{"ً":{"ٌ":1408,"ٍ":"أخطاء وأوهام في أضخم مشروع تعسفي لهدم السنة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الدعوة وأحوال المسلمين/أخطاء وأوهام في أضخم مشروع تعسفي لهدم السنة النبوية - المطعني - ط التراث","files":["aaamthsn.pdf"]},"ّ":"الكتاب: أخطاء وأوهام في أضخم مشروع تعسفي لهدم السنة\nالمؤلف: عبد العظيم إبراهيم محمد المطعني (ت ١٤٢٩هـ)\nالناشر: مكتبة وهبة\nالطبعة: الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م\nعدد الصفحات: ٩٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1187,"ٕ":39,"ٖ":1770155528,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقديم","level":1,"page":2},{"title":"(١) الهجوم على السنة قديما وحديثا","level":1,"page":3},{"title":"(٢) كتابة الحديث النبوي","level":1,"page":8},{"title":"(٣) تحرج الصحابة من كتابة الحديث وروايته","level":1,"page":14},{"title":"(٤) الرواية بالمعنى","level":1,"page":19},{"title":"(٥) الخروج عن المنهج العلمي","level":1,"page":24},{"title":"(٦) تحري معاني النصوص","level":1,"page":30},{"title":"(٧) نصوص أخرى حرف معناها","level":1,"page":35},{"title":"(٨) مهمة النبي عند صاحب المشروع","level":1,"page":40},{"title":"(٩) تساؤلات وإجابات","level":1,"page":44},{"title":"(١٠) أدلة الأحكام المتفق عليها","level":1,"page":50},{"title":"(١١) أدلة الأحكام من القرآن","level":1,"page":55},{"title":"(١٢) عرضنا - فيما سبق - وضع، السنة ومكانتها الرفيعة عند علماء الأمة","level":1,"page":60},{"title":"(١٣) الأذان والربا","level":1,"page":66},{"title":"(١٤) صلة السنة بالكتاب","level":1,"page":73},{"title":"(١٥) وقف أحاديث الآحاد","level":1,"page":79},{"title":"(١٦) حديث ضمة القبر","level":1,"page":85},{"title":"(١٧) حديث: إذا أنزل الله بقوم عذابا","level":1,"page":89}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94},"ٜ":{"1":[1,95]},"ٝ":["1,1","1,2","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2],"8":[3],"14":[4],"19":[5],"24":[6],"30":[7],"35":[8],"40":[9],"44":[10],"50":[11],"55":[12],"60":[13],"66":[14],"73":[15],"79":[16],"85":[17],"89":[18]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالكتاب: أخطاء وأوهام في أضخم مشروع تعسفي لهدم السنة\nالمؤلف: د. عبد العظيم إبراهيم محمد المطعني\nالناشر: مكتبة وهبة\nالطبعة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م\nعدد الأجزاء: ١\nتنبيه:\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\nجَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.","vol":"1","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>تقديم</span>\nهذا الكتاب الذي بين يديك عبارة عن مقالات نشرت في جريدة \"عقيدتي\" الأسبوعية التي تصدر عن دار التحرير للطبع والنشر والتوزيع \"الجمهورية\".\nوقد تم نشرها تباعًا فيما بين عامى ١٩٩٦ - ١٩٩٧ م وقد أثرنا نشرها في هذا الكتاب في (سلسلة لا بد من دين الله لدنيا الناس) تلبية لرغبة أبداها بعض الغيورين على دينهم، ولتيسير الإطلاع عليها، نظرًا لخطورة الموضوع الذي تصدت له، والله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين.\nالقاهرة - الظاهر\n١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م\nالمؤلف\nعفا الله عنه","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>(١) الهجوم على السُّنة قديمًا وحديثًا</span>\nتعرضت السنة النبوية الشريفة؛ وهي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد كتاب الله العزيز، لتهجمات، وانتقاضات منذ زمن بعيد.\nوفي العصر الحديث تلقف المبشرون والمستشرقون كرة هذه اللعبة الشيطانية الخبيثة، وطفقوا يقذفونها في كل اتجاه دون إصابة الهدف منها، ثم توقف دورهم بعد طول يأس.\nوانتقلت (اللعبة الماكرة) إلى أيدي فريق من المسلمين، واقتحموا (الخطوط الحمراء)، ورددوا شبهات المبشرين والمستشرقين، منهم من يكتفي بالمقالات السيارة، ومنهم من يؤلف كتبًا، يظهرون في (الملعب) واحدًا إثر آخر.\nوعلى الرغم من زيف أعيرتهم الطائشة في غير وازع من دين أو خلق. وعلى كثرة ما أطلعت عليه من محاولاتهم اليتئسة في هدم السنة، أو التقليل من شأنها، فإنه لم يتفق لي بعد كتاب (أضواء على السنة المحمدية) لأبي رية أن أطلعت على مشروع تعسفي ضخم لهدم السُّنة النبوية والتهجم على علماء الحديث وأئمة الفقه وأصوله وبعض الصحابة من هذا المشروع الذي نتعرض له - هنا - وقد أطلق عليه واضعه اسم (تبصير الأمة بحقيقة السنة) .","vol":"1","page":4},{"text":"هذا المشروع التعسفي الضخم له هدف واحد - وهو: عزل سنة صاحب الدعوة عن الواقع العملي في حياة الأمة. وإبعاد صاحب الدعوة - نفسه - عن أي دور عملي في إطار الرسالة. فهو أشبه ما يكون - في هذا المشروع - بآلة صماء تحمي ما يقال. إنه مجرد \"مبلغ\" أما أقواله، وأفعاله، وتقريراته، فهي \"هوامش\" مزورة مفتراة، وتسجيلها في كتب الحديث أول نكبة حلت بالأمة، فضلت بعد هدى، وأنحرفت بعد استقامة، وتفرقت بعد اجتماع، وضعفت بعد قوة.\nوصاحب المشروع التعسفي الضخم أوتى قوة هائلة على الجدل التحكمي، والحجاج العضلي، والإسهاب العليل، والإسراف في رمي سلف الأمة الصالح بالجهل والغفلة، والكذب والخيانة، وهذا قوله بالحرف الواحد-:\n\"إن الأصل في رواية الحديث كان الكذب والخيانة، وأن الاستثناء من ذلك كان الصدق والأمانة\"!!\nوقال في وصف الحديث النبوي الذي اهتم السلف الصالح بجمعه وحفظه:\n\"وصار للحديث كيان تفصيلي جديد، وإن كان هشًا، حتى دخل في حياة المسلمين كأنه من أساسيات الدين\" وهذا المشروع دعوة إلى أن ترفع الأمة \"سنة خاتم النبيين\" وتضع مكانها هذا \"المشروع التعسفي الضخم\". وتحرق كتب الحديث كلها لتذروها الرياح؛ لأنها كتبت بغير إذن من الشرع، ولأن الذين كتبوها غاب عنهم المنهج العلمي الصحيح؛ فكذبوا على رسول الله - ﷺ -؛ واستخفوا عقول الأمة!!","vol":"1","page":5},{"text":"وقد آن الأوان بعد أربع عشر قرنا عاشتها الأمة الإسلامية في ضلال أن يبصرها \"رجل واحد\" اهتدى إلى المنهج العلمي الصحيح؛ الذي غاب طوال هذه المدة عن مليون عالم من المحدثين، والمفسرين، والأصوليين، والفقهاء!!\nهذه هي خلاصة ما يدعو إليه صاحب هذا المشروع \"العميل\"؟.\nوقد وصفنا هذا المشروع بأنه \"ضخم\" لأن الذي بين أيدينا (الجزء الأول) من ثلاثة أجزاء وعد المؤلف بإنجازها. وقد تجاوزت صفحات الجزء الأول ستمائة صفحة من القطع الكبير، أي أن هذا المشروع من المتوقع أن يبلغ ألفى صفحة أو تزيد، وهذا \"الكم الهائل\" من الصفحات لم يعرف له مثيل في \"موضوعه\".\n* أما أنا \"تعسفي\" فإن منهج المؤلف فيه منهج عضلي هجومي، قائم على الأخطاء الفاحشة، والأوهاوم الطائشة والأكاذيب الماكرة.\nوأكاد أجزم أن كل صفحة لا تخلو من خطأ أو وهم.\nوليأذن لي القارئ الكريم في إغفال اسم المؤلف، والإكتفاء بكشف ما في مشروعه من أخطاء وأوهام، وجرأة غير محمودة على تسفيه علماء الأمة، وبخاصة علماء الحديث - ﵃ - حيث لم يسلم من تسفيه أحد منهم، لا البخاري، ولا مسلم، ولا غيرهما.\nأما \"السُّنة النبوية\" فهي المقصودة بالهدم الكامل، إلا طائفة من الأحاديث تفضل صاحب المشروع التعسفي بالرضا عنها، والسماح لها بالوجود، ولكنه رضا \"زي قلته\" - كما يقول المثل العامي المعروف - لأن صاحب المشروع يسمح لها بالوجود لفظًا؛ أما أن يكون لها دور في حياة المسلم فلا؛ بل وألف لا!","vol":"1","page":6},{"text":"وتسأله عن السبب في هدم السنة فيجيبك على الفور، ومرات متعددة - ويقول:\n\"القرآن وحده يكفي!! ولسنا في حاجة إلى أي شيء غيره!! لا في عقائد، ولا في عبادات، ولا في معاملات، ولا في أي شيء كان\"!!\nووصفنا هذا العمل بأنه: \"مشروع تعسفي ضخم\" لأن صاحبه يدعو الأمة إلى العمل به وطرح ما عداه ليكون لها مصدر تشريعي واحد، هو القرآن؟ ويصف \"المؤلف\" علماء الأمة بالسفة والغفلة، لأنهم كتبوا حديث النبي - ﷺ -، وفي ذلك يقول: \"لو أنهم التزموا منهاج نبيهم - ﷺ - بعدم كتابة الحديث النبوي بأي سبيل\". هذا كلامه - بالحرف الواحد - وهو يدل دلالة قاطعة على مراد مؤلف هذا المشروع، وهو:\nأولًا: هد السنُّة النبوية من الأساس.\nثانيًا: تسفيه علماء الأمة: وفي مقدمتهم علماء الحديث، والفقه \"الذين اعتمدوا تلك الصياغة المزيفة\" - في نظر صاحب المشروع - واتخذوها مصدرًا ثانيًا للتشريع، فحدث للأمة - بسببها - ما حدث من نكبات\"!!\nوبجانب هذا الهدف \"الأم\" من المشروع فتح المؤلف جبهات متعددة، وأطلق صوبها أعيرة صوتية طائشة.\nوقد نبهني بعض الغيورين على الدين إلى وجود هذا المشروع، وأن بعضًا من أئمة المساجد الضعيفي التكوين علميًا، قد تأثروا به؛ وصدقوا ما فيه من ادعاءات. وهذا ما حملنا على مواجهته، وكشف زيفه. تطويقًا للفتنة، مع العلم أننا في هذه المواجهة سنكتفي بما يظهر للناس أوهام هذا المشروع،","vol":"1","page":7},{"text":"وزيفه، وأباطيله، أما أن نتصدى لكل ما فيه؛ فهذا يحتاج إلى صفحات أضعاف ما كتب هو؛ لأن في كل صفحة من المشروع باطلًا يرد عليه.\nوفي المقال الآتي نبدأ بمواجهة أباطيل هذا المشروع - وأولها:\nهل كان جمع الحديث النبوي وكتابته بدعة وضلالة لم يأذن بها الدين؟ وهل كان العمل بالحديث هو سبب النكبة عند المسلمين؟\n* * *","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>(٢) كتابة الحديث النبوي</span>\nأشرنا فيما سبق إلى أن أول خطأ نواجهه في المشروع التعسفي الضخم لهدم السنُّ النبوية، وإقصائها عن المجالات العملية في حياة الأمة، هو إدعاء صاحب المشروع أن كتابة الحديث النبوي وجمعه في كتب الحديث لم يكن مأذونًا فيه شرعًا. بل هو بدعة ضالة حدثت بعد صدر الإسلام الأول (عصر الرسول والخلفاء الراشدين) وأن هذه البدعة هي سبب نكبة المسلمين، وارتدادهم من الهدى إلى الضلال، وأن الأمة لم تكن في حاجة إلى أحاديث رسول الله - ﷺ -.\nولم يتورع صاحب المشروع من وصف ـأحديث النبي - ﷺ - بأنها خرافات! بل قال - بالحرف الواحد -: \"وهكذا يتضح لك كم غيبوا عقول الأمة - يقصد علماء الحديث - وحجبوها عن الحق، وطمسوا أعينها عن النور\"!!\nالخطأ والوهم في هذا الكلام:\nهذا الكلام الذي نقلناه عن صاحب المشروع مبنى على خطأ شنيع، ووهم أوهى من بيت العنكبوت، فقد تصور المؤلف أن هناك عداء حادًا بين القرآن وبين السنُّة. القرآن يقول للسنُّة: إما أنا وإما أنت؟ والسنة تقول للقرآن: إما أنا وإما أنتظ فهما عند صاحب هذا المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية نقيضان لا يجتمعان معًا في حياة الأمة وتوجيهها، ولو لم يكن هذا التصور هو عقيدة صاحب المشروع لما ضاق ذرعًا بمجاورة النة للقرآن.\nوهذا - كما يدرك القارئ - خطأ شنيع، ووهم بالغ، فالقرآن والسنة خيطان في نسيج واحد.","vol":"1","page":9},{"text":"فالقرآن - مثلًا - أعلن كلمة التوحيد مرات عديدة، وحث على الصلاة؛ والزكاة؛ والصيام؛ والحج في آيات متعددات.\nفإذا جاء في الحديث الذي رواه الشيخان عن ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال:\n\"بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان\" يكون بين القرآن والسنة عداء ومخالفة؟! فأين العداء والمخالفة بين القرآن والسنة في هذا الحديث والآيات التي تقرر هذه الدعائم الخمس التي هي أركان الإسلام؟\nهذا مثال. ومثال ثان:\nالقرآن يأمر بأداء الأمانات إلى أ÷لها، فيقول في ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: ٥٨)\nفهل إذا جاء في الحديث النبوي قوله - ﷺ -: \"أدَ الأمانة إلى من إئتمنك، ولا تخن من خانك\" يقال أن بين القرآن وبين السنة نفارًا شديدًا، وأن أحدهما يحل محل الآخر، ومحال أن يجتمعا؟\nومثال ثالث:\nينهى القرآن الحكيم عن الفرار يوم الزحف من مواجهة العدو، فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (الأنفال: آية ١٠)","vol":"1","page":10},{"text":"وجاءت السنة النبوية وعدت التولى يوم الزحف من الكبائر، فهل يكون بينها وبين القرآن اختلاف أم ائتلاف؟\nلقد وهم صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة. فأوقعه وهمه في هذا الخطأ الشنيع. ويقينًا أن هذا عمل عدواني متعمد من صاحب المشروع، ليس منشؤه الجهل بصلة السنة بالكتاب؛ لأننا قد تأكدنا من الإطلاع على الجزء الأول من مشروعه أنه يعلم ما قاله علماء الأمة عن صلة السنة بالكتاب. وهي:\n*سنة شارحة لما في الكتاب من إجمال.\n*وسنة مقررة مؤكدة لما في الكتاب من أوامر ونواه وغيرهما.\n*وسنة مستقلة تقرر أحكامًا، أو تضيف قيدًا لما في القرآن.\nوهذا النوع قليل جدًا، ومأذون فيه للنبي - ﷺ - وسيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى.\nأقول: مع علم صاحب المشروع بهذه الحقائق فقد أصر مئات المرات على رفض السنة، وعد اعتبارها والعمل بها زيادة في الدين. وأتهم السلف الصالح من علماء الأمة بالجها، والغفلة، والكذب على رسول الله - ﷺ -..!!\nالنهي عن كتابة الحديث النبوي:\nومن الشبهات الني أستند إليها صاحب المشروع التعسفي الضخم لهدم السنة النبوية، ما ذهب إليه من أن النبي - ﷺ - نهى الصحابة عن أن يكتبوا عنه شيئًا غير القرآن، وأن الصحابة التزموا بهذا المنهاج حتى نهاية عصر","vol":"1","page":11},{"text":"الخلفاء الراشدين، وكان ذلك هو سبب قوتهم، ولكن حين ابتدع التابعون وتابعوهم بدعة رواية الحديث وكتابته في صحف ومسانيد؛ حدث التحول الخطير من الهدى إلى الضلال -هذا ملخص ما قال.\nدحض هذه الشبهة:\nتمسك صاحب المشروع بشبهة ثانية نشأت عن قصور فهمه وفهم أمثاله لما ورد عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"لا تكتبوا عني، ومن كتب عني شيئًا غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\" رواه مسلم في \"صحيحه\".\nوهذا الحديث لا تنازع في ثبوته، ومع هذا فإنه لا حجة فيه لصاحب المشروع؛ ولا لأمثاله من قبله ومن بعده على أن السنة ليست من الدين، أو أن الأمة ليست بحاجة إليها.\nولو أن صاحب المشروع التعسفي لهدن السنة النبوية تنبه إلى ما ورد في الحديث من الإذن بالتحديث عنه - ﷺ - بلا أدنى حرج، ومن التحذير من الكذب عليه في الرواية، لو فطن إلى هذا لما ساغ له أن يقول حرفًا واحدًا مما قاله في هدم السنة النبوية.\nفالحديث ليس فيه إلا النهي عن الكتابة، أما السماع عنه - ﷺ - ثم تبليغ ما قاله فليس هذا بمحظور، وإنما المحظور هو تعمد الكذب عليه - ﷺ -.\nفكان حريًا بصاحب المشروع أن يفطن إلى هذه \"الخصوصية\"، ثم يبحث عن علة النهي عن الكتابة، مع الإقرار برواية المكتوب.\nوعلماء الحديث الذين رماهم صاحب المشروع بالسفه، والجهل،","vol":"1","page":12},{"text":"والكذب، والخيانة لفت نظرهم النهي عن الكتابة، كما وقفوا على \"الخصوصية\" الدقيقة التي عجز فهم صاحب المشروع عن الوصول إليها، ثم انتهوا إلى غير ما انتهى هو إليه.\nلم يفهموا كما فهم أن السنة \"منكر\" ليست من الدين، ولكنهم فهموا من النهي عن كتابة الحديث في أول الأمر أنه كان خشية أن يختلط نص الحديث بنصوص القرآن التي كان النبي - ﷺ - يأمر بكتابتها فور تلقيها من أمين الوحي جبريل ﵇ - وهذا هو الحق الذي يهدي الله إليه طالبي الحق، كما قال - ﷿ -: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ .\nفالنهي عن كتابة الحديث كان \"سياسة مرحلية\"، الحكمة فيه ما أشرنا إليه نقلًا عن علمائنا الأتقياء، وليس لأن الحديث ليس من الدين، وأن الأمة ليست في حاجة إليه - كما أدعى صاحب المشروع التعسفي.\nومن أقطع الأطلة على ذلك: أن النبي - ﷺ - أمر في مرحلة تالية لمرحلة النهي، أمر بكتابة الحديث عنه لما زال المانع منها وبانت خصائص القرآن وظهرت سماته المميزة له عن كلام البشر.\nفقد أخرج ابن عبد البر في كتابه \"جامع بيان العلم وفضله\": أن عبد الله بن عمر بن العاص كان يكتب كل شيء يسمعه من رسول الله - ﷺ - فقال له بعض الصحابة: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله. ورسول الله - ﷺ - بشر قد يغضب فيقول ما لا يتخذ شرعًا عامًا. فرجع عبد الله بن عمرو إلى رسول الله - ﷺ - وذكر له ذلك فقال له - ﵊ -: \"","vol":"1","page":13},{"text":"أكتب عني، فوالذي نفسي بيده ما خرج من فمي إلا الحق\".\nعلماء الحديث لم يرفضوا الحديث الأول الناهي عن الكتابة، وجمعوا بينه وبين حديث الإذن بالكتابة، فقالوا:\nإن حديث النهي كان أولًا، وحديث الإذن كان ثانيًا. فصار الإذن ناسخًا للنهي. وهذه هي سمة العلماء المخلصين.\nأما صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية فقد تمسك بحديث النهي وأنكر حديث الإذن. وليس هنا من شيم البحث العلمي النزية.\n* * *","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>(٣) تحرج الصحابة من كتابة الحديث وروايته</span>\nومن الشبهات التي تذرع بها صاحب المشروع أن صحابة رسول الله - ﷺ - كانوا يتحرجون من رواية الحديث وكتابته، وأن الخلفاء الراشدين كانوا ينهون حفاظ الحديث عن التحديث به، بل كانوا يزجرون من يكثر من التحديث عنه - ﷺ -. وهذه الشبهه لم ينفرد بها صاحب المشروع بل قال بها غيره.\nدحض هذه الشبهة:\nلا تنازع في أن كثيرًا من صحابة رسول الله - ﷺ - كانوا يتحرجون من رواية الحديث - أي - من ترديده، وأنهم كثيرًا ما كانوا يتثبتون حينما يسمعون حديثًا من أحد الرواة، وليس معنى هذا رفضهم للسنة، أو أنها ليست من الدين، بل كانوا يقفون هذا الموقف حتى يتأكدوا من صحة ما يروى عن النبي - ﷺ -.\nوهذا ظاهر من رواية ذكرها صاحب المشروع من أن أبا بكر الصديق - ﵁ - كان قد جمع أحاديث من غيره في صحيفة، ثم أمر بنته عائشة - ﵂- بحرقها. فقالت له: لم تحرقها؟!! فقال لها: خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد أئتمنته ووثقت به، ولم يكن كما حدثني، فأكون قد نقلت ذلك، وهذا لا يصلح.\nهذه الرواية تدل على حرص الصحابة - رضوان الله عليهم - على التدقيق فيما يروى عن صاحب الدعوة - ﷺ -، وهذه محمدة لهم تبعث في","vol":"1","page":15},{"text":"قلوبنا الإطمئنان بما ينسب عن الثقات إلى رسول الله - ﷺ -.\nأما صاحب المشروع التعسفي لهدم السنُّة النبوية فقد عقل عليها قائلًا:\n\"وحسب المصنف - يعني (نفسه) أن يرى هذه الرواية. . . ويتأمل فيها ليعلم حقيقة الكارثة التي أصابت الخلق - يعني (علماء الحديث) من هذه الأمة بترك منهاج السلف. . الذين لم يقبلوا - ليلة واحدة - أن يبيت أحدهم - يعني (أبا بكر) وعنده بعض الأحاديث المكتوبة. .\".\nثم يقول: \"وهل يمكن لأحد أن يجد بعد هذه الرواية مخرجًا لتبرير وجمع وتدوين الحديث\".\nوغير خاف على القارئ الكريم أن الواقعة في واد وأن ما بناه عليها صاحب المشروع في واد آخر. فأبو بكر أحرق الصحيفة خشية أن يكون فيها حديث لا يصح إسناده إلى الرسول - ﷺ -. وصاحب المشروع عزا سبب إحراقها إلى أن بها أحاديث مكتوبة. وهذا ما يدعو إلى العجب من حال رجل يزعم أنه يسير على منهج بحث علمي دقيق. وكأن الشاعر عناه بقوله الحكيم:\nسارت مشرقة وسرت مغربًا\nشتان بين مشرق ومغرب\nأما شبهة نهي الخلفاء عن الإكثار من التحديث عن رسول الله - ﷺ - التي كانت محفوظة في صدور الرجال، فكان نت الحيطة الاقتصاد في سوقها، وعدم الإسراف في التحديث بها. على أن هناك حقيقة يجب أن نضعها في الاعتبار هي:","vol":"1","page":16},{"text":"أن كراهة كثرة التحديث في عصر الخلفاء لم تكن شاملة لكل الأحاديث، بل كانت مقصورة على أحاديث الرخُص خشية أن يركن إليها الناس ويتركوا أحاديث العزائم.\nكذلك كانوا يكرهون ذكر الأحاديث التي قد يكون فيها \"مشكلات\" يصعب فهمها على عامة الناس. وقد اعتنى علماء الحديث من بعد بهذا النوع وعالجوه علاجًا علميًا جيدًا، مثل \"مشكل الآثار\" للطحاوي، و\"تأويل مختلف الحديث\" لابن قتيبة.\nهذا النوعان هما اللذان كانا موضع كراهة الإكثار منهما.\nأما أحاديث العمل والأحكام الفقهية وكل ما يتعلق بأعمال المكلفين إيجابًا وحظرًا، فهذه لم تكن محظروة ولا منهيًا عنها.\nوهذا ما غفل عنه، أو تغافل عنه دعاة هدم السنة النبوية ومنهم صاحب هذا المشروع التعسفي.\nثم من أين علم صاحب المشروع أن الخلف انحرفوا عن منهج السلف في رواية الحديث وتدوينه؟ مع أنهم - في حقيقة الأمر - ساروا على المنهج نفسه. ووضعوا ضوابط دقيقة لمن تقبل روايته ولمن ترد روايته. وفحصوا أحوال الرواة فحصًا دقيقًا، وصنفوهم طبقات على حسب سرتهم، ووضعوا درجات لكل طبقة - مثل: \"ثقة - صدوق - مقبول - مردود.... إلخ\"، وإذا روى الحديث عن ثقات وكان في سلسلة الرواة من ليس \"ثقة\" حكموا على الحديث بحكم يليق به من الضعف وغيره، وصنفوا الأحاديث أصنافًا ثلاثة: صحيح، وحسن، وضعيف.","vol":"1","page":17},{"text":"كما وضعوا لسند الحديث ومتنه ضوابط حكيمة من خلالها نستطيع أن نحكم على الحديث بالقبول أو الرد.\nوكان جُماع الحديث يشدون الرحال - أحيانًا - ويقطعون آلاف الأميال طلبًا لسماع حديث واحد من راويه.\nومن العجيب أن صاحب المشروع يعرف ذلك كله، وقد استفاد منه كثيرًا في مشروعه، ومع هذا ينكر فضل علماء الحديث، ويرميهم بكل نقيصة، ويتوعدهم بالويل والثبور وعظائم الزمور؟ ولولا جهود علماء الحديث وثروتهم العلمية لضمر الجزء الأول من مشروعه \"الوارم\" إلى عُشر ما هو علية.\nوعلى عكس ما يرمى به صاحب المشروع علماء الحديث من الخلف - بعد عصر الخلفاء الراشدين -، فإننا نقول بكل ثقة.\n\"إن أحاديث رسوا الله - ﷺ - نالت من العناية والاهتمام والتمحيص على أيدي هؤلاء العلماء الأفذاذ ما لم تحظى به في عصر سابق أو لاحق\".\nوبخاصة حين ظهر الوضع والإفتراء في الحديث بعد عصر الخلفاء، فقيض الله جل وعلا لسنة رسوله - ﷺ - جيشًا جرارًا من العلماء الأتقياء الأبرار وجمعوا ما صح وما حسن من الأحاديث بسندها ومتنها بمختلف طرقها، ونصوا على أسباب الصحة والحسن فيها.\nكما جمعوا الأحاديث الضعيفة وبينوا أسباب ضعفها، ثم جمعوا ما شاع من أحاديث مكذوبة ونصوا على أسباب وضعها.\nوفي منهج الإمام البخاري ما يدحض إفتراءات صاحب المشروع على علماء الخلف - ﵃ -.","vol":"1","page":18},{"text":"فقد توخى الإمام البخاري في \"جامعه الصحيح\" الروية والأناة، حيث صنفه في ستة عشر عامًا وقد جمع فيه تسعة آلاف واثنين وثمانين حديثًا (بالمكرر) وفي ذلك يقول:\n\"أخرجت هذا الكتاب - يعني (الجامع الصحيح) . . . من نحو ستمائة ألف حديث، وصنفته في ست عشرة سنة، وجعلته بيني وبين الله\" وهذا يدل على حرصه الشديد على أنه لا يكتب في \"صحيحه\" حديثًا إلا بعد التحري عنه والتثبت منه، فكان يدون كل يوم حديثين فقط، وقد عهد على نفسه أن يتوضأ ويصلي ركعتين بنية الإستخارة لكل حديث - يقول:\n\"ما وضعت في الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين\" فإذا شرح الله صدره للحديث المستخار من أجله كتبه، وإلا فلا، فأين التساهل في النقل عن رسول الله - ﷺ - عند هؤلاء الأتقياء البررة.\nإن من علامات الساعة الصغرى: \"أن يسب أخر الأمة أولها\".\nنبرأ إلى الله - سبجانه وتعالى - من هذا السلوك الطائش.\n* * *","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>(٤) الرواية بالمعنى</span>\nمن الشبهات التي أثارها صاحب المشروع، متابعًا في إثارتها غيره من خصم السنة - قديمًا - والمبشرين والمستشرقين - حديثًا -، مثل المستشرق اليهودي المجري: جولد تسيهر. عدو السنة الألد. ومحمود أبو رية صاحب كتاب: \"أضواء على السنة المحمدية\". من تلك الشبهات شبهة أن الأصل في رواية الحديث النبوي كانت بالمعنى لا باللفظ، - يعني - أن راوي الحديث كان بعد سماعه الحديث من رسول الله - ﷺ - كان يردده بألفاظ من عنده لا بالألفاظ التي سمعها. وهي شبهة قديمة - كما تقدم -، وقد تصدى لها علماء الحديث وكشفوا عن زيفها.\nيقول صاحب المشروع التعسفي لهدم السٌنة النبوية:\n\"إن الرواية بالمعنى كانت هي الأصل بالفعل عند السابقين، ولكن علماء الحديث ظلوا يخففون من ثقل هذه الحيقيقة على العقول، حتى لا يفزع الناس من تلقي أحكام تقال في الدين عبر أجيال متلاحقة بطريق الرواية بالمعنى، حتى أن الإمام الشافعي جعل ذلك أصلًا من الأصول الشرعية التي لا ينبغي أن يفزع الناس منها\".\nوقد رتب صاحب المشروع على هذا الأصل الذي أدعاه؛ وهو رواية الحديث بالمعنى أمورًا، منها:\n* أن ما اشتملت عليه كتب الحديث من أقوال منسوبة إلى","vol":"1","page":20},{"text":"رسول الله - ﷺ - هي ليست أقواله: وإنما هي أقوال رجال يخطئون ويصيبون ولا يوثوق بهم؟!.\n* أن الأحكام التي تُفْهم من هذه الأقوال إنما هي آراء أولئك الرجال، وليست أحاكًا شرعية؟!.\n* أن رجال الحديث خدعوا الأمة طوال أربعة عشر قرنًا، وأوهموها بأن الأحاديث هي من كلام رسول الله، وهي ليست من كلامه، ولم يصرحوا للأمة بحقيقة الأمر لئلا تفزع من تلك الحقيقة؟!\n* وأن الإمام الشافعي له ضلع في تلك الجرائم، وكذلك أئمة المذاهب الفقهية الأخرى؛ حيث جعلوا تلك الأحاديث المزورة أصلًا ثانيًا من أصول التشريع؟!.\nهذا ما يسعى إليه صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية؛ حيث يروج في مشروعه الخبيث التشكيك في السنة جملة وتفضيلًا، وهو يزعم أنه حامل مشعل التبصير، ورائد المنهج العلمي الصحيح، الذي جهله أو تجاهله حماة السنة وعلماؤها الأفذاذ؟!.\nدحض هذه الافتراءات:\nالصواب الذي لا محيد عنه أن الأصل المجمع عليه في رواية الحديث أن روايته كانت بالألفاظ لا بالمعاني؛ كما زعم صاحب المشروع - ناعقًا بما نعق به أمثاله من قبل.\nأما رواية الحديث بالمعنى فهو موضع حرج شديد عند الرواة، وهم جميعًا","vol":"1","page":21},{"text":"من أصحاب رسول الله - ﷺ -؛ لأنهم هم وحدهم الذين روَوا ونقلوا ما سمعوه منه، ولم يشاركهم في ذلك أحد.\nأما التلبعون فهم الذين سمعوا الحديث من أصحابه، والصحابة مشهود لهم بالعدل والاستقامة بصريح القرآن في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]\nوكذلك التابعون في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]\nوفي الحديث الصحيح: \"خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم\".\nوعن هؤلاء البررة الكرام وصل إلينا كتاب الله العزيز، وعنهم أخذنا السنة النبوية الطاهرة، فهل يقع في وًهْم واهم - غير صاحب المشروع - أن هؤلاء الصفوة من الأصحاب، ثم التابعين يتهاونون في النقل عن رسول الله - ﷺ - ويزورون أحاديثه!!\nومن الذي قاوم ظاهرة وضع الحديث ووقف لها بالمرصاد إلا التابعون الذين رماهم صاحب المشروع بالسفة والكذب على رسول الله - ﷺ - والتغرير بالأمة، وخداعهم إياها. والراوية بالمعنى التي استسمن صاحب","vol":"1","page":22},{"text":"المشروع ورمها، واتخذ منها وسيلة لهدم السنة، لم تقع بالصورة التي زعم أنها شملت الأحاديق كلها؛ بل إن الثابت أنها كانت ضرورة، أو رخصة في أضيق الحدود إذا اضطر الراوي إليها. وأنها كانت تقع في بعض الألفاظ - أحيانًا - مثل وضع كلمة مكان أخرى يؤدي معناها، أو في أداة من أدوات العطف. وأنها لم تقع تعمدًا ولا اختيارًا، بل إذا نسى الراوي لفظًا في حديث يسوقه للاستشهاد به على أمر. وأنها كانت تقع في الراوية الشفيهة العابرة لا في تدوين الحديث وكتابته، وأن من كان يروى أمرًا بالمعنى كان ينبه إلى تلك الراوية حتى لا يفهم السامع أنها من كلام النبي - ﵊.\nوهذا كله كان في القرن الأول قبل تدوين الحديث، فلما أستقر تدوين الحديث بلفظه ومعناه منع العلماء روايته بالمعنى.\nقال الماوردي: \"إذا نسى اللفظ جاز - يعني (الرواية بالمعنى) - لا سيما أن تركه قد يكون كتمانًا للأحكام، فإن لم ينسه لم يجز أن يورده بغيره؛ لأن في كلامه - ﷺ - من الفصاحة ما ليس في غيره\".\nوقال السيوطى عن الصحابة إذا روَوْا بالمعنى:\n\"وكان أصحاب رسول الله - ﷺ - إذا اضطروا إلى الرواية بالمعنى، أو شكوا في اللفظ النبوي، أو في بعضه، أوردوا عقب الحديث لفظًا يفيد التصون والتحوط، وهم أعلم الناس بمعاني الكلام، لعلمهم بما في الرواية بالمعنى من الخطر، - يعني - أن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا إذا روَوْا شيئًا من حديث رسول الله - ﷺ - بالمعنى - اضطرارًا لا اختيارًا - نبهوا بعد الفراغ من سوق الحديث إلى ما رووه منه بالمعنى. ولهذا التنبيه قائدتان:","vol":"1","page":23},{"text":"الأولي: دفع اعتقاد السامع أن اللفظ المروي بالمعنى من كلام الرسول - ﷺ -.\nالثانية: الحث على التثبيت عند تدوين الحديث من اللفظ النبوي الذي عبر عنه بلفظ أخر يؤدي معناه.\nكل هذه الحقائق الثوابت جهلها أو تجاهلها صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية. فهل إذا أساء به الظن قراء مشروعه يكونون قد تجاوزوا الحقيقة؟\nإن كلامه الذي نقلنا بعضًا منه دعوة صريحة وملحة إلى التشكيك في كل ما رواه حتى الثقات عن رسول الله - ﷺ -. وكفى بذلك هدمًا للسنة النبوية: مع ما لها في حياة المجتمعات الإسلامية من رسوخ؛ وسعة توجيه في عظائم الأمور ودقائقها.\nويضيف إلى هذه الشبهة شبهة أخرى واهية؛ وهي أن علماء اللغة رفضوا الاستشهاد بالأحاديث لشكهم فيها؟!\nوهذا غير مسلم على إطلاقه. فالذي تحرج من الاستشهاد بها نقرمنهم، والجمهور على خلافهم، ومن يطلع - ولو عابرًا - على كتب النحو، والصرف، ومعاجم اللغة، وفقه اللغة يجد المئات من الأحاديث التي أوردها اللغويون في مصنفاتهم. ولولا خشية الإطالة لذكرنا بعضًا منها.\nولو فرضنا جدلًا أن هذا موقف اللغويين جميعًا - لا سمح الله - فإنه يكون موقفًا شاذًا لا تأثير على سلامه السنة من التزوير، وعلماء الحديث - بلا نزاع - كانوا أكثر ضبطًا، وأحكام مناهج، وأشد احتياطًا من علماء اللغة في تمحيص الرواية، والتمييز بين صحيحها وعليلها.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>(٥) الخروج عن المنهج العلمي</span>\nمن يزعم أن ينتهج المنهج العلمي الصحيح في موضوع ما من موضوعات البحث والدارسة، فإن عليه أولًا: أن يحدد سمات ذلك المنهج، وعليه ثانيًا: أن يلتزمه بكل حرص في أثناء العمل، وأن ينحى عواطفه وأهواءه جانبًا، وعليه ثالثًا: أن لا يزن بميزانين، ولا يكيل بمعيارين؛ بل يحكم المنهج العلمي الذي ارتضاه بغية الوصول إلى \"نتائج\" سليمة.\nوهذا ما لم نره عند صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية، ولخروجه عن المنهج العلمي الذي يقره العقلاء والعلاماء. ولهذا الخروج عند صاحب المشروع صور عديدة. تعرى مشروعه \"العاري\" بالطبع عَّريًا بعد عُرى، وهذه \"الخروجات\" تنسف مشروعه \"المنسوف\" بطبعه نسفًا بعد نسف.\nولكي يطمئن القارئ إلى صحة ما نقول، نضع بين ناظرية بعض الأمثلة:\n\"الكتابة\" لا..... \"الحفظ\" نعم!:\nتقدم لنا صاحب المشروع رافض كل الرفض لكتابة الحديث النبوي في مصنفات أيًا كانت: مسانيد، أو صحاحًا، أو جوامع، أو سننا. وحكم بأن تدوين الأحاديث في كتب بدعة ضالة أحلت الأمة دار البوار. وكم كان طرويا نشوان بالرواية التي ذكرها عن أبي بكر - ﵁ - حين أمر بإحراق","vol":"1","page":25},{"text":"صحيفة كان قد كتب فيها بعض أحاديث رسول الله - ﷺ -. وعلل صاحب المشروع - كما تقدم - إحراقها بأنها كانت بها أحاديث مكتوبة!\nهذا موقفه من كتابة الحديث النبوي.\nونريد - الآن - أن نسأل سؤالًا، ثم نجيب عليه نحن معًا - الكاتب والقراء -، ثم ندع الإجابة إلى أن تعود إليها في وقتها.\nالسؤال: ما المقصود من كتابة أي شيء؟\nالجواب: هو الحفظ، والتوثيق ليكون المكتوب موجودًا إذا نسيته الذاكرة هذا ما يقصده العقلاء من كتابة أي شيء، فالكتابة إذن هي: تدويم الحفظ واستمراره.\nوقد عرفناه أن صاحب المشروع يقول بالنسبة للحديث النبوي: \"الكتابة\" لا، أما \"الحفظ\" عن ظهر قلب أي حفظ الحديث النبوي والتحديث به، فلا مانع منه عند صاحب المشروع.\nوأغلب الظن أن صاحب المشروع أررااد أن يملص من مواجهة معارضيه الذين يقرون بكتابة الحديث والتحديث به، ويرووت في ذلك أحاديث عن صاحب الدعوة أمر فيها برواية الحديث عنه وتحديث الناس بها، شريطة أن يتحروا الصدق في تحمل الحديث عنه، وتبليغ الناس به، مثل قوله - ﷺ - \".... وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\".\nوقوله - ﷺ -: \"نضَّر الله أمرًا سمع مني شيئًا فبلغه كما سمع، فرب مبلغ أوعى من سامع\".","vol":"1","page":26},{"text":"وقوله - ﷺ -: \"نضَّر الله أمرًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه، فرب مبلغ أحفظ له من سامع\".\nهذه الأحاديث ذكرها صاحب المشروع، ثم قصر دلالتها على الحفظ في الصدور، والتبليغ الشفهي لا غير، دون الكتابة، والتدوين، والتوثيق.\nثم أضاف إليها حديثًا أخرجه البخاري في \"صحيحه\" نصه: \"ليبلغ الشاهد الغائب؛ فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه\".\nثم يعلق صاحب المشروع على هذه الأحاديث فيقول:\n\" ... وهذا يوضح تمام الوضوح؛ أن المراد هو الحفظ الذي يصلالناس منه إلى ما يعينهم على فهم الآيات الكريمة، وتعديل الأيام فيه [؟!] فتثبت وتنفى، وترفع وتخفض؛ بحيث لا يبقى بجانب القرآن الكريم إلا ما يصلح بالفعل - بحكم الواقع والمدارسة الواعية - لما يقال من روايات، له أن يبقى معه - أي مع القرآن - دون أدنى تكلف ... \"!!\nتأمل هذا الكلام تجده ملئيًا بالأوهام والدسائس الشنيعة، فمثلًا: من أين فهم صاحب المشروع أن هذه الأحاديث تمنع من كتابة السنة وتدوينها وتوثيقها؟\nثم أليس توثيق كتابة الحديث مثل حفظه ذهنيًا؟ بل هو وسيلة ذان شأن عظيم في الإعانة على الحفظ الذهني والتثبت إذا اعترى الذاكرة سهو، أو نسيان، أو شك، أو اختلاط.\nوعلى أي أساس علمي صحيح فرق صاحب المشروع بين الحفظ الذهني والحفظ التدويني؟","vol":"1","page":27},{"text":"وإذا غضضنا الطرف عن هذه المغالطات؟ فإنا نقف أمام عبارة صاحب المشروع:\n\"وتُعدل الأيام فيه\" يعني - في الحديث الذي أمر رسول الله - ﷺ - بحفظه ذهنيًا، وتبليغه شفهيًا.\n\"فثبت وتنفى، وترفع وتخفض. . .\" هذا هو تعديل الأيام في الحديث المحفوظ.\nولنا أن نتساءل - مع القارئ -: أليس هذا الكلام دعوة صريحة لتحريف السنة المحفوظة؟ تحريف بالإثبات مرة، وبالحذف مرة، وهذا عدوان على \"سنة رسول الله - ﷺ - يود صاحب المشروع لو كان قد حدث.\nثم تحريف أخر في نطق الفاظ الحديث نطقًا بغير معناها. لا مناص من هذا الفهم الذي فهمناه، وهذا يفسر لنا لماذا كره صاحب المشروع كتابة الحديث وتدوينه في مجلدات، لأن كتابة الحديث تحميه من التحريف بكل صوره، سواء ان تحريفًا بالنقص، أو تحريفًا بالزيادة، أو تحريفًا باللحن في الضبط النحوي والصرفي.\nأما لو ظل الحديث غير مكتوب، فإنه يتعرض لعوامل التعرية والقرض، والمحو، والتغيير، والتبديل.\nوالكلام الذي نقلناه عن صاحب المشروع - آنفًا - له نظير آخر يقول فيه بالحرف:\n\"ومنه نرى أن السنة لم يكن لها لتكتب بأي حال من الأحوال ... \"","vol":"1","page":28},{"text":"وقال أيضًا:\n\"وبذلك نرى أن كل الأحاديث الواردة في هذا الشأن بصريح اللفظ إنما جاءت بصيغة تدل على كون المراد من رواية الحديث - أصلًا وفرغًا - إنما هو البلاغ الشفهي، الذي يقوم كبيان توضيحي يأخذ منه الناس بقدر ما يحفظون، وتبقى النصوص القرآنية مقدمة كما أنزلت\".\nصاحب المشروع التعسفي مُصِرٌ كل الإصرار على أن كتابة السنة كانت خطأ ويوضح - هنا - سرًا جديدًا لم يعرفه أحد من قبل. ذلك السر هو:\nأن كتابة أي شيء معناه: التقديس. والتقديس لا يكون لكلام إلا للقرآن وحده، فكان ينبغي عدم كتابة السنة لئلا تنطبق عليها خصائص التقديس بمجرد أن تكتب\"؟!\nالناس - عامتهم وخاصتهم - يعلمون أن سمات التقديس وخصائصه لها اعتبارات معلومة، وليس منها الكتابة، وأن المقدس مقدس كتب أو لم يكتب، وأن غير المقدسيظل غير مقدس كتب أو لم يكتب. هذا هو ما يعرفه الناس علماء وغير علماء.\nولكن صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية، وهو في الوقت نفسه صاحب المنهاج العلمي الوحيد في تمحيص السنة وعلوم الأولين والآخرين، يفاجئ القراء بمنهج علمي فذ منقطع النظير:\n* يفرق بين المتساويين كما فرق بين الحفظ الذهني والحفظ التوثيقي، وكلاهما يعاضد الآخر.","vol":"1","page":29},{"text":"* ثم يضيف إلى مصطلحات العلوم والفنون؛ مصطلحًا جديدًا مبتكرًا لا علم لأحد به:\nفالكتابة هي مصدر التقديس، وما لا يكتب لا قدسية له.\nوبناءً على هذا المصطلح فإن خمريات امرئ القيس، وأبي نواس نصوص مقدسة. ولماذا؟ لأنها نصوص مكتوبة. هذا هو المنهج العلمي الصحيح الواعي الذي يستخدمه صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية؟!\n* * *","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>(٦) تحري معاني النصوص</span>\nفي إطار التعسف العضلى الذي يسود ما لدينا من أعمال المشروع الذي نكشف زيفه في هذه العجالات، نرى صاحبه يعمد إلى نصوص من القرآن، ومن السنة ويتعسف في إخضاعها لمراده الكريه، وهدمه للسنة الشريفة، وهو يزعم بين الحين والحين أنه ينهج نهجًا علميًا صحيحًا مائة في المائة.\nولكي يشاركنا القارئ في الحكم على المنهج الذي سلكه صاحب المشروع، وبيان عوره، نسوق المثال الآتي:\nالمثال: هو قوله تعالى:\n﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران الآية ١٤٤ - ١٤٥]\nهاتان الآيتان نزلتا عقيب غزوة أحد، تنكر على من فر من المسلمين من ميدان القتال، متأثرًا بالشائعة التي أطلقت والقتال دائر. بأن محمدًا قتل في المعركة، فنزلت الآيتان تنعيان على الذين تأثروا بالشائعة ولاذوا بالفرار. موضحتين أن محمدًا - ﷺ - بشر ورسول، وهو لابد أن يموت كما مات من قبله من الرسل - ﵈ - وقوله تعالى في الآية الأولى:","vol":"1","page":31},{"text":"﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ تمثيل رائع لما حدث منهم فروا من ميدان القتال، حتى لكأنهم سقطوا فعلًا على أقفائهم هاوين إلى الأرض هربًا من الموت، والموت الذي لا يقربه صمود، ولا يدفعه هروب.\nهذه مجمل معنى الآيتين، ولكن صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية، طبق منهاجه العلمي العجيب فاستخراج لنا من الآيتين معنى غريبًا كل الغرابة، لا يتصوره من الآيتين جن أو إنس ولا ملك!؟\nالمعنى الذي استخرجه صاحب المشروع\nهل تتصور عزيزي القارء أن صاحب المشروع فهم من قول الله تعالى: ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أن المراد: كتابة السنو النبوية، وتدوين الأحاديث، وإشراكها مع القرآن في هداية الأمة!!! وأن هذا تحويل خطير، ونكسة أشار إليها القرآن، وأنها ستحدث بعد موت النبي - ﷺ -؟!\nولكي يطمئن القارئ إلى صحة ما نقول نسرد عليه بعضًا من أقوال صاحب المشروع في معنى الآيتين:\nصاحب المشروع يجزم بأن من التحول الخطير في أوضاع الأمة بعد وفاة النبي، وانقضاء عهد الخلفاء الراشدين؛ هو بدعة كتابة الحديث النبوي، وجعله مصدرًا من مصادر التشريع الإسلامي، وفي ذلك يقول:\n\"وهكذا كان الأمر ... وفي غفلة من التحقيق العلمي القاطع، ونشوة من التقليد \"الظني الذائع، قام للحديث المروي عن النبي - ﷺ - كيان، وأصبح له مكانه طارئة بجانب قدسية القرآن الكريم\".","vol":"1","page":32},{"text":"\"وهو وضع شاذ؛ لأن الأمر لم يكن كذلك أيام النبي - ﷺ -، ولا أيام صحابته الأفاضل ولا أيام الخلفاء الراشدين على وجه الخصوص، حيث اكتفت هذه العصور بالقرآن الكريم دستورًا أوحد، لا يشركه أي شيء أخر على الإطلاق\"!\nويقول: \"وهكذا ذاع الأمر، وشيئًا فشيئًا تتابع عليه الأئمة الأربعة. وعلماء كثيرون من بعدهم.... كأنما أمرهم بذلك القرآن الكريم ... وكل ذلك ليس له وجود بأي حال من الأحوال\"!\nويقول في الحديث عن الفقهاء، والأصوليين، وعلماء الحديث: \"قد حاولوا تضليل عوام الأمة بصرفهم عن الحقيقة بأقوال هشة، وآراء واهية، وروايات فاسدة - يعني أحاديث النبي جملة - جعلت الكثير منهم - أي من عوام الأمة - يلتبس عليهم أمرهم - أي أمر علماء الحديث، والفقه، والأصول، - حتى ظنوا بدين الله غير الحق، ووهموا في أحكام الشريعة البينة، فحسبوا أن التقرب إلى الله يكون باتباع الكتاب والحديث معًا، وهو زيادة على الحق، ودعوى بغير دليل، وافتراء على الله رب العالمين\"!!\n* تعقيب:\nصاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية، أفصح عن مراده من هذا المشروع في هذه الأقوال التي نقلناها عنه، أفصح عن مراده بكل وضوح حيث عدَّ كتابة الحديث نوعًا من التحول الخطير الذي حدث بعد وفاة النبي، وهو التحول الذي حذرت منه - على حد قوله - أيتا آل عمران السابقتان، وحيث جعل اتباع الحديث النبوي مع القرآن زيادة","vol":"1","page":33},{"text":"في الدين، ودعوى بغير دليل، وافتراء على الله رب العالمين.\nوهنا نقول: إن هذا المشروع التعسفي، وإن كان الظاهر منه هو هدم السنة النبوية، فإنه في الواقع مشروع لهدم الإسلام كله. ذلك لأننا بمقتضى هذا المشروع - إذا أصابتنا لوثته - ينبغي أن نبادر فوراُ إلى:\nأولًا: إحراق كل كتب الحديث، وفي مقدمتها: كتب البخاري، ومسلم، والترمذي، وأبي داود، وابن حبان، وابن ماجه، وأحمد، والدارمي، وابن خزيمة، والنسائي، والدارقطنى.... إلخ. ثم نحرق شروح هذه الكتب، وما أكثرها.\nثانيًا: إحراق كتب أصول الفقه، وفي مقدمتها \"الرسالة\" للإمام الشافعي، و\"البرهان\" لإمام الحرمين الجويني، و\"المحصول\" للرازي، و\"المستصفى\" للغزالي، و\"البحر المحيط\" للزركشي، و\"الأحكام\" للآمدى، ونظيره لابن حزم ... إلخ.\nثالثًا: إحراق كتب الفقه، وفي مقدمتها: كتاب \"الأم\" للإمام الشافعي، و\"الموطأ\" للإمام مالك، ثم \"المدونه الكبرى\" له أيضًا، و\"المغنى\" لابن قدامة، و\"بدايع الصنائع\" للكاسانى، ثم كل ما يتعلق بالفقه الإسلامي مما لا حصر له.\nوالسبب - كما يوضح صاحب المشروع التعسفي - أن هذه الكتب ونظائرها إما قائمة على الحديث النبوي وحده، وهو ليس من الدين في شيء أو أشركت الحديث مع القرآن.!!\nويترتب على هذا - لا قدر الله - هدم أركان الإسلام، فلا ندري كيف","vol":"1","page":34},{"text":"نجمع بين الشهادتين، ولا ندري كيف نصلي، ولا كيف نزكي، ولا كيف نؤدي الصيام صحيحًا، ولا كيف نحج ولا نعتمر، ثم تنهدم معالم المعاملات من بيع وشراء، ورهن وحواله، ووكالة وسلم، ومزارعة، ومساقاة، وجعل، وعقود زواج،. . . . إلخ\nثم تصبح الأمة في أمس الحاجة إلى رسول جديد يبين لها ما أنزل الله في كتابه. ولكن بشرط أن نأمن من ظهور مشروع تعسفي أخر يحكم على الرسول الجديد بمثل ما حكم به هذا المشروع على هدم سنة خاتم النبيين - ﷺ - وسبحان الله القائل في محكم كتابه الخاتم:\n﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: الآية ٧١]\n* * *","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>(٧) نصوص أخرى حُرِّف معناها</span>\nيخطو صاحب المشروع خطوة تعسفية أخرى في هدم السنة النبوية، فيسرق نصوصًا وَهِمَ كل الوهم في فهمها إن كان فعلًا صاحب منهج علمي صحيح - كما يدعي، أو خاب كل الخيبة في الاستدلال بها على صحة دعواه بأن \"الأحاديث المدونة في كتب الصحاح، والمسانيد، والجوامع، والسنن، مكذوبة على رسول الله - ﷺ -....\"!!\nونذكر للقارئ بعض الأمثلة على \"جهل صاحب المشروع الموضوع لهدم السنة النبوية\" فضحًا لسوء فهمه، وشناعة عدوانه على مصدر تشريعي ذي شأن عظيم في الإسلام.\n* فمثلًا: هو يدعي أن القرآن - وحده - يكفي الأمة في الالتزام بطاعة الله في العقائد، والعبادات، والمعاملات، وكل ما يتصل بالعلاقة بين الخالق والمخلوق، وبين الخلق بعضهم ببعض....إلخ.\nأما السنة كلها أقوالًا، وأفعالًا، وتقريرات، فلا حاجة إليها في حياة المسلمين أفرادًا، وجماعات.\nهذه هي الدعوى، فبم استدل صاحب المشروع عليها؟ هو في الواقع حاطب ليل، يقبض بيده على \"الثعبان\" يحسبه \"خشبة\"، وعلى \"العقرب\" يحسبها \"ثمرة\"! فأنظر معي في هذا الدليل الذي ذكره:","vol":"1","page":36},{"text":"﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]\nهذه الآية أحد أدلته على اعتماد القرآن وحده في كفاية الأمة في مجال التشريع كله، والهداية كلها.\nونقول: إن الآية الكريمة في واد، وفهم صاحب المشروع في واد آخر!\nفتعال ننظر معًا في الآيات التي سبقت هذه الآية في نفس السورة؟\n﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨: ٥١]\nالمقام الذي وردت فيه هذه الايات هو مقام الحديث عن معجزة صاحب الرسالة - ﷺ - وهي \"القرآن\" بلا نزاع، ومع أن القرآن كان معروفًا للمشركين، وهم مقرون بأنه \"طراز فريد من البيان\". ومع هذا كانوا يتطلعون إلى معجزة غير القرآن تثبت بها صحة الرسالة، فرد الله عليهم هذا الإسراف في العناد، وأشار إلى أن القرآن وحده كاف في إثبات صدق الرسالة: يعني - أن القرآن في مجال الإعجاز هو وحده معجزة كبرى، فكان حريًا بهم - لو كانوا طالبي حق - أن يعتمدوه معجزة تفوق كل المعجزات\".","vol":"1","page":37},{"text":"هذا هو المقصود من الآية، أما صاحب المشروع قد جهل أو تجاهل هذا المعنى الواضح وضوح الشمس في رائعة النهار، وحرف معنى الآية وجعلها في غير مقامها الذي وردت فيه، ليضلل من يستطيع من قراء مشروعه بأن المسلمين لا حاجة بهم إلى أحاديث رسول الله - ﷺ -؛ لأن القرآن وحده يكفيهم!!\n* مقال ثان ساقه مع تحريف معناه:\nهو حديث رواه الشيخان: أن النبي - ﷺ - قال\" \"ليردنَّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم - يعني: يوم القيامة - فأقوم: إنهم مني؟!. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًاسحقًا لمن غير بعدي\".\nاستدل صاحي المشروع بهذا الحديث على أن الزيادة أو التغير الذي حدث بعد موت النبي - ﷺ - وبسببه حيل بين النبي يوم القيامة وبين الذين زادوا وغيروا؟ هو أمرآن:\nالأول: رواية أحاديث النبي - ﷺ - وتدوينها.\nالثاني: اعتماد السنة مصدرًا ثانيًا في التشريع بعد القرآن.\nمع أن المسلمين ليسوا بحاجة إليها لا من قريب ولا من بعيد!! وهذا الذي زعمه صاحب المشروع \"رجس من عمل الشيطان\".\nولو كان الأمر كما قال - وما أكذب ما قال - لكان جميع أصحاب رسول الله - ﷺ -، وجميع التابعين، وتابعيهم، وتابعي تابعيهم، مغضوبًا عليهم من الله، ومدعوا عليهم بالهلاك من الرسول نفسه؛ \"سحقًا سحقًا لمن غير بعدب\" لأن رجال القرون الثلاثة الأولى هم الذين رووا للأجيال سنة رسول الله - ﷺ - وهم الذين جمعوها في الكتب، وهم الذين دافعوا عنها ونقوها من الشوائب.","vol":"1","page":38},{"text":"ولن يقف الأمر عند هذا الحد، بل سيدخل في الغضب الإلهي وفي دعاء النبي - ﷺ - بالهلاك، جميع علماء الأمة من بعد الصحابة، والتابعين، بجميع طبقاتهم، وجميع الذين اقتدوا بالأحاديث النبوية مع القرآن!\nوجريمتهم التي اقترفوها عند صاحب المشروع - الشيطاني اللعين هي الجمع بين القرآن والأحاديث النبوية في الإيمان بهما مصدرين للتشريع، وفي العمل بهما في شئون الدنيا والدين! وإذا كان هؤلاء جميعًا مغضوبًا عليهم وهالكين، فيا ترى: من سيبقى ناجيًا من أمة محمد - ﷺ -؟! ومن الذي سيبعث مع محمد - ﷺ - يمثل الأمة يوم يبعث الأنبياء مع أممهم؟!\nما هو الجواب على هذا التساؤل عزيزي القارئ؟\nالجواب: بكل وضوح - هو صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية، هو وحده سيكون أمة الإسلام يوم القيامة! وبهذا السخف واهراء يكون نوح (﵇) أكثر اتباعًا من خاتم الأنبياء - ﷺ -، لأن نوحًا أمن به ثمانون تابعًا، أما خاتم الأنبياء فلم يؤمن به إلا رجل \"فذ\" واحد هو صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية!\nويا ترى: من منا يسره أن يؤمن كما أمن هذا الرجل الفذ، الذي أوتى علم الأولين والآخرين؟ من؟ من؟ - لا أحد - إن دلالة هذا الحديث أبعد من هذا السخف الذي هرف به صاحب المشروع كبعد السماء من الأرض.\nفدلالته هي: التحذير من الابتداع في العقائد، والعبادات، والمعاملات،","vol":"1","page":39},{"text":"والأخلاق، وما أكثرها في دنيا الناس، بل إن مشروع هذا الدعي من أضل البدع وأشنعها، والتي جاء الوعيد الشديد لفاعليها في هذا الحديث النبوي المتفق عليه عند تاشيخين الجليلين الورعين: البخاري ومسلم (﵄) .\n* مثال ثالث:\nمعروف عند علماء الحديث أن البخاري - ﵁ - كان يحفظ ستمائة ألف حديث. وأنه لم يدون منها في \"صحيحه\" سوى أربعة آلاف حديث غير المكرر.\nومعروف أن البخاري لم يكن يكتب في اليوم الواحد غير حديثين، وأن الزمن الذي استغرقه في تدوين الأربعة الاف حديث بلغ ست عشرة سنة كاملة، لأنه كان يثبت بكل دقة فيما يكتب، واكتفاءه بهذا القدر الضئيل (أربعة ألاف حديث) بالنسبة لما كان يحفظ يرجع إلى سببين:\nالأول: شدة التحري في تدوين الحديث\nالثاني: عد الإطالة التي تحتاج إلى وقت فير متاح. وهذا هو الحق المشهود به عند العلماء، أما صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية، فيفسر سلوك البخاري الذي قدمناه بقوله:\n\"لم يكن يصح في نظر البخاري إلا حديث واحد من بين مائتين وخمسين حديثًا. وتلك ظاهرة خطيرة كانت تحتم على كل منصف عدم كتابة الحديث على الإطلاق\"!\n﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ . [الكهف: ٥]\n* * *","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>(٨) مهمة النبي عند صاحب المشروع</span>\nالهدف المقصود أولًا وبالذات لصاحب هذا المشروع هو إزاحة سنة رسول الله - ﷺ - عن ساحة المسلمين، وإذا قلنا أن الهدف هو إعدام السنة النبوية تمامًا كنا صادقين تمام الصدق ذلك هو هدف صاحب المشروع، ومن تتاح له فرصة الإطلاع على هذا المشروع لا يخالجه أدنى شك فيما قلناه.\nولما كان هذا مطلبًا بعيد المنال فإنه يمهد له بمقدمات ضافية استغرقت الجزء الأول كله، فصب جام غضبه على السنة النبوية سندًا ومتنًا، ووصف روأة الحديث، وجامعية، وعلماء الأصول، والفقه، بالكذب، والخيانة\" وتضليل الأمة، والذي ذكرناه في الحلقات السبع الماضية غيض من فيض مما حواه الجزء الأول من هذا المشروع الخبيث.\nوصاحب المشروع يناور أحيانًا حتى لا توجه إليه نهمه \"إنكار السنة النبوية\" تمامًا من ألفها إلى يائها، لذلك تراه هويلة يقر بمقدار ضئيل من الأحاديث، منها: أحاديث رأها توافق هواه، كحديث النهي عن كتابة السنة، أما بقية الأحاديث التي يقرها فهي عنده أشبه ما تكون بجثث \"محنطة\" لا روح فيها. أما أن يكون للحديث النبوي دور في التشريع، أو في هداية الأمة، فهذا عمىّ وضلال، مدعيًا أن القرآن وحده هو مصدر التشريع الوحيد للأمة! وفي ذلك يقول: \"ذلك أن في القرآن الكريم وحده الكفاية كل الكفاية للأمة الإسلامية، ولغيرها من جميع الوجوه كما قال سبحانه: \"أو لم","vol":"1","page":41},{"text":"يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم\" وقد بينا من قبل خطأ الاستدلال بهذه الآية\".\nأما مهمة الرسول - ﷺ - عند خذا \"المهووس\"! فقد اقتصرت هدايته للمسلمين، على تلاوة واتباع القرآن الكريم. وهذا هو أساس الدسن، وأصل التشريع، والمنهاج الحق، والدستور القويم\"!!\n- يعني - أن مهمة الرسول - عند هذا الضال - هي أن يبدأ تلاوة القرآن بـ \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\" ثم يختمها بـ \"صدق الله العظيم\" وإذا ما تكلام صاحب المشروع على الرسول فإنه يسمح له بتفسير القرآن فقط، ومع هذا التكرم \"الحاتميط من صاحب المشروع على سيد ولد آدم فإنه ينسف ما تكرم به فيقول: \"لا تصدقوا أن ما في كتب الحديث المعتمدة كلها هي كلام رسول الله.؛ لا. إنما هي أقوال رجال، نقلت عبر أجيال من خلال أناس كثيرين غير معصومين، يخطئون ويصيبون، وينسون ويذكرون، ويفرحون ويغضبون، وهذا النقل كان بعد مائتي سنة من وفاة النبي - ﷺ -\"!!\nومعنى هذا الكلام - بكل وضوح - أن الأمة الإسلامية لم يصلها من كلام رسول - ﷺ - شيء على الإطلاق، ولذلك فإن صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية يسخر من العلماء حين يقولون:\nقال رسول الله - ﷺ - ويرميهم بالكذب، والإفتراء على خاتم الأنبياء!\nأليس هذا هدمًا حقيقيًا لا مبالغة فيه لسنة من أرسله الله للناس كافة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا؟!\nإن المبشرين والمستشرقين الحاقدين على صاحب الرسالة الخاتمة، لم","vol":"1","page":42},{"text":"يبلغوا عشر معشار لجاجة هذا الرجل، وقبح بهتانه على الإسلام، وكتاب الإسلام، ورسول الإسلام.\nوالقارئ الكريم الذي صحبنا في هذه الحلقات، قد يظن أن صاحب المشروع هذا ينقد بعضًا من الأحاديث ويترك بعضًا - وإن أدعىهو ذلك وهذا الظن مدفوع - لأن الرجل يفصح - بكل صراحة ووقاحة - أنه يريد هدم السنة النبوية كلها، مهما بلغت من الصحة والحسن، وفي ذلك يقول بالحرف:\n\"إننا تحب أن نؤكد أخيرًا - كمت قلنا قبل ذلك - أننا لم نقصد بنقدنا للحديث المروي عن النبي - ﷺ - ما هو معمول به عند فرقة بعينها من فرق المسلمين، كأهل السنة، أو الشيعة، أو غيرهما. وإنما نحن نقصد بذلك رواية الحديث على العموم! ولو كانت عند كل فرق المسلمين جميعًا، لأننا نناقش المسألة من حيث المبدأ، وليس من حيث التخصيص، أو التعيين، قاصدين من وراء ذلك أن نبين أن أدلة الأحكام، ليست إلا القرآن الكريم، وليس لأيو رواية - مهما صحت - من روايات الحديث\"!!\nواضح من كلامه هذا أنه ينكر السنة النبوية تمامًا، ويحاول جاهعهدًا أن يمحو أثرها من واقع المسلمين، بل ومن كونها المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي!\nالسنة كالتوارة المحرفة!\nوقد علم - مما سبق - أن صاحب المشروع لا يؤمن بأي حديث من أحاديث رسول الله - ﷺ - لذلك فالأحاديث عنده مثل التوارة المحرفة التي هي بحوزة اليهود الآن، وهذا ليس افتراء منا على صاحب المشروع، بل هو كلامه","vol":"1","page":43},{"text":"بلفظه ومعناه، وها نحن ننقلع بكل أمانه:\n\"ولذلك فإننا ننبه إلى أننا أوردنا حديثًا في كلامنا، فإنما نورده لنقيم به الحجة على الخصم الذي يأخذ - يعني \"يؤمن\" - به، وليس لآنه عندنا مما تثبت به الأحكام، فإن رد المجادل إلى ما يؤمن به هو أدعى إلى ظهور الحق من رده إلى ما لا يؤمن به، وتلد قاعدة شرعية وعقلية ثابتة عند سائر العقلاء من الناس دون استثناء.\n\"وهي في الأحكام الشرعية، كما نحتج على أهل التوراة بالتوراة التي بين أيديهم، وعلى أهل الإنجيل بالإنجيل الذي هو معهم ... \"!!\nأيها القارئ الكريم: هل بقى لديك أدنى شك في خبث هذا المشروع وصاحبه، بعد أن تأكد لك من كلامه أنه ينكر السنة النبوية كلها، بل يريد هدمها من أساسها، وهدم السنة معناه هدم للإسلام؟!\nثم يقول كاشفًا لقراء مشروعه عن خبث طويته:\n\"وهذا ما يشرح للقارئ سبب إيرادنا لبعض الأحاديث ... ثم عودتنا بعد ذلك لنقده أو رفض متنه والحكم عليه بالفساد\"!\n- يعني - أنه لا يؤمن بأحاديث النبي - ﷺ -، وإنما يضطر لذكر بعضها جدلًا ومماحة، وهو إن ذكرها في موضع بلا نقد، عا في موضع أخر فنقدها، وحكم عليها بالفساد.\nوقد يدهشك - عزيزي القارئ - إذا قلت لك: إن صاحب هذا المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية، أستاذ في إحدى جامعاتنا المصرية يعمل في بعض فروع الطب البيطري؟!.\n* * *","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>(٩) تساؤلات وإجابات</span>\nرأينا - فيما تقدم - إلى أي مدى يمقت صاحب هذا المشروع سنة خاتم الأنبياء - ﷺ -، ومدى توهمه أن بين القرآن والسنة عداءّ، وخصومة، وتنافرًا، فراح يزب عن القرآن ويحميه من جور السنة.\nوقد علمت أن فريقًا من جهلة الشباب وقعوا فريسة لأضاليله؛ فهم لا يقولون - كما يقول المسلمون -: - ﷺ - وينكرون الشفاعة العظمى؛ لأنها لم ترد في القرآن؛ بل وردت في السنة: والسنة عند صاحب المشروع ومن اتخدع به؛ هي مجموعة من الافتراءات والأكاذيب؛ قالها أقوام غير أمناء؛ ولم يقلها النبي - ﷺ -.\nكما علمنا - أيضًا - أن صاحب المشروع لا يطرح مشروعه في المكتبات العامة؛ ولكن يتصرف فيه بمعرفته هو وحده؛ يعطيه أو يبيعه لمن يثق هو فيه؛ أو لمن يزكيه واحد ممن يثق هو فيهم، وهذه خطة ماكرة، وكأن صاحب المشروع يريد أم يُكَون له \"حزب شيطاني\" في الظلام، فإذا كثر اتباعه، وقويت شوكتهم، فلا بأس من الجهر والإعلام به ورفع راية الجهاد في سبيل الله؟!.\nوفي هذه الحلقة نطرح بعض التساؤلات؛ ثم نجيب عليها في إيجاز؛ تطويقًا لهذه \"السموم\"؛ التي يصنعها هذا الرجل الغريب الأطوار.\nصاحب المشروع يدعو الأمة إلى طاعة الله وفق ما جاء في القرآن وحده، ويحذرها من اتباع سنة رسول الله - ﷺ -. هذا هو هدف المشروع. وبناءً عليه","vol":"1","page":45},{"text":"نسأل هذا السؤال: هل صاحب المشروع مطبع لله وفق ما جاء في القرآن وحده؟ والجواب - بكل اختصار - لا. فليس هو بطائع لله وفق ما جاء في القرآن - كما يروج في مشروعه - وهذا للأسباب الآتية:\n١- قوله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]\nنادى الله المؤمنين من أمة محمد - ﷺ -، وأمرهم بطاعته، وطاعة رسوله مع تكرار فعل الأمر ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ و﴿أَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾\nوطاعة الرسول تكون بأمرين:\nالأول - اتباع القرآن الذي نزل عليه نزل.\nالثاني: اتباع هديه المتمثل في أقواله، وأفعاله، وتقريراته، المتصلة بالدعوة والتبليغ.\nثم أمر الأمة لأمرًا ضمنيًا مندرجًا في طاعة الله، وطاعة رسوله؛ وهو: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾\nولك أن تسأل: لماذا أفرد الله طاعة رسوله بعد طاعته هو، ثم أدرج طاعة أولي الأمر ولم يفردها، فهم لم يقل: \"وأطيعوا أولي الأمر منكم\".\nوالجواب: إن طاعة الرسول طاعة مطلقة، لأنه لم يدع إلا إلى ما أمر الله تعالى به؛ أو نهى هنه؛ فهم معصوم من الأخطاء. والأهواء؛ في مقام التبليغ عن","vol":"1","page":46},{"text":"ربه جل وعلا ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٢ - ٣]\nأما أولو الأمر - امراء وعلماء - فليسوا معصومين، لذلك أدرج الله طاعتهم وفي طاعة رسوله، فإذا أمروا أو نهوا بغير ما أنزل الله وقال رسوله، فلا طاعة لهم، وفي ذلك يقول - ﷺ -: \"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق\". وبهذا يتبين أن صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية، حين رفض طاعة رسول الله، رفض في الوقت نفسه طاعة الله وفق ما جاء في القرآن الذي يتشدق بحبه، ويتظاهر بعطفه عليه! ولو كان طائعًا لله لأطاع رسوله - ﷺ - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ .\n٢- وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]\nوالرسول لم يؤتنا القرآن وحده، وإنما أتانا القرآن والسنة معًا، كما قال هو - ﷺ -.\n\"أتيت القرآن ومثله معه\"، والأمة الراشدة أخذت في كل عصورها، حتى في عصور ضعفها، ما أتاها به رسول الله - ﷺ - من كتاب وسنة، تنفيذًا لأمر ربها جل وعلا. أما صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية فقد رفض أخذ الإثنين معًا: رفض السنة، فرفض القرآن الآمر بأخذها، فليس هو بطائع لله، ولا وفق السنة، لأنه يرفضها، ولا وفق القرآن، لأنه رفض ما أمر به القرآن، وما نهى عنه، فلم ينته عما نهى عنه ىالقرآن، ولم يمتثل بما أمر به القرآن، \"وذلك هو الخسران المبين\".","vol":"1","page":47},{"text":"٣ قوله الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]\nفالله ﷾ قضى في كتابه العزيز أمرًا، وهو طلعته جل وعلا وطاعة رسوله - ﷺ -، ورسوله قضى الأمر نفسه الذي قضاه الله، فدعي إلى طاعة الله، وإلى طاعته هو نفسه فيما يبلغ عن الله، سواء كان المبلغ به قرآنًا، أو سنة.\nوصاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية يزعم أنه يتبع ما قضي الله تعالى به. وهذا خطأ ووهم. لأنه رفض ما قضي به رسول الله - ﷺ - فما هو تصنيفه حسب هذه الآية؟ هو بلا نزاع داخل في الضلال المبين ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ لأنه ليس قاضيًا بما قضى به الله، ولا بما قضى به رسول الله، وتلك هي المعصية التي يتصف مرتكبها - حسب دلالة الآية القطعية - بـ \"الضلال المبين\".\n٤- وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]\nفي هذه الآية الكريمة يحدد الله لعباده المؤمنين من أمة سيد المرسلين وخاتم النبيين - ﷺ - إذا اختلفوا في شيء ما، يحدد لهم طريقين أو مرجعين لحسم النزاع:","vol":"1","page":48},{"text":"الأول - ما أنزل الله في كتابه العزيز وهو \"القرآن\" المصدر الأول للهداية والتشريع في الإسلام.\nالثاني: فإذا لم نجد في كتاب الله تعالى حكمًا فاصلًا في المسائل المتنازع فيها انتقلنا إلي \"سنة النبي\" - ﷺ - وهي المصدر الثاني للهداية والتشريع في الإسلام.\nو\"السنة\" أخذًا بدلالة هذه الآية الحكيمة المحكمة، ركن ركين من أركان الإسلام، إعتقادًا، وتشريعًا، وتطبيقًا، وطاعة، وصاحب المشروع الذي يتظاهر بالعوة إلى العمل بالقرآن، في الوقت نفسه يرفض سنة رسول الله - ﷺ - وبالتالي يترتب على هذا رفضه للعمل بالقرآن، لأنه رفض السنة التي أمر بالرجوع إليها القرآن، فلا هو بالقرآن عامل، ولا لربه مطيع فكيف يتحمس للعوة للعمل بالقرآن، ولطاعة الله وفق ما جاء في القرآن وهو من الذين جعلوا القرآن \"عضين\" يؤمنون ببعضه، ويكفرون ببعض؟!\nإنه ليس بتابع للقرآن، ولا بتابع للسنة، ولا بتابع لهما معًا.\n٥- وقال جل شأنه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]\nفي هذه الآية الحكيمة المحكمة يقسم الله بذاته العلية أن قومًا لا يرتضون رسول الله - ﷺ - حكمًا عدلًا بينهم، ولا يرضون الرضا القلبي الخالص بكل حكم يحكم به، أو قضاء يقضيه، أو قول يبلغه فإن هؤلاء القوم لا يكونون مؤمنين.","vol":"1","page":49},{"text":"ولا فرق بين أن يحكم رسول الله - ﷺ - بحكم نزل به القرآن، أو حكم صدر عنه بقول من عنده باعتباره رسولًا مأذونًا له بالحديث عن الله جل وعلا. ولا فرق بين هذا ولا ذاك، لأنه في مقام التبليغ، وفي مقام تقرير الأحكام الشرعية معصوم عن الخطأ، كما قال هو - ﷺ - لعبد الله بن عمرو بن العاص: \"أكتب عني، فوالذي نفسي بيده لا يخرج من فمي إلا الحق\".\nولو كان المقصود من الاية الحكم بما في القرآن وحده لقيل: \"حتى يحكموك بالقرآن فيما شجر بينهم\". ولما خلت الآية من هذا القيد صارت دلالتها العموم الشامل للقرآن الكريم، وللسنة النبوية الشريفة.\nوصاحب المشروع لا يعترف بالسنة مطلقًا، وإن راوغ في بعض المواضع، فضلًا عن أن يؤمن بها مصدرًا للتشريع فهل هو بذلك طائع لله - كما يدعي - وفق ما جاء به القرآن؟! تأمل عزيزي القارئ - ثم أحكم.\n* * *","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>(١٠) أدلة الأحكام المتفق عليها</span>\nوفقنا في الحلقة السابقة على صور من المخالفات القطعية الصارخة، التي وقع فيها صاحب المشروع بالنسبة للقرآن نفسه، الذي يزعم أنه المصدر \"الأوحد\" في الهداية والتشريع. ثم رفضه للسنة النبوية رفضًا كليًا، ووصفه للأحاديث التي رواهاى الصحابة، ونقلها عنهم التابعون - بكل طبقاتهم - بأنها خرافات وأكاذيب!!\nوفي هذه الحلقة نكشف - بعون الله تعالى - عن وجه أخر قبيح كل القبح لهذا المشروع الرامي لهدم الإسلام كله، وليس هدم السنة النبوية وحدها.\nالخروج عن إجماع الأمة:\nلقد خرج هذا المشروع على إجماع كل طوائف الأمة، خاتصتها وعامتها، وش عن النهج السوي الذي سارت عليه الأمة سلفًا وخلفًا. فسلف الأمة وخلفها بعد تقديمهم القرآن على كل ما عداه في الهداية والتشريع، أفسحوا صدورهم ببشاشة الإيمان، وسماحة الإسلام، ومرونة أصول الأحكام، فاتفقوا على أن \"أدلة الأحكام\" في الشريعة الإسلامية هي الأصول الأربعة على هذا الترتيب:\nالأصل الأول - (الكتاب):\nوالمراد بعه \"القرآن العظيم\"، وهو مصدر كل المصادر، وبه يبدأُ، ولا يلتفت إلى غيره إذا ظفرت الأمة بحاجتها فيه.","vol":"1","page":51},{"text":"الأصل الثاني - (السنة):\nوهي كل ما ثبت عن النبي - ﷺ - من أقواله، وأفعاله، وتقريراته، فيما يتصل بالبلاغ والتشريع.\nوهي مقدمة على ما بعدها، تالية لما قبلها (وهو الكتاب) في المرتبة والعمل.\nوإذا وجدنا فيها الحكم الذي نبغيه، فلا ناتفت إلى شيء بعدها.\nالأصل الثالث - (الإجماع):\nوهو اتفاق علماء المسلمين في أي عصر من العصور على حكم شرعي في مسألة ما، حيث لا يعرف لهم مخالف، فيصير هذا الإجماع مصدرًا من مصادر التشريع.\nوالدليل على هذا آية من القرآن، وحديث من السنة:\n- أما الآية فهي قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]\nفقوله ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هو الإجماع.\n- وأما الحديث فهو قوله - ﷺ -: \"لا تجتمع أمتي على ضلالة\" وله نظائر أخرى من لفطه وبمعناه تعاضده وتقويه.","vol":"1","page":52},{"text":"الأصل الرابع - (القياس):\nوهو مصدر مرن يمكن أن نطلق عليه \"ميزان الطوارئ\" أي ما يطرأ في الحياة من وقائع ليس لها حكم معين، لا في الكتاب، ولا في السنة، ولا في الإجماع. وطريق معرفة حكمها هو الإجتهاد عن طريق القياس، فيبحث المجتهدون عن أشباه ونظائر لها ويقيسون حكمها عليها، فإذا أتحدث علة الحكم في السابق واللاحق حكم للاحق بحكم السابق.\n* وللقياس ضوابط شتى نختار منها هذا الضابط. \"القياس: - هو حمل مجهول على معلوم لاشتراكه في علة حكمه\"\nوهذا القياس وقع في عصر النبوة على لسان النبي نفسه، وفي عصر الخلفاء الراشدين، وفي العصور التالية، وله مبحث مهم عند علماء \"أصول الفقه\" لم يخل منه كتاب من كتبهم، ثم عند الفقهاء في مجال العمل والتطبيق واستباط الأحكام.\nوكل قياس لابد له من سندٍ شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع.\nهذه الأصول الأربعة قد أجمع عليها علماء الأمة، ولم يشذ عنها أحد، اللهم إلا القياس ففيه خلاف لا يعتد به.\nوتسمى هذه المصادر الأربعة - عند الأصوليين - بـ \"أدلة الأحكام المتفق عليها\".\nفإذا عدنا إلى صاحب المشروع وجدناه قد خرق هذا الإجماع خرقًا شنيعًا، حيث لم يعترف بثلاثة مصادر تشريعية مجمع عليها وهي: _","vol":"1","page":53},{"text":"* السنة المطهرة.\n* الإجماع القائم.\n* القياس المؤسس على سند شرعي.\nوهذا ما حدث منه الآية الكريمة الحكيمة: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥]\nفهو قد شاقق الرسول فرفض السنة\nورفض الإجماع وهو سبيل المؤمنين\nورفض القياس وهو معتمد عند الرسول وأصحابه والمؤمنين جميعًا وصاحب المشروع حر - في الدنيا- فيما يعتقد، أما أن يفرض أخطاءه، وأوهامه، وأضاليله على الأمة، فيقدم لها هذا المشروع بقصد تبصيرها - كما يدعى - فهذا يجب أن يحاصر ويقاوم، ويقضي على هذه الفتنة فتوأد في مهدها.\nصورة أخرى للخروج:\nإذا كان صاحب المشروع قد خرق الإجماع القائم بين علماء الأمة سلفًا وخلفًا بإعدامه ثلاثة أصول تشريعية قام الإجماع عليها، فإن له صورة أخرى خرج فيها عن منهاج المسلمين. فهو مع إنكاره مصادر التشريع الثلاثة المجمع عليها أنكر أيضًا مصادر أخرى للتشريع. وذلك أن علماء الأمة واجهوا مستجدات الحياة، وهي في ازدياد جيلًا لعد جيل، واجهوها بمناهج تشريعية أخرى مستعدة أساسًا من القرآن الكريم، والسنة المطهرة، ومقاصد الإسلام","vol":"1","page":54},{"text":"المتفق عليها، وبتلك المناهج ظهرت مرونة الشريعة الإسلامية، وصلاحها - فعلًا - لكل زمانٍ ومكانٍ.\nوهذه المكناهج تسمى بـ: \"أدلة الأحكام المختلف فيها\" أي أن الفقهاء توزعوها فمنهم من يرى العمل بطائفة منها ويرد الطائفة الأخرى، ولكنها معمول بها كلها عند مجموعهم، وهي في إيجاز: (الاستحسان - الاستصحاب - المصالح المرسلة - سد الذرائع - شرع من قبلنا - قول الصحابى - عمل أهل المدينة - العرف والعادة)\nهذه المناهج أو المصادر قد ساعدت على تطويق كل ما يجد في الحياة، وللعمل بها شروط - عند الأصوليين -، وكلها تستند إلى النصوص والمقاصد الشرعية، فمثلًا: عمل أهل المدينة من أدلة الأحكام عن الإمام مالك - ﵀ -، وعمل أهل المدينة المستمر إذا تعارض مع حديث أحاد قدم العمل به على العمل بالحديث.\nوحجة الإمام مالك في ذلك: أن أهل المدينة عايشوا النبي - ﷺ - عشر سنين، وهم أحفظ من غيرهم للسنن العملية وسلوك النبي في حياته.\nوتقديم السنة العملية على السنة القولية إذا تعارضت السنتان أرجح، لجواز أن تكون ناسخة للحديث القولي.\nومثلًا أخر: أن قول الصحابي يتعين الأخذ به عند الإمام الشافعي - ﵀ - إذا لم يعرف له مخالف من أدلة الشرع.\nهذه السياحة الواسعة في مجال التشريع، يحاول صاحب المشروع أن يقلصها أو يقضي عليها تمامًا، وهو بهذا ينسف جهود مليون عالم مسلم، على مدى أربعة عشر قرنًا من الزمان، ويزج بالأمة إلى الضيق والحرج، وهو يتبع غير سبيل المؤمنين.\n* * *","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>(١١) أدلة الأحكام من القرآن</span>\nيهدف المشروع - كما تقدم - إلى هدم السنة النبوية جملة وتفصيلًا، وهدم السنة وهي المصدر الثاني في التشريع الإسلامي، توطئة لهدم كل الأدلة الأحكام؛ سواء كانت متفقًا عليها؛ كالإجماع، والقياس؛ أو مختلفًا فيها اختلافًا نسبيًا: كسد الذرائع؛ والاستحسان؛ والمصالح المرسلة؛ والاستصحاب؛ وشرع من قبلنا؛ وعمل أهل المدينة - في حياة الرسول وبعدها - عند الإمام مالك خاصة.\nهذه دعوى ماكرة؛ وإن طلاها مروجها بالعسل؛ متدثرًا بدعوى الاكتفاء بالقرآن؛ وهي كلمة حق أريد بها باطل؛ درى صاحب المشروع أم لم يدر. وهو في هذه الدعوى مخالف للقرآن؛ مشاق لرسول الإسلام؛ متبع غير سبيل المؤمنين.\nلأن أدلة الأحكام كلها - المتفق عليها؛ والمختلف فيها - أسلاك مضيئة؛ تستمد ضوءها من القرآن؛ ولا تخرج عنه؛ ولا عن هداه؛ وكليات أوامره؛ ونواهيه؛ وتوجيهاته؛ هي المرجع الذي لا محيد عنه في كل دليل من أدلة الأحكام؛ وتوجيهاته؛ هي المرجع الذي لا محيد عنه في كل دليل من أدلة الأحكام؛ والقرآن نفسه هو الذي دل عليها؛ أو أوما إليها؛ ولا يوجد دليل منها ليس له بالقرآن صلة.\nالسنة عند علماء الأمة:\nالعمل بالسنة النبوية وهي المصدر الثاني للتشريع في الإسلام، دل على العمل بها القرآن في آيتين آمرتين لا نزاع فيهما:","vol":"1","page":56},{"text":"الآية الأولى: قول الله تعالى: ﴿. . . فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] .\nفلا خلاف بين العلماء في أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه العزيز - القرآن - فهو أصل الأصول في الإسلام، ويجب الرجوع إليه عند الخلاف.\nأما الآية الثانية فهي قوله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] أما الإجماع فدليله من القرآن هو قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] .\nودليله من السنة: هو قوله - ﷺ -: \"لا تجتمع أمتي على ضلالة\".\nفالإجماع أصل من أصول التشريع الإسلامي، وليس معنى كونه أصلًا أن يكون مستقلًا بنفسه بل لابد له من سند من الكتاب أو السنة.\nأما القياس: فهو النوع الرابع من أدلة الأحكام المتفق عليها، وهو حجة عند علماء الشريعة، ودليله من القرآن - كما ذكر العلماء - قول الله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] .\nونحن نضيف إلى هذه الآية آية أخرى من سورة النساء أيضًا، آخذين فيها بالقاعدة الأصولية: \"العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب\" وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى","vol":"1","page":57},{"text":"الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة النساء: ٨٣] .\nفاللجوء عند احتدام المشكلات يكون إلى أهل الذكر؛ وهو قادرون - بتوفيق الله - \"بعد البحث والنظر\" على فهم وعلم ما الأمة في حاجة إليه.\nكما نضيف آية ثالثة، وهي قوله تعالى:\n﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . والمشاورة اجتهاد، والاجتهاد بحث للوصول إلى الحق ولو بغلبة الظن والترجيح، وطريقة القياس.\nسد الذرائع:\nإن علماءنا الأفذاذ البررة لم يبتدعوا شيئًا ليس له صلة بالقرآن، بل كل ما توصلوا إليه من أدلة الأحكام قبسات منيرة من أضواء القرآن الوهاجة.\nوقد عرضنا - فيما سبق - أدلة الأحكام المتفق عليها عند علماء الأمة، وبينا أخطاء وأوهام صاحب المشروع التعسفي في إنكاره لهذه الأدلة.\nوها نحن نبين أخطاءه في هدم الأدلة المختلف فيها.\nوقد ذكرنا هنا سد الذرائع للتنبيه على ما يحمله المشروع التعسفي من دعاوى ماكرة ليس لها وجه من الصواب.\nفـ \"الذريعة\" هي الوسيلة إلى الشيء، والمراد من \"سدها\" عند العلماء غلقها وتعطيلها إذا كانت تؤدي إلى مفسدة أو ضرر. وهي من الأدلة المختلف فيها:","vol":"1","page":58},{"text":"- فالمالكية، والحنابلة: يتوسعون في العمل بسد الذرائع.\n- والحنفية، والشافعية: يضيقون العمل بها.\nوسد الذرائع معناه: إغلاق المنافذ التي يترتب عليها مفسدة أو ضرر، وبيان ذلك في إيجاز:\n* رجل أشاد عمارة لتأجير وحداتها. فعل يجوز له أن يؤجر \"محلًا\" لرجل علم أنه يبيع فيه الخمور ويتاجر في المحظور شرعًا وقانونًا؟\nالجواب: أن الأصل في التأجير الإباحة. لكن لما كان هذا التأجير طريقًا للضرر والإفساد، فإن الفقهاء يحرمونه، وهم هنا يحكمون على الوسيلة بحكم الغاية منها.\n* تاجر سلاح جاءه نفر يشترون منه أسلحة، ولكنه علم أنهم سيقطعون الطريق بهذا السلاح، ويعتدون به على الأبرياء، وينتهكون الأعراض. فهل يجوز له أن يبيعهم السلاح؟\nالجواب: أن البيع في الأصل مباح. ولكنه لما كان وسيلة إلى محرم، فإن الفقهاء - بإعمال سد الذرائع - يجعلون هذا البيع حرامًا، لأنه سيكون وسيلة للحرام.\nفانظر إلى سعة أفق شريعتنا الطاهرة، وإلى صلاحيتها لاستيعاب كل ما يحتاج إليه الأمة لتحقيق سلامتها وأمنها، وملاحقة كل التصرفات، وإخضاعها للتوجيه السامي، المنبثق من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله - ﷺ - وعلى طرافة هذا المبدأ \"سد الذرائع\" فإن العلماء التمسوا لشريعته دليلًا من القرآن الحكيم.","vol":"1","page":59},{"text":"فوجدوه - بفضل الله تعالى ومنه - في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. . . .﴾ [الأنعام: ١٠٨] .\nنهى الله المؤمنين أن يسبوا أصنام المشركين: لا لأن سب الأصنام حرام؛ ولكن لأنه وسيلة ينقذ منها المشركون إلى سب الله سبحانه.\nوأزن بين سعة أفق هؤلاء العلماء، وبين ضيق أفق صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية. ثم أحكم على المشروع وصاحبه، بما يحكم به على كل من يشق عصى الطاعة ويحارب الله ورسوله والمؤمنين.\n* * *","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>(١٢) عرضنا - فيما سبق - وضع، السنة ومكانتها الرفيعة عند علماء الأمة</span>، وعرفنا كيف احتفوا بها؛ وأنزلوها حيث أمرهم الله، فكانت عندهم هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، الملتئمة مع القرآن تمام الإلتئام.\nكان القرآن والسنة مزيجًا من العداية والنور؛ يكونان شيئًا واحدًا هو دين الله ﷿، كما يتكون الماء الذي جعله الله سببًا للحياة ونمائها من عنصري الهيدروجين والأكسوجين، لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، مادام الدين هو الدين، والماء هو الماء.\nونريد أن نوجز الحديث الآن عن السنة ودورها العظيم المبارك في حياة الأمة العملية بعد أن بينا مكانتها عند علماء الأمة.\nالسنة في حياة الأمة:\nاحتياج المسلم في حياته اليومية إلى العمل بسنة الصادق المصدوق - ﷺ - أشد من احتياجه إلى الماء والهواء، في كل ما يفعل لدنياه ودينه. وفي السطور الآتية نماذج سريعة للعمل بالسنة في مختلف المجالات:\nالطهارة:\nاشترط القرآن لقربان الصلاة \"الطهارة\" ولكنه لم يفصل أحوال تلك الطهارة بعد الإشارة إلى الماء والتراب أداتين للتطهر، \"الماء\" أصل، و\"التراب\" -","vol":"1","page":61},{"text":"الصعيد الطيب - بدل من ذلك الأصل، فجاءت السنة وبينت أن المطلوب تطهيره هو ثلاثة أشياء: البدن والتوب والمكان. كما أن القرآن لم يبين الماء الذي تصح به الطهارة الشرعية، فبينته السنة بأنه الذي لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة وهي: الطعم واللون والرائحة كما وضحت السنة متى يتنجس الماء؛ ومتى لا يتنجس.\nولم يبين القرآن حدود الأجزاء التي يجب غسلها أو مسحها بالماء في الوضوء، وتكفلت السنة ببيان ذلك كله.\nوالقرآن لم يذكر إلا سببًا واحدًا لاستعمال التراب في الطهارة \"التيمم\" ذلك السبب هو: فقد الماء. والسنة أضافت سببين - وهما:\nوجود الماء مع عدم القدرة على استعماله؛ أو شدة الحاجة إليه.\nأو أدى استعمال الماء إلى زيادة مرض؛ أو تأخر الشفاء منه.\nالصلاة:\nليس في القرآن إلا الأمر بإقامة الصلاة؛ والثناء على الذين يقيمونها. أما كيف ندخل في الصلاة؛ وكيف نركع؛ وكيف نسجد؟ وما هي الصلوات المفروضة وغير المفروضة؛ وبداية ونهاية كل فرض منها زمنيًا؟ وماذا نقرأ وجوبًا فيها واختيارًا؛ وماذا نقول في حالتي الركوع والسجود والجلوس الأوسط والأخير؟ وما الذي تصير به الصلاة صحيحة؛ وما الذي يبطلها؟ وكم عدد الركعات في كل فرض؟ وكيفية القراءة في الصلوات النهارية والليلية؟ وما هي أركان الصلاة وسننها ومندوباتها ومكروهاتها؟ كل ذلك ليس له تفصيل","vol":"1","page":62},{"text":"في القرآن. وسكون القرآن عن بيان هذه الأمور ليس عجزًا؛ بل لحكمة يعرفها من شرح الله صدره للإسلام.\nفجاءت السنة وأوضحت ذلك كله. فقالت لنا السنة؛ الدخول في الصلاة يكون بـ\"التكبير\"؛ والخروج منها يكون بـ\"التسليم\" والقراءة الواجبة هي \"أم الكتاب (الفاتحة) \"؛ والقراءة الاختيارية هي أي سورة من سور القرآن، أو بضع آيات؛ أو آية واحدة كاملة المعنى. ثم أجابت عن كل التساؤلات المتعلقة بالصلاة سواء التي ذكرناها والتي لم نذكرها.\nوبينت ما أجعل في القرآن من مثل قوله: \"أركعوا واسجدوا\" وإن الركوع هو - الإنحناء الذي يشبه خطين يصنفان زاوية مستقيمة يسوي فيها الراكع ظهره بصلبه غير منكس الرأس ولا شاخصه، وأن السجود يكون بلصق سبعة أعضاء على الأرض:\nالجبهة، واليدان؛ والركبتان؛ والرجلان. وأن في كل ركعة سجدتين. ونسأل صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية؛ كيف نستخرج هذه الدقائق الخفية من القرآن؟ وهل بين تفصيل السنة لها وبين القرآن عداوة وجفاء؟\nإن السنة ما هي إلا إمتداد للقرآن. تبين إذا أبهم، وتفصل إذا أجمل، وتتكلم إذا سكت.\nولا يفيد صاحب المشروع التعسفي أن يقول أن الصلاة ركن عملي؛ تكفي فيه حكاية الأفعال؛ لأن هذا الركن العملي له فقه قولي: رواه الثقات من","vol":"1","page":63},{"text":"الرجال؛ ونقلوه لنا بأمانة؛ مثل قوله (﵊)؛ \"لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب\" وغير ذلك كثير.... كثير.\nالصيام:\nفي القرآن لا نجد سوى الأمر بالصيام إذا جاء وقته، ثم حدد - بعد ذلك - بدايته ونهايته هما: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، كونه إمساكًا عن شهوة البطن.\nلكن جاءت السنة بإضافات كثيرة في هذا الواجب، فبينت أن الكف عن شهوة الفرج واجب في حال الضيام، كما بينت مكروهات الصيام ومبطلاته، وكيفية قضائه، والكفارات الواجبة عن تعمد الإفطار بغير عذر. كما أوضحت السنة أمورًا أخرى متعلقة بالصيام يضيق عن ذكرها المقام.\nالزكاة:\nفي الزكاة اكتفى القرآن بوجوب إخراجها: والمصارف التي تستفيد منها؛ والثناء على مخرجيها، المقرون - غالبًا - بالثناء على مقيمي الصلاة.\nولكننا لا نجد في القرآن تحديد \"الأموال\" التي تجب فيها الزكاة والتي لا تجب فيها، ولا المقدار المخصوص الذي إذا بلغه المال وجبت فيه الزكاة، ولا النسبة التي يجب إخراجها، ولا تحديد الزمن الذي يبقى فيه المال في يد \"المالك\"، وهو - مرور حول كامل، كشرط مهم لإيجاب الزكاة فيه، وإيجاب إخراجها.\nلكن السنة النبوية المطهرة تكفلت ببيان ذلك كله، وفصلت القول فيه","vol":"1","page":64},{"text":"تفصيلًا مما يسر على المكلفين فهم هذا الركن \"الزكاة\" الذي هو أحد دعائم الإسلام، ولولا بيانات السنة لـ \"كليات\" القرآن لما أهتدى أحد إلى تأدية هذا الركن العظيم.\nوما أكثر بيانات السنة في هذا المجال الإسلامي الحيوي.\nالحج:\nيلحظ من له صلة وثيقة بالقرآن؛ أنه توسع في ذكر الأحكام التفصيلية المتعلقة بمناسك الحج، ومع هذا النوسع فقد ترك للسنة النبوية فراغات هائلة لتقوم هي بملئها، ومع ذلك:\n* الميقات الزمني الذي تؤدى فيه هذه الفريضة المقدسة، فالذي في القرآن والحج أشهر معلومات فجاءت السنة وبينت المراد من هذه الأشهر.\n* المواقيت المكنية التي ينبغي أن يبدأ عندها الإرام بالحج، أو العمرة، بالنسبة لكل الأقطار الإسلامية.\n* تحديد مرات السعي بين الصفا والمروة بـ \"بسبعة أشواط\"، وتحديد الطواف حول البيت بـ \"سبعة\" كذلك.\n* بيان أهم أركان الحج \"الوقوف بعرفة\" وتحديد الزمن الذي يكون فيه من أيام ذي الحجة.\n* بيان واجبات الحج والواجب في الحج ما ينجبر بالدم، وهو دون الركن، ولا يبطل الحج بتركه.","vol":"1","page":65},{"text":"* كيفية الإحرام، وما يحرم فعله وقت الإحرام بالحج أو العمرة أو هما معًا.\n* تحديد عدد الجمرات ووقت رميها.\nهذا قليل من كثير من بيانات السنة النبوية الشريفة في أركان الإسلام العملية.\nوهذا العرض الموجز يرينا إلى أي مدى بلغ المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية في الإفتراء على الله تعالى ورسوله - ﷺ -، والتطاول على رجالات الأمة؛ الذين جاهدوا في الله حق جهاده فهداهم سبله، تحقيقًا لوعده الكريم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ .\nتأصيل الأعمال:\nأي عمل يبذله المكلف له شرط عظيم في تمييزه وتأصيله: حتى يؤتي ثمرته المرجوة منه. وهذا الشرط أصل من أصول الدين، وهو \"النية\". وقد تكلفت السنة النبوية الطاعرة ببيانه في قوله - ﷺ -:\n\"إنما الأعمال بالنيات\" والنية مطلوبة في جميع العبادات والقربات، والله - ﷿ - يعامل عباده حسبنياتهم، وأي عمل صالح يخلو من النية والقصد فهو رد على صاحبه.\nفهل يستطيع صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية أن يدلنا على موضع وجوبها في آيات الذكر الحكيم؟\nأم أن القرآن تركها لبيان صاحب الرسالة الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾؟!","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>(١٣) الأذان والربا</span>\nفي مواجهة مشروع هدم السنة النبوية نواصل الحديث الآن - إتمامًا لما قدمناه في الحلقة الماضية - عن أهمية السنة في حياة الأمة: في كل صغيرة وكبيرة؛ في شئون الحياة، ولنبدأ حديثنا بـ:\nالأذان:\nالأذان هو النداء الإسلامي الخالد، الذي يكرر في البيئات الإسلامية في المسجد الواحد في اليوم والليلة خمس مرات.\nوقد أثبتت الدراسات الحديثة أن كلمات الآذان لا تنقطع عن الرفع ولا دقيقة واحدة؛ حشب خطوط الطول على سطح الكرة الأرضية، إذ من المعلوم - جغرافيًا - أن المسافة بين خطي طول هي أربع دقائق، وأن صيغة الآان حسب الأداء الشرعي تستغرق أربع دقائق، فإذا أذن لصلاة الفجر في المساجد الواقعة على خط الطول رقم \"واحد\"، فإن المؤذنين لا يكادون ينتهون من \"لا إله إلا الله\" وهي الجملة الأخيرة في الأذان. نقول: لا يكادون يفرغون منها إلا وقد بدأ مؤذنو المساجد الواقعة على خط طول رقم \"إثنان\" بالجمل الأولى من الآذان: الله أكبر. الله أكبر ... وهكذا حتى آخر خط طول رقم \"٣٦٠\" من ناحية المغرب.","vol":"1","page":67},{"text":"ومعنى هذا أن الأذان يردد في النهار والليلة \"١٤٤٠\" دقيقة، وهي حاصل ضرب \"٤ × ٣٦٠\" بعدد خطوط الطول شرقًا وغربًا.\nووظيفة الأذان هي - الإعلام بدخول وقت الصلاة ليؤديها المكلفون في وقتها، وتأدية الصلاة في وقتها من أفضل الأعمال - كما جاء في الحديث الشريف.\nوهي تشتمل على تعظيم الله (الله أكبر)، والإقرار له بالوجدانية (أشهد أن لا إله إلا الله)، ولرسوله بصدق رسالته (أشهد أن محمدًا رسول الله)، والدعوة إلى الإقبال على الصلاة وترك العوائق الشاغلة عنها (حي على الصلاة)، والإقبال على الفلاح (حي على الفلاح) ثم تكرر تعظيم الله مرة أخرى، (الله أكبر. الله أكبر) ثم ختم النداء بتقرير الوحدانية (لا إله إلا الله) .\nوصاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية له في هذا دعويان:\n* دعوى إكتفاء المسلمين بالقرآن وحده دون أي شيء آخر.\n* دعوى إزاحة السنة عن واقع المسلمين؛ لأنها أقوال مكذوبة عن رسول الله؛ إبتدعها التابعون بعد مائتي سنة من وفاة النبي - ﷺ -!\nإننا نسأل صاحب هذا المشروع التعسفي وأمثاله؛ ممن ينكرون حجية السنة؛ نسألهم فرادى ومجتمعين: أين نجد صيغة الأذان التالية في القرآن؟\nالله أكبر. الله أكبر الله أكبر. الله أكبر.","vol":"1","page":68},{"text":"أشهد أن لا إله إلا الله\nأشهد أن لا إله إلا الله\nأشهد أن محمدًا رسول الله\nأشهد أن محمدًا رسول الله\nحي على الصلاة حي على الصلاة\nحي على الفلاح حي على الفلاح\nالله أكبر الله أكبر\nلا إله إلا الله\nأين نجد هذه الصيغة في القرآن؟ ليس لهم على هذا السؤال جواب؟ لأن كل ما في القرآن عن الأذان آيتان؛ سمي الأذان فيهما بالنداء؛ وهما:\n- الآية الأولى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٨٥]\n- الآية الثانية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]","vol":"1","page":69},{"text":"ومع هذه الإشارات القرآنية يبقى الأذان؛ أو تبقى الأمة في أمس الحاجة إلى الإجابة على هذا السؤال:\nما هو الأذان؟ بل ما هي مفرداته؟ وجمله؟ وتراكيبه؟\nسكت القرآن عن كل هذا لا سهوًا ولا نسيانًا، لأن لله رسولًا أمينًا، صادقًا، مأذونًا له بالحديث عن الله تعالى كما يريه الله سبحانه جاءت السنة بتفصيل كل تلك الحقائق رواية عنه.\nفهل الذين رووا عن رسول الله - ﷺ - كذبوت عنه؛ وهم أصحابه المشهود لهم بالفضل؟!\nوهل التابعون الذين نقلوا لنا هذه الروايات؛ افتروا على رسول الله فنسبوا إليه ما لم يقله - كما يدعي صاحب المشروع؟\nوهل السنة النبوية زيادة في الدين - كما توهم صاحب المشروع؟\nأم أن الأمر كما قال الله ﷾ ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾\nالربا:\nالربا في الإسلام من الكسب الخبيث، وقد حمل القرآن الحكيم على الربا والمرابين حملة عنيفة، وتهددهم بالخسران في الدنيا وسوء المصير في الآخرة، ونفر الناس من أخذ الربا، وحذر المؤمنين ودعاهم إلى التخلص منه","vol":"1","page":70},{"text":"فورًا، وإلا فإن الحرب من الله ورسوله ستحل عليهم، والويل كل الويل لمن يحاربه الله تعالى ويحاربه رسوله - ﷺ -.\nقال الله - ﷿ - ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]\nوقال - تعالى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦]\nوقال - سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]\nوقال - جل وعلا - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣١]\nهذه الحملة القرآنية العنيفة ترينا أن الربا تجارة خاسرة في الدنيا ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ وتؤكد هذا المعنى آية أخرى ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩]\nوأن المرابين مسخوط عليهم من الله ورسوله، وأن سوء المصير هو نهايتهم ومع هذا يبين القرآن ما هو الربا حتى يحذره المؤمنون، ويمتثلوا أمر الله فيجتنبوه. كما لم يبين القرآن المعاملات الربوية من قروض وبيوع وعقود، ولم يذكر الأموال التي يوصف التعامل بها بالربا في بعض الحالات.","vol":"1","page":71},{"text":"هذا كله سكت عنه القرآن، ومحال أن ينهي القرآن أو يأمر بمجهول لا يعلمه المكلفون. والتكليف عمومًا لا يتعلق بالمجهولات، وسكوت القرآن عن بيان هذه الأمور المشار إليها في تحريم الربا، دليل \"قرآني\" قاطع على ما للسنة النبوية من شأن عظيم في مجال التشريع؛ لأن الله - ﷾ - يقول: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] وهاهو ذا الربا ليس له تفصيل في القرآن، وهذا دليل أخر على أن السنة الثانتة ليست صادرة عن النبي شخصيًا؛ وإنما هي بيان من الله يجريه على لسان رسوله - ﷺ -، وتشريع مأذون فيه لصاحب الدعوة، لأنه من أمر الله الذي يجب على الرسول تبليغه للناس. ولا نمل من تكرار قوله - ﷺ -: \"إني أوتيت القرآن ومثله معه\".\nولذلك جاءت السنة ففصلت أحكام الربا كما فصلت غيرها من الأحكام المتلقة بأفعال المكلفين. فبينت البيوع الربوية؛ والمعاملات الربوية؛ والقروض الربوية. كما قسمت الربا قسمين:\n- ربا فضل - وربا نسيئة وأضافت إلى ذاك محظورات أخرى تتعلق بإجراءات العقود الربوية؛ ومن كتابة× وإشهاد، وغيرها.\nوهي في كل ذلك امتداد لبيان القرآن، تخصص ما عمم القرآن، وتقيد ما أطلق القرآن، وليس بينها وبين القرآن اختلاف، ولا خصومة، وهذا ما توهمه صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية، \"فزين له الشيطان سوء عمله فرأه حسنًا\" وقل لي بربك - بعد ما تقدم من بيان رسوخ السنة في حياة الأمة - هل يمكن عقلًا وواقعًا، ودينًا وشرعًا أن تستغنى الأمة عن السنة النبوية،","vol":"1","page":72},{"text":"وهي القائمة على منهج القرآن، ولولاها لغابت عنا حقائق لا تحصى ولا تعد يقوم عليها أمر التكليف؟ ألا تبًا لهذا المشروع؛ وتبًا للأوهام التي سيطرت على واضعه.\n* * *","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>(١٤) صلة السنة بالكتاب</span>\nالسنة النبوية عند جميع علماء الأمة على اختلاف منازعهم وتحصصاتهم ثلاثة أقسام:\n* الأول - السنة المؤكدة المقررة لما ورد في القرآن:\nوضابطها: أن يأمر القرآن بأشياء، أو ينهي عن أشياء، فتأتي السنة مؤكدة ومقررة للأمر والنهي وما يشبههما.\nفمثلًا: حرم الله الزنا وسماه فاحشة. فورد في السنة أحاديث تؤكد هذه المعاني، كقوله - ﷺ -: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن\".\nومثلًا آخر: قبح القرآن النفاق، وذم المنافقين. وجاء في السنة أحاديث تقرر هذه المعاني، كقوله - ﷺ -: \"آية المنافق ثلاثة: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أئتمن خان\". ومع مواكبة السنة للقرآن في هذا الحديث؛ فإن فيه نوعًا من التفصيل الشارح للنفاق.\n* الثاني: السنة الشارحة أو المبينة:\nوضابطها: أن تشرح، وتبين، وتفصل، وتخصص، وتقيد، ما يكون في القرآن من الآيات التي تحتاج إلي بيان، أو تفصيل، أو تخصيص، أو تقييد.\nوقد تقدم لنا جمل زافيو في بيان هذا القسم؛ وأهميته في حياة الأمة.","vol":"1","page":74},{"text":"*الثالث: السنة الشارعة: وهو نوعان:\n* النوع الأول: شارعة تشريعًا مفصلًا لأحكام وردت في القرآن مجملة لا تفصيل فيها. وهذا النوع كما يطلق عليه شارعًا يطلق عليه أيضًا شارحًا.\nومن أمثلته: تفصيل أحكام الربا الذي ورد تخريمه والنهي عنه في القرآن، فأحكام الربا التفصيلية طريقها السنة، والنهي عنه وتحريمه طريقه القرآن ومثله أيضًا: أحكام الصلاة، فالموجود في القرآن الأمر بإقامتها وفرضيتها، ثم تكلفت السنة بأحكامها التفصلية، التي تعددت الأحاديث النبوية في بيانها، والتي حفلت بها كتب الفقه، وكتب أحاديث الأحكام - مثل - \"بلوغ المرام\" لابن حجر العسقلاني، و\"نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية\" للزيلعى و\"إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام\" لابن دقيق العيد\" و\"صحيح ابن خزيمة\"، و\"نيل الأوطار\" للشوكاني، ومن قبل ذلك كله \"الموطأ\" للإمام مالك. وهذه الكتب لا تقتصر على بيان السنة في الصلاة فقط بل تعم كل أعمال المكلفين.\n* أما النوع الثاني من السنة الشارعة، فهي التي تتعلق بأشياء أخرى تحليلًا أو تحريمًا: إضافة إلى ما ورد في القرآن من أحكام.\nوهذا النوع قليل جدًا في نفسه وبالنسبة لما عداه من أقسام السنة، ومن أمثلته ما يأتي:\n١- حرم القرآن الأمهات والأخوات من الرضاعة. فقال تعالى ﴿.... وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]","vol":"1","page":75},{"text":"ولم يحرم القرآن نكاح غير الأمهات الأخوات من الرضاعة وجاءت السنة ووسعت دائرة التحريم من الرضاعة فقال - ﷺ -: \"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب\".\n- أي - البنات من الرضاعة، والعمات من الرضاعة، والخالات من الرضاعة، وبنات الأخوة من الرضاعة، وبنات الأخت من الرضاعة ... إلخ\nكذلك حرم القرآن الجمع بين الأختين في عصمة زوج واحد في وقت واحد، وصل في قوله تعالى - عطفًا على الأنكحة المحرمة -: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾\nثم أضافت السنة تحريم الجمع بين البنت وعمتها، وبين البنت وخالتها. وبين - ﷺ - علة التحريم بقوله: \"إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم\".\n٢- زكاة عيد الفطر، والحكمة من تشريعها \"التوسعة على الفقراء والمساكين\". وهذه الزكاة والأحكام المتعلقة بها: من يخرجها؟ وعمن يخرجها؟ ووقت إخراجها؟ والأنواع التي تخرج منها؟ ومقاديرها؟ ... كل هذا ليس له ذكر في القرآن، وإنما طريقه السنة الثانية.\n٣- في التحريم الناشئ عن الرضاع، لم يرد في القرآن متى يحرم الرضاع النكاح، ولا القدر الذي يثبت به التحريم.\nلقد سكت القرآن عن هذا، ثم بينه السنة زمنًا وقدرًا:","vol":"1","page":76},{"text":"زمنًا: أن يكون الرضاع قبل أن يفطم الرضيع، ويستغنى بالطعام عن اللبن.\n- وقدرًا: أن يكون المحرم خمس رضعات مشبعات مافرقات. وفي كل هذا - وغيره- لم تخاتلف السنة الكتاب؛ لأن المخالفة تكون لو كانت السنة تأمر، بما نهى عنه الكتاب، أو تنهي عما أمر به الكتاب؛ وهذا لم يحدث قط.\nوحاشا أن يكون الرسول في هذا مشرعًا من تلقاء نفسه؛ لأن الشريع بلاغ، والبلاغ لا يكون إلا عن الله الذي اصطفاه رسولًا، وأنزل عليه وحيه الأمين، ولو كان الرسول تجاوز ما لم يأذن الله تعالى له فيه لما سكت القرآن عنه لحظة؛ والله هو القائل: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦] ولم يحدث للنبي عقاب من الله، بل حدث في حجة الوداع أن أعلن الله كمال الدين فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينً﴾ [المائدة: ٣]\nفهل - يا ترى - كان هذا الإعلان الإلهي سيكون لو كان محمد - ﷺ - زاد في الدين شيئًا لم يأذن الله له فيه؟ هذا، وقد أثبت بعض الباحثين الأصولين أن: كل تشريع مستقل حاءت به السنة - على ندرته - له أصل أصيل في كتاب الله العزيز. ولولا خشية الإطالة لذكرنا ما قيل في هذا المجال. وهكذا يبدو التوافق التام بين الكتاب والسنة، وإن غاب على بعض المتعجلين، والأمر كما قال الشاعر:\nماضر شمس الضحى في الأفق طالعة * إن لم ير ضوءها من ليس ذا بصر","vol":"1","page":77},{"text":"وبهذا تتهاوى شبهات صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية هويًا إثر هوى.\nالسنة من عند الله:\nالسنة الثابتة هي من عند الله تعالى مثل الكتاب العزيز وإن اختلفت طرق التلقي فيهما. وهذا حق نجده في القرآن وليس دعوى.\n﴿وبالبينات والزبر بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وفي هذا الخطاب تحديد جلي لصلة السنة بالكتاب، فكل ما صدر عن رسول الله - ﷺ - من أقوال. وأفعال في مجال التبليغ كأن بيانًا للكتاب. وهذا هو صريح القرآن.\n- ثم في سورة القيامة (الآيات - ١٦ - ١٩) خاطب الله رسوله الكريم خطابًا ثانيًا جاء فيه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾\nقارن بين البيانين في كل من سورتى (النحل) و(القيامة) تجد البيان في النحل موكولًا إلى النبي \"أي لتبين\" أنت يا محمد للناس الذكر - بمعنى - القرآن الذي أنوله الله إلى الناس.\nوتجد البيان في سورة القيامة صادرًا من الله - ﷿ - ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ .","vol":"1","page":78},{"text":"ومعنى هذا بكل وضوح: إن أقوال النبي وأفعاله وتقريراته التي بين بها الكتاب هي بيان الله، وإن أسند إلى النبي.\nفالسنة - إذن - من عند الله تعالى، ولم يقل محمد - ﷺ - شيئًا من تلقاء نفسه.\nوصاحب المشروع يكرر كثيرًا وجوب إلى القرآن وحده، وها هو ذا القرآن يضيف السنة إلى الله تعالى، فعليه إن كان مخلصًا في دعواه؛ أن يؤمن بالسنة طاعة لله وفق ما جاء في القرآن.\n* * *","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>(١٥) وقف أحاديث الآحاد</span>\nباشر صاحب المشروع العمل في مشروعه، وهو يحمل فكرة شنيعة سيطرت عليه سيطرة تامة، فأرته الحق باطلًا، والباطل حقًا، وراح يتتبع كل شبهة تفيده في الإنتصار لما يريد. وتلك الفكرة مكونة من ادعاءين:\nالأول: كفاية القرآن لمتطلبات الأمة في كل ما تحتاج إليه في الحياة دون إضافة أي شيء آخر مهما كان مصدره.\nالثاني: طرد السنة النبوية من حياة الأمة، واعتبار كتابة الأحاديث النبوية \"كلها\" بدعة؛ والعمل بها زيادة في الدين، وهي سبب نكبة المسلمين!!\nوقد عشنا من قبل مع كثير من أخطائه وأوهامه في الجزء الأول من مشروعه الضخم.\nوفي هذه الحلقة نتعرض لشبهة أخرى من شبهاته: وهي ما كتبه حول أحاديث الآحاد وترك العمل بها كلية فلا يقبل منها حديث واحد مهما بلغ من درجات التوثيق والصحة!\nقال هذا بعد إشاراته المتكرة بأن معظم الأحاديث المنسوبة إلى رسول الله - ﷺ - كانت من روايات الآحاد، وقليل منها موصوف بالتواتر، والموصوف بالتواتر عنهد هو أقوال الرواة إفتروها على الرسول كذبًا وخداعًا؛ أو رووها عنه بالمعنى، فهي - إذن - ليست من كلامه - ﷺ - كما يدعي صاحب المشروع!!","vol":"1","page":80},{"text":"وبذلك ينسف السنة كلها نسفًا، فلا يبقى منها أثر واحد تطمئن إليه الأمة!!\nوحديث الآحاد: هو ما رواه عدد قليل - واحد، أو اثنان، أو ثلاثة، أو أربعة - ولم يبلغ حد التواتر.\nأما الحديث المتواتر: فهو ما رواه جماعة مستفيضة (كثيرة) من أول طبقة فيه إلى آخر طبقة ينتهي عندها سند الحديث.\nوهذه القضية (قضية العمل بالآحاد) محسومة من قديم: حسمها علماء الحديث، والأصوليون، والفقهاء، وجمهور الأمة.\nفقد نشأ الخلاف حول قبول حديث الآحاد والعمل به منذ قرون قبل مجيء صاحب المشروع؛ بل ومن عهد النبي نفسه، وخالفائه الراشدين، وجميع أصحابه، وعلى هذه السنة مضى أئمة المذاهب الفقهية وتلاميذهم وعلماء الأمصار وغيرهم.\nوصار من المعلوم لإسلاميًا قبول حديث الآحاد والعمل به على وجه الوجوب، وللعمل به عند الجمهور شروط:\nالأول: أن يكون رواته من العدول الضابطين الثقات - أي - سلامة السند من النقد والطعن.\nالثاني: سلامة متن الحديث من النقد - أي أن يكون الحديث مذكورًا بكل ألفاظه، ولم يحذف منها شيء وأن لا يكون له خبر أخر معارض له: وأقوى منه.","vol":"1","page":81},{"text":"وهكذا ترى جمهور الأمة يستوثقون من حديث الآحاد قبل العمل به، فإذا ردوا بعضًا منه لم يكن سبب الرد كونه حديث أحاد؛ وإنما يكون سبب الرد أمرًا أخر خاصًا بالحديث الأحادى المردود.\nهذا هو مذهب جمهور العلماء في كل عصر ومصر، ولم يشذ عنهم إلا الخوارج والمعتزلة، فهم يرفضون حديث الآحاد جملة وتفصيلًا، وما أكثر ما شذ هؤلاء عن إجماع الأمة ولهم شبهات واهية - كشبهات صاحب هذا المشروع - تمسكوا بها في إسقاط خبر الآحاد، رغم أخذ الرسول - ﷺ - وصحابته به قولًا وعملًا، ويار الجمهور من بعدهم على مذهبهم إلى يومنا هذا.\nثم جاء صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية ونهج على نهج المعتزلة والخوارج وبعض الأفراد.\nوالذي نريد أن نوضحه - للقارئ الكريم - هنا هو أخطاء صاحب المشروع وأوهامه في رفض الأدلة التي أستند إليها الجمهور في قبول خبر الواحد؛ ووجوب العمل به بالشروط التي يجب توافرها في سنده ومتنه. فصاحب المشروع مجادل بارع؛ ولكنه ليس لد دارية بفقه اللغة ومرامي الكلام، فأخذ بهرف بمالًا يعرف دون أن ينتبه إلى عور ما يقول. ونسق إلى القراء الكرام بعض سقطاته في فهم النصوص القرآنية وغير القرآنية.\nاستدل الجمهور على وجوب العمل بخبر الآحاد - بشروطه - بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرارت: ٦] لأن الآية تفيد","vol":"1","page":82},{"text":"وجوب التثبت من خبر الفاسق، وهذا يفهم منه قبول خبر غير الفاسق (العدل)، وهذا يسمى بـ \"دلالة المفهوم\".\nولتوضيحه نقول: إن المعانى نوعان:\n- معنى يفهم من اللفظ مباشرة - مثل أن تقول: - \"إلزم مصاحبة الصالحين\". فالأمر بمصاحبة الصالحين معنى مفهوم من اللفظ مباشرة، وهذا المعنى يفهم منه النهي عن مصاحبة غي الصالحين، فالمعنى الأول يسمى معنى منطوق اللفظ، والثاني معنى مفهوم من معنى اللفظ، أو هو معنى المعنى لا معنى اللفظ المباشر.\nوهذا ما استدل به الجمهور أما صاحب المشروع فيشَّنُع على الجمهور لاستدلالهم بالمعنى المفهوم من المعنى قال:\n\"حيث زعموا أن الآية الكريمة دليل على قبول خبر الواحد متى كان عدلًا، نظرًا لأن التبين المأمور به - هنا - إنما يتعلق بخبر الفاسق وحده، فصار عدم التثبيت ثابتًا في حق العدل من الناقلين\" هذا قوله. ثم بنى عليه أن الاستدلال بالمعنى المفهوم باطل، وإنما يكون الاستدلال بالمعنى المنطوق، وراح يستدل على ذلك بذكر آيات ليعجز بها الجمهور منها:\n﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ثم يقول: \"الذي يكون من نتائج الأخذ بمفهوم المخالفة أن الصيام شر للصائمين إن كانوا لا يعلمون\".","vol":"1","page":83},{"text":"هذا ما فهمه صاحب المشروع التعسفي من الآية، وهو فهم مريض يدل على الجهل بمعاني الأساليب؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ليس شرطًا في خيرية الصيام كما فهم صاحب المشروع؛ بل هو أسلوب يراد به الإلهاب والتهييج وتحريك المشاعر للإقبال على الصيام، وأمثال هذا الموضع لا تكاد تحصى في القرآن الكريم.\nوقد أراد صاحب المشروع من قوله هذا أن يقول لعلماء الأمة: إن دلالة المفهوم باطلة؛ بدلالة ما فهمه هو وحده من أية الصيام هذه.\nومثال ثان: هو قوله تعالى: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠]\nحيث زعم أن مفهوم المخالفة - هنا - يفيد أن غير المرسلين - وإن كانوا أتقياء - يخافون لدى الله. وفهمه هما كفهمه في آية الصيام. منشأ هذا الفهم الباطل أن صاحب المشروع لا يعرف مقاصد المتكلم من كلامه، والمقصود من الآية - هنا - نفي خوف المرسلين لدى الله دون التعرض لخوف غيرهم أو أمنهم.\nومثال ثالث: قوله تعالى: ﴿ومَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١]\nفهم صاحب المشروع أن مفهوم المخالفة هنا هو أن الله يتخذ غير المضالين أعوانًا ومساعدين، وهذا فهم سخيف؛ لأن الله ليس في حاجة إلى أعوان لا من الهادين ولا من المضلين، وإنما خص المضلون هنا بالحديث","vol":"1","page":84},{"text":"لمناسبه المقام، فإن ما قبل هذه الآية وما بعدها حديث عن أولياء الشيطان والمشركين. (راجع سورة الكهف: ٥٠: ٥٣)\nقبول الظن ورفضه:\nويتمسك صاحب المشروع في رفض خبر الآحاد بأن علماء الحديث قالوا: إنه يفيد الظن وسرعان ما يذكر قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم: ٢٨ - ٢٩]\nهنا اعتمد صاحب المشروع التعسفي الظن لقتل حديث الآحاد.\nوالظن ورد مرات أخرى في القرآن في مقام المدح والثناء، مثل ما حكى الله عمن يؤتي كتابه بيمينه: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]، ومثل: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦]، وعلى طريقته في اتباع هواه يفرق بين الظن الممدوح في القرآن وبين الظن الذي يفيده خبر الواحد، فالأول يقين، والثاني وهم، هذا هو المنهج العلمي الصحيح عند صاحب المشروع. الكيل بمعيارين. وهذا دأبة في مشروعه، وهو يعلم أن الظن الذي يفيده خبر الآحاد هو ما لا يمكن دفع الدلالة على الحق معه وليس الوهم.\n* * *","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>(١٦) حديث ضمة القبر</span>\nفي المقالات السابقة كانت موادهتنا للمنهج النظري الذي بنى عليه صاحب المشروع أخطاءه وأوهامه وعلى طول ما كتبنا لم نبلغ عشر معشار ما في هذا المشروع من أخطاء وأوهام، وحسبنا ما قلناه عن منهجه النظري المعوج كل الاعوجاج ونريد أن نعرض نماذج سريعة من أخطائه وأوهامه في تطبيقه منهجه المعوج على بعض الأحاديث. وبالطبع فإن كل تطبيقاته أصابها الاعوجاج الناشئ عن المنهج الذي جرى عليه التطبيق والأمر كما قال الشاعر\n* وهل يستقيم الظل والعود أعوج *\nوقبل التعرض لأخطائه وأوهامه في التطبيق نضع أمام القراء حقيقة لابد منها:\nتلك الحقيقة أن أكثر النماذج التي أخضعها صاحب المشروع للتطبيق، هي نماذج معلولة كان لعلماء الحديث فضل السبق في دراستها وتمحيصها، وتأويل ما احتاج إلى تأويل ميها. ولكن صاحب المشروع يريد أن يظهر لقراء مشروعه، أو ضحاياه أنه البطل الهمام الذي اهتدى إلى ما لم يهتد إليه الأقدمون. متمثلًا بلسان حاله أو مقاله قول الشاعر المزهو بنفسه:\nإني وإن كنت الأخير زمانه\nلآت بما بم تستطعه الأوائل","vol":"1","page":86},{"text":"ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه، كما ورد في الحديث الشريف.\nومن الأحاديث الصحيحة التي قضى الشروع بتزويره على النبي، حديث رواه الترمذي عن أبي هريرة - ﵁ - قال فيه: \"قال رسول الله - ﷺ -: إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان....، ثم جاء في الحديث: فيقال للأرض التئمي عليه، فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه فلا يزال معذبًا حتى يبعثه الله\" ثم ذكر حديثًا أخر عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن للقبر ضغطه\" صاحب المشروع له كتاب خاص - غير هذا، ينفي فيه عذاب القبر أساسًا، وليس ضمة القبر وحدها، ثم تراه بعد ذلك يسخر من هذا الحديث، ومن المؤمنين به، ويزعم أن هذه الضمة عند المؤمنين بها تكون للكافر عقابًا على كفره، وللمؤمن عقابًا على معاصيه؟!\nثم يستخدم منهج بحثه العلمي الصحيح - كما يدعى - في تكذيب هذا الحديث فيقول: إن هذا الحديث مكذوب لإنه يخالف الحس والواقع، فما أكثر القبور التي تفتح بعد دفن الموتى فيها - سواء في ذلك قبور المؤمنين والكافرين - فلم يشاهد فاتحوها جدرران القبر قد التصقت ببعضها، ولا أضلاع الموتى قد تداخلت ولا أجسادهم قد تهتكت؟!\nهذا هو المنهج العلمي الصحيح في البحث والاستدلال. والقارئ يعلم أن صاحب المشروع لا يؤمن بحديث رسول الله - ﷺ -، وإنما يؤمن بالقرآن وحده، فلنترك مواجهته بالحديث النبوي إلى مواجهته بالقرآن فنقول له:\nإن منهجك في تكذيب كل خبر أو قصة لا تقع تحت واحدة من الحواس الخمس منهج مطرد عندك بالطبع وعليك أن تلتزم به. وهذا أمر مفروغ منه يا","vol":"1","page":87},{"text":"صاحب المشروع. فما رأيك إذا عرضنا عليك أخبارًا وردت في القرآن الأمين مثل هذا الحديث الذي قضت ببطلانه جهلًا:\nوفي سورة [الأنفال: ٥٠ - ٥١] جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾\nما رأيك في هذا الخبر يا صاحب المشروع؟ هل هو مزور على الله؟ ومن وضع التابعين أو تابعيهم؟ أم هو قرآن نزل به الروح الأمين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. تنزيل من حكيم حميد.\nليست هذه مشكلتك. وإنما مشكلتك أن هاتين الآيتين تثبتان أن الملائكة تضرب أهل الكفر عند الموت على وجوههم وعلى أدبارهم، وتقول لهم ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد.\nوالموتى يموتون وأهلهم جلوس حولهم، وأحيانًا غير أهلهم مع أهلهم، فهل سمعت أن أهل كافر سمعوا أصوات ضرب على الوجوه والأدبار، لو كان هذا يحدث لما بقى على وجه الأرض كافر، ولأمن من في الأرض كلهم جميعًا إذا عرضنا عليك هذا الخبر القرآني هل تصدقه مع أنه لم يقع تحت حس، أو على حسب تعبيرك أنت مخالف للحس، هل تصدقه لإنك - كما تقول - تؤمن بالقرآن وحده هاديًا ومشرعًا؟ أم تكذبه وتطبق عليه بدعة مخالفة الحس التي طبقتها على الحديث وجزمت بتكذيبه.\nإنك من سوء حظك محكوم عليك لا محكوم لك في الإجابتين.","vol":"1","page":88},{"text":"إذا قلت اصدقه لإني أوم بالقرآن قلنا لك يلزمك أن تؤمن بالحدث الذي حكمت عليه بالتزوير، لأنك أمنت بنظيره في القرآن، وكلاهما لم يقع تحت حسى.\nوإذا قلت لا أومن بالخبر القرآني ما دام لم يقع تحت حسى، قلنا لك.\nهذا فراق بيننا وبينك، والسلام على من أتبع الهدى؟!\nفها آن الآوان لتراجع نفسك؟ أم أنت مصر على ما تقول؟ إن الأفة القائلة، التي أصابتك - وأنت طبيب - أنك لم تفرق بين شئون الدنيا وشئون الآخرة، بل خلطت بينهما فاختلط عليك الأمر.\nلأن شئون الدنيا - يا صاحب المشروع الهدام - شهادة تقع تحت الحس.\nوشئون الآخرة غيب لا تقع تحت حس. ولو كنت اهتديت إلى هذا الفرق العظيم لما ورطت نفسك فيما لم يورط فيه نفسه أبو جهل وكم كان الشاعر حكيمًا حين قال:\nوما انتظار أخي الدنيا بنافعه\nإذا استوت عنده الأنوار والظُلم","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>(١٧) حديث: إذا أنزل الله بقوم عذابًا</span>\nمن الأحاديث التي قضى صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية - بتكذيبه - جهلًا كذلك - هذا الحديث الذي جعلناه عنوانًا لهذه المقالة.\nوتمام الحديث كما جاء في صحيح البخاري رضى الله تعالى عنه:\n\"إذا نزل الله بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم رواه ابن عمر، وصاحب المشروع حرف لفظا لم يرد في روايات الحديث كلها لا عند البخاري ولا عند مسلم الذي شارك البخاري في رواية هذا الحديث. تلك اللفظة هي \"حسب أعمالهم\" والوارد في جميع الروايات:\nإما \"على أعمالهم\" وإما \"على نياتهم\" هذه لمحة عابرة لا نعَّول عليها في المواجهة.\nأسباب التكذيب\nوأسباب تكذيب هذا الحديث عن المؤلف أمران:\nالأول: مخالفته للقرآن؟\nالثاني: مخالفته للحس المشاهد والواقع. فقد زين الشيطان له سوء فهمه قرآم حسنًا فقال: \"فهذا الحديث أيضًا مما يكذبه الحس فضلًا عن تكذيب القرآن الكريم له\"؟! ثم راح يسوق حشدًا من الآيات بستشهد بها على أن القرآن يكذب هذا الحديث. الذي يقدح - كما يقول هو - في العدل الإلهي. ومن تلك الآيات التي أساء فهمها والاستشهاد بها على أوهامه ما يأتي:","vol":"1","page":90},{"text":"﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ - ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ثم ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾\nذكر صاحب المشروع هذه الآيات - وغيرها - وتوهم - أن بينها وبين الحديث الذي جزم بتكذيبه حربًا ضروسًا فلم يملك إلا التجرؤ الشنيع على تكذيب الحديث. ولو كان صاحب المشروع ذا صلاحية علمية لما تصدى له من دراسة الحديث - تطاولًا - لما غلبه الشيطان على أمره وأكفر لسانه وقلمه.\nفالعدل الإلهي حقيقة لا يرتاب فيها مؤمن، وصَدِْقُ صاحب الرسالة فينا صحت روايته عنه حقيقة لا يرتاب فيها مؤمن، وإجتماع هاتين الحقيقتين معًا في الاعتقاد الجازم هو الإيمان المنجي، والإيمان بأحداهما دون الأخرى إيمان مردود على صاحبه ولا وزن له عند الله.\nوبعض هذه الآيات التي استشهد بها خاص بعذاب الاستئصال كما حدث لأهل سبأ، وقد أشار القرآن وهو ينذر مشركي العرب فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ ولهذه الآية نظائر في القرآن الكريم وبعضها خاص بالجزاء في الآخرة، ومنها قوله تعالى: ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ومن أصول الإيمان أن الله لا يظلم أحدًا لا في الدنيا ولا في الآخرة\" وهذا ما أريد من تلك الآيات.\nولم يخرج الحديث الذي قضي صاحب المشروع بتكذيبه عما دلت عليه الآيات. وإنما أبصر المؤلف جزءًا من الحديث وعمى عليه الجزء الآخر.\nالجزء الذي أبصره هو: \"إذا أنزل الله بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم\".","vol":"1","page":91},{"text":"والجزء الذي عمى عليه \"ثم بعثوا على أعمالهم\"\nفالحديث يقرر عدالة الله كما تقررها الآيات سواء بسواء.\nفإذا غضب الله على قوم وسلط عليهم عذابًا عامًا أو خاصًا فهلكوا أو ماتوا، وفيهم طائفة من الصالحين، فإنهم يستوون في المصير الدنيوي، ثم يفترقون في الدار الآخرة فريق في الجنة، وفريق في السعير بل إن السنة النبوية الشريفة ترفع هؤلاء الصالحين الذين يموتون في الكوارث إلى درجات الشهداء فأين الظلم الإلهي يا صاحب المشروع في هذا الحديث وأمثاله؟!\nهذه واحدة. أما الثانية فنقول لك فيها بصوت عال يسمع من في القبور: إن هذا الحديث الذي قضيت بتكذيبع متفق ١٠٠% مع القرآن، ولا يوجد بينهما مثقال ذرة من خلاف، وفي هذا الموضوع الذي تجادل أمت فيه ولم تملك من أدوات الجدال إلا الوهم.\nأفتح المصحف يا صاحب المشروع، وقف عند سورة الأنفال، ثم اتل أياتها، فإذا وصلت إلى الآية رقم (٢٥) فستجدها تقول بصوت يجوب ما بين السماء والأرض.\n﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وأسأل نفسك وأنصفها في الحواب: ما الفرق بين هذه الآية الحكيمة الني لا سبيل لتكذيبها وبين الحديث الذي تجرأت على تكذيبه.\nونزيدك وضوحًا: أرجع إلى كتب اللغة وابحث عن معنى الفتنة وستجد الإجابة أن الفتنة مشتقة من \"الفتن\" وهو وضع الذهب على النار ليظهر جيده","vol":"1","page":92},{"text":"من رديئه، أو أصيله من مغشوشه. . . فإذا خطوت خطوة أخرى نحو علم البيان ستجده يقول لك: استعيرت الفتنة - بمعنى الفتن - من صَلْىِ الذهب بالنار للشدائد والمحن التي يبتلي الله بها عباده للتمييز بين الصادق والكاذب والصابر والجزع.\nثم اقرأ سورة العنكبوت ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ واضمم إلى هذا كله [الأنبياء: ٣٥]:\n﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾\nمخالفته للحس:\nمما تقدم ظهر بكل قوة وجلاء أن الحديث لا يخالف القرآن، بل هما في غاية الوفاق، وهو الأمر الذي جهله صاحب المشروع المشئوم.\nوبقى علينا أن نبطل شبهة صاحب المشروع الثانية التي زعم فيها أن هذا الحديث يخالف الحس والواقع المشاهد، وفيها يزعم أن الله إذا سلط كارثة، على قوم عزل الصالحين منهم وأهلك الظالمين. ولن نطيل معه هنا؛ لإن شبهته أو هي من بيت العنكبوت ويكفي أن نسوق هذه الأمثلة، من واقع حياتنا المعاصرة - نحن المصريين - فنقول:\n* حادث طائرة المصرية القادمة من ليبيا التي حطمتها إسرائيل في السبعينات على أرض سيناء، وفيها أكثر نت ثلاثمائة مدني: رجال - نساء - أطفال أليست هذه كارثة وقعت، ويعلم الله. فهل كان ركابها جميعًا هم","vol":"1","page":93},{"text":"الظالمين في العالم كله؟ وهل الأطفال الأبرياء الذين لقوا مصرعهم كانوا مجرمين؟. وبقية المصريين ملائكة؟ أننهم شهداء بررة مظلومون لا ظالمون - أعني - ركاب الطائرة، أذن الله لإسرائيل أن ترتكب تلك الجريمة النكراء ليزيدهم الله طغيانًا وطفرا، ونسأل المؤلف: لماذا لم يعزل الله الأطفال الذين قتلوا. . . .؟ هل تتهم الله بالظلم بناء على فهمك العاجز عن ادراك حقائق الإيمان؟ أم نقول إن هذه الكارثة لم تقع.\n- ومثال ثان: الزلزال الذي وقع بمصر عام ١٩٩٢م هل الذين أضيروا فيه بالموت أو التشريد هم الظالمون الوحيدون في مصر، وأن جميع الذين نجوا ملائكة بررة؟ وما أكثر الأطفال الذين ماتوا في تلك الكوارث فلماذا لم يعزلهم الله، ثم يهلك من هلك من الكبار الظالمين، أتتهم الله بالظلم أو تقول لم يقع زلزال ولم يمت أطفال؟\nومثال أخير: حادث عمارة \"مركز أشعة مصر\" الذي وقع في الشتاء الماضي ومات فيه نساء ورجال وشباب وأطفال هل أولئك كانوا هم أظلم الظالمين في مصر، لذلك جمعهم الله في ذلك المكان ثم سَّوى طوابق العمارة عليهم، لا نزاع أن في كل كارثة يكون بين الضحايا أبرياء صالحون. ومع ذلك يصيبهم ما يصيب غيرهم. والإبتلاء هو سنة لله غي عباده. فدع الملك للمالك، واعتصم بكتاب الله وينة رسوله لتنجو من هذا الزلل، وناجه بما ناجاه به الشاعر الحكيم.\nيا حاكمى وحكيمى أفعالك الكل حكمة.\nهذا ما أردنا به كشف ما في كتاب \"تبصير الأمة بحقيقة السنة\" من","vol":"1","page":94},{"text":"أخطاء وأوهام متعمدة، لئلا ينخدع أحد بما في هذا الكتاب \"العميل\" من اعتداءات على سنة إمام المرسلين ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ .\n* والحمد لله رب العالمين *\nالمؤلف\nعفا الله عنه","vol":"1","page":95}]}