{"ً":{"ٌ":13873,"ٍ":"التفسير اللغوي للقرآن الكريم","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم القرآن/التفسير اللغوي للقرآن الكريم - الطيار","files":["tfslg.pdf"]},"ّ":"الكتاب: التفسير اللغوي للقرآن الكريم\nالمؤلف: د مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار\nالناشر: دار ابن الجوزي\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٢هـ\nعدد الصفحات: ٧٢٤\nالكتاب إهداء من مؤلفه - جزاه الله خيرا - للمكتبة الشاملة\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":27,"ٕ":4,"ٖ":1770153691,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":12},{"title":"الباب الأول التفسير اللغوي: مكانته ونشأته","level":1,"page":21},{"title":"الفصل الأول التفسير اللغوي ومكانته","level":2,"page":22},{"title":"المبحث الأول تعريف التفسير اللغوي","level":3,"page":23},{"title":"أولا: تعريف التفسير","level":4,"page":23},{"title":"التفسير لغة","level":5,"page":23},{"title":"التفسير اصطلاحا","level":5,"page":25},{"title":"تحليل هذه التعريفات","level":5,"page":29},{"title":"المعومات التي تتضمنها كتب التفسير (حاشية)","level":5,"page":32},{"title":"التعريف المختار لمصطلح التفسير","level":5,"page":36},{"title":"ثانيا: تعريف اللغة","level":4,"page":36},{"title":"اللغة في اللغة","level":5,"page":36},{"title":"اللغة اصطلاحا","level":5,"page":37},{"title":"مصطلح اللغة في كلام السلف","level":5,"page":41},{"title":"المعاني المرادفة للفظ اللغة في القرآن وكلام السلف","level":5,"page":41},{"title":"ثالثا: تعريف التفسير اللغوي","level":4,"page":42},{"title":"المبحث الثاني: مكانة التفسير اللغوي","level":3,"page":44},{"title":"الفصل: الثاني: نشأة التفسير اللغوي","level":2,"page":56},{"title":"تمهيد","level":3,"page":58},{"title":"أولا: التفسير اللغوي عند السلف","level":3,"page":63},{"title":"المصادر النقلية في التفسير","level":4,"page":63},{"title":"هل ورد تفسير لغوي عن النبي ﷺ","level":4,"page":66},{"title":"طريقة السلف في التفسير اللغوي","level":4,"page":69},{"title":"الأسلوب الأول التفسير: اللفظي عند السلف","level":4,"page":70},{"title":"أن يذكروا معنى اللفظ مجردا من الشاهد اللغوي","level":4,"page":71},{"title":"أن يستدلوا لمعنى اللفظ من لغتهم شعرا أو نثرا","level":4,"page":72},{"title":"أسلوب الوجوه والنظائر","level":4,"page":91},{"title":"الأشباه والنظائر في اللغة","level":4,"page":93},{"title":"الوجوه والنظائر في الاصطلاح","level":4,"page":93},{"title":"بداية الكتابة في هذا العلم","level":4,"page":96},{"title":"علاقة الوجوه والنظائر بالتفسير اللغوي","level":4,"page":97},{"title":"كليات الألفاظ القرآنية","level":4,"page":105},{"title":"ثانيا: التفسير اللغوي عند اللغويين","level":3,"page":108},{"title":"تمهيد","level":4,"page":109},{"title":"القسم الأول: المشاركة غير المباشر في تفسير القرآن","level":4,"page":115},{"title":"أولا: التفسير اللغوي في كتب الموضوعات","level":5,"page":116},{"title":"ثانيا: التفسير اللغوي في معاجم الحروف","level":5,"page":119},{"title":"القسم الثاني: المشاركة المباشرة في تفسير القرآن","level":4,"page":124},{"title":"كتب اللغويين في معاني القرآن وغريبه","level":5,"page":124},{"title":"طريقة التفسير اللغوي في هذه الكتب","level":5,"page":129},{"title":"أولا: كثرة مباحث الصرف والاشتقاق","level":6,"page":129},{"title":"ثانيا: كثرة المباحث النحوية","level":6,"page":130},{"title":"ثالثا: كثرة الاستشهاد من لغة العرب","level":6,"page":131},{"title":"رابعا: بيان الأساليب العربية الواردة في القرآن","level":6,"page":134},{"title":"التفسير على المعنى","level":5,"page":136},{"title":"علم الوجوه والنظائر عند اللغويين","level":5,"page":137},{"title":"أسلوب التفسير اللفظي عند اللغويين","level":5,"page":139},{"title":"أولا: أن لا يستشهدوا للتفسير","level":6,"page":139},{"title":"ثانيا: أن يستشهدوا لتفسيرهم","level":6,"page":140},{"title":"الفصل الثالث: مسائل في نشأة التفسير اللغوي","level":2,"page":142},{"title":"المسألة الأولى: في سبق السلف في علم التفسير","level":3,"page":143},{"title":"المسألة الثانية: شمول التفسير بين السلف واللغويين","level":3,"page":149},{"title":"المسألة الثالثة: في الاعتماد على اللغة","level":3,"page":154},{"title":"المسألة الرابعة: في الشاهد الشعري","level":3,"page":162},{"title":"المسألة الخامسة: في علم الوجوه والنظائر","level":3,"page":173},{"title":"المسألة السادسة: التفسير اللغوي بين البصرة والكوفة","level":3,"page":177},{"title":"الباب الثاني: مصادر التفسير اللغوي","level":1,"page":181},{"title":"المصدر الأول: كتب التفسير","level":2,"page":182},{"title":"أولا: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري","level":3,"page":184},{"title":"وجوه تأويل القرآن","level":4,"page":184},{"title":"ضابط التفسير اللغوي عند ابن جرير","level":4,"page":185},{"title":"صور التفسير اللغوي عند ابن جرير","level":4,"page":188},{"title":"الأولى: الاستشهاد بأقوال السلف في التفسير اللغوي","level":5,"page":194},{"title":"الثانية: قبول المحتملات اللغوية الواردة عن السلف","level":5,"page":197},{"title":"الثالثة: استعمال اللغة في الترجيح","level":5,"page":199},{"title":"بعض القواعد اللغوية التي اعتمدها في الترجيح","level":4,"page":203},{"title":"ثانيا: الجامع لعلم القرآن، للرماني","level":3,"page":205},{"title":"مميزات هذا التفسير","level":4,"page":206},{"title":"كثرة استخدامه لأسلوب السؤال والجواب","level":4,"page":206},{"title":"ذكر المناسبات بين بعض الآي","level":4,"page":207},{"title":"تذييله لكل آية بما تضمنته من حكم","level":4,"page":207},{"title":"كثرة ذكره للفروق اللغوية بين الألفاظ","level":4,"page":207},{"title":"حرصه على بيان معنى أصل اللفظ","level":4,"page":208},{"title":"صور التفسير اللغوي في الجامع لعلم القرآن","level":4,"page":210},{"title":"الشواهد الشعرية","level":4,"page":210},{"title":"الأساليب العربية","level":4,"page":211},{"title":"أثر المعتقد في التفسير اللغوي عند الرماني","level":4,"page":212},{"title":"ثالثا: المحرر الوجيز، لابن عطية","level":3,"page":219},{"title":"ما تميز به التفسير اللغوي عند ابن عطية","level":4,"page":220},{"title":"أولا: مفردات ألفاظ القرآن","level":5,"page":220},{"title":"ثانيا: كثرة المحتملات اللغوية","level":5,"page":229},{"title":"ثالثا: الترجيح باللغة","level":5,"page":231},{"title":"أثر الاعتقاد على تفسير ابن عطية","level":4,"page":237},{"title":"المصدر الثاني: كتب معاني القرآن","level":2,"page":253},{"title":"أولا المراد بمعاني القرآن","level":3,"page":256},{"title":"ثانيا لماذا كتب اللغويون في معاني القرآن","level":3,"page":266},{"title":"أولا: معاني القرآن، للفراء","level":4,"page":272},{"title":"أثر الاهتمام بعلوم العربية في تفسيراته","level":5,"page":273},{"title":"صور التفسير اللغوي في كتاب معاني القرآن","level":5,"page":282},{"title":"أثر المعتقد في التفسير اللغوي عند الفراء","level":5,"page":296},{"title":"ثانيا: معاني القرآن، للأخفش","level":4,"page":302},{"title":"كتاب الأخفش كتاب نحو","level":5,"page":302},{"title":"صور التفسير اللغوي عند الأخفش","level":5,"page":304},{"title":"أثر المعتقد على التفسير اللغوي عند الأخفش","level":5,"page":309},{"title":"ثالثا: معاني القرآن وإعرابه، للزجاج","level":4,"page":312},{"title":"الزجاج بصري المذهب","level":5,"page":312},{"title":"صور التفسير اللغوي عند الزجاج","level":5,"page":313},{"title":"أثر المعتقد على التفسير اللغوي عند الزجاج","level":5,"page":321},{"title":"المصدر الثالث كتب غريب القرآن","level":2,"page":325},{"title":"الغريب في اللغة","level":3,"page":326},{"title":"الغريب في الاصطلاح","level":3,"page":326},{"title":"العلاقة بين كتب غريب القرآن ومعاني القرآن","level":3,"page":327},{"title":"أول كتب غريب القرآن","level":3,"page":327},{"title":"أولا: مجاز القرآن، لأبي عبيدة","level":3,"page":333},{"title":"أسماء كتابه","level":4,"page":333},{"title":"مفهوم المجاز عند أبي عبيدة","level":4,"page":334},{"title":"مراده من تأليف مجاز القرآن","level":4,"page":334},{"title":"صور التفسير اللغوي في مجاز القرآن","level":4,"page":336},{"title":"انتقاد منهج أبي عبيدة","level":4,"page":345},{"title":"مما انتقد عليه من جهة اللغة","level":4,"page":347},{"title":"مما رده من تفسير السلف","level":4,"page":350},{"title":"أثر المعتقد على دلالة الألفاظ عند أبي عبيدة","level":4,"page":355},{"title":"ثانيا: تفسير غريب القرآن، لابن قتيبة","level":3,"page":361},{"title":"منهج ابن قتيبة في كتابه","level":4,"page":361},{"title":"مميزات كتاب ابن قتيبة","level":4,"page":367},{"title":"إدخال تفسير السلف في كتابه","level":4,"page":367},{"title":"بيان الأصل اللغوي للفظ","level":4,"page":368},{"title":"كثرة الشواهد الشعرية","level":4,"page":369},{"title":"أثر المعتقد على التفسير اللغوي عند ابن قتيبة","level":4,"page":371},{"title":"ثالثا: غريب القرآن لابن عزيز السجستاني","level":3,"page":375},{"title":"منهج ابن عزيز في ترتيب كتابه","level":4,"page":375},{"title":"اهتمامه بالوجوه والنظائر","level":4,"page":376},{"title":"صور التفسير اللغوي عند ابن عزيز","level":4,"page":378},{"title":"منهج كتب غريب القرآن في ترتيبها","level":4,"page":381},{"title":"ملاحظات عامة على كتب غريب القرآن","level":4,"page":383},{"title":"المصدر الرابع: كتب معاجم اللغة","level":2,"page":384},{"title":"أولا كتاب العين، للخليل بن أحمد","level":3,"page":387},{"title":"نسبته إلى مؤلفه","level":4,"page":387},{"title":"نتائج قراءة هذا الكتاب","level":4,"page":387},{"title":"صور التفسير اللغوي في كتاب العين","level":4,"page":389},{"title":"ثانيا: كتاب جمهرة اللغة، لابن دريد","level":3,"page":394},{"title":"إملاؤه الكتاب من حفظه، وعدم نقله عن الكوفيين","level":4,"page":394},{"title":"نقد نفطويه والأزهري له","level":4,"page":394},{"title":"صور التفسير اللغوي عند ابن دريد","level":4,"page":395},{"title":"وهم ابن دريد في نسبة بعض الأقوال إلى أبي عبيدة","level":4,"page":398},{"title":"تحرز ابن دريد في التفسير","level":4,"page":401},{"title":"اتباعه اعتراضه على أبي عبيدة منهج شيخه أبي حاتم","level":4,"page":403},{"title":"ثالثا: كتاب تهذيب اللغة، للأزهري","level":3,"page":407},{"title":"مميزات كتابه","level":4,"page":407},{"title":"كثرة مواده اللغوية","level":5,"page":407},{"title":"أنه أوسع ممن تقدمه في عرض التفسير","level":5,"page":407},{"title":"اعتماده في المادة التفسيرية على معاني الفراء والزجاج","level":5,"page":408},{"title":"نقوله التفسيرية أكثر من أقواله الخاصة في التفسير","level":5,"page":409},{"title":"تعرضه لبعض المشكلات التفسيرية","level":5,"page":412},{"title":"صور التفسير اللغوي في كتابه","level":5,"page":413},{"title":"أثر المعتقد في التفسير اللغوي عند الأزهري","level":4,"page":419},{"title":"المصدر الخامس: كتب أخرى لها علاقة بالتفسير اللغوي","level":2,"page":427},{"title":"أولا: كتب غريب الحديث","level":3,"page":431},{"title":"ثانيا: كتب الاحتجاج للقراءات","level":3,"page":437},{"title":"ثالثا: شروح دواوين الشعر","level":3,"page":440},{"title":"رابعا: كتب الأدب","level":3,"page":444},{"title":"الباب الثالث: آثار التفسير اللغوي وقواعده","level":1,"page":447},{"title":"الفصل الأول: أثر التفسير اللغوي في اختلاف المفسرين","level":2,"page":448},{"title":"أولا: الاختلاف بسبب الاشتراك اللغوي في اللفظ","level":3,"page":453},{"title":"ثانيا: الاختلاف بسبب التضاد في دلالة اللفظ","level":3,"page":461},{"title":"ثالثا: الاختلاف بسبب مخالفة المعنى الأشهر في اللفظ","level":3,"page":470},{"title":"رابعا: بسبب أصل اللفظ واشتقاقه","level":3,"page":478},{"title":"خامسا: الاختلاف بسبب المعنى القريب المتبادر للذهن وضده","level":3,"page":485},{"title":"الفصل الثاني: أثر التفسير اللغوي في انحراف المفسرين","level":2,"page":493},{"title":"بدايات الانحراف في الأمة","level":3,"page":494},{"title":"اعتماد العقل في التصدي للزندقة","level":3,"page":499},{"title":"أسباب الانحراف في التفسير","level":3,"page":505},{"title":"أصناف في التفسير","level":3,"page":505},{"title":"الصنف الأول: بعض اللغويين","level":4,"page":506},{"title":"الصنف الثاني: أهل البدع","level":4,"page":510},{"title":"الأمور التي ظهر فيها انحراف المبتدعة","level":3,"page":518},{"title":"آلة المبتدعة في انحرافهم","level":3,"page":518},{"title":"الأول: في دلالات الألفاظ","level":4,"page":519},{"title":"اختيار المدلول اللغوي المناسب لمعتقدهم عند تعدد الدلالة","level":5,"page":519},{"title":"تفسير اللفظ بمدلول ما يشابهه في الرسم","level":5,"page":525},{"title":"إحداث مدلول مبتدع للفظ","level":5,"page":530},{"title":"الثاني: في أساليب الخطاب العربية","level":4,"page":535},{"title":"الثالث: في دلالة الصيغ","level":4,"page":543},{"title":"الفصل الثالث قواعد في التفسير اللغوي","level":2,"page":549},{"title":"أولا: كل تفسير لغوي وارد عن السلف يحكم بعربيته، وهو مقدم على قول اللغويين","level":3,"page":551},{"title":"طبقات السلف وحجيتهم في اللغة","level":4,"page":552},{"title":"ألفاظ لم يعرفها اللغويون إلا من طريق المفسرين","level":4,"page":555},{"title":"إشارة الطبري إلى الاحتجاح بتفسير الصحابي في اللغة","level":4,"page":560},{"title":"قول ابن العربي في ذلك","level":4,"page":560},{"title":"نقد الشوكاني في إشارته لعدم الاحتجاج بالوارد عن الصحابة إذا خالف اللغة","level":4,"page":562},{"title":"الرد على تضعيف بعض اللغويين لتفسير السلف","level":4,"page":563},{"title":"المراد بمصطلح التفسير والمفسرين عند اللغويين","level":4,"page":570},{"title":"ملحوظات حول هذه المسألة","level":4,"page":573},{"title":"* أن بحث المفسرين أوسع من بحث اللغويين","level":5,"page":573},{"title":"* أن قصر الاستفادة من تفسير السلف على ما لا يدرك من طريق اللغة قصور في البحث","level":5,"page":574},{"title":"* أفرز عدم وضوح هذه القضية عند اللغويين أن ردوا بعض تفسيرات السلف","level":5,"page":574},{"title":"تطبيق طريقة التعامل مع أقوال السلف التفسيرية","level":4,"page":575},{"title":"ثانيا: إذا ورد أكثر من تفسير لغوي صحيح تحتمله الآية بلا تضاد، جازا تفسير الآية بها","level":3,"page":582},{"title":"أنواع الاختلاف","level":4,"page":582},{"title":"الاختلاف الذي يرجع إلى معنى واحد","level":5,"page":583},{"title":"الاختلاف الذي يرجع إلى أكثر من معنى","level":5,"page":585},{"title":"مسألة احتمال النص في التفسير، وفهم السلف لها","level":4,"page":588},{"title":"تتابع أقوال العلماء على هذا المعنى","level":4,"page":591},{"title":"القسم الأول: المحتملات اللغوية الواردة عن السلف","level":5,"page":596},{"title":"القسم الثاني: المحتملات اللغوية الواردة عن غير السلف","level":5,"page":602},{"title":"ضوابط قبول هذه المحتملات","level":6,"page":603},{"title":"الضابط الأول: أن لا يناقض ما جاء عن السلف","level":7,"page":604},{"title":"الضابط الثاني: أن يكمن المعنى المفسر به صحيحا","level":7,"page":608},{"title":"الضابط الثالث: أن تحتمل الآية المعاني في السياق","level":7,"page":617},{"title":"الضابط الرابع: أن لا يقصر معنى الآية عليها","level":7,"page":617},{"title":"مثال للمحتمل اللغوي الذي يمكن قبوله","level":4,"page":621},{"title":"ثالثا: لا يصح اعتماد اللغة دون غيرها من المصادر التفسيرية","level":3,"page":624},{"title":"من أهم مصادر التفسير","level":4,"page":624},{"title":"مخالفات المعتمد على اللغة وحدها","level":4,"page":624},{"title":"مخالفة المصطلحات الشرعية","level":5,"page":625},{"title":"مخالفة أسباب النزول","level":5,"page":629},{"title":"مخالفة تفسير السلف","level":5,"page":631},{"title":"مناقشة من زعم الاكتفاء بلغة العرب في التفسير","level":4,"page":632},{"title":"دعوة معاصرة في هذا الباب","level":4,"page":635},{"title":"قاعدة ليس كل ما ورد في اللغة يلزم وروده في القرآن","level":4,"page":638},{"title":"انتقاد الشاطبي لمن يحمل كلام الله على علم البديع","level":4,"page":641},{"title":"رابعا: لا تعارض بين التفسير اللفظي والتفسير على المعنى","level":3,"page":643},{"title":"الأصول التي يدور عليها التفسير","level":4,"page":643},{"title":"التفسير على القياس والإشارة","level":4,"page":643},{"title":"التفسير على اللفظ","level":4,"page":646},{"title":"التفسير على المعنى","level":4,"page":646},{"title":"هل يمكن معرفة التفسير اللفظي بواسطة التفسير على المعنى؟","level":4,"page":647},{"title":"كيف نفرق بين التفسير على اللفظ والتفسير على المعنى؟","level":4,"page":647},{"title":"ثلاثة أمور يحسن التنبه لها في التفسير على المعنى","level":4,"page":649},{"title":"* بيان القرآن هو المراد عند السلف أكثر من بيان لغته","level":5,"page":649},{"title":"* لا بد من وجود ارتباط بين التفسير على المعنى والتفسير اللفظي","level":5,"page":650},{"title":"* لا يعني التفسير على المعنى خروجه عن حد البيان اللفظي","level":5,"page":650},{"title":"يحسن ذكر التفسير اللفظي مع التفسير على المعنى","level":4,"page":651},{"title":"أمثلة التفسير على المعنى","level":4,"page":653},{"title":"الأول: التفسير باللازم","level":5,"page":653},{"title":"الثاني: التفسير بالمثال","level":5,"page":655},{"title":"الثالث: ذكر النزول","level":5,"page":657},{"title":"الرابع: التفسير الجملي","level":5,"page":658},{"title":"نص القاعدة عند الشاطبي","level":4,"page":659},{"title":"تطبيقات العلماء في هذه القاعدة","level":4,"page":660},{"title":"خاتمة البحث","level":1,"page":664},{"title":"فهرس القواعد العلمية","level":1,"page":671},{"title":"فهرس مسائل الكتاب العلمية","level":1,"page":674},{"title":"المراجع والمصادر","level":1,"page":690}],"ٛ":{"1,1":1,"1,5":12,"1,6":13,"1,7":14,"1,8":15,"1,9":16,"1,10":17,"1,11":18,"1,12":19,"1,13":20,"1,15":21,"1,17":22,"1,19":23,"1,20":24,"1,21":25,"1,22":26,"1,23":27,"1,24":28,"1,25":29,"1,26":30,"1,27":31,"1,28":32,"1,29":33,"1,30":34,"1,31":35,"1,32":36,"1,33":37,"1,34":38,"1,35":39,"1,36":40,"1,37":41,"1,38":42,"1,39":43,"1,40":44,"1,41":45,"1,42":46,"1,43":47,"1,44":48,"1,45":49,"1,46":50,"1,47":51,"1,48":52,"1,49":53,"1,50":54,"1,51":55,"1,53":56,"1,55":57,"1,56":58,"1,57":59,"1,58":60,"1,59":61,"1,60":62,"1,61":63,"1,62":64,"1,63":65,"1,64":66,"1,65":67,"1,66":68,"1,67":69,"1,68":70,"1,69":71,"1,70":72,"1,71":73,"1,72":74,"1,73":75,"1,74":76,"1,75":77,"1,76":78,"1,77":79,"1,78":80,"1,79":81,"1,80":82,"1,81":83,"1,82":84,"1,83":85,"1,84":86,"1,85":87,"1,86":88,"1,87":89,"1,88":90,"1,89":91,"1,90":92,"1,91":93,"1,92":94,"1,93":95,"1,94":96,"1,95":97,"1,96":98,"1,97":99,"1,98":100,"1,99":101,"1,100":102,"1,101":103,"1,102":104,"1,103":105,"1,104":106,"1,105":107,"1,107":108,"1,108":109,"1,109":110,"1,110":111,"1,111":112,"1,112":113,"1,113":114,"1,114":115,"1,115":116,"1,116":117,"1,117":118,"1,118":119,"1,119":120,"1,120":121,"1,121":122,"1,122":123,"1,123":124,"1,124":125,"1,125":126,"1,126":127,"1,127":128,"1,128":129,"1,129":130,"1,130":131,"1,131":132,"1,132":133,"1,133":134,"1,134":135,"1,135":136,"1,136":137,"1,137":138,"1,138":139,"1,139":140,"1,140":141,"1,141":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,181":180,"1,182":181,"1,183":182,"1,184":183,"1,185":184,"1,186":185,"1,187":186,"1,188":187,"1,189":188,"1,190":189,"1,191":190,"1,192":191,"1,193":192,"1,194":193,"1,195":194,"1,196":195,"1,197":196,"1,198":197,"1,199":198,"1,200":199,"1,201":200,"1,202":201,"1,203":202,"1,204":203,"1,205":204,"1,206":205,"1,207":206,"1,208":207,"1,209":208,"1,210":209,"1,211":210,"1,212":211,"1,213":212,"1,214":213,"1,215":214,"1,216":215,"1,217":216,"1,218":217,"1,219":218,"1,220":219,"1,221":220,"1,222":221,"1,223":222,"1,224":223,"1,225":224,"1,226":225,"1,227":226,"1,228":227,"1,229":228,"1,230":229,"1,231":230,"1,232":231,"1,233":232,"1,234":233,"1,235":234,"1,236":235,"1,237":236,"1,238":237,"1,239":238,"1,240":239,"1,241":240,"1,242":241,"1,243":242,"1,244":243,"1,245":244,"1,246":245,"1,247":246,"1,248":247,"1,249":248,"1,250":249,"1,251":250,"1,252":251,"1,253":252,"1,255":253,"1,256":254,"1,257":255,"1,258":256,"1,259":257,"1,260":258,"1,261":259,"1,262":260,"1,263":261,"1,264":262,"1,265":263,"1,266":264,"1,267":265,"1,268":266,"1,269":267,"1,270":268,"1,271":269,"1,272":270,"1,273":271,"1,274":272,"1,275":273,"1,276":274,"1,277":275,"1,278":276,"1,279":277,"1,280":278,"1,281":279,"1,282":280,"1,283":281,"1,284":282,"1,285":283,"1,286":284,"1,287":285,"1,288":286,"1,289":287,"1,290":288,"1,291":289,"1,292":290,"1,293":291,"1,294":292,"1,295":293,"1,296":294,"1,297":295,"1,298":296,"1,299":297,"1,300":298,"1,301":299,"1,302":300,"1,303":301,"1,304":302,"1,305":303,"1,306":304,"1,307":305,"1,308":306,"1,309":307,"1,310":308,"1,311":309,"1,312":310,"1,313":311,"1,314":312,"1,315":313,"1,316":314,"1,317":315,"1,318":316,"1,319":317,"1,320":318,"1,321":319,"1,322":320,"1,323":321,"1,324":322,"1,325":323,"1,326":324,"1,327":325,"1,328":326,"1,329":327,"1,330":328,"1,331":329,"1,332":330,"1,333":331,"1,334":332,"1,335":333,"1,336":334,"1,337":335,"1,338":336,"1,339":337,"1,340":338,"1,341":339,"1,342":340,"1,343":341,"1,344":342,"1,345":343,"1,346":344,"1,347":345,"1,348":346,"1,349":347,"1,350":348,"1,351":349,"1,352":350,"1,353":351,"1,354":352,"1,355":353,"1,356":354,"1,357":355,"1,358":356,"1,359":357,"1,360":358,"1,361":359,"1,362":360,"1,363":361,"1,364":362,"1,365":363,"1,366":364,"1,367":365,"1,368":366,"1,369":367,"1,370":368,"1,371":369,"1,372":370,"1,373":371,"1,374":372,"1,375":373,"1,376":374,"1,377":375,"1,378":376,"1,379":377,"1,380":378,"1,381":379,"1,382":380,"1,383":381,"1,384":382,"1,385":383,"1,387":384,"1,388":385,"1,389":386,"1,390":387,"1,391":388,"1,392":389,"1,393":390,"1,394":391,"1,395":392,"1,396":393,"1,397":394,"1,398":395,"1,399":396,"1,400":397,"1,401":398,"1,402":399,"1,403":400,"1,404":401,"1,405":402,"1,406":403,"1,407":404,"1,408":405,"1,409":406,"1,410":407,"1,411":408,"1,412":409,"1,413":410,"1,414":411,"1,415":412,"1,416":413,"1,417":414,"1,418":415,"1,419":416,"1,420":417,"1,421":418,"1,422":419,"1,423":420,"1,424":421,"1,425":422,"1,426":423,"1,427":424,"1,428":425,"1,429":426,"1,431":427,"1,432":428,"1,433":429,"1,434":430,"1,435":431,"1,436":432,"1,437":433,"1,438":434,"1,439":435,"1,440":436,"1,441":437,"1,442":438,"1,443":439,"1,444":440,"1,445":441,"1,446":442,"1,447":443,"1,448":444,"1,449":445,"1,450":446,"1,451":447,"1,453":448,"1,455":449,"1,456":450,"1,457":451,"1,458":452,"1,459":453,"1,460":454,"1,461":455,"1,462":456,"1,463":457,"1,464":458,"1,465":459,"1,466":460,"1,467":461,"1,468":462,"1,469":463,"1,470":464,"1,471":465,"1,472":466,"1,473":467,"1,474":468,"1,475":469,"1,476":470,"1,477":471,"1,478":472,"1,479":473,"1,480":474,"1,481":475,"1,482":476,"1,483":477,"1,484":478,"1,485":479,"1,486":480,"1,487":481,"1,488":482,"1,489":483,"1,490":484,"1,491":485,"1,492":486,"1,493":487,"1,494":488,"1,495":489,"1,496":490,"1,497":491,"1,498":492,"1,499":493,"1,501":494,"1,502":495,"1,503":496,"1,504":497,"1,505":498,"1,506":499,"1,507":500,"1,508":501,"1,509":502,"1,510":503,"1,511":504,"1,512":505,"1,513":506,"1,514":507,"1,515":508,"1,516":509,"1,517":510,"1,518":511,"1,519":512,"1,520":513,"1,521":514,"1,522":515,"1,523":516,"1,524":517,"1,525":518,"1,526":519,"1,527":520,"1,528":521,"1,529":522,"1,530":523,"1,531":524,"1,532":525,"1,533":526,"1,534":527,"1,535":528,"1,536":529,"1,537":530,"1,538":531,"1,539":532,"1,540":533,"1,541":534,"1,542":535,"1,543":536,"1,544":537,"1,545":538,"1,546":539,"1,547":540,"1,548":541,"1,549":542,"1,550":543,"1,551":544,"1,552":545,"1,553":546,"1,554":547,"1,555":548,"1,557":549,"1,559":550,"1,560":551,"1,561":552,"1,562":553,"1,563":554,"1,564":555,"1,565":556,"1,566":557,"1,567":558,"1,568":559,"1,569":560,"1,570":561,"1,571":562,"1,572":563,"1,573":564,"1,574":565,"1,575":566,"1,576":567,"1,577":568,"1,578":569,"1,579":570,"1,580":571,"1,581":572,"1,582":573,"1,583":574,"1,584":575,"1,585":576,"1,586":577,"1,587":578,"1,588":579,"1,589":580,"1,590":581,"1,591":582,"1,592":583,"1,593":584,"1,594":585,"1,595":586,"1,596":587,"1,597":588,"1,598":589,"1,599":590,"1,600":591,"1,601":592,"1,602":593,"1,603":594,"1,604":595,"1,605":596,"1,606":597,"1,607":598,"1,608":599,"1,609":600,"1,610":601,"1,611":602,"1,612":603,"1,613":604,"1,614":605,"1,615":606,"1,616":607,"1,617":608,"1,618":609,"1,619":610,"1,620":611,"1,621":612,"1,622":613,"1,623":614,"1,624":615,"1,625":616,"1,626":617,"1,627":618,"1,628":619,"1,629":620,"1,630":621,"1,631":622,"1,632":623,"1,633":624,"1,634":625,"1,635":626,"1,636":627,"1,637":628,"1,638":629,"1,639":630,"1,640":631,"1,641":632,"1,642":633,"1,643":634,"1,644":635,"1,645":636,"1,646":637,"1,647":638,"1,648":639,"1,649":640,"1,650":641,"1,651":642,"1,652":643,"1,653":644,"1,654":645,"1,655":646,"1,656":647,"1,657":648,"1,658":649,"1,659":650,"1,660":651,"1,661":652,"1,662":653,"1,663":654,"1,664":655,"1,665":656,"1,666":657,"1,667":658,"1,668":659,"1,669":660,"1,670":661,"1,671":662,"1,672":663,"1,673":664,"1,674":665,"1,675":666,"1,676":667,"1,677":668,"1,678":669,"1,679":670,"1,681":671,"1,682":672,"1,683":673,"1,684":674,"1,685":675,"1,686":676,"1,687":677,"1,688":678,"1,689":679,"1,690":680,"1,691":681,"1,692":682,"1,693":683,"1,694":684,"1,695":685,"1,696":686,"1,697":687,"1,698":688,"1,699":689,"1,700":690,"1,701":691,"1,702":692,"1,703":693,"1,704":694,"1,705":695,"1,706":696,"1,707":697,"1,708":698,"1,709":699,"1,710":700,"1,711":701,"1,712":702,"1,713":703,"1,714":704,"1,715":705,"1,716":706,"1,717":707,"1,718":708,"1,719":709,"1,720":710,"1,721":711,"1,722":712,"1,723":713,"1,724":714},"ٜ":{"1":[1,724]},"ٝ":["1,1",null,null,null,null,null,null,null,null,null,"1,1","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,15","1,17","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,53","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,453","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,557","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724"],"ٞ":{"12":[1],"21":[2],"22":[3],"23":[4,5,6],"25":[7],"29":[8],"32":[9],"36":[10,11,12],"37":[13],"41":[14,15],"42":[16],"44":[17],"56":[18],"58":[19],"63":[20,21],"66":[22],"69":[23],"70":[24],"71":[25],"72":[26],"91":[27],"93":[28,29],"96":[30],"97":[31],"105":[32],"108":[33],"109":[34],"115":[35],"116":[36],"119":[37],"124":[38,39],"129":[40,41],"130":[42],"131":[43],"134":[44],"136":[45],"137":[46],"139":[47,48],"140":[49],"142":[50],"143":[51],"149":[52],"154":[53],"162":[54],"173":[55],"177":[56],"181":[57],"182":[58],"184":[59,60],"185":[61],"188":[62],"194":[63],"197":[64],"199":[65],"203":[66],"205":[67],"206":[68,69],"207":[70,71,72],"208":[73],"210":[74,75],"211":[76],"212":[77],"219":[78],"220":[79,80],"229":[81],"231":[82],"237":[83],"253":[84],"256":[85],"266":[86],"272":[87],"273":[88],"282":[89],"296":[90],"302":[91,92],"304":[93],"309":[94],"312":[95,96],"313":[97],"321":[98],"325":[99],"326":[100,101],"327":[102,103],"333":[104,105],"334":[106,107],"336":[108],"345":[109],"347":[110],"350":[111],"355":[112],"361":[113,114],"367":[115,116],"368":[117],"369":[118],"371":[119],"375":[120,121],"376":[122],"378":[123],"381":[124],"383":[125],"384":[126],"387":[127,128,129],"389":[130],"394":[131,132,133],"395":[134],"398":[135],"401":[136],"403":[137],"407":[138,139,140,141],"408":[142],"409":[143],"412":[144],"413":[145],"419":[146],"427":[147],"431":[148],"437":[149],"440":[150],"444":[151],"447":[152],"448":[153],"453":[154],"461":[155],"470":[156],"478":[157],"485":[158],"493":[159],"494":[160],"499":[161],"505":[162,163],"506":[164],"510":[165],"518":[166,167],"519":[168,169],"525":[170],"530":[171],"535":[172],"543":[173],"549":[174],"551":[175],"552":[176],"555":[177],"560":[178,179],"562":[180],"563":[181],"570":[182],"573":[183,184],"574":[185,186],"575":[187],"582":[188,189],"583":[190],"585":[191],"588":[192],"591":[193],"596":[194],"602":[195],"603":[196],"604":[197],"608":[198],"617":[199,200],"621":[201],"624":[202,203,204],"625":[205],"629":[206],"631":[207],"632":[208],"635":[209],"638":[210],"641":[211],"643":[212,213,214],"646":[215,216],"647":[217,218],"649":[219,220],"650":[221,222],"651":[223],"653":[224,225],"655":[226],"657":[227],"658":[228],"659":[229],"660":[230],"664":[231],"671":[232],"674":[233],"690":[234]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"التفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ\n\nمساعد بن سليمان بن الطيار، ١٤٢١هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالطيار، مساعد بن سليمان بن ناصر\nالتفسير اللغوي للقرآن الكريم. - الرياض.\n٧٣٤ ص؛ ١٧ × ٢٤سم\nردمك: ١ - ٦٨٢ - ٣٨ - ٩٩٦٠\n\n١ - القرآن - التفسير الحديث\n٢ - القرآن النحو\n٣ - القرآن - الصرف\n\nت اعنوان\nديوي ٢٧٧.٣٦٦\n٤٦٠٩/ ٢١\n\nرقم الإيداع: ٤٦٠٩/ ٢١\nردمك: ١ - ٦٨٢ - ٣٨ - ٩٩٦٠\n\nجميع الحقوق محفوظة ١٤٣٢هـ\n\nالتفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ\n\nد. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيَّار\nالأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض\nدار ابن الجوزي","vol":"1","page":1},{"text":"-[عرض كتاب التفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ]- (*)\n\nد. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيَّار\n\nالأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض\n\nدار ابن الجوزي\n\nعرض: عمرو الشرقاوي\n\nعرض موجز:\nموضوع التفسيرِ اللُّغويِّ موضوعٌ طويلٌ حاول الشيخ المؤلف أن يلملم أطرافهن عبر بحث عدة مسائل، وقد استلب منه أطرافًا رأى أنها جديرةٌ بالبحثِ والتَّحريرِ، فكان منها: التفسيرِ اللغوي عند السلفِ وعند اللغويين، ومكانة التفسير اللغوي، ومصادره، وآثار تعدد مدلولات اللفظ في اللغة في اختلاف المفسرين، واتخاذ المبتدعة هذا التعدد في دلالات الألفاظ أداة لإثبات بعض تحريفاتهم وأخطائهم، وغيرها من المسائل التي تتعلق بالتفسير اللغوي.\n\nعرض الكتاب:\nبدأ المؤلف كتابه بالتأكيد على أن لغة العرب من أهمِّ المصادر وأوثقها في معرفة كلام الله تعالى.\nوكون هذا الموضوع؛ أي: التفسير اللغوي، طويل جدًّا، لا تحويه مثل هذه الرسالة، لتعدد جوانبه، وكثرة تشعباته، ووفرة معلوماته ومصادره، فقد ينفتح لبعض الناس من أبوابه ما لا ينفتح للآخر، وكلها تدخل تحت مسمى التفسير اللغوي، فليست تسميتي له بهذا العنوان دالَّة على استقصاء جوانبه كلِّها، ولا هي مثبِّطةٌ من أراد أن يبحث فيه؛ إذ في البحث فيه متسعات لا متَّسع.\nوقد عرض في المقدمة خِطَّة البَحثِ، ومكوناته.\nوفي الفصل الأول: التفسير اللغوي ومكانته، بحث أولًا تعريف التفسير اللغوي، كما بحث مكانة التفسير اللغوي.\nوانتهى بعد التعرف على مصطلحات البحث إلى أن التفسير اللغوي: بيان معاني القرآن بما ورد في لغة العرب.\nوأن المراد بما وردَ في لغةِ العربِ: ألفاظُها وأساليبُها التي نزلَ بها القرآنُ.\n_________\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هذا العرض ليس في المطبوع، ومصدره الموقع الرسمي للمؤلف - حفظه الله -.","vol":"1","page":null},{"text":"كما ذكر عدة أمثلة تدلُّ على أثرِ الغفلةِ عن دلالةِ اللَّفظِ، أو جهلِ معناه في لغة العرب، وأنَّ كلَّ منْ فَسَّرَ القرآنَ، وهو جاهلٌ بلغةِ العربِ، أو سالكٌ غيَر طريقِها، فإنه قدْ وقعَ في الخطأِ الأكيدِ، وجانبَ الصوابَ.\nكما نبه أنَّ اللغةَ ليست المصدرَ الوحيدَ الذي يمكنُ لمنْ أحكمَهُ أنْ يفسرَ القرآنَ، إذْ لاَ بُدَّ للمفسِّرِ منْ معرفةِ مصادرَ أُخرَى يعتمدُ عليها في تفسيرِه.\nوفي الفصل الثاني: نشأةُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ، بحث التفسيرُ اللُّغويُّ عند السَّلفِ، والتَّفسيرُ اللُّغويُّ عند اللُّغويِّين.\nونبه أنَّ السَّلفَ من الصحابةِ والتَّابعينَ وأتباعِهم كانوا يرجعون إلى لغتِهم العربيَّةِ لبيانِ القرآنِ، حيثُ كانت أحدَ مصادرِهِم التي يعتمدونَ عليها في التَّفسيرِ.\nثم تعرض لطريقة السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ، وكون البيان اللَّفظي في تفسيرِ السَّلفِ واضحًا، وأنه قد برزَ عندَ السَّلفِ الاهتمامُ بالمدلولِ السِّياقيِّ للَّفظِ، وأنه موجودٌ عندهم في كتبِ الوجوهِ والنَّظائرِ.\nوذكر عدة أمثلة تظهر علاقة هذينِ العلمينِ (الوجوه والنظائر، وكليات الألفاظ القرآنية) بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ، وأنَّ المفسِّرَ الذي يسلكُ هذا السَّبيلَ لا بُدَّ أنْ يكونَ معتمدًا على اللُّغةِ، وإن لم يَنُصَّ على ذلك.\nكما بين في التَّفسيرُ اللُّغويُّ عند اللُّغوِيين، تعريف اللغويين، ووقت ظهور المصطلح، وبين أنَّ مشاركة اللُّغويينَ في التفسيرِ كانتْ على قسمين:\nالأول: مشاركة غير مباشرة في تفسيرِ القرآنِ.\nوالثاني: مشاركة مباشرة في تفسيرِ القرآنِ، وتحدَّث عن كلِّ قسمٍ على حِدَةٍ.\nكما تعرض لأظهر الموضوعات التي أبدعَها اللُّغويُّون في التَّفسيرِ زيادةً عن الَّذي جاءَ عنِ السَّلفِ ﵃.\nوفي الفصل الثالث: مسائل في نشأة التفسير اللغوي، ذكر عدة مسائل، وهي كالتالي:","vol":"1","page":null},{"text":"المسألة الأولى: في سَبْقِ السلفِ في علمِ التَّفسيرِ.\nالمسألة الثانية: شمولُ التَّفسيرِ بين السَّلفِ واللُّغويِّين.\nالمسألة الثالثة: في الاعتمادِ على اللُّغةِ.\nالمسألة الرابعة: في الشَّاهِدِ الشِّعريِّ.\nالمسألة الخامسة: في علمِ الوجوهِ والنَّظائرِ.\nالمسألة السادسة: التَّفسيرُ اللُّغويُّ بين البصرةِ والكوفةِ.\nوفي الباب الثاني: مصادر التفسير اللغوي، وقد بحث فيه:\nالمصدرُ الأوَّلُ: كتبُ التَّفسيرِ.\nالمصدرُ الثاني: كتبُ معاني القرآنِ.\nالمصدرُ الثالثُ: كتبُ غريبِ القرآنِ.\nالمصدرُ الرابعُ: كتبُ معاجمِ اللُّغةِ.\nالمصدرُ الخامسُ: كتبٌ أخرى لها علاقة بالتفسير اللغوي.\nونبه في الأخير أن العلوم الإسلاميَّة علومٌ مترابطةٌ في البحثِ، ولا يمكنُ البحثُ في علمٍ منها دونَ الاستفادةِ منْ غيرِهِ من العلومِ التي تَخدِمُهُ؛ فالفَقِيهُ - مثلًا - يحتاجُ معَ الإلْمَامِ بالقضايا الفقهيَّةِ إلى علمِ السُّنَّةِ وإلى معرفةِ تفسيرِ القرآنِ، ومعرفةِ اللُّغةِ العربيَّةِ.\nوكذا منْ يكتبُ في علمِ الوقفِ والابتداءِ في القرآنِ، يحتاجُ إلى معرفةِ علمِ التَّفسيرِ وعلمِ النَّحْوِ، وهكذا.\nوفي الباب الثالث: آثار التفسير اللغوي وقواعده، وفيه ثلاثة فصولٍ:\nالفصل الأول: أثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ.\nالفصل الثاني: أثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في انحرافِ المفسرينَ.\nالفصل الثالث: قواعدُ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، وفيه:\nأولًا: كل تفسير لغوي وارد عن السلف يحكم بعربيته، وهو مقدم على قول اللغويين.\nثانيًا: إذا ورد أكثر من معنى لغويٍّ صحيح تحتمله الآية، جاز تفسير الآية بها.\nثالثًا: لا يصح اعتماد اللغة وحدها دون غيرها من المصادر التفسيرية.\nرابعًا: لا تعارض بين التفسير اللغوي والتفسير على المعنى.\nومن أبرزِ نتائجِ هذا البحثِ التي يحسنُ تدوينُها:","vol":"1","page":null},{"text":"* أنَّ مفسِّري السلفَ قد سبقوا اللُّغويِّينَ في التفسيرِ عمومًا، وهذه النتيجةُ مع يسرِها وسهولتِها، تجدُ من يغفلُ عنها عندَ بحثِه عن معاني ألفاظ القرآنِ، أو ألفاظِ اللُّغةِ، ويعمدُ إلى أقوالِ اللُّغويِّين الذين تأخروا عنهم وجاءوا بعدهم، وهذا فيه من القصورِ في البحثِ ما فيه.\n* أنَّ التَّفسيرَ اللُّغويَّ جزءٌ من علمِ التَّفسيرِ، ولذا لا يمكنُ أن يخلوَ منه كتابٌ في التَّفسيرِ، إلاَّ أنْ يكونَ من التَّفاسيرِ المنحرفةِ التي لا تعتمدُ على لغةِ العربِ في بيانِ القرآنِ؛ كتفاسيرِ الباطنيَّةِ والصُّوفيَّةِ والفلاسفةِ وغيرها.\nوأنَّه من أكبرِ مصادرِ التَّفسيرِ، وهذا ظاهرٌ لمنْ يقرأُ مدوَّناتِ التَّفسيرِ؛ كتفسيرِ الطَّبريِّ (ت:٣١٠)، وتفسيرِ ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) وغيرِهما.\nوهذا يعني أنَّ المفسِّرَ يحتاجُ إلى تعلُّمِ اللُّغةِ خاصَّةً، ليُفيدَ في تفسيرِ القرآنِ، وفي بيانِ وجهةِ كثيرٍ من أقوالِ المفسِّرينَ، وفي بيانِ خطأ من خالفَ لغةِ العربِ وفسَّرَ بما لا يوجدُ فيها.","vol":"1","page":null},{"text":"ولقدْ كانَ الطبريُّ بتحريراتِه اللُّغويَّةِ من أبرزِ المفسِّرينَ الذين يمكنُ أن يُستدلَّ بهم في أهمية معرفةِ اللُّغةِ العربيَّةِ للمفسِّرِ، ولقد كانَ بتحريراتِه هذه في مصافِّ أقرانِه اللُّغويِّينَ الذي عاشوا في عصرِه، ومن العجيبِ أنَّ هذا العَلَمَ الجهبذَ لا يوجدُ عنه نقلٌ في مدوَّناتِ اللغة التي كُتِبتْ بعدهُ؛ كتهذيبِ اللُّغةِ ولسانِ العربِ وغيرِها، مع أنَّه كانَ في بغدادَ عاصمةِ العلمِ آنذاك، وكان معاصرًا لجمعٍ من اللُّغويِّينَ الذينَ دوَّنوا اللُّغةَ، ونُقلتْ أقوالُهم، واعتُمدت، وأذكرُ - على سبيلِ المثالِ، لا الحصرِ - أبا الحسن عليَّ بنَ الحسنِ الهُنائيَّ، المشهورَ بكُرَاعِ النَّملِ (ت:٣١٠)، الذي ألَّفَ كتاب المنجدِ في اللغةِ، وكتاب المنتخب من غريب كلامِ العربِ، ولاحظَ محقِّقو هذين الكتابينِ أنَّ معاني بعضِ الألفاظ تحكى عنه دونَ غيرِه، فهو أعلى مصدرٍ في هذه المعلوماتِ، وينقُلها عنه المتأخِّرونَ على سبيلِ القبولِ، وأنَّ اسمَه كثيرَ التَّردُّدِ في كتابِ المحكمِ ولسانِ العربِ وغيرِهما.\nفهذا العَلَمُ اللُّغويُّ المعاصرُ للطبريِّ (ت:٣١٠) قد حُكيتْ عنه معاني بعضِ الألفاظِ، أمَّا الطبريُّ (ت:٣١٠)، فيندرُ أنْ يُحكى اسمُه في كتبِ اللُّغةِ، وهذا يعني عدم اهتمامِ من ألَّفَ في اللُّغةِ بالنَّقلِ عن المفسِّرينَ.\nوقد ظهرَ لي أنَّ هذه النَّتيجةَ تنساقُ على جلِّ المفسرِّينَ من السَّلفِ وغيرِهم، حيثُ يَقِلُّ ذكرُ أعيانِ مفسِّرِي السَّلفِ في كتبِ اللُّغويين، كما لم يستفيدوا - أي: أهل اللُّغةِ - من كتبِ الوجوهِ والنَّظائرِ التي دوَّنها أتباعُ التَّابعينَ، وفي ذلكَ قصورٌ لا يخفى على من تأمَّلَه.\n* أنَّ أغلبَ البحثِ اللُّغويِّ في كتب اللُّغويِّينَ: من معاني القرآنِ، وغريبِه، ومعاجمِ اللُّغةِ، وغيرها من المدوناتِ اللُّغويَّةِ، كان منصبًا على بيانِ معاني المفرداتِ.","vol":"1","page":null},{"text":"وقد ظهرَ لي أنَّ كتبَ معاجمِ اللُّغةِ، وكتبَ شروحِ الأحاديثِ والأشعارِ وغيرِها من الرَّسائلِ اللُّغويةِ الأخرى؛ ككتب الأضدادِ وغيرِها، ظهرَ لي أنها لا تختلفُ في منهجِ البحثِ عن كتبِ غريبِ القرآنِ، لذا، فإنه لو جُرِّدَ ما يتعلَّقُ بالتَّفسيرِ في هذه الكتبِ فإنَّها لا تعدو أنْ تكونَ كتابًا في غريبِ القرآن.\nوتجريدُ ما يتعلَّقُ بالتَّفسيرِ من هذه الكتب مطلبٌ يحرصُ عليه الباحثُ في التَّفسيرِ؛ لأنَّه يقرِّبُ له المعلومةَ من مواضعَ لا يتوقَّعُ وجودها فيها، وهذا من البحوثِ اليسيرةِ المفيدةِ التي يمكنُ أن يقومَ بها طلاَّب الكلِّيَّةِ أو الدراساتِ العليا، يخرجونها ويقومون بدراستها، ومن ثَمَّ تُخرجُ في كتابٍ مستقلٍّ، والله الموفِّقُ.\n* ومما ظهرَ لي في هذا البحثِ أنَّ الكتبَ التي درستُها في معاني القرآنِ، كانَ قصدُ مؤلِّفيها إبرازَ مذهبِهم النَّحويِّ، لذا طغتْ هذه البحوثُ النَّحويَّةُ على بيانِ المفرداتِ في هذه الكتبِ.\n* وقد ظهرَ لي أثرُ معتقدِ المؤلِّفِ على بحوثِه في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، وأنَّ معرفَة هذا المعتقدِ ضروريَّةٌ للباحثِ، ويمكنُ أن يتتبَّعها من خلالِ كتاباتِ المؤلِّفِ.\nكما ظهرَ لي في هذا المجالِ أنه لا يلزمُ أن يكونَ ما قيلَ في كتبِ التراجمِ من عقيدةِ المؤلِّفِ صحيحًا، بل قد يكونُ مما أُلصقَ به لسببٍ من الأسبابِ التي قد تخفى على الباحثِ، ولا يتبيَّنُ ردُّ هذه التُّهمةِ عنه إلاَّ بجردِ كتابِه وبيانِ ما قاله مما يخالفُ ما وُصِمَ به.\nوأعيدُ هنا: أنَّ الباحثينَ بحاجةٍ إلى منهجٍ تطبيقيٍّ يبيِّنُ لهم سبيلَ الاستفادةِ من المعلومات التي تُذكرُ في تراجمِ بعض الأعلامِ؛ لأنَّ بعضهم يأخذُ هذه المعلوماتِ مسلَّماتٍ لا تقبلُ الجدلَ والنِّقاشَ، ويبني عليها نتائجَ لا يخالِفُها الصوابُ - غالبًا - عند التنقيبِ والتَّحريرِ، وقد مرَّ في البحثِ أمثلةٌ لهذا، والله الموفِّقُ.","vol":"1","page":null},{"text":"* لقد كان البحثُ في الاختلافِ بسببِ اللُّغةِ شيِّقًا في شقِّهِ الأوَّلِ، وهو بيانُ ما للاختلافِ بسبِبها من إثراء التَّفسيرِ، كما كانَ فيه معرفةُ وجهةِ الأقوالِ وأسبابِها، مما يجعلُ الباحثَ مدركًا للاختلافِ، وعارفًا بما يمكنُ حملُه على الآيةِ وما لا يمكنُ.\nأمَّا الشِّقُ الثاني، وهو اتخاذُ اللُّغةِ طريقًا إلى الانحراف بالتَّفسيرِ، فكانَ موضوعًا صعبًا، وهو محتاجٌ إلى دراسةٍ مستقلَّةٍ، أرى أنَّه لا بدَّ منها.\nوقد ظهرَ لي في هذا المبحثِ أنَّ من أهمِّ أسبابِ الانحراف في التفسيرِ اللُّغويِّ الاعتمادَ على العقلِ المجرَّدِ، والانتصار للمذهبِ العقديِّ، وقد ساعدَ على ذلكَ سَعَةُ العربيَّةِ.\nوإنَّ مما يدلُّ على هذه المسألةِ، ما أحدثَه بعضُهم من معانٍ لغويَّةٍ مولَّدةٍ، لا تعرفُها العربُ، ولم يكنْ من منطقِها، ومن أشهرِ الأمثلةِ عليها تفسيرُ معنى الاستواءِ بالاستيلاءِ.\n* ولما كان هذا حالُ اللُّغةِ العربيَّةِ من السَّعةِ، صار فيها إثراءٌ للمعاني المحتملةِ في التَّفسيرِ، كما صارَ فيها طريقًا لإثباتِ بعضِ المبتدعةِ بدعَهم بها، وبهذا تكونُ سَعَةُ اللُّغةِ العربيَّةِ سلاحًا ذا حدَّينِ، لذا فإنَّ الأمرَ يحتاجُ إلى ضوابطَ يُتبيَّنُ بها معرفةُ الصَّحيحِ من السَّقيمِ من هذه المحتملاتِ اللُّغويَّةِ، وهذا ما بحثتُه في القاعدةِ الثانيةِ من (قواعد في التفسيرِ اللُّغويِّ)، وقد استنبطتُ لهذه المحتملاتِ ضوابطَ أرجو أن أكونَ قد وُفِّقتُ فيها إلى الصَّوابِ.\nكما بيَّنتُ فيها أنَّ معرفَة اللُّغةِ العربيَّةِ ضروريٌّ لمعرفةِ مخالفةِ من يفسِّرُ القرآنَ بغيرِها، وأنَّها سلاحٌ يُشهرُ في وجهِ من يبتدعُ معاني لا تعرفها العربُ؛ ذلكَ لأنَّ القرآنَ عربيٌّ، ولا يمكنُ أن يُفسَّرَ بدلالةِ ألفاظِ غيرِها، وهذا فيه من التَّجنِّي والتَّقوُّلِ على الله بغيرِ علمٍ ما لا يخفى.","vol":"1","page":null},{"text":"* وعقدت قاعدةً بعنوانِ: (لا يصح اعتمادُ اللُّغةِ دونَ غيرِها من المصادرِ التَّفسيريَّةِ)، وقد بيَّنتُ فيها أنَّه مع ما للُّغةِ من الأهميَّةِ في فهمِ القرآنِ والردِّ على انحرافاتِ بعضِ التَّفاسيرِ، فإنها لا تعتبرُ المصدرَ الوحيدَ، بل هناكَ ما يُقدَّمُ عليها عند الاختلافِ في فهم معنى الآيةِ، فسببُ النزولِ يبيِّنُ المعنى المحتملَ من دلالاتِ اللفظِ اللُّغويِّ، ولذا لا يصحُّ أن يُحملَ المعنى على غيرِ ما يدلُّ عليه سببُ النُّزولِ.\nوالمعنى الشَّرعيُّ مقدَّمٌ على المعنى اللُّغويِّ، إذا تعارضا في مثالٍ ما؛ لأنَّ الشارعَ معنيٌّ ببيانها، لا ببيانِ المعنى اللُّغويِّ.\nوكذا تفسيرُ السَّلفِ يدلُّ على المعنى المراد من المعاني المحتملةِ، فما ناقضَه من المعاني رُدَّ، ولو كانَ لغويًّا، وقد بيَّنتُ هذا باستفاضةٍ في القاعدةِ الأولى: (كل تفسير لغوي وارد عن السلف يُحكم بعربيته، وهو مقدم على تفسير اللغويين)، وبيَّنتُ فيها أنَّ الواردَ عن السلف حجةٌ في بيان اللغةِ.\nوقد بيَّنتُ في نهايةِ قاعدة: (لا يصحُّ اعتماد اللُّغةِ دونَ غيرِها من المصادرِ التَّفسيريَّةِ)، بيَّنتُ قاعدةً ناشئةً عنها، وهي: أنه ليس كلُّ ما وردَ في اللُّغةِ يلزمُ ورودُه في القرآنِ، وذكرتُ قولَ بعضِ العلماءِ في هذا، وما ردَّه بعضُهم من التَّفسيراتِ بناءً على هذه القاعدةِ.\n* وفي القاعدة الرابعة بيَّنتُ أنَّه حينما يأتي تفسيرٌ عن السلفِ لا تجدُه في معاجم اللُّغةِ، فلا تتسرَّعَ في ردِّه؛ لأنَّه قد يكونُ فسَّرَه على المعنى لا على اللفظِ، أو يكونُ دلالةً لغويَّةً جهِلَها اللُّغويونَ ولم ينقلوها.","vol":"1","page":null},{"text":"وبينتُ فيها أنَّه إذا كانَ التفسيرُ الواردُ عن السَّلفِ تفسيرًا على المعنى، فإنه لا يخالفُ التفسيرَ على اللَّفظِ، ومن هذا المنطلقِ؛ فإنَّ معرفةَ طريقةِ السَّلفِ في التَّفسيرِ على المعنى نافعةٌ جدًّا لمن يقرأ في تفسيرهم؛ لأنَّه بمعرفةِ القارىء لهذا النوعِ من التَّفسيرِ تزولُ عنه مشكلاتٌ كثيرةٌ يراها في تفسيرِ السلفِ، قد يخطِّئها، ولو كان على علمٍ بطريقتِهم هذه، لسهُلَ عليه معرفةُ وجْهَةِ أقوالِهم، ومعرفةُ مخرجها وسبب ذلكَ التَّفسيرِ، وبهذا يكونُ قد أراحَ نفسَه من عناءِ التَّخطئةِ، وتكلُّفِ الرَّدِّ.\nوأخيرًا:\nهذه جملةٌ من نتائجِ البحثِ، وهناك غيرُها من النتائجِ الجزئيَّةِ التي تراها منثورةً فيه، والتي ظهرت في فهرسِ مسائل الكتاب العلمية.","vol":"1","page":null},{"text":"التفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ\n\nمساعد بن سليمان بن الطيار، ١٤٢١هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nالطيار، مساعد بن سليمان بن ناصر\nالتفسير اللغوي للقرآن الكريم. - الرياض.\n٧٣٤ ص؛ ١٧ × ٢٤سم\nردمك: ١ - ٦٨٢ - ٣٨ - ٩٩٦٠\n١ - القرآن - التفسير الحديث ٢ - القرآن النحو ٣ - القرآن - الصرف\nت اعنوان\nديوي ٢٧٧.٣٦٦\n٤٦٠٩/ ٢١\n\nرقم الإيداع: ٤٦٠٩/ ٢١\nردمك: ١ - ٦٨٢ - ٣٨ - ٩٩٦٠\n\nجميع الحقوق محفوظة\n١٤٣٢هـ ٢٠١١م ممم سنة الطبعة دي مش عارف جابها منين اللي عامل الكتاب ده ويا دكتور أنا مش عارف السنة الميلادي للطبعة ممم\n\nالتفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ\n\nد. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيَّار\nالأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض\nدار ابن الجوزي","vol":"1","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله رب العالمين، أنزل خير كتبه على خير رسله، وجعله بلسان عربي مبين، والصلاة والسلام على النبي الأمي العربي، وعلى الآل والصحب الكرام، وعلى التابعين لهم إلى يوم الدين، أما بعد:\nفإن من سنة الله سبحانه أن يرسل الرسول بلسان قومه، وينْزل عليهم الكتاب بلسانهم، ليفهموا عن الله خطابه ومراده، فيؤمنون به ويصدقونه، ولو كان بغير لغتهم لاحتاجوا إلى ترجمان يبين لهم.\nولما كان الأمر كذلك، كانت لغة العرب من أهمِّ المصادر وأوثقها في معرفة كلام الله تعالى، وكان من أهمِّ ما فيها - وهو من بدايات علم التفسيرِ - معرفة دلالات الكلامِ [أي: معاني الألفاظ] التي يدور عليها كثيرٌ من علمِ التَّفسيرِ، ليُعرفَ المرادُ بالخطابِ. وهذا مما لا يسع الجهل به لمن أراد علم التفسير، وبيان معنى كلام الله الخبير، إذ لزامًا عليه أن يعرف مدلولات الألفاظِ، ويستشرح معانيها من مصادرها المعتمدةِ.\nمن رام معرفة مدلولاتها من غير لغته، أو اعتمد معاني محدثة أو مولَّدة أو مصطلحاتٍ ليست من لغته = كان من أهل التَّحريفِ والزَّيغِ؛ كمن فسَّر «استوى» بأنه «استولى»، ولست تجد هذا المعنى محكيًّا عن العربِ، أو من فسَّرَ الذَّرَّةَ الواردة في القرآن على أنها الذَّرَّةُ التي يحكيها علماء الفيزياء والكيمياء.\nواللغةُ سدٌّ منيع لمن أراد أن يفسِّر كلام الله بما لا يعرفُ معناه إلاَّ","vol":"1","page":5},{"text":"خواصُّ من الناس كما يزعم كثيرٌ من الغلاة من الروافض والباطنية والصوفيَّةِ والفلاسفةِ وغيرهم، فمن أورد معنى لا تعرفه العرب كان ذلك مما يدلُّ على بطلانه، إذ المعاني محدودة محصورةٌ، ومدونة مشهورة، لا يمكن أن يزاد فيها ما ليس منها (١)، فمن فسَّر الحجارةَ بالبَرَدِ، لزمه صحةُ النقلِ عن العربِ في أنهم يطلقون هذا على هذا، وإلا رُدَّ قوله ولم يُقبلْ.\nوبهذا تكون اللغة التي ثبتت حتى عصر الاحتجاج بنقل العدول من علماء التفسير واللغة وغيرهم = هي اللغة التي يُرجع إليها في تفسير كلام الله، وما عداها لا يُعتمدُ عليه، ولا يوثق به.\nوإذا تأمَّلت تفسيرَ القرآنِ في الآثارِ المنقولةِ عن الصحابة أو التَّابعين أو أتباعهم، وفرزت كلَّ نوع من هذه الآثار المنقولةِ، فإنَّك ستجد ما كان مرجعه اللغة له الحظُّ الأوفرُ، والنَّصيبُ الأكثرُ.\nبل ستجدُ أنَّ تعدُّدَ مدلولاتِ لفظٍ من ألفاظِ القرآنِ في لغةِ العربِ كان سببًا في اختلافِ المفسرينِ، فمنهم من اجتهد رأيه واعتمد معنًى، ومنهم من اجتهد رأيه واعتمد معنًى آخر، وكلاهما كان معتمده الأول ورود هذا المعنى في لغة العربِ، ثمَّ صحَّةُ حمل هذا اللفظِ على الآيةِ.\nوشرح هذا وغيره مكانه هذه الرِّسالةُ التي بين يديك.\nولما كان الأمرُ في هذا المصدر المؤثِّرِ في التفسير ما ذكرتُ لك طرفًا منه، فإنِّي قد عمدت إلى هذا الموضوعِ الطويلِ، واستلبتُ منه أطرافًا رأيت أنها جديرةٌ بالبحثِ والتَّحريرِ، فكان منها: التفسيرِ اللغوي عند السلفِ وعند اللغويين، ومكانة التفسير اللغوي، ومصادره، وآثار تعدد مدلولات اللفظ في\n_________\n(١) المراد هنا تفسير المفردات والجمل والتراكيب، أما الاستنباط فليس له حدٌّ؛ لأنه يعتمدُ على العقلِ، وهو يأتي بعد التفسيرِ وبيان المعنى، وقد بيَّنت ذلك في مؤلَّفٍ، أسأل الله أن ييسر خروجه.","vol":"1","page":6},{"text":"اللغة في اختلاف المفسرين، واتخاذ المبتدعة هذا التعدد في دلالات الألفاظ أداة لإثبات بعض تحريفاتهم وأخطائهم، وغيرها من المسائل التي تتعلق بالتفسير اللغوي.\nوهذا الموضوع؛ أي: التفسير اللغوي، طويل جدًّا، لا تحويه مثل هذه الرسالة، لتعدد جوانبه، وكثرة تشعباته، ووفرة معلوماته ومصادره، فقد ينفتح لبعض الناس من أبوابه ما لا ينفتح للآخر، وكلها تدخل تحت مسمى التفسير اللغوي، فليست تسميتي له بهذا العنوان دالَّة على استقصاء جوانبه كلِّها، ولا هي مثبِّطةٌ من أراد أن يبحث فيه؛ إذ في البحث فيه متسعات لا متَّسع.\nولعل من المعلوم لدى الباحثين أن من أراد الكتابة في موضوع كثير الذيول لا يمكنه أن يصل في كل مسائله إلى كل شيء، بل قد يَغفلُ عما يراه غيره أولى وأفضل، ويَعْيَا عما يجب أن يُكتب فيه ويُكمل، ويُنقِصُ في مكان بسبب تزاحم المسائل عليه.\nوكلما كان البحث محدَّدًا دقيقًا في مسائل يمكن استجلابها وتحريرها بعينها دون الدخول في تفصيلات - ولو كانت من عيون مسائل الموضوع العامِّ - كان الوصول إلى تحقيق هذه المعلومات أحرى وأجدى.\nوكم من بحث يَصِلُ صاحبُه إلى الكَلال عند صُلبِ موضوعِه بسبب انشغاله بالنَّقل والتَّكميل لموضوع سبقه إليه السابقون، وحرَّره العارفون، فإذا وصل إلى ما هو من صلب بحثه وصميمه، ضعفت همَّتُه، وكلَّ قلمه، واعتلَّ تفكيرُه، فكان يرقِّعُ لئلا تبلغه مدَّة انتهاء البحث، فيخرجُ بحثًا ذا عورٍ، لا يَشفي مبتغيه، ولا يُرضي مُبْتَليه، وصاحبه إلى أن يتبرَّأ منه أحبُّ إليه من أن يَقتنيه، فضلًا عن أن ينسبه إليه ويدَّعيه.\nلذا كان من أكبر العقبات التي في هذا البحث كثرةُ المسائل المتشعِّباتِ، واحتياجُها إلى التفكير والتنقيب والتحرير، ففي هذا البحث مسائل لم يُسبق إلى بحثها.","vol":"1","page":7},{"text":"والمقصود أن يُرام في البحوث التَّحديد، وأن لا يكون طول البحوث مرادًا على كيفيَّتها والقدرة على تحريرها، وأن يكون البحثُ - ولو كان قصيرًا - معتَبرًا بما قدَّم من جديدٍ في التأليف وحسن التصنيفِ من جمع متفرِّقٍ مفيدٍ، أو ابتكار معلومٍ جديدٍ، أو اعتراضٍ على خطأ منتشر، أو غيرها مما هو داخل في حيِّزِ الابتكار، خارجٍ عن النقل والرَّصفِ والتكرارِ بلا عقلٍ ولا رأي.\nهذا .. وقد بحثتُ في حيثيَّةِ كونِ اللُّغةِ مصدرًا من مصادرِ التَّفسيرِ = جملةً من المسائلِ، منها:\n* كيفَ كان التَّفسيرُ بها؟\n* كيف اعتمدها السَّلفُ واللُّغويُّون، وما مصادرُ من أرادَ الاستفادةَ من تفسيرِ القرآنِ باللُّغةِ.\n* ما ضوابطُ التَّفسيرِ بها عند الاحتمالِ؟.\n* مسألةُ تفسيرِ السَّلفِ ومدى الاستفادةِ منه في البحثِ اللغويِّ، وكنت أظنُّ أن أجد لأعلامِ المفسِّرينَ ذكرًا كثيرًا في كتبِ اللُّغةِ كما هو الحالُ في ذكرِ أعلامِ اللُّغويِّينَ، ولكن من خلالِ ما قرأته من كتب اللغة وجدت أنَّه لم يكن لكثير من اللُّغويينَ عناية بنقل تفسيرِ السَّلفِ، ولم يعتمدوا عليه في بيان مدلولاتِ ألفاظِ اللُّغةِ، ولا في بيان الألفاظِ القرآنيةِ التي يفسِّرونها.\n* لماذا ارتبطَ التفسيرُ اللُّغويُّ باللُّغويِّينَ، وصارَ الفرَّاء (ت:٢٠٧)، وأبو عبيدة (ت:٢١٠) وغيرهما المقدَّمينَ فيه، وأُغفلَ تفسيرُ السَّلفِ اللغويِّ؟\n* لو اعترضَ لغويٌّ على تفسيرِ أحدِ السَّلفِ من جهةِ اللُّغةِ، فأيهما يقدَّمُ؟\nأيقدَّمُ قولُ اللُّغويِّ؛ لأنَّه صاحبُ تخصُّصٍ، أم يقدَّمُ قولُ الواحدِ من مفسِّريِّ السَّلف؛ لأنهم أهل اللغةِ وفي عصر الاحتجاج؟","vol":"1","page":8},{"text":"إلى غير ذلك من المسائلِ التي ستجدها مسطَّرةً في هذا البحثِ.\nولقد كانت الفكرةُ الأولى أن أطرح هذه المسائلِ من خلالِ كتابٍ من كتبِ اللُّغةِ، بحيثُ أجعلُها مقدمةً للبحثِ في تفسيرِ لغويٍّ من اللُّغويِّين، أجمعُ أقوالَه في التَّفسيرِ وأدرسها، وبهذا يتسنَّى لي بحثُ بعضِ هذه المسائلِ، فرأيتُ أن أجمع تفسيرَ أبي بكر محمد بن القاسم بن بشَّار الأنباريِّ (ت:٣٢٨)، وقدَّمتُ له ببعضِ هذه الأفكارِ التي كانت تراودني في موضوع التَّفسيرِ اللغويِّ، وعرضتُ هذا الموضوعَ بعد جمعه، على الأستاذ الدكتور محمد بن عبد الرحمن الشَّايع إبَّان رئاستِه لقسم القرآنِ وعلومه عام (١٤١٦)، فأشارَ عليَّ أن أبسُطَ البحثَ في البابِ الذي جعلتُه في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، وأن أتركَ جمع تفسيرِ ابن الأنباريِّ (ت:٣٢٨)، فأخذتُ برأيه، واستعنتُ اللهَ على هذا الموضوعِ، وسمَّيتُه:\nالتَّفسيرُ اللغويُّ للقرآنِ الكريم\nخِطَّةُ البَحثِ:\nهذا البحث مكوَّنٌ منْ:\n١ - المقدمة.\n٢ - أبوابُ الرسالةِ، وهي:\nالبابُ الأولُ: التفسير اللغوي مكانتُهُ ونشأتُه\nوفيه ثلاثةُ فصولٍ:\nالفصل الأول: التفسيرُ اللغويُ ومكانته.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: تعريف التفسير اللغوي.\nالمبحث الثاني: مكانة التفسير اللغوي.\nالفصل الثاني: نشأة التفسير اللغوي.","vol":"1","page":9},{"text":"وفيه:\nأولًا: التفسير اللغوي عند السلف.\nثانيًا: التفسير اللغوي عند اللغويين.\nالفصلُ الثالث: مسائل في نشأة التفسير اللغوي.\nالباب الثاني: مصادر التفسير اللغوي\nوفيه:\n١ - كتب التفسير.\n٢ - كتب معاني القرآن.\n٣ - كتب غريب القرآن.\n٤ - كتب معاجم اللغة.\n٥ - كتبٌ أخرى.\nالباب الثالث: آثار التفسير اللغوي وقواعده\nوفيه ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: أثر التفسير اللغوي في اختلاف المفسرين.\nالفصل الثاني: أثر التفسير اللغوي في انحراف المفسرين.\nالفصل الثالث: قواعد في التفسير اللغوي.\nأولًا: كل تفسير لغوي ثابت عن السلف يحكم بعربيته، وهو مقدم على قول اللغويين.\nثانيًا: إذا ورد أكثر من معنى لغويٍّ صحيحٍ تحتملُه الآيةُ، جازَ تفسير الآية بها.\nثالثًا: لا يصح اعتماد اللغة وحدها دون غيرها من المصادر التفسيرية.\nرابعًا: لا تعارض بين التفسير اللغوي والتفسير على المعنى.\n٣ - الخاتمة، وأذكر فيها أهم النتائج.\n٤ - الفهارس الفنية للبحث.","vol":"1","page":10},{"text":"منهج البحث:\nأولًا: خرَّجتُ الآياتِ، وجعلتُها بين هذين المعقوفين []، سواءً أكانت الآيةُ من نصٍّ منقولٍ، أم كانت من استشهادي ابتداءً.\nثانيًا: خرَّجتُ الأحاديث النبوية، وإن كان في أحد الصحيحين اكتفيت به غالبًا.\nثالثًا: عزوتُ الأشعارَ، وإذا كان الشِّعرُ في الديوان، اكتفيت بالعزو إليه.\nرابعًا: عرَّفت أغلبَ الأعلامِ من كتب التراجم، وقد أذكرُ فائدةً في ترجمة العلمِ وجدتها في كُتبِ التَّفسيرِ، وهي غيرُ مدوَّنةٍ في مصادرِ ترجمتِه.\nوحرصت على إتباعِ كلِّ علمٍ بسنة وفاتِه، وجعلتها بين قوسين صغيرين () في كلِّ مواطن ورودِ العلم، لما رأيت في ذلك من الفائدة في ترتيبهم حسب الوفيات من استقرارِ ذلك في الذهن، ومعرفةِ من سبق بالمعلومةِ منهم.\nوإذا كان العلم في نصٍّ منقولٍ لم أذكر سنة وفاتِه، إلاَّ أن ينصَّ عليها المنقول عنه.\nكما قد تختلفُ الأقوالُ في ذكر سنة وفاةِ العَلَمِ، فأذكرُ أحد الأقوالِ، وأسيرُ عليه في البحثِ ما أمكن، وإن وقع عند اختلاف في ذكر سنة الوفاة بين موطن وموطن في هذا البحث، فإنه بسبب ذلك الاختلاف في سنة وفاته؟، وليس قصيدًا منّي أن أذكر هذا الاختلاف في بعض المواطن، مع ملاحظةِ التقارب في الخلافِ بين سنوات الوفاة المختلفِ فيها، ولذا لم أذهبْ إلى تحقيقِ سنةِ وفاةِ كلِّ واحدٍ منهم، لعدم الحاجة إلى ذلك في هذا البحثِ.\nوالتزمت عدم الإشارة إلى التاريخ الهجري بعلامة (هـ)، إلا أن يكون نصًّا منقولًا.","vol":"1","page":11},{"text":"خامسًا: في حالِ إرجاعِ المعلومة إلى معاجم اللغة سلكت الآتي:\nإن كان المعجم مرتَّبًا على الحروفِ، واضحَ الترتيبِ، سواءً أكان على ترتيب الألفبائي، أم الترتيب على آخر الكلمة، أرجعتُ إلى مادة الكلمةِ.\nوإن كان غير ذلك - كما في كتاب «العين» و«الجمهرة» و«تهذيب اللُّغةِ» و«مقاييس اللغةِ» - أرجعتُ إلى الجزءِ والصفحةِ، لصعوبة الوصول إلى المادةِ، بسبب صعوبة الترتيبِ في هذه الكتبِ.\nسادسًا: لما كان موضوع اللُّغةِ في التفسيرِ طويلًا، فإنِّي حرصتُ على أن تكونَ الدراسةُ في نشأة التفسير اللغويِّ ومصادرِه في بدايةِ فترةِ التَّدوينِ اللُّغويِّ؛ لأنَّ غالبَ من جاء بعد هذه المرحلةِ ناقلٌ منها، ولذا حرصتُ على دراسةِ الكتبِ التي كانت في هذه المرحلةِ، فإن لم أجدْ نزلتُ إلى ما بعدها، وجعلتُ الدراسة في ثلاثةِ كتبٍ من كلِّ مصدرٍ من المصادرِ التي قسَّمتُها.\nسابعًا: جعلتُ هذه الدراسة منصبَّةً على ما له أثرٌ في التَّفسيرِ، وظهرَ لي أنَّ أغلبَ ذلكَ كان في دلالةِ الألفاظِ، وإن كُنتُ ألممتُ بشيءٍ من دلالةِ الصِّيَغِ، وشيءٍ من الأساليبِ العربيةِ كما درسَها المتقدمون من اللُّغويينَ، والتي تشكَّلَ منها - فيما بعدُ - علمُ البلاغةِ، وذلك نظرًا لأثرِها في المعنى.\nوحرصتُ على بسطِ الأمثلةِ، لتوضيحِ الفكرةِ (١)، كما حرصتُ على ألاَّ أُكثِرَ مما لا أثرَ له من اللُّغويَّاتِ، ولأجلِ هذا تجنَّبتُ الاستطرادَ، وإن كان ثمةَ فوائد ذكرتها في الحاشيةِ، ولم أكثر منها لخروجها عن موضوع البحث.\nثامنًا: لم ألتزم - في الغالب - إيرادَ ألقابِ العلماءِ أو التَّرَحُّمَ عليهم، ﵏، وليس ذلك من تنقُّصٍ، وإنما التزامُ ذلك يطولُ ويصعبُ، أسألُ الله لهم المغفرةَ والرحمةَ.\nأشكرُ كلَّ من كان له عونٌ لي في هذا البحثِ صغيرًا كان جهده أم\n_________\n(١) قد أُكرِّرُ ذكر بعض الأمثلة في أكثر من موطنٍ لأنه أنسبُ في بيانها.","vol":"1","page":12},{"text":"كبيرًا، وأسأل الله لهم أحسن الجزاء، وأن يوفقهم في الدارين، إنه سميع مجيب (١).\nوأخيرًا، فما كان في هذا البحث من صوابٍ، فمن اللهِ ﷿، وما كان فيه من خطأ أو زللٍ، فمن نفسي ومن الشيطانِ، وأستغفرُ اللهَ منه، وحسبي أني بذلت جهدي ووسْعي.\nوأسألُ اللهَ سبحانَهُ أنْ يُوفِّقني للعمل الصالحِ، وأنْ يجعلَ عملي نافعًا لي ولمن يطَّلِعُ عليه، وأنْ يُسدِّدني في كلِّ قولٍ وعملٍ، وآخر دعواي أن الحمد لله ربِّ العالمين.\n_________\n(١) تمت مناقشة الرسالة مساء الاثنين الموافق ١٢/ ٧/١٤٢١.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الباب الأول\nالتفسير اللغوي: مكانته ونشأته</span>\nوفيه ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: التفسير اللغوي ومكانته.\nالفصل الثاني: نشأة التفسير اللغوي.\nالفصل الثالث: مسائل في نشأة التفسير اللغوي.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الفصل الأول\nالتفسير اللغوي ومكانته</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: تعريف التفسير اللغوي.\nالمبحث الثاني: مكانة التفسير اللغوي.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الأول\nتعريفُ التَّفسير اللُّغويِّ</span>\nقبلَ الولوجِ في تعريفِ مصطلحِ «التَّفسيرِ اللُّغويِّ»، يحسنُ تعريفُ هاتينِ المفردتينِ قبلَ الإضافةِ؛ لكي يكون هذا التعريفُ للمفردتينِ مدخلًا يوضِّحُ المرادَ بمصطلحِ التَّفسير اللُّغويِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>أولًا: تعريف التفسير:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>التفسير لغةً:</span>\nالتَّفسيرُ: تفعيلٌ من الفَسْرِ، وأصلُ مادَّتِه اللُّغوية تدلُّ على بيانِ شيءٍ وإيضاحِه (١)، ولذا قيلَ: الفَسْرُ: كَشفُ المغطَّى (٢).\nوقيلَ: هو مأخوذٌ من قولِهم: فَسَرْتُ الحديثَ، أفسُرُهُ فَسْرًا؛ إذا بيَّنتُه\n_________\n(١) مقاييس اللغة، لابن فارس، تحقيق: عبد السلام هارون (٤:٥٠٤).\nوقد زعم قوم أن «فَسَرَ» مقلوب من «سَفَرَ»، يقال: سَفَرَتْ المرأةُ سفورًا؛ إذا ألقت خمارها عن وجهها. (ينظر: مقدمتان في علوم القرآن: ١٧٣، البرهان في علوم القرآن: ٢:١٤٧، التيسير في قواعد علم التفسير: ١٣٢)، وهذا القولُ لم أجده في كتب اللغةِ التي رجعتُ إليها، وهو قولٌ غيرُ دقيقٍ؛ لأنَّ دعوى القلبِ تَحتاجُ إلى ما يَدلُّ على صحتِها من لغةِ العربِ، والقلبُ: تَغْيِيرُ ترتيبِ الكلمةِ الواحدةِ، والمعنى واحدٌ؛ مثلُ: جَذَبَ وجَبَذَ.\nوأَدَقُّ من دعوى القلبِ، ما قالَه الراغبُ الأصفهانيُّ: «الفَسْرُ والسَّفْرُ، يتقاربُ معناهُمَا كتقاربِ لفظيهما». جامع التفاسير، للراغب الأصفهاني، تحقيق: الدكتور أحمد حسن فرحات (ص:٤٧).\n(٢) قاله ابن الأعرابي. ينظر: تهذيب اللغة، للأزهري (١٢:٤٠٦).","vol":"1","page":19},{"text":"وأوضحتُه. وفَسَّرْتُهُ تفسيرًا: كذلك (١).\nوالأشهرُ في الاستعمالِ: فَسَّرَ تفسيرًا، بتشديدِ حرفِ السِّينِ في الماضي، وبه جاءَ القرآنُ، كما قالَ تعالى: ﴿وَلاَ يَاتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣].\nقالَ مجاهد (ت:١٠٤) (٢) في تفسير هذه الآية: «﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾: بيانًا» (٣).\nومن الألفاظِ التي تُستخدمُ للدلالةِ على التَّفسيرِ، لفظُ التأويلِ ولفظُ المعنى. قالَ ابنُ الأعرابيِّ (ت:٢٣١) (٤): «التفسيرُ والتأويلُ والمعنى؛ واحدٌ» (٥). فإذا قال مفسِّرٌ: «معنى هذهِ الآيةِ كذا» (٦)، أو قال: «تأويلُ هذه\n_________\n(١) جمهرةُ اللغةِ، لابنِ دريدٍ (٢:٧١٨)، وينظر في مادة (فسر) كتابَ العينِ، للخليل (٧:٢٤٦)، والمحيطَ في اللغةِ، لابنِ عبادٍ، تحقيق: محمد حسن آل ياسين (٨:٣١١).\n(٢) مجاهدُ بنُ جبرٍ، أبو الحجاجِ، المكيُّ، المفسِّرُ، من أشهرِ تلاميذِ ابنِ عباسٍ، وكان من أعلمِ التابعين وأكثرهم في التفسير، اخْتُلِفَ في وفاته ما بين سنة (١٠١) إلى (١٠٤)، وله ثلاثٌ وثمانونَ سنةً. ينظر: طبقات المفسرين، للداودي (٢:٣٠٥ - ٣٠٨)، معجم المفسرين، لعادل نويهض (٢:٤٦٢ - ٤٦٣).\n(٣) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٩:١٢).\n(٤) محمدُ بنُ زيادٍ الأعرابي، أبو عبدِ اللهِ، كان لغويًا نسَّابًا، من أحفظِ الكوفيين للُّغةِ، توفي سنة (٢٣١). ينظر: طبقات النحويين واللغويين، للزبيدي (١٩٥ - ١٩٧)، ومراتب النحويين، لأبي الطيب اللغوي (ص:١٤٧).\n(٥) تهذيب اللغة (١٢:٤٠٧).\n(٦) جاء في تاج العروسِ، مادة (عنى) ما نصه: «وعَنَى بالقولِ كذا؛ يعني: أرادَ وقَصَدَ» وفي مفردات ألفاظ القرآن، للراغب، تحقيق: صفوان داودي (ص:٥٩١): «المعنى: إظهارُ ما تضمنه اللفظُ، من قولهِم: عَنَتِ الأرضُ بالنباتِ: أَنْبَتَتْهُ حَسَنًا، وعَنَتِ القِرْبَةُ: أظهرتْ ماءَها ... والمعنى يقارنُ التفسيرَ، وإن كان بينهما فرقٌ». وينظر: عمدة الحفاظ، للسمين الحلبي، تحقيق: محمود الدغيم (ص:٣٨٧).","vol":"1","page":20},{"text":"الآيةِ كذا» (١)؛ فإنَّ المرادَ بهاتينِ العبارتينِ: تفسيرُها.\nهذا، وقد استخدمَ إمامُ المفسِّرينَ ابنُ جريرٍ الطَّبريُّ (ت:٣٠٩) (٢) مصطلحَ التأويلِ بمعنى: التفسيرِ، في عنوانِ كتابِه: «جَامِعِ البَيَانِ عَنْ تَأوِيلِ آيِ القُرْآنِ»، كما أنه يُطلِقُ على أهلِ التَّفسيرِ: أهلَ التَّأويلِ، ويترجم لكل مقطعٍ من الآياتِ بقوله: «القول في تأويل قوله تعالى».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>التفسير اصطلاحًا:</span>\nاختلفتْ عباراتُ المعرِّفينَ لمصطلحِ التفسيرِ، وكان فيها توسُّعٌ أو اختصارٌ، وممن عرَّفه:\n* ابن جُزَيّ (ت:٧٤١) (٣)، قالَ: «معنى التَّفسيرِ: شرحُ القرآنِ، وبيانُ معناه، والإفصاحُ بما يقتضيه بنصِّه أو إشارَتِه أو نجواه» (٤).\n* وعرَّفَهُ أبو حيان (ت:٧٤٥) (٥)، فقال: «التفسيرُ: علمٌ يُبحثُ فيه عن\n_________\n(١) قال الفيروزُ آبادي في القاموس المحيط، مادة (أول) ما نَصُّهُ: «أَوَّلَ الكلامَ تأويلًا، وتأوَّلَه: دبَّره وقدَّره وفسَّره».\n(٢) محمدُ بنُ جريرٍ الطبري، أحدُ أئمةِ العلماءِ المجتهدين، يُحْكَمُ بقوله، ويُرْجَعُ إلى رأيه، لمعرفتِه وفضلِه، وكان قد جمعَ من العلومِ ما لم يشاركْه فيها أحدٌ من أهلِ عصرِهِ، وكتب في عدد من العلومِ؛ كالتفسيرِ والتاريخِ والقراءاتِ والفقهِ وأصولِ الفقهِ والحديثِ، توفي سنة (٣١٠). ينظر: تاريخَ بغداد (٢:١٦٢ - ١٦٩)، وطبقات المفسرين، للداودي (٢:١١٢).\n(٣) محمدُ بنُ أحمدَ بنُ جُزَي الكلبي، أبو القاسم، فقيهٌ مالكي، مشاركٌ في عدةِ علومٍ: الأصولِ والحديثِ والتفسيرِ، وله فيه كتابُ «التسهيلِ في علومِ التَّنْزيلِ»، توفي سنة (٧٤١). ينظر: الديباجَ المذهبَ (ص:٢٩٥)، ومعجمَ المفسرين (٢:٤٨١).\n(٤) التسهيل لعلوم التَّنْزيل، لابن جُزَي (١:٦).\n(٥) محمدُ بنُ يوسفَ بن علي بن حيان، أثير الدين، أبو حيان، النحوي، اللغوي، المفسر، له مشاركةٌ في عدَّةِ علومٍ، ومن كتبِه: «البحر المحيط» في التفسيرِ، و«تحفة الأديب بما في القرآن من الغريب»، توفي بالقاهرة بعد أن كُفَّ سنة (٧٤٥). ينظر: نكت الهميان، للصفدي (ص:٢٨٠)، ومعجم المفسرين (٢:٦٥٥).","vol":"1","page":21},{"text":"كيفيةِ النطقِ بألفاظِ القرآن، ومدلولاتِها، وأحكامِها الإفراديَّةِ والتركيبيَّةِ، ومعانيها التي تُحمَلُ عليها حالَ التركيبِ، وتتماتُ ذلك.\nفقولنا: «علم»: هو جنسٌ يشملُ سائرَ العلومِ.\nوقولنا: «يُبحثُ فيه عن كيفيَّةِ النُّطقِ بألفاظِ القرآنِ»: هذا علمُ القراءاتِ.\nوقولنا: «ومدلولاتها»، أي: مدلولاتِ تلك الألفاظِ، وهذا علمُ اللُّغةِ الذي يُحْتاجُ إليه في هذا العلمِ.\nوقولنا: «وأحكامها الإفرادية والتَّركيبية»: هذا يشملُ علمَ التَّصريفِ، وعلمَ الإعرابِ، وعلمَ البيانِ، وعلمَ البديعِ.\n«ومعانيها التي تحمل عليها حال التَّركيب»: شملَ بقوله: «التي تحمل عليها»: ما لا دلالةَ عليه بالحقيقةِ، وما دلالته عليه بالمجازِ، فإنَّ التَّركيبَ قد يقتضي بظاهره شيئًا، ويصدُّ عن الحملِ على الظَّاهرِ صادٌّ، فيحتاج لأجل ذلك أن يُحملَ على غيرِ الظَّاهرِ، وهو المجازُ.\nوقولنا: «وتتمات ذلك»: هو معرفةُ النَّسخِ، وسببُ النُّزولِ، وقصةٌ توضِّحُ ما انبهمَ في القرآنِ، ونحوُ ذلك» (١).\n* وعرَّفه الزَّرْكَشِيُّ (ت:٧٩٤) (٢) في موضعينِ من كتابِه البرهانِ في علوم القرآن، فقالَ في الموضعِ الأوَّلِ: «علمٌ يُعرفُ به فَهْمُ كتابِ اللهِ المنَزَّلِ على نبيه محمدٍ ﷺ، وبيانُ معانيه، واستخراجُ أحكامِه وحِكَمِهِ» (٣).\n_________\n(١) البحر المحيط، لأبي حيان (١:٢٦)، وقد نقله عنه - باختصارٍ - الكفويُّ في الكليات، تحقيق: عدنان درويش، ومحمد المصري (ص:٢٦٠).\n(٢) محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، بدر الدين، كان فقيهًا أصوليًا أديبًا، له مشاركةٌ في الحديثِ والتفسيرِ. قال ابنُ حجر في الدرر الكامنة (٣:١٤٠): «ورأيتُ أنا بخطه من تصنيفه البرهانَ في علوم القرآن، من أعجب الكتب وأبدعها»، توفي سنة (٧٩٤). ينظر: إنباء الغمر (٣:١٤٠)، وشذرات الذهب (٦:٣٣٥).\n(٣) البرهان في علوم القرآن، للزركشي (١:١٣).","vol":"1","page":22},{"text":"وعرَّفه في الموضعِ الثاني، فقال: «هو عِلْمُ نُزولِ الآيةِ وسورتِها وأقاصيصِها والإشاراتِ النَّازلةِ فيها، ثُمَّ ترتيبُ مكِّيِّها ومدنِّيها، ومحكمِها ومتشابِهها، وناسخِها ومنسوخِها، وخاصِّها وعامِّها، ومطلقِها ومقيدِها، ومجملِها ومفسرِها.\nوزادَ فيه قومٌ، فقالوا: علمُ حلالِها وحرامِها، ووعدِها ووعيدها، وأمرِها ونهيِها، وعِبَرِها وأمثالِها» (١).\n* وقال ابنُ عَرَفَةَ المالكي (ت:٨٠٣) (٢): «... هو العلمُ بمدلولِ القرآنِ وخاصِّيَةِ كيفيةِ دلالتِه، وأسبابِ النُّزولِ، والنَّاسخِ والمنسوخِ.\nفقولنا: خاصيةِ كيفيَّةِ دلالتِه: هي إعجازُه، ومعانيه البيانيَّةُ، وما فيه من علمِ البديعِ الذي يذكره الزَّمَخْشَرِيُّ (٣)، ومن نحا نحوه» (٤).\n* وقال الكَافِيجِيُّ (ت:٨٧٩) (٥): «وأمَّا التَّفسيرُ في العُرْفِ، فهو كشفُ معاني القرآنِ، وبيانُ المرادِ.\n_________\n(١) البرهان في علوم القرآن، للزركشي (٢:١٤٨).\n(٢) محمد بن محمد بن عرفة الورغمي التونسي، المالكي، أبو عبد الله، تمهَّر في الفنون وأتقن المعقول، إلى أن صار إليه المرجع في بلاد المغرب، وعلق عنه بعض أصحابه كلامًا في التفسير، كثير الفوائد، في مجلدين، وكان يلتقطه في حال قراءتهم عليه، ويدوّنه أولًا فأولًا، وكلامه فيه دَالٌّ على توسع في الفنون وإتقان وتحقيق، وقد طُبع جزء من تفسيره برواية تلميذه أبي عبد الله محمد بن خلفة الأُبِّي، توفي ابن عرفة سنة (٨٠٣). ينظر: إنباء الغمر (٤:٣٣٦ - ٣٣٨)، وشذرات الذهب (٧:٣٨).\n(٣) محمود بن عمر الزمخشري، أبو القاسم، جار الله، إمام في اللغة والنحو والأدب، وكان معتزليًا مجاهرًا بذلك، وله في التفسير كتابه الشهير المعروف بالكشاف، توفي بقصبة خوارزم سنة (٥٣٨). ينظر: نزهة الألباء (ص:٢٩٠ - ٢٩٢)، ومعجم الأدباء (١٩:١٢٦ - ١٣٥).\n(٤) تفسير ابن عرفة، برواية الأبي (١:٥٩).\n(٥) محمد بن سليمان الرومي الحنفي، أبو عبد الله الكافيجي [لُقِّب بذلك لكثرة اشتغاله =","vol":"1","page":23},{"text":"والمرادُ من معاني القرآنِ أعمُّ، سواءً كانت معاني لغويَّةً أو شرعيَّةً، وسواءً كانت بالوضعِ أو بمعونةِ المقامِ وسَوْقِ الكلامِ وبقرائنِ الأحوالِ؛ نحو: السَّماء والأرض والجنَّة والنَّار، وغير ذلك. ونحو: الأحكام الخمسة. ونحو: خواصِّ التَّركيب اللازمة له بوجه من الوجوه» (١).\n* وقال محمَّد الطَّاهر بن عاشور (ت:١٣٩٣) (٢): «التَّفسير ...: اسمٌ للعِلْمِ الباحثِ عن بيانِ معاني ألفاظِ القرآنِ، وما يستفاد منها، باختصارٍ أو توسعٍ» (٣).\n* وقال عبد العظيم الزُّرْقَانِيُّ: «علمٌ يُبحَثُ فيه عن القرآنِ الكريمِ من حيثُ دلالتُه على مرادِ اللهِ بقدرِ الطاقةِ البشريَّةِ» (٤).\n* وقال منَّاع القطَّان: «بيانُ كلامِ اللهِ المنَزلِ على محمدٍ ﷺ.\nفبيانُ كلامِ اللهِ - هذا المركَّبُ الإضافيُّ ـ: يُخرِجُ بيانُ كلامِ غيرِ اللهِ من الإنسِ والجنِّ والملائكةِ.\nوالمنَزَّلُ: يُخرِجُ كلامَ اللهِ الذي استأثرَ به سبحانَه.\n_________\n= بالكافية في النحو]، كان إمامًا في عدَّة علوم: الكلام والنحو واللغة والجدل وغيرها، وله اليد الحسنة في الفقه والحديث والتفسير، وله فيه: «التيسير في قواعد التفسير»، و«كشف النقاب للأصحاب والأحباب في إعجاز القرآن»، توفي سنة (٨٧٩). ينظر: بغية الوعاة، للسيوطي (١:١١٧ - ١١٨)، وشذرات الذهب، لابن العماد الحنبلي (٧:٣٢٦ - ٣٢٨).\n(١) التيسير في قواعد التفسير، للكافيجي (ص:١٢٤ - ١٢٥).\n(٢) محمد الطاهر بن عاشور، رئيس المفتين المالكيين في تونس، مفسر، لغوي، نحوي، أديب، له أبحاث ومشاركات أدبية وتحقيقات علمية نشرها في مجلات وكتب، وله في التفسير التحرير والتَّنْوير، توفي سنة (١٣٩٣). ينظر: معجم المفسرين (٢:٥٤١).\n(٣) التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور (١:١١)، وعنه نقل فاروق حمادة في كتابه: المدخل إلى علوم القرآن والتفسير (ص:٢١٢).\n(٤) مناهل العرفان، للزرقاني (٢:٣).","vol":"1","page":24},{"text":"وتقيِيد المُنَزَّلِ بكونِه «على محمَّد ﷺ»: يُخرَجُ به ما أُنزِلَ على الأنبياءِ قبله؛ كالتَّوراةِ والإنجيلِ» (١).\n* وقال محمد بن صالح بن عُثَيمِين: «بيان معاني القرآن الكريم» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>تحليل هذه التعريفات:</span>\n١ - يلاحظُ أنَّ بعضَ أصحاب هذه التَّعريفات نظرَ إلى جملةِ العلومِ التي تسْتَبْطِنُها كتبُ التَّفسيرِ، ولكثرتِها، فإنَّه لا يُتمكَّنُ من حصرِها وعدِّها كلِّها في التَّعريفِ، فجاءتْ في بعضِ التَّعريفات مثالًا لهذه الموضوعاتِ، وهذا ليس فيه تحديدٌ دقيقٌ لعلمِ التَّفسيرِ، ويظهرُ هذا واضحًا في تعريفِ أبي حيَّانَ الأندلسيِّ (ت:٧٤٥) والزَّرْكَشِيِّ (ت:٧٩٤).\n٢ - ويلاحظُ أنَّ بعضَهم ذَكَرَ ما ليس من علمِ التَّفسيرِ؛ كقولِ أبي حيَّانَ الأندلسيِّ (ت:٧٤٥): «وقولنا: يُبحثُ فيه عن كيفيةِ النُّطقِ بألفاظِ القرآنِ: هذا علمُ القراءاتِ» (٣).\nومعلومٌ أنَّه ليس من مُهِمَّةِ المُفَسِّرِ بيانُ كيفيَّةِ النُّطقِ بألفاظِ القرآنِ، إذ هذا من مُهِمَّةِ مقرئ القرآنِ.\nوإنما يتعلقُ بالتَّفسيرِ من هذا العلمِ ما كان له أثرٌ في اختلافِ المعنى؛ مثلُ الاختلافِ في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤]، حيثُ قُرِئَ: «بِضَنِين» و«بِظَنِين»، فمن قرأ: «بضنين»، فمعناه: ما هو ببخيل. ومن قرأ: «بظنين»، فمعناه: ما هو بمتَّهم (٤).\n_________\n(١) مذكرة علوم القرآن، كتبها لطلاب الدراسات العليا بقسم القرآن وعلومه في كلية أصول الدين، عام ١٤١٩ - ١٤١٠.\n(٢) أصول في التفسير (ص:٢٥).\n(٣) البحر المحيط، لأبي حيان (١:٢٦).\n(٤) ينظر في هذه القراءاتِ ومن قرأ بها وتوجيهها: علل القراءات، للأزهري، تحقيق: نوال الحلوة (٢:٧٥٠ - ٧٥١).","vol":"1","page":25},{"text":"أمَّا ما يتعلقُ بالأداءِ في القراءاتِ؛ كالإمالةِ، والتَّقليلِ، والهمزةِ، والإدغامِ، وغيرِها، فإنَّه لا أثرَ لها في التَّفسيرِ، ومن ثَمَّ، فهي ليست من علومِ التَّفسيرِ التي يحتاجها المفسِّرُ.\n٣ - كما يلاحظُ أنَّ بعضَ العلومِ المذكورةِ لم يُذكَرْ لها ضابطٌ فيما يدخلُ منها وما لا يدخلُ في التَّفسيرِ.\nومن العلومِ - مثلًا - علمُ الأحكامِ (أي: علم الفقه)، وليس كلُّ ما ذُكِرَ منه في كتبِ التَّفسيرِ داخلًا في مصطلحِ التَّفسيرِ؛ لأنَّ بعضَ المفسِّرينَ يتوسَّعونَ في ذكرِ المسائلِ المتعلِّقةِ بموضوعِ الحكمِ الشَّرعيِّ الذي نَصَّتْ عليه الآيةُ، وهذا التَّوسُّعُ محلُّه كتبُ الفقهِ، وليسَ كتبَ التَّفسيرِ، وقد أشارَ إلى ذلك بعضُ المفسِّرينَ، منهم:\n* الطبريُّ (ت:٣١٠)، قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنَّ اللهَ تعالى ذكرُه حرَّمَ قتلَ صيدِ البرِّ على كلِّ مُحْرِمٍ في حالِ إحرامِه ما دام مُحرِمًا بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة: ٩٥]، ثمَّ بيَّنَ حكمَ من قتلَ ما قتلَ من ذلكَ في حالِ إحرامِه مُتعمِّدًا لقتلِه، ولم يُخصِّص به المتعمِّدَ قتلَه في حالِ نسيانِه لإحرَامه، ولا المخطئَ في قتلِه في حالِ ذكرِه إحرامَه، بل عمَّ في التَّنْزيلِ - بإيجابِ الجزاءِ - كلَّ قاتلِ صيدٍ في حالِ إحرامِه متعمِّدًا ... وأمَّا ما يلزمُ بالخطأ قاتلَه، فقد بيَّنَّا القول فيه في كتابنا: (كتابِ لطيفِ القولِ في أحكامِ الشَّرائعِ) بما أغنى عن ذكرِه في هذا الموضعِ.\nوليسَ هذا الموضِعُ موضعَ ذكرِه؛ لأنَّ قصدنا في هذا الكتاب؛ الإبانةُ عن تأويلِ التَّنْزيلِ، وليسَ في التَّنْزيلِ للخطَأ ذِكْرٌ، فنذْكُر أحْكامَه» (١).\n_________\n(١) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١١:١٢).","vol":"1","page":26},{"text":"* وأبو حيَّان (ت:٧٤٥)، قال: «وقد تَعَرَّضَ المفسِّرون في كتبِهم لحكمِ التَّسميةِ في الصَّلاةِ، وذكروا اختلافَ العلماءِ في ذلك، وأطالوا التَّفاريعَ في ذلك، وكذلك فَعَلُوا في غيرِ ما آيةٍ، وموضوعُ هذا كتبُ الفقهِ.\nوكذلك تكلَّمَ بعضُهم على التَّعَوُّذِ، وعلى حكمِه، وليس من القرآنِ بإجماعٍ.\nونحنُ في كتابِنا هذا لا نتعرَّضُ لحكمٍ شرعيٍّ إ لاَّ إذا كان لفظُ القرآنِ يدلُّ على ذلك الحكمِ، أو يمكنُ استنباطُه منه بوجهٍ من وجوهِ الاستنباطاتِ» (١).\nلقد ذكر الطَّبريُّ (ت:٣١٠) وأبو حيان (ت:٧٤٥) هاهنا الضابطَ الذي يُعتمدُ عليه في ذكرِ مثلِ هذه الأحكام، وهو أن يكونَ القرآنُ نصَّ على الحكمِ الفقهيِّ، فإنَّهم يبيِّنونَ هذا الحكمَ ولا يتوسَّعونَ في بيانِ ما يتعلَّقُ به من الأحكامِ التي لم يردِ النَّصُّ عليها في القرآنِ، ومنْ ثَمَّ، فبيانُ الحكمِ الذي نصَّ عليه القرآنُ من التَّفسيرِ، وما يُذكرُ من المسائلِ الفقهيَّةِ المتعلِّقةِ بهذا الحكمِ، ولم ينصَّ عليها القرآنُ فهي ليستْ من التَّفسيرِ، ومحلُّها كتبُ الفقهِ، واللهُ أعلمُ.\nوالملاحظُ أنَّ أبا حيَّانَ (ت:٧٤٥) لم يلتزم هذا الضَّابطَ الذي ذكره في إيرادِه للأحكامِ عندَ تعرُّضِه للمسائلِ اللُّغويَّةِ والصَّرفيَّةِ والنَّحويَّةِ، بل توسَّع فيها، حتى خرجَ بها عن حدِّ التَّفسيرِ.\nوأخيرًا، إذا أمعنتَ النَّظرَ في هذه التَّعريفات فإنك ستجدُ بعضَها قد انطلقَ من المعنى اللُّغويِّ للتَّفسيرِ، وهذا هو الصوابُ، وقد استُعملتْ في هذه التَّعريفات عباراتُ: بيانٍ، وشرحٍ، وكشفٍ؛ للتَّعبير عن معنى «التَّفسير».\nويمكنُ من هذا المنطلقِ القولُ بأنَّ عمليةَ التَّفسيرِ إنَّما هي بيانُ وشرحُ\n_________\n(١) البحر المحيط، لأبي حيان (١:٣٢).","vol":"1","page":27},{"text":"القرآنِ، فما كان خارجَ نطاقِ البيانِ فإنَّه غيرُ داخلٍ في مصطلحِ التَّفسيرِ (١)، ومن ذلك - على سبيل المثال - ما يرجعُ إلى المُحَسِّنَاتِ اللَّفظيَّةِ من علمِ البديعِ؛ كالطِّباقِ (٢) المذكورِ في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣] (٣) فإنه لا أثرَ له في بيانِ الآيةِ؛ أي أنَّه يمكنك أن تفهم معنى الآية، وإنْ لم تعرفْ هذا الطِّباقَ المذكورَ.\n_________\n(١) لقد قمتُ بتأمُّلِ المعلوماتِ الموجودةِ في كتبِ التَّفسيرِ، واجتهدتُ في تقسيمِها، لاستجلاء ما له علاقةٌ بعمليةِ شرحِ القرآنِ، فظهرَ لي بعد سبرِها سبرًا سريعًا ما يأتي:\n* تفسيرُ القرآن، أي: بيانُه بيانًا مباشرًا.\n* معلوماتٌ تفيدُ في تقوية بيان المعنى ووضوحه، ولذا، فهي أقربُ إلى علمِ التَّفسيرِ من غيرها، والفرق بينها وبين سابِقها؛ أنَّ المعنى يكونُ قد اتَّضحَ وبانَ، وهذه المعلوماتُ تزيدُه وضوحًا وتقوِّيه، بحيثُ لو جهلها المفسِّرُ، فإنَّها لا تُؤثِّرُ على فَهمِ المعنى المرادِ.\n* استنباطاتٌ عامَّةٌ، في الآدابِ، والفقه، وغيرِها، والمرادُ هنا ما كانَ وراءَ الأحكامِ الصريحةِ في الآيةِ؛ لأنَّه إذا كانَ مما تدلُّ عليه الآيةُ صراحةً، فهو من التَّفسيرِ.\n* فوائدُ ولطائفُ ومُلَحٌ تفسيريَّة.\n* معلوماتٌ علميَّةٌ تتعلَّقُ بعلومِ القرآنِ، ولا أثرَ لها في التَّفسيرِ؛ كالكلامِ على عدد آي السورةِ.\n* معلوماتٌ علميَّةٌ عامَّةٌ من شتَّى المعارفِ الإسلاميَّةِ وغيرِها، والغالبُ عليهَا أنَّه لا صلةَ لها بعلمِ التفسيرِ، وإنما يكونُ المفسِّرُ ممن برزَ في علمٍ من هذه العلومِ، فيحشو تفسيرَه به، فالفقيهُ يوردُ مسائل علمِ الفقهِ، والنَّحويُّ يوردُ مسائلَ علمِ النَّحوِ، والمتكلِّمُ يوردُ مسائلَ علم الكلامِ، وهكذا غيرها من فروعِ العلومِ، خصوصًا العلوم الإسلاميَّة.\nويدخلُ في هذا القسمِ كثيرٌ من التفاسيرِ التي اعتمدت مناهجَ مخالفةً؛ كالتَّفاسيرِ الصُّوفيَّةِ، والباطنيَّةِ، والفلسفيَّةِ، وغيرِها.\nولولا خشية الإطالة، لوضَّحتُ هذه التقسيماتِ بالأمثلةِ، ولعلَّها لا تخفى على متخصِّصٍ ولا مطلِّع عليها في علم التَّفسيرِ، وأرجو أن يُيسِّرَ اللهُ لي كتابةَ هذا الموضوعِ كتابةً مستقلَّةً.\n(٢) الطباق: الجمع بين الشيء وضده، أو مقابلِه، كالأرض والسماء، والموت والحياة، وغيرها. ينظر: معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، للدكتور أحمد مطلوب (٣:٦٦)، والكليات، للكفوي (ص:٢٧٧).\n(٣) ينظر: التحرير والتنوير (٢٧:١٤٣).","vol":"1","page":28},{"text":"وغايةُ هذا البيانِ فهمُ كلام الله، فما خرجَ عن حَدِّ فَهْمِ كلامِه سبحانَهُ فإنه زائدٌ عن معنى البيانِ؛ لأنَّ الغايةَ من التَّفسيرِ معرفةُ المعنى الذي أراده الله من كلامِهِ، فما تَحْصُلُ به المعرفةُ فإنه بيانٌ وتفسيرٌ، وما عدا ذلك، فإنه توسُّعٌ حاصلٌ بعدَ هذا الفَهمِ والبيانِ.\nوإذا تأمَّلتَ كثيرًا من النِّكاتِ البلاغيَّةِ، والمُلَحِ التَّفسيريَّةِ، واللَّطائفِ اللُّغويَّةِ، وجدتَها تدخلُ في ما وراءَ البيانِ والفهمِ، فهي ليست من صُلْبِ التَّفسيرِ؛ لأن البيانَ لا يتوقفُ عليها، أمَّا إذا توقَّفَ البيانُ عليها فهي من التَّفسيرِ.\nوإذا كان ذلك هو المنطلق في تعريفِ التَّفسيرِ، فإنَّ البيانَ قد يتحقَّقُ بمعرفةِ اللَّفظةِ الغريبةِ في الآيةِ، أو بمعرفةِ قصتِها وسببِ نزولِها، أو بمعرفةِ مكانِ نزولِها وفيمن نزلتْ، أو بمعرفةِ ما فيها من النَّسخِ بمصطلحِه العامِّ؛ كبيانِ مجملٍ، وتخصيصِ عامٍ، وتَقْيِيدِ مطلقٍ، ورفعِ حكمٍ شرعيٍّ، وغيرِها مما يعتريه إزالةٌ ورفعٌ.\nوالمقصودُ: أنَّ ما يقعُ به بيانٌ عن معنى الآيةِ، فإنه تفسيرٌ للقرآنِ، ودونك هذه الأمثلةُ، إذ بالمثالِ يتبيَّنُ المقالُ.\n١ - في قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٨].\nإن أوَّلَ ما تحتاجُ إليه لِمعرفةِ تفسيرِ الآيةِ، معرفةُ لفظِ «النَّسِيء» في اللُّغةِ. فإذا عرفتَ أنَّ النَّسِيءَ: التأخيرُ، صارَ معنى الآيةِ: إنما التَّأخيرُ زيادةٌ في الكفرِ.\nولكن أيُّ تأخيرٍ هو المرادُ، وهذا يعني أنَّه لم يتمَّ البيانُ بمعرفةِ المدلولِ اللُّغويِّ وحدَه، لاحتياجِك إلى تحديدِ النَّسِيءِ المرادِ في الآيةِ، فإذا تَكَشَّفتْ لك قصةُ الآيةِ بما رُوي عن حبرِ الأمَّةِ ابن عباسٍ (ت:٦٨): أنَّ جُنَادَةَ بنَ عوفٍ بنَ أميةَ الكناني كان يوافي الموسمَ كلَّ عامٍ - وكانَ يُكْنَى أبا","vol":"1","page":29},{"text":"ثُمَامَةَ - فينادي: أَلاَ إنَّ أبا ثُمَامَةَ لا يُحَابُ (١) ولا يُعابُ، أَلاَ وإنَّ صفرَ العَامِ الأوَّلِ العَامَ حلالٌ. فَيُحِلُّهُ الناسُ، فيحرِّمُ صفرَ عامًا، ويحرِّم المحرَّمَ عامًا، فذلك قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٣٧] (٢) = تَبَيَّنَ لك المعنى المرادُ بالآيةِ، وهو أنَّ تأخيرَ الأشهرِ الحُرُمِ وإيقاعَها في أشهرِ الحِلِّ زيادةٌ في الكفرِ إلى كفرِهم، فَصِرْتَ في هذه الآية محتاجًا إلى معرفة معاني المفردات وقصةِ الآيةِ، والله أعلم.\n٢ - في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى *وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]، قيلَ: المرادُ: زكاةُ الفِطرِ وصلاةُ العِيدِ.\nوقيلَ: تَطَهَّرَ مِن الشِّركِ بالإيمانِ باللهِ، وصلَّى الصَّلواتِ الخمسَ. وهو قولُ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨).\nقال ابن الجَوْزِيِّ (ت:٥٩٧) (٣): «والقَولُ قولُ ابنِ عباسٍ في الآيتينِ، فإنَّ هذه السُّورةَ مكيَّةٌ بلا خلافٍ، ولم يكنْ بمكةَ زكاةٌ ولا عِيدٌ» (٤).\nلعلَّكَ تلاحظُ في هذا المثالِ أثرَ معرفةِ المكيِّ والمدنيِّ في فَهمِ الآيةِ، فلأنَّ السُّورةُ مكيَّةٌ، لا يمكنُ القولُ بأنَّها نزلتْ بشأنِ زكاةِ الفطرِ وصلاةِ العيدِ المفروضتين في المدينةِ، وأنَّ المرادَ بها هذا دونَ غيرِه، وإن كانتا تدخلانِ في معنى الآيةِ بالنَّظرِ إلى تعميمِ اللَّفظِ.\n_________\n(١) يُحاب: يُؤَثَّم.\n(٢) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٤:٢٤٥).\n(٣) عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، أبو الفرج، مؤرخ، محدث، مفسر، واعظ، فقيه، حنبلي، بغدادي المنشأ والوفاة، له في كل علم مشاركة، بلغت مصنفاته الثلاث مائة، منها: «زاد المسير في علم التفسير»، و«الناسخ والمنسوخ»، و«نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر»، وغيرها، توفي سنة (٥٩٧). ينظر: معجم المفسرين (١:٢٦٨ - ٢٦٩)، مؤلفات ابن الجوزي، لعبد الحميد العلوجي (ص:١١ - ١٢).\n(٤) زاد المسير، لابن الجوزي، ط: دار الفكر (٨:٢٣٠).","vol":"1","page":30},{"text":"٣ - في قوله تعالى: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]، إذا أخذتَ بالعمومِ في قولِه: ﴿لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ جعلتَ الاستغفارَ حاصلًا للمؤمنين والكافرين. وبه قال بعضهم، وجعلَ استغفارَ الملائكةِ للكافرِ بمعنى طلبِ الهدايةِ له.\nوقالَ آخرونَ: إنه عَامٌّ مخصوصٌ، وإنَّ المرادَ بمن في الأرضِ: المؤمنون. ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] (١).\nومن هذين القولين يَتحصَّلُ أنَّ مَنْ جَعَلَ الآيةَ عامَّةً أو خاصَّةً، فقد وقعَ منهم بيانٌ له أثرٌ في فَهْمِ معنى الآيةِ، وإنْ اختلفتْ أقوالُهم في تفسيرها.\nومن ثَمَّ، فإنَّ أيَّ معلومةٍ لها أثرٌ في فهْمِ المعنى أو تَغيُّرِهِ، فإنها تفسيرٌ، أمَّا ما كانتْ معرفتُه غيرَ مُؤَثِّرَةٍ في معنى الآيةِ، فإنه خارجٌ عن معنى التَّفسيرِ، وهو من باب التَّوَسُّعِ في هذا العلمِ. والله أعلم.\nوسأضربُ مثلًا يُبَيِّنُ أنَّ بعضَ المعلوماتِ الموجودة في التَّفسيرِ لا أثرَ لها في بيانِ الآيةِ، وهي خارجةٌ عن حدِّه، وزائدةٌ عليه، ومن ذلك ما وردَ في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥]، حيثُ اختلفَ المفسِّرونَ في تعيين الشَّجرةِ التي نُهِيَ آدمُ وزوجُه عن الأكلِ منها، فقيل: هي السُّنبلةُ، وقيلَ: الكَرْمَةُ، وقيلَ: التِّينةُ (٢).\nوالجهلُ بنوعِ الشَّجرةِ التي نُهِيَ عنها آدمُ وزوجُه، لا يؤثِّرُ في فهمِ المعنى، قال الطبري (ت:٣١٠): «فالصوابُ في ذلك أن يقالَ: إنَّ اللهَ جلَّ\n_________\n(١) ينظر: تفسير عبد الرزاق، تحقيق: قلعجي (٢:١٥٥)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٥:٨)، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه، لمكي، تحقيق: أحمد فرحات (ص:٣٩٩)، تفسير ابن عطية، ط: قطر (١٣:١٤٢).\n(٢) ينظر في أقوال السلفِ: تفسير الطبري، تحقيق شاكر (١:٥١٦ - ٥٢٠).","vol":"1","page":31},{"text":"ثناؤه نهى آدمَ وزوجتَه عن أكلِ شجرةٍ بعينِها من أشجارِ الجنَّةِ دونَ سائرِ أشجارِها، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه، فأكلا منها كما وصفهما الله جلَّ ثناؤه به. ولا علمَ عندنا بأيِّ شجرةٍ كانت على التَّعيينِ؛ لأنَّ اللهَ لم يضع لعبادِه دليلًا من القرآنِ، ولا في السنّةِ الصحيحةِ، فأنَّى يتأتي ذلكَ؟\nوقد قيلَ: كانت شجرةَ البُرِّ، وقيلَ: شجرةَ العنبِ، وقيلَ: شجرةَ التِّينِ، وجائزٌ أن تكونَ واحدةً منها، وذلك عِلْمٌ، إذا عُلِمَ، لم ينفعِ العالِمَ به علمُه، وإن جَهِلَهُ جاهلٌ، لم يضرَّه جهلُه به» (١).\nوعلى ذلكَ يجري كثيرٌ من مبهماتِ القرآنِ. إذ العلمُ بها لا يفيدُ معنىً، ولا بيانًا في الآيةِ.\nوبعد هذا التَّفصيلِ يُمكنُ القولُ بأنَّ التَّفسيرَ: بَيَانُ القرآن الكريم.\nفخرجَ بالبيان: ما كان خارجًا عن حَدِّ البيانِ؛ ككثيرٍ من المسائلِ الفقهيَّةِ، والمسائلِ النَّحويَّةِ، ومبهماتِ القرآنِ، وغيرِها مِمَّا يُذْكَرُ في كتبِ التَّفسيرِ، مِمَّا لا أثرَ له في التَّفسيرِ.\nويخرج بالقرآنِ: غيرُ كلامِ اللهِ سبحانَه، وكلامُه لملائكتِه، وكلامُه لرسلِه السَّابقينَ محمدًا ﷺ، والحديثُ القدسيُّ، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>ثانيًا: تعريف اللغة:</span>\nاللُّغةُ لغةً:\nاللُّغةُ: فُعْلَةٌ من لَغَوتُ؛ أي: تَكَلَّمْتُ. وأصلها: لُغْوَةٌ، وقيل: لُغَيٌ أو لُغَوٌ - على وزنِ فُعَلٌ - والهاءُ عوضٌ. وجمعُها: لُغَىً، ولغاتٌ، ولُغُونٌ (٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١:٥٢٠ - ٥٢١).\n(٢) لسان العرب، مادة (لغو)، وينظر في جمع لفظ اللغة: العين (٤:٤٤٩).","vol":"1","page":32},{"text":"واللُّغةُ: اللِّسْنُ والنُّطقُ، يقال: هذه لغتُهم التي يَلْغُونَ بها؛ أي: ينطقون (١).\nولَغْوَى الطَّيرِ: أصواتُها (٢).\nواختُلفَ في أصلِ اشتقاقِ المادَّةِ، فقيل:\n١ - أُخذتْ من الْمَيلِ، في قولهم: لَغَا فلانٌ عن الصَّوابِ، إذا مَالَ عنه، قال ابنُ الأعرابيِّ (ت:٢٣١): «واللُّغةُ أُخِذَتْ من هذا؛ لأنَّ هؤلاءِ تكلَّموا بكلامٍ مالُوا فيه عنْ لغةِ هؤلاءِ الآخرين» (٣).\n٢ - أُخِذَتْ من اللَّهْجِ بالشَّيءِ، قال ابن فارس (ت:٣٩٥) (٤): «... لَغَى بالأمرِ: إذا لَهَجَ به، ويقالُ: إنَّ اشتقاقَ اللُّغةِ منه؛ أي: يَلْهَجُ صاحبُها بها» (٥).\n٣ - وقيل: مصدرُها: اللَّغْوُ، وهو الطَّرْحُ، فالكلامُ لكثرةِ الحاجةِ إليه يُرْمَى به (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>اللغة اصطلاحًا:</span>\nوردَ في تعريفِ اللغةِ اصطلاحًا عِدَّةُ تعريفاتٍ عن العلماءِ، ومن ذلك:\n_________\n(١) لسان العرب، مادة (لغو).\n(٢) لسان العرب، مادة (لغو).\n(٣) لسان العرب، مادة (لغو). وقد نسبها إلى الأزهري في تهذيب اللغة، ولم أجدها في مظنتها.\n(٤) أحمد بن فارس بن زكريا، أبو الحسين، من أكابر أئمة اللغة، له كتب بديعة، كالصاحبي في فقه اللغة، ومقاييس اللغة وغيرها، وكان من رؤساء أهل السنة المجوِّدين على مذهب المحدثين، توفي بالرَّيِّ سنة (٣٩٥). ينظر: نزهة الألباء (ص:٢٣٥ - ٢٣٦)، وإنباه الرواة (١:١٢٧ - ١٣٠).\n(٥) مقاييس اللغة (٥:٢٥٦).\n(٦) تاج العروس، مادة (لغو).","vol":"1","page":33},{"text":"١ - عَرَّفها ابنُ جِنِّي (ت:٣٩٢) (١) فقال: «أصواتٌ يُعبِّرُ بها كلُّ قومٍ عن أغراضِهِم» (٢).\n٢ - وقال ابنُ حَزْمٍ (ت:٤٥٦) (٣): «ألفاظٌ يُعبَّرُ بها عن المُسَمَّيَاتِ وعن المعاني المرادِ إفهامُها، ولكُلِّ أمةٍ لغتُهم» (٤).\n٣ - وفي تاجِ العروسِ: «هي الكلامُ المصطلحُ عليه بين كُلِّ قبيلٍ» (٥).\nوهذه التعريفاتُ مُتقاربةٌ في الدلالةِ على اللغةِ اصطلاحًا، وإن اختلفتْ تعبيراتُ المعبِّرين عنها.\nويُلاحظُ أنهم جعلوا اللُّغةَ الطريقَ الذي يحصلُ به التَّفاهمُ بين اثنين عن طريقِ النُّطقِ بالألفاظِ؛ أي: أنَّ عمدةَ اللُّغةِ الألفاظُ التي يتداولُها القومُ الذين اصطلحوا عليها، بحيثُ لو حُدِّثوا بغيرِها لم يحصل بينهم تفاهم.\n_________\n(١) عثمان بن جني، أبو الفتح، النحوي المعتزلي، كان من حذاقِ أهلِ الأدبِ، وأعلمِهم بالنحوِ والتصريفِ، وهو من أشهرِ تلاميذِ أبي علي الفارسي، وله تآليفُ كثيرةٌ؛ كالخصائصِ، وسرِ الصناعةِ، وغيرها، توفي ببغداد سنة (٣٩٢). ينظر: تاريخ العلماء النحويين من البصريين والكوفيين وغيرهم، للقاضي التنوخي (ص:٢٤ - ٢٥)، ونزهة الألباء في طبقات الأدباء، لابن الأنباري (ص:٢٤٤ - ٢٤٦).\n(٢) الخصائص، لابن جني (١:٣٤). ولم أجد من عَرَّفَ اللغة قبل ابن جني، وقد نقله عنه من جاء بعده، ينظر: مادة (لغو) في المحكم لابن سيده، ولسان العرب، والقاموس المحيط.\n(٣) علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، أبو محمد، مؤرخٌ، فقيهٌ، أصوليٌ، متكلمٌ، مشاركٌ في عدة علومٍ، كان وزيرًا، ثم تركها وتفرغ للعلم، وأخذ بمذهب الظاهرية، ونشره، ودافع عنه، وجلب عليه ذلك الحساد، حتى طعنوا عليه في دينه، وأُخرِجَ وطُورِدَ حتى نزل بادية «لبله» من بلاد الأندلس وبها توفي، وله من الكتب: المحلى في الفقه، والناسخ والمنسوخ، وغيرُها، وكانت وفاته سنة (٤٥٦)، ينظر: بغية الملتمس (ص:٤٠٣)، ومعجم المفسرين (١:٣٥١ - ٣٥٢).\n(٤) الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم، تحقيق: أحمد شاكر (١:٥٢).\n(٥) تاج العروس، مادة (لغو).","vol":"1","page":34},{"text":"ويلاحظُ في هذه التعريفات أنها لم تذكر الأساليبَ التي تتميزُ بها اللُّغةُ؛ كالحذفِ والاختصارِ والكنايةِ والاستعارةِ وغيرِها من الأساليبِ العربيَّةِ التي لها أثرٌ في الفَهْمِ حَالَ التَّخاطُبِ بَين المتخاطِبينَ بها. ولغةُ العربِ من أوسعِ اللُّغاتِ في التَّفننِ بهذه الأساليبِ.\nوالمقصودُ: أنَّ كلامَ المخاطِبِ قد لا يكفي في فهمِه معرفةُ الألفاظِ وتراكيبِ الجملة، بلْ يُحْتَاجُ إلى معرفةِ الأسلوبِ الذي استعملَه المتكلمُ، ففي قوله تعالى: ﴿قَالُوا ياشُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَامُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] تجدُ أنَّ قولَهُم: ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ظاهرُه المدحُ؛ لأنَّ هذه الألفاظَ ألفاظُ مدحٍ، ولكن السياق يدلُّ على أنَّ هذا الأسلوبَ أسلوبُ تَهَكُّمٍ وسخريةِ، قال الطبري (ت:٣١٠): «وأمَّا قولُهم لشعيبٍ: ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾، فإنهم - أعداءُ اللهِ - قالوا ذلك له استهزاءً به، وإنما سَفَّهُوه وجَهَّلُوه بهذا الكلامِ، وبما قلنا من ذلك قالَ أهل التَّأويلِ» (١). ثمَّ ذكرَ الروايةَ في ذلك عن ابنِ جريجٍ (ت:١٥٠) (٢)، وابن زيدٍ (ت:١٨٢) (٣).\nوقد أوردَ العلماءُ في بعضِ الأساليبِ قواعدَ تَدُلُّ على أثرِ هذه\n_________\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٢:١٠٣). وينظر: تأويل مشكل القرآن (ص:١٨٥)، والصاحبي في فقه اللغة (ص:٤٢٩ - ٤٣٠).\n(٢) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد، فقيه الحرم المكي، أول مكي صنف كتب الحديث، وألف في التفسير ثلاثة أجزاء كبار، أدرك صغار الصحابة ولم يحفظ عنهم، وحدث عن عطاء بن أبي رباح كثيرًا، وعن مجاهد، وغيرهما، ولد سنة نيف وسبعين، وتوفي سنة (١٥٠). ينظر: طبقات المفسرين، للداودي (١:٣٥٨ - ٣٥٩)، ومعجم المفسرين (١:٣٣٣).\n(٣) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، المدني، المفسر، روى تفسيره ابن وهب كما في سند روايته عند الطبري في تفسيره، وأصبغ كما في سند روايته في تفسير ابن أبي حاتم، وله كتابٌ في الناسخ والمنسوخ، توفي سنة (١٨٢). ينظر: طبقات المفسرين، للداودي (١:٢٧١)، ومعجم المفسرين (١:٢٦٥).","vol":"1","page":35},{"text":"الأساليبِ في فَهْمِ اللُّغةِ؛ كقولِهم: «العربُ إنَّما تحذفُ من الكلامِ ما دَلَّ عليه ما ظهرَ» (١).\nوقولِهم: «العربُ تختصرُ الكلامَ ليخفِّفُوه؛ لِعِلْمِ السامعِ بتمامِه» (٢)\nوقولِهم: «إنما يحسنُ الإضمارُ في الكلامِ الذي يجتمعُ، ويدلُّ أولُه على آخرِه» (٣).\nولبيانِ أثرِ الأسلوبِ في فَهْمِ الكلامِ، انظرْ تفسير قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]، قال الفراء (ت:٢٠٧) (٤): «ويقالُ: قَدَّرَ فهدى وأضَلَّ، فاكتفى من ذِكْرِ الضَّلالِ بذِكْرِ الهدى، لكثرةِ ما يكونُ معه» (٥)، حيثُ جعلَ هذا القائلُ الآيةَ على أسلوبِ الحذفِ اختصارًا، وجعلَ لفظَ هدى دلالةً على اللَّفظِ المحذوفِ، وبهذا تصيرُ دلالةُ الآيةِ محصورةً على الهدى والضَّلالِ الشَّرعيِّ، والصوابُ أنَّ الآيةَ أعمُّ من ذلك، قال الطَّبريُّ (ت:٣١٠): «والصَّوابُ من القولِ في ذلك عندنا أن الله عمَّ بقوله: ﴿فَهَدَى﴾ الخبر عن هدايته خلقَه ولم يخصص من ذلك معنى دون معنى، وقد هداهم لسبيلِ الخيرِ والشَّرِ، وهدى الذكورَ لمَاتَى الإناثِ، فالخبر على عمومِه حتى يأتيَ خبرٌ تقومُ به الحجةُ دالٌّ على خصوصِه» (٦).\n_________\n(١) تأويل مشكل القرآن (ص:٢١٩).\n(٢) مجاز القرآن (١:١١١)، وينظر: معاني القرآن، للفراء (١:٢).\n(٣) معاني القرآن، للفراء (١:١٣).\n(٤) يحيى بن زياد الفراء، أبو زكريا، الكوفي النحوي، تتلمذ على الكسائي، وكان من أبرع الكوفيين في علم النحو، حتى قال عنه ثعلب: «لولا الفراء ما كانت عربية ...» أملى كتابه في معاني القرآن، ورواه عنه محمد بن الجهم السمري، وسلمة بن عاصم، وعنه نقل الأزهري في تهذيبه كتاب الفراء، وتوفي الفراء سنة (٢٠٧). ينظر: مراتب النحويين (١٣٩ - ١٤١)، وطبقات النحويين واللغويين (١٣١ - ١٣٣)، وتهذيب اللغة (١:١٨).\n(٥) معاني القرآن، للفراء (٣:٢٥٦).\n(٦) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:١٥٢)، وينظر: تفسير ابن عطية، ط: قطر (١٥:٢٠٤)، ودقائق التفسير، لابن تيمية (٥:٦٧ - ٧١)، والتسهيل لعلوم التنْزيل لابن جزي (٤:٩٣).","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>مصطلحُ اللُّغةِ في كلامِ السَّلفِ:</span>\nوقدْ وردَ استخدامُ السلفِ لمصطلح اللغةِ على ما ذكره العلماء في التعريف الاصطلاحي، وذلك أنهم ذكروا في تفسيرِ بعضِ الألفاظِ أنها «بِلُغَةِ كذا»، مثل ما ورد عن الضَّحَّاكِ (ت:١٠٥) (١) في قوله تعالى: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ [القيامة: ١١]، حيثُ قال: «يعني: الجبلَ، بلغةِ حِمْيَر» (٢). وغالبًا ما يَرِدُ تعبيرُهم بهذا إذا كان اللفظُ المفسَّرُ نازلًا بغيرِ لغةِ قريشٍ أو لغةِ العربِ، وقد اصطُلِحَ على ما كان بغيرِ لغةِ العربِ بمصطلح: «المُعَرَّب» (٣).\nكما وردَ عنهم التعبيرُ عن اللغةِ بأنها الكلامُ، ومن ذلك ما وردَ عن ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، قال: «من الإثمِ، وهي في كلامِ العربِ: نَقِيُ الثِّيابِ» (٤). أي: في لغتِهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>المعاني المرادفةِ للفظِ اللُّغةِ في القرآن وكلامِ السَّلفِ:</span>\nوردَ في القرآنِ مرادفُ «اللُّغةِ»، وهو «اللِّسانُ»، ومما جاء في ذلك، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤].\nقال قتادة (ت:١١٧) (٥): «بلغة قومه» (٦).\n_________\n(١) الضحاك بن مزاحم الهلالي البلخي، مفسر، وثَّقَهُ الإمام أحمد، وقال الثوري: «خذوا التفسير عن أربعة، وذكر الضحاك منهم»، وهو يروي تفسيرَ ابن عباسٍ مرسلًا؛ لأنَّه لم يلقه، مات بخراسان سنة (١٠٥). ينظر: الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٤:٤٥٨ - ٤٥٩)، والثقات، لابن حبان (٦:٤٨٠ - ٤٨١).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:١٣٨)، وينظر: الدر المنثور (٥:٥٠٢)، (٧:١١٩)، (٨:٤٩٢، ٥٢٦).\n(٣) المُعرَّب: ما قيلَ بأنَّ أصله غير عربي.\n(٤) الدر المنثور (٨:٣٢٦)، وينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:٢٠٢).\n(٥) قتادة بن دعامة السدوسي، البصري، مفسر، حافظ يضرب به المثل في حفظه، روى عن أنس بن مالك وجمع من التابعين، واختص بالحسن البصري، ومن أشهر طرق تفسيره طريق معمر بن راشد وسعيد بن أبي عَروبة، توفي بواسط في الطاعون، سنة (١١٧). ينظر: الجرح والتعديل (٧:١٣٣ - ١٣٥)، ومعجم المفسرين (١:٤٣٥ - ٤٣٦).\n(٦) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٣:١٨).","vol":"1","page":37},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] قال الطَّبريُّ (ت:٣١٠): «واخْتِلافُ منطقِ ألسنَتِكُم ولُغَاتِكم» (١).\nومن ذلك: قولُ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) - في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦]ـ قال: «الكَنُودُ بلسانِنا أهلَ البلدِ (٢): الكفورُ» (٣).\nوقولُ سعيدِ بن المسيبِ (٤) (ت:٩٤): «الماعونُ بلسانِ قريشٍ: المالُ» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>ثالثًا: تعريف التفسير اللغوي:</span>\nبعدَ أنْ تمَّ التَّعَرُّفُ على مفرداتِ هذا المصطلحِ، فإنه يمكنُ الانطلاقُ منها إلى تعريفِ هذا المصطلحِ، فأقولُ:\nالتفسيرُ اللغويُ: بيان معاني القرآن بما ورد في لغة العرب.\nأمَّا الشِقُّ الأولُ مِنَ التعريفِ، وهو بيان معاني القرآن: فإنه عامُّ يشملُ كُلَّ مصادرِ البيانِ في التَّفسيرِ؛ كالقرآنِ، والسُّنَّةِ، وأسباب النزول، وغيرها.\nوأمَّا الشِّقُّ الثاني منه، وهو بما ورد في لغة العرب: فإنه قَيدٌ واصفٌ لنوعِ البيانِ الذي وَقَعَ لتفسيرِ القرآنِ، وهو ما كان طريقُ بيانِه عن لغةِ العربِ.\nوبهذا النَّوعِ من البيانِ يخرجُ ما عداه من أنواعِ البيان؛ كالبيانِ الكائنِ بأسبابِ النُّزولِ وقصصِ الآيِ، أو غيرِها مما ليس طريقُ معرفتِه اللُّغةُ. كما يخرج بهذا القيدِ ما كان طريقُ بيانِه بغيرِ لغةِ العربِ، كمن يُفسِّرُ بمدلولاتٍ لا تُعرفُ عند العربِ؛ كالمصطلحاتِ الحادثةِ.\n_________\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢١:٣١ - ٣٢).\n(٢) يعني: مكة.\n(٣) الدر المنثور (٨:٦٠٣).\n(٤) سعيد بن حزن (المسيب) القرشي، روى عن جمع من الصحابة؛ كعمر وعثمان وعلي، وكان من أفقه التابعين، توفي سنة (٩٤)، وقيل غيرها. ينظر: الجرح والتعديل (٤:٥٩ - ٦١)، والثقات (٤:٢٧٣ - ٢٧٥).\n(٥) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٣١٩). وينظر في الصفحة نفسها قول الزهري.","vol":"1","page":38},{"text":"والمرادُ بما وردَ في لغةِ العربِ: ألفاظُها وأساليبُها التي نزلَ بها القرآنُ.\nوقد أشارَ إلى هذا الشَّاطِبِيُّ (ت:٧٩٠) (١)، فقال: «فإنْ قلنا إنَّ القرآنَ نزلَ بلسانِ العربِ، وإنَّه عربيٌ، وإنه لا عُجْمَةَ فيه، فيعني أنه أُنزِلَ على لسانِ معهودِ العربِ في ألفاظِها الخاصةِ وأساليبِ معانيها، وأنها فيما فُطِرتْ عليه من لسانِها تُخَاطِبُ بالعامِّ يُرَادُ به ظاهره، وبالعَامِّ يراد به العَامُّ في وجهٍ والخاصُّ في وجهٍ، وبالعَامِّ يُرادُ به الخاصُّ، وظاهرٌ ويُرادُ به غيرُ الظاهرِ، وكلُّ ذلك يُعرَفُ من أوَّلِ الكلامِ أو وسطِه أو آخرِه ...» (٢).\nومن أمثلةِ تفسيرِ الألفاظِ، تفسيرُ لفظ «استوى» في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣]، قال أبو عبيدة (٣) (ت:٢١٠): «مَجَازُهُ: ظَهَرَ عَلَى العَرْشِ وعَلاَ عَلَيه.\nويُقالُ: اسْتَوَيتُ على ظَهْرِ الفَرَسِ، وعلى ظَهْرِ البَيتِ» (٤).\nومن أمثلةِ تفسيرِ الأساليبِ، تفسيرُ أبي عبيدة (ت:٢١٠) لقوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، قال: «والعربُ تختصرُ الكلامَ ليخفِّفُوه، لِعِلْمِ المستمعِ بتمامِه، فكأنه في تمامِ القولِ: ويقولون: ربنا ما خلقتَ هذا باطلًا» (٥).\n_________\n(١) إبراهيم بن موسى الغرناطي المعروف بالشاطبي، الفقيه، الأصولي المحقق، صاحب كتاب الموافقات والاعتصام، توفي سنة (٧٩٠). ينظر: نيل الابتهاج بتطريز الديباج (ص:٤٦ - ٥٠)، وشجرة النور الزكية (١:٢٣١).\n(٢) الموافقات تحقيق: محيي الدين عبد الحميد (٢:٤٥ - ٤٦)، وينظر: الاعتصام، للشاطبي (٢:٢٩٣ - ٢٩٤)، ثم ينظر أصل هذا الكلام في كتاب الرسالة، للإمام الشافعي (ص:٥١ - ٥٣)، فقد نقل الشاطبي منه هذا الكلام، وزاد عليه.\n(٣) معمر بن مثنى البصري، مولى بني تيم، عالِمٌ بالعربيةِ، ومن أكثر الناس رواية لها، وله فيها كتب كثيرة، ومما كتبه في القرآن كتابه المشهور: مجاز القرآن، توفي سنة (٢١٠). ينظر: مراتب النحويين (ص:٧٧ - ٧٩)، وطبقات النحويين واللغويين (ص:١٧٥ - ١٧٨).\n(٤) مجاز القرآن (١:٢٧٣).\n(٥) مجاز القرآن (١:١١١).","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>المبحث الثاني\nمكانة التَّفسير اللُّغويِّ</span>\nاختارَ اللهُ سبحانه نبيَّه الخاتم محمد بن عبد الله ﷺ عربيًّا، وكان من السَّننِ أن يكون كتابُه بلسانِ قومِه، جَرْيًا على سنَّة الله في إرسالِ الرُّسلِ ﵈؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤].\nوقد جاءَ النَّصُّ على عربيةِ القرآنِ في غيرِ ما آيةٍ، منها:\n١ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢].\n٢ - وقولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣].\n٣ - وقولُه تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨].\n٤ - وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢].\n٥ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]، وغيرُ هذه الآياتِ التي نَصَّتْ على عربيَّةِ القرآنِ.\nولما كانَ الأمرُ كذلكَ، فإنه لا يمكنُ العدولُ عن هذه اللُّغةِ التي نزلَ بها القرآنُ إلى غيرِها إذا أُرِيدَ تفسيرُ الكتابِ الذي نزلَ بها؛ لأنَّ معرفةَ معاني ألفاظِه لا تؤخذُ إلاَّ منها.\nقال ابن فارس (ت:٣٩٥): «إنَّ العلمَ بلغةِ العربِ واجبٌ على كُلِّ متعلقٍ","vol":"1","page":40},{"text":"منَ العلمِ بالقرآنِ والسُّنَّةِ والفُتْيَا بسببٍ، حتى لا غَنَاءَ بأحدٍ منهم عنه، وذلك أنَّ القرآنَ نازلٌ بلغةِ العربِ، ورسولُ اللهِ ﷺ عربيٌ.\nفَمَنْ أرادَ معرفةَ ما في كتابِ اللهِ جلَّ وعزَّ، وما في سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ من كلِّ كلمةٍ غريبةٍ أو نَظْمٍ عجيبٍ، لم يجدْ مِن العلمِ باللغةِ بُدًّا» (١).\nوقالَ الشَّاطبيُّ (ت:٧٩٠): «لا بُدَّ في فَهْمِ الشَّريعةِ من اتباعِ معهودِ الأمِّيِّينَ، وهم العربُ الذين نزلَ القرآنُ بلسانِهم، فإنْ كانَ للعربِ في لسانِهم عُرْفٌ مُستمِرٌّ فلا يَصِحُّ العدولُ عنه في فَهْمِ الشَّريعةِ، وإنْ لم يكنْ ثَمَّ عُرْفٌ، فلا يَصِحُّ أنْ يُجْرَى في فَهْمِهَا على ما لا تعرفُه، وهذا جَارٍ في المعاني والألفاظِ والأساليبِ» (٢).\nويُفهمُ من ذلك أنَّ معرفةَ اللُّغةِ العربيَّةِ شرطٌ في فَهْمِ القرآنِ؛ لأنَّ من أرادَ تفسيرَه، وهو لا يَعْرفُ اللُّغةَ التي نزلَ بها القرآنُ، فإنه لا شَكَّ سيقعُ في الزَّلَلِ، بل سيحرِّف الكَلِمَ عن مَواضِعِهِ، كما حصلَ من بعضِ المبتدعةِ الذين حملوا القرآنَ على مصطلحاتٍ أو مدلولاتٍ غيرِ عربيَّةٍ.\nوإليك هذه الأمثلة التي تدلُّ على أثرِ الغفلةِ عن دلالةِ اللَّفظِ، أو جهلِ معناه في لغة العرب:\n* أسندَ أبو سليمان الخطَّابي (ت:٣٨٨) (٣) عن مالكِ بنِ دينارٍ (ت:١٢٧) (٤)،\n_________\n(١) الصاحبي في فقه اللغة، تحقيق: السيد أحمد صقر (ص:٥٠).\n(٢) الموافقات، للشاطبي، تحقيق: محيي الدين عبد الحميد (٢:٥٦).\n(٣) حَمْدُ بن محمد الخطابي (نسبة إلى زيد بن الخطاب)، أبو سليمان، الحافظ، من شيوخه القَفَّال الشافعي، وكان ذا رحلة في طلب العلم، وله تصانيف مشهورة، منها: إعجاز القرآن، وغريب الحديث، وشأن الدعاء، وغيرها، توفي سنة (٣٨٨). ينظر: معجم الأدباء (١٠:٢٦٨ - ٢٧٢)، وشذرات الذهب (٣:١٢٨).\n(٤) مالك بن دينار البصري، أبو يحيى، روى عن أنس وسعيد بن جبير والحسن البصري، وكان يكتب المصاحف بالأجرة، توفي سنة (١٢٧). ينظر: الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٨:٢٠٨)، وغاية النهاية في طبقات القراء، لابن الجزري (٢:٣٦).","vol":"1","page":41},{"text":"قال: «جَمَعَنَا الحسنُ (١) لِعَرْضِ المصاحفِ: أنَا، وأبَا العاليةِ (٢)، ونَصْرَ بنَ عاصمٍ الليثي (٣)، وعاصمًا الجحدري (٤).\nفقال رجلٌ: يا أبا العاليةَ، قوله تعالى في كتابِه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ *الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤، ٥] ما هذا السهوُ؟.\nقال: الذي لا يدري عنْ كَمْ ينصرفْ، عَنْ شَفْعٍ أو عن وِتْرٍ؟.\nقال الحسن: مَهْ يا أبا العالية، ليس هكذا، بلْ الذين سهوا عن ميقاتِها حتى تفوتَهم، قال الحسن: ألا ترى قولَه ﷿: ﴿عَنْ صَلاَتِهِمْ﴾» (٥).\nوإنما وقعَ أبو العالية (ت:٩٣) في ذلك، لأنَّه جعلَ دلالةَ الحرفِ «عن» بمعنى «في»، ولم يُفرِّقْ بينهما، قال أبو سليمان الخطَّابي (ت:٣٨٨): «وإنما أُتيَ أبو العاليةِ في هذا حيثُ لم يُفَرِّقْ بَيْنَ حرف «عن» و«في»، فَتَنَبَّهَ له الحسنُ فقالَ: ألا ترى قوله: ﴿عَنْ صَلاَتِهِمْ﴾ يؤيدُ أنَّ السَّهْوَ الذي هو الغلطُ\n_________\n(١) الحسن بن أبي الحسن (يسار) البصري، أبو سعيد، العابد الزاهد، الفقيه، المفسر، روى عن أنس بن مالك وابن عمر وأبي برزة، توفي سنة (١١٠). ينظر: الجرح والتعديل (٣:٤٠ - ٤٢)، وغاية النهاية في طبقات القراء (١:٢٣٥).\n(٢) رُفَيعُ بن مِهْرَان الرياحي، البصري، أبو العالية، محدث، مقرئ، مفسر، من كبار التابعين، أسلم بعد وفاة النبي ﷺ بسنتين، له تفسير رواه عنه الربيع بن أنس البكري، وتوفي أبو العالية سنة (٩٣)، وقيل غيرها. ينظر: غاية النهاية في طبقات القراء، لابن الجزري (١:٢٨٤)، وطبقات المفسرين، للداودي (١:١٧٨ - ١٧٩).\n(٣) نصر بن عاصم الليثي، البصري، النحوي، تابعي، عرض القرآن على أبي الأسود الدؤلي، ويقال: إنه أول من نقط المصاحف وخمَّسها وعشَّرها، توفي قبل المائة، وقيل: سنة (٩٠). ينظر: معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، للذهبي (١:٧١)، وغاية النهاية (٢:٣٣٦).\n(٤) عاصم بن أبي الصباح الجحدري، البصري، أخذ القراءة عرضًا على سليمان بن قتة عن ابن عباس، وثقه ابن معين. ينظر: الجرح والتعديل (٦:٣٤٩)، وغاية النهاية (١:٣٤٩).\n(٥) إعجاز القرآن، للخطابي (ص:٣٩).","vol":"1","page":42},{"text":"في العَدَدِ إنما يَعْرُضُ في الصَّلاةِ بعدَ ملابستِها، فلو كانَ هذا هوَ المراد لقيلَ: في صلاتِهم ساهون، فلما قال: ﴿عَنْ صَلاَتِهِمْ﴾ دَلَّ على أن المرادَ به الذهابُ عن الوقت» (١).\n* ومِنَ الأمثلةِ التي تَدُلُّ على الوقوعِ في الزَّلَلِ والتَّحريفِ:\nما وقع لعَمْرِو بنِ عُبَيْدٍ (ت:١٤٤) (٢). قالَ ابنُ خالويه (ت:٣٧٠) (٣): «كان عمرو بنُ عبيدٍ يُؤتى من قِلَّةِ المعرفةِ بكلامِ العربِ ... وقدْ كانَ كَلَّمَ أبا عمرو بن العلاء (٤) في الوعدِ والوعيدِ، فلم يُفَرِّقْ بينهما، حتَّى فَهَّمَه أبو عمرو، وقالَ: ويحك، إنَّ الرَّجلَ العربيَّ إذا وعدَ أنْ يُسِيءَ إلى رجلٍ، ثُمَّ لم يفعلْ، يقالُ: عَفَا وتكرَّمَ، ولا يقالُ: كذب. وأنشد (٥):\nوإني إن أوَعَدْتُهُ أو وْعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إِيعَادِي ومُنْجِزُ مَوعِدِي» (٦)\n_________\n(١) إعجاز القرآن، للخطابي (ص:٣٩).\n(٢) عمر بن عبيد بن باب، أبو عثمان البصري، المعتزلي، الزاهد، روى عن الحسن البصري وأبي قلابة، وهو متروك الحديث، وكان مُعَظَّمًا عند أبي جعفر المنصور، وحُكِيَ عنه أقوالٌ شنيعة. توفي سنة (١٤٣). ينظر: المنية والأمل (ص:٣٨ - ٤١)، وميزان الاعتدال (٣:٢٧٣ - ٢٨٠).\n(٣) الحسين بن أحمد بن خالويه، أبو عبد الله، من كبار أهل اللغة، لَقِيَ ابن الأنباري وابن مجاهد وأبا عمر الزاهد وابن دريد، وصحب سيف الدولة الحمداني، وأدَّب بعض أولاده، ومن كتبه المطبوعة: كتاب ليس، وهو كتاب نفيس، وإعراب القراءات السبع وعللها، توفي سنة (٣٧٠). ينظر: طبقات الأدباء (ص:٢٣٠ - ٢٣١)، وإنباه الرواة عن أنباء النحاة (١:٣٥٩ - ٣٦٢).\n(٤) أبو عمر بن العلاء بن عمار المازني، البصري، المقرئ، النحوي، اللغوي، قيل: إنَّ اسمه كنيته، وقيل: زبَّان، وقيل غير ذلك. كان واسع العلم بلغة العرب، وكان يقرئ في مسجد البصرة والحسنُ البصري حاضرٌ، وأخافه الحجاج، فتستر حتى مات الحجاج، وتوفي أبو عمرو سنة (١٥٤). ينظر: مراتب النحويين (ص:٣٣ - ٤٢)، وطبقات النحويين واللغويين (ص:٣٥ - ٤٠)، وغاية النهاية (١:٢٨٨ - ٢٩٢).\n(٥) ينظر البيت في جمهرة اللغة (٢:٦٦٨)، والصحاح واللسان، مادة (وعد).\n(٦) إعراب القراءات السبع وعللها، لابن خالويه، تحقيق: الدكتور عبد الرحمن العثيمين =","vol":"1","page":43},{"text":"* وقد حَكَى أبو حاتم السِّجِسْتَانِيُّ (ت:٢٥٥) (١)، عن الأخفشِ النحويِّ البصريِّ (ت:٢١٥) (٢) أنه فسَّرَ قولَه تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] من القُدْرَةِ (٣).\nقال الأزهري (ت:٣٧٠) (٤): «قال [أي: أبو حاتم]: ولم يدرِ الأخفشُ ما\n_________\n= (١:٥٤)، وينظر: طبقات النحويين واللغويين، للزبيدي (ص:٣٩ - ٤٠). وقد أخرج هذا الأثرَ الخطيبُ البغدادي بسنده في تاريخ بغداد (١٢:١٧٥ - ١٧٦)، فقال: «عن الأصمعي قال: جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء، فقال: يا أبا عمرو، يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ؟ قال: لا! قال: أفرأيت إن وعدَ على عملٍ عقابًا يخلف وعده؟ فقال أبو عمرو بن العلاء: من العجمة أُتِيتَ يا أبا عثمان. إن الوعد غير الوعيد، إن العرب لا تَعُدُّ خُلْفًا ولا عارًا أن تَعِدَ شرًا ثم لا تفعله، وترى إن (كذا) ذلك كرمًا وفضلًا، وإنما الخُلْفُ أن تَعِدَ خيرًا ثم لا تفعلُه. قال: فأوجدني هذا في كلام العرب. قال: أما سمعت إلى قول الأول:\nلا يَرْهَبُ ابنُ العَمِّ ما عِشْتُ صَولَتِي ... ولا أَخْتَشِي من خَشْيَةِ المُتَهَدِّدِ\nوإني وإنْ أَوْعَدْتُهُ أو وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إِيعَادِي ومُنجِزُ مَوعِدِي» ا. هـ\n(١) سهل بن محمد، أبو حاتم السجستاني، البصري، اللغوي، روى عن الأصمعي وأبي عبيدة وأبي زيد والأخفش، وكان ابن دريد يعتمد عليه في اللغة، ولم يكن حاذقًا في النحو، توفي سنة (٢٥٥). ينظر: أخبار النحويين البصريين، للسيرافي (ص:١٠٢ - ١٠٤)، وطبقات النحويين واللغويين، للزبيدي (ص:٩٤ - ٩٦).\n(٢) سعيد بن مسعدة، أبو الحسن الأخفش، النحوي، البصري، المعتزلي شرح كتاب سيبويه، وكان مُعَظَّمًا عند البصريين والكوفيين، له مع الكسائي إمام أهل الكوفة قصة في الانتصار لسيبويه، واتخذه الكسائي بعدها مُعَلِّمًا لولده، وله من الكتب: معاني القرآن، وهو مطبوع، توفي سنة (٢١٥). ينظر: مراتب النحويين، لأبي الطيب اللغوي (ص:١١١ - ١١٢)، طبقات النحويين واللغويين (ص:٧٢ - ٧٤).\n(٣) تهذيب اللغة (٩:٢٠)، وعبارة الأخفش في كتابه معاني القرآن، تحقيق: هدى قراعة (٢:٤٤٩): «أي: لن نقدر عليه العقوبة».\n(٤) محمد بن أحمد، أبو منصور الأزهري، اللغوي، الشافعي، أخذ عن نفطويه، وابن السراج، ولم يلق الزجاج ولا ابن الأنباري، وروى عنهما في كتابه الشهير: تهذيب اللغة، وكان قد لحقه الإسار بسبب اعتداء القرامطة على الحجيج سنة (٣١١)، وكان في سهم أعراب من البادية، وقد استفاد من مخالطتهم في تدوين =","vol":"1","page":44},{"text":"معنى نَقْدِرْ، وذهبَ إلى موضعِ القُدْرَةِ، إلى معنى: فَظَنَّ أنْ يَفُوتَنَا (١).\nولم يعلمْ كلامَ العربِ، حتى قال: إنَّ بعضَ المفسرين قال: أرادَ الاستفهامِ: أفظنَّ أنْ لنْ نقدرَ عليه (٢).\nولو عَلِمَ أنَّ معنى نَقْدِر: نُضَيِّقْ، لم يَخْبِطْ هذا الخَبْطَ. ولم يكنْ عالمًا بكلامِ العربِ، وكانَ عالمًا بقياسِ النَّحْوِ».\nثم قال الأزهري (ت:٣٧٠): «... والمعنى: ما قَدَّرَهُ اللهُ عليه من التَّضيِيْقِ في بطنِ الحوتِ، ويكونُ المعنى: ما قَدَّرَهُ اللهُ عليه من التضييق؛ كأنه قال: ظنَّ أن لن نُضَيِّقَ عليه، وكل ذلك شائعٌ في لغةِ العربِ، واللهُ أعلمُ بما أرادَ.\n_________\n= اللغة، وقد ذكر ذلك في كتابه، ومما ألَّفه أبو منصور: كتاب علل القراءات، وهو مطبوع، وتوفي سنة (٣٧٠). ينظر: تهذيب اللغة (١:٦ - ٧)، ومعجم الأدباء (١٧:١٦٤ - ١٦٧)، والبُلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (ص:١٨٦ - ١٨٧).\n(١) حكى الطبري في تفسير، ط: الحلبي (١٧:٧٩) هذا القول، فقال: «وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظن أنه يُعجِزُ ربه فلا يقدر عليه»، ثم أورد روايةً عن سعيد بن أبي الحسن (ت:١٠٠)، وأخيه الحسن البصري (ت:١١٠)، والقاضي إياس بن معاوية (ت:١٢٢).\nولم يظهر لي مناسبة هذه الروايات لهذا القول الذي ترجم به. ثم ذكر ترجيحه، وردَّ على ما سواه، فقال: «وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب، قول من قال: عَنَى به: فظنَّ يونس أن لن نحبسه ونضيق عليه، عقوبةً له على مغاضبته ربه. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الكلمة، لأنه لا يجوز أن يُنسب إلى الكفر، وقد اختاره لنبوته، ووَصْفُه بأنه ظنَّ أن ربه يعجز عما أراده به ولا يقدر عليه، وَصْفٌ له بأنه جَهِلَ قدرةَ الله، وذلك وَصْفٌ له بالكفر، وغير جائز لأحد وَصْفُهُ بذلك».\n(٢) ورد ذلك عن ابن زيد كما في تفسير الطبري، ط: الحلبي (٧:٧٩)، وقد رَدَّه الطبري، فقال: «وأما ما قاله ابن زيد، فإنه - لو كان في الكلام دليل على أنه استفهام - حسنٌ، ولكنه لا دلالةَ فيه على أنَّ ذلك كذلك، والعربُ لا تحذفُ من الكلامِ شيئًا لهم إليه حاجة إلا وقد أبقتْ دليلًا على أنه مرادٌ في الكلامِ، فإذا لم يكن في قوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ دلالةٌ على أن المراد به الاستفهامُ كما قال ابن زيد، كان معلومًا أنه ليس به ...».","vol":"1","page":45},{"text":"فأمَّا أنْ يكونَ قولُه: ﴿أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ في (١) القُدْرَةِ فلا يجوزُ؛ لأنَّ منْ ظَنَّ هذا كَفَرَ، والظَنُّ: شَكٌّ، والشَّكُّ في قُدْرَةِ اللهِ كُفْرٌ، وقد عَصَمَ اللهُ أنبياءه عن مثلِ ما ذهب إليه هذا المتأوِّلُ. ولا يتأولُه إلا الجاهلُ بكلامِ العربِ ولغاتِها» (٢).\n* قال الأخفشُ (ت:٢١٥) في قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]: «يعني، واللهُ أعلمُ، بالنَّظرِ إلى اللهِ: إلى ما يأتيهم من نِعَمِهِ ورِزْقِهِ، وقد تقولُ: واللهِ ما أنظرُ إلاَّ إلى اللهِ وإليك؛ أي: أنتظرُ ما عند اللهِ وعندك» (٣).\n_________\n(١) نقل ابن منظور في كتابه لسان العرب هذا الموضع عن الأزهري، وجاء فيه: «من القدرة»، بدلًا عن: «في القدرة»، وهذا أصحُّ وأوضحُ للعبارة، ولعل الذي في التهذيب سبق قلم من ناسخ المخطوطة، أو من الطابع، والله أعلم.\n(٢) تهذيب اللغة (٩:٢١).\n(٣) معاني القرآن، للأخفش، تحقيق: هدى قراعة (٢:٥٥٨)، والمعروف أنَّ الأخفش كان معتزليًا (ينظر مقدمة الدكتورة هدى قراعة لكتابه: ١:١٦ - ١٨)، وسيأتي تفصيلُ ذلك في الكلامِ عن كتابِه في مصادر التفسير.\nهذا، ولم أجد من نصَّ على هذا التأويل في هذه الآية قبل الأخفش، سوى مجاهدٍ وأبي صالح (ينظر الرواية عنهما في تفسير الطبري: ط: الحلبي: ٣٠:١٩٢ - ١٩٣)، ومن فقه الإمام ابن جرير أنه أورد - بعد الروايات عن مجاهد - أثر مجاهد عن ابن عمر، فيه النصُّ على رؤية الله سبحانه، وكأنه يشير إلى مخالفة مجاهد لشيخه ابن عمر، والله أعلم. ولم أجد سببًا يدعو مجاهدًا وأبا صالحٍ لهذا التأويل الغريبِ.\nوقد ورد في «غريب القرآن» (ص:٣٥٩) المنسوب لزيد بن علي (١٢٠) ما نصُّه: «ناظرة: منتظرة للثواب، قال الإمام زيد بن علي ﵉: إنما قوله: ﴿نَاظِرَةٌ﴾: إلى أمر ربها، ناظرة من النعيم والثواب». ولا يوثق بهذا النقل عن زيد بن علي ﵀؛ لأن الواسطي راوي الكتاب كذاب، وستأتي الإشارة إليه في الحديث عن كتب غريب القرآن.\nهذا، وقد تتابع المعتزلة على هذا التأويل كما هو ظاهر من كتبهم، مثل:\n* القاسم بن إبراهيم الرسي (ت:٢٤٦) في كتاب التوحيد والعدل (ضمن رسائل في التوحيد والعدل، أخرجها: سيف الدين الكاتب)، ينظر: (ص:٢٦٠ - ٢٦١).\n* القاضي عبد الجبار (ت:٤١٥) في كتابه متشابه القرآن، تحقيق: عدنان زرزور (٢:٦٧٣ - ٦٧٤).\n* الزمخشري (ت:٥٣٨) في كتابه الكشاف (٤:١٩٢).","vol":"1","page":46},{"text":"قال الأزهري (ت:٣٧٠): «ومن قالَ: إنَّ معنى قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] بمعنى: منتظرة، فقد أخطأَ؛ لأنَّ العربَ لا تقولُ: نظرتُ إلى الشيءِ، بمعنى: انتظرتُه، إنما تقول: نظرتُ فلانًا؛ أي: انتظرتُه، ومنه قول الحطيئة (١):\nوَقَدْ نَظَرْتُكُمْ أَبْنَاءَ صَادِرَةٍ\nلِلْوِرْدِ طَالَ بِهَا حَوْزِي وتَنْسَاسِي\nفإذا قلتَ: نَظَرْتُ إليه، لم يكنْ إلاَّ بالعينِ» (٢).\nوإنما وقعَ الخطأُ في تفسيرِ هذه الألفاظِ بسببِ جهلِ لغةِ العربِ، ولذا شَدَّدَ العلماءُ النَّكيرَ على من فَسَّرَ القرآنَ وهو جاهلٌ بلغةِ العربِ، ومن ذلك ما رُوِيَ عن مجاهدٍ (ت:١٠٤) أنه قال: «لا يَحِلُّ لأحدٍ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ أنْ يتكلمَ في كتابِ اللهِ، إذا لم يكنْ عالمًا بلغاتِ العربِ» (٣).\nوقال مالك بن أنس (ت:١٧٩) (٤): «لا أُوتَى بِرَجُلٍ يُفَسِّرُ كلامَ اللهِ، وهو\n_________\n(١) جرول بن أوس بن جُؤَيَّة، أبو مليكة، الحطيئة، أحد فحول الشعراء، وكان سفيهًا شريرًا، هجَّاءً، وكان راوية زهير، وكان ممن ارتد، ثمَّ رجع عن ارتداده. ينظر: الشعر والشعراء، لابن قتيبة (١:٣٢٢ - ٣٢٨)، وخزانة الأدب، للبغدادي (٢:٤٠٦ - ٤١٣).\nوالبيت في ديوانه، برواية وشرح ابن السكِّيت، تحقيق: نعمان محمد أمين عطية (ص:٤٦)، وفيه بدل «أبناء»: أعشاء، وبدل «للورد»: للخِمْسِ. وفسَّر ابن السكيت الحَوزَ بالسَّوقِ قليلًا قليلًا، والتنساس، بالسَّوقِ، ويقال: العطش، وذكر أنه يروى: إيناء؛ أي: إبطاء. ومن ثمَّ فقد يكون ما في التهذيب تصحيفًا، أو يكونُ روايةً ثالثةً للبيتِ، واللهُ أعلمُ.\n(٢) تهذيب اللغة (١٤:٣٧١).\n(٣) البرهان في علوم القرآن (١:٢٩٢)، ولم أجد مصدرًا قبله نقله عن مجاهدٍ.\n(٤) مالك بن أنس الأصبحي، المدني، المحدث، أحد الأئمة الأربعة في الفقه، وإليه تنسب المالكية، كان مُعَظَّمًا، قصده الخليفة هارون الرشيد، وجلس بين يديه للعلم، فحدَّثه، وجرت له محنة، وله تفسير للقرآن، توفي سنة (١٧٩). ينظر: ترتيب المدارك، للقاضي عياض (١:١٠٢ وما بعدها)، معجم المفسرين، لعادل نويهض (٢:٤٦٠).","vol":"1","page":47},{"text":"لا يعرفُ لغةَ العربِ، إلاَّ جعلتُه نكالًا» (١).\nوهذا يدلُّ على ظهورِ أثرِ معرفةِ لغةِ العربِ للمفسِّرِ عند هؤلاء الأعلامِ الأجلاءِ، ومن زعمَ أنه قادرٌ على فهمِ كلامِ اللهِ من غيرِ معرفةٍ بلسانِ العربِ، فقدْ قالَ مُحَالًا، وأَعْظَمَ الفِرْيَةَ، ولذا قال أبو الوليدِ بنِ رشدٍ (ت:٥٢٠) (٢) - في جوابٍ له عَمَّنْ قال: إنه لا يحتاجُ إلى لسانِ العربِ ـ: «هذا جاهلٌ، فلينصرفْ عن ذلك، ولْيَتُبْ منه، فإنه لا يصلحُ شيءٌ من أمورِ الديانةِ والإسلامِ إلا بلسانِ العربِ، يقولُ اللهُ تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، إلاَّ أنْ يُرَى أنَّه قال ذلك لِخُبْثٍ في دينِه، فيؤدبُه الإمامُ على قولِه ذلك بحسبِ ما يَرى، فقد قالَ عظيمًا» (٣).\nومن أعظمِ من زعمَ أنه لا يُحتَاجُ إلى لغةِ العربِ الباطنيةُ (٤)، لكي يتسنَّى لهم تحريفُ كتابِ اللهِ سبحانَه على ما يريدون، مما لا يضبطُه لغةٌ ولا عقلٌ ولا نقلٌ. قال يحيى العلوي (ت:٧٤٥) (٥): «اِعلم أنَّ فريقًا من أهلِ الزيغِ،\n_________\n(١) رواه بسنده إلى مالك كلٌ من: البيهقي في شعب الإيمان (٥:٢٣٢)، والواحدي في تفسيره البسيط، رسالة دكتوراه تحقيق، محمد الفوزان (١:٢١٩)، وأبو ذر الهروي في ذم الكلام، تحقيق: محمود غنيم (ص:٢١٢).\n(٢) محمد بن أحمد (جدُّ الفيلسوف) أبو الوليد بن رشد، القرطبي، المالكي، كان فقيهًا، عارفًا بالفتوى، بصيرًا بأقوال أئمة المالكية، من تآليفه: المقدمات، والبيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل، وغيرها، توفي سنة (٥٢٠). ينظر: الصلة، لابن بشكوال (٢:٥٧٦ - ٥٧٧)، وسير أعلام النبلاء (١٩:٥٠١ - ٥٠٢).\n(٣) التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور (١:٢٠).\n(٤) الباطنية: قوم يقولون بأن للشريعة ظاهرًا وباطنًا، وأن المقصود منها الباطن، وأن المتبع للظاهر معذب بالمشقة في الاكتساب، وهم من أشَرِّ الفرق، ولهم فروع متعددة؛ كالإسماعيلية، والقرامطة، وغيرهما. ينظر: الملل والنحل، للشهرستاني، تحقيق: عبد العزيز الوكيل (ص:١٩٢)، وكشاف اصطلاحات الفنون (٤:٣ - ٤).\n(٥) يحيى بن حمزة بن علي، المؤيد بالله، الزيدي، من نسل الحسين بن علي، دعا لنفسه بالإمامة بعد موت المهدي بن المطهر سنة (٧٢٩)، وعورض في الإمامة، إلاَّ أنَّ أهل اليمن أجابوه لِما علموا من عدله وزهده، وله كتب كثيرة؛ منها: الطراز المتضمن =","vol":"1","page":48},{"text":"يزعمونَ أنهم يُصَدِّقُونَ بالقرآنِ، أنكروا تفسيرَه من اللُّغةِ، وأنه لا يمكنُ الوقوفُ على معانيه منها، ولا مجالَ فيه لاستعمالِ النظرِ، وسلوكِ منهجِ الاستدلالِ، وإنما يُوجَدُ معناه عندهم من الأئمةِ المعصومين بزعمِهِم، وهم فرقٌ ثلاثٌ: الحشويةُ (١)، والباطنيةُ، والرَّافضةُ (٢)، وذلك لأنَّ القرآنَ لَمَّا كانَ مُصَرِّحًا بفسادِ مذهبِهِم، ومُوَضِّحًا لفضائحِهم حاولوا دفعَه، موهمينَ أنَّ القرآنَ لا يدلُّ على فسادِ مذهبِهِم؛ لأنَّ معناه لا يمكنُ أخذُه من جِهَةِ اللغةِ، يريدون بذلك تَرْوِيجَ مذاهبِهِم الرديئةِ، وتسويغَ تأويلاتِهِم المنكرةِ ... وأعظمُهُم في الضَّرَرِ وأدخلُهُم: هؤلاءِ الباطنيةُ، فإنَّهم تَلَبَّسُوا بالإسلامِ، وتظاهروا بمحبةِ أهلِ البيتِ في الدعاءِ إلى نُصْرَتِهِم، فاستلبُوا بذلك قلوبَ العامَّةِ، ولَبَّسوا عليهم الأمرَ بدقَّةِ الحِيَلِ، ولطيفِ الاستدراج» (٣).\nومن اطَّلَعَ على تحريفاتِهم لكتابِ اللهِ، عَلِمَ أنها لا تَصْدُرُ عن لغةٍ ولا عقلٍ ولا شَرْعٍ، ومن تأويلاتِهم ما ورد في أحد كتبهم في التفسير، وهو كتاب مزاج التسنيم: «قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا﴾ [النحل: ١١٨] يعني: عن منهجِ إمامِ كُلِّ عَصْرٍ.\n_________\n= لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، وهو مطبوع، وتوفي سنة (٥٤٧) بمدينة ذمار باليمن. ينظر: البدر الطالع، للشوكاني (٢:٣٣١ - ٣٣٣)، ومقدمة الجليند لكتاب مشكاة الأنوار (ص:٢٩ - ٣٢).\n(١) الحشوية: لقب يطلقه أهل البدع - زورًا وبهتانًا - على أهل السنة، وعلماء الحديث، ويريدون بذلك أنهم يروون كل حشو لا فائدة فيه، ويروون ما يتناقض من الأخبار، ولا يحكمون عقلهم فيها، وهذا تَجَنٍّ واضح مِمَّنْ لم يفهم كلام أهل السنة، ولا عرف مذهبهم، والله المستعان. ينظر: كشاف اصطلاحات الفنون: (٢:١٦٦ - ١٦٧).\n(٢) الرافضة: لقب يطلق على الإمامية الاثني عشرية من الشيعة، وهم من غلاتهم، وسموا بذلك لرفضهم زيد بن علي لمَّا تولى أبا بكر وعمر، وقيل غير ذلك في سبب تسميتهم. ينظر: مقالات الإسلاميين، للأشعري، تحقيق: محيي الدين عبد الحميد (١:٨٨، وما بعدها)، ورسالة في الرد على الرافضة، لأبي حامد المقدسي، تحقيق: عبد الوهاب خليل الرحمن (ص:٦٥، وما بعدها).\n(٣) مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار، ليحيى بن حمزة العلوي، تحقيق: الدكتور: محمد السيد الجليند (ص:١٤٤ - ١٤٥).","vol":"1","page":49},{"text":"﴿حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ يعني: من العِلْم البَاطِنِ.\n﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: عندَ ظهورِ فضلاتِهم في الأدوارِ الأوَّلةِ ...» (١).\nفَمِنْ أيِّ مأخذٍ أخذَ هذا التأويلَ، وما مصدرُه فيه، غيرَ أنَّه لا يخفى على من يرى مثلَ هذا الكتابِ أنه قصدَ التحريفَ، ومن طالعَ مثلَ هذا الكتابِ، وجدَ فيه كثيرًا من هذه التَّحريفات العجيبةِ.\nوالمقصودُ: أنَّ كلَّ منْ فَسَّرَ القرآنَ، وهو جاهلٌ بلغةِ العربِ، أو سالكٌ غيَر طريقِها، فإنه قدْ وقعَ في الخطأِ الأكيدِ، وجانبَ الصوابَ.\nوإذا كانَ هذا شأنَ اللغةِ في تفسيرِ القرآنِ، فهلْ يعني هذا أنه يمكنُ أن تستقلَّ بتفسيرِ القرآنِ؟.\nمعَ ما سبقَ ذكرُهُ من أقوالِ العلماءِ في أهميةِ معرفةِ اللغةِ في تفسيرِ القرآنِ، إلاَّ أنهم ذكروا أنَّ اللغةَ بمجردِها لا تَسْتَقِلُّ به (٢).\nوهذا يعني أنَّ اللغةَ ليست المصدرَ الوحيدَ الذي يمكنُ لمنْ أحكمَهُ أنْ يفسرَ القرآنَ، إذْ لاَ بُدَّ للمفسِّرِ منْ معرفةِ مصادرَ أُخرَى يعتمدُ عليها في تفسيرِه؛ كالسُّنَّةِ النَّبويَّةِ، وأسبابِ النُّزولِ، وقصصِ الآيِ، وأحوالِ من نزلَ فيهم الخطابُ، وتفسيراتِ الصَّحابةِ والتَّابعينَ وتابعيهِم، وغيرِها من المصادرِ التي لا يمكنُ أخذُها عن طريقِ اللُّغةِ.\nوبهذا يُعلَمُ أنَّ التَّفسيرَ اللُّغويَّ جزءٌ من علمِ التَّفسيرِ، ومع أن حَيِّزَهُ كبيرُ، فإنَّه لا يَسْتَقِلُّ بتفسيرِ القرآنِ.\nوهذا يفيدُ أنَّ اعتمادَ اللُّغةِ بمفردها، دون النَّظرِ في غيرِها من المصادرِ يوقعُ\n_________\n(١) مزاج التسنيم، لإسماعيل بن هبة الله الإسماعيلي، عُنِيَ بتصحيحه: المستشرق شتروطمان (الجزء ١١ - ٢٠:١٣٥). ولا يخفى على المسلم سبب حرص مثل هذا المستشرق على تحقيق مثل هذه الكتب التي هي لفرق تنخر في جسم الأمة الإسلامية، والله المستعان.\n(٢) ينظر: إحياء علوم الدين، بحاشية إتحاف السادة المتقين (١:١٥٠).","vol":"1","page":50},{"text":"في الخطأ في التَّفسيرِ (١)، إذ قد يكونُ المدلولُ اللُّغويُّ غيرَ مرادٍ في الآيةِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]، فلو فسَّرتَ الصَّلاةَ بالمدلولِ اللُّغويِّ، لقلتَ: نُهِيَ الرسولُ ﷺ عنِ الدُّعَاءِ لهم.\nولكنَّكَ إذا نظرتَ إلى الواردِ في قصةِ الآيةِ، وهو ما رواه ابنُ عباسٍ (ت:٦٨) عن عمرَ بن الخطابِ (ت:٢٣) قال: «لما مات عبدُ اللهِ بنُ أبي سَلُولٍ، دُعِيَ رسول الله ﷺ ليصليَ عليه، فلما قامَ رسولُ اللهِ ﷺ، وَثَبْتُ إليه، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَتُصَلِّي على ابنِ أبي سَلُولٍ وقد قال يومَ كذا وكذا كذا وكذا؟! قال: أُعدِّدُ عليه قولَه.\nفتبسَّمَ رسول الله ﷺ وقال: أخِّرْ عني يا عمر، فلما أكثرتُ عليه، قال: إني خُيِّرتُ فاخترتُ، ولو أعلمُ أني إن زدتُ على السبعين يُغْفَرُ له لزدتُ عليها.\nقال: فصلَّى عليه رسولُ اللهِ ﷺ، ثمَّ انصرفَ، فلم يمكثْ إلاَّ يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ - إلى قوله - ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]، قال: فَعَجِبْتُ من جُرأتي على رسولِ اللهِ ﷺ، واللهُ ورسولُه أعلمُ» (٢)، علمتَ أنَّ المرادَ بها «صلاة الجنازة» = فإنه سيمنعُكَ ذلك من أنْ تَحْمِلَهَا على المعنى اللُّغويِّ.\nهذا، وسيأتي تتمَّةُ حديثٍ عن عدم استقلالِ اللُّغةِ بالتَّفسيرِ (٣).\n_________\n(١) جعل ابن تيمية الاعتماد على اللغة دون غيرها من أسباب الاختلاف الواقع من جهة الاستدلال، وقال عن ذلك: «والثاني: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان مِن الناطقين بلغة العرب بكلامه، من غير نظرٍ إلى المتكلم بالقرآن، والمنَزل عليه، والمخاطَب به»، ثمَّ ذكر أنَّ هؤلاء راعوا مجرد اللفظ، وما يجوز أنْ يريد به عندهم العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم وسياق الكلام. ثمَّ أنَّه كثير ما يغلط هؤلاء في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة، ثمَّ ذكر أنَّ نظر هؤلاء إلى اللفظ أسبق. ينظر: مقدمة في أصول التفسير، تحقيق: د. عدنان زرزور (ص:٧٩ - ٨١).\n(٢) ينظر: فتح الباري، ط: الريان (٨:١٨٤ - ١٨٩)، ثم تنظر الآثار في تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٠:٢٠٤ - ٢٠٦).\n(٣) ينظر: ثالث فصل من الباب الثالث، تحت قاعدة: لا يصح اعتماد اللغة دون غيرها من المصادر.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>الفصل الثاني\nنشأةُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ</span>\nوفيه:\nأوَّلًا: التفسيرُ اللُّغويُّ عند السَّلفِ.\nثانيًا: التَّفسيرُ اللُّغويُّ عند اللُّغويِّين.","vol":"1","page":53},{"text":"أوَّلًا: التفسيرُ اللُّغويُّ عند السَّلفِ\nوفيه:\nالأسلوب الأول: أسلوبُ التَّفسير اللَّفظي.\nالأسلوبُ الثاني: أسلوبُ الوجوه والنَّظائرُ.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>تمهيد</span>\nأنزلَ اللهُ القرآنَ عربيًّا على قومٍ عربٍ، فخاطبَهم بما يعقلون عنه من لغتِهِم؛ كما قالَ أبو عبيدة (ت:٢١٠): «ففي القرآنِ ما في الكلامِ العربي من الغريبِ والمعاني، ومن المحتملِ من مجازِ ما اختُصِرَ، ومجازِ ما حُذِفَ، ومجاز ما كُفَّ عن خبرِهِ، ومجاز ما جاء لفظُهُ لفظَ الواحدِ ووقعَ على الجمعِ، ومجاز ما جاء على الجمع ووقع معناه على الاثنين ...» (١).\nوقال ابن قتيبة (ت:٢٧٦) (٢): «القرآنُ نزلَ بألفاظِ العربِ ومعانيها، ومذاهبِها في الإيجازِ والاختصارِ، والإطالةِ والتوكيدِ، والإشارةِ إلى الشَّيءِ، وإغماضِ بعضِ المعاني حتى لا يظهرَ عليه إلا اللَّقِنُ (٣)، وإظهارِ بعضِها، وضربِ الأمثالِ لما خَفِيَ» (٤).\n_________\n(١) مجاز القرآن، لأبي عبيدة معمر بن المثنى، تحقيق: الدكتور فؤاد سزكين (١:١٨)، وانظر (١:٨ - ١٧).\n(٢) محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة، أبو محمد الدينوري، الكاتب، اللغوي، كان من أهل السنَّةِ، وأخذ عن أبي حاتم وابن درستويه، له مؤلفات حافلة في اللغة والشعر والتفسير، ومنها: تأويل مشكل القرآن، وغريب القرآن، وهما مطبوعان. وتوفي سنة (٢٧٦). انظر: نزهة الألباء (ص:١٥٩ - ١٦١)، وإنباه الرواة (٢:١٤٣ - ١٤٧).\n(٣) اللَّقِنُ: سريع الفهم.\n(٤) تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة، تحقيق: السيد أحمد صقر (ص:٨٦)، وانظر: (ص:٢٠ - ٢١، ٨٢، ٢٣٥).\nوقد ذكر هذه القضية كثير من العلماء، وهي مما اتفقوا عليه، وانظر في النصِّ عليها: الكتاب، لسيبويه، طبعة: بولاق (١:١٦٦ - ١٦٧)، وتفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٤:٢٨٧)، والصاحبي في فقه اللغة، تحقيق: السيد أحمد صقر (ص:٣٢٣).","vol":"1","page":56},{"text":"ولمَّا كانَ الأمرُ كذلك؛ فإنَّ بيانَ هذا القرآنِ وتفسيرَه لا بُدَّ أنْ يكونَ أحدَ مصادرِه التي يُفسَّرُ بها هذه اللغةُ التي نزلَ بها. ولا يمكنُ أن يَتَأتَّى تفسيرُه بلغةٍ غيرِها. ومن رامَ غيرَ ذلك وقعَ في الزللِ، وجانبَ الصوابَ (١).\nوقد أشارَ الشَّاطِبيُ (ت:٧٩٠) إلى ذلك بقوله: «... فليسَ بجائزٍ أنْ يُضَافَ إلى القرآنِ ما لا يقتضيه، كما أنه لا يصلُحُ أنْ يُنْكَرَ منه ما يقتضيه، ويجبُ الاقتصارُ في الاستعانةِ على فهمِه على كلِّ ما يُضَافُ علمُه إلى العربِ خاصةً؛ فبه يُوصَلُ إلى علمِ ما أُودِعَ من الأحكام الشرعيةِ، فمنْ طلبَه بغيرِ ما هو أداتُهُ ضَلَّ عنْ فهمِه وتَقَوَّلَ على اللهِ ورسولِه» (٢).\nوإذا نظرتَ إلى الذين فسَّروا القرآن، وجدتَ أنَّ أوَّلَ المفسرينَ الرسولُ ﷺ، ويدُلُّ لذلك قولُه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].\nثمَّ جاءَ بعدَه الصَّحابةُ الكرامُ ﵃ الذين نزلَ القرآنُ بلغتِهم، وشَهِدُوا التَّنْزيلَ، وعرفوا أحوالَ من نزلَ فيهم الخطابُ من المشركين وأهل الكتابِ، فتصدَّى بعضُهم لعلمِ التَّفسيرِ، حتى صارَ مبرِّزًا فيه كعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ الهذليِّ (ت:٣٥)، وعبدِ اللهِ بنِ عباسٍ بن عبد المطلب (ت:٦٨).\nثمَّ لَحِقَ بالصَّحابةِ أعلامُ التَّابعينَ مِمَّنْ تَتَلمذَ عليهم، وبَرَزَ في علمِ التَّفسيرِ؛ كسعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:٩٤)، ومجاهدِ بنِ جبرٍ (ت:١٠٤)، وقتادةَ بن دعامةَ السَّدُوسِيِّ (ت:١١٧)، وغيرِهم.\nثمَّ حملَه في جيلِ أتباعِ التَّابعينَ بعضُ أعلامِ المفسِّرينَ؛ كإسماعيلَ\n_________\n(١) لا يدخل في هذا ترجمة معاني القرآن وتفسيرِه، ولا ما يقعُ من تفسيرِه بلغاتٍ غير العربيةِ، ولكن المرادَ هنا أنْ لا تؤخذَ دلالتُه من غيرِ لغةِ العربِ.\n(٢) الموافقات، للشاطبي، تحقيق: محيي الدين عبد الحميد (٢:٥٦).","vol":"1","page":57},{"text":"السُّدِّيِّ الكوفيِّ (ت:١٢٨)، وعبدِ الملكِ ابنِ جُرَيجٍ المكيِّ (ت:١٥٠)، وعبدِ الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ أسلمَ المدنِيِّ (ت:١٨٢)، ويحيى بنِ سلاَّمٍ البصريِّ (ت:٢٠٠) (١).\nوهذه الطَّبقاتُ الثَّلاثُ (أي: الصَّحابة والتَّابعون وأتباعهم) هي التي اعتمدَ النَّقْلَ عنها علماءُ التَّفسيرِ ومن كتبَ فيه من المتقدِّمين؛ كعبد الرَّزَّاقِ بنِ همَّامٍ الصَّنعانيِّ (ت:٢١٠)، وعبد بن حميد الكشِّي (ت:٢٤٩)، ومحمدِ بنِ جريرٍ الطَّبريِّ (ت:٣١٠)، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي حاتمٍ (ت:٣٢٧) وغيرِهم.\nوإذا أُطلِقَ مصطلحُ السَّلفِ في علمِ التَّفسيرِ، فإنَّ المرادَ به علماءُ هذه الطَّبقاتِ الثَّلاثِ؛ لأنَّ أصحابَها أوَّلُ علماء المسلمين الذين تعرَّضوا لبيانِ القرآنِ، وكانَ لهم فيه اجتهادٌ بارزٌ، وَقَلَّ أنْ تَجِدَ في علماءِ الطَّبقةِ التي تليهِم منْ كانَ مشهورًا بالتَّفسيرِ والاجتهادِ فيه، بلْ كانَ الغالبُ على عملِ منْ جاءَ بعدَهُم في علمِ التَّفسيرِ نقلَ أقوالِ علماءِ التَّفسيرِ في هذه الطَّبقاتِ الثَّلاثِ أو التَّخَيُّرَ منها والتَّرجيح بينها؛ كما فعل الإمامُ محمدُ بنُ جريرٍ الطَّبريُّ (ت:٣١٠) (٢).\n_________\n(١) يحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة، أبو زكريا البصري، العلامة، المفسر، نزيل المغرب بأفريقية، لقي غير واحد من التابعين، له كتاب في التفسير ليس لأحد من المتقدمين مثله، توفي سنة (٢٠٠). انظر: طبقات علماء أفريقية (ص:٣٧)، وسير أعلام النبلاء (٩:٣٩٦).\n(٢) لقد تتبَّعتُ من شاركَ في التفسيرِ بعد جيلِ أتباعِ التابعينَ، فأحصيتهم قرابةَ سبعينَ عَلَمًا، ويظهرُ من تراجمهم:\n* أنَّ بعضَهم رواةٌ لتفسيرِ أحدِ المفسِّرينَ؛ كموسى بن مسعود النهدي (ت:٢٢٠) راوي تفسير سفيان الثوري (ت:١٦١).\n* وأنَّ بعضَهم قد جمعَ تفاسيرَ الطبقاتِ الثلاثِ؛ كعبد بن حُميدٍ الكِشِّيِّ (ت:٢٤٩)، كما يظهر من النقولِ عنه عند ابنِ كثيرٍ (ت:٧٧٤) في تفسيرِه، والسيوطي (ت:٩١١) في الدرِّ المنثورِ.\n* وأنَّ كثيرًا من كتبِ التفسيرِ التي دُوِّنت في هذه الفترةِ مفقودةٌ؛ كتفسيرِ محمد بن يوسف الفريابي (ت:٢١٢)، وتفسير أحمد بن حنبل (ت:٢٤١)، وتفسير بقي بن مخلد القرطبي (ت:٢٧٦)، وغيرهم من أعلام السُّنَّةِ في هذه الفترةِ. =","vol":"1","page":58},{"text":"ويلاحظُ أنه قدْ ظهرَ في جيلِ أتباعِ التَّابعين غيرُهم ممن شاركَ في علم التَّفسيرِ، وهم صنفانِ:\nالصِّنفُ الأوَّلُ: جمعٌ من اللُّغويِّين شاركوا في علمِ التَّفسيرِ، وكتبوا فيه؛ كالكِسَائيِّ (ت:١٨٣)، وتلميذِه الفرَّاءِ (ت:٢٠٧).\nوقد كانَ بعضُ هؤلاءِ اللُّغويِّينَ الذين شاركوا في علمِ التَّفسيرِ من المعتزلة (١)؛ كمحمد بن المستنير (قطربَ) (ت:٢٠٦)، وأبي الحسن سعيد بن مسعدة (الأخفشِ) (ت:٢١٥).\nالصِّنفُ الثَّاني: بعضُ متكلِّمي المعتزلةِ الذينَ شاركوا في علمِ التَّفسيرِ؛ كأبي بكرٍ عبد الرحمن بن كيسان الأصمِّ (ت:٢٠١) (٢)، ويوسفَ بن عبد الله\n_________\n=\nوبتتبُّعِ التفاسيرِ المنقولةِ عن أعلامِ هذا العصرِ، لم يظهرْ لي من كانَ له اجتهادٌ بارزٌ في التفسيرِ، كما كانَ الحالُ في الطبقاتِ الثلاثِ السابقةِ، وإن وُجدتْ لبعضهِم أقوالٌ في التفسيرِ، فإنها لا تعدو أن تكونَ في أحكامِ القرآنِ (أي: أنها متصلةٌ بعلم الفقهِ)، لا أنها في التفسيرِ ابتداءً، والله أعلم.\nانظر في هذا على سبيل المثال تفسير ابن كثير، تحقيق: سامي السلامة: تفسيرَ الصلاةِ الوسطى (١:٦٤٨)، وتفسير القُرْءِ (١:٦٠٧)، ويظهرُ هذا جليًّا بالاطلاعِ على كتبِ آياتِ الأحكامِ، والله الموفق.\n(١) المعتزلةُ من أكثر الفرق الإسلامية أثرًا في علم الكلامِ، واختلف في سبب تسميتهم بهذا الاسم، ومن أشهرها أنهم اعتزلوا مجلس الحسن البصري وخالفوه في الحكم على عصاة المؤمنين، فجعلوه بمنزلةٍ بين المنزلتين، وتقلَّد ذلك الأمر واصل بن عطاء تلميذ الحسن، ثمَّ صارت لهم الأصول الخمسة التي يتفقون على جملتها، ويختلفون في كثير من تفاصيلها، فهم فيها طوائف متعددة، وأصولهم هي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنْزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن الألقاب التي تطلق عليهم: القدريَّة، والمراد به: نفي تقدير الله السابق، وأن الإنسان يخلق فعله. انظر: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، للملطي، تحقيق: يمان المياديني (ص:٤٩ - ٦٣).\n(٢) عبد الرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصم، شيخ المعتزلة، كان ديِّنًا وقورًا، صبورًا على الفقرِ، منقبضًا عن الدولة، وكان فيه ميلٌ عن أمير المؤمنين علي، مات سنة (٢٠١). المنية والأمل (ص:٥٢)، وسير أعلام النبلاء (٩:٤٠٢).","vol":"1","page":59},{"text":"الشَّحَّامِ (ت:٢٣٣) (١)، وغيرهم (٢).\nوكتب هذا الصِّنفِ مفقودةٌ، لم يَصِلْ منها ما يمكنُ دراسةُ منهجِ مؤلِّفِه فيه، وغالبًا ما يكونُ منهجُ هؤلاءِ منهجًا يُخَالِفُ منهجَ السَّلفِ إذ اعتمادُهم على العقلِ، وستأتي أمثلةٌ من كتبِ متأخِّرِيهم يتبيَّنُ بها هذا المنهجُ العامُّ عندهم، واللهُ الموفِّقُ.\nوسيكون الحديث في هذا الموضوع منقسمًا إلى قسمين:\nالأول: التَّفسيرُ اللُّغويُ عندَ السَّلفِ.\nالثاني: التَّفسيرُ اللُّغويُ عندَ اللُّغويين.\nوسأختم هذا الموضوعَ بدراسةِ بعضِ المسائلِ التي ظهرت لي أثناء بحثِ نشأة التَّفسيرِ اللُّغويِّ.\n_________\n(١) يوسف بن عبد الله بن إسحاق الشَّحَّام، من أصحاب أبي الهذيل، وأخذ عنه أبو علي الجبائي، انتهت إليه رئاسة المعتزلة في البصرة في وقته، اشتغل ناظرًا في دواوين الواثق، توفي سنة (٢٣٣). المنية والأمل (ص:٦١)، وسير أعلام النبلاء (١٠:٥٥٢).\n(٢) ورد ذكر كتاب في التفسيرِ لعمرو بن فايد، وكتاب لموسى الأسواري، وهما معتزليان من طبقة الأصمِّ، ينظر: المنية والأمل (ص:٥٤)، ولهما ذكرٌ في كتاب البيان والتبيين، للجاحظ (١:٣٦٨، ٣٦٩).\nوقد ذُكرَ لأبي الفضل جعفر بن حرب كتابٌ في متشابه القرآن، ينظر: سير أعلام النبلاء (١٠:٥٥٠)، وكتاب في التفسير للقاسم بن الخليل الدمشقي، ينظر: سير أعلام النبلاء (١٠:٥٥٦)، وكلهم من المعتزلة.","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>أولًا: التَّفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ عِنْدَ السَّلفِ</span>\nتمهيد:\nقام السَّلفُ ﵃ بتفسيرِ القرآنِ، وكان لهم مصادرُ يعتمدون عليها في بيانِ القرآنِ. وكانت هذه المصادرُ على قسمين: مصادرُ نقليةٌ، ومصادرُ استدلاليةٌ.\nأما المصادرُ النَّقليةُ فتشملُ:\n١ - ما يروونه عنِ الرسولِ ﷺ، وسيأتي مثالٌ للتفسيرِ النبويِّ (١).\n٢ - ما يرويه بعضُهُم عنْ بعضٍ، ومن ذلكَ سؤالُ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) لعمر بن الخطَّابِ (ت:٢٣) عن المرأتينِ المتظاهرتينِ في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ...﴾ [التحريم: ٤] (٢).\n٣ - ما يعرفونَه منْ أحوالِ منْ نزلَ فيهم الخطابُ منَ العربِ وأهلِ الكتابِ.\n٤ - أسبابَ النُّزُولِ، وهذا النَّوعُ والذي قبلهُ قد يشتركان في مثالٍ واحدٍ، فيكونُ سببُ النُّزولِ بسببِ حالٍ من أحوالِ من نزلَ فيهم الخطابُ؛ كسببِ نزولِ آيةِ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وذلكَ بسببِ تحرُّجِ الأنصارِ من الطَّوافِ بهما على أنهما من أمرِ الجاهليَّةِ (٣).\n_________\n(١) انظر (ص:٦٤) من هذا البحث.\n(٢) انظر هذا السؤالَ في فتح الباري، ط: الريان (٨:٥٢٥).\n(٣) رواه البخاري، انظر: فتح الباري، ط: الريان (٨:٢٤ - ٢٥).","vol":"1","page":61},{"text":"٥ - ما يروونَه عنْ أهلِ الكتابِ (١)، وهو ما اصطُلحَ عليه بالإسرائيلياتِ، وله أمثلةٌ كثيرةٌ، ومنها سؤالُ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) لعبد اللهِ بن سلام (ت:٤٣) (٢) - الذي كان من أحبارِ اليهودِ - عن سببِ تفقُّدِ سليمانِ ﵇ للهدهدِ في قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِي لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] (٣).\n_________\n(١) أهل الكتابِ مصطلحٌ يُطلقُ على اليهودِ والنصارى، وأغلبُ المرويِّ في الإسرائيلياتِ من كتبِ اليهودِ. وهذا من الموضوعات التي تحتاجُ إلى تحريرٍ ينطلقُ من خلالِ الأمثلةِ المرويَّةِ عن السَّلفِ في التَّفسيرِ، ومن نقاط البحث في الإسرائيليات:\n١ - النظر في الأحاديث المروية في أحكام التحديث عن بني إسرائيل.\n٢ - ضابط الإسرائيليات؛ أي: متى يحكم على الخبر بأنه من الإسرائيليات؟.\n٣ - من هم رواة الإسرائيليات في التفسير: في طبقة الصحابة، وطبقة التابعين، وطبقة أتباعهم؟.\n٤ - ما مدى تأثر هؤلاء الرواة بها؛ أي: هل اعتمدوها في التفسير، أو كانت حكايتهم لها على غير هذا السبيل؟.\nوهذان (أي: رقم٣، ٤) لا يتأتيان إلاَّ بجمع المرويات ودراستها، لاستنباط هذه الأحكام عليها منها.\n٥ - تحرير القاعدة المذكورة في هذا الباب: إذا ذكر الصحابي أمرًا غيبيًا، قُبِلَ، إلاَّ أن يكون ممن عرف بالأخذ عن بني إسرائيل.\n(٢) عبد الله بن سلام بن الحارث، أبو يوسف الإسرائيلي، من بني قينقاع، وقصة إسلامه مشهورة، روى عنه أنس بن مالك وابنه يوسف وغيرهم، وتوفي سنة (٤٣). انظر: أسد الغابةِ، لابن الأثير، ط: دار الفكر (٣:١٦٠).\nومن العجيبِ أنَّ بعضَ المحدَثينَ جعله من أقطابِ الروايات الإسرائيلية، وهذا الزَّعمُ ينقصُه التحقيقُ، وقد تصفَّحتُ الدرَّ المنثور، ولم أظفرْ بكثيرِ روايةٍ له في هذا الجانبِ، بل هي قليلةٌ جدًا جدًا، ولا أدري كيفَ نسبوا له هذا؟! انظر ممن جعله من رواةِ الإسرائيليات: الذهبي في كتابه التفسير والمفسرون (١:١٨٢)، وكتابه الإسرائيليات في التفسير والحديث (ص:٨٨)، ومحمد بن محمد أبو شهبة في كتابه الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسيرِ (ص:٩٧)، وكتابتهما في هذا الموضوع تتسمُ بالعاطفةِ والخطابيَّةِ، وفيها بعدٌ عن التحقيقِ العلميِّ، وقد تبعهم في جعل ابن سلام من رواةِ الإسرائيليات جمع من الباحثينَ، والله المستعان.\n(٣) انظر: الرواية في تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٩:١٤٣).","vol":"1","page":62},{"text":"وأمَّا ما عدا ذلك، فإنَّه منَ المصادرِ الاستدلاليَّةِ المعتمدةِ على هذه المصادرِ النَّقليَّةِ.\nوإذا تأمَّلْتَ التَّفسيرَ باللُّغةِ، فإنكَ ستجدُ أنَّ هذا المصدرَ يتنازعُه النَّقلُ والاستدلالُ، ذلك أنَّ التَّفسيرَ المعتمدَ على اللُّغةِ إذا كان لا يَحْتَمِلُ إلاَّ معنى واحدًا، فإنه أَشْبَهُ بالمصادرِ النَّقليَّةِ لعدمِ وجودِ احتمالٍ آخرَ في تفسيرِه يحتاجُ إلى استدلالٍ (١).\nوإذا كان يحتملُ أكثرَ من معنى؛ فإنَّ حملَه على أحدِ هذهِ المحتملاتِ يعتمدُ على الرَّأيِ والاجتهادِ، وبذا يكونُ داخلًا في الاستدلالِ، والله أعلم.\nوبضَرْبِ المثالِ تَتَّضِحُ هذه المسألةُ:\n١ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]، لم يقعْ خلافٌ في أنَّ تفسيرَ «شانئك»: مُبْغِضُكَ، ذلك أنَّه لا يوجد لمعنى الشانئِ في لغةِ العربِ غيرُ هذا المعنى.\nقال ابن فارس (ت:٣٩٥): «الشينُ والنونُ والهمزةُ أصلٌ يدلُّ على البِغْضَةِ والتَّجنُّبِ للشَّيء» (٢)؛ لذا لا يمكنُ أنْ يحتملَ التَّفسيرُ قولًا آخرَ، فالتَّفسيرُ اللُّغويُّ - في مثلِ هذه الحالةِ - أشبهُ بأنْ يكونَ تفسيرًا نقليًا، لأنه لا أثرَ في مثلِ هذا المثالِ لاجتهادِ المفسِّرِ في اختيارِ أحدِ المحتملاتِ اللُّغويَّةِ.\n٢ - ورد في معنى «الهيمِ» من قوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] قولان:\n_________\n(١) يشبهُ هذه الحالةَ ما يقعُ عليه الإجماعُ في التفسيرِ، وكذا ما يكونُ له معنى واحدٌ من غيرِ جهةِ اللغةِ.\n(٢) مقاييس اللغة (٣:٢١٧)، وانظر في مادة شنأ: كتاب العين (٦:٢٨٧)، وجمهرة اللغة (٢:١٠٧٦)، وتهذيب اللغة (١١:٤٢١)، والعباب الزاخر (حرف الألف: ٧٤)، ولسان العرب، وتاج العروس.","vol":"1","page":63},{"text":"القولُ الأوَّلُ: الإبلُ العِطاشُ.\nوردَ ذلكَ عن ابنِ عبَّاسٍ (ت:٦٨)، ومجاهدٍ (ت:١٠٤)، وعكرمةَ (ت:١٠٥)، والضَّحَّاكِ (ت:١٠٥)، وقتادةَ (ت:١١٧) (١).\nالقولُ الثاني: الرَّملُ، ورد ذلك عن سفيانَ الثَّوريِّ (ت:١٦١) (٢).\nومرجعُ الخلافِ في هذا التَّفسيرِ إلى الاحتمالِ اللُّغويِّ في كلمةِ الهِيمِ؛ لأنها تحتملُ هذا وذاك على سبيلِ الاشتراكِ اللُّغويِّ في المدلولِ.\nومن ثَمَّ، فاختيارُ المفسِّرِ أحدَ المعنيينِ المحتملينِ اجتهادٌ منه، وهو راجعٌ إلى الاستدلالِ. والله أعلم.\nوالمقصودُ أنَّ السَّلفَ من الصحابةِ والتَّابعينَ وأتباعِهم كانوا يرجعون إلى لغتِهم العربيَّةِ لبيانِ القرآنِ، حيثُ كانت أحدَ مصادرِهِم التي يعتمدونَ عليها في التَّفسيرِ.\nويرد هاهنا سؤالٌ: هل وردَ عن النبيِّ ﷺ تفسيرٌ لغويٌ؟\nلقد استقرأتُ التَّفسير النَّبويَّ (٣) للقرآنِ الكريمِ، ووجدتُ أنَّه ﷺ لم يفسرْ\n_________\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١٩٥ - ١٩٦).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١٩٦).\n(٣) التفسير النبوي: ما نصَّ فيه النبي ﷺ على التفسير صراحةً؛ كالمثالين المذكورين في النصِّ، وقد يكون ذلك ابتداءً من النبي ﷺ، وقد يكون إثر سؤال من أحد الصحابة. أما ما عدا ذلك فإنه يُعَدُّ تفسيرًا بالسنةِ، وهو يشمل كلَّ إفادةٍ يستفيدها المفسر من السنة النبوية، سواءً أكانت قولًا، أم فعلًا، أم تقريرًا، ومثل ذلك ما يذكره بعض المفسرين من أحاديث تناسب معنى الآية، مع أن الحديث لم يرد تفسيرًا صريحًا من النبي ﷺ للآية، ومثال ذلك ما ورد في تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:٦٥ - ٦٦) عن ابن عباس في تفسير «اللمم» من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]، قال: «ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ: إن الله كتب على ابن آدم حظَّه من الزنى، أدركه ذلك لا محالة، فزنى العينين النظر، وزنى اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدِّق ذلك =","vol":"1","page":64},{"text":"للصَّحابةِ منْ ألفاظِ القرآنِ إلاَّ ما احتاجوا إليه، وهو قليلٌ (١)، ومنْ ذلك: تفسيرُه معنى الوسطِ في قولِه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] قال: «والوسطُ: العدلُ» (٢).\nومنه تفسيرُه الخيطَ الأبيضَ والأسودَ في قولِه تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] عندما أشكلَ على عَدِيِ بنِ حاتمٍ، ففسَّرَه له ﷺ بأنَّه بياضُ النَّهارِ وسوادُ اللَّيلِ (٣).\nوهذا يعني أنَّ الصَّحابةَ ﵃ كانوا يتأوَّلُونَ القرآنَ على ما يفهمُونَه من لغتِهم؛ لوضوحِ ذلك عندهم، فإذا أشكلَ عليهم منه شيءٌ سألوا رسولَ اللهِ ﷺ؛ كما حَدَثَ مِنْ عَدِيِ بنِ حاتمٍ. ومما يُعَزِّزُ وُرُودَ الاجتهادِ عنهمْ:\n١ - حديثُ ابنِ مسعودٍ (ت:٣٥)، قال: «لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قلنا: يا رسولَ اللهِ، وأيُّنا لم يظلمْ نفسَه؟\nقال: ليسَ كما تقولونَ. لم يلبِسُوا إيمانَهم بظلمٍ: بشركٍ. ألم تسمعوا إلى قولِ لقمانَ لابنِه: ﴿يَابُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (٤).\nإنَّ هذا الحديثَ يَدُلُّ على أن الصَّحابةَ ﵃ كانوا يجتهدونَ في فَهمِ القرآنِ\n_________\n= أو يكذِّبه». في هذا الأثر تجد أن ابن عباس قد فسَّر الآية بقولٍ نبوي، لكن هذا القول من النبي ﷺ لم يصدر عنه على أنه تفسير للآية، وإنما كان حَمْلهُ على الآية اجتهاد من ابن عباس، وكان مُعتَمَدُهُ في ذلك السنة النبوية، كما ترى. ويمكن أن يقال في مثل هذه الحالة أن هذا من التفسير بالسنة. والله أعلم.\n(١) لاستقراء ذلك رجعت إلى كتاب التفسير من: صحيح البخاري، وسنن الترمذي، وسنن النسائي الكبرى، ومستدرك الحاكم، وجامع الأصول.\n(٢) أخرجه البخاري، انظر: فتح الباري، ط: الريان (٨:٢١).\n(٣) أخرجه البخاري، انظر: فتح الباري، ط: الريان (٨:٣١).\n(٤) أخرجه البخاري، انظر: فتح الباري، ط: الريان (٦:٤٤٨). وقد أخرجه البخاري في مواضع أُخر من صحيحه.\nفائدة: كان هذا الاستشكال بمكة قبل الهجرة؛ لأن سورة الأنعام مكية، وقد نزلت قبل سورة لقمان، بدلالة هذا الأثر.","vol":"1","page":65},{"text":"الذي نزلَ بلغتِهم على ما يفهمونَه منها، فإنْ أشكلَ عليهم منه شيءٌ سألوا رسولَ اللهِ ﷺ، وهذا ظاهرٌ من هذا الحديثِ؛ لأنَّهم جعلوا معنى الظُّلمِ عامًا على ما يعرفونه من لغتِهم، فأرشدَهم النَّبيُ ﷺ إلى المعنى المرادِ به في الآيةِ، ونبَّهَهم إلى أن المعنى اللُّغويَّ الذي فسَّروا به الآيةَ غيرُ مرادٍ، ولم ينهَهم ﷺ عنْ أنْ يفسِّروا القرآنَ بلغتِهم، ولو كان هذا المَسْلَكُ خَطأً لنَّبهَهُم عليه، والله أعلم.\n٢ - ما وقَعَ بينَ الصَّحابةِ ﵃ منْ خِلافٍ مُحَقَّقٍ في تفسيرِ بعضِ الألفاظِ القرآنيَّة التي لها أكثرُ من دَلاَلَةٍ لغويَّةٍ، فحملَها بعضُهُم على معنى، وحمَلَهَا الآخرُون على معنىً آخرَ.\nوهذا يَدُلُّ على أنَّهم لم يتلقوا من النَّبيِّ ﷺ بيانًا نبويًّا في هذه اللَّفظةِ، ولو كان عند أحدٍ منه بيانٌ لما وَقَعَ مثلُ هذا الاختلافِ.\nومنْ أشهرِ الأمثلةِ التي يمكن أن يُمثَّلَ بها: اختلافُهم في لفظِ: «القُرْءِ» في قولِه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فقد وَرَدَ في معنى القُرْءِ قولانِ، كلاهما مُعْتَمِدٌ على اللُّغةِ، وهما:\nالأول: الحَيضُ، وبه قال عمرُ بن الخطَّابِ (ت:٢٣)، وأُبَيُّ بنُ كعبٍ (ت:٣٠)، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ (ت:٣٥)، وعليُّ بن أبي طالبٍ (ت:٤٠)، وأبو موسى الأشعريِّ (ت:٤٣)، وابنُ عبَّاسٍ (ت:٦٨) ﵃.\nالثاني: الطُّهرُ، وبه قالَ زيدُ بن ثابتٍ (ت:٥٥)، وعائشةُ (ت:٥٨)، ومعاويةُ بنُ أبي سفيان (ت:٦٠)، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ (ت:٧٤) (١).\nولو كان عند هؤلاء الصَّحابةِ الكرامِ ﵃ خبرٌ عن الرَّسولِ ﷺ في تفسيرِ هذه اللَّفظةِ لنقلُوه، ولمَّا لم يكنْ عندَهُم، اجتهدوا في بيانِ المرادِ معتمدينَ في ذلك على لغتِهم.\nولقدِ استمرَّ الاجتهادُ في التَّفسيرِ في جيلِ التَّابعين وأتباعِهم، حيثُ اعتمدَ كُلُّ هؤلاءِ على اللُّغةِ في بيانِ التَّفسيرِ.\n_________\n(١) انظر أقوالهم في تفسير الطبري، تحقيق: محمود شاكر (٤:٥٠٠ - ٥١٠).","vol":"1","page":66},{"text":"ومن الأمثلةِ التي وقعَ فيها الخلافُ بين هؤلاءِ في طبقاتِهم الثَّلاثِ، اختلافُهم في لفظ «عسعس» في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧]، فقد ورد عنهم في ذلك معنيان:\nالأول: والليلِ إذا أدبر، وبه قال عليُ بنُ أبي طالبٍ (ت:٤٠)، وابنُ عباسٍ (ت:٦٨)، والضَّحَّاكُ بنُ مزاحمٍ (ت:١٠٥)، وقتادةُ (ت:١١٧)، وابنُ زيدٍ (ت:١٨٢).\nالثاني: والليل إذا أقبل، وبه قال مجاهدٌ (ت:١٠٤)، والحسنُ البصريُّ (ت:١١٠)، وعطيةُ العوفيُّ (ت:١١١) (١)، كما رواه عنهم الطبريُّ (٢).\nوالأمثلةُ - من هذا النَّوعِ - التي تدلُّ على اعتمادِ السَّلفِ على اللُّغةِ في بيانِ القرآنِ كثيرةٌ جدًا، والمقصودُ هاهنا ذِكْرُ المثالِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>طريقة السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:</span>\nكانَ البيانُ اللَّفظيُّ في تفسيرِ السَّلفِ واضحًا، وهو أحدُ طرقِ البيانِ عن التَّفسيرِ، كما سيأتي، وهذا النَّوعُ هو الأصلُ في البيانِ عن المعاني، والمرادُ به تفسيرُ اللَّفظِ بما يطابقهُ من لغةِ العربِ، مع ذكرِ الشَّواهدِ إن وُجِدَتْ، وهذا ما يمكنُ أن يُصطلَح عليه بالتَّفسير اللَّفظيِّ.\nهذا، وقد برزَ عندَ السَّلفِ الاهتمامُ بالمدلولِ السِّياقيِّ للَّفظِ، وهذا موجودٌ عندهم في كتبِ الوجوهِ والنَّظائرِ.\nوسيكونُ الحديثُ عن هذينِ النَّوعينِ مفصَّلًا - إنْ شاءَ اللهُ تعالى - على النَّحوِ الآتي:\nالأسلوب الأول: أسلوبُ التَّفسيرِ اللَّفظيِّ.\nالأسلوب الثاني: أسلوبُ الوجوه والنَّظائر.\n_________\n(١) عطية بن سعد بن جنادة، العوفي، الجدلي، الكوفي، المفسِّر، وهو ضعيف الحديث، وقد روى التفسير عن ابن عباس، وله أقوال في التفسير، ورأيه وروايته مدونة في كتب التفاسير، توفي بالكوفة سنة (١١١). انظر: طبقات ابن سعد (٦:٣٠٤)، وميزان الاعتدال (٣:٧٩).\n(٢) انظر أقوالهم في تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٧٨ - ٧٩).","vol":"1","page":67},{"text":"الأسلوبُ الأول\nأسلوب التَّفسير اللَّفظيِّ\nأسلوبُ التَّفسيرِ اللَّفظيِّ (١): أن يكون اللَّفظ المفسِّرُ مطابقًا لِلَّفْظِ المفسَّرِ، مع الاستشهاد عليه - أحيانًا - من لغة العرب شعرًا أو نثرًا.\nولقد كان لهذا الأسلوبِ مكانُه في تفسيرِ السَّلفِ، ومن خلال استقراء تفسيرهم في تفسير الطبريِّ (ت:٣١٠) وغيرِه، وجدتُ أنَّ لهم في البيانِ اللُّغويِّ للقرآنِ - على هذا الأسلوبِ - طريقينِ:\nالأولُ: أنْ يذكروا معنى اللَّفظَةِ في اللُّغةِ دونَ أنْ ينصُّوا على ما يدلُّ عليها من شعرٍ أو نثرٍ.\nالثاني: أن ينصُّوا على الاستدلالِ بلغةِ العربِ في تفسيرِ اللَّفظةِ، وهو قسمانِ:\nالقسمُ الأولُ: أنْ يستشهدوا بالشِّعرِ.\nالقسم الثاني: أنْ يستشهدوا بالنَّثرِ، وهو نوعانِ:\nالنَّوعُ الأولُ: أنْ ينصُّوا على لغةِ القبيلةِ التي نزلَ القرآنُ بلفظِها.\nالنَّوعُ الثاني: أنْ يَرجعوا إلى منثورِ كلامِهِم دونَ أنْ ينصُّوا على لغةِ قبيلةٍ بعينِها.\nوإليكَ بيان هذه الأقسامِ بأمثلتِها من تفسيرِ السَّلفِ:\n_________\n(١) لقد كان هذا الأسلوبُ يغلبُ على كتبِ غريبِ القرآنِ وكتبِ معاجم اللغة التي كتبت في دلالات الألفاظ؛ ككتاب العين، وجمهرة اللغة، ومجمل اللغة، وغيرها.","vol":"1","page":68},{"text":"أولًا: الطَّريقُ الأولُ:\nأنْ يذكروا معنى اللَّفظِ في اللُّغةِ، دونَ أنْ ينصُّوا على ما يدلُّ عليه من شعرٍ أو نثرٍ.\nوهذا هو الأغلبُ فيما ورد عنهم من تفسيراتِهم اللُّغويَّةِ، إذ يَنُصُّ المفسِّرُ منهم على معنى اللَّفظِ، دون أن يستشهد لتفسيره هذا، ومن أمثلةِ ذلك ما يلي:\n١ - أخرجَ الطَّبريُّ (ت:٣١٠) عن عمرَ بنِ الخطابِ (ت:٢٣) أنه سُئلَ عن قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]، قال: «يُقرنُ بينَ الرَّجلِ الصَّالحِ مع الصَّالِح في الجنَّةِ، وبَين الرَّجلِ السُّوءِ مع الرَّجلِ السُّوءِ في النَّارِ» (١).\nفقولُه: «يقرن»، تفسيرٌ لمعنى التَّزويجِ في الآيةِ. وهذا هو أصلُ معنى اللَّفظِ لغويًّا. قالَ ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «الزَّاءُ والواوُ والجيمُ: أصلٌ يدلُّ على مقارنةِ شيءٍ لشيءٍ» (٢).\n٢ - وردَ عن ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) في معنى «دِهَاقًا» من قولِه تعالى: ﴿وَكَاسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣٤] قال: «ملأى» (٣).\nوقد وردَ ذلك عن مجاهدٍ (ت:١٠٤)، والحسنِ البصري (ت:١١٠)، وقتادةَ (ت:١١٧)، وابنِ زيدٍ (ت:١٨٢) (٤).\nوفي أصلِ معنى هذهِ اللَّفظةِ، قالَ ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «الدَّالُ والهاءُ والقافُ: يَدلُّ على امتلاءٍ في مجيءٍ وذهابٍ واضطرابٍ. يقالُ: أَدْهَقْتُ الكأسَ: ملأتُها، قال تعالى: ﴿وَكَاسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣٤]» (٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٦٩).\n(٢) مقاييس اللغة (٣:٣٥).\n(٣) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:١٨ - ١٩).\n(٤) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:١٩).\n(٥) مقاييس اللغة (٢:٣٠٧).","vol":"1","page":69},{"text":"٣ - أخرجَ الطَّبري (ت:٣١٠) عن ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) في معنى «لا وَزَرَ» من قولِه تعالى: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ [القيامة: ١١] قال: «لا حِرز». وفي رواية أخرى عنه: «لا حِصْنَ ولا مَلْجَأَ» (١).\nويجيء الوَزَرُ بمعنى: الشَّيء الذي يَلْجَأُ إليه الإنسانُ من حصنٍ أو جبلٍ أو معقلٍ (٢). وهذا أحدُ معاني اللَّفظةِ في اللُّغةِ.\nقالَ أحمدُ بنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «الواوُ والزَّاءُ والرَّاءُ: أصلانِ صحيحانِ: أحدُهما: الملجأُ، والآخرُ: الثِّقَلُ في الشَّيءِ. الأولُ: الوَزَرُ: الملجأُ، قال تعالى: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ [القيامة: ١١] ...» (٣).\nوقد ورد هذا التَّفسيرُ عن بعضِ السَّلفِ، منهم: سعيدُ بنُ جُبيرٍ (ت:٩٤)، ومُطَرِّفُ بنُ الشِّخِّيرِ (ت:٩٥) (٤)، وأبو قِلابةَ الجرميُّ (ت:١٠٤) (٥)، ومجاهدٌ (ت:١٠٤)، والضَّحَّاكُ (ت:١٠٥)، والحسنُ البصريُ (ت:١١٠)، وقتادةُ (ت:١١٧)، وابنُ زيدٍ (ت:١٨٢) (٦).\nثانيًا: الطريقُ الثاني:\nأنْ يستدلوا لمعنى اللَّفظةِ من لغتِهِم. وذلك قسمانِ:\n_________\n(١) ينظر الروايتين عنه في تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:١٨١).\n(٢) ينظر في معنى الوزر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:١٨١).\n(٣) مقاييس اللغة (٦:١٠٨).\n(٤) مُطَرِّف بن عبد الله الشخير، أبو عبد الله البصري، تابعي عابد فاضل، روى عن عثمان وعلي، توفي سنة (٩٥). ينظر: الجرح والتعديل (٨:٣١٢)، وتقريب التهذيب (ص:٩٤٨).\n(٥) عبد الله بن زيد الجرمي، أبو قلابة البصري، روى عن سمرة وأنس بن مالك، طُلِبَ للقضاء فتغيب وتغرَّب عن وطنه، فنَزل داريا من أرض الشام، توفي سنة (١٠٤)، وقيل غيرها. ينظر: تاريخ داريا، لعبد الجبار الخولاني (ص:٧٢ - ٧٥)، وتذكرة الحفاظ، للذهبي (١:٩٤).\n(٦) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:١٨٢ - ١٨٣).","vol":"1","page":70},{"text":"القسمُ الأولُ: أنْ يستشهدوا لذلك بالشِّعرِ.\nلقد كان الشِّعرُ ديوانَ العربِ، إذ فيه مخزونٌ من حضارتِهم ولغتِهم، وكانَ السَّلفُ يعمدونَ إلى تلك الأشعار العربيَّةِ فيستعينونَ بها في التَّفسيرِ، ولمْ تكنْ قليلةً، وإن كانت من أقلِّ الواردِ عنهم في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، ومن الأمثلةِ الواردةِ عنهم في ذلك:\n١ - عن عكرمةَ (ت:١٠٥) أنَّ ابنَ عباسٍ (ت:٦٨) سُئِلَ عن قولِه تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] قالَ: لا تلبسْها على غَدْرَةٍ ولا فَجْرَةٍ، ثمَّ قالَ: ألا تسمعون قولَ غيلانَ بنِ سلمةَ (١):\nإني بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوبَ فَاجِرٍ\nلَبَسْتُ، ولا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ (٢)\nوبهذا قال الفراء (ت:٢٠٧): «لا تكن غادرًا فتدنِّسَ ثيابَك، فإنَّ الغادرَ دَنِسُ الثيابِ» (٣).\n٢ - وعن عكرمةَ (ت:١٠٥)، عن ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) في قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤]، قال: «على الأرضِ.\n_________\n(١) غيلان بن سلمة بن مُعْتِب بن مالك الثقفي، من شعراء الطائف، مخضرمٌ أدرك الإسلام. ينظر: طبقات فحول الشعراء (ص:٢٦٩)، معجم الشعراء (ص:٢٠٦).\n(٢) أخرجه: سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير (ط: الحلبي: ٢٩:١٤٥)، وابن أبي حاتم وابن الأنباري في الوقف والابتداء (ص:٦٣)، وابن مردويه، من طريق عكرمة، ينظر: الدر المنثور (ط: دار الفكر: ٨:٣٢٦). وقد أخرجه ابن جرير من طريق العوفي عنه (٢٩:١٤٤ - ١٤٥).\nوالبيت في تهذيب اللغة (٦:١٢٧)، ولسان العرب وتاج العروس، مادة (طهر). وقد نُسِبَ البيت لغير غيلان، ينظر: المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية، د. إميل يعقوب (٤:٣٤٧).\n(٣) معاني القرآن، للفراء (٣:٢٢٠). وينظر: مادة (ثوب) في لسان العرب وتاج العروس.","vol":"1","page":71},{"text":"قال: فذكرَ شعرًا قالُه أُميةُ بنُ أبي الصلتِ (١)، فقال (٢):\nعندنا صيد بحر وصيد ساهرة» (٣).\nهذا المعنى حكاهُ أهلُ اللُّغةِ، ومن ذلك ما ذكره ابن فارس (ت:٣٩٥)، قال: «ويقالُ للأرضِ: السَّاهرةُ، سُمِّيتْ بذلك لأنَّ عملها في النَّبْتِ دائمًا ليلًا ونهارًا (٤)، ولذلك يقالُ: خيرُ المالِ عينٌ خرَّارَةٌ (٥)، في أرضٍ خوَّارةٍ (٦)، تسهرُ إذا نِمْتَ، وتشهدُ إذا غِبْتَ. وقال أُميةُ بنُ أبي الصلتِ:\nوفِيهَا لَحْمُ سَاهِرَةٍ وَبَحْرِ ... وَمَا فَاهُوا بِهِ لَهُمُ مُقِيمُ\nوقالَ آخرُ - وذكرَ حميرَ وحشٍ - (٧):\n_________\n(١) عبد الله بن أبي ربيعة، من ثقيف بن بكر هوازن، شاعر جاهلي، وكان قرأ الكتب الدينية، وعلم بظهور نبي آخر الزمان، فكان يرجو أن يكونه، ولما ظهرت النبوة في محمد ﷺ تنكر له، ولم يسلم، مات بالطائف سنة (٨). ينظر: معجم الشعراء، لعفيف عبد الرحمن (ص:٣٠).\n(٢) البيت ورد في ديوان أمية بن الصلت، تحقيق: بشير يموت (ص:٥٤)، كالآتي:\nوفِيهَا لَحْمُ سَاهِرَةٍ وَبَحْرِ\nوَمَا فَاهُوا بِهِ لَهُمُ مُقِيمُ\nوقد استدلّ به الشعبي على معنى الساهرة، ولفظ الشعر عنده كلفظ الديوان، ينظر: الدر المنثور (٨:٤٠٨)، وفيه ذِكْرُ من أخرجه، وهم: ابن أبي شيبة (الكتاب المصنف: ١:٤٧٥، ٨:٤٠٨) وعبد بن حميد. وكذا استدلَّ به عكرمة على المعنى نفسه، ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٣٦ - ٣٧).\n(٣) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٣٦).\n(٤) هناك وجهٌ آخر في سبب تسميتها بالساهرةِ ذكره الفراء، فقال: «وقولُ اللهِ ﷿: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤]: وجه الأرض، كأنها سُميتْ بهذا الاسم؛ لأن فيها الحيوان: نومهم وسهرهم». معاني القرآن، للفراء (٣:٢٣٢).\n(٥) عين الماء الجارية، سُمِّيت خرَّارة؛ لخرير مائها، وهو صوته. ينظر: تهذيب اللغة (٦:٥٦٥).\n(٦) قال أبو منصور الأزهري في تهذيب اللغة (٧:٥٥١): «وأمَّا الأرض الخوَّارة: فهي اللينة السهلة».\n(٧) البيت لأبي كبيرٍ الهُذلي كما في ديوان الهذليين، ط: دار الكتب المصرية =","vol":"1","page":72},{"text":"يَرْتَدْنَ سَاهِرَةً كَأَنَّ عَمِيمَهَا ... وَجَمِيمَهَا أَسْدَافُ لَيلٍ مُظْلِمِ\nثمَّ صارت الساهرةُ اسمًا لكلِّ أرضٍ. قال ﷻ: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ *فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣، ١٤]» (١).\n٣ - عن سعيدٍ بنِ جبيرٍ (ت:٩٤) في قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، قال: «القانعُ: السائلُ الذي يسألُ، ثمَّ أنشدَ قولَ الشاعرِ (٢):\nلَمَالُ المَرْءِ يُصلِحُهُ فَيَبقَى ... مُعَاقِرَهُ، أَعَفُّ من القُنُوعِ» (٣)\nوقد ورد هذا المعنى في اللُّغة، قال ابن فارسٍ (ت:٣٩٥): «القافُ والنونُ والعينُ: أصلانِ صحيحانِ، أحدهما يدلُّ على الإقبالِ على الشيءِ، ثمَّ تختلفُ معانيه مع اتفاقِ القياسِ، والآخرُ يدلُّ على استدارةٍ في الشيءِ.\nفالأولُ: الإقناعُ: الإقبالُ بالوجهِ على الشيءِ ... ومن البابِ قَنَعَ الرجلُ يَقْنَعُ قُنُوعًا، إذا سألَ، قالَ اللهُ سبحانَهُ: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] فالقانعُ: السائلُ، وسُمِّيَ قانعًا؛ لإقباله على من يسأله، قال:\nلمالُ المَرءِ يُصلِحُهُ فَيُغني ... مَفَاقِرَهُ، أَعَفُّ من القُنُوعِ» (٤)\n_________\n= (ص:١١١)، وجاء في شرح البيت في ديوان الهذليين (ص:١١٢) ما يأتي: «والجميم: النبت الذي قد نبت وارتفع قليلًا ولم يتمَّ كلَّ التمام، صار مثل الجُمَّةِ. والعميم: المُكْتَهِلُ التَّامُّ من النبت».\n(١) مقاييس اللغة (٣:١٠٨ - ١٠٩).\n(٢) البيت للشماخ، وهو في ديوانه، تحقيق: صلاح الدين الهادي (ص:٢٢١). وقد بيَّن محقق الديوان اختلاف روايات هذا البيت وشرحه (ص:٢٢١ - ٢٢٢).\n(٣) ينظر: الدر المنثور (٦:٥٥)، وقد ذكر مخرجيه، وهم: ابن أبي شيبة (الكتاب المصنف: ٨:٥١٦، ١٠:٤٧٥) وعبد بن حميد.\n(٤) مقاييس اللغة (٥:٣٣). وينظر مادة (قنع) في لسان العرب وتاج العروس.","vol":"1","page":73},{"text":"٤ - وسُئل عكرمةُ (ت:١٠٥) عن الزَّنيمِ، فقالَ: «هو ولدُ الزِّنا، وتمثَّلَ بقولِ الشاعرِ (١):\nزَنِيمٌ ليس يُعرَفُ من أَبُوهُ ... بَغِيُّ الأُمِّ، ذو حَسَبٍ لَئِيمٍ» (٢)\nقال ابن فارس (ت:٣٩٥): «الزَّاءُ والنُّونُ والميمُ: أصلٌ واحدٌ يدلُّ على تعلُّقِ شيءٍ بشيءٍ، ومن ذلك الزَّنيمُ، وهو الدَّعيُ ...\nقال الشاعر في الزَّنيم (٣):\nزَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجَالُ زيادةً ... كَمَا زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكَارِعُ» (٤)\n٥ - وعن الضَّحَّاكِ بن مزاحم (ت:١٠٥) في قوله تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَاسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨]، قال: «الأكوابُ: جِرارٌ ليس لها عُرىً. وهي في النِّبطِيَّة (٥):\n_________\n(١) البيت في تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:٢٥)، وفي تفسير القرطبي، ط: دار الكتب (١:٢٥)، (١٨:٢٣٤).\n(٢) إيضاح الوقف والابتداء، لابن الأنباري (١:٦٤).\nوقد فسَّر ابن عباس الزنيم بأنه الملْزَق، وأنشد هذا البيت:\nزَنِيمٌ تَدَاعَاهُ الرِّجَالُ زِيَادَةً ... كَمَا زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكَارِعُ\nينظر: الكتاب المصنف، لابن أبي شيبة (٨:٥٢٩)، (١٠:٤٧٥ - ٤٧٦)، وإيضاح الوقف والابتداء (١:٦٥).\n(٣) ينظر البيت في مادة (زنم) في لسان العرب وتاج العروس. وذكر إميل يعقوب في المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية (٤:٢٨٤): أنَّ البيت في ديوان حسان بن ثابت، وهو منسوب في لسان العرب للخطيم التميمي، ولم أجد البيت في ديوان حسان، بتحقيق سيد حنفي حسنين.\n(٤) مقاييس اللغة (٣:٢٩).\n(٥) النبطيةُ لغةُ الأنباطِ، وهم من العربِ القدماء الذين سكنوا شمال الحجاز حتى تخوم سوريا، وكانت عاصمتهم البتراء، ومنهم أخذ عرب الجزيرة الكتابة التي تستعمل إلى اليوم. ينظر: الساميون ولغاتهم، للدكتور: حسن ظاظا (ص:٩٦)، ومعجم الحضارات السامية، لهنري عبود (ص:٨٣٩).\nوليس يعني هذا أنَّ الكوبَ معرَّبٌ عن النبطيَّةِ؛ لأنَّ عربيَّة الجزيرة أقدم من الأنباط، وبما أنَّ الأنباطَ جزءٌ من قدماءِ العربِ الذين هاجروا إلى شمال الجزيرةِ، فإنَّ بقاءَ =","vol":"1","page":74},{"text":"«كوبا»، وإيَّاها عنى الأعشى (١) بقوله (٢):\nصَرِيفِيَّةً طَيِّبٌ طَعْمُهَا لَهَا ... زَبَدٌ بَينَ كُوبٍ وَدَنِّ» (٣)\nوقال ابن فارسٍ (ت:٣٩٥): «الكافُ والواوُ والباءُ: كلمةٌ واحدةٌ، وهي الكوبُ: القَدَحُ لا عُروَةَ له، والجمعُ: أكوابٌ، قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤]» (٤).\n٦ - وعن ابنِ زيدٍ (ت:١٨٢) في قوله تعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]، قال: «الموت. قال الشاعرُ (٥):\n_________\n= بعضِ ألفاظهم العربيَّةِ التي كانوا يتداولونها قبل هجرتهم إلى شمال الجزيرةِ أمرٌ محتَّمٌ، واللهُ أعلمُ.\n(١) ميمون بن قيس بن جندل، أبو بصير الأعشى الكبير، أعشى بكر، شاعر جاهلي مشهور، أدرك الإسلام في آخر عمره، وقيل: لأنه وفد إلى النبي يريد الإسلام، فقيل له: إنه يحرم الخمر، فقال: أعود أتمتع بها سنة، ثم أسلم، فمات قبل أن يسلم في قرية من قرى اليمامة. ينظر: معجم الشعراء (ص:٢٢)، ومعجم الشعراء الجاهليين (ص:٢٣ - ٢٤).\n(٢) ورد البيت في ديوانه، تحقيق حنَّا نصر (ص:٣٦١)؛ كالآتي:\nصَلِيفِيةً طَيِّبًا طَعْمُهَا ... لَهَا زَبَدٌ بَينَ كُوبٍ وَدَنِّ\nوالصليفية: الخمر المعتقة. والدنُّ: إناء فخاري تحفظ به الخمرة.\nوورد البيت في العباب الزاخر، للصغاني، تحقيق: محمد آل ياسين (حرف الفاء: ٣٤٦)، كما ذكره الضحاك، وقال الصغاني: «وقيل: جعلها صَرِيفِيةً لأنها أُخِذت من الدَّنِّ ساعتئذ كاللبن الصَّريف».\n(٣) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١٧٤).\n(٤) مقاييس اللغة (٥:١٤٥)، وجاء في لسان العرب، مادة (كوب): «الكوبُ: الكوزُ الذي لا عُروةَ له، قال عديُ بنُ زيدٍ:\nمُتَّكئًا تَصْفُقُ أَلْوَانُهُ ... يَسْعَى بِهَا العَبْدُ بِالكُوبِ\nوالجمعُ أكوابٌ، وفي التنْزيلِ العزيزِ: ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤]».\n(٥) لم أجد هذا البيت، وقد ورد بيت يقاربه، وهو قول الشاعر:\nتَرَبَّصَ بِهَا رَيبَ المَنُونِ لَعَلَّهَا ... تُطَلَّقْ أو يَمُوتُ حَلِيلُهَا\nوهو في تفسير ابن عطية، ط: قطر (١٤:٦٦)، ولسان العرب وتاج العروس، مادة (ربص).","vol":"1","page":75},{"text":"تَرَبَّصَ بِهَا رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّهَا ... سَيَهْلَكُ عنها بَعلُهَا أَو تُسَرَّحُ» (١)\nوللمنونِ في لغةِ العربِ معانٍ، منها المنيَّةُ [أي: الموت].\nوقدْ أوردَ عبد الله بنُ بري المصريُّ اللُّغويُّ (ت:٥٨٢) (٢) عِدَّةَ شواهدٍ على أنَّ العربَ تطلقُ المنونَ على الموتِ.\nومن هذه الشَّواهدِ قولُ الشاعرِ (٣):\nلَقُوا أُمَّ اللُّهَيمِ فَجَهَّزَتْهُم ... غَشُومُ الوِرْدِ نَكنِيهَا: المَنُونَا (٤)\n٧ - وعن السُّدِّيِّ (ت:١٢٨) في قوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حْجِرٍ﴾ [الفجر: ٥]، قالَ: لِذِي لُبٍّ، قال الحارثُ بنُ ثعلبةَ (٥):\nوكيفَ رَجَائِي أنْ تَثُوبَ وإنما ... يُرَجَّى مِنَ الفِتيَانِ مَنْ كَانَ ذَا حِجْرِ (٦)\nواللُّبُّ: العقلُ، قال ابن فارسٍ (ت:٣٩٥): «والعقلُ يُسَمَّى حِجرًا لأنه\n_________\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:٣١).\n(٢) عبد الله بن بري بن عبد الجبار، النحوي، اللغوي، المصري، كان جمَّ الفوائد، عالمًا بكتاب سيبويه وعلله، وبغيره من الكتب، وكان يتصفح ديوان الإنشاء في الدولة المصرية، وكان قليل التصنيف، ومن كتبه المفيدة: حاشية على الصحاح، توفي سنة (٥٨٢). ينظر: إنباه الرواة (٢:١١٠ - ١١١)، وإشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين، لعبد الباقي اليماني، تحقيق: عبد المجيد دياب (ص:١٦١).\n(٣) نُسِبَ في لسان العرب، مادة (منن) إلى ابن أحمر، وهو بلا نسبة في لسان العرب وتاج العروس مادة (لهم). قال إميل يعقوب: «ولم أقف عليه في ديوانه». ينظر: المعجم المفصل (٨:٥٤). وقد ذكره إبراهيم الحربي في كتابه غريب الحديث (٣:١٢٢٢) ضمن أبيات أنشدها إياه أبو نصر.\n(٤) لسان العرب، مادة (منن). ولهذه المادةِ أصلانِ: أحدهما يدلُّ على انقطاعٍ، ومنه المنية؛ لأنها تُنقِصُ العَدَدَ وتَقْطَعُ المُددَ، قاله ابن فارسٍ في مقاييس اللغة (٥:٢٦٧).\n(٥) الحارث بن ثعلبة، لم أجد له ترجمة، وقد استشهد به الزمخشري في مادة (ثوب) في أساس البلاغة، وزاد في نسبته، فقال: الحارث بن ثعلبة الأزدي، والله أعلم.\n(٦) إيضاح الوقف والابتداء، لابن الأنباري (١:٧٥)، ولم أجد البيت عند غيره.","vol":"1","page":76},{"text":"يمنعُ من إتيانِ ما لا ينبغي، كما سُمِّيَ عقلًا تشبيهًا له بالعِقَالِ، قال الله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حْجِرٍ﴾ [الفجر: ٥]» (١).\nولهم في هذا القسم أمثلة أخرى (٢)، وهي تدلُّ بمجموعها على أنَّ السَّلف اعتمدوا الشَّاهد الشِّعريَّ في التَّفسير، وسيأتي بيان ذلك، إن شاء الله.\nالقسمُ الثاني: أن يستشهدوا بالنَّثْرِ:\nوهو نوعان:\nالنوعُ الأولُ: أنْ يَنُصُّوا على لغةِ القبيلةِ التي نزلَ القرآنُ بلفظِها (٣).\nنزل القرآنُ بجملةٍ من ألفاظِ قبائلِ العربِ، أمَّا أغلبُه فكانَ بلغةِ\n_________\n(١) مقاييس اللغة (٢:١٣٨).\n(٢) من هذه الأمثلة:\n١ - عن ابن عباس في لفظ «يبدِّل الله» تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٩:٤٧)، ولفظ «مريج» تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٦:١٥٠)، ولفظ «وسق» فضائل القرآن لأبي عبيد (ص:٢٠٦)، والدر المنثور (٨:٤٥٨ - ٤٥٩)، ولفظ «حفدة» الدر المنثور (٥:١٤٩)، ولفظ «قسورة» تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:١٦٩ - ١٧٠)، ولفظ «سريا» الدر المنثور (٥:٥٠٣)، ولفظ «ساق» الدر المنثور (٨:٢٥٤)، ولفظ «دارست» مصنف ابن أبي شيبة (١٠:٤٧٦). ولا يخفى ما ورد عن ابن عباس من الشواهد الشعرية في سؤالات نافع الأزرق، وسيأتي الحديث عنها لاحقًا.\n٢ - وعن سعيد بن جبير في لفظ «أُخفيها» الدر المنثور (٥:٥٦٣).\n٣ - وعن مجاهد في لفظ «اللَّمم» تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:٦٦ - ٦٧).\n٤ - وعن عكرمة في لفظ «تعولوا» تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٧:٥٥٠)، ولفظ «أفنان» تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١٤٧).\n٥ - وعن ابن زيد في لفظ «السرد» تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٢:٦٧)، ولفظ «القاسطون» تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:١١٣)، ولفظ «جابوا» تفسير الطبري: الحلبي (٣٠:١٧٩)، ولفظ «رحيق» تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:١٠٥).\n٦ - عن مسلم بن جندب الهذلي لفظ «ردءًا يصدقني» الجزء الذي فيه تفسير يحيى بن اليمان (ص:٤٤).\n(٣) ينظر: في موضوع اللغات التي نزل بها القرآن: كتاب اللغات المسند إلى ابن عباس، =","vol":"1","page":77},{"text":"الرسول ﷺ: لغةِ قريشٍ؛ لذا كان المفسِّرونَ من السَّلفِ يُعيِّنونَ القبيلةَ التي نزل القرآنُ بلفظِها.\nولَعَلَّ هذا يُفسِّرُ ما وقعَ لبعضِ الصَّحابةِ ﵃ من جهلِ شيءٍ من معاني ألفاظِه؛ كالذي وقعَ لعمرَ بنِ الخطابِ ﵁ في عدمِ معرفتِه معنى «الأبِّ» من قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ قال: «قرأ عمرُ بنُ الخطابِ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، ومعه عصا في يدِه، فقال: ما الأَبُّ؟، ثمَّ قالَ: بِحَسبِنَا ما قد عَلِمنَا، وألقى العصا من يدِه» (١).\nوالذي وقع لابن عباس (ت:٦٨) في لفظ: فاطر السموات، فقد ورد عنه أنَّه قالَ: «كنتُ لا أدري ما فاطر السَّموات؟ حتى أتاني أعرابيَّان يختصمان في بئرٍ، فقال أحدهُما: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها» (٢).\nومن أمثلة ما فسَّروه بلغات العرب:\n١ - عن أبي الصَّلت الثقفي (٣): «أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ - رحمةُ اللهِ عليه - قرأ هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] بنصب الراءِ. قال: وقرأ بعض من عنده من أصحاب رسول الله ﷺ: «ضَيِّقًا حَرِجًا» (٤).\n_________\n= تحقيق: صلاح الدين المنجد، والإتقان في علوم القرآن، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (٢:٨٩)، وكتاب معجم لغات القبائل والأمصار، للدكتور جميل سعيد وداود سلوم، ثُمَّ ينظر: من كتب في هذا الموضوع في كتاب معجم المعاجم، لأحمد الشرقاوي إقبال (ص:١٦ - ١٧).\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٥٩).\n(٢) فضائل القرآن، لأبي عبيد (ص:٢٠٦)، وينظر: غريب الحديث، له، تحقيق: حسين محمد محمد شرف (٥:٤١٢)، والدر المنثور (٧:٣).\n(٣) أبو الصلت الثقفي، روى عن عمر ﵁، وعنه عبد الله بن عمار اليمامي، وهو مقبول، ينظر: الجرح والتعديل (٩:٣٩٤) وتقريب التهذيب (ص:١١٦٣).\n(٤) قرأ بكسر الراء نافع وعاصم من رواية أبي بكر شعبة، وقرأ الباقون بالفتح، ينظر: إعراب القراءات السبع وعللها، لابن خالويه (١:١٦٩).","vol":"1","page":78},{"text":"قالَ صفوانُ (١): فقالَ عمرُ: أَبغُوني رَجُلًا من كِنَانةَ، واجعلوه راعيَ غنمٍ، وليكن مُدْلِجيًا (٢). قالَ: فأتوا به. فقالَ عمرُ: يا فتى ما الحرجةُ؟\nقالَ: الحرجةُ فينا: الشَّجرةُ تكونُ بينَ الأشجارِ التي لا تصلُ إليها راعيةٌ ولا وَحْشِيَّةٌ ولا شيءٌ.\nقالَ عمرُ: كذلك قلبُ المنافقِ لا يَصِلُ إليه شيءٌ من الخيرِ» (٣).\nوقد قالَ محمود شاكر في تعليقِه على هذا الأثرِ: «وهذا خبرٌ عزيزٌ جدًا في بيانِ روايةِ اللُّغةِ وشرحِها، وسؤالِ الأعرابِ والرُّعاةِ عنها» (٤).\n٢ - وعن عكرمةَ (ت:١٠٥)، عن ابنِ عباس (ت:٦٨) في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] قالَ: «هو الغِناءُ. كانوا إذا سَمِعُوا القرآنَ تَغَنَّوا ولَعِبُوا، وهي لغةُ أهلِ اليمنِ. قالَ اليمانيُ: اسْمُد» (٥).\n_________\n(١) لم يتبيَّن لي من صفوان هذا، إذ فيه عدد ممن له صحبة بهذا الاسم، ولعله اسم أبي الصلت الثقفي، لكن لم أجد في المراجع ما يؤيد ذلك، والله أعلم.\n(٢) أي: من بني مدلجٍ، وبنو مُدْلِجٍ قبيلةٌ من كنانة، ومدلجٌ: هو ابن مرة بن عبد مناة بن كنانة. ينظر: تاج العروس مادة (دلج).\n(٣) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٢:١٠٤) والأثر فيه عبد الله بن عمار، يروي عن أبي الصلت، وهو مجهول. ينظر: تقريب التهذيب (ص:٥٢٨)، ثُمَّ ينظر: تفسير القرطبي، ط: دار الكتب المصرية (١٠:١١١)، فقد أورد مثالًا آخر لعمر رجع فيه إلى لغة هذيل، وذلك في معنى التَّخَوُّف من قوله تعالى: ﴿أَوْ يَاخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧].\n(٤) ينظر: حاشية رقم ٤ من تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٢:١٠٤).\n(٥) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:٨٢). وقد رواه بسندين آخرين عن عكرمة (٢٧:٨٢،٨٣). وأخرجه أبو عبيدٍ في غريب الحديث، تحقيق: حسين محمد محمد شرف (٤:٣٧٣)، وينظر: الدر المنثور (٧:٦٦٧)، فقد ذكر مخرجيه، وهم: عبد الرزاق (تفسيره بتحقيق قلعجي ٢:٢٠٦)، والفريابي، وأبو عبيد في فضائله (ص:٢٠٥)، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (تحقيق: عمرو عبد المنعم، ص:٤٢، ٤٣) والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه (١٠:٢٢٣). =","vol":"1","page":79},{"text":"كذا ورد عن ابن عباس ﵁، وقد نقلَ عنه أهلُ اللُّغةِ هذا المعنى، قالَ الزَّبِيدي (ت:١٢٠٥) (١): «سَمَدَ سُمُودًا: غَنَّى. قالَ ثعلبٌ (٢): وهي قليلةٌ، وقوله ﷿: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١] فُسِّرَ بالغناءِ، ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ أنه قال: السُّمودُ: الغناء بلغةِ حِمْيَرَ (٣).\nوزاد في الأساس (٤)؛ لأن المُغَنِّيَ يرفعُ رأسَه ويَنْصِبُ صدرَه، ويقال للقينة: اسمُدينا؛ أي: ألهينا بالغناءِ» (٥).\nوقال ابنُ دُرَيْدٍ (ت:٣٢١) (٦): «والسامدُ: اللاهي، سَمَدَ يَسْمَدُ سُمُودًا، لغةٌ يمانيةٌ، يقولون للقينة: اسْمدينا؛ أي: ألهينا.\n_________\n= وورد عن عكرمة أنها بلغة حِمْيَر، وهم من اليمن، ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:٨٢، ٨٣).\n(١) محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسني، أبو الفيض، السيد المرتضى، الزَّبيدي، المصري، اللغوي، صاحب تاج العروس من جواهر القاموس. توفي سنة (١٢٠٥). ينظر: عجائب الآثار، للجبرتي (٢:١٠٣ - ١١٤)، والأعلام، للزركلي (٧:٢٩٧ - ٢٩٨).\nوالزَّبيدي: نسبة إلى زَبيد، وهو وادٍ بقرية الحُصَيب، غلب اسمه عليها، وهو علم مرتجل لهذا الموضع. ينظر: معجم البلدان (٣:١٣١).\n(٢) أحمد بن يحيى، أبو العباس، النحوي، اللغوي، الكوفي.\n(٣) حمير: قوم من عرب جنوب الجزيرة العربية، وعاصمتهم ظفار، ولحنُهم يختلفُ عن لحنِ غيرهم من العربِ، ومن ذلك القصة المشهورة في دخول عربي من شمال الجزيرة على ملكهم، وكان في مكان عالٍ، فقال له: ثِبْ، فوثب العربي، فتكسَّر، فسأل الملك عنه، فأُخبِر بلغة العرب، فقال: ليس عندنا عربيَّت، من دخل ظفار حمَّرَ. ينظر: القاموس المحيط، مادة (حمر)، والساميون ولغاتهم (ص:١١٢، ١١٥).\n(٤) ينظر: أساس البلاغة، للزمخشري، مادة (سمد).\n(٥) تاج العروس، مادة (سمد).\n(٦) محمد بن الحسن بن دريد، أبو بكر الأزدي، من أزد عُمَان. توفي سنة (٣٢١). ينظر: مراتب النحويين (ص:١٣٥ - ١٣٦)، وطبقات النحويين واللغويين (ص:١٨٣ - ١٨٤).","vol":"1","page":80},{"text":"وقد رُوِيَ هذا البيتُ في شعرِ عادٍ (١) - ولا أدري ما صحته، وقد احتج به العلماءُ ـ:\nقَيْلُ، قُمْ، فانظُرْ إليهم، ... ثُمَّ دَعْ عَنْكَ السُّمُودا\nقَيْلُ: اسمُ رجلٍ، وجاء في القرآن: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾، قال أبو عبيدةَ: لاهون (٢)، والله أعلم» (٣).\nوقال نَشْوَانُ الحِمْيَرِي (ت:٥٧٣) (٤): «السَّمود: اللَّهوُ والغِناءُ، يقال: سَمَدَتِ القَينَةُ: إذا غنَّتْ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ. والسَّامدُ: اللاهي، قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١]: لاهون» (٥).\n٣ - وعن ابن عباسٍ «أنه أبصرَ رجلًا يسوقُ بقرةً، فقالَ: من بعلُ هذه؟ فدعاه، فقالَ: ممن أنت؟ قالَ: من أهلِ اليمنِ.\nفقال: هي لغةُ ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥]؛ أي: ربًّا» (٦).\n_________\n(١) نُسِبَ هذا البيتُ لِهُزَيْلَةَ بنتِ بكرٍ كما في تاج العروس، مادة (سمد)، والبيت في تهذيب اللغة (١٢:٣٧٨)، ومقاييس اللغة (٣:١٠٠)، والمعجم المفصل في شواهد العربية (٢:٢١٥).\n(٢) مجاز القرآن (٢:٢٣٩).\n(٣) جمهرة اللغة (٢:٦٤٨).\n(٤) نشوان بن سعيد الحميري، اليمني، اللغوي، استولى على قلاع وحصون، وقدَّمه أهل جبل صَبِرٍ حتى صار ملكًا عليهم، وله تصانيف من أجلِّها: شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكَلوم، وهو مرتب على وزن الكلمة، توفي سنة (٥٧٣). ينظر: معجم الأدباء (١٩:٢١٧ - ٢١٨)، وإشارة التعيين (ص:٣٦٢).\n(٥) شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، لنشوان الحميري، ط: عالم الكتب، بيروت (٢:٤٢٣). وينظر: غريب الحديث، للحربي (٢:٥٢٠ - ٥٢١)، وديوان الأدب، للفارابي، تحقيق: أحمد مختار عمر (٢:١٠٥)، وكتاب الأفعال، للسرقسطي، تحقيق: حسين محمد شرف (٣:٥٣٥).\n(٦) ينظر: الدر المنثور (٧:١١٩)، وقد ذكر أن ابن أبي حاتم وإبراهيم الحربي قد أخرجاه. وقد أورد في الصفحة نفسها روايتين عن ابن عباس، وهما مشابهتان لهذه الرواية. =","vol":"1","page":81},{"text":"وهذا يعني أنَّ معنى ﴿بَعْلًا﴾: رَبًّا، وقد ورد هذا المعنى في كتبِ أهلِ اللُّغةِ، ومن ذلك ما ورد في لسان العرب: «وَبَعْلٌ والبَعْلُ جميعًا: صَنَمٌ، سُمِّيَ بذلك لعبادتهم إيَّاه كأنه ربهم، وقوله ﷿: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥]، قيلَ: معناهُ: أتدعونَ رَبًّا، وقيلَ: هو صنمٌ، يقال: أنا بَعْلُ هذا الشيءِ؛ أي: ربُّه ومالِكُه؛ كأنَّه قالَ: أتدعونَ رَبًّا سوى اللهِ (١).\nورُوِيَ عنِ ابنِ عباسٍ أنَّ ضَالَّةً أُنْشِدتْ، فجاء صاحبُها، فقالَ: أنا بَعْلُها؛ يُريدُ: رَبَّها، فقالَ ابنُ عباسٍ: هو مِنْ قولِ اللهِ: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥]؛ أي: رَبًّا.\nووردَ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ مرَّ برجُلينِ يختصمانِ في ناقةٍ، وأحدُهما يقولُ: أنا بَعْلُها؛ أيْ: مالكُها وربُّها.\n_________\n=\nوفي تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٣:٩٢) رواية أخرى عنه من طريق عبد الله بن أبي يزيد، قال: «كنت عند ابن عباس، فسألوه عن هذه الآية: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥] قال: فسكت ابن عباس، فقال رجل: أنا بعلها، فقال ابن عباس: كفاني هذا الجواب».\nوعن قتادة أن «بعلًا» بمعنى: ربًّا، بلغة أَزْدِ شَنُوءة، ينظر: الدر المنثور (٧:١١٩).\n(١) من العجيبِ أنَّ لفظَ «بعل» يكثرُ في اللُّغاتِ التي سكنت الشامَ، لذا تجدُ من الأسماءِ ما يبتدئ بهذا اللَّفظِ؛ كبعلبك، وبعل صفون، وبعل صور، وغيرها، وهو يرجع في هذه اللغات إلى معنى السيد أو الملكِ كما هو في العربيَّةِ، ويظهرُ - والله أعلم - أنه كان يُطلقُ على الآلهةِ التي كانتْ تعبدُ من دون الله، كما هو الحالُ في قومِ إلياس ﵇ الذين عبدوا البعلَ من دونِ اللهِ، وهذه لمحةٌ تحتاجُ إلى زيادةِ تحريرٍ، واللهُ الموفقُ.\nينظر - مثلًا ـ: معجم الحضارات السامية، لهنري عبودي (ص:٢٢٩ - ٢٢٣).\nوهذا الكتابُ وأشباهه ليس عمدةً في تحليلِ هذه المعاني؛ لأنه يعتمدُ في تحليلِها ومعرفةِ تاريخها على العبريةِ المعاصرةِ وعلى تراثِ اليهودِ، ودراساتِ العلمانيينَ للتاريخِ القديمِ وللأديانِ، وهذا يجعلُ بحثه غيرَ محايدٍ، وينقصه الكثيرُ من التحقيقِ، خاصَّةً أنه لا يعتمدُ على مصادرِ المسلمين الثابتة (الكتاب والسنة)، ولا على لغةِ العربِ في بيانِ كثيرٍ من غوامضِ مفرداتِ اللُّغاتِ القديمةِ وتاريخها.","vol":"1","page":82},{"text":"وقولُهم: مَنْ بَعْلُ هذهِ النَّاقةِ؛ أيْ: مَنْ رَبُّها وصاحبُها» (١).\n٤ - وعنْ مجاهدٍ (ت:١٠٤) في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨]» قالَ: «هي بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، أَوْصَدَ البابَ: أغْلَقَهُ» (٢).\nوهذا المعنى الذي فسَّرَ بِهِ مجاهدٌ (ت:١٠٤) هو معنى هذا اللَّفظِ في لغةِ العربِ، قال ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «الواوُ والصَّادُ والدَّالُ: أصلٌ يدلُّ على ضَمِّ شيءٍ إلى شيءٍ، أَوْصَدتُ البابَ: أغلقتُه ... والمُوصَدُ: المُطْبَقُ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨]» (٣).\nولم أجد - فيما وقفتُ عليه - أحدًا من اللُّغويينَ نَصَّ على أنَّ هذه اللفظةَ مُختصَّةٌ بقريشٍ، ومجاهد (ت:١٠٤) عاش في مَكَّةَ، وهو ينقل هذا عن سماعٍ، ولذا فإنَّ تحديده هذا يُقبَلُ، والله أعلم.\n٥ - وعن سعيدِ بنِ المسيبِ (ت:٩٥) والزُّهْرِي (ت:١٢٤) (٤) في قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]، قالا: «الماعونُ بلسانِ قريشٍ: المالُ» (٥).\nولم أجدْ في كتبِ اللُّغةِ التي رجعتُ إليها من نَصَّ على أنَّ الماعونَ: المالُ.\n_________\n(١) لسان العرب، مادة (بعل).\n(٢) الدر المنثور (٨:٥٢٦)، وقد ذكر أنَّ ابن أبي حاتم أخرجه.\n(٣) مقاييس اللغة (٦:١١٧).\n(٤) محمد بن مسلم بن شهاب، ينظر في ترجمته: القسم المتمم لتابعي أهل المدينة من كتاب طبقات ابن سعد (ص:١٥٧ - ١٨٦)، وتذكرة الحفاظ (١:١٠٨ - ١١٣).\n(٥) أخرجه الطبري من طريق الزهري عنه، ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٣١٩)، وقد أخرج أثر سعيد - أيضًا - ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور (٨:٦٤٥). أمَّا أثر الزهري فقد أخرجه الطبري (٣٠:٣١٩)، وابن خالويه في إعراب القراءات السبع وعللها، تحقيق الدكتور: عبد الرحمن العثيمين (١:٢٠).\nوينظر: تفسير لفظِ عضين، عن عكرمة، قال: «العَضْهُ: السِّحْرُ بلسان قريش». تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:٦٦).","vol":"1","page":83},{"text":"ومادةُ: (مَعَنَ) تحتملُ هذا المعنى الذي ذكراه، وقد وردَ أنَّ المَعْنَ: القليلُ من المالِ والكثيرُ من المالِ، ومنه قولهم: أمعنَ الرجلُ: إذا كَثُرَ مالُه، وأمعنَ: إذا قلَّ مالُه، وهو من الأضدادِ.\nوقد ذُكِرَ أنَّ الماعونَ: الزكاةُ، وهي ترجعُ إلى معنى المالِ، وإن لم تكن نصًّا فيه (١)، والله أعلم.\n٦ - وعنِ الحسنِ (ت:١١٠)، قال: «كُنَّا لا ندري ما الأرائكُ؟ حتى لَقِينَا رجلًا من أهلِ اليمنِ، فأخبرنا أنَّ الأريكةَ عندهم: الحجلةُ فيها السريرُ» (٢).\nوكذا جاء في معاجم اللغة: والأريكةُ: سريرٌ في حجلةٍ، والجمعُ: أرِيكٌ وأرَائِكُ، وفي التَّنْزِيل: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦]، قال المفسِّرون: الأرائكُ: السُّرُرُ في الحِجَالِ» (٣).\n٧ - وعن الضَّحَّاكِ (ت:١٠٥) في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥] قال: «سُتُورَهُ، أهلُ اليمنِ يُسمُّونَ السِّتْرَ: المِعْذَارَ» (٤).\nوقد نقلَ هذا المعنى بعضُ أهلِ اللُّغةِ، قالَ ابنُ دريدٍ (ت:٣٢١): «وفسَّرَ قومٌ قولَه جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥] قالوا: السِّتر، لغةٌ أَزْدِيةٌ، الواحدُ: مِعْذَارٌ.\nقال الشاعرُ (٥):\n_________\n(١) ينظر: مادة (معن) في لسان العرب، وتاج العروس.\n(٢) فضائل القرآن، لأبي عبيد (ص:٢٠٥)، وينظر تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٣:٢٠ - ٢١). والحجلة: «موضع يزين بالثياب والستور للعروس» القاموس المحيط: مادة (حجل).\n(٣) ينظر مادة (أر ك) في تهذيب اللغة (١٠:٣٥٤)، ومجمل اللغة (١:٩٢ - ٩٣)، والصحاح، ولسان العرب، وتاج العروس.\n(٤) فضائل القرآن لأبي عبيد (ص:٢٠٥).\n(٥) لم أجد هذا البيت في غير الجمهرة، ولم يُشِرْ محقق الجمهرة إليه، مما يدلُّ على أنه لم يجده في غير الجمهرة، والله أعلم.","vol":"1","page":84},{"text":"لَمَحَتْ لَمْحَةً كجانب قَرْنِ الـ ... ـشَّمْسِ بين القِرَامِ والمِعْذَارِ\nوالقِرَامُ: سِتْرٌ رَقِيقٌ» (١).\nوقال رضيُّ الدِّين الصَّغَانِيُّ (ت:٦٥٠) (٢): «والمِعْذَار: السِّترُ في لغةِ قومٍ من اليمنِ، وعلى ذلك فسَّرَ بعضُ المفسرين قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥] قال: معناه: أَرْخَى سُتُورهُ» (٣).\nوتتبع الأمثلة الواردة عن السلفِ في هذا النوعِ يطول، وهي منثورةٌ في المرويِّ عنهم، وفيما ذكرتُه غُنيةٌ في بيانِ الموضوعِ (٤)، والله الموفق.\n_________\n(١) جمهرة اللغة (٢:٦٩٢).\n(٢) الحسن بن محمد بن الحسن بن حيدر، رضي الدين، أبو الفاضل الصغاني، اللغوي، الأديب، ولد بمدينة «لوهور» من الهند، ونشأ بغزنة، ونسبته إلى «جغانيان» من بلاد ما وراء النهر، وتبدل جيمها صادًا في العربية، والصغاني مشارك في عدة علوم، وأكثرها: اللغة، الحديث، وله من المؤلفات: التكملة والذيل والصلة، وهو تكملة لصحاح الجوهري، وشرح الجامع الصحيح للبخاري. توفي الصغاني سنة (٦٥٠). ينظر: مقدمة محقق العباب الزاخر واللباب الفاخر، للمحقق: محمد آل ياسين.\n(٣) التكملة والذيل والصلة، للصاغاني، مادة (عذر). وينظر هذه المادة في لسان العرب وتاج العروس.\n(٤) ينظر أمثلة أخرى عنهم فيما يأتي:\n١ - عن ابن عباس في لفظ «وفومها»: الجزء الذي فيه تفسير يحيى بن اليمان وغيره، تحقيق: حكمت ياسين (ص:٤٥)، ولفظ «كنود»: الدر المنثور (٨:٦٠٣).\n٢ - عن قتادة في لفظ «ضريع»: الدر المنثور (٨:٤٩٢).\n٣ - عن الضحاك في لفظ «وزر»: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:١٨٣).\n٤ - عن ابن زيد في لفظ «وطلح منضود»: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١٨٢)، =","vol":"1","page":85},{"text":"النوع الثاني: أن يرجعوا إلى منثورِ كلامِهم، دونَ أن ينصُّوا على لغةِ قبيلةٍ بعينِها.\nيعتمدُ المفسِّرُ في هذا النَّوعِ على شيءٍ من كلامِ العرب المنثورِ، أو ينصُّ على أنَّ هذا من لغةِ العربِ، ومن أمثلةِ ذلك:\n١ - عن ابنِ مسعودٍ (ت:٣٥) في قولِه تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦] قال: «إنه ليسَ بالخَاتِمِ الذي يختمُ، أمَا سمعتُمُ المرأةَ من نسائِكُم تقولُ: طِيبُ كذا وكذا خِلْطُهُ مِسْكٌ» (١).\n٢ - وعن ابن عباس (ت:٦٨) في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، قال: «مِنَ الإثمِ، ثُمَّ قالَ: نَقِيُّ الثِّيابِ في كلامِ العربِ» (٢).\nوالمراد بقوله: «نقيُّ الثِّياب»؛ أي: أنَّ فِعْلَه فعلٌ محمودٌ.\nوقد ورد في اللُّغةِ: «فلانٌ دَنِسُ الثِّيابِ: إذا كان خبيث الفعلِ والمذهبِ خبيث العِرْضِ، قال امرُؤ القيسِ (٣):\nثِيَابُ بني عَوفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ ... وأَوجُهُهُم بِيضُ المَسَافِرِ غرَّانُ» (٤)\n_________\n=\nوفي لفظ «عوان»: تفسير الطبري: تحقيق شاكر (٢:١٩٥).\n٥ - عن محمد بن عباد المخزومي في لفظ «سريًا»: الدر المنثور (٥:٥٠٢).\n٦ - عن أبي ميسرة في لفظ «سيل العرم»: غريب الحديث، لابن قتيبة (١:٣٢٥).\n٧ - عن عكرمة في لفظ «ألاَّ تعولوا»: تفسير الطبري، ط: شاكر (٧:٥٥٠).\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:١٠٦)، وينظر: غريب الحديث، للحربي (٢:٥٥٨).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:١٤٥)، وقال قتادة في هذه الآية: «هي كلمة من العربية كانت العرب تقولها: طهِّر ثيابك؛ أي: من الذنوب».\nوفي رواية أخرى عن قتادة، قال: «طهِّرها من المعاصي، فكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يَفِ بعهده أنه دَنِسُ الثياب، وإذا وَفَى وأصلح قالوا: مُطَهَّر الثياب». ينظر: تفسير عبد الرزاق، تحقيق: قلعجي (٢:٢٦٢)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:١٤٥)، والدر المنثور (٨:٣٢٥).\n(٣) امْرُؤُ القيس بن حُجْرٍ، أمير شعراء الجاهلية، وكان يريد الأخذ بثأر أبيه، فاستنجد بملك الروم، فأمَدَّهُ بالجيش، ثم ندم، فأرسل له حُلَّةً مسمومة، فلبسها، فتقرَّح بسببها، ومات في الطريق، توفي سنة (٥٤٠م). ينظر: الشعر والشعراء، لابن قتيبة، تحقيق: أحمد شاكر (١:١٠٥ - ١٣٦)، ومعجم الشعراء (ص:٢٩).\n(٤) تهذيب اللغة (١٥:١٥٤).\nوالبيت في ديوان امرىء القيس، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (ص:٨٣).","vol":"1","page":86},{"text":"٣ - وقالَ: «كنتُ لا أدري ما فاطر السماوات؟ حتى أتاني أعرابيانِ يختصمانِ في بئرٍ، فقالَ أحدُهما: أنَا فطرتها؛ يعني: أنا ابتدأتها» (١).\nوقد ورد هذا عن بعض أئمة اللُّغة، قال ابن الأعرابي (ت:٢٣١): «أنا أولُ من فطر هذا؛ أي: ابتدأه» (٢).\n٤ - وعن مجاهد (ت:١٠٤) في قوله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات: ٢] قال: «المكرُ، تقولُ العربُ - إذا أرادَ الرجلُ أن يمكرَ بصاحبِه ـ: أمَا واللهِ لأقدحنَّ لك» (٣).\nوقد ورد في بعض كتبِ اللُّغةِ قريبٌ من هذا، يقال: قدح في ساق أخيه: إذا غشَّهُ، وعَمِلَ في شيءٍ يكرهه (٤). كما ورد فيها: اقتدحَ الأمرَ: تدبَّرَهُ (٥).\nولفظُ المكرِ فيه شيءٌ من معنى التَّدبرِ؛ إذ يشتركان في إعمال الفكر والتأمُّل، وإن كان المكرُ أخصَّ من التَّدبرِ.\n٥ - وقال عكرمة (ت:١٠٥) في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]: «إن العربَ إذا اشتدَّ القتالُ فيهم والحربُ، وعَظُمَ الأمرُ فيهم، قالوا لِشِدَّةِ ذلك: قد كشفتْ الحربُ عن ساقٍ، فذكرَ اللهُ شِدَّةَ ذلك اليوم بما يعرفون» (٦).\n_________\n(١) فضائل القرآن، لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص:٢٠٦) وقد سبق ذكر هذا الأثر، ينظر من هذا البحث (ص:٨٠).\n(٢) تهذيب اللغة (١٣:٣٢٦)، وينظر في مادة (فطر): العين (٧:٤١٨)، والصحاح، وديوان الأدب (٢:١١١)، والمحكم، ولسان العرب، وتاج العروس.\n(٣) الدر المنثور (٨:٦٠٢).\n(٤) ينظر: مادة (قدح) في لسان العرب وتاج العروس.\n(٥) ينظر: أساس البلاغة، مادة (قدح).\n(٦) الدر المنثور (٨:٢٥٥). ويلاحظُ أنه قد وردت الروايةُ بهذا التفسير عن ابن عباس وتلاميذه، وهم قد حملوا الآية على هذا المعنى اللغويِّ، لأنه - والله أعلمُ - لم يَرِدْ =","vol":"1","page":87},{"text":"٦ - وورد عن الحسنِ البصريِّ (ت:١١٠) في قوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] أنه قال: «كان واللهِ سَرِيًّا [يعني: عيسى].\nفقال له خالدُ بنُ صفوان (١): يا أبا سعيد، إنَّ العربَ تسمي الجدولَ: السَّرِيَّ. فقال: [أي: الحسن]: صدقت» (٢).\nوالسَّريُّ بمعنى: السَّيدُ الشَّريفُ واردٌ في لغة العربِ، قال نشوان الحِمْيَرِي (ت:٥٧٣): «والسَّرَاة: جمعُ سَرِيٍّ، وهو الفاضلُ» (٣).\nوأمَّا المعنى الآخرُ للسَّرِيِّ، وهو النَّهْرُ، فقال أبو بكر بن دريد الأزديُّ (ت:٣٢١): «والسَّرِيُّ: النَّهْرُ، هكذا فُسِّرَ في التَّنْزيل» (٤).\nوالأمثلة الواردة عنهم في هذا كثيرة (٥)، والله الموفقُ.\n_________\n= إليهم التفسيرَ الشرعيَّ لهذه الآيةِ، وهو ما رواه أبو سعيد الخدري، قال: «سمعت النبي ﷺ يقول: يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد له في الدنيا رئاءً وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدًا». أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: يوم يكشف عن ساق.\nينظر: فتح الباري، ط: الريان (٨:٥٣٢).\n(١) خالد بن صفوان بن عبد الله، أبو صفوان، الأهتم، البصري، أحد فصحاء العرب، وله في ذلك أحاديث، وكان مشهورًا برواية الأخبار، وله وعظٌ لبعض الخلفاء من بني أمية، وكان يجالس هشام بن عبد الملك وخالدًا القسري. ينظر: تهذيب تاريخ دمشق، لابن بدران (٥:٥٦ - ٦٦).\n(٢) فضائل القرآن، لأبي عبيد (ص:٢٠٧)، وتهذيب تاريخ دمشق (٥:٦٠)، وينظر استدراك حميد بن عبد الرحمن الحميري على الحسن البصري في اللفظة نفسها في كتاب المعرفة والتاريخ، للفسوي، تحقيق: أكرم العمري (٢:٦٧)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (١٦:٧٠).\n(٣) شمس العلوم (٢:٣٨١)، وينظر مادة (سرا) في لسان العرب وتاج العروس.\n(٤) جمهرة اللغة (٢:٧٢٥). وينظر مادة (سرا) في كلٍّ من: الصحاح، وديوان الأدب، للفارابي (٤:٥٢)، والتكملة والذيل والصلة، للصاغاني، ولسان العرب، وتاج العروس.\n(٥) ينظر من الأمثلة في ذلك:\n١ - عن ابن عباس في قوله: ﴿وَكَاسًا دِهَاقًا﴾: صحيح البخاري (فتح الباري: ٧:١٨٣) والدر المنثور (٨:٣٩٨). =","vol":"1","page":88},{"text":"الأسلوب الثاني\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>أسلوبُ الوجوه والنَّظائر</span>\nظَهَرَ لهذا العلم تسميتان:\nالوجوهُ والنَّظائرُ.\nوالأشباهُ والنظائرُ.\nوالغالبُ من هاتين التَّسميتين التَّسميةُ الأولى (١)، ولم أجدْ منْ عرَّفَ مصطلحَ الأشباهِ عند من ذكره، كما لم أجدْ له ذكرًا في تطبيقاتِ هذه الكتبِ التي ذكرته (٢)، وإنما الموجودُ لفظُ الوجوه، ولفظُ النَّظائرِ، ومرادفاتُ لفظِ\n_________\n= ٢ - عن أبي رزين في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: الدر المنثور (٨:٣٢٦).\n٣ - عن علقمة في قوله: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾: فضائل القرآن، لأبي عبيد (ص:٢٠٦).\n٤ - عن قتادة في قوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾: الدر المنثور (٨:٦٠٦).\n٥ - عن تميم بن حذلم في قوله: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١٨٧).\n٦ - عن ابن زيد في قوله: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:٢٠٢)، وقوله: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١٩٣).\n٧ - عن الضحاك في قوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٦:١٧٨).\n(١) ينظر ثبتَ بعضِ كتب الوجوه والنظائر في: معجم المعاجم، للشرقاوي أحمد إقبال (ص:١٨ - ٢٠)، والوجوه والنظائر، لسليمان القرعاوي (ص:٧٣ - ١٠٥)، وأغلب هذه الكتب باسم الوجوه والنظائر إلا بعضها، ككتاب التصاريف، ليحيى بن سلام.\n(٢) لم يردْ مصطلحُ الأشباه والنظائرِ إلاَّ في عنوانِ ثلاثةِ كتبِ، وهي:\n* الأشباه والنظائر، لمقاتل بن سليمان، وهذا هو العنوان الموجود على ظاهر النسخة المطبوعة من كتاب مقاتل بتحقيق الدكتور: عبد الله شحاتة، وتجده في مقدمة المحقق (ص:٨٠) مذكورًا باسم: الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، ثمَّ إنَّ المحقق =","vol":"1","page":89},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عند حديثه عن مخطوطات الكتاب (ص:٨١) ذكر مصطلح الوجوه، ثمَّ ذكر تحته أنه وجد على النسخة الوحيدة التي اعتمدها في التحقيق عنوان: الأشباه والنظائر.\nوالظاهر أن هذا ليس من تسمية المؤلف، بل من تصرف غيره، إذ جاء في أول صفحة من المخطوط: «مما ألَّف أبو نصر من وجوه القرآن الكريم عن مقاتل بن سليمان مما استخرج ...». وهذا يعني أن كتابَ مقاتلٍ الوجوهُ وليس الأشباهَ.\n* الأشباه والنظائر المنسوب للثعلبي (ت:٤٢٩)، وقد ذكر مصطلحه هذا (ص:٣٧) بقوله: «... من الألفاظ التي ترادفت مبانيها وتنوعت معانيها، وسميته الأشباه والنظائر ...». وبعدَ قراءته تبيَّنَ ما يأتي:\n١ - أنه لم يذكر لفظَ الأشباهِ في التطبيقاتِ التي ذكرَها، بلْ ذكرَ لفظَ الوجوهِ، ينظر: (ص:٣٩، ٧٩، ٨٠، ٨٣، ٨٩).\n٢ - أنَّ اللَّفظَ المرادِفَ للوجوهِ - وهو «المعنى» - كانَ يذكره أكثرَ من ذِكرِه لفظ الوجوهِ، ينظر مثلًا: (ص: ٤٠، ٤٢، ٤٣، ٤٦، ٤٧، ٤٨، ٤٩).\nوهذا يعني أن هذه التسمية (أي: الأشباه) لا تتوافق مع تطبيقات الكتاب، واللهُ أعلمُ.\nوهذا الكتاب إنما هو مختصرٌ لكتاب ابن الجوزي (٥٩٧): نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر. ينظر في تحقيق هذا: مقدمة محمد عبد الكريم الراضي في تحقيقه كتاب نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر (ص:٥٠)، وكتاب الوجوه والنظائر، للدكتور سليمان القرعاوي (ص:٩٤)، ومقدمة حاتم الضامن في تحقيقه لكتاب: الوجوه والنظائر، لهارون الأعور (ص:٩).\n* كشف السرائر في معنى الوجوه والأشباه والنظائر، لابن العماد (ت:٨٨٧)، ويتبين من الصورة المخطوطة بيد المؤلف الموجودة في (ص:٢٤) من المطبوع أنَّ لفظةَ الأشباه قد زيدت في الموضعين اللذين ذكر المؤلف فيهما هذا المصطلح. وقد تتبعت الكتاب، ولم أجده ذكر لفظ الأشباه في تطبيقاته، بل ذكر لفظ الوجوه في أوَّل كلِّ كلمة يريد تفسير وجوهها، أما النظائر فقد ذكرها في بعض المواطن (ينظر: ص٣١، ٤٧، ٤٩، ٥٠، ٥٣، ٥٩، ٦٨، ٦٩، ٧٠، ٧٣، ٧٤، ٧٦، ٨٦، ١٠١، ١٢٧، ١٣٢)، وقد يذكر بدلًا عنها لفظ: مثلها (ينظر: ص:٦٣، ٧٤، ٨٢)، ولا يمكن الجزم بأن أحدًا زاد هذه اللفظة على المؤلف، غير أنه من الواضح أنه لا معنى لهذه اللفظة إلا أن تكون مرادفًا للنظائر عند المؤلف، اعتمادًا على ما ذكرته من المعنى اللغوي لهاتين اللفظتين، والله أعلم.\nوأخيرًا، فإنه قد ظهر لي أن كلَّ من ذكر هذا المصطلح في عنوان كتابه أنه لم يبين معنى هذا المصطلح، كما لم يفسِّرْه الدكتور عبد الله شحاتة الذي جعل اسم كتاب =","vol":"1","page":90},{"text":"النَّظائرِ، ولما كان الأمر كذلكَ، فإنِّي رجعتُ إلى كتبِ اللُّغةِ؛ لمعرفةِ معنى الأشباهِ، وهل بينه وبين النَّظائرِ فرقٌ في المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>الأشباهُ والنَّظائرُ في اللُّغةِ:</span>\nورد في القاموسِ المحيطِ: «الشِّبهُ - بالكسرِ والتحريكِ وكأميرٍ ـ: المِثْلُ، والجمعُ: أشباهٌ» (١).\nوقال الزَّبيديُّ (ت:١٢٠٥) في شرحه: «النَّظيرُ - كأميرٍ - والمُنَاظِرُ: المَثِيلُ والشَّبِيهُ في كلِّ شيءٍ، يقال: فلانٌ نَظِيرُكَ؛ أي: مِثْلُكَ؛ لأنَّه إذا نَظَرَ إليهما النَّاظِرُ رآهما سواءً» (٢).\nوقال: «والنَّظَائِرُ: الأفَاضِلُ والأمَاثِلُ؛ لاشْتِبَاهِ بعضهم ببعضٍ في الأخلاقِ والأفعالِ والأقوالِ» (٣).\nومن هذا يتبينُ أنَّ لفظيْ الأشباهِ والنَّظَائرِ يأتيان في اللُّغة لمعنىً واحدٍ، ولَمَّا لَم يتبينْ مرادُ من أطلقَ الأشباهَ والنَّظائرَ على هذا العلمِ، فإنَّ اللُّغةَ تُحَكَّمُ في هذا، ويكونُ معنى الأشباهِ هو معنى النَّظائرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>الوجوهِ والنَّظائر في الاصطلاح:</span>\nغلبَ هذا المصطلحُ على المؤلَّفات التي كُتِبَتْ في هذا العلمِ، وقد اختلفَ العلماءُ في بيانِه (٤)، ولما لم يكنْ تحريرُ هذا الخلافِ من صلبِ\n_________\n= مقاتل: الأشباه والنظائر، ولا الدكتور سليمان القرعاوي الذي ألَّف في هذا العلم كتابه (الوجوه والنظائر، دراسة موازنة) مع أنه من صميم بحثه. والله الموفق.\n(١) القاموس المحيط، للفيروزآبادي، مادة (شبه).\n(٢) تاج العروس، للزَّبيدي، مادة (نظر).\n(٣) تاج العروس، للزبيدي، مادة (نظر).\n(٤) ينظر: تفسير سورة الإخلاص، لابن تيمية، تحقيق: عبد العلي عبد الحميد حامد، (ص:٢٠٩)، وفتاوى ابن تيمية، جمع ابن قاسم (١٦:٥٢٤)، ثمَّ ينظر في بيان هذا المصطلح أو الاختلاف فيه: نزهة الأعين والنظائر في علم الوجوه والنواظر، لابن =","vol":"1","page":91},{"text":"البحثِ، فإنِّي قد حَرَصْتُ على استقراءِ أوَّلِ كتابٍ فيه: كتابِ مقاتلِ بنِ سليمانَ البلخيِّ (ت:١٥٠) (١)، حتى أتبينَ منه المرادَ بهذا المصطلحِ؛ لأنَّ من كتبَ بعده في هذا العلمِ عَالَةٌ عليه، وإذا ظهرَ بهذا المصطلحِ، فإنه يُحتكمُ إليه، ويُصحَّحُ ما خالفَه من التَّعريفاتِ التي ذكرها العلماءُ.\nوبعدَ استقراءِ كتاب مقاتلٍ (ت:١٥٠)، ظهرَ لي مرادُه بعلمِ الوُجُوهِ والنَّظائِر، وإليك هذا المثال الذي يتبيَّنُ منه مرادُه بالوجوه والنَّظائرِ:\n* قال مقاتل (ت:١٥٠): «تفسيرُ الحسنى على ثلاثةِ أوجهٍ:\nفوجهٌ منها: الحسنى؛ يعني: الجنَّةَ، فذلك قولُه في يونسَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦]؛ يعني: الذين وَحَّدُوا لهم الحسنى؛ يعني: الجنَّةَ، ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]؛ يعني: النَّظرَ إلى وجهِ اللهِ.\nونَظِيرُها في النَّجمِ، حيثُ يقولُ: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]؛ يعني: بالجنَّةِ، وكقولِه في الرحمنِ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] يقول: هلْ جزاءُ أهلِ التَّوحيدِ إلا الجنَّةَ.\n_________\n= الجوزي (ص:٨٣ - ٨٤)، ومختصر الصواعق المرسلة، لابن القيم (ص:٤٥٧)، والبرهان في علوم القرآن، لبدر الدين الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (١:١٠٢)، والإتقان في علوم القرآن، للسيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (٢:١٢١)، وكشف الظنون، لحاجي خليفة (٢:٢٠٠١)، وكشاف اصطلاحات الفنون، للتهانوي (٣:١٣٩١)، ومفتاح دار السعادة، لطاش كبري زاده (٢:٣٧٧)، وأبجد العلوم، لصديق حسن خان (٢:٥٦٧)، والوجوه والنظائر، للقرعاوي (ص:١٢).\n(١) مقاتل بن سليمان بن بشير، أبو الحسن البلخي، المفسر، وهو مجروحٌ في روايته، غير أنه كان من أوعية العلم، بحرًا في التفسير، قال الشافعي: «الناس كلهم عيال على ثلاثة: مقاتل بن سليمان في التفسير ...»، له كتاب في التفسير، توفي سنة (١٥٠).\nينظر: طبقات المفسرين، للداودي (٢:٣٣٠)، ومعجم المفسرين (٢:٦٨٢ - ٦٨٣).","vol":"1","page":92},{"text":"الوجه الثاني: الحسنى؛ أي: البنون، فذلك قول الله تعالى في النَّحْلِ: ﴿لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ [النحل: ٦٢] (١)؛ أي: البنون.\nوالوجه الثالث: الحسنى؛ يعني: الخيرَ، فذلك قولُه في براءة: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى﴾ [التوبة: ١٠٧] يقولُ: ما أردنا ببناء المسجدِ إلاَّ الخيرَ (٢).\nونظيرها في النساءِ: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢] (٣)، يعني: الخير» (٤).\nتحليلُ هذا المثالِ:\n١ - إنَّ مقاتلَ بنَ سليمان (ت:١٥٠) جعلَ لفظَ الحسنى في القرآن على ثلاثةِ وجوهٍ: (الجنَّة، والبنون، والخير)، وهذه الوجوهُ معانٍ مختلفةٌ لهذه اللَّفظةِ.\n٢ - وإنه يكفي في الوجوه اتفاقها في المادَّةِ، وإن لم تتفقْ في صورةِ اللَّفظِ؛ كالحسنى والإحسان.\n٣ - وإنه في الوجه الأولِ فَسَّرَ الحسنى في آيةِ يونسَ بأنها الجنَّة، ثمَّ جعل الحسنى في آية سورةِ النَّجمِ نظيرةً لآيةِ سورةِ يونس.\nوفسَّرَ الحسنى في آية سورة براءة بأنها الخير، ثُمَّ جعلَ الحسنى في آية سورة النِّساء نظيرةً لها، فهما موضعان مختلفان من القرآنِ، لكنهما اتفقا في\n_________\n(١) الآية: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾، وما يكرهونه: البناتُ، حيثُ يقولونَ الملائكةُ بناتُ اللهِ، تعالى اللهُ عما يقولون علوًّا كبيرًا.\n(٢) إشارةً إلى أول الآيةِ، وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية.\n(٣) الآية ضمن آيات في المنافقين، ومطلعها: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾.\n(٤) الأشباه والنظائر، لمقاتل (ص:١١).","vol":"1","page":93},{"text":"مدلولِ اللَّفظةِ، وهذا يعني أنَّ تماثلَ المدلولِ في الآيتينِ هو النظائرُ (١).\n٤ - وإنه لم يذكر في الوجه الثاني نظيرًا للآيةِ، وهذا يعني أنَّه لا يلزمُ أن يكونَ في كلِّ وجهٍ من الوجوهِ نظائرُ من الآيات.\nومن هذا الموضع المنقولِ عن مقاتلٍ (ت:١٥٠) يتحرَّرُ مصطلحُ الوجوهِ والنَّظائرِ، ويكونُ كالآتي:\nالوجوهُ: المعاني المختلفةُ لِلَّفظةِ القرآنيةِ في مواضعِها من القرآنِ.\nوالنَّظَائِرُ: المواضعُ القرآنيةُ المتعدِّدَةُ للوجهِ الواحدِ التي اتفقَ فيها معنى اللَّفظِ، فيكون معنى اللَّفظ في هذه الآية نظيرَ (أي: شبيه ومثيل) معنى اللَّفظ في الآيةِ الأخرى، واللهُ أعلمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>بداية الكتابة في هذا العلم:</span>\nبرزتْ كتبُ هذا العلمِ في عهد أتباعِ التَّابعينَ، وقدْ كتبَ فيه منهم:\n١ - مقاتلُ بنُ سليمانَ البلخيُّ (ت:١٥٠)، وكتابه: الوجوه والنَّظائر.\n٢ - أبو عليِّ الحسينُ بنُ واقدٍ المروزيُّ (ت:١٥٩) (٢)، وكتابه: وجوه القرآن (٣).\n_________\n(١) ينظر أمثلة أخرى عند مقاتل: الطاغوت (ص:١١٥)، الظلمات والنور (ص:١١٦ - ١١٧)، الظالمين (ص:١١٨)، الطيبات (ص:١٢٤ - ١٢٧).\nوعند هارون: الظالمين (ص:٩٩)، الطيبات (ص:١٠٩)، صيحة (ص:١٩٩)، آية (ص:٣٣٤).\nوفي كتاب يحيى بن سلام: الفتنة (ص:١٨٠)، الحكمة (ص:٢٠٢).\nوفي كتاب: الدامغاني: رحمة (ص:٢٠٠)، الطيبات (ص:٣٠٣).\nوفي كتاب ابن العماد: أمة (ص:٨٦)، الذكر (ص:١٠١)، الاعتداء (ص:١٢٧).\nومن الملاحظ أنه قد يرد التعبير عن النظائر بعبارات؛ منها: «كقوله»، و«مثل قوله»، و«نحو قوله»، و«مثلها».\n(٢) الحسين بن واقد، أبو علي المروزي، المفسر، المحدث، القاضي، له من الكتب: تفسير القرآن، والناسخ والمنسوخ، ووجوه القرآن، وقد توفي الحسين سنة (١٥٩). ينظر: طبقات المفسرين، للداودي (١:١٦٣ - ١٦٤)، ومعجم المفسرين (١:١٦٢ - ١٦٣).\n(٣) هو أحد مصادر الثعلبي في تفسيره الكشف والبيان، ينظر: لوحة (١٠) من النسخة المحمودية في مكتبة المدينة.","vol":"1","page":94},{"text":"٣ - هارونُ بن موسى الأعورُ (ت:١٧٠ تقريبًا) (١)، وكتابه: الوجوه والنَّظائر.\n٤ - يحيى بنُ سلامٍ (ت:٢٠٠)، وكتابه: تفسيرُ القرآن مما اشتبهت أسماؤه وتصرَّفت معانيه، وقد عَنْوَنَتْ له المحقِّقَةُ بعنوان (التَّصاريف) بناءً على ما جاء في أول ورقة من المخطوطِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>علاقةُ الوجوهِ والنَّظائر بالتَّفسير اللُّغويِّ:</span>\nيظهر من كُتبِ هذا العلمِ أنَّ البحثَ فيه يتعلَّقُ بالنَّصِّ القرآنيِّ مباشرةً، حيثُ يستنبطُ المفسِّرُ معانيَ الوجوهِ والنَّظائرِ من الآيات مباشرةً، ويقتنصُها من السِّياقِ القرآنيِّ الذي وردت فيه اللَّفظةُ، ولذا كثُرتْ عندهم الوجوهُ في بعضِ الألفاظِ بسببِ النَّظرِ إلى الاستعمالِ السِّياقيِّ، دون الاقتصارِ على أصلِ المدلولِ اللُّغويِّ (٢).\nوعند بحثِ علاقةِ الوجوهِ والنَّظائرِ القرآنيَّةِ باللُّغةِ، فإنَّ الأمرَ فيه جانبانِ مرتبطانِ باللُّغةِ:\n_________\n(١) هارون بن موسى، أبو عبد الله البصري، القارئ، النحوي، كان أول من سمع بالبصرة وجوه القراءات، وألَّفها، وتتبع الشاذَّ منها فبحث عن إسناده، مات قبل المائتين، وقيل سنة (١٧٠)، ينظر: غاية النهاية (٢:٣٤٨)، ومقدمة الدكتور حاتم الضامن لتحقيق كتاب هارون: الوجوه والنظائر.\n(٢) ذكر الزَّركشيُّ في كتابه «البرهان في علوم القرآن» ميزةً في كتابِ مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهانيِّ، وهي أنه يتصيَّد المعاني من السياقِ، فيذكر قيدًا زائدًا على أهلِ اللغةِ، قال: «... ومن أحسنها كتاب المفردات للراغب، وهو يتصيدُ المعاني من السياق؛ لأنَّ مدلولات الألفاظِ خاصة». (١:٢٩١).\nوقال في موطن آخر: «... وهذا يُعنى به الراغب كثيرًا في كتابه المفردات، فيذكر قيدًا زائدًا على أهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ؛ لأنه اقتنصه من السياق»، (٢:١٧٢).\nوهذه الميزةُ التي ذكرها للراغبِ هي عينُ ما يكتبه علماءُ الوجوه والنظائرِ فيما يبدو لي.","vol":"1","page":95},{"text":"الأولُ: الأصلُ الجامعُ لمعنى اللَّفظِ في لغةِ العربِ، ومعرفةُ علاقةِ هذه الوجوهِ بهذا الأصلِ (١).\nالثاني: أنَّ بعضَ هذه الوجوهِ تكونُ دلالاتٍ لغويَّةً مباشرةً، وقد تتعدَّدُ الوجوهِ بتعدُّد هذه الدلالاتِ، والنَّظرُ في ذلكَ يرجعُ إلى استعمالِ العربِ حسبما قرَّرهُ أهلُ اللُّغةِ.\nوإذا وُجِدَ في كُتبهم شيءٌ من الوجوهِ لا يوجدُ له دلالةٌ مباشرةٌ في كتبِ أهل اللُّغةِ، فإنَّ هذا لا يعني خروجَه عن اللُّغةِ (٢)، ولكنْ يُلْحَظُ أنَّهُ لا بدَّ من وجودِ ارتباطٍ بينه وبينَ أصلِ المعنى اللُّغويِّ.\nوسأذكر من الأمثلةِ ما يوضِّحُ ذلكَ:\n* قال مقاتل (ت:١٥٠): «تفسيرُ اللَّبسِ على أربعةِ وجوهٍ:\nفوجهٌ منها: يلبسونَ؛ يعني: يخلِطونَ، فذلكَ قوله في البقرةِ: ﴿وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢]؛ يعني: لا تخلِطوا. ونظيرها في آل عمرانَ: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران: ٧١]؛ يعني: لمَ تخلِطونَ، كقوله في الأنعامِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]؛ يعني: لم يخلِطوا الإيمانَ بالشِّرك.\nوالوجه الثاني: اللِّباسُ؛ يعني: سَكَنٌ (٣)، فذلك قوله في البقرة: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، يقول: نساؤكم سكنٌ لكم. ﴿وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾؛ يعني: سكنٌ لهنَّ؛ كقولِه في الفرقانِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [الفرقان: ٤٧]؛ يعني: سكنًا، نظيرُها في عمَّ يتساءلونَ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: ١٠]؛ يعني: سكنًا.\n_________\n(١) سيأتي الحديث عن وجودِ هذه الفكرةِ عند ابن قتيبةَ.\n(٢) سيأتي تحرير هذا المعنى في قاعدة: لا تعارض بين التفسير اللُّغوي والتفسير على المعنى.\n(٣) في الوجوه والنظائر، لهارون الأعور (ص:٤٣): «السكن»، وكذا هي في التصاريف، ليحيى بن سلام (ص:١١٩).","vol":"1","page":96},{"text":"والوجهُ الثالثُ: اللِّباسُ؛ يعني: الثِّياب الَّتي تُلبَسُ، فذلك قوله في الأعراف: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦]؛ يعني: الثياب.\nوقال في حم الدُّخان: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الدخان: ٥٣]؛ يعني: الثياب.\nوالوجهُ الرابعُ: يعني العملَ الصالحَ، كذلك (١) قوله في الأعرافِ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ [الأعراف: ٢٦]؛ يعني: العمل الصالح» (٢).\nتحليلُ هذه الوجوه:\n١ - أصلُ مادةِ «لبس» يدلُّ على مخالطةٍ ومداخلةٍ، كما قاله ابن فارسٍ (ت:٣٩٥) (٣)، والوجه الأولُ من الوجوه التي ذكرها مقاتلٌ (ت:١٥٠) جاءَ على أصلِ مادَّةِ اللَّفظِ.\n٢ - غلبَ إطلاقُ لفظِ اللِّباسِ على الثِّيابِ الملبوسةِ، فصارَ شيوع هذا المعنى أشبهَ بأن يكونَ أصلَ المادَّةِ (٤)، وإن كانَ في حقيقتِه يعودُ إلى معنى المخالطةِ والمداخلةِ، وعلى هذا المعنى المشهورِ جاء تفسيرُ الوجه الثالثِ من الوجوه التي ذكرها مقاتلٌ (ت:١٥٠).\n٣ - أمَّا الوجه الثَّاني والرَّابع، فإنه نحى به إلى التَّفسيرِ على المعنى، ولم يبيِّنْ مدلولَ اللَّفظِ المباشرِ، وإن كانَ يعودُ إلى أصلِ المادَّةِ الدَّالِّ على الاختلاطِ، وهو ألصقُ بالمدلولِ المشهور في المادَّةِ، وهو اللِّباسُ.\n_________\n(١) في الوجوه والنظائر لهارون الأعور (ص:٤٣): «فذلك»، وهي أقربُ للصوابِ.\n(٢) الأشباه والنظائر (ص:١٠٥). ويلاحظُ أنَّ هارونَ لم يزدْ على ما ذكرهُ مقاتلٌ، أمَّا يحيى بن سلام، فزادَ وجهينِ، وله زيادةٌ في تفسير بعضِ ألفاظِ الآياتِ التي وردت في الوجوهِ.\n(٣) ينظر: مقاييس اللُّغة (٥:٢٣٠).\n(٤) ينظر: مقاييس اللغة (٥:٢٣٠).","vol":"1","page":97},{"text":"فقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] فيه تشبيهٌ للزوجينِ باللِّباسِ، لشدَّةِ مخالطتهما فيما بينهما، كما قال الشاعر (١):\nإذا ما الضَّجِيعُ ثَنَى جيدَهَا ... تَدَاعَتْ، فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسًا\nوتفسيرُه اللِّباسَ في هذه الآية بأنه السَّكنُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من الزوجينِ يسكنُ إلى صاحبِه؛ كما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١]، فكأنَّه نظرَ إلى هذه الآيةِ ففسَّرَ اللِّباسَ بالسكنِ، وهو تفسيرٌ لا يَخْرُجُ عن معنى المُخالطةِ، لأنَّ الساكنَ مخالطٌ لمسكنِه.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [الفرقان: ٤٧] ونظيره من سورة النَّبأ، هو من بابِ تشبيهِ الليلِ باللِّباسِ الذي يستُرُ الإنسانَ؛ أي أنَّ اللِّباسَ كما يسترُ جسمَ الإِنسانِ، فكذلك اللَّيل يسترُ الإنسانَ.\nوتفسيرُه اللِّباسَ في هاتينِ الآيتينِ بأنه «السكنُ»، كأنَّ فيه إشارةً إلى تفسيرِها بما وردَ في قوله تعالى: و﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦]، وغيرها من الآياتِ الدَّالَّةِ على هذا المعنى الذي لا يَخْرُجُ - أيضًا - عن معنى المخالطةِ، لأنَّ اللَّيلَ يختلطُ بالإنسانِ ويغطِّيه، فيكون له كاللِّباسِ الذي يلبسُه.\nوأما تفسيرُه قولَه تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ [الأعراف: ٢٦] بأنه العملُ الصالحُ، فهو تفسيرٌ على المعنى؛ لأنَّ المرادَ بلباسِ التقوى استشعارُ النَّفسِ تقوى الله، في الانتهاء عمَّا نهى الله عنه، وإتيان ما أمر الله به، وذلكَ يجمعُ الإيمانَ والعملَ الصالحَ (٢)، فتلبُّسُه بهذا يدلُّ على المخالطةِ منه لهذه الأمورِ،\n_________\n(١) البيت للنابغة الجعدي، وهو في ديوانه (ص:٨١).\n(٢) ينظر تفسير الطبري، تحقيق شاكر (١٢:٣٧١).","vol":"1","page":98},{"text":"حتى كأنها عليهِ كاللِّباسِ الذي يلبسُه، فكما يظهر أثرُ لباسهِ عليه، يظهرُ عليه أثرُ التقوى بعمل الطَّاعات واجتنابِ المنهيَّاتِ، وما يلحقُ ذلكَ من حُسنِ السَّمتِ والحياءِ وغيرِها من أخلاقِ الإيمانِ.\n* وقال مقاتلٌ (ت:١٥٠): «تفسيرُ الحِسَّ على أربعةِ أوجهٍ:\nفوجهٌ منها: أَحَسَّ؛ يعني: رَأَى، فذلك قولُه في آل عمرانَ: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢]، كقولِه في الأنبياء: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَاسَنَا﴾ [الأنبياء: ١٢] يقولُ: فلمَّا رَأَوا عذابَنا، وكقولِه في مريم: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨]، يقول: هلْ تَرَى مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ؟\nوالوجه الثَّاني: الْحَسُّ؛ يعني: القَتْلَ، فذلك قولُه في آلِ عمرانَ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢]؛ يعني: إذ تقتلونهم.\nوالوجه الثَّالث: الحس؛ يعني: البَحْثَ، فذلك قولُه في يوسفَ: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٧].\nوالوجه الرابع: الحسُّ؛ يعني: الصَّوتَ، فذلك قولُه في الأنبياء: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾؛ يعني: صوتَها، ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٢]» (١).\nتحليل هذه الوجوه:\nمادةُ «حَسَّ» ترجعُ إلى أصلينِ لُغويَّين، كما قاله ابن فارسٍ (ت:٣٩٥):\n_________\n(١) الأشباه والنظائر، لمقاتل (ص:١٨٨ - ١٨٩). وينظر: الوجوه والنظائر، لهارون الأعور (ص:١٢٢). ثمَّ ينظر أمثلة أخرى للوجوه، مثل: كلمة (سواء) في الأشباه والنظائر، لمقاتل (ص:٩٩)، والوجوه والنظائر، لهارون (ص:٣٦)، والتصاريف، لابن سلام: (ص:١١١). وكلمة (السعي) في الأشباه والنظائر، لمقاتل (ص:١٢٣)، والوجوه والنظائر، لهارون (١٠٦)، والتصاريف، ليحيى بن سلام (ص:٣٠٩).","vol":"1","page":99},{"text":"«الأولُ: غلبةُ الشيء بقتلٍ أو غيرِه. والثاني: حكايةُ صوتٍ، عند توجُّعٍ وشبهِه» (١).\nوإذا تأمَّلتَ هذه الوجوهَ المفسَّرةَ وجدتَها ترجعُ إلى هذين الأصلين، كما تجدُها - مع هذا التَّفسيرِ السِّياقي - مدلولاتٍ لغويةً لهذا اللَّفظِ، وبهذه المعاني الأربعةُ فَسَّرَ اللُّغويون هذه الآيات. فقد جاء في تهذيب اللغة: «قال ابن المظفر (٢): الحَسُّ: القتلُ الذريعُ (٣)، وفي القرآن: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، أي: تقتلونهم قتلًا شديدًا كثيرًا ...\nوقال أبو إسحاق [يعني: الزَّجَّاج] في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] معناه: تستأصلونهم قتلًا، يقالُ: حَسَّهم القائد، يَحُسُّهم: إذا قتلهم (٤).\nوقال الفراءُ: الحَسُّ: القتلُ والإفناءُ هاهنا (٥) ... وقال الفراءُ في قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٢٥]، وفي قولِه: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨]، معناه: فلمَّا وَجَدَ عيسى. قال: والإحساسُ: الوجودُ، تقولُ في الكلامِ: هَلْ أَحْسَسْتَ منهم مِنْ أَحَدٍ (٦)؟.\nقال الزجَّاج (٧): معنى أحسَّ: عَلِمَ وَوَجَدَ في اللغةِ. قال: ويقال: هل\n_________\n(١) مقاييس اللغةِ (٢:٩).\n(٢) الليث بن المظفر بن نصر بن سيار الخراساني، اللغوي، صاحب الخليل بن أحمد، أملى عليه - فيما قيل - كتاب العين، وقد تصدى له جماعة من اللغويين، وزعموا أنه من وضعه، والله أعلم، وكان الليث رجلًا صالحًا. ينظر: إنباه الرواة (٣:٤٢)، ومعجم الأدباء (١٧:٤٣ - ٥٢).\n(٣) ينظر كتاب العين (٣:١٥).\n(٤) ينظر: معاني القرآن وإعرابه، لأبي إسحاق الزجاج (١:٤٧٨).\n(٥) ينظر: معاني القرآن، للفراء (١:٢١٤).\n(٦) ينظر: معاني القرآن، للفراء (١:٢١٦).\n(٧) إبراهيم بن السَّري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، النحوي، اللغوي، البصري، كان =","vol":"1","page":100},{"text":"أَحْسَسْتَ صاحبك؟ أي: هلْ رأيتَهُ؟ (١) ...\nوقوله ﷿: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢]؛ أي: لا يسمعون حِسَّهَا وحركةَ تَلَهُّبِها. والحَسِيسُ والحِسُّ: الحركةُ، وقولُه: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨]، معناه: هلْ تبصر؟ هل ترى؟ ...\nقال الليث [يعني: ابن المظفر] في قوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢]؛ أي: رأى (٢)» (٣).\n* وقال مقاتلٌ (ت:١٥٠): «تفسيرُ الطَّاغوتِ على ثلاثةِ وجوهٍ:\nفوجهٌ منها: الطَّاغوتُ: يعني به الشيطان، فذلك قوله في البقرةِ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، نظيرُها في النساءِ، حيثُ يقولُ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٧٦]؛ يعني: في طاعةِ الشَّيطانِ، ونظيرُها أيضًا في المائدةِ، حيثُ يقولُ: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]؛ يعني: الشيطان.\nوالوجه الثاني: الطَّاغوتُ؛ يعني: الأوثانَ التي تُعبدُ من دون الله، فذلك قولُه في النَّحلِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]؛ يعني: اجتنبوا عبادة الأوثانِ، ونظيرُها في الزُّمرِ، حيثُ يقولُ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧]؛ يعني: الَّذينَ اجتنبوا عبادة الأوثانِ، وأنابوا إلى ربِّهم.\nوالوجه الثالثُ: الطَّاغوتُ؛ يعني: كعبَ بنَ الأشرفِ اليهوديَّ، فذلك\n_________\n= حسن الاعتقاد، وكان آخر ما سُمع له وهو يُحتضر أن يحشره الله مع أحمد بن حنبل، له كتاب معاني القرآن وإعرابه، توفي سنة (٣١١). ينظر: تاريخ بغداد (٦:٨٩ - ٩٥)، وإنباه الرواة (١:١٩٤ - ٢٠١).\n(١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (١:٤١٦)، وينظر (١:٤٧٨).\n(٢) ينظر: كتاب العين (٣:١٥).\n(٣) تهذيب اللغة (٣:٤٠٥ - ٤٠٨). بتصرف.","vol":"1","page":101},{"text":"قوله في البقرة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧]؛ يعني: كعب، ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النَّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾.\nنظيرُها في النساء، حيثُ يقولُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ٥١]؛ يعني: اليهود، ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾؛ يعني: كعبَ بن الأشرفِ» (١).\nتحليل هذه الوجوه:\nإذا نظرتَ إلى هذه التفسيراتِ التي ذكرها لِلَفْظِ الطَّاغوتِ، وجدتها تفاسيرَ على المعنى، نظرَ فيها إلى سياقاتِ الآي ففسَّر بها، ولم يُعرِّجْ على أصلِ اللَّفظِ ومعناه في اللُّغةِ.\nوالطَّاغوتُ مأخوذٌ من مادَّةِ «طغى»، وهذه المادَّةُ لها أصلٌ واحدٌ، وهو مجاوزةُ الحَدِّ (٢)، فكلُّ شيءٍ تجاوز به المرءُ الحدَّ، فقد طغى به، قال الرَّاغبُ الأصفهانيُّ (ت: بعد ٤٠٠): «الطَّاغوتُ: عبارةٌ عن كلِّ متعدٍّ، وكلِّ معبودٍ من دونِ اللهِ» (٣).\nوإذا تأمَّلتَ هذه الوجوه الثلاثَةَ التي ذكرَها مقاتلٌ (ت:١٥٠)، وجدتها ترجِعُ إلى هذا المعنى الذي ذكره الراغبُ (ت: بعد ٤٠٠)، والله أعلم.\nوهذه الأمثلةُ وغيرُها تُبَيِّنُ أنَّ كتبَ الوجوهِ والنَّظائرِ تَنُصُّ على المعنى اللُّغويِّ إذا كانَ مرادًا في الآيةِ، كما تُكثِرُ من ذِكْرِ المعنى الاستعمالي [أي: المناسب للسياق]، ولا يكونُ فيه - في الغالبِ - خروجٌ عن المعنى اللُّغوي، كما ظهرَ في التَّمثيلِ السَّابقِ، والله أعلم.\n_________\n(١) الأشباه والنظائر (ص:١١٥ - ١١٦)، وهو بنصِّه في الوجوه والنظائر، لهارون الأعور (ص:٩٦)، والتصاريف، ليحيى (ص:٢٠٧).\n(٢) ينظر: مقاييس اللغةِ (٣:٤١٢).\n(٣) مفردات ألفاظ القرآن (ص:٥٢٠).","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>كُلِّيَّات الألفاظِ القرآنيَّة:</span>\nالمرادُ بكلِّيَّات الألفاظِ القرآنيَّةِ = ما يُصَدِّرُ به المفسِّرونَ تفسيرَ بعضِ الألفاظِ بقولِهم: كُلُّ ما في القرآنِ من كذا، فهو كذا، وهذا هو الغالبُ في التَّعبيرِ عن كليَّاتِ القرآنِ، وقد يردُ التَّعبيرُ عنها بغير لفظِ «كل»، مثل: ما ورد في القرآن من كذا، فهو كذا، ولهم في ذكرِها طريقتان:\nالأولى: أنْ ينُصُّوا على انخرامِ الكُلِّيَّةِ في اللَّفظِ المفسَّرِ، ومثالُ ذلك ما قاله ابن فارس (ت:٦٩٥): «ما في القرآنِ من ذِكْرِ البعلِ فهو الزوجُ؛ كقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، إلا حرفًا واحدًا في الصَّافَّاتِ: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥]، فإنه أراد صنمًا» (١).\nوبتأملِ هذا النوعِ من الكلياتِ يظهرُ أنه مندرجٌ في الوجوهِ والنَّظائرِ، غيرَ أنه هاهنا لا يكونُ لِلَّفظةِ إلا معنيانِ، أحدُهما هو المطَّرِدُ في مواضعِ اللَّفظةِ من القرآنِ، والآخرُ يكونُ في موضعٍ أو موضعينِ. وعندَ حكايةِ ما ذكرَهُ ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥) على أسلوبِ الوجوهِ والنظائرِ، فإنه يكونُ كالآتي:\nالبعل، له في القرآنِ وجهان:\nالأولُ: الزَّوجُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ونظيرُها قولُهُ تعالى: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]، ونحوُها.\nالثاني: صنمٌ، وهو قولُه تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥]؛ أيْ: صنمًا.\nوعلى هذا الأسلوب، صار لِلَفظِ البعلِ وجهانِ، وللوجه الأولِ نظائرٌ، وهذا الأسلوبُ في الكليَّةِ المنخرمةِ غيرُ موجودٍ عند السَّلفِ، بل هو موجودٌ عندهم على أسلوب الوجوه والنَّظائر.\nالثانية: أن لا ينصوا على انخرامِ الكليةِ، وهذا يحتاجُ إلى تتبع معنى اللَّفظةِ في كلِّ القرآن، وأن تكون بمعنىً واحدٍ في كلِّ هذه المواضع، فإذا كانت كذلك، فإنها تكون كلِّيةً تامَّةً غيرَ مُنْخَرِمَةٍ، ويمكنُ أنْ يصبحَ هذا\n_________\n(١) البرهان في علوم القرآن، للزركشي (١: ١٠٥).","vol":"1","page":103},{"text":"المعنى مصطلحًا قرآنيًّا (١)؛ أي أنَّه أينما وردَ هذا اللَّفظُ في موضعٍ من القرآنِ، فإنه لا يحتملُ غيرَ هذا المعنى.\nومن الأمثلةِ الواردةِ عن السَّلفِ في ذلك: لفظ «أليم»، قال الضَّحَّاكُ (ت:١٠٥): «كلُّ شيءٍ في القرآن من الأليمِ فهو الموجعُ» (٢). وقد وَرَدَتْ هذه اللَّفظة في القرآن اثنتين وسبعين مرةً، وَوَرَدَتْ بصيغةِ: تألمون ويألمون ثلاثَ مراتٍ (٣).\nوهذا المعنى الذي جعله الضَّحَّاكُ (ت:١٠٥) معنًى كُلِّيًّا لهذه اللَّفظةِ، هو المعنى اللُّغويُّ لها. قال ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «الهمزة واللام والميم: أصلٌ واحدٌ، وهو الوجعُ» (٤).\nوبناءً على قولِ الضَّحَّاكِ (ت:١٠٥)، فإنَّ هذه الكلمةِ أينما وُجِدَتْ في القرآنِ، فإنها بمعنى الألمِ، ومما يلاحظُ على هذا المعنى أنه هو المعنى اللُّغويُّ الوحيدُ لهذه اللَّفظةِ.\nومن هذا البيان يظهرُ أنَّ الكلِّيَّةَ التَّامَّةَ في الألفاظ القرآنيَّةِ بحثٌ يقابلُ الوجوهَ والنَّظائرَ؛ لأنَّ كتبَ الوجوهِ والنَّظائرِ تذكرُ اللَّفظَ الذي يكونُ له أكثرُ من وجهٍ دونَ غيرِهِ، والكُّلِّياتُ التَّامَّةُ يُذكرُ فيها اللَّفظُ الذي له معنًى واحدٌ.\n_________\n(١) المصطلح القرآنيُ أخصُ من المصطلح الشرعي، إذ أن المصطلحَ الشرعيَ يحتاجُ لثبوت شرعيته إلى السنة النبوية، فالصلاة - مثلًا - مصطلحٌ شرعيٌ للأقوال والأفعال المخصوصة المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم. لكن لا يقال كلُّ صلاة في القرآن فهي هذه الصلاة المخصوصة؛ لأنه قد ورد ذِكْرُ الصلاة في القرآن لغير هذا المعنى، مثل قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، فالصلاة هاهنا بمعنى الدعاء. يدلُّ على ذلك حديث عبد الله بن أبي أوفى الذي رواه البخاري في باب: وصلِّ عليهم، من كتاب الدعوات (فتح الباري: ١١:١٤٠)، وقال عبد الله بن أبي أوفى: «كان الرسول ﷺ إذا أُتِيَ بصدقةٍ قال: اللهم صلِّ على آل فلان، فأتاه أبي بصدقته، فقال: اللهم صلِّ على آل أبي أوفى». والصلاة هاهنا: الدعاء.\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١:١٢٣)، وهو قول أبي العالية، أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير، تحقيق: أحمد الزهراني (١:١٠).\n(٣) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظِ القرآن، لمحمد فؤاد عبد الباقي.\n(٤) مقاييس اللغة (١:١٢٦).","vol":"1","page":104},{"text":"ومما وردَ عنِ السَّلفِ منْ كُلِّيَّات في الألفاظِ القرآنيَّةِ ما يلي:\n١ - عن مجاهدٍ (ت:١٠٤) قال: «كُلُّ ظَنٍّ في القرآنِ فهو علمٌ»، وفي روايةٍ: «يقين» (١).\nهذا المعنى الذي ذكره مجاهدٌ (ت:١٠٤) للفظةِ الظَّنِّ هو أحدُ المعاني اللُّغويَّةِ لهذا اللفظِ، قالَ ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «الظَّاءُ والنُّونُ: أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على معنيين مختلفين: يقينٍ وشكٍّ.\nفأمَّا اليقينُ، فقولُ القائلِ: ظَنَنْتُ ظَنًّا؛ أي: أَيْقَنْتُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] أرادَ - والله أعلمُ ـ: يوقنونَ، والعربُ تقولُ ذلك وتعرفُه، قال شاعرُهُم (٢):\nفَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ\nسَرَاتُهُمْ فِي الفَارِسِيِّ المُسَرَّدِ\nأرادَ: أَيْقِنُوا، وهو في القرآن كثير» (٣).\n٢ - وعنْ سعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:٩٤) قالَ: «كُلُّ شيءٍ في القرآنِ إفكٌ فهو كَذِبٌ» (٤).\nوهذا الذي ذكرَه سعيدُ (ت:٩٤) هو المعنى اللُّغويُّ لهذه اللفظةِ.\nقال ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «الهمزة والفاء والكاف: أصلٌ واحدٌ يدلُّ على قلبِ الشَّيءِ عن جهتِهِ، يقال: أَفِكَ الشَّيءُ، وأَفِكَ الرجلُ: إذا كذب. والإفكُ: الكذبُ ...» (٥).\nوبهذا تظهر علاقةُ هذينِ العلمينِ (الوجوه والنظائر، وكليات الألفاظ القرآنية) بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ، وأنَّ المفسِّرَ الذي يسلكُ هذا السَّبيلَ لا بُدَّ أنْ يكونَ معتمدًا على اللُّغةِ، وإن لم يَنُصَّ على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(١) تنظر الروايتين عنه في تفسير الطبري، ط: الحلبي (١:٢٦٢).\n(٢) البيتُ لدريد بن الصُّمَّةِ، وهو في ديوانه (ص:٦٠)، وهذا البيت ضمن قصيدة له من اختيار الأصمعي في الأصمعيات (ص:١١١ - ١١٥). ومطلع البيت فيه: علانية ...\n(٣) مقاييس اللغة (٣:٤٦٢).\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، تحقيق: أسعد الطيب (٨:٢٦٦٣).\n(٥) مقاييس اللغة (١:١١٨).","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>ثانيًا: التَّفسيرُ اللُّغويُّ عند اللُّغوِيين</span>\nوفيه:\nالقسم الأوَّلُ: المشاركةُ غيرُ المباشرةِ في تفسيرِ القرآنِ.\nالقسم الثاني: المشاركةُ المباشرةُ في تفسيرِ القرآنِ.","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>تمهيد</span>\nاللغويون: هم المشتغلون بجمعِ ألفاظِ العربِ ومعرفةِ دلالتِها واشتقاقِها وتصريفِها، ومعرفةِ أساليبِها في الخطابِ، والاستدلالِ لذلك بلغةِ العربِ من شعرٍ أو نثرٍ (١).\n_________\n(١) تشغل المصطلحاتُ مساحةً مهمَّةً في البحوث؛ لأنها تُحدِّدُ مسارَها، والملاحظُ أنَّ المتقدمينَ قد يتجاوزونَ فيها، فيتوسَّعون في إطلاقها، فيطلقون على علمٍ مصطلحَ علمٍ آخر، أو يكونُ المصطلح عندهم شاملًا لهما معًا، وهكذا.\nوهذا الموضوعُ بذاتِه جديرٌ بالبحثِ والتَّحريرِ، لكي لا يُحملَ مصطلحُ العلماء المتقدِّمين على مصطلحٍ استقرَّ بعدهم.\nومصطلحات علومِ العربيَّةِ قد دخلها هذا التوسعُ في الإطلاقِ، ولذا قد يختلط مصطلحُ النَّحويِّين بمصطلح اللُّغويِّين، والنَّحويُّون يشتغلون بمعرفة ما يقع على اللفظ من تغيُّرات باختلاف موقعه من الجملة، وكذا ما يطرأُ على آخره أو غيره من تغيُّرات.\nوقد نصَّت بعض كتب التراجم على التفرقة بين المصطلحين؛ ككتاب: طبقات النحويين واللغويين، لأبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي (٣٧٩)، قال محمد: «نبدأ بذكر النحويين على طبقاتهم، واللغويين من بعدهم» (ص:٨).\nوقال الزجاجي (٣٣٧) في أماليه (ص:٣٥): «... فسكت الأصمعي، ولم يكن له علم بالعربية، وكان صاحب لغة، ولم يكن صاحب إعراب».\nوقال نصر بن علي - وهو يَعُدُّ أصحاب الخليل ـ: «وكان أبرعهم في النَّحو سيبويه، وغلب على النَّضْرِ بن شُمَيل اللُّغة ...» نزهة الألباء في طبقات الأدباء، لأبي البركات بن الأنباري (ص:٥٥). وينظر: تهذيب اللغة (٣:٥٧، ٩:٢٠).\nوهناك كثيرٌ من الأمثلةِ في هذا المقام، وليس هذا محلُّ بحثِها، وإنما أردتُ أنْ أنبِّه إلى أنَّ جلَّ مادَّةِ البحثِ سيتعلَّقُ بمتنِ اللُّغةِ، وهو ما يخصُّ بيان مدلولاتِ الألفاظِ، واللهُ الموفِّقُ.","vol":"1","page":108},{"text":"وبتَتبُّع تراجم اللُّغويِّين وفهارس كتبهم، ظهرَ أنهم برزوا في القرنِ الثَّاني الهجريِّ، وكانَ ظهورُهم إيذانًا ببروزِ هذا التَّخصُّصِ العلميِّ الذي لم يكنْ ينسبُ قبلهم إلى أعلامٍ في جيلِ الصَّحابةِ والتَّابعين، أي أنك لا تكادُ تجدُ في هذين الجيلينِ من وصفَ بأنه فلانٌ اللُّغويُ (١).\nوإنما تَجدُ في جيلِ الصَّحابةِ من عُرفَ بسعةِ علمِه بأشعارِ العربِ وأيَّامِها وأنسابِها؛ كأبي بكر الصِّديق، وابنتِه عائشة ﵄.\nوتجد في جيل التَّابعينَ منْ يوصفُ بالفصاحةِ في المنطقِ، وعدمِ الوقوعِ في اللَّحْنِ؛ كأبي الأَسْوَدِ ظالم بن عمرو الدُّؤْلِيِّ (ت:٦٩) (٢)، وزِرِّ بنِ حُبيشٍ الأسديِّ (ت:٨٣) (٣)،\n_________\n(١) رجعت لاستجلاء هذه القضية إلى الكتب التالية: مراتب النحويين، لأبي الطيب اللغوي (ت:٣٥١)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، وأخبار النحويين البصريين، لأبي سعيد السيرافي (ت:٣٦٨)، تحقيق: محمد إبراهيم البنَّا، وطبقات النحويين واللغويين، لأبي بكر الزبيدي (ت:٣٧٩)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، وتاريخ العلماء النحويين من البصريين والكوفيين وغيرهم، للقاضي أبي المحاسن التنوخي (ت:٤٤٢)، تحقيق: عبد الفتاح الحلو، ونزهة الألباء في طبقات الأدباء، لأبي البركات عبد الرحمن بن الأنباري (ت:٥٧٧)، تحقيق: إبراهيم السامرَّائي، وإنباه الرواة على أنباه النحاة، لأبي الحسن القفطي (ت:٦٢٤)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، وإشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين، لعبد الباقي اليماني (ت:٧٤٣)، تحقيق: عبد المجيد دياب، والبلغة في تراجم أئمة اللغة، لمجد الدين الفيروزآبادي (ت:٨١٧)، تحقيق: محمد المصري، وبغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة. لجلال الدين السيوطي (ت:٩١١)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، والمعجم العربي نشأته وتطوره، للدكتور: حسين نصار، وتاريخ التراث العربي، للدكتور: فؤاد سزكين، ومعجم المعاجم، لأحمد الشرقاوي إقبال.\n(٢) ظالم بن عمرو بن سليمان، أبو الأسود الدُّؤلي، كان من سكان البصرة، وكان مشايعًا لعلي بن أبي طالب ﵁، توفي سنة (٦٩). ينظر: أخبار النحويين البصريين (ص:٣٣ - ٣٨)، وطبقات النحويين واللغويين (ص:٢١ - ٢٦).\n(٣) جاء في ترجمته في تهذيب الكمال (٣:٢٠): «عن عاصم، كان زرٌّ من أعربِ الناسِ، وكان عبد الله [يعني: ابن مسعود] يسأله عن العربية».","vol":"1","page":109},{"text":"ونَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ اللَّيثِيِّ (ت:٨٩) (١)، والحَسَنِ البَصرِي (ت:١١٠) (٢).\nأو تجدُ منِ اشْتَهَرَ بمعرفتِه بأيامِ العربِ أو أخبارِها أو أشعارِها؛ كعَامِرٍ الشَّعْبِي (ت:١٠٣) (٣)، وقَتَادَةَ بنِ دَعَامَةَ السَّدُوسِي (ت:١١٧) (٤).\nوتحفظُ كتبُ تراجمِ اللُّغويينَ بعضَ الأخبارِ التي تدلُّ على بدايةِ الاهتمامِ بتدوينِ ألفاظِ اللُّغةِ، ومن ذلك ما أسندَه أبو سَعِيدٍ السِّيرَافِي (٥)، عن عِيسَى بْنِ\n_________\n(١) وردَ في أخبار النحويين البصريين (ص:٣٩): «وكان عاصمُ بن نصرٍ أحدَ القراءِ والفصحاءِ ... وروي عن عمرو بن دينار، قال: اجتمعت أنا والزُّهريُّ ونصرُ بن عاصمٍ، فتكلَّمَ نصرٌ، فقالَ الزُّهريُّ: إنَّه ليُفَلِّقُ بالعربيَّةِ تفليقًا».\n(٢) ينظر: الطبقات، لابن سعد (٧:١٥٧)، وقال معمر بن راشد: «قال رجل للحسن: يا أبا سعيد، ما تلحن؟. قال: سبقت اللحن» ينظر: المعرفة والتاريخ للفسوي، تحقيق: أكرم ضياء العمري (٢:٤٩).\n(٣) قال الشعبيُّ عن نفسه: «ما أدري شيئًا أقل من الشعرِ، ولو شئتُ لأنشدتُكم شهرًا لا أُعيدُ». تاريخ بغداد (١٢:٢٢٩ - ٢٣٠).\nوالشعبي: عامر بن شراحيل بن ذي كبار، من أقيال اليمن، القاضي، الكوفي، علامة عصره، أدرك خمسمائة من أصحاب النبي ﷺ، وخرج على الحجاج، ثمَّ عفا عنه، توفي سنة (١٠٣)، وقيل غيرها. ينظر: التاريخ الكبير (٦:٤٥٠ - ٤٥١)، وسير أعلام النبلاء (٤:٢٩٤ - ٣١٩).\n(٤) قال همَّام: «ما حدَّثتُكم عن قتادة ملحونًا، فأعربوه، فإنَّ قتادة كان لا يلحن». أخبارٌ في النحو، لأبي طاهر عبد الواحد بن عمر، تحقيق: محمد الدالي (ص:٣٠)، وفي إنباه الرواة (٣:٣٥ - ٣٧): «قتادةُ بن دعَامَةَ السَّدُوسِيُّ تابعيٌّ، بصريٌّ، مقدَّمٌ في علم العربيَّةِ والعربِ، عالِمٌ بأنسابها وأيَّامها، ولم يأت أحدٌ من ذلك أصحَ مما أتى عنه في علم العربِ ... وقَد كانَ الرجلانِ من بني أميَّةَ يختلفانِ في البيتِ من الشِّعرِ، فيُبرِدانِ بريدًا إلى قتادة بن دعامة فيسألانه عن ذلك».\n(٥) الحسن بن عبد الله المرزبان الفارسي، أبو سعيد السِّيرافِي، النحوي، أخذ النحو عن أبي بكر بن السَّراج وأبي بكر المبرمان، وأخذ اللغة عن ابن دريد، وأبي عمر الزاهد، وغيرهم، له من الكتب: شرح سيبويه، توفي سنة (٣٦٨). ينظر: نزهة الألباء في طبقات الأدباء (ص:٢٢٧ - ٢٢٩)، وإنباه الرواة (١:٣٤٨ - ٣٥٠).","vol":"1","page":110},{"text":"عُمَرَ النحوي (١)، قال: «كُنَّا نمشي مع الحَسَنِ (٢)، ومعنا عبدُ الله بْنُ أبي إسحَاقَ (٣)، قال: فقال: حَادِثُوا هذه النُّفوسَ فإنَّها طُلَعَةٌ، ولا تدَعُوها فتنْزعُ بكم إلى شَرِّ غَايةٍ (٤).\nقال: فأخرجَ عبدُ اللهِ بنُ أبي إسْحَاقَ ألواحَه، فكتبَها، فقال: استفدنا منك يا أبا سعيدٍ: طُلَعَة» (٥).\nوكان ظهورُ هذا التَّخصُّصِ أثرًا من آثار الاهتمامِ بتقويمِ اللسانِ العربي الذي أصابه شيءٌ من الخللِ بدخولِ غيرِ العربِ في الإسلامِ.\nوكانت بداية التَّوجُّه إلى تقويم اللِّسانِ (٦) كما ذهب إليه كثير من\n_________\n(١) عيسى بن عمر، أبو عمر الثقفي، مولى خالد بن الوليد المخزومي، البصري، كان من أفصح الناس، وكان يتقعر في كلامه، ويستعمل الغريب، أخذ عن عبد الله بن أبي إسحاق، توفي سنة (١٤٩). ينظر: مراتب النحويين (ص:٤٣)، وطبقات اللغويين والنحويين (ص:٤٠ - ٤٥).\n(٢) هو أبو سعيد الحسن البصري (ت:١١٠).\n(٣) عبد الله بن أبي إسحاق مولى آل الحضرمي، البصري، هو أول من بعج النحو ومدَّ القياس، وشرح العلل، وكان يُخَطِّئُ العرب. وتوفي سنة (١١٧). ينظر: مراتب النحويين (ص:٣١ - ٣٢)، وطبقات النحويين (ص:٣١ - ٣٣).\n(٤) أخرج هذا الأثر أبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث، تحقيق: حسين بن محمد شرف (٥:٥١٠)، فقال: «وفي حديث الحسن: «حادثوا هذه القلوب بذكر الله، فإنها سريعة الدثور، واقدعوا هذه الأنفس، فإناه طُلعَة»، يُروى عن المبارك بن فضالة عن الحسن».\nومعنى «سريعة الدثور»: يعني دروس ذكر الله ﵎.\nومعنى «اقدعوها»: كُفُّوها وامنعوها.\nوفي «طلعة» روايتان: طَلِعَة، وطُلَعَة. والذي أراد الحسن: أن هذه النفوس تَطَّلِع إلى هواها، وتشتهيه، حتى تُردي صاحبَها، يقول: فامنعوها من ذلك. ينظر: غريب الحديث، لأبي عبيد (٥:٥١١ - ٥١٢).\n(٥) أخبار النحويين البصريين، ومراتبهم، وأخذ بعضهم عن بعض، للسيرافي، تحقيق: د. محمد البنا (ص:٩٠).\n(٦) ينظر في هذه المسألة: أخبار النحويين البصريين، للسيرافي (ص:٣٣)، وطبقات =","vol":"1","page":111},{"text":"الباحثين - على يد أبي الأَسْوَدِ الدُّؤَلي (ت:٦٩)، وقيل: إنه أخذ مبادئه عن عَلِيٍّ بْنِ أبي طَالِبٍ (ت:٤٠).\nوفي قول آخر: أنه من ابتكارِ أحد تلميذي أبي الأسْوَدِ (ت:٩٦)، وهما: نَصْرُ بنُ عَاصِمٍ (ت:٨٩)، ويَحْيَى بنُ يَعْمُر (ت:١٢٩) (١).\nوأيًّا ما كان الأمر، فإنه لم يشتهر في عهد الصَّحابة والتَّابعين مَنْ اهتم بجمع كلام العربِ وبيانِ معانيه، ولذا لم يرد في ترجمة أحدٍ منهم مصطلحُ اللُّغَويِّ، وهذا يظهر بمراجعة تراجمهم، وتبيُّن الألقاب العلميَّة التي كانت تُطلَق في عصرهم.\nوبتأمُّلِ تراجم اللُّغويِّين تَجِدُ أوائلَهم - كأبانَ بنِ تغلبٍ (ت:١٤١) (٢)، وأبي عَمْرو بنِ العَلاَءِ (ت:١٥٤)، والخَلِيلِ بنِ أحمد الفراهيديِّ (ت:١٧٥)، وعلي بن حمزة الكسائيِّ (ت:١٨٣)، وأبي عُبَيْدَةَ معمر بن المثنَّى (ت:٢١٠)، وغيرِهِم من اللُّغويِّين - قد عَاصَر مفسِّري أتباعِ التَّابعينَ؛ كمقاتل بن حيان البلخيِّ (ت:١٥٠)، وعبد الملك بنِ جُرَيجٍ المكيِّ (ت:١٥٠)، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ زيدٍ المدنيِّ (ت:١٨٢)، وغيرهم من مفسِّري هذا الجيلِ (٣).\n_________\n= النحويين واللغويين، للزبيدي (ص:٢١)، والنحو وكتب التفسير، لإبراهيم رفيدة (١:٤٣)، وغيرها من المصادر.\n(١) يحيى بن يعمر، أبو سليمان العدواني، البصري، تابعي، مقرئ، قرأ على ابن عباس وأبي الأسود الدؤلي وغيرهما، كان ذا فصاحة، وكان أول من نقط المصاحف، توفي سنة (٩٠)، ينظر: سير أعلام النبلاء (٤:٤٤١ - ٤٤٣) وغاية النهاية (٢:٣٨١).\n(٢) أبان بن تغلب بن رياح الجَرِيري، كان مذهبه مذهب الشيعة، وهو كوفي من أهل الصدق، قال سفيان بن عيينة: «سمعني أبان بن تغلب - وكان نحويًا ـ، وأنا أقول في الجنين إذا أشعر، فقال: لا تقل: أَشْعَر، قل: شَعَّر». توفي سنة (١٤١)، ونسب إليه الطوسي الإمامي كتاب غريب القرآن. ينظر: معجم الأدباء (١:١٠٧ - ١٠٨)، والكامل في الضعفاء، لابن عدي، ط: دار الفكر (١:٣٨٠).\n(٣) ينظر في تحديد طبقة أتباع التابعين: تقريب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: صغير أحمد الباكستاني (ص:٨٢).","vol":"1","page":112},{"text":"وقدْ قامَ اللُّغويُّونَ منْ أصحابِ هذه الطَّبقةِ ومن بعدهم - كأبي عُبَيْدَةَ (ت:٢١٠) والفَرَّاءِ (ت:٢٠٧)، وتلاميذِهم الذين أخذوا عنهم علم اللُّغةِ وتابَعُوهم في ذلك؛ كأبي عُبَيدٍ القَاسِمِ بنِ سَلاَّمٍ (ت:٢٢٤)، وأبي حَاتَمٍ السِّجِسْتَاني (ت:٢٥٥)، ثمَّ تلاميذ هؤلاء؛ كابن قُتَيبَةَ (ت:٢٧٦)، وأبي العباس المُبَرَّدِ (ت:٢٨٥)، وثَعْلَبٍ (ت:٢٩١) - بتدوينِ لغةِ العربِ وكانوا عمدةً لمنْ جَاءَ بعدَهم في حكايةَ اللُّغةِ.\nولاستجلاءِ مشاركةِ اللُّغويِّينَ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، رجعتُ إلى تراجمِهم وفهارس كتبِهم، ثمَّ قرأتُ ما وقعَ بين يَدَيَّ من كتبِ أعلامِ هذه الفترةِ من اللُّغويِّينَ (١).\nوبعد رجوعي إلى تراجم هؤلاء اللغويين وفهارس كتبهم وجدتُ أنَّ مشاركة اللُّغويينَ في التفسيرِ كانتْ على قسمين:\nالأول: مشاركة غير مباشرة في تفسيرِ القرآنِ.\nوالثاني: مشاركة مباشرة في تفسيرِ القرآنِ.\nوسأتحدَّث عن كلِّ قسمٍ على حِدَةٍ.\n_________\n(١) بلغت الكتب التي رجعت لها قرابة خمسين كتابًا، بعضها رسائل صغيرة، وآخر منها مجلدات تصل إلى الخمسة. والله الموفق.","vol":"1","page":113},{"text":"القسمُ الأولُ\nالمشاركة غير المباشرة\nتَبْرُزُ مشاركةُ اللُّغويينَ غيرُ المباشرةِ في أنماطِ التَّأليفِ اللُّغويِّ التي سلكَها اللُّغويونَ في الكتابةِ اللُّغويَّةِ، وكانتْ كتبُ النَّوادرِ (١) من أقدمِ ما ظهر مِنْ أَنْماطِ التَّأليفِ اللُّغويِّ. وكان أبو عَمْرو بنُ العلاءِ (ت:١٤٥) (٢) أوَّلَ مَنْ ذُكِرَ له كتابٌ في «النَّوادرِ».\nوقد كانتِ الكتابةُ في هذه الأنماطِ اللُّغويَّةِ (٣) على ضَرْبَينِ:\nالأول: الكتابةُ على أسلوبِ الموضوعاتِ:\nكانت الكتابةُ على أسلوبِ الموضوعاتِ أسبقَ التَّأليفات اللُّغويَّةِ، وأغلبُ ما كُتِبَ كان في موضوعٍ واحدٍ؛ ككتبِ: الفروقِ، والنوادرِ، والأضدادِ، والنباتِ، وخلقِ الإنسانِ، والأنواءِ، ... وغيرِها.\nوقد ظهر جمع هذه الموضوعات في كتاب واحد عند أبي عبيد (ت:٢٢٤) في كتابه: «الغَرِيبِ المُصَنَّفِ» (٤)، حيثُ جعلَ لكلِّ موضوعٍ بابًا مستقلًا، فتجدُ\n_________\n(١) النوادر: معجمٌ محشوٌ بالمواد اللغوية من شاذٍ وغريبٍ ونادرٍ. وقد كان تدوينها على غير منهاجٍ مرسومٍ ولا ترتيبٍ محددٍ. ينظر: معجم المعاجم، لأحمد الشرقاوي (ص:٥٣).\n(٢) ينظر: معجم المعاجم، لأحمد الشرقاوي إقبال (ص:٥٣).\n(٣) ينظر في التآليف في أنماط التأليف اللغوي: المعجم العربي، للدكتور: حسين نصار، ومعجم المعاجم، لأحمد الشرقاوي إقبال.\n(٤) قال القفطي في إنباه الرواة (٣:١٤): «وقد سُبِقَ إلى أكثر مصنفاته، فمن ذلك: الغريب المصنف، وهو من أجلِّ كتبه في اللغة، فإنه احتذى فيه كتاب النضر بن =","vol":"1","page":114},{"text":"فيه بابًا في خلق الإنسان، وبابًا في اللباس، وبابًا في الأطعمة، وبابًا في الأمراض، وبابًا في الخمر، وبابًا في الدور والأرضين ... إلخ (١).\nالثاني: الكتابةُ على الحروفِ:\nكانت الكتابةُ على الحروفِ تَهْدِفُ إلى استيعابِ ألفاظِ العربِ، وكانت البدايةُ فيها بكتابِ العينِ المنسوبِ للخَلِيلِ بن أحمد (ت:١٧٥)، ثمَّ تَلَتْهُ الكتبُ الأخرى، ومنها: كتاب الجِيمِ، لأبي عَمْرو الشَّيبانِيِّ (ت:٢٢٠ تقريبًا) (٢)، وكتابِ البارعِ في اللُّغةِ، للْمُفَضَّلِ بنِ سَلَمَةَ (ت:٢٩٠) (٣)، وكتابِ جمهرةِ اللغةِ، لابن دُرَيدٍ (ت:٣٢١) ... إلخ.\nوسأذكرُ كيفَ كان التَّفسيرُ اللُّغويُّ في هذين الضَرْبَينِ من الكتابةِ، معَ ذكرِ الأمثلةِ لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>أولًا: التفسيرُ اللغويُ في كتبِ الموضوعات:</span>\n١ - يظهرُ منْ كتبِ اللُّغةِ التي كُتِبَتْ على نَمَطِ الموضوعاتِ أنَّ التَّفسيرَ لم يكنْ قَصْدًا أوَّلِيًّا منْ مقاصدِ اللُّغويِّ في كتابِه.\n_________\n= شميل المازني الذي يسميه كتاب الصفات، وبدأ فيه بخلق الإنسان، ثم بخلق الفرس، ثم بالإبل، فذكر صنفًا بعد صنف حتى أتى على جميع ذلك. وهو أكبر من كتاب أبي عبيد وأجود».\n(١) ينظر: الغريب المصنف، لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق: د. محمد المختار العبيدي.\n(٢) أبو إسحاق بن مِرَار الشَّيبَاني، اللغوي، الكوفي، روى عنه أحمد بن حنبل وأبو عبيد القاسم بن سلام، كان من أعلم الناس باللغة، موثَّقًا في ما يحكيه، جمع أشعار العرب ودوَّنها، وله تآليف، منها كتاب الجيم، وهو مطبوع، توفي سنة (٢٢٠)، وقيل غيرها. ينظر: مقدمة كتاب الجيم، لإبراهيم الأبياري.\n(٣) المفضل بن سلمة بن عاصم، أبو طالب الضبي، اللغوي، النحوي، الكوفي، أخذ عن أبيه، وثعلب، وابن السِّكِّيت، وغيرهم، له مؤلفات، منها: ضياء القلوب في معاني القرآن، والمدخل إلى علم النحو، وغيرها، توفي سنة (٢٩٠). ينظر: مراتب النحويين (ص:١٥٤)، ومعجم الأدباء (١٩:١٦٣).","vol":"1","page":115},{"text":"٢ - غالبُ ما جاءَ في التَّفسيرِ كانَ تفسير ألفاظٍ قرآنيَّةٍ مفردةٍ، يَذْكُرُ فيها اللُّغويُّ دلالةَ هذه اللَّفظةِ، ومن ذلك قول أبي العَمَيثَلِ (ت:٢٤٠) (١)، قال: «والجُؤَارُ - مهموز ـ: صوتٌ في تَضَرُّعٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]» (٢).\nوقال أبو مِسْحَل (٣): «وتحيَّفَ مالَه وتَحَوَّفَهُ، وتَخَوَّفَتُ مالَه، وقال الله ﷿: ﴿أَوْ يَاخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧]، وهو النقص» (٤).\n٣ - غالبًا ما يذكرُ اللُّغويُّ معنى اللَّفظةِ في لغةِ العربِ، ثمَّ يذكرُ الآيةَ التي وردَ فيها هذا اللَّفظُ، فيفسِّر لفظَ الآيةِ به، ومن ذلك ما ذكره قُطْرُبَ (ت:٢٠٦) (٥): «وقالوا - إذا دَنَا وِلادُهَا ـ: بَخَضَتْ بَخَاضًا، ومَخَضَتْ: لغةٌ، وهو قول الله ﷿: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٣]» (٦).\n_________\n(١) عبد الله بن خليل، أبو العميثل الأعرابي، من فصحاء الأعراب الوافدين على العراق، كان مؤدبًا لعبد الله بن طاهر بن الحسين، توفي سنة (٢٤٠). ينظر ترجمته في مقدمة كتابه: ما اتفق لفظه واختلف معناه، تحقيق الدكتور: محمد عبد القادر أحمد.\n(٢) ما اتفق لفظه واختلف معناه، لأبي العَمَيثَل، تحقيق: محمد عبد القادر أحمد (ص:١٣٦)، ثمَّ ينظر فيه الألفاظ التالية: الجلاء (ص:٨٧)، نحاس (ص:٩٢)، أمة (ص:١٠٧)، حجر (ص:١٠٨)، البارئ (ص:١٠٩)، حصيرًا (ص:١١٣)، قبيلًا (ص:١٢١)، عنت الوجوه (ص:١٣٧). شرعة (ص:١٤١).\n(٣) أبو مِسْحَل، عبد الله بن حريش، اللغوي، كنيته أشهر من اسمه الذي اختُلِف فيه، فقيل: عبد الوهاب بن حريش، روى عن الأحمر أربعين ألف بيت شاهد في النحو، وروى القراءة عن الكسائي، وله كتاب النوادر، وهو مطبوع. ينظر: إنباه الرواة (٢:٢١٨)، (٤:١٧٠ - ١٧١)، وغاية النهاية (١:٤٧٨).\n(٤) النوادر لأبي مسحل، تحقيق: د. عزة حسن (١:٩٣).\n(٥) محمد بن المستنير، النحوي، اللغوي، البصري، لقَّبه سيبويه بقطرب لتبكيره في الحضور إليه، وكان على مذهب المعتَزلة، توفي سنة (٢٠٦). ينظر: إنباه الرواة (٣:٢١٩ - ٢٢٠)، ولسان الميزان، لابن حجر (٥:٣٧٨ - ٣٧٩).\n(٦) كتاب الفرق، لقطرب، تحقيق: د. خليل إبراهيم العطية (ص:٨٥)، وينظر فيه =","vol":"1","page":116},{"text":"٤ - كما أنَّ هذه الكتبَ لا تذكرُ - في الغالبِ - إلاَّ الألفاظَ المناسبةَ لموضوعِ الكتابِ، وقَلَّ أنْ تذكرَ ألفاظًا لا علاقةَ لها بموضوعِ الكتابِ، ومن ذلك ما ورد في كتابِ «الإبدال» لابن السِّكِّيت (ت:٢٤٤) (١)، قال: «... ما يَنُوصُ لحاجةٍ، وما يقدر على أن يَنُوصَ؛ أي: يتحرَّك لشيءٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣]، ومعنى وَلاَتَ: ليس. ومَنَاصٍ، مثل: مَنَاض» (٢).\nففي هذا المثالِ تجدُ ابن السِّكِّيتِ (ت:٢٤٤) يُوردُ الإبدالَ في الضَّادِ والصَّادِ في مَنَاصٍ ومَنَاض، ثمَّ ذكر الآية، ثمَّ استطرد في معنى «وَلاَت».\n٥ - وقدْ تخلو بعضُ الرَّسائلِ اللُّغويَّةِ منْ ذكرِ ألفاظٍ قرآنيَّةٍ مفسَّرةٍ، وذلك لأسباب؛ منها:\n* أن لا يوجدَ لموضوعِ الكتابِ ما يناسبُه منْ ألفاظٍ قرآنيَّةٍ.\n* أو لعدمِ حضورِها في ذهنِ المؤلِّفِ، أو لغيرِها من الأسبابِ (٣).\nوعودًا على بدءٍ، فإنَّ كتبَ الموضوعاتِ لا تكادُ تخرجُ عنْ بيانِ مدلولِ اللَّفظِ في اللُّغةِ، ومن الأمثلةِ الواردةِ في بعضِ الكتبِ ما يلي:\n_________\n= الألفاظ التالية، يطمثهنَّ (ص:٧٧)، مَنِيٍّ يُمْنَى (ص:٧٩)، أثقلت (ص:٨٤)، العشار (ص:٨٦).\n(١) يعقوب بن إسحاق بن السِّكِّيت، اللغوي النحوي، الكوفي، كان من أهل الفضل والدين، وكان يؤدِّب ولد المتوكل بالله، وقتله المتوكل بالضرب في قصة مذكورة في ترجمته، وله من الكتب: إصلاح المنطق، والإبدال، وغيرهما، توفي سنة (٢٤٤)، وقيل غيرها. ينظر: تاريخ بغداد (٤:٢٧٣ - ٢٧٤)، وإنباه الرواة (٤:٥٦ - ٦٣).\n(٢) الإبدال لابن السِّكِّيت، تحقيق: د. حسين محمد شرف (ص:١٢٢)، وينظر فيه الألفاظ التالية: تَخَوُّف (ص:١٠٠)، سبحًا (ص:١٠٠ - ١٠١)، كُشِطَتْ (ص:١٣٣ - ١١٤)، دَسَّاهَا، يَتَسَنَّه، مَسْنُون، آسِن (ص:١٣٤)، فُومِهَا (ص:١٢٦)، يَصِدُّون، تَصْدِيَة (ص:١٣٥).\n(٣) من الكتب اللغوية التي خلت من الآيات: كتب الأصمعي: الوحوش، واشتقاق الأسماء، وما اختلفت ألفاظه واتفقت معانيه، وسبب ذلك أن الأصمعي كان يتورع في تفسير الألفاظ القرآنية. ومن الكتب كذلك، كتاب البئر، لابن الأعرابي.","vol":"1","page":117},{"text":"في كتاب «ما تلحن فيه العامَّة» المنسوب للكِسَائي (ت:١٨٣)، قال: «تقول: عندي وِقْرُ حطبٍ، ووِقْرُ حنطةٍ، وكلُّ ما يحملُ فهو وِقْرٌ - بكسر الواو - قال تعالى: ﴿فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات: ٢].\nوتقولُ: في أُذُنيه وَقْرٌ - بفتح الواو - وهو رجلٌ موقورٌ: إذا كان به صَمَمٌ، وقال الله تعالى: ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ [فصلت: ٥]» (١).\nوفي كتاب «الأمثال» لمؤَرِّجٍ (ت:١٩٥) (٢)، قال: «المُبْسَلُ: المُسْلَمُ. قال الله ﷿: ﴿أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ [الأنعام: ٧٠]» (٣).\nوفي كتاب «الغريب المصنف» لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت:٢٢٤)، قال: «والكوثرُ: الشيءُ الكثيرُ، ومنه قول الله جلَّ ذكره: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>ثانيًا: التفسير اللغوي في معاجم الحروف:</span>\nيُعدُّ كتابُ العينِ أوَّلَ معجمٍ عربيٍّ سارَ في ترتيبه على الحروفِ، سواءً أكان كاتِبَه الخليلُ بنُ أحمدَ الفراهيديُّ (ت:١٧٥)، أمْ كان تلميذُه الليثُ بنُ\n_________\n(١) ما تلحن فيه العامة، للكسائي، تحقيق: د. رمضان عبد التواب (ص:١١٨ - ١١٩).\n(٢) مؤرج بن عمرو بن الحارث، أبو فَيد السَّدوسي، اللغوي، البصري، كان بخرسان، وقدِم مع المأمون، وأخذ عن الخليل بن أحمد، وهو من ثقات تلاميذه، له كتاب في غريب القرآن، توفي سنة (٢٩٥). ينظر: تاريخ بغداد (١٣:٢٥٨ - ٢٥٩)، وإنباه الرواة (٣:٣٢٧ - ٣٣٠).\n(٣) الأمثال، لمؤرج السدوسي، تحقيق: د. رمضان عبد التواب (ص:٥٣).\n(٤) الغريب المصنف، لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق: د. محمد المختار العبيدي (١:٧٥)، وينظر فيه الألفاظ التالية: القرح (ص:٢٣٧)، يعصرون (ص:٣٥٥)، وفي الجزء الثاني: لينة (ص:٤٨٨)، مُصرِخ (ص:٦٢٧)، الخوالف (ص:٦٢٧)، سواء الجحيم (ص:٦٣١)، وفي الجزء الثالث: يصدون، تصدية (ص:٦٥٦)، قيامًا (ص:٦٦١)، في جذوع (ص:٦٩٤)، تَخوُّف (ص:٧٠٢)، ولم يُعقِّب (ص:٧٣٤)، ظِهرِيًا (ص:٧٧٤).","vol":"1","page":118},{"text":"المظفَّرِ (١). وسأجعله مثالًا لهذه الكتبِ؛ لأنها - في الغالبِ - تسيرُ على منوالٍ واحدٍ.\nولما كانَ مقصدُ التَّأليفِ على هذه الطريقةِ محاولةُ الإحاطةِ بلغةِ العربِ؛ فإنَّ المؤلِّفَ سيذكرُ ألفاظًا قرآنيَّةً ويقومُ بتفسيرِها.\nومن الملاحظِ أنَّ اللُّغويَّ في هذه الكتبِ قد يوردُ اللفظَ القرآنيَّ دونَ ذكرِ الآيةِ التي ورَدَ فيها؛ مثل تفسيرِ العِهْنِ في كتاب العين: «والعِهْنُ: المصبوغُ ألوانًا من الصُّوفِ، ويقال: كلَّ صوفٍ: عهنٌ، والقطعة؛ عِهنَةٌ، والجمعُ: عُهُونٍ» (٢).\nوالعهنُ واردٌ في قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبِالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج: ٩]، وقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]، ولم يذكر شيئًا من هذين الموضعينِ.\nومن أمثلةِ تفسيرِ الألفاظِ في كتابِ العينِ، ما يلي:\n١ - قال: «والمُعْصِرَاتُ: سحاباتٌ تمطرُ، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ [النبأ: ١٤].\n_________\n(١) كتب النضر بن شُميلٍ (ت:٢٠٣) أحد تلاميذ الخليل: كتاب الجيم، وقد نقل عنه الأزهري في تهذيبه (١:١٢٨)، قال: «وقرأتُ في كتاب الجيم، لابن شميلٍ ...».\nوينظر من نسبه إليه في معجم المعاجم، للشرقاوي أحمد إقبال (ص:١٩٤ - ١٩٥). وقد طُبِعَ كتاب الجيم، لأبي عمرو الشيباني (ت:٢٢٠ تقريبًا)، ومعجمه غير جامع للمواد اللغوية، وهو أشبه بكتابٍ يجمع غرائب اللغة، ولذا ندر في كتابه ذكر ألفاظ قرآنية مفسرة. وهذان العالمان معاصران لليث، غير أن كتابيهما لم يشتهرا شهرة كتاب العين.\n(٢) العين (١:١٠٨)، وينظر في هذا الجزء الألفاظَ الآتيةَ: بخع (ص:١٢٣)، عقدة النكاح (ص:١٤٠)، القارعة (ص:١٥٦)، العلق، علقة (ص:١٦١)، العشار (ص:٢٤٧)، العرش (ص:٢٤٩)، الضريع (ص:٢٧٠)، العصف (ص:٣٠٦)، وفي الجزء الثاني الألفاظ الآتيةَ: بئر معطلة (ص:٩)، الرعد (ص:٣٣).","vol":"1","page":119},{"text":"وأُعْصِرَ القومُ: أُمطِرُوا، قال الله ﷿: «وفيه يُعْصَرُون» [يوسف: ٤٩]، ويقرأ ﴿يُعْصِرُونَ﴾ (١): من عصيرِ العنب.\nقال أبو سعيدٍ (٢): يستغلونَ أَرَضِيهِم؛ لأنَّ الله يُغْنِيهم، فتجيءُ عصارةُ أَرَضيهم؛ أي: غلَّتها؛ لأنك إذا زرعتَ اعتصرَت من زرعِك ما رزقَك اللهُ.\nوالإعصارُ: الرِّيحُ التي تُثِيرُ السَّحَابَ.\nعَصَرَت الرِّياحُ، فهي مُعْصِراتٌ؛ أي: مثيراتٌ للسَّحابِ.\nوالإعصارُ: الغبارُ الذي يستديرُ ويسطعُ.\nوغبارُ العجاجةِ إعصارٌ أيضًا، قال الله ﷿: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، يعني: العجاجة» (٣).\n٢ - وقال: «نَسِيَ فلانٌ شيئًا كان يذكره، وإنه لنَسِيٌّ؛ أي؛ كثيرُ النسيانِ، من قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].\nوالنِّسْيُ (٤): الشيءُ المنسي الذي لا يذكرُ، يقال: منه قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]. ويقال: هو خِرقَةُ الحائضِ إذا رمت به.\n_________\n(١) قرأ السبعة سوى حمزة والكسائي ﴿يُعْصِرُونَ﴾ وبالتاء: حمزة والكسائي، وقرأ عيسى الأعرج بضمِّ الياءِ وفتح الصاد. ينظر: إعراب القراءات السبعة وعللها، لابن خالويه، تحقيق: عبد الرحمن العثيمين (١:٣١١)، والمحتسب، لابن جني (١:٣٤٤ - ٣٤٥)، وزاد فيه ممن قرأ بضم الياء وفتح الصاد: جعفر بن محمد.\n(٢) لعله أبو سعيد الضرير، أحمد بن خالد (ت:٢٨٢) اللغوي، لقيَ ابن الأعرابي وأبا عمرو الشيباني، وحفظ عن الأعراب نكتًا كثيرةً. ينظر: معجم الأدباء (٣:١٥ - ٢٦)، وإنباه الرواة (١:٧٦)، فإن كان هو، فإنه من النصوص التي أُدخِلت على العين، واللهُ أعلم.\n(٣) العين: (١:٢٩٥).\n(٤) في القاموس المحيط، مادة (نسي): «والنسي، بالكسر ويفتح: ما نُسِيَ، وما تلقيه المرأة من خِرَقِ اعتلالها».","vol":"1","page":120},{"text":"ونسيتُ الحديثَ نسيانًا، ويقال: أَنْسَيْتُ إنساءً، ونَسِيتُ أجْوَدُ، قال الله تعالى: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣] ولم يقل: أنسيت، ومعنى أنسيت: أخرت» (١).\n٣ - وقال: «والهَجْرُ والهِجْران: تركُ ما يلزمك تعهُّدُه، ومنه اشتُقَّتْ هجرةُ المهاجرين؛ لأنهم هجروا عشائرهم فتقطَّعُوهم في الله، قال الشاعر (٢):\nوأُكثِرُ هَجْرَ البَيتِ حَتى كأنَّنِي\nمَلَلْتُ، وما بي من مَلاَلٍ ولا هَجْر\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]؛ أي: يهجرونني وإيَّاه.\nوقال تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]؛ أي: تهجرون محمدًا ﷺ.\nومن قرأ ﴿تُهجِرونَ﴾ (٣)؛ أي: تقولون الهُجْرَ؛ أي: قولَ الخَنَا والإفحاشِ في المنطقِ، تقولُ: أَهْجُرُهُ إهْجَارًا، قال الشَّمَّاخُ (٤):\nكمَاجِدَةِ الأعْرَاقِ قَالَ ابنُ ضَرَّةٍ\nعَلَيْهَا كَلاَمًا جَارَ فيه وأَهْجَرَا\nوالهَجْرُ: هذيانُ المُبَرْسَمِ (٥) ودأبُه وشأنُه، ويقال: منه ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦]؛ أي: تَهْذُونَ في النَّومِ.\n_________\n(١) العين: (٧:٣٠٤).\n(٢) لم أجده في غير العين، وكذا قال محققو كتاب العين (٣:٣٨٧).\n(٣) ينظر وجوه تفسير هذه القراءات في: القراءات وعلل النحويين فيها، للأزهري، تحقيق: نوال الحلوة (٢:٤٣٧)، وإعراب القراءات السبع وعللها، لابن خالويه، تحقيق: د. عبد الرحمن العثيمين (٢:٩٢ - ٩٣)، والحجة للقراءات السبع، لأبي علي الفارسي، تحقيق: بدر الدين قهوجي وغيره (٥:٢٩٨).\n(٤) ينظر البيت في ديوان الشمَّاخ (ص:١٣٥)، وأوله «مُمَجَّدَةِ».\n(٥) جاء في تاج العروس، مادة (برسم): «البِرْسَامُ - بالكسر ـ: عِلَّةٌ يُهذَى فيها - نعوذ بالله منها ـ، وهو وَرَمٌ حارٌّ يعرِض للحجاب الذي بين الكبد والأمعاء، ثمَّ يتَّصِلُ إلى الدِّمَاغِ. وقد بُرْسِمَ الرجلُ، فهو مُبَرْسَمٌ».","vol":"1","page":121},{"text":"وتقولُ: هَجَرْتُ هَجْرًا» (١).\nإنَّ هذه النُّصوصَ تعطي صورةً تقريبيَّةً للتَّفسيرِ اللُّغويِّ في كتبِ المعاجمِ التي نُظِّمتْ على الحروفِ. ويمكنُ تلخيصُ ذلك فيما يلي:\n١ - بيانُ دلالةِ اللَّفظِ القرآنيِّ في لغةِ العربِ، والغالبُ عليها أنها تذكرُ الآيةَ التي وردتْ فيها اللَّفظةُ.\nوإذا كان للَّفظِ أكثرُ من دلالةٍ في لغةِ العربِ، فإنَّ كتبَ المعاجمِ تذكرُها.\nكما أنه إذا كانَ له أكثرُ من استعمالٍ ذُكِرَ؛ كما في لفظِ النسيءِ المذكورِ سابقًا.\n٢ - الاهتمامُ باختلافِ القراءاتِ إذا كانَ في اختلافِها أثرٌ على المعنى؛ كلفظِ: (يعصرون، وتهجرون) الواردان في الأمثلة السَّابقة.\n٣ - الاستشهادُ لِلَّفظِ القرآنِيِّ بأشعارِ العربِ؛ كالاستشهادِ الواردِ في تفسيرِ لفظِ: تهجرون. والاستشهادُ قدْ يَقِلُّ في كتابٍ ككتابِ العين (٢).\n_________\n(١) العين (٣:٣٨٧).\n(٢) قمت بإحصاء الشواهد الشعرية في كتاب العين من الجزء الأول إلى الجزء الخامس، فظهر عددها: خمسة عشر شاهدًا شعريًا، وهي نسبةٌ قليلةٌ إذا ما قيست بالألفاظ المفسَّرةِ التي بلغت في هذه الأجزاء مائة وخمسين لفظًا تقريبًا.","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>القسمُ الثاني\nالمشاركة المباشرة في تفسير القرآن</span>\nبعدَ قراءةٍ في تراجمِ اللُّغويِّين وجملةٍ من فهارسِ الكتبِ، ظهرَ لي أنَّ مشاركتَهم المباشرةَ في التَّفسيرِ برزتْ منْ خلالِ علمين: علم غريبِ القرآن، وعلمِ معاني القرآن. وقد تَتَبَّعْتُ كتبَ اللُّغويين المؤلَّفةِ في هذين العِلْمَينِ إلى نهايةِ القرنِ الثالثِ، فظهرَ لي منها ما يربو على العشرينَ مؤلَّفًا، وقبلَ ذكرِ هذه المؤلَّفاتِ أُسجِّلُ بعضَ التَّنْبيهاتِ، وهي:\n* ما سأذكرُه منها ليسَ على سبيلِ الحصرِ، إذ المرادُ التَّنبيه عل حرصِ اللُّغويِّينَ في التأليفِ في هذينِ العِلْمَيْنِ، وقد وقفتُ بها إلى نهايةِ القرن الثالثِ.\n*قد يُذكرُ للعالِمِ الواحدِ أكثرُ من كتابٍ، وقد تكونُ عِدَّةَ أسماءٍ لمؤلَّفٍ واحدٍ؛ ككتابِ مجاز القرآنِ، لأبي عُبَيدَةَ (ت:٢١٠)، حيثُ يُسمى: معاني القرآن، وغريب القرآن.\n* قد يَرِدُ بعضُ الكُتبِ باسم «مشكل القرآن»، وهو جزءٌ من علمِ معاني القرآنِ.\n* سأُرتِّبُ المؤلَّفاتِ حسبَ وفياتِ المؤلِّفينَ.\nوهذا أوانُ سردِ كُتبِ اللُّغويِّينَ في هذينِ العِلْمَيْنِ:\n١ - غريبُ القرآنِ، لأبانَ بنِ تغلبٍ الجَرِيرِيِّ، القارئ، النَّحويِّ، اللُّغويِّ (ت:١٤١) (١).\n_________\n(١) ينظر: معجم الأدباء (١:١٠٨)، وقد نقل هذه المعلومة عن الإخباري الرافضي أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي.","vol":"1","page":123},{"text":"٢ - معاني القرآنِ، لمحمدِ بنِ الحسنِ الرُّؤاسِيِّ، الكوفيِّ، المقرئ، النَّحويِّ، اللُّغويِّ (ت:١٧٠) (١).\n٣ - معاني القرآنِ، ليونسَ بنِ حبيبٍ، البصريِّ، النَّحويِّ (ت:١٨٢) (٢).\n٤ - معاني القرآنِ، لعلي بنِ حمزةَ الكسائيِّ، الكوفيِّ، النَّحويِّ، اللُّغويِّ، أحدِ القرَّاءِ السَّبعةِ (ت:١٨٣ وقيل غيرها) (٣).\n٥ - غريبُ القرآنِ، لِمُؤَرِّجِ بْنِ عَمْرٍو السَّدوسيِّ، البصريِّ، النَّحويِّ، اللُّغويِّ (ت:١٩٥) (٤).\n٦ - غريبُ القرآنِ، لأبي محمدٍ يحيى بنِ المباركِ اليزيديِّ، البصريِّ، اللُّغويِّ (ت:٢٠٢) (٥).\n_________\n(١) ينظر: إنباه الرواة (٤:١٠٧)، وقال عنه القفطي (ت:٦٢٤): «يُرْوَى إلى اليوم». والرؤاسي: أبو جعفر محمد بن الحسن بن أبي سارة، أستاذُ علي بن حمزة الكسائي، وأخذ العربية عن أبي عمرو بن العلاء البصري، وكان مقدمًا في النحو عند الكوفيين، قيل: توفي سنة (١٧٠). ينظر: إنباه الرواة (٤:١٠٥ - ١٠٩).\n(٢) إنباه الرواة (٤:٧٧).\nويونس بن حبيب، أبو عبد الرحمن، كان النحو غلب عليه، سمع من العرب، وروى عنه سيبويه والكسائي والفراء وأبي عبيدة، توفي سنة (١٨٢). ينظر: طبقات اللغويين والنحويين (ص:٥١ - ٥٣)، وإنباه الرواة (٤:٧٤ - ٧٨).\n(٣) هو أحد مصادر الثعلبي التي ذكرها في مقدمة تفسيره الكشف والبيان، ينظر: نسخة المحمودية بمكتبة المدينة المنورة العامة (لوحة:١١)، وقد نصَّ عليه الأزهري في تهذيب اللغة (١:١٦)، (٦:٤٢٣).\n(٤) هو أحد مصادر الثعلبي التي ذكرها في مقدمة تفسيره الكشف والبيان، ينظر: نسخة المحمودية بمكتبة المدينة المنورة العامة (لوحة:١١)، وينظر: إنباه الرواة (٣:٣٢٧، ٣٣٠).\n(٥) ينظر: فهرسة ما رواه ابن خير عن شيوخه (ص:٦٧).\nواليزيدي، نسبة إلى يزيد بن منصور الحِمْيَري، خال ولد المهدي، وكان يحيى بن المبارك يؤدب أولاد يزيد، ثمَّ اتصل بالرشيد فأدَّب المأمون، وكان أحد القراء، وأخذ العربية عن أبي عمرو وابن أبي إسحاق والخليل، توفي سنة (٢٠٢)، ينظر: إنباه الرواة (٤:٣١ - ٣٩)، وغاية النهاية (٢:٣٧٥ - ٣٧٧).","vol":"1","page":124},{"text":"٧ - غريبُ القرآنِ، للنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، البصريِّ، اللُّغويِّ (ت:٢٠٣) (١).\n٨ - مشكلُ القرآنِ، لمحمدِ بنِ المُسْتَنِيرِ (قطربَ) البصريِّ، النَّحويِّ، اللُّغويِّ (ت:٢٠٦) (٢).\n٩ - معاني القرآنِ، لأبي زكريا يحيى بنِ زيادٍ الفرَّاءِ، الكوفيِّ، النَّحويِّ، اللُّغويِّ (ت:٢٠٧) (٣).\n١٠ - مجازُ القرآنِ، لأبي عبيدَة معمرِ بنِ المثنى، البصريِّ، اللُّغويِّ (ت:٢١٠) (٤).\n١١ - معاني القرآنِ، لأبي الحسنِ سعيدِ بنِ مسعدةَ (الأخفشِ)، النَّحويِّ، البصريِّ (ت:٢١٥) (٥).\n_________\n(١) هو أحد مصادر الثعلبي التي ذكرها في مقدمة تفسيره الكشف والبيان، ينظر: نسخة المحمودية بمكتبة المدينة المنورة العامة (لوحة: ١١).\nوقد ذُكرَ أنَّ له نسخة في المتحف البريطاني (أول/٨٢١)، وبعدَ مراجعةِ هذه المعلومةِ عن طريقِ الأخ مساعد بن صالح الطيَّارِ الذي ذهبَ إلى هذه المكتبةِ، تبيَّنَ أنَّ مفهرسَ الكتبِ العربيَّةِ فهرس الكتبَ التي ذكرها الثَّعلبيُّ في كتابِه، وأدخل لها هذا الرقمَ، وليسَ هناكَ مخطوطة كما تُوهمُ هذه المعلومةُ المذكورةُ.\nوالنضر بن شميل أحد تلاميذ الخليل، وكان صدوقًا ثقة، صاحب غريب وشعر ورواية للحديث وأخبار العرب، وروى عنه يحيى بن معين وغيره، توفي (٢٠٣). ينظر: طبقات النحويين واللغويين (ص:٥٥ - ٦١)، وإنباه الرواة (٣:٣٤٨ - ٣٥٢).\n(٢) هو أحد مصادر الثعلبي التي ذكرها في مقدمة تفسيره الكشف والبيان، ينظر: نسخة المحمودية بمكتبة المدينة المنورة العامة (لوحة:١٢)، وله كتاب الرد على الملحدين في متشابه القرآن، أفاد منه ابن جني في الخصائص (٣:٢٨٥)، وذكره في إنباه الرواة (٣:٢٢٠)، وينسب له كتاب في غريب القرآن، وبعضهم ينسب له معاني القرآن، والله أعلم هل هذه الأسماء لكتاب واحد أم هي كتب متعددة.\n(٣) مطبوع بتحقيق محمد علي النجار، وأحمد يوسف نجاتي.\n(٤) مطبوع بتحقيق فؤاد سزكين.\n(٥) مطبوع، وقد حققه فائز فارس، ثم أخرجته هدى قراعة، وتحقيقها أجود.","vol":"1","page":125},{"text":"١٢ - غريبُ القرآنِ، للأخفشِ (ت:٢١٥) (١).\n١٣ - معاني القرآنِ، لأبي زيدٍ سعيدِ بنِ أوسٍ الأنصاريِّ، النَّحويِّ، اللُّغويِّ، البصريِّ (ت:٢١٥) (٢).\n١٤ - معاني القرآن، لأبي عبيد القاسم بن سلام، اللُّغويِّ (ت:٢٢٤) (٣).\n١٥ - غريبُ القرآنِ، لأبي عبدِ اللهِ محمدِ بنِ سلامٍ الجُمَحِيِّ، الأديبِ، البصريِّ (ت:٢٣١) (٤).\n١٦ - غريبُ القرآنِ، لأبي عبدِ الرحمنِ عبدِ اللهِ بنِ يحيى بنِ المباركِ اليزيديِّ (ت:٢٣٧) (٥).\n_________\n(١) هو أحد مصادر الثعلبي التي ذكرها في مقدمة تفسيره الكشف والبيان، ينظر: نسخة المحمودية بمكتبة المدينة المنورة العامة (لوحة: ١١)، وطبقات النحويين واللغويين، للزبيدي (ص:٧٣).\n(٢) إنباه الرواة (٢:٣٠).\nوأبو زيد الأنصاري البصري، كان صاحب لغة ونحو، حدَّث عن أبي عمرو بن العلاء، وروى عنه أبو عبيد وأبو حاتم السجستاني وغيرهم، وكان ثقة ثبتًا، وله مؤلفات كثيرة، منها: كتاب النوادر، وهو مطبوع، توفي سنة (٢١٥). ينظر: مراتب النحويين (ص:٧٣ - ٧٦)، إنباه الرواة (٢:٣٠ - ٣٥).\n(٣) هو أحد مصادر الأزهري في تهذيبِ اللغة (١:٢٠)، والثعلبي في تفسيره الكشف والبيان، ينظر: نسخة المحمودية بمكتبة المدينة المنورة العامة (لوحة: ١١)، وينظر: إنباه الرواة (٣: ١٤، ٢٢).\nوقد نسب إليه أبو الطيب اللغوي كتابًا في غريب القرآن، وزعم أنه منتزع من كتاب أبي عبيدة، واللهُ أعلم. ينظر: مراتب النحويين (ص:١٤٨).\n(٤) ينظر: الفهرست، لابن النديم (ص:٥٢).\nومحمد بن سلام الجُمحي، كان من أهل اللغة والأدب، روى عن الجَمِّ الغفير، وكان صدوقًا، وروى عنه ثعلب وغيره، له كتاب طبقات الشعراء، وهو مطبوع مشهور، توفي سنة (٢٣١) في البصرة. ينظر: معجم الأدباء (١٨:٢٠٤ - ٢٠٥)، وإنباه الرواة (٣:١٤٣ - ١٤٥).\n(٥) ينظر: الفهرست (ص:٥٢)، وإنباه الرواة (٢:١٣٤، ١٥١). =","vol":"1","page":126},{"text":"١٧ - غريبُ القرآنِ، لأبي محمدٍ عبدِ اللهِ بنِ مسلمِ بنِ قُتَيْبَةَ، البصريِّ، اللُّغويِّ، الأديبِ (ت:٢٧٦) (١).\n١٨ - تأويلُ مشكلِ القرآنِ، لابنِ قُتَيْبَةَ (ت:٢٧٦) (٢).\n١٩ - معاني القرآنِ، لأبي العباسِ محمدِ بنِ يزيدَ (المبردِ)، النَّحويِّ، اللُّغويِّ، الأديبِ (ت:٢٨٥) (٣).\n٢٠ - ضياءُ القلوبِ في معاني القرآنِ، للمُفَضَّلِ بنِ سلمةَ، الكوفيِّ، النَّحويِّ، اللُّغويِّ (ت:٢٩٠ تقريبًا) (٤).\n٢١ - معاني القرآنِ، لأبي العباسِ أحمدَ بنِ يحيى (ثعلبٍ) الكوفيِّ، النَّحويِّ، اللُّغويِّ (ت:٢٩١) (٥).\n٢٢ - معاني القرآنِ، لمحمدِ بنِ أحمدَ بنِ كَيسَانَ، النَّحَويِّ، اللُّغويِّ (ت:٢٠٩) (٦).\n_________\n=\nواليزيدي هو: أبو عبد الرحمن عبد الله بن يحيى، وقيل: محمد، كان أديبًا لغويًا، أخذ عن الفراء، وله كتاب في الوقف والابتداء، توفي سنة (٢٣٧). ينظر: نزهة الألباء (ص:١٣٢)، وإنباه الرواة (٢:١٣٤، ١٥١).\n(١) مطبوع بتحقيق السيد أحمد صقر، وهو أحد مصادر الثعلبي التي ذكرها في مقدمة تفسيره الكشف والبيان، ينظر: نسخة المحمودية بمكتبة المدينة المنورة العامة (لوحة: ١١).\n(٢) مطبوع بتحقيق السيد أحمد صقر.\n(٣) الفهرست (ص:٥٢)، وإنباه الرواة (٣:٢٥١).\n(٤) الفهرست (ص:٥٢)، وإنباه الرواة (٣:٣٠٦).\n(٥) الفهرست (ص:٥٢)، وإنباه الرواة (١:١٨٥).\n(٦) الفهرست (ص:٥٢)، وإنباه الرواة (٣:٥٩).\nوابن كيسان، هو محمد بن أحمد، أحد الموصوفين بالفهم، أخذ عن المبرد مذهب البصريين، وعن ثعلب مذهب الكوفيين، فجمع بينهما، وترك التعصُّبَ للفريقين، وكان صاحب قياس في العربية، وله كتاب في الوقف والابتداء، ونحو اختلاف البصريين والكوفيين، وغيرها، توفي سنة (٢٩٩). ينظر: طبقات النحويين واللغويين (ص:١٥٣)، وإنباه الرواة (٣:٥٧ - ٥٩).","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>طريقةُ التَّفسير اللُّغويِّ في هذه الكتبِ:</span>\nلقد استقرأتُ المطبوعَ من هذه الكتبِ، وظهرَ لي من خلال هذا الاستقراءِ أنَّ اللُّغويِّينَ سلكوا في هذه الكتبِ مسلك السَّلفِ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، فظهرَ عندهم التَّفسيرَ على المعنى، وعلمَ الوجوهِ، وأسلوبَ التَّفسيرِ اللَّفظيِّ. غيرَ أنَّ هذا الأخيرَ هو الغالبُ على التَّفسيرِ اللُّغويِّ عندَ اللُّغويِّين، والأولانِ لا يشكِّلانِ شيئًا كثيرًا عندهم.\nوقبلَ أنْ أذكرَ الأمثلةَ على ذلك، سأذكرُ ما تجدُه زائدًا عن السَّلفِ من البحوث في مسائل العربيَّةِ في التَّفسيرِ عند اللُّغويِّين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>أولًا: كثرةُ مباحثِ الصَّرفِ والاشتقاقِ:</span>\nبرزتْ هذه المباحثُ بكثرةٍ عند الفرَّاءِ (ت:٢٠٧) والأخفشِ (ت:٢١٥)، وغالبُ هذه المباحثِ لا أثرَ لها على التَّفسيرِ؛ أي: لا يتوقَّفُ عليها البيانُ. وإنما لما كانَ النَّظرُ اللُّغويُّ عند هؤلاءِ اللُّغويِّين هو المقصدَ في التَّفسيرِ توسَّعُوا في ذكرِ هذه المباحثِ اللُّغويَّةِ.\nويلاحظُ أنَّ هذه المباحثَ الصرفيَّةَ والاشتقاقيَّةَ في كتبِ المعاني، دون كتبِ الغريبِ. ومنَ الأمثلةِ في كتبِ المعاني:\nقال الأخفشُ (ت:٢١٥): «وقال: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ لأنك تقول: طَهَرَتْ المرأةُ، فهي تَطْهُرُ. وقال بعضهم: طَهُرَتْ.\nوقالوا: طَلَقَتْ تَطْلُقُ، وطَلُقَتْ تَطْلُقُ أيضًا. ويقال للنفساءِ إذا أصابها النفاس: نُفِسَتْ، فإذا أصابها الطَّلْقُ: طُلِقَتْ.\nوقال: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] تقول: لَغَوتُ في اليمين، فأنا أَلْغُو لَغْوًا، ومن قال: هو يَمْحَى؛ قال: هو يَلْغَى لَغْوًا ومَحْوًا، وقد سمعنا ذلك من العرب، وتقول لَغِيتُ باسمِ فلانٍ، فأنا أَلْغَا به لَغًا؛ أي: أذكُرُهُ» (١).\n_________\n(١) معاني القرآن للأخفش، تحقيق: هدى قراعة (١:١٨٦ - ١٨٧).","vol":"1","page":128},{"text":"قال الفراء (ت:٢٠٧) في قوله تعالى: ﴿لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]: «والعوان ليست بنعتٍ للبِكرِ؛ لأنها ليست بِهَرِمَةٍ ولا شابَّةٍ. انقطع الكلام ثمَّ استأنف، فقال: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ والعوانُ يقال منه: قد عَوَّنت، والفارض: قد فَرَضت. وبعضهم: قد فَرُضت.\nوأما البِكْرُ فلم نسمع فيها بفعلٍ.\nوالبِكْرُ بكَسرِ أوَّلها إذا كانت بِكْرًا من النساءِ، والبَكْرُ - مفتوحٌ أوُّلُهُ - من بِكَارَةِ الإبل» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>ثانيًا: كثرة المباحث النحوية:</span>\nكان النَّحوُ وَعِلَلُهُ بارزًا في كتب المعاني، وقد كان أحدَ مقاصدِ التأليفِ في كتب المعاني دون كتب الغريب، وهذا مما لا تجده عند السلف، ومن الأمثلة على ذلك:\nقال الفرَّاء (ت:٢٠٧) «وقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال: ٥٨] يقول: نقضَ عهدٍ. ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ بالنقض ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ يقول: افعل كما يفعلون سواءً. ويقال في قوله: ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾: جَهْرًا غيرَ سِرٍّ.\nوقوله: ﴿تَخَافَنَّ﴾ في موضع جزمٍ، ولا تكاد العرب تدخلُ النون الشديدة ولا الخفيفة في الجزاء حتى يصلوها بـ «ما»، فإذا وصلوها، آثروا التنوين، وذلك أنهم جعلوا لـ «إمَّا» وهي جزاء شبيهًا بإمَّا من التخيير، فأحدثوا التنوين ليعلم به تفرقة بينهما، ثمَّ جعلوا أكثر جوابها بالفاء؛ كذلك جاء التنزيل، قال: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾، ثمَّ قال: ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر: ٧٧]، فاختيرت الفاء لأنهم إذا نوَّنوا في إمَّا جعلوها صدرًا للكلام، ولا يكادون يؤخرونها.\nليس من كلامهم: اضربه إمَّا يقومن، إنما كلامهم أن يقدموها، فلما\n_________\n(١) معاني القرآن، للفراء، تحقيق: محمد علي النجار وأحمد نجاتي (١:٤٤ - ٤٥).","vol":"1","page":129},{"text":"لزمت التقديم صارت كالخارج من الشرط، فاستحبوا الفاء وآثروها، كما استحبوها في قولهم: أما أخوك فقاعد، حين ضارعتها» (١).\nوقال أبو عبيدة (ت:٢١٠) في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَّرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠]: «انتصب ولم تعمل (هو) فيه، وكذلك ما وقفت فيه فلم يتمَّ إلاَّ بِخَبَرٍ؛ نحو: ما ظننتُ زيدًا هو خيرًا منك، وإنما نصبت خيرًا؛ لأنك لا تقول: ما ظننتُ زيدًا، ثمَّ تسكتُ، وتقولُ: رأيتُ زيدًا فيتمَّ الكلام، فلذلك قلت: هو خيرٌ منك، فرفعتَ، وقد يجوز في هذا النصبُ» (٢).\nوقال الأخفش (ت:٢١٥) - في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم: ٥١]ـ: «وهذه إِنْ التي تكونُ للإيجابِ وهي في معنى الثقيلةِ، إلاَّ أنَّها ليست بثقيلةٍ؛ لأنَّكَ إذا قلتَ: إِنْ كان عبدُ اللهِ لظريفًا، فمعناه: إنَّ عبدَ اللهِ لَظَرِيفٌ قبلَ اليومِ، فـ «إنْ» تدخل في هذا المعنى، وهي خفيفةٌ» (٣).\nهذه الأمثلةُ - وهي كثيرةٌ جدًا في معاني القرآنِ للفرَّاءِ (ت:٢٠٧) والأخفش (ت:٢١٥) - توضِّحُ صورةَ المسائلِ النَّحويةِ التي طَرَقَهَا اللُّغويُّون في كتبِ المعاني، ويلاحظُ أنَّ أغلبَ هذه المسائلِ لا أثرَ فيه على التَّفسيرِ، بل هي بكتب النَّحْوِ ألصقُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>ثالثًا: كثرةُ الاستشهادِ منْ لغةِ العربِ:</span>\nلقدْ كانَ الشَّاهدُ العربيُّ عند اللُّغويِّين ذا قيمةٍ كبيرةٍ. ويلاحظُ هاهنا أمرانِ:\nالأولُ: أنَّ الشَّواهدَ للمسائلِ النَّحويَّةِ والصَّرفيَّةِ والاشتقاقيَّةِ أكثرُ من الشَّواهدِ اللُّغويَّةِ في كتبِ معاني القرآنِ.\n_________\n(١) معاني القرآن، للفراء (١:١٤١).\n(٢) مجاز القرآن، لأبي عبيدة (١:١١٠). ومن الملاحظ أنَّ المسائلَ النحويةَ في كتابهِ قليلةٌ.\n(٣) معاني القرآن، للأخفش، تحقيق: هدى قراعة (٢:٥٤٧).","vol":"1","page":130},{"text":"الثاني: أنَّ كتبَ الغريبِ يكثر فيها الاستشهادُ اللُّغويُّ، وهي أكثرُ من شواهدِ كتبِ المعاني في هذا البابِ.\nومنَ الأمثلةِ على هذه الشَّواهدِ في كتبِ اللُّغويِّين ما يلي:\n١ - قال الفراءُ (ت:٢٠٧): «وقولُهُ: ﴿لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [الفرقان: ٢١]: لا يخافون لقاءنا، وهي لغةٌ تِهاميَّةٌ، يَضَعُونَ الرَّجاءَ في موضعِ الخوفِ إذا كان معه جحدٌ. ومن ذلك قول الله: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]؛ أي: لا تخافون له عظمةً، وأنشدني بعضهم (١):\nلا تَرْتَجِي حين تُلاقِي الذَّائِدا ... أَسَبْعَةً لاقتْ مَعًا أَمْ واحِدا\nيريد: لا تخاف ولا تبالي. وقال الآخر (٢):\nإذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لم يَرْجُ لَسْعَها ... وَحَالَفَهَا في بيتِ نُوبٍ عَوَامِلِ\nيقال: نَوب ونُوب، ويقال: أَوب وأُوب: من الرجوع.\nوقال الفرّاء: والنُّوبُ: ذَكَرُ النَّحْلِ» (٣).\n٢ - وقال أبو عبيدة (ت:٢١٠) - في قوله تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٤]ـ: «نومًا ولا شرابًا، وقال الكندي (٤):\n_________\n(١) أورده الفراء في معانيه (١:٢٨٦)، وقوله في هذا الموضع: «وأنشدني بعضهم» يدلُّ على أنه من روايته، ولم يبيِّن هذا المنشد، هل هو القائل للبيت، أو هو راوٍ له؟\nوقد ذُكر هذا البيت في المصادر التي جاءت بعده بلا نسبة، ينظر: تهذيب اللغة (١١:١٨٢)، ومادة (رجا) في أساس البلاغة ولسان العرب وتاج العروس.\n(٢) هو لأبي ذؤيب الهذلي، ينظر: ديوان الهذليين (١:١٤٣)، وفي البيت: «خالفها» بدلًا عن «حالفها»، وهما روايتان كما نصَّ عليه الشارح للديوان، وقال: «والنُّوبُ: التي تنوبُ، تجيء وترجع».\n(٣) معاني القرآن، للفراء (٢:٢٦٥).\n(٤) البيت بتمامه:\nبَرَدَتْ مَرَاشِفُهَا عَلَيَّ، فَصَدَّنِي ... - عَنْهَا وَعَنْ قُبْلَتِهَا - البَرْدُ\nولم أعرف من هو الكندي الذي نُسِب إليه الشعر، وقد نقل استشهاد أبي عبيدة به: =","vol":"1","page":131},{"text":".. فَصَدَّني ... • عنها وعن قُبْلَتِها - البَرْدُ\nأي: النُّعاس» (١).\n٣ - وقال الأخفش (ت:٢١٥): «وقوله: ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، تقول: نَذَرَ يَنْذُرُ على نفسه نَذْرًا، ونَذَرْتُ مالي، فأنا أَنْذُرُهُ نَذْرًا، أخبرنا بذلك يونس (٢) عن العرب. وفي كتاب الله: ﴿لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥]، وقال الشَّاعرُ (٣):\nهُمْ يَنْذُرُونَ دَمِي وَأَنْـ ... ـذُرُ إِنْ لَقِيتُ بأنْ أَشُدَّا\nوقال غيرُه (٤):\nالشَّاتِمِي عِرْضِي ولم أَشْتُمْهُمَا ... والنَّاذِرِينَ إذا لم أَلْقَهُمَا دَمِي» (٥)\n٤ - وقال ابن قتيبة (ت:٢٧٦) - في غريب القرآن، في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: ١١]؛ «أي: عُظْمَهُ، وقال الشاعرُ (٦) - يَصِفُ امرأةً ـ:\nتنامُ عن كِبْرِ شَأنِها فإذا ... قامتْ رُوَيدًا تكادُ تنغرفُ\nأي: تنامُ عن عُظْمِ شأنها؛ لأنها مُنَعَّمَةٌ» (٧).\nوقال في تأويل مشكل القرآن: «... ومن ذلك قوله: ﴿وَلَكِنْ لاَ\n_________\n= الطبري في تفسيره، ط: الحلبي (٣٠:٨)، وابن دريد في الجمهرة (١:٢٩٥)، والاشتقاق، له، تحقيق: عبد السلام هارون (ص:٤٧٨).\n(١) مجاز القرآن (٢:٢٨٢).\n(٢) هو يونس بن حبيب الضَّبِّي، وقد مضت ترجمته.\n(٣) البيت لعمرو بن معدي كرب، وهو في ديوانه، تحقيق: هاشم الطعان (ص:٦٩).\n(٤) البيت لعنترة، وهو من معلَّقته، ينظر: أشعار الشعراء الستة الجاهليين، للأعلم الشنتمري، تحقيق: محمد خفاجي (٢:١٢٣).\n(٥) معاني القرآن، للأخفش (١:٢٠٢).\n(٦) البيت لقيس بن الخطيم، وهو في ديوانه، تحقيق: ناصر الدين الأسد (ص:١٠٦).\n(٧) غريب القرآن، لابن قتيبة، تحقيق: السيد أحمد صقر (ص:٣٠١).","vol":"1","page":132},{"text":"تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥]؛ أي: نكاحًا؛ لأنَّ النكاحَ يكونُ سِرًّا ولا يظهرُ، فاستُعيرَ له السِّرُّ. قال رؤبةُ (١):\nفَعَفَّ عن أَسْرَارِها بعد العَسَقِ\nوالعَسَقُ: الملازمةُ» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>رابعًا: بيانُ الأساليبِ العربيَّةِ الواردةِ في القرآنِ:</span>\nاعتنى اللُّغويُّونَ ببيانِ الأساليبِ العربيَّةِ الواردةِ في القرآنِ: من حذفٍ واختصارٍ، وذكرٍ للسَّببِ وتركِ المسببِ، وعكسِه، وذكرٍ للواحدِ بلفظِ الجمعِ، وعكسِه، وذكرٍ للإجابة على خاصٍّ بلفظِ العامِّ، وعكسِه، وغيرِها.\nوقد كان لاهتمامهم هذا أسبابٌ؛ كالنَّصِّ على عربيَّة القرآن؛ كما عند أبي عبيدة (ت:٢١٠) في مجاز القرآن، والردِّ على الطَّاعنين فيه؛ كما عند ابن قتيبة (ت:٢٧٦) في تأويل مشكل القرآن.\nومن الأمثلة الواردة في كتبهم:\n١ - قال الفراء (ت:٢٠٧) - في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]ـ: «فإن قال قائلٌ: فأين جواب ﴿أَمَّنْ هُوَ﴾ فقد تبين في الكلام أنه مضمر، قد جرى معناه في أوَّل الكلمة، إذ ذكر الضالَّ، ثمَّ ذكر المهتدي بالاستفهام، فهو دليل على أنه يريد: أهذا مثل هذا، أو هذا أفضل أم هذا. ومن لم يعرف مذاهب العرب ويتبين له المعنى في هذا وشبهه لم يكتفِ ولم يشتفِ، ألا ترى قول الشاعر (٣):\n_________\n(١) رؤبةُ بن العجاج، أبو العجاج، الراجز المشهور، أمضى آخر أيامه في البصرة، وتوفي بها سنة (١٤٥)، ينظر: مقدمة وليم بن الورد لديوان رؤبة، ومعجم الشعراء (ص:١٠٠).\nوالرجز في ديوانه، تحقيق: وليم بن الورد (١٠٤).\n(٢) تأويل مشكل القرآن؛ لابن قتيبة، تحقيق: السيد أحمد صقر (ص:١٤١).\n(٣) البيت لامرئ القيس في ديوانه (ص:٢٤٢)، وأوله: أجِدَّكَ.","vol":"1","page":133},{"text":"فَأُقْسِمُ لَوْ شَيءٌ أَتَانَا رَسُولُهُ ... سِوَاكَ، وَلَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعا\nأنَّ معناه: لو أتانا رسولُ غيرك لدفعناه، فَعُلِمَ المعنى ولم يُظْهِرْ. وجَرَى قوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ [الزمر: ٢٢] على مثلِ هذا» (١).\n٢ - وقال أبو عبيدة (ت:٢١٠) - في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]ـ: «العربُ تؤكِّدُ الشيءَ وقد فُرِغَ منه، فتقيدُهُ بلفظِ غيرِه تفهيمًا وتوكيدًا» (٢).\n٣ - وفي قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٢]، قال الأخفشُ (ت:٢١٥): «وقال في أوَّل هذه السورةِ: كتابٌ أُنزلَ إليك لتنذرَ به فلا يكنْ في صدرِكَ حَرَجٌ منه، هكذا تأويلُها على التَّقديمِ والتَّأخيرِ.\nوفي كتابِ اللهِ مثلُ ذلكَ كثيرٌ، وقال: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨] والمعنى - واللهُ أعلمُ ـ: فانظرْ ماذا يرجعون، ثمَّ تولَّ عنهم ... ومثلُ هذا في كلامِ العربِ وفي الشِّعرِ كثيرٌ في التَّقديمِ والتَّأخيرِ. يَكتبُ الرَّجلُ: أما بعدُ - حفظكَ اللهُ وعافاك - فإني كتبتُ إليك. فقوله: «فإني»: محمولٌ على «أما بعد»، إنما هو: أمَّا بعدُ، فإنِّي، وبينهما - كما ترى - كلامٌ.\nقال الشَّاعرُ (٣):\nخيرٌ من القومِ العصاةِ أميرَهم ... يا قومِ فاستحيوا، النساءُ الجُلَّسُ\nوالمعنى: خيرٌ من القومِ العُصَاةِ أميرَهم النساءُ الجُلَّسُ، فاستحيوا يا قوم ...» (٤).\n_________\n(١) معاني القرآن، للفراء (٢:٤١٧). وينظر (١:١٤، ٣١)، (٢:٤١٦).\n(٢) مجاز القرآن، لأبي عبيدة (١:٧٠).\n(٣) لم أجده في ما بين يدي من المراجع، وكذا قالت محققة كتاب الأخفش.\n(٤) معاني القرآن، للأخفش (١:٣٢٨ - ٣٢٩).","vol":"1","page":134},{"text":"٤ - وقال ابن قتيبة (ت:٢٧٦): «... وتبينَ له - أيضًا - أنَّ أفعالَ المجازِ لا تَخْرُجُ منها المصادرُ ولا تؤكَّدُ بالتَّكرارِ، فتقولُ: أرادَ الحائطُ أن يسقطَ، ولا تقولُ: أرادَ الحائطُ أن يسقطَ إرادةً شديدةً، واللهُ تعالى يقولُ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] فوكَّدَ بالمصدرِ معنى الكلامِ، ونفى عنه المجازَ.\nوقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فوكَّدَ القولَ بالتَّكرارِ، ووكَّد المعنى بإنما» (١).\nولو تُتُبِّعَتِ الأساليبُ العربيَّةُ التي نزلَ بها القرآنُ لشكَّلتْ بحثًا مستقلًّا، واللهُ الموفقُ.\nوبعد، فهذه أظهرُ الموضوعات التي أبدعَها اللُّغويُّون في التَّفسيرِ زيادةً عن الَّذي جاءَ عنِ السَّلفِ ﵃، أمَّا ما وردَ عن السَّلفِ من موضوعاتِ التفسيرِ اللُّغويِّ فهي متفاوتةٌ عند اللُّغويين، وهي كالآتي.\n\nأوَّلًا:<span data-type=\"title\" id=toc-45> التَّفسيرُ على المعنى </span>عند اللُّغويِّين:\nأمَّا التَّفسيرُ على المعنى، فكان قليلًا عند اللُّغويِّينَ، وإنْ كانَ لا يمكنُ أنْ ينفكَّ عنه المفسِّرُ، ومن ذلكَ تفسيرُ أبي عُبَيدَةَ (ت:٢١٠) قولَ الله تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٠٢]، قال: «هذا القرآنُ ما يُتْلَى عليكم، فلذلك ذَكَّره، والعربُ تفعلُ ذلكَ، قال (٢):\nقَبَائلُنا سبعٌ وأنتم ثلاثةٌ،\nولَلسَّبعُ أَزْكَى من ثَلاثٍ وأكثرُ\nذكَّرَ «ثلاثة» ذهبَ به إلى «بطنٍ»، ثُمَّ أَنَّثَهُ لأنَّه ذهبَ به إلى «قبيلة».\nومجاز بصائر؛ أي: حُجَجٌ وبيانٌ وبرهانٌ» (٣).\n_________\n(١) تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة (ص:١١١).\n(٢) هو للقتال الكلابي، كما في ديوانه، تحقيق: إحسان عباس (ص:٥٠). وفيه: «خير» بدل: «أزكى».\n(٣) مجاز القرآن، لأبي عبيدة (١:٢٣٧). وينظر: تفسير: وكَّلنا (ص:٢٠٠)، وتفسير: =","vol":"1","page":135},{"text":"فأبو عبيدة (ت:٢١٠) في هذا المثالِ تراه فسَّرَ المراد بالبصائرِ في الآيةِ، وهذا هو التَّفسيرُ على المعنى، ثمَّ ذكرَ وجهَ التَّذكيرِ فيه، ثمَّ ذكرَ التَّفسيرَ اللَّفظيَّ لبصائر.\n\nثانيًا:<span data-type=\"title\" id=toc-46> علم الوجوه والنَّظائر عند اللُّغويِّين:</span>\nأمَّا علمُ الوجوهِ والنَّظائرِ، فلمْ أجدْ لأحدٍ من أهلِ اللُّغةِ كتابًا خاصًّا فيه، وقد خصَّ ابن قتيبة (ت:٢٧٦) هذا العلمَ بمبحثٍ من كتابه: «تأويل مشكل القرآن» تحتَ بابٍ بعنوانِ: (اللَّفظُ الواحدُ للمعاني المختلفةِ) (١)، ومن الأمثلةِ التي ذكرها في ذلك:\nقال: «الحَرَجُ: أصلُه الضِّيقُ (٢).\nومن الضِّيقِ: الشَّكُّ؛ كقول الله تعالى: ﴿فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ٢]؛ أي: شكٌّ؛ لأنَّ الشَّاكَّ في الشَّيءِ يضيقُ صدرًا به.\nومنَ الحرجِ الإثمُ، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]؛ أي: إثمٌ، ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: ٩١]؛ أي: إثمٌ.\nوأمَّا الضِّيقُ بعينِه، فقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:\n_________\n= إلى حين (ص:٢١٢)، والجزء الثاني: تفسير: العذاب (ص:٦٣)، وتفسير: ضللنا (ص:١٣١)، وتفسير: أوجس (ص:٢٢٧)، وتفسير: اسعوا (ص:٢٥٨)، وتفسير: الأبتر (ص:٣١٤).\n(١) تأويل مشكل القرآن (ص:٤٤١ - ٥١٥). وقد نصَّ على عبارة الوجوه في كتابه في غريب القرآنِ، عند ذكر بعض الألفاظِ التي بيَّنتها في هذا المبحثِ، ومن ذلك قوله: «والبلاءُ يتصرَّفُ على وجوهٍ كما بيَّنتُها في كتابِ المشكل». تفسير غريبِ القرآنِ (ص:٤٨)، وهو في تأويلِ مشكلِ القرآن (ص:٤٦٩)، وينظر أمثلةً أخرى لورودِ مصطلح الوجوه في تفسير غريب القرآن: (ص:٥٠، ٦٢، ٦٦، ٧١، ٩١، ١٠١، ١٠٣)، وغيرها.\n(٢) مما تميَّز به طرحُ ابن قتيبةَ للوجوه القرآنيةِ أنه يذكر أصلَ المعنى في اللغةِ، وهذا ما لا تجده في كتبِ أتباع التابعينَ في الوجوه والنظائرِ، واللهُ أعلم.","vol":"1","page":136},{"text":"٧٨]؛ أي: ضيقٍ، و﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]، و﴿حَرِجَا﴾ (١). ومنه الحَرَجَةُ، وهي: الشَّجرُ المُلْتَفُّ» (٢).\nأمَّا كتابُ المبرد (ت:٢٨٥): (ما اتفقَ لفظُه: واختلفَ معناه من القرآنِ المجيدِ)، فإنَّ عنوانَه يوحي بعلاقتِه بعلمِ الوجوه والنَّظائرِ، إلا أنَّه لم يقتصرْ فيه على هذا العلمِ، بل حَوَى - مع صِغَرِ حجمِهِ - موضوعات أخرى؛ كالحذفِ، والاختصارِ، والتَّحويلِ في القرآنِ وكلامِ العربِ، ومما ذكره في هذا الموضوع، قوله: «فمما اتفقَ لفظهُ واختلفَ معناه، قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، هذا لِمَنْ شكَّ، ثُمَّ قالَ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، فهذا يقين؛ لأنهم لو لم يكونوا مُستيقنينَ، لكانوا ضُلاَّلًا شُكَّاكًا في توحيد الله تعالى.\nومثلُه في اليقينِ قولُ المؤمنِ: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]؛ أي: أيقنتُ. ومثلُه قوله تعالى: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]؛ أي: أيقنوا ...» (٣).\nوالمنثورُ من هذا العلمِ في كتبِ اللُّغويِّينَ ليسَ كثيرًا إذا ما قِيسَ بما كتبَهُ أتباعُ التَّابعينَ، وقد كان أكثرُ اللُّغويِّينَ اهتمامًا به - بعد ابن قتيبة (ت:٢٧٦) - ابنُ عُزَيزٍ السِّجِسْتَانِيُّ (ت:٣٣٠) (٤) في كتابِه: غريبِ القرآنِ، كما سيأتي في الحديث عنه (٥).\n_________\n(١) قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم بكسر الراء، وقرأ الباقون بفتح الراء، ينظر: القراءات وعلل النحويين فيها، للأزهري (١:٢٠١).\n(٢) تأويلُ مشكل القرآن (ص:٤٨٤).\n(٣) ما اتفق لفظه واختلف معناه في القرآن المجيد، للمبرد، تحقيق: أحمد محمد سليمان أبو رعد (ص:٥٣).\n(٤) محمد بن عُزيز، أبو بكر السجستاني، اللغوي، اختُلِفَ في اسم أبيه، صنف كتابه في غريب القرآن في خمسة عشر سنة، وقرأه على ابن الأنباري، توفي سنة (٣٣٠). ينظر؛ نزهة الألباء (ص:٢٣١ - ٢٣٢)، وبغية الوعاة (١:١٧١ - ١٧٢).\n(٥) ينظر في هذا البحث: مصادر التفسير (كتب غريب القرآن).","vol":"1","page":137},{"text":"ثالثًا:<span data-type=\"title\" id=toc-47> أسلوبُ التَّفسير اللَّفظيِّ عند اللُّغويِّين:</span>\nوأمَّا أسلوبُ التفسيرِ اللَّفظيِّ، فإنه بارزٌ بروزًا لا يخفى على منْ يقرأُ في كتبِ اللُّغويِّينَ، بل كانَ هذا منْ أصولِ بحثهم في القرآنِ. وقد كانتْ طريقةُ إيرادِهم له كطريقةِ السَّلفِ، وإليك بيانُ ذلك بالأمثلةِ:\nالأول: أنْ يُفسِّروا اللَّفظَ، دونَ أنْ يستشهدوا لهذا التَّفسيرِ:\nمنْ خلالِ ما كتبَهُ اللُّغويُّونَ في هذا، فإنَّه يظهرُ أنه كانَ الأغلبَ على تفسيرِهم اللُّغويِّ، حيث كانوا يُورِدُونَ معنى اللَّفظِ دونَ ذِكْرِ الشَّواهدِ على ذلك، وقد كان هذا الأسلوبُ غالبًا على كتبِ غريبِ القرآنِ. ومن أمثلةِ ذلك في كتبِ اللُّغويِّينَ:\n١ - في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨]، قال الفرَّاءُ (ت:٢٠٧): «وقوله: ﴿صَعِيدًا﴾؛ الصَّعيدُ: التُّرابُ. والجُرُزُ: أنْ تكونَ الأرضُ لا نباتَ فيها، يقال: جُرِزَتِ الأرضُ، وهي مَجْرُوزَةٌ، وجَرَزَهَا الجرادُ أو الشَّاءُ أو الإبلُ، فَأَكَلْنَ ما عليها» (١).\n٢ - وفي تفسير لفظِ المهادِ من قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، قال أبو عبيدةَ (ت:٢١٠): «الفراش» (٢).\n٣ - وفي تفسير لفظِ يؤوده، قال الأخفشُ (ت:٢١٥): «وقال: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ لأنه من آدهُ يؤودُه أوْدًا، وتفسيرُه: لا يُثْقِلُهُ» (٣).\n_________\n(١) معاني القرآن، للفراء (٢:١٣٤)، وينظر فيه: مدَّ (ص:٥٨)، الأرحام (ص:٩١)، أربى (ص:١١٣)، باخع (ص:١٣٤)، وغيرها.\n(٢) مجاز القرآن، لأبي عبيدة (١:٧١)، وينظر فيه: آسى (ص:٢٢٢)، نمد لهم (ص:٢٢٣)، تستفتحوا، فئتكم، تولوا (ص:٢٤٥)، وغيرها.\n(٣) معاني القرآن، للأخفش (١:١٩٦)، وينظر فيه: فصرهنَّ (ص:١٩٩)، أحسَّ (ص:٢٢١)، ودَّوا (ص:٢٣٢)، تُصعدون (ص:٢٣٦)، يغل (ص:٢٣٩)، نفقًا (ص:٢٩٨)، وغيرها.","vol":"1","page":138},{"text":"٤ - وفي تفسيرِ لفظِ الغشاوةِ، من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، قال ابنُ قتيبةَ (ت:٢٧٦): «والغِشاوةُ: الغِطاءُ. ومنه يقال: غَشِّهِ بثوبٍ؛ أي: غَطِّهِ. ومنه قيل: غاشيةُ السِّراجِ؛ لأنها غطاءٌ له، ومثلُه قولُه: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]» (١).\nالثاني: أنْ يستشهدوا لتفسيرِهم:\nقد مضى أمثلةٌ لاستشهادِ اللُّغويِّينَ بأشعارِ العربِ (٢)، أمَّا استشهادُهم بالنَّثْرِ، فكانَ على قسمين:\nالأوَّلُ: أن ينصُّوا على أنَّ ذلكَ لغةُ العربِ، وغالبًا ما تكونُ عبارتُهم: تقولُ العربُ، وهذا قولُ العربِ، ثُمَّ يذكرونَ شيئًا من نَثْرِها، ومنْ ذلكَ:\n١ - قال الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) في تفسيرِ لفظِ مثبورًا: «وقولُه: ﴿يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢]: ممنوعًا من الخيرِ. والعربُ تقولُ: ما ثَبَرَكَ عن ذا؟ أي: ما منعَك عنه وصرفَك عنه» (٣).\n٢ - وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ [المائدة: ١٠٧]، قال أبو عبيدة (ت:٢١٠): «أي: فإن ظهرَ عليه وَوَقَعَ، وهو منْ قولِهم: عَثَرَتْ على أغزلَ بأخرةٍ، فلمْ تَدَعْ بِنَجْدٍ قَرَدَةً» (٤).\n٣ - وقال الأخفشُ (ت:٢١٥): «وقال: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ [هود: ٧٤]: وهو الفزعُ، يقال: أَفْرَخَ رَوْعُكَ، وأُلْقِيَ في رُوعِي؛ أي: في خَلَدِي. الرُّوعُ: القلبُ والعقلُ، والرَّوعُ: الفزعُ» (٥).\n٤ - وفي تفسيرِ لفظِ ظهريًّا من قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾\n_________\n(١) غريب القرآن، لابن قتيبة (ص:٤٠)، وأغلب الكتاب سار على هذا المنهج.\n(٢) ينظر: (ص:١٥٠ - ١٥٤).\n(٣) معاني القرآن، للفراء (٢:١٣٢)، وينظر فيه: (ص:٥٩، ١٧٤، ١٩٣، ٢٠٥، ٢٥٦).\n(٤) مجاز القرآن، لأبي عبيدة (١:١٨١)، وينظر (٢:٢٨٦).\n(٥) معاني القرآن، للأخفش (١:٣٨٦)،","vol":"1","page":139},{"text":"[هود: ٩٢]، قال ابن قتيبة (ت:٢٧٦): «أي: لم تلتفتوا إلى ما جئتكم به عنه، تقولُ العربُ: جعلتني ظِهريًّا، وجعلتَ حاجتي منك بظهرٍ: إذا أعرضتَ عنه وعن حاجته» (١).\nالثاني: أن ينصُّوا على لغة القبيلة التي نزل بها القرآن، وهذا من أقلِّ ما ورد عنهم في التَّفسيرِ اللُّغويِّ. ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال الفرَّاءُ (ت:٢٠٧): «وقوله: ﴿أَوَّاهٌ﴾ [هود: ٧٥] دعَّاءٌ، ويقالُ: هو الذي يتأوَّهُ من الذُّنوبِ، فإذا كانت مِن: يتأوَّهُ من الذُّنوبِ، فهي من: أوِّهْ له، وهي لغةُ بني عَامِرٍ (٢) ...» (٣).\n٢ - وفي تفسيرِ قوله تعالى: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، قال ابن قتيبة (ت:٢٧٦): «أي: افعلْ بهم فعلًا منَ العقوبةِ والتنكيلِ يتفرقُ به من وراءهم من أعدائك. ويقالُ: شرِّدْ بهم: سَمِّعْ بهم، لغةُ قريشٍ ...» (٤).\nوأخيرًا، فإن غالب اللُّغويِّين والمفسِّرين الذين جاؤوا بعد هؤلاءِ لم يضيفوا جديدًا على الأسلوبِ التَّفسيريِّ اللُّغويِّ، بل اعتمدوا ما ورد عن أعلامِ المفسِّرين واللُّغويِّينَ في هذه الفترةِ، وإن كانَ ثَمَّت زيادةٌ، فإنها في الأوجه التَّفسيريَّةِ للمفرداتِ أو الأساليبِ، والله أعلم.\n_________\n(١) غريب القرآن، لابن قتيبة (ص:٢٠٩)، وينظر (ص:١٣١، ١٧٢، ٢٠٩، ٢٦٦، ٣٠٨، ٣١٧، ٣٢٩، ٣٤٨، ٣٥٦، ٣٧٠، ٣٧٧، ٣٩١، ٣٩٨، ٤٢٧، ٥٣٣).\n(٢) يطلق بنو عامر على جمهرةٍ من العربِ، منهم: بنو عامر بن ربيعة، وبنو عامر بن ضبة، وبنو عامر من عبد القيس، وبنو عامر من عدي، ينظر: الاشتقاق (ص:١٤، ١٨٧، ١٩١، ٢٩٥).\n(٣) معاني القرآن، للفراء (٢:٢٣)، وينظر فيه (١٥٤، ٢١٢، ١٦٥)، (٣:١٩٧).\n(٤) غريب القرآن، لابن قتيبة (ص:١٨٠).","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الفصل الثالث\nمسائل في نشأة التفسير اللغوي</span>\nالمسألة الأولى: في سَبْقِ السلفِ في علمِ التَّفسيرِ.\nالمسألة الثانية: شمولُ التَّفسيرِ بين السَّلفِ واللُّغويِّين.\nالمسألة الثالثة: في الاعتمادِ على اللُّغةِ.\nالمسألة الرابعة: في الشَّاهِدِ الشِّعريِّ.\nالمسألة الخامسة: في علمِ الوجوهِ والنَّظائرِ.\nالمسألة السادسة: التَّفسيرُ اللُّغويُّ بين البصرةِ والكوفةِ.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المسألة الأولى\nفي سَبْقِ السَّلفِ في علمِ التَّفسيرِ</span>\nكان علم التَّفسير علمًا مستقلًّا قائمًا بذاته منذ عهد الصَّحابة ﵃، وكان لهذا العِلْمِ أعلامُه البارزون؛ كعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ الهُذَليِّ (ت:٣٥)، وعبدِ اللهِ بنِ عبَّاسِ (ت:٦٨).\nثمَّ حمله من بعدِهم جَمْعٌ من أعلامِ جيلِ التَّابعين؛ كأبي العالية الرِّيَاحِيِّ (ت:٩٣)، وسعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:٩٤)، وعامرٍ الشَّعبيِّ (ت:١٠٣)، ومجاهدِ بنِ جبرٍ (ت:١٠٤)، والضَّحَّاكِ بنِ مزاحمٍ (ت:١٠٥)، وعكرمةَ (ت:١٠٥)، والحسنِ البَصْرِيِّ (ت:١١٠)، وقتادةَ بنِ دِعَامَةَ السَّدُوسِيِّ (ت:١١٧)، ومحمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ (ت:١٢٠) (١)، وزيدِ بنِ أَسْلَمَ (ت:١٣٦) (٢)، وغيرِهم. وكان مفسِّرو التَّابعينَ أكثرَ طبقاتِ السَّلفِ مشاركةً في التَّفسيرِ.\nثمَّ حملَه في جيلِ أتباعِ التَّابعين أمثالُ: إسماعيلَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ\n_________\n(١) محمد بن كعب القرظي، المدني، من كبار التابعين، ولد في حياة النبي ﷺ، نزل الكوفة، ثمَّ رجع إلى المدينة، وروى عن أبي بن كعب وغيره، وله تفسير يُروى عنه، مات في المدينة سنة (١٢٠)، وقيل غيرها: ينظر: القسم المتمم لطبقات ابن سعد، تحقيق: زياد منصور (ص:١٣٤ - ١٣٧)، ومعجم المفسرين (٢:٦٠٨ - ٦٠٩).\n(٢) زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب، المدني، فقيه، مفسر، وكان ثقة كثير الحديث، له تفسير للقرآن، رواه عنه ابنه عبد الرحمن وغيره، توفي سنة (١٣٦)، وقيل غيرها.\nينظر: القسم المتمم لطبقات ابن سعد، تحقيق: زياد منصور (ص:٣١٤ - ٣١٦)، ومعجم المفسرين (١:١٩٧).","vol":"1","page":143},{"text":"السُّدِّيِّ (ت:١٢٨)، والرَّبيعِ بنِ أنسٍ البكريِّ (ت:١٣٩) (١)، ومحمدِ بنِ السَّائبِ الكَلْبِيِّ (ت:١٤٦) (٢)، ومقاتلِ بن حيَّانٍ البلخيِّ (ت:١٥٠) (٣)، ومقاتلِ بنِ سليمانَ البَلْخِيِّ (ت:١٥٠)، وعبدِ الملكِ بنِ جُرَيجٍ المَكِّيِّ (ت:١٥٠)، وسُفيانَ بنِ سعيدٍ الثَّوريِّ (ت:١٦١)، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ زيدِ المدنِيِّ (ت:١٨٢)، ويحيى بنِ سلامٍ البصريِّ (ت:٢٠٠)، وغيرِهم.\nهذا، وقد برزتْ كتابةُ التَّفسيرِ وتدوينُهُ في عهدِ التَّابعينِ وأتباعِهم، وكانَ لهم في ذلك صحائفُ وكتبٌ، مع ما كانَ لبعضِهم منْ رواياتٍ شفويةٍ، ومِمَّنْ كتبَ التَّفسير، أو أملاه على تلاميذِه:\n١ - سعيدُ بنُ جبيرٍ (ت:٩٤) الذي كتبَ جملةً منَ التَّفسيرِ لعبدِ الملكِ بنِ مروانَ (ت:٨٦) (٤).\nوعن وِقاءِ بنِ إياس (٥)، قال: «رأيتُ عَزْرةَ (٦) يختلفُ إلى سعيدِ بنِ\n_________\n(١) الربيع بن أنس البكري، بصريٌّ، نَزَلَ خرسان، روى عن أنس بن مالك وغيره، صدوق له أوهام توفي سنة (١٣٩)، وقيل غيرها. ينظر: تهذيب الكمال (٢:٤٥٦).\n(٢) محمد بن السائب الكلبي، أبو النظر، المفسر، متروك الحديث، له كتاب في التفسير، توفي سنة (١٤٦). ينظر: تهذيب الكمال (٦:٣١٨ - ٣١٩).\n(٣) مقاتل بن حيان، أبو بسطام البلخي، المحدث المفسر، الثقة، توفي قبل (١٥٠). ينظر: سير أعلام النبلاء (٦:٣٤٠ - ٣٤١)، وتهذيب التهذيب (١٠:٢٧٧ - ٢٧٩).\n(٤) قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦:٣٣٢): «سئل أبي عن عطاء بن دينار، فقال: هو صالح الحديث، إلاَّ أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في الديوان، فأرسله عن سعيد بن جبير».\nوفيه عن أحمد بن صالح: «عطاء بن دينار هو من ثقات أهل مصر، وتفسيره عن سعيد بن جبير صحيفة، وليس له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير».\n(٥) وِقاء بن إياس الأسدي، أبو زيد الكوفي، روى عن سعيد بن جبير ومجاهد، وغيرهما، وهو لين الحديث. ينظر: تهذيب الكمال، للمزي، تحقيق بشار معروف (٧:٤٥٩)، وتقريب التهذيب (ص:١٠٣٦).\n(٦) عَزْرَةُ بْنُ عبدِ الرَّحمنِ بن زرارة، الخزاعي، الكوفي، الأعور، روى عن جابر بن زيد =","vol":"1","page":144},{"text":"جبيرٍ، ومعه التَّفسيرُ في كتابٍ، ومعه الدَّواةُ يُغَيِّرُ» (١).\n٢ - ومجاهد بنُ جبرٍ (ت:١٠٤) الذي كتبَ تفسير شيخِه عبد الله بنِ عباسٍ (ت:٦٨) (٢).\nوأملى مجاهدٌ (ت:١٠٤) التَّفسير على القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ (ت:١١٥) (٣)، فكتبه.\nوقدْ أُخِذَ تفسيرُ مجاهدٍ (ت:١٠٤) من إملائه للقاسمِ (ت:١١٥) (٤).\n٣ - وأملى الحسنُ البصريُّ (ت:١١٠) التَّفسيرَ على تلاميذِهِ (٥).\n٤ - وكتبَ عليُّ بنُ أبي طلحةَ الوَالِبيُّ (ت:١٤٣) (٦) صحيفتَهُ المشهورةَ\n_________\n= وسعيد بن جبير، وروى عنه قتادة ووِقاء، وغيرهما، وهو ثقة. ينظر: تهذيب الكمال، للمزي، تحقيق بشار معروف (٥:١٦٣)، وتقريب التهذيب (ص:٦٧٦).\n(١) المعرفة والتاريخ، للفسوي، تحقيق: أكرم ضياء العمري (٣:٢١٢ - ٢١٣)، وطبقات ابن سعد (٦:٢٦٦).\n(٢) عن مجاهدٍ، قال: «عرضتُ المصحفَ على ابنِ عباسٍ ثلاثَ عرضاتٍ، من فاتحةِ الكتابِ إلى خاتمتِه، أوقفُه عند كل آيةٍ، وأسألُه عنها». تفسير الطبري، تحقيق شاكر (١:٩٠).\nوقال ابن أبي مليكة: «رأيتُ مجاهدًا يسألُ ابنَ عباسٍ عن تفسيرِ القرآنِ، ومعه ألواحُه، فيقولُ له ابنُ عباسٍ: اكتبْ، قال: حتى سألَه عن التَّفسيرِ كُلِّه». تفسير الطبري، تحقيق شاكر (١:٩٠).\n(٣) القاسم بن أبي بَزَّةَ المكي، القارئ، مولى عبد الله بن السائب، روى عن سعيد بن جبير ومجاهد وغيرهما، وعنه شبل بن عباد المكي وحجاج بن أرطاة وغيرهما، كان ثقة، مات سنة (١١٥)، وقيل غيرها، ينظر: تهذيب الكمال (٦:٦٢)، وتقريب التهذيب (ص:٧٩٠).\n(٤) قال سفيان بن عيينة: «لم يسمعه [يعني: التفسير] أحد من مجاهد، إلاَّ القاسم بن أبي بزة، أملاه عليه، وأخذ كتابه الحكمُ، وليثٌ، وابنُ أبي نجيح». المعرفة والتاريخ، للفسوي (٢:١٥٤)، والثقات، لابن حبان، ط دار المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، الهند (٧:٣٣١)، وزاد ممن أخذوه، ابن جريج، وابن عيينة.\n(٥) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، ط: دار الفكر (١:٨٩).\n(٦) علي بن أبي طلحة، واسمه سالم بن المخارق الهاشمي، مولى العباس بن عبد المطلب روى عن مجاهد وغيره، وقيل: أخذ تفسير ابن عباس عنه، وروى عنه معاوية بن صالح الحضرمي وغيره، صدوق قد يخطئ، وله في التفسير الصحيفة =","vol":"1","page":145},{"text":"التي فيها تفسيرُ عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ (ت:٦٨) (١).\n٥ - وكتبَ سعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ (ت:١٥٦) (٢) تفسيرَ قتادةَ بنِ دِعَامَةَ السَّدُوسِيِّ (ت:١١٧) (٣).\n٦ - وألَّفَ عبدُ الملكِ بنُ جُرَيجٍ المكيُّ (ت:١٥٠) كتابًا في التَّفسيرِ (٤).\n٧ - وألَّفَ مقاتلُ بنُ سليمانَ (ت:١٥٠) كتابًا في التَّفسيرِ (٥)، وآخرَ في الوجوهِ والنَّظائرِ (٦).\n٨ - وألَّف سفيانُ الثَّوريُّ (ت:١٦١) كتابًا في التَّفسيرِ (٧).\n_________\n= المشهورة التي أرسلها عن ابن عباس، توفي سنة (١٤٣)، ينظر: تهذيب الكمال (٥:٢٦٢)، وتقريب التهذيب (ص:٦٩٨).\n(١) هي الصحيفة المشهورة عن علي بن أبي طلحة، التي قال الإمام أحمد فيها: «بمصرَ كتابُ التأويلِ عن معاويةَ بنِ صالحٍ، لو جاء رجلٌ إلى مصرَ، فكتبه، ثم انصرفَ به، ما كانت رحلته عندي ذهبتْ باطلًا». الناسخ والمنسوخ، للنحاس، تحقيق: د. سليمان اللاحم (١:٤٦٢).\n(٢) سعيد بن أبي عروبة، واسمه مِهران، أبو النَّضْر البصري، روى عن أيوب السختياني وقتادة وغيرهما، وعنه: يزيد بن هارون ويحيى بن سلام وغيرهما، ثقة حافظ، من أثبت الناس في قتادة، قال أبو حاتم: «سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم يكن لسعيد بن أبي عروبة كتاب، إنما كان يحفظ ذلك كله، وزعموا أن سعيدًا قال: لم أكتب إلاَّ تفسيرَ قتادة، وذلك أنَّ أبا معشر كتب إليَّ أنْ أكتبه». توفي سعيد بن أبي عروبةَ سنة (١٥٦).\nينظر: تهذيب الكمال (٣:١٨٥)، وتقريب التهذيب (ص:٣٨٤).\n(٣) قال أبو يعقوب الفسوي: «حدثنا يوسف بن سلمة، عن أحمد، ثنا قريش بن أنس، قال: حلف لي سعيد بن أبي عروبة أنه ما كتب عن قتادة شيئًا قط، إلاَّ أن أبا معشر [زياد بن كليب التميمي] كتب إليَّ أن أكتب له تفسير قتادة». المعرفة والتاريخ، للفسوي (٢:٢٨٥)، وينظر: الجرح والتعديل (٤:٦٥).\n(٤) ينظر: تاريخ بغداد (٨:٢٣٧).\n(٥) لتفسيره عدَّة مخطوطات، ينظر: الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط/علوم القرآن/ مخطوطات التفسير وعلومه (١:١٩)، وقد طُبِعَ بتحقيق د. عبد الله شحاته.\n(٦) طُبع بتحقيق د. عبد الله شحاته باسم: الأشباه والنظائر.\n(٧) هذا التَّفسيرُ من روايةِ أبي حذيفة النهدي عن سفيان، وقد طُبع بتحقيق: امتياز علي عرشي.","vol":"1","page":146},{"text":"٩ - وألَّفَ وكيعُ بنُ الجَرَّاحِ (ت:١٩٧) كتابًا في التَّفسيرِ (١).\n١٠ - وألَّفَ يحيى بنُ سلامٍ البصريُّ (ت:٢٠٠) كتابًا في التَّفسيرِ (٢)، وآخرَ في الوجوهِ والنَّظائرِ (٣).\nوهناك غيرهم كثيرٌ، وليس ما ذكرتُه منهم على سبيل الحصر، واللهُ الموفقُ (٤).\n_________\n(١) قال إبراهيم الحربي: «لما قرأ وكيع التفسير، قال للناس: خذوه، فليس فيه عن الكلبي ولا ورقاء شيء». تهذيب التهذيب (١١:١١٤).\n(٢) لهذا التفسير نسخ خطية، ينظر: الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط/علوم القرآن/ مخطوطات التفسير وعلومه (١:٢١).\n(٣) طبع هذا الكتاب بتحقيق د. هند شلبي، وعنوانه: التصاريف، تفسير القرآن مما اشتبهت أسماؤه وتصرفت معانيه.\n(٤) ما ذكرته هنا على سبيل المثال، وقد قمت بحصر كتب التفسير في هذين العصرين، ولولا خشية الإطالة لذكرتها. هذا، وقد اضطرب كلام الشيخ محمد حسين الذهبي في كتابه «التفسير والمفسرون» عند حديثه عن مراحل التفسير (١:١٣١ - ١٤٧)، حيث جعل علم التفسير لم يستقل إلا في القرن الثالث، وإليك ملخَّص ما قال في هذه المراحل:\nالمرحلة الأولى: التلقي والرواية، وكان ذلك في عهد الرسول ﷺ وأصحابه والتابعين (١:١٣١).\nالمرحلة الثانية: مرحلة التدوين، وكان التفسير فيها بابًا من أبواب الحديث، وممن جمعه كذلك: يزيد بن هارون (١١٧) وشعبة بن الحجاج (١٦٠) ووكيع بن الجراح (١٩٧) ... وعبد الرزاق الصنعاني (٢٠٠) وآدم بن إياس (٢٢٠) ... وكان جمعهم للتفسير جمعًا لباب من أبواب الحديث، ولم يكن جمعًا للتفسير على استقلال وانفراد ... (١:١٤٤).\nالمرحلة الثالثة: انفصل فيها علم التفسير عن الحديث، وأصبح علمًا قائمًا بنفسه ... وتَمَّ ذلك على أيدي طائفة من العلماء؛ منهم: ابن ماجه (٢٧٣) ومحمد بن جرير الطبري (٣١٠) ... (١:١٤٤).\nثمَّ ذكر بعد ذلك في مبحث: «أوَّل من دوَّن التفسير» قول ابن أبي مليكة: «رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن التفسير، ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب. قال: حتى سأله عن التفسير كله». كما أورد خبر كتاب التفسير لسعيد بن جبير الذي طلبه منه عبد الملك بن مروان. وذكر أن عمرو بن عبيد كتبَ تفسيرًا عن الحسن، =","vol":"1","page":147},{"text":"وفي عهد أتباعِ التابعينَ ظهرَ اللُّغويُّونَ الذين شاركوا في التَّفسيرِ من خلالِ الكتابة في علمي: معاني القرآنِ وغريبِ القرآن؛ كأبانَ بنِ تغلبٍ الجريريِّ (ت:١٤١)، وعلي بنِ حمزةَ الكسائيِّ (ت:١٨٣)، ويحيى بنِ زيادٍ الفرَّاءِ (ت:٢٠٧)، وأبي عبيدةَ مَعْمَرِ بنِ المُثَنَى (ت:٢١٠)، وغيرِهم.\nوينتجُ عن ذلكَ:\n* أنَّ السَّلفَ قد سبقوا اللُّغويِّينَ في التَّفسيرِ تعلُّمًا، وتعليمًا، وتدوينًا.\n* ومنْ ثَمَّ، فإنَّ السَّلفَ قد سبقوا اللُّغويينَ - أيضًا - في التَّفسيرِ اللُّغويِّ؛ لأن التَّفسيرَ اللُّغويَّ جزءٌ من علمِ التَّفسيرِ، لا يمكنُ أنْ ينفكَّ عنه.\n* أنَّ كُتب السَّلفِ ورواياتِهم في التَّفسيرِ كانت متيسِّرَةً للُّغويِّينَ الذينَ دوَّنوا اللُّغةَ (١)، وكانَ من المتوقَّعِ أنْ يستفيدوا منها في تدوينِ ألفاظِ اللُّغةِ وثبوتِها، ولكنَ الحاصلَ غيرُ ذلكَ كما سيأتي.\n_________\n= وأن ابن جريج له ثلاثة أجزاء كبار في التفسير (١:١٤٦ - ١٤٧).\nوإذا تأملت هذه المعلومات التي ذكرها عن كتابة التفسير، وجدتها تناقض ترتيب المراحل التي ذكرها، وتدلُّ على أنَّ التفسير كان عِلْمًا مستقلًا قائمًا بنفسه في عهد الصحابة، وإلاَّ فما معنى أن يسأل مجاهدٌ ابنَ عباسٍ عن التفسير دون غيره.\nكما تفيد هذه المعلومات أنَّ التدوين للتفسير كان متقدمًا جدًا، ولم يكن طابع الرواية فقط هو الموجود في عهد الصحابة والتابعين.\nثمَّ إنه ذكر ممن جعل التفسير بابًا من أبواب الحديث: وكيع بن الجراح، وعبد الرزاق، وآدم بن إياس، ثمَّ ذكرهم في من دوَّن التفسير، وهؤلاء متقدمون على ابن ماجه، فكيف غفل عن هذا؟! والمقصودُ هنا الإشارةُ إلى ما وقع فيه الذهبيُّ؛ لأنَّ كثيرًا ممن كتب في مراحل التفسير اعتمد عليه، دون تمحيصٍ ولا نقدٍ، والله الموفقُ.\n(١) لهذه الفكرة ما يدلُّ عليها من المعاصرةِ والتلقي واشتهارِ بعض رواياتِ التفسيرِ وغيرها، ومن الأمثلةِ التي تدلُّ على حرصِ بعض اللُّغويين على تلقي التفسير ما رواه هَنَّادُ بنُ السَّريِّ، قال: كان الفراء يطوف معنا على الشيوخ، فما رأيناه أثبت سوداء في بيضاء قطَّ، لكنه إذا مرَّ حديثٌ فيه شيء من التفسيرِ أو متعلق بشيء من اللغة، قال للشيخ: أعده عليَّ، وظننَّا أنه كان يحفظ ما يحتاجُ إليه». ينظر: إنباه الرواة (٤:٢٠).","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المسألة الثانية\nشمولُ التَّفسيرِ بين السَّلفِ واللُّغويِّين</span>\nلقد كان تفسيرُ السَّلفِ شاملًا للقرآنِ (١)، كما أنَّه يشملُ كلَّ ما يتعلَّقُ ببيانِ القرآنِ من تفسيرِ القرآن بقرآنٍ، أو بسُنَّةٍ، أو بلغةٍ، أو بسببِ نزولٍ، أو ببيانِ حُكْمٍ، أو غيرِها من أنواعِ البيانِ التي تدخلُ في مصطلحِ التَّفسيرِ. والمقصودُ أنَّ السَّلفَ لم يقتصروا فيه على نوعٍ واحدٍ من البيانِ، بل اشتملَ بيانُهم للقرآنِ على جملةِ مصادرِ التَّفسيرِ.\nأمَّا اللُّغويُّونَ، فغلبَ التَّفسيرُ اللُّغَوِيُّ (٢) على مشاركتِهم في التَّفسيرِ، ولعلَّ سببَ ذلك أنَّ أصلَ بحثِ اللُّغويِّين كانَ في اللُّغةِ؛ لذا كان النَّظرُ اللُّغويُّ أسبقَ إلى ذهنِ اللُّغويِّين عند تفسيرِهم القرآنَ، أمَّا السَّلفُ، فكانَ أصل بحثِهم بيان القرآنِ؛ لذا كانَ يكثرُ في تفسيرِهم بيانُ المعنى المرادِ، وكان التَّفسيرُ على المعنى سِمَةً بارزةً في تفسيرِ السلف.\nولقد أوقع سبقُ النَّظرِ اللُّغويِّ بعضَ اللُّغويِّيَن في ذِكْرِ أقوالٍ تعتمدُ على معنى قليلٍ أو شاذٍّ أو مشكوكٍ في صِحَّته. ومن أمثلة ذلك:\n١ - قال قطربُ: (ت:٢٠٦) - في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي\n_________\n(١) إنَّ أثر ابن أبي مُليكة في سؤال مجاهد لابن عباس وكتابته لهذه الأسئلة ما يدل على أنه كتب تفسيرًا شاملًا للقرآن، كما ورد في الجرح والتعديل (٣: ٣١٩): «حم بن نوح البلخي روى عن أبي معاذ خالد بن سليمان الحراني عن أبي مصلح عن الضحاك تفسير القرآن سورةً سورةً».\nكما كتبه كاملًا؛ مقاتل بن سليمان (١٥٠)، ويحيى بن سلام (٢٠٠)، وغيرهم.\n(٢) لا يخفى أيضًا غلبةُ المباحث العربية الأخرى، من نحو وصرف وغيرها.","vol":"1","page":149},{"text":"الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]ـ: «سمعْنا العربَ تقولُ: أَهْجَرَ النَّاقَةَ بالهِجَارِ، وهو حَبْلٌ يُجْعَلُ في أنفِها تُعْطَفُ به على ولدِ غيرِها - وقال أبو محمد (١): الهجر: حبلٌ يوضع في الرُّسْغِ إلى السَّاقِ ـ، فإنْ كانَ قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]؛ أي: اعطفُوهنَّ إليكم، فهو ضدٌّ للهجرِ (٢)، إلاَّ أنَّ ابنَ عباسٍ كانَ يقولُ: الهَجْرُ: السَّبُّ (٣)، اهجروهن: سُبُّوهُنَّ» (٤).\nإنَّ هذا المعنى الذي حَمَلَ قطرب (ت:٢٠٦) معنى الآيةِ عليه معنىً غيرُ مُسْتَعْمَلٍ في النَّاسِ ولا مشهور في اللُّغةِ؛ لأنه إنما يُطلقُ على النُّوقِ، أمَّا إطلاقُه على النِّساءِ في مثلِ هذه الحالِ فلم يردْ عنِ العربِ.\nوقد اعترضَ على هذا الاحتمال التفسيريِّ أبو بكر محمد بن القاسم بنُ الأنباريِّ (ت:٣٢٨) (٥)، فقال: «وهذا القولُ عندي بعيدٌ؛ لأنَّ المعنى الثاني لم يُستعملْ في النَّاسِ.\n_________\n(١) لم يتبين لي من هو أبو محمد، وقد استظهرت أنَّ ما بين الشرطتين من كلامه تعقيبًا منه على قول قطرب في الهجار، وذلك أني لم أجد هذا النصَّ عند ابن الأنباري في كتابه الأضداد، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (ص:٣٢٣) لما نقل كلام قطرب، وينظر قول محقق كتاب قطرب عن أبي محمد المذكور (ص:٦١ - ٦٢).\n(٢) يعني: الهجر الذي بمعنى: الترك والابتعاد.\n(٣) هذا التفسير المنسوب لابن عباس يدلُّ على أنَّ ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾ من الهُجر - بالضَّمِّ - وهو القبيح من الكلام، ولم أجد من نصَّ على هذا التفسير بعينه عن ابن عباس.\nوالوارد عنه في معنى هذه اللفظة: يهجرها بلسانه، ويغلظ لها بالقول، وفي سنده ضعف؛ لإبهام في أحد رجال السند، وحيث ورد فيه: «سفيان، عن رجل»، فالرجل الذي يروي عنه سفيان مجهول.\nولابن عباس في معنى اللفظ قول آخر، قال: «يعِظُها، فإن هي قَبِلَتْ، وإلاَّ هَجَرَها في المضجعِ، ولا يُكلِّمُها، من غيرِ أن يذرَ نكاحَها، وذلك عليها شديدٌ». ينظر: تفسير الطبري، تحقيق شاكر (٨:٣٠٣ - ٣٠٥).\n(٤) الأضداد لقطرب، تحقيق: د. حنَّا حداد (ص:١٤١)، ووازنه بما عند ابن الأنباري في كتابه: الأضداد (ص:٣٢٣).\n(٥) محمد بن القاسم بن بشار، المعروف بأبي بكر بن الأنباري، اللغوي، النحوي، =","vol":"1","page":150},{"text":"والمفسرونَ يقولونَ: هِجْرَانُهُنَّ: تركُ مضاجعتهنَّ» (١).\nولا يُتركُ المعنى المشهورُ والمتبادرُ للَّفظةِ إلى معنىً غامضٍ غريبٍ إلاَّ بدليلٍ يدلُّ عليه، ولا يوجدُ هاهنا إلاَّ الاحتمالُ واستعمالُ اللُّغةِ، وليس ذلك كافيًا في تركِ المشهورِ، إذ لو أُورِدتْ على الآيةِ كلَّ المحتملاتِ لاتَّسَعَ التَّفسير، ودخلَه كثيرٌ منَ الأقوالِ المرذولةِ.\n٢ - وقالَ الأزهريُّ (ت:٣٧٠): «... عنِ ابنِ الأعرابيِّ في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] قالَ: النَّاقُورُ: القَلْبُ» (٢).\nوهذا التَّفسيرُ الذي قاله ابنُ الأعرابيِّ (ت:٢٣١) غريبٌ جدًا، ولم أجدْ منْ قالَ به غيرَه، والواردُ عن السَّلفِ أنَّ النَّاقورَ: البُوقُ الذي يَنْفُخُ فيه إسرافيلُ ﵇ (٣).\n٣ - فسَّرَ بعضُ اللُّغويِّين (٤) لفظَ «عجل» في قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ\n_________\n=\n= الأديب، الكوفي، كان صدوقًا فاضلًا، أخذ عن أبيه وثعلب وغيرهما، وعنه أبي علي القالي وغيره، ذُكِر أنه كان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت من شواهد القرآن، وله من الكتب: إيضاحُ الوقفِ والابتداءِ، وهو مطبوع، وكتابٌ في مشكلِ القرآنِ، وغيرُها، توفي سنة (٣٢٨). ينظر: تاريخ بغداد (٣:١٨١ - ١٨٦)، وإنباه الرواة (٣:٢٠١ - ٢٠٨).\n(١) الأضداد، لابن الأنباري (ص:٣٢٣).\n(٢) تهذيب اللغة، للأزهري (٩:٩٧)، وقد حكاه ابن كامل كما عند الماوردي في تفسيره، تحقيق: السيد عبد المقصود (٦:١٣٨)، وجعله الكرماني من الغريب، ينظر: غرائب التفسير، تحقيق: شمران العجلي (٢:١٢٧٢).\n(٣) ينظر أقوال السلف في تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:١٥١ - ١٥٢)، والدر المنثور، ط: دار الفكر (٨:٣٢٧ - ٣٢٨).\n(٤) نُسِبَ هذا القول إلى ابن الأعرابي في [تهذيب اللغة ١:٣٦٩، والتكملة والذيل والصلة، للصاغاني، مادة: عجل، تاج العروس، مادة: عجل]، وأبي عبيدة في [تفسير القرطبي ١١:٢٨٩].\nوزعم القرطبي أنه قول أكثر أهل المعاني، وهذا غير صحيح؛ لأنه لم يُرْوَ إلاَّ عن أبي عبيدة وابن الأعرابي، والوارد عن أبي عبيدة في مجاز القرآن (٢:٣٩) لا يتفق =","vol":"1","page":151},{"text":"مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، فقال: من عجل: من طينٍ، وأنشدَ:\nوالنَّبْعُ في الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ مَنْبَتُهُ ... وَالنَّخْلُ يَنْبُتُ بَينَ المَاءِ وَالعَجَلِ (١)\nوقدِ اعترضَ بعضُ العلماءِ على حملِ الآيةِ على هذا المعنى (٢).\nوهذا المعنى ليس في اللُّغةِ دلالةٌ عليه سوى هذا البيتِ الذي حكمَ عليه بعضُ العلماء، فقال فيه: «ولا يبعدُ عنِ الصُّنْعِ» (٣).\n_________\n= مع ما نسبه إليه القرطبي، حيث قال: «مجازه مجاز: خلق العجل من الإنسان، وهو العجلة، والعرب تفعل هذا إذا كان الشيء من سبب الشيء بَدَءُوا بالسبب ...».\nوقد أُنشِد هذا البيت المستشهد به عن أبي عبيدة: [غرائب التفسير، للكرماني ١:٧٣٩، مجمع البيان، للطبرسي ١٧:٢٧] دون ذكر التفسير الذي نسبه إليه القرطبي.\nكما نُسب هذا القول لابن عباس في كتاب: غريب القرآن، لليزيدي (ص:١١٩)، ولم ينسبه أحد غير هذا الكتاب لابن عباس، وهي نسبة غير موثوقة؛ لانفرادِه بالرواية عنه بلا سندٍ إلى ابن عباسٍ. والله أعلم.\n(١) ينظر تهذيب اللغة، للأزهري (١:٣٦٩).\n(٢) ينظر قول ابن جني في: لسان العرب، وتاج العروس، مادة (عجل)، وينظر: المحتسب لابن جني (٢:٤٦)، والمفردات، للراغب (ص:٥٤٨)، والمحرر الوجيز، لابن عطية، ط: قطر (١٠:١٥١)، والتسهيل لعلوم التنْزيل، لابن جزي (٣:٢٦)، وتفسير أبي السعود (٦:٦٧)، والتحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور (١٧:٦٨). هذا، وقد تتابع كثير من المفسرين على ذكره بصيغة التمريض: «قيل»، أو «وقال بعضهم».\n(٣) قاله السمين الحلبي في عمدة الحفاظ، تحقيق: محمد السيد الدغيم (ص:٣٤٣)، وينظر قول ابن دريد في تاج العروس، مادة (عجل، ولم أجد هذا القول في جمهرة اللغة)، وقول الزمخشري في الكشاف (٢:٥٧٣).\nوقد نُسِبَ إنشاد هذا البيت إلى أبي عبيدة، ينظر: تفسير أبي حيان (٧:٤٣١)، وتاج العروس، مادة (عجل)، كما نُسِبَ إلى ابن الأعرابي، ينظر: وضح البرهان، لبيان الحق النيسابوري (٢:٤٠)، وتاج العروس، مادة (عجل).\nهذا، وقد حكى بعض أهل اللغة هذا المعنى لغةً، كالصاحب بن عباد في المحيط =","vol":"1","page":152},{"text":"ومن أجلِ هذا فإنَّ حملَ الآيةِ عليه - مع افتراضِ صِحَّةِ هذا الإطلاقِ في اللغةِ - فيه تركٌ للمشهورِ من معنى اللَّفظِ إلى معنى قليلٍ، ولا يصِحُّ أنْ يُترَكَ المعنى المشهورُ لأجلِ معنى قليلٍ في اللَّفظِ. واللهُ أعلمُ.\n_________\n= في اللغة (١:٢٥٦)، والأزهري في تهذيب اللغة حكاه عن ابن الأعرابي (١:٣٦٩)، ونقله الصاغاني في التكملة، مادة (عجل). وابن جني كما ذكره صاحب اللسان وتاج العروس في مادة (عجل).\nوقد حُكِيَ تفسيرًا في كتاب العين (١:٢٢٨).","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>المسألة الثالثة\nفي الاعتمادِ على اللُّغةِ</span>\nبرز من خلال الأمثلةِ التي ذكرتُها عنِ السَّلفِ واللُّغويِّينَ أنَّ اللُّغةَ العربيَّةَ مصدرٌ أصيلٌ، وأنَّه لا بدَّ من الاعتمادِ عليها، شعرًا كانَتْ أم نثرًا.\nويظهرُ أنَّ اللُّغة من أوسعِ المصادرِ التي كان يعتمدُ عليها الفريقانِ، وذلك ظاهرٌ بتتبُّع تفاسيرِهم.\nولقد كان في عملِ مُفَسِّري السَّلفِ من الصَّحابةِ والتَّابعينَ وأتباعِهم بالأخذِ بلغةِ العربِ في التَّفسيرِ = إجماعٌ فِعْلِيٌّ منهم (١)، وهذا العملُ حُجَّةٌ في صحَّةِ الاستدلالِ للتَّفسيرِ بشيءٍ من كلامِ العربِ: نثرِه وشعرِه.\nوإنْ لمْ يُقَلْ بالأخذِ بلغةِ العربِ في التَّفسيرِ، فكيفَ سَيُفَسَّرُ القرآنُ دونَ الرجوعِ إليها؟!\nوقدْ نَصَّ أبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سلامٍ (ت:٢٢٤) على الاحتجاجِ بلغةِ العربِ في التَّفسيرِ عند تعليقِه على أثرِ أبي وائلٍ شقيقِ بن سَلَمَةَ (٢) في تفسيرِه دلوك الشَّمسِ، قال أبو وائل: «دُلُوكُهَا: غُرُوبُهَا. قال: وهو في كلام العرب:\n_________\n(١) حكى صاحب كتاب «المباني في نظم المعاني» إجماع الصحابة على تفسير القرآن على شرائط اللغة. ينظر: مقدمتان في علوم القرآن، تحقيق: آرثر جفري (ص٢٠).\n(٢) شقيق بن سلمة، أبو وائل الأسدي، الكوفي، أدرك النبي ﷺ، ولم يره، روى عن جمع من الصحابة؛ كسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وغيرهم، وروى عنه سعيد بن مسروق الثوري والأعمش وغيرهما، وهو ثقة، توفي سنة (٨٢)، وقيل غيرها. ينظر: تهذيب الكمال (٣:٤٠٤)، وتقريب التهذيب (ص:٤٣٩).","vol":"1","page":154},{"text":"دلكت براح» (١).\nقال أبو عبيدٍ (ت:٢٢٤): «وفي هذا الحديثِ (٢) حُجَّةٌ لمن ذهب بالقرآنِ إلى كلامِ العربِ، إذا لم يكنْ فيه حلالٌ ولا حرامٌ (٣)، ألا تراهُ يقولُ: هو في كلامِ العربِ: دَلَكَتْ بَراحِ.\nوقد رُوِيَ مثلُ هذا عن ابنِ عباسٍ.\nقال: حدثني يحيى (٤)، عنْ سفيانَ (٥)، عن إبراهيمَ بنِ المهاجرِ (٦)، عنْ مجاهدٍ، عنِ ابنِ عباسٍ، قال: كنتُ لا أدري ما فاطرُ السَّماوات؟ حتى أتاني\n_________\n(١) غريب الحديث، لأبي عبيد، تحقيق: د. حسين محمد شرف (٥:٤١٠).\nوقوله: «براح»، لم تُضبط في النسخة، ويظهر أنها بفتح الباء وكسر الحاء (بَرَاحِ) على وزن (حَذَامِ) على أنها اسم من أسماء الشمس. والذي يُؤنِسُ بذلك ما ورد عن شيخه ابن مسعود ﵁، ويحتمل أن يكون أخذه عنه. ينظر قول ابن مسعود ﵁ في: تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٥:١٣٤).\n(٢) يعني أثر أبي وائل، وقد رواه هكذا: «في حديث أبي وائل في قول الله ﷿: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، قال: دلوكُها: غروبُها، قال: وهو في كلامِ العربِ: دلكتْ براح». غريب الحديث (٥:٤١٠)، وشَكَّلها المحقِّقُ بكسر الراء، ويظهرُ أنها ليست كذلك، بل بفتح الراء، كما سبق.\n(٣) هذا القيد: «إذا لم يكن فيه حلال ولا حرام» غير واضحٍ المرادُ منه، فإذا كان يقصد أنه لا يرجع إلى لغة العرب في فهم الحكم الشرعي مطلقًا، فهذا غير صحيحٍ؛ لأن الصحابة اختلفوا في بعض الأحكام الفقهية بسبب اختلاف مدلول اللفظ في لغتهم؛ كاختلافهم في القُرْءِ هل هو الحيض أو الطهر؟ واختلافهم في الدلوك هل هو الزوال أو الغروب؟\nوإن كان يقصد أن اللغة لا تستقلُّ بفهم الحكم الشرعي، بل لا بد من الرجوع إلى تفسير الشارع، فهذا صحيح، والله أعلم.\n(٤) يحيى بن سعيد، أبو سعيد القطان البصري، ثقة، متقن، حافظ، إمام، قدوة، توفي سنة (١٩٨). ينظر: تقريب التهذيب (ص:١٠٥٦).\n(٥) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري. إمام، حجة، ثقة، حافظ، وقد تقدمت ترجمته.\n(٦) إبراهيم المهاجر بن مسمار، ضعيف. ينظر: تقريب التهذيب (ص:١١٦).","vol":"1","page":155},{"text":"أعرابيانِ يختصمانِ في بئرٍ، فقالَ أحدُهما: أنا فَطَرْتُها؛ يعني: أنا ابتدأتها (١).\nقال: وحدَّثنا هُشَيمٌ (٢)، عنْ حُصَينٍ (٣)، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ (٤)، عنِ ابنِ عبَّاسٍ: أنَّه كانَ يُسألُ عنِ القرآنِ، فينشدُ الشِّعرَ» (٥).\nوالمسألةُ التي ذكرَها أبو عبيدٍ (ت:٢٢٤) من الاستشهادِ بلغةِ العربِ شعرِها ونثرِها واضحةٌ، وقد مضى ذِكرُ أمثلةٍ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ لأهلِ الحُجَّةِ من السَّلفِ في التَّفسيرِ.\nوإذا تأمَّلتَ الأمثلةَ السابقةَ الواردةَ عنهم في الاستشهادِ بنثرِ العربِ تبيَّنَ ما يأتي:\n* أنَّ السَّلفَ كانوا يَكْتَفُونَ بسماعِ معنى اللَّفظةِ من عربيٍّ ينطقُ بها، أو يخبِرُ أنَّها لغةُ قومِه؛ كالمثال السَّابقِ عن ابنِ عبَّاسٍ (ت:٦٨) في تفسيرِ لفظِ «البعل»، ولفظِ «فاطر»، وما وردَ عنِ الحسنِ (ت:١١٠) في تفسيرِ لفظِ «الأرائك».\n_________\n(١) أخرجه أبو عبيد، أيضًا، في فضائل القرآن (ص:٢٠٦)، وقد سبق ذِكره.\n(٢) هُشيم بن بَشير بن القاسم السلمي، روى عن الأجلح بن عبد الله وحجاج بن أرطأة وغيرهم، وعنه: أحمد بن منيع وأبو عبيد القاسم بن سلام، وهو ثقة ثبت، كثير التدليس، مات سنة (١٨٣)، تهذيب الكمال (٧:٤١٨ - ٤٢٣)، وتقريب التهذيب (ص:١٠٢٣).\n(٣) حُصين بن عبد الرحمن السُّلمي، أبو الهذيل الكوفي، ثقة، تغيَّر حفظه في الآخر، مات سنة (١٣٦)، ورواية هشيم عنه قبل الاختلاط. تقريب التهذيب (ص:٢٥٣)، وهدي الساري، لابن حجر، ط الريان (ص:٤١٧).\n(٤) عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أبو عبد الله الهذلي المدني، ثقة، فقيه، ثبت، مات سنة (٩٤)، وقيل غيرها، تقريب التهذيب (ص:٦٤٠).\n(٥) غريب الحديث، لأبي عبيد، تحقيق: د. حسين محمد شرف (٥:٤١٢ - ٤١٣)، وينظر: سنن سعيد بن منصور، تحقيق: د. سعد الحميد (٢:٣١٦ - ٣١٨)، وفضائل الصحابة، لأحمد بن حنبل (٢:٩٨١)، والأثرُ صحيحٌ عن ابن عباسٍ، وقد أطالَ الدكتور سعد الحميِّد في تخريجه لهذا الأثرِ بما فيه مقنعٌ، والله الموفقُ.","vol":"1","page":156},{"text":"ويبدو من هذه الأمثلةِ أنهم لا يشترطونَ أكثرَ منْ هذا؛ أي أنهم يَكْتَفُونَ بهذا النَّقلِ أو السَّماعِ من العربيِّ الواحدِ.\n* وفيما يتعلقُ بالنَّصِّ على لغاتِ العربِ الواردة في القرآن، يلاحظ: أنَّ الواردَ عنِ السَّلفِ أكثرُ منَ الواردِ عنِ اللُّغويِّينَ، مع أنَّ هذا المجالَ مما كانوا يعتنون به.\n* كما يظهرُ منَ الأمثلةِ الواردةِ عنِ السَّلفِ أنَّهم يُعْنَونَ بصحَّةِ المعنى في السِّياقِ، وأنَّه لا يلزمُ منْ صِحَّتِهِ لُغَةً صِحَّةُ التَّفسيرِ به، وهذا الأمرُ بَيِّنٌ وظاهرٌ في المثالِ الواردِ عنِ ابنِ مسعودٍ (ت:٣٥) في قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦]، حيثُ نفى أنْ يكونَ المرادُ بالخِتَامِ الخاتمَ الذي يَخْتِمُ، مع صِحَّةِ إطلاقِ هذا المعنى المنفيِّ لغةً.\nوكذا ما وردَ من استدراكِ خالدِ بنِ صفوان، واستدراكِ حُمَيدٍ الحِمْيَرِيِّ (١) على الحسنِ البصريِّ (ت:١١٠) في تفسيره لفظَ «سريًّا» بأن المقصودَ به عيسى؛ أي أنه سيدٌ شريفٌ. فقالا للحسنِ: إنَّ العربَ تُسمِّي الجَدْوَلَ: السَّريَّ، فأجابَ الحسنُ (ت:١١٠) بقوله: «صدقت»، وهذا يُشْعِرُ بعدمِ قبولهما تفسير الحسنِ (ت:١١٠)، وإنْ كانَ ما قالَهُ منْ حيثُ اللُّغةِ صحيحًا، إلاَّ أنَّ تفسيرَهما أنسبُ لسياقِ الآيةِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ [مريم: ٢٦]؛ أي: كُلِي منَ الرُّطَبِ واشربي من السَّرِيِّ؛ أي: النَّهْر، والله أعلم.\n* أنَّ السَّلفَ كانوا يجتهدونَ في اختيارِ المعنى اللُّغويِّ المناسبِ إذا كانَ للَّفظِ المفسَّرِ أكثرُ منْ دلالةٍ، وهذا ظاهرٌ في الأمثلةِ السَّابقةِ.\nويلاحظ أنَّ هذا الاجتهادَ في التَّفسيرِ كانَ في طبقاتِ السَّلفِ الثَّلاثِ: الصَّحابةِ والتَّابعينَ وأتباعِ التَّابعينَ، ولو كانوا أخذوا ما عند الصَّحابةِ ولم يتعدَّوه، لتوقَّفَ الاجتهادُ في علمِ التَّفسيرِ، والله أعلم.\n_________\n(١) حميد بن عبد الرحمن الحِمْيَري، البصري، ثقة فقيه، ينظر: طبقات ابن سعد (٧:١٤٧)، وتقريب التهذيب (ص:٢٧٥).","vol":"1","page":157},{"text":"أمَّا اللُّغويُّونَ، فإنهم مع سلوكِهم هذا المنهجَ الواردَ عن السَّلفِ، إلاَّ أنَّهم توسَّعوا في حَمْلِ بعضِ الآياتِ على المحتملاتِ اللُّغويَّةِ التي ظهرتْ لهم منْ خلالِ جمعِهم لِلُغَةِ العربِ، والتي لم تكنْ واردةً عن السَّلفِ، ولذا ظهرتْ عندَهم بعضُ الأقوالِ الشَّاذَّةِ في التَّفسيرِ؛ كالتَّفسيرِ الذي سبقَ ذكْرُهُ في لفظ «واهْجُرُوهُنَّ»، ولفظ «النَّاقُورِ»، ولفظ «مِنْ عَجَلٍ»، والله أعلم.\nحكم الاستشهادِ بالشِّعرِ:\nوأمَّا الشِّعرُ، فهو كما وصفهُ الخطيبُ البغداديُّ (ت:٤٦٣) (١)، فقال: «في الشِّعرِ الحِكمةُ النَّادرةُ، والأمثالُ السائرةُ، وشواهدُ التَّفسيرِ، ودلائلُ التأويلِ، فهو ديوانُ العربِ، والمقيِّدُ للغاتها، ووجوه خطابِها، فلزِمَ كَتُبهُ للحاجَةِ إلى ذلكَ» (٢).\nوالاستشهادُ بالشِّعرِ، حكُمُه كالنَّثرِ؛ إلاَّ أنَّه قد اعتُرضَ عليه كما سيأتي، والصَّوابُ أنَّ الاستشهادَ بالشِّعرِ جائزٌ في التَّفسيرِ، وقد نصَّ على هذا المنهجِ ابن عباس (ت:٦٨)، فقال: «إذا خفي عليكم شيءٌ من القرآن فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب» (٣).\n_________\n(١) أحمد بن علي بن ثابت، أبو بكر، المعروف بالخطيب البغدادي، العلاَّمة، الحافظُ، الناقدُ، محدث وقتِه، له رحلةٌ في طلب العلم، ومصنفاتٌ مفيدة، منها: تاريخ بغداد، وتقييد العلم، توفي سنة (٤٦٣). ينظر: وفيات الأعيان (١:٩٢ - ٩٣)، وسير أعلام النبلاء (١٨:٢٧٠ - ٢٩٧).\n(٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢:١٩٧).\n(٣) ذكر السيوطي في الدر المنثور (٨:٥٤) من أخرجه، وهم: عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات (ص:٤٣٦ - ٤٣٧).\nوأخرجه كذلك ابن خالويه في إعراب القراءات وعللها (١:٢٩). وينظر تحقيق د. سعد الحميِّد لسنن سعيد بن منصور (٢:٣١٧ - ٣١٨).\nوقد رُوِيَ عن عمر أنه قال: «أيها الناس، عليكم بديوانكم: شعر الجاهلية؛ فإن فيه تفسيرَ كتابِكم ومعاني كلامهم». الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ط: دار الكتب المصرية (١٠:١١١).","vol":"1","page":158},{"text":"وقد حُكِيَ عن بعضِهم إنكارُ الاستشهادِ بالشِّعْرِ في تفسيرِ القرآنِ، وقالوا: «إذا فعلتم ذلك، جعلتم الشِّعْرَ أصلًا للقرآنِ.\nوقالوا أيضًا: وكيفَ يجوزُ أن يُحْتَجَّ بالشِّعْرِ على القرآنِ، وقد قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، وقالَ النبيُّ ﷺ: لأنْ يَمْتَلِئَ جَوفُ أحدِكم قيحًا حتى يَرِيَهُ، خيرٌ له منْ أنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا؟» (١).\nوهذا قولٌ ضعيفٌ، وقد ردَّ عليه ابنُ الأنباريِّ (ت:٣٢٨) فقال: «فأمَّا ما ادَّعوه على النَّحويِّينَ مِنْ أنَّهم جعلوا الشِّعْرَ أصلًا للقرآنِ، فليس كذلك، إنَّمَا أرادوا أنْ يَتَبَيَّنُوا الحرفَ الغريبَ منَ القرآنِ بالشِّعْرِ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، وقالَ: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥].\nوقال ابن عباس: «الشعر ديوان العرب». فإذا خَفِيَ عليهم الحَرْفُ من القرآنِ الذي أنزلَه اللهُ بلغةِ العربِ، رجعوا إلى ديوانها فالتمسُوا معرفةَ ذلك منه ...» (٢).\nوهذا الإنكارُ - كما ترى - لا دلالةَ عليه من نقلٍ ولا عقلٍ، وهو يدلُّ على عدمِ فَهْمِ قائِله، وعَمَلُ السَّلفِ ونَصُّ حبرِ الأمَّةِ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) حجةٌ يستندُ إليها في هذه المسألةِ.\n_________\n(١) إيضاح الوقف والابتداء، لابن الأنباري، تحقيق: محيي الدين رمضان (١:١٠٠).\nوالحديثُ أخرجه جماعة، منهم: البخاري ومسلم، ينظر: فتح الباري، ط: الريان (١٠:٥٦٤)، وصحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي (٤:١٧٦٩ - ١٧٧٠، رقم الحديث: ٢٢٥٧ - ٢٢٥٩).\nومعنى قوله ﷺ «حتى يَرِيَهُ»: حتى يُفسِدَه.\nوالمعنى: لأن يفسدَ القيحُ جوفَ المرءِ خيرٌ له من أنْ يُفسِدَه بكثرةِ الشِّعرِ.\nينظر في معنى الحديث: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (١٣:١٥٠ - ١٥١)، والنهاية في غريب الحديث، لابن الأثير (٥:١٧٨)، ولسان العرب، وتاج العروس، مادة (وري)، وفتح الباري (١٠:٥٦٤).\n(٢) إيضاح الوقف والابتداء، لابن الأنباري (١:١٠٠).","vol":"1","page":159},{"text":"قول الإمام أحمد في الاحتجاج بالشعر:\nوأمَّا ما وردَ عنِ الإمامِ أحمدٍ (ت:٢٤٢) لما سئلَ عنِ القرآنِ يَتَمَثَّلُ له الرجلُ بشيءٍ من الشِّعْرِ؟ قال: «لا يعجبني» (١). فإنه قولٌ مُجْمَلٌ غيرُ مُبَيَّنٍ، ولذا اختلفَ أصحابُه في تخريجِ قوله: «فقال بعضُهم: ظاهرُهُ المنعُ.\nوقال غيرُهم: بل يفيدُ الكراهةَ.\nوقال آخرونَ: بلْ يُحْمَلُ على من يصرفُ الآيةَ عن ظاهرِها إلى معانٍ صالحةٍ محتملةٍ يدلُّ عليها القليلُ منْ كلامِ العربِ، ولا يُوجَدُ - غالبًا - إلا في الشِّعْرِ ونحوِه، ويكونُ المتبادرُ خلافَهُ» (٢).\nهذا، وإنْ كانَ مرادُه أنه لا يعجبُه الاحتجاجُ بالشِّعْرِ مطلقًا في تفسيرِ القرآنِ، فإنَّ ذلك اجتهادٌ مخالفٌ لما عليه عَمَلُ مفسري السَّلفِ المتقدمينَ العالمينَ بكتابِ اللهِ؛ كابنِ عبَّاسٍ (ت:٦٨)، وسعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:٩٥)، وعامرٍ الشَّعبيِّ (ت:١٠٣)، ومجاهدٍ (ت:١٠٤)، والضَّحَّاكِ (ت:١٠٥)، وعكرمةَ (ت:١٠٥)، وغيرِهم مِمَّنْ مَرَّ ذِكْرُ أمثلةٍ عنهم فيها الاحتجاجُ بالشِّعْرِ في التَّفسيرِ، والله أعلم.\nتنبيهٌ يتعلَّقُ بالاحتجاجِ بقولِ السَّلفِ في اللُّغةِ:\nوقبلَ أن أختمَ هذه المسألةَ أسوقُ هاهنا ملاحظَةً تتعلقُ بزمنِ الاحتجاجِ ونقلِ اللُّغةِ، وإليك بيانُها:\n_________\n(١) المسودة في أصول الفقه (ص:١٥٨).\n(٢) المسودة في أصول الفقه (١:١٥٨)، وقد ذكر الطاهر بن عاشور هذا الأثر عن أحمد، فقال: «فمما يؤثر عن أحمد بن حنبل ﵀، أنه سئل عن تمثل الرجل ببيت شعر، لبيان معنى في القرآن، فقال: «ما يُعجبني»؛ فهو عجيب، وإن صحَّ عنه، فلعله يريد كراهة أن يُذكرَ الشعر لإثبات صحة ألفاظِ القرآنِ، كما يقع من بعضِ الملاحدة، روي عن ابن الراوندي - وكان يُزَنُّ بالإلحاد - قال لابن الأعرابي: أتقول العرب: لباس التقوى؟. فقال ابن الأعرابي: لا باس لا باس، وإذا أنجى الله الناس، فلا نجَّى ذاك الراس، هبك يابن الراوندي تنكر أن يكون محمدٌ نبيًّا، أفتنكر أن يكونَ فصيحًا عربيًّا؟». التحرير والتنوير (١:٢٣).","vol":"1","page":160},{"text":"كانَ الصَّحابةُ والتَّابعونَ في زمنِ الاحتجاجِ اللُّغويِّ؛ لذا، فإنَّ الأصلَ أن يُحتجَّ بكلامِهم، وكذا تفسيرُهم لألفاظِهم التي يتداولونَها، ويدخل في ذلك تفسيرُهم لعربيَّةِ القرآنِ.\nأمَّا أتباعُ التابِعينَ، فإنْ لم تُدخِلهُم في من يُحتجُّ بكلامِهم، فلا يخرجُونَ عن كونهم نَقَلَةً للُّغةِ، كحالِ اللُّغويِّينَ الَّذِين عاصروهم، وإنما الفرقُ بينهم في هذا: أنَّ أتباعَ التَّابعينَ اعتنوا بتفسيرِ القرآنِ، واللُّغويُّون اعتنوا مع ذلكَ بجمعِ لغةِ العربِ والتَّدوينِ فيها.\nومن هنا، فإنَّ اللُّغويَّ إذا فسَّرَ عربيَّةَ آيةٍ إمَّا أن يكونَ سَمِعها من العربِ الذينَ يُحتَجُّ بلغتهم، وإمَّا أن يكونَ نقلَها عن غيرِه ممَّن سمعها من العربِ.\nفإنْ كانَ نقلَها عن العربِ، فهو ناقلٌ لما سمِعَه، ويرجعُ الأمرُ إلى توثيقِه في نَقْلِهِ، وغالبُ اللُّغويِّينَ الذينَ عاصروا أتباعَ التابعينَ لم يُعرفْ عنهم الكذبَ في سماعِهم للعربِ ونقلِهم عنهم، بل كانوا موثَّقين في نقلهم.\nوإنْ كانَ نقلَ عمَّن سمِعَ من العربِ - وهذا هو الأكثرُ في نقلِهم للغةِ العربِ - فإنَّ في النَّقلِ إبهامًا؛ أي أنَّه لا يوجدُ سندٌ متصلٌ من اللُّغويِّ إلى من سُمِعَ كلامُه من العربِ، وهذا يُبنى عليه أنَّ تفسيرَ السَّلفِ مُقدَّمُ على تفسيرِ اللُّغويِّينَ، وسيأتي مزيدُ إيضاحٍ لذلكَ (١)، واللهُ الموفقُ.\n_________\n(١) ينظر في الفصل الثالث من الباب الثالث، قاعدة: (كل تفسير لغوي عن السلف يحكم بعربيته، وهو مقدم على قول اللغويين).","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>المسألة الرابعة\nفي الشَّاهِد الشِّعريّ</span>\nكانتْ ظاهرةُ الاستشهادِ بالشِّعرِ بارزةً عند مفسِّري السَّلفِ (١)، وهي عند اللُّغويِّين أكثرُ، وقدْ كانتْ كتبُ غريبِ القرآنِ من أكثرِ كتبِ اللُّغويِّينَ إيرادًا للشَّواهد اللُّغويَّةِ (٢)؛ كمجازِ القرآنِ، لأبي عبيدةَ (ت:٢١٠)، وغريبِ القرآنِ، لأبي عبدِ الرَّحمنِ عبدِ اللهِ بنِ يحيى اليزيديِّ (ت:٢٣٧) الذي قال عنه القفطي (ت:٦٢٤) (٣): «وصنَّف كتابًا في غريب القرآن حسنًا في بابه، ورأيته في ستة مجلدات، يستشهد على كلِّ كلمة من القرآن بأبيات من الشعر، ملكته بخطِّهِ ...» (٤).\n_________\n(١) سيأتي الحديثُ عن مسائلِ نافعِ بن الأزرق في مصادر التفسير، عند الحديث عن كتب غريب القرآن.\n(٢) على سبيل المثال: بلغت الشواهد الشعرية في كتاب غريب القرآن، لابن قتيبة أكثر من مائة شاهد شعري في تفسير ألفاظ القرآن.\n(٣) علي بن يوسف، الوزير جمال الدين القفطي، الأديب، كان واسع الاطلاع، وله تآليف، أكثرها في التاريخ ومعرفة أخبار الرجال، منها: إنباه الرواة في أنباه النحاة، وأخبار المصنفين وما صنفوه، توفي بحلب، سنة (٦٤٦). ينظر: معجم الأدباء (١٥:١٧٥ - ٢٠٤)، وسير أعلام النبلاء (٢٣:٢٢٧).\n(٤) إنباه الرواة، للقفطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (٢:١٥١). وقد طُبِعَ كتابٌ بعنوان «غريب القرآن وتفسيره»، حققه الدكتور: عبد الرزاق حسين، وقد زعم أنه كتاب غريب القرآن لعبد الله بن يحيى اليزيدي، وهو بهذا قد دلَّس على القراء؛ لأن هذا الكتابَ المطبوعَ صغيرُ الحجمِ، والقفطي الذي ملك الكتاب بخطِّ مؤلفِه يقول: «رأيته في ستة مجلدات»، ثمَّ إن الشواهد في هذا المطبوع لا تتجاوز عشرة مواضع، والقفطي يقول: «يستشهد على كل كلمة من القرآن بأبيات من الشعر». والمحقق- مع =","vol":"1","page":162},{"text":"صور الاستفادة من الشِّعرِ في تفسيرِ القرآنِ:\nالشَّاهدُ الشِّعريُّ وعلاقتُه بتفسيرِ القرآنِ من المباحثِ التي لم تلقَ عنايةً، حسبَ علمي، وهو من المباحثِ المليئةِ التي تحتاجُ إلى دراسةٍ مُستقلَّةٍ (١)، وسأذكرُ هنا بعضَ ما يتعلَّقُ به على سبيلِ الإيجازِ.\n* صورُ الاستشهادِ بالشعر:\nظهرَ لي من خلالِ استقراءِ الشَّواهدِ الشِّعريَّةِ التي يستدلُّ بها مفسِّرو السَّلفِ واللُّغويُّون صورتان:\nالصُّورةُ الأولى: أنْ يُورِدَ المفسِّرُ الشِّعرَ المُسْتَشْهَدَ به مُكتفيًا فيه بورودِ اللَّفظِ المُسْتَشْهَدِ له، وإن لم يتضحْ معناه في بيتِ الشِّعر الذي استُعينَ به على فَهْمِ معنى اللَّفظِ.\nوأكثرُ الشَّواهدِ الشِّعريَّةِ المستشهَدِ بها جاءت على هذه الصُّورةِ (٢)، ومنْ أمثلةِ ذلك:\nقال أبو عبيدةَ (ت:٢١٠): ﴿عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]: العَاقِرُ: التي لا تَلِدُ،\n_________\n= الأسف - لمَّا نقل كلام القفطي هذا أسقط هذين الموضعين ولم يذكرهما؛ لأنهما لا يتناسبان مع كتابه الذي يقوم بتحقيقه، ومن ثَمَّ، فإن كانَ الكتاب لليزيدي، فهو ليزيديٍّ غيره.\n(١) اطَّلعتُ بعد كتابة هذا البحث على رسالةٍ قيِّمةٍ بعنوان: دراسة الطبري للمعنى من خلال تفسيرِه، للباحث: محمد المالكي، وقد ذكر في مقدمتها أنَّ أطروحته للماجستير كانت بعنوان: جهود الطبري في الدراسة الأدبية للشواهد الشعرية من خلال تفسيره، وقد طُبعت أخيرًا تحت إشراف كلية الآداب في الرباط، وفيه دراسة حول موضوع الشاهد الشعري على مستوى علاقته بتفسير القرآن الكريم. ينظر: دراسة الطبري للمعنى من خلال تفسيرِه (ص:٧، وفهرس المراجع ص:٣٧٩).\n(٢) ينظر أمثلة في مجاز القرآن، الجزء الأول: لا ريب (ص:٢٩)، سبحانك (ص:٣٦)، رغدًا (ص:٣٨)، أكِنَّة (ص:٤٦)، لعنهم الله (ص:٤٦)، قضى أمرًا (ص:٥٢)، لولا يكلمنا (ص:٥٢)، وأرنا مناسكنا (ص:٥٥)، وغيرها.","vol":"1","page":163},{"text":"والرَّجُلُ العاقرُ: الذي لا يُولدُ له، قالَ عَامِرُ بنُ الطُّفَيلِ (١):\nلَبِئْسَ الفَتَى إِنْ كُنْتُ أَعْوَرَ عَاقِرًا جَبَانًا\nفَمَا عُذْرِي لَدَى كُلِّ مَحْضَرِ» (٢)\nوإذا تأمَّلتَ هذا التَّفسيرَ، وجدتَ أنَّ أبا عبيدةَ (ت:٢١٠) قد فسَّرَ العَاقِرَ في الآيةِ بأنها التي لا تَلِدُ، ثمَّ استدلَّ لذلكَ التَّفسيرِ بهذا البيتِ، غيرَ أنَّ اللَّفظَ في البيتِ غيرُ مفسَّرٍ، بل هو محتاجٌ إلى تفسيرٍ؛ أي: لو قرأتَ البيتَ مُفْرَدًا عنِ الآيةِ، فإنَّك لا تَصِلُ به إلى دلالةِ لفظِ العَاقِرِ.\nوقُصَارَى الأمرِ في ذلك أنَّه جعلَ معنى اللَّفظِ في الآيةِ هو معناه في البيتِ المستشهَدِ به، وبهذا يظهرُ أن المُسْتَشْهِدَ لا يَلتزمُ في الشَّاهدِ الشِّعريِّ أنْ يكونَ مُفَسَّرًا بذاته في البيتِ، بل يكتفي بورودِ لفظِهِ فقط.\nالصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ يكونَ سياقُ الشَّاهدِ الشِّعريِّ مُبينًا عن معنى اللَّفظِ، ويكون الشَّاهدُ بذلك موضِّحًا لمعنى اللَّفظِ القرآنيِّ بذاته، وهو بهذا غيرُ محتاجٍ لبيانٍ، ومن ذلك:\nقالَ أبو عبيدةَ: (ت:٢١٠) في قولِه تعالى: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: ٣]: «أي: مجاعة. قال الأعشى (٣):\nتَبِيتُونَ في المَشْتَى مِلاءً بُطُونُكُمْ ... وَجَارَاتُكُمْ سُغْبٌ يَبِتْنَ خَمَائِصًا\nأي: جياعًا» (٤).\n_________\n(١) عامر بن الطفيل بن مالك العامري، شاعر وفارس مشهور، بلغ من شهرته أنَّ قيصر الروم كان إذا قدم عليه أحد سأل عن قرابته لعامر، فإن كان قريبًا له عَظَّمه، ووفد على الرسول ﷺ، فلم يُسْلِمْ، وفي رجوعِه مات بالطاعون. ينظر: الشعر والشعراء (١:٣٣٤ - ٣٣٦)، ومعجم الشعراء (ص:١٤٢).\nوالبيت في: ديوانه، تحقيق: عمر فاروق الطباع (ص:٤٥).\nوالمحضرُ: المشهدُ من القومِ.\n(٢) مجاز القرآن، لأبي عبيدة (١:٩٢).\n(٣) البيت في ديوانه، تحقيق: حنَّا نصر (ص:١٩٠).\n(٤) مجاز القرآن، لأبي عبيدة (١:١٥٣).","vol":"1","page":164},{"text":"في هذا البيتِ - كما ترى - يَتَبَيَّنُ معنى الخَمَائصِ بسببِ مقابلةِ الشَّاعرِ لها بقولِه: مِلاءً بطونُكم، فَيُفْهَمُ منه أنهما على التَّضادِّ؛ لأن سياقَ البيتِ يدلُّ على أنَّه يذمُّهم، وأنهم لا يُعطونَ جاراتِهم مما يملكونَه.\nوقد يَرِدُ بيانُ مدلولِ اللَّفظِ عن الشَّاعرِ نفسهِ في البيتِ المُسْتَشَهَدِ به، وهذا قليلٌ جدًا، ومن ذلك ما وردَ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤].\nقالَ ابنُ قتيبةَ (ت:٢٧٦): «أي: يضعَ أهلُ الحربِ السِّلاحَ، قالَ الأعشى (١):\nوأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزَارَهَا ... رِمَاحًا طِوالًا، وَخَيلًا ذُكُورًا\nومِنْ نَسْجِ داود يُحْدَى بِهَا ... عَلَى أَثَرِ الحَيِّ، عِيرًا فَعِيرًا» (٢)\nإنَّ الأعشى في هذا البيتِ يُبَيِّنُ مدلولَ اللَّفظِ الذي ذَكَرَهُ، فَأَوزَارُ الحربِ: عُدَّتُّهُ من السِّلاحِ: الرِّماحُ والخيلُ الذُّكورُ والدُّروعُ. ولكنَّ هذا الأسلوبَ في الشِّعرِ العربيِّ قليلٌ جدًا.\nوهذا المبحث يتعلَّقُ بمسألةٍ كبيرةٍ في اللُّغةِ، وهي: كَيفِيَّةُ الوصولِ إلى معرفةِ مدلولِ اللَّفظِ في لغةِ العربِ (٣)؟.\nوالألفاظُ العربيَّةُ من حيثُ وضوح الدلالةِ على قسمين:\n_________\n(١) البيت في ديوانه (ص:١٦٣).\n(٢) غريب القرآن، لابن قتيبة (ص:٤٠٩).\n(٣) أشير هنا إلى أنَّ هذا الموضوع كان يشغل بال المتقدمين، ومن ذلك ما وردَ لابن قتيبةَ من السؤال عن هذا الموضوع، وهو في كتابه الأسئلة والأجوبة، التي عُنيت بنشره مكتبة القدسي (ص:٩ - ١١)، وهو منثورٌ في مثل: كتاب الخصائص، لابن جني، والاقتراح في أصول النحو وجدله للسيوطي، والمزهر في اللغة، للسيوطي، وينظر أمثلةً في طريقِ معرفة الدلالة في الأضداد لابن الأنباري (ص:٢ - ٣)، والرد على بشر المريسي، للدارمي (ص:٣٩).","vol":"1","page":165},{"text":"الأوَّلُ: ما هو واضحٌ مدلولُه لكلِّ أحدٍ؛ كالسَّماءِ والأرضِ والأكلِ والشُّربِ والنَّومِ، وغيرِها من الألفاظِ الواضحةِ المدلولِ عند النَّاطقين بلغةِ العربِ.\nالثاني: ما في دلالتِه خفاءٌ، إمَّا بسببِ غرابةِ اللَّفظِ؛ كالألفاظ الآتية: لفظ «المَورِ»، ولفظ «الكفات» ولفظِ «دَيَّارًا»، ولفظِ «الحافرة»، ولفظِ «الهُمَزَةِ»، ولفظِ «اللُّمَزَةِ»، وغيرِها.\nوإمَّا لوجودِ أكثرَ من مدلولٍ له، وهو ما يُسَمَّى بالمشتركِ اللُّغويِّ؛ كلفظِ «عَسْعَسَ»، ولفظِ «سَجَى»، ولفظِ «المُعْصِرَاتِ»، وغيرِها.\nوهذا النوعُ قد يكونُ في السِّياقِ ما يدلُّ على المرادِ به؛ كمعنى لفظ «الفلاحِ» في قولِ الشَّاعرِ (١):\nنَحُلُّ بِلادًا كُلُّهَا حُلَّ قَبْلَنَا\nوَنَرْجُو الفَلاحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ\nفيكونُ المعنى: نرجو البَقَاءَ، بدلالةِ مجيءِ عَادٍ وحِمْيَرَ الهالكين، ولم يُفسَّرَ بالفوزِ والظَّفرِ بإصابةِ ما يريدُ - وهو الدلالةُ الأخرى للفلاحِ ـ؛ لأنَّ السياقَ لا يُنَاسِبُ هذا المعنى، واللهُ أعلمُ.\nفإنْ لم يكنْ في السِّياقِ ما يدلُّ على المدلولِ المرادِ، فإنَّك تعتمدُ تفسيرَ منْ هو موثوقٌ في فهمِه ونَقْلِهِ لِلُغَةِ العربِ؛ كالكسائيِّ (ت:١٨٣)، والفرَّاءِ (ت:٢٠٧)، وأبي عبيدةَ (ت:٢١٠)، والأصمعيِّ (ت:٢١٥)، وأبي زيدٍ الأنصاريِّ (ت:٢١٥)، وغيرِهم.\n* ومِمَّا يجمُلُ ذكره هاهنا أنه لا يلزم أنْ يكون لِكُلِّ لفظٍ قرآنيٍّ شاهدٌ عربيٌّ؛ لأنَّ القرآنَ عربيٌ بذاته، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الأحقاف: ١٢].\n_________\n(١) البيت للبيد بن ربيعة، وهو في ديوانه بشرح الطوسي، تحقيق: حنَّا نصر (ص:١٠٣).","vol":"1","page":166},{"text":"فورودُ اللَّفظِ في القرآنِ كافٍ في الحكمِ على عَرَبِيَّتِهِ، والقرآنُ في هذا يُحْتَجُّ به، ولا يُحْتَجُّ له أو عليه، وإنما يُستفادُ من الشِّعرِ في بيانِ ما خَفِي منْ معاني القرآنِ.\nوقد وَرَدَتْ بعضُ الألفاظِ القرآنيَّةِ التي ليس لها شاهدٌ عربيٌّ، ولم يَعْرِفْ مدلولَها أهلُ اللُّغةِ، وإنما أخذوها عن المفسرين؛ كلفظ «التَّفَثِ» في قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، قال الزَّجَّاجُ (ت:٣١١): «والتَّفثُ في التَّفسيرِ جاءَ، وأهلُ اللُّغةِ لا يعرفونَه إلا من التَّفسيرِ» (١).\nوقال ابنُ دريدٍ (ت:٣٢١): «قالَ أبو عبيدةَ: هو قَصُّ الأظافرِ، وأخذُ الشَّاربِ، وكلُّ ما يحرمُ على المحرمِ، إلا النِّكاحَ. ولم يجئ فيه شعر يُحْتَجُّ به» (٢).\n* ولقدْ حدثَ عندي تساؤلٌ، وهو: هل الاستشهادُ بالشِّعْرِ لإثباتِ صِحَّةِ التَّفسيرِ؟ أي أنَّ المفسِّرَ يُورِدُ الشَّاهدَ من الشِّعْرِ لِيُثْبِتَ أنَّ تفسيرَهُ صحيحٌ، ومثالُ ذلكَ:\nما يُورِدُهُ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢]، فيقول: «وقال أبو عبيدة: الموبق: الموعد في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢]، واحتجَّ بقوله (٣):\n_________\n(١) معاني القرآن وإعرابه، للزجاج، تحقيق: عبد الجليل عبده شلبي (٣:٤٢٢). وفي تهذيب اللغة (١٤:٢٦٦): «وقال الزجاج: التفث أهل اللغة لا يعرفونه ...».\n(٢) جمهرة اللغة، لابن دريد، تحقيق: رمزي منير بعلبكي (١:٣٨٤). والذي في مجاز القرآن (٢:٥٠): «وهو الأخذ من الشارب وقصُّ الأظفار ونتف الإبط والاستحداد وحلق العانة». وليس فيه الجملة الأخيرة؛ فإما أن يكون النقل من غير المجاز، وإما أن يكون من قول ابن دريد. والله أعلم.\n(٣) البيت لخفاف بن ندبة، وهو في ديوانه، ضمن كتاب: شعراء إسلاميون، تحقيق نوري القيسي (ص:٤٦٢)، وقد نقل القصيدة التي فيها البيت من الأصمعيات، تحقيق: أحمد شاكر وعبد السلام هارون (ص:٢٦)، والرواية فيها مخالفة لما رواه أبو عبيدة =","vol":"1","page":167},{"text":"وَجَادَ شَرَورَى والسِّتَارَ، فَلَمْ يَدَعْ ... يَعَارًا لَهُ، وَالوَادِيَينِ بِمَوبِقِ\nيعني: بموعد» (١).\nفهلِ احتجاجُ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) لأجلِ أن يُدَلِّلَ على صِحَّةِ تفسيرِهِ واختيارِهِ؛ لأنَّ اللَّفظةَ تحتملُ غيرَ ما قالَ، أمْ ماذا؟.\nلقد وردَ التَّفسيرُ بغيرِ ما قالَه أبو عبيدة (ت:٢١٠)، فقد قال ابنُ عباسٍ (ت:٦٨) والضَّحَّاكُ (ت:١٠٥) وقتادة (ت:١١٧) وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت:١٨٢): «مهلكًا» (٢). وكذا قال الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) (٣).\nوقالَ الحسنُ (ت:١١٠): «جعل بينهم عداوة يوم القيامة» (٤).\nوقالَ ابنُ الأعرابيِّ (ت:٢٣١): «حاجزًا، قال: وكلُّ حاجزٍ بين شيئينِ فهو مَوبِقٌ» (٥).\nقال الطبري: «وأولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ، القولُ الذي ذكرْنَا عن ابنِ عبَّاسٍ ومنْ وافقَهُ في تأويلِ المَوبِقِ أنَّه المهلكُ، وذلكَ أنَّ العربَ تقولُ في كلامِها: قد أَوْبَقْتُ فلانًا: إذا أهلكتُه، ومنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا\n_________\n= في موطن الشاهد، حيث جاءت رواية البيت:\nفَجَادَ شَرَورَا فَالسِّتَارَ، فَأَصْبَحَتْ ... يَعَارُ لَهُ الوَادِيَانِ بِمَودِقِ\nوقال محقِّقا الأصمعيات في شرح البيت: «شرورا والستار ويعار: مواضع في بلاد بني سليم. جاده: أصابه بالجود، وهو المطر الغزير. بمودق: بمكان ودق، وهو المطر».\nواختلاف الرواية في موطن الشاهد الشعري مما يحتاج إلى دراسة في موضوع: علاقة الشاهد الشعري بالتفسير.\n(١) تهذيب اللغة (٩:٣٥٤ - ٣٥٥). وينظر قول أبي عبيدة في مجاز القرآن (١:٤٠٦).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٥:٢٦٤).\n(٣) معاني القرآن (٢:١٤٧).\n(٤) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٥:٢٦٤).\n(٥) تهذيب اللغة (٩:٣٤٥).","vol":"1","page":168},{"text":"كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤] بمعنى: يُهْلِكْهُنَّ، ويقالُ للمُهْلِكِ نفسَه: قد وَبَقَ فلانٌ، فهو يَوبَقُ وَبَقًا ...» (١).\nفهل استشهدَ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) للمعنى الذي ذكرَهَ لِيُثْبِتَ صِحَّةَ تفسيرِهِ؟ فالتَّفسيرُ الذي ذَكَرَهُ ليس مشهورًا من معنى اللَّفظِ، والمعنى المشهورُ ما فسَّرَ به ابنُ عبَّاسٍ (ت:٦٨) وغيره، واختاره الطبريُّ (ت:٣١٠)، واللهُ أعلمُ.\n* وقدْ يختلفُ اللُّغويُّونَ في دلالةِ لفظٍ في البيتِ المُسْتَشْهَدِ به، كما وردَ في تفسيرِ آية: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]، فقدْ قال أبو عبيدةَ (ت:٢١٠): «أي: طُعْمًا، ويقال: جعلوا لك هذا سَكَرًا؛ أي: طُعْمًا، وهذا سَكَرٌ؛ أي: طُعْمٌ، وقال جندل (٢):\nجَعَلْتَ عَيبَ الأكْرَمِينَ سَكَرًا» (٣)\nوقد اعترض عليه الزَّجَّاجُ (ت:٣١١) في دلالةِ اللَّفظِ، فقال: «وقالوا في تفسيرِ قوله: ﴿سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]: إنه الخمرُ قبلَ أنْ تُحرَّمَ، والرِّزقُ الحَسَنُ يؤكلُ من الأعنابِ والتُّمورِ (٤).\nوقيلَ: إنَّ معنى السَّكَرِ: الطُعْم، وأنشدوا:\n_________\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٥:٢٦٥).\n(٢) قال فؤاد سزكين في تعليقه على مجاز القرآن (١:٣٦٣): «ربما كان هو جندل بن المثنى الطُّهوي الذي له ترجمة في السمط ٦٤٤».\nوهذه الترجمة قال فيها أبو عبيد البكري: «جندل بن المثنى الطُّهوي، غلبت عليهم أمهم طُهَيَّة بنت عبشمس بن سعد بن زيد مناة ... وهو شاعر راجز إسلامي، يهاجي الراعي». سمط الآلي، للبكري، تحقيق: عبد العزيز الميمني (٢:٦٤٤).\nوقد أنشده عن أبي عبيدة من جاء بعده؛ كالطبري في تفسيره، ط: الحلبي (٤:٨٤)، والزجاج في معانيه (٣:٢٠٩)، وأبو جعفر النحاس في معانيه (٤:٨٣)، وغيرهم.\n(٣) مجاز القرآن (١:٣٦٣).\n(٤) كذا في المطبوع، ويظهرُ أنَّ فيه سقطًا، وتقديرُه: والرزق الحسن: ما يؤكل من الأعناب التمور.","vol":"1","page":169},{"text":"جَعَلْتَ عَيبَ الأكْرَمِينَ سَكَرًا\nأيْ: جعلتَ دمهم (١) طُعْمًا لكَ، وهذا بالتَّفسيرِ الأوَّلِ أشبهُ، والمعنى: جعلتَ تَتَخَمَّرُ بأعراضِ الكرامِ، وهو أبينُ فيما يقالُ: الذي يتبركُ (٢) في أعراضِ النَّاسِ» (٣).\nوفي لسانِ العربِ: «وقيلَ: السَّكَرُ - بالتحريكِ ـ: الطَّعامُ، وأنكرَ أهلُ اللُّغةِ هذا، والعربُ لا تعرفُهُ» (٤).\nوهذا الذي قالهُ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) في دلالةِ اللَّفظِ، وأُنكِرَ عليه، جعله الطَّبريُّ (ت:٣١٠) أحدَ معاني السَّكرِ، فقال: «... إذ كان السَّكَرُ أحد معانيه عند العربِ، ومنْ نزلَ بلسانِه القرآنُ: هو كلُّ ما طُعِمَ» (٥).\nفإذا تأمَّلتَ هذا المثالَ، وجدتَ أنَّ هذا المدلولَ مُخْتَلَفٌ فيه بينَ أنْ يكونَ منَ اللُّغةِ أو لا يكون، ثمَّ لو كان، فإنه مُخْتَلَفٌ في كونِه هو المرادَ ببيتِ الشِّعرِ، أو غيرَ مرادٍ، وكونُه أن لا يكونَ مرادًا في الآيةِ أَولى، ومثل هذا الخلافِ في دلالةِ اللَّفظةِ في البيتِ وحملِها على اللَّفظِ في الآيةِ كثيرٌ (٦)، والله الموفق.\n* استِفَادَةُ اللُّغويِّين من الشِّعرِ في بيانِ الأساليبِ القرآنيَّةِ:\nاهتمَّ اللغويونُ بالشَّاهدِ الشِّعريِّ في بيانِ الأساليبِ العربيَّةِ التي نزلَ بها\n_________\n(١) قرأها محقق معاني الزجاج: «دَمَهُم»، وهي غلط، والصوابُ «ذَمَّهُمْ»، وفي تحقيقه من أشباه هذا الخطأ كثير، وهذا الكتابُ يحتاج إلى إعادة تحقيقه، والله المستعان.\n(٢) كذا قرأها المحقق، وفي نقل الأزهري لهذا الموضع في تهذيب اللغة (١٠:٥٨): «وهو أبين ما يقال للذي يبترك في أعراض الناس»، وهذه العبارة أوضح.\n(٣) معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (٣:٢٠٩).\n(٤) لسان العرب، مادة (سكر)، وينظر في المادة نفسها: تاج العروس.\n(٥) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٣٨).\n(٦) ينظر: تفسير «مقمحون» المجاز (٢:١٥٧)، واعترض عليه ابن دريد (١:٥٦٠)، وتفسير «رُحْمًا» المجاز (١:٤١٢ - ٤١٣)، واعترض عليه الطبري (١٦: ٤ - ٥).","vol":"1","page":170},{"text":"القرآنُ، وحرصوا عليه لإبرازِ الأسلوبِ القرآنيِّ الذي يفسِّرونه، وكان ذلك مما تميَّزوا به عن تفسيرِ السلفِ، ومثالُ ذلكَ:\nقال ابنُ قتيبةَ (ت:٢٧٦): «وأمَّا قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] ففيه تأويلان:\nأحدُهما: أنْ تكونَ المخاطبةُ لرسولِ اللهِ ﷺ، والمرادُ غيرُه من الشُّكَّاك؛ لأنَّ القرآنَ نزلَ عليه بمذاهبِ العربِ كلِّهم، وهمْ قد يخاطبونَ الرَّجلَ بالشَّيءِ ويريدونَ غيرَهُ، ولذلك يقولُ مُتَمَثِّلُهم: «إيَّاك أعني واسمعي يا جارة» (١).\nومثلُه قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١] ... ومثلُ هذا قولُ الكُمَيتِ (٢) في مَدْحِ الرَّسولِ ﷺ:\nإلى السِّرَاجِ المُنِيرِ أحْمَدَ، لا ... يَعْدِلُنِي رَغْبَةٌ وَلا رَهَبُ\nعَنْهُ إلى غَيْرِهِ، وَلَوْ رَفَعَ النَّـ ... ـاسُ إليَّ العُيونَ وَارْتَقَبُوا\nوَقِيلَ: أفْرَطْتَ، بَلْ قَصَدْتُ، ... وَلَوْ عَنَّفَنِي القَائِلُونَ أوْ ثَلَبُوا\nلَجَّ بِتَفْضِيلكَ اللِّسَانُ، وَلَوْ ... أُكثِرَ فِيكَ اللِّجَاجُ واللَّجَبُ\n_________\n(١) المراد بهذا المثل: أن تتكلم بكلام لشخص، وتريد به غيره. والمثل في كتاب الأمثال، لأبي عبيد، تحقيق: عبد المجيد قطامش (ص:٦٥)، وينظر: معجم الأمثال العربية القديمة، لعفيف عبد الرحمن (١:٣٦١).\n(٢) الكُمَيت بن زيد الأسدي، شاعرُ متشيِّعٌ لآل البيت، وهو مشهور بقصائده الهاشميات، جُرح أثناء ثورة جند اليمانية سنة (١٢٦ أو ١٢٧)، وتوفي متأثِّرًا بجراحه. ينظر: الشعر والشعراء (٢:٥٨١)، ومعجم الشعراء (ص:٢٢٧).\nوالأبيات في الهاشميات، ضمن شعر الكميت بن زيد، جمع: داود سلوم (٤:١٩٩)، وقد استشهد بها الجاحظ في الحيوان، تحقيق: عبد السلام هارون (٥:١٧٠)، والطبري في تفسيره، تحقيق: شاكر (٢:٤٨٦)، والشريف المرتضى في أماليه (٢:٧٩ - ٨٠).","vol":"1","page":171},{"text":"أنْتَ المصطفى المَحْضُ المُهَذَّبُ في النِّسـ ... ـبَةِ وَإِنْ نَصَّ قَومَكَ النَّسَبُ\nفالخطابُ للنبيِّ ﷺ، والمرادُ أهل بيتِه، فَوَرَّى عن ذكرِهم به، وأرادَ بالعائبين اللائمينَ: بني أُمَيَّةَ.\nوليسَ يجوزُ أنْ يكونَ هذا للنبيِّ ﷺ؛ لأنه ليسَ أحدٌ من المسلمينَ يسوءه مدحُ الرسولِ ﷺ، ولا يُعنِّفُ قائلًا عليه، ومن ذا يساوى به، ويفضَّلُ عليه؟!، حتى يُكثِرَ في مدحِه الضِّجَاجُ واللَّجَبُ ... ولكنه أراد أهل بيته ...» (١).\nهذا، وتتبع طرائقِ الاستشهادِ بالشِّعر في تفسيرِ القرآنِ تحتاجُ إلى بحثٍ أوسعَ من هذا، والمرادُ هنا ذكرُ شيءٍ من صُورِ الاستشهادِ، والله الموفق.\n_________\n(١) تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة (ص:٢٧٠ - ٢٧٢).","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>المسألة الخامسة\nفي علمِ الوجوهِ والنَّظائرِ</span>\n* ظهرتْ كتبُ الوجوهِ والنَّظائرِ في القرنِ الثاني الذي بدأ فيه تدوينُ كتبِ اللُّغةِ التي تناولت مدلول ألفاظِ العربِ، وكان بروزها على يد مفسِّري أتباعِ التَّابعين من السَّلفِ: مقاتلِ بن سليمانَ (ت:١٥٠)، والحسينِ بنِ واقدٍ (ت:١٥٩)، وهارونَ الأعورَ (ت:١٧٠)، ويحيى بنِ سلامٍ (ت:٢٠٠)، وكانوا بهذا قد سبقوا اللُّغويِّين الذين لم يظهرْ علمُ الوجوهِ والنَّظائرِ في كتابتهم إلاَّ عند ابنِ قتيبةَ (ت:٢٧٦) في كتابه تأويلِ مشكلِ القرآنِ، تحت عنوان: (اللفظ الواحد للمعاني المختلفة).\nثُمَّ ظهرَ عند المبردِّ (ت:٢٨٥) في كتابِه: ما اتفقَ لفظُه واختلفَ معناه في القرآنِ المجيدِ، وهو مع صِغَرِ حجمِه لم يكنْ خالصًا لهذا الموضوعِ، بل شملَ موضوعاتٍ أخرى.\nثُمَّ برزَ في أمثلةٍ كثيرةٍ عندَ ابنِ عُزَيزٍ السِّجستانيِّ (ت:٣٣٠)، ثمَّ كتب فيه ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥) كتابًا أسمَاه: الأفراد (١).\nوكانَ من الممكنِ أن يستفيدَ اللُّغويونَ من كتب الوجوهِ والنَّظائرِ في معرفةِ مدلولِ الألفاظِ العربيَّةِ التي وردتْ في القرآنِ كما استفادوا من كتب غريبِ القرآنِ والحديثِ ومعاني القرآنِ، غيرَ أنَّ هذا لم يقعْ في كتبِ المعاجمِ اللغويةِ، حيث لم تتمَّ الاستفادةُ مما كتبه أتباع التَّابعين في هذا العلم.\n_________\n(١) هذه الكتابة لابن فارس جاءت في رسالة صغيرة، وقد طُبعت أخيرًا عن نسخة فريدة، اطَّلعت عليها أثناء تصحيح الكتاب، ينظر: مجلة الحكمة (محرم ١٤٢٢، ع٢٢، ص١٣٣ - ١٣٩). وقد نقلها الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن (١:١٠٥ - ١١٠).","vol":"1","page":173},{"text":"وأظُنُّ أنه لو كتبَ فيه أحدُ اللُّغويِّين الذين عاصروا أتباع التَّابعين؛ لنُقِلَ عنه في معاجمِ اللُّغةِ، كما نقلوا عنهم ما دونوه في غريبِ القرآنِ ومعانيهِ وغريبِ الحديثِ، وقد يكون إهمالُ ما كتبَه أتباعُ التَّابعين في هذا العلمِ ناتجًا عن غفلةِ اللُّغويِّين عمَّا كتبَهُ مفسرو السَّلفِ في التَّفسيرِ وعلومِه، أو يكونُون لا يعتدُّونَ في نقل اللُّغة بما ورد عن السَّلف في التَّفسير، وفي كلا الاحتمالين قصورٌ من أهلِ اللُّغةِ في الاستفادةِ من تفاسيرِ السَّلفِ. والله الموفق.\n* يلاحظ أن كتبَ الوجوهِ والنَّظائرِ لا تعتمد في معاني الوجوه على شواهدَ عربيَّةٍ من شعرٍ أو نثرٍ، بل يعمدُ أصحابُها إلى النصِّ مباشرةً لاستنباطِ المعنى من سياقِه. ولذا كَثُرَتِ الوجوهُ التي يذكرونها؛ لأنَّهم يريدونَ تفسيرَ معنى اللَّفظةِ في هذا السِّياقِ الذي يفسِّرونه، دونَ النَّظرِ منهم إلى الأصلِ اللُّغويِّ للَّفظةِ.\nوقدَ ظهرَ عند ابن قتيبةَ في حديثه عن (باب اللَّفظِ الواحدِ للمعاني المختلفةِ) النظرُ إلى أصلِ معنى اللفظِ، وقد ذكر أربعةً وأربعينَ لفظًا، وذكرَ الأصلَ اللُّغويَّ والشَّواهدَ لأغلبِها، ومن الأمثلةِ التي ذكرها:\nقال: «السَّببُ أصلُه الحبلُ، ثُمَّ قيلَ لكلِّ شيءٍ وَصَلْتَ به إلى موضعٍ أو حاجةٍ تريدها: سببٌ. تقولُ: فلانٌ سببي إليكَ؛ أي: وصلني إليكَ. وما بيني وبينك سببٌ؛ أي: آصِرَة رَحِمٍ، أو عاطفةُ مودَّةٍ، ومنه قيلَ للطريقِ سببٌ؛ لأنكَ بسلوكِه تصلُ إلى الموضِع الذي تريدُه، قال ﷿: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥]؛ أي: طريقًا.\nوأسبابُ السماءِ: أبوابها؛ لأنَّ الوصولَ إلى السماءِ يكونُ بدخولها، قال اللهُ حكايةً عن فرعونَ: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]، وقال زهير (١):\n_________\n(١) زهير بن ربيعة، الملقب بابن أبي سُلمَى، شاعر جاهلي، صاحب أحد المعلقاتِ =","vol":"1","page":174},{"text":"وَمَنْ هَابَ أسْبَابَ المَنَايَا يَنَلْنَهُ ... وَلَو نَالَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ\nوكذلكَ الحبلُ، قال اللهُ ﷿: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٣]؛ أي: بعهدِ اللهِ، أو بكتابِه؛ يريد: تمسَّكوا به؛ لأنه وصلة لكم إليه وإلى جنَّته.\nويقال للأمانِ أيضًا: حبلٌ؛ لأنَّ الخائفَ مستترٌ مقموعٌ، والآمِنُ منبسطٌ بالأمانِ متصرِّفٌ، فهو له حبلٌ إلى كلِّ موضعٍ يريده، قال اللهُ تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]؛ أي: بأمان ...» (١).\nولم يبرزِ الاهتمامُ بتحرير مدلولِ اللفظةِ عربيًّا في كُتبِ الوجوهِ والنَّظائرِ إلاَّ متأخرًا، وكانَ ذلكَ عندَ أبي الفرجِ عبدِ الرحمنِ بنِ الجوزيِّ (ت:٥٩٧) في كتابِهِ: نزهة الأعينِ النَّواظرِ في علمِ الوجوهِ والنَّظائرِ، وكان يُقدِّمُ الكلامَ على مدلولِ اللَّفظِ في لغةِ العربِ، ثمَّ يذكرُ الوجوهَ معتمدًا على المفسِّرين في ذلك.\nومن ذلك ما ذكر من الوجوه في لفظِ الاتِّباع، فقال: «الأصلُ في الاتباعِ: أنْ يقفوَ المتَّبِعُ أثرَ المتَّبِعِ بالسَّعي في طريقهِ، وقدْ يُستعارُ في الدِّينِ والعقلِ والفعلِ.\nوقدَ ذكرَ أهل التَّفسيرِ أنَّه في القرآن على هذينِ الوجهينِ.\nفمن الأوَّلِ: قولُه تعالى في طه: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ [طه: ٧٨]، وفي الشُّعراء: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠].\n_________\n= السبع المشهورة، وكان له شعرٌ يُعرف بالحوليَّات؛ لأنه كان ينظمه وينقحه في سنة، توفي سنة (١٣ ق. هـ). ينظر: معجم الشعراء الجاهليين (ص:١٥٤ - ١٥٧)، ومعجم الشعراء (ص:١٠٤ - ١٠٥).\nوالبيت من معلَّقته، ينظر الديوان، صنعة: ثعلب، تحقيق: حنا نصر الحتِّي (ص:٥٠).\n(١) تأويل مشكل القرآن (ص:٤٦٤ - ٤٦٥).","vol":"1","page":175},{"text":"ومن الثاني: قولُه تعالى في البقرةِ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [البقرة: ١٦٦، ١٦٧]، وفي الأعرافِ: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٩٠]، وفي إبراهيم: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ [إبراهيم: ٢١]، وفي الشعراء: ﴿وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١].\nولا يصحُّ هذا التَّقسيم إلاَّ أن تقولَ: إنَّ الإتْبَاعَ بالتَّخفيفِ والتَّشديدِ بمعنًى واحدٍ» (١).\n_________\n(١) نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر (ص:٨٥ - ٨٦).","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>المسألة السادسة\nالتَّفسيرُ اللُّغويُّ بين البصرةِ والكوفةِ</span>\nإذا تأمَّلتَ المؤلفاتِ التي كَتَبَهَا اللُّغويُّون في البحثِ اللُّغويِّ والقرآنيِّ، وجدتَ أنها ظهرتْ في البصرةِ والكوفةِ (١)، وهاتان القريتانِ كانتا منشأ البحثِ النَّحويِّ الذي كان قد سبق البحثَ اللُّغويَّ.\nوإذا قرأتَ في تراجمِ علماءِ العربيَّةِ في هاتين المدينتين، وجدتَ بينهم منافسةً علميةً في البحثِ والكتابةِ، ووجدتَ أنَّ علماءَ البصرةِ كانوا السَّابقينَ في التَّأليفِ النَّحويِّ بكتابِ سيبويه (ت:١٨٠) (٢)، وفي التَّأليفِ اللُّغويِّ بكتابِ النَّوادرِ، لأبي عمرِو بنِ العلاءِ (ت:١٤٥)، وفي البحثِ اللُّغويِّ القرآنيِّ بكتابِ مجازِ القرآنِ، لأبي عبيدةَ (ت:٢١٠) (٣).\nوقدْ كانَ لعلماءِ هاتين المدينتين منهجُهم في البحثِ النَّحويِّ، ولا يبعدُ\n_________\n(١) قال أبو الطيب اللغوي (ت:٣٥١): «ولا علم للعرب إلاَّ في هاتين المدينتين [يعني: البصرة والكوفة]، فأمَّا مدينة الرسول ﷺ، فلا نعلم بها إمامًا في العربية، قال الأصمعي: أقمت في المدينة زمانًا، ما رأيت بها قصيدة واحدة صحيحة إلاَّ مُصحَّفة أو مصنوعة». مراتب النحويين (ص:١٥٥ - ١٥٦)، وينظر: الاقتراح، للسيوطي، مع شرحه: الإصباح، للدكتور محمود فجال (ص:٩٢).\n(٢) عمرو بن عثمان بن قنبر، البصري، إمام النحو، توفي سنة (١٨٠). ينظر: طبقات النحويين واللغويين (ص:٦٦ - ٧٢)، وإنباه الرواة (٢:٣٤٦ - ٣٦٠).\n(٣) سيأتي الحديثُ عن أول من دوَّن في التفسير اللُّغوي من اللُّغويِّين، وقد رأيتُ أن اشتهار كتاب مجاز القرآن، وإنكار معاصريه من دلائل سبقه، وهو احتمالٌ، وليس قولًا على التَّحقيقِ، والله أعلمُ.","vol":"1","page":177},{"text":"أنْ يكونَ له أثرٌ في البَّحث اللُّغويِّ، خاصةً أنَّ كثيرًا منْ علمائهما نحويٌّ لغويٌّ في آنٍ واحدٍ.\nوهذا الاختلافُ بينهم قد يفسرُ نَقْدَ الفرَّاءِ الكوفيِّ (ت:٢٠٧) لأبي عبيدةَ البصريِّ (ت:٢١٠)، حيثُ قالَ: «لو حُمِلَ إليَّ أبو عبيدةَ، لضربتُه عشرين في كتابِ المجازِ» (١). ويظهرُ أنَّ هذا القولَ إنما خرجَ بسببِ المنافسةِ التي كانت بين الفريقين، وهذا النَّقد - كما ترى - مجملٌ، ولم يتبينْ فيه سببِ نقدِ الفرَّاءِ (ت:٢٠٧) لكتابِ مجازِ القرآنِ، وهو لما ألَّفَ كتابه في معاني القرآنِ كانَ فيه أكثرَ بُعْدًا عن التَّفسيرِ من أبي عبيدةَ (ت:٢١٠)، والله أعلم.\n_________\n(١) نزهة الألباء في طبقات الأدباء، لأبي البركات ابن الأنباري، تحقيق: الدكتور إبراهيم السامرائي (ص:٨٧).","vol":"1","page":178},{"text":"الباب الثاني\nمصادر التفسير اللغوي\nوفيه:\nالمصدرُ الأوَّلُ: كتبُ التَّفسيرِ.\nالمصدرُ الثاني: كتبُ معاني القرآنِ.\nالمصدرُ الثالثُ: كتبُ غريبِ القرآنِ.\nالمصدرُ الرابعُ: كتبُ معاجمِ اللُّغةِ.\nالمصدرُ الخامسُ: كتبٌ أخرى لها علاقة بالتفسير اللغوي.","vol":"1","page":179},{"text":"المصدرُ الأوَّلُ\nكتبُ التَّفسيرِ\nوفيه:\nأولًا: جَامِعُ البَيَانِ عَن تَأوِيلِ آيِ القُرآنِ، للطبري.\nثانيًا: الجامع لعلم القرآن، للرماني.\nثالثًا: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية.","vol":"1","page":181},{"text":"مصادر التفسير اللغوي\nالمصَادِرُ: جمعُ مصدرٍ، والمصدرُ: ما يصدرُ عنه الشَّيءُ (١)، ويسمَّى الموضعُ: المصدر (٢)؛ لأنَّ الشَّيءَ يصدر عنه؛ أي: يخرج منه إلى غيره.\nومصادرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ: الكتبُ التي هي موضعٌ له، وعنها يصدرُ.\nويمكنُ تقسيمُ مصادرِ التَّفسيرِ اللُّغويِّ إلى عِدَّةِ مصادرَ:\n١ - المصدرُ الأوَّلُ: كتبُ التَّفسيرِ.\n٢ - المصدرُ الثاني: كتبُ معاني القرآنِ.\n٣ - المصدرُ الثالثُ: كتبُ غريبِ القرآنِ.\n٤ - المصدرُ الرابعُ: كتبُ معاجمِ اللُّغةِ.\n٥ - المصدرُ الخامسُ: كتبٌ أخرى لها علاقة بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ.\nوتختلفُ هذه المصادرُ في عرضِ التَّفسيرِ اللُّغويِّ، كما سيظهرُ من استعراضِه فيها، وقد انتهجتُ في بحثِ هذه المصادرِ النَّهج الآتي:\n* سأذكرُ في كلِّ مصدرٍ ثلاثةَ أمثلةٍ من الكتبِ.\n* سأُبَيِّنُ في هذه الكتبِ صُورًا من التَّفسيرِ اللُّغويِّ الذي سارَ عليه مؤلفُ الكتابِ، وسأحرصُ على أن تكونَ الأمثلةُ المذكورةُ لها أثرٌ في المعنى والتَّفسيرِ.\n* سيكون سَيرُ هذه المباحثِ في أغلبِ هذا البابِ على المنهجِ الوصفيِّ؛ لأنَّ المنهجَ التحليليَّ يحتاجُ إلى أكثرَ من هذا البابِ، والله الموفقُ.\n_________\n(١) المعجم الوسيط (ص:٥١٠).\n(٢) لسان العرب، مادة (صدر). وقال الراغب الأصفهاني: «والمصدر في الحقيقة: صَدَرٌ عن الماء، والموضع المصدر، ولزمانه» مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان داودي (ص:٤٧٧).","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>المصدرُ الأول\nكتب التفسير</span>\nكتبُ التَّفسيرِ أكبرُ من أنْ تُحْصَرَ في هذه الجزئيةِ من البحثِ، وإنَّما المرادُ هنا التَّمثيلُ للتَّفسيرِ اللُّغويِّ في بعضِها.\nوقدْ كتبَ في التَّفسيرِ أعلامٌ من القرنِ الأوَّلِ؛ كسعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:٩٤) ومجاهدِ بنِ جبرٍ (ت:١٠٤).\nوكتبه من أعلامِ القرنِ الثّاني: إسماعيلُ السُّدِّيُّ (ت:١٢٨)، مقاتلُ بنُ سليمانَ البلخيُّ (ت:١٥٠)، وعبدُ الملكِ بنُ جُرَيجٍ (ت:١٥٠)، ومالكُ بنُ أنسٍ الأصبحيُّ (ت:١٧٩)، ويحيى بنُ سلامٍ (ت:٢٠٠).\nومنْ أعلامِ القرنِ الثَّالثِ: عبدُ الرَّزَّاقِ الصَّنعانيُّ (ت:٢١٠)، وآدمُ بنُ أبي إياسٍ (ت:٢٢٠) (١)، وأحمدُ بنُ حنبلٍ (ت:٢٤١)، وعبدُ بنُ حميدٍ الكشيُّ (ت:٢٤٩) (٢).\nومنْ أعلامِ القرنِ الرَّابعِ: محمدُ بنُ جريرٍ الطبريُّ (ت:٣١٠)، ومحمدُ بنُ\n_________\n(١) آدم بن أبي إياس عبد الرحمن، الخرساني ثمَّ العسقلاني، محدث، ثقة، مشهور بالسنة، شديد التمسك بها، حدَّث عن شعبة والليث وغيرهما، وعنه البخاري وأبو زُرعة وغيرهما، توفي بعسقلان سنة (٢٢٠). ينظر: تاريخ بغداد (٧:٢٧)، ومعجم المفسرين (١:٧).\n(٢) عبد بن حُمَيد الكَشِّيُّ، أو الكِسِّيُّ، وقيل: عبد الحميد، محدث، ثقة، حافظ، روى عن إبراهيم بن إسحاق، وإبراهيم الأشعث وغيرهما، وعنه مسلم والترمذي وغيرهما، قال ابن حبان: «كان ممن جمع وصنَّف». توفي سنة (٢٤٩). ينظر: تهذيب الكمال (٥:٢٢)، ومعجم المفسرين (١:٢٥٣).","vol":"1","page":183},{"text":"إبراهيمَ بنُ المنذرِ (ت:٣١٩)، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي حاتم (ت:٣٢٧)، وغيرهم.\nوكانَ يغلبُ على هذه الكتاباتِ الاهتمامُ بنقلِ ما رُوِيَ عنِ السَّلفِ الكرامِ، دونَ العنايةِ بنقدِ الأقوالِ المذكورةِ في التَّفسيرِ، سوى ما كتبه يحيى بنُ سلامٍ (ت:٢٠٠) (١)، وابنُ جريرٍ الطبريُّ (ت:٣١٠).\nولَمَّا شاركَ في علمِ التَّفسيرِ علماءُ برزوا في علمٍ من العلومِ التي تحدَّدتْ معالِمُها؛ كعلمِ النحوِ، وعلمِ البلاغةِ، وعلمِ الفقهِ، وغيرِها، صَبَغُوا تفاسيرَهم بهذهِ العلومِ التي برزوا فيها؛ كما فعلَ الزمخشريُ (ت:٥٣٨) في تفسيرِه: (الكشافِ عنْ حقائقِ التَّنْزِيلِ وعيونِ الأقاويلِ في وجوهِ التَّأويلِ)، الذي صبغَهُ بالاتجاهِ البلاغيِ.\nوكُتُبُ التَّفسيرِ لا يمكنُ أنْ تخلوَ من التَّفسيرِ اللُّغويِّ، وإنما التَّمَايُزُ بينها في طريقةِ عرضهِ، وقِلَّتِهِ وكثرتِهِ، ومدى استفادةِ المفسِّرِ من لغةِ العربِ في بيانِ معانِي كلامِ اللهِ سبحانَهُ.\nوسأذكر ثلاثة أمثلة من كتب التَّفسير، وهي:\nجامع البيان عن تأويل آي القرآنِ، للطبري (ت:٣١٠)، والجامع لعلم القرآنِ، للرُّمَّانيِّ (ت:٣٨٢)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (ت:٥٤٢)، وسأُبيِّن فيها صُوَرَ التَّفسيرِ اللُّغويِّ الذي سلكَهُ المُفَسِّرُ في تفسيرِهِ.\n_________\n(١) يقول الفاضل بن عاشور في كتابه التفسير ورجاله (ص:٢٨): «... تفسير يحيى بن سلام التميمي البصري الأفريقي المتوفى سنة ٢٠٠، وهو تفسير يقع في ثلاثين جزءًا من التجزئة القديمة؛ أي: في ثلاث مجلدات ضخمة، مبني على إيراد الأخبار مسندة، ثمَّ تعقبها بالنقد والاختيار، فبعد أن يورد الأخبار المروية مفتتحًا إسنادها بقوله: (حدَّثنا)، يأتي بحكمه الاختياري مفتتحًا بقوله: (قال يحيى). ويجعل مبنى اختياره على المعنى اللغوي، والتخريج الإعرابي ...».","vol":"1","page":184},{"text":"أولًا جَامِعُ البَيَانِ عَن تَأوِيلِ آيِ القُرآنِ\nأملى الإمامُ أبو جعفرٍ محمدُ بنُ يزيدٍ الطبري (ت:٣١٠) على تلاميذِه كتابَ التفسيرِ من سنةِ ثلاثٍ وثمانينَ ومائتينِ إلى سنةِ تسعينَ ومائتينِ (١)، ثمَّ قُرِئَ عليه في سنةِ ستٍّ وثلاثِمائةٍ، كما جاءَ ذلكَ في أوَّلِ التفسيرِ: «قُرِئ على أبي جعفرَ في سنةِ ستٍ وثلاثِمائةٍ» (٢).\n\nوقدْ نَصَّ ﵀ في مقدمتِه على<span data-type=\"title\" id=toc-60> وجوهِ تأويلِ القرآنِ</span>، وهي:\nما لا سبيلَ للوصولِ إليه، وهو الذي استأثرَ اللهُ بعلمِهِ ...\nما خَصَّ اللهُ بعلمِ تأويلِه نبيَهُ ﷺ دونَ سائرِ أمتِهِ ...\nما كانَ علمُهُ عندَ أهلِ اللسانِ الذي نزلَ به القرآنُ، وذلك علمُ تأويلِ عربيتِهِ وإعرابِهِ، لا يُوصَلُ إلى علمِ ذلكَ إلاَّ مِنْ قِبَلِهِم (٣).\nثمَّ قالَ: «فإذا كانَ ذلكَ كذلكَ، فَأَحَقُّ المفسرينَ بإصابةِ الحقِّ - في تأويلِ القرآنِ الذي إلى عِلْمِ تأويلِه للعبادِ السبيلُ - أوضحُهم حُجَّةً فيما تأوَّلَ\n_________\n(١) قال أبو بكر بن بالويه: «قال لي أبو بكر محمد بن إسحاق - يعني: ابن خزيمة ـ: بلغني أنك كتبت التفسير عن محمد بن جرير. قلت: بلى، كتبت التفسير عنه إملاءً.\nقال: كله. قلت: نعم.\nقال: في أي سنة؟ قلت: من سنة ثلاث وثمانين إلى سنة تسعين ...» ينظر: تاريخ بغداد (٢:١٦٤).\n(٢) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (١:٣)، وتحقيق: شاكر (١:٣).\n(٣) ينظر: تفسير الطبري، تحقيق شاكر (١:٩٢ - ٩٣).","vol":"1","page":185},{"text":"وفسَّرَ، ممَّا كانَ تأويلُه إلى رسولِ اللهِ ﷺ دونَ سائرِ أمَّتِه من أخبارِ رسولِ اللهِ ﷺ الثابتَةِ عنه: إمَّا منْ جهةِ النقلِ المستفيضِ، فيما وُجِدَ فيه من ذلك عنه النقلُ المستفيضُ، وإمَّا منْ جهةِ نقلِ العدولِ الأثباتِ، فيما لم يكن فيه عنه النقلُ المستفيضُ، أو منْ جهةِ الدلالةِ المنصوبةِ على صحتِهِ؛ وأصَحُّهُم برهانًا - فيما ترجمَ وبيَّنَ من ذلك - مِمَّا كان مُدرَكًا عِلْمُهُ من جهةِ اللسانِ: إمَّا بالشواهدِ منْ أشعارِهِم السائرةِ، وإمَّا منْ منطقِهم ولغاتِهم المستفيضةِ المعروفةِ، كائنًا منْ كانَ ذلكَ المتأوِّلُ والمفسِّرُ، بعدَ أنْ لا يكونَ خارجًا تأويلُه وتفسيرُه ما تأوَّلَ وفَسَّرَ منْ ذلك، عنْ أقوالِ السلفِ من الصحابةِ والأئمةِ، والخلفِ من التابعينَ وعلماءِ الأمةِ» (١).\nفي هذا النَّصِّ ذَكَرَ ابنُ جريرٍ (ت:٣١٠) ضابطَ التَّفسيرِ اللُّغويِّ عندَهُ، وهو عدمُ خروجِ المفسِّرِ باللُّغةِ عنْ أقوالِ السَّلفِ من الصَّحابةِ والأئمَّةِ، والخلفِ من التَّابعينَ وعلماءِ الأمَّةِ، ويظهرُ من استقراءِ كتابِهِ أنَّ هؤلاءِ الذينَ ذكرَهم بِهذا الوصفِ هم: الصَّحابةُ والتَّابعونَ وأتباعُهم.\nأمَّا اللُّغويُّونَ الذين عاصروا أتباعَ التَّابعينَ فإنه كانَ يَرُدُّ أقوالَهم، وإن كانتْ تحتملُها الآية، ويُعَلِّلُ ذلك بخروجها عنْ أقوالِ أهلِ التَّأويلِ، ويعني بهم هؤلاءِ الطَّبقاتِ الثلاث منْ علماءِ الأمَّةِ (٢)، ومثالُ ذلكَ ما أوردَهُ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [ن: ٢٥]، فقد ذكرَ أقوالَ السلفِ، وهي:\nالأول: على قدرةٍ في أنفسِهِم وجِدٍّ، وبه قال ابنُ عباسٍ (ت:٦٨)، ومجاهدٌ بن جبرٍ (ت:١٠٤)، والحسنُ البصريُّ (ت:١١٠)، وقتادةُ (ت:١١٧)، وابن زيدٍ (ت:١٨٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١:٩٣).\n(٢) ينظر أمثلةً لذلك في تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٦:١٥٠ - ١٥٣)، (٣٠:١٦٣).","vol":"1","page":186},{"text":"الثاني: وغدوا على أمرِهِم قدْ أجمعوا عليه بينَهم، واسْتَسَرُّوه، وأَسَرُّوه في أنفسِهم، وهو قول مجاهد (ت:١٠٤)، وعكرمة (ت:١٠٥).\nالثالث: وغدوا على فاقةٍ وحاجةٍ، وهو قولُ الحسنِ (ت:١١٠).\nالرابع: على حَنَقٍ، وهو قولُ سفيانَ الثوريِ (ت:١٦١) (١).\nثمَّ قالَ بعدَ هذهِ الأقوالِ: «وكانَ بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ من البصرةِ يتأوَّلُ ذلك: وغدوا على منعٍ (٢). ويوجِّهه إلى أنه من قولهم: حَارَدَت السَّنَةُ: إذا لم يكنْ فيها مطرٌ، وحَارَدَت الناقةُ: إذا لم يكنْ فيها لَبَنٌ، كما قالَ الشَّاعرُ (٣):\nفإذا ما حَارَدَتْ أو بَكَأَتْ،\nفُتَّ عن حَاجِبِ أخرى طِينُهَا\nوهذا قولٌ لا نعلمُ له قائلًا من متقدمي العلمِ قالَه، وإنْ كانَ لهُ وجهٌ، فإذا كانَ ذلكَ كذلكَ، وكانَ غيرُ جائزٍ عندنا أنْ يُتَعَدَّى ما أجمعتْ عليه الحُجَّةُ، فما صَحَّ منْ الأقوالِ في ذلك إلا أحدُ الأقوالِ التي ذكرنَاها عنْ أهلِ العلمِ.\nوإذا كانَ ذلكَ كذلكَ، وكانَ المعروفُ منْ معنى الحرْدِ في كلامِ العربِ: القصدُ، من قولِهم: قدْ حَرَدَ فلانٌ حرْدَ فلانٍ: إذا قَصَدَ قصْدَه، ومنه قول الشاعر (٤):\n_________\n(١) ينظر أقوالهم في تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:٣١ - ٣٢).\n(٢) ذكر هذا القول: أبو عبيدة في مجاز القرآن (٢:٢٦٥ - ٢٦٦). كما ذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن (ص:٤٧٩ - ٤٨٠)، والمبرد في الكامل في الأدبِ، تحقيق: محمد الدالي (١:٧٤ - ٧٥). وهؤلاء البصريون لم يذكروا البيت الذي استشهد به لمعنى المنع، وذكروا البيتين الآخرين اللذين ذكرهما، والله أعلم، هل هذا من صنيع الإمام، أم أنَّ المستشهَدَ بكلامه بصري آخر؟.\n(٣) البيت في ذيل ديوان عدي بن زيد العبادي، ينظر: جمهرة اللغة (١:٥٠١).\n(٤) البيت فيه إشكال في النسبة: قال أبو حاتم: «هذا البيت مصنوع، صنعه من لا أحسن الله ذِكْرَه»؛ يعني: قُطْرُبًا، كما في سمط اللآلي، للبكري، تحقيق: عبد العزيز =","vol":"1","page":187},{"text":"وَجَاءَ سَيلٌ كانْ منْ أَمْرِ اللهْ ... يَحْرُدُ حَرْدَ الجنَّةِ المُغِلَّهْ\nيعني: يقصدُ قصدَها = صحَّ (١) أنَّ الذي هو أولى بتأويلِ الآيةِ قولُ من قالَ: معنى قوله: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [ن: ٢٥] وغدوا على أمرٍ قد قصدوه واعتمدوه واستَسَرُّوهُ بينهم، قادرين عليه في أنفسهم» (٢).\nوهذا القولُ الذي انتقدَه، إنما انتقدَه ورَدَّهُ لعدمِ وُرُودِهِ عن السَّلفِ، وجعلَ ما حكاهُ عنهم - مع اختلافهم - إجماعًا، وبنى عليه أنَّ ما لم يقولوه فإنَّه خارج عن الإجماع ولا يُعْتَدُّ به. هذا مع أنه قال عن القول الذي اعترض عليه: «وإن كان له وجهٌ»، ويظهر أنه يقصد بالوجه: الشاهد الشعري، وصحَّة المعنى في الآية إذا ما حُمِلَتْ عليه، واللهُ أعلمُ.\nهذا، وقدْ أخذَ التَّفسيرُ اللُّغويُّ في تفسيرِ الطَّبريِّ (ت:٣١٠) مساحةً واسعةً، حتى إنه لا يكادُ أنْ يَمُرَّ به لفظٌ قرآنيٌّ دونَ أن يتعرَّضَ لبيانِه اللغويِّ، ويمكنُ بذلكَ أنْ يُخْرَجَ منْ تفسيرِه كتابٌ في تفسيرِ ألفاظِ القرآنِ، وهو ما يسمى بعلمِ «غريبِ القرآنِ» (٣).\nومنْ صورِ التَّفسيرِ اللُّغويِّ التي كانَ ابنُ جريرٍ الطَّبريُّ (ت:٣١٠) يستخدمُهَا في تفسيرِهِ ما يأتي:\n_________\n= الميمني (١:٣١)، وذكر في الحاشية أنَّ البيت نُسِبَ لحسان بن ثابت، ولحنظلة بن مُصَبِّح، وينظر ما ذكره الدكتور منير بعلبكي في تحقيقه للجمهرة (١:١٦٠).\nوالجنة المغلة: ذات الرَّيع والخِصْب.\n(١) هذا جوابُ قولِه: «وإذا كان ذلك»، وطول الفصلِ بين المترابطاتِ إعرابًا كثيرٌ في كلامِ الطَّبريِّ.\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:٣٣ - ٣٤).\n(٣) قام الدكتور عبد الرحمن عميرة بإخراجِ كتابٍ بعنوانِ «دقائق لغة القرآن في تفسير ابن جرير الطبري»، ولكنه غير شاملٍ لمفرداتِ ألفاظِ القرآنِ التي تناولها الطبري بالشرح والبيانِ، والله الموفق.","vol":"1","page":188},{"text":"أولًا: تفسيرُ الألفاظِ دونَ ذكر الشاهدِ:\nكانَ ذلكَ يجيءُ - في الغالبِ - في تفسيرِه الجمليِ الذي يوردُهُ بعدَ الآيةِ مباشرةً، أو قد يوردُهُ في ترجيحاتِهِ بعد ذِكْرِ أقوالِ المفسرينَ، ومنْ أمثلةِ ذلكَ:\n١ - قال: «وقوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] يقولُ: هذهِ السكرةُ التي جاءتكَ - أيها الإنسانُ - بالحقِّ، هو الشيءُ الذي كنتَ تهربُ منهُ، وعنهُ تَرُوغُ» (١).\nوالحَيدُ: المَيلُ والعدولُ، يقال: حادَ عن الشَّيء يحيدُ حَيدَةً وحُيودًا (٢). وهو معنى الروغانِ الذي فَسَّرَ به، إذ الروغانُ: مَيلٌ، يقال: رَاغَ الرجلُ والثعلبُ رَوغًا ورَوَغَانًا: مالَ وحادَ عن الشَّيءِ (٣).\n٢ - وفي قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧] قالَ: «يقول تعالى ذكره: أَلَمْ يَكُ هذا المنكرُ قدرةَ اللهِ على إحيائِه من بعدِ مماتِه، وإيجادِه من بعدِ فنائِه (نُطْفَةً) يعني: ماءً قليلًا في صلبِ الرجلِ (مِنْ مَنِيٍّ)؟» (٤).\nوالنُّطْفَةُ: الماءُ القليلُ، قالَ الأزهريُ (ت:٣٧٠): «والعربُ تقولُ للمُوَيهَةِ القليلةِ: نُطْفَةٌ، وللماءِ الكثيرِ نُطْفَةٌ» (٥).\nوقال رضيُّ الدِّينِ الصَّغَانِيُّ (ت:٦٥٠): «النُّطْفَةُ: الماءُ الصافي، قليلًا كانَ\n_________\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٦:١٦١).\n(٢) ينظر: مقاييس اللغة (٢:١٢٣).\n(٣) ينظر: القاموس المحيط، مادة (روغ).\n(٤) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:٢٠١).\n(٥) تهذيب اللغة (٣:٣٦٦). وقد نقله الزبيدي في تاج العروس في مادة (نطف)، وزاد بعد ذلك: «وهو بالقليل أخصُّ» وليس هذا في التهذيب المطبوع، فيحتمل أنه من كلام الزبيدي، أو أنه في النسخة التي اعتمدها من التهذيب، والله أعلم.","vol":"1","page":189},{"text":"أو كثيرًا، فمن القليلِ: نطفةُ الإنسانِ» (١).\nوالأمثلة من هذا النوع كثيرة جدًا يصعبُ حصرُها. ومن الملاحظ أنَّ الطبريَ (ت:٣١٠) يَعْمَدُ إلى تحليلِ الألفاظِ تحليلًا معجميًا، وذلك بتوجيه الكلمةِ إلى أصلِها، أو مفارقتِها عن شبيهِها، أو غير ذلك من الأساليبِ التي اتخذها أصحابُ معاجمِ اللغةِ في بيانِ دلالةِ الألفاظِ العربيةِ، ومنْ ذلكَ:\n١ - قال في تفسيرِ المقاليد من قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٣]: «يقولُ تعالى ذِكْرُهُ: له مفاتيحُ خزائنِ السَّماواتِ والأرضِ، يفتحُ منها على من يشاءُ، ويمسكُها عمَّنْ أحبَّ منْ خلقِهِ. واحدها: مِقْلِيدٌ، وأمَّا الإقْلِيدُ: فواحدُ الأقالِيدِ» (٢).\n٢ - وقالَ: «وقولُه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، يقول تعالى ذِكرُه: ما حادَ صاحبُكُم أيها الناسُ عن الحقِّ ولا زالَ عنه، ولكنه على استقامةٍ وسدادٍ.\nويعني بقوله: ﴿وَمَا غَوَى﴾: وما صارَ غَوِيًّا، ولكنه رشيدٌ سديدٌ، يقال: غَوَى يَغْوَى: من الغَيِّ، وهو غاوٍ. وغَوِيَ يَغْوَى من اللَّبن: إذا بَشِمَ» (٣).\n٣ - وقال في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]: «يقول تعالى ذِكره: ومن يعرض عن ذكر الله فلم يخفْ سطوته، ولم يخش عقابه، ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] يقول: نجعلُ لهُ شيطانًا يُغْوِيهِ فهو له قرينٌ، يقول: فهو للشيطانِ قرينٌ؛ أي: يصيرُ كذلكِ.\nوأصلُ العَشْوِ: النَّظَرُ بغيرِ ثَبْتٍ لِعِلَّةٍ في العينِ، يقالُ منه: عَشَا فلانٌ\n_________\n(١) العباب الزاخر، حرف الفاء (ص:٦٠١).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٤:٢٣).\n(٣) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:٤١).","vol":"1","page":190},{"text":"يَعْشُو عَشْوَا وَعُشُوًّا: إذا ضَعُفَ بصرُهُ وأظلمتْ عينُه كأنَّ عليهِ غشاوةً؛ كما قالَ الشاعرُ (١):\nمَتَى تَاتِهِ تَعْشُو إلى ضَوءِ نَارِهِ ... تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنَارًا تَأَجَّجَا\nيعني: متى تفتقرْ فتأتِهِ يُعِنْكَ.\nوأمَّا إذا ذهب البصر ولم يُبصرْ، فإنَّه يقال فيه: عَشِيَ فلانٌ يَعْشَى عَشىً منقوصٌ، ومنه قول الأعشى (٢):\nرَأَتْ رَجُلًا غَائِبَ الوافِدَينِ ... مُخْتَلِفَ الخَلْقِ أعْشى ضَرِيرًا\nيقال منه: رجلٌ أعشى وامرأة عشواء.\nوإنما معنى الكلام: ومن لا ينظر في حجج الله بالإعراض منه عنه، إلاَّ نظرًا ضعيفًا، كنظر من قد عَشِيَ بصرُه، نقيض له شيطانًا» (٣).\nوهذا النَّمط في كتابه كثيرٌ، وهو يُعَدُّ بهذا النَّمطِ الَّذي سلكه في التَّفسيرِ اللُّغويِّ من أصحاب المعاجم الذين دَوَّنوا ألفاظَ اللُّغةِ؛ كعَصْرِيِّه ابن دريد\n_________\n(١) ورد البيت منسوبًا للحطيئة في الكتاب، لسيبويه (١:٤٤٥)، وغريب القرآن، لابن قتيبة (ص:٣٩٨)، وهو في ديوانه (ص:٨١) كالآتي:\nمَتَى تَاتِه تَعْشُوا إِلى ضَوءِ نَارِه\nتَجِدْ خَيرَ نَارٍ، عِنْدَهَا خَيرُ مُوقِدِ\nوعجز البيت الذي ذكره الطبري منسوب إلى عبيد الله بن الحُرِّ، والبيت بتمامه في الكتاب، لسيبويه (١:٤٤٦):\nمَتَى تَاتِنَا، تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيارِنَا،\nتَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا، ونَارًا تَأجَّجا\nويظهر أنَّ الطبري ركَّبه من هذين البيتين، أو تكون روايته التي بلغته هكذا، والله أعلم.\nينظر: قول محقق تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٥:٧٢)، وينظر في البيتين ونسبهما: خزانة الأدب، للبغدادي تحقيق عبد السلام هارون (٩: ٩٠)\n(٢) البيت في ديوان الأعشى، تحقيق حنَّا نصر (ص:١٦١)، وقال المحقق في معنى «غائب الوافدين»: فاقد بصر العينين.\n(٣) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٥:٧٢ - ٧٣).","vol":"1","page":191},{"text":"(ت:٣٢١) الذي ألَّف كتاب «جمهرة اللغة»، أو من جاء بعده كالأزهري (ت:٣٧٠) الذي ألَّف كتاب «تهذيب اللغة».\nغير أنَّك لا تجد لهذا العَلَمِ الجَهْبَذِ أثرًا في نقلِ اللُّغةِ عندَ أصحابِ المعاجمِ ممنْ جاءَ بعدَهُ (١)، مع أنَّ كتابَه مليءٌ بالتَّحقيقاتِ اللُّغويةِ وببيانِ المفرداتِ وذكر شواهدها من لغة العرب.\nومما يدلُّ على تقدُّمه في علمِ لغةِ العربِ أنَّه لما دخلَ مصرَ طُلِبَ منه أنْ يُمْلِيَ شعرَ الطِّرِمَّاحِ (٢)، فأملاهُ حفظًا، وشرحَ غريبَه (٣)، ولا يقومُ بمثلِ هذا إلاَّ من تمكَّنَ في لغةِ العربِ.\nثانيًا: تفسير الألفاظ مع ذكر الشاهد:\nتكثرُ الشَّواهدُ الشِّعريةُ في تفسيرِ الطَّبريِّ (ت:٣١٠)، وهو كغيرِه من المفسِّرينَ الذين يتعرَّضونَ لمسائلِ النَّحْوِ، حيثُ يكثرُ عندَه الشَّاهدُ النَّحْوِيُّ، ولا يخلو كتابُه منْ ذِكْرِ شواهدِ اللُّغةِ، غيرَ أنَّ الأوَّلَ أكثرُ. ومن الشَّواهد اللُّغويَّة التي ذكرها ما يأتي:\n_________\n(١) بحثت في كتاب لسان العربِ عنه، لأظفر بنقلٍ عنه في اللغة، فلم أجد إلاَّ موضعًا واحدًا في مادة (جزى)، قال ابن منظورٍ: «وفسَّر أبو جعفر بن جرير الطبري قوله تعالى: ﴿لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾، فقال: معناه: لا تُغني»، ثمَّ وقفتُ على القرص المضغوط من إنتاج مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي (مكتبة المعاجم والغريب والمصطلحات)، فبحثت في كتاب لسان العرب في موارد اللفظ (ابن جرير = الطبري)، فلم أظفر باسمه في أي موضعٍ، ولا بالموضعِ الذي وجدته، ثمَّ كشفتُ في القرص عن هذه المادة (جزى)، فلم أجدهم نقلوها، وهذا مما يُضعِفُ عملهم، وهو ما يتسمون به في إخراج كتب التراثِ، والله المستعان.\n(٢) الطِّرِمَّاح هو الحكم بن حكيم، ولقبه أشهر من اسمه، وهو من طيء، شاعر إسلامي، كان خطيبًا خارجيًا، مات في الكوفة، سنة (١١٢) أو قريبًا منها. ينظر: مقدمة محقق شعر الطِّرِمَّاح: عِزَّة حسن (ص:٥ - ٢٤)، ومعجم الشعراء (ص:١٣٥).\n(٣) ينظر: معجم الأدباء (١٨:٥٣).","vol":"1","page":192},{"text":"١ - قالَ في قولِه تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ: ٢]: «يقولُ تعالى ذِكرُه: يعلمُ ما يدخلُ في الأرضِ وما يغيبُ فيها من شيءٍ، منْ قولهم: وَلَجْتُ في كذا: إذا دخلتُ فيه، كما قال الشاعر (١):\nرَأَيْتُ القَوَافِي يَتَّلِجْنَ مَوَالِجًا ... تَضَايَقُ عَنْهَا أَنْ تَوَلَّجَهَا الإبَرْ\nيعني بقوله: «يَتَّلِجْنَ مَوَالِجًا»: يدخلن مداخل» (٢).\n٢ - وقال: «وقوله: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات: ٥٩]، يقول تعالى ذِكرُه: فإنَّ للذينَ أشركُوا باللهِ منْ قريشٍ وغيرِهم ذَنُوبًا، وهي الدَّلْوُ العظيمةُ، وهو السَّجْلُ أيضًا، إذا مُلئت أو قاربتْ الملء، وإنما يريدُ بالذَّنوبِ في هذا الموضعِ: الحَظَّ والنَّصيبَ، ومنه قول عَلْقَمَةَ بنِ عَبْدَةَ (٣):\nوَفِي كُلِّ قَومٍ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ، ... فَحُقَّ لِشَأسٍ مِنْ نَدَاكَ ذَنُوبُ\nأي: نصيب، وأصله ما ذكرتُ، ومنه قول الراجز (٤):\nلَنَا ذَنُوبٌ وَلَكُمْ ذَنُوبُ\nفَإنْ أَبَيتُمْ فَلَنَا القَلِيبُ\n_________\n(١) البيت لطرفة بن العبد في ديوانه، تحقيق: رحاب عكاوي (ص:١٥٩).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٢:٥٩).\n(٣) علقمة بن عَبْدَة التميمي، المعروف بـ «علقمة الفحل»، شاعر جاهلي، اتصل بالغساسنة، توفي في نحو ٢٠ سنة قبل الهجرة، وقيل غيرها. ينظر: مقدمة ديوانه، للدكتور: حنا نصر (ص:٧ - ١٤)، ومعجم الشعراء (ص:١٦٩).\nوالبيت في ديوانه بشرح الأعلم الشَّنْتمري، تحقيق: حنَّا نصر (ص:٣١). ومعنى: خبطت بنعمة: أنعمت وتفضَّلت، وشأس: أخو علقمة، وكان قد أسِر، وهذا البيت في قصيدة يمدح فيها الحارث الغساني، ويطلب منه فكَّ أسرِ أخيه شأس.\n(٤) الرجز غير منسوب في كتاب العين (٨:١٩٠)، ومعاني الفراء (٣:٩٠) وينظر: المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية (٩:١٠٦).","vol":"1","page":193},{"text":"ومعنى الكلامِ: فإنَّ للذينَ ظلموا منْ عذابِ اللهِ نصيبًا وحظًا نازلًا بهم، مثلَ نصيبِ أصحابِهم الذين مضوا من قبلِهم من الأممِ على منهاجِهم، من العذابِ، فلا يستعجلون» (١).\nويظهرُ عنده الجانبُ اللغويُ في تفسيرِ الألفاظِ في توجيهِ القراءاتِ، وهو في هذا التوجيهِ يُفسرُ اللفظَ ويذكرُ شواهدَه ليرجِّحَ القراءةَ التي يختارُها، إن اختارَ، أو ليبينَ صحةَ القراءتينِ معتمدًا على الشواهدِ اللغويةِ، والأمثلة في هذا كثيرة في تفسيره، ومنَ الأمثلةِ التي تتعلق بتوجيه المعنى مع الاختلاف في القراءة ما يأتي:\nفي قوله تعالى: ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٥] ذكر القراءتين في لفظ «سُكِّرَتْ» (٢)، ثُمَّ ذكرَ أقوالَ السَّلفِ في تفسيرِ هذا اللَّفظِ، ثمَّ عقَّبَ بقوله: «وأولى هذه الأقوالِ بالصَّوابِ عندي، قولُ من قالَ: معنى ذلك: أُخِذَت أبصارنا وسُحِرَت، فلا تُبْصِرُ الشَّيءَ على ما هو به، وذهب حَدُّ إبصارها، وانطفأ نورُه، كما يقالُ للشَّيءِ الحَارِّ إذا ذهبتْ فورتُهُ وسكنَ حَدُّ حرِّه: قد سَكَرَ يَسْكُرُ. قال المثنى بن جندل الطُّهَوِي (٣):\nجَاء الشِّتَاءُ وَاجْثَألَّ القُبَّرُ\nوَاسْتَخْفَتِ الأفْعَى وَكَانَتْ تَظْهَرُ\n_________\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١٣ - ١٤).\n(٢) قرأها جمهور القُرَّاء بالتشديد، إلا ابن كثير، فإنه قرأها بالتخفيف. ينظر: السبعة، لابن مجاهد، تحقيق: د. شوقي ضيف (ص:٣٦٦)، وقد أسند الطبري إلى مجاهد قراءة التخفيف، ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١١ - ١٢)، وهذا يدلُّ على أنَّ الرواية بالتخفيف معروفة عن قراء مكة.\n(٣) كذا ورد اسمه عند الطبري، وقد ورد عند غيره «جندل بن المثنى». ينظر: مجاز القرآن (٢:٢٠٣)، وخزانة الأدب، للبغدادي (٧:٤٠٦، ٥٣٠).\nوينظر هذا الرجز في: مجاز القرآن، لأبي عبيدة (٢:٢٠٣)، وجمهرة اللغة (٢:١٠٨٨)، وتهذيب اللغة (١٠:٥٦)، وينظر: المعجم المفصل (١٠:١٣٠).","vol":"1","page":194},{"text":"وَجَعَلَتْ عَينُ الحَرُورِ تَسْكُرُ\nأي: تسكن وتذهب وتنطفئ. وقال ذو الرُّمَّةِ (١):\nقَبْلَ انْصِدَاعِ الفَجْرِ وَالتَّهَجُّرِ ... وَخَوضُهُنَّ اللَّيلَ حِينَ يَسْكُرُ\nيعني: حينَ تسكنُ فورتُه.\nوذُكِرَ عن قيسٍ أنها تقول: سَكَرَتِ الريحُ تَسْكُرُ سُكُورًا؛ بمعنى: سكنتْ؛ وإذا كانَ ذلك عنها صحيحًا، فإنَّ معنى سُكِرَت وسُكِّرَت بالتخفيف والتشديد متقاربان. غير أنَّ القراءة التي لا أستجيزُ غيرَها في القرآنِ ﴿سُكِّرَتْ﴾ بالتشديدِ، لإجماعِ الحُجَّةِ من القراءِ عليها، وغيرُ جائزٍ خِلافُها فيما جاءتْ به مجتمعةً عليه» (٢).\nظواهر في التَّفسير اللُّغويِّ عند ابن جرير\nبرزتْ بعضُ الظَّواهرِ التي تميَّزَ بها ابنُ جريرٍ الطبريُّ (ت:٣١٠) في تفسيرِه اللُّغويِّ، وهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>الأولى: الاستشهادُ بأقوالِ السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:</span>\nلقد كان اعتمادُ ابنِ جريرٍ الطبريِّ (ت:٣١٠) على المأثورِ عن السَّلفِ مما يتميَّزُ به عمومًا في تفسيرِه، وقد ساقَه ذلكَ إلى الاعتمادِ عليه في التَّفسيرِ اللُّغويِّ في بيانِ القرآنِ، ولقد سبقَ ذِكرُ الضَّابطِ الذي ذكرَه في التَّفسيرِ المُعْتَمِدِ على اللُّغةِ، وهو أن لا يكونَ التَّفسيرُ خارجًا عن ما قالَهُ أهلُ التَّأويلِ من الصَّحابةِ والتَّابعينَ وأتباعهم، وقدْ سارَ على هذا المنهجِ في كتابِه، ولم يخرجْ عن هذا الضابطِ إلاَّ في النَّادرِ القليلِ جدًّا (٣).\n_________\n(١) البيت في ديوانه، شرح أبي نصر الباهلي، تحقيق عبد القدوس أبو صالح (١:٣١٦).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٣).\n(٣) مثل اختياره معنى الربط بالهجر في تفسير ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء ٣٤]، وهو لم يرد عن السلف، بل عن بعض اللغويين. ينظر: تفسير الطبري، تحقيق شاكر (٨:٣٠٩).","vol":"1","page":195},{"text":"ولذا كان يعتمدُ ما جاءَ عنهم كاعتمادِه على الشَّاهدِ العربِيِّ، فهو يسوقُ أقوالَهم في بيانِ المفرداتِ سياقَ من يُبيِّنُ اللُّغةَ بشواهدِها من كلامِ العربِ، فيجعلُ تفسيرَهم حجَّةً في معنى اللَّفظِ، وهذا الأسلوبُ ظاهرٌ من استقراءِ كتابه، وطريقتِه في عرضِ أقوالِهم، وإنْ كانَ قد اعترضَ على بعضِها من حيثُ اللُّغةِ، وهو قليلٌ، فهو لا يخرجُ عن الإطارِ الذي انتهجَه.\nكما أنه قد يرجِّحُ أحدَ أقوالِ السَّلفِ، ويختارُ ما يراهُ راجِحًا من بينِ أقوالِ طبقاتِهم، دون اعتبارٍ لتقدُّمِ طبقةٍ عن طبقةٍ (١). ولا يلزمُ من ترجيحِه قولًا إبطالُ ما سواه، وهو قد ينبِّه على ذلك نصًّا في بعضِ المواطنِ.\nومنْ الأمثلةِ التي اعتمدَ فيها على بيانِ السَّلفِ، ما ذكره في تفسيرِه لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠].\nقال: «وقوله تعالى: ﴿أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠]، يعني: وجدنا، كما قال الشاعر (٢):\nفَألْفَيتُهُ غَيرَ مُسْتَعْتِبٍ ... وَلا ذَاكِرِ اللهَ إلاَّ قَلِيلًا\nيعني: وجدته.\nوكما حدَّثنا بشر بن معاذ (٣)، قال: حدَّثنا يزيد (٤)، قال: حدَّثنا\n_________\n(١) من الملاحظِ أن أغلب منهج ابن جرير في التَّرجيح بين أقوالِ السلفِ لا يعتمدُ على تقديم قول الصَّحابيِّ على من دونَه إذا كان الأمرُ يعودُ إلى الاجتهادِ، وهذا منهجٌ جديرٌ بالدِّراسةِ والتَّحريرِ.\n(٢) البيت من شواهد النَّحو المشهورةِ، وهو لأبي الأسود الدؤلي في ديوانه، تحقيق: محمد حسن آل ياسين (ص:٥٤).\n(٣) بشر بن معاذ العقدي، أبو سهل البصري الضرير، روى عن: أبي داود الطيالسي وأبي معاوية الضرير وغيرهما، وعنه: الترمذي ومحمد بن خزيمة وغيرهما، وهو صدوق، توفي سنة (٢٤٥)، وقيل غير ذلك. ينظر: تهذيب الكمال (١:٣٥٧)، وتقريب التهذيب (ص:١٧١).\n(٤) يزيد بن زُرَيع، أبو معاوية البصري، روى عن أيوب السختياني وسفيان الثوري =","vol":"1","page":196},{"text":"سعيد (١)، عن قتادة: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠]، أي: ما وجدنا عليه آباءنا.\nحدَّثني المثنى (٢)، قال: حدَّثنا إسحاق (٣)، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفر (٤)، عن أبيه (٥)، عن الربيع: مثله.\nقالَ أبو جعفر: فمعنى الآيةِ: إذا قيلَ لهؤلاءِ الكفارِ: كُلُو مِمَّا أحَلَّ اللهُ لكم، ودعوا خطواتِ الشيطانِ وطريقَه، واعملوا بما أنزلَ اللهُ على نبيه ﷺ في كتابِه، استكبروا عن الإذعانِ للحقِّ، وقالوا: بلْ نَاتَمُّ بآبائنا فنتَّبِعُ ما وجدنَاهم عليه من تحليلِ ما كانوا يُحِلُّونَ، وتحريمِ ما كانوا يحرِّمون» (٦).\nففي هذا المثالِ تَجِدُهُ ذكرَ الشَّاهدَ اللغويَّ منْ كلامِ العربِ، ثُمَّ ثَنَّى بقولِ قتادةَ (ت:١١٧) والربيعِ بنِ أنسٍ (ت:١٣٩)، وجعلَ قولَهما حجةً لغويةً في معنى لفظِ «ألفينا» في الآيةِ.\n_________\n= وغيرهما، وعنه: حجاج بن منهال ومسدَّد بن مسَرْهَد وغيرهما، ثقة ثبت، توفي سنة (١٨٢). ينظر: تهذيب الكمال (٨:١٢٣)، وتقريب التهذيب (ص:١٠٧٤).\n(١) هو ابن أبي عَرُوبَة، وقد مضت ترجمته.\n(٢) المثنى بن إبراهيم الآملي، شيخ الطبري، يروي عنه كثيرًا، ولم أجد له ترجمة.\n(٣) إسحاق بن الحجاج، أبو يعقوب الطاحوني، المقرئ، روى عن أبي زهير عبد الرحمن بن مَغْرَاء، وعبد الله بن أبي جعفر الرازي، قال أبو زُرعة: «كتب عبد الرحمن الدَّشْتَكِي تفسير عبد الرزاق عن إسحاق بن الحجاج»، ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم حُكمًا في الجرح والتعديل. ينظر: الجرح والتعديل (٢:٢١٧).\n(٤) عبد الله بن أبي جعفر (عيسى بن ماهان) الرازي، روى عن شعبة بن الحجاج وابن جريج وغيرهما، وعنه: ابنه محمد وإبراهيم بن موسى وغيرهما، صدوق يخطئ. ينظر: تهذيب الكمال (٤:١٠٥ - ١٠٦)، وتقريب التهذيب (ص:٤٩٧).\n(٥) عيسى بن ماهان، أبو جعفر الرازي، روى عن: الربيع بن أنس وحميد الطويل وغيرهما، وروى عنه: آدم بن أبي إياس وشعبة بن الحجاج وغيرهما، صدوق سيء الحفظ خصوصًا في مغيرة، توفي بالري في حدود سنة (١٦٦)، ينظر: تهذيب الكمال (٨:٢٧٥ - ٢٧٦)، وتقريب التهذيب (ص:١١٢٦).\n(٦) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٣:٣٠٧)، وينظر (٣:٢٣١).","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>الثَّانية: قَبُولُ المحتملاتِ اللُّغويةِ الواردةِ عنِ السَّلفِ:</span>\nلقدْ كانَ رحمَهُ اللهُ تعالى يَقِفُ معَ تفسيرِ السلفِ ولا يكادُ يخرجُ عنه، وإذا وردَ عنهم أكثرُ منْ قولٍ في الآيةِ فإنَّه: إمَّا أنْ يُرَجِّحَ بينها إذا كانَ أحدُها أقوى في الاحتمالِ من الآخرِ، وإمَّا أنْ يقبلَها جميعًا ما دامتْ الآيةُ تحتملُها منْ غيرِ تَضَادٍّ.\nومنْ أمثلةِ قبولِه المحتملاتِ اللغويةِ الواردةِ عن السلفِ ما يأتي:\nذَكَرَ في قولِه تعالى: ﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًاّ وَلاَ ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠] أربعةَ أقوالٍ في تفسيرِ «الإلِّ» عنِ السلفِ:\nالأولُ: الإلُّ: اللهُ ﷾، وهو قول مجاهد (ت:١٠٤) (١)، وأبي مِجْلَزٍ (ت:١٠٦) (٢).\nالثَّاني: الإلُّ: القَرابَةُ، وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ (ت:٦٨)، والضَّحَّاكِ (ت:١٠٥)، والسُّدِّيِّ (ت:١٢٨).\nالثالث: الإلُّ: الحِلْفُ (٣)، وبه قالَ قتادةُ (ت:١١٧).\nالرابع: الإلُّ: العهدُ، وبه قالَ مجاهدٌ (ت:١٠٤) (٤)، وعبد الرحمن بن زيد (ت:١٨٢) (٥)، وهو معنى ما روي عن قتادة (ت:١١٧).\nثمَّ قال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنَّ الله تعالى\n_________\n(١) جاءت الرواية من طريق معمر عن ابن أبي نجيح عنه.\n(٢) لاحق بن حميد بن سعيد، أبو مِجْلَز البصري، مشهور بكنيته، روى عن: ابن عمر وابن عباس وغيرهما، وروى عنه: قتادة ويزيد النحوي وغيرهما، ثقة، توفي سنة (١٠٦) وقيل غيرها. ينظر: تهذيب الكمال (٧:٥٠٧ - ٥٠٨)، والتقريب (ص:١٠٤٦).\n(٣) الحِلْفُ: العهد بين القوم. القاموس المحيط، مادة (ح ل ف).\n(٤) جاءت الرواية من طريق عيسى عن ابن أبي نجيح عنه، ومن طريق خصيف عنه.\n(٥) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٤:١٤٦ - ١٤٨).","vol":"1","page":198},{"text":"ذِكْرُه أخبرَ عنْ هؤلاءِ المشركينَ الذينَ أمرَ نبيَّه والمؤمنينَ بقتْلِهم بعدَ انسلاخِ الأشهرِ الحُرُمِ، وحصرِهِم، والقعودِ لهم على كلِّ مَرْصَدٍ: أنَّهم لو ظهروا على المؤمنينَ لمْ يرقُبُوا فيهم «إِلًّا».\nو«الإلُّ» اسمٌ يشتملُ على معانٍ ثلاثةٍ، وهي: العهدُ والعقدُ والحِلْفُ، والقرابةُ، وهو أيضًا بمعنى: الله. فإذا كانتِ الكلمةُ تشملُ هذهِ المعانيَ الثَّلاثةَ، ولمْ يكنِ اللهُ خصَّ منْ ذلكَ معنىً دونَ معنى، فالصَّوابُ أنْ يَعُمَّ ذلك كما عَمَّ بها - جلَّ ثناؤه - معانيَها الثلاثةَ، فيقالُ: لا يرقبونَ في مؤمنٍ اللهَ ولا قرابةً ولا عهدًا ولا ميثاقًا ...» (١).\nأمَّا المحتمَلُ اللُّغويُّ الذي لم يقلْ به السَّلفُ، ويذكرُه أحدُ اللُّغويِّينَ، فإنه - وإن كان له وجه - يعترضُ عليه، ولا يقبله مع قولِ السَّلفِ، كما سبق بيانه، ومن ذلك:\nفي قوله تعالى: ﴿لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] قال: «يقول: لا تَسْمَعُ هذه الوجوهُ، المعنى لأهلِها، فيها: في الجنةِ العاليةِ، لاغيةً. يعني باللاغيةِ: كلمةَ لَغْوٍ، واللَّغوُ: الباطلُ، فقيلَ للكلمةِ التي هي لَغْوٌ: لاغيةٌ، كما قيلَ لصاحبِ الدرعِ: دَارِعٌ، ولصاحبِ الفَرَسِ: فارسٌ، ولقائلِ الشِّعْرِ: شاعرٌ، وكما قال الحطيئةُ (٢):\nأغَرَرْتَنِي وَزَعَمْتَ أَنَّـ ... ـكَ لابِنٌ بِالصَّيفِ تَامِرْ\nيعني: صاحبَ لَبَنٍ وصاحبَ تَمْرٍ» (٣).\nثمَّ قالَ: «وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قالَ أهلُ التأويلِ»، وذكرَ الروايةَ عن ابن عباسٍ (ت:٦٨): «لا تَسمعُ أَذَىً وَلاَ بَاطِلًا»، وعن مجاهد بن جبر\n_________\n(١) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٤:١٤٨).\n(٢) البيت في ديوانه، تحقيق: نعمان محمد (ص:٥٦).\n(٣) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:١٦٣).","vol":"1","page":199},{"text":"(ت:١٠٤): «شَتْمًا»، وعن قتادة (ت:١١٧): «لا تسمعُ فيها بَاطِلًا ولا شَاتِمًا» (١).\nثَمَّ ذَكرَ عنِ الفرَّاءِ (ت:٢٠٧) احتمالًا لُغويًّا لكنه لم يقبل قوله، مع أنَّه ذكر أنَّ لقوله وجهًا، وإنما لم يعتدَّ به لعدم وروده عن السَّلف، فقال: «وزعمَ بعضُ الكوفيين أنَّ معنى ذلكَ: لا تسمعُ فيها حالفةً على الكَذِبِ (٢)، ولذلك قيل: لاغية.\nولهذا الذي قاله مذهبٌ ووجهٌ، لولا أنَّ أهلَ التأويلِ منَ الصحابةِ والتابعين على خلافِهِ، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ خلافهم فيما كانوا عليه مجمعين» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>الثالثةُ: استعمالُ اللُّغةِ في التَّرجيحِ:</span>\nأبدعَ الطبري (ت:٣١٠) في استخدام اللُّغةِ حالَ ترجيحِه لقولٍ من أقوالِ المفسِّرينَ، وكانَ في هذا دلالةٌ على تمكُّنِهِ ومعرفتِه بلغةِ العربِ، وهذه القضيَّةُ بحاجةٍ إلى دراسةٍ مستقلَّةٍ تبيِّنُ طريقتَه في اعتمادِه اللغةَ في التفسير.\nوالأمثلةُ في اعتماده اللُّغةَ في التَّرجيحِ بين أقوالِ المفسِّرينَ كثيرةٌ، وسأذكرُ بعضَها، ومنها:\n١ - في قوله تعالى: ﴿لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، ذكرَ أقوالَ السلفِ في معنى «تبدَّل» وهي:\nالأول: أنْ تُطلِّقَهنَّ وتتزوجَ غيرهنَّ، وهو قول أبي رَزِين (ت:٨٥) (٤)، ومجاهد (ت:١٠٤)، والضحاك (ت:١٠٥)، على اختلافٍ بينهم في توجيهِ التبديلِ.\n_________\n(١) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:١٦٣).\n(٢) معاني القرآن، للفراء (٣:٢٥٧).\n(٣) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:١٦٣). وينظر مثالًا آخر في: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٣:٢٠٤ - ٢٠٦).\n(٤) مسعود بن مالك، أبو رَزِين الأسدي الكوفي، روى عن: علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وغيرهم، وعنه: عُبيد بن مِهران المُكْتِب ومنصور بن المعتمر، ثقة فاضل، توفي سنة (٨٥). ينظر: تهذيب الكمال (٧:٩٠ - ٩١)، وتقريب التهذيب (ص:٩٣٦).","vol":"1","page":200},{"text":"الثاني: أنْ تُبَادِلَ بهنَّ غيرهنَّ، فتأخذَ زوجتَه ويأخذَ زوجتَك، وهو قولُ ابنِ زيدٍ (ت:١٨٢) (١).\nثمَّ رجَّحَ أحدَ القولينِ قائلًا: «وأولى الأقوالِ في ذلكَ بالصَّوابِ، قولُ منْ قالَ: معنى ذلكَ: ولا أنْ تُطَلِّقَ أزواجَك فتستبدِلَ بهنَّ غيرَهُنَّ أزواجًا ... وأمَّا ما قالَه ابنُ زيدٍ في ذلكَ أيضًا، فقولٌ لا معنى له؛ لأنه لو كانَ بمعنى المُبَادَلَةِ، لكانتِ القراءةُ والتَّنْزيلُ: ولا أن تُبَادِلَ بهنَّ من أزواجٍ، أو: ولا أن تُبَدِّلَ بِهنَّ بضمِّ التاء، لكنَّ القراءةَ المجمعَ عليها: ﴿وَلاَ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ بفتح التاءِ، بمعنى: ولا أن تستبدل بهنَّ ...» (٢).\nففي هذا المثالِ ترى أنَّ ترجيحَه اعتمدَ على اشتقاقِ لفظِ «تَبَدَّلَ»، وأنَّه لو كانَ من المبادلةِ، لكان اللفظُ: تُبَادِلَ، أو: تُبَدِّلَ.\n٢ - في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَاتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، ذكرَ قولينِ في معنى حَمْلِ الملائكةِ للتابوتِ:\nالأول: أنَّ الملائكةَ كانت تباشِرُ حَمْلَهُ، وأورد الرِّواية في ذلكَ عنِ ابن عباس (ت:٦٨)، وقتادة (ت:١١٧)، وابن زيد (ت:١٨٢).\nالثاني: تسوقُ الملائكةُ الدَّوابَّ التي تحملُه، قاله وَهْبُ بنُ مُنَبِّه الصَّنعانيُّ (ت:١١٤) (٣)، وقد رواهُ سفيانُ الثَّوريُّ عن بعضِ أشياخِه (٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٢:٣١).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٢:٣١ - ٣٢).\n(٣) وهب بن منبه بن كامل، أبو عبد الله اليماني الصنعاني، روى عن أنس بن مالك وابن عباس وجابر بن عبد الله وغيرهم، وروى عنه: همَّام الصنعاني وعاصم بن رجاء بن حيوة وغيرهما، تابعي ثقة، كان على قضاء صنعاء، وكان صاحب كُتبٍ وأخبار، له حِكم ومواعظ، توفي سنة (١١٤). ينظر: تهذيب الكمال (٧:٤٩٨ - ٥٠٤)، وتقريب التهذيب (ص:١٠٤٥).\n(٤) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٥:٣٣٥ - ٣٣٦).","vol":"1","page":201},{"text":"ثمَّ قالَ معلِّقًا: «وأولى القولينِ في ذلك بالصَّوابِ، قول من قال: حملت التَّابوتَ الملائكةُ، حتى وضعتْهُ لها في دار طالوت قائمًا بين أظهر بني إسرائيل، وذلك أنَّ الله تعالى ذِكْرُه قال: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ﴾، ولم يقل: تأتي به الملائكة.\nوما جرَّتْهُ البقرُ على عَجَلٍ، وإنْ كانتِ الملائكةُ هي سائقتُها، فهي غيرُ حامِلَتِه؛ لأنَّ الحملَ المعروفَ هو مباشرةُ الحاملِ بنفسِه حملَ ما حملَ، فأمَّا ما حملَه على غيرِه، وإن كانَ جائزًا في اللُّغةِ أنْ يُقال: حملَه؛ بمعنى: معونتِه الحاملَ، وبأنَّ حملَه كانَ عن سببِه، فليسَ سبيلُه سبيلَ ما باشرَ حملَه بنفسه في تعارفِ الناسِ إيَّاه بينهم. وتوجيهُ تأويلِ القرآنِ على الأشهرِ من اللُّغاتِ، أولى من توجيهِه إلى الأنكرِ، ما وُجِدَ إلى ذلك سبيل» (١).\n٣ - وفي قوله تعالى: ﴿إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، قال: «وقال بعضُهم: إنَّما قيل ذلك، من أجلِ أنَّ العربَ تضعُ العلمَ مكانَ الرُّؤيةِ، والرُّؤيةَ مكانَ العلمِ؛ كما قالَ جَلَّ ذِكْرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١]، فزعمَ أنَّ معنى (ألم تر): ألم تعلم؟ وزعم أنَّ معنى قولِهِ: (إلاَّ لِنَعْلَمَ)، بمعنى: إلاَّ لنرى من يتَّبِع الرسول. وزعم أنَّ قول القائل: (رأيتُ، وعلمتُ، وشهدتُ) حروفٌ تتعاقب، فيوضَع بعضها موضع بعض، كما قال جرير بن عطية (٢):\n_________\n(١) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٥:٣٣٦ - ٣٣٧).\n(٢) جرير بن عطية الخطفي، أبو حَرْزَة التميمي، شاعر مفلق من شعراء الدولة الأموية، هجا الشعراء؛ كالفرزدق والأخطل، وله أخبار وأشعار مشهورة، توفي سنة (١١١) وقيل غيرها. ينظر: الشعر والشعراء، لابن قتيبة (١:٤٦٤ - ٤٧٠)، ومعجم الشعراء (ص:٥٤ - ٥٥).\nوالبيت في ديوانه بشرح محمد بن حبيب، تحقيق: نعمان محمد أمين طه (ص:١٠٠٤).","vol":"1","page":202},{"text":"كَأَنَّكَ لَمْ تَشْهَدْ لَقِيطًا وَحَاجِبًا ... وَعَمْرَو بَنَ عَمْرٍو إذَا دَعَا يَالَ دَارِمِ\nبمعنى: كأنَّك لم تَعْلَمْ لَقِيطًا؛ لأنَّ بين هُلْكِ لَقِيطٍ وحاجبٍ وزمانِ جريرٍ، ما لا يخفى بُعْدُهُ من المدَّةِ، وذلك أنَّ الذين ذَكَرَهُم هلكوا في الجاهليَّة، وجرير كان بعد بُرْهَةٍ مضت من الإسلام.\nقال أبو جعفر: وهذا تأويلٌ بعيدٌ، من أجلِ أنَّ «الرُّؤيَةَ» وإن استعمِلت في موضع (العلم)، من أجل أنَّه مستحيلٌ أنْ يرى أحدٌ شيئًا فلا توجبُ رؤيتُهُ إيَّاه علمًا بأنَّه قد رآه، إذ كانَ صحيحَ الفطرةِ. فجازَ مِنَ الوجهِ الذي أثبته رؤيةً، أن يُضافَ إليه إثباتُه إيَّاه عِلْمًا، وصَحَّ أن يدلَّ بذكرِ الرؤيةِ على معنى العلمِ منْ أجلِ ذلكَ. فليسَ ذلكَ - وإنْ كانَ ذلكَ جائزًا في الرُّؤيةِ؛ لما وصفنا - بجائزٍ في العلمِ، فيدل بذكرِ الخبرِ عن (العلمِ) على (الرُّؤيةِ)؛ لأنَّ المرءَ قد يعلمُ أشياءَ كثيرةً لم يرَهَا ولا يراها، ويستحيل أن يرى شيئًا إلاَّ عِلمَهُ، كما قدَّمنا البيان عنه. مع أنَّه غيرُ موجودٍ في كلامِ العربِ أن يُقالَ: علمتُ كذا؛ بمعنى: رأيتُه.\nوإنَّما يجوزُ توجيهُ معاني ما في كتابِ اللهِ الذي أنزلَه على محمدٍ ﷺ مِنَ الكلامِ، إلى ما كانَ موجودًا مثلُه في كلامِ العربِ، دونَ ما لم يكنْ موجودًا في كلامِها.\nفموجودٌ في كلامِها: رأيتُ، بمعنى: علمتُ، وغيرُ موجودٍ في كلامِها: علمتُ، بمعنى: رأيتُ، فيجوزُ توجيهُ ﴿إِلاَّ لِنَعْلَمَ﴾ إلى معنى: إلاَّ لنرى» (١).\nوموضوعُ اللُّغةِ في تفسيرِ الطَّبريِّ (ت:٣١٠) طويلٌ جدًا، وهو محتاجٌ إلى من يُجلِّي كنوزَه، وسأختمُ هذا المبحثَ بذكرِ بعضِ ما يتعلَّقُ بالقواعدِ اللُّغويَّةِ التي اعتمدَها، وهي من دلائلِ تميُّزِه في هذا الشَّأنِ، ومن ذلك:\n*\n_________\n(١) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٣:١٦٠ - ١٦١).","vol":"1","page":203},{"text":"غيرُ مستحيلٍ اجتماعُ المعاني الكثيرةِ للكلمةِ الواحدةِ، باللَّفظِ الواحدِ، في كلامٍ واحدٍ (١).\n* غيرُ جائزٌ إبطالُ حرفٍ كان دليلًا على معنًى في الكلامِ (٢).\n* إذا كان الكلامُ مفهومًا على اتِّساقِه على كلامٍ واحدٍ، فلا وجهَ لصرفه إلى كلامين (٣).\n* كلُّ كلامٍ نُطِقَ به، مفهومٌ به معنى ما أُريدَ، ففيه الكفايةُ عن غيره (٤).\n* زيادة ما لا يُفيدُ من الكلامِ معنًى في الكلامِ، غيرُ جائزٍ إضافتُه إلى اللهِ جلَّ ثناؤه (٥).\nأو: غيرُ جائزٍ أن يكونَ في كتابِ اللهِ حرفٌ لا معنى له (٦).\n* تأويلُ القرآنِ على المفهومِ الظاهرِ من الخطابِ - دونَ الخفي الباطنِ منه، حتى تأتي دلالةٌ من الوجه الذي يجبُ التَّسليمُ له، بمعنًى خلافَ دليله الظاهرِ المتعارفَ في أهلِ اللِّسانِ الذين بلسانهم نزلَ القرآنُ - أولى (٧).\n* غيرُ جائزٍ حذفُ حرفٍ من كلامِ اللهِ - في حالِ وقفٍ أو وصلٍ - لإثباتِه وجهٌ معروفٌ في كلامها (٨).\n* لا يجوزُ أنْ يُحملَ تأويلُ القرآنِ إلاَّ على الأظهرِ الأكثرِ من الكلامِ المستعملِ في ألسنِ العربِ، دونَ الأقلِّ، ما وُجِدَ إلى ذلك سبيل، ولم\n_________\n(١) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١:٢٢٢).\n(٢) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١:٤٤٠).\n(٣) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:٢٩١).\n(٤) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:١٦٠).\n(٥) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:٣٣١).\n(٦) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:٤٠٠)، (٥:٤٣٨)، (١٢:٣٢٦).\n(٧) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:٤٥٧)، (٤:١٣٣ - ١٣٤)، (٦:٣٠٩، ٣١٧).\n(٨) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٥:٤٦٢).","vol":"1","page":204},{"text":"تضطرنا حاجةٌ إلى صرفِ ذلك إلى أنه بمعنى واحد، فيحتاج له إلى طلبِ المخرج بالخفي من الكلام والمعاني (١).\nأو: كتابُ اللهِ ﷿ لا توجَّهُ معانيه وما فيه من البيانِ إلى الشَّواذِّ من الكلامِ والمعاني، وله في الفصيحِ من المنطقِ والظاهرِ من المعاني المفهوم، وجهٌ صحيحٌ (٢).\nوالكتابُ مليءٌ بأمثالِ هذه الدُّرَرِ، ولعلَّ فيما ذكرتُه إشارةً تُغني في بيانِ هذا الموضوعِ، والله الموفِّقُ.\n_________\n(١) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٦:٣٦٥)، (٧:٥٠٩)، (٨:٣٥٧، ٤٨٢، ٥٧٨)، (٩:١٨٩، ٢٢٣)، (١١:٢٣٦، ٤١٨)، (١٤:٨٧، ١٢٨، ٢٤١)، (١٥:١٧٦، ٣٢١، ٣٣٣)، (١٦:٢٤٣).\n(٢) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٧:١٠٠)، (١٢:٣٢٢).","vol":"1","page":205},{"text":"ثانيًا الجامع لعلم القرآن\nألَّفَه أبو الحسنِ عليُّ بنُ عيسى الرُّمَّانيُّ، النحويُّ، اللُّغويُّ، المعتزليُّ (ت:٣٨٤). وقد ظهرتْ في هذا الكتابِ الصِّبغةُ النَّحويَّةُ واللُّغويَّةُ والاعتزاليَّةُ بوضوحٍ تامٍّ، كما أنَّ له في كلِّ فنٍّ منها مؤلفاتٍ (١).\nوهذا المؤلَّفُ مخطوطٌ، وقدْ ظفرتُ بجزءٍ صغيرٍ من تفسيرِه (٢)، يبدأ بالآية (٩٨) من سورة آل عمران، وينتهي بنهايةِ السورةِ، وهو في أربعٍ وخمسينَ وثلاثِمائةِ صفحةٍ، ولم أظفرْ بسواه، إلاَّ نسخةً تبيَّنَ لي أنها لا يمكن أن تكونَ له (٣).\n_________\n(١) ينظر في هذه المؤلفات: إنباه الرواة (٢:٢٩٥ - ٢٩٦).\n(٢) أصلُ هذا المخطوطِ في معهد الدراساتِ الشرقية بطشقند (م. م. خ٦/ ١٩٦٠/٣٢٣) [٣١٣٧] (ج١٠). ينظر: الفهرس الشامل للتراث/علوم القرآن/مخطوطات التفسير وعلومه (١:٦٢).\nوقد حصلت عليه من معهد المخطوطات العربية بالقاهرة، وهو غير مفهرسٍ فيها، تحت عنوان (تفسير غير مفهرس/م - ٣٦١، رقم ٩٢، مكتبة طشقند ٣١٣٧).\nولما قرأتُه ظهرَ لي اختلالٌ في ترتيبِ بعض الصفحاتِ، ولذا سأعتمدُ رقمَ الآيةِ في الرجوعِ إليه.\n(٣) حصلت على مخطوط في تفسير جزء عمَّ، وهو منسوبٌ للرماني، وهو في التيمورية (١/ ٧٦ [٢٠١] ١ج - ١٠٦٩هـ).\nوقد قرأتُه، فظهر لي اختلافُ منهجِه عن منهج المخطوط الأول اختلافًا جذريًّا، كما أنَّ المؤلف يرى رؤيةَ الباري، وهذا يخالف عقيدة المعتزلة، وقد حكى عند قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] قولين في الآية: الأول: محجوبون عن رؤية ربهم، والمؤمنون يرونه، والثاني: محجوبون عن كرامته، =","vol":"1","page":206},{"text":"ولقد تردَّدتُ كثيرًا في دراستِه؛ لصِغَرِ حجمِه، غيرَ أنِّي لما نظرتُ فيه وجدتُه يدلُّ على غزارةِ مؤلِّفِه وامتلائه بعلمِ اللغةِ، ووجدته متشبعًا بعقائد المعتزلة، وهو من أقدم مؤلفاتهمِ الموجودة في التفسير، فلما كان ذلك، رأيت أن أدرسه.\nوهذا التَّفسيرُ يتميَّزُ بمميِّزاتٍ، منها:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-69> كثرةُ استخدامِه لأسلوبِ السؤالِ والجوابِ</span>.\nفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١]، قال: «يقال: ما الفديةُ؟\nالجواب: البدلُ منَ الشَّيء في إزالةِ الأذيَّةِ، ومنه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]؛ لأنه بدلٌ منه في إزالةِ الذَّبحِ عنه. ومنه: فداءُ الأسيرِ بغيرِه؛ لأنه بدلٌ منه في إزالةِ القتلِ والأسرِ عنه ...\nويقال: ما معنى ذكر الافتداءِ هنا؟\nالجوابُ: البيانُ عن أنَّ ما كُلِّفَهُ في الدنيا يسيرٌ في جنبِ ما يبذله في الآخرةِ من الفداءِ الكثيرِ، لو وُجِدَ إليه السَّبيلُ.\nقال قتادةُ: يُجاءُ بالكافرِ يوم القيامةِ، فيقالُ له: أرأيتَ لو كانَ لك ملءُ الأرضِ ذهبًا، أكنتَ مفتديًا به؟ فيقول: نعم.\nفيقالُ له: لقدْ سُئلتَ أيسرَ من ذلك (١).\n_________\n= ثمَّ قال: «والأول أصحُّ؛ لأنَّ الرؤية أقوى الكرامات، فالحجب عنها دليلُ الحجبِ عن غيرِها». واللهُ أعلمُ.\n(١) هذا حديثٌ نبويٌّ رواه قتادةُ عن أنس بن مالك عن النَّبيِّ ﷺ، وقد أخرجه جماعة، منهم: البخاري في صحيحه في مواطن، منها كتاب الرقاق (٨:١٣٩)، ومسلم في صحيحه، تحقيق: فؤاد عبد الباقي (٤:٢١٦١)، والطبري في تفسيره، تحقيق: شاكر =","vol":"1","page":207},{"text":"وجوابٌ آخرُ: أنه لو افتدى به في دارِ الدُّنيا مع الإقامةِ على الكفرِ، لم يُقبل منه، حكاه الزَّجَّاجُ (١)».\n* ذكره المناسباتِ بين بعضِ الآياتِ؛ أي: وجهُ اتِّصالِ الآيةِ بما قبلها.\nفي قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، قال: «ويقال: ما وجهُ اتِّصالِ الآيةِ بما قَبْلَها؟\nالجوابُ: أنَّه لما ذكرَ في الآيةِ الأولى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وصلَ ذلك بـ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]؛ لئلاَّ يؤدِّي امتناعُ غناءِ الفديةِ إلى الفتورِ عن الصَّدقةِ، وما يجري مجراها من وجوهِ الطَّاعاتِ» (٢).\n* تذييلُه لكلِّ تفسيرِ آيةٍ بما تتضمَّنُه من أحكامٍ، سواءً أكانت حكمًا فقهيًّا، أمْ أدبًا تشريعيًّا، أم عقديًّا على مذهبِه المعتزليِّ.\nفي قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [آل عمران: ١٠٩]، قال: «وقد تضمَّنتِ الآيةُ البيانَ عن عظيمِ مُلكِ اللهِ الذي لا مُلكَ لأحدٍ في عاجلٍ ولا آجلٍ إلاَّ بتمليكِه، ولا تصريفَ إلاَّ بتمكينِه، وأنَّه إليه ترجع الأمور؛ لئلاَّ يكون العبدُ في الذَّهابِ عنه في تعبٍ وغرورٍ».\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-72> كثرةُ ذكرِه للفروقِ اللُّغويَّةِ بين الألفاظِ</span>، وقد جمعتُ له في الجزءِ الذي رجعتُ إليه ثمانيةً وثلاثينَ فرقًا بين الألفاظِ المتقاربةِ؛ كالفرق بين المِلءِ\n_________\n= (٦:٥٨٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره، تحقيق حكمت بشير (ص:٣٨٩ - ٣٩٠)، وغيرهم.\n(١) ينظر قوله في معاني القرآن وإعرابه (١:٤٤١).\n(٢) ينظر أمثلة أخرى من سورة آل عمران، تفسير الآيات (٩٣، ١٠٩، ١١٠، ١١١).","vol":"1","page":208},{"text":"والمَلءِ، والفرق بين الظُّلمِ والجورِ، والفرق بين الصِّدقِ والحقِّ، والفرقِ بينَ العَوَجِ والعِوَجِ، والفرقِ بين الاقتصارِ والحذفِ، وغيرها، ومن ذلك:\nفي قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤]، قال: «ويقال: ما الفرق بينَ السُّرعةِ والعَجَلةِ؟\nالجوابُ: أنَّ السُّرعةَ: التَّقدُّمُ فيما ينبغي أنْ يُتقدَّمَ فيه، وهي محمودةٌ، ونقيضُها مذمومٌ، وهو الإبطاءُ.\nوأمَّا العَجَلةُ: فالتَّقدُّمُ فيما لا ينبغي أنْ يُتقدَّمَ فيه، وهي مذمومةٌ، ونقيضُها محمودٌ، وهو الأناةُ».\n* حرصُه - في كثيرٍ من الألفاظِ - على بيانِ معنى أصلِ اللَّفظِ في لغةِ العربِ (١)، مع بيانِه معاني اللَّفظِ في اللُّغةِ والاستعمالِ.\nفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، قال: «ويقالُ: ما بكَّةُ؟\nقيل: فيه ثلاثةُ أقوالٍ:\nقيلَ: بكَّةُ: المسجدُ، ومكَّةُ: الحرمُ كُلُّه، يدخلُ فيه البيوتُ، عن ابنِ شهابٍ (٢)، وضمرةَ بن ربيعةَ (٣).\n_________\n(١) ينظر أمثلة في تفسير الآيات: (٩١ ملء، ٩٤ الافتراء، ٩٥ الحنيف، ١٠٣ شفا، ١١٠ الفسق، ١١٨ يألونكم)، وغيرها.\n(٢) هو محمد بن شهاب الزهري، وينظر قوله في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٧:٢٥).\n(٣) هو ضمرة بن ربيعة الفلسطيني، أبو عبد الله الرَّملي، قال فيه آدم بن إياسٍ: «ما رأيت أحدًا أعقل لما يخرج من رأسه من ضمرة»، وكان ثقةً مأمونًا، توفي سنة (٢٠٠). ينظر: طبقات ابن سعد (٧:٤٧١)، وتهذيب الكمال (٣:٤٨٥ - ٤٨٦).\nوينظر قوله في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٧:٢٥)، وقد أسنده إلى عطية العوفي، =","vol":"1","page":209},{"text":"وقيل: بكَّةُ: هي مكَّةُ، عن مجاهد (١).\nوقيل: بطنُ مكَّةَ، عن أبي عُبيدةَ (٢).\nويقالُ: ما أصلُ بكَّةَ؟\nالجوابُ: البكُّ: الزَّحمُ، من قوله: بَكَّهُ يَبُكُّه بَكًّا: إذا زحمَهُ. وتَبَاكَّ الناسُ: إذا ازدحموا. فبكَّةُ مزدحمُ النَّاسِ للطَّوافِ، وهو ما حولَ الكعبةِ من داخلِ المسجدِ الحرامِ (٣).\nومنهُ: البكُّ: دقُّ العُنقِ؛ لأنَّه فَكُّهُ بِشدَّةِ زَحْمِهِ.\nوقيلَ: سُمِّيتْ بكَّة؛ لأنها تَبُكُّ أعناقَ الجبابرةِ (٤)، إذا ألحدوا فيها بظلمٍ، لمْ يُمهَلوا».\n* يُعتبرُ مرجِعًا لبعضِ آراءِ المعتزلةِ (٥)؛ لأنَّه أحدُهم، فيكونُ نقلُ آرائهم من كتابِه أوثقَ، وهذا يفيدُ من يدرسُ مذهبَهم، ويحتاجُ معرفةَ أقوالِهم منهم (٦).\n_________\n= وأبي مالك غزوان الغفاري، وإبراهيم النخعي، ونسبه في الدر المنثور (٢:٢٦٦) إلى عكرمة، وفي (٢:٢٦٧) إلى مجاهد.\n(١) لم أجد هذا القول عن مجاهد، وقد أسنده الطبري إلى الضحاكِ، ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٧:٢٥).\n(٢) قال أبو عبيدة: «هي اسم لبطن مكة، وذلك لأنهم يتباكُّونَ فيه ويزدحمون». مجاز القرآن (١:٩٧). وقد ردَّ الطبري أن يكونَ معنى بكة ما ذكره أبو عبيدة، ينظر تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٧:٢٣).\n(٣) ورد هذا المعنى عن مجاهد، وسعيد، وقتادة، وعطاء. ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٧:٢٤ - ٢٥).\n(٤) ورد في هذا المعنى في الدر المنثور (٢:٢٦٦) عن محمد بن زياد بن مهاجر، وهو مدنيٌّ ثقة من أقران الزهري. ينظر في ترجمته: تهذيب الكمال (٦:٣١٤ - ٣١٥).\n(٥) ممن نصَّ في النقل عنهم في هذا الجزء الصغير: أبو عليٍّ الجبَّائيُّ في خمسةٍ وثلاثينَ موضعًا، وأبو القاسم البلخيُّ في اثني عشر موضعًا، وأبو بكر الإخشيديُّ في ثلاثةِ مواضع.\n(٦) أحصيتُ له في هذا الجزءِ الصغير أكثر من أربعين موضعًا قرَّر فيها شيئًا من عقائد =","vol":"1","page":210},{"text":"صور التَّفسير اللُّغويِّ في كتاب الجامع لعلم القرآن:\nلقد ذكرتُ فيما مضى بعضَ صورِ التَّفسيرِ اللُّغويِّ التي ظهرتْ في كتاب الرُّمَّانيِّ (ت:٣٨٤)، وسأذكرُ ما بقي منها، وهي:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-75> الشَّواهد الشِّعريَّةِ:</span>\nلقد تتبَّعتُ الشَّواهدَ الشِّعريَّةَ في هذا الجزءِ، وقد بلغ ما يتعلَّقُ بشواهدِ الألفاظِ منها أربعةً وثلاثينَ شاهدًا شِعريًّا (١)، ومن ذلك قوله:\n«ويقال: ما معنى سبحانك؟\nالجواب: تنْزيهًا هو لك (٢) مما لا يجوز في صفتك، وقال الشاعرُ (٣):\nأقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ\nوقال الآخرُ (٤):\nسُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَانًا يَعُودُ لَهُ ... وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجُمُدُ\nفهو تعظيمٌ لله جَلَّ وعَزَّ من الشَّرِّ وصفاتِ النَّقصِ».\n_________\n= المعتزلة، وقد قرأت من كتبه المطبوعةِ: الألفاظ المترادفة المتقاربة المعنى، تحقيق: فتح الله المصري، ومعاني الحروف، تحقيق: عبد الفتاح شلبي، والنُّكت في إعجاز القرآن، تحقيق محمد خلف الله ومحمد زغلول، ولم تظهر عقيدته إلا في كتاب النكت في موضعين، وهما «الاستعارة» (ص:٧٩ - ٨٧)، و«التجانس» (ص:٩١ - ٩٢).\n(١) ينظر أمثلة أخرى في تفسير الآيات في سورة آل عمران (٩٩، ١٠٣، ١١٢، ١١٣، ١١٨، ١٥٩، ١٦٨، ١٧٨، ١٩٥).\n(٢) هكذا كُتِبَتْ في المخطوطةِ، وفي حاشيتها تصحيحٌ غير واضحٍ، ويجوز أن تكون العبارة: «تنْزيهك»، أو «تنْزيهًا لك»، والله أعلم.\n(٣) البيت للأعشى، وهو في ديوانه، تحقيق: حنا نصر (ص:١٨١).\n(٤) البيت في ديوان أميَّة بن أبي الصَّلت، جمع: بشير يموت (ص:٣٠)، وهو بيتٌ فردٌ، وقد نُسِبَ إلى ورقة بن نوفل، وإلى زيد بن عمرو بن نُفيل، ينظر: المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية (٢:٢٧٠).","vol":"1","page":211},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-76> الأساليبُ العربيَّةُ:</span>\nلقد كتبَ الرُّمَّانيُّ (ت:٣٨٤) في علمِ بلاغةِ القرآنِ كتابَه (النُّكت في إعجاز القرآنِ)، وقد تحدَّثَ فيه عن بعضِ أساليبِ العربِ في الخطابِ، واستشهدَ لما وردَ منها في القرآنِ، أمَّا في تفسيرِه، فقد ظهرَ بعضُها، وكان يأتي على أسلوبِ القاعدةِ العلميَّةِ (١)، ومن الأساليبِ التي ذكرها:\n١ - أسلوبُ الحذفِ:\nعرَّف الرُّمَّانيُّ الحذفَ فقال: «إسقاطُ كلمةٍ للاجتزاء عنها بدلالةِ غيرها من الحالِ أو فحوى الكلامِ» (٢).\nوقال في أسلوب الحذفِ أيضًا: «... والحذفُ: لا بدَّ فيه من خَلَفٍ يُستغنى به عن المحذوفِ» (٣).\nوهذا يعني أنَّه يرى وجودَ الحذفِ (٤)، إلاَّ أنَّه لا يرى أنَّ كلَّ ما قيل فيه: إنَّه محذوفٌ، أنَّه يكونُ كذلكَ، ولهذا استفادَ بهذا القيدِ في أسلوبِ الحذف في ردِّ بعضِ ما ادُّعي أنه كذلكَ (٥).\nومما وردَ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ\n_________\n(١) يظهرُ على الرُّمَّانيِّ ميلُه إلى التَّقعيدِ، ومن ذلك قوله: «الاستثناءُ لا يُحملُ على المنقطعِ مع حُسنِ المتَّصلِ؛ لأنه الأصلُ في الكلامِ، والأسبقُ إلى الأوهامِ» تفسير الآية (٨٩)، وقوله: «المجازُ لا يصحُّ إلا بدليلٍ» تفسير الآية (١٠٦)، وقوله: «لا يجوزُ العدولُ عن الظَّاهر بلا قرينةٍ» تفسير الآية (١٥٨)، وقوله: «لا يُحكمُ بالزيادةِ مع صِحَّةِ المعنى» تفسير الآية (١١٨)، وقوله: «القرآن لا يُحملُ على ضرورة الشَّاعر» تفسير الآية (١٢٠)، وغيرها.\n(٢) النُّكت في إعجاز القرآن، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن (ص:٧٠).\n(٣) تفسير الآية (١٣) من سورة آل عمران.\n(٤) قد مثَّل له بأمثلةٍ في كتابِ النُّكت في إعجازِ القرآن (ص:٧٠).\n(٥) قد ذكر هذا في مواطن، منها: تفسير الآية (١١٢) من سورة آل عمران، قال فيها: «وإنما يجوز حذف الشَّيءِ للاستغناء بدلالةِ غيرِه عليه»، وقال: «الكلام إذا صحَّ معناه من غير حذفٍ، لم يجزْ تأويلُه على الحذفِ». وينظر: تفسير الآية (١١٣).","vol":"1","page":212},{"text":"اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧] قوله: «فإن قيلَ: هل يجوزُ أن يكونَ التَّقديرُ: ففي ثواب رحمة اللهِ هم فيها خالدونَ، فحذفَ كما حذفَ ﴿اسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].\nالجواب: لا، من قِبَلِ أنَّ الرَّحمةَ هنا: هي ثوابُ اللهِ للمطيعينَ، وإذا صحَّ الكلامُ من غيرِ حذفٍ، لمْ يَجُزْ أنْ نُقدِّرَ على الحذفِ؛ لاستغنائه عن المحذوفِ، وتمامِه على صِحَّةِ معناه، وإنما هو غلطٌ ممن قدَّره هذا التقديرَ».\n٢ - أسلوبُ التَّغليبِ:\nومن ذلك ما ورد في قوله تعالى: ﴿كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢]، قال: «ويقال: كيفَ جازَ عقابُهم على ما لم يفعلوه من قتلِ الأنبياءِ - صلواتُ الله عليهم - وإنما فعله أسلافُهم دونهم؟\nالجوابُ: فيه وجهانِ:\nالأولُ: أن يكونَ العقابُ إنما هو على رضاهم بذلك، إلاَّ أنَّه أجرى عليهم صفةَ القتلِ لِعِظَمِ الجُرمِ في رضاهُم به، فكأنهم قد فعلوه، على نحو ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤]، وإنما أمرَ به.\nالثاني: أن تكونَ الصِّفةُ تعمُّ الجميعَ، فدخلوا في الجملةِ، وتُجرى عليهم الصِّفةُ على التَّغليبِ، كما تُغلِّبُ المذكَّرَ على المؤنَّثِ، وكذلكَ تُغلِّبُ القاتلَ على الرَّاضي» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>أثر المعتقد في التَّفسير اللُّغويِّ عند الرُّمَّانيِّ:</span>\nلقد نصَّ من ترجمَ للرُّمَّانيِّ على أنَّه معتزليٌّ، وقد كانَ كذلكَ كما هو ظاهرٌ من كتابِه (الجامعِ لعلمِ القرآنِ)، وفي هذا الجزءِ المخطوطِ ذكرَ مسائلَ من معتقداتِه الاعتزاليَّةِ؛ كالمنْزلةِ بين المنْزلتينِ (٢)، والأمرِ بالمعروفِ والنهي\n_________\n(١) ينظر مثالًا آخر في تفسير الآيةِ (١٠٩) من سورة آل عمران.\n(٢) ينظر: تفسير الآية (١٠٦، ١٠٧) من سورة آل عمران.","vol":"1","page":213},{"text":"عن المنكرِ (١)، وأفعالِ العبادِ (٢)، وتأويلِ الشَّفاعةِ الواردةِ في أهلِ الكبائرِ (٣)، وحملِ صفاتِ اللهِ على المجازِ (٤)، وغيرِها من المباحثِ العقديَّةِ الاعتزاليَّةِ.\nوسأذكر أمثلةً لأثرِ بعضِ هذه العقائدِ على التَّفسيرِ اللُّغويِّ عنده، واللهُ الموفِّقُ:\n* في قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١]، قال: «ويقالُ: ما التَّعجُّبُ؟\nالجوابُ: حدوثُ إدراكِ ما لم يكنْ يُقدَّرُ لِخَفاءِ سببِه، وخروجِه عن العادةِ في مثلِه، ولذا لمْ يَجُزْ في صفاتِ القديمِ (٥)، ولكنْ يجوزُ في صفتِه تعجيبُ العبادِ من بعضِ الأمورِ، وصيغتُه التي تدلُّ عليه في لغة العربِ: ما أفعلَهُ، وأفعِلْ به، إلاَّ أنَّه قد يجيءُ كلامٌ مُضمَّنٌ معنى التَّعجُّبِ، وإنْ لم يكنْ في الأصلِ له».\nلقد أنكرَ الرُّمَّانيُّ (ت:٣٨٤) صفةَ العُجْبِ للهِ سبحانَه، وهي من الصِّفاتِ الاختياريَّةِ التي أخبرَ اللهُ عن نفسِه أنَّه يتَّصفُ بها، وأخبرَ بها عنه أعلمُ الخلقِ به محمد ﷺ.\nلذا فالصَّوابُ أنْ يُثبتَ معنى هذه الصِّفةِ للهِ على الحقيقةِ، ولكن يُعلمُ قطعًا أنَّ اتِّصافَ اللهِ بها غيرُ اتِّصافِ المخلوقينَ، أمَّا أنْ تُحملَ على هذا المجازِ الذي حملَه عليه، فلا يصحُّ، مع إمكانِ الحقيقةِ، واللهُ أعلمُ.\n_________\n(١) ينظر تفسير الآيات (١٠٤، ١١٤).\n(٢) ينظر تفسير الآيات (١٠٩، ١٤٧، ١٨٩)، وغيرها.\n(٣) ينظر تفسير الآية (١٩٢).\n(٤) ينظر تفسير الآيات (١١٥، ١٢٠)، وغيرها.\n(٥) القديمُ: وصفٌ يُطلِقُه المتكلِّمونَ على اللهِ سبحانَه، ولم يردْ به النَّصُّ، وأولى منه وأكملُ اسمُ «الأوَّلِ» الواردِ في النُّصوصِ الشَّرعيَّةِ، وهم كما ترى يتركونَ ما وصفَ اللهُ به نفسهُ ويُحدثونَ له مثل هذا الوصفِ، ومثل وصفهم له بواجب الوجود، وغيرِها مما لم يردْ في الشَّرعِ، ولا يدلُّ على كمالٍ مطلقٍ.","vol":"1","page":214},{"text":"* في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، قال: «ويقالُ: ما معنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هنا؟\nالجوابُ: فيه قولانِ:\nالأول: بحيثُ لا يملكُ لهم أحدٌ نفعًا ولا ضرًّا إلاَّ ربُّهم، وليسَ ذلكَ على قُربِ المسافةِ؛ لأنَّه من صفةِ الأجْسامِ.\nوالوجهُ الآخرُ: عند ربِّهم أحياءُ، من حيثُ يعلمُهم كذلكَ دون النَّاسِ، عن أبي عليٍّ (١)».\nإذا تأمَّلتَ هذينِ التَّوجيهينِ للعنديَّةِ، تبيَّنَ لكَ حملُها على المجازِ، وليسَ ذلك بصوابٍ، بل تُحملُ العنديَّةُ على الحقيقةِ، والقاعدةُ في صفاتِ اللهِ حملُها على الحقيقةِ، دونَ تمثيلٍ ولا تعطيلٍ ولا تأويلٍ، وليس يلزمُ هذا الإشكالُ الَّذي أورَدَه إلاَّ على من وقعَ في التَّشبيهِ، ففرَّ إلى التَّأويلِ، بل التَّحريفِ، وهذا يتضمَّنُ إنكارَ صفةِ العُلُوِّ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ فسَّرَ معنى حياةِ الشُّهداء في هذه الآية، فقال: «أرواحُهم في جوفِ طيرٍ خُضْرٍ، لها قناديلُ معلَّقةٌ بالعرشِ، تسرحُ من الجنَّةِ حيثُ شاءتْ ...» (٢)، فإذا كانتْ معلَّقةً بالعرشِ الذي استوى عليه الرَّحمنُ، فهي عنده، وهي أقربُ من غيرِها إليه، وإلا لما كانَ لهم مزيَّةٌ بهذه العنديَّةِ، واللهُ أعلمُ.\n* في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]، قال: «ويقال: ما معنى ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾؟\n_________\n(١) هو أبو عليٍّ الجُبَّائيِّ: محمد بن عبد الوهاب، المعتزلي، البصري، صاحبُ التَّصانيف، شيخ الأشعري في مرحلة اعتزاله، كان متوسِّعًا في العلمِ، له كتاب التفسير الكبير، سار فيه على مذهب المعتزلة، توفي سنة (٣٠٣). ينظر: المنية والأمل (ص:٦٧ - ٧١)، وسير أعلام النبلاء (١٤:١٨٣ - ١٨٤).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي (٣:١٥٠٢)، وقد أخرجه غيره، ينظر مثلًا: تفسير ابن كثير، تحقيق: السلامة (٢:١٦١ - ١٦٤).","vol":"1","page":215},{"text":"الجوابُ: إنَّما نُمْلِي لهم على أنَّ عاقبةَ أمرِهم ازديادُ الإثمِ، وهذه لام العاقبةِ، والدَّليلُ عليها: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] (١). قال الشَّاعرُ (٢):\nوَأُمَّ سِمَاكٍ لا تَجْزَعِي ... فَلِلْمَوتِ مَا تَلِدُ الوَالِدَه\nفَأقْسِمُ لَو قَتَلُوا مَالِكًا ... لَكُنْتُ لَهُم حَيَّةً رَاصِدَه\nوقال آخرُ (٣):\nأمْوَالُنَا لِذَوِي المِيرَاثِ نَجْمَعُهَا ... وَدُورُنَا لِخَرَابِ الدَّهْرِ نَبْنِيهَا\nوقال آخرُ (٤):\nوَلِلْمَنَايَا تُرَبِّي كُلُّ مُرْضِعَةٍ ... وَلِلْخَرَابِ يُجِدُّ النَّاسُ بُنْيَانَا\nوقال (٥):\n........ ... لِدُوا لِلْمَوتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ\nويقولُ: ما تزيدُك موعظتي إلاَّ شرًّا، وما أراها عليكَ إلاَّ وبالًا.\nويُقالُ: لِمَ لا يجوزُ أن تُحملَ ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ على الأظهرِ من معنى اللامِ، وهو الإرادةُ لازديادِ الآثامِ.\n_________\n(١) ذكر هذه اللام، واستشهد بهذه الآية في كتابه: معاني الحروف، تحقيق: عبد الفتاح إسماعيل شلبي (ص:٥٧)، ولم يذكر هذه الأبيات، ولا الآية التي يفسِّرها.\n(٢) الأبيات منسوبة لسماك بن عمرو الباهلي، ينظر: خزانة الأدب (٩:٥٣٤).\n(٣) البيت لسابق البربري في كتاب اللامات، وهو بلا نسبة في لسان العرب، مادة (لوم).\nينظر: المعجم المفصَّل في شواهد اللغة العربية (٨:٢٨٩).\n(٤) ذكر هذا البيت ابن الجوزي في زاد المسير، ط: دار الفكر (٤:٤٨)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٣:٢٥٢).\n(٥) هذا البيت في ديوان علي بن أبي طالب ﵁، شرح: يوسف فرحات (ص:٤٤)، وينظر: خزانة الأدب (٩:٥٣٠)، فقد نسبه إليه، وهو فيه كالآتي:\nلَهُ مَلَكٌ يُنَادِي كُلَّ يَومٍ: ... لِدُوا لِلْمَوتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ","vol":"1","page":216},{"text":"الجوابُ: لأنَّه لو أرادَه منهم؛ لكانوا مُطيعينَ له بفعله، ولأنَّ إرادةَ القبيحِ عبثٌ، وقد نفى اللهُ ذلك لقوله ﷿: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون:١١٥]، ولأنَّه يُردُّ إلى المحكمِ في قوله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]».\nانظرْ، كَمْ حشدَ في هذا المثالِ من الأشعارِ لإثباتِ أنَّ اللاَّمَ في الآية هي لامُ العاقبةِ، وقد نصَّ صراحةً على مخالفةِ الظَّاهرِ من معنى اللاَّم، وسببُ مخالفتِه، فَهْمُه الاعتزاليُّ الخطأُ في الإرادةِ الإلهيَّةِ، فجعلَ كلَّ ما يريدُه اللهُ، محبوبًا له، ويُبنى عليه أن يكونَ مريدًا لزيادةِ الإثمِ لهمْ، وهذا قبيحٌ عنده، ولذا حَرَفَ معنى اللاَّمِ الدَّالِّ عليها هنا إلى لامِ العاقبةِ (١)، وليسَ ذلكَ بصوابٍ، بل اللهُ يفعلُ ما يريدُ، وفعلُه محمودٌ، وهو كمالٌ لا يلحقُه قبحٌ ولا نقصٌ كما يتوهَّمُه المعتزلةُ أو غيرُهم الَّذينَ لم ينتبهوا للفرقِ بين الإرادةِ الكونيَّةِ والإرادةِ الشَّرعيَّةِ، ولذا يؤوِّلُ كلَّ إرادةِ كونيَّةٍ بسببِ سوءِ فهمِه لها؛ كتفسيرِه لقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٦]، قال: «ويقالُ: ما معنى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ﴾؟\nالجوابُ: يريدُ أنْ يُحبِطَ أعمالَهم بما استحقُّوه من إجرامِهم، عن ابن إسحاقَ (٢).\nويجوزُ أن يكونَ بمعنى: يريدُ اللهُ أن يحكمَ بحرمانِ ثوابِهم الَّذي\n_________\n(١) لا تجدُ مثلَ هذا التأويلِ البعيدِ عند من سَلِمَ من بدعتهم؛ كالطَّبريِّ (ت:٣١٠) الذي أجرى التَّفسيرَ على الظَّاهرِ من العبارةِ، دونَ البعدِ بها إلى متاهاتِ التَّأويلِ، فقال: «وتأويلُ قوله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾: إنما نؤخِّرُ آجالَهم، فنُطيلُها، لِيزْدادوا إثمًا، يقول: ليكتسبوا المعاصي، فتزدادَ آثامُهم وتكثر».\n(٢) ينظر قوله في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٧:٤١٩).","vol":"1","page":217},{"text":"عرضوا له بتكليفهم»، وذكر جوابًا لأبي عليِّ الجُبَّائيِّ، وهو: «سيريدُ في الآخرةِ حرمانهم الثوابَ إحباطِهم إيمانَهم بكفرِهم».\nوالإرادةُ الكونيَّةُ فيها جانبانِ:\nالأول: لا يلزمُ فيها أنْ تكونَ من محبوباتِ الله، ولذا قد يقعُ بها إرادةُ الشَّرِّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود: ٣٤].\nالثَّاني: أنَّها تقعُ كما أرادَ اللهُ سبحانَه، وهي لا تتخلَّفُ أبدًا؛ لارتباطِها بفعلِه - سبحانَه - وهو الفعَّالُ لما يريدُ، لا يردُّه أحدٌ عما أرادَ وقضى.\nوالإرادةُ الشَّرعيَّةُ فيها جانبان:\nالأول: أنَّها لا تكونُ إلاَّ فيما يُحبُّه اللهُ؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فالتَّخفيفُ على العبادِ في الطَّاعةِ في حالِ المرضِ أو السَّفرِ محبوبٌ للهِ سبحانه.\nالثَّاني: أنَّه لا يلزمُ وقوعُها، لتعلُّقِها بفعلِ العبدِ، فقدْ يفعلُ ما يريدُه اللهُ منه شرعًا، وقد لا يفعلُ؛ كإباحةِ الفِطْرِ للمسافرِ والمريضِ، قد يقعُ منهما، وقد يصومانِ، وهو عليهما شاقٌّ، واللهُ يريدُ؛ أي: يُحبُّ التَّخفيفَ عليهما؛ لكنْ لم يقع بصومهما (١).\nوبهذا يزولُ الإشكالُ الواردُ على هذه العقولِ، واللهُ الموفِّقُ، والهادي إلى سواءِ السَّبيلِ.\nوقبل أن أختِمَ الحديث عن كتاب (الجامع لعلم القرآن)، أُشيرُ إلى كثرةِ\n_________\n(١) ينظر في الفرقِ بين الإرادةِ الكونيَّةِ والإرادةِ الشَّرعيَّة: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن القيم، ط: دار الكتب العلمية (ص:٤٦٥).","vol":"1","page":218},{"text":"نقلِ الرُّمَّانيِّ (ت:٣٨٤) للتَّفسيرِ الواردِ عن السَّلفِ (١)، وهذا مما يحسبُ له، وإن كان يؤخذُ عليه عدم اعتمادِ عقيدتِهم، وأخذُه بما خالَفها، وأكتفي بهذا القدرِ، واللهُ الموفِّقُ.\n_________\n(١) بلغ النَّقل - تقريبًا ـ: عن الحسن البصري (٥٦) موضعًا، وعن قتادة (٤٨) موضعًا، وعن ابن عباس (٤٣) موضعًا، وعن السُّدِّيِّ (٤٠) موضعًا، وعن الربيع بن أنس (٢٧) موضعًا، وعن ابن إسحاق (٢٣) موضعًا، وعن مجاهد (٢٢) موضعًا، وقد ورد غيرُهم، لكن النَّقلَ عنه كان قليلًا، كما كان الزَّجَّاجِ أكثر من نقل عنه من اللُّغويِّين.","vol":"1","page":219},{"text":"ثالثًا المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز\nألَّفَ ابنُ عطية (ت:٥٤٢) (١) كتابه المحرر الوجيز جامعًا فيه علوم التَّفسيرِ، معتمدًا على مصادر التفسيرِ الأصيلة، فقال: «... ففزعتُ إلى تعليقِ ما يَتَنخَّل (٢) لي في المناظرةِ من علم التَّفسيرِ، وترتيبِ المعاني.\nوقصدتُ أن يكونَ جامعًا وجيزًا، لا أذكر فيه من القصص إلاَّ ما لا تنفكُّ الآية إلاَّ به.\nوأثبتُّ أقوال العلماء في المعاني منسوبة إليهم، على ما تلقَّى السَّلفُ الصالحُ - رضوانُ اللهِ عليهم - كتابَ اللهِ تعالى من مقاصدِ العربيةِ، السليمةِ من إلحادِ أهلِ القولِ بالرُّموزِ، وأهلِ القولِ بالباطنِ وغيرهم، فمتى وقع لأحد من العلماءِ الذين حازوا حسن الظنِّ بهم لفظٌ ينحو إلى شيءٍ من أغراضِ الملحدين، نبَّهتُ عليه.\nوسردتُ التَّفسيرَ في هذا التَّعليقِ بحسبِ رُتبةِ ألفاظِ الآيةِ: من حُكْمٍ، أو نَحْوٍ، أو لُغَةٍ، أو قراءةٍ.\n_________\n(١) عبد الحقِّ بن غالب، أبو محمد الغرناطي، المشهور بابن عطية، القاضي الفقيه المالكي، أخذ العلم على أبيه، وشارك في الغزو، وله مؤلفات، من أجلّها كتابه في التفسير، توفي سنة (٥٤٢). ينظر: بغية الملتمس (ص:٣٧٦ - ٣٧٨)، وسير أعلام النبلاء (١٩:٥٨٧ - ٥٨٨).\n(٢) في القاموس، مادة (نخل): «نَخَلَهُ وتَنَخَّلَهُ وانْتَخَلَهُ: صفَّاه واختاره».","vol":"1","page":220},{"text":"وقصدتُ تتبُّع الألفاظ حتى لا يقعَ طَفَرٌ (١) كما في كثير من كتب المفسرين» (٢).\nوبهذا الكلامِ أبانَ ابنُ عطية (ت:٥٤٢) عن شيءٍ من منهجه، وفيه ما أنا بصددِه، وهو التَّفسيرُ اللُّغويُّ، وقد عَقَدَ فصلًا في تفسيرِ القرآنِ والكلامِ على لغتِه والنَّظرِ في إعرابِه ودقائقِ معانيه (٣).\nوبتتبُّع التَّفسيرِ اللُّغويِّ عند ابن عطية (ت:٥٤٢) وغيرِه منَ المفسِّرينَ، لا يظهرُ اختلافٌ بينهم في أصولِ مسائِله: من الاستفادةِ من اللُّغةِ وشواهدِها، غير أنَّ التَّميّزَ قد يقع في كثرةِ الاعتمادِ وقِلَّتِه، وطريقةِ الأخذِ باللَّغةِ والتَّرجيحِ بها، وطريقةِ أداءِ معاني القرآن بما يطابقها من لغة العربِ، وهو ما يسميه ابنُ عطيةَ (ت:٤٥٢) - أحيانًا - بتحريرِ معنى اللَّفظِ في لغةِ العربِ.\nوقد سلك ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) الطَّريق نفسه الذي سلكه من كان قبله، من تفسير ألفاظ القرآن بدون ذكر الشَّاهدِ اللُّغويِّ، وبذكرِ الشَّاهدِ اللُّغويِّ، وبذكر المحتملات اللُّغويَّةِ، وتوجيه القراءات مختلفاتِ المعنى، والتَّرجيحِ باللُّغةِ.\nوسأذكر لهذه الأنواع أمثلةً، مع ذكر ما تميَّز به ابن عطيَّة (٥٤٢) في تفسيره، واللهُ الموفِّقُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>أوَّلًا: مفردات ألفاظ القرآن:</span>\nيظهرُ في تفسيرِ الألفاظِ عندَ ابن عطية (ت:٥٤٢)، حرصُه على تحريرِ معنى اللَّفظِ في اللُّغةِ، خصوصًا إذا وردَ تفسيرُ السَّلفِ بغيرِ مطابقِ اللَّفظِ، وله في ذلك براعةٌ وإبداعٌ عجيبٌ.\n_________\n(١) في القاموس المحيط، مادة (طفر): «الطَّفْرَةُ: الوثبُ في ارتفاعٍ». والمراد هنا ألاَّ يقفزَ لفظًا إلى لفظٍ فيفسره قبله، أو يتركه بلا تفسيرٍ، واللهُ أعلمُ.\n(٢) المحرر الوجيز، ط: قطر (١:١٠ - ١١).\n(٣) المحرر الوجيز، ط: قطر (١:٢٥).","vol":"1","page":221},{"text":"ومن ذلك:\n١ - تفسيرُه للفظ «الغيب» في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، قال: «والغيب في اللغةِ: ما غاب عنكَ من أمرٍ، ومن مطمئنِّ الأرضِ الذي يغيبُ فيه داخلُه» (١).\nوقد ذكر قبل ذلك أقوالَ المفسرينَ، ثمَّ ختمها بهذا البيانِ، فقال: «وقوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾، قالت طائفةٌ: معناه: يصدِّقونَ إذا غابوا وخَلَوا، لا كالمنافقينَ الذينَ يؤمنونَ إذا حضروا، ويكفرونَ إذا غابوا.\nوقال آخرونَ: يصدقونَ بما غابَ عنهم مما أخبرتْ به الشرائعُ.\nواختلفتْ عباراتُ المفسرينَ في تمثيلِ ذلك، فقالت فرقةٌ: الغيبُ في هذه الآيةِ: اللهُ ﷿.\nوقال آخرونَ: القضاءُ والقدرُ.\nوقالَ آخرونَ: القرآنُ وما فيه من الغيوبِ.\nوقال آخرونَ: الحشرُ والصِّراطُ والميزانُ والجنَّةُ والنَّارُ.\nوهذه الأقوالُ لا تتعارضُ، بل يقعُ الغيبُ على جميعِها.\nوالغيب في اللغةِ: ما غاب عنكَ من أمرٍ، ومن مطمئنِّ الأرضِ الذي يغيبُ فيه داخلُه» (٢).\nفتراه في هذا المثالِ بيَّنَ المعنى اللُّغويَّ للغيبِ، وبيَّنَ أن تفسيرَ المفسرينَ له بما ذكرَه عنهم إنما هو على سبيلِ المثالِ لنوعٍ من أنواعِ الغيبِ.\n٢ - وفي تفسيرِه للفظِ «تفكَّهون» من قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥]، قال: «و﴿تَفَكَّهُونَ﴾، قال ابن عباسٍ، ومجاهد، وقتادة: معناه: تعجبونَ.\n_________\n(١) المحرر الوجيز، ط: قطر (١:١٤٦).\n(٢) المحرر الوجيز، ط: قطر (١:١٤٥ - ١٤٦).","vol":"1","page":222},{"text":"وقال عكرمةُ: تلاومونَ.\nوقال الحسنُ: تندمونَ.\nوقال ابن زيدٍ: تتفجَّعونَ.\nوهذا كله تفسيرٌ لا يخصُّ اللفظةَ، والذي يخصُّ اللَّفظَةَ هو: تطرحونَ الفكاهة عن أنفسكم، وهي المسرَّةُ والجَذَلُ (١). ورجلٌ فَكِهٌ: إذا كانَ منبسطَ النَّفسِ، غيرَ مكترثٍ بشيءٍ.\nوتَفَكَّهَ، من أخواتِ تَحَرَّجَ وَتَحَوَّبَ» (٢).\n٣ - وفي قوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَياتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، قال في تفسيرِ لفظِ ﴿فَوْرِهِمْ﴾: «والفورُ: النهوضُ المسرعُ إلى الشيءِ، مأخوذٌ من فَورِ القِدْرِ والماءِ ونحوِه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠]، فالمعنى: ويأتوكم في نهضتِهم هذه.\nقال ابن عباس: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾: معناه: من سفرهم هذا.\nوقال الحسن، والسُّدِّيُّ: معناه: من وجههم هذا، وقاله قتادة.\n_________\n(١) في المحرر الوجيز، ط: قطر (١٤:٢٦١): «والجزل»، وفي ط: المغربية (١٥:٣٨٠): «والجدل»، والصواب: الجَذَلُ، وهو الفرحُ، ينظر: القاموس، مادة (جذل).\n(٢) المحرر الوجيز، ط: قطر (١:٢٦١).\nقال ابن القيم: «... وتفكَّهتَ بالشيءِ: إذا تمتَّعْتَ به، ومنه الفاكهةُ التي يُتمتَّعُ بها، ومنه قوله: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥]، قيل: معناه: تندمونَ، وهذا تفسيرٌ بلازم المعنى، وإنما الحقيقةُ: تُزيلونَ عنكم التَّفكُّه، وإذا زال التَّفَكُّهُ خلفه ضِدُّه، يقال: تحنَّثَ: إذا زال الحِنثُ عنه، وتحرَّجَ، وتحوَّب، وتأثَّم، ومنه: تفكَّه.\nوهذا البناء يقال للداخل في الشيء، وللخارج منه؛ كتحرَّج وتأثَّم». التبيان في أقسام القرآن (ص:١٦٩).","vol":"1","page":223},{"text":"وقال مجاهد، وعكرمة، وأبو صالح مولى أمِّ هانئ (١): من غضبِهِم هذا.\nقال القاضي أبو محمد رحمه الله تعالى: وهذا تفسيرٌ لا يخصُّ اللَّفظةَ، وقد يكونُ الفورُ لغضبٍ ولطمعٍ ولرغبةٍ في أجرٍ، ومنه الفورُ في الحجِّ والوضوءِ» (٢).\nفبيَّن هنا أصل لفظِ الفورِ في اللُّغة، ثم بين أنَّ تفسيره بالغضبِ ليس مطابقًا، وإنما هو تفسيرٌ بالسببِ.\nوقد يذكر الشَّاهدَ الشِّعريَّ للَّفظِ الَّذي يفسِّره، ومن ذلك:\n١ - في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال: ٥٧]، قال: «و﴿تَثْقَفَنَّهُمْ﴾، معناه: تأسرهم، وتحصلهم في ثقافك، أو تلقاهم في حالِ ضعفٍ تقدِرُ عليهم فيها وتغلبهم، وهذا من لازم اللفظِ؛ لقوله: ﴿فِي الْحَرْبِ﴾.\nوقيلَ: ثقف: أخذ بسرعةٍ، ومن ذلك قولهم: رجلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ (٣).\nوقال بعضُ الناسِ: معناه: تُصادِفنَّهم، إلى نحو هذا من الأقوالِ التي لا ترتبطُ في المعنى، وذلك أن المصادَفَ قد يُغْلَبُ، فيمكنُ التَّشريدُ به، وقد لا يُغلب.\n_________\n(١) أبو صالح، باذام، مولى أمِّ هانئ، روى عنها وعن أبي هريرة، وعنه: سفيان الثوري، وهو ضعيف مدلس، وعامة ما يرويه تفسيرٌ، وروايته عن ابن عباس غير مقبولةٍ، خاصة إذا كان الراوي عنه الكلبي. ينظر: الكامل في الضعفاء، لابن عدي (٢:٥٠١ - ٥٠٤)، وتقريب التهذيب (ص:١٦٣).\n(٢) المحرر الوجيز، ط: قطر (٣:٣١٠ - ٣١١).\n(٣) هذا من باب الإتباع والمزاوجة في اللغة، وقد ذكره ابن فارس، فقال: «ومن الاتباع: خفيفٌ ذَفيف، الذفيف: السريع. وهو ثَقِفٌ لَقِفٌ: ذكيٌ». الإتباع والمزاوجة، لابن فارس، تحقيق: كمال مصطفى (ص:٥٩).","vol":"1","page":224},{"text":"والثقافُ في اللُّغةِ: ما تُشدُّ به القناةُ ونحوُها، ومنه قول الشاعرِ (١):\nإنَّ قَنَاتِي لَنَبْعٌ مَا يُؤَيِّسُهَا ... عَضُّ الثِّقَافِ ولاَ دُهْنٌ ولاَ نَارُ\nوقال آخر (٢):\nتَدْعُو قُعَينًا وَقَدْ عَضَّ الحَدِيدُ بِهَا ... عَضَّ الثِّقَافِ عَلَى صُمِّ الأنَابِيبِ» (٣)\n٢ - وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١]، قال: «واستهوته: استفعلته، بمعنى: استدعت هواه وأمالته.\nقال أبو عبيدة: ويحتمل هُوِيُّه وهو جِدُّه وركوب رأسه في النزوع إليهم (٤).\nوالهُوِيُّ، من هَوَى يَهْوِي، يُستعملُ في السقوطِ من عُلوٍ إلى أسفلَ، ومنه بيت الشاعر (٥):\n_________\n(١) لم أجده.\n(٢) البيت للنابغة الذبياني، وهو في ديوانه، تحقيق: محمد الطاهر بن عاشور (ص:٥٤)، وذكر الطاهر في شرحه: تدعو قعينًا؛ أي: تستعينُ ببني قعين، وهم من بطون أسد. عض الحديد بها؛ أي عضها حديد القيد. الثقاف: آلة من خشب أو حديد تسوى بها قنوات الرماح لإزالة كعوبها الناتئةِ. الأنابيب: جمع أنبوب، وهو كعب في العصا.\n(٣) المحرر الوجيز، ط: قطر (٦:٣٤٧).\n(٤) الذي في مجاز القرآن (١:١٩٦): «وهو الحيران الذي يشبّه له الشياطين، فيتبعها، حتى يهوي في الأرض، فيضلَّ». وقد يكون النقل عن أبي عبيد القاسم بن سلام، إذ كثيرًا ما يقع الخلط بينهما لتقارب كنيتيهما، مع أن أسلوب الكلام ليس من أساليب أبي عبيدة، إذ لا تجد له مثل هذا الأسلوب، وهو حكاية الاحتمال، أما عند أبي عبيد، فكثيرٌ، واللهُ أعلمُ.\n(٥) لم أجده.","vol":"1","page":225},{"text":"هَوَى ابْنِي مِنْ ذَرَى شَرَفٍ ... فَزَلَّتْ رِجْلُهُ وَيَدُهُ\nوهذا المعنى لا مدخل له في هذه الآيةِ، إلاَّ أن تُتَأوَّلُ اللَّفظةُ بمعنى: ألقته الشياطينُ في هُوَّةٍ، وقد ذهب إليه أبو عليٍّ (١)، وقال: هو بمعنى أهوى، كما أنَّ استزلَّ، بمعنى أزلَّ (٢).\nقال القاضي أبو محمد ﵀: والتحرير أن العربَ تقولُ: هَوِيَ، وأهواه غيره، واستهواه، بمعنى: طلب منه أن يهويَ هو، أو طلبَ منه أن يُهوِي شيئًا.\nويُستعمل الهُوِيُ أيضًا في ركوبِ الرأسِ في النُّزوعِ إلى الشيءِ، ومنه قوله ﵎: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، ومن قول شاعرِ الجنِّ (٣):\nتَهْوِي إلَى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدَى ... مَا مُؤْمِنُ الجِنِّ كَأنْجَاسِهَا\nوهذا هو المعنى الذي يليقُ بالآيةِ» (٤).\n٣ - وفي قوله: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٦]، قال: «والشَّوى: جِلدُ\n_________\n(١) الحسن بن أحمد بن عبد الغفار، أبو علي الفارسي، العلامة النحوي، أخذ عن الزجاج، وتتلمذ عليه خلق؛ منهم تلميذه الشهير ابن جني، له مصنفات، منها: الحجة في القراءات، والأغفال على ما أغفله الزجاج في معانيه، توفي سنة (٣٧٧). ينظر: إنباه الرواة (١:٣٠٨ - ٣١٠)، والبلغة في تراجم أئمة اللغة (ص:٨٠ - ٨١).\n(٢) ينظر هذا النقل في الحجة للقراء السبعة، لأبي علي الفارسي، تحقيق: بدر قهوجي وبشير حويجاتي (٣:٣٢٥).\n(٣) البيت في سيرة ابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا وآخرون (١:٢٢١)، قال: وأنشدني بعض أهل العلم، ثمَّ ساق هذا البيت وبيتًا قبله.\n(٤) المحرر الوجيز، ط: قطر (٥:٢٤٢)، وقد قال بعد ذلك: «وقوله: ﴿فِي الأَرْضِ﴾ يحكم بأن ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ إنما هو بمعنى استدعت هُويَّه الذي هو الجِدُّ في النُّزوعِ». (٥:٢٤٣).","vol":"1","page":226},{"text":"الإنسانِ، وقيل: جِلدُ الرأسِ والهَامَةِ، قاله الحسنُ، ومنه قول الأعشى (١):\nقَالَتْ قُتَيلَةُ مَا لَهُ قّدْ ... جُلِّلَتْ شَيبًا شَوَاتُهُ؟\nورواه أبو عمرو بن العلاء: سَرَاتُهُ، فلا شاهدَ في البيت على هذه الرواية (٢).\nقال أبو عبيدة: سمعتُ أعرابيًا يقول: اقشعرَّت شواتي (٣).\nوالشوى أيضًا: قوائم الحيوان، ومنه: عَبْلُ الشَّوى (٤).\nوالشَّوى أيضًا: كلُّ عضوٍ ليس بمقتلٍ، ومنه: رمى، فأشوى، إذا لم يُصِبْ المقتلَ.\nوقال ابن جبير: الشَّوى: العصبُ والعَقِبُ.\nفنار لظى تُذهِبُ هذا من ابن آدمَ وتنْزعه» (٥).\n_________\n(١) لم أجده في ديوان الأعشى، وهو من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن، وقد نسبه إلى الأعشى (٢:٢٦٩).\n(٢) ذكر ذلك أبو عبيدة في مجاز القرآن (٢:٢٦٩)، قال: «أنشدها أبو الخطاب الأخفش أبا عمرو بن العلاء، فقال له: صحَّفت، إنما هي سراته».\nوهذا النوع من الشواهدِ يحتاجُ إلى دراسةٍ وتقويمٍ لما ذكره المفسرون من شواهدَ يختلفُ بها الاستشهادُ بسبب روايتها، كما ذُكِرَ في رواية بيت الحطيئةِ الذي يستشهدون به عند قوله تعالى: ﴿لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾، فقد ورد روايته هكذا:\nأغررتني، وزعمت أنك\nلا تَنِي بالصيفِ تامُرُ\nمن وَنَي وأَمَرَ، وبهذا لا يكونُ شاهدًا على معنى لاغية، واللهُ أعلمُ.\n(٣) مجاز القرآن (٢:٢٦٩).\n(٤) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن (٢:٢٧٠): «وشوى الفرسِ: قوائمه، ويقال: عَبْل الشَّوى، ولا يكون هذا للرأسِ؛ لأنهم وصفوا الخيل بأسالة الخدين، وعِتق الوجه ورقَّتِه».\n(٥) المحرر الوجيز، ط: قطر (١٥:٩٦).","vol":"1","page":227},{"text":"والأمثلةُ التي فيها الاستشهادُ بأشعارِ العربِ كثيرةٌ (١)، والمقصود هنا الاستشهادُ لبعضها.\nوبمناسبةِ ما ذكره من روايةِ أبي عمرو بن العلاءِ لبيتِ الأعشى، فإنه مما يحسنُ دَرْسُه في بيانِ استشهاداتِ المفسِّرينَ بأشعارِ العربِ: رصدُ آرائهم في بعضِ الشَّواهِدِ الشِّعريَّةِ، وأثرها في تفسيرِ ألفاظِ القرآن الكريم، ومن ذلك:\n١ - ما ذكر في تفسيرِ السَّلوى من قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧].\nقال ابن عطية (٥٤٢): «والسَّلوى طيرٌ، بإجماعٍ من المفسِّرينَ» (٢)، ثمَّ قال: «وقد غلطَ الهذليُّ، فقال (٣):\nوَقَاسَمَهَا بِاللهِ عَهْدًا لأنْتُم ... ألَذُّ مِنَ السَّلْوَى إذَا مَا نَشُورُهَا\nظنَّ السَّلوى العسلَ» (٤).\n_________\n(١) ينظر على سبيل المثال: المحرر الوجيز، ط: قطر (٤: ٣٣٥، ٧٣٨٥ ممم، ٤١٦، ٤٣١، ٤٤٨، ٤٧٠، ٥١٩)، (٥:١٥، ٢٢، ٥٦، ٩٩، ١٠٢، ١٣٤، ١٤٠، ١٥٦، ١٦٢، ٢٠١، ٢٢٣، ٢٣٨، ٢٤٠، ٢٨٨، ٢٩٠، ٤٣٤، ٤٥٦، ٤٥٩)، (٧:٩٧، ١١١، ١١٢، ١١٤، ١٢٦، ١٣٨، ١٧٣، ١٨٣، ١٨٤، ١٩٤، ٢٠٣، ٢٠٤، ٢٠٦، ٢٨٤، ١٩٧، ٣٠٦، ٣٢٧، ٣٣٤)، (١١:١٤٠، ١٤٦، ١٦٩، ١٧٠، ١٧١، ١٨٤، ١٩١، ١٩٥، ٢٠٧، ٢٣٧، ٢٦٤، ٢٦٨، ٢٦٩، ٢٧٠، ٢٧٨، ٢٨٠، ٢٨١)، (١٣:٣٩٧، ٤٣٨، ٤٤٥، ٤٥١، ٤٦٣، ٤٧٨، ٤٧٩، ٤٨٧، ٤٩٨، ٥٠٠، ٥٠١، ٥١٠، ٥٣٢، ٥٣٤، ٥٣٦، ٥٣٨، ٥٥١، ٥٦٦، ٥٦٨، ٥٧٣)، وغيرها كثيرٌ جدًا.\n(٢) المحرر الوجيز، ط: قطر (١:٣٠٥).\n(٣) البيت لخالد الهذلي، ابن أخت أبي ذؤيب، وهو في ديوان الهذليين (١:١٥٨)، وجاء في شرحه: «نشورها: نأخذها، والشَّورُ: أخذ العسل من موضعها».\n(٤) المحرر الوجيز، ط: قطر (١:٣٠٦).","vol":"1","page":228},{"text":"وقدْ دلَّ الشَّاعرُ بقولِه: «نَشُورُهَا» على أنَّ المرادَ به العسلُ؛ لأنه هو الذي يُشَارُ، فكلمة «شَارَ» مختصَّةٌ بِجَنْيِ العسلِ.\nوهذا من تغليطِ العربِ، وهو مذهبٌ لبعضِ اللُّغويِّين، وفي هذا المذهبِ نظرٌ ودراسةٌ ليسَ هذا محلُّها، وإنما المراد هنا ذكرُ ما ذهب إليه ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) (١).\n٢ - وما ذكره في قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، قال: «الخطابُ للنبيِّ ﷺ، والمرادُ أمته.\nوامترى في الشَّيءِ إذا شكَّ فيه، ومنه المراء؛ لأنَّ هذا يشكُّ في قولِ هذا. وأنشدَ الطَّبريُّ (٢) شاهدًا على أنَّ الممترينَ شاكُّونَ قولَ الأعشى (٣):\nتَدُرُّ عَلَى أسْؤُقِ المُمْتَرِيـ ... ـنَ رَكْضًا إذا مَا السَّرَابُ ارْجَحَنْ\nووهِم في ذلك؛ لأنَّ أبا عبيدةَ وغيره قالوا: الممترين في البيت: هم الذينَ يَمْرُونَ الخيلَ بأرجلِهم هَمْزًا لتجري (٤)؛ كأنهم يحتلبون الجريَ منها، فليس في البيت معنًى من الشَّكِّ كما قال الطبريُّ» (٥).\n_________\n(١) ينظر اعتراض القرطبي عليه في الجامع لأحكام القرآن (١:٤٠٧ - ٤٠٨).\n(٢) ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٣:١٩١).\n(٣) ديوانه، تحقيق: حنا نصر الحتي (ص:٣٦٦). وقال في شرح البيت: «يغمز الفرسان الخيول بأرجلهم في شدة القيظ، فتهبُّ ركضًا إذا مال السراب واهتزَّ».\n(٤) لم أجده في مجاز القرآن، وقد تتبعت هذا البيت في كتب اللغة، وكتب التفسير وغيرها مما تقدَّم على ابن عطية، فلم أجد من شرح هذا البيت، واللهُ أعلمُ.\nوقد أشار إلى شرحه الطبرسي (٥٤٨، وقيل ٥٠٢) في كتابه مجمع البيان في تفسير القرآن (٢:٢١ - ٢٢)، حيث ذكر البيت، ثمَّ قال: «يعني الشَّاكينَ في درورها، لطول سيرها، وقيلَ: المستخرجينَ ما عندها ...».\n(٥) المحرر الوجيز، ط: قطر (١:٢١ - ٢٢).","vol":"1","page":229},{"text":"وهذا من المشكلات التي تحتاجُ إلى دراسةٍ في الشَّاهدِ الشِّعريِّ الذي يستشهدُ به المفسِّرونَ، ويكونُ ما استشهدوا به في غير محلِّه، كما في هذا المثالِ عند ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) (١).\nثانيًا: المحتملاتُ اللُّغويَّة:\nيُكثِرُ ابن عطيَّةَ (٥٤٢) من إيرادِ الاحتمالاتِ التَّفسيريَّةِ في الآيةِ، ومن تلكَ الاحتمالاتِ ما يكونُ بسببِ اللُّغةِ، وهو في أغلبِها ينقلُ ما فسَّرَه المفسِّرونَ أو أهلُ اللُّغةِ (٢)، ومن ذلكَ:\n١ - قال في قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَاتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨]: «واضطربَ المتأوِّلون في معنى قوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾، وعبَّر ابن زيد عنه بطريق الجنَّةِ، ونحو هذا من العبارات التي تُفسِّرُ بالمعنى، ولا تختصُّ بنفسِ اللفظِ.\nوبعضهم نحا في تفسيرِ اللفظةِ إلى ما يختصُّها، والذي يتحصَّلُ من ذلك معانٍ؛ منها: أن يُريدَ باليمينِ القوَّة والشِّدَّةُ، فكأنهم قالوا: إنكم كنتم تُغوُوننا بقوَّةٍ منكم، وتحملوننا على طريقِ الضلالةِ بمتابعةٍ منكم في شِدَّةٍ، فعبَّر عن هذه المعاني باليمينِ؛ كقولِ العربِ: بيدينِ ما أوردَ، وكما قالوا: اليد - في غير هذا الموضع - عن القوة (٣).\n_________\n(١) ردَّ القرطبيُّ في الجامع لأحكام القرآن (٢:١٦٤) على ابن عطية، فقال: «معنى الشَّكِّ فيه موجودٌ؛ لأنه يحتملُ أن يختبِرَ الفرسَ صاحبُه، هل هو على ما عهده منه من الجري، أم لا؛ لئلا يكون أصابه شيء، أو يكون هذا عند أول شرائه، فيُجريه، ليعلم مقدار جريه ...».\n(٢) ينظر على سبيل المثال: المحرر الوجيز، ط: قطر (٤:٢٢١)، (٧:٢٥٧)، (١١:١٤٠).\n(٣) في الطبعة المغربية: «وكما قالوا اليد في غير موضعٍ: عن القوة». (١٣:٢٢٨)، والعبارتان فيهما قلق، والمعنى المراد مفهومٌ واللهُ أعلمُ.","vol":"1","page":230},{"text":"وقد ذهب بعض الناس ببيت الشَّمَّاخِ (١) هذا المذهب، وهو قوله (٢):\nإذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّهَا عَرَابَةُ بِاليَمِينِ\nفقالوا: معناه: بقوة وعزيمة، وإلاَّ، فكلُّ أحدٍ يتلقَّاها بيمينه، لو كانت الجارحة، وأيضًا: لما استعار الرايةَ للمجدِ، فكذا لم يُرِدْ باليمينِ الجارحة.\nومن المعاني التي تحتملها الآية أن يُريدوا: إنكم كنتم تأتوننا من الجِهةِ التي يُحسِّنها تمويهُكم وإغواؤكم، ويظهر فيها أنها جهةُ الرشد والصواب، فتصير عندنا كاليمين الذي يتيمَّنُ بالسانح الذي يجيئنا من قِبَلِها، فكأنهم شبَّهوا أقوال هؤلاء المُغوِينَ بالسَّوانحِ التي هي عندهم محمودة؛ كأن التمويه في هذه الغويات قد أُظهِرَ فيها ما يُوشِكُ أن يُحمدَ به ...» (٣).\n٢ - في قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]، قال: «قوله تعالى: ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾، قال أبو سعيد الخدري، وقتادة، ومجاهد: معناه: بيَّنها لهم؛ أي: جعلهم يعرفون منازلهم منها. وفي نحو هذا المعنى قولُ النبي ﷺ: «لأحدكم بمنْزله في الجنة أعرف منه بمنْزله في الدنيا» (٤).\n_________\n(١) معقل بن ضرار، من بني سعد بن ذبيان، الشاعر المعروف بالشَّمَّاخ، مخضرمٌ، أسلم وحسن إسلامه، توفي في غزوة موقان بعد سنة (٣٠)، زمن خلافة عثمان. ينظر: معجم الشعراء المخضرمين والأمويين (ص:٢٠٥)، ومعجم الشعراء (ص:١٢٤).\n(٢) البيت في ديوانه، تحقيق: صلاح الدين الهادي (ص:٣٣٦)، وهي من قصيدة يمدح فيها عرابة الأوسي، وهو من صغار الصحابة.\n(٣) المحرر الوجيز، ط: قطر (١٢:٣٤٦ - ٣٤٨)، وقد بقي في كلامه احتمالانِ تركتهما تخفيفًا في النقلِ.\n(٤) رواه البخاري بلفظ: «فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنْزله في الجنة منه بمنْزله كان في الدنيا». ينظر: فتح الباري، ط: الريان (١١:٤٠٣)، وقد أخرج الحديث: أحمد في مسنده (٣:٧٤)، وأبو يعلى في مسنده (٢:٤٠٤)، وابن منده في الإيمان (٢:٨١٤)، والطبري في تفسيره، ط: الحلبي (١٤:٣٧ - ٣٨).","vol":"1","page":231},{"text":"وقالت فرقةٌ: معناه: سمَّاها لهم، ووَسَمَهَا، كلُّ منْزلٍ باسمِ صاحبِهِ، فهذا نَحْوٌ منَ التَّعريفِ.\nوقالت فرقةٌ: معناه: شرَّفها لهم، ورفعَها وعلاَّها، وهذا من الأعرافِ التي هي الجبالُ وما أشبهَها، ومنه: أعرافُ الخيلِ.\nوقال مؤرجٌ وغيرُه: معناه: طيَّبَها، مأخوذ من العَرْفِ، ومنه: طعامٌ مُعَرَّفٌ؛ أي: مطيَّبٌ، وعرَّفتُ القِدْرَ؛ أي طيَّبتُها بالملحِ والتوابلِ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>ثالثًا: الترجيح باللغة:</span>\nيكثرُ في ترجيحاتِ ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) أنْ لا يذكُرَ فيها مستندَ الترجيحِ، بل يضعِّفُ بعضَ الأقوالِ أو يقوِّيها دونَ أن يذكرَ سببَ ذلكَ، ومن ذلك ترجيحُه لبعضِ الأقوالِ بسببِ اللُّغة، ومما صرَّحَ فيه بالاعتمادِ على اللُّغةِ في الترجيحِ:\n١ - في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، قال: «والجوارحُ: الكواسبُ، على ما تقدَّم.\nوحكى ابن المنذرِ (٢) عن قومٍ أنهم قالوا: الجوارِحُ، مأخوذٌ من الجِراحِ؛ أي: الحيوانُ الذي له نابٌ، أو ظُفُرٌ، أو مِخلبٌ به صيدُه.\nقال القاضي أبو محمد رحمه الله تعالى: وهذا قولٌ ضعيفٌ، وأهلُ اللُّغةِ على خلافِه» (٣).\n_________\n(١) المحرر الوجيز، ط: قطر (١٣:٣٨٩).\n(٢) محمد بن إبراهيم، أبو بكر النيسابوري، المشهور بابن المنذر، المحدث، الفقيه، المجتهد، المفسر، له اطلاع واسع على خلاف العلماء، وقد صنف في ذلك كتبًا، وله كتاب كبير في التفسير. توفي سنة (٣١٩). ينظر: طبقات الشافعية الكبرى (٣:١٠٢)، ومعجم المفسرين (٢:٤٦٥).\n(٣) المحرر الوجيز، ط: قطر (٤:٣٥٤).","vol":"1","page":232},{"text":"٢ - وفي قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن: ٣] قال: «وقرأ جمهورُ النَّاسِ: «صُوَرَكُمْ» بضمِّ الصَّادِ.\nوقرأ أبو رزين «صِوركم» بكسرِ الصَّادِ (١).\nوهذا تعديدُ النِّعمةِ في حُسْنِ الخِلقَةِ؛ لأنَّ أعضاءَ ابن آدمَ متصرِّفةٌ في جميعِ ما تتصرَّفُ به أعضاءُ الحيوانِ وبزيادات كثيرةٍ فُضِّلَ بها، ثمَّ هو مُفضَّلٌ بحُسنِ الوجهِ، وجمالِ الجوارحِ.\nوحُجَّةُ هذا، قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤].\nوقالَ بعضُ العلماءِ: النِّعمةُ المُعدَّدةُ هنا إنما هي صورةُ الإنسانِ من حيثُ هو إنسانٌ مُدرِكٌ عاقلٌ، فهذا هو الذي حَسُنَ له حتَّى لَحِقَ ذلك كمالاتٌ كثيرةٌ.\nقال القاضي أبو محمد ﵀: والقول الأول أجرى على لغة العربِ؛ لأنها لا تعرفُ الصُّورةَ إلاَّ الشَّكلَ» (٢).\nويظهرُ اعتمادُ ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) على اللُّغةِ في بيانِ التَّفسيرِ في مواطنَ كثيرةٍ؛ كتوجيهِ القراءاتِ، أو بيانِ ضعفِ قولٍ، أو ترجيحِ معنًى على غيرِه، أو بيان خروجِ القولِ إلى رموزٍ وباطنٍ ليسَ من معهودِ ألفاظِ القرآن، أو تفسيرِه بمصطلحاتٍ حادثةٍ، أو غيرِ هذه من التطبيقاتِ التي اعتمدَ فيها على اللُّغةِ كثيرًا.\n_________\n(١) القراءة عن أبي رزين في كتاب مختصر في شواذ القرآن، لابن خالويه، تحقيق: برجشتراسر (ص:١٥٧)، وقال الهذلي في الكامل (مخطوط، لوحة ٢٤٣ ب): «صوركم بكسر الصاد حيث وقع الأعمش. الباقون بضمِّها، وهو الاختيار؛ لأنه أشهر».\nوفي ترجمة أبي رزين مسعود بن مالك في غاية النهاية (٢:٢٩٦): «قال يحيى بن معين: حدثنا حجاج الأعور، عن حمزة الزيات، عن الأعمش، عن أبي رزين، أنه قرأ: ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ بكسر الصادِ».\n(٢) المحرر الوجيز، ط: قطر (١٤:٤٧٤ - ٤٧٥).","vol":"1","page":233},{"text":"ومن الأمثلةِ التي تبيِّنُ ذلك:\n١ - في قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] بيَّن القراءاتِ، ووجَّه معانيها، فقال: «واختلف القراءُ في ذلكَ، فقرأ نافع (١) وعاصم (٢) وحمزة (٣) والكسائيُّ وابن عامرٍ (٤) ﴿خُلُقُ﴾ بضمِّ اللامِ (٥). فالإشارةُ بـ (هذا) إلى دينهم وعبادتهم وتصرُّفِهم في المصانِعِ؛ أي: هذا الذي نحن عليه خُلُقُ الناسِ وعادتُهم، وما بعدَ ذلكَ بعثٌ ولا تعذيبٌ كما تزعم أنت.\nوقرأ ابن كثير (٦) وأبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو قِلابة «خُلْق» بضمِّ الخاءِ وسكونِ اللامِ، ورواها الأصمعيُّ (٧).\n_________\n(١) نافع بن عبد الرحمن، أبو رويم، مقرئ المدينة، أحد القراء السبعة، ثقة صالح، أخذ القراءة عن جماعة من التابعين، توفي سنة (١٦٩)، وقيل غيرها. ينظر: سير أعلام النبلاء (٧:٣٣٦ - ٣٣٨)، وغاية النهاية (٢:٣٣١ - ٣٣٤).\n(٢) عاصم بن بهدلة: أبو النجود، الأسدي، الكوفي، أحد القراء السبعة، قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش وغيرهما، وقرأ عليه حفص بن سليمان وشعبة، وكان فصيحًا، توفي سنة (١٢٧). ينظر: معرفة القراء الكبار (١:٨٨ - ٩٤)، وغاية النهاية (١:٣٤٦ - ٣٤٩).\n(٣) حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات، المقرئ، الكوفي، أحد القراء السبعة، أخذ القراءة على الأعمش وحمران بن أعين وغيرهم، قال الثوري: «ما قرأ حمزة حرفًا إلا بأثر»، توفي سنة (١٥٦)، وقيل غيرها. ينظر: سير أعلام النبلاء (٧:٩٠)، وغاية النهاية (١:٢٦١ - ٢٦٣).\n(٤) عبد الله بن عامر اليحْصُبي، مقرئ الشام، أحد القراء السبعة، أخذ القراءة عن أبي الدرداء والمغيرة بن أبي شهاب، توفي سنة (١١٨). ينظر: سير أعلام النبلاء (٥:٢٩٢ - ٢٩٣)، وغاية النهاية (١:٤٢٣ - ٤٢٥).\n(٥) ينظر: السبعة في القراءات، لابن مجاهد (ص:٤٧٢)، بدون ذكر الكسائي.\n(٦) عبد الله بن كثير بن المطلب، المقرئ، المكي، أحد القراء السبعة، قرأ على مجاهد وغيره، توفي سنة (١٢٠). ينظر: سير أعلام النبلاء (٥:٣١٨ - ٣٢٢)، وغاية النهاية (١:٤٤٣ - ٤٤٥).\n(٧) عبد الملك بن قريب، أبو سعيد الأصمعي، اللغوي، الأخباري، صاحب الملح =","vol":"1","page":234},{"text":"عن نافعٍ (١). وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو: «خَلْقُ الأوَّلِينَ» بفتحِ الخاء وسكونِ اللام، وهي قراءةُ ابن مسعودٍ، وعلقمةَ (٢)، والحسنِ (٣)، وهذا يحتمل وجهينِ:\nأحدهما: ما هذا الذي تزعمه إلاَّ اختلاقُ الأولين من الكَذَبَةِ قبلك، فأنت على منهاجهم.\nوالثاني أن يريدوا: ما هذه البِنيةُ التي نحنُ عليها، إلاَّ البِنيةُ التي عليها الأوَّلونَ: حياةٌ وموتٌ، وما ثَمَّ بعثٌ ولا تعذيبٌ.\nوكلُّ معنى مِمَّا ذكرتُه تحتملُه قراءةُ «خُلْق». وروى علقمةُ عن ابن مسعودٍ: (إلاَّ اختلاقُ الأوَّلينَ) (٤)» (٥).\n٢ - في قوله تعالى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠]، استخدمَ اشتقاقَ اللَّفظِ لبيانِ ضعفِ قولٍ في التَّفسيرِ، فقال: «وقالت فِرقةٌ: التنُّور: هو الفجرُ، والمعنى: إذا طلعَ الفجرُ، فاركب السفينةَ.\n_________\n= والنوادر، جالس الخليفة العباسي الرشيد، وألف الكتب، منها: الاشتقاق والوحوش وغيرها، توفي سنة (٢١٥)، وقيل غيرها. ينظر: إنباه الرواة (٢:١٩٧ - ٢٠٥)، وسير أعلام النبلاء (١٠:١٧٥ - ١٨١).\n(١) لم أجد من نسب القراءة إلى الأربعة، أما قراءةُ أبي قلابة فحكاها ابن خالويه، ينظر: مختصر في شواذ القراءات (ص:١٠٧). وأما ما رواه الأصمعي عن نافع، فقد ذكره الهذلي في الكامل في القراءات الخمسين، مخطوط: (لوحة ٢٣٤ ب).\n(٢) علقمة بن قيس النخعي، وُلِدَ في حياة النبي ﷺ، وأخذ القراءة على ابن مسعود عرضًا وسمع من غيره، وكان من أحسن الناس صوتًا، توفي سنة (٦٢). ينظر: معرفة القراء الكبار (١:٥١ - ٥٢)، وغاية النهاية (١:٥١٦).\n(٣) هذه قراءة أبي جعفر وأبي عمرو وابن كثير والكسائي وخلف، ينظر: المبسوط في القراءات العشر، لابن مهران (ص:٣٢٧). وينظر قراءة الحسن في إتحاف فضلاء البشر، للبناء (ص:٣٣٣)، وينظر: البحر المحيط، ط: المكتبة التجارية (٨:١٨٠) فقد ذكر هذه القراءة عنهم.\n(٤) ذكرها أبو حيان في البحر المحيط (٨:١٨٠)، ويحتمل أنه نقلها من ابن عطيَّة.\n(٥) المحرر الوجيز، ط: قطر (١١:١٣٧ - ١٣٨).","vol":"1","page":235},{"text":"وهذا قولٌ رُويَ عن عليِّ بنِ أبي طالب ﵁، إلاَّ أنَّ التَّصريفَ يضعفُه، وكان يلزمُ أن يكونَ من التنوير» (١).\n٣ - وفي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، قال: «وقال السُّدِّيُّ، وقتادةُ، وجمهورُ المفسِّرينَ: الظُّلماتُ: اللَّيلُ، والنُّورُ: النَّهارُ (٢).\nوقالت فرقةٌ: الظُّلماتُ: الكفرُ، والنُّورُ: الإيمانُ (٣).\nقال القاضي أبو محمدٍ ﵀: وهذا غيرُ جيِّدٍ؛ لأنه إخراجُ لفظٍ بيِّنٍ في اللُّغةِ، عن ظاهرِه الحقيقي إلى باطنٍ، لغيرِ ضرورةٍ.\nوهذا هو طريقُ اللُّغزِ الَّذي بَرِئَ القرآنُ منه» (٤).\nفجعلَ هذا القولَ غيرَ مُعتدٍّ به، لخروجه عن معنى لغةِ العربِ في دلالة اللَّفظِ، ونحوِه نحوَ الرَّمزِ.\n٤ - وأشارَ في قول الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١] إلى أنَّ القرآن لا يُحملُ على المصطلحاتِ الحادثةِ، فقال: «والوكيلُ القائمُ بالأمورِ، المصلحُ لما يُخافُ من فسادِها. وليس ما غلبَ عليه الاستعمالُ في الوكيل في عصرنا بأصلٍ في كلامِ العربِ، وهي لفظةٌ رفيعةٌ وضعها الاستعمالُ العامِّيُّ كالعريفِ والنَّقيبِ وغيرِه» (٥).\n_________\n(١) المحرر الوجيز، ط: قطر (٧:٢٩٢).\n(٢) ينظر قول قتادة والسدي في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١١:٢٥٠)، وتفسير ابن أبي حاتم (٤:١٢٥٩ - ١٢٦٠).\n(٣) حكاه الماوردي عن السدي، وهو غريبٌ؛ لأنه سبق النقل عنه في التفسير الأول، إلا أن يكون قولًا ثانيًا له، واللهُ أعلمُ.\n(٤) المحرر الوجيز، ط: قطر (٥:١٢١ - ١٢٢)، وينظر أقوالًا أخرى ردَّها على أنها من القول بالرموزِ في القرآن (٥:١٩٤، ٢٢٣)، (١٥:٣٣٤).\n(٥) المحرر الوجيز، ط: قطر (٤:١٤٦).","vol":"1","page":236},{"text":"٥ - ولذا اعترضَ على تعريفِ التوبةِ عندَ أبي المعالِي الجوينِي (ت:٤٧٨) (١): «وقال أبو المعالي في (الإرشادِ): التوبةُ في اصطلاحِ المتكلمينَ هي النَّدمُ (٢)، بعد أن قال: إنها في اللُّغةِ: الرجوعُ (٣)، ثُمَّ ركَّبَ على هذا أن قالَ: إنَّ الكافرَ إذا آمنَ ليسَ إيمانُه توبةً، وإنما توبتُه نَدَمُهُ بَعْدُ (٤).\nقال القاضي أبو محمدٍ ﵀: والذي أقول: إنَّ التوبةَ عقدٌ في تركِ متوبٍ منه، يتقدَّمُها عِلْمٌ بفسادِ المتوبِ منه، وصلاحِ ما يرجعُ إليه، ويقترنُ بها ندمٌ على فارطِ المتوبِ منه لا ينفكُّ منه، وهو من شروطها.\nفأقول: إنَّ إيمانَ الكافرِ هو التوبةُ من كفره؛ لأنه هو نفسُهُ رجوعُه.\nوتابَ في كلامِ العربِ، معناه: رجعَ إلى الطَّاعةِ والأمثلِ من الأمورِ.\nوتصرُّفُ اللَّفظةِ في القرآنِ بـ (إلى)، يقتضي أنها الرجوعُ لا الندم. وإنما الندمُ لاحِقٌ لازِمٌ للتَّوبةِ كما قلنا.\nوحقيقةُ التَّوبةِ تركُ مثلِ ما تِيبَ منه عن عزْمَةٍ مُعتَقَدَةٍ على ما فسَّرناه، والله المستعانُ» (٥).\n_________\n(١) عبد الملك بن عبد الله بن يوسف، أبو المعالي الجويني، إمام الحرمين، تعلَّم على والده الذي مات وعمر عبد الملك عشرون سنة، فخلف والده في التدريس، وذاع صيته، كان شافعيًا في الفروع، أشعريًا في العقائد، ثم ترك علم الكلام في آخر أمره وتاب منه، له مؤلفات كثيرة، منها البرهان في أصول الفقه، وغيره، توفي سنة (٤٧٨). ينظر: سير أعلام النبلاء (١٨:٤٦٨ - ٤٧٧)، وطبقات الشافعية الكبرى (٣:٢٤٩ - ٢٨٣).\n(٢) قال أبو المعالي في الإرشاد، تحقيق أسعد تميم (ص:٣٣٧): «فإن قيل: حرِّروا عبارةً في حقيقةِ التوبةِ على اصطلاحِكم.\nقلنا: التوبة: هي الندم على المعصية ...».\n(٣) ينظر: الإرشاد (ص:٣٣٧).\n(٤) قال أبو المعالي: «الكافر إذا آمن بالله تعالى، فليس إيمانه توبة عن كفره، وإنما ندم على كفره ...». الإرشاد (ص:٣٤٢).\n(٥) المحرر الوجيز، ط: قطر (٧:٣٢٠).","vol":"1","page":237},{"text":"هذا، وتتبُّع أمثلةِ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في مثلِ كتابِه تطولُ، وأظنُّ في ما نقلتُه الكفايةَ لبيانِ هذه المسألةِ، واللهُ الموفِّقُ.\nأثر الاعتقاد على تفسيره:\nلقد كانَ ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) أشعريَّ المعتقدِ، ويظهر ذلك من تتبُّع مسائل الاعتقادِ التي طرحها في تفسيرِه، حيث سارَ فيها على هذا المعتقدِ، كما تجد في تفسيرِه نقولًا عن بعضِ كُتبِ الأشاعرةِ؛ ككتاب الإرشادِ إلى قواعد الأدلة في أصول الاعتقاد، لأبي المعالي الجويني (ت:٤٧٨) (١).\nومن المسائل الاعتقاديَّةِ التي ذكرَها:\n١ - التوحيد؛ كدليلِ العقلِ على الصانعِ (٢)، ودليل التمانع (٣)، وأنَّ أولَ واجبٍ على المكلفِ النَّظرُ (٤).\n٢ - تقديم العقلِ على النَّقل (٥).\n٣ - التَّحسينُ والتَّقبيحُ (٦).\n_________\n(١) هذا الكتاب أحد الكتب التي أجيزت له بالسند إلى مؤلفها، ينظر: فهرس ابن عطية، تحقيق: محمد أبو الأجفان ومحمد الزاهي (ص:٧٧). ومن كتب الأشاعرة التي ذكرها في فهرسه: التلخيص، للجويني (ص:٧٧)، والتمهيد للباقلاني (ص:٦٢، ٧٦، ٩٥)، ومشكل الحديث، لابن فورك (ص:٧٥)، والرسالة في عقود أهل السنة، لابن مجاهد صاحب الأشعري (ص:١٢٦).\n(٢) المحرر الوجيز، ط: قطر (٢:٥٣).\n(٣) المحرر الوجيز، ط: قطر (١٠:١٣٥ - ١٣٦).\n(٤) المحرر الوجيز، ط: قطر (١٣:٤٠٣).\n(٥) المحرر الوجيز، ط: قطر (٥:٣٠٦)، (١٥:٢١٩).\n(٦) المراد به عندهم أن العقل لا يحسن شيئًا ولا يقبحه، كما هو قول المعتزلة، بل التحسين والتقبيح من الشرع، ومع تقريرهم هذه العقيدَةَ فإنك تجدهم يعتمدونَ التحسينَ العقلي في مثلِ نصوصِ الصفاتِ، فيؤوِّلونها بعقولهم، ولا يتركونها على ما جاءت في الشرعِ بناءً على قاعدة أنَّ التحسين والتقبيح إنما يُعلمُ بالشرعِ، فمن أيِّ =","vol":"1","page":238},{"text":"٤ - مسائلُ الإيمانِ، كالمرادِ به (١)، وخَلْقِهِ (٢)، وزيادتِه (٣). ويدخلُ في ذلكَ المسائلُ المتعلِّقةُ بالكفرِ، ومن أغربِ المسائلِ التي تبنَّاها في ذلكَ أنه استبعدَ وجودَ كفرِ العنادِ والجحودِ (٤)، وفي هذا مخالفةٌ لظاهِرِ الآياتِ الدَّالةِ على ذلكَ؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤].\n٥ - مسألة الكسبِ الأشعري (٥)، وهي ترجعُ إلى مفهومِ القدرِ وعلاقته بأفعالِ العبادِ، ومن ذلكَ ما أوردَه في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ...﴾ [الأنفال: ١٧]، قال: «هذه مخاطبةٌ للمؤمنينَ، أعلمَ اللهُ بها أنَّ القتلة من المؤمنينَ ليسوا هم مستبدِّينَ بالقتلِ؛ (لأنَّ القتلَ) (٦) بالإقدارِ عليه.\nوالخلقُ والاختراعُ في جميعِ حالات القاتلِ إنما هيَ للهِ تعالى، ليسَ للقاتلِ فيها شيءٌ، وإنما يُشاركُه بتكسُّبِه وقصدِهِ، وهذه الألفاظُ تَرُدُّ على من يقولُ بأنَّ أفعال العبادِ خلقٌ لهم» (٧).\nوموضوعُ الكسبِ الأشعريِّ طويلٌ، وفيه فلسفةٌ ليسَ هذا محلُّ عرضها،\n_________\n= الشَّرعِ علموا تحسينَ تحريف معاني الصفاتِ الإلهيةِ؟! وليس هذا مجال عرض هذا الموضوع، واللهُ الموفِّقُ. وينظر في موضوع التحسين والتقبيح: المحرر الوجيز، ط: قطر (١:٤٣٠)، (٢:٦٢)، (٥:٢٧٥، ٤٥٤ - ٤٥٥، ٤٨٧)، (٦:١٥٤).\n(١) المحرر الوجيز، ط: قطر (٢:٨٠، ٥٣٦)، (٦:٢٥٥).\n(٢) المحرر الوجيز، ط: قطر (١:١١٦)، (٢:٤٦٦).\n(٣) المحرر الوجيز، ط: قطر (٣:٤٢٤)، (٦:٢١٦ - ٢١٧)، (٧:٨٤)، (١٢:٣٩)، (١٣:٣٩٩).\n(٤) ينظر مثلًا: المحرر الوجيز، ط: قطر (١:٢٤٩ - ٤٤٦ - ٤٤٧)، (٤:٣٠٥)، (٥:١٨٣ - ١٨٤)، (١١:٤٨٩ - ٤٩٠).\n(٥) المحرر الوجيز، ط: قطر (٣:١٨٦)، (٤:٦٠، ١٦١)، (٦:١٢٤، ١٤٨)، (١١:٢٥٦)، (١٢:٥٤٣)، (١٤:١٠٨)، (١٥:٣٦٠).\n(٦) هذه زيادة من الطبعة المغربية (٨:٣٣)، وهي غير موجودة في القطرية.\n(٧) المحرر الوجيز، ط: قطر (٦:٢٤٩).","vol":"1","page":239},{"text":"وإنما نهايةُ هذه النَّظريةِ إلى الجبرِ؛ لأنَّ الفاعلَ عندهم على الحقيقةِ هو اللهُ، وهذا غيرُ صوابٍ، وإنما الصواب في ذلك: أنَّ الله خالقُ أفعالِ العبادِ، والعبادُ هم الفاعلونَ حقيقةً بما خلقَ اللهُ فيهم من المشيئةِ والاختيارِ والقدرةِ التي بها يفعلونَ (١)، واللهُ أعلمُ.\n٦ - التَّأويلُ، وقد نصَّ على قاعدةٍ في التأويلِ، فقال: «التَّأويل لا يضطر إليه إلا في ألفاظ النَّبيِّ ﵇، وفي كتاب الله، وأمَّا في عبارة مفسِّر فلا» (٢).\nولم يذكرْ ضابطًا فيما يُأوَّلُ وما لا يُأوَّلُ من النُّصوصِ، وإنما يرجعُ الأمرُ عنده إلى عقلِه الذي يحكمُ بالتَّأويلِ هنا ولا يحكمُ به هناك، وإلاَّ فلمَ أنكر على من قال بالتَّأويلِ في أمورِ المعادِ ما دام أنَّه فتحَ البابَ للتَّأويلِ وصحَّحَهُ، ولم يقولُ: «... أنَّ القولَ في الميزانِ هو من عقائدِ الشَّرعِ الذي لم يُعرفْ إلاَّ سمعًا، وإن فتحنا فيه باب المجازِ (٣) غمرتنا أقوالُ الملحدة\n_________\n(١) ينظر: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن القيم، ط: دار الكتب العلمية (ص:٢٣٣).\n(٢) المحرر الوجيز، ط: قطر (٢:٣٨٦)، وقد ذكر هذه القاعدة لأن منذر بن سعيد أوَّل تفسير السدي في الكرسي، قال السدي: الكرسي موضع قدميه، وأوَّلها منذر بمعنى: ما قدم من المخلوقات، قال ابن عطية: «وهذا عندي عناء؛ لأن التأويل لا يضطر إليه إلاَّ في ألفاظ النبي ﵇ ...». ينظر: المحرر الوجيز، ط: قطر (٢:٢٨٥ - ٢٨٦).\nوقد ذكر ابن عرفة هذه القاعدة عند هذه الآية، ينظر: تفسير ابن عرفة برواية الأبي، تحقيق: حسن المناعي (٢:٧٢٨).\nوما قعَّده ابن عطيَّة هنا، كان قد خالفه في (١:٢٢٣ - ٢٢٤)، حيث قال - عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ـ: «واستوى: قال قوم: معناه: علا دون تكييف ولا تحديد، هذا اختيار الطبري، والتقدير: علا أمره وقدرته وسلطانه». وهذا غير مراد الطبري، بل تأويلٌ لكلامه.\n(٣) التأويلُ والمجازُ وجهانِ لعملةٍ واحدةٍ، وإن شئتَ قلتَ: إنَّ المجازَ أداةُ التأويلِ، والمرادُ به التأويلُ المنحرفُ.","vol":"1","page":240},{"text":"والزَّنادقةِ في أنَّ الميزانَ والسِّراطَ والجنَّة والنَّار والحشر ونحو ذلك إنما هي ألفاظٌ يرادُ بها غيرُ الظَّاهرِ.\nقال القاضي أبو محمد ﵀: فينبغي أن يُجرى في هذه الألفاظِ إلى حملها على حقائقها ...» (١).\nوهذا الذي حَذِرَ منه قد وقعَ، وقد اعتمدَ بعضُ الفلاسفةِ الذينَ عاشوا في ظلِّ الإسلامِ على مبدَئِه في التَّأويلِ (٢)، وليسَ له أن يقولَ: هذه الأمورُ\n_________\n(١) المحرر الوجيز، ط: قطر (٥:٤٣٢ - ٤٣٣).\n(٢) ينظر مثلًا: كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، ومما ذكره في هذا الكتابِ أنَّ الشريعةَ على ثلاثةِ أقسامٍ:\nظاهرٌ لا يجوزُ تأويله ...\nوظاهرٌ يجبُ على أهلِ البرهانِ تأويلُه، وحملهم إياه على ظاهره كفرٌ، وتأويل غير أهل البرهانِ له، وإخراجه عن ظاهره كفرٌ في حقِّهم أو بدعة، ومن هذا الصِّنفِ آيةُ الاستواء وحديث النُّزول ...\nوالصنف الثالث من الشرع مترددٌ بين هذين الصنفينِ، يقع فيه شكٌ، فيلحقُه قومٌ ممن يتعاطى النظر بالظاهر الذي لا يجوزُ تأويله، ويلحقه آخرونَ بالباطنِ الذي لا يجوزُ حمله على الظاهرِ ... ينظر: فصل المقال (ص:٢٧ - ٢٨).\nثمَّ قال: «فإن قيل: فإذا تبين أن الشرع في هذا على ثلاث مراتب، فمن أي المراتبِ الثلاثِ هو عندكم ما جاء في صفات المعاد وأحواله؟\nفنقول: إنَّ هذه المسألة الأمر فيها بيِّنٌ أنها من الصنفِ المختلَفِ فيه، وذلك أنا نرى قومًا ينسبون أنفسهم إلى البرهان يقولون: إن الواجب حملها على ظاهرها إذ كان ليس هناك برهان يؤدي إلى استحالة الظاهر فيها، وهذه طريقة الأشعرية. وقوم آخرون ممن يتعاطون البرهان يتأوَّلونها، وهؤلاء يختلفون في تأويلها اختلافًا كثيرًا، وفي هذا الصنف أبو حامد معدودٌ هو وكثيرٌ من المتصوفة ...». فصل المقال (ص:٢٨).\nومراده بالبرهان: الطرق الفلسفية، وأبو حامد هو الغزالي.\nفينظر كيف أدَّى التأويلُ الذي سُلِّطَ على نصوصِ الوحيينِ إلى هذه المقالاتِ الزائفةِ، التي ليس فيها إلا الرجوعُ إلى العقولِ المجرَّدةِ، والعياذ باللهِ من الضلالِ.\nوينظر في هذا الموضوعِ: موقف ابن تيمية من الأشاعرةِ، للدكتور: عبد الرحمن بن =","vol":"1","page":241},{"text":"إنما تُعلمُ من جهةِ السَّمعِ فقط؛ لأنَّ من يؤوِّلُ نصوص المعادِ يمكنُ أن يقولَ: للعقلِ فيها مدخلٌ. وبهذا تضطربُ الأمورُ ولا يسلمُ في الشَّريعةِ بابٌ؛ لأنَّه يمكنُ أن يُحملَ على المجازِ العقليِّ، وهذا الموضوعُ يطولُ ذكره، وفيه خروجٌ عن المقصودِ، واللهُ الموفِّقُ.\nومما وقعَ عندَهُ في بابِ التأويلِ، تأويلُ الصفاتِ الإلهيَّةِ، ومنها: صفةُ الغضبِ (١)، والاستهزاءِ (٢)، والاستحياءِ (٣)، والاستواءِ (٤)، والكلامِ (٥)، والوجهِ (٦)، والعلمِ (٧)، والعجبِ (٨)، والمحبةِ (٩)، والعلوِّ (١٠)، وغيرها مما يطول ذكره.\nوكما هو الحالُ في الجدلِ العقديِّ الدائرِ بين المعتزلةِ والأشعريَّةِ، فإنَّكَ تجد أنَّ ابنَ عطيَّةَ (ت:٥٤٢) يورد آراءَ المعتزلةِ ويفنِّدها، وهي كثيرةٌ في كتابِه؛\n_________\n= صالح المحمود (٢:٨٩٦ - ٩٢٣)، فقد تكلَّم عنه تحت عنوان: (تسلط الفلاسفة والباطنية على المتكلمين).\n(١) المحرر الوجيز، ط: قطر (١:١٢٧، ٣٢٠)، (٣:٣٢٧)، (٦:٩١، ٢٤٨)، (١٣:٢٣٨، ٤٣٨).\n(٢) المحرر الوجيز، ط: قطر (١:١٧٦ - ١٧٧).\n(٣) المحرر الوجيز، ط: قطر (١:٢١٢).\n(٤) المحرر الوجيز، ط: قطر (١:٢٢٣ - ٢٢٤)، (١٤:٢٨٦).\n(٥) المحرر الوجيز، ط: قطر (١:٢٤٣)، (٢:٧٤)، (٣:١٤٨)، (٤:٢٩٦)، (٥:٢٤٨)، (٦:٦٧)، (٧:١٩٦)، (١٢:٣٣١).\n(٦) المحرر الوجيز، ط: قطر (١:٤٥٦)، (٣:٥٧)، (١١:٣٥٠)، (١٤:١٩٧).\n(٧) المحرر الوجيز، ط: قطر (٢:٩١، ٣٨٤)، (٣:٣٤١، ٤١٢)، (٤:٢٩٨)، (١١:٣٥٥)، (١٢:١٧٨)، (١٣:٤١٨)، (١٤:٣٢٤).\n(٨) المحرر الوجيز، ط: قطر (٢:٧٥ - ٧٦)، (١٢:٣٤٠).\n(٩) المحرر الوجيز، ط: قطر (٢:١٩٢)، (٣:٨٠)، (١١:٣٣٥)، (١٤:٤٢٥).\n(١٠) المحرر الوجيز، ط: قطر (١:٣٨٧)، (٢:٣٨٧)، (٥:١٤٧، ٢٢٥)، (١٣:١٤٠)، (١٤:٨٧)، (١٥:١٥).","vol":"1","page":242},{"text":"كمسألة الرزق؛ أي: كون الحرامِ رزقًا (١)، ومسألةِ أفعالِ العبادِ وما يتعلق بها من نفي إضلالِ اللهِ للعبدِ، وتزيينِ الشهواتِ له، وغيرِها من المسائلِ المتعلقةِ بهذا (٢)، ومسألةِ التحسينِ والتقبيحِ العقليينِ (٣).\nوهناك غيرُها من المسائلِ، ولو كان البحث فيها لسردتُها كاملةً.\nهذا، ولم يسلمِ ابنُ عطيَّةَ (ت:٥٤٢) من إيرادِ أقوالٍ للمعتزلةِ دونَ أن يردَّها، بلْ تراهُ يحكيها على أنها أحدُ الاحتمالاتِ في الآيةِ، دونَ أن يُنبِّهَ على خطئها (٤)، ويبدو أنَّ هذا الصَّنيعَ جعلَ ابنَ عرفةَ التُّونسيَّ (ت:٨٠٣) - وهو أشعريٌّ - يُوجِّه له نقدًا شديدًا، قال ابن حجر (ت:٨٥٢): «ومن هؤلاءِ منْ يدسُّ البِدعَ والتفاسيرَ الباطلة في كلامه، فيَرُوجُ على أكثرِ أهلِ السُّنَّةِ؛ كصاحبِ الكشَّافِ، ويقربُ من هؤلاءِ تفسيرُ ابن عطيَّةَ، بلْ كانَ الإمامُ ابنُ العرفةِ المالكي (٥) يُبالغُ في الحطِّ عليه، ويقول: إنه أقبحُ من صاحبِ الكشَّافِ؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ يعلمُ اعتزالَ ذلكَ فيتجنَّبُهُ، بخلافِ هذا، فإنه يُوهِمُ الناسَ أنه من أهلِ السُّنَّةِ» (٦).\nوالمقصودُ هنا بيانُ أثرِ المعتقدِ على تفسيرِه اللُّغويِّ، ذلك أنَّه يختارُ من\n_________\n(١) المحرر الوجيز، ط: قطر (١:١٤٧ - ١٤٨، ١٩٩)، (٢:٦٦)، (٥:١٤)، (٧:٢٤٣).\n(٢) المحرر الوجيز، ط: قطر (١:٢١٦)، (٢:٢١٢، ٤٦٧)، (٣:٤٠)، (٣:١٤٠)، (٥:٣٨٧، ٣٩٠)، (٦:٥)، (٧:٢٨١ - ٢٨٢)، (١١:٣٩٠).\n(٣) المحرر الوجيز، ط: قطر (١:٤٣٠) وقد ردَّ فيها على قول المعتزلةِ في مفهومِ النسخِ، وينظر المواطن التي سبق ذكرها في هذه المسألةِ.\n(٤) ينظر أمثلةً من ذلك في المحرر الوجيز، ط: قطر (١:١٥٥، ٣٥٧)، (٢:٧٥)، (٣:١٤٨، ١٨٤).\n(٥) هو محمد بن محمد بن عرفة الورغميُّ التونسي (ت:٨٠٣)، وهو مشهورٌ بابن عرفة، لا ابن العرفة، وقد سبقت ترجمته.\n(٦) ينظر هذا النقلَ عن ابن حجر في تحفة الأحوذي، للمباركفوري، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان (٨:٢٧٨).","vol":"1","page":243},{"text":"معاني اللغةِ وتوسُّعها ما يناسِبُ معتقده، وسأكتفي بذكرِ بعضِ الأمثلةِ، لئلاَّ يطولَ المقامُ، واللهُ الموفِّقُ:\n١ - في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]، قال ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢): «لننظر، معناه: لنبيَّنَ في الوجودِ ما علمناه أزلًا، لكنْ جَرَى القولُ على طريقِ الإيجازِ والفصاحةِ» (١).\nففسَّرَ النَّظرَ هنا بما ترى، وفيه خروجٌ عن معنى النَّظرِ المعروفِ في لغةِ العربِ، وإنما قال ذلكَ لأنَّ العلمَ عنده علمٌ واحدٌ أزليٌّ، ولم يفرِّق بين العلمِ بالشَّيء قبلَ وقوعِه، والعلم به بعد الوقوعِ، وكأنه يلزم من قوله أنه علمه أزلًا وانتهى. وهو بهذا لم يثبتِ الرُّؤيةَ المدلولَ عليها بالنَّظرِ، ولم يُثبتِ علمَ اللهِ بهم بعد أن جعلهم خلائفَ، فتأمَّل كيفَ جرَّه نفيُ وقوع العلمِ بالمعلومِ بعد وقوعه إلى هذا الذي قال.\n٢ - وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، قال: «والإنزال، إما بمعنى الإثبات، وإما أن تتصف به التِّلاوة والعبارة» (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، قال: «أنزلناه، إما أن يكونَ بمعنى أثبتناهُ، كما تقول: أنزل السُّلطان (٣) فلانًا بمكان كذا: إذا أثبته، وإما أن يتعلق النُّزولُ بالمَلكَ» (٤).\nوتفسيرُ الإنزال بالإثباتِ ليس معروفًا في لغة العربِ، وإنما المعروفُ: نزل بالمكانِ إذا حلَّ فيه؛ كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ\n_________\n(١) المحرر الوجيز، ط: قطر (٧:١١٧).\n(٢) المحرر الوجيز، ط: قطر (٧:٤٣١). وينظر: (٧:١٧١).\n(٣) وردت في مطبوعة قطر: «الشيطان»، وصوابه: «السلطان»، كما في المطبوعة المغربية (١١:١٤١).\n(٤) المحرر الوجيز، ط: قطر (١٠:١٦٠).","vol":"1","page":244},{"text":"الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩]، وغيرها من الآياتِ، وهذا المعنى لا يُحملُ عليه معنى نزولِ القرآنِ، كما أنَّ الحلولَ في المكانِ لا يخلو من معنى الهبوطِ من علو إلى سفلٍ، قال ابن فارس (ت:٣٩٥): «النون والزاء واللام كلمةٌ صحيحةٌ تدلُّ على هبوطِ شيءٍ ووقوعِه ...» (١).\nوقال الزَّبيديُّ في تاج العروس: «(النُّزولُ) بالضمِّ (الحلولُ)، وهو في الأصلِ انحطاطٌ من علوٍّ» (٢).\nوإنما قَادَهُ إلى ذلكَ إنكارُه تَكَلُّمَ اللهِ بوحيه إلى جبريلَ، وسماعَ جبريلَ ذلك من اللهِ (٣)، وإنكارَه علوَّ اللهِ على خلقِه (٤)، وما يتبعُه من صفةِ استوائه\n_________\n(١) مقاييس اللغة (٥:٤١٧).\n(٢) تاج العروس، مادة (نزل).\n(٣) صفة الكلامِ الإلهي عنده قد ذكرها في مواضع، منها قوله: «وكلامُ اللهِ لموسى ﵇ دونَ تكييفٍ ولا تحديدٍ ولا تجويزِ حدوثٍ، ولا حروفٍ، ولا أصواتٍ.\nوالذي عليه الراسخونَ في العلم أنَّ الكلامَ: المعنى القائم بالنفسِ، ويخلقُ اللهُ لموسى أو جبريلَ إدراكًا من جهةِ السَّمعِ يتحصَّلُ به الكلامُ ...». المحرر الوجيز، ط: قطر (٤:٢٩٦)، وينظر (٦:٦٧). وسيأتي تتمةٌ في الكلامِ على هذه الصفةِ الإلهيةِ.\n(٤) فسَّر اسم الله العليَّ، فقال: «والعليُّ: يرادُ به عُلوُّ القُدرةِ والمنزلةِ، لا عُلوُّ المكانِ؛ لأن اللهَ مُنَزَّهٌ عن التَّحيُّزِ. وحكى الطَّبريُّ عن قومٍ أنهم قالوا: هو العليُّ عن خلقِه بارتفاعِ مكانه عن أماكنِ خلقِه.\nقال القاضي أبو محمدٍ ﵀: وهذا قولُ جَهَلَةٍ مُجسِّمين، وكانَ الوجه ألاَّ يُحكى».\nالمحرر الوجيز، ط: قطر (٢:٣٨٧).\nوهذا من غرائبِ الإمامِ ابن عطية - عفا الله عنه - وأهل السنةِ من المحدثين والفقهاء على إثباتِ العلوِّ لله، وقد كتبَ فيه كثيرونَ، منهم الإمام الذهبي، وقد ذكر عن الإمامِ مالكٍ الذي يَتَّبعه ابن عطيَّةَ في الفروعِ إثباتَ العلوِّ، فقال: «اللهُ في السَّماءِ، وعلمه في كلِّ مكانٍ لا يخلو منه شيءٌ». العلوُّ للعليِّ العظيمِ، للذهبي، تحقيق: د. عبد الله بن صالح البرَّاك (٢:٩٥١)، والكتابُ بأكملِه في إثباتِ العلوِّ كما هو ظاهرٌ من عنوانِه.","vol":"1","page":245},{"text":"على عرشِه استواءً يليقُ بجلالهِ وعظمتِه (١)، ولو كانَ يُثبتُ هذه الأوصافَ الإلهيَّةَ كما أخبرَ اللهُ بها من دونِ أن يؤوِّلها، لما قالَ في معنى نزولِ القرآنِ هذا القولَ الذي هو بعيدٌ عن ظاهرِ معنى النُّزولِ.\nولما أرادَ أن يحملَ النُّزولَ على ظاهرِه جعلَهُ من صفةِ التِّلاوةِ أو العبارةِ (٢) أو\n_________\n(١) قال في الاستواء: «واختصارُ القولِ في قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣]: أن يكونَ استوى بقهرِه وغلبتِه، وإما أن يكونَ استوى، بمعنى: استولى - إن صحَّتِ اللفظةُ في اللسانِ، فقد قيل في قولِ الشاعرِ:\nقَدِ اسْتَوَى بِشِرٌ عَلَى العِرَاقِ\nمِنْ غَيرِ سَيفٍ وَلا دَمٍ مِهْرَاقِ\nإنه بيتٌ مصنوعٌ - وإما أن يكونَ فعل فعلًا في العرشِ سمَّاه استوى». ينظر: المحرر الوجيز، ط: قطر (٧:١٠١)، وينظر: (٥:٥٢٦)، (١٠:٤ - ٥)، (١٤:٢٨٦).\nوردُّ هذا يطول، وينظر إلى الإمامِ المالكيِّ ابن عبدِ البرِّ في كتابه: التمهيد لما في الموطَّأ من الأسانيد (٧:١٢٩ - ١٤٤)، فقد كتب هذه الصفحاتِ في إثبات الاستواء، ومن (ص:١٤٥ - ١٥٩) تقريرٌ في إثباتِ صفات الباري.\nوأذكر لك أطرافًا من كلامه في شرح حديث نزول الباري إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، قال: «وفيه دليل على أن الله ﷿ في السماء على العرش من فوق سبع سماوات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله ﷿ في كل مكان، وليس على العرش، والدليل على صحة ما قالوه [كذا] أهل الحق في ذلك، قول الله ﷿: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ...» التمهيد (١٢٩).\nوقال: «والاستواء: الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله ﷿، وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣] ...» (ص:١٣١).\nوفيه كلامٌ كثيرٌ انتخبتُ منه هذا، ليكونَ توضيحًا لمذهب ابن عبد البرِّ المالكي الذي هو مذهبُ السلفِ في هذه المسألةِ، واللهُ الموفِّقُ.\n(٢) تأويلُ النُّزولِ بأنَّه نزولُ التلاوةِ أوِ العبارةِ مذهبٌ خطيرٌ؛ لأنَّه يعني أنَّ القرآن الذي نقرؤه ليسَ الذي تكلَّمَ اللهُ به إلى جبريلَ، وإنما هو عبارةٌ عن كلامِ اللهِ، أما كلام اللهِ - عنده - فهو المعنى القائمُ بالنَّفسِ، وهو معنًى واحدٌ أزليُّ.\nوقد صرَّحَ بعضُ متأخري الأشاعرةِ بأنَّ القرآن الذي نقرؤه مخلوقٌ، فقال: «ومذهبُ أهلِ السُّنَّةِ [يقصدُ الأشاعرةَ] أنَّ القرآنَ؛ بمعنى الكلامِ النَّفسيِّ، ليس بمخلوقٍ، وأما القرآنُ؛ بمعنى اللفظِ الذي نقرؤه، فهو مخلوق، لكن يمتنعُ أن يقالَ: القرآن مخلوقٌ، =","vol":"1","page":246},{"text":"الملكِ (١)؛ لأنَّ هذه عنده يمكنُ أن تنْزلَ. واللهُ الموفِّقُ.\n٣ - وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، قال: «وقوله ﷿: ﴿ثُمَّ قَالَ﴾ ترتيبٌ للأخبارِ لمحمدٍ ﷺ، والمعنى: خلقَه من ترابٍ، ثمَّ كان من أمره في الأزلِ أن قالَ له: كنْ وقتَ كذا ...» (٢).\nوقال في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]: «وقوله: ﴿كُنْ﴾ أمرٌ للشَّيءِ المخترَعِ عند تعلُّقِ القدرةِ به، لا قبلَ ذلكَ ولا بعدَه (٣).\n_________\n= ويرادُ به اللفظ الذي نقرؤه، إلاَّ في مقامِ التعليمِ؛ لأنه ربما أوهمَ أنَّ القرآنَ؛ بمعنى كلامه تعالى، مخلوقٌ ...». تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد، لإبراهيم البيجوري (ص:٤٩).\n(١) انظر بُعْدَ هذا التأويلِ وتعسُّفه من أجلِ ما يعتقدُه المفسِّرُ في كلامِ اللهِ سبحانه. الله يقولُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، فالمنَزَّلُ القرآن كما هو ظاهرُ النَّصِّ، وهو يجعله للمَلَكِ!\n(٢) المحرر الوجيز، ط: قطر (٣:١٤٨).\n(٣) هذا يعني أنَّ أمرَ اللهِ كانَ في الأزل، ولا يحصلُ له كلامٌ عند إرادةِ إيجادِ شيءٍ من المخلوقاتِ أو المأموراتِ بقولهِ: «كن»، وهذا المذهبُ خطأٌ محضٌ، وهو مبنيٌ على مسألةِ العلم والقدر والكلامِ، وهي عنده أنها قديمةٌ قِدَمَ الذاتِ، فهو قال: «كن» في الأزلِ، وإنما تأخَّرَ المقدور، قالَ: «وتلخيصُ المعتقدِ في هذه الآيةِ أنَّ اللهَ ﷿ لم يزل آمرًا للمعدومات بشرطِ وجودها، قادرًا على تأخيرِ المقدوراتِ، عالمًا مع تأخر وقوع المعلوماتِ، فكلُّ ما في الآيةِ مما يقتضيِ الاستقبالَ، فهو بحسبِ المأموراتِ، إذ المحدثاتُ تجيءُ بعد أن لم تكن، وكلُّ ما يستندُ إلى اللهِ تعالى من قدرةٍ وعلمٍ وأمرٍ، فهو قديمٌ لم يزلْ. ومن جعل من المفسرينَ (قضى) بمعنى: أمضى عند الخلقِ والإيجادِ، فكأنَّ إظهارَ المخترعاتِ في أوقاتها المؤجَّلَةِ قولٌ لها «كن»، إذ التأملُّ يقتضي ذلكَ ...».\nالمحرر الوجيز، ط: قطر (١:٤٦٣ - ٤٦٤).\nوبهذه العقيدةِ ألغى ظاهرَ المعنى، وألغى دلالة التعقيب بالعطف بالفاء، ورجَّح الاستئناف على العطف في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ =","vol":"1","page":247},{"text":"وإنما يؤمرُ تأكيدًا وإشارةً بها، وهي أوامرُ دونَ حروفٍ وأصواتٍ، بلِ الكلامُ القائمُ بالذاتِ» (١).\nوهذا الكلامُ مبنيُّ على أنَّ اللهَ لهُ كلامٌ نفسيٌ قائمٌ بذاتِه، وهو لا يتكلَّمُ بمشيئتِه وإرادتِه، وهذا مخالفٌ لتنْزيهِ اللهِ الفعَّالِ لما يريدُ، فهو متَّصفٌ بصفةِ الكلامِ أزلًا، وهو أيضًا يتكلمُ متى شاء، كما أنَّه متى شاء سخِطَ، ومتى شاءَ رضِيَ إلى غيرِ ذلك من الأفعالِ الاختياريَّةِ التي يفعلها الفعَّالُ لما يريدُ متى ما أرادَ لا رادَّ لمشيئتِه، ولا حاجبَ له ﷾ عن فعلِه.\nولما كانت هذه عقيدتُه في كلامِ اللهِ، ألغى دلالةَ عطفِ التراخي في «ثُمَّ»، ودلالةَ التعقيبِ في «الفاء»؛ لأنهما تدلانِ على تكلُّمه سبحانه عند حدوثِ هذه الأشياءِ، وهذا يخالفُ معتقدَه؛ لذا لم يمنعه هذا من مخالفةِ المعروفِ من اللغةِ من أجلِ رأيه الذي يعتقدُه.\n٤ - وفِي قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠]، قال: «وَدُودٌ، معناه: أنَّ أفعالَه ولطفَه بعبادِه لما كانت في غايةِ الإحسانِ إليهم، كانتْ كَفِعْلِ منْ يتودَّدُ ويَوَدُّ المصنوعَ له» (٢).\nوما ذكرَه ليسَ معنًى لاسمِ اللهِ الوَدُودِ، بلْ هو من لازمِ معنى هذا\n_________\n= [البقرة: ١١٧]، قال: «و(قضى): معناه: قدَّر، وقد يجيءُ بمعنى أمضى، ويتجه في هذه الآيةِ المعنيانِ، فعلى مذهبِ أهل السنةِ: قدَّر في الأزلِ وأمضى فيه، وعلى مذهبِ المعتزلة: أمضى عند الخلقِ والإيجادِ.\nو(الأمرُ): واحدُ الأمورِ، وليس هنا بمصدرِ أمرَ يأمرُ.\nو(يكون): رفعٌ على الاستئنافِ. قال سيبويه: معناه: فهو يكونُ، وقال غيره: (يكون) عطفٌ على (يقول)، واختاره الطبريُّ وقرَّره. وهو خطأ من جهة المعنى؛ لأنه يقتضي أنَّ القولَ مع التَّكوينِ والوجودِ ...». المحرر الوجيز، ط: قطر (١:٤٦٢).\nوما خطَّأ الطبري به هو قول السلفِ، وهو المعنى الموافقُ للنصوصِ، ومن ثَمَّ فالإعرابُ بالعطفِ صحيحٌ لا إشكالَ عليه، إلاَّ عند من يأخذُ عقيدته من العقلِ المجرَّدِ ويعرضُ عليه نصوص الوحيينِ، والله المستعانُ.\n(١) المحرر الوجيز، ط: قطر (١٢:٣٣٠ - ٣٣١).\n(٢) المحرر الوجيز، ط: قطر (٧:٣٨٤).","vol":"1","page":248},{"text":"الاسمِ الحسنِ، وليسَ تفسيرُه هذا من التفسيرِ باللازِمِ الذي يُحتملُ في التفسيرِ؛ لأنَّه لا يصلحُ التفسيرُ باللازمِ إلاَّ مع إثباتِ الأصلِ، وتفسيرُهُ هذا مبنيٌّ على إنكارِ معنى ما يتضمَّنُه هذا الاسمُ الحسنُ من الصِّفةِ التي تدلُّ على المحبةِ (١)، ولذا عدل إلى لازمِ الصِّفةِ، لا إلى تفسيرِ معناها في أصلِ اللغةِ.\n_________\n(١) المحبةُ عنده، مرَّةً ترجع إلى الذَّاتِ، ومرةً إلى الفعلِ، وإذا رجعت إلى الذاتِ، فهي بمعنى الإرادةِ، وإذا رجعت إلى الفعلِ، فهي على حسبِ ما جاءت به في السياق، ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]، قال: «ومحبَّة اللهِ تعالى هي ما يظهرُ عليهم من نصره وكرامته، وهي هنا صفة فعلٍ، وليستْ بمعنى الإرادة؛ لأنَّ الإرادةَ لا يصحُّ أن يقع ما يخالفها، ونحن نجد المقاتلين على غير هذه الصفةِ كثيرًا». المحرر الوجيز، ط: قطر (١٤:٤٢٥).\nوموضوع مخالفته في معنى صفة المحبَّةِ يحتاجُ إلى مناقشةٍ أطول من هذا المكان، ولكن أنبِّه هنا إلى خطئه في تفسير المحبَّة، ذلك أن تفسيره لها ليسَ من المعروف في لغةِ العربِ، ولا يدلُّ عليه العقلُ.\nوقد وقع من لوازم تفسير المحبَّة بالإرادةِ أن تأوَّل بعضُ المتكلمينَ بعض الآياتِ على غيرِ الصوابِ، ومن ذلك، تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، قال ابن عطية: «و(لا يحب) معناه: لا يُحبُّه من أهلِ الصلاحِ، أو لا يحبُّه دينًا، وإلاَّ فلا يقع ما يحبُّ الله وقوعَه، والفساد واقعٌ، وهذا على ما ذهبَ إليه المتكلِّمونَ من أنَّ الحبَّ بمعنى الإرادةِ.\nقال القاضي أبو محمد ﵀: والحبُّ له على الإرادة مزيَّةُ إيثارٍ، فلو قال أحدٌ: إنَّ الفسادَ تنقصه مزيَّةُ الإيثارِ لصحَّ ذلك، إذ الحبُّ من اللهِ تعالى إنما هو لما حسُنَ من جميعِ جهاته». المحرر الوجيز، ط: قطر (٢:١٩٢).\nوتفسير لا يحبُ: لا يحبه من أهل الصلاحِ عليه اعتراضانِ:\nالأولُ: أنه يلزم من هذا التفسيرِ لازمٌ باطلٌ، وهو أنه يفهم منه أنه يحبُّه من أهل الفسادِ، وهذا المعنى غيرُ صحيحٍ.\nالثاني: أنَّ المعنى لو كان صحيحًا، فإنه لا يصحُّ حمل الآيةِ عليه؛ لأن سياق الآية في الكافرِ الألدِّ الخَصِمِ، لا المؤمن، وإدخالُ المؤمنِ في المعنى تحكُّمٌ لا دليلَ عليه.\nوالموضوع فيه أكثر من هذا، أكتفي بما أوردته، واللهُ الموفِّقُ.","vol":"1","page":249},{"text":"والودودُ اسمٌ حسنٌ يتضمَّنُ صفةَ المودَّةِ، وهي بمعنى المحبَّةِ في أصل الوضعِ اللُّغويِّ لمعنى هذا اللفظِ، قال ابن فارسٍ (ت:٣٩٥): «الواو والدال: كلمةٌ تدلُّ على محبَّةٍ» (١).\nوقال الزَّجَّاجُ (ت:٣١١): «الودودُ: هذا يجوزُ أن يكونَ فعولًا بمعنى فاعلٍ. ويجوزُ أن يكونَ فعولًا بمعنى مفعولٍ، واللهُ قد وصف نفسه في مواضعَ بأنه يُحِبُّ، ولا يُحِبُّ إلا وهو أيضًا محبوبٌ مودودٌ عند أوليائه، فهو بمعنى مودودٍ» (٢).\nمشكلةُ الاعتقادِ ثمَّ الاستدلالُ لهذا المعتقد، وأثرهُ عند ابن عطيَّةَ:\nولقدْ كانت قضيَّةُ تأصيلِ المعتقدِ أوَّلًا، ثُمَّ الاستدلالُ له من السِّماتِ البارزةِ لأهلِ البدعِ، ولذا تراهم يدفعونَ ظاهرَ النصوصِ، ويُسلِّطونَ عليها التأويلَ بكلِّ ما يستطيعونَ ليسلمَ لهم ما اعتقدوه، وهذا منهجٌ واضحُ الخطأ، بل العقيدةُ تؤخذُ من نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ بلا تحريفٍ ولا تأويلٍ.\nومن أوضحِ الأمثلةِ التي وقعَ فيها ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) - مع ما تقدَّمَ من الأمثلةِ - رأيُهُ في كفرِ العنادِ والجحودِ، ومن ذلك ما ذكرَ في قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، قال: «وظاهر قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ حصولُ الكفرِ عنادًا، وهي مسألةٌ قولينِ (٣)، هل يجوزُ أن يقعَ أم لا؟\n_________\n(١) مقاييس اللغة (٦:٧٥).\n(٢) تفسير أسماء الله الحسنى، للزجاج، تحقيق: أحمد يوسف الدقاق (ص:٥٢)، وينظر: الزاهر في معاني كلام الناس، لابن الأنباري (١:١٨٤)، واشتقاق أسماء الله الحسنى، لأبي القاسم الزجاجي، تحقيق: المبارك (ص:١٥٢)، والتبيان في أقسام القرآن، لابن القيِّم (ص:٥٩ - ٦٠).\n(٣) هذا النقل من طبعة المغرب، ويبدو أنه سقط حرف الجرِّ (على)، وفي المحرر الوجيز، ط: قطر (١١:١٧٩): «وهي مسألة فيها قولانِ».","vol":"1","page":250},{"text":"فجوَّزت ذلك فرقةٌ، وقالتْ: يجوزُ أن يكونَ الرجلُ عارفًا، إلاَّ أنَّه يجحدُ عنادًا ويموتُ على معرفتِهِ وجحودِه، فهو بذلك في حكمِ الكافرِ المخلَّدِ، قالوا: وهذا حُكمُ إبليسَ، وحكمُ حييِّ بنِ أخطبٍ وأخيه، حسبَما رُوِيَ عنهما.\nقال القاضي أبو محمد ﵀: وإن عُورِضَ هذا المثالُ، فُرِضَ إنسانٌ ويجوزُ (١) فيه ذلك.\nوقالت فرقةٌ: لا يصِحُّ لوجهينِ:\nأحدهما: أنَّ هذا لا يجوزُ وقوعُه من عاقلٍ.\nوالوجهُ الآخر: أنَّ المعرفةَ تقتضي أنْ يَحِلَّ في القلبِ، وذلكَ إيمانٌ، وحكمُ الكافرِ لا يلحقُه، إلاَّ بأن يَحِلَّ في القلبِ كفرٌ، ولا يصحُّ اجتماعُ الضِّدينِ في محلٍّ.\nقالوا: ويشبهُ في هذا العارفُ الجاحدُ أن يُسلبَ عندَ الموافاةِ تلك المعرفة، ويحل بدلَها الكفرُ.\nقال القاضي أبو محمد ﵀: والذي يظهرُ عندي في هذه الآيةِ وكلِّ ما جرى مجراها: أنَّ الكفرةَ كانوا إذا نظروا في آياتِ موسى أعطتهم عقولُهم أنَّها ليست تحت قدرةِ البشرِ، حصلَ لهم اليقينُ أنها من عند اللهِ تعالى، فيغلبُهم أثناء ذلك الحسدُ، ويتمسَّكونَ بالظنونِ في أنه سِحرٌ وغير ذلك مما يختلجُ في الظَّنِّ بحسبِ كلِّ آيةٍ، ويلجون في ذلك، حتى يُستلبَ ذلك اليقين أو يدوم كذلك مضطربًا. وحُكمه حكمُ المستلَبِ في وجوه عذابهم» (٢).\n_________\n(١) الصواب بإسقاط الواو، وهي غير موجودة في المحرر الوجيز، ط: قطر (١١:١٧٩).\n(٢) المحرر الوجيز، ط: المغرب (١٢:٩٦ - ٩٧). وقد نقلتُه منها لأنَّ في طبعة: قطر (١١:١٧٩ - ١٨٠) سقطٌ مخلٌّ يُقدَّر بسطرينِ، والله المستعانُ، وقد كرر هذه النظرية في (٥:١٨٢ - ١٨٤)، وينظر: (١:٢٤٩، ٤٤٦، ٤٤٧)، (٤:٣٠٤ - ٣٠٥)، (١٢:٤٨٩ - ٤٩٠).","vol":"1","page":251},{"text":"وقال في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]: «و﴿يَجْحَدُونَ﴾، حقيقته في كلام العربِ: الإنكارُ بعد المعرفةِ، وهو ضدُّ الإقرار ...» (١). ثمَّ قال: «وكفر العناد جائزُ الوقوعِ بمقتضى النَّظرِ، وظواهرُ القرآنِ تعطيه؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وغيرها ...» (٢)، ثُمَّ قالَ: «وأنا أستبعدُ العنادَ مع المعرفةِ التامَّةِ» (٣).\nوكيف يستبعد هذا مع قولِ الله: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾، وإلاَّ فما معنى اليقين، أليسَ هذا هو تمامُ العلمِ والمعرفةِ بالشيءِ؟!\nوهذا الموضوع مرتبطٌ بأصلٍ من أصولِ العقائد عنده، وهو مفهومُ الإيمانِ، أنه التَّصديقُ، ولذا لا يرى فيه الزيادة ولا النقصانَ، مخالفًا بذلك صريحَ النصوصِ التي تدلُّ على ذلك، ومن ذلك قوله: «وقوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]؛ أي: ثبوتًا واستعدادًا، فزيادةُ الإيمانِ في هذا هي في الأعمالِ.\nوقد أطلقَ العلماءُ عبارةَ: إنَّ الإيمانَ يزيدُ وينقصُ، والعقيدةُ في هذا أنَّ نفسَ الإيمانِ الذي هو تصديقٌ واحدٌ بشيءٍ ما، إنما هو معنى فردٌ، لا تدخلهُ زيادةٌ إذا حصلَ، ولا يبقى منه شيءٌ إذا زالَ ...» (٤).\nوهذا المفهوم الخاطئ في المرادِ بالإيمانِ الشَّرعيِّ (٥)، هو الذي جعله يستبعدُ وقوع كفر العنادِ مع المعرفةِ التَّامَّةِ؛ لأنَّ مجرَّدَ استيقانِه بالنُّبوَّةِ تصديقٌ،\n_________\n(١) المحرر الوجيز، ط: قطر (٥:١٨٢).\n(٢) المحرر الوجيز، ط: قطر (٥:١٨٣).\n(٣) المحرر الوجيز، ط: قطر (٥:١٨٤).\n(٤) المحرر الوجيز، ط: قطر (٣:٤٢٤).\n(٥) سيأتي نقاشُ مصطلحِ الإيمانِ في الباب الثالث، تحت قاعدة: لا يصح اعتمادُ اللغة دون غيرها من المصادر التفسيرية.","vol":"1","page":252},{"text":"والتَّصديقُ إيمانٌ، ومن عقيدته أنه لا يمكنُ اجتماعُ الضِّدينِ في القلبِ (١)، فلا بدَّ أن يكون: إمَّا هذا، وإمَّا هذا.\nوهذه العقيدةُ المقرَّرةُ من غيرِ القرآنِ، السَّابقةُ لتفسيرِه له، جعلته يدخلُ إلى تفسيرِ القرآنِ بمعتقداتٍ سابقةٍ، فما وجد من ظواهرِ النُّصوصِ يخالفُها، سلَّطَ عليها التَّأويلَ والمجازَ؛ ليسلمَ له ما أصَّله قبلُ من العقائدِ، والله المستعانُ والموفقُ.\n_________\n(١) الصوابُ في هذه المسألةِ: أنه يمكن أن يجتمعَ في القلب تصديقٌ بالرسالةِ، وكفرٌ بها، كما وقعَ من إبليسَ وأبي جهلٍ وحُيَيِّ بن أخطبٍ وغيرهم ممن صرَّح بمعرفته للرسولِ وأعلنَ كفرَه به. وهذا من الظواهرِ التي لا تُنازعُ لوضوحِها وكثرتِها، ولكن من ركَّب معتقداتِه من العقلِ، وجعله هو المبدأ في تقريرها دون الرجوع إلى الكتابِ والسنةِ، يتخبَّطُ ويخالفُ بدهيَّاتِ العقائدِ، والله المستعانُ.","vol":"1","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>المصدر الثاني\nكتب معاني القرآن</span>\nوفيه:\nأولًا: المراد بمعاني القرآن.\nثانيًا: لماذا كتب اللغويون في معاني القرآن؟\nأولًا: معاني القرآن، للفراء.\nثانيًا: معاني القرآن، للأخفش.\nثالثًا: معاني القرآن، للزجاج.","vol":"1","page":255},{"text":"المصدر الثاني\nكتب معاني القرآن\nتُعتبرُ كتبُ (معاني القرآنِ) منْ أوائلِ كتبِ اللغويينَ التي كانَ فيها مشاركةٌ مباشرةٌ في علمِ التَّفسيرِ. وقد نُسِبَ إلى أَبَانَ بنِ تَغْلِب (ت:١٤١) كتاب (معاني القرآن) (١)، فإن صحَّت هذه النِّسْبَةُ، وجعلتَ سنةَ الوفاةِ دليلًا على التَّقَدُّمِ في التأليفِ، فإنَّه يعدُّ أوَّلَ كتابٍ في معاني القرآنِ، وقد سبقَ ذِكْرُ من ألَّفَ في هذا العلمِ منَ اللغويينَ (٢).\nوظهر من استقراء تراجم اللغويين وفهارس كتبهم التي سبق ذِكرها ما يأتي:\n١ - أنَّ الدرسَ النَّحوي سابقٌ للدَّرسِ اللُّغويِّ، وقد تبينَ ذلكَ بأنَّ تعلُّمَ النَّحوِ وتعليمَه والكتابةَ فيه كانتْ في أوَّلِ عهدِ التَّابعينَ؛ لأنَّ الباحثينَ يكادونَ يجمعونَ على أنَّ أبا الأسودَ الدؤليَ (ت:٩٦) كتبَ فيه، وعلَّمَه بعضَ تلاميذِه.\nأمَّا البحثُ اللُّغويُّ، فلمْ يظهرْ إلاَّ في عهدِ أتباعِ التَّابعينَ، وكانَ في طليعةِ منْ ذُكِر له كتابٌ في علمِ اللُّغةِ أبانُ بنُ تغلبَ (ت:١٤١)، وأبو عمرو بنُ العلاءِ (ت:١٤٥)، والخليلُ بن أحمدَ (ت:١٧٥)، وغيرهم.\n٢ - أنَّ السَّبقَ في التَّأليفِ اللُّغويِّ العامِّ، وكذا المتعلِّق بالقرآنِ، كان لأهلِ البصرةِ، كما كان لهم السَّبقُ في علم النَّحوِ.\n_________\n(١) سبق ذكر عنوان كتاب أبان على أنه (غريب القرآن)، ومعرفة اسم الكتب القديمة مشكلة معروفة، حتى لا يكاد يمكن الجزم باسم الكتاب في حال ذكر أكثر من عنوان في الفَنِّ الواحد. ينظر في ذلك: النحو وكتب التفسير، لإبراهيم رفيدة (١:١١٢ - ١١٣).\n(٢) ينظر: (ص:١٢٣ - ١٢٧) من هذا البحث.","vol":"1","page":256},{"text":"٣ - أنَّ كتبَ المعاني، وغيرَها منَ البحثِ اللُّغويِّ، ظهرتْ في عصرِ أتباعِ التَّابعينَ.\nويَرِدُ هاهنا سؤالانِ قبلَ استعراضِ بعض كتبِ المعاني:\nالأول: المراد بمعاني القرآن؟\nالثاني: لماذا كتب اللُّغويُّون في معاني القرآن؟","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>أوَّلًا المراد بمعاني القرآن</span>\nالمعاني في اللُّغةِ:\nقالَ الرَّاغبُ (ت: بعد٤٠٠): «المعنى: إظهارُ ما تضمَّنَهُ اللَّفظ ... والمعنى يُقَارنُ التَّفسيرَ، وإنْ كان بينهما فرقٌ» (١).\nوقال الزَّبيديُّ في شرح القاموس: «وعنَى بالقول كذا، يعني: أراد وقصد. قال الزَّمخشريُّ: ومنه المعنى» (٢).\nوقال الكَفَوِيُّ (ت:١٠٩٤) (٣) في كتابه الكُلِّيَّاتِ: «والمعنى: ما يُفْهَمُ من اللَّفظ» (٤).\nوينتج عن هذه النُّقولِ أن المعنى: مَقصُودُ المتكلِّم من كَلاَمِهِ، وما يُفْهَمُ عَنهُ منهُ.\n_________\n(١) مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق: صفوان داوودي (ص:٥٩١)، وقال السمين الحلبي في الفرق بين التفسير والمعنى: «والفرق أن التفسير: هو الكشف والإيضاح ... وقد يطلق المعنى على مدلول الألفاظ، وبه يقابل اللفظ، فيقال: معنى كذا وكذا.\nوقد يراد به التقدير؛ كقولهم: واسأل أهل القرية [كذا] المعنى: أهل القرية». عمدة الحفاظ، تحقيق محمود السيد الدغيم (ص:٣٨٦).\n(٢) تاج العروس، مادة (عنى)، وينظر قول الزمخشري في أساس البلاغة مادة (عنى): «وعنيت بكلامي كذا؛ أي: أردته وقصدته، ومنه: المعنى».\n(٣) أيوب بن موسى الحسيني، أبو البقاء الكفوي، الحنفي، كان قاضيًا في القدس، وله من المؤلفات كتابه الذي شهره: الكليات، توفي أبو البقاء في القدس سنة (١٠٩٤). ينظر: مقدمة تحقيق الكليات، للدكتور عدنان درويش ومحمد المصري.\n(٤) الكليات، لأبي البقاء أيوب بن موسى الكفوي، تحقيق د. عدنان درويش، موسى المصري (ص:٨٤٢).","vol":"1","page":258},{"text":"المعاني في الاصطلاح:\nإذا تَأَمَّلْتَ كُتُبَ مَعَاني القُرْآنِ؛ كَمَعَانِي القرآنِ للفرَّاءِ (ت:٢٠٧)، والأَخْفَشِ (ت:٢١٥)، والزَّجَّاجِ (ت:٣١١)، فَإِنَّكَ سَتَجِدُ مَبَاحِثَ فِي العربيَّة تَخْرُجُ عَنْ مَفْهُومِ (المعاني) اللُّغويِّ؛ كَكَثِيرٍ مِنَ الْمَبَاحِثِ النَّحويَّة التي تَكَادُ تَطغى على بعض الكتب، والمباحثِ الصَّرفيَّةِ، والاشْتِقَاقِيَّةِ، وغيرها.\nوإذا فرزتَ هذه الكتبَ، فإنك ستجدُ بعضَهَا قدْ نُصَّ في عنوانها على الإعرابِ؛ ففي مقدمةِ كتابِ الفرَّاءِ (ت:٢٠٧) بروايةِ (١) تلميذِه محمدِ بنِ الجَهْمِ السِّمَّريِّ (ت:٢٧٧) (٢)، قال: «حدثنا الفراءُ، قال: تفسيرُ مُشْكِلِ إعرابِ القرآنِ ومعانيه» (٣). وقد يكونُ اشتهارُ الكتابِ باسمِ معاني القرآن من بابِ الاختصارِ في العنوانِ، حتى اشتهرَ بهذا الاسمِ، دون العنوانِ الذي ذكرَه مؤلفُهُ الفرَّاء (ت:٢٠٧). والله أعلم.\nأمَّا كتابُ الأخفشِ (ت:٢١٥)، فإنَّ مقدمتَه غيرُ موجودةٍ، كما أشارَ إلى ذلك منْ حقَّقَهُ (٤)، ولذا فإنَّه من المحتملِ أنْ يكونَ عنوانُه الذي عَنْوَنَهُ المؤلفُ: (معاني القرآن).\nوأمَّا كتابُ الزَّجَّاجِ (ت:٣١١)، فجاء في مقدمته: «قال أبو إسحاقَ\n_________\n(١) لكتاب المعاني رواية يرويها سلمة بن عاصم، وهي التي ينقل منها الأزهري في كتابه تهذيب اللغة، قال: «ومن مؤلفاته [أي الفراء]: كتابه في معاني القرآن وإعرابه، أخبرني به أبو الفضل بن أبي جعفر المنذري، عن أبي طالب بن سلمة، عن أبيه، عن الفراء ...». تهذيب اللغة (١:١٨).\n(٢) محمد بن الجَهْمِ بن هارون، أبو عبد الله الكاتب، السِّمَّري، سمع آدم بن إياس والفرّاء، وحدث عنه: موسى بن هارون وقاسم بن محمد الأنباري وغيرهما، توفي سنة (٢٧٧).\nينظر: تاريخ بغداد (٢:١٦٠)، وإنباه الرواة (٣:٨٨).\n(٣) معاني القرآن (١:١).\n(٤) ينظر: معاني القرآن، تحقيق: هدى قراعة (١:٣)، وتحقيق: فائز فارس (١:٣).","vol":"1","page":259},{"text":"إبراهيمُ بنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ: هذا كتابٌ مختصرٌ في إعرابِ القرآنِ ومعانيه» (١).\nفإذا اعتمدتَ ما جاءَ في مقدمةِ الفرَّاءِ (ت:٢٠٧) والزَّجَّاجِ (ت:٣١١) لكتابيهما، وجدتَ أنَّ علمَ (إعرابِ القرآنِ) مقصودٌ بالتَّأليفِ، وهو ضميمٌ لعلم (معاني القرآنِ) عندهم، وأنَّ إطلاقَ مصطلحِ (معاني القرآن) عليها دونَ ذكرِ الإعرابِ، إنما هو اختصارٌ في العنوانِ، ويدلُّ على ذلكَ أنَّ محمدَ بنَ الجهمِ (ت:٢٧٧) الذي روى العبارةَ السَّابقةَ عن الفرَّاء (ت:٢٠٧)، يقول قبلها: «هذا كتابٌ فيه معاني القرآن، أملاهُ علينا أبو زكريا يحيى بن زياد الفرَّاء» (٢).\nولعلَّ هذا يشيرُ إلى أنَّ أغلب منْ كتبَ في علم (معاني القرآن) كانَ يضُمُّ إليه علم (إعرابِ القرآنِ) إنْ لم يفردْهُ بمؤلفٍ؛ كما فعلَ النَّحَّاسُ (٣)، حيث جعلَ كتابًا لمعاني القرآنِ، قال فيه: «قصدتُ في هذا الكتابِ تفسيرَ المعاني، والغريبِ، وأحكام القرآنِ، والنَّاسخِ والمنسوخِ عن المتقدِّمينَ مِنَ الأئمَّةِ، وأذكرُ من قَوْلِ الجِّلَّةِ (٤) من العلماءِ باللُّغةِ، وأهلِ النَّظَرِ ما حضرني، وأبينُ تصريفَ الكلمةِ واشتقاقَها - إنْ عَلِمْتُ ذلك - وآتي مِنَ القراءاتِ بما يَحتاجُ إلى تفسيرِ معناه، وما احتاجَ إليه المعنى من الإعرابِ، وبما احتجَّ به العلماءُ في مسائلَ سألَ عنها المجادلونَ، وأُبَيِّن ما فيه حذفٌ، أو اختصارٌ، أو إطالةٌ لإفهامِه، وما كان فيه تقديمٌ أو تأخيرٌ، وأشرحُ ذلك حتى يتبينَه\n_________\n(١) معاني القرآن وإعرابه، للزجاج، تحقيق: عبد الجليل شلبي (١:٣٩).\n(٢) معاني القرآن للفراء (١:١).\n(٣) أحمد بن محمد بن إسماعيل، أبو جعفر النحاس، المصري، أخذ عن علي بن سليمان الأخفش والزجاج وغيرهما، وأخذ عنه منذر بن سعيد البلوطي ومحمد بن علي الأدفوي المصري وغيرهما، كان واسع العلم، غزير الرواية، وكان إذا خلا بقلمه جوَّد، له من الكتب: إعراب القرآن، ومعاني القرآن، والقطع والائتناف، وكلها مطبوعة، توفي بمصر سنة (٣٣٨)، طبقات النحويين واللغويين (ص:٢٢٠، ٢٢١)، معجم الأدباء (٤:٢٢٤ - ٢٣٠).\n(٤) الجِلَّة: جمع جليل؛ أي: عظيم.","vol":"1","page":260},{"text":"المتعلمُ، وينتفعَ به، كما ينتفعُ به العالِمُ ...» (١).\nوجعلَ كتابًا آخر لإعرابِ القرآنِ، قال في مقدمتِه: «هذا كتابٌ أذكرُ فيه - إن شاء الله ـ: إعرابَ القرآنِ، والقراءاتِ التي تحتاجُ أن يَبينَ إعرابُها والعِلَلُ فيها، ولا أُخْلِيهِ من اختلافِ النَّحويينَ، وما يُحْتَاجُ إليه منَ المعاني، وما أجازَه بعضُهم ومنعَه بعضُهم، وزياداتٍ في المعاني وشرحٍ لها، ومنَ الجموعِ واللُّغاتِ، وسوقِ كُلِّ لغةٍ إلى أصحابِها ...» (٢).\nففصلَ النَّحاسُ (ت:٣٣٨) بين العلمين، وجعلَ كلَّ واحدٍ منهما في مؤلَّفٍ مستقلٍّ، وقد يكونُ أوَّلَ من فصلَهما، واللهُ أعلمُ.\nولاستجلاءِ هذا المصطلحِ يلزمُ الرجوعُ إلى كتبِ (معاني القرآنِ) كي تُعِينَ في المرادِ بِهِ، ومنها:\n١ - تجد في كتابِ معاني القرآنِ للأخفشِ (ت:٢١٥) قوله: «ومن معاني القرآنِ قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، فليسَ المعنى: انكحوا ما قدْ سلفَ، وهذا لا يجوزُ في الكلامِ، والمعنى - واللهُ أعلمُ ـ: لا تنكحوا ما نكحَ آباؤكم من النساءِ، فإنكم تعذبونَ به، إلا ما قدْ سلفَ، فقدْ وضعَه اللهُ عنكم.\nوكذلكَ قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾، ثمَّ قال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، والمعنى - والله أعلم ـ: إنَّكم تؤْخَذُون بذلكَ إلاَّ ما قد سلفَ، فقد وضعَه اللهُ عنكم ...\nوقوله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] يعني: غيرَها في النُّضجِ؛ لأنَّ الله ﷿ يُجَدِّدُهَا فيكونُ أشدَّ للعذابِ عليهم، وهي تلكَ الجلودُ بعينِها التي عَصَتِ اللهَ ﷾، ولكنْ أذهبَ عنها النُّضجَ؛ كما يقولُ الرجلُ للرَّجلِ:\n_________\n(١) معاني القرآن، للنحاس، تحقيق: محمد الصابوني (١:٤٢، ٤٣).\n(٢) إعراب القرآن، للنحاس، تحقيق: زهير غازي زاهد (١:١٦٥).","vol":"1","page":261},{"text":"أنتَ اليومَ غيرُ أمسِ، وهو ذلكَ بعينِه، لا أنَّه نقصَ منهُ شيءٌ أو زادَ فيه ...» (١).\n٢ - وقال الزَّجَّاج (ت:٣١١): «وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] القراءةُ: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، والمعنى: فَلَهُ عشرُ حسناتٍ أمثالِها ... فأمَّا معنى الآيةِ؛ فإنَّه منْ غامضِ المعاني عندَ أهلِ اللغةِ؛ لأنَّ المجازاةَ على الحسنةِ منَ اللهِ جلَّ ثناؤه بدخولِ الجنةِ شيءٌ لا يُبلغُ وصفُ مقدارِه، فإذا قال: ﴿عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، أو قالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] معَ قولِه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] فمعنى هذا كلِّه: أنَّ جزاءَ الله جَلَّ ثناؤه على الحسناتِ على التَّضْعِيفِ للمثلِ الواحدِ الذي هو النهايةُ في التقديرِ في النفوسِ، ويضاعفُ اللهُ ذلكَ بما بين عشرةِ أضعافٍ إلى سبعمائةِ ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ» (٢).\n٣ - وقال النَّحَّاسُ (ت:٣٣٨) - في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]ـ: «فأُنزلوا منْزلةَ منِ اتَّجَر؛ لأنَّ الرِّبحَ والخُسرانَ إنما يكونانِ في التجارةِ، والمعنى: فما ربحوا في تجارتِهم، ومثلُه قولُ العربِ: خَسِرَ بيعُهُ؛ لأنَّه قدْ عُرِفَ المعنى» (٣).\nوإذا تأمَّلتَ هذهِ الأقوالَ، وجدتَ أنَّ منحَاهَا لغويٌّ، مما يُشْعِرُ أنَّ معاني القرآنِ بحثٌ لغويٌّ في بيانِ المرادِ في القرآنِ، ويتأكَّدُ هذا بما يأتي:\n* أنَّ أصحابَ كتبِ معاني القرآنِ يذكرونَ أقوالَ المفسِّرينَ من السَّلفِ مصدِّرين ذلك بقولهم: «قال أهل التَّفسير»، «قال المفسِّرون»، «وجاء في\n_________\n(١) معاني القرآن، للأخفش، تحقيق: هدى قراعة (١:٣٢٩، ٣٣٠).\n(٢) معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (٢:٣٠٩، ٣١٠).\n(٣) معاني القرآن للنحاس، تحقيق محمد الصابوني (١:١٠٠، ١٠١)، ومن الملاحظ أن التعبير بـ (المعنى) يكثر في كتاب النحاس.","vol":"1","page":262},{"text":"التَّفسير» - وهذه العبارات كثيرة جدًا في كتابي الفرَّاء (ت:٢٠٧) والزَّجَّاج (ت:٣١١) - مما يُشعرُ بأنَّ ما يؤخذُ عنْ هؤلاءِ المفسِّرين شيءٌ لا يمكنُ أخذُه عنْ طريقِ اللُّغةِ، وأنَّ ما كانَ طريقُه اللُّغةَ، فإنَّه معاني القرآنِ، ومِنَ النُّصوصِ الدَّالةِ على ذلكَ ما يأتي:\n١ - قال الفرَّاء (ت:٢٠٧): «وقوله: ﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] يقولُ: ما دمت له متقاضيًا.\nوالتفسيرُ في ذلك: أنَّ أهلَ الكتابِ كانوا إذا بايعهم أهل الإسلامِ أدَّى بعضُهم الأمانةَ، وقالَ بعضُهم: ليس علينا في الأميينَ - وهم العرب - حرمةٌ كحرمةِ أهلِ ديننا ...» (١).\n٢ - في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤]، قال الزَّجَّاج (ت:٣١١): ««حتى» موصولة بالقتلِ والأسرِ، والمعنى: فقاتلوهم وأسِرُوهم حتى تضعَ الحربُ أوزارَها.\nوالتَّفسيرُ: حتى يؤمنوا ويسلموا، فلا يجبُ أنْ تُحَاربوهم، فما دام الكفرُ، فالجهادُ والحربُ قائمةٌ أبدًا» (٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، قال الزَّجَّاج (ت:٣١١): «ومعنى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾؛ أي: استمعَ ولم يَشْغَلْ قلبَه بغيرِ ما يسمعُ، والعربُ تقولُ: ألْقِ إليَّ سمعَك؛ أي: استمعْ منِّي. ومعنى ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾؛ أي: وقلبُه فيما يسمع.\nوجاء في التَّفسيرِ أنه يعني به أهلَ الكتابِ الذي كانتْ عندَهم صفةُ النَّبي ﷺ (٣)، فالمعنى على هذا التَّفسيرِ: أو ألقى السَّمعَ وهو شهيدٌ أنَّ صفةَ\n_________\n(١) معاني القرآن (١:٢٢٤).\n(٢) معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (٥:٦).\n(٣) ورد هذا التفسير عن قتادة، قال: «هو رجل من أهل الكتاب ألقى السمع، يقول: =","vol":"1","page":263},{"text":"النَّبي ﷺ في كتابه» (١).\nإذا تأملت هذه النُّصوصَ وجدتَ أنَّ الفرَّاء (ت:٢٠٧) والزَّجَّاج (ت:٣١١) قد فَرَّقا بين (المعنى) و(التَّفسير) في المثالين. وأنَّ المعنى يُدرك باللُّغةِ، أمَّا التَّفسيرُ فلا يُدْرَكُ إلاَّ بالرِّوايةِ.\nوزاد الزَّجَّاجُ (ت:٣١١) في المثالِ الثالثِ بيانَ أثرِ التَّفسيرِ على المعنى. والتَّفسير هاهنا قول قتادة (ت:١١٧)، وهذا يُؤَيِّدُ ما قُلْتُهُ في أوَّلِ الكلام.\n* أنَّ التَّخصُّصَ العلميَّ لهؤلاء اللُّغويِّين قد طغى على بحوثهم، ولو قُمتَ بفرزِ موضوعاتِ كتب معاني القرآنِ، فإنك ستجدُ أنَّ أغلبَها يقومُ على البحثِ النَّحويِّ والبحثِ اللُّغويِّ، وأنها لا تخلو منْ ذكرِ أسبابِ النُّزولِ، وقَصَصِ الآي، وأقوالِ المفسِّرينَ، على تفاوتٍ بينها في ذلك.\nأمَّا الإعرابُ، فهو أكثرُ وأشهرُ في كتابِ الأخفشِ (ت:٢١٥)، ثُمَّ الفرَّاءِ (ت:٢٠٧)، ثُمَّ الزَّجَّاجِ (ت:٣١١). أمَّا النَّحاسُ (ت:٣٣٨)، فقدْ أفردَهُ في كتابٍ مُسْتَقِلٍّ عن المعاني.\nوأمَّا المعنى، فهو أكثرُ عندَ النَّحاسِ (ت:٣٣٨)؛ لأنه خصَّه بكتابٍ مستقلٍ، ولم يُدخلْ فيه الإعرابَ، ثمَّ عند الزَّجَّاجِ (ت:٣١١)، ثُمَّ عند الفرَّاءِ (ت:٢٠٧)، ثُمَّ عند الأخفشِ (ت:٢١٥)، وهو قليلٌ جدًا في كتابه.\nوأمَّا التَّفسير [أي: أقوال السلف في مصطلح أصحاب معاني القرآن]، فأكثرُهم ذكرًا له النَّحاسُ (ت:٣٣٨)، بل يكاد أنْ يكونَ ذكرُه لأقوالِ السَّلفِ أكثرَ منْ ذكرِه لأقوالِ أهلِ اللُّغةِ والمعاني، وذلك لأنَّه نصَّ في منهجهِ في مقدمةِ كتابِه على اعتمادِ النَّقلِ عنهم في ما وردَ لهم في التَّفسيرِ.\n_________\n= استمع إلى القرآن، وهو شهيد على ما في يديه من كتاب الله أنه يَجِدُ النبي ﷺ مكتوبًا».\nينظر: تفسير عبد الرزاق، تحقيق: قلعجي (٢:١٩٤)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٦:١٧٨)، وقد أوردها عنه من رواية سعيد بن أبي عروبة ومعمر بن راشد.\n(١) معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (٥:٤٩). وينظر عنده أمثلة أخرى (٥:١٤، ٤٧).","vol":"1","page":264},{"text":"ثُمَّ يتلوه في ذلك الزَّجَّاجُ (ت:٣١١)، ثُمَّ الفرَّاء (ت:٢٠٧)، ثُمَّ الأخفشُ (ت:٢١٥)، وهو أقلُّهم ذكرًا لأقوالِ المفسِّرين، وروايتُه عنهم لا تكاد تُذكرُ لِقِلَّتِهَا.\nوإذا نظرتَ إلى نسبةِ التَّفسيرِ في كتبِ معاني القرآنِ للفرَّاءِ (ت:٢٠٧) والأخفش (ت:٢١٥) والزَّجَّاج (ت:٣١١)، فإنَّك ستجدُها أقلَّ بكثيرٍ من البحثِ اللُّغويِّ والنَّحويِّ، مِمَّا يُشْعِرُ بغلبةِ هذا الاتجاهِ عليهم في تأليفِهم كتب معاني القرآن.\nأمَّا النَّحَّاسُ (ت:٣٣٨)، فإنه يختلف عنهم في هذا، إذ تجد الروايةَ عنده عن السَّلفِ أكثرَ من الرِّوايةِ عن اللُّغويِّين.\nوبعدَ هذا، فإنَّ معانيَ القرآنِ مصطلحٌ يرادُ به: البيانُ اللُّغويُّ لألفاظِ وأساليبِ العربيَّةِ الواردةِ في القرآنِ (١).\nويبينُ ذلكَ باستقراءِ كتبِ معاني القرآنِ التي يظهرُ فيها بوضوحٍ أنَّ المعانيَ عندهم: المنحى اللُّغويُّ للتَّفسيرِ، وذلك ببيانِ غريبِ الألفاظِ، أو تقديرِ المحذوفِ والمضمرِ، أو تخريجِ مشكلِ الخطابِ القرآني على الأسلوبِ العربيِّ، أو تحليلِ تركيبِ الجملةِ لبيانِ المعنى، وغير ذلك من المباحث اللُّغويَّة الواردة في هذه الكتب.\nومنَ الأمثلةِ الواردةِ في بيانِ غريبِ الألفاظِ ما يأتي:\n١ - في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، قال الفرَّاء (ت:٢٠٧): «والأمنيَّةُ في المعنى: التِّلاوةُ؛ كقولِ اللهِ ﷿: ﴿إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]؛ أي: تلاوته.\nوالأمانيُ أيضًا: أنْ يفتعلَ الرجلُ الأحاديثَ المفتعلةَ، قالَ بعضُ العربِ\n_________\n(١) هذا يعني أنَّ معاني القرآنِ هي التفسيرُ اللُّغويُّ للقرآنِ، وقد سبق بيانُ هذا المصطلحِ.","vol":"1","page":265},{"text":"لابن دأب (١) - وهو يحدث الناس ـ: أهذا شيءٌ رويتَه أمْ شيءٌ تمنَّيتَه؟\nيريد: افتعلتَه.\nوكانتْ أحاديثَ يسمعونها منْ كبرائِهم ليستْ منْ كتابِ اللهِ، هذا أبينُ الوجهينِ» (٢).\n٢ - وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤]، قال الزَّجَّاجُ (ت:٣١١): «معناه: إنَّا إذًا لفي ضلالٍ وجنونٍ، يقالُ: ناقةٌ مسعورةٌ، إذا كانَ بها جنونٌ، ويجوزُ أنْ يكونَ على معنى: إن اتَّبعناهُ فنحنُ في ضلالٍ وعذابٍ» (٣).\nومن أمثلةِ تخريجِ مُشكلِ الخطابِ القرآني على الأسلوبِ العربي ما ذكرَهُ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) عند قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، قال: «وأضافَ المَثَلَ إلى الذينَ كفروا، ثم شبههم بالراعي ولم يقل: كالغنم، والمعنى - والله أعلم - مَثَلُ الذينَ كفروا كمثلِ البهائم التي لا تفقَهُ ما يقولُ الرَّاعي منَ الصوتِ، فلو قال لها: ارْعِي أو اشْرَبي، لم تدرِ ما يقولُ لها، فكذلكَ مَثَلُ الذينَ كفروا فيما يأتيهم منَ القرآنِ وإنذارِ الرسول ﷺ فأضيفَ التشبيهُ إلى الراعي، والمعنى - واللهُ أعلم - في المَرْعِي، وهو ظاهرٌ في كلامِ العربِ أنْ يقولوا: فلان يخافُكَ كخوف الأسدِ، والمعنى: كخوفه الأسد؛ لأنَّ الأسدَ هو المعروفُ بأنه المُخَوِّفُ ...\nوفيها معنىً آخرٌ: تضيفُ الْمَثَلَ إلى الذينَ كفروا، وإضافتُه في المعنى\n_________\n(١) عيسى بن يزيد بن بكر، أبو الوليد بن دأب، المدني، كان يضع الشعر وأحاديث السَّمَرِ، وكلامًا ينسبه إلى العرب، فسقط، وذهبت روايته، توفي سنة (١٧١)، مراتب النحويين (ص:١٥٦)، ومعجم الأدباء (١٦:١٥٢ - ١٦٥).\n(٢) معاني القرآن للفراء (١:٤٩، ٥٠)، وينظر: (١:٤١، ٥٦).\n(٣) معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (٥:٨٩)، وينظر: (٥:٩١، ١٢٢).","vol":"1","page":266},{"text":"إلى الوعظِ؛ كقولك: مثلُ وعظِ الذينَ كفروا وواعِظِهمْ مَثَلُ النَّاعقِ؛ كما تقولُ: إذا لقيتَ فلانًا فسلِّمْ عليه تسليمَ الأميرِ. وإنما المرادُ به: كما تسلِّمُ على الأميرِ ... وكُلٌّ صَوابٌ» (١).\nولو تتبَّعتُ الأمثلةَ اللُّغويَّة التي في كتبِ معاني القرآنِ لطالَ بي المقامُ، ولخرجتُ عنِ المقصودِ.\n_________\n(١) معاني القرن، للفراء (١:٩٩، ١٠٠).","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>ثانيًا لِمَاذَا كَتَبَ اللُّغَوِيُّونَ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ</span>؟\nلمَّا كانَ القرآنُ كتَابًا مقدَّسًا؛ لكونِه كلامَ اللهِ، فإنَّهُ قدْ صارَ له أكبرُ الأثرِ على دارسي العلومِ الإسلاميَّةِ منْ شَرعيِّينَ، ولغويِّينَ، ونحاةٍ، وأدباءَ، وبلغاءَ، وغيرهم.\nولقدْ كانَ الاتصالُ بالقرآنِ شرفًا يتقربُ بهِ العلماءُ، ويحرصونَ عليه، حتى قالَ سفيانُ الثَّوري (ت:١٦١): «يا ليتني اقتصرت على القرآن» (١). ولا غَرْوَ أنْ يحرصَ علماءُ اللُّغةِ على ذلكَ. غيرَ أنَّ هذا سببٌ عامٌّ عندَ العلماءِ، لا يكادُ يَنْفَكُّ عنه أحدٌ منهم.\nوإذا بحثتَ عن كتابةِ اللغويِّينَ في معاني القرآنِ، فإنكَ ستجدُ أسبابًا عامَّةً وأسبابًا خاصَّةً، منها:\nالسببُ الأولُ: التَّخصُّصُ العلميُّ:\nلقدْ كان للتخصُّصِ العلميِّ في علومِ العربيَّةِ أثرٌ كبيرٌ في إيجادِ كتبِ معاني القرآنِ، وبالنَّظرِ إلى الطَّرحِ اللُّغويِّ في كتبهم تَشْعُرُ أنَّهم يريدونَ ملءَ فراغٍ في بحوثٍ لا تجدها عند مفسِّريِّ السَّلفِ (٢)، فخاضوا غمارَ البحثِ القرآنيِّ من منظورٍ لغويٍّ.\n_________\n(١) العلل ومعرفة الرجال، لعبد الله بن أحمد بن حنبل (١:٤٦٩).\n(٢) مما يحسن التنبيه عليه - وقد سبق ـ: اختلاف منهج اللغويين عن السلف في البحث القرآني، فاللغويون: أصل بحثهم في اللغة، أما المفسرون فأصل بحثهم في القرآن، ولذا فالنظر اللغوي أسبق عند اللغويين، أما السلف فكان نظرهم إلى المعنى أسبق.","vol":"1","page":268},{"text":"ويدلُّ على ذلكَ أمرانِ يظهرانِ باستقراءِ كتبِ معاني القرآنِ:\nالأول: جِدَّةُ كثيرٍ من المباحثِ اللُّغويِّةِ التي طرقَهَا اللُّغويُّون، وطريقةُ عرضِها على ما ذكرَه السَّلفُ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، مما يجعلُكَ تشعرُ أنَّ اللُّغويِّينَ يَرَوْنَ نقصًا في هذا البابِ، فاجتهدوا في إتمامِه لمكانِ تخصصهم.\nالثاني: أن اللُّغويِّينَ لم يعتبِروا ما جاء عن السَّلفِ من تفسيرٍ لغويٍّ، حتى جعلوا أقوالَهم مقابلَ أقوالِ السَّلفِ، ويدلُّ على ذلك: أن الرِّواياتِ المنقولةَ عن السَّلفِ التي تتعلقُ بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ في كتبِ معاني القرآنِ قليلة، سوى ابن قتيبة (ت:٢٧٦) في غريب القرآنِ، النَّحَّاس (ت:٣٣٨) في معاني القرآنِ؛ لأنهما قصدا نقل أقوال السَّلف.\nوطريقة عرض اللُّغويِّين للموجود من الرِّوايات يدلُّ على أن المفسِّرينَ إنما يؤخذ عنهم ما لا علاقة له باللُّغة، ذلك أنك إذا تأمَّلتَ التَّفسيرَ الذي يحكيه اللُّغويُّونَ عن السَّلفِ ويصدرونه بعبارة: «قال المفسرون»، وعبارة «وجاء في التفسير» وأشباههما، وجدتها - في الغالب - مما لا يؤخذ عن اللُّغةِ، ومثالُ ذلكَ ما ذكرَه الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] حيث قال: «في التَّأويل: في اللَّوحِ المحفوظِ، ومعناه: أنتم خيرُ أمَّةٍ؛ كقولِه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٧٦] و﴿إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٢٦]، فإضمارُ (كان) في مثلِ هذا وإظهارُها سواء» (١).\nفتراهُ جعلَ المعنى والتَّأويلَ - أي: التَّفسيرَ - متغايرينِ، لِما ذَكَرْتُ لكَ منْ أنَّ المعنى: ما كانَ مأخذُه من طريقِ اللُّغةِ، والتَّفسيرَ: ما لا يتأتَّى - في الغالبِ - منْ طريقِ اللُّغةِ، ويَنْسِبُونَهُ للمُفسِّرينَ.\nونتجَ عنْ ذلكَ أنْ أعرضَ اللُّغويُّون - في بعضِ المواطنِ - عن تفسيرِ\n_________\n(١) معاني القرآن، للفراء (١:٢٢٩).","vol":"1","page":269},{"text":"السَّلفِ اللُّغويِّ، كمَا وقعَ للفرَّاءِ (ت:٢٠٧) في قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] حيثُ قالَ: «الاستواءُ في كلامِ العربِ على جهتينِ: إحداهُمَا أن يَسْتَوِي الرَّجُلُ وينتهِي شبابُه.\nأو يَسْتَوِيَ عنِ اعْوِجَاجٍ، فهذان وجهانِ.\nووجهُ ثالثٌ أنْ تقولَ: كانَ مُقْبِلًا عَلَى فلانٍ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَيَّ يُشَاتِمُنِي، و(إليَّ) سواءٌ، على معنى: أقبل إليَّ وعليَّ، فهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]؛ والله أعلم. وقال ابن عباس: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] صَعِدَ، وهذا كقولك للرجلِ: كانَ قائمًا فاستوى قاعدًا، وكانَ قاعدًا فاستوى قائمًا، وكُلٌّ في كلامِ العربِ جائزٌ» (١).\nفي هذا النصِّ ترى الفَرَّاءَ (ت:٢٠٧) قدْ ذكرَ معانيَ (استوى) في لغةِ العرب، ثُمَّ ذكرَ قولَ ابنِ عبَّاسٍ (ت:٦٨)، وجوَّزَهُ عربيًّا، ومع ذلكَ اختارَ قولًا آخرَ غيرَ قولِه.\nويشعرُ هذا النَّصُّ وغيرُه باعتدادِ بعضِ اللُّغويِّينَ بعلمِهم، وعدمِ حرصِهم على ما يُؤثَرُ عن مفسِّري الصَّحابةِ والتَّابعين، حتى إنهم يردُّون قولًا واردًا عنهم ولا يَعْتَدُّونَ به، ومنْ ذلكَ ما وردَ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسْ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الرعد: ٢١] حيث وردَ عنْ بعضِ السَّلفِ أنَّ معنى ييأس: يعلم (٢)، وقال الكسائي (ت:١٨٣) معلقًا على هذا التفسيرِ: «لا أعرفُ هذه اللغةَ، ولا سمعتُ مَنْ يقولُ: يَئِسْتُ: عَلِمْتُ، ولكنَّه عندي مِنَ اليأسِ بعينه، والمعنى: إنَّ الكفارَ لمَّا سألوا تسييرَ الجبال بالقرآنِ، وتقطيعَ الأرضِ، وتكليمَ\n_________\n(١) معاني القرآن، للفراء (١:٢٥).\n(٢) جاء هذا التفسيرُ في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٦:٤٥٤ - ٤٥٥) عن ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، وابن زيد، ثم علق بعد هذه النقول، فقال: «والصواب من القول في ذلك ما قاله أهل التأويل: إن تأويل ذلك: أفلم يتبين ويعلم؛ لإجماع أهل التأويل على ذلك، والأبيات التي أنشدناها فيه» (١٦:٤٥٥).","vol":"1","page":270},{"text":"الموتى، اشْرَأَبَّ لذلك المؤمنون وطَمِعُوا في أنْ يُعْطَى الكفارُ ذلك فيؤمنوا، فقال اللهُ: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسْ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الرعد: ٢١] أي: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمانِ هؤلاء لعلمِهم أنَّ الله لو أرادَ أن يهديَهم لهداهُم، كما تقولُ: يَئِسْتُ من فلانٍ أنْ يُفْلِحَ، والمعنى: لِعِلْمِي به» (١).\nوقد تبعَه في ذلكَ تلميذُه الفرَّاءُ (ت:٢٠٧)، فقال: «قال المفسِّرون: ييأس: يعلمْ. وهو في المعنى على تفسيرهِم؛ لأنَّ الله قدْ أوقعَ إلى المؤمنين أنَّه لو يشاءُ الله لهدى النَّاسَ جميعًا، فقالَ: أفلم ييأسوا علمًا، يقولُ: يُؤَيِّسُهُم العلمُ، فكان فيهم العلمُ مُضْمَرًا، كما تقول في الكلامِ: قدْ يَئِسْتُ منك ألا تفلحَ علمًا؛ كأنك قلتَ: عَلِمْتُهُ عِلْمًا.\nوقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (٢) قال: ييأس في معنى يعلم لغة للنخع (٣).\nقال الفرَّاءُ: ولم نجدْها في العربيةِ إلاَّ على ما فَسَّرْتُ ...» (٤).\nوهذا منهجٌ غيرُ صحيحٍ، إذ الواردُ عنِ السَّلفِ في تفسيرِ لغةِ القرآنِ حُجَّةٌ يجبُ قبولُه. وعدمُ العلمِ بالشَّيءِ لا يلزم منه إنكارُه، كيف وقد روى الفرَّاء (ت:٢٠٧) هذا عن ابن عبَّاس (ت:٦٨)، ولو كان اعتبرَ عربيَّتَه لما قال: «ولم نجدها في العربيَّةِ إلاَّ على ما فسَّرتُ».\nوقد اعترضَ عليه أبو حيَّان الأندلسيُّ (ت:٧٤٥)، فقال: «وأنكرَ الفرَّاءُ أن\n_________\n(١) معاني القرآن، للنحاس (٣:٤٩٨).\n(٢) غالب روايته التفسيرية عن ابن عباس في كتابه معاني القرآن من هذا الطريق، وهي طريق لا تصحُّ عن ابنِ عباسٍ، كما حكم العلماء عليها بذلك.\n(٣) النخع: قبيلة من قبائل اليمن، تُنسب إلى النَّخَعِ بن عمرو بن عُلَةٍ، وقيل: اسمه جُبير، وسُمِّيَ النَّخَعُ؛ لأنه انتخع عن قومه؛ أي: ذهب وابتعد عنهم. ينظر: الاشتقاق، لابن دريد، تحقيق: عبد السلام هارون (ص:٣٩٧)، والإنباه على قبائل الرواة، لابن عبد البَرِّ (ص:١٢١).\n(٤) معاني القرآن، للفراء (٢:٦٣ - ٦٤).","vol":"1","page":271},{"text":"يكونَ يئسَ بمعنى علمَ، وزعمَ أنَّه لم يسمعْ أحدًا من العربِ يقولُ: يئستُ، بمعنى: علمتُ. انتهى.\nوقد حفظَ ذلكَ غيرُه، وهذا القاسمُ بنُ مَعْنٍ (١)، مِنْ ثقاتِ الكوفيِّين وأجلائهم، نقل أنها لغةُ هوازنَ (٢)، وابنُ الكلبيِّ نقلَ أنَّها لغةٌ لِحَيٍّ منَ النَّخَعِ، ومنْ حَفِظَ حُجَّةٌ على مَنْ لم يحفظْ» (٣).\nالسببُ الثاني: المنافسة العلميَّة بين البصريِّين والكوفيِّين:\nإذا سَبَرْتَ المؤلفاتِ في (معاني القرآن) فإنكَ ستجدُها منْ نتاجِ علماءِ البصرةِ والكوفةِ، وكانت هاتان المدينتان موطنَ البحثِ النحويِّ.\nومعلومٌ ما كان بينهما من خلاف وتنافسٍ عِلميٍّ في هذا المجالِ الَّذي لا يبعدُ أنْ يكونَ قدِ انتقلَ إلى البحثِ اللُّغويِّ، وقد كانَ السَّبقُ في الكتابةِ في هذين العلمينِ للبصريِّينَ، ففي علمِ النَّحْوِ، سبقوا بكتابِ سِيبَوَيهِ (ت:١٨٠)، وفي علمِ اللُّغةِ، بكتابِ (النَّوادِرِ) لأبي عمرِو بنِ العلاءِ (ت:١٤٥).\nوإذا تأملت كتبَ (معاني القرآن) التي أدخلت فيه إعراب القرآن؛ ككتاب الفرَّاء (ت:٢٠٧) والأخفشِ (ت:٢١٥) والزَّجَّاجِ (ت:٣١١)، فإنك تكادُ تجزمُ بأنَّ البحثَ النَّحويَّ هو الأصلُ في هذه الكتبِ، وأنَّ البحثَ اللُّغويَّ تابعٌ له،\n_________\n(١) القاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، الكوفي، النحوي، ولاَّه المهدي على قضاء الكوفة، كان ثقة جامعًا للعلم، عالمًا بالعربية والنحو وأيام الناس، توفي سنة (١٧٥). ينظر: طبقات النحويين واللغويين (ص:١٣٣ - ١٣٤)، وإنباه الرواة (٣:٣٠ - ٣١)، وقد روى عنه الفراء في معاني القرآن (١:٦٨، ١٣٦)، (٢:٣٩).\n(٢) هوازن: جمع هَوْزَن، وهو ضرب من الطير، وهم يُنسبون إلى هوازن بن منصور، ومنه نسل بنو سعد بن بكر بن هوازن الذين استرضع النبي ﷺ فيهم. ينظر: المعارف، لابن قتيبة، تحقيق: ثروت عكاشة (ص:٨٦)، والاشتقاق، لابن دريد (ص:٢٩١).\n(٣) البحر المحيط، لأبي حيان، تحقيق: عرفات حسونة (٦:٣٨٩).","vol":"1","page":272},{"text":"ويدلُّ على ذلك: أنَّ البحوثَ والمناقشاتِ النَّحويَّة كثيرةٌ جدًا، وهي تَطْغَى على البحوثِ اللُّغويَّةِ. ويُسْتَنْبَطُ منْ هذا أنَّ هؤلاءِ العلماء كأَنهم أرادوا بالتَّأليفِ في (معاني القرآن) إبرازَ مذهبِهم النَّحويِّ الذي ينتمونَ إليه، وهذا واضحٌ جدًا في كتبِهم.\nوبعد هذا، فإنِّي سأستعرضُ من المطبوعِ من كتبِ (معاني القرآن) ثلاثةً، وهي: كتابُ الفرَّاءِ (ت:٢٠٧)، وكتابُ الأخفشِ (ت:٢١٥)، وكتابُ الزَّجَّاج (ت:٣١١).","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>أولًا معاني القرآن، للفراء</span>\nأملى أبو زكريا يحيى بنُ زيادٍ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) كتابه من حفظِه، وكانت مُدَّةُ إملائه سنتين تقريبًا، وقد ابتدأ به في شهرِ رمضانَ منْ سنةِ ثنتين ومائتين، وانتهى منه سنةَ أربعٍ ومئتين.\nوقد صدَّر إملاءه بقوله: «تفسيرُ مشكلِ إعراب القرآن ومعانيه» (١). وحشدَ فيه علومًا هي: الإعرابُ والمعاني وعللُ القراءاتِ والصَّرْفُ وغيرُها منْ مباحثِ العربيَّةِ.\nولا يخفى على المطَّلِعِ على هذا الكتابِ ما للتَّخصُّصِ العلميِّ لدى الفرَّاءِ (ت:٢٠٧) منْ أثرٍ عليه، حتى إنه ليكادُ أنْ يكونَ قدِ اتَّجَهَ إلى تفسيرِ النَّصِّ القرآنيِّ وجهةً عربيَّةً لإبرازِ مذهبهِ الكوفِيِّ في علومِ العربيَّةِ.\nويمكن الاستشهاد على ذلك بما يأتي:\n* أنَّ جُلَّ مباحثِ الكتابِ تتعلقُ بعلمِ النَّحوِ، وقدْ أبرزَ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) المذهبَ الكوفيَّ في كتابِه هذا، وحَرَصَ على ذكرِ مصطلحاتِ النَّحوِ الكوفيِّ، وإبرازِ مسائله، والاستطرادِ فيها.\nومنْ ذلكَ: استطرادُهُ في ذكرِ أحكامِ الاسمِ المُعَرَّفِ بأل بَعْدَ اسمِ\n_________\n(١) معاني القرآن (١:١).","vol":"1","page":274},{"text":"الإشارةِ (هذا) (١)، وحكم (بئس ونِعْمَ) (٢)، وحكم (أَمْ) الاستفهاميَّة (٣)، وغيرها كثيرٌ (٤).\n* لما كان هذا المنحى العربيُّ مؤثرًا على الفرَّاءِ (ت:٢٠٧) في كتابِه، فإنك تجدُه كثيرًا ما يفترضُ على النَّصِّ القرآنيِّ ليبيِّن صحَّةَ هذا الأسلوبِ الذي افترضَه، وقَصْدُهُ بهذا - والله أعلم - الاستطرادَ في المباحثِ العربيَّةِ التي كانتْ نَصْبَ عينيه وهو يملي كتابَه، ومنْ ذلكَ:\n١ - قال: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٤] يقول: هذه الأصنامُ قدْ ضَلَّ بها قومٌ كثيرٌ. ولو قيلَ: وقدْ أضلتْ كثيرًا، أو: أضْلَلْنَ، كان صوابًا» (٥).\n٢ - وقالَ: «قولُه: ﴿اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩] (٦)، ولم يقلْ: اختصما؛ لأنها جَمْعَانِ ليسا برجلينِ، ولو قيل: اختصما، كان صوابًا.\nومثله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، يذهب إلى الجمع، ولو قيل: اقتتلتا لجاز، يذهب إلى الطائفتين» (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>أثرُ الاهتمامِ بعلومِ العربيَّةِ في تفسيراتِه:</span>\nلقد كانَ لاهتمامِ الفراءِ بالعربيَّةِ، والغفلةِ عن غيرِها من المصادرِ، أثرٌ في ذكرِ بعضِ الأوجهِ التي خُولِفَ فيها، كما كانَ له أثرٌ في عدمِ اعتمادِ قولِ المفسِّرينَ منَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ.\n_________\n(١) معاني القرآن (١:١٣).\n(٢) معاني القرآن (١:٥٦).\n(٣) معاني القرآن للفراء (١:٧١ - ٧٢).\n(٤) للاطلاع على المباحث النحوية في كتاب الفراء، ينظر: فهارس معاني القرآن، إعداد: فايزة المؤيد (ص:٢١١ - ٢٥٧).\n(٥) معاني القرآن (٣:١٨٩).\n(٦) يريد قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾.\n(٧) معاني القرآن (٢:٢٢٠).","vol":"1","page":275},{"text":"ومنْ أمثلةِ ما خُولِفَ فيه:\n* اعتمادُه أسلوب الحذف في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، قال: «وقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ولمْ يقلْ: البردَ، وهي تَقِي الحَرَّ والبَرْدَ، فتركَهُ لأنَّ معناهُ معلومٌ - والله أعلم - كقولِ الشاعرِ (١):\nوَمَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ وَجْهًا ... أُرِيدُ الخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي\nيريدُ: أيَّ الخيرِ والشرِّ يليني؛ لأنه إذا أرادَ الخيرَ فهو يتقي الشرَّ» (٢).\nلقدِ اعتمدَ الفراءُ (ت:٢٠٧) في هذا المثالِ على قاعدةِ حَذْفِ ما هو معلومٌ للسامعِ، والأصلُ أنَّ الكلامَ يكونُ تامًّا، ولا يُدَّعى الحذفُ فيه إلاَّ إذا دَلَّ الدليلُ عليه.\nوفي هذا المثال يمكنُ حملُ الكلامِ على تمامِه دونَ ادِّعاءِ الحذف، قال الإمامُ أحمدُ بنُ تيميةَ (ت:٧٢٨): «وأما تمثيلهم بقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: وتقيكم البردَ، فعنه جوابان الأول: ....\nوالثاني: أن قوله: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ على بابِه، وليس في الآيةِ ذكرُ البردِ، وإنما يقول: إنَّ المعطوفَ محذوفٌ، هو الفراءُ وأمثالُه ممنْ أنكرَ عليهم الأئمةُ، حيث يفسرونَ القرآنَ بمجردِ ظنِّهم وفهمهمِ لنوعٍ منْ علمِ العربيةِ عندهم، وكثيرًا لا يكونُ ما فسروهُ مطابقًا.\nوليسَ في الكلامِ ما يدلُّ على ذِكْرِ البرد، ولكنَّ الله ذكرَ في هذه السورةِ إنعامَه على عبادِه، وتُسمَّى سورةُ النِّعَمِ، فذكرَ في أولِها أصولَ النِّعَمِ التي لا بدَّ منها ولا تقومُ الحياةُ إلا بها، وذكرَ في أثنائِها تمامَ النِّعَمِ.\n_________\n(١) البيت للمثقب العبدي، وهو في ديوانه، تحقيق: حسن كامل الصيرفي (ص:٢١٢).\n(٢) معاني القرآن (٢:١١٢).","vol":"1","page":276},{"text":"وكانَ ما يَقِي البردَ منْ أصولِ النِّعَمِ ذُكِرَ في أوَّلِ السُّورةِ في قوله: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ [النحل: ٥]، فالدفءُ ما يُدْفِئُ ويدفعُ البردَ ...» (١).\nوالمقصود: أنه مع كونِ أسلوبِ الحذفِ أسلوبًا عربيًّا شائع الاستعمالِ عندهم، إلا أنَّه لا يلزمُ أنْ يكونَ مرادًا هنا، ما دامَ الكلامُ مفهومًا بدونِ ادِّعاء الحذف وتقديرِه.\nثُمَّ إنَّ في تقديرِ المحذوفِ تَقَوُّلًا على اللهِ في أنَّه مرادٌ للهِ في خطابِه، والكَفُّ عن القولِ به أسلمُ، لأنه وقوفٌ عند الظاهرِ منْ كلامِ اللهِ ﷾.\n* وقال في تثنيةِ «جنَّتان» من قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن؛ ٤٦]: وقولُه ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ذَكَرَ المفسِّرونَ أنَّهما بستانانِ منْ بساتينِ الجنَّةِ (٢).\nوقدْ يكونُ في العربيَّةِ: جنَّة، تُثَنِّيها العربُ في أشعارِها، أنشدني بعضُهم (٣):\n_________\n(١) دقائق التفسير (٥:٧٨). وقال في موطن آخر (٣:٣٢٧ - ٣٢٨): «ولم يذكرها هنا ما يقي من البرد؛ لأنه قد ذكره في أول السورة، وذلك في أصول النعم ...\nولا حذف في اللفظ، ولا قصور في المعنى كما يظنُّه من لم يحسن فهم القرآن، بل لفظه أتَمُّ لفظ، ومعناه أكمل المعاني ...».\nوقد ذكر الطبري (١٤:١٥٦ - ١٥٧) قول الفراء، ثم رجَّحَ عليه قول عطاء الخرساني، وهو: «إنما نزل القرآن على قدر معرفتهم ... ألا ترى قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، وما تقي من البرد أكثر وأعظم، ولكنهم كانوا أصحاب حرٍّ». وعلى قول عطاء لا يكون في الآية حذف.\nثم ينظر ردَّ الطبري، ط: الحلبي (٤:٥١ - ٥٢) في ادعاء الفراء الحذف في قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣].\n(٢) هذا الذي نسبه إلى المفسرين هو ظاهر نصِّ القرآن، ولم يرد عن السلف خلافٌ لهذا الظاهر، فهو كالإجماع منهم على أنَّ هذا الظاهر هو المراد، ينظر في تفسيراتهم: تفسير الطبري، ط: الحلبي: (٢٧:١٤٥ - ١٤٧).\n(٣) قال البغدادي: «والصحيح أنَّ هذين البيتين من رجزٍ لِخِطام المُجاشعيِّ، وهو شاعر =","vol":"1","page":277},{"text":"وَمَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنِ ... قَطَّعْتُهُ بَالأَمِّ (١) لاَ بِالسَّمْتَيْنِ\nيريد: مهمهًا وسمتًا واحدًا، وأنشدني آخر (٢):\nيَسْعَى بِكَيْدَاءَ وَلَهْذَمَيْنِ ... قَدْ جَعَلَ الأَرْطَاةَ جَنَّتَيْنِ\nوذلكَ أنَّ الشِّعرَ قوافٍ يقيمها الزِّيادةُ والنُّقصانُ، فيحتملُ مالا يحتمِلُه الكلامُ.\nقال الفرَّاء: الكَيْدَاءُ (٣): القوس، ويقال: لَهْذِمْ ولَهْذَم» (٤).\nلمَّا ذكرَ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) في هذا المثالِ قولَ المفسِّرينَ أتبعَه بما يجوزُ\n_________\n= إسلامي، لا لهميان بن قحافة، كما تقدَّم نقلُ أبيات كثيرة من هذا الرجز في الشاهد الخامس والثلاثين بعد المائة [٢:٣١٣ - ٣١٤]، والرواية الصحيحة كذا:\nوَمَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنِ ... ظَهْرُهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَينِ\nجُبْتُهُمَا بِالنَّعْتِ لا بِالنَّعْتَيْنِ ... عَلى مُطَارِ القَلْبِ سَامِي العَيْنَيْنِ\nوالواو في مهمهين: واو رُبَّ، والمهمهُ: القفر المخوف. والقَذَف، بفتح القاف والذال المعجمة بعدها فاء: البعيد من الأرض .. والمَرْت، بفتح الميم وسكون الراء المهملة بعدها مثناة فوقية: الأرض لا ماء فيها ولا نبات ... وأما رواية «قطعته بالسمة لا بالسمتين» فهو من رجز لشاعر آخر، أنشده الفارسي في تذكرته، وذكر قبله:\nوَمَهْمَهٍ أَعْوَرِ إحدَى الْعَيْنَيْنِ ... بَصِيرِ الأُخْرَى وَأَصَمِّ الأُذْنَيْنِ\nقَطَّعْتُهُ بِالسَّمْتِ لا بِالسَّمْتَيْنِ\nوالسَّمتُ: السَّيرُ بالحدس ...» اهـ بتصرُّفٍ، عن خزانة الأدب، تحقيق: عبد السلام هارون (٧:٥٤٨ - ٥٥٠).\n(١) الأَمُّ: القَصْدُ.\n(٢) لم أجده عن غير الفراء، وقد نقله عنه ابن قتيبة في غريب القرآن (ص:٤٤٠).\n(٣) قال عبد السلام هارون في تعليقه على خزانة الأدب (٧:٥٤٨، حاشية:٢): «في معاني الفراء (٣:١١٨): «الكيداء»، وكذا في الرجز «بكيداء»، وما هاهنا صوابه. وفي اللسان: «وقوس كبداء: غليظة الكبد شديدتها، وقيل: قوس كبداء: إذا ملأ مقبضها الكف». وكَبِدُ القوس: فُويق مقبضِها حيث يقعُ السَّهم».\n(٤) معاني الفراء (٣:١١٨).","vol":"1","page":278},{"text":"في العربيَّةِ، وفي هذا تركٌ للظَّاهِرِ من تثنيةِ الجنَّتينِ دونَ دليلٍ يَدُلُّ عليه سوى جوازِ العربيَّةِ في هذا المثالِ، وقدِ اعترضَ عليه ابنُ قتيبةَ (ت:٢٧٦) وشَنَّعَ، فقال: «وهذا منْ أعجبِ ما حُمِلَ عليه كتابُ اللهِ، ونحنُ نعوذُ باللهِ منْ أنْ نتعسَّفَ هذا التَّعسُّفَ، ونجيزَ على اللهِ - جلَّ ثناؤه - الزِّيادةَ والنَّقصَ في الكلامِ لرأسِ آيةٍ.\nوإنَّما يجوزُ في رؤوسِ الآي أنْ يَزِيدَ هاءً للسَّكتِ؛ كقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَه﴾ [القارعة: ١٠]، وألِفًا؛ كقولِه: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠]، أو يحذفَ همزةً منَ الحرفِ؛ كقوله: ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤]، أو ياءً؛ كقولِه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٥] لتستويَ رؤوسُ الآيِ، على مذاهبِ العربِ في الكلامِ إذا تَمَّ فآذَنَتْ بانقطاعِه وابتداءِ غيرِه؛ لأنَّ هذا لا يُزِيلَ معنىً عن جهتِهِ، ولا يزيدُ ولا ينقصُ.\nفأمَّا أنْ يكونَ اللهُ ﷿ وَعَدَ جنَّتينِ، فيجعلُهما جنَّةً واحدةً من أجلِ رؤوسِ الآيِ، فمعاذَ الله!\nوكيفَ يكونُ هذا؟! وهو - تباركَ اسمُهُ - يَصِفُها بصفاتِ الاثنينِ، فقال: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨]، ثم قال: ﴿فِيهِمَا﴾ [الرحمن: ٥٠]، ﴿فِيهِمَا﴾ [الرحمن: ٥٢].\nولوْ أنَّ قائلًا قالَ في خزنةِ النَّارِ: إنهم عشرونَ، وإنما جعلهمْ تسعةَ عشرَ لرأسِ الآيةِ - كما قال الشاعرُ (١):\nنَحْنُ بَنُو أُمِّ البَنِينُ الأَرْبَعَه ... .......\nوإنما همْ خمسةٌ، فجعلهم للقافية أربعةً (٢) - ما كان في هذا القول إلا\n_________\n(١) البيت للبيد، في ديوانه بشرح الطوسي، تحقيق: حنَّا نصر الحِتِّي (ص:١٠٩).\n(٢) قال أبو عبيد البكري في سمط اللآلي (١:١٩٠ - ١٩١): «... أمُّ البنين بنت عمرو بن عامر فارس الضحياء واسمها الحيا، وهي التي يضرب بها المثل فيقال: =","vol":"1","page":279},{"text":"كالفراء» (١).\nومن أمثلةِ ما كان له أثرٌ في عدمِ اعتمادِ قولِ السَّلفِ:\n* وقال: «وقولُه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠] ضمَّ الصَّادَ العامَّةُ. وكان أصحابُ عبدِ اللهِ يكسرونَ الصَّاد (٢). وهما لغتانِ، فأمَّا الضَّمُّ فكثيرٌ، وأمَّا\n_________\n«أنجِب من أمِّ البنين». ولدت لمالك بن جعفر: عامرًا ملاعب الأسنَّة أبا البراء، وطفيلَ الخيل فارس قُرزُل والد عامر بن الطُّفيل، وربيعَ المُقتِرين: ربيعة والد لبيد، ونزَّال المضيق سُلَمى، ومعوِّدَ الحكماءِ معاوية.\nوقيل: بل التي ولدتهم بنت رباح بن خالد الجرمي. قال لبيد يفخر بها:\nنَحْنُ بَنُو أُمِّ الْبَنِينَ الأرْبَعَه ... ........\nوإنما قال أربعة، وهم خمسة؛ لأنَّ وزن الشعر لم يطَّرد له إلاَّ بالأربعة».\nوقال السهيلي: «وإنما قال الأربعة، وهم خمسة؛ لأنَّ أباه ربيعة قد كان مات قبل ذلك، لا كما قال بعض الناس، وهو قول يُعزى إلى الفراء، أنه قال: إنما قال: أربعة، ولم يقل خمسة من أجل القوافي، فيقال له: لا يجوز للشاعر أن يلحن لإقامة وزن الشعر، فكيف بأن يكذب لإقامة الوزن؟!، وأعجب من هذا أنه استشهد به على تأويلٍ فاسد، تأويلِه في قوله ﷾: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، وقال: أراد جنة واحدة، وجاء بلفظ التثنية لتتفق رؤوس الآي، أو كلامًا هذا معناه، فصمِّي صمام، ما أشنع هذا الكلام، وأبعده عن العلم، وفهم القرآن، وأقلَّ هيبة قائله من أن يتبوأ مقعده من النار، حذار منه حذار، ومما يدلك أنهم كانوا أربعة حين قال لبيد هذه المقالة: أنَّ في الخبر يُتْمُ لبيدٍ وصِغر سنِّه، وأنَّ أعمامه الأربعة استصغروه أن يُدخلوه معهم على النعمان حين همَّهم ما قاولهم به الربيع بن زياد فسمعهم لبيد يتحدثون بذلك ويهتمون له، فسألهم أن يدخلوه معهم على النعمان، وزعم أن سيفحمه، فهونوا بقوله». الروض الأُنف، للسهيلي، تحقيق: عبد الرحمن الوكيل (٦:٢٠٤).\n(١) تفسير غريب القرآن، لابن قتيبة (ص:٤٤٠ - ٤٤١). وقد تابع النحاسُ ابنَ قتيبة في هذا، فقال: «وهذا القول من أعظم الغلط على كتاب الله ﷿، يقول الله ﷿: ﴿جَنَّتَانِ﴾ ويصفها بقوله: ﴿فِيهِمَا﴾ فَيَدَعُ الظاهرَ ويقول: يجوز أن تكون جنة، ويحتج بالشعر». تفسير القرطبي (١٧:١١٧).\n(٢) وقال ابن مجاهد: «واختلفوا في ضَمِّ الصَّاد وكسرها من قوله: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾، فقرأ حمزة وحده: «فَصِرْهُنَّ» بكسر الصَّادِ، وقرأ الباقون: «فَصُرْهُنَّ» بالضَّمِّ». كتاب السبعة، تحقيق: شوقي ضيف (ص:١٨٩ - ١٩٠).","vol":"1","page":280},{"text":"الكسرُ ففي هُذَيلٍ وسُلَيمٍ (١). وأنشدني الكسائيُ عنْ بعضِ بني سليم (٢):\nوَفَرْعٍ يَصِيرُ الجِيدَ وَحْفٍ كَأَنَّهُ ... على اللِّيتِ قِنْوانُ الكُرُومِ الدَّوَالِحِ\nويفسَّر معناه: قطِّعهن (٣)، ويقالُ: وجِّهْهُنَّ.\nولم نجدْ قطِّعهنَّ معروفةً من هذينِ الوجهينِ، ولكني أرى - والله أعلم - أنها إنْ كانتْ منْ ذلكَ أنها من صَريْتَ تَصْرِي، قُدِّمت ياؤها، كما قالوا: عِثْتُ وَعَثَيْتُ، وقال الشاعر (٤):\n_________\n(١) هذيل: قبيلة تنسب إلى هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، ومنهم عبد الله بن مسعود صاحب النبي ﷺ، واشتقاق هُذيلٍ من الهذل وهو الاضطراب، ينظر: المعارف (ص:٦٤ - ٦٥)، والاشتقاق (ص:١٧٦).\nوسُلَيم: قبيلة تُنسبُ إلى سُلَيم بن منصور بن عكرمة، ومن قبائلها: بنو حرام ورَعل وذكوان وغيرها. المعارف (ص:٨٥).\n(٢) لم أجده عند غير الفراء، وقد نقله عنه الطبري في تفسيره، تحقيق: شاكر (٥:٤٩٧)، والأزهري في تهذيب اللغة (١٢:٢٢٧)، وقال الأستاذ المحقق محمود شاكر في تعليقه على تفسير الطبري: «لم أعرف قائله»، وقال: «الفرع: الشعر التام الجثل. وحفٍ: أسود حسن كثير غزير. الليت: صفحت العنق، وهما الليتان. قنوان: جمع قنو (بكسر فسكون): وهو عذق النخل، واستعاره هنا لعناقيد العنب. والدوالح جمع دالح: وهو المثقل بالحمل هنا، وأصله فيما يمشي، يقال: بعير دالح: إذا مشى بحمله الثقيل مشيًا غير منبسط، وكذا السحاب دالح؛ أي: مثقل بطيء المَرِّ، وهو استعارة جيدة محكمة».\nتفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٥:٤٩٧، حاشية ١، ٢).\n(٣) فسر السلف (صرهن) على الوجهين في القراءة بأنه قطِّعهن، ومنهم: ابن عباس، وأبو مالك، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والربيع بن أنس، وابن إسحاق. ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٥:٥٠٢ - ٥٠٤).\nأما قوله: «وجههن» فلم أجد من قال به، إلا إن كان أراد معنى: ضمهنَّ.\n(٤) البيت بلا نسبة في ديوان الأدب، للفارابي (٢:٢٠٤)، ولسان العرب وتاج العروس، مادة (نعر، عصا). وقال محمود شاكر في شرح البيت: «جوز كلِّ شيء: وسطه، والدارع: لابس الدرع. والعواصي: جمع عاص، ويقال: عرق عاصٍ، وهو الذي لا يرقأ ولا ينقطع بالدم، إذا فار فورانًا لا يرقأ؛ كأنَّ له صوتًا من شدة خروج الدم منه، فهو نعار ونعور» تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٥:٤٩٨، حاشية: ٥).","vol":"1","page":281},{"text":"صَرَتْ نَظْرَةً، لَوْ صَادَفَتْ جَوْزَ دَارِعٍ ... غَدَا وَالْعوَاصِي مِنْ دَمِ الْجَوْفِ تَنْعَرُ\nوالعربُ تقولُ: باتَ يَصْرِي في حوضِه، إذا استقى ثمَّ قَطَعَ واستقى، فلعلَّه من ذلك ..» (١).\nفي هذا المثالِ يرى الفراءُ (ت:٢٠٧) أنَّ معنى «صرْهُنَّ» (بالضَّمِّ أو الكسر) ليسَ القطعَ إلا على القلبِ.\nوالأصلُ بقاءُ اللَّفظِ على ترتيبِ حروفِه وعدمُ ادعاءِ القلبِ فيه، إلا إذا لم يُفْهَمْ إلا على وجهِ القلبِ، وقدْ فَسَّرَ السَّلفُ هذا اللَّفظ بوجهيه المقروءينِ على أنه بمعنى التَّقطيعَ، دونَ أن يَدَّعُوا فيه قَلْبًا، وهذا يدلُّ على صحتِه في اللُّغةِ، وعلى أنَّ ما لم يعرفه الفراءُ (ت:٢٠٧) قدْ عرفَهُ غيرُه، وبهذا جاء تفسيرُ اللُّغويِّين البصريِّين (٢) كما ذكر عنهم ذلك الطَّبريُّ (ت:٣١٠) ذلك، حيث قال: «وهذا القولُ الذي ذكرناه عن البصريين (٣) - منْ أنَّ معنى الضَّمِّ في الصَّادِ من قولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ والكسرَ سواءٌ بمعنى واحدٍ، وأنهما لغتان معناهما في هذا الموضع: فقطِّعْهُنَّ، وأنَّ معنى إليك: تقديمُها قبلَ فصُرْهُنَّ منْ أجلِ أنها صلةُ قولِه: ﴿فَخُذْ﴾ - أولى بالصَّوابِ منْ قولِ الذين حكينا قولَهم منْ نحويِّي الكوفةِ (٤) الذين أنكروا أن يكونَ للتَّقطيعِ في ذلكَ وجهٌ مفهومٌ إلا على معنى\n_________\n(١) معاني القرآن، للفراء (١:١٧٤).\n(٢) قال أبو عبيدة معمر بن المثنى البصري: «فمن جعل من صُرْتَ تَصُورُ، ضمَّ، قال: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾: ضُمَّهُنَّ إليك، ثُمَّ اقطعهن، ثم اجعلْ على كلِّ جبلٍ منهنَّ جزءًا.\nفمنْ جعلَ منْ صِرْتَ: قطَّعت وفرَّقت، قال: خذ أربعةً من الطير إليك، فصرهُنَّ إليك؛ أي: قطِّعهن، ثم ضع على كل جبلٍ منهن جزءًا ...». مجاز القرآن (١:٨٠)، وقال الأخفش: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أي قطعهنَّ، وتقولُ منها: صَارَ يَصُورُ، وقال بعضهم: «فصِرهنَّ» فجعلها من صَارَ يَصِيرُ، وقال: ﴿إِلَيْكَ﴾؛ لأنه يريد: خُذْ أَربعةً إليك فصرهن». معاني القرآن للأخفش (١:١٩٩).\n(٣) بموازنة ما نقله يظهر أنه قول أبي عبيدة والأخفش البصريان.\n(٤) يعني: الفراء؛ لأنه نقل قوله من كتابه معاني القرآن.","vol":"1","page":282},{"text":"القلبِ الذي ذكرتُ، لإجماعِ أهلِ التَّأويلِ على أنَّ معنى قولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ غير خارجٍ منْ أحدِ معنيين: إمَّا قطعهنَّ، وإمَّا ضمهنَّ إليك، بالكسرِ قُرِئَ ذلك أو بالضَّمِّ.\nففي إجماعِ جميعِهِم على ذلك - على غيرِ مراعاةٍ منهم كَسْرَ الصَّادِ وضمَّهَا - أوضحُ الدليلِ على صِحَّةِ قولِ القائلينَ منْ نحويِّي البصرةِ في ذلكَ ما حكينا عنهم من القولِ، وخطإِ قولِ نحويي الكوفيين، لأنهم لو كانوا إنما تأولوا قولَه: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ بمعنى: فقطِّعهن، على أنَّ أصلَ الكلامِ فأصرهن، ثم قُلِبَتْ، فقيل: فصِرهن بكسرِ الصَّادِ، لتحوَّلَ ياءُ فاصِرهن مكانَ رائِه، وانتقالُ رائِه مكان يائِه، لكانَ لا شكَّ - مع معرفتهم بلغتهم، وعلمهم بمنطقهم - وقدْ فصلوا بينَ معنى ذلك إذا قُرِئَ بكسرِ صادِهِ، وبيْنَهُ إذا قُرئَ بضَمِّها، إذ كانَ غيرُ جائزٍ لمنْ قَلَبَ فأصرهنَّ إلى فصرهنَّ أنْ يقرأهُ: (فصُرهن) فضم الصادِ، وهم - معَ اختلافِ قراءتهم ذلك - قدْ تأولوه تأوُّلًا واحدًا على أحدِ الوجهين اللَّذَيْنِ ذكرنا، ففي ذلك أوضحُ الدَّليلِ على خطَأ قولِ منْ قالَ: إنَّ ذلكَ إذا قُرئَ بكسرِ الصادِ بتأويلِ التَّقْطِيعِ مقلوبٌ منْ صَرَى يَصْرِي إلى صَارَ يَصِيرُ، وجهلِ منْ زعمَ أنَّ قولَ القائلِ: صَارَ يَصُور، وصَارَ يَصِيرُ غيرُ معروفٍ في كلامِ العربِ بمعنى: قَطَعَ» (١).\nثُمَّ ذكرَ أقوالَ السلفِ، ثُمَّ قالَ: «ففيما ذكرْنَا مِنْ أقوالِ مَنْ روينا قولَه في تأويلِ قولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أنه بمعنى: فقطعهن إليك، دلالةٌ واضحةٌ على صحةِ ما قلنا في ذلكَ، وفسادِ قولِ مَنْ خَالَفَنَا فيه» (٢).\nوالمقصودُ أنَّ اعتمادَ الفراءِ (ت:٢٠٧) على العربيَّةِ وتقديمِها - أحيانًا - على ما جاءَ في التَّفسيرِ أوقَعه في هذه الأخطاءِ التي احتسبَها عليه العلماءُ الذين جاؤوا بعدَه، وسأذكر ثَمَّتَ صورًا منَ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في كتابِه (معاني القرآن).\n_________\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣:٥٤ - ٥٥).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣:٥٦).","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>صُوَر التَّفْسِير اللُّغويِ في كِتابِ مَعَاني القُرْآنِ:</span>\nلقد طغتِ البحوثُ ذات الصِّبغةِ العربيَّةِ على كتابِ الفراءِ (ت:٢٠٧)، وكان البحث النَّحويُّ أكثرَ بحوثِه في علمِ العربيَّةِ، وقد فاقَ جانبَ المعاني والتَّفسيرِ، وسأذكُرُ هاهنا ما حضَرني من صورِ التفسيرِ اللغويِّ في كتابِ معاني القرآنِ، ومنها:\n١ - بيان دلالة الألفاظ:\nحرصَ الفراءُ (ت:٢٠٧) على بيانِ معاني ألفاظِ القرآنِ، وكانَ الاستشهادُ لها قليلًا، بخلافِ المسائلِ النحويةِ التي قَلَّ أنْ لا يستشهدَ لها. ومن أمثلةِ الألفاظِ التي لم يستشهدْ لها ما يأتي:\n* قالَ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧): وقولُه: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] يريدُ: نَحوَهُ وتِلْقَاءه، ومثلُه في الكلامِ: وَلِّ وجهَكَ شطرَهُ، وتلقاءه، وتجاهَهُ» (١).\n* وفي قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، قال: «الزَّلقُ: التُّرابُ الذي لا نباتَ فيه، محترقٌ رميمٌ» (٢).\n* وقال: «قولُ اللهِ ﷿: ﴿أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢]، الأمشاجُ: الأخلاطُ: ماءُ الرَّجلِ وماءُ المرأةِ، والدَّمُ، والعلقةُ، ويقالُ للشيءِ منْ هذا إذا خُلِطَ: مَشِيجٌ؛ كقولِك: خَلِيطٌ، ومَمْشُوجٌ؛ كقولك: مَخْلُوطٌ» (٣).\nومنْ أمثلةِ الألفاظِ التي استشهدَ لها بالشعرِ أو النَّثرِ ما يأتي:\n* قالَ الفراءُ (ت:٢٠٧): وقولُه: ﴿لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] يقولُ: لا رَادَّ لحكمِه إذا حكمَ شيئًا، والمُعَقِّبُ: الذي يَكِرُّ على الشيءِ، وقولُ لبيدٍ (٤):\n_________\n(١) معاني القرآن (١:٨٤).\n(٢) معاني القرآن (٢:١٤٥).\n(٣) معاني القرآن: (٣:٢١٤).\n(٤) هو في ديوانه بشرح الطوسي، تحقيق: حنا نصر (ص:١٨٦).","vol":"1","page":284},{"text":"حَتَى تَهَجَّرَ فِي الرَّوَاحِ وَهَاجَهُ ... طَلَبُ المُعَقِّبِ حَقَّهُ الْمَظْلُومُ\nمِنْ ذلكَ؛ لأنَّ الْمُعَقِّبَ صاحبُ الدَّينِ، يرجعُ على صاحبِه فيأخذُهُ منه، أو مَنْ أُخِذَ منه شَيءٌ فهو راجعٌ ليأخذَه» (١).\n* وقالَ: «وقولُه: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]، فيه وجهانِ: أحدُهما: معناه: فما الذي أصبرَهم على النارِ؟\nوالوجهُ الآخرُ: فما أجرأهم على النارِ! قال الكسائيُ: سألني قاضي اليمنِ، وهو بمكةَ، فقالَ: اختصمَ إليَّ رجلانِ من العرب، فحلفَ أحدُهما على حقِّ صاحبِه، فقالَ له: ما أصبرك على اللهِ! وفي هذه أنْ يُرادَ بها: ما أصبرك على عذابِ اللهِ، ثُمَّ تُلْقِي العذابَ، فيكونُ كلامًا؛ كما تقولُ: ما أشبهَ سخاءك بحاتم» (٢).\nهذا، وقدْ كانَ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) مَرْجِعًا في بيانِ معاني مفرداتِ اللُّغةِ، وقد اعتمدَ عليه الأزهريُّ (ت:٣٧٥) في كتابِه الكبيرِ (تهذيبِ اللُّغةِ)، وأسندَ إليه كثيرًا من بيانِ معاني الألفاظِ، وستأتي الإشارةُ إلى ذلك (٣).\n٢ - بيان لغات العرب وقولها:\nحرصَ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) على بيانِ لغاتِ العربِ، كما حَرِصَ على بيانِ طريقةِ نُطقِها لبعضِ الكلماتِ، وما بينها من تغايُرِ الحركاتِ، ومن ذلكَ قولُه:\n_________\n(١) معاني القرآن (٢:٦٦).\n(٢) معاني القرآن (١:١٠٣)، وقد ورد هذا الأثر منقولًا عن الفراء في تفسير الطبري، ط: الحلبي (١:٢٣٦)، وفيه: «أخبرني الكسائي، قال: أخبرني قاضي اليمن»، وهو أصح مما في نسخة المعاني - والله أعلم ـ؛ لأنَّ سباق الخبر لا يدل على وجود سؤال، إنما هو خبر.\nوينظر أمثلة أخرى (١:٥٠، ٦٠، ٦١، ١٧٣)، (٢:٤٠، ٦٣، ١٠٨، ٢٦٥)، (٣:٩٠، ٩٢، ١١١، ١١٧، ١٢٠، ١٢١، ٢٤٣، ٢٤٦ت، ٢٤٧، ٢٥١، ٢٨٦)، وغيرها.\n(٣) سيأتي في كتب اللغةِ من مصادر التفسير، عند الحديث عن كتاب تهذيب اللغةِ.","vol":"1","page":285},{"text":"«وقولُه: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٢] مهموزٌ، ولو تركتَ همزَ مثلِه في غيرِ القرآنِ، قلتَ: يَكْلُوكُم بواوٍ ساكنةٍ، أو يَكْلاَكُم بألفٍ ساكنةِ، مثلَ يخشاكم، ومن جعلَها واوًا ساكنةً قال: كَلاَن بالألفِ، تتركُ منها النَّبْرَةَ (١).\nومَنْ قالَ: يَكْلاكُم، قالَ: كَلَيتُ؛ مثلَ: قَضَيتُ، وهي لغةُ قريشٍ، وكُلٌ حسنٌ، إلا أنهم يقولون في الوجهين: مَكْلُوَّةٌ بغيرِ همزٍ، ومَكْلُوٌّ بغيرِ همزٍ أكثر مما يقولون: مَكْلِيةٌ.\nولو قيلَ: مَكْلِيٌّ في قول الذين يقولون: كَلَيتُ كان صوابًا» (٢).\nوهذا الأسلوبُ في بيانِ لغاتِ العربِ كثيرٌ عند الفرَّاء (ت:٢٠٧)، والمقصودُ بالحديثِ هنا، ما كان له أثرٌ في التَّفسيرِ لا في التَّعبيرِ.\nوتجده في هذا الموضوعِ: إمَّا أن يجعلَ التمثيلَ الذي يذكرُه من قولِ العربِ دونَ تخصيصٍ لقبيلةٍ بعينها، وإمَّا أنْ ينصَّ على قبيلةٍ بعينِها، ومنْ ذلكَ:\n* قال الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]: «العرب تقول - للذي يمنعه من الوصول إلى إتمامه حَجِّهِ أو عمرتِه خوفٌ أو مرضٌ، وكلِّ ما لم يكنْ مقهورًا؛ كالحبس والسِّجن، يقالُ للمريضِ ـ: قدْ أُحْصِرَ، وفي الحَبْسِ والقَهْرِ: قدْ حُصِرَ. فهذا فرقُ بينهما.\nولو نَوَيتَ في قهرِ السُّلطانِ أنها عِلَّةٌ مانعةٌ، ولم تذهبْ إلى فِعْلِ الفَاعِلِ، جازَ لكَ أنْ تقولَ: قدْ أُحْصِرَ الرجلُ.\nولو قلتَ في المرضِ وشبهِهِ: إن المرضَ قدْ حَصَرَهُ أو الخوفَ، جازَ أنْ تقولَ: حُصِرتُمْ» (٣).\n_________\n(١) النبرة: الهمزة.\n(٢) معاني القرآن (٢:٢٠٤).\n(٣) معاني القرآن (١:١٧٧ - ١٨٨).","vol":"1","page":286},{"text":"* وقال: «وقولُه: ﴿يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢]: ممنوعًا مِنَ الخيرِ، والعربُ تقولُ: ما ثَبَرَكَ عنْ ذَا؛ أيْ: ما منعَكَ منه وصرفَكَ عنه» (١).\n* وقالَ: «وأمَّا قولُه: ﴿وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة: ٦١] فإنَّ الفُومَ - فيما ذكر - لغةٌ قديمةٌ، وهيَ الحِنْطَةُ والخُبْزُ جميعًا قد ذكرا.\nقالَ بعضُهم: سمعْنَا العربَ منْ أهلِ هذه اللُّغةِ يقولونَ: فَوِّمُوا لنا، بالتَّشديدِ لا غيرَ، يريدونَ: اخْتَبِزُوا، وهيَ في قراءةِ عبدِ اللهِ: «وثُومِهَا» بالثاءِ (٢)، فكأنَّه أشبهُ المعنيينِ بالصَّوابِ، لأنَّه معَ ما يشاكلُه من العدسِ والبصلِ وشبهِهِ.\nوالعربُ تُبْدِلُ الفاءَ بالثاءِ، فيقولونَ: جَدَثٌ وجَدَفٌ، ووقعوا في عَاثُورِ وعَافُورِ شَرٍّ، والأثَاثِي والأثَافِي، وسمعتُ كثيرًا من بني أسدٍ يُسَمِّيَ المَغَافِيرَ: المَغَاثِيرَ» (٣).\n* وقالَ: «وقولُه: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]: ذُكِرَ أنَّ الحَصَبَ في لغةِ أهلِ اليمنِ: الحَطَبُ ... وأمَّا الحَصَبُ فهو في معنى لغةِ نجدٍ: ما رميتَ به في النَّارِ؛ كقولِك: حَصَبْتُ الرجلَ؛ أي: رَمَيْتُهُ» (٤).\nوفي هذه الأمثلةِ يظهرُ نَصُّ الفراءِ (ت:٢٠٧) على أن هذا ما تقوله العربِ، أو أنَّه من لغةِ قبيلةٍ معينةٍ.\n_________\n(١) معاني القرآن (٢:١٣٢). وينظر: (١:٦٢، ١٠٦، ١١٧)، (٢:١٧٤، ١٩١، ٢٠٥، ٢٠٦، ٢١٧)، (٣:٢٣٦).\n(٢) ذكر عنه هذه القراءة جمع من العلماء، منهم: ابن أبي داود في كتاب المصاحف، تحقيق: آرثر جفري (ص:٥٤)، وذكر عن هارون: أن ابن عباس كان يأخذ بها. وأخرجها ابن خالويه في مختصر شواذ القراءات (ص:٦)، ونسبها إلى ابن عباس أيضًا.\n(٣) معاني القرآن (١:٤١).\n(٤) معاني القرآن (٢:٢١٢). وينظر: (١:٤١،٢٨٦)، (٢:٢٣، ١٠٦، ١٥٤، ٢٣٠، ٢٦٥، ٢٩٦).","vol":"1","page":287},{"text":"٣ - ذِكْرُ الْمُحْتَمَلاَتِ اللُّغَوِيَّةِ للنَّصِّ القرآنيِ:\nلَمَّا كانتِ المباحثُ العربيةُ هي الوجهةُ التي سَلَكَهَا الفراءُ (ت:٢٠٧) في كتابِه (معاني القرآن)، فإنَّ اهتمامه بالمحتملاتِ اللغويةِ للنَّصِّ القرآني كانَ أحدَ هذه المباحثِ التي رَكَّزَ عليها في البيانِ.\nويظهرُ في مثلِ هذه المحتملاتِ - إذا كانتْ مشكلةً في التعبيرِ - حِرْصَهُ على إيرادِ الشواهدِ والأساليبِ الكلاميةِ التي تُبَيِّنُ النَّصَّ القرآنيَ، ومنْ ذلكَ:\n* ما ذكره في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، قال: «أضافَ المثلَ إلى الذينَ كفروا، ثمَّ شبَّهَهم بالرَّاعي، ولم يقلْ: كالغنمِ، والمعنى - واللهُ أعلمْ ـ: مثلُ الذي كفروا كمثلِ البهائمِ التي لا تَفْقَهُ ما يقولُ الراعي أكثرَ من الصوتِ، فلو قالَ لها: ارعِيْ أو اشربي، لم تدْرِ ما يقولُ لها، فكذلكَ مثلُ الذينَ كفروا فيما يأتيهم منْ القرآنِ وإنذارِ الرسولِ.\nفأضيفَ التَّشبيهُ إلى الرَّاعي، والمعنى - والله أعلمُ - في المرعيِّ، وهو ظاهرٌ في كلامِ العربِ أنْ يقولوا: فلانٌ يخافُكَ كخوفِ الأسدِ، والمعنى: كخوفِه الأسدَ؛ لأنَّ الأسدَ هو المعروفُ بأنَّه المخوفُ، وقال الشاعرُ (١):\nلَقَدْ خِفْتُ حَتَى مَا تَزِيدُ مَخَافَتِي ... عَلَى وَعْلٍ في ذِي المَطَارَةِ عَاقِلُ\nوالمعنى: حتى ما تزيدُ مخافَةَ وَعْلٍ على مخافتي، وقالَ الآخرُ (٢):\nكَانَتْ فَرِيضَةَ مَا تَقُولُ كَمَا ... كَانَ الزِّنَاءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ\nوالمعنى كما كان الرَّجم فريضة الزِّنَى، فيتهاون الشَّاعر بوضع الكلمة\n_________\n(١) البيت للنابغة الذبياني، في ديوانه، تحقيق: محمد الطاهر بن عاشور (ص:١٩٨)، وقال في شرحه: ذو المطارة: اسم جبل، وهو بفتح الميم، عاقل: متحصن، فيه فرار من الصيادين.\n(٢) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه، تحقيق: عبد العزيز رباح (ص:٢٣٥).","vol":"1","page":288},{"text":"على صحتها لاتضاح المعنى عند العرب. وأنشدني بعضهم (١):\nإنَّ سِرَاجًا لَكَرِيمٌ مَفْخَرُهُ ... تَحْلَى بِهِ الْعَيْنُ إذَا مَا تَجْهَرُهُ\nوالعينُ لا تَحْلَى به، إنما يَحْلَى هو بها.\nوفيها معنىً آخرُ: تضيفُ الْمَثَلَ إلى الذين كفروا، وإضافتُه في المعنى إلى الوعظِ؛ كقولِك: مَثَلُ وَعْظِ الذينَ كفروا وواعظِهِم كمثلِ النَّاعِقِ؛ كما تقولُ: إذا لقيتَ فلانًا فَسَلِّمْ عليه تسليمَ الأميرِ، وإنما تريدُ به: كما تُسِلِّمُ على الأميرِ. وقالَ الشاعرُ (٢):\nفَلَسْتُ مُسَلِّمًا مَا دُمْتُ حَيًّا ... عَلَى زَيْدٍ بِتَسْلِيمِ الأَمِيرِ\nوكُلٌّ صوابٌ» (٣).\n* وفي قولِه تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، قال: «والأُمْنِيَّةُ في المعنى: التلاوةُ؛ كقولِ اللهِ ﷿: ﴿إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]؛ أي: في تلاوتِه.\nوالأمَانيُّ - أيضًا ـ: أن يفتعِلَ الرَّجلُ الأحاديثَ المفتعلَةَ، قال بعضُ العربِ لابن دَابٍ - وهو يُحَدِّثُ الناسَ ـ: أهذا شيءٌ رَوَيْتَهُ أمْ شيء تَمَنَّيْتَهُ؟ يريدُ: افتعلتَهُ، وكانتْ أحاديثَ يسمعونها من كبرائهمْ ليستْ منْ كتابِ اللهِ، وهذا أبينُ الوجهينِ» (٤).\n_________\n(١) لم أجد قائله، وقد استشهد به الفارابي في ديوان الأدب (٤:٩٤)، وهو في اللسان وتاج العروس، مادة (حلا).\n(٢) نسب الأصمعي هذا البيت لأعرابي زمن الحجاج، وله تتمة أبيات، ضمن قصة ذكرها، ينظر: تاريخ بغداد (١:٢٥١)، ذكرها الخطيب بسنده.\n(٣) معاني القرآن (١:٩٩ - ١٠٠).\n(٤) معاني القرآن (١:٤٩ - ٥٠). وينظر: (١:١٠٣)، (٢:١٨٧، ٢٣٧، ٢٣٩)، (٣:٢١٨، ٢٢٣).","vol":"1","page":289},{"text":"* وقالَ: «قولُه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤] معناه: أنهار، وهو في مذهبِه كقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥].\nوزعمَ الكسائيُّ أنَّه سمعَ العربَ يقولونَ: أتينا فلانًا، فكنَّا في لَحْمَةٍ ونَبِيذَةٍ، فَوَحَّدَ، ومعناه الكثيرُ.\nويقالُ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤] في ضياءٍ وسَعَةٍ، وسمعتُ بعضَ العربِ ينشدُ (١):\nإنْ تَكُ لَيْلِيًا فإنِّي نَهِرُ ... مَتَى أَرَى الصُّبْحَ فَلاَ أَنْتَظِرُ\nومعنى نَهِرُ: صاحبُ نهارٍ» (٢).\nوفي هذه الأمثلةِ السابقةِ يظهرُ إيرادُ الفراءِ (ت:٢٠٧) للمحتملاتِ اللغويةِ الواردةِ على النَّصِّ القرآنيِّ، كما يظهرُ حرصُهُ على إيرادِ الشَّواهدِ على هذه المحتملاتِ.\nوفي بعض المواطن يحكي مثلَ هذه المحتملات دون أن يبين رأيَهُ\n_________\n(١) كذا أنشده الفراء، وقد نقله عنه الطبري في تفسيره، ط، الحلبي (٢٧:١١٣)، وفي الصحاح، مادة (نهر): «ورجل نَهِرٌ: صاحب نهارٍ يُغِيرُ فيه، قال الراجز:\nإن كُنْتَ لَيْلِيًا فَإِنِّي نَهِرْ\nمَتَى أرَى الصُّبْحَ فَلا أنْتظِرْ»\nوقال ابن بَرِي - معلقًا على الصحاح ـ: «وذكر في هذا الفصل بيتًا شاهدًا على رجلٍ نَهِرٍ، وهو:\nإنْ كُنْتَ لَيْلِيًا فَإنِّي نَهِرْ\nقال الشيخ: البيت مُغيَّرٌ، وصوابه ما أنشده سيبويه:\nلَسْتُ بِلَيْلِيٍ وَلَكِنِّي نَهِرْ\nلا أَدْلُجُ اللَّيْلَ وَلَكِنْ أبْتَكِرْ\nوجعل «نَهِرْ» في مقابل «ليلي»؛ كأنه قال: لست بليلي ولكنِّي نهاري». التنبيه والإيضاح عما وقع في الصحاح، لأبي محمد عبد الله بن بري، تحقيق: عبد العليم الطحاوي (٢:٢٢١).\n(٢) معاني القرآن (٣:١١١).","vol":"1","page":290},{"text":"فيها، ومنْ ذلكَ ما وردَ عنه في قولِه تعالى: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣]، قال: «والثَّاقبُ: المضيءُ، والعربُ تقولُ: اثْقُبْ نارَكَ: للمُوقِدِ. ويقال: إنَّ الثَّاقبَ: هو النَّجْمُ الذي يقال: له زُحَلْ. والثَّاقبُ الذي قدِ ارتفعَ عن النُّجومِ. والعربُ تقولُ للطائرِ إذا لحقَ ببطنِ السماءِ ارتفاعًا: قَدْ ثَقَبَ. كلُّ ذلكَ جاءَ في التفسيرِ» (١).\n٤ - تَوْجِيهُ القِرَاءَاتِ:\nاتخذتِ القراءاتُ: شاذُّها ومتواترُها مكانًا كبيرًا في كتاب (معاني القرآن)، وهو في ذلك يذكرُ توجيهها في لغةِ العربِ، ويبينُ ما بينها من الفروقِ، إنْ وُجِدَ، سواءً أكانَ اختلافًا في معنًى أم في غيرِه مما لا أثرَ له في المعنى؛ كالاختلافِ في الحركاتِ (٢)، أو اللَّهجاتِ، أو التَّصريفِ، ومن أمثلةِ ذلكَ قولُه: «وقولُه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] كانَ عاصمُ بنُ أبي النَّجُودِ يقرأُ: «أسوة» برفع الألفِ في كلِّ القرآنِ. وكان يحيى بنُ وثَّابٍ (٣) يرفعُ بعضًا ويكسر بعضًا، وهما لغتان، الضَّمُّ في قيسٍ.\nوالحسنُ وأهلُ الحجازِ يقرؤون: «إسوة» بالكسرِ في كلِّ القرآنِ لا يختلفون ...» (٤).\nومنْ أمثلةِ ما يختلفُ بهِ المعنى باختلافِ القراءةِ ما يأتي:\nقال: «وقولُه: ﴿لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ [الواقعة: ١٩]: عنِ الخمرِ. ﴿وَلاَ يُنْزِفُونَ﴾؛\n_________\n(١) معاني القرآن (٣:٢٥٤).\n(٢) يلاحظ هاهنا أن الإعراب قد يكون له أثر في المعنى، فيكون الإعرابُ تابعًا للمعنى؛ لأنه فرع عن المعنى.\n(٣) يحيى بن وثَّاب الأسدي، الكوفي، العابد، تابعي، ثقة، إمام، كبير القدر، روى عن ابن عباس وعمر وأبي عبد الرحمن السلمي وزِرٍّ وغيرهم، وقرأ عليه: الأعمش وطلحة بن مُصرِّف وغيرهما، توفي سنة (١٠٣). ينظر: معرفة القراء الكبار (١:٦٢ - ٦٥)، وغاية النهاية (٢:٣٨٠).\n(٤) معاني القرآن (٢:٣٣٩).","vol":"1","page":291},{"text":"أي: لا تذهبُ عقولُهم، يقالُ للرجلِ إذا سَكِرَ: قد نُزِفَ عقلُهُ، وإذا ذهبَ دمُهُ وغُشِيَ عليه أو ماتَ، قيل: منْزوف.\nومن قرأ: «يُنْزِفُونَ» يقول: لا تفنى خمرُهم، والعرب تقول للقوم إذا فَنِيَ زادُهم: قد أَنْزَفُوا، وأَقْتَرُوا، وأَنْفَضُوا، وأَرْقَلُوا، وأَمْلَقُوا» (١).\n* وقالَ: «وقولُه ﷿: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧] قرأها الأعمشُ (٢) وعاصمٌ «فَعَدَلَكَ» مخففةً، وقرأها أهل الحجاز «فعدَّلك» مشدَّدة.\nفمنْ قرأها بالتَّخفيفِ، فوجهُهُ - والله أعلم ـ: فصَرَفَكَ إلى أيِّ صورةٍ شاءَ، إمَّا: حَسَنٍ، أو قبيحٍ، أو طويلٍ، أو قصيرٍ ... ومنْ قرأ: «فعدَّلَكَ» مشدَّدةً، فإنه أرادَ - واللهُ أعلمُ - جعلكَ مُعْتَدِلًا مُعَدَّلَ الخَلْقِ، وهو أعجبُ الوجهينِ إليَّ، وأجودُها في العربيةِ؛ لأنك تقولُ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨]، فتجعلُ (في) للتَّركيبِ، أقوى في العربيَّةِ مِنْ أنْ يكونَ (في) للعَدْلِ؛ لأنَّك تقولُ: عَدَلْتُكَ إلى كذا وكذا، وصَرَفْتُكَ إلى كذا وكذا، أجودُ منْ أنْ تقولَ: عَدَلْتُكَ فيه، وصَرَفْتُكَ فيه» (٣).\n٥ - الأُسْلُوبُ العَرَبِيُّ فِي الخِطَابِ القُرْآنِيِّ:\nبيَّنَ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) كثيرًا منَ الأساليبِ العربيَّةِ النَّحويَّةِ، واستشهدَ لها\n_________\n(١) معاني القرآن (٣:١٢٣).\n(٢) سليمان بن مِهران الأعمش، أبو محمد الكوفي، الإمام العلم، روى عن عبد الله بن أبي أوفى وسعيد بن جبير وغيرهما، وقرأ عليه حمزة الزيات، وروى عنه السفيانان وغيرهم، كان صاحب مُلَحٍ ونوادر، توفي سنة (١٤٨)، ومعرفة القراء الكبار (١:٩٤ - ٩٦)، وغاية النهاية (١:٣١٥ - ٣١٦).\n(٣) معاني القرآن (٣:٢٤٤)، وينظر أمثلة أخرى في (١:٦٤، ٦٩ - ٧٠، ٧٥، ١٧٧)، (٢:٢٣٩، ٢٥٢، ٢٥٣)، (٣:٣٢، ٣٦، ٧٩ - ٨٠، ٢٤٣. ٢٤٤، ٢٥٢، ٢٥٤، ٢٦١، ٢٦٢، ٢٦٥).","vol":"1","page":292},{"text":"بأمثلةٍ تُوضِّحُها، وقدْ كانَ للمعاني نصيبٌ في هذا البيانِ، فقدْ أولاهُ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) عنايَتَه، ووضَّح منه جملةً كثيرةً، وإن كان البيانُ النحويُّ لأساليب العرب أكثر، ومن الأساليب التي بينها في الخطاب القرآنيِّ، ما يأتي:\n* الخِطَابُ بِالْمُسْتَقْبَلِ لأَمْرٍ قَدْ مَضَى:\nقالَ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧): «وقولُه: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١] يقول القائل: إنما (تقتلونَ) للمستقبلِ، فكيفَ قالَ: (من قبل)؟، ونحنُ لا نجيزُ في الكلامِ: أنَا أضربُك أمسِ، وذلكَ جائزٌ إذا أردتَ بـ (تفعلون) الماضيَ، ألا تَرى أنَّكَ تُعَنِّفُ الرجلَ بما سلفَ من فعلِه، فتقولُ: ويحكَ لِمَ تكذبْ؟ لم تُبَغِّضْ نفسَكَ إلى النَاسِ؟! ومثلُه قولُ اللهِ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ولَمْ يَقُلْ: ما تلتِ الشياطينُ. وذلكَ عربيٌّ كثيرٌ في الكلامِ، أنشدني بعضُ العربِ (١):\nإذَا مَا انْتَسَبْنَا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ\nوَلَمْ تَجدِي مِنْ أَنْ تُقِرِّي بِهَا بُدَّا\nفالجزاءُ للمستقبل، والولادة كلها قد مضت (٢)، وذلكَ أَنَّ المعنى معروفٌ.\nومثلُه في الكلامِ: إذا نظرتَ في سِيرِ عمر (٣) ﵀ لم يسئْ، والمعنى؛ لم تجدْهُ أساءَ، فلمَّا كانَ أمرُ عمرَ لا يُشَكُّ في مُضِيِّه، لم يقعْ في الوهمِ أنه مستقبلٌ، فلذلكَ صلحَتْ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ مع قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾، وليس الذين خوطبوا بالقتلِ همُ القَتَلَةُ، إنَّما قَتَلَ الأنبياءَ أسلافُهُم الذين مضوا، فتولَّوهم على ذلك ورضوا به فَنُسِبَ القتلُ إليهم» (٤).\n_________\n(١) البيت منسوبٌ لزائدة بن صعصعة. ينظر: المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية (٢:١٧٥).\n(٢) يعني بالجزاء: قول الشاعر: إذا ما، والولادة في قول الشاعر: لم تلدني.\n(٣) أي: سيرة عمر.\n(٤) معاني القرآن للفراء (١:٦٠ - ٦١).","vol":"1","page":293},{"text":"بيَّن الفراءُ (ت:٢٠٧) في هذا النَّصِّ أنَّه جازَ الحديثُ عَنِ الماضي بفعلٍ دالٍ على الاستقبالِ؛ لأنَّ في الكلامِ دليلًا على إرادةِ المُضِي.\nقال الزجاجُ (ت:٣١١): «وإنما جازَ أنْ يُذكَرَ هاهنا لفظُ الاستقبالِ والمعنى المُضِي؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾» (١).\nكما بين الفرَّاء (ت:٢٠٧) أنَّه جازَ خطابُ الحاضرينَ بما فعلَه الأسلافُ منهم لرضاهم بهذا العملِ، حتى صاروا كأنهم فعلُوه بأنفسِهِم، إذ الراضي كالفاعلِ، وما ذكره مِنْ نَسْبِ القتلِ إلى حاضري التَّنْزيلِ أسلوبٌ عربيٌّ عريقٌ.\nوقد شرحَ الطبريُّ (ت:٣١٠) ذلكَ الأسلوب، فقالَ: «وإنما جازَ أنْ يُقالَ: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩]، والخطابُ بهِ لِمَنْ لَمْ يدركْ فرعونَ ولا الْمُنَجَّينَ منه؛ لأنَّ المخاطَبينَ بذلكَ كانوا أبناءَ من نجَّاهم مِن فرعونَ وقومِه، فأضافَ ما كانَ منْ نِعَمِهِ على آبائهم إليهم، وكذلكَ ما كانَ منْ كُفْرَانِ آبائهم على وجهِ الإضافةِ؛ كما يقولُ القائلُ لآخر: فعلنا بكم كذا، وقتلناكم، وسبيناكم، والمُخْبِرُ: إمَّا أنْ يكونَ يعني قومَه وعشيرتَه بذلكَ، أو أهلَ بلدِهِ ووطنِهِ، كانَ المَقُولُ له ذلكَ أدرك ما فُعِلَ بهم من ذلك أوْ لَمْ يدركْه؛ كما قالَ الأخْطَلُ (٢) يهاجي جريرَ بنَ عَطِيَّة:\nوَلَقَدْ سَمَا لَكُمُ الهُذَيلُ فَنَالَكُمْ ... بِإرَابَ، حَيْثُ يُقَسِّمُ الأنْفَالاَ\nفي فَيلَقٍ، يَدْعُو الأَرَاقِمَ، لَمْ تَكُنْ ... فُرْسَانُهُ عُزْلًا وَلاَ أَكْفَالاَ\nولم يلحقْ جريرٌ هذيلًا ولا أدركَه ولا أدركَ إرابَ ولا شهده. ولكنه لما\n_________\n(١) معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (١:١٧٥).\n(٢) غياث بن الصَّلت، أبو مالك، المشهور بالأخطل، التغلبي النصراني، قال الشعر لمعاوية وعبد الملك، وكان يهاجي جريرًا وينتصر عليه للفرزدق. ينظر: الشعر والشعراء (١:٤٨٣ - ٤٩٦)، ومعجم الشعراء (ص:١٣).\nوالبيت في ديوانه، بشرح: مهدي محمد ناصر الدين (ص:٢٤٨).","vol":"1","page":294},{"text":"كان يومًا من أيامِ قومِ الأخطلِ على قومِ جريرٍ (١)، أضافَ الخطابَ إليه وإلى قومِه. فكذلكَ خطابُ اللهِ ﷿ مَنْ خاطبَهُ بقولِه: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩]، لما كانَ فعلُه ما فعلَ منْ ذلكَ بقوم مَنْ خاطبَه بالآيةِ وآبائهم، أضافَ فعلَه ذلكَ الذي فعلَه بآبائهم إلى المخاطبين بالآية وقومِهم» (٢).\n* الجَزَاءُ عَنِ الفِعْلِ بِمِثْلِ لَفْظِهِ، وَالْمَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ (٣):\nقالَ الفرَّاءُ (ت:٢٠٧): وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ [البقرة: ١٩٢]، فلم يبدءوكم ﴿فَلاَ عُدْوَانَ﴾ على الذين انتهوا، إنما العدوانُ على مَنْ ظَلَمَ: على من بدأكم ولَمْ يَنْتَهِ.\nفإنْ قالَ قَائِلٌ: أرأيتَ قولَهُ: ﴿فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ أعدوانٌ هو، وقدْ أباحَهُ اللهُ لهم؟!\nقلنا: ليسَ بعدوانٍ في المعنى، إنما هو لفظٌ على مِثلِ ما سبقَ قبلَهُ، ألا\n_________\n(١) الهذيل: هو الهذيل بن هبيرة التغلبي، غزا بني يربوع بإراب، وهو ماء لبني رياح بن يربوع، فقتل منهم وسبى، وكان جدُّ جرير من السبي.\nوالأراقم: هم جشم ومالك والحارث وثعلبة ومعاوية وعمرو، أبناء بكر بن حبيب التغلبي رهط الهذيل، سُمُّوا بذلك لقول كاهنتهم وهم صبيان تحت دثار، فانكشف عنهم، ورأتهم، فقالت: كأنهم نظروا إليَّ بعيون الأراقم، وهي من أخبث الحيات.\nومعنى: سما إليكم: أشرف وقصد نحوكم. والأنفال: الغنائم. والفيلق: الكتيبة من الجيش. والعزل: الذين لا سلاح معهم. والأكفال: جمع كِفْلٍ، وهو الذي لا يثبت على متن فرسه، ولا يُحسِن الركوب. ينظر: تعليق محمود شاكر على البيتين في تفسير الطبري: (٢:٣٨ - ٣٩). وقد نقلته عنه بتصرف.\n(٢) تفسير الطبري، ط: شاكر (٢:٣٨ - ٣٩)، وقد كرر الطبري هذا المعنى في الجزء نفسه في أكثر من موضع: (٢٣ - ٢٤، ١٦٤، ٢٤٥، ٢٩٨، ٣٠٢، ٣٥٣)، وينظر: الصاحبي في فقه اللغة، لابن فارس، تحقيق: السيد أحمد صقر (ص:٣٦٤).\n(٣) أخذت هذا العنوان من ابن قتيبة في كتابه تأويل مشكل القرآن (ص:٢٧٧)، وينظر: الصاحبي في فقه اللغة (ص:٣٨٥).","vol":"1","page":295},{"text":"تَرَى أنه قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، فالعدوانُ مِنَ المشركينَ في اللَّفظِ ظُلْمٌ في المعنى، والعدوانُ الذي أباحَهُ اللهُ وأمرَ بهِ المسلمينَ إنما هو قصاصٌ. فلا يكونُ القصاصُ ظلمًا، وإنْ كانَ لفظُه واحدًا.\nومثلُه قولُ اللهِ ﵎: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وليستْ منَ اللهِ مثلُ معناها منَ المسيءِ؛ لأنها جزاءٌ» (١).\nوهذا يعني أنَّ ما يصدر من المسلمين إنما هو مقابلٌ وجزاءٌ لما صدر من الكفار، وإنما سمِّيَ باسمه على سبيل المجازاة، فاتَّفق اللفظ واختلف المعنى المراد به في كل موضع، وهذا ما يُسمَّى في علم البلاغة «باب المشاكلة».\nقال الطبري (ت:٣١٠): «فإن قال قائل: وهل يجوز الاعتداء على الظالم فيقال: ﴿فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؟\nقيل: إن المعنى في ذلك غيرَ الوجهِ الذي إليه ذهبت. وإنما ذلك على وجه المجازاةِ، لِمَا كان من المشركين من الاعتداءِ. يقولُ: افعلوا بهم مثلَ الذي فعلوا بكم، كما قال: إن تعاطيتَ مني ظلمًا تعاطيتُه منك. والثاني ليس بظلمٍ؛ كما قالَ عمرُو بنُ شأسٍ الأسديِّ (٢).\nجَزَينَا ذَوِي العُدْوَانِ بِالامْسِ قَرْضَهُمُ ... قِصَاصًا، سَوَاءً حَذْوَك النَّعْلَ بِالنَّعْلِ (٣)\n_________\n(١) معاني القرآن (١:١١٦ - ١١٧)، وينظر: تفسير الطبري، ط: شاكر (١:٣٠٢ - ٣٠٣ت)، (٣:٥٧٣)، وينظر أمثلة أخرى عند ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن (ص:٢٧٧ - ٢٧٨)، والصاحبي في فقه اللغة (ص:٣٨٤ - ٣٨٥).\n(٢) عمرو بن شأسٍ الأسدي، شاعر مخضرم، يكنى أبا عرار، أسلم في صدر الإسلام، وشهد القادسية، كانت أمُّه سوداء، وكانت زوجه تعيره بذلك، حتى طلَّقها. ينظر: معجم الشعراء (ص:١٨٥)، ومعجم الشعراء المخضرمين والأمويين (٣٢٨).\nوالبيت ليس في ديوانه، بتحقيق يحيى الجبوري، وقد قال الأستاذ المحقق: محمود شاكر: «لم أجد البيت».\n(٣) تفسير الطبري، شاكر (٣:٥٧٣). وينظر أصل هذا الكلام عند الأخفش في معانيه، تحقيق: هدى قراعة (١:١٧٣).","vol":"1","page":296},{"text":"* الاسْمَانِ المُصْطَحِبَانِ: يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى صَاحِبِهِ، فَيُسَمَّيَانِ جَمِيعًا بِهِ (١):\nقالَ الفراءُ (ت:٢٠٧): «وقولُه: ﴿يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ [الزخرف: ٣٨] يريدُ: ما بينَ مشرقِ الشتاءِ، ومشرقِ الصيفِ.\nويقالُ: إنه أرادَ المشرقَ والمغربَ، فقال: ﴿الْمَشْرِقَيْنِ﴾ وهو أشبهُ الوجهينِ بالصوابِ؛ لأن العربَ قدْ تجمعُ الاسمينِ على تسميةِ أشْهَرِها، فيقال: قدْ جاءكَ الزَّهْدَمَان (٢)، وإنما أحدُهما زَهْدَمٌ. قالَ الشاعرُ (٣):\nأَخَذْنَا بِآفَاقِ السَّمَاءِ عَلَيْكُم ... لَنَا قَمَرَاهَا وَالنُّجُومُ الطَّوالِعُ\nيريدُ: الشمسَ والقمرَ.\nوقال الآخر (٤):\nقَسَمُوا البِلاَدَ فَمَا بِهَا لِمَقِيلِهِم ... تَضْغِيثُ مُفْتَصِلٍ يُبَاعُ فَصِيلُهُ\nفِقُرَى العِرَاقِ مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَاحِدٍ ... فَالبَصْرَتَانِ فَوَاسِطٌ تَكْمِيلُهُ\nيريدُ: البصرةَ والكوفةَ.\nقال: وأنشدني رجلٌ من طَيِّء (٥):\n_________\n(١) أخذت هذا العنوان من كتاب الغريب المصنف، لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق: د. المختار العبيدي (٣:٦٧٤)، وكتاب الصاحبي في فقه اللغة (ص:١٢٠).\n(٢) قال ابن دريد: «ومن بني عبس: الزهدمان، وهما زهدم وكردم، ادَّعيا أسْرَ حاجب بن زُرَارة، ولهما حديث يوم جَبَلَة.\nوزهدم: اسم من أسماء الصقر، زعموا. وأمَّا كردم، فمن الكردمة، وهو عدوٌ بِفَزَعٍ فيه ثِقَلٌ وَبُطْءٌ» الاشتقاق (ص:٢٨٠ - ٢٨١).\n(٣) البيت للفرزدق، في ديوانه، ضبطه: علي الفاعور (ص:٣٦١).\n(٤) أنشد البيت الثاني أبو عبيد في الغريب المصنَّف (٣:٦٧٥)، ونقله عنه ابن سيده في المخصَّص، ط: دار الفكر (١٣:٢٢٥ - ٢٢٨)، وهو تحت هذا الباب المذكور، وقد أورده صاحب لسان العرب وتاج العروس في مادة (كمل).\n(٥) البيت في لسان العرب وتاج العروس مادة (وصل).","vol":"1","page":297},{"text":"فَبَصْرَةُ الأزْدِ مِنَّا، والعِرَاقُ لَنَا ... وَالمَوْصِلاَنِ وَمِنَّا مِصْرُ وَالْحَرَمُ\nيريدُ: الجزيرةَ، والموصل» (١).\nوفي هذا المثال صوَّب الفراءُ (ت:٢٠٧) أنَّ المشرقينِ: المشرقُ والمغربُ، وغلَّبَ اسمَ المشرقِ عليها كما هو سبيلُ العربِ في تغليبِ الشيئينِ المتصاحبينِ.\nوهناك أساليبُ أخرى تعرَّضَ لها الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) غيرَ هذه؛ كالحذفِ (٢)، والإضمارِ (٣)، والتَّكنيةِ عن الشَّيءِ الذي عُرف اسمه وإن لم يَجُرِ له ذِكْرٌ (٤)، والتَّقديمِ والتَّأخيرِ (٥)، وغيْرِها، والمقصودُ هنا التَّمثيلُ لبعضِ هذه الأساليبِ، وقدْ يَمُرُّ غيرُها في ثنايا البحثِ، واللهُ الموفِّقُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>أثرُ المعتقدِ في التفسير اللُّغويِّ عند الفرَّاءِ:</span>\nإنَّ كتبَ التراجمِ قدْ تذكرُ بعض التُّهَمِ التي يُرمَى بها عالمٌ دون التَّثَبُّتِ من تلك الروايةِ؛ لأنَّ الغالب على التصنيفِ في هذه التراجمِ جمعُ ما وردَ من أخبارِ العالِم، دونَ التَّحقُّقِ من صحَّتِهِ، وإنْ كانَ لا يخلو فيها النقدُ، وهو قليلٌ، لكنَّه ليسَ الأصلَ.\nوقد يرد في ما رُوِيَ عن العالِمِ المتَّهمِ ما يردُّ هذا الزعمَ؛ كالتُّهمة التي\n_________\n(١) معاني القرآن (٣:٣٣). وينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٥:٧٤). وقد نقل قوله ولم يشر إليه. ثم ينظر: الغريب المصنف، لأبي عبيد القاسم (٣:٦٧٤ - ٦٧٧). والصاحبي في فقه اللغة (ص:١٢٠ - ١٢١)، والمخصص، لابن سيده، ط: دار الفكر، (١٣:٢٢٧). ثم ينظر أمثلة أخرى عند الفراء في معانيه (١:١٤، ١٩، ٦١، ١١٩، ١٨١، ٢٠٤، ٢٣٠)، (٢:٧٢ - ٧٣، ٤١٧)، (٣:٤٨، ٤٩، ٧٨، ١١٤، ١٣٠، ٢٣٤).\n(٢) ينظر: على سبيل المثال (١:٢٠٧)، (٢:٢٠٤).\n(٣) ينظر: على سبيل المثال (١:١٣، ٢٣٠).\n(٤) ينظر: على سبيل المثال (٣:٢٨٥).\n(٥) ينظر: على سبيل المثال (٣:٢١٤).","vol":"1","page":298},{"text":"نُسِبت إلى عكرمة (ت:١٠٥)، حتى شنأهُ بها الناس، فلم يشهد جنازته كبير أحدٍ (١)، فقد قيل إنه يرى رأيَ الخوارج (٢).\nوإذا عرضت هذه التُّهمةَ على ما رواه البخاري (ت:٢٥٦) عن محمد بن عبد الرحمن الأسدي (٣)، قال: «قُطعَ على أهلِ المدينة بعثٌ، فاكْتُتِبَتُ فيه، فلقيتُ عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، فأخبرتُهُ، فنهاني عن ذلك أشدَّ النهي، ثمَّ قال: أخبرني ابنُ عباسٍ أنَّ ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يُكثِرون سوادَ المشركينَ على رسولِ الله ﷺ، يأتي السَّهمُ فيُرمَى به، فيصيبُ أحدهم، فيقتله، أو يُضرَبَ فيُقتَل، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]» (٤).\nقال ابن حجر (ت:٨٥٢): «وفي هذه القصَّةِ دلالةٌ على براءةِ عكرمةَ مما نُسِبَ إليه من رأي الخوارجِ؛ لأنه بالغَ في النَّهي عن قتالِ المسلمينَ، وتكثيرِ سوادِ من يقاتلُهم. وغرضُ عكرمةَ: أنَّ الله ذمَّ من كثَّرَ سوادَ المشركين مع أنهم كانوا لا يريدونَ بقلوبِهم موافقَتَهم، قال: فكذلك أنت لا تكثرْ سوادَ هذا الجيشِ، وإن كنت لا تريد موافقتَهم؛ لأنهم لا يقاتلونَ في سبيلِ الله» (٥).\nوالفرَّاءُ (ت:٢٠٧) قد نُسِبَ إلى الاعتزالِ (٦)، فذكرَه المَرْزُبَانيُّ المعتزليُّ\n_________\n(١) تهذيب الكمال (٥:٢١٦).\n(٢) ينظر مثلًا: تهذيب الكمال (٥:٢١٣).\n(٣) محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، أبو الأسود القرشي الأسدي، كان يقال له: يتيم عروة بن الزبير؛ لأنَّ أباه أوصى به إليه، روى عن: عروة وسالم بن عبد الله وغيرهما، وعنه: شعبة بن الحجاج والزهري وغيرهما، ثقة، توفي سنة مائة وبضع وثلاثين. ينظر: تهذيب الكمال (٦:٤٠٨)، وتقريب التهذيب (ص:٨٧١).\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: إنَّ الذين توفاهم الملائكة ...، ينظر: فتح الباري (٨:١١١).\n(٥) فتح الباري (٨:١٢٢ - ١١٣).\n(٦) إنباه الرواة (٤:١٣).","vol":"1","page":299},{"text":"(ت:٣٨٤) (١) في كتابِه، وقال: «كان يميلُ إلى الاعتزالِ» (٢).\nوقال ياقوتُ الحمويُّ (ت:٦٢٦) (٣): «وكان الفرَّاءُ فقيهًا، عالمًا بالخلافِ وبأيامِ العربِ وأخبارِها وأشعارِها، عارفًا بالطِّبِّ والنجومِ، متكلِّمًا يميل إلى الاعتزالِ» (٤).\nويظهرُ أنَّ هذه التُّهمةَ لم تنشأ من فراغٍ؛ لأنَّه جالسَ الخليفةَ العبَّاسيَّ المأمونَ (ت:٢١٨) وألَّفَ له (٥)، وكان المعتزلةُ ندماءَ الخليفةِ، وكانتْ صوْلتُهم وقوَّةُ شوكتِهم في عصرِه، فهل تأثَّرَ بهم؟\nقال الجاحظ (ت:٢٥٥) (٦): «دخلت بغداد حين قَدِمَها المأمونُ سنة أربعٍ ومائتين، وكان بها الفرَّاء، فاشتهى أن يتعلم الكلام، ولم يكن له طبع فيه» (٧).\n_________\n(١) محمد بن عمران بن موسى المرزباني، صاحب التصانيف، له في أخبار النحاة واللغويين والنسابين كتابًا في عشرين مجلدة، وكان معتزليًّا، وصنف كتابًا في أخبارهم، توفي سنة (٣٨٤)، ينظر: تاريخ بغداد (٣: ١٣٥ - ١٣٦)، وإنباه الرواة (٣: ١٨٠ - ١٨٤).\n(٢) ينظر: إنباه الرواة (٤: ١٣).\n(٣) ياقوت الحموي، أبو عبد الله الرومي، كان من سبي الروم، فاشتراه تاجر يقال له: عسكر، وأدخله الكتَّاب ليتعلَّم القراءةَ والكتابةَ ليعينه في تجارته، وترقى في التعلُّم حتى ألف الكتب، واستفاد في ذلك من أسفاره، توفي بحلب سنة (٦٢٦). ينظر: إنباه الرواة (٤: ٨٠ - ٩٨)، وشذرات الذهب (٥: ١٢١ - ١٢٢).\n(٤) معجم الأدباء (٢٠: ١١).\n(٥) هذا معروفٌ في ترجمةِ الفراءِ، وينظر مثالًا لذلك: معجم الأدباء (٢٠:١١ - ١٢).\n(٦) عمرو بن بحر، أبو عثمان، المعروف بالجاحظ، البصري المعتزلي، صاحب التصانيف الرائقة، كان ماجنًا قليل الدين، وكان ذا علمٍ كثيرٍ، من أشهر كتبه: البيان والتبيين، والحيوان، توفي سنة (٢٥٥). ينظر: تاريخ بغداد (١٢: ٢١٢ - ٢٢٠)، وسير أعلام النبلاء (١١: ٥٢٦ - ٥٣٠).\n(٧) إنباه الرواة (٤: ١٤)، وهذا الخبرُ يعني أن الفراء كان كبير السنِّ؛ لأنه توفي سنة (٢٠٧).","vol":"1","page":300},{"text":"وعندَ تمحيصِ هذا الاتهامِ، تجدُ أنه قال عن نفسِه: «كنت أنا وبشرٌ المريسيُّ (١) في بيت واحدٍ عشرين سنةً، ما تعلَّمَ مني شيئًا، ولا تعلَّمتُ منه شيئًا» (٢).\nوهذا يعني أنَّه لم يستفِدْ منه في علمِ الكلامِ، ولكنَّ مخالطَةَ القومِ قد يكونُ لها أثرٌ من حيثُ لا يشعرُ المرءُ، فقدْ يقعُ في كلامِه من آرائهِم ما لم يحتسب له، ولا أدركَهُ، ويفسِّرُ هذا ما أوردَه الشَّريفُ المرتضى المعتزليُّ (ت:٤٣٦) (٣)، وهو يوجِّه قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] على ما يوافقُ مذهبَ المعتزلةِ، قال: «... أن نجعلَ حرفَ الشرطِ الذي هو «إن» متعلقًا بما يليه، وبما هو متعلقٌ به في الظاهرِ، من غيرِ تقديرِ محذوفٍ، ويكون التقديرُ: ولا تقولن إنكَ تفعلُ إلاَّ ما يريد اللهُ.\nوهذا الجواب ذكره الفرَّاء (٤)، وما رأيته إلاَّ له، ومن العجبِ تغلغُلُهُ إلى\n_________\n(١) بشر بن غياث بن أبي كريمة، أبو عبد الرحمن المَرِيسي، المتكلم المعتزلي، كان من كبار الفقهاء، ثم نظر في الكلام، فغلب عليه، وانسلخ من الورع والتقوى، وجرَّد القول بخلق القرآن، ودعا إليه، حتى كان عين الجهمية في عصره، فمقته أهل العلم، وكفَّره بعض العلماء، وله تصانيف، منها: المعرفة، والرد على الرافضة، ينظر: تاريخ بغداد (٧: ٥٦ - ٦٧)، وسير أعلام النبلاء (١٠: ١٩٩ - ٢٠٢).\n(٢) إنباه الرواة (٤: ١٤).\n(٣) علي بن حسين، أبو طالب الحسيني الموسوي، المعروف بالشريف المرتضَى، كان صاحب فنون، وكان رافضيًّا، معتزليًّا، شاعرًا، وكانت له نقابة الطالبيين، وقد نُسب إليه وضع كتاب «نهج البلاغة»، المنسوب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، توفي سنة (٤٣٦). ينظر: تاريخ بغداد (١١: ٤٠٢ - ٤٠٣)، وسير أعلام النبلاء (١٧: ٥٨٨ - ٥٩٠).\n(٤) قال الفراء في معانيه (٢: ١٣٨): «وقوله: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: إلاَّ أن تقول: إن شاءَ اللهُ، ويكون مع القولِ: ولا تقولنَّه إلاَّ أن يشاءَ اللهُ؛ أي: ما يريدُ اللهُ».","vol":"1","page":301},{"text":"مثلِ هذا، مع أنه لم يكنْ متظاهرًا بالقولِ بالعدلِ ...» (١).\nوهذا الكلامُ من الفرَّاءِ (ت:٢٠٧)، لو حُمِلَ على ما قاله الشَّريفُ المرتضى (ت:٤٣٦)، لما كانَ دليلًا على اعتزالِه، وإنما فيه دليلٌ على تأثُّرِه بالاعتزالِ، وممَّا يمكنُ أن يُستدلَّ به من كتابه (معاني القرآن) على براءتِه من الاعتزالِ ما يأتي:\n١ - أنَّه قدْ نصَّ في كتابِه على الردِّ على أهلِ القَدَرِ، فقال: «وقوله ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]: إلاَّ ليوحدوني، وهذه خاصة، يقول: وما خلقت أهل السعادة من الفريقين إلاَّ ليوحدوني.\nوقال بعضهم: خلقهم ليفعلوا، ففعل بعضهم وترك بعضٌ.\nوليسَ فيه لأهلِ القَدَرِ حجةٌ» (٢).\nأي: وليس في القولِ الثاني حجةٌ لأهلِ القدرِ، لأنَّه قال: ففعل بعضهم وترك بعضٌ، فنسب الفعل إليهم.\n٢ - ومن ذلك تفسيرِه لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فقد ذكرَ فيها أثرًا عن أبي بكر الصِّديق، أنّ الزيادةَ: النَّظرُ إلى وجه الرَّبِّ ﵎ (٣). ولم يعترضْ عليه، والمعتزلةُ ينكرونَ الرُّؤيةَ، ولا يحتجُّونَ بمثلِ هذه الآثارِ.\n٣ - وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]، قال: «...\n_________\n(١) أمالي الشريف المرتضى (٢:١٢٠).\n(٢) معاني القرآن، للفراء (٣:٨٩).\n(٣) ينظر: معاني القرآن (١:٤٦١). وقد ذكر قولًا آخر، فقال: «ويقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾؛ يريد: حسنةً مثلَ حسناتهم، ﴿وَزِيَادَةٌ﴾: زيادة التضعيف؛ كقوله: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾». وهذا القول مرويٌّ عن ابن عباس وعلقمة بن قيس وقتادة، ينظر: تفسير الطبري، تحقيق شاكر (١٥:٧٠).","vol":"1","page":302},{"text":"ويقال: ما كانوا يستطيعونَ السَّمعَ وما كانوا يبصرون؛ أي: أضلَّهم اللهُ عن ذلكَ في اللَّوحِ المحفوظِ» (١).\nوقد حكى نسبةَ الإضلالِ إلى اللهِ سبحانَهُ، والمعتزلةُ يخالفونَ في ذلكَ، ولو كان الفرَّاءُ (ت:٢٠٧) منهم لما ذكرَ هذا القولَ، أو لَرَدَّ عليه، ويشبهُ هذا ما وردَ عنه في:\n* قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، قال: «وقوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، يقال: بلا إله إلاَّ الله، فهذه في الدنيا، وإذا سئلَ عنها في القبرِ بعدَ موته، قالها إذا كان من أهل السعادةِ، وإذا كانَ من أهل الشَّقاوةِ لم يقلْها، فذلك قوله ﷿: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ عنها؛ أي: عن قولِ لا إله إلا الله، ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾؛ أي: لا تُنكرُ له قدرةٌ، ولا يُسألُ عمَّا يفعلُ» (٢).\n* وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]، قال: «يقولُ: ومن يُشْقِهِ اللهُ فما له من مُسْعِدٍ» (٣).\n٤ - وفي قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩]، ذكرَ أثرينِ في تفسيرِها (٤)، أحدهما عن ابن عباس (ت:٦٨)، والآخر عن سعيد بن جبير (٩٤)، وهذان الأثران يدلاَّن على وقوعِ البكاءِ حقيقةً (٥)، وأهلُ الاعتزال لا يقولون بهذا القولِ، بل يحملُون مثلَ هذه الآيةِ على المجازِ (٦).\nوهذه النُّصوصُ وغيرها تدلُّ على أنَّ الفراءَ (ت:٢١٠) لم يكنْ معتزليًَّا، وإن كانَ وقع منه شيءٌ، فبسببِ قُربِه منهم، ومخالطته لهم، والله أعلمُ.\n_________\n(١) معاني القرآن (٢:٨).\n(٢) معاني القرآن (٢:٨).\n(٣) معاني القرآن (٢:٢١٩).\n(٤) معاني القرآنِ (٣:٤١). والأثرانِ عن ابن عباسٍ من طريق الكلبي، وعن سعيد بن جبير.\n(٥) ومثلها ما ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾، قال: «هو كتغيُّظِ الآدميِّ إذا غضبَ، فغلى صدرُه، وظهرَ كلامُه». معاني القرآنِ (٢:٢٦٣).\n(٦) سيأتي ذكرُ قولِ المعتزلةِ في هذه الآياتِ وغيرها في فصل (الانحراف اللغوي).","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>ثانيًا مَعَانِي القُرْآنِ لِلاخْفَشِ</span>\nأبو الحسنِ سعيدُ بنُ مَسْعَدَةَ (ت:٢١٥)، نحويُّ بصريٌّ، أخذَ النَّحْوَ عن علماءِ البصرةِ، وقرأه على سيبويه (ت:١٨٢)، وقد ألَّفَ الأخفشُ (ت:٢١٥) كتاب (معاني القرآن)، كما ألَّفَ في ذلك معاصرُوه، من البصرةِ: محمدُ بنُ المستنيرِ (ت: ٢٠٦) المعروفُ بـ (قطرب)، ومِنَ الكُوفةِ: أبو الحسنِ عليُ بنُ حمزةَ الكسائي (ت:١٨٣)، أبو زكريا يحيى بنُ زيادٍ الفراء (ت:٢٠٧)، وغيرهم.\nوقدْ وردتْ روايةٌ في ترجمةِ أبي الحسنِ الأخفشِ (ت:٢١٥) تفيدُ أنَّهُ ألَّفَ كتابَه قبلَ الكسائيِّ (ت:١٨٣) والفرَّاء (ت:٢٠٧)، قال الأخفش (ت:٢١٥): «... فلمَّا اتَّصَلَتِ الأيامُ بالاجتماعِ، سألني [يعني: الكسائي] أنْ أؤلِّفَ كتابًا في معاني القرآنِ، فألَّفْتُ كتابي في المعاني، فجعلَه إمامًا، وعَمِلَ عليه كتابًا في المعاني، وعَمِلَ الفرَّاءُ كتابَه في المعاني عليهما» (١).\nويُشْعِرُ هذا النَّصُّ أنَّ الأخفشَ (ت:٢١٥) قدِ اطَّلَعَ على كتابيْ الكسائيِّ (ت:١٨٣) والفراءِ (ت:٢٠٧)، فظهرتْ له هذه الموازَنَةُ التي ذكرَها.\nوكتابُ الأخفشِ (ت:٢١٥) كتابُ نَحْوٍ، ويبدو أنَّهُ أرادَ إظهارَ مذهبِه النَّحويِّ أكثرَ من إرادتِه بيانَ معاني القرآنِ، ولا يخفى على من يطَّلعُ على\n_________\n(١) إنباه الرواة (٢:٣٧)، وينظر: تاريخ العلماء النحويين (ص:٨٧)، ومعجم الأدباء (١١:٢٢٩)، وإشارة التعيين (ص:١٣٢)، والبلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (ص:١٥٠)، وبغية الوعاة (١:٥٩٠).","vol":"1","page":304},{"text":"كتابِه أدنى اطِّلاعٍ أنَّه كتابُ نَحْوٍ وصَرْفٍ (١)، ولذا تجدُه نَصَّ على بعضِ الأبوابِ النَّحويَّةِ عندَ حديثِه عن بعضِ الآياتِ؛ كبابِ الفاءِ (٢)، وبابِ الإضافةِ (٣)، وبابِ الواوِ (٤)، وبابِ اسمِ الفاعلِ (٥)، وبابِ إضافةِ أسماءِ الزمانِ إلى الفعلِ (٦)، وغيرِها.\nأمَّا المعاني، فلمْ تكنْ في كتابِه كثيرةً، بلْ كانتْ قليلةً جدًا بالنَّسبةِ للكتابِ، وقدْ يُصَدِّقُ هذا ما وردَ عنْ تلميذِه أبي حاتم السِّجسْتَانيِّ (ت:٢٥٥) وغيرِهِ مِنْ أنَّ الأخفشَ (ت:٢١٥) كانَ عَالِمَ نَحْوٍ ولم يكنْ عَالِمَ لُغَةٍ (٧).\nوقد وردتْ روايةٌ تدلُّ على أنه ألَّفَ في غريبِ القرآنِ، قالَ تلميذُه أبو حاتمٍ السِّجستانيِّ (ت:٢٢٥): «كانَ الأخفشُ قد أخذَ كتابَ أبي عبيدةَ في القرآنِ (٨)، فأسقطَ منه شيئًا، وزادَ شيئًا، وأبدلَ منه شيئًا.\nقال أبو حاتمٍ: فقلتُ له: أيُّ شيءٍ هذا الذي تصنعُ؟! من أعرفُ بالغريبِ، أنت أو أبو عبيدة؟\nفقال: أبو عبيدة.\n_________\n(١) لاستظهارِ ذلك، ينظر (فهرس النحو) الذي صنعته المحققة هدى قراعة (٢:٧٦٥ - ٨٠٢).\n(٢) معانى القرآن (١:٣٤).\n(٣) معاني القرآن (١:٣٩).\n(٤) معاني القرآن (١:٤٣).\n(٥) معاني القرآن (١:٤٤).\n(٦) معاني القرآن (١:٤٥).\n(٧) قال أبو حاتم: «ولم يكن عالمًا بكلام العرب، وكان عالمًا بقياس النحو». تهذيب اللغة (٩:٢٠). ولا يعني هذا عدم ورود تفسير ألفاظ العرب عنه، لكنَّ الظاهر أنَّ علمَ النحو غلب عليه وطغى، وقد ورد في طبقات النحويين واللغويين (ص:٧٤)، عن ثعلب الكوفي قال: «أول من أملى غريب كل بيت من الشعر تحته الأخفش». ومن يقوم بهذه المهمة لا شكَّ أنه سيكون له رصيدُ من معرفة اللغة، وإلاَّ لما قام ببيان الأشعار وتفسيرها، ولكنه فيما يبدو من نقدهم له كانَ أقلَ من معرفته بالنحو، والله أعلم.\n(٨) يقصد: مجاز القرآن، وسيأتي الحديث عنه في المصدر الثالث: كتب الغريب.","vol":"1","page":305},{"text":"فقلت له: هذا الذي تصنعُ ليس بشيءٍ.\nفقال: الكتابُ لمنْ أصلحَهُ، وليسَ لمنْ أفسدَهُ.\nقال أبو حاتم: فلمْ يُلتَفَت إلى كتابِهِ، وصارَ مُطَّرَحًا» (١).\nوقد وردتْ نسبتُه له في الكتبِ التي اعتمدها الثَّعلبيُّ (ت:٤٢٧) (٢) في مقدمةِ تفسيرِه، باسمِ «غريبِ القرآنِ» (٣)، وهذا يدلُّ على أمرينِ:\nالأول: أنَّ الأخفشَ (ت:٢١٥) له كتابٌ آخرُ غير كتاب «معاني القرآنِ»، وهو في «غريب القرآنِ».\nوالثاني: أنه اعتمدَ في كتابه «غريب القرآنِ» على كتاب «مجازِ القرآنِ» لأبي عبيدةَ (ت:٢١٠).\nوبموازنة كتاب «معاني القرآنِ» بكتابِ «مجازِ القرآنِ»، تلحظُ البونَ الشَّاسعَ بين منهجيهما: فكتابُ معاني القرآنِ نحوٌ وتصريفٌ، وكتابُ مجاز القرآنِ تفسيرُ ألفاظٍ وذكرُ شواهدٍ لها، وليس بينهما أدنى اتفاقٍ، وهذا يدلُّ على أنَّ الكتابَ الذي استفادَ فيه الأخفشُ غيرُ كتابه المعاني.\nهذا، وقدِ اجتهدتُ أنْ أُخرِجَ صورَ التَّفسيرِ اللُّغويِّ الموجودةَ في كتاب «معاني القرآنِ»، فظهرَ لي منها مادةٌ قليلةٌ جدًا، وسأذكُرها ثَمَّ.\nأولًا: دَلاَلَةُ الألْفَاظِ:\nسبقتِ الإشارةُ إلى أنَّ الأخفشَ (ت:٢١٥) لم يكنْ عِلمُه باللُّغةِ كعلمِهِ\n_________\n(١) طبقات النحويين واللغويين (ص:٧٣).\n(٢) أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أبو إسحاق، مفسر، محدث، علم بالعربية، حدَّث عن ابن مهران المقرئ وغيره، وأخذ عنه المفسر أبو الحسن الواحدي، له كتاب: الكشف والبيان عن تفسير القرآن، توفي سنة (٤٢٧). ينظر: سير أعلام النبلاء (١٧:٤٣٥ - ٤٣٧)، ومعجم المفسرين (١:٦٢).\n(٣) ينظر: تفسير الثعلبي، نسخة المحمودية، بمكتبة المدينة المنورة العامة (لوحة: ١١).","vol":"1","page":306},{"text":"بالنَّحوِ، وقدْ حصرتُ الألفاظَ التي بيَّنَ دلالاتِها، فبلغتْ سبعينَ لفظًا تقريبًا (١)، ومن أمثلتِها:\n١ - قال: «وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] فيقول: عرِّفنا، وأهلُ الحجازِ يقولونَ: هَدَيتُهُ الطريقَ؛ أي: عَرَّفْتُهُ، وكذَلِكَ: هَدَيتُهُ البيتَ؛ في لُغتِهم. وغَيرهم يُلحِقُ فيه: إلى» (٢).\n٢ - وقال: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ لأنه من آدَهُ يَؤُودُهُ أَوْدًا، وتفسيرُه: لا يُثْقِلُهُ» (٣).\n٣ - وقال: «قال: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠]، يقولُ: الطريقَ هدَاه؛ أي: هداهُ الطريقَ» (٤).\nويلاحظ هاهنا أنه لم يتعدَّ المدلولَ اللُّغويَّ إلى المدلولِ السِّياقيِّ، فلم يُبَيِّنِ الطَّريقَ المرادَ بالآيةِ.\nأمَّا استشهادُه لتفسيرِ الألفاظِ فإنه كان قليلًا جدًا، ومن ذلك:\n١ - قال: «﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، فنصبَ ﴿سُبْحَانَكَ﴾؛ لأنه أرادَ: نُسَبِّحُكَ، جعلَه بدلًا منَ اللفظِ بالفعلِ؛ كأنَّه قالَ: نُسَبِّحُكَ بِسُبْحَانَكَ، ولكنَّ سبحانَ مصدرٌ لا ينصرفُ.\nوسبحانَ في التَّفسيرِ: براءةٌ وتنْزيهٌ، قالَ الشَّاعرُ (٥):\n_________\n(١) قد يكونُ قلَّلَ منها في كتابِه هذا، لتأليفه في غريب القرآن، واللهُ أعلمُ.\n(٢) معاني القرآن (١:١٦).\n(٣) معاني القرآن (١:١٩٦).\n(٤) معاني القرآن (٢:٥٦٧). وينظر: (١:٥٧، ٥٨، ١٠٤، ١٠٩، ١١١، ١١٩، ٢٧٩، ٣١٠، ٣١٣)، (٢:٤٠٢، ٤٢٤، ٥١٤، ٥٢٤، ٥٨٢، ٥٨٤، ٥٨٦، ٥٨٩، ٥٩٠)، وغيرها.\n(٥) البيت للأعشى، وهو في ديوانه، تحقيق: حنا نصر (ص:١٨١)، وهو في أبيات يمدح بها عامر بن الطفيل، ويهجو علقمة بن عُلاثة.","vol":"1","page":307},{"text":"أَقُولُ لَمَّا جَاءنِي فَخْرُهُ ... سُبْحَانَ مَنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ\nيقولُ: براءةً منه» (١).\n٢ - وقال: «وليسَ قولُه: ﴿يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] لحاجةٍ بالله، ولكنَّ هذا كقولِ العربِ: لكَ عندي قرضُ صدقٍ، وقرضُ سوءٍ؛ لأمر تأتي فيه مسرَّتُه أو مساءته، قال الشاعر (٢):\nلاَ تَخْلِطَنَّ خَبِيثَاتٍ بِطَيِّبَةٍ ... واخْلَعْ ثِيَابَكَ مِنْهَا وَانْجُ عُرْيَانًا\nكُلُّ امْرِئٍ سَوْفَ يُجْزَى قَرَضَهُ حَسَنًا ... أَوْ سَيِّئًا أَوْ مَدِينًا مِثْلَ مَا دَانَا\nفالقرضُ: ما سلفَ من صالحٍ أو منْ سيئ» (٣).\nثانيًا: تَوْجِيهُ القِرَاءَاتِ:\nالقراءاتُ في (معاني القرآن) للأخفشِ (ت:٢١٥) كثيرةٌ جدًا، غيرَ أنَّ غالِبَهَا يتعلَّقُ بالخلافِ النَّحْوِيِّ، ثُمَّ التَّصريفِ (٤)، وكان ما يتعلقُ منها بالمعاني قليلًا، وسأذكرُ من توجيهه لهذه القراءاتِ أمثلةً:\n١ - قال: «وقالَ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وقالَ بعضُهم: «يُغَلَّ» (٥)، وكلٌ صواب - والله أعلم - لأنَّ المعنى: أن يَخُونَ، أو يُخَانَ» (٦).\n٢ - وقال: «... ثُمَّ استأنف، فقال: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢]؛\n_________\n(١) معاني القرآن (١:٦٤).\n(٢) البيت لأمية بن أبي الصلت، وهو في ديوانه، جَمَعَهُ: بشير يموت (ص:٦٣).\n(٣) معاني القرآن، للأخفش (١:١٩٤)، وينظر (٢:٥٧٧).\n(٤) يمكنُ استظهارُ ذلك من خلالِ فهرس (آيات لها أكثر من قراءة) الذي جعلته المحققة هدى قراعة (٢:٧١٧ - ٧٤٧).\n(٥) قرأ ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم، وقرأ الباقون: («أن يُغَلَّ». ينظر: إعراب القراءات السبع وعللها، لابن خالويه (١:١٢٢).\n(٦) معاني القرآن (١:٢٣٩).","vol":"1","page":308},{"text":"أي: كالقصور، وقالَ بعضُهم: «كَالْقَصَرِ» (١)؛ أي: كأعناقِ الإبلِ» (٢).\nثالثًا: الأُسْلُوبُ العَرَبِيُّ فِي الخِطَابِ القُرْآنِيِّ:\nلقدْ كانتِ الأساليبُ العربيَّةُ في الخطابِ القرآنيِّ في كتابِ (معاني القرآن) قليلةً، كغيرها ممَّا يتعلقُ بمعاني القرآنِ، وسأذكرُ بعضَ الأمثلةِ التي أوردَها في كتابِه، وهي:\n١ - التَّقْدِيمُ وَالتَّاخِيرُ:\nالأصلُ في تفسير الكلامِ أنْ يُفسَّر على ترتيبهِ في النَّظْمِ، غيرَ أنَّ هذا الأصلَ قدْ يُتجاوزُ، فيقدَّمُ ما حقُّهُ التأخيرُ في ترتيبِ النَّظْمِ، ثُمَّ إِنَّهُ قدْ يكونُ لهذا التَّقديمِ والتَّأخيرِ أثرٌ في اختلافِ المعنى، ومنَ الأمثلةِ التي ذكرَها في موضوعِ التَّقديمِ والتَّأخيرِ ولها أثرٌ في المعنى: ما وردَ في قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٣، ٤٤]، حيث قال: «... والمعنى - والله أعلم ـ: وما أرسلنا منْ قبلِكَ إلاَّ رجالًا يُوحَى (٣) إليهم بالبيناتِ والزُّبرِ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» (٤).\n_________\n(١) القراءة المتواترة (كالقَصْر) بفتح القاف وسكون الصاد، وقرأ ابن عباس وسعيد بن جبير (كالقَصَر) بفتح القاف والصاد. ينظر القراءة وتوجيهها في: المحتسب في شواذ القراءات، لابن جني (٢:٣٤٦ - ٣٤٧). وإعراب القراءات السبع وعللها (٢:٤٢٩).\n(٢) معاني القرآن (٢:٥٦٣).\n(٣) كذا جاءت في كتابه، وهي قراءة الجمهور، سوى حفصٍ عن عاصم. ينظر: إعراب القراءات السبع وعللها (١:٣٣٥).\n(٤) معاني القرآن (١:٣٢٨)، وينظر قبل هذا النقل وبعده فهو في أمثلةِ التقديم والتأخير؛ لكن بعضها لا يتأثر به المعنى، والله أعلم.","vol":"1","page":309},{"text":"فجعل ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ يتعلقُ بقوله: ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾. ولو كان الكلام على ترتيبه في النظم، لكان قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ متعلقًا بـ ﴿لاَ تَعْلَمُونَ﴾، ويكون المعنى: إنْ كنتمْ لا تعلمونَ بالبيناتِ والزبرِ التي نزلتْ على رسولي فاسألوا أهلَ الذكرِ يخبروكم عنْ صِحَّتِهَا، وواضح هاهنا أنَّ بينَ المعنيينِ فرقًا، والله أعلم.\n٢ - أُسْلُوبُ الحَذْفِ وَالاخْتِصَارِ:\nومنْ ذلكَ أن تَحْذِفَ المضافَ وتقيمَ المضافَ إليه مقامَه، وتجعلَ الفعلَ له (١).\nوقدْ ذكرَ الأخفشُ (ت:٢١٥) من ذلك قولَه تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٩]، قال: «يعني: أهلَها؛ كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. ولم يَجِئْ بلفظِ القُرَى، ولكنْ أجرى اللَّفظَ على القومِ، وأجرى اللَّفظ في القريةِ عليها إلى قوله: ﴿الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢].\nوقال: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾، ولم يقل: أهلكناهم، حملَه على القومِ؛ كما قال: وجاءت تميم، وجعلَ الفعلَ لبني تميمٍ، ولم يجعلْهُ لتميمٍ، ولو فعلَ ذلك لقالَ: جاءَ تميمٌ، وهذا لا يحسنُ في نحوِ هذا؛ لأنَّه قدْ أرادَ غيرَ تميمٍ في نحوِ هذا الموضعِ، فجعلَه اسمًا، ولم يحتملْ إذا اعْتَلَّ أنْ يحذفَ ما قبلَه كلَّه، يعني: التاءَ من (جاءتْ) مع (بني) وتركَ الفعلَ على ما كان؛ ليدلَّ على أنَّه قدْ حذف شيئًا قبلَ تميمٍ» (٢).\nوهذا يعني أنَّ العذابَ نزلَ على القومِ لا على مجردِ المساكنِ، وأسلوبَ إيقاع الفعلِ على المضافِ إليه، وإرادةُ المضافِ، معروفٌ في لغةِ العربِ.\n_________\n(١) ينظر هذا العنوان في: تأويل مشكل القرآن (ص:٢١٠)، ثم ينظر: الصاحبي في فقه اللغة (ص:٣٣٧).\n(٢) معاني القرآن (٢:٤٣١ - ٤٣٢). وينظر أمثلة من أساليب الخطاب العربي عنده (١:٥٢، ١٣٤، ١٣٧، ١٤٠، ١٤٢ - ١٤٤، ١٧٣، ١٨٩، ١٩١، ١٩٢، ١٩٦، ٢٣٠، ٢٣٣ - ٢٣٤، ٢٦٠، ٣٩٤)، (٢:٤٧١، ٤٧٨).","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>أثرُ المعتقدِ على التَّفسير اللُّغويِّ عند الأخفشِ:</span>\nلقد كان الأخفشُ (ت:٢١٥) ينسب إلى القولِ بالقَدَرِ، وهو مذهب المعتزلة، قال تلميذه المازنيُ (ت:٢٤٨) (١): «وكان الأخفشُ أعلمَ الناسِ بالكلامِ، وأحذقَهم بالجدلِ، وكانَ غلامَ أبي شِمْرٍ (٢) وعلى مذهبِهِ» (٣).\nوهذا المعتقدُ الذي نُسِبَ إليه كانَ ظاهرًا في كتابِه في عدَّةِ مواضعَ (٤)، وقد كانَ له أثرٌ على التَّفسيرِ اللُّغويِّ عندَه.\nومن الأمثلةِ التي ظهرَ فيها أثرُ الاعتزالِ عليه في دلالةِ اللفظِ:\n١ - في قوله تعالى: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، قال: «يعني - والله أعلم - بالنظرِ إلى اللهِ: إلى ما يأتيهم منْ نِعَمِهِ ورزقِهِ، وقد تقولُ: واللهِ ما أنظرُ إلا إلى اللهِ وإليك؛ أي: أنتظرُ ما عندَ اللهِ، وما عندك» (٥).\nإن الأخفش (ت:٢١٥) حَرَّفَ في معنى (نظر إلى) التي لا تكون إلا بالعينِ إلى معنى الانتظارِ، وسببُ ذلكَ اعتقادُه بأنَّ الباريَ لا يُرَى، وقدْ صَرَّحَ بهذا في موضعٍ آخرَ، فقال: «وقولُه: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]،\n_________\n(١) بكر بن محمد بن بقية، أبو عثمان المازني، النحوي، البصري، روى عن: أبي عبيدة والأصمعي والأخفش، وهو أستاذ المبرد، توفي سنة (٢٤٨)، وقيل غيرها.\nوالمازني كان على حِذق بالكلام، كما قال عنه المبرد: «كان إذا ناظر أهل الكلام، لم يستعن بشيء من النحو، وإذا ناظر أهل النحو، لم يستعن بشيء من الكلام». ينظر: مراتب النحويين (ص:١٢٦ - ١٢٩)، وإنباه الرواة (١:٢٨١ - ٢٩١).\n(٢) أبو شِمْر، أحد أئمة القدرية المرجئة، قال عنه الجاحظ: «كان شيخًا وقورًا زميتًا ركينًا». البيان والتبيين (١:٩١ - ٩٢).\n(٣) مراتب النحويين (ص:١١١)، وينظر: طبقات النحويين واللغويين (ص:٧٤)، وقد ذكر عنه ذلك تلميذه أبو حاتم كما في طبقات النحويين واللغويين (ص:٧٣)، وإنباه الرواة (٢:٣٨).\n(٤) ينظر: معاني القرآن (١:٣٦، ٦٢، ٧٠، ١٨٣، ١٩٦، ٢٧٠)، (٢:٤٤٥، ٤٩٧، ٥٣٨).\n(٥) معاني القرآن (٢:٥٥٨)، وينظر: (١:٢٢٣، ٣٣٠، ٣٣٦).","vol":"1","page":311},{"text":"يقول: تَنْظُرُ في رزقِها وما يأتيها من اللهِ؛ كما يقولُ الرجلُ: ما أنظرُ إلا إليك.\nولو كان نَظَرَ البصرِ كما يقول بعضُ النَّاسِ، كانَ في الآية التي بعدها بيانُ ذلكَ، ألا ترى أنَّه قالَ: ﴿وَوَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ *تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤، ٢٥]، ولم يقلْ: ووجوهٌ لا تنظرُ ولا تَرَى.\nوقولُه: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] يدلّ الظَّنُّ هاهنا على أنَّ النظرَ ثَمَّ: الثقةُ بالله وحُسْنُ اليقينِ، ولا يدلُّ على ما قالوا. وكيفَ يكونُ ذلكَ، واللهُ يقولُ: ﴿لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]» (١).\nوالمقصود هاهنا أن مذهبَه الاعتزاليَّ قدْ أثَّرَ في تفسيره لمعنى النَّظَرِ إلى الباري سبحانه، وجاءَ بما يخالفُ اللُّغةَ. وقد ردَّ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) ما فسَّرَ به الأخفشُ (ت:٢١٥)، فقال: «ومنْ قالَ: إنَّ معنى قولِه: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]؛ بمعنى: مُنْتَظِرَة، فقد أخطأَ؛ لأنَّ العربَ لا تقولُ: نَظَرْتُ إلى الشيءِ؛ بمعنى: انْتَظَرْتُهُ، إنما تقولُ: نَظَرْتُ فلانًا؛ أي: انْتَظَرْتُهُ، ومنه قولُ الحطيئةِ (٢):\nوَقَدْ نَظَرْتُكُمْ أَبْنَاءَ صَادِرَةٍ ... لِلْوِرْدِ طَالَ بِهَا حَوْزِي وَتَنْسَاسِي\nفإذا قلتَ: نَظَرْتُ إِليه، لَمْ يكنْ إلاَّ بالعينِ. وإذا قلتَ: نَظَرْتُ في الأمرِ، احتملَ أنْ يكونَ تَفَكُّرًا وتَدَبُّرًا بالقلبِ» (٣).\n٢ - وقال الأخفش (ت:٢١٥): «... وكذلكَ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٣]، كما تقولُ: إنَّ لفلانٍ عندي يدًا؛ أي: نِعْمَةً. وقال: ﴿أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]؛ أي: أولي النِّعَمِ، وقدْ تكونُ اليدُ في وجوهٍ، تقول: بين يدي الدارِ؛ يعني: قُدَّامَهَا، وليستْ للدارِ يدانِ» (٤).\n_________\n(١) معاني القرآن (١:٣٣٠).\n(٢) البيت في ديوانه (ص:٤٦).\n(٣) تهذيب اللغة (١٤:٣٧١).\n(٤) معاني القرآن (١:٢٨٤).","vol":"1","page":312},{"text":"إنَّ الأخفشَ (ت:٢١٥) صرفَ مدلولَ اليَدِ في هذه الآيةِ إلى أحدِ المحتملاتِ اللغويةِ التي تناسبُ معتقدَهُ في نفي الصفةِ عنِ اللهِ، ولمْ يراعِ السِّياقَ في تفسيرِهِ هذا؛ لأنَّ السِّياقَ على تفسيرِهِ: بلْ نعمتاه مبسوطتانِ، والنِّعْمَةُ لا تُوصَفُ بالغَلِّ كي يقال: إنها مبسوطةٌ، وإنما دعاه إلى ذلك اعتزاليَّتُه في فَهْمِ الصِّفاتِ، فتركَ دلالةَ ظاهر معنى اللَّفظ، ودلالة السِّياقِ التي تدلُّ على المحتملِ المرادِ بهذه اللَّفظةِ في هذا النَّصِّ، وهذا ديدنُ أهلِ البدعِ في مثلِ هذه الألفاظِ المجرَّدَةِ التي يكون لها أكثر من مدلول، فيتركون ما يدلُّ عليه السياق، ويذهبون باللفظ إلى ما يناسب معتقدهم، وقد أشارَ إلى ذلك سعيدُ بنُ عثمانَ الدَّارميُّ (ت:٢٨٢) (١) في كلامٍ نَفِيسٍ؛ فقالَ: «... فإذا ادَّعَيتَ أنَّ اليدَ قدْ عُرِفَتْ في كلامِ العربِ أنها نعمة، وقوة. قلنا لكَ: أجلْ، ولسنا بتفسيرِها منك بأجهلْ، غيرَ أنَّ تفسيرَ ذلك يستبينُ في سياقِ كلامِ المتكلمِ حتى لا يُحتَاجُ له من مثلك (٢) إلى تفسيرٍ.\nإذا قالَ الرجلُ: لفلانٍ عندي يدٌ أكافئه عليها، عَلِمَ كلُّ عالمٍ بالكلامِ أنَّ يدَ فلانٍ ليست بائنةً منه موضوعةً عندَ المتكلمِ، وإنما يرادُ بها النعمةُ التي يَشْكُرُ عليها. وكذلك إذا قالَ: فلانٌ لي يدٌ، أو عَضُدٌ، أو ناصرٌ، علمنا أنَّ فلانًا لا يمكنُه أنْ يكونَ نَفْسَ يَدِهِ: عضوِهِ، ولا عَضُدِهِ، فإنما عنى به النُّصْرَةَ والمعونَة والتَّقْوِيَةَ.\nفإذا قالَ: ضربني فلانٌ بيدِهِ، وأعطاني الشيءَ بيدِهِ، وكتبَ لي بيدِهِ. استحالَ أنْ يُقالَ: ضربني بنعمته، وعَلِمَ كُلُّ عالِمٍ بالكلامِ أنها اليَدُ التي بها يضربُ، وبها يكتبُ وبها يعطي، لا النعمة ...» (٣).\n_________\n(١) عثمان بن سعيد بن خالد، أبو سعيد الدارمي، العلامة، الحافظ الناقد، الإمام الحجة، روى عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهما، وروى عنه: زكريا بن أحمد ومحمد بن إسحاق الهروي وغيرهما، كان من المدافعين عن عقيدة السلف، وله من الكتب: الرد على الجهمية، توفي سنة (٢٨٢). سير أعلام النبلاء (١٣:٣١٩ - ٣٢٦)، وشذرات الذهب (٢:١٧٦).\n(٢) يقصد بشرًا المريسي.\n(٣) رد الإمام الدارمي على بشر المريسي، تحقيق: محمد حامد الفقي (ص:٣٩).","vol":"1","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>ثالثًا مَعَانِي القُرْآنِ وَإعْرَابُهُ للزَّجَّاجِ</span>\nبدأ أبو إسحاقَ الزَّجَّاجُ (ت:٣١١)، إملاء كتابه في صفر، سنة خمسٍ وثمانينَ ومائتين، وأتمَّه في شهرِ ربيعٍ الأولِ، سنة إحدى وثلاثمائة (١).\nولقدْ كانَ الزَّجَّاجُ (ت:٣١١) نحويًّا لغويًّا بصريَّ المذهبِ، فكتبَ كتابه في معاني القرآنِ وإعرابِه، وقال في أوَّلِه: «هذا كتابٌ مختصرٌ في إعرابِ القرآنِ ومعانيهِ» (٢).\nوقالَ في موطنٍ من كتابِه: «وهذا البابُ فيه صعوبةٌ، إلاَّ أنَّ كتابَنا هذا يتضمَّنُ شرحَ الإعرابِ والمعاني، فلا بدَّ من استقصائِها على حسبِ ما يُعلمُ» (٣).\nوهذا يعني أنَّه سيتعرَّضُ لعلمَي المعاني والإعرابِ كسابقَيه، وقدْ كانتْ أصولُه في الإعرابِ على مذهبِ البصريِّينَ، حتى إنَّه شدَّدَ في نقدِه الكوفيِّينَ، فقال - عند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨]ـ: «و﴿ذَلِكَ﴾: الكافُ فيه للمخاطبةِ، واللام في ﴿ذَلِكَ﴾ كُسِرَتْ لالتقاءِ الساكنينِ، ولم يذكرِ الكوفيونَ كَسْرَ هذه اللامِ في شيءٍ منْ كتبِهم ولا عرفوه، وهذه منَ الأشياءِ التي ينبغي أنْ يتكلَّمُوا فيها، إذ كان ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى كُلِّ\n_________\n(١) ينظر: معجم الأدباء (١:١٥١).\n(٢) معاني القرآن وإعرابه (١:٣٩).\n(٣) معاني القرآن وإعرابه (١:٢٠٦).","vol":"1","page":314},{"text":"متراخٍ عنك، إلاَّ أنَّ تركَهُم الكلامَ أَعْوَدُ عليهم منْ تَكَلُّمِهِم، إذْ كانَ أوَّلَ ما نطقوا به في «فَعِلَ» قد نقضَ سائرَ العربيةِ، وقد بيَّنا ذلكَ قديمًا» (١).\nوكانَ علمُ الإعرابِ في كتابِه كثيرًا، كما كان عند الفراء (ت:٢٠٧) والأخفش (ت:٢١٥)، غير أنَّه أكثرَ من التفسيرِ وبيانِ المعاني، فكان بذلك متقدِّمًا عليهما.\nوهناك نصٌّ يشيرُ إلى أنَّ الإعرابَ هو المقصودُ الأوَّلُ الذي أرادهُ بكتابِه هذا، فقد قالَ: «وإنَّما نذكرُ مع الإعراب المعنى والتفسيرَ؛ لأنَّ كتابَ اللهِ ينبغي أنْ يتبيَّنَ، ألا ترى أنَّ الله يقولُ: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢، محمد: ٢٤]، فحُضِضْنا على التَّدبرِ والنَّظَرِ» (٢)، فجعل التَّفسيرَ والمعنى مع الإعرابِ على سبيلِ التَّبعيَّةِ في البحثِ، لا الأصل.\nويمكنُ لمطَّلعٍ على الكتابِ أنْ يرى اهتمامه الفائقَ بالإعرابِ منْ خلالِ سورةِ الفاتحةِ وأوائلِ سورةِ البقرةِ.\nولا يختلفُ الزَّجَّاجُ (ت:٣١١) في ذكرِهِ لمسائلِ اللُّغةِ عنِ الذينَ سبقوه من اللُّغويَّينَ، وسأذكرُ بعضَ الصُّورِ اللُّغويَّةِ التي ذكرَهَا:\nأوَّلًا: بَيَانُ دَلاَلَةِ الأَلْفَاظِ:\nكانَ الزَّجَّاجُ (ت:٣١١) يحرصُ على بيانِ دلالةِ الألفاظ وتحريرِ معناها في لغةِ العربِ وبيانِ أصلِ اشتقاقِها، كما كان يستشهدُ لبعضِها من لغةِ العربِ ومن أمثلةِ الألفاظِ التي بيَّنَهَا بدونِ استشهادٍ:\n١ - في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]: «قالَ أبو عبيدةَ: معناه: «لأهلكَكُم» (٣). وحقيقتُه: ولو شاءَ اللهُ لَكَلَّفَكُمْ ما يَشْتَدُّ\n_________\n(١) معاني القرآن وإعرابه (٢:١٩٨).\n(٢) معاني القرآن وإعرابه (١:١٨٥). وكأنَّ في عبارته إشارةً إلى أنَّه ليس كلُّ ما يُذكرُ من الإعرابِ يفهمُ به كتابُ الله، بلْ لا بدَّ من التفسيرِ لبيانِ المعنى. والله أعلم.\n(٣) مجاز القرآن (١:٧٣).","vol":"1","page":315},{"text":"عليكم فَتَعْنَتُونَ. وأصلُ العنتِ في اللغةِ مِنْ قولِهم: عَنِتَ البَعِيرُ: إذا حَدَثَ في رجلِه كَسْرٌ بعد جَبْرٍ لا يمكنه معه تصريفُها، ويقالُ: أَكَمَةٌ عَنُوتٌ: إذا كانَ لا يمكنُ أن يُجَازيَهَا (١) إلاَّ بمشقةٍ عنيفةٍ» (٢).\n٢ - وفي قوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢]، قال: «النقيبُ في اللغةِ كالأميرِ والكفيلِ، ونحنُ نبينُ حقيقتَه واشتقاقَه إنْ شاءَ اللهُ.\nيقالُ: نَقَبَ الرَّجلُ على القوم يَنْقُبُ: إذا صارَ نَقِيبًا عليهم، وما كانَ نقِيبًا، ولقد نَقُبَ، وصناعته: النَّقَابَةُ، وكذلكَ: عَرَفَ عليهم: إذا صارَ عَرِيفًا، ولقد عَرُفَ. ويقالُ لأَوَّلِ ما يبدو من الجَرَبِ (٣): النُّقْبَةُ، ويُجمعُ: النُّقُبُ، قال الشاعر (٤):\nمُتَبَذِّلًا تَبْدُو مَحَاسِنُهُ ... يَضَعُ الهِناءَ مَوَاضِعَ النُّقْبِ\nوالنُّقْبَةُ، وجمعُها نُقُبٌ: سراويلُ تلبسُها المرأةُ بلا رجلين.\nويقالُ: فلانَةٌ حسنَةُ النُّقْبَةِ والنِّقَابِ. ويقال: في فلانٍ مَنَاقِبُ جميلةٌ، وهو حسنُ النَّقِيبَةِ؛ أي: حسنُ الخَلِيقَةِ.\nويقالُ: كَلْبٌ نَقِيبٌ: وهو أنْ تُنْقَبَ حَنْجَرَةُ الكلبِ لئلاَّ يطرقهم ضيفٌ بسماعِ نُبَاحِ الكلابِ.\n_________\n(١) أي: يجوزها ويمُرُّ بها.\n(٢) معاني القرآن وإعرابه (١:٢٩٤ - ٢٩٥).\n(٣) الجرب: بثرٌ يعلو أبدان الناس والإبل. ينظر: تاج العروس، مادة (جرب).\n(٤) هو دريد بن الصُّمَّة، وهو في ديوانه، تحقيق: عمر عبد الرسول (ص:٤٤).\nوالبيت قاله في الخنساء: الشاعرة المعروفة، وكانت تَهْنَأُ إبلًا جربى؛ أي: تطليها بالقطران، فَنَضَتْ عنها ثيابها لتغتسل، فرآها، فقال قصيدته التي أولها:\nحَيُّوا تمَاضِرَ وارْبَعُوا صَحْبي ... وَقِفُوا إنَّ وُقُوفَكُمْ حَسْبِي\nقال أبو علي القالي: «والنُّقْبُ: القِطعُ المتفرِّقة من الجرب في جلد البعير، ويقال: النُّقَبُ، أيضًا بفتح القاف، والواحدة: نُقبة». ينظر: الأمالي، لأبي علي القالي (٢:١٦١).","vol":"1","page":316},{"text":"وهذا البابُ كلُّه يجمعُه التَّأثيرُ الذي له عُمْقٌ ودُخُولٌ، فمنْ ذلكَ: نَقَبْتُ الحائطَ؛ أي: بَلَغْتُ في الثَّقْبِ آخرَهُ، ومنْ ذلك: النُّقْبَةُ منَ الجربِ؛ لأنَّه دَاءٌ شديدُ الدُّخُولِ، والدليلُ على ذلكَ: أنَّ البعيرَ يُطْلَى بالهِنَاءِ، فيوجدُ طعمُ القَطِرَانِ في لحمِه.\nوالنُّقْبَةُ: هذه السراويلُ التي لا رجلينَ لها، قد بُولِغ في فتحِها ونقبِها.\nونِقَابُ المرأةِ: وهو ما ظهرَ من تَلَثُّمِها من العينين والمَحَاجِرِ.\nوالنَّقْبُ: الطريقُ في الجبلِ. وإنَّما قيل: نَقِيبٌ؛ لأنَّه يعلمُ دخيلةَ القومِ ويعرفُ مَنَاقِبَهُمْ، وهو الطريقُ إلى معرفةِ أمورِهِم» (١).\n٣ - وفي قوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤]: «أي: في الجحيمِ، ومعنى ﴿فَكُبْكِبُوا﴾: طُرِحَ بعضُهم على بعضٍ. وقال أهلُ اللُّغةِ: معناه: هُوِّرُوا (٢). وحقيقةُ ذلكَ في اللُّغةِ تكريرُ الانكبابِ؛ كأنَّه إذا أُلقِيَ، يَنْكَبُّ مَرَّةً بعد مَرَّةٍ حتى يستقرَّ فيها» (٣).\nأمَّا جانب الاستشهاد، فقدْ بلغتِ الشواهدُ الشعريةُ مع عَدِّ المكرر منها في الاستشهادِ في كتابِ (معاني القرآن وإعرابه) قرابةَ سِتَّةٍ وتسعينَ وخمسمائةِ شاهدٍ شعريٍّ، وكثيرٌ من هذه الشَّواهدِ في مسائلِ النَّحْوِ والصَّرْفِ، وفيها ما هو في بيانِ دلالةِ الألفاظِ، إلاَّ أنَّه الأقلُّ، كما هي العادةُ في الكتبِ التي تجمعُ بين الإعرابِ والمعاني، ومنْ أمثلةِ هذه الشَّواهدِ الشِّعريةِ:\n١ - في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]، قال: «ومعنى ﴿يُوفِضُونَ﴾: يُسْرِعُونَ، قال الشاعر (٤):\n_________\n(١) معاني القرآن وإعرابه (٢:١٥٧ - ١٥٩). وينظر: (٢:٢٣٠، ٢٣٣).\n(٢) يقال: هَوَّرَ الرجلَ: صرعَه، وهَوَّرَ البناءَ: هدمَه، القاموس المحيط، مادة (هور).\n(٣) معاني القرآن وإعرابه (٤:٩٤).\n(٤) البيت من شواهد الفراء في كتابه معاني القرآن (٣:١٨٦)، وفيه: «ظلَّت»، بدلًا عن «تعدو»، واستشهد به الطبري في تفسيره، ط: الحلبي (٢٩:٨٩) وفيه «تغدو»، بدل =","vol":"1","page":317},{"text":"لأنْعِتَنْ نَعَامَةً مِيفَاضا ... خَرْجَاءَ تَعْدُو تَطْلُبُ الأضَاضا\nالمِيفَاضُ: السَّرِيعَةُ.\nوخَرْجَاءُ: ذَاتُ لونينِ: سوادٍ وبياضٍ.\nومعنى الأَضَاضِ: الموضعُ الذي يُلجَأُ إليه، يقال: أضَّتْنِي إليك الحاجةُ أَضَاضًا» (١).\n٢ - في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، قالَ: «والمحرابُ: أشرفُ المجالسِ، والمُقَدَّمُ فيها. وقدْ قيلَ أنَّ مساجدَهم كانت تُسمَّى المحاريبَ.\nوالمحرابُ في اللغةِ: الموضعُ العالي الشريفُ، قال الشاعر (٢):\nرَبَّةُ مِحْرَابٍ إذَا جِئْتُهَا ... لَمْ أَلْقَهَا أوْ أَرْتَقِي سُلَّمَا\nومنه قولُه تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١]» (٣).\n٣ - وفي تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]، قال: «ومعنى ﴿يَخْصِفَانِ﴾: يجعلانِ ورقةً على ورقةٍ، ومنه قيلَ للخَصَّافِ الذي يرقعُ النَّعْلَ: هو يَخْصِفُ، قال الشاعر (٤):\n_________\n= «تعدو»، وهو في الصحاح ولسان العرب وتاج العروس، مادة (أضض).\n(١) معاني القرآن وإعرابه (٥:٢٢٤).\n(٢) البيت لوضَّاحِ اليَمَنِ، وهو من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (٢:١٤٤)، وجمهرة اللغة (١:٢٧٦)، ولسان العرب وتاج العروس، مادة (حرب).\n(٣) معاني القرآن وإعرابه (١:٤٠٣). وقال في آية سورة ص التي ذكرها: «والمحراب: أرفع بيت في الدار، وكذلك هو أرفع مكانٍ في المسجد. والمحراب هاهنا كالغرفة» ثمَّ ذكر قول الشاعر. ينظر (٤:٣٢٥).\n(٤) البيت للأعشى، وهو في ديوانه (ص:٢٠٠)، وصدره:\nقَالَتْ أرَى رَجُلًا في كَفِّهِ كَتِفٌ ... .........","vol":"1","page":318},{"text":"... ... أوْ يَخْصِفُ النَّعْلَ لَهْفِي أيَّةً صَنَعَا\nويجوزُ: يَخْصِفَانِ ويَخِصِّفَانِ، والأصلُ الكسرُ في الخاءِ، وفتحُها وتشديدُ الصادِ، ويكون المعنى: يختصفان» (١).\nثانيًا: المُحْتَمَلاَتُ اللُّغَوِيَّةُ:\nإذا احتملَ اللَّفظُ أكثرَ منْ دلالةٍ بسببِ الاشتراكِ أو غيرِه، فإنَّه يبيِّنُ ذلك، ومن ذلك:\n١ - تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣]، قال: «أي: مِمَّن له سَحْرٌ، والسَّحْرُ: الرِئةُ؛ أي: إنما أنت بشرٌ مثلنا. وجائزٌ أن يكون من المسحَّرين: من المُفَعَّلِينَ، من السِّحْرِ؛ أي: مِمَّنْ قد سُحِرَ مرَّةً بعد مرَّةٍ» (٢).\n٢ - في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]، قال: «فمن قرأ ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ بالفتح، ففيه وجهان:\nأحدهما: أن يكون المعنى: لعلكمْ إنْ تولَّيتم عن ما جاءكم به النبي ﷺ، أنْ تعودوا إلى أمرِ الجاهليةِ، فَتفْسِدُوا، ويَقْتُلُ بعضكمْ بعضًا. ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾؛ أي: تَئدُوا البناتِ؛ أي: تدفنونهنَّ أحياء.\nويجوزُ أنْ يكونَ: فِعلُكمْ إذا تولَّيتمْ الأمرَ أنْ تُفسِدوا في الأرضِ وتقطعوا أرحامَكم، ويقتُلُ قريشٌ بني هاشمٍ، وبنو هاشمٍ قريشًا، وكذلك إن توليتم» (٣).\n٣ - وفي قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]، قال: «قال أهل اللغة وأكثرُ أهلِ التفسيرِ: النجمُ: كلُّ ما نبتَ على وجهِ الأرضِ ممَّا ليسَ لهُ ساقٌ. والشجرُ: كلُّ ما كانَ لهُ ساقٌ.\n_________\n(١) معاني القرآن وإعرابه (٢:٣٢٧).\n(٢) معاني القرآن وإعرابه (٤:٩٦ - ٩٧).\n(٣) معاني القرآن وإعرابه (٥:١٣).","vol":"1","page":319},{"text":"ومعنى سجودِهما: دورانُ الظِّلِّ معهما؛ كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨].\nوقدْ قيلَ: إنَّ النجمَ أيضًا يرادُ به النجومُ، وهذا جائزٌ أنْ يكونَ؛ لأنَّ الله ﷿ قدْ أعلمَنَا أنَّ النجمَ يسجدُ، فقالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ﴾ [الحج: ١٨].\nويجوزُ أنْ يكونَ النَّجمُ ههنا، يعني به ما نبت على وجهِ الأرضِ، وما طلعَ من نجومِ السماءِ، يقالُ لكلِّ ما طلعَ: قدْ نَجَمَ» (١).\nثَالِثًا: تَوْجِيهُ القِرَاءاتِ:\nإذا اختلفَ مدلولُ اللفظِ بسببِ اختلافِ القراءةِ، فإنَّه يبينُ هذا الاختلافَ، ومن ذلكَ تفسيرُه لقولِه تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧]، قال: «ويُقرأ: «خَلْقَ»، فمن قرأ «خُلُقَ»: بضمِّ الخاءِ، فمعناه: عادةُ الأوَّلينَ. ومن قرأ «خَلْقُ» بفتحِ الخاءِ، فمعناه: اختلاقُهم وكَذِبُهم (٢).\nوفي ﴿خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ وجهٌ آخرُ؛ أي: خُلِقْنَا كما خُلِقَ منْ كانَ قَبْلَنَا، نَحْيَا كما حَيَوا، ونموت كما ماتوا ولا نُبْعَثُ؛ لأنهم أنكروا البعثَ» (٣).\n٢ - وقال: «وقولُه ﷿: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم: ١٢] و«أفَتُمَارُونَهُ»، وقُرِئت بالوجهين جميعًا (٤).\n_________\n(١) معاني القرآن وإعرابه (٥:٩٦).\n(٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي والحضرمي بفتح الخاء وسكون اللام. وقرأ الباقون بضم الخاء واللام. ينظر: القراءات وعلل النحويين فيها (٢:٤٧٦)، والسبعة (٤٧٢).\n(٣) معاني القرآن وإعرابه (٤:٩٧).\n(٤) قرأ حمزة والكسائي بفتح التاء بغير ألف وسكون الميم: «أَفَتَمْرُونَهُ»، وقرأ الباقون بضم التاء وألف: «أَفَتُمَارُونَهُ». ينظر: السبعة في القراءات (ص:٦١٥)، والتذكرة في القراءات (١:٦٩٧).","vol":"1","page":320},{"text":"فمن قرأ: «أَفَتَمْرُونَهُ»، فالمعنى: أفتجحدونه.\nومن قرأ: «أَفَتُمَارُونَهُ»، فمعناه: أتجادلونه في أنه رأى الله ﷿ بقلبه، وأنه رأى الكبرى من آيات ربه» (١).\n٣ - وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤]، قال: «﴿وَمَا هُوَ عَلَى الغَيبِ بِظَنِينٍ﴾، ويُقرأ: «بِضَنِينٍ» (٢).\nفمن قرأ: «بظنِينٍ»، فمعناه: ما هو على الغيبِ بمتَّهمٍ، وهو الثقةُ فيما أدَّاهُ عن اللهِ ﷿، يقالُ: ظَنَنْتُ زيدًا في معنى: اتَّهمتُ زيدًا.\nومن قرأ: «بِضَنِينٍ»، فمعناه: ما هو على الغيبِ ببخيلٍ؛ أي: هو ﷺ يؤدِّي عن الله، ويعلِّمُ كتاب الله» (٣).\nرَابِعًا: بَيَانُ الأُسْلُوبِ العَرَبي:\nمما كانت كتب معاني القرآن تحرص عليه وتورده: الأسلوبُ العربيُّ الذي نزل به القرآن، وقد بين الزَّجَّاج (ت:٣١١) كغيره ممن كتب في هذا العلم بعضًا من الأساليب التي نزل بها القرآن موافقًا لأساليب العرب، ومن ذلك:\n١ - في قوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، قال: «وقال: ﴿خَاضِعِينَ﴾، وذَكَّرَ الأعناقَ؛ لأنَّ خضوعَ الأعناقِ هو خضوعُ أصحابِ الأعناقِ، لَمَّا لم يكنِ الخضوعُ إلاَّ لخضوعِ الأعناقِ (٤) جازَ أن يُعبِّرَ (٥) عن\n_________\n(١) معاني القرآن وإعرابه (٥:٧١ - ٧٢).\n(٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالظاء، وقرأ نافع وعاصم وحمزة وابن عامر بالضاد.\nينظر: السبعة في القراءات (ص:٦٧٣)، والتذكرة في القراءات، لابن غلبون، تحقيق: عبد الفتاح بحيري (٢:٧٥٦).\n(٣) معاني القرآن وإعرابه (٥:٢٩٣).\n(٤) في تهذيب اللغة (١:١٥٣): «إلاَّ بخضوع الأعناق».\n(٥) في تهذيب اللغة (١:١٥٣): «جاز أن يُخْبِرَ».","vol":"1","page":321},{"text":"المضافِ إليه، كما قالَ الشاعرُ (١):\nرَأتْ مَرَّ السِّنِين أَخَذْنَ مِنِّي ... كَمَا أَخَذَ السَّرَارُ مِنَ الهِلالِ\nلمَّا كانتِ السِّنُونُ لا تكونُ إلاَّ بِمَرٍّ، أخبرَ عن السِّنِينِ، وإنْ كانَ أضافَ إليها المُرُورَ ...» (٢).\n٢ - وفي قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] قال: «المعنى: كان ما بينه وبينَ رسولِ اللهِ مقدارَ قوسينِ مِنَ القَسِيِّ العربيَّةِ أو أقربَ.\nوهذا الموضعُ يحتاجُ إلى شرحٍ؛ لأنَّ القائلَ قد يقولُ: ليسَ تخلو «أو» منْ أنْ تكونَ للشَّكِّ أوْ لغيرِ الشَّكِّ، فإنْ كانتْ للشَّكِّ، فمُحَالٌ أنْ يكونَ موضعَ شكٍّ. وإنْ كانَ معناها: بلْ أدنى، بلْ أقرب، فما كانتِ الحاجةُ إلى أنْ يقولَ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٩]، كانَ ينبغي أنْ يكونَ: كانَ أدنى منْ قابِ قوسينِ؟\nوالجوابُ في هذا - واللهُ أعلمُ ـ: أنَّ العبادَ خُوطبوا على لغتِهم ومقدارِ فهمِهم، وقيلَ لهم في هذا ما يقالُ للذي يَحْرِزُ، فالمعنى: فكانَ على ما تُقدِّرونَه أنتم، قَدْرَ قوسينِ أو أقلَّ منْ ذلكَ، كما تقولُ في الذي تُقَدِّرُهُ: هذا قَدْرُ رمحينِ أو أنقصُ من رمحينِ أو أرجَحُ، وقد مَرَّ مثل هذا (٣) في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]» (٤).\n_________\n(١) البيت لجرير، وهو في ديوانه، شرح محمد بن حبيب (٢:٥٤٦).\nوقال شارحه: «والسَّرار: ليلتان تبقيان من الشهر. إذا كان تامًّا، كان سراره ليلتين، وإذا كان ناقصًا، كان سَراره ليلة، وهو أن يسْتَسِرَّ القمر بذلك البُرْجِ، ثُمَّ يُهِلُّ بعد يومٍ».\n(٢) معاني القرآن وإعرابه (٤:٨٢).\n(٣) ينظر: معاني القرآن وإعرابه (٤:٣١٤).\n(٤) معاني القرآن وإعرابه (٥:٧١).","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>أثر المعتقد على التفسير اللُّغوي عند الزَّجَّاج:</span>\nلقد وصِفَ الزَّجَّاجُ (ت:٣١١) بأنَّه من أهلِ الفضلِ والدينِ، وأنَّه كانَ حسنَ الاعتقادِ، جميلَ المذهبِ (١). ولما حضرتْهُ الوفاةُ، كانَ آخرَ ما سُمِعَ منه: «اللَّهُمَّ احشرني على مذهبِ أحمد بنِ حنبلٍ» (٢)، وقد كانَ روى عن ابنِ أحمدَ؛ أعني: عبدَ اللهِ، شيئًا من كُتبِ والدِه، منها كتاب التَّفسير، للإمامِ أحمدَ (٣)، ومن كانَ على هذا الوصفِ فإنَّ في هذا دلالةً على حُسنِ اعتقادِه، واللهُ أعلمُ.\nغيرَ أنَّكَ سَتَجِدُ له في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩]، قولَه: «أي: لو شاء لأنزل آيةً تضطرُّ الخلقَ إلى الإيمانِ به، لكنَّه ﷿ يهدي من يشاءُ، ويدعو إلى صراطٍ مستقيمٍ» (٤).\nقال ابن عطية (ت:٥٤٢): «معناه: «لخلقَ الهدايةَ في قلوبِ جميعِكم، ولم يَضِلَّ أحدٌ. وقال الزجاجُ: معناه: لو شاء لعرضَ عليكم آيةً تضطركم إلى الإيمانِ والاهتداء.\nقال القاضي أبو محمد ﵀: وهذا قولُ سوءٍ لأهلِ البدع الذين يرونَ الله لا يخلقُ أفعالَ العبادِ، لم يحصِّلْه الزَّجَّاج، ووقع فيه رحمة اللهِ من غيرِ قصدٍ» (٥).\nوقال أبو حيان الأندلسيُّ (ت:٧٤٥) - معلقًا على هذا ـ: «ولم يعرف ابنُ\n_________\n(١) ينظر: تاريخ بغداد (٦:٨٩).\n(٢) معجم الأدباء (١:١٣٠).\n(٣) ذكر ذلك في مواضِع، منها: «قال أبو إسحاق: روينا عن أحمد بن حنبل ﵀ في كتابه «كتابِ التفسيرِ»، وهو مما أجازه لي عبد الله ابنه، عنه». معاني القرآن وإعرابه (٤:٨)، وقال: «وكذلك أكثر ما رويتُ في هذا الكتابِ من التفسيرِ، فهو من كتاب التفسير عن أحمد بن حنبل». معاني القرآن وإعرابه (٤:١٦٦).\n(٤) معاني القرآن وإعرابه (٣:١٩٢).\n(٥) تفسير ابن عطية، ط: قطر (٨:٣٧٨).","vol":"1","page":323},{"text":"عطيةَ أنَّ الزَّجَّاجَ معتزليٌّ، فلذلك تأوَّل أنه لم يحصِّلْه، وأنه وقعَ فيه من غيرِ قصدٍ» (١).\nفهلْ صحيحٌ أنَّ الزَّجَّاجَ (ت:٣١١) كانَ معتزليًّا؟\nلا يظهرُ أنَّ الزَّجَّاجَ (ت:٣١١) كانَ معتزليًّا أبدًا، ولا أدري من أينَ أخذَ أبو حيَّانٍ (ت:٧٤٥) عليه هذا المعتقدَ.\nولقد تتبَّعتُ بعض المسائلِ التي للمعتزلةِ فيها قولٌ واضحٌ؛ كمسألةِ الرُّؤيةِ والكلامِ الإلهيِّ والنَّظرِ إلى وجه الباري - لا حرَمَنا الله منها - والاستواءِ، فألفيتُه يقولُ بقولِ أهلِ السُّنَّةِ صراحةً، مما يدلُّ على أنَّ وقوعَه في هذا التَّفسيرِ الذي انتقدَه عليه ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) كان من غيرِ قصدٍ، وإليكَ هذه المواطنُ:\n* قال: «وقالوا في معنى ﴿اسْتَوَى﴾: استولى - والله أعلم ـ، والذي يدل عليه استوى في اللغة على ما فعله من معنى الاستواء» (٢).\n* وقال: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]: كَلَّمَ اللهُ موسى تكليمًا، خَصَّهُ اللهُ أنَّه لم يكنْ بينه وبين اللهِ - جلَّ ثناؤه - وفيما (٣) سَمِعَ أَحَدٌ، ولا مَلكٌ أسمعَهُ اللهُ كلامَه، فلما سَمِعَ الكلامَ، ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾؛ أي: قد خاطبتني من حيثُ لا أراك، والمعنى: أرني نفسك.\nوقوله: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ﴾: مجزوم، جواب الأمرِ.\n﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾: ولن نفي لما يُستقبل.\n﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾؛ أي: ظهرَ وبانَ» (٤).\n_________\n(١) البحر المحيط، تحقيق: عرفات حسونة (٦:٥١٠).\n(٢) معاني القرآن وإعرابه (٣:٣٥٠).\n(٣) كذا في المطبوع، والصواب أن تُحذف الواو، واللهُ أعلمُ.\n(٤) معاني القرآن وإعرابه (٢:٣٧٣).","vol":"1","page":324},{"text":"* وقال: «قوله: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]: نُضِّرتْ بنعيمِ الجنَّةِ، والنَّظرِ إلى ربِّها، قال الله ﷿: ﴿تَعْرِفُ فِي وَجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]» (١).\n* وقال: «وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]؛ الحسنى: الجنَّةُ، و«زيادة» في التَّفسيرِ: النَّظرُ إلى وجه اللهِ - جلَّ وعزَّ ـ.\nويجوزُ أن تكونَ تضعيفَ الحسناتِ؛ لأنه قال جلَّ وعزَّ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].\nوالقول في النَّظرِ إلى وجهِ اللهِ كثيرٌ في التَّفسيرِ، وهو مرويٌّ بالأسانيدِ الصِّحاحِ، لا يُشكُّ في ذلكَ» (٢).\nفهذه النُّقولُ تُظهِرُ بُعْدَه عن المعتزلةِ في أخصِّ المسائلِ التي اشتهروا بالقول بها، ولو تتبَّعتَ المسائلَ الأخرى التي للمعتزلةِ فيها رأيٌ، لوجدته يخالفُهم فيها (٣).\nكما أنَّ له كتابًا في تفسيرِ أسماءِ الله الحسنى (٤)، ولا تجدُ فيه ما يوافقُ مذهب المعتزلةِ، فهو بريءٌ مما وصفه به أبو حيان (ت:٧٤٥) عفا اللهُ عنه.\nومما وردَ له في تفسيرِ صفاتِ اللهِ، تفسيرُ لقوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢]، على قراءة ضَمِّ التاء من «عجبتُ» (٥)، قال: «ومن قرأ ﴿عَجِبْتُ﴾، فهو إخبارٌ عن اللهِ.\n_________\n(١) معاني القرآن وإعرابه (٥: ٢٥٣).\n(٢) معاني القرآن وإعرابه (٣: ١٥).\n(٣) ينظر مثلًا: قوله في زيادة الإيمان (١: ٣٣٩، ٣٤٠)، وردُّه قول الأخفش في معنى ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١: ٣٣٩)، وردُّه على من فسَّر ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي﴾ بأنَّه أرني أمرًا عظيمًا (٢: ٣٧٤)، وإثباته حقيقةً كلام النار، في قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (٥: ٤٧)، وإثباته تسبيح المخلوقات حقيقةً (٥: ١٢١)، وغيرها كثيرٌ، وسيأتي نقلُ بعضِ أقواله في هذه الآياتِ في المباحثِ القادمةِ، والله الموفق.\n(٤) الكتاب مطبوع بتحقيق: أحمد يوسف الدقاق.\n(٥) قرأ بضمِّ التاء: حمزة والكسائي، وقرأ الباقون بفتحها. ينظر: المبسوط في القراءات العشر، لابن مهران (ص:٣٧٥).","vol":"1","page":325},{"text":"وقدْ أنكرَ قومٌ هذه القراءةَ، وقالوا: الله ﷿ لا يعجبُ.\nوإنكارُهم هذا غلطٌ؛ لأنَّ القراءةَ والرِّوايةَ كثيرةٌ، والعجبُ من اللهِ ﷿ خلافُه من الآدميِّينَ؛ كما قال: ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]، و﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، والمكرُ من اللهِ والخداعُ خلافُه من الآدميِّينَ.\nوأصلُ العُجبِ في اللُّغةِ: أنَّ الإنسانَ إذا رأى ما ينكرُه، ويقلُّ مثلُه، قال: عَجِبْتُ من كذا وكذا، وكذا إذا فعلَ الآدميونَ ما ينكرُه اللهُ، جازَ أن يقولَ فيه: عَجِبْتُ، واللهُ قد علِمَ الشَّيء قبلَ كونِه، ولكن الإنكار إنما يقع والعجب الذي يلزم به الحجةُ عند وقوع الشيء» (١).\nوكذا ما وردَ عنه في تفسيرِ صفةِ العلمِ في قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، قال: «وهو ﷿ قدْ علِمَ - قبلَ خلقِهم - المجاهدينَ منهم والصابرينَ، ولكَّنه أرادَ العلمَ الذي يقعُ به الجزاءُ؛ لأنه يجازيهم على أعمالهم، فتأويلُه: حتى يعلمَ المجاهدينَ عِلْمَ شهادةٍ، وقد عَلِمَ ﷿ الغيبَ، ولكنَّ الجزاءَ بالثوابِ والعقابِ يقعُ على علمِ الشهادةِ» (٢).\nومن قرأ في كتابِه وجده معظِّمًا للسُّنَّةِ ولسلفِ الأمَّةِ، بخلافِ المعتزلةِ الذينَ لا يعرفونَ لهما حقَّهما، ووقوعُه في أفرادٍ من المسائلِ - لو كان - لا يُخرِجُه عن أهل السُّنَّةِ والجماعةِ، واللهُ الموفقُ.\n_________\n(١) معاني القرآن وإعرابه (٤؛٣٠٠)، وقد نقلها عنه الأزهري في تهذيب اللغةِ (١:٣٨٦)، وكذا نقلها بتصرف في كتابه: القراءات وعلل النحويين فيها (٢:٥٧٥)، وهي أوضحُ مما في كتاب المعاني، قال الأزهري: «... وإذا فعلَ الآدميُّونَ ما يُنكرُه اللهُ، جازَ أن يُقالَ فيه: عَجِبَ اللهُ، واللهُ قد علِمَ الشَّيء قبلَ كونه، ولكنَّ العلم الذي يلزمُ به الحجةُ يقعُ عند وقوعِ الشَّيء».\n(٢) معاني القرآنِ وإعرابه (٥:١٦).","vol":"1","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>المصدر الثالث\nكتب غريب القرآن</span>\nوفيه:\nأولًا: مجاز القرآن، لأبي عبيدة.\nثانيًا: تفسير غريب القرآن، لابن قتيبة.\nثالثًا: غريب القرآن، لابن عُزيز السجستاني.","vol":"1","page":327},{"text":"المصدر الثالث\nكتب غريب القرآن\nالغريبُ لغةً:\nقال في كتابِ العينِ: «الغريبُ: الغامضُ من الكلامِ» (١).\nوفي مدلولِ مادةِ (غَرَبَ) معنى البُعْدِ، فالغامضُ مِنَ الكلامِ يكونُ بعيدًا عن الفَهْمِ والإدراكِ.\nالغريبُ اصطلاحًا:\nولا يقتصرُ غريبُ القرآنِ على هذا المعنى اللُّغويِّ، بلْ هو أوسعُ منْ ذلكَ في اصطلاح كتبِ غريبِ القرآنِ، إذ يرادُ به: تفسيرُ ألفاظِ القرآنِ تفسيرًا لغويًّا، وقد يكونُ هذا التَّفسيرُ مدعومًا بالشَّواهدِ العربيَّةِ، وقد يكونُ مجرَّدًا من الشَّواهدِ، وهو الأكثرُ.\nوألفاظُ القرآنِ على قسمينِ:\nقسمٍ يعرفُه العامَّةُ والخاصَّةُ؛ كالسماءِ، والأرضِ، والماءِ، وغيرِها من المعاني المتدَاولةِ بين عامَّةِ الناسِ.\nوقسمٍ يُحتاجُ في بيانِهِ إلى أهلِ العِلْمِ؛ كالدُّلُوكِ، والسَّرْمَدِ، والأغْلاَلِ والضريعِ، وغيرِها.\nوقدْ تتجاوزُ بعضُ كتبِ غريبِ القرآنِ إلى غيرِ الألفاظِ، فتبيِّنُها؛\n_________\n(١) كتاب العين (٤:٤١١)، وينظر: تهذيب اللغة (٨:١١٥).","vol":"1","page":328},{"text":"كالمبهماتِ من الأعلامِ في الآي، وأسبابِ النُّزولِ، وغيرِها؛ ومن ذلكَ ما وردَ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦]، قال ابن قتيبة (ت:٢٧٦): «يعني: عائشة» (١).\nمسألة: ما العلاقةُ بينَ كتبِ غريبِ القرآنِ وكتبِ معاني القرآنِ؟\nيظهرُ مما سبقَ في عرضِ مصطلحِ (معاني القرآنِ) وكتبِه أن (غريبَ القرآنِ) جُزْءٌ من عِلْمِ (معاني القرآنِ) لا ينفكُّ عنه؛ لأنه لا يمكنُ بيانُ المعنى دونَ معرفةِ مدلولِ الألفاظِ، وبهذا تكونُ كتبُ (غريب القرآنِ) - وإن استقلَّتْ بالتأليفِ - جزءًا من علمِ (معاني القرآنِ) وهي تُعنَى بمدلولِ الألفاظِ خاصةً.\nوكتب (غريب القرآن) قدْ تجرَّدتْ لتفسيرِ الألفاظِ القرآنيَّةِ تفسيرًا لغويًا، إلاَّ قليلًا منها قد تبين بعضَ ما يتعلقُ بالآيةِ من المعاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>أوَّلُ كُتُبِ غَرِيبِ القُرْآنِ:</span>\nلَمْ يَظهرْ كتابٌ مجردٌ لـ (غريبِ القرآنِ) في عهدِ الصَّحابِة والتَّابعينَ، وإنما ظهرَ في عهدِ أتباعِ التَّابعينَ. وقدْ نَسَبَ بعضُ الباحثينَ الذين ذكروا كتبَ (غريب القرآن) كتابةً في غريبِ القرآنِ لابنِ عباسٍ (ت:٦٨) (٢)، وهذه الكتاباتُ ليستْ من صُنْعِهِ، بلْ هي من صُنْعِ من جاءَ بعدَه، وهذه الكتاباتُ كما يأتي:\n١ - غريبُ القرآنِ، لابنِ عباسٍ (ت:٦٨) بتنقيحِ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ (ت:١١٤) (٣)، وهو عِدَّةُ ورقاتٍ (من ١٠٢أـ ١٠٨) من مجموع برقم (٢٨١٥/ ٨) بمكتبةِ عاطفْ أَفَنْدِي بتركيا، وقد كُتِبَتْ في القرنِ الثَّامنِ (٤).\n_________\n(١) غريب القرآن، لابن قتيبة (ص:٣٠٢).\n(٢) ينظر مثلًا: معجم المعاجم، للشرقاوي أحمد إقبال (ص:٧)، ومقدمة السيد الدغيم لكتاب عمدة الحفاظ، للحلبي (ص:٢١ - ٢٢).\n(٣) عطاء بن أبي رباح، أبو محمد المكي، فقيه الحرمِ، المفسر، توفي سنة (١١٤)، وقيل: غيرها، ينظر: تهذيب الكمال (٥: ١٦٦ - ١٧٠).\n(٤) الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط/ علوم القرآن/ مخطوطات التفسير وعلومه (١:١٤).","vol":"1","page":329},{"text":"٢ - مسائلُ نافعِ بنِ الأزرقِ (١)، وقدْ جاوزتْ هذه المسائلُ المائتين وخمسين مسألةً (٢)، وقدْ وردتْ منْ طرقٍ غيرِ مَرْضِيَّةٍ (٣)، فضلًا عما يدورُ حولَ كثرتِها من الشَّكِّ.\n_________\n(١) نافع بن الأزرق الحَرُورِيُّ، كان من رؤوس الخوارج، وإليه تُنسَب طائفة الأزارقة من الخوارج، خرج في أواخر عهد يزيد بن معاوية، وكان ينتجع إلى ابن عباس فيسأله في القرآن وغيره. ينظر: الكامل للمبرد (٣:١١٠٢، ١١٤٤، ١٢٠٣، ١٢٠٥)، ولسان الميزان، لابن حجر (٦:١٤٤ - ١٤٥).\n(٢) مسائل نافع بن الأزرق، تحقيق: محمد أحمد الدالي (ص:٩).\n(٣) وقفت على أسانيد رواية مسائل نافع، وهي كالآتي:\n* مخطوط في الظاهرية: وفيه: أبو طاهر محمد بن علي العلاف، أخبرنا أبو بكر أحمد بن سلم قراءة عليه، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عمار الثقفي، قال: حدثني أبو الحسن علي بن مسلم: مؤدب أبي العباس الكيِّس بن المتوكل، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن بن المفضل الحراني، قال: حدثني عثمان بن عبد الرحمن الحراني، قال: حدثني عبيد الله بن العباس، عن جويبر، عن الضحاك بن مزاحم الهلالي. ينظر: مسائل نافع بن الأزرق، تحقيق: محمد الدالي (ص:٣٣).\nوفي هذه الرواية: عبيد الله بن العباس، وهو مجهول، وجويبر ضعيف جدًا، والضحاك لم يَحْكِ عمن روى هذه المسائل فهي منقطعة.\n* رواية الطبراني، عن أبي خليفة الفضل بن الحباب الجمحي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن أبي عبد الرحمن عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي الحراني، عن عبيد الله بن عباس وموسى بن يزيد الحرانيين، عن جويبر، عن الضحاك. معجم الطبراني الكبير (١٠:٢٤٨).\nوهذه الرواية فيها العلل السابقة، يزيد فيها كذلك جهالة موسى بن يزيد الحراني.\n* رواية الطستي، عن أبي سهل السري بن سهل الجنديسابوري، عن يحيى بن أبي عبيدة بحر بن فروخ المكي، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عيسى بن دأب، عن حميد الأعرج وعبد الله بن أبي بكر بن محمد، عن أبيه أبي بكر بن محمد. الإتقان (٢:٥٥ - ٥٦).\nفي هذه الرواية عيسى بن دأب، كان يضع الأخبار، وقد سبقت ترجمته.\n* رواية ابن الأنباري، قال: حدثنا بشر بن أنس، قال: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: حدثنا أبو صالح هديَّة بن مجاهد، قال: أخبرنا محمد بن شجاع، قال: أخبرنا محمد بن زياد اليشكري، عن ميمون بن مهران، إيضاح الوقف والابتداء (١:٧٦). =","vol":"1","page":330},{"text":"ولذا فإنَّ هذه المسائلَ، وإنْ استُفِيدَ منها في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، لا يَصِحُّ نسبتُها إلى ابنِ عباسٍ (ت:٦٨)، وفي الصَّحيحِ الواردِ عنه غُنْيَةٌ عنْ هذه الأسئلةِ.\nوالعجيبُ أنَّ هذه الرِّوايةَ قد احتضنتها بعضُ كتبِ الأدبِ والحديثِ، ولم يكنْ لها ذِكرٌ في كتبِ التَّفسيرِ المتقدِّمَةِ ولا في كتبِ اللُّغةِ، مع أنها ألصقُ بهذين العِلْمَينِ منْ غيرِهما.\nولا يبعدُ أنْ يكونَ لهذه الأسئلةِ أصلٌ، إلاَّ أنها لم تكن بهذه الكثرةِ التي أوردَها الرُّواةُ، وهذه المسائلُ تحتاجُ إلى نقدِ المتونِ بعد نقدِ الأسانيدِ، للنَّظرِ في هذِ الأشعارِ التي زُعِمَ أنَّ حبرَ الأمةِ قد استشهدَ بها، ولا يبعدُ أنْ يكونَ منها ما هو من شعراء كانوا بعده، أو ما هو مختلفٌ في نسبتِه.\n٣ - رواية عليِّ بن أبي طلحةَ (ت:١٤٣)، وقد عَنْوَنَ لها محمودُ السَّيدُ الدُّغَيم بـ (غريب القرآن)، ولم أرَ منْ سمَّى هذه الروايةَ بهذا الاسمِ قبلَهُ، ويظهرُ أنَّ هذا منْ تَصَرُّفِهِ، اعتمادًا على ما أوردَهُ عن السيوطي (ت:٩١١) (١) في حديثِهِ عن علم (غريبِ القرآنِ)، حيثُ قال: «أَوْلَى ما يُرجَعُ إليه في ذلك ما ثَبَتَ عن ابنِ عباسٍ وأصحابِه الآخذينَ عنه ... وها أنا أسوقُ ما ورد في ذلكَ عن ابنِ عباسٍ من طريقِ ابنِ أبي طلحةَ خاصةً ...» (٢).\n_________\n=\nوفي هذه الرواية محمد بن زياد اليشكري، كان يضع الحديث، قال ابن حجر: «كذَّبوه» تقريب التهذيب (ص:٨٤٥).\n* رواية المبرد، قال: حدَّث أبو عبيدة معمر بن المثنى التميمي النَّسَّابةُ، عن أسامة بن زيد عن عكرمة. الكامل (٣:١١٤٤ - ١١٤٥).\nوهذه الرواية فيها انقطاع بين المبرد وأبي عبيدة، وأسامة بن زيد قد يكون العدوي، وهو ضعيف، وقد يكون الليثي، وهو صدوق يَهِمُ، وهما مدنيان في طبقة واحدة، ينظر: تقريب التهذيب (ص:١٢٣، ١٢٤).\n(١) عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، توفي سنة (٩١١)، ينظر: البدر الطالع (١:٣٢٨ - ٣٣٥)، والضوء اللامع (٤:٦٥ - ٧٠).\n(٢) ينظر الإتقان، للسيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (٢:٥)، ثم ينظر: مقدمة عمدة الحفاظ، تحقيق: محمد السيد الدغيم (ص:٢١ - ٢٢).","vol":"1","page":331},{"text":"وروايةُ عليِّ بنِ أبي طلحةَ (ت:١٤٣) ليستْ خاصَّةً بتفسيرِ الغريبِ، بل هي في التَّفسيرِ عمومًا.\nكما نقل محمودُ السيِّد الدغيم عن فؤاد سزكين ما قاله في هذه الرِّواية، قال: «والمؤكَّد أنَّ التفسيرَ الذي رواهُ عليُّ بنُ أبي طلحةَ الهاشميُّ (ت:١٢٠هـ/٧٣٧م) (١) منسوبًا إلى ابن عباسٍ، هو من تأليفِ ابن عباسٍ نفسِه، وذلك لأنَّ عليَّ بنَ أبي طلحةَ قد جُرِحَ لروايتِه هذا التَّفسيرَ دونَ أنْ يكونَ أخذَهُ سماعًا عن ابن عباس (٢) ...» (٣).\nوهذا الاستدلالُ من فؤاد سزكين غريبٌ جدًا، ولا يَعْتَمِدُ على حُجَّة تُسلَّمُ له.\nوقد كان ابتداءُ التَّأليفِ في علمِ غريبِ القرآنِ في النِّصفِ الثَّاني من القرن الثَّاني؛ أي: في عهدِ أتباعِ التَّابعينَ.\nوممن ذُكِرَ له تدوينٌ فيه: زيد بن علي (ت:١٢٠) (٤)، وأبان بن تغلب (ت:١٤١)، وفي النَّفسِ شيءٌ من هذين الكتابين (٥).\n_________\n(١) الصواب أنَّ وفاته سنة (١٤٣)، كما في تقريب التهذيب (ص:٦٩٨).\n(٢) هذه الروايةُ من الطرقِ المشهورةِ عن ابنِ عباسٍ، وقد قَبِلَها علماءُ؛ كالبخاري والطبري والنحاس وغيرهم، ينظر مثلًا: كلامَ الدكتور سليمان اللاحم في تحقيقه للناسخ والمنسوخ، للنحاس (١:٤١٢ - ٤١٣).\n(٣) تاريخ التراث العربي، لفؤاد سزكين، نقله إلى العربية الدكتور محمود فهمي حجازي (١:٦٦)، وينظر مقدمة عمدة الحفاظ، تحقيق: محمد السيد الدغيم (ص:٢٢)، فقد نقل هذا الكلام عن فؤاد سزكين.\n(٤) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المصلوب، روى عن أبيه زين العابدين وأخيه جعفر، وعنه: عبد الرحمن بن أبي الزناد والزهري وغيرهما، خرج على هشام بن عبد الملك في الكوفة، فقتل زيد ثم صلب، وكان ذلك سنة (١٢٠) وقيل: (١٢٢)، وإليه تُنْسَبُ فرقة الزيدية. ينظر: طبقات ابن سعد (٥:٣٢٥ - ٣٢٦)، تهذيب الكمال (٣:٨٣ - ٨٤).\n(٥) أمَّا كتاب زيد، فيرويه عنه أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي، قال عنه الإمام أحمد: =","vol":"1","page":332},{"text":"وقد حرصت على تتبُّعِ أقوالِهما في كتب التَّفسيرِ، فظفرتُ بنقلٍ قليلٍ عنهما، وما وجدته منقولًا عن زيد بن عليٍّ (ت:١٢٠) يخالفُ ما وردَ في غريب القرآن المطبوعِ المنسوبِ إليه (١).\n_________\n= «متروك الحديث، ليس يسوى شيئًا»، وقال يحيى بن معين: «كذاب، غير ثقة، ولا مأمون»، وكذا قال غير واحدٍ. ينظر: الجرح والتعديل (٦:٢٣٠).\nوأمَّا كتاب أبان، فلم يُنْقَلْ إلاَّ عن مؤرخ الشيعة الطوسي، وقد سبق ذكر ذلك، والشيعة يتكثَّرون بذكر علمائهم ومؤلفاتهم، حتى إنهم ينسبون بعض علماء السنة إليهم.\n(١) وجدت في القرطبيُّ تفسيراتٍ لأبان بن تغلب، ولم ينصَّ فيه على أنه نقل من كتابه غريب القرآن، وهذه التفسيرات في الأجزاء: (١:٤١١)، (٧:٣٩٧)، (٨:٨٨)، (١٠:٣٣٧)، (١٣:٦٥).\nأما زيد بن علي فوجدت له:\n١ - تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ [الأعراف: ٢٦]، فقد ورد عنه في تفسيرها اختلافٌ، فعند ابن أبي حاتم (٥:١٤٥٨): «الإسلام»، وعند البغوي (٢:١٥٥): «الآلات التي يتقى بها في الحرب؛ كالدرع والمغفر والساعد والساقين»، وكذا هو عند القرطبي (٧:١٨٥). وعند ابن كثير (٣:٤٠١): «الإيمان»، وفي تفسير غريب القرآن المطبوع (ص:١٣٩): «الحياء».\n٢ - في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، ورد عند القرطبي (٨:١٥٠): «مشاغيل وغير مشاغيل»، وفي تفسير غريب القرآن (ص:١٥١): «فالخفيف: الشَّابُّ، والثِّقال: الشيوخ».\n٣ - وفي تفسير المرض، قال: «المرض مرضان: فمرض زنا، ومرض نفاق». الدر المنثور (٦:٥٩٩)، وليس في تفسير آية الأحزاب في المطبوع من تفسير غريب القرآن تفسير لهذا (ص:٢٥٥).\n٤ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]، عند القرطبي (١٤:٣٥٣)، عن زيد بن علي قال: «الرسول». وفي تفسير غريب القرآن: «معناه: الشَّيب».\n٥ - وفي تفسيره لاسم الله المؤمن، قال: «إنما سمَّى نفسه مؤمنًا؛ لأنه آمنهم من العذاب». الدر المنثور (٨:١٢٣)، ولم يرد تفسيره في سورة الحشر من كتاب تفسير غريب القرآن (ص:٣٢٩).\nواعلم أنَّ أغلب ما يُنقلُ عن زيد بن علي القراءةُ، وهي محكيَّةٌ في كتب التفسيرِ كثيرًا.","vol":"1","page":333},{"text":"هذا، ويُعَدُّ كتابُ (مجازِ القرآنِ) لأبي عبيدةَ معمرِ بنِ المثنَّى البصريِّ (ت:٢١٠) أوَّلَ كتابٍ مطبوعٍ من كتبِ غريبِ القرآنِ؛ بلْ لا يبعدُ أنْ يكونَ أوَّلَ كتابٍ للُّغويِّين يتعلَّقُ بتفسيرِ القرآنِ، نظرًا للحملةِ الاستنكاريَّةِ التي قامتْ عليه، مما يدل على أنه بِدْعٌ في التأليفِ في هذا المجال (١). واللهُ أعلمُ.\nوسأبسطُ القولَ في ثلاثةٍ من كتبِ غريبِ القرآنِ، وهي مجاز القرآن، لأبي عبيدة (ت:٢١٠)، وغريب القرآن، لابن قتيبة (ت:٢٧٦)، وغريب القرآن، لابن عُزَيزٍ السِّجستانيِّ.\n_________\n(١) ممن ذُكِر له نقد من معاصريه: أبو عمر الجرمي (ت:٢٢٥)، قال: «أتيت أبا عبيدة بشيء منه [يعني: مجاز القرآن]، فقلت له: عمَّن أخذت هذا يا أبا عبيدة، فإنَّ هذا خلافُ تفسير الفقهاء.\nفقال لي: هذا تفسير الأعراب البوَّالين على أعقابهم، فإن شئت فخذه، وإن شئت فذره». طبقات النحويين واللغويين (ص:١٧٦)، وينظر فيه نقد أبي حاتم السجستاني له (ص:١٧٦)، وانظر: الأضداد لأبي حاتم، تحقيق: محمد عودة (ص:١٠١، ١٣٠)، وقد نقده الفراء كما في نزهة الألباء في طبقات الأدباء (ص:٨٧)، كما نقده الأصمعي والطبري، وغيرهم مما قد يطول ذكره.\nهذا، وقد أفاد منه جمعٌ من العلماء، وينظر مثلًا لمن نقل عنه أو اعترض عليه:\n* البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، ينظر: فتح الباري (٨:٦٩، ٣٦٤، ٤٢٣).\n* وابن قتيبة في غريب القرآن (ص:١١٠، ١٥٠، ٢٣٦، ٣٥٠).\n* وأبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (١:٧٢، ٨٨، ٩٦، ١٨٩).\n* والطبري في تفسيرِه، تحقيق شاكر (١:١١٩، ١٣٢، ٢٧٤)، وطبعة: الحلبي (٢٢:٦٥، ٦٧، ١٢٨، ١٥١).\n* وابن دريد في جمهرة اللغة (١:٥٨، ١٧٠، ٢٠٩، ٢٩٩، ٣٠٦، ٦٠٤).\n* وابن عُزَيز في غريب القرآن (ص:١٨٦، ١٨٧، ٢٠١، ٢٢٩، ٣٤١، ٣٦٣)، وغيرهم كثير.\nومجاز القرآن من أكبرِ الكتب المعتمدة في غريب القرآن، والتي لها أثر ظاهر على المفسرين.","vol":"1","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>أولًا مَجَازُ القُرْآنِ لأبِي عُبَيْدَةَ</span>\nذُكِرَ لأبي عبيدة (ت:٢١٠) أسماءُ كتبٍ، وهي: غريبُ القرآنِ، ومعاني القرآنِ، وإعرابُ القرآن، ومجازُ القرآن. ويظهرُ أنَّ هذه العناوينَ اسمٌ لكتابٍ واحدٍ، وعُبِّرَ عنه بما فيه من هذه الموادِّ العلميَّةِ، وأشهرُ هذه التَّسمياتِ: (مجازُ القرآنِ). وليسَ في مقدِّمتِه نَصٌّ من أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) على تسميتِه، ولكنَّه أشهرُ هذه التَّسمياتِ لكثرة استعماله لفظةَ «مجازٍ» في كتابه.\nوإذا تأمَّلتَ كتابَ (مجازِ القرآنِ)، وجدتَه كتابًا في تفسيرِ ألفاظِ القرآنِ؛ أي: غريب القرآن. وقدْ وردَ عن مَرْوَانَ بنِ عبدِ الملكِ (١) تلميذ أبي حاتمٍ السجستاني (ت:٢٥٥)، قال: «سألتُ أبا حاتمٍ عنْ غريبِ القرآنِ لأبي عبيدةَ، والذي يقالُ له: المجاز ...» (٢).\nوهذه الأسماءُ يظهرُ أنها منْ غيرِ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) فوصفَ كُلُّ واحدٍ منهم الكتابَ بما فيه من المعلوماتِ، إذ فيه غريبٌ كثيرٌ، وشيءٌ منَ علم المعاني وعلم النَّحْوِ.\nومما يُستأنسُ به في هذا: أنَّ النُّقُولَ عنه فيما يتَّصِلُ بغريبِ القرآنِ وشواهدِهِ موجودةٌ في كتابِه (مجازِ القرآنِ)، ويندرُ أنْ يُوجَدَ نقلٌ يتعلَّقُ بغريبِ القرآن دونَ أنْ يكونَ فيه.\n_________\n(١) لم أعرفه.\n(٢) طبقات النحويين واللغويين (ص:١٧٦).","vol":"1","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>مفهومُ المجازِ عند أبي عبيدة:</span>\nوالمجازُ عندَ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠): ما يجوزُ في لغةِ العربِ من التَّعبيرِ عن الألفاظِ والأساليبِ، وليسَ المجازَ الاصطلاحيَّ عندَ البلاغيِّينَ (١)، وهذا ظاهرٌ منْ كتابِهِ.\nمراده من تأليفِ المجازِ:\nلقدْ كانتْ وِجْهَةُ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) في كتابِهِ (مجازِ القرآنِ) واضحةً، حيثُ أرادَ تفسيرَ القرآنِ تفسيرًا عربيًّا، لذا اعتمدَ الشواهدَ الشِّعريةَ في بيانِ معاني القرآنِ في كثيرٍ من المواطنِ. وقدْ يكونُ سببُ هذا الاتجاه عندَهُ ما يُحكَى من وجودِ المُعَرَّبِ (٢)، فأراد أن يُبينَ أنَّ القرآنَ عربيٌّ، وليسَ فيه مدخلٌ لِلُغَةٍ غيرِها.\nومما يُستأنسُ به في هذا ما عُرِفَ عنه من تشدُّده في نفيِ وجودِ ألفاظٍ بغيرِ لغةِ العربِ في القرآنِ، حيث قالَ: «أُنْزِلَ القرآنُ بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، فمنْ زعمَ أنَّ فيه غيرَ العربيةِ فقدْ أعظمَ القولَ، ومن زعمَ أنَّ «طه» بالنبطيةِ، فقدْ أَكْبَرَ، وإنْ لم يعلمْ ما هو، فهو افتتاحُ كلامٍ، وهو اسمٌ للسُّورةِ وشعارٌ لها.\nوقدْ يُوَافِقُ اللَّفظُ اللَّفظَ ويقاربُهُ، ومعناهما واحدٌ، وأحدُهما بالعربيَّةِ والآخرُ بالفارسيَّةِ أو غيرِها؛ فمنْ ذلكَ الإستبرقُ بالعربيَّةِ، وهو الغليظُ من الديباجِ، والفِرِنْدُ، وهو بالفارسيَّةِ: إسْتَبْرَهْ، وكَوْز، وهو بالعربيَّةِ: جَوْزٌ، وأشباهُ هذا كثيرٌ.\nومنْ زعمَ أنَّ ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] بالفارسيَّةِ، فقدْ أعظمَ من قال: إنه «سنك» و«كل»، إنما السِّجِّيلُ: الشديدُ ... ففي القرآنِ ما في الكلامِ\n_________\n(١) المجاز: اللفظ المستعملُ في غير ما وُضِعَ له حقيقةً، ينظر في تعريفه: معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، للدكتور: أحمد مطلوب (٣:١٩٣ - ٢٢٠).\n(٢) المُعَرَّبُ: ما قيل إنه بغير لغة العرب من ألفاظ القرآن.","vol":"1","page":336},{"text":"العربي منَ الغريبِ والمعاني، ومنْ مجازِ ما اختُصِرَ، ومجازِ ما حُذِفَ، ومجازِ ما كُفَّ عنْ خَبَرِهِ، ومجازِ ما جاءَ لفظُهُ لفظ الواحدِ ووقَعَ على الجميعِ ...» (١).\nوهناكَ وجهٌ آخرُ يُفْهَمُ من قولِه: «قالوا: إنما أنزلَ القرآنُ بلسانٍ عربيٍ مبينٍ، وتصْدَاقُ ذلكَ في آيةٍ منَ القرآنِ، وفي آيةٍ أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، فلمْ يَحْتَجِ السَّلفُ ولا الذينَ أدركوا وحيَهُ إلى النَّبي ﷺ أنْ يسألوا عنْ معانيه؛ لأنَّهمْ كانوا عَرَبَ الألسنِ، فاستغنوا بعلمِهِم به عن المسألةِ عنْ معانيه، وعمَّا فيه مما في كلامِ العربِ مثلُه منَ الوجوهِ والتَّلخيصِ.\nوفي القرآنِ مِثْلُ ما في الكلامِ العربي منْ وجوهِ الإعرابِ، ومن الغريبِ والمعاني، ومنَ المحتملِ: منْ مجازِ ما اخْتُصِرَ وفيه مضمرٌ ...» (٢).\nوكأنه يريدُ أنْ يقولَ: إنَّ مَنْ في زمانِه بحاجةٍ إلى بيانِ عربيَّتِهِ، بخلافِ منْ سَلَفهم مِنَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ الذينَ كانوا عربًا يعلمونَ معانيه.\nوإذا صَحَّ هذانِ الاستنتاجانِ، فإنهما يكونان سببًا واضحًا لتأليفِ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) مجازَ القرآنِ (٣)، وأنَّه نَحَى بهِ النَّحْوَ العربيَّ.\n_________\n(١) مجاز القرآن (١:١٧ - ١٨). وينظر تفصيل هذه المجازات التي ذكرها في (١:٨ - ١٦)، ويلاحظ أنَّ في المقدمة المطبوعة اضطرابًا، والله أعلم.\n(٢) مجاز القرآن (١:٨).\n(٣) يُذكرُ في كُتبِ التراجمِ قصَّةٌ في سببِ تأليف أبي عبيدة (٢١٠) لكتابه هذا، وملخَّصها: أنه قد سألَهُ إبراهيم بن إسماعيل الكاتب في مجلس الفضل بن الربيع، فقال: «قال الله ﷿: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]، وإنما يقعُ الوعدُ والإيعادُ بما عُرِفَ مثله، وهذا لم يُعرفْ، فقلتُ: إنما كلمَ اللهُ تعالى العربَ على قدرِ كلامِهم، أما سمعتَ قول امرئ القيس:\nأيَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي ... وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيَابِ أغْوَالِ\nوهم لم يَروا الغولَ قطٌّ، ولكَّنهم لما كانَ أمرُ الغولَ يَهُولُهم به، فاستحسنَ =","vol":"1","page":337},{"text":"أمَّا كَونُه قَصَدَ بيانَ عربيَّةِ القرآنِ، فإنه ظاهرٌ عندَ أدنى تَأَمُّلٍ في كتابِه، وسأذكرُ بعضَ صور التَّفسيرِ اللُّغويِّ الواردةِ في كتابِ مجازِ القرآنِ:\nأولًا: بَيَانُ المُفْرَدَاتِ وَشَوَاهِدُهَا:\nيظهرُ من موازنة كتاب (مجازِ القرآن) بغيره من كتب المعاني والغريبِ أنه أكثرُها استدلالًا بالشِّعرِ في معاني القرآنِ، وهذا ظاهرٌ لمن ينظرُ إلى ترقيمِ محقِّقِ كتاب المجازِ، حيثُ بلغتْ بتعدادِه اثنين وخمسينَ وتسعِمائةِ شاهدٍ (١).\nومن أمثلةِ تفسيرِه بالشَّاهد الشِّعريِّ:\n_________\n= الفضلُ ذلك، واستحسنه السائلُ، وعزمتُ من ذلك اليومِ أن أضع كتابًا في القرآن في مثلِ هذا وأشباهه، وما يحتاجُ إليه من علمٍ، فلمَّا رجعتُ إلى البصرةِ عمِلتُ كتابي الذي سَمَّيتُه المجازَ». معجم الأدباء (١٩:١٥٨ - ١٥٩).\nوهذه القصةُ - فيما يبدو - غيرُ صحيحةٍ، ويدلُّ على ذلك أمرانِ:\nالأول: أنَّ أبا عبيدة لم يذكر هذه القصَّة في مقدمة كتابه، كما هي عادةُ المؤلفينَ في ذكرِ السببِ الداعي إلى تأليف الكتابِ.\nالثاني: أنَّ أبا عبيدةَ لم يتعرَّض لتفسيرِ هذه الآيةِ في موضعها - ينظر: (٢:١٧٠) ـ، وكيفَ يغفِلها وهي سبب تأليف هذا الكتاب؟!\nوهو لم يتعرض لتفسيرِها في غيرِ هذه المواطن، وقد تتبعت ألفاظَ الآيةِ، فلم أجده فسَّر لفظة «طلع»، ولا «رؤوس»، أما لفظُ «الشياطينُ»، ففسرها بقوله: «كلُّ عات متمرِّدٍ من الجنِّ والإنسِ والدوابِّ، فهو شيطان». مجاز القرآن (٢:٣٢). وهذا كلُّه يدلُّ على ضعفِ هذه الروايةِ، واللهُ أعلم.\nوبمناسبةِ هذه الروايةِ، فإنَّ الاستفادةَ من كتبِ التراجمِ، فيما تذكره من أخبارٍ يحتاجُ إلى منهجٍ يُبِّصرُ الباحث فيه؛ لأنَّ بعضَ الباحثينَ يأخذُ هذه الرواياتِ مسلَّمةً، وقد يبني عليها أحكامًا، واللهُ المستعانُ.\n(١) بلغت شواهد أبي عبيدة (٩٥٢) شاهدًا، تبعًا لترقيم الدكتور فؤاد سزكين، مع ملاحظة أنه أدخل الشواهد التي وجدها في حواشي النسخ التي اعتمدها، خاصة حاشية النسخة (S)  التي امتازت بكثرة الشواهد من بين النسخ المعتمدة، وهي إضافات من غير أبي عبيدة.","vol":"1","page":338},{"text":"١ - قال: «﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]؛ أي: المخلوقين، قال لبيد بن ربيعة (١):\nمَا إِنْ رَأَيْتُ وَلاَ سَمِعْـ ... ـتُ بِمِثْلِهِمْ فِي العَالَمِينَ\nوواحدهم: عَالَم ...» (٢).\n٢ - وقال: ﴿الصِّرَاطَ﴾ [الفاتحة: ٦]: الطريق، المنهاجُ الواضحُ، قال (٣):\n........ ... فَصَدَّ عَنْ نَهْجِ الصِّرَاطِ القَاصِدِ\nوقال جَرِير (٤):\nأَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ ... إذَا اعْوَجَّ المَوَارِدُ مُسْتَقِيمِ\nوالمواردُ: الطُرُقُ: ما وردتَ عليه من ماءٍ، وكذلك القرى.\nوقال (٥):\n_________\n(١) ديوانه، تحقيق: حنَّا نصر (ص:٢٦٣).\nولبيد: لبيد بن ربيعة العامري، الشاعر الجاهلي المشهور، صاحب أحد المعلقات، أدرك الإسلامَ، فأسلمَ وحسن إسلامه، فأقلَّ من قولِ الشعرِ، توفي سنة (٤١). ينظر: معجم الشعراء المخضرمين والأمويين (ص:٤٠٤)، ومعجم الشعراء (ص:٢٢٩).\n(٢) مجاز القرآن (١:٢٢).\n(٣) لم ينسبه، وهو في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١:١٧١)، وعند ابن عطية، ط: قطر (١:١١٨): الواضح، بدل القاصد، ونسبه المحقق إلى تميم بن أبيٍّ بن مقبل، ولم أجده في ديوانه، تحقيق: عزة حسن. وقد نقل القرطبيُ هذا البيت في تفسيره، ط: دار الكتب (١:١٤٧) عن ابن عطيةَ.\n(٤) ديوانه، بشرح ابن حبيب (١:٢١٨).\n(٥) لم ينسبه أبو عبيدة، وقد نسبه الطبري في تفسيره إلى أبي ذُؤيب الهذلي، ونسبه القرطبي في تفسيره إلى عامر بن الطُّفيل، وهو ليس في شعرِ أبي ذؤيب في ديوان الهذليين، ولا في ديوان عامرِ بن الطفيلِ، وكذا قال فؤاد سزكين ومحمود شاكر. ينظر: حاشية مجاز القرآن (١:٣٤)، وحاشية تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١:٧١٠ - ١٧١). وفي تفسير القرطبي (١:١٤٧): «شَحّنَّا»، بدل: «وطئنا».","vol":"1","page":339},{"text":"وَطِئْنَا أَرْضَهُمْ بِالْخَيْلِ حَتَّى ... تَرَكْنَاهُمْ أَذَلَّ مِنَ الصِّرَاطِ» (١)\n٣ - وقال: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: كلُّ منْ أصابَ شيئًا فهو مُفلحٌ، ومصدره: الفلاحُ، وهو البقاء، وكلُّ خيرٍ. قال لبيد بن ربيعة (٢):\nنَحُلُّ بِلادًا كُلُّها حُلَّ قَبْلَنَا ... وَنَرْجُو الفَلاَحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ\nالفَلاَحُ؛ أي: البقاء. وقال عَبيدُ بن الأبرص (٣):\nأَفْلِحْ بِمَا شِئْتَ، فَقَدْ يُدْرَكُ بِالضَّـ ... ـعْفِ، وَقْدْ يُخْدَعُ الأَرِيبُ\nوالفَلاَحُ في موضعٍ آخرَ: السَّحُورُ أيضًا.\nوفي الأذان: حيَّ على الفلاَحِ، وحيَّ على الفَلَحِ جميعًا.\nوالفلاَّحُ: الأكَّارُ، وإنما اشتُقَّ من: يَفْلَحُ الأرضَ؛ أي: يَشُقُّها ويُثِيرُها.\nومن ذلك قولهم: إنَّ الحَدِيدَ بِالْحَدِيدِ يُفْلَحُ (٤)؛ أي: يُفلَقُ.\nوالفلاَّح: هو المُكَاري، في قول ابن أحمر (٥) أيضًا (٦):\nلَهَا رِطْلٌ تَكِيلُ الزَّيتَ فِيهِ ... وَفَلاَّحٌ يَسُوقُ لَهَا حِمَارًا\n_________\n(١) مجاز القرآن (١:٢٤ - ٢٥).\n(٢) البيت في ديوان، شرح الطوسي (ص:١٠٣).\n(٣) عَبِيدُ بن الأبرص بن حَنْتَم، من شعراء الجاهلية، والمعمَّرين، كان سيدًا وفارسًا من فرسان بني أسد. ينظر: الشعر والشعراء (١:٢٦٧ - ٢٦٩)، ومعجم الشعراء (١٥٥ - ١٥٦).\nوالبيت في ديوانه، ط: دار بيروت (ص:٢٦).\n(٤) هذا المثل يُضربُ في الشيء الشديد يستعان به على ما يشاكله. ينظر: مجمع الأمثال، للميداني، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (١:١٦).\n(٥) عمرو بن أحمر الباهلي، شاعر مخضرم، أدرك الإسلام وأسلم، وغَزَى الرومَ، فأصيبت إحدى عينيه، توفي زمن عثمان. ينظر: الشعر والشعراء (١:٣٥٦ - ٣٥٩)، ومعجم الشعراء (ص:١٧٣).\n(٦) البيت في ديوان ابن الأحمر (ص:٧٥)، ينظر: المعجم المفصَّل (٣:٨٢).","vol":"1","page":340},{"text":"فلاَّح: مُكَارٍ. وقال لبيد (١):\nاعْقِلي إنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلي ... وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ ذَا عَقَلْ\nأي: ظَفِرَ، وأصاب خيرًا» (٢).\nوأمَّا تفسيره للألفاظ بدون ذكر الشَّواهد فهو كثير، وعلى ذلك أغلبُ مادَّةِ الكتاب، ومن ذلك: ﴿يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (٣): مجازه: يبنون، ويَعْرِشُ ويَعْرُشُ لغتانِ، وعريشُ مكَّةَ: خيامُها.\n﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾: مجازه: قَطَعْنَا.\n﴿يَعْكُفُونَ﴾: أي: يقيمونَ، ويَعْكِفُونَ: لغتان» (٤).\nثانيًا: الأسَالِيبُ العَرَبِيَّةُ في الخِطَابِ:\nيلحظ القارئُ لكتابِ المجازِ كثرةَ بيانِ الأساليبِ العربيَّةِ التي نزلَ بها القرآنُ (٥)، ويجدُ في هذا كثرةَ قولِه: تقولُ العربُ، والعربُ تفعلُ ذلكَ، والعربُ تجعلُ، والعربُ تصنعُ ... إلخ.\nوهذه الأساليبُ منها ما له أثرٌ في تَغَيُّرِ المعنى، ومنها ما أثرُهُ في جمالِ الكلامِ وبلاغتِه ومقتضى حالِه، وسأذكرُ من الأمثلةِ ما لهُ أثرٌ في التفسيرِ:\n١ - قال: «﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، فخرجَ هذا مخرجَ\n_________\n(١) البيت في ديوانه، شرح الطوسي (ص:١٢٢).\n(٢) مجاز القرآن (١:٣٠ - ٣١).\n(٣) أولُ الآيةِ: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ﴾ الآية.\n(٤) مجاز القرآن (١:٢٢٧).\n(٥) ذكر في مقدمة كتابه أكثرَ من ثلاثينَ أسلوبًا في الخطاب العربي، وذكر لها أمثلة، ينظر: (١:٨ - ١٦).\nوقد أحصيت في تطبيقاته في كتابه أكثر من مائة موضع، ينظر مثلًا: (١:٧٠، ١٠٠، ٢٦٧، ٢٧٢، ٢٧٣، ٢٧٤، ٢٧٩، ٢٨٢، ٣٣١، ٣٦٢، ٣٦٤)، (٢:٨، ٣٦، ٣٨، ٤٤، ٤٧، ٥٨، ٧٠)، وغيرها.","vol":"1","page":341},{"text":"فِعْلِ الآدميين، وفي آيةٍ أخرى: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، وفي آيةٍ أخرى ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] فخرجَ على تقديرِ فِعْلِ الآدميين، والعرب قدْ تفعلُ ذلك، وقال (١):\nشَرِبْتُ إذَا مَا الدِّيكُ يَدْعُو صَبَاحَهُ ... إذَا مَا بَنُو نَعْشٍ دَنَوا فَتَصَوَّبُوا\nوزعم يونس (٢) عن أبي عمرو (٣): أنَّ ﴿خَاضِعِينَ﴾ ليست من صفةِ الأعناقِ، وإنما هي من صفةِ الكنايةِ عن القومِ التي في آخر الأعناقِ، فكأنَّه في التمثيلِ: فظلَّتْ أعناقُ القومِ، في موضع «هم».\nوالعربُ قدْ تتركُ الخبرَ عن الأولِ، وتجعلُ الخبرَ للآخرِ منهما، وقال (٤):\nطُولُ اللَّيَالي أَسْرَعَتْ فِي نَقْضِي ... طَوَينَ طُولِي وَطَوَينَ عَرْضِي\nفتركَ طولَ اللَّيالي، وحَوَّلَ الخبرَ على اللَّيالي، فقال: أسرعتْ، ثُمَّ قال: طوينَ. وقال جرير (٥):\n_________\n(١) البيت للنابغة الجعدي، وهو في ديوانه (ص:٤)، وقد استشهد به أبو عبيدة (١:٢٧٦) وذكر أوله: تمزَّزها والديك، بدل: شربت إذا ما الديك.\nوبنات نعشٍ: سبعة كواكب، وذكَّرها في البيت، لأنَّ الكواكب ذكر. ويدعو صباحه: وقت صباحِه. وتصبوا: تدنوا من الأفق للغروبِ. وهذا البيت في وصف خمرةٍ باكرَها بالشراب عند صياح الديك. ينظر: شرح محقق الديوان (ص:٤)، بتصرف.\n(٢) يونس بن حبيب النحوي، وقد سبقت ترجمته.\n(٣) أبو عمرو بن العلاء.\n(٤) نسبه بعضهم إلى الأغلب العجلي، وبعضهم إلى العجاج - ولم أجده في ديوانه بتحقيق عزة حسن - وقال غيرهم: هو من شوارد الرجز، لا يُعرف قائله، ينظر: الكتاب، لسيبويه، تحقيق عبد السلام هارون (١:٥٣)، وتفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٧:٨٧)، وخزانة الأدب، للبغدادي، تحقيق: عبد السلام هارون (٤:٢٢٦)، والمعجم المفصل في شواهد اللغة العربية (١٠/ ٣٩٤ - ٣٩٥).\n(٥) البيت في ديوانه، شرح ابن حبيب (٢:٥٤٦).","vol":"1","page":342},{"text":"رَأتْ مَرَّ السِّنِينَ أَخَذْنَ مِنِّي ... كَمَا أَخَذَ السَّرَارُ مِنَ الهِلاَلِ\nرجعَ إلى «السنين» وترك «مرَّ».\nوقال الفرزدقُ (١):\nتَرَى أَرْبَاقَهُمْ مُتَقَلِّدِيهَا ... إذَا صَدَئُ الحَدِيد على الكماةِ\nفلم يجعل الخبرَ للأرباقِ، ولكن جعله للذين في آخرها من كنايتهم، ولو كان للأرباقِ لقال: متقلدات، ولكن مجازه: تراهم متقلدين أرباقَهم» (٢).\nذكرَ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) في هذه الآية احتمالين في معنى ﴿خَاضِعِينَ﴾:\nالأول: أن تكونَ من صفةِ الأعناقِ، وهي بذاتها تكونُ خاضعةً، وإنما جاء التَّعبيرُ عنها بالجمعِ الذي يُعبَّرُ به عن الآدميين (٣)؛ أي: جمع المذكر السالم؛ لأنه مما يظهر فيهم.\nالثاني: أن تكون من صفةِ الضَّميرِ «هم»، في ﴿أَعْنَاقِهِمْ﴾، العائدِ على النَّاسِ، وعلى هذا القولِ - وهو قول أبي عمرو - لا يكون في اللفظِ خروجٌ عن أصلِه؛ لأنَّ الآدميين يُخبر عنهم بالواو والنون، أو الياء والنون، بخلافه المواتُ الذي لا يُخبرُ عنه بذلك، وإنْ أُخبرَ عنه به، فهو خروجٌ عن أصل الخطاب لمعنى يريده القائلُ.\n_________\n(١) الفرزدق، هو همام بن غالب، أبو فراس التميمي، الشاعر المعروف، كان يُهاجي الشعراء، وعلى رأسهم جرير، وهو في الطبقة الأولى من الشعراء الإسلاميين، توفي سنة (١١٠). ينظر: خزانة الأدب (١:٢١٧ - ٢٢٣)، ومعجم الشعراء (ص:٢٠٨).\nولم أجد البيت في ديوانه الذي شرحه وضبطه علي الفاعور، وقد ذكر فؤاد سزكين أنه في ديوانه (ص:١٣١)، ولم أحصل على هذه الطبعة التي أعاد إليها فؤاد، وقد وجدته ضمن أبيات للفرزدق في كتاب شرح نقائض جرير والفرزدق، لأبي عبيدة، تحقيق: محمد حُوَّرْ ووليد خالص (٣:٨٩٣).\n(٢) مجاز القرآن (٢:٨٣ - ٨٤).\n(٣) ينظر أمثلةً لذلك في مجاز القرآن (٢:٣٨، ٤٠، ٤٢، ٩٣، ١٥٣، ١٦٢، ١٩٦).","vol":"1","page":343},{"text":"٢ - وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١] مجازُه مجازُ المكفوفِ عن خبرِه، ثُمَّ استُؤنِفَ، فقال: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١]، فمجازُه: لو سُيِّرتْ به الجبالُ لسارتْ، أو قُطِّعتْ به الأرضُ لتقطَّعتْ، ولو كُلِّمَ به الموتى لنُشِرتْ.\nوالعربُ تفعلُ مثلَ هذا، لعلمِ المستمعِ به، استغناءً عنه، واستخفافًا في كلامهم، قال (١):\nخَلا أَنَّ حَيًّا مِنْ قُرَيْشٍ تَفَضَّلُوا ... عَلَى النَّاسِ أَوْ أَنَّ الأَكَارِم نَهْشَلا\nوهو آخرُ قَصِيدةٍ، ونصبه وكفَّ عن خبره واختصره، وقال (٢):\nالطَّعْنُ شَغْشَةٌ، والضَّرْبُ هَيْقَعَةٌ ... ضَرْبَ المُعَوِّلِ تَحْتَ الدِّيمَةِ العَضَدا\nوَلِلْقِسِيِّ أَزَامِيلٌ وَغَمْغَمَةٌ: ... حِسَّ الجَنُوبِ، تَسُوقُ المَاءَ والبَرَدا\nحَتَّى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ ... شَلًّا كَمَا تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّرُدَا\nوهو آخر قصيدةٍ، وكُفَّ عن خبره» (٣).\n_________\n(١) هذا البيتُ منسوبٌ للأخطل، كما في خزانة الأدب (١٠:٤٥٤)، وهو ليس في ديوانه بتحقيق: مهدي ناصر الدين، وينظر: المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية (٦:٩٨).\n(٢) الأبيات لعبد مناف بن ربع الهذلي، وهو في ديوان الهذليين (٢:١٤٠ - ٤٢)، وقد جاء في مجاز القرآن بعد هذه الأبيات شرحها، وهو كالآتي: «وقوله: شَغْشَغَة؛ أي: يُدخله ويُخرجه. والهَيقَعَةُ: أن يضرب بالحدِّ من فوق. والمعوِّل: صاحب العالةِ، وهي ظُلَّةٌ يتَّخذها رعاةُ البَهْمِ بالحجاز إذا خافت البردَ على بَهمِها، فيقول: فيعتضدُ العضَدَ من الشجر لبَهْمِه؛ أي: يقطعه. والدِّيمةُ: المطر الضَّعيفُ الدَّائمُ. والأزاميل: الأصوات، واحدها: أزمل، وجمعها: أزامل، زاد الياء اضطرارًا، والغماغم: الأصوات التي لا تفهم. حسَّ الجنوب: صوتها. قتائدة: طريق. أسلكوهم وسلوكهم: واحدٌ». مجاز القرآن (١:٣٣١ - ٣٣٢)، وينظر شرحها أيضًا في ديوان الهذليين.\n(٣) مجاز القرآن (١:٣٣١).","vol":"1","page":344},{"text":"وعلى هذا القول يكون جواب «لو» محذوفًا، وهذا أسلوبٌ عربيٌّ شائعٌ، وقد ذكرَ له شواهدَ من الشِّعرِ، وإنما يختلف التَّفسيرُ هنا في أمرين:\nالأوَّلُ: في زَعْمِ أنَّ الجوابِ متقدِّمٌ عليها، وهو قولُه: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَانِ﴾ [الرعد: ٣٠] (١). وعلى هذا لا يكونُ في الآية حذفٌ.\nالثاني: أنَّ الجوابَ محذوفٌ، واختُلِفَ في تقديرِه، ويُبنَى على هذا الاختلافِ اختلافُ التَّفسيرِ، ومن هذه التَّقديراتِ:\n* ولو أنَّ قرآنًا سُيِّرتْ به الجبالُ، أو قُطِّعَتْ به الأرضُ، أو كُلِّمَ به الموتى = لكانَ هذا القرآنُ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ اللُّغةِ (٢).\n* ولو أنَّ قرآنًا سُيِّرَتْ به الجبالُ، أو قُطِّعَتْ به الأرضُ، أو كُلِّمَ به الموتى = لما آمنوا (٣).\n* ومنها ما قدَّره أبو عبيدةَ (ت:٢١٠). وظاهرٌ اختلافُ المعنى والتَّفسيرِ بسببِ الحذفِ هنا، واللهُ أعلم.\nوظاهرةُ أساليبِ الخطابِ العربيِّ التي نزل بها القرآنُ مما يحتاجُ إلى دراسةٍ مستقلَّةٍ، وفيها معلوماتٌ كثيرةٌ، والله الموفِّقُ.\nثالثًا: تَوجِيهُ القِرَاءَاتِ:\nوهو أحدُ الميادينِ التي وَلَجَهَا اللُّغويُّونَ لبيانِ ما في القراءاتِ واختلافِها منْ وجوهِ العربيَّةِ، وقد كانَ نصيبُ التَّوجيهِ فيما يخصُّ تَغيُّرَ المعنى في كتابِ المجازِ قليلًا قياسًا على كثرتِها في غيره، ومنْ أمثلةِ ذلك:\n١ - قال أبو عبيدة (ت:٢١٠): «﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] القافُ مكسورةٌ؛ لأنها منْ: وَقَرَتْ تَقِرُ، تقديرُه: وَزَنَتْ تَزِنُ، ومعناه: من الوَقَارِ.\n_________\n(١) ينظر: معاني القرآن، للفراء (٢:٦٣).\n(٢) معاني القرآن، للنحاس (٣:٤٩٦).\n(٣) ينظر: معاني القرآن، للنحاس (٣:٤٩٦).","vol":"1","page":345},{"text":"ومَنْ فَتَحَ القافَ (١)، فإنَّ مجازَها من: قَرَّتْ تَقِرُّ، تقديره: قَرَرَتْ تَقِرُّ، فحذف الثانية فَخَفَّفها ...» (٢).\n٢ - وقال: ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] (٣)، الفَكِهُ: الذي يتفكَّهُ، تقولُ العربُ للرجلِ إذ كانَ يتفكَّه بالطعام أو بالفاكهة أو بأعراضِ الناسِ: إنَّ فلانًا لفكِهٌ بأعراض (٤).\nقالت خنساء (٥) أو عمرة بنتها (٦):\nفَكِهٌ عَلِى حِينِ العشَاءِ إِذا ... حَضَرَ الشِّتَاءُ وَعَزَّتِ الجُزُرُ\n_________\n(١) قرأ بفتح القاف أبو جعفر ونافع وعاصم، وقرأ الباقون بكسرها. ينظر: المبسوط في القراءات العشر، لابن مهران، تحقيق: سبيع حمزة (ص:٣٥٨)، والإقناع في القراءات السبع، لابن الباذش، تحقيق: عبد المجيد قطامش (٢:٧٣٧).\n(٢) مجاز القرآن (٢:١٣٧).\n(٣) قرأ أبو جعفر وحده بغير ألف، وقرأ الباقون بألف على وزن الفاعل. ينظر: المبسوط في القراءات العشر (ص؛٣٧١)، والنشر في القراءات العشر، لابن الجزري (٢:٣٥٤ - ٣٥٥).\n(٤) يظهر أنَّ في النَّصِّ سقطًا، ويدلُّ عليه أنَّ الطبري لما نقل عنه هذا الموضع، قال: «... فقال بعض البصريين منهم: الفَكِهُ: الذي يتفكَّهُ. وقال: تقول العرب للرجل الذي يتفكَّه بالطعام أو بالفاكهة أو بأعراض الناس: إنَّ فلانًا لَفَكِهٌ بأعراض الناس ...».\nتفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٣:١٩).\n(٥) تُمَاضِرُ بنت عمرو، المشهورة بالخنساء، الشاعرة التي اشتهر شعرها بمراثيها في أخيها صخر، وفدت على الرسول ﷺ، وأسلمت، واستشهد أولادها الأربعة في القادسية، فلم تبك عليهم كما بكت أخاها صخرًا، توفيت سنة (٢٤)، وقيل غيرها. ينظر: الشعر والشعراء (١:٣٤٣ - ٣٤٧)، وخزانة الأدب (١:٤٣٣ - ٤٣٨).\n(٦) عمرة بنت مرداس بن عامر السلمي، أخت العباس بن مرداس، شاعرة جاهلية، لها مَرَاثٍ كأُمِّها الخنساء. معجم الشعراء (ص:١٧٢).\nوالبيت لم أجده عند غير أبي عبيدة، ولم أجده في ديوان الخنساء، شرح ثعلب، تحقيق: فايز أحمد.","vol":"1","page":346},{"text":"ومنْ قرأها: ﴿فَاكِهُونَ﴾ جعلَهُ: كثيرَ الفواكِه، صاحبَ فاكهةٍ، قال الحطيئة (١):\nوَدَعَوتَنِي وَزعَمْتَ أَنَّـ ... ـكَ لاَبِنٌ بِالصَّيْفِ تَامِرُ\nأي: ذا لبن وتمرٍ؛ أي: عنده لبنٌ كثيرٌ وتمرٌ كثيرٌ، وكذلك: عاسِلٌ ولاحمٌ وشاحمٌ» (٢).\nتعرُّض أبي عبيدة للنَّقد بسبب منهجه اللُّغويِّ:\nلقد كان المنهجُ اللُّغويُّ الذي سَلَكَهُ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) عُرْضَةً للنَّقدِ، كما أوقعَه في شيءٍ من المخالفاتِ في التَّفسيرِ؛ لأنَّ للتَّفسيرِ مصادرَ غير اللُّغةِ يجب على المفسِّرِ الرُّجوعُ إليها، ولا يعني هذا أنَّ كتابَه يخلو من التَّأثُرِ بالمصادرِ الأخرى (٣)، لكنَّ المرادَ أنَّ اعتمادَه على المنقولِ مِنَ التَّفسيرِ؛ كالسُّنَّةِ النَّبويَّةِ، وآثارِ السَّلفِ، وأسبابِ النُزُولِ، وقصصِ الآيِ = كان قليلًا جِدًّا.\nومن أمثلةِ اعتمادِهِ على السُّنَّةِ النَّبويَّةِ، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، قال: «مجازُه: إنَّ ملائكَة اللَّيلِ تشهدُه، إذا صُلِّيَتْ الغَدَاةُ أعقبتْهَا ملائكةُ النَّهارِ» (٤).\nوهذا مأخوذٌ من قولِ الرَّسول ﷺ، قال: «.... وتجتمعُ ملائكةُ اللَّيلِ وملائكةُ النَّهارِ في صلاةِ الصُّبحِ.\n_________\n(١) البيت في ديوانه، تحقيق: نعمان محمد (ص:٥٦).\n(٢) مجاز القرآن (٢:١٦٣ - ١٦٤).\n(٣) ينظر في الجزء الأول تفسير الألفاظ الآتية: المنُّ والسَّلوى (ص:٤١)، الطُّور (ص:٤٣). حنيفًا (ص:٥٨)، شعائر الله (ص:٦٢)، معدودات (ص:٧١)، اللَّغو (ص:٧٣)، قال لهم الناس (ص:١٠٨)، وغيرها.\n(٤) مجاز القرآن (١:٣٨٨).","vol":"1","page":347},{"text":"يقولُ أبو هريرةَ: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]» (١).\nويظهرُ في كتابِ مجازِ القرآن أنَّ أبا عبيدة (ت:٢١٠) كانَ يعتمِدُ على المخزونِ اللُّغويِّ الذي كانَ يحفظُهُ، سواءً أكانَ تفسيرَ ألفاظٍ، أم كانَ شواهدَ شعريَّةً.\nويبدو أنَّ ثقافتَهُ اللُّغويَّةَ الثَّرِيَّةَ أحدثتْ عنده اعتدادًا بعلمِهِ، وجعلتْه يُقِلُّ من النَّقْلِ عن غيرِه، حتى إنَّكَ لا ترى أثرًا للنَّقلِ عن المتقدِّمين من علماءِ السَّلفِ واللُّغويِّينَ: أمَّا نقله عن السَّلفِ، فقليلٌ جدًا، ولا يكادُ يُذكرُ، وأمَّا اللُّغويُّونَ، فهو يُعَدُّ في الطبقةِ الثَّانيةِ من طبقاتِ القرنِ الثاني، إذ سبقَهُ طبقةُ شيوخِهِ، أمثالُ: أبي عمرو بنِ العلاءِ (ت:١٥٤)، والخَليلِ بنِ أحمدَ (ت:١٧٥)، ويونسَ النَّحويِّ (ت:١٨٢)، ونقله عنهم أكثر من نقله عن السَّلفِ، لكنه قليلٌ أيضًا.\nومما يدلُّ على هذا ما وردَ عن تلميذِه أبي عمر الجَرْمِيِّ (ت:٢٢٥) (٢)، قال: «أتيتُ أبا عبيدةَ بشيءٍ منه [يعني: مجاز القرآن]، فقلت له: عمَّنْ أخذتَ هذا يا أبا عبيدة؟ فإنَّ هذا خلاف تفسيرِ الفقهاءِ (٣).\nفقال لي: هذا تفسيرُ الأعرابِ البوَّالينَ على أعقابهم، فإنْ شِئتَ فخذْهُ، وإنْ شئتَ فَذَرْهُ» (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري، ينظر: فتح الباري، ط: الريان (٨:٢١٥).\n(٢) صالح بن إسحاق البجلي، أبو عمر الجرمي، أخذ عن الأخفش وأبي عبيدة والأصمعي وطبقتهم، كان ذا دين وورع، وله كتبٌ في النحو ككتاب الأبنية، توفي سنة (٢٢٥).\nينظر: طبقات النحويين واللغويين (ص:٧٤ - ٧٥)، وإنباه الرواة (٢:٨٠ - ٨٣).\n(٣) يقصد بهذا المصطلح المفسرين، وسيأتي هذا المصطلحُ لاحقًا في كلام أبي عبيد القاسم بن سلام.\n(٤) طبقات النحويين واللغويين (ص:١٦٧).","vol":"1","page":348},{"text":"فالجرميُّ (ت:٢٢٥) ينتقدُ أبا عبيدة (ت:٢١٠) بأنَّه قد خالفَ المفسِّرينَ في كتابِه هذا، ويردُّ عليه بهذا الرَّدِّ الذي يدلُّ على الاعتدادِ بالنَّفسِ، وكأنَّه لا يَعني له هذا الانتقادُ شيئًا.\nوهذا المنهجُ اللُّغويُّ الذي سلكَه أبو عبيدة (ت:٢١٠)، أوقعَهُ في بعضِ التَّفسيراتِ التي لا تَصِحُّ، كما أوقعه في ردِّ بعضِ الواردِ عن السَّلفِ، وكأنه لا يحتجُّ بتفسيرِهم في نقلِ اللُّغةِ (١)، ولقد كانَ بسببِ هذه التَّفسيراتِ عُرْضةً للنَّقدِ.\n* ومنَ الأمثلةِ التي انتُقِدَت عليه من جهةِ اللُّغةِ:\n١ - قوله: ﴿وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] بعض يكونُ شيئًا منَ الشيء، ويكونُ كلَّ الشيءِ، قالَ لبيدُ بن ربيعة (٢):\nتَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إَذَا لَمْ أَرْضَهَا\nأوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا\nفلا يكونُ الحِمامُ ينْزلُ ببعضِ النفوسِ، فيُذهِبُ البعضَ، ولكنه يأتي على الجميعِ» (٣).\nوهذا الذي قاله في معنى «بعض» قد انتُقِد عليه (٤)، قال أبو جعفر النحاس (ت:٣٣٨): «وهذا القولُ غلطٌ عند أهل النَّظرِ منْ أهلِ اللُّغةِ؛ لأنَّ\n_________\n(١) وازن هذا بما قد سبقَ نقله عنه، قال: «... فلم يحتجِ السلفُ ولا الذين أدركوا وحيَه إلى النَّبيِّ أن يسألوا عن معانيه؛ لأنهم كانوا عربَ الألسنِ، فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه، وعما في كلام العرب مثله من الوجوه والتلخيص». مجاز القرآن (١:٨)، فمن كان هذا حالهم، لِمَ يعترض على بيانهم اللُّغويِّ للقرآنِ؟!\n(٢) البيت في ديوانه، شرح الطوسي، تحقيق: حنا نصر (ص:٢٢٧). وفيه: يرتبط، بدلَ يعتلق. ومعنى الحُمَام: الموت.\n(٣) مجاز القرآن (١:٩٤).\n(٤) ينظر في نقده: معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (١:٤١٥)، مفردات ألفاظ القرآن، للراغب (ص:١٣٤)، غرائب التفسير، للكرماني (١:٢٥٧)، المحرر الوجيز، لابن عطية (٣/ ١٣٤).","vol":"1","page":349},{"text":"البعضَ والجزءَ لا يكونانِ بمعنى الكُلِّ (١).\nقال أبو العباس (٢): معنى «أو يرتبط بعضَ النفوسِ»: أو يرتبطْ نفسي، كما يقولُ: بعضُنا يعرفه؛ أي: أنا أعرفُهُ، ومعنى الآيةِ على البعضِ؛ لأنَّ عيسى ﷺ إنما أحلَّ لهم أشياء مما حرَّمها عليهم موسى: من أكل الشحومِ وغيرها، ولم يُحِلَّ لهم القتلَ، ولا السَّرقةَ، ولا الفاحشةَ» (٣).\nوهذا المذهبُ قد حُكِيَ عن غيرِه، وقد أُنْكِرَ أيضًا، كما قال الأزهريُّ (ت:٣٧٠): «وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: أجمع أهلُ النَّحوِ على أنَّ البعضَ شيءٌ من أشياءَ، أو شيءٌ من شيءٍ إلاَّ هشامًا (٤)، فإنه زعمَ أنَّ قول لبيد:\n........ ... أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا\nفادَّعى وأخطأ: أنَّ البعضَ هاهنا جمعٌ (٥). ولمْ يكنْ هذا منْ عمله، وإنما أراد لبيد ببعض النفوس: نفسه» (٦).\n_________\n(١) ينظر المذاهب في جواز دخول «أل» على «بعض» و«كل»: لسان العرب، مادة (بعض).\n(٢) هو المبرد، ولم أجد هذا القول في الكامل في الأدب.\n(٣) معاني القرآن (١:٤٠٣ - ٤٠٤).\n(٤) يحتمل أن يكون هشام بن معاوية الضرير، النحوي، الكوفي، صاحب الكسائي، توفي سنة (٢٠٩). ويدلُّ عليه أنه نحوي لا لغوي، كما في ترجمته، ولذا قال: «ولم يكن هذا من عمله».\n(٥) قد حُكيَ هذا المذهب عن أبي الهيثم أيضًا، ينظر: تاج العروس، مادة (نظر).\n(٦) تهذيب اللغة (١:٤٩٠). ومن العجيب أنَّ الذي ورد عنه في كتاب مجالس ثعلب، تحقيق: عبد السلام هارون (١:٥٠) يخالف ما نُقِلَ عنه في تهذيب اللُّغةِ، قال: «﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي﴾ [الزخرف: ٦٣]، قال: تكونُ بمعنى كل، وبمعنى بعض، وأنشد للبيد:\nتَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إِذَا لَمْ أَرْضَهَا ... أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا\nمجالس ثعلب، تحقيق: عبد السلام هارون (١:٥٠).","vol":"1","page":350},{"text":"٢ - وقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا﴾ [البقرة: ٣٤]، معناه: وقلنا للملائكةِ، و«إذ» منْ حروفِ الزوائدِ (١)، وقال الأسودُ بن يَعْفُر (٢):\nفَإذَا وَذَلِكَ لا مَهَاهَ لِذِكْرِهِ ... وَالدَّهْرُ يُعْقِبُ صَالِحًا بِفَسَادِ\nومعناه: وذلك لا مَهَاهَ لذكرِهِ، ولا طَعْمَ ولا فَضْلَ، وقال عبد مناف بن رِبع الهذلي (٣)، وهو آخرُ قصيدة (٤):\nحَتَّى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ ... شَلًّا كَمَا تَطْرُدُ الجَمَّالةُ الشُّرُدَا\nمعناه: حتى أسلكوهم» (٥).\nوهذا المذهبُ الذي ذهبَ إليه في الزِّيادةِ في هذا الموضعِ وغيرِه، قد انتقده عليه بعضُ العلماءِ، وخطَّؤه بهذا، ومِمَّن ردَّ عليه هذا الموضعَ الطبريُّ (ت:٣١٠)، قال: «زعمَ بعض المنسوبين إلى العلمِ بلغاتِ العربِ منْ أهلِ\n_________\n(١) ذكر أبو عبيدة في الأساليب التي صدَّر بها كتابه أنَّ الزيادة من مجازات العرب في كلامها، فقال: «ومن مجاز ما يزاد في الكلام من حروف الزوائد، قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]، وقال: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]، وقال: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠]، وقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٧]، مجاز هذا أجمع: إلقاؤهنَّ». مجاز القرآن (١:١١). وقد تبعه ابن قتيبة في القول بالزيادة، ينظر مثلًا: تأويل مشكل القرآن (ص:٢٤٣ - ٢٥٥)، وينظر: تفسير غريب القرآن (ص:٤٥، ١٠٣).\n(٢) الأسود بن يعفر بن عبد الأسود، أبو الجراح، أعشى بني نهشل، شاعر جاهلي، نادم النعمان بن المنذر، وكان ممن يهجو قومه. ينظر: خزانة الأدب (١:٤٠٥ - ٤٠٦)، ومعجم الشعراء (ص:١٨).\nوالبيت في ديوانه (ص:٣١)، ينظر المعجم المفصل (٢:٣٣١).\n(٣) عبد مناف بن رِبع، شاعر جاهلي من شعراء هذيل، ليس له أخبار تُذكر. ينظر: خزانة الأدب (٧:٤٩)، ومعجم الشعراء (ص:١٥٤).\n(٤) ديوان الهذليين (٢:٤٢).\n(٥) مجاز القرآن (١:٣٧).","vol":"1","page":351},{"text":"البصرةِ أنَّ تأويل قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾: وقال ربُّكَ، وأنَّ «إذ» من أحرفِ الزَّوائدِ، وأنَّ معناها الحذفُ.\nواعتلَّ لقولِه الذي وصفنا عنه في ذلك ببيت الأسود بن يَعْفُرَ:\nفَإِذَا وَذَلِكَ لا مَهَاهَ لِذِكْرِهِ ... وَالدَّهْرُ يُعْقِبُ صَالِحًا بِفَسَادِ\nثُمَّ قال: ومعناها: وذلك لا مهاه لذكره، وبيت عبد مناف بن رِبْع الهذلي:\nحَتَّى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ ... شَلًّا كَمَا تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّرُدا\nوقال: معناه: حتى أسلكوهم.\nقال أبو جعفر: والأمر في ذلك بخلاف ما قال: وذلك أنَّ «إذ» حرفٌ يأتي بمعنى الجزاءِ، ويدلُّ على مجهولٍ من الوقتِ. وغير جائز إبطالُ حرفٍ كانَ دليلًا على معنى في الكلامِ. إذْ سواءٌ قِيلُ قائلٍ: هو بمعنى التَّطَوُّلِ، وهو في الكلام دليلٌ على معنىً مفهوم، وقِيلُ آخرُ، في جميعِ الكلامِ الذي نطقَ به دليلًا على ما أريدَ به: هو بمعنى التَّطَوُّلِ ...» (١).\n* ومما ردَّه من قول السَّلف، تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١]، قال: «أفْعَلَتْ من العتادِ، ومعناه: أعدَّتْ له [كذا] متكأً؛ أي: نُمْرُقًا تَتَّكِئُ عليه.\nوزعم قومٌ أنه الأُتْرُجُّ، وهذا من أبطلِ باطلٍ في الأرضِ، ولكنْ عسى أنْ يكونَ مع المتكَإِ أُتْرُجٌ يأكلونه» (٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١:٤٣٩ - ٤٤٠) وفي بقية كلامه ردٌّ مفصَّلٌ لما فهمه أبو عبيدة من معنى إذا في الأبيات. وقد ردَّ عليه في هذا الموضع: الزجاج في معاني القرآن وإعرابه (١:١٠٨)، وينظر: الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، لابن السيِّد البطليوسي، تحقيق: مصطفى السقا وحامد عبد العزيز (٣:٢٧٤ - ٢٧٥)، وخزانة الأدب (٧:٤٠ - ٤٢).\n(٢) مجاز القرآن (١:٣٠٨ - ٣٠٩).","vol":"1","page":352},{"text":"وقد ورد تفسير المتكَإِ بالأُتْرُجِّ عن ابن عباس (ت:٦٨) من طريق مجاهد (ت:١٠٤) (١) وعطية العوفيِّ (ت:١١١) (٢)، وعن الضَّحَّاك (ت:١٠٥) من طريق أبي روق (٣)، وعن سلمة بن تمام (٤).\nوفسَّره بعضُ السَّلفِ بأعمَّ من الأُتْرُجِّ، فقالوا: طعامًا، ورد ذلك عن ابن عبَّاس (ت:٦٨)، وسعيد بن جبير (ت:٩٤)، ومجاهد (ت:١٠٤)، وعكرمة (ت:١٠٥)، والحسن البصريِّ (ت:١١٠)، وعطية العوفي (ت:١١١)، وقتادة (ت:١١٧)، وابن إسحاق (ت:١٥٠) (٥)، وابن زيد (ت:١٨٢) (٦).\nوفسَّره آخرونَ، فقالوا: كلُّ شيءٍ يُقْطَعُ بالسِّكينِ، ورد ذلك عن الضَّحَّاك (ت:١٠٥) (٧)، وعكرمة (ت:١٠٥) (٨).\nوورد عن مجاهدٍ (ت:١٠٤) ما يفيد أنَّ سببَ الاختلاف في التَّفسيرِ\n_________\n(١) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٦:٧١)، وتفسير ابن أبي حاتم (٧:٢١٣٢).\n(٢) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٦:٧٣).\n(٣) عطية بن الحارث، أبو روق الهمذاني، الكوفي، روى عن إبراهيم التيمي وأنس بن مالك، وغيرهما، وعنه: إبراهيم بن الزبرقان، وبشر بن خالد وغيرهما، صدوق.\nينظر: تهذيب الكمال (٥:١٨٣)، وتقريب التهذيب (ص:٦٨٠).\nوروايته في تفسير ابن أبي حاتم (٧:٢١٣٣).\n(٤) سلمة بن تمام، أبو عبد الله الشَّقَرِي، الكوفي، روى عن إبراهيم النخعي وإسماعيل بن رجاء، وعنه: إسماعيل بن عُليَّة وجرير بن حازم، صدوقٌ، ينظر: تهذيب الكمال (٣:٢٤٤)، وتقريب التهذيب (ص:٣٩٩)، وروايته في تفسير ابن أبي حاتم (٧:٢١٣٣).\n(٥) محمد بن إسحاق بن يسار المطَّلبي، المدني، صاحب السيرة، توفي سنة (١٥٠)، وقيل غيرها. ينظر: طبقات ابن سعد (٧:٣٢١ - ٣٢٢)، والقسم المتمم للطبقات (ص:٤٠٠ - ٤٠٢)، وتهذيب الكمال (٦:٢٢١ - ٢٢٧).\n(٦) ينظر أقوالهم في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٦:٧٢ - ٧٤)، وتفسير ابن أبي حاتم (٧:٢١٣٣).\n(٧) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٦:٧٤)، وتفسير ابن أبي حاتم (٧:٢١٣٣).\n(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٧:٢١٣٣).","vol":"1","page":353},{"text":"اختلافُ القراءةِ وتوجيهها في اللُّغةِ، فقال: «من قرأ: ﴿مُتَّكَأً﴾، فهو الطعام. ومن قرأها: «مُتْكًا»، فخفَّفها (١)، فهو الأتْرُجُّ» (٢).\nوعلى هذا يمكنُ حملُ تفسيرِ منْ فسَّرَ المُتَّكأَ بالأترجِّ أنه أرادَ تفسيرَ هذه القراءةِ، ومن فسَّرَهُ بالطعامِ، أرادَ القراءةَ المتواترةَ.\nويكون في القراءةِ المتواترةِ وجهانِ من التَّفسيرِ:\nالأول: أنَّ المُتَّكَأَ: ما يُتَّكَأُ عليه من الوسائدِ وغيرها. وهذا هو القول الذي نصرَه أبو عبيدة (ت:٢١٠)، والطبريُ (ت:٣١٠) (٣)، وهو قول أهل اللغة (٤).\nالثاني: أنَّ المُتَّكَأَ: الطعام، وهو قول جمهور السَّلف.\nوالقول الثاني محكيٌ في اللُّغةِ، قال ابن قتيبة (ت:٢٧٦): «﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١]؛ أي) طعامًا، يقال: اتَّكَانَا عندَ فلانٍ؛ أي: طَعِمْنَا.\nوقال جميل (٥):\nفَظَلِلْنَا بِنِعْمَةٍ وَاتَّكَانَا ... وَشَرِبْنَا الحَلاَلَ مِنْ قِلَلِهْ\n_________\n(١) قال ابن جني: «وقرأ: ﴿مُتْكًا﴾ ساكنة التاء غير مهموزة ابن عباس وابن عمر والجحدري وقتادة والضحاك والكلبي وأبان بن تغلب، ورويت عن الأعمش». المحتسب (١:٣٣٩)، وزاد ابن عطية مجاهدًا، المحرر الوجيز، ط: قطر (٧:٤٩٢).\n(٢) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٦:٧٢، ٧٣)، وتفسير ابن أبي حاتم (٧:٢١٣٣).\n(٣) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٦:٦٩، ٧٠، ٧١).\n(٤) ينظر: معاني القرآن، للنحاس (٣:٤٢١)، ومادة (وكى، ومتك) في لسان العرب وتاج العروس.\n(٥) جميل بن عبد الله القضاعي، المعروف بجميل بثينة، نُسِبَ إليها لحبِّه لها، وكثرةِ شعرِه فيها، وتوفي بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان سنة (٨٢)، ينظر: معجم الشعراء المخضرمين والأمويين (ص:٨٥)، ومعجم الشعراء (ص:٥٧).\nوالبيت في ديوانه، تحقيق: إميل يعقوب (ص:١٨٩)، والقلل: جمع قُلَّةٍ، وهي إناء للعرب كالجَرَّةِ، وقيل غير ذلك. ينظر: لسان العرب، مادة (قلل).","vol":"1","page":354},{"text":"والأصل: أنَّ من دَعَوْتَهُ لِيَطْعَمَ، أَعْدَدْتَ له التكأة للمُقَامِ والطُّمأنينة، فيسمَّى الطعامُ متكأً على الاستعارةِ» (١).\nوبهذا يَبِينُ تقصيرُ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) وتسرُّعه في ردِّ هذا المعنى، وقد أنكر عليه ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام (ت:٢٢٤)، فيما حكاه عنه الطبري (ت:٣١٠)، قال: «وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام قول أبي عبيدة، ثمَّ قال: والفقهاء أعلم بالتَّأويلِ منه. ثمَّ قال: ولعله بعضُ ما ذهبَ من كلامِ العربِ، فإنَّ الكسائيَّ كان يقولُ: قد ذهبَ من كلامِ العربِ شيءٌ كثيرٌ انقرضَ أهلُهُ» (٢).\nوقد ذكرَ جمعٌ من أهلِ اللُّغةِ أنَّ لفظَ المُتْكِ يعني الأتْرُجَّ، كما ذكرَ بعضُ اللُّغوييِّنَ القراءةَ الشَّاذَّةَ «مُتْكًا» في البيانِ عن ورودِ هذا المعنى في لغةِ العربِ.\nقال الزَّبيديُّ (ت:١٢٠٥): «(و) المُتْكُ بالضَّمِّ ... (الأُتْرُجُّ)، حكاه الأخفشُ (٣)، ونقله الجوهريُّ (٤)، وقال الفرَّاء (٥): الواحدة مُتْكَةٌ مثل: بُسْر\n_________\n(١) تأويل مشكل القرآن (ص:١٨٠ - ١٨١)، وينظر له كتاب الأشربة، تحقيق: ممدوح حسن محمد (ص:٧٩)، وتفسير غريب القرآن (ص:٢١٦).\n(٢) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٦:٧١). وقد علَّق الطبريُ على قوله منتصرًا لما ذهب إليه أبو عبيدة من المعنى، فقال: «والقول في أنَّ الفقهاءَ أعلمُ بالتأويلِ من أبي عبيدةَ، كما قال أبو عبيدٍ لا شكَّ فيه، غير أنَّ أبا عبيدةَ لم يُبْعِد من الصواب في هذا القولِ، بل القول كما قال: من أنَّ من قال للمتكأ: هو الأترجُّ، إنما بيَّنَ المُعدَّ في المجلسِ الذي فيه المتكأ، والذي من أجله أعطين السكاكين؛ لأنَّ السكاكينَ معلومٌ أنها لا تُعدُّ للمتكأ إلاَّ لتخريقه، ولم يُعْطَينَ السكاكين لذلك». تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٦:٧١).\nوهذا غريبٌ على منهجِ الطبري الذي كان يعتمدُ ما وردَ عن السلفِ، ويعارضُ ما وردَ عن اللغويين إن عارضه، وقد سبق بيان هذا المنهج عند الحديث عن تفسيره.\n(٣) لم أجده في موضعه من معانيه (١:٣٩٧).\n(٤) ينظر قوله في الصحاح، مادة (متك).\nوالجوهري: إسماعيل بن حماد الجوهري، من أعاجيب الدنيا، إمام في اللغة، له كتاب الصحاح في اللغة، توفي سنة (٣٩٨). ينظر: معجم الأدباء (٦:١٥١ - ١٦٥)، وإنباه الرواة (١:٢٢٩ - ٢٣٣).\n(٥) لم أجده في معاني القرآن (٢:٤٢)","vol":"1","page":355},{"text":"وبُسْرَة (ويُكسر) قال الشاعر (١):\nنَشْرَبُ الإثْمَ بِالكُؤوسِ جِهَارًا ... وَنَرَى المُتْكَ بَيْننا مُسْتَعَارًا\nوقيل: سُمِّيَتْ الأترجَّةُ مُتْكَةً؛ لأنها تُقْطَعُ.\n(و) قال الجوهريُّ (٢): قال الفرَّاء (٣): حدَّثني شيخٌ من ثقات أهل البصرةِ أنه (الزُّمَاوَرْدُ) (٤).\nوبكلٍّ منهما فُسِّرَ قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] بضمِّ فسكونٍ، وهي قراءةُ ابنِ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما - وابنِ جبيرٍ، ومجاهدٍ، وابنِ يعمرَ (٥)، والجحدريِّ (٦)، والكلبيِّ (٧)، ونصرِ بنِ عاصمٍ، كذا في العباب.\nوفي كتابِ الشَّواذِّ لابن جني (٨): هي قراءةُ ابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، والجحدريِّ، وقتادةَ، والضَّحَّاكِ، والكلبيِّ، وأبانِ بنِ تغلبَ، ورُويتْ عن الأعمش (٩).\n_________\n(١) ينظر: تهذيب اللغة (١٥:١٦١)، وقد فسَّر المتك بالأترج، ولسان العرب، مادة (أثم).\n(٢) ينظر: الصحاح، مادة (متك).\n(٣) هو في معاني القرآن (٢:٤٢).\n(٤) قال في القاموس المحيط، مادة (ورد): «الزُّمَاوَرْد: طعامٌ من البيض واللحمِ، والعامة يقولون: بَزْمَاوَرْدٌ».\n(٥) هو يحيى بن يعمر، وقد سبقت ترجمته.\n(٦) هو عاصم الجحدري، وقد سبقت ترجمته.\n(٧) هو محمد بن السائب، وقد سبقت ترجمته.\n(٨) هو كتاب المحتسب.\n(٩) سليمان بن مهرانٍ، أبو محمد، الأسدي، الكوفي، ثقةٌ حافظٌ، عارفٌ بالقراءةِ، أخذها عن النخعي وزِرِّ بن حبيش وغيرهما، توفي سنة (١٤٨). ينظر: تقريب التهذيب (ص:٤١٤)، وغاية النهاية (١:٣١٥ - ٣١٦).","vol":"1","page":356},{"text":"قلتُ: ورواه عنِ الضَّحَّاكِ أبو روقٍ، وفسَّره بزماورد (١)، ورواه الأعمشُ عنْ أبي رجاءَ العطارديِّ (٢)، وقال: هو الأترج» (٣).\nوبهذا يظهرُ أنَّ هذا المعنى الذي فُسِّرَ به صحيحٌ من حيثُ اللُّغةِ، ولا يَصِحُّ ردُّه، ويكفي في ذلكَ حكايةُ السَّلفِ له (٤)، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>أثر المعتقد على دلالة الألفاظ عند أبي عبيدة:</span>\nلقد كان أبو عبيدة (ت:٢١٠) متهمًا في معتقده، فنُسِبَ إلى الخوارجِ (٥)، ونُسِبَ إلى المعتزلة (٦)، فهل ظهر منه في كتابه مجاز القرآن ما يعضد هذا الاتهام؟\nأمَّا الخوارجُ، فلمْ يكنْ لهم في عهدِه تراثٌ يمكنُ أنْ تُعرفَ به قضايا العقيدةِ عندهم، وهي لم تظهرْ إلاَّ متأخِّرةً، وقد قرأتُ أخبارَهم في كتابِ الكامِلِ في الأدبِ، للمبرد (ت:٢٨٥)، وأغلبُ ما فيه أخبارُ قتالِهم للمسلمينَ وشجاعتهمْ في ذلكَ، ومن أكبرِ المسائلِ التي ذكرتها كتبُ الفرقِ عنهم مسألةُ الإيمانِ، وما نشأ عنه من حكمِ مرتكبِ الكبيرةِ، وتكفيرهم له، وأنه مخلَّدٌ في النارِ، وغيرها من الأحكام.\n_________\n(١) ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٦:٧٠).\n(٢) عمران بن مِلحان، أبو رجاء العطاردي، مشهور بكنيته، بصريٌّ، ثقةٌ مخضرمٌ، ولد قبل الهجرة، وأسلم ولم ير النبي ﷺ، أخذ القراءة على أبي موسى، وعرضه على ابن عباس، توفي سنة (١٠٥). ينظر: تقريب التهذيب (ص:٧٥٢)، وغاية النهاية (١:٦٠٤).\n(٣) تاج العروس، مادة (متك).\n(٤) ينظر تفسيره للطلح (٢:٢٥٠)، فقد ردَّ تفسير السلف له. وسيأتي نقاشه لاحقًا، وينظر تفسيره تثبيت الأقدام (١:٢٤٢)، فقد فسره بخلاف ما ورد عن السلف، لعدم اعتماده على الوارد عنهم من أسباب النُّزول وقصص الآي.\n(٥) ينظر مثلًا: إنباه الرواة (٣:٢٨١).\n(٦) ينظر مثلًا: طبقات النحويين واللغويين (ص:١٧٧).","vol":"1","page":357},{"text":"وقد تفحَّصتُ كتاب أبي عبيدةَ (ت:٢١٠)، فلمْ أجدْ فيه شيئًا من هذه العقائدِ، فهل كانَ يتَّقي المجاهرةَ بذلكَ، كما وردت الرِّوايةُ عن تلميذه التَّوَّزيِّ (١)، قال: «دخلتُ على أبي عبيدة، وهو جالسٌ في مجلسِ مسجدِهِ وحده، ينكتُ في الأرضِ، فرفع رأسه إليَّ، وقال: من القائلُ (٢):\nأقُولُ لَهَا - وقَدْ جَشَأتْ وَجَشَاتْ ... مِنَ الأطْمَاعِ ـ: وَيْحَكِ لَنْ تُرَاعِي\nفَإِنَّكِ لَو سَأَلْتِ بَقَاءَ يَوْمٍ، ... عَلَى الأجَلِ الَّذي لَكِ لَنْ تُطَاعِي\nفقلتُ: قُطْريُّ بنُ الفُجَاءة الخارجيُّ (٣).\nقال: فضَّ اللهُ فاكَ، هلاَّ قُلتَ: لأميرِ المؤمنينَ أبي نعامةَ. قال لي: اجلسْ، واكتُمْ عليَّ ما سَمِعتَ مِنِّي.\nقال: فما ذكرتُه حتَّى ماتَ» (٤). واللهُ أعلمُ.\nفإن صحَّتْ هذه الروايةُ، فإنها تدلُّ على إبطانه لمعتقدِ الخوارجِ، ولذا لم يظهرْ في كتابِه ما يدلُّ على اعتقادِه مذهبَهم، واللهُ أعلم.\nأمَّا تُهْمةُ الاعتزالِ، فيقول عنها الخُشَنِيُّ (٥): «كان أبو عبيدةَ مُسَّ ببعضِ\n_________\n(١) عبد الله بن محمد بن هارون، أبو محمد التَّوَّزِيُّ، قرأ كتاب سيبويه على الجرميِّ، وأخذ عن أبي عبيدة والأصمعيِّ، له كتاب الأضداد وغيره، توفي سنة (٢٣٠)، ينظر: أخبار النحويين البصريين (ص:٩٥ - ٩٧)، إنباه الرواة (٢:١٢٦).\n(٢) الأبيات من مشهور شعره، وهي في مصادرَ كثيرةٍ، منها: شعراء الخوارج، تحقيق: إحسان عباس (ص:٤٢ - ٤٣)، وأمالي الشريف المرتضى (١:٦٣٦)، وسمط اللآلي (١:٥٧٥).\n(٣) قُطْرِيُّ بنُ الفُجَاءَةِ من بني مازن، أبو نعامة، من قادة الخوارجِ الأزارقة، خرج زمن ولايةِ مصعب بن الزبيرِ للعراقِ، قتل في طبرستان سنة (٧٨)، وقيل غيرها. ينظر: معجم الشعراء المخضرمين والأمويين (ص:٣٧٤ - ٣٧٥)، ومعجم الشعراء (ص:٢١٥).\n(٤) مراتبُ النَّحويين (ص:٧٨ - ٧٩). وينظره في أمالي الشريف المرتضى (١:٦٣٦).\n(٥) محمد بن عبد السلام الخُشَني، من أهل جيَّان، رحل إلى المشرق، ولقي المازنيَّ =","vol":"1","page":358},{"text":"الاعتزالِ، إلاَّ أنه قد بَرِئَ منْ ذلك بما ظهرَ في روايته وكتبه» (١).\nوقال مروانُ بنُ عبدِ الملكِ: «قلت لأبي حاتم: يقال: إنَّ أبا عبيدةَ كانَ يقول بالقدرِ، فقال: لا، وأنكرَ ذلك. قال: كان يثبتُ القَدَرَ» (٢).\nوهذا المنهج الذي نصَّ عليه الخُشَنِي منهجٌ صحيحٌ قويمٌ، فهل ظهر في كتبه ما يدلُّ على ما نُسِبَ إليه؟\nلقد اجتهدتُ في تتبعِ الكتابِ لإظهارِ ما يتعلقُ بهذه المسألةِ فظهر لي من الأمثلة ما يأتي:\n١ - في قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣]، قال: «مجازه: ظَهَرَ على العرشِ، وعلا عليه، ويقالُ: استويتُ على ظَهْرِ الفرسِ، وعلى ظَهْرِ البيتِ» (٣).\nوهذا القولُ في الآية هو قولُ أهلِ السُّنةِ، أمَّا المعتزلةُ فيرون أنَّ معنى: استوى: استولى، ولهم أقوالٌ أخرى فيها تحريفٌ لمعنى الاستواءِ (٤).\n٢ - في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، قال: «مجازه أنه خلقَهُ ولمْ يكنْ منَ البَدْءِ شيئًا، ثمَّ يُحييه بعدَ موتِه ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، فجازَ مجازُهُ: وذلك هَيِّنٌ عليه؛ لأنَّ «أفْعَل» يوضعُ موضعَ الفاعلِ، قال (٥):\n_________\n= وأبا حاتم وغيرهما، وكتب الحديث، وكان فصيح اللسانِ، بصيرًا بكلام العربِ، وكان خيِّرًا ديِّنًا، توفي سنة (٢٨٦). ينظر: طبقات النحويين واللغويين (ص: ٢٦٨)، وجذوة المقتبس (ص:٦٤).\n(١) طبقات النحويين واللغويين (ص:١٧٧).\n(٢) طبقات النحويين واللغويين (ص:١٧٥).\n(٣) مجاز القرآن (١:٢٧٣)، وينظر: (٢:١٥، ٥٧).\n(٤) سيأتي ذكرُ قولهم في فصل (الانحراف في التفسير اللُّغويِّ).\n(٥) البيت لمعن بن أوس في ديوانه (ص:٣٦)، ينظر حاشية مجاز القرآن (٢:١٢١).","vol":"1","page":359},{"text":"لَعَمْرُكَ مَا أدْرِي، وَإنِّي لأَوْجِلُ ... عَلَى أَيِّنَا تَعْدُو المَنِيَّةُ أَوَّلُ\nأي: إني لواجلٌ؛ أي: لَوَجِلٌ، وقال (١):\n........ ... فَتِلْكَ سَبيلٌ لَسْتَ فِيهَا بِأَوْحَدِ\nأي: بواحدٍ، وفي الأذانِ: اللهُ أكبرُ؛ أي: كبيرٌ. وقال الشاعرُ (٢):\nأصْبَحْتُ أَمْنَحُكِ الصُّدُودَ، وَإِنَّنِي ... - قَسَمًا - إِلَيْكِ مَعَ الصُّدُودِ لأَمْيَلُ\nوقال الفرزدقُ (٣):\nإنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتًا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ\nأي: عزيزة طويلة.\nفإن احتجَّ محتجٌّ، فقال: إنَّ الله لا يوصفُ بهذا، وإنما يوصف به الخلقُ، فزعمَ أنه: وهو أهونُ على الخلقِ.\nوإنَّ الحجَّة عليه (٤): قوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾\n_________\n(١) استشهد أبو عبيدة بهذا البيت قبل هذا الموضع (٢:١٦)، ونسبه إلى طرفة (٢:٣٠١)، وقد استشهد به الطبري في مواضع من تفسيره (١٦:١٤١)، (٢١:٣٧)، ونسبه إلى طرفة كذلك (٣٠:٢٢٧)، واستشهد به ابن الجوزي في زاد المسير (٦:١٤٩)، (٨:٢٦٤)، والقرطبي (٢٠:٨٨).\nوقد ذكره أبو علي القالي في ذيل الأمالي (٣:٢١٨)، وعلَّق عبد العزيز الميمني في سمط اللآلي (٢:١٠٤) بأنه وجده في كتاب الاختيارين ضمن أبيات منسوب لمالك بن القَينِ الخزرجي، واللهُ أعلم.\n(٢) البيت للأحوص الأنصاري، وهو في ديوانه، تحقيق: عادل سليمان جمال (ص:٢٠٩).\n(٣) البيت في ديوانه (ص:٤٨٩).\n(٤) كذا في مجاز القرآن، وقد نقل الطبري في تفسيره، ط: الحلبي (٢١:٣٨) هذا الموضع من كتاب المجاز، والعبارة عنده أصوب، وهي: «فإنَّ الحجة عليه»؛ لأنها جواب: فإن قال قائلٌ، والجواب تدخله الفاء لا الواو، والله أعلم.","vol":"1","page":360},{"text":"[الأحزاب: ١٩]، وفي آيةٍ أخرى: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ أي: لا يُثقلُهُ» (١).\nوهذا المعنى الذي ذكرَه هو أحد قولي السَّلفِ في معنى الآية (٢)، والقول الآخر: أنها على بابها، والمعنى: الإعادة بعد البدءِ أهونُ عليه (٣)، كما هو في نظرِكم أنَّ الإعادة أهونُ من البدءِ، وهذا من بابِ قياسِ الأَولى.\n٣ - في قول الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩]، قال: «واحدتُها صورةٌ، خرجتْ مخرجَ سورةِ المدينةِ، والجميعُ: سورٌ، ومجازُهُ مجازُ المختصرِ المضمرِ فيه؛ أي: نُفِخَ فيها أرواحُها» (٤).\nخالف أبو عبيدة (ت:٢١٠) في هذا التَّفسيرِ الوارد عن النبي ﷺ في معنى الصُّورِ، ويحتملُ أنه كان يجهلُ هذا المعنى الشرعيَّ؛ لأنَّه لم يورده، فينكره، والله أعلم، وأيًّا ما كان الأمر، فإنَّ هذا التَّفسيرَ غيرُ مقبولٍ البتَّةَ، لكن المرادَ هنا أنه لا يمكنُ الجزمُ بأنَّ أبا عبيدةَ ينكرُ الصُّورَ الواردَ في الحديثِ، كما هو شأنُ بعضِ المعتزلةِ في الغيبيَّاتِ، ولكن الذي وقعَ أنَّهم وغيرهم ممن ينكره قد اعتمد على قول أبي عبيدة، وسيأتي الحديث عن ذلك لاحقًا (٥).\n_________\n(١) مجاز القرآن (٢:١٢١ - ١٢٢).\n(٢) ذكره ابن جرير عن ابن عباس من طريق العوفي، وعن الربيع بن خُثَيم. تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢١:٣٥ - ٣٦).\n(٣) ذكره ابن جرير الطبري عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، وعن مجاهد وعكرمة وقتادة. تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢١:٣٦). قال الشيخ ابن سعدي موضحًا هذا المعنى: «أي: إعادة الخلقِ بعدَ موتِهم أهون عليه من ابتداء خلقِهم، وهذا بالنسبةِ إلى الأذهانِ والعقولِ. فإذا كانَ قادرًا على الابتداءِ الذي تُقرُّونَ به، كانت قدرته على الإعادةِ، التي هي أهون، أولى وأولى». تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، تحقيق: محمد النجار (٦:١٢٢).\n(٤) مجاز القرآن (١:٤١٦)، وينظر: (١:١٩٦)، (٢:١٦٢ - ١٦٣).\n(٥) ينظر: (ص:٦٦٥).","vol":"1","page":361},{"text":"٤ - وفي قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩]، قال: «يخادعون في معنى يخدعون، ومعناها يُظهِرون غيرَ ما في أنفسهم، ولا يكادُ يجيءُ «يُفَاعِلُ» إلاَّ من اثنينِ، إلاَّ في حروفٍ هذا أحدها. قوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٠]، معناه: قتلهم الله» (١).\nيُشعِرُ اختيارُه هنا بعدمِ وقوعِ المخادعةِ من اللهِ تعالى، حيث صرف معنى المفاعلةِ في هذه الآيةِ إلى أنها تقعُ من الواحدِ، وهذه الصِّيغة - وإن كانت ترد لهذا المعنى - يصحُ حملها في هذه الآية على المفاعلةِ من الاثنين الذي هو أصلُ معنى هذه الصِّيغةِ، بدليلِ وصفِ الله بها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، لكنَّ مخادعةَ اللهِ لا تكونُ منه ابتداءً، بلْ هو يخادِعُ من يخادِعُهُ، لذا لمْ تردْ هذه الصفةُ مفردةً إثباتًا، بلْ وردتْ مقابلَ مخادعةِ المنافقينَ، والمخادعةُ منه بخلافِ المخادعة من البشرِ، على القاعدةِ المعروفةِ في الأوصافِ المنسوبةِ إلى اللهِ.\nوهذه الأمثلة التي وقع فيها خطأٌ من أبي عبيدة (ت:٢١٠) لا تكفي في الحكم عليه بانتهاجه مذهبَ المعتزلةِ، خاصةً إذا تأملتَ تفسيره الصريح للاستواءِ بالعلوِ، وهذا يخالفُ مذهبَ المعتزلةِ.\nولذا فإنَّ الحالَ في الحكمِ على مثله لا يصلحُ أنْ يكونَ مطلقًا، بلْ يُنبَّه على الأخطاءِ التي وقعَ فيها، ولستَ مُلزمًا بِنَسْبِهِ إلى طائفةٍ منْ طوائفِ البدعِ، بل تبقى في الحكم على الأصلِ، وهو السَّلامة من البدعِ، والله أعلم.\n_________\n(١) مجاز القرآن (١:٣١).","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>ثانيًا تَفْسِيرُ غَريبِ القُرآنِ، لابن قُتَيْبَةَ</span>\nألَّفَ ابن قتيبة (ت:٢٧٦) كتابه (غريب القرآن) مُتَمِّمًا به كتابه «تأويل مشكل القرآن) حيث قال في نهايةِ مقدمتِه - بعد أنْ ذَكَرَ شُبَهَ الطَّاعنينَ في القرآنِ ـ: «وقدْ ذكرتُ الحُجَّةُ عليهم في جميعِ ما ذكروا، وغيرِه مما تركوا، وهو يُشْبِهُ ما أنكروا، ليكونَ الكتابُ جامعًا لِلفَنِّ الذي قصدتُ له. وأفردتُ للغريبِ كتابًا؛ كي لا يطولَ هذا الكتابُ، وليكونَ مقصورًا على معناه، خفيفًا على من قرأه إن شاء الله» (١).\nوقد ذكرَ غرضَه من تأليفِ كتابِ (غريبِ القرآنِ)، فقال: «وغرضُنا الذي امتثلنَاه في كتابنا هذا: أن نختصرَ ونكملَ، وأن نوضِّح ونُجْمِلَ، وأنْ لا نستشهدَ على اللَّفظِ المبتذَلِ، ولا نُكثرَ الدلالةَ على الحرفِ المستعمَلِ، وأنْ لا نحشوَ كتابَنا بالنَّحوِ وبالحديث والأسانيدِ».\nثُمَّ قَالَ: «وكتابُنا هذا مستنبطٌ منْ كتبِ المفسِّرينَ، وكتبِ أصحابِ اللّغةِ العالمينَ، ولم نخرجْ فيه عن مذاهِبهم، لا تكلَّفنا في شيءٍ منه بآرائنا غيرَ معانيهم، بعد اختيارِنا في الحرف أَوْلَى الأقاويلِ في اللُّغةِ، أشبهُها بقصةِ الآيةِ (٢) ...» (٣).\n_________\n(١) تأويل مشكل القرآن (ص:٣٢).\n(٢) هذا النصُّ يُظهرُ بداياتِ المفسِّر الناقدِ، أو المفسِّر المختارِ من بين الأقوال، غير أنَّه لا يُبيِّن في كلِّ موضع سبب اختياره.\n(٣) تفسير غريب القرآن (ص:٣ - ٤).","vol":"1","page":363},{"text":"ويتبيَّنُ منْ هذا ما يأتي:\n١ - أنَّ ابنَ قتيبةَ (ت:٢٧٦) خَصَّ معاني القرآنِ بكتابِه (تأويل مشكلِ القرآنِ)، وخصَّ الغريبَ بكتابِه (تفسيرِ غريبِ القرآنِ)، وإنْ كانَ يُعرِّجُ في كتابِه في الغريبِ على شيءٍ من معاني القرآنِ وإعرابِه، لكنَّه قليلٌ جدًا.\n٢ - أنه اعتمدَ في كتابِه على من سبقَه من مفسِّري السَّلفِ وأهلِ اللُّغةِ، وهو في كثيرٍ من نقلِهِ لا يبينُ عمَّنْ نقلَ، ومما ظهرَ من أسماءِ هؤلاءِ عنده تجدُ أن ابنَ عباسٍ (ت:٦٨) (١)، وقتادةَ (ت:١١٧) (٢) أكثرُ المفسِّرينَ ورودًا، ثمَّ مجاهدًا (ت:١٠٤) (٣)، ثمَّ الحسنَ البصريَّ (ت:١١٠) (٤).\nأمَّا أهل اللغة، فقد اعتمدَ على أبي عبيدة (ت:٢١٠)، آخذًا من كتابِه (مجازِ القرآن) (٥)، وعلى الفراءِ (ت:٢٠٧)، آخذًا من كتابِه (معاني القرآن) (٦). وقد أكثرَ الأخذَ عنهما دونَ أنْ يَنُصَّ على ذكرِهما.\nولم يكنْ في نقلِه مجردًا عن النقدِ، بل أبانَ في مقدمةِ كتابِه رأيَهُ فيما ينقلُ، فقال: «... بعد اختيارِنا في الحرفِ أولى الأقاويلِ في اللغةِ، أشبهها\n_________\n(١) ينظر مثلًا: (ص: ١٢٣، ٢٠٧، ٢٥٩. ٣٠٩، ٣١١، ٣٢٤، ٣٣٦د ٤١٢، ٤٥٩)، وغيرها، ويلاحظُ أنَّه يروي من طريق أبي صالحٍ، ولذا يقولُ - أحيانًا ـ: «وفي تفسير أبي صالح» (ص:٣٣٢).\n(٢) ينظر مثلًا: (ص:١٢١، ٢٩٣د ٢٩٦، ٢٩٩، ٣٣٦، ٣٦٩، ٣٧٧، ٣٨١، ٣٨٣)، وغيرها.\n(٣) ينظر مثلًا: (ص: ٤٧، ٧٠، ٢٢١، ٢٩٦، ٣٣٦، ٣٩٠، ٤٢٧، ٤٤٨، ٥٠٣)، وغيرها.\n(٤) ينظر مثلًا: (ص:١٩٢، ٢٥٩، ٣٣٦، ٤٩٥)، وغيرها.\n(٥) ينظر: نصه على اسمِه في (ص:٦، ٢٣، ٢٥، ٢٧، ٣٧، ٤٢، ٤٤، ٧٤، ١٠٤، ١١٠، ٢٠٦، ٣١٧، ٣٤٠)، وغيرها.\n(٦) ينظر: نصه على اسمِه في (ص:٥١، ٦٧، ٦٩، ٣١٩)، وغيرها، وهو أقلُّ ورودًا عنده من أبي عبيدةَ.","vol":"1","page":364},{"text":"بقصةِ الآية» (١). وهذا يَنِمُّ عن رأيٍ في الاختيارِ، وأنَّ ما اختارَه فقد ارتضاه قولًا له.\nوإذا كانَ في معنى اللَّفظِ أكثرُ من قولٍ فإنَّ منهجَه:\n* أنْ يذكرَ أحدَ الأقوالِ، دونَ ذكرِ غيرِها، وهذا هو الغالبُ على كتابِه.\n* أن يذكُر الاحتمالاتِ بلا ترجيحٍ (٢)، وهو قليلٌ، ومن ذلكَ:\n١ - قال: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: خرجوا. ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١]؛ أي: قدَّروا ليلًا غيرَ ما أعطوك نهارًا.\nقال الشاعرُ (٣):\nأتَونِي فَلَمْ أَرْضَ مَا بَيَّتُوا ... وَكَانُوا أَتَونِي بِشَيْءٍ نُكُرْ\nوالعربُ تقولُ: هذا أمرٌ قُدِّرَ بليلٍ، وفُرِغَ منه بليلٍ، ومنه قولُ الحارثِ بن حِلِّزَةَ (٤):\nأجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عِشَاءً، فَلَمَّا ... أَصْبَحُوا، أَصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوضَاءُ\n_________\n(١) تفسير غريب القرآن (ص:٤).\n(٢) ينظر - على سبيل المثال ـ: (ص:٥٥ - ٥٦. ٩٥، ١٣٢ - ١٣٣، ٢٣٩ - ٢٤٠، ٢٤٦، ٢٩٤، ٣١٣. ٣١٩، ٣٢٥).\n(٣) البيت في ديوان الأسود بن يعفر (ص:٦٧)، وقد نُسِب إلى غيره. ينظر: المعجم المفصل (٣:٤٤).\n(٤) الحارث بن حِلِّزة اليشكُري، كان أبرصًا، وكان مناظر قومه وإمامهم، من شعراء الجاهلية، أحد أصحاب المعلقات الشعرية. ينظر: الشعر والشعراء (١:١٩٧ - ١٩٨)، معجم الشعراء (ص:٦١).\nوالبيت في ديوانه، تحقيق: طلال حرب (ص:٤٠)، وهو من معلَّقتِه، وقال الزوزني في شرح المعلقات السبع (ص:١٨٩): «الضوضاء: الجلبة والصياح، وإجماع الأمر: عقد القلب، وتوطين النفسِ عليه، يقول: أطبقوا على أمرهم من قتالنا وجدالنا عشاءً، فلما أصبحوا جلبوا وصاحوا».","vol":"1","page":365},{"text":"وقال بعضهم: بيَّتَ طائفةٌ؛ أي: بَدَّلَ، وأنشد (١):\nوَبَيَّتَ قَوْلِي عَبْدُ المَلِيـ ... ـكِ، قَاتَلَكَ اللهُ عَبْدًا كَفُورًا (٢)\n* أن يُرجِّح بين المحتملاتِ اللُّغويَّةِ الواردةِ في تفسيرِ النَّصِّ، وهذا قليلٌ كذلك (٣)، ومنه ما وردَ في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، قال: «﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾: غروبها، ويقالُ: زوالها، والأولُ أحبُّ إليَّ؛ لأنَّ العربَ تقولُ: دَلَكَ النَّجمُ: إذا غابَ. قال ذو الرُّمَّةِ (٤):\nمَصَابِيحُ، لَيْسَتْ باللَّواتِي تَقُودُهَا ... نُجُومٌ، وَلاَ بِالآفِلاتِ الدَّوَالِكِ\nوتقولُ في الشَّمسِ: دَلَكَتْ بَرَاحِ (٥)؛ يُريدونَ: غربتْ. والنَّاظِرُ قد وضعَ كفَّه على حاجِبِهِ ينظُرُ إليها، قال الشاعرُ (٦):\nوَالشَّمْسُ قَدْ كَادَتْ تَكُونَ دَنَفًا\nأدْفَعُهَا بالرَّاحِ كيْ تَزَحْلَفَا\n_________\n(١) البيت ذكره الطبري في تفسيره، تحقيق: شاكر (٩:١٩١ - ١٩٢)، ونسبه للأسود بن عامر بن جوين الطائي، وذكره القرطبي في تفسيره (٥:٢٨٩).\n(٢) تفسير غريب القرآن (ص:١٣١ - ١٣٢).\n(٣) ينظر أمثلة لذلك (ص:١١، ٢٦، ٥١، ٥٢، ١١٠، ٢٥٩، ٢٦٤. ٣١٠، ٣١٧ - ٣١٨).\n(٤) البيت في ديوانه، شرح: الباهلي، تحقيق: عبد القدوس أبو صالح (٣:١٧٣٤). وهو يصفُ إبلًا مصابيح؛ أي: تصبح في مباركها من الشِّبع، والآفلات: الغائبات، ينظر: شرح الباهلي.\n(٥) كذا شكلها المحقق: السيد أحمد صقر، على أنها اسمٌ للشمسِ، وهي كذلكَ، غير أنَّ تفسير ابن قتيبة بعدها يدلُّ على أنها (بِرَاحِ) بكسر الباء؛ أي: دلكتِ الشمسُ تحت راحةِ الناظرِ لها الذي يجعلُ كفه دونَ شعاعِها، واللهُ أعلمُ.\n(٦) هذه من أراجيز العجاج، وهو في ديوانه، شرح: الأصمعي، تحقيق: عزة حسن (٤٢٤ - ٤٢٥).","vol":"1","page":366},{"text":"فشبَّهَها بالمريضِ في الدَّنَفِ؛ لأنها قد همَّتْ بالغروبِ، كما قارب الدَّنِفُ الموتَ، وإنما ينظرُ إليها من تحت الكفِّ؛ ليعلمَ كم بقيَ لها إلى أن تغيبَ، ويتوقَّى الشُعَاعَ بِكفِّهِ» (١).\n* وكان في بعضِ الأحيانِ ينصُّ على النَّقدِ؛ كنقدِه التَّفاسيرَ التي ذكرَها في مقدمةِ كتابِه (٢)، وقد نصَّ على نقدِهِ الفرَّاءَ (ت:٢٠٧) وأبا عبيدةَ (ت:٢١٠) (٣)؛ لأنَّه ينقلُ عنهما، ومما وردَ عنه:\nفي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢]، قال: «﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾، يذهبُ بعضُ المفسِّرينَ إلى أنها (سَنْكِ وَكِلْ) بالفارسيَّةِ، ويعتبرُه بقوله ﷿: ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣]؛ يعني: الآجُرَّ، كذا قال ابن عباسٍ (٤).\nوقال أبو عبيدةَ: السِّجيلُ: الشَّديدُ، وأنشدَ لابن مُقبلٍ (٥):\n....... ... ضَرْبًا تَوَاصى به الأبْطَالُ سِجِّينًا\nوقال: يريد ضربًا شديدًا (٦).\nولستُ أدري ما سجِّيل من سجِّين، وذلك باللام، وهذا بالنون، وإنما سجِّينٌ في بيتِ ابن مقبلٍ (فِعِّيلٌ) من سَجَنْتُ؛ أي: حَبَسْتُ؛ كأنَّه قال: ضربٌ يُثَبِّتُ صاحِبه بمكانِه؛ أي: يحبسه مقتولًا، أو مقاربًا للقتلِ.\n_________\n(١) تفسير غريب القرآن (ص:٢٥٩ - ٢٦٠).\n(٢) ذكر ثمانية تفاسير، ولم يرتضِها، ينظر: تفسير غريب القرآن (ص:٤ - ٥).\n(٣) ينظر نقده للفراء (ص:٤٣٩ - ٤٤٠، ٤٤١)، وينظر نقده لأبي عبيدة (ص:٢٣٠، ٢٣٦، ٢٤٥، ٣٢٨، ٣٣٠، ٣٥٠).\n(٤) تنظر الرواية عنه من طريق السدي في تفسير الطبري، تحقيق شاكر (١٥:٤٣٤). ومن طريق عكرمة في تفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد الطيب (٦:٢٠٦٨).\n(٥) البيت في ديوان ابن مقبلٍ، تحقيق عزة حسن (ص:٢٣٦). وصدره:\nوَرَجْلَةً يَضْرِبُونَ البِيضَ عَنْ عُرْضٍ ... ...........\n(٦) مجاز القرآن (١:٢٩٦). وقد سبق تفسيرُه أيضًا في (١:١٨).","vol":"1","page":367},{"text":"وفِعِّيلٌ، لما دامَ منه العملُ؛ كقولِك: رجلٌ فِسِّيقٌ، وسِكِّيرٌ، وسِكِّيتٌ: إذا دام منه الفسقُ، والسُّكرُ، والسُّكوتُ. وكذلك (سِجِّين)، وهو ضربٌ يدومُ منه الإثباتُ والحَبْسُ.\nوبعضُ الرُّواةِ يرويه: (سِخِّين) مِنَ السُّخونَةِ (١)؛ أي؛ ضربًا سُخْنًا» (٢).\nومع هذا النَّقدِ، فإنَّه قد يقعُ في قولٍ ضعيفٍ لا تحتمِلُه الآيةُ (٣)، وممَّا يُنقَدُ عليه في هذا، ما وردَ في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا﴾ ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٨٩، ٩٠]، قال: «﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾؛ أي: يتَّصِلُونَ بقومٍ، ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾؛ أي: عهد.\nويتَّصِلونَ: ينتسِبونَ، وقال الأعشى - وذكرَ امرأةً سُبِيتْ - (٤):\nإذَا اتَّصَلَتْ قَالَتْ: أبَكْرَ بْنَ وَائِلٍ، ... وَبَكْرٌ سَبَتْهَا، والأُنُوفُ رُوَاغِمُ\nأي: انتسبتْ ...» (٥).\n_________\n(١) ذكر المؤلف هذه الرواية في كتابه: المعاني الكبير (٢:٩٩٠)، وهي في مادة (سخن) من لسانِ العربِ.\n(٢) تفسير غريب القرآن (ص:٢٠٨).\n(٣) تنظر أمثلة لما نُقِدَ عليه: تفسير لفظ المِحال (ص:٢٢٦)، وقد ردَّه الأزهريُّ في تهذيب اللغة (٥:٩٥). وتفسير لفظ يعش (ص:٣٩٨)، وقد ردَّه الأزهري في تهذيب اللغة (٣:٥٥ - ٥٦)، ولفظ زيَّلنا (ص:١٩٦)، وقد ردَّ عليه الأزهري، كما في لسان العرب، مادة (زيل)، وفي نسخة تهذيب اللغة (١٣:٢٥٤) نقصٌ في هذا الموضع الذي نقله ابن منظور في لسان العرب، وفي تهذيب اللغة من هذا النقصِ كثيرٌ، ويلاحظُ تحاملُ الأزهري على ابن قتيبةَ، وقد يكونُ اختلافُ المدارسِ سببًا في ذلك، فابن قتيبة بصريٌّ، والأزهريُّ كوفيٌّ، واللهُ أعلمُ.\n(٤) البيت في ديوانه، تحقيق: حنا نصر (ص:٣٤٣).\n(٥) تفسير غريب القرآن (ص:١٣٣)، وهذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن (١:١٣٦).","vol":"1","page":368},{"text":"وهذا القولُ فيه نظرٌ، قال النَّحَّاسُ (ت:٣٣٨): «وهذا غلطٌ عظيمٌ؛ لأنه يذهبُ إلى أنَّ الله تعالى حَظَرَ أنْ يُقَاتِلَ أحدٌ بينه وبينَ المسلمينَ نسبٌ، والمشركونَ قد كان بينهم وبين السابقينَ الأوَّلينَ أنسابٌ ...» (١).\nهذا، ولا يخلو كتابُ ابن قتيبةَ مما طرحَه اللُّغويُّونَ في غريب القرآنِ من مباحثِ التَّفسيرِ اللُّغويِّ، ومن ذلك مبحثُ توجيه القراءاتِ القرآنيَّةِ، ومن الأمثلةِ في ذلكَ:\nما ورد عنه في قوله تعالى: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧]، قال: «يَضِجُّونَ يقالُ: صَدَدْتُ أصُدُّ صَدًّا: إذا ضَجَجْتُ. والتَّصْدِيَةُ منه، وهو: التَّصْفِيقُ، والياء فيه مبدلةٌ من دالٍ؛ كأنَّ الأصلَ فيه: صَدَّدْتُ بثلاثِ دالاتٍ، فقُلِبَتْ الأخرى ياءً، فقالوا: صَدَّيْتُ؛ كما قالوا: قَصَّيْتُ أظافري، والأصلُ: قَصَّصْتُ.\nومن قرأ: ﴿يَصُدُّونَ﴾ أراد: يعدلون ويعرضون» (٢).\nكما يمكنُ ملاحظةُ تميُّزِه ببعضِ الأمورِ، وهي:\n* استفادتُه من تفسيرِ السَّلفِ في بيانِ غريبِ القرآنِ، والإكثارُ منه، ولا أعرفُ أحدًا من اللُّغويِّين سبقه إلى فعلِ ذلك، غير أنَّه في كثيرٍ من المواضعِ لا ينصُّ على المنقولِ عنهم، مما يضطرُ من أرادَ معرفةَ ذلك أن يتابعَ ويوازنَ نقولَه بأقوالِ السَّلفِ.\nوهذا جعلَ في كتابِه مادَّةً من غيرِ مصدرِ اللُّغةِ؛ كالنُّزولِ، وقصص\n_________\n(١) الناسخ والمنسوخ، للنحاس، تحقيق: سليمان اللاحم (٢:٢١٤)، وقد استفاده النحاس - كعادته - من الطبريِّ، ينظر: تفسير الطبري، تحقيق شاكر (٩:٢٠).\n(٢) تفسير غريب القرآن (ص:٤٠٠)، وقرأ: يَصُدُّون، بضم الصاد كل من: نافع وابن عامر والكسائي والأعشى عن أبي بكر عن عاصم. وقرأها: يَصِدُّون، بكسر الصاد الباقون. ينظر: القراءات وعلل النحويين فيها (٢:٦١٨).","vol":"1","page":369},{"text":"الآي، وغيرِها مما مصدرُه النَّقلُ (١)، ومن ذلك:\nتفسيرُه لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، قال: «كانتْ قريشٌ لا تخرجُ من الحرمِ، وتقولُ: لسنا كسائرِ الناسِ، نحنُ أهلُ اللهِ وقُطَّانُ حَرَمِه، فلا نخرجُ منه. وكان النَّاس يقفونَ خارجَ الحرمِ ويفيضونَ منه، فأمرهم اللهُ أن يقفوا حيثُ يقفُ الناسُ، ويفيضونَ من حيثُ أفاضَ الناسُ» (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-117> بيان الأصلِ اللغويِّ للَّفظِ:</span>\nيظهرُ في كثيرٍ من الألفاظِ حرصُ ابنِ قتيبةَ (ت:٢٧٦) على بيانِ أصلِ اللَّفظِ في لغةِ العربِ، ولذا تراه يفسِّرُ معنى اللَّفظِ في سياقِه، ثُمَّ يُبَيِّنُ أصلَه الَّذي اشتُقَّ منه، وقد كانتْ هذه الظاهرةُ اللُّغويَّةُ واضحةً عنده، تراها في كتابِه (تأويلِ مشكلِ القرآنِ) (٣)، كما تراها في غريبِ القرآنِ (٤)، ومن ذلكَ تفسيرُه لقوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧]، وقوله: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [النمل: ١٩]، قال: «﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؛ أي: يُدفعونَ. وأصلُ الوَزْعِ: الكفُّ والمنعُ، يقالُ: وزعتُ الرجلَ إذا كففتُه، ووازعُ الجيشِ: هو الذي يكفُّهم عن التَّفرُّقِ، ويردُّ مَنْ شذَّ منهم.\n_________\n(١) ينظر مثلًا (ص:٧٩، ١٠٩، ١١٦، ١١٥)، وغيرها.\n(٢) تفسير غريب القرآن (ص:٧٩).\n(٣) تنظر الألفاظ الآتية في تأويل مشكل القرآنِ: السبت (ص:٧٩)، المثل (ص:٨٣)، التشابه (ص:١٠١)، المسد (ص:١٦١)، الاستدراج (١٦٥)، التزكية (ص:٣٤٤)، الهزم، سلك (ص:٤٣٢)، قضى (ص:٤٤١)، هدى (ص:٤٤٣)، وغيرها.\n(٤) تنظر الألفاظ الآتية في تفسير غريب القرآن: تظاهرون (ص:٥٧)، القرء (ص:٨٧)، نحلة (ص:١٢٠)، مسافحين (ص:١٢٣)، المراغم (ص:١٣٤)، الغرم (ص:١٨٩)، الإمتاع (ص:٢٠١)، تقفو (ص:٢٥٥)، حصب (ص:٢٨٨)، الهباء (ص:٣١٢)، سبت (ص:٣١٣)، زلزلوا (ص:٣٤٨)، النحب (ص:٣٤٩)، المعارج (ص:٤٨٥)، صَعودًا (ص:٤٩١)، الرجز (ص:٤٩٥)، وغيرها كثيرٌ.","vol":"1","page":370},{"text":"وقوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ [النمل: ١٩]؛ أي: ألهمني، وأصلُ الإيزاع: الإغراءُ بالشيء، يقال: أوزعتُه بكذا؛ أي: أغريتُه، وهو موزوعٌ بكذا: مولعٌ بكذا، ومنه قولُ أبي ذُؤيبٍ (١) في الكلاب (٢):\n...... ... أولَى سَوَابِقَهَا قَرِيبًا تُوزَعُ\nأي: تُغْرَى بالصَّيدِ» (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-118> كثرةُ الشَّواهدِ الشِّعريَّةِ:</span>\nكَثُرَتِ الشَّواهدُ الشِّعريَّةُ لمعاني الألفاظِ القرآنيَّةِ في كتابِ تفسيرِ غريبِ القرآنِ عند ابنِ قتيبة (ت:٢٧٦)، وقد استفادَ في إيرادِ الشَّواهدِ (٤) من مجازِ القرآنِ لأبي عبيدةَ (ت:٢١٠) الذي هو من أهمِّ مصادرِه. وقد بلغتْ أكثرَ من مائةِ شاهدٍ (٥).\nومن الأمثلة ما يأتي:\n١ - قال: «﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦]؛ أي: قاتلٌ نفسَك ومُهلكٌ نفسكَ، قال ذو الرُّمَّةِ (٦):\n_________\n(١) خويلد بن خالد، أبو ذؤيب الهذلي، شاعر مخضرم، اشترك مع عبد الله بن الزبير في غَزْوِهِ إلى المغربِ، وتوفي بأفريقية سنة (٢٨). ينظر: معجم الشعراء المخضرمين والأمويين (ص:١٤٥)، ومعجم الشعراء (ص:٩٢).\n(٢) البيت في ديوانه، من ديوان الهذليين (١:١١)، ومطلعُه:\nفَغَدَا يُشَرِّقُ مَتْنَهُ فَبَدَا ... لَهُ ...........\nوقد فسَّر الأصمعي (توزع): تُكفُّ.\n(٣) تفسير غريب القرآن (ص:٣٢٣).\n(٤) ينظر تفسير غريب القرآن (ص:٣٩، ٥٣، ٨٦، ١٣٣). وينظر على التوالي: مجاز القرآن (١:٣٠، ٤٤، ٧٤، ١٣٦).\n(٥) ينظر على سبيل المثال: (ص:١٣٢، ١٣٣، ١٣٥، ١٧٩، ١٨٠، ٢٢٦، ٢٣٨، ٢٧١، ٣٠١، ٣٠٢، ٣٢٥، ٣٣١، ٣١٤، ٣٤٦، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٩٣، ٤٣٦، ٤٣٥، ٤٣٨، ٤٨٠، ٤٩٥، ٥٠٩، ٥١٣، ٥١٩، ٥٢٠، ٥٢١، ٥٤١).\n(٦) غيلان بن عقبة، أبو الحارث، المشهور بذي الرُّمَّةِ، شاعر أمويٌّ، توفي سنة (١١٧).","vol":"1","page":371},{"text":"ألا أيُّها البَاخِعُ الوجْدُ نَفْسَهُ ... لِشَيءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ المَقَادِرُ» (١)\n٢ - وقال: «﴿الصَمَدُ﴾: السيدُ الذي انتهى في سُؤدَده؛ لأنَّ الناسَ يَصْمُدُونَه في حوائجهم، قال الشاعر (٢):\n.......... ... خُذْهَا حُذَيْفُ فَأنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ\nوقال عكرمةُ ومجاهدٌ: هو الذي لا جوفَ له (٣).\nوهو - على هذا التَّفسير - كأن الدال فيه مبدلةٌ من تاء. والمصمتُ من هذا» (٤).\n* كثرةُ الاعتمادِ على الشواهدِ النَّثريةِ عن العربِ (٥)، وكثيرًا ما تكونُ عبارتُه: تقولُ العربُ (٦).\nومن الأمثلة:\nقال: «﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ﴾ [ص: ١٢]: ذو البناءِ المُحْكَمِ، والعربُ تقولُ:\n_________\n= ينظر: معجم الشعراء المخضرمين والأمويين (ص:١٤٧)، ومعجم الشعراء (ص:٩٩).\nوالبيت في ديوانه، بشرح الباهلي، تحقيق: عبد القدوس أبو صالح (٢:١٠٣٧)، وأوَّله: ألا أيُّهَذا.\nوقال الباهلي في شرحه: «نَحْتَهُ: حرفتهُ المقادر».\n(١) تفسير غريب القرآن (ص:٢٦٣).\n(٢) هذا الشطر في كتاب العين (٧:١٠٤) بلا نسبة.\n(٣) تنظر الرواية عنهم في تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٣٤٤، ٣٤٥) وقد أورد هذا التفسير - كذلك - عن ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والضحاك.\n(٤) غريب تفسير القرآن (ص:٥٤٢).\n(٥) ينظر في الفهارس التي صنعها محقق الكتاب: فهرس الأمثال والأقوال المأثورة (ص:٥٥٩ - ٥٦١).\n(٦) ينظر مثلًا: (ص:١٣١، ١٧٢، ٢٠٩، ٢٦٦، ٣٠٨، ٣١٧، ٣٢٩، ٣٤٨، ٣٥٦، ٣٧٠، ٣٧٧، ٣٩١، ٣٩٨، ٤٢٧، ٤٤٦، ٥٣٣).","vol":"1","page":372},{"text":"همْ في عِزٍّ ثابتِ الأوتادِ، وملكٍ ثابتِ الأوتادِ. يريدونَ أنه دائمٌ شديدٌ ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>أثر المعتقد على التَّفسير اللُّغويِّ عند ابن قتيبة:</span>\nلا يخفى على من يقرأ تراثَ ابنِ قتيبة (ت:٢٧٦) إتباعُه للسُّنَّةِ، والتزامُه بما ورد عن السَّلفِ في المعتقدِ، فقد كتبَ في ذلك كتابَه (اختلاف اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة)، وكتاب (تأويل مشكل القرآن)، وكتاب (تأويل مشكل الحديث).\nولقد كان يواجه موجةَ التَّأويل الفاسدِ التي كانت تقومُ بها زمرةٌ من المعتزلةِ والملاحدةِ فردَّ عليهم، وبين الصَّواب من المعتقد في ذلك، سواءٌ أكانَ ذلك في الأسماءِ والصِّفاتِ (٢)، أم كان في الغيبيَّاتِ؛ كالكرسيِّ والعرشِ، أم كانَ في عصمةِ الأنبياءِ، وغيرها من مسائلِ الاعتقادِ (٣).\n_________\n(١) تفسير غريب القرآن (ص:٣٧٧).\n(٢) ينظر شرحه لبعض أسماءِ الله وصفاته في تفسيرِ غريب القرآنِ (ص:٦ - ٢٠)، تحت عنوان (اشتقاق أسماء الله وصفاته وإظهار معانيها).\n(٣) ينظر أمثلة في اعتماده دلالة الألفاظ إثبات العقيدة الصحيحة أو الرد على المخالفين:\n١ - رده على تأويل: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٧]: ينسبهم إلى الضلال. الاختلاف في اللفظ، تحقيق: عمر بن محمود (ص:٢٤).\n٢ - رده على تأويل: ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]: إلاَّ بعلم الله، الاختلاف في اللفظ (ص:٢٥).\n٣ - الرد على تأويل: ﴿وَلَقَدْ ذَرَانَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]: دفعنا وألقينا. الاختلاف في اللفظ (ص:٢٧)، وتأويل مختلف الحديث، تحقيق: عبد القادر عطا (ص:٨٢).\n٤ - الرد على تأويل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا﴾ [الزخرف: ٣]: خلقناه. الاختلاف في اللفظ (ص:٣٨).\n٥ - الرد على تأويل صفة اليد بالنعمة. الاختلاف في اللفظ (ص:٤٠)، وتأويل مختلف الحديث (ص:٨٣)، وقد جوَّز في قوله تعالى: ﴿خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] بأن تكون اليد القدرة (غريب القرآن، ص:٣٦٨)، وهو مخالف للتفسير الصحيح، ولكنه لا يخرج بهذا عن مذهب السُّنَة؛ لأنه يثبت صفة اليد، لكنه في هذا =","vol":"1","page":373},{"text":"وسأذكر بعضَ الأمثلة المتعلقة بدلالة الألفاظ.\n١ - تفسيرُ الصُّورِ، قال: «﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [النمل: ٨٧]، قال أبو عبيدة (١): هو جمع صورة، يقال: صُورَة وصُوَر وصُوْر. قال: ومثله: سُورَةُ البناءِ وسُورُه. وأنشدَ (٢):\n....... ... سُرْتُ إلَيهِ في أعَالِي السُّورِ\nوقال غيره: الصُّورُ: القرنُ بلغةِ قومٍ من أهل اليمنِ (٣)، وأنشدَ (٤):\n_________\n= المثال وقع له الوهم بجواز أن يراد بها القوة على سبيل المجاز.\n٦ - الرد على تأويل: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] أنه الأمر. الاختلاف في اللفظ (ص:٤٣).\n٧ - الردُّ على تأويل النظر إلى وجه الله، بأنه الانتظار. الاختلاف في اللفظ (ص:٤٤)، وتأويل مختلف الحديث (ص:١٨٥ - ١٨٩).\n٨ - الرد على تأويل: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٩] بأنه: تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك. الاختلاف في اللفظ (ص:٤٦).\n٩ - الرد على تأويل العرش. الاختلاف في اللفظ (ص:٤٧).\n١٠ - الرد على تأويل الكرسي. اختلاف اللفظ (ص:٤٨)، وتأويل مختلف الحديث (ص:٨١).\n١١ - الرد على من نفى الاستواء. اختلاف اللفظ (ص:٥٠).\n١٢ - الرد على تأويل: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] بأنه فقيرًا. الاختلاف في اللفظ (ص:٤٩)، وتأويل مختلف الحديث (ص:٨٣).\n١٣ - مفهوم عصمة الأنبياء، والرد على المخالفين في تأويلاتهم في قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤] تأويل مشكل القرآن (ص:٤٠٢ - ٤٠٤)، تأويل مختلف الحديث (ص:٨١ - ٨٢)، وفيه غير هذه الأمثلة مما هو في الدفاع عن عقيدة السلف وأهل الحديث.\n(١) ينظر تفسيره للصور في مجاز القرآن: (١:١٩٦، ٤١٦)، (٢:١٦٢ - ١٦٣).\n(٢) البيت للعجاج في ديوانه، رواية الأصمعي، تحقيق: عزة حسن (ص:٢٣٠).\n(٣) نقل ابن دريد هذا القول، ولم ينسبه، ينظر: جمهرة اللغة (٢:٧٤٥).\n(٤) الرجز بلا نسبة في ديوان الأدب، للفارابي (٣:٣١٥)، والصحاح، مادة (صور).","vol":"1","page":374},{"text":"نَحْنُ نَطَحْنَاهُمْ غَدَاةَ الجَمْعَينِ\nبالضَّابِحَاتِ في غُبارِ النَّقْعَينِ\nنَطْحًا شَديدًا لاَ كَنَطْحِ الصُّورَيْنِ\nوهذا أعجبُ إليَّ من القولِ الأولِ؛ لقولِ رسولِ الله صلى الله عليه وعلى آله: كيف أنعم؟! وصاحب القرن قد التقمه، وحنى جبهته، ينتظرُ متى يُؤمرُ، فينفُخ» (١).\nفي هذا المثالِ حملَ معنى الصُّورِ على الواردِ في الأحاديثِ، وترك المعنى اللُّغويَّ الذي رواه عن أبي عبيدة (ت:٢١٠).\n٢ - وقال: «ومن صفاتِه المؤمنُ. وأصلُ الإيمانِ: التصديقُ، قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]، أي: وما أنت بمصدِّق ولو كنا صادقين. ويقال في الكلام: ما أومِنُ بشيءٍ مما تقولُ؛ أي: ما أصدِّقُ بذلكَ.\nفإيمان العبدِ باللهِ: تصديقه قولًا وعملًا وعقدًا، وقد سمَّى اللهُ الصلاةَ في كتابهِ إيمانًا، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: صلاتَكم إلى بيتِ المقدسِ.\nفالعبدُ مؤمنٌ؛ أي: مصدقٌ محقِّقٌ. واللهُ مؤمنٌ؛ أي: مصدِّقٌ ما وعده ومحقِّقُهُ، أو قابلٌ إيمانَه.\nوقدْ يكونُ المؤمنُ من الأمانِ؛ أي: لا يأمنُ إلاَّ من أمَّنه اللهُ. وقد\n_________\n(١) تفسير غريب القرآن (ص:٢٥ - ٢٦)، الحديث أخرجه الترمذي في سننه (٥:٣٧٢)، وسعيد بن منصور في سننه (٣:١١٨)، وأحمد في مسنده (١:٣٢٦)، والحميدي في مسنده (٢:٣٣٢)، والطبري في تفسيره، ط: الحلبي (٢٩:١٥٠ - ١٥١)، والطبراني في معجمه الكبير (١٢:١٢٨)، وغيرهم، وقال ابن كثير معلقًا على رواية الإمام أحمد: «وقد رويَ هذا من غير وجهٍ، وهو حديث جيِّدٌ». تفسير ابن كثير، تحقيق: السلامة (٢:١٧١).","vol":"1","page":375},{"text":"ذكرتُ الإيمانَ ووجوهه في كتابِ تأويل مشكل القرآن (١).\nوهذه الصفةُ من صفاتِ اللهِ جلَّ وعزَّ لا تتصرَّفُ تصرُّفَ غيرها، لا يقال: أمِنَ اللهُ؛ كما يقالُ: تقدَّسَ اللهُ، ولا يقالُ: يؤمنُ الله، كما يقالُ: يتقدَّسُ اللهُ.\nوكذلك يقال: تعالى اللهُ، وهو تفاعُلٌ من العلو. وتباركَ اللهُ، هو تفاعلٌ من البركةِ، واللهُ متعالٍ، ولا يقالُ: متباركٌ، لمْ نسمعْهُ.\nوإنما ننتهي في صفاتِهِ إلى حيثُ انتهى، فإنْ كانَ قد جاءَ من هذا شيءٌ عن الرسولِ صلَّى الله عليه وعلى آلِهِ، أو عن الأئمَّةِ (٢): جازَ أنْ يُطلقَ كما أُطلِقَ غيره» (٣).\nفي هذا المثالِ بينَ المعنى اللغويَّ للإيمان، وبيَّنَ المعنى الشرعيَ له، وذكر دليلًا على ذلك، ولم يعتمد على المعنى اللغوي فقط في إثبات المرادِ بالإيمانِ، كما هو حال المرجئةِ الذين يجعلونه مجردَ التصديقِ، ولا يدخلون الأعمالَ في مسمى الإيمانِ.\n_________\n(١) تأويل مشكل القرآن (ص:٤٨١ - ٤٨٢).\n(٢) الأصل أنْ نأخذ بما ثبت من صفات الله في القرآن والسنة، وقوله: «أو عن الأئمة» يحمل على أنهم يبينون الصفات الواردة، لا أنهم يطلقون على الله من عند أنفسهم، والله أعلم.\n(٣) تفسير غريب القرآن (ص:٩ - ١٠).","vol":"1","page":376},{"text":"ثالثًا غريب القرآن، لأبي بكر محمد بن عُزَيز السجستاني\nلقي كتابُ ابنِ عُزَيزٍ (على زِنَةِ: زُبَير) (١) شهرةً واسعةً، وحَظِيَ بقبولِه الحسنِ عندَ العلماءِ (٢). وكان ابن عُزَيز (ت:٣٣٠) قد قرأ جزءًا من كتابِه على شيخِه أبي بكرٍ محمدِ بنِ القاسمِ بنِ بشارٍ الأنباري (ت:٣٢٨) (٣).\nولقدْ كانَ من قبلَه ممن كتبَ في (غريبِ القرآنِ) يتَتَبَّعُ ألفاظَ كُلِّ سورةٍ منَ القرآنِ على ترتيبِ المصحفِ. أمَّا ابنُ عُزَيزٍ (ت:٣٣٠)، فيتمثَّلُ منهجُه فيما يأتي:\n١ - أنه رتَبه على حروفِ المعجمِ ألفبائيًا، ويعتبرُ أوَّلَ من فعلَ ذلك من كتبِ غريبِ القرآنِ؛ لأنَّ غالبَ من سبقهُ يُرتِّبُه على سورِ القرآنِ، ويذكرُ تحت كلِّ سورةٍ الألفاظَ التي سيفسِّرها حسب ترتيبها في السُّورةِ (٤).\n٢ - أنه جعلَ كُلَّ حرفٍ على ثلاثةِ أقسامٍ، فبدأ بالمفتوحِ، ثُمَّ المضمومِ، ثُمَّ المكسورِ.\n_________\n(١) ينظر في نسبته هذه: مقدمة محقق كتابه: أحمد عبد القادر صلاحية (ص:١٩ وما بعدها).\n(٢) ينظر: مقدمة أحمد صلاحية في تحقيقه لغريب القرآن (ص:٧٣).\n(٣) ينظر: نزهة الألباء في طبقات الأدباء (ص:٢٣٢).\n(٤) على هذا سارتْ الكتب المطبوعة: مجاز القرآن لأبي عبيدة، وغريب القرآن لابن قتيبة، وغريب القرآن المنسوب لزيد بن علي، وغريب القرآن المنسوب لليزيدي.","vol":"1","page":377},{"text":"٣ - أنه أدخلَ حروفَ الزوائدِ في موادِ الكلماتِ، دونَ إرجاعِها إلى أصلِ اشتقاقِها، فكلمةُ: «أدبار» تجدها في باب: الهمزةِ المفتوحةِ، ولو كان يسيرُ على الأصلِ الاشتقاقي لكانت تحتَ مادةِ: «دَبَرَ» من حرفِ الدالِ.\nكما تجدُ كلمةَ: «يذرؤكم» في باب: الياء المفتوحة، ولو كانتْ على الأصلِ الاشتقاقيِّ، لكانتْ تحتَ مادةِ: «ذَرَأَ» من حرفِ الذَّالِ.\nوهذا المنهجُ لم يُسْبَقْ إليه، كما لم يُلْحَقْ به، واللهُ أعلم.\nولمَّا كانَ ابنُ عُزَيْزٍ (ت:٣٣٠) قدْ سُبِقَ في التَّأليف في (غريب القرآن)، فإنه قد استفادَ من سابقيه، خاصةً أبو عبيدةَ معمر بن المثنى (ت:٢١٠) في كتابِه (مجازِ القرآنِ)، حيث كانَ معتمدَه الأولَ في غريبِ القرآنِ، وهذا ظاهرٌ بالموازنةِ بين أقوالِ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) وأقوال ابن عُزَيز (ت:٣٣٠)، وهو لا يصرِّحُ بذكرِه في كُلِّ موضعٍ، ومع ذلك تجد أن أبا عبيدةَ (ت:٢١٠) أكثرُ الأعلامِ الذين صرحَ بذكرِهم في كتابِه هذا، حيثُ ذكرَه ثلاثَ عشرةَ مرةً (١). ثمَّ يتلوه الفراءُ (ت:٢٠٧) وكان اعتمادُه على كتابِه (معاني القرآن)، وقدْ وردَ ذكرُه تسعَ مراتٍ (٢)، ثم ابنُ عباسٍ (ت:٦٨) حيثُ وردَ ذكرُه خمسَ مراتٍ (٣).\n\nويلاحظ أنه في نقله أقوالَ هؤلاءِ وغيرِهم لا يعترضُ عليهم ولا يُرجِّحُ بين أقوالِهم عند الاختلافِ، بل يكتفي بحكايةِ الخلافِ عنهم، وليس في كتابِ ابنِ عُزَيزٍ (ت:٣٣٠) ما يمكنُ إضافتُه إلى الظواهرِ اللغويَّةِ في التَّفسيرِ التي وُجِدَتْ عندَ سابقيه منْ كتبِ (غريب القرآن) سوى<span data-type=\"title\" id=toc-122> اهتمامِه بالوجوه والنَّظائر </span>في بعض الألفاظ القرآنيَّةِ (٤)، ومن ذلك:\n_________\n(١) ينظر: غريب القرآن، لابن عُزَيز، تحقيق: أحمد عبد القادر صلاحية (ص:١٨٦، ١٨٧، ٢٠١، ٢٠٧، ٢٢٣، ٢٢٤، ٢٢٦، ٢٢٩، ٢٦٥، ٢٩٣، ٣٤١، ٣٦٣).\n(٢) ينظر: غريب القرآن (ص:١١١، ١١٩، ١٥١، ١٥٢، ١٦٥، ٢١٧، ٢٨٨، ٣٧٠، ٣٧٧).\n(٣) ينظر: غريب القرآن (ص:٩٧، ١٤٧، ١٦٥، ٢٠٣، ٢٢٩).\n(٤) ينظر: المواد التالية في غريب القرآن (أوزارهم: ١٠٣، إمام: ١٢٧، جبار: ١٦٧، =","vol":"1","page":378},{"text":"١ - قال ابن عُزيز (ت:٣٣٠): أمَّة على ثمانيةِ أوجهٍ: أُمَّة؛ جماعة؛ كقوله جَلَّ ثناؤه: ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣].\nوأُمَّة: أتباعُ الأنبياءِ ﵈؛ كما تقولُ: نحنُ منْ أُمَّة محمدٍ ﷺ.\nوأُمَّة: رجلٌ جامعٌ للخيرِ يُقتدَى به؛ كقولِه جل ثناؤه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠].\nوأُمَّة: دِينٌ ومِلَّةٌ؛ كقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٤٣]، أي: على مِلَّةٍ.\nوأُمَّة: حينٌ وزمانٌ؛ كقولِه ﷿: ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود: ١١]، وقوله: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٥٤]؛ أي: بعدَ حينٍ.\nومن قرأ: «بعد أمْه» (١) و«أمَهٍ» (٢)؛ أي: بعد نسيانٍ ....» (٣).\n٢ - وقال: ﴿جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢]: أقوياء، عظام الأجسام، والجبَّارُ القهارُ. والجبَّارُ: المتسلطُ. والجبَّارُ: المتكبِّرُ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢]. والجبَّارُ: القتَّالُ؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠]؛ أي: قتَّالين» (٤).\n_________\n= جنب: ١٦٩، جنة: ١٧٣، حجر: ١٨٤، خلاف: ١٩٠، خلال: ١٩٠، دين: ١٩٧، الرجز: ٢٠٩ - ٢١٠، الزوج: ٢١٣، السلام: ٢١٨، الصلاة: ٢٣٩، العفو: ٢٦٠ - ٢٦١).\n(١) قرأ بسكون الميم، بعده هاء (أمْهٍ)، مجاهد وشُبيل بن عَزْرَةَ، ينظر: تفسير ابن عطية، ط: قطر (٧:٥٢٣).\n(٢) قرأ بفتح الميم، بعدها هاء (أمَهٍ)، ابن عباس وابن عمر بخلاف عنه وعكرمة مجاهد بخلاف عنهما والضحاك وأبو رجاء وقتادة وشُبيل بن عزرة الضبعي وربيعة بن عمرو وزيد بن علي، ينظر: المحتسب (١:٣٤٤).\n(٣) غريب القرآن (ص:١٢٢ - ١٢٣). ويلاحظ أنَّ بعض الوجوه التي ذكرها لم يورد عليها شاهدًا قرآنيًا، كما يلاحظ أنَّ كلمة أمة، أشهر ألفاظ الوجوه والنظائر، لذا يبين كثير من اللغويين والمفسرين معانيها في القرآن.\n(٤) غريب القرآن (ص:١٦٦).","vol":"1","page":379},{"text":"ومنَ الظَّواهرِ اللُّغويَّةِ الأخرى ما يأتي:\nأولًا: توجيهُ القراءاتِ:\nكان لتوجيه القراءات التي لها أثر في المعنى، نصيبٌ لا بأس به (١)، ومن ذلك:\n* قال في قوله: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠]: «ضُمَّهُنَّ إليك، ويقال: أَمِلْهُنَّ إليك. و«صِرهن» - بكسر الصاد - (٢): قَطِّعهُنَّ، والمعنى: فخذْ أربعةً منَ الطيرِ إليكَ، فَصِرْهُنَّ؛ أي: قَطِّعْهُنَّ» (٣).\n* وفي قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]، قالَ: «غُلْفٌ: جمع أغلفْ، وهو كُلُّ شيءٍ جعلتَه في غلافٍ؛ أي: قلوبُنا محجوبةٌ عمَّا تقولُ: كأنَّها في غُلْفٍ.\nومن قرأ غُلُف بضمِّ اللامِ (٤)، أرادَ: جمعَ غلافٍ، وتسكينُ اللامِ فيه جائزٌ أيضًا، مثلَ كُتُبٍ وكُتْبٍ؛ أي: قلوبُنا أوعيةٌ للعلمِ، فكيفَ تجيئنا بما ليس عندنا؟» (٥).\n* وفي قوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] قال: «يسرعونَ، يقال: جاءَ الرَّجلُ يَزِفُّ زَفِيفَ النعامةِ، وهو أوَّلُ عَدْوِهَا وآخرُ مَشْيِهَا.\n_________\n(١) ينظر: أمثلة لبعض القراءات التي وجَّهها: أزلهما (ص:٩٨)، ثمر (ص:١٦٤)، جمالات (ص:١٧٢)، حرام (ص:١٨٣)، خرقوا (ص:١٨٦)، درسوا (ص:١٩٣)، دبر (ص:١٩٤)، دُرِّي (ص:١٩٥)، رئيًا (ص:٢١٠)، زكيَّة (ص:٢١٣)، وغيرها.\n(٢) قرأ بكسر الصاد حمزة، وقرأ الباقون بضمِّها، ينظر: السبعة في القراءات، لابن مجاهد (ص:١٨٩ - ١٩٠).\n(٣) غريب القرآن (ص:٢٤٥).\n(٤) القراءةُ المتواترةُ بسكونِ اللام، وروى اللؤلؤيُّ عن أبي عمرو بضمِّ اللام، كما حكاها ابن مجاهد في السبعة (ص:١٦٤)، وقد نسبها ابن عطية في تفسيره، ط: قطر (١:٣٨٨) إلى الأعمش والأعرج وابن محيصن.\n(٥) غريب القرآن (ص:٢٧٤).","vol":"1","page":380},{"text":"وتُقرأ: «يُزِفُّونَ»؛ أي: يصيرونَ إلى الزَّفِيفِ ...\nويقرأ أيضًا: «يَزِفُونَ» بالتخفيف (١) من وَزَفَ يَزِفُ، بمعنى: أسرعَ. ولم يعرفْها الفرَّاءُ ولا الكسائيُّ (٢)، قال الزَّجَّاجُ (٣): وعرفَها غيرُهما» (٤).\nثانيًا: الاستشهادُ بالشِّعرِ:\nكانَ حظُّ الاستشهاد بالشِّعرِ عند ابنِ عُزَيزٍ (ت:٣٣٠) في بيانِ الألفاظِ القرآنيَّةِ قليلًا (٥)، ولم يكنْ في ذلك مثلُ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) الذي تميزَ بكثرةِ شواهدِه الشِّعريَّةِ، مع أنه اعتمدَ على كتابه (مجاز القرآنِ) واستفادَ منه بعضَ الشَّواهدِ، كما لم يبلغْ نصفَ شواهدِ ابنِ قتيبةَ (ت:٢٧٦).\nأمَّا استشهاد ابن عزيز (ت:٣٣٠) بمنثورِ كلامِ العربِ من جاهليينَ وإسلاميِّينَ، وكذا استشهادُه بأقوالِ الرَّسولِ ﷺ، فكان قليلًا، كما هي العادةُ عند علماءِ اللُّغةِ والنَّحوِ في الاستشهادِ بالمنثورِ من كلامِ العربِ ومن الحديثِ النَّبويِّ.\nومن الأمثلةِ في استخدامِ الشَّواهدِ الشِّعْريَّةِ:\n* في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] قال: «أعلمتكم، فاستوينا في العلمِ، قال الحارث بن حِلِّزَة (٦):\n_________\n(١) قرأ الجمهور بفتح الياء وتشديد الفاء (يَزِفُّون)، وقرأ حمزةُ بضمِّ الياء وتشديد الفاء (يُزِفُّونَ)، ينظر: السبعة في القراءات (ص:٥٤٨). وقرأ الضحاك ويحيى بن عبد الرحمن المقرئ وابن أبي عبلة بفتح الياء وتخفيف الفاء (يَزِفُونَ). ينظر: مختصر في شواذِّ القرآن (ص:١٢٨).\n(٢) ينظر: معاني القرآن، للفراء (٢:٣٨٩).\n(٣) ينظر قوله في كتابه: معاني القرآن وإعرابه (٤:٣٠٩).\n(٤) غريب القرآن (ص:٣٧٠)، وهذا النص يدل على أن ابن عُزَيز قد اطلع على معاني الزجاج وأفاد منه.\n(٥) بلغت الشواهد الشعرية في كتابه خمسين بيتًا، وفيها ما هو خارج عن بيان الألفاظ.\n(٦) هذا البيت الأول من معلقته، ينظر الديوان، تحقيق: طلال حرب (ص:٣٧). =","vol":"1","page":381},{"text":"آذَنَتْنَا بِبَينِهَا أَسْمَاءُ ... رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ\nآذنتنا: أعلمتنا» (١).\n* وفي قوله تعالى: ﴿ارْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢]، قال: «... ويقال: نرتعْ (٢): نأكلْ، ومنه قولُ الشاعرِ (٣):\nوَيُحَيِّيني إذَا لاَقَيْتُهُ ... وَإِذَا يَخْلُو لَهُ لَحْمِي رَتَعْ\nأي: أكل ...» (٤).\nومن أمثلةِ الاستشهاد بالمنثورِ:\n* قال ابن عُزَيزٍ (ت:٣٣٠): ﴿ثَجَّاجًا﴾ [النبأ: ١٤]: متدفِّقًا، ويقال: ثجَّاجًا: سَيَّالًا، ومنه قول النبي ﷺ: أحب العمل إلى الله تعالى العَجُّ والثَجُّ (٥). فالعَجُّ: التلبية، والثَجُّ: إسالة الدماء عند الذبح والنحر» (٦).\n_________\n= والبين: الفراق، والثواء: الإقامة. ينظر شرح المعلقات السبع، للزوزني (ص:١٨٥).\n(١) غريب القرآن (ص:١٠٩).\n(٢) قوله: «نرتع»، على قراءةِ أبي عمرو وابن عامر، وهي بفتح النون في الفعلين، وسكون آخرِهما، ينظر: السبعة في القراءات (ص:٣٤٦).\n(٣) البيت لسويد بن أبي كاهل الذبياني، وهو في المفضليات (ص:١٩٨)، وقد ذكر المحققان تخريج القصيدة التي منها هذا البيت في (ص:١٩٠)، وكانت هذه القصيدة تسمى في الجاهلية: اليتيمة.\n(٤) غريب القرآن (ص:٣٣٩)، وينظر أمثلة أخرى (ص:١٢٨، ٢٣٨، ٣٢٤، ٣٢٩، ٣٣٨، ٣٦١، ٣٧١، ٣٧٨).\n(٥) أخرجه جماعة من أهل العلم، منهم: الترمذي (٣:١٨٩)، والدارمي (٢:٤٩)، وابن ماجه (٢:٩٦٧، ٩٧٥)، وابن أبي شيبة (٣:٣٧٣، ٣٤٢)، والحاكم (١:٦٢٠)، والبيهقي في سننه (٤:٣٣٠)، (٥:٤٢، ٨٥)، وغيرهم.\n(٦) غريب القرآن، لابن عُزيز (ص:١٦٢)، وينظر الاستشهاد بأحاديث أخرى (ص:٢٦٥، ٢٩٣، ٣١٠، ٣١١، ٣٧٥).","vol":"1","page":382},{"text":"* وقال: «... والأمانيُّ: الأكاذيب، أيضًا، ومنه قول عثمان (١): ما تمنَّيتُ منذ أسلمتُ: أي: ما كذبت. وقولُ بعضِ العربِ لابن دَابِ (٢) - وهو يُحَدِّث - أهذا شيء رويتَهُ، أم شيء تمنَّيتَهُ؛ أي: افتعلته ...» (٣).\n* وقال في قوله تعالى: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢] (٤): «أي: نَنْعَمُ ونَلْهُو، ومنه: القيدُ والرَّتْعَةُ (٥)، تضربُ مثلًا في الخِصْبِ والجَدْبِ» (٦).\nوبعد هذا الحديث عن هذه الكتبِ الثلاثةِ أذكرُ ملحوظاتٍ تتعلَّقُ بعلمِ غريبِ القرآنِ، وهي:\n* أنَّ ترتيبَ هذه الكُتبِ سارَ على أسلوبينِ:\nالأولُ: أنْ يسلُكَ المؤلِّفُ ترتيبَ ألفاظِ القرآنِ حسبَ ورودِها في السُّورِ، فيذكرُ ألفاظَ الآياتِ مرتَّبةً، وهذا كما سبقَ في كتابِ مجازِ القرآنِ، وتفسيرِ غريب القرآنِ.\nالثاني: أن يرتِّبها على الحروفِ، وعلى هذا سارَ ابن عُزيزٍ (ت:٣٣٠)، غير أنَّه سلكَ بها طريقًا لم يُتَّبعْ عليه كما سبق بيانُه.\nثمَّ كتبَ من بعدَه مرتِّبًا على الحروفِ الألفبائِيَّةِ حسبَ أصلِ الكلمةِ، كما هو معروفٌ في معاجمِ اللُّغةِ، ومن أمثلِ من كتبَ على هذه الطَّريقةِ\n_________\n(١) هو عثمان بن عفان الخليفة الراشد الثالث.\n(٢) مضت ترجمته.\n(٣) غريب القرآن (ص:٩٨ - ٩٩). وينظر أمثلة أخرى (ص:١٠٧، ١٣٣، ١٦٨).\n(٤) مضى ذكر من قرأ بهذه القراءة التي ذكر المؤلف تفسيرها.\n(٥) قائله عمرو بن الصَّعِقِ بن خويلد بن نفيل، وكان قد أَسَرَتْهُ شاكر من همدان، فأحسنوا إليه وروَّحوا عنه، وكان يوم خرج من قومه نحيفًا، فلما هرب من الأسر وعاد، قال له قومه: يا عمرو، خرجت من عندنا نحيفًا، وأنت اليوم بَادِنٌ، فقال: القيد والرَّتعة، فأرسلها مثلًا. ينظر: مجمع الأمثال، للميداني (٢:٤٨٨ - ٤٨٩).\n(٦) غريب القرآن، لابن عُزيز (ص:٣٣٩)، وينظر الاستشهاد ببعض الأمثال (ص:٢٦١، ٢٩٤، ٣١٣).","vol":"1","page":383},{"text":"الراغبُ الأصفهانيُّ (ت: بعد:٤٠٠)، وكتابُه من أوسعِ كتبِ غريبِ القرآنِ وأحسنِها (١).\nوهذه الطَّريقةُ أتاحتْ للرَّاغب (ت: بعد:٤٠٠) - لتوسِعه في عرضِ المفرداتِ ومواطِنها في القرآنِ - ذكرَ معاني اللَّفظِ في مواردِه من القرآنِ، مع بيانِ أصلِ معناه في كثيرٍ من الألفاظِ (٢).\nوهي أنفعُ من حيثُ جمع المتناظرِ من مادَّةِ اللَّفظِ، وهي أقربُ إلى فكرةِ الوجوهِ والنَّظائرِ التي كتبَ فيها مفسِّرُو السَّلفِ، فتجد - مثلًا - في مادَّةِ صلبَ: تفسيرَ الصُّلبِ والأصلابِ، والصَّلبِ (٣)، وموادُّ هذه الألفاظِ في سورٍ شتَّى، فمن يكتبُ على ترتيب الآياتِ في السُّورِ يُفرِّقُ تفسيرَها حسبَ مواضِعها في السُّورِ.\nومن يكتبُ حسب أصل الكلمة وترتيبها على حروف المعجمِ يجعلها تحت مادَّةٍ واحدةٍ، وهذه أكثرُ فائدةً في تقريبِ الألفاظِ إلى بعضِها وجمعِ النَّظيرِ إلى نظيرِه، إذ قد لا يخطرُ ببالكَ أنَّ لفظَ «وسق» و«اتَّسق» من أصل واحدٍ، وهو الجمعُ (٤)، أو قد تبحثُ عن مادَّةِ «سطر»، فتجدُ فيها من الألفاظِ: «يسطرون»، و«مسطور»، و«أساطير»، فهلْ تكونُ لفظةُ «المسيطرون»، و«مسيطر» من هذه المادَّةِ، أمْ هي من مادَّةِ «صيطر»، وقُلِبَتْ الصَّادُ فيها إلى السِّينِ، وهل بينهما تقاربٌ في المعنى (٥)؟\n_________\n(١) ألَّف السَّمينُ الحلبيُّ كتاب عمدة الحفاظِ في تفسيرِ أشرفِ الألفاظِ، وقد اعتمد على كتاب الراغب، وهو يزيدُ عليه أحيانًا، وينتقده أحيانًا أخرى.\n(٢) ينظر في مفردات ألفاظ القرآن، الألفاظ الآتية: أتى (ص:٦٠)، أزر (ص:٧٤)، أفّ (ص:٧٩)، أفك (ص:٧٩)، أمن (ص:٩٠)، أنف (ص:٩٥)، وغيرها كثيرٌ.\n(٣) ينظر: مفردات ألفاظ القرآن (ص:٤٨٩).\n(٤) ينظر: مفردات ألفاظ القرآنِ (ص:٨٧١).\n(٥) ينظر: المادتين في مفردات ألفاظ القرآن (ص:٤٠٩ - ٤١٠)، (ص:٤٨٣).","vol":"1","page":384},{"text":"وهكذا غيرها من اللَّطائفِ والفوائدِ التي ستجدُها في هذه الطَّريقةِ، واللهُ المُوفِّقُ.\n* يلاحظُ أنَّ بعضَ العلماءِ قصدَ جمعَ غريبِ القرآنِ وغريبِ الحديثِ في تدوينٍ واحدٍ، كأبي عبيد أحمد بن محمد الهرويِّ (ت:٤٠١) (١) في كتابه المسمَّى بالغريبين (٢)، كما أنَّ من ألَّفَ في غريبِ الحديثِ مفردًا لا يخلو من تفسير ألفاظِ القرآنِ، كما سيأتي التَّمثيلُ لكتبِ غريبِ الحديثِ في المصدر الخامسِ.\n* أنَّ من كتبَ بعد استقرارِ تدوينِ اللُّغةِ لم يأتِ بجديدٍ يُذكرُ في المعاني، وإنْ كانَ ثمَّةَ ما يُذكرُ، فإنَّ الراغبَ الأصفهانيَّ (ت: بعد ٤٠٠) قد أدخلَ في كتابِه شيئًا من أقوالِ الحكماءِ، ويعني بهم الفلاسفةَ (٣)، وهذا خارجٌ عن التَّفسيرِ بلغةِ العربِ.\n* أنه لم يَسْلَمْ غالبُ المتأخرينَ من تأثيرِ المعتقداتِ المخالفةِ لأهلِ السُّنَّةِ على تفسيراتهم اللُّغويَّةِ، وهذا يتضحُ لمن يقرأُ في كتب (غريبِ القرآنِ)، والله أعلم (٤).\n_________\n(١) أحمد بن محمد بن محمد، أبو عبيد الهروي، تتلمذ على أبي منصور الأزهري، وكان يفتخرُ بها، وكان أوَّل من جمع بين غَرِيْبَيْ القرآن والحديث في مصنَّفٍ واحدٍ. ينظر: معجم الأدباء (٤:٢٦٠ - ٢٦١)، وشذرات الذهب (٣:١٦١).\n(٢) كتبه أبو عبيد على حروف المعجم، وممن تبعه في ذلك: الحافظ أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني (ت:٥٨١) في كتابه: المجموع المغيث في غربي القرآن والحديث، محمد طاهر الصديقي (ت:٩٨٦) في كتابه: مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار.\n(٣) ينظر: مقدمة صفوان داودي في تحقيقه لمفردات ألفاظ القرآن (ص:٣١ - ٣٧)، وينظر: المفردات (ص:٨٨، ٩٠، ٦٩٤)،\n(٤) ينظر مثلًا: مفردات ألفاظ القرآن، تفسير: الغضب (٧٥، ٦٠٨)، والروح (ص:٨٨) وبيوت النبي (ص:١٥١)، والمحبة (ص:٢١٥، ٢٩١)، والخُلَّة (ص:٢٩١)، والاستواء (ص:٤٣٩).","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>المصدرُ الرابع\nكتب معاجم اللغة</span>\nوفيه:\nأولًا: كتاب العين، للخليل.\nثانيًا: جمهرة اللغة، لابن دريد.\nثالثًا: تهذيب اللغة، للأزهري.","vol":"1","page":387},{"text":"المصدرُ الرابع\nكتب المعاجم اللغوية\nسبقتِ الإشارةُ إلى (المعاجمِ اللغويةِ)، وأنها على قسمين:\nالأولُ: كُتُبٌ اعتمدتْ على الموضوعاتِ اللُّغويَّةِ؛ أي: جمع الألفاظِ اللُّغويَّةِ التي تتعلقُ بموضوعٍ واحدٍ من الموضوعاتِ اللُّغويَّةِ؛ ككتابِ (الأضدادِ) لأبي حاتمٍ السِّجستانِيِّ (ت:٢٥٥)، وكتابِ (الأنواءِ) لابن قتيبةَ (ت:٢٧٦)، وغيرِها.\nوقدِ اجتهدَ بعضُ علماءِ اللُّغةِ في جمعِ عِدَّةِ موضوعاتٍ في كتابٍ واحدٍ؛ كأبي عبيدٍ القاسمِ بنِ سلامٍ (ت:٢٢٤) في كتابِهِ (الغريب المصنف)، وعلي بنِ إسماعيلَ المعروفِ بابنِ سِيدَه (ت:٤٥٨) (١) في كتابِهِ (المخصص).\nالثاني: كُتُبٌ اعتمدتْ على الحروفِ الهجائيَّةِ في ترتيبِ أبوابِها، وإن اختلفتْ في طريقةِ ترتيبِها؛ ككتاب (العينِ) للخليلِ بن أحمدَ (ت:١٧٥)، وكتابِ (الجيمِ) لأبي عمرو الشَّيبانيِّ (ت:٢٢٠)، وكتابِ (تهذيبِ اللُّغةِ) لأبي منصور الأزهريِّ (ت:٣٧٠)، وغيرها.\nوهذا القسمُ هو الذي ستكونُ الدراسةُ فيه؛ لأنه أكثرُ تعرُّضًا لألفاظِ القرآنِ من سابقِه، فضلًا عنْ أنَّ أغلبَ كتبِ الموضوعاتِ قد احتوتْهُ كتبُ معاجمِ الألفاظِ التي رُتِّبَتْ على الحروفِ.\n_________\n(١) علي بن إسماعيل، وقيل أحمد، أبو الحسن، المعروف بابن سيده، الضرير الأندلسي اللغوي، له كتاب المحكم والمحيط الأعظم في اللغة. توفي سنة (٤٥٨)، وقيل غيرها. ينظر: جذوة المقتبس (ص:٣١١)، والصلة، لابن بشكوال (٢:٤١٧ - ٤١٨).","vol":"1","page":388},{"text":"وسأتحدث في هذا الشأنِ عن ثلاثةِ كتبٍ من كتبِ المعاجمِ التي سارتْ في ترتيبِها على الحروفِ، وهي: كتابُ (العينِ)، وكتابُ (جمهرةِ اللغة)، وكتابُ (تهذيبِ اللغةِ).\nوقد قرأتها، وقمتُ بإخراجِ كلِّ المواضعِ التي فيها تفسيرٌ لألفاظِ القرآنِ أو آياته، وسأذكرُ في كلِّ كتابٍ صورَ التفسيرِ اللغوي كما وردتْ فيه، والله الموفق.","vol":"1","page":389},{"text":"أولًا\nكتاب العين\nيُنسَبُ كتابُ (العينِ) لإمامِ اللُّغةِ الخليلِ بنِ أحمدَ (ت:١٧٥)، رواهُ عنه تلميذُه اللَّيثُ بنُ المظفرِ بنِ نصرٍ بنُ سيَّارٍ، وقدْ شَكَّكَ بعضُ العلماءِ في صِحَّةِ هذه النِّسبةِ (*)؛ كالنَّضْرِ بنِ شُمَيلٍ (ت:٢٠٣) (١)، وأبي حاتمٍ السِّجستانيِّ (ت:٢٥٥) (٢)، وأبي عليٍّ القاليِّ (ت:٣٥٦) (٣)، والأزهريِّ (ت:٣٧٠) (٤)، والزُّبيديِّ (ت:٣٧٩) (٥).\nوبِتصفُّحِ الكتابِ ظهرَ لي ما يأتي:\n١ - أنَّ فيه إبداعًا يُناسبُ عقلَ الخليلِ بنِ أحمدَ (ت:١٧٥).\n_________\n=\n\n(*) اطَّلعت أثناء تصحيح الكتاب على دراسة للدكتور إبراهيم السامرائي بعنوان «حكاية كتاب العين وما قيل في نسبته إلى الخليل أحمد الفراهيدي»، ينظر: مجلة الحكمة (ع٢٢، ص٣١٩ - ٣٨٨).\n(١) معجم الأدباء (١٧:٥١).\n(٢) المزهر في علوم اللغة (١:٨٣ - ٨٤).\n(٣) المزهر في علوم اللغة (١:٨٣ - ٨٤).\nوأبو علي القالي: إسماعيل بن القاسم بن هارون، نزل بغداد، وأخذ عن علمائها: ابن دريد وابن الأنباري وغيرهما، ثمَّ خرج إلى الأندلس، وأقام فيها، ومن أشهر كتبه الأمالي والنوادر، والبارع، توفي سنة (٣٥٦). ينظر: إنباه الرواة (١:٢٣٩ - ٢٤٤)، وسير أعلام النبلاء (١٦:٤٥ - ٤٧).\n(٤) المزهر في علوم اللغة (١:٧٩ - ٨٠).\nوالزُّبيديَّ: محمد بن الحسن الأندلسي (ت:٣٧٩)، صاحب طبقات النحويين واللغويين ومختصر العين. ينظر: مقدمة محقق طبقات النحويين.\n(٥) تهذيب اللغة (١:٢٨ - ٢٩).","vol":"1","page":390},{"text":"٢ - أنَّ اللَّيثَ قد أدخلَ عليه تعليقاتٍ وسماعاتٍ سَمِعَهَا من الأعرابِ، وقد كانَ يَنُصُّ عليها أحيانًا؛ كقوله: «قلتُ لأبي الدُّقَيش (١): هلْ لَكَ في زُبْدٍ ورُطَبٍ؟» (٢).\n٣ - أنَّ هناكَ تعليقاتٌ أُدخِلَتْ على نصِّ كتابِ العينِ من غيرِ اللَّيثِ، مثلَ ما وردَ من تعليقٍ على لفظةِ «يد» حيثُ وردَ ما يأتي:\n«قال أبو أحمد حمزةُ بنُ زرعةَ (٣): قوله: «يد» دخلَها التَّنوينُ، وذكر أنَّ التنوينَ إعرابٌ» (٤).\nولهذا تجدُ في كتابِ (العينِ) أسماءَ أشخاصٍ كانوا بعد الخليلِ (ت:١٧٥) بزمنٍ (٥)، وليس في هذا تضعيفٌ لصحَّةِ نسبةِ الكتابِ؛ لأنَّ بعضَ النُّسَّاخِ كانَ يُدخِلُ تعليقاتِ العلماءِ في نَصِّ الكتابِ؛ لظهور ذلك عنده، ولثقتِه بعدم خفاء ذلك على من يَطَّلِعُ عليه من العلماء (٦).\nويبدو - واللهُ أعلمُ - أنَّ أصلَ الكتابِ للخليلِ بنِ أحمدَ (ت:١٧٥)، وأنَّ عليه زياداتٍ زادَهَا تلميذُه اللَّيثُ بنُ المظفَّرِ، ثم زِيدَ على بعضِ نُسَخِهِ أقوالٌ لبعضِ المتأخرين.\nوسواءٌ أكانَ كتابُ (العينِ) للخليلِ بنِ أحمدَ (ت:١٧٥)، أمْ كانَ لتلميذِهِ اللَّيثِ بنِ المظفَّرِ، فإنه يُعَدُّ أوَّلَ مؤلَّفٍ معجميٍّ رُتِّبَ على الحروفِ الهجائيَّةِ.\n_________\n(١) ذكره القفطي في الأعراب الذين دخلوا الحاضرة. إنباه الرواة (٤:١٢١).\n(٢) العين (١:٥٠)، وينظر: (١:١٩٠، ٢٨٨).\n(٣) لم أعرفه.\n(٤) العين (١:٥٠)، وينظر: (١:٥٣).\n(٥) من أمثلةِ الأعلامِ الذين ورد ذكرهم: الأصمعي (ت:٢١٥)، ورد في (١:٨٩)، وأبو عبيد القاسم بن سلام (ت:٢٢٤) ورد في (٣/ ١٢٩).\n(٦) ينظر - على سبيل المثال - نصًّا للزجاجِ (ت:٣١١) مقحمًا في كتاب تفسير غريب القرآن (ص:٣٩٦) لابن قتيبة (ت:٢٧٦)، وغريب القرآن (ص:١١٠)، لابن عزيز السجستانِي (ت:٣٣٠) حيث ورد اسم أبي عمر الزاهد (ت:٣٤٥) وابن خالويه (ت:٣٧٠).","vol":"1","page":391},{"text":"والعجيبُ أنَّ ناقدي كتابِ (العين) من معاصريه ومنْ بعدهم، لم يشيروا إلى إمامةِ كتابِ (العينِ) في التَّصنيفِ على حروفِ المعجمِ، ومحاولتِه جمعَ ما جاء عن العربِ في هذا المؤلَّفِ، وهذا إبداعٌ كانَ يلزمُ له الإذعانُ والقبولُ.\nووقوعُ الخطأ فيه - إنْ صحَّ ذلكَ - لا يجعلُهُ منبوذًا لا تصحُّ الاستفادةُ منه! إذ كان يكفي في ذلك بيانُ مواطنِ الخطأ فيه من هؤلاءِ العلماءِ؛ لأنَّ ذلك هو دأبُهم مع غيرِه من الكتبِ التي انتقدوها، حيثُ كانَ لهم تعليقاتٌ وردودٌ على كثيرٍ من الكتبِ، ولم يكنْ في ذلكَ غَضٌّ وانتقاصٌ من الكتابِ المردود عليه، ولا من مؤلِّفِهِ.\nولمَّا كانَ كتابُ (العين) معجمًا يسيرُ على الحروفِ، فإنَّ منهجَه في التَّفسيرِ له شَبَهٌ بكتبِ (غريب القرآن) التي تذكرُ اللَّفظَ القرآنيَّ ثمَّ تبينُ معناهُ. وكتبُ معاجم الحروف تفعلُ ذلكَ، حيثُ تذكرُ اللَّفظَ القرآنيَّ، ثمَّ تبينُ معناهُ في لغةِ العربِ، وقدْ تستشهدُ على ذلكَ بأشعارِ العربِ.\nومن صور تفسير ألفاظ القرآن في كتاب (العين)، ما يأتي:\nأولًا: بيانُ معنى اللفظةِ القرآنيةِ دونَ ذكر شاهدٍ عليها:\nوهذا عليه أغلبُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في كتابِ (العين)، ومنْ ذلكَ:\n١ - قولُه: «والمُهْطِعُ: المقبلُ ببصرِهِ على الشيءِ لا يرفعُهُ عنه، قال اللهُ ﷿: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣]» (١).\n٢ - وقال: «الجَنَفُ: الميلُ في الكلامِ وفي الأمورِ كلِّها، تقولُ: جَنَفَ فلانٌ علينا، وأجنفَ في حكمِهِ، وهو شبيهٌ بالحَيفِ، إلاَّ أنَّ الحيفَ من الحاكمِ خاصَّةً، والجَنَفُ عامٌّ، ومنه قولُ الله ﷿: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ\n_________\n(١) كتاب العين (١:١٠١)، وينظر: (١:١٣٧، ١١٩، ١٤٠، ١٤٦، ٢٠٥، ٢١٥، ٢٩٨، ٣٠٥)، (٢:١٧، ٢٩، ١٠٥)، (٣:٥٣، ٥٩)، (٧:٦، ٧، ٢٩، ٤٤، ٥٣)، وغيرها كثيرٌ.","vol":"1","page":392},{"text":"جَنَفًا﴾ [البقرة: ١٨٢]، وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]؛ أي: متمايلٍ متعمِّدٍ» (١).\nوقدْ يُتبعُ تفسيرَه اللُّغويَّ للَّفظةِ بذكرِ معناها في الآيةِ على جهةِ تفسيرِ المعنى المرادِ بها في الآيةِ، لكنه قليلٌ جدًا، ومنْ ذلكَ قوله: «الدَّعُّ: دفعٌ في جفوةٍ، وفي التَّنْزيلِ العزيزِ: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]؛ أي: يُعَنِّفُ به عنفًا شديدًا ودفعًا وانتهارًا؛ أي: يدفعُه حَقَّهُ وصِلَتَهُ» (٢).\nففي هذا المثال تراه بينَ المعنى المرادَ بالآيةِ بعد ذِكْرِه المعنى اللُّغويَّ للَّفظةِ، وكأنه يريدُ أنْ يقولَ: إن الدَّعَّ - وإنْ كانَ في اللُّغةِ بمعنى الدفعِ - يدخلُ فيه منعُ حقِّ اليتيمِ وصلتِهِ، والله أعلم.\nثانيًا: الاستشهاد بالشعر على معنى اللفظة القرآنية:\nلقدْ كانَ الاستشهادُ بالشعرِ قليلًا في كتابِ العينِ، إذا ما قِيسَ بالكلماتِ القرآنيَّةِ التي أوردَ بيانَ معناها في لغةِ العربِ، ومن أمثلةِ الاستشهادِ بالشِّعرِ ما يأتي:\n١ - قال: «وكُبْرُ كلِّ شيءٍ: عُظْمُه، وقولُه ﷿: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: ١١] يعني عُظْمَ هذا القَذْفِ. ومن قرأ: «كِبْرَهُ» (٣) يعني: إثمَه وخِطْأَهُ. قال علقمة (٤):\n_________\n(١) كتاب العين (٦:١٤٣).\n(٢) كتاب العين (١:٨٠). وينظر: (١:٢٦٠)، (٧:٤٤، ١٠٨، ٢٠٤).\n(٣) القراءة المتواترة بكسر الكاف، والأخرى بضم الكاف، قال ابن جني: «ومن ذلك قراءة أبي رجاء وحميد ويعقوب وسفيان الثوري وعمرة بنت عبد الرحمن وابن قطيب: ﴿كِبْرَهُ﴾ بضم الكاف. قال أبو الفتح: من قرى كذلك أراد عُظْمَهُ، ومن كسر فقال: ﴿كِبْرَهُ﴾ أراد: وِزْرَه وإثمه، قال قيس بن الخطيم:\nتَنَامُ عَنْ كُبْرِ شَأنِهَا فَإذَا ... قَامَتْ تَكَادُ تَنْغَرِفُ\n(٤) ديوانه، بشرح الأعلم الشنتمري، تحقيق: حنا نصر (ص:٧٩).","vol":"1","page":393},{"text":"بَدَتْ سَوابِقُ مِنْ أُولاَهُ نَعْرِفُهَا ... وَكُبْرُهُ فِي سَوَادِ اللَّيلِ مَسْتُورُ» (١)\n٢ - قال: «والرَّجْوُ: المبالاةُ، يقال: ما أرجو؛ أي: ما أُبالي، من قولِ اللهِ ﷿: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]؛ أي: لا تخافون ولا تبالون، وقال أبو ذؤيب (٢):\nإذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا ... وَخَالَفَهَا فِي بَيتِ نُوبٍ عَوَاسِلُ\nأي: لم يكترث» (٣).\nثالثًا: تفسير ألفاظ قرآنية دون ذكر الآية:\nيكثرُ في كتبِ المعاجمِ بيان معاني ألفاظٍ قرآنيةٍ دونَ ذكرِ الآيةِ التي ورد فيها هذا اللفظُ، وفي كتابِ العينِ من هذا القبيلِ كثيرٌ (٤)، ومنْ أمثلتِهِ:\n١ - قال: «وعُقْدَةُ النكاحِ: وجوبه» (٥). وفي القرآنِ قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥].\n٢ - وقال: «وبئرٌ معطلةٌ؛ أي: لا تُورَدُ ولا يُسْقَى منها» (٦). وفي القرآنِ قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥].\n_________\n(١) كتاب العين (٤:٣٦١)، وينظر: (١:٨٠، ٩٩، ١٠١، ١٧٠، ٢٩٠)، (٢:٥٤)، (٣:٥٥، ١٣٢، ١٤٤، ١٦٤، ١٨٣، ٢١٨، ٢٤٨، ٣٠٦، ٣٢٠، ٣٨٠)، (٤:٧، ٨٣، ١٠٤، ٢٦٦، ٣٦٠، ٤١٨)، (٥:٣٨، ١٥٦، ٢٨٦، ٣٠٢، ٣٢٠، ٣٢٨)، وغيرها.\n(٢) ديوان الهذليين (١:١٤٣).\n(٣) كتاب العين (٦:١٧٦ - ١٧٧).\n(٤) ينظر في الجزء الأول - مثلًا - الألفاظ الآتية: العهن (ص:١٠٨)، بخع (ص:١٢٣)، صعق (ص١٢٩)، القارعة (ص:١٥٦)، العلق (ص:١٦١)، نعق (ص:١٧١)، العشار (ص:٢٤٧)، العرش (ص:٢٤٩)، العصف (ص:٣٠٦)، وغيرها.\n(٥) كتاب العين (١:١٤٠).\n(٦) كتاب العين (٢:٩).","vol":"1","page":394},{"text":"٣ - وقال: «وقَطَعَ اللهُ دَابرهم، أي: آخرُ منْ بقيَ منهم» (١). وفي القرآنِ قوله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] وغيرها.\nرابعًا: توجيه القراءات:\nلا يخلو كتابٌ في مفرداتِ اللغةِ العربيَّةِ - ككتابِ العينِ وجمهرةِ اللغةِ وغيرِها - من توجيه القراءاتِ، وإن كان الاختلاف إنما يكونُ في القلَّةِ والكثرةِ في إيرادِ القراءاتِ المختلفةِ وبيانِ معانيها.\nومما وردَ في كتابِ (العين): «وتقرأ الآية: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٦]؛ أي: مستعدُّون، ومنْ قرأ «حذرون» (٢)؛ فمعناه: إنا نخافُ شرَّهُم» (٣).\nهذا، ولا يخلو كتابُ (العين) من تفسيرِ شيءٍ من الأساليبِ العربيَّةِ، أو ذِكْرِ شيءٍ منْ أسبابِ النُّزولِ وقَصَصِ الآي، أو بيانِ معنى الآيةِ، غير أنَّ ذلكَ قليلٌ جدًا، إذ أنَّ جُلَّهُ - كما سبق - في بيانِ معاني المفرداتِ.\nومنْ أمثلةِ ذلكَ ما يأتي:\n١ - وقال: «وقولُ اللهِ تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]؛ أي: جماعتُهم، ولو كانتْ للأعناقِ خاصةً، لكانتْ خاضعةً وخاضعاتٍ.\nومنْ قالَ هي الأعناقُ، والمعنى على الرجالِ، رَدَّ نُونَ خاضعين على أسمائِهم المضمرةِ» (٤).\n_________\n(١) كتاب العين (٨:٣٢).\n(٢) قرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بإثبات الألف (حاذرون)، وقرأ الباقون بحذفها (حذرون). ينظر: السبعة في القراءات (ص:٤٧١).\n(٣) كتاب العين (٣:١٩٩)، وينظر: (١:٢٩٥، ٣٦٤)، (٣:٢٧، ١٥١، ٢٢٣)، (٦:٦٦٦)، (٧:١٠،٢٩٥).\n(٤) كتاب العين (١:١٦٨).","vol":"1","page":395},{"text":"٢ - وقال: «والله يَكْنِي عن الأفعالِ، قال اللهُ ﷿: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]: كَنَى عنِ النِّكاحِ» (١).\nومما يتعلق بقصص الآية قوله: «ونتقتِ الملائكةُ جبلَ الطورِ؛ أي: اقتلعوه من أصلِه حتى أطلعوه على عسكرِ بني إسرائيلَ، فقال موسى ﵇: خذوا التوراةَ بما فيها، وإلاَّ أُلقِيَ عليكمْ هذا الجبلُ، فأخذوها، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧١]» (٢).\n_________\n(١) كتاب العين (١: ٢٤١)، وينظر: (١: ٢٣٢)، (٦: ٣١، ٨١)، (٧: ١٠٨).\n(٢) كتاب العين (٥: ١٢٩ - ١٣٠)، وينظر: (٢: ١١٩)، (٥: ٧٤).","vol":"1","page":396},{"text":"ثانيًا كتاب جمهرة اللغة\nألَّفَ أبو بكرٍ محمدُ بنُ الحسنِ بنُ دُرَيدٍ (ت:٣٢١) كتابَه (جمهرة اللغة) إملاءً (١)، وكان إملاؤه في مراتٍ ثلاثٍ، في فارسَ، ثُمَّ البصرةَ، ثُمَّ بغدادَ (٢).\nوهذا الإملاءُ لألفاظِ اللُّغةِ يدلُّ على سَعَةِ حفظِهِ واستيعابِهِ لهذه الألفاظِ اللُّغويَّةِ.\nولقد كان ابنُ دريدٍ (ت:٣٢١) بصريًّا، ومع تأخُّرِ زمنِه، فإنك لا تكادُ تجِدُ في كتابِه نقلًا عن عالمِ لغةٍ كوفيٍّ؛ كالكسائيِّ (ت:١٨٣)، والفراء (ت:٢٠٧)، وابن الأعرابيِّ (ت:٢٣١)، وأبي العباس ثعلب (ت:٢٩١)، وغيرِهم من الكوفيِّينَ المكثرينَ في نقلِ اللُّغةِ، وقد يكونُ إهمالُه النقَّلَ عنهم سببًا من أسبابِ نقدِ معاصِرِه نفطويه الكوفيِّ (ت:٣٢٣) (٣)، وتلميذِه الأزهريِّ (ت:٣٧٠).\nقال الأزهريُّ (ت:٣٧٠): «وممن ألَّف في عصرنا، ووُسِمَ بافتعال العربيَّة،\n_________\n(١) قد أشار ابن دريدٍ إلى هذا في مواطن، منها: «وأملينا هذا الكتاب، والنقص في الناس فاشٍ». الجمهرة (١:٤٠)، وقال في موطن آخر: «وإنما أملينا هذا الكتاب ارتجالًا، لا عن نسخةٍ ولا تخليد في كتابٍ قبله، فمن نظر فيه، فليخاصم نفسه بذلك، فيعذر إن كان فيه تقصير أو تكرير». الجمهرة (٢:١٠٨٥).\nوقال: «فإن كنا أغفلنا من ذلك شيئًا، لم يُنكرْ علينا إغفالُه؛ لأنَّا أمليناه حفظًا، والشّذوذُ مع الإملاءِ لا يُدفعُ». الجمهرة (٣:١٣٣٩).\n(٢) ينظر: المزهر، للسيوطي (١:٩٤).\n(٣) إبراهيم بن محمد بن عرفة، الملقب بنفطويه النحوي، الكوفي، كان صدوقًا، له كتاب في غريب القرآن، وكتاب في الرد على من قال بخلق القرآن، توفي سنة (٣٢٣). ينظر: تاريخ بغداد (٦:١٥٩ - ١٦٢)، وإنباه الرواة (١:٢١١ - ٢١٧).","vol":"1","page":397},{"text":"وتوليد الألفاظ التي ليس لها أصول، وإدخال ما ليس من كلام العرب في كلامهم: أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، صاحب كتاب جمهرة اللغة ... فسألت إبراهيم بن محمد الملقب بنفطويه عنه، فاستخفَّ به، ولم يوثِّقه في روايته ... وتصفَّحتُ كتاب الجمهرة له، فلم أره دالًا على معرفةٍ ثاقبةٍ، وعثرتُ منه على حروفٍ كثيرةٍ أزالها عن وجوهها، وأوقع في تضاعيف الكتاب حروفًا كثيرةً أنكرتُها، ولم أعرفْ مخارجها، فأثبتُّها من كتابي في مواقعِها منه؛ لأبحث عنها أنا وغيري ممن ينظرُ فيه، فإن صحَّتْ لبعضِ الأئمَّةِ اعتُمِدت، وإن لم توجد لغيرِه وُقِفَت» (١).\nهذا، وكتابُ (جمهرة اللغة) مثلُ أيِّ معجمٍ منْ معاجمِ اللُّغةِ التي سارتْ في ترتيبها على الحروفِ، أيْ أنَّه سيتعرضُ لبيانِ الألفاظِ القرآنيَّةِ؛ لذا فإنَّ ظواهرَ التَّفسيرِ اللُّغويِّ لا تكادُ تختلفُ في هذه المعاجمِ، ومنْ هذه الظواهرِ:\nأولًا: أن يستشهد للَّفظ القرآنيِّ بالشِّعر:\nكانَ الاستشهادُ بالشِّعرِ في تفسير ألفاظِ القرآنِ قليلًا جدًا (٢) في كتابِ (جمهرةِ اللغةِ)، ومنْ ذلكَ:\n_________\n(١) تهذيب باللغة (١:٣١). وهذا الكلام فيه تحاملٌ على ابن دريد، وقد يكون الأزهري متأثِّرًا بنقدِ شيخه نفطويه الكوفي ونفطويه من أقران ابن دريدٍ البصري، وقد يكون اختلاف المدارس سببًا في النقدِ، ومن المعروف عند العلماء أنَّ نقد الأقرانِ لا يُقبلُ إلاَّ بحجَّةٍ صحيحةٍ، واللهُ أعلمُ.\nوقد قرأتُ كتاب ابن دريدٍ، فظهر لي فيه بعض المميزاتِ التي تُسجَّلُ له، منها:\n* ذكرهُ اشتقاق الأسماء، وله في ذلك كتاب خاصٌّ.\n* ذكرهُ للمعرَّبِ، وقد اعتمد عليه أبو منصور الجواليقي كثيرًا في كتابه في المعرَّب.\n* ذكره لبعض لغات اليمن التي لا توجد عند غيره، وهو أزديُّ يروي لغة قومه.\n* كثرةُ قوله: «واللهُ أعلمُ» في كثيرٍ من الموادِّ التي يبيِّن معناها في لغة العربِ، وهي تَنِمُّ عن ورعٍ فيه في نقلِ اللغةِ.\n(٢) لم يتجاوز الاستشهاد للألفاظ القرآنية أكثر من خمسة عشر موضعًا مع أنَّهُ فسَّرَ قرابةَ ستمائة لفظة من ألفاظِ القرآنِ في الجزء الأول؛ ينظر منها: الأب (ص:٥٢)، أثاثًا =","vol":"1","page":398},{"text":"١ - قال ابن دُريد (ت:٣٢١): «والمُقِيتُ على الشيءِ: القادِرُ عليه، هكذا فُسِّرَ في التَّنْزِيلِ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٥٨]، والله أعلم.\nقالَ الشَّاعرُ (١):\nوَذِي ظَغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ، ... وَكُنْتُ عَلَى مَسَاءتِهِ مُقِيتًا\nأي: قادرًا» (٢).\n٢ - وقال: «وفلانٌ خَلَفٌ صالحٌ، وخَلْفُ سُوءٍ، هكذا يقولُ بعض أهلِ اللغةِ. وفي التنْزيلِ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، قال لبيد (٣):\nذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ،\nوَبَقِيتُ فِي خَلْفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَبِ» (٤)\nثانيًا: أن يفسِّر اللَّفظة القرآنيَّة في الآية دون الاستشهاد بالشِّعر:\nوهذا القسمُ كثيرٌ في كتاب (جمهرةِ اللغةِ)، غيرَ أنَّه يُكثرُ فيه النقلَ والاعتمادَ على غيرِه، وقد يُبْهِمُ المنقولَ عنه، فلا يذكر اسمه، وأكثرُ منْ وقعَ التَّصريحُ باسمِه: أبو عبيدة (ت:٢١٠) (٥).\n_________\n= (ص:٥٤)، إدًّا (ص:٥٥) تؤزُّهم (ص:٥٦)، ثجاجًا (ص: ٨١)، صفصفًا (ص:٢٠٩)، وغيرها. والملاحظُ أنَّ بعض هذه الشواهد منقولة من مجاز القرآن لأبي عبيدة.\n(١) البيت في تهذيب اللغة (٩:٢٥٥)، ومقاييس اللغة (٥:٣٨)، ولسان العرب وتاج العروس، مادة (قوت)، وقد نسبه في لسان العرب إلى أبي قيس بن رفاعة أبو الزبير بن عبد المطلب. ينظر: جمهرة اللغة (حاشية: ١٣، ص:٤٠٧)، والمعجم المفصل في شواهد اللغة العربية (١:٥٠٩).\n(٢) جمهرة اللغة (ص:٤٠٧).\n(٣) البيت في ديوانه، شرح الطوسي، تحقيق: حنا نصر (ص:٥٧).\n(٤) جمهرة اللغة (ص:٦١٥).\n(٥) نسب إليه في الجزء الأول من الجمهرة أكثر من سبعين تفسيرًا لألفاظ القرآن، ينظر (١:٥٨، ٦٤، ٦٩، ٨٧، ٩٢، ٩٣، ١٠٤، ١٠٥، ١١١، ١١٢، ١٢٠، ١٣٥، =","vol":"1","page":399},{"text":"ومما فَسَّرَ منْ ألفاظِ القرآنِ منْ غيرَ استشهادٍ بالشِّعرِ:\n١ - قال: «غَوَى الرجلُ يَغْوَي غَيًّا: منَ الغَيِّ، وهو خلافُ الرُّشْدِ. وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]» (١).\n٢ - وقال: «صَكَّ الشيءَ، يَصُكُّه صَكًّا: إذا ضربَهُ بيدهِ أو بحجرٍ. وفي التَّنْزيلِ: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ [الذاريات: ٢٩]؛ أي: ضربتْ وجهَها بيدِها» (٢).\nومنَ الأمثلةِ التي نقلَها عنْ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) قولُه: «والغابرُ: الماضي، والباقي. هكذا يقولُ بعضُ أهلِ اللُّغةِ، وكأنَّه عندَهُم منَ الأضدادِ.\nوفَسَّرَ أبو عبيدةَ قولَه: ﴿إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١]: في الباقينَ، والله أعلم» (٣).\nومنْ أمثلةِ اعتمادِهِ على غيرِ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠)، مع إبهامِ المنقولِ عنهم، ما يأتي:\n_________\n= ١٥٠، ١٥١، ١٥٩، ١٦١، ١٧٠، ١٩٣، ١٩٨، ٢٠٥، ٢٠٩، ٢٣٦، ٢٥٢، ٢٥٣، ٢٥٦، ٢٧١، ٢٧٧، وغيرها).\n(١) جمهرة اللغة (١:٢٤٤).\n(٢) جمهرة اللغة (١:١٤٣)، وينظر في هذا الجزء: أيد (ص:٥٥)، يؤفك (ص:٥٦)، المبثوث (ص:٦٣)، رُجَّت (ص:٨٨)، الرَّق (ص:١٢٥)، أهشُّ (ص:١٤١)، مكنون (ص:١٦٦)، يؤوده (ص:٢٣٣)، الشورى (ص:٢٤٠)، بهت (٢٥٧)، انبجست (ص:٢٦٧)، حدب (ص:٢٧٣)، الحوب (ص:٢٨٦)، لِبَدًا (ص:٣٠١)، بسر (ص:٣٠٨)، فتربصوا (ص:٣١٢)، كبائر (ص:٣٢٧)، الزبانية (ص:٣٣٥)، بطش (ص٣٤٢)، لغوب (٣٧٠)، كفاتا (ص٤٠٥)، مدحورًا (ص:٥٠١)، كادح (ص:٥٠٥)، نسلخ (ص:٥٩٨)، الخنس (ص:٥٩٩)، وغيرها.\n(٣) جمهرة اللغة (١:٣٢٠)، وفي مجاز القرآن (٢:٨٩): «والغابر: الباقي، قال العجاج:\nفَمَا وَنَى مُحَمَّدُ مُذْ أَنْ غَفَرْ ... لَهُ الإلَهُ مَا مَضَى وَمَا غَبَرْ\nأي: بَقِيَ ...».","vol":"1","page":400},{"text":"قال: «تلَّهُ يتُلُّه تلًّا: إذا صَرَعَهُ. وكذا فُسِّرَ في التَّنْزيلِ: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]. والله أعلم بكتابه» (١).\nولما كانَ ابنُ دريدٍ (ت:٣٢١) قدْ أَمْلَى كتابَه حفظًا، فإنه قدْ وقعَ منه في بعضِ ما نسبهُ إلى أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) وَهْمٌ، ومن ذلك:\n١ - قال: «وذكرَ أبو عبيدةَ في قولِه ﷿: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس: ٨]؛ أي: شاخصونَ بعيونِهم رافعو رؤوسِهم. والإبلُ قِمَاحٌ: إذا قَامَحَتْ عنِ الماءِ، قالَ الشاعرُ (٢):\nوَنَحْنُ عَنْ جَوَانِبِهَا قُعُودٌ ... نَغُضُّ الطَّرْفَ كَالإبِلِ القِمَاحِ\nوهذا يخالفُ قولَ أبي عبيدةَ؛ لأنه قالَ: نَغُضُّ الطَّرْفَ، فكأنَّ المُقْمَحَ - واللهُ أعلمُ ـ: الرافعُ رأسَه، شاخصًا كان أو مُغْضِيًا» (٣).\nوالذي جاءَ في (مجازِ القرآنِ): «المُقْمَحُ والمُقْنَعُ: واحدٌ تفسيرُه؛ أي: يجذبُ الذَّقْنَ حتى يصيرَ في الصدرِ، ثمَّ يرفعُ رأسَه، قالَ بِشْرُ بنُ أبي خَازِمٍ الأسدي (٤):\nوَنَحْنُ عَنْ جَوَانِبِهَا قُعُودٌ،\nنَغُضُّ الطَّرْفَ كَالإبِلِ القِمَاحِ» (٥)\n_________\n(١) جمهرة اللغة (١:٧٩ - ٨٠). وينظر في الجزء الأول للألفاظ الآتية؛ اجتثت (ص:٨١)، ثُلَّة (ص:٨٤)، مجذوذ (ص:٧٨)، محررًا (ص:٩٦)، تحسونهم (ص:٧٩)، دكاء (ص:١١٤)، لُدًّا (ص:١١٤) وُدًّا (ص:١١٥)، وغيرها.\n(٢) البيت لبشر بن أبي خازم الأسدي، وهو في ديوانه، تحقيق: عِزَّة حسن (ص:٩١).\n(٣) جمهرة اللغة (١:٥٦٠).\n(٤) بشر بن أبي خازم بن عمرو الأسدي، شاعر جاهلي، شهد حرب طيء وأسد، وكان أشهر شعراء بني أسد، وكان قُتِلَ في أحد غزواتِ قومه. ينظر: الشعر والشعراء (٢٧٠ - ٢٧١)، ومعجم الشعراء (ص:٣٩).\n(٥) مجاز القرآن (٢:١٥٧). وقد نقل الطبريُّ النصَّ نفسَه الذي في المجاز، ونسبه إليه بقوله: «والمقمح: المقنع، وهو أن يَحْدُرَ الذَّقْنَ حتى يصيرَ في الصدرِ، ثمَّ يرفع رأسه في قول بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة». تفسير الطبري =","vol":"1","page":401},{"text":"وقالَ في موضعٍ آخرَ: «... والإحْبَابُ في الإبلِ؛ كالحِرانِ في الخيلِ. قالَ أبو عبيدةَ: ومنه قولُه ﷿: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]؛ أي: لَصِقْتُ بالأرضِ لِحُبِّ الخيرِ حتى فاتتني الصلاة، والله أعلم» (١).\nوالذي وردَ في (مجازِ القرآنِ): «﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢] مجازه: أحببته حبًا، ثمَّ أضافَ الحُبَّ إلى الخيرِ» (٢).\nوهذا يخالفُ ما رواهُ عن أبي عبيدةَ (ت:٢١٠)، وهذا الذي قالَه منسوبٌ إلى شيخه أبي حاتم السِّجستانيِّ (ت:٢٥٥)، وقد يكون اختلطَ عليه، فَوَهِمَ في النَّسْبِ، وقد جاءَ في حاشيةِ نسخةِ (S)  من نُسَخِ (مجازِ القرآنِ) التي اعتمدَ عليها المُحَقِّقُ ما نصُّه: «قالَ أبو حاتم: ليسَ الأمرُ كما ظَنَّ أبو عبيدةَ، وإنما معنى «أحببت»: لَزِمْتُ الأرضَ، يقالُ: بعيرٌ مُحِبُّ: إذا لَزِقَ بالأرضِ منْ مرضٍ به، قالَ الهُذليُّ (٣):\nدَعَتْكَ إلَيهَا مُقْلَتَاهَا وجِيدُهَا، ... فَمِلْتَ، كَمَا مَالَ المُحِبُّ عَلَى عَمْدِ\nالمُحِبُّ: اللازمُ للأرضِ لا يقومُ، والعَمْدُ: مَرَضٌ به، يقالَ: رجلٌ عميدٌ ومعمودٌ.\nأمَّا ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ فأرادَ - إنْ شاءَ اللهُ - حُبَّ الخيلِ؛ لأنه تشاغلَ بها عن الصلاةِ ... والمعنى: إني لَزِمْتُ الأرضَ وتشاغلتُ عنْ ذكرِ اللهِ؛ يعني: الصلاةَ، حُبًا للخيلِ» (٤).\n_________\n= ط: الحلبي (٢٢:١٥١)، وهذا مما يستأنس به في الدلالة على خطأ ابن دريد في نقل قول أبي عبيدة، والله أعلم.\n(١) جمهرة اللغة (١:٦٤). وورد في (١:٢٨٧) هذا التفسير دون أن ينسبه إلى معيَّنٍ، واستدل له بالبيت الذي سيرد منسوبًا للهذلي.\n(٢) مجاز القرآن (٢:١٨٢).\n(٣) البيت في جمهورة اللغة (١:٢٨٧)، وسمط اللآلي (٢:٦٥٣). ينظر: المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية (٢:٤٣٩).\n(٤) مجاز القرآن (٢:١٨٢، حاشية سطر ٦ - ١١).","vol":"1","page":402},{"text":"ثالثًا: أن يفسر ألفاظًا قرآنية دون ذكر الآيات:\nلقدْ كانَ عددُ الألفاظِ المفسَّرَةِ على هذه الصورةِ كثيرًا (١)، حيثُ يذكرُ اللفظَ ومعناهُ في لغةِ العربِ، دونَ الإشارةِ إلى كونِه في التَّنْزيلِ أو ذكرِ آيةٍ وردَ فيها كما هي عادتُه في الأمثلةِ السَّابقةِ.\nومن أمثلة ذلك:\n١ - قال: «اللُّجَّةُ: لُجَّةُ البحرِ، وهو مُعظمُ مائِهِ، والجمعُ: لُجٌّ ولُجَجٌ ... والْتَجَّ البحر: إذا اضطربتْ أمواجُه» (٢).\nوقد ورد في القرآن قوله تعالى: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ [النمل: ٤٤]، وقوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠].\n٢ - وقال: «ويقالُ: في أمرِهِ دَخَلٌ؛ أي: فسادٌ؛ دَخِلَ أمرُهُ يَدْخَلُ دَخَلًا: إذا فسد» (٣).\nوقد ورد في القرآنِ قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٢]، وقوله: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٤].\nرابعًا: توجيه القراءات:\nكانتِ القراءاتُ التي وجَّهَها ابنُ دريدٍ (ت:٣٢١) قليلةً (٤)، وكانَ بعضُها لا\n_________\n(١) بلغت هذه الألفاظ في الجزء الأول قرابة (٢٤٠) لفظةً؛ منها: أجاج (ص:٥٤)، بكة (ص:٧٥)، الخصاصة (ص:١٠٥)، الرميم (ص:١٢٦)، هيت لك (ص:٢١٥)، ثاقب (ص:٢٦٠)، حاصب (ص٢٧٩)، أحقابًا (ص:٢٨٢)، قربان (ص:٣٢٥)، عبس (ص:٣٣٧)، وغيرها.\n(٢) جمهرة اللغة (١:٤٩٤).\n(٣) جمهرة اللغة (١:٥٨٠).\n(٤) بلغت الألفاظ التي وجهها في الجزء الأول قرابة (١٥) لفظًا؛ منها: سدًّا (ص:١١١)، سَمِّ الخياط (ص:١٣٥)، ضنين (ص:١٨٤)، إدبار النجوم (ص:٢٩٦)، لا يكذبونك (ص:٣٠٥)، كبره (ص:٣٢٧)، الجمل (ص:٤٩١).","vol":"1","page":403},{"text":"أثرَ له في المعنى واختلافِه. ومنْ أمثلةِ القراءاتِ التي وجهَها ما يأتي:\n١ - قالَ: «ونَخِرَ العَظْمُ يَنْخَرُ نَخْرًا: بَلِيَ، وهو عَظْمٌ نَاخِرٌ ونَخِرٌ، وقد قُرِئَ: ﴿عِظَامًا نَخِرَةً﴾ [النازعات: ١١]، و«نَاخِرَةً» (١)، فمن قرأ: ﴿نَخِرَةً﴾ أراد: باليةً، والله أعلم. ومن قرأ: «نَاخِرَةً» أرادَ: أنَّ الريحَ تَنْخِرُ فيها، فيما يقال، لأنه قد بقيَ منها بقيةٌ» (٢).\n٢ - وقال: «والنَّزِيفُ: السكرانُ أيضًا، وهو المُنْزَفُ، وفِي التنزيلِ: ﴿لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩]؛ أي: لا يسكَرُونَ، هكذا يقولُ أبو عبيدةَ (٣). وقد قُرِئَ: «يُنْزِفُونَ» (٤)؛ أي: يُنفِدُونَها والله أعلم ...» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>تَحَرُّزُ ابنِ دريدٍ في التفسير:</span>\nلقدْ برزتْ لي أثناءَ قراءةِ كتابِ (جمهرةِ اللغةِ) ظاهرةُ تَحَرُّزِ ابنِ دريدٍ (ت:٣٢١) في التَّفسيرِ، بل في نقلِ اللُّغةِ كذلك، ومما يُثبِتُ تَحَرُّزَه ما يأتي:\nالأول: أنه قَلَّ أنْ يوردَ تفسيرًا مقرونًا بآيةٍ دونَ أنْ يَذكرَ عبارةَ: «واللهُ أعلمُ» (٦)، أو ما شابهها؛ كقوله: «والله أعلم بكتابه» (٧).\n_________\n(١) قرأ عاصم من رواية أبي بكر، وحمزة، ويعقوب: ناخرة، الباقون: نخرة، ينظر: القراءات وعلل النحويين فيها (٢:٧٤٥).\n(٢) جمهرة اللغة (١:٥٩٣).\n(٣) مجاز القرآن (٢:٢٤٩).\n(٤) قرأ حمزة والكسائي وعاصم: «يُنْزِفون»، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وابن عامر: «يُنْزَفون». السبعة (ص:٥٤٧).\n(٥) جمهرة اللغة (٢:٨٢١).\n(٦) ينظر في الجزء الأول الألفاظ الآتية: أبد (ص:٥٥)، يؤفكون (ص:٥٧)، أحببت (ص:٦٤)، وخطبة (ص:٢٩١)، خبالًا (ص:٢٩٣)، لبدًا (ص:٣٠١)، الذنوب (ص:٣٠٦)، خطف (ص:٦٠٩)، الخمط (ص:٦١٠)، وغيرها.\n(٧) ينظر الألفاظ الآتية، في الجزء الأول: الإدُّ (ص:٥٥)، سبح (ص:٢٧٧)، خشب (ص:٢٩٠)، العوج (ص:٤٨٦)، وحي (ص:٥٧٦)، وغيرها.","vol":"1","page":404},{"text":"ومن أمثلة ذلك:\n* قال: «وقوله ﷿: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]؛ أي: ناقصٍ، واللهُ أعلمُ» (١).\n* وقال: «الدَّرْكُ: المنْزلةُ، وكذا جاءَ في التَّنْزيلِ: ﴿فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، فالنَّارُ دَرَكَاتٌ، والجنةُ درجاتٌ، واللهُ أعلمُ بكتابِه» (٢).\n\nالثاني: كثرةُ نَسْبِهِ التَّفسيرَ لغيرِه:\nلقدْ كانَ ابنُ دريدٍ (ت:٣٢١) - على سَعَةِ اطِّلاعِهِ على معاني الألفاظِ في لغةِ العربِ - مُكثرًا في نسبِ التَّفسيرِ لغيره على سبيل الإبهامِ في المفسِّرِ، مما يُشعِرُ بتهيُّبه من التَّفسيرِ، ولذا يوردُ مثلَ عبارةِ: «وكذا فُسِّرَ في التَّنْزيلِ» (١) وما شابهها، ولا ينسبُ التَّفسيرَ إلى نفسِه.\nومن أمثلةِ ذلكَ:\n* قال: «والصُّدْفَانِ: جانبا الشِّعْبِ من الجَبَلِ، وكذا فُسِّرَ في التَّنْزيلِ» (٢).\n* وقال: «والفرشُ من الإبلِ: صغارُها التي لا يُحْمَلُ عليها، والواحدُ والجمعُ فيه سواءٌ، وكذا فُسِّرَ في التَّنْزيلِ في قوله جلَّ وعزَّ: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢]، والله أعلم» (٣).\nكما تجده ينسبُ إلى أبي عبيدة (ت:٢١٠) كثيرًا من تفسيرِ ألفاظِ القرآنِ، إلاَّ أنه يُشعرُك في بعض ما ينقله عنه عدم الرضا بتفسيرِه، ويصرحُ لك حينًا بعدم قبوله، ومن ذلك:\n_________\n(١) جمهرة اللغة (١:٢٨٩).\n(٢) جمهرة اللغة (٢:٦٣٧).\n(٣) ينظر: (١:٧٩، ٨١، ٨٤)، (٢:٦٢٨، ٦٥٤، ٦٥٥، ٧٨٢، ٧٨٤).\n(٤) جمهرة اللغة (٢:٦٥٥).\n(٥) جمهرة اللغة (٢:٧٢٩).","vol":"1","page":405},{"text":"قالَ: «وفي التَّنْزيلِ ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١]، ولا أُقْدِمُ على تفسيرِه، إلا أنَّ أبا عبيدةَ ذكرَ أنَّها النجومُ تنْزِعُ؛ أي: تطلعُ (١)، والله أعلم» (٢).\nفي هذا المثالِ تراه قد توقَّفَ في معنى «النازعات»، مع أنه ذكرَ تفسيرَ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠)، وكأنَّ ذلك - والله أعلم - يَنِمُّ عنْ عدمِ رضاهُ بهذا التفسيرِ.\nوله مما يدلُّ على عدمِ تقليدِه أبا عبيدةَ (ت:٢١٠) في كُلِّ أقواله، قولُه: «... ويقال: العَنَتُ، أيضًا، من الإثمِ، عَنِتَ يَعْنَتُ عَنَتًا: إذا اكتسب مَأثمًا.\nولستُ أذكرُ قولَ أبي عبيدةَ في تفسيرِه في التَّنْزيلِ (٣) فأُقَلِّدُهُ إياه» (٤).\nوقالَ: «والرَّحْقُ: أصلُ بناءِ الرَّحيقِ، قالوا: وهو الصَّافي، والله أعلم. وفي التَّنْزيلِ: ﴿مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥].\nوخلَّطَ فيه أبو عبيدةَ، فلا أحبُّ أن أتكلمَ فيه» (٥).\nوقدْ يكونُ سببُ ذلكَ التَّتَبُّعِ تأثُّرَه بشيخِهِ أبي حاتمٍ (ت:٢٥٥) الذي كانَ ينتقدُ أبا عبيدةَ (ت:٢١٠) ويُشَنِّعُ عليه من أجلِ كتابِهِ مجازِ القرآنِ.\nومنْ أمثلةِ ما نقده شيخُه أبو حاتم السجستاني (ت:٢٥٥) على مجازِ القرآنِ ما يأتي:\n_________\n(١) مجاز القرآن (٢:٢٨٤).\n(٢) جمهرة اللغة (٢:٨١٨).\n(٣) فسر أبو عبيدة في مجاز القرآن: أعنتكم: أهلككم (١:٧٣)، وفسر العنت بأنه كل ضرر (١:١٢٣).\n(٤) جمهرة اللغة (١:٤٠٣).\n(٥) جمهرة اللغة (١:٥١٩). وفي مجاز القرآن (٢:٢٨٩): «الرحيق: الذي ليس فيه غش. رحيق معرق من مسك أو خمر». ولم يتبين لي وجه التخليط الذي ذكره ابن دريد، والله أعلم.","vol":"1","page":406},{"text":"١ - قال أبو حاتم (ت:٢٥٥): «وقالَ أبو عبيدةَ: أسْرَرْتُ الشَّيءَ: أخْفَيتُهُ وأظْهَرْتُهُ أيضًا. وكانَ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [يونس: ١٠]: أظهروها (١). ولا أثقُ بقولِه في هذا، والله أعلم» (٢).\n٢ - وقال أبو حاتم (ت:٢٥٥): «وكانَ أبو عبيدةَ يقولُ: خافَ: منَ الخوفِ ومنَ اليقينِ. وكانَ يقولُ في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ٣]؛ يريد: أيقنتم (٣). ولا عِلْمَ لي بهذا؛ لأنَّه قرآنٌ، فإنما تحكيه عنْ ربِّ العالمينَ، ولا تدري لعله ليس كما يظُنُّ» (٤).\nالثالث: توقُّفُه في بعض التَّفسيرِ:\nتجدُ في منهجِ ابن دريدٍ (ت:٣٢١) أنه يتوقَّفُ في المعنى المرادِ ببعضِ الألفاظِ في الآياتِ (٥)، ولا يُقْدِمُ على تفسيرِها تورُّعًا منه في ذلك، ومنَ الأمثلةِ الواردةِ في ذلك ما يأتي:\n* قوله: «وأما قوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] أي: خَلَتْ من الماء، وزعموا أنه من الأضدادِ، ولا أحبُّ أن أتكلم فيه» (٦).\n* وقال: «والحين: حقبة من الدَّهر، وقد جاء في التَّنْزيل، واختلف فيه المفسِّرون، ولا أحب أن أتكلم فيه» (٧).\nسلسلة التَّورُّع في التَّفسير من ابن دريد إلى الأصمعيِّ:\nولا يخفى على منْ يقرأُ كتبَ ابنِ دريدٍ (ت:٣٢١) ما كانَ لأبي حاتمٍ\n_________\n(١) مجاز القرآن (٢:٣٤).\n(٢) الأضداد، لأبي حاتم، تحقيق: محمد عودة (ص:١٣٠).\n(٣) مجاز القرآن (١:١١٦).\n(٤) الأضداد، لأبي حاتم، تحقيق محمد عودة (ص:١٠١).\n(٥) ينظر في هذا: الجزء الأول: حسبان (ص:٢٧٧)، الرحيق (ص:٥١٩)، والجزء الثاني: الأعراف (ص:٧٦٦)، الأثام (ص:١٠٣٦).\n(٦) جمهرة اللغة (١:٤٥٧).\n(٧) جمهرة اللغة (١:٥٧٥).","vol":"1","page":407},{"text":"السِّجستاني (ت:٢٥٥) من منزلةٍ وأثرٍ عليه، وقد كانَ مكثرًا من النقلِ عنه، والاعتمادِ عليه (١)، وجائزٌ أنْ يكونَ تأثَّرَ به في هذا التَّورُّعِ في التَّفسيرِ، والله أعلم، حيث ورد عنه مثل هذا، ومن ذلك:\n* قال أبو حاتم (ت:٢٥٥): «قال: أبو عبيدةَ (٢): ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧]: أقبلَ، ويقالُ: أدبرَ». ثُمَّ ذكرَ شواهدَ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) على ذلك، ثمَّ قالَ: «قدْ تقلَّدَ أبو عبيدةَ أمرًا عظيمًا، ولا أظنُّ هاهنا معنىً أكثرَ من الاسودادِ.\nعَسْعَسَ: أظلمَ واسوَّدَ في جميعِ ما ذكرَ، وكلُّ شيءٍ من هذا البابِ في القرآن يُتَّقَى، وما لم يكنْ في القرآنِ، فهو أيسرُ خطبًا» (٣).\n* وقال أبو حاتم (ت:٢٥٥): «وقالوا: المسجورُ: المملوءُ ... وقالَ بعضهم: المسجورُ: الفارغُ. بَلَغَني ذاك، ولا أدري ما الصَّوابُ، ولا أقولُ في قولِه تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] شيئًا، ولا أقولُ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]؛ لأنه قرآن، فأنا أتقيه» (٤).\nهذا، ولا يبعدُ أنْ يكونَ أبو حاتم (ت:٢٥٥) - كذلك - متأثرًا في هذا بمذهبِ شيخِهِ الأصمعيِّ (ت:٢١٥) الذي اشتهرَ عنه أنه كان يَتَّقِي تفسيرَ القرآنِ، ولا يُفَسِّرُ لفظةً واردةً في القرآنِ (٥). والله أعلم.\n_________\n(١) ورد ذكر أبي حاتم في كتاب جمهرة اللغة في أكثرَ من ثلاثين ومائتي موضع.\n(٢) ينظر قول أبي عبيدة في مجاز القرآن (٢:٢٨٧)، وفي الأضداد مخالفة مع زيادة لما في نص المجاز في الأشعار المستدل بها.\n(٣) الأضداد، لأبي حاتم، تحقيق: محمد عودة (ص:١١٣ - ١١٤).\n(٤) الأضداد، لأبي حاتم، تحقيق: محمد عودة (ص:١٤٤ - ١٤٥). وقد سبق قول ابن دريد في آية التكوير، فوازنهما.\n(٥) ينظر في تورع الأصمعي عن التفسير: الكامل، للمبرد، تحقيق الدالي (٢:٩٢٨)، (٤:١٤٣٥)، وثلاث رسائل في إعجاز القرآن (ص:٣١)، وتهذيب اللغة (١:١٤)، ونزهة الألباء (ص:٩٩). ثم ينظر أمثلة لما لم يفسره الأصمعي في جمهرة اللغة =","vol":"1","page":408},{"text":"والمقصودُ أنَّ هذا المذهبَ في التَّورعِ في النَّقلِ والتَّفسيرِ مما يُحسبُ لابن دريدٍ (ت:٣٢١)، والله أعلم.\n_________\n= (١:٢٣١، ٢٩٢، ٤٧٥)، (٢:٦٩٤، ٧٦٠، ٨٦٨، ٩٢٩، ٩٥٦، ١٢٠٦)، (٣:١٢٥٩، ١٢٦١، ١٢٧٣، ١٢٦٤، ١٢٨٧).\nوقد ورد عنه تفسير بعض الألفاظ القرآنيَّة، وهذا مما يدل على صعوبةِ التَّحرُّزِ التَّام، ومن هذه الألفاظِ التي فسَّرها:\n١ - شرحه لديوان العجاج، تحقيق عزة حسن، (ص:٦٦، ٧٠، ١٤٠، ٢٦٢).\n٢ - في تهذيب اللغة (٨:٢١٠: البغاء، ٣٤٧: القضب)، (٩:٣٢٦: القنو)، (١٠:١٢٢: الكنود، ٢١٩: الرَّكوبة، ٦٠٨: الأرض الجرز).\n٣ - في حاشية مجاز القرآن (٢:١٩٧: نجس).\n٤ - في غريب ابن عزيز السجستاني (ص:٣٤٨: ويل).\n٥ - في إعجاز القرآن للباقلاني (ص:٨٠: وثيابك فطهر).","vol":"1","page":409},{"text":"ثالثًا كتاب تهذيب اللغة\nألَّفَ أبو منصورٍ محمدُ بنُ أحمدَ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) كتابَه «تهذيبَ اللغةِ» بعدَ بلوغِهِ سبعينَ سنةً؛ كما يُفهمُ منْ قولِهِ: «وكنتُ منذُ تعاطيتُ هذا الفنَّ في حداثتِي إلى أن بلغتُ السَّبعينَ، مولعًا بالبحثِ عن المعاني والاستقصاءِ فيها، وأخذِها من مظانِّهَا، وإحكامِ الكتبِ التي تأتَّى لي سماعُها منْ أهلِ الثَّبْتِ والأمانةِ للأئمةِ المشهَّرين، وأهلِ العربيةِ المعروفين» (١).\nولا شكَّ أنَّ هذا البلوغَ في السِّنِّ يُعطي التأليفَ قوةً ورَويَّةً تخالفُ ما عليه شِرَّةُ الشبابِ منَ العجلةِ وعدمِ الاستيعابِ.\nومِمَّا يتميَّزُ به هذا الكتابُ عنْ كتابِ العينِ وكتابِ جمهرةِ اللُّغةِ، ما يأتي:\n\n١ -<span data-type=\"title\" id=toc-140> كثرةُ موادِّهِ اللُّغويَّةِ </span>وكثرةُ مراجعِهِ.\nوقدْ أتاحَ لهُ ذلكَ تأخُّرُ وفاتِهِ، وتَوسُّعُهُ في الروايةِ عن البصريِّينَ والكوفيِّينَ والبغداديِّينَ، وهذا الجمعُ في الرِّوايةِ لا تجدُه في كتابِ العينِ ولا في كتابِ جمهرةِ اللُّغةِ.\n\n٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-141> أنَّه أوسعُ مِمَّنْ تقدمه في عَرْضِ التَّفسيرِ</span>، وقد كانَ التَّفسيرُ أحدَ مقاصدِ الكتابِ، وقدْ قالَ بشأنِ ذلك: «وكتابي هذا، وإنْ لم يكنْ جامعًا لمعاني التَّنْزيلِ وألفاظِ السُّنَنِ كلِّها، فإنَّه يَحُوزُ جُمَلًا منْ فوائدِهَا، ونُكَتًا من\n_________\n(١) تهذيب اللغة (١:٧).","vol":"1","page":410},{"text":"غريبِها ومعانيها، غيرُ خارجٍ فيه عن مذاهبِ المفسِّرينَ، ومسالكِ الأئمَّةِ المأمونينَ من أهلِ العِلْمِ وأعلامِ اللُّغويِّينَ، المعروفينَ بالمعرفةِ الثَّاقبةِ والدِّينِ والاستقامةِ» (١).\nوقدْ تَتَبَّعتُ الأقوالَ التَّفسيريَّةَ التي ذكرَها في كتابِه كلِّه، ما نقله من التَّفسيرِ أو قالَ به، فظهر لي ما يأتي:\n١ - أنَّ أغلبَ اعتمادِهِ في تفسيرِ الألفاظِ وبيانِ المعاني القرآنيَّةِ كان على الفرَّاءِ (ت:٢٠٧) من كتابِهِ (معاني القرآن)، والزَّجَّاجِ (ت:٣١١) من كتابِه (معاني القرآن وإعرابه). وقد روى هذينِ الكتابينِ بالسندِ إلى مؤلفَيهما.\nأمَّا الفراءُ (ت:٢٠٧)، فقال عنه: «ومنْ مؤلفاتِهِ: كتابُه معاني القرآنِ وإعرابِه، أخبرنِي به أبو الفضلِ بنُ أبي جعفرَ المنذري، عن أبي طالبٍ بنِ سلمةَ، عن أبيه، عن الفراءِ، لم يَفُتْهُ من الكتاب كله إلا مقدارُ ثلاثةِ أوراقٍ في سورةِ الزُّخرفِ.\nفما وقعَ في كتابِي للفراءِ في تفسيرِ القرآنِ وإعرابِه فهو مما صحَّ روايتُهُ منْ هذهِ الجهةِ» (٢).\nوقد بلغتِ الأقوالُ التَّفسيريَّة التي أحصيتها منقولةً عن الفرَّاءِ (ت:٢٠٧) من كتابه (معاني القرآن) قرابةَ خمسينَ وستِّمائةِ قولٍ.\nوأمَّا الزَّجَّاجِ (ت:٣١١)، فقال عنه: «ويتلو هذه الطبقةَ طبقةٌ أخرى أدركناهم في عصرِنا؛ منهم: أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ النَّحْويُّ صاحبُ كتابِ المعاني في القرآنِ ... وما وقعَ في كتابي له منْ تفسيرٍ فهوَ منْ كتابِهِ ...» (٣).\n_________\n(١) تهذيب اللغة (١:٥ - ٦).\n(٢) تهذيب اللغة (١:١٨). وقد سبق التنبيه إلى فائدة، وهي أن كتاب «معاني القرآن» المطبوع برواية محمد بن الجهم، وما في «تهذيب اللغة» من نقول عن الفراء، فهو برواية سلمة بن عاصم، وهذا يفيد في جانب التحقيق ومعارضة الروايات.\n(٣) تهذيب اللغة (١:٢٧).","vol":"1","page":411},{"text":"وقد بلغتِ الأقوالُ التَّفسيريَّةُ مما أحصيتُه منقولًا عن الزَّجَّاجِ (ت:٣١١) من كتابه (معاني القرآن وإعرابه) قرابةَ ستينَ وستِّمائةِ قولٍ.\nأما النَّقلُ عنْ غيرِهما في التَّفسيرِ فهو أقلُّ بكثيرٍ من النَّقلِ عنهما، وقد نقلَ عن ابن عباسٍ (ت:٦٨) (١)، ومجاهدِ بن جبرٍ (ت:١٠٤) (٢)، وغيرِهما من المفسِّرين.\nونقلَ تفسيراتٍ لابن الأعرابيِّ (ت:٢٣١) (٣)، وثعلبَ (ت:٢٩١) (٤)، وغيرِهما من اللُّغويِّين.\n٢ - كما ظهرَ لي أنَّ الأقوالَ التي نقلَهَا في التَّفسيرِ أكثرُ من أقوالِهِ التَّفسيرية (٥)، وكان له في بعضِ الأحيانِ اجتهادُهُ الخَاصُّ به، يظهرُ ذلك في ترجيحاتِهِ في بعضِ الاختلافاتِ التَّفسيريَّةِ. ومِنْ ذلكَ: قوله: «وقولُ الله جلَّ وعزَّ: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]، قالَ الفرَّاءُ: هذا مما أُضيفَ إلى نفسهِ، وهو\n_________\n(١) ينظر مثلًا: (١:٩٢، ٤١٣، ٤٣٧)، (٢:١٣، ١٥، ١٤٢، ٢٠٧، ٢١٢)، (٣:١٠، ١١٣، ٢٢٦، ٣٤٢، ٤١٦)، (٤:٩٠، ١٠٨، ١٣٢، ١٣٧، ١٤٠، ٢١٩، ٢٤٦، ٤٢٨)، (٥:١٥، ٤٩، ٥٠، ٩٦، ٢٢٣، ٢٨٤، ٣٥٢)، وغيرها.\n(٢) ينظر مثلًا: (١:٧٨، ٢٧٣، ٢٩٠، ٣٢١، ٣٦٤)، (٢:٥، ٢٠٧، ٢١٢، ٢٣١، ٢٤٥، ٢٧٠)، (٣:١٠٥، ١٢٣، ١٣٤، ١٤١، ١٨٨، ٢٣٤، ٢٩٣)، (٤:٩٠، ٤٢٧، ٤٤٧، ٤٨١)، (٥:٤٣، ١٢٢، ٣٩٩)، وغيرها.\n(٣) ينظر مثلًا: (١:٧٩، ١٥٤، ٣٢٤، ٣٦٩، ٣٧٣)، (٢:٨، ٤٦، ٢٣١، ٣٢٠)، (٥:٢٤٢، ٢٩٢)، (٦:٩٢، ٢٠٨، ٤٠٤، ٥٦٩)، (٧:٢٨، ٢٩، ١٦٣، ١٦٦، ١٨٩، ٢٧٩، ٤٢٦، ٦٧٣)، (٨:١١١، ٢١٤، ٢١٨، ٣٤٣، ٣٩٩، ٤٢٩)، وغيرها.\n(٤) ينظر مثلًا: (١:٧٩، ١٣٤، ١٤١، ٤٧٢)، (٧:٢٨، ١٩٠، ٣٣٤، ٤٩٥)، (٩:١٩، ٤٦، ١٤٣، ٣٥٩، ٤٤٧، ٤٥٠)، (١٠:١٩، ٦٦، ١٥٤، ١٦٣، ١٦٧، ٢١١، ٢٣٠)، وغيرها.\n(٥) ينظر مثلًا: (١:٧٨، ٨٢، ١٣٤، ١٤١، ١٥٣)، (٢:٤، ٧، ١٣، ١٥)، (٣: ١٠، ١٧، ٥٥ - ٥٧)، وغيرها كثير جدًا.","vol":"1","page":412},{"text":"مثلُ قولِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥]، ومثلُه قولُه: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، والحَبْلُ: هو الوريدُ نفسُهُ، فأضيفَ إلى نفسه لاختلافِ لفظِ الاسمينِ (١).\nوقالَ الزَّجَّاجُ: نُصِبَ قولُهُ: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾؛ أي: وأنبتنا فيها حَبَّ الحصيدِ، فجمعَ بذلكَ جميعَ ما يُقتاتُ: منْ حَبِّ الحِنطةِ والشَّعيرِ وكلِّ ما حُصِدَ؛ كأنَّه قالَ: وحَبَّ النَّبتِ الحصيدِ (٢).\nوقالَ اللَّيثُ: أرادَ حَبَّ البُرِّ المحصودِ (٣). وقولُ الزَّجَّاجِ أصَحُّ؛ لأنَّه أعَمُّ» (٤).\n٣ - كما ظهرَ اجتهادُه في بيانِ المحتملِ اللُّغويِّ للَّفظِ القرآنيِّ، ومن ذلك قولُه: «قلتُ: وأكثرُ النَّاسِ ذهبوا في تفسيرِ قولِه: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص: ٣٢] أنه بمعنى: الرَّهْبَةِ.\nولو وجدتُ إمامًا منَ السَّلفِ يجعل الرَّهْبَ كُمًّا، لذهبتُ إليه؛ لأنَّه صحيحٌ في العربيَّةِ، وهو أشبه بسياقِ الكلامِ والتَّفسيرِ، واللهُ أعلمُ بما أرادَ» (٥).\n_________\n(١) ينظر قول الفراء في معاني القرآن (٣:٧٦).\n(٢) ينظر قول الزجاج في معاني القرآن وإعرابه (٥:٤٣).\n(٣) ينظر كتاب العين (٣:١١٢).\n(٤) تهذيب اللغة (٤:٢٢٨)، وينظر ترجيحاتٍ أخرى في (٢:٤١٦)، (٤:٨١، ٣٣٢، ٣٣٩)، (٥:٨٠، ٩٥).\n(٥) تهذيب اللغة (٦:٢٩٢)، ويلاحظ أنَّ في نسخة (١٠) من المخطوطات التي اعتمد عليها المحقق (ينظر حاشية تهذيب اللغة) أنه قد ورد التفسير عن مقاتل بذلك، حيث قال: «الرَّهْبُ: كُمَّ مدرعته» ويحتمل أن يكون هذا النص مزيدًا على نسخة (١٠) من التهذيب، أو يكون الأزهري لم يعتدَّ بقول مقاتل، والله أعلم.\nثُمَّ ينظر أمثلة أخرى في اجتهاده في بيان المحتمل اللغوي: (٤:٣٢، ٢٠٤، ٣٣٣)، (٦:١٣٢، ١٧٢)، (١٤: ٢٣٠، ٢٤٢)، (١٥:١١٩)، وغيرها.","vol":"1","page":413},{"text":"٤ - ومعَ حرصِ الأزهريِّ (ت:٣٧٠) على إيرادِ الآياتِ وتفسيرِ ألفاظِها، إلاَّ أنه قد فاتَه في بعضِ الموادِّ اللُّغويَّةِ ذكرُ بعضِ الألفاظِ القرآنيَّةِ؛ مثل مادةِ: عبس (١)، ونفع (٢)، وحاد (٣)، وكهن (٤)، وخمد (٥)، وفتر (٦)، وغيرها (٧).\nوقدْ ظهَرَ في كتابِهِ، وهو معجمٌ لغويٌّ في مفرداتِ الألفاظِ، ظهرَ اهتمامُهُ بالمعاني، فتراه يشرح معنى الآية متعديًا بذلك دلالةَ اللَّفظ (٨)، ويظهرُ أنَّ سببَ ذلكَ أنَّ منْ مصادرِه التي اعتمدَها بعضُ كُتُبِ معاني القرآنِ، فتوسَّعَ في ذلك بسببِ النَّقلِ عنها والإفادةِ من طريقتِها، واللهُ أعلمُ.\nومنْ أمثلةِ ذلك قوله: «قال جلَّ وعزَّ: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج: ١٥]، أجمعَ المفسِّرونَ على أنَّ تأويلَ قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾: ثمَّ ليختنق (٩).\nوهو محتاجٌ إلى شرحٍ يزيدُ في بيانِه، والمعنى - والله أعلم ـ: من كانَ\n_________\n(١) تهذيب اللغة (٢:١١٥).\n(٢) تهذيب اللغة (٣:٥).\n(٣) تهذيب اللغة (٥:١٨٩ - ١٩٠.\n(٤) تهذيب اللغة (٦:١٤).\n(٥) تهذيب اللغة (٧:١٤).\n(٦) تهذيب اللغة (١٤:٢٧٢).\n(٧) ينظر مثلًا: (٢:١٩٢ - ١٩٣، ٢٢٦ - ٢٢٨، ٣٥٤، ٣٥٧، ٣٦٧ - ٣٦٨)، (٣:٦، ٨، ١٤٦، ٢٥٧، ٢٥٩، ٢٦٠)، (٥:٦٦ - ٦٨، ٢٢٧، ٢٣٣)، (٦:١٨، ١٤٦، ١٨١ - ١٨٣، ٥٣٤، ٥٣٥)، (١٠:٧٨، ٧٩، ٤٧٢، ٥١٧ - ٥٢٠)، (١١:٣٢١، ٣٧٧)، (١٢: ١٩٨)، (١٣:١٥٦ - ١٥٨)، (١٤:١٠، ٢٧٢)، (١٥:٧٣ - ٧٥، ٧٨، ١٦٦ - ١٦٧، ١٧٢ - ١٧٦)، وغيرها.\n(٨) ينظر مثلًا: (١:٨٩ - ٩٠، ١٠٠، ١٥٣، ١٧٧، ٢٥٧، ٢٧٥، ٣٧٠، ٣٩٠، ٤٧٤)، (٤:١١٢، ٣٣٩)، (٧:٩٠، ١١٥، ١٣٧، ٥٨٣، ٥٨٤)، (٨:١٠٩ - ١١٠)، (١١:٢٦٦ - ٢٦٧)، وغيرها.\n(٩) كذا وردت الرواية عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة، ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٧:١٢٥ - ١٢٨).","vol":"1","page":414},{"text":"يظُنُّ منَ الكفَّارِ أنَّ اللهَ لا ينصرُ محمَّدًا حتى يُظهِرَهُ على المِلَلِ كلِّها فَلْيَمُتْ غيظًا، وهو تفسيرُ قولِه: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾.\nوالسببُ: الحبلُ يَشُدُّه المختنقُ إلى سقفِ بيته.\nوسماءُ كلِّ شيءٍ: سقفُهُ.\n﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾؛ أي: ليَمُدَّ الحبلَ مشدودًا، يوتِّره حتى يقطعَ حياتَهُ ونَفَسَهُ خنقًا.\nوقال الفرَّاءُ: أرادَ: ثمَّ ليجعل في سماءِ بيته حبلًا، ثمَّ ليختنق به، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ اختناقًا.\nقال: وفي قراءةِ عبد اللهِ (١): ثُمَّ لِيَقْطَعْهُ، يعني: السبب، وهو الحبلُ المشدودُ في عنقِهِ (٢)، حتى تنقطِعَ نفسُهُ، فيموتَ» (٣).\nفي هذا المثالِ بين الأزهريُّ (ت:٣٧٠) معاني المفرداتِ، وبيَّنَ معها المعنى المرادَ بالآيةِ.\n٦ - كما أنه قدْ يتعرَّضُ لبعضِ المشكلاتِ الواردةِ في التَّفسيرِ، ويجتهدُ في بيانِ المعنى المرادِ، وحَلِّ ما أشكلَ من معاني بعضِ الآياتِ، ومنْ ذلكَ قولُهُ: «وقالَ أبو حاتم (٤): قالوا: قبلُ وبعدُ منَ الأضدادِ. وقالَ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]؛ أي: قبلَ ذلك (٥).\nقلتُ: والذي حكاه أبو حاتم عمَّنْ قاله خطأٌ. قبلُ وبعدُ كلُّ واحدٍ منهما نقيضُ صاحبِهِ، فلا يكونُ أحدُهُما بمعنى صاحبِهِ، وهو كلامٌ فاسدٌ.\n_________\n(١) هو عبد الله بن مسعود، معلم الكوفة، ورواية قراءته كثيرة في كتاب الفراء.\n(٢) ينظر قول الفراء في معاني القرآن (٢:٢١٨).\n(٣) تهذيب اللغة (١:١٨٨).\n(٤) هو أبو حاتم السجستاني.\n(٥) ينظر قول أبي حاتم في كتابه الأضداد، تحقيق: محمد عودة (ص:١٦٧).","vol":"1","page":415},{"text":"وأمَّا قولُ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] فإن السائلَ يسألُ عنه فيقولُ: كيفَ قالَ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾، والأرضُ أُنشِئَ خلقُهَا قبلَ السماءِ، والدليلُ على ذلكَ قولُ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩]، فلمَّا فرغَ منْ ذِكْرِ الأرضِ وما خلقَ فيها قالَ اللهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١]، و«ثُمَّ» لا يكونُ إلاَّ بعدَ الأولِ الذي ذُكِر قبلَهُ، ولم يختلفِ المفسرونُ أنَّ خلقَ الأرضِ سبقَ خلقَ السماءِ.\nوالجوابُ فيما سألَ السائلُ: أنَّ الدَّحْوَ غيرُ الخلقِ، وإنما هو البسطُ. والخلقُ هو الإنشاءُ الأولُ. فاللهُ - جلَّ وعزَّ - خلقَ الأرضَ أولًا غيرَ مَدْحُوَّةٍ، ثمَّ خلقَ السماءَ، ثمَّ دحا الأرضَ؛ أي: بسطها.\nوالآياتُ فيها مؤتلفةٌ ولا تَنَاقُضَ - بحمدِ اللهِ - فيها عندَ منْ يفهَمُهَا. وإنَّما أُتِيَ الملحدُ الطَّاعنُ فيما شَاكَلَهَا منَ الآياتِ منْ جِهَةِ غباوتِهِ، وغِلَظِ فَهْمِه، وقِلَّةِ عِلْمِهِ بكلامِ العربِ» (١).\nوهذه الأمثلةُ السَّابقةُ منْ أمثلةِ معاني القرآنِ التي ذكرَها في كتابِه تُظهِرُ أنَّها قد أخذتْ حيِّزًا لا بأس به، أمَّا ما يتعلقُ بالجانبِ الأكبرِ منَ التَّفسيرِ اللُّغويِّ، وهو دلالة الألفاظِ، فقد أوردَه على الصُّوَرِ الآتية:\n١ - تفسيرُ الألفاظِ مع ذكرِ الشَّاهدِ:\nكانَ الاستشهادُ للألفاظِ القرآنيَّةِ عندَ الأزهريِّ (ت:٣٧٠) قليلًا، وقدْ كانَ أغلبُ تفسيرِهِ للألفاظِ بدونِ ذكرِ الشَّاهدِ.\nومنْ أمثلةِ ما استشهدَ لهُ، قولُهُ: «وأمَّا قولُه جلَّ وعزَّ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ\n_________\n(١) تهذيب اللغة (٢:٢٤٣)، وينظر في هذه المسألة: تأويل مشكل القرآن (ص:٦٧)، وقد نقله عن ابن قتيبة المرزوقيُّ في كتابه: الأزمنه والأمكنه (١:٤٣). ثمَّ ينظر أمثلة أخرى في تهذيب اللغة (٥:٤٣، ٨٠)، (٦:٢٩١)، (٩:٤٧٧ - ٤٤٩)، (١٢/ ١٢٦)، وغيرها.","vol":"1","page":416},{"text":"الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥]، فالمعنى: أفنُعرضُ عنْ تذكيرِكم إعراضًا منْ أجلِ إسرافِكم على أنفسِكم في كفرِكم، يقالُ: صَفَحَ عنْ فلانٍ؛ أي: أعرضَ عنه مولِّيًا، ومنه قولُ كُثَيِّرٍ - يصفُ امرأةً أعرضتْ عنه - (١):\nصَفُوحًا فَمَا تَلْقَاكَ إلاَّ بَخِيلَةً، ... فَمَنْ مَلَّ مِنْهَا ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ» (٢)\n٢ - تفسيرُ الألفاظِ بدونِ ذكرِ الشَّاهدِ:\nوهذا هو الغالبُ على الألفاظِ القرآنيَّةِ المفسَّرَةِ في (تهذيبِ اللُّغةِ)، ومن أمثلةِ ذلكَ:\n* قوله: «قالَ اللهُ جلَّ وعزَّ: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقالَ في موضعٍ آخرَ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧].\nوروى سفيانُ الثَّوريُّ، عن عَمَّارٍ الدُّهْنيِّ (٣)، عن مسلمِ بنِ البَطِينِ (٤)، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، أنه قال: الكرسيُّ موضعُ القدمينِ، والعرشُ لا يُقدَرُ قَدْرُهُ (٥).\n_________\n(١) البيت في ديوانه، تحقيق: مجيد طراد (ص:٥٥).\n(٢) تهذيب اللغة (٤:٢٥٧). وينظر: (٥:١٥١، ١٦٧)، (٨:٣٤٥)، (٩:٢٨٠)، (١١:٢٦٠)، (١٤:٢٤٢). وينظر أمثلة لما نقله من استشهادات اللغويين: (٤:١٥٧، ٢٠٥، ٤٨١)، (٥:١٨، ٣٤، ٥٠)، (٦:٧٦، ٣٣٤)، (٨:١٥٩، ٣٤٢)، (١٥:١٥٦، ١٦٠، ٤٦٠، ٥١١، ٥١٦)، وغيرها كثير.\n(٣) عمَّار بن معاوية الدُّهْنِيُّ، أبو معاوية البجلي، الكوفي، روى عن إبراهيم التيمي ومجاهد بن جبر وغيرهما، وروى عنه سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وغيرهما، صدوق يتشيَّع، مات سنة (١٣٣). ينظر: تهذيب الكمال (٥:٣١٧ - ٣١٨)، وتقريب التهذيب (ص:٧١٠).\n(٤) مسلم بن عمران البطين، أبو عبد الله الكوفي، روى عن سعيد بن جبير وأبي وائل وغيرهما، وعنه: عمار الدهني ومنصور بن المعتمر وغيرهما، ثقة. ينظر: تهذيب الكمال (٧:١٠٢)، وتقريب التهذيب (ص:٩٤٠).\n(٥) أخرج هذه الأثر جماعة من أهل العلم، منهم: الدارمي في رده على بشر المريسي =","vol":"1","page":417},{"text":"وروى أبو العباسِ (١)، عن ابنِ الأعرابيِّ (٢) أنه قال: قال ابنُ عباسٍ: العرشُ مجلسُ الرحمنِ (٣).\nأرسله ابنُ الأعرابيِّ إرسالًا، ولم يُسنده. وحديث الثَّوريِّ متَّصلٌ صحيحٌ.\nوالعرشُ في كلامِ العربِ: سريرُ الملكِ، يدلُّكَ على ذلك سريرُ مَلِكَةِ سبأ، سمَّاه اللهُ - جلَّ وعزَّ - عرشًا، فقال: ﴿إِنِّي وَجَدْتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣].\nقلتُ: والعرشُ في كلامِ العربِ أيضًا: سقفُ البيتِ، وجمعُه: عروشٌ، ومنه قولُه جلَّ وعزَّ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩].\nقال الكسائيُّ في قولِه: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]: على أركانها. وقالَ غيرُه من أهلِ اللُّغةِ: على سُقُوفِها؛ أرادَ: أنَّ حيطانها قائمةٌ، وقدْ تهدَّمتْ سقوفُها، فصارتْ في قرارِها، وانقعرتْ الحيطانُ من قواعدِها، فتساقطت على السُّقوفِ المتهدِّمة قبلها.\nومعنى الخاويةِ والمنقعرةِ واحدٌ، يدلُّكَ على ذلك قولُ اللهِ ﷿ في قصةِ قومِ عادٍ: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، وقال في موضعٍ آخرَ يذكرُ هلاكهم أيضًا: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، فمعنى الخاويةِ\n_________\n= (ص:٦٧، ٧٣ - ٧٤)، وعبد الله بن أحمد في كتاب السنة (١:٣٠١)، والطبري في تفسيره، تحقيق شاكر (٥:٣٩٨)، وابن أبي حاتم في التفسير (٢:٤٩١)، والدارقطني في كتاب الصفات (ص:٤٩ - ٥٠)، وغيرهم.\n(١) هو ثعلب.\n(٢) هو محمد بن زياد، المعروف بابن الأعرابيِّ.\n(٣) لم أجد هذا الأثر، وحاله كما قال الأزهري، فهو ضعيفٌ جدًا، لانقطاعه، واللهُ أعلمُ.","vol":"1","page":418},{"text":"والمنقعرِ في الآيتينِ واحدٌ، وهي المنقلعةُ من أصولِها، حتى خَوَى منبتُها.\nويقال: انقعرت الشجرةُ: إذا انقلعت. وانقعر البيتُ: إذا انقلعَ من أصلِه فانهدمَ. وهذه الصِّفَةُ في خرابِ المنازلِ من أبلغِ الصِّفاتِ.\nوقدْ ذكر اللهُ جَلَّ وعزَّ في موضعٍ آخرَ من كتابِه ما دلَّ على ما ذكرته، وهو قوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]؛ أي: قَلَعَ أبنيَتَهم من أساسها، وهي القواعدُ، فتساقطت سقوفها، وعلتها القواعدُ وحيطانها، وهم فيها، وإنما قيلَ للمنقعرِ: خاوٍ؛ لأنَّ الحائط إذا انقلعَ من أُسِّهِ خَوَى مكانُه؛ أي: خَلاَ، ودارٌ خاويةٌ؛ أي: خاليةٌ.\nوقال بعضهم في قوله: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الكهف: ٤٢]؛ أي: خاويةٌ عن عروشها لتهدُّمها. جعل على بمعنى عن، كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢]؛ أي: اكتالوا عنهم لأنفسهم» (١).\n٣ - توجيهُ القراءات:\nلا يخفى على المطَّلعِ على (تهذيب اللُّغة) اهتمام الأزهريِّ (ت:٣٧٠) بالقراءاتِ القرآنيَّةِ وتوجيهِهَا، كيف لا؟ وقدْ خصَّها بكتابٍ سمَّاه: (القراءات وعلل النَّحويِّين فيها) (٢)، وقدْ أكثرَ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) من توجيهِ القراءاتِ في\n_________\n(١) تهذيب اللغة (١:٤١٣ - ٤١٤). وينظر أمثلة أخرى: (١:٣٦٢، ٣٣٦، ٣٤٣، ٣٥٥، ٤١٣، ٤٢١، ٤٣٦)، (٢:١٤٧، ١٩٤، ٣٢٤، ٣٣٢)، (٤:٣٦، ٥٦، ٧٥، ٨١، ٨٤، ٣١٥، ٣١٧)، (٦:٣٧، ٣١٠)، (٧:٥٦٠، ٥٩٧، ٦٧٣)، (٨:٥١، ٦٧، ٨٣، ١١٠،١٢٨، ١٣٨، ١٥٤، ١٥٦، ٢٠٢، ٢١٠، ٢٥٦، ٣١٩، ٣٩٦).\n(٢) قال الأزهري: «... وأما قول النبي ﷺ: نزل القرآن على سبعة أحرف، كلها شافٍ كافٍ. لقد (كذا) أشبعت تفسيره في كتاب: القراءات وعلل النحويين فيها ...». تهذيب اللغة (٥:١٣).\nوقد طبع له كتابٌ في توجيه القراءات في تحقيقين، الأول بعنوان: معاني القراءات، حققه: عيد مصطفى درويش وعوض بن حمد القوزي. والثاني بعنوان: القراءات =","vol":"1","page":419},{"text":"كتابِهِ، ومنْ ذلكَ قولُهُ: «وقالَ اللهُ: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، قال الفَرَّاءُ: الْجَمَلُ: هو زوجُ النَّاقةِ، وقدْ ذُكِر عن ابنِ عباسٍ أنه قرأ: «الجُمَّلُ» (١)؛ يعني: الجمال (٢) المجموعة (٣).\nوأخبرني المنذريُّ (٤)، عن أبي طالب (٥) أنه قال: رواه الفرَّاءُ: «الجُمَّلُ» بتشديدِ الميمِ (٦)، ونحنُ نَظُنُّ أنه أرادَ التخفيفَ.\nقالَ أبو طالب: وهذا لأنَّ الأسماءَ إنما تأتي على (فُعَل) فَخَفَّفَ، والجماعةُ على (فُعَّل)؛ مثل: صُوَّم ونُوَّم.\nوقالَ (٧) - فيما وجدتُ بِخَطِّ أبي الهيثم (٨) ـ: قرأ أبو عمرو والحسن (٩)،\n_________\n= وعلل النحويين فيها، المسمى: علل القراءات، تحقيق: نوال بنت إبراهيم الحلوة.\nوالملاحظُ أنَّ هذا الكتاب المطبوعَ فيه سقطٌ في المقدمة، فيحتمل أن يكونَ هذا المطبوع هو الكتاب المقصودُ، ويكون شرح حديث الأحرفِ السبعةِ مما فُقِدَ في المقدمةِ، ويحتمل أنه كتابٌ آخر غير هذا المطبوع؛ لأنَّ علم النحو في هذا الكتاب قليلٌ، إلاَّ إن كان يريد بالنحويين عموم أهل العربية من نحو ولغة وغيرها، ويكون هذا على التوسع في المصطلح، والله أعلم.\n(١) ينظر: مختصر في شواذ القرآن (ص:٤٣)، وقد نسبها إلى عليٍّ وابنِ عباس.\n(٢) الصواب «الحبال المجموعة» كما في كتاب المعاني، وهذا التصحيف كثيرٌ في النسخة المطبوعة من تهذيب اللغةِ.\n(٣) ينظر قول الفراء في معاني القرآن (١:٣٧٩).\n(٤) محمد بن أبي جعفر، أبو الفضل المنذري الهروي، نحوي لغوي مصنف فيهما، قرأ على ثعلب والمبرد، توفي سنة (٣٢٩). معجم الأدباء (١٨:٩٩).\n(٥) هو المفضل بن سلمة بن عاصم، وقد سبقت ترجمته.\n(٦) ينظر: معاني القرآن (١:٣٧٩).\n(٧) أي: المنذري.\n(٨) أبو الهيثم الرازي، اللغوي، اشتهر بكنيته، تصدَّر بالريِّ للإفادة، ومن تلاميذه أبو الفضل المنذري، أخذ عنه وكثَّر، وكان أبو الهيثم صاحب سنة، كثير الصلاة، له كتاب: زيادات معاني القرآن للفراء، توفي سنة (٢٢٦). نزهة الألباء (ص:١١٨)، وإنباه الرواة (٤:١٨٨).\n(٩) هما أبو عمرو بن العلاء البصري، والحسن البصري.","vol":"1","page":420},{"text":"وهي قراءة ابن مسعود: «حَتَّى يَلِجَ الجُمَلُ» (١) مثل: النُّفَر في التقدير.\nقلت (٢): والصَّحيحُ لأبي عمرو: ﴿الْجَمَلُ﴾ وعليه القُرَّاءُ (٣)، وأبو الهيثم ما أراهُ حَفِظَ لأبي عمرو: «الجُمَل»، اتفق قُرَّاءُ الأمصارِ على ﴿الْجَمَلُ﴾، وهو زوجُ النَّاقةِ.\nورُوي عن ابن عباسٍ: «الجُمَّل» بالتَّثقيلِ والتَّخفيفِ أيضًا (٤). فأمَّا التَّخفيفُ، فهو الحبل الغليظ، وكذلك الجُمَّل مشدَّدًا. وحُكِيَ عن عبدِ اللهِ وأُبَيٍّ (٥): «حَتَّى يَلِجَ الجُمَلُ»» (٦).\nهذا، ولا يختلفُ المنهجُ في البحثِ اللُّغويِّ في التَّفسيرِ عند الأزهريِّ (ت:٣٧٠) عن غيرِه من علماءِ اللُّغةِ، واللهُ أعلمُ.\n_________\n(١) نُسبت هذه القراءة إلى ابن عباس وسعيد ومجاهد وعبد الكريم وحنظلة. المحتسب (١:٢٤٩).\n(٢) القائل هو الأزهري.\n(٣) قال الطبري: «وأما القرأةُ من جميع الأمصارِ فإنها قرأت قولهِ: ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ بفتح السين، وأجمعت على قراءةً ﴿الْجَمَلُ﴾ بفتح الجيم والميم، وتخفيف ذلك». تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٢:٤٢٨).\n(٤) قال الطبري: «وأما ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير فإنه حكي عنهم أنهم كانوا يقرؤون ذلك «الجُمَّلُ» بضمِّ الجيمِ وتشديد الميمِ على اختلافٍ في ذلك عن سعيد وابن عباسٍ». تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٢:٤٢٨)، وقد ذكر الرواية عنهم بأسانيدها، ينظر (١٢:٤٣١ - ٤٣٣).\n(٥) هما عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب الصحابيان.\n(٦) تهذيب اللغة (١١:١٠٦ - ١٠٧). والقراءة المتواترة «الجَمَل»: زوج الناقة، كما قال الأزهري، وأمَّا القراءات الأخرى التي ذكرها فهي شاذة، وينظر أمثلة أخرى في توجيه القراءات عند الأزهري (١:٨٢، ٢٧٥، ٣٨٦، ٤١٥)، (٢:٧٨، ٢١١، ٢٣٤، ٣٠٧)، (١١:١٠٧، ٣٣٨، ٤٦٧ - ٤٦٨)، (٧:٩٠)، (١٢:١٣)، (١٣:١٦٩)، وغيرها.","vol":"1","page":421},{"text":"أثرُ المعتقدِ في التَّفسير اللُّغويِّ في كتابِ تهذيبِ اللُّغةِ:\nلقدْ رسمَ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) لنفسِه في تدوينِ اللُّغةِ منهجًا يتَّسِمُ بالحيطةِ في النَّقلِ، والاعتمادِ على الموثوقِ بهم من أهلِ اللُّغةِ عنده، ولا غَرْوَ أنْ يكونَ احتياطُه في نقلِ اللُّغةِ التي يكونُ لها أثرٌ في المعتقد محطَّ اهتمامِه، وهو كما يظهرُ من كتابِه يسيرُ على منهجِ السَّلفِ في الاعتقادِ، ومما جاءَ في ذلكَ، قولُه: «قالَ (١): وتقولُ العربُ: سَمِعَتْ أُذُني زيدًا يفعلُ كذا؛ أي: أبصرْتُهُ بعيني يفعلُ ذاكَ (٢).\nقلتُ: لا أدري من أين جاءَ اللَّيثُ بهذا الحرفِ، وليسَ منْ مذاهبِ العربِ أنْ يقولَ الرجلُ: سَمِعَتْ أُذُني، بمعنى: أبصرتْ عيني، وهو عندي كلامٌ فاسدٌ، ولا آمنُ أنْ يكون ممَّا ولَّده أهلُ البدعِ والأهواءِ، وكأنه من كلامِ الجَهْمِيَّةِ» (٣).\nولقدْ كانَ أثرُ اعتقادِ الأزهريِّ (ت:٣٧٠) المتَّبِعِ للسَّلفِ الصَّالحِ ظاهرًا في كتابِه، سواءٌ أكانَ ذلكَ في تقريرِه لمعتقدهم في الأسماءِ والصِّفاتِ (٤)،\n_________\n(١) يقصد الليث بن المظفر.\n(٢) في كتاب العين (١:٣٤٨) ما نصُّه: «وتقولُ: سَمِعَتْ أُذني زيدًا يفعلُ كذا؛ أي: سَمِعْتُهُ، كما تقولُ: أبصرَتْ عيني زيدًا يفعلُ كذا وكذا؛ أي: أبصَرْتُ بعيني زيدًا». وهذا الكلامُ صحيحٌ، وما في تهذيبِ اللغة كلامٌ محرَّفٌ، ولا يبعد أن تكون النسخة التي اعتمدها الأزهري فيها من هذا التحريفِ الذي جعله لا يعتدُّ بكتاب العين، وجعله ينسبه لليث بدلًا عن الخليل، والأزهري ﵀، كان كثير التحامل على الليث، وسبب ذلك عنده: أنَّ الليث لم يكن يتوثَّقُ من روايته، كما ذكره في مقدمته لكتابه تهذيب اللغة (١:٢٨)، وفي هذا بحثٌ ليسَ هذا محلُّه، ينظر في ذلك مقدمة محققي كتاب العين (١:١٩ - ٢٧).\n(٣) تهذيب اللغة (٢:١٢٣). وينظر: (٢:٢٤٣).\n(٤) ينظر مثلًا: (٢:١٢٤، ٣٠٣)، (٥:١١٢، ١٩٨، ٢٢٠)، (٩:٤٥ - ٤٦)، (١١: ١٨٥، ٤٥٨)، (١٢:١٥٠)، (١٤:٣٧١)، وغيرها.","vol":"1","page":422},{"text":"والقرآن (١)، والإيمانِ (٢)، والقدرِ (٣)، والغيبياتِ؛ كالميزانِ والسِّراطِ وسجودِ المَوَاتِ (٤)، وغيرها. أم في ردِّه على مُخالفِهم (٥).\nوليس يُشكلُ على هذا وقوعُ المخالفةِ منه في مثالٍ أو مثالين؛ لأنَّ النَّظرَ في مثلِ هذا إلى القاعدةِ العامَّةِ التي سارَ عليها في الاعتقادِ، ومن ذلك:\n* قولُه: «وخادعتُ الرجلَ، بمعنى: خدعتُه. وعلى هذا يوجَّهُ قولُ الله جَلَّ وعَزَّ: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]؛ معناه: أنهم يُقدِّرون في أنفسهم أنهم يخدعونَ اللهَ، واللهُ هو الخادعُ لهم؛ أي: المُجازِي لهم جزاءَ خداعِهم» (٦).\nإنَّ تفسيرَه صفةَ المخادَعةِ بهذا التَّفسيرِ فيه قصورٌ؛ لأنَّ المجازاةَ إنما هي نتيجةُ المخادعةِ ولازمُها، لا المخادعةَ ذاتها، وهذه الصِّفةُ مما لا تُطلَقُ على اللهِ ابتداءً، بلْ تُطلقُ معَ مقابلها، كما وردتْ في القرآنِ، فلا يصحُّ أن يقالَ: إنَّ اللهَ هو الخادعُ، وإنما يقال: اللهُ يخادعُ من يخادعُه، كما وردَ في النَّصِّ القرآنيِّ، والله أعلم.\n* أنَّه نقلَ تفسيرَ صفةِ الاستواءِ عن ثعلبَ (ت:٢٩١)، وهو قولُه: «﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، قال: الاستواء: الإقبالُ على الشيءِ» (٧). ونقل عن الزَّجَّاجِ (ت:٣١١) قولَه: «وقولُ ابن عباسٍ في قولِه\n_________\n(١) ينظر: تهذيب اللغة (١٠:٢٦٥).\n(٢) ينظر: تهذيب اللغة (١٢:٤٥٢).\n(٣) ينظر: تهذيب اللغة (١١:٤٦٤)، (١٣: ٣٢٨ - ٣٣٠)، (١٤:١١ - ١٢).\n(٤) ينظر: تهذيب اللغة (٤: ٣٤)، (١٠: ٤٥، ٥٧٢)، (١٢: ٢٢٨ - ٢٢٢٩)، (١٣: ٢٥٧)، وغيرها.\n(٥) ينظر مثلًا: (٥:١١٢)، (١٢:٢٢٨، ٢٢٩)، (١٤: ٣٧١)، وغيرها.\n(٦) تهذيب اللغة (١:١٥٨).\n(٧) تهذيب اللغة (١٣:١٢٥).","vol":"1","page":423},{"text":"تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]؛ أي: صَعِدَ، معنى قولِ ابن عباسٍ: أي صَعِدَ أمرُه إلى السماء (١)» (٢).\nولمْ يَرُدَّ هذه الأقوالَ المخالفةَ لمذهبِ السَّلفِ في الاستواءِ، فلو حُكِمَ عليه من خلال هذين المثالين بأنه يخالفُ مذهب السَّلف في الصِّفاتِ، لكانَ في ذلكَ قصورٌ في البحثِ، وتَجَنٍّ على الأزهريِّ (ت:٣٧٠)، ولكانَ مفتريًا على هذا العالمِ الذي ذَكَرَ قاعدتَهُ في ذلك في مواطنَ من كتابه، مثلَ قولِه: «قال (٣): واللهُ هو النَّفَّاحَ المنعم على عباده (٤).\nقلتُ: لم أسمعِ النَّفَّاحَ في صفاتِ اللهِ التي جاءتْ في القرآنِ، ثُمَّ في سنَّةِ المصطفى ﵇، ولا يجوزُ عندَ أهلِ العلمِ أنْ يُوصَفَ اللهُ جَلَّ وعَزَّ بصفةٍ لمْ يُنزِلْها في كتابِه، ولمْ يُبيِّنْها على لسانِ نبيِّه ﵇» (٥).\nوليست عقيدةُ العالمِ تُؤخذُ من كلامه في الأسماءِ والصفاتِ فقطُ، فيُحكمُ عليه من خلالها، بلِ العقيدةُ أعمُّ من ذلكَ؛ كمسائل القدرِ والإيمانِ\n_________\n(١) في معاني القرآن وإعرابه (١:١٠٧): «وقد قيل: استوى؛ أي: صَعِدَ أمرهُ إلى السماءِ، وهذا قولُ ابن عباسٍ».\n(٢) تهذيب اللغة (١٣:١٢٥).\n(٣) القائل الليث بن المظفر، كما هي عادة الأزهري في نسبِ ما في كتاب العين له.\n(٤) كتاب العين (٣:٢٤٩). وإذا حُمِلَ كلامُ اللَّيث على الإخبار، جازَ؛ لأنَّ باب الإخبارِ أوسعُ من بابِ الصفاتِ، فيجوزُ أن يُخبَرَ عن اللهِ بما لا يتضمَّنُ نقصًا، والله أعلم.\nقال ابن القيِّمِ: «إنَّ ما يدخلُ في باب الإخبارِ عنه تعالى أوسعُ مما يدخلُ في بابِ أسمائه وصفاته؛ كالشيء والموجودِ والقائمِ بنفسِه، فإنه يُخْبَرُ عنه، ولا يدخلُ في أسمائه الحسنى وصفاته العليا». بدائعُ الفوائد (١:١٦١). وقالَ: «إنَّ ما يُطلَقُ عليه في بابِ الأسماءِ والصفاتِ توقيفي، وما يطلقُ عليه من الأخبار لا يجبُ أنْ يكونَ توقيفيًا؛ كالقديمِ والشيءِ والموجودِ والقائمِ بنفسه، فهذا فصلُ الخطابِ في مسألةِ أسمائه، هل هي توقيفية، أو يجوز أن يُطْلَقَ عليه منها بعضُ ما لم يردْ به السَّمعُ». بدائع الفوائد (١:١٦٢).\n(٥) تهذيب اللغة (٥:١١٢)، وينظر: (٥:١٩٨، ٢٢٠).","vol":"1","page":424},{"text":"والإمامة والغيبياتِ وغيرها، فمن رامَ الحُكمَ على عالمٍ في مُعْتَقَدِه من خلالِ مثالٍ أو مثالين، وقعَ في الزَّللِ، وهذا بحثٌ يحتاجُ إلى تفصيلٍ ليسَ هذا محلُّه، واللهُ الموفقُ.\nأمَّا ما وردَ عنه في إثبات معتقدِ السَّلفِ، فمنه:\n١ - قالَ: «والسَّميعُ من صفاتِ اللهِ وأسمائِه. وهو الَّذي وسِعَ سمعُهُ كُلَّ شيءٍ؛ كما قالَ النبيُّ ﷺ (١).\nقالَ اللهُ ﵎: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]، وقالَ في موضعٍ آخرَ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ [الزخرف: ٨٠].\nقلتُ: والعَجَبُ من قومٍ فسَّرُوا السَّميعَ بمعنى المُسمِعِ، فرارًا منْ وصفِ اللهِ بأنَّ له سمعًا.\nوقدْ ذكرَ اللهُ الفعلَ في غيرِ موضعٍ من كتابِه، فهو سميعٌ: ذو سَمْع، بلا تكييفٍ ولا تشبيهٍ بالسَّميعِ من خلقِهِ، ولا سمعُهُ كسمعِ خلقِهِ. ونحنُ نَصِفُهُ بما وصفَ به نفسَهُ بلا تحديدٍ ولا تكييفٍ.\nولستُ أُنكِرُ في كلامِ العربِ أنْ يكونَ السَّميعُ سامعًا، ويكونَ مُسمِعًا، وقد قالَ عمرو بن مَعْدِي كَرِبَ (٢):\nأَمِنْ رَيَحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ... يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده (٦:٤٦)، وابن ماجه، المقدمة ١٣. وقد صحَّ عن عائشة ﵂ قولها: «الحمد الله الذي وَسِعَ سمعه الأصواتَ». أخرجه جماعة، منهم البخاري في باب: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ في كتاب التوحيد من صحيحه، ينظر: فتح الباري، ط: الريان (١٣:٣٨٤).\n(٢) عمرو بن مَعْدِي كَرِبَ، أبو ثور، الزُّبيدي، شاعرٌ، فارسٌ مخضرمٌ، أسلم، ثمَّ ارتدَّ، ثمَّ عاد إلى الإسلامِ، وشهِدَ فتوح فارس، وأبلى فيها بلاءً حسنًا، توفي سنة (٢١). ينظر: معجم الشعراء المخضرمين والأمويين (ص:٣٣٨ - ٣٣٩)، ومعجم الشعراء (ص:١٩٥ - ١٩٦).\nوالبيت مشهور، وهو في ديوانه، جمع: مطاع الطرابيشي (ص:١٤٠).","vol":"1","page":425},{"text":"وهو في البيتِ بمعنى: المُسْمِعِ، وهو شاذٌّ، والظَّاهرُ الأكثرُ منْ كلامِ العربِ أنْ يكونَ السَّميعُ بمعنى السَّامعِ؛ مثلَ: عليمٍ وعالمٍ، وقديرٍ وقادرٍ» (١).\nفي هذا المثالِ أثبتَ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) اسمَ السَّميعِ والصِّفةَ التي يتضمَّنُها هذا الاسم، وهي السَّمعُ، وهذا هو الحقُّ الموافقُ لما كانَ عليه السَّلفُ، ثمَّ ردَّ على من أنكرَ صفة السَّمعِ.\n٢ - وقالَ: «وأمَّا قولُ اللهِ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقالَ (٢) أبو إسحاق (٣): قيلَ: إنَّ كُلَّ ما خلقَ اللهُ يُسبِّحُ بحمدِه، وإنَّ صريرَ السَّقفِ وصريرَ البابِ منَ التَّسبيحِ، فيكونُ - على هذا - الخطابُ للمشركينَ وحدهم في ﴿وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.\nوجائزٌ أن يكونَ تسبيحُ هذه الأشياءُ بما اللهُ به أَعْلَمُ لا يُفْقَهُ منه إلاَّ ما عُلِّمنا.\nقال: وقال قومٌ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أي: ما من شيءٍ إلاَّ وفيه دليلُ أنَّ اللهَ - جلَّ وعزَّ - خالِقُهُ، وأنَّ خالقَهُ حكيمٌ مُبرَّأٌ منَ الأسْوَاءِ، ولكِنَّكم أيها الكفارُ لا تفقهونَ أثرَ الصَّنعةِ في هذه المخلوقاتِ.\nقالَ أبو إسحاق: وليس هذا بشيءٍ؛ لأنَّ الَّذينَ خوطِبوا بهذا كانوا مُقرِّين بأنَّ اللهَ خالِقُهم، وخالقُ السماءِ والأرضِ ومنْ فيهنَّ، فكيفَ يجهلونَ الخِلْقَةَ، وهم عارفونَ بها؟! (٤).\n_________\n(١) تهذيب اللُّغةِ (٢:١٢٣ - ١٢٤).\n(٢) الصواب «قال» دون الواو؛ لأنه جوابُ «أمَّا»، وكذا هو بدونِ الواو في لسانِ العربِ، مادة (سبح)، وقد نقل هذا الموضع عن تهذيب اللغة.\n(٣) هو الزجاج.\n(٤) ينظر قول الزَّجاجِ في معاني القرآن وإعرابه (٣:٢٤٢)","vol":"1","page":426},{"text":"قلتُ (١): ومِمَّا يدلُّكَ على أنَّ تسبيحَ هذه المخلوقاتِ تسبيحٌ تُعُبِّدَتْ به، قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ للجبالِ: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠]، ومعنى: أوِّبي؛ أي: سبِّحي مع داودَ النَّهارَ كُلَّهُ إلى اللَّيلِ. ولا يجوزُ أن يكونَ معنى أمرِ اللهِ جلَّ وعزَّ للجبالِ بالتأويبِ إلاَّ تَعَبُّدًا لها.\nوكذلك قوله جلَّ وعزَّ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨]، فسجودُ المخلوقاتِ عبادةٌ منها لخالقِها لا نَفْقَهُها عنها، كما لا نفقهُ تسبيحَها.\nوكذلكَ قولُه: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، وقد علم اللهُ هبوطَها منْ خشيتِهِ، ولمْ يُعرِّفنا ذلكَ، فنحنُ نؤمنُ بما أعْلَمَنا، ولا نَدَّعِيَ بما لمْ نُكَلَّفْ بأفْهَامِنَا من عِلْمِ فِعْلِهَا كيفيَّةً نَحُدُّها» (٢).\nفي هذا المثالِ أثبتَ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) عبوديَّةَ هذه المخلوقاتِ، وأنه يقعُ منها فِعْلٌ على الحقيقةِ، وهذا هو الحقُّ الموافقُ لمذهبِ السَّلفِ الصالحِ، وهو ما تَدُلُّ عليه ظاهرُ النُّصوصِ التي لا يجوزُ أن يُتَعَدَّى ظاهرها إلى غيرِه إلاَّ بحُجَّةٍ يجبُ التَّسليمُ لها، وما سوى الظَّاهرِ من التَّأويلِ باطلٌ، والله أعلم.\n٣ - وفي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، قال: «وقولُ اللهِ جَلَّ وعزَّ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، حدَّثني المنذريُّ (٣)، عن أبي بكرٍ الخطَّابيِّ (٤)، عن هُدْبَة (٥)،\n_________\n(١) القائل: الأزهري.\n(٢) تهذيب اللغة (٤:٣٣٩ - ٣٤٠).\n(٣) محمد بن أبي جعفر، أبو الفضل المنذري، تقدمت ترجمته.\n(٤) لم أعرفه.\n(٥) هُدْبةُ بن خالد بن الأسود، أبو خالد البصري، روى عن أبان العطار وحماد بن سلمة، وعنه: البخاري ومسلم، وغيرهما، ثقة عابد، توفي سنة (٢٣٧)، وقيل غيرها. ينظر: تهذيب الكمال (٧:٣٩٠ - ٣٩١)، تقريب التهذيب (ص:١٠١٨).","vol":"1","page":427},{"text":"عن حمَّاد (١)، عن ثابت (٢)، عن أنس (٣)، قال: قرأ رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾، قال: وَضَعَ إبهامه على قريبٍ من طَرَفِ أُنْمُلَةِ خِنْصَرِهِ، فساخَ الجبلُ (٤).\nقالَ حمَّادُ: قلتُ لثابت: تقولُ هذا؟\nفقالَ: يقوله رسولُ اللهِ، ويقولُهُ أنسٌ، وأنا أكْتُمُه!\nوقالَ الزَّجَّاجُ في قولِه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾: أي ظهر وبان (٥).\nوهو قولُ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ» (٦).\nفي هذا المثالِ يظهرُ أخذُ الأزهريِّ (ت:٣٧٠) بظاهرِ النَّصِّ، وتفسيرُه على المعروفِ والمشهورِ من معانيه في اللُّغةِ، دونَ البعدِ به إلى تأويلاتٍ تعتمدُ على شواذِّ اللُّغةِ وقَلِيلِهَا، بسببِ شُبْهَةٍ تَرِدُ على عقلِ فلانٍ أو عَلاَّنٍ.\n_________\n(١) حماد بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصري، روى عن: حميد الطويل وثابت البُناني وغيرهما، وعنه: الحجاج بن منهال وأبو داود الطيالسي وغيرهما، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، تغيَّر حفظه بأخرة، توفي سنة (١٦٧). ينظر: تهذيب الكمال (٢:٢٧٧ - ٢٨١)، تقريب التهذيب (ص:١٦٨ - ٢٦٩).\n(٢) ثابت بن أسلم البُنَانِيُّ، أبو محمد البصري، روى عن: أنس بن مالك وبكر بن عبد الله المزني، وغيرهما، وعنه: وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وغيرهما، ثقة عابد، توفي سنة (١٢٧) وقيل غير ذلك. ينظر: تهذيب الكمال (١:٤٠٢ - ٤٠٣)، وتقريب التهذيب (ص:١٨٥).\n(٣) هو الصحابي أنس بن مالك.\n(٤) أخرج هذا الحديث أحمد بن حنبل في مسنده (٣/ ١٢٣)، الترمذي في سننه (باب ٨ من سورة الأعراف، ٤:٢٦٥)، وابن أبي عاصم في كتابه السُّنَّة، تحقيق: الألباني (ص:٢١٠)، والطبري في تفسيره، تحقيق: شاكر (١٣:٩٦)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد، تحقيق: عبد العزيز الشهوان (١:٢٥٨ - ٢٦٣)، والحاكم في مستدركه (٢:٣٢٠).\n(٥) ينظر قوله في معاني القرآن وإعرابه (٢:٣٧٣).\n(٦) تهذيب اللغة (١١:١٨٥).","vol":"1","page":428},{"text":"٤ - وقال: «وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]، قالَ الزَّجَّاجُ: هو كما قالَ جَلَّ وعَزَّ: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] (١).\nقلت: والإضلالُ في كلامِ العربِ ضدُّ الهدايةِ والإرشادِ، يقالُ: أضْلَلْتُ فلانًا عن الطَّريقِ، وإياه أرادَ لَبِيدُ (٢):\nمَنْ هَدَاهُ سُبُلَ الخَيرِ اهْتَدى ... نَاعِمَ البَالِ وَمَنْ شَاء أضَلْ\nوقالَ لَبِيدُ هذا في جاهليتِه، فوافقَ قولُه التَّنْزيلَ، يُضِلُّ من يشاءُ» (٣).\nوما ذكر هنا هو الحقُّ، لأنَّ اللهَ سبحانه قد ذكرَ أنه يهدي ويُضِلُّ، ولا يجوزُ أن يُعْتَبَطَ في هذا شذوذٌ من التَّأويلات والتَّحريفاتِ التي أخرجتها عقولٌ مؤوِّلةٌ مأفونةٌ.\nوهذه الأمثلة، وغيرها مما لم أنقلْه، تبيِّنُ صِحَّةَ معتقدِ الأزهريِّ (ت:٣٧٠)، وأنه كان على منهجِ السَّلفِ، لذا لم تظهرْ عنده تلك الانحرافاتُ التي تعتمدُ على سَعَةِ اللُّغةِ لإثباتِ صحَّتها، والله الموفق.\n_________\n(١) قال الزجاج: «وقرئت: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾، كما قال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ﴾ ...». معاني القرآن وإعرابه (٣:١٩٨).\n(٢) البيت في ديوانه بشرح الطوسي (ص:١٢١).\n(٣) تهذيب اللغة (١١:٤٦٤ - ٤٦٥).","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>المصدرُ الخامس\nكتب أخرى لها علاقة بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ</span>\nوفيه:\nأولًا: كتب غريب الحديث.\nثانيًا: كتب الاحتجاج للقراءات.\nثالثًا: كتب شروح دواوين الشعر.\nرابعًا: كتب الأدب.","vol":"1","page":431},{"text":"المصدرُ الخامس\nكتب أخرى لها علاقة بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ\nالعلومُ الإسلاميَّةُ علومٌ مترابطةٌ في البحثِ، ولا يمكنُ البحثُ في علمٍ منها دونَ الاستفادةِ منْ غيرِهِ من العلومِ التي تَخدِمُهُ؛ فالفَقِيهُ - مثلًا - يحتاجُ معَ الإلْمَامِ بالقضايا الفقهيَّةِ إلى علمِ السُّنَّةِ وإلى معرفةِ تفسيرِ القرآنِ، ومعرفةِ اللُّغةِ العربيَّةِ.\nوكذا منْ يكتبُ في علمِ الوقفِ والابتداءِ في القرآنِ، يحتاجُ إلى معرفةِ علمِ التَّفسيرِ وعلمِ النَّحْوِ، وهكذا.\nولَمَّا كانَ الأمرُ كذلك، فإنَّك سَتَجِدُ بعضَ الكتبِ، وإنْ كانتْ في الظاهرِ لا تَمُتُّ إلى علمِ اللُّغةِ العربيَّةِ بصلةٍ واضحةٍ، ستجدُها تتعرَّضُ لمسائلَ في علمِ اللُّغةِ.\nولما كانَ البحثُ هنا منصبًّا على البحثِ اللُّغويِّ القرآنيِّ، فإني سأذكرُ مثالًا لهذا الأمرِ، وهو كتابُ «السيرةِ النَّبويَّةِ» لابن هشام (١) (ت:٢١٨)، وقد لاحظتُ فيه اهتمامَ مؤلِّفِه بتفسيرِ ألفاظِ الآياتِ التي يُورِدُها، وبذِكْرِ الشواهدِ\n_________\n(١) هو أبو محمد عبد الملك بن هشام الحميري، نشأ بالبصرة وكان عالمًا باللغة، وأخذ عن علمائها في اللغة، أبي عبيدة، أبي زيد الأنصاري، وأبي محرز خلف الأحمر، ويونس، كما يظهر في روايته عنهم في السيرة، وكان نزل بمصر، ولقي فيها الشافعي، له تآليف من أشهرها تهذيب سيرة ابن إسحاق الذي صار يطلق عليه «سيرة ابن هشام» وقد كان للمصريين غرام بها، توفي سنة (٢١٣)، وقيل (٢١٨). شذرات الذهب (٢:٤٥).","vol":"1","page":432},{"text":"الشِّعريَّةِ لها، وقدْ أحصيتُ له أكثرَ منْ مائةِ مفردةٍ قرآنيَّةٍ قامَ ببيانِ معناها واستشهدَ لكثيرٍ منها بأشعارِ العربِ.\nوقدِ استفادَ ابنُ هشامٍ (ت:٢١٨) من شيوخِه البصريِّين في اللُّغة، وحدث عنهم في كتابه؛ كيونسَ النَّحويِّ (ت:١٨٢) (١)، وأبي زيدٍ الأنصاريِّ (ت:٢١٥) (٢)، وكانَ منْ أكثرِهم ورودًا عنده: أبو عبيدةَ مَعْمَرُ بنُ المثنَّى (ت:٢١٠) (٣)، ويظهرُ أنَّ إفادتَهُ منه فيما يتعلَّقُ بتفسيرِ ألفاظِ القرآنِ كانتْ منْ كتابِ (مجازِ القرآنِ). ومنْ أمثلةِ هذه الاستفادةِ:\nقولُه: «العَرِمُ: السَّدُّ، واحدتُه عَرِمَةٌ، فيما حدَّثني أبو عبيدةَ. قال الأعشى (٤):\nوَفِي ذَاكَ لِلْمُؤْتَسِي أُسْوَةٌ ... وَمَارِبُ عَفَى عَلَيهَا العَرِمْ\nرُخَامُ بَنَتْهُ لَهُمْ حِمْيَرٌ ... إذا جَاءَ مَوَّارُهُ لَمْ يَرِمْ\nفَأَرْوَى الزُّورعَ وَأعْنَابَهَا ... عَلَى سَعَةٍ مَاؤُهُمْ إذْ قُسِمْ\nفَصَارُوا أَيَادِيَ مَا يَقْدِرُو ... نَ مِنْهُ على شُرْبِ طِفْلٍ فُطِمْ\nوهذه الأبياتُ في قصيدةٍ له.\nوقالَ أُمَيَّةُ بنُ أبي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ ... (٥):\nمِنْ سَبَأَ الحَاضِرِينَ مَارِبَ إذْ ... يَبْنُونَ مِنْ دُونِهِ سَيْلَهُ العَرِمَا\n_________\n(١) ينظر: السيرة، لابن هشام، تحقيق: مصطفى السَّقَّا وآخرين، ط: الحلبي: (١:٥٥، ٧٠، ٩٠، ٥٣٨)، (٢:٤٩٤).\n(٢) ينظر: السيرة، لابن هشام (١:٥٦، ٢٨٦)، (٢:١٨، ٢١٠، ٢١٣).\n(٣) ينظر: السيرة، لابن هشام (١:١٤٧٨، ٥٥، ٢٣٦، ٢٨٣، ٢٨٦، ٣١٠، ٣٦٣، ٥٣٧، ٥٣٨، ٥٨٣)، (٢:١٥، ١٩٣).\n(٤) ديوان الأعشى، تحقيق: حنَّا نصر (ص:٣١٩).\n(٥) البيت في ديوانه، جمع: بشير يموت (ص:٥٩)، وهو بيت فرد لم يذكر جامعه غيره، وفي ديوان النابغة الجعدي، ضمن قصيدة له (ص:١٣٤)، وقد ذكر المحقق هذا الاختلاف في النسبة، وزاد أن البكري نسبه إلى الأعشى.","vol":"1","page":433},{"text":"وهذا البيتُ في قصيدةٍ له، وتُروى للنابغةِ الجَعْدِيِّ» (١).\nومنْ أمثلةِ تفسيرِه لمفرداتِ ألفاظِ القرآنِ: «قالَ ابنُ هشام: حَصَبُ جَهَنَّمَ: كُلُّ ما أُوقِدَتْ به. قال أبو ذُؤَيب الْهُذَلِي، واسمه: خُويلِدُ بنُ خالد (٢):\nفَأَطْفِئْ، وَلاَ تُوقِدْ، وَلاَ تَكُ مِحْضَأً ... لِنَارِ العُدَاةِ أَنْ تَطِيرَ شَكَاتُهَا\nوهذا البيتُ في أبياتٍ له ...» (٣).\nولا شكَّ أنَّ وجودَ هذه التفسيراتِ اللُّغويةِ كانتَ أثرًا من آثارِ دراستِه اللُّغويةِ التي كانتْ بارزةً في كتابِهِ.\nوقد ظهرَ لي أنَّ بعضَ الكُتبِ التي كُتبت في علومٍ أخرى لها علاقةٌ بالبحثِ اللُّغويِّ من قريبٍ أو بعيدٍ، ومنْ ثَمَّ فإنها قدْ تتطرَّقُ للتَّفسيرِ اللُّغويِّ، وبعد الاطلاعِ عليها ظهرَ لي أنَّ ما تطرَّقَ للتَّفسيرِ اللُّغويِّ منها هي:\n١ - كتب غريب الحديث.\n٢ - كتب الاحتجاج للقراءات.\n٣ - كتب شروح دواوين الشعر.\n٤ - كتب الأدب.\nوسأذكر أمثلة من كتبِ هذه العلومِ.\n_________\n(١) السيرة، لابن هشام (١:١٤)، وهو منقولٌ من مجاز القرآن (٢:١٤٦ - ١٤٧)، مع اختلاف في ألفاظ شعر الأعشى وزيادةٍ عند ابن هشام.\n(٢) ديوان الهذليين (١:١٦٣). والمِحْضَأ: عودٌ تُحرَّكَ به النارُ لتشتعل.\n(٣) السيرة النبوية (١:٣٥٩)، وينظر: (١:٣٦، ٥٥، ٥٦، ٨٩، ٢٠٦، ٢١٢، ٢٤٢ - ٢٤٣، ٢٦٣، ٢٧١، ٢٧٢، ٣٠٢، ٣٠٣، ٣٠٤، ٣٠٥، ٣٠٩، ٤٨٤، ٥٨١، ٥٨٣، ٦٦٣، ٦٧١)، (٢:١٠٧، ١١٢، ١١٤، ١٧٤، ١٧٥، ١٧٦، ١٩٣، ١٩٣ - ١٩٤، ٢٢٦، ٢٢٧، ٢٤٦، ٢٤٨ - ٢٤٩، ٢٤٩ - ٢٥٠، ٣٠٣، ٣٠٣ - ٣٠٤)، وغيرها.","vol":"1","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>أولًا كتب غريب الحديث</span>\nكتبَ العلماءُ في غريبِ الحديثِ كما كتبوا في غريبِ القرآنِ، وممن كتب فيه: النَّضرُ بن شُميل (ت:٢٠٣)، وقُطْرُبُ (ت:٢٠٦)، والفرَّاءُ (ت:٢٠٧)، وأبو عبيدةَ (ت:٢١٠)، وغيرهم من علماء اللُّغةِ (١).\nوقدْ طُبِعَ في هذا العلمِ، كتابُ أبي عبيد القاسم بن سلام (ت:٢٢٤)، وكتاب ابن قتيبة (ت:٢٧٦)، وكتاب إبراهيم الحربي (ت:٢٨٥) (٢)، وكتاب الخَطَّابيِّ (ت:٣٨٨)، وغيرها (٣).\nوقد كان البحثُ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ فيها، كما هو في معاجمِ كتبِ اللُّغةِ، أي: أنها تبحثُ في دلالةِ الكلمةِ، والاستشهادِ لها بكلامِ العربِ من شعرٍ أو نثرٍ، إنْ وُجِدَ (٤).\n_________\n(١) ينظر ثبتًا بكتب غريب الحديث: معجم المعاجم، لأحمد الشرقاوي إقبال (ص:٢٣ - ٤١).\n(٢) إبراهيم بن إسحاق الحربي، المحدث، اللغوي، كان إمامًا في العلم والزهد والفقه، روى عن أحمد وأبي عبيد وغيرهما، من أشهر كتبه: غريب الحديث، توفي سنة (٢٨٥). ينظر: إنباه الرواة: (١:١٩٠ - ١٩٣)، وسير أعلام النبلاء (١٣: ٣٥٦ - ٣٧٢).\n(٣) مما طُبِعَ أيضًا: كتاب الغريبين، لأبي عبيد الهروي (ت:٤٠١)، والفائق في غريب الحديث، للزمخشري (ت:٥٣٨)، والمجموع المغيث في غريب القرآن والحديث، لأبي موسى المديني (ت:٥٨١)، والنهاية في غريب الحديث، لابن الأثير (ت:٦٠٦)، وغيرها.\n(٤) ينظر مثلًا: غريب الحديث، لأبي عبيد: (٢:٨٧ - ٨٨)، (٣:٢٣٥، ٣٩٥ - ٣٩٦)، (٤:٨٦، ٢٦٥، ٢٩٥، ٣٦٣)، (٥:٢٦١). وغريب الحديث، للحربي: (١:٤، ٥، ٧٢، ٧٣، ٩٦، ١٨٩، ٢٣٣، ٣٠٣)، (٢:٣٤٨، ٣٩٦، ٤٠٧، ٤١١، ٤٤٥، =","vol":"1","page":435},{"text":"كما تُورِدُ هذه الكتبُ القراءاتِ القرآنيةَ: شاذَّها ومتواترَها، وتوجِّه كلَّ قراءةٍ مع نسبها إلى من قرأ بها (١)، ومن ذلك:\nفي قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، قال الحربي (ت:٢٨٥): «أخبرني أبو عمر (٢)، عن الكسائيِّ: قرأ ابن عباس: حَضَبُ (٣)، وقرأ عليُّ: حَطَبُ (٤)، والقراءُ حَصَبُ، ويقال: حَصَبُ جهنَّمَ وحَضَبُ.\nوالحَضَبُ والحَصَبُ: ما حُصِبت به النارُ.\nوأخبرنا سلمةُ (٥) عن الفراء (٦): الحَضَبُ: كلُّ ما هَيَّجْتَ به النَّارَ، وأوقدتَّها به، فهو حَضَبٌ» (٧).\nوكانَ النَّقلُ عن اللُّغويِّين ظاهرًا في هذه الكتبِ، كما نقلُوا عن السَّلفِ تفسيراتهم، وكان أكثرَهم اهتمامًا بنقلِ تفسيرِ السَّلفِ وإسنادِها إليهم إبراهيمُ\n_________\n= ٥٢١)، (١٠٧٥، ١١١٠، ١١٢٠)، وغيرها.\n(١) ينظر أمثلةً لذلك في: غريب الحديث، لأبي عبيد: (٢:٢١٨ - ٢٢٠)، (٥:١٧٩، ٥١٩، ٥٢٨)، وغريب الحديث للحربي: (١:٢٥، ٨٦ - ٨٨، ٢٣٢ - ٢٣٣)، (٢:٣٥١)، (٣:١١٩٤)، وغيرهما.\n(٢) هو حفص بن عمر بن صهيب، أبو عمر الدوري، النحوي، أحد راويَي قراءة الكسائي، إمام الناس في القراءة، ثقة، ثبتٌ، وهو أول من جمع القراءات، توفي سنة (٢٤٦). ينظر: تهذيب الكمال (٢:٢٢٧ - ٢٢٨)، وغاية النهاية (١:٢٥٥ - ٢٥٧).\n(٣) ينظر: مختصر في شواذ القرآن (ص:٩٣)، فقد نسبها إلى ابن عباس واليماني، وكذا نسبها ابن عطية في تفسيره، ط: قطر (١٠:٢٠٩ - ٢١٠) إلى ابن عباس.\n(٤) ينظر: مختصر في شواذ القرآن (ص:٩٣)، فقد نسبها إلى علي وعائشة وابن الزبير، وزاد ابن عطية في تفسيره، ط: قطر (١٠:٢٠٩) أبيَّ بن كعب.\n(٥) سلمة بن عاصم، الكوفي، روى كتب الفرَّاء، توفي بعد السبعين ومائتين. ينظر: إنباه الرواة (٢:٥٦ - ٥٨)، وغاية النهاية (١:٣١١).\n(٦) ينظر قوله في معاني القرآن (٢:٢١٢).\n(٧) غريب الحديث، للحربي (٢:٤٦٧ - ٤٦٨).","vol":"1","page":436},{"text":"الحربيُّ (ت:٢٨٥)، بل كانت نقولُه عنهم أكثرَ من نقولِه عن اللُّغويِّين (١)، وهذا مما يتميَّزُ به عن غيره من كتب غريب الحديث (٢).\nوسأذكرُ أمثلةً للتَّفسيرِ اللُّغويِّ من كتابِ غريبِ الحديثِ، لأبي عبيدٍ القاسمِ بنِ سلامٍ (ت:٢٢٤)، وكتابِ غريبِ الحديثِ، لأبي إسحاقَ إبراهيمَ بنِ إسحاقَ الحربيِّ (ت:٢٨٥)\n١ - قالَ أبو عُبَيد (ت:٢٢٤): «... فالقواعدُ: هي أصولُها المعترِضَةُ في آفاقِ السَّماءِ.\nوأحسِبُها مُشبَّهةً بقواعدِ البيتِ، وهي حيطَانُهُ، الواحدةُ مِنْهَا: قاعدةٌ. قالَ اللهُ ﷿: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧].\nوأما البواسِقُ: ففروعُها المستطيلَةُ إلى وسطِ السَّماءِ، وإلى الأفقِ الآخرِ.\nوكذلكَ كُلُّ طويلٍ، فهو باسقٌ، قال اللهُ ﵎: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠]» (٣).\n_________\n(١) كان الفراء من أكثر اللغويين الذي نقل عنهم، وقد بلغ المنقول عنه فوق المائة وعشرين موضعًا، كما كان ابن عباسٍ أكثرَ السلفِ الذي نقل عنهم، وقد فاق النقل عن الفراء، حتى بلغ قرابة المائةِ والسبعين موضعًا، وينظر من المواضعِ التي نقلَ عن المفسرين واللغوين معًا: (٣:٩٣١ - ٩٣٩، ٥٦٩ - ٩٦٦، ١٠٢١ - ١٠٢٤).\n(٢) لمَّا قرأتُ كتابَ أبي إسحاق ذكرتُ قولَ الأزهريِّ عن كتابٍ الجيمٍ، لأبي عمرو شَمِرِ بنِ حَمْدُويه الهرويِّ، قال: «ولما ألقى عصاه بهراة، ألَّفَ كتابًا كبيرًا في اللُّغات أسَّسه على الحروف المعجمة، وابتدأه بحرفِ الجيمِ، فيما أخبرني أبو بكر الإيادي وغيره ممن لقيه، فأشبعه وجوَّده، إلاَّ أنه طوَّله بالأشعارِ والرواياتِ الجمَّةِ عن أئمة اللغةِ وغيرهم من المحدِّثين، وأودعه من تفسيرِ القرآنِ بالرواياتِ عن المفسرينَ، ومن تفسيرِ غريبِ الحديثِ أشياءُ لم يَسبقه إلى مثله أحد تقدمه، ولا أدرك شأوه فيه من بعده ...». تهذيب اللغة (١:٢٥). ويظهرُ أن أبا عمرو وأبا إسحاق الحربي من أكثرِ اللغويين اعتناءً بأقوالِ المفسرين، ونقلها في دلالة ألفاظ اللغة، والله أعلم.\n(٣) غريب الحديث، لأبي عبيد، تحقيق: حسين محمد شرف (٢:٥٠٠ - ٥٠١). =","vol":"1","page":437},{"text":"٢ - وقالَ: «قولُه: ما تجانَفْنا فيه لإثمٍ، يقول: ما مِلْنَا إليه، ولا تَعَمَّدْناه ونحن نعلمُه، وكلَّ مائلٍ فهو مُتَجَانفٌ، وجَنِفٌ. ومنه قولُه ﷿: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: ١٨٢].\nقالَ: ميلًا.\nقالَ أبو عبيدٍ: حدثناه هُشَيمٌ (١)، عن عبدِ المَلِكِ (٢)، عن عَطَاء (٣).\nوقالَ لَبِيدُ (٤):\nإنِّي امْرُؤٌ مَنَعَتْ أَرُومَةُ عَامِرٍ ... ضَيمِي، وَقَدْ جَنَفَتْ عَلَيَّ خُصُومُ» (٥)\n٣ - وقال أبو إسحاق الحربيُّ (ت:٢٨٥): «قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] هو الموزُ، وهو لا شوكَ له.\nوالطَّلحُ غيرُ منضودٍ، وإنما ذلكَ الموزُ، نُضِدَ بعضُه على بعضٍ.\nحَدَّثَنَا عُبيدُ اللهِ (٦)، عنْ يَزِيدَ بنِ زُرَيعٍ، عن التَّيمِيِّ (٧)، عنْ أبي سعيدٍ\n_________\n= والحديث الذي يشرحه هو حين سأل النبي ﷺ عن سحائب مَرَّتْ، فقال: «كيف ترون قواعدها وبسائقها ...».\n(١) هو هُشَيمُ بنُ بَشِيرٍ السُّلَميُّ الواسِطيُّ، وقد تقدمت ترجمته.\n(٢) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريَج، وقد تقدمت ترجمته.\n(٣) هو عطاء بن أبي رباح، وقد تقدمت ترجمته. وينظر الرواية عنه في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٣:٤٠٢).\n(٤) ديوانه بشرح الطوسي (ص:١٩٠).\n(٥) غريب الحديث، لأبي عبيد (٤:٢١١). وينظر فيه: (١:١٤٠، ١٧٣، ٢٣٢، ٣٦٨)، (٢:٥٧، ٧٣، ٨٦ - ٨٨، ٢٤٦ - ٢٤٧)، (٣:٤٧، ٢٣٧، ٢٤١ - ٢٤٢، ٤١٢، ٤١٣)، (٤:٣١، ١١٨، ١٦٩ - ١٧٠، ٣٦١ - ٣٦٣)، (٥:١٣ - ١٤، ١٥٢، ١٦٧، ٢٩٣)، وغيرها.\n(٦) عبيد اللهِ بن عمر القواريري، أبو سعيدٍ البصريُّ، روى عن: يزيد بن زريع وحماد بن زيد، وعنه: إبراهيم بن إسحاق الحربيُّ والبخاريُّ ومسلمُ وغيرهم، ثقة ثبت، توفي سنة (٢٣٥). ينظر: تهذيب الكمال (٥:٦٥ - ٥٧)، وتقريب التهذيب (ص:٦٤٣).\n(٧) سليمان بن طَرْخَان التَّيمي، أبو المعتمر البصري، نزل في التَّيمِ، فنُسبَ إليهم، روى =","vol":"1","page":438},{"text":"الرُّقَاشِيِّ (١)، سألتُ ابن عبَّاسٍ عن الطَّلْحِ، فقالَ: هو الموزُ (٢).\nوهو قولُ عليٍّ، وأبي سعيدٍ\n(٣)، وأبي هريرةَ، ومجاهدٍ، وعكرمةَ، والحسنِ، وقسامةَ، وقتادةَ (٤).\nأخبرنا سلمة عن الفرَّاءِ: ﴿وَطَلْحٍ﴾، قال: زعم المفسِّرونَ أنه الموزُ (٥).\nأخبرنا الأثرمُ (٦) عن أبي عبيدةَ: زعمَ المفسِّرونَ أنه الموزُ (٧).\nقال إبراهيم (٨): والذينَ قالوا: هو الموزُ، هو غيرُ معنى الحديثِ؛\n_________\n= عن أنس بن مالك والحسن البصري وغيرهم، وعنه: السفيانان وغيرهما، ثقة عابد، توفي سنة (١٤٣). ينظر: تهذيب الكمال (٣:٢٨٥ - ٢٨٦)، وتقريب التهذيب (ص:٤٠٩).\n(١) قيس، مولى حضين بن المنذر، الرَّقاشي، البصري، يُكنى بأبي سعيد، روى عن ابن عباس وأبي هريرة وعائشة، وعنه: سليمان التَّيميُّ وخالد الحذَّاء. ينظر: الجرح والتعديل (٧:١٠٦)، الثِّقَات، لابن حبان (٥:٣١٥). وقد ضبطها المحقق بضم الراء، والذي في الأنساب، للسمعاني، تحقيق: عبد الله البارودي (٣:٨١): «الرَّقاشيُّ: بفتح الراء والقاف المخففة، وفي آخرها شين معجمة، هذه النسبة إلى امرأة اسمها رقاش، كثرت أولادها حتى صاروا قبيلة، وهي من قيس عيلان».\n(٢) ينظر الرواية في تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٦:١٨١).\n(٣) هو الخُدريُّ، والرواية عنه عند ابن أبي حاتم، كما في الدُّرِّ المنثورِ (٨:١٣).\n(٤) وردت الروايةُ عنهم في تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١٨١ - ١٨٢)، وفيه عن عطاء وابن زيد، أما الرواية عن أبي سعيدٍ وأبي هريرة وعكرمة والحسن، فيظهر أنها عند الثعلبيِّ، وقد ذكرها عنهم الماورديُّ، وهو ينقلُ عنه آثارَ السلفِ، ينظر: النكت والعيون، تحقيق: السيد عبد المقصود (٥:٤٥٤).\n(٥) في المطبوع من معاني القرآن برواية محمد بن الجهم: «ذكر الكلبي أنه الموز، ويقال: هو الطلح الذي تعرفون». معاني القرآن (٣:١٢٤).\n(٦) علي بن المغيرة، أبو الحسن الأثرم، صاحب اللغة والغريب، سمع أبا عبيدة، وروى كتبه، وسمع الأصمعيَّ وغيره، توفي سنة (٢٣٢)، وقيل غيرها. ينظر: تاريخ بغداد (١٢:١٧٠ - ١٠٨)، وإنباه الرواة (٢:٣١٩ - ٣٢١).\n(٧) مجاز القرآن (٢:٢٥٠).\n(٨) هو المؤلف: الحربي.","vol":"1","page":439},{"text":"لقولِه: بشوكِ الطَّلْحِ (١)، فلعلَّه اسمٌ لشجرِ شوكٍ، وللموزِ» (٢).\n_________\n(١) هو في الحديث الذي يشرحه، وهو: «الشهداء الأربعة: فرجلٌ لَقِيَ العدوَّ فكأنما يُضْرَبُ جِلدُه بشوكِ الطَّلْحِ من الجُبْنِ، إذا جاءه سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ». غريب الحديث، للحربي (٢:٦٣٠).\n(٢) غريب الحديث، للحربي، تحقيق الدكتور: سليمان العايد (٢:٦٣١). وينظر أمثلةً أخرى: (١:٣ - ٥، ٢٤، ٢٥، ٢٩، ٥٨ - ٥٩، ٧٢ - ٧٣، ٢٣٢ - ٢٣٤، ٢٩١ - ٢٩٣)، (٢:٣٥١ - ٣٥٢، ٤٠٧ - ٤٠٨، ٤١٠ - ٤١١، ٤١٨ - ٤٢١، ٤٥٦ - ٤٥٧، ٧١٥ - ٧١٧، ٨٤٦ - ٨٤٨)، (٣:٩٣١ - ٩٤٠، ٩٦٥، ٩٦٦، ١٠٢١، ١٠٢٤، ١٠٣٩، ١٠٤٠، ١١٠٨، ١١١٠، ١١٧٧ - ١١٧٨)، وغيرها.","vol":"1","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>ثانيًا كتب الاحتجاج للقراءات</span>\nالاحتجاجُ للقراءةِ (١): تخريجُ ما جاءَ في القرآنِ، وبيانُ وجهِه في كلامِ العربِ، وقدْ يكونُ بيانَ طريقةِ أداءٍ، أو تصريفِ كلمةٍ، أو إعرابٍ، أو بيانَ معنىً.\nوالذي يخصُّ التَّفسيرَ اللُّغويَّ من علمِ الاحتجاجِ للقراءةِ، ما يتعلَّقُ ببَيان المعنى، ويقعُ ذلكَ - في الغالب - حينما يَرِدُ في الآيةِ قراءتانِ مختلفتانِ في النُّطقِ، ويكونُ لِكُلِّ واحدةٍ منهما معنىً يخالفُ معنى القراءة الأخرى (٢).\nولقد كان الاحتجاجُ للقراءةِ قديمًا، وهو منثورٌ في كتبِ التَّفسيرِ ومعاني القرآنِ وغريبِه وغيرِها، ثمَّ ألَّفَ جمعٌ من العلماء فيه استقلالًا؛ منهم: أبو منصور الأزهريُّ (ت:٣٧٠)، وابن خالويه (ت:٣٧٠)، وأبو عليٍّ الفارسي (ت:٣٧٧)، وابن جني (ت:٣٩٢)، وغيرهم.\nوسأذكرُ أمثلةً من اختلافِ القراءاتِ التي يختلفُ بها المعنى، ومنْ ذلكَ:\n_________\n(١) يدخُلُ الاعتراضُ على القراءةِ في علم الاحتجاجِ للقراءةِ؛ لأنَّ من يعترض قراءة، يحتجُّ لقراءته، والاعتراضُ على القراءةِ قديمٌ، ولذلك أسباب ليس هذا محلُّ بحثِها، والاعتراضُ على القراءةِ موضوعٌ جديرٌ بالبحثِ والتحريرِ، واللهُ الموفقُ.\n(٢) هذه المخالفة على سبيل التنوع، كما أشار إلى ذلك جمع من العلماء، ومنهم ابن قتيبة في كتابة تأويل مشكل القرآن (ص:٤٠ - ٤٢). وسمَّاه: «اختلاف التغاير».","vol":"1","page":441},{"text":"١ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤]، حيثُ قرئت بالضَّادِ وبالظَّاءِ، قال ابنُ خَالَوَيه (ت:٣٧٠): «قرأ ابنُ كَثِيرٍ وأبو عمرو والكسائي: «بِظَنِينٍ» بالظَّاءِ؛ أي: بِمُتَّهَمٍ، يقالُ: بئرٌ ظنينٌ: إذا كانَ لا يوثقُ بها.\nوقرأ الباقون: ﴿بِضَنِينٍ﴾ بالضَّادِ؛ أي: ببخيل؛ أي: ليسَ بخيل (١) بالوحي بما أنزلَ اللهُ منَ القرآنِ فلا يكتُمُهُ أحدًا، تقولُ العربُ: ضَنَنْتُ بالشيءِ أَضِنُّ به: إذا بَخِلْتُ به، وينشد (٢):\nمَهْلًا أَعَاذِلُ قَدْ جَرَّبْتَ مِنْ خُلُقِي ... إنِّي أَجُودُ لأَقْوَامٍ وَإنْ ضَنُّوا» (٣)\n٢ - وفي قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، قالَ أبو منصورٍ الأزهريُّ (ت:٣٧٠): «من قرأ: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي، فالمعنى: نجعلُها بعدَ بِلاَهَا وهُمُودها ناشزةً تَنْشُزُ بعضُها إلى بعضٍ؛ أي: ترتفعُ، مأخوذةٌ منْ نَشَزَ، والنَّشْزُ: وهو ما ارتفعَ من الأرضِ (٤).\nومنْ قرأ: «نُنْشِرُهَا» بالراء، فمعناه: نُحْيِيهَا، يقال: أنْشَرَ اللهُ الموتى؛ أي: أحياهم فَنَشَرُوا؛ أي: حَيَوا.\n_________\n(١) لعله سقط حرف الباء من الطابع، بدلالة تشكيل حرف اللام بكسرتينِ، والصواب: «ببخيلٍ».\n(٢) أفاد المحقق الدكتور عبد الرحمن العثيمين: أنَّ البيت لقعنب بن أم صاحب، وهو قعنب بن ضمرة الغطفاني، وأنَّه من شواهد الكتاب، لسيبويه (١:١١)، (٢:١٦١)، وشرحه للسيرافي (١:١٠٦)، وشرح أبياته لابن السيرافي (١:٣١٨)، وذكر غيره من المراجع.\n(٣) إعراب القراءات السبع وعللها (٢:٤٤٦)، وينظر: الحجة للقراءات السبع، لأبي علي الفارسي، تحقيق: بدر الدين قهوجي وبشير حويجاتي (٦:٣٨٠ - ٣٨١). والقراءات وعلل النحويين فيها، للأزهري (٢:٧٥٠ - ٧٥١)، وقد زاد معنى آخر في «بظنين» نقله عن الفراء من معانيه (٣:٢٤٣)، قال: «بضعيف، يقول: هو محتملٌ له ...».\n(٤) كذا، ولعلها: والنَّشْزُ: هو ما ارتفع من الأرضِ، بدون الواو، والله أعلم.","vol":"1","page":442},{"text":"ومن قرأ: «نَنْشُرُهَا»، فهو مأخوذٌ منَ النَّشْرِ بعد الطَّيِّ ...» (١).\nوقد يقعُ في كتب توجيه القراءاتِ تفسيرٌ لبعضِ الألفاظِ القرآنيَّةِ وإن لم يكنْ فيه خلافٌ في القراءةِ، وإنما يكونُ ذلكَ على سبيل الاستطراد، ومثل ذلك ما ورد عند ابن خَالَوَيه (ت:٣٧٠) من تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات: ٤]، قال: «أَثَرْنَ بالوادي غبارًا» (٢).\nوليس في هذا الحرفِ خلافٌ بينَ القُرَّاءِ، وإنما ذُكِرَ هذا التَّفسيرُ استطرادًا.\nوالمقصودُ أنَّ كتبَ الاحتجاجِ للقراءاتِ تُدرِجُ شيئًا من التَّفسيراتِ اللُّغويةِ التي تتناسبُ مع طبيعةِ بحثِها، والله أعلم.\n_________\n(١) القراءات وعلل النحويين فيها (١:٩٢ - ٩٣)، وينظر فيه من قرأ بهذه القراءات، ثم ينظر: إعراب القراءات السبع وعللها لابن خالويه (١:٩٦ - ٩٧)، والحجة للقراءات السبع، لأبي علي الفارسي (٢:٣٧٩ - ٣٨٢).\n(٢) إعراب القراءات السبع وعللها (٢:٥٥٢)، وينظر: في الصفحة نفسها «الكنود»، وينظر: (٢:٥٢٢) تفسير المبثوث، (٢:٥٢٩) تفسير الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ، وغيرها.","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>ثالثًا شروح دواوين الشعر</span>\nتعتبرُ شروحُ دواوينِ الشِّعْرِ أحدَ المصادرِ اللُّغويَّةِ في بيانِ معاني الألفاظِ؛ لأنَّ الشَّارحَ يَعْمَدُ إلى ألفاظِ شِعْرِ الشَّاعرِ ويبين معانيها، ولو جُمِعَتْ شروحُ هذه الألفاظِ لكوَّنَتْ معجمًا يُرادفُ المعاجمَ الموجودةَ (١).\nوقدْ قُمْتُ بقراءةِ عِدَّةِ شروحٍ من شروحِ الأشعارِ (٢)، فظهرَ لي منْ خلالِ هذا التتبُّعِ أنَّ طريقتَهم لا تخرجُ - في الغالب - عنْ طريقةِ أصحابِ المعاجمِ، كما أنَّ الألفاظَ القرآنيَّةَ المشروحةَ قليلةٌ؛ لأنها ليستِ الأصلَ في الشَّرحِ، بل تَرِدُ استطرادًا عندَ ذِكْرِ لفظِ الشَّاعرِ المشروحِ، وسأذكر أمثلةً من بعضِها؛ لاتفاقِ منهجِها - في الغالب ـ؛ ومنْ أمثلةِ ذلكَ:\n١ - في قولِ ذي الرُّمَّةِ (ت:١١٧) (٣):\n_________\n(١) ينظر مثلًا: فهرس الألفاظ المشروحة (ص:٢٠٧٨ - ٢١٨٤) في ديوان ذي الرمة، شرح أبي نصر أحمد بن حاتم الباهلي، تحقيق: د. عبد القدوس أبو صالح، ط: دار الرسالة.\n(٢) منها على سبيل المثال: ديوان العجاج، شرح الأصمعي، وشعر عروة بن الورد، شرح ابن السكيت، وديوان الحطيئة، شرح ابن السكيت، وديوان جران العَودِ، شرح السكري، وديوان الخنساء، شرح ثعلب، وديوان حاتم الطائي، شرح يحيى بن مدرك الطائي، وغيرها.\n(٣) البيت في ديوان ذي الرُّمة، شرح الباهلي، تحقيق: عبد القدوس أبو صالح (ص:٣٥٧).","vol":"1","page":444},{"text":"هَلْ تَعْرِفُ الْمَنْزِلَ بِالْوَحِيدِ ... ثَغْرًا عَفَاهُ أَبِدَ الأَبِيدِ\nقال شارحُ الديوانِ: أحمدُ بنُ نصرٍ الباهليُّ (ت:٢٣١) (١): «الوحيد: مكانٌ.\nوالأبد: الدَّهر، قال: دَهْرُ الدُّهورِ.\nعَفَاهُ: دَرَسَهُ.\nوعَفَا - في غيرِ هذا الموضعِ ـ: زَادَ، قَالَ تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]؛ أي: كَثُرُوا» (٢).\n٢ - وقال في قولِ ذي الرُّمَّةِ (ت:١١٧):\nوَلَبَّسَ بَينَ أَقْوَامٍ، فَكُلٌ ... أَعَدَّ لَهُ السِّفَارَةَ الْمِحَالاَ\nقال: «اللَّبسُ: الاختلاطُ.\nوالسِّفارة: الصُّلحُ بين القومِ، يقالُ: سَفَرَ يَسْفُرُ سِفَارَةً. ويروى: الشَّغَازِبَ؛ أي: الكيدَ والخصومةَ.\nوالمِحَالُ: الجدالُ، قالَ اللهُ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣]، وأصلُهُ: المُكَاظَّةُ والأخذُ بالنَّفْسِ» (٣).\n٣ - وفي بيت الحُطَيئَةِ:\nأَبْلِغْ سَرَاةَ بَنِي سَعْدٍ مُغَلْغَلَةً ... جَهْدَ الرِّسَالَةِ لاَ أَلْتًا وَلاَ كَذِبًا\n_________\n(١) أحمد بن حاتم الباهلي، أبو نصر، اللغوي، كان ثقةً مأمونًا، أخذ عن أبي عبيدة والأصمعي، حتى كان يقال له: صاحب الأصمعي، له تآليف، منها: اشتقاق الأسماء، وما تلحن فيه العامة. ينظر: مراتب النحويين (ص:١٣٣ - ١٤٣)، ومعجم الأدباء (٢:٢٨٣ - ٢٨٥).\n(٢) ديوان ذي الرمة، شرح أبي نصر الباهلي، تحقيق: د. عبد القدوس أبو صالح: (ص:٣٥٧).\n(٣) ديوان ذي الرمة، شرح أبي نصر الباهلي (ص:١٥٤٤). وينظر: (ص:٣٢، ١٠٤٧، ١١٢٠، ١٥٤٦، ١٧٣٣).","vol":"1","page":445},{"text":"قال ابنُ السِّكِّيتِ (ت:٢٤٦): «مُغَلْغَلَةً: رسالةً تَتَغَلْغَلُ إليهم حتى تَصِلَ؛ أي: تَخَلَّلُ.\nوالأَلْتُ: النُّقصانُ، يقالُ: أَلَتَهُ يَالِتُهُ أَلْتًا، وَلاَتَهُ لَيتًا، وأَلاتَهُ، يُلِيتُهُ إِلاَتَةً. قال الله تعالى: ﴿لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]؛ أي: يَنْقُصُكُم، وقال في موضع آخر: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ﴾ [الطور: ٢١]» (١).\n٤ - وقالَ عندَ قولِ الحُطَيئَةِ:\nلهم سُورَةٌ في المجدِ لَوْ تُرْتَدَى بها ... بَرَاطِيلُ جَوَّابٍ، نَبَتْ، ومَنَاقِرُه\nقال: «وقوله: لو يُرتدَى بها براطيلُ؛ أرادَ: لو يُرتدَى ببراطيل جوَّابٍ نَبَتْ البراطيلُ والمناقرُ.\nوالبراطيلُ: جمع بِرْطِيل، وهو المِعْولُ، والبِرْطِيلُ أيضًا: حَجَرٌ طويلٌ قَدْرَ الذِّراع.\nوالمنقار: الذي يُنْقَرُ به الحجرُ.\nوالجوَّاب: الذي يجوبُ الرَّكَايَا؛ أي: يحفرُها ويخرقُها، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩]؛ أي: خَرَقُوا» (٢).\n٥ - قالت الخنساءُ:\nإنَّ أخِي لَيسَ بِتَرْعِيَّةٍ ... نِكْسٍ هَوَاءِ القَلْبِ ذِي مَاشِيهْ\nقال ثعلب (ت:٢٩١) في شرحه: «وقوله (٣): هواء القلب؛ أي لا فؤادَ\n_________\n(١) ديوان الحطيئة برواية وشرح ابن السكيت، تحقيق: د. نعمان محمد أمين طه (ص:١٦).\n(٢) ديوان الحطيئة برواية وشرح ابن السكيت، تحقيق: د. نعمان محمد أمين طه (ص:٣٠).\nوينظر: (ص:٢٢، ٣٢، ٤٢، ٧١، ١٧٨، ١٩٦، ٢١٦، ٢٣٧، ٢٤٥).\n(٣) كذا وردت في النسخة، والأولى: قولها؛ لأنه يشرح ديوان امرأةٍ، واللهُ أعلمُ.","vol":"1","page":446},{"text":"له، قلبُه خالٍ، قال اللهُ ﷿: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣]؛ أي: خاليةٌ، لا تعي شيئًا» (١).\nوعلى هذا الأسلوبِ سارتْ أكثرُ الأمثلةِ التي أوردَها شُرَّاحُ الدواوينِ الشعريَّةِ، وهي أقربُ إلى أسلوب كتبِ معاجمِ اللُّغةِ وكتبِ غريبِ القرآنِ.\n_________\n(١) شرح ديوان الخنساء، لثعلب، تحقيق: فايز محمد (ص:٢٤١). وقال ثعلب في شرح ألفاظ البيت: الترعية: الذي يلزم رِعيةَ الإبل، ويُحسن القيام بها، والنَّكْسُ: الضعيف.","vol":"1","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>رابعًا كُتُبُ الأدَبِ</span>\nتشتملُ كتبُ الأدبِ على عِدَّةِ مصنفاتٍ؛ ككتبِ الأمالي، وكتب مجالسِ العلماءِ، وغيرِها، وقد قمت بقراءةِ بعضٍ منها؛ ككتابِ البيانِ والتبيينِ، لأبي عُثْمَانَ عَمْرِو بنِ بَحْرٍ الجَاحِظِ (ت:٢٥٥)، والكَامِلِ في الأدبِ، لمحمد بن يزيد المُبَرِّدِ (ت:٢٨٥)، ومجالسِ ثعلب (ت:٢٩١)، والزاهر في معاني كلمات الناس، لابن الأنباري (ت:٣٢٨)، وأمالي أبي عليٍّ القالِّي (ت:٣٥٦)، وغيرِها (١). وسأذكرُ أمثلةً للتفسيرِ اللُّغويِّ منْ بعضِ هذه الكتبِ:\n١ - قال عمرو بن بحرٍ الجاحظ (ت:٢٥٥): «وأنشدَ للحارثِ بن حِلِّزَةَ اليَشْكُرِيِّ (٢):\nلاَ أَعْرِفَنَّكَ إنْ أَرْسَلْتَ قَافِيَةً ... تُلْقِي المَعَاذِيرَ إنْ لَمْ تَنْفَعِ العِذَرُ\nإنَّ السَّعِيدَ لَهُ فِي غَيرِهِ عِظَةٌ ... وَفِي التَّجَارُبِ تَحْكِيمٌ وَمُعْتَبَرُ\nومعنى المعاذيرِ هنا غيرُ معنى قول اللهِ ﵎ في القرآنِ: ﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٤، ١٥]، والمعاذيرُ هنا: السُّتورُ» (٣).\n_________\n(١) كأمالي اليزيدي، وأمالي الزَّجَّاجي، والمصون في الأدب وبي أحمد للعسكري.\n(٢) ينظر ديوان الحارث بن حلزة، جمع: طلال حرب (ص:٦٧)، وقد اعتمد في ذكرهما على هذا الموضع من كتاب البيان والتبيين، وذكر أن ابن الشجري نسبهما في حماسته للحارث بن كلدة.\n(٣) البيان والتبيين، للجاحظ، تحقيق: عبد السلام هارون (٢:١٠٦)، وينظر: (١:١٨٨). =","vol":"1","page":448},{"text":"٢ - وقال المُبَرِّدُ (ت:٢٨٥): «والودْقُ: المَطَرُ، يقالُ: وَدَقَتِ السماءُ يا فتى وَدْقًا، قالَ ﷿: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ [النور: ٤٣، الروم: ٤٨] ...» (١).\n٣ - وقال: «... فإذا قلت: اِنْجَابَ، فمعناهُ: اِنْشَقَ، يقال: المِجْوَبُ، للحديدةِ التي يُثْقَبُ بها العسيبُ.\nويقال: جُبْتُ البلادَ؛ أي: دخلتُها وطوفتُها. وفي القرآنِ: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩]؛ أي: شَقُّوهُ» (٢).\n٤ - وقال أبو العباسِ ثعلبُ (ت:٢٩١): «وفي قوله تعالى: ﴿أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢]، قال: أخلاط» (٣).\n٥ - وقال في قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]: «النَّسْيُ: خِرَقُ الحَيضِ التي يُرْمَى بها؛ أي: وكنتُ هذا فيُرمى بِي» (٤).\n٦ - وقال ابن الأنباري (ت:٣٢٨): «ومن الحسيبِ قول اللهِ ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]، قال أبو بكر: فيه أربعةُ أقوالٍ، يقال: عالمًا، ويقال: مقتدرًا، ويقالُ: كافيًا، ويقالُ: محاسبًا.\nقال أبو بكر: سمعتُ أبا العباس أحمد بن يحيى (٥) يقولُ في قول الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]:\n_________\n= وبعد تتبع هذا الكتاب وجدت أن الأمثلة فيه قليلة جدًا، وإنما حرصت على إيراد أمثلة منه لأنه من أوائل كتب الأدب.\n(١) الكامل، للمبرد، تحقيق: محمد أحمد الدالي (ص:٨٤١).\n(٢) الكامل (ص:١٠٣٠)، ينظر (ص:٣٧٠، ٧٢١، ٧٢٢، ٧٩٠، ٨٥١، ٩٨٦، ٩٩٣، ١٠٠٥، ١٠٢٧، ١٠٣٦، ١٠٤٣)، وغيرها.\n(٣) مجالس ثعلب، تحقيق: عبد السلام هارون (ص:٦).\n(٤) مجالس ثعلب (ص:٣٥٣)، وينظر: (ص:٩، ١١، ١٢، ٢٠، ٤٩، ١١٧، ٥٤١)، وغيرهما.\n(٥) هو ثعلب.","vol":"1","page":449},{"text":"يجوزُ في (مَنْ) الرَّفع والنَّصبُ (١).\nفالرَّفعُ على النَّسَقِ على اللهِ (٢). والنَّصبُ على معنى: يكفيكَ اللهُ، ويكفي من اتَّبعكَ من المؤمنينَ» (٣).\nوهذا الأسلوبُ الذي ذكرته في التفسيرِ اللُّغويِّ كثيرٌ في كتبِ الأدبِ، ولكنه على تفاوتٍ بينها في القِلَّةِ والكثرةِ، واللهُ الموفقُ.\n_________\n(١) ذكر الفراءُ هذين الوجهين، واختارَ وجه الرفع، ينظر معاني القرآنِ (١:٤١٧).\n(٢) اعترضَ ابن القيِّمِ على هذا الوجه، ونقده، فقال: «... وفيها تقدير رابعٌ - وهو خطأ من جهةِ المعنى ـ: وهو أن يكون «من» في موضعِ رفعٍ عطفًا على اسم اللَّهِ، ويكون المعنى: حسبك اللهُ وأتباعُكَ.\nوهذا - وإن قال به بعض الناس - فهو خطأ محضٌ، ولا يجوزُ حملُ الآيةِ عليه، فإنَّ الحَسْبَ والكفاية لله وحده؛ كالتوكُّلِ والتقوى والعبادة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]، ففرق بين الحسب والتأييد. فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده ...». زاد المعاد (١:٣٥).\n(٣) الزاهر في معاني كلمات الناس (١:٩٩).","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>الباب الثالث\nآثار التفسير اللغوي وقواعده</span>\nوفيه ثلاثة فصولٍ:\nالفصل الأول: أثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ.\nالفصل الثاني: أثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في انحرافِ المفسرينَ.\nالفصل الثالث: قواعدُ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ.","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>الفصل الأول\nأثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ</span>\nوفيه:\nأولًا: الاختلافُ بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ في اللَّفظِ.\nثانيًا: الاختلافُ بسببِ التَّضادِّ في دلالةِ اللَّفظِ.\nثالثًا: الاختلافُ بسببِ مخالفةِ المعنى الأشهرِ في اللَّفظِ.\nرابعًا: الاختلافُ بسببِ أصلِ اللَّفظِ واشتقاقِهِ.\nخامسًا: الاختلافُ بسببِ النظرِ إلى المعنى القريبِ المتبادرِ للذهنِ والمعنى البعيدِ لِلَّفظِ.","vol":"1","page":453},{"text":"تمهيد\nلمَّا كان التَّفسيرُ اللُّغويُّ من أكبر المصادر التفسيريَّة، فإنَّه سيكونُ له أثرٌ كبيرٌ في التَّفسيرِ، ولا شَكَّ.\nوقد تأمَّلتُ الألفاظَ القرآنيَّةَ، فوجدتُ أنَّ الألفاظَ على قسمين:\nالقسمُ الأولُ: اللَّفظُ الذي لا يحتملُ إلاَّ معنًى واحدًا، وهو إمَّا ألاَّ يخفى على أحدٍ من العربِ؛ كالأرضِ، والسَّماءِ، والضَّحِكِ، والْحَثِّ، والأساسِ، والنَّبأ، وغيرِها من الألفاظِ العامَّةِ التي لا يجهَلُهَا العربِيُّ.\nوإمَّا أنْ يكونَ فيه غرابةٌ على بعضِ النَّاسِ، ولكنَّه - كذلك - لا يحتملُ إلاَّ معنًى واحدًا؛ كالتَّبَابِ، والأحْقَافِ، والشَّانِئ، وغيرِها.\nالقسمُ الثاني: اللَّفظُ الذي يحتملُ أكثرَ من معنًى في وَضْعِ اللُّغةِ؛ كالقُرْءِ، وعَسْعَسَ، والعَتِيقِ، والحَرْدِ، والمَمْنُونِ، وغيرِها.\nوهذا القسمُ هو الذي تَبْرُزُ فيه آثارُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ: لأنَّ اللَّفظَ الذي لا يحتملُ إلاَّ معنًى واحدًا لا يمكنُ أنْ يُتَصَوَّرَ فيه وقوعُ الخلافِ.\nوقدْ صار هذا الاحتمالُ اللُّغويُّ ذا جانبين في أثرِه في التَّفسيرِ:\nأمَّا أوَّلُهما، فيمكنُ أنْ يُوصَفَ بأنَّه سلبيٌّ؛ لأنَّ فيه استعمالًا لهذا الاحتمالِ في الانحرافِ بالتَّفسيرِ إلى غيرِ المعنى المرادِ والصَّحيحِ، وسببُ ذلك - في الغالبِ ـ: أنَّ المرءَ يعتقدُ، ثمَّ يبحثُ في الاستدلالِ لهذا المعتقَدِ، فيجدُ في مجازِ اللُّغةِ وقليلِها وشاذِّها ما يكونُ دليلًا له، فيتمسَّكُ به، ويتركُ القولَ الذي هو أقربُ منه ظاهرًا وحقيقةً.","vol":"1","page":455},{"text":"وأمَّا الثاني، فيمكنُ أنْ يُوصَفَ بأنَّه الجانبُ الإيجابيُّ، وهو هذه الاحتمالاتُ اللُّغويَّةُ التي أثْرَتْ التَّفسيرَ بسببِ اختلافِ فُهُومِ المفسِّرينَ فيها.\nوهذه الاحتمالاتُ قدْ تكونُ الآيةُ قابلةً لها بلا تضادٍّ، وقد لا تكونُ كذلك، ولكُلٍّ حُكْمُهُ من حيثُ القبولُ والرَّدُّ، وسيأتي شيءٌ منْ هذا إنْ شاءَ اللهُ.\nوسأجعلُ هذين الجانبينِ في فصلينِ، ثمَّ أُتبِعُهُمَا بفصلٍ فيه شيءٌ من قواعدِ التَّفسيرِ اللُّغويِّ التي ظهرتْ من خلالِ هذا البحثِ. وسيكونُ تقسيمُ هذه الفصولِ كالآتي:\nالفصل الأول: أثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ.\nالفصل الثاني: أثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في انحرافِ المفسرينَ.\nالفصل الثالث: قواعدُ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ.","vol":"1","page":456},{"text":"الفصل الأول\nأثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ\nنشأ الخلافُ في التَّفسيرِ نتيجةً للاجتهادِ فيه، وقد يكونُ الخلافُ بسببِ الاختلافِ في اعتمادِ المصدرِ، فهذا يفسِّرُ معتمدًا على حديثٍ نبويٍّ، وذاك يفسِّر معتمدًا على اللُّغةِ. كما قدْ يحدثُ الخلافُ في الاعتمادِ على المصدرِ الواحدِ، وأكثرُ ما يقعُ ذلك في مصدرِ اللُّغةِ، وذلك راجعٌ إلى الاحتمالِ اللُّغويِّ الذي يَرِدُ على النَّصِّ القرآنِيِّ.\nوسأبيِّنُ هنا الخلافَ الذي نشأ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ بسببِ اختلافِ دلالةِ اللَّفظِ في اللُّغةِ. وقدْ ظهرَ لي من خلالِ الاستقراءِ ما يأتي:\nأولًا: الاختلافُ بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ في اللَّفظِ.\nثانيًا: الاختلافُ بسببِ التَّضادِّ في دلالةِ اللَّفظِ.\nثالثًا: الاختلافُ بسببِ مخالفةِ المعنى الأشهرِ في اللَّفظِ.\nرابعًا: الاختلافُ بسببِ أصلِ اللَّفظِ واشتقاقِهِ.\nخامسًا: الاختلافُ بسببِ النظرِ إلى المعنى القريبِ المتبادرِ للذهنِ والمعنى البعيدِ لِلَّفظِ.\nوهناكَ اختلافٌ بسببِ الاختلافِ في القراءةِ، ولم أَرَهُ يدخلُ في هذا البابِ، وإن كانَ يعتمدُ على الدلالةِ اللُّغويَّةِ؛ لأنَّ هذا الاختلافَ واقعٌ في لفظينِ: لكلِّ لَفْظٍ منهما معنى يغايرُ المعنى الآخرَ، بخلافِ ما أنا بصددِهِ هنا، إذ للَّفْظِ الواحدِ أكثرُ من معنًى.","vol":"1","page":457},{"text":"ومنْ أمثلةِ الاختلافِ بسببِ القراءةِ:\nقولُه تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] حيثُ وَرَدَ في لفظِ «تبلوا» قراءتانِ: تتلوا بالتاء، وتبلوا بالباء.\nقال الأزهري (ت:٣٧٠): «فمنْ قرأ: تبلوا، فمعناه: تَخْبُرُ؛ أي: تَعْلَمُ كلُّ نفسٍ ما قدَّمت. ومنْ قرأ: تتلوا بتاءين، فهو منَ التِّلاوةِ؛ أي: تَقْرَأُ كلُّ نفسٍ، ودليل ذلك قولُه: ﴿اقْرَا كِتَابَكَ﴾ [الإسراء: ١٤].\nوقالَ بعضُ المفسرينَ - في قوله: تتلوا ـ: تَتْبَعُ كلُّ نفسٍ ما أسلفتْ؛ أي: قدمتْ منْ خَيرٍ أو شَرٍّ» (١).\nإنَّ القراءتينِ في هذا المثالِ مختلفتانِ في النُّطْقِ، وتبعَهُ اختلافُ تفسيرِهما، ولذا صارتْ كُلُّ قراءةٍ كأنَّها آية مستقلَّةٌ عن أختها. وهي بهذا خارجةٌ عن المقصودِ في هذا البحثِ (٢).\nأمَّا ما وردَ من اختلافِهِم في مدلولِ: تَتْلُوا، بأنه: تَتْبَعُ أو تَقْرَأُ، فهو داخلٌ في هذا البحثِ؛ لأنه اختلافٌ في دلالةِ لفظٍ واحدٍ في صورةٍ واحدةٍ.\nوسأشرحُ هذه الأسبابَ، وأذكرُ لكلِّ سببٍ ما يوضِّحه منَ الأمثلةِ.\n_________\n(١) القراءات وعلل النحويين فيها (١:٢٧١)، وفيه تخريج هذه القراءات.\n(٢) ومثل هذا: الاختلاف الوارد في لفظ «تهجرون» من قوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]، ولفظ «يصدون» من قوله تعالى: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧]، ولفظ «ضنين» من قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤]، وغيرها.","vol":"1","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>أوَّلًا الاختلافُ بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ في اللَّفظِ</span>\nألفاظُ العربِ تردُ على ثلاثةِ أقسامٍ:\nالأوَّلُ: اختلافُ اللَّفظينِ لاخْتِلافِ المعنيينِ، وهذا هو الأعمُّ الأغلبُ في ألفاظِ العربِ؛ كقولك: الرَّجُلُ والمَرْأَةُ، واليَومُ واللَّيلَةُ، اختلفَ اللَّفظانِ لاختلافِ المعنيينِ.\nالثاني: اختلافُ اللَّفظينِ والمعنى واحدٌ؛ مثلُ: عَيرٍ وحِمَارٍ، وأتَى وجَاءَ، وفي هذا توسُّعٌ في الكلامِ وزيادةٌ في التصرُّفِ بالألفاظِ.\nالثالث: أنْ يَتَّفِقَ اللَّفظُ ويختلفَ المعنى، فيكونُ اللَّفظُ الواحدُ على معنيينِ فصاعدًا (١).\nوهذا القسم أُطلِقَ عليه مصطلح: المشتَرَك اللَّفظي (٢).\n_________\n(١) ينظر هذا التقسيم في كتاب الكتاب، لسيبويه، طبعة بولاق (١:٧ - ٨)، وكتاب الأضداد، لقطرب، تحقيق: الدكتور حنَّا حدَّاد (ص:٦٩ - ٧٠)، وكتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه في القرآن المجيد، للمبرد، تحقيق: الدكتور أحمد محمد سليمان أبو رعد (ص:٤٧ - ٤٨)، وكتاب الخصائص، لابن جني (٢:٩٥).\n(٢) ينظر في تعريف المشترك اللّفظي: المزهر، للسيوطي (١:٣٦٩)، هذا وقد منع قوم وجود المشترك في اللغة، وقد اعتُرِض عليهم، ينظر في ذلك - على سبيل المثال ـ: المزهر في علوم اللغة (١:٣٦٩ - ٣٧٠)، وكتاب: المشترك اللغوي نظرية وتطبيقًا، للدكتور توفيق محمد شاهين (ص:٦٥ - ٧١).","vol":"1","page":459},{"text":"وأمثلةُ المشتَرَكِ اللُّغويِّ الذي وقع خلافٌ في تفسيرِه في القرآنِ كثيرةٌ، ومنها - على سبيل المثال ـ:\n١ - اختلفَ المفسِّرونَ في تفسيرِ لفظِ «النَّجْمِ» من قولِه تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] على قولينِ:\nالقول الأوَّلُ: النَّجمُ: ما نَبَتَ على وجهِ الأرضِ مما ليسَ له ساقٌ.\nوهو قولُ ابنِ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (١)، وابن جبيرٍ (ت:٩٤) (٢)، والسُّدِّيِّ (ت:١٢٨) (٣)، والكَلْبِيِّ (ت:١٤٦) (٤)، وسُفْيان الثَّورِيُّ (ت:١٦١) (٥).\nوأمَّا اللُّغويُّونَ، فقد حكى عنهم الأزهريُّ (ت:٣٧٠) قولَهم، فقال: «وأمَّا قولُه جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]، فإنَّ أهلَ اللُّغةِ وأكثرَ أهلِ التَّفسيرِ قالوا: النَّجْمُ: كلُّ ما نَبَتَ على وجهِ الأرضِ مما ليسَ له ساقٌ» (٦).\nومِمَّنْ نصَّ من اللُّغويِّينَ على تفسيرِ النَّجمِ بأنه ما لا ساق له من النبات: الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (٧)، وأبو عُبَيدَةَ (ت:٢١٠) (٨)، وابن قُتَيبَةَ (ت:٢٧٦) (٩)،\n_________\n(١) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١١٦)، والدر المنثور، ط: دار الفكر (٧:٦٩٢).\n(٢) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١١٦)، والدر المنثور، ط: دار الفكر (٧:٦٩٢).\n(٣) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١١٧).\n(٤) ينظر تفسير عبد الرزاق الصنعاني، تحقيق: عبد المعطي قلعجي (٢:٢١١).\n(٥) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٦:١١٧).\n(٦) تهذيب اللغة (١١:١٢٨).\n(٧) معاني القرآن (٣:١١٢).\n(٨) مجاز القرآن (٢:٢٤٢).\n(٩) تفسير غريب القرآن (ص:٤٣٦).","vol":"1","page":460},{"text":"والمُبَرِّدُ (ت:٢٨٥) (١)، وكُرَاعُ (ت:٣١٠) (٢)، والجَوهَرِيُّ (ت:٣٩٨) (٣)، وغيرُهم.\nالقولُ الثاني: النَّجْمُ: نَجْمُ السَّماءِ.\nوبه قال: مُجَاهِدٌ (ت:١٠٤) (٤)، والحَسَنُ البَصْرِيُّ (ت:١١٠) (٥)، وقَتَادَةُ (ت:١١٧) (٦).\nولم أجدْ من اللُّغويينَ منْ قالَ به، سوى حكايةِ بعضهم له.\nقال الزَّجَّاجُ (ت:٣١١): «وقد قيل: إنَّ النجم - أيضًا ـ: يراد به النُّجُومُ. وهذا جائز أن يكون؛ لأن الله ﷿ قد أعلمنا أن النَّجْمَ يسجدُ، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ﴾ [الحج: ١٨].\nويجوزُ أن يكونَ النَّجْمُ ههنا، يعني به: ما نبتَ على وجهِ الأرضِ، وما طَلَعَ من نجومِ السماءِ، يقالُ لِكُلِّ ما طَلَعَ: قد نَجَمَ» (٧).\nوهذا المثالُ يوضِّحُ أنَّ الخلافَ الذي وقعَ، إنما كانَ بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ في دَلالةِ لفظِ النَّجْمِ، حيثُ يطلقُ النَّجمُ في لغةِ العربِ ويراد به ما نَجَمَ من الأرضِ، ويطلقُ ويرادُ به نَجْم السَّمَاءِ.\n_________\n(١) الكامل، للمبرد تحقيق: الدكتور محمد الدالي (٢: ٧٩٥ - ٧٩٦).\n(٢) كراع: هو علي بن الحسن الهُنائيِّ، وكُرَاعُ النَّمْلِ لقبٌ لُقِّبَ به لدمامة خِلْقَتِه، كان نحويًا لغويًا من علماء مصر، أخذ عن البصريين والكوفيين، وصنَّف في اللغة كتبًا، توفي سنة (٣١٠). إنباه الرواة (٢:٢٤٠)، ومعجم الأدباء (١٣:١٢ - ١٣). وينظر قوله في كتابه المنجد في اللغة، تحقيق أحمد مختار عمر وضاحي عبد الباقي (ص:١٠٣).\n(٣) الصحاح، مادة (نجم).\n(٤) تفسير مجاهد، تحقيق: د. محمد عبد السلام أبو النيل (ص:٦٣٦)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١٧٧).\n(٥) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١١٧).\n(٦) تفسير عبد الرزاق الصنعاني (٢:٢١١)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١٧٧).\n(٧) معاني القرآن وإعرابه (٥:٩٦).","vol":"1","page":461},{"text":"وإذا تأمَّلتَ هذين الوجهينِ التَّفسيريَّن، وجدتَ أنَّ لكلِّ وجهٍ منهما حَظًّا من النَّظَرِ: من حيثُ صحةُ الإطلاقِ في اللُّغةِ أوَّلًا، ثمَّ بصحة حملِهما في سياقِ الآيةِ، فالآيةُ تقبلُ هذه وتقبلُ ذاك على جهةِ التَّفسيرينِ، وهما من باب اختلافِ التَّنوُّعِ الذي تحتملُه الآيةُ بلا تضادٍّ.\nقالَ الطَّاهِرُ بنُ عَاشُورَ (ت:١٣٩٣): «وجُعِلَ لَفْظُ النَّجْمِ واسطةَ الانتقالِ لصلاحيتِه؛ لأنَّه يُرادُ منه: نُجُومُ السَّماءِ، وما يسمى نجمًا من نباتِ الأرضِ» (١).\nومن ثَمَّ، فتفسيره بأنه ما لا ساق له يناسبُ ما بعده في الآيةِ - أي: الشَّجَر - لهذا قالَ أصحابُ هذا القولِ: النَّجْمُ: الذي ليسَ له ساقٌ، والشَّجَرُ: الذي له سَاقٌ (٢).\nوتفسيره بنجمِ السماءِ يناسبُ ما قبله من الآياتِ الكونيَّةِ العلويَّةِ، وهو قولُه تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥].\n٢ - اختلفَ المفسِّرونَ في تفسيرِ لفظِ «الرَّيحَانِ» من قوله تعالى: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن: ١٢] على أقوالٍ، منها:\nالقول الأول: الرَّيحانُ: الرِّزْقُ.\nوبه قال من السَّلفِ: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (٣)، ومُجَاهِدُ (ت:١٠٤) (٤)، والضَّحَّاكُ (ت:١٠٥) (٥).\n_________\n(١) التحرير والتنوير (٢٧:٢٣٥).\n(٢) ينظر المراجع السابقة.\n(٣) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١٢٢)، من طريق عكرمة.\n(٤) تفسير مجاهد (ص:٦٣٦)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١٢٢).\n(٥) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١٢٢)، من طريق أبي روق عطية بن الحارث.","vol":"1","page":462},{"text":"وقال به من اللُّغويين: الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (١)، وأبو عُبَيدَةَ (ت:٢١٠) (٢)، وابنُ قُتَيبَةَ (ت:٢٧٦) (٣).\nالقولُ الثاني: الرَّيحَانُ: نَبْتُ الرَّيحَانِ الَّذي يُشَمُّ.\nوقالَ به من السَّلف: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (٤)، والضَّحَّاكُ (ت:١٠٥) (٥)، والحَسَنُ البَصْرِيُّ (ت:١١٠) (٦)، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ زَيدٍ (ت:١٨٢) (٧).\nوقد حكاه بعضُ اللُّغويِّينَ (٨)، ولم أجد منهم من نصَّ على ذلكَ المعنى، والمقصودُ أنَّ هذا الاختلافَ وَقَعَ بسببِ احتمالِ هذا اللَّفظِ لِلْمَعْنَيَينِ على سبيلِ الاشتراكِ اللُّغويِّ.\n٣ - اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ «تتلوا» من قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] على قولينِ:\nالقول الأولُ: تتلوا: تقرأ.\nوقال به من السَّلفِ: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (٩)، ومُجَاهِدٌ (ت:١٠٤) (١٠)،\n_________\n(١) ينظر: معاني القرآن (٣:١١٤). وقد ذكر شاهدًا نثريًا، وهو قول العرب: خرجنا نطلب ريحان الله.\n(٢) مجاز القرآن (٢:٢٤٣). وقد ذكر شاهدًا شعريًا، وهو قول النَّمِرِ بنِ تَولَبَ:\nسَلاَمُ الإلَهِ وَرَيْحَانُهُ ... وَجَنَّتُهُ وَسَمَاءٌ دُرَرْ\n(٣) تفسير غريب القرآن (ص:٤٣٧). وقد ذكر الشاهدين: النثري والشعري، واللذين استشهد بهما الفراء وأبو عبيدة.\n(٤) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١٢٢). من طريق عطية العوفي.\n(٥) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١٢٢). من طريق عُبيد المُكْتِب.\n(٦) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١٢٢).\n(٧) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١٢٢).\n(٨) ينظر مثلًا: تهذيب اللغة (٥:٢٢١)، ولسان العرب وتاج العروس، مادة (ريح).\n(٩) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:٤١٠).\n(١٠) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:٤٠٩ - ٤١٠).","vol":"1","page":463},{"text":"وعَطَاءُ بُنُ أبي رَبَاحٍ (ت:١١٤) (١)، وقَتَادَةُ (ت:١١٧) (٢).\nومن اللُّغويين: أبو عبيدة (ت:٢١٠) (٣)، وابن قتيبة (ت:٢٧٦) (٤).\nالقول الثاني: تتلوا: تتبع.\nوبه قال من السَّلف: ابن عبَّاس (ت:٦٨) (٥)، وأبو رَزِين الأسديُّ (ت:٨٥) (٦).\nوقد بيَّنَ أبو جعفر الطبري (ت:٣١٠) هذا الاشتراك في هذا اللفظ، فقال: «ولِقَولِ القائلِ: هو يتلو كذا. في كلامِ العربِ معنيانِ:\nأحدُهما: الاتِّبَاعُ؛ كما يقالُ: تَلَوتَ فلانًا؛ إذا مشيتَ خلفَه وتَبِعْتَ أثرَهُ، كما قالَ جَلَّ ثناؤه: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] (٧)؛ يعني بذلك: تتبع.\nوالآخرُ: القراءةُ والدِّراسةُ؛ كما تقولُ: فلانٌ يتلوا القرآنَ؛ بمعنى: أنه يقرؤه ويدرسُه؛ كما قال حَسَّانُ بُنُ ثَابِتٍ:\nنَبِيٌ يَرَى ما لا يَرَى النَّاسُ حَولَهُ ... ويَتلُو كتابَ اللهِ في كلِّ مَشهَدِ\nولم يخبرْنا الله جلَّ ثناؤه - بأي معنى التِّلاوةِ كانت تلاوةُ الشَّياطينِ الذين تَلَوا ما تَلَوه من السِّحْرِ على عهدِ سُلَيمَانَ - بخبرٍ يقطعُ العذرَ.\n_________\n(١) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:٤١٠).\n(٢) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:٤١٠).\n(٣) مجاز القرآن (١:٤٨). ونصُّه هكذا: «أي: تتبع. وتتلوا: تحكي وتكلم به، كما تقول: يتلوا كتاب الله؛ أي: يقرؤه». ويظهر أن قوله: «أي: تتبع»، مقحمٌ؛ لأن من نقل عنه هذا الموضع لم يذكر هذا التفسير، والله أعلم.\n(٤) تفسير غريب القرآن (ص:٥٩).\n(٥) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:٤١٠).\n(٦) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:٤١٠).\n(٧) هذه قراءة حمزة والكسائي. ينظر: القراءات وعلل النحويين فيها (١:٢٧٠).","vol":"1","page":464},{"text":"وقدْ يجوزُ أنْ تكونَ الشياطينُ تَلَتْ ذلك دراسةً وروايةً وعملًا، فتكونَ كانتْ متَّبِعَتَهُ بالعملِ، ودارسَتَهُ بالروايةِ. فاتَّبعَ اليهودُ منهاجَها في ذلك، وعَمِلَتْ به، وروته» (١).\n٤ - واختلفوا في لفظِ «التَّأوِيلِ» منْ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] على قولينِ:\nالقولُ الأولُ: تَاوِيلُهُ: حَقِيقتُه التي يصيرُ إليها.\nويَدخلُ في ذلك المتشابهُ الذي لا يعلمُهُ إلاَّ اللهُ، وقال بهذا التَّفسيرِ أكثرُ أهلِ العلمِ من الصَّحابةِ والتَّابعينَ ومن جاء بعدهم من العلماءِ.\nوالمرادُ بالمتشابهُ هنا: كلَّ ما لم يدركه البشرُ مما ذكرَ في القرآنِ، وهو ما يتعلَّقُ بالغيبيَّاتِ: حقائِقها وكيفيَّاتِها، ووقتَ وقوعِها، دونَ المعنى الذي يمكنُهم علمُه.\nومِمَّنْ قالَ به منَ السَّلفِ: عَائِشَةُ بنت الصِّديقِ (ت:٥٨) (٢)، وعُرْوَةُ بُنُ الزُّبَيرِ (ت:٩٤)، وعُمَرُ بُنُ عَبْدِ العَزِيزِ (ت:١٠١)، ومَالِكُ بُنُ أَنَسٍ (ت:١٧٩) (٣)، وغيرُهم.\nوقال به من اللُّغويِّين: عليُّ بن حمزة الكِسَائِيُّ (ت:١٨٣) (٤)، وأبو زكريَّا الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (٥)، والأخْفشُ (ت:٢١٥) (٦)، وأبو عُبَيدٍ القاسم بن سلام\n_________\n(١) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:٤١١).\n(٢) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٦:٢٠٢)، وتفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: حكمت بشير ياسين (ص:٧٦)، والقطع والائتناف، للنحاس، تحقيق: الدكتور أحمد خطاب العمر (ص:٢١٢).\n(٣) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٦:٢٠٣).\n(٤) ينظر: القطع والائتناف (ص:٢١٣)، ومعاني القرآن، للنحاس (١:٣٥١).\n(٥) معنى كلامه في معاني القرآن يؤدي إلى هذا القول، ينظر (١:١٩١).\n(٦) ينظر: القطع والائتناف (ص:٢١٣)، ومعاني القرآن، للنحاس (١:٣٥١).","vol":"1","page":465},{"text":"(ت:٢٢٤) (١)، وأبو حَاتِم السجستانيُّ (ت:٢٥٥) (٢)، وأبو إسحاق الزَّجَّاجُ (ت:٣١١) (٣)، وأبو بكر بن الأنباريِّ (ت:٣٢٨) (٤)، وغيرُهم (٥).\nالقولُ الثاني: تأويله: تفسيره، ومعرفةُ معناه.\nوقال به من السَّلفِ: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (٦)، ومجاهد (ت:١٠٤) (٧)، والرَّبيعُ بن أنس البكريُّ (ت:١٣٩) (٨).\nومن اللُّغويِّين: ابنُ قتيبة (ت:٢٧٦) (٩)، وعليُّ بنُ سليمانَ الأخفشُ (ت:٣١٥) (١٠)، وغيرهم. وقد اختارَ ابن جريرٍ الطبري هذا القولَ (ت:٣١٠) (١١).\nوسببُ الاختلافِ في هذا احتمالُ لفظِ التَّأويلِ في لغةِ العربِ لهذين المعنيينِ، بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ فيه (١٢)، واللهُ أعلمُ.\n_________\n(١) ينظر: القطع والائتناف (ص:٢١٣)، ومعاني القرآن، للنحاس (١:٣٥١).\n(٢) ينظر: القطع والائتناف (ص:٢١٣)، ومعاني القرآن، للنحاس (١:٣٥١).\n(٣) معاني القرآن وإعرابه (١:٣٧٨).\n(٤) ينظر: الأضداد، له (ص:٤٢٧).\n(٥) ينظر: القطع والائتناف (ص:٢١٢، ٢١٣)، ومعالم التنزيل، للبغوي (١:٢٨٠)، وزاد المسير، لابن الجوزي تحقيق: محمد بن عبد الرحمن (١:٣٠٣).\n(٦) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٦:٢٠٣).\n(٧) تفسير مجاهد (ص:٢٤٩)، وتفسير الطبري، تحقيق، شاكر (٦:٢٠٣)، والأضداد، لابن الأنباري (ص:٤٢٤)، والقطع والائتناف (ص:٢١٥).\n(٨) تفسير الطبري، تحقيق، شاكر (٦:٢٠٣).\n(٩) تأويل مشكل القرآن (ص:٩٨ - ١٠٢).\n(١٠) علي بن سليمان، أبو الحسن، المعروف بالأخفش الصغير، النحويُّ، سمع ثعلبًا والمبرِّد وغيرهما، وأخذ عنه النحاس وغيره، توفي سنة (٣١٥). ينظر: إنباه الرواة (٢:٢٧٦ - ٢٧٨)، وسير أعلام النبلاء (١٤:٤٨٠ - ٤٨٢). وينظر قوله في القطع والائتناف (ص٢١٤ - ٢١٥).\n(١١) ينظر: تفسير الطبري، تحقيق شاكر (٦:١٩٥ - ١٩٦، ٢٠٠ - ٢٠١، ٢٠٤).\n(١٢) ينظر أمثلة أخرى: نحلة (النساء: ٤)، نرتع (يوسف: ١٢)، مفرطون (النحل: ٦٢)، تمنَّى (الحج: ٥٢)، يأتل (النور: ٢٢)، يطمثهنَّ (الرحمن: ٧٤)، الهيم (الواقعة: ٥٥)، مواقع النجوم (الواقعة: ٧٥)، المساجد (الجن: ١٨)، معاذيره (القيامة: ١٥)، سفرة (عبس: ١٥).","vol":"1","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>ثانيًا الاختلافُ بسببِ التَّضادِّ في دلالةِ اللَّفظِ</span>\nالأضدادُ: الألفاظُ التي تأتي للمعنى وضِدِّهِ؛ كلفظِ «جَلَلٍ»: للشَّيءِ العظيمِ والشَّيءِ الحقيرِ (١).\nوالتَّضَاد نوعٌ من المشتركِ اللَّفظيِّ، قال قُطْرُبُ (ت:٢٠٦): «الوجهُ الثالثُ: أن يتَّفقَ اللَّفظُ ويختلفَ المعنى، فيكونُ اللَّفظُ الواحدُ على معنيينِ فصاعدًا ... ومن هذا: اللَّفظُ الواحدُ الذي يجيءُ على معنيينِ فصاعدًا، ما يكون متضادًّا في الشَّيءِ وضِدِّهِ» (٢).\nوقد اعتنى علماءُ اللَّغةِ بهذه الظَّاهرةِ اللُّغويَّة في كلامِ العربِ، فألَّفوا فيها المؤلفاتِ، منهم: قُطْرُبُ (ت:٢٠٦)، وأبو عبيدة (ت:٢١٠)، والتَّوَّزِيُّ (ت:٢٣٣)، وابنُ السِّكِّيتِ (ت:٢٤٤)، وأبو حاتم (ت:٢٥٥)، وابنُ الأنباريِّ (ت:٣٢٨)، وغيرُهم.\nولم تَخْلُ هذه المؤلَّفاتُ من الأمثلةِ القرآنيَّةِ التي فُسِّرَت على هذه الظَّاهرةِ اللُّغويَّةِ، ولكنَّ الملاحظَ أنَّ بعضَ الأمثلةِ التي ذكرُوها من الأضدادِ لم يقعْ فيها خلافٌ بين المفسِّرينَ، وإنْ كانَ اللَّفظُ يأتي للمعنى وضِدِّهِ، لكن\n_________\n(١) ينظر: الأضداد، لابن الأنباري (١ - ٦). والأضداد، لأبي حاتم السجستاني، تحقيق: د. محمد عودة أبو جري (ص:٧٩)، والمزهر في علوم اللغة، للسيوطي (١:٣٨٧).\n(٢) الأضداد، لقطرب، تحقيق: الدكتور حنّا حداد (ص:٧٠). وينظر: المزهر في علوم اللغة (١:٣٨٧).","vol":"1","page":467},{"text":"أحد معانيه جاءَ في غيرِ القرآنِ، أو يجيءُ في موضعين من القرآنِ، ولكلِّ موضعٍ معنى يخالفُ الآخرَ ويُضادُّه، ومنْ ذلكَ: لفظُ «الظَّنِّ»، حيثُ يُستعملُ عندَ العربِ للشَّكِّ واليقينِ.\nوقدْ وردَ في القرآن بالمعنيين، في موضعينِ مختلفينِ، قال ابنُ الأنباريِّ (ت:٣٢٨): «فأمَّا معنى الشَّكِّ فأكثرُ من أن تُحصَى شواهدُه. وأمَّا معنى اليقين، فمنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢]، معناه: عَلِمْنَا. وقالَ جَلَّ اسمُهُ: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]، معناه: فَعَلِمُوا بغيرِ شَكٍّ ...» (١).\nوالمقصودُ أنَّ هذا اللَّفظَ، وإنْ كانَ من الأضدادِ، لم يقعْ بين المفسِّرينَ خلافٌ فيه في موضعٍ واحدٍ.\nأمَّا أمثلةُ أحرفِ الأضدادِ التي وقعَ فيها خلافٌ، فمنها:\n١ - اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ «القُرْءِ» في قولِه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، على قولينِ:\nالقولُ الأولُ: الحَيضُ.\nوبه قالَ عُمَرُ بن الخَطَّابِ (ت:٢٣)، وعَلِيُّ بن أبي طالبٍ (ت:٤٠)، وعبد اللهِ بنُ مسعود (ت:٣٥)، وأبو مُوسَى الأشعريُّ (ت:٤٤)، وأُبَيُّ بنُ كعبٍ (ت:٣٢)، وابنُ عباس (ت:٦٨)، وسعيدُ بن جبيرٍ (ت:٩٤)، ومجاهدٌ (ت:١٠٤)، والضَّحَّاكُ (ت:١٠٥)، وعكرمةُ (ت:١٠٥)، وقتادةُ (ت:١١٧)، والسُّدِّيُّ (ت:١٢٨)، وغيرهم (٢).\n_________\n(١) الأضداد، لابن الأنباري (ص:١٤). وينظر: الأضداد، لقطرب (ص:٧١)، والأضداد للأصمعي (ص:٣٤)، والأضداد، لابن السِّكِّيت (ص:١٨٨) [كلاهما ضمن ثلاثة كتب في الأضداد، تحقيق: أوغست هفنر]، والأضداد، لأبي حاتم، تحقيق: الدكتور محمد عودة أبو جري (ص:٨٤).\n(٢) ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٤:٥٠٠ - ٥٠٦)، وتفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد محمد الطيب (٢:٤١٥).","vol":"1","page":468},{"text":"القولُ الثاني: الطهر.\nوبه قالَ زيدُ بنُ ثابتٍ (ت:٤٥)، وعائشةُ بنت الصِّدِّيقِ (ت:٥٨)، ومعاويةُ بنُ أبي سفيانَ (ت:٦٠)، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ بن الخطاب (ت:٧٤)، وأبانُ بنُ عثمانَ بنِ عفانَ (ت:١٠٥) (١)، وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ (ت:١٠٦) (٢)، والزهريُّ (ت:١٢٤)، وغيرُهم (٣).\nوقدْ حكى اللُّغويُّونُ الذينَ كتبوا في معاني القرآنِ وغريبِهِ القولينِ، وممنْ حكاهُما: أبو عبيدة (ت:٢١٠) (٤)، وابن قتيبة (ت:٢٧٦) (٥)، والزَّجَّاجُ (ت:٣١١) (٦)، وابنُ عُزَيزٍ (ت:٣٣٠) (٧)، كما حكاهما - أيضًا - أصحابُ كُتُبِ الأضدادِ (٨)، وكتبُ المعاجمِ اللُّغويةِ (٩).\nوسببُ الاختلافِ - كما هو ظاهرٌ هنا - التَّضادُّ في كلمةِ القُرءِ، وهي من الألفاظِ اللُّغويَّةِ التي لها أثرٌ في الحُكْمِ الشَّرعيِّ (علم الفقه) (١٠)؛ لأنَّ\n_________\n(١) أبانُ بنُ عثمانَ بنِ عفَّانَ، الفقيه، شَهِدَ الجمل مع عائشة، توفي في المدينة سنة (١٠٥). الطبقات (٥:١٥١ - ١٥٣)، وشذرات الذهب (١:١٣١).\n(٢) سالم بن عبد الله بن عمر، الفقيه الزاهد المدني، روى عن أبيه وغيره، وقيل: أصحُّ الأسانيد: الزهري عن سالم عن أبيه، توفي سنة (١٠٦). الطبقات (٥:١٩٥ - ٢٠١)، شذرات الذهب (١:١٣٣).\n(٣) ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٤:٥٠٦ - ٥١١)، وتفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد محمد الطيب (٢:٤١٤).\n(٤) مجاز القرآن (١:٧٤).\n(٥) تفسير غريب القرآن (١:٣٠٢).\n(٦) غريب القرآن (ص:٢٩٣).\n(٧) معاني القرآن (١:٣٠٢).\n(٨) ينظر: الأضداد، لقطرب (ص:١٠٨)، الأضداد المنسوب للأصمعي (ص:٥)، الأضداد، لابن السِّكِّيت (ص:١٦٣)، الأضداد، لأبي حاتم (ص:١١٥)، الأضداد، لابن الأنباري (ص:٢٧).\n(٩) ينظر على سبيل المثال: تهذيب اللغة (٩:٢٧٢)، ومادة: (قرأ) في لسان العرب وتاج العروس.\n(١٠) ينظر على سبيل المثال: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ط: دار الكتب المصرية (٣:١١٣ - ١١٧)، وأضواء البيان، للشنقيطي (١:٢١١ - ٢١٩).","vol":"1","page":469},{"text":"المطلوبَ من المرأةِ المطلَّقَةِ أنْ تتربَّصَ ثلاثةَ أطهارٍ، أو ثلاثَ حِيَضٍ.\nولما كانت المسألةُ متعلِّقةً بحُكْمٍ شرعيٍّ كَثُرَ ورودُ أعيانِ العلماءِ من الصَّحابةِ والتَّابعينَ في هذه المسألةِ، وهذا ظاهرٌ في الآياتِ المتعلِّقةِ بالأحكامِ، حيث تجدُ أقوالَ الفقهاء منهم مذكورةً مع أقوالِ المفسِّرينَ، والله أعلم.\n٢ - اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ «عَسْعَسَ» من قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] على قولينِ:\nالقولُ الأولُ: أدبرَ.\nوممنْ قالَ به منَ السَّلفِ: عليٌّ (ت:٤٠) (١)، وابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (٢)، والضَّحَّاكُ (ت:١٠٥) (٣)، وقتادةُ (ت:١١٧) (٤)، وابنُ زيدٍ (ت:١٨٢) (٥)، واختاره الطبريُّ (ت:٣١٠) (٦)، وزعمَ الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) أنَّ المفسرينَ أجمعُوا على هذا القولِ (٧)!، وهو كما ترى.\nالقول الثاني: أقبلَ.\nوممن قال به من السَّلف: مجاهدُ (ت:١٠٤) (٨)، والحسنُ (ت:١١٠) (٩)، وعطيَّةُ العوفيُّ (ت:١١١) (١٠).\n_________\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٧٨).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٧٨).\n(٣) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٧٨).\n(٤) تفسير عبد الرزاق (٢:٢٨٥)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٧٨).\n(٥) تفسير الطبري ط: الحلبي (٣٠:٧٨).\n(٦) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٧٩).\n(٧) معاني القرآن (٣:٢٤٢).\n(٨) تفسير مجاهد (ص:٧٠٨)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي، ط: الحلبي (٣٠:٧٨).\n(٩) تفسير عبد الرزاق (٢:٢٨٥)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٧٨). وعبارته فيهما: «إذا غَشِيَ النَّاس». وفيها معنى الإقبالِ؛ لأنه لا يغشاهم إلاَّ إذا أقبلَ.\n(١٠) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٧٩).","vol":"1","page":470},{"text":"وقدْ حَكَى هذينِ القولينِ أصحابُ كتبِ معاني القرآنِ وغريبِهِ؛ كأبي عبيدةَ (ت:٢١٠) (١)، وابنِ قُتَيبةَ (ت:٢٧٦) (٢)، والزَّجَّاجِ (ت:٣١١) (٣)، وابنِ عُزَيزٍ (٤). كما حكاهما أصحابُ كتبِ الأضدادِ؛ كابنِ السِّكيتِ (ت:٢٤٤) (٥)، وأبي حاتم (ت:٢٥٥) (٦)، وابنِ الأنباريِّ (ت:٣٢٨) (٧).\nوكذا حكاهما بعض أصحابِ معاجمِ اللُّغةِ؛ كابنِ دُرَيدٍ (ت:٣٢١) (٨)، والأزهريِّ (ت:٣٧٠) (٩)، وابنِ فارسَ (ت:٣٩٥) (١٠)، وغيرِهم (١١).\n٣ - اختلفَ المفسرونُ في لفظِ «سُجِّرَتْ» (١٢) من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] على أقوالٍ، ومنها قولانِ متضادَّانِ، وهما:\nالقولُ الأول: مُلِئت (١٣) وفاضتْ.\nوبه قالَ: الرَّبِيعُ بنُ خُثَيم (ت:٦١) (١٤)، والضَّحَّاكُ (ت:١٠٥) (١٥)،\n_________\n(١) مجاز القرآن (٢:٢٧٨ - ٢٨٨).\n(٢) تفسير غريب القرآن (ص:٥١٧).\n(٣) معاني القرآن وإعرابه (٥:٢٩٢).\n(٤) غريب القرآن (ص:٢٦٥).\n(٥) الأضداد (ص:١٦٧).\n(٦) الأضداد (ص:١١٣).\n(٧) الأضداد (ص:٣٢).\n(٨) جمهرة اللغة (١:٢٠٣).\n(٩) تهذيب اللغة (١:٧٨ - ٧٩).\n(١٠) مجمل اللغة، لابن فارس، تحقيق: زهير عبد المحسن سلطان (٣:٦١٤).\n(١١) ينظر: المحيط في اللغة (١:٨٠)، ومادَّة (عسس) في لسان العرب وتاج العروس.\n(١٢) وقع مثل هذا الخلاف أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦].\n(١٣) فسَّر بعض السلف التسجير بأنَّه الإيقاد، ورد ذلك عن: علي بن أبي طالب، ومجاهد، وشمر بن عطية، وابن زيد، وسفيان [ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي ٢٧:١٩، ٣٠:٦٧ - ٦٨]، ويمكن أن يعود هذا إلى معنى الامتلاء؛ أي: أنَّ البحار ملئت نارًا فتأجَّجت.\n(١٤) ينظر قوله في تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٦٨).\n(١٥) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٦٨).","vol":"1","page":471},{"text":"ومحمد بنُ السَّائبِ الكَلْبِيُّ (ت:١٤٦) (١).\nومن اللُّغويِّينَ: الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (٢)، وابنُ قُتَيبَةَ (ت:٢٧٦) (٣)، وثعلب (ت:٢٩١) (٤).\nالقولُ الثاني: يبستْ، وذهبَ ماؤهَا.\nوبه قالَ: الحسنُ البصري (ت:١١٠) (٥)، وقتادةُ (ت:١١٧) (٦).\nوقدْ حكى بعضُ علماءِ اللُّغةِ الذين كتبوا في الأضدادِ هذين القولينِ (٧)، كما حكاهما أصحابُ المعاجمِ اللغوية (٨). قال أبو زيدٍ الأنصاريُّ (ت:٢١٥): «المسجورُ: يكونُ المملوءَ، ويكون الذي ليس فيه شيءٌ» (٩).\nوبهذا يظهر أنَّ مادَّة «سجر» ذات دلالتين متضادَّتين في لغةِ العربِ، والآيةُ تحتملُ هاتين الدِّلالتين، فقال مفسِّرٌ بأحدهما، وقال الآخرُ بالدِّلالة الأخرى، اجتهادًا منهما في اختيارِ إحدى الدِّلالتينِ، والله أعلم.\nوالمقصودُ: أنَّ التَّضادَّ الذي في دلالةِ الكلمةِ الواحدةِ كان سببًا في\n_________\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٦٨).\n(٢) معاني القرآن (٣:٢٣٩). وينظر (٣:٩١).\n(٣) تفسير غريب القرآن (ص:٥١٦). وقد فسر أبو عبيدة الموضع الذي في سورة الطور بهذا التفسير، ينظر: مجاز القرآن (٢:٢٣٠).\n(٤) تاج العروس، مادة (سجر).\n(٥) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٦٨). وعلَّقه البخاري عنه، ينظر: فتح الباري، ط: الريان (٨:٥٦٢).\n(٦) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٦٨).\n(٧) ينظر: الكتب الآتية من كتب الأضداد: لقطرب (ص١٠٢)، والتَّوَّزِيِّ (ص:١٠٣)، وابن السِّكِّيت (ص:١٦٨)، وأبو حاتم (١٤٤)، وابن الأنباري (ص:٥٤).\n(٨) ينظر - مثلًا ـ: تهذيب اللغة (١٠:٥٧٥ - ٥٧٦)، ولسان العرب وتاج العروس، مادة (سجر).\n(٩) تهذيب اللغة (١٠:٥٧٧).","vol":"1","page":472},{"text":"الخلافِ بينَ المفسِّرينَ. ويمكنُ بالرجوعِ إلى كتبِ الأضدادِ لمعرفةُ ما حُكِيَ من أحرفِ الأضدادِ التي وقعَ فيها خلافٌ بينَ المفسرينَ (١).\nومما ينبغي أن يُذكَر: أنَّه ليس كلُّ حرفٍ ادُّعي فيه التَّضادُّ أنَّ هذا يقبلُ على إطلاقِه؛ بلْ لا بُدَّ من تحريرِ هذا التَّضادِّ، فإنْ ثبتَ، قيلَ به، وإلاَّ فَلا، واللهُ أعلمُ.\nومنْ ذلكَ ادَّعاءُ التَّضَادِّ في دلالةِ «بعد» منْ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠].\nقال أبو حاتم (ت:٢٥٥): «وقالوا: قَبْلُ وبَعْدُ منَ الأضدادِ، وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]: منْ قَبْلِ الذِّكرِ.\n_________\n(١) ينظر الألفاظ التالية:\n١ - الأنداد، في أضداد ابن الأنباري (ص:٢٣ - ٢٦).\n٢ - أسروا الندامة، في أضداد قطرب (ص:٨٩)، والأصمعي (ص:٢١)، والتوَّزي (ص:٩١)، وابن السِّكِّيت (ص:١٧٦)، وابن الأنباري (ص:٤٥ - ٤٦).\n٣ - القانع، في أضداد ابن الأنباري (ص:٦٦ - ٦٨).\n٤ - وراء، في أضداد قطرب (ص:١٠٥)، والأصمعي (ص:٢٠)، والتَّوَّزي (ص:٨٩)، وأبي حاتم (ص:٩٢ - ٩٤)، وابن الأنباري (ص٦٨ - ٧١).\n٥ - مُفْرَطون، في أضداد قطرب (ص:١١٤)، وابن الأنباري (ص:٧١ - ٧٢).\n٦ - أكاد أخفيها، في أضداد قطرب (ص:٨٧)، والتَّوَّزي (ص:٩١)، وابن السِّكِّيت (ص:١٧٧)، وأبي حاتم (ص:١٣١)، وابن الأنباري (ص:٩٥).\n٧ - كلما خبت، أضداد ابن الأنباري (ص:١٧٥).\n٨ - فما فوقها، أضداد قطرب (ص:١٣٣)، وأبي حاتم (ص:١١٨).\n٩ - الصريم، في الأضداد لقطرب (ص:١٢١)، والأصمعي (ص:٤١)، والتَّوَّزي (ص:٩٩)، وابن السِّكِّيت (ص:١٩٥)، وأبي حاتم (ص:١٢١)، وابن الأنباري (ص:٨٤ - ٨٥). وغيرها.","vol":"1","page":473},{"text":"وقالوا في قوله ﷾: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، قالوا: قبل ذلك؛ ألا ترى أنَّه قال: ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩]، ثمَّ قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] (١)، فخَلْقُ الأرضِ قبلَ السَّماءِ، فلما قال: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، كانَ المعنى: قبلَ ذلكَ؛ لأنَّ قبلها: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات: ٢٧، ٢٨]، ثمَّ قال: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠].\nقال أبو حاتم: وقدْ قالوا غيرَ هذا التفسيرِ» (٢).\nوفي تفسيرِ لفظِ قبل بلفظِ بعد = خروجٌ باللَّفظِ عن الأصلِ الذي جُعِلَ له، ولا يصِحُّ هذا إلاَّ إذا لم يُفهَمِ الكلامُ إلاَّ على معنى الضِّدِّ، والآيةُ مفهومةٌ على بقاءِ «بعد» على ظاهرِها، لذا لا حاجةَ لادِّعاءِ التَّضَادِّ في دلالتها.\nوسأذكرُ أقوال المفسِّرينَ في آيةِ سورةِ الأنبياءِ (٣)؛ ليتبيَّنَ أنَّ الآيةَ لها معنًى على الأصلِ منْ دلالةِ «بعد»، وأنَّه لا حاجَة إلى هذا التَّأويلِ الذي يُخرِجُها عن أصلِها اللُّغويِّ من معنى البعديَّةِ.\nأوردَ الإمامُ الطبريُّ (ت:٣١٠) ثلاثةَ أقوالٍ للسَّلفِ في معنى هذه الآيةِ، وكُلُّ هذه الأقوالِ تجعلُ لفظةَ «بعد» على دلالتِها اللُّغويَّةِ المعروفةِ في البعديَّةِ.\nالقول الأولُ: الزَّبُورُ: كتبُ الأنبياءِ، والذِّكْرُ: أُمُّ الكتابِ؛ أي: اللَّوحُ المحفوظُ.\n_________\n(١) الآيات بتمامها: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ *وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ *ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.\n(٢) الأضداد، لأبي حاتم السجستاني (ص:١٦٧)، وينظر: الأضداد، لقطرب (ص:١٠٠)، فقد فسر: بعد؛ بمعنى: مع.\n(٣) قد سبق الجوابُ عن آيةِ سورة النازعات.","vol":"1","page":474},{"text":"وبه قال: سعيدُ بنُ جبيرٍ (ت:٩٤)، ومجاهدُ (ت:١٠٤)، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ زيدٍ (ت:١٨٢) (١)، واختارَه الطبريُّ (ت:٣١٠) (٢).\nالقولُ الثاني: الزَّبُورُ: الكتبُ التي أنزلَها اللهُ على مَنْ بعدَ موسى من الأنبياءِ، والذِّكْرُ: التَّورَاةُ.\nوبه قالَ: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨)، والضَّحَّاكُ (ت:١٠٥) (٣).\nالقولُ الثالثُ: الزَّبُورُ: زَبُورُ دَاوُدَ ﵇، والذِّكْرُ: التَّورَاةُ، وهو قول عامرٍ الشَّعْبِيِّ (ت:١٠٣) (٤).\nوهذه الأقوالُ - كما ترى - ليسَ فيها إخراجٌ لدلالةِ «بعد» اللُّغويَّةِ عن أصلِها في البَعْدِيَّةِ المضَادَّةِ لمعنى القَبليَّةِ، وبقاءُ اللَّفظِ على معناه المعروف أولى من إخراجِه عنه بلا دلالةٍ سوى الاحتمالِ والتَّوَهُّمِ، واللهُ أعلمُ.\n_________\n(١) ينظر أقوالهم في تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٧:١٠٣).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٧:١٠٤).\n(٣) ينظر أقوالهم في تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٧:١٠٣).\n(٤) ينظر تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٧:١٠٣ - ١٠٤).","vol":"1","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>ثالثًا الاختلافُ بسببِ مخالفةِ المعنى الأشهر في اللَّفظ</span>\nيَرِدُ على اللَّفظِ في لغةِ العربِ احتمالُ الاشتراكِ، كما سبقَ، وقدْ تكونُ دلالةُ اللَّفظِ على المعنيينِ في درجةٍ قويَّةٍ من الاحتمالِ، وقبولِ السياقِ لهما، وقدْ تتفاوتُ هذه المعاني في هذا الاحتمالِ، فيكون اللَّفظُ دائرًا بين معنيينِ أحدهُما أشهرُ وأظهرُ في معنى اللَّفظِ من الآخرِ. وإذا دارَ الكلامُ بينَ هذينِ، قُدِّمَ الأشهرُ والأظهرُ من معاني اللَّفظِ، ومنْ أمثلةِ ذلك:\nذكرَ الطبريُّ (ت:٣١٠) في قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس: ٨٧] أقوالًا عنِ السَّلفِ:\nالقول الأول: وتَرْجَمَهُ بقوله: اجعلوا بيوتَكم مساجدَ تُصَلُّونَ فيها، وذكر ذلك عن ابنِ عباسِ (ت:٦٨)، وإبراهيمَ النَّخَعِيِّ (ت:٩٦) (١)، ومجاهدٍ (ت:١٠٤)، والضَّحَّاكِ (ت:١٠٥)، وزيدِ بنِ أسلمَ (ت:١٣٦)، وأبي مالك غزوانِ الغِفَارِيِّ الكوفيِّ (٢)، والربيعِ بن أنس (ت:١٣٩) (٣).\n_________\n(١) إبراهيم بن يزيد، النخعي الكوفي، روى عن مسروق وعلقمة وغيرهما، كان هو والشعبي فقيهي الكوفةِ، ينظر: سير أعلام النبلاء (٤:٥٢٠ - ٥٢٩)، وغاية النهاية (١:٢٩ - ٣٠).\n(٢) غزوان الغفاري، أبو مالك، الكوفي، صاحب التفسير، ثقةٌ، روى عن ابن عباس، وروى عنه السدي وغيره. ينظر: الطبقات الكبرى (٦:٢٩٥)، والجرح والتعديل (٩:٤٣٥).\n(٣) ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٥:١٧١ - ١٧٣).","vol":"1","page":476},{"text":"الثاني: اجعلوا مساجدكم قِبَلَ الكعبة، وذكر ذلك عن ابن عباس (ت:٦٨)، ومجاهد (ت:١٠٤)، والضحاك (ت:١٠٥)، وقتادة (ت:١١٧) (١).\nالثالث: وتَرْجَمَهُ بقوله: اجعلوا بيوتكم يُقَابِلُ بعضُها بعضًا، وذكر ذلك عن سعيد بن جبير (ت:٩٤) (٢).\nوقد اختار الطبريُّ (ت:٣١٠) البيوتَ المسكونةَ، فقالَ: «وأولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ، القولُ الذي قدَّمْنَا بيانه، وذلك أنَّ الأغلبَ منْ معاني البيوتِ - وإنْ كانتْ المساجدُ بيوتًا - البُيُوتُ المسكونةُ، إذا ذُكِرَتْ باسمِها المطلقِ، دونَ المساجدِ، لأنَّ المساجدَ لها اسمٌ هي به معروفةٌ، خاصٌّ لها، وذلكَ: المساجدُ. فأمَّا البُيُوتُ المطلَقَةُ بغيرِ وصلِها بشيءٍ، ولا إضافتِها إلى شيءٍ، فالبُيُوتُ المسكونةُ. وكذلكَ القبلةُ، الأغلبُ من استعمالِ النَّاسِ إيَّاها في قِبَلِ المساجدِ للصَّلواتِ.\nفإذا كانَ ذلكَ كذلكَ، وكانَ غيرَ جائزٍ توجيهُ معاني كلامِ اللهِ إلاَّ إلى الأغلبِ من وجوهِهَا، المستعملِ بين أهلِ اللِّسانِ الذي نزلَ به، دونَ الخفيِّ المجهولِ، ما لم تأتِ دلالةٌ تدلُّ على غيرِ ذلكَ - ولم يكنْ على قولِه: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ دلالةٌ تَقْطَعُ العُذْرَ بأنَّ معناه غيرُ الظَّاهرِ المستعملِ في كلامِ العربِ - لم يَجُزْ لنا توجيهُهُ إلى غيرِ الظَّاهرِ الذي وصفْنَا، وكذلك القولُ في: قِبْلَةً» (٣).\nوالمقصودُ هاهنا أنَّ ورودَ هذه المعاني المخالفةِ للمعنى الأشهرِ في مدلولِ اللَّفظِ عندَ العربِ كانتْ سببًا في حَمْلِ بعضِ المفسرينَ الآياتِ عليها. وسأذكرُ بعضَ الأمثلةِ على ذلكَ:\n_________\n(١) ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٥:١٧٣ - ١٧٥).\n(٢) ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٥:١٧٥).\n(٣) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٥:١٧٥ - ١٧٦). وينظر أمثلةً أخرى في الجزء نفسه (٣٢١، ٣٣٣)، وفي طبعة الحلبي (٢:٣٦، ٤٦٨، ٦١٦)، (٣٠:٦، ١٣، ٦٧، ١٧٧).","vol":"1","page":477},{"text":"١ - اختلف المفسرونَ في لفظِ «ضَحِكَتْ» من قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] على قولين:\nالقولُ الأولُ: أنَّ معنى ضَحِكَتْ: الضَّحِكُ المعروفُ.\nوهو قولُ الجمهورِ.\nفمنْ أهلِ التَّفسيرِ من السَّلَفِ: عبد الله بنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (١)، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ الصَّنْعَاني (ت:١١٤) (٢)، وقتادةُ بن دعامة السَّدوسيُّ (ت:١١٧) (٣)، وإسماعيلُ السُّدِّيُّ (ت:١٢٨) (٤)، ومحمد بن السائب الكلبيُّ (ت:١٤٦) (٥).\nومن أهل اللُّغةِ: أبو زكريَّا الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (٦)، وأبو العباس ثَعْلَبٌ (ت:٢٩١) (٧)، وأبو إسحاق الزَّجَّاجُ (ت:٣١١) (٨)، وأبو جعفر النَّحَّاسُ (ت:٣٣٨) (٩).\nالقولُ الثاني: ضَحِكَتْ: حَاضَتْ.\nوقدْ وردَ عنْ بعضِ السَّلفِ منهم: ابنُ عبَّاسٍ (ت:٦٨) (١٠)، ومجاهدُ (ت:١٠٤) (١١)، وعكرمةُ (ت:١٠٥) (١٢).\n_________\n(١) ينظر: الدر المنثور (٤:٤٤٨).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٢:٧٢).\n(٣) تفسير عبد الرزاق (١:٢٦٧)، تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٢:٧٢)، وتفسير ابن أبي حاتم (٦:٢٠٥٤).\n(٤) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٢:٧٢).\n(٥) تفسير عبد الرزاق (١:٢٦٧)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (١٢:٧٢).\n(٦) معاني القرآن (٢:٢٢).\n(٧) تهذيب اللغة (٤:٨٩).\n(٨) معاني القرآن وإعرابه (٣:٦٢).\n(٩) معاني القرآن (٣/ ٣٦٤).\n(١٠) تفسير ابن أبي حاتم (٦:٢٠٥٥).\n(١١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٢:٧٣)، وفي هذه الراوية: علي بن هارون، وهو مجهول، وعمرو بن الأزهر العتكي، وهو كذاب يضع الحديث. ينظر: تعليق محمود شاكر على هذا الأثر في تفسير الطبري (١٥:٣٩٢).\n(١٢) تفسير عبد الرزاق (١:٢٦٧)، والدر المنثور (٤:٤٥٢)، عن أبي الشيخ، وقد ذكر =","vol":"1","page":478},{"text":"ومن اللُّغويِّينَ: صاحبُ كتابِ العينِ (١)، ونقل ابن قتيبة (ت:٢٧٦) القولينِ ولم يعترضْ على هذا القولِ (٢)، ونقل الطبريُّ هذا المعنى عنْ بعضِ البصريِّينَ مع شواهدِهِم عليه (٣).\nوقال أبو بكر بن دريد (ت:٣٢١): «وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] ذكرَ المفسِّرونَ أنَّها حَاضَتْ، واللهُ أعلمُ.\nقالَ أبو بكرٍ: ليسَ في كلامِهِم: ضَحِكَتْ في معنى حَاضَتْ إلاَّ في هذا» (٤).\nوقال أبو بكر بن الأنباريِّ (ت:٣٢٨): «أنكرَ الفَرَّاءُ، وأبو عبيدةَ، وأبو عبيدٍ أنْ يكون «ضحكت» بمعنى حَاضَتْ. وَعَرَفَهُ غيرُهم، قالَ الشَّاعِرُ (٥):\nتَضْحَكُ الضَّبْعُ لِقَتْلَى هُذَيْلٍ ... وَتَرَى الذِّئبَ لَهَا يَسْتَهِلُّ\nقال بعضُ أهلِ اللُّغةِ: معناه: تحيضُ» (٦).\nوسببُ هذا الخلافِ أنَّ المعنى الأوَّلَ - أي: الضحكَ - هو المشهورُ في دلالةِ اللَّفظِ، أمَّا الثاني فقليلٌ، ولذا أنكرَهُ بعضُ اللُّغويينَ، ولكَّنه إنكارٌ مردودٌ، إذ المُثْبِتُ مُقَدَّمٌ على النَّافي، ومنْ حفظَ حُجَّةٌ على منْ لم يحفظْ (٧).\n_________\n= عكرمة - في رواية أبي الشيخ عنه - شاهدًا شعريًا:\nإني لآتِي العِرْسَ عِنْدَ طُهُورِهَا ... وَأَهْجُرُهَا يَومًا إذا هِيَ تَضْحَكُ\n(١) كتاب العين (٣:٥٨).\n(٢) تفسير غريب القرآن (ص:٢٠٥).\n(٣) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٥:٣٩٢ - ٣٩٣).\n(٤) جمهرة اللغة (١:٥٤٦).\n(٥) البيت مُختلفٌ في نسبتِه، فنُسِبَ للشَّنْفَرى، ولتأبَّطَ شَرًّا، ولابن أخته، ولخلف الأحمر، ينظر: المعجم المفصَّل في شواهد اللغة العربية (٦؛٢٨٥).\n(٦) زاد المسير، تحقيق: محمد عبد الرحمن (٤:١٠٣)، وينظر: مفاتيح الغيب، للرازي، ط: دار الكتب العلمية (١٨:٢٢).\n(٧) ينظر: روح المعاني (١٢:٩٨).","vol":"1","page":479},{"text":"وهذا القولُ، فضلًا عن ورودِهِ عنِ السَّلفِ، فإنه مُدعَّمٌ بالشَّواهدِ الشِّعريَّةِ التي تُثْبِتُهُ لغةً (١)، وهو مع ثبوتِه لغةً، أضعفُ في التَّفسير منَ القولِ الأوَّلِ (٢)؛ لأنَّ المعنى المشهورَ مُقدَّمٌ على المعنى القليلِ.\n٢ - اختلفَ المفسرونَ في لفظِ «بَرْدًا» منْ قولِهِ تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٤] على أقوالٍ، منها:\nالقولُ الأولُ: البَرْدُ: الهواءُ الباردُ الذي يُبَرِّدُ حرارةَ الجسمِ، ونُسِبَ إلى مقاتلِ بنِ سليمانَ (ت:١٥٠) (٣)، واختارَه الطَّبريُّ (ت:٣١٠) (٤)، وأبو جعفر النَّحَّاسُ (ت:٣٣٨) (٥).\nوقال المَاوَرْدِيُّ (ت:٤٥٠) (٦): «أنه بردُ الماءِ وبردُ الهواءِ، وهو قول كثيرٍ من المفسرين» (٧).\nالقولُ الثاني: البَرْدُ: النَّومُ، وقد نُسِبَ هذا القول إلى بعضِ السَّلفِ،\n_________\n(١) ينظر الشواهد في: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٥:٣٩٣)، وروح المعاني (١٢:٩٨)، ولسان العرب، مادة (ضحك).\n(٢) ينظر: غرائب التفسير، للكرماني، تحقيق: شمران سركال (١:٥١٢)، وقد جعله من العجيب [والعجيب: ما فيه أدنى خلل ونظر (٢:١٤١٣)]. وينظر: المحرر الوجيز، ط: قطر (٧:٣٤٥)، والتسهيل لعلوم التنْزيل، لابن جُزَي (٢:١٠٩).\n(٣) معالم التنْزيل، للبغوي (٤:٤٣٨)، وزاد المسير، لابن الجوزي (٨:١٦٥).\n(٤) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:١٢).\n(٥) إعراب القرآن، للنحاس، تحقيق: الدكتور زهير غازي زاهد (٥:١٣١ - ١٣٢)، والقطع والائتناف، للنحاس (ص:٧٥٨).\n(٦) علي بن محمد بن حبيب، أبو الحسن المَاوَرْدِيُّ، القاضي الشافعيُّ، أصوليٌّ، فقيهٌ، أديبٌ، مفسِّرٌ، له في التفسير كتابُ النُّكت والعيون، توفي سنة (٤٥٠). ينظر: طبقات الشَّافعية، لابن السُّبْكي (٥:٢٦٧ - ٢٨٥)، ومعجم المفسرين (١:٣٧٥).\n(٧) النكت والعيون، للماوردي، تحقيق: السيد بن عبد المقصود (٦:١٨٧)، وينظر: المحرر الوجيز (١٥:٢٨٧).","vol":"1","page":480},{"text":"وهم: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (١)، ومجاهدُ بنُ جبر (ت:١٠٤) (٢)، والسُّدِّيُّ (ت:١٢٨) (٣).\nوهو اختيارُ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) (٤)، وابنِ قُتَيبَةَ (ت:٢٧٦) (٥)، وثعلب (ت:٢٩١) من اللُّغويِّين (٦)، وقد نُسِبَ هذا القول إلى غيرهم (٧).\nوإذا نظرتَ إلى هذين المدلولينِ، فإنَّكَ ستجدُ أنَّ المدلولَ الأولَ الذي فُسِّرَ به لفظِ «البَرْدِ» أشهرُ في إطلاقِ اللُّغةِ من المدلولِ الثاني.\nقال النَّحَّاسُ (ت:٣٣٨)؛ «وأصَحُّ هذه الأقوالِ القولُ الأوَّلُ؛ لأنَّ البَرْدَ ليسَ باسمٍ من أسماءِ النَّومِ، وإنَّما يُحتَالُ فيه، فيقال للنَّومِ بَرْدٌ؛ لأنَّه يُهَدِّي العَطَشَ.\nوالواجبُ أن يُحْمَلَ كتابُ اللهِ جلَّ وعَزَّ على الظَّاهِرِ والمعروفِ من المعاني، إلاَّ أنْ يَقَعَ دَليلٌ على غيرِ ذلكَ» (٨).\n_________\n(١) معالم التنْزيل، للبغوي (٤:٤٣٨).\n(٢) النكت والعيون، للماوردي (٦:١٨٧)، وزاد المسير، لابن الجوزي (٨:١٦٥).\n(٣) النكت والعيون، للماوردي (٦:١٨٧)، وزاد المسير، لابن الجوزي (٨:١٦٥).\n(٤) مجاز القرآن، لأبي عبيدة (٢:٢٨٢).\n(٥) تفسير غريب القرآن (ص:٥٠٩).\n(٦) تفسير القرآن، للسمعاني، تحقيق: ياسر بن إبراهيم، وغنيم عباس (٦:١٣٩).\n(٧) نسبه ابن عطية في تفسيره إلى الكسائي، والفضل بن خالد، ومعاذ النحوي. ينظر: المحرر الوجيز (١٥:٢٨٧).\n(٨) إعراب القرآن، للنحاس (٥:١٣٢)، وينظر له القطع والائتناف (ص:٧٥٨). وهذا الترجيح مأخوذ من الإمام الطبري، كما هي عادة النحاس في استفادته من ترجيحات الطبري واختياراته، قال الطبريُّ في تفسيره، ط: الحلبي (٣٠:١٣): «والنوم، وإن كان يُبرِد غليل العطش - فقيل له من أجل ذلك: البرد - فليس هو باسمه المعروف، وتأويل كتاب الله على الأغلب من معروف كلام العرب دون غيره». وينظر: التحرير والتنوير (٣٠:٣٧).","vol":"1","page":481},{"text":"والمقصودُ أنَّ هذا الخلافَ كان بسببِ حَمْلِ اللَّفظِ على المعنيينِ: الأشهرِ المعروفِ، والأقلِ المنكورِ، واللهُ أعلمُ.\n٣ - اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ «يَنْصُرَهُ» مِنْ قولِه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] على قولينِ:\nالقولُ الأوَّلُ: ينصره: يعينُهُ في الغَلَبَةِ على عدوِّهِ.\nوقال به من السَّلفِ: قتادةُ (ت:١١٧)، وابنُ زيد (ت:١٨٢) (١).\nوقال به من اللُّغويينَ: الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (٢)، والزَّجَّاجُ (ت:٣١١) (٣)، والنَّحَّاسُ (ت:٣٣٨) (٤)، والأزْهَرِيُّ (ت:٣٧٠) (٥).\nالقول الثاني: ينصره: يرزقه، وفي معنى الآية احتمالان:\nالاحتمال الأول: ما قاله ابنُ عبَّاسٍ (ت:٦٨) من أنَّ المعنى: منْ كانَ يَظُنُّ أنَّ اللهَ لَنْ يَرْزُقَ محمدًا ﷺ (٦).\nالاحتمال الثاني: ما قاله مجاهدٌ بن جبر (ت:١٠٤) من أنَّ المعنى: منْ كانَ مِنَ النَّاسِ يظنُّ أنَّ الله لنْ يرزقه، فالضَّميرُ يعودُ على «مَنْ» (٧).\nومن اللُّغوييِّنَ من فسَّر النَّصرَ بالرِّزقِ؛ كأبي عبيدةَ (ت:٢١٠) (٨)، وقد رجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ (٩).\n_________\n(١) ينظر قولهما في تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٧:١٢٦).\n(٢) معاني القرآن (٢:٢١٨).\n(٣) معاني القرآن وإعرابه (٣:٤١٧).\n(٤) إعراب القرآن (٤:٩٠).\n(٥) تهذيب اللغة (١٢:١٦٠).\n(٦) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٧:١٢٧).\n(٧) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٧:١٢٧).\n(٨) مجاز القرآن (٢:٤٦)، واستدلَّ له بنثرٍ من قول العرب وبشعر.\n(٩) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٧:١٢٨).","vol":"1","page":482},{"text":"وسببُ هذا الخلافِ أنَّ المعنيينِ واردانِ في هذه اللَّفظةِ، غيرَ أنَّ الأوَّلَ هو المعنى المشهورُ في اللَّفظةِ، لذا لم يردْ هذا الخلافُ في مدلولِ هذه اللَّفظةِ في القرآنِ إلاَّ في هذا الموضعِ؛ أي أنَّ الغالبَ في مدلولِها في القرآن: معنى التأييدِ والإعانةِ، وهو المعروفُ من معنى اللَّفظِ.\nقال ابنُ عَطِيَّة (ت:٥٤٢): «والنَّصْرُ: معروفٌ، إلاَّ أنَّ أبا عُبَيدَةَ ذَهَبَ به إلى معنى الرِّزْقِ» (١).\n_________\n(١) المحرر الوجيز (١٠:٢٣٩)، وقد رجَّح معنى النصر (ص:٢٤٢)، فقال: «وأبين وجوه هذه الآية: أن تكون مثلًا، ويكون النصر المعروف».","vol":"1","page":483},{"text":"رابعًا الاختلاف بسبب أصل اللَّفظ واشتقاقه\nالاشتقاقُ: أَخْذُ صِيغَةٍ مِنْ أخرى مع اتفاقِهما معنًى، ومادةً أصليةً، وهيئةَ تركيب لها؛ ليُدلَّ بالثانيةِ على معنى الأصلِ، بزيادةٍ مفيدةٍ؛ لأجلها اختلفا حروفًا أو هيئةً؛ كضاربِ من ضَرَبَ، وحَذِرٌ من حَذِرَ، وهذا هو الاشتقاقُ الأصْغَرُ (١)، وهو المقصود هنا.\nوالاشتقاقُ عَوْدٌ باللَّفظِ إلى أصلِه لِيُنْبِئَ عن معناه. وبما أنه مفيدٌ في معرفةِ أصلِ الكلمةِ، فإنه يفيدُ كذلك في معرفةِ خطأ بعضِ التَّفاسيرِ الشَّاذَّةِ التي خرجَ بها قائلوها عن المعنى المعروفِ بسببِ دعوى باطلةٍ، ومن ذلك:\n١ - ما وردَ عن بعضِهم في تفسيرِ قولِ الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] بأنَّ إمامًا: جمعُ أُمٍّ.\nقالَ الزَمَخْشَرِيُّ (ت:٥٣٨): «ومِنْ بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ الإمامَ جمعُ أُمٍّ، وأنَّ الناسَ يُدعونَ يومَ القيامةِ بأمهاتِهم، وأنَّ الحكمةَ في الدعاءِ بالأمهاتِ دونَ الآباءِ رعايةُ حَقِّ عيسى ﵇، وإظهارُ شَرَفِ الحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وأنْ لاَ يَفْتَضِحَ أولادُ الزِّنَى. وليتَ شِعْرِي، أيُّهما أبدعُ: أصِحَّةُ لفظِهِ، أمْ بَهَاءُ حِكْمَتِهِ!» (٢).\n_________\n(١) ينظر: المزهر، للسيوطي (١:٣٤٦ - ٣٤٧)، وينظر غيره من التعريفات في: الكليات، للكفوي، تحقيق: عدنان درويش ومحمد المصري (ص:١١٧)، والعلم الخفاق في علم الاشتقاق، محمد صديق خان، تحقيق: نذير محمد مكتبي (ص:٦٥ - ٧٦).\n(٢) الكشاف، للزمخشري، ط: دار المعرفة (٢:٤٥٩). وقد جعله الكرماني في كتابه: =","vol":"1","page":484},{"text":"٢ - وفَسَّرَ الزَّجَّاجَ (ت:٣١١) قولَ الله تعالى: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، فقال: «وهذا موضعٌ لطيفٌ يحتاجُ أنْ يُشْرَحَ، وهو أنَّ الحُسْبَانَ في اللُّغةِ هو الحِسَابُ، قالَ تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]، المعنى: بِحِسَابٍ. فالمعنى في هذه الآيةِ: أنْ يُرسِلَ عليها عذابَ حُسْبَانٍ، وذلك الحُسْبَانُ هو حِسَابُ ما كسبتْ يداكَ» (١).\nوقد تعقَّبَ الأزْهَرِيُّ (ت:٣٧٠) هذا القولَ، فقال: «والذي قاله الزَّجَّاجُ في تفسيرِ هذه الآيةِ بعيدٌ، والقولُ ما قاله الأخْفَشُ وابنُ الأعْرَابِيِّ وابنُ شُمَيْل (٢)، والمعنى - والله أعلم ـ: أنَّ اللهَ يُرْسِلُ على جَنَّةِ الكافرِ مَرَامِيَ مِنْ عَذابٍ، إما بَرَدٌ، وإمَّا حِجَارَةٌ، أوْ غيرُها مما شاءَ، فَيُهْلِكُهَا ويُبْطِلُ غَلَّتَهَا» (٣).\nفي هذا المثال جعل الزَّجَّاجُ (ت:٣١١) الحُسْبَانَ: جمع الحِسَابِ، والصَّحيحُ أنَّه جمعٌ، واحدتُه: حُسبانة، وهي المرامي.\nويلاحظُ في هذا المثالِ أنَّ لفظَ «حِسَاب» ولفظَ «حُسْبَانَة» مفترقان في الرسمِ، وقد اتفقا في الجمعِ على صيغةٍ واحدةٍ، وهي الحُسْبَانُ، وهذا ما أحدثَ ذلك الخلافَ في تفسيرِ هذه اللَّفظةِ، وهذا يعني أنَّ هذا المبحثَ مرتبطٌ بمبحثِ المشتركِ اللَّفظيِّ من هذه الجِهَةِ، واللهُ أعلمُ.\nوالأمثلةُ لهذا المبحثِ كثيرةٌ (٤)، وسأذكرُ منها ما يلي:\n_________\n= غرائب التفسير، من قسم العجيب الذي فيه أدنى خَلَلٍ ونَظَرٍ (٢:٦٣٦)، ونسبه البغوي في تفسيره، تحقيق: خالد العك، ومروان سرور (٣:١٢٦)، إلى محمد بن كعب القرظي.\n(١) معاني القرآن وإعرابه (٣:٢٩٠).\n(٢) الحُسْبَانُ في قولِهم: المَرَامي. ينظر: تهذيب اللغة (٤:٣٣٢).\n(٣) تهذيب اللغة (٤:٣٣٢). وقد فسر السلف هذه الآية بمثل ما ذكره عن الأخفش وابن الأعرابي وابن شميل، ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٥:٢٤٨ - ٢٤٩).\n(٤) هذا المبحثُ وما سبقه من المباحثِ مما يصلحُ لتوسيع البحثِ فيه لكثرةِ الأمثلةِ التطبيقيَّةِ التي يمكنُ أن يُدرِّسها من أرادَ التفسير، ويجعلها مادَّةً للنقاشِ مع طلاَّبِه.","vol":"1","page":485},{"text":"١ - اختلفَ المفسِّرونَ في تفسيرِ لفظِ «عِضِينَ» من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] على قولين:\nالقول الأول: عِضِين: فرَّقُوه فِرَقًا، وجعلوه أعضاءَ كأعضاءِ الجَزُورِ [أي: الجمل]، فهو من العضو.\nوقالَ به منَ السَّلفِ:\nحبرُ الأمَّةِ ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (١)، وسعيد بنُ جُبَير (ت:٩٤) (٢)، ومجاهدٌ بن جبر (ت:١٠٤) (٣)، والضَّحَّاكُ بنُ مزاحم (ت:١٠٥) (٤)، وعِكْرِمَةُ (ت:١٠٥) (٥)، وعطاءُ بنُ أبي رَبَاح (ت:١١٤) (٦)، وقَتَادَةُ (ت:١١٧) (٧)، وعبد الرحمن بنُ زَيد (ت:١٨٢) (٨).\nوممن قال به منَ اللُّغويينَ:\nالخَلِيلُ بنُ أحمدَ (ت:١٧٥) (٩)، والفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (١٠)، وأبو عُبَيدَةَ (ت:٢١٠) (١١)، والأخفشُ (ت:٢١٥) (١٢)، وابنُ الأعرابيِّ (ت:٢٣١) (١٣)، وابنُ قُتَيبَةَ (ت:٢٧٦) (١٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:٦١، ٦٤).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:٦٢، ٦٤).\n(٣) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:٦٣).\n(٤) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:٦٤).\n(٥) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:٦٢).\n(٦) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:٦٤).\n(٧) تفسير عبد الرزاق (١:٣٠٣)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:٦٤).\n(٨) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:٦٤).\n(٩) مقاييس اللغة، لابن فارس (٤:٣٤٧).\n(١٠) معاني القرآن (٢:٩٢).\n(١١) مجاز القرآن (١:٣٥٥).\n(١٢) معاني القرآن (٢:٤١٣).\n(١٣) ينظر: لسان العرب، مادة (عضا).\n(١٤) تفسير غريب القرآن (ص:٢٣٩).","vol":"1","page":486},{"text":"القولُ الثاني: عِضِين: سِحْرٌ.\nووردَ هذا التَّفسيرُ عن مجاهدٍ (ت:١٠٤) (١)، وعِكْرِمَةَ (ت:١٠٥) (٢).\nوقد أشارَ إلى هذا القولِ جَمْعٌ منْ أهلِ اللُّغةِ (٣).\nوسببُ هذا الخلافِ: اختلافُ النَّظرِ إلى أصلِ هذا اللَّفظِ واشتقاقِهِ، قالَ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) مبينًا ذلك: «وأمَّا قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]، فقدِ اختلفَ أهلُ العربيَّةِ في اشتقاقِ أصلِهِ وتفسيرِه، فمنهم من قالَ: واحدُها عِضَةٌ، وأصلُها عَضْوَةٌ، من عَضَّيْتُ الشَّيءَ: إذا فَرَّقتُهُ، جعلوا النُّقصانَ الواو [كذا]، والمعنى: أنَّهم فرَّقوا - يعني: المشركون - أقاويلَهم في القرآنِ؛ أي: فجعلوه مَرَّةً كَذِبًا، ومَرَّةً سِحْرًا، ومَرَّةً شِعْرًا، ومَرَّةً كِهَانَةً.\nومنهم منْ قالَ: أصل العِضَةِ عِضِهَةٌ، فاستثقلُوا الجمعَ بينَ هاءينِ، فقالوا: عِضَةٌ، كما قالوا: شفةٌ، والأصلح شَفَهَةٌ، وكذلك سَنَةٌ، وأصلُها: سَنَهَةٌ.\nوقالَ الفَرَّاءُ: العِضُونَ في كلامِ العربِ: السِّحْرُ (٤)، وذلكَ أنَّه جعلَه من العِضْهِ، وَرُوِيَ عنْ عِكْرِمَةَ أنَّه قالَ: العِضْهُ: السِّحْرُ بلسانِ قُرَيشٍ. وهم يقولون للسَّاحِرِ: عَاضِهٌ (٥). والكِسَائِيُّ (٦) ذهبَ إلى هذا» (٧).\n_________\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:٦٦).\n(٢) تفسير عبد الرزاق (١:٣٠٣)، وغريب الحديث، للحربي، (٣:٩٢٥)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:٦٦).\n(٣) ينظر: معاني القرآن، للفراء (٢:٩٢)، ومعاني القرآن، للنحاس (٤:٤٣)، وينظر: الصحاح، مادة (عضه)، ولسان العرب وتاج العروس، مادة (عضا).\n(٤) ينظر: قوله في معاني القرآن (٢:٩٢).\n(٥) ينظر قوله في تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:٦٦).\n(٦) ينظر: غريب الحديث، للحربي (٣:٩٢٥).\n(٧) تهذيب اللغة (١:١٣٠ - ١٣١).","vol":"1","page":487},{"text":"٢ - اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ «صلصال» منْ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] على قولين:\nالقولُ الأولُ: الصِّلْصَالُ: الطِّينُ اليابسُ الَّذي إذا نَقَرْتَهُ صَلَّ؛ أي: أصدرَ صوتًا.\nوبه قالَ: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (١)، وقتادةُ (ت:١١٧) (٢).\nومِنَ اللُّغويينَ: أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) (٣)، وابنُ قتيبةَ (ت:٢٧٦) (٤)، والزَّجَّاجُ (ت:٣١١) (٥).\nالقولُ الثاني: الصَّلْصَالُ: المُنْتِنُ.\nوبه قالَ مجاهد (ت:١٠٤) (٦). ولم أجدْ أحدًا مِنَ اللُّغويينَ قالَ به، وإنْ كانَ بعضُهم قدْ ذَكَرَهُ عنْ مجاهد (ت:١٠٤) (٧).\nوالقولُ الأوَّلُ جعلَ أصلَ الكلمةِ مِنَ الصَّلْصَلةِ؛ أي: الصَّوتُ، ومنه: صَلْصَلَةُ اللِّجَامِ، والحُلْيِ؛ أي: صوتُهُما، والصَّلْصَلَةُ: صَوتُ الرَّعْدِ إذا كانَ صَافِيًا، ويقالُ لِلْفَرَسِ إذا كانَ حَادَّ الصَّوتِ: فَرَسٌ صَلْصَالٌ (٨).\nوأمَّا القولُ الثاني، فجعلَ أصلَه مِن صَلَّ الشَيءُ، إذا تغيَّرَ وأنْتَنَ.\n_________\n(١) الدر المنثور (٥:٧٦).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:٢٧). وقد ترجم الطبري لهذا القول المذكور، وأورد الرواية عن ابن عباس ومجاهد والضحاك، وليس فيها تصريح بحدوث الصوت، فتركتها.\n(٣) مجاز القرآن (١:٣٥٠).\n(٤) تفسير غريب القرآن (ص:٢٣٧ - ٢٣٨).\n(٥) معاني القرآن وإعرابه (٣:١٧٨).\n(٦) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:٢٨).\n(٧) ينظر: تهذيب اللغة (١٢:١١٣)، وتاج العروس، مادة (صلل).\n(٨) ينظر: لسان العرب، مادة (صلل).","vol":"1","page":488},{"text":"قالَ الطَّبريُّ (ت:٣١٠): «وقالَ آخرونُ: الصَّلْصَالُ: المُنْتِنُ، وكأنَّهم وجَّهوا ذلكَ إلى أنَّه مِنْ قولِهم: صَلَّ اللَّحْمُ، وأَصَلَّ: إذا أَنْتَنَ» (١).\n٣ - اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ «مُسْتَمِرٌّ» من قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] على أقوالٍ، منها:\nالقولُ الأوَّلُ: مُسْتَمِرٌّ، ذاهبٌ وزائلٌ.\nوقالَ به منَ السَّلفِ: مجاهدُ بن جبرٍ (ت:١٠٤) (٢)، وقتادةُ بن دعامة السدوسي (ت:١١٧) (٣).\nومِنَ اللُّغويِّينَ: الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (٤)، والزَّجَّاجُ (ت:٣١١) (٥).\nالقولُ الثاني: مُسْتَمِرٌّ: شَدِيدٌ قَوِيٌّ.\nوقدْ نُسِبَ إلى أبي العَالِيَةِ (٩٣)، والضَّحَّاكِ بنِ مُزَاحِمٍ (ت:١٠٥) (٦).\nوممن قال به من أهلِ اللُّغةِ: أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) (٧)، وابنُ قتيبةَ (ت:٢٧٦) (٨)، وابنُ عُزَيزٍ السِّجسْتَانِيُّ (ت:٣٣٠) (٩).\n_________\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:٢٨)، وينظر: تهذيب اللغة (١٢:١١٣).\n(٢) تفسير مجاهد (ص:٦٣٣)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:٨٨)، وعلَّقه عنه البخاري في صحيحه (فتح الباري: ٨:٤٨٢). وينظر: تغليق التعليق، لابن حجر، تحقيق: سعيد القزقي (٤:٣٢٦ - ٣٢٧).\n(٣) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧ - ٨٨).\n(٤) معاني القرآن (٣:١٠٤).\n(٥) معاني القرآن وإعرابه (٥:٨٥).\n(٦) ينظر: معالم التنْزيل (٤:٢٥٨)، والمحرر الوجيز (١٤:١٤١)، وزاد المسير (٧:٢٤٣).\n(٧) مجاز القرآن (٢:٢٤٠).\n(٨) تفسير غريب القرآن (ص:٤٣١).\n(٩) غريب القرآن (ص:٣٣٠).","vol":"1","page":489},{"text":"ومن ثَمَّ، فإنَّ أصلَ اللَّفظِ على التَّفسيرِ الأوَّلِ: مَرَّ يَمُرُّ: إذا ذَهَبَ (١). وأصلُه على التَّفسير الثَّاني: أنَّه مُسْتَفعِلٌ مِنَ الإمْرَارِ، مِنْ قولِهم: قدْ مَرَّ الحَبْلُ: إذا صَلُبَ وَقَوِيَ واشْتَدَّ (٢).\nوبهذه الأمثلةِ يظهرُ أنَّ التَّفسيرِ يختلفُ باختلافِ النَّظرِ إلى أصلِ اللَّفظةِ، وإنْ كانتْ صُورةُ اللَّفظِ في الأصلينِ تنتهي إلى صيغةٍ واحدةٍ (٣).\n_________\n(١) ينظر: تهذيب اللغة (١٥:١٩٨).\n(٢) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:٨٨)، وتفسير غريب القرآن (ص:٤٣١).\n(٣) الأمثلة في هذا الباب كثيرة، وينظر الألفاظ التالية في تهذيب اللغة، مع موازنتها بأقوال المفسرين: حصيرًا (٤:٢٣٣)، حسومًا (٤:٣٤٤)، حاق (٥:١٢٦)، المحيض (٥:١٥٩)، تصدى (١٢:١٠٤)، مسنون (١٢:٣٠١)، مثاني (١٥:١٣٨)، أماني (١٥:٥٣٤).","vol":"1","page":490},{"text":"خامسًا الاختلاف بسبب المعنى القريب المتبادر للذهن والمعنى البعيد لِلَّفظِ\nإذا كان للفظِ مدلولانِ، أحدهما قريبٌ متبادرٌ للذِّهنِ، والآخرُ بعيدٌ، وسمعْتَ متكلِّمًا يتكلَّم بهذا اللَّفظِ، فإنَّ الغالبَ أن يتبادرَ إلى ذهنِكَ المعنى الظَّاهِرُ القريبُ، دون المعنى البعيدِ الذي لا يُوصَلُ إليه إلاَّ بتقليبِ النَّظرِ في المعاني المحتملةِ.\nفلو قالَ قائلٌ: اهْجُرْ فلانًا، لذهبَ الذِّهنُ إلى معنى التَّرْكِ، أي: اتركُهُ وصحبتَهُ، لأنَّ هذه الدِّلالةَ هي المعنى المتبادرُ القريبُ من الذِّهنِ في مدلولِ هذا اللَّفظِ. وقدْ لا يَخْطُرُ ببالِكَ أنَّ المرادَ هاهنا السَّبُ، وهو معنى آخرُ مُحْتَمَلٌ في دلالةِ هذا اللَّفظِ.\nوالتَّفريقُ بينَ المعنى القريبِ والمعنى البعيدِ يمكنُ أنْ تكونَ كثرةُ الاستعمالِ هي المرجعَ في معرفتِهِ، فكثرةُ استعمالِ العربِ لهذا اللَّفظِ في هذا المعنى دونَ ذاكَ يجعلُه أقربُ إلى الذِّهْنِ مِنْ غيرِه عندَ وُرُودِ الاحتمالِ عليه في سياقٍ مِنْ سِياقاتِ الكلامِ.\nوقدْ وَرَدَتْ ألفاظٌ في القرآنِ حملَها المفسِّرونَ على معانٍ محتملةٍ فيها، غيرَ أنَّ بعضَها يكونُ أقربَ إلى الذِّهنِ مِنْ بعضٍ، لشهرتِه وكثرة استعمالِه في أحدِ معاني اللفظِ.\nومِنْ هذه الأمثلةِ التي وقعَ خلافٌ فيها بينَ المُتَأَوِّلينَ لكتابِ الله، ما يأتي:","vol":"1","page":491},{"text":"١ - اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ الأعناقِ مِنْ قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَا نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، على أقوالٍ:\nالقولُ الأول: أعناقهم: الأَعْنَاقُ المعروفَةُ؛ أي: الرِّقَاب.\nومِمنْ قالَ بهِ مِنَ السَّلفِ: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (١)، ومجاهدُ بنُ جبرٍ (ت:١٠٤) (٢)، وقُتادةُ (ت:١١٧) (٣).\nومن اللُّغويِّينَ: الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (٤)، وأبو عبيدةَ (ت:٢١٠) (٥)، ونَسَبَهُ المُبَرِّدُ (ت:٢٨٥) إلى عَامَّةِ النَّحويِّينَ (٦)، ورجَّحَهُ الطبريُّ (ت:٣١٠) (٧).\nالقولُ الثَّاني: أعناقهم: كُبَرَاؤهم وأشرافُهم.\nوقدْ نَسَبَهُ الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) إلى مجاهد (ن:١٠٤) (٨).\nوقالَ به: قُطْرُبُ (ت:٢٠٦) (٩)، وابنُ عُزَيْزَ (ت:٣٣٠) (١٠).\nالقولُ الثَّالثُ: أعناقهم: جَمَاعَتُهُمْ.\nوقالَ به بعضُ اللُّغويِّينَ: صاحبُ كتابِ العينِ (١١)، وأبو زيدٍ الأنصاريُّ\n_________\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٩:٥٩).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٩:٥٩).\n(٣) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٩:٥٩)، وتفسير ابن أبي حاتم (٨:٢٧٥٠).\n(٤) معاني القرآن (٢:٢٧٧).\n(٥) مجاز القرآن (٢:٨٣).\n(٦) الكامل (٢:٦٦٩).\n(٧) قال الطبري: «وأولى الأقوالِ في ذلك بالصواب، وأشبهُها بما قال أهل التأويل في ذلك: أن تكون الأعناق هي أعناق الرجال، وأن يكون معنى الكلام: فظلت أعناقهم ذليلة للآية التي ينْزلها الله عليهم من السماء». تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٩:٦٢).\n(٨) معاني القرآن: (٢:٢٧٧)، وقد نسبه إليه - كذلك - النحاسُ في معاني القرآن (٥/ ٦٢).\n(٩) النكت والعيون، للماوردي (٤:١٦٥).\n(١٠) غريب القرآن (ص:٢٥٧).\n(١١) كتاب العين (١:١٦٨).","vol":"1","page":492},{"text":"(ت:٢١٥) (١)، وابنُ فَارِسَ (ت:٣٩٥) (٢).\nوقد نَسَبَهُ النَّحَّاس (ت:٣٣٨) إلى الأخفشُ (ت:٢١٥) (٣)، كما نَسَبَهُ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) إلى أكثرِ المفسِّرين (٤).\nإذا تأملتَ هذه الأقوالَ، وجدتَ أنَّ القولَ الأوَّلَ الذي قال به السَّلفُ وجمعٌ من اللغويِّينَ أقربُ إلى الذِّهنِ مِنَ المعنيينِ الآخَرَيْنِ، وهما - مع كونهما محتملينِ - مرجوحانِ بسبب أنَّ القولَ الأوَّلَ هو الأقربُ المتبادرُ للذِّهنِ، واللهُ أعلمُ (٥).\n٢ - اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ الثِّيابِ مِنْ قَوْلِه تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] على أقوالٍ، منها:\nالقولُ الأوَّلُ: ثيابك: الثيابُ الملبوسةُ، ويكونُ ذلك بإبعادِ النجاسةِ عنها.\n_________\n(١) ينظر: نسبته إليه في: الكامل، للمبرد (٢:٦٦٩)، ومعاني القرآن، للنحاس (٥:٦٣)، ومقاييس اللغة، لابن فارس (٤:١٥٩).\n(٢) مقاييس اللغة (٤:١٥٩).\n(٣) معاني القرآن، للنحاس (٥:٦٣). والذي في معاني القرآن للأخفش (٢:٤٦٠): «يزعمون أنها على الجماعات».\n(٤) تهذيب اللغة (١:٢٥٢). وهذه النسبة إن كان المراد بها مفسري السلف، ففي ذلك نظر، والله أعلم.\n(٥) لا يشكل على هذا قوله: ﴿خَاضِعِينَ﴾ حيث جاءت على جمع ما يعقل، والأعناق تجمع على ما لا يعقل، وقد أجاب العلماء عن هذا بأجوبة، منها.\n١ - أنها لما نُسِب إليها فعل يناسب العقلاء جاء الجمع على جمعهم؛ كقوله تعالى: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].\n٢ - أنَّ خاضعين صفةٌ للكنايةِ عن القوم، التي هي الضمير «هم» في أعناقهم، والتقدير: فظلت أعناق القوم خاضعين. وقد سبق ذكرُ هذا التخريجِ، وينظر: مجاز القرآن (٢:٨٣)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (١٩:٥٩ - ٦٢).","vol":"1","page":493},{"text":"وبه قال: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (١)، والضَّحَّاكُ (ت:١٠٥) (٢)، وعِكْرِمَةُ (ت:١٠٥) (٣)، وطَاوُسُ بنُ كَيسَانَ اليمانيُّ (ت:١٠٦) (٤)، ومحمدُ بنُ سِيرينَ (ت:١١٠) (٥)، وعبدُ الرحمن بن زيد (ت:١٨٢) (٦)، وسُفْيَانُ بنُ عُيَينَةَ (ت:١٩٨) (٧)، والشافعيُّ (ت:٢٠٤) (٨).\nالقولُ الثَّاني: أنَّ الثيابَ: النَّفْسُ، ويكونُ ذلك بتزكيَتِها، وعبَّرَ عنها بعضُهم بقولِه: «عَمَلَكَ فَأَصْلِحْهُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ خبيثَ العمل، قالوا: فلانٌ خبيثُ الثِّيابِ، وإذا كانَ حَسَنَ العملِ، قالوا: فلانٌ طاهرُ الثِّيابِ» (٩).\nوورد هذا المعنى عن ابنِ عبَّاسٍ (ت:٦٨) (١٠)، والنَّخَعِيِّ (ت:٩٦) (١١)، وعامرٍ الشَّعْبِيِّ (ت:١٠٣) (١٢)، ومجاهدِ بنِ جبرٍ (ت:١٠٤) (١٣)، وعَطَاءِ بنِ أبي رباحٍ (ت:١١٤) (١٤)، وقتادةَ (ت:١١٧) (١٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩: ١٤٥، ١٤٦)، وتفسير ابن أبي حاتم (١٠:٣٣٨٢).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:١٤٦).\n(٣) نسبه إليه: أبو المظفر السمعاني في تفسيره (٦:٨٩)، والبغوي في تفسيره (٤:٤١٣)، وابن الجوزي في تفسيره (٨:١٢١).\n(٤) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:١٤٦).\n(٥) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:١٤٦).\n(٦) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:١٤٧).\n(٧) نسب إليه هذا القولَ ابنُ قتيبة في تفسير غريب القرآن (٧:٤٩٥).\n(٨) أحكام القرآن، للبيهقي (ص:٨١).\n(٩) هذا قول أبي رزين، ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:١٤٦).\n(١٠) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:١٤٥، ١٤٦).\n(١١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:١٤٦).\n(١٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:١٤٦).\n(١٣) نسبه إليه البغوي في تفسيره (٤:٤١٣). كما نسبه إليه الضحاك والزهري.\n(١٤) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:١٤٦).\n(١٥) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:١٤٦). وعبارة قتادة: «طهِّرها من المعاصي، =","vol":"1","page":494},{"text":"وقال به منَ اللُّغويِّين: الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (١)، وابنُ قُتَيْبَةَ (ت:٢٧٦) (٢)، والزَّجَّاجُ (ت:٣١١) (٣).\nوإذا تأملتَ هذه الأقوالَ، وجدتَ أنَّ القولَ الأوَّلَ هو القريبُ المتبادرُ للذِّهنِ، بخلافِه القولُ الثَّاني الذي هو أبعدُ منه، إذ لا يتبادرُ إلى الذهنِ إرادته، وكلا القولينِ محتملٌ في الآيةِ (٤)، والله أعلم.\n٣ - اختلفَ المفسِّرونَ في لفظ «حَمَّالَةَ الحَطَبِ» مِنْ قولِه تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] على قولين:\nالقولُ الأوَّلُ: حَمَّالَةَ الحَطَبِ: تحملُ الشَّوكَ، وتلقيه في طريقِ الرَّسولِ ﷺ.\nوهذا قولُ ابنِ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (٥)، ومجاهدَ (ت:١٠٤) (٦)، والضَّحَّاكِ (ت:١٠٥) (٧)، والحَسَنِ (ت:١١٠) (٨)، وابنِ زيدٍ (ت:١٨٢) (٩)، وعَطِيَّةَ العَوفِيِّ الجَدَلِيِّ (ت:١١١) (١٠)، واختارَه الطَّبَرِيُّ (ت:٣١٠) (١١).\n_________\n= فكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يفِ بعهده أنه دَنِسُ الثياب، وإذا وفى وأصلح قالوا: مطهر الثياب».\n(١) معاني القرآن (٣:٢٠٠).\n(٢) تأويل مشكل القرآن (ص:١٤٢)، وتفسير غريب القرآن (ص:٤٩٥).\n(٣) معاني القرآن وإعرابه (٥:٢٤٥).\n(٤) ينظر في صحةِ احتمال القولين لمعنى الآية - مثلًا ـ: أحكام القرآن، لابن العربي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (٤:١٨٨٧)، والتحرير والتنوير (٢٩:٢٩٧).\n(٥) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٣٣٨).\n(٦) الدر المنثور (٨:٦٦٧).\n(٧) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٣٣٩).\n(٨) نسبه إليه هود بن محكم في تفسيره، وهو مختصر لتفسير يحيى بن سلام (٤:٥٤٢).\n(٩) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٣٣٩).\n(١٠) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٣٣٩).\n(١١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٣٣٩).","vol":"1","page":495},{"text":"القولُ الثاني: حَمَّالَةَ الحَطَبِ: تمشي بالنَّميمةِ.\nوهو قولُ مجاهد (ت:١٠٤) (١)، وعِكْرِمَةَ (ت:١٠٥) (٢)، والحَسَنِ البصريِّ (ت:١١٠) (٣)، وقتادةَ (١١٧) (٤)، وسفيان الثوريِّ (ت:١٦٤) (٥).\nوبه قال: الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (٦)، وابنُ قُتَيبَةَ (ت:٢٧٦) (٧).\nوالقولُ الأوَّلُ هو القولُ المتبادرُ الأقربُ إلى الذِّهنِ، وهو المعنى الظاهرُ مِنَ اللَّفظِ، قالَ الطَّبَريُّ (ت:٣١٠): «وأولى القولينِ عندي، قولُ مَنْ قالَ: كانتْ تَحْمِلُ الشَّوكُ، فتطرحُه في طريقِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ لأنَّ ذلكَ هو أظهرُ معنى ذلكَ» (٨).\nوالمرادُ بالشَّوكِ هنا: الشَّجرُ الذي فيه شوكٌ، قالَ عَطِيَّةُ العَوفِيُّ (ت:١١١): «كانتْ تَضَعُ العَضَاةَ (٩) على طريقِ رسولِ الله ﷺ، فكأنما يَطَأُ به كثيبًا» (١٠)، وقالَ ابنُ زَيدٍ (ت:١٨٢): «كانتْ تأتي بأغصانِ الشَّوكِ، فتطرحُها باللَّيلِ في طريقِ رسولِ اللهِ ﷺ» (١١)، وعلى هذا فمنْ عَبَّرَ بالشَّوكِ فإنَّه فَسَّرَ بالجزءِ الذي هو المقصودُ في الإيذاءِ، واللهُ أعلمُ.\n_________\n(١) تفسير مجاهد (ص:٧٥٩)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٣٣٩).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٣٣٩).\n(٣) الدر المنثور (٨:٦٦٧).\n(٤) تفسير عبد الرزاق (٢:٣٣١)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٣٣٩).\n(٥) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٣٣٩).\n(٦) معاني القرآن (٣:٢٩٩).\n(٧) تأويل مشكل القرآن (ص:١٦٠)، وتفسير غريب القرآن (ص:٥٤٢).\n(٨) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٣٣٩)، والعبارة فيها قلق، ولعل صحتها: «لأن ذلك هو أظهر معانيه»؛ لأنه كثيرًا ما يعبِّر بهذه العبارة، والله أعلم.\n(٩) العضاة: كلُّ ذات شوك من الشجر، ينظر: القاموس المحيط، مادة: عضه.\n(١٠) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٣٣٩).\n(١١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٣٣٩).","vol":"1","page":496},{"text":"والمعنى الثاني أبعدُ عن الذِّهنِ مِنَ المعنى الأوَّلِ، غيرَ أنَّه معروفٌ في اللُّغةِ، قالَ ابنُ قُتَيْبَةَ (ت:٢٧٦): «قالَ ابنُ عَبَّاسٍ - في رواية أبي صالحٍ عنه ـ: الحَطَبُ: النَّمِيمَةُ، وكانتْ تُوَرِّشُ (١) بين النَّاسِ.\nومنْ هذا قيل: فلانٌ يَحْطِبُ عَلَيَّ: إذا أغرى به، شَبَّهُوا النَّمِيمَةَ بالحَطَبِ، والعَدَاوَةَ والشَّحْنَاءِ بالنَّارِ؛ لأنَّهما يقعانِ بالنَّمِيمَةِ، كما تُلْهِبُ النَّارُ الحَطَبَ، ويقالُ: نارُ الحِقْدِ لا تَخْبُو. فاستعاروا الحَطَبَ في موضعِ النَّمِيمَةِ. وقالَ الشَّاعِر (٢) - وذَكَرَ امْرَأةً ـ:\nمِنَ البِيضِ لَمْ تَصْطَدْ عَلَى حَبْلِ سَوْأَةً ... وَلَمْ تَمْشِ بَيْنَ الْحَيِّ بالحَظْرِ الرَّطْبِ\nأي: لم تُوجَدَ على أمرٍ قبيحٍ، ولم تَمْشِ بالنَّمائمِ والكذبِ.\nوالحَظْرُ: الشَّجَرُ ذو الشَّوكِ.\nوقالَ آخرُ (٣):\nفَلَسْنَا كَمَنْ تُزْجَى المَقَالَةُ شَطْرَهُ بِقَرْفِ العَضَاةِ الرِّطْبِ والعَبَلِ اليَبْسِ» (٤).\nوبهذا يظهرُ أنَّ المعنيينِ محتملانِ في الآيةِ، غيرَ أنَّ أحدَهما أسبقُ إلى الذِّهنِ منَ الثاني. وهكذا كلُّ ما شاكلَ هذه الأمثلةَ (٥).\n_________\n(١) التوريش: التحريش. ينظر: القاموس المحيط، مادة (ورش).\n(٢) جاء هذا البيت في تهذيب اللغة، للأزهري (ت:٤/ ٣٩٤): بالحطب الرطب، وكذا في مقاييس اللغة، لابن فارس (٢:٧٩)، وقد نقله عن الأزهري صاحبا لسان العرب وتاج العروس في مادة (حطب)، وورد البيت في تفسير القرطبي (٢٠:٢٣٩)، وصدره:\nمن البيض لم تصطد على ظهر لأمة ... ........\n(٣) القِرْفُ: القِشْرُ، والمرادُ به في البيتِ: اللِّحاءُ الذي يكونُ على الساق. والعبل اليبس: الورق الساقطُ من الشجرِ، والله أعلم، ولم أجد البيت فيما بين يدي من المصادر.\n(٤) تأويل مشكل القرآن (ص:١٦٠).\n(٥) ينظر مثلًا: تفسير «المساجد» بأنها أعضاء السجود في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]، وتفسير «الرجم» في مثل قوله: ﴿لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦] بأنه السبُّ. وتفسير «النعجة» في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ ...﴾ [ص: ٢٢] بأنه المرأة، وهناك غير هذه الأمثلة.","vol":"1","page":497},{"text":"وقبلَ أنْ أختمَ هذا الفصلَ، أنبِّه على أمورٍ:\nالأول: أنه قد تتفقُ الصيغةُ، ويختلفُ الأصلُ اللفظي المأخوذةُ منه، فما كانَ الأصلُ فيه مختلفًا، جعلتُ سببَ الاختلافِ فيه: النظر إلى أصل الاشتقاقِ، وما كان غير ذلك، جعلته من المشتركِ اللغويِّ، مثلُ لفظِ «مستمر»، هل هو من مرَّ يمرُّ، أو أمرَّ الحبلُ: إذا اشتدَّ وقوي.\nفهما، وإن كانا اتفقا في صيغةِ المصدرِ إلاَّ أنَّ معناهما مختلفانِ، لذا قد يُحكمُ على التفسيرِ بهما أنهما من المشتركِ اللَّفظيِّ باعتبارِ اشتراكِ هذه الصيغةِ في الدلالةِ على هذا المعنى، ولكن إذا اعتبرتَ أصلِ اللفظِ جعلتَ الاختلافَ بسببِ النظرِ إلى أصلِ اللفظِ، وهو الأصحُّ، واللهُ أعلمُ.\nأمَّا إذا اتفقت الصيغة والأصلُ كلفظِ «نجم»، فإنه من المشترك اللَّفظيِّ، ولا يدخلُه احتمالُ الاختلافُ بسبب أصل اللفظِ واشتقاقِه، لأنَّ أصله واحدٌ، والله أعلمُ.\nالثاني: الفرقُ بين المعنى المشهورِ وضدِّه، والمعنى القريبِ وضدِّه.\nلما جمعت الأمثلةَ من هذا البابِ وقسمتُها، جعلتُ كلَّ ما وقعَ عليه اعتراضٌ من العلماءِ في القسمِ المقابلِ للمشهورِ، أمَّا إذا لم يقعْ منهم اعتراضٌ على المعنى المذكورِ فإني جعلتُه من القسمِ المقابلِ للمعنى القريبِ.\nالثالث: أنَّه يدخلُ في هذا البابِ ما كان الخلافُ فيه بسببِ حملِ اللَّفظِ على الحقيقةِ والمجازِ، عند من يقولُ به، لذا حملَ بعضُهم بعضَ هذه الأمثلةِ المذكورةِ على المجازِ، كالخلافِ في قولِه تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، قال ابنُ العَرَبِيِّ (ت:٥٤٣): «ليس يمتنعُ أنْ تُحْمَلَ الآيةُ على عمومِ المرادِ فيها بالحقيقةِ والمجازِ ...» (١).\nوعودًا على بدءِ فإنَّ هذا الاختلافَ الكائنَ بسببَ اللُّغةِ كانَ له أثرٌ في تَعَدُّدِ المحتملاتِ التَّفسيريَّةِ، وكانتْ هذه المحتملاتُ متراجحةً بين القبولِ وعدمِه، وليس هاهنا محلُّ بحثِ هذه المسألةِ، وإنما المرادُ إبرازُ الأثرِ الذي أفرزَهُ هذا الاحتمالُ اللُّغويُّ في التَّفسيرِ، واللهُ الموفِّقُ.\n_________\n(١) أحكام القرآن، لابن العربي (٤:١٨٨٧).","vol":"1","page":498},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>الفصل الثاني\nأثر التفسير اللغوي في انحراف المفسرين</span>","vol":"1","page":499},{"text":"تمهيد في تاريخ الانحراف\nلا شكَّ أنَّ الانحرافَ يرتبطُ بعضُه ببعضٍ، ولا يأتي دَفْعَةً واحدةً، وقد كانَ للانحرافِ عنِ الإسلامِ أثرٌ واضحٌ في عقائدِ المسلمينَ، وبرصدِ ظاهرةِ الانحرافِ تَجِدُ أنَّ السَّبئِيَّةَ (١) - التي أفرزت الرَّفْضَ (٢) فيما بعدُ - منْ أوائلِ الانحرافاتِ التي كانتْ تَنْخُرُ في جسمِ الأمَّةِ الإسلاميَّةِ.\nوكانت مزامنةً لها بدعةُ الخوارجِ (٣)، ثمَّ ظَهرتْ بدعةُ القَدَرِيَّةِ (٤)، وكانتْ\n_________\n(١) السَّبَئيَّةُ: نسبةً إلى عبد الله بن سبأ اليهودي، وكانوا يقولون بأحقيَّة عليِّ بالخلافة، حتى وصلوا إلى القول بألوهيته، والعياذُ بالله. ينظر: المعارف، لابن قتيبة (ص:٦٢٢)، ومقالات الإسلاميين (١:٨٦)، والتنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، للملطي، تحقيق: يمان بن سعد الدين المياديني (ص:٢٩ - ٣١).\n(٢) جعل الملطي السبئية فرقًا، وجعلهم من الروافض، ينظر التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، للملطي (ص:٢٩)، وينظر: الملل والنحل للشهرستاني (ص:١٧٤)، والبرهان في معرفة عقائد الأديان، للسكسكي (ص:٨٥).\n(٣) الخوارج فِرَقٌ شتَّى، ومنهم المحكمة الذين كانوا في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وسموا خوارج لخروجهم عليه، ويسمَّون الحرورية، والشراة، ومن أشهر فِرَقِهم: الأزارقة والنجدات والإباضية، ومن أشهر عقائدهم: كفرُ مرتكب الكبيرة، ينظر: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، للملطي (ص:٦٢ - ٦٩)، والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص:١٧ - ٣١).\n(٤) هم الذين ينفون القدر الإلهي السابق، ويقولون: الأمر أُنُفٌ، ويقولون بأنَّ الإنسان يخلق فعله، فلا ينسبونه إلى الله، وقد ظهرت بدعتهم في أواخر عهد الصحابة، وكان من أوائلهم معبد الجهني وغيلان الدمشقي، ثمَّ تلقَّفها المعتزلةُ من بعدهم، وصار هذا اللقب يُطلقُ عليهم. ينظر: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع (ص:١٧٦ - ١٨٧)، والبرهان في معرفة عقائد الأديان (ص:٤٩ - ٥٠).","vol":"1","page":501},{"text":"هذه الانحرافاتُ في عهدِ الصَّحابةِ، ثمَّ ظهرتْ في عهدِ التَّابعينَ بدعةُ الجَهْمِيَّةِ (١)، ثمَّ المُعْتَزِلَةِ والمُرْجِئَةِ (٢).\nوليس المرادُ هاهنا رصدَ هذه الحركاتِ، وإنما المرادُ التَّنبيه على أن هذه الحركاتِ كانَ لها آثارٌ في تفسيرِ القرآنِ، وكانتْ قدْ بَنَتْ تفسيرَه على ما تعتقدُه، فأظهرَ ذلكَ انحرافًا في التَّفسيرِ، وكانَ من جملتِهِ التَّفسيرُ اللُّغويُّ.\nويمكنُ للدَّارسِ لهذه الحركاتِ أنْ يَلْحَظَ بعضَ الأسبابِ في ظهورِها، ومنها:\n١ - دخولُ بعضِ الكفَّارِ في الإسلامِ ظاهرًا، والكيدُ له في الباطنِ؛ كعبدِ اللهِ بنِ سَبَإٍ اليهوديِّ (٣)، الذي كانَ له أثرٌ واضحٌ في الأُمَّةِ، وكانَ منْ آثارِهِ التي بقيتْ: عقيدةُ الرَّفْضِ، التي صارتْ تُلقَّبُ بالشِّيعَةِ.\nوقدْ سلكَ هذا السبيلَ الزَّنادقةُ (٤) الذين عاشوا في ظِلِّ الإسلامِ وتظاهروا به، وكانوا فريقين:\n_________\n(١) نسبة إلى الجهم بن صفوان، وقد ظهرت هذه البدعة في آخر عهد بني أمية، ولهم أقوالٌ شنيعة في المعتقد؛ كفناء الجنة والنار، وإنكار صفات اللهِ؛ كعلوه على خلقه، وغير ذلك. ينظر: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، للملطي (ص:١١٠ - ١١٣)، والملل والنحل، للشهرستاني (ص:٨٦ - ٨٨).\n(٢) المرجئة: الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، وأنَّ مجرد المعرفة إيمان، ولا يمكن أن يجتمع في القلب معرفة وكفر. ينظر: التنبيه والرد، للملطي (ص:٥٧، ١٥٥ - ١٦٤)، والملل والنحل، للشهرستاني (ص:١٣٩ - ١٤٦).\n(٣) عبد الله بن سبأ، من يهود اليمن، دخل الإسلام للكيدِ لأهلِه، وقد استغلَّ قرابة علي بن أبي طالب، وأوصله إلى درجة الربوبية، فكاد عليٌّ أن يقتله، ولكنه تركه، ينظر: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع (ص:٢٩)، وكشاف اصطلاحات الفنون، للتهانوي، تحقيق: لطفي عبد البديع (٣:١٢٦).\n(٤) الزنادقة هذا الاسم مما عُرِّبَ، وقد اختُلفَ في أصل وضعه ومعناه، فقيل: هم الدهرية: الذين يؤمنون بدوام الدهر وفاعليته، وقيل: هم المانوية الذين يبيحون المحارم وغيرها. =","vol":"1","page":502},{"text":"فريقٌ غلبتْ عليه الشَّهواتُ، وإنْ لم يَخْلُ حالُهم من الشُّبَهِ، فهم يريدونَ الانفلاتَ منْ أوامرِ الدِّينِ، وعدمِ التَّقيُّدِ به، ويغلبُ على هؤلاءِ أنهم من الشُّعراءِ؛ كحَمَّاد عَجْرَدَ (١٦١) (١)، وغيرِه ممن اتُّهِمَ منهم بالزَّنْدَقَةِ (٢).\nوفريقٌ أصحابُ شبهاتٍ ومناقشاتٍ وجدلٍ وإن كانَ لا يَخْلُو منْ شَهْوَةٍ في زَنْدَقَتِهِ، لكنْ غلبَ عليه جانبُ الجدلِ والمناظرةِ، وكانَ هذا الفريقُ أكثرَ أثرًا من فريقِ الشَّهَوَاتِ.\nوممن ذُكِر له مناظراتٌ من الفريقِ الأوَّلِ: الشاعرُ صالحُ بنُ عبدِ القدوسِ (ت:١٦٧) (٣)، الذي قتله الخليفةُ العبَّاسيُّ المهديُّ (ت:١٦٩) (٤) بتهمة الزَّندقة، وقد\n_________\n=\nوقد صار هذا المصطلحُ يُطلقُ على المتحللين من الشرعِ الذين يدَّعونَ بقاءهم عليه، وهم يبطنون الكفر، وقيل غير ذلك. ينظر: رسالة في تحقيق تعريب الكلمة الأعجمية، لابن كمال باشا (ص:٦٨ - ٧٥).\nوهذا المصطلحُ من المصطلحات التي تحتاج إلى دراسةٍ وتحريرٍ، إذ فيه غموضٌ في أصله، وعلى من يُطلقُ، وإذا كان بمعنى النفاقِ، فلمَ لا يُقالُ بدلًا عنه المصطلحَ الشرعيَّ؛ أي: المنافق.\n(١) حماد بن عمر بن يونس، مولى بني سَوءة بن عامر بن صعصعة المشهور بحماد عجرد، شاعر مخضرم، قيل: كان بالكوفة ثلاثة نفر يقال لهم الحمادون: حماد عجرد وحماد الرواية وحماد بن الزبرقان، يتنادمون، ويتعاشرون معاشرةٍ جميلة، ويتناشدون الأشعار، وكانوا كأنهم نفسٌ واحدة، وكانوا يرمون بالزندقة جميعًا، توفي بالبصرة سنة (١٦١).\nينظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (٨:٢٩٦)، ومعجم الأدباء (١٠:٢٤٩ - ٢٥٤).\n(٢) المنتظم (٨:٢٩٧).\n(٣) صالح بن عبد القدوس، أبو الفضل البصري، كان حكيم الشعراء، زنديقًا متكلمًا، يقدمه أصحابه في الجدال عن مذاهبهم، توفي سنة (١٦٧). ينظر: تاريخ بغداد (٩:٣٠٣ - ٣٠٥)، ولسان الميزان (٣:١٧٣)، وقد ذُكِرَ له مناظرات مع أبي الهذيل العلاّف، ينظر: المنتظم (٨:٢٨٧).\n(٤) المهدي، أبو عبد الله محمد بن المنصور كان جوادًا، مُمَدَّحًا، وَصُولًا لأقاربه، حسن الأخلاق، قصَّابًا في الزنادقة، باحثًا عنهم، توفي سنة (١٦٩). ينظر: سير أعلام النبلاء (٧:٤٠١)، وشذرات الذهب (١:٢٦٦ - ٢٦٩).","vol":"1","page":503},{"text":"نُسِبَ له كتابُ الشُّكُوك (١).\nوكانَ منَ الزَّنادقةِ الملحدينَ أصحابِ الشَّبَهِ الذينَ فَشَا أمرُهُم وكتبوا الكتبَ في النَّقْضِ على الإسلامِ والمرسلينَ أبو الحسين أحمد بن يحيى، المعروف بابنِ الرَّاونْدِيِّ (ت:٢٩٨) (٢)، وقد حفظتْ بعضُ الكتبِ شيئًا من زندقتِه وضلالته (٣)، ككتابِ (الانتصار والرَّدِّ على ابن الرَّاوَنْدي الملحدِ) (٤) لشيخِ المعتزلةِ البغداديين عبدِ الرَّحيمِ بنِ محمدٍ الخيَّاطِ (ت:٣٠٠) (٥).\nوهذا الرجلُ وإنْ كانَ متأخرًا إلاَّ أنه يُوَضِّحُ صورةً منْ صُوَرِ ما كانَ\n_________\n(١) وَرَدَ ذلك عن النَّظَّام (ت:٢٣١)، قال: «مات لصالح بن عبد القدوس ابنٌ، فمضى إليه أبو الهذيل ... فرآه حزينًا، فقال: لا أعرف لجزعك وجهًا، إلاَّ إذا كان الإنسان عندك كالزرع، فقال: إنما أجزع لأنه لم يقرأ كتاب «الشُّكُوك».\nقال: وما كتاب «الشُّكُوك»؟\nقال: كتاب وضعته، من قرأ فيه شكَّ فيما كان، حتى يتوهم أنه لم يكن، وفيما لم يكن، حتى يظنُّ أنه قد كان.\nقال أبو الهذيل: فشكَّ أنت في موت ابنك، واعمل على أنه لم يمت، وإن كان قد مات، فشُكَّ أنه قد قرأ لك الكتاب، وإن كان لم يقرأه». المنية والأمل (ص:٤٦).\n(٢) أحمد بن يحيى، أبو الحسين البغدادي، المعروف بابن الراوندي، كان من المعتزلة، ثمَّ فارقهم، وكان يلزم الرَّافضة، وصار ملحدًا، وقد ألَّف كتبًا في الحطِّ من شأن الإسلام والقرآن، وردَّ عليه بعض المعتزلة، كالجبائيين، والخياط، وغيرهم. توفي سنة (٢٩٨) وقيل غيرها. المنتظم (١٣:١٠٨ - ١١٧)، ووفيات الأعيان (١:٩٤ - ٩٥).\n(٣) مما حُفظَ من كلامه ما جاء في كتاب المنتظم لابن الجوزي (١٣:١١٠ - ١١٧)، وكتاب (المجالس المؤيدية)، للمؤيد في الدين هبة الله بن أبي عمران الإسماعيلي الفاطمي، وهو ردٌّ على ابن الراوندي، وهو موجود في كتاب من تاريخ الإلحاد، لعبد الرحمن بدوي.\n(٤) كتب الجاحظ كتاب (فضيلة المعتزلة)، فردَّ عليه ابن الراوندي بكتاب (فضيحة المعتزلة)، ثمَّ ردَّ ابن الخياط على ابن الراوندي بهذا الكتاب.\n(٥) عبد الرحيم بن محمد بن عثمان، أبو الحسين الخياط، أحد متكلمي المعتزلة البغداديين، كان كثير الردِّ على ابن الراوندي، المنية والأمل (ص:٧٢ - ٧٤)، ومقدمة كتاب الانتصار لمحمد حجازي (ص:٢٦ - ٢٨).","vol":"1","page":504},{"text":"الملاحدةُ عليه في تلكَ الأزمانِ، وما كانتْ مناقشاتُهم تدورُ في فَلَكِهِ.\n٢ - ترجمةُ آثارِ الأممِ السابقةِ: منَ الفُرْسِ، والْهِنْدِ، واليُونَانِ، وغيرهم، وقدْ كانتْ بداياتُ ترجمتِها في عهد بني أُمَيَّةَ (١)؛ أيْ: في القرنِ الأوَّلِ منَ الهجرةِ النَّبَوِيَّةِ.\nوقدْ أفرزَ هذانِ السَّببانِ نَتَاجًا عقليًا ظهرَ في آثارِ الجَهْمِيَّةِ والمعتزلةِ ومنْ جاءَ بعدهم من أهل البدعِ الذين نهلوا من علومِ الأوائِل (٢)، وناقشوا الزَّنادِقَةَ الذينَ انتحلوا الإسلامَ، والملاحدةَ ممن لم يدخلْ في الإسلامِ (٣).\n_________\n(١) يقول المسعودي: «... على عهده [أي: هشام بن عبد الملك (ت:١٢٥)] ظهرت الفِرَقُ في الإسلام، وانتشرت بعد ترجمة تصانيف ماني وبردستان التي نقلها من الفهلوية أو الفارسية عبد الله بن المقفع وغيره، وفي ذلك الوقت ظهرت كتب ابن الأرجح وحماد عجرد ويحيى بن زياد ومطيع بن إياس، وظهرت الزندقة وراجت رواجًا كثيرًا». نقلًا عن كتاب: الزندقة والزنادقة، لعاطف شكري أبو عوض، نشر دار الفكر (ص:١١٨).\nوقد كان خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان (ت:٩٠) عالمًا بالطبِّ والكيمياء، أخذ ذلك عن مريانيس الراهب الرومي، وهو من أوائل من أخذ هذه العلوم، غير أنه لم يتلبس بعلم الفلسفة والمنطق، بل كان تابعيًا فاضلًا، وقيل عنه: قد عَلِمَ عِلْمَ العرب والعجم. ينظر: معجم الأدباء (١١:٣٥ - ٣٦).\n(٢) ينظر مثلًا في المنية والأمل: عن أبي الهذيل (ص:٤٤)، وعن النظام (ص:٤٨). فقد ورد أنهم أخذوا من علم الفلسفة.\n(٣) مما ذُكِر من كتب المعتزلة التي ردُّوا بها على هؤلاء، ومناظراتهم:\n* واصل بن عطاء الغزال، له كتاب الألف مسألة في الرد على المانوية، ينظر: المنية والأمل (ص:٣٧).\n* أبو الهذيل العلاف، له مناظرات مع المجوس، ينظر: المنية والأمل (ص:٤٤)، وناظر صالح بن عبد القدوس لما قال في العالم أنه من أصلين: النور والظلمة، ينظر: المنية والأمل (ص:٤٥) وأمالي الشريف المرتضى (١:١٤٤). وناظر أبو الهذيل زاذان بخث الثنوي، بحضرة المأمون، ينظر: المنية والأمل (ص:٦٣).\n* أبو القاسم عبد الله بن أحمد البلخي، له مناظرة مع السوفسطائية، ينظر: المنية والأمل (ص:٧٥). =","vol":"1","page":505},{"text":"اعتماد العقلِ المجرَّدِ في التَّصدِّي للزَّندقةِ:\nمن الملاحظِ من خلالِ تراجمِ الكتبِ أو المؤلفاتِ أنَّ بعض المعتزلةِ قد تصدّوا لهذا الانحرافِ المتزندقِ، لكنَّهم ناقشوه بعقلٍ مجردٍ غير معتمد على الشَّرعِ، أو بعقلٍ متأثرٍ بآراءٍ فلسفيَّةٍ، فأوقعَهم ذلك في مخالفاتٍ نَتَجَ عنها اعتقاداتٌ باطلةُ، وقد كان ذلك بسببِ بعضِ الإلزاماتِ التي كانتْ نتيجةً لهذه المناقشاتِ التي لا يوجد فيها مرجعٌ يُحتَكم إليه في النِّزاعِ سوى العقلِ المُجَرَّدِ (١).\nوالعقلُ يختلفُ باختلافِ الثقافاتِ التي كوَّنته، لذا، فليسَ من الغريب أنْ تنشأ انحرافاتٌ عندَ المعتزلةِ بسبب الإلزاماتِ التي كانتْ تصدرُ عن النِّقاشاتِ الجدليَّةِ بين المتزندقةِ والمعتزلةِ، أو بين معتزليٍّ ومعتزليٍّ آخر، فتنشأُ لهم بسببِ تلكَ الإلزاماتِ عقيدةٌ يعتقدونَها ويدافعونَ عنها.\nوالمعتزلةُ من أوَّلِ الفرقِ التي أعطتِ العقلَ المجرَّدَ حريَّةَ التَّسلُّطِ على النُّصوصِ، فلم يجعلوها من الثَّوابتِ التي يقيسونَ عليها.\nلذا لا تجدُ لهم اتفاقًا في المسائلِ، وإن زعموا الاتفاقَ على الأصول الخمسةِ، إذ هم في فروعها ومباحثها فرقٌ شتَّى. وهم وإن كان بينهم ثباتٌ\n_________\n= * أبو بكر محمد بن إبراهيم الزبيري، ردَّ على ابن الراوندي، ينظر: المنية والأمل (ص:٧٦).\n* وممن نقض على ابن الراوندي بعض كتبه: أبو علي الجبائي، وأبو الحسين الخياط، وأبو هاشم الجبائي، وأبو بكر الزبيري، ينظر: المنية والأمل (ص:٧٨).\n(١) من أمثلة هذه المجادلات التي أفرزت معتقدات باطلة، مجادلة الجهم بن صفوان للسُّمَّنيَّةِ الذين لا يؤمنون إلاَّ بالمحسوسِ، قال أبو قدامة السرخسي: «سمعت خلف بن سليمان البلخي يقول: كان جهم من أهل الكوفة، وكان فصيحًا، لم يكن عنده علم، فلقيه ناس من السُّمَّنِيَّةِ فكلَّموه، فقالوا: صف لنا من تعبد. قال: فأجِّلوني، فأجَّلوه. فخرج إليهم، قال: هو هذا الهواء مع كلِّ شيءٍ، وفي كلِّ شيءٍ». ينظر: أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للالكائي (٣:٣٨٠).","vol":"1","page":506},{"text":"في أصولهم الخمسةِ، إلاَّ أنَّه ثباتٌ مستندٌ إلى العقلِ المجرَّدِ أوَّلًا، ثمَّ هم يردُّونَ كلَّ ما خالفَ ما أصَّلوه، ولو كانَ ظاهرَ الكتابِ أو السنَّةِ، أو إجماعَ الصحابةِ.\nومنْ نظرَ في مناقشاتِ المعتزلةِ فيما بينهم، ظهرَ له بُعْدُهُمْ عن الكتابِ والسُّنَّةِ وأقوالِ السَّلفِ الصالِحِ، كما يظهرُ له اعتدادُهم بالعقلِ، وأنَّ هَمَّ الواحدِ منهم أنْ يظفرَ بالمناقشةِ، وأن تكونَ له الصَّولَةُ، ولهم في ذلك عجائبُ (١).\nلذا تجد أنه يتردَّدُ عندَهم قولُهم: «فإن قلتَ، قلتُ»، وليس تحت هذه المناقشاتِ طائلٌ ولا نائلٌ، بل إنهم يتجادلون لأجل الجدل، لا للوصول إلى الحقِّ (٢).\n_________\n(١) منها: أنَّ النَّظَّام (ت:٢٣١) ناظر أبا الهذيل (ت:٢٣٥) في «الجزء» فألزمه أبو الهذيل مسألة «الذَّرَّة والنعل»، وهو أول من استنبطه، فتحيَّر النَّظَّامُ، فلما جنَّ عليه الليل، نظر إليه أبو الهذيل، وإذا النَّظَّامَ قائمٌ، ورجله في الماء يتفكر، فقال: يا إبراهيم، هكذا حال من ناطح الكباش، فقال: يا أبا الهذيل، جئتك بالقاطع: أنه يظفر بعضًا يقطع بعضًا. فقال أبو الهذيل: ما يُقطع، كيف يَقطع؟. ينظر: المنية والأمل (ص:٤٨).\n(٢) ومن ذلك ما ذكره ابن قتيبة (ت:٢٧٦) من مناقشة دارت بين معتزليين في العلم الإلهي، قال: «وسأل آخرٌ آخرَ عن العلم، فقال: أتقول: إنَّ سميعًا في معنى عليم؟ قال: نعم. قال: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١]، هل سمعهم حين قالوه؟. قال: نعم.\nقال: هل سمعهم قبل أن يقولوا؟. قال: لا.\nقال: فهل علمه قبل أن يقولوه؟. قال: نعم.\nقال له: فأرى في سميع معنًى غير معنى عليم. فلم يُجِب.\nقال أبو محمد: قلت له وللأول [هو رجل معتزلي آخر حكى مناظرته قبل هذه]: قد لزمتكما الحجة، فلم لا تنتقلان عما تعتقدان إلى ما ألزمتكما الحجة؟\nفقال أحدهما: لو فعلنا ذلك لانتقلنا في كلِّ يومٍ مرات.\nوكفى بذلك حيرة!\nقلت: فإذا كان الحق إنما يعرف بالقياس والحجة، وكنت لا تنقاد لها بالاتباع كما تنقاد بالانقطاع، فما تصنع بهما؟ =","vol":"1","page":507},{"text":"وربما أُلزِم المناظِر منهم بأشياء باطلة في ذاتها، جرَّه إليها هذا الجدل العقيم، فالتزمها، وصارت له عقيدة يدافع عنها (١).\nومن الإلزامات الباطلة في هذه المناظرات، ما حُكِيَ عن أبي الهذيل العلاف (ت:٢٣٥) (٢) في انقطاعِ حركةِ أهلِ الجنَّةِ وأهلِ النَّارِ، وأنهم يصيرونَ إلى سكونٍ دائمٍ، قال الشَّهْرَسْتَاني (ت:٥٤٨) (٣): «قوله: إنَّ حركاتِ أهلِ الخُلدَينِ تنقطعُ، وأنَّهم يصيرونَ إلى سكونٍ دائمٍ خمودًا، وتجتمعُ اللَّذاتُ في ذلك السُّكونِ لأهلِ الجنَّةِ، وتجتمعُ الآلامُ في ذلك السُّكونِ لأهلِ النَّارِ.\nوهذا قريبٌ منْ مذهبِ جَهْمٍ (٤)، إذ حكمَ بفناءِ الجنَّةِ والنَّارِ. وإنما التزم بذلك المذهبِ لأنَّه لما أُلْزِمَ في مسألةِ حدوثِ العَالَمِ: أنَّ الحوادثَ التي لا أوَّلَ لها كالحوادثِ التي لا آخرَ لها، إذْ كُلُّ واحدةٍ لا تتناهى.\n_________\n=\nالتقليد أربح لك، والمقام على أثر رسول الله ﷺ أولى بك». تأويل مختلف الحديث (ص:٧٩).\n(١) ومن ذلك ما حكاه ابن قتيبة (ت:٢٧٦) عن أبي الهذيل (ت:٢٣٥)، قال: «وحكيَ من خطئه في الاستطاعة أنه كان يقول: إن الفاعل في وقت فعله غير مستطيع لفعل آخر. وذلك أنهم ألزموه الاستطاعة مع الفعل بالإجماع، فقالوا: قد أجمع الناس على أن كل فاعل مستطيع في حال فعله، فالاستطاعة مع الفعل ثابت، واختلفوا في أنها قبله، فنحن على ما أجمعوا عليه، وعلى من ادَّعى أنها قبل الفعل الدليل. فلجأ إلى هذا القول». تأويل مختلف الحديث (ص:٦٥).\n(٢) محمد بن الهذيل بن عبيد البصري، أبو الهذيل العلاف، شيخ الكلام، ورأس المعتزلة، صاحب التصانيف، كان ذا ذكاء بارع، وكان كثير المناظرةِ، مات سنة (٢٣٥)، وقيل غيرها. ينظر: تاريخ بغداد (٣:٣٦٦ - ٣٦٧)، سير أعلام النبلاء (١١:١٧٣).\n(٣) محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني، أبو الفتح، شيخ أهل الكلام والحكمة، متهم في عقيدته، وقد صنَّف في العلوم، ومن تصانيفه: نهاية الإقدام في علم الكلام، والملل والنحل، توفي سنة (٥٤٨)، ينظر: التحبير في المعجم الكبير، لأبي سعد السمعاني (٢:١٦٠ - ١٦٢)، وسير أعلام النبلاء (٢٠:٢٨٦ - ٢٨٨).\n(٤) جهم بن صفوان، أبو محرز السمرقندي، الضالُّ المبتدعُ، رأس الجهميَّةِ، قُتِلَ سنة (١٢٨)، ينظر: الملل والنحل، للشهرستاني (ص:٨٦)، ولسان الميزان (٢:١٤٢).","vol":"1","page":508},{"text":"قال: إنِّي لا أقولُ بحركاتٍ لا تتناهى آخِرًا، كما لا أقولُ بحركاتٍ لا تتناهى أوَّلًا، بلْ يصيرونَ إلى سكونٍ دائمٍ.\nوكأنه ظنَّ أنَّ ما لَزِمَهُ في الحركةِ لا يلزمُه في السُّكونِ» (١).\nوقد خالف بقوله هذا ظاهر قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، وقد كفَّره بعضُ المعتزلةِ بسببِ هذا القولِ وغيره، وكانَ بعضُهم يؤاخذُه بهذا القولِ خاصَّةً، ففي طبقاتِ المعتزلةِ ما نصُّه: «كانَ في قلوبِ معتزلةِ بغدادَ مَوجِدَةٌ عليه [يعني: أبا الهذيل] في قولِه بالحركات، فساءهم عضمدًا (٢).\nفقالَ: كيفَ أقولُ ذلكَ واللهُ يقولُ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾؟.\nوقال أبو علي (٣): إنما كانَ ذهبَ في ذلكَ إلى أنَّ الحركاتِ لا تنقطعُ، ثمَّ تابَ منْ ذلكَ» (٤).\nومن كانت هذه طريقته في الجدل، فأحرى أن لا يناقش الملحدة المتزندقة؛ لأنه قد ينخذل أمامهم، فيلتزم بشيء من باطلهم، فيكون له عقيدة يعتقدها ويدافع عنها، والعياذ بالله.\nفانظرْ، كيفَ جَرَّتْ هذه المناقشاتُ العقيمةُ إلى مثلِ هذه الأقوالِ الكُفريةِ التي تخالفُ نصوصَ الكتابِ والسُّنَّةِ؟!\nوقدِ استمرَّ هذا النِّقاشُ العقيمُ بينَ المعتزلةِ وغيرها من الفرق التي اعتمدتِ العقلَ المجرَّدَ في النِّقاشِ؛ كالأشعريةِ التي كانتْ من أكبرِ الفِرَقِ\n_________\n(١) الملل والنحل، تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل، ط: دار الفكر (ص:٥٢).\n(٢) لعلها: فسأله بعضهم.\n(٣) هو الجبائي.\n(٤) طبقات المعتزلة، للقاضي عبد الجبار (ص:٢٦٠)، ضمن كتاب: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة.","vol":"1","page":509},{"text":"الإسلاميَّةِ مجادلةً معَ المعتزلةِ، حتى يكادُ يُخَيَّلُ للقارئ في هذه المناقشاتِ أنَّه لا يوجدُ في الفِرَقَ الإسلاميَّةِ إلاَّ هاتانِ الفِرْقَتَانِ.\nوليسَ المرادُ هاهنا الحديثُ عن الفِرَقِ، وإنما ذِكْرُ بعضِ أمثلةٍ لِمَا وَقَعَ منها بسببِ البُعْدِ عن القرآنِ والسنَّةِ وآثارِ السَّلفِ الصَّالحِ، والاتجاهِ إلى العَقْلِ وجعْلِهِ الحُجَّة في الحكمِ على المسائلِ العقديَّةِ والنُّصوصِ الشَّرعيَّةِ.\nوبتتبع بعض أسماء المنحرفين (١) يتبين أنَّ الانحرافَ بدأ قديمًا، ثمَّ إنَّه نَمَا شيئًا فشيئًا حتى تكوَّنَتْ منه فِرَقٌ وعقائدٌ.\nوقدْ كانَ لنُشُوءِ الفِرَقِ في الإسلامِ أثرٌ كبيرٌ في هذا الانحرافِ، وكانَ اتِّسَاعُ اللُّغةِ أحدَ مُعْتَمدَاتِهم في إثباتِ بعضِ بِدَعِهِمْ في بعضِ الأحيانِ. وقدْ ظَهَرَ لي منْ تَتَبُّعِ هذه الانحرافاتِ أنَّ سببَها - في الغالب - الاعتمادُ على العقلِ؛ أي أنَّ المفسِّرَ يعتقدُ رأيًا بمحضِ عقلِهِ ثُمَّ يتأوَّلُ كلامَ اللهِ عليه، مستعينًا على هذا باتِّسَاعِ اللُّغةِ.\nومنْ نتائجِ ذلك أنَّك لا ترى عندَهم حكايةَ أقوالِ علماءِ التَّفْسِيرِ من السَّلَفِ، بلْ أعرضَ عنها جمهورُ المبتدعةِ، وعارضُوها في بعضِ الأحيانِ، واعتمدوا النَّقلَ عن أكابرِهِم، والاعتدادَ برأيهم دونَ غيرِهم.\nوليس هذا محلًا لطرحِ هذه المسائلِ، وإنما جرَّ إليها التَّقْدُمَةُ للانحرافِ الكائنِ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، فاستطردتُ بما أراه ممهِّدًا لموضوعي (٢).\n_________\n(١) كعبد اللهِ بن سبأ اليهودي (ت: بعد٤٠)، وسنسويه النصراني القدري، ومعبد الجهني القدري (ت:٨٠)، وغيلان الدمشقي القدري (ت: بعد١٠٥)، والجعد بن درهم (ت:١٢٤)، والجهم بن صفوان (ت:١٢٨)، وواصل بن عطاء المعتزلي (ت:١٣١)، وعمرو بن عبيد المعتزلي (ت:١٤٤)، وبشر بن غيَّاث المريسي المعتزلي (ت:٢١٩)، والنظَّام (ت:٢٣١)، وأبي الهذيل العلاف (ت:٢٣٥)، وغيرهم.\n(٢) قرأت كثيرًا لكتابةِ هذا التمهيدِ، وتكوَّن لديَّ مبحثٌ كبيرٌ فاختصرته، واقتصرتُ على ما كتبته آنفًا، والموضوعُ يحتاج إلى بسطٍ أوسع، لأهميَّته، مع ملاحظتِه شُحَّ =","vol":"1","page":510},{"text":"قد اجتهدتُ في تتبُّعِ بعضِ التَّفاسيرِ المنحرفةِ التي كانت في القرونِ الأولى، فظهرَ لي بعضُ الأمثلةِ التي سأعرضُ لها في هذا البحثِ.\nوقد كادت تخلو تفاسير السَّلفِ من الأخطاءِ التي وُجِدت عند من بعدَهم (١)، إلاَّ أنَّ هناك نزرٌ يسيرٌ منها عند إمامِ التَّابعينَ مجاهدُ (ت:١٠٤) لا يمكنُ لباحثٍ في مثلِ هذا الموضوعِ أنْ يغفلَ عن ذكرِها (٢).\nوهذه الأخطاءُ التي سجَّلَها العلماءُ عليه ليستْ كثيرةً بحيثُ يتكوَّنُ منها منهجٌ يُحسبُ على مجاهدٍ (ت:١٠٤). وهي أخطاء فردية، لم تُذكرْ إلاَّ عنه، ولذا لا يمكنُ عَدُّهَا منْ منهجِ السَّلفِ ﵃، لأنَّه خالفَ فيها أشياخَه وأقرانَه.\nوالمسألةُ التي كانتْ تُلِحُّ عليَّ في بحثِ هذه الملاحظاتِ في تفسيراتِ مجاهدٍ (ت:١٠٤) هي: هلْ كانتْ هذهِ الأخطاءُ من اجتهادِهِ المباشِرِ، أو أنَّه تأثَّرَ بغيرِه؟. وإنْ كانَ تأثَّرَ بغيرِه، فمنْ يكونُ؟.\n_________\n= المعلومات عن أوائلِ الأفكارِ المنحرفةِ، إذ لا تجدُ في غالب التَّراجمِ إلاَّ وصفًا للمترجَمِ له بسوءِ المعتَقدِ.\n(١) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما النوع الثاني من سَبَبَي الاختلاف، وهو ما يُعلم بالاستدلال لا بالنقلِ، فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتينِ حدثتا بعد تفسيرِ الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فإن التفاسير التي يُذكَرُ فيها كلام هؤلاء صِرْفًا لا يكادُ يوجدُ فيها شيءٌ من هاتين الجهتين ...». مقدمة في أصول التفسير (ص:٧٩).\n(٢) من هذه التفاسير:\n١ - في قوله تعالى: ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، قال: «لم يُمسخوا، إنما هو مثلٌ ضربه الله لهم، مثلُ ما ضربَ مثل الحمار يحمل أسفارًا». تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:١٧٢، ١٧٣).\n٢ - في قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، قال: «تنتظر الثواب من ربها، لا يراه من خلقه شيء»، تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٩:١٩٢)، وفيه روايات أخرى بمعناها عنه وعن أبي صالح.\n٣ - وقال في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: ٦]، قال: «ليس ميزان، إنما هو مثلٌ ضُرِبَ». تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٢٨٢).","vol":"1","page":511},{"text":"ذلك ما لم أجدْ له جوابًا حتى الآن!\nهذا، وقدْ تبينَ لي بعدَ جمعِ مادَّةِ هذا الموضوعِ: أنَّ الانحرافَ في التَّفسيرِ كانَ له أسبابٌ؛ منها:\n١ - اعتمادُ العقلِ في الاعتقادِ والاستدلالِ (١).\n٢ - اعتمادُ اللُّغةِ مجرَّدَةً عن غيرِها منَ المصادرِ.\n٣ - البعدُ عنْ تفسيرِ السَّلفِ، وعدمُ الأخذِ به.\nوقدْ ساعدَ على هذا اتِّساعُ لغةِ العربِ، ولا خلافَ في أنَّ تفسيرَ القرآنِ بلغةِ العربِ أصلٌ أصيلٌ في التَّفسيرِ، غيرَ أنَّ المرادَ هنا أنْ يكونَ تفسيرُه بمجرَّدِ ما يحتمله اللفظُ المجرَّدُ عن سائرِ ما يبين معناه، منْ نَظَرٍ إلى: المتكلِّمِ به، والمنَزَّلِ عليه، والمخاطَبِ به، وسياقِ الكلام (٢).\nوالسَّالكُ لهذا السَّبيلِ صنفانِ:\nالأوَّلُ: بعضُ أهلِ اللُّغةِ الذينَ يفسِّرونَ القرآنَ بحسبِ ما بلغَهم منْ لغةِ العربِ.\nالثاني: أهلُ البِدَعِ الذين يريدونَ إثباتَ بِدَعِهم باعتمادِهم على مجازِ اللُّغةِ وسَعَتِها.\n_________\n(١) يدخل في هذا كلُّ من جعلَ له أصلًا يقيسُ الكتاب والسنة عليه، فما وافق أصله قَبِلَهُ، وما خالفَ أصله لم يقبلْه؛ كمن يجعلُ الذَّوقَ أصلًا، أو يجعلُ أقوال شيخه ومعلمه أصلًا، وهكذا.\nويُشبه هذا بعضُ التفسيراتِ المعتمدة على اللغةِ، حيثُ تُجعلُ اللغةُ التي جمعها اللغويون أصلًا يحكمون به على ما ورد من تفسيرات السلفِ اللغوية، فإن لم يجدوه في كتب اللغة ردُّوه، وهذا غير صحيح، إذ قد تكون لغة لم تبلغ اللغويين، وليس كل العلم يحاطُ به حتى يجوز النفيُ.\n(٢) ينظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٥:٩٤)، ومقدمة في أصول التفسير (ص:٨١).","vol":"1","page":512},{"text":"وسأذكر أمثلةً لما وردَ عند هذين الصِّنفينِ مما فيه مخالفةٌ لتفسير السَّلفِ، واللهُ الموفقُ.\nالصِّنفُ الأوَّلُ: اللُّغويُّونَ:\nلقد دخلَ بسببِ بعضِ هؤلاءِ اللُّغويينِ نوعانِ منَ الأقوالِ في التفسير:\nالأولُ: أقوالٌ فيها خلافٌ لأقوالِ السَّلفِ، وهي أقوالٌ فيها نظرٌ (١)، لا يمكن قبولُها معه.\nالثاني: أقوالٌ فيها شذوذٌ في التَّفسيرِ.\nوسبب ذلكَ اعتمادُ مجرَّد اللُّغة دونَ غيرها من المصادرِ؛ أي أنَّ هذه الاختياراتِ ليس لها عِمَادٌ سوى أنها حُكِيت على أنها من لغةِ العربِ.\nوشأنُ هذه الأقوالِ أنها أقوالٌ مردودةٌ، وإنْ لم يُبْنَ على اختياراتِهم لها قولٌ باطلٌ في المعتقدِ؛ لأنَّه لا يلزمُ من كونِها صحيحةً في اللُّغةِ أن تكونَ صحيحةً في التَّفسيرِ.\nومنْ تلكَ الأقوالِ التَّفسيريَّةِ:\n١ - ما حكاه الأزهريُّ (ت:٣٧٠) عنْ شَمِرِ بنِ حَمْدُويَه (ت:٢٥٥) (٢) أنه قال: «ورُوِيَ لنا عنِ ابنِ المُظَفَّرِ (٣) - ولم أسمعْهُ لغيرِهِ - ذَكَرَ أنَّه يقال: أدركَ الشيءُ: إذا فَنِيَ (٤).\n_________\n(١) ذكرتُ هذا القيدَ لأنه سيأتي بيان ضابطِ قبولِ المحتملات اللغوية الواردة عن غيرِ السلفِ.\n(٢) شَمِرُ بنُ حَمدويه، أبو عمرو الهرويُّ اللُّغويُّ، لقيَ ابن الأعرابي وغيره، وروى الدواوين، كتب في اللغة كتابه الجيم، وهو كتاب أودعه فوائد جمة، ولكنه ضاع ولم يبق منه إلاَّ اليسير، توفي سنة (٢٥٥). ينظر: تهذيب اللغة (١:١٢)، إنباه الرواة (٢:٧٧ - ٧٨).\n(٣) هو الليث.\n(٤) في كتاب العين (٥:٣٢٨): «الإدراكُ فناءُ الشي، أدركَ هذا الشيءُ: فَنِيَ».","vol":"1","page":513},{"text":"وإن صحَّ، فهو في التَّأويل (١): فَنِيَ عِلمُهم في معرفةِ الآخرةِ» (٢).\nوليس لشَمِرٍ (ت:٢٥٥) في صحةِ هذا التَّأويلِ سوى حكايةِ هذا المعنى في اللُّغةِ، وهذا غير كافٍ في إثباته، إذ لا يلزم من صحةِ المعنى لغةً صِحَّتُه في التَّفسير.\n٢ - وما فسَّرَ به أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) قولَ الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يُعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩]، قال: «أيْ: به ينجونَ، وهو من العَصَرِ، وهي العُصْرَةُ أيضًا، وهي المنجاةُ، قال (٣):\n........ ... ولقد كان عُصْرَةَ المنجودِ\nأي: المقهورُ والمغلوبُ» (٤).\nوتفسير السَّلف على خلافه، فقد فسَّروه على معنى العَصْرِ؛ أي: عصر العنب وغيره، ورد ذلك عن ابن عباس (ت:٦٨)، ومجاهد (ت:١٠٤)، والضَّحَّاك (ت:١٠٥)، وقتادة (ت:١١٧)، والسُّدِّيِّ (ت:١٢٨) (٥).\nوقولُ السَّلفِ أقربُ إلى سياقِ القصةِ؛ لأن العَصْرَ كانَ منْ شأنهم؛ لذا كانتْ رؤيا السَّاقي أنه يعصرُ خمرًا، ثمَّ إنَّ في قوله تعالى: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ إشارةً إلى هذا المعنى الذي ذكرَه أبو عبيدةَ (ت:٢١٠)، ومن ثَمَّ، يكون تفسيره من باب تأكيد المعنى، وقولُ السَّلفِ فيه تأسيسُ معنى آخرَ، وإذا دارَ الكلامُ\n_________\n(١) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦]، وهي في قراءة ابن كثير وأبي عمرو: «أَدْرَكَ». ينظر: إعراب القراءات السبع (٢:١٦١).\n(٢) تهذيب اللغة (١٠:١١٤).\n(٣) البيت لأبي زبيد الطائي، في ديوانه (ص:٥٩٤)، ضمن كتاب: شعراء إسلاميون، وهو في قصيدة له يرثي فيها اللجلاج ابن أخته، وصدر البيت:\nصاديًا يُستغاث غير مغيثٍ ... ......\n(٤) مجاز القرآن (١:٣١٣ - ٣١٤).\n(٥) ينظر أقوالهم في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٦:١٢٩ - ١٣٠).","vol":"1","page":514},{"text":"بين التأسيسِ والتأكيدِ، فالتأسيسُ أولى من التأكيدِ، وهو مقدَّمٌ عليه، والله أعلمُ.\nقال الطبريُّ (ت:٣١٠): «وكانَ بعضُ منْ لا علمَ له بأقوالِ السَّلفِ منْ أهلِ التَّأويلِ، مِمن يُفسِّرُ القرآنَ برأيه على مذهبِ كلامِ العربِ، يُوَجِّهُ معنى قولِه: ﴿وَفِيهِ يُعْصِرُونَ﴾ إلى: وفيه ينجونَ منَ الجَدْبِ والقَحْطِ بالغَيْثِ، ويزعمُ أنَّه منَ العَصَرِ والعُصْرَةِ التي بمعنى المنجاةِ ... وذلكَ تأويلٌ يكفي منَ الشَّهادةِ على خطئه، خلافُهُ قولَ أهلِ العلمِ منَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ» (١).\n٣ - وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧]، السَّلْوَى: طير، بإجماعٍ منْ مفسِّري السَّلفِ (٢).\nوقال مُؤَرِّجٌ السَّدُوسِيُّ (ت:١٩٥)، أحدُ علماءِ اللُّغةِ: أنه العسلُ، واستدلَّ له بقول الهذلي:\nوَقَاسَمَهَا باللهِ جَهْدًا لأنْتُمُ ... أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إذَا مَا نَشُورُهَا\nوذكر أنه كذلك بلغة كنانة، وسُمِّيَ العسل به؛ لأنه يُسْلَى به (٣).\nوكَوْنُ السَّلوى في لغةِ العربِ: العسلَ، لا يلزمُ منه صِحَّةُ حملِه على معنى السَّلوى في الآيةِ؛ لذا قالَ ابنُ الأعرابيِّ (ت:٢٣١): «والسَّلوى: طائرٌ، وهو في غيرِ القرآنِ: العسلُ» (٤). وهذا هو الحقُّ، والله أعلم.\n_________\n(١) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٦:١٣١ - ١٣٢).\n(٢) ينظر: المحرر الوجيز (١:٣٠٥)، وقد أورد الطبريُّ الرواية عن السلف، ولم يذكر عنهم غير هذا المعنى، وإنما اختلفوا في التعبير عن وصف هذا الطيرِ، والله أعلم. ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:٩٦ - ٩٧).\n(٣) ذكره الثعلبي في تفسيره عند هذه الآية عن مؤرِّج، ينظر: الكشف والبيان، للثعلبي، مخطوط المكتبة المحمودية في المدينة النبوية (١ لوحة: ٦٩ ب)، وهذا النقل عن كتاب مؤرِّج السدوسي «غريب القرآن»، وهو أحد مصادر الثعلبي، وقد نصَّ عليه في مقدمة تفسيره: الكشف والبيان، كما سبق، وقد نقله القرطبي في تفسيره (١:٤٠٧).\n(٤) تهذيب اللغة (١٣:٦٨).","vol":"1","page":515},{"text":"٤ - وفسَّرَ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]، فقال: «أي اطلبوا البِرَّ منْ أهلِه ووجهِه، ولا تطلبوه عندَ الجهلةِ المشركينَ» (١).\nوفسَّرَه بعضهم على «أنَّ البيوتَ كنايةٌ عنِ النِّسَاءِ، ويكونُ المعنى: وأتوا النِّسَاءَ منْ حيثُ أمرَكم اللهُ، والعربُ تُسَمِّي المرأةَ بيتًا، قالَ الشاعرُ (٢):\nمَا لِي إذَا أنْزِعُهَا صَأيتُ ... أكِبَرٌ غَيَّرَنِي أمْ بَيتُ\nأراد بالبيتِ المرأةَ» (٣).\nوهذانِ التفسيرانِ لا يحملانِ لفظَ البيوتِ على الحقيقةِ، بل يجعلانه من اتساعِ العربية في المجازِ والكنايةِ، وهذا مخالفٌ لما وردَ عن السَّلفِ من حملهم البيوت على الحقيقة اعتمادًا على سببِ نزول الآيةِ (٤).\nوكلا هذينِ القولينِ يَظْهَرُ منهما عدمُ العملِ بسببِ النزولِ الواردِ في الآيةِ الذي يدلُّ على أنَّ المرادَ بالبيوتِ البيوتُ المسكونةُ، ولو لم يكنِ السَّبَبُ واردًا لاحتملَ ما قالوا، وإنما ذهبوا إلى ذلكَ التَّفسيرِ لعدمِ العملِ بما وردَ من التَّفسيرِ عنِ السَّلفِ الذي يجعلُ اللَّفظَ على حقيقتِهِ.\n_________\n(١) مجاز القرآن (١:٦٨).\n(٢) الرجز بلا نسبة في عِدَّة مراجع: جمهرة اللغة (٢٤١، ٢٥٧)، وديوان الأدب، للفارابي (٣:٢٩٨)، وغيرها. وهو يصف دلوًا إذا نزعها صأى؛ أي: سمع لنفسه صوتًا.\n(٣) أمالي الشريف المرتضى (١:٣٧٨) وهو يُكثر من المحتملات الضعيفة، لغوية أو غيرها.\n(٤) ورد للآية أكثر من سبب، والجمهور على أنه بسبب اعتقاد المشركين في الإحرام، أي أن المحرم لا يدخل بيته من الباب، بل يفتح له بابًا من ظهره ويدخل منه، ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٣:٥٥٥ - ٥٦٠).","vol":"1","page":516},{"text":"والقول الثاني: وهو أنَّ المرادَ بالبيوتِ المرأةَ، فيه بُعْدٌ في التَّأويلِ، وليس لقائلِ هذا القولِ مُعْتَمَدٌ سوى أنَّ العربَ تُطلقُ لفظ البيتُ، وتريد به المرأةِ، منْ غيرِ أنْ ينظرَ إلى صحةِ هذا الإطلاقِ في هذا السِّياقِ.\nوهذه الأقوالُ وأشباهُها في التَّفسيرِ فيها ضعفٌ؛ لأنها تعتمدُ اللُّغةَ فقط، دونَ النَّظرِ في المصادر الأخرى التي هي مقدَّمةٌ على مجرَّدِ اللُّغةِ.\nوهذا لا يعني أنَّ الأقوالَ الصَّحيحةَ في فهم الآيةِ ليست من التَّفسيرِ اللُّغويِّ، بل قد تكون منه، لكنها اعتمدت مصدرًا آخرَ معه؛ كسبب النُّزولِ، وإجماعِ الحُجَّةِ من أهلِ التَّأويلِ، وسياقِ الآياتِ، وهذه هي التي رجَّحَتِ المعنى اللُّغويَّ المقبولَ دونَ غيرِه، واللهُ أعلمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>الصنف الثاني: أهل البدع:</span>\nلقدْ كانَ نظرُ أهلِ البدَعِ إلى اللُّغةِ تابعًا للمُعْتَقَدِ الذي يعتقدونَه. والأصلُ عندَهم بدعتُهم، ثمَّ يبحثونَ في سَعَةِ لغةِ العربِ عمَّا يدعمُها، وإنْ كانوا يحرصونَ على إبرازِ أنَّ تأويلاتِهم لا تخرجُ عن اللُّغةِ، كما قالَ الخَيَّاطُ المعتزليُّ (ت: بعد٣٠٠) في ردِّه على ابنِ الرَّاونْدِيِّ الملحدِ (ت:٢٩٨): «فهذه تأويلاتُ المعتزلةِ لِمَا تَلا منَ الآياتِ (١)، وكلُّها واضحٌ قريبٌ غيرُ خارجٍ منَ اللُّغةِ ولا مُسْتَكْرَهُ المعنى» (٢).\nوقال القاضي عبدُ الجَبَّارِ (ت:٤١٥) (٣): «وهكذا طريقتُنا في سائرِ\n_________\n(١) يقصد الآيات التي استشهد بها ابن الراوندي.\n(٢) الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد (ص:١٨٣).\n(٣) عبد الجبار بن أحمد الهمذاني، المعتزلي، الشافعي، القاضي، صاحب التصانيف، منها: متشابه القرآن، وتنْزيه القرآن عن المطاعن، والمغني في أبواب العدل والتوحيد، توفي سنة (٤١٥)، ينظر: تاريخ بغداد (١١:١١٣ - ١١٥)، وسير أعلام النبلاء (١٧:٢٤٤ - ٢٤٥).","vol":"1","page":517},{"text":"المتشابهِ: أنه لا بُدَّ منْ أنْ يكونَ لهُ تأويلٌ صحيحٌ يخرجُ على مذهبِ العربِ، منْ غيرِ تكلُّفٍ وتعسُّفٍ» (١).\nوهذا يدلُّ على حرصِهم على إظهارِ مساعدةِ اللُّغةِ لمذاهبِهِم، بل جعلَ ابنُ جِنِّي (ت:٣٩٢) في كتابه (الخصائص) بابًا يخدمُ هذهِ المذاهبَ الباطلةَ، وسمَّاه: (باب ما يُؤْمِنُهُ علمُ العربيَّةِ منَ الاعتقاداتِ الدينيَّةِ) (٢)، وأدخلَ فيه نفيَ الظاهرِ والحقيقةِ مما أثبتَه اللهُ لنفسِه من الصِّفاتِ، وعَمَدَ فيها إلى المجازِ، وجعلَ هذه التأويلاتِ من سَعَةِ العربيَّةِ، فقالَ: «ولو كانَ لهمْ أُنْسٌ بهذه اللُّغةِ الشَّريفةِ، أو تَصرُّفٌ فيها، أو مُزَاوَلَةٌ لها، لَحَمَتْهُمْ السعادةُ بها، وما أصارتْهُم الشِّقْوَةُ إليه بالبُعْدِ عنها (٣)، وسنقولُ في هذا ونحوه ما يجب مثلُه ... وطريقُ ذلكَ أنَّ هذه اللُّغة أكثرُها جارٍ على المجازِ، وقلَّما يخرجُ الشَّيءُ منها على الحقيقةِ، وقدْ قدَّمنَا ذِكْرَ ذلكَ في كتابِنا هذا (٤) وفي غيرِه.\nفلمَّا كانتْ كذلكَ، وكانَ القومُ الذينَ خوطبوا بها أعرفَ النَّاسِ بِسَعَةِ مذاهبِها، وانتشارِ أنحائها، جرى خطابُهم بها مجرى ما يألفونَهُ، ويعتادونَهُ منها، وفَهِمُوا أغراضَ المخاطِبِ لهم بها على حَسْبِ عُرْفِهم وعادتِهم في استعمالِها ...» (٥).\n_________\n(١) إعجاز القرآن، للقاضي عبد الجبار، من كتابه: المغني (١٦:٣٨٠).\n(٢) ينظر: الخصائص (٣:٢٤٨ - ٢٥٨).\n(٣) يقصد مثبتي الصفات، وإن كان ذكر ألفاظًا من ألفاظ أهل التجسيم التي لا يوافق عليها أهل السنة الذين يثبتون ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ دون تمثيل، كما يفعله أهل التجسيم، ولا تعطيل، كما يفعله أهل التأويل الذين هم باسم التحريف أولى، وهذا إمَّا لأنه لا يفهم مذهب السلف، وإمَّا أنَّه أراد أن يشنِّع هذا المذهب بذكر هذه الألفاظ التي لا يرضاها الناس إذا سمعوا بها، لينفروا عن أصحاب هذا المذهب.\n(٤) ينظر: الخصائص (٢:٤٤٩ - ٤٥٩).\n(٥) الخصائص (٣:٢٤٩ - ٢٥٠).","vol":"1","page":518},{"text":"ومن الأمثلةِ التَّطبيقيَّةِ التي ذكرَها لهذه المسألةِ التي نظَّرَ لها، قولُه: «وقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، إنْ شئتَ جعلتَ اليَمِينَ هنا الجارحةَ، فيكونُ على ما ذهبنَا إليه منَ المجازِ والتَّشبيهِ؛ أي: حصلتِ السَّمَاواتُ تحتَ قَدرتِهِ حصولَ ما تُحيطُ اليدُ به في يمينِ القابضِ عليه، وذُكِرتِ اليمينُ هنا دونَ الشِّمَالِ؛ لأنها أقوى اليدينِ، وهو منْ مواضِعِ ذِكْرِ الاشتمالِ والقُوَّةِ.\nوإن شئتَ جعلتَ اليمينَ هنا القُوَّةُ؛ كقولِهِ (١):\nإذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ\nأي: بِقُوَّتِهِ وقُدْرتِهِ.\nويجوزُ أنْ يكونَ أرادَ بيدِ عَرَابَةَ (٢): اليُمْنَى. على ما مَضَى» (٣).\nوالمقصودُ أنَّ الأصلَ عندهم بدعتُهم، فإنْ وجدوا ما يدعمُهم منْ لغةِ العرب قالوا به، وإلاَّ استنكرُوه، ومنْ ذلكَ ما رُويَ في سؤالِ عمرِو بنِ عُبيدٍ المعتزليِّ (ت:١٤٤) أبا عمرِو بنِ العلاءِ (ت:١٤٥) في الوعدِ والوعيدِ (٤).\n_________\n(١) البيت للشماخ، وهو في ديوانه (ص:٣٣٦).\n(٢) هو عرابة بن أوس القَيظي، صحابي، شَهِدَ يومَ أُحُد، فاستُصغِر ورُدَّ، وأُجيزَ يوم غزوةِ الخندق، المعارف (ص:٣٣٠)، والطبقات (٤:٣٦٩ - ٣٧٠).\n(٣) الخصائص (٣:٢٥٢).\n(٤) قال ابن درستويه في كتابه: تصحيح الفصيح (ص:٣١٣ - ٣١٥): «وأما قوله: وعدت الرجل خيرًا وشرًا، فإذا لم تذكر الشر قلت: أوعدته، ووعدته بكذا وكذا؛ يعني: الوعيد. فهو ليس يحتاج - إذا قيل: وعدت الرجل - إلى ذكر خير أو شرِّ، وإن كان يحتمل معناه كل واحد منهما، إلاَّ أن يخاف اللبس فيذكر الذي يعني ... فأما أوعدته بالألف، فلا يكون إلاَّ للشرِّ خاصَّة وللتهديد، فلذلك استغنى معه عن ذكر الشرِّ، إلاَّ أن تذكر الوعيد الذي تهددته به فتقول: أوعدته بالقتل، أو بالصلب، أو بالقيد، أو بالحبس، أو بكذا وكذا، مفسِّرًا للشر الذي لا يُعلَم بقول: أوعدته، وقال الشاعر في الوعد والإيعاد:\nإذا وعدوا أنجزوا وعدهم ... وإن أوعدوا خاب من أوعدوا =","vol":"1","page":519},{"text":"قال الأصمعيُّ (ت:٢١٥): «جاءَ عمرُو بنُ عُبَيدٍ إلى أبي عمرِو بنِ العلاءِ، فقالَ: يا أبا عمرو، يُخلِفُ اللهُ وَعْدَهُ؟\nقالَ: لا!\nقال: أفرأيتَ إنْ وَعَدَهُ على عملٍ عقابًا، يُخلِفُ وَعْدَهُ؟\nفقال أبو عمرٍو: منَ العُجمةِ أُتِيتَ يا أبا عثمانَ. إنَّ الوعدَ غيرُ الوعيدِ، إنَّ العربَ لا تَعُدُّ خُلفًا ولا عارًا أن تَعِدَ شرًا ثمَّ لا تفعلُه، ترى ذلكَ كرمًا وفضلًا، وإنما الخُلْفُ أنْ تَعِدَ خيرًا ثُمَّ لا تفعَلُهُ.\nقالَ: فأوجدني هذا في كلامِ العربِ.\nقالَ: أما سمعتَ إلى قولِ الأوَّلِ:\nلا يَرْهَبُ ابنُ العَمِّ ما عِشْتُ صَولَتِي ... وَلاَ أخْتَشِي مِنْ خِشْيَةِ المُتَهَدِّدِ\nوإنِّي إذَا أَوْعَدْتُهُ وَوَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي» (١)\nووردتْ هذه الحادثةُ في (طبقاتِ المعتزلةِ) وجاء فيها بعد ذلك: «قال\n_________\n= يمدهم بذلك؛ لأن من الكرم والفضل تناسي الوعيد، وأنشدنا أبو العباس وغيره من البصريين عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء: أنه احتج على عمرو بن عبيد في الوعد والوعيد من الله ﷿ بقول الشاعر:\nوإني إذا وعدته أو أوعدته ... لأخلف إيعادي وأنجز موعدي»\n(١) تاريخ بغداد (١٢:١٧٥ - ١٧٦). وقد وردت هذه الحكاية في كثير من كتب التراجم والأدب على هذا النحو، ووجدت في كتاب طبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار (ص:٢٩٣ - ٢٩٤)، زيادة في صحتها شكٌّ، وقد جاءت بصيغة التمريض: «يقال إنَّ عمرو بن عبيد قال لأبي عمرو: شغلك الإعراب عن معرفة الصواب. إن الله يتعالى عن الخُلْفِ، والشاعر يقول الشيء وخلافه، فهلاَّ قلت في إنجاز الوعيد ما قال الشاعر:\nإنَّ أبا ثابت لمجتمع ... الرأي شريف الإباء والبيت\nلا يخلف الوعد والوعيد ولا ... يبيت من ثاره على فوت\nفسكت أبو عمرو». وقد بحثت عن هذين البيتين، فلم أجدهما، والشَّكُّ قائم في توليدهما لأجل نُصرة مذهبهم في الوعد والوعيد.","vol":"1","page":520},{"text":"أبو علي (١) لأبي خليفة (٢): أجابه بالمسكت، قال له: إنَّ الشَّاعر قد يكذب ويصدق» (٣).\nفهذا عمرُو بنُ عبيدٍ (ت:١٤٤) لم يجدْ بعدَ الاستدلالِ عليه بلغةِ العربِ إلاَّ هذه الحجَّةَ التي ذكرَها أبو عليٍّ الجُبَّائيِّ (ت:٣٠٣)، وليستْ هذه غريبةً على منهجه، إنْ صحَّ النقلُ عنه، إذ رُوِيَ عنه ما هو أشنعُ منْ ذلكَ (٤).\nوالعقلُ هو الأصلُ المقدَّمُ عند أهلِ البدعِ من المتكلِّمينَ، فما رأوه بعقولِهم ذهبوا إلى لغةِ العربِ واستنطقوها لإثباتِ بدعتِهم، واستخدموا في ذلكَ مجازاتِ اللُّغةِ.\nقال ابن تيميةَ (ت:٧٢٨): «... ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات التي يحتاجون فيها إلى إخراج اللغات عن طريقتها المعروفة، وإلى الاستعانة بغرائب المجازات والاستعارات ...» (٥).\nوقال: «... والذي اقتضى شهرةَ القولِ عنْ أهلِ السُّنَّةِ بأنَّ المتشابهَ: لا يعلمُ تأويلَه إلاَّ اللهُ، ظهورُ التَّأويلاتِ الباطلةِ منْ أهلِ البدعِ؛ كالجهميَّةِ، والقدريَّةِ من المعتزلةِ وغيرِهم، فصارَ أولئكَ يتكلمونَ في تأويلِ القرآنِ برأيهم\n_________\n(١) هو الجُبَّائي.\n(٢) ورد اسمه في كتاب المنية والأمل (ص:٧٠)، وهو نفس المصدر: أبو حنيفة، وفي بداية الرواية: «رويَ أن أبا علي ناظر بعضهم في الإرجاء، وأبو خليفة الزبير حاضران، فقال أبو خليفة: إن أبا عمرو بن العلاء لقي عمرو بن عبيد ...» القصة.\n(٣) طبقات المعتزلة، للقاضي عبد الجبار (ص:٢٩٣ - ٢٩٤). من كتاب: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، إخراج: فؤاد السيد.\n(٤) قال في حديث الصادق المصدوق: «إنَّ أحدكم ليُجمع خلقُه في بطن أمِّه أربعين يومًا ...» الحديث: «لو سمعت الأعمش يقول هذا، لكذَّبته، ولو سمعته من زيد بن وهب، لما صدَّقته، ولو سمعت ابن مسعود يقوله، ما قبلته، ولو سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله يقول هذا، لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا» لسان الميزان (٣:٢٧٨). وله شنائع غير ذلك، أسأل الله السلامة.\n(٥) درء تعارض العقل والنقل (١:١٢).","vol":"1","page":521},{"text":"الفاسدِ، وهذا أصلٌ معروفٌ لأهل البدعِ: أنهم يفسرونَ القرآنَ برأيهم العقليِّ، وتأويلِهم اللُّغويِّ ...» (١).\nوقال الدَّارميُّ (ت:٢٨٠) في ردِّه على بِشرٍ المِرِّيسيِّ (ت:٢١٩): «ونحنُ قد عرفنا - بحمد اللهِ - منْ لُغَاتِ العربِ هذه المجازاتِ التي اتخذتُمُوها دُلْسَةً وأغلوطةً على الجُهَّالِ، تنفونَ بها عن اللهِ تعالى حقائقَ الصِّفاتِ بِعِلَلِ المجازاتِ، غيرَ أنَّا نقولُ: لا يُحكَمُ للأغربِ منْ كلامِ العربِ على الأغلبِ، ولكنْ نصرفُ معانيها إلى الأغلبِ، حتى يأتوا ببرهانٍ أنه عَنَى بها الأغرب، وهذا هو المذهبُ الذي إلى الإنصافِ والعدلِ أقربُ، لا أنْ نعترضَ صفات اللهِ المعروفةَ المقبولةَ عندَ أهلِ البَصَرِ فنصرفَ معانيَهَا بِعِلَّةِ المجازاتِ إلى ما هو أنكرُ، وتُرَدُّ على الله بداحضِ الحججِ وبالتي هي أعوجِ» (٢).\nومنِ اطَّلعَ - على سبيلِ المثالِ - على كتابِ (تلخيص البيانِ في مجازاتِ القرآنِ) للشَّريف الرَّضِيِّ (ت:٤٠٦) (٣)، وكتابِ (متشابهِ القرآنِ) للقاضي عبدِ الجبارِ الهمذانيِّ المعتزليِّ (ت:٤١٥) وكتاب (غرر الفوائدِ ودرر القلائد) المسمى: أمالي الشَّريفِ المُرْتَضَى (ت:٤٣٦)، وغيرِها منْ تفاسيرِ المعتزلةِ = ظهرَ له أنَّ الأصلَ عند هؤلاءِ ما تقرَّرَ لهم في عقولِهم، وأنَّ النصوصَ تؤوَّلُ إذا خالفت أصلهُم العقليَّ.\nومن ذلكَ:\n١ - قولُ القاضي عبدِ الجبارِ (ت:٤١٥) - في التعليقِ على من أثبتَ الاستواءَ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ\n_________\n(١) تفسير سورة الإخلاص (ص:٢٠١).\n(٢) الرد على بشر المريسي (ص:١٩٧).\n(٣) محمد بن الحسين العلوي الرافضي، نقيب الطالبيين في بغداد، كان شاعرًا، عالمًا بالأدب والنَّحو، وكان ذكيًّا سريع الخاطر، له كتاب مجازات القرآن، ومعاني القرآن توفي سنة (٤٠٦)، ينظر: تاريخ بغداد (٢:٢٤٦ - ٢٤٧)، وإنباه الرواة (٣:١١٤ - ١١٥).","vol":"1","page":522},{"text":"اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣]ـ: «قد بينا أنَّ المرادَ بالاستواء: هو الاستيلاءُ والاقتدارُ، وبيَّنَا شواهدَ ذلك في اللُّغةِ والشِّعْرِ، وبيَّنا أنَّ القولَ إذا احتملَ هذا والاستواءَ الذي هو بمعنى الانتصاب، وجبَ حملُه عليه؛ لأنَّ العقلَ قد اقتضاه، منْ حيثُ دَلَّ على أنَّه تعالى قديمٌ ...» (١).\n٢ - وتجدُه في قولِه تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١، ١٠٢] يذكرُ قولَ المخالفينَ له في أنَّ هذه الآيةِ تدلُّ على خَلْقِ أفعالِ العبادِ، ثُمَّ يجيبُ بقولِه: «والجوابُ عن ذلك: أنَّ ظاهرَ ﴿وَخَلَقَ﴾ يقتضي أنَّه قدَّر ودبَّر، ولا يُوجِب في اللغةِ أنَّه فعلَ ذلكَ وأحدثَهُ، ولذلك قالَ الشاعرُ (٢):\nولأنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْـ ... ـضُ القَومِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي\nفأثبته خالقًا من حيثُ قدَّر ودبَّر، وإن لم يَفْرِ الأديمَ، ومتى حُمِلَ الكلامُ على هذا الوجهِ كانَ حقيقتُهُ: أنَّه تعالى، وإن لم يُحْدِثْ أفعالَ العبادِ فقدْ قدَّرها ودبَّرها، وبين أحوالها ...» (٣).\nثُمَّ ذكرَ أجوبةً أخرى غيرَه، ثمَّ عقَّبَ بقوله: «وبعد، فلو كانَ ظاهرُه يقتضي ما قالوه، لوجبَ بدلالةِ العقلِ صرفُه إلى ما ذكرناه؛ لأنه يختص بالحُسْنِ، ولأنه تعالى لا يجوزُ أنْ يكونَ خالقًا لِسَبِّ نفسِه وسوءِ الثَّناء عليه ...» (٤).\nفتراه في هذا نفى دلالةَ لفظِ الخَلْقِ على الإبداعِ والتقديرِ والإحداثِ، الذي هو المعنى المرادُ هنا، وحملَ الآيةَ على المعنى الآخر من معانيه في\n_________\n(١) متشابه القرآن (١:٣١٥)، وينظر: (١:٧٢ - ٧٥).\n(٢) البيت لزهير، وهو في شرح ديوانه لثعلب، تحقيق: حنا نصر (ص:٩٦).\n(٣) متشابه القرآن (١:٢٥١ - ٢٥٢).\n(٤) متشابه القرآن (١:٢٥٤).","vol":"1","page":523},{"text":"اللُّغةِ؛ لأنه يوافقُ مذهبَه في أنَّ أفعالَ العبادِ غيرُ مخلوقةٍ للهِ. ثمَّ إنَّ هذا الظاهرَ من دلالةِ اللَّفظِ، لو صحَّ عنده، فإنه سيصرفُه عنْ ظاهرِهِ لأجل دلالةِ عقلِهِ.\n٣ - وفي تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، قالَ الشَّريفُ المُرْتَضَى الرَّافِضِيُّ المعتزليُّ (ت:٤٣٦) - بعدَ أن نفى دلالةَ ظاهرِ الآيةِ على خَلْقِ اللهِ لأفعالِ العبادِ ـ: «ولو لم يكنْ في الآيةِ شيءٌ مما ذكرناه مما يوجبُ العدولَ عنْ حَمْلِ قولِه: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ على خَلْقِ نفسِ الأعمالِ لوجبَ أن نَعْدِلَ بها عن ذلك، ونحملَها على ما ذكرناه بالأدلةِ العقليَّةِ الدَّالَّةِ على أنه تعالى لا يجوزُ أنْ يكونَ خالقًا لأعمالِنا، وإن تصرُّفَنا مُحْدَثٌ بنا، ولا فاعلَ له سِوَانا» (١).\n٤ - وقالَ في موضعٍ آخرَ: «مسألةٌ: ما وردَ في القرآنِ منْ معاتباتِ الرسولِ ﵇ مع عصمتِه وطهارتِه، وكونه الحجةُ على الخلقِ أجمعينَ.\nالجوابُ: أنه إذا ثبتَ بالدليلِ عصمةُ الأنبياءِ ﵈ (٢) فكلُّ ما وردَ في القرآنِ مما له ظاهرٌ ينافي العِصْمَةَ، ويقتضي وقوعَ الخطأ منهم، فلا بدَّ من صرفِ الكلامِ عن ظاهرِه، وحملِه على ما يليقُ بأدلةِ العقولِ؛ لأنَّ الكلامَ يدخلُه الحقيقةُ والمجاز، ويعدِلُ المتكلمُ به عن ظاهرِه، وأدلةُ العقولِ لا يصحُّ فيها ذلك، ألا ترى أنَّ القرآنَ قد ورد بما لا يجوزُ على الله تعالى من الحركةِ والانتقالِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، وقولِه\n_________\n(١) غرر الفوائد ودرر القلائد، المعروف بأمالي الشريف المرتضى (٢:٢٤٠).\n(٢) الدليل عنده هو العقل، فقد قال في موضع آخر (١:٤٧٧): «إذا ثبت بأدلة العقول التي لا يدخلها الاحتمال والمجاز ووجوه التأويلات: أنَّ المعاصي لا تجوز على الأنبياء ﵈، صرفنا كل ما ورد ظاهره بخلاف ذلك في كتاب وسنة إلى ما يطابق الأدلة ويوافقها، كما نفعل مثل ذلك فيما يَرِدُ ظاهره مخالفًا لما تدلُّ عليه العقول من صفاته تعالى، وما يجوز عليه، أو لا يجوز».","vol":"1","page":524},{"text":"تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَاتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلاَئِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]. ولا بدَّ - مع وضوحِ الأدلةِ على أنَّ الله تعالى ليس بجسمٍ، واستحالةِ الانتقالِ عليه، الذي لا يجوزُ إلاَّ على الأجسامِ - من تأوُّلِ هذه الظواهرِ والعدولِ عما يقتضيه صريحُ ألفاظِها؛ قَرُبَ التأويلُ أو بَعُدَ» (١).\nإذًا، فالمسألةُ عندَ هؤلاءِ مبنيةٌ على دلالةِ العقلِ، ولا حُجَّةَ في اللُّغةِ إذا دلَّت على ما يخالفُ مذهبَهم.\nوقد ظَهَرَ انحرافُ المبتدعةِ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ في ثلاثةِ أمورٍ، هي:\n١ - ما يتعلقُ باللهِ تعالى وصفاتِه.\n٢ - ما يتعلقُ ببعضِ المغيباتِ؛ كبعضِ أمورِ الآخرةِ، وما نُسِبَ للمخلوقاتِ الغيبيةِ والجماداتِ منْ إحساسٍ أو غيرِه من الأمورِ التي وُصِفَ بها العقلاءُ.\n٣ - ما يتعلقُ بعصمةِ الأنبياءِ عليهم الصلاةُ والسلامُ.\nوقدْ كانتْ آلَتُهُمُ اللُّغويةُ في إثباتِ بدعتِهم دلالةَ الألفاظِ، وأساليبَ الخطابِ، ودلالةَ الصيغِ، وقد طوَّعُوا اللُّغةَ لهم، حتى كأنَّها لا تخدمُ إلاَّ مذهبَهم، وإنْ لم يجدوا في قريبِ اللُّغةِ ومُتبَادرها ما يسعفُهم، عَمَدُوا إلى غريبها وشاذِّها لإثباتِ بدعتِهم، والتَّدليلِ بها على صِحَّةِ ما ذهبوا إليه.\nأمَّا ما يتعلق بالألفاظ، فإن كان للَّفظِ أكثرُ من مدلولٍ أخذوا بما يوافقُ مذهبَهم، وإنْ لم يسعفْهم في ذلك السِّياق والمعنى.\nفإن لم يجدوا في اللَّفظِ دلالات متعددةً، حَرَفُوه إلى مدلولِ ما يشابهه في الرَّسم، وإن خالفه في المعنى، فإن لم يجدوا ذلك، أحدثوا له دلالة غيرَ معروفةٍ في لغةِ العربِ.\n_________\n(١) أمالي الشريف المرتضى (٢:٣٩٩)، وفي كلامه مخالفات ظاهرة لا تخفى على ذي علم بمذهب السلف الصالح من أهل السنة والجماعة.","vol":"1","page":525},{"text":"وأمَّا ما يتعلق بالأساليب، فإنها كثيرة، ومنها: المجاز، والحذف والإضمار، والكناية، وغيرها.\nوأمَّا ما يتعلقُ بدلالةِ الصيغِ، فمنها دلالةُ صيغةِ (أَفْعَل).\nوقد يدَّعون في المثالِ الواحدِ: تَعَدُّدَ الدلالةِ، والمجازِ، وغيرِها؛ أي: أنهم يستدلونَ لمذهبِهم بأكثرَ من دليلٍ لغويٍّ، بزعمِهِمْ، وسأذكرُ أمثلةً لهذه الأمورِ التي أوردتها:\nالأول: دلالةُ الألفاظِ:\nلهم في دلالةِ الألفاظِ ثلاثةُ تدرجاتٍ، وهي:\nأولًا: أنْ يكونَ للَّفظِ في لغةِ العربِ أكثرُ من استعمالٍ؛ كاليدِ، تطلقُ على: اليدِ الجارحةِ، والنعمةِ، والقدرةِ، والنُّصرَةِ، فيختارونَ منها ما يوافقُ مذهبَهم المقرَّرَ عندَهم، ولا ينظرونَ إلى صحةِ إطلاقِه في هذا السِّياقِ من عدمِه، بل يتمحَّلونَ له أيَّما تمحُّل، مكتفين في ذلك التَّفسيرِ بهذا الورودِ عن العربِ.\nومن أمثلتِه ما يأتي:\n١ - ذَكَرَ ابنُ قتيبةَ (ت:٢٧٦) عنْ بعضِ المؤولة الذين فسَّروا القرآن بأعجبِ تفسيرٍ، يريدون رَدَّهُ إلى مذاهبِهم، وحَمْلَ التأويلِ على نِحَلِهم = بعضَ الأمثلةِ، ومنها: «وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]؛ أي: فقيرًا (١)، وجعلوه من الخَلَّةِ - بفتحِ الخاءِ - استيحاشًا منْ أن يكونَ اللهُ تعالى خليلًا لأحدٍ منْ خلقِهِ، واحتجوا بقولِ زُهَيرٍ (٢):\nوإِنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَومَ مَسْأَلَةٍ، ... يَقُولُ: لا غَائبٌ مَالِي ولا حَرِمُ\n_________\n(١) جوَّز الزجاج هذا التفسير في معانيه (٢:١١٢ - ١١٣)، وذكره المرتضى في أماليه (٢:١٨٥).\n(٢) البيت في ديوانه، تحقيق: حنا نصر (ص:١٩٢).","vol":"1","page":526},{"text":"أي: إن أتاه فقيرٌ» (١).\nوالخُلَّةُ: كمالُ المحبةِ التي لا خللَ فيها، وهي المرادةُ هنا، أمَّا الخَلَّةُ بمعنى: الفقرِ، فلا محلَّ لها في هذا الآية.\nوإنما ذهبوا لذلك؛ لأنه تقرَّرَ عندهم في عقولِهم التي هي الحَكَمُ على ألفاظِ الشَّرْعِ، أنَّ الباريَ سبحانَهُ منزَّهٌ عن هذه الصفاتِ التي تدلُّ على الحدوثِ، بزعمهم، فلما كان هذا ثابتًا عندهم، تأوَّلوا هذا اللفظَ على ذلك المعنى فِرَارًا من إثباتِ ما أثبتَهُ اللهُ لنفسِه، وأكرمَ به نبيَّهُ إبراهيمَ ﵇.\n٢ - وفي قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، فسَّروا اليدين بأنهما: نِعْمَتَاهُ، قال القاضي عبدُ الجبَّارِ (ت:٤١٥): «والمرادُ بذلك: أنَّ نعمتيه مبسوطتانِ على العبادِ، وأراد به نعمةَ الدينِ والدنيا، والنَّعمةَ الظاهرةَ والنَّعمةَ الباطنةَ، وقد يُعبَّرُ باليَدِ عن النِّعمةِ، فيقالُ: لفلانٍ عندي يدٌ وأيادٍ ويدٌ جسيمةٌ» (٢).\nوإنَّما دعاهُ إلى ذلك تنْزيهُ اللهِ عنِ الجِسْمِيَّةِ (٣)، بزعمِهِ، وساعدَه في ذلك سَعَةُ إطلاق اليدِ في العربيَّةِ على معانٍ، منها ما ذَكَرَهُ.\nوقدْ رَدَّ هذا التأويلَ الذي يذهبُ باللَّفظِ إلى غيرِ حقيقتِهِ أعلامُ السُّنَّةِ؛\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث (ص:٨٣)، وقد قال معقِّبًا: «فأية فضيلة في هذا لإبراهيم ﷺ؟ أما تعلمون أن الناس جميعًا فقراء إلى الله تعالى، وهل إبراهيم في «خليل الله» إلاَّ كما قيل: موسى كليم الله، وعيسى روح الله». وينظر: الاختلاف في اللفظ (ص:٣٦).\n(٢) متشابه القرآن (١:٢٣١)، وينظر تأويل بشر المريسي في الرد عليه للدارمي (ص:٣٨، ٣٩). وعلى هذا سار جمهور المؤوِّلة من معتزلة وأشاعرة وغيرهم. وقد نقد الزمخشري - وهو معتزلي - هذا التأويل، فقال: «والتفسير بالنعمة، والتمحُّلُ للتثنية من ضيق العطن، والمسافرة عن علم البيان مسيرة أعوام». الكشاف (٢:٥٣٠)، واللفظة لم تسلم عنده، بل جعلها من المجاز، ولا ثَمَّ حقيقة، وينظر: (١:٦٢٨).\n(٣) هذا اللفظ من ألفاظ المبتدعة لتشنيع القول بالصفات الإلهية، وإلاَّ فأهل الحقِّ لا يجيزون مثل هذا الوصف ولا يقولون إلاَّ بالوارد عن الشارع.","vol":"1","page":527},{"text":"كالدَّارمِيِّ (ت:٢٨٠) الذي قالَ: «قد عَلِمتَ أيها المريسي أنَّ هذه تفاسيرُ مقلوبةٌ، خارجةٌ عن كُلِّ معقولٍ، لا يعقِلُهُ إلاَّ كلُّ جهولٍ. فإذا ادَّعَيتَ: أن اليَدَ قد عُرِفتْ في كلامِ العربِ أنها نعمةٌ وقُوَّةٌ. قلنا لكَ: أجلْ، ولسنا بتفسيرِها منك أجهلَ، غيرَ أنَّ تفسيرَ ذلك يستبينُ في سياقِ كلامِ المتكلمِ حتى لا يحتاجُ له من مثلِكِ إلى تفسيرٍ.\nإذا قالَ الرَّجُلُ: لفلانٍ عندي يَدٌ أكافئه عليها. عَلِمَ كُلُّ عالمٍ بالكلامِ أنَّ يَدَ فلانٍ ليستْ ببائنةٍ منه موضوعةً عند المتكلمِ، وإنما يرادُ بها النِّعْمَةُ التي يشكرُ عليها.\nوكذلكَ إذا قالَ: فلان له يدٌ أو عَضُدٌ أو ناصرٌ، عَلِمْنَا أنَّ فلانًا لا يمكنُه أنْ يكونَ نفسَ يَدِهِ عُضْوُهُ أو عَضُدُهُ، فإنما عَنَى به النُّصْرَةَ والمعونة والتَّقويةَ.\nفإذا قالَ: ضربني فلانٌ بيدِهِ، وأعطاني الشَّيءَ بيدِه، وكتبَ لي بيدِهِ، استحالَ أنْ يقالَ: ضربني بنعمتِهِ. وعَلِمَ كُلُّ عالمٍ بالكلامِ أنها اليَدُ التي بها يضربُ، وبها يكتبُ، وبها يُعْطِي، لا النِّعمةُ ... ولا يجوزُ لك أيها المريسي أن تَنْفِيَ اليَدَ التي هي اليَدُ، لما أنَّه وُجِدَ في كلامِ العربِ أنَّ اليَدَ قدْ تكونُ نعمةً وقوَّةً» (١).\n٣ - وفي قولِه تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، حُكِيَ عن بعضِ المعتزلةِ أنَّه منَ الكلْمِ، ويكون المعنى: «وجَرَّح اللهُ موسى بأظافرِ المِحَنِ ومخالبِ الفتنِ» (٢).\nوإنما جَعَلَ هذا المحرِّفُ اللَّفظ من مادة الكَلْمِ لا الكلامِ، هروبًا من\n_________\n(١) الرد على بشر المريسي (ص:٣٩).\n(٢) ينظر: الكشاف، وحاشية ابن المنير (١:٥٨٢)، والتفسير الكبير، للرازي (١١:٨٧)، ونسبه ابن القيم إلى الجهمية، ينظر: الصواعق المرسلة (١:٢١٧).","vol":"1","page":528},{"text":"إثباتِ صفةِ الكلامِ للهِ سبحانَهُ، وقدْ قالَ عنه الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزليُّ (ت:٥٣٨): «ومنْ بِدَعِ التفاسيرِ: أنه من الكَلْمِ، وأن معناه: وجَرَّحَ اللهُ موسى بأظفارِ المِحَنِ ومخالبِ الفِتَنِ» (١).\n٤ - وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤]، أخرجَ قومٌ هَمَّ يوسف ﵇ إلى غرائب لا يَقْبَلُهَا سياقُ الآية، وما حَمَلَهُمْ على ذلكَ إلاَّ دعوى العِصْمَةِ التي أثبتوا أمورَها بعقولِهم، فأوَّلوا كلَّ ما يخالفُ ما قرَّروه مما أثبته الله عليهم، فقال بعضُهم: هَمَّ بالفرارِ منها، وقال بعضُهم: همَّ بضربها، وَحَمَلَهُ آخرونَ على التَّقديمِ والتَّأخيرِ، وقالوا: لم يَهِمَّ أصلًا؛ لأنَّ المعنى: لولا أنْ رأى برهانَ ربه لهمَّ بها.\nوقدْ أشارَ ابنُ قتيبةَ (ت:٢٧٦) إلى أصحابِ هذه التَّأويلاتِ الغريبةِ، فقال: «يستوحشُ كثيرٌ من النَّاسِ منْ أنْ يُلحِقُوا بالأنبياءِ ذُنُوبًا، ويحمِلُهُم التَّنْزِيهُ لهم صلواتُ اللهِ عليهم على مخالفةِ كتاب اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، واستكرَاهِ التَّأويلِ، وعلى أن يَلْتَمِسُوا لألفاظِهِ المخارجَ البعيدةَ بالحِيَلِ الضعيفةِ التي لا تُخِيلُ عليهم أو على من عَلِمَ منهم أنها ليستْ لتلك الألفاظِ بشَكْلٍ، ولا لتلكَ المعانِي بِلفْقٍ» (٢).\nوقدْ نصَّ على قاعدةِ المبتدعةِ في التَّأوِيلِ في مسألةِ العصمةِ الشَّريفُ المُرْتَضَى (ت:٤٣٦)، فقالَ: «إذا ثبتَ بأدلَّةِ العقولِ التي لا يدخلُها الاحتمالُ والمجازُ ووجوهُ التَّأويلاتِ: أنَّ المعاصي لا تجوزُ على الأنبياءِ ﵈، صَرَفْنَا كُلَّ ما وردَ ظاهرُهُ بخلافِ ذلك منْ كتابٍ أو سُنَّةٍ إلى ما يطابقُ الأدلَّةَ ويوافقُها ...» (٣).\n_________\n(١) الكشاف (١:٥٨٢). ونقده هذا لا يعني أنه يُثبتُ صفة الكلامِ، بل ينفيها، لكنه لم يرتضِ هذا التأويل الاعتزاليَّ.\n(٢) تأويل مشكل القرآن (ص:٤٠٢)، اللِّفق: الملاءمة.\n(٣) أمالي المرتضى (١:٤٧٧).","vol":"1","page":529},{"text":"وهذا الذي ذهبَ إليه غيرُ سديدٍ، بلِ القاعدةُ في ذلك أنْ يُثْبَتَ ما أثبتَهُ اللهُ، فلا يُخَالَفُ ذلكَ بسببِ أدلَّةِ العقولِ التي يزعمها المبتدعةُ، وهي أدلة لا ثباتَ فيها، ولا اتفاق، والله أعلم.\nوليسَ في وقوعِ الهَمِّ منه ﵇ ما يوجبُ التَّشْنِيعَ عليه في نُبُوَّتِهِ ولا أنَّ في ذلك خَلَلًا منه، بلْ كانَ ذلكَ منه حَسْبَ الطبيعةِ البشريَّةِ التي هي جُزْءٌ منَ النَّبيِ ﷺ لا تنفكُّ عنه، ولكنَّ الله عَصَمَهُ منَ الوقوعِ في المعصيةِ، لا مِنَ الهَمِّ بها (١).\nوالحديثُ في هذه الآيةِ يَطُولُ، ويكفي ذِكْرُ بعضِ أقوالِ أهلِ العلمِ في ردِّ مثلِ هذه التأويلاتِ، فمنْ ذلكَ قولُ أبي عبيدِ (ت:٢٢٤): «وقدْ زَعَمَ منْ يَتَكَلَّمُ في القرآن برأيه أنَّ يوسفَ ﷺ لم يَهِمَّ بِها، يذهبُ إلى أنَّ الكلامَ انقطعَ عند قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾، قال: ثمَّ استأنفَ فقال: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، بمعنى: لولا أنْ رَأَى برهانَ ربِّهِ لَهَمَّ بها، واحتجَّ بقوله: ﴿ذَلِكَ\n_________\n(١) مفهوم العصمةِ من الأمورِ الشَّائكةِ التي خاضت فيها عقولُ المتكلِّمينَ، ولما لم يكن من قواعدهم الأخذُ بالنصوصِ، فأنَّهم قرَّروا مفهومًا للعِصمةِ، ثمَّ حكَّموه في النصوصِ، فما خالفَ مفهومها عندهم ردُّوه أو تأوَّلوه، وقد سبق نقل قول الشريف المرتضى، وفيه ما يدلُّ على ما ذكرتُ.\nوالصوابُ في هذا الموضوع وغيره مما يتعلَّقُ بأخبار الأنبياءِ وأحوالِهم أن تُستنطقَ النُّصوصُ الشرعيَّةُ، فيُثبتُ ما أثبتته فلا يُرَدَّ، ويُنفى ما نفتْهُ فلا يُثبتُ.\nوإذا تأمَّلتَ حالَ النَّبي ﷺ، ظهرَ لك أنَّه معصومٌ في التَّبليغِ، إذ لم يردْ البتَّة أنَّ الله أمرَه بأمرٍ، فقال لأمتِه خلاف ما أمره الله، كما يظهرُ لك أنَّ اللهَ لا يُقرُّه على ما يقع منه من الخطأ، وهذا ظاهرٌ في معاتبات الله له.\nكما أنَّك تجدُ الله يقولُ: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ *الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٢، ٣]، ويقول: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ١، ٢]. فلا يصحُّ بحالٍ أنْ تنفيَ ما أثبتَه اللهُ، وإنْ ذهبتَ تتمحَّلُ في التأويلِ، فلا فرقَ بينكَ وبينَ من يعتقدُ الرأي، ثم يستدلُّ له، ويحكِّمُه على ظاهر النصوص. وهذا الموضوع يحتاجُ بسطًا أكثرَ من هذا، وليس هذا محلُّه، والله الموفِّقُ، والهادي إلى سواءِ السبيلِ.","vol":"1","page":530},{"text":"لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢]، وبقوله: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ [يوسف: ٢٥]. وابنُ عباسٍ ومنْ دونَهُ لا يختلفونَ في أنَّه هَمَّ بها، وهُم أعلمُ باللهَ، وبتأويلِ كتابِهِ، وأشدُّ تعظيمًا للأنبياءِ، منْ أنْ يتكلَّمُوا فيهم بغيرِ علمٍ» (١).\nوقالَ أبو جعفرَ النَّحَّاسُ (ت:٣٣٨): «وكلامُ أبي عبيدٍ هذا كلامٌ حَسَنٌ بيِّنٌ لمنْ لَمْ يَمِلْ إلى الهَوَى ...» (٢).\nوقال أبو بكرٍ بنِ الأنباريِّ (ت:٣٢٨): «والذي نذهبُ إليه ما أجمعَ عليه أصحابُ الحديثِ وأهلِ العلمِ، وَصَحَّتْ به الروايةُ عن عليِّ بن أبي طالبٍ رضوانُ اللهِ عليه، وابنِ عباس ﵀، وسعيدِ بنِ جبيرٍ، وعكرمةَ، والحسنِ، وأبي صالحٍ، ومحمدِ بنِ كعبٍ القُرَظَيِّ، وقتادةَ، وغيرِهم، منْ أنَّ يوسفَ ﵇ هَمَّ هَمًّا صحيحًا على ما نَصَّ اللهُ عليه في كتابِهِ، فيكونُ الهَمُّ خطيئةً من الخطايا وقعت من يوسف ﵇ كما وقعتِ الخطايا من غيرِه منَ الأنبياءِ.\nولا وَجْهَ لأنْ نُؤَخِّرَ ما قَدَّمَ اللهُ، ونُقَدِّمَ ما أخَّرَ الله، فيقالُ: معنى: وَهَمَّ بها: التأخيرُ مَعَهُ (٣) قولُ اللهِ ﷿: ﴿لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، إذ كانَ الواجبُ علينا واللازمُ لنا أنْ نَحْمِلَ القرآنَ على لفظِهِ، وألاَّ نُزِيلَهُ عنْ نَظْمِهِ، إذا لم تَدْعُنَا إلى ذلكَ ضَرُورَةٌ، وما دَعَتْنَا إليه في هذه الآيةِ ضَرُورَةٌ.\nفإذا حَمَلْنَا الآيةَ على ظاهرِها ونَظْمِهَا كانَ ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ معطوفًا على ﴿هَمَّتْ بِهِ﴾ و﴿لَوْلاَ﴾ حرفٌ مبتدأٌ، جوابُهُ محذوفٌ بعدَهُ، يُرادُ به: لولا أنْ رأى برهانَ ربِّه لَزَنَا بها بعد الهَمِّ، فلمَّا رأى البرهانَ زَالَ الهَمُّ وَوَقَعَ الانصرافُ عنِ العَزْمِ.\n_________\n(١) معاني القرآن، للنحاس (٣:٤١٣).\n(٢) معاني القرآن، للنحاس (٣:٤١٣)، ولكلامه تتمة.\n(٣) قال محقق الكتاب محمد أبو الفضل إبراهيم: «كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: عن».\nينظر: الأضداد، لابن الأنباري (ص:٤١٣).","vol":"1","page":531},{"text":"وقدْ خبَّرَ اللهُ جَلَّ وعَزَّ عنْ أنبيائِهِ بالمعاصي التي غفرَهَا وتجاوزَ عنهم فيها، فقالَ ﵎: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، وقال لِنَبِيِّه محمدٍ ﵇: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ *وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ *الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ١ - ٣]، وخبَّر بمثلِ هذا عنْ يُونُسَ وَدَاوُدَ ﵉، وقال النبي ﷺ: ما من نبي إلاَّ قد عصى الله، إلاَّ يحيى بن زكريا (١).\nوقال أبو عبيدٍ: قال الحسنُ: إنَّ الله جلَّ وعزَّ لم يقصصْ عليكم ذنوبَ الأنبياء تعييرًا منه لهم، ولكنه قصَّها عليكم لئلا تقنطوا من رحمتِه.\nقال أبو عبيدٍ: يذهبُ الحسنُ إلى أنَّ الحُجَجَ من اللهِ جلَّ وعزَّ على أنبيائه أوكدُ، ولهم ألزمُ، فإذا قَبِلَ التوبةَ منهم، كان إلى قبولِها منكم أسرعُ.\nوإلى مذهبِنا هذا كان يذهبُ علماءِ اللُّغةِ: الفرَّاءُ، وأبو عبيدٍ، وغيرُهما» (٢).\nثانيًا: إنْ لم يُسْعِفْهُمْ في اللَّفظِ تعدُّدُ استعمالِه، عَمَدُوا إلى تفسيرِه\n_________\n(١) أخرج هذا الأثر جماعة من أهل العلم، منهم: الطبري في تفسيره، تحقيق: شاكر (٦:٣٧٧، ٣٧٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره، تحقيق: أسعد الطيب (٢:٦٤٣)، وقال ابن كثير - بعد ذكر الأثر عن عبد الله بن عمرو ـ: «فهذا موقوف، وهو أقوى إسنادًا من المرفوع، بل وفي صحة المرفوع نظر، والله ﷾ أعلم». تفسير القرآن العظيم، تحقيق: السلامة (٢:٣٨).\n(٢) الأضداد، لابن الأنباري (ص:٤١٢ - ٤١٤).\nوينظر: الوسيط، للواحدي (٢:٦٠٨)، فقد نقل كلام ابن الأنباري، وفيه عبارات أخرى، ولعل الواحديَّ نقل عنه من غير كتاب الأضداد؛ ككتابه في مشكل القرآن الذي ردَّ به على كتاب ابن قتيبة: تأويل مشكل القرآن، والله أعلم.\nوالعجيب أنَّ محققي تفسير الواحدي ردُّوا الوارد عن السلف وجعلوه من الباطل الذي يجب تنْزيه الكتب منه، وأنه من الرفث، ولم يقدموا برهانًا علميًا على قولهم سوى أنه منافٍ للعصمة الثابتة بالدلائل القطعية، ولم يبينوا هذه الدلائل القطعية، وردُّهم هذا عاطفيُّ خطابيُّ، والحقائق والمناقشات العلمية لا تردُّ بهذا الأسلوب، والله المستعان.","vol":"1","page":532},{"text":"بمدلولِ لفظٍ يشابهه في الرَّسمِ، وإنْ اختلفَ عنه في الحركاتِ، التي ينتجُ عنها اختلافُ المدلولِ، وهذه الطَّريقةُ قليلةٌ، ولكَّنها واردةٌ في بعضِ الأمثلةِ، ومنها:\n١ - في قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] قالوا: «أي: بَشِمَ منْ أَكْلِ الشَّجرةِ، وذهبوا إلى قَولِ العربِ: غَوِيَ الفَصِيلُ: إذا أكثرَ منَ اللَّبَنِ حتى يَبْشَمَ» (١).\nفانظرْ، كيفَ حرَّفوا اللفظَ، وجعلوه من غَوِيَ، ونَصُّ القرآنِ «غَوَى»؟!\nوإنما دعاهم إلى هذا التَّحريفِ مفهومُ العِصْمَةِ عندهم، وأنَّ النَّبِيَّ لا يجوزُ عليه الخطأُ، وقد يكونُ هذا القولُ بالعصمةِ مبنيًّا على مسألةِ أصحابِ الكبائرِ والقولِ بتخليدِهم في النَّارِ عندَ المعتزلةِ، فيحرِّفون أيَّ نصٍّ وردَ فيه خطأٌ من نبيٍّ؛ لئلاَّ يَخْرِمُوا ما قرَّرُوهُ في هذا المبدأ، فَيُخَرِّجُونَ أخطاءَ الأنبياءِ بأسمجِ التَّخْرِيجَاتِ؛ كهذا التخريجِ.\nولو وجدوا أيضًا في «عَصَى» مثلَ هذا السَّنَنِ لَرَكِبُوه، وليسَ في «غَوَى» شيءٌ إلاَّ ما في «عَصَى» منْ معنى الذَّنْبِ؛ لأنَّ العاصي للهِ التَّاركِ لأمرِهِ غاوٍ في حالِهِ تلكَ، والغاوي: عاصٍ. والغَيُّ ضِدُّ الرَّشَدِ، كما المعصيةُ ضِدُّ الطاعةِ (٢).\nقالَ ابنُ قتيبةَ (ت:٢٧٦): «وقدْ أكلَ آدمُ ﷺ منَ الشَّجرةِ التي نُهِيَ عنها، باستزلالِ إبليسَ وخدائعِهِ إياه باللهِ، والقَسَمِ به إنه لمنَ النَّاصحينَ، حتى دَلاَّه بغرورٍ. ولم يكنْ ذنبُهُ عن إرصادٍ وعداوةٍ وإرهاصٍ كذنوبِ أعداءِ اللهِ.\n_________\n(١) ينظر: تأويل مشكل القرآن (ص:٤٠٢)، والاختلاف في اللفظ (ص:٣٦). وقد جعله الكرماني في كتابه «غرائب التفسير» من العجيب الذي فيه أدنى خلل ونظر (١:٧٣١).\n(٢) ينظر: تأويل مشكل القرآن (ص:٤٠٣).","vol":"1","page":533},{"text":"فنحن نقولُ: عصى وغَوَى، كما قالَ اللهُ تعالى، ولا نقولُ: آدمُ عاصٍ وغاوٍ؛ لأن ذلك لم يكنْ عن اعتقادٍ مُقَدَّمٍ ولا نيَّةٍ صحيحةٍ.\nكما تقولُ لرجلٍ قَطَعَ ثَوبًا وخَاطَهُ: قدْ قَطَعَهُ وَخَاطَهُ، ولا تقلْ: خائطٌ ولا خَيَّاطٌ، حتى يكونَ مُعَاوِدًا لذلكَ الفعلِ، معروفًا به» (١).\n٢ - وفي تفسيرِ لفظِ الصُّورِ في مثلِ قولِه تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩].\nقالوا: الصُّورُ: جمعُ صُورَةٍ (٢).\nوهذا فيه إنكارٌ لتفسيرِ الرَّسولِ ﷺ الذي فَسَّرَ الصُّورَ بأنه: البوقُ الذي يَنْفُخُ فيه إسرافيل ﵇، كما ورد عنه ﷺ في عدَّةِ أحاديثَ رواها عنه أهل الحديث (٣).\nوإذا عورضَ حديثُ الرَّسولِ ﷺ، ودلالاتُ الشَّرعِ التي جاء بها، رُدَّ هذا الاعتراضُ ولمْ يُقبلْ، كائنًا من كانَ قائلُه.\n_________\n(١) تأويل مشكل القرآن (ص:٤٠٣).\n(٢) قال بهذا التفسير أبو عبيدة في مجاز القرآن (١:٤١٦)، قال: «واحدتها: صورة، خرجت مخرج سورة المدينة، والجميع: سور المدينة». وقد ردَّ عليه أبو الهيثم اللغوي هذا التأويل، فقال: «وكأن أبا عبيدة أراد أن يؤيد قوله في الصور: أنه جمع صورة، فأخطأ في الصُّور والسُّور، وحرَّف كلام العرب عن صيغته، وأدخل فيه ما ليس منه؛ خذلانًا من الله لتكذيبه بأن الصور: قرن خلقه الله للنفخ فيه حتى يُمِيتَ الخلق بالنفخة الأولى، ثَمَّ يحييهم بالنفخة الثانية، والله حسيبه» تهذيب اللغة (١٣:٥٠). وله بقية في الردِّ فيها طول، وهي تتعلق بتصريف اللفظتين وبيان عدم اتفاقهما، وهي قبل هذا النقل.\n(٣) ينظر: مسند الإمام أحمد (٢:١٩٢، ٣٢٦)، وسنن أبي داود (٤:٣٢٦)، وسنن الترمذي (برقم: ٢٤٣١)، ومستدرك الحاكم (٤:٥٦٠)، وقد قال ابن كثير عن روايةٍ عند الإمام أحمد في المسند (١:٣٢٦): «وقد روي هذا من غير وجه، وهو حديث جيدٌ». تفسير القرآن العظيم، تحقيق: السلامة (٢:١٧١).","vol":"1","page":534},{"text":"والأصلُ في ذلك: أنه إذا ثبتَ النَّصُّ، طاحَ ما دونَه، فلا يُحكمُ باللغةِ على اصطلاحِ الشَّريعةِ.\nقال أبو الهيثم (١): «اعترضَ قومٌ فأنكروا أنْ يكونَ الصُّورُ قَرْنًا، كما أنكروا العَرْشَ والميزانَ والصِّراط (٢): وادَّعوا أنَّ الصُّورَ: جمعُ الصُّورَةِ (٣)، كما أن الصُّوفَ جمعُ الصُّوفَةِ، والثُّومَ جمعُ الثُّومَةِ، ورَوَوا ذلكَ عنْ أبي عُبَيدَةَ.\nقالَ أبو الهيثمِ: وهذا خَطأٌ وتحريفٌ لكَلِمِ الله عن مواضِعِها؛ لأنَّ الله جلَّ وعزَّ قال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] بفتْح الواوِ، ولا نعلمُ أحدًا من القُرَّاءِ قرأها: فأحسنَ صُورَكم. وكذلك قال الله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩، وغيرها] فمنْ قَرَأها: ونُفِخَ فِي الصُّوَرِ، أو قرأ: فأحسن صُوْرَكم، فقدِ افترى الكذبَ وبَدَّلَ كتابَ اللهِ، وكانَ أبو عبيدةَ صاحبَ أخبارٍ وغريبٍ، ولم يكنْ له معرفةٌ بالنَّحْوِ» (٤).\n_________\n(١) اشتهر أبو الهيثم بكنيته، وكان عالمًا بالعربية، دقيق النظر، وكان ورعًا، صاحب سنة، لازمه المنذري، وقرأ عليه الكتبَ، وله مؤلفات منها: زيادات معاني القرآن للفراء، توفي سنة (٢٢٦). ينظر: نزهة الألباء (ص:١١٨)، وإنباه الرواة (٤:١٨٨).\n(٢) قال الإمام أبو علي الحسن بن أحمد البنَّا الحنبلي: «وأما القدرية والمعتزلة وأنواعهم، فينكرون الصراط والميزان والكرسي ..». ينظر كتابه: المختار في أصول السنة، تحقيق: عبد الرزاق البدر (ص:٨٧).\n(٣) ممن قال بذلك: أبو القاسم عبد الله بن أحمد البلخي المعتزلي (٣١٩)، كما ذكر عنه ابن الوزير المغربي في كتابه «المصابيح في تفسير القرآن» عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقد ردَّ عليه، فقال: «وأخطأ إنما جمع صورة صورة [كذا] والصور: القرن الذي ينفخ فيه المَلَكُ، فيكون فيه الصوت الذي يصعق أهل السموات والأرض». مخطوط المصابيح في تفسير القرآن (آية: ٧٣ من سورة الأنعام/ورقة ١٠٤أ).\n(٤) تهذيب اللغة (١٢/ ٢٢٨). وقد عقَّب الأزهري، فقال: «قد احتجَّ أبو الهيثم فأحسن الاحتجاج، ولا يجوز عندي غير ما ذهب إليه، وهو قول أهل السنة والجماعة، والدليل على صحة ما قالوا: أنَّ الله - جلَّ وعزَّ - ذكر تصوير الخلق في الأرحام قبل =","vol":"1","page":535},{"text":"في هذا المثالِ تراهم جعلوا الصُّورَ جمعًا مُفْرَدُهُ الصُّورَةُ، والصحيحُ أنه اسمٌ مفردٌ للقَرْنِ الذي يُنْفَخُ فيه، لا جمعًا للصُّورةِ التي يأتي جمعُها متحرِّكَ الواوِ، فيقالُ: الصُّوَر.\nثُمَّ لو صَحَّ أنَّ الصُّوْرَ جمعُ صُورَةٍ، وأنَّ فتحَ الواوِ فيه سُهِّل إلى السُّكُونِ، فإنَّ ذلك مخالفٌ لمعناهُ المرادِ في النُّصُوصِ، ولذا لا يصحُّ حَمْلُ هذا المعنى على هذه الآياتِ الواردةِ في الصُّورِ، والله أعلم.\n٣ - في قوله تعالى: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ذُكِرَ تفسيرٌ عجيبٌ فيه تحريفٌ للفظِ ﴿نَاظِرَةٌ﴾، قالَ الشَّرِيفُ المُرْتَضَى (ت:٤٣٦): «وهاهنا وجهٌ غريبٌ في الآيةِ - حُكِيَ عنْ بعضِ المتأخرينَ (١) - لا يفتقرُ مُعْتَمِدُهُ عنِ العدولِ عنِ الظاهرِ، أو إلى تقديرِ محذوف، ولا يحتاجُ إلى منازعتِهم في أنَّ النَّظَرَ يحتملُ الرؤيةَ أو لا يحتملُها، بلْ يَصِحُّ الاعتمادُ عليه، سواءٌ كانَ النَّظَرُ المذكورُ في الآيةِ هو الانتظارُ بالقلبِ، أو الرؤيةُ بالعينِ، وهو أنْ يُحْمَلَ قولُه تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ على أنَّه أرادَ به: نِعْمَةَ رَبِّهَا؛ لأنَّ الآلاءَ النِّعَمُ، وفي واحدِها أربعُ لغاتٍ: ألاَ، مثلُ: قَفَا، وأَلْيٌ، مثلُ: رَمْيٌ، وإلَىً، مثلُ: مِعَىً، وإِلْيٌ، مثلُ: حِسْيٌ، قال أعشى بكرِ بنِ وائلٍ (٢):\n_________\n= نفخ الروح، وكانوا - قبل أن صوَّركم - نُطَفًا، ثمَّ علقًا، ثم مُضَغًا، ثمَّ صوَّرهم تصويرًا.\nفأما البعث، فإنَّ الله - جلَّ وعزَّ - ينشئهم كيف يشاء، ومن ادَّعى أنه يصوِّرهم، ثمَّ ينفخ فيهم، فعليه البيان، ونعوذ بالله من الخذلان» تهذيب اللغة (١٢:٢٢٩).\n(١) ورد في حاشيةَ نسختين من مخطوط الأمالي أن القائل: الصاحب بن عباد، ينظر (١:٣٦ - ٣٧، حاشية٦)، وقد راجعت كتاب المحيط في اللغة، للصاحب في مادة (نظر)، ولم يذكر هذا التأويلَ، وإنما ذكر تأويل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]، قال: «أي: لا يرحمهم». وفي مادة (إلى) أورد أنْ معنى الإلى: النعمة، وجمعه الإلاء والآلاء، ولم أجد هذا التأويل، والله أعلم بصحةِ نسبته إليه.\n(٢) البيت في ديوانه، تحقيق حنا نصر (ص:٢٦٧).","vol":"1","page":536},{"text":"أبْيَضٌ، لا يَرْهَبُ الهُزَالَ، وَلا ... يَقْطَعُ رَحِمًا، ولا يَخُونُ إلَى\nأرادَ أنه لا يخونُ نعمةً، فأراد بـ ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾: نعمةَ رَبِّهَا، وأسقطَ التنوينَ للإضافةِ ...» (١).\nفانظرْ إلى هذا التَّحريفِ العجيبِ الذي يسلكُهُ هؤلاءِ لإثباتِ مذهبِهم الذي ذهبوا إليه في أنَّ الله لا يُرَى، فذهبوا إلى كُلِّ عجيبٍ منَ القَولِ لِنَفْيِ ما ثبتَ من ظاهرِ النُّصوصِ الشَّرعيةِ، فجعلوا حرف الجرِّ في الآية اسمًا، وفسَّروه على الاسمية بما رأيت، وقد عزَّز الشَّريفُ المرتضى (ت:٤٣٦) تفسيرَه بموافقته الظاهرَ، مما يدلك على أنَّ التفسيرات الأخرى فيها خروج عن هذا الظاهر (٢)، وإنما كان ذلك هروبًا من أنَّ اللهَ سبحانَه يُرَى يوم القيامةِ بالأبصارِ.\nثالثًا: فإنْ لم يجدوا إلى ذلكَ سبيلًا، أحدثوا للَّفظِ مدلولًا جديدًا (٣)، وقد يستحدثون له شاهدًا ينسبونَه للغةِ العربِ (٤).\nومن الأمثلة التي ذُكِرَتْ في هذا الباب: تفسيرُ الاستواءِ في مثلِ قولِه تعالى: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] بأنَّ معناه: استولى (٥)،\n_________\n(١) أمالي الشريف المرتضى (١:٣٦ - ٣٧)، وقد ذكر المحقق اعتراضًا على هذا التفسير، وهو موجود في حاشية نسختين من الكتاب (١:٣٧، حاشية٤).\n(٢) ينظر في هذه التفسيرات أمالي المرتضى (١:٣٦).\n(٣) يدخلُ في ذلكَ كثير من تفاسيرِ الرافضة والصوفية والباطنية والفلاسفة وغيرهم ممن يورد مصطلحاتٍ يفسِّرُ بها القرآن وهي ليست من لغة العربِ، وستأتي الإشارةُ إلى ذلك.\n(٤) ذكر الرافعي في كتابه: تاريخ آداب العرب (١:٣٧٣): أن من أسباب وضع الشعر: توليدها من قِبَلِ بعض المتكلمين للاستشهاد بها على مذاهبهم، وقد نقله عنه ناصر الدين الأسد في كتابه: مصادر الشعر الجاهلي (ص:٣٧٨).\n(٥) فسَّره بعض الأشاعرة بالغلبة والقهر، واستدلَّ لذلك بالبيت الذي استشهد به المعتزلة، وجعل دلالة الاستواء في البيت بمعنى القهر والغلبة. ينظر: الأسماء والصفات للبيهقي: (ص:٥١٩). وجعله الزمخشري: كناية عن المُلْكِ، ينظر: الكشاف (٢:٥٣٠). =","vol":"1","page":537},{"text":"ويستشهدون لصحَّةِ ما ذهبوا إليه ببيتٍ من الشعر، وهو:\nقَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى العِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْرَاقِ\nوقالوا: استوى في هذا البيتِ: استولى.\nوقد قال بهذا التفسير الجهمية (١)، والحرورية (٢)، والمعتزلة (٣)، وتبعهم عليه جملة من المتكلمين من متأخري الأشاعرة (٤)، والرافضة، والزيدية، وغيرهم ممن تأثر بهم في هذا التفسير (٥).\nوقدْ سأل ابن أبي دؤاد المعتزليِّ (ت:٢٤٠) (٦) ابنَ الأعرابيِّ اللغويِّ (ت:٢٣١)، فقالَ: «أتعرفُ في اللُّغةِ استوى بمعنى: استولى؟\nفقالَ: لا أعرفُ» (٧).\nكما وقعَ لابنِ الأعرابيِّ (ت:٢٣١) مناظرةٌ معَ رجلٍ سألَه: «ما معنى قولِ الله ﷿: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]؟\nفقالَ: هو على عرشِهِ كما أخبرَ.\nفقالَ: يا أبا عبدِ اللهِ، ليسَ هذا معناه، إنما معناه: استولى.\n_________\n= وقد ردَّ ابن القيم على هذه الانحرافات وغيرها في تأويل الاستواء، ينظر: مختصر الصواعق المرسلة (ص:٣٢٠ - ٣٢٦).\n(١) بيان تلبيس الجهمية (٢:٣٤٢)، نقلًا عن صاحب الحيدة.\n(٢) ينظر: الإبانة عن أصول الديانة (ص:١٢٠).\n(٣) ينظر مثلًا: قول البلخي من المعتزلة في بيان تلبيس الجهمية (٢:٣٣٥).\n(٤) ينظر مثلًا: تفسير الرازي (٢٢:٧)، وغرائب القرآن (٨:١٣٥).\n(٥) ينظر مثلًا: تفسير الماتريدي (١:٨٥)، وتفسير النسفي (٢:١١٤)، (٣:١٨٥).\n(٦) أحمد بن أبي دؤاد القاضي المعتزلي، رأس في فتنة خلق القرآن، كان فصيحًا مفوَّهًا، جوادًا مُمَدَّحًا، أصيب في آخر عمره بالفالج، وغضب عليه المتوكل وصادر أمواله، توفي سنة (٢٤٠)، شذرات الذهب (٢:٩٣).\n(٧) أصول اعتقاد أهل السنة، للالكائي (١:٣٩٩).","vol":"1","page":538},{"text":"قال: أُسْكُتْ. ما أنت وهذا؟ لا يقالُ: استولى على الشَّيءِ إلاَّ أنْ يكونَ له مُضَادٌّ، فإذا غَلَبَ أحدُهما، قيل: استولى، أما سمعتَ النَّابغةَ (١):\nألا لِمِثْلِكَ أوْ مَنْ أنْتَ سَابِقُهُ\nسَبْقَ الجَوَادِ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى الأمَدِ» (٢)\nوهذا احتجاجٌ عقليٌّ يَرُدُّ به ابنُ الأعرابيِّ (ت:٢٣١) على هذا الذي زعمَ أنَّ معنى استوى: استولى.\nوالمقصودُ أنَّ هذا المعنى الذي اخترعَه مخترعٌ ليسَ من لغةِ العربِ، ولا يجوزُ أنْ يُفَسَّرَ به القرآنُ.\nولذا أنكرَ العلماءُ العارفونَ هذا المعنى، ونَصَّ بَعضُهم على أنَّ البيتَ مما لا يصحُّ الاحتجاجُ به؛ كالخطابي (ت:٣٨٨) الذي قالَ: «وزعم بعضُهم: أنَّ استوى هاهنا بمعنى: الاستيلاءِ، ونَزَعَ إلى بيتٍ مجهولٍ لم يقلْه شاعرٌ معروفٌ يصحُّ الاحتجاجُ بقولِه. ولو كانَ الاستواءُ هاهنا بمعنى: الاستيلاءِ، لكانَ الكلامُ عديمَ الفائدةِ؛ لأنَّ الله تعالى قد أحاطَ علمُه وقدرتُه بكلِّ شيءٍ وكلِّ قُطْرٍ وبقعةٍ من السَّموات والأرضينَ وتحتَ العرشِ، فما معنى تخصيصُه العرشَ بالذِّكرِ. ثمَّ إنَّ الاستيلاء إنما يتحقَّقُ معناه عندَ المنعِ منَ الشَّيءِ، فإذا وقعَ الظَّفَرُ به قيل: استولى عليه، فأيُّ منعٍ كانَ هناكَ حتى يُوصَفَ الاستيلاءُ بعدَه؟» (٣).\n_________\n(١) زياد بن معاوية، المعروف بالنابغة الذبياني، شاعر جاهلي، صاحب أحد المعلقات، وكان شاعرًا في بلاط الغساسنة والمناذرة، واختص بأبي قابوس النعمان بن المنذر، توفي (نحو ١٨ ق هـ). ينظر: معجم الشعراء الجاهليين (ص:٣٥٦ - ٣٥٩)، ومعجم الشعراء (ص:٢٦٦ - ٢٦٧).\nوالبيت في ديوانه، تحقيق: محمد الطاهر بن عاشور (ص:٨٢)، والأمد: نهايةُ السِّباق.\n(٢) أصول اعتقاد أهل السنة (١:٣٩٩)، وقد رواه علي بن مهدي الطبري صاحب الأشعري، عن نفطويه، عن أبي سعيد، عن ابن الأعرابي، ينظر في بيان تلبيس الجهمية (٢:٣٣٦).\n(٣) مختصر الصواعق المرسلة (ص:٣٢١).","vol":"1","page":539},{"text":"وقالَ ابنُ تيميَّةَ (ت:٧٢٨): «لم يثبتْ أنَّ لفظَ استوى في اللُّغةِ بمعنى: استولى، إذِ الذينَ قالوا ذلكَ عمدتُهم البيتُ المشهورُ:\nثُمَّ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى العِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَلاَ دَمٍ مِهْرَاقِ\nولم يثبتْ نقلٌ صحيحٌ أنَّه شعرٌ عربيٌّ، وكانَ غيرُ واحدٍ من أئمةِ اللُّغةِ أنكروه، وقالوا: إنَّه بيتٌ مصنوعٌ، لا يُعْرَفُ في اللُّغةِ، وقدْ عُلِمَ أنَّه لو احتجَّ بحديثِ رسولِ اللهِ ﷺ لاحتاجَ إلى صِحَّتِهِ، فكيفَ ببيتٍ منَ الشِّعرِ لا يُعْرَفُ إسنادُهُ؟! وقدْ طعنَ فيه أئمةُ اللُّغةِ، وذُكِرَ عنِ الخَلِيلِ (١)، كما ذكرَهُ أبو المظَفَّرِ (٢) في كتابِه: الإفصاحِ، قالَ: سُئِلَ الخليلُ: هلْ وجدتَ في اللُّغةِ استوى بمعنى: استولى؟ فقالَ: هذا ما لا تعرفُهُ العربُ، ولا هو جائزٌ في لغتِها. وهو إمامٌ في اللُّغةِ على ما عُرِفَ من حالِه، فحينئذٍ: حملُه على ما لا يُعْرَفُ حَمْلٌ باطلٌ» (٣).\nوقالَ ابنُ القَيِّمِ (ت:٧٥١): «هذا البيتُ مُحَرَّفٌ، وإنما هو هكذا:\nبِشْرٌ قَدِ اسْتَوَلى عَلَى العِرَاقِ ... ........\nهكذا لو كانَ البيت معروفًا منْ قائلٍ معروفٍ، فكيفَ وهو غيرُ معروفٍ في شيءٍ منْ دواوينِ العربِ وأشعارِها التي يُرجَع إليها» (٤).\n٢ - وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤] = ذُكِرَ\n_________\n(١) هو الخليلُ بن أحمد.\n(٢) يحيى بن هبيرة، أبو المظفر، الوزير، الحنبلي، كان زاهدًا ورعًا متمسكًا بالسنة، شرح صحيح البخاري ومسلم، وسمى كتابه: الإفصاح عن معاني الصحاح، توفي سنة (٥٦٠)، شذرات الذهب (٤:١٩١ - ١٩٧)، آثار الحنابلة في القرآن (ص:٨٦).\n(٣) فتاوى شيخ الإسلام (٥:١٤٦).\n(٤) مختصر الصواعق المرسلة (ص:٣٢٦).","vol":"1","page":540},{"text":"عن أبي عليٍّ الجُبَّائيِّ (ت:٣٠٣) أنَّه فسَّرَ الحجارةَ بالبردِ الذي يهبطُ من السحابِ تخويفًا من الله تعالى لعباده، ليزجُرَهم به (١).\nقال الإمامُ ابن كثيرٍ (ت:٧٧٤): «قال القاضي الباقلاَّنيُّ (٢): وهذا تأويلٌ بعيدٌ (٣)، وتبعه في استبعاده فخر الدِّين الرَّازي (٤)، وهو كما قالا، فإنَّ هذا خروج عن ظاهر اللَّفظِ بلا دليلٍ، والله أعلم» (٥).\nولستَ تجدُ في لغةِ العربِ أنَّه يطلقُ على الحجارة البَرَدُ أو العكس (٦)، ولمَّا كانَ أبو عليٍّ الجُبَّائيِّ (ت:٣٠٣) لا يرى وجودَ الإحساسِ في الجماداتِ،\n_________\n(١) ينظر: مفاتيح الغيب (٣:١٢١)، وتفسير ابن كثير (١:٢٠٤ - ٢٠٥)، وقال عنه الماوردي: «وهذا قول تفرَّد به بعض المتكلمين». النكت والعيون (١:١٤٦)، وكذا حكاه الوزير المغربي عند الآية نفسها في كتابه المصابيح في تفسير القرآن، ورقة: ١٩، وجعله الكرماني من العجيب. غرائب التفسير (١:١٥١).\n(٢) محمد بن الطيب بن محمد، أبو بكر الباقلاني، القاضي الأشعري المتكلم، وكان سريع البديهة، له قصص في ذلك مشهورة، منها ما كان من إرساله إلى ملك الروم، وقد صنَّف في الردِّ على الرافضة والمعتزلة والخوارج وغيرهم، ومن كتبه: إعجاز القرآن، توفي سنة (٤٠٣)، ينظر: تاريخ بغداد (٥:٣٧٩ - ٣٨٣)، شذرات الذهب (٣:١٦٨ - ١٧٠).\n(٣) نقله عن الرازي في تفسير مفاتيح الغيب (٣:١٢١).\n(٤) لم ينصَّ الرازي على استبعاده، إلاَّ أن قلتَ: إنَّ نقله قولَ القاضي وعدم الاعتراضِ عليه دليلُ على اتباعه له، والله أعلم.\nوالرَّازي: محمد بن عمر بن الحسين، المعروف بالفخر الرازي، الأصولي، كان أشعريًّا فيلسوفًا، ثمَّ ترك هذه العقائد آخر عمره، وله وصية مشهورة في ذلك، وقد كان كثير التصنيف، ومن تصانيفه كتاب التفسير الكبير، المسمى: مفاتيح الغيب. توفي سنة (٦٠٦)، ينظر: سير أعلام النبلاء (٢١:٥٠٠ - ٥٠١)، والوافي بالوفيات (٤:٢٤٨ - ٢٥٩).\n(٥) تفسير القرآن العظيم، تحقيق: السلامة (١:٣٠٥).\n(٦) ينظر مثلًا: الروايات الواردة عن السلف في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:٢٣٩ - ٢٤١)، وينظر: مادة (حجر) ومادة (برد) في لسان العرب وتاج العرس، فإنه لم يرد فيها هذا المعنى الذي ذكره الجبَّائي.","vol":"1","page":541},{"text":"ذهبَ إلى هذا التأويلِ الغريبِ الذي لم يُذكرْ عن أحدٍ قبلَهُ. وجعلَ معنى خشيةِ اللهِ؛ أي: من إخشاءِ اللهِ الناسَ بذلك؛ كقوله: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢]؛ أي: للإخافة والإطماع (١).\nالثاني: أساليبُ الخطابِ العربيةِ:\nومنْ أمثلةِ انحرافهم بسببِ الأساليبِ العربيَّةِ في الخطابِ:\nقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، وهذه الآيةُ منْ أشهرِ الآياتِ التي سَلَّطَ عليها المبتدعةُ أسلوبَ الحذفِ، والقاعدةُ المقرَّرَةُ في هذا الأسلوبِ: أنه لا يُحْذَفُ إلاَّ ما دَلَّ المقامُ عليه، وأنَّ حذفَهُ لطلبِ الاختصارِ والبلاغةِ في الكلامِ.\nوقدْ جعلوا قولَه تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] منْ حذفِ المضافِ، وقدَّرُوهُ عِدَّةَ تقديراتٍ لا يَدُلُّ عليها السِّياقُ، بلْ هي هروبٌ منْ إثباتِ ظاهرِ النَّصِّ إلى التَّنْزِيهِ المزعومِ عندَهم، وهو تعطيلُ صفات اللهِ، ومنْ أشهرِ هذه التَّقديراتِ: جاءَ أمرُ ربكَ بالمحاسبةِ والجزاءِ (٢).\nوليسَ هناكَ سببٌ لهذا الحذفِ عندَهم سوى الدلائلِ العقليَّةِ المزعومةِ التي رتَّبوها، قال الرَّازيُّ (ت:٦٠٦): «واعلمْ أنَّه ثبتَ بالدليلِ العقليِّ أنَّ الحركةَ على الله تعالى محالٌ؛ لأنَّ كُلَّ ما كان كذلك، كانَ جِسْمًا (٣)، والجسمُ\n_________\n(١) ينظر: غرائب التفسير، للكرماني (١:١٥١).\n(٢) ينظر على سبيل المثال: متشابه القرآن، للقاضي عبد الجبار (٢:٦٨٩)، وأمالي الشريف المرتضى (٢:٣١١)، وتفسير الرازي (٣١:١٥٨)، وذكر الرازي تقديرات أخرى، ومن أعجب ما ذكره في الآية الوجه السادس، قال: «وسادسها: أن الربَّ هو المربي، ولعل ملَكًا هو أعظم الملائكة هو مُرَبٍّ للنبي ﷺ جاء، فكان هو المراد من قوله: ﴿جَاءَ رَبَّهُ﴾».\nولست أدري ما الفرق بين هذا التأويل وتأويلات غلاة الرافضة والباطنية؟!\n(٣) لفظ الحركة والجسم من الألفاظ التي يهوِّش بها المبتدعة لنفي صفات الباري سبحانه، وهذه من الألفاظ البدعية التي ليس فيها من تنزيه الله شيء، بل الصواب =","vol":"1","page":542},{"text":"يستحيلُ أنْ يكونَ أزليًا، فلا بدَّ فيه منَ التَّأويلِ، وهو منْ بابِ حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مقامَهُ ...» (١).\nوقد جرى هؤلاءِ على هذا المبدأ في الآياتِ التي تثبتُ لغيرِ العقلاءِ تمييزًا؛ كالسُّجودِ والتَّسبيح والقَولِ وغيرِها، فحملوها على الحذفِ أو المجازِ، ولم تسلمْ آيةٌ في هذا الموضوعِ من تسليطِ أسلوبِ الحذفِ أو المجازِ عليها، ومنَ أمثلةِ الآياتِ التي أثبتَ اللهُ فيها للجماداتِ شيئًا من الإحساسِ:\n١ - أولُ آيةٍ وردَ فيها إثباتُ التَّمييزِ للجماداتِ، قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤]، وقدْ ذهبَ المعتزلةُ بهذه الآيةِ إلى المجازِ، ونَفَوا أنْ يكونَ من الحجارةِ خشيةٌ للهِ تعالى، قالَ الشَّريفُ الرَّضيُّ (ت:٤٠٦): «هذه استعارةٌ، والمرادُ: ظهور الخضوعِ فيها لتدبيرِ الله تعالى بآثارِ الصَّنعةِ وإعلامِ الصِّبغةِ» (٢).\nوقالَ الزَّمخشريُّ (ت:٥٣٨): «والخشيةُ: مجازٌ عن انقيادِها لأمرِ اللهِ وأنها لا تمتنعُ على ما يُرادُ فيها، وقلوبُ هؤلاءِ لا تنقادُ ولا تفعلُ ما أُمِرَتْ به» (٣).\nوهذا الذي قالوه خلافٌ لظاهرِ الآيةِ، وأقوالُ المفسِّرينَ من السَّلفِ تدلُّ\n_________\n= إثبات ما أثبته الله العليم بنفسه لنفسه، دون الدخول في كيفيات صفاته بدلائل العقول المخذولة.\n(١) مفاتيح الغيب، للرازي (٣١:١٥٨).\n(٢) تلخيص البيان في مجازات القرآن (ص:١٦).\n(٣) الكشاف (١:٢٩١).\nوقد حكى السَّمرقندي تأويلًا آخر نسبهُ إلى المعتزلة، فقال: «وقال بعضهم: هو على وجه المثال؛ يعني: لو كان له عقل لهبط من خشية الله تعالى، وهو قول المعتزلة، وهو خلاف أقاويل أهل التفسير». بحر العلوم (١:١٣٠).","vol":"1","page":543},{"text":"على حصولِ التَّمييزِ للحَجَرِ، ووقوعِ الهبوطِ من خشيةِ الله حقيقةً لا مجازًا (١)، وما ذهبَتْ إليه المعتزلةُ ليسَ بشيءٍ؛ لأنه ليسَ شيءٌ إلاَّ أثرُ الصَّنْعَةِ فيه، وإنما هبطَ الحجرُ لوجودِ التَّمييزِ فيه؛ كما قالَ تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، وكما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨] ولو كان يراد بذلك أثرُ الصَّنعةِ لم يقلْ: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾؛ لأنَّ أثرَ الصَّنعةِ شاملٌ للمؤمنِ وغيرِه (٢).\nقالَ البَغَوِيُّ (ت:٥١٦) (٣): «فإنْ قيلَ: الحجرُ جمادٌ لا يفهمُ، فكيفَ يَخشى؟\nقيلَ: الله يُفْهِمُه ويُلهِمُهُ فيخشى بإلهامِهِ، ومذهبُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أنَّ لله تعالى عِلْمًا في الجماداتِ وسائرِ الحيواناتِ، سوى العقلاء، لا يقفُ عليه غيرُ اللهِ، فلها صلاةٌ وتسبيحٌ وخشيةٌ (٤)؛ كما قالَ جلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقال: ﴿وَالطَّيْرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ\n_________\n(١) تنظر أقوالهم في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:٢٤٠ - ٢٤١).\n(٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (١:١٥٧ - ١٥٨)، ورسالة في قنوت الأشياء كله لله، لابن تيمية، ضمن جامع الرسائل، تحقيق: محمد رشاد سالم (١:٤٣ - ٤٥).\n(٣) الحسين بن مسعود بن محمد الفراء، المعروف بالبغوي، شافعي مفسر، كان صاحب سنة، له مصنفات، منها: معالم التنزيل، توفي سنة (٥١٦)، ينظر: التحبير في المعجم الكبير، للسمعاني (١:٢١٣ - ٢١٤)، وسير أعلام النبلاء (١٩:٤٣٩ - ٤٤٣).\n(٤) قال الرازي - مبينًا سبب إنكار المعتزلة لهذا المعنى الحقيقي في هذه الجمادات ـ: «وأنكرت المعتزلة هذا التأويل لما أن عندهم البنية واعتدال المزاج شرط قبول الحياة والعقل، ولا دلالة لهم على اشتراط البنية إلاَّ مجرد الاستبعاد، فوجب ألاَّ يلتفت إليهم». مفاتيح الغيب (٣:١٢٠).\nوإن صحَّ هذا الإخبار عنهم، فإنه يدلُّ على أن هؤلاء يعتقدون، ثم يحرفون الكتاب إلى ما يوافق مقرراتهم السابقة، ولا شكَّ أن هذا المنهج يقود إلى التحريف دائمًا.","vol":"1","page":544},{"text":"وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١]، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [الحج: ١٨] الآية، فيجبُ على المرءِ الإيمانُ به، ويَكِلُ عِلْمَهُ إلى اللهِ ﷾ ...» (١).\n٢ - قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقد قالوا فيها بالمجازِ، وأنَّ هذه المخلوقاتِ لا يَقَعُ منها تسبيحٌ قوليٌّ، بل إنَّ معنى تسبيحها: ما فيها منْ أثرِ الصَّنْعَةِ الدَّالِّ على الخالقِ سبحانه؛ أيْ أنَّ تسبيحَهَا حاليٌّ، وليسَ مقاليًّا، قال الزَّمَخْشَرِيُّ (ت:٥٣٨): «والمرادُ أنها تسبِّحُ له بلسانِ الحَالِ، حيثُ تَدُلُّ على الصَّانعِ وعلى قدرتِه وحكمتِه، فكأنها تَنْطِقُ بذلك، وكأنها تُنَزِّهُ اللهَ ﷿ مما لا يجوزُ عليه منَ الشُّرَكَاءِ وغيرها.\nفإن قلتُ: فما تصنعُ بقوله: ﴿وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، وهذا التسبيحُ مَفْقُوهٌ معلومٌ؟\nقلتُ: الخطابُ للمشركينَ، وهمْ وإنْ كانوا إذا سُئلوا عن خالقِ السَّمواتِ والأرضِ، قالوا: اللهُ، إلاَّ أنهم لما جعلوا معه آلهةً مع إقرارِهم، فكأنهم لم ينظروا ولم يُقِرُّوا؛ لأنَّ نتيجةَ النَّظرِ الصَّحِيحِ والإقرارِ الثَّابتِ خلافُ ما كانوا عليه، فإذًا لم يفقهوا التَّسبيحَ، ولم يستوضحوا الدلالةَ على الخالقِ.\nفإنْ قلتَ: منْ فيهنَّ يُسَبِّحُونَ على الحقيقةِ، وهم الملائكةُ والثَّقلانِ، وقد عُطِفُوا على السَّمواتِ والأرضِ، فما وَجْهُهُ؟\nقلتُ: التَّسبيحُ المجازيُّ حاصلٌ في الجميعِ، فوجبَ الحملُ عليه، وإلاَّ كانتِ الكلمةُ الواحدةُ في حالةٍ واحدةٍ محمولةً على الحقيقةِ والمجازِ» (٢).\n_________\n(١) معالم التنْزيل (١:٨٥ - ٨٦)، وقد ذكر بعد هذا عِدَّة أحاديث فيها ذكرٌ لتمييز بعض الجمادات؛ كحديث: «هذا جبل يحبنا ونحبه»، وحديث تسبيح الحصى بيد النبي ﷺ، وحنين الجذع، وغيرها. وينظر: تفسير السمعاني (١:٩٦).\n(٢) الكشاف (٢:٤٥١).","vol":"1","page":545},{"text":"وقدْ حَمَلَ الرَّازيُّ (ت:٦٠٤) التَّسبيحَ على أنه حاليٌّ مجازيٌّ، وزعمَ أنَّ التَّسبيحَ المقاليَّ لا يحصلُ إلاَّ مع الفَهْمِ والعلمِ والإدراكِ والنُّطْقِ، وكلُّ ذلك في الجمادِ مُحَالٌ، فلم يَبْقَ حصولُ التَّسبيحِ بِحَقِّهِ إلاَّ بطريقِ الحالِ، ثمَّ قالَ: «واعلمْ أنَّا لو جوَّزْنَا في الجمادِ أنْ يكونَ عالمًا متكلمًا، لَعَجَزْنَا عن الاستدلالِ بكونِه عالمًا قادرًا على كونِه حَيًّا، وحينئذٍ يفسدُ علينا بابُ العِلمِ بكونِه حَيًّا، وذلكَ كُفْرٌ. فإنَّه يقالُ: إذا جازَ في الجماداتِ أنْ تكونَ عالمةً بذاتِ اللهِ وصفاتِه وتسبيحِه، مع أنها ليستْ بأحياءَ، فحينئذٍ لا يلزمُ منْ كَونْ الشَّيءِ عالمًا قادرًا متكلمًا، كونُه حيًّا، فلم يلزمْ منْ كونِه تعالى عالمًا قادرًا كونُه حيًّا، وذلكَ جَهلٌ وكفرٌ؛ لأنَّ من المعلومِ بالضرورةِ: أنَّ منْ ليسَ بِحَيٍّ، لم يكنْ عالمًا قادرًا متكلمًا، وهذا القولُ الذي أطبقَ العلماءُ المُحَقِّقُونَ عليه» (١).\nوإنما جَسَّرَ الرَّازيَّ (ت:٦٠٤) على حملِ اللَّفظِ على مجازِه هذه الشُّبهةُ التي أوردَها، وهي إشكالٌ يَرِدُ على من ليسَ عندَه إلاَّ هذا الدليلُ لإثباتِ حياةِ اللهِ سبحانه، وليسَ هناكَ ما يضطرُّ إلى هذا المجازِ، بل التَّسبيحُ حقيقيٌّ، وهو كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ فنثبتُ ما أثبته الله لهذه المخلوقات حقيقة، ونؤمن بظاهر اللفظ، هذا مع وُرُودِ عِدَّةِ آياتٍ وأحاديثَ تدلُّ على حصولِ السجود والتسبيح وغيرها من الإحساسات للجماد، مما يجعل تكاثر هذه النصوص مبعدًا لها عن المجاز إلى الحقيقة. وإذا أضفت ما ورد في السُّنَّة من حنين الجذع، وشكوى البعير، وتكلم الكتف المسموم، وغيرها، أيقنتَ أن هذه التصرفات لها على الحقيقة لا المجاز، والله أعلم.\nوهذا القول خلاف ما ورد عن السلف الذين جعلوا التسبيح حقيقيًا (٢)،\n_________\n(١) تفسير الفخر الرازي (٢٠:١٧٥).\n(٢) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٥:٩٢ - ٩٣)، وبحر العلوم، للسمرقندي (٢:٢٧٠)، ومعالم التنْزيل، للبغوي (٣:١١٦ - ١١٧)، وتفسير القرآن، للسمعاني (٣:٢٤٤ - ٢٤٥)، وغيرها.","vol":"1","page":546},{"text":"هذا مع أن ما ذهبوا إليه من أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ للكفار، وما بنوا على ذلك من نتيجة، مخالفٌ للواقع؛ لأن الذين خوطبوا بهذا مقرُّون بأن الله خالقُهم وخالقُ السموات والأرض ومن فيهن، فكيف يجهلون الخِلْقَةَ، وهم عارفون بها (١).\n٣ - وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] تقديراتٌ تُخْرِجُ اللفظَ عن ظاهرِه، وكلُّ ذلك بسببِ مقدماتٍ عقليةٍ بحتةٍ في إحساسِ الجمادِ وعَقْلِهِ، وأنه مما لا يَقَعُ عليه التَّكليفُ، ولا يَصْدُرُ منه ما يختصُّ بالمخيَّرِ المُكَلَّفِ؛ كالتسبيحِ، والسجودِ، والقولِ، وغيرِها.\nومن التأويلاتِ التي ذَكَرَوها في هذه الآية:\n* أنَّ في الآيةِ حذفًا، وتقديرُه: إنَّا عرضنا الأمانةَ على أهلِ السمواتِ والأرضِ والجبالِ (٢).\n* قال ابنُ الأنباريِّ (ت:٣٢٨): «قال بعضُ الناسِ: لو كانتِ الأمانةُ يجوزُ أنْ تُعْرَضَ على السمواتِ والأرضِ والجبالِ، لكانتْ تَابَى تَحَمُّلَها، ولكنَّها مَوَاتٌ لا تعقلُ، والأمانةُ لا تُعْرَضُ على ما لا يعقلُ.\nوقال: هذا من بابِ المجازِ؛ كقولِ العربِ: شكا إليَّ بعيري طولَ\n_________\n(١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (٣:٢٤٢).\nوقد أبعد قوم في التَّأويل، فقالوا: تسبيحه: حَمْلُه غيرَه على التَّسبيح إذا تأمَّل فيه وتدبَّر. غرائب التفسير، للكرماني (١:٦٢٨)، وينظر: النكت والعيون للماوردي (٣:٢٤٥).\nوهذا فيه بُعدٌ ظاهرٌ، وغرابةٌ لا تخفى على من اطَّلع على تفسير القرآن الميسَّر للفهم.\n(٢) ينظر: الأضداد، لابن الأنباري (ص:٣٩١)، وتلخيص البيان في مجازات القرآن، للشريف الرضي (ص:٢٢١)، ومتشابه القرآن، للقاضي عبد الجبار، فقد ذكره عن الجبائي (٢:٥٦٧)، وأمالي الشريف المرتضى (٢:٣٠٩).","vol":"1","page":547},{"text":"السَّيرِ؛ معناه: لو كانَ يعقلِ لَشَكَا، ولكنَّه لا يعقلُ ولا يَشْكُو» (١).\nفانظرْ إلى هذه التأويلاتِ العجيبةِ التي تُخرجُ النَّصَّ عن ظاهرِه! اللهُ سبحانه يقول: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ وهؤلاء يقولون: عَرَضَهَا على أهلِهَا، والآخرونَ يقولونَ: لم يَعْرِضْهَا، وقدْ صَرَّحَ بعضُهم بهذا، فقالَ: «ما عرضَ اللهُ - جلَّ ذِكْرُهُ - الأمانةَ على السمواتِ والأرضِ قَطُّ، وإنما هو من المجازِ على قولِ العربِ: عَرَضْتُ الحِمْلَ على البعيرِ، فَأَبَى أنْ يَحْمِلَهُ؛ أيْ: وجدتُ البعيرَ لا يصلحُ للحَمْلِ وللعَرْضِ، فكذلك السَّمواتُ والأرضُ والجبالُ لا تصلحُ للأمانةِ ولا لِعَرْضِهَا عليها» (٢).\nوَتَجِدُهم في هذا المثالِ استخدموا أساليبَ العربِ وتوسُّعَها في الكلامِ لإخراجِ الكلامِ عن حقيقتِهِ إلى هذهِ التأويلاتِ المنكرةِ، لعدم استيعاب عقولهم الضيقة لهذا، ولو كان ما قالوه صحيحًا، فما فائدةُ هذا الخطابِ إذًا؟!.\nأمَّا السَّلفُ فقد حملوا الكلامَ على حقيقتِه (٣)، وجعلوا الأمانةَ معروضةً على السَّمواتِ والأرضِ والجبالِ حقيقةً، وهو الصَّوابُ، إذ هذا الكلامُ لو كان يحتملُ المجازَ والحقيقةَ، لقُدِّمتِ الحقيقةُ على المجازِ؛ لأنها الأصلُ، كيف وهو لا يحتمل المجازَ في هذا الموضعِ، بدلالةِ تفسيرِ السَّلفِ له على الحقيقةِ، والله أعلم.\n٤ - في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] تأويلاتٌ للمبتدعةِ، منها.\n* أنَّ في الآيةِ حَذْفَ مضافٍ، والمعنى: يومَ نقولُ لِخَزَنَة جهنَّمَ ... ويقولُ خَزَنَةُ جهنَّمُ، فحذفَ الخَزَنَةَ وأقامَ جهنَّمَ مقامَهُم، كما تقولُ العربُ:\n_________\n(١) الأضداد، لابن الأنباري (ص:٣٨٨)، واختار هذا التأويل الشريف المرتضى في أماليه (٢:٣٠٩).\n(٢) الأضداد لابن الأنباري (ص:٣٩٢).\n(٣) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٢:٥٣ - ٥٦).","vol":"1","page":548},{"text":"اسْتَتَبَّ المجلسُ، وهم يريدون أهلَ المجلسِ (١).\n* أنَّ هذا من الاستعارةِ؛ لأنَّ الخطابَ للنَّارِ والجوابَ منها في الحقيقةِ لا يَصِحَّانِ، وإنما المرادُ: أنها فيما ظَهَرَ مِنِ امتلائها، وبَانَ مِنِ اغْتِصَاصِهَا بأهلِها بمنْزلةِ النَّاطقةِ بأنَّه لا مزيدَ فيها ولا سَعَةَ عندَها، وذلكَ كقولِ الشَّاعِرِ (٢):\nامْتَلأ الحَوْضُ وَقَالَ قِطْنِي ... مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلأتُ بَطْنِي\nولم يكنْ هناكَ قولٌ مِنَ الحوضِ على الحقيقةِ، ولكنَّ المعنى أنَّ ما ظهرَ من امتلائِه في تلك الحال جارٍ مجرى القولِ منه، فأقامَ الأمرَ المُدْرَكَ بالعينِ مقامَ القولِ المسموعِ بالأُذُنِ (٣).\nوهذانِ القولانِ أخرجا الخطابَ عن الحقيقةِ، والصوابُ أنَّ الله الذي أنطقَ كُلَّ شَيءٍ يقولُ لجهنَّم قولًا، وجهنَّمُ ترد عليه قولًا، ولا مجالَ لإخراج الكلامِ عن حقيقتِهِ إلاَّ عندَ أصحابِ العقولِ الضَّيِّقَةِ التي لا تَقْدُرُ الله حَقَّ قدرِهِ، وتستبعدُ أنْ يجعلَ الجماداتِ منْ أهلِ المقالِ والإحساسِ، وقدْ حملَ العلماءُ هذا الخطابَ وأمثالَه على الحقيقةِ، قالَ الكرمانيُّ (ت: بعد٥٠٠) (٤): «وجُلُّ المفسرينَ على أنَّ القولَ في الآيةِ حقيقةٌ» (٥)، وهذا هو الصواب الذي\n_________\n(١) ينظر: الأضداد، لابن الأنباري (ص:١٩٤)، وتلخيص البيان في مجازات القرآن، للشريف الرضي (ص:٢٦٥)، وغرائب التفسير، للكرماني (٢:١١٣٣).\n(٢) الرجز من الشواهد المشهورة في كتب اللغة، وهو بلا نسبة، ينظر مثلًا: لسان العرب وتاج العروس، مادة (قطط).\n(٣) تلخيص البيان في مجازات القرآن، للشريف الرضي (ص:٢٦٥). وينظر: متشابه القرآن، للقاضي عبد الجبار (١:١٠٨)، وغرائب التفسير، للكرماني (٢:١١٣٣)، والكشاف، للزمخشري (٤:٩)، ومجمع البيان للطبرسي (٢٦:١١٢).\n(٤) محمود بن حمزة الكرماني، تاج القراء، كان عجبًا في الفهم وحسن الاستنباط، له تصانيف كثيرة؛ منها: لباب التفسير، والبرهان في متشابه القرآن، توفي بعد (٥٠٠). ينظر: معجم الأدباء (١٩:١٢٥)، وغاية النهاية (٢:٢٩١).\n(٥) غرائب التفسير (٢:١١٣٣)، وينظر: الأضداد، لابن الأنباري (ص:١٩٥)، =","vol":"1","page":549},{"text":"عليه السلفُ (١)، واللهُ أعلمُ.\nالثالث: دلالةُ الصِّيَغِ:\nالمرادُ بها البناءُ الذي تقومُ عليه الكلماتُ العربيَّةُ، فتجتمعُ فيه جملةٌ من الألفاظِ، يكونُ فيها معنى مشتركٌ يدلُّ دلالةً غيرَ دلالةِ اللفظِ المفردِ المعجميَّةِ، فمن الألفاظِ ما يجيء على صيغةِ «تفاعل»، وهي تدلُّ على حدوث الأمر من اثنينِ متقابلين؛ كتصافح، وتحارب، وتمازح، وغيرِها، فدلالة هذه الألفاظِ متباينةٌ، وإن كانت اشتركتْ في مدلولِ هذه الصِّيغةِ (٢).\nوقد يكونُ أصلُ اللفظِ واحدًا، ولكن تختلفُ صيغته، فيختلفُ معناه، فمعنى: قَبَرَ فلانٌ فلانًا: أي: باشرَ دفنَه بنفسِه، كما قال الأعشى (٣):\nلَوْ أَسْنَدَتْ مَيتًا إلَى نَحْرِهَا ... عَاشَ وَلَمْ يُنْقَلْ إلَى قَابِر\nومعنى: أقبرَ فلانٌ فلانًا: أمرَ له بالقبرِ، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١]. فاختلفت دلالة الفعل المشتقِّ من مادة قَبَرَ التي تدلُّ على سترٍ في الشَّيء وغموضِه، وذلك بسبب اختلافِ صيغَتِه في النُّطقِ.\nوقد استخدمَ أهلُ البدعِ دلالةَ الصِّيَغِ كاستخدامهم دلالة الألفاظِ، ومنْ أمثلةِ ذلك:\n١ - تحريفُ بعضِ المعتزلةِ لصيغةِ «أفْعَل» حيثُ أحدثوا لها دلالةً،\n_________\n= الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، لابن المنيِّر، بحاشية الكشاف (٤:١٠)، وغيرها.\n(١) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٦:١٦٩ - ١٧١).\n(٢) ممن كتبَ في دلالة الصيغ وأبنية الألفاظِ العربية: سيبويه في الكتاب، وابن قتيبة في أدب الكاتب، والفارابي في ديوان الأدب، ونشوان الحميري في شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، وغيرها كثيرٌ.\n(٣) ديوان، تحقيق: حنا نصر (ص:١٧٩).","vol":"1","page":550},{"text":"وجعلُوها تدلُّ على معنى: سَمَّاه، وإنما ذلك في صيغة «فَعَّل» (١)، وقدْ جاءَ ذلكَ عنهم في الإضْلالِ الذي نَسَبَهُ اللهُ ﷾ إلى نَفسِهِ في مثلِ قولِه تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٨] (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، حيث قالَ بعضُ المعتزلةِ في تفسيرِ هذا النَّظمِ وأشباهِه: «سَمَّاهم ضُلاَّلًا» (٣).\n_________\n(١) قال سيبويه: «فأمَّا خطَّاتُه، فإنَّما أردت: سمَّيته مخطئًا، كما أنك حيث قلت: فسَّقته وزنَّيته؛ أي: سمَّيته بالزنا والفسق» الكتاب، ط: بولاق (٢:٢٣٥). ولم يذكر في معاني أبنية أفعل: سميته كذا.\nوأقرب معاني هذه الصيغة لما قالوه: الوجدان، تقول: أحمدته، وجدته مستحقًا للحمد.\nينظر: الكتاب، ط: بولاق (٢:٢٣٦)، وأدب الكاتب (ص:٤٤٧)، وديوان الأدب (٢:٣٣٧).\nوقد حمل ابن جني المعتزلي قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨] على معنى هذه الصيغة، فقال: «ولن يخلو «أغفلنا» من أن يكون من باب أفعلتُ الشيء؛ أي: صادفته ووافقته كذلك؛ كقوله:\n....... ... وأهْيَجَ الخَلْصَاءَ من ذَاتِ البُرَق\nأي: صادفها هائجة النبات ... حكى الكسائي: دخلت بلدة فأعمرتها؛ أي: وجدتها عامرة، ودخلت بلدة فأخربتها؛ أي: وجدتها خرابًا، ونحو ذلك.\nأو يكون ما قاله الخصم: أنَّ معنى: أغفلنا قلبه: منعناه وصددناه ... وإذا لم يكن عليه، كان معنى: أغفلنا قلبه عن ذكرنا؛ أي: صادفناه غافلًا، على ما مضى، وإذا صودف غافلًا، فقد غفل لا محالة، فكأنه - والله أعلم - ولا تطع من غفل قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطًا؛ أي: لا تطع من فعل كذا وفعل كذا ...». الخصائص (٣:٢٥٦ - ٢٥٨).\n(٢) ويلحقُ بها ما كان في حُكْمِها من الأفعالِ التي نسبها اللهُ إلى نفسه، في مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وغيرها.\n(٣) نسبه الرازي في التفسير الكبير (٢:١٣٠) إلى قطرب وكثير من المعتزلة، وينظر: رسائل العدل والتوحيد (٢:٨٤)، فقد جعله يحيى بن الحسين الزيدي المعتزلي بمعنى يوقع عليهم اسم الضلال. =","vol":"1","page":551},{"text":"وإنما كانَ سببَ هذا التَّأويلِ زعمُهم الفاسدُ في العَدْلِ، وأنَّ الله لا يظلمُ أحدًا، فلا يُتصوَّرُ أن يُضِلَّه، وإلاَّ كانَ ذلكَ قبيحًا منه، واللهُ مُنَزَّهٌ عن فِعْلِ القبيحِ، وهذا الكلام صحيح، ولكن المرادَ بالقبيحِ وتحديدُه هو الذي يخالَفُ فيه هؤلاء.\nوقد ردَّ عليهم هذا التَّأويلَ جماعةٌ من العلماءِ؛ كابنِ قتيبة (ت:٢٧٦) (١)، والأشعريِّ (ت:٣٢٤) (٢)، وابنِ حَزْمٍ (ت:٤٥٨) (٣)، وابنِ القيِّمِ (ت:٧٥١) (٤)، وغيرهم.\nومن الرُّدُودِ عليهم في قولهم في دلالة صيغة «أفعل» ما يأتي:\n* قال ابن قتيبة (ت:٢٧٦)، فقال: «وذهبَ أهلُ القَدَرِ في قولِ الله ﷿: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣، فاطر: ٨] إلى أنه على جهةِ التَّسميةِ والحكمِ عليهم بالضلالةِ، ولهم بالهدايةِ.\nوقالَ فريقٌ منهم: يُضِلُّهُم: ينسبُهم إلى الضلالةِ، ويهديهم: يبينُ لهم ويرشدُهم.\nفخالفُوا بينَ الحُكْمَينِ، ونحن لا نعرفُ في اللُّغةِ أفْعَلْتُ الرَّجلَ: نَسَبْتُهُ.\n_________\n= وقد ذكر المرتضى أحد وجوه تفسير قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ...﴾ [الأعراف: ١٤٦]، فقال: «وسادسها: أن يكون الصرف هاهنا الحكم والتسمية والشهادة، ومعلوم أن من شهد على غيره بالانصراف عن شيء جائز أن يقال: صرفه عنه، كما يقال: أكفره وكذَّبه وفسَّقه ...». أمالي الشريف المرتضى (١:٣١٢).\nوفي نسخة مذكورة في الحاشية: «كفّره وكذّبه وفسَّقه». والصيغة مخالفة لصيغة اللفظ «أصرف» الذي يُفسِّرُه.\n(١) الاختلاف في اللفظ (ص:١٤ - ١٥).\n(٢) الإبانة، تحقيق: حماد الأنصاري (ص:١٩٢ - ١٩٤).\n(٣) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣:٤٩ - ٥٠).\n(٤) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص:١٤٤ - ١٤٨).","vol":"1","page":552},{"text":"وإنما يقالُ إذا أردتَ هذا المعنى: فَعَّلْتُ، تقول: شَجَّعْتُ الرجلَ، وجَبَّنْتُهُ، وسَرَّقْتُهُ، وخَطَّاتُهُ، وكَفَّرْتُهُ، وضَلَّلْتُهُ، وَفَسَّقْتُهُ، وفَجَّرْتُهُ، ولَحَّنْتُه ...» (١).\n* وقالَ أبو الحسنِ الأشعريُّ (ت:٣٢٤): «ويقالَ لهم: ما معنى قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧]؟\nفإنْ قالوا: معنى ذلك: أنه يُسَمِّيهم ضَالِّينَ، ويَحْكُمُ عليهم بالضَّلالِ.\nقيل لهم: أليسَ خاطب الله العربَ بلغتِها، فقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]؟ فلا بُدَّ مِنْ نَعَم.\nفيقالُ لهم: فإذا كانَ أنزلَ اللهُ القرآنَ بلسانِ العربِ، فمِن أينَ وجدْتم في لغةِ العربِ أنْ يقالَ: أَضَلَّ فلانٌ فلانًا؛ أي: سَمَّاهُ ضَالًّا؟.\nفإنْ قالوا: وجدْنا القائلَ يقولُ إذا قالَ رَجُلٌ لرجلٍ ضَالٍّ: قدْ ضَلَّلْتُهُ.\nقيل لهم: قد وجدنا العربَ يقولون: ضَلَّلَ فلانٌ فلانًا: إذا سَمَّاه ضالًّا، ولم نجدْهُم يقولون: أضَلَّ فلانٌ فلانًا بهذا المعنى.\nفلمَّا قالَ اللهُ ﷿: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] لم يَجُزْ أنْ يكونَ ذلكَ معنى ذلكَ الاسمِ.\nوالحُكمُ، إذا لم يَجُزْ في لغةِ العربِ أنْ يقالَ: أَضَلَّ فلانٌ فلانًا: إذا سَمَّاه ضالًّا، بَطَلَ تأويلكُم إذا كانَ خلافَ لسانِ العربِ» (٢).\n٢ - في قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] قال الأخفش (ت:٢١٥): «وأما قوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، فيقول:\n_________\n(١) تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة (ص:١٢٣ - ١٢٤).\n(٢) الإبانة عن أصول الديانة (١٩٢ - ١٩٣).","vol":"1","page":553},{"text":"يَحْكُمُ بأنهم كذلك، كما تقولُ: قد أخرجكم الله من ذا الأمر. ولم تكنْ فيه قَطُّ، وتقولُ: أخرجني فلانٌ من الكتبةِ، ولم تكنْ فيها قَطُّ؛ أي: لم يجعلْني من أهلِها ولا فيها» (١).\nوفي هذا هروبٌ منْ أنَّ اللهَ سبحانه خَلَقَ الإيمانَ في قَلْبِ العَبْدِ؛ لأنَّ المعتزلَة لا يرون ذلك (٢). وعلى هذا التَّأوُّلِ لا يكونَ ثَمَّ خَلْقٌ للإيمانِ، وفيه خروجٌ بدلالةِ أَفْعل إلى معنى الوجودِ، وهذه الدِّلالةُ، وإنْ كانتْ مِنْ دَلاَلاَتِ أفْعَل، إلاَّ أنَّ هذا الموضعَ لا يحتمِلُها، بلِ الصَّوابُ جعلُها على ظاهِرها.\nقال الزَّجاج (ت:٣١١): «أي: يُخرجُهم مِنْ ظلماتِ الجَهَالَةِ إلى نُورِ الهُدى؛ لأنَّ أمرَ الضَّلالةِ غيرُ بَيِّنٍ، وأمرَ الهدى واضحٌ كبيانِ النُّورِ.\nوقدْ قالَ قومٌ: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: يحكمُ لهم بأنهم خارجونَ من الظلماتِ إلى النُّورِ، وهذا ليسَ قولٌ أهلِ التَّفسيرِ، ولا قولُ أكثرِ أهلِ اللُّغةِ، إنما قالَه الأخفشُ وَحْدَهُ» (٣).\n٣ - ومن التحريفِ في الصِّيغِ، ما نُقِلَ عن أبي مسلمٍ محمدِ بنِ بَحْرٍ الأصفهانيِّ المعتزليِّ (ت:٣٢٢) (٤) في تفسير قولِه تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، حيثُ جعل «زُيِّنَ» في مثل هذا لا يحتاجُ إلى فاعلٍ؛ كالأفعالِ المذكورةِ في باب فُعِلَ مما لا يحتاجُ إلى فاعلٍ؛ كأُعجِبَ وجُنَّ وزُهِيَ وعُنِيَ، وغيرها مما في هذا البابِ (٥).\n_________\n(١) معاني القرآن، للأخفش (١:١٩٦).\n(٢) ينظر: متشابه القرآن، للقاضي عبد الجبار (١:١٣٣)، وأمالي الشريف المرتضى (٢:١٤)، ولهم في الآية توجيهات أخرى.\n(٣) معاني القرآن وإعرابه (١:٣٣٩).\n(٤) محمد بن بحر، أبو مسلم الأصفهاني، الكاتب المعتزلي، عالم بالتفسير وغيره من صنوف العلم، وله في التفسير: جامع التأويل لمحكم التنْزيل، توفي سنة (٣٢٢)، ينظر: معجم الأدباء (١٨:٣٥ - ٣٨)، ومعجم المفسرين (٢:٤٩٨).\n(٥) غرائب التفسير، للكرماني (١:٣٨٣).","vol":"1","page":554},{"text":"وحَمْلُهُ لفظ «زُيِّنَ» على هذا البابِ ادِّعاءٌ على العربية، إذْ لم يذكرِ العلماءُ هذا الفعلِ منَ الأفعالِ التي تلازمُ البناءَ للمفعولِ، وهذه الأفعالُ لا يكونُ منها مَبْنِيًّا للمعلومِ، وهي أفعالُ معروفةٌ محصورةٌ عند أهل العربيَّةِ (١)، أمَّا هذا الفعلُ فقد وردَ مَبْنَيًّا للمعلومِ مما يدلُّ على أنه ليسَ منْ بابِ ما لا يَحْتَاجُ إلى فاعلِ، ومما وَرَدَ فيه، قولُ اللهِ تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وقولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النمل: ٤]. وغيرُها من الآياتِ.\nوإنما دعاه لذلكَ مذهبُ العدلِ المعتزليِّ، لكي لا يُقدَّرَ فاعل «زُيِّنَ» بأنه الله سبحانه. وذلك التقديرُ خلافُ العدلِ عندَه؛ لأنه لا يرى أنه يقعُ منَ اللهَ سبحانَه تَزْيينُ الشَّهواتِ للعبدِ، فَحَرَّفَ دلالةَ هذا الفعلِ الذي جاءَ على صيغةِ الْمَبْنِيِّ للمفعولِ إلى ما جاءَ على هذه الصِّيغَةِ منَ الأفعالِ التي لا تحتاجُ إلى تقديرِ فاعلٍ.\n_________\n(١) هذا الباب الذي جعل لفظ «زُيِّنَ» منه، قال فيه سيبويه: «هذا باب ما جاء فُعِلَ منه على غير فَعَلْتُهُ، وذلك نحو: جُنَّ وسُلَّ وزُكِمَ ووُرِدَ، وعلى ذلك قالوا: مجنون ومسلول ومزكوم ومحموم ومورود، وإنما جاءت هذه الحروف على جَنَنْتُهُ وسَلَلْتُه، وإن لم يستعمل في الكلام، كما أن يدع على ودعت ويذر على وذرت، وإن لم يستعملا، استغني عنهما بتركت، واستغني عن قَطِعَ بِقُطِعَ، وكذلك استغني عن جَنَنْتُ ونحوها بأفعلتُ، فإذا قالوا: جُنَّ وسُلَّ، فإنما يقولون: جُعِلَ فيه الجنون والسلُّ، كما قالوا: حُزِنَ وفُسِلَ ورُذِلَ، وإذا قالوا: جُنِنْتَ، فكأنهم جعلوا فيك جنون، كما أنه إذا قال: أقبرته، فإنما يقول: وهبتُ له قبرًا، وجعلتُ له قبرًا، وكذلك أحزنته وأحببته، فإذا قلتَ: محزون محبوب، جاء على غير أحببتُ. وقد قال بعضهم: حَبَبْتُ فجاء به على القياس» الكتاب، ط: بولاق (٢:٢٣٨).","vol":"1","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>الفصل الثالث\nقواعد في التفسير اللغوي</span>\nوفيه:\nأولًا: كل تفسير لغوي وارد عن السلف يحكم بعربيته، وهو مقدم على قول اللغويين.\nثانيًا: إذا ورد أكثر من معنى لغويٍّ صحيح تحتمله الآية، جاز تفسير الآية بها.\nثالثًا: لا يصح اعتماد اللغة وحدها دون غيرها من المصادر التفسيرية.\nرابعًا: لا تعارض بين التفسير اللغوي والتفسير على المعنى.","vol":"1","page":557},{"text":"بعدَ هذا السَّير الحثيثِ في قضايا هذا البحثِ، سأذكرُ هاهنا بعضَ القواعدِ المتعلِّقةِ بالتفسير اللُّغويِّ، وهذه القواعدُ فرضيَّاتٌ كانتْ في بدايةِ إعدادِ البحثِ، ولذا فلا يلزمُ أن تكونَ قواعدَ مقرَّرةً عندَ العلماءِ بهذه الصياغةِ، وإنْ كانَ لهم في ذلك إشاراتٌ، وما جمعتهُ فيها يعتبرُ من نتائج البحث، واللهُ الموفِّقُ.\nوهذه القواعد كالآتي:\nأولًا: كل تفسير لغوي وارد عن السلف يحكم بعربيته، وهو مقدم على قول اللغويين.\nثانيًا: إذا ورد أكثر من معنى لغويٍّ صحيحٍ تحتملُه الآيةُ، جازَ تفسير الآية بها.\nثالثًا: لا يصح اعتماد اللغة وحدها دون غيرها من المصادر التفسيرية.\nرابعًا: لا تعارض بين التفسير اللغوي والتفسير على المعنى.\nوليس هذه هي القواعدُ فقط، بل هناك ما هو أكثرُ منها (١)، والَّذي ذكرتُه رأيتُ أنَّه ألصقُ بخطَّةِ البحثِ وموضوعاتِه، واللهُ الموفِّقُ.\n_________\n(١) ينظر على سبيل المثال: كتاب قواعد الترجيح عند المفسرين، للأخ حسين الحربي (ص:٣٤٥ - ٦٥٢).","vol":"1","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>أولًا كلُّ تفسيرٍ لغويٍّ واردٍ عن السَّلفِ يُحكمُ بعربيَّته وهو مقدَّمٌ على قولِ اللُّغويين </span>(١)\nترتبطُ هذه المسألةُ بزمن الاحتجاجِ اللُّغويِّ، ولم أجدْ من أشارَ إلى\n_________\n(١) كان مجلس الكليَّةِ قد زاد قيدًا على هذه القاعدة، وهو: كل تفسيرٍ لغويٍّ ثابت ...، وبعد البحثِ وجدت أنَّه لا حاجة لهذا القيدِ؛ لأنَّه لم يقع الاحتجاج بما لم يصحَّ عنهم، أمَّا الآثارُ الضَّعيفةُ فأمرُها محتملٌ مقبولٌ في بيانِ اللغةِ، وقد أشارَ إلى ذلك أحدُ أعمدةِ المحقِّقينَ المعاصرين، وهو الأستاذُ محمود شاكر في تعليقه على تفسير الطبري (١: حاشية ص:٤٥٣ - ٤٥٤)، قال: «تبيَّنَ لي مما راجعته من كلامِ الطبري، أنَّ استدلالَ الطبريِّ بهذه الآثارِ التي يرويها بأسانيدها، لا يُراد بها إلاَّ تحقيق معنى لفظٍ، أو بيان سياق عبارة، فهو قد ساق الآثارَ التي رواها بإسنادها ليدلَّ على معنى «خليفة»، و«الخلافة»، وكيف اختلفَ المفسرونَ من الأولين في معنى خليفة، وجعل استدلاله بهذه الآثار، كاستدلال المستدلِّ بالشعر على معنى لفظٍ في كتابِ اللهِ.\nوهذا بيِّنٌ في الفقرة التالية للأثر رقم (٦٠٥)، إذ ذكر ما رويَ عن ابن مسعود وابن عباس، وما رويَ عن الحسن في بيان معنى «خليفة»، واستظهر ما يدل عليه كلام كلِّ منهم. ومن أجل هذا الاستدلال لم يبال بما في الإسناد من وهن لا يرتضيه. ودليل ذلك: أن الطبري نفسه قال في إسناد الأثر رقم (٤٦٥) عن ابن مسعود وابن عباس، فيما مضى (ص:٣٥٣): «فإن كان الإسناد صحيحًا، ولست أعلمه صحيحًا، إذ كنت في إسناده مرتابًا ...»، فهو مع ارتيابه في هذا الإسنادِ، قد ساق الأثرَ للدلالة على معنى اللفظِ وحده، فيما فهمه ابن مسعود وابن عباس - إن صحَّ عنهما - أو فيما فهمه الرواة الأقدمون في معناه. وهذا مذهب لا بأس به في الاستدلال. ومثله أيضًا ما يسوقه من الأخبار والآثار التي لا يشك في ضعفها، أو في كونها من الإسرائيليات، فهو لم يسقها لتكون مهيمنة على تفسير آي التنزيل الكريم، بل يسوق =","vol":"1","page":560},{"text":"تفصيلِ منْزلة تفسيراتِ طبقاتِ السلفِ في الاحتجاج اللُّغويِّ، سوى الإشارةِ إلى قبولِ تفسيرِ الصَّحابيِّ والاحتجاجِ به، كما سيأتي.\nومفسِّرو السَّلفِ على قسمينِ:\nقسمٌ عاصر زمن الاحتجاجِ اللُّغويِّ، كالصحابةِ والتَّابعينَ؛ كزِرِّ بنِ حُبيشٍ (ت:٨٣)، والشَّعبيِّ (ت:١٠٣)، والحسنِ (ت:١١٠)، وغيرِهم. وهؤلاءِ كغيرِهم من العربِ الذينِ نُقلتْ أقوالُهم واحتُجَّ بها.\nوقسمٌ عاصرَ اللُّغويِّينَ الأوائل الذينَ دوَّنوا اللُّغةَ، كالكلبيِّ (ت:١٤٦)، ومقاتلِ بن سليمانَ (ت:١٥٠)، وسفيانَ الثَّوريِّ (ت:١٦١)، ومالك بن أنس (١٧٩)، وابن زيد (ت:١٨٢)، وأقلُّ أحوالِ هؤلاءِ أن يكونوا نَقَلَةً لمعاني الألفاظِ العربيَّةِ التي في القرآنِ، فحالُهم في مثلِ هذا كحالِ من عاصرَهم من اللُّغويِّينَ الذين يحكونَ لغةَ العربِ، وينسبونَ إليها دلالاتِ الألفاظ.\nومع أنَّ بعضَهم كانَ غيرَ عربيِّ الأصلِ، فإنكَ لا تجدُ أحدًا من العلماء أنكرَ عليهم تفسيرَ القرآن العربيِّ على عربيَّتِه، ومنْ أمثلةِ هؤلاء المفسِّرينَ:\n_________\n= الطويل الطويل، لبيان معنى لفظٍ، أو سياق حادثة، وإن كان الأثر نفسه مما لا تقوم به حجة في الدين، ولا في التفسير التامِّ لآي كتاب الله.\nفاستدلال الطبري بما ينكره المنكرون، لم يكن إلاَّ استظهارًا للمعاني التي تدلُّ عليها ألفاظ هذا الكتاب الكريم، كما يُستظهرُ بالشعر على معانيها، فهو إذًا استدلالٌ يكاد يكون لغويًّا، ولما لم يكن مستنكرًا أن يستدل بالشعر الذي كذب قائله، ما صحت لغته، فليس بمستنكر أن تساق الآثار التي لا يرتضيها أهل الحديث، والتي لا تقوم بها الحجة في الدين، للدلالة على المعنى المفهوم من صريح لفظ القرآن، وكيف فهمه الأوائل، سواءً كانوا من الصحابة أو من دونهم.\nوأرجوا أن تكون هذه تذكرة تنفع قارئ كتاب الطبري، إذا ما انتهى إلى شيء مما يعده أهل علم الحديث من الغريب المنكر، ولم يقصر أخي السيد أحمد شاكر في بيان درجة رجال الطبري عند أهل العلم بالرجال، وفي هذا مقنع لمن أراد أن يعرف علم الأقدمين على وجهه، والحمد لله أولًا وآخرًا». وينظر: (١: حاشية ص:٤٦٢).","vol":"1","page":561},{"text":"مولى ابن عباس: عِكْرِمَةُ (ت:١٠٥)، وأصلُه بربريٌّ (١)، وكانَ يفسِّرُ القرآنَ بلغة العربِ ويحتجُّ بأشعارِها (٢)، ولا تجدُ أحدًا عابَ عليه بَرْبَرِيَّتَهُ، ولم يحتجَّ بتفسيرِه لأجلِ هذا الأصلِ البربريِّ، بل كان مُقدمًا في علمِ التَّفسيرِ.\nثمَّ إنهم يفسرون القرآن العربيَّ بالعربيَّةِ، ولم يُؤثَرْ عنهم أنهم فسروه بغيرها، فأقلُّ ما يقالُ فيهم أنهم ناقلونَ لِلُغَةِ العربِ، وهم ثِقَةٌ في ذلكَ، فقبولُ ما فسَّروا به على أنه لغةٌ يمكنُ أنْ يدخلَ من هذا البابِ.\nوإنَّ ممَّا يُسْتَانسُ به في هذه المسألةِ أنَّ أهلَ اللُّغةِ ينقلونَ بعضَ أقوالِهم ويشرحونَ غريبَها (٣).\n_________\n(١) جاء في تهذيب الكمال (٥:٢٠٩): «عكرمة القرشي الهاشمي، أبو عبد الله المدني، مولى عبد الله بن عباس، أصله من البربر من أهل المغرب، كان لحصين بن أبي الحر العنبري، فوهبه لعبد الله بن عباس حين جاء واليًا على البصرةِ لعلي بن أبي طالب».\n(٢) من استشهاده بالشعر، تفسيره لقول الله تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨]، قال: «ذواتا ظِلٍّ وأغصان، ألم تسمع إلى قول الشاعر:\nما هاجَ شَوقَك من هَدِيلِ حَمَامَةٍ ... تَدْعُو عَلَى فَنَنِ الغُصُونِ حَمَامًا\nتَدْعُو أبا فَرْخَينِ صَادَفَ طَائِرًا ... ذا مخلبينِ من الصُّقُورِ قطاما»\nينظر: إيضاح الوقف والابتداء (١:٦٥).\n(٣) إنَّ شرحَ اللغويين لأقوالِ السلفِ ظاهرٌ في كتب اللغة، ولعله يكفي التمثيلُ ببعض ذلك؛ لأنَّه ليس هذا محلُّ جَرْدِ ذلك، ومن ذلك ما ورد في لسان العربِ: في مادة (مزر، مزز) شرح قولٍ لأبي العالية، في مادة (شوى) شرحُ قولٍ لمجاهد، في مادة (كرع) شرح قول لعكرمة، في مادة (زلحف) شرح قولٍ لسعيد بن جبير، وفي مادة (صعفق) شرح قولٍ للشعبي.\nولو تُتَبِّعت كتبُ غريب الحديث التي دوَّنها اللغويون، فسيظهر شرحهم لأقوالِ السلفِ، ومن ذلك آخر الجزء الخامس من غريب الحديث لأبي عبيد، وآخر الجزء الثاني من غريب الحديث لابن قتيبة، وقد قمت بالاطلاع على مخطوطٍ نفيسٍ في الخزانة العامة في الرباط، برقم (١٩٧)، وهو الدلائل في غريب الحديث، للسَّرقسطي، فإذا فيه جزءٌ كبيرٌ في شرحِ أقوال التابعين وأتباعهم، وإليك بعض من ذكرهم مع ذكر ترقيم مُرقِّمِ المخطوط: طاووس بن كيسان (١٤٢ - ١٤٣)، الحسن =","vol":"1","page":562},{"text":"ويبنى على ذلك:\nأنَّ ما ورد عن هؤلاء السلف الكرام من تفسير ألفاظِ القرآن، أو فهمِهم له، فإنه جارٍ على لغة العرب، وهو حجة يجب الاحتكام إليه، ولا يصحُّ ردُّه ولا الاعتراضُ عليه (١).\n_________\n= البصري (١٧١ - ١٨٨)، الشعبي (١٩٩ - ٢٢٩)، مجاهد (٢٩٩ - ٢٣٢)، عكرمة (٢٣٣ - ٢٣٥)، قتادة (٢٣٥ - ٢٣٨)، سعيد بن أبي عروبة (٢٧٠)، محمد بن مسلم الزهري (٢٧٤ - ٢٧٩)، مالك بن أنس (٢٨٣ - ٢٨٧)، سفيان الثوري (٢٨٨ - ٢٩٢).\nوهنا ملاحظتان:\nالأولى: أنَّ الحسن البصريَّ من أكثرِ التابعين وأتباعهم من حيث نقل أقواله وشرحها في كتب غريب الحديث.\nالثانية: أنَّ الشَّرحَ في بعضِ الآثارِ الواردة عنهم لا يكونُ من كلامِهم هم، بل قد يكونون سئلوا عن مسألةٍ، فأجابوا عنها، ويكونُ في السؤال الذي وُجِّه إليهم لفظة غريبة تحتاجُ إلى بيانٍ، فيبيِّنُها اللغوي.\n(١) من العجيبِ أنَّ أبا حيان الأندلسي في تفسير قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال: «والذي رُوِيَ عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب؛ لأنهم قدروا جواب «لولا» محذوفًا، ولا يدل عليه دليل؛ لأنهم لم يقدروا: لهمَّ بها، ولا يدل كلام العرب إلاَّ على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط؛ لأن ما قبل الشرط دليل عليه.\nوقد طهرنا كتابنا هذا من نقل ما في كتب التفسير مما لا يليق ذكره، واقتصرنا على ما دلَّ عليه لسان العرب، ومساق الآيات التي في السورة مما يدل على العصمة وبراءة يوسف ﵇ من كل ما يشين ...». البحر المحيط (٦:٢٥٨).\nوالسلف الذين لا يساعد كلام العرب على قولهم هم: عبد الله بن عباس، وابن أبي مُلَيكَةَ، ومجاهد، والقاسم بن أبي بزة، وسعيد بن جبير، وعكرمة. ينظر أقوالهم في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٦:٣٥ - ٣٧).\nفهل هؤلاء يفسرون بغير لغة العرب، ثم أليس فيهم ابن عباس، وهو ممن يحتج بعربيته بلا خلافٍ، مع ما آتاه الله من فهم القرآن؟\nولن يكون أبو حيان - أو من جاء بعد هؤلاء السلف - أشدَّ تعظيمًا للأنبياء منهم، لذا فالصواب أن يجعل ما ورد عن هؤلاء من لغة العرب، وأن يحمل نحو القرآن وإعرابه على ما فسروه، لا أنْ يُرَدَّ ويُزعم أن تفسيرهم لا يساعد عليه كلام العرب، والله أعلم.","vol":"1","page":563},{"text":"وقد نبَّه إلى هذا أبو النَّصْرِ السَّمَرْقَنْدِي (١) في كتابِه «المدخل لعلم تفسيرِ كتاب الله تعالى»، فجعلَ فيه بابًا بعنوانِ: «ما جاءَ عنْ أهلِ التَّفسيرِ ولا يوجدُ له أصلٌ عندَ النَّحويين ولا في اللغةِ» (٢).\nوقد ذكرَ أمثلةً لهذه المسألةِ، ومنها: «... كما جاءَ عن الأئمَّةِ في تفسيرِ بعضِ الآياتِ مما يشكلُ على أهلِ اللُّغة أصلُها وبناؤها؛ كقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١]، قالَ بعضُ المفسِّرينَ: معناه: حَاضَتْ.\nفأينَ مَحَلُّ حاضتْ منْ ضَحِكَتْ في اللُّغةِ؟! إلاَّ ما حُكِيَ منْ بعضِ أهلِ اللُّغةِ أنه قالَ: ضَحِكَتِ الأرنبُ: إذا خرجَ مِنْ قُبُلِهَا دَمٌ، كان (٣) هذا استعارةً من ذلك، والله أعلم» (٤).\nوفي تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١] ذَكَرَ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) قولًا عن ابنِ عباسٍ (ت:٦٨)، وهو: «أكبرنه: حِضْنَ» (٥). ثمَّ قال: «فإنْ صَحَّتِ الرِّوايةُ عنِ ابنِ عباسٍ سَلَّمْنَا له، وجعلْنَا الهاءَ في قولِه: ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ هاءَ وَقْفَةٍ، لا هاءَ كنايةٍ، واللهُ أعلمُ بما أراد» (٦).\nولهذا فإنَّكَ تَجِدُ بعضَ اللُّغويينَ يذكرُ أنَّ بعضَ الألفاظِ لم تُعرفْ دلالتُها\n_________\n(١) أحمد بن محمد بن أحمد، أبو النصر السمرقندي، المعروف بالحدادي، قرأ على أبي سعيد السيرافي وابن مهران، له باع في علم القرآن والتفسير والعربية، ومن كتبه: الموضح لعلم القرآن، والمدخل لعلم تفسير كتاب الله، توفي (بعد:٤٠٠)، ينظر: غاية النهاية (١:١٠٥).\n(٢) المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى (ص:٩٨).\n(٣) لعلها: كأنَّ.\n(٤) المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى (ص:١٠٥ - ١٠٦). وينظر فيه أمثلة أخرى (ص:٩٨ - ١١٢).\n(٥) ينظر الرواية عنه في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٦:٧٦)، وهي روايةٌ ضعيفةٌ عنه، ينظر تعليق محمود شاكر ﵀.\n(٦) تهذيب اللغة (١٠:٢١٢). وينظر: المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى (ص:١٠٦).","vol":"1","page":564},{"text":"إلاَّ عنِ المفسِّرينَ (١)، ومنْ أمثلةِ ذلكَ:\n١ - التَّفَثُ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، فقدْ ذكرَ أبو جعفر النَّحاسُ (ت:٣٣٨) قولَ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨): «التَّفَثُ: الحَلْقُ والتَّقصيرُ، والرَّمْيُ، والذَّبحُ، والأخذُ منَ الشارِبِ واللِّحْيَةِ، ونتفُ الإبطِ، وقَصُّ الأظافرِ».\nثمَّ قالَ أبو جعفر النَّحاسُ (ت:٣٣٨): «وكذلكَ هو عندَ جميعِ أهلِ التَّفسيرِ؛ أي: الخروجُ منَ الإحرامِ إلى الحِلِّ. لا يعرفُه أهلُ اللُّغةِ إلاَّ منَ التَّفسيرِ» (٢).\n٢ - الرَّبَّانِيُّونَ في مثل قولِه تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِّيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧٩]. قالَ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠): «لَمْ يَعرفوا الرَّبَّانِيِّينَ» (٣).\nيقصدُ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) بقوله: «لم يعرفوا»: أهلَ اللغةِ، قالَ أبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سلامٍ (ت:٢٢٤): «وأحسبُ الكلمةَ ليستْ بعربيةٍ، إنما هي عَبْرَانِيَّةٌ (٤)\n_________\n(١) ينظر مثلًا ما ذكره ابن دريد في جمهرة اللغة من تفسير السَّكَرِ بالخلِّ، في قول الله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧].\n(٢) معاني القرآن، للنحاس (٤:٤٠٢)، وينظر: تهذيب اللغة (١٤:٢٦٦).\n(٣) مجاز القرآن (١:٩٧).\n(٤) العبرانيَّةُ لسانُ بني إسرائيل، وهي من مادة «عبر» ويظهرُ أنَّها مرادفَةٌ لمعنى البَدْوِ، ومما يدلُّ على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ [يوسف: ١٠٠]، فهم كانوا في باديةِ أهل الشامِ، ومعنى العبراني: العابر؛ كعابر السبيل، فهم يعبرون الصحراء، وليسوا من أهل القرى المقيمين فيها، وتأمَّل تقارب هذا المعنى في العبراني، مع معنى الأعراب؛ أي: سكَّان الصحراء.\nوفي قاموس الكتاب المقدس إشارة إلى ذلك، فقد جاء فيه (ص:٥٩٦): «عبرانيون: هم أحد فروع الدوحة السامية، ويُنسب اسمهم إلى عابر، أحد أجداد إبراهيم الذي أتى بهم إلى فلسطين، وقد منحهم اللقب الكنعانيون، إذ سمَّوا إبراهيم: إبرام العبراني، بعد أن عبر نهر الفرات إلى فلسطين».\nوهم يزعمونَ في معنى هذا الاسم أنَّه نسبة إلى عابر جدِّ إبراهيم (ينظر مثلًا: قاموس =","vol":"1","page":565},{"text":"أو سُرْيَانِيَّةٌ (١)، وذلكَ أنَّ أبا عبيدةَ زَعَمَ أنَّ العربَ (٢) لا تعرفُ الرَّبَّانِيِّينَ.\nقالَ أبو عبيدٍ: وإنَّمَا عَرَفَها الفقهاءُ وأهلُ العِلْمِ» (٣).\nيقصدُ أبو عبيدٍ (ت:٢٢٤) بالفقهاءِ وأهلِ العلمِ: أهلَ التفسيرِ مِنَ السَّلفِ، وقدْ وردَ عنهم تفسيرُ الرَّبَّانِيِّينَ بأنهم الحكماءُ العلماءُ، أو الفقهاءُ العلماءُ، أو الحكماءُ الفقهاءُ (٤). وتفسيرِ هؤلاءِ السَّلفِ يدلُّ على أنهم يعرفونَ هذه اللَّفظةَ، وأنهم فسَّروها بلغةِ العربِ، إذ لو كانتْ مِنَ المُعَرَّبِ لنَصَّ عليه أحدُهم، وهذا ما لم يردْ عنهم.\nوليسَ لأبي عبيدٍ (ت:٢٢٤) في هذا التفسيرِ سوى الظَّنِّ اعتمادًا على قولِ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) وليسَ هذا بكافٍ في إخراجِ لفظٍ منَ القرآنِ العربيِّ إلى لغةٍ غيرِها، ولو جعلَ أبو عبيدٍ (ت:٢٢٤) قولَ هؤلاء السَّلفِ حُجَّةً في العربيَّةِ، لما احتاجَ إلى هذا التَّخريجِ، ولقالَ: ما لم يَعرِفْهُ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) عَرَفَهُ غيرُه من السَّلفِ الذين لم يُشِيروا إلى أنَّ هذا اللفظَ أو تفسيرَه غيرُ عربيٍّ.\nثمَّ إنَّ اللَّفظَ جَارٍ في بنائه على لغةِ العرب، فقدْ جاءَ في تهذيبِ اللُّغةِ:\n_________\n= الكتاب المقدس: ص:٥٨٨، ٥٩٦)، وذلك غير صحيحٍ؛ لأنَّه لو كان كذلك، لكان إسماعيل وبنوه عبرانيين، وتحقيق هذا المعنى لا يحتمله هذا الموضع، والله الموفق.\n(١) السريانيَّةُ أحد اللغاتِ القديمة، وهي تنحدر من اللغة الآرامية، وقد تُرجِمَ بها كتابُ العهد القديم المعروف بالبشيطا (أي: البسيطة)، واعتمدها المسيحيون المجاورون للرَّهَا لغةً دينيةً.\nينظر: معجم الحضارات السامية (ص:٤٧٧).\n(٢) إن كان أبو عبيدٍ يقصدُ بهم أهل اللغة، فصحيحٌ، وإن كان يقصدُ أهلَ اللسان ممن نزلَ عليهم القرآن من مسلمين وكفار، فقد ورد عنهم تفسير الربانييِّن، كما أنَّ هذا يخالف مذهب أبي عبيدة في عدم وجود المعرَّبِ في القرآنِ، ومن ثَمَّ لا يكون تفسير أبي عبيد لكلام أبي عبيدة صحيحًا، والله أعلم.\n(٣) ينظر: المعرب، للجواليقي، تحقيق: أحمد شاكر (ص:١٦١)، وتهذيب اللغة (١٥:١٧٩).\n(٤) ينظر تفسيراتهم في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٦:٥٤٠ - ٥٤٣).","vol":"1","page":566},{"text":"«وقال سيبويه: زادوا ألفًا ونونًا في الرَّبَّاني إذ أرادوا تخصيصًا بِعِلْمِ الرَّبِّ دونَ غيرِهِ؛ كأنَّ معناه: صاحبُ العِلْمِ بالرَّبِّ دونَ غيرِه منَ العلومِ.\nوقال: وهذا كما قالوا: رجلٌ شَعْرَانِيٌّ، ولِحْيَانِيٌّ، ورَقَبَانِيٌّ، إذا خُصَّ بكثرةِ الشَّعَرِ، وطولِ اللِّحيةِ، وغِلَظَ الرَّقبةِ ... والرَّبِّيٌّ: منسوبٌ إلى الرَّبِّ، والرَّبَّانِيُّ: الموصوفُ بِعِلْمِ الرَّبِّ» (١).\nوقدْ يكونُ الرَّبَّانِيُّ - أيضًا - منسوبًا إلى الرَّبَّانِ، قالَ الطَّبَرِيُّ (ت:٣١٠): «وأولى الأقوالِ عندي بالصوابِ في الرَّبَّانِيِّينَ: أنهم جَمْعُ رَبَّانِيِّ، وأنَّ الرَّبَّانِيَّ المنسوبُ إلى الرَّبَّانِ الذي يَرُبُّ النَّاسَ، وهو الذي يُصْلِح أمورَهم ويَرُبُّهَا ويقومُ بها، ومنه قولُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ (٢):\nوَكُنْتُ امْرُأً أَفْضَتْ إِلَيْكَ رَبَابَتِي ... وَقَبْلَكَ رَبَّتْنِي، فَضعْتُ، ربُوبُ\nيعني بقوله: رَبَّتْنِي: وَلِيَ أمري والقيامَ به قبلك من يَرُبُّهُ ويُصْلِحُهُ، فلم يصلحوه، ولكنهم أضاعوني، فضعتُ.\nيقالُ منه: رَبَّ أمري فلانٌ، فهو يَرُبُّه ربًّا، وهو رابُّه. فإذا أريد به المبالغة في مدحه قيل: هو ربَّان، كما يقال هو نعسان، من قولهم: نَعَسَ يَنعُس. وأكثر ما يجيء من الأسماءِ على فَعْلانِ ما كانَ منَ الأفعالِ ماضيهِ على فَعِلَ؛ مِثْلَ قولِهم: هو سكرانٌ، وعطشانٌ، وريَّانٌ، من سَكِرَ يَسْكَرُ، وعَطِشَ يَعْطَشُ، ورَوِي يُرْوَى. وقد يجيء مما ماضيه على فَعَل يَفْعُلُ، نحو ما قلنا من نَعَسَ يَنْعُسُ ورَبَّ يَرُبُّ.\nفإذا كانَ الأمرُ في ذلكَ على ما وصفْنَا، وكان الرَّبَّانُ ما ذكرنا، والرَّبَّانِيُّ هو المنسوبُ إلى منْ كانَ بالصِّفةِ التي وصفتُ، وكانَ العالِمُ بالفقهِ\n_________\n(١) تهذيب اللغة (١٥:١٧٨).\n(٢) البيت في ديوانه بشرح الأعلم الشَّنْتَمَرِّي، تحقيق: حنا نصر (ص:٢٨). وهو فيه:\nوأَنْتَ امْرُؤٌ أفْضَتْ إِلَيْكَ أَمَانَتِي ... وَقَبْلَكَ رَبَّتْنِي، فَضَعْتُ رُبُوبُ","vol":"1","page":567},{"text":"والحكمةِ منَ المصلحين يَرُبُّ أمورَ المسلمينَ، بتعليمِه إياهم الخيرَ، ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم، وكانَ كذلكَ الحكيمُ التَّقِيُّ للهِ، والوليُّ الذي يَلِي أمورَ النَّاسِ على المنهاجِ الذي وَلِيَهُ المقسطونَ منَ المصلحينَ أمورَ الخلقِ، بالقيامِ فيهم بما فيه صلاحُ عاجلِهم وآجلِهم، وعائدةُ النَّفعِ عليهم في دينهم ودنياهم، كانوا جميعًا يستحقُّونَ أنْ يكونوا ممنْ دخلَ في قولِه ﷿: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِّيِّينَ﴾.\nفالرَّبَّانيُّونَ إذًا: هم عِمَادُ النَّاسِ في الفقهِ والعلمِ وأمورِ الدِّينِ والدنيا. ولذلكَ قالَ مجاهدُ: هم فوقَ الأحبارِ؛ لأنَّ الأحبارَ: هم العلماءُ، والرَّبَّانيُّ: الجامعُ إلى العلمِ والفقهِ، البصرَ بالسِّياسةِ والتَّدبيرِ، والقيامَ بأمورِ الرَّعيَّةِ، وما يصلحُهم في دنياهم ودينهم» (١).\nوبهذا يُعلم أنَّ لفظَ الرَّبَّانِيِّينَ عربيٌّ، وأنَّ السَّلفَ عرفوه وبيَّنوا معناه، وأنَّ جَهْلَ أهلِ اللُّغةِ به لا يُخرجُه إلى كونه مُعَرَّبًا، وأنهم لو اعتمدوا تفسيرَ السَّلفِ في ثبوتِ اللُّغةِ لحكموا بعربيَّتِه، والله أعلم.\nوبعد فإنَّ المقصود أنَّ السَّلفَ بطبقاتِهم الثلاث أَقْدَرُ على تحديدِ المعنى العربيِّ للقرآنِ ممنْ جاءَ بعدهم، ولذا فإنَّ الرُّجوعَ إلى تفسيرهم، واعتبارَه في نقلِ اللُّغةِ مما لا بدَّ منه؛ لأنهم: إمَّا عَرَبٌ تُنْقَلُ عنْ مثلِهم اللُّغةُ؛ كالصَّحابةِ وكبارِ التَّابعينَ، وإمَّا أنْ يكونوا في عَصْرِ الاحتجاجِ؛ كصغارِ التَّابعينَ، وكبارِ أتباعِ التَّابعينَ، الذين عاصرَهم اللُّغويُّونَ الذينَ نقلوا اللُّغةَ ودوَّنوها، وأقلُّ حالِ مفسِّري أتباعِ التَّابعينَ أنْ يكونوا بمنزلة هؤلاءِ اللُّغويِّينَ في نقلِ اللُّغةِ، والله أعلم.\nومما ينبغي التنبُّه له: أنَّ تفسيرَ الصحابيِّ - خصوصًا - مقدَّمٌ على تفسيرِ اللُّغويِّ، كائنًا من كانَ هذا اللُّغويُّ، وبهذا قالَ جمعٌ من العلماءِ أو أشارَ، ومن ذلكَ:\n_________\n(١) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٦:٥٤٣ - ٥٤٤).","vol":"1","page":568},{"text":"* أشارَ الطبريُّ (ت:٣١٠) إلى الاحتجاجِ بتفسيرِ الصَّحابيِّ في اللُّغةِ عند قولِه تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] لما ذَكَرَ تفسيرَ ابن مسعود، أنَّه قالَ حينَ غربتِ الشَّمسُ: دَلَكتْ بَرَاحِ (١).\nقال الطبريُّ (ت:٣١٠): «وقد ذكرتُ في الخبرِ الذي رويتُ عن عبد الله بنِ مسعودٍ أنه قال حين غربتِ الشَّمسُ: دلكتْ بَرَاحِ؛ يعني: بَرَاحِ، مكانًا.\nولستُ أدري هذا التَّفسيرَ؛ أعني قوله: بَرَاحِ مكانًا، مِنْ كلامِ مَنْ هو ممنْ في الإسنادِ، أو مِنْ كلامِ عبدِ الله، فإنْ يكنْ منْ كلامِ عبدِ اللهِ، فلا شكَّ أنَّه كانَ أعلمَ منْ أهلِ الغريبِ الذينَ ذكرتُ قولَهم (٢). وأنَّ الصَّوابَ في ذلكَ قولُه دونَ قولِهم، وإنْ لم يكنْ منْ كلامِ عبدِ اللهِ، فإنَّ أهلَ العربيَّةِ كانوا أعلمَ بذلكَ منه (٣) ...» (٤).\nفابنُ مسعودٍ (ت:٣٥) جعلَ تفسيرَ الشَّمسِ: بَرَاحِ، على أنَّه منْ أسمائها، وهذا التفسيرُ يلزمُ قَبُولُهُ منْ حيثُ اللُّغة؛ أيْ أنَّ منْ أسماءِ الشَّمسِ: بَرَاحِ، على وَزْنِ قَطَامِ، لورودِهِ عنِ ابنِ مسعودٍ (ت:٣٥).\n* وقال ابن العربيِّ (ت:٥٤٣): «قال الفراءُ: معنى قوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ\n_________\n(١) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٥:١٣٤)، وقد ورد روايةٌ قبلها عن ابن عباس، قال: دلوك الشمس: غروبها، يقول: دلكت براح، وكذا ورد عن أبي وائل شفيق بن سلمة، كما في غريب الحديث، لأبي عبيد، تحقيق: حسين محمد شرف (٥:٤١٢).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٥:١٣٦)، وقد ذكر عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي عمرو الشيباني أنها: بِرَاحِ، واستدلوا بقول الشاعر:\nهذا مَقَامُ قَدَمَيْ رَبَاحِ\nغُدْوَةً، حَتَى دَلَكَتْ بِرَاحَ\nوقرؤوها بكسر الباء؛ يعني: أن الناظر يضع كفه؛ أي: راحته، على حاجبه من شعاع الشمس.\n(٣) يظهر أيضًا أنه لو كان من كلام الأسود الذي روى الخبر عن ابن مسعود، لكان حجة كذلك؛ لأنَّ الأسود بن يزيد النخعي، عربي، وتوفي سنة (٧٥)، فهو متقدِّم في الوفاة، وهو في عصر من يُحْتَجُّ بكلامهم، والله أعلم.\n(٤) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٥:١٣٧).","vol":"1","page":569},{"text":"أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] (١)؛ معناه: أنَّ يطوفَ، وحرف (لا) زائدٌ (٢).\nوهذا ضعيفٌ من وجهين:\nأحدُهما: أنَّا قد بيَّنا في مواضع أنَّه يبعدُ أن تكون (لا) زائدةٌ.\nالثاني: أنَّ لا لغويٌّ ولا فقيهٌ يعادِلُ عائشةَ ﵂، وقد قرَّرتها غيرَ زائدةٍ، وقد بيَّنت معناها (٣)، فلا رأيَ للفراءِ ولا لغيره» (٤).\n* ومما يستأنسُ به في هذا المقامِ ما وردَ منْ تفسيرِ ابنِ مسعودٍ لقولِه تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧]، قال: «كان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجِنِّ ...» (٥).\nقال ابنُ حَجَر العسقلانيُّ (ت:٨٥٢): «واستشكلَ ابنُ التِّينِ (٦) قولَه: (ناسًا من الجِنِّ)، حيثُ إنَّ النَّاسَ ضِدُّ الجِنِّ ... ويا ليتَ شعري، على من يعترضُ!» (٧).\nوهذا المنهجُ الذي سَلَكَهُ هؤلاء هو المنهجُ الصَّحيحُ؛ أي أنَّ كلامَ\n_________\n(١) هذه قراءة ابن عباس وأنس بن مالك وشهر بن حوشب وغيرهم، ينظر: تفسير ابن عطية، ط: قطر (٢:٣٨).\n(٢) هذا أحد الأوجه التي ذكرها الفراء في تفسيرِ الآية، ينظر: معاني القرآن (١:٩٥).\n(٣) ذكر ابن العربي قولها قبل هذا التنبيه، وهو أنَّ بعض الصحابة كان يتحرَّج من الطواف بالصفا والمروة، فنَزلت الآية بشأنهم. ينظر: أحكام القرآن (١:٤٦ - ٤٧).\n(٤) أحكام القرآن، لابن العربي (١:٤٧ - ٤٨). وينظر إشارته إلى عربيَّة الصحابةِ والتابعينَ، وتقديم قولهم في التفسيرِ اللُّغويِّ (١:١٨٠، ٣٧٧).\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، ينظر: فتح الباري، ط: الريان (٨:٢٤٩).\n(٦) عبد الواحد بن التين، أبو محمد الصفاقسي، له شرح مشهور لصحيح البخاري، سماه: «المخبر الصحيح في شرح البخاري الصحيح»، وقد نقل منه ابن حجر في الفتح، وابن رُشيد، توفي سنة (٦١١)، ينظر: نيل الابتهاج بتطريز الديباج (على حاشية الديباج المُذهب (ص:١٨٨)، وشجرة النور الزكية، لمخلوف (١:١٦٨).\n(٧) فتح الباري، ط: الريان (٨:٢٤٩).","vol":"1","page":570},{"text":"هؤلاءِ الصَّحابةِ وتفسيرَهم حجةٌ في اللُّغةِ يلزمُ قبولُها، وهو مقدَّمٌ على قولِ اللُّغويِّينَ، خلافًا لما قالَهُ الشَّوكَانِيُّ (ت:١٢٥٠) (١) في هذا المقام: «وأمَّا ما كانَ منها ثابتًا عنِ الصَّحابةِ ﵃، فإنْ كانَ من الألفاظِ التي نقلَها الشَّرعُ إلى معنى مغايرٍ للمعنى اللُّغويِّ بوجهٍ من الوجوهِ، فهو مقدَّمٌ على غيرِه. وإنْ كانَ منَ الألفاظِ التي لم ينقلْها الشَّرعُ، فهو كواحدٍ منْ أهلِ اللُّغةِ الموثوقِ بعربيَّتِهم، فإذا خالفَ المشهورَ المستفيضَ لم تقمْ الحجَّةُ علينا بتفسيرِه الذي قاله على مقتضى لغةِ العربِ، فبالأولى تفاسيرُ من بعدَهم من التَّابعينَ وتابعيهم وسائِرِ الأئمةِ» (٢).\nوهذا المنهجُ الذي ذكره الشَّوكَانِيُّ (ت:١٢٥٠) غيرُ سديدٍ، وقولُه: «فإذا خالفَ المشهورَ المستفيضَ» افتراضٌ لم يُمثِّلْ له بمثالٍ يدلُّ على وجودِه عنده، وهو مع ذلكَ يرى في التَّفسيرِ أنَّ بعضَ المعاني يُستشهَد لها بالبيتِ المجهولِ القائلِ، ومع ذلك يقبلُه ولا يقول فيه مثلَ هذه القاعدةِ، فكيف يتركُ ما وردَ عن السَّلفِ في هذا المقامِ، وهم - أخصُّ الصَّحابة - عربٌ تُحكى عنهم اللُّغةُ؟!.\nومن هنا يمكنُ أنْ يقالَ: إنَّ ما وقعَ من بعضِ اللُّغويِّينَ من إنكارٍ لبعضِ تفسيراتِ السَّلفِ أوْ رَدِّهَا، بزعمهم أنها ليستْ من لغةِ العربِ = عملٌ غيرُ صحيحٍ، ولا يُعتمدُ عليه. ومن الأمثلةِ التي وقَعَ فيها اعتراضٌ من بعضِ اللُّغوييِّنَ، ما يأتي:\n_________\n(١) محمد بن علي بن محمد، أبو عبد الله الشوكاني، نِسْبَةً إلى هجرة شوكان من بلاد اليمن، له مشاركة في عدة علوم: الفقه، والأصول، والحديث، والتفسير، وله فيه كتابه: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير، توفي سنة (١٢٥٠)، وقد ترجم حياته في كتابه: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع (٢:٢١٤ - ٢٢٥)، وينظر: معجم المفسرين (٢:٥٩٣).\n(٢) فتح القدير، للشوكاني (١:١٢).","vol":"1","page":571},{"text":"١ - في قولِه تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩]، قالَ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠): «زعمَ المفسِّرونَ أنَّه الموزُ (١)، أمَّا العربُ، فالطَّلْحُ عندهم: شَجَرٌ كثيرُ الشَّوكِ» (٢).\nوعبارتُه هذه فيها تضعيفٌ لما وردَ عن المفسِّرينَ من السلف، كما أنَّ فيها إشارة إلى أنَّ ما وردَ عنهم ليسَ من قَولِ العربِ! وقدْ وردَ تفسيرُه بالموزِ عن صحابيين، هما: عليٌّ (ت:٤٠)، وابنُ عباسٍ (ت:٦٨)، وورد عن جمعٍ من التابعينَ، وهم: قسامةُ بنُ زهيرٍ (ت: بعد٨٠) (٣)، ومجاهدُ (ت:١٠٤)، وعطاءُ (ت:١١٤)، وقتادةُ (ت:١١٧) (٤).\nأليسَ عليٌّ (ت:٤٠)، وابنُ عباسٍ (ت:٦٨) مِمَّنْ تُؤخذُ منهم اللُّغةُ؟! إنَّهم منَ العربِ، فكيفَ يقولُ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠): «أما العربُ، فالطَّلحُ عندهم: شجرٌ كثيرُ الشَّوكِ»؟\nلو كانَ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) يعتمدُ تفسيراتِ السَّلفِ في إثباتِ اللُّغةِ، لقالَ بأنَّ هذا اللفظَ له معنيان عند العربِ، كما هو الحالُ في غيرِه من الألفاظِ التي تعدَّدتْ دلالاتُها عندَ العربِ.\nقالَ إبراهيمُ الحَرْبِيُّ (ت:٢٨٥): «والذينَ قالوا: هو المَوزُ، هو غيرُ معنى\n_________\n(١) قال الحربي في غريب الحديث (٢:٦٣١): «أخبرنا سلمة، عن الفراء: ﴿وَطَلْحٍ﴾ قال: زعم المفسرون أنه الموز». والذي في معاني القرآن (٣:١٢٤) من رواية محمد بن الجهم: «ذكر الكلبي أنه الموز. ويقال: هو الطلح الذي تعرفون».\n(٢) مجاز القرآن (٢:٢٥٠)، قد اعترض على هذا التفسير أبو إسحاق النظام، ينظر: الحيوان، للجاحظ (١:٣٤٣).\n(٣) قسامة بن زهير المازني البصري، ثقة، روى عن أبي موسى الأشعري وأبي هريرة، وروى عنه قتادة وغيره، توفي (بعد ٨٠). ينظر: تهذيب الكمال (٦:١٢٢ - ١٢٣)، وتقريب التهذيب (ص:٨٠١).\n(٤) ينظر آثارهم في: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١٨١ - ١٨٢)، وغريب الحديث، للحربي (٢:٦٣١)، وقد زاد نسبته إلى عكرمة والحسن.","vol":"1","page":572},{"text":"الحديثِ (١)، لقوله: بشوكِ الطَّلحِ. فلعله اسمٌ لِشَجَرِ شوكٍ وللموزِ» (٢).\nوقال: «قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩]: هو الموزُ، وهو لا شوكَ له. والطَّلحُ غيرُ منضودٍ، وإنما ذلكَ الموزُ، نُضِدَ على بعضٍ» (٣).\nوكَونُ أبي عبيدةَ (ت:٢١٠) لم يعلمْ أنَّ العربَ تطلقُ على الموزِ مسمَّى الطَّلْحِ، فإنَّ هذا لا يعني عدمَ وجودِ هذه الدلالةِ عندَهم، إذْ عَدَمُ العلمِ بالشَّيءِ، لا يعني العِلْمَ بالعَدَمِ.\nوقد ذَكَرَ عبدُ الرَّحمنِ بْنُ زَيْدٍ بن أسلمَ (ت:١٨٢)، أنَّ أهلَ اليَمَنِ يُسَمُّونَ الموزَ: الطَّلحَ (٤). فإنْ كانَ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠) قد جَهِلَ ذلكَ، فإنَّ غيرَه قدْ عَرَفَ هذا المعنى لذلك اللَّفظِ، واللهُ أعلمُ.\n٢ - في قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]، قال الأزهريُّ (ت:٣٧٠): «روى أبو الجَوزَاءِ (٥) عنِ ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢]، يقولُ: بِحَيَاتِكَ. قال: وما أقسمَ اللهُ بحياةِ أحدٍ إلاَّ بحياةِ النَّبي ﷺ (٦).\nوأخبرني المنذريُّ، عن أبي الهيثمِ أنه قالَ: النَّحويونَ ينكرونَ هذا، ويقولونَ: معنى «لعمرك»: لَدِينُكَ الَّذي تَعْمُرُ، وأنشد (٧):\n_________\n(١) الحديث الذي يشرح غريبه هو: «الشهداء أربعة: فرجل لقي العدو، فكأنما يُضرَب جِلده بشوك الطلح ...». غريب الحديث (٢:٦٣٠).\n(٢) غريب الحديث، للحربي، تحقيق: د. سليمان العايد (٢:٦٣١).\n(٣) غريب الحديث، للحربي، تحقيق: د. سليمان العايد (٢:٦٣١).\n(٤) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:١٨٢).\n(٥) أوس بن عبد الله الرَّبَعِي، أبو الجوزاء، البصري، روى عن ابن عباس وغيره، كان ثقةً، مع إرسالٍ كثيرٍ، قُتِلَ في الجماجم سنة (٨٣). ينظر: تهذيب الكمال (١:٢٩٨)، وتقريب التهذيب (ص:١٥٥).\n(٦) ينظر تفسير ابن عباس في تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:٤٤).\n(٧) البيت لعمر بن أبي ربيعة، ينظر ديوانه، ط: دار صادر (ص:٤٣٨). وفي الديوان: يلتقيان، بدل يجتمعان.","vol":"1","page":573},{"text":"أيُّها المُنْكِحُ الثّرَيا سُهَيلًا ... عَمْرَكَ اللهَ كَيْفَ يَجْتَمِعَانِ\nقال: عَمْرَكَ اللهَ؛ أيْ: عِبَادَتَكَ الله ...» (١).\nوهذا الإنكارُ الذي نسبهُ أبو الهيثمِ إلى النَّحويينَ غيرُ مقبول، فإنْ كانَ ما قالُوه في معنى «عَمْرَكَ اللهَ» صحيحًا، فإنَّه لا يلزم منه خطأُ غيرِه، خاصَّةً أنَّ المفسَّرَ به ممنْ تؤخذُ منه اللُّغةُ، وهو أدرى بمعنى اللَّفظِ في لغتِه ممنْ جاءَ بعده من اللُّغويينَ. ولا شَكَّ أنَّ قولَه مقدَّمٌ على قَولِهم، ومن ثَمَّ، فإنَّ تفسيرَهُ يُقْبَلُ لغةً وتفسيرًا، ولا يَصِحُّ عليه مثلُ هذا الاعتراض.\n٣ - في قولِ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، أوردَ الإمامُ البُخَارِيُّ (ت:٢٥٦) عن ابن عباس (ت:٦٨) أنَّه قالَ: «هي رؤيا عينٍ، أُريَهَا الرَّسولُ ﷺ ليلةَ أُسْرِيَ به» (٢).\nوقال ابنُ حجر العَسْقَلاَنِيُّ (ت:٨٥٢): «واستُدلَّ به على إطلاقِ لفظِ الرُّؤيا على ما يُرَى بالعينِ في اليَقَظَةِ. وقدْ أنكرَهُ الحَرِيرِيُّ (٣) تبعًا لغيرِه، وقالوا: إنَّما يُقالُ رُؤْيَا في المَنَامِ، وأمَّا في اليَقَظَةِ فيُقالَ: رُؤْيَةٌ (٤).\n_________\n(١) تهذيب اللغة (٢:٣٨١).\n(٢) صحيح البخاري، مع فتح الباري، ط: الريان (٨:٢٥٠). وينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٥:١١٠ - ١١٢) فقد أورد هذه الرواية عن ابن عباس، وأورد قول غيره من المفسرين الذين جعلوا الرؤيا متعلقةً بما رآه الرسول ﷺ ليلةَ أُسرِيَ به.\n(٣) القاسم بن علي بن محمد، أبو محمد الحريري، من أهل البصرة، صاحب المقامات، أحد أئمة الأدب واللغة، وله من التصانيف درة الغوَّاص في أوهام الخواصِّ، وغيرها، توفي سنة (٥١٦). إنباه الرواة (٣:٢٣ - ٢٧)، ومعجم الأدباء (١٦:٢٦١ - ٢٩٣).\n(٤) قال الحريري: «ويقولون: سُرِرْتُ برؤيا فلانٍ، إشارةً إلى مرآه، فيوهمون فيه؛ كما وهم أبو الطيب في قوله لبدر بن عمار - وقد سامره ذات ليلة إلى قِطع من الليل ـ:\nمَضَى اللَّيلُ والفَضْلُ الَّذِي لَكَ لاَ يَمْضِي ... وَرُؤْيَاكَ أَحْلَى في العيونِ مِنَ الغَمْضِ\nوالصحيح أن يقال: سُرِرْتُ برؤيتك؛ لأنَّ العرب تجعل الرؤية لما يُرى في اليقظة، والرؤيا لما يُرَى في المنام؛ كما قال - سبحانه - إخبارًا عن يوسف ﵇: =","vol":"1","page":574},{"text":"ومِمَّنِ استعملَ الرُّؤيا في اليَقَظَةِ المتنبي في قولِه (١):\n....... ... وَرُؤْيَاكَ أَحَلَى فِي الْعُيُونِ مِنَ الغَمْضِ\nوهذا التَّفسيرُ يَرُدُّ على مَنْ خَطَّأَهُ» (٢).\nإنَّ هذا الصنيعَ من ابنِ حَجَرٍ (ت:٨٥٢) هو الصَّوابُ بعينِهِ، ولا عِبْرَةَ بمنْ أنكرَ هذا المدلولَ اللُّغويَّ الواردَ عن ابنِ عباسٍ (ت:٦٨)، ولو تفرَّدَ به لقُبِلَ منه، كيف وقد وردَ لهذا المدلولِ شاهدٌ آخرُ؟!\nقالَ ابنُ بَرِّي (ت:٥٨٢): «اعلمْ أنَّ الرُّؤيا تكونُ في المنامِ كما ذكرَ، إلاَّ أنَّ العربَ قد استعملتها في اليقظةِ، وذلك في نحوِ قولِ الرَّاعِي (٣) يصفُ ضيفًا طرقه ليلًا (٤):\nرَفَعَتْ لَهُ مَشْبُوبَةً عَصَفَتْ لَهَا ... صَبًا، تَزْدَهِيهَا مَرَّةً وَتُقِيمُهَا\nفَكَبَّرَ للرُّؤْيَا، وَهَشَّ فُؤَادُهُ ... وَبَشَّرَ نَفْسًا كَانَ قبل يَلُومُهَا\nوعلى هذا فُسِّرَ في التنْزيلِ - وعليه جلة المفسرين - قولُه تعالى: ﴿وَمَا\n_________\n= ﴿هَذَا تَاوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠]». درة الغوَّاص في أوهام الخواص، تحقيق: د. عبد الله بن علي الحسيني (ص:١٣٧ - ١٣٨).\nوممن تبِع مذهب الحريري هذا صلاحُ الدين خليل بن أيبك الصفدي، ينظر: الغيث المسجم في شرح لامية العجم (٢:١٢١ - ١٢٢).\n(١) ديوانه، ط: دار صادر (ص:١٥٧)، وأوله:\nمَضَى اللَّيلُ والفَضْلُ الَّذِي لَكَ لاَ يَمْضِي ... .......\n(٢) فتح الباري، ط: الريان (٨:٢٥٠).\n(٣) عُبيد بن حُصين بن معاوية، أبو جندل، المشهور بالراعي النميري، كان شاعرًا، وكان يميل إلى الفرزدق، فهجاه جرير هجاءً مقذعًا، وكان يمدح يزيد بن معاوية وأمراء بني أمية، توفي سنة (٩٠). ينظر: معجم الشعراء (ص:٩٤)، معجم الشعراء المخضرمين والأمويين (ص:١٥٣).\n(٤) ينظر: ملحقات الديوان من ديوان الراعي، تحقيق: هلال ناجي ونوري حمودي (ص:٢٤٣)، والاقتضاب في شرح أدب الكتاب، للبطليوسي (ص:١٨٠)، والفائق، للزمخشري (٤:١٠٤)، وغيرها.","vol":"1","page":575},{"text":"جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]» (١).\nلقدْ كانَ في غيابِ قضيةِ الاحتجاجِ بتفسيرِ الصَّحابةِ وغيرِهم منَ السَّلفِ عندَ اللغويين ما يظهر مثل هذه الاعتراضات على بعض تفسيراتهم، ولو استفاد اللُّغويُّونَ من تفسيراتِهم في ثبوتِ دلالة بعض الألفاظِ في اللُّغةِ لوجدوا في ذلكَ علمًا كثيرًا وشواهدَ لغويَّةً كافيةً.\nولقدْ كانَ اللُّغويُّونَ - فيما يبدو - يجعلونَ مفسِّري السَّلفِ قَسِيمًا لهم في علمِ التَّفسيرِ، مما يدلُّ على ذلك أنهم في نقلِ الأقوالِ في تفسيرِ الآيةِ يجعلونَ أهلَ التَّفسيرِ صنفًا مقابلًا لأهل اللُّغةِ، فيقولون: قالَ أهلُ التَّفسيرِ ..، وقالَ أهلُ اللُّغةِ (٢) ...، أو ينصونَ على أقوالِ بعضِ اللُّغويِّين.\nولقد أشارَ بعضهم على أنَّ أهلِ التَّفسِير لا يؤخذُ بتفسيراتهم اللُّغويِّةِ في ثبوتِ معنى اللفظِ في اللُّغةِ، بلْ يقْبَلُونَه منهم على أنَّه تفسيرٌ، وليسَ على أنَّه من اللُّغةِ.\nومنْ ذلكَ ما وَرَدَ عن ثعلب (ت:٢٩١): «قال أبو عَمْرٍو (٣): سمعتُ أبا موسى الحَامِضَ (٤) يسألُ أبا العباسِ عن قولِه: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١]؛ أي: حاضت، وقالَ: إنه قدْ جاءَ في التَّفسيرِ.\n_________\n(١) حواشي ابن بري وابن ظفر على درة الغواص في أوهام الخواص، تحقيق: د. أحمد طه حسانين سلطان (ص:١٢٦ - ١٢٧). وقد نُقِلَ قوله باختصارٍ في لسان العرب، مادة (رأى)، وقد ذهب البطليوسي إلى ما ذكره ابن بري. ينظر له: الاقتضاب شرح أدب الكتاب (٢:١٤٩)، وينظر شرح درة الغواص، للشهاب الخفاجي (ص:١٤٢).\n(٢) ينظر - على سبيل المثال ـ: معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (٣:٤٠٤، ٤٢٣)، (٤:٥٢، ٦٢، ٦٧، ١٠٣)، (٥:٣٢٠، ٣٣٠، ٣٣٣)، وتهذيب اللغة (٨:٤٣٢)، (١٤:٢٤٣، ٢٥٦).\n(٣) كذا ورد في تهذيب اللغةِ وفي لسان العربِ، مادة (ضحك). ولم أعرف من هو، ويحتمل أنه تصحَّف عن «أبي عمر»، وهو أبو عمر الزاهد، المعروف بغلام ثعلب، وقد أخذ عنهما كما في ترجمة ثعلب في إنباه الرواة (١:١٧٤)، وفي ترجمة أبي موسى الحامض في إنباه (٢:٢١). ثم طبع كتاب ياقوتة الصراظ لأبي عمر الزاهد (ص:٢٦٦ - ٢٦٩)، وفيه هذا النقل، وبه ظهر لي أنه أبو عمر، وأن ما في تهذيب اللغة المطبوع تصحيف، وتحقيق تهذيب اللغة فيه تصحيف كثير.\n(٤) سليمان بن محمد بن أحمد، أبو موسى النحوي، المعروف بالحامض، أخذ عن","vol":"1","page":576},{"text":"فقالَ: ليس في كلامِ العربِ، والتَّفسيرُ مُسَلَّمٌ لأهلِ التَّفسيرِ.\nفقالَ لهُ: فأنتَ أنشدْتَنَا (١):\nتَضْحَكُ الضَّبْعُ لِقَتْلَى هُذَيْلٍ ... وتَرَى الذِّئْبَ بِهَا يَسْتَهِلّ\nفقالَ أبو العباسِ: تَضْحَكُ هاهنا: تَكْشِرُ، وذلك أنَّ الذِّئبَ يُنَازِعُهَا على القَتِيلِ، فتَكْشِرُ في وَجْهِهِ وَعِيدًا، فيتركُها مع لَحْمِ القَتِيلِ وَيَمُرُّ» (٢).\nوقد ورد تفسيرُ لفظِ: «ضحكت» بمعنى: حَاضَتْ عن ثلاثةٍ من مفسري السَّلفِ، وهم: عبد الله بن عباس (ت:٦٨) (٣)، ومجاهد بنُ جبرٍ (ت:١٠٤) (٤)، وعكرمة (ت:١٠٥) (٥).\n_________\n= ثعلب وغيره، وكان ديِّنًا صالحًا، خلط النَّحوَين، وكان يتعصَّبُ على البصريين، له كتاب في النحو، توفي سنة (٣٠٥). ينظر: طبقات النحويين واللغويين (ص:١٥٢ - ١٥٣)، وإنباه الرواة (٢:٢١ - ٢٢).\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) تهذيب اللغة (٤:٨٩ - ٩٠).\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد محمد الطيب (٦:٢٠٥٥).\n(٤) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٥:٣٩٢). والرواية عنه فيها عمرو بن الأزهر العتكي، وهو كذاب يضع الحديث، ينظر حاشية شاكر لهذا الأثر.\n(٥) تفسير عبد الرزاق (١:٢٦٧)، والدر المنثور (٤:٤٥٢) عن أبي الشيخ، وذكر فيه عكرمة شاهدًا، وهو قول الشاعر:\nإنِّي لآتِي العُرْسَ عِنْدَ طُهُورِها ... وَأهْجُرُها يَومًا إذَا هِيَ تَضْحَكُ\nوقد ورد عن بعض البصريين أنَّ بعض أهل الحجاز أخبره عن بعضهم: أنَّ العرب تقول: ضحكت المرأة: حاضت، ذكره الطبري. ينظر: تحقيق: شاكر (١٥:٣٩٢ - ٣٩٣)، وذكر له شواهد شعرية.\nوفي العين (٣:٥٨)، فقال: «وقوله: ﴿فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا﴾ [هود: ٧١]، يعني: طمثت».\nوذكره ابن قتيبة في غريب القرآن (ص:٢٠٥)، ولم يعترض عليه.\nوقال ابن دريد في جمهرة اللغة (١:٥٤٦): «ذكر المفسرون أنها حاضت، والله أعلم.\nقال أبو بكر: ليس في كلامهم ضحكت بمعنى: حاضت إلاَّ في هذا».","vol":"1","page":577},{"text":"فهؤلاء هم الذين وردَ عنهم التَّفسيرُ، وهم صحابيٌّ وتابعيان، ومعَ ذلكَ لم يقبلْ ثَعْلَبٌ (ت:٢٩١) قولَهم في اللُّغةِ، وقال: «ليس في كلامِ العربِ، والتَّفسيرُ مُسَلَّمٌ لأهلِ التَّفسيرِ».\nفإن لم يكن هذا التفسيرُ من لغةِ العربِ، فمن أين جاء به هؤلاءِ المفسِّرون.\nإنَّ عبارةَ ثعلبٍ (ت:٢٩١) هذه = تُشْعِرُ بأنَّ قولَ أهلِ التَّفسيرِ حجةٌ على أهلِ التَّفسيرِ لا غيرَ، أمَّا اللُّغويونَ فلا، وهذا فيه نَظَرٌ، وإنَّما صدرَ منه مثل هذا لِعَدَمِ اعتبارِه بما جاءَ عنِ السَّلفِ في نَقْلِ اللُّغةِ.\nوأصرحُ منه في ردَّ ما جاء عن السلفِ، ابنُ دَرَسْتَوَيه (ت:٣٤٧) (١)، حيث قال: «وأما قولُه (٢): أَخْنَسْتُ عنِ الرَّجُلِ حَقَّهُ، فإنما جاء على أَفْعَل، بألف، لِنَقلكَ الفِعْلَ إليك من الحق وتصييرك الحق مفعولًا، وكان في الأصل فاعلًا، ألا ترى أنكَ تقولُ: خَنَسَ عنه حَقُّهُ: إذا تأخَّر. ثم تقول: أَخْنَسْتُ أنا الحَقَّ عنه؛ أي: جعلتُه متأخرًا، وهذا مُطَّرِدٌّ في بابه.\nولا معنى لقولِه: سَتَرْتُهُ عنه، ولو كانَ فيه معنى سَتَرْتُهُ، لقيلَ في كلِّ مستورٍ: أَخْنَسْتُهُ (٣). وإنما هذا تفسيرٌ أُخِذَ عن رواةِ تفسيرِ القرآنِ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ *الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥، ١٦]: أنها الكواكبُ المُسْتَتِرَةُ التي لا تظهرُ. وإنما قيلَ لها: الخُنَّسُ؛ لقصورِها في السَّيرِ\n_________\n(١) عبد الله بن جعفر بن درستويه، أبو محمد النحوي، أخذ عن المبرد وابن قتيبة وغيرهما، وكان شديد الانتصار للبصريين، له كتاب التوسط بين الأخفش وثعلب في تفسير القرآن، وغيره من التصانيف الجياد، توفي سنة (٣٤٧). ينظر: طبقات النحويين واللغويين (ص:١١٦)، وإنباه الرواة (٢:١١٣ - ١١٤).\n(٢) يعني صاحب الفصيح.\n(٣) هذا الردُّ غيرُ لازمٍ؛ لأنَّ بعضَ الدلالات يكونُ خاصًّا بلفظٍ دون غيرِه، وهو ما يُعرفُ بالفروقِ اللغويةِ، فمثلًا: ليس كل جلوسٍ قعودًا، بل هذا يخصُّ حالةً، وذاك يخصُّ أخرى.","vol":"1","page":578},{"text":"عن المنازلِ، لا لانْسِتَارِهَا، وإنْ كانتْ مُنْسَتِرَةً» (١).\nوهذا المعنى الذي ذَكَرَ أنَّهُ أخذَهُ عن أهلِ التَّفسيرِ، كانَ من الواجبِ أنْ يقبلَه، ولكنَّهُ اعترضَ عليه، وجعلَه تفسيرًا، وكأنَّه يشيرُ إلى أنَّه لا يؤخذُ منه لغةٌ، وهذا غير صحيحٍ، بلْ إنْ كانَ واردًا عن السَّلفِ، فالأصلُ قبولُه.\nوقد جرَّ هذا التَّعاملُ إلى أن يطلقُوا على ما وردَ عن السَّلفِ مصطلحَ التَّفسيرِ؛ كأهلِ التَّفسيرِ، وجاء في التَّفسيرِ، وقال المفسرونُ، وكلُّ هذا يُشعرُ بتميُّزِهم عنهم، وأنَّهم ليسوا ممن يؤخذُ عنهم اللُّغةُ.\nوقدْ تتبَّعتُ مصطلحَي «التفسير والمفسرين» - عدا من ينصُّون عليه منْ المفسِّرينَ - في معانِي القرآنِ، للفرَّاءِ (ت:٢٠٧) (٢)، وغريبِ القرآن، لابن قتيبةَ (ت:٢٧٦) (٣)، ومعاني القرآنِ وإعرابِه، للزجَّاجِ (ت:٣١١) (٤)، وغريبِ القرآنِ، لابن عُزَيز (ت:٣٣٠) (٥)، وتهذيبِ اللُّغةِ، للأزهري (ت:٣٧٠) (٦)، فوجدتُ أنَّهم\n_________\n(١) تصحيح الفصيح، لابن درستويه، تحقيق: عبد الله الجبوري (١:٢٧٠).\n(٢) على سبيل المثال: بلغت في المجلد الأول أكثر من خمسين موضعًا، منها: (٣٦، ٣٧، ٤٠، ٧٥، ٧٧، ٨٩، ٩٢، ٩٤، ١١٨، ١٢٢، ١٧٢، ٢٠٥، ٢١٨، ٢٢٤، ٢٢٤، ٣٩٠، ٣٩٣، ٤٧٦) وغيرها.\n(٣) بلغت عنده قرابة ثلاثين موضعًا، منها: (ص:٤٣، ٦١، ١٠٤، ١٦٦، ٢٠٧، ٢٦٦، ٣١٠، ٣٣٢، ٣٦٠، ٤٠٩، ٤٣١، ٤٩٨)، وغيرها.\n(٤) بلغت - مثلًا - في الجزء الرابع مائة وستين موضعًا، منها: (١٤، ١٩، ٢٩، ٣٩، ٤٥، ٦٦، ٧٤، ٧٦، ٧٧، ٨٣، ٩٠، ٩١، ١٥٣، ٢٠٩، ٣٢٠، ٣٣٥، ٣٨٤، ٤١٨، ٤٢٧، ٤٣٣، ٤٣٩، ٤٤٠، ٤٤٧)، وغيرها.\n(٥) بلغت المواضع عنده أكثر من عشرين موضعًا، منها: (ص:٩٧، ١٠٦، ١١٠، ١٢٠، ١٥١، ١٧٥، ٢١٩، ١٤٥، ٢٠٧، ٢٦٠)، وغيرها.\n(٦) بلغت - مثلًا - من الجزء (٤ - ٧) أكثر من أربعين موضعًا، منها: (٤:٣، ٨١، ١١٢، ١١٨)، (٥:١٦، ٢٢، ٤٧)، (٦:٢٦، ٧٥، ٩٢)، (٧:٢٨، ٢٤٧، ٣٤١، ٥٤١)، وغيرها.\nويلاحظ أن الأزهري قد ينقل عن غيره هذه العبارة، ولذا يكثر عنه نقلها عن الفراء والزجاج؛ لإكثاره النقل عنهما، ومن نقوله لهذه العبارة عن غيرهما. =","vol":"1","page":579},{"text":"يطلقونَها - في الغالب - على ما لا يؤخذُ من طريقِ اللُّغةِ في علمِ التَّفسيرِ؛ كسببِ نُزُولٍ، أو قِصَّةِ آيةٍ، أو تفسيرٍ نَبَويٍّ، أو تعيينِ منْ نزلَ بشأنِهِ الخطابُ، أو غيرِ ذلكَ مما ليسَتِ اللُّغةُ طريقَهُ.\nوربَّما قابلوا أهلَ التَّفسيرِ بأهلِ اللُّغةِ؛ كقولهم: وهذا قولُ أهلِ التَّفسيرِ وأهلِ اللُّغةِ، أو غيرها من العباراتِ (١). وهذا يُشعِرُ بتميُّزِ أصحابِ كلِّ علمِ بعلمِهِم، وأنَّ أهلَ التَّفسيرِ لا علاقَةَ لهم بعلمِ اللُّغةِ.\nومنَ الأمثلةِ التي تدلُّ على أنَّ غالبَ ما ينقلونَه عنِ المفسِّرينَ مما لا يؤخذُ عنِ طريقِ اللُّغةِ:\n١ - في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]، قال الفرَّاءُ (ت:٢٠٧): «يقولُ: إلاَّ ما دمتَ له متقاضيًا، والتَّفسيرُ في ذلكَ: أنَّ أهلَ الكتابِ كانوا إذا بايعهم أهلُ الإسلامِ أدَّى بعضُهم الأمانةَ، وقالَ بعضُهم: ليسَ للأُمِّيِّينَ - وهمُ العربُ - حُرمةٌ كحرمةِ أهلِ ديننا، فأخبرَ اللهُ ﵎ أنَّ فيهم أمانةً وخيانةً، فقال ﵎: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [آل عمران: ٧٥] في استحلالِهم الذَّهابَ بحقوقِ المسلمينَ» (٢).\nذكرَ الفراء (ت:٢٠٧) في هذا الموضع معنى الجملةِ من حيثُ اللغة، ثمَّ ذكر قصةَ الآيةِ، وجعلَها من التَّفسيرِ؛ لأنَّه لا يتأتَّى أخذُها إلاَّ منْ طريقِ الرِّوايةِ.\n_________\n= ينظر: عن الليث (٧:٣٨٨)، (٩:٢٢٨)، (١٠:٦٥٥).\nوعن أبي حاتم (٩:٢٠).\nوعن أبي بكر ابن الأنباري (١٠:٣٦٤)، (١٣:٦٩).\nوعن اللحياني (١٥:١٤٦).\n(١) ينظر مثلًا: معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (٥:٥٢، ٦٢، ٦٧، ١٠٢، ٢٠١). وتهذيب اللغة (١:٩٢، ٩٩)، (٢:١٤٥، ٢٩١)، (١٤:٢٢٧، ١٤٣، ٢٥٦).\n(٢) معاني القرآن، للفراء (١:٢٢٤).","vol":"1","page":580},{"text":"٢ - في قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]، قال ابنُ قتيبة (ت:٢٧٦): «والحجارةُ، قالَ المفسِّرونَ: حجارةُ الكبريتِ» (١).\nوتخصيصُ الحجارةِ بحجارةِ الكبريتِ، لا يمكنُ أخذه من طريقِ اللُّغةِ، ولكن يؤخذُ منْ طريقِ الرِّوايةِ عنِ المفسرينَ.\n٣ - في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، قالَ الزَّجَّاجُ (ت:٣١١): «المعنى: الذين يأكلونَ الرِّبَا لا يقومونَ في الآخرةِ إلا كما يقومُ المجنونُ منْ حالِ جنونِه. زعمَ أهلُ التَّفسيرِ أنَّ ذلكَ عَلَمٌ لهم في الموقفِ، يعرفُهم به أهلُ الموقفِ، يُعْلَمُ به أنهم أكَلَةُ الرِّبا في الدنيا» (٢).\nفذكر المعنى الذي يتأتى من طريقِ اللغةِ، ثمَّ نسبَ إلى أهلِ التَّفسيرِ ما لا يتأتَّى منْ طريقِ الرِّوايةِ، لا منْ طريقِها، مع أنَّه وردَ عنهم تفسيرُ المَسَّ بالجنونِ (٣).\n٤ - في قوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، قال ابنُ عُزَيْزٍ السجستاني (ت:٣٣٠): «مِنَ القائلةِ، وهي الاستكنانُ في وقتِ نصفِ النَّهارِ.\nوجاءَ في التَّفسيرِ أنَّه لا ينتصفُ النَّهارُ يومَ القيامةِ حتى يستقرَّ أهلُ الجنَّةِ في الجنَّةِ، وأهلُ النَّارِ في النَّارِ (٤)، فَتَحِينُ القائلةُ وقدْ فُرِغَ مِنَ الأمرِ، فيقيلُ أهلُ الجنَّةِ في الجنَّةِ، وأهلُ النَّارِ في النَّارِ» (٥).\nوما ذكرَه ابنُ عُزَيزٍ السجستاني (ت:٣٣٠) هنا لا يمكنُ أنْ يُدركْ منْ طريقِ اللُّغةِ، بلْ طريقُهُ الروايةُ، وهي التي فسَّرَ بها أهلُ التَّفسيرِ.\n_________\n(١) غريب القرآن (ص:٤٣).\n(٢) معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (١:٣٥٨).\n(٣) ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٦:٨ - ١٠).\n(٤) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٩:٥)، وتفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد محمد الطيب (٨:٢٦٨٠ - ٢٦٨١).\n(٥) غريب القرآن (ص:١١٠).","vol":"1","page":581},{"text":"وإذا تأمَّلتَ هذه المسألةَ، فإنَّه سَيَبِينُ لك - إن شاء اللهُ - ما يأتي:\n١ - أنَّ بحث المفسِّرينَ في التَّفسيرِ كانَ أوسعَ من بحثِ اللُّغويينَ، فالمفسِّرونَ كانوا يفسِّرونَ بما لديهم من لغةِ العربِ، والحديثِ النَّبويِّ، وأسبابِ النزُّولِ، وقصصِ وأحوالِ من نزلَ فيهم الخطابُ منَ العربِ المشركينَ واليهودِ والنَّصارى، وغيرِها مما لا يُدركُ باللُّغة.\nأمَّا اللُّغويُّونَ فكانَ جانبُ البحثِ النَّحويِّ واللُّغويِّ يَطغَى على كتبِهم الّتي أَلَّفُوهَا في غريبِ القرآنِ ومعانيه، ولذا ساروا بها على المنهجِ اللُّغويِّ في البحثِ، وصاروا يستدلونَ بقولِ شاعرٍ أو غيرِه ممن سبقَ عَصْرَ السَّلفِ أو أدركَهم، ولا ينظرونَ إلى تفسيراتِ هؤلاءِ السَّلفِ - الذين هم في عصرِ من يحتجونَ بشعرِه وقولِه - على أنها مرجعٌ من مراجعِ اللُّغويِّينَ، لذا قلَّ أن تجدَ تفسيراتِهم في كُتُبِ اللُّغويِّينَ في البحثِ القرآنيِّ أو اللُّغويِّ.\nولقدَ عَمَدْتُ إلى كتابِ لسانِ العربِ (١) لأستجليَ صِحَّةَ هذه المسألةِ، وجردتُ ما فيه من رواياتٍ تفسيريَّةٍ لمفسِّرينَ ولُغويِّينَ لهم أقوالٌ كثيرةٌ في التفسيرِ، وهم: ابن عباسٍ (ت: ٦٨)، ومجاهدُ بن جبرٍ (ت:١٠٤)، والفراء (ت:٢٠٧)، والزَّجاجُ (ت:٣١١).\nوبعدَ جردِ تفسيراتِهم ظهر لي جليًّا قلَّةُ اعتمادِ اللغويينَ على تفسيرِ السلفِ في كتبهم اللغويةِ، وكانتِ النَّتيجةُ كالآتي:\n* لم يتجاوزِ التَّفسيرُ المنقولُ عن ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) أكثرَ من مائةٍ وأربعينَ موضعًا (٢).\n_________\n(١) اخترتُ هذا الكتابَ اللغويَّ لأنَّه من أكبرِ كتبِ اللغةِ التي حوت مفرداتٍ كثيرةً، وقد اعتمد ابن منظور في كتابه هذا على خمسةِ كتبٍ، نقل ما فيها، وهي: تهذيبُ اللغةِ للأزهري، والمحكم والمحيطُ الأعظم لابن سيده الأندلسي، والصحاح للجوهري، وحواشي الصحاح، لابن برِّي، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير الجزري، وهو بهذا يُعدُّ موسوعةً ضخمةً في مفرداتِ هذه اللغةِ الشريفةِ.\n(٢) ينظر - على سبيل المثالِ - الموادَّ الآتيةَ: (رفث، روح، سكر، صهر، طهر، عصر، =","vol":"1","page":582},{"text":"* لم يتجاوز التفسيرُ المنقولُ عن مجاهدٍ (ت:١٠٤) السبعينَ نقلًا (١).\n* أمَّا الفرَّاءُ (ت:٢٠٧)، والزَّجَّاج (ت:٣١١)، فقد تجاوزَ النَّقلُ عن كلِّ واحدٍ منهما السِّتمائة موضعٍ، وقد كان النَّقل عنهما من كتابيهما في معاني القرآن، وكان بواسطةِ كتابِ تهذيبِ اللغةِ، وقد سبقَ بيانُ نسبةِ تفسيرَيهما في كتاب تهذيبِ اللغةِ.\n٢ - أنَّ قَصْرَ الاستفادةِ مِنْ تفسيرِ السَّلفِ على ما لا يُدْرَكُ باللُّغةِ فيه قُصُورٌ في البَحثِ، وكأنه يُوحِي باقتدارِ اللُّغويِّ على معرفةِ عربيَّةِ القرآنِ دونَ الرُّجوعِ إلى تفسيراتِهم. ولقدْ كانَ هذا من أسبابِ وجودِ بعضِ الأقوالِ الشَّاذَّةِ في تفسيرِ اللُّغويِّين؛ لأنها تعتني بمصدرٍ واحدٍ دونَ غيرِه مِن مصادرِ التَّفسيرِ.\n٣ - لقدْ أفرزَ عدمُ وضوحِ هذه القضيَّةِ عندَ اللُّغويِّينَ ردَّهم بعضَ أقوالِ السلفِ، وكأنَّهم غفلوا عن أنَّ هؤلاءِ مِمَّنْ تُؤْخَذُ منهم اللُّغةُ، وبالأخصِّ مفسروا الصَّحابةِ، كابنِ مسعودٍ (ت:٣٥) وابنِ عباسٍ (ت:٦٨)، وكبارِ مفسري التَّابعينَ.\nويلحقُ هذا الاعتراضُ على هؤلاء اللغويينَ كلَّ من فسَّرَ القرآنَ بعدهم ممن يعترضُ على أقوالِ السَّلفِ، ولا يجعلُها حجَّةً في اللُّغةِ، ومن أمثلة ذلك ما وقعت فيه بنتُ الشاطئ (د. عائشةُ بنتُ عبد الرحمن) من ردِّ تفسيرهم في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ٢]، قالت: «... كما نستبعدُ أن يكون حلٌّ بمعنى إحلالِ اللهِ لرسوله هذا البلدَ، يفعلُ به بعد الفتحِ ما شاء؛ لظهورِ تكلُّفِه، فضلًا عن كونِ الصِّيغةِ لا تقبلُ لغويًّا أن يكونَ الإحلالُ من حلَّ، وليسَ الاشتقاق.\n_________\n= نشط، شرع، شغف، رتق، غسق، حبك، جمل، رتل، ظلم، هيم، حصن، قطن، لعن)، وغيرها.\n(١) ينظر - على سبيل المثال - الموادَّ الآتيةَ: (أب، ودَّ، ضغثَ، طلح، حفد، ثبر، ثمر، دسر، كور، أزَّ، سجن)، وغيرها.","vol":"1","page":583},{"text":"وتفسيرُ الحلِّ بالإقامة هو المعنى المتبادر ...» (١).\nوهذا المعنى الذي استبعَدَتْه، لم يذكرِ الطبريُّ (ت:٣١٠) غيرَه عن السلفِ، مع اختلافِ عباراتِهم عنه، وقد ورد هذا التفسيرُ عن ابن عباس (ت:٦٨)، ومجاهد (ت:١٠٤)، والضحاك (ت:١٠٥)، وعطاء (ت:١١٤)، وقتادة (ت:١١٧)، وابن زيد (ت:١٨٢) (٢).\nوزاد ابن كثيرٍ (ت:٧٧٤) ذِكرَ الروايةِ عن سعيد بن جبيرٍ (ت:٩٥)، وعكرمة (ت:١٠٥)، والحسن البصري (ت:١١٠)، وعطية (ت:١١١)، والسُّدِّيِّ (ت:١٢٨)، وأبي صالح (٣).\nوتفسيرُهم بهذا المعنى يجعلُ من معاني العبارةِ ما ذكرُوه، وكونها تحتملُ معنًى آخرَ، لا يعني ضعفَ الواردِ عنهم، ولا الاعتراض عليه، وسيأتي ضوابطُ بيانِ قبولِ المحتملاتِ الواردةَ عن غيرِ السَّلفِ، والله الموفِّقُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>تطبيقُ طريقةِ التَّعاملِ مع أقوالِ السَّلف التَّفسيريَّة:</span>\nحينما يناقشُ أحَدٌ أقوالَ المفسِّرينَ في آيةٍ ما، فعليه ألاَّ يتعجَّلَ في رَدِّ ما يَرِدُ عنِ السَّلفِ في معنى لفظٍ من الألفاظِ بسببِ اعتراضِ لغويٍّ عليه، بلْ لاَ بُدَّ مِنَ التَّثَبُّتِ، ومن معرفةِ وِجْهَةِ قولِ السَّلفِ قبلَ الحكمِ عليه، ومما يُعلمُ أنَّ المثبتَ مُقَدَّمٌ على النَّافِي، وسأطرحُ هاهنا مثالًا لهذه المسألةِ في قولِه تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢]، وأسألُ اللهَ التوفيقَ.\nوردَ في معنى الحَفَدَةِ أقوالٌ، وهي:\n_________\n(١) التفسير البياني للقرآن الكريم (١:١٧٣).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:١٩٤ - ١٩٥).\n(٣) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، تحقيق: السلامة (٨:٤٠٢)، وينظر: الدر المنثور (٨:٥١٦ - ٥١٩).","vol":"1","page":584},{"text":"١ - الحَفَدَةُ: أعوانُ الرَّجلِ وخَدَمُهُ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) (١)، ومجاهدٍ (ت:١٠٤) (٢)، وعكرمةَ (ت:١٠٥) (٣)، وطاووس (ت:١٠٦) (٤)، والحسنِ (ت:١١٠) (٥)، وقتادةَ (ت:١١٧)، وأبي مالكٍ غزوانَ الغفاريِّ (٦)، ومالكِ بنِ أنسٍ (ت:١٧٩) (٧).\nوقال النَّضْرُ بنُ شُمَيلٍ (ت:٢٠٤): «مَنْ قَالَ: الحَفَدَةُ: الأعوانُ، فهو أتبعُ لكلامِ العربِ مِمَّنْ قالَ: الأصهارُ» (٨).\nوقالَ ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «ويقال في قولِه تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢]: إنهم الأعوانُ، وهو الصَّحِيحٌ» (٩).\n٢ - الأختانُ، وهو قولُ ابنِ مسعود (ت:٣٥) منْ طريقِ زِرٍّ بنِ حُبَيشٍ (ت:٨٣) (١٠)،\n_________\n(١) رواه الطبري من طريق أبي حمزة (عمران بن أبي عطاء المعروف بالقصاب)، ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٤٤).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٤٥)، ومعاني القرآن، للنحاس (٤:٨٩).\n(٣) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٤٥)، ومعاني القرآن، للنحاس (٤:٨٩).\n(٤) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٤٤ - ١٤٥).\n(٥) تفسير عبد الرزاق، تحقيق: قلعجي (١:٣١٠)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٤٥، ١٤٦)، ومعاني القرآن، للنحاس (٤:٨٩).\n(٦) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٤٥).\n(٧) القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، لابن العربي، تحقيق: محمد عبد الله ولد كريم (٣:١٠٧٢)، والبيان والتحصيل، لابن رشد (١٧:٣٤٤).\n(٨) تهذيب اللغة (٤:٤٢٧).\n(٩) مقاييس اللغة (٢:٨٤).\n(١٠) وتفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٤٣ - ١٤٤)، وفي (ص:١٤٤) وردت رواية عن عاصم عن ورقاء، وفي هذه الرواية إشكالٌ؛ لأن عاصمًا توفي سنة (١٢٧)، وورقاء بن عمر اليشكري الكوفي توفي سنة نيف وستين ومائة، وهو يروي عن ابن أبي نجيح وأبي إسحاق السبيعي والأعمش وطبقتهم، فلا يمكن أن يكون عاصم يروي عنه، ولا أن يكون أيضًا ممن لقي ابن مسعود المتوفى سنة خمس وثلاثين، ولعل الرواية عن زرٍّ، لا عن ورقاء كما في جميع الروايات المذكورة عنه عن ابن =","vol":"1","page":585},{"text":"وقولُ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) منْ طريقِ عكرمةَ (ت:١٠٥) (١)، وسعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:٩٥) (٢)، وإبراهيمَ النَّخَعِيِّ (ت:٩٦) (٣)، وأبي الضُّحَى (ت:١٠٠) (٤)، والفَرَّاءِ (ت:٢٠٧) (٥).\nوفي روايةٍ عنِ ابنِ مسعودٍ (ت:٣٥) أنه قالَ: همُ الأصهارُ، فعنِ زِرِّ بنِ حُبَيشٍ (ت:٨٣) (٦)، قالَ: «قالَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: أتدري ما الحفدة يا زِرُّ؟\nقالَ: قلتُ: نعم، هم حُفَّادُ الرَّجلِ منْ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ.\nقالَ: لا، هم أصْهَارُ الرَّجُلِ» (٧).\nوكذا في روايةِ علي بن أبي طلحةَ (ت:١٤٣) عنِ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨)، قال: «الأصهار» (٨).\n_________\n= مسعود، إذ الراوي عنه وعن ورقاء في هذه الأسانيد عاصم بن بهدلة، والله أعلم. ينظر في ترجمة ورقاء: تهذيب الكمال (٧:٤٥٤ - ٤٥٥)، وتقريب التهذيب (ص:١٠٣٦).\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٤٤).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٤٤).\n(٣) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٤٤).\n(٤) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٤٤).\nوأبو الضحى: مسلم بن صُبيح الهمداني، الكوفي، ثقة فاضلٌ، روى عن ابن عباس وابن عمر، وعنه: عطاء بن السائب ومنصور بن المعتمر وغيرهما، توفي سنة (١٠٠). ينظر: تهذيب الكمال (٧:١٠٠ - ١٠١)، وتقريب التهذيب (ص:٩٣٩).\n(٥) معاني القرآن (٢:١١٠).\n(٦) زِرُّ بنُ حُبيش الكوفي، ثقة جليل مخضرم، روى عن عمر وعثمان وعليٍّ وابن مسعود وغيرهم، وعنه: النخعي وعاصم بن بهدلة، وغيرهما، كان من أعرب الناس، وكان ابن مسعود يسأله عن العربية، توفي سنة (٨٣)، وقيل غيرها. ينظر: تهذيب الكمال (٣:٢٠ - ٢١)، وغاية النهاية (١:٢٩٤).\n(٧) تفسير عبد الرزاق (١:٣١٠)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٤٤).\n(٨) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٤٤).","vol":"1","page":586},{"text":"والصِّهْرُ: الخَتَنُ (١). وقيلَ: أقاربُ الزَّوجِ أحْمَاءٌ، وأَقَارِبُ الزَّوجَةِ أَخْتَانٌ، والصِّهْرُ يجمعُهما، وهو قولُ الأصْمَعِيِّ (ت:٢١٥) (٢)، وقيلَ غيرَ ذلكَ. وكلُّها لا تُخْرِجُ الخَتَنَ عنْ معنى الصِّهْرِ، فإمَّا أنْ يكونا بمعنى واحدٍ، وإما أنْ يكونَ الخَتَنُ جزءً منْ معنى الصِّهْرِ (٣).\nوالمقصودُ: أنَّ التعبيرَ عنِ الحفَدَةِ بأنَّهم الأصهارُ أوِ الأختانُ ليسَ فيه خلافٌ، بلْ هو راجعٌ إلى معنًى واحدٍ (٤)، واللهُ أعلمُ.\n٣ - الحَفَدَةُ: ولدُ الرجلِ وولدُ ولدِهِ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) منْ طريقِ سعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:٩٥) ومجاهدٍ (ت:١٠٤) وعكرمةَ (ت:١٠٥) (٥)، وزِرِّ بنُ حُبَيشٍ (ت: ٨٣) (٦)، والضَّحَّاكِ بنِ مزاحم (ت:١٠٥) (٧)، وعكرمةَ (ت:١٠٥) (٨)، والكلبيِّ (ت:١٤٦) (٩)، وابنِ زيدٍ (ت:١٨٢) (١٠).\n٤ - الحَفَدَةُ: بنو امرأة الرَّجُلِ منْ زَوْجِهَا الأوَّلِ، وهو مَرْوِيٌّ عنِ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) منْ طريقِ عَطِيَّةِ العَوْفِيِّ (ت:١١١) (١١).\nتحليلُ هذه الأقوالِ:\n١ - إنَّ أصلَ الحَفْدِ في اللُّغةِ يرجعُ إلى معنى السُّرْعَةِ والخِفَّةِ في\n_________\n(١) مقاييس اللغة (٣:٣١٥)، ومفردات ألفاظ القرآن، للراغب (ص:٤٩٤)، وتاج العروس، مادة (صهر).\n(٢) تاج العروس، مادة (صهر).\n(٣) تاج العروس، مادة (صهر).\n(٤) ينظر: معاني القرآن، للنحاس (٤:٨٩).\n(٥) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٤٦).\n(٦) تفسير عبد الرزاق (١:٣١٠)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٤٤).\n(٧) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٤٦).\n(٨) معاني القرآن، للنحاس (٤:٨٩).\n(٩) تهذيب اللغة (٤:٤٢٧).\n(١٠) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٤٦).\n(١١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٤٦).","vol":"1","page":587},{"text":"الخدمةِ والعملِ (١)، وإذا نظرتَ إلى هذه الأقوالِ المذكورةِ، وجدتَ أنَّ هذا المعنى يتحقَّقُ فيها، ومنْ ثَمَّ، فإنَّ من فَسَّرَ اللَّفظَ بأنَّهم الأعوانُ، فإنه فَسَّر على الأصلِ اللُّغويِّ لهذه اللَّفظةِ.\n٢ - أنَّ منْ قالَ: هم الأصهارُ أو الأختانُ، فإنَّ قولَهُم منْ حيثُ اللُّغة صحيحٌ، ولا يَصِحُّ الاعتراضُ عليه؛ لأنه:\nأولًا: لَمْ يُخْرِجِ اللَّفظةَ عن مدلولِها الأصليِّ، وهو الخدمةُ.\nثانيًا: أنَّه واردٌ عن من قولُه حُجَّةٌ في اللُّغةِ، وأَخَصُّهُمْ في ذلكَ الصَّحابيَّانِ: ابنُ مسعودٍ: (ت:٣٥)، وابنُ عباسٍ (ت:٦٨).\nولذا فإنَّ الأقوالَ التي تعتمدُ في تفسيرِها على أنَّ اللُّغةَ تدلُّ على معنى الخدمِ والأعوانِ دون غيرهما فيها قصورٌ في النَّظرِ اللُّغويِّ بسببِ إهمالِها تفسيرَ العربِ الذينَ نزلَ القرآن بلغتهم، ومن أولئك الذين اعتمدوا معنى الخدم والأعوان:\nالنَّضْرُ بنِ شُمَيْلٍ (ت:٢٠٤)، حيثُ قالَ: «منْ قالَ: الحَفَدَةُ: الأعوانُ، فهو أتبعُ لكلامِ العربِ ممنْ قال: الأصهارُ» (٢).\nوأبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سلامٍ (ت:٢٢٤) الذي قال: «وعن عبدِ اللهِ: أنهم الأصهارُ، وأما المعروفُ من كلامِهم، فإنَّ الحَفْدَ هو الخدمةُ» (٣).\nوابنُ العربيِّ المالكيِّ (ت:٥٤٣)، حيث قالَ - محتجًًّا لقولِ مالكِ بن أنس (ت:١٧٩) ـ: «... وقالَ الخليلُ بنُ أحمدَ: إنَّ الحَفَدَةَ عندَ العربِ الخدمُ (٤). وكفى\n_________\n(١) ينظر: العين (٣:١٨٥)، وتهذيب اللغة (٤:٤٢٧)، ومقاييس اللغة (٢:٨٤)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٤٧).\n(٢) تهذيب اللغة (٤:٤٢٧).\n(٣) غريب الحديث، تحقيق: حسين محمد شرف (٤:٢٦٦).\n(٤) في كتاب العين (٣:١٨٥): «وقول الله ﷿: بنين وحفدة، يعني: البنات، وهنَّ خدم =","vol":"1","page":588},{"text":"بمالكٍ فَصَاحَةً - وهو محضُ العرب - في قولِه، وبقولِ الخليلِ، وهو ثقةٌ في نقلِه عن العربِ، فخرجتْ خدمةُ الولدِ والزوجةِ من القرآن بأبدعِ بيانٍ» (١).\nوالقصورُ في هذا واضحٌ من جهتين:\nالأولى: أنَّ الذي وردَ عنه غيرُ معنى الخدمِ والأعوانِ من العربِ، وهو أعرقُ عربيةً من مالك (ت:١٧٩) الذي احتجَّ ابنُ العربيِّ (ت:٥٤٣)، بعربيَّتِهِ.\nالثانية: أنَّ ما قاله من فسَّر بغيرِ معنى الخدمِ والأعوانِ لا يَخْرُجُ عن معنى الخدمةِ، وما وردَ عن الصَّحابي ابن مسعود (ت:٣٥) يتَّضحُ فيه أنَّه خَصَّ المعنى بأحدِ مَنْ تَتَحقَّقُ فيه الخدمةُ، وهم الأصهار، كما في رواية زِرِّ بن حُبيشٍ (ت:٨٣) عنه.\nوقولُه بأنَّ الحَفَدَةَ: الأصهارُ = حُجَّةٌ، غيرَ أنَّ تخصيصَه لهذا اللَّفظِ بهذا المعنى غيرُ ذلك؛ لأنه قد وردَ عنْ غيرِه ممنْ يُحْتَجُّ به في اللُّغةِ والتَّفسير عدمَ تخصِيصِهِ بهذا المعنى، ولا يكونُ تخصيصُه في هذا الحالِ حُجَّةً.\nولو كانتْ عبارةُ هؤلاء العلماءِ أنَّ منْ قالَ: الأعوان، فإنَّ قولَه أشهرُ في لغةِ العربِ، لكانَ، ولكنْ يُلْمَحُ في عبارتِهم إنكار المعنى الذي وردَ عن عبد الله بنِ مسعودٍ (ت:٣٥) وغيرِه، وهذا غيرُ سديدٍ، واللهُ أعلم.\n٣ - أنَّ اللهَ سبحانَه جعلَ مِنَ الزَّوجَاتِ صِنْفَينِ: البنينَ والحَفَدَةَ. ولفظ البنينِ يشملُ الذُّكورَ والإناثَ، ويكونُ وُرُودُ الآية بلفظِ البنينِ على سبيلِ التَّغليبِ للذُّكورِ، واللهُ أعلمُ.\nوعلى هذا، فالحَفَدَةُ منَ الزَّوجةِ، والذي يكونُ منْ طريقِ الزَّوجةِ: أولادُ الأولادِ، والأصهارُ أو الأختانُ، وأولادُ المرأةِ منْ زوجِهَا الأوَّلِ.\n_________\n= الأبوين في البيت، ويقال: الحفدة: ولد الولد، وعند العرب، الحفدة: الخدم».\nوفي أول هذه المادة قال: «الحَفْدُ: الخِفَّةُ في العملِ والخِدمة».\n(١) أحكام القرآن، لابن العربي، تحقيق: البجاوي (٣:١١٦٣)، وقال في القبس شرح موطأ مالك، تحقيق: محمد بن عبد الله ولد كريم (٣:١٠٧٢): «... وقال آخرون: هم بنو البنين، وقالت طائفة أخرى: هم البنات، والذي قاله مالك أَصحُّ؛ لأنَّ حفد في لغة العربِ موضوعة للخدمة والتحفي بالأمور».","vol":"1","page":589},{"text":"قال ابنُ كثيرٍ (ت:٧٧٤): «فمنْ جعلَ ﴿وَحَفَدَةً﴾ متعلقًا بـ ﴿أَزْوَاجُكُمْ﴾، فلا بدَّ أنْ يكونَ المرادُ الأولادَ، وأولادَ الأولادِ، والأصهارَ؛ لأنَّهم أزواجُ البناتِ، وأولادَ الزَّوجةَ؛ كما قال الشَّعْبِيُّ والضَّحَّاكُ، فإنهم غالبًا يكونونُ تحتَ كَنَفِ الرَّجلِ وفي حِجْرِهِ وفي خِدْمَتِهِ» (١).\nومن ثَمَّ، فإنَّ من فسَّر الحَفَدَةَ: بالخَدَمَ أو غيرِهم منَ الأعوانِ الذينَ لا يكونونَ منْ طريقِ الزَّوجةِ، فإنَّ قولَهم فيه ضَعْفٌ بهذا السَّبَبِ، وقد بيَّن ذلك ابنُ زيدٍ (ت:١٨٢) بقوله: «ليسَ تكونُ العَبِيدُ مِنَ الأزواجِ، كيفَ يكونُ مِنْ زوجي عَبْدٌ؟!» (٢).\nوعلى احتمال دخول الخَدَمِ والأعوانِ في مرادِ الآيةِ، تخريجان:\nالأول: أنْ يحتاجَ إلى تقديرِ فِعْلٍ لقولِه: ﴿وَحَفَدَةً﴾، ويكونُ المعنى: جَعَلَ لكم مِنْ أزواجِكم بنينَ، وجَعَلَ لكم حَفَدَةً، وتكونُ هذه الجملةُ منقطعةً عمَّا قبلها، لكي لا يُعْطَفَ على قولِه: ﴿بَنِينَ﴾، إذْ إنَّ عَطْفَ المفردِ على المفردِ يجعلُهما يشتركانِ في كونِهما منَ الزَّوجةِ، وهذا لا يحتملُه النَّصُّ.\nالثاني: أنْ يُعادَ قولُه تعالى: ﴿بَنِينَ﴾ على ﴿أَزْوَاجِكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَحَفَدَةً﴾ على ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾، وهذا فيه تكلُّفٌ ظاهرٌ.\nوإذا خرج الخدم والأعوان من معنى اللَّفظِ في الآيةِ، فإنَّ مَنْ كانَ مِنْ طريقِ الزَّوجةِ، فهو داخلٌ في المعنى بنصِّ الآية، وبتَحقُّقِ معنى الخدمة فيه.\nولما لم يقمْ دليلٌ على تخصيصِ أحدِ هؤلاءِ دونَ غيرِه، فإنَّ النَّصَّ يشملُ من كان من طريقِ الزَّوجةِ على العموم، لأنهم ممن يشملُهم مَعَنى الحَفَدَةِ، وحمل الآيةِ عليهم لا يخالفُ نظمَ الآيةِ ولا سياقَها، واللهُ أعلمُ.\n٤ - لا يعني هذا التَّرجيحُ في التَّفسيرِ ألاَّ يكونَ من معنى الحَفَدَةِ في اللُّغةِ: الأعوانُ والخدمُ، غيرَ أنَّ نَصَّ الآيةِ لا يَحْتَمِلُ دخولَهم فيها، أمَّا ثبوتُ هذا المعنى لغةً، فلا إشكالَ فيه، واللهُ أعلمُ.\n_________\n(١) ينظر: تفسير ابن كثير، تحقيق: سامي السلامة (٤:٥٨٧).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٤:١٤٦).","vol":"1","page":590},{"text":"ثانيًا إذا ورد أكثر من معنى لغوي صحيح تحتمله الآية بلا تضادٍ، جاز تفسير الآية بها\nاستطرادٌ في تأصيلِ القاعدةِ:\nترجعُ هذه القاعدةُ إلى احتمالِ النَّصِّ القرآنيِّ لأكثرَ من معنى، وهذه المسألةُ ترتبطُ بأصلينِ مهمَّينِ منْ أصولُ التَّفسيرِ، وهما: أسبابُ اختلافِ المفسِّرينَ، وأنواعُ هذا الاختلافِ.\nأمَّا أسبابُ الاختلافِ، فظاهرٌ أنَّ الذي يتعلقُ بهذه الدراسةِ منها ما كانَ بسببِ اللُّغةِ، وما فيها منْ تَعَدُّدِ مَعَانٍ قدْ يحتملُها النَّصُّ.\n\nوأمَّا<span data-type=\"title\" id=toc-189> أنواع الاختلافِ</span>، فيحسنُ بسطُها لتتَّضح علاقةُ الموضوعِ بها، فأقولُ، وبالله التوفيق:\nالتَّفسير: إمَّا أنْ يكونَ مجمعًا عليه، وإمَّا أنْ يكونَ فيه اختلاف.\nوالمجمعُ عليه لا يَرِدُ عليه الاحتمالُ، وإنما يردُ الاحتمالُ في ما يقعُ فيه الاختلافُ.\nوالاختلافُ قسمانِ:\nالأوَّلُ: أنْ ترجعَ الأقوالُ فيه إلى معنًى واحدٍ.\nوالثاني: أنْ ترجعَ الأقوالُ فيه إلى أكثرَ من معنًى.\nوإليكَ تفصيلُ ذلكَ بالأمثلةِ.","vol":"1","page":591},{"text":"القسم الأول: أن ترجع الأقوال فيه إلى معنًى واحدٍ:\nوهذا القسمُ يندرجُ تحته نوعان من الاختلافِ، هي:\nالأوَّل: أنْ يكونَ في اللَّفظِ المُفَسَّرِ عمومٌ، فَيَذْكُرُ مُفَسِّرٌ فَرْدًا منْ أفرادِ العُمُومِ، ويَذْكُرُ غيرُه فردًا آخرَ.\nومثالُ ذلكَ تفسيرُ لفظِ: النَّعيمِ من قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، فقدْ وردَ فيه أقوالٌ، منها:\n١ - الأَمْنُ والصِّحَّةُ، عنِ ابنِ مسعودٍ (ت:٣٥)، والشَّعبيِّ (ت:١٠٣)، ومجاهدٍ (ت:١٠٤)، وسفيانَ الثوريِّ (ت:١٦١).\n٢ - صِحَّةُ الأبدانِ والأسماعِ والأبصارِ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ (ت:٦٨)، والحسنِ البصريِّ (ت:١١٠) (١).\nوإذا تأملتَ هذه التَّفسيراتِ، وجدتَها ذَكَرَتْ فردًا من أفرادِ النَّعيم، لا على سبيلِ قَصْرِ المعنى العامِّ عليه، بلْ للإشارةِ إلى فردٍ منْ أفرادِه فيه، وللدلالةِ به على باقيها.\nومنْ ثَمَّ، فالنَّعيمُ يشملُ كلَّ ما يتنعَّمُ به الإنسانُ من نعمِ الدنيا، قال الطبريُّ (ت:٣١٠): «والصَّوابُ منَ القولِ في ذلكَ أنْ يقالَ: إنَّ اللهَ أخبرَ أنَّه سائلٌ هؤلاءِ القومَ عن النَّعِيمِ، ولم يُخَصِّصْ في خبرِهِ أنَّه سائلُهم عنْ نوعٍ منَ النَّعيمِ دونَ نوعٍ، بلْ عمَّ بالخبرِ في ذلكَ عنِ الجميعِ، فهو سائلُهم - كما قال - عنْ جميعِ النَّعيمِ، لا عنْ بعضٍ دونَ بعضٍ» (٢).\nويلاحظُ في هذا المقامِ أنَّ ما يُعَبِّر به أهلُ التَّفسيرِ منْ عباراتٍ في أسبابِ النُّزولِ، فإنَّها تدخلُ في هذا القِسْمِ؛ أيْ أنَّ ما يحكونَهُ منْ أنَّ هذه الآيةَ نزلتْ في كذا، فإنها أمثلةٌ لمن يشملُهم حُكْمُ الآيةِ، وإنْ تَعَدَّدَتِ الأقوالُ في النُّزولِ، والله أعلم.\nالثاني: أنْ يعبِّرَ المفسِّرونَ عنْ اللَّفظِ المفسَّرِ بألفاظٍ متقاربةٍ، ومثالُ ذلكَ\n_________\n(١) ينظر هذه الأقوال وغيرها في تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٢٨٥ - ٢٨٩).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٢٨٩).","vol":"1","page":592},{"text":"تفسيرُهم لفظَ «لغوب» منْ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، فقدْ وردَ عنهم:\n١ - لغوب: إِزْحافٌ؛ أي: إعياءٌ، عنِ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) من طريق علي بن أبي طلحة (ت:١٤٣).\n٢ - لغوب: نَصَبٌ، عنِ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) من طريقِ عطيةَ العوفيِّ (ت:١١١)، وعنْ مجاهدٍ (ت:١٠٤).\n٣ - لغوب: عناءٌ، عنِ ابنِ زيدٍ (ت:١٨٢) (١).\nوهذه التَّفسيراتُ - مع اختلافِها في العبارةِ - متقاربةُ المعنى، وهي ترجعُ إلى معنًى واحدٍ، وهو التَّعبُ.\nوفي هذا القسمِ - وهو أن ترجع الأقوال فيه إلى معنى واحدٍ - يجوزُ حملُ الآيةِ على ما وردَ فيها منَ التعبيراتِ المفسِّرَةِ لها؛ لأنَّه في النهاية لا اختلافَ في المرادِ، وإن اختَلفَ التَّعبيرُ عنِ اللَّفظِ المفسَّرِ.\nوفي تفسيرِ الطبريِّ (ت:٣١٠) لقولِه تعالى: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] ما يدلُّ على هذا المقالِ، قال: «اختلفَ أهلُ التَّاويلِ في معنى «البِرِّ» الذي كانَ المخاطَبونَ بهذه الآيةِ يأمرونَ النَّاسَ به وينسونَ أنفسهم، بعدَ إجماعِهم على أنَّ كلَّ طاعةٍ للهِ فهي تُسَمَّى برًّا» (٢).\nثمَّ ذَكَرَ الرِّوايةَ عنِ السَّلفِ، فعنِ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨): «أتأمرونَ النَّاسَ بالدُّخولِ في دينِ محمدٍ ﷺ، وغيرِ ذلك مما أُمِرْتُم به من إقامِ الصَّلاةِ، وتنسونَ أنفسَكم».\nوعن قتادةَ (ت:١١٧): «كان بنو إسرائيلَ يأمرونَ النَّاسَ بطاعةِ اللهِ وبتقواه وبِالبِرِّ، ويخالفونَه، فعيَّرَهم اللهُ».\n_________\n(١) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٦:١٧٩).\n(٢) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:٧).","vol":"1","page":593},{"text":"وعنِ السُّدِّيِّ (ت:١٢٨): «كانوا يأمرونَ النَّاسَ بطاعةِ اللهِ وتقواه، وهم يعصونَه».\nوعنِ ابنِ جُرَيجٍ (ت:١٥٠): «أهلُ الكتابِ والمنافقونَ، كانوا يأمرونَ النَّاسَ بالصَّومِ والصَّلاةِ، ويَدَعُونَ العملِ بما يأمرونَ به النَّاس، فعيَّرَهم اللهُ بذلكَ ...».\nوعنِ ابنِ زيدٍ (ت:١٨٢): «هؤلاءِ يهودُ، كانَ إذا جاءَ الرَّجلُ يسألُهم ما ليسَ فيه حَقٌّ ولا رِشْوَةٌ ولا شَيءٌ، أَمَرُوهُ بالحَقِّ» (١).\nثمَّ قالَ الطبريُّ (ت:٣١٠): «وجميعُ الذي قالَ - في تأويل الآية - مَنْ ذَكَرْنا قولَه، مقاربُ المعنى؛ لأنهم وإن اختلفوا في صِفَةِ البِرِّ الذي كانَ القومُ يأمرونَ به غيرَهم، الَّذينَ وَصَفَهُمُ اللهُ بما وصَفَهُمْ به، فَهُمْ مُتَّفِقُونَ في أنهم كانوا يأمرونَ النَّاسَ بما للهِ فيه رِضًا منَ القولِ أو العملِ، ويخالفونَ ما أمروهم به من ذلك إلى غيرِه بأفعالِهم ...» (٢).\nالقسم الثاني: أن ترجع الأقوال إلى أكثر من معنى:\nإذا رجعتِ الأقوالُ إلى أكثرَ من معنًى، فإنَّه يِرِدُ عليها احتمالانِ، وهما:\n* أنْ يكونَ بين هذه المعاني تَضَادٌّ، فلا يمكنُ حَمْلُ الآية على المَعْنَيَيْنِ المتضَّادينِ، بلْ لا بدَّ منَ القولِ بأحدِهما.\n* أن لا يكونُ بينها تَضَادٌّ، والآيةُ تحتملُها جميعًا، فيجوزُ حملُها عليها، إذا لم يمنع مانعٌ.\nوإليكَ الأمثلةُ:\n_________\n(١) ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:٧ - ٨).\n(٢) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:٩).","vol":"1","page":594},{"text":"أولًا: أنْ ترجعَ الأقوالُ إلى أكثرَ من معنًى بينها تَضَادٌّ:\nومنْ ذلكَ اختلافُهم في المَعْنِي بقولِه تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦]، قالَ ابنُ عباسٍ (ت:٦٨) وابنُ إسحاقَ (ت:١٥٠): هم المؤمنونَ، وقالَ ابنُ زيدٍ (ت:١٨٢): هم المشركونَ (١).\nوهذا فيه تَضَادٌّ؛ لأنَّ المُجَادلَ إحدى الطائفتينَ لا كلاهما، ولا يمكنُ في هذا أنْ يُحمَلَ على القولينِ معًا.\nومنَ الأمثلةِ: تفسيرُ لفظِ القُرْءِ، والمَسْجورِ، وسُجِّرَتْ، وَعَسْعَسَ، والصَّرِيمِ، وَوَرَاءَ، وغيرِها من الألفاظِ القرآنِيَّة التي تذكرُها كتبُ الأضدادِ (٢).\nويلاحظُ أنَّه قدْ يجوزُ في بعضِ أمثلةِ التَّضَادِّ أنْ تُحملَ الآيةُ عليهما، لسببٍ يحيطُ بالمثالِ ذاتِه، ولا يصلحُ هذا السببُ لغيرِه، وذلكَ مثلُ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧].\nقيل: إنَّه قَسَمٌ بإقبالِ اللَّيلِ.\nوقيل: إنَّهُ قَسَمٌ بإدبارِهِ (٣).\nوهذا فيه تضادٌّ، غيرَ أنه يجوزُ أنْ تحتملَ الآيةُ هذين المعنيين لاختلافِ محلِّ كلِّ واحدٍ منهما، فالأوَّلُ في أوَّلِ الليلِ، والثاني في آخرِه؛ أي أنَّ زمانَ القَسَمِ في كلِّ قولٍ مختلفٌ عن الآخرِ.\nومن أمثلةِ المتضادِّ الذي لا يمكنُ أنْ تحتملَهما الآيةُ معًا: لفظُ القُرْءِ.\nقيل: هو الطُّهْرُ.\nوقيل: هو الحَيضُ (٤).\n_________\n(١) ينظر: تفسير الطبري، ط (٩:١٨٣).\n(٢) سبق ذكر بعضِ الأمثلةِ في الفصل الأول من هذا الباب.\n(٣) سبق ذكر هذا المثال، وذكر من قاله به من العلماء.\n(٤) سبق ذكر هذا المثالِ، وذكرُ من قالَ به من علماء السلفِ.","vol":"1","page":595},{"text":"ولا يمكنُ أنْ يكونَ إلاَّ أحدَهما؛ لأنَّه لا يمكنُ أنْ يجتمعَ في المرأةِ في آنٍ واحدٍ أنْ تكونَ طاهرًا حائضًا. واللهُ أعلمُ.\nثانيًا: أنْ ترجعَ الأقوالُ إلى أكثرَ من معنًى ليسَ بينها تضادٌّ:\nومنْ أمثلتِه تفسيرُ لفظِ العتيقِ في قولِه تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، فقدْ وَرَدَ في تفسيرِه:\n١ - أنَّه المعتقُ منَ الجبابرةِ، عنِ ابنِ الزُّبَيرِ (ت:٧٣) (١)، ومجاهدٍ (ت:١٠٤)، وقتادَة (ت:١١٧).\n٢ - أنَّه القديمُ، عنِ ابنِ زيدٍ (ت:١٨٢) (٢).\nوحملُ الآيةِ على المعنيينِ معًا لا إشكالَ فيه، وإنْ تغايرا، لأنه لا تَضَادَّ بينهما.\nومنَ الأمثلةِ: تفسيرُ قولِه تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى: ٥]، قالَ الشِّنْقِيطيُّ (ت:١٣٩٣): «واعلمْ أنَّ سببَ مقاربةِ السماواتِ للتفطُّرِ في هذهِ الآيةِ الكريمةِ، فيه للعلماءِ وجهانِ، كلاهما يدلُّ عليه قرآنٌ:\nالوجهُ الأوَّلُ: أنَّ المعنى: تكادُ السماواتُ يَتَفَطَّرْنَ خوفًا منَ اللهِ، وهيبةً وإجلالًا، ويَدُلُّ لهذا الوجهِ قولُه تعالى قَبْلَهُ: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤]؛ لأنَّ عُلُوَّهُ وعَظَمَتَهُ سَبَّبَ للسماواتِ ذلكَ الخوفَ والهيبةَ والإجلالَ، حتى كادتْ تَتَفَطَّرُ ...\nالوجهُ الثاني: أنَّ المعنى: تكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ منْ شِدَّةِ عِظَمِ الفِريةِ التي افتراها الكفَّارُ على خالقِ السَّماوات والأرضِ - جلَّ وعلا ـ: منْ كونِه اتَّخَذَ ولدًا، ﷾ عنْ ذلك عُلُوًا كبيرًا.\n_________\n(١) يظهرُ في هذا التفسير أثرُ الحربِ التي نشبت بين ابن الزبير والحجاج، الذي دخل مكة، وقتل ابن الزبيرِ، واللهُ أعلمُ.\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٧:١٥١).","vol":"1","page":596},{"text":"وهذا الوجهُ جاءَ موضَّحًا في سورة مريمَ في قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا *لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا *تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا *أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَانِ وَلَدًا *وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَانِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا *إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَانِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣] .... وكلا الوجهينِ حقٌّ» (١).\nلقدْ حَكَمَ هذا الإمامُ على المعنيينِ بالصَّوابِ مع اختلافِهما البَيِّنِ؛ لأنَّه لا تعارضَ بينهما عندَ حَمْلِ الآيةِ عليهما، واللهُ أعلم.\nولقدْ كانتْ مسألةُ احتمالِ النَّصِّ ظاهرةً للسَّلفِ، حتى قالَ عليُّ بن أبي طالب (ت:٤٠) لابن عباس (ت:٦٨) لما أرسلَه إلى الخوارجِ لمجادلتِهم: «اذهب إليهم، ولا تخاصمْهم بالقرآنِ، فإنَّه ذو وجوهٍ» (٢).\nوقالَ أبو الدرداءِ (ت:٣٢): «إنَّكَ لا تفقَهُ كُلَّ الفِقْهِ حتى تَرَى للقرآنِ وجوهًا» (٣).\nكما كانتْ هذه الأوجهُ التَّفسيريَّةُ التي يَحْتَمِلُهَا النَّصُّ بلا تضادٍّ مقبولةً عندَ السَّلفِ، ومنَ الأمثلةِ التي تَدُلُّ على ذلكَ:\n١ - روى البخاريُّ (ت:٢٥٦) والطبريُّ (ت:٣١٠)، وغيرهما، عن ابن عباس (ت:٦٨)، من طريق سعيد بن جبير (ت:٩٤): أنَّه قال في الكوثر: هو الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه.\n_________\n(١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٧:١٥٢ - ١٥٣).\n(٢) عزاه السيوطي إلى ابن سعد في الطبقات، ولم أجده فيه، ينظر: مفتاح الجنة في الاعتصام بالسنة، تحقيق: بدر البدر (ص:١٢٨).\n(٣) أخرجه معمر في جامعه، ينظر: مصنف عبد الرزاق، تحقيق: الأعظمي (١١:٢٥٥)، وابن أبي شيبة في الكتاب المصنف، تحقيق: كمال الحوت (٦:١٤٢)، (٧:١١٠)، وأحمد في الزهد، ط: دار الكتاب العربي (ص:١٩٦)، وحلية الأولياء (١:٢١١).","vol":"1","page":597},{"text":"قالَ أبو بِشْرٍ (١): فقلتُ لسعيدِ بن جبيرٍ: فإنَّ ناسًا يزعمونَ أنَّه نهرٌ في الجنَّةِ.\nقالَ: فقال سعيد: النَّهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إيَّاه» (٢).\nفي هذا النَّصِّ يظهرُ أنَّ سعيدًا (ت:٩٤) يُصحِّحُ قولَ منْ قالَ: الكوثرُ: نهرٌ في الجنَّةِ (٣)؛ لأنَّه مما تحتملُه الآيةُ، ولا يُضَادُّ ما قال ابنُ عباسٍ (ت:٦٨)؛ لأنَّ قولَه أعمُّ الأقوالِ، ويدخلُ فيه النَّهرُ وغيرُه من الخيرِ الذي أعطاهُ اللهُ لنبيِّه ﷺ.\n٢ - قال محمد بن نصر المروزيُّ (ت:٢٩٤) (٤): «وسمعتُ إسحاقَ (٥) يقولُ\n_________\n(١) أبو بشر: جعفر بن إياس، ابن أبي وحشية، ثقة، من أثبت الناس في سعيد بن جبير، توفي سنة (١٢٦) وقيل غيرها. ينظر: تهذيب الكمال (١:٤٥٤ - ٤٥٥).\n(٢) ينظر: فتح الباري، ط: الريان (٨:٦٠٣)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٣٢١).\nوفي رواية عنه: «قال هلال: سألت سعيد بن جبير: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، قال أكثر الله له من الخير. قلت: نهر في الجنة. قال: نهر وغيره». (٣٠:٣٢٢).\n(٣) ثبت هذا التفسير عن النبيِّ ﷺ، كما رواه الإمام مسلم من حديث أنس، قال: «بينا رسول الله ﷺ بين أظهرنا في المسجد، إذ أغفى إغفاءة، ثمَّ رفع رأسه مبتسمًا، قلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال أنزلت عليَّ آنفًا سورة، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ * إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ *فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ *إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾. ثمَّ قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا الله ورسوله أعلم. قال: فإنه نهر وعدنيه ربي ﷿ عليه خير كثير».\nصحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي (١:٣٠٠، رقم الحديث: ٤٠٠)، وقد رواه غيره.\n(٤) محمد بن نصر، أبو عبد الله المروزي، الإمام الفقيه، رحل في طلب العلم، واستوطن سمرقند، أخذ عن إسحاق بن راهويه وغيره، وأخذ عنه ابنه إسماعيل وغيره، توفي سنة (٢٩٤). تاريخ بغداد (٣:٣١٥ - ٣١٨)، سير أعلام النبلاء (١٤:٣٣ - ٤٠).\n(٥) هو إسحاق بن راهويه المروزي، الحافظ المحدث، له كتاب التفسير، توفي سنة (٢٣٨). تاريخ بغداد (٦:٣٤٥ - ٣٥٥)، معجم المفسرين (١:٨٥ - ٨٦).","vol":"1","page":598},{"text":"في قولِهِ: ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]: قدْ يمكنُ أنْ يكونَ تفسيرُ الآيةِ على أولي العِلْمِ (١)، وعلى أمراءِ السَّرَايَا (٢)؛ لأنَّ الآيةَ الواحدةَ يفسِّرُها العلماءُ على أوجهٍ، وليس ذلك باختلافٍ.\nوقد قالَ سفيانُ بنُ عُيَيْنَة: ليسَ في تفسيرِ القرآنِ اختلافٌ إذا صَحَّ القولُ في ذلكَ (٣). وقالَ: أيكونُ شَيءٌ أظهَر خِلافًا في الظَّاهرِ منَ الخُنَّسِ؟\nقالَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: هي بقرُ الوحشِ (٤).\nوقالَ عليٌ: هي النُّجومُ (٥).\nقال سفيانُ: وكلاهما واحدٌ؛ لأنَّ النُّجومَ تَخْنُسُ بالنَّهارِ وتظهرُ باللَّيلِ والوَحْشِيَّةُ إذا رأتْ إنسيًّا خَنَسَتْ في الغيطانِ (٦) وغيرِها، وإذا لم ترَ إنسيًّا ظهرتْ.\nقالَ سفيانُ: فَكُلٌّ خُنَّسٌ.\nقالَ إسحاقُ: وتصديقُ ذلك ما جاءَ عنْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في\n_________\n(١) قال به: ابن عباس، وإبراهيم النخعي، وأبو العالية، ومجاهد، وبكر بن عبد الله المزني، والحسن، عطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن أبي نجيح، وعطاء بن السائب، والحسن بن محمد بن علي.\nينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٨:٤٩٩ - ٥٠١)، وتفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد الطيب (٣:٩٨٩).\n(٢) قال به: أبو هريرة، وابن عباس، وميمون بن مهران، والسدي، وابن زيد.\nينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٨:٤٩٧ - ٤٩٩).\n(٣) أخرجه كذلك سعيد بن منصور عن سفيان، ينظر قسم التفسير من كتابه السنن، تحقيق: سعد الحميِّد (٥:٣١٢).\n(٤) ينظر قوله في تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٧٥)، ورواه كذلك عن: أبي ميسرة، وجابر بن زيد، ومجاهد، وعبد الله بن وهب، وإبراهيم النخعي.\n(٥) ينظر قوله في تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٧٤)، ورواه كذلك عن: بكر بن عبد الله، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد.\n(٦) الغيطان: المطمئن من الأرض. ينظر: القاموس المحيط، مادة (غوط).","vol":"1","page":599},{"text":"الماعونِ (١)، يعني أنَّ بعضَهم قالَ: الزَّكاةُ، وقال بعضُهم: عاريةُ المتاعِ.\nقالَ: وقالَ عكرمةُ: الماعونُ: أعلاهُ الزَّكاةُ، وعاريةُ المتاعِ منه (٢).\nقالَ إسحاقُ: وجَهِلَ قومٌ هذه المعاني، فإذا لم توافقِ الكلمةُ الكلمةَ قالوا: هذا اختلافٌ. وقدْ قالَ الحسنُ - وذُكِرَ عنده الاختلافُ في نحوِ ما وصفْنا، فقالَ ـ: إنما أُتِيَ القومُ من قِبَلِ العُجْمَةِ (٣)» (٤).\nولعلَّ في هذا المثالِ العزيزِ ما يدلُّ على ظهورِ هذه المسألةِ عندَ علماءِ السَّلَفِ، وأنهم كانوا يَعُونَهَا جيدًا، حيثُ جعلوا هذه المحتملاتِ الواردةِ على النَّصِّ مقبولةً، ولم يَرُدُّوها. وقد تتابعَ على ذلكَ منْ جاءَ بعدَهم، وسأذكرُ أمثلةً منْ تطبيقاتِهم، تدلُّ على إعمالِهم لهذِه القاعدةِ:\n١ - أوردَ يحيى بنُ سلام (ت:٢٠٠) في تفسيرِ لفظِ «ناكبون» من قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤] تفسيرَ قتادةَ (ت:١١٧)، قال: «لجائرون».\nوتفسيرَ الحسنِ (ت:١١٠)، قال: «تاركون له».\nوتفسير الكلبي (ت:١٤٦)، قال: «معرضون عنه».\nثمَّ قال يحيى (ت:٢٠٠) وهو واحدٌ (٥).\n_________\n(١) في قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧].\n(٢) ينظر أقوال السلف في ذلك في تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٣١٤ - ٣١٩).\n(٣) أخرج البخاري هذا القول عن الحسن البصري بأخصر من ذلك، قال: «أهلكتهم العجمة» ينظر: التاريخ الكبير (٥:٩٣).\n(٤) السنة، لمحمد بن نصر المروزي (ص:٧ - ٨).\n(٥) نقلًا عن كتاب: التفسير واتجاهاته بأفريقية من النشأة إلى القرن الثامن، للدكتورة وسيلة بلعيد بن حمده (ص:١١٥).\nوقد ذكر هذه الأقوال الماورديُّ في تفسيره، فقال: «... فيه أربعة تأويلاتٍ:\nأحدها: لعادلون، قاله ابن عباس. والثاني: لحائدون، قاله قتادة. والثالث: لتاركون، قاله الحسن. والرابع: لمعرضون، قاله الكلبي. ومعانيها متقاربةٌ». النّكَتُ والعيون (٤:٦٣).","vol":"1","page":600},{"text":"لقد حَكَمَ يحيى بن سلامٍ (ت:٢٠٠) على هذه التَّفاسيرِ بأنها واحدٌ، وإنْ اختلفتْ عبارتُها، لأنَّ معناها الذي تؤدِّيه واحدٌ، وهو أنهم عادلونَ عنِ الصِّراطِ منحرفونَ عنه.\n٢ - قالَ الطبريُّ (ت:٣١٠): «وقولُه: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، يقولُ: ولكمُ الويلُ منْ وَصْفِكُمْ ربَّكُم بغيرِ صِفَتِهِ، وَقِيلِكُمْ: إنَّه اتَّخَذَ زَوجةً وولدًا، وَفِرْيَتِكُمْ عليه.\nوبنحو الذي قلنا في ذلكَ، قالَ أهلُ التَّأوِيلِ، إلاَّ أنَّ بعضهَم قالَ: معنى تَصِفُونَ: تَكْذِبُونَ. وقال آخرونَ: معنى ذلكَ: تُشركونَ، وذلكَ وإنْ اختلفتْ به الألفاظُ، فمتفقةٌ معانيه؛ لأنَّ منْ وصفَ الله بأنَّ له صاحبةً، فقدْ كذبَ في وَصْفِهِ إياه بذلكَ، وأشركَ به، وَوَصَفَهُ بغيرِ صفته، غيرَ أنَّ أولى العبارات أنْ يُعبَّر بها عنِ القرآنِ أقربُها إلى فَهْمِ سامعيها» (١).\n٣ - قال أبو عليٍّ القاليِّ (ت:٣٥٦): «قرأتُ على أبي بكرٍ بنِ الأنباريِّ: في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١] أقوالٌ (٢).\nقال قومٌ: يُمَحِّصُهُمْ: يُجَرِّدُهُمْ منْ ذنوبِهم ...\nوقالَ الخليلُ: معنى قولِ اللهَ جلَّ وعَزَّ: ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾: ولِيُخَلِّصَ (٣).\nوقالَ أبو عَمْرٍو إسحاقُ بنُ مِرَارٍ الشيبانيُّ: وليمحص: وليكشفَ ... قال: ومعنى قولِهم: اللَّهُمَّ مَحِّصْ عنَّا ذنوبَنَا؛ أي: اكشفْهَا.\n_________\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٧:١١).\n(٢) ينظر هذا النقل عن أبي بكر بن الأنباري، وهو في كتابه: الزاهر في معاني كلمات الناس (١:١٠٧ - ١٠٨).\n(٣) ليس في مادة (محص) من كتاب العين (٣:١٢٧). وفيه: «المَحْصُ: خلوص الشيء، محصته محصًا: خلَّصتُه من كل عيبٍ ... والتمحيص: التطهر من الذنوبِ».","vol":"1","page":601},{"text":"وقال آخرونَ: اطرحْهَا عنَّا.\nقال أبو عليٍّ: هذه الأقوالُ كلُّها في المعنى واحدٌ، ألا تَرَى أنَّ التَّخْلِيصَ تَجْرِيدٌ، والتَّجْرِيدَ كَشْفٌ، والكَشْفَ طَرْحٌ لما عليه» (١).\nومن أقوالِ العلماءِ المتأخرينَ الصَّريحَةِ في هذه القاعدةِ:\n١ - ما قاله الطُّوفِيُّ (ت:٧١٦) (٢): «وأما ما ورد فيه التَّأويلِ المُخْتَلِفِ عنِ العلماءِ، فذلكَ الاختلافُ:\nإمَّا أنْ يشتملَ على التَّناقضِ والتَّضادِّ، أو لا. فإن اشتملَ عليه - كالقُرْءِ التي صِيرَ في تأويلِها إلى الحيضِ مرةً، وإلى الإطهارِ أخرى - كان أحدُ النَّقِيضينِ أو الضّدينِ مُتَعَيِّنًا للإرادةِ؛ لاستحالةِ الامتثالِ بالجمعِ بينهما، وحينئذٍ يجبُ التَّوصلُ إلى المرادِ المتعيِّنِ بطريقٍ قويٍّ راجحٍ من الطرقِ المتقدمِ ذِكْرُها، أو غيرِها إنْ أَمْكَنَ.\nوإنْ لم يشتملْ على التَّناقضِ، بلْ كانَ مجرَّدَ اختلافٍ وتعدُّدَ أقوالٍ، فإنْ احتملَ اللَّفظُ جميعَها وأمكنَ أنْ تكونَ مُرادةً منه، وَجَبَ حملُه عليها جميعًا ما أمكنَ، سواءً كانَ احتمالُها متساويًا، أو كانَ بعضُها أرجحَ منْ بعضٍ، وإلاَّ فحملُه على بعضِها دونَ بعضٍ إلغاءٌ للَّفظِ بالنسبةِ إلى بعضِ محتملاتِه منْ غيرِ مُوجبٍ، وهو غيرُ جائزٍ، ولأنه لو جازَ أنْ يكونَ مُرادًا، فإعمالُ اللَّفظِ بالنِّسبةِ إليه أَولَى منْ إهمالِهِ. نعمْ إنْ كانَ احتمالُه لها متفاوتًا في الرُّجحانِ، جازَ في مقامِ التَّرجيح تقديمُ الأرجحِ فالأرجحِ، بحسبِ دلالةِ اللَّفظِ عليه، أو جلالةِ قائِله، أو عَاضِدِه الخارجيِّ، وغيرِ ذلكَ منْ وجوهِ التَّرجِيحاتِ.\n_________\n(١) أمالي أبي علي القالي (٢:٢٧٤ - ٢٧٥).\n(٢) سليمان بن عبد القوي الصرصري البغدادي الحنبلي، قرأ النحو واللغة والأدب والأصول والتفسير وغيرها، وألَّفَ فيها، ومن مؤلفاته: جدل القرآن، وتفسير سورة النبأ، وغيرها. توفي سنة (٧١٦). ينظر: الذيل على طبقات الحنابلة، لابن رجب (٢:٣٦٧ - ٣٦٩)، وشذرات الذهب (٦:٣٩ - ٤٠).","vol":"1","page":602},{"text":"ومثالُ ذلكَ؛ أعني: احتمالَ اللَّفظِ للوجوهِ المتعدِّدَةِ، قولُه تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، قيل: مساقطُ النُّجومِ في المغرب. وقيلَ: إنَّ منه نزولَ القرآنِ؛ لأنه نزلَ في ثلاث وعشرين سنةً، فاللَّفظُ يحتملُ القولينِ، فيجوزُ أنْ يكونَ القَسَمُ بهما مرادًا للهِ ﷿؛ لأنهما عَظِيمانِ، لا سيَّمَا على قولِ منْ يقولُ: يجوزُ إرادةُ حقيقةِ اللَّفظ ومجازِهِ جميعًا معًا ...» (١).\n٢ - وقالَ ابنُ تَيمِيَّةَ (ت:٧٢٨): «ومنَ التَّنازُعِ الموجودِ عنهم (٢): ما يكونُ اللَّفظُ فيه محتملًا للأمرينِ:\nإمَّا لكونِهِ مُشْتَركًا في اللُّغةِ (٣)؛ كلفظِ ﴿قَسْوَرَةٍ﴾ الذي يرادُ به الرامي، ويُرادُ به الأسدَ. ولفظِ ﴿عَسْعَسَ﴾ الذي يرادُ به إقبالُ اللَّيلِ وإدبارهُ.\nوإمَّا لكونِه مُتَواطِئًا (٤) في الأصلِ، لكنَّ المرادَ به أحدُ النَّوعينِ، أو أحدُ الشَّخْصينِ؛ كالضَّمائرِ في قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى *فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨، ٩]، وكلفظِ ﴿الْفَجْرِ﴾، ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، و﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وما أشبَهَ ذلكَ.\n_________\n(١) الإكسير في قواعد التفسير، للطوفي، تحقيق: د. عبد القادر حسين (ص:١٢ - ١٣).\nملاحظةٌ: قد تصرَّفَ محققُ هذا الكتابِ بعنوانه، فجعله: الإكسير في علم التفسير، وقد قال مؤلِّف الكتابِ (ص:١): «وسمَّيتُه: الإكسير في قواعد علم التفسير».\n(٢) يعني مفسري السلف.\n(٣) المشترك: ما وُضِعَ لمعنيين، أو أكثر؛ كالعين، للعين الباصرة، ولعين الماء، وللجاسوس، وغيرها. ينظر: التعريفات، للجرجاني (ص:٢٢٩)، كشاف اصطلاحات الفنون، للتهانوي، تحقيق: لطفي بديع (٤:١٥٥).\n(٤) أن يكون اللفظ موضوعًا لأمر عامًا بين الأفراد على السواء؛ كالإنسان يصدقُ على زيدٍ وعمرو بالتساوي، ولا فرق بينهما في هذه النسبة. ينظر: التعريفات، للجرجاني (ص:٢١٠)، وكشاف اصطلاحات الفنون، للتهانوي، تحقيق: لطفي بديع (٤:١٥٩).","vol":"1","page":603},{"text":"فمثلُ هذا قد يجوزُ أنْ يرادَ به كلُّ المعاني التي قالها السَّلفُ، وقدْ لا يجوزُ ذلكَ.\nفالأوَّلُ: إمَّا لكونِ الآيةِ نزلتْ مرتينِ، فأريدَ بها هذا تارةً، وهذا تارةً.\nوإمَّا لكونِ اللَّفظِ المشتركِ يجوزُ أنْ يُرادَ به معنياه، إذْ قدْ جَوَّزَ ذلكَ أكثرُ فقهاءِ المالكيَّةِ والشَّافعيَّةِ والحنبليَّةِ، وكثيرُ منْ أهلِ الكلامِ.\nوإمَّا لكونِ اللَّفظِ متواطئًا، فيكونُ عَامًّا إذا لمْ يكنْ لتخصيصِهِ مُوجِبٌ. فهذا النَّوعُ إذا صَحَّ فيه القولانِ كانَ مِنَ الصِّنفِ الثاني (١)» (٢).\n٣ - عندَ تفسيرِه قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] قالَ الشَّنْقيطيُّ (ت:١٣٩٣): «... فقوله ﵁ إلاَّ فهمًا يعطيه الله رجلًا في كتابِ اللهِ، يدلُّ على أنَّ فَهْمَ كتابِ اللهِ تتجدَّدُ به العلومُ والمعارفُ التي لم تكنْ عند عامَّةِ الناسِ، ولا مانعَ من حمل الآيةِ على ما حملها المفسِّرونَ، وما ذكرْناه أيضًا أنَّه يُفْهَمُ منها، لِمَا تَقَرَّرَ عندَ العلماءِ مِنْ أنْ الآيةَ إنْ كانتْ تحتملُ معانيَ كلُّها صحيحٌ، تَعَيَّنَ حَمْلُهَا على الجميعِ، كما حَقَّقَه بأدلتِهِ الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ أبو العباسِ بنُ تَيمِيَّةَ ﵀ في رسالتِهِ في علومِ القرآنِ (٣)» (٤).\n٤ - جعلَ الطَّاهِرُ بنُ عاشورَ (ت:١٣٩٣) مقدمةً منْ مقدماتِ تفسيرِهِ خاصَّةً بهذه القاعدة، وعَنْوَنَ لها بقولِه: «المقدِّمَةُ التَّاسِعَةُ: في أنَّ المعاني التي تَتَحَمَّلُها جُمَلُ القرآنِ، تُعْتَبَرُ مُرَادَةً بها» (٥)، وتحدث في هذه المقدمةِ بما يقربُ منْ عَشْرِ صفحاتٍ.\n_________\n(١) الصنف الثاني: أن يذكر من الاسم العامِّ بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحدِّ المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه. ينظر: مقدمة في أصول التفسير، لابن تيمية، تحقيق: عدنان زرزور (ص:٤٣).\n(٢) مقدمة في أصول التفسير (ص:٤٩ - ٥١).\n(٣) لعلَّه يريد الموضع الذي نقلته عن شيخ الإسلام ابن تيمية، والله أعلم.\n(٤) أضواء البيان (٣:١٢٤).\n(٥) التحرير والتنوير (١:٩٣)، وقد تحدث عنها حتى (ص:١٠٠).","vol":"1","page":604},{"text":"عودٌ إلى قاعدةِ: إذا ورد أكثر من معنى لغوي صحيح تحتمله الآية بلا تضادٍ، جاز تفسير الآية بها.\nسأجعل الحديث في هذه القاعدةِ على قسمين:\nالأول: المحتملاتِ اللُّغويَّةِ الواردة عن السَّلفِ.\nالثَّاني: المحتملاتِ اللُّغويَّةِ الواردةِ عنِ غير السَّلفِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>القسمُ الأول: المحتملات اللغوية الواردة عن السلف:</span>\nالحديثُ عنِ المحتملاتِ اللُّغويَّةِ الواردةِ عنِ السَّلفِ تابعٌ للقاعدةِ السَّابقةِ قبلَها، وذلكَ أنَّه إذا وردَ عنهم أكثرُ منْ مُحْتَمَلٍ لُغويٍّ في تفسيرِ آيةٍ، فإنَّ الأصلَ قبولُها لغةً، وكذا تفسيرًا إنْ لَمْ يمنعْ مانعٌ من قبولِها كلِّها في التَّفسيرِ، كأنْ تكونَ مُتضادَّةً، أو لغيرِ ذلكَ منَ الأسبابِ التي ليسَ هذا مَحَلُّها.\nومنَ الأمثلةِ الواردةِ عنِ السَّلفِ: تفسيرُ قولِه تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًاّ وَلاَ ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨]، فقدْ ورد عنهم في معنى «الإلِّ» ثلاثةُ أقوالٍ:\nالأوَّلُ: اللهُ، وهو قولُ: سعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:٩٤) (١)، ومجاهدٍ (ت:١٠٤) (٢)، وأبي مِجْلَز (ت:١٠٦) (٣)، وعكرمة (ت:١٠٥) (٤).\nالثَّاني: القَرَابَةُ، وهو قولُ: ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) منْ طُرُقٍ عنه (٥)،\n_________\n(١) بحر العلوم، للسمرقندي (٢:٣٥). وفي تفسير ابن أبي حاتم (٦:١٧٥٨): «وروي عن سعيد بن جبير، قال: إلهًا».\n(٢) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٤:١٤٦).\n(٣) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٤:١٤٦)، ومعاني القرآن، للنحاس (٣:١٨٧)، ومعالم التنْزيل، للبغوي (٢:٢٧١).\n(٤) الدر المنثور (٤:١٣٤). عن أبي الشيخ وابن المنذر.\n(٥) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٤:١٤٦، ١٤٧).","vol":"1","page":605},{"text":"والضَّحَّاكِ (ت:١٠٥) (١)، والسُّدِّيِّ (ت:١٢٨) (٢).\nالثَّالثُ: العَهْدُ، وهو قولُ مجاهدٍ (ت:١٠٤) (٣)، وعبد الرحمن بنُ زيدٍ (ت:١٨٢) (٤). وعنْ قتادةَ (ت:١١٧): الحِلْفُ (٥)، وهو بمعنى العَهْدِ والعَقْدِ.\nوإنَّمَا كَرَّرَ لَمَّا اختلفَ اللَّفظانِ، قالَ ابنُ زيدٍ (ت:١٨٢): «لا يرقبونَ فيكم عهدًا ولا ذِمَّةً. قال: إحداهما من صاحبتِها كهيئةِ غفورٍ رحيمٍ، قالَ: فالكلمةُ واحدةٌ، وهي تَفْتَرِقُ. قالَ: والعَهْدُ هو الذِّمَّةُ (٦)» (٧).\nإنَّ هذه المحتملاتِ يُحْكَمُ بِصِحَّتِهَا من جهةِ اللُّغةِ، لورودها عن السَّلفِ، كما سبق بيانُ ذلك، ومنْ ثَمَّ تكونُ هذه التفسيراتُ مِن مدلولاتِ لفظِ «الإلِّ» اللُّغويَّةِ.\nوإذا نظرتَ إلى هذه المعاني المختلفةِ، لم تجدْ بينها تَضَادًّا، كما لا يوجدُ مانعٌ آخرُ يمنعُ مِن الحَمْلِ على هذه المعاني جميعًا، ومنْ ثَمَّ، فإنَّه يجوزُ حَمْلُ هذه المعاني جميعِها على الآيةِ.\nوإن اعْتَرَضَ معترضٌ على المعنى الأوَّلِ بما قالَه الزَّجَّاجُ (ت:٣١١): «وقيلَ الإلُّ: اسمٌ من أسماءِ اللَّهِ. وهذا عندنا ليسَ بالوجهِ؛ لأنَّ أسماءَ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ معروفةٌ معلومةٌ، كما سُمِعتْ في القرآنِ، وتُلِيتْ في الأخبارِ، قالَ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فالدَّاعي يقولُ:\n_________\n(١) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٤:١٤٧).\n(٢) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٤:١٤٧).\n(٣) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٤:١٤٨).\n(٤) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٤:١٤٨).\n(٥) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٤:١٤٧).\n(٦) ينظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦:١٧٥٨)، فقد أورد تفسير الذمة بالعهد عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، وينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٤:١٤٦ - ١٤٨).\n(٧) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٤:١٤٨).","vol":"1","page":606},{"text":"يا اللهُ، يا رحمنُ، يا ربُّ، يا مؤمنُ، يا مهيمنُ، ولم يُسْمَعْ يا إِلُّ في الدعاءِ» (١).\nفالجوابُ: إنَّ هذا الاعتراضَ ليسَ بصحيحٍ، لورودِ هذا المعنى عن السَّلفِ العالمينِ بتفسيرِ كتابِ اللهِ، وجَهْلُ الزَّجَّاجِ (ت:٣١١) وغيرِهِ من اللُّغويِّينَ لهذا المعنى لا يعني صِحَّةَ إنكارِهم، ولا يمتنعُ أنْ يكونَ هذا اللَّفظُ بهذا المعنى مِمَّا اشتركتْ فيه اللُّغاتُ فكادَ أنْ يَنْدَرِسَ منْ لغةِ العربِ وبقيَ في اللُّغاتِ التي لها صِلَّةٌ بالعربيَّةِ؛ كالعبريَّةِ التي بقِيَ فيها هذا المدلولُ، وهو يطلقُ على اللهِ سبحانَه، فَحَفِظَ هؤلاء السَّلفُ هذا المعنى وعَلِمُوه، ومنْ حفِظَ حُجَّةٌ على مَنْ لمْ يَحْفَظْ.\nومِمَّا يُستأنسُ به في هذا أنَّ بعضَ الأسماءِ العربيَّةِ كانتْ تنتهي بإلٍّ أو إيلٍ، قالَ ابنُ دُرَيدٍ (ت:٣٢١): «قال ابنُ الكَلْبِيِّ (٢): كُلُّ اسمٍ في العربِ آخرُهُ إلٌّ أو إيلٌ، فهو مضافٌ إلى اللهِ ﷿؛ نَحْوُ: شُرَحْبيلَ، وعبدِ يَالِيلَ، وشَرَاحِيلَ، وشِهْمِيلَ، وما أشبَهَ هذا ... وقدْ كانتِ العربُ ربَّما تجيءُ بالإلِّ في معنى اسمِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ، قالَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ لما تُلِيَ عليه سَجْعُ مُسَيلِمَةَ ـ: إنَّ هذا شيءٌ ما جاءَ مِنْ إلٍّ ولا بِرٍّ، فأينَ ذهبَ بكم؟!» (٣).\n_________\n(١) معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (٢:٤٣٣ - ٤٣٤). وأنكره النحاس لِلْعِلَّةِ نفسِها، ينظر: معاني القرآن (٣:١٨٧).\nوقال الراغب الأصفهاني: «وإلٌّ، وإيل: اسم الله تعالى، وليس ذلك بصحيح».\nمفردات ألفاظ القرآن (ص:٨١).\nوقال السهيلي في الروض الأُنف: «وأمَّا الإلُّ في قوله تعالى: ﴿إِلًاّ وَلاَ ذِمَّةً﴾ فحذارِ أن تقولَ اسمُ اللهِ تعالى، فتُسَمِّيَ اللهَ باسمٍ لم يُسَمِّ به نفسَهُ، ألا ترى أنَّ أسماءَ اللهِ معرفةً، وإلٌّ نكرةٌ، وإنما الإلُّ: كلُّ ما له حرمة وحقٌّ؛ كالقرابة والرَّحِمِ والجِوارِ والعَهْدِ». الروض الأنف، تحقيق: الوكيل (٢:٤٠٢).\n(٢) هو هشام ابن المفسر محمد بن السائب الكلبي، وستأتي ترجمته.\n(٣) جمهرة اللغة (١:٥٩).","vol":"1","page":607},{"text":"ولهذا جعلَ بعضُ العلماءِ الإِلَّ نظيرَ ما وردَ في بعضِ الأسماءِ الأعجميَّةِ؛ كجبريلَ، وميكائيلَ، قال أبو مِجْلَزٍ (ت:١٠٦) في تفسيرِه لمعنى الإلِّ: «مثل قولِه: جبرائيلَ، ميكائيلَ، إسرافيلَ - كأنه يقولُ: يضيفُ جَبْرَ، ومِيكَا، وإسْرَافَ، إلى إيل - يقول: عبد الله، ﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًاّ﴾ [التوبة: ١٠]؛ كأنه يقول: لا يرقبونَ اللهَ» (١).\nوفيما وردَ عنْ أبي بكرٍ في خبرِ مُسَيلمَةَ الكذَّابِ، قولُه: «ما خرجَ هذا منْ إلٍّ» (٢)، قال أبو عُبَيدٍ (ت:٢٢٤): «قوله: من إلٍّ؛ يعني: من ربٍّ. ويُروى عن الشَّعْبِيِّ أنَّه قالَ في قولِه تعالى: ﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًاّ وَلاَ ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠]، قالَ: اللهُ، أو قالَ رَبًّا. ومِمَّا يُبَيِّنُ هذا، قولُه: جَبْرَئلَّ، ومِيكَائلَّ، إنَّمَا أُضِيفَ جَبْرَ ومِيكَا إلى إلَّ» (٣).\nوأقلُّ ما يقالَ إنَّ هذا الاسمَ؛ أعني: الإلَّ، مِمَّا عُرِّبَ، فصارَ كغيرِه مِنَ الأعلامِ المعرَّبَةِ، قالَ الأزهريُّ (ت:٣٧٠): «وقالَ (٤): وإيلُ: اسمٌ مِنْ أسماءِ اللهِ بالعِبْرَانِيَّةِ (٥).\n_________\n(١) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٤:١٤٦).\n(٢) ذكر هذا الأثر: أبو عبيد في غريب الحديث (٤:١٢٧)، وعنه أبو عبيد الهروي في الغريبين (١:٧٢)، كما ذكره ابن دريد في الجمهرة (١:٥٩)، وأبو علي القالي في أماليه (١:٤١)، وأسنده الطبري في تاريخه إلى ابن إسحاق (٢:١٥٠).\n(٣) غريب الحديث (٤:٢١٨)، وينظر مثله قول أبي علي القالي في أماليه (١:٤١).\n(٤) يظهرُ أنَّ النقلَ هنا عن أبي عبيد؛ لأنه نقل عنه قبل هذا الموضع كثيرًا من الفقرات، وكان يعطفها على قوله: «قال أبو عبيد». ينظر: السطر (٦) من (ص:٤٣٥).\n(٥) هاهنا موضوع طويل يتعلق بأصل اللغات، وسأذكره مجتزءًا، فأقول: إنَّ العبرانيين لم يكن لهم لغة مميزة، بل كانت لغة خليطةً من عدَّة لغات، كما يظهر من تاريخهم، فهم أبناء إبراهيم الذي خرج من أرض العراق إلى بادية الشام، وفيها عاش أبناؤه وأحفاده إلى وقت خروجهم إلى مصر في عهد يوسف كما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ [يوسف: ١٠٠]. وكانت فلسطين وبادية الشام وجنوبها من الصحراء للعربِ، كما كانت مصر كذلك لهم في هذا الوقت، ولا شكَّ أنهم سيتأثرون بلغة جدهم الأصلية، وباللغات المجاورة لهم وهي العربية الشامية، ثم العربية المصرية، فتكونت لهم لغة خاصةٌ، إن قيل بعزلتهم عن غيرهم. =","vol":"1","page":608},{"text":"قلتُ: وجائزٌ أنْ يكونَ أُعْرِبَ فقيلَ: إسرائيلُ، وإسماعيلُ؛ كقولِك: عبدُ اللهِ، وعُبَيدُ اللهِ» (١).\nوالمقصودُ أنَّ ما ذكرَهُ السَّلفُ منْ تفسيرِ الإلِّ بهذه المعاني، فإنَّه يقبلُ عنهم ولا يُردُّ، وكان هذا مِمَّا يتميَّزُ به الطَّبريُّ (ت:٣١٠)، حيث قال: «وأولى الأقوالِ في ذلكَ بالصَّوابِ أنْ يقالَ: إنَّ اللهَ - تعالى ذِكْرُه - أخبرَ عنْ هؤلاءِ المشركينَ الَّذينَ أمرَ نبيَّه والمؤمنينَ بقتلِهم بعدَ انسلاخِ الأشهرِ الحُرُمِ، وحَصْرِهم، والقعودِ لهم على كلِّ مرصدٍ: أنهم لو ظهروا على المؤمنين لم يرقبوا فيهم إلًّا.\nوالإلُّ: اسم يشتملُ على معانٍ ثلاثةٍ، وهي: العَهْدُ والعَقْدُ والحِلْفُ، والقَرَابَةُ، وهو أيضًا بمعنى: الله. فإذا كانتِ الكلمةُ تشملُ هذه المعاني الثلاثةَ، ولم يكنِ اللهُ خَصَّ من ذلك معنًى دونَ معنًى، فالصَّوابُ أنْ يُعَمَّ ذلكَ كما عَمَّ بها - جلَّ ثناؤه - معانيَها الثلاثَة، فيقالُ: لا يرقبونَ في مؤمنٍ اللهَ ولا قرابةً ولا عهدًا ولا ميثاقًا ...» (٢).\nوهذا الذي عَمِلَ به الطَّبريُّ (ت:٣١٠) هو الأصلُ في التَّعامُلِ مع ما يَرِدُ عنِ السَّلفِ من التفسيراتِ اللُّغويَّةِ المحتملةِ في الآيةِ، واللهُ أعلمُ.\nهذا، ويجوزُ في مثلِ هذه المحتملاتِ في بعضِ الأمثلةِ تقديمُ بعضِها على بعضٍ لأسبابٍ تدعو إلى ذلك؛ كأنْ يكونَ السِّياقُ أليقَ بأحدِ هذه\n_________\n=\nوالمقصود أنَّ اللغات كانت تتقارضُ من بعضها، ولا يبعد أن يكون الإلُّ مما كان في لغات العرب القديمة التي اندثرت، فلم يبق منها إلاَّ بعض الألفاظِ التي كثرت في العبرية، وقلَّت في العربية التي تطورت حتى اكتملت في عصر التنْزيل، وصارت محفوظةً بقوانينها وأحكامها الخاصَّةِ بها، والظَّنُّ أنه لو لم ينْزل القرآن لبقيت في التطوُّر والزيادة والنقص، كما هو الحالُ في اللغات، إذ تسمية الأشياء المحدثة، والتعبير عنها يكون وليدَ حدوثها، واللهُ أعلمُ.\n(١) تهذيب اللغة (١٥:٤٣٦).\n(٢) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٤:١٤٨).","vol":"1","page":609},{"text":"المحتملاتِ، أو أنْ يكونَ بعضُها أغلبَ وأشهرَ في مدلولِ اللَّفظِ، أو غيرُ ذلك.\nوليسَ في هذا خروجٌ عنِ الأصلِ؛ لأنَّ العملَ هنا على تقديمِ الأولى في معنى الآيةِ، وليسَ على إبطالِ غيرِه، ولو أعْمَلَ أحدٌ جميعَ هذه المعاني المحتملةِ، لكانَ مذهبًا معروفًا ولا مَلاَمَةَ في ذلك. والله أعلم.\nمثالُ ذلك، ما ورد في قوله تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٤]، أي: لا يذوقونَ في النَّارِ - والعياذُ باللهِ منها - ما يُبَرِّدُ عليهم حرارتَها (١)، سواءً أكانَ ذلك التَّبريدُ بسببِ الماءِ أو الهواءِ الباردِ، وهذا هو المعنى المشهورُ في اللُّغةِ للبردِ.\nوقد وردَ قولٌ آخرُ في معنى البردِ، وهو النَّومُ، رواه ابن أبي حاتم (ت:٣٢٧) عن مُرَّةَ الطَّيِّبِ (ت:٧٦) (٢)، ونقلَهُ عنْ مجاهدٍ (ت:١٠٤) أيضًا (٣)، وهو قولُ أبي عبيدة (ت:٢١٠) (٤)، وتبعَهُ ابن قتيبة (ت:٢٧٦) (٥)، وقالَ به غيرُهم (٦).\nوإذا تأمَّلتَ هذين المعنيينِ وجدتَهما متناسبينِ مع السياقِ:\n_________\n(١) قال الماورديُّ في تفسيره (٦:١٨٧): «أنه برد الماء وبرد الهواء، وهو قول كثير من المفسرين».\n(٢) مُرَّةُ بنُ شَرَاحِيلَ الهمْدانيُّ، أبو إسماعيل الكوفي، روى عن: أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وغيرهم، وعنه: السُّدِّيُّ والشَّعبيُّ وغيرهما، ثقةٌ عابدٌ، لُقِّبَ بالطَّيِّبِ لكثرةِ عبادته، توفِي سنة (٧٦). ينظر: تهذيب الكمال (٧:٦٩ - ٧٠)، وتقريب التهذيب (ص:٩٣٠).\n(٣) ينظر: تفسير ابن كثير، تحقيق: السلامة (٨:٣٠٧).\n(٤) مجاز القرآن (٢:٢٨٢).\n(٥) تفسير غريب القرآن (٥٠٩).\n(٦) نسبَه الماورديُّ في تفسيره (٦:١٨٧) إلى السُّدِّيِّ، ونسبه ابن كثير في تفسيره (٨:٣٠٧) إلى الكسائيِّ، ونسبه أبو المظفر السَّمعاني في تفسيره (٦:١٣٩) إلى ثعلب.","vol":"1","page":610},{"text":"فعلى المعنى الأولِ: لا يذوقون في النَّارِ بردَ الهواءِ أو الماء الذي يُخفِّفُ حرَّ النَّارِ عنهم، ولا شرابًا.\nوعلى المعنى الثاني: لا يذوقون في النَّارِ نومًا ولا شرابًا.\nوكلا المعنيينِ صحيحٌ محتملٌ، غيرَ أنَّ المعنى الأولَ هو الأشهرُ الأظهرُ منْ معاني اللَّفظِ في لغةِ العربِ، قالَ الطَّبريُّ (ت:٣١٠): «وزعمَ بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ أنَّ البردَ في هذا الموضعِ النومُ (١) .... والنومُ وإنْ كانَ يُبَرِّدُ غليلَ العطشِ، فقيلَ له منْ أجلِ ذلكَ البردُ، فليسَ هو باسمِهِ المعروفِ، وتأويلُ كتابِ اللهِ على الأغلبِ من معروفِ كلامِ العربِ، دونَ غيرِه» (٢).\nوترجيحُ هذا المعنى لا يعني إبطالَ المعنى الآخرِ من جهة اللُّغةِ، كما أنَّه لو حملَها غيرُهُ على المعنيينِ، وجعلَ الآيةَ تدلُّ عليهما؛ على عادة بعضِ الألفاظِ القرآنيَّةِ في احتمالِه تعدُّدَ المعاني = لجازَ، واللهُ أعلمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>القسم الثاني: المحتملات اللغوية الواردة عن غير السلف:</span>\nلقدْ تشكَّلَ تفسيرُ السَّلفِ للقرآنِ، وصارَ أحدَ مصادرِ التَّفسيرِ لمنْ جاءَ بعدَهم، ولذا كانَ لزامًا لمنْ أرادَ التَّفسيرَ أنْ يرجعَ إلى أقوالِهم ويعتمدَها في فَهْمِ الآيةِ، وإلاَّ وقعَ في الخطأِ في التَّفسيرِ بسببِ عدمِ معرفةِ أقوالِهم، أو عدمِ الاعتمادِ عليها.\nولقدْ كانَ عدمُ معرفةِ أقوالِ السَّلفِ، أو عدمُ الاعتمادِ عليها منْ منهجِ أهلِ البدعِ الذي يتميَّزُونَ به؛ لذا يَنْدُرُ أنْ تجدَ لهؤلاءِ اعتمادًا على تفسيرِ السَّلفِ، كما لم يسلمْ منه طائفةٌ منَ اللُّغويِّينَ في بعضِ المواطنِ التَّفسيريَّةِ.\n_________\n(١) يقصد أبا عبيدة، وقد سبق بيان موضعه من مجاز القرآن.\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:١٢ - ١٣). وقد تبِعه النَّحاسُ على ذلك الترجيحِ، على عادتِه في اتباعِ الطبري في اختياراته وترجيحاتِه، ينظر: إعراب القرآن (٥:١٣٢)، والقطع والائتناف (ص:٧٥٨)، وينظر: التحرير والتنوير، للطاهر (٣٠:٣٧)، فقد رجَّحَ للعلةِ نفسها التي رجَّحَ الطَّبريُّ بها، واللهُ أعلمُ.","vol":"1","page":611},{"text":"وقد كان من نتائجِ هذا المنهجِ أن وُجِدَتْ عندهم أقوالٌ شَاذَّةٌ في التَّفسيرِ، أو اعتراضاتٌ على تفسيرِ السَّلفِ، اعتمادًا على تَوَسُّعِ لغةِ العربِ.\nوإذا نظرتَ إلى هذه القاعدةِ، فإنَّكَ سَتَجِدُ أنَّ قبولَ هذه المحتملاتِ عن غيرِ السَّلفِ ممكنٌ؛ لأنَّ فهمَ القرآنِ لا يقتصرُ على جيلٍ دونَ آخرٍ، لذا لم يقتصرِ التَّابعونَ على ما بلغَهم فيه عن الصَّحابةِ، ولا اقتصرَ تابعو التَّابعينَ على ما وَرَدَهُمْ عنِ الصَّحابةِ والتَّابعينَ (١).\nغيرَ أنَّ الأمرَ هاهنا يحتاجُ إلى ضوابطَ لقبولِ هذه المحتملاتِ، وقدْ اجتهدتُ في استنباطِها، فظهرَ لي منها (٢):\n١ - أنْ لا تُناقضَ [أي: تبطل] ما جاءَ عنِ السَّلفِ.\n٢ - أنْ يكونَ المعنى المُفَسَّرُ به صَحِيحًا.\n_________\n(١) ينظر في هذا المعنى: أضواء البيان (٣:١٢٤).\n(٢) استفدت هذه الضوابط مما ذكره ابن القيم (ت:٧٥١)، والشاطبي (ت:٧٩٠) في الضوابط التي يُقبلُ بها التفسير الإشاري:\nقال ابن القيم: «... وتفسير على الإشارة والقياس، وهذا الذي ينحو إليه كثير من الصوفية، وهذا لا بأس به بأربعة شرائط: ألاَّ يناقض معنى الآيةِ، وأن يكون معنى صحيحًا في نفسه، وأن يكون في اللفظ إشعارٌ به، وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم.\nفإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطًا حسنًا». التبيان في أقسام القرآن، تحقيق: طه شاهين (ص:٥١).\nوقال الشاطبي: «وكون الباطن هو المراد من الخطاب قد ظهر أيضًا مما تقدَّم في المسألة قبلها، ولكن يُشترط فيه شرطان: أحدهما: أن يصحَّ على مقتضى الظاهر المقرر في لسان العرب، ويجري على المقاصد العربية. والثاني: أن يكون له شاهدٌ نصًّا أو ظاهرًا في محلٍّ آخر يشهد لصحَّتِه من غير معارضٍ». الموافقات، تحقيق: محيي الدين (٣:٢٦٤).\nوقد ذكر في كلامٍ لاحقٍ ما يصلح أن يُضافَ إلى ضوابطِ قبول التفسير الإشاري، وهو قوله: «... ولكن له وجه جارٍ على الصِّحَّةِ، وذلك أنَّه لم يقل إنَّ هذا هو تفسير الآيةِ ...». الموافقات (٢:٢٦٨).","vol":"1","page":612},{"text":"٣ - أنْ تحتملَ الآيةُ المعنى في السياقِ.\n٤ - أنْ لا يُقصَرَ معنى الآيةِ على هذا المحتملِ دون غيره.\nفإذا انتقضَ شيءٌ من هذه الضوابطِ حُكِمَ على التَّفسيرِ بالرَّدِّ وعدمِ القبولُ، وسأذكرُ في كُلِّ ضابطٍ مثالًا يوضِّح انتقاضَه، وبالله التوفيق.\nالضابط الأول: أن لا تناقض [أي: تبطل] ما جاء عن السلف:\nإذا وردَ قولٌ عنِ السَّلفِ في معنى آيةٍ، فإنه لا يجوزُ القولُ بضدِّه، ولا الاعتراضُ على ما جاءَ عنهم، بلْ يكونُ القولُ المناقضُ لقولِهم قولًا مُطَّرَحًا لا عبرةَ به.\nوقدْ يقعُ ذلكَ بسببِ الجهلِ بقولِهم، أو بسببِ عدمِ الاعتدادِ بهم وبما وردَ عنهم منْ تفسيرٍ، وهذا شأنُ أهلِ البدعِ.\nومنَ الأمثلةِ في ذلكَ، قولُه تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩]، فقدْ وردَ عنِ السَّلفِ أنَّ البكاءَ منَ الأرضِ والسَّماءِ بكاءٌ حَقِيقِيٌّ، ومنْ ذلكَ ما رواهُ سعيدُ بنُ جبيرٍ (ت:٩٤)، قالَ: «أتى ابنَ عباسٍ رجلٌ، فقال: يا أبا عباسٍ، أرأيتَ قولَ اللهِ ﵎: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩]، فهل تبكي السَّماءُ والأرضُ على أحدٍ؟.\nقالَ: نعم. إنَّه ليسَ أحدٌ منَ الخلائقِ إلاَّ له بابٌ في السماءِ منه ينْزلُ رزقُهُ، وفيه يصعدُ عملُهُ، فإذا ماتَ المؤمنُ، فأغلِقَ بابُه منَ السَّماءِ الذي كان يصعدُ فيه عملُه، وينْزلُ منه رزقُهُ، بكى عليه.\nوإذا فَقَدَهُ مُصَلاَّهُ من الأرضِ التي كانَ يُصلِّي فيها، ويذكرُ اللهَ فيها، بَكَتْ عليه. وإنَّ قومَ فرعونَ لم يكنْ لهم في الأرضِ آثارٌ صالحةٌ، ولم يكنْ يصعدُ إلى السَّماءِ منهم خيرٌ، قالَ: فلم تَبْكِ عليهم السَّماءُ والأرضُ» (١).\n_________\n(١) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٥:١٢٤ - ١٢٥). وفيه عن ابن عباس من رواية عطية =","vol":"1","page":613},{"text":"وقدْ وردَ هذا التَّفسيرُ عنْ عليِّ بنِ أبي طالبٍ (ت:٤٠) (١)، وسعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:٩٤) (٢)، وإبراهيمَ النَّخَعِيِّ (ت:٩٦) (٣)، ومجاهدَ (ت:١٠٤) (٤)، والضَّحَّاكِ بن مزاحم (ت:١٠٥) (٥)، وقتادةَ (ت:١١٧) (٦)، وعطاءَ الخُرَسَانِيِّ (ت:١٣٥) (٧).\nورُوِيَ في ذلكَ حديثٌ ضعيفٌ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «ما منْ مؤمنٍ إلاَّ وله بابانِ: بابٌ يصعدُ منه عملُه، وبابٌ ينْزلُ منه رزقُهُ، فإذا ماتَ بَكَيَا عليه، فذلك قولُه ﷿: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩]» (٨).\nومن ثَمَّ، فالبكاءُ منَ السماءِ والأرضِ حقيقةٌ، وإنْ لم يَعْلَمِ البشرُ كيفيَّةَ\n_________\n= العوفي ومجاهد. وينظر في تفسير ابن كثير (٧:٢٥٤)، وفي معاني القرآن، للفراء، عن ابن عباس من طريق الكلبي عن أبي صالح (٣:٤١)، وحالُ هذه الروايةِ معلومٌ.\n(١) معاني القرآن للنحاس (٦:٤٠٤)، وتفسير ابن كثير (٧:٢٥٤).\n(٢) معاني القرآن، للفراء (٢:٤١)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٥:١٢٥).\n(٣) تفسير ابن كثير (٧:٢٥٤).\n(٤) تفسير ابن كثير (٧:٢٥٤)، والذي ورد في الطبري عنه أنه حكى التفسير، ومنها قوله: «كان يقال: تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحًا». تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٥:١٢٥).\n(٥) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٥:١٢٦).\n(٦) تفسير عبد الرزاق (٢:١٧٠)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٥:١٢٦).\n(٧) حلية الأولياء (٥:١٩٧).\nوعطاء الخرساني: عطاء بن أبي مسلم، المحدث، الواعظ، المفسّر، مزيل دمش، روى عن عروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح وغيرهما، وعنه: ابن جريج ومعمر بن راشد وغيرهما، صدوق يهم كثيرًا ويرسل ويدلس، توفي سنة (١٣٥). ينظر: تهذيب الكمال (٥:١٧٥ - ١٧٨)، وتقريب التهذيب (ص:٦٧٩).\n(٨) رواه الترمذي في سننه برقم (٣٢٥٥)، وقال: «هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلاَّ من هذا الوجه، وموسى بن عبيدة، ويزيد بن أبان الرُّقاشي يضعَّفان في الحديث».\nوقد رواه أبو يعلى، وابن أبي حاتم، ينظر: تفسير ابن كثير (٧:٢٥٣).\nكما رواه مرسلًا شريح الحضرمي، ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٥:١٢٥).","vol":"1","page":614},{"text":"ذلك (١)، ولا يَصِحُّ إنكارُهُ لعدمِ رؤيةِ ذلكَ منهما؛ لأنَّ عَدَمَ المعرفةِ بِكُنْهِ ذلك لا يلزمُ منه عَدَمُ الوقوعِ، وهو من غيبِ اللهِ المستورِ، واللهُ أعلمُ.\nوقد وردتْ أقوالٌ فيها مُنَاقَضَةٌ لما وردَ عنِ السَّلفِ؛ لأنَّ فيها صَرْفًا للَّفظِ عن ظاهرِهِ، ومنها:\n١ - ذهبَ به قومٌ مذاهبَ العربِ في قولِهم: بَكَتْهُ الرِّيحُ والبَرْقُ؛ كأنَّه يريدُ أنَّ اللهَ ﷿ حينَ أهلكَ فرعونَ وقومَهُ وغرَّقَهم وأورثَ منازلَهم وجنَّاتِهم غيرَهم، لم يَبْكِ عليهم بَاكٍ، ولم يجزعْ جازعٌ، ولم يُوجَدْ لهم فَقَدٌ (٢).\n٢ - وقالَ آخرونَ: أرادَ: فما بكى عليهم أهلُ السَّماءِ ولا أهلُ الأرضِ، فأقامَ السَّماءَ والأرضَ مقامَ أهلِها (٣).\nوهناكَ تأويلاتٌ أخرى تَخْرُجُ باللَّفظِ عن حقيقِته (٤)، اكتفيت بما ذَكَرْتُهُ هنا.\nهذا ما قالوه في تفسيرِ الآيةِ، فسلَّطوا عليها تأويلاتِهم المنحرفة، كما سلَّطوه على مذهب السَّلفِ فلم يسلمْ من تحريفاتهم، فقد جعلوا تفسيرَهم ليسَ منْ بابِ الحقيقةِ.\n_________\n(١) ذكر بعض السلف صورة بكاء السماء، وأنه بحمرتها التي تصير بها، ينظر مثلًا: تفسير ابن كثير (٧:٢٥٤ - ٢٥٥)، والله أعلم هل هو ذاك البكاء المراد أم لا؟.\n(٢) ينظر: تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة (ص:١٦٩ - ١٧٠)، ومعاني القرآن، للنحاس (٦:٤٠٥)، وبحر العلوم، للسمرقندي (٣:٢١٨)، وأمالي الشريف المرتضى (١:٥٠ - ٥٣)، والكشاف (٣:٥٠٤)، والمحرر الوجيز (١٣:٢٧٧ - ٢٧٩).\n(٣) ينظر: تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة (ص:١٧٠)، ومعاني القرآن، للنحاس (٦:٤٠٥)، وبحر العلوم، للسمرقندي (٣:٢١٨)، وتلخيص البيان في مجازات القرآن، للشريف الرضي (ص:٢٥٥)، وأمالي الشريف المرتضى (١:٥٠ - ٥٣)، والكشاف (٣:٥٠٤).\n(٤) ينظر: تلخيص البيان في مجازات القرآن، للشريف الرضي (ص: ٣٥٥)، وأمالي الشريف المرتضى (١: ٥٣ - ٥٥)، ومجمع البيان، للطبرسي (٢٥: ١١٢)، ويظهر أنه نقله عن الشريف المرتضى.","vol":"1","page":615},{"text":"قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزليُّ (ت:٥٣٨): «وكذلكَ ما يُرْوَى عنِ ابنِ عباسٍ ﵄ منْ بكاءِ مُصَلَّى المؤمنِ وآثارِهِ في الأرضِ، ومصاعدِ عملِه ومهابطِ رزقِهِ في السَّمَاءِ - تمثيلٌ» (١).\nوإذا كانَ هؤلاءِ لم يَحْتَشِمُوا في ظواهرِ القرآنِ، فَسَلَّطوا عليها التَّأويلَ المزعومَ فيه الرجوعُ إلى الحُجَجِ العقليَّةِ التي هي الدَّليلُ عندَهُم، وعليها تُعْرَضُ ظَوَاهِرُ القرآنِ (٢)، وهذا المذهبُ بمسمَّى التَّحريفِ أَوْلَى، فإذا كانَ هذا مذهبُهم في ظواهرِ القرآنِ = فمنْ بابٍ أَوْلَى أنْ لا يَحْتَشِمُوا في ألفاظِ منْ سواهُ.\nوالمقصودُ أنَّ هذه التَّفاسيرَ المبتدَعَةَ تُنَاقضُ ما جاءَ عنِ السَّلفِ؛ لأنَّ قولَ السَّلفِ يجعلُ البكاءَ منَ السَّماءِ والأرضِ حقيقةً، كما هو ظاهرُ التَّنْزيل. وهذه الأقوالُ بأجمعِها لا تجعلُ لهما بُكَاءً.\nومنْ ثَمَّ، فإنَّ ما ذهبوا إليه - من إنكارِ كَونِ السَّماءِ والأرضِ تبكيانِ - قولٌ مردودٌ، ولا يؤخذُ به؛ لعدمِ إمكانيَّةِ اجتماعه مع ما قالَه السَّلفُ في معنى الآيةِ، إذ هو مناقضٌ لقولِهم، واللهُ أعلمُ.\n_________\n(١) الكشاف (٣: ٥٠٤). وينظر تخريج الشريف المرتضى لقول ابن عباس، في أماليه (١:٥٣)، فقد حمله على المجازِ.\n(٢) يقول الشريف المرتضى في أماليه (٢:٣٥٠): «اعلمْ أنَّ المُعَوَّلَ فيما يُعتَقَدُ على ما تدلُّ الأدلةُ عليه منْ نَفْيٍ أو إثباتٍ.\nفإذا دَلَّتِ الأدلةُ على أمرٍ منَ الأمورِ، وجبَ أنْ نَبْنِيَ كَلَّ واردٍ منَ الأخبارِ - إذا كانَ ظاهرُه بخلافِه - عليه، ونسوقُه إليه، ونطابقُ بَينَهُ وبَينَهُ، ونُجَلِّي ظاهرًا إن كانَ له، ونَشْرِطَ إنْ كانَ مطلقًا، ونخُصَّه إنْ كانَ عامًّا، ونفصِّلَه إنْ كانَ مجملًا، ونوفِّقَ بينه وبينَ الأدلةِ منْ كلِّ طريقٍ اقتضى الموافقةَ وآلَ إلى المطابقةِ.\nوإذا كنَّا نفعلُ ذلك ولا نَحْتَشِمُهُ في ظواهرِ القرآنِ المقطوعِ على صحتِه، المعلومِ ورودُه، فكيفَ نتوقَّفُ عن ذلكَ في أخبارِ آحادٍ لا توجبُ عِلْمًا، ولا تُثْمِرُ يقينًا؟! فمتى وردتْ عليك أخبارٌ فاعرضْها على هذه الجملةِ وابْنِهَا عليها، وافعلْ فيما حَكَمَتْ به الأدلةُ، وأوجبْتُه الحججُ العقليَّةُ، وإن تعذَّرَ فيها بناءٌ وتأويلٌ وتخريجٌ وتنْزيلٌ، فليسَ غيرُ الاطِّراحِ لها، وترك التعريجِ عليها».","vol":"1","page":616},{"text":"الضابط الثاني: أن يكون المعنى المفسَّر به صحيحًا:\nالمرادُ بذلك أن يكونَ اللَّفظُ المفسِّرُ لألفاظِ القرآنِ واردًا عن العربِ، وهذا الضَّابطُ يفيدُ في رَدِّ التَّفاسيرِ التي يظهرُ عليها الصِّبغةُ اللُّغويَّةُ، وعندَ التَّحقيقِ يظهرُ أنَها لا تَمُتُّ للُغةِ العربِ بِصِلَةٍ، وغالبًا ما تظهرُ هذه المعاني عندَ المبتدعةِ، وهي قسمانِ:\nالقسمُ الأوَّلُ: أنْ يكونَ المعنى اللُّغويُّ مُسْتَحْدَثًا، وقدْ مَرَّ في الفصلِ السَّابقِ ذكرُ مثالٍ له، وهو تفسيرُ الاستواءِ عندَ جمهورِ المبتدعةِ من أهلِ التَّأويلِ (١)، وسأكتفي بما قد سبقَ ذِكْرهُ مما يتعلَّقُ بهذا القسمِ.\nالقسمُ الثاني: أنْ يكونَ المعنى المُفَسَّرُ به مُصْطَلَحًا حَادِثًا، ومنْ ثَمَّ، فإنه لا يَمُتُّ لِلُغَةِ العربِ بِصِلةٍ، وتفسيرُ النُّصوصِ بالاصطلاحِ الحادثِ منْ أخطرِ التَّأويلِ وأشنعِهِ؛ لأنه يُبعدُ القرآنَ عنْ مدلولِه العربيِّ إلى مدلولاتٍ ما أَنزَلَ اللَّهُ بها منْ سلطانٍ، يقول ابنُ القيِّمِ (ت:٧٥١) - في معرضِ ذِكْرِهِ لأنواعِ التَّأويلِ الباطلِ ـ: «الرابع: ما لم يُؤلَفِ استعمالُهُ في ذلك المعنى في لغةِ المُخَاطَبِ، وإنْ أُلِفَ في الاصطلاحِ الحادثِ، وهذا موضعٌ زَلَّتْ فيه أقدامُ كثيرٍ منَ النَّاسِ، وضَلَّتْ فيه أفهامُهم، حيثُ تأوَّلوا كثيرًا منْ ألفاظِ النُّصوصِ بما لم يُؤْلَف استعمالُ اللَّفظِ له في لغةِ العربِ البَتَّة، وإنْ كانَ معهودًا في اصطلاحِ المتأخرينَ، وهذا مما ينبغي التَّنَبُهُ له، فإنه حصلَ بسببِهِ منَ الكذبِ على اللهِ ورسولِهِ ما حصلَ؛ كما تَأَوَّلَتْ طائفةٌ قولَه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام: ٧٦] بالحركةِ، وقالوا: استَدلَّ بحركتِه على بطلانِ ربوبيَّتِهِ. ولا يُعْرَفُ في اللُّغةِ التي نزلَ بها القرآنُ أنَّ الأفولَ هو الحركةُ البَتَّةَ في موضعٍ واحدٍ.\nوكذلكَ تأويلُ «الأحد» بأنَّه الذي لا يتميَّزُ منه شيءٌ عنْ شيءٍ البَتَّةَ. ثمَّ قالوا: لو كانَ فوقَ العرشِ لم يكنْ أَحَدًا. فإنَّ تأويلَ الأحدِ بهذا المعنى لا\n_________\n(١) ينظر (ص:٥٣٧ - ٥٤٠) من هذا البحث.","vol":"1","page":617},{"text":"يعرفُهُ أحدٌ منَ العربِ ولا أهلِ اللُّغةِ، ولا يُعرفُ استعمالُه في لغةِ القومِ في هذا المعنى في موضعٍ واحدٍ أصلًا، وإنَّما هو اصطلاحُ الجَهْمِيَّةِ، والفَلاَسِفَةِ، والمُعْتَزِلَةِ، ومن وافقَهم ...» (١).\nومنْ ثَمَّ، فكلُّ تفسيرٍ ليسَ له أصلٌ في لغةِ العربِ فهو مردودٌ، وهذا الضابطُ يَرُدُّ كثيرًا من التفاسيرِ المبنيَّةِ على المصطلحاتِ الحادثةِ، أيًّا كانتْ، وممنْ كانتْ؛ كتفاسيرِ الرافضةِ، وتفاسيرِ الصوفيَّةِ، وتفاسيرِ الباطِنَّيةِ (٢)، وتفاسيرِ الفلاسفةِ، والتفاسيرِ المبنيَّة على العلمِ التجريبيِّ العصريِّ، أو ما يُسمَّى - مغالطةً - بالتَّفسيرِ العصريِّ، وغيرها.\nوقدْ يكونُ شيءٌ من هذه المصطلحاتِ منْ مصطلحاتِ الأممِ غيرِ الإسلاميَّةِ، فيجتهِدُ الَّذي يتناولُ تفسيرَ الآياتِ في التوفيقِ بينَ ما جاءَ في القرآن، وما جاءَ عند هؤلاءِ الأقوامِ، وكثيرًا ما يقعُ هذا عند الفلاسفةِ الَّذين عاشوا في ظلِّ الإسلامِ (٣).\n_________\n(١) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم، تحقيق: د. علي الدخيل الله (١:١٨٩ - ١٩١). وينظر: تفسير المنار (١:١٩ - ٢٠)، ففيه كلام عن هذا الموضوع.\n(٢) مضى ذكرُ مثالٍ في المبحث الثاني من الفصل الأول من الباب الأول.\n(٣) من الفلاسفة الَّذين كتبوا في التوفيق بين الشريعة والفلسفة: ابن سينا والفارابي وإخوان الصَّفا، وابن رشد، في كتابه (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال).\nكما وقع للغزالي مثل ذلك في بعض كتبه؛ ككتاب جواهر القرآن، ومشكاة الأنوار.\nوقد كان لهؤلاء محاولات في التوفيق بين الشريعة والفلسفة، فحملوا ألفاظها على ما جاء في فلسفاتِ اليونانِ، فحرَّفوا بذلك الدينَ، وجعلوا ما يصدرُ من أولئك من الكفرِ البواحِ موافقًا لما جاءَ في الشريعة الإسلامية، وقد ناقشهم بعضُ الأعلامِ؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، في مواطن كثيرة من كتبه؛ ككتاب: درء تعارض العقلِ والنقل، وكتاب بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد من القائلين بالحلول والاتحاد، وغيرها. واللهُ المستعانُ.","vol":"1","page":618},{"text":"وعمومُ هؤلاءِ الذينَ يفسرونَ بالمصطلحاتِ الحادثةِ:\nإمَّا أن يكون قولُهم عنْ جهلٍ.\nوإمَّا أنْ يكونَ عن هَوًى، فهم يعلمونَ الحقَّ ويخالفونَه.\nوإمَّا أنْ يجتمعَ فيهم هذان السَّببانِ اللَّذانِ هما سببُ الأقوالِ المنحرفةِ التي يظهر فيها الجرأة على تأويل كتاب الله بلا علم.\nوسأسوقُ لكلِّ قومٍ من هؤلاءِ مثالًا من تفاسيرهمِ، واللهُ المستعانُ.\n* من أمثلةِ تفاسيرِ الرَّافضةِ، تفسيرُ قوله تعالى: و﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، قالوا: أُولي الأمر: الأئمةُ من أهلِ البيتِ (١).\nوتخصيصُ أولي الأمرِ بأهلِ البيتِ، تحكُّمٌ لا دليلَ عليه، وهو مخالفٌ لتفسيرِ السَّلفِ، وهم فيه على وجهين:\n_________\n(١) ينظر على سبيل المثال: مجمع البيان في تفسير القرآن، للطبرسي (٥:١٣٨ - ١٣٩)، وقد ذكر القولين المشهورين، ثم قال: «وأما أصحابنا، فإنهم رووا عن الباقر والصادق ﵉ أنَّ أولي الأمر: هم الأئمة من آل محمد، أوجب الله طاعتهم بالإطلاق، كما أوجب الله طاعته وطاعة رسوله، ولا يجوز أن يوجب الله طاعة أحد على الإطلاق إلاَّ إذا ثبتت عصمته، وعلِمَ أنَّ باطنه كظاهره، وأمِنَ منه الغلط والأمر القبيح، وليس ذلك بحاصلٍ في الأمراء ولا العلماء سواهم، جلَّ اللهُ أن يأمر بطاعة من يعصيه أو الانقياد للمختلفين في القول والفعل؛ لأنه محال أن يطاع المختلفون، كما أنه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه.\nومما يدل على ذلك أيضًا: أن الله تعالى لم يقرن طاعة أولي الأمر بطاعة رسوله، كما قرن طاعة رسوله بطاعته إلاَّ وأولو الأمر فوق الخلق جميعًا، كما أن الرسول فوق أولي الأمر وفوق سائر الخلق.\nوهذه صفة أئمة الهدى من آل محمد ﷺ الذين ثبتت إمامتهم وعصمتهم، واتفقت الأمة على علوِّ مرتبتهم وعدالتهم».\nوقد ذكر الراغب في مفردات ألفاظ القرآن تفسير أولي الأمر بأئمة أهل البيت، ولم يعلِّق عليه بشيء. ينظر (ص:٩٠).","vol":"1","page":619},{"text":"الأول: هم الأمراء (١).\nالثاني: العلماء (٢).\nأمَّا مصطلحُ أهلِ البيتِ، وما لَحِقَه من أحكامٍ تخصُّهم عندهم - كالعصمةِ وغيرِها - فإنَّه جاءَ متأخِّرًا، وحملوا عليه الآيةَ، وبنوا عليه وجوبَ طاعتهم دونَ غيرِهم، وغير ذلك من الأحكامِ التي تخصُّ أهلَ البيتِ عندهم.\n* ومن تفاسيرِ الفلاسفةِ (٣): تفسيرُ الأفولِ في قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦]، حيثُ فَسَّرَهُ بعضُ المعتزلةِ وغيرُهم منَ المبتدعةِ بأنَّه الحَرَكَةُ (٤)، وقصدوا بذلكَ أنَّ إبراهيمَ نَفَى ألوهيَّةَ هذه الكواكبِ بوجودِ الحَرَكَةِ فيها، والحَرَكَةُ دليلٌ على الحدوثِ، ومنْ ثَمَّ، فإنَّ هذه الكواكبَ مُحْدَثَةٌ مخلوقةٌ، والرَّبُّ لا تجوزُ عليه الحَرَكَةُ، فما جاءَ منَ النُّصوصِ التي فيها من صفاتِ اللهِ الاختياريَّةِ؛ كالنُّزولِ، والمجيءِ، وغيرِها، جعلوها تدلُّ على الحركةِ والانتقالِ، ثُمَّ أَوَّلُوهَا بسببِ هذه الدَّعْوَى.\n_________\n(١) ورد القول بهذا عن أبي هريرة، وابن عباس، وميمون بن مهران، وابن زيد، والسدي، وغيرهم. ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٨:٤٩٧ - ٤٩٩)، وتفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد الطيب (٣:٩٨٧ - ٩٨٨).\n(٢) ورد القول بهذا عن ابن عباس، ومجاهد، وابن أبي نجيح، وعطاء بن السائب، والحسن، وأبي العالية. ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٨:٤٤٩ - ٥٠١)، وتفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد الطيب (٣:٩٨٩).\nوقد ورد غير هذين القولين، وهما داخلان في أحدهما، كمن قال: أولي الأمر: أبو بكر وعمر، فإنَّ هذا يدخل في القولين معًا، فهم من الأمراء ومن العلماء.\n(٣) تجدُ في كتاب روح المعاني، للآلوسي أمثلةً كثيرةً من التفاسيرِ التي نقلها عن ابن سينا، وينظر منه على سبيل المثال، تفسير سورة الفلق (٣٠:٢٨٤ - ٢٨٥).\n(٤) ينظر: الرد على بشر المريسي (ص:٥٥)، وتفسير الرازي (١٣:٤٣)، ودرء تعارض العقل والنقل (١:٣١٠ - ٣١٥)، والصواعق المرسلة (١:١٩٠).","vol":"1","page":620},{"text":"وقد ردَّ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ (ت:٧٢٨)، على تفسيرِهم للأفولِ، فقالَ: «... الوجهُ الثَّالثُ: أنَّ الأُفُولَ هو المَغِيبُ والاحْتِجابُ، ليسَ هو مجرَّدَ الحركةِ والانتقالِ، ولا يقولُ أَحَدٌ - لا من أهلِ اللُّغةِ ولا من أهلِ التَّفسيرِ ـ: إنَّ الشمسَ والقمرَ في حَالِ مسيرِهما في السَّماءِ، إنهما آفلانِ، ولا يقولُ للكواكب المرئيَّةِ في السَّماءِ في حالِ ظهورِها وجريانِها: إنها آفلةٌ، ولا يقولُ عاقلٌ لكلِّ مَنْ مَشَى وسَافَرَ وطَارَ: إنه آفِلٌ.\nالوجهُ الرَّابعُ: أنَّ هذا القولَ الذي قَالُوه لمْ يَقُلْهُ أحدٌ من علماءِ السَّلفِ أهلِ التَّفسيرِ، ولا من أهلِ اللُّغةِ، بل هو منَ التَّفسيراتِ المُبْتَدَعَةِ في الإسلامِ، كما ذَكَرَ ذلكَ عثمانُ بنُ سعيدٍ الدَّارِمِيُّ (١) وغيرُه من علماءِ السُّنَّةِ، وبَيَّنُوا أنَّ هذا منَ التَّفسيرِ المُبْتَدَعِ.\nوبِسَبَبِ هذا الابتداعِ أخذَ ابنُ سِينَا (٢) وأمثالُه لفظَ الأفولِ بمعنى الإمكانِ كما قال في إشاراتِه: قال قومٌ: إنَّ هذا الشَّيءَ المحسوسَ موجودٌ لذاتِه واجبٌ لنفسه، لكنْ إذا تذكرتَ ما قيلَ في شرطِ واجبِ الوجودِ لم تجدْ هذا المحسوسَ واجبًا، وتَلَوتَ قوله تعالى: ﴿لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦]، فإنَّ الهُوِيَّ في حَظِيرَةِ الإمكانِ أُفُولٌ (٣). فهذا قولُه.\nومنَ المعلومِ بالضَّرورِة من لغةِ العربِ أنهم لا يُسَمُّونَ كلَّ مخلوقٍ موجودٍ آفِلًا، ولا كُلَّ موجودٍ بغيرِهِ آفِلًا، ولا كُلَّ موجودٍ يَجِبُ وجودُهُ بغيرِهِ لا بنفسِهِ آفِلًا، ولا ما كانَ من هذه المعاني التي يَعْنِيهَا هؤلاءِ بلفظِ الإمكانِ،\n_________\n(١) ينظر رده على بشر المريسي (ص:٥٥).\n(٢) الحسين بن عبد الله بن الحسن، أبو علي، المعروف بالشيخ الرئيس، فيلسوف، طبيب، كان أهل بيته من الإسماعيلية، له آثارٌ كثيرةٌ في الطبِّ والفلسفة والمنطق؛ ككتاب القانون، وكتاب الشفاء، وغيرها. توفي سنة (٤٢٨). ينظر: عيون الإنباء في طبقات الأطباء (ص:٤٣٧ - ٤٥٩)، سير أعلام النبلاء (١٧:٥٣١ - ٥٣٦).\n(٣) الإشارات والتنبيهات، لابن سينا (٣:٥٣١ - ٥٣٢).","vol":"1","page":621},{"text":"بل هذا أعظمُ افتراء على القرآنِ واللُّغةِ منْ تسميةِ كلِّ متحركٍ آفِلًا. ولو كانَ الخليلُ أرادَ بقولِه: ﴿لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] هذا المعنى، لم ينتظرْ مغيبَ الكوكبِ والشَّمسِ والقَمَرِ، فَفَسَادُ قولِ هؤلاءِ المتفلسفةِ في الاستدلالِ بالآيةِ أظهرُ منْ فسادِ قولِ أولئكَ.\nوأعجبُ من هذا قولُ مَنْ قالَ في تفسيرِهِ: إن هذا قولُ المحققينَ (١).\nواستعارتُهُ لفظَ «الهُوِيِّ، والحَظِيرَةِ» لا يوجبُ تبديلَ اللُّغةِ المعروفةِ في معنى الأفولِ، فإنْ وَضَعَ هو لنفسِهِ وَضْعًا آخرَ، فليسَ له أنْ يتلوَ عليه كتابَ اللهِ تعالى فيبدِّله ويحرِّفهُ» (٢).\n* ومن أمثلةِ تفسيرِ القرآن بمصطلحاتِ العلمِ التَّجريبيِّ، الذي فُتِنَ به كثيرونَ، فصاروا يُجهِدونَ أنفسَهم في التوفيقِ بين ما في هذه العلوم التَّجريبيَّةِ الحديثةِ وبين نصوصِ القرآن، وقد أتوا في كثيرٍ من الأحيانِ بالطَّوامِّ، ولَيِّ أعناقِ النصوصِ إلى هذه العلومِ؛ كأنها هي الأصلُ، والقرآن تبعٌ لها، ومن أمثلةِ ذلك:\nيقول الشَّيخ أحمد محيي الدِّين العجوز - في كتابه (معالم القرآن في عوالم الأكوان) تحت عنوانِ: «حقيقة الذَّرَّةِ وطاقتها» ـ:\n«وقال العلماءُ قديمًا: أنَّ الجوهرَ الفردَ (الذَّرَّةَ) لا يتجزَّأ (٣)، ولا يمكنُ له ذلكَ. بيدَ أنَّ علماء الذَّرَّةِ في عصرنا الحديثِ توصَّلوا إلى تجزئةِ الذَّرَّةِ،\n_________\n(١) هو الرازي، وقد قال في تفسيره (١٣:٤٣): «وأيضًا قال بعضُ المحقِّقينَ: الْهُوِيُّ في خطرة (كذا) الإمكانِ أفولٌ».\n(٢) درء تعارض العقل والنقل (١:٣١٣ - ٣١٥). وقد نقل بعد هذا تفسير القرامطة والباطنية للكوكب والشمس والقمر، وهو من جنس هذا الذي ذكرته في تفسير الأفول عند المبتدعة.\n(٣) الجوهر الفرد: هو الجزء الذي لا يتجزَّأ، وهو لا شكل له، ولا يشبهه شيء من الأشكالِ.\nينظر: كشاف اصطلاحات الفنون، للتهانوي، تحقيق: لطيف بديع (١:٢٩٠ - ٢٩١).","vol":"1","page":622},{"text":"وإلى معرفةِ وزنها. واعتبروا أنَّ وزنها (١.٦٦) جزءً من مليونِ مليارِ مليارِ جزءٍ من الغْرَامِ، فسبحان اللهِ الَّذِي خلقَ الذَّرَّةَ ونواتها وما فيها من طاقةٍ وكتلةٍ وقوَّةٍ.\nوإذ توصَّلَ رجالُ العلمِ الحديثِ إلى تجزئتها، فإنَّ القرآن الكريمَ أعلنَ ذلكَ صراحةً مشيرًا لذلكَ بلفظِ (أصغر)؛ أي: أصغر من الذَّرَّةِ، فقال: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَانٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].\nوقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَاتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَاتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣].\nفذكر اللهُ: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، وهو وزنُها، ﴿وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾، وهو جُزْؤها، فيكونُ القرآنُ قدْ سبقَ علماءَ الذَّرَّةِ بذكر ثقلها ووزنها وانقسامها، فكانَ ذلك معجزةً واضحةً» (١).\nوهذا المتعرِّضُ لتفسيرِ هذه الآية - كما ترى - لم يُجهِدْ نفسَه في البحثِ عن معنى الذَّرَّةِ في لغةِ العربِ ولا في قولِ المفسِّرينَ، إذ لا تجدُ لهم ذِكْرًا عنده، بل حملها على مصطلحاتٍ حادثةٍ، فجعلها بمعنى الجوهرِ الفردِ عند المتكلِّمينَ، ثمَّ جعلها الذَّرَّة المعروفةَ في هذا العصرِ في اصطلاحِ الفيزيائيين والكيميائيين (٢)، وهلْ أُنزلَ القرآن على مصطلحاتِ المتكلمينَ أو منْ جاءَ بعدَهم؟!.\n_________\n(١) معالم القرآن في عوالم الأكوان، للشيخ أحمد محيي الدين العجوز (ص:٢٩٨ - ٢٩٩).\n(٢) الذَّرَّة في الفيزياء والكيمياء أصغر جزءٍ من المادة، وكان يُعتقَدُ أنها لا تنقسمُ، ثُمَّ ثبتَ بعدَ ذلكَ وقوعُ الانقسامِ فيها، وأنها تتكون من نيوترونات وبروتونات. ينظر: الموسوعة العربية الميسرة، ط: دار الشعب (ص:٨٤٤).","vol":"1","page":623},{"text":"أينَ لغةُ من نزلَ القرآن بلسانهم؟!.\nإنَّ الذَّرَّةَ بلسانِ العربِ: النَّملةُ الصَّغيرةُ، وهذا هو المعنى المعروفُ من هذا اللَّفظِ، ولذا تجدُ في بعضِ المعاجمِ: «والذَّرُّ: جمع ذرَّة، معروفٌ»؛ أي أنَّ هذا المعنى لا يخفى على أحدٍ يتكلَّمُ هذه اللُّغةَ.\nوهذا المعنى هو المرادُ هنا، وَرَدَ ذلكَ عنِ ابنِ عباسٍ (ت:٦٨) (١). وقالَ الطَّبَرِيُّ (ت:٣١٠): «وقوله: ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس: ٦١]: يعني: من زِنَةِ نملةٍ صغيرةٍ، يُحكَى عن العربِ: خُذْ هَذَا، فَإِنَّهُ أَخَفُّ مِثْقَالًا مِنْ ذَاكَ؛ أي: أخفُّ وزنًا (٢).\nوالذرة: واحدة الذر، والذر: صغار النمل» (٣).\n* ومن أمثلةِ التَّفسيراتِ العصريَّةِ الحديثة:\n١ - ما ورد في كتابِ (الكتاب والقرآن - قراءة معاصرة) في تفسير المراد بالجيوب في قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]: «والجيبُ - كما نعلم ـ: هو فتحةٌ لها طبقتانِ، لا طبقةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ الأساسَ في (جيبِ) هو فعلُ (جوب) في اللسانِ العربيِّ، له أصلٌ واحدٌ، وهو الخرقُ في الشَّيء، ومراجعةُ الكلامِ: السؤال والجواب.\nفالجيوبُ في المرأةِ لها طبقتانِ، أو طبقتانِ مع خرقٍ، وهي: ما بين الثَّديينِ، وتحت الثَّديينِ، وتحت الإبطينِ، والفرج، والأليتينِ (٤)، هذه كلها جيوبٌ، فهذه الجيوبُ يجبُ على المرأةِ المؤمنةِ أن تغطيها، لذا قال: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾» (٥).\n_________\n(١) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٢٧٠ - ٢٧١)، والدر المنثور (٢:٥٣٩).\n(٢) ورد هذا عند أبي عبيدة، قال: «أي: زنَةَ نملةٍ صغيرةٍ، ويقال: خذ هذا فإنه أخفُ مثقالًا؛ أي: وزنًا» مجاز القرآن (١:٢٧٨).\n(٣) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٥:١١٦ - ١١٧).\n(٤) الصَّوابُ: الأليتانِ.\n(٥) الكتاب والقرآن/ قراءة معاصرة، للدكتور: محمد شحرور (ص:٦٠٧)، والكتاب مليءٌ بالمغالطاتِ والأخطاءِ العجيبة، وقد كثرت عليه الردود العلمية القيمة.","vol":"1","page":624},{"text":"وهذا الكلامُ فيه اعتداءٌ على العربيَّةِ، وإدِّعاءٌ عليها في معنى الجيوبِ؛ لأنَّ المعنى الذي ذكره للجيب: «فتحة لها طبقتانِ»، معنًى مُحدَثٌ، وكأنَّه أخذه من المعنى الدارجِ بين العامَّةِ، وهو تسمية المخبأةِ جيبًا، وهذا اصطلاحٌ حادثٌ، لم يُعهدْ في لسانِ العربِ، ولا من نزلَ فيهم الخطاب، ومن ثَمَّ لا يصحُّ استنباطٌ معنى لغوي منه، ولا حملُ القرآنِ عليه.\nوالجيبُ في اللُّغةِ مأخوذٌ من مادة (جوب)، أو تكون الياء فيه أصليةً (١)، وتكونُ مادة مستقلَّةً، وكلاهما في جميع الأحوالِ يرجعانِ إلى أصلٍ واحدٍ يدلُّ على خرقِ الشَّيء أو قطعه (٢)، والمرادُ به في الآيةِ طوق الرأس مما يلي الرَّقبةَ، وهو ما يدخلُ فيه الرأسُ، والمعنى في ذلك أنْ تُغطِّيَ المرأةُ رأسها حتى يصلَ خمارُها إلى صدرِها فيتغطَّى منها الجيبُ.\nوهذا القائلُ، جعلَ معنى الجيبِ: الفتحةَ التي لها طبقتانِ، ثُمَّ حملَ الجيوبَ المذكورةَ على هذا المعنى الذي اختاره، تاركًا بذلكَ المعهودَ من لغةِ العرب، والمعروفَ من معنى الجيوبِ على من نزل القرآنُ بلغتِهم، وفسَّرُوه بفعلِهم، فأسدلوا الخمارَ حتى الصَّدرِ (٣).\n٢ - وما ورد في كتاب (مفهوم النَّصِّ/ دراسة في علوم القرآنِ)، حيث ذكرَ المؤلِّفُ في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، قال: «المسألةُ الأولى: أنَّ الأمر بالقراءةِ هنا أمرٌ بالتَّرديدِ، و«اقرأ»؛ معناها: «ردِّدْ»، وذلك على خلاف الفهمِ الشَّائعِ حتى الآنَ، والمستقر نتيجةَ تطوّرِ الشَّفاهيةِ إلى التدوينِ ...» (٤).\n_________\n(١) ينظر مثلًا: لسان العرب وتاج العروس، مادة (جيب).\n(٢) ينظر: مقاييس اللغة (١:٤٩٠ - ٤٩١)، (١:٤٩٧ - ٤٩٨)، والقاموس المحيط وشرحه تاج العروس، ولسان العرب، مادة (جوب)، ومادة (جيب).\n(٣) ينظر في الردِّ على هذا التحريف في هذه الآية وما يتعلق بها من حكم، كتاب: بيضة الديك - نقد لغوي لكتاب الكتاب والقرآن، ليوسف الصيداوي (ص:٧٥ - ٩٧).\n(٤) مفهومُ النص/ دراسة في علوم القرآن، للدكتور: نصر حامد أبو زيد (ص:٧٥).","vol":"1","page":625},{"text":"إنَّ هذا القائلَ يُثبتُ بنفسهِ أنَّ هذا المعنى خلافَ الفهمِ الشَّائعِ، فمن أيِّ لغةِ العربِ أخذَ هذا المعنى الجديد الذي جعله تفسيرًا لكلامِ اللهِ سبحانَه، وعلى أي أصلٍ بنى تفسيره هذا (١).\nولو سار قومٌ على مذهبه هذا لخرجَ لكتابِ اللهِ تفسيراتٌ كتفسيراتِ الباطنيَّةِ لا مرجع لها إلاَّ فهمُ القارئ للنَّصِّ، وهو حرٌّ في فهمه، وهذا خطرٌ عظيمٌ، وداءٌ جسيمٌ.\nإنَّ أي تفسيرٍ للفظٍ من ألفاظ القرآنِ لا يُؤخذ من لغةِ العربِ، فالتفسيرُ به غيرُ صحيحٍ البتَّةَ، وإلاَّ لقالَ كلُّ من هبَّ ودبَّ في القرآنِ، ولا ضابطَ لذلكَ ولا مرجعَ سوى قولِ القائلِ ورأيه واجتهادِه، وهذا يخالفُ الأصولَ العلميَّةَ الثَّابتةَ التي قعَّدَها العلماءُ في دراسةِ كتابِ اللهِ سبحانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>الضابط الثالث: أن تحتمل الآية المعاني في السياق:</span>\nيظهرُ عند التأمُّلِ أنَّ هذا الضابطَ إنَّما هو نتيجةٌ لصحة سَيرِ الضَّابطَينِ السَّابقَينِ؛ أي: إذا كان التَّفسيرُ لا يناقضُ المنقولَ عنِ السَّلفِ، وهو معنًى صحيحٌ، فإنَّ حكمه في الغالبِ أنَّ تحتملَه الآيةُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>الضابط الرابع: أن لا يُقصَرَ معنى الآية عليها:</span>\nإذا تَعدَّدتِ المعاني المحتملة للآيةِ، وكانَ هناكَ ما يدعو إلى تقديم قولٍ\n_________\n(١) في هذا الكتاب (مفهوم النص) طوامٌّ غير هذا، وليس هذا مجالُ نقدِها، ولكن أشيرُ هنا إلى اعتدادِ المؤلِّفِ بمعلوماتِه الذاتيةِ الانتقائيَّةِ، فما وافقه أخذ به، وما خالَفه أعرضَ عنه، حتى لو كان إجماعًا قائمًا، ومن ذلكَ قوله: «... ومن هنا يصعبُ أن نتقبَّلَ إجماع المفسرين على أن المقصودَ بتطهير الثياب: تطهيرِ النفس مما يُستقذرُ من الأفعال ويُستهجن من العادات». (ص:٨٣)، وفي قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، قال: «وقد أخطأ المفسِّرونَ أيضًا حين فهموا المنَّ بمعنى العطاءِ ...». (ص:٨٣)، وغيرها كثيرٌ.\nفمن كان أسلوبه العلميُّ، ومنهجُه البحثيُّ إجازةَ مخالفةِ الإجماعِ، فماذا بقيَ بعدَ ذلكَ؟!","vol":"1","page":626},{"text":"على غيرِه من بابِ تقديمِ الأَوْلَى، فلا إشكالَ في ذلكَ، لأنَّ ذلكَ التَّقديم ليسَ فيه إلغاءٌ للأقوالِ الأخرى المحتملَةِ.\nوالمقصودُ هنا أنْ يَقْتَصِرَ على معنًى ويُلْغِيَ غيرَهُ منَ الأقوالِ المحتملةِ إلغاءً تامًّا، وهذا المنهجُ مِمَّا يتميَّزُ به أهلُ البِدعِ، بلْ إنَّهم - أحيانًا - لا يذكرونَ قولَ السَّلفِ، وإنْ ذكروه لم يُحْسنِوا عَرْضَهُ؛ لجهلِهِم بأقوالِ السَّلفِ ومعرفةِ معانيها.\nومنَ الأمثلةِ التي وقعَ فيها قَصْرُ اللَّفظِ على أحد محتملاتِه، وإبطالُ غيرِهِ، ما وقعَ في تفسيرِ العِلْمِ في قولِه تعالى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فقولُه: ﴿مِنْ عِلْمِهِ﴾ يحتملُ معنيينِ:\nالأوَّلُ: لا يحيطونَ بشيءٍ من معلوماتِهِ.\nالثاني: لا يحيطونَ بشيءٍ من عِلْمِ ذاتِهِ وصفاتِهِ (١).\nوقد قَصَرَ المبتدعةُ معنى هذا اللَّفظِ على الأَوَّلِ دونَ الثَّاني، إمَّا إنكارًا لِصفَةِ العلمِ الإلهيِّ، وإمَّا إنكارًا لتَبَعُض عِلْمِ اللهِ تعالى.\nقالَ القاضي عبدُ الجبارِ (ت:٤١٥): «فإنْ سألَ المُخالِفُ، فقالَ: إنَّ هذه الآية تدلُ على أنَّه تعالى عَلِمَ بِعِلْمٍ؛ لأنَّه قال: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾.\nفجوابُه: أنَّ ظاهرَهُ يدلُّ على أنَّ عِلْمَهُ يَتَبَعَّضُ؛ لدخولِ لفظِ التَّبْعِيضِ فيه، فإنْ تَمَسَّكتم بالظَّاهرِ، فقولوا بذلكَ، وإنْ عدلتُم إلى أنَّ المرادَ بذلكَ المعلوماتِ لِيَصِحَّ التبعُّضُ فيها بذلكَ، سَقَطَ التَّعلقُ بالظَّاهِرِ.\n_________\n(١) ينظر: الصواعق المرسلة (٤:١٣٧٢)، وتفسير ابن كثير (١:٦٧٩ - ٦٨٠)، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي (١:٣١٥)، وتفسير آية الكرسي، لمحمد ابن عثيمين (ص:١٧).","vol":"1","page":627},{"text":"والمرادُ بذلكَ: أنهم لا يحيطونَ بشيءٍ منْ معلوماتِه إلاَّ بما شاءَ أنْ يُعْلِمَهُمْ أو يدلَّهم عليه» (١).\nوقال ابنُ عَطِيَّةَ (ت:٥٤٢): «قوله: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾، معناه: معلوماته. وهذا كقولِ الخَضِرِ لموسى ﵉ حينَ نَقَرَ العصفورُ منْ حرفِ السَّفينةِ ـ: ما نقصَ علمي وعلمُك منْ عِلْمِ اللهِ، إلاَّ كما نقص هذا العصفورُ منْ هذا البحرِ (٢)، فهذا وما شاكَلَهُ راجعٌ إلى المعلوماتِ؛ لأنَّ عِلْمَ اللهِ تعالى الذي هو صِفَةُ ذاتِهِ لا تَتَبَعَّضُ، ومعنى الآيةِ: لا معلومَ لأحدٍ، إلاَّ ما شاءَ اللهُ أنْ يُعْلِمَهُ» (٣).\nوليسَ قَصْرُ معنى «بعلمه» على معنىً واحدٍ بصوابٍ، بلِ الآيةُ تحتملُ الأمرينِ معًا، ولا تعارضَ بينهما، والأولُ يستلزمُ الثاني. قالَ الشيخُ ابنُ عُثيمِينَ (ت:١٤٢١): «وعِلْمُ في قولِه: ﴿عِلْمِهِ﴾ مصدرٌ يحتملُ أنَّه على بابهِ، ويحتملُ أنَّه بمعنى: معلومٍ؛ أي: لا يحيطونَ بشيءٍ مما يعلمُهُ اللهُ، إلاَّ بما شاءَ أنْ يُعْلِمَهُمْ إيَّاهُ، هذا احتمال.\nواحتمالٌ ثانٍ: ولا يحيطونَ بشيءٍ منْ عِلْمِهِ؛ أي: من علمِهِم نفسَهُ وصفاتهِ؛ يعني أنهم لا يحيطونَ بشيءٍ يعلمونَه في نَفْسِ اللهِ، أو في صفاتِه إلاَّ بما شاءَ؛ كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، فالآيةُ محتملةٌ للمعنيينِ جميعًا، وكلاهما صحيحٌ باعتبارِ الآيةِ، فنحنُ لا نعلمُ شيئًا منْ ذاتِ اللهِ أو صفاتِهِ إلا بما شاءَ عِلْمَنَا بهِ، فهو الَّذي أعْلَمَنَا أنَّه استوى على العرشِ، وهو الذي أَعْلَمَنَا على لسانِ رسولِه أنَّه ينزلُ إلى السَّماءِ الدُّنيا، وهكذا بقيةُ صفاتِهِ لا نعلمُها إلاَّ بما شاءَ.\nوكذلكَ معلوماتُهُ التي يعلمُها في السَّماواتِ وفي الأرضِ، لا نعلمُها إلاَّ بما شاءَ، فهو الذي أَعْلَمَنَا أنَّ هناكَ ملائكةٌ، وهو الذي أَعْلَمَنَا أنَّ هناكَ سبعُ\n_________\n(١) متشابه القرآن (١:١٣١ - ١٣٢).\n(٢) رواه الإمام البخاري وغيره، ينظر: فتح الباري، ط: الريان (٨:٢٦٤).\n(٣) المحرر الوجيز (٢:٣٨٤).","vol":"1","page":628},{"text":"سماواتٍ، وهكذا بقيَّةُ المعلوماتِ لا نحيطُ بها عِلْمًا إلاَّ بما شاءَ اللهُ، حتى المعلوماتِ التي بينَ أيدينا يجهلُها كثيرٌ منَّا، إلاَّ إذا شاءَ أنْ نَصِلَ إلى عِلْمِها، ففي الإنسانِ أشياءٌ لم يصلوا إليها حتى الآنَ، وكانوا يَصِلُونَ إليها شيئًا فشيئًا.\nفصارتِ الآيةُ شاملةً للمعنيينِ جميعًا، فنحنُ لا نعلمُ شيئًا مما يَعْلَمُهُ اللهُ، حتى فيما يتعلقُ بنا أنفسنا، إلاَّ ما شاءَ اللهُ. كما أنَّنَا لا نحيطُ بشيءٍ يتعلَّقُ بذاتِه وصفاتِه إلاَّ بما شاءَ» (١).\nوهذا هو الحقُّ والصَّوابُ، لا أنْ تُقْصَرَ الآيةَ على معنى ويُنْكَرَ ما تحتملُهُ بسببِ معتقدٍ فاسدٍ، ورأيٍ مناقضٍ لما كانَ عليه سلفُ الأمةِ.\nويقربُ منْ هذا أنْ يكونَ للَّفظِ في مدلولِه أكثرَ من أصلٍ في إطلاقِ اللُّغةِ؛ مثلَ لفظِ الحكيمِ، يشملُ لفظَ العلمِ، فكلُّ حكيمٍ عليمٌ، وليسَ كلُّ عليمٍ حكيمًا، وكذا لفظُ الخبيرِ يشملُ العليمَ، غيرَ أنَّ في معنى الخبيرِ زيادةٌ في الدلالةِ، وهي العلم ببواطنِ الأمورِ، وهكذا.\nومنَ الأمثلةِ التي وقعَ فيها الاقتصارُ على أحد الأصلينِ في معنى اللَّفظِ دونَ غيرهِ، ما وقع من المعتزلةِ في تفسيرِ لفطِ الإذنِ في بعضِ مواطِنه منَ القرآن، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، قال الرُّمَّانِيُّ (ت: ٣٨٤): «ويقالُ ما معنى الإذنِ هنا؟\nالجوابُ فيه قولانِ، الأول: ... الثاني: بإذن اللهِ: بعلمِ اللهِ، منه قوله تعالى: ﴿فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، و﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣]، و﴿آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيْدٍ﴾ [فصلت: ٣٧]» (٢).\n_________\n(١) تفسير آية الكرسي، لمحمد بن صالح بن عثيمين (ص:١٧ - ١٨).\n(٢) مخطوط تفسير الجامع لعلم القرآن آية (١٦٦) من سورة آل عمران. وينظر: متشابه =","vol":"1","page":629},{"text":"وتفسيرُ الإذنِ في هذا الموضعِ بالعلمِ تفسيرٌ للَّفظِ بجزءٍ منْ معناهُ؛ لأنَّ الإذنَ في هذا السياقِ يجمعُ بين معنيي الإباحة والعلمِ، وهو الإذنُ الكوني، أي: ما أصابكم يوم التقى الجمعانِ فبمشيئةِ اللهِ وقدرتِهِ (١).\nكما أنَّ تنظيرَه بهذه الآياتِ فيه خطأٌ؛ لأنها من آذنَه بالشَّيء يُؤذِنُه: إذا أعلمه. أمَّا التي في الآية الَّتي يُفسِّرُها، فهي من أَذِنَ بالشَّيء: إذا أباحَهُ له، ومثلُه: أَذِنَ له بالشيء (٢).\nوالمعنى في ما يَرِدُ به الإذْنُ الكَونِيُّ أنَّه إباحةُ اللهِ للشَّيءِ بالوقوعِ؛ يعني مشيئتَهُ له، وعدمَ ردِّه له، ولا تعني هذه المشيئةُ محبَّةَ اللهِ لما يشاءُ منْ هذه المقاديرِ.\nأمَّا إذا كانَ الإذنُ شرعيًا، فإنَّه من محبوباتِ اللهِ؛ مثل قولهِ تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، وقولهِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]، وغيرِها، فهذا الإذنُ في هذه الآياتِ إذْنٌ شرعيٌّ محبوبٌ للهِ سبحانَه، واللهُ أعلمُ.\nمثالٌ لما انطبقت عليه الضوابط:\nوبعدُ، فإذا اجتمعتْ هذه الضوابطُ في مثالٍ تفسيريٍّ، فإنَّ المعنى اللُّغويَّ المحتملَ يقبلُ بِنَاءً على هذه القاعدةِ (إذا ورد أكثر من معنى لغوي صحيح تحتمله الآية بلا تضاد جاز تفسير الآية بها)، وسأذكرُ مثالًا للمحتملِ اللُّغويِّ الذي يمكنُ قَبُولُهُ.\n* في قولِه تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]، وَرَدَ في تفسيرُ لفطِ «عَرَّفَها» معنيانِ:\n_________\n= القرآن، لعبد الجبار الهمذاني (١:١٧٢)، وأمالي الشريف المرتضى (١:٣٨ - ٣٩)، ومجمع البيان في تفسير القرآن، للطبرسي (٤:٢٥٧).\n(١) فسَّر سفيان الثوري قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فقال: «بقضاءِ اللهِ». تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:١٠٢).\n(٢) هذا المثالُ من تفسير القرآن بالقرآن وما شابهه، يفيد في التَّنبيه إلى أنَّه ليس كلُّ من حملَ معنى آيةٍ على آيةٍ صحَّ حملُه، كما أنَّ هذا الحملَ من اجتهادِ المفسِّرِ ورأيِهِ، ومن ثَمَّ يُناقشُ قولُه ويحاكمُ كما يُحاكمُ أيَّ تفسيرٍ بالرأيِ، واللهُ أعلمُ.","vol":"1","page":630},{"text":"الأول: وردَ عنِ السَّلفِ، وبعضِ اللُّغويينَ، والمعنى: أنَّ المسلمَ أعرفُ بدارِه في الجنَّةِ من دارِهِ الَّتِي في الدنيا، ويكون أصل معنى عرَّفها لهم من المعرفةِ والعلمِ بالشَّيء.\nوقد وردَ هذا التَّفسيرُ بهذا المعنى عنْ: مجاهد (ت:١٠٤) (١)، وقتادةَ (ت:١١٧) (٢)، وسلمةَ بن كُهَيلٍ (ت:١٢١) (٣)، والسُّدِّيِّ (ت:١٢٨) (٤)، والكَلْبِيِّ (ت:١٤٦) (٥)، وابنِ زيدٍ (ت:١٨٢) (٦). وقالَ به من اللغويين: الفراء (ت:٢٠٧) (٧) وأبو عبيدةَ (ت:٢١٠) (٨)، والنَّحَّاسُ (ت:٣٣٨) (٩).\nويشهدُ لهذا التفسيرِ ما رواهُ الإمامُ البخاريُّ (ت:٢٥٦) في صحيحِه عن الرَّسولِ ﷺ قالَ: «إذا خَلُصَ المؤمنونَ منَ النَّارِ، حُبِسُوا بقنطرة بينَ الجنَّةِ والنَّارِ، يَتَقَاصُّونَ مظالِمَ كانتْ بينهم في الدُّنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُفُّوا، أُذِنَ لهم في دخولِ الجنَّةِ، والَّذي نفسي بيده إنَّ أحدَهم بِمَنْزلِهِ في الجنَّةِ، أهدى منه بمنْزلِهِ الَّذي كانَ في الدُّنيا» (١٠).\n_________\n(١) تفسير مجاهد (ص:٦٠٤ - ٦٠٥)، وغريب الحديث، للحربي (١:١٨٩)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٦:٤٤).\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٦:٤٤).\n(٣) غريب الحديث، للحربي (١:١٨٩).\nوسلمة بن كهيل، الحضرمي، أبو يحيى الكوفي، روى عن سعيد بن جبير، وأبي مالك، وعنه: سفيان الثوري ومنصور بن المعتمر وغيرهما، ثقة يتشيَّع، توفي سنة (١٢١)، وقيل غير ذلك. تهذيب الكمال (٣:٢٥٤ - ٢٥٥)، وتقريب التهذيب (ص:٤٠٢).\n(٤) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٤:٣٦).\n(٥) تفسير عبد الرزاق (ص:١٨٠).\n(٦) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٦:٤٤ - ٤٥).\n(٧) معاني القرآن، للفراء (٣:٥٨).\n(٨) مجاز القرآن (٢:٢١٤).\n(٩) معاني القرآن، للنحاس (٦:٤٦٦).\n(١٠) ينظر فتح الباري، ط: الريان (١١:٤٣٠).","vol":"1","page":631},{"text":"الثاني: حكاه ابن قتيبة (ت:٢٧٦) عن أهل اللغة، والمعنى: طيَّبَها لهم، من قولِهم: طعامٌ مُعَرَّفٌ؛ أي: مُطَيَّبٌ (١).\nوهذا المعنى لا يناقِضُ الواردَ عنِ السَّلفِ، وهو معنًى صحيحٌ منْ جهةِ اللُّغةِ، والآيةُ تحتملُه من غيرِ أنْ يُقْصَرَ عليها هذا المعنى، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ، فإنَّه يَصِحُّ التَّفسيرُ به، ويكونَ الاختلاف في هذا المثالِ من اختلافِ التَّنوُّعِ الذي يرجعُ إلى أكثرَ منْ معنًى، وسببُ الاختلافِ: الاشتراكُ اللُّغويُّ في لفظِ «عرَّفَهَا».\nومنْ ثَمَّ، فالتَّفسيرُ على هذين المعنيين: ويدخل اللهُ المؤمنينَ الجنَّةَ الَّتِي أعلمهم منازلَهَم فيها، فعرفوها كما يعرفونَ بيوتهَم الَّتِي في الدُّنيا، وطيَّبَها لهم، فجعلها ذاتَ ريحٍ طيَّبةٍ. والله أعلم.\n_________\n(١) غريب القرآن، لابن قتيبة (ص:٤١٠)، وقد نسبه الحربي في غريب الحديث (١:١٨٩) للخليل، وينظر: معاني القرآن، للنحاس (٦:٤٦٦)، وجمهرة اللغة (٢:٧٦٦)، وديوان الأدب (٢:٣٦٦)، وتهذيب اللغة (٢:٣٤٥)، ومقاييس اللغة (٤:٢٨١)، والعباب الزاخر واللباب الفاخر، حرف الفاء (ص:٤٢٩).","vol":"1","page":632},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>ثالثًا لا يصحُّ اعتمادُ اللغةِ دونَ غيرهَا من المصادرِ التفسيريَةِ</span>\nلا إشكالَ في كونِ اللُّغةِ العربيَّةِ<span data-type=\"title\" id=toc-203> منْ أهمِّ مصادرِ التَّفسيرِ</span>، وأنَّه لا يصِحُّ لمُفَسِّرٍ أنْ يفسِّرَ القرآنَ وهو جاهلٌ بلغةِ العربِ، وقد سبق بيان شيءٍ من هذا.\nوسيكونُ الحديثُ هنا عن أنَّ اللُّغةَ لا تَسْتَقِلُّ بِفَهْمِ القرآنِ، وأنَّ الاعتماد عليها دونَ المصادرِ الأخرى يُوقِعُ في الغلطِ؛ لأنَّ التفسيرَ الصحيحَ قد يكونُ من جهةِ هذه المصادرِ، أو تكونُ هذه المصادرُ محدِّدةً للمعنى اللُّغويِّ المحتملِ عند تعدُّدِ وجوهِ التَّفسير، ومن أهمِّ هذه المصادرِ:\n١ - القرآنُ نفسُه؛ لأنَّه قدْ يفسِّرُ بعضُه بعضًا.\n٢ - ومعرفةُ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ والتَّفسيرِ النَّبويِّ.\n٣ - ومعرفةُ المصطلحاتِ الشَّرعيَّةِ.\n٤ - وأقوالُ الصَّحابةِ والتَّابعينَ وأتباعِهم.\n٥ - وأسبابُ النُّزولِ، وقَصَصُ الآيِ، وغيرُها مَمَّا قد يحُفُّ بآيةٍ دونَ غيرِها. فإذا استوعبَ المفسِّرُ هذه المعلوماتِ، وغيرَها من العلومِ التي يحتاجُها، أمكنَه أنْ يجتهدَ في التَّفسيرِ، ويرجِّحَ فيه بينَ الأقاويلِ.\nوسأذكرُ منَ الأمثلةِ ما يبيِّنُ أنَّ اعتمادها وحدها أوقعَ في مخالفةِ الصَّحيحِ من التَّفسيرِ المعتمدِ على المصادرِ الأخرى، ومنها:","vol":"1","page":633},{"text":"١ -<span data-type=\"title\" id=toc-205> مخالفة المصطلحات الشرعيَّة:</span>\nجاءَ الشَّرْعُ بمصطلحاتٍ جديدةٍ على العربِ، وإنْ كانَ أصلُ اللَّفظِ لا يزالُ باقيًا في المصطلحِ، وإنَّما زادَ الشَّرعُ عليه بعضَ الضَّوابطِ، فخرجَ بذلكَ عنْ كونِه حقيقةً لغويةً، إلى كونِهِ مصطلحًا شرعيًّا.\nوقد كتبَ في هذا الموضوعِ بعضُ علماءِ اللُّغةِ؛ كابنِ قتيبةَ (ت:٢٧٦) في أوَّلِ كتابِه: غريبِ القرآنِ، وأبي حاتم الرازي (ت:٣٢٢) (١) في كتابهِ: الزِّينةِ في الكلماتِ الإسلاميَّةِ، وابنِ فارسٍ (ت:٣٩٥) في كتابهِ: الصَّاحبي في فقهِ اللُّغةِ (٢).\nكما كتبَ فيه علماءُ أصولِ الفقهِ (٣) والعقائدِ (٤) تحت مسمَّى (الحقيقةِ الشرعيةِ)، ونشأ عنْ ذلك قاعدةٌ في ما لو تجاذبَ اللفظَ الحقيقةُ اللُّغويَّةُ والحقيقةُ الشَّرعيَّةُ، أيُّهما يقدَّمُ؟\nوكانتِ القاعدةُ: أنَّ الحقيقةَ الشَّرعيَّةَ مقدَّمةٌ على الحقيقةِ اللُّغويَّةِ، لأنَّ الشَّارع مَعْنِيٌّ ببيانِها لا ببيان اللُّغاتِ.\nوالمقصودُ أنَّ الأصلَ في ما جاءَ منَ الأسماءِ الشَّرعيَّةِ في القرآنِ: أنْ يفسَّرَ على مصطلحِ الشَّرعِ، وإن فُسِّرَ على اللُّغةِ فقطْ، كانَ ذلكَ قصورًا وإخراجًا للَّفظِ عن مفهومِهِ الشَّرعيِّ.\n_________\n(١) أحمد بن حمدان، أبو حاتم الرَّازي، الإسماعيلي، قال ابن حجر: «كان من أهلِ الفضل والأدبِ والمعرفةِ باللغةِ، وسمع الحديث كثيرًا، وله تصانيف، ثمَّ أظهر القول بالإلحادِ، وصار من دعاة الإسماعيليةِ، وأضلَّ جماعة من الأكابر، ومات سنة (٣٢٢)». لسان الميزان (١:١٦٤).\n(٢) ينظر: الصاحبي في فقه اللغة، تحقيق: السيد أحمد صقر (ص:٧٨ - ٨٦).\n(٣) ينظر على سبيل المثال: البحر المحيط في أصول الفقه، لبدر الدين الزركشي، تحقيق: عبد القادر العاني (٢:١٥٤ - ١٧٠).\n(٤) ينظر على سبيل المثال: كتاب مسائل الإيمان، للقاضي أبي يعلى الحنبلي، تحقيق: سعود الخلف (ص:١٥٢)، وما بعدها.","vol":"1","page":634},{"text":"وسأذكرُ لذلكَ مثالًا مشهورًا وقعَ في تفسيرِهِ اختلافٌ بينَ طوائفِ الأمَّةِ، وهو تفسيرُ الإيمانِ، والإيمانُ في المصطلحِ الشرعيِّ يشملُ: اعتقادَ القلبِ، وقولَ اللِّسانِ وعملَ الجوارحِ، وهو يزيدُ بالطَّاعةِ وينقصُ بالمعصيةِ.\nوقالَ قومٌ: هو التَّصديقُ، واستدلوا لذلكَ بأنَّه في أصلِ اللُّغةِ كذلكَ؛ كقولِ الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]، قالوا: ما أنتَ بِمُصَدِّقٍ. وقد بَنَوا على ذلك: أنَّ ما في القلبِ منَ الإيمانِ ليسَ إلاَّ التَّصديقُ فقط، دونَ أعمالِ القلوبِ، وأنَّ الإيمانَ الذي في القلبِ يكونُ تامًّا بدونِ شيءٍ من الأعمالِ، التي يجعلونَها من ثمرةِ الإيمانِ.\nولما جاءوا إلى تأويلِ الآياتِ التي ذُكِرَ فيها زيادةُ الإيمانِ؛ كقولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وأنكروا أنْ يكونَ في الإيمانِ ذاتِه زيادةٌ؛ لأنه عندَهم هو التَّصديقُ، وهو شيءٌ واحدٌ، لا يُتَصوَّرُ فيه الزيادةُ، وجعلوها زيادةً في متعلَّقاتِه، وليس في ذاتِه (١).\nوجَعْلُ الإيمانِ في اللُّغةِ مجرَّدَ التَّصديقِ فقط فيه قصورٌ في تحصيلِ معناه اللُّغويُّ، وهو تفسيرٌ للشيءِ بِجُزْءٍ من معناهُ؛ لأنَّ أصلَه الثلاثيَّ مِنْ مَادَّةِ أمِنَ، وهي تدلُّ على التَّصديقِ المقرونِ بالثَّقَةِ والسُّكونِ إلى المصدَّقِ به، لا مجرَّد التَّصديقِ.\nقالَ النَّضْرُ بنُ شُمَيلٍ (ت:٢٠٤): «قالوا للخليلِ: ما الإيمانُ؟ فقالَ: الطُّمَانِينَةُ» (٢).\nوقالَ الزَّجَّاجُ (ت:٣١١): «وَحَكَى أبو زيدٍ الأنصاريُّ: ما آمنتُ أنْ أَجِدَ صَحَابةً، أُومِنُ إيمانًا؛ أي: ما وَثِقْتُ، فمعنى المؤمنِ - إذا وصفنا به\n_________\n(١) ينظر مثلًا: المحرر الوجيز، لابن عطية، ط: قطر (٣:٤٢٤).\n(٢) تهذيب اللغة (١٥:٥١٥).","vol":"1","page":635},{"text":"المخلوقين ـ: هو الواثقُ بما يعتقدُهُ، المُسْتَحْكِمُ الثِّقةِ» (١).\nوقال الراغبُ الأصفهانيُّ: «قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]، قيل: معناه: بمصدِّقٍ لنا، إلاَّ أنَّ الإيمانَ: هو التَّصديقُ الذي معه أمنٌ» (٢).\nوالمقصودُ أنَّ تفسيرَ الإيمانِ في اللُّغةِ بأنَّه التَّصديقُ فقط، غيرُ دقيقٍ، بلْ فيه معنًى زائدٌ عنِ التَّصديقِ، كما هو ظاهرٌ من هذه النُّقُولِ، واللهُ أعلمُ.\nومن ثَمَّ، فالإيمانُ الشَّرعيُّ يشملُ التَّصديقَ اللُّغويَّ، ويزيدُ عليه تحقيقَ هذا التَّصديقِ بالإتيانِ بالطَّاعاتِ، والبعدِ عنِ المعاصي، فيشملُ عملَ القلبِ واللِّسانِ والجوارحِ بمجموعِها.\nوهذا المصطلحُ يشبهُ غيرَه منَ المصطلحاتِ الشَّرعيَّةِ الواردةِ في الشَّرعِ؛ كالصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والجهادِ، والصَّومِ، والتَّيمُّمِ، والاعتكافِ، وسبيلِ اللهِ، وغيرِها من المصطلحاتِ التي جاءتْ في الشَّرعِ.\nفالصَّلاةُ - مثلًا - في اللُّغةِ: الدُّعاءُ، وهي في الشَّرعِ تُطلقُ على أعمالٍ مخصوصةٍ بصفةٍ مخصوصةٍ؛ كصلاةِ الفرضِ، وصلاةِ الكسوفِ والخسوفِ، وصلاةِ العيدينِ، والصلاةِ على الميِّتِ.\nفالأصلُ اللُّغويُّ باقٍ في هذه الأعمالِ، ولكنَّها غيرُ محدودةٍ فيه، بلْ فيها زيادةُ أقوالٍ وأعمالٍ، فمن الأقوالِ: التَّكبيرُ، والتَّسبيحُ للهِ، والتَّشهدُ، والصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ، ومن الأعمالِ القيامُ، والرُّكوعُ والسُّجودُ، والجلوسُ بينَ السَّجدتينِ، والتَّسليمُ، وهذه بمجموعِها هي الصَّلاةُ الشَّرعيَّةُ.\nوحَمْلُ الإيمانِ على التَّصديقِ فقط، فيه تحكُّمٌ ظاهرٌ على الشَّريعةِ، وإنَّما كانَ هذا القصورُ بسببِ شُبهةٍ عارضةٍ أدَّتْ إلى هذا القولِ الذي عَمَّ\n_________\n(١) تفسير أسماء الله الحسنى، للزجاج، تحقيق: أحمد يوسف الدقاق (ص:٣١ - ٣٢).\n(٢) مفردات ألفاظ القرآن (ص:٩١).","vol":"1","page":636},{"text":"كثيرًا منْ كُتُبُ التَّفسيرِ وغيرِها، وليس هذا مكانَ عرضِها؛ لطولِها، وخروجِها عن مقصودِ البحثِ، واللهُ الموفِّقُ.\nومِمَّا يدلُّ على أنَّ الإيمانَ ليسَ التَّصديقَ فقط، إطلاقُه على بعضِ الأعمالِ الشَّرعيَّةِ؛ كالصَّلاةِ في قولِه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنْ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] فقدْ أجمعَ السَّلفُ على أنَّ الإيمانَ في هذه الآيةِ الصَّلاةُ، وأنَّ المقصودَ بها صلاتُهم إلى بيتِ المقدسِ، حيث سألوا عنها بعدَ تحويلِ القبلةِ هل تَقَبَّلَ اللهُ منهم ومن إخوانِهم الذين ماتوا قبلَ أنْ يُصَلُّوا إلى الكعبةِ (١)؟.\nفسمَّى اللهُ الصَّلاةَ إيمانًا؛ لأنَّها منَ الإيمانِ، من بابِ إطلاقِ الكُلِّ على الجزءِ.\nأمَّا المخالفونَ لمفهوم المصطلحِ الشَّرعيِّ للإيمانِ، فمن أقوالهم، ما قاله الواحديُّ (ت:٤٦٨): «والمفسرون يجعلون الإيمانَ ههنا بمعنى: الصَّلاةِ، ويمكنُ أنْ يُحملَ الإيمانُ ههنا على ما هو عليه من معنى التَّصديقِ، فيكونُ معنى الآية: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ يعني: تصديقَكم بأمرِ القبلةِ» (٢).\nوقال الفخرُ الرَّازيُّ (ت:٦٠٤): «لا نُسَلِّمُ أنَّ المراد منَ الإيمانِ ههنا الصَّلاةُ (٣)، بلِ المرادُ منه التَّصديقُ والإقرارُ؛ فكأنَّه تعالى قال: إنَّه لا يُضيعُ تصديقَكم بوجوبِ تلكَ الصَّلاةِ.\n_________\n(١) ينظر روايات السلف في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٣:١٦٧ - ١٦٩)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للالكائي (٤:٨١٦ - ٨١٨).\n(٢) الوسيط في تفسير القرآن المجيد، للواحدي، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وآخرون (١:٢٢٧).\n(٣) يلاحظ أنَّ الرازي يرد هنا على المعتزلة، وهم وإن جعلوا الطاعات إيمانًا، إلاَّ أن بين قولهم وقول السلف في الإيمان فرقًا يُعرف في كتب العقائد، واللهُ الموفِّقُ.","vol":"1","page":637},{"text":"سَلَّمْنَا أنَّ المرادَ منَ الإيمانِ ههنا الصَّلاةُ، ولكنَّ الصَّلاةَ أعظمُ الإيمانِ وأشرفُ نتائجهِ وفوائدِهِ، فجازَ إطلاقُ اسمِ الإيمانِ على الصَّلاةِ على سبيلِ الاستعارةِ منْ هذه الجهةِ» (١).\nوهذا مخالفٌ لمرادِ الآيةِ؛ لأنَّ المرادَ ما كانَ اللهُ ليضيعَ عملَكم، وهو الصَّلاةُ، لا تصديقَكم فقط.\nقال أبو المُظفَّرِ السَّمْعَانِيُّ (ت:٤٨٩) (٢): «... ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: صلاتكم، فجعل الصَّلاةَ إيمانًا، وهذا دليلٌ على المرجئةِ، حيثُ لمْ يجعلوا الصَّلاةَ منَ الإيمانِ» (٣).\nوالتصديقُ عندَهم شيءٌ واحدٌ، وهذا القولُ جعلَ التَّصديقَ يتجزَّأُ، فهذا في التصديق بأمرِ الصلاةِ، وهناك غيرُهُ من التصديقِ، ومن ثَمَّ، فقولُهم مخالفٌ لأصلِ مذهبِهم في أنَّ التَّصديقَ شيءٌ واحدٌ. والله أعلم.\n\n٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-206> مخالفة أسباب النُّزول:</span>\nالعلمُ بسببِ النُّزولِ وقصَّةِ الآيةِ منْ أهمِّ العلومِ للمفسِّرِ، لأنَّه يعينُ على فَهْمِ الآيةِ (٤). والمرادُ به ما كانَ صريحًا في السَّببيَّةِ، وهو ما وَقَعَ إثْرَ حادثةٍ أو سؤالٍ، أو كان في عبارة المفسِّرِ من الصَّحابةِ ما يدلُّ على صراحةِ السَّببيَّةِ (٥).\n_________\n(١) تفسير الرازي (٤:٩٨).\n(٢) منصور بن محمد بن عبد الجبار، أبو المظفر السَّمعاني، الإمام العلامة، مفتي خرسان، وشيخ الشافعية، كان من أكابر أهل السنة، وله في التفسير كتاب، وقد طُبِعَ، توفي سنة (٤٨٩). ينظر: سير أعلام النبلاء (١١٤ - ١١٩)، وطبقات الشافعية، للسبكي (٥:٣٣٥ - ٣٣٦).\n(٣) تفسير القرآن، للسمعاني، تحقيق: ياسر إبراهيم وغنيم عباس (١:١٥٠).\n(٤) ينظر: مقدمة في أصول التفسير، لابن تيمية، تحقيق: عدنان زرزور (ص:٤٧).\n(٥) أمَّا إذا كانت عبارة المفسِّرِ لا تدلُّ على صراحة السببيةِ، وكانت عبارتُه مما يدلُّ على أنَّه أرادَ التمثيلَ لمن يشملهم الخطاب، فإنَّ التفسير بغيرِه لا يُعدُّ مخالفةً ما دامت تحتملُه الآيةُ.","vol":"1","page":638},{"text":"والمقصودُ أنَّ المفسِّرَ إذا جَهِلَ سَبَبَ النُّزولِ، فإنَّه قدْ يَحْمِلُ الآيةَ على مُحْتَمَلٍ لُغَويِّ، ويكونُ المعنى اللُّغويُّ الذي فسَّرَ به غيرَ مقصودٍ، ودليلُ عَدَمِ قَصْدِهِ سببُ النُّزولِ، أو قصَّةُ الآيةِ (١). ومنْ أمثلةِ ذلكَ:\nما وردَ في تفسيرِ تثبيتِ الأقدامِ من قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١]، قالَ أبو عبيدةَ (ت:٢١٠): «مجازه: يُفرِغ عليهم الصبر، ويُنْزِلُه عليهم، فيثبتون لعدوِّهم» (٢).\nوقِصَّةُ نزولِ الآيةِ تدلُّ على أنَّ المعنى اللُّغويَّ الَّذي ذَكَرَه غيرُ مرادٍ، وأنَّ المُرادَ: يُثَبِّتُ أقدامَهم التي يمشونَ بها على الرَّمْلِ كي لا تَسوخَ فيه، كما وردتْ بذلكَ الرِّوايةُ عنِ السَّلَفِ، منها ما قالَ ابنُ عباسٍ (ت:٦٨): «وذلك أنَّ المشركينَ من قريشٍ لما خرجوا لينصروا العيرَ ويقاتلوا عنها، نزلوا على الماءِ يومَ بدرٍ، فغلبوا المؤمنينَ عليه فأصابَ المؤمنينَ الظَّمأُ، فجعلوا يُصَلُّونَ مُجنِبين مُحدثينَ، حتى تعاظَم ذلك في صدورِ أصحابِ رسول ﷺ، فأنزل اللهُ من السَّماءِ ماءً حتى سالَ الوادي، فشرِبَ المسلمونَ، وملأوا الأسقيةَ، وسَقَوا الرِّكابَ، واغتسلوا من الجنابةِ، فجعلَ اللهُ في ذلكَ طهورًا، وثبَّتَ الأقدامَ وذلكَ أنه كانت بينهم وبين القومِ رَمْلَةٌ، فبعث اللهُ عليها مطرًا، فضربها حتَّى اشْتدَّتْ، وثبتتْ عليها الأقدامُ» (٣).\nقالَ الطَّبريُّ (ت:٣١٠): «وقد زعمَ بعضُ أهلِ العِلْمِ بالغريبِ من أهلِ\n_________\n(١) سبق ذكر مثال في الفصل الأول من هذا الباب، وهو تفسير قوله تعالى: ... ﴿وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾.\n(٢) مجاز القرآن (١:٢٤٢).\n(٣) ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٣:٤٢٤).\nثمَّ ينظر الرواية عن: عروة بن الزبير، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن إسحاق، وابن زيد في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٣:٤٢٤ - ٤٢٧)، وتفسير ابن أبي حاتم (٥:١٦٦٥ - ١٦٦٧).","vol":"1","page":639},{"text":"البصرةِ، أنَّ مجازَ قوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾: ويُفْرِغ عليهم الصَّبَر، ويُنْزِلُه عليهم، فيثبتونَ لعدوِّهم. وذلكَ قَولٌ خِلاَفٌ لِقَولِ جميعِ أهلِ التَّأويلِ منَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ، وحَسْبُ قولٍ خطأً أنْ يكونَ خلافًا لقولِ منْ ذَكَرْنَا. وقدْ بيَّنَّا أقوالَهم فيه، وأنَّ معناه: ويُثَبِتَ أقدامَ المؤمنينَ بتلبيدِ المطرِ الرَّمْلَ حتَّى لا تَسُوخَ فيه أقدامُهم وحوافرُ دوابِّهم» (١).\n٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-207> مخالفة تفسير السَّلف:</span>\n\nلقدْ كانَ الاعتمادُ على اللُّغةِ، وإهمالُ الواردِ عن السَّلفِ من التَّفسيرِ اللُّغويِّ أحدَ أسبابِ مخالفةِ تفسيرِ السَّلفِ، وقدْ يكونُ القولُ مما لا تحتملُه الآيةُ مع قولِ السَّلفِ (٢)، ومن ذلك:\nما وردَ في تفسيرِ السَّلوى من قولِهِ تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة:٥٧]، فالسَّلوى: طَيرٌ، بإجماعٍ منْ مفسري السَّلفِ، وإن اختلفوا في صفته (٣).\n_________\n(١) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٣:٤٢٧ - ٤٢٨).\n(٢) من الأمثلة في هذا: تفسير أبي عبيدة لقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١]، مجاز القرآن (١:٣٠٨ - ٣٠٩)، وقد ردَّ عليه أبو عبيد القاسم بن سلام، ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٦:٧١).\nوتفسيره لقوله تعالى: ﴿وَفِيهِ يُعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩]، مجاز القرآن (١:٣١٣ - ٣١٤)، وينظر تفسير الطبري، ط: الحلبي (١٦:١٣١ - ١٣٢)، فقد ردَّ عليه.\nوتفسيره لقوله: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]، مجاز القرآن (١:٣٨١ - ٣٨٢)، وقد ردَّ ابن قتيبة عليه في كتابه غريب القرآن (ص:٢٥٥ - ٢٥٧).\nوتفسير قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] على ما حكاه قطرب في الأضداد (ص:١٧٧)، وينظر الردَّ على هذا المعنى المحكي في أضداد ابن الأنباري (ص:٣٢٣)، وقد سبق نقاش بعض هذه الأمثلة في هذا البحث.\n(٣) ينظر: المحرر الوجيز (١:٣٠٥). وقد وردت الرواية عن: ابن مسعود وابن عباس وناس من الصحابة، من رواية السدي، وعن الشعبي، ومجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، ووهب، والسدي، وابن زيد. تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:٩٦ - ٩٧)، =","vol":"1","page":640},{"text":"ونُقِلَ عنْ مُؤَرِّجٍ (ت:١٩٥)، أحدِ علماءِ اللُّغةِ: أنَّه العَسَلُ، واستدلَّ له بقولِ الهُذَلِيِّ (١):\nوَقَاسَمَهَا بِاللهِ جَهْدًا لأنْتُمُ ... ألَذُّ مِنَ السَّلْوَى إذا مَا نَشُورُهَا\nوذكرَ أنَّه كذلكَ بِلُغَةِ كِنَانَةَ (٢)، وسُمِّيَ العسلُ بالسَّلوى؛ لأنه يُسْلَى به (٣).\nوكَونُ السلوى في لغةِ العربِ: العَسَلُ، لا يلزمُ منه صحَّةُ حملِه على معنى السَّلْوَى في الآية، قالَ ابنُ الأعرابيِّ (ت:٢٣١): «والسَّلوى: طائرٌ، وهو - في غيرِ القرآنِ - العَسَلُ» (٤).\nوهذا هو الحقُّ. ولو أردتَ أن تحملَ الآيةَ على المعنيينِ، فإنَّ الآيةَ لا تحتملُهما معًا، ولذا يتعيَّنُ حملُها على أحدِهما، ولا شكَّ أنَّ الأولى حملُها على الواردِ عنِ السَّلفِ.\nومنْ هذا المثالِ يتَّضِحُ أنَّ بعضَ المحتملاتِ اللُّغويَّةِ لا يمكنُ أنْ يحتملَها المعنى في الآيةِ، كما سبقَ بيانُه في القاعدةِ السابقةِ، واللهُ أعلمُ.\nوبعدَ هذه الأمثلةِ أرجعُ إلى مناقشةِ بعضِ من زعم الاكتفاءَ بلغةِ العربِ في فهم التَّفسيرِ، فأقول: قال أبو حيَّان (ت:٧٤٥): «ومن أحاط بمعرفةِ مدلول الكلمةِ وأحكامِها قبلَ التَّركيبِ، وعَلِمَ كيفيَّةَ تركيبِها في تلكَ اللُّغةِ، وارتقى إلى تمييزِ حُسنِ تركيبها وقُبحِه، فلن يحتاجَ في فَهمِ ما تركَّبَ من تلكَ الألفاظِ\n_________\n= وزاد ابن أبي حاتم ذِكْرَ الروايةِ عن الضحاك، والحسن، وعكرمة. ينظر تفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: أحمد الزهراني (ص:١٧٨ - ١٧٩).\n(١) البيتُ لخالد بن زهير الهُذلي في قصيدة له في ديوان الهذليين (١:١٥٨).\n(٢) ذكره الثعلبي بسنده في تفسيرِه الكشف والبيان، مخطوط، نسخة المكتبة المحمودية، بمكتبة المدينة المنورة العامة (لوحة:٦٩).\n(٣) ينظر: تفسير القرطبي (١:٤٠٧).\n(٤) تهذيب اللغة (١٣:٦٨).","vol":"1","page":641},{"text":"إلى مُفهِّمٍ ولا معلِّمٍ، وإنَّما تفاوتَ النَّاسُ في إدراكِ هذا الذي ذكرناه، فلذلكَ اختلفتْ أفهامُهم، وتباينتْ أقوالُهم.\nوقد جرينَا الكلامَ يومًا مع بعضِ من عاصَرَنا، فكانَ يزعمُ أنَّ علمَ التَّفسيرِ مضطرٌّ إلى النَّقلِ في فهم معاني تراكيبِه بالإسناد إلى مجاهد وطاووس وعكرمة وأضرابِهم، وأنَّ فَهْمَ الآياتِ متوقِّفٌ على ذلكَ.\nوالعجبُ له أنَّه يرى أقوالَ هؤلاءِ كثيرةُ الاختلافِ، متباينةُ الأوصافِ، متعارضةٌ، ينقضُ بعضُها بعضًا ... وكان هذا المعاصرُ يزعمُ أن كل آيةٍ نقل فيها التَّفسير خلف عن سلف بالسند إلى أن وصل إلى الصحابة، ومن كلامه أنَّ الصحابةَ سألوا رسول الله ﷺ عن تفسيرها هذا (١) ...» (٢).\n_________\n(١) هذا المذهبُ الذي يحكيه قريبٌ من رأي معاصره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد طرحه في المقدمة المسماة مقدمة في أصول التفسير، وبغية المرتاد (ص:٣٣٠ - ٣٣٢)، وغيرها.\n(٢) البحر المحيط، بعناية الشيخ عرفات العشا حسونة (١:١٣).\nأمَّا اضطرارُ فهم القرآنِ بالرجوعِ إلى تفسيرِ هؤلاء السلفِ، وجعله حجة يُحتكمُ إليه، فهذا هو الصحيحُ، وإلاَّ لأطلقَ كل عالمٍ باللغةِ، أو متعالمٍ عنانه في تأويل القرآنِ دونَ قيدٍ أو ضابطٍ، سوى فهم العربيَّةِ، وهذا غيرُ صحيحٍ البتَّةَ.\nأمَّا قولُه بأنَّ أقوالَهم متعارضةُ، فلو كان غيرُ أبي حيَّانَ قالها!\nإنَّه بعلمِه بالعربيَّة يُمكنُ أنْ يؤلِّف بين أقوالِهم ويجمع بينها، ويظهر له اتِّفاقها، لا تباينها وافتراقَها، ومن عِلم أسباب الاختلافِ وتنوُّعه، وتمرَّسَ فيهما، هان عليه ما يرى من اختلافِ السلف، وسَهُلَ عليه معرفةُ التَّفسيرِ.\nثُمَّ يُقالُ له: هل هؤلاءِ المختلفونَ يعلمونَ العربيَّةَ ويفسِّرونَ بها؟\nفإن كانوا لا يعلمونها - وهذا غير صحيحٍ - فقد فسَّروا القرآنَ بآرائهم من دونِ علمٍ.\nوإن كانوا يعلمونها، وهذا هو الحقُّ، فإنَّ المفسِّرَ محتاجٌ إلى معرفة أقوالهم، وقد أشار إلى معرفتهم باللسانِ (١:٢٥ - ٢٦) بقوله: «ومن المتكلمين في التفسير من التابعين: الحسن بن أبي الحسن، ومجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، وعلقمة، والضحاك بن مزاحم، والسُّدِّيُّ، وأبو صالح ... وكانت تآليفُ المتقدمين أكثرها، إنما هو شرح لغة، ونقل سبب، ونسخ، وقصص؛ لأنهم كانوا قريبي عهد بالعرب وبلسان العرب. فلما فسد اللسان، وكثرت العجم، ودخل في دين الإسلام أنواع =","vol":"1","page":642},{"text":"ويظهر أنَّ تخصُّصَ أبي حيَّانَ (ت:٧٤٥) العلميَّ قد أثَّرَ عليه في هذه النَّظريَّةِ التي تبنَّاها، وهي، وإن كانَ فيها جانبٌ من الصِّحَّةِ (١)، أنَّها ليستْ على هذا الإطلاقِ الَّذي ذكرَه، بل الصوابُ أنَّ اللُّغةَ مصدرٌ من مصادرِ التَّفسيرِ، وهي وإن كانت من أكبرِ مصادرِه إلاَّ أنَّها لا يُمكن أن تستقِلَّ بفَهمِ القرآنِ، قال القرطبيٌّ (ت:٦٧١) (٢) مشيرًا إلى ذلك: «... فمن لم يُحكِمْ ظاهرَ التَّفسيرِ، وبادرَ إلى استنباط المعاني بمجردِ فهمِ العربيَّةِ، كَثُرَ غلطُه، ودخلَ في زمرة من فسَّرَ القرآنَ بالرَّأي.\nوالنَّقلُ والسَّماعُ لا بدَّ له منه في ظاهرِ التَّفسيرِ أوَّلًا؛ لِيَتَّقِيَ به مواضعَ الغلطِ، ثُمَّ بعدَ ذلك يتسعُ الفهمُ والاستنباطُ.\nوالغرائبُ التي لا تفهمُ إلا بالسَّماعِ كثيرةٌ، ولا مطمعَ في الوصولِ إلى الباطنِ قبلَ إحكامِ الظَّاهرِ؛ ألاَ تَرَى أنَّ قولَه تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٠] معناه: آيةً مبصرةً، فظلموا أنفسَهم بقتلِها؛ فالنَّاظرُ إلى ظاهرِ\n_________\n= الأمم المختلفو الألسنة، والناقصو الإدراك، احتاج المتأخرون إلى إظهار ما انطوى عليه كتاب الله تعالى، من غرائب التركيب، وانتزاع المعاني، وإبراز النكات البيانية، حتى يُدركَ ذلك من لم تكن في طبعه، ويكتسبها من لم تكن نشأته عليها، ولا عنصره يحرِّكه إليها، بخلاف الصحابة والتابعين من العرب، فإنَّ ذلك كان مركوزًا في طباعهم، يدركون تلك المعاني كلَّها، من غير موقِّفٍ ولا معلِّمٍ؛ لأنَّ ذلك هو لسانهم وخطتهم وبيانهم ...».\nفَمن كان هذا وَصْفَهُم عنده، ألا يحتاجُ إلى أقوالِهم من أرادَ معرفةَ التَّفسيرِ؟!\nبلى، هو محتاجٌ إليهم أشدَّ الاحتياجِ، وإن كان مُتقِنًا علمَ العربيَّةِ كأبي حيان.\n(١) إن مناقشة ما ذكره أبو حيان عن معاصره وما نقده فيه يحتاج إلى مكان أوسع من هذا، وإنما ذكرتُ ما يتعلق بالبحثِ، والله الموفقُ.\n(٢) محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري، أبو عبد الله القرطبي، الفقيه المفسر، الزاهد، له في التفسير: الجامع لأحكام القرآن، وهو من أجلِّ كتب التفسير، توفي القرطبي سنة (٦٧١) بمصر. ينظر: الديباج المذهب (ص:٣١٧ - ٣١٨)، ومعجم المفسرين (٢:٤٧٩).","vol":"1","page":643},{"text":"العربيَّةِ يظنُّ أنَّ المرادَ به: أنَّ النَّاقَةَ كانت مبصرةً، ولا يدري بماذا ظلموا، وأنَّهم ظلموا غيرَهم وأنفسِهم، فهذا من الحذفِ والإضمارِ» (١).\nولهذا عدَّ شيخُ الإسلامِ ابن تيميَّة (ت:٧٢٨) الاعتمادَ على اللُّغةِ وحدها أحد أسباب الخطأ (٢)، وهذه ظاهرٌ في الأمثلةِ السَّابقةِ، واللهُ أعلمُ.\nدعوةٌ معاصرة:\nيقربُ من الزَّعمِ باكتفاءِ علمِ العربيَّةِ عن غيرِه في فهمِ القرآنِ، وما نادى به أمين الخولي فيما سمَّاه: التَّفسيرَ الأدبيَّ للقرآنِ، الذي أهملَ فيه مصادرَ التَّفسيرِ، ورأى دراسةَ القرآنِ على أنَّه نصٌّ عربيٌ، يحقُّ لأيِّ عربيٍّ كائنًا من كانَ في معتقدِه، يحقُّ له أنْ يدرسَه درسًا أدبيًّا، ومما قالَه بهذا الصَّدَدِ تحت عنوانِ (القرآنُ كتابُ العربيَّةِ الأكبرُ) ما يأتي:\nقال: «... فالعربيُّ القُحُّ، أو من ربطته بالعربيَّةِ تلك الروابطُ، يقرأ هذا الكتابَ الجليلَ، ويدرسُه أدبيًا، كما تدرسُ الأممُ المختلفةُ عيونَ آدابِ اللُّغاتِ المختلفةِ، وتلكَ الدِّراساتُ الأدبيَّةُ لأثرٍ عظيمٍ كهذا القرآنِ هي ما يجبُ أن يقومَ به الدارسونَ أوَّلًا وفاءً بحقِّ هذا الكتابِ، ولو لم يقصدوا الاهتداءَ به، أو الانتفاعَ بما حوى وشمل، بل هي ما يجبُ أن يقومَ به الدارسونَ أوَّلًا، ولو لم تنطو صدورهم على عقيدةِ ما فيه، أو انطوتْ على نقيضِ ما يردِّدُه المسلمونَ الذين يعدُّونَه كتابَهم المقدَّسَ، فالقرآنُ كتابُ الفنِّ العربيِّ الأقدسِ، سواءٌ أنظرَ إليه الناظِرُ على أنَّه كذلك في الدِّينِ أم لا.\nوهذا الدرسُ الأدبيُّ للقرآنِ في ذلك المستوى الفنِّي، دون النظر إلى أيِّ اعتبارٍ دينيٍّ، هو ما نعتدُّه وتعتدُّه معنا الأممُ العربيَّةُ أصلًا، العربيَّةُ اختلاطًا؛ مقصدًا أوَّلَ، وغرضًا أبعد، يجبُ أن يسبقِ كلَّ غرضٍ، ويتقدَّمُ كلَّ مقصدٍ.\n_________\n(١) تفسير القرطبي، ط: دار الكتب المصرية (١:٣٤).\n(٢) ينظر: مقدمة في أصول التَّفسير، تحقيق: عدنان زرزور (ص:٧٩ - ٨١).","vol":"1","page":644},{"text":"ثمَّ لكلِّ ذي غرضٍ أو صاحبِ مقصدٍ - بعد الوفاء بهذا الدرسِ الأدبيِّ - أن يعمدَ إلى ذلكَ الكتابِ، فيأخذَ منه ما يشاءُ، ويقتبسَ منه ما يريدُ، ويرجع إليه فيما أحبَّ من تشريعٍ، أو اعتقادٍ أو أخلاقٍ، أو إصلاحٍ اجتماعيٍّ، أو غير ذلك.\nوليسَ شيءٌ من هذه الأغراضِ يتحقَّقُ على وجهه إلا حينَ يعتمدُ على تلك الدراسةِ الأدبيَّةِ لكتابِ العربيَّةِ الأوحدِ، دراسةً صحيحةً مفهمةً له (١)، وهذه الدراسةُ هي ما نُسمِّيه اليوم تفسيرًا؛ لأنَّه لا يمكنُ بيانُ غرضِ القرآنِ ولا فهم معناه إلاَّ بها ...» (٢).\nوقد طرح نظريَّتَه في التَّطبيقِ لهذا المنهجِ، وتتلخَّصُ فيما يأتي:\n١ - دراسة المفردات دراسةً لغويَّةً.\n٢ - دراسة استعمال القرآن للمفردة، بتتبع مواردها فيه، واستنباطِ معناها منه.\n٣ - دراسة المركَّبات - أي: الجمل - ويستعينُ في ذلك بالعلوم الأدبيَّةِ من نحو وبلاغة ...\n٤ - مراعاة التفسير النفسي؛ لأنَّ الفنونَ - ومن بينها الأدبُ - ليست إلاَّ ترجمة لما تجده النفس (٣).\nوإذا ما تأمَّلتَ في هذه النَّظريَّةِ الجديدةِ التي يظهرُ على مُحيَّاها صعوبةُ التَّطبيقِ، وجدتَها تخلو من الاعتمادِ على مصادرِ التَّفسيرِ الأصيلةِ، سوى اللُّغةِ التي لم تسلمْ كُتُبها من نقدِه أيضًا (٤).\n_________\n(١) هل يعني هذا أنَّ ما استفاده المسلمونَ منه منذ فجر النبوةِ إلى عصره من أخلاق وعقائد وغيرها، غير كاملٍ، فهم لم يدرسوه على هذه النظرية الخولية!\n(٢) التفسير: نشأته - تدرجه - تطوره، لأمين الخولي (ص:٧٧ - ٧٩).\n(٣) ينظر: التفسير: نشأته - تدرجه - تطوره، لأمين الخولي (ص:٨٤ - ١٠٠).\n(٤) ينظر: التفسير: نشأته - تدرجه - تطوره، لأمين الخولي (ص:٩٣ - ٩٤).","vol":"1","page":645},{"text":"ولقد حاولتْ تلميذتُه في هذا المنهجِ الدكتورة عائشة عبد الرحمن، المعروفة ببنت الشاطئ، حاولت أن تُطبِّقَ هذا المنهج، فظهرَ جليًّا ازدراءُ هذا المنهجِ للمصادرِ الأخرى في التَّفسيرِ، وإليكَ هذا المثالُ الذي يوضِّحُ ذلك:\nوفي تفسير سورة الضُّحى، تقول بنتُ الشَّاطئ - بعد أن ساقت الرِّواياتِ في سبب النُّزولِ - «ولا نقفُ عند ما اختلفوا فيه، فأسبابُ النُّزولِ لا تعدو أن تكونَ قرائنُ مما حولَ النَّصِّ، وهي باعترافِ الأقدَمينَ أنفسهم لا تخلو من وهمٍ، والاختلافُ فيها قديمٌ، وخلاصةُ ما انتهى إليه قولهم في أسباب النُّزولِ: أنها ما نزلت إلاَّ أيَّامَ وقوعهِ، وليسَ السَّببُ فيها بمعنى السببيَّةِ الحُكميَّةِ العلِّيَّةِ» (١).\nفانظرْ عدمَ اعتدادِها بما يحفُّ النَّصَّ من ملابساتٍ، وعدمَ تحريرها في أسبابِ النُّزولِ، وعدمَ فهمِها لها، ويظهر ذلك بهذه النتيجةِ التي وصلتْ إليها في الحكم على ما توصَّل إليه الأقدمونَ بزعمِها.\nوإذا قرأتَ في ما كتبته في التَّفسيرِ الأدبيِّ، ظهرَ لك جليًًّا أنَّ هذه الدِّراسةَ لا تعتدُّ إلاَّ بما تتوصَّلُ إليه هي، معتمدةً على اللُّغةِ في تحليلِ ألفاظِ الآيِ، غير آبِهةٍ بمصادر التَّفسيرِ الأخرى، فلا تجد عندها إلاَّ الإزراء بتفاسيرِ السَّلفِ ونقدها، ومن ذلك أنها ذكرت ما ورد في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ٢]، ثُمَّ قالتْ: «واستعمالُ الزِّيارةِ بهذا المعنى صريح الإيحاءِ بأنَّ الإقامةَ في القبر ليست دائمةً، وإنما نحن فيها زائرون، والزائرُ غيرُ مقيمٍ، وسوف تنتهي الزِّيارةُ حتمًا إلى بعثٍ وحسابٍ وجزاءٍ، وهذا الإيحاءُ ينفردُ به لفظُ «زرتُم» دونَ غيرِه، فلا يُمكنُ أن يؤدِّيه لفظٌ آخرُ؛ كأن يقال: صرتم، أو رجعتم، أو انتهيتم، أو أُبتم، أو أُلتم.\nوليس القبرُ المصيرَ والمرجعَ والمآبَ والمآل، كما لا يقال: سكنتم\n_________\n(١) التفسير البياني للقرآن الكريم (١:٢٣).","vol":"1","page":646},{"text":"المقابر، أو أقمتم بها إلى غير ذلك من ألفاظ تشتركُ كلُّها في الدلالةِ على ضجعةِ القبرِ، ولكن يعوزها سرُّ التَّعبيرِ الدَّالِّ على أنها زيارةٌ؛ أي: إقامةٌ عابرةٌ مؤقَّتةٌ، يعقبها بعث ونشورٌ.\nوليسَ بعجيبٍ أن يفوتَ هذا السِّرُ البيانيُّ مفسِّرينَ كان جهدُهم أن يجمعوا كل ما يُمكنُ أن تحتملَه الدلالاتُ المعجميَّةُ لزيارةِ المقابرِ، وشتَّى المرويَّاتِ في تأويلها.\nحتَّى الذين فسَّروا الزيارة بالموت هنا، لم يلتفتوا إلى سرِّه البيانيِّ، وهو ما لم يَفُتْ أعرابيًا سمع الآيةَ، فقال: بُعِثَ القومُ للقيامةِ وربِّ الكعبةِ، فإنَّ الزائرَ منصرفٌ لا مقيمٌ، ورُوِيَ كذلك عن عمر بن عبد العزيز نحوٌ من قول الأعرابيِّ ...» (١).\nإنَّ المطالبةَ بدراسةِ القرآنِ على أنَّه نصٌّ عربيٌّ، وتفريغَه من المحتوى الشرعيِّ الذي يُحيطُ به = دعوةٌ باطلةٌ زائفةٌ مغرضةٌ، ليس قصدُ أصحابِها إلاَّ الهدمَ والنَّخرَ في جسمِ هذه الأمَّةِ، ومحاولةَ النيلِ من تراثِها الفكريِّ الذي يُمثِّلُ لها ثباتًا في القيمِ والأخلاقِ والعقائدِ (٢)، وهذه الدَّعوى تحتاجُ إلى بسطٍ أكبرَ من هذا المبحثِ، وإنما ذكرتُها للتَّنبيهِ عليها.\nقاعدةُ ناشئةٌ على القاعدةِ السابقةِ:\nوينشأ عن هذه القاعدة قاعدةٌ أخرى، وهي: ليس كلُّ ما وردَ في اللُّغةِ يلزمُ أن يكونَ واردًا في القرآنِ.\nويمكن القول: كلُّ ما في القرآنِ، فهو عربيٌّ، وليسَ كلُّ استعمالٍ عربيٍّ\n_________\n(١) التفسير البياني للقرآن الكريم (١:٢٠٠).\n(٢) ينظر - مثلًا لذلك - ما كتبه الدكتور نصر حامد أبو زيد في كتابه مفهوم النص دراسة في علوم القرآن، ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب، وقد ذكر نظريَّة أمين الخولي وأشاد بها واعتمدها، ينظر (ص:٢٢).","vol":"1","page":647},{"text":"في القرآنِ، وأغلبُ ما يقعُ ذلك في الأساليبِ الكلاميَّةِ العربيَّةِ، ومن أمثلةِ ما نصَّ عليه علماءُ العربيَّةِ في ذلك:\n* قال ابن قتيبةَ (ت:٢٨٦): «ومن المقلوبِ ما قُلبَ على الغلطِ؛ كقولِ خِداش بن زُهيرٍ (١):\nوتُرْكَبُ خَيلٌ لا هَوَادَةَ بَينَهَا\nوَتَعصِي الرِّمَاحُ بِالضَّيَاطِرَةِ الحُمْرِ\nأي: تعصي الضيَّاطِرةُ بالرِّماحِ، وهذا ما لا يقعُ فيه التَّأويلُ؛ لأنَّ الرِّماحَ لا تعصي الضَّياطرةَ، وإنما يعصي الرِّجالُ بها؛ أي: يطعنون ...\nوكانَ بعضُ أصحابِ اللُّغةِ يذهبُ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١] إلى مثلِ هذا في القلبِ، ويقولُ: وقعَ التَّشبيهُ بالرَّاعي في ظاهرِ الكلامِ، والمعنى للمنعوقِ به، وهو الغنم.\nوكذلكَ قولِ اللهِ ﵎: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦]؛ أي تنهضُ بها وهي مُثقَلةٌ.\nوقالَ آخرُ في قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]؛ أي: وإنَّ حبَّه للخيرِ لشديدٌ.\nوفي قوله سبحانه: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]؛ أي: اجعل المتَّقينَ إمامًا لنا في الخيرِ.\n_________\n(١) خداش بن زهير بن ربيعة، من هوازن، شاعر مشهور من شعراء قيس المجيدين، شَهِدَ حرب الفجارِ، وسجَّل كثيرًا من أحداثها في شعره، ينظر: معجم الشعراء الجاهليين (ص:١٢١)، ومعجم الشعراء (ص:٨١ - ٨٢).\nوالبيت في مجاز القرآن (٢:١١٠)، والكامل في الأدب، تحقيق: الدالي (٢:٥٨٠)، وجمهرة أشعار العرب (٢:٥١٩)، وغيرها من المصادر.\nوالهوادة: الموادعة. والضياطرة: جمع ضيطر، وهو الضخم اللَّئيم.","vol":"1","page":648},{"text":"وهذا ما لا يجوزُ لأحدٍ أنْ يَحكُمَ به على كتابِ اللهِ ﷿ لو لم يجد له مذهبًا؛ لأنَّ الشَّعراءَ تقلبُ اللَّفظَ، وتُزيلُ الكلامَ على الغلطِ، أو على طريقِ الضَّرورةِ للقافيةِ، أو لاستقامةِ وزنِ البيتِ، فمن ذلك قولُ لبيد (١):\nنَحْنُ بَنُو أُمِّ البَنِينَ الأرْبَعة ... ......\nقال ابن الكلبي (٢): هم خمسة، فجعلهم للقافية أربعة ...» (٣).\n* وفي قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَا نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] قال الزَّجَّاج (ت:٣١١): «وذكر بعضهم وجهًا آخرَ، قالوا: فظلَّتْ أعناقُهم لها خاضعينَ هم، وأضمر «هم»، وأنشدَ (٤):\nتَرَى أرْبَاقَهُمْ مُتَقَلِّدِيهَا ... إذَا صَدِئَ الحَدِيدُ عَلَى الحُمَاةِ\nوهذا لا يجوزُ في القرآنِ، وهو على بدلِ الغلطِ يجوزُ في الشِّعرِ؛ كأنَّه قالَ: يرى أرباقَهم يرى متقلديها؛ كأنَّه قال: يرى قومًا متقلِّدينَ أرباقَهم، فلو كان على حذفِ «هم»، لكانَ مما يجوزُ في الشِّعرِ أيضًا» (٥).\nوالواجبُ في حملِ القرآنِ على أساليب العرب = أخذُ الحيطةِ، وعدمُ العجلةِ في ذلكَ؛ لأنَّه قد يَحْمِلُ البلاغيُّ ما جاءَ في القرآنِ على الأساليبِ\n_________\n(١) البيت في ديوانه بشرح الطوسي، تحقيق: حنا نصر (ص:١٠٩). وقد سبق ذكر هذا البيت عند الحديث عن معاني القرآن للفراء في مصادر التفسير اللغوي.\n(٢) هشام بن محمد بن السائب، أبو المنذر الكلبي، النَّسَّابة، أخذ عن أبيه المفسِّرِ، وعن غيرِه، وحدَّث عنه محمد بن سعد صاحب الطبقات وغيره، كان صاحب نسبٍ وسَمَرٍ، ليس بثقةٍ في الحديثِ، له كتابُ في أنساب العربِ، مات سنة (٢٠٤). ينظر: تاريخ بغداد (١٤:٤٥ - ٤٦)، ولسان الميزان (٤:٣٠٤ - ٣٠٥).\n(٣) تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة، تحقيق: السيد أحمد صقر (ص:١٩٨ - ٢٠٥) بتصرف، وقد أجاب عن كلِّ آيةٍ ذكرها، بما لا يصلح معه ادعاءُ القلبِ.\n(٤) البيت للفرزدق، وقد مضى تخريجه، ينظر (ص:٣٤٣)، وفيه «الكماة» بدل «الحماة».\n(٥) معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (٤:٨٣).","vol":"1","page":649},{"text":"العربيَّةِ في الخطابِ، والأمرُ ليسَ كما ذهبَ إليه (١)، بل قد يتعدَّى الأمرُ إلى الاستشهادِ به في المحسِّناتِ اللَّفظيَّةِ المذكورةِ في علمِ البديعِ، وهذا فيه مزلَّةٌ وقولٌ بالرَّأي على كتابِ اللهِ.\nوقد انتقدَ الشَّاطبيُّ (ت:٧٩٠) هذا المسلكَ، فقال: «... وإنما المنكرُ الخروجُ في ذلك إلى حدِّ الإفراطِ الذي يُشكُّ في كونِه مرادَ المتكلِّمِ، أو يُظَنُّ أنَّه غيرُ مرادٍ، أو يُقطعُ به فيه؛ لأنَّ العربَ لم يُفهمْ منها قصدُ مثلِه في كلامِها، ولم يشتغل بالتَّفقُّه فيها سلفُ هذه الأمَّةِ، فما يُؤمننا من سؤالِ اللهِ تعالى لنا يومَ القيامةِ: من أينَ فهمتمْ عنِّي أنِّي قصدتُ التَّجنيسَ الفلانيَّ بما أنزلتُ من قولي: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]، أو قولي: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨]، فإنَّ في دعوى مثل هذا على القرآنِ، وأنَّه مقصودٌ للمتكلِّمِ به خطرًا، بل هو راجعٌ إلى معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]، وإلى أنَّه قولٌ في كتابِ اللهِ بالرَّأي.\nوذلكَ بخلافِ الكنايةِ في قوله تعالى: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]، وقوله: ﴿كَانَا يَاكُلاَنِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]، وما أشبَه ذلك، فإنَّه شائعٌ في كلامِ العربِ، مفهومٌ في مساقِ الكلامِ، معلومٌ اعتبارُه عندَ أهلِ اللَّسانِ ضرورةً. والتَّجنيسُ ونحوهُ ليسَ كذلكَ، وفرقُ ما بينهما خدمةُ المعنى المرادِ وعدَمُه، إذ ليسَ في التَّجنيسِ ذلك.\nوالشَّاهدُ على ذلكَ ندورهُ عن العربِ الأجلاف البوَّالينَ على أعقابِهم - كما يقولُ أبو عبيدةَ - (٢)، ومن كان نحوَهم، وشهرةُ الكنايةِ وغيرِها، ولا تكادُ\n_________\n(١) ينظر مثالًا تطبيقيًّا في ردِّ وجود التوريةِ في القرآنِ في كتاب «التورية وخلو القرآن الكريم منها»، للدكتور: محمد جابر فياض.\n(٢) يقصد عبارة: «الأعراب البوَّالين على أعقابهم»، فقد قالها أبو عبيدة للجرمي، ينظر: طبقات النحويين واللغويين (ص:١٧٦).","vol":"1","page":650},{"text":"تجدُ ما هو نحو التَّجنيسِ إلاَّ في كلامِ المولَّدينَ ومن لا يُحتجُّ به» (١).\nوالمقصود من ذلك أنَّه لا يلزمُ من كونِ هذا الأسلوب واردًا عند العربِ في مخاطباتِها وكلامِها، أنْ يُحملَ عليه شيءٌ من آيات القرآنِ، بل لو صحَّ حملُ آيةٍ على أسلوبٍ، فإنَّه لا يلزمُ منه صحَّةُ حملِ هذا الأسلوبِ في آيةٍ قرآنيَّةٍ أخرى، كأسلوبِ المشاكلةِ (٢) في قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، فسمَّى الثَّانية سيئةً لأجل مشاكلةِ الأولى باللَّفظِ لا المعنى.\nوصِحَّةُ هذا الأسلوبِ هنا، لا تكونُ دليلًا على صحَّتِه في مثلِ قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] أو غيرِها من صفاتِ الله التي لم ترد ابتداءً، بل هي مقابل عملٍ من أعمال الكفار، كالمكر والخداعِ، فإنها تُحملُ على الحقيقةِ، ولا يصحُّ تأويلُها، والله أعلمُ.\n_________\n(١) الموافقات، تحقيق محيي الدين عبد الحميد (٣:٢٧٧ - ٢٧٨).\n(٢) ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبة ذلك الغير. ينظر: التبيان في علم المعاني والبديع والبيان، للطيبي (ص:٣٤٧)، ومعجم البلاغة العربية، لبدوي طبانة (ص:٣١٢).","vol":"1","page":651},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>رابعًا لا تعارض بين التفسير اللَّفظي والتفسير على المعنى</span>\nتَادِيَةُ المعاني تكونُ بألفاظٍ مقاربةٍ للَّفظِ المفسَّرِ، لكي يبينَ المرادُ منه، هذا هو الأصلُ، وهو التَّفسيرُ اللَّفظيُّ الذي تسيرُ عليه معاجمُ اللُّغةِ، ولكن المفسِّرَ قد يتركُ هذا الأسلوبَ لحاجةٍ تدعوه لذلك، فيسلكُ التَّفسيرَ على المعنى، أو يسلكُ التَّفسيرَ على القياسِ، ولا بُدَّ أن يكونَ في هذين القسمينِ ارتباطٌ بالأصلِ اللُّغويِّ؛ أي: لا يكونُ بين تفسيرِه بهما وبينَ التَّفسيرِ اللَّفظيِّ تناشُزٌ، بل لا بُدَّ من وجودِ أصلِ التفسيرِ اللَّفظيِّ فيهما، وهذه الأقسامُ الثلاثةُ هي التي يدور عليها تفسيرُ الناس.\nقالَ ابن القيِّم (ت:٧٥١): «وتفسيرُ النَّاسِ يدورُ على ثلاثةِ أصولٍ: تفسيرٌ على اللَّفظِ، وهو الَّذي ينحو إليه المتأخِّرونَ.\nوتفسيرٌ على المعنى، وهو الَّذي يذكرُهُ السَّلفُ.\nوتفسيرٌ على الإشارةِ والقياسِ، وهو الَّذي ينحو إليه كثيرٌ من الصُّوفيَّةِ وغيرِهم» (١).\nوإليكَ بيان هذه المصطلحات:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-214> التفسيرُ على القياسِ والإشَارةِ:</span>\nالتَّفسيرُ على القياسِ: إلحاقُ معنًى باطنٍ في الآيةِ بظاهرِها الَّذي يدلُّ عليه اللَّفظُ.\n_________\n(١) التبيان في أقسام القرآن، تحقيق: طه شاهين (ص:٥١).","vol":"1","page":652},{"text":"والتَّفسيرُ على الإشارةِ يدخلُ في التفسيرِ على القياسِ، كما نبَّه على ذلك شيخ الإسلامِ ابن تيمية (ت:٧٢٨)، فقال: «تلك الإشارات هي من باب الاعتبار والقياس وإلحاقِ ما ليس بمنصوصٍ بالمنصوصِ، مثل الاعتبارِ والقياسِ الذي يستعمله الفقهاءُ في الأحكامِ» (١).\nوقال أيضًا: «وأمَّا أربابُ الإشاراتِ الذين يُثبتونَ ما دلَّ عليه اللَّفظُ، ويجعلونَ المعنى المُشَارَ إليه مفهومًا من جهةِ القياسِ والاعتبارِ، فحالهم كحالِ الفقهاءِ والعالمينَ بالقياسِ، وهذ حقٌّ إذا كانَ صحيحًا لا فاسدًا، واعتبارًا مستقيمًا لا منحرفًا» (٢).\nوهذا القسمُ قليلٌ في تفسيرِ السَّلفِ، وإنما كَثُرَ عندَ الصُّوفيَّةِ، كما ذكر ابن القيِّم (ت:٧٥١).\nوسأذكر لهذا القسم مثالًا لتمامِ الفائدةِ.\nمن أشهرِ أمثلةِ التَّفسيرِ على الإشارِة، تفسيرُ ابن عباسٍ (ت:٦٨) لسورة النَّصرِ بأنها قربُ أجلِ رسولِ الله ﷺ، قال ابن عباس (ت:٦٨): «كان عمرُ يدخلني مع أشياخ بدرٍ، فكأنَّ بعضهم وَجَدَ في نفسهِ، فقالَ: لِمَ تُدخِلُ هذا معنا، ولنا أبناءٌ مثلُهُ؟!\nفقالَ عمرُ: إنَّه من حيثُ علمتُم.\nفدعا ذاتَ يومٍ، فأدخلَه معهم، فما رُئيتُ أنَّه دعاني يومئذٍ إلاَّ ليُريَهم.\nفقالَ: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]؟\nفقالَ بعضهم: أُمرنا أن نحمد الله ونستغفرَه إذا نصرنا وفتحَ علينا. وسكتَ بعضهم، فلم يقل شيئًا.\n_________\n(١) الفتاوى (٦:٣٧٧).\n(٢) الفتاوى (٢:٢٨)، وينظر: (١٣:٢٤١).","vol":"1","page":653},{"text":"فقال لي: أكذلك تقولُ يا ابن عباس؟\nفقلتُ: لا.\nقالَ: فما تقولُ.\nقلتُ: هو أجلُ رسول الله ﷺ أعلمه الله له، قال: إذا جاء نصرُ الله والفتحُ، وذلك علامةُ أجلكَ، فسبِّح بحمدِ ربك واستغفره إنه كان توَّابًا.\nفقال عمرُ: ما أعلمُ منها إلاَّ ما تقولُ» (١).\nومن أمثلةِ التفسيرِ على القياسِ ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمُ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥] إنها نزلتْ في الخوارجِ (٢).\nوإذا نظرتَ إلى سياقِ الآيةِ، وجدتَ أنه في الحديثِ عن بني إسرائيل، كما أنَّ الخوارجَ لم يكونوا عند نزول هذه الآياتِ، وإنما أرادَ المفسِّرُ أنْ يُنِّبه إلى دخولِ الخوارجِ في حكمِ هذه الآيةِ، وأنهم مثالٌ لقومٍ مالوا عن الحقِّ، فأمالَ اللهُ قلوبهم جزاءً وفاقًا لميلِهم، على سبيلِ القياسِ بأمرِ بني إسرائيلَ.\nوعلى هذا يُقاسُ ما وردَ عن السلفِ في حكايةِ نزولِ بعض الآياتِ في أهلِ البدعِ، أنهم أرادوا التنبيه على دخولهم في حكم الآيةِ، واللهُ أعلمُ.\n_________\n(١) أخرجه عنه جماعة من العلماء، منهم البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، ينظر: فتح الباري (٨:٦٠٦ - ٦٠٧).\nوقال ابن حجر في شرحه لهذا الأثر: «وفيه جوازُ تأويلِ القرآنِ بما يُفهمُ من الإشاراتِ، وإنما يتمكَّنُ من ذلك من رَسخت قدمُه في العلمِ، ولهذا قال عليٌّ رضي الله تعالى عنه: أو فهَمًا يؤتيه اللهُ رجلًا في القرآنِ». فتح الباري (٨:٦٠٨ - ٦٠٩).\n(٢) ورد ذلك عن أبي أمامة، ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٨:٨٦ - ٨٧).","vol":"1","page":654},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-215> التَّفسيرُ على اللَّفظِ:</span>\nالتَّفسيرُ على اللَّفظِ: بيانُ معنى اللَّفظةِ في كلامِ العربِ والاستدلالُ على ذلك بالشواهد إن وُجِدَتْ.\nوهذا هو الأسلوبُ الَّذي تسلُكُه معاجمُ اللُّغةِ؛ ككتابِ العينِ، وكتابِ جمهرةِ اللُّغةِ.\nوقد سبق الحديث عن التفسيرِ باللَّفظِ (١)، ولا حاجةَ لإعادتِه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-216> التَّفسيرُ على المعنى:</span>\nالتَّفسيرُ على المعنى: بيانُ المرادِ بالآيةِ دونَ النظرِ إلى تحريرِ الألفاظِ في اللغةِ؛ أيْ أنَّ المفسِّرَ لا يلتزِمُ بيانَ المفرداتِ اللغويةِ، بل يذهبُ إلى المعنى المرادِ، ولو بألفاظٍ غيرِ مطابقةٍ لألفاظِ الآية.\nوبما أنَّ التفسيرَ اللَّفظيَّ هو تفسيرُ اللَّفظِ بمطابقِه من لغةِ العربِ، فإنَّ ما عداه إنْ لم يكنْ قياسًا، فهو التَّفسيرُ على المعنى، وهو أنواعٌ كثيرةٌ، منها:\n١ - التَّفسيرُ باللاَّزمِ.\n٢ - التَّفسيرُ بالمثالِ.\n٣ - ذكرُ النُّزولِ.\n٤ - بيان المعنى الإجمالي، دون التَّقيُّد ببيان ألفاظِ الآيةِ.\n٥ - دلالة اللَّفظِ في سياقها، وهو علم الوجوه والنظائر الذي سبق الحديثُ عنه (٢).\nوإذا تأمَّلتَ الأمثلةَ الَّتي سأذكرُها، سيتبيَّنُ لك - إنْ شاءَ اللهُ - أنَّ المفسِّرَ في هذه الأنواعِ يحرصُ على بيانِ المعنى، وإن لم يهتمَّ بتحريرِ مدلولِ اللَّفظِ في لغةِ العربِ.\n_________\n(١) ينظر مثلًا: (ص:٦٨) من هذا البحث.\n(٢) ينظر مثلًا: (ص:٨٩) من هذا البحث.","vol":"1","page":655},{"text":"ومن الأمورِ المشكلةِ في هذا المبحث أمرانِ:\n\nالأول:<span data-type=\"title\" id=toc-217> هل يمكنُ معرفةُ التفسيرِ اللَّفظيِّ بواسطةِ التَّفسيرِ على المعنى</span>؟\nالثاني:<span data-type=\"title\" id=toc-218> كيف نُفرِّقُ بين التَّفسيرِ على اللَّفظِ والتَّفسيرِ على المعنى </span>في بعضِ أنواعه؟\nوقدْ تأمَّلتُ الأمثلةَ التي استخرجتها كثيرًا، ونظرتُ فيها، فظهرَ لي صعوبةُ معرفةِ الدلالةِ اللُّغويَّةِ الخاصَّةِ للَّفظِ في كثيرٍ منَ الأمثلةِ، كما ظهرَ لي أنَّ الأمرَ يحتاجُ إلمامًا بأصلِ المفردةِ ومعانيها في لغة العرب إذا كانتْ متعدِّدةَ الدلالةِ، وهذا يتحصَّلُ بجهدٍ.\nوسأذكرُ مثالينِ في بيانِ هاتينِ المسألتينِ، الأول مشكلٌ والآخرُ متيسِّرٌ.\n* المثالُ الأول:\nفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] وردَ عن السَّلفِ ثلاثةُ أقوالٍ في معنى هذا الحشرِ:\nالقولُ الأولُ: جُمِعَتْ، وهو قول قتادةَ (ت:١١٧) (١)، والسُّدِّيِّ (ت:١٢٨) (٢).\nالقولُ الثاني: موتها، قال ابن عباس: (ت:٦٨): «حَشْرُ البهائمِ: موتُها، وحَشْرُ كلِّ شيءٍ: الموتُ، غير الجنِّ والإنسِ، فإنهما يوقفانِ يوم القيامةِ» (٣).\nوقريبٌ منه قولُ الربيع بن خثيم، قال: «أتى عليها أمرُ الله» (٤).\nالقولُ الثالثُ: اختلطتْ، قاله أُبَيُّ بن كعبٍ الأنصاريُّ (ت: ٣٠) (٥).\n_________\n(١) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٦٧)، وتفسير ابن كثير (٨:٣٣١).\n(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٨:٣٣١)، وقد نسبه ابن كثير إلى الربيع بن خثيم، وعبارة الربيع كما في الطبري تناسب قول ابن عباسٍ كما سيأتي في القول الذي بعد هذا.\n(٣) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٦٧).\n(٤) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٦٧).\n(٥) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٦٧).","vol":"1","page":656},{"text":"وإذا نظرتَ في هذه الأقوالَ، وجدتَ أنَّ القولَ الأولَ هو المعنى المشهورُ منْ هذه اللَّفظةِ، قالَ ابنُ فارسٍ (ت:٣٩٥): «وأهل اللغةِ يقولون: الحشرُ: الجمعُ مع سوقٍ، وكلُّ جمعٍ حشرٌ» (١).\nأمَّا المعنى الثاني، وهو موتها، فقد حُكِيَ في بعضِ كتبِ اللُّغةِ (٢).\nوأمَّا المعنى الثالثُ الذي رُوِيَ عن أُبَيِّ بن كعبٍ فلم أجده في كتبِ اللُّغةِ التي بين يديَّ. وهذا التَّفسيرُ هو موطنُ الدراسةِ.\nولكَ في هذا التفسير احتمالان:\nالاحتمالُ الأولُ: أنْ تعتمدَ هذا التفسيرَ لغةً، فتجعلَ من معاني الحَشْرِ الاختلاطَ، لورودِ ذلكَ عن عربيِّ صريحٍ، وهو الصَّحابيُّ أُبيُّ بن كعبٍ الأنصاريُّ.\nالاحتمالُ الثاني: أنْ تجعلَ هذا التَّفسيرَ من قبيلِ التَّفسيرِ على المعنى، وهو من التَّفسيرِ باللازمِ؛ أي: من لوازمِ الحَشْرِ - الذي هو الجمعُ - اختلاطُ المحشورينَ بعضِهم ببعضٍ، وبهذا التوجيهِ لا يكونُ معنى الاختلاطِ دلالةً مستقلَّةً، بل هو من لوازم الحَشْرِ، والله أعلمُ.\nفأيُّ الاحتمالينِ أَوْلَى؟\n_________\n(١) مقاييس اللغةِ (٢:٦٦)، وينظر: غريب الحديث، للحربي (١:٢٨٣)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:٦٧)، وجمهرة اللغة (١:٥١٢)، وشمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، لنشوان الحميري (١:٤٣١)، والمجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث، لأبي موسى الأصفهاني (١:٤٥٢).\n(٢) لم أجد من اللغويين من اعتمد هذا المعنى في دلالة اللفظِ، وإنما يحكونه بصيغة التمريض (وقيل)، ومن ذلك: كتاب العين (٣:٩٢)، وديوان الأدب (٢:١٥٤٥)، وتهذيب اللغة (٤:١٧٨)، وشمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم (١:٤٣١)، وتاج العروس، مادة (حشر).\nوقد رواه الفراءُ في معاني القرآن (٣:٢٣٩) بسنده عن عكرمة، وينظره في الصحاح، مادة (حشر).","vol":"1","page":657},{"text":"في مثل هذا المثالِ وأشباهه تظهرُ صعوبةُ معرفةِ دلالةِ اللَّفظِ من خلالِ التَّفسيرِ على المعنى، كما تظهرُ صعوبةِ تحديدِ التَّفسيرِ على اللَّفظِ والتَّفسيرِ على المعنى، والله الموفِّقُ.\n*المثال الثاني:\nمن الأمثلةِ التي يسهل استنباطُ المدلولِ اللُّغويِّ فيه:\nما رُوِيَ عنْ قتادةَ (ت:١١٧) في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]، قال: «ألم ترَ إلى صاحب البنيان كيف لا يحبُّ أنْ يختلفَ بنيانُه، كذلك ﵎ لا يختلفُ أمرُه (١)، وإنَّ الله وصفَ المؤمنينَ في قتالِهِم وصَفِّهِم في صلاتِهم، فعليكم بأمرِ الله، فإنه عصمةٌ لمنْ أخَذ به» (٢).\nوإذا تأملتَ هذا النَّصَّ التفسيريَّ، فإنه يَدُلُّكَ على أن قتادةَ (ت:١١٧) يرى أنَّ لفظَ: «مرصوص» مأخوذٌ من التَّرَاصِّ؛ أي: الالتزاقِ، لا من الرَّصَاصِ الذي هو الوجهُ الآخرُ في تفسيرِ هذه اللفظةِ (٣).\nويحسنُ التنبُّه هنا إلى أمورٍ:\nالأولُ: أنه يمكنُ أنْ يقالَ: إنَّ اتِجَاهَ السَّلفِ إلى التَّفسيرِ على المعنى؛ إنَّمَا كانَ؛ لأنَّ بيانَ المرادِ بالقرآنِ كانَ عندَهُم أهَمَّ مِنْ بيانِ لغتِه التي لم تكنْ خافيةً عليهم، ولم يقعْ عندهم اختلافٌ في عربيتِهِ وعربيةِ ما يفسرونَ به.\n_________\n(١) جاءت هذه الجملة في الدر المنثور (٨:١٤٧): «فكذلك الله لا يحب أن يختلف أمره».\nرواه عبد بن حميد وابن المنذر. وهي أوضح من العبارة التي نقلتُها من تفسير الطبري.\n(٢) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٨:٨٦).\n(٣) كذا فسر الفراء ومنذر بن سعيد البلوطي وغيرهما، ينظر: معاني القرآن (٣:١٥٣)، والمحرر الوجيز، ط: قطر (١٤:٤٢٧).","vol":"1","page":658},{"text":"الثاني: أنَّه<span data-type=\"title\" id=toc-221> لا بدَّ من وجودِ ارتباط بين التَّفسيرِ على المعنى والتَّفسيرِ اللَّفظي</span>، كما سبقت الإشارةُ إلى ذلك في الحديث عن علمِ الوجوهِ والنَّظائرِ عند السَّلفِ.\nالثالثُ: أنه لا يلزمُ منَ التَّفسيرِ على المعنى أن يكون خارجًا عن البيانِ اللُّغويِّ؛ لأنَّه يمكنُ أن يُستنبطَ منه كما مضى، وقد نبَّه على ذلك الزَّجَّاجُ (ت:٣١١)، فقال في تفسيرِ الجبِتِ والطاغوتِ: «قال أهلُ اللغةِ: كلُّ معبودٍ من دونِ الله فهو جِبتٌ أو طاغوتٌ.\nوقيل: الجِبتُ والطاغوتُ: الكهنةُ والشياطينُ.\nوقيل في بعض التفسيرِ: الجِبتُ والطاغوتُ هاهنا: حُييُ بنُ أخطبٍ وكعبُ بنُ الأشرفِ: اليهوديان (١).\nوهذا غُير خارجٍ عما قال أهلُ اللغةِ: لأنهم إذا اتبعوا أمرَهما فقد أطاعوهما من دونِ الله ﷿» (٢).\nوهذا القولُ من الزجاجِ (ت:٣١١) يعني أنه ليس كلُّ قولٍ لا يكون مطابقًا للمعنى اللغوي أنه خارجٌ عن اللغةِ، لكنَّ الوصولَ إلى هذا الارتباط بينهما يحتاجُ إلى معرفةٍ وإلمامٍ بمدلولِ المادةِ، كما هو ظاهرٌ من هذا المثالِ.\nوقدْ أشارَ الطبريُّ (ت: ٣١٠) في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [الأحقاف: ١٥] إلى قريبٍ مما أشارَ إليه الزَّجَّاجُ (ت:٣١١)، فقال: «يقولُ أغْرِنِي بشكرِ نعمتِك التي أنعمتَ عَلَيَّ ... وألهمنِي ذلكَ. وأصْلُهُ مِنْ وَزَعْتُ الرَّجُلَ على كذا: إذا دفَعتُه عليه.\n_________\n(١) ينظر أقوال السلف في تفسير الطبري، ط: الحلبي (٥:١٣١ - ١٣٣).\n(٢) معاني القرآن وإعرابه، للزجاج، تحقيق: عبد الجليل شلبي (٢:٦١)، وينظر له مثالًا آخر (٢:١٦٨).","vol":"1","page":659},{"text":"وكان ابنُ زيدٍ يقول في ذلك ما حدثني يونس (١)، قال: أخبرنا ابن وهب (٢)، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، قال: اجعلني أشكرْ نعمتَك. وهذا الذي قالَه ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ وإنْ كانَ يَؤُولُ إليه معنى الكلمةِ، فليسَ بمعنى الإيزَاعِ على الصِّحَّةِ» (٣).\nولذا يحسنُ ذِكرُ المعنى اللغويِّ معَ تفسيرِ السَّلفِ ليزدادَ الوضوحُ في التفسيرِ، ولتُعْرَفَ العلاقةُ بين التَّفسيرِ على المعنى والتَّفسيرِ اللغويِّ.\nوقدْ أشارَ الواحديُّ: (ت:٤٦٨) إلى ذلكَ فقالَ: «... وكذلك آياتُ القرآن التي فسَّرها الصحابةُ والتابعونَ، إنما فسَّروها بذكرِ المعنى المقصودِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة: ٥٠٦]، قال قتادة: إذا قيل له: مهلًا مهلًا، ازدادَ إقدامًا على المعصيةِ (٤).\nفمنْ أينَ لكَ أنْ تعرفَ هذا المعنى منْ لفظِ الآيةِ؟ إلاَّ بعد الجهدِ، وطولِ التفكُّرِ.\nوكذلك قولُه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، قال السُّدِّيُّ: يُعظِّمُ أولياءه في صدوركم (٥).\n_________\n(١) يونس بن عبد الأعلى، أبو موسى المصري، ثقة، روى عن سعيد بن منصور وسفيان بن عيينة وغيرهما، وعنه: مسلم والنسائي وغيرهما، توفي سنة (٢٦٤). يُنظر: تهذيب الكمال (٨:٢١١ - ٢١٢)، وتقريب التهذيب (ص:١٠٩٨).\n(٢) عبد الله بن وهب بن مسلم، القرشي، مولاهم، أبو محمد المصري، الفقيه، ثقة حافظ عابد، روى عن أسامة بن زيد وعبد الرحمن بن زيد وغيرهما، وروى عنه: أحمد بن صالح وأصبغ بن الفرج وغيرهما، توفي سنة (١٩٧). يُنظر: تهذيب الكمال (٤:٣١٧ - ٣٢٠)، وتقريب التهذيب (ص:٥٥٦).\n(٣) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٦:١٧).\n(٤) ذكره الواحدي في الوسيط (١:٣١١)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (٣:١٩).\n(٥) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٧:٤١٧).","vol":"1","page":660},{"text":"فانظرْ: هل يمكنك أنْ تُفرِغُ هذا المعنى في قالبِ هذه الألفاظِ؟ إلاّ بعدَ التَّعبِ في معرفةِ ما ذكره أربابُ النَّحو ...» (١).\nوهذا يعني أنَّ ما يَرِدُ عن السلفِ من تفاسيرَ على المعنى لا تكونُ مطابِقةً لمعنى اللَّفظِ المفسَّرِ في لغة العربِ، لذا يحسُنُ من المفسِّرِ الذي ينقلُ تفاسيرَ السَّلفِ بيانُ المعنى المطابِقِ، ليتَّضِحَ المرادُ، ولتتبيَّنَ وِجْهَةُ قولِ السَّلفِ في الآيةِ.\nوقال الشَّوكَانِيُّ (ت:١٢٥٠): «... واشدُدْ يَدَكَ في تفسيرِ كتابِ الله على ما تقتضيه اللغةُ العربيةُ، فهو قرآنٌ عربيٌ كما وصفَه الله، فإنْ جاءكَ التفسيرُ عنْ رسولِ الله ﷺ فلا تلتفتْ إلى غيرِه، وإذا جاء نهرُ الله بطلَ نهرُ مَعْقِلٍ (٢).\nوكذا ما جاء عنِ الصحابة ﵃ فإنهم منْ جملةِ العربِ ومنْ أهلِ اللغةِ، وممنْ جمعَ إلى اللغةِ العلمَ بالاصطلاحاتِ الشرعيةِ، ولكنْ إذا كان معنى اللفظِ أوسعَ مِمَّا فسَّرُوهُ بهِ في لغةِ العربِ، فعليكَ أنْ تَضُمَّ إلى ما ذكرَه الصحابيُ ما تقتضيهِ لغةُ العربِ وأسرارُها» (٣).\n_________\n(١) تفسير البسيط، للواحدي، (رسالة دكتوراه على الآلة الراقمةِ) تحقيق: د. محمد بن صالح الفوزان (١:٢٢٤).\n(٢) نهرُ مَعْقِلٍ: نَهْرٌ منسوبٌ إلى الصحابي مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ. ينظر: معجم البلدان، لياقوت الحموي، ط: دار صادر (٥:٣٢٣)، والروض المِعْطَارَ في خبر الأقطار، للحميري، تحقيق: إحسان عباس (ص:٥٣٨). وقال الثعالبيُ في معنى هذا المثل: «نهر الله: من أمثال العامة والخاصة: إذا جاء نهر الله بطل نهر مَعْقِلٍ، وإذا جاء نهر الله بطل نهر عيسى. ونهر معقل بالبصرة، ونهر عيسى ببغداد، وعليهما أكثر الضياع الفاخرة، والبساتين النَّزِهَةِ ببغداد. وإنما يريدون بنهر الله: البحر والمطر والسيل، فإنها تغلب سائر المياه والأنهار، وتَطُمُّ عليها، ولا أعرف نهرًا مخصوصًا بهذه الإضافة سواهما». ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، للثعالبي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (ص:٣٠ - ٣١).\n(٣) فتح القدير، للشوكاني (٤:٣٠٩).","vol":"1","page":661},{"text":"وبعد هذا أذكرُ أمثلةً للتَّفسيرِ على المعنى، ثمَّ أذكرُ القاعدةَ، والله الموفقُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>أمثلةُ التَّفسير على المعنى:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>الأول: التفسيرُ باللاّزمِ:</span>\nالمرادُ به: أنَّ المفسِّر يُفسِّرُ اللَّفظَ بلازِمِهِ لا بمطابِقِه، للتنبيهِ على دخولِ هذا اللازم في معنى الآيةِ.\nواللزومُ أحدُ الدلالات اللَّفظيَّةِ الوضعيَّةِ، التي تُستفادُ من اللَّفظِ عقلًا أو عُرفًا، كالكتابةِ تستلزِمُ كاتبًا، والبناءُ يستلزِمُ بنَّاءً، وهكذا (١).\nومن أمثلته:\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧]، قال الطبريُّ (ت:٣١٠): «والخاسرونَ: جَمْعُ خاسرٍ، والخاسرونَ: الناقِصُونَ أنفسَهم حظوظَها - بمعصيتِهم الله - من رحمتِه، كما يَخْسَرُ الرَّجلُ في تجارتِه بأنْ يُوضَعَ من رأسِ مالِه في بيعِه.\nفكذلكَ الكافرُ والمنافقُ، خَسِرَ بحرمانِ الله إياه رحمتَهُ التي خلقَها لعبادِه في القيامةِ، أحوج ما كان إلى رحمتِه.\nيقال منه: خَسِرَ الرَّجُلُ يَخْسَرُ خَسْرًا وخُسْرَانًا وخَسَارًا، كما قال جريرُ بنُ عطيَّةَ (٢):\n_________\n(١) ينظر في ذلك: التعريفات، للجرجاني (ص:١١٠)، وجامع العلوم للأحمد نكري (٢:١٢٤).\nوالدلالات اللَّفظية الوضعية: دلالة المطابقة، وهي دلالة اللَّفظِ على ما وُضِعَ له، ودلالة تضمُّن، وهي دلالة اللَّفظِ على جزءِ معناه، ودلالة لزوم أو التزام.\n(٢) ديوان جرير، بشرح ابن حبيب، تحقيق: د. نعمان محمد طه (٢:١٠١٧)، وهو من رجزٍ له يهجو به غسان بن ذهيل السليطي، وسليط بطن من يربوع قوم جرير، =","vol":"1","page":662},{"text":"إنَّ سَلِيطًا في الخَسَارِ إنَّه ... أولاَدُ قَومٍ خُلِقُوا أُقِنَّه\nيعني بقوله: في الخسارِ؛ أي: فيما يوكسهم حظوظهم من الشرف والكرم.\nوقد قيل: إنَّ معنى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: أولئك هم الهالكون.\nوقد يجوزُ أنَّ قائلَ ذلك أرادَ ما قلنا من هلاكِ الذي وصفَ الله صفتَه بالصفةِ التي وصفَه بها في هذه الآيةِ بحرمانِ الله إياهُ ما حَرَمَهُ من رحمتِهِ بمعصيتِهِ إياهُ وكفرِهِ به، فَحَمَلَ تأويلَ الكلامِ على معناهُ دونَ البيانِ عن تأويلِ عينِ الكلمةِ بعينِها، فإنَّ أهلَ التَّأويلِ ربما فعلوا ذلك لِعِلَلٍ كثيرةٍ تدعوهم إليه» (١).\n_________\n= والأقنة: جمع القِنِّ، وهو العبد. ينظر حاشية شاكر على هذا البيت في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١:٤١٧).\n(١) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١:٤١٧)، وينظر في قوله تعالى: ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنْ الْقَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣] تفسير الطبري (١٣:١٦٠).\nوقد حرصت بعد قراءة هذا النص عند ابن جرير أن أتتبع هذه العلل إن كان ذكر منها شيئًا، غير أني لم أظفر له في تفسيره على بيان لهذه العلل، وقد وجدت شيئًا منها ذكرها غيره، ومن هذه العلل:\n١ - قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «... وهذا كثير في تفسير السلف، يذكرون من النوع مثالًا له؛ لينبِّهوا به على غيره، أو لحاجةِ المستمع إلى معرفته، أو لكونه هو الذي يعرفه ..». دقائق التفسير (٥:٧١:٢٧).\n٢ - قال الشاطبي: «... كما قاله القاضي إسماعيل - في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] بعد ما حكى أنها نزلت في الخوارج ـ: وكأنَّ القائل بالتخصيص - والله أعلم - لم يقل به بالقصد الأول، بل أتى بمثالٍ مما تتضمنه الآية؛ كالمثال المذكور، فإنه موافق لما قال، مشتهرًا [كذا] في ذلك الزمان، فهو أولى ما يمثل به، ويبقى ما عداه مسكوتًا عن ذكره عند القائل به، ولو سئل عن العموم لقال به.\nوهكذا كل ما تقدم من الأقوال الخاصة ببعض أهل البدع، إنما تحصل على التفسير، ألا ترى أن الآية الأولى من سورة آل عمران إنما نزلت في قصة نصارى نجران؟ ثمَّ =","vol":"1","page":663},{"text":"ومادَّةُ «خَسِرَ» في اللُّغةِ تدلُّ على النَّقصِ (١). ويكونُ تفسيرُ من فسَّر بالهلاكِ من التَّفسيرِ باللازمِ؛ أي أنَّ من لازمِ خسارةِ هذا الخاسرِ هلاكُه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>الثاني: التفسيرُ بالمثالِ:</span>\nوهو أن يعمدَ المفسِّرُ إلى لفظٍ عامٍّ، فيذكرَ فردًا من أفراده على سبيلِ المثالِ لهذا الاسمِ العامِّ، لا على سبيلِ التخصيصِ أو المطابقةِ (٢).\nومن أمثلتِه:\n١ - في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧]، فُسِّرَ المَنُّ على أقوال:\nالأولُ: صَمْغَةٌ تنزلُ على الشجرِ، مثلُ الثَّلجِ.\n_________\n= نُزِّلت على الخوارج، حسبما تقدم، إلى غير ذلك مما يذكر في التفسير، إنما يحملونه على ما يشمله الموضع بحسب الحاجة الحاضرة لا حسب ما يقتضيه اللفظ لغةً.\nوهكذا ينبغي أن تفهم أقوال المفسرين المتقدمين، وهو الأولَى لمناصبهم في العلم، ومراتبهم في فهم الكتاب والسنة». الاعتصام، للشاطبي، تحقيق: محمد رشيد رضا (١:١٠٣).\n٣ - قال الزركشي: «يكثر في معنى الآية أقوالهم واختلافهم، ويحكيه المصنفون للتفسير بعبارات متباينة الألفاظ، ويظن من لا فهم عنده أن ذلك اختلافًا فيحكيه أقوالًا، وليس كذلك، بل يكون كل واحد منهم ذكر معنىً ظهر من الآية، وإنما اقتصر عليه لأنه أظهر عند ذلك القائل، ولكونه أليق بحال السائل». البرهان في علوم القرآن (٢:١٥٩).\n٤ - قال الطاهر بن عاشور في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، قال: «فما رُويَ عن مجاهد وميمون بن مهران في تفسير التنازع بتنازع أهل العلم إنما هو تنبيه على الفرد الأخفى من أفراد العموم، وليس تخصيصًا للعموم». التحرير والتنوير (٥:١٠٠).\n(١) ينظر: مقاييس اللغة (٢:١٨٢)، ومفردات غريب القرآن (ص:٢٨٢ - ٢٨٣).\n(٢) هذا يدخلُ في دلالة التضمُّن التي سبق الإشارة إليها.","vol":"1","page":664},{"text":"الثاني: شرابٌ كان ينْزل عليهم، مثلُ العسلِ.\nالثالث: خبزُ الرُّقاق (١).\nوإذا تأملت هذه الأقوالَ، تبيَّنَ لك أنَّ المنَّ عمومُ ما منَّ الله به على بني إسرائيل، فالمنُّ مِنَ المِنَّةِ، وليس المرادُ به ما ينْزلُ من السَّماء على الشَّجرِ، فينعقدُ كالعسلِ، ويجِفُّ كالصَّمغِ (٢)، وأنَّ المفسِّرَ ذكرَ من عمومِ ما منَّ الله به على بني إسرائيلَ مثالًا له، ويبقى ما عداه مسكوتًا عنه عنده، ولو سئل عن العمومِ لقالَ به، والله أعلم.\nويشهدُ لأنَّ المراد به مجموعُ المِنَنِ، ما رواه ابن أبي حاتم (ت:٣٢٧) عن سعيدِ بن زيدٍ ﷺ قال: خرج إلينا النبيُّ ﵁ وفي يده كمأةٌ، فقال: «أتدرونَ ما هذا؟ هذا من المنِّ الَّذي أنزل الله على بني إسرائيلَ، وماؤها شفاءٌ للعينِ» (٣).\nقال ابن كثيرِ (ت:٧٧٤): «والغرضُ أنَّ عباراتِ المفسِّرينَ متقاربةٌ في شرحِ المَنِّ، فمنهم من فسَّره بالطعامِ، ومنهم من فسَّره بالشَّرابِ، والظَّاهرُ - والله أعلمُ - أنه كلَّ ما امتنَّ الله به عليهم من طعامٍ وشرابٍ، وغير ذلكَ، مما ليسَ فيه عملٌ ولا كَدٌّ.\nفالمنُّ المشهورُ إن أُكلَ وحده كانَ طعامًا حلوًا، وإن مُزِجَ معَ الماءِ صارَ شرابًا طيِّبًا، وإن رُكِّبَ مع غيرِه صارَ نوعًا آخرَ، ولكن ليس هو المرادُ\n_________\n(١) ينظر من قال به من السلف في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢:٩١ - ٩٤)، وتفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: أحمد الزهراني (ص:١٧٥ - ١٧٧).\n(٢) ينظر في معنى المنِّ، مادة (منن) في القاموس المحيط.\n(٣) تفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: الزهراني (ص:١٧٥)، وقد أخرجه البخاري، ينظر: كتاب التفسير، باب (وظَلَّلنا عليكم الغمام ...) من فتح الباري، ط: الريان (٨:١٤)، كما ذكر شيئًا من طرقه ابن كثير في تفسيره، تحقيق: سامي السلامة (١:٢٦٨ - ٢٧١).","vol":"1","page":665},{"text":"من الآيةِ وحده، والدليلُ على ذلكَ قول البخاري ...» (١)، ثمَّ ساق الحديث.\n٢ - في قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] وردَ عن السَّلفِ أقوالٌ في المحرومِ، منها:\nالأول: الذي ليس له في الإسلامِ سهمٌ.\nالثاني: الذي أصيبت ثمرته.\nالثالث: الذي ماتت ماشيته.\nالرابع: الذي لا ينمى له مال (٢).\nوالمعنى الجامع لهذه الأقوالِ: أنه الذي لا مالَ له لحرمانٍ أصابه (٣)، قال الطبريُّ (ت:٣١٠): «والصوابُ من القولِ في ذلكَ عندي أنه الذي قد حُرِمَ الرِّزقَ واحتاجَ، وقد يكونُ ذلكَ بذهاب مالِه وثَمَرِهِ، فصار ممن حَرمَهُ الله ذلك، وقد يكونُ بسببِ تعفُّفِه وتركه المسألَةَ، ويكونُ بأنه لا سهم له في الغنيمةِ لغيبته عن الوقعةِ، فلا قولَ في ذلك أولى بالصَّوابِ منْ أنْ تَعُمَّ، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>الثالث: ذكر النُّزول:</span>\nمن المعلومِ أنَّ النُّزول على نوعين:\nالأول: ما يكونُ سببًا مباشرًا في نزولِ الآيةِ؛ كأنْ يُسألَ رسولُ الله ﷺ سؤالًا، فتنْزلَ آيةٌ جوابًا لهذا السؤالِ؛ كما في نزولِ صدرِ سورةِ الأنفالِ.\nوالثاني: ما يكونُ غيرَ صريحٍ بالسَّببيَّةِ، وغالبًا ما تكونُ العبارةُ فيه: «نزلتْ هذه الآيةُ في كذا».\n_________\n(١) تفسيرُ ابن كثير، تحقيق: سامي السلامة (١:٢٦٨).\n(٢) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٦:٢٠١ - ٢٠٤)، وتفسير ابن عطية، ط: قطر (١٤:١٤ - ١٦).\n(٣) ينظر تفسير ابن عطية، ط: قطر (١٤:١٦).\n(٤) تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٦:٢٠٤).","vol":"1","page":666},{"text":"والمرادُ أنَّ العدولَ إلى ذكرِ النُّزولِ الذي على سبيلِ المثالِ دونَ تحريرِ ألفاظِ الآيةِ من جهةِ اللُّغةِ، إنما هو من باب التَّفسيرِ على المعنى (١).\nومن ذلكَ ما وردَ في نزولِ قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، قال مجاهدٌ (ت: ١٠٤): «عرضتُ المصحفَ على ابن عباسٍ ثلاثَ عرضاتٍ، من فاتحةِ الكتابِ إلى خاتمته، أوقفُه عند كلِّ آيةٍ منه، فأسأله عنها، حتى انتهى إلى هذه الآيةِ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، فقال ابن عباسٍ: إنَّ هذا الحيَّ من قريشٍ كانوا يتلذَّذونَ بهنَّ مقبلاتٍ ومدبراتٍ، فلما قَدِمُوا المدينةَ تزوَّجُوا من الأنصارِ، فذهبوا ليفعلوا بهنَّ كما كانوا يفعلون بمكَّةَ، فأنكرنَ ذلكَ وقلنَ: هذا شيءٌ لم نكنْ نُؤتَى عليه. فانتشرَ الحديثُ، حتَّى انتهى إلى رسولِ الله ﷺ فأنزلَ الله في ذلك: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، قال: إنْ شئتَ مقبلةً، وإنْ شئتَ مدبرةً، وإن شئتَ باركةً، وإنما يعني بذلكَ موضعَ الولدِ للحرثِ، يقول: ائتِ الحرثَ حيثُ شئتَ» (٢).\nويفهمُ من هذا الأثرِ أنَّ معنى «أنَّى شئتم» في الآيةِ: كيفَ شئتمْ، وابن عباسٍ (ت:٦٨) لم يبيِّنْ مدلولَ هذا اللَّفظِ، وإنَّما يُفهمُ هذا من سببِ النُّزول الذي ذكرَه، والله أعلمُ.\nالرابع: ذكر المعنى الجملي:\nالمقصودُ بذلكَ أنَّ المفسِّرَ يُبيِّنُ معنى الآيةِ إجمالًا دونَ التَّعرُّضِ لبيانِ مفرداتِها من خلالِ هذا المعنى الإجمالي الَّذي ذكرَه، وقد مرَّ مثالٌ في تفسيرِ قتادة (ت:١١٧) لقوله تعالى: ﴿بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾، وكذلكَ تفسيرُ الآيةِ السَّابقةِ، هي قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، حيثُ\n_________\n(١) ذكرتُ قيد «على سبيل المثالِ»؛ لأنَّه قد يكونُ ذكرُ النُّزولِ على سبيلِ القياسِ، فيدخلُ في التَّفسير بالقياسِ، وقد مضى تحريرُ ذلك.\n(٢) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٤:٤٠٩).","vol":"1","page":667},{"text":"قال ابن عباسٍ (ت:٦٨): «إنْ شئتَ مقبلةً، وإنْ شئتَ مدبرةً، وإن شئتَ باركةً، وإنما يعني بذلكَ موضعَ الولدِ للحرثِ، يقول: ائتِ الحرثَ حيثُ شئتَ» (١).\nوهذا يُفهمُ منه ما سبقَ من أنَّ المرادَ كيفَ شئتَ، والله أعلمُ.\nوبعد هذا، فإذا وردَ في تفسيرِ لفظٍ، تفسيرٌ على اللَّفظ وتفسيرٌ على المعنى، فإنَّ هذا لا يعني وجودَ التَّعارضِ بينهما، وهذا هو المقصودُ بهذه القاعدةِ، وأنَّ وُجُودَ الاختلافِ بينهما إنما هو بسببِ نظر المفسِّرِ، فالأول نظرَ إلى أصل الوضعِ، والثاني نظر إلى المعنى المرادِ دونَ التَّقيُّدِ بتفسيرِ الألفاظِ على وضعها في الأصلِ، والله أعلم.\nوقد نصَّ الشَّاطبيُّ (ت:٧٩٠) على هذا في ذكرِه لأمثلةِ الخلافِ الذي لا يُعتدُّ به، فقال: «أنْ يُذكرَ أحدُ الأقوالِ على تفسيرِ اللُّغةِ، ويُذكرَ الآخرُ على التَّفسيرِ المعنويِّ، وفَرْقٌ بينَ تقريرِ الإعرابِ وتفسيرِ المعنى، وهما يرجعان إلى حكمٍ واحدٍ؛ لأنَّ النَّظرَ اللُّغويَّ راجع إلى تقريرِ أصلِ الوضعِ، والآخرُ راجعٌ إلى تقريرِ المعنى في الاستعمالِ؛ كما قال في قولِه تعالى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣]؛ أي: المسافرين (٢)، وقيلَ: النَّازلينَ بالأرضِ القَوَاءِ (٣)، وهي القَفْرُ.\nوكذلكَ قولُه: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١]؛ أي: داهية تفجؤهم (٤)،\n_________\n(١) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٤:٤٠٩).\n(٢) قال به ابن عباس وقتادة والضحاك، ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٢٧:٢٠١ - ٢٠٢).\n(٣) لم أجد من قال به، وهو أصل معنى القواء في اللغةِ، والمسافرُ في حالِ سفرِه يكونُ كأهل القواء، واللهُ أعلمُ.\n(٤) هذا هو الأصل اللغوي، واللهُ أعلمُ.\nوقد ورد عن مجاهد من طريق منصور: مصيبة من محمد ﷺ، وعن ابن زيد: قارعة من العذاب. تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٦:٤٥٨، ٤٥٩).\nوفي الدر المنثور (٤:٦٥٥): عن ابن عباس: عذاب من السماء، وعنه أيضًا: نكبة.","vol":"1","page":668},{"text":"وقيلَ؛ سرية من سرايا رسولِ الله ﷺ (١)، وأشباه ذلك» (٢).\nوعلى هذا سارَ العلماءُ في التَّفسير على اللَّفظِ والتَّفسيرِ على المعنى، وأنَّه لا تعارضَ بينهما، وقد سبقَ جملةٌ من أمثلةِ التَّفسيرِ على المعنى والتَّفسيرِ على اللَّفظِ، ومن الأمثلةِ التَّطبيقيَّةِ أيضًا:\n١ - نقلَ البَيهَقِيُّ (ت:٤٥٨) (٣) تفسيرَ الشَّافعي (ت:٢٠٤) لقولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]: «لا يكثر من تعولون» (٤).\nثمَّ حكى تخريجَ أحدِ أجلاَّءِ أئمةِ الأدب (٥)، فقال: «... أنَّ الشَّافعيَّ ذهبَ إلى الأصلِ؛ لأنَّ العَولَ بمعنى الميلِ إنما هو سببٌ، وليس بمطلقٍ في الأشياءِ؛ لأنَّه لا يقالُ للجدارِ: عَالَ، ولا يقالُ: عَالَ عنِ الطَّريقِ: إذا مَالَ عنه.\nوإنما خُصَّ به موضعُ القَسْمِ؛ لأنَّ العَول أصلُهُ قُوتُ العيالِ، ومنَ العَولِ يتسببُ الميلُ، ومِنَ القسْمِ بينَ الضَّرائرِ في الإنفاقِ وغيرِه يكونُ المَيلُ، فَسُمِّيَ المَيلُ عَولًا.\n_________\n(١) هذا قول السلف: ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير. ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٦:٤٥٦ - ٤٥٩). وهذا هو التفسير على المعنى، واللهُ أعلمُ.\n(٢) الموافقات، للشاطبي، تحقيق: محيي الدين عبد الحميد (٤:١٤١).\n(٣) أحمد بن الحسين بن علي، أبو بكر البيهقي، الحافظ، الفقيه الشافعي، من أكثر الشافعية خدمةً لمذهبه، صنَّف التصانيف الرائعة، وبورك له فيها، فانتشرت، وانتفع بها العلماء، ومن تصانيفه: السنن الكبرى، وشعب الإيمان، توفي سنة (٤٥٨). ينظر: سير أعلام النبلاء (١٨:١٦٣ - ١٧٠)، وطبقات الشافعية، للسبكي (٤:٨ - ١٦).\n(٤) الرد على الانتقاد على الشافعي في اللغة: (ص:١٠٥). وينظر قوله في كتابه الأمِّ (٥:١٠٦).\n(٥) هو علي بن القاسم الخوافي، صاحب مختصر العين، ينظر: الرد على الانتقاد على الشافعي في اللغة (ص:١٠٧).","vol":"1","page":669},{"text":"فذهبَ الشِّافعيُّ ﵀ إلى أصلِ الكلامِ، وذهبَ المفسِّرونَ إلى المعنى الذي يتسبَّبُ منَ الأصلِ (١).\nوالمفسِّرون يفسِّرونَ كثيرًا منَ الأشياءِ على المعنى، لا على الأصلِ؛ كقولِه تعالى: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص:٦١]، قالوا: من المعذبينَ (٢)؛ لَمَّا أُحضِروا للتَّعذيبِ» (٣).\n٢ - في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠]، قال ابن عطيَّة: «والمُراغمُ: المُتحوَّلُ والمذهبُ، كذا قالَ ابنُ عباسٍ، والضَّحَّاكُ، والرَّبيعُ (٤)، وغيرُهم. ومنه قولُ النَّابغةِ الجعديِّ (٥):\nكَطَودٍ يُلاذُ بِأرْكَانِهِ ... عَزِيزِ المُرَاغَمِ والمَذْهَبِ\nوقولُ الآخرِ (٦):\nإلَى بَلَدٍ غَيرُ دَانِي المَحَلِّ ... بَعِيدِ المُرَاغَمِ والمُضْطَرَبِ\nوقال مجاهد: المراغم: المُتَزَحْزِحُ عمَّا يكره (٧).\nوقال ابنُ زيدٍ: المُراغَمُ: المُهاجِرُ (٨).\n_________\n(١) قول جمهور المفسرين أنَّ المراد: ذلك أقرب ألاَّ تجوروا ولا تميلوا. وهو قول: ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، وإبراهيم، وأبي مالك، وقتادة، والربيع والسدي. ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٧:٥٤٩ - ٥٥٢).\n(٢) الوارد عن السلف: أُحضِروها؛ أي: النار، والمحضرين في عذاب اللهِ، ولم أجد هذا النصَّ الذي ذكره، وهو تفسير على المعنى، وهو صحيحٌ، واللهُ أعلمُ. ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٢٠:٩٧)، وتفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد الطيب (٩:٢٩٩٩).\n(٣) الرد على الانتقاد على الشافعي في اللغة (ص:١٠٧ - ١٠٨).\n(٤) ينظر أقوالهم في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٩:١١٩ - ١٢٠).\n(٥) البيت في ديوانه، ط: المكتب الإسلامي (ص:٣٣).\n(٦) البيت بلا نسبة في معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (٢:٩٦).\n(٧) ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٩:١٢٠).\n(٨) ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٩:١٢٠ - ١٢١).","vol":"1","page":670},{"text":"وقالَ السُّدِّيُّ: المُراغَمُ: المُبتغي المعيشةَ (١).\nقال القاضي أبو محمدٍ ﵀: وهذا كلُّه تفسيرٌ بالمعنى، فأما الخاصُّ باللَّفظَةِ، فإنَّ المراغم: موضعُ المراغمة وهو أن يُرغِمَ كلُّ واحدٍ من المتنازعين أنفَ صاحبه بأن يغلبَه على مراده، فكفارُ قريشٍ أرغموا أنوفَ المحبوسينَ بمكَّةَ، فلو هاجر منهم مهاجرٌ في أرض الله لأرغمَ أنوفَ قريشٍ بحصولِه في منعةِ منهم، فتلكَ المنعةُ هي موضعُ المراغمةِ ...» (٢).\n٣ - في قولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، قالَ ابنُ القَيِّمِ (ت:٧٥١): «ورُوِيَ عن ابن عباسٍ ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠]: يكذبونَ عليه (٣).\nوهذا تفسيرٌ بالمعنى، وحقيقةُ الإلحادِ فيها: العدولُ بها عن الصَّوابِ فيها، وإدخالُ ما ليسَ من معانيها فيها، وإخراجُ حقائقِ معانيها عنها، هذه حقيقةُ الإلحاد، ومنْ فعل ذلك فقدْ كذبَ على الله.\nففسَّرَ ابنُ عباسٍ الإلحادَ بالكذبِ، وهو غايةُ الملحدِ في أسمائه تعالى، فإنه إذا أدخلَ في معانيها ما ليسَ منها، وخرج بها عن حقائقِها، أو بعضِها، فقدَ عدلَ بها عنِ الصَّوابِ والحقِّ، وهو حقيقةُ الإلحادِ ...» (٤).\n٤ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ [النبأ: ٢٧]، قال الطَّاهرُ بنُ عاشورَ (ت:١٣٩٣): «وقوله: ﴿لاَ يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ نفيٌ لرجائِهم وقوعَ الجزاءِ.\nوالرَّجاءُ اشتهرَ في ترقُّبِ الأمرِ المحبوبِ، والحسابُ ليسَ خيرًا لهم حتى يُجْعَلَ نفيُ ترقُّبِهِ منْ قبيلِ نفيِ الرَّجاءَ ...\n_________\n(١) ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (٩:١٢٠).\n(٢) المحرر الوجيز، لابن عطية، ط: قطر (٤:١٩٤ - ١٩٥).\n(٣) ينظر تفسير في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (١٣:٢٨٣).\n(٤) بدائع التفسير (١:١٣٧).","vol":"1","page":671},{"text":"ومنَ المفسرِّينَ منْ فسَّر: ﴿يَرْجُونَ﴾ بمعنى: يخافونَ (١)، وهو تفسيرٌ بحاصلِ المعنى، وليسَ تفسيرًا لِلَّفظِ» (٢).\n_________\n(١) ورد هذا التفسير قتادة، ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (٣٠:١٦).\n(٢) التحرير والتنوير (٣٠:٣٩).\nينظر أمثلةً مما نصَّ عليه العلماء بأنه تفسير على المعنى فيما يلي:\n* تفسير الطبري، ط: الحلبي (١/ ١٨٥). (١٣: ١٦).\n* المحرر الوجيز، لابن عطية، ط: قطر (٣:٧٧، ٢١٢)، (٧:٣٣٠)، (٨:٢٩٠، ٣٤٢)، (٩:٢٤٨، ٢٩٤)، (١٤:٥٣، ٢١٦، ٣٠٧)، (١٥:٣٣٨).\n* بدائع التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن قيم الجوزية، جمع: يسري السيد محمد (١:١٢٢، ١٣٧)، (٣:٢٢، ٦٢).\n* التحرير والتنوير (١٥:٣٢٥).","vol":"1","page":672},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>خاتمة البحث</span>\nالحمد لله الذي منَّ علي بختام هذا البحث المبارك، وأسأله أن يمنَّ علي بختام الحياة خيرًا.\nوبعد:\nإنَّ موضوعَ التفسيرِ اللُّغويِّ موضوعٌ طويلٌ لا تستوعبُه مثلُ هذه الرسالةِ التي أراها قصَّرتْ في كثيرٍ من مسائِله المطروحةِ؛ لأنَّ الاستطرادَ في مناقشةِ هذه المسائلِ يحتاجُ إلى رسائلَ مستقلَّةٍ، وحسبي أنِّي فتحتُ بابَه وأشرتُ إلى شيءٍ من رؤوس مسائله:\nومنْ هذه المسائلِ التي رأيتها جديرةً بالبحثِ:\n١ - الشاهدُ الشِّعريُّ وعلاقتُه بتفسيرِ القرآنِ (١).\n٢ - الأساليبُ العربيَّةُ التي نزلَ بها القرآنُ وأثرها في التفسيرِ.\n٣ - دلالةُ الصِّيَغِ وأثرُها في التفسيرِ.\n٤ - مفهومُ التأويلِ والمجازِ وأثرُهما في التفسيرِ.\n٥ - البحثُ اللُّغويُّ عند الأصوليين وأثره في التَّفسيرِ (٢).\n_________\n(١) سبق أن أشرت إلى رسالة للأستاذ محمد المالكي، وهي بعنوان: جهود الطبري في الدراسة الأدبية للشواهد الشعرية من خلال تفسيره، وقد اطلعت بعدها على كتاب: الشعر الجاهلي وأثره في تفسير معاني القرآن حتى نهاية القرن الثالث الهجري، للباحث: محمد محمد يوسف الجطلاوي، ولم يتيسَّر لي قراءتها.\n(٢) قال علي بن عبد الكافي السبكي (ت:٧٥٦): «... فإن الأصوليين دققوا في فهم =","vol":"1","page":673},{"text":"ومن أبرزِ نتائجِ هذا البحثِ التي يحسنُ تدوينُها:\n* أنَّ مفسِّري السلفَ قد سبقوا اللُّغويِّينَ في التفسيرِ عمومًا، وهذه النتيجةُ مع يسرِها وسهولتِها، تجدُ من يغفلُ عنها عندَ بحثِه عن معاني ألفاظ القرآنِ، أو ألفاظِ اللُّغةِ، ويعمدُ إلى أقوالِ اللُّغويِّين الذين تأخروا عنهم وجاءوا بعدهم، وهذا فيه من القصورِ في البحثِ ما فيه.\n* أنَّ التَّفسيرَ اللُّغويَّ جزءٌ من علمِ التَّفسيرِ، ولذا لا يمكنُ أن يخلوَ منه كتابٌ في التَّفسيرِ، إلاَّ أنْ يكونَ من التَّفاسيرِ المنحرفةِ التي لا تعتمدُ على لغةِ العربِ في بيانِ القرآنِ؛ كتفاسيرِ الباطنيَّةِ والصُّوفيَّةِ والفلاسفةِ وغيرها.\nوأنَّه من أكبرِ مصادرِ التَّفسيرِ، وهذا ظاهرٌ لمنْ يقرأُ مدوَّناتِ التَّفسيرِ؛ كتفسيرِ الطَّبريِّ (ت:٣١٠)، وتفسيرِ ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) وغيرِهما.\nوهذا يعني أنَّ المفسِّرَ يحتاجُ إلى تعلُّمِ اللُّغةِ خاصَّةً، ليُفيدَ في تفسيرِ القرآنِ، وفي بيانِ وجهةِ كثيرٍ من أقوالِ المفسِّرينَ، وفي بيانِ خطأ من خالفَ لغةِ العربِ وفسَّرَ بما لا يوجدُ فيها.\nولقدْ كانَ الطبريُّ بتحريراتِه اللُّغويَّةِ من أبرزِ المفسِّرينَ الذين يمكنُ أن\n_________\n= أشياء من كلام العرب، لم يصل إليها النحاة ولا اللغويون، فإن كلام العرب متسع جدًا، والنظر فيه متشعب، فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة، دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي، واستقراءٍ زائد على استقراء اللغوي.\nمثاله: دلالة صيغة «اِفعل» على الوجوب و«لا تفعل» على التحريم، وكون «كل وأخواتها» للعموم، وما أشبه ذلك مما ذكر السائل أنه من اللغة، ولو فتشت كتب اللغة لم تجد فيها شفاءً في ذلك، ولا تعرُّضًا لما ذكره الأصوليون، وكذلك كتب النحو، لو طلبت معنى الاستثناء، وأن الإخراج، هل هو قبل الحكم أو بعد الحكم؟ ونحو ذلك من الدقائق التي تعرَّض لها الأصوليون، وأخذوها باستقراء خاصٍّ من كلام العرب، وأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النَّحو، فهذا ونحوه مما تكفَّل به أصول الفقه ...». الإبهاج شرح المنهاج، للسبكي، تحقيق د. شعبان محمد إسماعيل (١:٧ - ٨)، نشر مكتبة الكليات الأزهرية، ط١، ١٤٠١ - ١٩٨١.","vol":"1","page":674},{"text":"يُستدلَّ بهم في أهمية معرفةِ اللُّغةِ العربيَّةِ للمفسِّرِ، ولقد كانَ بتحريراتِه هذه في مصافِّ أقرانِه اللُّغويِّينَ الذي عاشوا في عصرِه، ومن العجيبِ أنَّ هذا العَلَمَ الجهبذَ لا يوجدُ عنه نقلٌ في مدوَّناتِ اللغة التي كُتِبتْ بعدهُ؛ كتهذيبِ اللُّغةِ ولسانِ العربِ وغيرِها، مع أنَّه كانَ في بغدادَ عاصمةِ العلمِ آنذاك، وكان معاصرًا لجمعٍ من اللُّغويِّينَ الذينَ دوَّنوا اللُّغةَ، ونُقلتْ أقوالُهم، واعتُمدت، وأذكرُ - على سبيلِ المثالِ، لا الحصرِ - أبا الحسن عليَّ بنَ الحسنِ الهُنائيَّ، المشهورَ بكُرَاعِ النَّملِ (ت:٣١٠)، الذي ألَّفَ كتاب المنجدِ في اللغةِ، وكتاب المنتخب من غريب كلامِ العربِ، ولاحظَ محقِّقو هذين الكتابينِ أنَّ معاني بعضِ الألفاظ تحكى عنه دونَ غيرِه، فهو أعلى مصدرٍ في هذه المعلوماتِ، وينقُلها عنه المتأخِّرونَ على سبيلِ القبولِ، وأنَّ اسمَه كثيرَ التَّردُّدِ في كتابِ المحكمِ ولسانِ العربِ وغيرِهما (١).\nفهذا العَلَمُ اللُّغويُّ المعاصرُ للطبريِّ (ت:٣١٠) قد حُكيتْ عنه معاني بعضِ الألفاظِ، أمَّا الطبريُّ (ت:٣١٠)، فيندرُ أنْ يُحكى اسمُه في كتبِ اللُّغةِ، وهذا يعني عدم اهتمامِ من ألَّفَ في اللُّغةِ بالنَّقلِ عن المفسِّرينَ.\nوقد ظهرَ لي أنَّ هذه النَّتيجةَ تنساقُ على جلِّ المفسرِّينَ من السَّلفِ وغيرِهم، حيثُ يَقِلُّ ذكرُ أعيانِ مفسِّرِي السَّلفِ في كتبِ اللُّغويين، كما لم يستفيدوا - أي: أهل اللُّغةِ - من كتبِ الوجوهِ والنَّظائرِ التي دوَّنها أتباعُ التَّابعينَ، وفي ذلكَ قصورٌ لا يخفى على من تأمَّلَه.\n* أنَّ أغلبَ البحثِ اللُّغويِّ في كتب اللُّغويِّينَ: من معاني القرآنِ، وغريبِه، ومعاجمِ اللُّغةِ، وغيرها من المدوناتِ اللُّغويَّةِ، كان منصبًا على بيانِ معاني المفرداتِ.\n_________\n(١) انظر: مقدمة محقِّقي كتاب المنجد في اللغة (ص:١)، ومقدمة محقق المنتخب من غريب كلام العرب (ص:٩).","vol":"1","page":675},{"text":"وقد ظهرَ لي أنَّ كتبَ معاجمِ اللُّغةِ، وكتبَ شروحِ الأحاديثِ والأشعارِ وغيرِها من الرَّسائلِ اللُّغويةِ الأخرى؛ ككتب الأضدادِ وغيرِها، ظهرَ لي أنها لا تختلفُ في منهجِ البحثِ عن كتبِ غريبِ القرآنِ، لذا، فإنه لو جُرِّدَ ما يتعلَّقُ بالتَّفسيرِ في هذه الكتبِ فإنَّها لا تعدو أنْ تكونَ كتابًا في غريبِ القرآن.\nوتجريدُ ما يتعلَّقُ بالتَّفسيرِ من هذه الكتب مطلبٌ يحرصُ عليه الباحثُ في التَّفسيرِ؛ لأنَّه يقرِّبُ له المعلومةَ من مواضعَ لا يتوقَّعُ وجودها فيها، وهذا من البحوثِ اليسيرةِ المفيدةِ التي يمكنُ أن يقومَ بها طلاَّب الكلِّيَّةِ أو الدراساتِ العليا، يخرجونها ويقومون بدراستها، ومن ثَمَّ تُخرجُ في كتابٍ مستقلٍّ، والله الموفِّقُ.\n* ومما ظهرَ لي في هذا البحثِ أنَّ الكتبَ التي درستُها في معاني القرآنِ، كانَ قصدُ مؤلِّفيها إبرازَ مذهبِهم النَّحويِّ، لذا طغتْ هذه البحوثُ النَّحويَّةُ على بيانِ المفرداتِ في هذه الكتبِ.\n* وقد ظهرَ لي أثرُ معتقدِ المؤلِّفِ على بحوثِه في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، وأنَّ معرفَة هذا المعتقدِ ضروريَّةٌ للباحثِ، ويمكنُ أن يتتبَّعها من خلالِ كتاباتِ المؤلِّفِ.\nكما ظهرَ لي في هذا المجالِ أنه لا يلزمُ أن يكونَ ما قيلَ في كتبِ التراجمِ من عقيدةِ المؤلِّفِ صحيحًا، بل قد يكونُ مما أُلصقَ به لسببٍ من الأسبابِ التي قد تخفى على الباحثِ، ولا يتبيَّنُ ردُّ هذه التُّهمةِ عنه إلاَّ بجردِ كتابِه وبيانِ ما قاله مما يخالفُ ما وُصِمَ به.\nوأعيدُ هنا: أنَّ الباحثينَ بحاجةٍ إلى منهجٍ تطبيقيٍّ يبيِّنُ لهم سبيلَ الاستفادةِ من المعلومات التي تُذكرُ في تراجمِ بعض الأعلامِ؛ لأنَّ بعضهم يأخذُ هذه المعلوماتِ مسلَّماتٍ لا تقبلُ الجدلَ والنِّقاشَ، ويبني عليها نتائجَ لا يخالِفُها الصوابُ - غالبًا - عند التنقيبِ والتَّحريرِ، وقد مرَّ في البحثِ أمثلةٌ لهذا، والله الموفِّقُ.\n* لقد كان البحثُ في الاختلافِ بسببِ اللُّغةِ شيِّقًا في شقِّهِ الأوَّلِ، وهو بيانُ ما للاختلافِ بسبِبها من إثراء التَّفسيرِ، كما كانَ فيه معرفةُ وجهةِ الأقوالِ وأسبابِها، مما يجعلُ الباحثَ مدركًا للاختلافِ، وعارفًا بما يمكنُ حملُه على الآيةِ وما لا يمكنُ.","vol":"1","page":676},{"text":"أمَّا الشِّقُ الثاني، وهو اتخاذُ اللُّغةِ طريقًا إلى الانحراف بالتَّفسيرِ، فكانَ موضوعًا صعبًا، وهو محتاجٌ إلى دراسةٍ مستقلَّةٍ، أرى أنَّه لا بدَّ منها.\nوقد ظهرَ لي في هذا المبحثِ أنَّ من أهمِّ أسبابِ الانحراف في التفسيرِ اللُّغويِّ الاعتمادَ على العقلِ المجرَّدِ، والانتصار للمذهبِ العقديِّ، وقد ساعدَ على ذلكَ سَعَةُ العربيَّةِ.\nوإنَّ مما يدلُّ على هذه المسألةِ، ما أحدثَه بعضُهم من معانٍ لغويَّةٍ مولَّدةٍ، لا تعرفُها العربُ، ولم يكنْ من منطقِها، ومن أشهرِ الأمثلةِ عليها تفسيرُ معنى الاستواءِ بالاستيلاءِ.\n* ولما كان هذا حالُ اللُّغةِ العربيَّةِ من السَّعةِ، صار فيها إثراءٌ للمعاني المحتملةِ في التَّفسيرِ، كما صارَ فيها طريقًا لإثباتِ بعضِ المبتدعةِ بدعَهم بها، وبهذا تكونُ سَعَةُ اللُّغةِ العربيَّةِ سلاحًا ذا حدَّينِ، لذا فإنَّ الأمرَ يحتاجُ إلى ضوابطَ يُتبيَّنُ بها معرفةُ الصَّحيحِ من السَّقيمِ من هذه المحتملاتِ اللُّغويَّةِ، وهذا ما بحثتُه في القاعدةِ الثانيةِ من (قواعد في التفسيرِ اللُّغويِّ)، وقد استنبطتُ لهذه المحتملاتِ ضوابطَ أرجو أن أكونَ قد وُفِّقتُ فيها إلى الصَّوابِ.\nكما بيَّنتُ فيها أنَّ معرفَة اللُّغةِ العربيَّةِ ضروريٌّ لمعرفةِ مخالفةِ من يفسِّرُ القرآنَ بغيرِها، وأنَّها سلاحٌ يُشهرُ في وجهِ من يبتدعُ معاني لا تعرفها العربُ؛ ذلكَ لأنَّ القرآنَ عربيٌّ، ولا يمكنُ أن يُفسَّرَ بدلالةِ ألفاظِ غيرِها، وهذا فيه من التَّجنِّي والتَّقوُّلِ على الله بغيرِ علمٍ ما لا يخفى.\n* وعقدت قاعدةً بعنوانِ: (لا يصح اعتمادُ اللُّغةِ دونَ غيرِها من المصادرِ التَّفسيريَّةِ)، وقد بيَّنتُ فيها أنَّه مع ما للُّغةِ من الأهميَّةِ في فهمِ القرآنِ والردِّ على انحرافاتِ بعضِ التَّفاسيرِ، فإنها لا تعتبرُ المصدرَ الوحيدَ، بل هناكَ ما يُقدَّمُ عليها عند الاختلافِ في فهم معنى الآيةِ، فسببُ النزولِ يبيِّنُ المعنى المحتملَ من دلالاتِ اللفظِ اللُّغويِّ، ولذا لا يصحُّ أن يُحملَ المعنى على غيرِ ما يدلُّ عليه سببُ النُّزولِ.\nوالمعنى الشَّرعيُّ مقدَّمٌ على المعنى اللُّغويِّ، إذا تعارضا في مثالٍ ما؛ لأنَّ الشارعَ معنيٌّ ببيانها، لا ببيانِ المعنى اللُّغويِّ.","vol":"1","page":677},{"text":"وكذا تفسيرُ السَّلفِ يدلُّ على المعنى المراد من المعاني المحتملةِ، فما ناقضَه من المعاني رُدَّ، ولو كانَ لغويًّا، وقد بيَّنتُ هذا باستفاضةٍ في القاعدةِ الأولى: (كل تفسير لغوي وارد عن السلف يُحكم بعربيته، وهو مقدم على تفسير اللغويين)، وبيَّنتُ فيها أنَّ الواردَ عن السلف حجةٌ في بيان اللغةِ.\nوقد بيَّنتُ في نهايةِ قاعدة: (لا يصحُّ اعتماد اللُّغةِ دونَ غيرِها من المصادرِ التَّفسيريَّةِ)، بيَّنتُ قاعدةً ناشئةً عنها، وهي: أنه ليس كلُّ ما وردَ في اللُّغةِ يلزمُ ورودُه في القرآنِ، وذكرتُ قولَ بعضِ العلماءِ في هذا، وما ردَّه بعضُهم من التَّفسيراتِ بناءً على هذه القاعدةِ.\n* وفي القاعدة الرابعة بيَّنتُ أنَّه حينما يأتي تفسيرٌ عن السلفِ لا تجدُه في معاجم اللُّغةِ، فلا تتسرَّعَ في ردِّه؛ لأنَّه قد يكونُ فسَّرَه على المعنى لا على اللفظِ، أو يكونُ دلالةً لغويَّةً جهِلَها اللُّغويونَ ولم ينقلوها.\nوبينتُ فيها أنَّه إذا كانَ التفسيرُ الواردُ عن السَّلفِ تفسيرًا على المعنى، فإنه لا يخالفُ التفسيرَ على اللَّفظِ، ومن هذا المنطلقِ؛ فإنَّ معرفةَ طريقةِ السَّلفِ في التَّفسيرِ على المعنى نافعةٌ جدًّا لمن يقرأ في تفسيرهم؛ لأنَّه بمعرفةِ القارىء لهذا النوعِ من التَّفسيرِ تزولُ عنه مشكلاتٌ كثيرةٌ يراها في تفسيرِ السلفِ، قد يخطِّئها، ولو كان على علمٍ بطريقتِهم هذه، لسهُلَ عليه معرفةُ وجْهَةِ أقوالِهم، ومعرفةُ مخرجها وسبب ذلكَ التَّفسيرِ، وبهذا يكونُ قد أراحَ نفسَه من عناءِ التَّخطئةِ، وتكلُّفِ الرَّدِّ.\nوأخيرًا:\nهذه جملةٌ من نتائجِ البحثِ، وهناك غيرُها من النتائجِ الجزئيَّةِ التي تراها منثورةً فيه، والتي ستظهرُ في فهرسِ مسائل الكتاب العلمية إن شاء الله، والله الموفقُ، أسأُلُه أن يسدَّ خَلَلِي، ويتمَّ عليَّ نعمتَه، ويجعلَ هذا البحثَ خالصًا لوجهِه الكريمِ، وأن يكونَ في ميزانِ حسناتي يوم ألقاه، وآخرُ دعوايَ أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.","vol":"1","page":678},{"text":"الفهارس العامة للكتاب\nفهرس القواعد العلمية\nفهرس مسائل الكتاب العلمية\nفهرس المصادر والمراجع\nفهرس موضوعات الكتاب","vol":"1","page":679},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>فهرس القواعد العلمية </span>(١)\n٥١٤ - إذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد، فالتأسيس أولى من التأكيد، وهو مقدم عليه\n\n٤٧٦ - إذا دار الكلام بين المعنى الأشهر والمعنى الأقل قُدِّمَ المعنى الأشهر\n\n٢١٣ - إذا صحَّ الكلام من غير حذف، لم يجزْ أن نُقدِّر على الحذف؛ لاستغنائه عن المحذوف، وتمامه على صحة معناه\n\n٢٠٤ - إذا كان الكلام مفهومًا على اتساقه على كلام واحد، فلا وجه لصرفه إلى كلامين\n\n٥٩١ - إذا ورد أكثر من معنى لغوي صحيح تحتمله الآية بلا تضاد، جاز تفسير الآية بها\n\n٢٨٢ - الأصل بقاء اللفظ على ترتيب حروفه، وعدم ادعاء القلب فيه\n\n٣٠٩ - الأصل في تفسير الكلام أن يفسر على ترتيبه في النظم، فلا يقدم المؤخر ولا العكس إلا لقرينة تدل عليه\n\n١٣٥ - أفعال المجاز لا تخرج منها المصادر، ولا تؤكد بالتكرار\n\n٢٠٣ - إنما يجوز توجيه معاني ما في كتاب الله الذي أنزله على محمد ﷺ من الكلام، إلى ما كان موجودًا مثله في كلام العرب، دون ما لم يكن موجودًا في كلامها\n\n٢١٢، ٥٤٢ - إنما يجوز حذف الشيء للاستغناء بدلالة غيره عليه\n٣٦ - إنما يحسن الإضمار في الكلام الذي يجتمع، ويدل أوله على آخره:\n\n٢١٢ - الاستثناء لا يُحمل على المنقطع مع حسن المتصل؛ لأنه الأصل في الكلام والأسبق إلى الأوهام\n_________\n(١) هذه الفهرسة للقواعد وكذا المسائل العلمية التي ستأتي بعدها شاملة لما في المتن والحاشية.","vol":"1","page":681},{"text":"٤٧٥ - بقاء اللفظ على معناه المعروف أولى من إخراجه عنه بلا دلالة\n٢٠٤ - تأويلُ القرآنِ على المفهومِ الظاهرِ من الخطابِ - دونَ الخفي الباطنِ منه، حتى تأتي دلالةٌ من الوجه الذي يجبُ التَّسليمُ له، بمعنًى خلافَ دليله الظاهرِ المتعارفَ في أهلِ اللِّسانِ الذين بلسانهم نزلَ القرآنُ - أولى\n\n٤٨١، ٦١١ - تأويل كتاب الله على الأغلب من معروف كلام العرب دون غيره\n٢٠٢ - توجيه تأويل القرآن على الأشهر من اللغات، أولى من توجيهه إلى الأنكر، ما وجد إلى ذلك سبيل\n\n٦٣٤ - الحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية؛ لأن الشارع معنيٌّ ببيان الشرع لا ببيان اللغات:\n\n٣٦ - الخبر على عمومه، حتى يأتي خبر تقوم به الحجة دالٌّ على خصوصه:\n\n٢٠٤ - زيادة ما لا يفيد من الكلام معنى في الكلام، غير جائز إضافته إلى الله جل ثناؤه\n\n٢٧١ - عدم العلم بالشيء لا يلزم منه إنكاره\n\n٣٦ - العرب إنما تحذف من الكلام ما دلَّ عليه ما ظهر\n\n١٣٤ - العرب تؤكد الشيء وقد فرغ منه، فتعيده بلفظ غيره تفهيمًا وتأكيدًا\n\n٣٦، ٣٩ - العرب تختصر الكلام، ليخففوه؛ لعلم السامع بتمامه\n٢٠٤، ٣٥٢ - غير جائز إبصال حرف كان دليلًا على معنى في الكلام\n٢٠٤ - غير جائر أن يكون في كتاب الله حرف لا معنى له\n\n١٨٧ - غير جائز أن يُتعدى ما أجمعت عليه الحجة\n\n٢٠٤ - غير جائز توجيه معاني كلام الله إلا إلى الأغلب من وجوهها، المستعمل بين أهل اللسان الذي نزل به، دون الخفي المجهول، ما لم تأت دلالة على غير ذلك\n\n٢٠٤ - غيرُ جائزٍ حذفُ حرفٍ من كلامِ اللهِ - في حالِ وقفٍ أو وصلٍ - لإثباتِه وجهٌ معروفٌ في كلامها\n\n٢٠٠ - غير جائز لأحد خلافهم [يعني مفسري السلف] فيما كانوا عليه مجتمعين\n\n٢٠٤ - غير مستحيل اجتماع المعاني الكثيرة للكلمة الواحدة، باللفظ الواحد، في كلام واحد\n\n٢١٢ - القرآن لا يُحمل على ضرورة الشاعر:\n\n٢٠٥ - كتابُ اللهِ ﷿ لا توجَّهُ معانيه وما فيه من البيانِ إلى الشَّواذِّ من الكلامِ والمعاني، وله في الفصيحِ من المنطقِ والظاهرِ من المعاني المفهوم، وجهٌ صحيحٌ","vol":"1","page":682},{"text":"٥٦٠ - كل تفسير لغوي وارد عن السلف يحكم بعربيته، وهو مقدم على تفسير اللغويين\n\n٦١٨ - كل تفسير ليس له أصل في لغة العرب فهو مردود\n\n٢٠٤ - كل كلام نُطق به، مفهوم منه معنى ما أريد، ففيه الكفاية عن غيره\n\n٢١٢ - الكلام إذا صح معناه من غير حذف، لم يجز تأويله على الحذف\n\n٥٤٨ - الكلام إذا كان يحتمل الحيقة والمجاز، قُدِّمت الحقيقة\n\n٦٥٢ - لا تعارض بين التفسير اللفظي والتفسير على المعنى\n\n٦٨٣ - لا يترك المعنى المشهور المتبادر من اللفظِ إلى معنى غريب إلا بدليل يدل عليه:\n\n٢٠٤ - لا يجوزُ أنْ يُحملَ تأويلُ القرآن إلاَّ على الأظهرِ الأكثرِ من الكلامِ المستعملِ في ألسنِ العربِ، دونَ الأقلِّ، ما وُجِدَ إلى ذلك سبيلًا، ولم تضطرنا حاجةٌ إلى صرفِ ذلك إلى أنه بمعنى واحد، فيحتاج له إلى طلبِ المخرج بالخفي من الكلام والمعاني\n\n٢١٢ - لا يجوز العدول عن الظاهر إلا بقرينة\n\n٢١٢ - لا يُحكم بالزيادة مع صحة المعنى\n\n٥٢٢ - لا يُحكم للأغرب من كلام العرب على الأغلب\n\n٢٤٩ - لا يصلح التفسير باللازم إلا مع إثبات الأصل\n\n٦٤٧ - ليس كل ما ورد في اللغة يلزم أن يرد في القرآن\n٢١٢ - المجاز لا يصح إلا بدليل\n\n٢٧٢، ٤٧٩ - من حفظ حجة على من لم يحفظ\n٤٨١ - الواجب أن يحمل كتاب الله جل وعز على الظاهر المعروف من المعاني، إلا أن يقع دليل على غير ذلك\n\n٥٣١ - الواجب علينا أن نحمل القرآن على لفظه، ولا نزيله عن نظمه إذا لم تدعنا إلى ذلك ضرورةٌ","vol":"1","page":683},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>فهرس مسائل الكتاب العلمية</span>\n١٩ - التفسير لغةً:\n\n٢١ - التفسير اصطلاحًا:\n\n٢١ - ٢٥ - تعريف ابن جزي، أبي حيان، الزركشي، ابن عرفة، الكافيجي، الطاهر ابن عاشور، الزرقاني، مناع القطان، ابن عثيمين:\nنظرة في هذه التعاريف\n٢٥ - بعض هذه التعريفات جاء مثالًا لما تستبطنه كتب التفسير من العلوم:\n\n٢٥ - بعض هذه التعريفات ذكر ما ليس من علم التفسير:\n\n٢٦ - لم يُذكر ضابطٌ لما يدخل في التفسير من بعض العلوم المذكورة في تعريف التفسير:\n\n٢٦ - التوسع في علم الفقه محله كتب الفقه، وقد نبه على ذلك الطبري وأبو حيان:\n\n٢٨ - المعلومات الموجودة في كتب التفسير، وعلاقتها بمعنى التفسير:\n\n٢٩ - ضابط ما يدخل في علم التفسير: البيانُ عن المعنى، والمثال لذلك:\n\n٣١ - مثال لما لا يدخل تحت ضابط البيان من معلومات كتب التفسير:\n\n٣١ - التفسير: بيان القرآن:\n٣٢ - تعريف اللغة لغةً:\n٣٣ - تعريف اللغة اصطلاحًا:\n\n٣٨ - التفسير اللغوي: بيان القرآن بما ورد في لغة العرب:\n\n٤٠ - مكانة التفسير اللغوي:\n\n٤١ - مثال لأثر الغفلة عن معنى دلالة لفظٍ:\n\n٤٣ - أمثلة تدل على وقوع التحريف بسبب عدم معرفة دلالة لفظ:\n\n٤٨ - قول ابن رشد فيمن زعم أنه غير محتاج للغة العرب:\n\n٤٨ - الباطنية من أعظم الفرق التي تزعم أنه لا يُحتاجُ إلى لغة العرب في فهم الشريعة: ليتسنَّى لهم حمل الكلام على ما يريدون:","vol":"1","page":684},{"text":"٥٠ - اللغة لا تستقلُّ بفهم القرآن:\n\n٥١ - التفسير اللغوي جزء من علم التفسير: مثال على عدم إفادة اللغة وحدها دون غيرها من المصادر في التفسير:\n\n٥٨ - مصطلح السلف في التفسير يُطلق على الصحابة والتابعين وأتباعهم:\n\n٥٨ - التفسير عند أهل السنة بعد جيل أتباع التابعين كان يعتمد المنقول، حتى ظهر المفسر الناقد ابن جرير:\n٥٨ - ملحوظات على تاريخ التفسير عند علماء السنة بعد جيل التابعين:\n٥٩ - ظهر في عهد أتباع التابعين صنفان: اللغويون ومفسرو المعتَزلة:\n\n٦١ - المصادر النقلية عند السلف في التفسير: ما يروونه عن النبي ﷺ، وما يرويه بعضهم عن بعض، وما يروونه من أسباب النّزول، وأحوال من نزل فيهم الخطاب، وما يروونه عن أهل الكتاب:\n\n٦٢ - اعتراض على جعلِ عبد الله بن سلام من أقطاب رواة الإسرائيليات:\n\n٦٢ - كتابة محمد محمد أبو شهبة ومحمد حسين الذهبي في الإسرائيليات في التفسير يظهر عليها الأسلوب الخطابي العاطفي لا الأسلوب العلمي في البحث والتحقيق:\n\n٦٣ - التفسير باللغة يتجاذبه المصدران: النقلي والعقلي الاجتهادي، ومثال لذلك:\n\n٦٣ - لم يرد عن النبي ﷺ تفسير من جهة اللغةِ إلا قليلًا جدًا:\n\n٦٤ - التفسير النبوي: ما نص فيه النبي ﷺ على التفسير صراحةً، وما عدا ذلك فهو من التفسير بالسنة:\n\n٦٥ - الاستشكال الوارد من الصحابة على آية: ﴿الذي أمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ [الأنعام: ٨٢] كان في مكة:\n\n٦٥ - الصحابة كانوا يتأولون القرآن، فإذا أشكل عليهم شيء سألوا رسول الله ﷺ:\n٦٧ - للسلف في التفسير اللغوي طريقان: الأول: أسلوب التفسير اللفظي، والثاني: أسلوب الوجوه والنظائر:\n\n٨٩ - نقد مصطلح الأشباه:\n\n٩٤ - مصطلح الوجوه: المعاني المختلفة للفظة القرآنية في مواضعها من القرآن، والنظائر:\n\n٩٤ - مصطلح النظائر: المواضع القرآنية المتعددة للوجه الواحد التي اتفقت في معنى اللفظ، فيكون معنى اللفظ في هذه الآية نظير معنى اللفظ في الآية الأخرى:","vol":"1","page":685},{"text":"٩٤ - كانت بداية الكتابة في هذا العلم على يد مفسري أتباع التابعين:\n\n٩٦ - لا بدَّ من وجود علاقة بين الوجوه التي يذكرها أهل هذا العلمِ، وأصل اللفظ في اللغةِ، أو المعنى المشتهر من اللفظ الذي يحكونه في الوجوه:\n\n١٠٣ - كليات الألفاظ القرآنية: ما يصدر به المفسرون تفسيرهم للفظ بقولهم؛ كل ما في القرآن من كذا فهو كذا:\n\n١٠٣ - الكليات نوعان: كلية منخرمة، وهذه توافق مصطلح الوجوه والنظائر، وكلية تامَّة:\n\n١٣٦ - يوجد علم الوجوه والنظائر عند اللغويين منثورًا في كتبهم، ولم يكن لهم فيه كتاب خاص به:\n\n١٧٣ - اللغويون لم يستفيدوا مما كتبه أتباع التابعين في الوجوه والنظائر:\n\n١٧٤ - كتب الوجوه والنظائر لا تعتمد على شواهد العربية، بل تأخذ المعنى من السياق:\n\n١٧٤ - ظهر ربط الوجوه بالأصل اللغوي عند ابن قتيبة، ثمَّ برز ظاهرًا عند ابن الجوزي في كتابه نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر:\n\nالاستشهاد بالشعر\n٧١ - أمثلة لاستشهادات السلف بالشعر:\n\n١٣١ - أمثلة لاستشهادات اللغويين:\n\n١٥٨ - حكم الاستشهاد بالشعر:\n\n١٦٠ - الإمام أحمد لا يعجبه الاستشهاد بالشعر للقرآن، وبيان ذلك:\n\n١٦٣ - صور الاستفادة من الشاهد الشعري:\n\n١٦٣ - ١ - أن يورد المستشهد الشعر الذي ورد فيه لفظ القرآن مكتفيًا منه بهذا الورود:\n\n١٦٤ - ٢ - أن يكون في سياق الشاهد الشعري ما يُبينُ عن معنى اللفظِ المستشهَدِ به في الشعر:\n\n١٦٦ - تنبيه: لا يلزم أن يكون لكل لفظ قرآني شاهد شعري؛ لأن القرآن حجة عربية بذاته، فهو يحتج به ولا يحتجُّ له:\n\n١٦٧ - قد يكون الاستشهاد بالشعر لإثبات صحة التفسير الذي فسر به المفسر:\n\n١٧٠ - استفادة اللغويين من الشعر في بيان الأساليب القرآنية:\n\n١٠٨ - اللغويون: المشتغلون بجمع ألفاظ العرب ومعرفة دلالاتها واشتقاقها وتصريفها، ومعرفة أساليبها في الخطاب، والاستدلال لذلك بلغة العرب من شعر أو نثر:","vol":"1","page":686},{"text":"١٠٨ - والنحويون: المعتنون بمعرفة ما يطرأ على اللفظ من تغيرات إعرابية:\n\n١٠٩ - مصطلح اللغوي لم يُطلق على أعلام جيل الصحابة والتابعين:\n\n١١٢ - أوائل اللغويين عاصروا مفسري السلف:\n\n١١٣ - مشاركة اللغويين في التفسير نوعان:\n\n١١٤ - مشاركة غير مباشرة، وذلك في كتبهم اللغوية التي جاءت على سبيل الموضوعات، أو المعاجم التي رُتِّبت على الحروف:\n\n١٢٣ - مشاركة مباشرة، وذلك في الكتابة في معاني القرآن وغريب القرآن:\n\n١٢٣ - ذكر بعض كتب اللغويين في معاني القرآن وغريبه حتى نهاية القرن الثالث:\n\n١٢٨ - مما تميزت به كتاباتهم: كثرة المباحث الصرفية، والنحوية، وكثرة الاستشهاد بلغة العرب، وبيان الأساليب العربية الواردة في القرآن:\n\n١٣٥ - التفسير على المعنى عند اللغويين:\n\n١٣٨ - أسلوب التفسير اللفظي عند اللغويين:\n\nمسائل في نشأة التفسير اللغوي\n١٤٣ - المسألة الأولى: في سبق السلف في التفسير:\n\n١٤٣ - التفسير علمٌ مستقلٌّ منذ عهد الصحابة:\n\n• جمهرة أعلام المفسرين من السلف:\n\n١٤٤ - بعض كتب التفسير التي كتبها السلف:\n\n١٤٨ - السلف سبقوا اللغويين في التفسير تعلُّمًا وتعليمًا وتدوينًا، وسبقوهم في التفسير اللغوي لأنه جزء من علم التفسير، وكانت تفاسيرهم متيسرة للغويين:\n\n١٤٩ - المسألة الثانية: تفسير السلف كان شاملًا للقرآن، ومعتمدًا على عموم مصادر التفسير من سُنَّة، ولغة وأسباب نزول وأحوال من نزل فيهم الخطاب، والمصطلحات الشرعية، وغيرها:\n\n١٤٩ - غلب على تفسير اللغويين الجانب اللغوي:\n\n٤٩ - سبق النظر اللغوي أوقع بعض اللغويين في تفسيرات تعتمد على معنى قليل أو شاذٍّ، مثال ذلك:\n\n١٥٤ - المسألة الثالثة: في اعتماد اللغة:\n\n١٥٤ - اللغة حجة في التفسير عند السلف:\n\n١٦٠ - الصحابة والتابعون كانوا في عصر الاحتجاج اللغوي، وهم حجة لغوية كغيرهم من العرب:","vol":"1","page":687},{"text":"١٦١ - أتباع التابعين كانوا في عصر أوائل اللغويين، وأقلُّ أحوالهم أنهم نقلة للغة كاللغويين، وهم ثقات في نقلهم:\n\n١٧٧ - المسألة السادسة: التفسير اللغوي بين البصرة والكوفة:\n\n١٧٧ - كتب التفسير اللغوي عند اللغويين ظهرت في هاتين المدينتين:\n\n١٧٧ - من أسباب ذلك التنافس العلمي بين علماء هاتين القريتين:\n\nمصادر التفسير اللغوي\n١٨٣ - المصدر الأول: كتب التفسير\n\n١٨٣ - كتب التفسير، وأمثلة لمن كتبه في القرون الثلاثة:\n\n١٨٥ - أولًا: تفسير الطبري:\n\n١٨٥ - الطبري أملى كتابه جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ثَّم قرىء عليه:\n\n١٨٥ - وجوه تأويل القرآن عند الطبري: ما استأثر الله بعلمه، وما خص الله به نبيه ﷺ، وما يعلم من جهة اللغة:\n\n١٨٦ - ضابط التفسير باللغة عند ابن جرير: أن لا يخرج المفسر بها عن تفسيرات السلف:\n\n١٨٦ - كان يردُّ أقوال اللغويين المعاصرين لأتباع التابعين إذا خالفت تفسيراتهم، ومثال لذلك:\n\n١٨٨ - يمكن أن يخرج من تفسير الطبري كتاب في غريب القرآن، أي تفسير مفردات القرآن:\n\n١٨٩ - صور التفسير اللغوي عند الطبري:\n\n١٩٥ - من الظواهر البارزة في التفسير اللغوي عند الطبري: الاستشهاد بتفسير السلف لغويًّا:\n\n١٩٨ - ومن الظواهر البارزة في التفسير اللغوي عند الطبري: قبول المحتملات اللغوية الواردة عن السلف، مثال لذلك:\n\n٩٩ - وإذا ورد محتمل لغوي عن اللغويين لم يقل به السلف فهو مردود عنده، ومثال ذلك:\n\n٢٠٠ - من الظواهر البارزة في التفسير اللغوي عند الطبري: استعمال اللغة في الترجيح:\n\n٢٠٤ - مجموعة من القواعد المتعلقة بالتفسير اللغوي عند الطبري:\n\n٢٠٦ - ثانيًا: تفسير الرماني:\n\n٢٠٦ - ألف الرماني كتابه: الجامع لعلم القرآن، وقد ظهرت في الصبغة اللغوية والنحوية والاعتزالية:","vol":"1","page":688},{"text":"٢٠٦ - مخطوط تفسير جزء عَمَّ المنسوب للرماني في دار الكتب المصرية ليس له:\n\n٢٠٧ - من مميزات تفسيره: كثرة استخدام أسلوب السؤال والجواب:\n\n٢٠٨ - ومنها: ذكر المناسبات بين بعض الآيات:\n\n٢٠٨ - ومنها: تذييله لكل آية بما تتضمنه من حُكْمٍ أو أدبٍ أو عقيدة:\n\n٢٠٨ - ومنها: كثرة ذكره للفروق اللغوية بين المفردات:\n\n٢٠٩ - ومنها: حرصه على بيان أصل معنى اللفظ لكثير من المفردات:\n\n٢١٠ - ومنها: أنه يعتبر مرجعًا لأقوال المعتَزلة: لأنه معتَزليٌّ:\n\n٢١١ - صور التفسير اللغوي عند الرماني:\n\n٢١٣ - أثر المعتقد الاعتزالي على التفسير اللغوي عند الرماني\n\n٢٢٠ - ثالثًا: تفسير ابن عطية: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز:\n\n٢٢٠ - ذكر ابن عطية لمنهجه في تفسيره:\n\n٢٢١ - مما تميز به ابن عطية في التفسير اللغوي أنه يبين ما لا يطابق المعنى اللغوي من تفاسير السلف ويذكر وجهة قائلها:\n\n٢٣٨ - أثر المعتقد الأشعري عند ابن عطية على تفسيره اللغوي:\n\n٢٣٨ - بعض المسائل الاعتقادية التي ذكرها:\n\n٢٤٠ - قاعدة التأويل عند ابن عطية: التأويل لا يضطر إليه إلا في ألفاظ النبي ﷺ، وفي كتاب الله، وأما في عبارة مفسر فلا:\n\n٢٤٠ - لا يوجد ضابط صحيح لما يُأوَّل وما لا يُأوَّل عند ابن عطية:\n\n٢٤١ - اعتماد الفلاسفة الذين عاشوا في ظل الإسلام على مبدأ التأويل الذي يسلكه ابن عطية وغيره، ومثال لذلك:\n\n٢٤٣ - قد يورد أقوال المعتَزلة ولا يردُّها:\n\n٢٤٣ - تشنيع ابن عرفة المالكي الأشعري على ابن عطية الأشعري فيما يتعلق بالاعتقاد:\n\n٢٤٤ - أمثلة لأخطاء ابن عطية في التفسير اللغوي المعتمد على معتقده الأشعري:\n\n٢٥٠ - مشلكة الاعتقاد، ثمَّ الاستدلال عند ابن عطية:\n\nالمصدر الثاني: كتب معاني القرآن\n٢٥٥ - كتب معاني القرآن من أوائل كتب اللغويين في مشاركتهم المباشرة في تفسير القرآن:\n\n٢٥٥ - من استقراء كتب اللغويين وتراجمهم يظهر أن علم النحو سبق علم اللغة، وأن أهل البصرة سبقوا بهما أهل الكوفة، وأن كتبهم في معاني القرآن وغريبه ظهرت في عهد أتباع التابعين:","vol":"1","page":689},{"text":"٢٥٨ - المراد بالمعاني في اللغة والاصطلاح وتتبُّع بعض موارد هذا اللفظ في كتب معاني القرآن:\n\n٢٦٢ - معاني القرآن: بحث لغوي في تفسير القرآن:\n\n٢٦٣ - عند اللغويين: المفسرون يؤخذ عنهم ما سبيله النقل لا اللغة:\n\n٢٦٤، ٢٦٨ - التخصص العلمي طغى على بحوث اللغويين اللغوية في القرآن:\n٢٦٩ - وكان من آثار ذلك أن اعترضوا على أقوال السلف التفسيرية أو لم يعتبروها ومن أمثلة ذلك:\n\n٢٧٠ - ١ - أعرض الفراء عن قول ابن عباس في معنى «استوى» من قوله تعالى: ﴿ثمَّ استوى إلى السماء﴾:\n\n٢٧١ - ٢ - تبع الفراء شيخه الكسائي وردَّ تفسير السلف في أنَّ معنى «ييأس»: يعلم في قوله تعالى: ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا﴾؛ لأنه لم يجدها في العربية على ما قالوه:\n\n٢٦٥ - معاني القرآن: البيان اللغوي لألفاظ وأساليب العربية الواردة في القرآن، وأمثلة لذلك:\n\n٢٧٢ - كان للتخصص العلمي للغويين أثرٌ في بروز كتب معاني القرآن، كما كان للمنافسة العلمية بين البصريين والكوفيين أثرٌ كذلك:\n\n٢٧٤ - أولًا: كتاب معاني القرآن للفراء:\n\n٢٧٤ - أملى الفراء كتابه معاني القرآن من حفظه مدة سنتين:\n\n٢٧٤ - صدر كتابه بقوله: تفسير مشكل إعراب القرآن ومعانيه:\n\n٢٧٤ - الفراء يكاد يكون تأليفه مقصودًا به إبراز مذهب الكوفي في النحو؛ لأن جُلَّ كتابه في هذا العلم:\n\n٢٧٥ - كان من أثر الاهتمام بهذا المصدر وإغفال غيره= الوقوعُ في بعض المخالفات التفسيرية للوارد عن السلف، وأمثلة ذلك:\n\n٢٧٦ - تفسيره قوله تعالى: ﴿تقيكم الحر﴾ على أسلوب الحذف، وقد ردَّ عليه ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، ونقد مسلكه في تفسير القرآن بمجرد العربية:\n\n٢٧٧ - تجويزه في تفسير قوله تعالى: ﴿لمن خاف مقام ربه جنتان﴾ أن تكون جنة واحدةً، وقد شنَّع ابن قتيبة وغيره عليه في هذا التفسير؛ لاعتماده على مجرد العربية ومخالفة ظاهر القرآن:\n\n٢٨٠ - عدم اعتماده على الوارد من تفسير السلف في معنى ﴿فصرهن إليك﴾: قطعهنَّ، ودعواه أن تفسيرهم جاء على أسلوب إبدال حرف مكان حرف:","vol":"1","page":690},{"text":"٢٨٤ - صور التفسير اللغوي عند الفراء:\n\n٢٩٩ - قد يرد في كتب التراجم نسب عالم إلى بدعة، وعند التحقيق يظهر أنه بريء منها، ومثال ذلك عكرمة مولى ابن عباس:\n\n٢٩٩ - نسب المرزبانيُّ وياقوتُ الفراءَ إلى الاعتزال:\n\n٣٠٠ - هذه التهمة لم تنشأ من فراغ، وقد جالس المأمون:\n\n٣٠٠ - الجاحظ يبين أن الفراء لم يكن له طبع في تعلم علم الكلام:\n\n٣٠١ - الفراء جالس بشر المريسي ولم يستفد أحدهم من الآخر:\n\n٣٠٢ - أدلة من كتاب معاني القرآن تدل على براءته من مذهب الاعتزال:\n\n٣٠٤ - ثانيًا: كتاب معاني القرآن للأخفش:\n\n٣٠٤ - ألف الأخفش كتابه قبل الكسائي والفراء:\n\n٣٠٤ - كتاب الأخفش في معاني القرآن كتاب نحو وإعراب:\n\n٣٠٥ - ألَّف الأخفش كتابًا في غريب القرآن معتمدًا على مجاز القرآن لأبي عبيدة:\n\n٣٠٦ - صور التفسير اللغوي عند الأخفش:\n\n٣١١ - أثر المعتقد المعتزلي على التفسير اللغوي عند الأخفش:\n\n٣١١ - الأخفش كان قدريًّا، من أعلم الناس بالكلام:\n\n٣١١ - تأويله لمعنى النظر لوجه الله:\n\n٣١٢ - تأويله لصفة اليد الإلهية:\n\n٣١٤ - ثالثًا: معاني القرآن وإعرابه للزجاج:\n\n٣١٤ - أملى الزجاج كتابه في شهر صفر عام ٢٨٥، وانتهى منه في شهر ربيع الأول من عام ٣٠١:\n\n٣١٤ - كتابه يتضمن علم إعراب وعلم المعاني، والإعراب أكثر في كتابه:\n\n٣١٥ - صور التفسير اللغوي عن الزجاج:\n\n٣٢٣ - أثر المعتقد السلفي على التفسير اللغوي عند الزجاج:\n\n٣٢٣ - أبو إسحاق الزجاج يروي كتاب التفسير للإمام أحمد بسنده عن شيخه عبد الله بن أحمد بن حنبل. وهذا يقطع بوجود هذا المُدَوَّنِ للإمامِ أحمد، وقد شكَّك في وجوده الذهبي في سير أعلام النبلاء (١١: ٣٢٨ - ٣٢٩):\n\n٣٢٣ - هل كان الزجاج معتزليًّا كما يزعم أبو حيان الأندلسي؟!\n\n٣٢٤ - المواضع التي تكلم فيها عن بعض المعتقدات التي للمعتَزلة فيها رأي مخالف لأهل السنة كان يخالفهم بها، ويثبت ما يثبته أهل السنة، ومن أمثلته إثبات رؤية الباري وكلامه، وتجلِّيه للجبل، وغيرها:","vol":"1","page":691},{"text":"المصدر الثالث: كتب غريب القرآن\n٣٢٨ - الغريب في اللغة:\n\n٣٢٨ - الغريب في الاصطلاح: تفسير مفردات القرآن:\n\n٣٢٩ - كتب غريب القرآن جزء من كتب معاني القرآن:\n\n٣٢٩ - أول من كتب في غريب القرآن:\n\n٣٢٩ - ما نسب لابن عباس في ذلك:\n\n٣٣٠ - مسائل نافع بن الأزرق وردت من طرق غير مرضية:\n\n٣٣٠ - أسانيد مسائل نافع، وبيان حالها:\n\n٣٣١ - مسائل نافع بن الأزرق وردت في بعض كتب الأدب والحديث، ولم ترد في كتب اللغة والتفسير مع أنها ألصق بهما:\n\n٣٣٢ - ابتدأ التأليف في علم غريب القرآن في النصف الثاني من القرن الثاني:\n٣٣٢ - ذكر لزيد بن علي، ولأبان بن تغلب وغيرهم مؤلفات في غريب القرآن:\n\n٣٣٤ - أول كتاب مطبوع من كتب غريب القرآن: مجاز القرآن لأبي عبيدة:\n\n٣٣٤ - ذكر بعض من نقد أبي عبيدة ومن أفاد منه:\n\n٣٣٤ - أغلب النقول المتعلقة بتفسير القرآن عن أبي عبيدة من كتابه مجاز القرآن:\n\n٣٣٦ - المجاز عند أبي عبيدة: ما يجوز في لغة العرب من التعبير عن الألفاظ والأساليب، وليس المجاز الاصطلاحي.\n\n٣٣٦ - في تأليف أبي عبيدة لمجاز القرآن سببان: الأول: أن يثبت عربية القرآن، وأنه لا مدخل لتفسيره بما يسمى بالمعرب.\n\n٣٣٧ - والثاني حاجة أهل زمانه لمعرفة ما يغمض من معاني مفرداته:\n\n٣٣٧ - نقد قصةٍ تُذكرُ في كتب التراجم فيها سبب تأليف أبي عبيدة لمجاز القرآن، وأن سببها سؤال السائل عن التشبيه بما لا يُعرف في قوله تعالى: ﴿طلعها كأنه رؤوس الشياطين﴾:\n\n٣٤٧ - المنهج اللغوي الذي سلكه أبو عبيدة في مجازه كان عرضة للنقد:\n\n٣٤٩ - كان هذا المنهج اللغوي البحت سببًا في وقوعه في مخالفة الصواب أو تفسير السلف:\n\n٣٥١ - قوله بالزيادة في القرآن في مواطن لا تحتمل ذلك:\n\n٣٥٢ - اعتراضه على تفسير السلف للمتكأ بأنه الأترج، وجعله ذلك التفسيرَ من أبطل باطل على وجه الأرض:\n\n٣٥٥ - الفقهاء أعلم بالتأويل من أبي عبيدة:","vol":"1","page":692},{"text":"٣٥٧ - نُسب أبو عبيدة إلى الخوارج وإلى المعتزلة:\n\n٣٥٨ - لم يظهر في كتابه أثر هذين المعتقدين اللذين نُسب إليهما:\n\n٣٥٨ - أبو حاتم تلميذُ أبي عبيدة، الخشنيُ يبرئان أبا عبيدة من تهمة الاعتزال:\n\n٣٥٩ - فسر الاستواء بالعلو، وهذا هو مذهب السلف، وبخلافه مذهب المعتزلة الذي يحرف المعنى إلى الاستيلاء:\n\n٣٦١ - خطأ أبي عبيدة في تفسير الصُّور أنه جمع صورة:\n\n٣٦٣ - كتاب غريب القرآن لابن قتيبة يتمِّمُ كتاب تأويل مشكل القرآن:\n\n٣٦٣ - مصادر ابن قتيبة كما ذكرها: كتب المفسرين واللغويين:\n\n٣٦٣ - ابن قتيبة ينص على الاختيار من الأقاويل ما هو أولى بتفسير اللفظ:\n\n٣٦٤ - اعتمد في نقل معاني اللغة في كتاب أبي عبيدة والفراء:\n\n٣٦٩ - تميز ابن قتيبة بإدخال تفسير السلف في بيان غريب القرآن:\n\n٣٧٠ - وتميز باعتنائه ببيان أصل اللفظ في اللغة:\n\n٣٧١ - وتميز بكثرة الشواهد الشعرية على تفسير الألفاظ:\n\n٣٧٣ - ابن قتيبة سلفي المعتقد:\n\n٣٧٣ - تقريره لعقيدة السلف والرد على المخالفين، وأمثلة لذلك:\n\n٣٧٧ - رتب ابن عزيز كتابه في غريب القرآن على حروف المعجم، ويذكر الألفاظ في كل حرف على ترتيب السور، ويجعل المفتوح قبل المضموم، والمكسور بعد المضموم، ولم يراع أصل اللفظ في الترتيب بل اعتبر الزوائد في الترتيب:\n\n٣٧٨ - اعتمد ابن عزيز على أبي عبيد والفراء وإن لم يصرح بأسمائهم:\n\n٣٧٨ - اعتناء ابن عزيز ببعض الوجوه والنظائر:\n\n٣٨١ - كان حظ الاستشهاد بالشعر في كتاب ابن عزيز قليلًا جدًا:\n\n٣٨٣ - كتب غريب القرآن سارت على أسلوبين في الترتيب: الكتابة على ترتيب حروف المعجم، أو الكتابة على ترتيب السور:\n\n٣٨٤ - الترتيب على الحروف أنفع لجمع الألفاظ المتفقة في مادة واحدة، كالصُّلبِ والصَّلبِ والأصلابِ:\n\n٣٨٥ - بعض العلماء قصد جمع غريب الحديث وغريب القرآن في مؤلف واحد:\n\n٣٨٥ - غالب من دون بعد جيل اللغويين الأوائل لم يأت بجديد فيما يتعلق بدلالة الألفاظ:\n\n٣٨٥ - لم يسلم غالب المتأخرين من تأثير بعض المعتقدات المخالفة لمنهج السلف، فأثر ذلك على تفسيراتهم اللغوية:","vol":"1","page":693},{"text":"المصدر الرابع: كتب معاجم اللغة\n٣٩٠ - شكَّك النضر بن شميل، وأبو حاتم، والقالي، والزُّبيدي، والأزهري في كتابة الخليل لكتاب العين، وجعلوه من تأليف الليث:\n\n٣٩٠ - كتاب العين فيه إبداع يناسب عقل الخليل:\n\n٣٩٠ - أدخل الليث على الكتاب بعض التعليقات والنقولات عن غير الخليل:\n\n٣٩١ - دخلت على الكتاب نقولات قليلة متأخرة عن عصر الليث:\n\n٣٩٢ - صور التفسير اللغوي في كتاب العين:\n\n٣٩٧ - أملى ابن دريد كتاب الجمهرة ثلاث مرات:\n\n٣٩٧ - ابن دريد بصري المذهب، ومع تأخُّره في الوفاة لم ينقل عن الكوفيين المتقدمين كالكسائي والفراء:\n\n٣٩٧ - نفطويه الكوفي لم يرض عن ابن دريد، ولعله لسبب اختلاف المدارس:\n\n٣٩٧ - الأزهري تبع شيخه نفطويه ونقد ابن دريد نقدًا جافيًا، حتى وسمه بافتعال اللغة:\n\n٣٩٨ - من المميزات التي ظهرت في كتاب ابن دريد: اعتناؤه باشتقاق الأسماء، وبالمعرَّب، وبذكر بعض لغات اليمن، وكثرة ذكره لجملة «والله أعلم» في كتابه، وكثرة نسبه للتفسير الذي ينقله، مما ينمُّ عن ورع:\n\n٤٠٤ - كان ابن دريد متحرزًا في نقل التفسير، وكثيرًا ما ينسب التفسير لغيره، كقوله: «كذا فسِّر في التَّنْزيل» أو غيرها من العبارات:\n\n٤٠٧ - يظهر أنه استفاد منهج التورع في التفسير من شيخه أبي حاتم وقد يكون أبو حاتم استفاده من شيخه الأصمعي:\n\n٤١٠ - ألف الأزهري كتابه: «تهذيب اللغة» بعد بلوغه السبعين:\n\n٤١٠ - يتميز كتابه بكثرة المواد اللغوية، وكثرة نقوله عن علماء اللغة من البصرة والكوفة:\n\n٤١٠ - كان بيان معاني القرآن مقصدًا للأزهري في كتابه:\n\n٤٢٢ - أثر المعتقد السلفي على التفسير اللغوي عند الأزهري:\n\nالمصدر الخامس: كتب أخرى\n٤٣٢ - العلوم الإسلامية مترابطة في البحث، وعلماء كل فن يحتاجون إلى علوم الفن الآخر:\n\n٤٣٢ - ابن هشام في اختصاره لسيرة ابن إسحاق اعتنى بتفسير ألفاظ القرآن:\n\n٤٣٣ - استفاد ابن هشام في اللغة من شيوخه البصريين:","vol":"1","page":694},{"text":"٤٣٣ - استفاد في الشواهد من كتاب مجاز القرآن:\n\n٤٣٥ - البحث اللغوي في كتب غريب الحديث مماثل لمعاجم اللغة:\n\n٤٣٦ - كان النقل عن السلف واللغويين ظاهرًا في كتب غريب الحديث:\n\n٤٤١ - الاحتجاج للقراءة: تخريج ما جاء من ألفاظ القرآن على كلام العرب:\n\n٤٤٤ - لو جمعت شروح ألفاظ الأشعار لكونت معجمًا كبيرًا مهمًّا:\n\n٤٥٥ - ألفاظ القرآن على قسمين: قسم ليس له إلا معنى واحد، وقسم له أكثر من معنى:\n\n٤٥٩ - الاختلاف بسبب الاشتراك اللغوي وأمثلته:\n\n٤٦٧ - الاختلاف بسبب التضاد في دلالة اللفظ وأمثلته:\n\n٤٧٦ - الاختلاف بسبب مخالفة المعنى الأشهر في اللفظ، وأمثلته:\n\n٤٨٤ - الاختلاف بسبب أصل اللفظ واشتقاقه:\n\n٤٩١ - الاختلاف بسبب المعنى القريب المتبادر للذهن والمعنى البعيد للفظ، وأمثلته:\n\n٤٩٩ - أثر التفسير اللغوي في انحراف المفسرين:\n\n٥٠١ - رصد ظاهرة الانحراف في الأمة:\n\n٥٠٢ - من أسباب ظهور البدع:\n\n٥٠٢ - ١ - دخول بعض الكفار في الإسلام ظاهرًا والكيد له في الباطن.\n\n٥٠٢ - مصطلح الزندقة، وحاجته إلى دراسة تحرر ما فيه من الغموض:\n\n٥٠٣ - الزنادقة قسمان: أصحاب شهوات، وأصحاب شبهات:\n\n٥٠٤ - ابن الراوندي من أشهر الزنادقة الذين طعنوا في الإسلام:\n\n٥٠٥ - ٢ - ترجمة آثار الأمم السابقة:\n\n٥٠٦ - اعتمد بعض المنتسبين للإسلام على العقل المجرد في ردِّ شُبَهِ الزنادقة، فوقعوا في مخالفات كثيرة:\n\n٥١١ - وقوع بعض الأخطاء الغريبة من مجاهد، وذلك في تفسير مسخ بني إسرائيل قردةً وتأويل النظر وتفسير الموازين:\n\n٥١٢ - من أسباب الانحراف في التفسير: اعتماد العقل في الاعتقاد والاستدلال، واعتماد اللغة مجردة عن غيرها من المصادر، والبعد عن تفسير السلف وعدم الأخذ به:\n\n٥١٢ - اعتماد ما يحتمله اللفظ المجرد عن سائر ما يبين معناه كان سلوكًا لبعض اللغويين في تفاسيرهم، وكذا كان منهجًا عامًا للمبتدعة في التفسير:","vol":"1","page":695},{"text":"٥١٣ - أدخل بعض اللغويون بسبب اعتمادهم على مجرد اللغة أقوالًا مخالفةً لتفسير السلف وفيها نظر، وكذا أدخلوا أقوالًا شاذةً في التفسير، وذكر أمثلة لذلك:\n\n٥١٧ - اللغة تابعة للمعتقد عند أهل البدع، فهم يعتقدون، ثمَّ يبحثون في سعة العربية عن ما يدعم بدعتهم، وذكر مثال لذلك من كتب المعتزلة:\n\n٥١٨ - ابن جني يرى في سعة العربية ما يصحح معتقده المعتزلي، وذِكرُ مثال لذلك عنده:\n\n٥٢٢ - الأصل عند أهل البدع ما تقرر عندهم من بدعهم، وإذا خالفتهم اللغة ردُّوها، ومثال ذلك:\n\n٥٢٥ - ظهر انحراف المبتدعة في التفسر اللغوي في ثلاثة أمور: فيما يتعلق بالله تعالى وصفاته، وفي بعض الغيبيات من أمور الآخرة أو إحساس الجمادات، وفيما يتعلق بعصمة الأنبياء:\n\n٥٢٥ - استخدموا اللغة آلة لإثبات بدعتهم، وكان ذلك في دلالة الألفاظ، وأساليب الخطاب، ودلالة الصِّيغ:\n\n• كان لدلالة اللفظِ في تحريفاتهم ثلاث مراتب:\n٥٢٦ - إذا كان له أكثر من مدلول اختاروا ما يناسب رأيهم العقدي، كتأويل صفة اليد الإلهية بالقدرة أو النعمة:\n\n٥٣٢ - وإذا كان له مشابه في الرسم - كَغَوَى وغَوِيَ - حرفوا النص إليه، وتركوا دلالة اللفظ الذي جاء في القرآن:\n\n٥٣٧ - وإذا لم يمكن لهم ذلك سبيل ابتدعوا معنى جديدًا ومصطلحًا حادثًا، كتفسير استوى بأنه استولى، وهذا مما لا يعرف في لغة العرب بل هو معنى حادث:\n\n٥٤٢ - من أشهر الأساليب العربية التي استخدمها المبتدعة = أسلوب الحذف، وذكر مثال لذلك:\n\n٥٥٠ - أمثلة لتحريفاتهم في دلالة الصيغ، كصيغة «أفعل»، وصيغة «فُعِّل»:\n\nقواعد في التفسير اللغوي\n٥٦٠ - القاعدة الأولى: كل تفسير لغوي وارد عن السلف يحكم بعربيته، وهو مقدم على قول اللغويين:\n\n٥٦٠ - تعليق مهم للأستاذ المحقق محمود شاكر في صحة بيان ألفاظ اللغة بالآثار الضعيفة:","vol":"1","page":696},{"text":"٥٦١ - الصحابة والتابعون كانوا في عصر الاحتجاج اللغوي:\n\n٥٦١ - أتباع التابعين كانوا معاصرين للطبقة الأولى من اللغويين، وأقل أحوالهم أن يكونوا في تفسيراتهم اللغوية نقلة للغة كاللغويين:\n\n٥٦٣ - ما ورد عن السلف من التفسير فإنه جارٍ على لغة العرب، وهو حجة يحتكم إليه، ولا يصح ردُّه ولا الاعتراض عليه من جهة اللغة:\n\n٥٦٤ - اللغويون لم يعرفوا دلالة بعض الألفاظ إلا من جهة مفسري السلف، كلفظ التَّفث:\n\n٥٦٩ - نصوص بعض العلماء في الاحتجاج بقول الصحابي في اللغة: قول الطبري وابن العربي وابن حجر:\n\n٥٧١ - ما ردَّه بعض اللغويين من تفسيرات لغوية للسلف غير صحيح ولا يعتدُّ بهذا الاعتراض، وذكر أمثلة لذلك:\n\n٥٧٦ - اللغويون لم يستفيدوا من تفسير السلف في بيان معاني المفردات في اللغة:\n\n٥٧٦ - اللغويون يجعلون مفسري السلف صنفًا مقابلًا لهم:\n\n٥٧٩ - غالب ما ينسبه اللغويون لمفسري السلف هو مما لا يؤخذ من طريق اللغة، بل هو مما يكون من طريق النقل:\n\n٥٨٢ - بحث المفسرين أوسع من بحث اللغويين في القرآن:\n\n٥٨٢ - تقلُّ رواية تفسير السلف في كتب اللغة؛ لأنهم لم يعتمدوها في الاحتجاج، وتطبيق هذا على كتاب لسان العرب:\n\n٥٨٤ - تطبيق طريقة التعامل مع أقوال السلف التفسيرية بمثال في تفسير لفظ «الحَفَدَة»:\n\n٥٩١ - القاعدة الثانية: إذا ورد أكثر من معنى لغوي صحيح تحتمله الآية بلا تضاد، جاز جمل الآية بها:\n\n٥٩١ - ترجع هذه القاعدة إلى موضوع أسباب الاختلاف وأنواعه:\n\n٥٩١ - الاختلاف قسمان: ما يرجع إلى معنى واحد، وما يرجع إلى أكثر من معنى:\n\n٥٩٢ - ما يرجع إلى معنى واحد قد يكون بذكر أمثلة للمعنى العامِّ، وقد يكون بالتعبير عن المعنى بألفاظ متقاربة:\n\n٥٩٤ - وما يرجع إلى أكثر من معنى؛ قد يكون فيها تضاد، وقد لا يكون فيها تضاد:\n\n٥٩٧ - أقوال العلماء في تقرير قاعدة قبول الأوجه التفسيرية التي يحتملها النص بلا تضاد:","vol":"1","page":697},{"text":"٦٠٥ - الأصل أن تُقبل المحتملات اللغوية الواردة عن السلف، وذكر مثال لذلك من تفسير الطبري:\n\n٦٠٩ - تقديم أحد المحتملات من باب القول الأولى ليس مخالفًا لهذه القاعدة؛ لأنَّ ليس فيه إبطالًا للقول المرجوح:\n\n٦١١ - للمحتملات اللغوية الواردة عن غير السلف ضوابط في قبولها، وهي:\n\n• ١ - أنْ لا تُناقضَ ما جاءَ عنِ السَّلفِ.\n\n• ٢ - أنْ يكونَ المعنى المُفَسَّرَ به صَحِيحًا.\n\n• ٣ - أنْ تحتملَ الآيةُ المعنى في السياقِ.\n\n٦١٣ - أنْ لا يُقصَرَ معنى الآيةِ على هذا المحتملِ دون غيره.\n\n٦١٢ - هذه الضوابط مستفادة من ضوابط التفسير الإشاري عند ابن القيم والشاطبي:\n\n٦١٣ - مثال للضابط الأول: أنْ لا تُناقضَ ما جاءَ عنِ السَّلفِ في تفسير بكاء السماء الأرض على المجاز، وتفسير السلف لهما على الحقيقة:\n\n٦١٧ - المراد بالضابط الثاني: أنْ يكونَ المعنى المُفَسَّرَ به صَحِيحًا؛ أي في اللغةِ، فإذا لم يرد فيها وكان مما استحدث من المصطلحات كمصطلحات الرافضة والصوفية والباطنية وغيرهم، أو كان من مصطلحات العلوم الأخرى؛ كمصطلحات الفلسفة وغيرها، فإنه لا يقبل التفسير بها، وذكر أمثلة لذلك:\n\n٦٢٦ - المراد بالضابط الرابع: أن لا يقصر معنى الآية على المحتمل الذي ذكره، فيقع بذلك في ردِّ تفسير السلفِ، أو ردِّ ما يمكن أن تحتمله الآية من المعاني الصحيحة التي يذكرها غيره:\n\n٦٢٧ - ذكر مثال لذلك في تفسير ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾، وتفسير ﴿بإذن الله﴾:\n\n٦٣٠ - ذكر مثال لمحتمل لغوي لم يرد عن السلف، والتفسير به مقبول؛ لأنه تَمَّتْ فيه الضوابط، وهو تفسير لفظ ﴿عرفها﴾ من قوله تعالى: ﴿ويدخلهم الجنة عرفها لهم﴾:\n\n٦٣٣ - القاعدة الثالثة: لا يصح اعتماد اللغة دون غيرها من المصادر:\n\n٦٣٤ - اعتماد اللغة فقط في التفسير يوقع في الخطأ، إذا قد يكون التفسير مبنيًّا على مصطلح شرعي، والقاعدة أنه إذا تعارضت الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية، قدمت الحقيقة الشرعية؛ لأن الشارع معنيٌّ ببيان الشرع لا ببيان اللغات:","vol":"1","page":698},{"text":"٦٣٥ - من أمثلة ما وقع في مخالفة المصطلح الشرعي = مخالفة مصطلح الإيمان في الشرع، وتفسيره على المدلول اللغوي:\n\n٦٣٨ - وقد يكون في الآية سبب نزول، ويكون تفسيرها على مجرد اللغة غير صحيحٍ هنا، وذكر مثال لذلك:\n\n٦٤٠ - وقد يحمل الاعتماد على اللغة فقط إلى مخالفة تفسير السلف:\n\n٦٤١ - أبو حيان يرى أن العالم بالعربية يمكن أن يفهم القرآن بدون الرجوع إلى تفسير السلف:\n\n٦٤٤ - أمين الخولي يرى أنه يجوز للعربي كائنًا من كان أن يفسر القرآن ويدرسه درسًا أدبيًا، وذكر نظريته في ذلك:\n\n٦٤٦ - بنت الشاطئ تطبق نظرية أمين الخولي، ويظهر من تطبيقاتها ازدراء تفاسير السابقين:\n\n٦٤٧ - قاعدة: ليس كل ما ورد في اللغة يلزم أن يكون واردًا في القرآن:\n\n٦٤٧ - أمثلة على هذه القاعدة:\n\n٦٥٢ - القاعدة الرابعة: لا تعارض بين التفسير على المعنى والتفسير اللغوي:\n\n٦٥٢ - الأقسام الثلاثة التي يدور عليها التفسير: على اللفظ، وعلى القياس، وعلى المعنى:\n\n٦٥٣ - التفسيرات الإشارية من باب القياس، وقد تكون صحيحة معتبرة، وقد تكون غير صحيحة على حسب صحة القياس فيها:\n\n٦٥٣ - أمثلة لتفسير على الإشارة وتفسير على القياس عن الصحابة:\n\n٦٥٥ - المراد بالتفسير على المعنى، وذكر أنواعه التي يعمد إليها المفسر: التفسير باللازم، وبالمثال وبذكر النُّزول وبيان المعنى الجملي، والدلالة السياقية للفظ:\n\n٦٥٦ - هل يمكن معرفة التفسير اللفظي بواسطة التفسير على المعنى؟\n\n٦٥٦ - كيف يعرف الفرق بين التفسير على اللفظ والتفسير على المعنى في بعض الأمثلة التي يمكن أن يتنازعها الأمران؟\n\n٦٥٦ - ذكر مثال لتطبيق هذين السؤالين عليه:\n\n٦٥٨ - لا بد من وجود ارتباط بين التفسير على المعنى والتفسير على اللفظ:\n\n٦٥٩ - أنه لا يلزم أن يكون التفسير على المعنى خارجًا عن حدِّ البيان، وذكر مثال لذلك:\n\n٦٥٩ - أمثلة للتفاسير التي جاءت على المعنى:\n\n٦٦٣ - بعض العلل التي تدعو المفسرين لترك التفسير اللفظي بواسطة التفسير على المعنى:","vol":"1","page":699},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>المراجع والمصادر</span>\n١ - الإبانة عن أصول الديانة، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: حماد الأنصاري، نشر مركز الدعوة بالجامعة الإسلامية، ط٥، ١٤٠٩.\n٢ - الإبدال، لابن السكيت، تحقيق: حسين محمد محمد شرف الدين، نشر الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، ١٣٩٨.\n٣ - الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر المكتبة العصرية، ١٤٠٧.\n٤ - أحكام القرآن، لابن العربي، تحقيق: علي محمد البجاوي، نشر دار المعرفة.\n٥ - أخبار النحو، لعبد الواحد بن عمر بن أبي هاشم، تحقيق: محمد أحمد الدالي، نشر الجفان والجابي، ط١، ١٤١٣.\n٦ - أخبار النحويين البصريين، لأبي سعيد السيرافي، تحقيق: محمد البنا، نشر دار الاعتصام، ط١، ١٤٠٥.\n٧ - الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، ابن قتيبة، علق عليه زاهد الكوثري، ط١، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٥ - ١٩٨٥.\n٨ - الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، لأبي المعالي الجويني، تحقيق: أسعد تميم، نشر مؤسسة الكتب الثقافية، ط١، ١٤٠٥.\n٩ - أساس البلاغة، للزمخشري، نشر دار بيروت، ١٤٠٤.\n١٠ - الأسس الخاسرة للقراءة المعاصرة، لمأمون الجويجاتي، نشر الجفان والجابي، ط٢، ١٤١٣.\n١١ - الأسماء والصفات، لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، نشر دار الكتب العلمية ببيروت، ط١، ١٤٠٥.\n١٢ - إشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين، عبد الباقي اليماني، تحقيق: عبد المجيد دياب، ط١، مركز الملك فيصل للبحوث، ١٤٠٦/ ١٩٨٦.","vol":"1","page":700},{"text":"١٣ - الأشباه والنظائر في الألفاظ القرآنية، المنسوب لعبد الملك بن محمد الثعالبي، تحقيق: محمد المصري، نشر علم الكتب ببيروت ومكتبة المتنبي بالقاهرة، ط١، ١٤٠٤.\n١٤ - الاشتقاق، لابن دريد، تحقيق: عبد السلام هارون، نشر مكتبة الخانجي، ط٣.\n١٥ - اشتقاق الأسماء، للأصمعي، تحقيق: رمضان عبد التواب، وصلاح الدين الهادي، نشر مكتبة الخانجي، ١٤٠٠.\n١٦ - اشتقاق أسماء الله الحسنى، لأبي القاسم الزجاجي، تحقيق عبد الحسين مبارك، نشر مؤسسة الرسالة، ط٢، ١٤٠٦.\n١٧ - الأشباه والنظائر في القرآن الكريم لمقاتل بن سليمان، تحقيق: عبد الله شحاته، نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط٢، ١٤١٤.\n١٨ - أشعار الشعراء الستة الجاهليين، للأعلم الشنتمري، تحقيق: محمد عبد المنعم خفاجي، نشر دار الجيل ببيروت، ط١، ١٤١٢.\n١٩ - إصلاح الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، للحسين بن محمد الدامغاني، نشر دار العلم للملايين، ط٣، ١٩٨٠.\n٢٠ - الأصمعيات، للأصمعي، تحقيق: أحمد شاكر وعبد السلام هارون، نشر دار المعارف بمصر، ط٧، ١٩٩٣.\n٢١ - الأضداد، للأصمعي، ضمن ثلاث كتب في الأضداد، تحقيق أوغست هفنر، نشر دار الكتب العلمية ببيرت.\n٢٢ - الأضداد، لابن الأنباري، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر دائرة المطبوعات والنشر بالكويت، ط١، ١٩٦٠.\n٢٣ - الأضداد، لأبي حاتم السجستاني، تحقيق: محمد عودة أبو جري، نشر مكتبة الثقافة الدينية، ١٤١٤.\n٢٤ - الأضداد، لابن السكيت، ضمن ثلاث كتب في الأضداد، تحقيق أوغست هفنر، نشر دار الكتب العلمية ببيروت.\n٢٥ - الأضداد، للصغاني، ضمن ثلاث كتب في الأضداد، تحقيق أوغست هفنر، نشر دار الكتب العلمية ببيروت.\n٢٦ - الأضداد لقطرب، تحقيق: حنا حداد، نشر دار العلوم بالرياض، ط١، ١٤٠٥.\n٢٧ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد الأمين بن محمد المختار، نشر دار الإفتاء بالسعودية، ١٤٠٣.","vol":"1","page":701},{"text":"٢٨ - الاعتصام، لأبي إسحاق إبراهيم الشاطبي، تحقيق: محمد رشيد رضا، نشر دار المعرفة ببيروت، ١٤٠٢\n٢٩ - إعراب القراءات السبع وعللها، للحسين بن أحمد بن خالويه، تحقيق: عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، نشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط١، ١٤١٣.\n٣٠ - إعراب القرآن، للنحاس، تحقيق: زهير غازي زاهد، نشر عالم الكتب، ط٢، ١٤٠٥.\n٣١ - الإعلام، لخير الدين الزركلي، ط٣\n٣٢ - الإقناع في القراءات السبع، لأحمد بن علي بن الباذش، تحقيق: عبد المجيد قطامش، نشر مركز البحث العلمي وإحياء التراث بجامعة أم القرى بمكة، ط١، ١٤٠٢.\n٣٣ - الإكسير في قواعد التفسير، لسليمان بن عبد القوي، تحقيق: عبد القادر حسين، نشر مكتبة الأداب بمصر.\n٣٤ - الألفاظ المترادفة المتقاربة المعنى، للرماني، تحقيق: فتح الله صالح المصري، نشر در الوفاء، ط١، ١٤٠٧.\n٣٥ - الأمالي، لأبي علي القالي، نشر دار الكتب العلمية، ط١، ١٤١٦.\n٣٦ - أمالي الشريف المرتضى (غرر الفوائد ودرر القلائد)، لعلي بن الحسين الموسوي، المعروف بالشريف المرتضى، نشر مكتبة البابي الحلبي، ط١، ١٣٧٣.\n٣٧ - الأمالي في المشكلات القرآنية والحكم والأحاديث النبوية، لأبي القاسم الزجاجي، نشر دار الكتاب العربي، ط٢، ١٤٠٣.\n٣٨ - الأمثال، لمؤرج السدوسي، تحقيق: رمضان عبد التواب، نشر دار النهضة العربية ببيروت، ١٩٨٣\nالأمثال، لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق: عبد المجيد قطامش.\n٤٠ - إنباء الغمر بأبناء العمر، للحافظ ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني، نشر دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، ١٣٨٧.\n٤١ - إنباه الرواة، لأبي الحسن علي بن يوسف القفطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر دار الفكر العربي بالقاهرة، ط١، ١٤٠٦.\n٤٢ - الإنباه على قبائل الرواة، لابن عبد البر، تحقيق: إبراهيم الأبياري، نشر دار الكتاب العربي، ط١، ١٤٠٥\n٤٣ - الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد، لعبد الرحيم بن محمد الخياط، تحقيق: محمد حجازي، نشر دار الثقافة بالقاهرة.","vol":"1","page":702},{"text":"٤٤ - الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، لأحمد بن المنير (بحاشية الكشاف) نشر دار المعرفة.\n٤٥ - إيضاح الوقف والابتداء، لابن الأنباري، تحقيق: محيي الدين رمضان، نشر مجمع اللغة العربية بدمشق، ط١، ١٣٩٣.\n٤٦ - الإيمان، لابن منده، تحقيق: علي بن محمد الفقيهي، نشر مؤسسة الرسالة، ط٢، ١٤٠٦.\n٤٧ - بحر العلوم، للسمرقندي، تحقيق: علي محمد معوض وآخرين، نشر مكتبة دار الباز، ط١، ١٤١٣.\n٤٩ - البحر المحيط في أصول الفقه، لبدر الدين محمد بن بهادر الزركشي، تحقيق جماعة من الباحثين، نشر وزارة الأوقاف الكويتية، ط٢، ١٤١٣.\n٤٩ - البحر المحيط في التفسير، لأبي حيان الأندلسي، تحقيق، عرفات حسونة، نشر المكتبة التجارية بمكة.\n٥٠ - بدائع التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن قيم الجوزية، جمعه: يسري السيد محمد، نشر دار ابن الجوزي، ط١، ١٤١٤.\n٥١ - بدائع الفوائد، لابن قيم الجوزية، نشر دار الكتاب العربي.\n٥٢ - البدر الطالع، للشوكاني، نشر دار المعرفة.\n٥٣ - البرهان في علوم القرآن، لبدر الدين الزركشي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر دار المعرفة ببيروت.\n٥٤ - البرهان في معرفة عقائد الأديان، لأبي الفضل عباس بن منصور السكسكي الحنبلي، تحقيق: بسام علي سلامة العموش، نشر مكتبة المنار بالأردن، ط١، ١٤٠٨.\n٥٥ - بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد من القائلين بالحلول والاتحاد، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: موسى الدويش، نشر مكتبة العلوم والحكم بالمدينة النبوية، ط١، ١٤٠٨.\n٥٦ - بغية الملتمس في تاريخ علماء الأندلس، للضبي، طبع بمطبعة روخس بمدينة مجريط، ١٨٨٩.\n٥٧ - البلغة في تراجم أئمة اللغة، لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، تحقيق محمد المصري، منشورات مركز المخطوطات والتراث بالكويت، ط١، ١٤٠٧.\n٥٨ - بيان إعجاز القرآن، للخطابي، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق: محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام، نشر دار المعارف بمصر.","vol":"1","page":703},{"text":"٥٩ - بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، لأحمد بن تيمية، تحقيق: محمد بن عبد الرحمن القاسم.\n٦٠ - بيان مذهب الباطنية وبطلانه، لمحمد بن الحسن الديلمي، تحقيق: شتروطمان، نشر إدارة ترجمان السنة بلاهور.\n٦١ - البيان والتبيين، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق: عبد السلام هارون، نشر مكتبة الخانجي، ط٥، ١٤٠٥.\n٦٢ - بيضة الديك، نقد لغوي لكتاب: الكتاب والقرآن، ليوسف الصيداوي، طبع المطبعة التعاونية.\n٦٣ - تاج العروس من جواهر القاموس، للزبيدي، نشر دار الفكر.\n٦٤ - تاريخ بغداد، لأبي بكر أحمد بن ثابت، الخطيب البغدادي، نشر دار الكتاب العربي ببيروت.\n٦٥ - تاريخ التراث العربي، لفؤاد سزكين، منشورات جامعة الإمام، ١٤٠٨.\n٦٦ - تاريخ داريا، للقاضي عبد الجبار الخولاني، تحقيق: سعيد الأفغاني، نشر: دار الفكر.\n٦٧ - تاريخ العلماء النحويين من البصريين والكوفيين وغيرهم، للقاضي التنوخي، تحقيق: عبد الفتاح الحلو، منشورات المجلس العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود، ط١، ١٤٠١.\n٦٨ - التاريخ الكبير، للبخاري نشر دار الباز.\n٦٩ - تاريخ مولد العلماء ووفياتهم، لمحمد بن عبد الله الربعي، تحقيق: محمد المصري، منشورات مركز المخطوطات والتراث والوثائق بالكويت، ط١، ١٤١٠.\n٧٠ - تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة، تحقيق: عبد القادر عطا، نشر دار الكتب الإسلامية بالقاهرة، ط١، ١٤٠٢.\n٧١ - تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة، تحقيق: السيد أحمد صقر، نشر المكتبة العلمية، ط٣، ١٤٠١.\n٧٢ - التبيان في أقسام القرآن لابن قيم الجوزية، صححه: طه يوسف شاهين، نشر دار الكتب العلمية ببيروت، ١٤٠٢.\n٧٣ - التحبير في المعجم الكبير، لأبي سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني، تحقيق: منيرة ناجي سالم، مطبعة إرشاد ببغداد، ط١، ١٣٩٥.\n٧٤ - التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور، نشر الدار التونسية، ١٩٨٤.","vol":"1","page":704},{"text":"٧٥ - تحفة الأحوذي، للمباركفوري، مطبعة المدني، ط٢، ١٣٨٣.\n٧٦ - تذكرة الحفاظ، للذهبي، نشر دار إحياء التراث العربي ببيروت.\n٧٧ - التذكرة في القراءات، لطاهر بن غلبون، تحقيق: عبد الفتاح بحيري إبراهيم، نشر الزهراء للإعلام العربي بالقاهرة، ط٢، ١٤١١.\n٧٨ - التسهيل لعلوم التنزيل، لمحمد بن أحمد بن جزي الكلبي، نشر دار الكتاب العربي، ط٢، ١٣٩٣.\n٧٩ - التصاريف، تفسير القرآن مما اشتبهت أسماؤه وتصرفت معانيه، ليحيى بن سلام البصري، تحقيق: هند شلبي، الشركة التونسية.\n٨٠ - تصحيح الفصيح، لعبد الله بن جعفر بن درستويه، تحقيق: عبد الله الجبوري، مطبعة الإرشاد ببغداد، ط١، ١٩٧٥.\n٨١ - التعريفات، لعلي بن محمد الجرجاني، نشر مكتبة لبنان ببيروت، ١٩٧٨.\n٨٢ - تغليق التعليق، لابن حجر، تحقيق: سعيد القزقي، نشر دار عمار، ط١، ١٤٠٥.\n٨٣ - تفسير آية الكرسي، لمحمد بن صالح بن عثيمين.\n٨٤ - تفسير أسماء الله الحسنى، لأبي إسحاق الزجاج، تحقيق: أحمد يوسف الدقاق، نشر دار المأمون للتراث، ط٤، ١٤٠٣.\n٨٥ - التفسير البياني للقرآن الكريم، لبنت الشاطئ، نشر دار المعارف، ط٦.\n٨٦ - تفسير ابن أبي حاتم (القسم الأول من سورة البقرة، تحقيق: أحمد الزهراني والقسم الأول من سورة آل عمران، تحقيق: حكمت بشير ياسين)، نشر مكتبة الدار بالمدينة، ط١، ١٤٠٨.\n٨٧ - تفسير جزء عم (مخطوط)، منسوب للرماني، المكتبة التيمورية (١/ ٧٦، ٢٠١، ١ج، ١٠٩٦هـ)\nتفسير سفيان الثوري، تحقيق امتياز عرشي، نشر مكتبة عباس الباز، ط١، ١٤٠٣.\n٨٩ - تفسير سورة الإخلاص، لابن تيمية، تحقيق: عبد العلي عبد الحميد حامد، الدار السلفية في بومباي الهند، ط١، ١٤٠٦ - ١٩٦٨\n٩٠ - تفسير عبد الرزاق الصنعاني، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، نشر دار المعرفة ببيروت، ط١، ١٤١١.\n٩١ - تفسير غريب القرآن، لابن قتيبة، تحقيق: السيد أحمد صقر، نشر دار الكتب العلمية، ١٣٩٨.","vol":"1","page":705},{"text":"٩٢ - تفسير غريب القرآن، لزيد بن علي، تحقيق: حسن محمد تقي الحكيم، نشر الدار العالمية، ط١، ١٤١٢.\n٩٣ - تفسير القرآن، لأبي المظفر السمعاني، تحقيق: ياسر إبراهيم وغنيم عباس، نشر دار الوطن، ط١، ١٤١٨.\n٩٤ - تفسير القرآن العظيم، لابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد محمد الطيب، نشر مكتبة نزار الباز، ط١، ١٤١٧.\n٩٥ - تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، تحقيق: سامي السلامة، نشر دار طيبة، ط١، ١٤١٨.\n٩٦ - التفسير الكبير، للرازي، نشر المكتبة العلمية ببيروت، ط١، ١٤١١.\n٩٧ - تفسير كتاب الله العزيز، لهود بن محكم، تحقيق: بالحاج سعيد شريفي، نشر دار الغرب الإسلامي، ط١، ١٩٩٠.\n٩٨ - تفسير مجاهد بن جبر، تحقيق: محمد عبد السلام أبو النيل، نشر دار الكفر الإسلامي الحديثة، ط١، ١٤١٠.\n٩٩ - التفسير: نشأته وتدرجه وتطوره، لأمين الخولي، نشر دار الكتاب اللبناني، ط١، ١٩٨٢.\n١٠٠ - التفسير واتجاهاته بأفريقية، لوسيلة بلعيد بن حمدة، ط١، ١٤١٤.\n١٠١ - التفسير والمفسرون، لمحمد حسين الذهبي، نشر مكتبة وهبة بالقاهرة، ط٤، ١٤٠٩.\n١٠٢ - تقريب التهذيب، لابن حجر تحقيق: صغير الباكستاني، نشر دار العاصمة بالرياض، ط١، ١٤١٦.\n١٠٣ - التكملة والذيل والصلة، للصغاني، تحقيق: إبراهيم الأبياري، مطبعة دار الكتب بالقاهرة، مصورة عن طبعة دار الكتب.\n١٠٤ - تلخيص البيان في مجازات القرآن، للشريف الرضي، نشر عالم الكتب، ط١، ١٤٠٦.\n١٠٥ - التمهيد لما في الموطأ من الأسانيد، لابن عبد البر، تحقيق جماعة من الباحثين، نشر وزارة الأوقاف المغربية، ط١.\n١٠٦ - التنبيه والإيضاح عما وقع في الصحاح، لأبي محمد عبد الله بن بري، تحقيق: مصطفى حجازي، نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط١، ١٩٨٠.\n١٠٧ - التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، لأبي الحسين محمد بن أحمد الملطي، تحقيق: يمان سعد الدين المياديني، دار رمادي للنشر، ط١، ١٤١٤.","vol":"1","page":706},{"text":"١٠٨ - تهذيب تاريخ دمشق، لعبد القادر بدران، نشر دار المسيرة ببيروت، ط٢، ١٣٩٩.\n١٠٩ - تهذيب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، نشر دار المعارف.\n١١٠ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال، لأبي الحجاج يوسف المزي، تحقيق: بشار عواد معروف، نشر مؤسسة الرسالة ط١، ١٤١٨.\n١١١ - تهذيب اللغة، لأبي منصور الزهري تحقيق: عبد السلام هارون وآخرين، نشر الدار المصرية للتأليف والنشر.\n١١٢ - التيسير في قواعد علم التفسير، لمحمد بن سليمان الكافيجي، تحقيق: ناصر محمد المطرودي، نشر دار القلم بدمشق، ط١، ١٤١٠.\n١١٣ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لعبد الرحمن ناصر السعدي، تحقيق: محمد زهري النجار\n١١٤ - الثقات، لمحمد بن حبان البستي، طبع بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بالهند، ط١، ١٣٩٣.\n١١٥ - ثلاث نصوص في الأضداد، جمع وتحقيق: محمد حسين آل ياسين، توزيع عالم الكتب، ط١، ١٤١٧.\n١١٦ - ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، لعبد الملك بن محمد الثعالبي، تحقيق: محمد أبو الفصل إبراهيم، نشر دار المعارف بالقاهرة.\n١١٧ - جامع الأصول، لابن الجزري، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، نشر مكتبة الحلواني، ١٣٩١.\n١١٨ - جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، نشر دار الفكر.\n١١٩ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، نشر مكتبة البابي الحلبي، ط٣، ١٣٨٨.\n١٢٠ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لمحمد بن جرير الطبري، تحقيق: محمود شاكر، نشر مكتبة المعارف، ط٢.\n١٢١ - جامع الرسائل، رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، نشر دار المدني بجدة، ط١، ١٤٠٥.\n١٢٢ - جامع العلوم، الملقب بدستور العلماء، للأحمد نكري، طبع بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بالهند، ط٢، ١٤٠٤.\n١٢٣ - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي، تحقيق: محمود الطحان، نشر مكتبة المعارف بالرياض، ١٤٠٣.","vol":"1","page":707},{"text":"١٢٤ - الجامع لعلم القرآن (مخطوط/الجزء العاشر)، للرماني، مخطوط في معهد المخطوطات العربية بالقاهرة/تفسير غير مفهرس م - ٣٦١، رقم ٩٢، مكتبة طشقند ٣١٣٧.\n١٢٥ - جذوة المقتبس، لأبي عبد الله محمد الحميدي، نشر الدار المصرية للتأليف والترجمة.\n١٢٦ - الجرح والتعديل، للحافظ عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي، طبع بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بالهند، ١٣٧١.\n١٢٧ - الجزء فيه: تفسير يحيى بن اليمان ونافع ومسلم الزنجي وعطاء الخرساني، تحقيق: حكمت بشير ياسين، نشر مكتبة الدار بالمدينة النبوية، ط١، ١٤٠٨.\n١٢٨ - جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام، لأبي زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي، تحقيق: الدكتور محمد علي الهاشمي، ط١، ١٤٠١ «جامعة الإمام.\n١٢٩ - جمهرة اللغة، لابن دريد، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، نشر دار العلم للملايين، ط١، ١٩٧٨.\n١٣٠ - الحجة للقراءات السبعة، لأبي علي الفارسي، تحقيق: بدر الدين قهوجي وبشير جويجاتي، نشر دار المأمون للتراث، ط١، ١٤٠٤.\n١٣١ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصفهاني، نشر دار الكتاب الكتاب العربي ببيروت، ط١، ١٤٠٠.\n١٣٢ - حواشي ابن بري وابن ظفر على درة الغواص في أوهام الخواص، تحقيق: د. أحمد طه حسانين سلطان، ط:١، مطبعة الأمانة/القاهرة، ١٤١١ - ١٩٩٠.\n١٣٣ - خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، لعبد القادر بن عمر البغدادي، تحقيق: عبد السلام هارون، نشر مكتبة الخانجي، ط٢.\n١٣٤ - الخصائص، لابن جني، تحقيق: محمد علي النجار، نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط٣، ١٤٠٦.\n١٣٥ - خلق أفعال العباد، للبخاري، تحقيق: بدر البدر، نشر الدار السلفية بالكويت، ط١، ١٤٠٥\n١٣٦ - درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، نشر جامعة الإمام، ط١، ١٣٩٩.","vol":"1","page":708},{"text":"١٣٧ - الدر المنثور في التفسير المأثور، للسيوطي، نشر دار الفكر، ط١، ١٤٠٣.\n١٣٨ - درة الغواص في أوهام الخواص، لأبي محمد القاسم بن محمد الحريري، تحقيق د. عبد الله بن علي الحسيني، ط: ١، ١٤١٧ - ١٩٩٦، المكتبة الفيصلية/ مكة المكرمة.\n١٣٩ - دقائق التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن تيمية، تحقيق: محمد السيد الجليند، نشر مؤسسة علوم القرآن، ط٢، ١٤٠٤.\n١٤٠ - الدلائل في غريب الحديث (مخطوط)، لثابت السرقسطي، مخطوط في الخزانة العامة بالرباط برقم: ١٩٧.\n١٤١ - الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، لبرهان الدين إبراهيم بن علي ابن فرحون، نشر دار الكتب العلمية.\n١٤٢ - ديوان الأدب، للفارابي، تحقيق: أحمد مختار عمر، نشر الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، ١٣٩٤.\n١٤٣ - ديوان الأخطل، شرحه، محمد ناصر الدين، نشر دار الكتب العلمية ببيروت، ط٢، ١٤١٤.\n١٤٤ - ديوان أبي الأسود الدؤلي، صنعة أبي سعيد السكري، تحقيق: محمد حسن آل ياسين، دار مكتبة الهلال، ط: ٢، ١٤١٨ - ١٩٩٨.\n١٤٥ - ديوان الأعشى الكبير، تحقيق: حنا نصر الحتي، نشر دار الكتاب العربي، ط١، ١٤١٢\n١٤٦ - ديوان امرئ القيس، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف بالقاهرة، ط: ٥.\n١٤٧ - ديوان أمية بن أبي الصلت، جمعه: بشير يموت، نشر المكتبة الأهلية ببيروت، ط:١، ١٣٥٢ - ١٩٣٤.\n١٤٨ - ديوان بشر بن أبي خازم الأسدي، تحقيق: عزة حسن، نشر دار الشرق العربي، ١٤١٦.\n١٤٩ - ديوان جران العود، رواية أبي سعيد السكري، نشر المكتبة الزهرية للتراث.\n١٥٠ - ديوان جرير، بشرح محمد بن حبيب، تحقيق: الدكتور نعمان محمد أمين عطية، دار المعارف، ط:٣.\n١٥١ - ديوان جميل بثينة، جمع: إميل يعقوب، نشر دار الكتاب العربي، ط٢، ١٤١٦.\n١٥٢ - ديوان حاتم الطائي، شرح أبي صالح يحيى بن مدرك الطائي، تحقيق: حنا نصر الحتي، نشر دار الكتاب العربي، ط١، ١٤١٥.","vol":"1","page":709},{"text":"١٥٣ - ديوان الحارث بن حلزة، إعداد: طلال حرب، نشر دار صادر ببيروت، ط١، ١٩٩٦.\n١٥٤ - ديوان حسان بن ثابت، تحقيق: الدكتور سيد حنفي حسنين، نشر مكتبة المعارف بمصر.\n١٥٥ - ديوان الحطيئة برواية وشرح ابن السكيت، تحقيق: نعمان محمد أمين طه، نشر مكتبة الخانجي، ط١، ١٤٠٧.\n١٥٦ - ديوان خفاف بن ندبة، ضمن كتاب شعراء إسلاميون، تحقيق نوري حمودي القيسي، عالم الكتب بيروت، ط٢، ١٤٠٥ - ١٩٨٤.\n١٥٧ - ديوان دريد بن الصمة القشيري، تحقيق: الدكتور عمر عبد الرسول، دار المعارف.\n١٥٨ - ديوان ذي الرُّمة، شرح أبي نصر الباهلي، تحقيق: الدكتور عبد القدوس أبو صالح، مؤسسة الرسالة، ط: ٣، ١٤١٤ - ١٩٩٣.\n١٥٩ - ديوان الراعي النميري، جمعة راينهرت، نشر دار النشر فرانتس ببيروت، ١٤٠١.\n١٦٠ - ديوان الشماخ بن ضرار الذبياني، تحقيق: صلاح الدين الهادي، دار المعارف بمصر.\n١٦١ - ديوان طرفة بن العبد، شرح الأعلم الشنتمري، تحقيق: الدكتور رحاب خضر عكاوي، دار الفكر العربي ببيروت، ط: ١، ١٩٩٣.\n١٦٢ - ديوان الطرماح، تحقيق: عزة حسن، نشر دار الشرق العربي ببيروت، ط٢، ١٤١٤.\n١٦٣ - ديوان عامر بن الطفيل، شرح عمر فاروق الطباع، نشر دار القلم ببيروت.\n١٦٤ - ديوان عبيد بن الأبرص، تحقيق: الدكتور حسين نصار، شركة مطبعة مصطفى البابي بمصر، ط: ١، ١٣٧٧ - ١٣٥٧.\n١٦٥ - ديوان عبيد بن الأبرص، نشر دار صادر.\n١٦٦ - ديوان العجاج، رواية الأصمعي، تحقيق: عزة حسن، نشر دار الشرق العربي، ١٤١٦.\n١٦٧ - ديوان علي بن أبي طالب ﵁، شرح: يوسف فرحات، نشر دار الكتاب العربي، ط٥، ١٤١٨.\n١٦٨ - ديوان عمر بن ربيعة، نشر دار صادر.\n١٦٩ - ديوان عمرو بن معدي كرب، جمع: مطاع الطرابيشي، مطبوعات مجموع اللغة العربية بدمشق، ط: ٢، ١٤٠٥ - ١٩٨٥.","vol":"1","page":710},{"text":"١٧٠ - ديوان عنترة، نشر دار صادر، ط٢، ١٤١٢.\n١٧١ - ديوان الفرزدق، تقديم علي فاعور، دار الكتب العلمية /بيروت.\n١٧٢ - ديوان القتال الكلابي، تحقيق: إحسان عباس، نشر دار الثقافة ببيروت، ١٤٠٩.\n١٧٣ - ديوان قيس بن الخطيم، تحقيق: ناصر الدين الأسد، دار صادر.\n١٧٤ - ديوان كثير عزة، قدم له: مجيد طراد، نشر دار الكتاب العربي، ط٢، ١٤١٦.\n١٧٥ - ديوان كعب بن زهير، صنعة أبي سعيد العسكري، تحقيق: حنا نصر الحتي، نشر دار الكتاب العربي، ط١، ١٤١٤.\n١٧٦ - ديوان لبيد بن ربيعة، بشرح الطوسي، تحقيق: حنا نصر الحتي، نشر دار الكتاب العربي ط١، ١٤١٤.\n١٧٧ - ديوان المثقَّب العبْدي، تحقيق: حسن كامل الصيرفي، مطبوعات معهد المخطوطات العربية/جامعة الدول العربية، ١٣٩١ - ١٩٧١.\n١٧٨ - ديوان ابن مقبل، تحقيق: عزة حسن، نشر دار الشرق العربي، بيروت، ١٤١٦.\n١٧٩ - ديوان النابغة الجعدي، منشورات المكتب الإسلامي بدمشق، ط:١، ١٣٨٤ - ١٩٦٤.\n١٨٠ - ديوان النابغة الذبياني، تحقيق: محمد الطاهر بن عاشور، نشر الشركة التونسية، للتوزيع، ١٩٧٦.\n١٨١ - ديوان الهذليين، نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب، الناشر: الدار القومية للطباعة والنشر بالقاهرة، ١٣٨٤ - ١٩٦٥.\n١٨٢ - ذم الكلام، لعبد الله بن محمد الهروي، تحقيق: سميح دغيم، نشر دار الفكر اللبناني.\n١٨٣ - رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد، تحقيق: محمد حامد الفقي، نشر حديث أكادمي بباكستان، ١٤٠٢.\n١٨٤ - الرد على الانتقاد على الشافعي في اللغة، للبيهقي، تحقيق: عبد الكريم بكار، نشر دار البخاري ببريدة.\n١٨٥ - الرد على الجهمية، عثمان بن سعيد الدارمي، تحقيق: بدر البدر، نشر الدار السلفية بالكويت، ط١، ١٤٠٥.\n١٨٦ - رسائل العدل والتوحيد، مجموعة مؤلفين، جمع: محمد عمارة، ط١، دار الشروق، ١٤٠٧ - ١٩٨٧.","vol":"1","page":711},{"text":"١٨٧ - روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني، للسيد محمود الآلوسي، نشر دار إحياء التراث العربي ببيروت.\n١٨٨ - الروض الأنف، للسهيلي، تحقيق: عبد الرحمن الوكيل، نشر دار النصر، ط١، ١٣٨٧.\n١٨٩ - الروض المعطار في خبر الأقطار، لمحمد بن عبد المنعم الحميري، تحقيق: إحسان عباس، نشر مكتبة لبنان، ط٢، ١٩٨٤.\n١٩٠ - زاد المسير في علم التفسير، لابن الجوزي، تحقيق محمد عبد الرحمن عبد الله، نشر دار الفكر، ط١، ١٤٠٧.\n١٩١ - زاد المعاد، لابن القيم، تحقيق: شعيب وعبد القادر الأرنؤوط، نشر مؤسسة الرسالة ومكتبة المنار الإسلامية، ط٢٦، ١٤١٢.\n١٩٢ - الزاهر في معاني كلمات الناس، لأبي بكر بن الأنباري، تحقيق: حاتم الضامن، نشر دار الشئون، الثقافية العامة ببغداد، ط٢، ١٩٨٧.\n١٩٣ - الزهد، لأحمد بن حنبل، تحقيق: محمد السيد بسيوني زغلول، نشر دار الكتاب العربي، ط١، ١٤٠٦.\n١٩٤ - الزينة في الكلمات الإسلامية، لأبي حاتم حمدان الرازي، تحقيق: حسين بن فيض الله الهمداني، ط٢، القاهرة ١٩٥٧.\n١٩٥ - الساميون ولغاتهم، لحسن ظاظا، نشر دار القلم بدمشق، ط٢، ١٤١٠.\n١٩٦ - السبعة في القراءات، لابن مجاهد، تحقيق: شوقي ضيف، نشر دار المعارف بالقاهرة، ط٢.\n١٩٧ - سمط اللآلي، لأبي عبيد البكري، تحقيق: عبد العزيز الميمني، نشر دار الكتب العلمية.\n١٩٨ - السنة، لابن أبي عاصم، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، نشر المكتب الإسلامي.\n١٩٩ - سنن الترمذي، تحقيق أحمد شاكر، نشر دار إحياء التراث العربي ببيروت.\n٢٠٠ - سنن سعيد بن منصور (قسم التفسير) تحقيق: سعد الحميِّد، نشر دار الصميعي، ط١، ١٤١٤.\n٢٠١ - السنن الكبرى، للنسائي، تحقيق: عبد الغفار البنداري وسيد كسروي، نشر دار الكتب العلمية ببيروت، ط١، ١٤١١.\n٢٠٢ - سير أعلام النبلاء، للذهبي، تحقيق جماعة، نشر مؤسسة الرسالة، ط٢، ١٤٠٢.","vol":"1","page":712},{"text":"٢٠٣ - سيرة الإمام البخاري، لعبد السلام المباركفوري، نشر الدار السلفية، ط١، ١٤٠٦.\n٢٠٤ - السيرة النبوبة، لابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا وآخرين، نشر مكتبة البابي الحلبي، ط١، ١٣٧٥.\n٢٠٥ - شجرة النور الزكية، لمحمد محمد مخلوف، نشر دار التراث العربي، ط٢، ١٣٤٩.\n٢٠٦ - شذرات الذهب، لابن العماد الحنبلي، نشر دار الآفاق الجديدة، ببيروت.\n٢٠٧ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، لأبي القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي، تحقيق: أحمد سعد حمدان، نشر دار طيبة بالرياض.\n٢٠٨ - شرح جوهرة التوحيد لإبراهيم اللقاني، نشر دار الكتب العلمية ببيروت، ط١، ١٤٠٣.\n٢٠٩ - شرح درة الغواص في أوهام الخواص، لأحمد شهاب الدين الخفاجي، ط: ١، مطبعة الجوائب،/قسطنطينة، عام: ١٢٩٩.\n٢١٠ - شرح ديوان الخنساء، لأبي العباس ثعلب، قدم له: فايز أحمد، نشر دار الكتاب العربي ببيروت، ط١، ١٤١٤.\n٢١١ - شرح ديوان زهير ابن أبي سلمى، صنعة أبي العباس، ثعلب، تحقيق: حنا نصر الحتي، نشر دار الكتاب العربي، ط٢، ١٤١٦.\n٢١٢ - شرح ديوان علقمة بن الفحل، للأعلم الشنتمري، تحقيق: حنا نصر الحتي، نشر دار الكتاب العربي، ط١، ١٤١٤.\n٢١٣ - شرح المعلقات السبع لأبي عبد الله الحسين الزوزني، نشر المكتبة التجارية الكبرى بمصر، ١٣٨٠.\n٢١٤ - شرح نقائض جرير والفرزدق، لأبي عبيدة معمر بن المثنى، تحقيق: الدكتوران: محمد حُوَّر ووليد خالص، منشورات المجمع الثقافي في أبو ظبي بالإمارات.\n٢١٥ - شعر الأحوص الأنصاري، تحقيق: عادل سليمان جمال، نشر مكتبة الخانجي، ط٢، ١٤١١.\n٢١٦ - شعراء الخوارج، تحقيق؛ إحسان عباس، دار الثقافة/ لبنان.\n٢١٧ - شعر عروة بن الورد، صنعة ابن السكيت، تحقيق: محمد فؤاد نعناع، نشر مكتبة الخانجي، ط١، ١٤١٥.\n٢١٨ - شعر النابغة الجعدي، ط١، ١٣٨٤ - ١٩٦٤م، منشورات المكتب الإسلامي بدمشق.","vol":"1","page":713},{"text":"٢١٩ - الشعر والشعراء، لابن قتيبة، تحقيق: أحمد شاكر، ١٣٨٧.\n٢٢٠ - شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن قيم الجوزية، نشر دار الباز، ط١، ١٤٠٧.\n٢٢١ - شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، لنشوان الحميري، أشرف على تصحيحه القاضي عبد الله الجرافي اليمني، نشر علام الكتب ببيروت.\n٢٢٢ - الصاحبي في فقه اللغة، لابن فارس، تحقيق: السيد أحمد صقر،. نشر مكتبة البابي الحلبي بالقاهرة.\n٢٢٣ - الصَّحاح، للجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، نشر دار العلم للملايين، ط٤، ١٤٠٤.\n٢٢٤ - صحيح مسلم بن الحجاج، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار إحياء التراث.\n٢٢٥ - صحيفة علي بن أبي طلحة، اعتني بها: راشد عبد المنعم الرجال، نشر مكتبة السنة، ط١، ١٤١١.\n٢٢٦ - الصلة، لأبي القاسم خلف بن عبد الملك، نشر الدار المصرية للتأليف والترجمة.\n٢٢٧ - الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم، تحقيق: علي الدخيل الله، نشر دار العاصمة بالرياض، ط١، ١٤٠٨.\n٢٢٨ - الضوء اللامع للسخاوي، نشر مكتبة الحياة.\n٢٢٩ - طبقات الشافعية، للسبكي، تحقيق: عبد الفتاح الحلو ومحمود الطناحي، نشر دار إحياء التراث.\n٢٣٠ - ديوان طبقات علماء أفريقية، لأبي العرب محمد بن تميم، نشر دار الكتاب.\n٢٣١ - الطبقات الكبرى، لابن سعد (القسم المتمم لتابعي أهل المدينة)، تحقيق: زياد محمد منصور، نشر مكتبة العلوم والحكم، ط٢، ١٤٠٨.\n٢٣٢ - الطبقات الكبرى لابن سعد، طبع دار صادر ببيروت.\n٢٣٣ - طبقات المعتزلة، للقاضي عبد الجبار، ضمن كتاب (طبقات المعتزلة وفضل الاعتزال)، تحقيق: فؤاد سيد.\n٢٣٤ - طبقات المفسرين، لمحمد بن علي الداوودي، نشر دار الكتب العلمية ببيروت.\n٢٣٥ - طبقات النحويين واللغويين، لأبي بكر محمد بن الحسن الزُّبيدي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر دار المعارف بمصر.","vol":"1","page":714},{"text":"٢٣٦ - ظاهرة التأويل وصلتها بالعربية، للسيد أحمد عبد الغفار، نشر دار المعرفة الجامعية بالإسكندرية.\n٢٣٧ - العباب الزاخر واللباب الفاخر، للصغاني، تحقيق: محمد حسن آل ياسين، منشورات وزارة الثقافة والإعلام بالعراق، ١٩٨١.\n٢٣٨ - عجائب الآثار، لعبد الرحمن الجبرتي، نشر دار الجيل.\n٢٣٩ - العلل ومعرفة الرجال، لأحمد بن حنبل، تحقيق: وصي الله عباس، نشر المكتب الإسلامي ودار الخاني، ط١، ١٤٠٨.\n٢٤٠ - العلم الخفاق في علم الاشتقاق، لصديق حسن خان، تحقيق: نذير الكتبي، نشر دار البصائر، ط١، ١٤٠٥.\n٢٤١ - عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، للمسين الحلبي، تحقيق: محمود محمد السيد الدغيم، نشر دار السيد، ط١، ١٤٠٧.\n٢٤٢ - العين، للخليل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، نشر مؤسسة الأعلمي ببيروت، ط١، ١٤٠٨.\n٢٤٣ - الغاية في القراءات العشر، لأحمد بن الحسين بن مهران، تحقيق: محمد غياث الجنباز، نشر دار الشواف بالرياض، ط٢، ١٤١١.\n٢٤٤ - غاية النهاية في طبقات القراء، لشمس الدين محمد بن محمد ابن الجزري، تحقيق: ج. برجستراسر، نشر مكتبة المتنبي بالقاهرة.\n٢٤٥ - غرائب التفسير وعجائب التأويل، للكرماني، تحقيق: شمران سركال، نشر دار القبلة ومؤسسة علوم القرآن، ط١، ١٤٠٨.\n٢٤٦ - غرائب القرآن ورغائب الفرقان، لنظام الدين النيسابوري، تحقيق: إبراهيم عطوة عوض، نشر مكتبة البابي الحلبي، ط١، ١٣٩٠.\n٢٤٧ - غريب الحديث، لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق: حسين محمد محمد شرف، نشر الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية بالقاهرة، ١٤٠٤.\n٢٤٨ - غريب الحديث، للحربي، تحقيق: سليمان العايد، نشر مركز البحث العلمي وإحياء التراث بجامعة أم القرى بمكة، ط١، ١٤٠٥.\n٢٤٩ - غريب القرآن، لأبي بكر محمد بن عُزَيز السجستاني، تحقيق: أحمد عبد القادر صلاحية، ط١، ١٩٩٣، دار طلاس.\n٢٥٠ - غريب القرآن وتفسيره، لليزيدي، تحقيق: عبد الرزاق حسين، نشر مؤسسة الرسالة، ط١، ١٤٠٧.","vol":"1","page":715},{"text":"٢٥١ - الغريب المصنف، لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق: محمد المختار العبيدي، نشر المجمع التونسي ودار سحنون، ط١، ١٤١٦.\n٢٥٢ - الغلو والفرق الغالية، لعبد الله سلوم السامرائي، نشر دار واسط.\n٢٥٣ - الغيث المسجم في شرح لامية العجم، لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي، دار الكتب العلمية، ط: ٢، ١٤١١ - ١٩٩٠.\n٢٥٤ - فائت الفصيح، لأبي عمر الزاهد، تحقيق: عبد العزيز مطر، نشر دار المتنبي بالقاهرة، ١٤٠٤.\n٢٥٥ - الفائق في غريب الحديث، للزمخشري، تحقيق: على محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، نشر دار المعرفة، ط٢.\n٢٥٦ - فتح الباري، لابن حجر العسقلاني، طبعة دار الريان للتراث بالقاهرة، ط١، ١٤٠٧.\n٢٥٧ - فتح القدير، للشوكاني، نشر مكتبة البابي الحلبي، ط٢، ١٣٨٣.\n٢٥٨ - الفرق، لابن فارس، تحقيق: رمضان عبد التواب، نشر الخانجي، ط١، ١٤٠٢.\n٢٥٩ - الفرق، لقطرب، تحقيق: خليل العطية، نشر مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة، ط١، ١٩٨٧.\n٢٦٠ - فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، للفيلسوف محمد بن أحمد ابن رشد، نشر دار مكتبة التربية ببيروت، ١٩٨٧.\n٢٦١ - فضائل الصحابة، لأحمد بن حنبل، تحقيق: وصي الله عباس، نشر دار العلم، ط١، ١٤٠٣.\n٢٦٢ - فضائل القرآن، لأبي عبيد، تحقيق: وهبي سليمان غاوجي، دار الكتب العلمية ببيروت، ط١، ١٤١١.\n٢٦٣ - فعلت وأفعلت، للزجاج، تحقيق: صبيح التميمي، نشر مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة، ١٤١٥.\n٢٦٤ - فهارس معاني القرآن للفراء، لفائزة عمر المؤيد، ط١، ١٤١٤.\n٢٦٥ - فهرس ابن عطية، تحقيق: محمد أبو الجفان ومحمد الزاهي، نشر دار الغرب الإسلامي ببيروت، ط٢، ١٩٨٣.\n٢٦٦ - الفهرست لابن النديم، نشر دار المعرفة ببيروت.\n٢٦٧ - فهرسة ما رواه ابن خير عن شيوخه، نشر دار الآفاق الجديدة ببيروت، ط٢، ١٣٩٩.","vol":"1","page":716},{"text":"٢٦٨ - فوات الوفيات، لمحمد شاكر الكتب، تحقيق: إحسان عباس، نشر دار الثقافة.\n٢٦٩ - قاموس الكتاب المقدس، ألفه جمع من النصارى، نشر دار الثقافة، ط٩، ١٩٩٤.\n٢٧٠ - القاموس المحيط، لمجد الدين الفيروزآبادي، نشر مؤسسة الرسالة، ط٢، ١٤٠٧.\n٢٧١ - القراءات وعلل النحويين فيها، لأبي منصور الأزهري، تحقيق نوال بنت إبراهيم الحلوة، ط١، ١٤١٢.\n٢٧٢ - قراءة عبد الله بن مسعود، لمحمد أحمد خاطر، نشر دار الاعتصام بالقاهرة.\n٢٧٣ - القرآن نظرة عصرية جديدة، لجمع من الباحثين، نشر المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط٢، ١٩٨٨.\n٢٧٤ - القطع والائتناف، لأبي جعفر النحاس، تحقيق: أحمد خطاب العمر، نشر وزارة الأوقاف العراقية، ١٣٩٨.\n٢٧٥ - الكامل في الأدب، لأبي العباس المبرد، تحقيق: محمد أحمد الدالي، مؤسسة الرسالة، ط٢، ١٤١٣.\n٢٧٦ - الكامل في ضعفاء الرجال، لابن عدي، نشر دار الفكر، ط١، ١٤٠٤.\n٢٧٧ - الكامل في القراءات الخمسين (مخطوط)، ليوسف بن علي بن جبارة الهذلي، مخطوط نسخة رواق المغاربة بالأزهر.\n٢٧٨ - الكتاب، لسيبويه، نشر دار صادر، صورة عن طبعة بولاق، المطبوعة عام ١٣١٦.\n٢٧٩ - كتاب العلو للعلي العظيم، لمحمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: عبد الله بن صالح البراك، نشر دار الوطن بالرياض، ط١، ١٤٢٠.\n٢٨٠ - كتاب القبس على الموطأ، لابن العربي، تحقيق: محمد ولد كريم، نشر دار الغرب الإسلامي، ط١، ١٩٩٢.\n٢٨١ - الكتاب المصنف، لابن أبي شيبة، تحقيق: الأعظمي، نشر الدار السلفية.\n٢٨٢ - كتاب معاني الحروف، للرماني، تحقيق: عبد الفتاح شلبي، نشر دار الشروق، ط٣، ١٤٠٤.\n٢٨٣ - كتاب المعاني الكبير في أبيات المعاني، لابن قتيبة، نشر دار الكتاب العربي، ط١، ١٤٠٥.","vol":"1","page":717},{"text":"٢٨٤ - كشاف اصطلاحات الفنون، لمحمد علي الفاروقي التهانوي، تحقيق: لطفي عبد البديع، نشر وزارة الثقافة بمصر، ط١، ١٣٨٢.\n٢٨٥ - كشاف اصطلاحات الفنون، لمحمد علي الفاروقي التهانوي، طبعة دار صادر ببيروت.\n٢٨٦ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، للزمخشري، نشر دار المعرفة ببيروت.\n٢٨٧ - كشف السرائر في الوجوه والأشباه والنظائر، لابن العماد الحنبلي، تحقيق: فؤاد عبد المنعم أحمد، نشر مؤسسة شباب الجامعة بالإسكندرية.\n٢٨٨ - الكشف والبيان عن تفسير القرآن (مخطوط)، للثعلبي، نسخة مخطوطة في المكتبة المحمودية بمكتبة المدينة النبوية العامة (٩٨ تفسير).\n٢٨٩ - الكليات، لأبي البقاء الكفوي، تحقيق: عدنان درويش ومحمد المصري، نشر مؤسسة الرسالة، ط١، ١٤١٢.\n٢٩٠ - لسان العرب لابن منظور، نشر دار لسان العرب ببيروت.\n٢٩١ - لسان الميزان، للحافظ ابن حجر العسقلاني، نشر دار الفكر.\n٢٩٢ - اللغات في القرآن، رواية ابن حسنون بإسناده إلى ابن عباس، تحقيق: صلاح الدين المنجد، نشر دار الكتاب الجديد ببيروت، ط٣، ١٣٩٨.\n٢٩٣ - ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد، لأبي العباس محمد بن يزيد المبرد، تحقيق: أحمد محمد سليمان أبو رعد، نشر وزارة الأوقاف بالكويت، ط١، ١٤٠٩.\n٢٩٤ - المأثور في اللغة (ما اتفق لفظه واختلف معناه) لأبي العميثل الأعرابي، تحقيق: محمد عبد القادر أحمد، نشر مكتبة النهضة المصرية، ط١، ١٤٠٨.\n٢٩٥ - ما اختلفت ألفاظه واتفقت معانيه، للأصمعي، تحقيق: ماجد حسن الذهبي، نشر دار الفكر، ط١، ١٤٠٦.\n٢٩٦ - ما تلحن فيه العامة، للكسائي، تحقيق: رمضان عبد التواب، نشر مكتبة الخانجي، ط١، ١٤٠٣.\n٢٩٧ - المباني في نظم المعاني، ضمن كتاب: مقدمتان في علوم القرآن، تحقيق: آرثر جفري، نشر مكتبة الخانجي، ١٣٩٣.\n٢٩٨ - المبسوط في القراءات العشر، لابن مهران، تحقيق: سبيع حمزة حاكمي، نشر مجمع اللغة العربية بدمشق.","vol":"1","page":718},{"text":"٢٩٩ - متشابه القرآن، لعبد الجبار الهمذاني، تحقيق: عدنان زرزور، نشر دار التراث بالقاهرة.\n٣٠٠ - مجاز القرآن، لأبي عبيدة، تحقيق: فؤاد سزكين، نشر مؤسسة الرسالة، ط٢، ١٤٠١.\n٣٠١ - مجالس ثعلب، لأبي العباس أحمد بن يحيي ثعلب، تحقيق: عبد السلام هارون، نشر دار المعارف، ط٤، ١٤٠٠.\n٣٠٢ - مجمع الأمثال، لأبي الفضل أحمد بن أحمد الميداني، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر مكتبة البابي الحلبي.\n٣٠٣ - مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار، لمحمد طاهر الصديقي، طبع بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بالهند، ١٣٩١.\n٣٠٤ - مجمع البيان في تفسير القرآن، للطبرسي الرافضي، نشر دار مكتبة الحياة.\n٣٠٥ - مجمل اللغة، لأحمد بن فارس، تحقيق: زهير عبد المحسن سلطان، نشر مؤسسة الرسالة، ط١، ١٤٠٤.\n٣٠٦ - مجموع أشعار رؤبة بن العجاج، اعتنى بها: وليم الورد، نشر دار الآفاق الجديدة ببيروت، ط٢، ١٤٠٠.\n٣٠٧ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع عبد الرحمن بن قاسم، ط١، ١٣٩٨.\n٣٠٨ - المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث، لأبي موسى محمد بن أبي بكر الأصفهاني، تحقيق: عبد الكريم لعزباوي، نشر مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى، ط١، ١٤٠٦.\n٣٠٩ - المحتسب في تبيين شواذ القراءات، لأبي الفتح ابن جني، تحقيق: علي النجدي ناصف وآخرين، نشر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة، ١٣٨٦.\n٣١٠ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد بن عطية، تحقيق: عبد العال السيد إبراهيم، طبعة قطر، ط١، ١٣٩٨.\n٣١١ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد بن عطية، تحقيق جماعة، طبعة المغرب ط١.\n٣١٢ - المحكم والمحيط الأعظم في اللغة، لعلي بن إسماعيل بن سيده، تحقيق مصطفى السقا وآخرون، مصورة عن ط١.\n٣١٣ - المحيط في اللغة، للصاحب بن عباد، تحقيق: محمد حسن آل ياسين، نشر عالم الكتب، ط١، ١٤١٤.","vol":"1","page":719},{"text":"٣١٤ - المختار في أصول السنة، للحسن بن أحمد ابن البنا الحنبلي، تحقيق: عبد الرزاق البدر، نشر مكتبة العلوم والحكم، ط١،١٤١٣.\n٣١٥ - مختصر الصواعق المرسلة، لابن القيم، اختصره محمد بن الموصلي،. نشر دار الندوة الجديدة ببيروت، ١٤٠٥\n٣١٦ - مختصر في شواذ القراءات، لابن خالويه، عني بنشره: ج زبرجشتراسر، نشر دار الهجرة.\n٣١٧ - المخصص، لابن سيده، نشر دار الفكر.\n٣١٨ - المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى، لأحمد بن محمد السمرقندي، تحقيق: صفوان داوودي، نشر دار القلم ودار العلوم، ط١، ١٤٠٨.\n٣١٩ - مراتب النحويين، لأبي الطيب اللغوي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر دار الفكر العربي.\n٣٢٠ - مزاج التسنيم (تفسير الجزء ١١ - ٢٠)، لضياء الدين إسماعيل بن هبة الله الإسماعيلي السليماني الباطني، عني بتصحيحه: ر. شتروطمان، نشر المجمع العلمي في غوتينغن.\n٣٢١ - المزهر في علوم اللغة، للسيوطي، تحقيق: محمد جاد وآخرين، نشر المكتبة العصرية ببيروت، ١٩٨٦.\n٣٢٢ - مسائل نافع الأزرق، تحقيق: محمد أحمد الدالي، نشر الجفان والجابي، ط١، ١٤١٣.\n٣٢٣ - المسائل والأجوبة في الحديث واللغة، لابن قتيبة، عنيت بنشرها مكتبة المقدسي بالقاهرة، ١٣٤٩.\n٣٢٤ - المستدرك على الصحيحين، للحاكم، نشر دار الكتاب العربي.\n٣٢٥ - المسند، للحميدي، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، نشر عالم الكتب.\n٣٢٦ - المشترك اللغوي نظرية وتطبيقًا، لتوفيق محمد شاهين، نشر مكتبة وهبة بالقاهرة، ط١، ١٤٠٠.\n٣٢٧ - مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار، ليحيى بن حمزة العلوي، تحقيق: محمد السيد الجليند، الدار اليمنية للنشر والتوزيع، ط٣، ١٤٠٣.\n٣٢٨ - مشكاة الأنوار ومصفاة الأسرار، للغزالي، تحقيق: عبد العزيز السيروان، نشر عالم الكتب، ط١، ١٤٠٧.\n٣٢٩ - المصابيح في تفسير القرآن (مخطوط)، للوزير المغربي أبو القاسم الحسين بن علي، مخطوط في مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧/ ٢٠٠٢).","vol":"1","page":720},{"text":"٣٣٠ - مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية، لناصر الدين الأسد، نشر دار الجيل ببيروت، ط٨، ١٩٩٦.\n٣٣١ - مصادر اللغة، لعبد الحميد الشلقاني، نشر المنشأة العامة بليبيا، ط٢، ١٣٩١.\n٣٣٢ - المعاجم اللغوية، لعبد الله درويش، نشر المكتبة الفيصلية بمكة، ١٤٠٦.\n٣٣٣ - المعارف، لابن قتيبة، تحقيق: ثروت عكاشة، نشر دار المعارف بالقاهرة.\n٣٣٤ - معالم التنزيل، للبغوي، تحقيق: خالد العك ومروان سرور، نشر دار المعرفة ببيروت، ط٢، ١٤٠٧.\n٣٣٥ - معالم القرآن في عوالم الأكوان، لأحمد محيي الدين العجوز، نشر دار الندوة الجديدة ببيروت، ١٤٠٧.\n٣٣٦ - معاني القرآن، للأخفش، تحقيق: هدى قراعة، نشر مكتبة الخانجي، ط١، ١٤١١.\n٣٣٧ - معاني القرآن، للفراء، تحقيق: محمد علي النجار وأحمد يوسف نجاتي، نشر عالم الكتب ببيروت، ط٣، ١٤٠١.\n٣٣٨ - معاني القرآن وإعرابه، للزجاج، تحقيق: عبد الجليل عبده شلبي، نشر عالم الكتب، ط١، ١٤٠٨.\n٣٣٩ - معجم الأدباء، لياقوت الحموي، نشر دار الفكر، ط٣، ١٤٠٠.\n٣٤٠ - معجم الأمثال العربية القديمة، لعفيف عبد الرحمن، نشر دار العلوم، ط١، ١٤٠٥.\n٣٤١ - معجم البلاغة العربية، لبدوي طبانة، نشر دار المنارة بجدة ودار الرفاعي بالرياض، ط٣، ١٤٠٨.\n٣٤٢ - معجم البلدان، لياقوت الحموي، نشر دار صادر.\n٣٤٣ - معجم الحضارات السامية، تأليف هنري عبودي، نشر مكتبة جروس برس ببيروت، ط٢، ١٤١١\n٣٤٤ - معجم الشعراء الجاهليين، لعزيزة فوال بابتي، نشر جروس برس بطرابلس لبنان، ط١: ١٩٩٨.\n٣٤٥ - معجم الشعراء المخضرمين والأمويين، لعزيزة فوال بابتي، نشر جروس برس بطرابلس لبنان، ط١: ١٩٩٨.\n٣٤٦ - معجم الشعراء من العصر الجاهلي حتى العصر الأموي، لعفيف بن عبد الرحمن، نشر دار المناهل ببيروت، ط١، ١٤١٧.","vol":"1","page":721},{"text":"٣٤٧ - المعجم العربي نشأته وتطوره لحسين نصار، نشر مكتبة مصر، ط٢، ١٩٦٨.\n٣٤٨ - معجم لغات القبائل والأمصار، لجميل سعيد وداود سلوم، مطبعة المجمع العلمي العراقي، ط١، ١٩٨٧.\n٣٤٩ - معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، لأحمد مطلوب، مطبعة المجمع العلمي العراقي، ١٤٠٧.\n٣٥٠ - معجم المعاجم، أحمد الشرقاوي، إقبال، دار المغرب الإسلامي، بيروت، ط١، ١٤٠٧.\n٣٥١ - معجم المفسرين، لعادل نويهض، نشر مؤسسة نويهض للثقافة، ط٣، ١٤٠٩.\n٣٥٢ - المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية، إعداد إميل يعقوب، نشر دار الكتب العلمية ببيروت، ط١، ١٤١٧.\n٣٥٣ - المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، لجمع من المستشرقين.\n٣٥٤ - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، لمحمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار الحديث بالقاهرة، ط٢، ١٤٠٨.\n٣٥٥ - معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، لشمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: بشار عواد معروف وآخرين، نشر مؤسسة الرسالة، ط١، ١٤٠٤.\n٣٥٦ - المعرفة والتاريخ لأبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي، تحقيق: أكرم ضياء العمري، نشر مكتبة الرسالة، ط٢، ١٤٠١.\n٣٥٧ - مفتاح الجنة في الاعتصام بالسنة، للسيوطي، تحقيق: بدر البدر، دار النفائس، الكويت، ١٤١٤.\n٣٥٨ - مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم، لطاش كبري زاده، نشر دار الباز، ط١، ١٤٠٥.\n٣٥٩ - مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان داوودي، نشر دار القلم، ط١، ١٤١٢.\n٣٦٠ - مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: محيي الدين عبد الحميد، نشر مكتبة النهضة المصرية، ط٢، ١٣٨٩.\n٣٦١ - مقاييس اللغة، لابن فارس، تحقيق: عبد السلام هارون، نشر دار الكتب العلمية بإيران.\n٣٦٢ - مقدمة في أصول التفسير، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: عدنان زرزور، نشر دار القرآن الكريم ببيروت، ط٣، ١٣٩٩.","vol":"1","page":722},{"text":"٣٦٣ - الملل والنحل، لمحمد بن عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق، عبد العزيز محمد الوكيل، نشر دار الفكر ببيروت.\n٣٦٤ - من تاريخ الإلحاد، عبد الرحمن بدوي، ط٢، سينا للنشر، القاهرة.\n٣٦٥ - المنتخب من غريب كلام العرب، لأبي الحسن الهنائي المعروف بكراع النمل، تحقيق، محمد أحمد العمري، نشر معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة، ط١، ١٤٠٩.\n٣٦٦ - المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، لابن الجوزي، تحقيق، محمد ومصطفى عطا، نشر دار الكتب العلمية، ط١، ١٤٠٢.\n٣٦٧ - المنجد في اللغة، لأبي الحسن الهنائي، المعروف بكراع النمل، تحقيق: أحمد مختار عمر وضاحي عبد الباقي، نشر عالم الكتب بالقاهرة، ط٢، ١٩٨٨.\n٣٦٨ - المنية والأمل، للقاضي عبد الجبار، جمعه أحمد يحيى مرتضى، تحقيق: عصام الدين محمد علي، نشر دار المعرفة الجامعية بالإسكندرية.\n٣٦٩ - الموافقات للشاطبي، تحقيق: محيي الدين عبد الحميد، مكتبة محمد علي صبيح.\n٣٧٠ - الموسوعة العربية الميسرة، لمجموعة من الباحثين، نشر دار الشعب.\n٣٧١ - موقف ابن تيمية من الأشاعرة، لعبد الرحمن المحمود، نشر دار الرشد، ط١.\n٣٧٢ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال، لمحمد بن أحمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: علي محمد البجاوي، نشر دار المعرفة ببيروت.\n٣٧٣ - الناسخ والمنسوخ، لأبي جعفر النحاس، تحقيق: سليمان اللاحم، نشر مؤسسة الرسالة، ط١،١٤١٢.\n٣٧٤ - النحو وكتب التفسير، لإبراهيم عبد الله رفيدة، نشر الدار الجماهيرية بليبيا، ط٣، ١٩٩٠.\n٣٧٥ - نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر، لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، تحقيق: محمد عبد الكريم كاظم الراضي، نشر مؤسسة الرسالة، ط١، ١٤٠٤.\n٣٧٦ - نزهة الألباء في طبقات الأدباء لأبي البركات ابن الأنباري، تحقيق: إبراهيم السامرائي، نشر مكتبة المنار بالأدرن، ط٣، ١٤٠٥.\n٣٧٧ - النشر في القراءات العشر، لابن الجزري، نشر دار الفكر.","vol":"1","page":723},{"text":"٣٧٨ - النكت في إعجاز القرآن، للرماني، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق: محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام، نشر دار المعارف بمصر.\n٣٧٩ - النكت والعيون، للماوردي، تحقيق: السيد عبد المقصود بن عبد الرحيم. نشر مؤسسة الكتب الثقافية، ط١، ١٤١٢.\n٣٨٠ - النوادر لأبي علي القالي، نشر دار الكتب العلمية، ط١، ١٤١٦.\n٣٨١ - نيل الابتهاج بتطريز الديباج، لأبي العباس أحمد بن أحمد التنبكتي، مطبوع على حاشية الديباج المذهب، نشر دار الكتب العلمية ببيروت.\n٣٨٢ - الهاشميات، ضمن شعر الكميت بن زيد، جمع الدكتور: داود سلوم، دار عالم الكتب، ببيروت، ط٢، ١٤٠٧ - ١٩٩٧.\n٣٨٣ - الوجوه والنظائر في القرآن الكريم /دراسة موازنة، لسليمان بن صالح القرعاوي، نشر مكتبة الرشد، ط١، ١٤١٠.\n٣٨٤ - الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، لهارون بن موسى الأعور، تحقيق: حاتم صالح الضامن، نشر وزارة الثقافة والإعلام ببغداد، ١٤٠٩.\n٣٨٥ - الوسيط في تفسير القرآن المجيد، للواحدي، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وآخرين، نشر مكتبة دار الباز، ط١، ١٤١٥.\n٣٨٦ - وضح البرهان في مشكلات القرآن، لبيان الحق النيسابوري، تحقيق: صفوان داوودي، نشر دار القلم والدار الشامية، ط١، ١٤١٠.\n٣٨٧ - وفيات الأعيان، لابن خلكان، تحقيق: إحسان عباس، نشر دار صادر.","vol":"1","page":724}]}