًا بمثل بالثمنية، فإنها لا تعدو الذهب والفضة والشرع نص عليها.\nوأما الفصل الثاني وهو التعدي إلى حادثة منصوص عليها فلأنا إن عدينا إليها حكم ذلك النص بعينه فما أفاد التعليل شيئًا فأشبه الذي لا يتعدى.\nوإن عدينا حكمًا يخالفه بأصله لم يجز بالإجماع لأنه رفع لحكم النص بالقياس.\nوإن عدينا حكمًا بوصف زائد فهو أيضًا تعرض لحكم ذلك النص بالرأي.\nوكما لم يجز أن يتعرض لحكم النص المعلول بالرأي بتغيير وصف أو زيادة وصف أو تخصيص لم يجز التعرض لحكم النص الآخر بمثله لأنهما مثلان ولأن النص أولى بالعمل به من القياس.\nولأنا متى زدنا على حكم النص زيادة لم يتناولها النص كان بمنزلة النسخ والرفع على ما مضى وأنه في الحقيقة يبتنى على تلك المسألة فالزيادة عنده بيان، وعندنا نسخ وهو من جملة ما جوز تخصيص العام بالقياس والمسألة قد مرت.\nوأما التخريج على الشروط المتفق عليها بأن نقول: أما فصل الحكم المخصوص بالنص فإن رسول الله ﷺ قضى بشهادة خزيمة وحده، وكان مخصوصًا به وقد اشتهر بين الصحابة بهذه الفضيلة وبدليل أن كتاب الله تعالى قصر تفسير الاستشهاد الذي شرعه حجة على الشاهدين، وفسر أنهما رجلان أو رجل وامرأتان فيصير قبول شهادة خزيمة، وحده مخصوصًا لأن النص يرده في غيره.","vol":"1","page":281},{"text":"وكذلك حل تسع نسوة لرسول الله ﷺ لأن الله تعالى قصر الأمر في الأمة على الرباع.\nوكذلك حل البضع لرسول الله ﷺ بغير مهر بقوله: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾ هذه متفق عليها، وجواز النكاح بلفظ الهبة ثابت عندنا استدلالًا بنكاح رسول الله ﷺ.\nوعند الشافعي لا يجوز لأن النبي ﷺ كان مخصوصًا به بقوله: \"خالصة لك من دون المؤمنين\".\nوتفسيرها عندنا: هبة خالصة لك بلا عوض، أو نفسها خالصة لك لا تحل لغيرك بعدك، لأن الخصوصية لرسول الله ﷺ إنما تصح شرعًا بما فيه ضرب كرامة ولا كرامة في الاختصاص بالتكلم بلفظ دون لفظ، وإنما الكرامة في أن لا يجب المهر ولا تحل هي لغيره.\nوكذلك كل حكم جاز رخصة لعذر يختص به ولم يجز تعديه بالرأي كحل الميتة عند الضرورة.\nوجواز السلم بأجل فإنه لا يجوز تعليله لأنه بيع سلم فيجوز حالًا كبيع العين بدراهم لأن الأصل الثابت شرعًا حرمة بيع الشيء ما لم يكن عينًا مملوكًا مقدورًا على تسليمه كما روي عن النبي ﷺ: \"نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان\".\nوكذلك بالإجماع من باع شيئًا ثم اشتراه وسلم لم يجز وإنما جاز السلم وهو بيع ما ليس في ملكه ولا في يده، ولا عين رخصة لعذر العدم على ما روي ورخص في السلم وذلك لأن المعدم يحتاج إلى النفقة ولا يجد عينًا حاضرًا، وربما يكون بحيث يأتيه البيع في الثاني على ما عليه عادات الناس فلو لم يجز له بيع ما يأتيه لحرج وبقي في عذاب العدم فرخص الشرع له البيع سلمًا لعذر العدم.\nورخص بأجل لأن المعدم لا يقدر على التسليم إلا باستحداث سبب الملك فيما باع، وبسبب عجزه في الحال جوز البيع سلمًا فأبيح بأجل ليتمكن من ملك ما باع فيه على ما عليه تبدل الأحوال في الوجود باختلاف المدد فاختص الجواز بالأجل الذي هو الممكن إياه من التسليم حين وجوب التسليم بالعقد ومانع للعقد من إيجاب التسليم حال العدم فالعجز عن التسليم حال الوجوب بالبيع مفسد للبيع.\nوكذلك المنافع جعلت أموالًا كالعيان في التجارات، ولم تجعل عندنا كذلك في الإتلاف والغصب وكانت ماليتها معادلة لمالية الأعيان مخصوصة بالتجارات عندنا لأن","vol":"1","page":282},{"text":"الأصل فيها أن ماليتها دون مالية الأعيان بدرجات لأن المنافع أعراض لا تبقى زمانين والأعيان جواهر تبقى أزمنة، وتفاوت ما بين الجوهر والعرض بحيث لا يخفى.\nوكذلك ما يبقى وما لا يبقى إلا أن الشرع سوى بينهما في التجارات لحاجة الناس إلى المنافع حسب حاجتهم إلى الأعيان لإقامة المصالح وتعذر وصول المحتاج إلى المنفعة إلا بمال هو عين وهذه الضرورة غير ثابتة في الإتلافات لأنه منهي عنها، والسبيل أن لا توجد فلم تلتحق في حق الإتلاف بالعين وكذلك جواز بيع المنفعة قبل الوجود، والملك ثابت لضرورة أنها لا تبقى موجودة فلا يمكن بناء البيع على الوجود وهذه الضرورة معدومة في الأعيان، فصار حكمها مخصوصًا بموضع الضرورة.\nوأما فصل الحكم المعدول به عن القياس فنحو بقاء الصوم مع الأكل ناسيًا للصوم لأن الصوم عبارة عن الكف عن الأكل والشرب والجماع، فإذا جاء الأجل ذهب الكف عنه فينعدم الأداء والعبادة قط لا تتأدى بلا أداء عقلًا ولا شرعًا كتارك الصلاة والحج والزكاة بعذر أو بغير عذر فصار الحكم أنه مؤدي صومه مع عدم الأداء حكمًا معدولًا به عن القياس.\nفلم يجز قياس المكره، والمخطئ عليه وهم أغيار.\nولا قياس الصلاة والحج على الصوم وهن أغيار.\nوجوزنا إبقاء الصوم مع الجماع ناسيًا والنص لم يرد فيه لأنه من جنس الأكل من حيث إذهاب الأداء فالصوم تأدية بالكف عن اقتضاء شهوتي بطنه وفرجه في الحقيقة وذهاب الصوم باقتضائهما بطريق فوت الأداء الذي هو ركن العبادة فكانا جنسًا واحدًا.\nوإن اختلف الاسمان كالأكل والشرب جنس واحد في حق الإفطار، وإن اختلف الاسمان وحز الرقبة وشق البطن باب واحد في أنهما قتل وإن اختلف الاسمان.\nوكذلك خروج دم الاستحاضة لا يكون حدثًا في الوقت لضرورة الدوام وثبت في حق سلس البول لأنه من حيث أنه حدث باب واحد.\nفإن قيل: وكذلك الأكل والشرب خطأ وناسيًا جنس واحد في أن الآكل ما قصد الفطر بأكله.\nقلنا: ويجب أن يثبت أولًا أن حكم الفطر يسقط من الناسي لأنه لم يقصد الفطر وليس كذلك فالذي أغمي عليه ولم ينو الصوم لا يكون صائمًا، وما قصد ترك الصوم ولما ذكرنا أن إثبات الأداء بلا أداء خلاف الرأي فلا يثبت إلا بالنص والثابت بالنص ما قاله رسول الله ﷺ: \"فإن الله أطعمك وسقاك\" أي هو الذي ألقى النسيان عليك حتى أكلت","vol":"1","page":283},{"text":"بذلك السبب، ولم نجد في المخطئ لأن الخطأ جاء من قبل الصائم بأن قصد المضمضة فسبق الماء حلقه أو من جهة المكره وما يكون مسقطًا من قبل صاحب الحق لا يدل على أنه يكون مسقطًا من قبل غيره.\nألا ترى أنه يسقط أصلًا بالمرض ولا يسقط أصلًا بمنع المكره عن أصل الصوم أو أصل الصلاة فصار حد ما لا يعقل سببه بالقياس أن يثبت شرعًا بخلاف ما يوجبه العقل في نفسه، والقياس على سائر أصول الشرع فإنه متى ثبت على قياس ما ثبت شرعًا صار معقولًا بالرأي الذي أوجبه الشرع.\nوالقياس الشرعي بمثله يكون ومن هذا القبيل قياس من ذبح وترك التسمية عمدًا على من ترك التسمية ناسيًا لأن التسمية شرط الحل.\nوإنما أحللنا ذبيح من ترك ناسيًا بالحديث على أنا جعلناه مسميًا حكمًا بخلاف القياس كمسألة الكل في الصوم ناسيًا سواء.\nومن الناس من ظن أن المستحسنات من هذا السبيل، وليس كذلك فمن المستحسنات ما هو قياس محض لكنه خفي على ما بيناه في آخر الكتاب.\nومن الناس من ظن أن الأصل الواحد إذا عارضه أصول بخلافه كان الواحد بحكمه معدولًا به عن القياس، وليس كذلك، لما ذكرنا أن حد المعدول عن القياس أن يجيء بخلاف ما يوجبه العقل والقياس الشرعي والعقل لا يوجب أن يكون للفرع أصول حتى يعلل بعد ذلك، ولا القياس الشرعي يوجب ذلك.\nوهذا لأن الأصل بمنزلة راوي الحديث على ما يأتيه بيانه، والوصف الذي يجعله علة بمنزلة الحديث ورواية الحديث تصح من راوٍ واحد إلا أن الأصول إذا كثرت ربما أوجبت ترجيحًا عند المقابلة كالخبر يكثر رواته في مقابلة حديث يشد روايته فثبت أن المعدول به عن القياس إنما يعرف بالحد الذي بيناه.\nومن جملة ذلك حديث الأعرابي الذي واقع امرأته في نهار رمضان فأتاه رسول الله ﷺ بما يكفر به فذكر حاجته إليها فقال رسول الله ﷺ: \"كله وأطعمه عيالك\" لأن التكفير إنما يكون بما يقع عليه من بدني أو مالي لا بما يقع له والله أعلم.\nوأما فصل تعدي الحكم، ففصل عظيم الفقه، عزيز الوجود ومثاله فيما قال الشافعي: إن كفارة اليمين تجب بالغموس قياسًا على المعقودة لأنها يمين بالله تعالى مقصودة لأن التعليل لم يقع لتعديه حكم المعقودة إليها، وهو الكفارة المشروعة بل لتعدية اسم اليمين الثابت لغة.","vol":"1","page":284},{"text":"وبيان ذلك أنا أجمعنا أن كفارة اليمين لا تجب بغير اليمين، واختلفنا في الغموس أيمين حقيقة أو يمين تسمية مجازًا كبيع الحر وطلاق الأجنبية فقلنا نحن أنها ليست بيمين حقيقة بل هي يمين تسمية مجازًا فكانت غير اليمين حقيقة كبيع الحر وطلاق الأجنبية، فلا تجب كفارة اليمين بما ليس بيمين، ولم يجز إثبات اسم اليمين وهو اسم لغوي بالقياس الشرعي بل يجب تعرفه من طريق لسان العرب، فيقال أن اليمين عقد على الخبر لتحقيق الصدق منه وضعًا وشرعًا، فلا يكون محله إلا الخبر المحتمل للصدق ليستحضر باليمين صدقه.\nفأما الكذب الذي لا يحتمله فلا يكون محلًا كالبيع لما شرع لتمليك المال لم يكن الحر محلًا.\nوكالطلاق لما كان قطع ملك النكاح إما عاجلًا وإما آجلًا لم تكن المرأة التي لا نكاح لها ولا عدة نكاح محلًا.\nوكذلك أبو حنيفة ﵁ أبطل قياس اللواطة على الزنا في إيجاب الحد لأن حد الزنا لا يجب إلا بالزنا فالتعليل يقع لإثبات الاسم، وأنه اسم لغوي وكذلك لا يجوز تحريم المثل الشديد بالقياس على الخمر من طريق إثبات اسم الخمر له بالقياس بعلة أنه مسكر لأن اسم الخمر اسم لغوي.\nفإن قال قائل: أنا نثبت الاسم بمعناه لغة لا شريعة، فالزنا اسم لجماع يقصد به سفح الماء دون الولد، وقد وجد في اللواطة، والخمر اسم لما يخامر العقل.\nقلنا: إن الأسامي في الأصل إعلام على المسميات سواء كانت اسمًا للأعيان، أو للأفعال فلم يجز إثباتها بمعناها القائم في المسميات، وقد وضع الاسم لتعريف المسمى بعينه لا بمعناه كاسم الجبل والعظم والخنفسات، وما لا يعقل لها معنى وليس إيجابنا كفارة الفطر بالجماع على الأكل إيجابًا بالقياس لأن تلك الكفارة ليست بكفارة جماع بل هي كفارة إفطار الأكل والشرب والجماع من حيث إيجاب الفطر باب واحد لما ذكرنا أن الصوم إنما يتأدى بالكف عن اقتضاء الشهوتين.\nوالفطر بالاقتضاء يقع من حيث إعدام الكف، فكان الباب واحدًا من حيث الآلات.\nوإنما تختلف أسماء ما يقع به الفطر كالقتل باب واحد بأي آلة قتل المقتول إذا استوت الآلات في إيجاب ما يكون قتلًا.\nوقلنا: إن إيجاب الكفارة بجماع الميتة والبهيمة إيجاب بالقياس لأنه من حيث اقتضاء الشهوة باب واحد لن المحل غير مشتهى طبعًا، وكان بمنزلة الاستمناء بالكف أو في شقاق الفخذ.\nوإنما يسمى جماعًا مجازًا بالصورة كيمين الغموس فيكون الإيجاب به من غير إثبات الاسم ساقطًا.","vol":"1","page":285},{"text":"ويكون التعليل والقياس الشرعي لإثبات الاسم ساقطًا بل يجب معرفته بمعنى اللغة في أن اقتضاء الشهوة لا يتصور إلا بمحل مشتهى لذلك الباب، وكذلك لم يوجب القطع على النباش لأنه حد والنص ورد باسم السرقة وعدم الاسم فيه بمعناه لأن السرقة اسم للأخذ مسارقًا عين صاحبه، وإنه لا يتصور في الكفن لأن صاحبه الميت.\nوسقط القياس الشرعي لإثبات الاسم ولا قطع بالإجماع بدون اسم السرقة، وهذا لأن الأسماء ضربان: حقيقة ومجاز.\nوسبب الحقيقة وضع الواضع وإنه لا يعرف إلا بالسماع.\nوسبب المجاز استعارة العرب الاسم لاسم بطريق ثبت لسانًا لهم فلا يعرف طريق استعمالهم اللغة بالشريعة والنظر في أصولها بل يعرف بالنظر في كلام العرب واستعمالهم.\nومن هذه الجملة الكلام في أن ألفاظ الطلاق هل تصلح كناية عن العتاق أم لا ولفظ التمليك هل يصلح كناية عن النكاح أم لا، وإذا قال أنت طالق ونوى ثلاثًا يصح أم لا؟ وإذا اختلف الشاهدان بالمال بالمائة والمائتين أتقبل على المائة أم لا؟\nلم يجز إثبات شيء منها بالقياس الشرعي لأن احتمال طالق الثلاث وعدم احتماله، وصلاح اللفظ كناية عن آخر ليس بحكم شرعي بل هو لغة، فلا تعرف معاني اللغة إلا بالنظر فيها دون القياس الشرعي، فهذا كله من جنس ما لا يعقل بالقياس الشرعي وقد تكلموا في هذه المسائل بأقيسة شرعية وما تكلموا إلا لقلة النظر فيما هم فيه.\nفإن قيل: والفقهاء قد تكلموا في باب الحدود والإيمان بالقياس!\nقلنا: ما تكلموا بالقياس لإيجاب حد به ولا لإثبات اسم، وإنما تكلموا لبيان الشبه المسقط للحد مع تحقق أسبابها فإنها مما يسقط بالشبهات وسقوط الحد ليس بحد فصحت المقايسة لتعدية السقوط من محل إلى محل آخر لاجتماعهما في الشبهة.\nومن هذه الجملة تعليلهم الرقبة الواجبة في القتل إنها تحرير في تكفير فكان الإيمان شرطًا فيها ثم التعدية إلى كفارة اليمين والظهار.\nلأنهم بهذا التعليل يتعرضون للكفارة الواجبة باليمين والظهار نصًا في أنه تحرير رقبة مطلقة، أو موصوفة بالإيمان، وزيادة الوصف بمنزلة زيادة القدر ولما كان تعرضًا للحكم الثابت نصًا امتنع.\nألا ترى أنه لم يجز لجعل الإطعام إطعام ستين مسكينًا، ولا الصوم ستين يومًا.\nولما ذكرنا أن من شرط صحته أن نعدي حكم النص من غير تعرض للحكم الثابت نصًا بوجه.\nوكذلك قولهم حد الزنا لا يوجب رد الشهادة بعد التوبة لأنه حد في كبيرة وأثبتوا","vol":"1","page":286},{"text":"هذا الحكم في حد القذف هذا تعرض لحكم حادثة القذف الثابت نصًا فإنا نقول: حده الجلد وتحريم قبول الشهادة وعندكم حد الجلد لا غير، والشهادة لا تقبل لفسقه كفاسق لم يقذف، وأنت بهذا التعليل تريد أن تنقص حد القذف عما أوجبه النص فلم يجز إثباته بالقياس بل سبيلك إن أنكرت أن تتأمل في نص هذه الحادثة دون القياس.\nوكذلك قولهم: كفارة الإطعام لا تصح إلا بالتمليك قياسًا على الكسوة لأنه ضرب تكفير يقبل التمليك لأن الاختلاف وقع في قدر الواجب بنص التكفير.\nفقلنا نحن: إنه هو الإطعام بلا قيد التمليك.\nوأنت تقول إنه واجب بهذا القيد فكان كاختلافنا في التحرير أنه تحرير رقبة مطلقة أم مقيدة بالإيمان، وهذا كما لم يجز إثبات مقادير أعداد الركعات بقياس بعضها على بعض.\nوكذلك قولهم: إن الحرمة بين المتلاعنين تجب بلعنات الزوج من هذا القبيل لأن اللعان واجب بالرمي بنصه كحد القذف، وإنها شهادات مؤكدة بالأيمان مزكاة باللعنة محرمة للاجتماع بعد التلاعن منهما بالسنة \"المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا\" فكان إيجاب الحرمة بلعنات الزوج زيادة في الحكم وكذلك زوال الملك بعد التلاعن لا يجب إلا بالقضاء لأن الثابت بالنص: \"المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا\" وحرمة الاجتماع مما تثبت مع قيام الملك.\nكما إذا أسلم أحد الزوجين فلا نزيد زوال الملك بالقياس فيكون تعرضًا لحكم النص بالزيادة، بل نوجبها بعد الحرمة لفوات الإمساك بالمعروف بحرمة الاجتماع أبدًا إذا أصرا على هذه الحالة كما أوجبناها في إسلام أحد الزوجين، وإباء الآخر فلا يكون حينئذ من الحد الواجب باللعان.\nوكذلك الملاعن إذا أكذب نفسه بعد التفريق حلت المرأة له، لأن الشرع أثبت حرمة الاجتماع أبدًا على المتلاعنين وهو بالإكذاب نفسه خرج عن التلاعن ألا ترى أنه يقام عليه الحد الأصلي، وهو حد القذف وإنه لا يجب مع اللعان.\nوألا ترى أن حرمة الاجتماع أبدًا ثابت باللعان قبل قضاء القاضي، ولو أكذب نفسه قبل القضاء حلت له بسقوط اللعان حكمًا في حق الزوج وعود الأمر إلى حال لعان أحدهما دون الآخر فمن أوجب بالقضاء حرمة مؤبدة مضافة إلى اللعان صار متصرفًا في حكم اللعان فلا يجوز بالقياس.\nوظن مخالفونا أنا تعرضنا لحكم النص بقولنا إن حقوق الله تعالى المالية تتأدى بالقيم، قالوا: لأن النص عين مالًا باسمه وأنت بالتعليل تبطل التعيين.","vol":"1","page":287},{"text":"وكذلك جعل الأصناف السبعة مستحقين للصدقات وأنت بالتعليل أبطلت الاستحقاق.\nوكذلك النص عين التكبير للتحريم بالصلاة وأنت بالتعليل تبطل التعيين وعين الماء لإزالة النجاسة وأنت بالتعليل تبطل التعيين لأن الاختلاف بيننا وبينه وقع في معرفة حكم النص.\nفقلنا نحن بالنصوص التي أوجبت الحقوق المالية لله تعالى وجبت لله تعالى بأسمائها الثابتة بالنص.\nونحن بالتعليل لم نغير الواجب لله تعالى فالواجب لله تعالى شاة من النصاب قبل التعليل وبعده غير أنا قلنا: ما يجب لله تعالى يجب الإخراج إليه كالصلاة وحقوق سائر المستحقين ولا يجب الإخراج إلى غير المستحق إلا بسبب آخر فعلمنا أن الصرف إلى الفقير وجب بأمر صاحب الحق وهو الله تعالى، فأمرنا الله تعالى بالصرف إليهم بأرزاقهم التي استحقوها من عطاء الله تعالى وفضله فصاروا مصارف لما وجب الله تعالى يتأدى بالصرف إليهم لا مستحقين وهم مصارف بأجمعهم قبل التعليل وبعده.\nوإنما حقهم في أرزاقهم بجنس المال، وتصير لهم الزكاة إذا قبضوها بحقهم.\nوإذا كان كذلك صارت هذه الأموال الواجبة بأسمائها صالحة لقضاء حق الفقير في رزقه بها لا أنها صارت واجبة لهم قبل الأخذ، وهي بعد التعليل صالحة كما قبل ذلك فما تعرضنا بالتعليل للحكم بالتغيير بل عديناه إلى غير المنصوص عليه.\nوكذلك أركان الصلاة أفعال أعضاء البدن ومن جملة الأعضاء اللسان فكان الركن فعلًا منه سمي ذكرًا وثناء.\nوالتكبير كلمة صالحة لأداء هذا الحكم به وبعد التعليل بقي صالحًا عينًا كذلك.\nوكذلك الواجب في الغسل تطهير الثوب بإزالة النجاسة عنه لا استعمال الماء والماء آلة صالحة للإزالة، وبعد التعليل بقي صالحًا كذلك عينًا وهذا كما أمرنا الشرع بالاستنجاء بثلاثة أحجار وحجر واحد له ثلاثة أحرف يقوم مقامها لأن الواجب إزالة النجاسة عن الموضع لا استعمال الحجر لنفسه فلم تصر الحجارة مستحقة الاستعمال بل صارت آلة بالنص وبعد التعليل بقيت آلة.\nومن هذا القبيل أنا متى اختلفنا من صوم يوم النحر أهو صوم أم لا، أو في صلاة الظهر يوم الجمعة قبل الجمعة مع وجوب الجمعة وبيع الربا أهو مشروع أم لا؟ لم يجز التكلم فيها بالقياس الشرعي لأن الخلاف ثابت في معرفة حكم النهي أنه بأي قدر يعمل.\nوالنهي لغة كالأمر فلا يعرف حكمه بالقياس الشرعي.","vol":"1","page":288},{"text":"وكذلك إذا اختلفنا في حكم النكاح المملوك للرجل على المرأة أنه في حكم ملك العين أو المنفعة لم يجز إثباته بالقياس لأنه ملك عرف ثبوته شرعًا بخلاف القياس لأن المرأة بعينها وأجزائها، ومنافعها لها بعد العقد كما كانت قبله فكان إثبات الملك عليها من غير إمكان الإشارة إلى شيء منها شرعًا حكم معدول به عن القياس فلا يعرف بالقياس على ملك ثابت بالقياس لأنهما غيران، وكان بمنزلة إباحة الميتة عند الضرورة من إباحة الذكية ولكن يجب التأمل في الدليل الذي أوجبه.\nولأن من شرطه أن يكون الفرع نظيرًا للأصل في الحكم الذي وقع التعليل له.\nوالنكاح عقد تمليك لا نظير له من سائر التمليكات لأن سائره ما شرعت إلا في الأموال التي خلقت محلًا لملك الآدمي، وهذه شرعت في الحرة التي خلقت مالكة لا محلًا للملك ولا تباين في حكم الملك أكثر من أن يكون أحدهما محلًا للملك والآخر لا.\nوكذلك إذا اختلفنا في حكم الرهن أنه يد تثبت للمرتهن في حكم يد الاستيفاء الحقيقي أو حق بيع بالدين.\nواليد شرط لتتميم السبب عاملًا، كاليد في الهبة بها يتم.\nوحكمها إيجاب الملك للموهوب له صلة لم يجز إثباته بالقياس لأن العقود ليست بنظائر.\nوكل عقد شرع أو وضع لمقصود على حدة شرعًا ولغة فلا يعرف حكمه بالقياس على غيره بل بالتأمل فيه كما لا تعرف معاني اللغة بالقياس الشرعي والتأمل يوجب ما قلناه.\nلأنه شرع وثيقة لما لصاحب الدين من حق الاستيفاء دون تأكيد الوجوب لأن الوجوب يختص بالذمم.\nوالاستيفاء بالمال وهو مشروع في المال الصالح للاستيفاء من ماليته ومعناه فعلم أنه مشروع وثيقة لجانب الاستيفاء.\nوالاستيفاء مخصوص ثبوته باليد فيزداد بالوثيقة اليد التي تثبت بها الحقيقة لتصير الحقيقة موثقة بما ازداد كالكفالة لما كانت وثيقة لجانب الوجوب ازداد بها شغل ذمة هو في حكم الذمة الأصلية بالمطالبة التي يتوصل بها إلى الواجب في الذمة الأصلية من غير تغير وقع في الأصل فكذلك هذا.\nومنها قولهم: المعتدة عن طلاق بائن لا يلحقها الطلاق لأنها بائنة فأشبهت المنقضية عدتها لأن الخلاف بيننا وبينهم في أنها هل تبقى محلًا للطلاق بالعدة عن النكاح أم لا وقد","vol":"1","page":289},{"text":"عدمت العلة في الأصل المعلل.\nوكذلك قولهم: إن إسلام المروي في المروي جائز لأنهما ثوبان فصار كالمروي في الهروي.\nلأن الخلاف بيننا وبينهم في أن الجنس علة لتحريم النساء أم لا وقد عدم في الأصل المعلول وكان التعليل لغير ما وقع فيه الخلاف ولأن النافي منكر أن يكون ما ادعاه المدعي مشروعًا وما لم يشرع لا يكون حكمًا شرعيًا ليمكن إثباته بالقياس.\nوكذلك قولهم: الطلاق البائن لا يقطع الرجعة قياسًا على الطلاق المطلق لأنه طلاق بلا عوض لأن الخلاف بيننا وبينهم أن صفة الإبانة مملوكة للرجل بالنكاح أم لا؟\nعندنا: مملوكة صفة للطلاق.\nوعندهم: لا، وهذا الحكم وهو أنه غير مملوك له غير ثابت في الأصل ليصح التعليل لتعديته إلى الفرع بل إنما لم تنقطع الرجعة في الأصل لأنه سكت عن الإبانة القاطعة لا لأنه لم يملكها.\nوكذلك الإجارة لا يجوز قياسها على البيع في إيجاب ملك المنفعة للحال لأن محل الملك قائم في البيع قابل للملك فلم يتأخر عنه، والمحل في باب الإجارة معدوم غير متصور ملكه قبل وجوده.\nومنها ما ذكرنا أن المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض فمتى وجدت في الفرع نصًا يمكنك العمل به من غير أن تقيسه على أصل آخر كان القياس فاسدًا لعدم شرطه على ما مر، وقد مرت لها أمثلة ونزيدها ههنا إيضاحًا.\nفنقول: لا يجوز قياس القتل عمدًا على القتل خطأ في إيجاب الكفارة لأن كل حادثة منصوص عليها.\nولا قتل المسلم في دار الحرب قبل الهجرة إلينا على المسلم في دارنا في إيجاب ضمان الدية لأن كل حادثة منصوص عليها.\nولم نستجز قياس المحصر على المتمتع في إيجاب الصوم بدلًا عن الهدي عند العدم، لأن كل حادثة منصوص عليها ولم نستجز قياس المطلقة التي لها مهر مسمى على التي طلقت قبل الدخول بلا فرض مهر في إيجاب المتعة لأن كل حادثة منصوص عليها، إلى أمثلة كثيرة لئلا يلتبس الطريق على المتأمل.\nوأما الفصل الرابع: فمثاله، ما قلنا إن الماء إنما طهر الثوب النجس لأنه مزيل لما هو نجاسة جاورت الثوب.\nوالخل بمنزلته فتعدى الحكم إليه وهو إيجاب الطهارة.","vol":"1","page":290},{"text":"ثم قلنا إن الماء طهور لأعضاء المحدث في حق الصلاة دون الخل، لأن هذه الطهارة لم تجب بإزالة النجاسة بل وجب باسم الماء عرف طهورًا في حقها بالنص فلم تتعد إلى الخل.\nوتعليلنا بالإزالة لم يوجب قصر الحكم على العلة في النص بل وجب الحكم بالطهارة باستعمال الماء بالماء المنصوص عليه كما قبل التعليل، ووجب في الفرع بالعلة ليعلم أن التعليل ليس إلا لتعدية الحكم إلى ما لا نص فيه، وإنه لغو اعتباره مع النص سواء كان النص في الفرع أو الأصل المعلول.\nفإن قيل: أليس عللتم خبر الربا بالكيل وخصصتم به القليل، والنص جاء باسم الحنطة بالحنطة من غير تخصيص.\nقلنا: إن النص جاء بالحنطة هي مثل بمثل كيل بكيل لا بحنطة مطلقة لأن قوله: \"كيل بكيل\" تفسير لما ذكرنا من الحنطة بالحنطة، ولا يتصف بالكيل القليل، وكثير من الإشكالات تزول بمحافظة ما قلنا: إن النص وإن علل بعلة صحيحة فالحكم في الأصل المعلول لا يجب بالعلة بل بالنص كما قبل العلة فيثبت مع انعدامها باسم النص على ما بينا فلا يكون ذلك قدحًا في العلة لجواز بقاء حكم العلة مع انعدامها بعلة أخرى، فكذلك جاز بقيام النص.\nبل الممتنع الفاسد ما قاله الشافعي أن خبر الربا معلول بالطعم، والربا في النص ففضل ذات بقدر الكيل لأنه قال ﷺ: \"الحنطة بالحنطة مثل بمثل كيل بكيل والفضل ربا\" والفضل بعد المساواة كيلًا بكيل لا يكون إلا بفضل أحدهما على الآخر بكيله أو نقصانه عنه وبعلة الطعم يحرم فضل من حيث أجزاء الذات والصورة لأنه يتعدى إلى ما لا يكال فلا يتصور فيه فضل ذات بقدر الكيل.\nوما روي أنه نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا سواء بسواء تحريم يسقط بالتسوية بينهما والتسوية بين الشيئين إنما يكون بالتصرف في أحدهما لأن المفاضلة بين الشيئين في قدر الكثرة لا تكون إلا بزيادة أحدهما على الآخر.\nفالتسوية لا تقع إلا برفع تلك المفاضلة، وذلك بنقص الزائد أو زيادة الناقص فصار الحكم وهو الحرمة حرمة تزول بالتصرف في أحد العوضين بنقصان أو زيادة، وهو بالتعليل بالطعم يعدي حرمة إلى فروع لا تزول بالتصرف في أحدهما فلم يعد حكم النص بعينه بل غير وصفه وأنه فاسد بلا خلاف فثبت أن النظر في شروطه صحة التعليل وخاصة في الحكم باب عزيز الوجود كثير الفقه وإن من وفق للنظر في هذه الشروط وسبر العلل بها وجد أكثر علل الأحداث هباء، والله أعلم.","vol":"1","page":291},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>القول في ركن العلة</span>\nركن العلة: ما جعل علمًا على حكم النص من جملة ما اشتمل عليه اسم النص، وجعل الفرع نظيرًا له في حكمه بوجوده فيه كما وجد في الأصل.\nلأن العلة به تقوم فكان ركنًا.\nوإنه يجوز أن يكون وصفًا لازمًا أو عارضًا أو اسمًا أو حكمًا.\nويجوز أن يكون عددًا واحدًا أو عددين وأعدادًا لا تعمل حتى ينضم البعض إلى البعض.\nويجوز أن تكون العلة في النص وفي غيره، وذلك لأن العلة إنما تصير علة بدلالة أثرها في الحكم على ما نبين، والتأثير متى ثبت لضرب من هذه الضروب كان علة ويجب العمل بها ولأن النبي ﷺ قال للمستحاضة: \"إنه دم عرق انفجر، توضئي لكل صلاة\" فقوله إنه دم عرق انفجر تعليل، والدم اسم علم وانفجر صفة عارضة، وقال للتي سألته عن الحج عن أبيها: \"أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان يجزيك؟ فقالت: نعم. فقال: فدين الله أحق\" علل بحكم آخر لحكم سئل عنه لأن قولنا دين عبارة عن ثابت في الذمة وذلك بالوجوب وإنه حكم.\nوقال علماؤنا: بيع المدبر باطل، لأن عتقه تعلق بمطلق موت المولى فأشبه أم الولد والتعلق حكم.\nوقالوا: الزكاة تجب في الحلي لأن الذهب والفضة أثمان وله وصف لازم لا عارض لأنهما لم يخلقا إلا أثمانًا. وأما قولنا بجواز أن يكون في النص فظاهر لأن النص هو المعلول.\nوأما قولنا: يجوز أن يكون في غيره فنحو ما روي عن النبي ﷺ: \"أنه نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم\" فالرخصة معلولة بإعدام العاقد وإنه غير مذكور في الرخصة، ونهى عن بيع الغرر لعجز البائع عن تسليمه أو جهالة المبيع ولا ذكر لهما، وقال: \"لا تنكح الأمة على الحرة\".","vol":"1","page":292},{"text":"وعلل الشافعي لتحريم نكاح الأمة على الحرة بتعريض الحر جزءًا منه للرق على غنية، ولا ذكر للزوج وهذا لأنه لا بد للنكاح من الزوج وللبيع من البائع والمبيع، فصار ما لا بد منه كالمذكور فيه فصح التعليل بمعنى فيما ثبت مقتضى به كما صح بمعنى في النص وكذلك النهي عن صوم يوم النحر معلول بدعوة الله العباد إلى الفطر بقرابينه، وكذلك كل أمر أو نهي جاء لمعنى في غيره كان معلولًا بمعنى في الغير لا في المذكور نفسه، والله أعلم.","vol":"1","page":293},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>القول في حكم العلة</span>\nقال القاضي ﵁: هذا باب سهل على القلوب علمه، صعب استعماله لشدة ما ثبت من عادات المناظرين بخلافه، ليروض مريده قلبه بالصرف عن العادة إلى الحجة ثم يستعمله، وما التوفيق إلا بالله.\nاختلف العلماء في العبارة عن حكم العلة التي نسميها قياسًا، أو نسميها معلومة بالنظر والرأي؟\nوقال علماؤنا: حكم هذه العلة تعدية حكم النص المعلل إلى فرع، ولا نص فيه، ولا إجماع، ولا دليل فوق الرأي.\nوقال قائلون: حكم العلة؛ تعلق حكم النص بالوصف الذي تبين علة.\nوإنما يتبين هذا الجواب بقول علمائنا: إن العلة متى لم تكن متعدية كانت فاسدة، ومتى تعدت إلى فرع منصوص عليه كانت باطلة أيضًا، وقد مر فصل الفرع المنصوص عليه، وإنما هذا الباب لبيان نفس حكم العلة الصحيحة.\nفأما الذين قالوا: إن حكم العلة هو تعلق الحكم بها، فقد شبهوا هذه العلة بالعلل العقلية، فإنها لا تعرف عللًا إلا بتعلق وجود أحكامها بها.\nوكذلك العلل الشرعية إذا كانت منقولة عن صاحب الشريعة فالأحكام تصير متعلقة بها.\nوكذلك أسباب وجود العبادات والكفارات والعقوبات ونحوها علل شرعية للوجوب وقد تعلقت بها.\nوالجواب عنه وهو الطريق في الباب: ما ذكرنا أن هذه العلة التي نحن فيها صحتها منوطة بشرط أن تكون بعد النص على ما قال النبي ﷺ، فإن لم تجد في سنة رسول الله فبالرأي على ما مر في باب إثبات القياس، وبالإجماع يجب عليه طلب الحكم بكتاب الله تعالى ثم بالخبر ثم بالرأي، وكذلك ثبت بالإجماع على ما مر في الباب الأول أن النص لا يجوز تعليله بعلة تغيير حكم النص في نفسه.\nوإذا كان كذلك وجب أن يبقى الحكم بعد التعليل على ما كان مضافًا وجوبه إلى النص دون العلة، فإنك متى قصرت الإضافة إلى العلة كنت غيرت حكم النص عما كان","vol":"1","page":294},{"text":"قبل التعليل، وأخرجت سائر أوصافه عن تعلق الحكم بها، وكما لم يجز أن يخرج بالتعليل بعض المحال التي تناولها النص عن حكم الجملة لم يجز كذلك في حق الأوصاف.\nولأن هذه العلة لما لم تشرع علة إلا بعد النص صار لغوًا مع النص، وإذا صار لغوًا لم يجز التعليق بها كما إذا عارضها نص آخر مخالف لم يجز اعتبارها حجة معارضة بل سقطت، وتبين لنا أنها ليست بحجة وإنما تظهر حجة في الفرع، ولن يوجد فيه حكم الأصل إلا بالتعدية إليه فصار حكم العلة التعدية لا غير، ونظيره من العقود الحوالة ما لها حكم تعلق وجوب الدين بها بل التحويل عن ذمة إلى ذمة لأنها لا توجب أصل الدين بل تنقل من ذمة إلى ذمة، ولأنا ذكرنا أن العلة اسم لما يتغير به حكم الحال، والذي يتغير من حكم النص بالتعليل بأن كان الحكم مقصورًا عليه فتعدى بالتعليل.\nوإذا ثبت هذا علمت بفساد ثلاثة أرباع المقاييس جملة بل حجة لكل فرع على حدة، ولا لكل قياس، وسقط عنك أعباء حفظها وفهمها والعمل بها.\nوبيان ذلك أن جملة أقسام ما يختلف فيها الفقهاء ويتناظرون فيها من الشرعيات أربعة أنواع:\nالاختلاف في الموجب للحكم أو صفته أهو مشروع أم لا؟\nأو في شرط العلة أو صفته؟\nأو في حكم من الأحكام أو صفته؟\nأو في حكم مشروع معلوم بوصفه بلا منازعة في محل هل هو مقصود عليه أو هو متعدي عنه إلى غيره؟\nوالقياس لم يشرع حجة إلا لهذا النوع لما ذكرنا أنه لا حكم له غير التعدية، والتعدية لا تتصور إلا في هذا القسم الرابع ففسد فيما عدا هذا القسم لانعدام حكمه، ولأنه لم يصادف محله فمحله أصل فيه حكم مشروع ليمكن التعدية فيما ليس بموجود لا يمكن تعديته كالحوالة حيث لا دين يلغو.\nولأن الاختلاف متى حصل في الموجب للحكم أو شرطه، أو نفس الحكم فقد وقع الاختلاف في أصل الشرع أكان أم لم يكن؟ لأنا أجمعنا أنه ليس إلينا نصب الأحكام الشرعية ولا رفعها بالرأي، ولا نصب أسبابها وفي نصب الأسباب نصب للأحكام، ولا شروطها، ففي نصب الشروط المانعة رفع للأحكام، وإذا لم يكن إلينا ذلك بالرأي بطل تعليل مدعيها لأنه يعلل للنصب، لأن الآخر منكر أن تكون هي مشروعة، وبطل تعليل منكريها لأنهم يقولون هي لم تشرع أصلًا إذا أنكروا الثبوت.","vol":"1","page":295},{"text":"وما لم يشرع لا يكون حكمًا شرعيًا ليمكن إثباتها بالقياس.\nوإذا ادعى الارتفاع بعد الثبوت فكذلك لأن النسخ لا يثبت بالقياس، فإذا عرفت هذه الجملة عقدًا خرجت على كل قسم ما يخرج عليه مما غلط غير المتأملين فيه.\nأما القسم الموجب: فنحو اختلافنا في الجنس بانفراده أهو علة محرمة للبيع نسيئة أو لا؟ وهذا مما لا يجوز فيه التكلم بالقياس، بل يجب على مدعيها إقامة الدلالة على صحة ما ادعاه من نص أو دلالة نص أو إشارته أو اقتضائه، على ما مر أن الثابت بها ثابت بالنص لا بالقياس، وعلى المنكر الامتناع عنه لعدم دليل الصحة.\nكما نقول فيمن ادعى أن الوتر فرض عملًا زائدًا على الخمس، وأنكره آخر لم يكن على المنكر إلا التمسك بعدم قيام الدليل، ولزم المدعي إقامة الدليل سوى القياس وكان بمنزلة من يدعي أن فرض الفجر أربع ركعات وأنكر الآخر.\nوكذلك إذا اختلفنا أن السفر أهو سبب مسقط لشطر الصلاة بنفسه أو لا؟ لم يستقم التكلم فيها بالقياس بل الذي يدعيه مسقطًا لزمه إثباته وإنما يظهر الفقه في مثل هذه المسائل بإفساد أدلة الخصم، لأنه لا يمكنه إفسادها إلا بفقه طرق الأدلة حتى علم بها أن هذه الأدلة جائزة وليست بعادلة، وكذلك إذا اختلفت في الخف هل هو سبب مانع من سريان الحدث إلى القدم؟ لم يصح الكلام فيه بالمقايسة نفيًا ولا إثباتًا.\nوكذلك إذا اختلف في الحربي يسلم، أهو سبب موجب لجعل نفسه وماله مضمونين قبل الإحراز بالدار أم لا؟ لم يعرف بالقياس.\nوكذلك إذا اختلفنا في أن العقل قبل الشرع أهو حجة قاطعة لعذر الكفار أم لا؟. وخبر الواحد أهو حجة يجب العمل به أم لا؟\nوالقياس أهو حجة يجب العمل به في الأحكام الشرعية أم لا؟\nوأما صفته فنحو اختلافنا في المال الذي هو سبب الزكاة، أهو سبب بصفة النماء أم دونها؟\nواليمين بالله سبب للكفارة بصفة أنها مقصودة أم معقودة؟\nوقتل النفس بغير حق سبب للكفارة بصفة الحرمة وحدها أم بصفة الإباحة مع الحرمة؟\nوالإفطار سبب لكفارة باسم الجماع، أم باسم اقتضاء إحدى الشهوتين؟\nوهذا لأن وصف الشيء منه، فما لم يكن أصله مما يثبت بالقياس لم يكن وصفه كذلك من قبيل ما يثبت به.\nوأما أصل الشرط فنحو الاختلاف في شهود النكاح لا يثبت بالقياس أنهم شرط أم لا؟ وكذلك الولي.","vol":"1","page":296},{"text":"فأما ثبوت الولاية للمرأة على نفسها فمما يعرف قياسًا، لأنا وجدنا الثبوت حكمًا ثابتًا مع البلوغ والحرية في أصل مجمع عليه فيصح القياس لتعديته إلى المرأة.\nوكذلك إذا اختلفنا في الزكاة أن التسمية شرط أم لا؟ لم يجز التكلم فيه بالقياس، وكذلك إذا قلنا شرط نفوذ الطلاق على المرأة من جانبها النكاح أو العدة عنه.\nوقال خصمنا: العدة ليست بشرط النفوذ وبها وحدها لا تصير محلًا، وكذلك إذا اختلفنا في البلوغ عن عقل أهو شرط لوجوب حقوق الله تعالى التي تحتمل النسخ والتبديل كالزكاة والصلاة والكفارات ولزوم الإحرام، وكذلك وجوب العقوبات كحرمان الإرث بالقتل والحدود؟ لم يكن للقياس فيه مدخلًا، وكذلك إذا اختلفنا في البلوغ بعد العقل أهو شرط لصحة أداء ما لا يحتمل النسخ من أصل الدين أم لا؟\nفإن قيل: أليس اختلفنا في بيع الطعام بالطعام إن القبض في المجلس شرط أم لا، وتكلمتم فيها بالقياس؟\nقلنا: البقاء على الصحة بلا شرط قبض حكم ثبت في أصل منصوص عليه من البيوع، وهو بيع العبد بدراهم وكل ما عدا الطعام بالطعام من السلع، فيصح التعدية بالتعليل إلى الفرع المختلف فيه ما لم يمنعنا عنه نص بخلافه، فيجب على مدعي الفساد بمعارضة النص إقامته.\nومتى أمكن المعلل في ما مضى من الأمثلة أن يبين لقياسه مثل هذا المحل صح، فإنا ما أنكرنا الصحة إلا لتعليله لنفي ما لم يشرع أو إثباته.\nومن أنكر شرط الشهود في النكاح لا يجد جوازه بدونه إلا في نكاح أهل الذمة.\nلأن أحكام شرعنا لا تلزمهم إلا ما يدينون بها أو استثني عليهم، فلم يستقم القياس عليهم، والمسلمون يلزمهم أحكام الشرع.\nوكذلك من أنكر التسمية في الزكاة لم يجد حل الزكاة بدونها إلا إذا تركه ناسيًا.\nعلى هذا الأصل القياس صحيح بصورته لكنا لم نقبل، لأنا أحللنا زكاة التارك ناسيًا بناء على أنه في حكم المسمى بدلالة النص، كما نجوز صوم الآكل ناسيًا، بناء على أنه في حكم من لم يأكل، بخلاف القياس بدلالة النص.\nثم لا يجوز القياس عليه إذا ترك عمدًا، لأنه معدول به عن القياس، وبمثل هذا يظهر الفقه في بيان طرق القياس.\nوأما صفة الشرط: فكشهود النكاح أنهم رجال، أو نساء ورجال، وصفة الطهارة للصلاة أمرتبة أم غير مرتبة؟ ما يصح إثباتها من الشروط. أو نفيها بالقياس، وإنما يصح تعريفها بالنظر في النصوص الموجبة للشرط، وإلى ما خص منها بزيادة وتكون المقايسة","vol":"1","page":297},{"text":"بعد ذلك لمعرفة حادثة اختلف فيها أنها في العموم أو الخصوص.\nوأما الحكم: فنحو اختلافنا في الركعة الواحدة أمشروعة صلاة أم لا؟.\nوالأربع مشروعة على المسافر أم لا؟ والسمح بالخف مشروع أم لا؟.\nوكذلك بالعمامة؟ وصوم بعض اليوم مشروع أم لا؟.\nوالقراء تسقط بالاقتداء أم لا؟.\nوالصوم يسقط بالجنون أم لا؟.\nوإنما يتكلم في مثل هذه المسائل بالنص وبدليله على ما ذكرنا.\nفإن قيل: اختلافنا في صوم يوم النحر أمشروع أم لا؟ وتكلمتم فيه بالقياس!\nقلنا: لا كذلك، فإن كون اليوم سببًا لصيرورة الصوم مشروعًا ثابت أصلًا، ووقع الاختلاف في انتساخه بصفة أنه يوم عيد فأنكرناه، لا أنا أثبتنا كون اليوم سببًا بالقياس.\nوأما وصف الحكم: فنحو اتفاقنا على أن القراءة مشروعة في الشفع الثاني واختلفنا أنها فرض أم لا؟ وأنها فرض في الأول واختلفنا أنها فاتحة أم لا؟ واتفقنا أن من حكم النكاح أن يملك الرجل طلاق امرأته واختلفنا في وصفه أنه يملكه مباحًا، والكراهة بعارض أو يملكه مكروهًا، والإباحة بعارض وهو مذهبنا على ما بيناه في موضعه.\nوكذلك يملك الطلاق مبينًا قصدًا إليه عندنا، وعنده لا يملك، لا يعرف بالقياس فإنا لا نجده بعينه أصلًا آخر لنعديه إلى الفرع.\nوكذلك إذا اختلفنا في ملك النكاح في حق المتعة أهو خاص للرجل على المرأة أو مشترك بين الزوجين؟ لا يعرف بالقياس لأنه غير موجود في أصل آخر لنعديه إليه بل يعرف بالاستدلال بما ثبت بالنصوص.\nوكذلك إذا اختلفنا في حكم خبر الربا وهو قوله: \"والفضل ربا\" إنه فضل ذات الحنطة أو فضل كيل؟ لم يجز إثباته بالعلة لما قلنا، ولا جاز الاشتغال بعلة الحكم قبل إثبات الحكم على الخصم إذا أنكره.\nوكذلك إذا اختلفنا في حكم الرهن الثابت للمرتهن إذا تم العقد بالتسليم إليه أنه في حكم يد الاستيفاء الذي يتم بالتسليم إليه، أم هو حق بيع بالدين إذا تم العقد باليد كما يتم عقد الهبة باليد.\nوحكمه وقوع الملك للموهوب له لم يجز إثباته بالقياس لأنا لا نجد حكم الرهن في عقد آخر لتعديه إليه بالقياس.\nوكذلك النفي لأن الانتفاء من حيث لم يكن لا يكن حكمًا شرعيًا يمكن تعديته إلى غيره بالقياس على ما ذكرنا.","vol":"1","page":298},{"text":"وكذلك إذا اختلفنا في وجوب المهر بالنكاح بلا تسمية؟ لم يكن للقياس فيه مدخل لأنا لا نجده في غيره لنعديه إليه.\nوكذلك إذا اختلفنا في وجوب المتعة بعد الطلاق بعد الدخول؟ لأنا اختلفنا فيه لاختلافنا في المتعة بأصله على وحشة الفراق، أم عوض عن ملك النكاح؟ واجب بالعقد مقام المهر الساقط بالطلاق، لا يمكن إثباته بالقياس.\nوهذا لأن أحكام الشرع بصفاتها لا تثبت ابتداء إلا بالشرع فلا يمكن معرفتها مشروعة بصفاتها إلا بالنظر في المنصوص، حسب المعاني التي تثبت بالأسامي الغريبة لا يمكن معرفتها إلا بالنظر في كلام العرب والتعرف من قبلهم.\nوأما القسم الرابع: فنحو قولنا: إن المسح في الوضوء لا يسن تثليثه لأنه مسح قياسًا على مسح الخف لأنل وجدنا مسحًا في الوضوء، وله فرض وسنة ووجدنا حكم إقامة سنته بإفراده لا بتثليثه فعديناه إلى الفرع.\nوكذلك قولهم: الرأس عضو من أعضاء الوضوء فيسن تثليث وظيفته قياسًا على الوجه، فكان في محليهما فيجب طلب الفساد بطريق آخر.\nوكذلك قولنا: صوم رمضان صوم عين، فيتأدى بنية مطلق الصوم كالنفل في غير رمضان، وقولهم: إنه صوم فرض فيشترط عليه نية الفرض قياسًا على القضاء.\nوكذلك قولنا: المديون لا زكاة عليه لأن الصدقة تحل له فلا تجب عليه الزكاة كالمكاتب، والذي له دار يسكنها تساوي كثيرًا، وقوله: إن ملكه كامل فيلزمه الزكاة كغير المديون.\nفإن قيل: إنا نقول في النكاح أنه عقد معاملة فيصح بلا شهود كالبيع، كان هذا فاسدًا بطريق آخر لأنا نقول: من حيث أنه عقد معاملة لا يفسد عندنا بعدم الشهود، وإنما فسد من حيث أنه عقد لم يشرع إلا للتناسل فخص بالشهود.\nفالشهود ثبت عندنا شرعًا لهذا الوصف الخاص إظهارًا لكرامة بني آدم، ولا نجد جوازًا مع هذا الوصف بدون الشهود لتعدي ذلك الجواز إلى ما ها هنا بالمعلل في أمثالها.\nأما أن ينقطع بوضعه العلة في غير محلها أو يميل إلى محلها بأن وجده فتقوم المناظرة ببيان الصحة والفساد بطريق آخر، والله أعلم.","vol":"1","page":299},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>القول في أسماء لا بد للقائس منها </span>نحو أسماء الأدوات\nلكل صناعة وأسماء السنجات والميزان للوزن\nقال القاضي ﵁: لا بد للقياس من أصول تعلل، وهي شهود الله تعالى على أحكامه فيما لا نص فيها.\nولا بد من معنى جامع بين الأصل والفرع وهو الشهادة.\nولا بد من قائس، وهو طالب معرفة الحكم المحتاج إليه بشهادة، وهو المعنى الجامع بين الأصل والفرع.\nولا بد من حكم يثبت لديه فيحكم به وهو القلب.\nولا بد من مشهود به وهو الحكم المطلوب.\nولا بد من صلاح الشاهد للشهادة كما في شهود المعاملات من حرية وعقل وبلوغ، فكذلك الأصل يجب أن يكون صالحًا للتعليل.\nولا بد من اعتبار الوصف صالحًا كما يعتبر لفظ الشاهد.\nولا بد من اعتبار العدالة كما في الشاهد فلا بد من مشهود عليه وهو البدن، فاللسان يلزمه الإقرار بحكم تلك الشهادة والبدن يلزمه العمل به، هذا إذا حاج نفسه، فأما إذا حاج غيره فمثال المتناظرين مثال المتخاصمين في حقوق الناس، والمجيب بمنزلة المدعي، والسائل بمنزلة المنكر.\nوالقياس شهادة، والأصل شاهد والمجيب مستشهد، والحكم مشهود به، والسائل بلسانه وبدنه مشهود عليه، والقلب منه حاكم عليه، وتأثير الوصف عدالة ظاهرة فهذه جملة لا بد للقياس منها.\nوقد خالفنا الشافعي في بعضها على ما نذكر في تفاصيل هذه الجملة إن شاء الله ﷿.","vol":"1","page":300},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>القول في الأصول في أنها معلولة أم غير معلولة</span>\nقال بعض مثبتي القياس: الأصول ليست بمعلولة في الأصل إلا بدليل.\nوقال بعضهم: هي معلولة بكل وصف منها واجب العمل به إلا بدليل.\nوقال الشافعي: على ما دلت عليه مسائله، ولست أحققه مذهبًا له: إن الأصول معلولة، ولكن لا يجب العمل بما جعل علة إلا بدليل يميز بينها وبين غيرها.\nوقال علماؤنا كذلك وزادوا فقالوا: لا يجب العمل بها إلا بدليل يدل على كون الأصل شاهدًا للحال.\nفأما الأولون فاحتجوا بأن الأصول هي النصوص، والنص حجة يجب العمل بها على موجب اللغة في الأصل، فلا يجب العدول عنه إلى العلل الشرعية التي لا تنبئ عنها اللغة إلا بدليل.\nوكان ذلك بمنزلة ترك الحقيقة إلى مجازه بل أبعد، لأن المجاز أحد أنواع اللسان وهذا لا يعرف لسانًا بحال.\nولأن التعليل ببعض الأوصاف بعد ظهور الحكم عقيب الكل تخصيص فلا يثبت إلا بدليل.\nولئن سلمنا أن كل وصف يجوز علة فلا يثبت الترجيح للبعض على البعض إلا بدليل إذ كل وصف، وإن صلح علة احتمل أن لا يكون علة فلا يصير علة مع الاحتمال.\nوأما الفريق الثاني فقالوا: إن الدلائل التي جعلت القياس على النص حجة جعلت النص معلولًا في أصله لأنه لا قياس إلا بعلة، وجعلت كل وصف علة لأن القياس لا يتصور بكل الأوصاف، فصار كل وصف علة إلا بمانع، وهذا كما أن دلائل الشرع جعلت الأخبار حجة، وإنما تثبت بالرواة ولا يمكن شرط الكل لأنه يتعذر، فصار كل واحد بروايته حجة إلا بمانع.\nفأما الجواب عن قولهم أن في التعليل تركًا لحقيقة النص، فلا كذلك لما مر أن من شرط صحة التعليل بالرأي أن يبقى حكم الأصل فيه، كما كان قبل التعليل معمولًا به في النص بنصه لا بالعلة، ولما صار كل وصف علة بانفراده لم يترجح واحد إلا بدليل، وإنما لم نجعل كل الأوصاف علة لأنها لا تتعدى حينئذ فلا يمكن المقايسة لها.","vol":"1","page":301},{"text":"وأما الاحتمال فنعم ثابت، ولكن لما ثبت الوصف علة بدلائل صحة القياس لم يبطل بالاحتمال كما لا يثبت ابتداء بالاحتمال.\nوأما الفريق الثالث: فيقول إن الدلائل الموجبة للقياس على النص جعلت النص معلولًا ليمكن القياس، ولا قياس إلا بتعليل، والإمكان يثبت بوصف من الجملة فلا يجب بتلك الدلائل أن يجعل كل وصف علة بل صار البعض من الجملة علة.\nواحتمل الزيادة على الواحد، فلا تثبت الزيادة على الواحد إلا بدليل.\nوهذا الواحد مجهول من بين الجملة فلا يمكن العمل به حتى يمتاز عن الكل، ولا يثبت الامتياز إلا بدليل.\nوأما علماؤنا فإنهم ذهبوا إلى أنه لا بد من دليل يميز الوصف الذي هو علة عن غيره كما قال الشافعي ﵀.\nوسنذكر شرح ذلك في باب: صيرورة الوصف علة يجب العمل بها بعد هذا الباب.\nوقبل هذا الدليل نحتاج إلى دليل يدل على كون الأصل شاهدًا يعمل بشهادته، لأن الأصول وإن كانت معلولة في الأصل بالدلائل الموجبة للقياس فقد احتمل واحد بعينه من الجملة أن لا يكون معلولًا فبالإجماع نصوص من بين النصوص غير معلولة، فلم يخرج في نفسه من أن يكون شاهدًا بالاحتمال بعدما صار الأصل للشهادة.\nولكن لا يبقى حجة على غيره، وهو الفرع مع قيام الاحتمال حتى يقوم دليل يدل على كونه شاهدًا للحال كالرجل المجهول الحال إذا شهد قبلت شهادته.\nوإذا طعن الخصم في حريته لم يصر حجة عليه بكونه حرًا في الأصل، إلا بدليل يوجب حريته للحال في حقه لأنه احتمل التغيير بعارض، فلم تبطل حريته في نفسه بالاحتمال، ولم يبق حجة على غيره مع الاحتمال على ما بينا في باب استصحاب الحال؛ أن الاستشهاد بأصل ثابت احتمل التغير لا يكون حجة ملزمة، وإنما يكون حجة دافعة.\nفإن قيل: أليس النبي ﷺ قدوة أمته فيما كان له وعليه، وقد احتمل أن يكون مخصوصًا كما ظهر في أحكام، ومع ذلك كان حجة على غيره؟\nقلنا: إن الحجة لوجوب الاقتداء به كونه نبيًا، وما اختلف الحال في كونه مقتدى به، والخصوص من ثبت بدليله في بعض أفعاله وأحكامه فيبقى في الباقي على عمومه كالنص العام إذا خص منه شيء ولم ينسخ ولا احتمله، فإن الباقي يبقى على عمومه فأما فيما نحن فيه فالنص المعلول هو الشاهد بعلته فاحتمل في نفسه أن لا يكون معلولًا بعارض كالشاهد هو الحجة بشهادته، فاحتمل أن لا يكون حجة بعارض رق فيصير احتمالًا في نفس ما هو حجة، وفي الفصل الأول كان الاحتمال في العمل بما ثبت حجة.","vol":"1","page":302},{"text":"ومثال ذلك: أنا متى عللنا حرمة الفضل من الذهب بالذهب بكونه موزونًا.\nوقيل لنا: أنه مخصوص بعلة الثمنية، ومعدو لبه عن سنن قياس غيره عليه احتجنا نحن إلى بيان أنه معلول بهذا الوصف بدليل موجب له غير الدلائل المصححة للقياس.\nفنقول: إن كون الذهب ثمنًا ليس بمسقط صفة أنه معلول بعلة يتعدى حكمه إلى غيره، ولا بموجب له صفة الخصوص بحكمه، ألا ترى أن من حكمه وجوب القبض في المجلس، وقد تعدى هذا الحكم إلى عقد السلم.\nوكل عقد بيع كان دينًا بدين بعلة الدينية فكذا لا تصير الثمنية مانعة مما نحن فيه، وصحت التعدي بعلة الوزنية، وهذا كالشاهد يطعن فيه بجهل فلا يكون طعنًا لأن الجهل لا يسقط ولايته، والشهادة من جملة الولاية، وإنما يكون طعنًا ذكر الشاهد بوصف مسقط للولاية كالصبا والرق والكفر في حق المسلم ونحوها، فكذلك ههنا.\nإنما يكون طعنًا إذا أشير إلى وصف مانع من ولاية الشهادة بحكم الفرع جملة.\nفأما إذا وجدناه مع الوصف الذي طعن به شاهدًا في موضع فيعلم أن ذلك الوصف ليس بطعن، ولا هو بمبطل عليه صفة الشهادة فمرة ثبتت صفة الشهادة للشاهد بسبب ثبوت الولاية من الأسباب الموجبة للحرية، ومرة بحكم شهادته فإذا وجدناها مقبولة في حادثة على وجه الصحة صارت حجة.\nفكذلك الأصل إنما يصير من جملة ما يعمل بعلته إذا وجدناه عمل به في حادثة، أو وجدناه من النبي ﷺ نصًا على كونه معلولًا بعينه، أو دليلًا من النص مما يثبت به الأحكام من استدلال ونحوه، والله أعلم.","vol":"1","page":303},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>القول في الوصف وثبوته علة يجب العمل بها</span>\nقالت الحشوية من جملة هذا القياس: كل وصف وجد الحكم معه حجة يجب العمل به إلا بمانع.\nوقال بعضهم: لا يجب العمل به، ولا يصير حجة إلا بدوران الحكم معه وجودًا وعدمًا، والنص قائم في الحالين ولا حكم له.\nوقال بعضهم: بدوران الحكم معه وجودًا وعدمًا لا غير وشرط قيام النص، ولا حكم له شرط مفسد للقياس.\nوقال جمهور العلماء: عدم الحكم عند عدم العلة لا يدل على الصحة، والوجود عند العدم لا يدل على الفساد ولا يجب العمل بهذا الدليل، ولكن بدليل يدل على صلاحه علة ثم عدالته، وعدم ما يرفعه.\nثم اختلفوا في تفسير الصلاح؟\nقال بعض مشايخ الشافعي ﵀: تفسير الصلاح أن يكون مخيلًا.\nوقال بعضهم: أن يكون ملائمًا غير ناب، وتفسير الملائمة: أن يكون على موافقة ما جاء به الشرع من المقاييس المنقولة عن السلف وعن الرسول ﷺ.\nثم العدالة بالعرض على الأصول، فإن لم يرده أصل ناقض صار معدلًا ثم يوقف عن العمل به احتياطًا، ويعرض على الأصول فإن لم يرده أصل معارضًا عمل به حينئذ.\nوقال بعضهم: العرض على الأصول احتياط، والعمل به صحيح قبل العرض، والنقض جرح والمعارضة دفع.\nوقال علماؤنا: ما لم يقم الدليل على أن الوصف الملائم لا يقبل التعليل به، ولا يلتفت إليه، وإذا صار ملائمًا بدليل لم يعمل به إلا العدالة، وذلك بكونه مؤثرًا في ذلك الحكم هذا هو الواجب، وإن عمل به قبل التأثير صح.\nوأما قبل الملائمة فلا يصح العمل به كالشاهد إذا شهد لم تقبل حتى يأتي بلفظة أشهد أو بما يماثله بلغة أخرى، ولا يصح العمل به قبل ذلك وإن عمل به قاض، وإذا جاء بلفظة أشهد لم يجب العمل به حتى يعدل، وإن عمل به صح ونفذ إذا كان مستورًا بلا خلاف، والاطراد بوجود الحكم معه أينما وجد لا يكون دليل الصحة عندنا، ولا وجود","vol":"1","page":304},{"text":"الوصف ولا حكم معه دليل الفساد بنفسه.\nفأما الأولون: فهم القائلون بقياس الشبه بلا معنى، وأنهم حشوية غير معدودين في الفقهاء، فقد أقروا بما قاسوا بالصورة بلا معنى أنهم لم يفقهوا المعنى.\nواحتجوا لذلك بالظواهر التي جعلت القياس حجة.\nوقالوا أنها لم تخص وصفًا دون وصف.\nوقالوا في علل الشرع إمارات على الأحكام، وليست من قبيل العلل العقلية فصح التعليق بالصور، كما صح الحكم بنصوص لم يعقل لها معنى، إلا أن تلك النصوص لم يعقل فقهها تعلق بها أحكام، وهذه نصوص لم يعقل فقهها تعلق بها كينونة كل وصف علة، وأنه ضرب حكم أيضًا.\nوأما الفريق الثاني: فزعموا أن حد العلة ما يتغير به حكم الحال على ما مر في صدر الكتاب، وذلك المغير الذي هو علة قط لا يخلو عن موجودات جمة معه اتفاقًا لا علة، فلا تمتاز العلة عن الاتفاقية إلا بأن يعدم التغير عن عدمه دون سائر الموجودات الاتفاقية، ولأن الوجود لما كان بالعلة لم يجز البقاء بعد ارتفاعها ألا ترى أن الملك الواقع ببيع لا يبقى مع فسخه، وكذلك كل حادث تعلق بقاؤه بسبب لا يبقى بدونه هذا لا شك فيه، قال: واشترطت قيام النص في الحالين، ولا حكم له ليتبين بذلك أن الحكم متعلق بالعلة لا بالنص، كما إذا صار النص مجازًا بدليل كانت علامة أن لا يبقى للحقيقة حكم بوجه.\nألا ترى أن آية الوضوء لما عللت بالحدث دار وجوب الطهارة معه لا مع القيام إلى الصلاة.\nوكما علل قول النبي ﷺ: \"لا يقض القاضي حين يقضي وهو غضبان\" لشغل القلب دار المنع معه لا مع الغضب، حتى إذا كان به وجع شاغل للقلب، أو خوف حرم القضاء عليه، وإذا كان به أدنى غضب لا يشغل قلبه حل له القضاء.\nولما علل خبر الربا بالكيل دار الحكم معه حلًا مع التساوي كيلًا دون سائر الوجوه، والحرمة مع التفاضل كيلًا دون سائر الوجوه والنص \"مثلًا بمثل والفضل ربا\" قائم ولا حكم له.\nفأما الجواب عن قول الحشوية: فإن النصوص الموجبة للقياس على الأصول دلت على أنها معلومة يقاس عليها، وذلك يتأدى ببعض الأوصاف فلا يصير الكل علة إلا بدلالة أخرى، ثم البعض عن البعض لا يمتاز إلا بدلالة، ألا ترى أن النصوص قد جعلت الأمة شهداء فدلت على أنهم شهود في الأصل، ولم تدل على أن كل لفظ منهم شهادة بل دلت","vol":"1","page":305},{"text":"على أنه يتأدى منهم الشهادة، وذلك يحصل ببعض الألفاظ، ولم يميز ذلك عن غيره إلا بدليل، ولما ذكرنا في الباب الأول أن هذه النصوص جعلت القياس حجة أصلية فجعلت الشهادة للأصول أصلًا، ولكن ما أثبت لكل أصل بانفراده.\nواحتملت التغير بالعوارض فكذلك الأوصاف فلا تصير حجة على الغير مع الاحتمال، ولأن كل وصف لو صلح علة، والأوصاف محسوسة مسموعة لشرك السامعون وأهل اللغة كلهم الفقهاء في المقايسات، ولما اختص بها الفقهاء علم أن المقايسة مبنية على معاني تفقه لا أوصاف تسمع.\nوأما الجواب عن قولهم: إن علل الشرع إمارات، فليست كذلك على التمحض على ما مر في أول الكتاب.\nوسنذكر بعد هذا أن علل الشرع إمارات على معنى أنها لم توجب بذواتها بل بجعل الشرع إياها موجبة.\nوقد مر أن حكم القياس تعدية حكم النص إلى الفرع وهذا الحكم مما لا يحس، ولكنه يعقل كقولنا: رجل عالم لا يعرف له هذا الوصف بكونه رجلًا وبأن نحسه، بل بمعنى عقلي يستدل عليه به، وليس ثبوت العلل بأعيانها بالنصوص كثبوت الأحكام بالنصوص، لأن النص عين الحكم وهو موجب بنفسه لغة.\nوالنص ما عين الوصف من الجملة علة ليجب القول به بل صير الأصل معلولًا، فهذا الواحد الذي لم يتعين بالنص لا يتعين إلا بالرأي، فما لم يعقل معناه بالرأي لا يصير الرأي عليه حجة فالدرك بالرأي من طريق العقل وبظاهر البدن من طريق الحس، ولن عين اللفظ لا يكون حجة إلا من صاحب الشرع، والحجة من غيره استنباط معنى النص بالرأي لا تخصيص بعضه.\nوأما الفريق الثالث: فقد زعم أن قيام النص ولا حكم له آية الفساد لا آية الصحة، ولما ذكرنا في باب شروط القياس أن من شرط صحة تعليل النص بالرأي أن يبقى حكم النص على ما كان قبل التعليل.\nوأما آية الوضوء فغير معلومة بالحدث عندنا، والوضوء إنما يجب للصلاة على ما بينا في أول الكتاب، ولكن لا يجب إلا على محدث، والحدث شرط زيد في الآية لا بالرأي، ولكن بدلالة النص فإنه تعالى قال: ﴿ولكن يريد ليطهركم﴾ وقال في الاغتسال: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ وقال في بدل الوضوء: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ وإنما تعلق وجوب التيمم الذي هو بدل بما يجب به الأصل فتبين أن المراد بصدر الآية: إذا قمتم","vol":"1","page":306},{"text":"وأنتم محدثون، ولكن سقط ذكر الحدث اختصارًا لما في الآية ما يدل عليه على ما عليه لسان العرب، ونحن لم ننكر الاختصار والوقوف عليه، والزيادة بدلالة النص وإنما أنكرنا الزيادة بالرأي فإنها تجري مجرى النسخ لا مجرى التخصيص، على أن التخصيص عندنا لا يجوز ابتداء الرأي.\nوكذلك قول النبي ﷺ: \"لا يقض القاضي حين يقضي وهو غضبان\". كناية عن القضاء وهو مشغول القلب عرف ذلك بدلالة الإجماع كما صار قوله: \"فلا تقل لهما أف\" كناية عن الإيذاء حتى صار الشتم بمنزلته، عقل ذلك بدلالة محل الخطاب ما هو من التعليل بالرأي للقياس في شيء.\nوكذلك خبر الرسول ﷺ إنما جعلنا قوله \"مثلًا بمثل\" عبارة عن قوله: \"كيلًا بكيل\" بنص آخر فقال: \"كيلًا بكيل\"، وبالإجماع لا بالرأي، وإذا صار هذا كيلًا بكيل صار قوله ﷺ: \"والفضل ربا\" فضل من حيث الكيل الذي كان المساواة به ضرورة ما عقل شيء من ذلك بالرأي، والتعليل، وإنما التعليل بالكيل لبيان علة الحكم، وهو أن المماثلة كيلًا بأي علة وجبت شرطًا لجواز قفيز حنطة بحنطة والفضل بأي سبب حرم، وهذا التعليل ليس يغير حكم النص على ما نبين في موضعه.\nوأما قول عامة العلماء فلأن دوران الحكم معه وجودًا وعدمًا لا يدل على الصحة، لأن الحكم كما يدور وجوده مع العلة فيدور مع الشرط، ألا ترى أن من قال لعبده: أنت حر إن كلمت زيدًا، دار وجود العتق مع الكلام، وهو شرط كما دار مع قوله أنت حر، وهو علة فلا بد من شيء زائد يميز بين العلة والشرط.\nفإن قيل: إن أصل الدوران مع العلة دون الشرط فالشرط لا يصير شرطًا إلا بتعليق به.\nقلنا: إن العلل الشرعية ما صارت عللًا إلا بتعليق الشرع الوجوب بها، فكانت كالشروط في هذا المعنى.\nولأنا وإن سلمنا هذا لكم فقد احتمل الدوران أن يكون مع الشرط دون العلة، ولما احتمل لم يصر حجة موجبة مع الاحتمال على ما مر في أصل الباب، وكذلك وجود الحكم مع انعدام الوصف لا يدل على الفساد لجواز أن يكون بقي لعلة أخرى فجائز بالإجماع وجود الحكم بعلل كثيرة، ولا ينعدم إلا بزوالها كلها، وما بقيت واحدة بقي الحكم حسب البقاء بالكل، ويدل عليه أن حد العلة ما يتغير به حكم الحال فيكون التغير موجب تلك العلة وأثرها فيستدل بذلك الأثر على كون الحال علة، لأن كل وصف لا يحس لا يستدل عليه إلا بأثره.","vol":"1","page":307},{"text":"وكذلك كل فاعل لا يحس لا يعرف إلا بآثار محسوسة تدل عليه، وهذا كصفة العلم لكل شخص لا يوقف عليها إلا بآثار فعله.\nولهذا كان طريق معرفة الله تعالى من الوجه الذي كلفنا، ولزمنا بالحجة الاستدلال بالعالم الكائن بخلقه، وعدم الحكم عند عدم العلة في الحسيات والعقليات والشرعيات جميعًا ليس بأثر العلة بل كان هذا قبل العلة، وإذا عدمت العلة عاد الأمر إلى ما كان من قبل العلة، وإذا لم يكن أثر العلة لم يصح الاستدلال به على كونه علة.\nقال القاضي ﵀: وبلغني عن الرجل الذي شرط لصحة القياس دوران الحكم معه، والنص قائم في الحالين ولا حكم له أنه قال: إن العموم لا يكون حجة يعمل بها إلا بدليل آخر، وكذلك الأمر والنهي فلم يبق لنفسه حجة من السمعيات، ثم شرط للقياس شرطًا لا يكاد يجده بالرأي وحده بل يأبى الرأي صحته، فبقي بلا دليل فاحتج الأحكام المسائل بلا دليل على ما بيناه في باب لا دليل، فوجدته رجلًا قد غلب عليه السوداء بطول الفكرة حتى توقف عن العمل بالأدلة من النصوص والقياس لا بشروط احتياطًا ثم عمل بلا دليل، وما موجب لا دليل إلا الجهل.\nفأما العلم فلا يثبت إلا عن دليل فجهل مع الأدلة، وعلم عند عدمها، ومع فحش هذا المقال لم يعرف أنه ناقض به ما قال فقد جعل حد صحة الاعتلال، دوران الحكم معه على كل حال، والعلم حكم حجته ثم أثبته بلا حجة.\nوهكذا تبين عوار من زاغ عن طريق الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ ولما ثبت أن الدورات لا يدل على الصحة، ولا عدمه يدل على الفساد سقط اعتبار هذا الدليل أصلًا، وقد بينا أنه لا بد من دليل يميز بين العلة وبين ما ليس بعلة فوجب المصير إليه، وبيننا وبين الشافعي خلاف في تحديده على ما بينا من الرواية.\nوأما الذين قالوا: إن الوصف إنما يصير علة بكونه مخيلًا أي موقعًا في القلب خيال القبول وأثر الصحة فاحتجوا في ذلك بأن الأثر معنى من الوصف لا يحس على ما مر ذكره، ولكنه مما يعقل فيجب الرجوع إلى القلب، وتحكيمه عليه كما قيل في أمر القبلة إذا اشتبه ولم يبق عليها دليل محسوس: وجب الرجوع إلى القلب وشهادته والعمل به، فإذا أشهد القلب بصحته قبلت، وكذا قال رسول الله ﷺ لوابصة: \"الإثم ما حاك في قلبك، وإن أفتاك الناس\".\nوقال بعضهم: لا يشترط هذا فإنه أمر باطن لا يمكن إثباته على الخصم، ولكنه","vol":"1","page":308},{"text":"يعرض على العلل المنقولة فإن كانت مجانسة لها كانت ملائمة، وقبلت، وإن كانت بخلافها، وكانت ثابتة لذلك الحكم عند المقابلة بالأصول ردت، وإذا قبلت بالملائمة أو بالإخالة لم يجب العمل بها بصفة العدالة واليأس من الرفع، وذلك في الاطراد من غير أن يرده أصل ناقصًا ولا معارضًا لأن الوصف مع الملائمة احتمل أن لا يكون علة، لأن الملائمة لا تجعلها علة ولا تنفي عنها احتمال ما يجرحها ويبطل شهادتها فيجب عرضها على المزكين، أو بعضهم تيسيرًا، وهي سائر الأصول فإنها شهود الله تعالى خلقًا عن الرسول ﷺ.\nفإذا عرضت على البعض فلم ترد بنقض ولا معارضة ثبتت العدالة بدليلها، وصارت بمنزلة ما لو عرضت على النبي ﷺ فسكت عن الرد فكان السكوت عن الرد بمنزلة التقرير والشهادة بالصحة.\nومثال ذلك ما قيل في الشاهد، لا تقبل شهادته حتى يأتي بلفظ ملائم لفظة أشهد، وإن كان بلغة أخرى ثم لا يعمل بها حتى تثبت العدالة وذلك بالعرض على بعض المزكين الذين لهم علم بباطن أحواله وصاروا حجة في الباب، وتثبت هذه الحجة بالبعض دون الكل فإذا أثنوا عليه وصار عدلًا صار حجة، وإن توهم رد من جرح يأتي من معدلين سواهم أو معارضة وكان الوقف للدفع بعده حسنًا.\nفإذا لم يظهر الدفع عمل بها، وإن لم ينقطع الوهم قالوا: وكما استجزتم ثبوت العدالة للشهود بقول بعض المزكين، وعدم الوقوف على الأفعال الجارحة من غيره فاستجيزوا ثبوت العدالة للوصف بتعديل بعض الأصول وعدم الوقوف على ناقص آخر أو معارض فليس بين الأمرين فرق.\nوأما الذين قالوا: إن الوصف يصير حجة يعمل بها بالملائمة ثم العرض يصار إليه ليعرف ما يجرح أو يدفع، فذهبوا إلى أن عدالة الوصف في صلاحه لا غير.\nفأما الشاهد فعدالته في طاعة ربه أمرًا ونهيًا لأن العبد مؤتمن عدالته في أداء الأمانة، وهو ممن يؤدي الأمانة ولا يؤدي فكانت الحال محتملة فلم يزل الاحتمال إلا بدليل.\nفأما الوصف فما عنده أمانة ولا يوصف بخيانة تثبت عدالته بالتعرف للرد، ولكن الرد موهوم من سائر الأصول كشاهد عدل بمعدلين لا يؤمن من رد يرد عليه من معدلين آخرين، أو من شهود بالمعارضة فلا يتسارع إلى القضاء احتياطًا فعلى هذا لا يصير الإطراد دليل صيرورته حجة، بل الانتقاض يصير جرحًا بعد الصحة كتوهم الرد في الفصل الأول بعدما أطرد في بعض الأصول.\nوتبين على اختلاف الأقوال أن الشافعي ما دل على صحة العلة بالإطراد في كل الأصول كما ذهب إليه كثير من شيوخنا، وشيوخه، فإنه متى دل عليه به لم يمكنه إثبات","vol":"1","page":309},{"text":"الاطراد في الكل إلا بقوله لا دليل على نقضه أو معارضته.\nوإنما قلنا: لا يمكنه إثبات الإطراد في الكل لأنه وإن اجتهد كان للسائل أن يقول: ولم قلت أنه ليس وراء ما قلته أصل آخر يرده بنقض أو معارضة فيضطر إلى أن يقول: لم يثبت عندي أصل ناقضًا ولا معارضًا.\nفإن قالوا: إن المعجزة إنما صارت آية لعدم ما يعارضها!\nقلنا: لا كذلك بل لوقوعها على حد فوق معتاد البشر، إما محسوسًا وإما معقولًا، وبذلك الأثر ثبتت آية، إلا أن الكفار تعنتوا وقالوا أنه في مقدور البشر عادة، فقيل لهم: ائتوا بمثلها لينقطع تعنتهم فإنهم لو قدروا لما أمكنهم الصبر عن فعله، وفي الترك ذهاب دينهم ونفوسهم وحرمهم وأموالهم.\nوأما علماؤنا ﵏ فإنهم قالوا: إن الإطراد ليس بتعديل ولا عدم الحكم مع وجود الوصف جرح.\nأما الاطراد فلأنه إنما ثبت بكون الوصف شاهدًا أينما وجد في كل أصل على العموم فلا يكون عموم شهادته دليلًا على عدالته بمنزلة شاهد كرر شهادته في كل مجلس قضاء فلا يصير التكرار منه والثبات على الأداء تعديلًا.\nأو نقول: كل أصل شاهد بنفسه بذلك الوصف فيه فيكون بمنزلة شهود أو رواة يكثرون فلا تصير الكثرة تعديلًا لمن لم يكن عدلًا قبل الكثرة.\nوأما قولنا: عدم الحكم مع وجود الوصف لا يدل على الفساد.\nفلأن العلة قد توجد صحيحة دون الحكم لمانع أو نقصان شيء ليس في ركن العلة نحو البيع بشرط الخيار للبائع موجود علة ولا حكم للمانع.\nوالطلاق بعد الدخول موجود ولا حكم في الإبانة إلا بعد العدة، كخيار الرجعة.\nوالنصاب موجود ولا حكم قبل الحول، والحول ليس بركن العلة ولا مانع، ولكن النصاب بصفة البقاء حولًا صار علة تامة عاملة فبدون صفة البقاء لا يعمل مع وجود ما هو ركن العلة تامًا حتى صح تعجيل الأداء قبل الحول، وأنه لا يجوز قبل تمام الركن كما لو عجل قبل النصاب، وهذا أيضًا كالشاهد إذا شهد مرة ثم استشهد فامتنع، أو الراوي روى ثم امتنع لم يكن ذلك جرحًا بنفسه حتى ينظر إنه لأي معنى امتنع، فإن كان لمعنى خاف على نفسه، أو لم يكن مجلس قضاء، أو ما أشبهه لم يكن جرحًا، وإنما يدل على عدم الحكم مع وجوده على الفساد إذا وجدت العلة بالمعنى الذي هو معه فيصير عاملًا بلا مانع من العمل، وذلك لا يعرف إلا بالرواية في الحدود والشروط، ولما سقط اعتبار هذا المعنى دليلًا على الفساد أو الصحة كما سقط اعتبار الدوران اضطررنا إلى دليل آخر.","vol":"1","page":310},{"text":"أما الدليل على الملائمة فالحد فيه ما قال الشافعي ﵀ وسنأتي بأمثلة ذلك من علل الرسول ﷺ والسلف ﵏ ليتضح لك الطريق في هذا إن شاء الله تعالى.\nوأما الإخالة فشرط فاسد في المناظرة لأنه إشارة إلى ما يقع في القلب، وما لا يطلع عليه فلا يصير على غيره كما قيل في باب القبلة إذا اختلفت به الجهات لم يصر قول بعضهم على البعض حجة.\nولأن كل معلل يمكنه أن يقول: قد وقع في قلبي خيال صحته فيصير معارضًا إياك، وإنه من باب الإلهام وقد بينا في موضعه بطلان ذكره على سبيل الاحتجاج به، فثبت أن الصحيح أن تصفه بصفة الملائمة للقبول ليكون من باب ما يمكن إثباته على الخصم بدليل يمكن الوقوف عليه والوصول إليه بالتمسك بالعلل المنقولة، ولا يجوز العمل به قبل الملائمة لأنه أمر شرعي لا عقلي فما لم يكن من قبيل ما جاء به الشرع لم يصر حجة كالشهادة لا تصير حجة إذا قال: أخبر أو أعلم ولم يجز العمل به.\nوإذا ثبتت الملائمة لم يجب العمل به قبل العدالة كما قاله الشافعي ﵀ فيما مضى.\nوكما لا نعمل بشهادة الشاهد إلا بالعدالة والفرق الذي ذكره بعض أصاب الشافعي بين الشاهد والوصف ليس بشيء لأن حال الشاهد إن احتلمت خيانة فيما ائتمن على ما قال، فصار الكذب محتملًا خبره فلم يصر حجة إلا بدليل يقطع الاحتمال ظاهرًا بقدر الإمكان، فكذلك حال الوصف في نفسه مع صلاحه احتمل أن لا يكون علة لأن العلة في كونها موجبة، وما لنا عليه دليل الموجب سوى الاستشهاد بأصل ثابت احتمل وجود الحكم فيه مع هذا الوصف اتفاقًا لا علة.\nألا ترى أنه لا يكون علة إذا قام دليل الرد كاحتمال الشهادة الكذب ما بينهما فرق إلا من حيث أن احتمال الكذب من الشاهد في أداء الشهادة، وههنا من المعلل في تعيينه ذلك وصفًا احتمل أن لا يكون واجب العمل به فثبت أنه لا بد من دليل يرجح احتمال الصواب على الغلط، وذلك في بيان التأثير لما ذكرنا أن ما لا يوقف عليه من طريق الحسن وجب الاستدلال عليه بأثره، وكذلك العلل الحسية إنما عرفت بآثارها.\nألا ترى أن الحد فيه ما يتغير به حكم الحال، والتغير أثر العلة لا محالة.\nألا ترى أن عدالة الشاهد إنما تثبت بأثر دينه في منعه عن ارتكاب ما اعتقده حرامًا بدينه، فاستدل به على منعه عن الكذب الذي هو حرام في دينه فتعرفنا العدالة بأثر ظهر من دينه فيما وقفنا عليه من أفعاله لا بعدم، فكذلك عدالة الوصف إنما تثبت بأثره في إيجاد مثل هذا الحكم في موضع آخر بالإجماع ليصير الأثر الموجود دليلًا على نظيره، ويكون استدلالًا بوجود معلوم لا بعدم ولا بشيء لا يطلع عليه ولا تجوز المحاجة به.","vol":"1","page":311},{"text":"ولأنا ذكرنا أن الحكم يوجد مع العلة ويطرد معها.\nوكذلك يطرد مع الشرط ويوجد معه فلا بد من دليل آخر غير الوجود يميز بين الشرط والعلة، وذلك في الأثر فإنه لا أثر للشرط في إيجاب الحكم وللعلة أثر، قالوا: ولأن رأس الحجج معجزات الأنبياء ولم تعلم إلا بآثارها في الوقوع فوق معتاد البشر فتبين بتلك الزيادة أنها من الله تعالى ومضافة إليه لا إلى العبد.\nوأما الجواب عن قوله: إن الأصول مزكون كالرسول ﷺ، فلا كذلك بل هم شهود مثل الأصل المعلل أو كالرواة للخبر، وصحة الوصف كصحة متن الخبر وصحة المتن لا تثبت بكثرة الرواة فكذلك صحة الوصف لا تثبت بكثرة الأصول والشاهد لا يكون معدلًا لشاهد وكيف يعدل الأصل الأصل، وما له علم بأثر الوصف في نظير ذلك الحكم، وليس للمعدل في باب الشهود أن يعدلهم إلا بعد الوقوف على أثر دينهم في منعهم عن الحرام مثل حرمة الكذب، ولهذا جوزنا الخصوص على العلل بأن توجد، ولا حكم لأنا لم نجعل دليل صحتها اطرادها لتفسد بزوال الإطراد بل جعلنا دليل الصحة معنى هو مؤثر في الحكم صار وصفًا لما هو ركن العلة فيجوز وجود الركن بدون ذلك المعنى.\nولا حكم له معه كما جاز وجود النصاب قبل الحول.\nولا وجوب معه فتبين بانعدام الحكم عند انعدام المعنى المؤثر، إن هذه الحالة لم تدخل تحت التعليل، بل دخل تحته ما تناوله المعنى المؤثر له كما تناوله الوصف الظاهر ولهذا أسميناه خصوصًا.\nفالخصوص بيان أن المخصوص لم يدخل تحت جملة العموم ابتداء بدليل مقارن بخلاف النقض فلا نقض إلا بعد الثبوت.\nألا ترى أنه يمكنه أن يقول: ما ادعيت سوى أن قلت أن هذا الوصف علة وأنه فيما ذكرت علة أيضًا لكن لم يعمل المانع وهو كذا، وقد عدم المانع فيما نحن فيه أو لم يعمل لعدم المؤثر وهو كذا وقد وجد في مسألتنا هذه وأنا لم أدع العمل به إلا مع المؤثر حال عدم المانع.\nوزعمت الطردية أن العلل القياسية لا تقبل الخصوص، وسموا الخصوص نقضًا لزعمهم أن الحكم متعلق بعين الوصف فلم يجز وجوده بلا مانع ولا حكم معه وهذا غلط منهم لغة، وشريعة، وإجماعًا، وفقهًا.\nأما اللغة: فلأن النقض: اسم لفعل يرد فعلًا سبق على سبيل المضادة كنقض البنيان، ونقض كل مؤلف، ونقض العقد، ونقض كل قول بخلافه والخصوص بيان أنه لم يكن في العموم ألا ترى أن نقيض الخصوص العموم، ونقيض النقض البناء والتأليف.\nوأما الشريعة: فلأن التناقض غير جائز على الكتاب والحجج كلها، والخصوص","vol":"1","page":312},{"text":"جائز على عموم النص فتبين به أنه لم يكن داخلًا تحت الجملة، ولم يرد به من الابتداء إلا ما بقي بعد الخصوص لا أن نقض بعد الثبوت.\nوأما الإجماع: فإن القائسين أجمعوا أن من الأحكام ما ثبت بالنص بخلاف القياس، فخصت بالنص عن موجب القياس لولا النص لكان الحكم بالقياس بخلاف ذلك، والشافعي يسميها مخصوصة عن القياس ونحن نسميها معدولًا بها عن القياس.\nوأما الفقه: فلما ذكرنا أن المعلل ما ذكر شيئًا غير أنه سماه علة، ويمكنه الثبات عليه من غير رجوع مع انعدام الحكم بأن نضيف العدم إلى مانع على ما ذكرنا دون فساد اللغة.\nفإن قيل: لو جاز تخصيص العلل لما اشتغل أهل النظر بالجواب كما في العمومات، ولا اكتفي منهم بقولهم: كانت علتي توجب ذلك إلا أني خصصته بدليل ولا يكتفى به بالإجماع.\nقلنا: إنما لم يكتف منهم بهذا القدر لأن دعواهم أن هذا الوصف علة قول بالرأي، ويحتمل الغلط فإذا وجدنا الوصف ولا حكم معه واحتمل العدم لفساد العلة، واحتمل لمانع من الصحة لم تثبت جهة الانعدام بمانع بنفس الدعوى حتى يقيم الدلالة عليه بإزاء المانع في تلك الحادثة دون هذه، وكذلك إن أحال على عدم المؤثر.\nفأما النص: فلا يحتمل الغلط فلا يبقى لانعدام الحكم مع وجوده النص إلا الخصوص الذي يليق بكلام الشرع فلم يحتج إلى إثبات هذا الوجه بدليل ما فرق بيننا وبينه في الخروج عن المناقضة، إلا أنا خرجنا لمعنى فقهي وهم خرجوا عنه بلفظ سمعي، إلا أن الدفع باللفظ أيسر فإنه محسوس وبالمعنى عسير لأنه باطن معقول فمالت النفوس بهواها إلى الظاهر اليسير فغلبت.\nولعمري لو أنصفوا وعذروا أنفسهم على ترك المعنى الفقهي بسبب الحرج الذي يلحقهم لشكروا من تحقق المشقة، وجاهد هواه حتى وصل إليه ولما صار الظاهر فقهًا، والصورة معقولة بل لأقروا بالخطأ على أنفسهم.\nلأن عين الكلمة إنما تكون حجة من صاحب الشرع فأما من غيره فلا، وإنما إلينا استخراج الفقه من كلمات الشرع، وذلك معنى يعقل بلا كلام يسمع إلا أنا لا يمكننا تحقيق المعنى عند السامع إلا بكلام فاضطررنا إليه فصح منا ما يشير إلى معنى ما يعقل دون غيره.\nفإن قيل: إن الإحالة إلى المؤثر إحالة إلى ما لا يعقل حده فلم يصح الاحتجاج به، كما قلتم أنتم في الإحالة التي شرطنا نحن.\nقلنا: لا كذلك بل الأثر من حيث اللغة محسوس كآثار المشي على الأرض، وأثر الجرح بالأعضاء، وأثر الدواء المسهل من الإسهال ومن حيث الشرع معقول أيضًا على ما","vol":"1","page":313},{"text":"بينا في عدالة الشاهد أنها تعرف بأثر دينه في منعه عن تعاطي ما اعتقده حرامًا في دينه كحرمة الكذب فالأثر وهو الامتناع معقول، وقد دلت عليه العلل المنقولة.\nقال النبي ﷺ: \"الهرة ليست بنجسة لأنها من الطوافين والطوافات عليكم\" علل لسقوط النجاسة بضرورة الطواف علينا، فللضرورات أثر في إسقاط حكم الخطاب.\nوقال للمستحاضة: \"إنه دم عرق انفجر، توضئي لكل صلاة\"، علل للوضوء انفجار الدم لأن انفجاره مؤثر في إثبات حكم النجاسة وإيجاب حكم الطهارة.\nوقال لعمر وقد سأله عن القبلة وهو صائم: \"أرأيت لو تمضمضت بماء مثل مججته أكان يضرك؟ فقال: لا، قال: ففيم إذًا\" علل لعدم الفطر بوصف مؤثر وهو المضمضة بالماء من غير ابتلاع لأن الفطر نقيض الصوم، والصوم بالكف عن اقتضاء شهوة البطن والفرج، والمضمضة خالية عن الاقتضاء صورة ومعنى، وكذلك القبلة.\nوالصحابة اختلفوا في ميراث الجد مع الإخوة وشبهوهم بفروع الشجرة وشعوب الوادي، وتلك معاني محسوسة مؤثرة في معنى القرب فعللوا بمؤثرات وبأوصاف غير مردودة إلى أصل، والوصف بنفسه لا يكون حجة إلا بأن يشهد له الأصول أو واحدًا، ويكون مؤثرًا فلما لم يشتغلوا باستشهاد أصل علم أنهم اعتمدوا التأثير.\nوعلى هذا النمط عللنا في الفروع، فقلنا: لا يثلث مسح الرأس لأنه مسح فأشبه مسح الخف. وقال الشافعي: إنه ركن في الوضوء فأشبه الغسل، فكان الصحيح ما قلناه لأن المسح في ذاته أخف من الغسل ويلحق الناس في الغسل من المشقة ما لا يلحقهم في المسح، ولأن صفة المسح قد أثرت في إيجاب تخفيف هذا الركن متى قوبل بالغسل في حق استعمال محله، لأن الغسل لا يتأدى إلا باستعمال كل المحل، والمسح يتأدى بالبعض وكونه ركنًا لم يؤثر في التسوية ذاتًا وقدرًا.\nولأن السنة التي نختلف فيها شرعت مكملة لهذا الركن صفة له كتطويل القراءة في الصلاة والقيام، ولهذا شرعت في موضع الفرض بحيث يتأدى بها الفرض لو ابتدئ بها فيجب أن يؤثر صفة المسح في تخفيف إكماله في حق استعمال محله فيكمل باستعمال المحل مرة واحدة كما أثر في حق الفرض، ولا يكمل الغسل إلا بالاستعمال ثلاثًا وصفة الركنية ما أثرت في التسوية بينه وبين الغسل في حق أصل الفرض فكذلك في حق الإكمال.\nوكذلك إذا اختلفنا في صوم رمضان إن نية الفرض شرط أم لا؟\nفقلنا: الشرط نية الصوم.","vol":"1","page":314},{"text":"وقالوا: الشرط نية صوم الشهر.\nفعللنا نحن: بأنه صوم عين فأشبه النفل، وعللوا بأنه صوم فرض فأشبه القضاء والكفارة فكان المؤثر ما قلناه لأن أصل النية ما شرعت إلا لنفس العمل المأمور به، والمأمور به صوم فرض وليس في رمضان صوم غير فرض فكان عينًا فيه لاسم الصوم فأصابه بعينه بمطلق الاسم واستغنى عن الوصف الذي هو للتمييز بين أنواعه، وأما كونه فرضًا فلا أثر له في شرط نية فوق إصابة المأمور به.\nوكذلك متى قلنا: إن الصرورة إذا حج نفلًا كان عما نوى، لأن عمل الحج معلوم باسمه لا بوقته فأشبه الصلاة فكان تعليلًا بوصف مؤثر لأن الوقت محل لأداء الواجب فمتى علم الفرض مسمى باسمه لا بوقته بقي الوقت خلوًا عن تسمية الفرض عند الإيجاب فبقي على ما كان قبل الإيجاب على ما مر في باب الأوقات، وقبل الفرض كان النفل مشروعًا كما في حق الصبي والعبد.\nومتى عللنا خبر تحريم ربا الفضل بالكيل والجنس كان تعليلًا بوصف مؤثر لأن الفضل لا يصير ربًا إلا في مالين صارت المساواة بينهما شطرًا للجواز، والمساواة قدرًا لا تصير شرطًا للجواز في الأموال المتفاوتة خلقة كالثياب والعبيد، فثبت ضرورة شرطها في المتساوية من الأموال كالفلوس الرائجة لا يجوز بيه واحد باثنين، ويجوز بيع واحد بواحد لتساويهما في الرواج، ولما وجب إحالة وجوب المماثلة إلى التماثل وجب التعليل بالوصف المؤثر في التماثل، وهو الجنس ليرتفع به تفاوت المعاني دون الطعم الذي لا أثر له في جعل المطعوم أمثالًا، وإلى الكيل ليرتفع به تفاوت القدر إذا استويا مكيالًا، ويدل عليه أن شرط التماثل فيما لا يقبله محال، ولا يصير المال قابلًا للتماثل حتى يكون في إعداده أمثالًا متساوية.\nوكذلك متى قلنا: إن الثيب الصغيرة تزوج كرهًا لأنها صغيرة فأشبهت الذكر والبكر، والبكر البالغة لا تزوج كرهًا لأنها بالغة فأشبهت الذكر والثيب كان تعليلًا بوصف مؤثر لأن الصغر له أثر في إثبات الولاية مالًا، وهذه الولاية من جنسها لأنها من المصالح التي تعلق القوام بها على ما بينا في النكاح، وكذلك قد أثر في حق البكر والذكر.\nوكذلك البلوغ له أثر في قطع ولاية الغير في حق المال، وفي حق الذكر والثيب فكذلك في حق النكاح لأن الجنس واحد.\nوكذلك متى قلنا: إن نكاح الحر الأمة مع طول الحرة يجوز لأنه معنى يجوز معه هذا النكاح للعبد فيجوز للحر.\nقياسًا على جميع ما لا يمنع العبد عن نكاح الأمة من جب وعنة.\nوقياسًا على القدرة على الحرة بلا مهر بأن رضيت بغير مهر فإنه لا يمنع نكاح","vol":"1","page":315},{"text":"الأمة، وإن قدر على الحرة لأن الشرع بنى جواز النكاح على الحل ونصف حكمه بالرق حتى جاز للحر أربع نساء ولم يجز للعبد إلا امرأتان فبقي العبد على ما كان في الحرية في حق النصف الباقي لنكاحه، فلا يفارق العبد الحر فيما بقي بل يستويان فيه، وتعليلنا هذا يوجب المساواة.\nوكذلك متى قلنا: نكاح الحر المسلم الأمة الكتابية جائز قياسًا على نكاح الحرة الكتابية كان مؤثرًا.\nلأنا قد بينا أن الرق لا يفرق بين الحر والرقيق في أصل النكاح كما في جانب الرجال، فإنما يفرق في تنصيف القدر فإن الحر يتزوج أربعًا والعبد ثنتين، فكذلك في جانب النساء يفترقان في تنصيف القدر، ولا عدد لنكاح المرأة لأنها لا تتزوج برجلين فلا يمكن تنصيف القدر من هذا الوجه فأظهر من وجه آخر يشبهه.\nفقيل: الحرة تنكح قبل الأمة وبعدها، والأمة تنكح قبل الحرة لا بعدها فأما أن يحرم أصل نكاح الأمة إلا بشرط زائد لا يشترط للحرة فلا وجه لها لأنها في النصف الباقي وهو حال عدم الحرة باقية على ما كانت.\nوقد وجدنا ما علل الأئمة من السلف ﵏ على هذا النحو فهذا محمد بن الحسن ﵀ ما علل \"لمسائله\" إلا بوصف ذكره من غير رد إلى أصل.\nوالوصف إذا لم يرد إلى أصل لا بد من كونه مؤثرًا حتى يصير حجة.\nفقال: إذا قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثًا، ثم طلقها ثلاثًا، ثم عادت إليه بعد زوج، ثم دخلت الدار: لم تطلق لأنه حين طلقها ثلاثًا فقد ذهبت طلاق ذلك الملك كله، وتأثيره أن اليمين بالطلاق إذا لم يضف إلى حدوث الملك لم ينعقد إلا على الطلاق المملوك للحال.\nوالطلاق الثلاث كل الطلاق المملوك بالملك القائم فلا ينعقد اليمين إلا عليها فإذا أرسلها، فقد فات كل ما انعقد عليه فلا يبقى لأن اليمين لا تبقى صحيحة إلا بتعلق الجزاء بالشرط، فإذا فات الجزاء ولم يبق متعلقًا بطلت اليمين.\nوقال في غير موضع: العبد المحجور إذا استودع فاستهلك الوديعة لا يضمن إلا بعد العتاق، لأنه لما أودعه فقد سلطه عليه والتسليط مؤثر في إسقاط ضمان الإتلاف لا محالة متى ثبت فنحتاج إلى الدلالة لإثباته.\nوقال أبو حنيفة ﵀ فيمن اشترى نصف ابنه: يعتق عليه، ولا يضمن للبائع شيئًا لأنه أعتقه برضاه، والرضا مؤثر في إسقاط الضمان وإنما يحتاج إلى إثباته بدليله.\nوقال: المديون لا يلزمه الزكاة لأنا لو أوجبنا الزكاة على المديون لزكي مال واحد","vol":"1","page":316},{"text":"مرارًا في سنة واحدة، وللسنة تأثير في نفي الثناء عن مال واحد بالإجماع، وإنما يحتاج إلى بيان أن القول بإيجاب الزكاة على المديون قول بالثناء.\nوهكذا علل الشافعي فقال: لا تقبل شهادة النساء مع الرجال في النكاح ولا في الطلاق لأنه ليس بمال ولم يرده إلى أصل بل أشار إلى وصف مؤثر، وهو أن المال خلق بذله وتكثر المعاملة من الناس في بابه فلو لم تقبل شهادة النساء لأدى إلى الحرج، وقد عدم هذا المعنى فيما ليس بمال.\nوقال: الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأنه فعل رجمت عليه، والنكاح فعل حمدت عليه، ففرق بينهما بوصفين مؤثرين في الفرق بينهما.\nولم يرده إلى أصل وفي هذه العلل دليل على أنهم رأوا خصوص العلة.\nفإن قول الشافعي ليس بمال ينتقض بالولادة والبكارة فإنهما يثبتان بشهادة النساء، وليسا بمال، ولكن بدلالة التأثير تبين أن فصل البكارة لم يدخل لأنه قال: إنما قبلت شهادة النساء في الأموال لضرب ضرورة وبكثرة المعاملات فيه، وقد اشتدت الضرورة في باب الولادة، وإن كانت لا تكثر لأن الرجال لا يحضرونها.\nوكذلك الوطء الذي رجم عليه والذي حمد عليه يستويان في إيجاب المهر والغسل على أصله، وقد علل بهما للتفرقة، ولكن بدلالة التأثير تبين أن هذا الحكم لم يدخل تحته لأنه يقول.\nأن حرمة الصهرية نعمة علقت بنكاح حمدنا عليه، فلم يجز إثبات هذه النعمة بزنا رجم الإنسان عليه، والرجم دليل على أن سببه عدوان محض لأن الحد يسقط بالشبهات فلا يدخل تحته إلا حكم ليس بنعمة بل محنة من غسل ومهر.\nوكذلك تعليل محمد بن الحسن ﵀ للعبد المحجور إذا استهلك الوديعة فإنه سلطه يبطل بالمأذون، فإن الإيداع لو كان تسليطًا لأسقط الضمان أينما وجد لكن تبين بدلالة التأثير على أن المأذون مخصوص منه، وذلك لأن التسليط غير ثابت نصًا بلا دلالة، وذلك لأن الإيداع إثبات يده للمودع ويد المالك مسلطة على الاستهلاك إلا أنه بشرط الحفظ يحجره عن سائر أحكام اليد، وشرط الحفظ باطل على الصبي أصلًا وعلى العبد ما لم يعتق فبقيت العبرة ليد الملك بلا شرط فلا يدخل المأذون عليه، لأن شرط الحفظ عليه صحيح.\nوكذلك التعليل بذهاب كل الطلاق يبطل ظاهره بمن استولد أمته فأعتقها فارتدت –والعياذ بالله- ولحقت بدار الحرب ثم سبيت فملكها الأول عتقت بموته وبالإعتاق ذهب عتاق ذلك الملك كله، والتعليق بالموت قد بقي، ولكن بدلالة التأثير يتبين أنه لم يدخل تحته لأنا أبطلنا بإرسالك الكل التعليق لأنه لا يصح إلا فيما ملك إذا لم يكن مضافًا إلى ملك.","vol":"1","page":317},{"text":"والاستيلاد في غير ملك يوجب العتق إذا مات، وهي في ملكه نحو أن يستولد أمة بنكاح ثم اشتراها ففوت العتق المملوك لا يوجب فوات المعلق بالموت، لأن العتاق المعلق بالموت عتاق عن رق قائم عند الموت وهي في ملكه لا العتاق المملوك قبل ذلك على أن الاستحقاق الأول قد بطل وتجدد لها حق ببقاء النسب حين ما اشتراها ثانيًا، لأن بقاء النسب بنفسه علة عتق من غير اعتبار الاستيلاء السابق، والبقاء شيء يتجدد كل ساعة فيعتبر بيمين تتجدد بعد الملك فيوجب عتاقًا آخر أيضًا.\nوبعض مسائل الشافعي على ما نذكر في باب، لا دليل يدل على أنه لا يشترط التأثير.\nوقال محمد بن الحسن ﵀: الوصي إذا أذن لليتيم في التجارة ثم اشترى منه شيئًا لم يصح لأنه هو الذي أذن له.\nوهذا يبطل بالأب فإنه يأذن لابنه ثم يشتري منه فيصح وهو الذي أذن له ولكن بدلالة التأثير يتبين أن فصل الأب لم يدخل تحته، وهو أن الصبي إنما ينفك الحجر عنه بالإذن، والإذن إنما يصح بقدر ماله من الولاية، وما للوصي ولاية شراء مال اليتيم لنفسه فلا يثبت الفكاك عنه بإذنه وللأب هذه الولاية فيثبت الفكاك عنه بإذنه.\nفإن قيل: قد ذكرت أن من شرط صحة القياس وجود أصل وفرع، ثم صححته بلا أصل!\nقلت: إن أمكنني التصحيح بلا أصل لم أسمه قياسًا وسميته علة ثابتة بالرأي كالقياس، كما قلته أنت في تعليل الأصل بما لا يتعدى، على أن التأثير إشارة إلى الأصل لأني إذا قلت: الصبي المودع لا يضمن إذا استهلك لأنه سلط عليه فمتى أنكر الخصم أن يكون التسليط علة رددته إلى المأذون بالاستهلاك نصًا، وإنما لم نذكره للاستغناء عنه فثبت أن الصحيح هو القول بالمؤثر، وأن العلل بظاهر أوصافها تقبل الخصوص بدلائلها المؤثرة باتفاق من السلف والخلف جميعًا، وأن الاستدلال بصلاح الوصف أو بالعدم استدلالًا بلا دليل، والله أعلم.","vol":"1","page":318},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>القول في الاحتجاج بلا دليل</span>\nقال بعض الفقهاء: لا دليل حجة للنافي على خصمه ولا يكون حجة للمثبت، وكان أبي ﵀ على هذا يحكيه عن مشايخ العراق.\nوقال بعضهم: لا دليل، حجة دافعة لا موجبة.\nوقال بعضهم: لا دليل، حجة على الخصم لإبقاء ما ثبت بدليل، لا لما لم يصح ثبوته بدليل، وقد دلت عليه بعض مسائل الشافعي.\nوقال بعضهم: هذا الذي قاله الشافعي يكون حجة له في حق الله تعالى، ولا يكون حجة على خصمه بوجه وقد دلت عليه مسائل علماؤنا على ما نذكر.\nفأما الأول فاحتج بأن أقول الخصومات الخصومة في النبوة والنبي ﷺ كان مثبتًا، والقوم نفاة وكانوا لا يطالبون بحجة سوى أن لا دليل على النبوة.\nولأن معنى قولنا: لا دليل على النافي لا دليل على المتمسك بالعدم لأن العدم ليس بشيء والدليل يحتاج إليه لشيء هو مدلول عليه، والتمسك به واجب ما لم يقم عليه دليل الوجود، ولهذا كان القول قول المنكر في الشرع.\nوأما الآخرون فيقولون: أن عدم الدليل لا يوجب عدمًا، ولا أثر له في العدم على ما مر في باب الوصف الذي هو علة، ولكن يكن دلالة عليه لتعلق الحدث بمحدث ضرورة، فيدل عدم المحدث أصلًا على انعدام الحدث، وعدم الدليل ثابت في حق هذا القائل دون خصمه.\nفإن خصمه يدعي قيام الدليل عنده، وقول المنكر ليس بحجة عليه فجائز العلم بالدليل لبعض دون البعض، وجائز الغلط على الذي يدعي قيام الدليل عنده، فلا يثبت الدليل بقوله على النافي ولا يثبت العدم على المدعي بإنكار النافي، فكما جاز الغلط أو الكذب على المدعي جاز الكذب أو الجهل على المنكر فصح إنكاره الدليل للدفع عن نفسه حتى لا يلزمه كلام خصمه، ولم يصلح للإلزام والإيجاب.\nوأما الفريق الثالث فيقول: لا دليل لا يكون دليلًا بنفسه، كما أن لا حجة لا تكون حجة بل تكون نفيًا له، ولا زيد لا يكون زيدًا هذا مما لا شك فيه، فلا يمكن أن يدعي أنه حجة أو دليل على شيء ففيه تناقض بين، لكن إذا استند إلى دليل صار ذلك الدليل","vol":"1","page":319},{"text":"دليلًا في الباب للبقاء لأن الثابت بدليله مستغنٍ عن الدليل للبقاء إذا كان في نفسه مما يبقى كالأحكام والجواهر والعلل كالعدم قبل الوجود كان بقاؤه مستغنيًا عن الدليل، وإنما الأعراض هي التي لا تبقى زمانين، وإنما تبقى بالترادف والتوالي فيكون كل جزء منه حادثًا ابتداء فيحتاج إلى علة حسب حاجة الأول إليه في عموم الأزمنة.\nوهذا كالنكاح إذا صح، وأوجب الملك بقي بلا دليل، وإذا طلقها فبانت منه بقيت الحرمة بلا دليل، وإذا كان كذلك صار الدليل الموجب للعدم أو للوجود دليلًا على البقاء في عموم الأزمنة محتملًا لخصوص بعض الأزمنة بدليل يغيره كالنص العام دليل على العموم محتمل للخصوص بدليل يخصه، فيكون دليلًا على العموم حال عدم دليل الخصوص.\nفكذلك ما نحن فيه يكون الدليل المثبت دليلًا على الثبات في عموم الأزمنة حال، لا دليل على ما ينفيه بعد الوجود أو يوجده بعد العدم قال الله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾ الآية علمنا الله تعالى الاحتجاج بلا دليل لأن الحل يثبت بدليله في الجملة.\nوقال الشافعي: الصلح على الإنكار فاسد لأن المنكر متمسك بأصل ثابت بدليله، وهو براءة ذمته في أصل الخلقة عن الديون، فكان إنكاره دليل الوجوب عليه حجة له على خصمه في إبقاء تلك البراءة، فلما ثبتت البراءة على الخصم لم يصح الصلح كما بعد الحلف، وبمثله لو شهد رجل على رجل بأنه أعتق عبده، وأنكر الآخر ثم باعه من الشاهد صح البيع لأنه متمسك بأصل ثابت له بدليله، وهو الملك فصار لا دليل على الزوال حجة له على خصمه فصح البيع منه لزوال سبب الفساد من الجانبين جميعًا بدليل الصحة، كما أفسد في الفصل الأول لقيام دليل.\nثم هذه المسألة تدل على أن الشافعي لم يشترط لصحة العلة التأثير، فقد ألزم الخصم حكم الفساد أو الجواز بقوله: لا دليل عندي على زوال ذلك الأصل، ولا أثر لعدم الدليل عنده على العدم عند خصمه بوجه، بل الانعدام في حق كل إنسان يكون من قبل جهله بالأدلة، وتركه طلبها من طرقها.\nوأما الرابع: فمذهبنا، فإنا جوزنا الصلح على الإنكار، لأن قول المنكر ليس بحجة على المدعي، كقول المدعي على المنكر، ولا دليل على شغل الذمة لا يكون حجة للمنكر على المدعي كقول المدعي: المال ثابت بدليله، لم يكن حجة على المنكر فبقي المال ثابتًا في حق المدعي في ذمة المنكر أو يده.\nوالبراءة ثابتة في حق المنكر على حسب قيام الدلالة عندنا، وهو خبر كل واحد منهما فإنه حجة في حق نفسه دون خصمه، ولما كان المال في حقه ثابتًا يكون خبرة حجة في حقه شرعًا صح اعتياضه وإن عارضه خبر المنكر، لأن ذلك المعارض ليس بحجة في","vol":"1","page":320},{"text":"حق المدعي فبقي الأمر على ما كان قبل المعارضة، كما صح شراء من شهد بالعتق، ثم اشترى وإن كان العتق ثابتًا في حقه، ولهذا يؤاخذ به بعد الملك لأنه غير ثابت في حق البائع فصح بيه البائع، واعتياضه من عبد هو عبد له بخبر هو حجة في حقه لا غير، وإن عارضه خبر المشتري لأنه ليس بحجة عليه.\nوهذا لأن لا دليل وإن استند إلى أصل ثابت بدليل، فذلك الدليل الذي أوجب ثبوته لا يوجب بقاءه، بل البقاء لاستغنائه عن الدليل على ما مر في باب النسخ، لكونه مما يبقى أزمنة غير أنه لما لم يكن واجب البقاء.\nوكان مما يجوز زواله بما ينفيه احتمل كل ساعة تأتي طريان ما يزيله فيصير قول القائل: قد طرى ما يزيله محتملًا للصدق، كقوله: لم يقم الدليل، فلا يصير حجة على واحد منهما، ولأن الذي اعتمد عدم الدليل لبقائها ثبت بدليله، اعتمد معنى لا يمكنه الإثبات على خصمه فلا يصير حجة عليه.\nوإنما قلنا: لا يمكنه لأنه جائز بالاتفاق تفاوت الناس في العلم بالأدلة، وإن يعلم خصمه دليلًا لم يبلغه، ومن ادعى أنه قد علم كل شيء لم يناظر وكان متعنتًا، ولأن دعواه العدم لا يكون حجة على خصمه، كما أن دعواه الدليل لم يصر حجة على هذا نحو ما ذكرنا في الدعوى والإنكار، وهذا كما كان يجوز في زمن الرسول ﷺ أن يثبت حكم بدليله ثم ينسخ بدليل آخر فيبلغ الناسخ أقوامًا دون أقوام، فيكون من لم يبلغه الناسخ معذورًا في العلم بالمنسوخ، ولا يكون جهله بالناسخ حجة على الذي بلغه الناسخ، فكذلك الحجج اليوم.\nفإن قيل: يكون حجة له في أن لا يلزمه ما يدعيه الآخر ما لم يبرزه.\nقلنا: نعم حجة له لا على خصمه، ولهذا صح من الله تعالى الاحتجاج بعدم التحريم على إبقاء الحل لأن الله تعالى هو المحرم، ولا يخفى عليه العدم كما لا يخفى عليه الوجود، فيثبت العدم على السامعين أجمع بقوله تعالى فيلزمهم البقاء على الحكم الأول الثابت بدليله عند ثبوت العدم عليهم بدليله.\nوليس هذا من قبيل الاحتجاج بالعموم لأن العمل بعمومه واجب بحقيقة النص، وحقيقته لا تحتمل الخصوص بل توجب العموم على احتمال جواز تركها بدلالة تحمله على المجاز والخصوص فلا يترك حكم الدليل إلا بدليل.\nوأما الموجب لثبوت الحكم من نفي أو إثبات لا يوجب بقاءه لأن الإيجاب لم يتناول الأزمة، بل يتناول ما وضع الاسم له، وإنما يبقى لاستغنائه في البقاء عن دليل على ما بينا في باب النسخ، وإذا لم يكن معه دليل على البقاء لم يمكنه إلزامه خصمه بلا دليل إذا ادعى خصمه أمرًا محتملًا، وهو الزوال بدليله دل عليه أن دخول الأعيان تحت النص العام بحكم","vol":"1","page":321},{"text":"النص فلا يخرج إلا بنص، والأزمنة تدخل تحت النص بحكم لا دليل على الانتساخ، لأنه إذا ثبت دام لا بالنص ولكن لعدم ما يزيله إلا بثبوت العدم.\nفإن قيل: قال محمد بن الحسن رحمه الله تعالى في كتاب الزكاة حاكيًا عن أبي حنيفة ﵁: لا خمس في العنبر لأن الأثر لم يرد به.\nقلنا: وليس فيه أنه احتج به على من يدعي دليلًا، بل قاله لإبلاء عذره من الكف عن إيجاب الخمس، على أن أبا حنيفة ﵁ قال: لا خمس في العنبر لأنه بمنزلة السمك.\nقال محمد: فقلت ما بال السمك لا يجب فيه الخمس؟ فقال: لأنه بمنزلة الماء، وهذا قياس مؤثر لأنا أخذنا خمس المعادن من خمس الغنائم، ولا نخمس الماء في الغنائم فذكر أن القياس لا يوجب الخمس، ولم يرو أثر بخلاف القياس ليعمل به ويترك القياس.\nقال علماؤنا رحمهم الله تعالى: مجهول النسب حر في حق نفسه فإذا ادعى عليه الرق كان القول قوله، وإذا جني عليه لم يجب على الجاني أرش الحر إلا ببينة تقوم على الحرية، لأن الحرية أصل ثابت بدليلها لبني آدم ﵇، ولكنها لا توجب البقاء، وإنما تبقى بعدم ما يزيلها من أسباب الرق، والعدم في نفسه محتمل للحال فلم تسقط الحرية في حقه بالاحتمال، ولم يصر حجة على غيره مع الاحتمال.\nوقالوا: المفقود لا يرث ولا يورث لأن الحياة أصل، واحتمل الزوال بالموت فلم يسقط حكم الحياة في حقه بالاحتمال فلم يورث، ولا يثبت على غيره مع الاحتمال فلا يرث.\nوإذا ادعى الرجل شفعة في دار اشتريت بدار هي في يده، وأنكر المشتري أن تكون الدار له، وادعاها لنفسه لم يثبت للمشتري ما في يد المنكر، ولا تثبت الشفعة للمنكر، لأن المالكية أصل لما استولت اليد عليه وتحتمل الزوال بدليله، فلم تزل المالكية عنه بالاحتمال ولا صار حجة على غيره مع الاحتمال.\nوإذا قال لعبده: إن لم تدخل الدار اليوم فأنت حر فمضى اليوم وقال لم أدخل الدار لم يعتق، وإن كان العدم أصلًا لأنه احتمل التغير بالدخول فلم يصر العدم حجة على المولى مع احتمال الزوال بالدخول وهذا لا خلاف فيه.\nفإن قيل: إن عدم الدخول غير مقصود حقًا للعبد حتى يقال أنه ثابت بدليله فيصير حجة على غيره، بل المقصود هو العتق، وإنه غير ثابت والملك للمفقود غير ثابت في مال الأب أصلًا لنبقيه بعدم الدليل والمقصود هو الإرث.\nوكذلك اليد أصلها يكون بملك، وبغير ملك فلم تصر حجة على الشفيع.","vol":"1","page":322},{"text":"فأما براءة الذمة للمنكر فهو الحق المقصود للمنكر، وقد ثبت بدليله فاستقام إبقاؤها بلا دليل، وهذا كما إذا ثبت الدار ملكًا لإنسان بشراء أقر به المشتري للشفيع ثم أنكر البقاء للحال، وامتنع عن التسليم بالشفعة لم يلتفت إليه لأن الملك ثبت بدليله فبقي حجة للشفيع على المشتري عند عدم يزيله.\nوالجواب عنه: أن المقصود من الإنكار إذا جاء الصلح عن الدين فساد الصلح وإنه غير ثابت بدليله.\nفأما الشفعة فلا تلزم لأن الشفعة من حقوق الملك كالثمرة من حقوق ملك الشجرة، وعند الاحتمال تبقى صفة الملك كما كان في حقه، فكذلك في حقوقه لأنها تبعة.\nوالذي دل على صحة ما قلنا: أن المدعي بالدعوى يستحق حضور الخصم للجواب ولا يبطل هذا الحق بالإنكار، فإنه لو أنكر مرة ثم غاب، فادعى ثانيًا استحضر ثانيًا فثبت أن الإنكار لا يكون حجة على الخصم حتى يقرنه بدليله، وهو اليمين كالدعوى.\nويدل عليه قوله تعالى: ﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى﴾ إلى قوله: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ فطولبوا بالدليل على نفي الدخول ولم يكتف منهم بعدم الدليل على الاستحقاق، فعلم أن لا دليل ليست بحجة على النفي.\nفإن قيل: الأصل في الناس استحقاق الجنة وكان الحرمان حادثًا!\nقلنا: لا كذلك فالجنة خلقت جزاء العمل، ولا تكون حقًا ابتداء كالدنيا، ثم لم يكن لا دليل حجة على عدم الاستحقاق، وأما الجواب عن إنكار النبوة، فإن ذلك الإنكار ما كان يصير حجة على الأنبياء صلوات الله عليهم بل كان عذرًا لجهلهم بالنبوة قبل الدليل عليها، والله أعلم.","vol":"1","page":323},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>القول في جملة القائلين بلا دليل مع اعتقادهم بطلان الاحتجاج به</span>\nهؤلاء الرهط أربعة أقسام:\nأ- المحتجون باستصحاب الحال.\nب- المحتجون بتعارض الأشباه.\nج- المستدلون باطراد الوصف بلا مناقضة على صحة العلة.\nد- والمستدلون بعدم الحكم عند عدم العلة على صحة العلة.\nأما استصحاب الحال: فنحو قول جماعة؛ لا زكاة في مال الصبي لأن الأصل هو العدم فنستصحبه إلا بدليل، والحقتان قد وجبتا في مائة وعشرين فنستصحب هذا الوجوب بعد الواحدة إلا بدليل.\nونحو قول الشافعي ﵀، فيمن اشترى أخاه: أنه لا يعتق عليه لأن الشراء أوجب الملك له فيه فنستصحبه إلا بدليل.\nوهذا لأن ثبوت العدم لا يوجب بقاءه ولا ينفي حدوث علة موحدة ولا ثبوت الوجود بعلة توجب بقاءه ولا ينفي قيام ما يعدمه، ألا ترى أن عدم الشراء منك لا يمنعك عن الشراء، ولا يوجب أيضًا دوام العدم بل يدوم لعدم الشراء منك للحال لا بحكم العدم فيما مضى، وإذا اشتريت فهذا الشراء أوجب الملك فلا يوجب بقاءه، وإنما يبقى بعدم ما يزيله، ولا يمنع حدوث ما يزيله.\nوحياة الإنسان بعلتها لا توجب البقاء، ولا يمنع طريان الموت ما في هذه الجملة إشكالًا فإذا أراد إثبات دوام الحالة الثابتة في المستقبل بكونه ثابتًا، وهو ما يوجبه بل يبقى لاستغنائه عن الدليل في بقائه كان محتجًا بلا دليل.\nولأن الإجماع ثابت. إن الثابت لا يزول إلا بدليل فكان الاختلاف في الزوال اختلافًا في دليله، فالذي يدعي الزوال يدعي دليلًا والآخر ينكره فلا يكون إنكاره حجة على غيره كدعوى غيره عليه، وهذا كالبعير الزائد على المائة والعشرين.\nقال خصمنا: إنه نصاب آخر على عفو الحقتين فيتغير الواجب به.\nوعندنا: هو عفو مبتدأ فلا يتغير به الواجب، فلا يكون كينونة المائة والعشرين عفوًا","vol":"1","page":324},{"text":"دليلًا على إبطال الواحدة أن تكون نصابًا، فثبت أن مستصحب الحال متشبث بإنكاره لا بدليل، وإنه من الباب الأول.\nوكذلك المحتج بتعارض الأشباه نحو قول زفر: إن المرافق لا تغسل في باب الوضوء لأنه غاية، والغايات قد تدخل وقد لا تدخل فلا يجب الغسل بالشك الثابت بتعارض الأشباه، لأن الشك أمر حادث بين العلم والجهل فلا يثبت إلا بدليل.\nوقوله: إن الدليل يعارض الأشباه والأدلة فهذا أيضًا أمر حادث فلا يثبت إلا بدليل.\nوقوله: إن الدليل عليه أن الغاية قد تدخل وقد لا تدخل فغير مسلم له فإن جعل بعد الغايات ووجد منها ما يدخل ومنها ما لا يدخل قيل له: أفتعلم أن هذه من أي الجملتين؟\nفإن قال: نعم، فقيل له: فلا تشك فيها ولكن ألحقها بنظائرها.\nوإن قال: لا أعلم، فقد أقر بالجهل وأنه لا دليل معه فيقال له: فلا تجعل جهلك حجة على غيرك وإن كان ذلك عذرًا لك إلى ربك، وحجة للتمسك بما كنت عليه كما قلنا في لا دليل.\nوأما المحتج بالطرد من غير شرط ملائمة الوصف ولا تأثيره فكذلك، لأنه جعل صحة وصفة وجود الحكم معه على الإطلاق في كل أصل لأنه لا يرى الخصوص فالوجود فيما علل لا يكون دليلًا على غيره فإن اجتهد وعد الأصول كان لخصمه أن يقول: عندي أصل آخر يعارضه أو يناقضه.\nكما يقول لمستصحب الحال: عندي دليل إزالة وبالاجتهاد قط لا يبلغ منزلة لا تحتمل حقًا ما ينقضه أو يعارضعلته.\nوكذلك المحتج لصحة الوصف بالعدم لما ذكرنا في بابه أن العدم لا يوجب أمرًا، وأعدنا القول ثانيًا في هذا الباب وفي الوقوف على هذه الجملة أمر عظيم لا بد للفقه منه، فإن جهل الإنسان بجهله أذم من جهله، فالجاهل متعلم أو معرض، والآخر محاج أو معلم.\nفإن قيل: إن الاحتجاج بالأخبار والنصوص صحيح، وثبوت النص حجة لا يوجب البقاء ولا يمنع الانتساخ بنص آخر.\nقلنا: أما بعد رسول الله ﷺ فلا يحتمل الانتساخ، وعدم ما يوجب نسخًا مبتدأ متحقق فيستقيم دليلًا على بقاء ما كان ثابتًا.\nوأما في زمن الرسول ﷺ فحكم بقائه ثابتًا، على نحو بقاء حكم أصل ثبت اليوم بدلالة استصحاب الحال على ما مر بيانه في باب النسخ فلا جرم لا يكون حجة على من أنكر بقاءه بناسخ.","vol":"1","page":325},{"text":"وكلامنا فيه فمستصحب الحال متمسك بما كان لعدم الدليل على زواله لا لدليل أوجب بقاءه.\nوالواقف بتعارض الأشباه واقف لعدم الدليل المبين أن الحادثة التي فيها نزاع فرع لما ذكر لا لقيام الدلالة على أنه محتمل في نفسه.\nوكذلك المستدل بالوجود على صحة العلة لأنه شرط له وجودًا مطلقًا في كل حادثة، والوجود في الأصل المعلل ليس بسبب للوجود في غيره كوجود الحكم في وقت لا يكون موجبًا للبقاء، وكذلك المستدل بالعدم لما ذكرنا أن العلة إذا عدمت عاد الأمر إلى ما قبلها، وذلك الحكم قبل العلة كان بلا دليل وموجب يتصل بهذه العلة، والله أعلم.","vol":"1","page":326},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>القول في بيان الاعتراضات الصحيحة على العلل المؤثرة من الفاسدة</span>\nالاعتراضات الصحيحة أربعة أوجه من الممانعة، ثم أربعة أوجه من المعارضة.\nوأما الفاسدة فالمفارقة بين الأصل والفرع بعلة أخرى تذكر في الأصل لا توجد في الفرع.\nووجود الحكم في حادثة عدمت العلة فيها.\nووجود العلة ولا حكم، وكذلك الاعتراض ببيان فساد الوضع فاسد على العلل المؤثرة.\nأما الممانعة فصحيحة لأن المجيب إذا ادعى الحكم فلم يسلم له فافتقر إلى دليله فادعى أن الوصف الذي ذكره هو العلة في ذلك فلا بد من إثباته بدليل، وسنذكر وجوهها في باب على حدة.\nفإذا ذهبت الممانعة وصحت العلة مؤثرة ثبتت حجة بدليلها المجمع عليه فلا يبقى بعد ذلك إلا الاعتراض بقلب مبطل أو عكس كاسر أو معنى مانع من العمل أو معارضة بقياس آخر على ما نذكرها من بعد.\nفأما الترجيح بعد المعارضة من السائل فلإلزام الخصم حجته لا لدفعه عن نفسه ويأتيك لبيان وجوه الدفع فإنها تنتهي بالمعارضة فلا يبقى بعد المعارضة للمجيب على السائل إلزام.\nوإنما قلنا: إن المفارقة اعتراض فاسد وقد سماها أهل الطرد \"مفاقهة\"، وكل المفاقهة في الممانعة حتى يبين المعلل تأثير الوصف فكل الفقه فيه.\nفالفقه حكمة باطنة والوصف ظاهر، والأثر باطن فإنه حكم شرعي ثابت به.\nفالمفارقة ليست بفقه بل هو جدال ومراء، وذلك لأن ذكر السائل علة أخرى تعدم في الفرع لا تدفع علة المجيب في الأصل لجواز أن يكون الأصل معلولًا بعلتين فإذا لم يدفع لم يقع بذكرها ممانعة.\nولم يقع الاختلاف في حكم علة ذكرها السائل ليسمع منه لإلزام حكمها فيصير ذكرها لغوًا لا فقهًا.","vol":"1","page":327},{"text":"ولأنه لم يصنع شيئًا بما ذكر في الفرع المختلف فيه إلا إن أرانا عدم علة ذكرها في الفرع.\nوالعدم لا يوجب عدم الحكم على ما مر ولا يكون حجة موجبة وإنما يكون دليلًا على عدم حكمها حال عدم سائر الحجج.\nفأما حال قيام حجة أخرى فلا وقد ذكر العدم ههنا حال قيام حجة أخرى فهذا الرجل بهذه المفارقة أراد دفع الحجة بعدم الحجة وإنه غاية في الجهل، وسلم ابتداء أن ما احتمل لا يكون حجة بالدعوى وإنه غاية في الغباوة.\nوكذلك بيان فساد الوضع اعتراض فاسد على العلل المؤثرة.\nلأن التأثير لا يثبت إلا بدليل مجمع عليه ودعوى فساد الوضع دعوى أن الوصف نابي عن هذا الحكم ودعوى النبوة بعد ثبوته مؤثرًا لا يتصور.\nوكذلك دعوى المناقضة لأن المناقضة حدها أن توجد العلة على الوجه الذي جعلت علة بلا مانع ولا حكم معها فيكون بمنزلة إنكار الشاهد شهادته، وهذا لا يتصور بعد ثبوت التأثير بدليل مجمع عليه لأن الإجماع أو النص لا يرد عليه نقض، ولكن قد يمتنع عن العمل به لمانع، وكذلك الاعتراض بوجود الحكم ولا علة لما مر أنه جائز ذلك بعلة أخرى، وأن عدم العلة قط لا يوجب عدمًا، والله أعلم.","vol":"1","page":328},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>القول في بيان صحيح الممانعة من فاسدها</span>\nقال القاضي ﵁: الممانعة أساس المناظرة من جانب السائل وبها يتبين الحوار والمجيب من السائل والملزم من الدافع.\nوإن السائل ما دام في حد السؤال فلا تستقيم المحاجة منه إلا بما يدفع المجيب عن نفسه، ويمتنع به عن الإلزام لأن السائل هو الجاهل في الأصل مسترشد بدليل يلزمه.\nوعلى هذا يتبين المحاجة بين المدعي والمنكر في حقوق الناس، المنكر دافع ولا يقبل منه إلا ما يدفع المدعي عن نفسه حتى قالوا جميعًا: إن بينة المنكر لا تقبل على إنكاره وإنما تقبل حيث تقبل إذا جعل نفسه مدعيًا ملزمًا، فكذلك السائل متى ادعى الحكم، وسمع منه سمعت حجته المثبتة كما يسمع من المجيب.\nفنحتاج إلى بيان أقسام الممانعات الصحيحة وهي أربعة:\nالممانعة في نفس الحجة التي يذكرها المجيب أهو حجة أم عدم حجة في نفس الوصف الذي يدعيه المجيب حجة أموجود هو أم لا؟\nثم في شروطه.\nثم في كينونته واجب العمل به.\nثم بعد ذلك يحتاج إلى مدافعة الحجة لا الممانعة.\nأما الممانعة في نفس الحجة فلما مر من قبل أن كثيرًا من وجوه حجج الناس ترجع إلى لا دليل فإذا ثبت أنه من جملة ما هو صالح دليلًا فلا بد من إثبات الوصف في الأصل والفرع جميعًا لأنه ركنه.\nثم شروط الصحة لما مر أنها سابقة على دليل وجوب العمل به، ثم دليل التأثير الذي يجب العمل به فتتم العلة عاملة عندها، وكل هذه الممانعات تتم بالإنكار ومطالبة الدليل.\nفأما إذا اختلطت بدعوى أمر خرجت عن حد الممانعة إلى حد المعارضة، ولن يكون ذلك إلا بعد ترك الإنكار إلى الدعوى، وتسليم حجة الخصم فيكون ذكره فاسدًا في جملة الممانعات، ومثال ذلك أن السائل متى قال للمجيب بعد التعليل: إن الذي ذكرته ليس بعلة كانت ممانعة.","vol":"1","page":329},{"text":"وإذا قال: إن العلة في الأصل غير الذي ذكرتها كانت دعوى، وكانت فاسدة لأنه لا معارضة فيها ولا مدافعة على ما مر.\nوكذلك إذا قال: إن العلة ما ذكرته ولكن بزيادة وصف لأنه لما زعم أنها ذات وصفين فقد أنكر أن يكون الوصف الواحد علة، وإنه يستغني عن ذكر وصف آخر لتصحيح إنكاره، ثم العبرة في هذا الباب للدعوى، والإنكار حكمًا لا لفظًا لأن الألفاظ قوالب، وإنما اعتبرت شرعًا وعقلًا لما فيها من أحكامها ومثال ذلك: البكر إذا تزوجت، ثم اختلفوا؟ فقالت البكر: بلغني الخبر فرددت، وقال الزوج: سكتت، فالقول قول المرأة عندنا.\nوقال زفر: القول قول الزوج لأنه ينكر الرد والمرأة تدعي الرد، إلا أنا نقول هذا صورة فأما من حيث الحكم فالملك يثبت عليها بسكوتها ويمتنع الثبوت بردها، فهي تنكر الملك عليها بدعوى الرد فكانت منكرة حكمًا، والله أعلم.","vol":"1","page":330},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>القول في القلب والعكس</span>\nالقلب عند أهل النظر على وجهين، وكذلك العكس فيكون وجوهًا أربعة:\nأما القلب فتفسيره لغة: جعل الأعلى أسفل أو البطن ظهرًا، يقال: قلبت الإناء؛ إذا نكسته، وقلبت الجراب: إذا جعلت باطنه ظاهره.\nوالعرب تقول: قلبت الأمر ظهرًا لبطن، وقلب العلة مأخوذ من هذين المعنيين، وهو نوعان:\nأحدهما: جعل المعلول علة من قلب الإناء، وهذا مبطل للتعليل لأن العلة موجبة، والمعلول هو حكمة الواجب به كالفرع من الأصل لم يجز أن تكون العلة حكمًا، والحكم علة فلما احتمل الانقلاب دل على بطلان التعليل.\nومثاله: تعليل مخالفنا لإيجاب الرجم على الكفار بأنهم جنس يجلد بكرهم مئة فيرجم ثيبهم قياسًا على الأحرار من المسلمين، وعكسهم العبيد لما لم يرجم ثيبهم لم يجلد بكرهم مئة، فيقال لهم: إن المعنى في الأصل أنهم جنس رجم ثيبهم فجلد بكرهم مئة.\nولذلك قالوا: إن القراءة لما تكررن فرضًا في الأولين تكررن في الآخرين كالركوع.\nفيقال لهم: لا بل لما تكرر الركوع فرضًا في الآخرين تكرر في الأولين، وهذا القلب إنما يتحقق فيما إذا جعل الحكم علة لحكم أن كل واحد منهما كما استقام علة، استقام حكمًا.\nفأما إذا جعل الوصف علة، فلا يحتمل القلب لأن الوصف لا يصلح أن يكون حكمًا بوجه.\nثم المخلص عن هذا القلب بأن يجعل أحد الحكمين دليلًا على الآخر لا علة له، وهذا إنما يستقيم إذا ثبت أنهما نظيران شرعًا فيدل ثبوت أيهما كان على الآخر، كتوأمين عتاق أيهما كان من الأصل يدل على عتاق الآخر، ورق أيهما كان من الأصل يدل على رق الآخر.\nكقولنا: كل عبادة تلتزم بالنذر التزمت بالشروع لأنهما سببا تحصيل قرب زوائد شرعًا سواء.","vol":"1","page":331},{"text":"والقربة لله تعالى لا تحصل إلا واجب الإمضاء قربة، ولذلك لا يحل الرجوع فيها بعد الأداء.\nوكذلك من ولي عليه في ماله ولي عليه في نفسه، ومن يول عليه في ماله لم يول عليه في نفسه لن كل واحد من الولايتين نظير الأخرى ثبوتًا على ما بينا في كتاب النكاح.\nولا كذلك جلد البكر مئة فإنه ليس بنظير للرجم لتعلق الرجم بشروط لا يتعلق بها الجلد فلم يكونا نظيرين وكيف؟ وهما لا يجبان إلا في حالين متضادين.\nوكذلك القراءة ليست بنظير الركوع في الأصل المعلل لأن الركوع ركن أصلي والقراءة ركن زائد، ولم تكن ثابتة أصلية، وبعد الزيادة لم تشرع كالركوع فإنها تسقط بالاقتداء وبخوف فوت الركعة وسقط شطرها، وهو السورة في الأخرين، وكذلك الركعتان ليستا مثل الأولين في حق القراءة بالإجماع.\nوأما القلب الآخر: بأن تقلب الشهادة على خصمك لك من قلب الجراب، فإنها كانت لخصمك عليك ظاهرًا فانقلبت وصارت لك على خصمك، وكان ظهرها إليك فصار الآن وجهها إليك، وأنه يبطل بحكم معارضة فيها مناقضة لأنه لما شهد لك وعليك بحكم واحد فقد عارض بهذا ذاك، بل نقض كل واحد منهما صاحبه فبطلا أصلًا بخلاف المعارضة بقياس آخر، فإنها تخلو عن المناقضة فلا يبطلان ولكن يمنع الحكم بها للاشتباه.\nومثال ذلك قولهم: إن صوم رمضان فرض فيشترط لصحته نية التعيين قياسًا على صوم القضاء.\nفنقول: لما كان صوم فرض لم يشترط له نية التعيين بعد التعين إلا أنه إنما يتعين بعد الشروع، وهذا متعين قبل الشروع.\nوقالوا أيضًا: إن مسح الرأس ركن في الوضوء فيسن تثليثه قياسًا على الغسل فنقول: لما كان ركنًا في الوضوء لم يسن تثليثه بعد إكمال الفرض بزيادة يجوز بدونها في محل الفرض قياسًا على الغسل، فإنه متى أكمل فرضه بما ليس بفرض في محل الفرض لم يثلث فإن أكمل الغسل بمحل الفرض بالتثليث وبعده لا تثليث، والمسح قد أكمل بالسنة في محل الفرض بالاستيعاب مرة، وأنت تثلثه بعد ذلك.\nفإن قيل: إنكم زدتم على وصف الحكم فلم تستقم المعارضة.\nقلنا: إنا بالزيادة فسرنا الحكم الذي فيه النزاع، فإن النزاع في التثليث بعد الاستيعاب دون تثليث قدر المفروض من المسح، وفي رمضان كان الخلاف في فرض عين شرعًا ما معه في وقته غيره لا فرض مطلقًا، وإذا كانت تفسيرًا لم يوجب تغييرًا بل أوجب تقريرًا.","vol":"1","page":332},{"text":"وأما العكس لغة فتفسيره: رد حكم الشيء عن سننه، من عكس المرأة إذا نظرت إليها، فإنها ترد حكم نظرك عن سنن مقابلتك إليك حتى ترى بارتداد رؤية عينيك عليك وجهك، كان لك عينًا في المرآة.\nوعكس الماء نور الشمس حتى يظهر شعاعه لو كان مقابلة الماء جدار كان في الماء شمسًا.\nوهو على وجهين في النظر عكس حكم العلة بقلبها، وهو ضد الطرد نحو قولنا: الصوم عبادة تلتزم بالنذر فتلتزم بالشروع طرده الحج.\nوعكسه الوضوء لما لم يلتزم بالشروع لم يلتزم بالنذر، فعكست الحكم بقلب الوصف.\nوهذا مما يقوي حكم الاستدلال بالحكم لحكم هو نظيره حيث استويا ثبوتًا طردًا وسقوطًا عكسًا.\nوأما الآخر فرد الحكم إلى خلافه لا على سننه بل بسنن غير سننه كقولهم: الصوم نفل قربة فلا يمضي في فاسدها فلا يلتزم بالشروع كالوضوء، وعكسه الحج فيعكس فيقال: لما كان بهذا الوصف وجب أن يستوي عمل النذر والشروع فيه قياسًا على الوضوء، فإن الشروع فيه لا يلزم لما لم يلزم نذره وههنا يلزمه النذر، فكذلك الشروع وهذا عكس ضعيف في الاعتراض لأنه قلب في الحقيقة بحكم آخر نصًا.\nوالقلب بحكم آخر باطل نظرًا لأنه لا مناقضة إذا اختلفا، ولأنه جاء بحكم مجمل لا يتصل بالمسألة إلا بعد البيان وليس ذلك للسائل، ولأن الحكم المفسر أولى من المجمل ولأن الاستواء بين الحكمين في الأصل من حيث سقوطهما، وفي الفرع من حيث ثبوتها، والحكم هو المقصود من إثبات الاستواء المجمل لا عين الاستواء، ومتى فسر الحكم كان على التضاد، والله أعلم.","vol":"1","page":333},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>القول في الموانع</span>\nالموانع أربعة:\nأ- مانع يمنع انعقاد العلة.\nب- ومانع يمنع تمامها.\nج- ومانع يمنع أصل الحكم.\nد- ومانع يمنع تمام الحكم.\nوالوجوه كلها تتبين حسًا في الرمي فإنه قتل إذا أصاب، والرامي يلزمه أحكام القتل، والرمي عبارة عن فعل الرامي، وله حد معلوم وهو إغراق القوس بسهمه وإرساله.\nثم انقطاع الوتر أو انكسار القوس مانع يمنع انعقاد العلة حتى إن شيئًا من حكم الرمي لا يظهر مع هذا المانع من مضي السهم، أو إصابته شيئًا بقوته، وجدار في مسافة مرور السهم يعارض السهم فيمنعه من المرور.\nومانع يمنع تمام العلة لأن الفعل انعقد رميًا لكن الرمي إنما يكون قتلًا إذا أصاب المرمى بامتداد السهم إلى المرمى بقوته.\nوهذا المانع منع تمام الامتداد إليه فيمنع تمام العلة والدرع.\nوالترس على المرمي مانع أصل حكم العلة لأن السهم لما امتد إليه فقد تمت العلة، وكان من حكمه الجرح الذي هو قتل وهذا المانع منع أصل الحكم.\nوالمداوات بعد الجرح حتى التئام الجرح مانع يمنع تمام حكم العلة فالجرح إنما يتم قتلًا إذا سرى ألمه إلى الموت فما يقطع السراية يكون مانع تمام حكم العلة.\nومثاله من العلل الشرعية الإبل السائمة جعلت علة لوجوب الزكاة والصرف عن جهة الأسامة إلى وجه آخر عند التملك يمنع انعقاد العلة وهلاك السائمة في أثناء الحول يمنع تمام العلة.\nوكذلك زوال صفة السوم في أثناء الحول والدين يمنع أصل حكم العلة، وغيبة المالك عن ماله تمنع تمام حكم العلة فإن الزكاة لا تجب ولا يطالب بالأداء حتى يصل إلى ماله.","vol":"1","page":334},{"text":"وكذلك البيع علة لإيجاب الثمن والمثمن.\nوالإضافة إلى الحر يمنع أصل الانعقاد عليه والإضافة إلى مال الغير تمنع التمام فإنه في حق المالك كأنه لم ينعقد لعدم ولاية العاقد عليه.\nوشرط الخيار يمنع أصل الحكم فالبيع قد انعقد في حقهما على التمام، وإنما امتنع الحكم بالخيار لتعلق الثبوت بسقوطه وخيار الرؤية والعيب يمنع تمام الحكم فإن الحكم وهو الملك يجب غير لازم.\nوكذلك الأجل فإن الثمن يملك مع الأجل، ولكن لا يجب المطالبة به.\nفهذا باب لا بد للفقيه منه فإن الحكم ينعدم بهذه الوجوه المختلفة والعدم لعدم العلة أو لنقصانها غير العدم لمانع، فلا يمكن رد الفروع إلى نظائرها إلا بعد معرفة حد العلة شرعًا ثم الموانع الطارئة عليه.\nألا ترى أنهم قالوا أن ابن السبيل إذا عجل الزكاة قبل أن يصل إلى وطنه صح لأنه لا مانع عن أصل الحكم، وهو الوجوب فصار أداء بعد الوجوب فصح.\nولو عجل وعليه دين لم يكن زكاة بل كان نفلًا لأنه منع أصل الوجوب فلا يصح الأداء قبل الوجوب.\nوكذلك لو عجل الزكاة قبل حولان الحول وهلك المال قبل المضي، لم يكن زكاة لأن الحول منع أصل الوجوب، ولو عجل العبد الصلاة لأول الوقت وحده، ولم ينتظر الجماعة كما أمر بالتأخير إليها صح لأن الوجوب قد حصل، وإنما أمر بالتأخير إلى جهة هي أفضل، والله أعلم.","vol":"1","page":335},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>القول في أقسام المعارضات الصحيحة والفاسدة</span>\nقد مر تفسير المعارضة فيما مضى وحدها، وهذا الباب لبيان أقسامها في باب المقاييس وتمييز الصحيح من الفاسد منها.\nالمعارضة نوعان: نوع في علة الأصل، والثاني في حكم الفرع.\nفأما الذي في حكم الفرع: فأنواع خمسة:\nمعارضة بضد ذلك الحكم نصًا في ذلك المحل.\nأو بضرب تغيير تفسير للحكم المختلف فيه وتقريره إياه.\nأو بضرب تغيير فيه إخلال بالحكم المختلف فيه.\nأو نفي لما لم يثبته الأول.\nأو إثبات لما لم ينفه الأول.\nولكن تحته معارضة للأول.\nأو إثبات للحكم الأول في غير محل الأول.\nوالمعارضة في علة الأصل أنواع ثلاثة:\nمعارض بعلة أخرى غير متعدية.\nأو متعدية إلى فروع اختلف في الحكم بها.\nأو متعدية إلى فروع اتفق على حكمها، فتصير الجملة ثمانية أنواع، خمس منها صحيحة أو فيها معنى الصحة، وهي التي تكون في حكم الفروع، وثلاث منها فاسدة أصلًا، وهي التي تكون في علة الأصل.\nفأما الصحيح بأصلها فالنوعان الأول نحو قولهم: المسح ركن من الوضوء فيسن تثليث وظيفته كالغسل.\nوقولنا: أنه مسح فلا يسن تثليثه كالمسح على الخف فيكون نفيًا لما أثبته الأول بعينه في محله.\nوقولنا: إنه ركن من الوضوء فلا يسن تثليثه بعد إكمال الفرض في محله قياسًا على الغسل معارضة بزيادة هي تفسير للحكم المتنازع فيه فيكون صحيحًا.","vol":"1","page":336},{"text":"وأما النوعان اللذان بعدهما: فالتي فيها منافاة لما أثبته المجيب بضرب تغيير فصحيحة من وجه نحو قولنا: اليتيمة تزوج لأنها صغيرة فيولى عليها نكاحًا قياسًا على التي لها أب.\nفيقولون هي يتيمة فلا يولى عليها بقرابة الأخوة قياسًا على ولاية المال، فزاد زيادة فيها إخلال بالمتنازع فيه.\nلأن النزاع بيننا وبينه في إثبات أصل الولاية على اليتيمة لا في تعيين مستحق الولاية فنحن أثبتنا أصل الولاية، وانه نفى أصل الولاية بسبب خاص فلم يعارض تلك الجملة.\nولكن قد عارض البعض فإن الخلاف ثابت في ولاية الأخ وغيره.\nولأنه يقول تحت ثبوت هذا نفي لما تقولونه لأنا بهذا نفينا ولاية الأخ، وولاية من وراءه منفية بالإجماع بالأخ.\nوأما النوع الرابع فالعكس الذي ذكرناه نحن قولنا: أن الكافر يملك بيع العبد المسلم فيملك شراءه قياسًا على المسلم.\nوقولهم لما ملك بيعه وجب أن يستوي حكم الشراء والتقرير عليه كالمسلم ثم هذا لا يقر على الملك بل يرد عليه.\nفكذلك يرد شراؤه وهذه فاسدة لأنا لم نعلل للتفرق بينهما لتكون التسوية معارضة بل حكم علتنا جواز الشراء.\nوالتسوية بين الشراء والإدامة حكم آخر لم نتعرض له، غير أنه تجنب هذه التسوية دفعًا للحكم الأول من وجه على سبيل البناء [وليس للسائل البناء]، فتصلح مثل هذه المعارضة لترجيح العلة التي لا تنعكس على التي انعكست هكذا. وأما المعارضة ابتداء فلا على ما مر في باب العكس.\nوأما النوع الخامس فنحو قولهم، في امرأة لها زوج غائب فنعي إليها فتزوجت، وولدت من الثاني، فحضر الأول، فإن أبا حنيفة يقول: الولد للأول لأن فراشه صحيح، وقد ولدت على فراشه فيقول الخصم للحاضر فراش بالنكاح الفاسد وقد ولدت على فراشه لأن المحل.\nوإن اختلف فيجب إثبات النسب في محل آخر، وهو نسب واحد نفي للأول لأن الشيء الواحد لا يكون في محلين وهذا كالخارج وذي اليد يقيم كل واحد منهما بينة أن هذا الشيء نتج في ملكي يثبت بينهما معارضة وترجحت بينة ذي اليد.\nولو قال الخارج: هو عبدي ولد في ملكي ودبرته أو أعتقته صار أولى من ذي اليد. .","vol":"1","page":337},{"text":"وأما المعارضات في علة الأصل بعلة أخرى فلغو من الكلام: لأنه جائز اجتماعهما جميعًا علتين في الأصل.\nوإذا جاز الاجتماع بلا تدافع لم تقع بينهما معارضة.\nولأن ما لا تتعدى من العلة فباطلة بنفسها عندنا على ما مر وما يتعدى فعدمها لا يوجب عدم الحكم ليثبت بالعدم معارضة في حكم الفرع.\nوالتعليل كان لإثبات حكم الفرع فالمعارضة إنما تصح بما ينفيه الكلام فيما مضى في باب أن العدم شرط لصحة العلة أم لا وفي غيره، وكذا ما يتعدى إلى فرع مختلف في حكمه نحو قولنا فيمن باع قفيز جص بقفيز جص: أنه ربا لأنه باع مكيلًا بجنسه متفاضلًا فلا يجوز قياسًا على الحنطة.\nفيقولون: المعنى في الأصل أنه باع مطعومًا بجنسه، قالوا: وتتعدى علتنا إلى فروع لا يقولون بها كالتفاحة والحبة فمن الناس من زعم أنه ممانعة حسنة لأن المسلمين أجمعوا على ترك القول بهما فصارتا متدافعتين إجماعًا.\nوالجواب: أنا جمعنا على جواز الجمع بينهما من حيث ذاتيهما فيكون الكيل علة والطعم علة، وغنما نفى كل واحد منهما علة خصمه بدليل قام على فسادها لا بصحة علتها فتكون ممانعة بصحة علته فاسدة بالإجماع، والله أعلم.","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>القول في بيان الترجيح</span>\nأما تفسير الترجيح لغة فإظهار الزيادة لأحد الممثلين على الآخر وصفًا لا أصلًا من قولك: أرجحت الوزن إذا زدت جانب الموزن حتى مالت كفته، وطفت كفة السنجات ميلًا لا يبطل قيام كفتي الوزن، فيكون الوزن باقيًا. ولكن وزن راجح أي مائل بزيادة لو أفردت الزيادة عن الأصل لم يقم بها الوزن في مقابلة الكفة الأخرى، فكان الرجحان عبارة عما يغير صفة الوزن لا عما يقوم به الوزن على سبيل المقابلة.\nوضد أرجحت: طففت، فكذلك رجحان العلة على علة يكون من هذا الطريق بما يغير صفة القياس إلى قوة لو انفردت عن العلة لم تكن حجة [مقابلة بما تكون حجة] بنفسها مقابلة للأولى لو انفردت عن أصل علتها. وهذا كالشهادتين إذا تعارضتا وإحداهما مستورة والأخرى عادلة، ترجحت العادلة لأنها صفة الشهادة.\nولا تترجح بزيادة عدد الشهود ولأنها ليست بصفة لما هو حجة من الشهادة بل مثلها، وشهادة كل عدد ركن مثل شهادة الأخرى لا يكون بعضها صفة للبعض.\nوكذلك الخبر لا يترجح بخبر آخر يروى، ولا الآية بآية أخرى ويترجح الخبر بكثرة الرواة لأن الحجة هو الخبر المنقول عن النبي ﷺ، والاشتهار في النقل [وجب قوة ثبوت في النقل الذي به يثبت الخبر عن النبي ﷺ ويصير حجة ويصير] وصفًا للرواية، لأنا نقول رواية مشهورة ومتواترة وشاذة بخلاف الشهادة لأن الحجة قول الشاهد: أشهد، وكلام كل واحد ركن مثل الآخر لا أن يكون وصفًا له، وإنما يترجح بمعنى يرجع إلى الشاهد فيقوى الصدق من قوله: أشهد، فلا جرم أنه يختلف بها أمر الشهادة نحو شهادة الفاسق، والمستور والعدل.\nولهذا لا يترجح القياس بالنص لأن النص متى شهد بصحة القياس صارت العبرة للنص.\nوسقط القياس في أن يضاف الحكم إليه في المنصوص نفسه على ما مر أن تعليل النص بعلة لا تتعدى ساقط.\nوكذلك لا يترجح الخبر بالكتاب، ولن النص فوق قياس آخر.\nوقد مر أن القياس لا يترجح بآخر لأنه لا يصير تبعًا له فبالنص أولى.\nولهذا قالوا: لو أن رجلًا جرح رجلًا جرحًا وآخر جراحات فمات من ذلك، استويا في تحمل ضمان النفس لأن كل جرح علة كاملة لإضافة الموت إليه فلا يكون لزيادة العدد عبرة.","vol":"1","page":339},{"text":"وقد قال علماؤنا ﵏ في شقص دار بيع وله شفعاء بأنصباء متفاوتة: كان الشقص المبيع بينهم على عدد رؤوسهم، لأن النصيب وإن قل علة لاستحقاق كل المبيع، فتضاعف ذلك النصيب لا يوجب زيادة إضافة إليه كتضاعف عدد الجرح.\nوكذلك قال الشافعي: أن صاحب النصيب الكثير لا يكون أولى فلا تترجح شركته على شركة الآخر إذ لو ترجح لصار الكل له، ولكن قال: يزداد له الاستحقاق كرجلين اشتريا عبدًا بثلاثة آلاف درهم على أن على أحدهما ألفًا وعلى الآخر ألفين كان العبد بينهما أثلاثًا أيضًا كالثمن.\nفهذا ليس من باب الترجيح ولكن من باب من يستحق شيئًا بطريقة، والآخر بطريقتين.\nوكامرأة ماتت وتركت ابني عم أحدهما زوج فإن الزوج يرث النصف بالزوجية والربع بالعصوبة.\nولا تترجح عصوبته على الآخر بالزوجية لأنها ليست بصفة للعصوبة بل هي علة أخرى فعلمت أن الاتفاق جاري على أن الترجيح لا يقع بمثل العلة الأولى، ولا بما فوقها بل بما يكون وصفًا لها وتبعًا.\nوالاختلاف في مسألة الشفعة في أن زيادة النصيب هل يعتبر علة أخرى للاستحقاق أم لا؟ فثبت أن حد الترجيح ما يزيد قوة لما جعل حجة ويصير وصفًا له.\nوجملة أقسامه في المقاييس تنتهي إلى أربعة:\nأ- قوة تأثير الوصف.\nب- وقوة ثباته على الحكم المشهود به.\nج- وكثرة أصوله.\nد- وانعدام الحكم لعدمه.\nأما قوة التأثير: فإنه صار حجة يعمل بها بتأثيره، فيترجح معنى الحجة برجحان هذا الوصف كالخبر لما صار حجة بالثبوت عن النبي ﷺ وذلك باتصال الرواية عنه إليه، وهذا الاتصال يزداد قوة بحال الراوي في صلاحه وضبطه، وباتصال الإسناد وانقطاعه وجب الرجحان بما قوى به الاتصال بالنبي ﷺ.\nفإن قيل: أليست الشهادة جعلت حجة بسبب العدالة ثم لا تترجح بقوة العدالة، فإن بعض الشهود يكون أعدل من بعض؟\nقلنا: إن العدالة بالتقوى، والتقوى ليست بأنواع بعضها فوق بعض ليمكن التمييز بينها بأنواعها كأحوال الرواية فإنها متصلة ومنقطعة.","vol":"1","page":340},{"text":"وكذلك أحوال الرواة في الضبط وغيره، والرواية في تواترها وشذوذها طرق شتى ليست من جنس واحد على ما بينا في أبوابها.\nوكذلك تأثير العلة إنما يكون بأدلة معلومة متفاوتة الأثر بعضها فوق بعض ممكن العمل بها، ومثال ذلك اختلاف العلماء في طول الحرة هل يمنع الحر نكاح الأمة؟\nقال الشافعي: يمنع لأنه استغنى به عن تعريض جزء منه للرق فلم يحل نكاح الأمة لما فيه من إرقاق ولده وهو جزء منه، والإرقاق كالهلاك حكمًا حتى يخير الإمام في الكافر المغنوم بين القتل والإرقاق، فكان حرامًا إلا لضرورة ما، وهو أن لا يجد طول الحرة ويخاف الزنا أو فساد أمر المعيشة، ويقيس بهذا المعنى على من تحته حرة.\nونحن نقول: الطول لا يمنع لأنه يجوز معه نكاح العبد بالإجماع. فإن المولى إذا دفع إليه مالًا يجد به الحرة فتزوج به الأمة يجوز بالإجماع.\nولما جاز معه نكاح العبد الأمة جاز نكاح الحر كذلك قياسًا على وجود الحرة في دار الدنيا، وهذا لأن العبد ما فارق الحر إلا بتصنيف حاله في المعنى القابل لعدد الأنكحة، حتى حل للحر أربع نسوة حرائر ولم يحل للعبد إلا نصفها فأما سائر شروط النكاح من المهر والولي والخلو عن العدة فقائمة، والنصوص لا توجب التفرقة بينهما.\nوإذا بقي العبد فيما بقي من النكاح الحلال على ما كان بحكم تنصف السبب لم يجب التفريق بينه وبين الحر في ما بقي من الشروط المانعة المبيحة، وكان هذا الأثر أقوى من أثرهم لأنه أشار إلى إرقاق مائه، وفيه هلاك حكمًا.\nوالحر له أن يعزل مختارًا بلا ضرورة وفيه تضييع مائه وهلاك حقيقة، فلما لم يحرم السعي إلى الهلاك الحقيقي بلا ضرورة فلأن لا يحرم السعي إلى الهلاك الحكمي بلا ضرورة أولى، فضعف أثر وصفهم بنظيره من الهلاك الحسي الحقيقي فقد شهد عليهم.\nوكذلك نكح الأمة الكتابية عندنا حلال للمسلم، وعنده حرام لأنها أمة كافرة فأشبهت المجوسية.\nقال: لأن للرق أثرًا في التحريم وكذلك الكفر فإذا اجتمعا التحقا بالكفر الغليظ، أو لأن طول الأمة [من أهل الكتاب والإسلام سواء، ونكاح الأمة] جائز لدفع ضرورة الزنا فإذا وقعت الغنية بالمسلمة لم تحل الكافرة، ولهذا قال: لا يجوز أن تنكح الأمة على الأمة لأن الضرورة اندفعت بالواحدة.\nإلا أنا نقول: نكاح الحرة يجوز له مع هذا الدين فكذلك نكاح الأمة قياسًا على دين الإسلام، وهذا لما ذكرنا أن الرق لا يحرم أصل النكاح بل ينصف بقدر الإمكان فلا يتغير حكم أصل النكاح لما بقي النصف على ما كان، وإنما يظهر أثره في القدر ولا قدر لنكاحها من حيث التزوج برجال، كما يتزوج الرجال بنساء ليظهر حكم التصنيف في ذلك","vol":"1","page":341},{"text":"القدر فظهر الأثر فيما يتعدد ويتقدر من حال وقوع نكاحها فإن الوقوع قد يكون ابتداء وقد يكون على حرة.\nولا يلزم نكاح الأمة على الحرة فإن نكاح الحرة لا يمنع نكاح الحرة.\nويمنع نكاح الأمة لأن الامتناع بحكم فوات نصف الحل كما في جانب العبد.\nوبيانه: أن التصنيف يثبت في جمع يقبل التجزيء، ولا جمع لنكاح المرأة من حيث الرجال فإنها لا تتزوج برجال، وإنما الجمع من حيث الاجتماع مع الضرة فينصف بالرق فجاز للحرة في الأحوال كلها مع الأمة قبلها أو بعدها، ولم يجز للأمة إلا النصف وهو أن يكون قبل الحرة.\nوأما إذا جمع بينهما معًا، وكان عددًا وسطًا فكان يجب أم يتنصف الجواز لو قدرنا، إلا أنه يشيع لأن النكاح لا يتجزأ صحته فشاع كمان طلق امرأته تطليقة ونصفًا يقع اثنتان والأمة تعتد بنصف ما تعتد به الحرة.\nوإذا كانت بالقرء اعتدت الأمة بقرءين والحرة بثلاثة لأن القرء لا يتجزأ في تعلق العدة به.\nوالحر عندنا ينكح الأمة على الأمة لأن العبد يحل له ذلك.\nفكذلك الحر فالأثر الذي اعتمدناه في تنصيف ما يبتنى عليه جواز النكاح بالرق من حيث يمكن أثر قوي لم يحتمل بوجه فإن كل شيء يقبل التنصيف بقي النصف منه على ما كان عليه حكم الكل.\nوكذلك قولنا: إن الرق سبب منصف للحل مؤثر، فالحرية لها شرف في مقابلة الرق وقد وجدنا لشرف النبوة أثرًا في زيادة إطلاق لعدد النكاح فصح إضافة زيادة الإطلاق، فيما نحن فيه إلى الحرية إظهارًا لشرفها في مقابلة الرق، وقد بينا ضعف أثر في اعتبار الضرورة.\nوكذلك بيان الأثر لضم الرق إلى الكفر ضعيف لأنا لا نسلم أن للرق أثرًا فى تغيير شرط الجواز.\nوأصل النكاح إنما أثره في قدر ملك النكاح من الوجه الذي يتعدد، ولا عدد إلا في النساء يجتمعن عند رجل فلا يظهر أثر الرق إلا في حال اجتماعهن من الجانبين جميعًا على وجه يظهر به شرف الحرية في زيادة إطلاق.\nولأن منع الكفر النكاح بطريقة غير طريقة منع الرق والعلتان لحكمين مختلفين تمامًا إذا اجتمعتا لم تقو إحداهما بالأخرى.\nوكذلك اختلفنا فى إسلام أحد الزوجين وردة أحدهما؟","vol":"1","page":342},{"text":"قال علماؤنا ﵏: إن الفرقة بالردة تقع بنفسها، وفى الإسلام لا تقع إلا بالقضاء إذا أبى الآخر والإسلام لا عبرة للدخول بها.\nوقال الشافعي: إن للمرأة تبين بنفس الاختلاف إذا كان قبل الدخول، وتبين بالعدة بعد الدخول لأن الطارئ وهو اختلاف الدينين سبب تعلق به الفرقة بالإجماع، لا على سبيل منافاة أصل الملك حكمًا، فإذا أجمعنا على أنهما إذا ارتدا بقيا على النكاح وردة أحدهما موجودة ويعد الإسلام بعد الدخول الملك قائم لو أسلم الباقي منهما بقيا على النكاح، وما ينافي في أصل الملك حكمًا لا يتصور مع بقاء الملك كالمحرمية وملك اليمين، فصار من هذا الوجه نظير الطلاق فإنه غير مناف لأصل الملك حكمًا، فإنه يراجعها ويبقى الملك مع الطلاق وتتعلق به الفرق فتعلق بالخلو عن العدة.\nوقلنا نحن فى إسلام أحدهما: أن الطارئ من السبب وهو الإسلام لا يُضاف إليه الفرق لأنه سبب لعصمة الأملاك دون إزالتها.\nولأن القرار يتوقف على إسلام الآخر لا زوال هذا الإسلام.\nوقرار العقد لا يتوقف على قرار ما يوجب قطعه وهذا أثر قوي معقول.\nولا يجوز أن يضاف إلى كفر الباقي لأنه غير حادث، ولكنه دوام لما كان ودوام ما لم يكن قاطعًا لا يوجب قطعًا ضرورة.\nفإن قيل: إنما لم يكن كفر هذا قاطعًا مع كفر الآخر دون إسلامه، ألا ترى أنه لم يكن مانعًا لابتداء العقد مع كفر الآخر والآن هو مانع.\nقلنا: نعم [يمنع ولا يقطع والنزاع وقع في القطع كأن الحالة لم تتبدل] بأن صار مانعًا يتبدل الحال لا يدل على أنه يصير قاطعًا فإن كثيرًا من الأشياء يمنع ولا يقطع، والنزاع وقع في القطع فصار في حق القطع كأن الحالة لم تتبدل.\nفالشافعي أضاف فرقة وجبت عقيب الاختلاف إلى الاختلاف وبين أثره بمنع ابتداء العقد وحرمة الوطء، وإنه ضعيف لأن العدة تمنع الابتداء وتحرم الوطء ولا توجب الفرق.\nونحن قلنا: إن الاختلاف ليس بسبب يوجب الفرقة لما ذكرنا من الدليل، وإنه قوي الأثر مجمع عليه على ما مرَّ، ولما لم يكن الحادث سببًا وجب عليه طلب سبب آخر تحته له أثر في إيجاب الفرق، وما ذلك إلا فوت غرض النكاح فإن هذا الاختلاف يحرم الوطء ويجعلها معلقة، والله تعالى حرم التعليق وجعله ظلمًا يقع على النكاح بانعدام الغرض الذي شرع النكاح له، وأمر بالإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان.\nوهذا كما قال الشافعي في الإيلاء بعد المدة: إن الزوج يصير ظالمًا ظلم التعليق","vol":"1","page":343},{"text":"فيوجب التفريق إذا أصر على الظلم، فكذلك ههنا وإذا كان كذلك صار مفوضًا إلى القاضي لأنه فرقة لإزالة الظلم والقاضي ولي لإزالة الظلم عن الناس.\nفأما ردة أحدهما فسبب مناف للملك حكمًا فيتعجل الفرقة كملك أحد الزوجين صاحبه أو المحرمية.\nوإنما قلنا: إنه مناف حكمًا لأن الردة ليست لقطع ملك النكاح، ولا تملك بملك النكاح وتصح قبل الملك بل لتبديل الدين فإذا وجبت الفرق عقيبها ولها أثر فى إزالة العصمة أضيفت إليها، ولما أضيفت إليها ولم تكن الردة موضوعة لها علمنا أنها وجبت حكمًا أي الشرع حكم بالمنافاة بينهما كملك اليمين مع ملك النكاح، والمتنافيان حكمًا لا يتغير حكم المنافاة بها بالدخول وعدم الدخول.\nوقول الشافعي: إنها ليست بمنافية حكمًا لأنهما إذا ارتدا معًا بقي النكاح غير قوي أثره، لأن الردة إن لم تناف حال اتفاقهما في الكفر لم تدل على عدم المنافاة حال الاختلاف ألا ترى أن اتفاقهما في الكفر الأصلي لا يمنع ابتداء العقد، ولا يقطع وحال الاختلاف يمنع بلا خلاف ويقطع عنده فلم تكن إبانة التأثير دليلًا على إفساد ما قلنا بحال الاتفاق قويًا، لما بينا أن لحال الاختلاف أثرًا في إعمال العلل المحرمة حكمًا.\nوكذلك إذا قلنا إن عدد الطلاق بالنساء وقالوا: إن العدد بالرجال، لأن الملك لهم فيعتبر بحالهم كابتداء الملك عدد المنكوحات اعتبر بحال الرجل دون المرأة لأن الملك صفة المالك فيعتبر بحاله.\nوكملك اليمين يعتبر بحال المالك فيملك إذا كان حرًا ولا يملك إذا كان عبدًا.\nوقلنا نحن: الطلاق لقطع الملك الثابت على المرأة فيعتبر عدد القاطع بمحل الملك قياسًا على عدد العتاق يعتبر بعدد ملك اليمين في المماليك لا بالمالك، وهذا أولى لأن الملك يزداد بزيادة المحل المملوك بالمالك والقطع بناء على الملك فإنما يزداد بما يزداد به الملك.\nفإن قيل: هذا فيما يتصور الازدياد بالمحل وذلك بزيادة عدد النساء لا بالحرية والرق فملك الرجل في الحرة والأمة واحد.\nقلنا: لا كذلك بل ملكه في الحرة ضعف ملكه في الأمة من حيث الحكم، ألا ترى أن القسمة إذا وجبت بين الحرة والأمة بحكم هذ الملك كان للأمة ليلة وللحرة ليلتان فنزلت الحرة منزلة أمتين.\nوكذلك العدة التي تجب قضاء لحق هذا الملك على ما بينا في موضعه: يجب على الحرة ضعف ما يجب على الأمة إلا أن التضعيف لا يتبين في أصل الاستحلال لأنه مما لا يتجزأ، ولكن يظهر فيما يتجزأ من الأحكام التي تتفرع من هذا الملك من العدة، والقسم،","vol":"1","page":344},{"text":"فكان الأثر الذي صرنا إليه أقوى من أثره بالملك بل أثر الملك في إطلاق التصرف والحجر لا في قدر عدد المملوك من التصرف المزيل للملك، وإنما الأثر للمحل على ما بينا.\nوكذلك مسح الرأس لا يثلث استدلالًا بمسح الخف لأن هذا الوصف يفرق بين جنس الغسل، والمسح في حكم التخفيف فإن المسح أخف منه في نفسه، وكذلك في حكمه حتى تأدى الفرض منه ببعض محله فصار وصف المسح مؤثرًا وضعًا وشرعًا في الفرق بينه وبين الغسل.\nوقولهم: إنه ركن فصار نظير الغسل لا أثر له في جعل الركن بابًا واحدًا فيما هو تغليظ لا من حيث نفسه ولا من حكمه.\nوكذلك صوم رمضان عندنا يتأدى بمطلق نية الصوم لأنه صوم عين أي ليس معه غيره في وقته فأشبه صوم النفل في سائر الأيام فإنه لم يشرع معه غيره في أصل الشريعة، وإنما يثبت بعوارض وتأثيره أن النية ما شرعت أصلًا إلا لتعيين العبادة عن العادة فلا يشرع زيادة الوصف عليه إلا لتعيين عبادة عن عبادة أيضًا، فإذا لم تشرع العبادة وكانت الواحدة عينًا لم يفتقر إلى التعيين.\nوقال الشافعي ﵀: إنه صوم فرض فيكون تعيين نية الفرض شرطًا قياسًا على القضاء، لأن للفرضية أثرًا في تغليظ حكمها متى قوبل بالنفل، وإنه ضعيف لأنه أشار إلى أثر مجمل مع اتفاقنا على المساواة بينهما في كثير من الأحكام، واختلافنا في شيء بعينه وهو النية، ونحن بيّنا الأثر في نفس النية فهذا أقوى وجه يجب اعتباره.\nوأما الوجه الثاني: وهو قوة ثباته على الحكم المشهود به فلأنه جعل علة لإيجابه فيكون زيادة وجوب الحكم بها رجحانًا من حيث الوصف، مثال ذلك أنا قلنا: إن المنافع لا تضمن بالإتلاف لأن ضمان مثل، والمثل بنبئ عن المساواة إما مطلقة صورة ومعنى أو معنى بالإجماع، والمنافع لا مثل لها فلم يجب ضمان المثل للعجز عن الوصول إليه، كما لا يجب ضمان المثل صورة فيما لا مثل له من صورة، وكذلك المنافع لا تضمن بمنافع مثلها لعدم المماثلة، فكذلك لا يجب من حيث القيمة لأنه لا مماثلة بينهما أيضًا، فإسقاطنا ضمان المثل للعجز عن المثل إسقاط بمعنى مؤثر لأن التكليف مبني على الطاقة في جميع أنواع التكليف.\nفحكم هذه العلة يتبعها في جميع أنواع التكليف، ودلالة أنه لا مثل لها أن القيمة دراهم أو دنانير، وهما جواهر والمنافع أعراض.\nوالجوهر في ذاته خير من العرض لأنه يقوم بنفسه والعرض يقوم بغيره فكان كالتبع له بل وصفًا للجوهر، لأن الجوهر مما يبقى زمانين والعرض مما لا يبقى صفة ذات،","vol":"1","page":345},{"text":"والاتصاف بالبقاء معنى منبئ عن الجودة بل تفاوت ما بين التبع والمتبوع أكثر مما يكون بين الجيد والرديء.\nوقال الشافعي: تضمن بالإتلاف لأن المنافع مما تقوم بالعقد، فكذلك بالإتلاف قياسًا على عين المال وأوجب المماثلة بقدر الإمكان.\nفإذا لم يمكن إلا بأدنى تفاوت تحمل كما تجب القيمة عن الأعيان وإنما يستدرك بالظن.\nوالحرز لما لم يمكن إيجاب المثل صورة، وكان هذا التفاوت أولى بالتحمل من إسقاط حق المتلف عليه أصلًا ورأسًا، وهذا حكم لازم فإنا أمرنا بدفع الضرر ما أمكن.\nفإذا دار الأمر بين أن يسقط الضمان فرارًا عن إيجاب زيادة متيقن فيها على المتعدي على أضرار بالمتعدي عليه بإبطال أصل حقه، وبين أن يتحمل الزيادة لحق المتلف عليه بعذر العجز كان الأولى ما صرت إليه فالمظلوم أولى بالنصرة ودفع الضرر عنه، وأكثر الضررين أولى بالدفع عند المقابلة.\nوقلنا نحن: حكم علتنا من حيث نفي الزيادة عن المتعدي أثبت لأنا وجدنا في أصول الشرع إتلاف مال متقوم لا يوجب ضمانًا كإتلاف الباغي أموالنا ونفوسنا في حال المتعة، وإتلاف الكفار كذلك، ولم نجد تعديًا أوجب الزيادة على المثل بعذر من الأعذار في الدنيا لا في الآخرة بل الزيادة جور لا وجه إليه بحال فكان حكم علتنا ألزم من حكم علتهم.\nوهذا لأن في الزيادة جورًا وفي الإسقاط تأخير الانتصاف إلى الآخرة فكان التأخير أهون من إبطال حق المتعدي في الزيادة.\nولأن الزيادة راجعة إلى ما يتبين من حكم الله تعالى، وحكم الله تعالى مصون عن الجور، وأما الضرر فيبقى غير مجبور للمظلوم لعجزنا عن الخبر والعجز عذر لنا.\nثم الظالم مساو للمظلوم في احترام حقوقه إلا من حيث الانتصاف منه له بالمثل والكلام في الزيادة فسقط أثر التعدي فيها، وليس هذا كضمان القيمة عن العين لأنا لا نوجب زيادة بالفتوى بحال، بل نوجب قيمة عدل على الحقيقة فلكل عين متقوم قيمته مثل على الحقيقة عند الله تعالى وإنما يقع التفاوت بقدر ما يقع في استيقاء الواجب لأنه لا يقع مثلًا على الحقيقة، وذلك عمل بما وجب والعمل يلزمنا بقدر الوسع فسقط اعتبار ما ليس في وسعنا دفعه فثبت أنا ما أوجبنا بالشرع زيادة على المثل في موضع.\nوكذلك قلنا: ملك النكاح لا يضمن بالإتلاف، وكذلك ملك القصاص، حتى لو شهد شاهدان بالطلاق بعد الدخول أو العفو عن القصاص، وقضى القاضي ثم رجعا لم يضمنا لأن المال ليس بمثل لهذين الملكين لا صورة ولا معنى لأن معنى المال غير معنى ملك النكاح، وملك الحياة.","vol":"1","page":346},{"text":"وكان القياس أن لا تجب الدية مثلًا عن الآدمي بالقتل خطأ إلا أنا أوجبناها بالنص معدولًا به عن القياس فلا يقاس عليه غيره.\nوكذلك إذا غصب ساحة فبنى عليها لا ينقض عليه لأن في النقص إبطال ملك قائم بعينه للغاصب بلا عوض وفي الإبقاء إتلاف ملك المغصوب منه بعوض، وهو مالك من وجه على ما بينا في موضعه فكان هذا أهون، ويكون الغاصب متعديًا لا يستوجب زيادة غرْم على مثل ما تعدى، ولا تبطل حرمة ماله بوجه وراء الانتصاف منه.\nوكذلك إن صوم رمضان صوم عين من بين سائر الصيام فلا يشترط تعيينه عن سائر أنواعه قياسًا على النقل في غير رمضان.\nوقولهم: أنه صوم فرض فأشبه القضاء لأن سقوط التعيين فيما هو عين حكم لازم موجود في المعاملات وسائر الفرائض من الزكوات، وكل عين يتصف بالتعيين وحكم علتهم يختص بصوم فرض لا يدور مع كل فرض على ما بينا أن فرض الزكاة يتأدى بلا تعيين نية الزكاة.\nوكذلك فرض الإيمان والشهادة باللسان.\nوكذلك فرض الحج على أصله يتأدى بلا نية التعيين فهو قريب من الباب الأول.\nومنه قولنا: إن ربا الفضل حرام للكيل والجنس فيحرم بهما فضل القدر كيلًا، وقولهم حرام للطعم، والحرام فضل القدر ذاتًا في الحبة بالحبة، فإن أجزاء الخلقة على التفاوت كانت علتنا أولى لأن حكمها، وهو حرمة فضل القدر كيلًا لازم معها أبدًا، وحكم علتهم يزول إذا جاءت المساواة كيلًا فإنه حلال مع تيقننا بتفاوت الأجزاء بينهما ذاتًا، والله أعلم.\nوأما النوع الثالث: فبكثرة الأصول لما مرَّ أن الوصف هو الحجة بأثره في الحكم لا الأصل فيكون في كثرة الأصول زيادة لزوم الحكم معه من وجه آخر غير ما مرّ، كزيادة صحة الخبر بزيادة الرواة حتى يصير مشتهرًا ومتواترًا، وقلما يوجد نوع ترجيح من هذه الأنواع إلا ويتبعه الآخران.\nوأما الرابع: فأخف الوجوه ترجيحًا، وهو العدم لما مرّ أن العدم لا يوجب عدمًا ولكن لما عدم الحكم بعدمه بعدما صار علة بدليله أوجب زيادة علم بتعلق الحكم به يفوت ذلك إذا نفي الحكم مع عدمه من حيث الظاهر.\nومثال ذلك: إنا نقول في من اشترى طعامًا بعينه بطعام أن القبض ليس بشرط في المجلس لأنه مثمن عين فأشبه الثياب.\nوقالوا: القبض شرط لأنه من أموال ربا الفضل مع الجنس فأشبه الذهب والفضة.","vol":"1","page":347},{"text":"قلنا لهم: إن علتنا أولى لأن الحكم ينعدم بعدمها، وهو صرف الدراهم بالدراهم أو إسلام الدراهم في الحنطة لما كانا دينًا بدين أو ثمنًا بثمن شرط القبض في المجلس كي لا يكون كيلًا يكون كاليًا بكالي، لأن الأثمان لا تتعين بحال بيعًا.\nوعلتهم لا توجب العدم لعدمها فإن القبض شرط في المجلس في باب السلم، وإن لم يشتمل على أموال الربا.\nوكذلك إذا قلنا: إن الرجل إذا ملك أخاه عتق عليه لأن بينهما قرابة محرمة للنكاح فأشبه الأب والابن كان أولى من قولهم: لا يعتق لأنه يحل له وضع الزكاة فيه فأشبه ابن العم، لأن علتنا تنعدم لانعدامها في ابن العم وعلتهم لا توجب العدم فإن الكافر يحرم وضع الزكاة فيه، ولا يعتق على المسلم إذا ملكه.\nوأما الترجيحات الفاسدة فما عدا هذه الأقسام.\nمنها ترجيح القياس بالقياس لما ذكرنا فيما مضى، وقد أجمع المسلمون في ابني عم أحدهما زوج ورثا امرأة أن الزوجية لا توجب ترجيحًا للعمومية لأنها علة بانفرادها، ولو كانا أخوين لأب أحدهما أخ لأم يرجح بالأم الأخوة لأب لأن هذه الوصلة رجعت إلى الأولى فصارت وصفًا له، فصار كعلة ثبتت بأصلين، وخير ثبت برواة كثيرة، وقال عامة الصحابة رضوان الله عليهم في ابني عم أحدهما أخ لأم: أن ابن العم الذي ليس بأخ يرث.\nوقال بعضهم: لا يرث لأن الكل قرابة، إلا أنا نقول: الأخوة غير العمومة فلا يصيران علة واحدة بل كان كل واحدة علة منفردة فأشبه ابني عم أحدهما: زوج.\nومن الترجيح الفاسد: غلبة الأشباه، كقولهم: إن الأشباه بين الأخ وابن العم أكثر من حيث جريان القصاص في الطرفين وحرمان الإرث بالأولى وحلّ وضع الزكاة وقبول الشهادة لصاحبه، ولا شبه بينه وبين الأب إلا المحرمية بالرحم، وذلك لأن هذه الأشباه أوصاف أو أحكام تجعل عللًا، وكثرة العلل لا توجب ترجيحًا ككثرة الأخبار، وكثرة الآيات فلا فرق بين أوصاف تستنبط من أصل، أو من أصول ولو كانت من أصول شتى لم توجب ترجيحًا فكذا هذا بل أولى لما ذكرنا أن زيادة الأصول ترجيح للوصف الواحد.\nومن الترجيح الفاسد قول بعضهم: إن علتي أعم لأن العلل خلف النصوص، والنقض لا يترجح بعمومه فكذا العلة بل الخاص من النص أولى عند الخصم فيجعل العلة الخاصة أولى.\nومن الترجيح الفاسد: أن تكون إحدى العلتين بوصف، والأخرى بوصفين فيقال: إن التعليل بوصف أولى لأنها خلف النص، والنصان إذا تقابلا لم يترجح أحدهما بكونه أوجز عبارة.\nفهذه وجوه أربعة متداولة بين أهل النظر.","vol":"1","page":348},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>القول فى المناقضة</span>\nقد ذكرنا أن المناقضة لا ترد على العلل المؤثرة لأن تأثيرها لا يثبت إلا بدليل مجمع عليه، ومثل هذا الدليل لا ينقض، وإنما تجيء المناقضة على الطرد لأنهم جعلوه حجة باطراده، وربما لا يطرد، فإنه دليل ما ثبت إلا بحسن الظن أو غالب الرأي، وهما لا يوجبان علمًا لا يحتمل الغلط، إلا أنا أثبتنا بالباب لنبين لك بالأمثلة أن المؤثرة لا يرد عليها نقض، ولكن يرد عليها الخصوص على سبيل أن الذي جاء ناقضًا ظاهرًا غير داخل تحت ما جعله المعلل علة معنى.\nوبيان ذلك بطرق أربعة.\nمن حيث اعتبار معنى الوصف الذي هو ركن العلة.\nثم اعتبار معنى دلالة التأثير الذي به صار الوصف حجة يجب العمل بها.\nثم باعتبار الحكم الذي وقع التعليل لإثباته.\nثم بالغرض الذي قصد المعلل التعليل لأجله وأثبت الحكم بقدره.\nأما الوصف فنحو قولنا: إن وظيفة الرأس مسح فلا يثلث كوظيفة الخف.\nفلا يلزم الاستنجاء بالحجارة لأن تلك الوظيفة ليست بمسح بل هي إزالة للنجاسة الحقيقية، ألا ترى أن الإزالة بالماء أفضل لأنها أتمّ، ولو كانت الوظيفة مسحًا لكره التبديل بالغسل كما في وظيفة الرأس.\nوكذلك إن الدم السائل عن الجرح حدث لأنه نجس خارج فأشبه البول، ولا يلزمنا الدم إذا لم يسل عن رأس الجرح لأنه ظاهر وليس بخارج، لأن الخروج بالانتقال عن مكان باطن إلى مكان ظاهر، وتحت كل جلد ورطوبة وفي كل عرق دم، فالذي هو على رأس الجرح ظهر بزوال الجلدة التي كانت سترة له، ولم ينتقل عن مكانه إلى مكان ظاهر من بدنه خلقة فهو كرجل في البيت ظهر بفتح الباب أو بنقض البناء، والآخر ظهر بالخروج عن الباب لم يكن الظاهر في محله الباطن في أصله بزوال البناء، أو الستر خارجًا دلّ عليه أنه لا يجب غسله في نفسه إذا لم يسبل، وهذا حكم النجاسة الباطنة لا الخارجة.\nوأما التأثير: فلأنا نقول: إن صفة المسح إنما صار علة لمنع التثليث، لأنه قد ظهر أثره في نفسه من حيث التخفيف في مقابلة الغسل فعلًا وذاتًا، وكذلك قدرًا من حيث","vol":"1","page":349},{"text":"التأدي ببعض المحل، وهذا المعنى معدوم في الاستنجاء، لأن أصل المأمور هو مسح موضع النجاسة ولا يتأدى ببعض محل النجاسة فكان نظير الغسل في محله سنة من مضمضة، أو فريضة من غسل وجه.\nوكذلك النجاسة الخارجة إنما كانت حدثًا لأنها أوجبت تطهيرًا في نفسها، فإنه يجب غسلها إذا سالت عن رأس الجرح كما أوجب خروج البول، فلما ساوته في إيجاب الحقيقة ساوته في إيجاب الحكمية بل أولى لأنها دون الطهارة الحقيقية، وأخف منها من حيث أنها طهارة.\nولا يلزم التي لم تسل لأنها لم تصر كالبول في إيجاب الطهارة في محلها فكذا في غير محلها فتبين بدلالة التأثير أنها لم تدخل تحت التعليل بل تزيد قوة في انعدام الحكم إذا انعدم دلالة التأثير، وإن بقي الوصف.\nوأما الحكم: فنحو قولنا، فيمن نذر صوم يوم النحر: إنه صحيح لأنه يوم فلا يفسد النذر بالإضافة إليه كسائر الأيام، ولا يلزم إذا نذرت المرأة صوم يوم حيضها لأن الفساد بالإضافة إلى الحيض فالحيض صفة لها لا لليوم.\nوقولنا: إن الغصب سبب ملك بدل أصل المال فيكون سببا لملك الأصل قياسا على البيع، ولا يلزم غصب المدبر لأنا عللنا لنجعل الغصب سبب ملك ولم نعلل لبيان المحل الذي يعمل فيه، وفي المدبر الغصب سبب ملك، إلا أن التدبير منع عمله كما لو باعه.\nوكذلك الكتابة عقد يحتمل الفسخ فلا يوجب ما يمنع التكفير به كالبيع والإجارة، ولا يلزم إذا أدى بعض بدل الكتابة لأن المانع أخذ بعض العوض عن العتق لا الكتابة، وهو معنى قول أهل النظر: إن المعلل للجملة لا يناقض بالإفراد.\nوأما الغرض: فنحو قولنا: إن التأمين يخافت به لأنه ذكر، ولا يلزم التكبيرات من الإمام لأن غرضنا أن نجعل كونه ذكرًا علة لشرع المخافتة، وأنه كذلك في التكبيرات فإن أصل الشروع فيها المخافتة بها وإنما وجب الجهر بعلة أخرى، وهي إنما شرعت إعلاما، والعلة مع كونها علة قد تجب ضد حكمها بمعارضة علة أخرى أولى منها.\nكذلك نقول: إن الدم السائل حدث لأنه نجس خارج فأشبه البول ولا يلزم دم الاستحاضة لأن غرضنا أن نسوي بين الخارجين في كونهما حدثًا ناقضًا للطهارة وقد استويا لأن السيلان متى دام منها لم يكن حدثًا ناقضًا إلا بخروج الوقت.\nولأن الغرض أن نجعله علة ناقضة للطهارة وهو علة في الاستحاضة بعد الوقت.\nولكن امتنع النقض للحالة لعلة أخرى مانعة وهي أنها مخاطبة بالأداء فيجب أن تكون قادرة، ولا قدرة إلا بسقوط حكم الحدث فسقط ومنع العلة أن تعمل عملها لدفع ضرورة العجز عن الإمكان، فلا يخرج عن كونه علة بتأخر العمل إلى حين كالبيع بشرط","vol":"1","page":350},{"text":"الخيار ثلاثة أيام، وأهل النظر لقبوا هذا الدفع بأنه لا يفارق حكم أصله ونحن لقبنا بالغرض لأن الغرض أوجب القصر على تلك الجملة وبين أن العموم لم يدخل تحت التعليل.\nوجملة الحد في الخروج عن المناقضات أن المعلل متى أمكنه الجمع بين حكم علته، وهذا الذي جاء مناقضا لم يكن نقضا، ومتى لم يمكنه كان نقضا كما في تناقض الدعاوي وهذا لأن الجمع بين النقيضين لا يتصور.\nوبهذه الوجوه من البيان يمكنه الجمع بينهما من غير رجوع عن الأول أو ترك.\nوبهذه الوجه يتبين الفقه: فإنه اسم لضرب معنى ينال بالتأمل والاستنباط.\nوفسرت الحكمة في القرآن بالفقه، لأن الحكمة هي المعنى الباطن في المصنوع لأجله كان الصنع، فكذلك المعنى الباطن في النص الذي شرع لأجله الحكم هو العلة.\nوالحكمة والفقه هو الوقوف عليها، فالدافع على طرف الفقه هو أن يكون بوجه لا ينال إلا بضرب تأمل، فأما الدفع بألفاظ ظاهرة فمما يقع بها الاحتراز عن النقوض بالسماع، فلا يكون فقها.\nإلا أن أهل الطرد لما كلت أفهامهم عن الفقه، وطمعوا في اكتساب اسم الفقه أبدلوا المقاييس المعنوية بمقاييس لفظية تشهيا ولم يدروا أنهم لما اعتمدوا الألفاظ، فالأولى بهم أن يقولوا بظاهر النصوص ويكونوا مع أصحاب الظواهر مع ما أطلقوا على أهل التوحيد والسنة أهل الإلحاد ببنائهم أحكام الشرع على ألفاظ ودعاويهم، وبالله نعوذ من الخذلان والكسل والعجب، ونسأله التوفيق للإصابة والجد.\nوقد زاد مشايخنا من أصحاب الطرد في هذه العلل المؤثرة فعللوا لمسح الرأس بأنه مسح بالماء فأشبه مسح الخف احترازا عن الاستنجاء بلفظ ظاهر.\nوعللوا للدم السائل بأنه نجس خارج إلى موضع يلحقه حكم التطهر في نفسه احترازا عن غير السائل بنص ظاهر.\nوعللوا لإيجاب الملك في المغصوب بالغصب عند أداء الضمان أنه سبب أوجب ملك البدل عما يحتمل التمليك والتملك فيوجب ملك الأصل احترازا عن المدبر، وأنه سمع سماعًا ولغوًا ذكرًا لوقوع الغنية عنه بما دونه، والله أعلم.","vol":"1","page":351},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>القول في صحيح الاعتراضات على العلل الطردية التي لا يضلل القائل بها ويجوز العمل بها بالإجماع</span>\nمما مر بيانه في التعليل بوصف ملائم القول بموجب العلة، ثم الممانعة، ثم بيان فساد الوضع، ثم المناقضة، فهذه وجوه أربعة تلجأ أصحاب الطرد إلى القول بالتأثير ضرورة.\nوسنذكر كل قسم في باب على حدة ليكون أبين للمقصود، فقد أولع أهل زماننا لكسلهم في الدين بطريقة الطرد، وصار القول به عادة راسخة، وطبيعة خاصة وانتزاع الناس عن العادة أمر صعب وخطر هائل، ما قدر النبي ﷺ على ذلك عموما بقوة الحجة، حتى انضم إليها قوة السيف، ولا حول ولا قوة إلا بالله.","vol":"1","page":352},{"text":"باب\n\nفي<span data-type=\"title\" id=toc-85> القول بموجب العلة</span>\nأما تفسير القول بموجب العلة: فهو التزام ما أوجبته العلة، وأنه سبب عجب لإلجاء أهل الطرد إلى القول بالتأثير، وذلك في قولهم: إن المسح بالرأس ركن في الضوء فيسن تثليثه كالغسل. فنقول: عندنا يسن تثليثه لأن قدر الفرص يتأدى بالإجماع ببعض الرأس، ويسن الاستيعاب بالإجماع، وفيه تثليث قدر المفروض من المسح لأن الباقي بعد الفرض من فعل المسح يكون مثلي قدر الفرض وزيادة فيكون تثليثا للفعل، ولكن في أمكنة فالغسل تثليث في مكان واحد، ألا ترى أنك تقول: دخلت ثلاث دخلات في ثلاث دور، ودخلت ثلاثا في دار واحدة فإن غير موجب العلة، وقال: وجب أن يسن تكراره.\nقلنا: ولا نسلم هذا الحكم في الأصل، فإن تكرار الغسل غير مسنون في أصله، بل المسنون إطالته في محله ليكون إكمالا له كإطالة القراءة والركوع، إلا أن الفرض منه لما استوعب المحل لم يمكن الإطالة في المحل إلا بالتكرار، ويمكن في المسح الإطالة من غير تكرار فلم يجب التكرار.\nأو نقول: إن الغسل لما كان ركنا وجب إكماله سنة، والغسل موضوع للتنقية، وإكمال التنقية في تكراره ليزداد المحل به طهارة، وأما المسح بالماء فلا يفعل في أصله لتنقية المحل، بل المتعلق به طهر حكمي تعلق بعينه فكان تكميل عينه في تطويله كالقراءة والركوع في الصلاة فيضطر إلى النظر في أثر الركنية، إذا قوبلت بالرخصة من مسح الخف في الفرق بينهما في إكمال قدر المفروض بالسنة فلا يجد أثرا، لأن قدر المفروض من الغسل شرع إكماله بمثليه في محله، ومسح الخف يساويه فيه، وإن لم يكن ركنا بل شرع رخصة فإن قدر المفروض منه مثل قدر المفروض من الرأس، وقد شرع إكماله باستيعاب ظاهر الخف بمثلي قدر المفروض في محله أو بأكثر.\nثم ننظر إلى المضمضة التي شرعت سنة فنجدها ثلاثا وأصل المشروع سنة بالمرة وكمالها بالثلاث، فيعرف أن وظائف الوضوء أركانها وسننها ورخصها سواء في إكمال قدر أصل المشروع لا عبرة للركنية فيها فيستوي مسحها وغسلها وركنها وما شرع رخصة.\nوكذلك ننظر إلى سائر المشروعات من أركان الصلاة وغيرها فنجد الإكمال مسنونا، والإكمال أبدا يكون بزيادة من","vol":"1","page":353},{"text":"جنس الأصل لا بالتكرار وقد تصور الإكمال بالزيادة من جنس الأصل بغير تكرار في باب الممسوحات فلم يجب التكرار بعينه، ولم يمكن في باب المغسولات الإكمال بزيادة من جنس الأصل فوجب التكرار ضرورة.\nوكذلك إذا قالوا: إن الصوم نفلا قربة لا يمضي في فسادها فلا يجب القضاء بإفسادها قياسا على الوضوء.\nقلنا لهم: لا يجب القضاء بإفسادها وإنما يجب الشروع.\nفإن قال: ولا يجب بالشروع، ولا الإفساد قياسا على الوضوء!\nقلنا: ولا يجب بالشروع المضاف إلى عبادة لا يمضي في فسادها، لكن بالشروع في عبادة تلتزم بالنذر، ولابد من اعتبار إضافة الحكم إلى ما ذكر من الوصف لأن الأوصاف تذكر عللا، وبما ذكر من الوصف لا تصير العبادة محلا لا يلتزم بالشروع فيها، بل وصف آخر فلابد من رجوعه إلى نصب العلة لبيان أن الشروع ليس بسبب للالتزام الذي فيه النزاع.\nوكذلك قولهم، في إسلام المروي بالمروي: أنه جائز، لأنه أسلم مذروعا في مذروع فيجوز كالهروي في المروي.\nفنقول: من حيث أنه مذروع في مذروع يجوز العقد، وتعلق الجواز بهذا الوصف لا ينفي تعلق الفساد بأمر آخر، ألا ترى أنه لو شرط شرطا فاسدا، ولم يقبض رأس المال في المجلس كان فاسدا فكذا عندنا بصفة الجنس لأنه علة مفسدة كالشرط الفاسد، فيلزمه الرجوع إلى بيان أن الجنس ليست بعلة محرمة الذي فيه الخلاف.\nوكذلك قولهم: إن المطلقة طلاقا رجعيا حرام لأنها مطلقة، فأشبهه المطلقة بمال.\nفنقول: من حيث أنها مطلقة محرمة، ولكن من حيث أنها منكوحة محللة كما لو أبانها ثم تزوجها، وكان قيام النكاح مع الطلاق المحرم محللا فيضطر إلى الرجوع إلى بيان خلل في النكاح أوجب التحريم الذي هو حرف المسألة.\nوكذلك قولهم في المبتوتة: لا يلحقها الطلاق في العدة لأنها منقطعة النكاح.\nلأنا نقول: إن الطلاق لا يلحقها من حيث انقطاع النكاح، ولكن من حيث العدة عن النكاح التي هي أثره.\nوكذلك إذا قالوا: لا يجوز تحرير الكافرة عن كفارة اليمين لأنه تحرير في تكفير فأشبه كفارة القتل.\nقلنا: وعندنا لا يجوز لأنه تحرير في تكفير، ولكن من حيث أنه ائتمر بالأمر كما يجوز إذا كسا مساكين، ولا يجوز في كفارة القتل فيضطر إلى الرجوع إلى بيان أن المطلق يحمل على المقيد أم لا؟","vol":"1","page":354},{"text":"وكذلك إذا قالوا: إن السرقة توجب الضمان لأنه أخذ لمال الغير بلا تدين كالغصب.\nلأنا نقول: إنها موجبة للضمان إلا أن القطع ينفيه كما ينفيه الإبراء فيضطر إلى بيان أن القطع لا ينفي الضمان الذي هو حرف المسألة، وقد يجيء هذا الاعتراض على أكثر العلل الطردية لمقايستهم بأوصاف صالحة محتملة أن لا تكون عللا، وإنما قدمنا هذا لأن المنازعة إنما تجب إذا لم يمكن الموافقة، والله أعلم.","vol":"1","page":355},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>القول في الممانعات</span>\nالممانعات على هذا الطريق أربعة:\nممانعة في نفس الوصف.\nوالأخرى: في صلاحه للحكم.\nوالثالثة: في الحكم.\nوالرابعة: بالحكم مضافا إلى الوصف لأنهم يشترطون الصلاح، وتعلق الحكم بالعلة وجوبا.\nأما الوصف: فنحو قولهم في كفارة الإفطار: أنها عقوبة متعلقة بالجماع فلا يشاركه غير الجماع كالحد.\nلأنا نقول: أنها غير متعلقة بالجماع بل متعلقة بالإفطار، لكن إذا كمل تعديا.\nوكقولهم، لمسح الرأس: أنه طهارة مسح فيثلث كالاستنجاء.\nلأنا نقول: في الأصل هي طهارة عن النجاسة الحقيقية لا طهارة مسح فيضطر إلى بيان أن الكفارة غير متعلقة بالإفطار الذي هو حرف المسألة فإنها تجب بالفطر عندنا، والفطر سواء بالأكل والشرب والجماع، ويضطر في الأخرى إلى الرجوع عن صفة المسح الدال على التخفيف إلى صفة أخرى يرده بها إلى الغسل الذي هو حرف المسألة في التسوية بين المسح والغسل فيما هو سنة أو التفرقة بينهما فيما يوجب خفة في المسح.\nوكقولهم: بيع تفاحة بتفاحة حرام لأنه باع مطعوما بجنسه مجازفة فأشبه بيع صبرة حنطة بصبرة حنطة.\nلأنا نقول: ما تعنون بقولكم: مجازفة، أتريدون مجازفة ذات أم وصف؟ فلابد من القول بمجازفة الذات.\nثم نقول: أتعنون بمجازفة ذات من حيث صورته التي بها عرفت تفاحة؟ أم من حيث المعيار الذي وضع لبيان القدر منه؟\nفلابد من القول بمجازفة من حيث المعيار، فإن بيع الحنطة بالحنطة كيلا بكيل حلال، وإن كان ذات أحدهما من حيث الصورة عددا أكثر، ولأن الجوار يتعلق بالمساواة كيلا، وبها يقع الخلص عن فضل كان ربا ولا يزول بالمساواة كيلا إلا فضل من حيث","vol":"1","page":356},{"text":"الكيل، فثبت أن الحرمة متعلقة بالمجازفة كيلا لا بمجازفة مطلقة.\nوإذا فسروا بالمجازفة كيلا لم يجدوها في التفاحة لأن المجازفة كيلا فيما لا كيل له محال، فيضطرون إلى الرجوع إلى قولهم: إن الطعم علة تحريم البيع في الجنس إلا بزيادة شرط وهو المساواة كيلا وهو حرف المسألة فإن الحرمة عندنا متعلقة بالفضل كيلا، وقد حرم الفضل كيلا بصفة الكيل والجنس على ما بينا في موضعه.\nومن ذلك قولهم، للثيب الصغيرة: أنها ثيب يرجى مشورتها فلا تزوج كرها قياسا على البالغة.\nلأنا نقول: يرجى مشاورتها برأي قائم، أو برأي مستحدث، أم بأيهما كان.\nإن قلت: بأيهما كان فبطل بالمجنونة فإن حدوث رأيها غير مأيوس عنه.\nوإن قال برأي قائم لم نجده في الفرع، وتبين حرف المسألة، وهو أن القاطع لولاية الغير رأي قائم لا رأي سيحدث، فإن ما سيحدث من علة أو مانع لا يوجب حكما قبل الحدوث، والرأي هو القاطع فلم يجز أن يتعجل القطع على الرأي ولأن رأيا سيحدث لو قطع الولاية لما ثبتت الولاية على صبي ولا صبية، ولما لم يلتفت للحال إلى طلبها ورضاها وردها علم أن الرأي ساقط العبرة شرعا دون رأي الولي فلم يجز أن يبطل به حكم رأي الولي، ورأيها ساقط العبرة دون رأيه، وعلى هذا الوجه يتبين عوار من دخل في الأمر على حسن الظن بلا رؤية تميز له الصواب من الخطأ.\nوأما الحكم: فنحو قولهم: إن المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه قياسا على الغسل، لأنا لا نسلم أن سنة الغسل في التثليث بل في الإكمال كما يكمل القراءة والقيام، والإكمال صفة الأصل فلا تثبت إلا بما هو جنس الأصل، والأصل لم يتصور إلا في محل مخصوص، فكذلك الإكمال كإكمال القراءة لا يكون إلا بالقرآن الذي يتأدى به أصل الفرض في القيام.\nولما استوعب الفرض كل محل لم يمكن إكمال فعل الغسل في ذلك المحل إلا بالتكرار، فكان التكرار لضرورة ضيق المحل لا لكونه ركنا، وقد أمكن الإكمال في المسح بغير تكرار فلم يجب فيضطر إلى الرجوع إلى حرف المسألة، فإنا أسقطنا التثليث لأن المرة المستوعبة من المسح كالغسل بالتثليث.\nولا يلزم على ما قلنا إكمال مسح الرأس بمسح الأذنين، ولا يتأدى الفرض بهما لأن الأذنين صارا من الرأس بالسنة إكمالا للرأس الذي هو محل ثم المسح شرع في المحل لأن المسح بهما شرع إكمالا بنفسه لمسح الرأس.\nوكقولهم: إن صوم رمضان صوم فرض، فوجب أن يشترط لصحته نية تعيين الفرض قياسا على القضاء.","vol":"1","page":357},{"text":"لأنا نقول: أيشترط تعيين النية قبل تعينه، أم بعد تعينه أم مطلقا في الحالين جميعا؟ فلابد من أن يقول: قبل تعينه فلا يجد في صوم رمضان لأنه متعين، ويضطر إلى الرجوع إلى حرف المسألة فإنا أسقطنا نية التعيين لتعينه.\nوكقولهم في بيع تفاحة بتفاحة: أنه باع مطعوما بجنسه مجازفة فوجب أن يرحم قياسا على الصبرة بالصبرة.\nلأنا نقول: أتعنون حرمة مطلقة أم حرمة تزول في هذا المحل بالمساواة كيلا؟ فإن قالوا: حرمة مطلقة، لم نسلم لهم لأن الحرمة في الأصل تزول بالمساواة كيلا، وإن قالوا: حرمة تزول بالمساواة لم يجدوا في الفرع إذ ما للتفاحة بالتفاحة حال مساواة يجوز البيع معها عند الخصم، فتبين به حرف المسألة فإن الحكم عندنا حرمة نزول بالمساواة، لا حرمة مطلقة فلا يثبت إلا في محل قابل لمفاضلة محرمة، ومساواة مبيحة في نفسه.\nوكقولهم للثيب الصغيرة: إنها ثيب يرجى مشورتها فلا تزوج كرها.\nلأنا نقول: ما تعنون بقولكم: كرها فلابد أن تقولوا بدون رأيها إذ ليس ههنا إكراه تخويف، فنقول: بدون رأيها، ولها رأي معتبر شرعا أو غير معتبر، فلابد من قولهم معتبر لأن ما لا يعتبر شرعا لغو اعتباره، ومتى قالوا: معتبر لم يجدوه في الفرع وتبين به حرف المسألة.\nوكذلك إذا قالوا: إن الحيوان يثبت دينا في الذمة مهرا فيثبت سلما قياسا على المكيل.\nقلنا: أيثبت دينا مهرا معلوما بالوصف أم بالقيمة؟\nفإن قالوا: بالوصف، لم نسلم لهم بالمهر.\nوإن قالوا: بالقيمة، لم يجدوه في الفرع.\nوإن قالوا: بنا غنية عن هذا التفسير.\nقلنا لهم: لا غنية لكم لأنكم جعلتم أحد الدينين نظيرا للآخر، وإنما يكونا نظيرين إذا كان طريق ثبوتهما واحدا، وإنهما مختلفان عندنا فالسلم لا يثبت إلا معلوما بوصفه، والحيوان لا يصير معلوم المالية بالوصف، وأما المهر فيثبت بالتسمية مطلقا، وكينونته معلوم المالية بالوصف ليس بشرط لدليل، قام لنا فيه فيظهر حرف المسألة.\nوكذلك إذا قالوا: إن الطعام بالطعام جمعهما علة ربا الفضل فيشترط القبض في المجلس كالثمن بالثمن.\nقلنا لهم: إن القبض عينه ليس بشرط فيما هو ثمن، إنما الشرط هو التعيين حتى لا يكون دينا بدين لأن الأثمان لا تتعين، وإن عنيت إلا بالقبض، والطعام مما يتعين فيظهر به","vol":"1","page":358},{"text":"حرف المسألة، وهو أن القبض في الصرف أمشروط لدفع الدينية أو لزيادة صيانة؟\nوكذلك إذا قالوا: إذا اشترى إياه ناويا عن الكفارة لا تجوز لأن العتيق أب فأشبه الإرث.\nلأنا نقول: ما حكم علتكم؟\nفإن قلتم: وجب أن لا يجوز عتقه نسلم لكم.\nوإن قلتم: وجب أن لا يجوز إعتاقه فغير موجود في الإرث، فيظهر به حرف المسألة وهو أن الشراء إعتاق أم لا.\nوكذلك إذا قالوا: إن التفكير بإطعام الإباحة لا يجوز لأنه ضرب تكفير يقبل التمليك فلا يجوز بدونه قياسا على الكسوة.\nلأنا نقول: فلا يجوز بدون التمليك مع الائتمار بما أمر أو قبل الائتمار به.\nفإن قال: أنا مستغن عنه لم ينفعه لأن سقوط الفرائض كلها متعلق بالائتمار بما أمر فلابد أن يقول بدون الائتمار فلا نسلم له، لأنه إذا أطعم طعام الإباحة فقد ائتمر بالأمر فيرجع إلى حرف المسألة، وهو أن تفسير الإطعام هو التغذية والتعشية أم التمليك.\nوأما الحكم مضافا إلى الوصف فما مر من القول بموجب العلة، فإن الأحكام في العل الطردية مما لم تقم الدلالة على وجوبها بتلك الأوصاف وإن وجدت معها، وجملة العلل التي ركبت من نفي تبطل بهذا الاعتراض كقولهم لا يعتق الأخ على الأخ لأنه لا بعضية بينهما كابن العم فإنا نقول: عدم عتاق ابن العم ليس لعدم البعضية، فإن العدم لا يوجب حكما على ما مر بيانه.\nوكذلك قولهم: الوكالة لا تثبت بشهادة النساء مع الرجال لأنها ليست بمال كالحد، لأنا لا نرد شهادة النساء في الحد لعدم المالية.\nوكذلك قولهم: لا إحصار بالمرض لأنه لا يفارق الحال بالإحلال، والمبتوتة لا يلحقها الطلاق لأنها ليست بمنكوحة، والله أعلم.","vol":"1","page":359},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>القول في بيان فساد الوضع</span>\nوإنه من باب الشهادة يجري مجرى فساد الأداء، وإنه فوق النقص لأنه إنما يشتغل بإطراده بعد صحته علة، كالشهادة إنما تشتغل بتعديل الشاهد بعد صحة الأداء، وإنه أقوى من النقض لأن الوضع متى فسد لم يبق إلا الانتقال، والنقض خجل مجلس يمكن الاحتراز عنه بمجلس آخر.\nوبيان ذلك أن الشافعي ﵀ متى علل لوجوب الفرقة بعد إسلام أحد الزوجين بأنها فرقة وجبت لاختلاف الدينين فأشبهت الفرقة بالردة، كان فاسد الوضع.\nلأن الاختلاف إنما يثبت فيما نحن فيه بإسلام المسلم منهما فقد كان الاتفاق ثابتا قبله، وإنما حدث الاختلاف بالحادث من الدين وهو الإسلام، والإسلام في الشرع جعل عاصما للأملاك لا مبطلا فكان الوصف ثابتا.\nوكذلك متى علل لمسح الرأس بأنه ركن في الوضوء فيثلث كالغسل، كان فاسد الوضع لأن الشرع بنى المسح على التخفيف في مقابلة الغسل، وهو سعي ليزيد غلظا على الغسل، فإنه أوجب تثليث المسح بعد إكمال الفرض بما فوق قدر الجواز.\nوكذلك قولهم: الصرورة إذا حج نفلا كان عن الفرض، لأن نية مطلق الحج تقع عن الفرض، فكذلك نية النفل كما لو تصدق بالنصاب ينوي الصدقة مطلقا، أو ينوي النفل لأنه قصد أن يحمل المفسر على المجمل والمقيد على المطلق وإنه فاسد وضعا، لأن المجمل مما يحمل على المفسر، وكذلك المطلق يحمل على المقيد على أصل الشافعي ﵀.\nوكذلك عندنا إذا كان حكما واحدا كما في كفارة اليمين حملنا مطلق الكتاب بثلاثة أيام على مقيده بقراءة عب الله بن مسعود ﵁ \"فصيام ثلاثة أيام متتابعات\" ألا ترى أن مطلق تسمية الدراهم ينصرف إلى نقد البلد، ومفسره بنقد آخر لا ينصرف إليه؟\nوعلل خبر ربا الفضل بالطعم، قال: لأن الطعم يتعلق به القوام فكان له زيادة حرمة على غيره، فعلق جواز البيع فيه بشرط زائد وهو المساواة إظهارا لحرمته، وإنه فاسد وضعا لأن المال خلق بذلة لحاجتنا إليه، وأشد الحاجات حاجة البقاء فزيد هذا المعنى في ابتذاله وتوسع أمر كسبه لا أن يزيد تضيقا، حتى حل أكل طعام الغنيمة قبل أن تخمس بخلاف سائر الأموال.","vol":"1","page":360},{"text":"وعلل لحرمة نكاح الأمة بالطول بأن الحر يستغني بطول الحرة عن تعريض جزء منه للرق، فلا تحل له الأمة كما إذا كان تحته حرة، وهذا فاسد وضعا لأنه يثبت حجرا عن النكاح بسبب الحرية، والشرع جعل الحرية مؤثرة في الإطلاق فإن الحر تحل له أربع وللعبد ثنتان.\nوكذلك قولهم: إن الجنون إذا تم وقت الصلاة في بعض اليوم، أو يوم من الشهر أسقط الفرض، قياسا على الجنون المطبق، وهذا فاسد وضعا لأنه ليس تحت الجنون إلا العجز عن تفهم الخطاب والائتمار به.\nفأما المجنون في نفسه فأهل للعبادات فإنه لو كان صائما فجن يبقى صائما ومؤديا ومؤمنا، كذلك فإن الإيمان رأس العبادات، ويبقى في عباداته كالنائم والمغمى عليه مستحقا بحكم حاله كما يستحق أملاكه.\nثم النوم أثره في تأخير لزوم الفعل حتى لا يأثم دون أصل الإيجاب، فكذا الجنون فجعل ما يسقط الخطاب بالفعل علة لإسقاط أصل الإيجاب حكم بخلاف النص والإجماع فيكون فاسدا.\nولأن الائتمار لا يتصور إلا عن اختيار وتمييز فسقط بفوت شرطه.\nوأصل الإيجاب في الذمة يكون جبرا وإلزاما من الله تعالى فيكون شرطه الذمة لا غير.\nفأما إذا طال الجنون فالسقوط بحكم الضرورة والوقوع في الحرج، إذ لو ألزمناه تضاعفت عبادات تلك المدة، وهذا معنى مسقط للإيجاب أصلا لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ ولقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ ألا ترى أن الصلاة تسقط بالحيض لدفع الحرج من حيث أن الحيض يصيبها كل شهر عادة، والصلاة تجب كل يوم فلو ألزمناها قضاء أيام الحيض لتضاعف الوجوب عليها ولحرجت فيها، فسقط الإيجاب به لا لمنافاة الحيض للإيجاب، ألا ترى أن قضاء الصيام يلزمها لأنه لا حرج في إيجاب قضاء الصيام.\nوكذلك خطاب تتابع صيام كفارة القتل يسقط بالحيض، لأنها تقع في الحرج لو ألزمناها التتابع لأنها قلما تجد شهرين لا تحيض فيهما في العادات الغالبة، ولا يسقط في صيام كفارة اليمين أو نذر بصوم عشرة أيام متتابعة لأنها تجد هذا القدر عادة بلا حيض فلا تحرج، فكان إضافة سقوط الإيجاب إلى الحرج أمرا مجمعا عليه، والإضافة إلى العجز عن الفعل أمر بخلاف الإجماع وقياس الأصول فكان فاسدا.\nوكيف يسقط إيجاب العبادة والأداء منه صحيح، والأداء قبل الإيجاب لا يصح.\nولا يقال إن الصائم إذا جن بطل صومه لأن الجنون آفة سماوية تعجزه عن إقامة فعل المميزين وبقاؤه صائما ليس من فعل المميزين فلا يبطل صومه، ولا يخرجه عن جملة المؤمنين بحكم حاله، ألا ترى أنه يرث بحكم اتفاق دين الإسلام؟","vol":"1","page":361},{"text":"وكذلك المحرم إذا جن لا يبطل إحرامه، فكان من قبل الإغماء والنوم وصحة أداء الصوم بعد صحة الشروع لا يبتنى إلا على ترك المفطرات، وما في الترك فعل فذهاب شرط صحة الفعل لا يمنع تأدية، وإنما يشترط كونه من أهل العبادة لا غير لأن ما يحصل يحصل له عبادة، فأحسن ما قالوا قولهم: إن الجنون يسقط الخطاب، وبهذا التفحص يتبين لك أن لا يسقط الإيجاب، وإن سقط الخطاب بالفعل عن المجنون.\nومن ذلك قولهم: إن الأثمان أموال تتعين في التبرعات، فكذلك في المعاوضات قياسا على الحنطة وسائر السلع، وهذا فاسد وضعا لأن التبرعات ما شرعت لإيجاب الأموال في الذمم بل للإيثار بعين ماله، والمعاوضات شرعت لإيجاب الأثمان في الأمم لأن مطلق المعاوضات المتعارف بين الناس عقدها بلا إشارة إلى الأثمان بل بتسمية مطلقة، وإنها توجب في الذمة، ولما كانت للإيجاب في الذمة كانت الذمة محل هذا الإيجاب فلم تصح الإضافة إلى العين كما لو أضاف هبة الألف إذا ذمته فإنه لا يصح.\nوكما لو أضاف بيع المبيع إلى الذمة فإنه لا يصح إلا سلما رخصة بخلاف القياس لضرب من العذر لأن البيع شرع لإيجاب العين لغيره.\nوإنما تصح الإشارة إلى عين الثمن على معنى بيان نوعه وقدره فأما استحقاقا فلا، فصار جعل التعيين في الهبة والعين محل الهبة علة لتعين الثمن في البيع، ومحل الثمن في البيع الذمة فاسدا وضعا.\nوكذلك قولهم: إن البائع يثبت له خيار الفسخ بإفلاس المشتري لأن الثمن أحد عوضي البيع فالعجز عن قبضه يوجب خيار الفسخ، كالعجز عن قبض المثمن، نحو أن يأبق العبد أن يكون السلم رطبا فيذهب حينه هذا فاسد وضعا لأن القدرة على تسليم المبيع شرط لجواز البيع ابتداء.\nوالقدرة على تسليم الثمن ليس بشرط للجواز ابتداء، لأن البيع وضع لإيجاب الملك، واليد في العين للمشتري، ولإيجاب ملك الثمن ابتداء في الذمة على المشتري للبائع.\nولما كان البيع لإيجاب الملك واليد في العين للمشتري كان شرطه قيام الملك واليد للبائع ليعمل العقد عمله فلم يصح قبل أن يقدر ملكا ويدا.\nولما كان الشراء لإيجاب ثمن ابتداء في ذمة المشتري لا غير اشترط لصحته قيام ذمة قائمة لثمن يجب فيها بحيث يقبل القبض بمثلها، من غير شرط القدرة على التسليم بالمثل، لأنه لا قدرة إلا بملك ولم يشترط للجواز قيام ملك ولا يد في عين مثله.\nولما لم تكن قدرة التسليم شرطا للجواز ابتداء لم يوجب العجز عن التسليم خللا فصار فاسدا وضعا، لما فيه من اعتبار ما لم يجعل شرطا بما جعل شرطا.","vol":"1","page":362},{"text":"هذه الجملة أحسن عللهم وأظهرها للقلوب صحة وأبينها فقلها، ليعرف بهذه الجملة أن أكثر عللهم لا يخلو عن فساد الوضع، وتبين بهذا أنه لابد من القول بالتأثير الذي كان عليه السلف بلا خلاف، والله أعلم.","vol":"1","page":363},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>القول في المناقضة</span>\nقال القاضي ﵀: قد ذكرنا فيما مضى تفسير المناقضة وحدها، وإنما أعدناها لنبين أن الاعتماد على الاطراد ليس بصواب، بل هو واهي الإطناب، لأنه بناء على عدم الدليل، على ما أوضحنا فيه السبيل، والرد بالمناقضة مما يلجئهم إلى القول بالتأثير.\nقال الشافعي ﵀: إن النية شرط لصحة الوضوء قياسا على التيمم، وقال: طهارتان فكيف يفترقان.\nفإن جعل موجب علته المساواة مطلقة لم يصح فإنهما يفترقان من وجوه، ويكون وجه المفارقة نقضا فإن قيد بالنية، وذلك غرضه انتقض بالطهارة عن نجاسة حقيقية فيضطر إلى الرجوع إلى موضع التأثير، وهو أن الطهارة حكمية أي حصولها عرف حكما وشرعا لا حقيقة، وهو حرف المسألة فإن الماء عندنا طهور خلقة فتحصل الطهارة باستعماله بطبعه فلا يتغير بالنية.\nوأما التراب فطهور حكما فلا تحصل بطبعه طهارة ما لم يقترن به الشرط الشرعي الذي جعله طهورا أو إرادة الصلاة.\nوقال أيضا: الطلاق ليس بحال فلا يثبت بشهادة رجل وامرأتين قياسا على الحدود، وهذا بظاهره يبطل بالبكارة فلا يجد بدا من الرجوع إلى طلب التأثير عند الاقتصار على هذا الوصف، وهو أن الأصل أن لا شهادة للنساء لنقصان عقلهن بكثرة غفلتهن، لكن جوز في باب المال لكثرة الحاجة إليه، وتكرار المعاملات فيه في الأسواق وغيرها حتى لا يضيق على الناس، وإنه معدوم فيما ليس بمال فلم يقبل كما ثبتت الولادة بشهادة النساء وحدهن لضرورة أن الرجال لا يحضرونها، ولم تكن حجة فيما يطلع عليه الرجال.\nوهذا حرف المسألة فإن شهادة النساء مع الرجال شهادة أصلية عندنا كشهادة الرجال على ما نبين في موضعه، إلا أن فيها ضرب شبهة فلم يثبت بها ما يسقط بالشبهة كالحدود فأما ما لا يدرأ بالشبهات فهذه الشهادة حجة فيها والطلاق متى قوبل بالبيع كان أقوى ثبوتا منه، وكذلك الوكالات والوصايا، وكذلك النكاح فإنه يثبت عندنا مع الكره والهزل، وسائر الشروط الفاسدة.","vol":"1","page":364},{"text":"وقال أيضا: إن الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأنه وطء رجمت عليه، والنكاح فعل عقد حمدت عليه.\nفإن قال: وجب أن لا يشارك هذا في حكم هذا بطل بوجوب الاغتسال والمهر. وإن قال: في حكم المصاهرة.\nقلنا له: ولم؟\nفإن قال: لأن الصهر نعمة والزنا حرام، رجع إلى التأثير فبطل بالوطء عن نكاح فاسد.\nفإن قال: ثم إنما يثبت لما فيه من جهة الحل على حسب اختلاف الناس فيه، فقد رجع عن الطرد إلى طريقتنا من بيان التأثير.\nوقلنا له: إن المصاهرة لا تثبت بالزنا عندنا لأنه معصية، والمصاهرة كرامة فلا تضاف إلى المعاصي، ولكنه سبب لحراثة الولد في هذا المحل على ما بينا في موضعه، ولا معصية من حيث الحراثة فإنه أمر مشروع بسببه.\nوكذلك قولهم: إن الغصب عدوان فلا يكون سببا للملك كالقتل، هذا باطل باستيلاد الأب أمة ابنه، واستيلاد أحد الشريكين أمة بينهما.\nفإن قالوا: أوجبنا الملك فيهما لما لهما من تأويل الاستحلال شرعا، لا من حيث العدوان كان رجوعا إلى التأثير، وحرف المسألة فإنا نوجب الملك بالغصب لأنه سبب ملك البدل، وهذا حكم شرعي وليس بعدوان.\nوكذلك قولهم: إن المنافع أموال فتضمن بالإتلاف قياسا على الأعيان.\nقلنا: هذا باطل بالمتلف إذا كان معسرا.\nفإن قالوا: هناك يضمن لكن الاستيفاء يتأخر إلى الميسرة كان هذا رجوعا إلى التأثير، لأن المتلف ضامن عندنا ههنا، لكن الاستيفاء يتأخر بعذر العجز عن إصابة المثل إلى حين الإصابة في الآخرة، وإنه حرف المسألة فإن العدوان موجب ضمان المثل، فلا يمكن الاستيفاء إلا بعد القدرة على المثل.\nوعندنا الأعيان أجود من المنافع وليسا بمثلين، وعنده هما مثلان فيرجع الكلام إلى هذا ويبطل الطرد الذي اعتمده.\nوكذلك قولهم: إن إسلام الهروي في الهروي يجوز، لأنه أسلم مذروعا في مذروع، هذا يبطل بما إذا شرطا شرطًا فاسدا.\nفإن قالوا: إنما بطل بالشرط الفاسد لا بالوصف الذي قلنا، كان رجوعا إلى حرف المسألة، فإن الفساد عندنا بعلة محرمة وهو الجنس لا بالذرع فيرجع الكلام إلى أن الجنس محرم أولا ويبطل الطرد، والله أعلم.","vol":"1","page":365},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>القول في بيان الطرد الفاسد ظاهرا</span>\nالطرديات الفاسدة أربعة أنواع:\nنوع منها معروف ببداهة العقول من غير تأمل في الأصول، كقولهم: الفاتحة فرض قراءتها في الصلاة، لأن الصلاة عبادة ذات أركان مختلفة لها تحريم وتحليل، فوجب أن يكون من أركانها ذو عدد سبع قياسا على الحج ووجوب الطواف فيه.\nوكقولهم: إن السبعة إحدى عددي صوم المتمتع، فوجب أن لا تجوز الصلاة إذا قرأ بدونها قياسا على الثلاث.\nوقولهم: الثلاث أحد مدتي المسح فلا يتأدى بها فرض القراءة قياسا على الواحدة، فالواحدة ناقصة القدر عن السبع فلا يتأدى بها فرض القراءة قياسا على نصف الآية.\nويحكى عن كثير من شيوخهم أن الوطء فعل ينطلق مرة ويتعلق أخرى، فلا تثبت به الرجعة قياسا على القتل.\nوسمعت واحدا من شيوخنا يحتج لإبطال النية في الوضوء بأن الوضوء فرض عين تقام في أعضائه فلا تكون النية شرطا لأدائه قياسا على قطع اليد قصاصا أو في السرقة، هذا مما يعرف ببداهة العقول فسادها فإنه لا مشابهة بين القطع والوضوء بوجه، ولا بين مدة المسح ومقدار القراءة، ولا بين أركان الحج وأركان الصلاة، وإن هذا الضرب مما لا يوجد في كلام السلف له نظير، ولكنه شيء أحدثته حشوية أهل الطرد، وأما السلف فما جوزوا إلا بأوصاف مخيلة أو ملائمة.\nوأما النوع الثاني: فرد فرع إلى أصل لا يكاد الأصل يمتاز عن الفرع إلا بضم ما هو علة الحكم إليه، نحو قولهم: إن مش الذكر حدث، كما إذا مس وبال فإنه لا زيادة فيما جعله أصلا إلا البول وإنه حدث بالإجماع، وقد عدم ذلك في الفرع فيسقط اعتباره لإيجاب الحكم في الفرع فلا يبقى بعده إلا المس المختلف فيه، وإعتاق المكاتب لا يجوز عن الكفارة قياسا على ما إذا أدى بعض النجوم لأنه لا زيادة في الأصل إلا أخذ بعض العوض وإنه علة مانعة من التفكير، وقد عدمت في الفرع فتبقى العبرة لما بعده، وما بعده إعتاق المكاتب وإنه مختلف فيه. وشراء الأب لا يكون تكفيرا قياسا على ما إذا حلف بعقته إن اشتراه لأنه لا زيادة في الأصل إلا اليمن بعتقه وهو علة مانعة من التفكير","vol":"1","page":366},{"text":"بنية توجد عند الشرط عندنا وقد عدمت في الفرع وما بعده إلا شراء الأب وهو مختلف فيه.\nومن ذلك أن الوضوء بغير نية لا يباح به أداء الصلاة كما إذا توضأ وهو يبول، والفطر عن نفل الصوم لا يوجب القضاء كما إذا أكل وارتد لأن الردة عندي مسقطة لقضاء الواجب، وقد عدمت في الفرع فتسقط العبرة فبقيت العبرة للإفطار وهو مختلف فيه.\nوأما النوع الثالث: فرد فرع إلى أصل بوصف اختلف في كونه علة وظهر ذلك بين العلماء، لأن الاختلاف لما ظهر فيه حل محل الحكم المختلف فيه ووجب نقل الكلام إليه، كقولهم: إن الكتابة الحالة فاسدة لأنها لا تمنع التكفير به كالكتابة على القيمة لأن الاختلاف ظاهر بيننا وبين خصمنا في الكتابة الصحيحة.\nقال علماؤنا: لا تمنع التكفير، وعنده تمنع فلم يصر عدم المنع دليلا علينا على الفساد.\nومن ذلك قولهم: إن الأخ يجوز إعتاقه عن الكفارة فلا يعتق بسبب القرابة قياسا على ابن العم، لأن الأب عندنا يجوز إعتاقه عن الكفارة ويعتق بالقرابة، وعنده لما عتق بالقرابة لم يجز إعتاقه عن الكفارة.\nومن ذلك قولنا: إن رهن المشاع باطل لأنه لا يمنع صاحبه الانتفاع به كالرهن الفاسد لأن الصحيح عند الشافعي لا يمنع الانتفاع به.\nومنها التعليل بعدم الوصف، كقول الشافعي: النكاح ليس بمال فلا يثبت بشهادة النساء مع الرجال كالحد لما ذكرنا غير مرة أن العدم لا يوجب حكما، وهذه العلل تذكر موجبات وقد ذكرنا أن الإجماع ثابت أن العلة توجد ولا تعدم، وإنما الاختلاف في الشرط.\nوقالوا: الأخ لا يعتق على الأخ لأنه لا بعضية بينهما، والإحصار بالمرض لا يوجب الإحلال لأنه لا يفارق الحال بالإحلال فأشبه الضلال والمبتوتة لا يلحقها الطلاق لأنه لا نكاح بينهما، وإسلام الشيء في جنسه لا يحرم لأنه لا يجمعهما صفة الطعم ولا الثمنية.\nفإن قالوا: قد قال محمد بن الحسن - ﵀ -: إنه لا ضمان في إتلاف ملك النكاح لأنه ليس بمال، ولا خمس في اللؤلؤ لأنه لم يوجف عليها المسلمون، وقال في الصائم يأكل الحصاة لا كفارة عليه لأنه ليس بطعام وولد الغصب أمانة، لأنه لم يغصب.\nوقال أبو حنيفة ﵁: العقارات لا تضمن بالغصب لأنه لم ينقلها في أمثال لهذا كثيرة.\nقلنا لهم: وإنما قالها محمد بن الحسن على سبيل الاستدلال دون التعليل، فإن","vol":"1","page":367},{"text":"حكم العلة لا بد أن ينعدم إذا عدمت العلة كما كان معدوما قبل العلة وإنما أثبتنا إضافة العدم إلى عدم العلة واجبا به فإذا بطلت الإضافة لم يكن علة، وإنما يبقى الحكم عند عدم العلة لعلة أخرى فتكون مثل الأولى لا عينها في حق الوجوب، والتعلق بها.\nوإذا كان كذلك صح الاستدلال بعدم العلة على عدم الحكم إذا وقع الاختلاف في حكم علة بعينها فمتى وقع الاختلاف في ضمان الغصب لم يجب بدونه، وإن كان ربما يجب ضمان آخر مثله كضمان الإتلاف وضمان بيع الفاسد ونحوهما.\nوكذلك متى وقع الاختلاف في ضمان هو مال مثل الأول لابد أن يكون الأصل مالا ليكون الثاني مثله معنى على ما مر البيان فيه.\nوعند اختلاف المعاني تزول المماثلة فلا يجب ضمان المثل على اختلاف المعاني.\nوكذلك الخمس حكم الغنائم لا غير، والغنيمة لا تثبت إلا بإيجاف الخيل بدليل عرف، وكذلك الكفارة بجنس الأكل إنما تجب إذا كان إفطارا كاملا، وإنما يكمل إذا اجتمع الاسم والمعنى وهو اقتضاء الشهوة بالتغذي، واسم الطعام يعمه فعدمه يدل على زوال المعنى، وإنما نجوز من الخصم مثلها ولكنه يحتاج إلى أن يثبت أن شهادة النساء متعلقة صحتها بالمال لتنعدم بعدمه، وأن العتق من حكم البعضية لا غير، ولأن أكثر ما في الباب أن يقال بعدم البعضية ينعدم العتق المتعلق به، ولا يقع ذلك عندنا، وإنما يقع ما تعلق بالمحرمية بالرحم فهو كرجل يقول لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر ثم قال له: إن تكلمت فأنت حر فلم يدخل وتكلم عتق.\nولا يقال لم يدخل فلا يعتق قياسا على عدم الدخول والكلام، فهذا باب لطيف، وأنه باطل تعليلا إجمالا، ولا يثبت استدلالا إلا بعد بيان أنه علة الحكمة لا علة معها غيرها، ولا يمكنه إلا بإقامة الدلالة على الصحة والفساد، والله أعلم.","vol":"1","page":368},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>القول في وجوه الانتقال</span>\nالانتقالات على وجوه أربعة:\nأ. انتقال عن العلة إلى أخرى ليثبت الأولى.\nب. وانتقال عن الحكم إلى حكم آخر بالعلة الأولى.\nج. وانتقال عن العلة والحكم إلى حكم آخر وعلة أخرى.\nد. وانتقال عن العلة إلى علة أخرى ليثبت الحكم الأول.\nوالوجوه كلها قويمة إلا الأخير.\nأما الأول فلأنه ما ضمن بالعلة ابتداء إلا تصحيح الحكم بها، فما دام يسعى في تصحيح تلك العلة فهو ساع في إبقاء ما ضمن كمن احتج بقياس فنوزع فاحتج بقول الصحابي ليثبت القياس فنوزع، فاحتج لتصحيح قول الصحابي بخبر الواحد فنوزع، فاحتج لتصحيح خبر الواحد بالكتاب.\nوأما الانتقال عن الحكم فلأنه إنما يلزمه الانتقال إذا سلم له الحكم الأول ولم يثبت الخلاف فيه، وهذا يؤكد قصده من علته لأنه علل لإثبات ما ادعى من الحكم، وقد ثبت إلا أنه لم يكن على الخلاف، وكان الاختلاف في حكم آخر فإن أمكنه إثبات ذلك الحكم بهذه العلة فحسن، وإن لم يمكنه إلا بعلة أخرى فحسن لأنه ما ضمن بعلته الأولى إثبات حكمين.\nوأما الوجه الثالث: فهو الانتقال من العلة والحكم إلى علة أخرى وحكم آخر، فهو صحيح لما ذكرنا أن عوضه قد حصل، وهو إثبات الحكم الذي ادعى بتلك العلة، إلا أنه زعم أنه على الخلاف.\nوأما الوجه الرابع: فمن الناس من زعم أنه غير قبيح لأن إبراهيم ﵇ حاج اللعين بقوله: ﴿ربي الذي يحي ويميت﴾ فعارضه اللعين بقوله: ﴿أنا أحي وأميت﴾ فقال إبراهيم: ﴿فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب﴾ فانتقل إلى حجة أخرى، وحكى الله تعالى عنه على وجه المدح دون الذم، وكذلك المدعي يقيم بينة فتجرح فيقيم أخرى، وعامة أهل النظر سموا هذا انقطاع في المجلس، لأنا لو أطلقنا هذا لطال المجلس ولما ظهر الانقطاع، ومجالس النظر","vol":"1","page":369},{"text":"لا تعقد إلا للإبانة فيه، وهذا كالعلة تنقض فيعد انقطاعا وإن أمكنه الاحتراز عنه في المجلس لأنه صار لا يطرد إلا بوصف آخر، وكان انقطاعا فإذا صار لا يثبت إلا بعلة أخرى فأولى إلا أن يكون الانتقال إلى علة أخرى لضرب شبهة في الأولى يخاف بها الاشتباه على السامع، فينتقل إلى ما لا شبهة فيه قطعا لتلك بالشبهة كإبراهيم ﵇ انتقل مع كون الأولى صحيحة فإن اللعين ما كان يحي حقيقة، ولا يميت وإنما عارضه بالشبه والمجاز، فخاف إبراهيم ﵇ الالتباس على العامة فانتقل إلى حجة لا شبهة فيها.\nوكذلك أهل النظر استحسنوا قولهم بعد الجواب، على أنا نقول شروعا في جواب آخر: ما الحجج إلا أنوار، وحسن ضم السراج إلى مثله لتنوير المكان، وإنما يقبح ضم ما ليس ببرهان، وهذا الذي ذكرناه كله حسن من المجيب، فأما السائل فلا يحسن منه المعارضة بوصف مختلف فيه على أن يثبته بدليل لأنه دافع وليس ببان وقد أعياه الدفع بوصفه إلا بناء على أصله، وبالله التوفيق.","vol":"1","page":370},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>القول في الفرق بين العلة والسبب والشرط والعلامة</span>\nأما السبب في اللغة: فالطريق، والسبب الحبل أيضا، ثم استعير لكل شيء هو مدخل لغيره، من غير أن يكون ذلك الغير واجبا به بل بعلة أخرى غير حادثة بما كان سببا، فكان بمعنى الطريق لا يوصل إلى المقصود من الأمصار بدونه، ولكن لا يوصل به بالمشي الموجود باختيار الماشي على الطريق.\nوكالحبل الذي لا يوصل إلى الماء الذي هو المقصود بدونه، ولا يوصل به بل باستيفاء النازح بقوته والحبل آلة، وإرسال الله تعالى إلى خلقه رسوله ﷺ سبب هداهم والتخويف بالنار سبب الانزجار عن المعاصي، والترغيب في الجنة سبب الطاعة، ووسوسة إبليس سبب العصيان، ودلالة السارق على المال سبب السرقة، والاستغناء سبب الطغيان، وأما العلة فقد مر تفسيرها وحدها في أول الكتاب.\nوأما الشرط في اللغة: فعلم على الشيء من حيث أن الوجود يكون مضافا إليه دون الوجوب بخلاف العلة فإنها اسم لما يضاف إليه الوجوب، فمن حيث كان وجوب ذلك الشيء بعلة غير الشرط كان الشرط علما، ومن حيث أن الوجود يضاف إليه كان علة فكان بين العلم والعلة، فكان اسما لما يمتنع وجود العلة إلا بوجوده لا لما يجب به العلة أو الحكم.\nوأشراط الساعة أعلامها.\nوسمي الحجام شراطا لأنه يعلم مواضع الحجامة.\nومنه الشرطي لأنه خص نفسه بضرب لبسة جعلها علما على نفسه.\nوالصكوك شروط لأنها أعلام على التذكير.\nوكلمة \"إن\" في اللغة كلمة شرط نحو قولك: إن أكرمتني أكرمتك، لأن قولك: أكرمتك إخبار عن كرامة فعلتها ولما علقتها بكلمة \"إن\" انعدم، وصار إن إذا تحقق علما على الكرامة؛ إن فعلت كذا فعبده حر، صار الفعل علما على العتق.\nولهذا قالت العلماء في علة التلف وشرطه إذا اجتمعا: إن الضمان يجب على صاحب العلة ما أمكن نحو حافز البئر على الطريق والدافع فإن الضمان على الدافع، لأن الحافز صاحب شرط لأنه بحفره أزال ما كان الماشي يستمسك عليه فبالأرض كان الآدمي يستمسك عليها، فإذا زالت الأرض لم يكن السقوط بزوالها بل بثقل الآدمي حيث لا","vol":"1","page":371},{"text":"يمسكه الهواء، وإنما زال بالحفر المانع من السقوط والدفع علة السقوط لأن المسكة التي بالآدمي في مقامه تزول بالدفع فإذا اجتمع الدفع والحفر وجب الضمان على الدافع.\nوإذا عدم الدفع ومشي بنفسه فسقط كان الضمان على الحافر لأن المشي ليس بسبب سقوط على مكان مستو فلم يصر تعديا إذا لم يعلم بالحفر فلم يمكن أن يجعل سببا يضاف إليه التلف بغير حق فأضيف إلى صاحب الشرط وهو الحافز.\nفأما العلامة: فاسم لما يدل على غيره، من غير أن يكون لوجوده أو وجوبه به تعلق، ولا في ذاته ما يدل عليه بل صارت دلالة بضرب اصطلاح أو إخبار من صادق لأشراط الساعة، فإنها تدل على حضور الساعة من غير أن يكون للحضور بها تعلق وجوبا أو جودا، أو كالميل علم على الطريق.\nوالتكبيرات في الصلاة أعلام على الانتقال من ركن إلى ركن.\nوالأذان علم الصلاة والتلبية شعار الحج وعلمه فهذه ضروب متشابهة.\nففي السبب معنى العلة.\nوفي العلة الشرعية معنى العلامة على ما مر تفسيرها.\nوفي الشرط معنى العلة والعلامة.\nوالعلامة علامة تشتبه بالشرط والعلة ففيهما معنى العلامة لا يمتاز بعضها عن بعض إلا بجد تأمل، وسنذكر كل نوع على حدة هداية للشادي وتبيينا للناشي، والله أعلم.","vol":"1","page":372},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>القول في أنواع السبب</span>\nالأسباب التي تسمى أسبابا شرعا أربعة أقسام:\nأ- سبب اسما لا معنى.\nب- وسبب محض اسما ومعنى.\nج- وسبب هو علة العلة.\nد- وسبب هو علة معنى.\nأما السبب اسما لا معنى وحكما: فنحو اليمين بالله في حق الكفارة فإنها بعد الحنث تجب باليمين لا بالحنث على ما عرف.\nوكذلك النذر المعلق بالشرط فإنه يلزم بعد الشرط بالنذر لا بالشرط فسمي النذر المعلق بالشرط سببا.\nوكذلك اليمين إلا أنه اسم مجاز لتصوره بصورة الأسباب لا حقيقة لعدم معنى السبب فيه، لأن معنى السبب ما يكون مؤديا إلى غيره، وطريقا واليمين تعقد للبر، وإنه مانع من الحنث الذي عنده تجب الكفارة وليس بطريق.\nولكن لما كان بعرض أن يزول المانع فيصير علة كان في صورة السبب، وبتخلل المانع ذهب عنه معنى السببية، وكذلك النذر المعلق بشرط لا يراد كونه فهو على هذا لأنه نذر للمنع عن الشرط.\nوأما إذا علق بشرط يراد كونه فلأن قوله: على كذا تعلق بالشرط، ولما تعلق به لم يصل إلى ذمته فصار نذرا تسمية لا معنى، لأن الشيء في غير محله لا يثبت كبيع الحر، ولأن التعليق مانع حكما كما لو كان شرطا لا يراد كونه والعبرة للحكم لا للغرض، غير أن هذا لما كان بغرض الوصول إلى محله كان معتبرا بخلاف بيع الحر، وكان قبل وجود الشرط بمنزلة الرمي قبل الوصول إلى المرمى يكون معتبرا على أن يصير قتلا بالوصول إليه ثم السراية إلى أن يموت.\nفأما قبل الوصول إلى محله فلا يكون قتلا.\nوإذا كان بينهما ترس مانع فلا يكون سببا.\nوكذلك الطلاق المعلق بشرط ليس بطلاق، وليس هو سبب له بل هو للحال عقد","vol":"1","page":373},{"text":"آخر وهو عقد اليمين المانع عن شرط الحنث. ولهذا قال علماؤنا: لا يجوز تعجيل الكفارة قبل الحنث، ولا تعجيل النذر قبل الشرط ويجوز تعليق الطلاق بالنكاح لأنه ليس بطلاق ولا سبب للطلاق فلا يشترط لصحة انعقاده شرط الطلاق، وهو ملك النكاح كما لو حلف بشيء آخر وإنما هذا تكلم بما سيصير طلاقا إذا وصل إلى المرأة التي هي محلها بعد الشرط فيعتبر للحال كون الرجل من أهل التكلم به، ومن أهل اليمين.\nولأن السبب ما يتقرر عند الوصول إلى المقصود لا ما يرتفع واليمين ترتفع بعد الحنث الذي بعده يجب الطلاق والكفارة، لأنه بعدما يدخل الدار يبقى أنت طالق أو على صدقة، وهذا القدر لا يكون يمينا.\nوكذلك اليمين بالله قبل الحنث يمين منعقدة للبر، وبعده يزول الانعقاد للبر كعقد بيع قائم من مفسوخ.\nولا يكون البيع سببا لحكم الفسخ بحال وبالفسخ يزول معنى البيع.\nوكذلك بالحنث يزول معنى اليمين المنعقدة لإيجاب البر فلا تكون المنعقدة سببا لما يتعلق ثبوته بانفساخه.\nوكذلك المتمتع بالحج إذا صام السبعة الأيام قبل الرجوع من منى لم يجز لأن الله تعالى قال: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾ فلما علق بالشرط لم يجز التعجيل قبله ولم يكن ما قبله سببا له والمسافر إذا عجل الصوم قبل الإقامة يجوز لأن الله تعالى يقولك ﴿فعدة من أيام أخر﴾ أجل الإيجاب عليه ولم يعلقه بالشرط فتأجل، ولم يخرج الشهر من أن يعتبر سبب الوجوب كالثمن المؤجل والزكاة قبل الحول فالمعلقات بشروط ليست بأسباب حكما ومعنى لما يجب عند الشروط وقد تسمى أسبابا تسمية ومجازا، فهذا ضرب مجاز لكنه معتبر شرعا، لأنها للحال تعتبر أسبابا لحكم شرع اليمين له فكان عقدا صحيحا لحكم صحيح، وإنما أبطلنا كونه سببا بحكم يتعلق بانفساخ العقد المنعقد للحال.\nوأما السبب المحض فنحو: حل قيد العبد حتى أبق، فإن الحل سبب محض فلا يضمن به العبد لأن الهلاك من الإباق، فكان الإباق باختيار من العبد لا بقوة حدثت من الحل، وكذلك إذا دل سارقا على مال حتى سرق لم يضمن الدال لأن أخذ المال باختيار السارق الأخذ، لا بقوة حدثت من الدلالة.\nولهذا قال علماؤنا: إن الدابة إذا أتلفت زرع إنسان ليلا لم يضمن صاحب الدابة لأن التلف كان بأكل أو وطء فعلت الدابة باختيارها لا بقوة حدثت من تسييب صاحبها، وكذلك من فتح باب اصطبل حتى خرجت الدابة أو باب قفص حتى طار الطير لم يضمن لأن الخروج كان باختيار من الطير والدابة لا بقوة حدثت من الفتح أوجب له الاختيار ولا بإلجاء الدابة إليه ليفسد الاختيار بالكره.","vol":"1","page":374},{"text":"ولا يلزمنا قولنا: إن المحرم إذا دل على صيد فقتل ضمن لأن الدلالة سبب محض في حق جناية الأخذ ولا ضمان عليه من حيث أخذ الصيد، ولكنه يضمن من حيث إزالة أمنه عن الاصطياد وقد لزمه بالإحرام أن لا يزيل أمنه فتكون الإزالة جناية عليه كما يكون ترك الحفظ من المودع جناية على الوديعة يضمن به، أو يضمن من حيث جنى على إحرامه، فإن إزالة الأمن عن الصيد محظور إحرامه كالحلق ولبس المخيط والدلالة مباشرة ما يزيل الأمن عنه، لأن أمنه بسبب تواريه عن العيون فأما بعد العلم فلا ينجيه إلا الفرار على خوف، ولهذا قلنا: إن حافز البئر إذا تلف فيها إنسان لم يضمن الكفارة ولا يحرم الإرث، لأنهما يجبان جزأين بإزاء فعل القتل مباشرة والمباشرة من الحافز في حفره وقد انقضى قبل الاتصال بالساقط.\nوإنما اتصل به عمق حادث بفعله فصار مشيه سقوطا للعمق الحادث به إلا أنه شرط لسقوطه لا علة فسقوطه بسبب ثقله الذي لا يحمله الهواء، والأرض كان تحمله ولما صار العمق الحادث بفعله شرطا للتلف والكفارة جزاء علة التلف لم يضمن صاحب الشرط لعدم العلة والكفارة جزاؤها.\nوهذا كما قالوا فيمن قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر فدخل ونوى عن الكفارة: لم يجز لأن التكفير تعلق جوازه بمباشرة الإعتاق وهو بالدخول أوجد شرط العتق فلم يكن مباشرا فلا تتأدى به الكفارة.\nفأما ضمان التلف ليس بجزاء علة التلف لينعدم بعدمها بل عوض التالف بتلف مضاف إليه.\nوالحكم يضاف إلى الشرط وجودا وإن لم يضف إليه وجوبا.\nوإذا أضيف إليه ضمن إلا أنه إذا اجتمع علة التلف مع شرط التلف وصلح كل واحد منهما أن يجعل سبب ضمان كانت الإضافة إلى العلة أولى، وههنا العلة ثقله أو مشيه وذلك مما لا يصلح سبب ضمان لأنه ليس يتعدى من حيث الإضافة إلى صاحب الشرط.\nوكذلك زوائد الغصب المنفصلة والمتصلة أمانة عندنا، لأن الضمان الغصب ضمان فعل خاص، وهو أخذ مال مملوك ولا يتصور الأخذ على هذا الحد إلا بإزالة يد بيد عن شيء واحد وهذا الحد وجد في الأم ولم يوجد في الزوائد لأنها حدثت في يد الغاصب ابتداء بسبب بقاء الأصل في يده، وذلك ليس بغصب بل حكم الغصب فلا يجب ضمان الغصب به، وإن سلمنا أن البقاء تعدى حكما وهو آثم على الإدامة لأنه تعدى غير الغصب كالإصرار على الزنا ولما كان تعديا آخر لم يجب به ضمان الغصب فإن ادعى ضمانا آخر غير ضمان الغصب تكلما فيه.\nوقلنا: إن المحرم إذا أخذ ظبية فولدت في يده حدث الولد مضمونا عليه لا ضمان","vol":"1","page":375},{"text":"أخذ فإنه لم يوجد، ولكن ضمان الجناية على الصيد من حيث إزالة الأمن عن الصيد بسبب هو تعد لأن الصيد آمن في حقه عن أيدي الناس بالإحرام، وفي نفس الحدوث في يده زوال الأمن الواجب له بالإحرام، فمتى كانت يده متعدية صارت سببا لضمان تعد هو إزالة أمن لا ضمان تعد هو أخذ كالمودع يضمن بترك الحفظ، وكان ذلك تعديا منه بحكم عقده.\nوهذا كما يوجب الضمان على الدال والدلالة سبب محض للقتل والأخذ، ولا يوجب الضمان به بل بمباشرة الجناية من حيث إزالة الأمن كما يضمن المودع بدلالة السارق على الوديعة لأنه مباشرة جناية من حيث ترك الحفظ وزيادة لا من حيث الغصب والأخذ.\nوكذلك شهود القصاص إذا رجعوا بعدما قتل المشهود عليه بشهادتهم لا يضمنون الكفارة، ولا يحرمون الإرث ويضمنون الدية كالحافز سواء لأن المباشرة منهم في أداء الشهادة، وقد انقطعت بالفراغ عن الأداء ثم حكم الحاكم وما وجب به مضاف إليهم لأنهم ألزموا الحاكم ذلك، إلا أن التلف الواقع بالحكم تلف حكمي والكفارة جزاء إتلاف حقيقة، وذلك بمباشرة الولي، وهو فيه مختار غير ملجأ حكما فيقتصر فعله عليه، ولا ينتقل إلى الشهود فلا يلزمهم ضمان القتل حقيقة.\nوكذلك الرجل يكون له امرأتان صغيرة وكبيرة، فترضع الكبيرة والصغيرة حتى بانتا، فإن الزوج يغرم للصغيرة نصف الصداق ويرجع بما غرم على الكبيرة إن تعمدت الفساد، ولا يرجع إن لم تتعمد الفساد لأن المرضعة مسببة للفرقة.\nوليست بصاحبة علة كالحافر سواء، لأن فعلها في التمكين من الارتضاع لا غير، والفرقة تتعلق بوصول اللبن إلى الجوف، وذلك إنما يحصل بارتضاع الصغيرة وهي مختارة في ذلك كالطير في طيرانه والماشي في مشيه، غير أن مصة الصغيرة إنما تكون ارتضاعا ببقاء أثر فعل الكبيرة وهو بقاء الثدي في فمها بإلقاء كان منها ابتداء.\nفإن كان الإلقاء تعديا كان البقاء تعديا.\nوإن لم يكن تعديا فكذلك البقاء كالحفر سواء.\nوإذا لم يكن تعديا لم يكن وجوب نصف المهر على الزوج بتعد كان منها فلا يكون سبب ضمان لأن الوجوب لا يكون فوق التلف، والتلف إذا لم يكن بتعد من الحافر لم يضمن فكذل الوجوب ههنا.\nوعندنا يجب الضمان بإيجاب المهر لا بإتلاف ملك النكاح فإنه غير متقوم عندنا، ولو شهد الشهود بالفرقة بعد الدخول وقضى القاضي ثم رجعوا لم يضمنوا شيئا، ومتى كان البقاء تعديا وارتضاع الصغيرة مباح لها كمشي الماشي على الطريق أضيف الإيجاب إلى ما هو التعدي فوجب الضمان على ما مر.","vol":"1","page":376},{"text":"ومن الأسباب المحضة وجود بعض ما يتم علة بانضمام معنى آخر إليه كأحد شطري البيع، وأحد وصفي علة الربا فهي من الأسباب المحضة، لأن الحكم لا يجب ما لم يتم العلة فكان المبدأ معتبرا لتمامه، وكان كالطريق إليه فلا يضاف الحكم إليه بوجه.\nفإن قيل: قد ذكرت أن حد السبب ما يكون بينه وبين الحكم الذي هو سببه محضا علة تامة يضاف الحكم إليها، والجزء الباقي من العلة في مسألتنا قط لا يكون علة بانفرادها.\nقلنا: نعم، ولكن العلة لا يجب حكمها ما لم تتم العلة فالوصف الأخير يجعل ما مضى علة فيكون الحكم مضافا إليه وحده ويصير منزلة علة العلة كالرمي علة النفوذ.\nوالنفوذ علة الإصابة.\nوالإصابة علة السراية.\nوالسراية علة الموت.\nولكن لما حدثت العلل المتوسطة بالأولى أضيف الحكم إلى الأولى فكذلك ههنا ما قبل التمام من الأوصاف، إنما تصير موجبة بالوصف الأخير، ثم يجب الحكم بكل العلة فيصير الكل مضافا إلى الوصف الأخير، حتى قالوا فيمن حمل سفينة مائة من، وهي لا تطيق أكثر منها، ثم إن رجلا طرح فيها منا زائدا فغرقت السفينة، ضمن طارح المن جميع السفينة بمنزلة ما لو طرح الأمناء كلها.\nوقال علماؤنا - ﵏ - فيمن أصاب من الماء قدر ما لا يكفيه لوضوئه: أنه يتيمم ولا يبالي بذلك الماء كأنه نجس أو لم يجد شيئا وذلك لأن التراب جعل طهورا شرعا بشرط عدم ماء طهور في حق الصلاة.\nوحكم الطهارة في حق الصلاة لا يتجزأ ثبوته بل يثبت جملة فإن الحكم إباحة أداء الصلاة وهذا حكم لا يتصور تجزيه وكان بعض الماء بعض علة ليصير علة، طهورا للصلاة عند تمامه فكان في حكم السبب المحض ماله حكم العلة المانعة من التيمم بوجه.\nوقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: إن الأشربة التي حرمت لعلة السكر، لا يحرم منها القليل لأن السكر مضاف إلى الشربة الأخيرة التي بها تصير ما مضى من الشراب مسكرة، وإنما ترك محمد - ﵀ - هذا الأصل احتياطا لباب الحرمة فحرم القليل منه لأنه سبب داع إلى الكثير، وإن لم يكن علة.\nوقالوا أيضا: لا تجب صدقة الفطر عن نصف عبد لأن علتها الرأس فلا يكون للبعض حكم العلة بل يكون له حكم العدم، وكذلك الحفنة بالحفنة لا ربا فيها لأن العلة هي المكيل وهذه بعض ما يكال وليس بمكيل.","vol":"1","page":377},{"text":"وقالوا: إن المحرمية بالرحم مع الملك علة للعتق بمنزلة التحرير.\nثم قالوا في العبد بين اثنين إذا ادعى أحدهما أنه ابنه عتق عليه، وضمن، وإن ثبت الملك بهما جميعا لأن تمام العلة بالقرابة، وهي ثبتت بالدعوة وبمثله لو كانت البنوة ظاهرة وهو بين رجلين فاشترى الأب نصيب أحدهما ضمن لأن تمام العلة كان بالملك، وإنما يثبت بصنع الأب فأضيف الحكم إليه وسقط اعتبار الأول.\nوقالوا إذا قال لامرأته: إن دخلت هاتين الدارين فأنت طالق، فأبانها وانقضت عدتها فدخلت إحدى الدارين، ثم تزوجها فدخلت الدار الأخرى: طلقت، لأن تمام الشرط علة حلول الطلاق، والتمام وجد في الملك فصار ما قبل التمام من الشرط كأنه ليس بشرط الطلاق فصح وجوده حكما بلا ملك النكاح، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>فصل</span>\nوأما السبب الذي هو علة العلة فهو السبب الموجب، لأنه أوجب علة الحكم فمن حيث لم يوجب إلا بواسطة علة كان سببا.\nومن حيث حدثت العلة الموجبة للحكمة به أضيف الوجوب إليه فصار موجبا.\nولهذا السبب حكم العلة من كل وجه.\nلأن علة الحكم لما حدثت بالأولى صارت العلة الأخيرة حكما للأولى مع حكمها لأن الحكم الثاني مضاف إليها، وهي مضافة إلى الأولى فصارت الأولى بمنزلة علة لها حكمان.\nومثاله: الرمي المصيب القاتل، فإنه سبب موجب للموت لأن فعل الرمي ينقطع قبل الإصابة، لكنه أوجب حراكا في السهم وصل به إلى المرمى، وأوجب نقض بنيته ثم انتقاض البنية أحدث آلاما قتلته فكان الرمي سببا موجبا، وله حكم حز الرقبة من كل وجه فصار الموت وسراية الألم وانتقاض البنية ونفوذ السهم أحكاما للرمي.\nوقلنا نحن: إن شراء القريب إعتاق.\nويجوز به التكفير لأنه سبب موجب للعتق لأن الشراء علة الملك.\nوملك القريب علة العتق فكان الشراء علةَ علةِ العتق فكان له حكم العلة وصار الملك مع العتق حكمين للشراء.\nولهذا قلنا: إن الحكم يضاف إلى آخر أوصاف العلة لأن ما مضى إنما يصير موجبا بالأخير ثم الحكم يجب بالكل فيصير الوصف الأخير كعلة العلة من هذه الجملة قطع حبل القنديل حتى انكسر، وشق زق الدهن حتى سال، لأن قوامه بمسكته ومسكة القنديل","vol":"1","page":378},{"text":"بالحبل، ومسكة الدهن بالزق فالقطع أو الشق علة مزيلة للمسكة وزوال المسكة علة التلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>فصل</span>\nوأما السبب الذي هو علة للحكم فهو الموجب للحكم بنفسه في الثاني بلا واسطة علة، لكن الحكم في الحال لم يجب لعدم تمامه لا ببعض ما هو علة بل بوصف لما هو علة فمن حيث لم يوجب بنفسه حتى تم بوصفه كان سببا وطريقا إليه.\nومن حيث أن الحكم في الثاني يضاف إلى العلة دون أوصافها، لأن الأوصاف إتباع لم يكن سببا محضا بل كان سببا ابتداء وعلة انتهاء، وهذا أدق وجوه الأسباب.\nومثاله النصاب فإنه سبب الوجوب.\nوعلته إذا تم الحول لأن الزكاة تجب بسبب الغنى.\nوالغنى في النصاب دون الحول فسقط اعتبار الحول بعضا من أبعاض العلة.\nولما لم تجب الزكاة بالنصاب نفسه علم أن معه معنى آخر تعلق التمام به، وهو أن يوصف بأنه حولي في ملكه لأن الشرع علق الزكاة بمال نامي معنى، والنمو لا يكون إلا بمدة فشرط صفة النماء حولا لتحقيق النمو فصار المال المرصد للنمو أصل العلة، والولي وصفا فلم يعمل أصل العلة ما لم يتم بوصفه، ولا يقال إن حولان الحول شرط الوجوب لأنه يثبت بقوله ﷺ: \"لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول\" وحتى ليست بكلمة شرط بل توقيت.\nولا يقال إن الحول أجل مانع لأن الأجل لو منع لكان رخصة لصاحب الحق فكان يسقط بإسقاطه، وأخذه بالعزيمة بتعجيل الأداء كما في صوم المسافر لما كان المانع من الوجوب أجل الله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ صح التعجيل.\nوههنا إذا عجل لم يكن فرضا بل يقع موقوفا إلى أن تتم العلة بوصفها، على ما مر بيانه، علم أن عدم الوجوب لعدم تمام العلة وأن السقوط عزيمة كما هو في بعض العلة.\nولهذا السبب حكم السبب المحض، وحكم بعض العلة في أن لا يجب الحكم عنده حتى يوجد الباقي.\nوله حكم العلة في تجويز تعجيل الأداء بشرط التمام بوصفه في الثاني.\nفقالوا جميعا: إن الزكاة لا تجب قبل الحول ومتى عجل صاحب المال الأداء، وهلك المال ولم يبق حولا لم يكن المعجل فرضا، كما لو عجل قبل تمام النصاب لأنه","vol":"1","page":379},{"text":"عجل قبل التمام.\nوإذا بقي المال حولا صح الأداء عن الفرض كأنه عجل بعد تمام العلة بوصفها وركنها، ولكن تأخر الحكم لمانع لما لو عجل الدين المؤجل وهذا لأن الحول متى تم واتصف النصاب الحول، والوصف لا يقوم بنفسه بل بالموصوف، وهو المال من حين صار سببا لأنه لا يتصف المال بالحولي إلا إذا بقي حولا فاستند الوصف إلى أصل المال، وصار ذلك المال من أول الحول متصفا بأنه حولي كرجل يعيش مائة سنة فيكون الموصوف بهذا البقاء ذلك الوليد بعينه، لا شخص آخر.\nفإذا استند الوصف إلى أول أوقات النصاب استند الحكم والوجوب إلى أوله أيضا فيصير المعجل مؤديا في الثاني بعد الوجوب فيجزيه، وأما بعض العلة فلا يستند إلى ما قبل بل يقتصر على حين وجوده، لأنه ليس يتبع لما قبله فيقتصر على حين التمام فيبقى الأداء قبله أداء قبل الوجوب فلا يجزيه.\nوهذا كما قيل في المريض صاحب الفراش إذا وهب جميع ماله: أنه ينفذ ويصير ملكا للموهوب له إذا سلم إليه كما لو كان صحيحا، وإذا مات نقضت الهبة في الثلثين لأن العلة الحاجرة عن هبة الثلثين مرض مميت لا نفس المرض.\nوقولنا: مميت صفة للمرض كما في الجرح قد يكون مميتا فيكون قتل، وقد لا يكون فحين تصرف، والوصف معدوم نفد من غير حجر لعدم التمام بوصفه ولما دام حتى أماته تم الوصف فصار أصل المرض متصفا بالإماتة والسراية إلى الموت لا آخره لأن المرض يضعف القوى، وكل جزء من المرض بعد ما خرج عن عداد الأصحاء مضعف بمنزلة جراح متفرقة سرت إلى الموت، فإنه يضاف إلى الكل دون الأخير فتمت علة الحجر من حين أصل المرض الذي أضناه، والتصرف وجد بعده فصار تصرف محجور عليه فنقض عليه إذا لم يجزه صاحب الحق.\nوقال علماؤنا يرحمهم الله: إذا جرح رجل رجلا خطأ فكفر ثم مات المرجوح أجزأه بالمال وبالصيام جميعا، لأن علة الوجوب هو القتل وذلك اسم لرجح سرى ألمه إلى الموت، والسراية صفة لأصل الجرح فعدم الوصف يمنع الوجوب، ولا يمنع التعجيل موقوفا على تتمة العلة بوصفها في الثاني.\nوقال أبو حنيفة ﵁ فيمن قال: آخر عبد أملكه فهو حر، فملك عبدا ثم عبدا ثم مات: عتق الأخير من حين ملكه، وكذلك هذا في الطلاق لأن الشرط آخر عبد يملكه والآخر صفة للعبد المشترى فلا يقع العتق حين اشتراه لأن صفة الآخرية، لم تثبت لجواز أن يشتري عليه آخر فيكون هو أوسط عبد.\nولكن: إذا مات، ولم يشتر آخر صار الآن آخر عبد اشتراه لأنه يصير آخرا بتركه","vol":"1","page":380},{"text":"الشراء عليه والترك لآخر عمره ليس بصفة لما قبله بل البعض منه فاقتصر الحكم عليه، وحكمه ثبوت صفة الآخرية.\nولما ثبت وهو وصف استند الوصف إلى الموصوف، وهو العبد الذي وقع عليه الشراء من حين وقع لأن الحالف جعله صفة للذي يشتريه لا للقائم للحال فيصير الشرط بوصفه موجودا من حين اشتراه فيستند حكم الوجود إليه، وهو حلول العتق كما استند حكم العلل وهو الوجوب فيما مضى.\nفإن قيل: لو عجل الزكاة عن خمس من الإبل العوامل ثم أسأمها لم يجز.\nقلنا: إن المال ليس بسبب في نفسه لأنه للبذلة والنوى، وإنما يصير سببا بالإسامة التي هي سبب نماء تعلق به البقاء من التناسل، وإذا كان يصير سببا بالإسامة كانت هي العلة في الحقيقة لأن المال به يصير سببا، وكان بمنزلة آخر أجزاء العلة ففي معرفة هذه الأقسام بحدودها ضرب فقه يدق طرق الوقوف عليها، فلا يسلكنها أحد بكسل، ولا يقفن عنها بفشل، والله معين من أناب إليه، وهادي من جاهد فيه، والله أعلم.","vol":"1","page":381},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>القول في أنواع العلل المعتبرة شرعا</span>\nالعلل المعتبرة شرعا أربعة أنواع:\nأ- علة موجودة اسما ومعنى وحكما.\nب- وعلة موجودة اسما ومعنى لا حكما.\nج- وعلة موجودة حكما لا اسما ومعنى.\nد- وعلة موجودة اسما لا معنى وحكما، نحو طلاق المرأة إن دخلت الدار كان عقد طلاق اسما، ولم يكن معنى ولا حكما لما مر في الباب الأول.\nوأما المعتبر من كل وجه فنحو إعتاق المكاتب عبده، وطلاقة امرأته وبيعه ماله، ونذره بصدقة درهم، وهذا ضرب لا إشكال فيه وهو الأصل.\nوأما الضرب الثالث: فكالنصاب قبل الحول فإنه علة الوجوب اسما ومعنا لا حكما، لأن الزكاة لا تجب إلا بعد الحول على ما مر.\nوكذلك الجرح علة القتل وقد وجدت صورة ومعنى لا حكما.\nوكذلك البيع بشرط الخيار موجود علة للملك اسما ومعنى لأنه منعقد للحال شرعا لا حكما، لأن الملك لا يجب للمشتري معه، والمبيع باق في ملك البائع كما كان من قبل من غير خلل.\nوكذلك الطلاق الرجعي علة إبانة انعقدت اسما ومعنى لا حكما.\nوأما الضرب الرابع: فكالسفر فإنه سبب للرخص، والعلة هي المشقة فأثبت حكم العلة، وهو السقوط ولا مشقة وهي العلة على الحقيقة.\nوكذلك الاستبراء يجب باستحداث ملك الوطء بملك اليمين، وإن كانت الأمة بكرا أو اشتراها من صبي أو امرأة والعلة صيانة الماء عن الاختلاط بماء قد وجد ولا ماء في هذه الفصول.\nوكذلك الوضوء يجب عن النوم وإن لم يوجد الحدث، والعلة هي خروج نجس عندنا أو خروج شيء من المخرج على أصل غيرنا.\nوكذلك إذا باشر امرأته وانتشرت آلته، وليس بينهما ثوب وجب الوضوء، وإن لم","vol":"1","page":382},{"text":"يخرج شيء بيقين والعلة هي الخروج.\nوكذلك الاغتسال يجب بالتقاء الختانين وإن تيقن بعدم الماء، والعلة خروج المني عن شهوة، والنسب يثبت بالنكاح وأصله الماء، وإن لم يطأها علم أنه لم يخلق من مائه، وهذا لأن السفر سبب ظاهر للمشقة عادة، والمشقة أمر باطن يتفاوت الناس فيها وليس لها حد معلوم فلو علق الحكم بحقيقة المشقة لتعذر الأمر علينا فعلقه الشرع بسببها في العادات تيسيرا علينا فيثبت الحكم وإن عدمت العلة لأن السبب خلفها وصار علة شرعا.\nوكذلك خروج الحدث حال النوم أمر باطن لو علق الحكم به لتعذر فعلق بالسبب المؤدي إليه ظاهرا وهو النوم الذي يرخي مفاصله تيسيرا واحتياطا لأمر العبادة أيضا، وكذلك الاستبراء لو علق بالماء، وهو أمر باطن تعذر علينا مراعاته فعلق بالسبب المؤدي إلى خلط المياه، وهو استحداث ملك الوطء بملك اليمين لأن هذا الاستحداث يصح من غير استبراء لزم المالك الأول، وظهور البراء عن مائة فلو أبحنا الثاني بنفس الملك لأدى إلى خلط المياه بخلاف ملك النكاح فإن الملك لا يزول بحق النكاح بعد الماء إلا عن تربص موجب للبراءة، فالإطلاق للثاني بنفس الملك لم يؤد إلى الخلط.\nوإذا كان كذلك أقيم سبب الخلط وهو الإباحة بنفس الملك مقام الخلط حقيقة في حق وجوب الاستبراء تيسيرا للعباد بتعليق الحكم بسبب ظاهر دون الماء الباطن، وكذلك وجوب المبيع مملوكا شرط لصحة البيع وجوزت الإجازة، وهي بيع المنافع وليست بموجودة ولا مملوكة، لأنا لا يمكننا بناء بيعها على الوجود لأنها لا تبقى زمانين بل تتلاشى كما وجدت فأقيم سبب الملك مقام الملك، وكذلك سبب الوجود من قبل العين المنتفع به مقام الوجود وابتنى جواز العقد عليه، والله أعلم.","vol":"1","page":383},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>القول في أنواع الشروط</span>\nأ- شروط محض.\nب- وشرط هو في حكم العلة.\nج- وشرط هو في حكم العلامة المحضة.\nد- وشرط صورة ماله حكم.\nفأما الشرط المحض: فما يمتنع به وجود العلة إلا بوجوده على ما مر تفسيره في باب الفرق بين الشرط والعلة، وهو كلمة أن نحو قولك: عبدي حر إن دخل الدار، فإن التحرير قد انعدم حكما، وامتنع وجوده بكلمة إن حتى يوجد الشرط وهو الدخول.\nوحكمه ما ذكرنا: أن وجود العتق يضاف إلى الشرط دون الوجوب بل الوجوب يضاف إلى قوله أنت حر.\nوعلى هذا شروط العبادات، فإن الوقت علة الوجوب وعلم العبد بالخطاب شرطه فلا يوجد ابتداء الوجوب إلا بعد العلم، أو ما يقوم مقامه ولكن يجب بالوقت.\nوكذلك الأداء إنما يثبت بالفعل من قيام وقراءة وركوع وسجود ولكن الوجود شرعا يتعلق بالطهارة، والنية وسائر الشروط.\nوكذلك في المعاملات عقد النكاح إنما يكون بالإيجاب والقبول ولا يوجد شرعا إلا بشهود.\nوأما الشرط الذي هو في حكم العلة: فنحو شق زق الدهن وقطع حبل القنديل، فإن الشاق يضمن كأنه أكل الدهن أو أحرقه بالسراج وإن كان الشق مباشرة إتلاف للزق، وإزالة لما يمنع سيلان الدهن فيوجد السيلان عند الشق لا به بل يكون الدهن مائعا سيالا.\nلكنه في حكم العلة لأن تماسك الشيء يعتبر بقدر الممكن في العادات وتماسك الدهن محفوظا عن التلف في العادة لا يكون إلا بالأوعية.\nوكذلك تماسك القنديل على الوجه الذي يحفظه عن التلف حال الانتفاع به على الوجه الذي صنعت القناديل له لا تكون إلا معلقة بالحبال فلم يكن إرسال القنديل بحبل علة تلف بل كان حفظا.\nوكذلك صب الدهن في الوعاء كان حفظا فيكون شق الوعاء أو قطع الحبل والحفظ","vol":"1","page":384},{"text":"بهما إتلافا هذا كالقتل مباشرة إتلاف والقتل اسم لما يزيل الحياة لا لما يفيت جزءا عينا من الشخص فإنه قطع والقاطع يسمى قاتلا إذا مات منه المجروح، لأن الحياة ليست بعين يمكن أخذها بمد اليد إليها أو إتلافها بالقصد إليها، ولكن علق بقاؤها محفوظة بسلامة البنية فكان نقض البنية وبها قوامها إتلافا للحياة.\nفأما الطلاق فمما يحفظ بترك التكلم به وبه يبقى ملك الطلاق للزوج، فإذا تكلم به وعلق بالشرط لم يعتبر الشرط حافظا بل اعتبر مانعا من الوقوع، واعتبر الإرسال عن لسانه إيقاعا وعلة فلم يكن للشرط حكم العلة إذا انفردت العلة وهي الإيقاع.\nوعن هذا الأصل اختلفوا في الطلاق المعلق بالولادة إذا أنكر الزوج الولادة، وشهدت القابلة لم تطلق عند أبي حنفية ﵀ لأن للشرط حكم العلة في إيجاد الحكم فلا يثبت وجود الطلاق بشهادة امرأة.\nوهما قالا: الوجوب لا يضاف إلى الشرط فيبقى علامة محضة في حق الوجوب فيثبت بشهادة النساء، ألا ترى أن الزنا إذا أثبت على رجل واختلف في إحصان يثبت الإحصان بشهادة رجل وامرأتين، وإن كان الحد لا يجب بشهادة النساء مع الرجل لأن الوجوب مضاف إلى الزنا والإحصان شرط.\nوالانفصال لأبي حنيفة أن الإحصان لا يتعلق به الوجوب ولا الوجود بل يتبين بالإحصان أن الرجم كان واجبا.\nوقالوا جميعا: إن الزنا إذا ثبت على مسلم واختلف في عتقه وكان عبد نصراني فشهد نصرانيا على مولاه أنه أعتقه صار حرا، ولم يجب الرجم عليه لأن الإحصاء شرط يوجد إقامة الرجم عنده لا أن يتبين الإقامة به ولما كانت الإقامة توجد عند الإحصان صار الوجود على الزاني مضافا إليه.\nوشهادة الكافر ليست بحجة في حق المسلم المشهود عليه فلم يعمل في حقه والحق الوجود بالوجوب.\nفأما شهادة النساء مع الرجال فحجة في حق الناس أجمع وإنما لها خصوص في حق المشهود بها وهي الحدود، والحد لا يجب بالإحصان ولا يثبت وجود الوجوب به بل يتبين به أنه كان واجبا فكان الإحصان علما مظهرا للواجب شرطا موجدا للإقامة.\nوكذلك قال أبو حنيفة ﵁: إذا ولدت المعتدة وأنكر الزوج الولادة وشهدت القابلة لم يثبت النسب بشهادتها إلا أن يكون الحبل ظاهرا أو كان الزوج أقر بالحبل أو كان النكاح قائما حال الولادة.\nوعندهما: يثبت لأن النسب ثبت بالفراش القائم عند العلوق والولادة شرط ظهور الولد قالا فهذه الولادة في حق النسب علم محض مظهر لنسب قد كان.","vol":"1","page":385},{"text":"وأبو حنيفة ﵁ يقول: إن كان الحبل ظاهر حال قيام الفراش أو كان أقر الزوج به فقد أوجب علة ثبوت النسب بالولادة وبالولادة يظهر ولد كان ثابت النسب فلم يمتنع الظهور لمكان ثبوت الولادة بشهادة المرأة.\nوكذلك إن كان النكاح قائما لأن الولادة تثبت بشهادة المرأة والنسب يثبت بعلة قائمة وهي النكاح فلا يصير مضافا إلى شهادتها فأما إذا لم يكن إقرار الزوج، ولا حبل ظاهر ولا نكاح قائم فابتداء الوجود في حقنا إنما يثبت بشهادة المرأة بالولادة لأن ما قبله من الوجود وجود باطن في حق الله تعالى لا سبيل لنا إلى علمه فيعتبر بالعدم في حقنا، كالخطاب النازل من السماء يعتبر عدما في حق من لم يبلغه ولم يقصر في طلبه، وحال البلوغ إليه معتبر في حقه بابتداء الشرع ليكون التكليف بقدر الوسع فكذا هذا.\nوإذا اعتبر بالابتداء والعلة غير قائمة للحال بقي مضافا حكما إلى الشهادة فلم يثبت بشهادة القابلة لأنها ليست بحجة على النسب بحيث يضاف إليها.\nوكذلك الميراث لا يثبت للولد بشهادة القابلة أنه كان حيا لأن الإرث لا يثبت إلا بكونه حيا، وما قبل الولادة من الحياة أمر باطن لا سبيل لنا إلى علمه فصار الظاهر بعد الولادة في حكم ابتداء الحياة وإنما يثبت وجوده بالولادة فيصير لهذا الشرط حكم العلة من وجه، ولهذا يتعلق الضمان به إذا امتنعت الإضافة إلى ما هو علة.\nوأما الشرط الذي هو في حكم العلامة: فالإحصان بعد الزنا فإنه يتبين بالإحصان أن الحد كان رجما، فيصير ثبوت الإحصان علما على موجود واجب قبله فلا يكون لهذا الشرط حكم العلة بوجه، حتى أن أربعة لو شهدوا على زنى، واثنان على الإحصان فرجم المشهود عليه ثم رجع شهود الإحصان وحدهم لم يضمنوا شيئا وإن لم يوجد ههنا سبب ضمان آخر والولادة بعد حبل ظاهر علم على النسب.\nوأما الشرط الذي هو شرط صورة لا معنى: فالشرط الخارج على وفاق العادة كقوله تعالى: ﴿وربائبكم التي في حجوركم﴾، ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾، ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ لأن العادة جارية بترك نكاح الإماء إلا عند عدم الحرة والعجز عنها، وليس لهذا الشرط حكم ويكون ذكره والسكوت عنه بمنزلة، والفائدة في تخصيص الله تعالى حال الابتلاء بتلك الحادثة في العادات بالذكر كونها أولى بالبيان لأن الحاجة إليها أمس. والله أعلم.","vol":"1","page":386},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>القول في أنواع العلامة</span>\nعلم حقيقة: وهو الدال على موجود، على ما مر تفسيره في بابه، ومنه علم العسكر، وعلم الثوب، والإعلام الإظهار.\nوعلم: هو شرط للوجود، على ما مر في تفسير الشرط.\nوعلم: هو علة، على ما بينا أن علل الشرع ليست بمحدثات ولا موجبات بذواتها بل بجعل الشرع إياها عللا لأحكامها، فمن حيث ليست بعلة بذاتها كانت علما.\nوعلم تسمية مجازا لا حكما ومعنى، وهو العلة الحقيقة المغيرة بذاتها. والله أعلم.","vol":"1","page":387},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>القول في أسماء الحجج التي هي مضلة</span>\nهذه الأسماء أربعة: التقليد، ثم الإلهام، ثم استصحاب الحال، ثم الطرد.\nقال القاضي ﵁: هذه أسماء حجج مستحسنة المبادئ، مستقبحة العواقب، مداخلها هدى ومخارجها ضلال، لا ينجو عن قبح عواقبها من اعتقد الحجج حججا بهذه الأسماء إلا بعد جد صادق، وحذر دائم، وتوفيق من الله تعالى، وذلك لأنها ثبتت حججا على لا دليل.\nفإن التقليد في إتباع الرجل غيره على ما يسمعه ويراه يفعله على تقدير أنه محق بلا نظر واستدلال وتأمل، وتمييز بين كونه حقا وباطلا على احتمال كونه حقا وباطلا، كأنه قلده صدق ما سمعه أو جعله عاقبة ذلك قلادة في عنقه إن كان حقا أو باطلا بلا دليل كما قالت الكفرة: ﴿اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾، وقالت: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون﴾.\nوأما الإلهام: فإتباع الرجل ما اشتهاه بقلبه، أو أشار إليه في أمره من غير نظر واستدلال أو تمييز بين كونه حقا أو باطلا، قال الله تعالى: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ أي: عرفهما، وبين طريقهما فيكون عملا بلا دليل، لأن ما يقع في قلبه محتمل بين وحي الله تعالى أو الشيطان على ما نذكر كما أن خبر المخبر يحتمل الصدق والكذب، والمحتمل لا يكون دليلا وإنما رجح القائل به جهة الصدق بحسن الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا.\nوقد مر القول في استصحاب الحال، والطرد أن القول بهما قول بلا دليل في الحقيقة، وسنذكر أقسام كل فصل في باب على حدة، وبالله التوفيق.","vol":"1","page":388},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>القول في أقسام التقليد وما فيه من الحجة على صحته وفساده</span>\nقال جمهور أهل العلم بلا خلاف: إن القول بالتقليد باطل.\nوقال بعض الحشوية: القول بالتقليد حق لأن أصل البشر آدم ﵇ وكان يجب تقليده وإتباعه، فيبقى ما ثبت على ما ثبت إلى أن يقوم الدليل على خلافه، فالحقية في الإنسان أصل كالحرية، وكما يحكم لمجهول النسب بالحرية حتى يثبت خلافه فيحكم لمجهول الحال في قوله وفعله بالحقية حتى يثبت خلافه.\nولأن فعل العاقل وقوله على الصوب بدلالة عقله حتى يظهر خطاؤه فقبل الظهور يجب إتباعه ألا ترى أنكم تقلدون الصحابي كما تقلدون النبي ﷺ، وتتركون الرأي بقول الصحابي ولم يكن معصوما عن الكذب لأنهم أصحاب من كان يجب تصديقه بسبب الوحي، فكذلك التابعون يجب تقليدهم لأنهم أصحاب من وجب تقليده فلا يزال يدور هكذا.\nإلا أنا نقول: إن أصل التقليد باطل، لأن الله تعالى رد على الكفرة احتجاجهم بإتباع الآباء بنفس الرؤية والسماع من غير نظر واستدلال.\nولأن خبر هذا المخبر أو فعله يحتمل الصواب والخطأ، والمحتمل لا يكون حجة، ألا ترى أن الإيمان بالأنبياء ﵈ لم يجب بنفس الدعوة لاحتمال الصدق والكذب حتى تقوم المعجزة.\nفكذلك غير الأنبياء لأنهم دونهم إلا أنا بدلالة المعجزة عرفنا عصمتهم عن الكذب والخطأ فاتبعناهم لقيام دلالة العصمة، وقد فقدت هذه الدلالة في غيرهم فلا يجب إتباعهم كما لا يتبع النبي ﷺ قبل إقامة المعجزة.\nفإن قيل: الأصل الحق فلا يبطل بالاحتمال.\nقلنا: هذا الأصل ثابت في صاحب المعجزة بدليل المعجزة لا بكونه آدميا والمعجزة معدومة في غيره فلا يثبت الحكم الثابت بدليله.\nفإن قيل: فالحقية تثبت بدلالة العقل وقد قامت في النسل.\nقلنا: دلالة العقل تدل على الحقية ظاهرا ولا تدل على وجوب العصمة عن الباطل","vol":"1","page":389},{"text":"إما غفلة، وإما قصدا فلا يصير قوله حجة موجبة على أن دلالة العقل مما لا يدل إلا بالنظر والاستدلال.\nولم يثبت أن الأول قال وعمل عن نظر واستدلال أو لا عن نظر واستدلال.\nولئن كان عن نظر واستدلال وبه كان حقا فللسامع من آلة النظر مثل ما للأول فيلزمه النظر برأيه ولا يصير نظر غيره حجة عليه كمن عاين القبلة، وأخبر غيره بجهتها، والسامع يمكنه عيانها لم يكن خبر الأول حجة عليه ولا يجوز له العمل به إلا على تقدير أنه صادق، حتى إذا تبين كذبه كان باطلا ويقال له: ميزت بنظرك بين محتج ومحتج فصير بين حجة وحجة، فالمحتج إنما يصير إماما بالحجة.\nولأن قوله: إن الحقية أصل فتميز منه بينه وبين الباطل وأنه أمر غائب لا يدرك بالحواس فثبت أنه معلوم بالنظر والاستدلال فيكون إقرارا من حيث لا يشعر به أن الحجة هي النظر والاستدلال.\nولأن الحق إما يصير للآدمي بعقله، وصفة العقل لا تسري من أحد إلى أحد والخلاف وقع في ولد آدم ﵇.\nولأنا نقول للمقلد: إنك مبطل فقلدني لأني عاقل، فإن قلدك فقد رجع عن مذهبه وأقر أنه مبطل، وإن لم يقلدك فقد رجع عن حجته لأنه لما لم يقلدك فقد زعم أن التقليد باطل.\nولأنا نقول له: أتقلد إمامك على أنه محق أم على أنه مبطل، أم على أنك جاهل بحاله؟\nفإن قال على أنه مبطل، أو على أني جاهل بحاله لم يناظر لأنه ممن لم يميز الحق من الباطل فيكون مجنونا، أو ممن زعم أن الباطل متبع فيكون سفيها.\nفيبقى قوله على أني أتبعه على أنه محق وقط لا يعرف المحق من غيره بنفس الخبر.\nفالمقلد في حاصل أمره ملحق نفسه بالبهائم في إتباع الأولاد الأمهات على مناهجها بلا تمييز فإن ألحق نفسه بها لفقده آلة التمييز فمعذور فيداوى ولا يناظر، وإن ألحقه بها ومعه آلة التمييز فالسيف أولى به حتى يقبل على الآلة فيستعملها ويجيب خطاب الله تعالى المفترض طاعته.\nوقد ذم الله تعالى الكفرة على قولهم: \"اتبعنا أكابرنا وسلفنا\" ذما لا يخفى على من آمن بالله، وأقر بالكتاب إلا أن يعاند بخلاف الكتاب، وكفره بعد الإيمان به فثبت أن القول بالتقليد باطل، وأنه ليس باسم يصلح اسما للحجة بل حجة على الإنسان في الأصل برأيه واستدلاله.","vol":"1","page":390},{"text":"فأما الجواب عن قولهم إنكم تقلدون الصحابي أو النبي ﷺ فلا كذلك بل عرفنا صاحب المولى صديقا معصوما عن الكذب بالنظر والاستدلال، إذ بالنظر والاستدلال عرفنا المعجزة معجزة ثم عرفنا بالنظر أن صاحب المعجزة لا يكون إلا صديقا، فإن الله تعالى لا يأتمن الكاذب ولا يؤد بالمعجزة بلا معارضة من يضل الناس ثم عرفنا بخبره أن رأي الصحابة مقدم على رأي غيره إن أسلمنا وجوب ترك الرأي بقول الصحابي.\nثم التقليد ينقسم إلى أقسام أربعة:\nا. تصديق الأمة صاحب الوحي.\nب. وتصديق العالم صاحب الرأي، ونظر في باب الفقه ظهر سبقه على أقرانه من الفقهاء.\nج. وتصديق العامة علماء عصرهم.\nد. وتصديق الأبناء الآباء والأصاغر الأكابر في الدنيا.\nوالوجوه الثلاثة صحيحة لأنه يقع عن ضرب استدلال فإن التمييز بين النبي ﷺ وغيره لا يقع إلا بضرب استدلال فلم يكن تقليدا محضا.\nوكذلك تقليد العالم عالما هو فوقه لأن زيادة المرتبة لا تعرف إلا بضرب استدلال.\nوكذلك تقليد العامي العالم لأنه ما ميز بين العالم وغيره إلا بضرب استدلال إلا أنه ترك ما هو الأولى به من النظر في الحجج وربما يعاتب عليه فما ترك الأولى إلا بكسل فإن التمييز بين الحجج لصعب والكسل في الدين مذموم.\nوالباطل هو الوجه الرابع لأنهم اتبعوه بهوى نفوسهم بلا نظر عقلي واستدلال وعملوا عمل البهائم كما سمى الله تعالى أنعاما بل أضل لأنهم وجدوا آلة التمييز فلم يستعملوها فلم يكونوا معذورين والبهائم قد فقدت الآلة فكانت معذورة بل لم تكن مأمورة، والله أعلم.","vol":"1","page":391},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>القول في الإلهام</span>\nالإلهام: ما حرك القلب بعلم يدعوك إلى العمل به من غير استدلال بآية ولا نظر في حجة.\nقال جمهور العلماء: إنه خيال لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها في باب ما أبيح عمله بغير علم.\nوقال بعض الحبية: إنه حجة بمنزلة الوحي المسموع عن رسول الله ﷺ واحتج بقوله تعالى: ﴿ونفس وما سواها فألهما فجورها وتقواها﴾ عرفها بالإيقاع في القلب، وبقوله: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾ وشرح الصدر بنور العلم، والحرج بظلمة الجهل فالله تعالى أخبر أنه هو العاجل لذلك بلا واسطة ولا صنع من العبيد.\nوبقوله: ﴿أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا﴾ فالحياة هي العلم، والنور الهدى فالله تعالى أخبر أنه الجاعل بلا صنع منا.\nوبقوله: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾ فأخبر أن الناس مخلوقون على الدين الحنيفي بلا صنع منهم.\nوقال: ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ الآية حتى عرفت مصالحها بلا نظر منها فلا ينكر مثله للآدمي.\nوقال: ﴿وأوحينا إلى أم موسى﴾ حتى عرفت بلا نظر واستدلال أن حياة موسى في الإلقاء بالبحر ولم يكن ذلك وحيا بملك تكلم بل بالإلهام وعلمت بذلك وكان حقا.\nوقال النبي ﷺ: \"كل مولود يولد على الفطرة\" أي: على الدين الحق وما للمولود نظر ولا استدلال.\nوقال ﷺ: \"اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله\" وما الفراسة إلا خبر عما يقع في القلب بلا نظر في حجة.","vol":"1","page":392},{"text":"وقال ﷺ لوابصة وقد سأله عن البر والإثم: \"ضع يدك على صدرك فما حال في صدرك فدعه، وإن أفتاك الناس وأفتوك\" جعل رسول الله ﷺ شهادة قلبه بلا حجة أولى من الفتوى عن حجة.\nوقال ﷺ: \"إن يكن في هذه الأمة محدث فهو عمر\" أي: ملهم، كأنه يوحى إليه ويحدث ربه أو الملائكة.\nوروينا عن الصحابة أقوالا بخلاف النص وأكثرها عن عمر بالإلهام فكانت حقا، وانتسخ بها ما كان وحيا نزل بخلاف ما كان، إلا أن الملهم متى خالف النص برأيه اليوم رد عليه لأنه لا نسخ بعد رسول الله ﷺ، فتبين بالغلط أنه محروم نور الإلهام من الله تعالى.\nوقال أبو بكر الصديق ﵁: ألقي إلي أن ذا بطن بنت خارجة جارية، وما الإلقاء إلا الإلهام.\nوأكثر أنبياء بني إسرائيل ﵈ كانوا يلقى في قلوبهم من غير إرسال ملك.\nوقالت الأمة فيمن اشتبهت عليه القبلة فصلى بغير تحري بغلبة الظن، أنه لا يجوز، وإذا صلى بتحريه بقلبه أجزته وقلتم أنتم إن صلاته تجزيه، وإن خالف جهة الكعبة بيقين وإذا خالف جهة تحريه لا تجزيه وإن أصاب الكعبة.\nوكذلك اللحم الحلال إذا اختلط بالحرام والحلال غالب لم يحل أكله لغلبة الحلال إلا بتحري القلب.\nفثبت أن الإلهام حق من الله تعالى، وأنه كرامة لبني آدم ﵇، وأنه وحي باطن إلا أنه إذا عصى ربه وعمل بهواه حرم تلك الكرامة وسلط عليه الشيطان فصار الوحي منه، قال الله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك﴾، وقال: ﴿إنما سلطانه على الذين يتولونه﴾ فثبت أن الآدمي معصوم قبل المعصية عن وحي الشيطان، إلا على سبيل الاستراق فلا يخفى على العبد وحيه عن وحي الملك إلا على سبيل الغفلة التي تعتري القلوب فتزل ثم تنتبه من ساعته فلا تقر عليه فيمتاز له جهة الحق بالقرار عن جهة الباطل، ومثل هذا الالتباس قد يقع للمستدل بالحجج والقياس بالرأي فثبت أن الإلهام باب من أبواب الحجج.\nوالحجج لأهل السنة والجماعة: قول الله تعالى: ﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصار تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ فألزمهم الكذب بعجزهم عن برهان يمكنهم إظهاره، فلو كان الإلهام حجة لما ألزمهم","vol":"1","page":393},{"text":"الكذب بعجزهم عن إظهار الحجة فالإلهام حجة باطنة لا يمكن إظهارها.\nوقال تعالى: ﴿ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه﴾ وبجهنم بدعوى إليه غير الله لا برهان لهم به، ولو كانت شهادة قلوبهم لهم حجة لما لحقهم التوبيخ فثبت أن الحجة التي يصح العمل بها ما يمكن إظهاره من النص والآيات التي عرفت حججا بالنظر التي يمكن إظهارها وكانت الحكمة من قيد لا برهان به وإن كان الشرك باطلا أصلا ليشتغل السامع بالبرهان نفيا للتوبيخ عن نفسه فيدله البرهان الصحيح على بطلان الشرك وحقية أن الله تعالى خالق لا شريك له.\nوقال الله تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ فالله تعالى جعل تبين أن الله تعالى حق غاية لرؤيتهم الآيات فثبت أن العلم بالله تعالى لا يكون بدون الآيات، والآيات لا تدلنا إلا بعد الاستدلال بها عن نظر عقلي.\nفإن قيل فيه: إن الله تعالى هو الذي يرينا الآيات بلا صنع منا فيلهم العبد حدوث العلم، وأن له محدثا هو الله تعالى.\nقلنا: لو كانت المعرفة صحيحة على ما ابتلينا بها بدون صنع منا لأوقعها الله تعالى بلا واسطة الآيات.\nوالآيات مما تدلنا على الله تعالى من طريق النظر والاستدلال كالبناء على الباني، والحدث على المحدث وإنما تأويل الإضافة إلى الله تعالى على معنى أن الله تعالى هو خالق الآيات للنظر والاستدلال، وهو الموفق لعبده، والملقي في قلبه سمة التفكر في الآيات ومرينا أفول الشمس بلا صنع منا لنستدل بانعزالها على أنها ليست برب.\nوكذلك فسر الله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿فلما أفل قال لا أحب الآفلين﴾ إلى أن قال: ﴿إني برئ مما تشركون﴾ ثم قال الله تعالى: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾ ثم دلت هذه الآية أن لا حجة فوق هذه، فلو كانت لما حرم إبراهيم ﵇ وهو خليل الله.\nثم قال: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين﴾ فأخبر أن الإراءة ما كان من إراءته إياه انعزالها عن سلطانها بالأفول حتى تيقن به على أنه مخلوق وأن الله تعالى من خلقها، وأخبر أن الإيقان بالله تعالى متعلق بالوقوف على الآيات الدالة على حدوث العالم ليتبرأ منه أولا ثم يوقن بالله تعالى كما قال إبراهيم ﵇: ﴿إني برئ مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا﴾.\nوقال تعالى: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله﴾ وكانت كلمة التوحيد لا إله إلا الله فالله تعالى يرينا بفضله الحجج الدالة على حدوث العالم حججا","vol":"1","page":394},{"text":"يمكننا التكلم بها، والمناظرة بها وإلزام الخصوم فنتبرأ منها إلى خالق ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وإنما الاختلاف في المعرفة بلا حجة يمكن المناظرة بها.\nوأخبر الله تعالى في غير موضع أن القرآن هدى.\nوكذلك الآيات لقوم: يتفكرون، يتذكرون، يعقلون، يفقهون، لوم يقل في موضع: لقوم يلهمون، ولو كان الإلهام أحد طرق العلم لبينه الله تعالى في كتابه فإنه أنزل تبيانا لطرق العلم وقال: ﴿أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض﴾ وقال: ﴿أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف﴾ الآية.\nولو كان الإلزام بالإلهام لما عوتبوا على ترك النظر والسير وقال النبي ﷺ لمعاذ ﵁ حين بعثه إلى اليمن بم تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد فيه رأيي، فقال رسول الله ﷺ: \"الحمد لله الذي وفق رسول رسوله\" ولم يقل: بالإلهام ولم يأمره به رسول الله ﷺ.\nوقد استقصينا هذا الباب في أبواب القياس. وقال ﷺ: \"من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار\" وأنه جائز برأي النظر والاستدلال بأصول الدين بالإجماع.\nفثبت أن المراد به الرأي بلا نظر له، ولأن الرأي بلا نظر لو كان حجة يجب العمل بها كالوحي لحل لكل إنسان قبل الوحي أن يدعو الخلق إلى ما عنده بل كما يجب على نفسه العمل به.\nوكما كان يجب على النبي ﷺ ذلك، ومن قال هذا فقد كفر.\nولأنا نقول له الإلهام حجة على الحق بخلاف الشرع أم بموافقته، فإن قال بخلافه كفر، وإن قال بموافقته فلا تثبت الموافقة إلا بعد النظر في أصول الشرع، والاستدلال كما يكون بالقياس.\nولأنا نقول: إن هذا الإبهام قد يكون من الله تعالى، وقد يكون من الملك، وقد يكون من إبليس على ما قال الله تعالى: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾، ومن نفسه على ما قال: ﴿ونعلم ما توسوس به نفسه﴾، ولن يقع التمييز بينهما إلا بعد نظر واستدلال بأصول الدين.\nولأنا نقول: لو سلمنا أن الإلهام ثابت بمنزلة الوحي فبماذا يعرف النبي ﷺ نفسه أنه موحى إليه، وأن ما تراءى له وحي من الله تعالى وبماذا يلزم الناس إتباعه فلا يجد فيمن مضى وظهر منهم إلا بحجة وآية ظهرت للنبي ﷺ في نفسه عرف بها أنه من الله تعالى، وإنما عرف هذه الآية أية بنظره واستدلاله.","vol":"1","page":395},{"text":"وكذلك لا يلزم الناس إتباعه ولا يحل إلا بعد ظهور الآية لأن النبي ﷺ كان يقول برأيه وكان ينزل الوحي بخلافه، وكان يرجع عنه بقول الصحابة فلما جاز الغلط على الرسول إلا فيما أقر عليه لكونه معصوما عن شرع ما لا يحل كان على من دونه أجوز وقد أمر الله تعالى رسوله بمشورة الصحابة ولم يأمره بالرجوع إلى قلبه في فصل المهمات.\nولأن الخصم يقول له إنك مبطل لأني ألهمت ذلك وأنه حجة فلا يمكنه الخروج عنه إلا بأن يقول: إنك لست من أهله فيقابله خصم بمثله ثم لا يمكنه التمييز بين الأهل وغيره إلا ينظر واستدلال.\nثم نقول: إن الإنسان مبتلى بكسب العلام كما ابتلي بالعمل بالعلم قال الله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ بل كسب العلم هو الأصل، وكسب العلم عمل القلب، وكل عمل ابتلي الآدمي به فهو عمل يأتي الآدمي على سبيل الاختيار عن تمييز عقلي فلو كان العلم يقع بالإلهام جبرا من الله تعالى لم يكن مما ابتلينا به ولم يكن عليه ثواب، ولا على تركه عقاب على مثال معرفة البهائم والطيور ربها تعالى فلما كان الثواب مشروعا على العلم بالله تعالى علم أنه لا يحصل إلا عن عمل منا وما ذلك إلا النظر والتمييز سواء سمعنا رسولا يتكلم به أو لم نسمع فإنا لا نعرفه رسولا ولا كلامه حقا إلا بعد النظر فيما معه من الآية الدالة على الرسالة.\nقال العبد ﵀: وقد ابتليت بقوم قد زعموا أن العب يرى ربه بقلبه فيعرفه بلا نظر ولا استدلال بالآيات، فكأنه قل لم يكن في السلف، فإن القلب بضعة لحم ما لها حاسة رؤية كسائر الأعضاء، دون العين فلا يقع الفرق بين قولهم هذا.\nوقول من يقول: رأيت الله بأذني أو بيدي معرفته، إنما رؤية القلب علمه بنظره، ونظره التفكر فيما أحس لا يتصور غير ذلك لإفادة علم، ولهذا قال الرسول ﷺ: ﴿تفكروا في الآيات ولا تتفكروا في الذات﴾ لأن الآيات محسوسة فالتفكر فيها يدلنا على الله تعالى والتفكر في الذات يوجب التعطيل كنظر العين إلى ما لا يرى.\nوإنما مثاله نجار في بيت لا يرى ويخرج منه الخشب المنجورة فيفيد نظر الناظر إلى الخشب المنجورة العلم بالنجارة، والنظر إلى النجار نفسه يجهله بحاله.\nوحكي لنا عن محمد بن زكريا ﵀؛ أنه قال لأصحابه: إذا كلمكم الموحدون في الآيات فكلموهم في الذات، وإليه دس فرعون في محاجته موسى ﵇ فقال: ﴿وما رب العالمين﴾ فأعرض موسى عن جواب المحال، وأجاب بالوصف فقال: ﴿رب السموات﴾. وما كفر حكماء الزنادقة إلا بتفكرهم في الذات والمائية.","vol":"1","page":396},{"text":"ولأن التفكر في الشيء قبل الوقوف عليه لا يتصور والتفكر للوجود لا يتصور إلا في موجود يدل عليه، على أن التفكر نفسه نظر واستدلال وما دعوناك إلا إليه، وإنما أنكرنا كينونة الرأي حجة بلا نظر أصلا.\nفأما الجواب عن تمسكه: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾: أن تأويله، والله أعلم عرفها بطريق العلم، وهو الآيات والحجج على ما فسر في قوله: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق﴾ الآية.\nوكذلك شرح الصدر بنور التوفيق حتى ينظر في الحجج.\nوكذلك أحياه بالأدلة وبما أراه من الآيات فلا اهتداء للعبد إلا بعد هداية الله تعالى، وذلك بطريقين بالهداية بعد جهاد العبد كما قال الله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ وقال: ﴿ويهدي إليه من ينيب﴾ هو أدنى الدرجتين والأعلى بالاصطفاء والاجتباء، كما قال الله تعالى: ﴿يجتبي إليه من يشاء﴾ وقال: ﴿ووجدك ضالا فهدى﴾ ولم يذكر جهاده والله تعالى يجتبي إليه من يشاء بروح القدس، وكمال نور العقل وذكاء الطينة والتوفيق.\nوإراءة الحجج كرامة ابتداء حتى يصير موكلا على النظر في الآيات فيتبين له أنه الحق كما يتبين للكافة يوم القيامة، وهم رهط الأنبياء والصديقين ويهدي من يجاهد في سبيله إليه بإراءة الآيات والتوفيق رحمة وجزاء، حتى ينظر فيها فيعرفها آيات، فهذا تأويل الإضافات إلى الله تعالى.\nوأما الفطرة: فتأويلها أن الآدمي يخلق، وعليه أمانة الله التي قبلها آدم ﵇ فيكون على فطرة الدين ما لم يخن فيما عليه من الأمانة، وكان على عذر في ترك الأداء عن عجز على ما بينا في باب: حمل الأمانة.\nوأما وحي النحل: فما هي بمستنكر في نفسه، وإنما أنكرنا ذلك في علم خوطبنا بكسبه وابتلينا به.\nوأما وحي أم موسى ﵇: فأمر نقول به، وبيانه أن أم موسى خافت على موسى القتل من فرعون على ما ظهر من سنته، ومن خاف على نفسه الهلاك حل له إلقاء نفسه في البحر أن رجى فيه النجاة بوجه وراكب السفينة إذا ابتلى بالحريق حل ركوب لوح في البحر، وأنه من باب ما لزمنا العمل به عند الضرورة بلا علم.\nولأن من ابتلي بشرين لزمه اختيار أهونهما لديه عقلا وشرعا، على أنها ما عرفت أن الإلقاء في البحر أهون إلا بنظر فقد كانت عرفت بطريق النظر أن راكب اللوح ممن ينجو برأسه غالبا.\nوكان الوليد لا ينجو في الأغلب من فرعون فلم تعرفه بإلقاء الله تعالى علم ذلك في","vol":"1","page":397},{"text":"قلبها بلا نظر، ولكن كان إيحاء الله تعالى أن ذكرها هذه الطريقة لطلب حياة موسى.\nوكذلك من اشتبهت عليه القبلة سقط عنه الأمر عندنا بإصابة جهة الكعبة على الحقيقة، إلى جهة هي جهة الكعبة بتحري قلبه للضرورة، على ما بينا في موضعه.\nوكذلك من أخبرك بخبر في المعاملات وأنت لا تعرفه فإنك تحكم قلبك وتعمل به، لأن في العمل بأخبار الناس في باب المعاملات عدلهم وفاسقهم ضرورة لا يستقيم أمر الناس دونه فسقط الأمر بالعمل بها بشرط إصابة الصدق حقيقة دافعا للحرج، وآل الشرع إلى قدر الممكن من الصدق وهو بما يشهد لك قلبك به.\nوكذلك الحلال إذا اختلط بالحرام والحلال غالب لأن أموال الناس قلما تخلو عن الحرام فلو لم يبح إلا بشرط الحلال لا محالة لضاق الأمر على الناس فسقط الأمر عند غلبة الحلال بالتجنب عن الحرام إلا بقدر ما لا يخرج فيه من شهادة القلب بأنه حلال إذا لم يجد حجة أخرى تميز بينهما، والخلاف فيما نحن فيه في حال قيام سائر الحجج، والباب الذي لا يجوز العمل به بدون العلم به على الحقيقة نحو معرفة الله تعالى بصفاته عند ذكره.\nوأما حديث وابصة: فقد ورد في باب يحل فعله وتركه فيجب ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه احتياطيا لدينه، على ما شهد له قلبه به، فأما ما ثبت حله بدليله فلا يجوز تحريمه بشهادة القلب، وكذلك ما ثبتت حرمته فلا يحل تناولها بشهادة القلب.\nوأما حديث عمر ﵁: ففيه أنه كان مخصوصا به، ونحن لا ننكر هذه الكرامة، وإنما ننكر إثبات الشرع به، وعمر ﵁ ما كان يعمل في المشروعات إلا بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ثم رأي نظر واستدلال، وما كان يدعو الناس إلى ما في قلبه.\nوأما كرامة الفراسة: فلا ننكرها أصلا، ولكنا لا نجعل شهادة القلب حجة لجهلنا أنها من الله تعالى أو من إبليس أو من نفسه.\nوأما أقوال الصحابة: فقد ذكرنا تأويلها فيما مضى ولم يثبت منهم قول إلا عن نظر واستدلال.\nوأما الجواب عن العصمة: فإنها لم تثبت لغير الأنبياء ﵈ على البتات فلا يمكن البناء عليه، ولا تتصور العصمة لمن لم يعرف الحجج ولم يستدل بالآيات.\nوزعم بعض الناس أن العامة لم تعرف ربها إلا بالإلهام، وأنه غلط فما من عامي إلا وهو مستدل بالآيات، ويسبح ربه إذا رأى كسوفا أو أمرا هائلا يعجز عنه البشر إلا أنه لا يهتدي إلى المحاجة بها ولهذا قال الله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ لمعرفتهم بعجز الأصنام عن التخليق يعرفون أن الخالق هو الله تعالى.","vol":"1","page":398},{"text":"قال القاضي ﵁: خلق الله تعالى بني آدم على الفطرة وإنما استدرجهم إبليس إلى الضلال بطرق الحق، ورأس الطرق التقليد فقلد العالم عالما اهتماما لرأيه، وإتباعا لفقهه وظنه دينا، وما دعاه إليه إلا الكسل فإنه لو اجتهد لوفق لمثله فرآه الجاهل فقلد عالما سمعه بغير استدلال على فقهه، فإذا قد قلد جاهلا فضل ثم قلد أباه وأهل زمانه حتى عبدوا الأحجار، وما تبدلت الأديان إلا بتقليد العامة علماء السوء فإنهم لما قلدوا وأحبوا الرياسة مباراة علماء الحق أبدعوا ما حسن لدى العامة وطعنوا في متبعي السنة حتى تبدل الدين بأصله.\nفالتقليد رأس مال الجاهل وسببه جهل المرء بقدره حتى اتبع رجلا مثله بلا حجة ثم الذي يليه الإلهام فصاحبه اتبع قلبه وقلده بلا حجة له بناء على أنه خلق على نور الفطرة وجهلا بهوى نفسه حتى ادعى رتبة الأنبياء ﵈ لنفسه، واتخذ إلهه هواه، كما اتخذ المقلد آلهة خشبا فهذا رفع قدره جهلا والأول وضع قدره جهلا فهلكا وما هلك امرئ عرف قدره فمن رام الاحتراز عنهما فليبن أمره على الكتاب، والخبر ثم الاستدلال والنظر وما التوفيق إلا بالله.\nوكان الناس في الصدر الأول أعني الصحابة والتابعين والصالحين رضوان الله عليهم أجمعين يبنون أمورهم على الحجة، فكانوا يأخذون بالكتاب ثم بالسنة ثم من أقوال من بعد رسول الله ﷺ ما يصح بالحجة فكان الرجل يأخذ بقول عمر ﵁ في مسألة، ثم يخالفه بقول علي في مسألة أخرى وقد ظهر من أصحاب أبي حنيفة ﵁ أنهم وافقوه مرة وخالفوه أخرى على حسب ما يتضح لهم بالحجة.\nولم يكن المذهب في الشريعة عمريا ولا علويا بل النسبة إلى رسول الله ﷺ فقد كانوا قرونا أثنى عليهم النبي ﷺ بالخير، فكانوا يرون الحجة لا علمائهم ولا نفوسهم فلما ذهبت التقوى من عامة القرن الرابع، وكسلوا عن طلب الحجج جعلوا علمائهم حجة واتبعوهم فصار بعضهم حنفيا، وبعضهم مالكيا وبعضهم شافعيا يبصرون الحجة بالرجال ويعتقدون الصحة بالميلاد على ذلك المذهب ثم كل قرن بعدهم اتبع عالمه كيف ما أصابه بلا تمييز حتى تبدلت السنن بالبدع وضل الحق بين الهوى، ونشأ قوم من الحبية فزعموا أنهم أحباء الله عجبا بأنفسهم، وأن الله تعالى يتجلى لقلوبهم ويحدثهم، فرأوا لذلك حديث أنفسهم حجة واتخذوا أهواءهم آلهة فلم يبقى عليهم سبيل للحجة، والعياذ بالله.","vol":"1","page":399},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>القول في أقسام استصحاب الحال</span>\nقد مر في ما مضى أن استصحاب الحال قول بلا دليل، وأنه من باب الجهل بالأدلة، وباب الجهل لا يكسب العلم فلابد أن يكون مدرجا إلى الضلال، وإن كان ابتداؤه حسنا وهو التمسك بما كان حتى يزول بالبرهان، وأنه أقرب إلى الحق من التقليد والإلهام.\nلأن الملهم رجع إلى قلبه، وجهل الأدلة وأعرض عنها، وما القلب بحجة بل الحجة رأيه، وهذا علم الدليل ورجع إلى رأيه إلا أنه لم يفرق بين الثابت بالحجة وبقائه كذلك ثابتا، فظن أن الحجة المثبتة حجة مبقية ولم يدر أن البقاء محكوم به لعدم الدليل المزيل لا بوجود الدليل المثبت، أو لم يفرق بين حكم وجود العلة وحكم عدمها.\nوأقسامها أربعة:\nأ. استصحاب حكم الحال لضرورة عدم ما يزيله، وثبوت العدم بطريق أوجب العلم به كالخبر به من جهة صاحب الوحي، أو من طريق الحس إذا كان الشيء مما يعرف به.\nب. واستصحاب حكم الحال لعدم الأدلة من طريق النظر في الأدلة برأيه بقدر وسعه مع احتمال قيام الدليل من حيث لا يشعر هو به.\nج. واستصحاب حكم الحال قبل النظر والاستدلال.\nد. واستصحاب الحال لإثبات حكم مبتدأ.\nأما الأول: فصحيح وقد علم الله تعالى الاحتجاج به فقال: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلى محرما﴾ الآية وهذا لأن العدم لما ثبت يقينا انعدم حكم العلة أيضا ضرورة على ما مر من قبل كما أن العدم كان ثابتا أصلا قبل الإحداث لما سوى الله تعالى.\nوأما الثاني: فصحيح إبلاء للعذر لا احتجاجا على غيره لاحتمال قيام العلة عند غيره على ما مر.\nوأما الثالث: فجهل محض والجهل لا يكون حجة، ولا يكون عذرا عند إمكان طلب الدليل كالجهل بالشرائع عذر في دار الحرب، لمن أسلم ولم يهاجر إلينا. ولم يكن عذرا لذمي أسلم في درانا.","vol":"1","page":400},{"text":"وأما الرابع: فضلال محض لأن استصحاب الحال كاسمه وهو التمسك بما ثبت حتى يقوم دليل الزوال، وما لم يكن لا يمكن التمسك بوجوده بل يحتاج إلى إثباته فلا يثبت لعدم الدليل كالمفقود أصله حي فيتمسك به حتى يقوم دليل الموت، وكذلك ملكه ثابت فيتمسك به حتى يقوم دليل الموت وملك أبيه لم يكن له فإذا مات أبوه لم يثبت له، لأن التمسك بالحال التي كانت توجب أن لا يثبت له ملك أبيه بل يبقى على ما كان حتى يقوم دليل الثبوت.\nوقد جعله بعض شيوخ الشافعية حجة لإثبات الإرث على ما مضى من قبل، لكنه قال به من حيث لم يشعر به لا قصدا إليه فإنه استصحب الحياة له بحكم التمسك بها وإذا بقي حيا انتقل الإرث إليه فلم يثبت الإرث باستصحاب الحال في الإرث نفسه ولكن بواسطة بقاء الحياة له.\nوأبينا نحن ذلك لأن الحياة ثابتة له بلا دليل فيبقى ثابتا دفعا عن نفسه، فأما استحقاقا بها لما لم يكن ثابتا فلا على ما مر في بابه، وعلى هذا اختلافهم في شاهدين شهدا أن الملك كان لأب المدعي والأب ميت فإنه لا يقبل عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، ويقبل عند أبي يوسف ﵀: لأن الملك ثبت لأبيه بهذه الشهادة فيبقى بلا دليل وملك الوارث هو ذلك الملك بعينه.\nولهما: إن البقاء بعد الثبوت إنما يكون باستصحاب الحال فثبت دفعا عن المشهود عليه بحق الشهادة، لأنه كان لهذا المدعي فأما لإيجاب حكم لم يكن فلا وملك الوارث حكم لم يكن فإن الملك وإن كان ذلك الملك بعينه، فالمالك مالك آخر كما قلنا في المفقود أنه لا يرث أباه، وإن كان الملك ذلك الملك بعينه يبقى للوارث لأن المالك غير الأول، والله أعلم.","vol":"1","page":401},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>القول في أقسام الطرد</span>\nحد الطرد ما قد مضى ذكره، وإنما أعدناه لنبين كيف يؤول إلى الضلال أمره، وأنه على الحقيقة قول استصحاب الحال إلا أنه أقرب إلى الحق من الأول.\nفإن الأول استصحاب حكم الحال الثابت بالدليل والعلة الموجبة للثبوت لا توجب البقاء، فكان استدلالا لعدم العلة، وهذا استصحب صحة الدليل فإن أوصاف الأصول المعلولة أدلة وحجج، ولكن لضرب من الاحتمال أوجبنا التوقف عن العمل بها قبل بيان التأثير.\nوصاحب الطرد استصحب الحالة الأولى في كونه دليلا حتى يتبين له وجوده، ولا حكم معه فيكون حينئذ فاسدا فيكون في استصحابه هذا عاملا بدليل لكنه دليل احتمل الفساد، ومثاله من سمع من النبي ﷺ نصا فاستصحب صحته ما لم يقم عليه دليل النسخ وعمل به كان عاملا بدليل احتمل الانتساخ والتبدل، إلا أن مخرجه إلى الضلال لحكمنا ببقائه صحيحا بعدم الدليل، وهذا صالح للدفع لا للإلزام على ما مر في الباب الأول.\nوأقسامه أربعة في الاطراد:\nاطراد ثبت بإقرار الخصم أو إجماع الناس.\nواطراد ثبت بالعرض على الأصول في نفسه بقدر وسعه، والمراد يدعيه بوجود الحكم معه في الأصل المعلل قبل العرض على الأصول لكن بعد تثبيت أن الوصف صالح علة بدليله.\nواطراد يدعيه لتصحيح الوصف علة.\nفأما الأول: فحسن لما ذكرنا أن الثابت من الأصل لا يتغير إلا بدليل وعلة، إلا أنا نقول أن الوصف صالح علة ولكن لما لم يجب العمل بها بالصلاح على ما مر، فلا يثبت المعنى الموجب للعمل بها لعدم الدليل.\nوكذلك ثبوت الاطراد بعرضك على الأصول حجة تعذر أنت بها، ولا يكون حجة على الغير لجواز أن يكون عند الخص ما ينقضها على ما مر.\nوأما الثالث: فحكم بالظن لأنه زعم أن وجود الوصف بلا حكم في أصل آخر مما","vol":"1","page":402},{"text":"يبطله، وقد احتمل ولزمه التفحص عنه بقدر الوسع وقد أعرض عنه بحسن ظنه أنه مطرد فكان كمن قام إلى الصلاة، واشتبهت عليه القبلة فصلى بلا تحر إلى جهة بحسن الظن كانت صلاته فاسدة كأنه تحرى ثم خالف الجهة، وهذا لأن الظن لا يغني من الحق شيئا فعاد الأمر في الدرجة الثالثة إلى الباب الأول.\nوأما الرابع: فلأنه جعل استصحاب الحال علة لتصحيح الوصف لا لتقريره على الصحة فكان من قبيل الرهط الرابع من الباب الأول، فصار القول بالطرد مدخل الفقهاء إلى باب مآله إلى الجهل والضلال ومن نظر فيما أحدث المتسمون بالعلماء في زماننا هذا من أنواع الطرد من المسائل تيقن بما أشار إليه كلامنا، حتى صار في مسألة واحدة عشرة من المقاييس إلى مئة ونيف.\nوكان الواحد من السلف ﵀ يتفكر زمانا طويلا فلا يجد لما ابتلي به من علم الحكم إلا قياسا أو قياسين، ولهذا صارت أئمة السلف أصحاب المذاهب كأنهم أصحاب شرائع لأن الخلف اعتمدوا الطرد، وهو ليس بحجة يجب العمل بها فلم يستغنوا معه عن إتباع أئمتهم وتقليد سلفهم، وكان ذلك أحسن من العمل بالطرد باستصحاب الحال.\nفمستصحب الحال اتهم الأصول فأعرض عن القياس فالأصول شهود كالمقلد اتهم قلبه فأعرض عن الرأي.\nوالقلب هو الحاكم المحكم من الإنسان وصاحب الطرد صدق الأصول بأي وصف شهدت من غير تأمل فيما شهد كالملهم صدق قلبه من غير تأمل فيما رأى، وكل ذلك سبيل غير سبيل الهدى وبالله التوفيق والعصمة من العمى، والله أعلم.","vol":"1","page":403},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>القول في الاستحسان ما هو لغة؟ وحكمه</span>؟\nأما الاستحسان لغة: فوجود الشيء حسنا، يقال استحسنت كذا، اعتقدته حسنا واستقبحته على ضده، وعن هذا ظن بعض الفقهاء أن من قال بالاستحسان فقد ترك القياس، والحجة الشرعية باستحسانه تركها من غير حجة شرعية فطعن بهذا على علمائنا وإنما هذا تفسير الاستحسان لغة.\nفأما عند الفقهاء الذين قالوا بالاستحسان: فاسم لضرب دليل يعارض القياس الجلي، حتى كان القياس غير الاستحسان على سبيل التعارض، وكأنهم سموه بهذا الاسم لاستحسانهم ترك القياس أو الوقف عن العمل به بدليل آخر فوقه في المعنى المؤثر أو مثله، وإن كان أخفى منه إدراكا ولم يروا القياس الظاهر حجة قاطعة لظهوره ولا رأوا الظهور رجحانا بل نظروا إلى قوة الدليل في نفسه من الوجه الذي يتعلق به صحته.\nولم يكن غرضهم من هذه التسمية والله أعلم إلا ليميزوا بين الحكم الأصلي الذي يدل عليه القياس الظاهر، وبين الحكم الممال عن تلك السنن الظاهرة بدليل أوجب الإمالة فسموا الذي يبقى على الأصل قياسا، والذي يمال استحسانا هذا كما قال أهل النحو، هذا نصب على التفسير، وهذا نصب على الظروف، وهذا على المصدر، وهذا على التعجب، وهذا لأنه مفعول ليمكنهم التمييز بين الأدوات الناصبة.\nوقال أهل العروض هذا من البحر الطويل، وهذا من المديد، وهذا من المتقارب في أشباه لهذه كثيرة، وسموا أحرف التقطيع سببا ووتدا وفاصلة.\nقال محمد بن الحسن - ﵀ - في كثير من المواضع: بالقياس كذا، وبالاستحسان كذا، وبالقياس نأخذ وأخذوا في الأكثر بالاستحسان فعلم أنهما اسمان لدليلين متعارضين كالكتاب والسنة.\nوقال في بعض المواضع القياس كذا، ولكني استقبح مكان قوله: استحسن واستقباح العمل بدليل الشرع كفر فثبت أنه استقبحه لدليل آخر يعارضه فمتى تعارض الدليلان في حكم الحادثة وأحدهما رأي ظاهر طريقه واضح سبيله والآخر خفي أثره، سر خبره، فالظاهر قياس والآخر استحسان، والترجيح بينهما بالطرق التي مرت في باب مراتب القياس وسائر الأدلة والأخذ واجب بالراجح منهما، فصار الفصل المستحسن هو","vol":"1","page":404},{"text":"الممال بحكمه عن الطريق الظاهر إلى الخفي بدليل شرعي لا بهوى النفس فإنه كفر.\nوإنما سموه بهذا الاسم لاستحسانهم ترك الظاهر بالخفي الذي ترجح عليه فلما كان العمل به مستحسنا شرعا سموا الدليل به وكان اسما مستعارا كالصلاة سميت باسم ما فيها من الصلاة، وهي الدعاء والثناء والصوم سمي باسم ما فيه من الإمساك.\nولهذا لم نعد هذا الاسم في الأسماء المضلة لأنه على الوجه الذي بينا غير مضل والتقليد والإلهام واستصحاب الحال والطرد على الوجه الذي سميت الأدلة بها مضلة.\nثم الاستحسان:\nأ. قد يكون نصا.\nب. وقد يكون ضرورة.\nج. وقد يكون إجماعا.\nد. وقد يكون قياسا خفيا.\nأما النص: فنحو قول أبي حنفية ﵁ فيمن أكل ناسيا لصومه: لولا قول الناس لقلت يقضي. أي القياس الظاهر يوجب القضاء إلا أني استحسنت تركه بنص خاص ورد فيه بخلاف قياس سائر النصوص الثابتة، والمعقول الضروري في حصول الصوم مع عدم الإمساك عن الأكل وأنه عبارة عن تركه، وهذا لأن النص فوق الرأي فاستحسن تركه به وإن ظهر.\nوأما الإجماع: فنحو جواز الاستصناع فيما ظهر تعامل الأمة به من غير نكير والقياس أن لا يجوز لأنه بيع عين بعمله، وهو معدود عينا للحال حقيقة، ومعدوم وصفا في الذمة والقياس الظاهر أن لا يجوز بيع الشيء إلا بعد تعينه حقيقة، أو ثبوته في الذمة كالسلم.\nفأما مع العدم من كل وجه فلا يتصور عقد وليس ثم معقود عليه لكنهم استحسنوا تركه بالإجماع الظاهر بتعامل الأمة من غير نكير لأن الإجماع دليل فوق الرأي، وقصروا الأمر عليه لأنه معدول به عن القياس.\nوأما الضرورة: فنحو الحكم بطهارة البئر بعد تنجسها.\nوالقياس يأبى ذلك لأن الدلو ينجس بملاقاة الماء فلا يزال يعود وهو نجس إلا أن الشرع حكم بالتطهر للضرورة لأنه لا يمكننا غسلها بماء طاهر إلا من طريق نزح الماء النجس وخروج الماء الطاهر، فاستحسنوا ترك العمل بموجب القياس بعذر العجز فإن الله تعالى جعله عذرا في سقوط العمل بكل خطاب.","vol":"1","page":405},{"text":"وكذلك جوزوا الإجارة وهو بيع منافع غير موجودة لأنها لا تبقى زمانين فلا يمكن بناء البيع فيها على الوجود فبنوا على كون العين بحيث يوجد منه منفعته ليكون بناء على الوجود الذي هو الأصل للجواز بقدر الإمكان، وأسقطوا ما وراء ذلك بعذر العجز.\nوأما القياس الخفي: فنحو البائعان يختلفان في الثمن والسلعة غير مقبوضة. القياس الظاهر أن يكون القول قول المشتري مع يمينه لأنهما اتفقا على حق المشتري وهو المبيع واختلفا في حق البائع فالبائع يدعي زيادة ثمن والمشتري ينكرها فيكون القول قول المشتري مع يمينه، والبينة على المدعي بناء على السنة الثابتة.\nوالقياس الخفي يوجب التحالف لأن المشتري يدعي على البائع، وجوب تسليم السلعة بتسليم الثمن الذي يدعيه والبائع ينكر الوجوب عليه بذلك القدر حتى يوفيه ما يدعيه فهذا إنكار باطن لا يعرف إلا بضرب تأمل.\nوالأول يعرف ببديهة الحال فاستحسنوا العمل بالإنكارين جميعا لأن لا تعارض بينهما لاختلاف محلي اليمين حتى قاس أبو حنيفة ﵁ على هذا الفصل كل عقد اختلف فيه في بدله والمعقود عليه غير مسلم، والتسليم فيه لا يجب إلا بعد تسليم البدل من النكاح والإجارة والكتابة، وقاس الكتابة على البائعين يختلفان في الثمن ورثتهما إذا اختلفوا إذا كان قبل القبض.\nولو كان الاستحسان بخلاف القياس بالنص لما قاس عليه غيره كما لو كان الاختلاف في الثمن بعد قبض السلعة، وهي قائمة فإن اليمين على البائع بالنص بخلاف القياس لأنه لا إنكار منه لشيء من المبيع ولا لليد ولا يمين قياسا إلا على المنكر، وإنما يحلف بالنص بخلاف القياس فلم يثبت التحالف بين الورثة إذا اختلفوا بعد القبض، ولا بعد هلاك السلعة لأن النص ورد في حال القيام، والله أعلم.","vol":"1","page":406},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>القول في صفة المجتهد في الأحكام التي تجوز الفتوى فيها بغالب الرأي</span>\nقال فريق من المتكلمين: الحق في هذه الحوادث التي يجوز الفتوى بأحكامها بالقياس والاجتهاد حقوق، وكل مجتهد مصيب للحق بعينه.\nثم إنهم افترقوا؟ فقال قوم: الحق عند الله تعالى حقوق على التساوي.\nوقال قوم: الواحد من الجملة أحق، وسماه تقويم ذات الاجتهاد وقال أهل الفقه، وبعض أهل الكلام: الحق عند الله واحد. ثم افترقوا؟\nفقال قوم: إذا لم يصب المجتهد الحق عند الله كان مخطئا ابتداء وانتهاء، حتى أن عمله لا يصح.\nوقال عملاؤنا ﵏: كان مخطئا للحق عند الله تعالى مصيبا في حق عمله حتى إن عمله به يقع صحيحا شرعا كأنه أصاب الحق عند الله تعالى.\nبلغنا عن أبي حنيفة ﵁ أنه قال ليوسف بن خالد السمتي: كل مجتهد مصيب، والحق عند الله واحد فبين أن الذي أخطأ ما عند الله مصيب في حق عمله.\nوقال محمد بن الحسن ﵀ في كتاب الطلاق: إذا تلاعن الزوجان ثلاثا ثلاثا ففرق القاضي بينهما نفذ قضاؤه، وقد أخطأ السنة فجعل قضاءه في حقه صوابا مع فتواه أنه مخطئ الحق عند الله تعالى.\nوقال في غير موضع: إذا قضى القاضي برأي نفسه في حادثة اختلف فيها الفقهاء نفذ على الكل، وثبتت صحته في حق من يخالفه، وإن كان عند المخالف هذا القاضي مخطئا للحق عند الله.\nوكذلك قالوا فيمن اشتبهت عليه القبلة في موضع لا لدليل له غير التحري بالقلب فتحرى وصلى وتبين أنه أخطأ وصلى إلى دبر الكعبة: صحت صلاته وقد أخطأ الكعبة يقينا فصار قولها هذا القول الوسط بين الغلو والتقصير.","vol":"1","page":407},{"text":"فأما الذين قالوا إن الحق حقوق: فإنهم ذهبوا إلى أن المجتهد كلف الفتوى بغالب رأيه وما كلف إلا الفتوى بالحق.\nفلولا أنه يصيب الحق به، وإلا لما توجه التكليف عليه بإصابته بغالب الرأي لأن الله تعالى ما كلف ما ليس في الوسع ولن يصير كل مجتهد مصيبا للحق إلا ولاحق حقوق.\nوهذا كاستقبال القبلة، فإنه شرط لصحة الصلاة، وهي إلى جهة واحدة حالة التبين وعند الاشتباه تصير الجهات كلها قبلة على ما قال الله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ حتى قيل: إن المتحرين إذا صلوا إلى أربع جهات مختلفة أجزأتهم صلاتهم قالوا وغير ممتنع أن يكون الحق حقوقا في أناس مختلفين في بعضهم حظر، وفي بعضهم إباحة إذا كان لا يلزم كل واحد منهم ما لزم الآخر.\nكما صح عند اختلاف الأزمنة نسخ الإباحة بالحظر ونسخ الحظر بالإباحة.\nوكما صح في باب قبلة الصلاة حالة الاشتباه إذا اختلفوا كانت قبلة كل فريق ما أدى إليه تحريه، ولأنه جائز من الله تعالى بعث رسولين في زمان واحد إلى قومين مختلفين على اقتصار رسالة كل واحد منهما إلى قومه خاصة مع كينونة كل واحد منهما محقا.\nفكذلك جاز بالاجتهاد مثل ذلك، فيختلف عالمان بالاجتهاد ويلزم قوم كل واحد منهما إتباع إمامه مع كينونة كل واحد منهما محقا.\nوهذا لأن الله تعالى ابتلى عباده بهذه الأحكام ليمتاز الخبيث من الطيب ويجوز اختلاف هذه الحكمة من الناس باختلاف الأزمان فيختلف الابتلاء لأجله وكذلك يجوز الاختلاف، باختلاف الطبقات في زمان واحد ألا ترى أن مصالح الأطعمة كما تختلف باختلاف الأزمنة كذلك تختلف باختلاف الناس في زمان واحد.\nولأن من قال أن الحق واحد عند الله تعالى، ولكن العمل صواب حق بكل اجتهاد فقد أثبت الحظر والإباحة حقا في حق العمل به كما أثبتنا نحن في حق الله تعالى.\nثم الذين قالوا إن الحقوق على مرتبة واحدة قالوا: لأن الرجحان لا يثبت إلا بدليل.\nوالذين قالوا إن الواحد أحق، فذهبوا إلى أنا لو سوينا بينها لبطلت مراتب الفقهاء، وساوى الباذل كل جهده في الطلب المبلى عذره بأدنى طلب، ولأن المجتهدين ما اجتهدوا إلا لإصابة ما تشهد النصوص بالحقية خلفا عن شهادة رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ دعا الناس كلهم إلى حكم واحد ما نرى بين أعدادهم اختلافا. إلا باختلاف أحوالهم كالمرض والسفر والغنى والفقر ونحوها.\nفكذلك الاجتهاد يجب أن يكون كذلك، وكان يقتضي هذا أن يكون الحق واحدا في حق الكل، إلا أنا تركنا القول به ضرورة أن لا يصير الآخر مكلفا بما ليس في وسعه،","vol":"1","page":408},{"text":"وهذه الضرورة ترتفع بإثبات نفس الحقية لفتواه فبقي الواحد أحق بناء على أصل الشريعة الثابتة بالوحي.\nولهذا استقامت المناظرة ودعوة كل واحد منهما صاحبه إلى حجته مع الإقرار بأن الحق مع كل واحد منهما بقوله إنما قلته أحق ألا ترى أنه لا مناظرة بين المسافر والمقيم في أعداد ركعات صلاتيهما لما ثبتت الحقية على السواء.\nوقد روي أن علقمة ومسروقا سبقا بركعتين من صلاة المغرب، فلما قاما إلى القضاء صلى مسروق ركعة وجلس، ثم ركعة وجلس، ثم سلم، وصلى علقمة ركعتين ثم جلس فذكرا ذلك لعبد الله بن مسعود ﵁ فقال: كلاكما أصاب، ولكن صنيع مسروق أحب إلي.\nوقال محمد لأبي حنيفة ﵁: طول القيام أفضل في الصلاة أم كثرة السجود؟ فقال: طول القيام أحب إلي، وكل ذلك حسن.\nواتفقوا في صلاة الليل على أن المصلي إن شاء صلى ركعتين وإن شاء أربعا ولا يكره ثم قال أبو حنيفة: الأربع أحسن، وقال صاحباه: ركعتان أحسن.\nوأما الحجة على أن الحق عند الله واحد؛ فما روي أن النبي ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن فقال له: بما تقضي؟ فقال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد فيها رأيي فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان. فقال رسول الله ﷺ: \"الحمد لله الذي وفق رسول رسوله\".\nوقال النبي ﷺ في المجتهد \"إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر\".\nوقال عبد الله بن مسعود - فيمن تزوج امرأته ولم يسم لها مهرا ثم مات عنها قبل الدخول بها -: أجتهد فيها رأيي فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن ابن أم عبد.\nقالوا: ولأنه ممتنع في العقول كينونة الحظر والإباحة والصوم والفطر حقين يلزمان في ساعة واحدة، لأنه لا يمكن العمل بهما.\nومن جعل الحق حقوقا ما شرع إلا هكذا إذ وجبا بالاجتهاد، وكل اجتهاد يوجب ما يؤدي إليه بلا تمييز بين عبد وعبد ألا ترى أنه امتنع ذلك بالنصين، إذا اختلفا فأباح أحدهما وحظر الآخر لم يجب العمل بهما بل وجب الوقف إلى أن يظهر الرجحان لأحدهما، أو التاريخ.\nولهذا قيل: إذا اختلفت الشرائع انتسخت الأولى بالثانية، وكذلك في شريعة","vol":"1","page":409},{"text":"واحدة، ولأن الحق لو كان حقوقًا لجاز للعامي الذي يعمل باتباع العلماء أن يختار من كل مذهب ما تهواه نفسه.\nكما أن الله تعالى لما أثبت الكفارة في باب اليمين أنواعًا كان للعبد الخيار بينها على ما يهواه بلا دليل.\nومن أباح هذا فقد أبطل الحدود، وشرع طريق الإباحة وبنى الدين على الهوى، والله تعالى ما نهج الدين إلا على دليل غير الهوى من نص ثابت بوحي أو قياس شرعي على ما بينا.\nومن جعل الحق حقوقًا أثبت الخيار للعامي بهوى نفسه.\nومن قال الحق في واحد ألزم العامي أن يتبع إمامًا واحدًا وقع عنده بدليل النظر أنه أعلم ولا يخالفه في شيء بهوى نفسه.\nفإن قيل: أليس القياسان إذا تعارضا ثبت للمجتهد الخيار يعمل بأيهما شاء؟\nقلنا: نعم، ولكن لا بهوى نفسه بل بالضرورة. فإن الحق في أحدهما، ويلزمه العمل به، ولم يبق قبله لله تعالى دليل يوصله إليه غير شهادة قلبه فلزمه العمل بها على ما مر أنها من حجج الشرع في مثل هذا الموضع، فإذا عمل بأحدهما لزمه الإعراض عن الآخر إلا بدليل يدل على الحقية فيه، ولما ذكرنا أن القياس خلف عن الوحي والثابت بالوحي من الأحكام ثابتة على أنها لا تخص قوم دون قوم على ما قاله الأولون فكذلك بالقياس لا يجوز أن يثبت على الخصوص وعلى العموم إجماع على امتناع الحظر والإباحة في ساعة واحدة على وجه يجب العمل بهما، لأنه لا يمكن، ولا يجتمعان لأنهما ضدان، والقياسان إذا اختلفا فأوجب أحدهما حظرًا فإنما أوجب على وجه يجب العمل به.\nوكذلك الذي أوجب الإباحة أوجب على هذا السبيل اعتقادًا، وهذا قول لم يقل به أحد إلا أنهم جوزوا ذلك في قومين مختلفين، وأنه قول ساقط لأن الدليل هو القياس، وأنه حجة على الكل ولأنا ذكرنا أن النبي ﷺ لم يخص قومًا بحكم فالقياس لا يكون حجة إلا على ما ورد به النص.\nفأما الجواب عن قولهم أن فيه تكليف ما ليس في الوسع: فإن لا نكلفهم إصابة الحق عند الله تعالى لما لم يكن لله تعالى عندهم دليل يوصلهم إلى الحق بعينه، ولكن نكلفهم الاجتهاد للإصابة فإن أصابوا أجروا وإن أخطأوا عذروا.\nوالحجة للذين قالوا من أخطأ يقينًا صار مخطئًا من الأصل قول الرسول ﷺ، وقول معاذ وقول عبد الله: وإن أخطأت، والخطأ المطلق هو الخطأ ابتداء وانتهاء.\nوإنما ألزمنا المجتهد العمل بقياسه على تقدير نه صواب كما يلزمنا العمل بالنص على تقدير أنه غير منسوخ، ومتى ظهر انتساخه بطل العمل به.","vol":"1","page":410},{"text":"وكذلك متى عمل بالقياس ثم روي له نص بخلافه حتى تبين خطأه يقينًا بطل ما أمضى بقياسه.\nوكذلك من حضرته الصلاة ومعه ثوب أو ماء شط في طهارتهما فإنه يستعملهما على تقدير الطهارة بحكم استصحاب حال الطهارة فيلزمه ذلك وإذا تبين نجاستهما فسد عمله من الأصل.\nوما روي من إطلاق الإصابة على المجتهدين فعلى ما إذا لم يتبين وجه الخطأ واشتبه فإن الواجب عند الاشتباه العمل بأي قياس كان فيكون العمل من كل مجتهد بقياسه صوابًا ظاهرًا ما لم يتبين خطاؤه.\nوهكذا نقول في قوم اختلفوا في جهة الكعبة عند الاشتباه وصلوا أن صلاة كل واحد منهم جائزة حتى يتبين عليه خطاؤه فيحنئذ نأمره بالإعادة، ولا يلزمنا ما ألزمنا الأول من القول بالحظر والإباحة لأنا أبينا ذلك حقًا من الله تعالى.\nنحن بإيجاب العمل على كل مجتهد بقياسه ما أثبتنا الحقية في حق الله تعالى بل هو في حق العامل لضرورة عدم الحجة على الذي هو حق عند الله، وخطاب الله تعالى يسقط بحال الضرورة بقدرها ألا ترى أنه جاز مثله في النصوص فإن العلماء اختلفوا في الأحكام لاختلاف الأخبار على حسب الثبوت عندهم مع علمنا أن الثابت واحد من الجملة.\nوأما الحجة للذين قالوا بأنهم مصيبون في حق العمل: فما روي عن النبي ﷺ أنه قال في المجتهد:\"إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر\"والأجر لا يجب إلا بالعمل على سبيل الائتمار بأمر الآمر فثبت أن المخطئ للحق عند الله تعالى مؤتمر بعمله بأمر الله تعالى، والائتمار بالأمر يكون صوابًا لا محالة.\nوقد اختلف أبو بكر وعمر ﵄ في أسارى بدر، فأشار أبو بكر إلى الفداء، وعمر إلى القتل فشبههما رسول الله ﷺ بنوح وإبراهيم ﵉ حيث سأل نوح العذاب وإبراهيم المغفرة، وكان أحدهما مخطئ الحق عند الله تعالى لا محالة فلو كان يصير مخطئًا غير مصيب لما صح التشبيه بالرسولين ﵉ وسؤالهما كان صوابًا.\nفإن قيل: أليس الله عاتب رسوله ﷺ على الفداء، وقال رسول الله ﷺ:\"لو نزل العذاب ما نجى إلا عمر\"فدل على أن أبا بكر كان مخطئًا؟","vol":"1","page":411},{"text":"قلنا: هذا لا يجوز أن يعتقد فإن رسول الله ﷺ عمل برأي أبي بكر ولا بد أن يقع عمل رسول الله ﷺ إذا أقر عليه، والله تعالى قد قرره عليه فقال: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا﴾ وتأويل العتاب والله أعلم: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ وكان ذلك كرامة خصصت بها رخصة لولا كتاب من الله تعالى سبق بهذه الخصوصية لمسكم العذاب بحكم العزيمة على ما قال عمر.\nوالوجه الآخر ما كان لنبي أن يكون له أسرى قبل الإثخان، وقد أثخنت يوم بدر فكان لك الأسرى كما كان لسائر الأنبياء ﵈، ولكن كان الحكم في الأسرى المن أو القتل دون المفاداة فلولا الكتاب السابق في إباحة الفداء لك لمسك العذاب.\nوقال في قصة داود وسليمان: ﴿فهمنها سليمان وكلا ءاتينا حكمًا وعلمًا﴾ فبين الله تعالى أن سليمان أصاب الحق الذي عند الله دون داود ثم أخبر أنهما جميعًا، أوتيا من الله حكمًا وعلمًا والخطأ المحض لا يكون حكم الله تعالى فثبت أن تأويله أنه حكم الله من حيث أنه صواب في حق العمل لولا الوحي بخلافه.\nوقال عبد الله بن مسعود لمسروق وعلقمة لما اختلفا؛ كلاكما أصاب، ولكن صنيع مسروق أحب إلي.\nوالاستدلال يدل عليه فإن الخطاب مبني على قدر الوسع وقد أمرنا بالعمل بالقياس وأنها لا يوصلنا إلى الحق الذي هو عند الله قطعًا بلا خلاف.\nوالنزاع فيما لا يعلم يقينًا بالرأي فثبت أنا لم نؤمن بالعمل به على شرط إصابة الحق حقيقة لأنه لا يوصلنا إليه، ولكن على تحري الإصابة لأن الدليل مطمع في الإصابة غير موجب ليكون اللزوم بقدر الحاجة.\nفإن قيل: إذا جعلناه معذورًا غير مأخوذ به إذا لم يصب الحق فقد أخرجناه عن عهده الإيجاب.\nقلنا: إن كلامنا هذا في حقوق تحتمل النسخ والتبديل، فالفتوى بغالب الرأي لا يجوز إلا فيها، ومثل هذا الحق يسقط أصلًا بالحرج وعدم الوسع على ما ذكرنا في الباب الذي بعده وإذا سقط عنا ذلك لم نصر مخطئين بالاقتصار دونه.\nومثال ذلك أمر الله تعالى بقتال الكفار لإعلاء كلمة الله، وإذلال الشرك ونحن لا ندري إصابة النصرة إلا بغالب الرأي فمن قاتل على تحري إصابة النصر كان مصيبًا في قتاله متمثلًا بأمر الله تعالى قتل أم قتل، وكان مستحقًا للأجر العظيم لأنه مصيب لما قاتل على تحري إصابة النصرة أصاب أم لم يصب حتى لو تيقن بأنه يقتل لا محالة من غير أن ينكأ نكاية وقصد بالقتال أن يقتل لا غير كان آثمًا.","vol":"1","page":412},{"text":"وعلى هذا الرماة إذا نصبوا غرضًا فرموا على تحري الإصابة كانوا كلهم مصيبين في تحريهم الإصابة.\nوإذا أرسلوا أخطأ بعضهم الغرض وأصاب البعض ولم يصر واحد منهم مخطئًا في تحريه الإصابة بطريقه.\nفإن قيل: خطاؤه في تقصيره في طلب طريق الإصابة لا في قصد الإصابة، وهكذا نقول في الرامي أنه أخطأ جهة الاستعمال للإصابة والتقصير من العبد آفة من قبله فأما الله تعالى فأعطاه من الرأي ما لو بذل مجهوده كل البذل لأصاب الحق على الحقيقة، ولكنا عند التعيين لا نجعل أحد مصيبًا يقينًا لأنا لا نعلم بعدم تقصيره في الطلب.\nقلنا: إن الله تعالى كما لم يكلف ما ليس في الوسع فما كلف ما فيه الحرج قال الله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ وفي بناء الخطاب على هذه المبالغة في استعمال الرأي حرج عظيم فيصير عفوًا، ويجب بناء الخطاب على المعتاد من الاستعمال، وذلك لا يوصلنا إلى حقيقة العلم بلا خلاف وهذا كما قلنا: في الحربي إذا أسلم ولم يصل مدة لم يلزمه القضاء وسقط الخطاب عنه لأنا لو كلفناه طلب الدليل في دار الحرب لحرج في طلبه مسلمًا يسأله، وإن تصور فيها مسلمًا فسقط الخطاب، ولو كان ذميًا يلزمه القضاء لأن الطلب متيسر في دار الإسلام فلم يعذر بترك الطلب.\nوعلى هذا الاختلاف يحرج أمر الكعبة في حق الغائبين عنها، وانقطاع دليل العيان عنهم: فالأمر بالتوجه إليها ثابت عندنا على تحري الإصابة دون الإصابة على الحقيقة.\nوعند الشافعي ﵀: الأمر ثابت على تحقيق الإصابة يقينًا لأن طريق الإصابة ما يوقف عليه في الجملة لو تكلف العبد كل التكليف لمعرفة تركيب الأرض والسماء وكيفية جهات الأقاليم إلا أنه عذر دونه بسبب الحرج فكان مبيحًا لا مسقطًا أصلًا فبقي أصل الأمر متعلقًا بالإصابة حقيقة فمتى ظهر الخطأ يقينًا لزمت الإعادة كالعمل بالرأي أبيح بشرط أن لا يخالف النص، وعذر في العمل به، وإن لم يتحقق العدم، ولم يتكلف كل التكلف في طلب النص ولكن لم يسقط به أصل الخطاب فأبيح له على شرط أنه إن ظهر نص بخلافه فسد عمله.\nوأصحابنا بنوا وجوب طلب الكعبة بعد الغيبة عنها على الدلائل المعتادة للبشر بلا حرج كثير يلحقهم في طلب ما ليس بمعتاد من العلم، ولا مأمور بالشرع من علم الهندسة وكيفية تركيب الأرض والسماء والدلائل المعتادة من الشمس والنجوم لا توصلنا إلى حقيقة الكعبة فقط الخطاب بإصابة الكعبة لقصور الحجة، ولزمه العمل بالتوجه إلى جهة فيها رجاء إصابة الكعبة.\nوقالوا: إذا فقدت النجوم والمحاريب المنصوبة وخبر الناس عن هذه الأدلة، وجب","vol":"1","page":413},{"text":"العمل برأي القلب وهذا الرأي لا يوصله إلى الجهة الظاهرة حال ظهور الشمس والمحاريب أسقطت إصابة تلك الجهة ولزمه التوجه إلى جهة فيها رجاء إصابة المحراب الظاهر فإذا عمل بذلك القدر صار مؤتمرًا بالأمر، فلا يقع عمله فاسدًا بترك ما ترك لأنه لم يؤمر به كرجل يقاتل الكفار بطريق يرجو فيه نصرة الله فإنه يصير مؤتمرًا بأمر الجهاد وإن قتل وكانت الدبرة عليه لأنه ليس في وسعه أكثر من هذا.\nبخلاف حادثة فيها نص ولم يشعر به وعمل بالرأي بخلافه لأنه كلف العمل بالرأي بشرط أن لا يخالفه نصًا على ما قاله المخالف لأن النص الذي يخالفه مما ينال حال الحاجة إلى العمل لولا تقصير منه في الطلب، فإنه لو كان طلبه من قبل أمكنه العمل به حال حاجته هذه ألا ترى أن زوال هذا الجهل مقرون بمعنى يوجد منه لا بتبدل حال الدليل من الله تعالى.\nفأما الخطأ في باب القبلة فإنما يتبين بزوال الغيم وظهور النجم، وذلك أمر سماوي يتبدل به حال الدليل، ولهذا المعنى نقول فيمن اجتهد وتوضأ بماء ثم تبين أنه نجس أنه يعيد الصلاة.\nوكذلك الثوب لأن طريق العلم بتلك النجاسة الخبر كما في المسألة الأولى ولقصور منه في الطلب كان الجهل والخبر عن القبلة هو إن بلغه في موضعه لا ينفعه في هذا الموضع فلا يبقى إلا النجم.\nوعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله فيمن تحرى بصدقته، ووضعها عند غني أنه يجزيه لأن الأمر متوجه عليه بالدفع إلى إنسان على تحري الفقر لا غير لأن الدليل على حقيقة فقر الغير مما لا ينال أصلًا، ولا ينال إلا بحرج.\nفالذي قاله الشافعي قياس والذي قلناه استحسان.\nوهذا بخلاف الاجتهاد في صفات الله تعالى، فإن المخطئ لما عند الله مخطئ في حق نفسه أيضًا لأن لله تعالى دلائل عليها توجب العلم يقينًا في أصل الوضع فلم يقع الخطأ إلا بقلة التأمل، ألا ترى أن المخطئ فيها يضلل ويبدع بخلاف هذه الأبواب، والله أعلم.","vol":"1","page":414},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>القول في المخطئ من جهة المجتهدين في هذه الأبواب التي لا نص فيها</span>\nقال بعضهم: هو مأجور.\nوقال بعضهم: هو معذور.\nوقال بعضهم: معاتب مخطأ.\nوقال علماؤنا: إن كان طريق الإصابة بينًا عوتب عليه وخطئ، وإن كان خفيًا صوب وأجر عليه ولا يضلل بحال.\nفأما الذين قالوا: إنه مأجور فاحتجوا بما مر أنه مصيب في حق نفسه وبالحديث المروي (وإن أخطأ فله أجر واحد).\nوأما الذين قالوا: إنه معذور فذهبوا إلى أن الخطأ ضد الصواب، هو في الأصل محظور إلا أن حكم الحظر يزول بعذر الخطأ فأما أن ينال أجر الصواب ولا صواب فلا كالنائم لا يأثم بترك الصلاة، ولكن لا ينال ثواب المصلي.\nوأما الذين قالوا: إنه مخطئ معاتب فاحتجوا بأن الخطأ إنما يقع لتقصير في الطلب على ما مر فمتى لم يعاتب لم ينزجر عنه فلا ينال الصواب.\nوقال عبد الله بن عباس لزيد بن ثابت: ألا يتقي الله زيد بن ثابت حيث يجعل ابن الابن مكان الابن، ولا يجعل أب الأب مكان الأب.\nوقال: من شاء باهلته إن الله تعالى لم يجعل في مال واحد نصفين وثلثًا ولا ثلثين ونصفًا.\nوقال أبو حنيفة في الوارث: إذا أقام البينة على أنه وارث دفع القاضي المال إليه ولم يأخذ منه كفيلًا وهذا شيء احتاطه بعض الفقهاء وهو جور.\nوقال محمد بن الحسن ﵀ في المتلاعنين إذا تلاعنا ثلاثًا ثلاثًا وفرق القاضي بينهما: نفذ قضاؤه وقد أخطأ السنة.\nوأما علماؤنا فإنهم قالوا: بهذا القول؛ إذا كان طريق الإصابة بينا لعلمنا أنه ما أخطأ إلا بتقصير من قبله.","vol":"1","page":415},{"text":"فأما إذا كان خفيًا فقد جاء الخطأ لخفاء دليل الإصابة، وذلك من الله تعالى.\nوالخفي مما لا يدركه كل فهم وكل قلب فإن آلات البصر على التفاوت كالعيون أبصارها متفاوتة بحكم الخلقة فلا يجوز العتاب على فعل الله تعالى فيصير معذورًا فيما لم يدرك مصيبًا فيما استعمل من الاجتهاد مأجورًا.\nوما روي من التخطئة والتشنيع فعلى النوع الذي ظهر طريقة عند الذي خطأ وشنع فإنا قد روينا التصويب للفريقين أيضًا فنحمل ذلك على الذي خفي طريقه ليكون قولًا عدلًا وسطًا جامعًا بين المقصر والغالي، والله أعلم.","vol":"1","page":416},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>القول في حين أهلية الآدمي لوجوب الحقوق المشروعة عليه</span>، وهي الأمانة التي حملها الإنسان\nقال القاضي ﵀: لا خلاف أن الآدمي يخلق هو أهل لإيجاب الحقوق عليه كلها.\nفإنه يخلق وعليه عشر أرضه وخراجها بالإجماع، وعليه الزكاة على قول أهل الحجاز.\nوإنما اختلفوا فيما سقط عنه بعذر الصبا كما يسقط عن الحائض الصلاة بعذر الحيض، لا لأنها ليست بأهل للإيجاب عليها فإن الصوم قد لزمها وهذا لأن الآدمي من أهل الوجوب عليه بالذمة فمحل الوجوب الذمة يقال: وجب في ذمته كذا، ولا يضاف الوجوب إلى غيرها.\nوالآدمي كما يخلق يخلق وله ذمة ألا ترى أن الطفل إذا انقلب على مال فأتلفه يلزمه ضمانه بخلاف البهيمة، وكذلك يلزمه مهر امرأته وسائر حقوق الناس، وإنما عرف وجوبها بالشرع.\nولأن الذمة عبارة عن العهد في اللغة فالله تعالى لما خلق الإنسان لحمل أمانته أكرمه بالعقل والذمة حتى صار بها أهلًا لوجوب الحقوق له وعليه فثبت له حق العصمة والحرية والمالكية بأن حمله حقوقه وثبت عليه حقوق الله تعالى التي سماها أمانة ما شاء كما إذا عاهدنا الكفار وأعطيناهم الذمة يثبت لهم حقوق المسلمين وعليهم في الدنيا.\nوالآدمي لا يخلق إلا وله هذا العهد والذمة فلا يخلق إلا وهو أهل لوجوب حقوق الشرع عليه كما لا يخلق إلا وهو حر مالك لحقوقه وإنما يثبت له هذه الكرامات بناء على الذمة، وحمله حقوق الله تعالى.\nولأن هذه الحقوق الشرعية التي تلزم الآدمي بعد البلوغ تجب بلا اختيار منه جبرًا شاء أو أبى.\nوإذا لم يتعلق الوجوب عليه باختياره وتمييزه لم يفتقر الوجوب إلى قدرة العقل، ولا قدرة التمييز ألا ترى أن الصالة تلزم النائم والمجنون على أصلنا إذا كان الجنون أقل من يوم وليلة.\nفإن قيل: الوجوب مما يثبت بلا اختيار منه، ولكن سببه الخطاب فإنه لا يصح قبل العقل.","vol":"1","page":417},{"text":"قلنا: هذا غلط فإن وجوب الحقوق الشرعية كلها بأسباب جعلها الشرع أسبابًا للوجوب دون الأمر.\nوالخطاب كالزكاة بملك النصاب والعشر بالأراضي العشرية والخراج بالأراضي الخراجية، والحج بالبيت، والصلوات بأوصاتها، والصوم بشهر رمضان، والإيمان بالآيات الدالة على الله تعالى، والمهر بالنكاح، والثمن بالشراء، والنفقة بالقرابة ونحوها على ما بينا في باب أسباب حقوق الله تعالى فيما مضى ثم الخطاب بعد ذلك لطلب أداء الواجب بسببه نحو قولك: اشتريت عبدًا بألف درهم فأد ثمنه فيكون وجوب الثمن في الذمة بالشراء لا بقوله أد الثمن بل أنه طلب للخروج عن الواجب بالأداء إلى مستحقه فكذا قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ أي: فليؤد الواجب عليه بشهود الشهر.\nوقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ أي أدوا ما يلزمكم بأوقاتها.\nوهذه الأسباب قائمة في حق الصبي والبالغ على السواء فلا ينبغي أن يقع الفرق بينهما في صحة الوجوب فعلمنا أن سقوط ما يسقط عن الصبي كان بعذر يسقط بمثله بعد البلوغ تيسيرًا علينا لا لأنه ليس بأهل له.\nوإنما يفارق الصبي الذي لا يعقل العاقل في وجوب أداء ما لزم ذمته فإنه متعلق بالطلب من صاحب الحق بالأمر والخطاب، وغير العاقل ليس من أهلها فلا يلزمه الأداء على ما نذكر بعد هذا.\nوهذا كما قيل: إن النائم يلزمه حقوق الله تعالى، ولا يلزمه أداؤها حتى يستيقظ لأنه لا يقدر عليه ولا يعلم به، وهذا لأن الأداء إنما يكون بفعل منا على سبيل الاختيار فلا بد من العلم به ثم القدرة عليه فأما الوجوب في الذمة فصحيح من غير اختيارنا فلم يكن من شرط صحته قدرتنا ولا علمنا به.\nفإن قيل: أليس الوجوب للأداء لا لنفسه فكيف جاز الإيجاب على من لا يقدر عليه؟\nقلنا: إن الوجوب للأداء لا حال الوجوب بل يجوز بعده بزمان إما أداء، وإما قضاء فصح الإيجاب على من يرجى له قدرة الأداء والقضاء في الجملة والصبي من تلك الجملة كالنائم والمغمى عليه.\nفإن قيل: فأي واجب علينا سوى الأداء في باب العبادات البدنية؟\nقلنا: إن الوجوب حكم إيجاب الله تعالى علينا بسببه، والواجب اسم لما لزم ذمته بالإيجاب والأداء فعل العبد الذي يسقط الواجب عنه، وإنما هذا بمنزلة رجل استأجر خياطًا ليخيط له هذا الثوب قميصًا بدرهم فيلزم الخياط فعل الخطاية بالعقد، والأداء الخياطة نفسها وبها يقع تسليم ما لزمه بالعقد فكان الفعل المسمى واجبًا في الذمة غير","vol":"1","page":418},{"text":"الموجود مؤدى حالًا بالقبض وإنما من باب الأموال كدرهم في الذمة من الدراهم المؤداة عينًا فيكونان غيرين لا محالة.\nفإن قيل: أرأيت لو مات الوليد قبل أن يعقل حتى لم يقدر على الأداء أتجعله أهلًا لحمل أمانة الله تعالى واستحقاق جزائه في الآخرة؟\nقلنا: اختلف في جواب الجزاء أهل الملة روي عن أبي حنيفة أنه توقف في جواب هذه المسألة.\nوعن محمد أنه قال: أما أنا فأعلم أن الله تعالى لا يعذب أحدًا بغير ذنب، وقد جاءت الأخبار بجنة الأطفال وكونهم شفعاء لآبائهم من المسلمين فأما الاختلاف بينهم في ووقع الحمل عليهم على ما مر واختلافهم في الجزاء لا يدل على اختلافهم في الحمل فالجزاء يقابل الأداء لا حمل الأمانة فإنه يقع علينا بإيجاب الله تعالى شئنا أو أبينا كما بعد البلوغ لا يجب الجزاء بوجوب الصلاة علينا بل بالأداء.\nويحتمل أن يقال: بأن الله تعالى لما حمل الأطفال أمانته بالإيجاب عليهم أهلهم بذلك لاستحقاق الجزاء ولم يؤاخذهم بتركهم الأداء لعذر العجز، وأثابهم كرمًا إلحاقًا بالمؤدي حكمًا بعذر العجز بمنزلة البائع يدرك وقت الصلاة وهو لا يجد ماء يتطهر به فإنه تلزمه الصلاة، ولا يؤاخذ به إذا مات قبل القدرة على الأداء ويثاب عليه إذا تألم لذلك، وهذا لأن الإيجاب شرعًا مبني على اهر الحال لا على ما يكون في الغيب وبظاهر الحال كل صبي ممن يرجى منه الأداء.\nأرأيت طفلًا له أرض عشرية ولا ولي له؟ أليس العشر يلزمه أو الخراج إن كانت خراجية، وإن مات قبل أن يلي عليه أحد أو يقدر بنفسه يسقط، وكم من بالغ يلزمه حقوق الله تعالى ثم لا يقدر على الأداء فيسقط عنه، وكذلك الحرمات الشرعية متعلقة بأسباب كحرمة الأكل بالموت وحرمة النكاح بالنسب والصهر والرضاع.\nفإن قيل: قال النبي ﷺ:\" رفع القلم عن ثلاث؛ عن الصبي حتى يحتلم\".\nقلنا: رفع القلم لا يدل على رفع الوجوب في الذمة إنما يدل على سقوط أداء الواجب لأن القلم للحساب، والحساب على ترك ما عليه من الأداء لا على الوجوب في الذمة.\nفإن الواجب متى تأجل لم يؤاخذ العبد به والوجوب قائم ألا ترى أنه قرنه بالنائم، والنائم يلزمه الصلاة في ذمته.\nولا يلزمه الأداء حتى يستيقظ فكذلك الصبي لأنهم دخلوا جميعًا تحت رفع واحد، والله أعلم.","vol":"1","page":419},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>القول في حين الخطاب شرعًا</span>\nلا خلاف أن حين الخطاب شرعًا حين البلوغ عن قدرتين:\nقدرة فهم الخطاب: وهو بالعقل.\nوقدرة العمل به: وهو بالبدن بدليل قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ ولا وسع إلا بعد هاتين القدرتين، وقال: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ أي ضيق، وقال: ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ أي الثقل فدل رفع الحرج والإصر على رفع ما لا يطاق من طريق الأولى، فدلت آية الوسع أن لا تكليف لأول حال الآدمي لأنه لا قدرة له أصلًا.\nودلت الآية الثانية على سقوطه لأول ما يعقل لأنه يحرج للفهم بأدنى عقله ويثقل عليه الأداء بأدنى قدره البدن أيضًا فلم يخاطب شرعًا لأول أمره حكمة، ولأول ما يعقل رحمة إلى أن يعتدل عقله وقدرة بدنه فيتيسر عليه الفهم، والعمل به ثم وقت الاعتدال يتفاوت في جنس بني آدم، ولا يمكن الوقوف عليه إلا بعد تجربة وتكلف عظيم، فوقت الله تعالى بحال تعتدل لديه العقول في الأغلب على سلامة الفطرة عن الآفات وهو البلوغ.\nفقام البلوغ شرعًا مقام اعتدال العقل فتوجه لديه الخطاب وإن لم يعتدل وسقط قبله، وإن اعتدل دفعًا للحرج الذي كان يلحقنا بالوقوف على الاعتدال بالتجربة لكل صبي على ما مر من قبل في فصل بيان إقامة الأسباب مقام العلل الموجبة، وتعطيل العلل في أنفسها تيسيرًا، وقد أيد هذا القول قول النبي ﷺ: \"رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ\"فلا قلم إلا للحساب، ولا حساب إلا بعد الخطاب على ما بينا أن الحساب لا يكون على الوجوب في الذمة بل هو بعد طلب الأداء بالخطاب، والله أعلم.","vol":"1","page":420},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>القول في بيان ما أسقط من الحقوق بعذر الصبي رحمة</span>\nحق الأداء ساقط بعذر الصبي، أما الأول فأمره للعجز الحقيقي، وفيه الحكمة، وأما بعد ما عقل فللحرج وإنه رحمة وإنه بمنزلة دين على معسر يكون أصل الحق على الغريم، وحتى الأداء إليه ساقط إلى أن ينقضي الأجل الثابت بالعسرة، وحاكى أجلًا ثبت بالنص، ولأن سقوط الخطاب يدل على سقوط، وجب الأداء للحال فإن الوجوب في الذمة لا يوجب الأداء عقيبه بحال ألا ترى من باع عبدًا بألف وجبت الألف ولا يجب الأداء إلا بعد الطلب، وكذلك إذا استأجر رجلًا يخيط له قميصًا بدرهم وجب العمل عليه ولا يجد الأداء للحال حتى يطالبه به فكذلك حق الله تعالى علينا.\nفإن قيل: أليس لا يحل تأثير المغرب عن أول الوقت، ولا تأخير العصر إلى آخره ولا عن الوقت؟\nقلنا: ثبت ذلك بخطاب غير الوجوب عليه بدخول الوقت ألا ترى أن الفقهاء اختلفوا في التأخير بقدر ما ثبت عندهم من أنواع الدلائل مع اتفاقهم على أصل الوجوب بدخول الوقت.\nوأما التأخير عن الوقت فتفويت العين الواجب إلى مثله، وتفويت الحق تعدٍ زائد غير ترك الأداء فيحرم وأنه كإتلاف عين للغير عنده، ولهذا لا يأثم الصبي ولا يحاسب، وكذلك إذا استوصف الله تعالى فلم يصف في حال صباه لم يكن كافرًا، وهو كفر بعد البلوغ لأن الوصف أداء لفرض الإيمان، ولا أداء عليه حال الصبا، وكذلك إذا لم يستدل بالآيات حتى بقي على جهله كان في حكم المسلمين كالذي لا يعقل.\nفإن قيل: إذا أسلمت امرأة الصبي الكافر وهو يعقل الإسلام عرض عليه الإسلام، وإذا أبى فرق بينهما!\nقلنا: ذلك السقوط الذي ذكرنا في حق الله تعالى رحمة منه دون حق العبد لأن النظر واجب لخصمه كما وجب له فمتى أسقط عنه الأداء لحق الصبي تضرر به الآخر فلم يسقط، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>فصل في بيان ما سقط من حقوق الله تعالى بأصله</span>\nحقوق الله تعالى على الإنسان أربعة:\nأ- النظر في الآيات الدالة على الله تعالى.","vol":"1","page":421},{"text":"ب- ثم الاعتقاد على ما توجبه الدلائل.\nج- ثم العبادات.\nد- ثم الأجزية.\nقال علماؤنا ﵏: وجوب العبادات والأجزية ساقط عن الصبي أصلًا، ووجوب النظر في الآيات والاعتقاد حق لله تعالى غير ساقط وإنما الساقط عنه الأداء.\nوقال الشافعي ﵀: وجوب البدن ساقط عنه، ووجوب المال غير ساقط.\nوتفسير الاعتقاد ما يتأدى بفعل القلب كأصل الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله.\nوتفسير العبادات ما يتأدى بفعل البدن تعظيمًا لله تعالى وطاعة إياه.\nوتفسير الأجزية: ما شرعت جزاءًا على أفعال محظورة في الجملة معجلة في الدنيا.\nوالبدني من العبادات والأجزية ما لا يتأدى إلا بالبدن والمالي منهما ما لا يتأدى إلا بالمال.\nوأما الشافعي فإنه يحج له بأن أجمعنا على أن العشر يلزمه، وفيه معنى العبادة حتى لم تجب على الكافر.\nوكذلك صدقة الفطر حتى تؤدى من ماله ولا يلزمه الصلاة.\nوالصوم لان الجنس الأول مالي والآخر بدني ولأنا ذكرنا أن الصبي أهل للوجوب عليه بذمته وإنما سقط ما سقط لعجزه عن الأداء ما لم يعقل ويقدر عليه بذمته، ولو لم يسقط عنه الوجوب لتضاعفت عليه الواجبات في مدة الصبي، وهي مديدة ثم كان يلزمه القضاء بعد البلوغ فكان يحرج فيه والله تعالى ما جعل في الدين من حرج فأسقطها أصلًا نفيًا للحرج عنه رحمة كما أسقط الصلاة عن الحائض بعذر الحيض لأنها تحيض كل شهر عادة والصلاة تتكرر كل يوم فلو لم تسقط لتضاعف عليها أبدًا فكانت تحرج في القضاء.\nولما كان السقوط بسبب العجز عن الأداء اقتصر على البدني دون المال لأنه مما يتأدى بالنائب فلا يقع العجز عنه لقيام ولي الشرع مقام ولي ثبت بعد البلوغ بأمره فقال يلزمه الزكاة، وكفارة القتل وكفارات ارتكاب محظورات الإحرام، وكل ما صح سببه في حق الصبي.\nفأما كفارة اليمين فإنها لا تلزمه لأن سببها اليمين ويمينه باطلة شرعًا بخلاف إحرامه فإنه صحيح شرعًا.\nوقال: إسلامه لا يصح لأنه بدني، والشرع إنما علق بالإسلام ما علق من الأحكام بإسلام واجب شرعًا، ولا وجوب قبل البلوغ لأنه بدني فلا يتأدى واجبًا كما لا يتأدى","vol":"1","page":422},{"text":"الصوم والحج والصلاة واجبة وإن صحت في حق الآخرة والثواب.\nوكذلك الردة لأن أحكام الردة في الدنيا علقت بترك الإسلام الواجب ولا وجوب فلم يعتبر في حق أحكام الدنيا.\nوقال: ولا يلزمنا قولنا: أنه إذا صلى الظهر ثم بلغ في الوقت أو أحرم بالحج ثم بلغ قبل الوقوف فإنه يقع عن الفرض لأنا إنما أسقطنا الوجوب عنه رحمة عليه ونظرًا له ودفعًا للحرج عنه، والنظر في هذه الحالة أن لا يسقط الوجوب لأن الفرض لزمه لما بلغ قبل مضي الوقت.\nوكذلك فرض الحج يلزمه إذا بلغ قبل الوقوف بعرفه فمتى جعل الوجوب عليه في حال صباه ترفه بالسقوط عنه بما أدى ومتى لم يجعل عليه الوجوب بقي تحت عهدة الوجوب إلى أن يؤدى ثانيًا وهذا كما قلتم في المعاملات أن قبول الهدية يصح، وهبته لا تصح لأن في الهبة ضررًا وفي القبول نفعًا.\nوقلنا نحن: إن صدقته باطلة، ووصيته بالصدقة صحيحة، لأن الصدقة حال الحياة تضره للحال إن نفعته في الأخرة وبعد الموت تنفعه في الآخرة، ولا تضره للحال لأن الملك يزول بالموت لولا الصدقة.\nوقلنا جميعًا إن نفل الصلاة مشروع في حقه دون الفرض لأن شرع النفل نفع محض إن فعل انتفع به، وإن ترك لم يؤاخذ به والفرض يضره من وجه، وهو المؤاخذة على الترك ولا يلزمني إبطالي قبول هبته لأن الشرع لما جعل ذلك النظر مستوفى له من قبل الولي، وقعت به الغنية عن ترك الأصل الممهد في بابه لاستيفاء النظر إليه كما لا يجوز بيعه ما يساوي درهمًا بألف درهم، وفيه نفع له لأنه مما يستوفي له ذلك بالولي، والله أعلم.\nوالحجة لعلمائنا ﵏: أنه لما ثبت أن الصبي مثل البالغ في أهلية الوجوب عليه، وأن السقوط عنه بعذر الحرج كما في حق البالغ لم يسقط إلا ما احتمل أن لا يكون مشروعًا حقًا لله تعالى كالصلوات الخمس والفروع التي تحتمل النسخ والتبديل وثبوتها مشروعة بعد البلوغ في وقت دون وقت وحقية الله تعالى بصفاته لا تحتمل أن لا تكون ثابتة مشروعة حقًا لله تعالى دائمًا.\nألا ترى أنا لا نجد شيئًا من العبادات والأجزية إلا ويسقط بعد البلوغ بعذر ما فكان السقوط بعذر الصبي أولى لأنه رأس الأعذار لأنه لأول أمره لا يقدر أصلًا ولا تتم قدرته ما لم تعتدل قواه.\nولأن سقوط ما يسقط عن الصبي لم يكن إلا للعجز عن الأداء دفعًا للحرج عنه حتى لا يتضاعف عليه القضاء بعد البلوغ","vol":"1","page":423},{"text":"ووجوب أصل الإيمان على الصبي لا يوجب تضاعف الأداء بعد البلوغ ولا زيادة.\nولأن الصبي مثل البالغ في حق صحة الوجوب عليه متى تقرر سبب الوجوب في حقه كما في حقوق العباد، وإنما لم يصح الوجوب عليه إذا لم يصح السبب لأن السبب لا يعتبر صحيحًا شرعًا لنفسه بل لحكمه فمتى وجد صحيحًا لا بد أن يكون حكمه معه فإنه متى تخلف عنه أصلًا لم يكن سببًا.\nوما عرف سببًا لذلك الحكم إلا بحكمة كبيع الحر وطلاق البهيمة ونحوهما لا يكون بيعًا ولا طلاقًا شرعًا ثم الآيات الدالة على الله تعالى لا تتصور أن لا تكون آية على حدوث العالم للمستدلين، ولا حدوث العالم يتصور أن لا يكون دلالة على محدث فكذلك ما تعلق بها من وجوب النظر فيها علينا لا يجوز أن يون ساقطًا بحال وإن كان يسقط الأداء عنا لفقد شرط الأداء من القدرة.\nفأما وقت الصلاة فيجوز أن لا يكون سببًا للوجوب ولم يكن كذلك قبل الشرع فجاز أن لا يثبت سببًا في حق الصبي، وكل معذور سقط عنه الوجوب.\nوكذلك أسباب الأجزية وكل ما صارت أسباب شرعًا، ولولا الشرع لما كانت أسبابًا ولا عللًا في أنفسها فثبت أن الصبي إنما يسقط عنه وجوب ما يحتمل أن لا يكون في نفسه حقًا لله واجبًا دون ما لا يحتمل.\nثم المالي والبدني من العبادات سوء وكذلك الأجزية: لأن العبادات اسم لنوع ابتلاء الآدمي بفعله تعظيمًا لله تعالى مختارًا لطاعته على خالف هوى نفسه لا على سبيل الجبل والإكراه لأنه يجازى على وفاق فعله، ولا جزاء يستقيم في الحكمة مع الجبر لأنه لا فعل للجبر على الحقيقة فلا يستحق الجزاء ألا ترى أن الحقوق التي نستحقها فيما بيننا بأداء الأفعال لا تثبت إلا لمن يفعل مختارًا بنفسه أو نائبًا عنه ثبت نائبًا عنه بأمره واختياره.\nإلا أنا في البدني ابتلينا بفعل يتأدى بالبدن.\nوفي المالي بفعل يتأدى بالمال.\nأما فعل لسان من نحو الإعتاق أو فعل يد كالإعطاء إلا أن المالي مرة يتأدى بمباشرتي ومرة بغيري كما زعمت، ولكن لا بد أن يكون الفعل مضافًا إلى على سبيل الاختيار مني، ولن يتصور الاختيار إلا أن يكون الولي علي بأمري فأما متى ثبت، ثبت شرعًا بلا اختيار مني فيكون كإعطار مني جبرًا فلا يكون عبادة فالخصم زل خاطر قلبه عن اعتبار صفة الاختيارية.\nوأما الأجزية فلا تجب إلا على ارتكاب ما يلزم العبد الانتهاء عنه حقًا لله تعالى، والانتهاء أداء حق النهي كالائتمار أداء حق الأمر.","vol":"1","page":424},{"text":"وقد ذكرنا أن الصبي غير مخاطب بأداء حقوق الله تعالى لا ائتمارًا ولا انتهاء ولهذا لا يأثم بالإجماع ولا تقام عليه العقوبات البدنية وإن لم يحتج لإقامتها إلى قدرة المقام عليه على فعل ما وإذا لم يكن عليه الانتهاء لم يلزمه ما شرع من الجزاء على مخالفته واعتبره بإثم الآخرة.\nولهذا لا يحرم الصبي القاتل الميراث لأنه شرع جزاء على قتل محظور كالكفارة على ما بينا في موضعه.\nولأن هذه الأجزية مما يحتمل النسخ ولم تكن مشروعة على هذا الوجه قبل شرعنا والصبي مما يلحقه بوجوبها ضرر فيسقط عنه بعذر الصبا كالعبادات رحمة عليه.\nولهذا قلنا: إن الصبي إذا أحرم صح في حقه أن يثاب عليه ولا يجب الكف عن محظوراته ولا تلزمه الكفارة ويمكنه رفضه لأن اللزوم من حيث الإحرام حكم ثبت بشرعنا ويحتمل أن لا يكون ولأنه مما يزول بعد البلوغ بعذر الإحصار، والرق والنكاح، وكذلك الكفارة عندكم تسقط بعذر الكره والنسيان فلأن تسقط بعذر الصبا أولى.\nولهذا قلنا: إن الصبي إذا أحرم ثم ترك، وجامع لم يلزمه القضاء، كما قال الشافعي في البالغ المتطوع إذا أحصر فتحلل.\nولأن اللزوم حق ثبت لله تعالى شرعًا ويجوز أن لا يكون فلم يثبت في حق الصبي، ولهذا لا يجوز أن ينوب عن الفرض ما أداه في الصبا لأن وقت الوجوب شرعًا في حقه البلوغ وكان بمنزلة رجل صلى أربع ركعات بعد الزوال ثم نزل شرع الظهر بعد ذلك فإنه لا ينوب عن المشروع بعد أداء ما سبق.\nوأما الجواب عن شبهة النظر فإن سقوط الوجوب في حق نفسه هو النظر وإنما انقلب في مسألتنا هذه ضررًا باتفاق حاله فلا يعتبر تيسيرًا فإن التمييز مما يندر من الحالات يتعذر على الطالبين كما قلنا في الخطاب أنه متأخر إلى حين اعتدال العقل والشرع قدره بالبلوغ تيسيرًا وسقط ما يتفق في نادر الأحوال من اعتدال قبله أو نقصان يبقى معه.\nولهذا قلنا إن وصيته بالصدقة باطلة لأنها تمليك بلا عوض وأنه ضرر في وضعه كما في حالة الحياة، وإنما انقلبت نفعًا باتفاق حال الموت فلم تعتبر وقبول الهبة يصح من الصبي إذا عقل القبول لأن الحجر بعد معرفة التصرف ما ثبت إلا نظرًا له كي لا يخدع في ماله ونفسه ولا يغبن، وليس في قبول الهبة مخافة غبن، فلم يثبت الحجر في حقه فالأصل في الشرع إثباته في حقه على وجه النظر، والنظر في الإطلاق فيما هو نفع محض فبقي مطلقًا، وثبت للولي لأن الولاية أثبتت له نظرًا للصبي أيضًا، وفي إثبات ولاية قبول الهبة للصبي نظر ولم يجز بهذا النظر حجر الصبي عن نظره لنفسه بقبوله بل وجب إطلاقه لأن تمام النظر فيه.","vol":"1","page":425},{"text":"ولهذا قلنا: يصح إسلامه استحسانًا لأن أصل الوجوب كان ثابتًا على ما مر أنه لا يحتمل السقوط بخلاف ما يحتمل السقوط، فإذا جاء الأداء كما وجب كان عن الواجب لا محالة وإن لم يكن مخاطبًا بالأداء كالصلاة لأول الوقت، والصوم في السفر، وأداء الدين المؤجل وما للأداء في الشرع حد للصحة إلا أن يعتقد وحدانية الله تعالى عن معرفة، ويشهد بلسانه كما اعتقدوا الخلاف فيما إذا تصور منه ذلك ما لو كان بالغًا.\nوأما إذا ارتد فردته صحيحة استحسانًا عند أبي حنيفة ومحمد، ولا تصح قياسًا عند أبي يوسف.\nقال أبو يوسف: لأن الردة من المضار والإيمان من المنافع، فالصبي محجور عن المضار دون المنافع شرعًا في حق أحكام الدنيا.\nفأما في حق الآخرة فما ينبغي أن يستحق الجنة وقد اعتقد الشرك وترك اعتقاد الدين الصحيح، والجنة ثمن الدين كما لا يستحق ثواب الصوم إذا أفطر إلا أنهما استحسنا، أي تركا هذا القياس الظاهر فإنه مسلم لهم هذا الأصل فيما يحتمل النسخ والتبديل فيكون الصبا عذرًا مانعًا من ثبوت الشرع فلا يصير مشروعًا إذا احتمال أن لا يكون مشروعًا حقًا لله تعالى.\nفأما ما لا يحتمل أن لا يكون مشروعًا حقًا مستحقًا لله تعالى، فلا تعتبر فيه المضرة والمنفعة بل يكون مشروعًا في حق الصبي والبالغ على السواء على ما مر وإنما يختلفان في وجوب أداء المشروع فإن الأداء يلزم البالغ دون الصبي وإذا صار الإسلام مشروعًا وجوبه حقًا لله تعالى في حق الصبي لأنه لا يحتمل غير ذلك فكذلك وجوب حرمة الردة، وإذا ثبت الشرع صح الأداء شرعًا فلزمه ما تعلق به من الأحكام الشرعية إلا ما شرع جزاء على الفعل المحظور، لما ذكرنا أن الجزاء المعجل يحتمل أن لا يكون مشروعًا على أن القتل على المرتد عندنا مشروع لصيرورته حربيًا لا كافرًا حتى لم تقتل المرأة لأنها ليست من أهل الحرب، والصبي بمنزلتها.\nفأما حرمان الإرث، وفساد النكاح فليسا بجزاء فعل الردة لا محالة فإنهما يثبتان ببقاء الكفر الأصلي فهذا وجه الاستحسان، والله أعلم.\nفإن قيل: أليس أن الصبي يؤدب إذا أساء أفعاله؟\nقلنا: التأديب لا يقام جزاء على ما مضى حقًا يجب بإزائه عليه لغيره بل تقويمًا في المستقبل حقًا له، ألا ترى أن الدابة تراض وتؤدب تقويمًا وإصلاحًا وأنه لتسوية الأخلاق بمنزلة الدواء لطلب الشفاء وبمنزلة الحجامة.\nفإن قيل: أليس الصبي يسرق فإن عقوبة جزاء للكف؟\nقلنا: إن الاستيلاء على المباح شرع سببًا للملك كما في حق الصيود، وأهل الحرب","vol":"1","page":426},{"text":"ما لهم عصمة فلا يكون تملكهم بسبب الاستيلاء عقوبة كما في حق البهائم وإنما لم يملك غيرهم بالاستيلاء لعصمة ثبتت لهم من الله تعالى كرامة فيكون زوال العصمة بالكفر حقيقة أو تبعًا لأبويه بمنزلة زوال النعمة، فلا يكون عقوبة واجبة على أحد بمنزلة زوال الصحة والحياة والمال وسائر الكرامات.\nفأما الجواب عن استدلالهم بالعشر وصدقة الفطر: أما صدقة الفطر فتجب على الأب بسبب ولايته على رأس الصبي ومؤنته كما تجب على المولى بسبب رأس عبده حتى أوجبنا على العبد الكافر، وأما جواز الأداء من مال الصبي فلأن وجوبها بمنزلة وجوب المؤنة عن رأسه، والمؤن تتأدى بولاية جبرية كالعشر والخراج وأنه شبهه لا في هذه المسألة وقد خالف محمد أستاذه فيه.\nفأما العشر عندنا فمؤنة الأرض كالخراج، ولهذا لا يجتمعان وإذا كان العشر من حقوق غير الله صح تأديه بولاية جبرية على من عليه الحق كما صح أخذ القاضي من البالغ كرهًا ولا يكون لمن أخذ منه ثواب فعل العبادة، وإنما يكون له ثواب ذهاب المال في وجه الله تعالى بمنزلة ثواب المصائب.\nفأما إذا كان الحق لله تعالى صار الأصل فيه الفعل فإن العبادة اسم للفعل دون المال، وإنه اسم لفعل يأتي به من عليه على سبيل الاختيار ليثاب عليه فلا يجوز تأديه بدون فعل منه على اختياره.\nولهذا قلنا: ليس للسلطان أن يأخذ الزكاة من صاحبه كرهًا كما يأخذ ديون الناس.\nولهذا قلنا: لا تؤخذ من تركته بعد موته بدون الوصية بخلاف العشر وحقوق الناس فصار المعنى الذي اعتبره الخصم للفرق بين المالي والبدني حال عجز الصبي عن الأداء بنفسه معتبرًا في حقوق غير الله تعالى فالمالي منها يلزم الصبي دون البدني.\nوأما ما يجب لله تعالى فالمالي والبدني سواء ويسقط عن الصبي ما احتمل للسقوط ولا يسقط عنه ما لا يحتمله والأداء ساقط في الأحوال كلها، والله أعلم.","vol":"1","page":427},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>القول في حين صحة عبارات الصبي شرعًا</span>\nلا خلاف أن عباراته فاسدة قبل أن يعقل ويميز لأن الكلام وضع للتمييز بين المسميات ولن يتصور ذلك إلا بعد المعرفة عن عقل، ولهذا لم يتعلق بكلام النائم والمغمى عليه والمجنون حكم، ولا خلاف أنها تصح إذا عقل وميز لوجود شرط الصحة حتى إذا قال: أنا جائع سمع منه، وأطعم أو دعا ربه أثيب عليه وأذكاره في صلاته تصح كما لو كان بالغًا.\nوإنما اختلفوا فيما أفسد عليه شرعًا نظرًا له ورحمة، كما لا يصح منه فرض العبادات نظرًا له؟\nقال علماؤنا: عباراته صحيحة في الأصل إلا فيما يضره أو يتوهم لحوق الضرر به.\nوقال الشافعي: عباراته فاسدة شرعًا فيما صار موليًا عليه فيها، فأما ما لم يصر موليًا عليه فيها ففاسد فيما يضره صحيح فيما ينفعه.\nواحتج بأن الشرع لما جعله موليًا عليه في باب دل على سقوط ولايته في نفسه إذ لو بقيت له لما ثبتت لغيره كما بعد البلوغ فأما ما لم يصر موليًا عليه فيه فباق معه إلا أن الشرع حجزه عن الاستيفاء نظرًا له حتى لا يخدع كما سقط عنه الفرض نظرًا له فلم يثبت الحجر في حق ما يتمحض نفعًا كما لم ينعدم الشرع في حق نوافل العبادات التي تتمحض نفعًا.\nفقال: لا يصح قبوله الهبة لأنه مولى عليه فيها، وكذلك إسلامه وكفره لأنه مولى عليه فيهما، وتصح وصيته بالصدقة لأنه غير مولى عليه فيها وهي نفع محض لأنها تزول إلى خلف له ومتى فسدت الوصية زالت إلى خلف، وإذا وقعت الفرقة بين الأبوين، وقد بلغ سبع سنين خير وعمل باختياره أيهما اختاره لأن له معرفة صحيحة بالذي هو أرق له واختياره ذلك نفع محض والشرع لم يجعله موليًا عليه فيه فإنه لا ولاية لأبيه عليه فيه، وقال: لا تصح عباراته بالبيع لنفسه ولا لغيره لأنه مولى عليه فيها ولا يصح طلاقه وإقراره بالإجماع لأنه ضرر.\nولعلمائنا أن كون الإنسان فاسد العبارة من أعظم النقصان فالآدمي امتاز عن فيره من سائر الحيوانات لصحة العبارة حتى قيل: المرء بأصغريه: قلبه ولسانه.","vol":"1","page":428},{"text":"وقيل:\nلسان الفتى نصف ونصف فؤاده\nفلا يجوز أن يفسد على الصبي عباراته بعد إصابته شرط الصحة إلا على سبيل النظر له وذلك في دفع ما يتعلق به من المضار عنه كما قاله الخصم وكما سبق القول في باب حقوق الله تعالى.\nوإذا ثبت هذا الأصل قلنا: لا ضرر عليه في صحة قبول الهبة والوصية والصدقة فتصح كما قاله الخصم في صحة وصيته بالصدقة.\nفأما قوله: إن كونه موليًا عليه ينافي ثبوت الولاية له فليس كذلك لما مر في باب بيان حقوق الله تعالى، ولا تصح هبته ولا صدقته لأنهما من المضار، وكذلك بعد الموت لما مر في ذل الباب، وكذلك لا يصح اختياره في باب الحضانة لأنه يتردد بين نفع وضر، ولربما يختار الذي يضره لعاقبة أمره بل يميل إليه لا محالة فإن الطبع ينفر عمن يؤدبه، ويحمله على التخلق بأداب الشرع والمروءة إلى من يدعه للهو وارتكاب الهوى فكانت عباراته في هذا الباب كعباراته في باب التجارات التي تتردد بين ضر ونفع فلا يجب العمل به.\nوقال علماؤنا: يصح إسلامه لأنه نفع محض فإن العصمة في الدارين لحق الإسلام وكرامات الآدمي كلها لحق الدين وتأهله لذلك، وإن لم يقبل ولا شك أن الخير فيه فوق ما في نقل العبادات.\nفإن قيل: وربما يبتنى عليه حرمان الإرث وفساد النكاح!\nقلنا: لا عبرة لزوائد هذه الأحكام التي ليست بأحكام أصل الدين بل تثبت بواسطة أخرى، وحالة تتفق لما مر أنه لا عبرة في هذا الباب للتغير بالحال ولأنك تفسد إسلامه وإن تعلق بها الإرث وصحة النكاح نحو إن كانت أسلمت امرأة الصبي الكافر، وعمه ولا وارث للعم غيره فإنه بالإسلام يعصم ملك نكاحه، ويرث عمه على أن حرمة النكاح والإرث حيث ثبتت ثبتت مضافة إلى كفر الكافر منهما على ما بينا في موضعه.\nوقالوا: تنعقد التصرفات كلها بعبارته، كما تنعقد بعبارة البالغ، وتنفذ إذا كان وكيلًا عن أهلها لأنه لا ضرر عليه في انعقاد التصرف بحق الوكالة لأن العهدة لا تلزمه ونفس فساد العبارة ضرر على ما مر فلا يثبت الحجر في حقها، وإذا ثبت أنها تصح في مال الغير بإذن الولي صحت كذلك في مال نفسه بإذن الولي من طريق الأولى لأنهما لا يفترقان إلا فيما يلزمه إذا كان في ماله.\nوهذا اللزوم جعل من المصالح إذا حضره رأي الولي بدلالة أن الولي لو فعله بنفسه","vol":"1","page":429},{"text":"أو أمر غيره به صح وما أثبت له ذلك إلا مصلحة للمولى عليه نظرًا له.\nوقد مر أن الفساد لا يجوز أن يثبت من طريق أنه مولى عليه بل لما جعل موليًا عليه لما له من النفع في تصرف الولي عليه بذلك، ولا ضرر في صحة عبارته في ماله مع ذلك عليه كان تمام النظر في أن تبقى صحته مع ثبوت الولاية للولي ليثبت له نفعها من طريقين فيثبت أن ما قلناه أولى الوجهين، والله أعلم.\nفإن قيل: لو شهد الصبي لم تقبل شهادته وكانت العبارة فاسدة وإن لم يلزمه بها حكم.\nقلنا: العبارة صحيحة ولكن مع ذلك لا تكون حجة على غيره كما لو شهد العبد أو شهد الكافر على مسلم، وهذا لأن الشهادة بمنزلة الولاية على غيره، وإنها تتعلق بكمال الحال في ولاية نفسه بعد صحة العبارة، والله أعلم.","vol":"1","page":430},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>القول في حين لزوم ما يتجدد بالشرع من الأحكام</span>\nحكم هذا الشرع إنما يلزمنا بعد بلوغه إيانا لما مر أن الله تعالى لم يكلف نفسًا إلا وسعها، ولا وسع على العمل إلا بعد العلم فسقط أصلًا ضرب ما يحتمل النسخ لقصور الخطاب دفعًا للحرج كما سقط بالصبا.\nوقد روي أن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعدما حولت القبلة إلى الكعبة فأتاهم آت وهم في الصلاة فأخبرهم أن القبلة قد حولت فاستداروا كهيئتهم، ولم ينكر عليهم رسول ﷺ.\nوقد شرب جماعة الخمر بعد التحريم قبل العلم به فأنزل الله تعالى: ﴿ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ وهذا فل لا خلاف فيه.\nثم البلوغ نوعان: حقيقة بسماع الخطاب، وحكمًا بشيوعه في قومه، لأن النبي ﷺ أمر بتبليغ القرآن الناس كافة وما أمكنه التبليغ إلى كل نفس، وإنما بلغ أكابر كل قوم في جماعتهم، وكان مؤديًا بذلك حكم الأمر ليكون الأمر بقدر الوسع وعلى سبيل لا حرج فيه.\nولأن الخطاب متى شاع أمكن كل إنسان العمل به متى لم يقصر في طلب الحجة من قومه فمتى لم يطلب حتى جهل كان ذلك بتقصير منه فلم يصر ذلك الجهل له عذرًا، وصار كأنه علم ثم لم يعمل ألا ترى أن الواحد منا لو لم يتعلم الشرائع وجهلها لم يعذر، ولزمه كلها لشيوعها في دار الإسلام.\nوكذلك الذمي إذا أسلم ولم يعلم بالصلاة لزمته ولو أسلم الحربي في دار الحرب ولم يعلم بها لم يلزمه قضاء ما فات منها لأن الخطاب فيها غير شائع.\nوهذا لما قال علماؤنا﵏فيمن أذن لعبده في التجارة وشاع إذنه، ثم حجر عليه: لم يثبت الحجر في حق أهل السوق حتى يحجر عليه حجرًا عامًا في أهل سوقه، وإذا أشاعه ثبت الحجر في حق من سمع ومن لم يسمع.\nولهذا قالت الأئمة في الحربي تزوج أختين معًا، أو على التعاقب، ثم فارق إحديهما، ثم أسلم: بقي نكاح الباقية صحيحًا، وإن بقيت الأخيرة.\nلأن خطاب التحريم قاصر عنهم فبقوا على الحل الثابت قبل الخطاب.","vol":"1","page":431},{"text":"وكذلك لو تزوج خمسًا ثم فارق الأولى منهم ثم أسلم بقين على الصحة.\nولو وقع فاسدًا من الأصل لما انقلب صحيحًا بالإسلام بل كان يتأكد، وكذلك لو تزوج في عدة من كافر أو بغير شهود.\nوقال أبو حنيفة ﵁: لو تزوج الكافر محرمًا ودخل بها لم يسقط إحصانه، وكان بمنزلة ما لو تزوج مجوسية.\nكذلك علل في الكتاب الجواب في أهل الذمة في مسائل الجمع والنكاح بغير شهود بلا خلاف، لأن أهل الذمة وإن كانوا في دار الإسلام فالخطاب قاصر عنهم لأن الخطاب إنما يصح بعد ثبوت الرسالة وهم ينكرون الرسالة فلا تصر حجة عليهم بحق الشرع بل بقدر ما عوهدوا عليه.\nولأن الخطاب من الله تعالى أن أمر رسوله بدعوة الكفار إلى الإيمان بالله وبرسوله فإن أبوا فإلى الذمة فيمن جعل لهم الذمة، وإلى أن يتركهم وما يدينون به إلا ما استثني عليهم فإذا دعاهم إلى الذمة بشرطها فقد بلغهم الخطاب الشرع في حقهم فلا يلزمهم ما تبدل من أحكام الله تعالى بهذا الشرع إلا ما استثنى عليهم، لأن الخطاب الأصلي قصر عنهم إلى خطاب الذمة فيبقون فيها على ما كانوا عليه قبل شرعنا، وإن كانت فاسدة كالكفر.\nوما لا يحل بحال كانوا فيها على الفساد وإن كانت صحيحة عند الله تعالى كحل أنكحه حرمت بشرعنا، وشرب الخمر ونحوها بقيت كذلك صحيحة، ولهذا لا يحدون على شرب الخمر، وإذا تبايعوا فيما بينهم ثم أسلموا على تلك الأيمان وأقروا بها لا تنتزع من أيدي مشتريها، ولم تنقض تلك البيوع، ولو وقعت فاسدة لأبطلت عليهم بعدها أسلموا وصاروا بحيث لا يقرون على الفساد كما لو زنوا ثم أسلموا.\nوقالوا علماؤنا ﵏: إذا أتلف مسلم عليهم الخمر ضمن لهم كما لو أتلف الخل لبقاء الخمر في حقهم على ما كان قبل التحريم.\nوإنما قال الشافعي: لا يضمن لأن الحرمة ثابتة في حق المسلم وديانتهم لا تكون حجة على المسلم ولا قصور الخطاب في حقهم يبدل حكم الخطاب في حق من بلغه.\nوكذلك إذا أتلف ذمي على ذمي ثم اختصموا إلى قاضينا لا يلزم قاضينا الحكم بما عندهم وجوابنا أنا نحكم بما عندنا، وعندنا أنه مال متقوم في حقهم.\nوقال أبو حنيفة ﵁: لا نفسد نكاحهم المحرم بمرافعة أحدهما لأن ديانة المرافع لا تكون حجة على الآخر، وشبه هذه الفصول مذكورة في كتاب (الأسرار)، والله أعلم.","vol":"1","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>باب القول في الأعذار المسقطة للوجوب بعد البلوغ</span>\nهذه الأعذار أربعة أنواع:\nأ-الجنون والعته نوع: وهو عذر عدم العقل ونقصانه.\nب-والنوم والإعماء نوع: وهو العجز عن استعمال نور العقل بفترة عارضة مع قيام أصله كاملًا.\nج-والنسيان والخطأ والكره والجهل بأسباب الوجوب ونحوها من الأعذار الطبيعية نوع: فإن الفعل ينعدم معها مع قيام القدرة بسبب الترك مختارًا.\nد-والرابع: قسم الحيض والرق فإنه مما ينعدم به شرط بعض العبادات حكمًا فيثبت العجز شرعًا لا طبعًا.\nفأما الجنون: فبمنزلة الصبا قبل أن يعقل الصبي إذا طال الجنون، وبمنزلة النوم إذا قصر على ما مر.\nوالعته بمنزلة الصبا بعدما عقل الصبي لأن المعتوه هو الذي اختلف كلامه فصار بعضه ككلام العاقل، وبعضه ككلام المجنون فكان ذلك الاختلاط لنقصان عقله، كما يكون في الصبي فيكون حكمه حكم الصبي إلا في حق العبادات فإنا لم نسقط به الوجوب احتياطيًا في وقت الخطاب وهو البلوغ، بخلاف الصبا لأنه وقت سقوط الخطاب على ما مر بيانه.\nوأما السفه بعد البلوغ، فلا يوجب الحجر عند أبي حنيفة ﵁ وكذلك عند غيره، لأن ظهاره وطلاقه وما لا يبطله الهزل ينفذ منه.\nلأن السفه ليس بعبارة عن نقصان العقل بل عن مكابرة العقل بغلبة الهوى، وقد نهانا الشرع عن اتباع الهوى فلا يصير اتباعه الهوى بخلاف موجب العقل عذرًا له يوجب الحجر نظرًا له، وبالإجماع لم يوجب سقوط الخطاب نظرًا، ولم يجعل السفيه وإن كان مغلوب هواه كالمكره الذي هو مغلوب بغيره لأن ذلك عذرًا عند الله تعالى وهذا لم يجعل عذرًا عند الله تعالى لقدرته لا محالة على الدفع لو لم يساعد نفسه، وإنما يصير مغلوبًا بالمساعدة مختارًا.\nوأما النوم والإغماء: فنوع واحد فترته تعارض منع استعمال العقل مع قيامه، وحكم","vol":"1","page":433},{"text":"النوم تأخير حكم الخطاب في حق العمل به لا سقوط الوجوب أصلًا على ما قال النبي ﷺ:\"من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها\"ولما ذكرنا أن نفس العجز لا يسقط الوجوب أصلًا وإنما يسقط وجوب العمل به إلى حين القدرة إلا أن يطول فيسقطه دفعًا للحرج.\nوالنوم لا يمتد عادة بحيث يحرج العبد في قضاء ما يفوته في حال نومه لأنه عادة لا يمتد مع الليل يومًا كاملًا لا يستيقظ فيه وإنما يكون بالليالي.\nوالإماء بمنزلته إلا في حق الصلاة فإنه إذا كان مدة ست صلوات سقط القضاء لأن الصلاة تتكرر بست، وفي ذلك حرج.\nوالإغماء في العادات يمتد هذا القدر من المدة فجعل مسقطًا لوجوب الصلاة دفعًا للحرج بمنزلة الجنون فكان الإغماء كالنوم في حق الصوم والزكاة لأنه لا يمتد في العادات شهورًا وسنين.\nفإن قيل: إن السكر بمنزلة الإغماء ولم يتأخر به حكم الخطاب.\nقلنا: السكر إنما يحصل بسبب هو معصية وهو شرب المسكر، واجتماع ذلك الحرام في معدته فلم يجعل عذرًا شرعًا على ما عرف في غير هذا الوضع.\nوأما باب النسيان: فيتعلق به انعدام فعل ما أمر به لعدم القصد إليه بسبب النسيان لا للعجز، إلا أن القصد لا يتصور منا إلى فعل بعينه قبل العلم به، كقصد زيارة زيد، لا يتصور بدون زيد، وقصد صوم رمضان قبل العلم به لا يتصور، وكذلك قصد استعمال الماء لا يتصور إلا بعد العلم به، فصار في حكم العجز وإن بقيت القوى الغريزية معه فصار في حكم النوم، لأنه آفة مخلوقة فيه جعلته كالنوم، وقد قرن رسول الله ﷺ بين نسيان الصلاة والنوم عنها على ما مر ذكره. إلا أن يكون نسيانًا عن لهو أو لعب فيؤاخذ به، كالنوم عن سكر.\nولهذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: إن من نسي الماء في رحله وهو مسافر فتيمم أجزأه، لأنه يعجز عن استعماله بالنسيان، كما يعجز بعدم الماء فيسقط به خطاب استعمال الماء فيسقط إلى خطاب التيمم.\nإلا أن أبا يوسف لم يجوزه، لأن رحل المسافر معدن الماء، فلا يعذر في ترك الطلب فيه، وإن لم يتذكر، كما لو كان بقرية عامرة وعدم الماء مكانه، ونسي أن يطلب وتيمم، فإنه لا يجوز، لأنها معدن الماء، فلما كان العجز بسبب هو مقصر فيه لم يجعل عذرًا كعجز عن السكر.","vol":"1","page":434},{"text":"ولهذا قلنا: إن كلام الناسي يبطل الصلاة، لأن أصل وجوب الحظر لا يرتفع بالنسيان، وإنما يرتفع وجوب الكف عن الحرمة، فلا يأثم، وبقي الكف شرطًا لصحة الصلاة لما بقي الوجوب فلا يتأدى بدونه، كما إذا نسي الطهارة فصلى بدونها لم يأثم، ولا تجوز.\nوقلنا أيضًا: القياس أن يفسد الصوم بأكل الناسي، وكذلك الخطأ في حكم النسيان، بدليل أن المخطئ لا يأثم إذا ترك خطأ أو ارتكب خطأ، كأن الحظر لم يبق معه، ولهذا استثنى الله تعالى الخطأ من الحظر، فقال: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطئًا﴾ وما كان للتحريم، وقد استثنى منه ما يكون خطأ فثبت أنه في حكم المباح في حق الفاعل، ولهذا لم يأثم إذا لم يكن خطأ عن تلهي وتلعب، بل كان خطأ بعد تحري الإصابة، وهذا لأن المخطئ حده: من قصد فعلًا على تحري الصواب فأخطأ فوقع غير صواب بلا قصد منه إلى الخطأ، ولهذا كان الخطأ ضد العمد، فهو كالناسي الذي لم يقصد ترك ما أمر به، بل ترك على تحري أنه لم يؤمر به لنسيانه المأمور به، فصار تاركًا ما أمر به بغير قصد، فهما باب واحد.\nولهذا قلنا: إن كلام المخطئ صحيح حكمًا، ككلام العامد، فإن يمين المخطئ صحيحة توجب الكفارة، كيمين العامد وتفسيره؛ من أراد أن يسبح فسبق لسانه يمي، وكذلك نكاح المخطئ، وطلاقه، وعتاقه، ونذره، وكل ما لا يبطله الهزل لم يبطل بالخطأ، لأن الموجب بصحة كلامه شرعًا قائم أصلًا مع الخطأ، فأما البيع خطأ، فلا ينبغي أن يلزم كما لا يلزم مع الهزل والكره وشرط الخيار لنفسه، لأن الشرع بنى لزومه على التراضي بعد صحة المعاقدة، ولا رضاء إلا بعد قصد صحيح فأما عقد يلزمنا حكمه بلا شرط رضا فلا يبطل لعدم القصد، كما لا يبطل باستثناء الخيار، فإن مستثنى الخيار غير راض بلزومه بنص الخيار لنفسهن فكان فوق الذي لم يرض وبقي الخيار بعدم الرضا لنفسه.\nوأما إذا سلم الشفعة خطأ بطلت شفعته لا بالتسليم، فإنه مخطئ غير راض به، ولكن بترك الطلب، كما لو سكت ولم يسلم، ولهذا يلزم القاتل خطأ الكفارة، ويحرم الإرث، ولو سقط بالخطأ حرمه القتل أصلًا لما لزمه حكم القتل المحظور.\nوكذلك الكره بمنزلة الخطأ أو دونه، لأن المكره مختار لما فعله قاصد إياه، لأنه عرف الشرين فاختار أهونهما عليه عن علم وقصد، إلا أنه قصد فاسد، لأنه قصد راضيًا به ومريدًا إياه، بل لدفع الشر عن نفسه فلحق بحكم الفساد بعدم القصد فلا يقع هدرًا، وإنما يبطل به ما يتعلق لزومه بالرضا، كالبيع، والإجارة، وما لا يلزم مع استثناء الخيار أو مع الهزل.","vol":"1","page":435},{"text":"وأما يمين المكره، ونذره، ونكاحه، وطلاقه، وعتاقه، فلازم، وكذلك الكلام مكرهًا في الصلاة يبطلها، وكذلك الأكل في الصوم مكرهًا، أو سبق الماء حلقه خطأ يفسده، وكذلك من ارتكب محظورًا من محظورات الحج مكرهًا أو مخطئًا لزمته الكفارة.\nفإن قيل: أليس المكره على القتل لا يقتل عندكم ولا يضمن شيئًا، وكان فعله هدرًا؟\nقلنا: لم يهدر حكم الفعل فإن القصاص واجب به، لكن لم يجب على الفاعل كرهًا بحكم انعدام الفعل منه بأن جعل آلة للذي حمل عليه كأن قبض على يديه فقتل بيده إنسانًا على ما بينا في موضعه، ولذلك وجب على الذي أكرهه لأن الفعل أضيف إليه.\nومتى انعدم الفعل لم يكن عدم حكمه بالكره لكن بعدم الفعل كما لو لم يفعل بغير كره.\nفأما فعل لا يستقيم أن يجعل المكره المباشر آلة للآمر فالفعل لا ينتقل عنه ويبقى مقتصرًا عليه على ما بين في موضعه، فإذا بقي وصار فاعلًا لزمه حكمه إلا ما يبطله الهزل فالأقوال كلها لا يمكن أن تجعل الفاعل عن كره آلة فيها للآمر إذ الرجل لا يمكنه التكلم بلسان غيره وكذلك الأكل والزنا ونحوهما.\nفأما القتل فممكن بيد غيره وكذلك الإتلافات كلها ولهذا قرن النبي ﷺ بينهما فقال:\"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\".\nوأما الجهل: فمثل الخطأ والنسيان لأن الجهل بالحق لا يكون إلا للجهل بدليله، وسبب وجوبه فيكون الإعراض عن إقامته لا عن قصد العصيان والخلاف بل كما يكون من المخطئ والناسي فيكون الجاهل عاجزًا حكمًا كالناسي فيكون الجهل عذرًا يؤخر حكم الخطاب ولا يسقط الوجوب أصلًا كالخطأ والنسيان، ولهذا قيل: إن العبد إذا عمل باجتهاده في حادثة لا نص فيها عنده ثم بلغه نص بخلاف رأيه لم يأثم على ما مضى ولزمه نقض ما أمضى باجتهاده ولو سقط أصلًا بالجهل لما لزمه النقض كما لو نزل النص بعد رأيه في زمن الوحي.\nوأما باب الحيض والرق: فإنا نقول إن الحيض لا يوجب عجزًا من حيث ذهاب قدرة البدن أو قدرة القلب بعلمه وعقله، ولكن يوجب عجزًا حكميًا من حيث فوت شرط الأداء من حيث الظهر عن دم الحيض في حق الصوم أو عدم الطهارة في حق الصلاة ونحوها فإنه دون العجز الذي يثبت بالنوم فكان القياس أن لا يسقط أصل الوجوب بل يؤخر حكمه إلى حين القدرة، إلا أنا تركنا هذا القياس في باب الصلاة فأسقطنا به","vol":"1","page":436},{"text":"الوجوب لشرع ورد فيه، وذلك لعلة الحرج فإن الحيض يصيبها في كل شهر عادة والصلاة تتكرر في كل يوم فلو أمرنا بالإعادة لتضاعف الوجوب عليها ولحرجت في ذلك فيسقط بسبب الحرج كما يسقط بالجنون الممتد وبالصبا، وهذه العلة معدومة في حق الصوم فلم يسقط.\nوكذلك وجوب التتابع في باب الصيام لا يسقط إذا كان الصوم عشرة أيام أو ثلاثة وما يوجد عادة بلا حيض لأنها لا تحرج في إقامة هذا الشرط، وإذا كان شهرين سقط الوجوب أصلًا لأنها لا تجد شهرين لا تحيض فيهما عادة إلا نادرًا أو بعد اليأس وربما لا تبلغ اليأس والنادر لا عبرة له فلو ألزمناها الإعادة بسبب الحيض متتابعًا لحرجت أو عجزت وسقط الوجوب دفعًا للحرج.\nوالرق من هذا القبيل لأنه ربما ينعدم به شرط بعض العبادات كالكفارات المالية فإن ملك المال شرط لأدائها وإنه لا يملك المال ما دام رقيقًا.\nوكذلك وجوب الحج يسقط عنه أصلًا لا لعدم ملك الزاد والراحلة فإن الفقير الذي لا يملكهما إذا أدى جاز وكان فرضًا بخلاف العبد ولكن لعدم ملك المنافع التي يتأدى الحج بها فإنه عبادة بدنية ومنافعه صارت لمولاه إلا ما اسثتنى الله تعالى في باب الصوم والصلاة ولم يستثن في باب الحج لأنه لا وجوب بلا زاد ولا راحلة ولما لم يستثن صارت للمولى فلا تعود إليه بتمليك المولى كما لا يملك منافع غيره، ولا سائر الأموال بتمليك المولى فلا يصح الأداء بمنافع المولى كما لا يصح التكفير بمال المولى.\nوكذلك يسقط بالرق إباحة نكاح الأربع من النساء إلى النصف، وكذلك الحدود التي تحتمل التنصيف تنتصف وكذلك العدة والتطليقات وحق القسم ونحوها ويبطل الولاية، وما يبتنى على الولاية من الإرث والشهادة.\nفإن قال قائل: الكفر قسم خامس لم تذكره.\nقلنا له: إن الكفر ليس من جملة الأعذار ثم إنه غير مسقط للخطاب عند أهل الكلام وهو مذهب الشافعي من الفقهاء، ومذهب عامة مشايخنا من أهل العراق لأن الكفر رأس المعاصي فلا يستفيد به حفة سقوط الخطاب كما لا يستفيد بالسكر وبالجهل إذا كان عن تقصير من قبله.\nولأن النبي ﷺ بعث إلى الناس كافة فخطابه يعمهم إلا حيث خص بدليل، ألا ترى أنهم يخاطبون بأحكامنا في المعاملات والعقوبات والإيمان فكذلك العبادات.\nوقال الله تعالى حكاية عن أهل الجنة: ﴿يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين﴾ فأخبروا أنهم استحقوا النار بترك الصلاة لما ذكر أن الإنسان يصير أهلًا للإيجاب عليه بالذمة ولخطاب الأداء بالعقل والكافر له ذمة","vol":"1","page":437},{"text":"وله عقل مثل المسلم إلا أنهم لا يؤاخذون بالقضاء إذا أسلموا لأن الله تعالى وعدهم المغفرة بقوله: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين﴾ ترغيبًا إياهم في الأيمان وقوله: ﴿يغفر لهم ما قد سلف﴾ دليل على أنهم كانوا مؤاخذين به وإنما غفر لهم بالإسلام.\nومن يقول أنهم غير مخاطبين، يقول إنهم لم يكونوا مؤاخذين فلا تتصور المغفرة.\nولا معنى بأن يقال: إن الكافر عاجز لأن عجزه بسبب كفره فلا يعتبر عذرًا كعجز السكران، ولأنه قادر على أن يسلم فيصلي، كالجنب عاجز في حال جنابته ومخاطب لأنه قادر على أن يتطهر فيصلي.\nوقال مشايخنا ببلادنا: إن الكفر يسقط الخطاب بالديانات في الشرائع التي تحتمل السقوط في الجملة وليست عن أصحابنا المتقدمين رواية وإنما استدلوا بمسائل منها أن المرتد إذا أسلم لا يقضي ما فاته لسقوط الوجوب عنه، وعند الشافعي: يقضي.\nوالثاني: أن المسلم إذا صلى وحج ثم ارتد-والعياذ بالله-ثم أسلم في الوقت.\nلزمه عندنا قضاء الصلاة والحج لأن الخطاب انقطع بالردة فصار حال الإسلام ثانيًا حال ابتداء الخطاب بعبادة الوقت.\nوعند الشافعي لا يقضي لأن الخطاب لم ينقطع وقد أدى الواجب بالخطاب الأول إلا أن شيئًا من هذه المسائل لا يدل على سقوط الوجوب فإن المرتد كافر، والله تعالى وعد المغفرة للكافر إذا أسلم.\nوقال النبي ﷺ:\"الإسلام يجب ما قبله\"ولم يفصل وأما إذا كفر بعدما صلى فإنما لزمه ثانيًا لأن الأول قد بطل لقوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ فيصير ما مضى كصلاة أداها مع الكفر.\nومنهم من جعل هذه المسألة فرعًا لمسألة الإيمان أنه قول وعمل أو قول بلا عمل فمن جعله قولًا وعملًا جعل الكل من الإيمان، وهو مخاطب بالإيمان فيكون مخاطبًا بالعبادات أيضًا.\nومن جعله قولًا بلا عمل لم يخاطبه بها إلا أنه ساقط بأن سائر المعاملات والعقوبات ليست من الإيمان بالله تعالى، والكافر مخاطب بها ابتداء لا تبعًا للإيمان.\nوقد ذكر محمد بن الحسن ﵀ أن من نذر بصوم ثم ارتد والعياذ بالله ثم أسلم لم يلزمه قضاؤه لأن الشرك أبطل كل عبادة وإنما أراد وجوبها لأنه لم يؤده بعد، ولما كان منافيًا للوجوب وثبت فيه نص الرواية ثبت المذهب.","vol":"1","page":438},{"text":"ولم أر لهذا القول حجة يعتمد عليها وقد تفكرت في ذلك فلم أنل إلا واحدًا وهو أن الكافر ليس بأهل لأداء العبادة لأن أداء العبادة لاستحقاق ثواب الآخرة بحكم الله تعالى، والكافر ليس بأهل له حكمًا من الله تعالى على سبيل العقوبة، كما مل نجعل العبد أهلًا لملك المال والمرأة أهلًا لملك المتعة على الرجل بملك اليمين أو النكاح.\nولما لم يكن من أهل هذا العمل لم يكن من أهل الخطاب بالعمل لأن الخطاب بالعمل للعمل كالعبد لا يخاطب بالعبادات المالية من الكفارة وغيرها.\nفتبين بهذا أن الكافر ما له ذمة الجنة والعبادات ثمن الجنة، فأشبه في حقه من لا ذمه له أصلًا من البهائم بخلاف الإيمان لأنه ثبت له به ذمة الجنة والكافر أهل أن يكتبه فصح الخطاب باكتسابه.\nفإن قيل: هو من أهله إذا أسلم، والله تعالى خلقه على طلبه الإسلام منه.\nقلنا: لا يجوز أن يخاطب بناء على طلبه الإسلام منه لأنه في حالة ليس بأهل لعمل يثاب عليه ولا أعد للإسلام مآله فيعطى حكم مآله بالإعداد له، كما قلنا في المني في الرحم والطفل وبيض الحرم، فإن الكافر مآله مآل الإسلام جبلة من الله تعالى ولا عادة منهم بل العادة في الكافر التمسك به كالمسلم وإنما يختار الإسلام نادرًا كالمسلم يختار الكفر نادرًا.\nوليس الكافر كالجنب فإن الجنب يخاطب بالصلاة لأنه أهل بنفسه لعمل يثاب عليه غير أنه لا يصلح للصلاح لفقد شرطه، وهو الطهارة، كما لا يصلح لصلاة مع استدبار الكعبة مختارًا فهذا شرط لصحة الأداء ليصير أهلًا لعمل يثاب عليه في الآخرة فصح الخطاب به على أن يفعله بشرطه.\nفأما الكافر فليس بأهل لعمل يثاب عليه في الآخرة وسبيله سبيل المولى يقول لعبده: أعتق عن نفسك عبدًا أو كفر عن يمينك بالمال، كان لغوًا لأن ملك المال شرط التصرف بهذا الخطاب والعبد ليس من أهل ملك المال.\nوبمثله لو قال لآخر: اعتق عبدك عني بألف درهم فأعتق صح عنه لصحة الأمر به لأنه أهل للإعتاق إلا أنه فقد للحال شرط الأداء وهو الملك فصح الأمر به على ما يؤدي عنه المأمور به.\nفإن قيل: العبد الماذون أو المكاتب يشتري فيصح منه تملك المال وهو ليس بأهل له!\nقلنا: إنما يصح على معنى أن المولى يقوم مقامه في الملك أو يعتق بنفسه فيملك بذلك السبب إن كان مكاتبًا، ولأن للعبد ضرب ملك، وكذلك للمكاتب على ما بينا في موضعه، وهو ملك التصرف بحكم ملكه ذلك المال يدًا إن لم يملك رقبة فلا يخلو في","vol":"1","page":439},{"text":"الأحوال كلها خطاب التمليك صحيحًا لأحد عن رجاء الملك له أو لمن يقوم مقامه، والكافر يخلوا أداؤه للعبادة عن ثواب يكون له أو لغيره على طريق القيام مقامه.\nوالأسباب إذا خلت عن أحكامها لغت الإيمان لأنه من أهل أن يؤمن للحال فيثاب به عليه بخلاف المعاملات لأنه إنما يخاطب بما يتأهل لاستحقاق حكمها.\nوبخلاف العقوبات لأنه أهل للإقامة عليه حتى لم يكن عندي خطاب الكفارة ثابتًا في حق الكفار، لأنه لا يخلو عن معنى العبادة واستحقاق الثواب، كالعبد لا يخاطب بالتكفير بالمال لأنه ليس من أهل ملك المال.\nفأما الجواب عن قولهم: إن الكفر معصية فلا يجعل عذرًا فكذلك، ولسنا نسقط الخطاب مرحمة ليكون بسبب العذر بل أسقطنا الخطاب نقمة ليكون بسبب المعصية.\nوإنما قلنا: يسقط نقمة، لأنه سقط لخروجه عن صلاحه للجنة وهذا نقمة.\nفإن قيل: إذا لم يخاطب بها لم يؤاخذ بتركها.\nقلنا: إن الخطاب للأداء لا للإثم بالترك فلو لم يجز التصحيح لكان الإثم بالترك على أن الكافر يترك الطاعات مستحلًا، وكذلك يرتكب المعاصي مستحلًا فيكون ذلك كفرًا على كفر، وتزداد العقوبة بذلك كله على أنه إن لم يكن من أهل فعل العبادة لأنها من ثمن الجنة فلم يخاطب فهو من أهل المعصية التي هي سبب النار فيستقيم إثبات الخطاب في حقها، ولهذا نجدهم على المعاصي في الدنيا وهي عقوبة.\nولأن إخراجهم أنفسهم بالكفر عن أهلية الخطاب في إيجاب الإثم عليهم فوق تركهم ما يلزمهم بالخطاب فلا يكون فيه خفة كالذي يقتل نفسه لا يؤاخذ بما يفوته من العبادات بعده، وإن كان القتل معصية لأن إثمه في قتله نفسه يربى على ذلك كله.\nومعنى قول الله تعالى: ﴿لم نك من المصلين﴾ [المدثر: ٤٣] أي المسلمين فسمى الإسلام باسم شريعة منه كما سمى الصلاة باسم الركوع والسجود، لأنهم لم يكونوا من المصلين مستحلين وبهذا يؤاخذون.\nولأنا لا نسقط الخطاب بالكفر، ولكنا لا نوجب لفقد الشرط الذي يصح معه الخطاب وهو الأهلية لحكمه، وهذا كما لا يخاطب بعد ما قتل نفسه.\nوالذي يدل عليه أن هذه الأعمال للفكاك عن قيد الاستعباد كمال الكتابة يؤديه العبد للفكاك عن قيد الرق، وقبل الإيمان بالله تعالى لا يتصور منه أعمال يتعلق بها الفكاك ويتعلق بنفس الإيمان الفكاك أو يثبت به عقد الكفاك فاستقام الخطاب بالإيمان دون الأعمال.\nألا ترى أن المولى يستقيم منه خطاب العبد بعقد الكتابة ولا يستقيم الخطاب بأداء","vol":"1","page":440},{"text":"مال الكتابة لأن ما لا يتعلق به الفكاك لا يتصور قبل العقد وعقدًا يتعلق به الفكاك يتصور مع الرق ثم سقوط المطالبة بمال يتعلق به الفكاك عن العبد القن لا يكون خفة إذا قوبل بمطالبة المكاتب بمال الكتابة، لأن ما تحت سقوط هذه المطالبة من ذل الرق فوق هذه المطالبة وما تحت المطالبة بالكتابة من العتاق والنفع الذي فيه فوق نفع سقوط المطالبة فيصير عند اعتبار العاقبة.\nوالمعنى توجه الخطاب بأداء الكتابة ضرب كرامة وكان من تعاطي أمور الدنيا نظير شرب الدواء للمريض في مقابلة مريض بمريض لا دواء له فلم يسق فلا يكون حطاب المريض الذي يرجى شفاؤه بسقي الدواء تشديدًا.\nولا سقوط الخطاب عن الذي لا يرجى شفاؤه تخفيفًا متى تؤمل في معنى السقوط والثبوت بل كان السقوط شدة لأنه سقط ليأس الطبيب عن حياته وكأس المنية أمر من كأس الدواء والذي خوطب بالدواء خوطب للشفاء، ومرارة الدواء تسقط متى قوبلت بحلاوة الشفاء.\nفعلى هذا الكافر سقط عنه خطاب الله تعالى بالعبادات ليأسه عن الجنة على كفره، وخوطب المؤمن لاستحقاقه الجنة وشدة النار فوق ثقل الخطاب، وراحة الجنة فوق تعب أداء ما خوطب العبد به، وهذا كما يسقط عن الكفار خطاب الإيمان بعد البعث إذ لو بقي لقبل منهم إذا أجابوا، ولم يكن هذا السقوط تخفيفًا بل تنكيلًا وهذا كما لا يخاطب البهائم والجمادات وليس ذلك لإرادة التخفيف عليها بل لأنها ليست بأهل فكان للإزراء.\nولهذا قال علماؤنا ﵏: بأن من صلى فرض الوقت ثم ارتد ثم أسلم في الوقت أعاد الفرض، وكذلك يعيد الحاج إن كان حج قبل الردة لأنه بالردة صار غير أهل والعبادة كما لا تصح إلا من أهل لا تبقى لغير أهل كملك المال لما لم يثبت للعبد لا يبقى لمن استرق.\nوكذلك ملك الأربع من النساء كما لا يثبت للعبد لا يبقى له إذا استرق، ولكن مع هذا كله لم نعد الكفر في ما بيننا مسقطًا لأنه ليس من جملة الأعذار والخطاب ما سقط به تخفيفًا فأما سائر الأعذار فمما يكون بآفات أصلية جبلية أو شرعية فاستقام أن يكون سبب تخفيف، والله أعلم.","vol":"1","page":441},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>القول في الحجج العقلية</span>\nقد أجمع العقلاء على إصابة المطلوبات الغائبة عن الحواس بدلائل العقول، كإجماعهم على إصابة الحاضر بالحواس، حتى إنك لا تكاد تجد أحدًا خاليًا عن الاستدلال لمصالحه برأيه عن عقله، وحتى لم تكن الحجج السمعية حججًا إلا باستدلال عقلي، ولا يقع الفرق بين المعجزة وبين المخرقة، والنبي والمتنبئ إلا بنظر عن العقل، وكذلك تعرف النار مرة ببصرك ومرة بدخانها مستدلًا عليها بعقلك، لا طريق للعلم إلا طريق الحواس أو الاستدلال بنظر عقلي في المحسوس ليدرك لما غاب عنها.\n[قالوا: ولا خلاف في هذا بين العقلاء].\nوإنما اختلفوا بعد هذا؟\nفقال بعضهم: لا يعرف الله بمجرد دلائل العقول حتى تتأيد بالشرع.\nوقال بعضهم: يعرف ولكن لا يجب الاستدلال إلا بالشرع.\nوقال بعضهم: يعرف ويجب الاستدلال قبل الشرع.\nوقال بعضهم: لا نشتغل بهذا لأن الله تعالى لم يدعنا والعقول، فلا معنى للاشتغال بشيء لم نبتل به.\nوقد قال علماؤنا: لا يقاتل من الكفار من لم يبلغه دعوة إلا بعد الدعوة، وإن قوتلوا وقتلوا لم يضمن لهم شيء.\nوقال الشافعي: يضمن، وقال أيضًا: إنهم يعذرون في الآخرة فجعلهم كأطفال المسلمين.\nولا نص عن علمائنا في\"المبسوط\"إلا ما ذكرنا من هدر الدماء، وإنه لا يدل على إلزام الكفر بترك الاستدلال حكمًا فإن المسلم منهم عندنا هدر دمه ما لم يحرز نفسه بدار الإسلام.\nوقد قال علماؤنا في الصبي إذا عقل وأسلم: صح إسلامه ولو لم يستدل بعقله، ولم يجز كلمة الشهادة على لسانة لم نحكم بكفره وإن امتنع بعد الاستيصاف بل كان في حكم المسلم ما لم يبلغ، ولو امتنع بعد البلوغ كفر بالله لأن خطاب الشرع بالأداء ساقط قبل البلوغ فصار معذورًا، وإن عقل فاحتمل مثله بعد البلوغ قبل أن يبلغه دعوة أحد فلا","vol":"1","page":442},{"text":"يحكم بكفره بجهله بالله وغفلته عن الاستدلال بالآيات.\nويحكى عن أبي حنيفة ﵁ أنه قال: لا عذر لأحد في الجهل بالخالق، لما يرى في العالم من آثار الخلق. ويحتمل أن يكون المراد به: بعد إمهال الله تعالى لا لابتداء العقل فقد حكينا عنهم أنهم عذروا الصبي بجهله، والتحديد بالبلوغ ثبت شرعًا فلا يلزم إلا بعد السماع.\nفأما الذين قالوا: إن الله تعالى لا يعرف بدون الشرع فقد ذهبوا إلى أن الفقهاء أجمعوا على أن الأداء لا يجب إلا بعد خطاب الشرع.\nولو كان العقل حجة كافية لوجب قبل الشرع.\nولأنا نرى العقلاء مختلفين في إثبات القديم مع شدة تأملهم واشتهارهم بالحكمة، ولا نقف على أحد منهم إصابة ما تبين بالشرع، ولو كان بالعقل كفاية لما اختلفوا كما لم يختلف الأنبياء ﵈ ومن سلك طريقهم.\nوأما الذين قالوا: إن الكفاية تقع بالعقل فذهبوا إلى أن إبراهيم صلوات الله عليه قال لأبيه: ﴿إني أراك وقومك في ضلال مبين﴾ ولم يقل أوحي إلي فثبت أن العقل بنفسه مما يهدى.\nوكذلك الله تعالى أخبر عن إبراهيم أنه استدل بالنجوم فعرف ربه وكان حجة على قومه فقال: ﴿وتلك حجتنا ءاتينا إبراهيم على قومه﴾ وليس في الآية من باب الوحي ذكر، وقال: ﴿سنريهم ءاياتتا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ ولم يقل نسمعهم أو نوحي إليهم.\nوقال: ﴿ومن يدع مع الله إلهًا ءاخر لا برهان له به﴾ الآية، ولم يقل: بعدما أوحي إليه، أو بلغته الدعوة فثبت أن العذر ينقطع بالعقل وحده ولو لم يكن به كفاية المعرفة لما انقطع به العذر.\nولأن المعجزة بعد الدعوة لا تعرف إلا بدليل عقلي وآيات الحدوث في العالم أدل على المحدث من علامات المعجزة، على أنها من الله تعالى فلما كان بالعقل كفاية معرفة المعجزة والرسالة كان به كفاية معرفة الله تعالى من طريق الأولى.","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>فصل</span>\nولما ثبت أن بالعقل كفاية كان بنفسه حجة بدون الشرع، ولزم العمل به كما يجب بالشرع وبسائر الحجج إذا قامت.\nوالجواب عن قولهم: إن الله تعالى لم يدعنا والعقول، فإن ذلك من الله رحمة أو لبيان ما لا ينال بالعقول من أنواع العبادات والحدود التي بها تتمة الدين أو كان أمر البعث والجزاء مما يشكل مع العقل وحده إلا بجد تأمل، فيه حرج يعذر الإنسان بمثله ولا إيمان بدونه فكان حقًا على الله تعالى بعث الرسل لبيان ما به تتمه الدين لا لمعرفة الخالق.\nوقال بعضهم: بعث الرسل رحمة أو نقول: إن الله تعالى لم يدعنا ورسولًا واحدًا من أوله إلى آخره، والحجة كانت قائمة بالواحد كما بقي لمحمد ﷺ إلى يوم القيامة ورب قوم بعث الله إليهم رسلًا فلم يدعهم ورسولًا واحدًا ولم يدعنا الله، والبيان بآية واحدة بل بآيات متكررة فلا يدل أن الآية الواحدة لم تكن كافية.\nعلى أن نصور المسألة في رجل نشأ في شعفة من الجبل لم يسمع من أمر الرسل شيئًا، وبلغ مبلغ العقلاء والجواب عن قولهم لو كان بالعقل كفاية لما اختلف العقلاء فيه أن ذلك الاختلاف لاختلافهم في جهة الاستعمال كما اختلفوا بعد دعوة الرسل.\nوكما اختلف الأطباء في الأدوية فالمقتصر في اجتهاده لا ينال الحقيقة.\nوكذلك الغالي يتعداها فإذا جاء الوحي والعصمة عن التقصير والغلو صار الدين واحدًا، وكما اختلفوا في معرفة الرسل والعذر ينقطع بهم.\nفصل\nوأما الذين قالوا: إن الاستدلال لا يجب قبل الشرع فاحتجوا بالشرع والعقل.\nأما الشرع: فلأن الاستدلال ليس يدوم وجوبه شرعًا فإنه ساقط شرعًا عن الطفل والمجنون ومن لا يهتدى إليه لأنه ليس في وسعه فجاز كذلك السقوط حال عدم الشرع، فالهوى غالب في الإنسان وطرق الدين مختفية تحت غلبة الهوى، ومنام القلب بالغفلة عن دلائل العقل وفي تنبيهه عن نوم الغفلة بلا شرع حرج عظيم أكبر مما يحرج الصبي العاقل بسبب نقصان عقله لإدراك ما يدركه البالغ من الخطاب المسموع، وقد أخبر الله تعالى بأن لا حرج في الدين وإن الخطاب ساقط عن الصبي.","vol":"1","page":444},{"text":"وكذلك الاستدلال على الله تعالى بآيات الحدوث على ما مر وكذلك بعد البلوغ لأنه لا تفرقه بين الحالين من حيث العقل ألا ترى أن العبادات كما سقطت بعذر الصبا سقطت بعذر الجهل عمن أسلم في دار الحرب، ولم يعلم بالعبادات.\nفأما إذا اعتقد إلهًا آخر أو ما يكون كفرًا من وصفه ربه بما لا يليق به، فلا يكون معذورًا فيه كالصبي إذا فعل ذلك على ما مر بيانه لأنا إنما عذرناه في جهله لسقوط وجوب الاستدلال عنه، ولا معرفة بدونه كما عذرنا النائم والصبي فاعتقاد أمر لا يكون إلا بضرب استدلال وحجة فلم يعذر فيما أحدث من اعتقاده إلا بحجة كما في حق الصبي، ولهذا صح الاحتجاج من إبراهيم عليه السالم بما استدل قبل الوحي.\nوالدليل على أنه معذور وأن ترك الاستدلال قول الله تعالى حكاية عن خزنة النار لأهلها: ﴿قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا﴾.\nوفي موضع آخر حكاية عن نفسه: ﴿ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليك ءاياتي﴾ فألزمهم استيجابهم النار بالرسل لا بالعقول وحدها، ثم قال بعد ذلك: ﴿ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون﴾ أخبر أن الإهلاك قبل الرسل كان يكون ظلمًا وإنهم معذورون بغفلتهم وإن عقلوا لولا تنبيه الرسل.\nوقال تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ والعذاب المطلق هو النار.\nوقال: ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ فكان حقًا على الله بعث الرسل لقطع حجة الناس.\nوقال: ﴿وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم﴾ الآية إلى أن قال: ﴿أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك ءاباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ فلولا أنهم كانوا معذورين بسبب جهلهم وإلا لم يكن قطع الحجة بخطاب ﴿ألست بربكم﴾ ابتداء ثم إعلامهم بذلك انتهاء.\nولأن النفس بهواها غالبة لأنه لا عقل لأول الفطرة وإذا أحدث حدثًا مغلوبًا به إلا من شاء الله من الخواص.\nوإذا كان مغلوبًا بقيت العبرة للراجح وبقي الحكم على ما كان قبل العقل حتى يتأيد العقل بالوحي فيترجح على الهوى حينئذ فيجب العمل فلن يجوز في الحكمة إلزام العمل حسًا، والعامل مغلوب بالمانع حسًا.\nفكذلك لا يحسن إلزام العمل بالحجة والحجة مغلوبة مدفوعة بغيرها.\nوالجواب عن قولهم: إن الشرع لا يعرف إلا بدليل عقلي فكذل، ولكن إنما يجب","vol":"1","page":445},{"text":"النظر في المعجزة بعد دعوة الرسول بكلام لا تميل في موجبه بحيث يقف على موجبه إذا سمع ببديهة عقله بلا حرج نظر فيصير ذلك الخطاب منبهًا قلبه عن نوم الغفلة إلى التأمل فيما سمع أصدق هو أم كذب.\nفأما الآيات الدالة على الله تعالى فساكنة لا تعرف آيات بالحواس، وإنما تعرف بالاستدلال ولا استدلال مع غفلة القلب.\nوالغفلة بغلبة الهوى والهوى مخلوق من الله تعالى فلا يلزمه الاستدلال ما لم يأت ما ينبهه للنظر والاستدلال من أمر محسوس، وذلك دعوة الأنبياء ﵈ فصار هذا القول قولًا بين القولين بين التقصير والغلو فمقصر من أنكر معرفة الله تعالى بدلالات العقول وحدها وغالي من ألزم الاستدلال بلا وحي ولم يعذره بغلبة الهوى وهو من الله تعالى.\nوقرب من الإنصاف قال إن الله تعالى يعرف بدلالات العقول وحدها ولكن لا يجب فعل الاستدلال إلا بشرع وألحقه بالصبي.\nونفس العقل لا يفرق بني امرأة عقلت وحاضت لتسع سنين وصبي عقل وبلغ أربع عشر سنة ونصفًا، بل حال الصبي أكم من حال البالغة بحيضها لتسع سنين.\nإلا إن في هذا القول ضرب تقصير في إيلاء عذر كهل بلغ أشده وأدرك غامضات أمور الدنيا برأيه وهي لا تنال إلا بجد تأمل ولم يعرف لنفسه خالقًا، وإنه ينال ببداهة العقول فإنه لا يرى بناء إلا وقد عرف له بانيًا، ولا نقشًا إلا وقد عرف له نقاشًا ولا صورة جماد إلا عرف له مصورًا فكيف يعذر بعذر رؤيته صورًا حسية في جهله بمصورها وإذا لم يعذر ولا بد أن تقع المعرفة بفاعل الصورة فقد تنبه بعقله للنظر فيلزمه من النظر ما تتم به المعرفة.\nوأشبه تنبه ببديهة عقله التنبيه بدعوة النبيصلى الله عليه وسلمالتي هي كلام نص على التنبه فكيف ينكر هذا والله تعالى يحكي عن الكفرة: ﴿ولئن سألتم من خلقهم ليقولن الله﴾ وكذلك لا نرى نحن أحدًا من الكفار إلا ويخبر عن الصانع وإنما كان كفرهم بوصفهم الله تعالى بما لا يليق به من الولد والشريك وغل الأيدي ونحوها مما حكى الله تعالى عنها، والعذر بلا خلاف منقطع عن مثله أو كان الكفر بإنكارهم البعث للجزاء.\nوكلامنا في نفس الجهل بالصانع عن ذكره وكيف يعذر والجهل جاء من قبل استخفافه بالحجة بعدما لاحت له بلا تميل فالبناء شاهد على الباني بلا تميل في العقول والاستخفاف بالحجة فوق الغفلة عن سكر يقع بالخمر، وإنه لم يعذر به فبهذا أولى بخلاف أول حال العقل لأنه لأول أمره لا ينتبه له كما لا ينتبه له الكبير إلا بجهد وحرج لنقصان العقل وقيام فترة حال الغفلة كالنائم يتنبه فلا يدرك لأول أمره ما يدركه بعد مدة فاستقام أن يعذره الله تعالى برحمته ثم قدر مدة العذر إلى الله تعالى ما يعرف بالعقل.","vol":"1","page":446},{"text":"وكلامنا فيمن لم يبلغه شرع على أن حد الشرع بالبلوغ لبيان أحكام الدنيا وكلامنا في حق الآخرة، وإنهما مختلفان على ما بينا في باب الخطاب وصحة تصرفات الصبي وردته، والدليل عليه قول الله تعالى: ﴿أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم﴾ ولم يذكر الوحي، وقال: ﴿وجاءكم النذير﴾ وقيل: إنه الشيب، وقال: ﴿أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلف الله السموات﴾ ولم يذكر الوحي بل عاتبهم على ترك التفكر وقال: ﴿سنريهم ءاياتنا في الأفاق﴾ الآية.\nأخبر أنه يريهم الآيات حتى يتبين لهم أنه الحق فثبت أن اللبس لا يقع إلا لاستخفاف بالحجة كما يكون بعد دعوة الرسل وعن احتجاجهم بقول الملائكة: ﴿أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات﴾ أنه كلام توبيخ فيكون بأظهر الأمور وأعلاها وتأويل هلاك القرى في الدنيا لأنه لا قرى في الآخرة، وعذاب الدنيا جزاء على تكذيب الرسل زاجرًا لا جزاء نقمة على الكفر على ما بينا في مسألة قتل المرتدة ونحوها، ولأنا نسميه غافلًا بسبب فقد الحجة والذي معه عقله غير فاقد الحجة على ما بيناه.\nوقوله: ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ أي حجة تقال لا حجة تقبل وكذلك آية أخذ الميثاق لقطع حجة تقال على حسن الظن بحالة على تقدير أنه حجة تقبل منه، والله أعلم.\nوتأويل قوله:\"بظلم\"أي بظلم من الكفرة أي لم نهلكهم بظلمهم حتى أرسلنا الرسل وظهر تعنتهم، ولو أهلكنا لكان عدلًا، لكنا أمهلنا إلى حين الرسل فضلًا وبهذا التأويل يخرج عذاب الآخرة أي أخرنا عنهم العذاب إلى بعث الرسل تأكيدًا عليهم كما جعلناه بعد الحساب والشهود.","vol":"1","page":447},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>القول في أقسام دلائل العقل الموجبة</span>\nمنها ما يدل عليه ببداهة العقول كحدوث العالم ودلالة البناء على الباني.\nومنها ما لا يكون دلالة إلا بجد تأمر ونظر كدلالة العالم على صانع هو الله تعالى، ولهذا اختلف العقلاء في ذلك لاختلافهم في استعمال النظر ولم يختلفوا في حدوث العالم المحسوس ووجوب القول ببانٍ للبناء.\nومنها ما لا يكون دلالة إلا بالتجربة كمعرفة الأدوية والأغذية، ولكن إذا دق المطلوب اختلف فيه للشبهة.\nومنها ما لا يكون دلالة إلا بمعونة الحس كالنجوم على الطريق والجبال والأميال حتى شاركت البهائم العقلاء في هذه المعرفة لمشاركتها إيانا فيما ينال بالحواس، والله أعلم.","vol":"1","page":448},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>القول في مباحات العقول للحياة الدنيا</span>\nلا للدين قطعًا واجب القول بالإباحة\nوهذه المباحات قطعًا أربعة أقسام:\nفعل ما تقوم به النفس من حيث التنفس والأكل والشرب بقدر ما لا يحيى بدونه يجب أن يكون مباحًا أصله.\nوفعل ما يدفع عن نفسه أسباب التلف من آفات خارجة، وفعل ما يقوم به الجنس نحو الجماع.\nوفعل ما تقوم به التربية بعد الوجود في نحو الحضانة إلى أن يستغنوا، لأن العقل يستحسن السعي لإبقاء نفسه بقدر الإمكان فالبقاء رأس المال إلا بدليل يبين له خيرًا في هلاكه، والبقاء فيما يجلب له القوى التي فيها حياته وفيما يدفع عنه ما يقطع عليه حياته بعد وجود العلل، فلا بد أن يقال بحسنها وأدنى درجات الحسن أن يقال بإباحتها له ليفعله.\nوكذلك فعل ما يتفرع عنه من يبقى بعده لأنه لا يمكنه السعي لإبقائه بعد موته إلا بفرعه، والعقل يستحسن السعي للإبقاء بقدر المكنة ثم السعي بحضانته لأن قوامه بعد موته بفرعه فيلزمه لفرعه ما يلزمه لنفسه ما لم يستغن عنه بنفسه، ولهذا ركب الله تعالى في الطباع دواعي إليها من الشهوات وغيرها حتى شاركت البهائم العقلاء في فعل هذه الأمور بحكم الطباع ولأنا لما وجدنا هذا مما يدعو إليه الطبع والطباع رأس مال الحياة لم يجز القول بحرمة دواعيها إلا بعارض يغير حكم الحال فصارت الإباحة أصلًا والحرمة عارضة إلا أن ما يجعل حقًا لنا ينافي الوجوب علينا، فلذلك وصفنا بالإباحة، ولهذا لم يبح الزنا وإن كان التناسل به أكثر لأن التربية في بني آدم أكثر ما يكون بالرجال حتى تكون نفقة النساء على الرجال.\nوكذلك نفقة الأولاد شرعًا، والآباء يشتهون بالزنا فتوف تربية الرجال والنساء لا يمكنهم التربية بأنفسهم فيضيع الأولاد وينقطع النسل إلا نادرًا ويدل عليه أن شهوة الجماع","vol":"1","page":449},{"text":"مخلوقة والخلق لغير حكمة عبث ولا حكمة إلا في الاقتضاء لما فيه من التلذذ وشفاء الصدر إذ في كف نفسه عن ذلك طاعة لربه فيثاب عليه كما يجب عن الزنا فتكون الحكمة أمرًا من أمور الآخرة وكلامنا في الحكمة العاجلة قبل أن يأتي أمر الدين والآخرة، ولأن في الكف عن اقتضاء الشهوة بعد الحاجة إليه ضررًا ومكروهًا ولا يجب تحملها إلا بدليل يلزمنا لنفع العاقبة فثبت أن الإباحة أصل والحرمة بدليل عارض، والله أعلم.","vol":"1","page":450},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>القول في موجبات العقول الواجبة دينًا</span>\nنعني بالوجوب الوجوب في الذمم حقًا لله تعالى بوقوعه علينا لا وجوب الأداء والتسليم إلى الله تعالى فقد ذكرنا أن الأداء لا يجب قبل الشرع، هذه الواجبات أربعة: معرفة نفسه بالعبودية.\nومعرفة الله بالألوهية.\nومعرفة العبيد للابتلاء إلى حين الموت بطاعة الله تعالى على أوامره ونواهيه للجزاء الوفاق خالدين.\nومعرفة الدنيا وما فيها للعبيد المبتلين لضرب نفع يعود إليهم منها.\nونعني بموجب العقل ما دل عليه العقل قطعًا إذا استدل به العبد إلا أن ما يكون منه دينًا يجب فعله لله تعالى لأنه مبتلى به، وما يجب للحياة الدنيا فلا نصفه بالوجوب عليه بحق الدنيا لأنه فيها كالبهائم وإنما فارقناها في حق الدين، ولهذا بنينا الباب الأول على إثبات الإباحة قطعًا وههنا على الوجوب.\nوقد يقال بالوجوب في الباب الأول أيضًا للدين إذا كان قوامه للتدين ما تقوم به الحياة الدنيا فيجب الأكل والشرب تدينًا، وكذلك التنفس، والتحصن عن شر الأعداء وشر البرد والحر ولو ترك حتى قتل أثم.\nفأما الجماع فحظ الدين فيه بقاء الجنس إلى يوم القيامة، لأن الله تعالى حكم ببقائه إلى تلك المدة وعلقه بالجماع، وفرض علينا دينًا السعي لإقامة حكم الله تعالى فإنه لا تبديل لحكمة غير أن هذا الحكم يتأدى بجماع البعض فلم يجب على كل واحد بخلاف الأكل فإن الله تعالى حكم ببقاء كل شخص إلى حين، وعلق بأكله لا بأكل غيره فتعين كل شخص لوجوب الأكل عليه دينًا قطعًا ثم إثمًا.\nقلنا: إن هذه الأحكام الأربعة واجبة بالعقل دينًا لله تعالى أما معرفة نفسه بالعبودية لأن قوامه باجتماع أجزاء، والاجتماع عرض يضاد القدر فيلزمه القول على نفسه بالحدث ثم يرى نفسه بفوته محاباة مما أصابه مع شدة حرصه على إمساكه، وبفوته أغراضه مما يطلب مع شدة عزمه على الإصابة، ويجد نفسه تعيش بما ليس له من قوت يخرج من الأرض بماء وطبائع هواء ليست في يده فيعلم أنه مقدور عليه وله.","vol":"1","page":451},{"text":"وإذا علم هذه الأوصاف علم أنه مملوك لأن المملوك لغة ما قهر بيد الاستيلاء وإنه مقهور بالتكوين والإنشاء.\nوإذا عرف أنه مملوك عرف أنه عبد لأن العبد اسم خاص للملوك من العقلاء الصالح لفعل العبادة وهو صالح لها ومملوك فإذا علم نفسه بهذه الصفات عرف ربه ضرورة لأن كونه محدثًا لا يخلو عن محدث، وكونه مقدورًا عليه لا ينفك عن قادر، والمضروب لا يخلو عن ضارب وكونه مملوكًا لا يخلو عن مالك، وكونه عبدًا لا يخلو عن إله العبد اسم لمن خلق للعابد ولا بد للعباد من معبود.\nالإله لغة: اسم لمن يستحق العبادة، ولهذا سمت العرب الأصنام: آلهة فيعرف بضرورة هذه الصفات التي ظهرت عليه من حيث لا شك فيه أن له إلهًا مالكًا قادرًا محدثًا، ولهذا قال النبيصلى الله عليه وسلم:\"من عرف نفسه فقد عرف ربه\"، وإذا عرف أنه خلق لعبادة ربه، ولا يجوز في الحكمة خلو الصنع عن عاقبة حميدة، وعاقبة الصنع لدى العقلاء. أحد أمرين: فائدة تعود إليهم من جلبة نفع أو دفع ضر أو ظهور الفاعل بعظمته وجلالته وكرمه وصفاته الحسنى بذلك الصنع لدى غيره.\nوتعالى الله عن الحكمة الأولى فإن الله غني عن العالمين فتعينت الأخرى وهي ظهور عظمته وقيام الثناء والحمد منهم إياه بالإحسان إليهم ولما وجب أن يكون الخلق لهذه الحكمة وهو أن يعرفوه ويشكروه.\nثم وجدنا الناس بين شاكر وكافر علمنا أن الله تعالى خلقهم ليعبدوه بأمره إياهم على ذلك لا بجبره.\nوقد جعلهم مختارين في الإباحة مبتلين بشهوات معلومة فيهم تصدهم عن الإجابة.\nولأن الأحياء يجدون من أنفسهم في أفعالهم حد الاختيار ضرورة ويجدون في أنفسهم ما يصدهم عن طاعة الله تعالى ضرورة ويدعوهم إلى خلافها.\nوفي ذلك ما يفوت هذه العاقبة وفوت العاقبة من الصنع دليل على عجز الصانع وتعالى الله عن ذلك فعلمنا أن تعليق وجوب الطاعة بالاختيار من العبد مع خلق الله الهوى والشهوات الصادة عن الإجابة، كان لحكمة أخرى هي فوق حصول الطاعة بلا فوت وهو أن خلقهم لهذه الأعمال ليجازيهم عليها بوفاق أعمالهم. الإحسان بالإحسان، والسيئة بالسيئة، وما كان يجب الجزاء مع الجبر فالفعل من المجبر غير مضاف إليه بل إلى الذي أجبره فكانت الدار تصير دارًا واحدة، وهي الدنيا فكان لا يتم للعبيد من الله نعمة لكونهم مبتلين بالعبادة، والكف عن اقتضاء الشهوات متصرفين تحت الأمر والنهي وكان لا يصفو عن الشبهة","vol":"1","page":452},{"text":"علمهم بصفات الله تعالى فالدنيا على ما نراها ما فيها آيات قاهرة للحق على المعرفة.\nولأن لله تعالى صفتين عدل وفضل، ولو كان التخليق على سبيل لا يكون فينا ما يصدنا عن الطاعة لكان لا يقع منا معصية، والله تعالى لا يعذب أحدًا ابتداء فكان لا تعرف صفة عدله بدلالة صنعه وصفات الله تعالى مما وجب القول بها بدلائل صنعه عليها فخلق الخلق على هذا الوصف ليصير الناس بين شاكر وكافر ليجازيهم على ذلك في دار أخرى ذات آيات قاهرة لا يبقى فيها أحد منكرًا له عاصيًا لأمره جاهلًا بصفات بدلالات صنعه لتحصل العاقبة المطلوبة من المعرفة والطاعة بآثار صنعه فيعرفه أهل الجنة بصفة إحسانه بآثار صنعه بمكانهم، وأهل النار بصفة عدله وغضبه وانتقامه بآثار صنعه بمكانهم.\nفتكون المعرفة بجميع صفاته بأبلغ أسباب المعرفة تعالى الله من حكيم لا يحاط بحكمته ولما وجب القول بدار أخرى، وهي دار الجزاء على هذه الأعمال وجب البقاء والخلود لأنا أثبتنا هذا الترتيب، لأن تناهي الحكمة المطلوبة من الصنع فيه وكان الخلق بدونه عبثًا فلم يجز أن يفوت فيصير عبثًا.\nألا ترى في الشاهد كما لا تفوت العاقبة المطلوبة من الصنع عن الصانع إلا لعجزه، كذلك لا تفوت بعد الوجود إلا لعجزه وتعالى الله عن ذلك، وبذلك نطق كتاب الله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ وقال: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ أي حسبتم أنا عبثنا بخلقكم، ثم نفى صفة العبث بحكم الرجوع إليه، فبين أنه لا يجوز أن تكون الدنيا بلا دار جزاء.\nوقال: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات﴾ الآية فبين أن التسوية بين الكافر والمؤمن حكم سيء والكافر والمؤمن سواء في حظوظ الدنيا، وأخبر الله تعالى أنه غير حق والله تعالى خلق بحق، وأخبر أن الحق في المجازاة على وفاق العمل.\nوقال: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض﴾ الآية فأخبر أن الآدمي حملها عن اختياره لعاقبة تعذيب المشتركين ومغفرة المؤمنين وهما في دار أخرى للجزاء.\nوقال: ﴿خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا﴾.\nوقال: ﴿وليبتلى الله ما في صدوركم﴾ والابتلاء لا يتصور إلا بفعل يكون الفاعل مختارًا فيه، وقال الله تعالى في حكاية تمام الإيمان: ﴿ءامن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ءامن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ فثبت أنه لا تتمه إلا بالمصير إليه وليس التتمة بالفناء.\nولما ثبت أن الصنع من الله تعالى لا يجوز إلا لعاقبة الاستعباد للجزاء وما سوى","vol":"1","page":453},{"text":"الإنسان من المحسوسات لا يصلحون للعبادة ولم يخاطبوا بها علم أنهم خلقوا لفائدة تجلب منهم أو ضر يدفع بهم، وتعالى الله عن ذلك فعلم أنه خلقها لعود ضرب هذه الفائدة إلى عبده المبتلى بعبادته وإنه حسن في الشاهد فعل شيء لفائدة تعود إليه أو إلى عبده.\nوبذلك نطق الكتاب وقال: ﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه﴾ وقال: ﴿وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر﴾ وقال: ﴿فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم﴾ وقال: ﴿فأنبتنا به حدائق ذات بهجة﴾ وقال: ﴿الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا﴾ الآية، إلى آيات كثيرة.","vol":"1","page":454},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>القول في محرمات العقل قطعًا للدنيا</span>\nهذه المحرمات أربعة: الجهل، والظلم، والعبث، والسفه.\nأما الجهل: فإنه يكون بترك الاستدلال بنور عقله والعاقل ما ركب فيه العقل إلا ليقف به على مصالح غائبة لا تنال إلا بالحواس، وبه غلب ما في البر والبحر وسخرها، وادعى لنفسه كل شيء منها، فمتى لم يستدل بنور عقله لم ينل شيئًا مما تمنى لنفسه من هذه المطالب فيحرم عليه بالعقل ما تفوت به أغراض العقلاء كما يحرم به ترك الأكل الذي فيه حياته، وكما يحرم بالعقل ترك النظر بالعين عند إرادة المشي إلى الموضع احتاج إليه أو إطفاء السراج ليلًا مع إرادته السلوك في مضائق لا يهتدى فيها إلا بسراج.\nولما حرم الجهل قطعًا حرم الظلم من طريق الأولى، لأن الظلم تفسيره: وضع الشيء في غير موضعه فيصير فعله فعل جاهل بعد المعرفة، فيكون الظلم مكابرة لما رأى بنور عقله.\nوالأول تركًا للرؤية كالذي لم يفتح عينيه حتى وقع في بئر فيقبح منه ذلك.\nوالذي فتح فرأى البئر ثم أوقع نفسه فيها قصدًا كان الفعل منه أقبح.\nومثاله في باب الشرع: من بلغته الدعوة والمعجزة فلم يتأمل وكفر كان قبيحًا.\nوالذي تأمل وعرف ورد تعنتًا كان أقبح نحو كفر إبليس وفرعون عليهم اللعائن حيث جحدوا واستيقنت أنفسهم ظلمًا.\nأما العبث: فحرام عقلًا لأنه اسم لفعل يخلو عن الفائدة لأن نفس الفعل وإن قل ففيه أدنى مشقة، فلا يتحمل عقلًا إلا لفائدة أولى منها.\nوالسفه: اسم لما يوجب مضرة فكان أقبح من الأول لوجود معنى الأول فيه من فوت الفائدة وزيادة من ضرر، فكان السفه من العبث كالظلم من الجهل ففي الجهل، والعبث حرمان الفائدة، وفي الظلم والسفه قبح العاقبة، والله أعلم.","vol":"1","page":455},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>القول في محرمات العقل قطعًا للدين</span>\nهذه المحرمات أربعة:\nأ-الإيمان بالطاغوت.\nب-وكون الخلق للحياة الدنيا واقتضاء الشهوات فيها.\nج-والإنكار بالصانع.\nد-والإنكار بالبعث للجزاء.\nفهذه محرمات لقبح فيها لا لأنها أضداد الواجبات التي مر ذكرها في باب: موجبات العقل للدين وأما للإيمان بالطاغوت: فإنه اسم لما عبد دون الله ﷾ أو سمي قديمًا دونه، أو أولًا على حسب اختلاف المشركين والملحدين، وذلك لأن ما دون الله لا يخلو عن صفات الحدث كما هو نفسه لا يخلو عنه فلما حرم على نفسه القول بأنه الإله المعبود فليحرم القول به لغيره من طريق الأولى، وإلى هذا أشار الله تعالى فقال: ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم﴾ يعني من حيث أنها مخلوقة، ثم قال: بل هي دونكم فقال: ﴿ألهم أرجل يمشون بها﴾ الآية.\nوأما القول بأن الدنيا مخلوقة لاقتضاء الشهوة: فحرام لأنك كما لا تجد نفسك، ومن دون الله إلا وأمارات الحدث فيه ظاهرة فلا تجد شهوة إلا مشوبة بما لا يشتهى، فإن الحياة رأس مال الحي، وقد ابتلي الحي بالموت.\nوالشهوة شهوتان: شهوة بطن، وشهوة فرخ وما سواهما أتباع في حق الحياة.\nوشهوة البطن في الأكل والأكل لا ينال أصله إلا بضرب كسب، ويحتاج بعده إلى قضاء الحاجة التي لو تأمل في قبحه ما باشر العاقل سببه مع الإمكان بدونه، ألا ترى أن الأكل في الآخرة كيف يخلو عن الكسب وعن قضاء الحاجة لما كان لاقتضاء الشهوة، والجماع لا ينال إلا بطلب وغرامة ثم لا تقضى الشهوة إلا بذهاب القوة، وقد تقصينا الكلام فيه في كتاب\"الأمد الأقصى\"، حتى خلا جماع الآخرة عن طلب السبب وعن الإنزال الذي فيه ضعف فيحرم القول بأنه خلق لاقتضاء الشهوات فيها، ولا تنال شهوة خالية عما لا يشتهى.\nوأما الكفر بالله: فحرام لأنه من حيث عرف نفسه مخلوقًا يعرف الله تعالى خالقه","vol":"1","page":456},{"text":"والمنعم عليه، والكفر بمن أنعم عليه حرام لأنه من فعل اللسان بمنزلة ذم من أحسن إليه فيكون كذبًا وظلمًا وسفهًا، فقد وضع الشيء في غير موضعه ولما حرم الكفر بالله حرم إنكار البعث للجزاء لأن خلق الدنيا بدون البعث للجزاء يكون عبثًا من الله تعالى على ما مر، وفي وصف الله تعالى بالعبث كذب عليه كالكفر كذب على الله تعالى فكانا بابًا واحدًا، والله أعلم.","vol":"1","page":457},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>القول في مباحات العقول الجائزة للدنيا</span>\nهذه المباحات أربعة أقسام، ونعني بالجائزة: ما يجوز أن يكون مباحًا عقلًا، ولا يجب حتى يجوز القول بحرمتها إذا قام دليل الحرمة شرعًا أو عقلًا.\nفأما الأقسام: فنحو مباشرة أسباب البقاء فوق ما تندفع به الضرورة، وجمع المال\nفوق الحاجة من نوع واحد، أو من الأنواع كلها، والتزين بأنواع ما يتجمل به على وج لا يتعلق به القوام، والجماع لا لطلب الولد، أو فوق ما يكتفى به للود من النساء فهذه إباحات غير واجبة بالعقول، ولهذا جاء الشرع بالتحريم فيها مرة وبالإباحة أخرى.\nوقد مر أن موجبات العقل لا يرد الشرع بخلافها لأن الشرع والعقل حجتان من الله تعالى على عباده.\nوحجج الله تتأيد ولا تتناقض فمجيء الشرع بالتحريم دليل على أن العقل جوز تحريمه.\nوإنما كانت الإباحة لظاهر دليل يحتمل أن لا يكون دليلًا أو لانقطاع دليل كالعمل بدليل القياس جائز ويجوز ورود الشرع بخلافه فيبطل، وقد اختلف العلماء في حكم هذه الأقسام بمجرد العقول؟\nفقال بعضهم: لا نشتغل بها لأن الله تعالى لم يدعنا والعقول.\nوقال بعضهم: بالحرمة حتى تثبت الإباحة بدليل شرعي.\nوقال بعضهم: بالوقف.\nوقال علماؤنا: بالإباحة حتى يقوم دليل الحظر.\nأما الأول فقد مضى.\nوأما الثاني: فنقول إن الإنسان عبد الله والدنيا كلها لله تعالى.\nوالأصل في ملك الغير حرمة التناول حتى يبيحه المالك وكما في عبيدنا معنا، ولا دليل فيما وراء ما يتعلق به أصل البقاء من حيث الضرورة وضرورة الحاجة كانت مبيحة فبقي ما وراءها تحت الحرمة.\nوأما الثالث فنقول: إن دليل العقل فيها يحتمل الإباحة والحظر، ولهذا جاء الشرع بالحظر تارة وبالإباحة أخرى والشرع لا يأتي بمخالفة دليل العقل ولكن قد يتبين به ما يدل عليه العقل مما كان قد يخفى قبل الشرع لقلة التأمل أو لاحتمال دليل العقل أو لتعارض","vol":"1","page":458},{"text":"دقة الأصول عند الله تعالى.\nوالقول الرابع: قول علمائنا: والحجة فيها ما ذكرنا من الآيات المثبتة أنها خلقت لنا ولما ذكرنا أن الخلق لا لهذه الحكمة عبث، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وبدليل أن الله تعالى ما حرم شيئًا من أنواع هذه المتناولات إلا لمصالح تعود إلينا في الحرمة.\nفحرم الزنا لما فيه من ضياع النسل لعدم التربية في ذلك.\nوحرم الإسراف في الأكل لما فيه من الضرر.\nوحرم تضييع الأموال لما فيه من السفه.\nوحرم الخمر لما فيها من نقص العقول والصد عن ذكر الله تعالى وأفعال المجانين.\nوحرم القمار لما فيه من البغضاء والعداوة وفساد الأموال.\nوحرم الخنزير لما فيه من عدوى طبعه إلى الأكل وكذلك سائر السباع الناهشة.\nوحرم ما حرم باسم الخبائث ليدلنا على حكمة التحريم أنه ما حرم على سبيل الابتلاء بالتحريم لكن حتى لا يعدو إلينا الخبث الذي فيها.\nوأباح عند الضرورة لأن ضرر الهلاك فوق ضرر عدوى الخبث، ونقضان العقل بالخمر إلا الزنا لأنه لا يتصور فيه ضرورة مهلكة، لأنه حرم لصلاح النسل وحقهم مثل حقه فلا يسقط حقهم بحقه كما إذا أكره عن القتل، ولو كان التحريم لحق الله تعالى لما سقط بضرورتنا كحرمة الكفر وحرمة الفطر عن الصوم، فإنه وإن هدد بالقتل لم تسقط الحرمة حتى إذا صبر وقتل كان مأجورًا لأن الحرمة ثبتت حقًا لله تعالى، فلم تسقط بحقنا فصار العبد في طاعة الله بالانتهاء عما حرمه عليه.\nولو هدد على أكل الميتة بالقتل فصبر حتى قتل أثم لأن الصلاح لما تعين في التناول سقطت الحرمة لأنها ثبتت لمال فيها من الصلاح، فلما تبدل الصلاح وصار في الإباحة سقطت الحرمة، ولما سقطت الحرمة لم يكن الامتناع عنه طاعة لله تعالى فصار بالامتناع موقعًا نفسه في الهلكة لا على سبيل طاعة الله تعالى فأخذ به.\nفثبت أن التحريم من الله تعالى كان على سبيل نهي الطبيب المريض عن بعض الأغذية لصلاح المريض في الامتناع عنه لحاله ثم يبيحه له إذا صار الصلاح في التناول، والنهي عن شرب الدواء في بعض الأحوال، والأمر به في البعض من غير تبدل حال المشروب في نفسه بل لتبدل حال الشارب.\nوقد يبيح الطبيب شيئًا لإنسان دون إنسان مع اتفاق حالهما، وإن كان لهما جميعًا صلاح في التناول لأن الصلاح في الكف أتم فنهى عن التناول أحدهما ليظهر له زيادة عناية بمكانه، وإن كان التناول صالحًا.","vol":"1","page":459},{"text":"والذي دل على أن التحريم من هذا الطريق وأن الأصل هو الإباحة قول الله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحى إلى محرمًا على طاعم يطعمه﴾ الآية فعلم رسول الله الاحتجاج بلا دليل على أن التحريم من طريق الشرع، وعدم الدليل لا يكون حجة للإباحة فعلم أن الإباحة فوق الحاجة أصل ثابت بدليل العقل ظاهرًا لا قطعًا، وإنه حجة يجب العلم به حتى يتبين بالشرع أن الحق في خلاف ذلك الظاهر الذي كان يحتمله الدليل فيصير دليل الشرع كالمخصص لدليل العقل، ويكون حكمه حكم الخاص يرد على العام فيبقى العام حجة فيما لم يرد الخصوص فيه.\nفأما الجواب عن قولهم: إن العبد والدنيا لله تعالى فهذا استدلال واهي، لأن ملك الغير لا يحرم تناوله لمعنى في المتناول بل صيانة لحق المالك، فإن حقه ثبت لما يعود إليه من الفائدة بتملكه حتى إذا مات وصار بحيث لا يحتاج سقط ملكه.\nولما ثبت الملك لحاجته إليه في الجملة وجب الصيانة عليه حتى لا يتضرر بالائتلاف عليه.\nفإن الإضرار ظلم فنهى الغير عن تناوله كما نهى عن شتمه وسائر وجوه الإضرارات إلا أن يوجد إذنه فيباح لسقوط حقه بإذنه، وسقط معنى الضرر، إذا جاء الرضى فإن الإباحة إحدى جهات التصرف من المالك فلا يكون نفاده من الملك ضررًا يلحقه.\nوأما الملك لله تعالى فليس يثبت من هذا الطريق-تعالى الله عن ذلك-بل لأنه خلقه وكونه وليس يجب الصيانة عليه لدفع الضرر عنه-تعالى الله عن ذلك-بل خلقه للحكمة التي قلناها وذلك في أن تكون هذه الأشياء مخلوقة لبني آدم فيصير الأصل هو الإباحة كالمولى جعل شيئًا لمكاتبه فإن الحظر الذي يكون من جهة المالك يزول بهذا الجعل.\nولما صارت هذه الأشياء بحيث لا يتضرر المالك بتناولها، ولا ينتفع ببقائها أشبه من أموال الناس ملا ينتفع به من حبة سمسم وقطرة ماء ونحوها، وهذا القدر مباح التناول إذا وجدت ساقطة على الطريق.\nفإن قيل: إنما جعلنا هذه الأشياء مخلوقة لنا حتى لا يخلو الصنع عن العاقبة الحميدة، وهذه الحكمة تثبت بأن يجعلها لنا من حيث نستدل بها على الصانع.\nقلنا: قلنا: فائدة الاستدلال بها من قبيل فائدة الاستدلال بنفسه من حيث الاستدلال بأمارات الحدث بل في الفلك ما يوجب الشبهة، ويدل على الإنسان حتى لم يختلف الحكماء في حدث الإنسان.\nوقال بعضهم بمن ينسب نفسه إلى الحكمة: بقدم العالم العلوي، أو الطباع على حسب اختلافهم","vol":"1","page":460},{"text":"ألا ترى أن إبراهيم فيما حكى الله عنه من الاستدلال عليه لم يبدأ بنفسه، ولم يقل: أنا رب، ولم يشكل عليه حدثه، ولم يكن أيضًا مشكلًا على غيره إذ لو كان لبدأ بها ليزيل الإشكال عن غيره بأمارات الحدث.\nوبدأ بدعوى الربوبية للنجم والقمر والشمس لإشكال كان على القوم، فأزال الإشكال بذكر أمارات الحدث لتقع البراءة عنها إلى الله تعالى فثبت أن الفائدة ما قلناه.\nولأن حرمة التناول لم يجز إثباتها لحق الله تعالى على ما بينا، ولا لحق هذه المخلوقات في أنفسها لأنه لا حق لها على ما بينا علم أنها خلقت لنا.\nوالخلق لنا يوجب الإباحة عامة لا أن يثبت مقتضى ثبوت الحكمة للخلق فإن الحكمة ثابتة في أن خلقت لنا ثم الإباحة بحكم أنها خلقت لنا، والله أعلم.","vol":"1","page":461},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>القول في المشروعات الدينية الجائزة بالعقول </span>ثبوتها وسقوطها وظهر\nالتناسخ فيها شرعًا ولم يدم وجوبها\nاختلف العلماء في حكم دلالات العقول على هذه المشروعات الدينية لولا الشريعة على أقوال أربعة:\nفقال قائلون: الاشتغال به لغو لأن الله تعالى لم يدعنا والعقول بمجردها.\nوقال بعضهم: هذه المشروعات كلها تكون حسنة بالعقول لولا الشريعة لا تزيد على صفة الحسن بدلالة العقل.\nوقال بعضهم: أما العبادات فكانت تجب دائمة لولا الشرع لا راحة عنها إلا عند عدم الإمكان كالإيمان بالله تعالى وإنما سقط لا لضرورة بالشرع تيسيرًا، وإليه ذهب بعض الصوفية.\nوأما العقوبات المعجلة فما وجبت إلا شرعًا.\nوالمختار عندنا أن على العبد بمجد العقل أن يؤمن بالله تعالى ويعتقد وجوب الطاعة على نفسه لله تعالى على أوامره ونواهيه وإنه خلقه لعبادته لكنه يقف نفسه للبدار إلى ما يأمره وينهاه من غير أن يقدم على شيء منه بالاستباحة تعظيمًا لله تعالى، لا لقبح هذه المشروعات قبل الأوامر بل مع معرفة حسنها بدلالات العقل، وهو مذهب علمائنا﵏ولهذا كان بعث الرسل-صلوات الله عليهم-على الله تعالى حقًا واجبًا ليمكنهم الإقدام على العبادة، الوقف للطاعة ضرب عبادة ما فيها تميل للعقل فكان يلزمه ذلك بمجرد العقل مع اعتقاد أنه مخلوق للعبادة المطلقة فإنها مجملة وأن الله تعالى يبين له ذلك.\nأما القول الأول فعلى ما مر.\nوأما الثاني: فلأن العبادة اسم لما حسن فعلها في الشاهد تعظيمًا للمعبود فليزمه اعتقاد فعلها على أنها حسنة، وسأتي بها على هذا الوصف.\nوأما الوجوب فلا يثبت إلا بالشرع.\nوأما الثالث: فلأن العبد لله تعالى بنفسه ومنافعه، وقد علم بدلالة عقله أنه مخلوق لعبادته فيصير صرف نفسه ومنافعه إلى العبادة أصلًا دائمًا، كما في الإيمان إلا إذا لم يمكنه.","vol":"1","page":462},{"text":"وأما الرابع؛ فلأنا نقول: إنه ثابت بدلالة العقل أنه مخلوق لعبادته، كما ثبت أن الدنيا مخلوقة له فيلزمه اعتقاد وقف نفسه للعبادة، كما لزمه اعتقاد أن الدنيا خلقت لمصالحه.\nفأما عبادة معتادة عبادة في الشاهد فلا يأتي بها إلا بعد الأمر لأن الإتيان به.\nوإن كانت عبادة فالكف عنها هيبة، واحتشامًا إلى أن يؤمر عبادة أيضًا، فإنه ما من فعل يكون عبادة إلا وفيه ضرب بسوطه، وطلب قرب منزلة فإن رأس العبادات الصلاة، وإنها بمنزلة المناجاة مع الملك في الشاهد، وفي لمصير إلى مكان الخلوة للخدمة.\nوالمناجاة ضرب بسوطة وطلب منزلة واقتضاء مراد وكانت قرة عين رسول الله ﷺ في صلاته فلما كانت مشوبة ما عليه بما له لم يقدم على ما له بمجرد العقل واقتصر على مجرد ما عليه من وقف نفسه، ولو عن الحركة حتى يأتيه الأمر.\nولهذا قال علماؤنا﵏-:إن الأصل في الدعوات والعبادات كف اليد عن الرفع إلا حيث أذن، وكف البصر عن الشخوص وخفض الصوت بالدعاء إلا حيث أذن به، وبه نطق كتاب الله تعالى: ﴿أدعوا ربكم تضرعًا وخفية﴾، وقال الله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾.\nوالجملة فيه: أنا عرفنا بدلالة العقل أن الله تعالى خلقنا لنؤمن به ونعبده كما نطق به كتاب الله: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ وسائر الآيات لكن العبادة مجملة فيجري مجرى خطاب الله إيانا بالصلاة فما يلزمنا من أمره بالصلاة بالوحي قبل البيان يلزمنا من أمره بالعبادة الثابتة بدلالة العقل فرأس الإسلام التعظيم، وهو الكف عن كل فعل على اعتقاد الطاعة حتى يأتينا البيان مخافة أن نقع بما يتصور عندنا حسنًا فيما ليس بحسن مرضي لله تعالى تعظيمًا له.\nألا ترى أن بعد الشرع كانت الصلاة بلا طهارة قبيحة ومكروهة في بعض الأوقات وترددت بين فاسدة وجائزة.\nوهذا كما قلنا في الدنيا إنا نعلمها بدلالة العقل مخلوقة لنا ولضروب فوائد تعود إلينا، ولكن الانتفاع بعين منها لعين منفعة لا يكون إلا ببيان أن ذلك العين يصلح لتلك المنفعة غير أن الصلاح لنا مما يعرف بدلائل غير دلالة الوحي وأن يكون مرضيًا لله تعالى لا يعرف إلا بدلالة الوحي، والله أعلم.\nولهذا المعنى كان ترك اعتقاد وجوب الطاعة فرارًا لأنه من الإيمان فأما الطاعة نفسها فتركها فسق وفعلها فيه زيادة فضيلة ودرجة، فكان أمرًا زائدًا على الإيمان من جملة ما يحتمل قبحًا في الجملة.\nويدل عليه أن هذه العبادات علقت بأسباب شرعًا لا تدرك بالعقول كزوال الشمس والبيت وخمس من الإبل السائمة.","vol":"1","page":463},{"text":"والإيمان بالله علق وجوبه بآيات الحدث فينا وهي معروفة بدلالات العقل فقام العقل في إيجاب الإيمان مقام الشرع في العبادات ولهذا قلنا: إن الله تعالى لا يخاطب الكافر بالعبادة إبانة لهوانه وعدم أهليته لا نظرًا ومرحمة، ولما كان مشوبًا بالكرامة لم يكن للعبد المصير إليها إلا بأمر لما فيه من الترقي إلى درجة الكرامة.\nقال القاضي أبو زيد﵀-:انتهى كلامي في ذكر الحجج والخطاب إلى ما ختمت عليه الكتاب ليفارق الآدمي البهيمة في علمه، ويفرق بين حفظه وفهمه.\nولما كان ذكر الحجج لإفادة العلم، والعلوم أنواع لم يكن بد من ذكرها وذكر أضدادها، وما يختلف عليه أحوال قلب الآدمي فيه، وأنا استوفق الله تعالى وأستهديه ليعنني على كشف ما أنا فيه، والله أعلم.","vol":"1","page":464},{"text":"باب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>القول في أحوال قلب الآدمي قبل العلم، وأحواله بعد العلم</span>\nقال القاضي﵀-:يولد الإنسان وهو نظير المجنون في عدم العقل، ليس معه قدرة التمييز التي بها خوطب الإنسان بهذه العلوم، وضده العاقل لا العالم ثم يصير عاقلًا.\nوالعقل: عبارة عن نور في الصدر به يبصر القلب إذا نظر في الحجج كالشهاب للعين، ومع هذا النور يبصر القلب الأمور الغائبة عن الحواس إذا نظر في الحجج، كما أن العين إنما تبصر مع نور الهواء إذا نظر فيصير الإنسان إذا عقل قادرًا على النظر لكنه على جهل ما لم ينظر، وضد الجهل العلم.\nثم ينظر نظرًا ضعيفًا فيصير شاكًا، والشك ضد اليقين، وذلك كالشيء يبدو للعين إذا نظر إليه بدوًا غير قوي فلا يميز الناظر إليه بين حقيقة وجود لا شيء، وبين جبال تمثل للعين، أو علم بحقيقة الوجود، ولكن احتمل أن يكون زيدًا أو عمرًا فيشك فيما رأى ولن يكون الشك إلا بإحتمال الأدلة، ونظيره الريب.\nثم ينظر نظرًا فوق ذلك غير تام فيصير ظانًا، والظن في اعتقاد القلب أحد وجهي الشك برجحانه على الآخر بهوى النفس، لا بدليل هو دليل على الحقيقة كظن الكفرة الأصنام آلهة، والملائكة بنات الله ونحوها من اعتقادات كانت لهم بلا دليل.\nقال الله تعالى: ﴿إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئًا﴾ ولهذا صح استعارة الظن للعلم فإن مثل تلك الرؤية للقلب إذا كان عن دليل كان علمًا وحقًا على ما نذكره.\nوضد الظن الحق كما قال الله تعالى: ﴿وإن الظن لا يغنى من الحق شيئًا﴾.\nفهذه أحوال أربعة للقلب قبل العلم، وقبل النظر في الحجج نظرًا على وجهه، فإذا صار النظر على الوجه وميز بين الدليل وما ليس بدليل وطلب الرجحان لأحد وجهي الشك بالحجة وترجح ومال القلب إليه من غير يقين فذلك مبدأ العلم بغالب الرأي؛ كالعلم الذي يقع بالمقاييس والاجتهادات التي تحتمل الخطأ وأخبار الآحاد ونحوها من الأدلة المجوزة على ما مر القول في بيانها.\nوهذه الحالة تسمى علمًا لكنه على سبيل المجاز لقيام شبهة الخطأ واحتمال مع هذا الدليل.","vol":"1","page":465},{"text":"واسمه على الخصوص الحق لأنه ثبت بدليله.\nوضده الظن إذا ثبت لا عن دليل لكن بهوى النفس.\nثم إذا جد في النظر وفوق للإصابة وزالت الشبهة من كل وجه عن تبدي الحق للقلب صار علمًا الذي ضده الجهل.\nفصار حد العلم رؤية القلب المنظور فيه كرؤية العين المنظور إليه فالعلم للقلب صفة خاصة كالرؤية للعين.\nوقد تستعار الرؤية عن العين للقلب لأن العلم بمعناه.\nوالرؤية إنما تكون بتبدي المنظور إليه للعني، فكذا العلم بتبدي المنظور فيه للقلب.\nوالاعتقاد عندنا صفة زائدة للقلب بعد العلم بعلم ثم يعتقد أي: يعقد الإنسان قلبه على ما رأى، وإنما يتبين الشيء بضده فضد العلم الجهل وضد العقد الحل، وحتى أضيف العقد إلى كل شيء، يقال: عقد الحبل فانعقد، كما تقول في ضده: حللته فانحل، والعقد والعزم والقصد في صفات القلب نظائر بعضها فوق بعض، وذلك كله بعد العلم أي بعد رؤية ما يعتقده ويقصده ويعزم عليه.\nوكان إبليس على هذا عالمًا بالله تعالى غير معتقد أي: غير مؤمن ولا مصدق ولا عامل بعلمه، فإنه للقلب كالطاعة للبدن يعلم بوجوب الصلاة ثم يعمل به فيكون تصديقًا لقلبه على ما علم، وإن ترك كان تكذيبًا لقلبه بفعله واسم هذا العلم على الخصوص اليقين الذي هو ضد الشك على الخصوص، وهو ضرب من الجهل.\nثم العلم الأول ما يقع للقلب لا يخلو عن ضرب اضطراب بحكم ابتداء الوقوع كالرجل يدخل دارًا أول ما يدخل فيكون على اضطراب بحكم ابتداء الصحبة.\nوالعين ترى الشيء لأول ما ترى فإذا دامت الرؤية وزال اضطراب البدو صار العلم معرفة؛ كالغريب إذا دخل بلدة وصحب أهلها تثبتت بينهم المعرفة، وإن كان يثبت العلم بأول الرؤية، ولهذا يقال للبهائم: عرفت كذا، ولا يقال علمت لأنها لا تعرف شيئًا إلا بالعيان الذي يزيل كل اضطراب.\nوالعلم ما يكون بنظر القلب والاستدلال الذي هو دون العيان حتى إذا زال الاضطراب بدوام الصحبة قيل: معرفة، وضد المعرفة الفكرة.\nوضد العلم: الجهل.\nثم النكرة بعد المجهول بدرجة فإنك إذا قلت: أعط زيدًا درهمًا من غير إشارة إلى أحد كنت أمرت بإعطاء رجل مجهول لا نكرة.\nفزيد معرفة لغة إلا أنك جهلته للتعارض فإن الزيدين كثيرة.","vol":"1","page":466},{"text":"وإذا قلت: أعط رجلًا درهمًا، كنت أمرت بإعطاء رجل نكرة فرجل منكور لأنه مجهول بعدم دلالة المعرفة لا للتعارض وزيد جهل بعد قيام اسم المعرفة بحكم التعارض فتكون النكرة من الجهل كالجهل من الشك.\nفتقول: فلان جهل ربه إذا لم يعلمه، وفلان أنكر إذا زاد على الجهل التكذيب والجحد.\nويقال: علمت فلانًا لكنه ليس من معارفي، إذا لم يكن بينكما صحبة.\nفعلمت أن المعرفة فوق العلم بزيادة صفة الصحبة للقلب لا بزيادة درجة الثبوت، فإنهما سيان في اليقين.\nثم العلم بعدما يصير معرفة ينقسم إلى ضربين:\nعلم الظاهر دون المعنى الباطن الذي فيه الحكمة، وعنده يلتذ القلب به ويصير معقولًا له ويجري مجرى الطبيعة فإن العقل مما خلق فينا ورأيه بمنزلة رأي هوى النفس في القبول وسكون الإنسان، فمتى نظر بدلالة عقله ووقف على المعنى الباطن والتذ القلب به بعدما اطمأن إليه صارت المعرفة فقهًا.\nوالفقه: اسم لضرب علم أصيب باستنباط المعنى.\nوضد الفقيه صاحب الظاهر وهو الذي يعلم بظاهر النصوص من غير تأمل في معانيها ولا يرى القياس حجة.\nولو كانا لعلم والفقه سواء لم يكن ضد الفقيه نوعًا من العلماء بل كان ضده الجاهل.\nوإلى هذه تناهى حد العلم فيرى القلب أول ما يرى بغالب رأيه من غير يقين فيميل إليه، ثم تزول الشبهة فيصير علمًا حقيقة ثم يقر عليه فيصير معرفة ثم ينظر في معناه وحكمته فيقف عليهما فيصير فقهًا وقد فسر عبد الله بن عباس ﵁ الحكمة بالفقه في جميع القرآن.\nولهذا خص بهذا الاسم العلماء الذين يرون القياس حجة لأن القياس لا يكون حجة إلا بالوقوف على المعاني الباطنة.\nغير أن الله تعالى يوصف بالعلم وال يوصف بالمعرفة والفقه، لأن العلم يتبدى المعلوم للعالم على حقيقته، والله تعالى لا يخفى عليه شيء فكان عالمًا.\nوالمعرفة والفقه اسما حالي العلم على ما مر، وليس لله تعالى أحوال في صفاته وأسمائه تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا فلا علم لنا إلا بديل.\nوالدليل قد يكون حسيًا وقد يكون عقليًا أي لا يعرف دليلًا إلا بدلالات العقول كالآيات على الله والمعجزات على الرسل ﵈.\nفالحسيات مما يشارك البهائم الآدميين في المعرفة الواقعة بها، فإنها تعرف أولادها","vol":"1","page":467},{"text":"وأجناسها ومراحها ومسرحها لأن لها حواسًا كالآدميين، وإنما يفارق الآدمي غيره في ما لا يعرف دليلًا إلا بدلالات العقول.\nثم الدليل قد يفهم، وقد يحفظ.\nوالحفظ مما تشارك البهيمة الآدمي فيها فإنها حفظت الأدلة الحسية من ضروب الأشباه والأعلام وهو كالصبي الصغير يحظ القرآن ولا يفهمه.\nوالعجمي يحفظ القرآن ولا يفهمه.\nالحفظ طبيعي للقلب والفهم عقلي.\nوضد الحفظ النسيان وما هو بضد للفهم، يقال: فهم وعقل بمعنى واحد لا يكون إلا بدلالة العقل فاستعير لفظة عقل لفظة فهم.\nوقد يكون العلم بحفظ الأدلة التي هي تصورها حجة كالنصوص عن صاحب الشرع، ولا يكون الفقه إلا بالفهم وبالله التوفيق.\nفلهذا لا يلتذ الإنسان بعلمه حتى يفقه، لأن العلم يقع بسماع النصوص الموجبة للعلم انقيادًا للشرع، واستسلامًا لما عرف من عصمة الرسول ﷺ عن الكذب فكان انقيادًا، بخلاف طبعة كرهًا إسلامًا لأمر الله تعالى، فإذا فهم المعنى وصار العلم فقهًا كان علمًا على موافقة طبيعة العاقل، فإن المعقول للعقلاء طبيعي عقولهم كالمحسوس للبهائم فيصير لذيذًا لا يصبر عنه ساعة، ولا تقابله لذة يشار إليها من أنواع اللذات إلا لذة العمل بالعلم من أنواع العبادات لأنه لا تخلو عبادة عن منزلة قرب وكرامة، وإلى ذلك يتناهى ما يتحقق لذة في الدنيا، ولهذا قال النبي عليه:\"وجعلت قرة عيني في الصلاة\"، وبالله التوفيق.","vol":"1","page":468}]}